Advertisement

تطريز رياض الصالحين 002



الكتاب: تطريز رياض الصالحين
المؤلف: فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376هـ)
المحقق: د. عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد
الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض
الطبعة: الأولى، 1423 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلا تَخْبزنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أجِيءَ» فَجِئْتُ، وَجَاءَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأتِي، فقالَتْ: بِكَ وَبِكَ! فقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لي. فَأخْرَجَتْ عَجِيناً، فَبسَقَ فِيهِ وَبَاركَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنا فَبصَقَ فيها وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعِي خَابزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلا تُنْزِلُوها» وَهُم ألْفٌ، فَأُقْسِمُ بِالله لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطّ كَمَا هِيَ، وَإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
قَوْله: «عَرَضَتْ كُدْيَةٌ» بضم الكاف وإسكان الدال وبالياء المثناة تَحْتَ، وَهِيَ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صُلْبَةٌ مِنَ الأرضِ لا يَعْمَلُ فِيهَا الفَأسُ، ... وَ «الكَثيبُ» أصْلُهُ تَلُّ الرَّمْل، وَالمُرَادُ هُنا: صَارَتْ تُراباً نَاعِماً، وَهُوَ مَعْنَى «أهْيَلَ» . وَ «الأَثَافِيُّ» : الأحجَارُ الَّتي يكُونُ عَلَيْهَا القِدْرُ، وَ «تَضَاغَطُوا» : تَزَاحَمُوا. وَ «المَجَاعَةُ» : الجُوعُ، وَهُوَ بفتح الميم. وَ «الخَمَصُ» : بفتح الخاء المعجمة والميم: الجُوعُ، وَ «انْكَفَأتُ» : انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ. و «البُهَيْمَةُ» بضم الباء، تصغير بَهْمَة وَهيَ، العَنَاقُ، بفتح العين. وَ «الدَّاجِنُ» : هِيَ الَّتي ألِفَتِ البَيْتَ: وَ «السُّؤْرُ» الطَّعَامُ الَّذِي يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ؛ وَهُوَ بالفَارِسيَّة. وَ «حَيَّهَلا» أيْ تَعَالُوا. وَقَوْلُهَا «بك وَبكَ» أيْ خَاصَمَتْهُ وَسَبَّتْهُ، لأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أنَّ الَّذِي عِنْدَهَا لا يَكْفِيهمْ، فَاسْتَحْيَتْ وَخَفِيَ عَلَيْهَا مَا أكْرَمَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هذِهِ المُعْجِزَةِ الظَّاهِرَةِ وَالآية البَاهِرَةِ. «بَسَقَ» أيْ: بَصَقَ؛ وَيُقَالُ أيْضاً: بَزَقَ، ثَلاث لُغاتٍ. وَ «عَمَدَ» بفتح الميم، أيْ: قَصَدَ. وَ «اقْدَحي»
أيْ: اغْرِفِي؛ وَالمِقْدَحَةُ: المِغْرَفَةُ. وَ «تَغِطُّ» أيْ: لِغَلَيَانِهَا صَوْتٌ، والله أعلم.

في هذا الحديث: معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضيلة لأصحابه رضي الله عنهم، حيث صبروا معه على الجوع والحرب، فأثابهم الله على ذلك بأن استخلفهم في
(1/347)

الأرض، ومكّن لهم دينهم، وبدّلهم من بعد خوفهم أمنًا، مع ما أعد لهم من الثواب في الجنة.

[521] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ أَبو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضَعيفاً أعْرِفُ فيه الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأخْرَجَتْ أقْرَاصاً مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أخَذَتْ خِمَاراً لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أرْسَلَتْني إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَذَهَبتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، جَالِساً في المَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهمْ، فَقَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرْسَلَكَ أَبو طَلْحَةَ؟» فقلت: نَعَمْ، فَقَالَ: «ألِطَعَامٍ؟» فقلت: نَعَمْ، فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «قُومُوا» فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ؟ فَقَالَتْ: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. فَانْطَلَقَ أَبو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأقْبَلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُ حَتَّى دَخَلا، فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَأتَتْ بِذلِكَ الخُبْزِ، فَأمَرَ بِهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أمُّ سُلَيْمٍ عُكّةً فَآدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حتى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذِنَ لهم فَأكَلُوا حتى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذِنَ لهم.
حَتَّى أكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلاً أَو ثَمَانُونَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: فَمَا زَالَ يَدْخُلُ عَشرَة، وَيخرجُ عشرةٌ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ
(1/348)

أحَدٌ إلا دَخَلَ، فَأكَلَ حَتَّى شَبعَ، ثُمَّ هَيَّأهَا فَإذَا هِيَ مِثْلُهَا حِيْنَ أكَلُوا مِنْهَا.
وفي رواية: فَأَكَلُوا عَشرَةً عَشرةً، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلاً، ثُمَّ أكَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ ذَلِكَ وَأهْلُ البَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْراً.
وفي رواية: ثُمَّ أفْضَلُوا مَا بَلَغُوا جيرانَهُمْ.
وفي رواية عن أنس، قَالَ: جِئتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً، فَوَجَدْتُهُ جَالِساً مَعَ أصْحَابِه، وَقَدْ عَصَبَ بَطْنَهُ، بِعِصَابَةٍ، فقلتُ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: لِمَ عَصَبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَطْنَهُ؟ فقالوا: مِنَ الجوعِ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْت مِلْحَانَ، فقلتُ: يَا أبتَاهُ، قَدْ رَأيْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَألْتُ بَعْضَ أصْحَابِهِ، فقالوا: من الجُوعِ. فَدَخَلَ أَبو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيءٍ؟ قالت: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فَإنْ جَاءنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَحْدَهُ أشْبَعْنَاهُ، وَإنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ ... وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
في هذا الحديث: معجزة ظاهرة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه: فطنة أم سليم ورجحان عقلها.
وفيه: استحباب أكل صاحب الطعام وأهله بعد فراغ الضيفان، وإطعام جيرانهم.
وفيه: جواز تسمية زوج الأم أبًا.
وفيه: ما كان عليه الصحابة من الاعتناء بأحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما هم فيه من ضيق العيش يومئذٍ.
وفيه: اجتزاؤهم بالقوت، وترك ما زاد عليه من شهوة النفس وحظها رضي الله عنهم.
(1/349)

57- باب القناعة والعَفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق
وذم السؤال من غير ضرورة

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا}
[هود (6) ] .

أي: هو المتكفل بأرزاق المخلوقات في البر والبحر.
قال مجاهد: ما جاءها من رزق فمن الله عزَّ وجلّ.
وقال تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافاً} [البقرة (273) ] .
أي: الأَوْلى بالصدقات الفقراء المقيمون على طاعة الله، المتعففون عن السؤال.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: استغن عمن شئت تكن نَظِيرَهُ، وأفضِل على من شئت تكن أميرَه، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
وقال تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان (67) ] .

أي: الإنفاق بين الإسراف والإقتار هو القوام الذي تقوم به معيشة الإنسان بحسب حاله، وخير الأمور أوساطها.
وقال تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات (56، 57) ] .

أي: ما خلق الله الجن والإنس إلا لأجل عبادته وحده، لا شريك له، وليس محتاجًا إليهم كما يحتاج السادة إلى عبيدهم، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذَّبه أشد العذاب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله تعالى:
(1/350)

يَا ابن آدم، تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسدّ فقرك، وإلا تفعل، ملأتُ صدرك شغلاً، ولم أسد فقرك» . رواه أحمد.
وفي بعض الكتب الإلهية: ابن آدم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب، وتكفَّلت برزقك فلا تتعب، فاطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل خير، وإنْ فتّك فاتك كل خير، وأنا أحب إليك من كل شيء» .
وَأَمَّا الأحاديث، فتقدم معظمها في البابينِ السابقينِ، ومما لَمْ يتقدم:

[522] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ الغِنَى عَن كَثرَةِ العَرَض، وَلكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«العَرَضُ» بفتح العين والراءِ: هُوَ المَالُ.

أي: ليس حقيقة الغنى كثرة المال مع الحرص، وإنما الغني من استغنى بما آتاه الله، وقنع به، وإنما كان الممدوح غنى النفس، لأنها حينئذٍ تكفّ عن بث المطامع فتعز.
وقال الشاعر:
ومن ينفق الساعاتِ في جمع ماله ... ?? ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر ... ???

وقال بعض العارفين:
رضينا بقسمة الجبار فينا ... ?? ... لنا علم وللجهل مالُ ... ????
فإن المال يفنى عن قريب ... ??? ... وإن العلم كنز لا يزال ... ??

[523] وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:
(1/351)

«قَدْ أفْلَحَ مَنْ أسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وقَنَّعَهُ الله بِمَا آتَاهُ» . رواه مسلم.

الكفاف: ما كف عن السؤال مع القناعة.
وفي الحديث: شرف هذه الحال على الفقر المسهي، والغنى المطغي.
[524] وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قَالَ: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَأعْطَانِي، ثُمَّ سَألْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيم، إنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أخَذَهُ بإشرافِ نَفسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى» . قَالَ حكيم: فقلتُ: يَا رسول الله، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أرْزَأُ أحَداً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدْعُو حَكيماً لِيُعْطِيَه العَطَاء، فَيَأبَى أنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - دَعَاهُ لِيُعْطِيَه فَأَبَى أنْ يَقْبَلَهُ. فقالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكيمٍ أنّي أعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَهُ اللهُ لَهُ في هَذَا الفَيء فَيَأبَى أنْ يَأخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكيمٌ أحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى تُوُفِّي. متفقٌ عَلَيْهِ.
«يَرْزَأُ» بِراءٍ ثُمَّ زايٍ ثُمَّ همزة؛ أيْ: لَمْ يَأخُذْ مِنْ أحَدٍ شَيْئاً، وَأصْلُ الرُّزءِ: النُّقْصَان، أيْ: لَمْ يَنقُص أحَداً شَيْئاً بالأخذِ مِنْهُ، وَ «إشْرَافُ النَّفْسِ» : تَطَلُّعُهَا وَطَمَعُهَا بالشَّيْء. وَ «سَخَاوَةُ النَّفْسِ» : هِيَ عَدَمُ الإشرَاف إِلَى الشَيء، وَالطَّمَع فِيهِ، وَالمُبَالاَةِ بِهِ وَالشَّرَهِ.

قال الحافظ: إنما امتنع حكيم من أخذ العطاء، مع أنه حقه، لأنه خشي
(1/352)

أن يقبل من أحد شيئًا، فيعتاد الأخذ فيتجاوز به إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك وترك ما لا يريبه خوفَ ما يريبه.
[525] وعن أَبي بردة عن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزاةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنقِبَت أقدَامُنَا وَنَقِبَت قَدَمِي، وسَقَطت أظْفَاري، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أرْجُلِنا الخِرَقَ، فَسُمِّيَت غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ عَلَى أرْجُلِنَا مِنَ الخِرَقِ، قَالَ أَبُو بُردَة: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِه ذَلِكَ، وقال: مَا كُنْتُ أصْنَعُ بِأنْ أذْكُرَهُ! قَالَ: كأنَّهُ كَرِهَ أنْ يَكُونَ شَيْئاً مِنْ عَمَلِهِ أفْشَاهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: ما كان فيه الصحابة رضي الله عنهم من الشدة والضيق، فصبروا حتى كانت العقبى الطيبة لهم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا ... يُوقِنُونَ} [السجدة (24) ] .
وفيه: كراهية إفشاء العمل الصالح إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة.

[526] وعن عمرو بن تَغْلِبَ - بفتح التاء المثناة فوق وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِي بِمالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَّمَهُ، فَأعْطَى رِجَالاً، وَتَرَكَ رِجَالاً، فَبَلغَهُ أنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ أثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بعْدُ، فَواللهِ إنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَأدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أدَعُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنِّي إنَّمَا أُعْطِي أقْوَاماً لِمَا أرَى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأكِلُ أقْوَاماً إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ في قُلُوبِهم مِنَ
الغِنَى وَالخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ»
(1/353)

قَالَ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ: فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أنَّ لِي بِكَلِمَةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حُمْرَ النَّعَم. رواه البخاري.
«الهَلَعُ» : هُوَ أشَدُّ الجَزَعِ، وقيل: الضَّجَرُ.

في هذا الحديث: ائتلاف من يخشى جزعه، أو يرجى بسبب إعطائه طاعة من يتبعه.
وفيه: أن الرزق في الدنيا ليس على قدر درجة المرزوق في الآخرة.
وفيه: أن الناس جُبلوا على حب العطاء، وبغض المنع، والإسراع إلى إنكار ذلك قبل الفكرة في عاقبته، إلا من شاء الله.
وفيه: أن المنع قد يكون خيرًا للمنوع، كما قال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة (216) ] .
وفيه: الاعتذار إلى من ظن ظنَّا والأمر بخلافه.

[527] وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغنهِ الله» . متفقٌ عَلَيْهِ.
وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم أخصر.

اليد العليا: المنفقة؛ والسفلى: السائلة، ومعنى: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» ، أي: أفضلها ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، ومن يستعفف عن سؤال الناس «يعفه الله» ، أي: يرزقه العفة، ومن يستغن ولا يسأل الناس يغنه الله.
[528] وعن أَبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر
(1/354)

بن حرب - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُلْحِفُوا في الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللهِ لا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئاً وَأنَا لَهُ كَارهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أعْطَيْتُهُ» . رواه مسلم.

فيه: النهي عن الإلحاح في السؤال، وأنه لا يبارك له فيما أُعطي، وقد قال الله تعالى مادحًا أقوامًا لتعففهم: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة (273) ] .

[529] وعن أَبي عبدِ الرحمن عوف بن مالِك الأَشْجَعِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «ألا تُبَايِعُونَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -» وَكُنَّا حَديثِي عَهْدٍ ببَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رسولَ اللهِ، ثمَّ قالَ: «ألا تُبَايِعُونَ رسولَ اللهِ» فَبَسَطْنا أيْدينا، وقلنا: قدْ بايعناكَ يا رسول الله فَعَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَتُطِيعُوا الله» وأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيفَةً «وَلا تَسْألُوا النَّاسَ شَيْئاً» . فَلَقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ أُولئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُ أحَدِهِمْ فَمَا يَسأَلُ أحَداً يُنَاوِلُهُ إيّاهُ. رواه مسلم.

فيه: الحث على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمل منن الخلق، وتعظيم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزّة النفس.
وفيه: التمسك بالعموم لأنهم نهوا عن سؤال الناس أموالهم، فحملوه على عمومه.
وفيه: التنزه عن جميع ما يسمى سؤالاً وإنْ كان حقيرًا.

[530] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا
(1/355)

تَزَالُ الْمَسْأَلةُ بأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«المُزْعَةُ» بضم الميم وإسكان الزايِ وبالعينِ المهملة: القِطْعَةُ.

فيه: النهي عن السؤال من غير ضرورة، وأنه يحشر يوم القيامة ووجهه عظم لا لحم عليه.

[531] وعنه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَاليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

قال الحافظ: وللطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعًا: «يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي» .

[532] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَألَ النَّاسَ تَكَثُّراً فإنَّمَا يَسْألُ جَمْراً؛ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» . رواه مسلم.

فيه: تحريم السؤال من غير حاجة ظاهرة، وأنه كلما كثر سؤاله كثر عذابه.
[533] وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إلا أنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطاناً أَوْ في أمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
(1/356)

«الكد» : الْخَدْشُ وَنَحْوُهُ.

فيه: قبح السؤال، ورخص في سؤال السلطان، لأن للسائل في بيت المال حق وكذلك السؤال للضرورة.

[534] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأنْزَلَهَا بالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أنْزَلَهَا باللهِ، فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غريب) .
«يُوشِكُ» بكسر الشين: أيْ يُسْرعُ.

قال وَهْبُ بْن مُنَبِّهٍ لرجل يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، وتدع من يفتح لك بابه.

[535] وعن ثوبان - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي أنْ لا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟» فقلتُ: أنَا، فَكَانَ لا يَسْأَلُ أحَداً شَيْئاً. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

[536] وعن أَبي بِشْرٍ قَبيصَةَ بنِ المُخَارِقِ - رضي الله عنه - قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأتَيْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أقِمْ حَتَّى تَأتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأمُرَ لَكَ
بِهَا» ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبيصةُ، إنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلا لأَحَدِ ثلاثَةٍ: رَجُلٌ تحمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ،
(1/357)

وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قواماً مِنْ عَيش - أَوْ قَالَ: سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُولَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَى مِنْ قَوْمِه: لَقَدْ أصَابَتْ فُلاناً فَاقَةٌ. فَحلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يصيب قواماً من عيش، أَوْ قَالَ: سداداً من عيشِ، فما سِوَاهُنَّ مِنَ المسألَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يَأكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتاً» . رواه مسلم.
«الحَمَالَةُ» بفتح الحاءِ: أنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنَحْوُهُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، فَيُصْلِحُ إنْسَانٌ بَيْنَهُمْ عَلَى مَالٍ يَتَحَمَّلُهُ وَيَلْتَزِمُهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَ «الجَائحةُ» الآفَةُ تُصيبُ مَالَ الإنْسَانِ. وَ «القَوَامُ» بكسر القاف وفتحهَا: هُوَ مَا يَقُومُ بِهِ أمْرُ الإنسَان مِنْ مَال ونحوِهِ. وَ «السِّدَادُ» بكسر السين: مَا يَسُدُّ حَاجَةَ الْمَعْوِزِ وَيَكْفِيهِ، وَ «الفَاقَةُ» : الفَقْرُ. وَ «الحِجَى» : العَقْلُ.

في هذا الحديث: تحريم السؤال إلا في غُرْم، أو جائحة، أو فاقة.

[537] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ المسكينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلكِنَّ المِسكينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْألَ النَّاسَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

أي: ليس المسكين الكامل المسكنة الممدوح هذا الطوَّاف، ولك المسكين المتعفف الذي لا يجد غني يغنيه عن المسألة، ولا يُفطن له، لكتم
حاله، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس، ولا يستطيع ضربًا في الأرض، {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} .
(1/358)

58- باب جواز الأخذ من غير مسألة وَلا تطلع إليه

[538] عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر - رضي الله عنهم - قَالَ: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعْطيني العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إِلَيْهِ مِنّي. فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءكَ مِنْ هَذَا المَال شَيْءٌ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإنْ شِئْتَ كُلْهُ، وَإنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لا، فَلا تُتبعهُ نَفْسَكَ» قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لا يَسألُ أحَداً شَيْئاً، وَلا يَرُدُّ شَيْئاً ... أُعْطِيَه. متفقٌ عَلَيْهِ.
(مُشرف) : بالشين المعجمة: أيْ متطلع إِلَيْهِ.

قال البخاري: باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة، ولا إشراف نفس {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات (19) ] .
وذكر الحديث: قال الحافظ: وفي الحديث أنَّ للإمام أنْ يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا وإن كان غيره أحوج إليه منه، وإن ردَّ عطية الإمام ليس من الأدب.

59- باب الحث عَلَى الأكل من عمل يده
والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء
قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله} [الجمعة (10) ] .

هذا أمر إباحة بعد النهي عن البيع، وكان عراك بن مالك إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللَّهُمَّ إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.
(1/359)

[539] وعن أَبي عبد الله الزبير بن العَوَّام - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأَنْ يَأخُذَ أحَدُكُمْ أحبُلَهُ ثُمَّ يَأتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بحُزمَةٍ مِنْ حَطَب عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيكُفّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ النَّاسَ، أعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . رواه البخاري.

[540] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ أحداً فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: الحضُّ على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشاق، لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وعلى المسؤول من الحرج.

[541] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ دَاوُدُ - عليه السلام - لا يَأكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.
كان داود عليه السلام ملكًا نبيًّا، وكان ينسج الدروع ويبيعها، ولا يأكل إلا من ثمنها.

[542] وعنه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ زَكرِيّا - عليه السلام - نَجَّاراً» . رواه مسلم.

فيه: جواز الصنائع، وأن النجارة صناعة فاضلة وأنها لا تسقط المروءة.

[543] وعن المقدام بنِ مَعْدِ يكرِبَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(1/360)

قَالَ: «مَا أكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِه، وَإنَّ نَبيَّ الله دَاوُدَ - عليه السلام - كَانَ يَأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.

الاكتساب لا ينافي التوكل، فقد كان للجنيد دكان في البزازين، وكان يرخي ستره عليه، فيصلي ما بين الظهر والعصر، وكان إبراهيم بن أدهم يكثر الكسب وينفق منه ضرورته، ويتصدق بباقيه، وكان أحب طرقه إليه حفظ البساتين وخدمتها، لأنه تتم له فيها الخلوة.
وفي الحديث الآخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» .

60- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى

الكرم: الإنفاق بطيب نفس، والجود: الإنفاق فيما يعظم خطره ونفعه.
قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ (39) ] .
أي: ما أنفقتم في رضا الله عزَّ وجلّ فهز يخلفه في الدنيا بالمال، أو بالقناعة، وفي الآخرة بالجزاء المضاعف، قال الله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة (245) ] .
وقال تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [البقرة (272) ] .

أي: ما تنفقوا من خير فثوابه لأنفسكم، فلا تمنُّوا به، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله.
(1/361)

قال عطاء: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ثوابه. {وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} أي: لا تنقصون.
وقال تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة (273) ] .

أي: فيجازيكم بقدره.

[544] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
ومعناه: يَنْبَغي أنْ لا يُغبَطَ أحَدٌ إلا عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ.
الحكمة: العلم. وضابطها ما منع الجهل، وزجر عن القبيح، والعلم النافع هو القرآن والسنَّة.

[545] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إلا مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: ... «فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ» . رواه البخاري.

فيه: التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البر لينتفع به في الآخرة.

[546] وعن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: أن الصدقة تقي من النار، ولو كانت قليلة، وفي الحديث الآخر: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار» .
(1/362)

[547] وعن جابرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شَيْئاً قَطُّ، فقالَ: لا. متفقٌ عَلَيْهِ.

كان - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق بالرد فإن كان عنده المسؤول، وساغ الإعطاء أعطى وإلا وعد كما قال تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} [الإسراء (28) ] .
[548] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكَانِ يَنْزلانِ، فَيَقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: الحض على الإنفاق ورجاء قبول دعوة الملك.

[549] وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «قَالَ الله تَعَالَى: أنفِق يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

الإنفاق الممدوح: ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان.

[550] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

المراد: الإطعام على وجه الصدقة، والهدية، والضيافة، ونحو ذلك.
وقوله: «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . المراد به: إفشاء السلام على من لقيت.
وفيه: حض على ائتلاف القلوب واستجلاب مودتها.
(1/363)

[551] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاهَا مَنِيحةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بخَصْلَةٍ مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلا أدْخَلَهُ الله تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ» . رواه البخاري. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب بَيَانِ كَثْرَةِ طُرُقِ الخَيْرِ.
في هذا الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على فعل الخير ولو كان قليلاً، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» .
قال ابن بطال: ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عالمًا بالأربعين، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أنْ يكون التعيين لها مزهدًا في غيرها من أبواب البر.

[552] وعن أَبي أُمَامَة صُدّيِّ بن عَجْلانَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أن تَبْذُلَ الفَضلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأن تُمْسِكَه شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» . رواه مسلم.

الفضل: ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإنسان لنفسه ولمن يمونه من زوجة، وعبد، ودابة، وقريب؛ فلا يلام على إمساك ما يكف به الحاجة لذلك.

[553] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الإسْلاَمِ شَيْئاً إلا أعْطَاهُ، وَلَقَدْ جَاءهُ رَجُلٌ، فَأعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ
(1/364)

جَبَلَيْنِ، فَرجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أسْلِمُوا فإِنَّ مُحَمَّداً يُعطِي عَطَاءَ مَن لا يَخْشَى الفَقْر، وَإنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُريدُ إلا الدُّنْيَا، فَمَا يَلْبَثُ إلا يَسِيراً حَتَّى يَكُونَ الإسْلاَمُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رواه مسلم.

في هذا الحديث: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم ترغيبًا في الإسلام.
وفيه: كمال معرفته - صلى الله عليه وسلم - بدواء كل داء.

[554] وعن عمر - رضي الله عنه - قَالَ: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَسْماً، فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، لَغَيْرُ هؤلاَءِ كَانُوا أحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: «إنَّهُمْ خَيرُونِي أنْ يَسألُوني بالفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من عظيم الخلق، والصبر، والحلم، والإعراض عن الجاهلين.

[555] وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْن، فَعَلِقَهُ الأعْرَابُ يَسْألُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَة، فَخَطِفَت رِدَاءهُ، فَوَقَفَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أعْطُوني رِدَائي، فَلَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِهِ العِضَاهِ نَعَماً، لَقَسَمْتُهُ بَينَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلا كَذّاباً وَلا جَبَاناً» . رواه البخاري.
«مَقْفَلَهُ» أيْ: حَال رُجُوعِه. وَ «السَّمُرَةُ» : شَجَرَةٌ. وَ «العِضَاهُ» : شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.

في هذا الحديث: ذم البخل، والكذب، والجبن.
وفيه: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الحلم وحسن الخلق، والصبر على جفاة
(1/365)

الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة.
[556] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إلا عِزّاً، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللهُ - عز وجل -» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، لما تدفعه عنه الصدقة من الآفات، وتنزل بسبها البركات.
وفيه: أن من عُرِف بالعفو والصفح ساد وعظم في قلوب الناس، وأن من تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة.

[557] وعن أَبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري - رضي الله عنه - أنّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ثَلاَثَةٌ أُقْسمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلا زَادَهُ اللهُ عِزّاً، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسألَةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقرٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - وَأُحَدِّثُكُمْ حَديثاً فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: «إنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَعِلماً، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقَّاً، فَهذا بأفضَلِ المَنَازِلِ.
(1/366)

وَعَبْدٍ رَزَقهُ اللهُ عِلْماً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي مَالاً لَعَمِلتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بنيَّتِهِ، فأجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالاً، وَلَمَ يَرْزُقْهُ عِلْماً، فَهُوَ يَخبطُ في مَالِهِ بغَيرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقّاً، فَهذَا بأَخْبَثِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاً وَلا عِلْماً، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي
مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قوله: «ما نقص مال عبد من صدقة» . يشهد له قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ (39) ] .
قوله: «ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا» ، يشهد له قوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (43) ] .
قوله: «ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» وهذا مشاهد بالحس ويشهد له قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر (15) ] .
قوله: «إنما الدنيا لأربعة ... » إلخ فالأول عَلِمَ وعَمِلَ صالحًا. والثاني: عَلِمَ وعزم على العمل الصالح لو قدر، فأجرهما سواء والثالث: لم يعْلَمْ ولم يعمَلْ في ماله صالحًا. والرابع: لم يعلَمْ وعزم على العمل السيِّئ، لو قدر على مال فوزهما سواء.
وقال بعض العارفين:
أربعة تعجبت من شأنهم ... ?? ... فالعينُ في فكرتهم ساهرة ... ???
فواحد دنياه مبسوطة ... ?? ... قد أوتي الدنيا مع الآخرة ... ??
وآخر دنياه مقبوضة ... ???? ... وبعدها آخرة وافرة ... ?????
وثالث دنياه مبسوطة ... ?? ... ليست له من بعده آخرة ... ???
ورابع أسقط من بينهم ... ?? ... ليست له دنيا ولا آخرة ... ???

قال الله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء (21) ] .

[558] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قالت: مَا بَقِيَ مِنْهَا إلا كَتِفُها. قَالَ: «بَقِيَ
(1/367)

كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .
ومعناه: تَصَدَّقُوا بِهَا إلا كَتِفَها. فَقَالَ: بَقِيَتْ لَنَا في الآخِرَةِ إلا كَتِفَهَا.

فيه: تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وألا يكثر المرء ما أنفقه فيها.

[559] وعن أسماء بنت أَبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهما، قالت: قَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوكِي فَيُوكي الله عَلَيْكِ» .
وفي رواية: «أنفقي أَوِ انْفَحِي، أَوْ انْضَحِي، وَلا تُحصي فَيُحْصِي اللهُ عَلَيْكِ، وَلا تُوعي فَيُوعي اللهُ عَلَيْكِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
وَ «انْفَحِي» بالحاء المهملة، وَهُوَ بمعنى «أنفقي» وكذلك «انْضحي» .

في هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وأن من منع ما عنده من المال قطع الله عنه مادة الرزق، وهذا مفهوم قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ (39) ] .
وفيه: الحث على الإنفاق في وجوهه ثقة بالله تعالى.
[560] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «مَثَل البَخيل وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَديد مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُو أثرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ، فَلا يُريدُ أنْ يُنْفِقَ شَيْئاً إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/368)

وَ «الجُبَّةُ» : الدِّرْعُ؛ وَمَعنَاهُ أنَّ المُنْفِقَ كُلَّمَا أنْفَقَ سَبَغَتْ، وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءهُ، وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأثَرَ مَشْيِهِ وَخطُوَاتِهِ.

القبض والشح من جبلة الإنسان قال الله تعالى: {وَكَانَ الإنسَانُ ... قَتُوراً} [الإسراء (100) ] ، والنفقة تستوعب عيوبه.
وفي الحديث: وعدٌ للمنفق بالبركة والصيانة من البلاء والبخيل بضد ذلك. قال الله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ... [الحشر (9) ] .

[561] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلا الطَّيبَ، فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«الفَلُوُّ» بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضاً: بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو: وَهُوَ المُهْرُ.

فيه: أن الله لا يقبل الصدقة إلا من الكسب الطيب، وهو الحلال. وفي رواية: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب.
قوله: «بيمينه» . قال الترمذي: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهًا ولا نقول كيف، هكذا رُوي عن مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم.

[562] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً في سَحَابَةٍ، اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَت
(1/369)

ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فإذَا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فُلانٌ للاسم الذي سَمِعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عبدَ الله، لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتْاً في السَّحابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لاسمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا، فَقَالَ: أمَا إذ قلتَ هَذَا، فَإنِّي أنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأردُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» . رواه مسلم.
«الحَرَّةُ» الأَرْضُ المُلَبَّسَةُ حجَارَةً سَوْدَاءَ. وَ «الشَّرْجَةُ» بفتح الشين المعجمة وإسكان الراءِ وبالجيم: هي مَسِيلُ الماءِ.

في هذا الحديث: أن الصدقة تنتج البركة والمعونة من الله.
وفي الحديث الآخر: «ما نقصت صدقة من مال بل تزيده، بل تزيده» .

61- باب النهي عن البخل والشح

قَالَ الله تَعَالَى: {وَأَمَا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل (8: 11) ] .
البخل: معروف، والشح أبلغ من البخل؛ لأنه يبخل بما عنده، ويطلب ما ليس له. وقوله تعالى: {وَأَمَا مَنْ بَخِلَ} ، أي: بالإنفاق في الخيرات، {وَاسْتَغْنَى} ، أي: بالدنيا عن الآخرة، {وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى} ، أي: بالجزاء في الدار الآخرة، {فَسَنُيَسِّرُهُ} نهيئه {لِلْعُسْرَى} لطريق الشر، وهي الأعمال السيِّئة الموجبة للنار، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ} الذي يبخل به {إِذَا تَرَدَّى} إذا مات، وهو في جهنم.
وقال تَعَالَى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن (16) ] .
(1/370)

أي: ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم، {فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، أي: الفائزون.
قال ابن زيد وغيره: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برئ من شح النفس.
وقال ابن مسعود: شح النفس: أكل مال الناس بالباطل. أما منع الإنسان ماله فبخل، وهو قبيح.
قال ابن عطية: شح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده.
وأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.

[563] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلم.

أي: استحلوا ما حرم الله عليهم حرصًا على المال، كما احتالوا على ما حرم الله عيهم من الشحوم، فأذابوها فباعوها واحتالوا لصيد السمك فحبلوا له يوم الجمعة وأخذوه يوم الأحد، وغير ذلك مما استحلوا به محارمهم وسفكوا به دماءهم.

62- باب الإيثار والمواساة

قَالَ الله تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}
[الحشر (9) ] .

يعني: فاقة وحاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم.
وقال تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ... [الدهر (8) ] . إلى آخر الآيات
(1/371)

يعني: ويطعمون الطعام وهم يحبونه، ويشتهونه، مسكينًا، ويتيمًا، وأسيرًا، وإن كان كافرًا، لوجه الله تعالى لا لحظ النفس، وخوفًا من عذاب يوم القيامة، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، ولقاهم نضرة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم، وجزاهم بما صبروا على ترك الشهوات، وأداء الواجبات جنةً وحريرًا.
[564] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إنِّي مَجْهُودٌ، فَأرسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقالت: وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ، ثُمَّ أرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ. فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُضيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا يَا رسولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أكرِمِي ضَيْفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي روايةٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: لا، إلا قُوتَ صِبيَانِي. قَالَ: فَعَلِّليهم بِشَيْءٍ وَإذَا أرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهمْ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأطْفِئي السِّرَاجَ، وَأريهِ أنَّا نَأكُلُ. فَقَعَدُوا وَأكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجبَ الله مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أخرجه البخاري في التفسير، وفي فضائل الأنصار.
وفيه: استحباب الإيثار على النفس ولو كان محتاجًا، وكذلك على العيال إذا لم يضرهم.

[565] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاَثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِي الأربَعَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/372)

وفي رواية لمسلمٍ عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية» .
المراد بذلك: الحض على المكارم، والتقنع بالكفاية، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر.
وعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» . الحديث. فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ من بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة.
وفيه: إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة.
وفيه: أنه ينبغي للمرء أن لا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء.

[566] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَميناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» . فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المالِ مَا ذكر حَتَّى رَأيْنَا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: الأمر بالمواساة من الفاضل، وهو كحديث: إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول.
(1/373)

[567] وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ أمْرَأةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فَقَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ، فَقَالَ فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا! فَقَالَ:
«نَعَمْ» فَجَلَسَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المَجْلِسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ: فَقَالَ لَهُ الْقَومُ: مَا أحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحتَاجَاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَألْتَهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إنّي وَاللهِ مَا سَألْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه.
وفيه: حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وسعة جوده وقَبول الهدية.

[568] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«أرْمَلُوا» : فَرَغَ زَادُهُمْ أَوْ قَارَبَ الفَرَاغَ.

في الحديث: فضيلة الأشعريين، وفضيلة الإيثار، والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد عند الحاجة.

63- باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (26) ] .

يعرف ذلك مما قبل الآية هو قوله تعالى: {كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *
(1/374)

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ
لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (18: 26) ] ، أي: فليتسابق المتسابقون، كقوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات (61) ] .

[569] وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلاَمِ: «أتَأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاء؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ يَا رسولَ الله، لا أُوْثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أحَداً. فَتَلَّهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

في الحديث: أن سنَّة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن.
وفيه: أن من استحق شيئًا لم يدفع عنه إلا بإذنه.
قال ابن الجوزي: وأنه استأذن الغلام دون الأعرابي في الحديث الآخر؛ لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه.

[570] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَا أيُّوبُ - عليه السلام - يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ - عز وجل -: يَا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيتكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة.
(1/375)

وفيه: جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر.
قال بعض العلماء: إنما حرص عليه أيوب عليه السلام لأنه قريب عهد بربه، كما حسر نبينا - صلى الله عليه وسلم - ثوبه حين نزل المطر، وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة، وكل ما نشأ عنها فهو بركة.

64- باب فضل الغَنِيّ الشاكر
وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بِهَا

قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسْرَى} [الليل (5: 7) ] .

أي: أعطى ماله لوجه الله، واتقى محارمه، وصدق بالحسنى، أي: المجازاة، فسنيسِّره، نهيِّئه في الدنيا لليسرى، أي: للخلة التي توصله إلى اليسرى، والراحة في الآخرة، وهي الأعمال الصالحة.
وقال تَعَالَى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل (17: 21) ] .

أي: وسيجنب النار الأتقى، أي: من اتقى الشرك والمعاصي؛ الذي يعطي ماله في طاعة الله، يطلب تزكية نفسه طلبًا لمرضاة الله، ولسوف يرضى حين يرى جزاءه في الآخرة، وهذه الآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وهي عامة في جميع المؤمنين.
وقال تَعَالَى: {إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة (271) ] .

أي: إنْ تبدوا الصدقات فَنِعْمَ ما أبديتم، وإنْ تعطوها مع إخفاء الفقراء فهو خير لكم.
(1/376)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: السر في التطوع أفضل من العلانية، والفريضة علانيتها أفضل.
وقال تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران (92) ] .

أي: لن تنالوا كمال الخير حتى تنفقوا من المال الذي تحبونه، وما تنفقوا من شيء فإنَّ الله به عليم فيجازيكم بحسبه.
والآيات في فضلِ الإنفاقِ في الطاعاتِ كثيرة معلومة.

كقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة (274) ] ، وغيرها من الآيات المعروفة.

[571] وعن عبدِ الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ. وتقدم شرحه قريباً.
فيه: أن شكر المال؛ إنفاقه في وجوه الطاعات، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه.

[572] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/377)

«الآناء» : السَّاعاتُ.

أي: لا ينبغي أن يغبط أحد إلا في هذين الخصلتين.

[573] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ فُقَراءَ المُهَاجِرينَ أتَوْا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيم المُقيم، فَقَالَ: ... «وَمَا ذَاك؟» فَقَالوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيَعْتِقُونَ وَلا نَعْتِقُ، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمِدُونَ وَتُكَبِّرُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً» فَرَجَعَ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أهلُ الأمْوالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثلَهُ؟ فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وَهَذا لفظ رواية مسلم.
«الدُّثُور» : الأمْوَالُ الكَثِيرَةُ، وَالله أعلم.
في هذا الحديث: فضل الغني على الفقير إذا استوت أعماله وأعمال الفقير البدنية.
وفيه: أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف، أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل.
وفيه: أن العمل السهل قد يدرِك به صاحبه فضل العمل الشاق، وأن العمل القاصر قد يساوي المتعدِّي.

65- باب ذكر الموت وقصر الأمل

قَالَ الله تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ
(1/378)

الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَياةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران (185) ] .

في هذه الآية: وعد للمصدقين والمتقين ووعيد للمكذبين والعاصيين، وأن الفائز من نجي من النار، وأدخل الجنة، وأنَّ من اغترَّ بالدنيا فهو مغرور خاسر.
وقال تَعَالَى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدَاً وَمَا تَدْري نَفْسٌ بأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان (34) ] .

قال قتادة: أشياء استأثر الله بهنَّ فلم يطلع عليهنَّ ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلاً، {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة، أو في أي شهر، {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} ، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلاً أو نهارًا، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} ، أذكر أم أنثى،
أحمر أو أسود، وما هو، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} أخير أم شرّ، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت، لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} ، أي ليس من أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر، أم في بر، أو سهل، أو جبل.
وروى الطبراني عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل الله له فيها حاجة» .
(1/379)

وقال أعْشَى همدان:
فَمَا تَزُود مِمّا كَانَ يَجْمَعَه ... ?? ... سِوَى حنُوط غادة البَيْن مَع خرق ... ???
وَغَيْرُ نَفْحَةِ أَعْوَاد تَشِب لَهُ ... ?? ... وَقُلْ ذَلِكَ من زَادَ لمُنْطَلَق ... ????
لا تَأسِين عَلَى شَيْء فَكُل فَتَى ... ?? ... إِلَى مَنْيَتِهِ سَيّار فِي عَنَق ... ???
وَكُلّ مَنْ ظَنّ أَنَّ المَوْت يُخْطِئُهُ ... ?? ... مُعَلّل بِأَعَالِيل من حمق ... ???
بِأَيّمَا بَلْدَةٍ تقدر منْيَته ... ?? ... إِلا يَسِير إِلَيْهَا طائعًا شبق ... ???

وقال تَعَالَى: {فَإذَا جَاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف (34) ] .

أي: إذا جاء وقت انقضاء أعمارهم لا يتأخرون عنه، ولا يتقدمون.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أمْوَالُكُمْ وَلا أوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هم الْخَاسِرُونَ * وَأنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَريبٍ
فَأصَّدَّقَ وأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون (9: 11) ] .

في هذه الآيات: النهي عن الاشتغال بالأموال، والأولاد عن طاعة الله، والأمر بالإنفاق قبل الموت، والحض على المبادرة بالأعمال الصالحة، والتوبة قبل حضور الأجل.
وقال تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يبْعَثُونَ * فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَومَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأولئِكَ الَّذِينَ خَسرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وَجَوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} إِلَى قَوْله تَعَالَى: { ... كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْئَلِ العَادِّينَ * قَالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون (99: 115) ] .
(1/380)

قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} ، أي: ردوني إلى الدنيا {لَعَلّي أعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلا} ، ردع عن طلب الرجعة، واستبعاد لها {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} ، لا محالة، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه {وَمِنْ وَرَائِهِمْ} ، أي: أمامهم، {بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ
يبْعَثُونَ} ، {فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ} ، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل للبعث {فَلا أنْسَابَ بَيْنَهُمْ} ، أي لا تنفع، {يَومَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ} ، أي: لا يسأل قريب قريبه، بل يفرح أن يجب له حق ولو على ولده.
{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} ، أي: موازين أعماله، {فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الفائزون بالنجاة والدرجات، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأولئِكَ الَّذِينَ خَسرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وَجَوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} أي: عابسون، وهم الكفار، {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} . وأما المسلمون فمن خفت موازين حسناته فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ومصيره بعد ذلك إلى الجنة.
{قَالُوا} ، أي الكفار: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً} ، نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بِصَدَدِهِ من العذاب، وقيل: المراد السؤال عن مدة لبثهم في القبور؛ لأنهم أنكروا البعث.
فقيل لهم لما قاموا من القبور: {كَمْ لَبِثْتُمْ} ، {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْئَلِ العَادِّينَ} ، أي: الحاسبين، وهم الملائكة، {قَالَ إنْ
لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلاً} ، أي: ما لبثتم فيها إلا زمانًا قليلاً، {لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ} ، أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} ، لعبًا وباطلاً. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} ، أي: في الآخرة للجزاء، {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} ، أي: تقدس، أن يخلق شيئًا عبثًا لا لحكمة، فإنه الملك الحق المنزَّه عن ذلك {لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ ... الْكَرِيمِ} .
(1/381)

وقال تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد (16) ] .
وَالآيات في الباب كَثيرةٌ معلومة.

{أَلَمْ يَأْنِ} ألم يحن، أي: أما آن للمؤمنين {أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهم، وتنقاد له.
قال ابن عباس: إنَّ الله استبطأ المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن.
ورُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أول ما يرفع من الناس الخشوع» .
وقال ابن مسعود: إنَّ بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وكَانَ الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندعوا بني إسرائيل
إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كره أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك.
ورُوي عن ابن المبارك أنه في صباه حرك العود ليضربه، فإذا به قد نطق بهذه الآية، فتاب ابن المبارك، وكسر العود، وجاءه التوفيق والخشوع.
{وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: خارجون عن طاعة الله، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» .
(1/382)

[574] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِمِنْكَبي، فَقَالَ: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما، يقول: إِذَا أمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أصْبَحتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.

الإنسان في الدنيا غريب ووطنه الحقيقي الجنة، وهي التي أنزل الله بها الأبوين ابتداء، وإليها المرجع إن شاء الله تعالى بفضل الله ورحمته، وهو مسافر في الدنيا بالأعمال الصالحة، وترك الأعمال السيئة، والمسافر لا يأخذ من المتاع إلا ما تدعوا إليه ضرورته، فإن الدنيا دار ممر، والآخرة هي دار المقر، فتزودوا من ممركم لمقركم، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار.
قال الشارح محمد بن علان رحمه الله تعالى:
إذا أمسيت فابتدئ الفلاحا ... ?? ... ولا تهمله تنتظر الصباحا ... ???
وتب مما جنيت فكم أناسًا ... ?? ... قَضَوا نحبًا وقد باتوا صحاحًا ... ??

[575] وعنه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبيتُ لَيْلَتَيْنِ إلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، هَذَا لفظ البخاري.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: «يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ» قَالَ ابن عمر: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ ذَلِكَ إلا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.

فيه: استحباب الوصية، واستحباب كتابتها، فإن كان عليه دين أو عنده أمانة وجب كتابتها.
(1/383)

وفيه: أنه لا ينبغي للمسلم أن يغفل عن الموت والاستعداد له.

[576] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: خَطَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خُطُوطاً، فَقَالَ: «هَذَا الإنْسَانُ، وَهَذَا أجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ الخَطُّ الأَقْرَبُ» . رواه البخاري.

[577] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: خَطَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَطّاً مُرَبَّعاً، وَخَطَّ خَطّاً في الوَسَطِ خَارِجَاً مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطاً صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي في الْوَسَطِ مِنْ جَانِبهِ الَّذِي في الوَسَط، فَقَالَ: «هَذَا الإنْسَانُ، وَهذَا أجَلُهُ مُحيطاً بِهِ - أَوْ قَدْ أحَاطَ بِهِ - وَهذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أمَلُهُ، وَهذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإنْ أخْطَأَهُ هَذَا، نَهَشَهُ هَذَا، وَإنْ أخْطَأَهُ هَذَا، نَهَشَهُ هَذَا» . رواه البخاري.
ذُكر فيه صور كثيرة، وأقربها هكذا -، فالخط الأوسط هو الإِنسان، والمربع: أجله، والصغار: الآفات تعرض له، والخارج من المربع أمله.
وفي الحديث: التحريض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل.

[578] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعاً، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إلا فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ غِنَىً مُطْغِياً، أَوْ مَرَضَاً مُفْسداً، أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً، أَوْ مَوْتَاً مُجْهِزاً، أَوْ الدَّجّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ» ؟! . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
(1/384)

في الحديث: الأمر بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة، قبل حصول واحدة من هذه النوازل التي تذهل الإِنسان من التوجُّه إلى العبادات.

[579] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي: المَوْتَ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

هاذم اللذات بالمعجمة، أي: قاطعها. وروي بالمهملة أي مزيلها من أصلها.
وفي حديث أنس مرفوعًا: «أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها ... عليه» .
[580] وعن أُبَيِّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ قَامَ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ» قُلْتُ: يَا رسول الله، إنِّي أُكْثِرُ الصَّلاَةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي؟ قَالَ: «مَا ... شِئْتَ» قُلْتُ: الرُّبُع، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: فَالنِّصْف؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: فالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: أجعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: «إذاً تُكْفى هَمَّكَ، وَيُغْفَر لَكَ ذَنْبكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: تنبيه الناس من سِنَةِ الغفلة وتحريضهم على الطاعات.
(1/385)

والراجفة: هي النفخة الأولى.
والرادفة: الثانية.
قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر (68) ] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «جاء الموت بما فيه» . أي: من الأهوال عند الاحتضار، وفي القبر وأهواله.
وقوله: فكم أجعل لك من صلاتي، أي: من دعائي.
وفيه: جواز ذكر الإنسان صالح عمله، لغرض كالاستفتاء ونحوه.
66- باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر

[581] عن بُرَيْدَة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُوروها» . رواه مسلم.

النهي عن زيارة القبور كان في أول الإِسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة، وأفعالهم التي كانوا يألفونها عند القبور، فلما علموا أحكام الشرع أمرهم بزيارتها لأنها تذكر الآخرة.
وروى الحاكم عن أنس مرفوعًا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها ترق القلب، وتُدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا ... هَجْرًا» .

[582] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّما كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيعِ
(1/386)

فَيقولُ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَداً مُؤَجَّلْونَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ» . رواه مسلم.

[583] وعن بريدة - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ أنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أهلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُسلمينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ للاَحِقونَ، أسْألُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ» . رواه مسلم.
[584] وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِقُبورٍ بالمدِينَةِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحنُ بالأثَرِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذه الأحاديث: استحباب زيارة القبور والدعاء لأهلها.

67- بابُ كراهة تمنّي الموت بسبب ضُرّ نزل بِهِ
وَلا بأس بِهِ لخوف الفتنة في الدين

[585] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا يَتَمَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ، إمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإمَّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.
(1/387)

وفي رواية لمسلم عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَهُ؛ إنَّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإنَّهُ لا يَزِيدُ المُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلا خَيْراً» .

[586] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ أصَابَهُ، فَإنْ كَانَ لا بُدَّ فَاعِلاً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيِني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَت الوَفَاةُ خَيراً لي» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذه الأحاديث: النهي عن تمني الموت لضرٍّ أصابه من مرض، أو فقر أو نحو ذلك، وإنما كره تمنيه حينئذٍ لأنه يشعر بعدم الرضا بالقضاء.
وفي الحديث الآخر: «خيركم من طال عمره وحسن عمله» .

[587] وعن قيسِ بن أَبي حازم، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّاب بن الأرَتِّ - رضي الله عنه - نَعُودُهُ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ، فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا، وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وَإنَّا أصَبْنَا مَا لا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً إلا التُّرَابَ وَلولا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَانَا أنْ نَدْعُوَ بالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ. ثُمَّ أتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطاً لَهُ، فَقَالَ: إنَّ المُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إلا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ في هَذَا التُّرَابِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ رواية البخاري.

فيه: جواز الكي، والنهي عن الدعاء بالموت، وجواز دفن المال إذا أعطى حقه الواجب فيه.
وفيه: كراهة البناء من غير حاجة.
(1/388)

68- باب الورع وترك الشبهات

قَالَ الله تَعَالَى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور (15) ] .

الورع: ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس. والشبهات: ما لم يتضح وجه حله ولا حرمته.
قال حسان بن أبي سنان: ما رأيتُ شيئًا أهون من الورع: (دع ما يريبك إلى ما يريبك) . وهذه الآية نزلت في قصة عائشة حين رماها أهل الإفك، فقال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم
بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور (15) ] ، أي: تظنون أنه سهل لا إثم فيه، ووزره عظيم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار بُعْدَ مَا بين المشرق والمغرب» .
وقال تَعَالَى: {إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر (14) ] .

قال الكلبي: عليه طريق العباد لا يفوته أحد.
وقال ابن عباس: يرى ويسمع ويبصر ما تقول وتفعل وتهجس به العباد.
قال ابن كثير: يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلا بسعيه.

[588] وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبَهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ
(1/389)

الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألا وَإنَّ لكُلّ مَلِكٍ حِمَىً، ألا وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وروياه مِنْ طرقٍ بِألفَاظٍ متقاربةٍ.

هذا الحديث: أصل عظيم من أصول الشريعة، وأجمع العلماء على عظم موقعه، وكثرة فوائده.
قوله: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» ، فيه إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
قال بعض العلماء: المكروه: عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح: عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر من المباح تطرق إلى المكروه.
قوله: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلح الجسد كله» ، أي: إذا صلح القلب بالإِيمان والعرفان، صلح بالأعمال والأحوال.
وما أحسن قول القائل:
وإذا حلت العناية قلبًا ... ?? ... نشطت للعبادة الأعضاءُ ... ???

فالقلب كالملك، والأعضاء كالرعية، وبصلاح الملك تصلح الرعية، وبفساده تفسد.

[589] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: ... «لَوْلا أنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَة لأَكَلْتُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

الحديث ذكره البخاري في باب ما يتنزه من الشبهات.
وفي الحديث: أنه ينبغي للإِنسان إذا شك في إِباحة شيء أن لا يفعله ما لم يُفْضِ إلى التنطع وأن الشيء التافه يجوز التقاطه من غير تعريف. ورأى عمر
(1/390)

رضي الله عنه رجلاً ينادي على عنبة التقطها، فضربه بالدِّرَّة وقال: إنَّ من الورع ما يمقت الله عليه.
وقال البخاري: باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات. وذكر حديث عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل يجد في الصلاة شيئًا أيقطع الصلاة؟ قال: «لا حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحًا» . وحديث
عائشة رضي الله عنها: أن قومًا قالوا: يَا رسول الله إنَّ قومًا يأْتوننا باللحم لا ندري أَذكروا اسم الله عليه أَم لا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَمَّوا الله عليه وكلوه» .
قال بعض العلماء: قد أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بجبنة وجبة، فأكل ولبس ولم ينظر لاحتمال مخالطة الخنزير لهم، ولا إِلى صُوفِها من مذبوح أو ميتة. ولو نظر أَحدٌ للاحتمال المذكور لم يجد حلالاً على وجه الأرض. وقال بعضهم: لا يتصور الحلال بيقين إلا في ماء المطر النازل من المساء الملتقي باليد.

[590] وعن النَّواسِ بن سمعان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «البِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . رواه مسلم.
«حَاكَ» بِالحاءِ المهملةِ والكافِ: أيْ تَرَدَّدَ فِيهِ.

قوله: «البر حسن الخلق» . أي: التخلق بالأخلاق الحميدة، كطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، والرفق، والعدل، والإنصاف، والإِحسان، والإِثْمُ هو ما أَثَّر في القلب ضيقًا ونفورًا، وكراهية، وهذا يرجع إِليه عند الاشتباه إِذا كانت الفتوى بمجرد ظن من غير دليل شرعي.

[591] وعن وَابِصَةَ بن مَعبدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أتَيْتُ رَسُول
(1/391)

الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ... «جئتَ تَسْألُ عَنِ البِرِّ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البرُّ: مَا اطْمَأنَّت إِلَيْهِ النَّفسُ، وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإثْمُ: مَا حَاكَ في
النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتَاكَ النَّاسُ وَأفْتُوكَ» . حديث حسن، رواه أحمد والدَّارمِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا.

وهذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأَن (البر) كلمة جامعة لجميع أفعال الخير، (والإثم) كلمة جامعة لجميع أَفعال الشر.

[592] وعن أَبي سِرْوَعَةَ - بكسر السين المهملة وفتحها - عُقبَةَ بنِ الحارِثِ - رضي الله عنه - أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إهَابِ بن عزيزٍ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ، فَقَالَتْ: إنّي قَدْ أرضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أعْلَمُ أنَّك أرضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِني، فَرَكِبَ إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ِ بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ: فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَيْفَ وَقَد قِيلَ» ؟ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ. رواه البخاري.
«إهَابٌ» بكسر الهمزة وَ «عَزيزٌ» بفتح العين وبزاي مكررة.

في هذا الحديث: الحض على ترك الشبه والأخذ بالأحوط في الأمور.

[593] وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قَالَ: حَفِظتُ من ... رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْ مَا يريبُكَ إِلَى ما لا يَرِيبُكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
معناه: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ، وَخُذْ مَا لا تَشُكُّ فِيهِ.

فيه: إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه.
(1/392)

[594] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ لأبي بَكر الصديق - رضي الله عنه - غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْماً بِشَيءٍ، فَأكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بكر: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإنْسَانٍ في الجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الكَهَانَةَ، إلا أنّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي، فَأعْطَانِي بِذلِكَ هَذَا الَّذِي أكَلْتَ مِنْهُ، فَأدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ. رواه البخاري.
«الخَرَاجُ» : شَيْءٌ يَجْعَلُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ يُؤدِّيهِ إلى السيد كُلَّ يَومٍ، وَباقِي كَسْبِهِ يَكُونُ لِلْعَبْدِ.

الكهانة بكسر الكاف: مصدر تكهن، وبالفتح: مصدر كهن، أي قضى له بالغيب. وفي «الورع» لأحمد عن ابن سيرين: (لم أعلم أحدًا استقاء من طعام غير أبي بكر، فإنه أتي بطعام فأكل منه، ثم قيل له: جاء به ابن النعيمان، قال: وأطعمتموني كهانة ابن النعيمان، ثم استقاء) . قال الحافظ: إنما قاء أبو بكر لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن.

[595] وعن نافِع أن عُمَرَ بن الخَطّاب - رضي الله عنه - كَانَ فَرَضَ لِلمُهَاجِرينَ الأَوَّلِينَ أرْبَعَةَ الآفٍ وَفَرَضَ لابْنِهِ ثَلاَثَة آلافٍ وَخَمْسَمئَةٍ، فَقيلَ لَهُ: هُوَ مِنَ المُهَاجِرينَ فَلِمَ نَقَصْتَهُ؟ فَقَالَ: إنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أبَواهُ. يقول: لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ. رواه البخاري.

هذا الحديث: دليلٌ على شدَّة وروع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[596] وعن عَطِيَّةَ بن عُروة السَّعْدِيِّ الصحابيِّ - رضي الله عنه -
(1/393)

قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبْلُغُ الْعَبدُ أنْ يَكُونَ منَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بِهِ، حَذَراً لِمَّا بِهِ بَأسٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

أي: لا يصل إلى درجة الموصوفين بكمال التقوى حتى يترك ما لا شبهة فيه خشية وقوعه في المكروه والحرام.
69- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان
أَو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مبِينٌ} [الذاريات (50) ] .

قال البغوي: ففروا إلى الله: فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإِيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه وعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله.
وقال ابن كثير: ففروا إلى الله، أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أُموركم عليه.
قال الشارح: فجمعت لفظة «ففروا» التحذير والاستدعاء. ويُنظر إلى هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» .
قال الحسين بن الفضل: من فر إلى غير الله لم يمتنع من الله.
[597] وعن سعد بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيّ الْخَفِيَّ» . رواه مسلم.
(1/394)

والمُرَادُ بـ «الغَنِيّ» غَنِيُّ النَّفْسِ، كَمَا سَبَقَ في الحديث الصحيح.

الخفي: الخامل المشتغل بعبادة ربِّه وأُمور نفسه.

[598] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ» .
وفي رواية: «يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: فضل العزلة عند خوف الفتنة، ولا ينافيه حديث: «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» . ونحوه، لأَن هذا يختلف بحسب الأوقات، والأشخاص، والأحوال.

[599] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ، وَمَواقعَ الْقَطْر يَفِرُّ بِدينِهِ مِنَ الفِتَنِ» . رواه البخاري.
و «شَعَفُ الجِبَالِ» : أعْلاَهَا.

في هذا الحديث: أيضًا دليلٌ على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
[600] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إلا رَعَى الْغَنَمَ» فَقَالَ أصْحَابُهُ: وأنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.

المراد بالقيراط هنا: جزء من الدينار والدرهم.
(1/395)

وفيه: تواضعه - صلى الله عليه وسلم - واعترافه بنعمة الله عليه، والحكمة في رعي الأَنبياء الغنم ليتمرَّنوا بذلك على سياسة الأُمة.

[601] وعنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لهم رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ في سَبيلِ الله، يَطيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزعَةً، طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي القَتْلَ، أَوْ المَوْتَ مَظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ ... في رَأسِ شَعَفَةٍ مِنْ هذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وَادٍ مِنْ هذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَيُؤتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إلا فِي خَيْرٍ» . رواه مسلم.
«يَطِيرُ» : أيْ يُسْرعُ. وَ «مَتْنُهُ» : ظَهْرُهُ. وَ «الهَيْعَةُ» : الصوتُ للحربِ. وَ «الفَزعَةُ» : نحوه. وَ «مَظَانُّ الشَيْءِ» : المواضعُ الَّتي يُظَنُّ وجودُهُ فِيهَا. وَ «الغُنَيْمَة» بضم الغين: تصغير الغنم. وَ «الشَّعَفَةُ» بفتح الشين والعين: هي أعلى الجَبَل.

فيه: فضيلة القتل أو الموت في سبيل الله، قال الله تعالى: {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران (157) ] .
وفيه: فضيلة اعتزال الناس عند وقوع الفتنة.

70- باب فضل الاختلاط بالناس
وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم، ومشاهد الخير،
ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر عَلَى الأذى

اعْلم أنَّ الاختلاط بالنَّاسِ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ المختارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء صلواتُ اللهِ وسلامه
(1/396)

عَلَيْهِمْ، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدون، ومن بعدَهُم مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ومن بَعدَهُم من عُلَماءِ المُسلمين وأَخْيَارِهم، وَهُوَ مَذْهَبُ أكثَرِ التَّابِعينَ وَمَنْ بَعدَهُمْ، وبه قَالَ الشافعيُّ وأحمدُ وأكثَرُ الفقهاءِ رضي اللهُ عنهم أجمعين. ... قَالَ الله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة (2) ] .

ففي الاختلاط: الاجتماع للتعاون على البر، أي: فعل المأمورات، كالجمعة والجماعات وإقامة الشرائع، وفيه التعاون على التقوى عن المنهيات وترك المحرمات.
والآيات في معنى مَا ذكرته كثيرة معلومة.

كقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران (104) ] ،
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف (4) ] .

71- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين
قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} ... [الشعراء (215) ] .

أي: ألن جانبك للمؤمنين وارفق بهم.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ} ... [المائدة (54) ] .

وقد ارتد قبائل من العرب في عهده - صلى الله عليه وسلم - وفي خلافة أبي بكر فقاتلهم أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم. ولما نزلت: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}
(1/397)

[المائدة (54) ] ، أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي موسى الأشعري وقال: «هم هذا وقومه» . يعني أهل اليمن.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات ... (13) ] .

الشَّعْب: رأس القبائل، كمضر، والقبيلة: كتميم، أي: جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا لا لتفاخروا.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل» .
وقال تَعَالَى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم (32) ] .

أي: لا تمدحوها ولا تفخروا بأعمالكم.
وفي الحديث الصحيح: «إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا كذا، وكذا، والله حسيبه. ولا أُزكِّي على الله أحدًا» .
وقال تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عنكم جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ... [الأعراف (48، 49) ] .

الأعراف: السُّوْرُ المضروب بين الجنة والنار، وأصحابه رجال تساوت حسناتهم وسيآتهم يقولون لأهل النار: ما أغنى عنكم مالكم ولا تكبركم، ولا منعكم ذلك عن دخول النار، وهؤلاء الضعفاء الذين كنتم تسخرون منهم
(1/398)

وتحقرونهم في الدنيا وأقسمتم أن الله لا يُدخلهم الجنة، أدخلهم الله إيَّاها برحمته.
[602] وعن عِيَاضِ بنِ حمارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلا يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ» . رواه مسلم.

التواضع: الانكسار والتذلُّل، وضده: التكبر والرَّفع، ومَنْ تواضع لله رفع الله قدره، وطيَّب ذِكْرَه، ورفع درجته في الآخرة.

[603] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إلا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ اللهُ» . رواه مسلم.

[604] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّهُ مَرَّ عَلَى صبيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يفعله. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تدريب الصبيان على أداب الشريعة، وطرح رداء الكبر والتواضع، ولين الجانب.

[605] وعنه قَالَ: إن كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إمَاءِ المَدينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءتْ. رواه البخاري.

في الحديث: مزيد تواضعه - صلى الله عليه وسلم -، والتحريض على ذلك.
(1/399)

[606] وعن الأَسْوَدِ بن يَزيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ عائشةُ رضي الله عنها مَا كَانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالت: كَانَ يَكُون في مِهْنَةِ أهْلِهِ - يعني: خِدمَة أهلِه - فإذا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ. رواه البخاري.
جاء ذلك مفسرًا في بعض الروايات: كان في بيته في مهنة أَهله يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلِّف ناضحه، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم ويحمل بضاعته إلى السوق. ففي ذلك مزيد فضله، وكمال تواضعه - صلى الله عليه وسلم -.

[607] وعن أَبي رِفَاعَةَ تَميم بن أُسَيْدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يخطب، فقلت: يَا رسول الله، رَجُلٌ غَريبٌ جَاءَ يَسْألُ عن دِينهِ لا يَدْرِي مَا دِينُهُ؟ فَأقْبَلَ عَليَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأتَمَّ آخِرَهَا. رواه مسلم.

في هذا الحديث: استحباب تلطف السائل.
وفيه: كمال تواضعه - صلى الله عليه وسلم - ورفقه بالمسلمين وشفقته عليهم.

[608] وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا أكَلَ طَعَاماً، لَعِقَ أصَابِعَهُ الثَّلاَثَ. قَالَ: وقال: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِط عنها الأَذى، وليَأكُلْها وَلا يَدَعْها لِلشَّيْطان» وأُمِرْنا أن نُسْلُتَ
(1/400)

القَصْعَةُ، قَالَ: «فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَة» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا. قال الخطابي: عاف قَوْمٌ - أَفْسد قلوبهم - الرَّفه لعقها، وزعموا أَنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أَن الطعام الذي علق بالأَصابع جزءٌ ما أَكلوه وليس فيه أَكثر من مصها بباطن الشفة. انتهى.
قلت: إنما يستقذر اللعق أَثناء الأَكل.
وفيه: استحباب أَكل لقمته الساقطة كسرًا لنفسه، وتواضعًا لربه، والتماسًا للبركة.

[609] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَعَثَ الله نَبِيّاً إلا رَعَى الغَنَمَ» قَالَ أصْحَابُهُ: وَأنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: تنبيه على التواضع. وأَن تعاطي الكامل ما فيه كسر النفس لا يخل بمروءته.

[610] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ، ولو أُهْدِيَ إِلَيَّ ذراعٌ أَوْ كُراعٌ لَقَبِلْتُ» . رواه البخاري.

قال الحافظ: خصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الخطير والحقير، لأَن الذراع كانت أَحب إِليه من غيرها، والكراع لا قيمة لَهُ.
وقال ابن بطال: أَشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إِلى الحض على قبول الهدية وإن قلَّت، لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشيء، فحض على ذلك لما فيه من التآلف.
(1/401)

وفي الحديث: إجابة الداعي، وإن قل المدعو إليه، وفي ذلك كله تحريض على التواضع، وحث على تعاطي ما يبعث على التآلف ويغرس الوداد.
[611] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَتْ ناقةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضْبَاءُ لا تُسْبَقُ، أَوْ لا تَكَادُ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أعْرَابيٌّ عَلَى قَعودٍ لَهُ، فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: «حَقٌّ عَلَى اللهِ أنْ لا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إلا وَضَعَهُ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: التزهيد في الدنيا، وإغماض الطرف عن زهرتها.
قال ابن بطال: فيه هوان الدنيا على الله، والتنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة.
وفيه: الحث على التواضع، وطرح رداء الكبر، والإِعلام بأن أُمور الدنيا ناقصة غير كاملة.
وفيه: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - لحسن خلقه من إِذهاب ما يشق على أَصحابه.

72- باب تحريم الكبر والإعجاب
قَالَ الله تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص (83) ] .

العلوّ: الكبر. والفساد: المعاصي، يعني من تَرك ذلك فله الجنة.
وقال تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء (37) ] .
أي: بطرًا، وكبرًا، وخيلاء، كمشي الجبارين {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ} ، أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها، {وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً} ، أي: لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك.
وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجل يمشي في من كان قبلكم
(1/402)

وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» .
ورأى البختري العابد رجلاً من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته. فقال له: يَا هذا، إنَّ الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته. قال: فتركها الرجل بعده.
وقال تَعَالَى: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان (18) ] .
ومعنى «تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ» : أيْ تُمِيلُهُ وتُعرِضُ بِهِ عَنِ النَّاسِ تَكَبُّراً عَلَيْهِمْ. وَ «المَرَحُ» : التَّبَخْتُرُ.

قال ابن عباس: يقول لا تتكبَّر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلَّموك.
وقال قتادة: ولا تحقرن الفقراء، ليكن الفقير والغني عندك سواء.
ورُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رب ذي طمرين لا يُؤْبَهُ له، لو أقسم على الله لأَبَره. لو قال: (اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة لأعطاه الله الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئًا» .
وقال عبد الله بن المبارك:
ألا رب ذي طمرين في منزل غدا ... ?? ... زرابيه مبثوثة ونمارقه ... ????
قد اطردت أنواره حول قصره ... ?? ... وأشرق والتفت عليه حدائقه ... ??
وقال تَعَالَى: {إنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ
(1/403)

اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} [القصص (76) ] ... إِلَى قَوْله تَعَالَى: ... {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص (81) ] .

كان قارون ابن عم موسى، آمن به ثم لحقه الزهو والإِعجاب فبغى على موسى وقومه. وكانت مفاتح خزائنه تثقل الجماعة الكثيرة. والفرح المنهي عنه هو انهماك النفس، والأثر، والإِعجاب. وقوله: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص (77) ] . بأن تصرفه في مرضاة الله {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} . من مأكل، وملبس، ومشرب وغيرها من المباحات.
وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس لك يَا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» . {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} . بالمعاصي إن الله لا يحب المفسدين. قال: أي: لما وعظه قومه أخذته العزَّة بالإِثم. {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص (78) ] ، أي: علم بالتجارة، ووجوه تثمير المال وعَلِمَ الله أني أهل له ففضَّلني به عليكم.
قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص (78) ] . أي: سؤال استعلام، فإنه تعالى مطلع عليهم وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ.
وقوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص (81) ] ... إلى آخر القصة. ففيها شؤم البغي، وسوء مصرع الكبر والإِعجاب ومحبة الدنيا.

[612] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّة مِنْ كِبْرٍ!» فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، ونَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» . رواه مسلم.
(1/404)

«بَطَرُ الحَقِّ» : دَفْعُهُ وَرَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَ «غَمْطُ النَّاسِ» : احْتِقَارُهُمْ.

في هذا الحديث: تحريم الكبر، والوعيد الشديد على مرتكبه. وإن الجمال إذا لم يكن على وجه الفخر والخيلاء والمباهاة بل على سبيل إِظهار نعمة الله لا يدخل في الكبر.

[613] وعن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - أنّ رَجُلاً أكَلَ عِنْدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشمالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بيَمِينِكَ» قَالَ: لا أسْتَطِيعُ! قَالَ: «لا اسْتَطَعْتَ» مَا مَنَعَهُ إلا الكِبْرُ. قَالَ: فما رفَعها إِلَى فِيهِ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: جواز الدعاء على من قصد الخروج عن أَحكام الشريعة عمدًا.
[614] وعن حارثة بن وهْبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ألا أُخْبِرُكُمْ بأهْلِ النَّار: كلُّ عُتُلٍ جَوّاظٍ مُسْتَكْبرٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وتقدم شرحه في بابِ ضعفةِ المسلمين.

العتل: الغليظ الجافي، والجواظ: الجموع المنوع، والمستكبر: المختال الفخور.

[615] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «احْتَجّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَت النَّارُ: فيَّ الْجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ. وقالتِ الجَنَّةُ: فيَّ ضُعفاءُ الناس ومساكينُهُم، فقضى اللهُ بَينهُما: إنكِ الجنّةُ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِك مَنْ أشَاءُ، وَإنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: دليل على أَن غالب أَهل النار الجبارون والمتكبرون،
(1/405)

وأَن غالب أَهل الجنة الضعفاء، ويشهد لذلك قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف (48، 49) ] .

[616] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً» . متفقٌ عَلَيْهِ.
البطر: الفرح مع قلّة القيام بحق النعمة، وصرفها إلى غير وجهها، والبطر والخيلاء، والزهو، والكبر، والتبختر كلها بمعنى واحد، وهي حرام، وأمَّا الطرب فهو خفَّة مع فرح.
والحديث دليل على أَن الإِسبال حرام إِذا كان على وجه الخُيلاء والبطر، وإلا فيكره.

[617] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلاَثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَة، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» . رواه مسلم.
«العَائِلُ» : الفَقِيرُ.

سبب تخصيص، هؤلاء بهذا الوعيد، وإن كان لا يعذر أَحد بذنب، لأَن الشيخ قد ضعفت دواعي الشهوة فيه، والملك لا يخشى من أَحد من رعيته، والفقير قد عدم المال، وهو الداعي فصارت هذه الخصال الثلاث عزيزة في هؤلاء الثلاثة، فكان عذابهم أَشد من عذاب غيرهم.

[618] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَقُولُ الله تعالى: العِزُّ
(1/406)

إزَاري، والكبرياءُ رِدائي، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» . رواه مسلم.

العز والكبرياء صفتان مختصتان بالله عز وجل لا يشاركه فيهما غيره، كما لا يشارك الرجل في إزاره وردائه، فمن ادعى العز والكبرياء فقد نازع الله في ملكه ومن نازع الله عذبه.
[619] وعنه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ رَأسَهُ، يَخْتَالُ فِي مَشْيَتهِ، إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ في الأَرضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«مُرَجِّلٌ رَأسَهُ» : أيْ مُمَشِّطُهُ، «يَتَجَلْجَلُ» بالجيمين: أيْ يَغُوصُ وَيَنْزِلُ.

قال قتادة: يتجلجل في الأَرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إِلى يوم القيامة.
قيل: إنما فعل به ذلك تدريجًا ليدوم عليه العذاب فيكون أَبلغ في نكايته وإِهانته.

[620] وعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجبَّارِين، فَيُصيبَهُ مَا أصَابَهُمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ» أيْ: يَرْتَفِعُ وَيَتَكبَّرُ.

قال العاقولي: الباء في (يذهب بنفسه) للتعدية، أي: يرفع نفسه ويعتقدها
(1/407)

عظيمة مرتفعة المقدار على الناس، ويجوز أَن تكون للمصاحبة أَي يوافقها على ما تريد من الاستعلاء.
قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات (37: 39) ] .
73- باب حسن الخلق
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم (4) ] .

حسن الخلق: بسط الوجه وبذل المعروف، وكفُّ الأذى. وقال علي: الخلق العظيم آداب القرآن. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق» .
وقال تَعَالَى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران (134) ] الآية.

أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه وعفوا عمَّن أساء إليهم.
قال الثوري: الإِحسان أن تُحسن إلى المسيء.
وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث أُقسم عليهنَّ: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوا إلا عِزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه» .

[621] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً. متفقٌ عَلَيْهِ.

كان حسن الخلق غريزة في النبي - صلى الله عليه وسلم - جبله الله عليها، واكتسابًا من القرآن، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «أَدبني ربي فأَحسن تأديِبِي» .
(1/408)

[622] وعنه قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلا حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ ... رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَشْرَ سنين، فما قَالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَه؟ وَلا لشَيءٍ لَمْ أفعله: ألا فَعَلْتَ كَذا؟. متفقٌ عَلَيْهِ.
قوله: (ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ، وورد في حديث آخر: أَنه شعث الكف والقدمين، فقيل: إن اللين بحسب أَصل الخلقة والخشونة لعرض عمل.
وفي الحديث: كمال خلقه - صلى الله عليه وسلم - وتسليمه للقدر.

[623] وعن الصعب بن جَثَّامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أهديتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حِمَاراً وَحْشِيّاً، فَرَدَّهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا رأى مَا في وجهي، قَالَ: «إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أنّا حُرُمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: الحكم بالعلامة، لقوله: (فلما رأى ما في وجهي) .
وفيه: جواز رد الهداية لعلة، والاعتذار عن ردها تطيبًا لقلب المهدي.

[624] وعن النَّوَاس بنِ سمعان - رضي الله عنه - قَالَ: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن البِرِّ وَالإثم، فَقَالَ: «البِرُّ: حُسنُ الخُلقِ، والإثمُ: مَا حاك في صدرِك، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . رواه مسلم.

البر: الطاعة، والإِثم: المعصية، حسن الخلق يقتدر به صاحبه على فعل المحاسن وترك المساوئ، والإِثم يذم صاحبه، والنفس بطبعها تحب المدح، وتكره الذمَّ.
(1/409)

[625] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَاحِشاً وَلا مُتَفَحِّشاً، وكان يَقُولُ: «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً» . متفقٌ عَلَيْهِ.
الفحش: ما يشتد قبحه من الأَقوال والأَفعال. والتفحش: تكلّف ذلك، أي: ليس ذا فحش في كلامه وأَفعاله.
وقوله: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» . لأَن حسن الخلق يدعو إِلى المحاسن، وترك المساوئ.

[626] وعن أَبي الدرداءِ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
«البَذِيُّ» : هُوَ الَّذِي يتكلَّمُ بِالفُحْشِ ورديء الكلامِ.

في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، لأَنه يورث لصاحبه محبة الله، ومحبة عباده.
وفيه: قبح الفحش والبذاءة، لأَنه يورث البغض من الله وعباده.

[627] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ» ، وَسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» . رواه الترمذي، وقال: ... «حديث حسن صحيح» .

التقوى تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه.
(1/410)

[628] وعنه، قال: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

كلما كان العبد أَحسن أَخلاقًا كان أَكمل إيمانًا.
وقوله: «وخياركم خياركم لنسائهم» . وذلك بالبشاشة وطلاقه الوجه، وكف الأَذى، وبذل الندى، والصبر على إيذائها. وفي رواية: «إِن أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» .

[629] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، وأَنه يبلغ صاحبه أَعْلى الدرجات. وبسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى.

[630] وعن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنَا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَض الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإنْ كَانَ مُحِقّاً، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ، وَإنْ كَانَ مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
«الزَّعِيمُ» : الضَّامِنُ.
(1/411)

في هذا الحديث: استحباب ترك الجدال، وفي بعض الآثار: (إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العلم، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا فتح له باب الجدل، وأَغلق عنه باب العلم) .
وفيه: الحث على التخلق بحسن الخلق وترك الكذب.

[631] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أحَاسِنَكُم أخْلاَقاً، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ» قالوا: يَا رسول الله، قَدْ عَلِمْنَا «الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ» ، فمَا المُتَفَيْهقُونَ؟ قَالَ: ... «المُتَكَبِّرُونَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

«الثَّرْثَارُ» : هُوَ كَثِيرُ الكَلاَمِ تَكَلُّفاً. وَ «المُتَشَدِّقُ» : المُتَطَاوِلُ ... عَلَى النَّاسِ بِكَلاَمِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَلءِ فِيهِ تَفَاصُحاً وَتَعْظِيماً لِكَلامِهِ، ... وَ «المُتَفَيْهِقُ» : أصلُهُ مِنَ الفَهْقِ وَهُوَ الامْتِلاَءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلأُ فَمَهُ بِالكَلاَمِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ، ويُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّراً وَارْتِفَاعاً، وَإظْهَاراً للفَضيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ.

وروى الترمذي عن عبد الله بن المباركِ رحِمه الله في تفسير حُسْنِ الخُلُقِ، قَالَ: «هُوَ طَلاَقَةُ الوَجه، وَبَذْلُ المَعروف، وَكَفُّ الأذَى» .
قال الحافظ: حسن الخلق: اختيار الفضائل، وترك الرذائل، وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف (199) ] .

74- باب الحلم والأناة والرفق
قَالَ الله تَعَالَى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ} [آل عمران (134) ] .
(1/412)

في هذه الآية تحريض على التخلُّق بالإِحسان إلى الناس من العفو عنهم وكظم الغيظ، وغير ذلك.
وقال تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ} ... [الأعراف (199) ] .

قال مجاهد: {خُذِ الْعَفْوَ} ، يعني: من أخلاق الناس من غير تجسُّس.
وقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} ، أي المعروف، وكل ما يعرفه الشرع، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه.
قال الشعبي: لما أنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيه - صلى الله عليه وسلم - {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قال: «ما هذا يَا جبريل؟» قال: «إنَّ الله أمرك أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .
وقال تَعَالَى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت (34، 35) ] .
قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه وليٌّ حميم.
وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة.
وقال تَعَالَى: {وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (43) ] .

أي: من صبر على الأذى ولم يجاز على السيئة، فإن ذلك من عزم الأمور المشكورة التي أمر الله بها.
(1/413)

[632] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأنَاةُ» . رواه مسلم.

الحلم والأناة من صفات العقلاء. وسبب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك للأشج. ما جاء في حديث الوفد، أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقام الأَشج عند رحالهم فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أَحسن ثيابه ثم أَقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقربه وأَجلسه إلى جانبه. ثم قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تبايعوني على أَنفسكم، وقومكم» . فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يَا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه. نبايعك على أَنفسنا، ونرسل من يدعوهم. فمن أتبعنا كان منَّا، ومن أَبى قاتلناه. قال: «صدقت، إن فيك خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله. الحلم، والأناة» ، قال: يَا رسول
الله، أكانا فِيَّ أم حدثًا، قال: «بل قديم» . قال: الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.

[633] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه» . متفقٌ عَلَيْهِ.

[634] وعنها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» . رواه مسلم.

[635] وعنها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ في شَيْءٍ إلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إلا شَانَهُ» . رواه مسلم.

الرِّفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأَخذ بالأَسهل، وهو ضد العنف،
(1/414)

وهو الشدة والمشقة، فصاحب الرفق يدرك حاجته أَو بعضها، وصاحب العنف لا يدركها، وإِن أَدركها فبمشقة، وحريٌّ أن لا تتم.

[636] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: بَال أعْرَابيٌّ في المسجدِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعُوهُ وَأرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» . رواه البخاري.
«السَّجْلُ» بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وَهِيَ الدَّلو الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً، وَكَذلِكَ الذَّنُوبُ.
في هذا الحديث: الرفق في إنكار المنكر، وتعليم الجاهل.
وفي رواية ابن ماجة: فقال الأعرابي بعد أَن فقه: بأَبي وأُمي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يؤنب ولم يسب، فقال: «إِن هذا المسجد لا يُبال فيه، وإِنما بُني لذكر الله، والصلاة فيه» .
وفي الحديث أيضًا: نجاسة بول الآدمي، ووجوب تنزيه المسجد، وأَنه يكتفي في ذلك بصب الماء عليها من غير تحجير.

[637] وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

اليسر: ضد العسر. قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج (78) ] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» والتعسير يوجب التنفير.
(1/415)

[638] وعن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ» . رواه مسلم.

فيه الحث على الرفق في جميع الأمور، قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران (159) ] .

[639] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أوْصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ» ، فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.
الغضب: جماع الشر، وباب من مداخل الشيطان الثلاثة وهي: الغفلة، والشهوة، والغضب. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: قد أفلح من عصم من الهوى، والغضب، والطمع.

[640] وعن أَبي يعلى شَدَّاد بن أوسٍ - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ» . رواه مسلم.

معنى إِحسان القتلة: أَن لا يقصد التعذيب للمقتول وإِحسان الذبحة أن يرفق بالبهيمة عند الذبح. قال الإِمام أحمد: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أَنها تعرف ربها، وتعرف أَنها تموت.

[641] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مَا خُيِّرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلا أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً، فَإنْ كَانَ إثماً، كَانَ
(1/416)

أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ، إلا أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: استحباب الأَخذ بالأَيسر في أُمور الدين والدنيا إذا لم يكن فيه معصية.
وفيه: استحباب ترك الانتقام للنفس كما في الحديث: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا» .
وفيه: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الحلم والصبر والقيام بالحق، والصلابة في الدين. وهذا هو الخلق الحسن قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم (4) ] .

[642] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ، هَيّنٍ، لَيِّنٍ، سَهْلٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: استحباب ملاطفة الناس، وتسهيل الجانب لهم وقضاء حوائجهم.
وفي الحديث الآخر: «إنكم لا تسعون الناس بأَرزاقكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق» .

75- باب العفو والإعراض عن الجاهلين
قَالَ الله تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ} ... [الأعراف (199) ] .

وذلك لأنَّ في الإِعراض عن الجاهل إخمادًا لشره.
قال الشافعي رحمه الله تعالى:
قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح
(1/417)

فالعفو عن جاهل أو أحمق أدب ... ?? ... نعم وفيه لصون العرض إصلاح ... ??

وقال تَعَالَى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر (85) ] .
أي: عاملهم معاملة الحليم الصفوح.
وقال تَعَالَى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ} ... [النور (22) ] .

نزلت في شأن الصدِّيق رضي الله عنه لما آلى أن لا ينفق على مسطح لرميه عائشة بالإِفك. فقال أبو بكر: بلى يَا رب، إني أُحبُّ أن تغفر لي، فرجع إلى مسطح ما كان يعطيه قبل.
وقال تَعَالَى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ} [آل عمران (134) ] .

فيه: أن العفو من صفات المحسنين.
وقال تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ... [الشورى (43) ] .

أي: من صبر على الأذى وعفا.
والآيات في الباب كثيرة معلومة.

كما قال تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى (40) ] ، وقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل (126) ] .. وغير ذلك.

[643] وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هَلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ
(1/418)

أشَدُّ مَا
لَقيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْني إِلَى مَا أرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلا وأنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا أنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبريلُ - عليه السلام -، فَنَادَاني، فَقَالَ: إنَّ الله تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ الله إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأنا مَلَكُ الجِبال، وَقَدْ ... بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ» . فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«الأخْشَبَان» : الجَبَلان المُحيطان بمكَّة. وَالأخشبُ: هُوَ الجبل الغليظ.

لما مات أَبو طالب توجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف وطلب منهم أَن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربِّه فردوا عليه أقبح رد فرجع - صلى الله عليه وسلم - وهو مهموم إِذ فاته ما طلب منهم فلم ينتبه إلا وهو بقرن الثعالب، وهو قرن المنازل ميقات أَهل نجد.
وفي الحديث: بيان شفقة النبي - صلى الله عليه وسلم - على قومه، وعفوه عنهم، ومزيد صبره وحلمه قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء (107) ] ، وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران (159) ] .
[644] وعنها قالت: مَا ضَرَبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأةً وَلا خَادِماً، إلا أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إلا أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى. رواه مسلم.
(1/419)

في هذا الحديث: حسن خلقه - صلى الله عليه وسلم -، وحلمه، وصبره، وعفوه، وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب (21) ] .

[645] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: مزيد حُسْن خُلُقِهِ - صلى الله عليه وسلم - وصبره على سوء أَدب هذا الأَعرابي الجافي، وحلمه - صلى الله عليه وسلم - فإنه عفا عن جنايته عليه، وزاد على العفو بالبشر والعطاء.
قال الشاعر:
بشاشة وجه المرء خير من القِري ... فكيف من يعطي القِري وهو يضحك
وفي رواية البيهقي: (ثم قال: يَا محمد مُر لِيَ من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أَبيك. فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «المال مال الله وأَنا عبده» .
وذكر في (الشفاء) أنه حمل له على بعير شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا.

[646] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: كأني أنظر إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأنبياءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُه عَلَيْهِمْ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/420)

في هذا الحديث: زيادة الفضل بعد الصفح بالدعاء لهم، والاعتذار عنهم.

[647] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ الشَّديدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

والصُّرَعة: الذي يصرع الناس ويغلبهم.
والصُّرْعة: بالسكون الذي يصرعه الناس، أي: ليس القوي المحمود الذي يصرع الناس ويغلبهم، إنما المحمود الذي يغلب نفسه، ويملكها عند الغضب.

76- باب احتمال الأذى
قَالَ الله تَعَالَى: {وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} [آل عمران (134) ] .
كظم الغيظ: حبس النفس عن مرادها من الانتقام. والعفو عن الناس: ترك مؤاخذتهم في ذلك. وفيه: إيماء إلى أن من كان متَّصفًا بهذه الصفات فهو من المحسنين.
وقال تَعَالَى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ... [الشورى (43) ] .

أي: صبر على الإِيذاء وصفح عمن آذاه. {إِنَّ ذَلِكَ} ، أي: ما ذكر {لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ، أي: المأمور بها شرعًا.
وفي الباب: الأحاديث السابقة في الباب قبله.

أي: الأحاديث المذكورة في باب العفو، والإِعراض عن الجاهلين تدخل في باب احتمال الأذى.
(1/421)

[648] وعن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا رسول الله، إنّ لي قَرَابةً أصِلُهم وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ، وَأحْلُمُ عَنهم وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ! فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكأنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ تَعَالَى ظَهيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» . رواه مسلم.
وقد سَبَقَ شَرْحُهُ في بَابِ صلة الأرحام.

في هذا الحديث: الحض على الصبر على الإِيذاء خصوصًا من الأَقارب، وأن من كان كذلك أعانه المولى سبحانه وتعالى.
77- باب الغضب إِذَا انتهكت حرمات الشّرع
والانتصار لدين الله تعالى
قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} ... [الحج (30) ] .

أي: ومن يجتنب معاصي الله ومحارمه فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل.
قال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه.
وقال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها.
وقال تَعَالَى: {إنْ تَنْصُرُوْا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد (7) ] .

أي: إن تنصروا دين الله، وتقوموا به ينصركم على عدوكم ويكف بأسهم.
وفي الباب حديث عائشة رضي الله عنها السابق في باب العفو.

والمراد منه قولها: وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله تعالى.
(1/422)

[649] وعن أَبي مسعود عقبة بن عمرو البدري - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إنِّي لأَتَأخَّرُ عَن صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا! فَمَا رَأيْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غَضِبَ في مَوْعِظَةٍ قَطُّ أشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئذٍ؛ فَقَالَ
: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأيُّكُمْ أمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ؛ فَإنَّ مِنْ وَرَائِهِ الكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في الحديث: جواز الغضب في التعليم للمصلحة إذا لم يترتب على ذلك مفسدة.
وفيه: استحباب التخفيف مع الإِتمام، وليس فيه حجة للنقارين، فإن التخفيف أمر نسبي راجع إلى فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.

[650] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَدِمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ سَفرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هتكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجهُهُ، وقال: «يَا عائِشَةُ، أشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بخَلْقِ اللهِ!» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«السَّهْوَةُ» : كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ يدي البيت. وَ «القِرام» بكسر القاف: سِتر رقيق، وَ «هَتَكَه» : أفْسَدَ الصُّورَةَ الَّتي فِيهِ.

التماثيل: جمع تمثال، وهي الشيء المصور سواء كان شاخصًا أو نقشًا، أو نسجًا، أو دهانًا.
قوله: «الذين يضاهون بخلق الله» ، أي يشبهون ما يضعونه بما يصنعه الله.
وفي الحديث: تحريم التصوير واستعماله.

[651] وعنها أن قرَيشاً أهَمَّهُمْ شَأنُ المَرأَةِ المخزومِيَّةِ الَّتي سَرَقَتْ، فقالوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالوا: مَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إلا
(1/423)

أُسَامَةُ
ابنُ زَيْدٍ حِبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ... «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله» ؟! ثُمَّ قامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أهْلَك مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ الله، لَوْ أَنَّ فَاطمَةَ بِنْتَ مُحمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعتُ يَدَهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان.
وفيه: أن شرف الجاني لا يسقط الحد عنه، وأن أحكام الله تعالى يستوي فيها الشريف والوضيع.

[652] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى نُخَامَةً في القبلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ في وَجْهِهِ؛ فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إن أحدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبيْنَ القِبلْةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هكذا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
وَالأمرُ بالبُصَاقِ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ هُوَ فِيما إِذَا كَانَ في غَيْرِ المسجِدِ، فَأمَّا في المسجدِ فَلا يَبصُقُ إلا في ثَوْبِهِ.

في هذا الحديث: النهي عن البصاق قبل القبلة، إذا كان يصلي لأنه يناجي ربه.
78- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم
والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال
مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ... [الشعراء (215) ] .
(1/424)

أمر الله تعالى نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يلين جانبه لمن اتبعه من المؤمنين، وقد أمر الله المؤمنين أن يقتدوا به، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب (21) ] .
وقال تَعَالَى: {إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل (90) ] .

يأمر تعالى بالعدل، وهو القسط والإِنصاف، وبالإِحسان إلى الناس، وبِصِلة الرحم، وينهى عن الفحشاء، وهي ما قبح من قولٍ أو فعلٍ، وعن المنكر: وهو ما ينكره الشرع، وعن البغي وهو العدوان على الناس.
قال بعض العلماء: لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيانٌ لكل شيء وهدىً ورحمةٌ.

[653] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتهِ: الإمَامُ رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في
بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ في مال سيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: وجوب القيام بحق الرعية وإرشادهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، وردعهم عن ما يضرهم في دينهم ودنياهم.

[654] وعن أَبي يعلى مَعْقِل بن يَسارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّة» . متفقٌ عليه.
(1/425)

وفي رواية: «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّة» .
وفي رواية لمسلم: «مَا مِنْ أميرٍ يلي أمور المُسْلِمينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ، إلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» .

في هذا الحديث: وعيدٌ شديد لمن ولي أمر المسلمين ثم خانهم وغشهم وقدم مصلحته على مصلحتهم.

[655] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتي هَذَا: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارفُقْ بِهِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: التنبيه لولاة الأُمور على السعي في مصالح الرعية، والجهد في دفع ضررهم، وما يشق عليهم من قولٍ أو فعل، وعدم الغفلة عن أحوالهم.

[656] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَانَتْ بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنبِيَاء، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيكُونُ بَعْدِي خُلفَاءُ فَيَكثرُونَ» ، قالوا: يَا رسول الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّل فَالأَوَّل، ثُمَّ أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا الله الَّذِي لَكُمْ، فَإنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» متفقٌ عليه.

فيه: إيماء إلى أنه لا بد للرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الحق، وينصف المظلوم من ظالمه.
وفيه: الأَمر بوفاء بيعة الخلفية وطاعته، وقتال من بغى عليه، والصبر على ظلمه.
(1/426)

[657] وعن عائِذ بن عمرو - رضي الله عنه - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُبَيْد اللهِ بن زيادٍ، فَقَالَ لَهُ: أيْ بُنَيَّ، إنِّي سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ» فإيَاكَ أن تَكُونَ مِنْهُمْ. متفقٌ عَلَيْهِ.

الحطمة: العنيف بالبهائم في رعيها، ضرب مثلاً لوالي السوء الذي لا يرفق بالناس ولا يرحمهم. وفي الحديث مشروعية نصيحة الأُمراء.
[658] وعن أَبي مريم الأزدِيِّ - رضي الله عنه - أنّه قَالَ لِمعاوية - رضي الله عنه - سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ وَلاهُ اللهُ شَيْئاً مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فجعل معاوية رجلاً عَلَى حوائج النَّاسِ. رواه أَبُو داود والترمذي.

في الحديث: وعيدٌ شديدٌ لمن احتجب عن الرعية ولم يقض حوائجهم، سواء كان ملكًا، أو وزيرًا، أو قاضيًا، أو أميرًا، أو مديرًا، أو من دونهم ممن له ولاية على شيء من أُمور المسلمين.

79- باب الوالي العادل
قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل (90) ] الآية.
وقال تَعَالَى: {وَأَقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات (9) ] .

أي: اعدلوا وأنصفوا كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء (135) ] .
(1/427)

[659] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأ في عِبادة الله تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بالمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللهِ اجتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ، فَقَالَ: إنّي أخافُ اللهَ، وَرَجُلٌ
تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: فضل هؤلاء السبعة، وأشرفهم، الإِمام العادل، وفي معناه جميع الولاة.

[660] وعن عبدِ اللهِ بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ: الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيْهِم وَمَا وَلُوْا» . رواه مسلم.

فيه: فضل العدل في جميع الأُمور، وعظم ثواب فاعله.

[661] وعن عوفِ بن مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «خِيَارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ. وشِرَارُ أئِمَّتِكُم الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ!» ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رسول اللهِ، أفَلا نُنَابِذُهُم؟ قَالَ: «لا، مَا أقَامُوا فِيْكُمُ الصَّلاَةَ. لا، مَا أقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ» . رواه مسلم.
قَوْله: «تصلّون عَلَيْهِمْ» : تدعون لَهُمْ.

في هذا الحديث: تعظيم الصلاة، وأنه لا يحوز الخروج على الإِمام المقيم
(1/428)

للصلاة، وفي حديث عبادة: «لا إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» ، وفي حديث أُم سلمة: قالوا: يَا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» .
[662] وعن عِياضِ بن حِمارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أهلُ الجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلطانٍ مُقْسِطٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لكُلِّ ذي قُرْبَى ومُسْلِمٍ، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عِيالٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فضل الوالي العادل القائم بطاعة الله سبحانه وتعالى.
وفيه: ثواب الواصل والرحيم بالمسلمين، وفضل المحتاج المتعفف.

80- باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية
وتحريم طاعتهم في المعصية
قَالَ الله تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء (59) ] .

{أَطِيعُوا اللهَ} ، أي: اتبعوا كتابه، {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ، أي: خذوا بسنته، {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} ، أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

[663] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «عَلَى المَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيمَا أحَبَّ وكَرِهَ، إلا أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: وجوب السمع والطاعة والانقياد لقول ولي الأمر، سواء كان موافقًا لمراد المأمور، أو مخالفًا له إلا في معصية الله.
(1/429)

[664] وعنه قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّمعِ والطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: «فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وفيه: أن وجوب السمع والطاعة على قدر الاستطاعة قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التغابن (16) ] .

[665] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» . رواه مسلم.
وفي رواية لَهُ: «وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُفَارِقٌ لِلجَمَاعَةِ، فَإنَّهُ يَمُوتُ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» .
«المِيتَةُ» بكسر الميم.

فيه: وعيد شديد على من خرج على الإِمام ولم يَنْقَدْ له، ووجوب بيعة الإِمام.

[666] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْمَعُوا وأطِيعُوا، وَإنِ استُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشيٌّ، كأنَّ رأْسَهُ زَبيبةٌ» . رواه البخاري.

كان أهل الجاهلية يأنفون من الدخول تحت الطاعة خصوصًا العرب، فأخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك واجبٌ لكل أمير ولو أنه حقير.
[667] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ في عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأثَرَةٍ عَلَيْكَ» . رواه مسلم.
(1/430)

فيه: وجوب السمع والطاعة للأمراء على كل حال ولو اختصوا بالمال دون مستحقيه فإن الله سائلهم عن ذلك.

[668] وعن عبدِ اللهِ بن عمرو رضي الله عنهما قَالَ: كنا مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءهُ، وَمِنّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ في جَشَرِهِ، إذْ نَادَى مُنَادِي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: الصَّلاةَ جَامِعَةً. فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إلا كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُم شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ. وَإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا في أوَّلِهَا، وَسَيُصيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتنَةٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَتَجِيءُ الفتنَةُ فَيقُولُ المُؤْمِنُ: هذه مُهلكتي، ثُمَّ تنكشفُ، وتجيء الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ: هذِهِ هذِهِ. فَمَنْ أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأتِهِ منيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أنْ يُؤتَى إِلَيْهِ. وَمَنْ بَايَعَ إمَاماً فَأعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن استَطَاعَ، فإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنْقَ الآخَرِ» . رواه مسلم.
قَوْله: «يَنْتَضِلُ» أيْ: يُسَابِقُ بالرَّمْي بالنَّبل والنُّشَّاب. وَ «الجَشَرُ» : بفتح الجيم والشين المعجمة وبالراء، وهي: الدَّوابُّ الَّتي تَرْعَى وَتَبِيتُ
مَكَانَهَا. وَقَوْلُه: «يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضاً» أيْ: يُصَيِّرُ بَعْضُهَا بَعْضَاً رقيقاً: أيْ خَفِيفاً لِعِظَمِ مَا بَعْدَهُ، فالثَّانِي يُرَقّقُ الأَوَّلَ. وقيل مَعنَاهُ يُشَوِّقُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بتحسينهَا وَتَسويلِهَا، وقيل: يُشبِهُ بَعْضُها بَعضاً.
(1/431)

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإن أمَّتكم هذه جعل عافيتها في أولها» . قال القرطبي: المراد به زمان الخلفاء، الثلاثة إلى قتل عثمان فهذه كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة واستقامة أمرها وعافية دينها، فلما قتل عثمان هاجت الفتن ولم تزل ولا تزال إلى يوم القيامة.
قوله: «وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» . قال النووي: هذا من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -، وبدائع حكمه. وهذه قاعدة ينبغي الاعتناء بها، وهي أن الإِنسان يلتزم ألا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن يفعلوه.
وفي الحديث: وجوب طاعة الإمام وقتال من خرج عليه.

[669] وعن أَبي هُنَيْدَةَ وَائِلِ بن حُجرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَألَ سَلَمَةُ بن يَزيدَ الجُعفِيُّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أرأيتَ إنْ قامَت عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسألُونَا حَقَّهُم، وَيمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأعْرَضَ عنه، ثُمَّ سَألَهُ، فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْمَعْوا وَأَطِيعُوا، فإنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حملْتُمْ» . رواه مسلم.

فيه: وجوب السمع والطاعة للأمراء وإن لم يقوموا بحق الرعية.

[670] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا!» قالوا: يَا رسول الله، كَيْفَ تَأمُرُ
مَنْ أدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

الأثرة: استئثار ولاة الأمر بالأموال على المستحقين فيها. وقد ظهر ذلك، فهو من جملة معجزاته - صلى الله عليه وسلم -.
(1/432)

وفيه: دليل على عدم التعرُّض للأئمة - وإن جاروا - والاعتماد على مكافأة الله تعالى.

[671] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أطَاعَنِي، وَمَنْ يَعصِ الأميرَ فَقَدْ عَصَانِي» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في الحديث: وجوب طاعة الأمراء، وتحريم معصيتهم، وقد قال الله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء (80) ] .

[672] وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَره مِنْ أمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِرْ، فَإنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلطَانِ شِبْراً مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: الحث على الصبر على جور الولاة، ولزوم طاعتهم وعدم الخروج عليهم.
[673] وعن أَبي بكرة - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ أهانَ السُّلطَانَ أَهَانَهُ الله» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح. وَقَدْ سبق بعضها في أبواب.

فيه: وعيدٌ شديدٌ على من استخف بشأن السلطان ولم يسمع له ولم يطع لأمره.

81- باب النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات
إذا لَمْ يتعين عليه أَوْ تَدْعُ حاجة إِلَيْهِ
قَالَ الله تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلوّاً في
(1/433)

الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ للمُتَّقِينَ} [القصص (83) ] .

العلو: التكبُّر والاستكبار، والفساد: المعاصي والظلم.

[674] وعن أَبي سعيدٍ عبدِ الرحمنِ بن سَمُرَة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عَبْدَ الرَّحمن بن سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإمَارَةَ؛ فَإنّكَ إن أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: النهي عن سؤال الإِمارة وأن من سألها لا يعان عليها وكذلك غيرها من الولايات. وروى ابن المنذر عن أنس رفعه: «من طلب
القضاء واستعان عليه بالشغماء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله له ملكًا يسدده»
فيه: استحباب التكفير عن اليمين وفعل الخير قال الله تعالى: {وَلا تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة (224) ] .

[675] وعن أَبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إنِّي أرَاكَ ضَعِيفاً، وَإنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي. لا تَأمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» . رواه مسلم.

فيه: أن العاجز عن القيام بحقوق الإِمارة وتنفيذ أُمورها لا يجوز له أن يدخل فيها، وكذلك العاجز عن إصلاح مال اليتيم.

[676] وعنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، ألا تَسْتَعْمِلُني؟ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنّها أمانةٌ، وَإنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلا مَنْ أخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» . رواه مسلم.
(1/434)

قال القرطبي: ووجه ضعفه عنها: أن الغالب على أبي ذر، الزهادة في الدنيا، والإِعراض عنها، ومن كان كذلك لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها، وبمراعتها تنتظم مصالح الدين ويتم أمره.

[677] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتَكونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه البخاري.
فيه: كراهة الحرص على الإِمارة.
قال بعض السلف: أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة. يعني: لمن لم يقم بحقها ولم يعدل فيها.

82- باب حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور عَلَى اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم

قَالَ الله تَعَالَى: {الأَخِلاءُ يَوْمَئذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ} ... [الزخرف (67) ] .

قال ابن كثير: أي: كل صداقة وصحبة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عزَّ وجلّ، فإنه دائم بدوامه.
قلت: والصحبة ثلاث درجات: الأُولى: للدنيا، فهذه تزول بزوال سببها. الثانية: صحبةٌ على المعاصي، فإنها تنقلب عداوةً. الثالثة: صحبة الدين، فإنها تبقي في الدنيا والآخرة.

[678] عن أَبي سعيدٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَليفَةٍ إلا كَانَتْ
(1/435)

لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بالمَعْرُوفِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: الحث على اتخاذ وزراء صالحين لولاة الأمور. وأن من سعادة ولي الأمر صلاح جلسائه، ومن شقاوته فساد جلسائه.
وقد قال الشاعر:
لا تسل عن المرء وسل عن قرينه ... ?? ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي ... ???

[679] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أرَادَ اللهُ بِالأَمِيرِ خَيْراً، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صدقٍ، إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإنْ ذَكَرَ أعَانَهُ، وَإِذَا أرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ عَلَى شرط مسلم.

فيه: الحث على اتخاذ وزير صالح، وأن ذلك من علامة سعادة الوالي، والتحذير من وزير السوء، وأنه علامة على شقاوة الوالي.

83- باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما
من الولايات لمن سألها أَوْ حرص عليها فعرَّض بها

[680] عن أَبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَا وَرَجُلانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أحَدُهُمَا: يَا رسول الله، أمِّرْنَا عَلَى بَعْض مَا ولاكَ اللهُ - عز وجل -، وقال الآخَرُ مِثلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إنَّا وَاللهِ لا نُوَلِّي هَذَا العَمَلَ أحَداً سَألَهُ، أَوْ أحَداً حَرَصَ عَلَيْهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

سؤال الولاية والحرص عليها يشعر بأنه لم يَسعَ في ذلك لنفع الإِسلام والمسلمين، وإنما سعى لنفع نفسه بجمع الدنيا، وفي ذلك إهلاك له، وإفساد لأمر الناس دنيا وأُخرى.
(1/436)

كِتَاب الأَدَب

84- باب الحياء وفضله والحث على التخلق به

[681] عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَار وَهُوَ يَعِظُ أخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُ، فَإنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

الأدب: الأخذ بمكارم الأخلاق. والحياء: من الأدب وهو من الإيمان. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .

[682] وعن عمران بن حصينٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلمٍ: «الحياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» .

الحياء يكف صاحبه عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثه على مكارم الأخلاق ومعاليها. قال بعض السلف: رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءةً، فاستحالت ديانةً.

[683] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً: فَأفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إلهَ إِلا
(1/437)

الله، وَأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«البِضْعُ» بكسر الباءِ ويجوز فتحها: وَهُوَ مِنَ الثَّلاَثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ.
وَ «الشُّعْبَةُ» : القِطْعَةُ وَالْخَصْلَةُ. وَ «الإمَاطَةُ» : الإزَالَةُ. وَ «الأَذَى» : مَا يُؤْذِي كَحَجَرٍ وشوك وَطِينٍ ورماد وَقَذَرٍ وَنَحْو ذَلِكَ.

الإيمان: يطلق على جميع أمور الدين من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وفعل الجوارح.

[684] وعن أَبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإذَا رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ في وَجْهِه. متفقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ العلماءُ: حَقِيقَةُ الحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ القَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ في حَقِّ ذِي الحَقِّ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبي القاسم الْجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللهُ، قَالَ: الحَيَاءُ: رُؤيَةُ الآلاءِ - أيْ النِّعَمِ - ورُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى حَيَاءً. وَالله أعلم.

85- بابُ حفظ السِّر

قَالَ الله تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء (34) ] .

ذكر الآية في حفظ السر لأنه مما يعتاد التعاهد على كتمانه إما لفظًا أو بقرينة الحال.
[685] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ مِنْ أشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي
(1/438)

إِلَى الْمَرْأةِ وتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» . رواه مسلم.

الإفضاء: مباشرة البشرة، وهو كناية عن الجماع. وفي الحديث وعيدٌ شديدٌ على من ذكر تفاصيل ما يقع بيينه وبين امرأته حال الجماع.

[686] وعن عبدِ الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ - رضي الله عنه - حِيْنَ تأيَّمَتْ بِنْتُهُ حَفْصَةُ، قَالَ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ - رضي الله عنه -، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ؟ قَالَ: سأنْظُرُ فِي أمْرِي. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أنْ لا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصديق - رضي الله عنه -، فقلتُ: إنْ شِئْتَ أنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بنْتَ عُمَرَ، فَصَمتَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شَيْئاً! فَكُنْتُ عَلَيْهِ أوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثَ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا النبي - صلى الله عليه وسلم - فَأنْكَحْتُهَا إيَّاهُ. فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِيْنَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئاً؟ فقلتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرْجِعَ إِلَيْك فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلا أنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَهَا، فَلَمْ أكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَلَوْ تَرَكَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَقَبِلْتُهَا. رواه البخاري.
قوله: «تَأَيَّمَتْ» أيْ: صَارَتْ بِلا زَوْجٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا تُوُفِّيَ - رضي الله عنه -. ... «وَجَدْتَ» : غَضِبْتَ.

في هذا الحديث: عرض الإنسان موليته على أهل الخير.
وفيه: كتم السر والمبالغة في إخفائه.

[687] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنَّ أزْوَاجُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
(1/439)

عِنْدَهُ، فَأقْبَلَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشيتُها مِنْ مشْيَةِ ... رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شَيْئاً، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، وقال: «مَرْحَباً بابْنَتِي» ، ثُمَّ أجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكتْ بُكَاءً شَديداً، فَلَمَّا رَأى جَزَعَهَا، سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ، فقلتُ لَهَا: خَصَّكِ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بالسِّرَارِ، ثُمَّ أنْتِ تَبْكِينَ! فَلَمَّا قَامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سَألْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: مَا كُنْتُ لأُفْشِي عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ، لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالتْ: أمَّا الآن فَنَعَمْ، أمَّا حِيْنَ سَارَّنِي في المَرَّةِ الأُولَى فأخْبَرَنِي أنّ جِبْريلَ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرآنَ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَأنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإنِّي لا أُرَى الأجَلَ إِلا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أنَا لَكِ، فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأيْتِ، فَلَمَّا رَأى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ، أمَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤُمِنِينَ، أَوْ سَيَّدَةَ نِساءِ هذِهِ الأُمَّةِ؟» فَضَحِكتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأيْتِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلم.

في الحديث: تقديم المؤانسة قبل الإخبار بالأمر.
وفيه: أن جزاء الصبر على قدر عظم المصيبة.
وفيه: لطف المولى سبحانه من تعقيب الكسر بالجبر، والحزن بالفرح، والعسر باليسر.
وفيه: حفظ السر.

[688] وعن ثَابِتٍ عن أنس - رضي الله عنه - قال: أتَى عَلَيَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَأنَا ألْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَسَلمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَني فِي حاجَةٍ، فَأبْطَأتُ
(1/440)

عَلَى أُمِّي. فَلَمَّا جِئْتُ، قالت: مَا حَبَسَكَ؟ فقلتُ: بَعَثَني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِحَاجَةٍ، قالت: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إنَّهاَ سرٌّ. قالت: لا تُخْبِرَنَّ بِسرِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحَداً، قَالَ أنَسٌ: وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أحَداً لَحَدَّثْتُكَ بِهِ يَا ثَابِتُ. رواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصراً.

في الحديث: حسن خلقه - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه: أن حفظ السر يختلف باختلاف الأحوال، فتارةً يجوز إفشاؤه بعد الموت كما في حديث عائشة وفاطمة، وتارة لا يفشي. ولفظ البخاري عن أنس: (أسر النبي - صلى الله عليه وسلم - سرًا فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أمي أم سليم فما أخبرتها به) .

86- باب الوفاء بالعهد وَإنجاز الوَعد
قَالَ الله تَعَالَى: {وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء (34) ] .

أي: أوفوا بالعهد الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملون بها فإنَّ كلاً من العهد والعقد مسؤول عنه صاحبه: هل وفَّى به أم لا؟
وقال تَعَالَى: {وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل (91) ] .

يأمر تعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأَيمان المؤكدة، ولهذا قال: {وَلا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل (91) ] .
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة (1) ] .

قال ابن عباس: يعني: العهود: يعني: ما أحلَّ الله، وما حرَّم، وما حدَّ في القرآن كله ولا تغدروا، ولا تنكثوا.
وقال زيد بن أسلم: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
(1/441)

وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف (2، 3) ] .

المقت: أشد البغض. وفي الآية وعيٌد شديدٌ لمخالف الوعد، وناكث العهد.

[689] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
زَادَ في روايةٍ لمسلم: «وإنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ» .

[690] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ
كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو نوعان: اعتقادي، ... وعملي. فالاعتقادي: هو النفاق الأكبر، وصاحبه مع الكفار مخلد معهم في النار. قال الله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [التوبة (67، 68) ] .
وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً} [النساء (142) ] إلى آخر الآيات. والنفاق العملي: هو النفاق الأصغر وهو من كبائر الذنوب.
(1/442)

[691] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قَالَ لي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أعْطَيْتُكَ هكَذَا وَهَكَذَا» فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَينِ حَتَّى قُبِضَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أمَرَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأتِنَا، فَأتَيْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا، فَإذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، فَقَالَ لِي: خُذْ مِثْلَيْهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
لما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى الناس بمكارم الأخلاق أدى أبو بكر مواعيده عنه، ولم يسأله البينة على ما ادَّعاه.

87- باب المحافظة عَلَى مَا اعتاده من الخير
قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ} . [الرعد (11) ] .

أي: لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يُغِّيروا ما بأنفسهم فيعصوا ربهم.
وقال تَعَالَى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكَاثاً} [النحل (92) ] .
وَ «الأنْكَاثُ» : جَمْعُ نِكْثٍ، وَهُوَ الْغَزْلُ المَنْقُوضُ.

قال مجاهد وغيره: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. قال: كانوا يخالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك. والآية تتناول نقض سائر العهود؛ لأن القرآن يعم بلفظه ولا يُقْصَرُ على سبب نزوله، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ... [محمد (33) ] .
(1/443)

وقال تَعَالَى: {وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد (16) ] .
قال ابن عباس: مالوا على الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله.
قال البغوي: والمعنى أنَّ الله عزَّ وجلّ ينهى المؤمنين أن يكونوا - في صحبة القرآن - كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر.
وقال تَعَالَى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد (27) ] .

قال ابن كثير: أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عزَّ وجلّ.

[692] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عبْدَ الله، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من خير، وكراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبةً.
88- باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوَجه عند اللقاء
قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ} [الحجر (88) ] .

أي: لين جانبك، وتواضع للمؤمنين
وقال تَعَالَى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران (159) ] .
(1/444)

أي: لو كنت عنيفًا قاسي القلب لنفروا عنك.

[693] وعن عدي بن حاتمٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

أي: اتخذوا ما يقيكم من النار ولو كان يسيرًا من مال، أو خلق حسن.

[694] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ، وَهُوَ بعض حديث تقدم بطولِه.

الكلمة الطيبة: كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والشفاعة الحسنة، والإصلاح بين الناس ونحو ذلك.

[695] وعن أَبي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قال: قَالَ لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أنْ تَلْقَى أخَاكَ بوَجْهٍ طَلْيقٍ» . رواه مسلم

الوجه الطليق: هو المتهلل بالبشر والابتسام.
قال الشاعر:
بَشَاشَةُ وَجْهِ المَرْءِ خَيْرٌ مِنَ القِرَى ... فَكَيْفَ بِمَنْ يُقْرِي القِرَى وَهُوَ يَضْحَكُ

89- باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب
وتكريره ليفهم إذا لَمْ يفهم إِلا بذلك

[696] عن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةً أعَادَهَا ثَلاَثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثاً. رواه البخاري.
(1/445)

قال ابن بطال: إنما كان تكرار الكلام والسلام إذا خشي أن لا يفهم عنه، أو لا يسمع سلامه.
وفيه: أن الثلاث غاية ما يقع فيه البيان.
[697] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ كَلاَمُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلاماً فَصْلاً يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُهُ. رواه أَبُو داود.
أي: أن كلامه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيِّن ظاهر لكل من سمعه ليس فيه تعقيد ولا تطويل. قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعطيتُ جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا» . انتهى. وجوامع الكلم أن تجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل.

90- باب إصغاء الجليس لحديث جليسه
الذي ليس بحرام
واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه

[698] عن جرير بن عبدِ اللهِ - رضي الله عنه - قال: قَالَ لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» ثُمَّ قَالَ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: الأمر بالإنصات للعلماء والأمراء.
وفيه: وعيدٌ شديدٌ في التقاتل بين المسلمين، واجتناب الأسباب المؤدية إلى ذلك من التقاطع، والتحاسد، والتباغض، والتدابر والتظالم.
91- بابُ الوَعظ والاقتصاد فِيهِ
قَالَ الله تَعَالَى: {ادْعُ إِلَى سَبيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل (125) ] .
(1/446)

في هذه الآية: الأمر بالدعاء إلى دين الله، وتوحيده بالقرآن، وما فيه من المواعظ بلين ورفق من غير تغليظ، ولا تعنيف، ولهذا قال: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل (125) ] .

[699] وعن أَبي وائلٍ شقيقِ بن سَلَمَةَ، قَالَ: كَانَ ابنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - يُذَكِّرُنَا في كُلِّ خَمِيسٍ مرة، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: أمَا إنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أنَّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُمْ، وَإنِّي أتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
«يَتَخَوَّلُنَا» : يَتَعَهَّدُنَا.
الموعظة: الوعظ، وهو الترغيب في ثواب الله لمن أطاعه، والترهيب من عقابه لمن عصاه.
وفي الحديث: مراعاة الأوقات في التذكير، لأن النفوس من طبعها الملل مما يداوم عليه وإن كان محبوبًا لها.

[700] وعن أَبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقههِ، فأطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأقْصِرُوا الْخُطْبَةَ» . رواه مسلم
«مَئِنَّةٌ» بميم مفتوحة ثُمَّ همزة مكسورة ثُمَّ نون مشددة، أيْ: عَلاَمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى فِقْهِهِ.

إنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني، وجوامع الألفاظ فيتمكن من التعبير بالكلام الجزل المفيد.
[701] وعن مُعاوِيَة بن الحكم السُّلَمي - رضي الله عنه - قال: بَيْنَا
(1/447)

أنَا أُصَلّي مَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي القَوْمُ بِأبْصَارِهِمْ! فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأيديهم عَلَى أفْخَاذِهِمْ! فَلَمَّا رَأيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لكِنّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلّى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِأبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَني، وَلا ضَرَبَنِي، وَلا شَتَمَنِي. قَالَ: «إنَّ هذِهِ الصَّلاَةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِراءةُ القُرْآنِ» ، أَوْ كَمَا قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قلتُ: يَا رسول الله، إنّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإسْلاَمِ، وَإنَّ مِنّا رِجَالاً يَأتُونَ الْكُهّانَ؟ قَالَ: «فَلا تَأتِهِمْ» قُلْتُ: وَمِنّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَالَ: «ذَاكَ شَيْء يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدَّنَّهُمْ» . رواه مسلم.
«الثُكْلُ» بضم الثاءِ المُثلثة: المُصيبَةُ الفَجِيعَةُ. «مَا كَهَرَنِي» أيْ: مَا نَهَرَنِي.

قوله: «إنما هي التسبيح» ، أي: إنما الكلمات الصالحة فيها التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ونحو ذلك.
وفي رواية: إنما هو، أي: الذي يصلح في الصلاة التسبيح ونحوه.
وفي الحديث: أن من تكلم جاهلاً لا تبطل صلاته.
وفيه: النهي عن إتيان الكهان، والنهي عن التطير، وعن العمل بالطيرة.
[702] وعن العِرْباض بن ساريَةَ - رضي الله عنه - قال: وَعَظَنَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ ... وَذَكَرَ
(1/448)

الحَدِيثَ وَقَدْ سَبَقَ بِكَمَالِهِ في باب الأمْر بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّة، وَذَكَرْنَا أنَّ التَّرْمِذِيَّ، قَالَ: (إنّه حديث حسن صحيح) .

في الحديث: استحباب الموعظة بما يحرك القلوب من الكلام الجزل الجامع البليغ.

92- باب الوقار والسكينة

قَالَ الله تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمَاً} [الفرقان (63) ] .

الهون: السيكنة والوقار، أي: يمشون متواضعين غير أشرين، ولا مرحين، ولا متكبِّرين.
قال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا.
وقال الحسن البصري: إنَّ المؤمنين قوم ذلل ذلت منهم والله الأسماع، والأبصار، والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وما بالقوم من مرض وإنهم والله لأصحّاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة. فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجندَ ولكن أبكاهم الخوف من النار أنه من لم يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه عن الدنيا حسرات. ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قلَّ علمه، وحضر عذابه.
قال ابن كثير: والمراد بالهون هنا: لسكينة والوقار، وليس المراد أنهم يمشون كالمرض تصنُّعًا ورياء. فقد كان سيِّد ولد آدم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له.
[703] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مَا رَأيْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/449)

مُسْتَجْمِعاً قَطُّ ضَاحِكاً حَتَّى تُرَى مِنهُ لَهَوَاتُهُ إنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
«اللَّهْوَاتُ» جَمْعُ لَهَاةٍ: وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتي في أقْصى سَقْفِ الْفَمِ.

كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبتسم ويضحك ولا يبالغ في الضحك.

93- باب الندب إِلَى إتيان الصلاة
والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار
قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ} ... [الحج (32) ] .

أي: تعظيم أوامر الله ناشئ من تقوى قلوبهم.

[704] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَلا تَأتُوهَا وَأنْتُمْ تَسْعَونَ، وَأتُوهَا وَأنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أدْرَكْتُم فَصَلُّوا وَمَا فَاتكُمْ فَأَتِمُّوا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
زاد مسلِمٌ في روايةٍ لَهُ: «فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاَةِ فَهُوَ في صَلاَةٍ» .

قال النووي: السكينة: التأني في الحركات، واجتناب العبث والوقار في الهيئة كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.
قوله: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» ، أي: أكملوا ما بقي من صلاتكم.
(1/450)

[705] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَاءهُ زَجْراً شَديداً وَضَرْباً وَصَوْتاً للإِبْلِ، فَأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ، وقال: «أيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ، فَإنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بالإيضَاعِ» رواه البخاري، وروى مسلم بعضه.
«الْبِرُّ» : الطَّاعَةُ. وَ «الإيضَاعُ» بِضادٍ معجمةٍ قبلها ياءٌ وهمزةٌ مكسورةٌ، وَهُوَ: الإسْرَاعُ.

أي: أن البر ليس بالعجلة وإنما هو بالخضوع، والخشوع والاستكانة لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

94- باب إكرام الضيف

قَالَ الله تَعَالَى: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمَاً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ ألا تَأكُلُونَ} [الذاريات (24: 27) ] .

قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} ، فيه تعظيم لشأن هذا الحديث، وتنبيه على أنه إنما عرف ذلك بالوحي، {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً} ، أي: نسلم عليكم سلامًا. قال: {قَالَ سَلامٌ} ، أي: عليكم {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} ، أي: أنتم قوم لا نعرفكم، {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} ، أي: انسل خفيةً في سرعة، {فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} ، وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام بسرعة من حيث لا يشعرون وأتى بأفضل ما وجد من ماله ووضعه بين أيديهم، وقال: ألا تأكلون؟ على سبيل العرض والتلطف.
وقال تَعَالَى: {وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود (78) ] .
(1/451)

{وَجَاءهُ} ، أي: لوطًا {قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} يسرعون إليه عجلة لنيل مطلوبهم من أضيافه. {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي: يأتون الرجال، يعني هذه عادتهم من قبل. {قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي} ، أي: فتزوَّجوهن واتركوا أضيافي.
وقال الشيخ ابن سعدي: {وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} ، يريدون فعل الفاحشة بأضياف لوط. فقال: {يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} ، لعلمه أنه لا حق بهم فيهن كما عرض سليمان للمرأتين حين اختصما في الولد. فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. ومن المعلوم أنه لا يقع ذلك، وهذا مِثْلُه. ولهذا قال قومه: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود (79) ] ، وأيضًا يريد بعض العذر من أضيافه.

[706] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

إكرام الضيف تلقيه بطلاقة الوجه، وتعجيل قراه.
وفيه: أن إكرام الضيف، وصلة الرحم، وقول الخير، والصمات عن الشر من الإِيمان.
[707] وعن أَبي شُرَيْح خُوَيْلِدِ بن عَمرو الخُزَاعِيِّ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» قالوا: وَمَا جَائِزَتُهُ؟ يَا رسول الله، قَالَ: «يَوْمُهُ
(1/452)

وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لِمسلمٍ: «ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يُقِيمَ عِنْدَ أخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ» قالوا: يَا رسول الله، وَكيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: «يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلا شَيْءَ لَهُ يُقْرِيه بِهِ» .

قال العلماء: المطلوب من المضيف أن يبالغ في إكرام الضيف اليوم الأول وليلته، وفي باقي اليومين يأتي له بما تيسر من الإِكرام.
وفي الحديث: الحث على النظر إلى حال المضيف، والتخفيف عنه.

95- باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير

قَالَ الله تَعَالَى: {فَبَشَّرْ عبادِ الذينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فيتَّبِعُونَ أَحْسَنهُ} [الزمر (17، 18) ] .

التبشير: الإِخبار بما يَسرُّ، {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} ، أي: القرآن، ... {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ، أي: يعملون بما فيه.
وقال السدي: أحسن ما يؤمرون به. وقيل: أحسن الأُمور الخير فيها، كالعفو عن الظالم والعفو عن نصف الصداق، والعفو عن المعسر.
وقال تَعَالَى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} . [التوبة (21) ] .

هذه أعظم بشارة؛ لأنَّ الرب عزَّ وجلّ هو المبشر، والمبشر به الجنة، والخلود فيها، والرضوان من الله، والمبشرون المؤمنون.
وقال تَعَالَى: {وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتي كُنْتُم تُوعَدُونَ} . [فصلت (30) ] .

وهذه بشارة الملائكة للمؤمنين عند الموت.
وقال تَعَالَى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} [الصافات (101) ] .
(1/453)

وهو إسماعيل عليه السلام.
وقال تَعَالَى: {وَلَقدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبْراهِيمَ بِالبُشْرَى} [هود (69) ] .
وقال تَعَالَى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود (71) ] .

قال ابن كثير: فضحكت سارة استبشارًا بهلاك قوم لوط، لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإِياس.
وقال تَعَالَى: {فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران (39) ] .

قيل: سُمِّي محل الصلاة محرابًا لأنَّ المصلي يحارب فيه الشيطان. وقال تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمسِيحُ} [آل عمران (45) ] الآية.

قيل: سُمِّي عيسى عليه السلام كلمة لأنه كان بـ (كُنْ) .
والآيات في الباب كثيرة معلومة.
وأما الأحاديث فكثيرةٌ جِدّاً وهي مشهورة في الصحيح، مِنْهَا:

[708] عن أَبي إبراهيم، ويقال: أَبُو محمد، ويقال: أَبُو معاوية عبد اللهِ ابن أَبي أوفى رضي الله عنه: أنّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَّرَ خَدِيجَةَ رضي اللهُ عنها ببَيْتٍ في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ، وَلا نَصَبَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/454)

«القَصَبُ» : هُنَا اللُّؤْلُؤُ الْمُجَوَّفُ. وَ «الصَّخَبُ» : الصِّياحُ وَاللَّغَطُ. وَ «النَّصَبُ» : التَّعَبُ.

في هذا الحديث: فضل خديجة رضي الله عنها.
وفيه: أن الجنة لا تعب فيها؛ لأنها منزل تشريف وإجلال لا دار تكليف وأعمال.
[709] وعن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنَّهُ تَوَضَّأ في بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: لأَلْزَمَنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا، فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَألَ عَنِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: وجَّهَ ها هُنَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أثَرِهِ أسْألُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أريسٍ، فَجَلَسْتُ عِندَ البَابِ حتَّى قضى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حاجتهُ وتوضأ، فقمتُ إليهِ، فإذا هو قد جلسَ على بئرِ أريسٍ وتوَسَّطَ قُفَّهَا، وكشَفَ عنْ ساقيهِ ودلاهُما في البئرِ، فسلمتُ عَليهِ ثمَّ انصَرَفتُ، فجلستُ عِندَ البابِ، فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَدَفَعَ الْبَابَ، فقلتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فقُلتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهبْتُ، فقلتُ: يَا رسول الله، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَستَأْذِنُ، فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَأقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لأَبي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَشِّرُكَ بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكرٍ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَمينِ ... النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ في القُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ في البِئْرِ كَمَا صَنَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَجَلَسْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ أخِي يَتَوَضَّأ وَيَلْحَقُنِي، فقلتُ: إنْ يُرِدِ الله بِفُلانٍ – يُريدُ أخَاهُ – خَيْراً يَأتِ بِهِ.
فَإذَا إنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَاب، فقلتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بن الخَطّابِ، فقلتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ يَسْتَأذِنُ؟ فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ» فَجِئْتُ عُمَرَ، فقلتُ: أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القُفِّ عَنْ يَسَارِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ في البِئرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلتُ: إنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلاَنٍ خَيْراً – يَعْنِي أخَاهُ – يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إنْسَانٌ فَحَرَّكَ الْبَابَ.
(1/455)

فَقُلتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بن عَفَّانَ. فقلتُ: عَلَى رِسْلِكَ، وجِئْتُ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخْبَرْتُهُ، فقالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ» فَجِئْتُ، فقلتُ: ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصيبُكَ، فَدَخَلَ فَوجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ، فجلس وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخرِ. قَالَ سَعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وزاد في رواية: وأمرني رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحفظِ الباب. وَفيها: أنَّ عُثْمانَ حِيْنَ بَشَّرَهُ حَمِدَ اللهَ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: اللهُ المُسْتَعانُ.
وَقَوْلُه: «وَجَّهَ» بفتحِ الواوِ وتشديد الجيمِ. أيْ: تَوَجَّهَ. وَقَوْلُه: «بِئْر أَرِيْسٍ» هُوَ بفتح الهمزة وكسرِ الراءِ وبعدها ياءٌ مثناة من تحت ساكِنة ثُمَّ سِين مهملة وَهُوَ مصروف ومنهم من منع صرفه، وَ «القُفُّ» بضم القاف وتشديد الفاءِ: وَهُوَ المبنيُّ حول البئر. قَوْلُه: «عَلَى رِسْلِك» بكسر الراء عَلَى المشهور، وقيل: بفتحِهَا، أيْ: ارفق.

في هذا الحديث: حسن ثمرة لزوم الأدب.
وفيه: حسن الأدب في الاستئذان.
(1/456)

وفيه: الصبر على توقيع المصيبة وحمد الله تعالى على السراء والضراء
وفيه: التبشير بالخير.
[710] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما في نَفَرٍ، فَقَامَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَيْنِ أظْهُرِنَا فَأبْطَأ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أبْتَغِي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أتَيْتُ حَائِطاً للأنصَارِ لِبَني النَّجَارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أجِدُ لَهُ بَاباً؟ فَلَمْ أجِدْ! فَإذَا رَبيعٌ يَدْخُلُ في جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَهُ – وَالرَّبِيعُ: الجَدْوَلُ الصَّغِيرُ – فَاحْتَفَزْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقال: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟» فقلتُ: نَعَمْ، يَا رسول اللهِ، قَالَ: «مَا شأنُكَ؟» قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأبْطَأتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، ففزعنا، فَكُنْتُ أوّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأتَيْتُ هَذَا الحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وهؤلاء النَّاسُ وَرَائِي. فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيرَةَ» وَأعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أنْ لا إله إِلا الله مُسْتَيْقِنَاً بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ ... » وَذَكَرَ الحديثَ بطوله. رواه مسلم.
«الرَّبِيعُ» : النَّهْرُ الصَّغَيرُ، وَهُوَ الجَدْوَلُ - بفتح الجيمِ - كَمَا فَسَّرَهُ في الحديث. وَقَوْلُه: «احْتَفَزْتُ» روِي بالراء وبالزاي، ومعناه بالزاي: تَضَامَمْتُ وتَصَاغَرْتُ حَتَّى أمْكَنَنِي الدُّخُولُ.
في هذا الحديث: بشارةٌ عظيمةٌ لأهل التوحيد. وأن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه فله الجنة.

[711] وعن ابن شِمَاسَة، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العَاصِ - رضي الله عنه - وَهُوَ في سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلاً، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ،
(1/457)

فَجَعَلَ ابْنُهُ، يَقُولُ: يَا أبَتَاهُ، أمَا بَشَّرَكَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكَذَا؟ أمَا بَشَّرَكَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَذَا؟ فَأقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إنَّ أفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أنْ لا إلهَ إِلا الله، وَأنَّ مُحَمَّداً رسول اللهِ، إنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أطْبَاقٍ ثَلاَثٍ: لَقَدْ رَأيْتُنِي وَمَا أحَدٌ أشَدُّ بُغضاً لرسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِّي، وَلا أحَبَّ إليَّ مِنْ أنْ أكُونَ قدِ اسْتَمكنتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُه، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تلكَ الحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإسلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقُلْتُ: ابسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعُك، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قلتُ: أردتُ أنْ أشْتَرِطَ، قَالَ: «تَشْتَرِط مَاذا؟» قُلْتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: «أمَا عَلِمْتَ أن الإسلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأن الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبلَهَا، وَأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» وَمَا كَانَ أحدٌ أحَبَّ إليَّ مِنْ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلا أجَلَّ في عَيني مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطيقُ أن أملأ عَيني مِنْهُ؛ إجلالاً لَهُ، ولو سئلت أن أصفه مَا أطقت، لأني لَمْ أكن أملأ عيني مِنْهُ، ولو مُتُّ عَلَى تِلْكَ الحالِ لَرجَوْتُ أن أكُونَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ وَلِينَا أشْيَاءَ مَا أدْرِي مَا حَالِي فِيهَا؟ فَإذَا أنَا مُتُّ فَلا تَصحَبَنِّي نَائِحَةٌ وَلا نَارٌ، فَإذا دَفَنْتُمُونِي، فَشُنُّوا عَليَّ التُّرابَ شَنّاً، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأنْظُرَ مَا أُرَاجعُ بِهِ رسُلَ رَبّي. رواه مسلم.
قَوْله: «شُنُّوا» رُوِي بالشّين المعجمة والمهملةِ، أيْ: صُبُّوه قَليلاً قَليلاً، والله سبحانه أعلم.

في هذا الحديث: أنَّ المؤمن لا تفارقه خشية الله ولو عمل من الصالحات ما عمل، كما قال تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون (60) ] .
(1/458)

وفيه: إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين، واستحباب المكث بعد القبر، والدعاء له.
وفيه: كراهة استصحاب النار للميت إلا أن تدعو إليها حاجة.

96- باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر
وغيره والدعاء لَهُ وطلب الدعاء مِنْهُ

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قَالَ لِبَنيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وَإلهَ آبَائِكَ إبْراهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحاقَ إلهَاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ... [البقرة (132، 133) ] .
قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا} ، أي: بالملة، وكلمة الإِخلاص لا إله إلا الله {إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} ، ووصى بها أيضًا يعقوب بنيه فقالا: {إنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ} ، أي: دين الإسلام، {فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ، أي: دوموا على الإسلام حتى تموتوا. وقالت اليهود للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ألستَ تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ فردَّ الله عليهم بقوله {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قَالَ لِبَنيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وَإلهَ آبَائِكَ إبْراهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحاقَ إلهَاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ، وإسماعيل عم يعقوب، فهو من التغليب.
وأما الأحاديث:

[712] حديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه - الَّذِي سبق في بَابِ إكرام أهْلِ بَيْتِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قَامَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ الله، وَأثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعْدُ، ألا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أوَّلَهُمَا: كِتَابُ اللهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ
(1/459)

وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي» رواه مسلم، وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ.

في هذا الحديث: الحث على التمسُّك بكتاب الله، والاعتصام بحبله.
وفيه: التمسُّك بمحبَّة أهل بيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[713] وعن أَبي سليمان مالِك بن الحُوَيْرِثِ - رضي الله عنه - قَالَ: أَتَيْنَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَحِيماً رَفيقاً، فَظَنَّ أنّا قد اشْتَقْنَا أهْلَنَا، فَسَألَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أهْلِنَا، فَأخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ، فَأقِيمُوا فِيهمْ، وَعَلِّمُوهُم وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِيْنِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا في حِيْنِ كَذَا، فَإذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
زاد البخاري في رواية لَهُ: «وَصَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
قَوْلُه: «رحِيماً رَفِيقاً» رُوِيَ بِفاءٍ وقافٍ، وَرُوِيَ بقافينِ.

في الحديث: ما يدل على تساويهم فِي الأَخذ عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومدة الإِقامة عنده، فلم يبق إلا السن، فلهذا قال: «وليؤمكم أكبركم» ، وأما الأذان: فالقصد منه الإِعلام بدخول وقت الصلاة، فاستوى فيه الكامل وغيره، فلهذا قال: «فليؤذن لكم أحدكم» .

[714] وعن عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: اسْتأذَنْتُ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العُمْرَةِ، فَأذِنَ، وقال: «لا تَنْسَانَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ» فقالَ كَلِمَةً ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا.
وفي رواية قَالَ: «أشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ في دُعَائِكَ» . رواه أَبُو داود
(1/460)

والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: مزيد تواضعه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والحث على سؤال الدعاء من سائر المسلمين، وإن كان السائل أفضل.
[715] وعن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمر: أنَّ عبدَ اللهِ بن عُمَرَ رضي الله عنهما، كَانَ يَقُولُ للرَّجُلِ إِذَا أرَادَ سَفَراً: ادْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ كَمَا كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَدِّعُنَا، فَيَقُولُ: «أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ، وَأمَانَتَكَ، وَخَواتِيمَ عَمَلِكَ» رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ غريب) .

[716] وعن عبدِ الله بن يزيدَ الخطْمِيِّ الصحابيِّ - رضي الله عنه - قال: كَانَ ... رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أرَادَ أنْ يُوَدِّعَ الجَيشَ، قَالَ: «أسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكُمْ، وَأمَانَتَكُمْ، وَخَواتِيمَ أعْمَالِكُمْ» حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإسناد صحيح.

في الحديث: كمال فضله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتوديعه لأصحابه مع علو مقامه، وذكر الدين، لأن السفر مظنة التساهل في أمره والأمانة: التكاليف الشرعية، وذكر خواتيم الأعمال اهتمامًا بشأنها؛ لأن الأعمال بالخواتيم.

[717] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله إنّي أُرِيدُ سَفَراً، فَزَوِّدْنِي، فَقَالَ: «زَوَّدَكَ الله التَّقْوَى» قَالَ: زِدْنِي قَالَ: «وَغَفَرَ ذَنْبَكَ» قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

فيه: استحباب مجيء المسافر لأصحابه، وسؤاله دعاءهم، وعلم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقرينة حال السائل أن مراده الإِمداد بالدعاء، فلذا قال: «زودك الله التقوى» .

97-
(1/461)

باب الاستِخارة والمشاورة

قَالَ الله تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران (159) ] ، وقال تَعَالَى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى (38) ] أيْ: يَتَشَاوَرُونَ فِيهِ.
الاستخارة: سؤال خير الأمرين من الله تعالى. وفي المشاورة تطييب لقلوب الأصحاب، واستظهار رأي قد يخفى.

[718] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأمُورِ كُلِّهَا كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بِالأمْرِ، فَلْيَركعْ ركْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ ليقل: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وأسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيْمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ، وَأنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لِي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أمْرِي» أَوْ قَالَ: «عَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ، فاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي» أَوْ قَالَ: «عَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ؛ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أرْضِنِي بِهِ» قَالَ: «وَيُسَمِّيْ حَاجَتَهُ» رواه البخاري.

في هذا الحديث: استحباب الاستخارة في الأمور كلها. وورد في بعض الآثار (ما ندم من استخار الله وشاور المخلوقين) . وفي كلام الحكمة: أن الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا رجل، فالرجل من كان له رأي ويستشير. ونصف الرجل من كان له رأي ولا يستشير، أو ليس له رأي ويستشير. والناقص من لا رأي له، ولا يتشير.
(1/462)

98- باب استحباب الذهاب إِلَى العيد
وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
[719] عن جابر - رضي الله عنه - قال: كَانَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ يومُ عيدٍ خَالَفَ الطَّريقَ. رواه البخاري.
قَوْله: «خَالَفَ الطَّريقَ» يعني: ذَهَبَ في طريقٍ، وَرَجَعَ في طريقٍ آخَرَ.

قيل: يستحب أن يجعل الطريق للذهاب حيث لا يخشى الفوات.

[720] وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَريق الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَريقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ، دَخَلَ مِن الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. متفقٌ عَلَيْهِ.
ثنية العليا: هي المسماة الآن ريع الحمول، والسفلى: الشبيكة.

99- باب استحباب تقديم اليمين
في كل مَا هو من باب التكريم

كالوضوءِ وَالغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالنَّعْلِ وَالخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ وَدُخولِ الْمَسْجِدِ، وَالسِّوَاكِ، وَالاكْتِحَالِ، وَتقليم الأظْفار، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإبْطِ، وَحلقِ الرَّأسِ، وَالسّلامِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَالأكْلِ، والشُّربِ، وَالمُصافحَةِ، وَاسْتِلاَمِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، والخروجِ منَ الخلاءِ، والأخذ والعطاء وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ في معناه. ويُسْتَحَبُّ تَقديمُ
(1/463)

اليسارِ في ضدِ ذَلِكَ، كالامْتِخَاطِ وَالبُصَاقِ عن اليسار، ودخولِ الخَلاءِ، والخروج من المَسْجِدِ، وخَلْعِ الخُفِّ والنَّعْلِ والسراويلِ والثوبِ، والاسْتِنْجَاءِ وفِعلِ المُسْتَقْذرَاتِ وأشْبَاه ذَلِكَ.

الجامع لهذا أنه يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التطييب والتكريم، وتقديم اليسرى في كل ما هو من باب الإهانة والاستقذار.
قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بيَمينِهِ فَيْقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيْه} [الحاقة (19) ] الآيات، وقَالَ تَعَالَى: {فَأصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أصْحَابُ المَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ المَشْئَمَةِ مَا أصْحَابُ المَشْئَمَةِ} [الواقعة (8، 9) ] .

عن أبي عثمان قال: المؤمن يُعطى كتابه بيمينه في ستر من الله، فيقرأ سيَّئاته، فكلما قرأ سيئَّة تغيَّر لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيَّائته قد بُدِّلت حسنات. قال فعند ذلك يقول: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ} .
وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة (25) ] قال ابن السائب: تُلوى يده اليسرى خلف ظهره، ثم يُعطى كتابه.
وقال تعالى: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة (8، 9) ] .
قال ابن عباس: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أُخرجت الذرية من صلبه، وأصحاب المشأمة: هم الذين كانوا على شمال آدم.
وقال الحسن: أصحاب الميمنة: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله. وأصحاب المشأمة: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.

[721] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/464)

يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في شَأنِهِ كُلِّهِ: في طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم، واستحباب استعمال اليسرى في ما كان من باب الاستقذار. قال الشارح، ويكون إمساك السواك باليد اليمنى.
[722] وعنها قالت: كَانَتْ يَدُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اليُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتِ يده الْيُسْرَى لِخَلائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أذَىً. حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ.

الأذى: كالامتخاط، والاستنجاء، ونحو ذلك.

[723] وعن أم عطية رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لهن في غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ رضي الله عنها: «ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: استحباب التيامن في غسل الميت كاستحبابه في غسل الحي.

[724] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدأْ بِالشِّمَالِ. لِتَكُنْ اليُمْنَى أوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: استحباب البداءة باليمين في لبس النعل، وبالشمال في نزعها ويقاس على ذلك لبس الثوب، والسراويل ونحوها.

[725] وعن حفصة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ
(1/465)

يجعل يَمينَهُ لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ يَسَارَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ. رواه أَبُو داود وغيره.

[726] وعن أَبي هُريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا لَبِسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضَّأتُمْ، فَابْدَأوا بأيَامِنِكُمْ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح.

فيه: مشروعية البداءة بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى في الوضوء، وكذلك في الرجلين.
[727] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى مِنىً، فَأتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَىً ونحر، ثُمَّ قَالَ لِلحَلاقِ: «خُذْ» وأشَارَ إِلَى جَانِبهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: لما رمَى الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ الحَلاقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ - رضي الله عنه -، فَأعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فَقَالَ: «احْلِقْ» ، فَحَلَقَهُ فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» .

فيه: البدء بيمين المحلوق. وفيه: فضيلة أبي طلحة، وهو زوج أم سليم، وهو الذي حفر قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(1/466)

كتاب آداب الطعام

100- باب التسمية في أوله والحمد في آخره

[728] وعن عُمَرَ بنِ أبي سَلمة رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينكَ، وكُلْ مِمَّا يَليكَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: الأمر بالتسمية عند الأكل، والأكل باليمين، ومن الجانب الذي يليه.

[729] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بسم اللهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

فيه: أن من نسي التسمية عند أول الطعام أنه يقول إذا ذكر: بسم الله أوله وآخره.
[730] وعن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ لأَصْحَابِهِ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ؛ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أدْرَكْتُم المَبيتَ وَالعَشَاءَ» . رواه مسلم
(1/467)

فيه: أن الذكر يطرد الشيطان، فإن الشيطان يشارك الإنسان في كل شيء، قال لله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} [الإسراء (64) ] .

[731] وعن حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قال: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَاماً، لَمْ نَضَعْ أيدِينَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَاماً، فَجَاءتْ جَارِيَةٌ كَأنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيّ كأنَّمَا يُدْفَعُ، فَأخَذَ بِيَدهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسمُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَإنَّهُ جَاءَ بهذِهِ الجارية لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بهذا الأعرَابيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأخذْتُ بِيَدِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا» ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى وَأكَلَ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: التأدب مع الرئيس، وتعليم الجاهل والأخذ على يده.
[732] وعن أُمَيَّةَ بن مَخْشِيٍّ الصحابيِّ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسَاً، وَرَجُلٌ يَأكُلُ، فَلَمْ يُسَمِّ اللهَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ، قَالَ: بِسْمِ اللهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسمَ اللهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ» . رواه أَبُو داود والنسائي.

فيه: أن من لم يسم أكل معه الشيطان، فإذا سمى قاء الشيطان ما أكله.

[733] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأكُلُ طَعَاماً في سِتَّةٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فَجَاءَ أعْرَابِيٌّ، فَأكَلَهُ بلُقْمَتَيْنِ. فَقَالَ ...
(1/468)

رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

فيه: أنه إذا لم يسم على الطعام نزعت منه البركة.

[734] وعن أَبي أُمَامَة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ، قال: ... «الْحَمْدُ للهِ كَثِيراً طَيِّباً مُبَاركَاً فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنَىً عَنْهُ رَبَّنَا» . رواه البخاري.

معنى: «غير مَكْفِيٍّ» : أنه يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، ومعنى: «ولا مستغنى عنه» : أن كل خلقه محتاجون إليه كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر (15) ] .
قال الخطابي: المراد بهذا الدعاء كله الباري سبحانه وتعالى، والضمير يعود إليه. وقال صاحب " المطالع ": الضمير يعود على الطعام: قال الحربي: المكفي الإناء المقلوب للاستغناء عنه.
[735] وعن معاذِ بن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أكَلَ طَعَامَاً، فَقال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا الطعام، وَرَزَقنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قوله: «من غير حول مني» ، أي: حيلة، ولا قوة، قيل: (أشار به إلى طريقي التحصيل للطعام، فإن القوي يحصله ظاهرًا بقوته، والضعيف بحيلته. فأشار به إلى أن حصول ذلك بمحض الفضل من الله تعالى. ورواه أحمد بزيادة: «
(1/469)

ومن لبس ثوبًا فقال: الحمد الله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقد من ذنبه وما تأخر» .

101- باب لا يَعيبُ الطّعام واستحباب مَدحه

[736] وعن أَبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: مَا عَابَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامَاً قَطُّ، إن اشْتَهَاهُ أكَلَهُ، وَإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في تعييب الطعام كسر لقلب صاحبه، وفي مدحه الثناء على الله سبحانه وتعالى وجبر لقلب صاحبه.

[737] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ أهْلَهُ الأُدْمَ، فقالوا: مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ، ويقول: «نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: مدح التأدم بالخل. قال في القاموس: الخل ما حمض من عصير العنب وغيره نافع للمعدة، واللثة، والقروح الخبيثة، والحكة، ونهش الهوام، وأكل الأفيون، وحرق النار وأوجاع الأسنان وبخار حاره للاستقساء وعسر السمع والدوي والطنين.

102- باب مَا يقوله من حضر الطعام
وهو صائم إِذَا لَمْ يفطر
[738] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ» . رواه مسلم.
(1/470)

قَالَ العلماءُ: معنى «فَلْيُصَلِّ» : فَلْيَدْعُ، ومعنى «فَلْيطْعَمْ» : فَلْيَأْكُلْ.

المراد بالصوم هنا صيام التطوع.
وفي الحديث: الأمر بإجابة الداعي، واستحباب الأكل والإفطار، إن جبر قلب الداعي.
103- باب مَا يقوله من دُعي إِلَى طعام فتبعه غيره

[739] عن أَبي مسعود البَدْريِّ - رضي الله عنه - قال: دعا رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَعَامٍ صَنعَهُ لَهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ، قَالَ النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ هَذَا تَبِعَنَا، فَإنْ شِئْتَ أنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإنْ شِئْتَ رَجَعَ» . قَالَ: لا، بل آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ الله. متفقٌ عَلَيْهِ.

قال الشارح: هذا لا يخالف ما جاء في حديث آخر من اتباعه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنسًا رضي الله عنه لما دعاه الخياط للضيافة، لأن هذا محمول على ما إذا لم يعلم برضا رب المنزل فبخلاف ما إذا كان واثقًا برضاه.

104- باب الأكل مِمَّا يليه
ووعظه وتأديبه من يسيء أكله

[740] عن عمر بن أَبي سَلمَة رضي الله عنهما، قَالَ: كُنْتُ غُلاماً في حِجْرِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا غُلامُ، سَمِّ اللهَ تَعَالَى، وَكُلْ بِيَمينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قَوْله: «تَطِيشُ» بكسرِ الطاء وبعدها ياءٌ مثناة من تَحْت، معناه: تتحرك وتمتد إِلَى نَوَاحِي الصَّحْفَةِ.

في هذا الحديث: آداب الأكل والأمر بالأكل مما يليه إذا كان لونًا واحدًا.
(1/471)

[741] وعن سلمةَ بن الأَكْوَع - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قَالَ: لا أسْتَطِيعُ. قَالَ: «لا اسْتَطَعْتَ» ! مَا مَنَعَهُ إِلا الكِبْرُ! فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رواه مسلم.

دعا عليه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما رأى من عناده وكبره عن الانقياد للحق.

105- باب النّهي عن القِرَانِ بين تمرتين ونحوهما
إِذَا أكل جماعة إِلا بإذن رفقته

[742] عن جَبَلَة بن سُحَيْم، قَالَ: أصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابن الزُّبَيْرِ؛ فَرُزِقْنَا تَمْراً، وَكَانَ عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما يَمُرُّ بنا ونحن نَأكُلُ، فَيقُولُ: لا تُقَارِنُوا، فإنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عنِ الاقرَانِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِلا أنْ يَسْتَأذِنَ الرَّجُلُ أخَاهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

قال العلماء: إن كان يعلم رضا الشركاء بقرنه بينهما جاز مع الكراهة والنهي عن القرآن من حسن الأدب في الأكل.
قوله: (نهى عن الإقران) : قال ابن الأثير: كذا روي، والأصل القران.

106- باب مَا يقوله ويفعله من يأكل وَلا يشبع

[743] عن وَحْشِيِّ بن حرب - رضي الله عنه - أنَّ أصحابَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا نَأكُلُ وَلا نَشْبَعُ؟ قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ» قالوا: نَعَمْ. قال: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» رواه أَبُو داود.

فيه: أنَّ البركة تنزل مع الجماعة. زاد الطبراني من حديث ابن عمر: «فإن
(1/472)

طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة» .

107- باب الأمر بالأكل من جانب القصعة
والنهي عن الأكل من وسطها

فِيهِ: قَوْله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . متفق عَلَيْهِ كما سبق.
[744] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «البَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطعَامِ؛ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ، وَلا تَأكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال الشافعي: فإن أكل مما يملي غيره أو من رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله، إذا كان عالمًا بنهي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[745] وعن عبد الله بن بُسْرٍ - رضي الله عنه - قال: كَانَ للنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا: الغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أرْبَعَةُ رجالٍ؛ فَلَمَّا أضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ؛ يعني وَقَدْ ثُردَ فِيهَا، فَالتَفُّوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ أعرابيٌّ: مَا هذِهِ الجِلْسَةُ؟ قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْداً كَريماً، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً عَنِيداً» ، ثُمَّ قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَها يُبَارَكْ فِيه» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيد.
«ذِرْوَتها» : أعْلاَهَا بكسر الذال وضمها.

قوله: (الغراء) : قال المنذر: سميت غراء لبياضها بالألية والشحم، أو لبياض برها، أو لبياضها باللبن. وقال غيره: سميت بذلك لنفاسة ما فيها،
(1/473)

أو لكثرة ما تسعه. وروى أحمد من حديث ابن بسر قال: كان للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جفنة لها أربع حلق.
وقوله: (جثًا) أي: قعد على ركبتيه جالسًا على ظهور قدميه.
وفيه: استحباب هذه الجلسة عند ضيق المجلس وأن الأكل من الجوانب مع ذكر الله تعالى سبب لحصول البركة.

108- باب كراهية الأكل متكئاً
[746] عن أَبي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا آكُلُ مُتَّكِئاً» رواه البخاري.
قَالَ الخَطَّابِيُّ: المُتَّكئُ هُنَا: هُوَ الجالِسُ مُعْتَمِداً عَلَى وِطَاءٍ تحته، قَالَ: وأرادَ أنَّهُ لا يَقْعُدُ عَلَى الوِطَاءِ وَالوَسَائِدِ كَفِعْل مَنْ يُريدُ الإكْثَارَ مِنَ الطَّعَام، بل يَقْعُدُ مُسْتَوفِزاً لا مُسْتَوطِئاً، وَيَأكُلُ بُلْغَةً. هَذَا كلامُ الخَطَّابيِّ، وأشارَ غَيْرُهُ إِلَى أنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ المائِلُ عَلَى جَنْبِه، والله أعلم.

كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يأكل متربعًا، ولا على جنب، فأما الأكل متكئًا على جنب فهو فعل أهل الكبر وهو مكروه، والأكل متربعًا جائز.

[747] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِساً مُقْعِياً يَأكُلُ تَمْراً. رواه مسلم.
«المُقْعِي» : هُوَ الَّذِي يُلْصِقُ أَلْيَتَيْهِ بالأرض، وَيَنْصِبُ سَاقَيْهِ.

الإقعاء: هنا الاحتباء.
(1/474)

وفيه: تواضعه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غاية التواضع.

109- باب استحباب الأكل بثلاث أصابع
واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها
واستحباب لعق القصعة وأخذ اللقمة الَّتي تسقط منه وأكلها
وجواز مسحها بعد اللعق بالكف والقدم وغيرهما

يستحب لعق الأصابع بعد فراغه من الأكل. وأما لعقها في أثناء الأكل فمكروه؛ لأنه يعيدها إلى الطعام وعليها أثر ريقه.

[748] عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «إِذَا أكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً، فَلا يَمْسَحْ أَصَابِعَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَها» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
أي: يلعقها هو، أو يلعقها أهله، أو ولده، أو خادمه ومن لا يستقذر منه. قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الطرفه، فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح.

[749] وعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: رأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأكُلُ بثَلاَثِ أصابعَ، فإذا فَرَغَ لَعِقَهَا. رواه مسلم.

يستحب الأكل بثلاث أصابع إذا كان الطعام غير مائع. وما ورد أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكل بخمس فمحمول على بيان الجواز.

[750] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: «إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَةُ» . رواه مسلم
(1/475)

قيل: أن البركة هنا والله أعلم ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى. ويقوي على الطاعة وغير ذلك. وقد تكون العلة هنا أن لا يتهاون بقليل الطعام أي الباقي في آخر القصعة، أو الساقط.

[751] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ، فَلْيأخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَان، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بالمِنْدِيل حَتَّى يَلْعَقَ أصَابِعَهُ، فَإنَّهُ لا يَدْري في أيِّ طَعَامِهِ البَرَكَةُ» . رواه مسلم.

في الحديث: استحباب إماطة التراب ونحوه عن اللقمة إذا سقطت، وأكلها تحرصًا على البركة، وحملاً للنفس على التواضع ومعاملة للشيطان بنقيض قصده.
[752] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فإذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا للشَّيْطَانِ، فإذا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أصابِعَهُ، فإنَّهُ لا يَدْري في أيِّ طعامِهِ البَرَكَةُ» . رواه مسلم.

فيه: التحذير من الشيطان، والتنبيه على ملازمته الإنسان في سائر تصرفاته، فينبغي أن يتأهب ويحترز منه ولا يغتر بما يزينه له ليلهيه عن ذكر الله تعالى.

[753] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أكَلَ طَعَاماً، لَعِقَ أصَابِعَهُ الثَّلاَثَ، وقال: «إِذَا سقَطَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ
(1/476)

فَلْيُمِطْ عنها الأذى، وَليَأكُلْهَا، وَلا يَدَعْها لِلْشَّيْطَان» وأمَرَنا أن نَسْلُتَ القَصْعَةَ، وقال: ... «إنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَةُ» . رواه مسلم.

قوله: (لعق أصابعه الثلاث) ، أي: إذا اقتصر بالأكل عليها كما هو غالب أكله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأما إذا أكل بالخمس فيلعق الجميع.

[754] وعن سعيد بنِ الحارث: أنّه سأل جابراً - رضي الله عنه - عنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَقَالَ: لا، قَدْ كُنَّا زَمَنَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ من الطَّعامِ إِلا قليلاً، فإذا نَحْنُ وجَدْنَاهُ، لَمْ يَكُنْ لنا مَنَادِيلُ إِلا أكُفَّنا، وسَواعِدَنَا، وأقْدامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نَتَوَضَّأُ. رواه البخاري.

في الحديث: دليل على عدم وجوب الوضوء من أكل ما مسته النار بطبخ ونحوه، وجواز مسح وَضَرِ الطعام بعد اللعق بأطراف البدن.

110- باب تكثير الأيدي عَلَى الطعام
[755] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «طَعَامُ الاثنينِ كافِي الثلاثةِ، وطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كافي الأربعة» . متفق عَلَيْهِ.

المراد بهذا الحديث: الحض على المكارمة، والتقنع بالكفاية.
وفيه: استحباب الاجتماع على الطعام وإن الجمع كلما كثر زادت البركة. وعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا، طعام الواحد يكفي الاثنين» .

[756] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/477)

يقول: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» . رواه مسلم.

يعني إذا اجتمعوا كفاهم. وعند الطبراني عن ابن عمر بلفظ «طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، فاجتمعوا عليه ولا تفرقوا» .

111- باب آداب الشرب واستحباب التنفس ثلاثاً
خارج الإناء وكراهة التَّنَفُّس في الإناء واستحباب إدارة
الإناء عَلَى الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ

[757] عن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَنَفَّسُ في الشَّرابِ ثَلاثاً. متفق عَلَيْهِ.
يعني: يتنفس خارجَ الإناءِ.

فيه: استحباب التنفس في الشراب ثلاثًا، ويجوز بنفس واحد كما ورد في بعض الرويات.

[758] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَشْرَبُوا وَاحِداً كَشُرْبِ البَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاَثَ، وَسَمُّوا إِذَا أنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أنْتُمْ رَفَعْتُمْ» . رواه الترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حسن) .

النهي عن الشرب من نفس واحد للتنزيه. قال عمر بن عبد العزيز: إنما نهي عن التنفس داخل الإناء. أما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفسٍ واحد.
وفي الحديث: الأمر بالتسمية عند الشراب، والحمد عند الفراغ.
(1/478)

[759] وعن أَبي قَتَادَة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أنْ يُتَنَفَّسَ في الإناءِ. متفق عَلَيْهِ.
يعني: يتنفس في نفس الإناءِ.

النهي عن التنفس في الشرب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب لئلا يتقذر به من البزاق أو أثر رائحة كريهة تعلق بالماء.

[760] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بماءٍ، وَعَنْ يَمِينهِ أعْرَابيٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْر - رضي الله عنه -، فَشَرِبَ، ثُمَّ أعْطَى الأعْرابيَّ، وقال: «الأيْمَنَ فالأيْمَنَ» متفق عَلَيْهِ.
قَوْله: «شِيب» أيْ: خُلِطَ.
كانت العادة جارية بتقديم الأيمن في الشرب وغيره، فبيَّن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفعله وقوله أن تلك العادة لم يغيرها الشرع، وأن السنَّة تقديم الأيمن وإن كان الأيسر أفضل منه.

[761] وعن سهلِ بن سعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِشرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أشْيَاخٌ، فَقَالَ للغُلامِ: «أتَأْذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاَءِ؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا واللهِ، لا أُوثِرُ بنَصيبي مِنْكَ أَحَداً. فَتَلَّهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قَوْله: «تَلَّهُ» أيْ وَضَعَهُ. وهذا الغلامُ هُوَ ابْنُ عباس رضي الله عنهما.
قال ابن الجوزي: إنما استأذن الغلام دون الأعرابي، لأنه لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام.
(1/479)

112- باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها
وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم
[762] عن أَبي سعيدٍ الْخُدْريِّ - رضي الله عنه - قال: نَهَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ. يعني: أن تُكْسَرَ أفْواهُها، وَيُشْرَبَ مِنْهَا. متفق عَلَيْهِ.

سبب النهي أن رجلاً شرب من سقاء فانساب في بطنه جيان، فنهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن اختناث الأسقية.

[763] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نَهَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ أَوْ القِرْبَةِ. متفق عَلَيْهِ.

[764] وعن أم ثابتٍ كَبْشَةَ بنتِ ثابتٍ أُختِ حَسَّانَ بن ثابتٍ رضي الله عنهما، قالت: دخل عَلَيَّ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَرِبَ مِنْ فيِّ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِماً، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
وإنّما قَطَعَتْهَا: لِتَحْفَظَ مَوْضِع فَمِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَتَبَرَّكَ بِهِ، وتَصُونَهُ عَن الابْتِذَال. وهذا الحديث محمولٌ عَلَى بيان الجواز، والحديثان السابقان لبيان الأفضل والأكمل، والله أعلم.

في الحديث: دليل على بيان أن النهي عن الشرب من فم القربة، وعن القيام حال الشرب ليس على سبيل التحريم بل على سبيل التنزيه. أو أنه فعل ذلك لعدم إمكان الشرب حينئذٍ إلا كذلك.
(1/480)

113- باب كراهة النفخ في الشراب

[765] عن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَن النَّفْخ في الشَّرَاب، فَقَالَ رَجُلٌ: القَذَاةُ أراها في الإناءِ؟ فَقَالَ: «أهرقها» . قَالَ: إنِّي لا أرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحدٍ؟ قَالَ: «فَأَبِنِ القَدَحَ إِذَاً عَنْ فِيكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
[766] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يُتَنَفَّسَ في الإناءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

النهي عن النفخ في الإناء والتنفس فيه لئلا يقذر الشراب أو الطعام.

114- باب بيان جواز الشرب قائماً
وبيان أنَّ الأكمل والأفضل الشرب قاعداً
فِيهِ حديث كبشة السابق.

دخل عَلَيَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فشرب من فِيٍّ قربة معلقة.

[767] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: سَقَيْتُ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَمْزَمَ، فَشَربَ وَهُوَ قَائِمٌ. متفق عَلَيْهِ.

فيه: جواز الشرب قائمًا لعذر. قيل: إنما شرب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قائمًا لضيق المحل عن التمكن من الجلوس للشرب.

[768] وعن النَّزَّالِ بن سَبْرَةَ - رضي الله عنه - قال: أَتَى عَلِيٌّ - رضي الله عنه - بَابَ الرَّحْبَةِ بماءٍ، فَشَربَ قائِماً، وقال: إنِّي رَأَيْتُ رسولَ
(1/481)

الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كما رَأَيْتُمُوني فَعَلْتُ. رواه البخاري.

فيه: دليل على جواز الشرب قائمًا في بعض الأحيان.

[769] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: كُنَّا نَأكُلُ عَلَى عهدِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نمشِي، وَنَشْرَبُ ونَحْنُ قِيامٌ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ صَحيحٌ) .

هذا محمول على أنه جائز، أي لا يحرم وإن كان منهيًا عنه، فالنهي فيه للتنزيه.

[770] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّهِ - رضي الله عنه - قال: رأيتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْرَبُ قَائِماً وقَاعِداً. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

وهذا أيضًا محمول عند الجمهور على بيان الجواز أو أن ضرورة ضيق المحل حملته على ذلك. وأما شربه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاعدًا فهو الأكثر.
[771] وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه نَهى أن يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِماً. قَالَ قتادة: فَقُلْنَا لأَنَسٍ: فالأَكْلُ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَشَرُّ - أَوْ أخْبَثُ - رواه مسلم.
وفي رواية لَهُ: أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَجَرَ عَن الشُّرْب قائِماً.

قال الحافظ: وإنما جعل الأكل شرًا لطول زمانه بالنسبة لزمان الشرب.

[772] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «
(1/482)

لا يَشْرَبَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئ» . رواه مسلم

النهي محمول على التنزيه، والتقيؤ محمول على الاستحباب إذا لم يكن الشرب قائمًا لعذر.

115- باب استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً

[773] عن أَبي قتادة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ساقي القوم آخِرُهُمْ شُرْباً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال النووي: هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما وفي معناه من يفرق على الجماعة مأكولاً كلحم وفاكهة وغيرهما، فليكن المفرق آخرهم تناولاً منه لنفسه.

116- باب جواز الشرب
من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة
وجواز الكرع
- وَهُوَ الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد -
وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل
والطهارة وسائر وجوه الاستعمال

[774] عن أنس - رضي الله عنه - قال: حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فقامَ مَن كَانَ قَريبَ الدَّارِ إِلَى أهْلِهِ، وبَقِيَ قَوْمٌ، فأُتِيَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قالوا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وزيادة. متفق عَلَيْهِ، هذه رواية البخاري.
وفي رواية لَهُ ولمسلم: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا بإناءٍ مِنْ ماءٍ، فَأُتِيَ بقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ماءٍ، فَوَضَعَ أصابعَهُ فِيهِ. قَالَ أنسٌ: فَجَعلْتُ أنْظُرُ
(1/483)

إِلَى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْن أصَابِعِهِ، فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأ منه مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانينَ.

في الحديث: علم من أعلام النبوة. والرحراح: الواسع المنبسط قريب القعر.
وفيه: جواز الوضوء من إناء الخشب ونحوه.

[775] وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: أتَانَا النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْر فَتَوَضَّأَ. رواه البخاري.
«الصُّفْر» : بضم الصاد، ويجوز كسرها، وَهُوَ النُّحاس، و «التَّوْر» : كالقدح، وَهُوَ بالتاء المثناة من فوق.

فيه: جواز الوضوء في إناء الصفر ونحوه.

[776] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِن الأَنْصَارِ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ باتَ هذِهِ اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ وَإلا كَرَعْنَا» . رواه البخاري.
«الشنّ» : القِربة.

في الحديث: جواز الكرع للحاجة إليه.

[777] وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: إنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا عَن الحَرِير، وَالدِّيباجِ، والشُّربِ في آنِيَة الذَّهَب والفِضَّةِ، وقال: «هي لَهُمْ في الدُّنْيَا، وهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/484)

الديباج: نوع من الحرير، وعطفه عليه من عطف العام على الخاص.
وفيه: تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، ولبس الحرير، وأن ذلك للكفار في الدنيا، وللمؤمن في الآخرة.
[778] وعن أُمِّ سلمة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلم: «إنَّ الَّذِي يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ وَالذَّهَبِ» .
وفي رواية لَهُ: «مَنْ شَرِبَ في إناءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَاً مِنْ جَهَنَّم» .

فيه: الوعيد الشديد في استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ويقاس على ذلك سائر الاستعمالات.
(1/485)

كتَاب اللّبَاس

117- باب استحباب الثوب الأبيض، وجواز الأحمر والأخضر
والأصفر والأسود،
وجوازه من قطن وشعر وصوف وغيرها إِلا الحرير

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَاري سَوْآتِكُمْ} [الأعراف (26) ] .

قوله: {أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ} ، أي: خلقنا لكم، ولما كان بقضاء سماوي، وأسباب من السماء. قال: {وَأَنزَلْنَا} وسُمِّيت العورة سوأة؛ لأنه يسوء انكشافها. والريش: ما يتجمَّل به ظاهرًا. وعن عليَّ مرفوعًا أنه لبس ثوبًا، فقال حين لبسه: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمَّل به في الناس، وأُواري به عورتي» . رواه الإمام أحمد.
وقال تَعَالَى: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} [النحل (81) ] .

قوله: {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أي: والبرد اكتفاء بدلالة قرينة عليه بالأولى. {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} ، أي: حربكم كالدروع ونحوها.
[779] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ... «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ البَيَاضَ؛ فَإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
(1/486)

في الحديث: استحباب لبس البياض، وأنه أطيب من غيره من سائر الألوان.

[780] وعن سَمُرَة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَسُوا البَيَاضَ؛ فَإنَّهَا أطْهَرُ وَأطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . رواه النسائي والحاكم، وقال: «حديث صحيح» .

قوله: «فإنها أطهر» ، أي لأنها لنقائها يظهر ما يخالطاها من الدنس وإن قل.
وقوله: «أطيب» ، أي: لسلامتها غالبًا عن الخيلاء

[781] وعن البراءِ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْبُوعاً، وَلَقَدْ رَأيْتُهُ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأيْتُ شَيْئاً قَطُّ أحْسَنَ مِنْهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

الحلة: ثوبان من جنس واحد.
قوله: «حمراء» : قال الحافظ ابن حجر: هي ثياب ذات خطوط.

[782] وعن أَبي جُحَيفَةَ وَهْب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: رَأيتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمكّةَ وَهُوَ بالأبْطَحِ في قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدمِ، فَخَرَجَ بِلاَلٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، فَخَرَجَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعليه حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأنِّي أنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، فَتَوَضّأ وَأذَّنَ بِلاَلٌ، فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ فَاهُ ها هُنَا وَهَا هُنَا، يقولُ يَمِيناً وَشِمَالاً: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ لا يُمْنَعُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/487)

«العنَزة» بفتح النون: نحو العُكازَة.

في الحديث: جواز لبس الأحمر.
وفيه: مشروعية السترة للمصلي، وأن المار من ورائها لا يضر المصلي.
وفيه: مشروعية الالتفات في الأذان يمينًا عند قوله: حي على الصلاة، وشمالاً عند قوله: حي على الفلاح.

[783] وعن أَبي رمْثَة رفَاعَةَ التَّيْمِيِّ - رضي الله عنه - قال: رأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعليه ثوبانِ أخْضَرَان. رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح.

في الحديث: جواز لبس الأخضر
قال ابن بطال: الثياب الخضر من لباس أهل الجنة، وكفى بذلك شرفًا.

[784] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاء. رواه مسلم.

في الحديث: جواز لبس الأسود.

[785] وعن أَبي سعيد عمرو بن حُرَيْثٍ - رضي الله عنه - قال: كأنّي أنْظُرُ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعليه عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ النَّاسَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
(1/488)

فيه: استحباب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين.

[786] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كُفِّنَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثلاثةِ أثْوَاب بيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.
«السَّحُولِيَّة» بفتح السين وضمها وضم الحاء المهملتين: ثيابٌ تُنْسَبُ إِلَى سَحُول: قَرْيَة باليَمنِ «وَالكُرْسُف» : القُطْنُ.

هذا أفضل الكفن من العدد للرجال، ومن الألوان للرجال والنساء.

[787] وعنها قالت: خرج رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مرَحَّلٌ مِنْ شَعرٍ أسْوَد. رواه مسلم.
«المِرْط» بكسر الميم: وَهُوَ كساءٌ وَ «المُرَحَّلُ» بالحاء المهملة: هُوَ الَّذِي فِيهِ صورةُ رحال الإبل، وهِيَ الأَكْوَارُ.

في الحديث: جواز تصوير ما لا روح فيه، وجواز لبسه ولبس الشعر.

[788] وعن المغيرة بن شُعْبَةَ - رضي الله عنه - قال: كُنْتُ مَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذاتَ لَيْلَةٍ في مسير، فَقَالَ لي: «أمَعَكَ مَاءٌ؟» قلتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى في سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أخْرَجَهُمَا مِنْ أسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ أهْوَيْتُ لأَنْزَعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» وَمَسحَ عَلَيْهِمَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/489)

وفي رواية: وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّيْنِ.
وفي رواية: أنَّ هذِهِ القَضِيَّةَ كَانَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

في الحديث: استحباب الإبعاد لقضاء الحاجة، وجواز لبس الصوف.
وفيه: مشروعية مسح الخفين إذا لبسهما على طهارة.

118- باب استحباب القميص

[789] عن أُمِّ سَلَمَة رضي الله عنها قالت: كَانَ أحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَمِيص. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: وجه أحبية القميص أنه أستر للأعضاء من الإزار، والرداء لأنه أقل مؤنة، وأخف على البدن، ولابسه أكثر تواضعًا. وروي أنه كان قميص رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطنًا قصير الطول والكمين.

119- باب صفة طول القميص والكُم والإزار
وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء
وكراهته من غير خيلاء
[790] عن أسماءَ بنتِ يزيد الأنصاريَّةِ رَضِيَ الله عنها، قالت: كَانَ كُمُّ قَمِيص رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرُّسْغِ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الرسغ: مفصل الساعد والكف. قال ابن الجزري: فيه دليل أن لا يجاوز بكم القميص الرسغ. وأما غير القميص فالسنَّة أن لا بجاوز رؤوس الأصابع.

[791] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ جَرَّ
(1/490)

ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رسول الله، إنَّ إزاري يَسْتَرْخِي إِلا أنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ» . رواه البخاري وروى مسلم بعضه.

فيه: وعيدٌ شديدٌ لمن سحب ثوبه تكبرً وإعجابًا بنفسه.
وفيه: أن من وقع له ذلك بغير قصد لا محظور فيه، وأن الأحكام تختلف بسحب النية.

[792] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزاره بَطَراً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

إنما ذكر الإزار، لأنهم كانوا إذ ذاك يلبسون الإزار والأردية، والوعيد الشامل لجميع أنواع الثياب.

[793] وعنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أسْفَل مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإزْارِ فَفِي النار» رواه البخاري.

قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن لابسه. ومعناه: أن ما دون الكعب من القدم يعذب عقوبة. ومحل الكراهة إذا لم يكن عذر من جروح في قدمه ونحوها.
[794] وعن أَبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فقَرأها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثَ مِرار، قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا
(1/491)

وَخَسِرُوا! مَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكاذِبِ» . رواه مسلم
وفي رواية لَهُ: «المُسْبِلُ إزَارَهُ» .

فيه: الوعيد الشديد لهؤلاء الثلاثة.

[795] وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الإسْبَالُ في الإزار، وَالقَمِيصِ، وَالعِمَامةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئاً خُيَلاءَ لَمْ ينْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه أَبُو داود والنسائي بإسناد صحيح.

فيه: أن الوعيد شامل لجميع الملبوسات.
[796] وعن أَبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيْم - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ رَجُلاً يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيهِ، لا يَقُولُ شَيْئاً إِلا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالوا: رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسول الله – مرّتين – قَالَ: «لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتَى، قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: أنْتَ رسول اللهِ؟ قَالَ: «أنَا رسول الله الَّذِي إِذَا أصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَه عَنْكَ، وَإِذَا أصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلاَةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ» قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ. قَالَ: «لا تَسُبَّنَ أحَداً» قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرّاً، وَلا عَبْداً، وَلا بَعِيراً، وَلا شَاةً، «ولا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وأَنْ تُكَلِّمَ أخَاكَ وَأنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ، إنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإنْ أبَيْتَ فَإلَى الكَعْبَينِ،
(1/492)

وَإيَّاكَ وَإسْبَالَ الإزَار فَإنَّهَا مِنَ المخِيلَةِ. وَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المَخِيلَةَ؛ وَإن امْرُؤٌ شَتَمَكَ وعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ» . رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: أن الإزار يكون رفعه من نصف الساق إلى الكعبين. وأن الإسبال لا يجوز لأنه من الاختيال، والكبر، والإعجاب.
[797] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما رَجُلٌ يُصَلَّي مسبلٌ إزَارَهُ، قَالَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأ» فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: ... «اذْهَبْ فَتَوَضّأ» فَقَالَ لَهُ رجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، مَا لَكَ أمَرْتَهُ أنْ يَتَوَضّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «إنّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ، وَإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مُسْبلٍ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم.

يقال: إنما أمره بإعادة الوضوء ليكون مكفرًا لذنبه كما ورد أن الطهور مكفر للذنوب ولم يأمره بإعادة الصلاة لأنها صحيحة، وإن لم تقبل.
[798] وعن قيس بن بشر التَّغْلِبيِّ، قَالَ: أخْبَرَني أَبي - وكان جَلِيساً لأَبِي الدرداء - قَالَ: كَانَ بِدمَشْق رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقال لَهُ سهل بن الْحَنْظَلِيَّةِ، وَكَانَ رَجُلاً مُتَوَحِّداً قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ، إنَّمَا هُوَ صَلاَةٌ، فإذا فَرَغَ فَإنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ وَتَكْبيرٌ حَتَّى يَأتي أهْلَهُ، فَمَرَّ بنا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبي الدَّرداء، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدرداءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ.
(1/493)

قَالَ: بَعَثَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: لَوْ رَأيْتَنَا حِيْنَ التَقَيْنَا نَحْنُ وَالعَدُوُّ، فَحَمَلَ فُلانٌ وَطَعَنَ، فَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي، وَأنَا الغُلاَمُ الغِفَاريُّ، كَيْفَ تَرَى في قَوْلِهِ؟ قَالَ: مَا أرَاهُ إِلا قَدْ بَطَلَ أجْرُهُ.
فَسَمِعَ بِذلِكَ آخَرُ، فَقَالَ: مَا أرَى بِذلِكَ بَأساً، فَتَنَازَعَا حَتَّى سَمِعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقال: «سُبْحَانَ الله؟ لا بَأسَ أنْ يُؤجَرَ وَيُحْمَدَ» فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاء سُرَّ بِذلِكَ، وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: أنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فيقول: نَعَمْ، فما زال يُعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إنّي لأَقُولُ لَيَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، قَالَ: فَمَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ لنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المُنْفِقُ عَلَى الخَيْلِ، كَالبَاسِطِ يَدَهُ بالصَّدَقَةِ لا يَقْبضُهَا» ، ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيمٌ الأسَديُّ! لولا طُولُ جُمَّتِهِ وَإسْبَالُ إزَارِهِ!» فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْماً فَعَجَّلَ، فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إزارَهُ إِلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إخْوانِكُمْ، فَأصْلِحُوا رِحَالكُمْ، وَأصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأنَّكُمْ شَامَةٌ في النَّاسِ؛ فإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّش» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ، إِلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَقَدْ روى لَهُ مسلم.
في هذا الحديث: أن إطالة الجمة والإسبال تدافع المدح وتمانع الرفعة
(1/494)

الدينية لأن ذلك منهيٍّ عنه على سبيل الحرمة تارةً، والكراهة أخرى.
وفيه: جواز قول الإنسان في الحرب: أنا ابن فلان إذا كان شجاعًا ليرهب عدوه، وأنه لا مانع من حصول الحمد والأجر.
وفيه: طلب العلم والاستزادة منه. وأن المرء في مقام التعلم إلى اللحد.
وفيه: طلب حسن الهيئة وجمال الزي والاحتراز من ألم المذمة، وطلب راحة الإخوان، واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه.

[799] وعن أَبي سعيد الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إزْرَةُ المُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلا حَرَجَ - أَوْ لا جُنَاحَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فمَا كَانَ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ فَهُوَ في النَّارِ، وَمَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ.

قوله: «إزرة المسلم إلى نصف الساق» ، وعند ابن ماجة: «إزرة المؤمن» ، أي: الهيئة المستحبة في اتزار المؤمن إلى نصف الساق، لأن ذلك أطهر لبعده عن احتمال وصول النجس، وأطيب لبعده عن الكبر وقربه من التواضع، ولا كراهة في إرخائه إلى ما فوق الكعبين، ويحرم إرخاء الثياب تحت الكعبين.

[800] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: مررتُ عَلَى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي إزَارِي استرخاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبدَ اللهِ ارْفَعْ إزَارَكَ» فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «زِدْ» فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أتَحَرَّاهَا بَعْدُ. فَقَالَ بَعْضُ القَوْم: إِلَى أينَ؟ فَقَالَ: إِلَى أنْصَافِ السَّاقَيْنِ. رواه مسلم.

فيه مزيد اعتناء ابن عمر بالسنة، وملازمته للاتباع.
[801] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ
(1/495)

اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْراً» قالت: إِذَاً تَنْكَشِفُ أقْدَامُهُنَّ. قَالَ: «فَيرخِينَهُ ذِرَاعاً لا يَزِدْنَ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: الإذن للنساء في إطالة أذيالهن من القمص، والأزر والخمر وغيرها بحيث يسلبن قدر ذراع من أذيالهن إلى الأرض لتكون أقدامهن مستورة.
وفيه: النهي عن الزيادة على الذراع.

120- باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعاً
قَدْ سَبَقَ في بَابِ فَضْل الجُوعِ وَخشُونَةِ العَيْشِ جُمَلٌ تَتَعَلَّقُ بهذا الباب.

منها حديث أبي هريرة: رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم من رجل عليه رداء، إِما إِزار، وإِما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين.
ومنها حديث عائشة: كان فراش رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أدم حشوه ليف.
وحديث أبي أمامة مرفوعًا: «البذاذة من الإيمان» ، وهي رثاثة الهيئة، وترك فاخر اللباس.

[802] وعن معاذ بن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاس تَوَاضُعاً للهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ
(1/496)

عَلَى رُؤوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أيِّ حُلَلِ الإيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: فضيلة من ترك الفاخر من اللباس تواضعًا وثوابه؛ لأنَّ من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن تواضع لله رفعه في الدنيا والآخرة.

121- باب استحباب التوسط في اللباس
وَلا يقتصر عَلَى مَا يزري بِهِ لغير حاجة وَلا مقصود شرعي

[803] عن عمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جَدِّهِ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُرَى أثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

التوسط في اللباس ممدوح، لأن الرفيع شهرة، والداني دناءة، والأعمال بالمقاصد. فإن لبس النفيس تحدثًا بنعمة الله، والداني للتواضع، فهو مأجور، وإن لبس النفيس تكبرًا وفخرًا، والدنيء رياءً فهو مأزور، ويروى عن الشاذلي أنه قال لفقير - كان لابس ثوب مرقع أنكر عليه لبس نفيس ... الثياب –: يا هذا، ثيابي تقول للناس: الحمد لله، وثيابك تقول لهم: أعطوني من مالكم.

122- باب تحريم لباس الحرير عَلَى الرجال
وتحريم جلوسهم عَلَيْهِ واستنادهم إِلَيْهِ
وجواز لبسه للنساء

[804] عن عمر بن الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإنَّ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: تحريم لبس الحرير على الرجال، وفيه الوعيد الشديد على من لبسه.
(1/497)

[805] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَنْ لا خَلاَقَ لَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية للبخاري: «مَنْ لا خَلاَقَ لَهُ في الآخِرَةِ» .
قَوْله: «مَنْ لا خَلاقَ لَهُ» أيْ: لا نَصِيبَ لَهُ.

[806] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: الوعيد الشديد على من لبس الحرير.
[807] وعن علي - رضي الله عنه - قال: رأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخَذَ حَريراً، فَجَعَلَهُ في يَمِينهِ، وَذَهَبَاً فَجَعَلَهُ في شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُور أُمّتي» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ.

[808] وعن أَبي موسى الأشْعَري - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِير وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لإنَاثِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذين الحديثين: جواز لبس الحرير والذهب للنساء.

[809] وعن حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قال: نَهَانَا النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ نَشْرَبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وأنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وعَنْ لُبْس الحَريرِ وَالدِّيبَاج، وأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. رواه البخاري.
(1/498)

خص الأكل والشرب بالذكر، لأنهما أغلب أنواع الاستعمال، وإلا فسائر استعمال الذهب والفضة حرام.
وفيه: تحريم الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور.

123- باب جواز لبس الحرير لمن بِهِ حكة

[810] عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: رَخَّصَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلزُّبَيْرِ وعَبْدِ الرَّحْمن ابن عَوْفٍ رضي الله عنهما في لُبْس الحَريرِ لِحَكَّةٍ بِهِما. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: جواز لبس الحرير للضرورة.

124- باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عَلَيْهَا

[811] عن معاوية - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَرْكَبُوا الخَزَّ وَلا النِّمَارَ» . حديث حسن، رواه أَبُو داود وغيره بإسناد حسن.
الخز نوعان: فنوع معمولٌ من الحرير، وهو حرام. وأما المعمول من الصوف فيحمل النهي فيه على التنزيه لأجل التشبه بالعجم.
[812] وعن أَبي المليح عن أبيه - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ. رواه أَبُو داود والترمذيُّ والنسائيُّ بأسانِيد صِحَاحٍ.
وفي رواية للترمذي: نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أنْ تُفْتَرَشَ.
فيه: النهي عن استعمال جلود السباع لما فيها من الخيلاء.
(1/499)

125- باب مَا يقول إِذَا لبس ثوباً جديداً أَوْ نعلاً أَوْ نحوه
[813] عن أَبي سعيد الخدْريِّ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوباً سَمَّاهُ باسْمِهِ - عِمَامَةً أَوْ قَميصاً أَوْ رِدَاءً - يقولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسْأَلكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب الدعاء عند اللباس وحمد الله تعالى.
126- باب استحباب الابتداء باليمين في اللباس
هَذَا الباب قَدْ تقدم مقصوده وذكرنا الأحاديث الصحيحة فِيهِ.
تقدم ذلك في باب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، ومن ذلك أن يدخل يده اليمنى في كمها قبل إدخال اليسرى، ويدخل رجله اليمنى في كل من الخف والنعل والسراويل قبل إدخال اليسرى.
(1/500)

كتَاب آداب النَّوم

127- باب آداب النَّوم والاضطجاع
والقعود والمجلس والجليس والرؤية
[814] عن البَراءِ بن عازِبٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نفسي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْك، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأ وَلا مَنْجا مِنْكَ إِلا إلَيكَ، آمَنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ» . رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الأدب من صحيحه.

[815] وعنه قَالَ: قَالَ لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءكَ لِلْصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَن، وَقُلْ ... » وذَكَرَ نَحْوَهُ، وفيه: «وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: استحباب الوضوء عند النوم، واستحباب هذا ... الدعاء، لأنه إن مات مات على الفطرة، وإن أصبح أصاب خيرًا.

[816] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي
(1/501)

مِنَ اللَّيْلِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، فَإذا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن حَتَّى يَجيءَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: استحباب الضجعة بعد سنة الفجر لمن كان تهجد بالليل، ليقوم إلى الفرض بنشاط.

[817] وعن حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قال: كَانَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أمُوتُ وَأحْيَا» وَإِذَا اسْتَيْقَظ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُشُورُ» . رواه البخاري.
قيل: إنما كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يختار الأيمن لأنه كان يحب التيمن في شأنه كله، ولأنه يكون أخف للنوم، ولأن النوم أخو الموت، قال الله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ ... يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر (42) ] .

[818] وعن يَعيشَ بن طِخْفَةَ الغِفَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ أَبي: بينما أَنَا مُضْطَجِعٌ في الْمَسْجِدِ عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي برجلِهِ، فَقَالَ: «إنَّ هذِهِ ضجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ» . قَالَ: فَنظَرْتُ فَإذَا رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.

في هذا الحديث: كراهية الاضطجاع على البطن.

[819] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدَاً لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضجَعاً لا يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.
(1/502)

«التِّرَةُ» : بكسر التاء المثناة من فوق، وَهِيَ: النقص، وقِيلَ: التَّبعَةُ.
في هذا الحديث: كراهة الغفلة واستحباب الذكر في كل حالة. وفي رواية أحمد والنسائي: وما مشى أحدكم ممشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة.
قال الله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران (190، 191) .
وقال تعالى {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف (205) ]

128- باب جواز الاستلقاء عَلَى القفا
ووضع إحدى الرِّجلين عَلَى الأخرى إِذَا لم يخف انكشاف العورة
وجواز القعود متربعاً ومحتبياً

[820] عن عبدِ اللهِ بن زيد رضي الله عنه: أنَّه رأى رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَلْقِياً في الْمَسْجِدِ، وَاضِعاً إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. متفقٌ عَلَيْهِ.

الاحتباء: ضم الظهر مع الساقين بثوب، أو بيد، وكان أكثر جلوسه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محتبيًا.
وفي الحديث: جواز الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخش انكشاف العورة.

[821] وعن جابر بن سَمُرَة - رضي الله عنه - قال: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى الفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاء.
(1/503)

حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بأسانيد صحيحة.

في الحديث: جواز الجلوس متربعًا، أو استحباب الذكر بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس.

[822] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: رأيتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفناءِ الكَعْبَةِ مُحْتَبِياً بِيَدَيْهِ هكَذا، وَوَصَفَ بِيَدَيْهِ الاحْتِبَاءَ، وَهُوَ القُرْفُصَاءُ. رواه البخاري.

القرفصاء: أن يجلس على أليته ويلصق بطنه بفخذيه، ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبي بثوب.

[823] وعن قَيْلَةَ بنْتِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنها، قالت: رأيتُ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رسولَ الله المُتَخَشِّعَ في الجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الفَرَقِ. رواه أَبُو داود والترمذي.

في هذا الحديث: استحباب التخشع في الجلوس.
قيل: إن القرفصاء أن يجلس على ركبتيه منكبًا، ويلصق بطنه بفخذيه وبباطن كفيه، وهي جلسة االأعراب.

[824] وعن الشَّريدِ بن سُوَيْدٍ - رضي الله عنه - قال: مَرَّ بي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا جَالِسٌ هكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ اليُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأتُ عَلَى أَليَةِ يَدي، فَقَالَ: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؟!» رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.

في هذا الحديث: كراهة هذه الجلسة، والمنع عن التشبه باليهود في هيآتهم.
(1/504)

129- باب آداب المجلس والجليس

[825] عن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يُقِيمَنَّ أحَدُكُمْ رَجُلاً مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَوَسَّعُوا وَتَفَسَّحُوا» وكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: النهي عن إقامة الرجل من مجلسه الذي سبق إليه
وفيه: استحباب التفسح والتوسع.
وفيه: مزيد وروع ابن عمر.

[826] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . رواه مسلم

فيه: أن من قام من مجلسه لعذر ثم عاد إليه فهو أحق، سواء ترك فيه متاعًا أو لا.

[827] وعن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنهما، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلَسَ أحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: استحباب الجلوس حيث ينتهي به المجلس، سواء كان في صدر المحل أو أسفله، كما كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله.
[828] وعن أَبي عبد الله سَلْمَان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ
(1/505)

مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيب بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَينِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: استحباب الغسل والطيب يوم الجمعة، وكراهة التفريق بين الاثنين.
وفيه: أن من فعل ذلك وانصت في الخطبة غُفر له.

[829] وعن عمرو بن شُعَيْب عن أبيهِ عن جَدِّهِ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلا بإذْنِهِمَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفي رواية لأبي داود: «لا يُجْلَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلا بِإذْنِهِمَا» .

في هذا الحديث: النهي عن الجلوس بين الاثنين بغير رضاهما.

[830] وعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.
وروى الترمذي عن أبي مِجْلَزٍ: أنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ حَلْقَةٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَعَنَ اللهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. قَالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: النهي عن الجلوس وسط الحلقة من غير حاجة كساقٍ، ومعلم ونحو ذلك.
[831] وعن أَبي سعيدٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «خَيْرُ المَجَالِسِ أوْسَعُهَا» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح عَلَى شرط البخاري.
(1/506)

في هذا الحديث: استحباب سعة المجلس لما فيه من راحة الجالسين.

[832] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

اللغط: الكلام الذي فيه جلبة واختلاط، وإنما ترتب على هذا الذكر مغفرة ما كسب في ذلك المجلس لما فيه من تنزيه الله سبحانه والثناء عليه بإحسانه والشهادة بتوحيده، ثم سؤال المغفرة منه وهو الذي لا يخيب سائلاً صادقًا.

[833] وعن أَبي بَرْزَة - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ بأَخَرَةٍ إِذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا أنتَ أسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إليكَ» . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى؟ قَالَ: «ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ في المَجْلِسِ» . رواه أَبُو داود، ورواه الحاكم أَبُو عبد الله في " المستدرك " من رواية عائشة رضي الله عنها وقال: (صحيح الإسناد) .

إذا ختم الإنسان المجلس بهذا الذكر كان كفارة لما يكون في المجلس من لغط ونحوه. وإن كان مجلس ذكر كان كالطابع عليه، وكان خيرًا على خير.
[834] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رسول
(1/507)

الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهؤلاء الدَّعَواتِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ به عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بأسْمَاعِنا، وَأَبْصَارِنَا، وقُوَّتِنَا مَا أحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

الخشية: هي الخوف مع معرفة جلال المخشي منه، ولذا اختصت بالعلماء بالله تعالى قال جل وعلا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر (28) ] ، وهذا الدعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة.

[835] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ الله تَعَالَى فِيهِ، إِلا قَامُوا عَنْ مِثْل جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةٌ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.

وذكر جيفة الحمار زيادة في التنفير، وإيماء إلى أن تارك الذكر بمثابة الحمار المضروب به المثل في البلادة، إذ غفل بما هو فيه من الترهات، ولذائذ المحاورات عن ذكر رب الأرض والسماوات.
[836] وعنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا الله تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ فِيهِ، إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ؛ فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

[837] وعنه عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُر الله
(1/508)

تَعَالَى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعَاً لا يَذْكُرُ الله تَعَالَى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ» . رواه أَبُو داود.
وَقَدْ سبق قريباً، وشَرَحْنَا (التِّرَة) فِيهِ.

الترة: النقص، وقيل التَّبِعَة.
وفي الحديث: ذم الغفلة عن الذكر، واستحبابه في كل حال من الأحوال.

130- باب الرؤيا وَمَا يتعلق بها

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الروم (23) ] .

يقول تعالى: ومن آياته الدالة على توحيده وقدرته منامكم بالليل والنهار، وذلك لما فيه من إذهاب الشعور والإِدرك حتى يصير النائم كالميت ثم يستيقظ منه فيعود له إدراكه وشعوره كما كان قبله، والرؤيا لا تكون إلا في النوم.

[838] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبوَّةِ إِلا المُبَشِّرَاتِ» . قالوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» . رواه البخاري.

معناه: أن الوحي انقطع بموته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يبق منه إلا الرؤيا الصالحة، أي: الصادقة.
[839] وعنه: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤيَا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية: «أصْدَقُكُمْ رُؤْيَا، أصْدَقُكُمْ حَدِيثاً» .

قوله: «إذا اقترب الزمان» ، أي: قربت القيامة. قال ابن أبي جمرة:
(1/509)

أن المؤمن حينئذٍ يكون غريبًا فيقل أنيسة، فيكرم بالرؤيا الصادقة.
وقال السيوطي: لأن أكثر العلم ينقص حينئذٍ، وتَنْدّرِسَ معالم الديانة فيكون الناس على مثل الغرة محتاجين إلى مُذَكِّر ومُجَدِّد لما دَرَسَ من الدين كما كانت الأمم تُذَكَّرُ بالأنبياء.

[840] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَسَيَرَانِي في اليَقَظَةِ - أَوْ كَأنَّما رَآنِي في اليَقَظَةِ - لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: بشارة لمن رأى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الرؤيا أنه يراه يوم القيامة.
وفيه: أن الشيطان لا يتمثل في صورته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[841] وعن أَبي سعيدٍ الخدرِيِّ - رضي الله عنه - أنَّه سَمِعَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إِذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤيَا يُحِبُّهَا، فَإنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا - وفي رواية: فَلا يُحَدِّثْ بِهَا إِلا مَنْ يُحِبُّ - وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فإنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ؛ فَإنَّهَا لا تَضُرُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: طلب الحمد عند حدوث النعم، وتجدد المنن فذلك سبب لدوامها.
وفيه: أنه لا يخبر بالرؤيا الحسنة إلا من يحب، لأن العدو ربما يحملها على بعض ما تحتمله، لأنها لأول عابر.
وفي رواية الترمذي: «ولا تحدث بها إلا لبيبًا، أو حبيبًا، وإذا رأى
(1/510)

الرؤيا القبيحة فلا يفسرها، ولا يخبر بها أحدًا» .

[842] وعن أَبي قَتَادَة - رضي الله عنه - قال: قَالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ - وفي رواية: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ - مِنَ اللهِ، وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأى شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَن شِمَالِهِ ثَلاَثاً، وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فإنَّهَا لا تَضُرُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«النَّفْثُ» : نَفْخٌ لَطِيفٌ لا رِيقَ مَعَهُ.

قال القاضي عياض: أمر بالنفث طردًا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرًا له، واستقذارًا، وخص بها اليسار لأنها محل الأقذار.

[843] وعن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا رَأى أحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثَاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاَثاً، وَلْيَتَحَوَّل عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» . رواه مسلم

التحول: تفاؤل يتحول الحال من الرؤيا القبيحة إلى الرؤيا الحسنة.
وجاء من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصلِّ، ولا يحدث به الناس» . متفق عليه.

[844] وعن أَبي الأسقع واثِلةَ بن الأسقعِ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مِنْ أعْظَمِ الفِرَى أنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيرِ أبِيهِ، أَوْ يُرِي عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولَ عَلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْ» رواه البخاري.
(1/511)

في هذا الحديث: أن هذه الخصال الثلاث من أعظم الكذب لأن المنتسب إلى غير أبيه يدَّعي أن الله خلقه من ماء فلان، والكذب في الرؤيا كذب على الله، لأنها جزء من النبوة، وعن ابن عباس مرفوعًا: «من تحلم بحلم لم يره كُلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» .
والكذب على الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كذب في الدين.
وفي الحديث الصحيح عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .
* * *
(1/512)

كتَاب السَّلاَم

131- باب فضل السلام والأمر بإفشائه

قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أهْلِهَا} [النور (27) ] .

يأمر تعالى عباده المؤمنين أن لا يدخلوا بيوت غيرهم حتى يستأذنوا ويسلموا.
وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله، عن الحسن فإن كانوا في دار واحدة يتنحنح، ويتحرك أدنى حركة.
وقال تَعَالَى: {فَإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور (61) ] .

قال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلِّم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
قال قتادة: وحُدِّثنا أنَّ الملائكة ترد عليه.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} ، قال: حسنة جميلة.
وقال تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} ... [النساء (86) ] .

الرد واجب، والزيادة سُنَّة، فإذا قال مثلاً: السلام عليكم، قال: وعليكم السلام ورحمة الله.
(1/513)

وقال تَعَالَى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ الْمُكرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً} [الذاريات (24، 25) ] .

{هَلْ أَتَاكَ} ، فيه: تعظيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنه إنما عرفه بالوحي.
وقوله تعالى: {فَقَالُوا سَلاماً} ، أي: نسلم عَلَيْكُمْ سلامًا. قال: {سَلامٌ} ، أي: عليكم سلام.

[845] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً سأل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أيُّ الإسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

إطعام الطعام من خير خصال الإِسلام لما فيه من دفع الحاجة عن الفقير، وجلب المحبة، والتآلف، وكذلك إفشاء السلام لما فيه من التآلف وجلب المحبة أيضًا والإِبعاد عن الكبر.

[846] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولئِكَ - نَفَرٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ جُلُوس - فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ؛ فَإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيتِكَ من بعدك. فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فقالوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. في رواية: وعليك السلام ورحمة الله.
وفي الحديث: مشروعية الزيادة في الرد على الابتداء.
[847] وعن أَبي عُمَارة البراءِ بن عازِبٍ رضي الله عنهما، قَالَ: أمرنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ
(1/514)

العَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعيفِ، وَعَوْنِ المَظْلُومِ، وَإفْشَاءِ السَّلاَمِ، وَإبْرَارِ المُقسِمِ. متفقٌ عَلَيْهِ، هَذَا لفظ إحدى روايات البخاري.

فيه: الأمر بإِفشاء السلام، أي: إشاعته وإظهاره.

[848] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ» . رواه مسلم

إشاعة السلام وإذاعته سبب للتوادد ودخول الجنة.

[849] وعن أَبي يوسف عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، أفْشُوا السَّلاَمَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَم» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: إنَّ هذه الخصال من أسباب دخول الجنة. قال الله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ} [الحجر (46) ] .
[850] وعن الطُّفَيْل بن أُبَيِّ بن كعبٍ: أنَّه كَانَ يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فإذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبدُ الله عَلَى سَقَّاطٍ وَلا صَاحِبِ بَيْعَةٍ، وَلا مِسْكِينٍ، وَلا أحَدٍ إِلا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عبد الله بنَ عُمَرَ يَوْماً، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بالسُّوقِ، وَأنْتَ لا تَقِفُ عَلَى البَيْعِ،
(1/515)

وَلا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلا تَسُومُ بِهَا، وَلا تَجْلِسُ في مَجَالِسِ السُّوقِ؟ وَأقُولُ: اجْلِسْ بِنَا ها هُنَا نَتَحَدَّث، فَقَالَ: يَا أَبَا بَطْنٍ – وَكَانَ الطفَيْلُ ذَا بَطْنٍ – إنَّمَا نَغْدُو مِنْ أجْلِ السَّلاَمِ، فنُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقيْنَاهُ. رواه مالك في المُوطَّأ بإسنادٍ صحيح.

في هذا الحديث: استحباب دخول السوق لأجل إفشاء السلام ونشره، وذكر الله تعالى لكون الأسواق محل الغفلة، وقد جاء في حديث: «ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين» .

132- باب كيفية السلام

يُسْتَحَبُّ أنْ يَقُولَ المُبْتَدِئُ بالسَّلاَمِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَيَأتِ بِضَميرِ الجَمْعِ، وَإنْ كَانَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِداً، وَيقُولُ المُجيبُ: وَعَلَيْكُمْ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فَيَأتِي بِوَاوِ العَطْفِ في قَوْله: وَعَلَيْكُمْ.

كمال السلام يأتي بضمير الجمع ليعم من يحضره من الملائكة، وإن أفرد الضمير جاز.
[851] عن عِمْرَان بن الحصين رضي الله عنهما، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَشْرٌ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَركَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلاثُونَ» . .رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
(1/516)

في هذا الحديث: أن زيادة الحسنات بزيادة التحية.

[852] وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قَالَ لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَذَا جِبريلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ» . قالت: قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وهكذا وقع في بعض رواياتِ الصحيحين: «وَبَرَكاتُهُ» وفي بعضها بحذفِها، وزِيادةُ الثقةِ مقبولة.

في هذا الحديث: جواز سلام الرجل الأجنبي على المرأة عند أمن الريبة، وزاد البخاري في روايته: أنها قالت: ترى ما لا نرى يَا رسول الله.

[853] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا تكلم بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثَاً حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سلم عَلَيْهِمْ ثَلاَثاً. رواه البخاري.
وهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الجَمْعُ كَثِيراً.

في هذا الحديث: كمال حسن خلقه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومزيد شفقته، والاقتصار على الثلاث في الكلام إشعار بأن مراتب الفهم كذلك: أعلى , وأوسط، وأدنى. ومن لا يفهم في ثلاث لا يفهم ولو زيد على ذلك.
[854] وعن المِقْدَادِ - رضي الله عنه - في حدِيثهِ الطويل، قَالَ: كُنَّا نَرْفَعُ للنَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصِيبَهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لا يُوقِظُ نَائِماً، وَيُسْمِعُ اليَقْظَانَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن المسلِّم على النيام لا يرفع صوته بحيث يوقظ النائم
(1/517)

بل يجعل صوته بين الجهر والإِخفات.

[855] وعن أسماء بنتِ يزيد رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ في المَسْجدِ يَوْماً، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَألْوَى بِيَدِهِ بالتسْلِيمِ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وهذا محمول عَلَى أنَّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالإشَارَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أنَّ في رِوَايةِ أَبي داود: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.

في هذا الحديث: جواز الإِشارة بالسلام مع التلفظ به ليتنبه المسلَّم عليه.

[856] وعن أَبي جُرَيٍّ الهُجَيْمِيِّ - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسول الله. قَالَ: «لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ؛ فإنَّ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَّةُ المَوتَى» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق لفظه بِطُولِهِ.

في هذا الحديث: نهي المبتدئ بالسلام عن قوله: عليك السلام، لأن ذلك تحيَّة الموتى. وقد ورد عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تقديم لفظ السلام على الموتى حين قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» فهو أحسن.

133- باب آداب السلام
[857] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَليلُ عَلَى الكَثِيرِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية للبخاري: «والصغيرُ عَلَى الكَبيرِ» .
(1/518)

قال المهلب: تسليم الماشي لتشبيهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع، وتسليم القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم.
قوله: «والصغير على الكبير» . قال ابن بطال: وذلك لأن الصغير مأمور بتوقير الكبير والتواضع له.

[858] وعن أَبي أُمَامَة صُدَيِّ بن عجلان الباهِلي - رضي الله عنه - قال: قَالَ ... رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَوْلى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأهُمْ بِالسَّلامِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ.
ورواه الترمذي عن أَبي أُمَامَةَ - رضي الله عنه -، قِيلَ: يَا رسول الله، الرَّجُلانِ يَلْتَقِيَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ؟ ، قَالَ: «أَوْلاَهُمَا بِاللهِ تَعَالَى» . قَالَ الترمذي: «هَذَا حديث حسن» .

صار البادئ بالسلام أولى بالله لما صنع من المبادرة إلى طاعة الله والمسارعة إليها. وروى البيهقي في " شعب الإِيمان " عن ابن مسعود يرفعه: «إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل لأنه ذكرهم السلام وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب» .

134- باب استحباب إعادة السلام
عَلَى من تكرر لقاؤه عَلَى قرب بأن دخل ثم خرج ثُمَّ دخل في الحال، أَو حال بينهما شجرة ونحوها
[859] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - في حديثِ المسِيءِ صلاته: أنّه
(1/519)

جَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: دليل على استحباب إعادة السلام في مثل ذلك.

[860] وعنه عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» . رواه أَبُو داود.

المراد بالحيلولة: ما يمنع الرؤية بحيث يعد فاصلاً عرفيًا.

135- باب استحباب السلام إِذَا دخل بيته

قَالَ الله تَعَالَى: {فَإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور (61) ] .

هذه الآية عامة في جميع البيوت، فإذا دخل بيتًا فيه أهله فليسلِّم عليهم. وإذا دخل بيته فليسلِّم على أهله. وإذا دخل بيتًا خاليًا فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

[861] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ، وعلى أهْلِ
(1/520)

بَيْتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

فيه: الأمر بالسلام إذا دخل بيته لتناله بركة التحية.

136- باب السلام عَلَى الصبيان

[862] عن أنس - رضي الله عنه - أنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: استحباب السلام على الصبيان وتدريبهم على تعلم السنن، وتأديبهم بآداب الشريعة.
وفيه: حسن خلقه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتواضعه.

137- باب سلام الرجل على زوجته
والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهن وسلامهن بهذا الشرط

[863] عن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - قال: كَانَتْ فِينَا امْرَأةٌ - وفي رواية: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ - تَأخُذُ مِنْ أصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي القِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ، وَانْصَرَفْنَا، نُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ إلَيْنَا. رواه البخاري.
قَوْله: «تُكَرْكِرُ» أيْ: تَطْحَنُ.

السلق: بقل معروف. قال في " القاموس ": يجلو، ويحلل، ويلين، ويفتح ويسر النفس نافع للنِّقْرِسِ والمفاصل.

[864] وعن أُم هَانِىءٍ فاخِتَةَ بنتِ أَبي طالب رضي الله عنها،
(1/521)

قالت: أتيت النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الفَتْحِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ ... وَذَكَرَتِ الحديث. رواه مسلم.

وجه الدليل من هذا الحديث تقريره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ لو حرم سلام الأجنبية مطلقًا لبينه لها فإذا أمنت الفتنة فلا كراهة في السلام منها وعليها.

[865] وعن أسماءَ بنتِ يزيدَ رضي الله عنها، قالت: مَرّ عَلَيْنَا النّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نِسوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن) ، وهذا لفظ أَبي داود.
ولفظ الترمذي: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ في المَسْجِدِ يَوْماً، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ بالتَّسْلِيمِ.

فيه: جواز التسليم على الأجنبيات إذا أمنت الفتنة بهن أو منهن.

138- باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام
وكيفية الرد عليهم
واستحباب السلام عَلَى أهل مجلسٍ فيهم مسلمون وكفار

[866] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا تَبْدَأُوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيق فَاضطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: النهي عن ابتداء الكافر بالسلام، وهو قول الجمهور قطعًا للتواد، وجوز بعض العلماء ابتداءهم به لضرورة وحاجة وسبب.

[867] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قال النووي: اتفق العلماء على الرد على أهل الكتب إذا سلموا. لكن لا يقال: وعليكم السلام.
(1/522)

بل يقال: عليكم، أو: وعليكم. انتهى.
ووجه هذا الحديث: ما جاء في حديث آخر: «أن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
والسام: الموت.
[868] وعن أُسَامَة - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاَطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكينَ - عَبَدَة الأَوْثَانِ - واليَهُودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: مشروعية السلام على المجلس الذي فيه مسلمون وكفار.

139- باب استحباب السلام إِذَا قام من المجلس
وفارق جلساءه أَوْ جليسه
[869] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا انْتَهى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأحَقّ مِنَ الآخِرَةِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: مشروعية السلام عند دخول المجلس، وعند القيام منه.
قال الطيبي: قيل: كما أن التسليمة الأولى إخبار عن سلاماتهم من شره عند الحضور، فكذا الثانية إخبار عن سلامتهم من شره عند الغيبة.
140- باب الاستئذان وآدابه
قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور (27) ] .
(1/523)

الاستئذان: طلب الأذن في الدخول على من بالمنزل.
وقال تَعَالَى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُم الحُلُمَ فَلْيَسْتَأذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور (59) ] .

لما رخص تعالى للمماليك والصبيان أن يدخلوا بغير استئذان إلا في ثلاثة أوقات، أمر الأطفال إذا بلغوا أن يستأذنوا في كل وقت.

[870] وعن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلا فَارْجِعْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: الأمر بالانصراف بعد الثلاث قيل: إن الأولى للتنبيه والثانية للتعريف والثالثة ليأذن به ويتركه ومن لم ينتبه عند الثالثة لا ينتبه غالبًا.

[871] وعن سهلِ بنِ سعدٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: أنه لا يجوز للمستأذن أن ينظر من خلل الباب إلى البيت.
[872] وعن رِبْعِيِّ بن حِرَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أنَّهُ اسْتَأذَنَ عَلَى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ في بيتٍ، فَقَالَ: أألِج؟ فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَادِمِهِ: «أُخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمهُ الاسْتِئذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُل؟» فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟ فَأذِنَ لَهُ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدخلَ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قوله: (أأدخل) بهمزتين.
قال الشارح: وظاهره أن المتكلم مخير بين تحقيق الهمزة، وإبدال الثانية ألفًا وتسهيليها.
(1/524)

قلت: وتجوز بهمزةٍ واحدةٍ.

[873] عن كِلْدَةَ بن الحَنْبل - رضي الله عنه - قال: أتَيْتُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ، فَقَالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

فيه: الأمر بالمعروف واستدراك السنن، وعدم التساهل فيها.

141- باب بيان أنَّ السنة إِذَا قيل للمستأذن: من أنت؟
أن يقول: فلان، فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أَوْ كنية
وكراهة قوله: «أنا» ونحوها

[874] عن أنس - رضي الله عنه - في حديثه المشهور في الإسراءِ، قَالَ: قَالَ ... رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ صَعَدَ بي جِبْريلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فقِيلَ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَعَدَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَسَائِرِهنَّ وَيُقَالُ فِي بَابِ كُلِّ سَمَاءٍ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: جِبْريلُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: أن المستأذن يسمي نفسه باسمه المعروف، إذا قيل: من هذا؟

[875] وعن أَبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإذَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي وَحْدَهُ، فَجَعَلْتُ أمْشِي فِي ظلِّ القمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقال: ... «مَنْ هَذَا؟» فقلتُ: أَبُو ذَرٍّ. متفقٌ عَلَيْهِ.

أجاب أبو ذرّ بما اشتهر به من كنيته، لأنه بها أعرف منها باسمه.
(1/525)

[876] وعن أُمِّ هانئ رضي الله عنها، قالت: أتيتُ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» فقلتُ: أنا أُمُّ هَانِئٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.

أجابت أم هانيء بكنيتها لشهرتها بذلك. ووجه الدلالة من الحديثين تقريره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك.

[877] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: أتَيْتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: «مَنْ ذَا؟» فَقُلتُ: أَنَا، فَقَالَ: «أنَا، أنَا!» كَأنَّهُ كَرِهَهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: أن دق الباب بقوم مقام الاستئذان.
وفيه: كراهة قول المستأذن: أنا، ومثله: إنسان، أو شخص أو صديق لعدم حصول غرض السائل بذلك.

142- باب استحباب تشميت العاطس إِذَا حمد الله تَعَالَى
وكراهة تشميته إذا لَمْ يحمد الله تَعَالَى
وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب

التشميت، بالشين المعجمة وبالسين المهملة، فمعنى شمته: دعا له أن يجمع شمله. والتسميت بالمهملة: التبريك، يقال: سمته: إذا دعا له بالبركة.
وقال أبو بكر ابن العربي: تكلم أهل اللغة في اشتقاق اللفظين، ولم يبينوا المعنى فيه، وهو بديع. وذلك أنَّ العاطس ينحل كل عضو في رأسه، وما يتصل به من العنق ونحوه، فكأنه إذا قيل له يرحمك الله، كان معناه: أعطاك رحمةً يرجع بها بدنك إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة فمعناه رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامته، أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال.
(1/526)

[878] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الله يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ الله تَعَالَى كَانَ حَقّاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» . رواه البخاري.

العطاس: يكون غن خفة البدن، وانفتاح المسام، وعدم الغاية في الشبع، فيستدعي النشاط للعبادة، والتثاؤب يكون عن غلبة البدن، وثقله مما يكون ناشئًا عن كثرة الأكل والتخليط فيه، فيستدعي الكسل.
قال الحليمي: الحكمة في مشروعية الحمد للعاطس أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوة الفكرة، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس فناسب أن تقابل هذه النعمة بالحمد لله.
قال الحافظ ابن حجر: ولا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: الحمد لله رب العالمين.
[879] وعنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ ... للهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله. فإذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَليَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . رواه البخاري.

قيل: الحكمة في إفراد الدعاء للعاطس وجمعه للمجيب، أن الرحمة مدعو بها للعاطس وحده مما أصابه مما تنحل به أعصابه ويضر سمتها لولا الرحمة من الله، وأما الهداية فمدعو بها لجميع المؤمنين، ومنهم المخاطب.

[880] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول
(1/527)

الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإنْ لَمْ يَحْمَدِ الله فَلا تُشَمِّتُوهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يشمت.

[881] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ فَقَالَ: «هَذَا حَمِدَ الله، وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ الله» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: إكرام من فعل طاعة، وترك من تركها، وحكي عن الأوزاعي أنه عطس رجل بحضرته فلم يحمد الله فقال له الأوزاعي، كيف تقول إذا عطست؟ فقال: أقول الحمد لله. فقال له: يرحمك الله.

[882] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ - أَوْ غَضَّ - بِهَا صَوْتَهُ. شك الراوي. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

فيه: استحباب وضع الثوب على فمه وأنفه إذا عطس لئلا يخرج منه شيء يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه.
قال ابن العربي: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء.
ورُوِيَ من حديث عبادة مرفوعًا: «إذا تجشى أحدكم أو عطس فلا يرفع بهما الصوت، فإن الشيطان يحب أن يرفع بهما الصوت» .
(1/528)

[883] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قال: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْجُونَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُم الله، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُم اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

كان اليهود يعلمون نبوته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورسالته باطنًا وإن أنكروها ظاهرًا حسدًا وعنادًا.
قال الله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة (146) ] .
وفيه: أن الكافر لا يقال له: يرحمك الله بل يقال: يهديكم الله ويصلح بالكم.

[884] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا تَثَاءبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» . رواه مسلم.

فيه: استحباب وضع اليد على الفم عند التثاؤب، لأن الشيطان يدخل الجوف مع التثاؤب. وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه» .

143- باب استحباب المصافحة عِنْدَ اللقاء وبشاشة الوجه
وتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة
ومعانقة القادم من سفر وكراهية الانحناء

[885] عن أَبي الخطاب قتادة، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أكَانَتِ
(1/529)

المُصَافَحَةُ في أصْحَابِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه البخاري.

فيه: دليل على مشروعية المصافحة؛ لأن الإجماع السكوتي حجة.
[886] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لَمَّا جَاءَ أهْلُ اليَمَنِ قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَدْ جَاءكُمْ أهْلُ اليَمَنِ» . وَهُمْ أوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالمُصَافَحَةِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

المصافحة: مما يؤكد المحبة، وأهل اليمن ألين قلوبًا وأرق أفئدةً.

[887] وعن البراءِ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مُسْلِمَينِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أنْ يَفْتَرِقَا» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: تأكيد أمر المصحافة، والحث عليها لإِخبار الصادق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يغفر للمتصافحين في مقامهما.

[888] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أينحَنِي لَهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: فَيَأخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: استحباب المصافحة والنهي عن الانحناء، وأما المعانقة فتشرع للقادم من السفر.

[889] وعن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبيِّ، فَأتَيَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ
(1/530)

آياتٍ بَيِّنَاتٍ ... فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى قَوْلهِ: فقَبَّلا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ. رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحةٍ.
لفظ الحديث عند الترمذي، فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصةً، أيها اليهود ألا تعدوا في السبت.
قال الطيبي: كان عند اليهود عشر كلمات: تسع منها مشتركة بينهم وبين المسلمين، وواحدة مختصة بهم، فسألوا عن التسع المشتركة، وأضمروا ما كان مختصًا بهم. فأجابهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عما سألوه، وعما أضمروه ليكون أدل على معجزاته. انتهى.
وفيه: جواز تقبيل يد الرجل الصالح.

[890] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قِصَّة قَالَ فِيهَا: فَدَنَوْنَا مِنَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبَّلْنَا يَدَه. رواه أَبُو داود.

وحاصل القصة أنهم كانوا في سرية ففروا، فأتوا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالوا: نحن الفارون. فقال: «بل أنتم الكارهون» . وفي رواية: فقال: «أنا فئة المسلمين» .

[891] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ المَدِينَةَ وَرسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بَيتِي، فَأتَاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: استحباب قصد القادم أول قدومه إلى من يعز عليه.
وفيه: جواز الاسئذان بالقرع.
وفيه: استحباب المعانقة والتقبيل للقادم من الأصحاب والأقارب.
(1/531)

[892] وعن أَبي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قال: قَالَ لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحقِرَنَّ منَ الْمَعرُوف شَيْئاً، وَلَوْ أنْ تَلْقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْيقٍ» . رواه مسلم

في هذا الحديث: استحباب طيب الكلام، وبشاشة الوجه، وفعل المعروف وإن قل.
[893] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَبَّلَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما، فَقَالَ الأقْرَعُ بن حَابِسٍ: إنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَدَاً. فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ!» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

وفيه: استحباب تقبيل الأطفال شفقة ورحمة.
* * *
(1/532)

كتاب عيَادة المريض وَتشييع المَيّت
والصّلاة عليه وَحضور دَفنهِ وَالمكث عِنْدَ قبرهِ بَعدَ دَفنه

144- باب عيادة المريض

[894] عن البَرَاءِ بن عازِبٍ رضي الله عنهما، قَالَ: أمَرَنَا رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعِيَادَةِ الْمَريضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلاَمِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

عيادة المريض سنة مؤكدة. ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس عنده، وينفس له في أجله، ويذكر له فضل الصبر، ويدعو له.

[895] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

وفي رواية لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست» . وزاد: «وإذا استنصحك. فانصح له» .
[896] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللهَ - عز وجل - يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ فَلَمْ
(1/533)

تَعُدْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أمَا أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي!» . رواه مسلم

قوله: (لوجدتني عنده) ، أي: بالعلم كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ... [المجادلة (7) ] .
قوله: «أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي» ، أي: ثوابه، كما قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} [المزمل (20) ] .
وفيه: دليل أنَّ الحسنات لا تضيع، وأنها عند الله بمكان.
[897] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُودُوا المَريضَ، وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَانِي» . رواه البخاري.
«العاَنِي» : الأسيرُ.

قال في " النهاية ": العاني: الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع.

[898] وعن ثوبان - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ المُسْلِمَ
(1/534)

إِذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» . قِيلَ: يَا رَسولَ الله، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا» . رواه مسلم.

فيه: فضل عيادة المريض، وثواب العائد، ولما كانت العيادة مفضية إلى مخارف الجنة سميت بها، والجنا: ما يجتني من الثمر.

[899] وعن عليّ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوة إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«الخَريفُ» : الثَّمرُ الْمَخْرُوفُ، أيْ: الْمُجْتَنَى.

الصلاة من الملائكة: الاستغفار والدعاء، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم} [غافر (7، 8) ] .
[900] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرِضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أسْلِمْ» فَنَظَرَ إِلَى أبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ، فَأسْلَمَ، فَخَرَجَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أنْقَذَهُ منَ النَّارِ» رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز عيادة الكافر للمصلحة.
وفيه: بركة صحبة الصالحين وظهور ثمرتها دنيا وأخرى.

145- باب مَا يُدعى به للمريض

[901] عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اشْتَكى الإنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُصْبُعِهِ
(1/535)

هكَذا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة الرَّاوي سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَها - وقال: «بِسمِ اللهِ، تُرْبَةُ أرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بإذْنِ رَبِّنَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في بعض الروايات: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبل أصبعه ويضعها أعلى لأرض ليلتزق بها التراب.
وفيه: إشارة إلى أن أول خلق الإِنسان من تراب، ثم من نطفة.

[902] وعنها أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعُودُ بَعْضَ أهْلِهِ يَمْسَحُ بِيدِهِ اليُمْنَى، ويقولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أذْهِب البَأسَ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفاؤكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقماً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «لا يغادر سقمًا» ، أي: لا يترك مرضًا. وفائدة التقييد به أنه قد يحول الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر متولد منه مثلاً، فكأنه يدعو بالشفاء المطلق، لا بمطلق الشفاء.
[903] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - أنه قَالَ لِثابِتٍ رحمه اللهُ: ألا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَأسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إِلا أنْتَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقماً» . رواه البخاري.

فيه: دليل على جواز الرقية من كل الآلم، وأنه كان أمرًا فاشيًا معلومًا بينهم وأجمع العلماء على جواز الرقية إذا كانت بكلام الله تعالى، أو ... بأسمائه، أو بصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره. وسئل ابن عبد السلام
(1/536)

عن الحروف المقطعة فمنع منها ما لا يعرف لئلا يكون كفرًا.

[904] وعن سعدِ بن أَبي وقاصٍ - رضي الله عنه - قال: عَادَنِي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً» . رواه مسلم.

كرر الدعاء - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمزيد الاهتمام والاعتناء.
وفي الحديث: «إن الله يحب المُلحِّين في الدعاء» .

[905] وعن أَبي عبدِ الله عثمان بنِ أَبي العاصِ - رضي الله عنه -: أنّه شَكَا إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعاً، يَجِدُهُ في جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَألَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بسم اللهِ ثَلاثاً، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أعُوذُ بِعِزَّةِ الله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أجِدُ وَأُحَاذِرُ» . رواه مسلم.

قال الطيبي: تعوذ من مكروه ووجع، ومما يتوقع حصوله في المستقبل.
[906] وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْهُ أجَلُهُ، فقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أسْأَلُ اللهَ العَظيمَ، رَبَّ العَرْشِ العَظيمِ، أنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن) ، وقال الحاكم: «حديث صحيح عَلَى شرط البخاري» .
(1/537)

فيه: استحباب الدعاء للمريض بهذا الدعاء وتكريره سبع مرات.
وفيه: أن الأجل إذا حضر لم يرده شيء.

[907] وعنه: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَنْ يَعُودُهُ، قَالَ: «لا بَأسَ؛ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ» . رواه البخاري.

تمام الحديث: فقال الأعرابي: بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فنعم إذًا.

[908] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن جِبريلَ أتَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بِسْمِ الله أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِسمِ اللهِ أُرقِيكَ. رواه مسلم.

في الحديث: جواز الإِخبار بالمرض على طريق بيان الواقع من غير تضجر ولا تبرم.
وفيه: تنبيه على أن الرقى لا ينبغي أن تكون إلا بأسماء الله وأوصافه وذكره، فببركة ذلك يرتفع ما يؤذن في رفعه من الضرر.
[909] وعن أَبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: أنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنّه قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَاللهُ أكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فَقَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا وأنَا أكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: يقول: لا إلهَ إلا أنَا وَحْدِي لا شَريكَ لِي. وَإِذَا قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، قَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا
(1/538)

لِيَ المُلْكُ وَلِيَ الحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لا إله إِلا اللهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ، قَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بي» وَكَانَ يقُولُ: «مَنْ قَالَهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

معنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله وحده منفردًا في ذاته وأوصافه، لا شريك له في ربوبيته، وإلاهيته. ومعنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونة الله.

146- باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله

[910] عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ عليَّ بْنَ أَبي طالب - رضي الله عنه -، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فقالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الحَسَنِ، كَيْفَ أصْبَحَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: أصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارئاً. رواه البخاري.

في هذا الحديث: استحباب السؤال عن حال المريض إذا عسر الوصول إليه.
وفيه: أنه ينبغي لمن يُسأل عن حال المريض أن يجيب بما يشعر بخفة مرضه، وقرب عافيته.
وفي رواية: فقال العباس: (والله إني لأرى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيتوفى من وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت ... ) الحديث.

147- باب مَا يقوله مَن أيس من حياته

[911] عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ
(1/539)

مُسْتَنِدٌ إلَيَّ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي، وأَلْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأَعْلَى» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: تنبيه على أن سؤال المغفرة والرحمة لا يغفل عنه المستيقظ خصوصًا في مثل هذه الحال، لأنها حالة الانتقال، وساعة الارتحال. وقد قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اعملوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله» . قالوا: ولا أنت يَا رسول الله. قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .

[912] وعنها قالت: رَأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالمَوْتِ، عِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بالماءِ، ثُمَّ يَقُولُ: ... «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى غَمَرَاتِ المَوْتِ وَسَكَرَاتِ المَوْتِ» رواه الترمذي.
فيه: استحباب عدم الغفلة عن الذكر والدعاء في كل حال.

148- باب استحباب وصية أهل المريض
ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر عَلَى مَا يشق من أمره
وكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحد أَوْ قصاص ونحوهما
[913] عن عِمْران بن الحُصَيْنِ رضي الله عنهما: أنَّ أمْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَت النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا رسول الله، أصَبْتُ حَدّاً فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإذَا وَضَعَتْ فَأتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ، فَأمَرَ بِهَا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَرُجِمَت، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. رواه مسلم.
(1/540)

في هذا الحديث: مشروعية الصلاة على المقتول حدًا، وإن الحد طهرة له من دنس الذنوب.

149- باب جواز قول المريض: أنَا وجع، أَوْ شديد الوجع
أَوْ مَوْعُوكٌ أَوْ وارأساه ونحو ذلك. وبيان أنَّه لا كراهة في ذلك
إِذَا لَمْ يكن عَلَى وجه التسخط وإظهار الجزع

[914] عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسسْتُهُ، فَقلتُ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وَعَكاً شَديداً، فَقَالَ: «أجَلْ، إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: جواز إخبار المريض لمن سأله بما يجده من الألم، وأنه كلما اشتد وجعه عظم أجره.

[915] وعن سعدِ بن أَبي وقاصٍ - رضي الله عنه - قال: جَاءني رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فقلتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى، وَأنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَتِي.. وذَكر الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.

الشاهد من الحديث تقرير النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سعدًا على قوله: (بلغ بي من الوجع ما ترى) ، ولو كان منهيًّا عنه لنهاه.
[916] وعن القاسم بن محمد قَالَ: قالت عائشةُ رضي الله عنها: وَارَأسَاهُ! فَقَالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَلْ أنَا، وَارَأسَاهُ!» ... وذكر الحديث. رواه البخاري.

فيه: جواز مثل ذلك إذا لم يكن على وجه التسخط والجزع.
(1/541)

150- باب تلقين المحتضر: لا إله إِلا اللهُ

[917] عن معاذ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلامِهِ لا إلهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه أَبُو داود والحاكم، وقال: (صحيح الإسناد) .

فيه: فضل كلمة التوحيد، وأن من قالها عند موته دخل الجنة.
وفي حديث علي بن أبي طالب: «من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله لم يدخل النار» .
وفي حديث آخر: «من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدمت ما كان قبلها من الذنوب والخطايا» .

[918] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إِلا اللهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: الأمر بتلقين المحتضر لا إله إلا الله. زاد ابن حبان من حديث أبي هريرة: «فإنه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله دخل لجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه» .
وينبغي أن يكون الملقن رفيقًا لئلا يضجره ولا يكرر عليه التلقين إلا أن يتكلم بعد ذلك فيعيد تلقينه برفق. ولا يجوز إشغاله بالوصية وهو في الموت كما يفعله الجهال؛ لأنَّ ذلك يشغله عن الشهادة.

151- باب مَا يقوله بعد تغميض الميت
[919] عن أُم سلمة رضي الله عنها، قالت: دَخَلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/542)

عَلَى أَبي سَلَمة وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ، تَبِعَهُ البَصَرُ» فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أهْلِهِ، فَقَالَ: «لا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ يَؤمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» . ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَة، وَارْفَعْ دَرَجَتْهُ في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: استحباب تغميض الميت لئلا يتشوه منظره، واستحباب الدعاء له، ووصية أهله بالصبر والدعاء له بالخير.

152- باب ما يقال عند الميت وَمَا يقوله من مات له ميت

[920] عن أُم سَلَمة رضي اللهُ عنها قالت: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا حَضَرتُمُ المَرِيضَ أَو المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْراً، فَإنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» ، قالت: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سلَمة أتَيْتُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: يَا رسولَ الله، إنَّ أَبَا سَلَمَة قَدْ مَاتَ، قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبى حَسَنَةً» فقلتُ، فَأعْقَبنِي اللهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ: مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه مسلم هكَذا: «إِذَا حَضَرتُمُ المَريضَ، أَو المَيِّتَ» ، عَلَى الشَّكِّ، ورواه أَبُو داود وغيره: «الميت» بلا شَكّ.

في هذا الحديث: البداءة بالنفس في الدعاء.
وفيه: حصول ثمرة الامتثال.
[921] وعنها قالت: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: إنّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أُجِرْنِي في
(1/543)

مُصِيبَتي وَاخْلفْ لِي خَيراً مِنْهَا، إِلا أَجَرَهُ اللهُ تَعَالَى في مُصِيبَتِهِ وَأخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْهَا» قالت: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَة قلتُ كَمَا أمَرَني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأخْلَفَ اللهُ لِي خَيْراً مِنْهُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه مسلم.

قوله: «إلا أجره الله» ، بفتح الهمزة من غير مد، وبمدها لغتان، أي: أثابه.

[922] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فيقولونَ: نَعَمْ. فيقولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَة فُؤَادِهِ؟ فيقولونَ: نَعَمْ. فيقولُ: فمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فيقولونَ: حَمدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فيقول اللهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً في الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

الإضافة في قوله تعالى: (عبدي) ، للتشريف جبرًا لما أصابه من المصيبة وتشريفًا له لصبره على أقضية ربه.

[923] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يقولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤمِن عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْل الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلا الجَنَّةَ» . رواه البخاري.

صفيه: حبيبه من زوج، وولد، وقريب، وصديق.
[924] وعن أسَامَة بن زَيدٍ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: أرْسَلَتْ إحْدى بَنَاتِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أنَّ صَبِيَّاً لَهَا - أَوْ ابْناً - في المَوْتِ فَقَالَ للرسول: «ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأخْبِرْهَا أنَّ للهِ تَعَالَى مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأجَلٍ مُسَمّى، فَمُرْهَا، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» ... وذكر تمام الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/544)

في هذا الحديث: الوصية بالصبر عند المصيبة قبل وجودها ليستعد لها.

153- باب جواز البكاء عَلَى الميت بغير ندب وَلا نياحة
أمَّا النِّيَاحَةُ فَحَرَامٌ وَسَيَأتِي فِيهَا بَابٌ فِي كِتابِ النَّهْيِ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَأمَّا البُكَاءُ فَجَاءتْ أحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَأنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ، وَهِيَ مُتَأَوَّلَةٌ ومَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ أوْصَى بِهِ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ عَن البُكَاءِ الَّذِي فِيهِ نَدْبٌ، أَوْ نِيَاحَةٌ.

أجمع العلماء على أنَّ البكاء الذي يعذب به هو مجرد النياحة لا مجرَّد دمع العين ونحوه.
والدَّليلُ عَلَى جَوَازِ البُكَاءِ بِغَيْرِ نَدْبٍ وَلا نِياحَةٍ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا:

[925] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عاد سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَمَعَهُ عَبدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوفٍ، وَسَعدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنهم - فَبَكَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأى القَوْمُ بُكَاءَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكَوْا، فَقَالَ: «ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ الله لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَينِ، وَلا بِحُزنِ القَلبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا أَوْ يَرْحَمُ» وَأشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: دليل على جواز البكاء، والحزن، وتحريم الندب، والنياحة والتسخط.

[926] وعن أُسَامَة بن زَيدٍ رضي اللهُ عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَ إِلَيْهِ ابنُ ابْنَتِهِ وَهُوَ فِي المَوتِ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ سَعدٌ: مَا هَذَا يَا رسولَ الله؟! قَالَ: «هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى في
(1/545)

قُلُوبِ ... عِبَادِهِ، وَإنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

سعد هذا هو ابن عبادة كما تقدم في الحديث في باب الصبر.

[927] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى ابْنِهِ إبْرَاهيمَ - رضي الله عنه - وَهُوَ يَجُودُ بِنَفسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذْرِفَان. فَقَالَ لَهُ عبدُ الرحمنِ بن عَوف: وأنت يَا رسولَ الله؟! فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ» . ثُمَّ أتْبَعَهَا بأُخْرَى، فَقَالَ: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلب يَحْزنُ، وَلا نَقُولُ إِلا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إبرَاهِيمُ لَمَحزُونُونَ» . رواه البخاري، وروى مسلم بعضه. والأحاديث في الباب كثيرة في الصحيح مشهورة، والله أعلم.

قوله: «فقال: يَا ابن عوف، إنها رحمة» .
وفي رواية: فقلت: يَا رسول الله، تبكي أو لم تنه عن البكاء! فقال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت نغمة لهو ولعب. ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب. ورنة شيطان؛ إنما هذه رحمة، ومن لا يَرْحَم لا يُرْحَم» . قال ابن المنيِّر: فيه أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أن مثل هذا لا يدخل تحت القدرة، ولا يكلف العبد الانكفاف عنه.

154- باب الكف عن مَا يُرى من الميت من مكروه
[928] عن أَبي رافع أسلم مولى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيتاً فَكَتَمَ عَلَيْهِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ أربَعِينَ مَرَّة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح عَلَى شرط مسلم.
(1/546)

قوله: «فكتم عليه» ، أي: ما رأى منه من تغير لون، أو تشويه صورة، أو نحو ذلك. ولأحمد من حديث عائشة مرفوعًا: «من غسل ميتًا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .

155- باب الصلاة عَلَى الميت وتشييعه وحضور دفنه
وكراهة اتباع النساء الجنائز
وَقَدْ سَبَقَ فَضْلُ التَّشْييعِ.

أي: في كتاب عيادة المريض في حديث البراء: «أمرنا بسبع إلى أن قال: واتباع الجنائز. وبقوله في حديث أبي هريرة: «حق المسلم على المسلم خمس: رد الإِسلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» .

[929] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيراطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ» قِيلَ: وَمَا القِيرَاطانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في حديث للطبراني: «من تبع جنازة كتب له ثلاثة قراريط» . قال في «فتح الباري» : الإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه، وغسله، وجميع ما يتعلقق به: فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط. وذكر القيراط تقريبًا للفهم، وفي حديث واثلة بن عدي: ... «كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد» .
(1/547)

[930] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيماناً وَاحْتِسَاباً، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإنَّهُ يَرْجعُ مِنَ الأَجْرِ بِقيراطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ بِقيرَاطٍ» . رواه البخاري.

قوله: «إيمانًا واحتسابًا» ، أي: تصديقًا بالوعد واحتسابًا للأجر.

[931] وعن أم عطية رضي الله عنها، قالت: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
ومعناه: وَلَمْ يُشَدَّدْ في النَّهْيِ كَمَا يُشَدَّدُ في المُحَرَّمَاتِ.

قولها: (نهينا) ، أي: نهانا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والمراد جماعة النساء.
قال القرطبي: ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم.

156- باب استحباب تكثير المصلين عَلَى الجنازة
وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر

[932] عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مَيتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِئَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلا شُفِّعُوا فِيهِ» . رواه مسلم.

[933] وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيقومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أرْبَعُونَ
(1/548)

رَجُلاً لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً، إِلا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» . رواه مسلم.

لا مخالفة بين هذا الحديث والذي قبله، لأن مفهوم العدد غير حجة على الصحيح، أو أن الله أخبره بما جاء فيمن صلَّى عليه مئة ثم زاد الفضل من الله تعالى بحصول مثل ذلك فيمن صلَّى عليه أربعون فأخبر به، والله أعلم.
[934] وعن مرثدِ بن عبدِ الله اليَزَنِيِّ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بن هُبَيْرَة - رضي الله عنه - إِذَا صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ، فَتَقَالَّ النَّاس عَلَيْهَا، جَزَّأَهُمْ عَلَيْهَا ثَلاَثَةَ أجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ ... أوْجَبَ» رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قوله: «فقد أوجب» ، أي: وجبت له الجنة.

157- باب مَا يقرأ في صلاة الجنازة
يُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكبِيرَاتٍ، يَتَعوَّذُ بَعْدَ الأُولَى، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. وَالأفْضَلُ أنْ يُتَمِّمَهُ بقوله: كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إبرَاهِيمَ - إِلَى قَوْله - إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَلا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلهُ كَثيرٌ مِنَ العَوامِّ مِنْ قراءتِهِمْ: {إنَّ اللهَ وَمَلائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ} [الأحزاب (56) ] الآية، فَإنَّهُ لا تَصحُّ صَلاَتُهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّالِثَةَ، وَيَدعُو للمَيِّتِ وَللمُسْلِمِينَ بِمَا سَنَذكُرُهُ مِنَ الأحاديث إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيَدْعُو. وَمِنْ أحْسَنِهِ: «اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ» . وَالمُخْتَارُ أنه يُطَوِّلُ الدُّعاء في الرَّابِعَة خلافَ مَا يَعْتَادُهُ أكْثَرُ النَّاس،
(1/549)

لحديث ابن أَبي أَوْفى الذي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاء اللهُ تَعَالَى.

الدعاء بعد الرابعة جائز.
قال في الإنصاف» : ظاهر كلام المصنف أنه لا يدعو بشيء بعد الرابعة وهو صحيح، وإنما يقف قليلاً بعدها ليكبر آخر الصفوف، وهذا المذهب نقله الجماعة، وعنه: يقف ويدعو، اختاره أبو بكر وغيره. قال في «مجمع البحرين» : هذا أظهر الروايتين، وعنه: يخلص الدعاء للميت.
فَأمَّا الأَدْعِيَةُ المَأثُورَةُ بَعْدَ التَّكبِيرَةِ الثالثة، فمنها:

[935] عن أَبي عبد الرحمن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: صَلَّى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جَنازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ، وَهُوَ يقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّه مِن الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَس، وَأبدلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأهْلاً خَيراً مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجَاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَأدْخِلهُ الجَنَّةَ، وَأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمنْ عَذَابِ النَّارِ» حَتَّى تَمَنَّيتُ أن أكُون أنَا ذَلِكَ الْمَيِّت. رواه مسلم.

في هذا الحديث: مشروعية الدعاء للميت، وجواز الجهر به ولو سمعه من يليه.
[936] وعن أَبي هريرة وأبي قتادة وَأبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه - وأبوه صَحَابيٌّ - رضي الله عنهم - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرنَا وَكَبيرنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وشَاهِدنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلَى الإسْلاَمِ،
(1/550)

وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوفَّهُ عَلَى الإيمَان، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعدَهُ» . رواه الترمذي من رواية أَبي هريرة والأشهلي. ورواه أَبُو داود من رواية أَبي هريرة وأبي قتادة. قَالَ الحاكم: «حديث أَبي هريرة صحيح عَلَى شرط البخاري ومسلم» ، قَالَ الترمذي: «قَالَ البخاري: أجمع رواياتِ هَذَا الحديث رواية الأشْهَلِيِّ، قَالَ البخاري: وأصح شيء في هَذَا الباب حديث عَوْفِ بن مَالِكٍ» .

في هذا الحديث: جواز الدعاء لعامة المسلمين في الصلاة على الميت.

[937] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ، فَأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاء» . رواه أَبُو داود.

قال العلقمي: إخلاص الدعاء للميت أن يدعى له بخصوصه، وإن كان طفلاً.

[938] وعنه عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصَّلاَةِ عَلَى الجَنَازَةِ: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وَأنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأنتَ هَدَيْتَهَا للإسْلاَمِ، وَأنتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأنْتَ أعْلَمُ بِسرِّهَا وَعَلاَنِيَتِهَا، جِئنَا شُفَعَاءَ لَهُ، فَاغْفِرْ لَهُ» . رواه أَبُو داود.
[939] وعن وَاثِلَة بنِ الأَسْقَعِ - رضي الله عنه - قال: صَلَّى بِنَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ ابْنَ فُلانٍ في ذِمَتِّكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ، وَعذَابَ النَّار،
(1/551)

وَأنْتَ أهْلُ الوَفَاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ» . رواه أَبُو داود.

قال الطيبي: الحبل: العهد والأمان والذمة، أي هو في كنف حفظك.

[940] وعن عبدِ الله بنِ أبي أَوْفى رضي الله عنهما: أنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةِ ابْنَةٍ لَهُ أرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، فَقَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رسول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ هكَذَا.
وفي رواية: كَبَّرَ أرْبَعاً فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْساً، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ... إنِّي لا أزيدُكُمْ عَلَى مَا رأيْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ، أَوْ: هكَذَا صَنَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه الحاكم، وقال: «حديث صحيح» .

يؤخذ من هذا الحديث: استحباب الدعاء للميت بعد الرابعة.
قوله: «ثم سلم عن يمينه وعن شماله» ، قال في «الإنصاف» : الصحيح من المذهب وجوب التسليمة الأولى، وعليه الأصحاب. وعنه: ثنتان، وهي من المفردات. انتهى.
والراجح وجوب الأولى وجواز الثانية.

158- باب الإسراع بالجنازة
[941] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أسْرِعُوا بالجَنَازَةِ، فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/552)

وفي روايةٍ لمسلمٍ: «فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ» .

المراد: الإسراع فوق المشي المعتاد، ودون الخبب، وأن لا يشق على من تبعها ولا يحرك الميت.

[942] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: كَانَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقُولُ: «إِذَا وُضِعَت الجَنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعنَاقِهمْ، فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قالتْ: قَدِّمُونِي، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلا الإنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإنسَانُ لَصَعِقَ» . رواه البخاري.

قوله: «قالت لأهلها: يَا ويلها» ، الويل: كلمة تقال عند العذاب أو خوفه.
قال النووي: هذا من حسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى بضمير الغيبة لقبح صورة اللفظ الواقع.
159- باب تعجيل قضاء الدَّين عن الميت
والمبادرة إِلَى تجهيزه إلا أن يموت فجأة فيترك حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه

[943] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضى عَنْهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: الحث على الإسراع بقضاء الدين عن الميت.
[944] وعن حُصَيْنِ بن وَحْوَحٍ - رضي الله عنه - أنَّ طَلْحَةَ بْنَ البَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنهما مَرِضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ، فَقَالَ: «إنِّي لا أرى طَلْحَةَ إِلا قَدْ حَدَثَ فِيهِ المَوْتُ، فآذِنُوني بِهِ وَعَجِّلُوا بِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لجِيفَةِ
(1/553)

مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانِيْ أهْلِهِ» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: الأمر بالمبادرة إلى تجهيز الميت. وروي أنه توفي ليلاً فقال: ادفنوني ليلاً. والحقوني بربي ولا تدعو رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإني أخاف عليه من اليهود أن يصاب في سببي. فأخبر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره وصف الناس معه ثم رفع يديه. وقال: «اللهم ألق طلحة وأنت تضحك إليه، وهو يضحك إليك» .

160- باب الموعظة عند القبر

[945] عن عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، فَأتَانَا ... رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ» . فقالوا: يَا رسولَ الله، أفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابنَا؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا؛ فكلٌّ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ... » وذكَر تَمَامَ الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.

الموعظة: هي التذكير بعذاب الله الزاجر عن مخالفته، وبثوابه الباعث على طاعته تعالى. والمخصرة: عصا ذات رأس معوج.
قوله: «فنكس» بتخفيف الكاف وتشديدها، أي: طأطأ رأسه، وذلك يكون عند التفكر والتدبر.
وفي الحديث: استحباب الموعظة عند القبر لأن رؤية الميت، وذكر الموت يرقق القلب، ويذهب غلظته.
(1/554)

وفيه: الإيمان بالقدر.
وفيه: أن كلاً ميسر لما خلق له، من سعادة أو شقاوة.
وفيه: الأمر بالعمل وعدم الاتكال على الكتاب السابق، ولهذا لما قالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» . ثم قرأ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل (5، 10) ] .

161- باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره
ساعة للدعاء لَهُ والاستغفار والقراءة

[946] وعن أَبي عمرو - وقيل: أَبُو عبد الله، وقيل: أَبُو ليلى - عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا فُرِغَ مِن دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وقال: «اسْتَغْفِرُوا لأخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإنَّهُ الآنَ يُسألُ» . رواه أَبُو داود.

فيه: مشروعية الدعاء للميت بعد دفنه بالتثبيت؛ لأنه يُسأل حينئذٍ عن ربه ودينه ونبيه.

[947] وعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: إِذَا دَفَنْتُمُونِي، فَأقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. رواه مسلم. وَقَدْ سبق بطوله.
(1/555)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَيُسْتَحَبُّ أنْ يُقْرَأ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ، وَإنْ خَتَمُوا القُرآنَ عِنْدَهُ كَانَ حَسَنَاً.

يشرع الوقوف عند قبر الميت بعد دفنه والدعاء له بالتثبيت. ويباح التلقين، وتركه أولى. وأما القراءة فلا بأس بها عند القبر، والأولى تركها اقتداءً بالسلف الأول، والأحاديث في ذلك ضعيفة.

162- باب الصدقة عن الميت والدعاء لَهُ
قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ} [الحشر (10) ] .

هذه الآية نزلت في الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة. ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم يقولون {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا} ، أي: غشًّا وحسدًا وبغضًا. واستدل المصنف بهذه الآية على طلب الدعاء للميت، ويُقاس به الصدقة عنه.
(1/556)

[948] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رجلاً قَالَ للنبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: دليل على أن الصدقة عن الميت يصل أجرها إليه.

[949] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقةٍ جَاريَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . رواه مسلم.

فيه: دليل على أن عمل ابن آدم ينقطع بعد الموت، لقوله تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم (39) ] .
قال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداؤها، إلى الموتى لأنه ليس من عملهم، ولا كسبهم.
وأما حديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» ، فهي في الحقيقة من سعيه وكده وعمله. انتهى ملخصًا.

163- باب ثناء الناس عَلَى الميت
[950] عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً فَقَالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَجَبَتْ» . ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى، فَأثْنَوْا عَلَيْهَا شَرّاً، فَقَالَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَجَبَتْ» . فَقَالَ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: مَا
(1/557)

وَجَبَت؟ فَقَالَ: «هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً، فَوَجَبتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّار، أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأَرضِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

النهي عن ذكر مساوي الموتى في غير الكافر، والمنافق، والمتجاهر بالفسق للتحريم، فانطلاق الألسنة بالثناء الحسن من المؤمنين علامة على صلاح العبد، وانطلاق الألسنة بالثناء القبيح علامة على فساده.

[951] وعن أَبي الأسْوَدِ الديلي، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّاب - رضي الله عنه - فَمَرَّتْ بِهمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْراً، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بَأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْراً، فَقَالَ عُمرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرّاً، فَقَالَ عُمر: وَجَبَتْ، قَالَ أَبُو الأسودِ: فقلتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أمْيرَ المُؤمِنينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كما قَالَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيرٍ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ» فقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ؟ قَالَ: «وَثَلاثَةٌ» فقلنا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ» . ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَن الواحِدِ. رواه البخاري.
فيه: فضل الثناء على الميت بخير، إذا كان يعلم ذلك منه، وعند أحمد: «ما من مسلم تشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه. وغفرت له ما لا يعلمون» .

164- باب فضل من مات لَهُ أولاد صغار

[952] عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثَةٌ لَمْ يَبْلُغوا الحِنْثَ إِلا أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/558)

الحنث: الحلم، وعبر بالحنث عن البلوغ، لأن الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه، وخص الصغير بذلك، لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أكثر، فإن البالغ يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة.

[953] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لا تَمسُّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ القَسَمِ» . متفقٌ ... عَلَيْهِِ.
وَ «تَحِلَّةُ القَسَمِ» قول الله تَعَالَى: {وَإنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا} وَالوُرُودُ: هُوَ العُبُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ، عَافَانَا اللهُ مِنْهَا.

قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخل مجتازًا، ويكون ذلك الجواز بقدر ما يحلل به الرجل يمينه.
وفي رواية عند الطبراني: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل» . يعني الجواز على الصراط.
[954] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءتِ امْرأةٌ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رسولَ الله، ذَهبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْماً نَأتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، قَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأةٍ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنَ الوَلَدِ إِلا كَانُوا لَهَا
(1/559)

حِجَاباً مِنَ النَّارِ» . فقالتِ امْرَأةٌ: وَاثْنَينِ؟ فَقَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاثْنَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

الولد يشمل الذكر والأنثى، والكبير والصغير، وخُصت الثلاثة بالذكر لأنها أول مراتب الكثرة، والحديث يتناول ما فوق الثلاثة بالأولى.

165- باب البكاء والخوف عِنْدَ المرور بقبور الظالمين
ومصارعهم وإظهار الافتقار إِلَى الله تَعَالَى
والتحذير من الغفلة عن ذلك

[955] عن ابن عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لأصْحَابِهِ - يعْني لَمَّا وَصَلُوا الحِجْرَ - دِيَارَ ثَمُودَ -: «لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ المُعَذَّبِينَ إِلا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصِيبُكُمْ مَا أصَابَهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي روايةٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالحِجْرِ، قَالَ: «لا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أنْ يُصِيبَكُمْ مَا أصَابَهُمْ، إِلا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» ثُمَّ قَنَّع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأسَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أجَازَ الوَادِي.
أي: لا تدخلوها إلا حال الاعتبار الباعث على البكاء لا على سبيل التفرج خشية أن يصيبكم ما أصابهم من إهمال أمر الله فيحل بكم عقابه.
(1/560)

كتَاب آداب السَّفَر

166- باب استحباب الخروج يوم الخميس
واستحبابه أول النهار

[956] عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخَمِيس، وَكَانَ يُحِبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَميسِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية في لأبي داود: لقَلَّمَا كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ إِلا في يَوْمِ الخَمِيسِ.

في الحديث: استحباب الخروج إلى السفر يوم الخميس، وأنه لا كراهة في ذلك.

[957] وعن صخر بن وَداعَةَ الغامِدِيِّ الصحابيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي في بُكُورِهَا» وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشَاً بَعَثَهُمْ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ. وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِراً، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أوَّلَ النَّهَار، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
(1/561)

في هذا الحديث: استحباب السفر أول النهار.

167- باب استحباب طلب الرفقة
وتأميرهم عَلَى أنفسهم واحداً يطيعونه

[958] عن ابن عمرَ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ أنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مِنَ الوحدَةِ مَا أعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» ! . رواه البخاري.

في هذا الحديث: كراهية المسير بالليل للمنفرد، لما يلحقه من ضرر الوحدة الديني والدنيوي.
[959] وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدهِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحةٍ، وقال الترمذي: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمل عليه الشيطان ويدعوه إليه. فقيل لذلك أن فاعله شيطان، وكذا الاثنان ليس معهما ثالث.
وقوله: «والثلاثة ركب» ، أي: إذا وجد ذلك تعاضدوا وتعاونوا على نوائب السفر. ودفع ما فيه من الضرر، وأمنوا من خيانة بعضهم.

[960] وعن أَبي سعيد وأبي هُريرة رضي اللهُ تَعَالَى عنهما قالا: قَالَ
رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ في سَفَرٍ فَليُؤَمِّرُوا أحَدَهُمْ» حديث حسن، رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.
(1/562)

فيه: استحباب تأمير أحد المسافرين فيما يتعلق بالسفر وما يعرض فيه والأولى ولاية الأجود رأيًا لأن التأمير إنما طلب للمصالح ودفع المفاسد.

[961] وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِئَةٍ، وَخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ ألْفاً مِنْ قِلةٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: فائدة تخصيص الأربعة أن واحدًا يكون أميرًا، والثاني حافظًا للرجل، واثنان معاونان. والسرية هي القطعة من الجيش تغير وترجع إليه.
وقوله: «من قلة» ، أي قلة عدد بل لسبب آخر من عُجبٍ أو غيره.
زاد العسكري: «وخير الطلائع أربعون» .

168- باب آداب السير والنزول والمبيت
والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب
ومراعاة مصلحتها وأمر من قصّر في حقها بالقيام بحقها
وجواز الإرداف عَلَى الدابة إِذَا كانت تطيق ذلك

[962] عن أَبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الخِصْبِ، فَأعْطُوا الإبلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ في الجدْبِ، فَأسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأوَى الهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» . رواه مسلم.
مَعنَى «أعْطُوا الإبِلَ حَظَّهَا مِنَ الأرْضِ» أيْ: ارْفُقُوا بِهَا في السَّيْرِ لِتَرْعَى في حَالِ سَيرِهَا، وَقوله: «نِقْيَهَا» هُوَ بكسر النون وإسكان
(1/563)

القاف وبالياءِ المثناة من تَحْت وَهُوَ: المُخُّ، معناه: أسْرِعُوا بِهَا حَتَّى تَصِلُوا المَقصِدَ قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ مُخُّهَا مِنْ ضَنْك السَّيْرِ. وَ «التَّعْرِيسُ» : النُزولُ في اللَّيلِ.

[963] وعن أَبي قتادة - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى كَفِّهِ. رواه مسلم.
قَالَ العلماءُ: إنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ لِئَلا يَسْتَغْرِقَ في النَّومِ، فَتَفُوتَ صَلاَةُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ عَنْ أوَّلِ وَقْتِهَا.

قوله: «اضطجع على يمينه» ، النوم على اليمين أشرف جهة، ولئلا يستغرق في النوم لكون القلب يكون حينئذٍ معلقًا فلا ينغمر في النوم.

[964] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإنَّ الأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» . رواه أَبُو داود بإسناد حسن.
«الدُّلْجَةُ» : السَّيْرُ في اللَّيْلِ.
تقطع الدواب من المسافة في الليل خصوصًا آخره ما لا تقطعها في ... النهار، لنشاطها ببرود الليل، وبركة آخره. قال الشاعر:
?? ... عند الصباح يحمد القوم السري ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى

[965] وعن أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - رضي الله عنه - قال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلاً تَفَرَّقُوا في الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ. فَقَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ تَفَرُّقكُمْ فِي هذِهِ الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ إنَّمَا ذلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ!» فَلَمْ يَنْزِلُوا
(1/564)

بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.

يعني: أن التفرق ناشئ من وسواس الشيطان وإغوائه، وذلك أن المراد من الرفقة دفع ما يعرض في السفر، والتعاون على نوائبه، والتفرق مانع من ذلك.

[966] وعن سهل بن عمرو - وقيل: سهل بن الربيع بن عمرو - الأنصاري المعروف بابن الحنظلِيَّة، وَهُوَ من أهل بيعة الرِّضْوَانِ - رضي الله عنه - قال: مَرَّ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا الله في هذِهِ البَهَائِمِ المُعجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم.
وفي هذا الحديث: الأمر بتقوى الله فيها. ونص على صفتها بأنها معجمة للاستعطاف عليها، ومزيد الشفقة بها، ولأنها لا تقدر على الفرار، ولا الشكوى إلا إلى الله. وقد ورد في بعض الآثار: أن الملك يمسح خاصرتها كل ليلة، فإن كانت شابعة دعى لصاحبها بالبركة، وإن كانت جائعة دعا عليه بالفقر وهذا مشاهد بالحس.
[967] وعن أَبي جعفر عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، قَالَ: أردفني رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، وَأسَرَّ إليَّ حَدِيثاً لا أُحَدِّثُ بِهِ أحَداً مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. يَعنِي: حَائِطَ نَخْلٍ. رواه مسلم هكَذَا مُختصراً.
وزادَ فِيهِ البَرْقاني بإسناد مسلم - بعد قَوْله: حَائِشُ نَخْلٍ - فَدَخَلَ
(1/565)

حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَإذا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأى رَسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَرْجَرَ وذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأتَاهُ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحَ سَرَاتَهُ - أيْ: سِنَامَهُ - وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتَىً مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هَذَا لِي يَا رسولَ الله. فَقَالَ: «أفَلا تَتَّقِي اللهَ في هذِهِ البَهِيمَةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاهَا؟ فَإنَّهُ يَشْكُو إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» . رواه أَبُو داود كرواية البرقاني.
قَوْله «ذِفْرَاهُ» : هُوَ بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاءِ، وَهُوَ لفظ مفرد مؤنث. قَالَ أهل اللغة: الذِّفْرى: الموضع الَّذِي يَعْرَقُ مِن البَعِيرِ خَلف الأُذُنِ، وَقوله: «تُدْئِبهُ» أيْ: تتعِبه.

في هذا الحديث: معجزة من معجزات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدالة على صدقة.
وفيه: تواضعه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكمال شفقته، ومزيد رحمته.
وفيه: جواز قولهم: رب هذا الجمل، ورب الإبل، يعني مالكها.
وفي رواية لأحمد: فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «انظر لمن هذا الجمل» . قال: فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته له. فقال: «ما شأن جملك هذا» ؟ فقال: ما شأنه لا أدري، والله ما شأنه عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره، ونقسم لحمه. قال: «فلا تفعل» .
قوله: «أفلا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه يشكوا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه» .
وفي رواية لأحمد: «شاكيًا كثرة العمل، وقلة العلف» .
قال الأزهري: البهيمة في اللغة معناها المبهمة عن العقل، والتمييز.
(1/566)

والمعنى: ألا تتقي الله في ما لا لسان له فتشكو ما بها من جوع، وعطش، ومشقة.

[968] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً، لا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَال. رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط مسلم.
وَقَوْلُه: «لا نُسَبِّحُ» : أيْ لا نُصَلِّي النَّافِلَةَ، ومعناه: أنَّا - مَعَ حِرْصِنَا عَلَى الصَّلاَةِ - لا نُقَدِّمُهَا عَلَى حَطِّ الرِّحَالِ إرَاحَةِ الدَّوَابِّ.

في هذا الحديث: استحباب إراحة البهائم بالحط عنها قبل الاشتغال بعبادة أو غيرها لما لحقها من التعب.
وفيه: استحباب التنفل في السفر.

169- باب إعانة الرفيق
في الباب أحاديث كثيرة تقدمت كحديث: «وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ» . وحديث: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَة» وَأشْبَاهِهِما.
[969] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بَيْنَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا
(1/567)

ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» ، فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَهُ، حَتَّى رَأيْنَا، أنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رواه مسلم.

قوله: (فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً) ، أي: ينظر من يتوسم فيه الإعانة فعرف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه محتاج، فأمر بمواساته ومواساة غيره من المحتاجين لمن كان عنده فضل من طعام أو غيره.

[970] وعن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّهُ أرَادَ أنْ يَغْزُوَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، إن مِنْ إخْوَانِكُمْ قَوْماً لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ، وَلا عَشِيرةٌ، فَلْيَضُمَّ أحَدكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاَثَةَ، فَمَا لأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلا عُقْبةٌ كَعُقْبَةٍ» يَعْني أحَدهِمْ، قَالَ: فَضَمَمْتُ إلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً مَا لِي إِلا عُقْبَةٌ كَعقبة أحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي. رواه أَبُو داود.

قوله: «فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة» ، أي: على حسب القدرة والحال من اليسار والإعسار.

[971] وعنه قَالَ: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَلَّفُ في المَسير، فَيُزْجِي الضَّعِيف، وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.

قوله: (يزجي) ، أي، يسوق.
وفيه: استحباب الإعانة للرفيق بالسوق به، وإردافه، والدعاء له وغير ذلك مما يحتاجه.
وفيه: استحباب التخلف وراء الرفقة لإعانتهم فيما يعرض لهم.
(1/568)

170- باب مَا يقول إذا ركب دَابَّة للسفر
قَالَ الله تَعَالَى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف (12: 13) ] .

قال طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة، أو سفينة أن يقول ذلك، ويتذكَّر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى.

[972] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجاً إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلبُونَ. اللهُمَّ إنا نسألكَ في سفرنا هذا البرّ والتَّقوى، ومنَ العملِ ما ترضى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأهْلِ. اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ في المالِ وَالأَهْلِ» . وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» . رواه مسلم
قَوْلُهُ «مُقْرِنِينَ» : مُطِيقِينَ. وَ «الوَعْثَاءُ» بفتحِ الواوِ وَإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد وَهِيَ: الشِّدَّةُ. وَ «الكَآبَةُ» بِالمَدِّ، وَهِيَ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ مِنْ حُزْنٍ وَنَحْوهِ. وَ «المُنْقَلَبُ» : المَرْجِعُ.
قوله: «اللهم أنت الصاحب في السفر» ، أي: الملازم بالعناية والحفظ من الحوادث والنوازل: «والخليفة في الأهل» أي: المعتمد عليه والمفوض إليه حضورًا وغيبة.
وفي الحديث: استحباب هذا الدعاء عند ركوب المسافر.
(1/569)

[973] وعن عبد الله بن سَرجِسَ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ، وَدَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ في الأَهْلِ وَالمَالِ. رواه مسلم.
هكذا هُوَ في صحيح مسلم: «الحَوْر بَعْدَ الكَوْنِ» بالنون، وكذا رواه الترمذي والنسائي، قَالَ الترمذي: وَيُرْوَى «الكوْرُ» بالراءِ، وَكِلاهما لَهُ وجه.
قَالَ العلماءُ: ومعناه بالنون والراءِ جَميعاً: الرُّجُوعُ مِنَ الاسْتِقَامَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ إِلَى النَّقْصِ. قالوا: ورِوايةُ الرَّاءِ مَأخُوذَةٌ مِنْ تَكْوِيرِ العِمَامَة وَهُوَ لَفُّهَا وَجَمْعُهَا. ورواية النون، مِنَ الكَوْنِ، مَصْدَرُ كَانَ يَكُونُ كَونَاً: إِذَا وُجِدَ وَاسْتَقَرَّ.

قوله: «من الحور بعد الكون» استعاذة من الهبوط بعد الرفعة، لأن السفر مظنة التفريط والظلم. ورواية الرَّاء استعاذة من النقض بعد الإبرام.
[974] وعن عَلِي بن ربيعة، قَالَ: شهدت عليَّ بن أَبي طالب - رضي الله عنه - أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكَابِ، قَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: الحَمْدُ للهِ ثم قال: سبحان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ، وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ قَالَ: الحمْدُ للهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أكْبَرُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقيلَ: يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، مِنْ أيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: رَأيتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فقُلْتُ: يَا رسول اللهِ، مِنْ أيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: «إنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبدِهِ
(1/570)

إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن» . وفي بعض النسخ: «حسن صحيح» . وهذا لفظ أَبي داود.

قوله: ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا» هو الصواب.
وفي بعض النسخ: «الحمد الله الذي يسخر لنا هذا» . والذي رأيته في سنن أبي داود هو الموافق لما في الآية.
وفي هذا لحديث: استحباب هذا الذكر عند ركوب الدابة.

171- باب تكبير المسافر إِذَا صعد الثنايا وشبهها
وتسبيحه إِذَا هبط الأودية ونحوها
والنهي عن المبالغة برفع الصوتِ بالتكبير ونحوه

[975] عن جابر - رضي الله عنه - قال: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. رواه البخاري.
[976] وعن ابن عمرَ رضي اللهُ عنهما قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجيُوشُهُ إِذَا عَلَوا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قال المهلب: تكبيره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله عز وجل، وعندما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء، وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس، فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجّاه الله من الظلمات. فسبح النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بطون الأودية لينجيه الله منها.
(1/571)

[977] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ، كُلَّمَا أوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلاثَاً، ثُمَّ قَالَ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلم: إِذَا قَفَلَ مِنَ الجيُوشِ والسَّرَايَا أَو الحَجِّ أَو العُمْرَةِ.
قَوْلهُ: «أوْفَى» أيْ: ارْتَفَعَ، وَقَوْلُه: «فَدْفَدٍ» هُوَ بفتح الفائَينِ بينهما دال مهملة ساكِنة، وَآخِره دال أخرى وَهُوَ: «الغَليظُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرضِ» .

قوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ، أي هو المتفرد في إلهيَّته وربوبيته، ولا يشبه أحد.
وفي الحديث: استحباب هذا الذكر لكل قادم من سفر.
[978] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسول الله، إنّي أُريدُ أنْ أُسَافِرَ فَأوْصِني، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كلِّ شَرَفٍ» . فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البُعْدَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قوله: «اللهم فاطوِ له البعد» ، هذا الذي رأيته في (جامع الترمذي) بغير ياء. قال في " مجمع البحار "، أي: يسِّر له السير بمنح القوة لمركوبه، وأن لا يرى ما يتعبه.

[979] وعن أَبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه - قال: كنّا مَعَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا أشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا وَارتَفَعَتْ
(1/572)

أصْوَاتُنَا، فَقَالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غَائِباً، إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«ارْبَعُوا» بفتحِ الباءِ الموحدةِ أيْ: ارْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ.

في هذا الحديث: النهي عن المبالغة في رفع الصوت بالذكر، لأنه سبحانه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وهو السميع البصير العليم الخبير. وأما الجهر بالذكر من غير مبالغة فهو مطلوب إذا أمن الرياء ولم يؤذ به نحو نائم أو مصلٍّ. قال الله تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء (110) ] .

172- باب استحباب الدعاء في السفر
[980] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَات لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وليس في رواية أَبي داود: «عَلَى وَلَدِهِ» .

في هذا الحديث: استحباب إكثار الدعاء في السفر، لأنه مظنة الإجابة.
وفيه: النهي عن الظلم والعقوق.

173- باب مَا يدعو إِذَا خاف ناساً أَوْ غيرهم

[981] عن أَبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا خَافَ قَوْماً قَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ» . رواه أَبُو داود والنسائي بإسنادٍ صحيحٍ.
(1/573)

في هذا الحديث: أن من اعتصم بالله تعالى ولجأ إليه كفاه كيد الأَعادي والحساد.
قال الله تعالى {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة (137) ] .

174- باب مَا يقول إِذَا نزل منْزلاً

[982] عن خولة بنتِ حَكِيمٍ رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: استحباب التعوذ بصفات الله تعالى إذا نزل منزلاً في سفر، أو حضر. وأن من قال ذلك عصم من كل شر.
[983] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَافَرَ فَأقْبَلَ اللَّيْلُ، قال: «يَا أرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، أعُوذُ بالله مِنْ شَرِّ أسَدٍ وَأسْوَدٍ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» . رواه أَبُو داود.
وَ «الأَسْوَدُ» : الشَّخْصُ، قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَ «سَاكِنُ البَلَدِ» : هُمُ الجِنُّ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الأرْضِ. قَالَ: وَالبَلَد مِنَ الأرْضِ: مَا كَانَ مَأْوَى الحَيَوانِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَمَنَازلُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ: «بِالوَالِدِ» إبليسُ: «وَمَا وَلَدَ» : الشَّيَاطِينُ.
قوله: «وأعوذ بك من أسد وأسود» . قيل: إنما أراد الاستعاذة لعظم شر ما بعدها بالنسبة لما قبلها. وقيل: الأسود الحية العظيمة وهي أخبث الحيات.
(1/574)

175- باب استحباب تعجيل المسافر
الرجوع إِلَى أهله إِذَا قضى حاجته
[984] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإذَا قَضَى أحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أهْلِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«نَهْمَتهُ» : مَقْصُودهُ.

قوله: «يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه» .
قال النووي: أن يمنعه كمالها لما فيه من المشقة، والتعب، ومقاساة الحر والبرد ومفارقة الأهل والوطن، وخشونة العيش. والمقصود من الحديث: الحث على استحباب الرجوع للأهل بعد قضاء الوطر.

176- باب استحباب القدوم عَلَى أهله نهاراً
وكراهته في الليل لغير حاجة
[985] عن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أطال أحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقَنَّ أهْلَهُ لَيْلاً» .
وفي روايةٍ: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ لَيْلاً. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: كراهة القدوم ليلاً إذا لم يُعلمهم بوصوله لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة.
وقال البخاري: باب لا يطرق أهله ليلاً إذا أطال الغيبة مخافة أن يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم.
(1/575)

[986] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يَطْرُقُ أهْلَهُ لَيْلاً، وَكَانَ يَأتِيهمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. متفقٌ عَلَيْهِ.
«الطُّرُوقُ» : المَجيءُ فِي اللَّيْلِ.

مقتضى قوله: «إذا أطال أحدكم الغيبة» ، توهم عدم كراهة الطروق ليلاً مع قصر السفر ومقتضى الحديث التعميم.
قال الشارح: ويمكن الجمع بأنه إن كان بحيث لا يتعب الزوجة وتتوقع امرأته إتيانه مدة غيبته لقصرها، فلا بأس بالطروق ليلاً وإلا فهو كالطويل.

177- باب مَا يقول إِذَا رجع وإذا رأى بلدته

فِيهِ حَدِيثُ ابنِ عمرَ السَّابِقُ في باب تكبيرِ المسافِر إِذَا صَعِدَ الثَّنَايَا.

[987] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: أقْبَلْنَا مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا المَدِينَةَ. رواه مسلم.

الآيب: الراجع، أي: نحن آيبون، قال الله تعالى {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [الإسراء (25) ] .
وقوله: «تائبون» فيه إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على سبيل التواضع وتعليمًا لأمته.
قوله: فيه حديث ابن عمر السابق. ولفظه: (كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قفل من الحج أو العمرة كلما أوفى على ثنية، أو فدفد كبر ثلاثًا، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده» .

178-
(1/576)

باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد
الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين

[988] عن كعب بن مالِك - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: استحباب الصلاة في المسجد عند قدومه ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته.

179- باب تحريم سفر المرأة وحدها

[989] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يَحِلُّ ... لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «تؤمن بالله واليوم الآخر» ، خص المؤمنة بالذكر، لأن صاحب الإيمان هو الذي ينتفع بخطاب الشارع، وينقاد له.
وفي هذا الحديث: النهي عن سفر المرأة بغير محرم وإن ذلك حرام.

[990] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّهُ سَمِعَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرُ المَرْأةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، إنَّ امْرَأتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال الموفق: والمحرم زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح.
(1/577)

قال الحافظ: واستدل بالحديث على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحج والعمرة. والخروج من دار الشرك.
ومنهم من جعل ذلك من شرائط الحج.
قال أبو الطيب الطبري: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لها إلا مع محرم، أو زوج أو نسوة ثقات. انتهى. والله أعلم.
قوله: «لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» . وفي الحديث الآخر: «لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما.
وفي الصحيحين من حديث عقبة: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إياكم والدخول على النساء» . فقال رجل: يَا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو: الموت» .
قال النووي: المراد به أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، وهو أولى بالمنع من الأجنبي والفتنة به أمكن لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلو بها من غير نكير عليها بخلاف الأجنبي والله أعلم، انتهى ملخصًا.
(1/578)

كتَاب الفَضَائِل

180- باب فضل قراءة القرآن

[991] عن أَبي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فَإنَّهُ يَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ» . رواه مسلم

في هذا الحديث: الأمرُ بتلاوة القرآن، وأنَّه يشفع لأصحابه، أي أهْلِهِ القارئين له، المتمسِّكين بِهَدْيِهِ، القائمين بما أمر به، والتاركين لما نهي عنه.

[992] وعن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالقُرْآنِ وَأهْلِهِ الذينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ في الدُّنْيَا تَقْدُمُه سورَةُ البَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا» . رواه مسلم.
فيه: فضيلة لمن حفظ سورة البقرة، وسورة آل عمران وعمل بهما.

[993] وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: أكبرُ فضيلةٍ لمن حفظ القرآن وعمل به، وعلمه النَّاس، قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت (49) ] .
(1/579)

وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قرأ القرآن فقد استدرج النبوَّة بين جنبيه، غيرَ أنََّه لا يُوحى إليه» . انتهى.
فإذا حاز خير الكلام، وتسبَّبَ مع ذلك أن يكون غيره مثله فقد أُلحق ببعض درجات الأنبياء، وكان من جملة الصِّدِّيقين القائمين بحقوق الله تعالى، وحقوقِ عباده.

[994] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أجْرَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

الكرام البررة: هم الملائكة. قال البخاري: وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته، كالسفير الذي يصلح بين القوم.
وذكر الحديث بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له، مع السَّفَرة الكرام البَرَرَة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» .
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} ، أي خلقهم كريم، حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارَّة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرَّشاد.
[995] وعن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ: رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ: لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثلُ المُنَافِقِ الَّذِي يقرأ القرآنَ كَمَثلِ الرَّيحانَةِ: ريحُهَا
(1/580)

طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثلِ الحَنْظَلَةِ: لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

شَبَّهَ المؤمن القارئ بالأُتْرُجَّةِ لِما اشتملت عليه من الخواص الموجودة فيها مع حسن المنظر، وطيب الطعم، ولين المَلْمس، ويستفيد المتناول لها بعد الالتذاذ بها طيب النكهة، ودباغ المعدة، وقوة الهضم، فاشتركت فيها الحواس الأربع: الشَّمُّ، والبَصَرُ، والذَّوْقُ، واللَّمْسُ.
وشَبَّهَ المؤمن غير القارئ بالتمرة لاشتماله على الإيمان كاشتمال التمرة على الحلاوة.
وشبَّه المنافق بالرَّيْحانة لطيب تلاوته، وخبث عمله، وشبَّه المنافق الذي لا يقرأ بالحنظلة، وهي الشجرة الخبيثة.
قال الحافظ: وفي الحديث فضيلةُ حامل القرآن، وضربُ المَثَلِ للتقريب للفهم. وإن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه.

[996] وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخرِينَ» . رواه مسلم

يعني من عمل بالقرآن رفعه الله في الدنيا والآخرة، ومن ضيَّع حدوده وضعه الله وإنْ كان شريفًا.
[997] وعن ابن عمر رضي اللهُ عنهما، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا حَسَدَ إِلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاء اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«والآنَاءُ» : السَّاعَاتُ.
(1/581)

قوله: «لا حسد» ، أي: لا غبطة تنبغي إلا في هذه الخَصْلتين، وهي من جنس. قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} [البقرة (148) ] .
قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (26) ] .
وقال البخاري: باب اغتباط صاحب القرآن، وذكر الحديث بلفظ: «لا حسد إلا على اثنتين، رجل آتاه الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار» .
قال الحافظ: وهو عند مسلم من وجه آخر: «وقام به آناء الليل وآناء النهار» . والمراد بالقيام به، العمل به تلاوةً وطاعةً. ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي: «رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتَّبع ما فيه» .

[998] وعن البراءِ بن عازِبٍ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُه يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أصْبَحَ أتَى النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلقُرْآنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«الشَّطَنُ» بفتحِ الشينِ المعجمة والطاءِ المهملة: الحَبْلُ.

المراد بالسكينة في هذا الحديث: الملائكة.
وقيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.
وقيل: هي روح من الله، وقيل غير ذلك.
قال النووي: والمختار أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة.
(1/582)

[999] وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَرَأ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، لا أقول: ألم حَرفٌ، وَلكِنْ: ألِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: أنَّ قارئ القرآن يُعطى بكل حرف عشر حسنات لكل قارئ. وأما الضابط المتقن فله عشرون حسنة، كما في رواية البيهقي من حديث ابن عمر: «من قرأ القرآن فأعرب في قراءته، كان له بكل حرف منه عشرون حسنة، ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات» .

[1000] وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الَّذِي لَيْسَ في جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: التحريض على حفظ القرآن، أو بعضه ليكون جوفه عامرًا به.

[1001] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا، فَإنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آية تَقْرَؤُهَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: أنَّ حافظ القرآن الملازم لتلاوته وتدبره، والعمل به أنه
(1/583)

يصعد في درج الجنة حتى يبلغ منزلته على قدر عمله وحفظه، وبالله التوفيق.
181- باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان
[1002] عن أَبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تعاهدوا هَذَا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإبلِ فِي عُقُلِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: الحضُّ على قراءة القرآن، والمواظبة على تلاوته.

[1003] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ... «إنَّمَا مَثَلُ صَاحبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أمْسَكَهَا، وَإنْ أطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قال البخاري: باب استذكار القرآن وتعاهده، وذكر حديث ابن عمر المذكور، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت، وكيت، بل نُسِّيَ. واستذكروا القرآن فإنه أشدُّ تَفَصَّيًا من صدور الرجال من النَّعَم» .
خصّ الإِبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإِنسيّ نفورًا وفي تحصيلها حيث كان نفورها صعوبة.
قوله: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي» .
قال عياض: أولى ما يتأول عليه ذم الحال لا ذمّ القول، أي: بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه.
قال ابن بطال: هذا الحديث يوافق قوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل (5) ] .
(1/584)

وقوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر (17) ] ، فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلَّتَ منه.
قال الحافظ: وفي هذه الأحاديث الحضُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته، وضرب الأمثال لإِيضاح المقاصد.

182- باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن
وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها
[1004] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
مَعْنَى «أَذِنَ الله» : أي اسْتَمَعَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إِلَى الرِّضَا والقَبولِ.

قال البخاري: باب من لم يتغنَّ بالقرآن، وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت (51) ] ، وذكر الحديث بمعناه.
التغنِّي بالقرآن: تحسين الصوت بقراءته، وقيل: الاستغناء به، وقيل: التحزُّن به. وقيل: التشاغل به، وقيل: التلذذ به والاستحلاء له.
وقيل: أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء كعادة العرب، فلما نزل القرآن أحبَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني والترنم.
(1/585)

وفي رواية عند الطحاوي: «حسن الترنُّم بالقرآن» .
وفي حديث عقبة بن عامر رفعه: «تعلموا القرآن وتغنوا به وأفشوه» .
وقال عبيد بن عمير: كان داود عليه السلام يتغَّن حين يقرأ، ويَبْكِي، ويُبْكِي.
قال الحافظ: والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات. وهو أنه يحسّن به صوته جاهرًا به، مترنمًا على طريق التحزن، مستغنيًا به عن غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًا به غنى اليد، وقد نظمت ذلك في بيتين:
?? ... تغنَّ بالقرآن حسن به الصوت ... حزينًا جاهرًا رنَّم
واستغن عن كتب الألى طالبًا ... غنى يد والنفس ثم الزمِ

ولاشكَّ أنَّ النُّفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنُّم أكثر من ميلها لمن لا يترنَّم؛ لأن للتطرب تأثيرًا في رقة القلب، وإجراء الدمع. وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك.
قال النووي: أجمع العماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفًا، أو أخفاه حرم. انتهى ملخصًا.

[1005] وعن أَبي موسى الأَشعري - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «لَقدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلمٍ: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «لَوْ رَأيْتَنِي وَأنَا أسْتَمِعُ لِقِراءتِكَ الْبَارِحَةَ» .

قوله: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة» . جواب «لو» محذوف، أي:
(1/586)

لسرَّك ذلك، فقال أبو موسى: يا رسول الله، لو أعلم أنك تسمعه لحبَّرته لك تحبيرًا.
وفيه: دليل على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وأن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، كما يستحب عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك، كما في حديث عبد الله بن مغفل: رأيت ... النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ وهو على ناقته وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجَّع.
قال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع: بتحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.

[1006] وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أحَداً أحْسَنَ صَوْتاً مِنْهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذ الحديث: استحباب تحسين الصوت بالقراءة في الصلاة وغيرها.

[1007] وعن أَبي لُبَابَةَ بشير بن عبد المنذر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ. ومعنى «يَتَغَنَّى» : يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ.
قال البخاري: باب من لم يتغنَّ بالقرآن.
قال الحافظ: هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام بلفظ: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» . انتهى.
(1/587)

وروى الحاكم وغيره: «زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» . وروى عبد الرزاق وغيره: «لكل شيء حَلية، وحلية القرآن الصوت الحسن» . قالوا: فإن لم يكن حسن الصوت؟ قال: ... «يحسَّنه ما استطاع» .

[1008] وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ لِي النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ» ، فقلتُ: يَا رسولَ الله، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إِلَى هذِهِ الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً} . قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.
قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء (109) ] ، {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم (58) ] .
وفي الحديث: استماع قراءة القرآن والإصغاء إليه، والتدبر فيها واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع له، وهو أبلغ في التفهُّم والتدبَّر من قراءته بنفسه.
وفيه: التواضع لأهل العلم والفضل، ورفع منزلتهم.
قال ابن بطال: إنما بكى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند تلاوة هذه الآية، لأنه مثَّل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء.
(1/588)

قال الحافظ: والذي يظهر أنه بكى رحمه لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملِهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا، فقد يفضي إلى تعذيبهم والله أعلم.
وعن سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.

183- باب الحث عَلَى سور وآيات مخصوصة

[1009] عن أَبي سَعِيدٍ رَافِعِ بن الْمُعَلَّى - رضي الله عنه - قال: قَالَ لي رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآن قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟» فَأخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أرَدْنَا أنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ؟ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» رواه البخاري.

في هذا الحديث: دليل على أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن.
وفي حديث أبي هريرة: «أتحبُّ أن أعلمك سورًة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها» .
قال العلماء: وإنما كانت أعظم سورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن، ولذا سميت بأم القرآن.
قال الحسن البصري: إنَّ الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علومه في الفاتحة. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسيره.
(1/589)

وقال علي رضي الله عنه: لو شئت أن أوقر على الفاتحة سبعين وقرًا لأمكنني ذلك.
قوله: «هي السبع المثاني» ، أي؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وسميت الفاتحة مثاني لأنها تثنى في الصلاة في كل ركعة، ولاشتمالها على قسمين: ثناء، ودعاء.
وقوله: «والقرآن العظيم» ، قال الخطابي: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل، كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} ... [الرحمن (68) ] ، وقوله: {وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة (98) ] .
قال الحافظ: وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: «والقرآن العظيم» محذوف الخبر، والتقدير: ما بعد الفاتحة مثلاً فيكون وصف الفاتحة، انتهى بقوله: «هي السبع المثاني» ، ثم عطف قوله: «والقرآن العظيم» ، أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعايةً لنظم الآية، ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة. انتهى.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: السبع المثاني: هي فاتحة الكتاب. والقرآن العظيم: سائر القرآن.

[1010] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» .
وفي روايةٍ: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَقْرَأَ بِثُلُثِ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ» . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ
(1/590)

يَا رسولَ الله؟ فَقَالَ: « {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ} : ثُلُثُ الْقُرْآنِ» رواه البخاري.

قوله: «ثلث القرآن» ، أي باعتبار معانيه؛ لأن القرآن أحكامٌ، وأخبارٌ، وتوحيدٌ، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد خالصًا، ولهذا سميت بسورة الإخلاص، وفيها اسمان من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال وهما: (الأحد الصمد) ، وفيها نفي الكفؤ لله المتضمن لنفي الشيبه والنظير.
[1011] وعنه: أنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» رواه البخاري.

[1012] وعن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} «إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . رواه مسلم.

[1013] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إني أُحِبُّ هذِهِ السُّورَةَ: {قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ} قَالَ: «إنَّ حُبَّهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
ورواه البخاري في صَحِيحِهِ تعليقاً.

في هذه الأحاديث: فضل {قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ} . وجواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستثكار من قراءته، ولا يعد ذلك هجرانًا ... لغيره.

[1014] وعن عقبة بن عامِر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ألَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ {قُلْ أَعْوذُ بِرَبِّ
(1/591)

الفَلَقِ} وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} » . رواه مسلم.

قوله: «لم يُرَ مثلهن» ، أي: في التعويذ. وقد استعاذ بهما - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما سَحَرَهُ لبيد بن الأعصم، فذهب عنه ذلك بالكلية.

[1015] وعن أَبي سَعِيدٍ الخُدريِّ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانِّ، وَعَيْنِ الإنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا، أخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: فضل المُعَوِّذَتَين لاشتمالهما على الجوامع في المستعاذ به، والمستعاذ منه.
وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أوى إلى فراشه كلَّ ليلة جمع كفَّيه، ثم نَفَثَ فيهما فقرأ فيهما {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» . رواه البخاري.
وفي رواية: «كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها» .
وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أنَّ الرقية لا تؤثر بذاتها. وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك» .
(1/592)

[1016] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مِنَ القُرْآنِ سُورَةٌ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ} » . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفي رواية أَبي داود: «تَشْفَعُ» .

في هذا الحديث: فضل سورة تبارك، لافتتاحها بعظائم عَظَمَتِهِ، ثم بباهِرِ قدرته، وإتقانِ صنعته، ثم بذمِّ من نازع في ذلك، أو أعرض عنه، ثم بذكرِ عقابهم، وما له عليهم من النِّعم.

[1017] وعن أَبي مسعودٍ البَدْرِيِّ - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قِيلَ: كَفَتَاهُ الْمَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ.

قال الحافظ: وقيل: معناه أجزأتاه فيما تعلق بالاعتقاد، لما اشتملتا عليه من الإِيمان والأعمال إجمالاً، ثم ذكر أقوالاً أخرى، قال: ويجوز أن يراد جميع ما تقدم والله أعلم.
وعن أبي مسعود رفعه: «من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة» .
وعن النعمان بن بشير رفعه: «أن الله كتب كتابًا، وأنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال» . أخرجه الحاكم وصححه.
(1/593)

[1018] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقرَةِ» . رواه مسلم

قوله: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر» ، أي: لا تجعلوها كالمقابر لا يصلى فيها، ولكن صلوا في بيوتكم تطوعًا واقرؤا فيها؛ لأن الشيطان يفر من قراءة القرآن خصوصًا سورة البقرة.

[1019] وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْري أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ» ؟ قُلْتُ: الله ورسوله أعلم قال: يا أبا المنذر أَتَدْري أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ» ؟ قُلْتُ: {اللهُ لا إلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وقال: «لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: منقبة جليلة لأُبَيٍّ.
وفيه: جواز مدح الإِنسان في وجهه، إذا أمن عليه الإِعجاب، وكان فيه مصلحة، كإظهار علمه ونحو ذلك.
وفيه: فضل آية الكرسي، لما اشتملت عليه من إثبات ربوبية الله، وألوهيته وأسمائه، وصفاته، وتنزيهه عن النقائص.
قال ابن كثير: وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.
فقوله: {اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} إخبار بأنه المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق.
(1/594)

{الْحَيُّ الْقَيُّومُ} : أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيِّم لغيره.
{لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} : أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة، ولا ذهول عن خلقه.
{لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} : إخبار أنَّ الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزَّ وجلّ، أنه لا يتجاسر أحد أن يشفع لأحد عنده، إلا بإذنه له في الشفاعة.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} دليلٌ على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
{وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء} ، أي: لا يطَّلع أحد من علم الله على شيء إلا ما أعلمه الله عزَّ وجلّ وأطلعه عليه.
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} . قال ابن عباس: (كرسيه) علمه. وعنه: (الكرسي) موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره، وعنه: لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع، بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كُنَّ في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المسافة.
وقال ابن جرير: حدثني يوسف أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني يوسف، أخبرني أبي قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» . قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ما الكرسيُّ في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» .
وقوله: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} ، أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومَنْ بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه.
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} كقوله: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد (9) ] .
وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود، فيها طريقة
(1/595)

السلف الصالح، إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. انتهى ملخصًا.

[1020] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: وَكَّلَنِي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَام، فَأخَذْتُهُ فقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَليَّ عِيَالٌ، وَبِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأصْبَحْتُ، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَبَا هُريرة، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ. فَقَالَ: «أمَا إنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَعُودُ، لقولِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَصَدْتُهُ، فَجاء يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: دَعْنِي فَإنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ لا أعُودُ، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فَأصْبَحْتُ فَقَالَ لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَبَا هُريرة، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ.
فَقَالَ: «إنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالثَة، فَجاء يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهذا آخِرُ ثلاثِ مَرَّاتٍ أنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ! ثُمَّ تَعُود! فَقَالَ: دَعْنِي فَإنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حتى تختم الآية، فَإنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، زَعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا،
(1/596)

فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ؟» قُلْتُ: قَالَ لي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَة الكُرْسِيِّ مِنْ أوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآية: {اللهُ لا إلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} [البقرة 255] وقال لِي: لا يَزَالُ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَنْ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمَا إنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: لا. قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: فضل آية (الكرسي) ، وأن قراءتها تطرد الشياطين، وأن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها، وتؤخذ عنه فيُنتفَع بها، وأن الكذَّاب قد يصدق، وأن الشيطان من شأنه أن يكذب، وأنه قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن الجِنَّ يأكلون من طعام الإِنس ويتكلمون بكلامهم.
وفيه: قبول العذر والستر على من يظن به الصدق.
وعند النسائي من حديث معاذ بن جبل: ضم إليَّ رسول االله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تمر الصدقة، فكنت أجد فيه كل يوم نقصانًا، فشكوت ذلك إِلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال لي: «هو عمل الشيطان فارصده» فرصدته، فأقبل في صورة فيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب في غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت عليَّ ثيابي فأخذته فالتفت يداي على وسطه فقلت: يا عدو الله وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك، لأرفعنَّك إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيفضحك، قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيالٍ، وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئًا دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان تفرقنا منها، فإن خليت سبيلي علمتكهما. قلت: نعم. قال: آية الكرسي وآخر سورة البقرة من قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ ... } إلى آخرها.

[1021] وعن أَبي الدرداءِ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» .
(1/597)

وفي رواية: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ» . رواهما مسلم.

المراد: أنّ حفظ عشر هذه الآيات من سورة الكهف يكون عاصمًا من فتنة المسيح الدَّجَّال، الذي يخرج في آخر الزمان مدَّعيًا الألوهية لخوارق تظهر على يديه.
وروى أحمد عن أنس الجهني، عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من قرأ أوَّل سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إِلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين السماء والأرض» .
وعن أبي سعيدٍ عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين» . أخرجه الحاكم وصححه.
وعن عليّ مرفوعًا: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إِلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدَّجَّال عُصم منه» . رواه الضِّياء المقدسي في المختارة.

[1022] وعن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: بَيْنَمَا جِبْريلُ - عليه السلام - قَاعِدٌ عِنْدَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ نَقيضاً مِنْ فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطٌّ إِلا اليَوْمَ، فنَزلَ منهُ مَلكٌ، فقالَ: هذا مَلكٌ نَزلَ إلى الأرضِ لم ينْزلْ قطّ إلا اليومَ فَسَلَّمَ وقال: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلا أُعْطِيتَه. رواه مسلم.
(النَّقِيضُ) : الصَّوْتُ.

النقيض: الصوت.
قوله: «فاتحة الكتاب» ، سُمِّيت بذلك لأنه يُفتح بها في المصاحف فتُكتب
(1/598)

قبل جميع السور، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وسُمِّيت أُمُّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله تعالى، والتعبُّد بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وعلى ما فيها من ذكر الذات والصفات والفعل، واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد والمعاش.
ولها أسماء أخرى: الكنز، والوافية، والشافية، والكافية، وسورة الحمد، والحمد لله، وسورة الصلاة، وسورة الشفاء، والأساس، وسورة الشكر، وسورة الدعاء.
قوله: «لن تقرأ بحرف منها إِلا أعطيته» ، كما في حديث أبي هريرة: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ... » الحديث.
وكما في الحديث الآخر: «ربنا لا تؤاخذنا إِنْ نسينا أو أخطأنا، قال الله: قد فعلت ... » الحديث.

184- باب استحباب الاجتماع عَلَى القراءة

[1023] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: استحباب الاجتماع على القراءة لما فيه من تعظيم القرآن، وإظهار شعاره بتكثير مجالسه، وخصوصًا المساجد، لأنها أفضل المواضع وأشرفها.
(1/599)

وفيه: فضل مدارسة القرآن، ولهذا كان جبريل يلقى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيدارسه القرآن.
وفيه: بيان ثواب المجتمعين لقراءة القرآن، وأعلاه ذكر الله لهم فيمن عنده من الملائكة قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة (152) ] ، وقال تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت (45) ] .

185- باب فضل الوضوء
قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إِلَى قَوْله تَعَالَى: {مَا يُريدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة (6) ] .
يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا أرادوا القيام إلى الصلاة وهم محدثون أن يتوضؤوا، فيغسلوا وجوههم وأيديهم إلى المرافق، فيدخلوها في الغسل، ويمسحوا برؤوسهم، ويغسلوا أرجلهم، وإن كانوا جنبًا أن يغتسلوا، وإن كان أحدٌ منهم مريضًا يخاف ضررًا من استعمال الماء كفاه التيمم، أو كان مسافرًا وخاف العطش جاز له التيمم.
وقوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} ، أي: جامعتموهن {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} ، أي: طاهرًا، {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة (6) ] .
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: بعثني النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، قتمرَّغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت ذلك له، فقال: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا» ثم ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. متفق عليه.
(1/600)

{مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} ، أي: ضيق، {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ} من الأحداث والذنوب: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته فيزيدها عليكم.

[1024] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

الغرة: في الوجه، والتحجيل: في اليدين والرجلين.
قال الحافظ: وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله: «محجلين» من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، والمراد به هنا: النور أيضًا.

[1025] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ خليلي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: التحريض على إطالة الغرة والتحجيل، وإطالة الغرة: أن يغسل جميع وجهه طولاً وعرضًا. وإطالة التحجيل: أن يغسل يديه حتى يشرع في العضدين، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساقين.

[1026] وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» . رواه مسلم.
(1/601)

في هذا الحديث: الحثُّ على الاعتناء بتعلم شروط الوضوء وسننه وآدابه، والعمل بذلك.

[1027] وعنه قَالَ: رَأيتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأ هكَذَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلاَتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى المَسْجدِ نَافِلَةً» . رواه مسلم.

صفة الوضوء الذي ذكره عثمان، أنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ نحو وضوئي هذا» . ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه» . رواه البخاري ومسلم.
وفيه: الحث على دفع الخواطر المتعلقة بأشغال الدنيا وجهاد النفس في ذلك، والترغيب في الإِخلاص، وقد قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود (114، 115) ] .

[1028] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ - أَو المُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيَّاً مِنَ الذُّنُوبِ» . رواه مسلم.
(1/602)

المراد بتكفير الخطايا هنا الصغائر لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .
[1029] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى المقبرة، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أنَّا قَدْ رَأَيْنَا إخْوانَنَا» . قالوا: أوَلَسْنَا إخْوَانَكَ يَا رسول الله؟ قَالَ: «أنْتُمْ أصْحَابِي، وَإخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأتُوا بَعْدُ» . قالوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسولَ الله؟ فَقَالَ: «أرَأيْتَ لَوْ أنَّ رَجُلاً لَهُ خَيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «فإنَّهُمْ يَأتُونَ غُرّاً مُحَجَّلينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: جواز تمني الخير، ولقاء الفضلاء. وليس في هذا الحديث نفيًا لأخوة الصحابة، ولكن ذكر مزيتهم بالصحبة. أي فأنتم أخوة صحابة والذين لم يأتوا بعد ليسوا بصحابة قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات (10) ] .
وفيه: بشارة لهذه الأمة بأن واردهم إلى الماء هو محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والفرط: هو المتقدم إلى الماء، قال الله تعالى: {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف (19) ] . والحوض: الكوثر.

[1030] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ألا أَدُّلُكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «
(1/603)

إسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ؛ فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ؛ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» . رواه مسلم.
إسباغ الوضوء في المكاره: إتمامه في نحو برد وقلَّة ماء، وأصل الرباط، الحبس على الشيء، فكأنه حبس نفسه على هذه الطاعة.
وفي الحديث: استحباب إسباغ الوضوء، والتردد إلى المسجد، واستحباب الجلوس فيه للعبادة.

[1031] وعن أَبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ» . رواه مسلم.
وَقَدْ سبق بطوله في باب الصبر.

قوله: «الطهور شطر الإيمان» ، أي: نصفه، لأن خصال الإيمان قسمان: ظاهرةٌ، وباطنةٌ. فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة. وقد جمع ذلك في حديث عمر بن الخطاب كما سيأتي.
وفي البابِ حديث عمرو بن عَبَسَة - رضي الله عنه - السابق في آخر باب الرَّجَاءِ، وَهُوَ حديث عظيم؛ مشتمل عَلَى جمل من الخيرات.

الشاهد من حديث عمرو بن عبسة: (فقلت: يَا رسول الله، فالوضوء حدِّثْني عنه فقال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، إلا خرت خطايا وجهه، وفيه، وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمر الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه، إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإنْ هو قام فصلَّى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجَّده بالذي هو له
(1/604)

أهل، وفرغ قلبه لله تعالى، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» .) .
[1032] وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلغُ – أَوْ فَيُسْبِغُ – الوُضُوءَ، ثُمَّ يقول: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» . رواه مسلم.
وزاد الترمذي: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» .

جمع في هذا الحديث بين طهارة الظاهر بالوضوء، وطهارة الباطن بالتوحيد، وسؤال التوبة، والتطهر من الذنوب والآثام، وأخبر - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ثواب هذا العمل دخول الجنة من أي أبوابها شاء، وبالله التوفيق.

186- باب فضل الأذان

[1033] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«الاسْتِهَامُ» : الاقْتِرَاعُ، وَ «التَّهْجِيرُ» : التَّبْكِيرُ إِلَى الصَّلاةِ.

قوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول» ، أي: من الخير والبركة. «ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه» ، أي: على ما ذكر من الأذان والصف الأول.: «لاستهموا عليه» ، أي: اقترعوا.
قال العلماء: في الحض على الصف الأول، المسارعة إلى خلاص الذمة
(1/605)

والسبق لدخول المسجد والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكن قدَّامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين، والصف الأول عند الكعبة هو الذي يلي الإمام على الصحيح، وإن كان أبعد من الكعبة.

[1034] وعن معاوية - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ:
«المُؤَذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْناقاً يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه مسلم.

قوله: «أطول االناس أعناقًا» ، قال النضر بن شميل: إذا ألجم الناسَ العرقُ يوم القيامة طالت أعناقهم، لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.
وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العنق.

[1035] وعن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحْمنِ بن أَبي صَعصعة: أنَّ أَبَا سَعيد الخدريَّ - رضي الله عنه - قَالَ لَهُ: «إنِّي أرَاكَ تُحبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ فَإذَا كُنْتَ في غَنَمِك - أَوْ بَادِيتِكَ - فَأذَّنْتَ للصَّلاَةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مدى صَوْتِ المُؤذِّنِ جِنٌّ، وَلا إنْسٌ، وَلا شَيْءٌ، إِلا شَهِدَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو سَعيدٍ: سمعتُهُ مِنْ رَسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه البخاري.

في هذا الحديث: دليل على استحباب أذان المنفرد ورفع الصوت بالنداء، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: «المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس» ، والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلوّ الدرجة، وكما أن الله يفضح بالشهادة قومًا فكذلك يكرم بالشهادة آخرين.
(1/606)

وفيه: أن حب الغنم والبادية ولا سيما عند نزول الفتنة، من عمل السلف الصالح.
[1036] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا نُودِيَ بالصَّلاَةِ، أدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ، فَإذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ للصَّلاةِ أدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا واذكر كَذَا - لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُر مِنْ قَبْلُ - حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«التَّثْوِيبُ» : الإقَامَةُ.

في هذا الحديث: بيان فضيلة الأذان وأنه يطرد الشيطان، وفي صحيح مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال: «إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة» .
قال ابن الجوزي: على الأذان هيبة يشتدّ انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به بخلاف الصلاة، فإِنَّ النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة.
قال ابن بطال: يشبه أن يكون الزَّجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذِّن المؤذن من هذا المعنى، لئلا يكون متشبِّهًا بالشيطان، الذي يفرّ عند سماع الأذان. والله أعلم.

[1037] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنّه سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ،
(1/607)

ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإنَّه مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيلَةَ؛ فَإنَّهَا مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأرْجُو أنْ أكونَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: استحباب مجاوبة المؤذن بمثل ما يقول في كل كلمة من الأذان إلا الحيعلة فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، كما في حديث معاوية.
وروى النسائي من حديث أمِّ حبيبة: أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يسكت.
قال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى ... عاجلاً، والفوز بالنعيم آجلاً، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته.
فيه: استحباب الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والدعاء له بالوسيلة.

[1038] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولُوا كَمَا يَقُولُ المُؤذِّنُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

[1039] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ، وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامَاً مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه البخاري.

المقام المحمود: هو شفاعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند الله عز وجل في القضاء بين
(1/608)

خلقه حين يتأخر عنها آدم وأولوا العزم من الرسل.

[1040] وعن سعدِ بن أَبي وقَّاصٍ - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قَالَ: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَه إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإسْلامِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فضيلة هذا الذكر إذا سمع الأذان.
[1041] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: الحث على الدعاء بين الأذان والإقامة، وأن هذا الوقت من أوقات الإجابة.
187- باب فضل الصلوات

قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ} ... [العنكبوت (45) ] .

قال البغوي: الفحشاء: ما قبح من الأعمال، والمنكر: ما لا يُعرف في الشرع. قال ابن مسعود وغيره: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعدًا. وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «إنَّ فلانًا يصلِّي
(1/609)

بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: «إنه سينهاه ما تقول» . رواه أحمد.

[1042] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
«أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ نَهْرَاً بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرنهِ شَيْءٌ؟» قالوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرنهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

[1043] وعن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» . رواه مسلم.
«الغَمْرُ» بفتح الغين المعجمة: الكثير.
شبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلوات بالنهر الجاري، والخطايا بالدرن الذي يغسله الماء، فالصلوات تكفر صغائر الذنوب دون كبائرها؛ لأن الماء لا يغسل الجذام ونحوه، ولهذا قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .

[1044] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً أصَابَ مِن امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأتَى النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود (114) ] فَقَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/610)

قوله: (فأنزل الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ} ، في رواية عند أحمد ومسلم: فقرأ عليه: «أقم الصلاة» ، وأوله: قال جاء رجل إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئًا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه ولو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: «ردوه عليَّ» فردوه، فقرأ عليه: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود (114) ] .

[1045] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغشَ الكَبَائِرُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: دليل على أن أعمال البر تكفر الذنوب الصغائر.
قال الله تعالى {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء (31) ] .

[1046] وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءها؛ وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوب مَا لَمْ تُؤتَ كَبِيرةٌ، وَذلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: تنبيه على تعميم تكفير الطاعات للصغائر كل زمن.

188- باب فضل صلاة الصبح والعصر

[1047] عن أَبي موسى - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/611)

(البَرْدَانِ) : الصُّبْحُ والعَصْرُ.

سُمِّيا البردين؛ لفعلهما وقت البرد، ووجه تخصيصهما بالذكر عن سائر الصلوات أن وقت الصبح يكون عند لذَّة النوم، ووقت العصر يكون [عند] الاشتغال، وأن العبد إذا حافظ عليهما كان أشد محافظة على غيرهما.
وفيه: إيماء إلى حسن خاتمة مصليهما بوفاته على الإسلام.

[1048] وعن أَبي زهير عُمارة بن رُؤَيْبَةَ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» يعني: الفَجْرَ والعَصْرَ. رواه مسلم.

تخصيصها بذلك أنَّ وقت الصبح يكون عند النوم ولذَّته، ووقت العصر عند الاشتغال بتتمات أعمال النهار. ففي صلاتهما دليلٌ على خلوص النفس من الكسل ومحبتها للعبادة، ويلزم من ذلك إتيانه ببقية الصلوات الخمس.
قال الله تعالى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور (36: 38) ] .

[1049] وعن جُنْدُبِ بن سفيان - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ في ذِمَّةِ اللهِ، فَانْظُرْ يَا ابْنَ آدَمَ، لا يَطْلُبَنَّكَ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: التحذير عن التعرض للمصلين، وأذاهم بغير حق. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب (58) ] .
(1/612)

[1050] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيجْتَمِعُونَ في صَلاَةِ الصُّبْحِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ - وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ - كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادي؟ فَيقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «يتعاقبون فيكم» ، في رواية للبخاري: «الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» . ولابن خزيمة: «إنَّ لله ملائكة يتعاقبون» .
قوله: «فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم» ، قيل: الحكمة في سؤالهم استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخبر، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة من خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة (30) ] .
قال الحافظ: وفي الحديث، الإشارة إلى عِظَمِ هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد أورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذٍ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، والله أعلم.

[1051] وعن جرير بن عبد الله البَجَليِّ - رضي الله عنه - قال: كُنَّا عِنْدَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: «إنَّكُمْ سَتَرَونَ رَبَّكُمْ كَمَا
(1/613)

تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية: «فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ» .

قال المهلب: خصَّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما، ورفعهم أعمال البلاد، لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم.
قال العلماء: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعت، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى.
[1052] وعن بُرَيْدَة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» . رواه البخاري.

قال البخاري: باب من ترك صلاة العصر، وذكر الحديث عن أبي المليح، قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» .
قال الحافظ: قيل: خص يوم الغيم بذلك؛ لأنه مظنة التأخير، إما لمتنطع يحتاط لدخول الوقت فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت، أو لمتشاغلٍ بأمر آخر فيظن بقاء الوقت، فيسترسل في شغله إلى أن يخرج الوقت.
قوله: «من ترك صلاة العصر» ، في رواية: «متعمدًا» .
قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون (4، 5) ] .
(1/614)

وقال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} [مريم (59) ] .

189 - باب فضل المشي إلى المساجد

[1053] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَدَا إلى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أوْ رَاحَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

المراد بالغدو هنا: الذهاب إلى المسجد. وبالرواح: الرجوع إلى المنزل، والنُّزُل: المكان الذي يهيأ للنزول فيه.
وفي الحديث: فضل إتيان المساجد للصلاة، والعبادة، والعلم، والذكر.
قال بعض العلماء: عادة الناس تقديم طعام لمن دخل بيتهم، والمسجد بيت الله تعالى فمن دخله أيّ وقتٍ كان من ليلٍ أو نهارٍ أعطاه الله تعالى أجره من الجنة، لأنه أكرم الأكرمين، ولا يضيع أجر المحسنين.
[1054] وعنه: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضَى إلى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خُطُواتُهُ، إحْدَاهَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فضل المشي إلى المساجد لأداء الصلاة المكتوبة.

[1055] وعن أُبيّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ لا أَعْلمُ أَحَداً أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَتْ لا تُخْطِئُهُ صَلاَةٌ،
(1/615)

فَقيلَ لَهُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبَهُ في الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلِي إلى جَنْبِ المَسْجِدِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إلى المَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إذَا رَجَعْتُ إلى أهْلِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لكَ ذَلِكَ كُلَّه» . رواه مسلم.

قال مجاهد في قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} أعمالهم {وَآثَارَهُمْ} [يس (12) ] ، خطايا بأرجلهم.

[1056] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: خَلَت البِقاعُ حولَ المَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلمَةَ أنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمْ: «بَلَغَنِي أنَّكُم تُريدُونَ أنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ؟» قالوا: نعم، يا رَسُول اللَّهِ، قَدْ أرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُم تُكْتَبْ آثارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثارُكُمْ» . فقالوا: مَا يَسُرُّنَا أنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا. رواه مسلم، وروى البخاري معناه من رواية أنس.
قال البخاري: باب احتساب الآثار، وذكر حديث أنس: أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فكره رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعروا المدينة، فقال: «ألا تحتسبون آثاركم» .
قال مجاهد: خطاهم: آثارهم، والمشي في الأرض بأرجلهم.
قال الحافظ: وفي الحديث أن أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات.
وفيه: استحباب السكنى بقرب المسجد، إلا لمن حصلت به منفعة أخرى أو أراد تكثير الأرجل بكثرة المشي. انتهى ملخصًا.
(1/616)

[1057] وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أجْراً في الصَّلاةِ أبْعَدُهُمْ إلَيْهَا مَمْشىً، فَأَبْعَدُهُمْ، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإمَامِ أعظَمُ أجْراً مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أن الصلاة مع الجماعة ولو تأخرت أفضل من صلاته منفردًا في أول الوقت.

[1058] وعن بُريدَة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَشِّرُوا المَشَّائِينَ في الظُّلَمِ إلى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ.

في هذا الحديث: بُشارة عظيمةٌ للمحافظين على صلاة الجماعة ليلاً ونهارًا.

[1059] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ألا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» ؟ قَالُوا: بَلَى يا رَسُول اللهِ؟ قَالَ: «إسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» . رواه مسلم.
سُمِّيت هذه الخصال الثلاث رباطًا، لأنها مجاهدة للنفس، فلزموها من أعظم الجهاد؛ لأن الإنسان إذا غلب نفسه فاز، وإن غلبته خاب.
قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} ... [الشمس (9، 10) ] .
(1/617)

[1060] وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بالإيمَانِ، قال اللهُ - عز وجل -: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} » الآية. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: دلالة واضحة على أنَّ معاودة المسجد لصلاة الجماعة من الإيمان.

190 - باب فضل انتظار الصلاة

[1061] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يَزَالُ أحَدُكُمْ في صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمنَعُهُ أنْ يَنقَلِبَ إلى أهلِهِ إلا الصَّلاةُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

[1062] وعنه - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» . رواه البُخَارِيُّ.

قال البخاري: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وذكر حديث أبي هريرة: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدِث، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في الصلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» .
(1/618)

قال الحافظ: قوله: «لا يزال أحدكم في صلاة» ، أي: في ثواب الصلاة، لا في حكمها، لأنه يحل له الكلام وغيره مما مُنِع في الصلاة.
قوله: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» ، هو مطابق لقوله تعالى: ... {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} [الشورى (5) ] ، قيل السرُّ فيه أنهم يَطَّلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة، فيقتصرون على الاستغفار لهم من ذلك.

[1063] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاَةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى، فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا في صَلاَةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا» . رواه البُخَارِيُّ.

في هذا الحديث: فضل انتظار الصلاة، وأن منتظر الجماعة في صلاة ولو تأخرت عن أول وقتها.

191 - باب فضل صلاة الجماعة

[1064] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ... «صَلاَةُ الْجَمَاعَة أفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

[1065] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلاةُ الرَّجُلِ في جَمَاعةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتهِ وفي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفَاً، وَذلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، لا يُخرِجُهُ إلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا
(1/619)

دَرَجَةٌ، وَحُطَّتْ عَنهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلاهُ، مَا لَمْ يُحْدِث، تقولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ في صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ» . متفقٌ عَلَيهِ، وهذا لفظ البخاري.
قوله: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة» .
قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين درجةً، إلا ابن عمر فإنه قال: سبعًا وعشرين. انتهى.
وقد جُمِعَ بينهما بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وفضل الله واسع. وقيل السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام، والتأمين عند تأمينه.
وفي حديث أبي هريرة: إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات، وهو قوله: «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» .
ومنها: الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به.
ومنها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وغير ذلك، والله أعلم.

[1066] وعنه قَالَ: أَتَى النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أعْمَى، فقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَّمَا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأجِبْ» . رواه مسلم
(1/620)

[1067] وعن عبدِ الله - وقيل: عَمْرو بن قَيسٍ - المعروف بابن أُمّ مكتوم المؤذن - رضي الله عنه - أنَّه قال: يا رَسُول اللهِ، إنَّ المَدينَةَ كَثيرةُ الهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ. فَقَالَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، فَحَيَّهلاً» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.
ومعنى «حَيَّهَلاً» : تعال.
في هذا الحديث: دليلٌ على وجوب حضور الجماعة لمن سمع النداء بالصلاة، وفيه تأكيد طلب الجماعة واحتمال خفيف التعب في حصولها، وذلك أن الغالب على من قربت داره من المسجد أنه يقل لحاق الضرر به.
وأما قصة عتبان التي في الصحيح، فإنما سأل الترخيص عند وجود مانع من حيلولة السيل بينه وبين مسجد قومه مع ضعف بصره.

[1068] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤذَّنَ لهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.

هذا الحديث: يدل على وجوب الصلاة في الجماعة.
وفيه: تقديم التهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة.
وفيه: جواز أخذ أهل الجرائم على غرة.
وفيه: الرخصة للإمام في ترك الجماعة لمثل ذلك.
وقال البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة.
وقال الحسن: إن منعته أمُّه عن العِشَاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها،
(1/621)

وذكر الحديث وزاد في آخره: «والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنَّهُ يجد عَرْقًا سمينًا أو مِرْمَاتَين حسنَتَيْنِ لشهد العشاء» .
[1069] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى غداً مُسْلِماً، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَنَ الهُدَى، وَإنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيِّكُم لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بهِ، يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسلِم.
وفي رواية لَهُ قَالَ: إنّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى؛ وإنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلاَةَ في المَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ.

السنة: الطريقة، وليس المراد بها هنا التي دون الواجب في الاصطلاح.
وفي الحديث: وجوب صلاة الجماعة في المسجد، وأنَّ من ترك ذلك فهو ضال.

[1070] وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيةٍ، وَلا بَدْوٍ، لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إلا قَد اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ. فَعَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَة» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.
شبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استيلاء الشيطان على المنفرد عن الجماعة وتمكنه منه، باستيلاء الذئب على المنفردة عن الغنم.
(1/622)

192 - باب الحث عَلَى حضور الجماعة في الصبح والعشاء
[1071] عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ، فَكَأنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» . رواه مسلم.
وفي رواية الترمذي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفَ لَيلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى العِشَاءَ وَالفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ» . قَالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

المراد: أن مجموع صلاتي العشاء والصبح جماعة، كقيام الليل كلِّه، وصلاة كلٍّ منهما جماعة كقيام نصف الليل. وخصّهما بالذكر لثقلهما على النفوس لأن صلاة الفجر في وقت طيب النوم ولذته، وصلاة العشاء في غلبة الظلمة والحديث مع الأهل والأصدقاء.

[1072] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوَاً» . متفقٌ عَلَيهِ. وقد سبق بِطولِهِ.

أي: لو يعلم المتخلفون عن صلاة الجماعة ما في العتمة والصبح من الأجر، لأتوا المسجد لصلاة الجماعة ولو حَبْوًا على الركب والأيدي.

[1073] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ صَلاَةٌ أثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً» . متفقٌ عَلَيهِ.
(1/623)

في هذا الحديث: دليل على أن عدم حضور الجماعة في صلاة الفجر والعشاء من علامات النفاق.
وفيه: إيماءٌ على عظم ثواب الآتي إليهما.

193 - باب الأمر بالمحافظة عَلَى الصلوات المكتوبات
والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهنّ
قال الله تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة (238) ] .

أي: داوموا عليهنَّ.
قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون (1، 9) ] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} [المعارج (34، 35) ] .
وقال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة (5) ] .

استنبط العلماء من هذه الآية أنَّ من ترك الصلاة كسلاً قُتِل حدًا إن لم يتب، وأما من جَحَد وجوبها فهو كافر بالكتاب والسنَّة، وحَدّه القتل بإجماع العلماء.

[1074] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيهِ.

قوله: «الصلاة على وقتها» ، أي: أداؤها في وقتها، فلا تصح الصلاة قبل دخول وقتها، ولا تقبل بعد خروجه.
(1/624)

[1075] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . متفقٌ عَلَيهِ.

قوله: «بني الإِسلام على خمس» ، أي: دعائم.
وفي رواية: «على خمسة» ، أي: أركان.
وهذا الحديث: أصل عظيم في معرفة الإِسلام.
قال عطاء الخرساني: الدِّين خمس لا يقبل الله منهن شيئًا دون شيء: بشهادة أن لا إِله إِلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت، هذه واحدة.
والصلوات الخمس: عمود الدين، لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة.
والزكاة: طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإِيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الثلاث ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإِيمان ولا الصلاة ولا الزكاة.
فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تسير له الحج فلم يحج، ولم يوص بحجته ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها.

[1076] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلا بِحَقِّ الإسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» . متفقٌ عَلَيهِ.

هذا حديث عظيم وقاعدة من قواعد الدين، وهو موافق لقوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة (5) ] .
(1/625)

قال الخطَّابي وغيره: المراد بهذا أهل الأوثان ومشركوا العرب، ومن لا يؤمن دون أهل الكتاب، ومن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله: ... (لا إله إلا الله) إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده.
قوله: «إلا بحق الإِسلام» ، أي: شرائعه، كما قاتل الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة بعدما مات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال أبو بكر: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقاتلهم على منعها.
وكما ذكر العلماء، أنه إذا اتفق أهل بلد على ترك الأذان، كان للإِمام قتالهم؛ لأن الأذان من شعائر الإِسلام. وقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث» ... الحديث.

[1077] وعن معاذٍ - رضي الله عنه - قال: بَعثنِي رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليَمَنِ، فَقَالَ: «إنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْل الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإنْ هُمْ أطاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالهِمْ، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَينَهَا وبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» . متفقٌ عَلَيهِ.

قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» . هي كالتوطئة للتوصية لتستجمع همته؛ لأن مخاطبتهم ليست كمخاطبة الجهال.
(1/626)

وفي الحديث: البداءة بالشهادتين؛ لأن ذلك أصل الدين.
وفيه: البداءة بالأهم فالأهم.
وفيه: دليل على جواز إخراج الزكاة في صنف واحد.
وفيه: تنبيه على المنع من جميع الظلم. والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم، الإِشارة إلى أن أخذها ظلم.
وفيه: الدعاء إلى التوحيد قبل القتال، وتوصية الإِمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها.

[1078] وعن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ والكفر، تَرْكَ الصَّلاَةِ» . رواه مسلم.
الصلاة: هي الحد الفاصل بين الإِسلام والكفر.

[1079] وعن بُرَيْدَة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» . رواه التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال البيضاوي: الضمير للمنافِقِيْنَ.
وقال الطيبي: يمكن أن يقال: الضمير عام فيمن بايع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإِسلام مؤمنًا كان أو منافقًا.
وفي الحديث: تعظيم شأن الصلاة وأن من تركها فهو كافر.

[1080] وعن عبد الله بن شقيق التَّابِعيِّ المتفق عَلَى جَلاَلَتِهِ رَحِمهُ اللهُ، قَالَ: كَانَ أصْحَابُ محَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يَرَوْنَ شَيْئاً مِنَ الأعْمَالِ تَرْكُهُ
(1/627)

كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاَةِ. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ في كِتابِ الإيمان بإسنادٍ صحيحٍ.

الحديث: دليل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، واختلف العلماء هل يجب القتل لترك الصلاة واحدة أو أكثر. فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة. قال أحمد بن حنبل: إذا دعي إلى الصلاة فامتنع، وقال: لا أصلي حتى خرج وقتها، وجب قتله. وقال الشافعي: من ترك الصلاة كسلاً حتى أخرجها عن وقت الضرورة يقتل حدًا، إن لم يتب.

[1081] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فَإنْ صَلَحَتْ، فَقَدْ أفْلَحَ وأَنْجَحَ، وَإنْ فَسَدَتْ، فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُ - عز وجل -: انْظُرُوا هَلْ لِعَبدي من تطوّعٍ، فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ تَكُونُ سَائِرُ أعْمَالِهِ عَلَى هَذَا» . رواه التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: الحثُّ على إتقان الفرائض، والاهتمام بمصححاتها، وترك مفسداتها، والحضُّ على إكثار النوافل لتكون جابرة لخلل الفرائض.

194 - باب فضل الصف الأول
والأمر بإتمام الصفوف الأُوَل وتسويتها والتراصّ فِيهَا

[1082] عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ... رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقال: «ألا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟» فَقُلنَا: يَا رَسُول اللهِ، وَكَيفَ تُصَفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ» . رواه مسلم.
(1/628)

الصفُّ الأول: هو الذي يلي الإِمام، وفي المسجد الحرام من بحاشية محل الطواف، دون من تقدم عليه إلى الكعبة في غير جهة الإمام.
قوله: «يتمون الصفوف الأُوَل» ، أي: لا يشرعون في صف حتى يُكمل ما قبله.

[1083] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا» . متفقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: عِظَمُ ثواب الأذان، وثواب الصف الأول.

[1084] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أوَّلُهَا» . رواه مسلم.

«خير صفوف الرجال أولها» : لسبقهم إلى الفضيلة، «وشرها آخرها» : لتأخرهم. و «خير صفوف النساء آخرها» : لبعدهن عن الرجال، و «شرها أولها» : لقربهن من الفتنة.
[1085] وعن أبي سعيد الخدرِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى في أصْحَابِهِ تَأَخُّراً، فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأتَمُّوا بِي، وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: الحثُّ على التسابق إلى الطاعة، وإلى معالي الأمور
(1/629)

والأخلاق، والزجر عن الميل إلى الدعة والرفاهية، والتأخر عن الطاعات.

[1086] وعن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلاَةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَووا ولا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الأحْلاَمِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رواه مسلم.

الأحلام: جمع حِلْم، وهو: الأناة والتثبت. والنُّهى: العقول.

[1087] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ» . متفقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية للبخاري: «فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلاَةِ» .

قال البخاري: بابٌ إقامةُ الصف من تمام الصلاة، وذكر حديث أبي هريرة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه وأقيموا الصف في الصلاة، فإنَّ إقامة الصف من أحسن الصلاة» ، ثم ذكر حديث أنس.
وفيه: دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف.

[1088] وعنه قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . ... رواه البُخَارِيُّ بلفظه، ومسلم بمعناه.
وفي رواية للبخاري: وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.
(1/630)

لفظ مسلم: «أتموا الصفوف فإني أراكم من وراء ظهري» .
قال الشارح: ولا ينافي هذا الحديثُ حديثَ: «لا أعلم ما وراء جداري» لأن هذا خاص بحالة الصلاة، لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حصل له فيها قرة العين بما أفيض عليه فيها من غايات القرب المختص بها التي لا يوازيه فيها غيره، صار بدنه الشريف كالمرآة الصافية التي لا تحجب ما وراءها.

[1089] وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قَالَ: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية لمسلم: أنَّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى رَأى أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوماً فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ، لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» .

القِدْح: السهم قبل أن يراش وينصل. والقداح: جمع قدح، وهي خشب السهام حين تبرى وتنحت وتهيأ للرمي، وهي مما يطلب فيها التحرير وإلا كان السهم طائشًا.
وفي الحديث: دليل على وجوب تسوية الصفوف، وعلى جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة.
وفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم، وتحذيرهم من المخالفة.
قوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم» ، أي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن؛ لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب، الداعي إلى القطيعة.
(1/631)

[1090] وعن البراءِ بن عازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا، وَيَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» . وكانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.

[1091] وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أقيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينوا بِأيْدِي إخْوانِكُمْ، ولا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ للشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفّاً وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفّاً قَطَعَهُ اللهُ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: الحث على وصل الصفوف وتكميلها، والزجر عن قطعها.
قوله: «ولينوا بأيدي إخوانكم» ، أي: إذا قدموكم أو أخروكم حتى يستوي الصف.

[1092] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأعْنَاقِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ، كَأَنَّهَا الحَذَفُ» . حديث صحيح رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم.
«الحَذَفُ» بحاء مهملةٍ وذالٍ معجمة مفتوحتين ثُمَّ فاء وهي: غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ.
(1/632)

نبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا االقسم العظيم على تأكيد التراص بين الصفوف، والتقارب لعظم فائدتهما، وهي منع دخول الشيطان بينهم، المستلزم لتسلطه وإغوائه، ووسوسته، حتى يفسد عليهم صلاتهم، وخشوعهم الذي هو روح الصلاة.
[1093] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.

في هذا الحديث: الحث على إتمام الصفوف الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ.

[1094] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها، قالت: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم، وفيه رجل مُخْتَلَفٌ في تَوثِيقِهِ.

في هذا الحديث: فضل الوقوف في ميمنة الإمام.
قال البخاري: باب ميمنة المسجد والإمام وذكر حديث ابن عباس رضي لله عنهما، قال: «قمت ليلة أصلي عن يسار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذ بيدي حتى أقامني عن يمينه» .
قال الحافظ: وكأنه أشار إلى ما أخرجه النِّسائي بإسناد صحيح، عن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحببنا أن نكون عن يمينه» .
ولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف» . انتهى.
ومحل ذلك إذا لم تتعطل ميسرة الإمام، وإلا فتوسيط الإمام أفضل كما في الحديث الآخر: «وسطوا الإِمام وسُدُّا الخلل» .
(1/633)

[1095] وعن البراء - رضي الله عنه - قال: كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحْبَبْنَا أنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِني عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أو تَجْمَعُ - عِبَادَكَ» . رواه مسلم.

لا مخالفة بين هذا الحديث وحديث ابن ماجة: «من عمَّر ميسرة المسجد كُتب له كفلان من الأجر» ، وذلك أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حثَّ على التيامن تعطلت الميسرة فقال ذلك.
[1096] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَسِّطُوا الإمَامَ، وَسُدُّوا الخَلَلَ» . رواه أبُو دَاوُد.

في هذا الحديث: الأمرُ بتوسيط الإِمام قدّام الصف، وسدّ فُرَجِهِ.

195 - باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض
وبيان أقلها وأكملها وما بينهما

[1097] عن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ حَبِيبَةَ رملة بِنْتِ أبي سُفْيَانَ رَضِيَ للهُ عَنهما، قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للهِ تَعَالى كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعاً غَيرَ الفَرِيضَةِ، إلا بَنَى الله لَهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ، أو إلا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: الحث على صلاة التطوع، والمواظبة على هذا العدد المذكور كل يوم.
(1/634)

[1098] وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتْينِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَينِ بَعدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَينِ بَعدَ العِشَاءِ. متفقٌ عَلَيهِ.

سكت عن ركعتي الصبح لما جاء عنه في الصحيح. وحدثتني حفصة: «أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يركع ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر» ، فالسنن المؤكدة عشر.
وفي رواية: فأما المغرب والعشاء والفجر والجمعة ففي بيته.
قال الحافظ: والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتشاغل بالناس في النهار غالبًا، وبالليل يكون في بيته غالبًا.
قال ابن دقيق العيد: وفي تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب: أما في التقديم؛ فلأن الإنسان يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها، فتتكيف النفس في ذلك بحال عديدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها، فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنَّست النفس بالعبادة، وتكيفت بحالة القرب من الخشوع، فيدخل في الفرائض على حالة حسنة. وأما السنن المتأخرة، فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض.

[1099] وعن عبد الله بن مُغَفَّلٍ - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كل أذانين صلاة» . قال في الثَّالِثةِ: «لِمَنْ شَاءَ» . متفقٌ عَلَيهِ.
(1/635)

المُرَادُ بِالأَذَانيْنِ: الأذَانُ وَالإقَامَةُ.

في هذا الحديث: استحباب الصلاة بين الأذان والإقامة، وهذا عام مخصوص، فإن الوقت الذي بعد طلوع الفجر لا يصلى فيه إلا راتبة الفجر أو تحية المسجد.

196 - باب تأكيد ركعتي سنّةِ الصبح

[1100] عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لا يَدَعُ أرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر أن قبل الظهر ركعتين، وفي حديث عائشة أربعًا، وهو محمول على أن كل واحد منهما وَصَف ما رأى.
وقال الحافظ: كان تارة يصلي ركعتين، وتارة يصلي أربعًا.
وقال الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها.

[1101] وعنها قالت: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أشَدَّ تَعَاهُدَاً مِنهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ. متفقٌ عَلَيهِ.
[1102] وعنها عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدنْيَا وَمَا فِيهَا» . رواه مسلم وفي رواية: «لَهُمَا أحَبُّ إليَّ مِنَ الدنْيَا جَمِيعاً» .

في هذا الحديث: دليلٌ على تأكيد ركعتي الفجر وعِظَم ثوابهما.
(1/636)

[1103] وعن أبي عبد الله بلالِ بن رَبَاح - رضي الله عنه - مُؤَذِّن رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّهُ أتَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُؤْذِنَه بِصَلاةِ الغَدَاةِ، فَشَغَلَتْ عَائِشَةُ بِلالاً بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ، حَتَّى أصْبَحَ جِدّاً، فَقَامَ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، وَتَابَعَ أذَانَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا خَرَجَ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَأخْبَرَهُ أنَّ عَائِشَةَ شَغَلَتْهُ بِأمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حَتَّى أصْبَحَ جِدّاً، وَأنَّهُ أبْطَأَ عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، فَقَالَ - يَعْنِي النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي كُنْتُ رَكَعْتُ رَكْعْتَي الفَجْرِ» فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ أصْبَحْتَ جِدّاً؟ فقَالَ: «لَوْ أصْبَحْتُ أكْثَرَ مِمَّا أصْبَحْتُ، لَرَكَعْتُهُمَا، وَأحْسَنْتُهُمَا وَأجْمَلْتُهُمَا» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.

في هذا الحديث: أن ركعتي الفجر لا تترك قبل الفرض ولو أسفر جدًا.
197 - باب تخفيف ركعتي الفجر
وبيان مَا يقرأ فيهما وبيان وقتهما

[1104] عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها: أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإقَامَةِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ. متفقٌ عَلَيهِ.
وفي روايَةٍ لَهُمَا: يُصَلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ، إذا سمع الأذان فَيُخَفِّفُهُمَا حَتَّى أقُولَ: هَلْ قَرَأَ فِيهما بِأُمِّ القُرْآنِ.
وفي رواية لمسلم: كَانَ يُصلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ إذَا سَمِعَ الأذَانَ وَيُخَفِّفُهُمَا.
وفي رواية: إذَا طَلَعَ الفَجْرُ.

في هذا الحديث: استحباب تخفيف ركعتي الفجر.
(1/637)

[1105] وعن حفصة رَضِيَ اللهُ عَنها: أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أذَّنَ المُؤَذِّنُ لِلْصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. متفقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية لمسلم: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا طَلَعَ الفَجْرُ لا يُصَلِّي إلا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.

اختلف في حكمة تخفيف ركعتي الفجر، فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح في أول الوقت. وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل ليدخل في الصلاة بنشاط.

[1106] وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُما قَالَ: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الغَدَاةِ، وَكَأنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ. متفقٌ عَلَيهِ.

المراد بالأذان هنا: الإقامة، والمعنى: أنه كان يسرع في ركعتي الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة.

[1107] وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ في رَكْعَتَي الفَجْرِ في الأُولَى مِنْهُمَا: {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية الَّتي في البقرة، وفي الآخِرَةِ مِنْهُمَا: {آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأنَّا مُسْلِمُونَ} .
وفي رواية: وفي الآخِرَةِ الَّتي في آل عِمْران: {تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} . رواهما مسلم.
(1/638)

قوله: {وَاشْهَدْ بِأنَّا مُسْلِمُونَ} هذا وهم من أحد الرواة في الآية، ولفظها {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران (64) ] .

[1108] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ في رَكْعَتَي الفَجْرِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ} وَ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} . رَوَاهُ مُسلِمٌ.

[1109] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: رَمَقْتُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْراً فَكَانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ: {قُلْ يَا أيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} . رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذه الأحاديث: استحباب قراءة هاتين السورتين في ركعتي الفجر والمداومة على ذلك، واستحباب قراءة: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ} [البقرة (136) ] الآية، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية، في بعض الأحيان إتباعًا للسنَّة.

198 - باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
عَلَى جنبه الأيمن والحث عليه
سواءٌ كَانَ تَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ أمْ لا

[1110] عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها قالت: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى ركعتي الفجر، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن. رَوَاهُ البُخَارِي.
(1/639)

في هذا الحديث: استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لمن تهجَّد بالليل ليستريح من التعب، ويتنشط لصلاة الفجر.
[1111] وعنها قالت: كَانَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاَةِ العِشَاءِ إلَى الفَجْرِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الفَجْرُ، وَجَاءهُ المُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، هكَذَا حَتَّى يأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ. رَوَاهُ مُسلِم.
قَوْلُهَا: «يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» هكَذَا هو في مسلمٍ ومعناه: بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْن.

[1112] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا صَلَّى أحَدُكُمْ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال ابن القيم في (الهدي) : وسمعت ابن تيمية يقول: هذا ليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه.
وعن ابن جريج، أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: إن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يضطجع لسنَّة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح. قال: وكان ابن عمر يحصبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم.
(1/640)

وقد غلا في هذه الضجعة طائفتان فأوجبها جماعة من أهل الظاهر، وكرهها جماعة من الفقهاء، وتوسط فيها مالك وغيره فلم يروا بأسًا لمن فعلها راحة، وكرهوها لمن فعلها استنانًا. انتهى ملخصًا.

199 - باب سنة الظهر

[1113] عن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا. متفقٌ عَلَيهِ.
الأربع المذكورة في هذا الحديث من الرواتب العشر.

[1114] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لا يَدَعُ أرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

في هذا الحديث: استحباب المداومة على أربع ركعاتٍ قبل الظهر.

[1115] وعنها قالت: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي في بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أرْبَعاً، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءِ، وَيَدْخُلُ بَيتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسلِم.

في هذا الحديث: مداومته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أربع ركعات قبل الظهر مع الرواتب.

[1116] وعن أُمّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها قالت: قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى
(1/641)

النَّارِ» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: فضل المحافظة على هذه السنَّة.

[1117] وعن عبد الله بن السائب - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي أرْبَعاً بَعْدَ أنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وقَالَ: «إنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيها أبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أنْ يَصْعَدَ لِي فيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ» . رواه التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: استحباب أربع ركعات بعد الزوال.
[1118] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذا لَمْ يُصَلِّ أربَعاً قَبلَ الظُّهْرِ، صَلاهُنَّ بَعْدَهَا. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: مشروعية قضاء الرواتب والاهتمام بها.

200 - باب سنة العصر

[1119] عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: مشروعية أربع ركعات قبل العصر واستحباب التسليم بينهن.

[1120] وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرءاً صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أرْبَعاً» . رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
(1/642)

هذا الحديث يتناول فعلها موصولة ومفصولة.
وفيه: إيماء إلى التبشير لمصليها بالموت على الإِسلام.

[1121] وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبلَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.

لا مخالفة بين هذا الحديث وحديثه السابق؛ لأنه كان يصليها تارة أربعًا وتارةً ركعتين.

201 - باب سنة المغرب بعدها وقبلها
تقدم في هذه الأبواب حديثُ ابن عمر وحديث عائشة، وهما صحيحان: أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ.

هذه الركعتان من الرواتب العشر.
[1122] وعن عبد الله بن مُغَفَّل - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ» قال في الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» . رواه البُخَارِيُّ.

في هذا الحديث: الحضُّ والتحريض على الاهتمام بها.
وفي رواية: «ثم قال في الثالثة لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس ... سنة، أي: عزيمة لازمة.

[1123] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لَقَدْ رَأيْتُ كِبَارَ أصْحَابِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِندَ المَغْرِبِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
(1/643)

قوله: «يبتدرون السواري عند المغرب» . وفي لفظ: «يصلون ركعتين قبل االمغرب» . ولم يكن بين الأذان والإِقامة شيء.

[1124] وعنه قَالَ: كُنَّا نصلِّي عَلَى عهدِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ المَغْرِبِ، فَقِيلَ: أكَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلاهما؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. رواه مسلم.

تقريره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على العبادة يدل على استحبابها.

[1125] وعنه قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فَإذَا أذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ المَغْرِبِ، ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الغَريبَ لَيَدْخُلُ المَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أنَّ الصَّلاَةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. رواه مسلم.

هذه الأحاديث: واردة فيمن كان جالسًا في المسجد قبل غروب الشمس، وأما الذي يجيء بعد الغروب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد كما ورد ذلك في الحديث الصحيح.
وقال البخاري: باب الصلاة قبل المغرب، وذكر حديث ابن مغفل، وحديث مرثد بن عبد الله اليزني قال: (أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قلت: فما الذي يمنعك الآن؟ قال: الشغل) .

202- باب سنة العشاء بعدها وقبلها
فِيهِ حديث ابن عمر السابق: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ
(1/644)

العِشَاءِ، وحديث عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاةٌ» متفق عَلَيْهِ. كما سبق.

الركعتان بعد العشاء من السنن الرواتب المؤكدة، واللتان قبلها من السنن المستحبات.
203- باب سنة الجمعة

فِيهِ حَديث ابن عمر السابق أنَّه صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمعَةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

[1126] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم الجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أرْبعاً» . رواه مسلم.

[1127] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ في بَيْتِهِ. رواه مسلم.

قال البخاري: باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها، وذكر حديث ابن عمر: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين.
قال الحافظ: لم يذكر البخاري شيئًا في الصلاة قبلها، والذي يظهر أنه أشار إلى ما رواه أبو دود عن نافع قال: (كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل
(1/645)

الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدِّث أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك) .
وقال ابن التين: لعل البخاري أراد إثباتها قياسًا على الظهر.
قال الحافظ: وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا: «ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان» ، ومثله حديث عبد الله بن مغفل: «بين كل أذانين صلاة» . انتهى ملخصًا.
قوله: «إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا» . اقتصاره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ركعتين لا ينافي مشروعية الأربع. قال ابن عربي: إن أمره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمن يصلي بعد الجمعة بأربع، لئلا يخطر على بال جاهل أنه صلَّى ركعتين لتكملة الجمعة، ولئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا.

204- باب استحباب جعل النوافل في البيت
سواء الراتبة وغيرها والأمر بالتحول للنافلة من موضع
الفريضة أَو الفصل بينهما بكلام

[1128] عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ أفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إِلا المَكْتُوبَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: الحث على صلاة النافلة في البيت لتعود بركة الصلاة عليه وعلى أهل بيته.
(1/646)

[1129] وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

أي: لا تجعلوا بيوتكم كالقبور بعدم الصلاة فيها. ولفظ النَّسائي، والترمذي: «صلوا في بيوتكم ولا تتركوا النوافل فيها» .

[1130] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا قَضَى أحَدُكُمْ صَلاَتَهُ في مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيباً مِنْ صَلاَتِهِ؛ فَإنَّ اللهَ جَاعِلٌ في بَيْتِهِ مِنْ صَلاَتِهِ خَيْراً» . رواه مسلم.
فيه: إيماء إلى طلب الإكثار من النوافل.

[1131] وعن عمر بن عطاءٍ: أنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابن أُخْتِ نَمِرٍ يَسأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ في الصَّلاَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الجُمُعَةَ في المَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإمَامُ، قُمْتُ في مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إلَيَّ، فَقال: لا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ. إِذَا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلْهَا بِصَلاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمَرَنَا بِذلِكَ، أن لا نُوصِلَ صَلاَةً بِصَلاَةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رواه مسلم.

المقصورة: الحجرة، وأول من عملها معاوية حين ضربه الخارجيُّ.
قال القاضي: واختلفوا في المقصورة فأجازها كثير من السلف وصلَّوا فيها.
(1/647)

وفي الحديث: النهي عن وصل النافلة بالفريضة قبل الكلام، والتحول من موضعها. وفيه: لزوم الأدب مع أهل الفضل، وحسن الإنكار.
قال الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه جهرًا فقد فضحه وشانه.

205- باب الحث عَلَى صلاة الوتر
وبيان أنه سنة مؤكدة وبيان وقته

[1132] عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَصَلاَةِ المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سَنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أهْلَ القُرْآنِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: أن الوتر سنَّة مؤكدة وليس بفرض.
قال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر به يدل على عدم وجوبه.
[1133] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَمِنْ أوْسَطِهِ، وَمِنْ آخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: جواز الوتر فيما بين صلاة العشاء، إلى طلوع الفجر.

[1134] وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: استحباب صلاة الوتر بعد جميع صلاة الليل.
(1/648)

[1135] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أوْتِرُوا قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا» . رواه مسلم.

آخر وقت الوتر الاختياري طلوع الفجر، ووقت الضرورة إلى صلاة الفجر لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر» .

[1136] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي صَلاَتَهُ باللَّيْلِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإذَا بَقِيَ الوِتْرُ، أيْقَظَهَا فَأوْتَرتْ. رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: فَإذَا بَقِيَ الوِتْرُ، قَالَ: «قُومِي فَأوتِري يَا عائِشَةُ» .

فيه: طلب المبادرة بالوتر لئلا يغلب عليه كسل النوم فيفوته الوتر.

[1137] وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالوِتْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

فيه: الأمرُ بالمبادرة بفعل الوتر قبل طلوع الفجر.
[1138] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ خَافَ أنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيلِ، فَإنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وذَلِكَ أفْضَلُ» . رواه مسلم.

صلاة آخر الليل أفضل من أوله لشهود الملائكة لها، ولقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «
(1/649)

ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» .
فإذا أوتر وأراد أن يصلي آخر الليل جاز له ذلك.
ولا يوتر ثانية لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا وتران في ليلة» .

206- باب فضل صلاة الضحى
وبيان أقلها وأكثرها وأوسطها، والحث عَلَى المحافظة عَلَيْهَا

[1139] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أوْصَانِي خَلِيلي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأنْ أُوتِرَ قَبْلَ أنْ أرْقُدَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وَالإيتَارُ قَبْلَ النَّوْمِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لا يَثِقُ بِالاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ فَإنْ وَثِقَ، فَآخِرُ اللَّيْلِ أفْضَلُ.

أوصاه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالوتر أول الليل احتياطًا؛ لأنه قد لا يقوم آخر الليل فيفوته الوتر، وأوصاه بصيام ثلاثة أيام لأن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، وأوصاه بركعتي الضحى، لأنهما أقل ما يحصل به صلاته.
[1140] وعن أَبي ذَرٍّ - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدكُمْ صَدَقَةٌ: فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِن الضُّحَى» . رواه مسلم.
(1/650)

السُلامى: المفصل.
وفي الحديث: كمال شرف هذه الصلاة؛ لأنها تكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء، فإن الصلاة عملٌ لجميع أعضاء الجسد.

[1141] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى أرْبَعاً، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله. رواه مسلم.

في الحديث: إثبات صلاة الضحى بفعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما ثبت بقوله.

[1142] وعن أُمِّ هَانِىءٍ فاختة بنت أَبي طالب رضي الله عنها، قالت: ذَهَبْتُ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ ضُحىً. متفقٌ عَلَيْهِ. وهذا مختصرُ لفظِ إحدى روايات مسلم.

عُلم باستقراء الأحاديث أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يزد على الثمان في صلاة الضحى، ولم يرغب في أكثر من اثنتي عشرة.

207- باب تجويز صلاة الضحى من ارتفاع
الشمس إِلَى زوالها والأفضل أن تُصلَّى عِنْدَ
اشتداد الحر وارتفاع الضحى

[1143] عن زيد بن أَرْقَم - رضي الله عنه - أنَّهُ رَأَى قَوْماً يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أمَا لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ الصَّلاَةَ في غَيْرِ هذِهِ السَّاعَةِ أفْضَلُ، إنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلاَةُ الأَوَّابِينَ حِيْنَ تَرْمَضُ الفِصَالُ» . رواه مسلم.
(1/651)

«تَرْمَضُ» بفتح التاء والميم وبالضاد المعجمة، يعني: شدة الحر.
وَ «الفِصَالُ» جَمْعُ فَصِيلٍ وَهُوَ: الصَّغيرُ مِنَ الإبِلِ.

الأوَّابون: الرجَّاعون من الذنوب والغفلة، إلى التوبة والاستغفار.

208- باب الحث عَلَى صلاة تحية المسجد
وكراهة الجلوس قبل أن يصلي ركعتين في أي وقت دخل
وسواء صلَّى ركعتين بنية التَّحِيَّةِ أَوْ صلاة فريضة أَوْ سنة راتبة أَوْ غيرها

[1144] عن أَبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: دليل على استحباب صلاة تحية المسجد، واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب.
قال الطحاوي: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها.
قال الحافظ: هما عمومان تعارضا: الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة فلا بد من تخصيص أحد العمومين، انتهى.
والأحوط أنه لا يصلي التحية بعد صلاة العصر، ولا صلاة الفجر؛ لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الصلاة بعد الصبح والعصر.

[1145] وعن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: أَتَيْتُ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/652)

في هذا الحديث: أمرُ من دخل المسجد بصلاة ركعتين وإنْ جلس، كما روى مسلم من حديث أبي قتادة: أنه دخل المسجد فوجد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال له: «ما منعك أن تركع» ؟ . قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» .

209- باب استحباب ركعتين بعد الوضوء
[1146] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلاَلٍ: «يَا بِلاَلُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلاَمِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ» ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أرْجَى عِنْدي مِنْ أَنِّي لَمْ أتَطَهَّرْ طُهُوراً فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أنْ أُصَلِّي. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.
«الدَّفُّ» بالفاءِ: صَوْتُ النَّعْلِ وَحَرَكَتُهُ عَلَى الأَرْضِ، واللهُ أعْلَم.

في هذا الحديث: استحباب الصلاة بعد كل وضوء.

210- باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لَهَا
والتطّيب والتبكير إِلَيْهَا والدعاء يوم الجمعة والصلاة
عَلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فِيهِ بيان ساعة الإجابة
واستحباب إكثار ذكر الله تعالى بعد الجمعة

قَالَ الله تَعَالَى: {فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ، وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة (10) ] .

عن قتادة في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة (9) ] . قال: فالسعي: أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها. وكان عمر بن الخطاب يقرأ: فامضوا إلى ذكر.
(1/653)

وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} يعني: الرزق. وهذا أمر إباحة.
قال ابن عباس: إن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد، وإن شئت فصلِّ إلى العصر، وكان عراك بن مالك رضي الله عنه، إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللَّهُمَّ إني أجبت دعوتك، وصلَّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.
وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً} ، أي: في حال بيعكم، وشرائكم، وأخذكم، وإعطائكم، ولا تشغلكم الدنيا عما ينفعكم في الآخرة، {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، أي: تفوزون.

[1147] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فضل يوم الجمعة على بقية الأسبوع.
وفيه: بيان ما وقع فيه وما سيقع من الأمور العظام. وفي رواية: «وفيه قبض، وفيه تقوم الساعة» .

[1148] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أتَى الجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وأنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى، فَقَدْ لَغَا» . رواه مسلم.

قوله: «وزيادة ثلاثة أيام» ، لأن الحسنة بعشر أمثالها.
وقوله: «من مس الحصى فقد لغا» أي: ومن لغا فلا جمعة له.
(1/654)

وفي الحديث: النهي عن العبث في حال الخطبة.
وفيه: إشارة إلى الحض على إقبال القلب والجوارح على الخطبة.

[1149] وعنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّراتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» . رواه مسلم.
يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء (31) ] .
[1150] وعنه وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: أنهما سَمعَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ عَلَى أعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونَنَّ مِنَ الغَافِلِينَ» . رواه مسلم.
فيه: وعيد شديد لمن ترك الجمعة لغير عذر شرعي.
[1151] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: الأمر باغتسال يوم الجمعة لمن أتى إليها.

[1152] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
المراد بِالمُحْتَلِمِ: البَالِغُ. وَالمُرادُ بِالوُجُوبِ: وُجُوبُ اخْتِيارٍ، كَقولِ الرَّجُلِ لِصَاحِبهِ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ. واللهُ أعلم.
(1/655)

في هذا الحديث: مشروعية الاغتسال يوم الجمعة، ويتأكد على من له عرق، أو ريح يتأذى به الناس.
[1153] وعن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فبِها وَنِعْمَتْ وَمَن اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أفْضَلُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قوله: «فبها ونعمت» ، أي: فبالرخصة أخذ، ونعمت الرخصة.
وفيه: دليل على أن غسل الجمعة ليس بفرض، وهو قول الجمهور.
[1154] وعن سَلمَان - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: استحباب الغسل، والتنظيف والتطيب يوم الجمعة، واستحباب التبكبير لئلا يتخطى رقاب الناس ولا يُفَرَّق بينهم. واستحباب الصلاة قبل الجمعة. ومشروعية الإنصات إذا خطب الإمام.
وفيه: الوعد بالمغفرة لمن فعل ذلك.

[1155] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَن اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ في الساعة الأولى فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في الساعة الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ
(1/656)

الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ، حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قَوْله: «غُسْلُ الجَنَابَةِ» أيْ غُسلاً كغُسْلِ الجَنَابَةِ في الصِّفَةِ.

راح: أي ذهب، وأول الساعات ارتفاع الشمس.
قوله: «فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة» ، لفظ مسلم: «فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر» .
ولابن خزيمة: «على كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول» . وفي الحلية: «إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور» ولابن خزيمة: «فيقول بعض الملائكة لبعض: ما حبس فلانًا؟ فيقول: اللَّهُمَّ إن كان ضالاً فاهده، وإن كان فقيرًا فأغنه، وإن كان مريضًا فعافه» .

[1156] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «فِيهَا سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْألُ اللهَ شَيْئاً، إِلا أعْطَاهُ إيّاهُ» . وَأشَارَ بيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: الحثُّ على الاجتهاد في الصلاة، والدعاء يوم الجمعة.

[1157] وعن أَبي بُرْدَةَ بن أَبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه - قال: قَالَ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أسَمِعْتَ أبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شأنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
(1/657)

سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «هِيَ مَا بَيْنَ أنْ يَجْلِسَ الإمَامُ إِلَى أنْ تُقْضَى الصَّلاةُ» . رواه مسلم.

قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها، حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال، قول عبد الله بن سلام: أنها آخر ساعة بعد العصر.
قال الشارح: ولا يشكل على كلٍَّ من القولين. قوله: «يصلي» لأن المراد أنه منتظرها، وهو في حكم المصلي كما أجاب به ابن سلام رضي الله عنه.

[1158] وعن أوس بن أوسٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ؛ فَإنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
في الحديث: دليل على استحباب تكثير الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة.

211- باب استحباب سجود الشكر
عِنْدَ حصول نعمة ظاهرة أَو اندفاع بلية ظاهرة

[1159] عن سعد بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - قال: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكّةَ نُريدُ المَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيباً مِنْ عَزْوَرَاءَ نَزَلَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا الله سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً، فَمَكَثَ طَويلاً، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً - فَعَلَهُ ثَلاثَاً - وقال: «إنِّي سَألتُ رَبِّي، وَشَفَعْتُ لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبِّي شُكْراً، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِداً
(1/658)

لِرَبِّي شُكْراً، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي الثُّلثَ الآخَرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبِّي» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: مشروعية سجود الشكر.
وفيه: استحباب رفع اليدين في الدعاء.
وفيه: تكرير السجود بتكرر المقتضي له.
وفيه: بشارة بأن جميع المؤمنين لا يخلدون في النار.

212- باب فضل قيام الليل
قَالَ الله تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء (79) ] .

التهجُّد: الصلاة في الليل وقراءة القرآن بعد النوم.
وقوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} ، أي: واجب عليك دون الأمة، قاله، ابن عباس.
والمقام المحمود: مقام الشفاعة يوم القيامة يحمده به الأولون والآخرون.
وقال تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} [السجدة (16) ] الآية.
أي: يقومون لصلاة الليل وهم المتهجِّدون، وفي حديث معاذ عن ... النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة (16، 17) ] الآية.
وروى البغوي وغيره: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صلَّى العشاء في جماعة، كان كمن قام نصف ليلة، ومن صلَّى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .
(1/659)

وقال تَعَالَى: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات (17) ] .

أي: كان هجوعهم قليلاً من الليل.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يَا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قومًا فقال: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ، ونحن والله قليلاً من الليل ما نقوم، فقال له أبي رضي الله عنه: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ.

[1160] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا، يَا رَسُولَ الله، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ؟ قَالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً» ! . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وَعَن المُغِيرَةِ بن شُعبة نَحْوهُ متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا السؤال من عائشة عن حكمة التشمر والدأب في الطاعة، وهو مغفور له، فبين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه فعل ذلك شكرًا لله عز وجل.
[1161] وعن علي - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلاً، فَقَالَ: «أَلا تُصَلِّيَانِ؟» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«طَرَقَهُ» : أتَاهُ لَيْلاً.

وفي هذا الحديث: فضل صلاة الليل، لإيقاظه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي وفاطمة من نومهما للصلاة، واختياره لهما تلك الفضيلة على الدعة والسكون.
(1/660)

[1162] وعن سالم بن عبدِ الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - عن أبيِهِ: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ» . قَالَ سالِم: فَكَانَ عَبدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَنامُ مِنَ اللَّيلِ إِلا قَلِيلاً. متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: له قصة، وهي أن ابن عمر قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقصونها على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول فيها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما شاء الله، وأنا غلام حديث السَّنَّ وبيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء.
فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم فيَّ خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحدٍ منهما مقمعة من حديد يقبلا بي إلى جهنم وأنا بينهما، أدعوا الله: اللَّهُمَّ أعوذ بك من جهنم، ثم أُراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد. فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرن البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات يمين، فقصصتها على حفصة فقصّتها حفصة على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن عبد الله رجل صالح» . فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة. وفي رواية: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» .

[1163] وعن عبد الله بن عَمرو بن العاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا عَبدَ اللهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/661)

فيه: كراهة قطع ما يعتاده الإنسان من أعمال البر لغير عذر.

[1164] وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ في أُذُنَيْهِ» - أَوْ قَالَ: «في أُذُنِهِ» -. متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أن إهمال حق الله إنما ينشأ عن تمكن الشيطان من الإنسان، حتى يحول بينه وبين الأعمال الصالحة. قيل: كان رجل يكذب بهذا الحديث فنام حتى االفجر فقام والبول يسيل من أذنه.
[1165] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإن اسْتَيقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضّأ، انْحَلّتْ عُقدَةٌ، فَإنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقَدُهُ، فَأصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلا أصْبحَ خَبيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«قافية الرَّأس» : آخِرُهُ.

في هذا الحديث: الحثُّ على قيام الليل، وعسف النفس حتى تذل وتخرج من وثاق الشيطان.

[1166] وعن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أيُّهَا النَّاسُ: أفْشُوا السَّلامَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَمٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
(1/662)

في هذا الحديث: بشارة لمن فعل ذلك بدخول الجنة ابتداء بغير حساب ولا عذاب.

[1167] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلاَةُ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.

في صلاة الليل فوائد كثيرة، وخصائص في غيرها.
منها: أنه وقت السكون، والخشوع، والخضوع، مع ما فيه من البعد عن الرياء.
ومنها: نزول الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدينا.
ومنها: تواطؤ القلب واللسان على القراءة كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل (6) ] .
[1168] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «مثنى مثنى» ، أي: ركعتان، ركعتان، أي: يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة واحدة، ويجوز الوصل كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.

[1169] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.

[1170] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يُفْطِرَ مِنْهُ
(1/663)

شَيْئاً، وَكَانَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيلِ مُصَلِّياً إِلا رَأيْتَهُ، وَلا نَائِماً إِلا رَأيْتَهُ. رواه البخاري.

قال الحافظ: لم يكن لتهجده وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام.

[1171] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً - تَعْنِي في اللَّيلِ - يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ المُنَادِي للصَلاَةِ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: مشروعية تطويل صلاة الليل في قيامها وركوعها وسجودها.
[1172] وعنها قالت: مَا كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزيدُ - في رَمَضَانَ وَلا في غَيْرِهِ - عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أرْبَعاً فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبَعاً فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثاً. فَقُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أتَنَامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ فَقال: «يَا عَائِشَة، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديم التهجُّد في رمضان وفي غيره، ولكنه إذا أراد الزيادة أطال الصلاة.
وفيه: أنه لا ينبغي النوم قبل الوتر، إلا لمن وثق بالقيام.
(1/664)

[1173] وعنها أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ أوّلَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: أن غالب أحواله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نوم أول الليل وقيام آخره.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل (1: 4) ] .

[1174] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قائِماً حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْر سوءٍ! قيلَ: مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أجِلْسَ وَأدَعَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: مشروعية تطويل القيام في صلاة الليل.
[1175] وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ البَقرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلِّي بِهَا في رَكْعَةٍ فَمَضَى، فقلتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلاً: إِذَا مَرَّ بآيةٍ فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» ثُمَّ قَامَ طَويلاً قَريباً مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سجُودُهُ قَريباً مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: مشروعية التطويل في جميع أركان صلاة الليل،
(1/665)

قال الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر (9) ] .

[1176] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيُّ الصَّلاَةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ القُنُوتِ» . رواه مسلم.
المراد بـ «القنوتِ» : القِيام.

في هذا الحديث: دليل على فضل تطويل القيام في صلاة الليل؛ لأنه محل قراءة القرآن، ولأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يطول القيام في الليل، أكثر من تطويل السجود.
[1177] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ صَلاةُ دَاوُدَ، وَأحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوماً وَيُفْطِرُ يَوْماً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

كان عبد الله بن عمرو من المتعبِّدين، فأخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول: والله لأصومنَّ النهار، ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم ... » الحديث.
قال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو، أنَّ الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه، ليستبقى بعض القوة في غيره.
قال الحافظ: وفيها: النهي عن التعمق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض.
(1/666)

قال المهلب: كان داود عليه السلام يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل من سائل فأعطيه سؤاله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل.
وفيه: من المصلحة، استقبال صلاة الصبح وإذكار النهار بنشاط.

[1178] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ في اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ الله تَعَالَى خَيْراً مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلا أعْطَاهُ إيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» . رواه مسلم.

فيه: الحثُّ على ادعاء في الليل، رجاء مصادفة ساعة الإِجابة وأحرى ما تكون في النصف الأخير.
[1179] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلاَةَ بركْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» . رواه مسلم.

قيل: الحكمة في هذه الركعتين إذهاب ما قد يبقى في الجسد من كسل النوم.

[1180] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رواه مسلم.

ثبتت هذه السنة بقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبفعله.

[1181] وعنها رضي الله عنها قالت: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِن اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشرَةَ ركْعَةً. رواه مسلم.

فيه: استحباب قضاء الفوائت من النوافل المؤقتة، وكانت صلاته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل إحدى عشرة ركعة.
(1/667)

[1182] وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فيما بَيْنَ صَلاَةِ الفَجْرِ وصلاة الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنَّمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.

فيه: استحباب تدارك ما فات من النفل المؤقت.

[1183] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى وَأيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإنْ أبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ وَأيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإن أبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
في هذا الحديث: الحثُّ على التعاون على الطاعة، وقد قال الله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه (132) ] .

[1184] وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما قالا: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعاً، كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض.
وفي: مشروعية الجماعة فيها.

[1185] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ في الصَّلاَةِ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا
(1/668)

صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: الندب إلى الرقاد إذا غلبه النعاس؛ لأن لب الصلاة الخشوع فيها، والحضور مع الله عزَّ وجلّ، وإنما يكون ذلك مع النشاط وصحة اللُّب، وسلامته من الكسل.

[1186] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ القُرْآنَ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِع» . رواه مسلم.

استعجم: التبس، والمعنى: أن غلبة النعاس عليه تمنعه من تدبر القرآن.

213- باب استحباب قيام رمضان وَهُوَ التراويح

[1187] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيماناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
التراويح سنة، وهي عشرون ركعةً أو أقل أو أكثر، وعشر ركعات إذا خشع فيها ورتل القراءة، أحسن من العشرين بلا خشوع ولا تدبر.

[1188] وعنه - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أنْ يَأمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فيقولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رواه مسلم.

فيه: فضل صلاة التراويح، وأنها ليست بواجب. ولهذا صلاها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاث ليال، فلما كثر الناس في الثالثة حتى غص المسجد، تركها خوفًا من أن تفرض عليهم.
(1/669)

214- باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها

قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} [القدر (1) ] إِلَى آخرِ السورة.
قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} ، أي: القرآن، {فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ، أي: الفضل والشرف، وهي ليلة يقدِّر الله فيها أمر السنَّة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة.
قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدَّر لله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: نعم، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سَوْقُ المقادير التي خلقها إلى المواقيت تنفيذ القضاء المقدَّر.
قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} تعظيم لشأنها.
{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ، أي: العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر.
{تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} ، أي: جبريل فيها.
{بِإِذْنِ رَبِّهِم} مع نزول البركة والرحمة.
{مِّن كُلِّ أَمْرٍ} ، أي: لأجل كل أمر قُدِّر في تلك السنة.
{سَلامٌ هِيَ} ، أي: ليلة القدر، سلام وخير من كلها ليس فيها شر.
وقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أن يحدث فيها أذى.
{حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ، أي: إلى مطلع الفجر.
وقال الشعبي: تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجر.
وقال تَعَالَى: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} الآياتِ [الدخان (3) ] .

وتمامها: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا
(1/670)

مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} [الدخان (3: 6) ] .

[1189] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أن من قام ليلة القدر مؤمنًا بها ومحتسبًا العمل فيها، أنه يرجى له مغفرة ذنوبه.

[1190] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رِجالاً مِنْ أصْحَابِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنَامِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «أرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قال الحافظ: في الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية، بشرط أن لا تخالف القواعد الشرعية.
[1191] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، ويقول: «تَحرَّوا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخرِ منْ رَمَضانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «يجاور» ، أي: يعتكف في العشر الأواخر يتحرى ليلة القدر فيها.

[1192] وعنها رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوَتْرِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» . رواه البخاري.
(1/671)

قوله: «في الوتر» أي: الحادية والعشرين، والثالثة، والخامسة، والسابعة، والتاسعة.
قال الحافظ: ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره لا في ليلة بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. وقال بعد ما ذكر الاختلاف فيها على ستة وأربعين قولاً: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وإنما تنتقل، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبعة وعشرين.

[1193] وعنها رضي الله عنها قالت: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ العَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، أحْيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئزَرَ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: استحباب إحياء ليالي العشر بالصلاة والذكر والفكر وأنواع العابدات.
وفيه: استحباب إيقاظ الأهل، وبذل الجهد في الطاعة، واعتزال النساء في ليالي العشر ليتقوَّى على العبادة.

[1194] وعنها قالت: كَانَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْتَهِدُ في رَمَضَانَ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ، وَفِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْهُ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ. رواه مسلم.

فيه: دليل على استحباب زيادة الاجتهاد بالعمل في رمضان على غيره من الشهور، وفي العشر الأواخر منه على العشرين لكون ليلة القدر فيها.
[1195] وعنها قالت: قُلْتُ: يَا رسول الله، أرَأيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيُّ
(1/672)

لَيلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنّي» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

فيه: إيماء إلى أن أهم المطالب، انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب، وطهارته من دنس العيوب.
قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد، وفي التماسها بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها، كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة.

215- باب فضل السواك وخصال الفطرة

[1196] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

السواك سنة بالإجماع. وهو مشروع في كل وقت، ويتأكَّد عند الصلاة، والوضوء، وقراءة القرآن، والانتباه من النوم، وتغير الفم.
قوله: «لأمرتهم» يعني أمر إيجاب. وللنسائي: «لفرض عليهم السواك مع كل وضوء» .

[1197] وعن حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِن الليل يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
«الشَّوْصُ» : الدَّلْكُ.

في هذا الحديث: استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأنه مقتضي لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة. والسواك آلة تنظيفه.
(1/673)

[1198] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنَّا نُعِدُّ لِرسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوضَّأُ وَيُصَلِّي. رواه مسلم.

في هذا الحديث: مشروعية السواك قبل الوضوء.
[1199] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ في السِّوَاكِ» . رواه البخاري.

فيه: الترغيب في السواك، لمبالغته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيان فضله.

[1200] وعن شريح بن هانئٍ، قَالَ: قلت لعائشة رضي اللهُ عنها: بأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالت: بِالسِّوَاكِ. رواه مسلم.

فيه: ندب السواك عند دخول المنزل.

[1201] وعن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: دَخلتُ عَلَى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلمٍ.

في رواية: أتيتُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يستاك بسواك رطب. قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: «أع أع» ، والسواك في فيه كأنه يتهوع.
قال الحافظ: ويستفاد منه مشروعية السواك على اللِّسان طولاً، أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضًا.
(1/674)

وفيه: تأكيد السواك، وأنه لا يختص بالأسنان، وأنه من باب التنظيف والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، لكونه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يختف به، وبَوَّبُوا عليه استياك الإمام بحضرة رعيته.

[1202] وعن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ للرَّبِّ» . رواه النسائي وابنُ خُزَيْمَةَ في صحيحهِ بأسانيدَ صحيحةٍ. وذكر البخاري رحمه الله في صحيحه هذا الحديث تعليقًا بصيغة الجزم وقال: وقالت عائشة رضي الله عنها.

في هذا الحديث: فضل السواك، وفي السواك فوائد دينية ودنيوية. وذكر بعض العلماء، أن السواك يورث السعة والغنى، ويطيب النهكة، ويشد اللثة، ويسكن الصداع، ويذهب وجع الضرس.
[1203] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«الاستحْدَادُ» : حَلقُ العَانَةِ، وَهُوَ حَلْقُ الشَّعْرِ الَّذِي حَولَ الفَرْجِ.

الفطرة: الجِبِلَّة التي خلق الله الناس عليها، وجبل طباعهم عليها والمراد هنا: السنَّة القديمة التي اختارها الأنبياء.
والحصر في قوله: «الفطرة خمسٌ» مبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة. كقوله: «الدين النصيحة» ، و «الحج عرفة» .

[1204] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ
(1/675)

المَاءِ، وَقَصُّ الأظْفَارِ، وَغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتف الإبْطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ» قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيْتُ العَاشِرَةَ إِلا أنْ تَكُونَ المَضمَضَةُ. قَالَ وَكِيعٌ - وَهُوَ أحَدُ رُواتِهِ - انْتِقَاصُ المَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءِ. رواه مسلم.
«البَرَاجِم» بالباء الموحدةِ والجِيم: وهي عُقَدُ الأَصَابِعِ، وَ «إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ» مَعْنَاهُ: لا يَقُصُّ مِنْهَا شَيْئاً.

قال العلماء: ويكره في اللِّحية خصال، بعضها أشد قبحًا من بعض: خضابها بالسواد، وتبييضها بالكبريت، ونتفها وتصفيفها طاقة فوق طاقة، والزيادة فيها، والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، وعقدها، وضفرها، وحلقها.

[1205] وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأعْفُوا اللِّحَى» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: «أحفوا الشوارب» . قال النووي: أي: أحفوا ما طال منها على الشفتين، و «أعفوا اللِّحى» ، أي: وفروا.
قال النووي: حصل من مجموع روايات هذا اللفظ في الصحيحين خمس روايات: «أعفوا» ، و «أوفوا» ، و «أرخوا» ، و «أرجوا» ، ... و «وفروا» . ومعناها كلها: تركها على حالها.
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» رواه أحمد، والنسائي، والترمذي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جزُّوا الشوارب
(1/676)

وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خالفوا المشركين وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب» . متفق عليه. وكان ابن عمر إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.
وعن عائشة رضي الله عنها، أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبصر رجلاً وشاربه طويل، فقال: «ائتوني بمقص وسواك» ، فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (وقَّت لنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة) . رواه الخمسة إلا ابن ماجة.

216- باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وَمَا يتعلق بِهَا

قَالَ الله تَعَالَى: {وَأقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة (43) ] .

في هذه الآية: دليل على عظم شأن الزكاة لقرن إعطائها بإقامة الصلاة.
وقال تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البينة (5) ] .

قوله: {حُنَفَاء} ، أي: مائلين عن كل دين باطل إلى دين الملَّة المستقيمة وهو الإسلام.
وقال تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة (103) ] .
(1/677)

هذه الآية: نزلت في أبي لبابة وأناس من الصحابة تأخروا عن الجهاد كسلاً، وهي عامة في جميع المؤمنين.
وقوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} ، أي: ادع لهم، ولهذا يستحب للساعي أن يقول للمتصدق: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت.
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أُتي بصدقة قوم صلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

[1206] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

هذا الحديث: أصل عظيم في معرفة الإِسلام، وقوله: «على خمس» ، أي: دعائم، وفي رواية: «خمسة أركان» .
والشهادتان خصلة واحدة، فمثَّل الإِسلام بالبنيان الذي لا يثبت إلا على خمس دائم، وبقية خصاله كتتمة البنيان.
قال عطاء الخرساني: الزكاة طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإِيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة.
[1207] وعن طَلْحَةَ بن عبيد الله - رضي الله عنه - قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأسِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإذا هُوَ يَسألُ عَنِ
(1/678)

الإسْلاَم، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَمْسُ صَلَواتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» فَقَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لا أُزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفْلَحَ إنْ صَدَقَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في رواية للبخاري قال: فأخبره رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشرائع الإِسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا.
قال النووي: أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحًا.
[1208] وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث مُعاذاً - رضي الله عنه - إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَأنِّي رسول اللهِ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أن اللهَ تَعَالَى، افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

بدأ بالدعاء إلى الشهادتين لأنهما أساس الإِسلام.
وفيه: البداءة بالأهم فالأهم.
وفيه: جواز إخراج الزكاة في صنف واحد.
(1/679)

وفيه: أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإِضافة الصدقة إلى المال.
ولم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث؛ لأن الكلام في الدعاء إلى الإِسلام، فاكتفىى بالأركان الثلاثة لأن كلمة الإِسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإِنسان من حب المال، فإذا أذعن لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل بالنسبة إليها، والله أعلم.

[1209] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رسول الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِني دِمَاءهُمْ وَأمْوَالَهُمْ، إِلا بِحَقِّ الإسْلاَمِ، وَحِسَابُهُم عَلَى الله» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يمتنع قتالهما فيقتل بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة إن لم يتب، ويقاتل الإِمام تاركي الزكاة إذا منعوا من أدائها.
وفيه: أن من أتى بالشهادتين والتزم أحكام الإِسلام جرت عليه أحكام المسلمين سواء كان في الباطن كذلك أم لا، لأن الشريعة إنما تجري على الظواهر، ولا تنفر عما في القلوب.

[1210] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لَمَّا تُوُفِّيَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقال عُمَرُ - رضي الله عنه -: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولوُا لا إلهَ إِلا اللهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي
(1/680)

مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بين الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ. وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤدُّونَهُ إِلَى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أنْ رَأيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ. متفقٌ عَلَيْهِ.

قوله: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة» ، أهل الردة صنفان: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة. وإنما أراد عمر الصنف الثاني.
قال الحافظ: والمراد بالفرق: من قرأ بالصلاة، وأنكر الزكاة جاحدًا أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما قاتلهم الصِّدِّيق ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم نصبوا القتال، فجهَّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصروا قاتلهم.
قال المازري: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لورودهما في الكتاب والسنَّة موردًا واحدًا.
قال الحافظ: فمن صلَّى عصم نفسه، ومن زكَّى عصم ماله، فإن لم يصل قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل.
قوله: (عقالاً) ، وفي رواية: (عناقًا) ، قال البخاري: وهي أصح.
قال عياض: واحتج بذلك من يجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا كانت كلها سخالاً، وهو أحد الأقوال. وقيل: إنما ذكر العناق. مبالغة في التقليل. وقيل: العقال: يطلق على صدقة عام.
وعن ابن وهب: أنه الفريضة من الإِبل. وقيل: المراد بالعقال: الحبل الذي
(1/681)

يُعقل به البعير، والمراد به المبالغة، والحاصل أنهم متى منعوا شيئًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولو قل فقد منعوا شيئًا واجبًا، إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل والكثير.

[1211] وعن أَبي أيُّوب - رضي الله عنه -: أنّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أخْبِرْنِي بعمل يُدْخِلُنِي الجَنَّة، قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ، لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: أن من وحَّد الله، وقام بأركان الإِسلام، ووصل رحمه، دخل الجنة.

[1212] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ أعْرَابياً أتَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الجَنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أزيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: أن من قام بالواجبات دخل الجنة، وإن لم يقم بالمندوبات.

[1213] وعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: بايَعْتُ النبيَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في رواية: قال: (بايعت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت، والنصح لكل مسلم) .
(1/682)

قال القاضي عياض: اقتصر على الصلاة والزكاة لشهرتهما، ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة.
قال القرطبي: كانت مبايعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد، أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم.
[1214] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فَيَرَى سَبيلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قيل: يَا رسولَ الله، فالإبلُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ إبلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَومَ وِرْدِهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أوْفَرَ مَا كَانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصيلاً وَاحِداً، تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في
(1/683)

يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ، فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بقَاعٍ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلا جَلْحَاءُ، وَلا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بقُرُونها، وَتَطَؤُهُ بِأظْلاَفِهَا، كُلَّمَا مرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَة حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرى سَبيِلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قيل:
يَا رسول الله فالخَيْلُ؟ قَالَ: «الخَيلُ ثَلاَثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ. فَأمَّا الَّتي هي لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ ربطها رِيَاءً وَفَخْراً وَنِوَاءً عَلَى أهْلِ الإسْلاَمِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ في ظُهُورِهَا، وَلا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ أجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله لأهْلِ الإسْلاَمِ في مَرْجٍ، أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ المَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَات وكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أرْوَاثِهَا وَأبْوَالِهَا حَسَنَات، وَلا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنِ إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا، وَأرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيهَا إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ» قِيلَ: يَا رسولَ اللهِ فالحُمُرُ؟ قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ في الحُمُرِ شَيْءٌ إِلا هذِهِ الآية الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} » . [الزلزلة (7، 8) متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ مسلم.

قوله: «حتى يرى سبيله إِما إِلى الجنة وإِما إِلى النار» ، أي: يعذب بماله الذي منع زكاته خمسين ألف سنة، فإِن كان مسلمًا دخل الجنة بعد ذلك، وإن كان كافرًا خلد في النار مع أهلها.
قوله: «ومن حقها حلبها يوم وردها» ، أي: ورودها الماء ليسقي من ألبانها للمارة والواردين. ومن ذلك الأمر بالصَّرَامِ نهارًا ليحضره المحتاج وكراهته ليلاً، وقد قال تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام (141) ] .
قال ابن عمر: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة.
(1/684)

وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.
قوله: «الخيل ثلاثة» ، أي: لها أحكام ثلاثة فلا زكاة فيها ولا في الحمر إلا ما كان للتجارة، ففيه زكاة العروض.

217- باب وجوب صوم رمضان
وبيان فضل الصيام وَمَا يتعلق بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إِلَى قَوْله تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر} . [البقرة (183، 185) ] .

قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ، أي: فرض.
قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة (184) ] ، كانوا مخيَّرين في أول الإسلام بين الصيام والإطعام، ثم نسخ بقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة (185) ] .
وَأما الأحاديث فقد تقدمت في الباب الَّذِي قبله.

أي: الأحاديث الدالة على وجوب صوم رمضان، كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُني الإسلام على خمس ... » الحديث، وغيره.
[1215] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ اللهُ - عز وجل -: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَام، فَإنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذَا كَانَ يَومُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ. وَالذِي نَفْسُ
(1/685)

مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أفْطَرَ فَرِحَ بفطره، وَإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ روايةِ البُخَارِي.
وفي روايةٍ لَهُ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَشَهْوَتَهُ مِنْ أجْلِي، الصِّيَامُ لي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا» .
وفي رواية لمسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يضاعَفُ، الحسنةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ. قَالَ الله تَعَالَى: إِلا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أجْلِي. للصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» .

في هذا الحديث: فضل الصيام، وأن الله يجزي الصائم بغير حساب.
وفيه: شرف الصوم عند الله تعالى.
قوله: «والصيام جنة» ، أي: وقاية من النار.
قال ابن العربي: إنما كان جُنَّة من النار، لأنه إمساك عن الشهوات، والنَّار محفوفة بها.
[1216] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -: بِأبي أنْتَ وَأُمِّي يَا رسولَ اللهِ! مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ
(1/686)

ضَرورةٍ، فهل يُدْعى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبوَابِ كُلِّهَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «فمن كان من أهل الصلاة» إلى آخره، أي: صلاة التطوع، وصيام التطوع، وصدقة التطوع.
وفي الحديث: منقبة عظيمة لأبي بكر رضي الله عنه.

[1217] وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أحدٌ غَيْرُهُمْ، يقال: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لا يَدخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «لا يدخل منه أحد غيرهم» ، كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدًا.
زاد النسائي: «من دخله لم يظمأ أبدًا» .

[1218] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْماً في سَبِيلِ اللهِ إِلا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفَاً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال ابن الجوزي: إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد.
وقال القرطبي: «سبيل الله» ، طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله.

[1219] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/687)

قوله: «إيمانًا واحتسابًا» ، أي: مصدقًا محتسبًا ثوابه عند الله تعالى.

[1220] وعنه - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِحَتْ أبْوَاب الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ، وَصفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في رواية للنسائي: «وتغل فيه مردة الشياطين» .
قال القرطبي: فإن قيل: كيف ترى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا؟ فالجواب: أنها إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفَّد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم، والمقصود تقليل الشرور فيه. وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية.

[1221] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ، فَأكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية مسلم: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاَثِينَ يَوْماً» .

في هذا الحديث: دليل على أنه لا يجب صوم رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.
واختلفت الروايات عن الإمام أحمد فيما إذا حال دون منظر الهلال غيمٌ أو قتر، فعنه: يجب صومه، وعنه: أن الناس تبع للإمام، وعنه: لا يجب صومه قبل رؤية هلاله، أو إكمال شعبان.
(1/688)

واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه. وعنه: صومه منهي عنه، وهذا الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة.
وقال البخاري: باب قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» . وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا عمار، من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .

218- باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير
في شهر رمضان والزيادة من ذَلِكَ في العشر الأواخر منه

[1222] وعن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِيْنَ يَلْقَاهُ جِبْريلُ، وَكَانَ جِبْريلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِيْنَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِن الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

المرسلة: أي: المطلقة، يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح جميع ما تهب عليه.
وفي الحديث من الفوائد: الحثُّ على الجود في كل وقت، والزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان.

[1223] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ العَشْر أحْيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَشَدَّ المِئْزَرَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
(1/689)

في هذا الحديث: دليل على استحباب الزيادة من العمل في العشر الأواخر من رمضان.
219- باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف
شعبان إِلا لمن وصله بما قبله أَوْ وافق عادة لَهُ بأن كَانَ
عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه

[1224] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُم رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلا أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَومَهُ، فَليَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قال العلماء: معنى الحديث: «لا تستقبلوا رمضان بصيام» . على نيّة الاحتياط لرمضان.

[1225] وعن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمضَانَ، صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ فَأكْمِلُوا ثَلاثِينَ يَوْماً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
«الغَيايَةُ» بالغين المعجمة وبالياءِ المثناةِ من تَحْت المكررةِ، وهي: السحابة.

قال الترمذي: والعمل عل هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.
قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.
(1/690)

[1226] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلا تَصُومُوا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
[1227] وعن أَبي اليقظان عمارِ بن يَاسِرٍ رضي الله عنهما، قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: تحريم صيام يوم الشك، وهو آخر يوم من شعبان سواء كان في ليلة غيم أو لا، وهو قول أكثر أهل العلم، وخصه بعضهم بغير ما في ليلة غيم، والأول أصح.
220- باب مَا يقال عند رؤية الهلال
[1228] عن طلحة بن عبيدِ اللهِ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَأى الهلاَلَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأمْنِ وَالإيمانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإسْلاَمِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، هِلالُ رُشْدٍ وخَيْرٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: مشروعية الدعاء عند رؤية الهلال، وقد ورد في ذلك أدعية مشهورة.
221- باب فضل السحور وتأخيره
مَا لَمْ يخش طلوع الفجر
[1229] عن أنس - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسَحَّرُوا؛ فَإنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
(1/691)

البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنَّة ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبُّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة.

[1230] وعن زيدِ بن ثابتٍ - رضي الله عنه - قال: تَسَحَّرْنَا مَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاَةِ. قِيلَ: كَمْ كَانَ بينهما؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسين آيةً. متفقٌ عَلَيْهِ.

قال المهلب وغيره: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه، فيشق على بعضهم. ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضًا على بعضهم، وقد يفضي إلى ترك صلاة الصبح.
وفيه: الاجتماع على السحور.
وفيه: تقدير الأوقات بأعمال البدن.
[1231] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ لرسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤَذِّنَانِ: بِلاَلٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنْ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا. متفقٌ عَلَيْهِ.

في الحديث: دليل على جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.
وفيه: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه، ويستحب أن لا يؤذن
(1/692)

قبل الفجر، إلا أنْ يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح، كفعل بلال، وابن أمِّ مكتوم اقتداء برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[1232] وعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وصِيَامِ أهْلِ الكِتَابِ، أكْلَةُ السَّحَرِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: التصريح بأن السحور من خصائص هذه الأمة، وأن الله تعالى تفضل به علينا، كما تفضل بغيره من الرخص.

222- باب فضل تعجيل الفطر
وَمَا يفطر عَلَيْهِ، وَمَا يقوله بعد إفطاره

[1233] عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

زاد أحمد عن أبي ذر: «وأخروا السحور» ، وفي رواية: «لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم» .
قال الحافظ: ومن البدع المنكرة إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، يفعلونه للاحتياط في العبادة، وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت، زعموا فأخر الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنَّة. فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان.

[1234] وعن أَبي عطِيَّة قَالَ: دَخَلْتُ أنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عائشة ...
(1/693)

رضي الله عنها، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوق: رَجُلاَنِ مِنْ أصْحَابِ محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِلاَهُمَا لا يَألُو عَنِ الخَيْرِ؛ أحَدُهُمَا يُعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ - يعني: ابن مسعود - فَقَالَتْ: هكَذَا كَانَ رسولُ اللهِ يَصْنَعُ. رواه مسلم.
قَوْله: «لا يَألُو» أيْ: لا يُقَصِّرُ في الخَيْرِ.

فيه: استحباب تعجيل المغرب والإفطار، إذا تحقق غروب الشمس.

[1235] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ اللهُ - عز وجل -: أحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أعْجَلُهُمْ فِطْراً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

سبب محبة الله لمعجلي الفطر متابعة السنَّة.
قال الله تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران (31) ] .

[1236] وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ ها هُنَا، وَأدْبَرَ النهارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أفْطَر الصَّائِمُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال ابن دقيق العيد: الإقبال والإدبار متلازمان، وقد يكون أحدهما أظهر للعين في بعض المواضع، فيستدل بالظاهر علىالخفي، كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب، وكان المشرق ظاهرا بارزًا فيستدل بطلوع الليل على غروب الشمس.
(1/694)

[1237] وعن أَبي إبراهيم عبدِ الله بنِ أَبي أوفى رضي الله عنهما، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: «يَا فُلاَنُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» ، فَقَالَ: يَا رسول الله، لَوْ أمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً، قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ قَدْ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ ها هُنَا، فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ» . وَأشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قَوْله: «اجْدَحْ» بِجيم ثُمَّ دال ثُمَّ حاءٍ مهملتين، أيْ: اخْلِطِ السَّويقَ بِالمَاءِ.

في هذا الحديث: استحباب تعجيل الفطر، وإنما توقف الصحابي احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة.
وفيه: تذكير العالم بما يخشى أن يكون نسيه، وترك المراجعة له بعد ثلاث.
وفيه: أن الغروب متى تحقق كفى، وأن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على الشرع.

[1238] وعن سلمان بن عامر الضَّبِّيِّ الصحابي - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أفْطَرَ أحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فإنَّهُ طَهُورٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قوله: «فليفطر على تمر» ، زاد الترمذي: «فإنه بركة» والحكمة فيه: أنه إِن وجد في المعدة فضلة أزالها وإلا كان غذاء، وأنه يجمع ما تفرق من ضوء البصر بسبب الصوم.
(1/695)

[1239] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ قَبْلَ أنْ يُصَلِّي عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
تتمة: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» . رواه أبو داود.
وعن معاذ بن زهرة قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت» . رواه أبو داود مرسلاً. وورد في بعض الآثار: «اللَّهُمَّ إني صمت لوجهك، وأفطرت على رزقك، أسألك يا واسع المغفرة أن تغفر لي ذنوبي، وأن تعتق رقبتي من النار» .
223- باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه
عن المخالفات والمشاتمة ونحوها
[1240] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

الرفث: الكلام الفاحش: والصخب: الخصام والصياح. وهذا ممنوع في كل وقت، ولكنه يتأكد للصائم.
(1/696)

قوله: «ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني صائم» . ولابن خزيمة: «فإن سابك أحدٌ، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس» .
قال الروياني: إن كان في رمضان فليقل بلسانه، وإن كان في غيره فليقله في نفسه.
[1241] وعنه قَالَ: قَالَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» . رواه البخاري.

في رواية: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل» .
وفي هذا الحديث: التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وأن الله لا يقبل صوم صاحبه.

224- باب في مسائل من الصوم

[1242] عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَأكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: دليل على أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لم يفسد صومه.
وفيه: لطف الله بعباده، والتيسر عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم. وعند ابن خزيمة وغيره: «من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة» .

[1243] وعن لَقِيط بن صَبِرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أخْبِرْني عَنِ الوُضُوءِ؟ قَالَ: «أسْبغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ،
(1/697)