Advertisement

شرح النووي على مسلم 005



الكتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة: الثانية، 1392
عدد الأجزاء: 18 (في 9 مجلدات)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بِالتَّكْبِيرِ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قال بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ هَذَا دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ عَقِبَ الْمَكْتُوبَةِ وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّهُ مِنَ المتأخرين بن حزم الظاهري ونقل بن بَطَّالٍ وَآخَرُونَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ وَغَيْرَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى يُعْلِمَهُمْ صِفَةَ الذِّكْرِ لَا أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا قال فاختار للإمام والمأموم أن يذكر اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُرِيدُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ثُمَّ يُسِرُّ وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِصِغَرِهِ قَوْلُهُ أَخْبَرَنِي هَذَا أَبُو مَعْبِدٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فِي احْتِجَاجِ مُسْلِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ذَهَابِهِ إِلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعَ إِنْكَارِ الْمُحَدِّثِ لَهُ إِذَا حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ ثِقَةٌ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ قَالُوا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا كَانَ إِنْكَارُ الشَّيْخِ لَهُ لِتَشْكِيكِهِ فِيهِ أَوْ لِنِسْيَانِهِ أَوْ قَالَ لَا أَحْفَظُهُ أَوْ لَا أَذْكُرُ أَنِّي حَدَّثْتُكَ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَخَالَفَهُمُ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَهُ إِنْكَارًا جَازِمًا قَاطِعًا بِتَكْذِيبِ الرَّاوِي عَنْهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهِ قَطُّ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ به عند جميعهم لان حزم كُلِّ وَاحِدٍ يُعَارِضُ جَزْمَ الْآخَرِ وَالشَّيْخُ هُوَ الْأَصْلُ فَوَجَبَ إِسْقَاطُ
(5/84)

هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي بَاقِي أَحَادِيثِ الرَّاوِي لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ كَذِبَهُ

(باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم)
وفتنة المحيا والممات وَفَتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَمِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ حَاصِلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ اسْتِحْبَابُ التَّعَوُّذِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَفِيهِ إثبات عذاب القبر وفتنته وهو مذهب أهل الْحَقِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَعْنَى فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِفِتْنَةِ الْمَوْتِ فقيل فتنة القبر وقيل يحتمل أن يُرَادُ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ

[584] قَوْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيَّةً قَالَتْ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(5/85)

وَسَلَّمَ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى دَخَلَتْ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَهُمَا هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ فَجَرَتِ الْقَضِيَّةُ الْأُولَى ثُمَّ أُعْلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ثُمَّ جَاءَتِ الْعَجُوزَانِ بَعْدَ لَيَالٍ فَكَذَّبَتْهُمَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ نُزُولَ الْوَحْيِ بِإِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْلِ الْعَجُوزَيْنِ فَقَالَ صَدَقَتَا وَأَعْلَمَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ بِإِثْبَاتِهِ وَقَوْلُهَا لَمْ أَنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا أَيْ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أُصَدِّقَهُمَا وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي التصديق نعم وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ

[589] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(5/86)

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ وَمَعْنَاهُ مِنَ الْإِثْمِ وَالْغُرْمِ وَهُوَ الدَّيْنُ

[588] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِاسْتِحْبَابِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالْإِشَارَةُ إلى أنه لا يستحب في الأول وهكذا الْحُكْمُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلَى
(5/87)

التَّخْفِيفِ

[590] قَوْلُهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يعلمهم السورة
(5/88)

مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنَّ طَاوُسًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ ابْنَهُ حِينَ لَمْ يَدْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِيهَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ هَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ هَذَا الدُّعَاءِ وَالتَّعَوُّذِ وَالْحَثِّ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ طَاوُسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ فَأَوْجَبَ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ لِفَوَاتِهِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَعَلَّ طَاوُسًا أَرَادَ تَأْدِيبَ ابْنَهُ وَتَأْكِيدَ هَذَا الدُّعَاءِ عِنْدَهُ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَدُعَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِعَاذَتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ عُوفِيَ مِنْهَا وَعُصِمَ إِنَّمَا فَعَلَهُ لِيَلْتَزِمَ خَوْفَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْظَامَهُ وَالِافْتِقَارَ إِلَيْهِ وَلِتَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ وَلِيُبَيِّنَ لَهُمْ صِفَةَ الدُّعَاءِ وَالْمُهِمَّ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَبَيَانِ صِفَتِهِ)
[591] قَوْلُهُ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا الْمُرَادُ بِالِانْصِرَافِ السَّلَامُ قَوْلُهُ
(5/89)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[593]

(وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَمَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى وَالْحَظِّ مِنْكَ غِنَاهُ وَضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَبْسُوطًا فِي بَابِ ما يقول)
(5/90)

إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَوْلُهُ عَنِ بن عَوْنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ وَرَّادٍ اخْتَلَفُوا فِي أَبِي سَعِيدٍ هَذَا فَالصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ عبد ربه بن سعيد وقال بن السكن هو بن أَخِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنَ الرَّضَاعَةِ وغلطوه في ذلك وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ
(5/91)

الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَلَّطُوهُ أَيْضًا

[595] قَوْلُهُ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَاحِدُهَا دَثَرٌ وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ عَلَى الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الطَّوَائِفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(5/92)

قَوْلُهُ فِي كَيْفِيَّةِ عَدَدِ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّحْمِيدَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً وَذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ طُرُقٍ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ يُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مُسْتَقِلَّةً وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مُسْتَقِلَّةً وَيَحْمَدُ كَذَلِكَ وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ
(5/93)

تَأْوِيلِ أَبِي صَالِحٍ وَأَمَّا قَوْلُ سُهَيْلٍ إِحْدَى عشرة إِحْدَى عَشْرَةَ فَلَا يُنَافِي رِوَايَةَ الْأَكْثَرِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَلْ مَعَهُمْ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَفِي رِوَايَةٍ تَمَامُ الْمِائَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ التَّكْبِيرَاتِ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ وَكُلُّهَا زِيَادَاتٌ مِنَ الثِّقَاتِ يَجِبُ قَبُولُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ الْإِنْسَانُ فَيَأْتِيَ بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلُهَا تَحْمِيدَاتٌ وَأَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً وَيَقُولُ مَعَهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَى آخِرِهَا لِيَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ

[596] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ قَالَ الْهَرَوِيُّ قَالَ
(5/94)

سَمُرَةُ مَعْنَاهُ تَسْبِيحَاتٌ تُفْعَلُ أَعْقَابَ الصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو الْهُشَيْمِ سُمِّيَتْ مُعَقِّبَاتٍ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ مَرَّةً بعد أخرى وقوله تعالى له معقبات أَيْ مَلَائِكَةٌ يَعْقُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هَذَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي اسْتِدْرَاكَاتِهِ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبٍ لِأَنَّ مَنْ رَفَعَهُ لَا يُقَاوِمُونَ مَنْ وَقَفَهُ فِي الْحِفْظِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْدُودٌ لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا مَرْفُوعَةٍ وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى مَرْفُوعَةٍ وَإِنَّمَا رُوِيَ مَوْقُوفًا مِنْ جِهَةِ مَنْصُورٍ وَشُعْبَةَ وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِمَا أَيْضًا فِي رَفْعهِ وَوَقْفِهِ وَبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رُوِيَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ وَآخَرُونَ حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَاقِفُونَ أَكْثَرُ مِنَ الرَّافِعِينَ حُكِمَ بِالرَّفْعِ كَيْفَ وَالْأَمْرُ هُنَا بِالْعَكْسِ وَدَلِيلُهُ مَا سَبَقَ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةُ ثِقَةٍ فَوَجَبَ قَبُولُهَا وَلَا تُرَدُّ لِنِسْيَانٍ أَوْ تَقْصِيرٍ حَصَلَ بِمَنْ وَقَفَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[597] قَوْلُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيِّ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَنْسُوبٌ إِلَى مَذْحِجٍ قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ وَالْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَاتِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي كِتَابِهِ
(5/95)

الْيَوَاقِيتُ دَبْرُ كُلِّ شَيْءٍ بِفَتْحِ الدَّالِ آخِرُ أَوْقَاتِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ وَأَمَّا الْخَارِجَةُ فَبِالضَّمِّ وَقَالَ الداودي عن بن الْأَعْرَابِيِّ دُبُرُ الشَّيْءِ وَدَبُرُهُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ آخِرُ أَوْقَاتِهِ وَالصَّحِيحُ الضَّمُّ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ غَيْرَهُ

(باب مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ)
[598] قَوْلُهُ سَكَتَ هُنَيَّةً هِيَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَهِيَ تَصْغِيرُ هَنَةٍ أَصْلُهَا هَنْوَةُ فَلَمَّا صُغِّرَتْ صَارَتْ هُنَيْوَةً فَاجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَوَجَبَ قَلْبُ الْوَاوِ يَاءً فَاجْتَمَعَتْ يَاءَانِ فَأُدْغِمَتِ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَصَارَتْ هُنَيَّةً وَمَنْ هَمَزَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ هُنَيْهَةً وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي بَابِ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إِلَى آخِرِهِ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَقَدْ جَمَعْتُهَا مُوَضَّحَةً فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ
(5/96)

دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ

[599] قَوْلُهُ وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ إِلَى آخِرِهِ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُعَلَّقَةِ الْتِي سَقَطَ أَوَّلُ إِسْنَادِهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ

[600] قَوْلُهُ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ هُوَ بِفَتْحِ حُرُوفِهِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ ضَغَطَهُ لِسُرْعَتِهِ قَوْلُهُ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ سَكَتُوا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَأَزَّمَ بِالزَّايِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الْأَزْمِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَهُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى

[601] قَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا أَيْ كَبَّرْتُ كَبِيرًا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطَّاعَاتِ قَدْ يَكْتُبُهَا غَيْرُ الْحَفَظَةِ أَيْضًا
(5/97)

(باب اسْتِحْبَابِ إِتْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ وَالنَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِهَا سَعْيًا)

[602] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعُونَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ
(5/98)

السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فهو في صلاة فِيهِ النَّدْبُ الْأَكِيدُ إِلَى إِتْيَانِ الصَّلَاةِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَالنَّهْيُ عَنْ إِتْيَانِهَا سَعْيًا سَوَاءٌ فِيهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ خَافَ فَوْتَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَمْ لَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فاسعوا إلى ذكر الله الذَّهَابُ يُقَالُ سَعَيْتُ فِي كَذَا أَوْ إِلَى كَذَا إِذَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ وَعَمِلْتُ فِيهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي إِتْيَانِهَا بِسَكِينَةٍ وَالنَّهْيُ عن السعي أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إِلَيْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَدِّبًا بِآدَابِهَا وَعَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَهَذَا مَعْنَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ إِنَّمَا ذَكَرَ الْإِقَامَةَ لِلتَّنْبِيهِ بِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ إِتْيَانِهَا سَعْيًا فِي حَالِ الْإِقَامَةِ مَعَ خوفه فوت بعضها فقيل الْإِقَامَةِ أَوْلَى وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِبَيَانِ الْعِلَّةِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَوْقَاتِ الْإِتْيَانِ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا آخَرَ قَالَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَحَصَلَ فِيهِ تَنْبِيهٌ وَتَأْكِيدٌ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ بَعْضِ الصَّلَاةِ فَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ وَإِنْ فَاتَ مِنَ الصَّلَاةِ مَا فَاتَ وَبَيَّنَ مَا يُفْعَلُ فِيمَا فَاتَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فَاتَكُمْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ بن سِيرِينَ وَقَالَ إِنَّمَا يُقَالُ لَمْ نُدْرِكْهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا هَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِهِ وَفِي رواية واقض
(5/99)

مَا سَبَقَكَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ آخِرُهَا وَعَكَسَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَطَائِفَةٌ وَعَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ الْفِعْلُ لَا الْقَضَاءُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فَقَضَاهُنَّ سبع سماوات وقوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم وقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة وَيُقَالُ قَضَيْتُ حَقَّ فُلَانٍ وَمَعْنَى الْجَمِيعِ الْفِعْلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ مَعْنَاهُ إِذَا أُقِيمَتْ سُمِّيَتِ الْإِقَامَةُ تَثْوِيبًا لِأَنَّهَا دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الدُّعَاءِ بِالْأَذَانِ مِنْ قَوْلِهِمْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَأَنَّ السَّكِينَةَ التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابُ الْعَبَثِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالْوَقَارُ فِي الْهَيْئَةِ وَغَضِّ الْبَصَرِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى طَرِيقِهِ بِغَيْرِ الْتِفَاتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[603] قَوْلُهُ فسمع
(5/100)

جَلَبَةً أَيْ أَصْوَاتًا لِحَرَكَتِهِمْ وَكَلَامِهِمْ وَاسْتِعْجَالِهِمْ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ يَعْنِي حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَانَ يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ عَنْ يَحْيَى لِأَنَّ شَيْبَانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ وَعَادَةُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَذْكُرُوا فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي رَجُلًا مِمَّنْ سَبَقَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَيَقُولُوا بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَتَّى يُعْرَفَ وَكَأَنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اقْتَصَرَ عَلَى شَيْبَانَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ فِي دَرَجَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ السَّابِقِ وَأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ مَتَى يَقُومُ الناس للصلاة)
[604] فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(5/101)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقُمْنَا فَعَدَلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامَهُ وَفِي رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ وَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ
(5/102)

الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلَفِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ بِلَالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُرَاقِبُ خُرُوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ أَوْ إِلَّا الْقَلِيلُ فَعِنْدَ أَوَّلِ خُرُوجِهِ يُقِيمُ وَلَا يَقُومُ النَّاسُ حَتَّى يَرَوْهُ ثُمَّ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ حَتَّى يَعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِ لَعَلَّهُ كَانَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِعُذْرٍ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالنَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ قَبْلَ أَنْ يَرَوْهُ لِئَلَّا يَطُولَ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ عَارِضٌ فَيَتَأَخَّرُ بِسَبَبِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ وَمَتَى يُكَبِّرُ الْإِمَامُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَطَائِفَةٍ أَنَّهُ يستحب أن لا يَقُومَ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومُوا إِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَكَانَ أَنَسٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُومُ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْكُوفِيُّونَ يَقُومُونَ فِي الصَّفِّ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَإِذَا قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرَ الْإِمَامُ وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ قَوْلُهُ قُمْنَا فَعَدَلْنَا الصُّفُوفَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ مَعْهُودَةٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَعْدِيلِ الصُّفُوفِ وَالتَّرَاصِّ فِيهَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ قَوْلُهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ فَانْصَرَفَ وَقَالَ لَنَا مَكَانَكُمْ فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ فَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَانْتَظَرْنَا تَكْبِيرَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ كَانَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ قَامَ فِي مَقَامِهِ لِلصَّلَاةِ وَتَهَيَّأَ لِلْإِحْرَامِ بِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَمَّا اغْتَسَلَ وَخَرَجَ لَمْ يُجَدِّدُوا إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قُرْبِ الزَّمَانِ فان طال فلابد مِنْ إِعَادَةِ الْإِقَامَةِ وَيَدُلُّ عَلَى قُرْبِ الزَّمَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَكُمْ وَقَوْلُهُ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَنْطِفُ وَفِيهِ جَوَازُ النِّسْيَانِ فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَرِيبًا قَوْلُهُ يَنْطِفُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَيْ يَقْطُرُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ قَوْلُهُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ هُوَ مَهْمُوزٌ

[606] قَوْلُهُ كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ
(5/103)

إِذَا دَحَضَتْ هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْحَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَالَتِ الشَّمْسُ

(بَاب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ)
[607] قوله ص من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصَّلَاةَ

[608] وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً
(5/104)

مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالرَّكْعَةِ مُدْرِكًا لِكُلِّ الصَّلَاةِ وَتَكْفِيهِ وَتَحْصُلُ بَرَاءَتُهُ مِنَ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ بَلْ هُوَ مُتَأَوَّلٌ وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ فَقَدْ أَدْرَكَ حُكْمَ الصَّلَاةِ أَوْ وُجُوبَهَا أَوْ فَضْلَهَا قَالَ أَصْحَابُنَا يَدْخُلُ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إِحْدَاهَا إِذَا أَدْرَكَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ رَكْعَةً مِنْ وَقْتِهَا لَزِمَتْهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقَانِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ تَطْهُرَانِ وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ رَكْعَةً قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ كَتَكْبِيرَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدُهُمَا لَا تَلْزَمُهُ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْهُ فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَدْرَ الصلاة بكمالها بالاتفاق فينبغي أن لا يُفَرَّقَ بَيْنَ تَكْبِيرَةٍ وَرَكْعَةٍ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِرَكْعَةٍ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ فَإِنَّ غَالِبَ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ إِدْرَاكِهِ رَكْعَةً وَنَحْوَهَا وَأَمَّا التَّكْبِيرَةُ فَلَا يَكَادُ يُحَسُّ بِهَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ التَّكْبِيرَةِ أَوِ الرَّكْعَةِ إِمْكَانَ الطَّهَارَةِ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ كَانَ مُدْرِكًا لِأَدَائِهَا وَيَكُونُ كُلُّهَا أَدَاءً وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَقَالَ بَعْضُ
(5/105)

أَصْحَابِنَا يَكُونُ كُلُّهَا قَضَاءً وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي مُسَافِرٍ نَوَى الْقَصْرَ وَصَلَّى رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ وَبَاقِيهَا بَعْدَهُ فَإِنْ قُلْنَا الْجَمِيعُ أَدَاءٌ فَلَهُ قَصْرُهَا وَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا قَضَاءٌ أَوْ بَعْضُهَا وَجَبَ إِتْمَامُهَا أَرْبَعًا إِنْ قُلْنَا إِنَّ فَائِتَةَ السَّفَرِ إِذَا قَضَاهَا فِي السَّفَرِ يَجِبُ إِتْمَامُهَا هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ فَإِنْ كَانَ دُونَ رَكْعَةٍ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ كَالرَّكْعَةِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ يَكُونُ كُلُّهَا قَضَاءً وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ التَّأْخِيرِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهَا أَدَاءٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ عَلَى قَوْلِنَا أَدَاءٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً كَانَ مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً بَلْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ السَّلَامِ بِحَيْثُ لَا يُحْسَبُ لَهُ رَكْعَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْهُ وَيُجَابُ عَنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ بِمَا سَبَقَ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ أَوِ الْعَصْرِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ سَلَامِهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بَلْ يُتِمُّهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْعَصْرِ وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَقَالَ بِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ تَبْطُلُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فِيهَا لِأَنَّهُ دَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ غروب الشمس والحديث حجة عليه
(5/106)

(باب أوقات الصلوات الخمس)

[610] قَوْلُهُ إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ إِمَامَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيُوَضِّحهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُقَالُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِ فَأَبْهَمَهُ فِي هَذِهِ الرواية وبينه في رواية جابر وبن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ قَوْلُهُ إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرَّرَهُ هَكَذَا خَمْسَ
(5/107)

مرات معناه أنه كلما فعل جزأ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ حَتَّى تَكَامَلَتْ صَلَاتُهُ قَوْلُهُ بِهَذَا أُمِرْتُ رُوِيَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَهُمَا ظاهران قوله أو إن جِبْرِيلَ هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ قَوْلُهُ أَخَّرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَصْرَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ وَأَخَّرَهَا الْمُغِيرَةُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو مسعود الانصاري واحتجابا بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَّا تَأْخِيرُهُمَا فَلِكَوْنِهِمَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا الْحَدِيثُ أَوْ أنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ جَوَازَ التَّأْخِيرِ مَا لَمْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا احْتِجَاجُ أَبِي مَسْعُودٍ وَعُرْوَةَ بِالْحَدِيثِ فَقَدْ يُقَالُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا من رواية بن عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ فَصَلَّى الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا أَخَّرَا الْعَصْرَ عَنِ الْوَقْتِ الثَّانِي وَهُوَ مَصِيرُ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[611] قَوْلُهُ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ وَفِي رِوَايَةٍ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ طالعة في
(5/108)

حجرتي لم يفيء الْفَيْءُ بَعْدُ وَفِي رِوَايَةٍ وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حجرتي معناه كله التكبير بِالْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَكَانَتِ الْحُجْرَةُ ضَيِّقَةَ الْعَرْصَةِ قَصِيرَةَ الْجِدَارِ بِحَيْثُ يَكُونُ طُولُ جِدَارِهَا أَقَلَّ مِنْ مِسَاحَةِ الْعَرْصَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْجِدَارِ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَتَكُونُ الشَّمْسُ بَعْدُ فِي أَوَاخِرِ الْعَرْصَةِ لَمْ يَقَعِ الْفَيْءُ فِي الْجِدَارِ الشَّرْقِيِّ وَكُلُّ الرِّوَايَاتِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ

[612] قَوْلُهُ ص إِذَا صَلَّيْتُمُ الصُّبْحَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ مَعْنَاهُ وَقْتٌ لِأَدَاءِ الصُّبْحِ فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَالَ خَرَجَ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَصَارَتْ قَضَاءً وَيَجُوزُ قَضَاؤُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا إِذَا أَسْفَرَ الْفَجْرُ صَارَتْ قَضَاءً بَعْدَهُ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ وَقَالَ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ قَالُوا وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَيَانِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لَا لِاسْتِيعَابِ وَقْتَ الْجَوَازِ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي امْتِدَادِ الْوَقْتِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى إِلَّا الصُّبْحَ وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ نَاسِخَةٌ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا عَجَزْنَا عَنِ التَّأْوِيلِ وَلَمْ نَعْجِزْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(5/109)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ مَعْنَاهُ وَقْتٌ لِأَدَاءِ الظُّهْرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلِلْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ بَيْنَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَوَقْتِ الْعَصْرِ بَلْ مَتَى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشي مِثْلَهُ غَيْرَ الظِّلِّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الزَّوَالِ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَقَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَلَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الظُّهْرِ بَلْ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ قَدْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ صَالِحٌ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَدَاءٌ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِي الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَظَاهِرُهُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي قَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فَرَغَ مِنَ الظُّهْرِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَشَرَعَ فِي الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا فَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَأَنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى الِاشْتِرَاكِ يَكُونُ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ مَجْهُولًا لِأَنَّهُ إِذَا ابْتَدَأَ بِهَا حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لَمْ يَعْلَمْ مَتَى فَرَغَ مِنْهَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ مَجْهُولًا وَلَا يَحْصُلُ بَيَانُ حُدُودِ الْأَوْقَاتِ وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ حَصَلَ مَعْرِفَةُ آخِرِ الْوَقْتِ وَانْتَظَمَتِ الْأَحَادِيثُ عَلَى اتِّفَاقٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ وَقْتٌ لِأَدَائِهَا بِلَا كَرَاهَةٍ فَإِذَا اصْفَرَّتْ صَارَ وَقْتُ كَرَاهَةٍ وَتَكُونُ أَيْضًا أَدَاءً حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ صَارَتِ الْعَصْرُ قَضَاءً وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَصْرِ خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ وَجَوَازٍ مَعَ كَرَاهَةٍ وَوَقْتِ عُذْرٍ فَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَأَوَّلُ وَقْتِهَا وَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ يَمْتَدُّ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَوَقْتُ الْجَوَازِ إِلَى الِاصْفِرَارِ وَوَقْتُ الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَالَةُ الِاصْفِرَارِ إِلَى الْغُرُوبِ وَوَقْتُ الْعُذْرِ وَهُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ فِي حَقِّ مَنْ يجمع
(5/110)

بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ وَيَكُونُ الْعَصْرُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ أَدَاءً فَإِذَا فَاتَتْ كُلُّهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ صَارَتْ قَضَاءً وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ وَفِي رِوَايَةٍ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ وَفِي رِوَايَةٍ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ وَفِي رِوَايَةٍ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ صَرَائِحُ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِنَا وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ نَقَلَةِ مَذْهَبِنَا وَقَالُوا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وهو عقب غروب الشمس بقدر مَا يَتَطَهَّرُ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ فَإِنْ أَخَّرَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ أَثِمَ وَصَارَتْ قَضَاءً وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَوِ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ وَقْتَ الْجَوَازِ وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ سِوَى الظُّهْرِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِامْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ مُتَأَخِّرَةٌ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ فَوَجَبَ اعْتِمَادُهَا وَالثَّالِثُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ بَيَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ الْمَغْرِبِ وَقَدْ بَسَطْتُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ دَلَائِلَهُ وَالْجَوَابُ عَنْ مَا يُوهِمُ خِلَافَ الصَّحِيحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مَعْنَاهُ وقت لأدائها اختيارا أما وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي لحديث أبي قتادة الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تفريط إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى وَسَنُوَضِّحُ شَرْحَهُ فِي مَوْضِعهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ إِذَا ذَهَبَ نِصْفُ
(5/111)

اللَّيْلِ صَارَتْ قَضَاءً وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ الْمَرَاغُ حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَوْلُهُ ص ما لم يسقط ثور الشفق هو بالثاء الْمُثَلَّثَةُ أَيْ ثَوَرَانُهُ وَانْتِشَارُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَوْرُ الشَّفَقِ بِالْفَاءِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَالْمُرَادُ بِالشَّفَقِ الْأَحْمَرِ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَطَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ الْمُرَادُ الْأَبْيَضُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ وَقَدْ بَسَطْتُ دَلَائِلَهُ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ
(5/112)

الشَّيْطَانِ قِيلَ الْمُرَادُ بِقَرْنِهِ أُمَّتُهُ وَشِيعَتُهُ وَقِيلَ قَرْنُهُ جَانِبُ رَأْسِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَوْلَى وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُدْنِي رَأْسَهُ إِلَى الشَّمْسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لِلشَّمْسِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَالسَّاجِدِينَ لَهُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ وَلِشِيعَتِهِ تَسَلُّطٌ وَتَمَكُّنٌ مِنْ أَنْ يُلَبِّسُوا عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ فَكُرِهَتِ الصَّلَاةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا كُرِهَتْ فِي مَأْوَى الشَّيْطَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَيَسْقُطُ قَرْنُهَا الْأَوَّلُ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْمُرَادُ بِقَرْنِهَا جَانِبِهَا فِيهِ أَنَّ الْعَصْرَ يَكُونُ أَدَاءً مَا لَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا هَذَا كُلُّهُ قَوْلُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ جَرَتْ عَادَةُ الْفُضَلَاءِ بِالسُّؤَالِ عَنْ إِدْخَالِ مُسْلِمٍ هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَنْ يَحْيَى مَعَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ إِلَّا أَحَادِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْضَةً مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِأَحَادِيثِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَدْخَلَهَا بَيْنَهَا وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ قَالَ سَبَبُهُ أَنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَعْجَبَهُ حُسْنُ سِيَاقِ هَذِهِ الطُّرُقِ الَّتِي
(5/113)

ذكرها لحديث عبد الله بن عمر وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهَا وَتَلْخِيصُ مَقَاصِدِهَا وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ فِي الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا شَارَكَهُ فِيهَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ رَغِبَ فِي تَحْصِيلِ الرُّتْبَةِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا مَعْرِفَةَ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ طَرِيقهُ أَنْ يُكْثِرَ اشْتِغَالَهُ وَإِتْعَابَهُ جِسْمَهُ فِي الِاعْتِنَاءِ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ هَذَا شَرْحُ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي

[613] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ وَذَكَرَ الصَّلَوَاتِ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي الْوَقْتَيْنِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتَ فَضِيلَةٍ وَوَقْتَ اخْتِيَارٍ وَفِيهِ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُمْتَدٌّ وَفِيهِ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِيضَاحِ وَالْفِعْلُ تَعُمُّ فَائِدَتُهُ السَّائِلَ وَغَيْرَهُ وَفِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ وَفِيهِ احْتِمَالُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا وَتَرْكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَصْلَحَةٍ راجحة قول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ هَذَا خِطَابٌ لِلسَّائِلِ وَغَيْرِهِ وَتَقْدِيرُهُ وَقْتُ صَلَاتِكُمْ فِي الطَّرَفَيْنِ اللَّذَيْنِ صَلَّيْتُ
(5/114)

فِيهِمَا وَفِيمَا بَيْنَهُمَا وَتَرَكَ ذِكْرَ الطَّرَفَيْنِ بِحُصُولِ عِلْمِهِمَا بِالْفِعْلِ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ مَا بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى وَالسَّلَامِ مِنَ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ عَرْعَرَةُ بفتح العينين المهملتين واسكان الراء بينهما والسامي بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى سَامَةَ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَهُوَ مِنْ نَسْلِهِ قُرَشِيٌّ سَامِيٌّ قَوْلُهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ أَيْ غَابَتْ وَقَوْلُهُ وَقَعَ الشَّفَقُ أَيْ غَابَ قَوْلُهُ فَنَوَّرَ بِالصُّبْحِ أَيْ أَسْفَرَ مِنَ النُّورِ وَهُوَ الْإِضَاءَةُ

[614] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا أَيْ لَمْ يَرُدَّ جَوَابًا بِبَيَانِ الْأَوْقَاتِ بِاللَّفْظِ بَلْ قَالَ لَهُ صَلِّ مَعَنَا لِتَعْرِفَ ذَلِكَ وَيَحْصُلَ لَكَ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ
(5/115)

لِنَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَلِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ عَمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لِبَيَانِ آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّاجِحِ مِنْهُمَا وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ يَمْتَدُّ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَالثَّانِي إِلَى نِصْفِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَلَا عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَلِ الْمُرَادُ بِثُلُثِ اللَّيْلِ أَنَّهُ أَوَّلُ ابْتِدَائِهَا وَبِنِصْفِهِ آخِرُ انْتِهَائِهَا وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِهَذَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يُوَافِقُ ظَاهِرَ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ آخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَأَمَّا
(5/116)

حَدِيثُ بُرَيْدَةَ وَأَبِي مُوسَى فَفِيهِمَا أَنَّهُ شَرَعَ بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَحِينَئِذٍ يَمْتَدُّ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ النِّصْفِ فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَفِعْلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ)
وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ

[615] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا حَدِيثَ خَبَّابٍ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يَشْكُنَا قَالَ زُهَيْرٌ قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ أَفِي الظُّهْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفِي تَعْجِيلِهَا قَالَ نَعَمْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِبْرَادُ رُخْصَةٌ وَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ وَاعْتَمَدُوا حَدِيثَ خَبَّابٍ وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْإِبْرَادِ عَلَى التَّرْخِيصِ وَالتَّخْفِيفِ فِي التَّأْخِيرِ وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ جَمَاعَةٌ حَدِيثُ خَبَّابٍ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَادِ وَقَالَ آخَرُونَ الْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ لِأَحَادِيثِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الابراد لأن الْإِبْرَادِ يُؤَخِّرُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِلْحِيطَانِ فَيْءٌ يَمْشُونَ فِيهِ وَيَتَنَاقَصُ الْحَرُّ وَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى فِعْلِهِ
(5/117)

وَالْأَمْرِ بِهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَمِنْ جِهَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَوْلُهُ ص فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ هُوَ بِفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ سُطُوعِ حَرِّهَا وَانْتِشَارِهِ وَغَلَيَانِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ هما بمعنى وعن تُطْلَقُ بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا يُقَالُ رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ أَيْ بِهَا قَوْلُهُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ
(5/118)

[616] قَوْلُهُ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ هِيَ جَمْعُ تَلٍّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَالْفَيْءُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَأَمَّا الظِّلُّ فَيُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ ومعنى قوله رأينا فيء التلول أنه أخر تَأْخِيرًا كَثِيرًا حَتَّى صَارَ لِلتُّلُولِ فَيْءٌ وَالتُّلُولُ مُنْبَطِحَةٌ غَيْرُ مُنْتَصِبَةٍ وَلَا يَصِيرُ لَهَا فَيْءٌ فِي الْعَادَةِ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ بِكَثِيرٍ قوله ص أَبْرِدُوا عَنِ الْحَرِّ فِي الصَّلَاةِ أَيْ أَخِّرُوهَا
(5/119)

إِلَى الْبَرْدِ وَاطْلُبُوا الْبَرْدَ لَهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ أَوْ زَمْهَرِيرَ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ قَالَ الْعُلَمَاءُ الزَّمْهَرِيرُ شِدَّةُ الْبَرْدِ وَالْحَرُورُ شِدَّةُ الْحَرِّ قَالُوا وَقَوْلُهُ أَوْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّقْسِيمِ

[617] قوله ص اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ قَالَ الْقَاضِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاشْتَكَتْ حَقِيقَةً وَشِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ وَهَجِهَا وَفَيْحِهَا وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا إِدْرَاكًا وَتَمْيِيزًا بِحَيْثُ تَكَلَّمَتْ بِهَذَا وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ قَالَ وَقِيلَ لَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَالتَّقْرِيبِ وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ يُشْبِهُ نَارَ جَهَنَّمَ فَاحْذَرُوهُ وَاجْتَنِبُوا حَرُورَهُ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قُلْتُ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِبْرَادَ إِنَّمَا يُشْرَعُ فِي الظُّهْرِ وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَصْرِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَشْهَبَ الْمَالِكِيَّ وَلَا يُشْرَعُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُشْرَعُ فيها والله أعلم

(باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر)

[618] قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ هُوَ بفتح الدال
(5/120)

وَالْحَاءِ أَيْ إِذَا زَالَتْ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ قَوْلُهُ حَرُّ الرَّمْضَاءِ أَيِ الرَّمَلُ الَّذِي اشْتَدَّتْ حَرَارَتُهُ قَوْلُهُ فَلَمْ يُشْكِنَا أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ فِي الْبَابِ السَّابِقِ

[620] قَوْلُهُ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ أَجَازَ السُّجُودَ عَلَى طَرَفِ ثَوْبِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ الشَّافِعِيُّ وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ وَشَبَهَهُ عَلَى السُّجُودِ عَلَى ثَوْبٍ مُنْفَصِلٍ

(باب اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالْعَصْرِ)
[621] قَوْلُهُ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ وَالشَّمْسُ
(5/121)

مُرْتَفِعَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ أَمَّا الْعَوَالِي فَهِيَ الْقُرَى الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ أَبْعَدُهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَقْرَبُهَا مِيلَانِ وَبَعْضُهَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَبِهِ فَسَّرَهَا مَالِكٌ وَأَمَّا قُبَاءُ فَتُمَدُّ وَتُقْصَرُ وَتُصْرَفُ وَلَا تُصْرَفُ وَتُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَالْأَفْصَحُ فِيهِ الصَّرْفُ وَالتَّذْكِيرُ وَالْمَدُّ وَهُوَ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ حَيَاتُهَا صَفَاءُ لَوْنِهَا قَبْلَ أَنْ تَصْفَرَّ أَوْ تَتَغَيَّرَ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ وَقَالَ هُوَ أَيْضًا وَغَيْرُهُ حَيَاتُهَا وُجُودُ حَرِّهَا وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَا بَعْدَهَا الْمُبَادَرَةُ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ أَوَّلَ وَقْتِهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِيلَيْنِ وَثَلَاثَةً وَالشَّمْسُ بَعْدُ لَمْ تَتَغَيَّرْ بِصُفْرَةٍ وَنَحْوِهَا إِلَّا إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ وَلَا يَكَادُ يَحْصُلُ هَذَا إِلَّا فِي الْأَيَّامِ الطَّوِيلَةِ وَقَوْلُهُ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَنَازِلُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْجِيلِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ صَلَاةُ بَنِي عَمْرٍو فِي وَسَطِ الْوَقْتِ وَلَوْلَا هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ وَلَعَلَّ تَأْخِيرَ بَنِي عَمْرٍو لِكَوْنِهِمْ كَانُوا أَهْلَ أَعْمَالٍ فِي حُرُوثِهِمْ وزروعهم وحوايطهم فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ اجْتَمَعُوا لَهَا فَتَتَأَخَّرُ صَلَاتُهُمْ إِلَى وَسَطِ الْوَقْتِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَا بَعْدَهَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ
(5/122)

وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ يَدْخُلُ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَصِيرُ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةٌ لِلْجَمَاعَةِ عليه مع حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَيَانِ الْمَوَاقِيتِ وَحَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ

[622] قَوْلُهُ عَنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي دَارِهِ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ قَالَ فَصَلُّوا الْعَصْرَ فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا الْعَصْرَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا

[623] وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أَنَسٍ فَوَجَدْنَاهُ
(5/123)

يُصَلِّي الْعَصْرَ فَقُلْتُ يَا عَمُّ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ قَالَ الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَرِيحَانِ فِي التَّبْكِيرِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَأَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ وَلِهَذَا كَانَ الْآخَرُونَ يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى عَادَةِ الْأُمَرَاءِ قَبْلَهُ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَهُ السُّنَّةُ فِي تَقْدِيمِهَا فَلَمَّا بَلَغَتْهُ صَارَ إِلَى التَّقْدِيمِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا لِشُغْلٍ وَعُذْرٍ عَرَضَ لَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ وَهَذَا كَانَ حِينَ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَدِينَةَ نِيَابَةً لَا فِي خِلَافَتِهِ لِأَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِنَحْوِ تِسْعِ سِنِينَ

[622] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِذَمِّ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِلَا عُذْرٍ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِ لَفْظِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُحَاذِيهَا بِقَرْنَيْهِ عِنْدَ غُرُوبِهَا وَكَذَا عِنْدَ طُلُوعِهَا لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَسْجُدُونَ لَهَا حِينَئِذٍ فَيُقَارِنُهَا لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لَهَا فِي صُورَةِ السَّاجِدِينَ لَهُ وَيُخَيِّلُ لِنَفْسِهِ وَلِأَعْوَانِهِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَسْجُدُونَ لَهُ وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْمَجَازِ وَالْمُرَادُ بِقَرْنِهِ وَقَرْنَيْهِ عُلُوُّهُ وَارْتِفَاعُهُ وَسُلْطَانُهُ وَتَسَلُّطُهُ وَغَلَبَتُهُ وَأَعْوَانُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ تَمْثِيلٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ تَأْخِيرَهَا بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ وَمُدَافَعَتِهِ لَهُمْ عَنْ تَعْجِيلِهَا كَمُدَافَعَةِ ذَوَاتِ الْقُرُونِ لِمَا تَدْفَعُهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا تَصْرِيحٌ بِذَمِّ مَنْ صَلَّى مُسْرِعًا بِحَيْثُ لَا يُكْمِلُ الْخُشُوعَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالْأَذْكَارَ وَالْمُرَادُ بِالنَّقْرِ سُرْعَةُ الْحَرَكَاتِ كَنَقْرِ الطَّائِرِ

[624] قَوْلُهُ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ
(5/124)

فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا قَالَ نَعَمْ فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ فَنُحِرَتْ ثُمَّ قُطِعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أَكَلْنَا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ هَذَا تَصْرِيحٌ بِالْمُبَالَغَةِ فِي التَّبْكِيرِ بِالْعَصْرِ وَفِيهِ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَأَنَّ الدَّعْوَةَ لِلطَّعَامِ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ سَوَاءٌ أَوَّلُ النَّهَارِ وَآخِرُهُ وَالْجَزُورُ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ وَبَنُو سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

(باب التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ)
[626] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ رُوِيَ بِنَصْبِ اللَّامَيْنِ
(5/125)

وَرَفْعِهِمَا وَالنَّصْبُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَمَعْنَاهُ انْتُزِعَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ نُقِصَ هُوَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَسُلِبَهُ فَبَقِيَ بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ فَلْيَحْذَرْ مِنْ تَفْوِيتِهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ أَنَّهُ كَالَّذِي يُصَابُ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ إِصَابَةً يَطْلُبُ بِهَا وَتْرًا وَالْوَتْرُ الْجِنَايَةُ الَّتِي يَطْلُبُ ثَأْرَهَا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ غَمُّ الْمُصِيبَةِ وَغَمُّ مُقَاسَاةِ طَلَبِ الثَّأْرِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَعْنَاهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِرْجَاعِ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ فَقَدَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّدَمُ وَالْأَسَفُ لِتَفْوِيتِهِ الصَّلَاةَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَاتَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا يَلْحَقهُ مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ كَمَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِفَوَاتِ الْعَصْرِ فِي هَذَا الحديث فقال بن وَهْبٍ وَغَيْرُهُ هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَقَالَ سَحْنُونُ وَالْأَصِيلِيُّ هُوَ أَنْ تَفُوتَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَقِيلَ هُوَ تَفْوِيتُهَا إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَقَدْ وَرَدَ مُفَسَّرًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ وَفَوَاتُهَا أَنْ يَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ وَرُوِيَ عَنْ سَالِمٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ نَاسِيًا وَعَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ هُوَ فِي الْعَامِدِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبَطَ عَمَلُهُ وَهَذَا إنما يكون في العامد قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْعَصْرِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ وَيَكُونُ نَبَّهَ بِالْعَصْرِ عَلَى غَيْرِهَا وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا تَأْتِي وَقْتَ تَعَبِ النَّاسِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْمَالِهِمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى قَضَاءِ أَشْغَالِهِمْ وَتَسْوِيفِهِمْ بِهَا إِلَى انْقِضَاءِ وَظَائِفِهِمْ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ فِي الْعَصْرِ وَلَمْ تَتَحَقَّقِ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَلَا يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا بِالشَّكِّ وَالتَّوَهُّمِ وَإِنَّمَا يُلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إِذَا عَرَفْنَا الْعِلَّةَ وَاشْتَرَكَا فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ قَالَ عَمْرٌو يَبْلُغُ بِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَفَعَهُ هُمَا بِمَعْنًى لَكِنَّ عَادَةَ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اللَّفْظِ وَإِنْ اتَّفَقَ مَعْنَاهُ وَهِيَ عَادَةٌ جَمِيلَةٌ وَاللَّهُ أعلم
(5/126)

(باب الدَّلِيلِ لِمَنْ قَالَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةِ الْعَصْرِ)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ

[628] وَفِي رِوَايَةٍ شَغَلُونَا
(5/127)

عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَفِي رِوَايَةِ بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ هِيَ الْعَصْرُ مِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب وبن مسعود وأبو أيوب وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وبن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ قَالَ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الْعَصْرِ وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هِيَ الصُّبْحُ مِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الخطاب ومعاذ بن جبل وبن عباس وبن عُمَرَ وَجَابِرٌ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ طَائِفَةٌ هِيَ الظُّهْرُ نَقَلُوهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ
(5/128)

الْخُدْرِيِّ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَرِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ هِيَ الْمَغْرِبُ وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الْعِشَاءُ وَقِيلَ إِحْدَى الْخَمْسِ مُبْهَمَةٌ وَقِيلَ الْوُسْطَى جَمِيعُ الْخَمْسِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقِيلَ هِيَ الْجُمُعَةُ وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلَانِ الْعَصْرُ وَالصُّبْحُ وَأَصَحُّهُمَا الْعَصْرُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَمَنْ قَالَ هِيَ الصُّبْحُ يَتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ الْعَصْرَ تُسَمَّى وَسَطًا وَيَقُولُ إِنَّهَا غَيْرُ الْوُسْطَى الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا الصُّبْحُ يَحْتَجُّ بِأَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتِ مَشَقَّةٍ بِسَبَبِ بَرْدِ الشِّتَاءِ وَطِيبِ النَّوْمِ فِي الصَّيْفِ وَالنُّعَاسِ وَفُتُورِ الْأَعْضَاءِ وَغَفْلَةِ النَّاسِ فَخُصَّتْ بِالْمُحَافَظَةِ لِكَوْنِهَا مُعَرَّضَةً لِلضَّيَاعِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَمَنْ قَالَ هِيَ الْعَصْرُ يَقُولُ إِنَّهَا تَأْتِي في وَقْتَ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَايِشِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَمَّا مَنْ قَالَ هِيَ الْجُمُعَةُ فَمَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْإِيصَاءِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلضَّيَاعِ وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِالْجُمُعَةِ فَإِنَّ النَّاسَ يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي الْعَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَمَنْ قَالَ هِيَ جَمِيعُ الْخَمْسِ فَضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ لِأَنَّ الْعَرَبُ لَا تَذْكُرُ الشَّيْءَ مُفَصَّلًا ثُمَّ تُجْمِلُهُ وَإِنَّمَا تَذْكُرُهُ مُجْمَلًا ثُمَّ تُفَصِّلُهُ أَوْ تُفَصِّلُ بَعْضَهُ تَنْبِيهًا عَلَى فضيلته والله أعلم قَوْلُهُ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ يَوْمُ الْأَحْزَابِ هِيَ الْغَزْوَةُ الْمَشْهُورَةُ يُقَالُ لَهَا الْأَحْزَابُ وَالْخَنْدَقُ وَكَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَأُصُولِ السَّمَاعِ صَلَاةُ الْوُسْطَى وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَفِيهِ الْمَذْهَبَانِ الْمَعْرُوفَانِ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ جَوَازُ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ مَنَعَهُ وَيُقَدِّرُونَ فِيهِ مَحْذُوفًا وَتَقْدِيرُهُ هُنَا عَنْ صَلَاةِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَيْ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ قَالَ الْحَرْبِيُّ مَعْنَاهُ رَجَعَتِ إِلَى مَكَانِهَا بِاللَّيْلِ أَيْ غَرَبَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ آبَ إِذَا رَجَعَ وَقَالَ غَيْرُهُ مَعْنَاهُ سَارَتْ لِلْغُرُوبِ وَالتَّأْوِيبُ سَيْرُ النَّهَارِ قَوْلُهُ يَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ هُوَ بِالْجِيمِ والزاي
(5/129)

وَآخِرُهُ رَاءٌ وَفِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ يَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ وَفِي الثَّانِي عَنْ يَحْيَى سَمِعَ عَلِيًّا أَعَادَهُ مُسْلِمٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي عَنْ وسمع قَوْلُهُ فُرْضَةٌ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ الْفُرْضَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْمَدْخَلُ مِنْ مَدَاخِلِهِ وَالْمَنْفَذُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ بِضَمِّ الصَّادِ وَهُوَ أَبُو الضُّحَى قَوْلُهُ عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ شُتَيْرٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَشَكَلٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْكَافِ وَيُقَالُ بِإِسْكَانِ الْكَافِ أَيْضًا قَوْلُهُ ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِيهِ بَيَانُ صِحَّةِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْعِشَاءَيْنِ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ لَا يُسَمَّى عِشَاءً وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ هُنَا لِلتَّغْلِيبِ كَالْأَبَوَيْنِ وَالْقَمَرَيْنِ والعمرين ونظائرها وَأَمَّا تَأْخِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَكَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ الْعُلَمَاءُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا نِسْيَانًا لَا عَمْدًا وَكَانَ السَّبَبُ فِي النِّسْيَانِ الِاشْتِغَالُ بِأَمْرِ الْعَدُوِّ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا عَمْدًا لِلِاشْتِغَالِ بِالْعَدُوِّ وَكَانَ هَذَا عُذْرًا فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا بِسَبَبِ الْعَدُوِّ وَالْقِتَالِ بَلْ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى حَسَبِ الْحَالِ وَلَهَا أَنْوَاعٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَسَنُشِيرُ إِلَى مَقَاصِدِهَا فِي بَابِهَا مِنْ هَذَا الشَّرْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْ غَيْرُهَا وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ أَخَّرَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ حَتَّى ذَهَبَ هَوِيٌ مِنَ اللَّيْلِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ وَقْعَةَ الْخَنْدَقِ بَقِيَتْ أَيَّامًا فَكَانَ هَذَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَهَذَا فِي بَعْضِهَا

[629] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَأَمْلَتْ عَلَيَّ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ بِالْوَاوِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْوُسْطَى لَيْسَتِ الْعَصْرَ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ لَكِنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ
(5/130)

الشَّاذَّةَ لَا يُحْتَجُّ بِهَا وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ نَاقِلَهَا لَمْ يَنْقُلْهَا إِلَّا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا لَا يثبت خبرا والمسئلة مُقَرَّرَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

[631] قَوْلُهُ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أَصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا مَعْنَاهُ مَا صَلَّيْتُهَا وَإِنَّمَا حَلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْمَغْرِبِ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا بَعْدُ لِيَكُونَ لِعُمَرَ بِهِ أُسْوَةٌ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَا جَرَى وَتَطِيبُ نَفْسُهُ وَأَكَّدَ ذَلِكَ الْخَبَرَ بِالْيَمِينِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ
(5/131)

إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ تَوْكِيدِ الْأَمْرِ أَوْ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةٍ أَوْ نَفْيِ تَوَهُّمِ نِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ السَّائِغَةِ وَقَدْ كثرت في الْأَحَادِيثُ وَهَكَذَا الْقَسَمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ تعالى والذاريات والطور والمرسلات والسماء والطارق والشمس وضحاها والليل اذا يغشى وَالضُّحَى وَالتِّينِ وَالْعَادِيَاتِ وَالْعَصْرِ وَنَظَائِرِهَا كُلُّ ذَلِكَ لِتَفْخِيمِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَتَوْكِيدِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هَكَذَا هُوَ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَاتِهِمْ وَفِي ضَبْطِهِمْ وَتَقْيِيدِهِمْ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَلَمْ يُجِيزُوا غَيْرَ هَذَا وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَارِعِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَهُوَ وَادٍ بِالْمَدِينَةِ قَوْلُهُ فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَضَّأْنَا فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا فِي جَمَاعَةٍ فَيَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ الْفَائِتَةِ جَمَاعَةً وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ وَهَذَا إِنْ صَحَّ عَنِ اللَّيْثِ مَرْدُودٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى الصُّبْحَ بِأَصْحَابِهِ جَمَاعَةً حِينَ نَامُوا عَنْهَا كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَذَكَرَهَا فِي وَقْتِ أُخْرَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ ثُمَّ يُصَلِّي الْحَاضِرَةَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَلَوْ صَلَّى الْحَاضِرَةَ ثُمَّ الْفَائِتَةَ جَازَ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَآخَرِينَ عَلَى الْإِيجَابِ فَلَوْ قَدَّمَ الْحَاضِرَةَ لَمْ يَصِحَّ وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُتَّسِعٌ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الْعَصْرَ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَ ضَيِّقًا لَبَدَأَ بِالْمَغْرِبِ لِئَلَّا يَفُوتَ وَقْتُهَا أَيْضًا وَلَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لهذا
(5/132)

الْقَائِلِ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِزَمَنٍ بِحَيْثُ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ ضَيِّقٌ فَلَا يَكُونُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِهَذَا وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ بِدَلَائِلِهِ وَالْجَوَابُ عَنْ مُعَارِضِهَا

(باب فَضْلِ صَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا)
[632] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يَجُوزُ إِظْهَارُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ وَالتَّثْنِيَةِ فِي الْفِعْلِ إِذَا تَقَدَّمَ وَهُوَ لُغَةُ بَنِي الْحَارِثِ وَحَكَوْا فِيهِ قَوْلَهُمْ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْأَخْفَشُ وَمَنْ وَافَقَهُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسَرُّوا النجوى الذين ظلموا وَقَالَ سِيبَوَيْهِ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ لَا يَجُوزُ إِظْهَارُ الضَّمِيرِ مَعَ تَقَدُّمِ الْفِعْلِ وَيَتَأَوَّلُونَ كُلَّ هَذَا وَيَجْعَلُونَ الِاسْمَ بَعْدَهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ وَلَا يَرْفَعُونَهُ بِالْفِعْلِ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى قيل من هم قيل الذين ظلموا وَكَذَا يَتَعَاقَبُونَ وَنَظَائِرُهُ وَمَعْنَى يَتَعَاقَبُونَ تَأْتِي طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ وَمِنْهُ تَعَقُّبُ الْجُيُوشِ وَهُوَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى ثَغْرِ قَوْمٍ وَيَجِيءَ آخَرُونَ وَأَمَّا اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ فَهُوَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَكْرِمَةٌ لَهُمْ أَنْ جَعَلَ اجْتِمَاعَ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهُمْ وَمُفَارَقَتُهُمْ لَهُمْ فِي أَوْقَاتِ عِبَادَاتِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ فَيَكُونُ شَهَادَتُهُمْ لَهُمْ بِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْخَيْرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَهَذَا السُّؤَالُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ تَعَبُّدٌ مِنْهُ لِمَلَائِكَتِهِ كَمَا أَمَرَهُمْ بِكَتْبِ الْأَعْمَالِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْجَمِيعِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَظْهَرُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ هُمُ الْحَفَظَةُ الْكُتَّابُ قال
(5/133)

وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ بِجُمْلَةِ النَّاسِ غَيْرِ الْحَفَظَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَضَبْطُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَمَعْنَاهُ لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ فِي الرُّؤْيَةِ

[633] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ أَيْ تَرَوْنَهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا مَشَقَّةَ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً بِلَا مَشَقَّةٍ فَهُوَ تَشْبِيهٌ لِلرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ لَا الْمَرْئِيِّ بِالْمَرْئِيِّ وَالرُّؤْيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلَا يرونه سبحانه وتعالى وقيل يراه منافقوا هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَرَوْنَهُ كَمَا لَا يَرَاهُ بَاقِي الْكُفَّارِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الايمان قوله
(5/134)

[635] حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ هُوَ بِالْجِيمِ

(باب بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ)
[636] قوله كان نصلي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى وَأَحَدُهُمَا تَفْسِيرٌ
(5/135)

لِلْآخَرِ

[637] قَوْلُهُ كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبَكِّرُ بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بِمُجَرَّدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ حَتَّى نَنْصَرِفَ وَيَرْمِي أَحَدُنَا النَّبْلَ عَنْ قَوْسِهِ ويبصر موقعه لِبَقَاءِ الضَّوْءِ وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَغْرِبَ تُعَجَّلُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشِّيعَةِ فِيهِ شَيْءٌ لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَلَا أَصْلَ لَهُ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ إِلَى قَرِيبِ سُقُوطِ الشَّفَقِ فَكَانَتْ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ فَإِنَّهَا كَانَتْ جَوَابَ سَائِلٍ عَنِ الْوَقْتِ وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ إِخْبَارٌ عَنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَكَرِّرَةِ الَّتِي وَاظَبَ عَلَيْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ فَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب وَقْتِ الْعِشَاءِ وَتَأْخِيرِهَا)
ذَكَرَ فِي الْبَابِ تَأْخِيرَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلِ الْأَفْضَلُ تَقْدِيمُهَا أَمْ تَأْخِيرُهَا وَهُمَا مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِلسَّلَفِ وَقَوْلَانِ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَمَنْ فَضَّلَ التَّأْخِيرَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَنْ فَضَّلَ التَّقْدِيمَ احْتَجَّ بِأَنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْدِيمُهَا وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا فِي أَوْقَاتٍ يَسِيرَةٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِشُغْلٍ أَوْ لِعُذْرٍ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[638] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا عَمْرُو
(5/136)

بْنُ سَوَّادٍ هُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَقَوْلُهُ أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ أَيْ أَخَّرَهَا حَتَّى اشْتَدَّتْ عَتَمَةُ اللَّيْلِ وَهِيَ ظُلْمَتُهُ قَوْلُهُ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ أَيْ مَنْ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ مِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا تَأَخَّرَ عَنِ الصَّلَاةِ نَاسِيًا لَهَا أَوْ لِوَقْتِهَا قَوْلُهُ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فوق مفتوحة ثم نون ساكنة ثم زاء مَضْمُومَةٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ تُلِحُّوا عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَنَّهُ ضَبَطَهُ تُبْرِزُوا بِضَمِّ التَّاءِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ زَايٌ مِنَ الْإِبْرَازِ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي عَلَيْهَا الْجُمْهُورُ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّأْخِيرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا بَعْدَهُ كُلُّهُ تَأْخِيرٌ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ
(5/137)

وَهُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثُ اللَّيْلِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ الَّذِي قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي أَوَّلِ الْمَوَاقِيتِ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ أَيْ كَثِيرٌ مِنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَكْثَرُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَوَقْتِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ تَأْخِيرَهَا إِلَى مَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَعْنَاهُ إِنَّهُ لَوَقْتُهَا الْمُخْتَارُ أَوِ الْأَفْضَلُ فَفِيهِ تَفْضِيلُ تَأْخِيرِهَا وَأَنَّ الْغَالِبَ كَانَ تَقْدِيمُهَا وَإِنَّمَا قَدَّمَهَا لِلْمَشَقَّةِ فِي تَأْخِيرِهَا وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ التَّقْدِيمِ قَالَ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ أَفْضَلَ لَوَاظَبَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَمَنْ قَالَ بِالتَّأْخِيرِ قَالَ قَدْ نَبَّهَ عَلَى تَفْضِيلِ التَّأْخِيرِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ تَرْكَ التَّأْخِيرِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَشَقَّةِ وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُوَاظِبُوا عَلَيْهِ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ وَيَتَوَهَّمُوا إِيجَابَهُ فَلِهَذَا تَرَكَهُ كَمَا تَرَكَ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ وَعَلَّلَ تَرْكَهَا بِخَشْيَةِ افْتِرَاضِهَا وَالْعَجْزِ عَنْهَا وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الَّتِي خِيفَ مِنْهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْعِشَاءِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِتَطُولَ مُدَّةُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَمُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ

[639] قَوْلُهُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَصْفِهَا بِالْآخِرَةِ وَأَنَّهُ لا كراهة
(5/138)

فِيهِ خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ مِنْ كَرَاهَةِ هَذَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَالْعَالِمِ إِذَا تَأَخَّرَ عَنِ أَصْحَابِهِ أَوْ جَرَى مِنْهُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ لَكُمْ فِي هَذَا مَصْلَحَةٌ مِنْ جِهَةِ كَذَا أَوْ كَانَ لِي عُذْرٌ أَوْ نَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا وفي رواية عائشة نام أهل المسجد محل هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى نَوْمٍ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُوَ نَوْمُ الْجَالِسِ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَوْمَ مِثْلِ هَذَا لَا يَنْقُضُ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ

[640] قَوْلُهُ وَبِيصُ خَاتَمِهِ أَيْ بَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ وَالْخَاتَمُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ خَاتَامُ وَخَيْتَامُ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَفِيهِ جَوَازُ لُبْسِ خَاتَمِ الفضة وهو
(5/139)

إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ قَالَ أَنَسٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالْخِنْصَرِ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِالْخِنْصَرِ وَفِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُشِيرًا بِالْخِنْصَرِ أَيْ أَنَّ الْخَاتَمَ كَانَ فِي خِنْصَرِ الْيَدِ الْيُسْرَى وَهَذَا الَّذِي رَفَعَ إِصْبَعَهُ هُوَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي الْإِصْبَعِ عَشْرُ لُغَاتٍ كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَفَتْحُهَا وَضَمُّهَا مَعَ كَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا وَالْعَاشِرَةُ أُصْبُوعٌ وَأَفْصَحُهُنَّ كَسْرُ الْهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ قَوْلُهُ نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ قَرِيبٌ وَفِي بَعْضِهَا قَرِيبًا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَتَقْدِيرُ الْمَنْصُوبِ حَتَّى كَانَ الزَّمَانُ قَرِيبًا وَقَوْلُهُ نَظَرْنَا أَيِ انْتَظَرْنَا يُقَالُ نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى

[641] قَوْلُهُ بَقِيعُ بُطْحَانَ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي ضَبْطِ بُطْحَانَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْوُسْطَى وَبَقِيعٌ بِالْبَاءِ قَوْلُهُ ابهار الليل
(5/140)

هُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيِ انْتَصَفَ قَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ عَلَى رِسْلِكُمْ أُعْلِمُكُمْ وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَى آخِرِهِ فَقَوْلُهُ رِسْلِكُمْ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ أَيْ تَأَنُّوا وَقَوْلُهُ إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ أُعْلِمُكُمْ وَقَوْلُهُ إِنَّهُ لَيْسَ بِفَتْحِهَا أَيْضًا وَفِيهِ جَوَازُ الْحَدِيثِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِذَا كَانَ فِي خَيْرٍ وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْكَلَامِ فِي غير الخير

[642] قَوْلُهُ إِمَامًا وَخِلْوًا بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ مُنْفَرِدًا قَوْلُهُ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً مَعْنَاهُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ حينئذ قَوْلُهُ ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ صَبَّهَا هَكَذَا هُوَ فِي أُصُولِ رِوَايَاتِنَا قَالَ الْقَاضِي وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ قَلَبَهَا وَفِي الْبُخَارِيِّ ضَمَّهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَقَوْلُهُ
(5/141)

وَلَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطِشُ هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَفِي بعضها ولا يعصر العين وَكُلُّهُ صَحِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ
(5/142)

إِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْرَابَ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ لِكَوْنِهِمْ يُعْتِمُونَ بِحِلَابِ الْإِبِلِ أَيْ يُؤَخِّرُونَهُ إِلَى شِدَّةِ الظَّلَامِ وَإِنَّمَا اسْمُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ بَعْدِ صلاة العشاء فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُسَمُّوهَا الْعِشَاءَ وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ كَحَدِيثِ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعَتَمَةِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْعَتَمَةِ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنَّهُ خُوطِبَ بِالْعَتَمَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِشَاءَ فَخُوطِبَ بِمَا يَعْرِفُهُ وَاسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْعَتَمَةِ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا كَانُوا يُطْلِقُونَ الْعِشَاءَ عَلَى الْمَغْرِبِ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ قَالَ وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ الْعِشَاءُ فَلَوْ قَالَ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ لَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْمُرَادَ الْمَغْرِبُ والله أعلم

(باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها)
وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها

[645] قَوْلُهُ إِنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ صُورَتُهُ صُورَةُ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ وَتَقْدِيرِهِ فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ نِسَاءُ الْأَنْفُسِ الْمُؤْمِنَاتِ وَقِيلَ نِسَاءُ الْجَمَاعَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ وَقِيلَ إِنَّ نِسَاءَ هُنَا بِمَعْنَى الْفَاضِلَاتِ أَيْ فَاضِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ رِجَالُ القوم أي فضلاؤهم ومقدموهم قوله قَوْلُهُ مُتَلَفِّعَاتٌ هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ الْفَاءِ أَيْ مُتَجَلِّلَاتٌ وَمُتَلَفِّفَاتٌ قَوْلُهُ بِمُرُوطِهِنَّ أَيْ بِأَكْسِيَتِهِنَّ واحدها
(5/143)

مِرْطٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِسْفَارُ أَفْضَلُ وَفِيهَا جَوَازُ حُضُورِ النِّسَاءِ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ إِذَا لَمْ يُخْشَ فِتْنَةٌ عَلَيْهِنَّ أَوْ بِهِنَّ قَوْلُهُ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ هُوَ بَقَايَا ظَلَامِ اللَّيْلِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ مَا يُعْرَفْنَ أنساءهن أَمْ رِجَالٌ وَقِيلَ مَا يُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ
(5/144)

فِي النَّهَارِ أَيْضًا لَا يُعْرَفُ عَيْنُهَا فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ قَوْلُهُ وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ فَيَعْرِفُهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ أَيْ يُسَلِّمُ فِي أَوَّلِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ بَعْضُنَا وَجْهَ مَنْ يَعْرِفُهُ مَعَ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ قِرَاءَةً مُرَتَّلَةً وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي شِدَّةِ التَّبْكِيرِ وَلَيْسَ فِي هَذَا مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ فِي النِّسَاءِ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ جَلِيسِهِ وَذَاكَ إِخْبَارٌ عَنْ رؤية النساء من بعد

[646] قوله كان يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ هِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ نِصْفُ النَّهَارِ عَقِبَ الزَّوَالِ قِيلَ سُمِّيَتْ هَاجِرَةً مِنَ الْهَجْرِ وَهُوَ التَّرْكُ لِأَنَّ النَّاسَ يَتْرُكُونَ التَّصَرُّفَ حِينَئِذٍ بِشِدَّةِ الْحَرِّ وَيَقِيلُونَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قَوْلُهُ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ أَيْ صَافِيةٌ خَالِصَةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا بَعْدُ صُفْرَةٌ قَوْلُهُ وَالْمَغْرِبُ إِذَا وَجَبَتْ أَيْ غَابَتِ الشَّمْسُ وَالْوُجُوبُ السُّقُوطُ كَمَا سَبَقَ وَحَذَفَ ذِكْرَ الشَّمْسِ لِلْعِلْمِ بِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَتَّى تَوَارَتْ
(5/145)

بالحجاب قَوْلُهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَبَبُ كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا أَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِفَوَاتِ وَقْتِهَا بِاسْتِغْرَاقِ النَّوْمِ أَوْ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارُ وَالْأَفْضَلُ وَلِئَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَيَنَامُوا عَنْ صَلَاتِهَا جَمَاعَةً وَسَبَبُ كَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى السَّهَرِ وَيُخَافُ مِنْهُ غَلَبَةُ النَّوْمِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ أَوِ الذِّكْرِ فِيهِ أَوْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِهَا الْجَائِزِ أَوْ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَوِ الْأَفْضَلِ وَلِأَنَّ السَّهَرَ فِي اللَّيْلِ سَبَبٌ لِلْكَسَلِ فِي النَّهَارِ عَمَّا يَتَوَجَّهُ مِنْ حُقُوقِ الدِّينِ وَالطَّاعَاتِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمَكْرُوهُ مِنَ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْعِشَاءِ هُوَ مَا كَانَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا أَمَّا مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَخَيْرٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَذَلِكَ كَمُدَارَسَةِ الْعِلْمِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَمُحَادَثَةِ الضَّيْفِ وَالْعَرُوسِ لِلتَّأْنِيسِ وَمُحَادَثَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ لِلْمُلَاطَفَةِ وَالْحَاجَةِ وَمُحَادَثَةِ الْمُسَافِرِينَ بِحِفْظِ مَتَاعِهِمْ أَوْ أَنْفُسِهِمْ وَالْحَدِيثُ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالشَّفَاعَةِ إِلَيْهِمْ فِي خَيْرٍ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى مَصْلَحَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَقَدْ جَاءَتْ أحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِبَعْضِهِ وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَالْبَاقِي مَشْهُورٌ ثُمَّ كَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَ العشاء المراد
(5/146)

بِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا إِلَّا مَا كَانَ فِي خَيْرٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وأما النوم قبلها فكرهه عمر وابنه وبن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُنَا رَضِيَ الله عنهم أجمعين ورخص فيه علي وبن مَسْعُودٍ وَالْكُوفِيُّونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يُرَخَّصُ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ من يوقظه وروى عن بن عمر مثله والله أعلم

(باب كراهة تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَمَا يَفْعَلُهُ الْمَأْمُومُ)
إِذَا أَخَّرَهَا الْإِمَامُ

[648] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُ نَافِلَةً مَعْنَى يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ يُؤَخِّرُونَهَا فَيَجْعَلُونَهَا كَالْمَيِّتِ الَّذِي خَرَجَتْ رُوحُهُ وَالْمُرَادُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا أَيْ عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ لَا عَنْ جَمِيعِ وَقْتِهَا فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْأُمَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ إِنَّمَا هُوَ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ جَمِيعِ وَقْتِهَا فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاقِعُ وَفِي هَذَا الحديث
(5/147)

الْحَثُّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَخَّرَهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ فَيَجْمَعُ فَضِيلَتَيْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْجَمَاعَةِ فَلَوْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَهَلِ الْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَى فِعْلِهَا مُنْفَرِدًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَمِ الِاقْتِصَارُ عَلَى فِعْلِهَا جَمَاعَةً فِي آخِرِ الْوَقْتِ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَصْحَابِنَا واختلفوا في الراجح وقد أوضحته فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ الِانْتِظَارِ إِنْ لَمْ يَفْحُشِ التَّأْخِيرُ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِئَلَّا تَتَفَرَّقَ الْكَلِمَةُ وَتَقَعَ الْفِتْنَةُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ تَكُونُ الْأُولَى فَرِيضَةً وَالثَّانِيَةُ نَفْلًا وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي مَذْهَبِنَا فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الصَّحِيحُ أَنَّ الْفَرْضَ هِيَ الْأُولَى لِلْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْخِطَابَ سَقَطَ بِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الْفَرْضَ أَكْمَلَهُمَا وَالثَّالِثُ كِلَاهُمَا فَرْضٌ وَالرَّابِعُ الْفَرْضُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْإِبْهَامِ يَحْتَسِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِعَادَةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَلَاةٍ وَصَلَاةٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَفْلٌ وَلَا تَنَفُّلَ بَعْدَهُمَا وَوَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الْمَغْرِبَ لِئَلَّا تَصِيرَ شَفْعًا وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ دَلِيلٌ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَقَدْ وَقَعَ هَذَا فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ مَعْنَاهُ إِذَا عَلِمْتَ مِنْ حَالِهِمْ تَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فَصَلِّهَا لِأَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ إِنْ صَلُّوهَا لِوَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فَصَلِّهَا أَيْضًا مَعَهُمْ وَتَكُونُ صَلَاتُكَ مَعَهُمْ نَافِلَةً وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ بِفِعْلِكَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَيْ حَصَّلْتَهَا وَصُنْتَهَا وَاحْتَطْتَ لها قوله
(5/148)

أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ أَيْ مُقَطَّعَ الْأَطْرَافِ وَالْجَدْعُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْقَطْعُ وَالْمُجَدَّعُ أَرْدَأُ الْعَبِيدِ لِخِسَّتِهِ وَقِلَّةِ قِيمَتِهِ وَمَنْفَعَتِهِ وَنُفْرَةِ النَّاسِ مِنْهُ وَفِي هَذَا الْحَثُّ عَلَى طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الْعَبْدُ إِمَامًا وَشَرْطُ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا قُرَشِيًّا سَلِيمَ الْأَطْرَافِ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ وَغَيْرَهَا إِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُعْقَدُ لَهُ الْإِمَامَةُ بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَأَمَّا مَنْ قَهَرَ النَّاسَ لِشَوْكَتِهِ وَقُوَّةِ بَأْسِهِ وَأَعْوَانِهِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ وَانْتَصَبَ إِمَامًا فَإِنَّ أَحْكَامَهُ تَنْفُذُ وَتَجِبُ طَاعَتُهُ وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا أَوْ فَاسِقًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا الْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَكُونُ إِمَامًا بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ أَوِ اسْتِيفَاءَ حَقٍّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ وَقَدْ صَلَّوْا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ وَإِلَّا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ مَعْنَاهُ صَلِّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَتَصَرَّفْ فِي شُغْلِكَ فَإِنْ صَادَفْتَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ صَلَّوْا أَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ وَإِنْ ادْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَتَكُونُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ لَكَ نَافِلَةً قَوْلُهُ وَضَرَبَ فَخِذِي أَيْ لِلتَّنْبِيهِ وَجَمْعِ الذِّهْنِ عَلَى مَا يَقُولهُ لَهُ
(5/149)

قَوْلُهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ كَانَ يَبْرِي النَّبْلَ وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ فَيْرُوزَ الْبَصْرِيُّ وَقِيلَ اسْمُهُ كُلْثُومٌ تُوُفِّيَ يوم الاثنين في شوال سنة تسعين
(5/150)

(باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها)
وأنها فرض كفاية

[649] فِي رِوَايَةٍ إِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَفِي رِوَايَةٍ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً

[650] وَفِي رِوَايَةٍ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا فَذِكْرُ الْقَلِيلِ لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ بَاطِلٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِزِيَادَةِ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَ بِهَا الثَّالِثُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ وَالصَّلَاةُ فَيَكُونُ لِبَعْضِهِمْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ وَلِبَعْضِهِمْ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيآتها وَخُشُوعِهَا وَكَثْرَةِ جَمَاعَتِهَا وَفَضْلِهِمْ وَشَرَفِ الْبُقْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذِهِ هِيَ الْأَجْوِبَةُ الْمُعْتَمَدَةُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الدَّرَجَةَ غَيْرُ الْجُزْءِ وَهَذَا غَفْلَةٌ مِنْ قَائِلِهِ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَاخْتَلَفَ الْقَدْرُ مَعَ اتِّحَادِ لَفْظِ الدَّرَجَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِدَاوُدَ وَلَا فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَبَسَطْتُ دَلَائِلَ كُلِّ هَذَا وَاضِحَةً فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَوْلُهُ تَفْضُلُ صَلَاةً فِي الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَفِي رِوَايَةٍ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا هَذَا
(5/151)

هُوَ الْجَارِي عَلَى اللُّغَةِ وَالْأَوَّلُ مُؤَوَّلٌ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالدَّرَجَةِ الْجُزْءَ وَبِالْجُزْءِ الدَّرَجَةَ قَوْلُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي الْخُوَارِ هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَقَوْلُهُ خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانَ هُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْخَتَنُ زَوْجُ بِنْتِ الرَّجُلِ أَوْ أخْتِهِ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(5/152)

[651] لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا فَآمُرَ بِهِمْ فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا هَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ الْجَمَاعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وأبي ثور وبن خُزَيْمَةَ وَدَاوُدَ وَقَالَ الْجُمْهُورُ لَيْسَتْ فَرْضَ عَيْنٍ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَخَلِّفِينَ كَانُوا مُنَافِقِينَ وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ الْعَظْمَ السَّمِينَ عَلَى حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي مَسْجِدِهِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّقْ بَلْ هَمَّ بِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا تَرَكَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَالِ لِأَنَّ تَحْرِيقَ الْبُيُوتِ عُقُوبَةٌ مَالِيَّةٌ وَقَالَ غَيْرُهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ الْعُقُوبَةِ بِالتَّحْرِيقِ فِي غَيْرِ الْمُتَخَلِّفِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالْغَالِّ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِمَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِ تَحْرِيقِ مَتَاعِهِمَا وَمَعْنَى أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ أَيْ أَذْهَبُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ فِي
(5/153)

رِوَايَةٍ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ الَّتِي هَمَّ بِتَحْرِيقِهِمْ لِلتَّخَلُّفِ عَنْهَا هِيَ الْعِشَاءُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ وَفِي رِوَايَةٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَكُلُّهُ صَحِيحٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا الْحَبْوُ حَبْوُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ مَعْنَاهُ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ ثُمَّ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْإِتْيَانَ إِلَيْهِمَا إِلَّا حَبْوًا لَحَبَوْا إِلَيْهِمَا وَلَمْ يُفَوِّتُوا جَمَاعَتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَفِيهِ الْحَثُّ الْبَلِيغُ عَلَى حُضُورِهِمَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا عَرَضَ لَهُ شُغْلٌ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَإِنَّمَا هَمَّ بِإِتْيَانِهِمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَحَقَّقُ مُخَالَفَتُهُمْ وَتَخَلُّفُهُمْ فَيَتَوَجَّهُ اللَّوْمُ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ جَوَازُ الِانْصِرَافِ بَعْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِعُذْرٍ قَوْلُهُ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ
(5/154)

وَإِسْكَانِ الرَّاءِ

[653] قَوْلُهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَجِبْ هذا الأعمى هو بن أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَنْ قَالَ الْجَمَاعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَأَلَ هَلْ لَهُ رُخْصَةٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ وَتَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ بِسَبَبِ عُذْرِهِ فَقِيلَ لَا وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَدَلِيلُهُ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا تَرْخِيصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم له ثُمَّ رَدُّهُ وَقَوْلُهُ فَأَجِبْ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِوَحْيٍ نَزَلَ فِي الْحَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ إِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ أَوَّلًا وَأَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْكَ الْحُضُورُ إِمَّا لِعُذْرٍ وَإِمَّا لِأَنَّ فرض الكفاية حاصل بحضور غيره واما للأمرين ثُمَّ نَدَبَهُ إِلَى الْأَفْضَلِ فَقَالَ الْأَفْضَلُ لَكَ وَالْأَعْظَمُ لِأَجْرِكَ أَنْ تُجِيبَ وَتَحْضُرَ فَأَجِبْ وَاللَّهُ أعلم
(5/155)

[654] قَوْلُهُ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِصِحَّةِ مَا سَبَقَ تَأْوِيلُهُ فِي الَّذِينَ هَمَّ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِهِمِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُنَافِقِينَ قَوْلُهُ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى رُوِيَ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَهُمَا بِمَعْنًى مُتَقَارِبٍ أَيْ طَرَائِقِ الْهُدَى وَالصَّوَابِ قَوْلُهُ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ مَعْنَى يُهَادَى أَيْ يُمْسِكُهُ رَجُلَانِ مِنْ جَانِبَيْهِ بِعَضُدَيْهِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا وَهُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ فِي الرواية
(5/156)

الْأُولَى إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَفِي هَذَا كُلِّهِ تَأْكِيدُ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ وَتَحَمُّلُ الْمَشَقَّةِ فِي حُضُورِهَا وَأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْمَرِيضُ ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها

[655] قوله في الذي خرج من الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ حَتَّى يصلي المكتوبة الا لعذر
(5/157)

والله أعلم

[657] قَوْلُهُ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ وَهُوَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ يُنْسَبُ تَارَةً إِلَى أَبِيهِ وَتَارَةً إِلَى جَدِّهِ قَوْلُهُ سَمِعْتُ جُنْدُبًا الْقَسْرِيَّ هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّةِ قَوْلِهِمِ الْقَسْرِيِّ لِأَنَّ جُنْدُبًا لَيْسَ مِنْ بَنِي قَسْرٍ إِنَّمَا هُوَ بَجَلِيٌّ عَلَقِيٌّ وَعَلَقَةُ بَطْنٌ مِنْ بَجِيلَةَ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّوَارِيخِ وَالْأَنْسَابِ وَالْأَسْمَاءِ وَقَسْرٌ هُوَ أَخُو عَلَقَةَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَعَلَّ لِجُنْدُبٍ حِلْفًا فِي بَنِي قَسْرٍ أَوْ سَكَنًا أَوْ جِوَارًا فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ لِذَلِكَ أَوْ لَعَلَّ بَنِي عَلَقَةَ يُنْسَبُونَ إِلَى عَمِّهِمْ قَسْرٍ كَغَيْرِ وَاحِدَةٍ مِنَ الْقَبَائِلِ يُنْسَبُونَ بِنِسْبَةِ بَنِي عَمِّهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ أَوْ شُهْرَتِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ قِيلَ الذِّمَّةُ هُنَا الضَّمَانُ وَقِيلَ الْأَمَانُ

(باب الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ لعذر)
[33] عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ فَلَمْ
(5/158)

يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ صَوَابَهُ حِينَ قَالَ الْقَاضِي هَذَا غَلَطٌ بَلِ الصَّوَابُ حَتَّى كَمَا ثَبَتَتِ الرِّوَايَاتُ وَمَعْنَاهُ لَمْ يَجْلِسْ فِي الدَّارِ وَلَا فِي غَيْرِهَا حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ مُبَادِرًا إِلَى قَضَاءِ حَاجَتِي الَّتِي طَلَبْتُهَا وَجَاءَ بِسَبَبِهَا وَهِيَ الصلاة في بيتي وهذا الذي قاله الْقَاضِي وَاضِحٌ مُتَعَيِّنٌ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ حِينَ وَفِي بَعْضِهَا حَتَّى وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالزَّايِ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَيُقَالُ خَزِيرَةٌ بِالْهَاءِ قَالَ بن قُتَيْبَةَ الْخَزِيرَةُ لَحْمٌ يُقَطَّعُ صِغَارًا ثُمَّ يُصَبُّ عليه ماء كثير فإذا نضج در عَلَيْهِ دَقِيقٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَحْمٌ فَهِيَ عَصِيدَةٌ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ قَالَ النَّضْرُ الْخَزِيرَةُ مِنَ النُّخَالَةِ وَالْحَرِيرَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ مِنَ اللَّبَنِ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِذَا كَانَتْ مِنْ نُخَالَةٍ فَهِيَ خَزِيرَةٌ وَإِذَا كَانَتْ مِنْ دَقِيقٍ فَهِيَ حَرِيرَةٌ وَالْمُرَادُ نُخَالَةٌ فِيهَا غَلِيظُ الدَّقِيقِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الأخرى
(5/159)

حشيشة قَالَ شَمِرٌ هِيَ أَنْ تُطْحَنَ الْحِنْطَةُ طَحْنًا جَلِيلًا ثُمَّ يُلْقَى فِيهَا لَحْمٌ أَوْ تَمْرٌ فَتُطْبَخُ بِهِ قَوْلُهُ فَثَابَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ أَيِ اجْتَمَعُوا وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ هُنَا الْمَحَلَّةُ قَوْلُهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ هَذَا تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَشَرْحُ حديثه في كتاب الايمان قوله ص لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ أَيْ لَا تَقُلْ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَتِ اللَّامُ بِمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ نَحْوَ هَذَا وَقَدْ بَسَطْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ قَوْلُهُ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ أي ساداتهم
(5/160)

قَوْلُهُ نَرَى أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْنَا ضَبَطْنَاهُ نَرَى بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا وَفِي حَدِيثِ عِتْبَانَ هَذَا فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا أَنْ يَقُولَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِلْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَمِنْهَا التَّبَرُّكُ بِالصَّالِحِينَ وَآثَارِهِمْ وَالصَّلَاةُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّوْا بِهَا وَطَلَبُ التَّبْرِيكِ مِنْهُمْ وَمِنْهَا أَنَّ فِيهِ زِيَارَةَ الْفَاضِلِ الْمَفْضُولَ وَحُضُورَ ضِيَافَتِهِ وَفِيهِ سُقُوطُ الْجَمَاعَةِ لِلْعُذْرِ وَفِيهِ اسْتِصْحَابُ الْإِمَامِ والعالم ونحوهما بعض أصحابه في ذهابه وَفِيهِ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى الرَّجُلِ فِي مَنْزِلهِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ اسْتِدْعَاءٌ وَفِيهِ الابتداء في الأمور بأهمها لأنه ص جَاءَ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى صَلَّى وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ النَّفْلِ جَمَاعَةً وَفِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَجِيرَانِهِمِ إِذَا وَرَدَ رَجُلٌ صَالِحٌ إِلَى مَنْزِلِ بَعْضِهِمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا إِلَيْهِ وَيَحْضُرُوا مَجْلِسَهُ لِزِيَارَتِهِ وَإِكْرَامِهِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمُلَازَمَةِ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْبَيْتِ وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ إِيطَانِ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلْخَوْفِ مِنَ الرِّيَاءِ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ الذَّبُّ عَمَّنْ ذُكِرَ بِسُوءٍ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ إِنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وزاد فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ
(5/161)

مَجَّهَا فِي وَجْهِي قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمَجُّ طَرْحُ الْمَاءِ مِنَ الْفَمِ بِالتَّزْرِيقِ وَفِي هَذَا مُلَاطَفَةُ الصِّبْيَانِ وَتَأْنِيسُهُمْ وَإِكْرَامُ آبَائِهِمْ بِذَلِكَ وَجَوَازُ الْمِزَاحِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَحْفَظَهُ مَحْمُودٌ فَيَنْقُلُهُ كَمَا وَقَعَ فَتَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ نَقْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَصِحَّةِ صُحْبَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُمَيِّزًا وَكَانَ عُمُرُهُ حِينَئِذٍ خَمْسَ سِنِينَ وَقِيلَ أَرْبَعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى حَصِيرٍ وَخُمْرَةٍ وَثَوْبٍ)
وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ

[658] قَوْلُهُ إِنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا جَدَّةُ إسحاق فتكون أم أنس لأن إسحاق بن أَخِي أَنَسٍ لِأُمِّهِ وَقِيلَ إِنَّهَا جَدَّةُ أَنَسٍ وَهِيَ مُلَيْكَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الطَّوَائِفِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَلِيمَةَ عُرْسٍ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ إِجَابَتَهَا مَشْرُوعَةٌ لَكِنْ هَلْ إِجَابَتُهَا وَاجِبَةٌ أَمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَمْ سُنَّةٌ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْإِيجَابُ وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوموا فلأصلي لَكُمْ فِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً وَتَبْرِيكُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَالْعَالِمِ أَهْلَ الْمَنْزِلِ بِصَلَاتِهِ فِي مَنْزِلِهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ تَعْلِيمَهُمْ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ مُشَاهَدَةً مَعَ تَبْرِيكِهِمْ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ قَلَّمَا تُشَاهِدُ أَفْعَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ أَنْ تُشَاهِدَهَا وَتَتَعَلَّمَهَا وَتُعَلِّمَهَا غَيْرَهَا قَوْلُهُ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ
(5/162)

وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَسَائِرِ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ خِلَافِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّوَاضُعِ بِمُبَاشَرَةِ نَفْسِ الْأَرْضِ وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الثِّيَابِ وَالْبُسُطِ وَالْحُصْرِ وَنَحْوِهَا الطَّهَارَةُ وَأَنَّ حُكْمَ الطَّهَارَةِ مُسْتَمِرٌّ حَتَّى تَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهُ وَفِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً وَفِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي نَوَافِلِ النَّهَارِ أَنْ تَكُونَ رَكْعَتَيْنِ كَنَوَافِلِ اللَّيْلِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَفِيهِ صِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لِقَوْلِهِ صَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَفِيهِ أَنَّ لِلصَّبِيِّ مَوْقِفًا مِنَ الصَّفِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ أَنَّ الِاثْنَيْنِ يُكَوِّنَانِ صَفًّا وَرَاءَ الْإِمَامِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا ومذهب العلماء كافة الا بن مَسْعُودٍ وَصَاحِبَيْهِ فَقَالُوا يُكَوِّنَانِ هُمَا وَالْإِمَامُ صَفًّا وَاحِدًا فَيَقِفُ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَقِفُ خَلْفَ الرِّجَالِ وَأَنَّهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى تَقِفُ وَحْدَهَا مُتَأَخِّرَةً وَاحْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْخِلَافِ وَهِيَ إِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَافْتَرَشَهُ فَعِنْدَهُمْ يَحْنَثُ وَعِنْدَنَا لَا يَحْنَثُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا
(5/163)

بِأَنَّ لُبْسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَحَمَلْنَا اللُّبْسَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الِافْتِرَاشِ لِلْقَرِينَةِ وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَإِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ لُبْسِهِ الِافْتِرَاشَ وَأَمَّا قَوْلُهُ حَصِيرٌ قَدِ اسْوَدَّ فَقَالُوا اسْوِدَادُهُ لِطُولِ زَمَنِهِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ وَإِنَّمَا نَضَحَهُ لِيَلِينَ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَيَذْهَبُ عَنْهُ الْغُبَارُ وَنَحْوُهُ هَكَذَا فَسَّرَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ لِلشَّكِّ فِي نَجَاسَتِهِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا تَطْهُرُ بِنَضْحِهَا مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْغَسْلِ فَالْمُخْتَارُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ أَنَا وَالْيَتِيمُ هَذَا الْيَتِيمُ اسْمُهُ ضُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْحِمْيَرِيُّ وَالْعَجُوزُ هِيَ أُمُّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ

[660] قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِكُلِّ خَيْرٍ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِ اسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ لِأَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَفِيهِ طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَجَوَازُ الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ مَعَ الْبَرَكَةِ فِيهِمَا قَوْلُهُ وَأُمُّ حَرَامٍ هِيَ
(5/164)

بِالرَّاءِ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ يَعْنِي فِي غَيْرِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ قَوْلُهُ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ هَذِهِ قَضِيَّةٌ أُخْرَى فِي يَوْمٍ آخَرَ

[513] قَوْلُهُ وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ هَذَا الْحَدِيثُ تقدم شرحه في أواخر كتاب الطهارة

(باب فضل الصلاة المكتوبة في جماعة)
وفضل انتظار الصلاة وكثرة الخطأ إلى المساجد وفضل المشي إليها

[649] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً الْمُرَادُ صَلَاتُهُ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ مُنْفَرِدًا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَالْبِضْعُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الرِّوَايَاتِ السَّابِقَاتِ
(5/165)

قَوْلُهُ لَا تَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَبِالزَّايِ أَيْ لَا تُنْهِضُهُ وَتُقِيمُهُ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ بَعْدَهُ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ قَوْلُهُ مُحَمَّدُ بْنُ بكر بْنِ الرَّيَّانِ هُوَ بِالرَّاءِ وَالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ الْمُشَدَّدَةِ قَوْلُهُ يَضْرِطُ هُوَ بِكَسْرِ
(5/166)

الرَّاءِ

[663] قَوْلُهُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهلي فقال
(5/167)

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيهِ إِثْبَاتُ الثَّوَابِ فِي الْخُطَا فِي الرُّجُوعِ مِنَ الصَّلَاةِ كَمَا يَثْبُتُ فِي الذَّهَابِ قَوْلُهُ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ مَا أُحِبُّ أَنَّهُ مَشْدُودٌ بِالْأَطْنَابِ وَهِيَ الْحِبَالُ إِلَى بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا مِنْهُ لِتَكْثِيرِ ثَوَابِي وَخُطَايَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ مُطَنَّبٌ بِفَتْحِ النُّونِ قَوْلُهُ فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَظُمَ عَلَيَّ وَثَقُلَ وَاسْتَعْظَمْتُهُ لِبَشَاعَةِ لَفْظِهِ وَهَمَّنِي ذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ قَوْلُهُ يَرْجُو فِي
(5/168)

أثره الأجر أي في ممشاه

[665] قوله ص بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ مَعْنَاهُ الْزَمُوا دِيَارَكُمْ فَإِنَّكُمْ إِذَا لَزِمْتُمُوهَا كُتِبَتْ آثَارُكُمْ وَخُطَاكُمُ الْكَثِيرَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَبَنُو سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
(5/169)

[667] قَوْلُهُ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ الدَّرَنُ الْوَسَخُ

[668] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ الْغَمْرُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهُوَ الْكَثِيرُ قَوْلُهُ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى سُهُولَتِهِ وَقُرْبِ تَنَاوُلِهِ

[669] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا النُّزُلُ مَا يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ عِنْدَ قُدُومِهِ

(باب فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ)
فِيهِ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَسَنًا هُوَ بِفَتْحِ
(5/170)

السِّينِ وَبِالتَّنْوِينِ أَيْ طُلُوعًا حَسَنًا أَيْ مُرْتَفِعَةً وَفِيهِ جَوَازُ الضَّحِكِ وَالتَّبَسُّمِ

[671] قَوْلُهُ أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا لِأَنَّهَا بُيُوتُ الطَّاعَاتِ وَأَسَاسُهَا عَلَى التَّقْوَى قَوْلُهُ وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ وَالرِّبَا وَالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ وَإِخْلَافِ الْوَعْدِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِرَادَتُهُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ أَوْ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِمَنْ أَسْعَدَهُ أَوْ أشْقَاهُ وَالْمَسَاجِدُ مَحَلُّ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَالْأَسْوَاقُ ضِدُّهَا
(5/171)

(باب مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ)
[672] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحَقُّهمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ

[673] وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ بِتَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ عَلَى الْأَفْقَهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا الْأَفْقَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَقْرَأِ لِأَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَضْبُوطٌ وَالَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفِقْهِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ وَقَدْ يَعْرِضُ فِي الصَّلَاةِ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاةِ الصَّوَابِ فِيهِ إِلَّا كَامِلُ الْفِقْهِ قَالُوا وَلِهَذَا قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْبَاقِينَ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(5/172)

نَصَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَقْرَأُ مِنْهُ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْأَقْرَأَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ هُوَ الْأَفْقَهُ لَكِنَّ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا وَلَنَا وَجْهٌ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَوْرَعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَفْقَهِ وَالْأَقْرَأِ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامَةِ يَحْصُلُ مِنَ الْأَوْرَعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً قَالَ أَصْحَابُنَا يَدْخُلُ فِيهِ طَائِفَتَانِ إِحْدَاهُمَا الَّذِينَ يُهَاجِرُونَ الْيَوْمَ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَيْ لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ دار اسلام أَوْ لَا هِجْرَةَ فَضْلُهَا كَفَضْلِ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الفتح وسيأتي شرحه مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ أَوْلَادُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَأَحَدُهُمَا مِنْ أَوْلَادِ مَنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ وَالْآخَرُ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ قُدِّمَ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى سِنًّا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا مَعْنَاهُ إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْهِجْرَةِ وَرَجَحَ أَحَدُهُمَا بِتَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ أَوْ بِكِبَرِ سِنِّهِ قُدِّمَ لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ يُرَجَّحُ بِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيْتِ وَالْمَجْلِسِ وَإِمَامَ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَفْقَهَ وَأَقْرَأَ وَأَوْرَعَ وَأَفْضَلَ مِنْهُ وَصَاحِبُ الْمَكَانِ أَحَقُّ فَإِنْ شَاءَ تَقَدَّمَ وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَ مَنْ يُرِيدُهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْحَاضِرِينَ لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء قال أَصْحَابُنَا فَإِنْ حَضَرَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ قُدِّمَ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّ وِلَايَتَهُ وَسَلْطَنَتَهُ عَامَّةٌ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ أَنْ يَأْذَنَ لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَفِي الرِّوَايَةِ
(5/173)

الْأُخْرَى وَلَا تَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ التَّكْرِمَةُ الْفِرَاشُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبْسَطُ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَيُخَصُّ بِهِ وَهِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ قَوْلُهُ عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ

[674] قَوْلُهُ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ جَمْعُ شَابٍّ وَمَعْنَاهُ مُتَقَارِبُونَ فِي السِّنِّ قَوْلُهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَقِيقًا هُوَ بِالْقَافَيْنِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ وَضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي رَفِيقًا بِالْفَاءِ وَالْقَافِ وَكِلَاهُمَا ظَاهِرٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ
(5/174)

أَكْبَرُكُمْ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ وَتَقْدِيمِ الْأَكْبَرِ فِي الْإِمَامَةِ إِذَا اسْتَوَوْا فِي بَاقِي الْخِصَالِ وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُسْتَوِينَ فِي بَاقِي الْخِصَالِ لِأَنَّهُمْ هَاجَرُوا جَمِيعًا وَأَسْلَمُوا جَمِيعًا وَصَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَازَمُوهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَاسْتَوَوْا فِي الْأَخْذِ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ مَا يُقَدَّمُ بِهِ إِلَّا السِّنُّ وَاسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ بِهَذَا عَلَى تَفْضِيلِ الْإِمَامَةِ عَلَى الْأَذَانِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُؤَذِّنُ أَحَدُكُمْ وَخَصَّ الْإِمَامَةَ بِالْأَكْبَرِ وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْأَذَانِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ قَالَ إِنَّمَا قَالَ يُؤَذِّنُ أَحَدُكُمْ وَخَصَّ الْإِمَامَةَ بِالْأَكْبَرِ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَبِيرِ عِلْمٍ وَإِنَّمَا أَعْظَمُ مَقْصُودِهِ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ وَالْإِسْمَاعُ بِخِلَافِ الْإِمَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَلَمَّا أَرَدْنَا الْإِقْفَالَ هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ يُقَالُ فِيهِ قَفَلَ الْجَيْشُ إِذَا رَجَعُوا وَأَقْفَلَهُمُ الْأَمِيرُ إِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ يُؤْذَنَ لَنَا فِي الرُّجُوعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا فِيهِ أَنَّ الْأَذَانَ وَالْجَمَاعَةَ مَشْرُوعَانِ لِلْمُسَافِرِينَ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَذَانِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَفِيهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَصِحُّ بِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ
(5/175)

فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ

(باب اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جميع الصلاة)
إذا نزلت بالمسلمين نازلة والعياذ بالله واستحبابه في الصبح دائما وبيان أن محله بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأخيرة واستحباب الجهر به مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقُنُوتَ مَسْنُونٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ دَائِمًا وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إِنْ نَزَلَتْ نَازِلَةٌ كَعَدُوٍّ وَقَحْطٍ وَوَبَاءٍ وَعَطَشٍ وَضَرَرٍ ظَاهِرٍ فِي الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَنَتُوا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَإِلَّا فَلَا وَالثَّانِي يَقْنُتُونَ فِي الْحَالَيْنِ وَالثَّالِثُ لَا يَقْنُتُونَ فِي الْحَالَيْنِ وَمَحَلُّ الْقُنُوتِ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَفِي اسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ بِالْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَجْهَرُ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِيهِ وَلَا يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ مَسْحُهُ وَقِيلَ لَا يَرْفَعُ الْيَدَ وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ مَسْحِ الصَّدْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ بَلْ يَحْصُلُ بِكُلِّ دُعَاءٍ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ إِلَى آخِرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ لَا شَرْطٌ وَلَوْ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الصُّبْحِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا قُنُوتَ فِي الصُّبْحِ وَقَالَ مَالِكٌ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَدَلَائِلُ الْجَمْعِ مَعْرُوفَةٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[675] قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ
(5/176)

الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْقُنُوتِ وَالْجَهْرِ بِهِ وَأَنَّهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ لِإِنْسَانٍ معين وعلى مُعَيَّنٍ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَرَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرَانِ فِي الصَّحِيحِ وَسَبَقَ بَيَانُ حِكْمَةِ الْوَاوِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ الْوَطْأَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهِيَ الْبَأْسُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ أَيِ اجْعَلْهَا سِنِينَ شِدَادًا ذَوَاتِ قَحْطٍ وَغَلَاءٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ جَوَازُ لَعْنِ الْكُفَّارِ وَطَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُمْ قَوْلُهُ ثُمَّ بلغنا أنه
(5/177)

تَرَكَ ذَلِكَ يَعْنِي الدُّعَاءَ عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِلِ وَأَمَّا أَصْلُ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَتْرُكْهُ حتى فارق الدنيا كذا صَحَّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُ بَيْنَمَا وَبَيْنَا بَيْنَ
(5/178)

وَتَقْدِيرُهُ بَيْنَ أَوْقَاتِ صَلَاتِهِ قَالَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُهُ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ هو
(5/179)

بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ

[679] قَوْلُهُ عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ الْغِفَارِيِّ خُفَافٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِيمَاءٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ مَصْرُوفٌ
(5/180)

(باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها)
حَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ فَرِيضَةٌ وَجَبَ قَضَاؤُهَا وَإِنْ فَاتَتْ بِعُذْرٍ اسْتُحِبَّ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَلَى الصَّحِيحِ وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ فَاتَتْهُ بِلَا عُذْرٍ وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ وَإِذَا قَضَى صَلَوَاتٍ اسْتُحِبَّ قَضَاؤُهُنَّ مُرَتَّبًا فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَاةُ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً وَإِنْ فَاتَتْهُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا وَلِأَحَادِيثَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحِ كَقَضَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ حِينَ شَغَلَهُ عَنْهَا الْوَفْدُ وَقَضَائِهِ سُنَّةَ الصُّبْحِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ وَأَمَّا السُّنَنُ الَّتِي شُرِعَتْ لِعَارِضٍ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يُشْرَعُ قَضَاؤُهَا بِلَا خِلَافٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[680] قَوْلُهُ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَيْ رَجَعَ وَالْقُفُولُ الرُّجُوعُ وَيُقَالُ غَزْوَةٌ وَغَزَاةٌ وَخَيْبَرُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا هُوَ فِي أصول بِلَادِنَا مِنْ نُسَخِ مُسْلِمٍ قَالَ الْبَاجِيُّ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السِّيَرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ إِنَّمَا هُوَ حُنَيْنٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ هَذَا النَّوْمُ
(5/181)

مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ مَرَّتَانِ قَوْلُهُ إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ الْكَرَى بِفَتْحِ الْكَافِ النُّعَاسُ وَقِيلَ النَّوْمُ يُقَالُ مِنْهُ كَرِيَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ يَكْرِي كَرًى فَهُوَ كَرٍ وَامْرَأَةٌ كَرِيَةٌ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَالتَّعْرِيسُ نُزُولُ الْمُسَافِرِينَ آخِرَ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَةِ هَكَذَا قَالَهُ الْخَلِيلُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ هُوَ النُّزُولُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَفِي الْحَدِيثِ مُعَرِّسُونَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَوْلُهُ وَقَالَ لِبِلَالٍ اكْلَأْ لَنَا الْفَجْرَ هُوَ بِهَمْزِ آخره أي ارقبه واحفظه واحرسه ومصدره الكلأ بِكَسْرِ الْكَافِ وَالْمَدِّ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَقَوْلُهُ مُوَاجِهُ الْفَجْرِ أَيْ مُسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ قَوْلُهُ فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيِ انْتَبَهَ وَقَامَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ بِلَالُ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَاتِنَا وَنُسَخِ بِلَادِنَا وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ ضَبَطُوهُ أَيْنَ بِلَالٌ بِزِيَادَةِ نُونٍ قَوْلُهُ فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ بِعُذْرٍ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنَّمَا اقْتَادُوهَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ قَوْلُهُ وَأَمَرَ بِلَالًا بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْإِقَامَةِ لِلْفَائِتَةِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الْأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا إِثْبَاتُ الْأَذَانِ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا تَرْكُ ذِكْرِ الْأَذَانِ فِي حَدِيثِ
(5/182)

أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَعَلَّهُ أَذَّنَ وَأَهْمَلَهُ الرَّاوِي أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَالثَّانِي لَعَلَّهُ تَرَكَ الْأَذَانَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ لِبَيَانِ جَوَازِ تَرْكِهِ وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُتَحَتِّمٍ لَا سِيَّمَا فِي السَّفَرِ قَوْلُهُ فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَائِتَةِ وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا قَوْلُهُ ص مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فِيهِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْفَرِيضَةِ الْفَائِتَةِ سَوَاءٌ تَرَكَهَا بِعُذْرٍ كنوم ونسيان أم بِغَيْرِ عُذْرٍ وَإِنَّمَا قَيَّدَ فِي الْحَدِيثِ بِالنِّسْيَانِ لِخُرُوجِهِ عَلَى سَبَبٍ لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَعْذُورِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ بِعُذْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَدَلِيلُهُ وَشَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ لَا يَجِبُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَزَعَمَ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ وَبَالِ مَعْصِيَتِهَا بِالْقَضَاءِ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ وَجَهَالَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِقَضَاءِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ إِذَا فَاتَتْ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ اجْتِنَابِ مَوَاضِعِ الشَّيْطَانِ وَهُوَ أَظْهَرُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْغَدَاةَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَضَاءِ النَّافِلَةِ الرَّاتِبَةِ وَجَوَازُ تَسْمِيَةِ
(5/183)

صَلَاةِ الصُّبْحِ الْغَدَاةَ وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهُمَا وَلَا يُدْرِكُ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَغَيْرَهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَإِنَّمَا يُدْرِكُ ذَلِكَ بِالْعَيْنِ وَالْعَيْنُ نَائِمَةٌ وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ يَقْظَانُ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا يَنَامُ فِيهِ الْقَلْبُ وَصَادَفَ هَذَا الْمَوْضِعَ وَالثَّانِي لَا يَنَامُ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَهَذَا التَّأْوِيلٌ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ

[681] قَوْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَبَاحٌ هَذَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ قَوْلُهُ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً لِقَوْمِهِ فِي إِعْلَامِهِمْ بِأَمْرٍ أَنْ يَجْمَعَهُمْ كُلَّهُمْ وَيُشِيعَ ذَلِكَ فِيهِمْ لِيُبَلِّغَهُمْ كُلَّهُمْ وَيَتَأَهَّبُوا لَهُ وَلَا يَخُصُّ بِهِ بَعْضَهُمْ وَكِبَارَهُمْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَى بَعْضِهِمْ فَيَلْحَقُهُ الضَّرَرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَوْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ أَيْ لَا يَعْطِفُ قَوْلُهُ ابْهَارَّ اللَّيْلُ هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيِ انْتَصَفَ قَوْلُهُ فَنَعَسَ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالنُّعَاسُ مُقَدِّمَةُ النَّوْمِ وَهُوَ رِيحٌ لَطِيفَةٌ تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الدِّمَاغِ تُغَطِّي عَلَى الْعَيْنِ وَلَا تَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْقَلْبِ كَانَ نَوْمًا وَلَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالنُّعَاسِ مِنَ الْمُضْطَجِعِ وَيُنْتَقَضُ بِنَوْمِهِ وَقَدْ بَسَطْتُ الْفَرْقَ بَيْنَ حَقِيقَتِهِمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَوْلُهُ فَدَعَمْتُهُ أَيْ أَقَمْتُ مَيْلَهُ
(5/184)

مِنَ النَّوْمِ وَصِرْتُ تَحْتَهُ كَالدِّعَامَةِ لِلْبِنَاءِ فَوْقَهَا قَوْلُهُ تَهَوَّرَ اللَّيْلُ أَيْ ذَهَبَ أَكْثَرُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَهَوَّرَ الْبِنَاءُ وَهُوَ انْهِدَامُهُ يُقَالُ تَهَوَّرَ اللَّيْلُ وَتَوَهَّرَ قَوْلُهُ يَنْجَفِلُ أَيْ يَسْقُطُ قَوْلُهُ قَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو قَتَادَةَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لِلْمُسْتَأْذِنِ وَنَحْوِهِ مَنْ هَذَا يَقُولُ فُلَانٌ بِاسْمِهِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ أَبُو فُلَانٍ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِكُنْيَتِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ أَيْ بِسَبَبِ حِفْظِكَ نَبِيَّهُ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ أَنْ يَدْعُوَ لِفَاعِلِهِ وَفِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ قَوْلُهُ سَبْعَةُ رَكْبٍ هُوَ جَمْعُ رَاكِبٍ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَنَظَائِرِهِ قَوْلُهُ ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِهَمْزَةٍ بَعْدَ الضَّادِ وَهِيَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ كَالرَّكْوَةِ قَوْلُهُ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ مَعْنَاهُ وُضُوءًا خَفِيفًا مَعَ أَنَّهُ أَسْبَغَ الْأَعْضَاءَ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ الْمُرَادَ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِمَاءٍ بَلِ اسْتَجْمَرَ بِالْأَحْجَارِ وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ هَذَا
(5/185)

الْقَائِلُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ قَوْلُهُ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَفِيهِ قَضَاءُ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ هُمَا سُنَّةُ الصُّبْحِ وَقَوْلُهُ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صِفَةَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ كَصِفَةِ أَدَائِهَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ فَائِتَةَ الصُّبْحِ يُقْنَتُ فِيهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ يَجْهَرُ فِي الصُّبْحِ الَّتِي يَقْضِيهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُسِرُّ بِهَا وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ أَيْ فِي الْأَفْعَالِ وَفِيهِ إِبَاحَةُ تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ غَدَاةً وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْأَحَادِيثِ قَوْلُهُ فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الْكَلَامُ الْخَفِيُّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ النَّائِمَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْخِطَابِ السَّابِقِ وَهَذَا الْقَائِلُ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ النَّوْمِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَأَمَّا إِذَا أَتْلَفَ النَّائِمُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَعْضَائِهِ شَيْئًا فِي حَالِ نَوْمِهِ فَيَجِبُ ضَمَانَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا لِلنَّائِمِ لِأَنَّ غَرَامَةَ الْمُتْلَفَاتِ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا التَّكْلِيفُ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ لَوْ أَتْلَفَ الصَّبِيُّ أَوِ الْمَجْنُونُ أَوِ الْغَافِلُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَجَبَ ضَمَانُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَدَلِيلُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهله فَرَتَّبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
(5/186)

عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ بِالْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْخَمْسِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى وَهَذَا مُسْتَمِرٌّ عَلَى عُمُومِهِ فِي الصَّلَوَاتِ إِلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا لَا تَمْتَدُّ إِلَى الظُّهْرِ بَلْ يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَفِيهَا خِلَافٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ امْتِدَادُ وَقْتِهَا إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي الْمَغْرِبِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا تَفُوتُ الْعَصْرُ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ وَتَفُوتُ الْعِشَاءُ بِذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ وَتَفُوتُ الصُّبْحُ بِالْإِسْفَارِ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الِامْتِدَادِ إِلَى دُخُولِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فَقَضَاهَا لَا يَتَغَيَّرُ وَقْتُهَا وَيَتَحَوَّلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ يَبْقَى كَمَا كَانَ فَإِذَا كَانَ الْغَدُ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ وَيَتَحَوَّلُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْضِي الْفَائِتَةَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي الْحَالِ وَمَرَّةً فِي الْغَدِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدِ اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ مَا ذَكَرْتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا قَالَ ثُمَّ قَالَ أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
(5/187)

بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَقَدْ سَبَقَهُمُ النَّاسُ وَانْقَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَؤُلَاءِ الطَّائِفَةُ الْيَسِيرَةُ عَنْهُمْ قَالَ مَا تَظُنُّونَ النَّاسَ يَقُولُونَ فِينَا فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَيَقُولَانِ لِلنَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَكُمْ وَلَا تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُخَلِّفَكُمْ وَرَاءَهُ وَيَتَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَنْتَظِرُوهُ حَتَّى يَلْحَقَكُمْ وَقَالَ بَاقِي النَّاسِ إِنَّهُ سَبَقَكُمْ فَالْحَقُوهُ فَإِنْ أَطَاعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَشَدُوا فَإِنَّهُمَا عَلَى الصَّوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ مِنَ الْهَلَاكِ وَهَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وبالراء هو القدح الصغير قوه فَلَمْ يَعُدْ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَا فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا ضَبَطْنَا قَوْلَهُ مَا هُنَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى الْمَلَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ وَهُوَ مَنْصُوبٌ مَفْعُولُ أَحْسِنُوا وَالْمَلَأُ الْخُلُقُ وَالْعِشْرَةُ يُقَالُ مَا أَحْسَنَ مَلَأَ فُلَانٍ أَيْ خُلُقَهُ وَعِشْرَتَهُ وَمَا أَحْسَنَ مَلَأَ بَنِي فُلَانٍ أَيْ عِشْرَتَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ ذكره الجوهري وغيره وأنشد الجوهري ... تنادوا بال بهتة إِذْ رَأَوْنَا ... فَقُلْنَا أَحْسَنِي مَلَأً جُهَيْنَا
(5/188)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ سَاقِي القوم آخرهم فيه هذا الْأَدَبِ مِنْ آدَابِ شَارِبِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا وَفِي مَعْنَاهُ مَا يُفَرَّقُ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنَ الْمَأْكُولِ كَلَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَمَشْمُومٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً أَيْ نِشَاطًا مُسْتَرِيحِينَ قَوْلُهُ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ هُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ فعند الكوفين يَجُوزُ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِتَقْدِيرٍ وَيَتَأَوَّلُونَ مَا جَاءَ فِي هَذَا بِحَسَبِ مَوَاطِنِهِ وَالتَّقْدِيرُ هُنَا مَسْجِدُ الْمَكَانِ الْجَامِعِ وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا كُنْتَ بجانب الغربي صلى الله عليه وسلم أَيِ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَلَدَارُ الْآخِرَةِ صلى الله عليه وسلم أَيِ الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَوَاضِعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ ضَبَطْنَاهُ حَفِظْتُهُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَكِلَاهُمَا حسن وفي حديث أبي قتادة هذا مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهَا إِخْبَارُهُ بِأَنَّ الْمِيضَأَةَ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ وَكَانَ كَذَلِكَ الثَّانِيَةُ تَكْثِيرُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى وَكَانَ كَذَلِكَ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَذَا وَقَالَ النَّاسُ كَذَا الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ وَكَانَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِذْ لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَفَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[682] قَوْلُهُ حدثنا سلم
(5/189)

بْنُ زَرِيرٍ هُوَ بِزَايٍ فِي أَوَّلِهِ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مُكَرَّرَةٍ قَوْلُهُ فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا هُوَ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَهُوَ سَيْرُ اللَّيْلِ كُلِّهُ وَأَمَّا أَدَّلَجْنَا بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ فَمَعْنَاهُ سِرْنَا آخِرَ اللَّيْلِ هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَمَصْدَرُ الْأَوَّلِ إِدْلَاجٌ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَالثَّانِي إِدْلَاجٌ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ قَوْلُهُ بَزَغَتِ الشَّمْسُ هُوَ أَوَّلُ طُلُوعِهَا وَقَوْلُهُ وَكُنَّا لَا نُوقِظُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَانُوا يَمْتَنِعُونَ مِنْ إِيقَاظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا كَانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنَ الْإِيحَاءِ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ وَمَعَ هَذَا فَكَانَتِ الصَّلَاةُ قَدْ فَاتَ وَقْتُهَا فَلَوْ نَامَ آحَادُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَحَضَرَتْ صَلَاةٌ وَخِيفَ فَوْتُهَا نَبَّهَهُ مَنْ حَضَرَهُ لِئَلَّا تَفُوتَ الصَّلَاةُ قَوْلُهُ فِي الْجُنُبِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ فَصَلَّى فِيهِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ قَوْلُهُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ السَّادِلَةُ الْمُرْسِلَةُ الْمُدْنِيَةُ وَالْمَزَادَةُ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ أكبر من القربة والمزادتان
(5/190)

حمل البعير سُمِّيَتْ مَزَادَةٌ لِأَنَّهُ يُزَادُ فِيهَا مِنْ جِلْدٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِهَا قَوْلُهُ فَقُلْنَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ أَيْهَاهْ أَيْهَاهْ لَا مَاءَ لَكُمْ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ بِمَعْنَى هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ وَمَعْنَاهُ الْبُعْدُ مِنَ الْمَطْلُوبِ وَالْيَأْسُ مِنْهُ كَمَا قَالَتْ بَعْدَهُ لَا مَاءَ لَكُمْ أَيْ لَيْسَ لَكُمْ مَاءٌ حَاضِرٌ وَلَا قَرِيبٌ وَفِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِضْعُ عَشْرَةَ لُغَةً ذَكَرْتُهَا كُلَّهَا مُفَصَّلَةً وَاضِحَةً مُتْقَنَةً مَعَ شَرْحِ مَعْنَاهَا وَتَصْرِيفِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا ذَلِكَ قَوْلُهُ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهَا مُؤْتِمَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ التَّاءِ أَيْ ذَاتِ أيتام قوله فأمر براويتها فأنيخت والراوية عِنْدَ الْعَرَبِ هِيَ الْجَمَلُ الَّذِي يَحْمِلُ الْمَاءَ وَأَهْلُ الْعُرْفِ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْمَزَادَةِ اسْتِعَارَةً وَالْأَصْلُ الْبَعِيرُ قَوْلُهُ فَمَجَّ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ الْمَجُّ زَرْقُ الْمَاءِ بِالْفَمِ وَالْعَزْلَاءُ بِالْمَدِّ هُوَ الْمُشَعَّبُ الْأَسْفَلُ لِلْمَزَادَةِ الَّذِي يُفْرَغُ مِنْهُ الْمَاءُ ويطلق أَيْضًا عَلَى فَمِهَا الْأَعْلَى كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ وَتَثْنِيَتُهَا عَزْلَاوَانِ وَالْجَمْعُ الْعَزَالِي بِكَسْرِ اللَّامِ قَوْلُهُ وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا يَعْنِي الْجُنُبَ هُوَ بِتَشْدِيدِ السِّينِ أَيْ أَعْطَيْنَاهُ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ عَنِ الْجَنَابَةِ إِذَا أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ اغْتَسَلَ قَوْلُهُ وَهِيَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنَ الْمَاءِ
(5/191)

أَيْ تَنْشَقُّ وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْجِيمِ وَرُوِيَ بِتَاءٍ أُخْرَى بَدَلَ النُّونِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكَ هُوَ بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ ساكنة ثم زاء ثُمَّ هَمْزَةٍ أَيْ لَمْ نُنْقِصْ مِنْ مَائِكَ شَيْئًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ قَوْلُهَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِمَعْنَى كَيْتَ وَكَيْتَ وَكَذَا وَكَذَا قَوْلُهُ فَهَدَى اللَّهُ ذَلِكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا الصِّرْمُ بِكَسْرِ الصَّادِ أَبْيَاتٌ مُجْتَمَعَةٌ قَوْلُهُ قُبَيْلُ الصُّبْحِ بِضَمِّ الْقَافِ هُوَ أَخَصُّ مِنْ قَبْلُ وَأَصْرَحُ فِي الْقُرْبِ قَوْلُهُ وَكَانَ أَجْوَفَ جَلِيدًا أَيْ رَفِيعَ الصَّوْتِ يُخْرِجُ صَوْتَهُ مِنْ جَوْفِهِ وَالْجَلِيدُ الْقَوِيُّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ضَيْرَ أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَيْكُمْ فِي هَذَا النَّوْمِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ بِهِ
(5/192)

وَالضَّيْرُ وَالضُّرُّ وَالضَّرَرُ بِمَعْنًى

[684] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ مَعْنَاهُ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ مِثْلُهَا وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرَ

[684] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا هَدَّابٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ جَرَتْ فِي سَفَرَيْنِ أَوْ أسْفَارٍ لَا فِي سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَظَاهِرُ أَلْفَاظِهَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أعلم
(5/193)

(كتاب صلاة المسافرين وقصرها

[685] قَوْلُهَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ الْقَصْرُ وَالْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ وَلَنَا قَوْلٌ أَنَّ الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ وَوَجْهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَثِيرُونَ الْقَصْرُ وَاجِبٌ وَلَا يَجُوزُ الْإِتْمَامُ وَيَحْتَجُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِأَنَّ أَكْثَرَ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ كَانَ الْقَصْرُ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْهُمُ الْقَاصِرُ وَمِنْهُمُ الْمُتِمُّ وَمِنْهُمُ الصَّائِمُ وَمِنْهُمُ الْمُفْطِرُ لَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُتِمُّ وَكَذَلِكَ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعُ الْجُنَاحِ وَالْإِبَاحَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ فرضت)
(5/194)

الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَمَعْنَاهُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ عَلَى سَبِيلِ التَّحْتِيمِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ وَثَبَتَتْ دَلَائِلُ جَوَازِ الْإِتْمَامِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَ دَلَائِلِ الشَّرْعِ قَوْلُهُ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ فَقَالَ إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِمَا فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْقَصْرَ جَائِزًا وَالْإِتْمَامَ جَائِزًا فَأَخَذَا بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ وَهُوَ الْإِتْمَامُ وَقِيلَ لِأَنَّ عُثْمَانَ إِمَامُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَائِشَةُ أُمُّهُمْ فَكَأَنَّهُمَا فِي مَنَازِلِهِمَا وَأَبْطَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقِيلَ لِأَنَّ عُثْمَانَ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَافَرَ بِأَزْوَاجِهِ وَقَصَرَ وَقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ حَضَرُوا مَعَهُ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ أَبَدًا حَضَرًا وَسَفَرًا وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلِ اشْتَهَرَ أَمْرُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ وَقِيلَ لِأَنَّ عُثْمَانَ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْحَجِّ وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ حَرَامٌ عَلَى الْمُهَاجِرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَقِيلَ كَانَ لِعُثْمَانَ أَرْضٌ بِمِنًى وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْإِتْمَامَ وَالْإِقَامَةَ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حنيفة وأحمد والجمهور أنه يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ وَشَرَطَ بَعْضُ السَّلَفِ كَوْنَهُ سَفَرَ خَوْفٍ وَبَعْضُهُمْ كَوْنَهُ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ وَبَعْضُهُمْ كَوْنَهُ سَفَرَ طَاعَةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْأَكْثَرُونَ وَلَا يَجُوزُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُمَا وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ لا يَجُوزُ الْقَصْرُ إِلَّا فِي مَسِيرَةِ مَرْحَلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ وهي ثمانية وأربعون ميلا هاشمية وَالْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَالذِّرَاعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إِصْبَعًا مُعْتَرِضَةٌ مُعْتَدِلَةٌ وَالْإِصْبَعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ لَا يُقْصِرُ فِي أَقَلَّ من ثلاث مراحل وروى عن عثمان وبن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَجُوزُ
(5/195)

فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ حَتَّى لَوْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ قَصَرَ

[686] قَوْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ هُوَ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أُخْرَى مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ ويقال فيه بن باباه وبن بابي بكسر الباء الثانية قوله عجبت ما عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ مَا عَجِبْتُ وَفِي بَعْضِهَا عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَاللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيْنَا وَقَدْ كَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَفِيهِ جَوَازُ الْقَصْرِ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ وَفِيهِ أَنَّ الْمَفْضُولَ إِذَا رَأَى الْفَاضِلَ يَعْمَلُ شَيْئًا يُشْكِلُ عَلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[687] قَوْلُهُ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحضر
(5/196)

أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ عَمِلَ بِظَاهِرِهِ طَائِفَةٌ مِنَ السلف منهم الحسن والضحاك واسحق بْنُ رَاهَوَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ إِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ كَصَلَاةِ الْأَمْنِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَضَرِ وَجَبَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي السَّفَرِ وَجَبَ رَكْعَتَانِ وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَالٍ من الأحوال وتأولوا حديث بن عَبَّاسٍ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ وَرَكْعَةٌ أُخْرَى يَأْتِي بِهَا مُنْفَرِدًا كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ

[689] قَوْلُهُ حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ أَيْ مَنْزِلَهُ قَوْلُهُ فَحَانَتْ مِنْهُ
(5/197)

الْتِفَاتَةٌ أَيْ حَضَرَتْ وَحَصَلَتْ قَوْلُهُ لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي الْمُسَبِّحُ هُنَا الْمُتَنَفِّلُ بِالصَّلَاةِ والسبحة هنا صلاة النفل وقوله لو كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ مَعْنَاهُ لَوِ اخْتَرْتُ التَّنَفُّلَ لَكَانَ إِتْمَامُ فَرِيضَتِي أَرْبَعًا أَحَبُّ إِلَيَّ وَلَكِنِّي لَا أَرَى وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلِ السُّنَّةُ الْقَصْرُ وَتَرْكُ التَّنَفُّلِ وَمُرَادُهُ النَّافِلَةُ الرَّاتِبَةُ مَعَ الْفَرَائِضِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ وَأَمَّا النوافل المطلقة فقد كان بن عُمَرَ يَفْعَلُهَا فِي السَّفَرِ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا كَمَا ثَبَتَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الصَّحِيحِ عَنْهُ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ فِي السَّفَرِ وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ فكرهها بن عُمَرَ وَآخَرُونَ وَاسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالْجُمْهُورُ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ فِي نَدْبِ الرَّوَاتِبِ وَحَدِيثُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضُّحَى يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ وَرَكْعَتَيِ الصُّبْحِ حِينَ نَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَحَادِيثُ أُخَرَ صَحِيحَةٌ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْقِيَاسِ عَلَى النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الرواتب في رحله ولا يراه بن عُمَرَ فَإِنَّ النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ أَوْ لَعَلَّهُ تَرَكَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى جَوَازِ تَرْكِهَا وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِتَرْكِهَا مِنْ أَنَّهَا لَوْ شُرِعَتْ لَكَانَ إِتْمَامُ الْفَرِيضَةِ أَوْلَى فَجَوَابُهُ أَنَّ الْفَرِيضَةَ مُتَحَتِّمَةٌ فَلَوْ شُرِعَتْ تَامَّةً لَتَحَتَّمَ إِتْمَامُهَا وَأَمَّا النَّافِلَةُ فَهِيَ إِلَى خِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ فَالرِّفْقُ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً وَيَتَخَيَّرُ إِنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَحَصَلَ ثَوَابُهَا وَإِنْ شاء تركها ولا شيء عليه قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ بن عُمَرَ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هذا في حديث بن عُمَرَ قَالَ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا وَفِي رِوَايَةٍ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ سِتَّ سِنِينَ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ عُثْمَانَ
(5/198)

أَتَمَّ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَتِهِ وَتَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ مِنًى وَالرِّوَايَاتُ الْمَشْهُورَةُ بِإِتْمَامِ عُثْمَانَ بَعْدَ صَدْرٍ مِنْ خِلَافَتِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِتْمَامِ بِمِنًى خَاصَّةً وَقَدْ فَسَّرَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ إِتْمَامَ عُثْمَانَ إِنَّمَا كَانَ بِمِنًى وَكَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَصْرَ مَشْرُوعٌ بِعَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى لِلْحَاجِّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرِينَ وَقَالَ مَالِكٌ يُقْصِرُ أَهْلُ مَكَّةَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَاتٍ فَعِلَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ النُّسُكُ وَعِنْدَ الجمهور علته السفر والله أعلم قَوْلُهُ

[690] صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ وَذِي الْحُلَيْفَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَيُقَالُ سَبْعَةٌ هَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إِلَّا فِي سَفَرٍ يَبْلُغُ مَرْحَلَتَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ شَرْطُهُ ثَلَاثُ مَرَاحِلٍ وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ آثَارًا عَنِ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ
(5/199)

أَنَّهُ حِينَ سَافَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَدْرَكَتْهُ الْعَصْرُ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ كَانَ غَايَةَ سَفَرِهِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ قَطْعًا وَأَمَّا ابْتِدَاءُ الْقَصْرِ فَيَجُوزُ مِنْ حِينِ يُفَارِقُ بُنْيَانَ بَلَدِهِ أَوْ خِيَامَ قَوْمِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ هَذَا جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ وَتَفْصِيلُهُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا رِوَايَةً ضَعِيفَةً عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وجماعة من أصحاب بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ قَصَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ فِي يَوْمِ خُرُوجِهِ حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُنَابِذَةٌ لِلسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ

[691] قَوْلُهُ يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ الْهُنَائِيُّ هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَبَعْدَهَا نُونٌ مُخَفَّفَةٌ وَبِالْمَدِّ الْمَنْسُوبِ إِلَى هَنَاءَ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَهْمٍ قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ هَذَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ وَإِنَّمَا وَقَعَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَسْفَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَا كَانَ يُسَافِرُ سَفَرًا طَوِيلًا فَيَخْرُجُ عِنْدَ حُضُورِ فَرِيضَةٍ مَقْصُورَةٍ وَيَتْرُكُ قَصْرَهَا بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَيُتِمُّهَا وَإِنَّمَا كَانَ يُسَافِرُ بَعِيدًا مِنْ وَقْتِ الْمَقْصُورَةِ فَتُدْرِكُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ أكْثَرَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيُصَلِّيهَا حِينَئِذٍ وَالْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ مَعَ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مُتَعَاضِدَاتٍ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَمَّى مسافرا
(5/200)

وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[692] قَوْلُهُ وَحَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدِ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ رَأَيْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ فَمَنْ بَعْدَهُ وَتَقَدَّمَتْ لِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ بَاقِيهَا فِي مَوَاضِعِهَا ان شاء الله تعالى ويزيد بن خمير بضم الخاء المعجمة ونفير بضم النون وفتح الفاء والسمط بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَيُقَالُ السَّمِطُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ دَلِيلٌ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ بِحَالٍ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْقَصْرُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا غَايَةَ السَّفَرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ قَصَرَ شُرَحْبِيلُ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ مِيلًا أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ فَعَلَ شَيْئًا يُخَالِفُ الْجُمْهُورَ أَوْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ لَا أَنَّهَا غَايَتُهُ وَهَذَا التَّأْوِيلُ ظَاهِرٌ وَبِهِ يَصِحُّ احْتِجَاجُهُ بِفِعْلِ عُمَرَ وَنَقْلُهُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ أَتَى أَرْضًا يُقَالُ لَهَا دُومَيْنِ مِنْ حِمْصَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا هِيَ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَالْوَاوُ سَاكِنَةٌ
(5/201)

وَالْمِيمُ مَكْسُورَةٌ وَحِمْصُ لَا يَنْصَرِفُ وَإِنْ كَانَتِ اسْمًا ثُلَاثِيًّا سَاكِنَ الْأَوْسَطِ لِأَنَّهَا عَجَمِيَّةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْعُجْمَةُ وَالْعَلَمِيَّةُ وَالتَّأْنِيثُ كَمَاهَ وَجَوْرَ وَنَظَائِرِهِمَا

[693] قَوْلُهُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ قُلْتُ كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ قَالَ عَشْرًا هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقَامَ فِي مَكَّةَ وَمَا حَوَالَيْهَا لَا فِي نَفْسِ مَكَّةَ فَقَطْ وَالْمُرَادُ فِي سَفَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدِمَ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَأَقَامَ بِهَا الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ وَخَرَجَ مِنْهَا فِي الثَّامِنِ إِلَى مِنًى وَذَهَبَ إِلَى عَرَفَاتٍ فِي التَّاسِعِ وَعَادَ إِلَى مِنًى فِي الْعَاشِرِ فَأَقَامَ بِهَا الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَنَفَرَ فِي الثَّالِثَ عَشَرَ إِلَى مَكَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ فَمُدَّةُ إِقَامَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ وَحَوَالَيْهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهَا كُلِّهَا فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى إِقَامَةً دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سِوَى يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ يَقْصُرُ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ إِقَامَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ هُوَ وَالْمُهَاجِرُونَ ثَلَاثًا بِمَكَّةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ إِقَامَةً شَرْعِيَّةً
(5/202)

وَأَنَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَا يُحْسَبَانِ مِنْهَا وَبِهَذِهِ الْجُمْلَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَفِيهَا خلاف منتشر للسلف

[694] قَوْلُهُ بِمِنًى وَغَيْرِهِ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ مِنًى تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ بِحَسَبِ الْقَصْدِ إِنْ قَصَدَ الْمَوْضِعَ فَمُذَكَّرٌ أَوِ الْبُقْعَةَ فَمُؤَنَّثَةٌ وَإِذَا ذُكِّرَ صُرِفَ وَكُتِبَ بِالْأَلِفِ وَإِنْ أُنِّثَ لَمْ يُصْرَفْ وَكُتِبَ بِالْيَاءِ وَالْمُخْتَارُ تَذْكِيرُهُ وَتَنْوِينُهُ وَسُمِّيَ مِنًى لِمَا يُمْنَى بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ أَيْ يُرَاقُ قَوْلُهُ خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَسَبَقَ بيانه في
(5/203)

أَوَّلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ

[695] قَوْلُهُ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ مَعْنَاهُ لَيْتَ عُثْمَانَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَدَلَ الْأَرْبَعِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِي صَدْرِ خلافته يفعلون وَمَقْصُودُهُ كَرَاهَةُ مُخَالَفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَاهُ وَمَعَ هَذَا فَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُوَافِقٌ عَلَى جَوَازِ الْإِتْمَامِ وَلِهَذَا كَانَ يُصَلِّي وَرَاءَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُتِمًّا وَلَوْ كَانَ الْقَصْرُ عِنْدَهُ وَاجِبًا لَمَا اسْتَجَازَ تَرْكَهُ وَرَاءَ أَحَدٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَذُكِرَ
(5/204)

ذَلِكَ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاسْتَرْجَعَ فَمَعْنَاهُ كَرَاهَةُ الْمُخَالَفَةِ فِي الْأَفْضَلِ كَمَا سَبَقَ قَوْلُهُ قَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرٌ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مُكَبَّرٌ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَكْثَرِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تاريخه وبن أبي حاتم وبن عَبْدِ الْبَرِّ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّهُ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُصَغَّرٌ وَأُمُّهُ مُلَيْكَةُ بِنْتُ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيُّ تَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَوْلَدَهَا ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأُخْتُهُ حَفْصَةُ فَأُمُّهُمَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَظْعُونٍ

(باب الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ)
[697] قَوْلُهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةً بَارِدَةً أَوْ ذَاتِ مَطَرٍ في
(5/205)

السَّفَرِ أَنْ يَقُولَ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ

[698] وَفِي رِوَايَةٍ لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رحله وفي حديث بن عباس رضي الله عنهما أنه قال لمؤذن فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا فَقَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ
(5/206)

وَالدَّحْضِ وَفِي رِوَايَةٍ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَخْفِيفِ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَعْذَارِ وَأَنَّهَا مُتَأَكِّدَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِمَنْ تَكَلَّفَ الْإِتْيَانَ إِلَيْهَا وَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي السَّفَرِ وَأَنَّ الْأَذَانَ مشروع في السفر وفي حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ وَفِي حديث بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأُمِّ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ وَتَابَعَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ فَيَجُوزُ بَعْدَ الْأَذَانِ وَفِي أَثْنَائِهِ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ فِيهِمَا لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ أَحْسَنُ لِيَبْقَى نَظْمُ الْأَذَانِ عَلَى وَضْعِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَقُولُهُ إِلَّا بَعْدَ الفراغ وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وبين الحديث الأول حديث بن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِأَنَّ هَذَا جَرَى فِي وَقْتٍ وَذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الرِّحَالُ الْمَنَازِلُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَخَشَبٍ أَوْ شَعْرٍ وَصُوفٍ وَوَبَرٍ وَغَيْرِهَا وَاحِدُهَا رَحْلٌ قَوْلُهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ هُوَ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَهُوَ جَبَلٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ

[699] قَوْلُهُ إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ بِإِسْكَانِ الزَّايِ أَيْ وَاجِبَةٌ مُتَحَتِّمَةٌ فَلَوْ قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ لَكُلِّفْتُمُ الْمَجِيءَ إِلَيْهَا وَلَحِقَتْكُمُ الْمَشَقَّةَ قَوْلُهُ كَرِهْتُ أَنْ أَحْرِجَكُمْ هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْحَرَجِ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وكذا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَاتِهِمْ قَوْلُهُ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ الدَّحْضُ وَالزَّلَلُ هَكَذَا هُوَ بِاللَّامَيْنِ وَالدَّحْضُ وَالزَّلَلُ وَالزَّلَقُ وَالرَّدْغُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَرَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ رَزَغٌ بِالزَّايِ بَدَلَ الدَّالِ بِفَتْحِهَا وَإِسْكَانِهَا
(5/207)

وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ بِمَعْنَى الرَّدْغِ وَقِيلَ هُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يَبُلُّ وَجْهَ الْأَرْضِ قَوْلُهُ وَحَدَّثَنِيهِ أبو الربيع الْعَتَكِيُّ هُوَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ الْقَاضِي كَذَا وَقَعَ هُنَا جَمْعٌ بَيْنَ الْعَتَكِيِّ وَالزَّهْرَانِيِّ وَتَارَةً يَقُولُ الْعَتَكِيُّ فَقَطْ وَتَارَةً الزَّهْرَانِيُّ قَالَ وَلَا يَجْتَمِعُ الْعَتَكُ وَزَهْرَانُ إِلَّا فِي جَدِّهِمَا لِأَنَّهُمَا ابْنَا عَمٍّ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَطْنِ الْآخَرِ لِأَنَّ زَهْرَانَ بْنَ الْحَجْرِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ عُمَرَ والعتك بن أحد بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ آخَرِينَ وَعَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خِلَافُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(5/208)

(باب جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السفر حيث توجهت)

[700] قوله عن بن عُمَرَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ وَفِي رِوَايَةٍ يُصَلِّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ وَفِيهِ نَزَلَتْ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُوَجَّهٌ إِلَى خَيْبَرَ وَفِي رِوَايَةٍ
(5/209)

كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ وَفِي رِوَايَةٍ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ التَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ وَهَذَا جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ وَلَا يَجُوزُ التَّرَخُّصُ بِشَيْءٍ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ لِعَاصٍ بِسَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ سَافَرَ لِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ لِقِتَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ عَاقًّا وَالِدَهُ أَوْ أبِقًا مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ نَاشِزَةً عَلَى زَوْجِهَا وَيُسْتَثْنَى الْمُتَيَمِّمُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ وَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ سَوَاءٌ قَصِيرُ السَّفَرِ وَطَوِيلُهُ فَيَجُوزُ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْجَمِيعِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْبَلَدِ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ قَوْلٌ
(5/210)

غَرِيبٌ مَحْكِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْبَلَدِ وَهُوَ مَحْكِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَكْتُوبَةَ لَا تَجُوزُ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَا عَلَى الدَّابَّةِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ فَلَوِ أَمْكَنَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عَلَى الدَّابَّةِ وَاقِفَةً عَلَيْهَا هَوْدَجٌ أَوْ نَحْوُهُ جَازَتِ الْفَرِيضَةُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي مَذْهَبِنَا فَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً لَمْ تَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ لِلشَّافِعِيِّ وَقِيلَ تَصِحُّ كَالسَّفِينَةِ فَإِنَّهَا يَصِحُّ فِيهَا الْفَرِيضَةُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ فِي رَكْبٍ وَخَافَ لَوْ نَزَلَ لِلْفَرِيضَةِ انْقَطَعَ عَنْهُمْ وَلَحِقَهُ الضَّرَرُ قَالَ أَصْحَابُنَا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ عَلَى الدَّابَّةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَتَلْزَمُهُ إِعَادَتُهَا لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ قَوْلُهُ وَيُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوِتْرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ وَاجِبٌ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ دَلِيلُنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فَإِنْ قِيلَ فَمَذْهَبُكُمْ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فقد صح فعله لَهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْعُمُومِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الرَّاحِلَةِ كَالظُّهْرِ فَإِنْ قِيلَ الظُّهْرُ فَرْضٌ وَالْوِتْرُ وَاجِبٌ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ قُلْنَا هَذَا الْفَرْقُ اصْطِلَاحٌ لَكُمْ لَا يُسَلِّمُهُ لَكُمُ الْجُمْهُورُ وَلَا يَقْتَضِيهِ شَرْعٌ وَلَا لُغَةٌ وَلَوْ سُلِّمَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ مُعَارَضَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا تَنَفُّلُ رَاكِبِ السَّفِينَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا إِلَى الْقِبْلَةِ إِلَّا مَلَّاحَ السَّفِينَةِ فَيَجُوزُ لَهُ إِلَى غَيْرِهَا لِحَاجَةٍ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ كَمَذْهَبِنَا وَرِوَايَةٌ بِجَوَازِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ لِكُلِّ أَحَدٍ قَوْلُهُ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَيُصَلِّي سُبْحَتَهُ أَيْ يَتَنَفَّلُ وَالسُّبْحَةُ بِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ النافلة قوله حيثما توجهت به راجلته يَعْنِي فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ تَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِ الْمَقْصِدِ فَإِنْ كَانَ إِلَى القبلة جاز وإلا فلا قَوْلُهُ وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ مُتَوَجِّهٌ وَيُقَالُ قَاصِدٌ وَيُقَالُ مُقَابِلٌ قَوْلُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ قَالُوا وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَوْ عَلَى الْبَعِيرِ وَالصَّوَابُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْحِمَارِ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عَمْرٍو هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَمُتَابِعِيهِ وَفِي الْحُكْمِ بِتَغْلِيطِ رِوَايَةِ عَمْرٍو نَظَرٌ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ نَقَلَ شَيْئًا مُحْتَمَلًا فلعله كان لحمار مَرَّةً وَالْبَعِيرُ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إِنَّهُ شَاذٌّ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ في البعيد والراحلة
(5/211)

وَالشَّاذُّ مَرْدُودٌ وَهُوَ الْمُخَالِفُ لِلْجَمَاعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[702] قَوْلُهُ تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ وَقِيلَ إِنَّهُ وَهْمٌ وَصَوَابُهُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْبَصْرَةِ لِلِقَائِهِ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ قُلْتُ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ وَمَعْنَاهَا تَلَقَّيْنَاهُ فِي رُجُوعِهِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ وَإِنَّمَا حَذَفَ ذِكْرَ رُجُوعِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ)
[703] قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ أَيَّتهِمَا شَاءَ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَفِي جَوَازِهِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَالطَّوِيلُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً وَهُوَ مَرْحَلَتَانِ مُعْتَدِلَتَانِ كَمَا سَبَقَ وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ هُوَ فِي الْمَنْزِلِ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ إِلَيْهَا وَلِمَنْ هُوَ سَائِرٌ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَيَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزِلُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إِلَى الثَّانِيَةِ وَلَوْ خَالَفَ فِيهِمَا جَازَ وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ وَشَرْطُ
(5/212)

الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَنْ يُقَدِّمَهَا وَيَنْوِيَ الجمع قبل فراغه من الأولى وأن لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَرَادَ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَجَبَ أَنْ يَنْوِيَهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَيَكُونَ قَبْلَ ضِيقِ وَقْتِهَا بِحَيْثُ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَأَكْثَرَ فَإِنْ أَخَّرَهَا بِلَا نِيَّةٍ عَصَى وَصَارَتْ قَضَاءً وَإِذَا أَخَّرَهَا بِالنِّيَّةِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى أَوَّلًا وَأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَذَا مُخْتَصَرُ أَحْكَامِ الْجَمْعِ وَبَاقِي فُرُوعِهِ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَا يَجُوزُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِاسْتِمْرَارِهِ إِلَى الثَّانِيَةِ وَشَرْطُ وُجُودِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ يَمْشِي إِلَى الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ كِنٍّ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ بَلَلُ الْمَطَرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا فِي الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ وَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَخَصَّهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَجَوَّزَهُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلِيلِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عليه في شرح حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِسَبَبِ السَّفَرِ وَلَا الْمَطَرِ وَلَا الْمَرَضِ وَلَا غَيْرِهَا إِلَّا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَاتٍ بِسَبَبِ النُّسُكِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بِسَبَبِ النُّسُكِ أَيْضًا وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في حديث بن عُمَرَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَفِيهِ إِبْطَالُ تَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَمْعِ تَأْخِيرُ الْأُولَى إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَتَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِهَا وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ
(5/213)

الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَوْضَحُ دَلَالَةً وَهِيَ قَوْلُهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ بن عُمَرَ عَلَى ذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ جَوَابًا لِقَضِيَّةٍ جَرَتْ لَهُ فَإِنَّهُ اسْتَصْرَخَ عَلَى زَوْجَتِهِ فَذَهَبَ مُسْرِعًا وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَذَكَرَ ذَلِكَ بَيَانًا لِأَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى وَفْقِ السُّنَّةِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَدْ رَوَاهُ أَنَسٌ وبن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ قَوْلُهُ وَحَدَّثَنِي
(5/214)

أَبُو الطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا أَخْبَرَنَا بن وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عقيل هكذا ضبطناه ووقع في رواياتنا وروايات أَهْلَ بِلَادِنَا جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بِالْجِيمِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ بِلَادِنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَكَذَا وَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمَغَارِبَةِ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ بِاتِّفَاقِهِمْ جَابِرٌ بِالْجِيمِ وَهُوَ جابر بن إسماعيل الحضرمي الْمِصْرِيُّ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِذَا عَجَّلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ عَجَّلَ عَلَيْهِ وَهُوَ بِمَعْنَى عَجَّلَ بِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الباقية

[705] قوله في حديث بن عَبَّاسٍ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خوف ولا سفر وقال بن عَبَّاسٍ حِينَ سُئِلَ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ
(5/215)

وفي الرواية الأخرى عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي سُفْرَةٍ سَافَرَهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِثْلُهُ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ فِي غزوة تبوك وقال مثل كلام بن عباس وفي الرواية الأخرى عن بن عَبَّاسٍ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
(5/216)

بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَمْرِو بن دينار عن أبي الشعثاء جابر بن زيد عن بن عَبَّاسٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيًّا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا قُلْتُ يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ قَالَ وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن شقيق قال خطبنا بن عَبَّاسٍ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَبَدَتِ النُّجُومُ وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمٍ فَجَعَلَ لَا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة فقال بن عباس أتعلمني
(5/217)

بِالسُّنَّةِ لَا أُمَّ لَكَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَسَأَلْتُهُ فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ فِي مُسْلِمٍ كَمَا تَرَاهَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا تَأْوِيلَاتٌ وَمَذَاهِبُ وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ لَيْسَ فِي كِتَابِي حَدِيثٌ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ إِلَّا حَدِيثَ بن عَبَّاسٍ فِي الْجَمْعِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ وَحَدِيثَ قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي حديث شارب الخمر هو كما قاله فَهُوَ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَسْخِهِ وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ بَلْ لَهُمْ أَقْوَالٌ مِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بِعُذْرِ الْمَطَرِ وَهَذَا مَشْهُورٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْكِبَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْمٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ وَبَانَ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ دَخَلَ فَصَلَّاهَا وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَدْنَى احْتِمَالٍ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لَا احْتِمَالَ فِيهِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى تَأْخِيرِ الْأُولَى إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا فَصَلَّاهَا فِيهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا دَخَلَتِ الثَّانِيَةُ فَصَلَّاهَا فَصَارَتْ صَلَاتُهُ صُورَةَ جَمْعٍ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل وفعل بن عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ حِينَ خَطَبَ وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْحَدِيثِ لِتَصْوِيبِ فِعْلِهِ وَتَصْدِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهُ وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ صَرِيحٌ فِي رَدِّ هَذَا التَّأْوِيلِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَمْعِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَعْذَارِ وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي تَأْوِيلِهِ لظاهر الحديث ولفعل بن عَبَّاسٍ وَمُوَافَقَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ
(5/218)

أَشَدُّ مِنَ الْمَطَرِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِي الْحَضَرِ لِلْحَاجَةِ لِمَنْ لا يتخذه عادة وهو قول بن سِيرِينَ وَأَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ وَالشَّاشِيُّ الْكَبِيرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أصحاب الحديث واختاره بن المنذر ويؤيده ظاهر قول بن عباس أراد أن لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ فَلَمْ يُعَلِّلْهُ بِمَرَضٍ وَلَا غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نسخ بلادنا وكذا نقله القاض عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ عَمْرُو بْنُ وَاثِلَةَ وَكَذَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُصُولِ بِلَادِنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى لِمُسْلِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرٍ فَهُوَ عَامِرٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ هُنَا وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالْمَشْهُورُ فِي أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرٍ وَقِيلَ عَمْرٌو وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْمُعْتَمَدُ الْمَعْرُوفُ عَامِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ هُوَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَتَيْنِ وَالرَّاءُ مُشَدَّدَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ وَمِنْ فَوْقُ قَوْلُهُ فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ هُوَ بِالْحَاءِ وَالْكَافِ أَيْ وَقَعَ فِي نَفْسِي نَوْعُ شَكٍّ وَتَعَجُّبٍ وَاسْتِبْعَادٍ يُقَالُ حَاكَ يَحِيكُ وَحَكَّ يَحِكُّ واحتك وحكى الخليل أيضا احاك وأنكرها بن دُرَيْدٍ قَوْلُهُ لَا أُمَّ لَكَ هُوَ كَقَوْلِهِمْ لَا أَبَ لَهُ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ

(باب جَوَازِ الِانْصِرَافِ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ)
[707] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ وَوَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ الْأَعْمَشُ وعمارة والأسود قوله في حديث بن مَسْعُودٍ لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا لَا يَرَى
(5/219)

إلا أن حقا عليه أن لا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ

[708] وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا فَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْأَكْثَرُ فِيمَا يَعْلَمُهُ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِمَا وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَمَّا الكراهة التي اقتضاها كلام بن مسعود فليست بسبب أصل للإنصراف عَنِ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَالِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ مَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ مَنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُخْطِئٌ وَلِهَذَا قَالَ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا ذَمَّ مَنْ رَآهُ حَقًّا عَلَيْهِ ومذهبنا أنه لا كراهة في واحد مِنَ الْأَمْرَيْنِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ فَإِنْ اسْتَوَى الْجِهَتَانِ فِي الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَضْلِ الْيَمِينِ فِي بَابِ الْمَكَارِمِ وَنَحْوِهَا هَذَا صَوَابُ الْكَلَامِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ يُقَالُ فِيهِمَا خِلَافُ الصَّوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(5/220)

(بَابُ اسْتِحْبَابِ يَمِينِ الْإِمَامِ)
[709] فِيهِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّيَامُنُ عِنْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ عَادَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ جَمِيعَهُمْ بِوَجْهِهِ قَالَ وَإِقْبَالُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ الصَّلَاةِ أو يكون حين ينفتل

(باب كراهة المشوع في نافلة بعد شروع المؤذن)
في إقامة الصلاة سوى السنة الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرها سواء علم أنه يدرك الركعة مع الإمام أم ل

[710] اقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى
(5/221)

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَقَالَ يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا فِيهَا النَّهْيُ الصَّرِيحُ عَنِ افْتِتَاحِ نَافِلَةٍ بَعْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ رَاتِبَةً كَسُنَّةِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوْ غَيْرِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الصُّبْحِ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَقَالَ
(5/222)

الثَّوْرِيُّ مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّيهِمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَلَا يُصَلِّيهِمَا بعد الإقامة في المسجد قوله ص أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ لِلصُّبْحِ إِلَّا الْفَرِيضَةُ فَإِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ نَافِلَةً بَعْدَ الْإِقَامَةِ ثُمَّ صَلَّى مَعَهُمُ الْفَرِيضَةَ صَارَ فِي مَعْنَى مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الْإِقَامَةِ أَرْبَعًا قَالَ الْقَاضِي وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ أَنْ لَا يَتَطَاوَلَ عَلَيْهَا الزَّمَانُ فَيُظَنُّ وُجُوبُهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلْفَرِيضَةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَيَشْرَعُ فِيهَا عَقِبَ شُرُوعِ الْإِمَامِ وَإِذَا اشْتَغَلَ بِنَافِلَةٍ فَاتَهُ الْإِحْرَامُ مَعَ الْإِمَامِ وَفَاتَهُ بَعْضَ مُكَمِّلَاتِ الْفَرِيضَةِ فَالْفَرِيضَةُ أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى إِكْمَالِهَا قَالَ الْقَاضِي وَفِيهِ حِكْمَةٌ أخرى وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة قَوْلُهُ قَالَ حَمَّادٌ ثُمَّ لَقِيتُ عَمْرًا فَحَدَّثَنِي بِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَرَفْعِهِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ رَفَعُوهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ أَصَحُّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ أَنَّ الرَّفْعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَ عَدَدُ الرَّفْعِ أَقَلَّ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ

[711] قَوْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مالك بن بحينة ثم قال مسلم قال القعني عبد الله بن مالك بن بُحَيْنَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ قَوْلُهُ عن أبيه فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ أَبُو الْحُسَيْنِ هُوَ مُسْلِمٌ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُسْلِمٌ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَوْلُهُ عَنِ أَبِيهِ خَطَأٌ وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْقِشْبِ بكسر القاف وبالشين المعجمة الساكنة بحينة أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ وَالصَّوَابُ فِي كِتَابَتِهِ وَقِرَاءَتِهِ عبد الله بن مالك بن بحينة بتنوين مالك وكتابة بن بِالْأَلِفِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ
(5/223)

وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا يَقُولُ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ أَحَطْنَا يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَفِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَحَطْنَا بِهِ

[712] قَوْلُهُ دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يَا فُلَانُ بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ أَمْ بِصَلَاتِكِ مَعَنَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْإِقَامَةِ نَافِلَةً وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إباحة تسمية الصبح غداة وقد سبقت نَظَائِرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ)
[713] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أبواب رحمتك وإذا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذَا الذِّكْرِ وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ أَذْكَارٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَقَدْ جَمَعْتُهَا مُفَصَّلَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَمُخْتَصَرُ مَجْمُوعِهَا أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَسَلِّمِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَفِي الخروج
(5/224)

يَقُولُهُ لَكِنْ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ قَوْلُهُ الْحِمَّانِيُّ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ قَالَ السَّمْعَانِيُّ هِيَ نِسْبَةٌ إِلَى بَنِي حِمَّانَ قَبِيلَةٍ نَزَلَتِ الْكُوفَةَ

(باب اسْتِحْبَابِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ وَكَرَاهَةِ الْجُلُوسِ قَبْلَ صَلَاتِهِمَا)
وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ

[714] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ وَفِي الرواية
(5/225)

الْأُخْرَى فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ وَهِيَ سُنَّةٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ وُجُوبَهُمَا وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهَةِ الْجُلُوسِ بِلَا صَلَاةٍ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّحِيَّةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ دَخَلَ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ وَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَمَّا لَا سَبَبَ لَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ قَضَاءَ سُنَّةِ الظُّهْرِ فَخَصَّ وَقْتَ النَّهْيِ وَصَلَّى بِهِ ذَاتَ السَّبَبِ وَلَمْ يَتْرُكِ التَّحِيَّةَ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ بَلْ أَمَرَ الَّذِي دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَجَلَسَ أَنْ يَقُومَ فَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ مَمْنُوعٌ مِنْهَا إِلَّا التَّحِيَّةَ فَلَوْ كَانَتِ التَّحِيَّةُ تُتْرَكُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَتُرِكَتِ الْآنَ لِأَنَّهُ قَعَدَ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ قَبْلَ الْقُعُودِ وَلِأَنَّهُ كَانَ يَجْهَلُ حُكْمَهَا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ خُطْبَتَهُ وَكَلَّمَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ فَلَوْلَا شِدَّةُ الِاهْتِمَامِ بِالتَّحِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لَمَا اهْتَمَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الِاهْتِمَامَ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ التَّحِيَّةَ بَلْ تَكْفِيهِ رَكْعَتَانِ مِنْ فَرْضٍ أو سنة راتبة أو غيرهما ولو نَوَى بِصَلَاتِهِ التَّحِيَّةَ وَالْمَكْتُوبَةَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ وَحَصَلَتَا لَهُ وَلَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ سَجَدَ شُكْرًا أَوْ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ صَلَّى رَكْعَةً بِنِيَّةِ التَّحِيَّةِ لَمْ تَحْصُلْ التَّحِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَحْصُلُ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَدَلِيلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ إِكْرَامُ الْمَسْجِدِ وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَأَوَّلُ مَا يَدْخُلُهُ الْحَاجُّ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ فَهُوَ تَحِيَّتُهُ وَيُصَلِّي بَعْدَهُ رَكْعَتَيِ الطواف
(5/226)

(باب استحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه)
فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ جَابِرٌ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلِي وَقَدِمْتُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ الْآنَ جِئْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَدَعْ جَمَلَكَ ثُمَّ ادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَفِيهِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى فإذا قدم بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ
(5/227)

رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرِهِ فِي الْمَسْجِدِ أَوَّلَ قُدُومِهِ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ مَقْصُودَةٌ لِلْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ لَا أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ صَرِيحَةٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْقُدُومِ أَوَائِلَ النَّهَارِ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ الْكَبِيرِ فِي الْمَرْتَبَةِ وَمَنْ يَقْصِدُهُ النَّاسُ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْعُدَ أَوَّلَ قُدُومِهِ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ سَهْلٍ عَلَى زَائِرِيهِ إِمَّا الْمَسْجِدُ وَإِمَّا غَيْرُهُ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ هُوَ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ مُهْمَلَةٍ وَسِينٍ قَوْلُهُ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ بِكَسْرِ الدَّالِ وَبِالثَّاءِ المُثَلَّثَةِ قَوْلُهُ كَانَ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي فِيهِ اسْتِحْبَابُ أَدَاءِ الدَّيْنِ زَائِدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ)
وَأَكْمَلَهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَأَوْسَطَهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتٌّ وَالْحَثِّ عَلَى المحافظة عليها

[717]

[718] في الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ وَأَنَّهَا
(5/228)

مَا رَأَتْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ قَالَتْ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ وَفِي رِوَايَةٍ مَا شَاءَ اللَّهُ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءَ رَكْعَتَانِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهَا عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ
(5/229)

وَحَاصِلُهَا أَنَّ الضُّحَى سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْمَلُهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعٌ أَوْ سِتٌّ كِلَاهُمَا أَكْمَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَدُونَ ثَمَانٍ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ فِي نَفْيِ صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضُّحَى وَإِثْبَاتِهَا فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّيهَا بَعْضَ الْأَوْقَاتِ لِفَضْلِهَا وَيَتْرُكُهَا فِي بَعْضِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ كَمَا ذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ وَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهَا مَا كَانَ يُصَلِّيهَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ مَا رَأَيْتُهُ كَمَا قَالَتْ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى وَسَبَبُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَكُونُ عِنْدَ عَائِشَةَ فِي وَقْتِ الضُّحَى إِلَّا فِي نَادِرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُسَافِرًا وَقَدْ يَكُونُ حَاضِرًا وَلَكِنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِذَا كَانَ عِنْدَ نِسَائِهِ فَإِنَّمَا كَانَ لَهَا يَوْمٌ مِنْ تِسْعَةٍ فَيَصِحُّ قَوْلُهَا مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهَا وَتَكُونُ قَدْ عَلِمَتْ بِخَبَرِهِ أَوْ خَبَرِ غَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا أَوْ يُقَالُ قَوْلُهَا مَا كَانَ يُصَلِّيهَا أَيْ مَا يُدَاوِمُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ نَفْيًا لِلْمُدَاوَمَةِ لَا لِأَصْلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الضُّحَى هِيَ بِدْعَةٌ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّظَاهُرَ بِهَا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِدْعَةٌ لَا أَنَّ أَصْلَهَا فِي الْبُيُوتِ وَنَحْوِهَا مَذْمُومٌ أَوْ يُقَالُ قَوْلُهُ بِدْعَةٌ أَيِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ وَهَذَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِحْبَابُ الْمُحَافَظَةِ فِي حَقِّنَا بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ أو يقال أن بن عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضُّحَى وَأَمْرُهُ بِهَا وَكَيْفَ كَانَ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الضُّحَى وَإِنَّمَا نُقِلَ التوقف فيها عن بن مسعود وبن عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[718] قَوْلُهُ سُبْحَةُ الضُّحَى بِضَمِّ السِّينِ أَيْ نَافِلَةُ الضُّحَى قَوْلُهَا لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْمَلَهُ وَفِيهِ بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ مَصَالِحُ قُدِّمَ أَهَمُّهَا قَوْلُهُ يَزِيدُ الرِّشْكِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ قَوْلُهُ أُمِّ هَانِئٍ هُوَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ النُّونِ
(5/230)

كُنِّيَتْ بِابْنِهَا هَانِئٍ وَاسْمُهَا فَاخِتَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ هِنْدُ قَوْلُهُ سَأَلْتُ وَحَرَصْتُ هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَفِي لُغَةٍ بِكَسْرِهَا قَوْلُهُ إِنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ وَفِي رِوَايَةٍ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ هُوَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ حَقِيقَةً وَيُضَافُ إِلَى عَقِيلٍ مَجَازًا لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ وَانْتِمَائِهِ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَوْلَى أُخْتِهِ قَوْلُهَا سَلَّمْتُ فِيهِ سَلَامُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْرَمٍ عَلَى الرَّجُلِ بِحَضْرَةِ مَحَارِمِهِ قَوْلُهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قُلْتُ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُنِّيَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ إِذَا اشْتَهَرَ بِالْكُنْيَةِ وفيه أنه إذا استأذن أن يَقُولُ الْمُسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ مَنْ هَذَا فَيَقُولُ الْمُسْتَأْذِنُ فُلَانٌ بِاسْمِهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ بِهِ الْمُخَاطَبُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِزَائِرِهِ وَالْوَارِدِ عَلَيْهِ مَرْحَبًا وَنَحْوَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِكْرَامِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَمَعْنَى مَرْحَبًا صَادَفْتَ رَحْبًا أَيْ سَعَةً وَسَبَقَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ فِي حَالِ الِاغْتِسَالِ وَالْوُضُوءِ وَلَا بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ
(5/231)

الْبَائِلِ وَفِيهِ جَوَازُ الِاغْتِسَالِ بِحَضْرَةِ امْرَأَةٍ مِنْ مَحَارِمِهِ إِذَا كَانَ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ عَنْهَا وَجَوَازُ تَسْتِيرِهَا إِيَّاهُ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَالِالْتِحَافِ بِهِ مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زعم بن أُمِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّ مَنْ قَصَدَ إِنْسَانًا لِحَاجَةٍ وَمَطْلُوبٍ فَوَجَدَهُ مُشْتَغِلًا بِطَهَارَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ يَقْطَعْهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَفْرُغَ ثُمَّ يَسْأَلَ حَاجَتَهُ إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَهَا وَقَوْلُهَا زَعَمَ مَعْنَاهُ هُنَا ذَكَرَ أَمْرًا لَا أَعْتَقِدُ مُوَافَقَتَهُ فِيهِ وإنما قالت بن أمي مع أنه بن أُمِّهَا وَأَبِيهَا لِتَأْكِيدِ الْحُرْمَةِ وَالْقَرَابَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ وَكَثْرَةِ مُلَازَمَةِ الْأُمِّ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ هَارُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بن أم لا تأخذ بلحيتي وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْمَرْأَةِ قَالُوا وَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ حُكْمُ الشَّرْعِ صِحَّةُ جَوَازِ مَنْ أَجَرْتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِهَذَا وَمُحْتَمِلٌ لِابْتِدَاءِ الْأَمَانِ وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِي جَمِيعِ الْحُرُوبِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَمْ هُوَ إِبَاحَةٌ رَآهَا الْإِمَامُ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ بِعَيْنِهَا فَإِذَا رَآهَا الْإِمَامُ الْيَوْمَ عَمِلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَبِالثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَيُحْتَجُّ لِلْأَكْثَرِينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا الْأَمَانَ وَلَا بَيَّنَ فَسَادَهُ وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَبَيَّنَهُ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَقَوْلُهَا فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فَرَّ إِلَيَّ رَجُلَانِ مِنْ أَحْمَايَ وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَفِي تَارِيخِ مَكَّةَ لِلْأَزْرَقِيِّ أَنَّهَا أَجَارَتْ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالثَّانِي الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَهُمَا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ يُوَضِّحُ الِاسْمَيْنِ وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ في ذلك
(5/232)

قَوْلُهَا وَذَلِكَ ضُحًى اسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُنَا وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ جَعْلِ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَمَنَعُوا دَلَالَتَهُ قَالُوا لِأَنَّهَا إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ وَقْتِ صَلَاتِهِ لَا عَنْ نِيَّتِهَا فَلَعَلَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْفَتْحِ وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ فَاسِدٌ بَلِ الصَّوَابُ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أمِّ هَانِئٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ

[720] قَوْلُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ فِي ضَبْطِهِ خِلَافٌ وَكَلَامٌ طَوِيلٌ سَبَقَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَأَصْلُهُ عِظَامُ الْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْكَفِّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي جَمِيعِ عِظَامِ الْبَدَنِ وَمَفَاصِلِهِ وَسَيَأْتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ عَلَى كُلِّ مَفْصِلٍ صَدَقَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجْزِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى ضَبَطْنَاهُ وَيَجْزِي
(5/233)

بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ فَالضَّمُّ مِنَ الْإِجْزَاءِ وَالْفَتْحُ من جزى يجزئ أَيْ كَفَى وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا تَجْزِي نَفْسٌ وَفِي الْحَدِيثِ لَا يَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ فَضْلِ الضُّحَى وَكَبِيرِ مَوْقِعِهَا وَأَنَّهَا تَصِحُّ رَكْعَتَيْنِ

[721] قَوْلُهُ أَوْصَانِي خَلِيلِي لَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لِأَنَّ الْمُمْتَنَعَ أَنْ يَتَّخِذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ خَلِيلًا وَلَا يَمْتَنِعُ اتِّخَاذُ الصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلِيلًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ الْحَثُّ عَلَى الضُّحَى وَصِحَّتِهَا رَكْعَتَيْنِ وَالْحَثُّ عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَعَلَى الْوِتْرِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى النَّوْمِ لِمَنْ خَافَ أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللَّيْلِ وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّلُ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ لِمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ عَنْ أَبِي شَمِرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِيمَنْ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِكُنْيَتِهِ قَوْلُهُ عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ والجيم وهو العالم وسبق بيانه
(5/234)

قَوْلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ هُوَ بِالنُّونِ بعد الحاء
(5/235)

(باب اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِمَا وَتَخْفِيفِهِمَا)
وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِمَا

[723] قَوْلُهُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فِيهِ أَنَّهُ يُسَنُّ تَخْفِيفُ سُنَّةِ الصُّبْحِ وَأَنَّهُمَا رَكْعَتَانِ قَوْلُهُ كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا سُنَّةُ الصُّبْحِ وَمَا لَهُ سَبَبٌ وَلِأَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا هَذَا وَنَقَلَهُ
(6/2)

الْقَاضِي عَنْ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَالثَّانِي لَا تَدْخُلُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى يُصَلِّيَ سُنَّةَ الصُّبْحِ وَالثَّالِثُ لَا تَدْخُلُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى يُصَلِّيَ فَرِيضَةَ الصُّبْحِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يصلي غير ركعتي السنة ولم ينه عن غيرها

[724] قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَيُخَفِّفُهُمَا وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فِيهِ أَنَّ سُنَّةَ الصُّبْحِ لَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا إِلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَاسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِهَا فِي أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَتَخْفِيفِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لَا بَأْسَ بِإِطَالَتِهِمَا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَلَمْ يُخَالِفْ فِي اسْتِحْبَابِ التَّخْفِيفِ وَقَدْ بَالَغَ قَوْمٌ فَقَالُوا لَا قِرَاءَةَ فِيهِمَا أَصْلًا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْقَاضِي وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فيهما بعد الفاتحة بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وفي رواية قولوا آمنا بالله وقل يا أهل الكتاب تعالوا وَثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
(6/3)

لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِالْقُرْآنِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْبَابِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَذَانُ الثَّانِي قَوْلُهَا يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّخْفِيفِ وَالْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِطَالَةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ نَوَافِلِهِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ قَالَ لَا تُقْرَأُ فِيهِمَا أَصْلًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ قَوْلُهَا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ فَضْلِهِمَا وَأَنَّهُمَا سُنَّةٌ لَيْسَتَا وَاجِبَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي
(6/4)

عِيَاضٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وُجُوبَهُمَا وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِقَوْلِهَا عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا فِي تَرْجِيحِ سُنَّةِ الصُّبْحِ عَلَى الْوِتْرِ لَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْوِتْرَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الْحَدِيثُ

[725] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَيْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا

[726] قَوْلُهُ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفجر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى

[727] قَرَأَ الْآيَتَيْنِ قُولُوا
(6/5)

آمنا بالله وما أنزل إلينا وقل يا أهل الكتاب تعالوا هَذَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ هَاتَانِ السُّورَتَانِ أَوِ الْآيَتَانِ كِلَاهُمَا سُنَّةً وَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ لَا يَقْرَأُ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لَا يَقْرَأُ شَيْئًا كَمَا سَبَقَ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ هَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا

(بَابٌ فَضْلُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهُنَّ وَبَيَانُ عَدَدِهِنَّ)

[728] فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ وَفِي
(6/6)

رِوَايَةٍ مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ تعالى في كل يوم ثنتي عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَفِي حَدِيثِ بن عُمَرَ قَبْلَ الظُّهْرِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَكَذَا بَعْدَهَا وبعد المغرب
(6/7)

وَالْعِشَاءِ وَالْجُمُعَةِ وَزَادَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَبْلَ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ وَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هُنَا أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ أَيْضًا وَلَيْسَ لِلْعَصْرِ ذِكْرٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَعَنِ بن عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَجَاءَ فِي أَرْبَعٍ بَعْدَ الظُّهْرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنِ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي صَحِيحِ البخاري عن بن مُغَفَّلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لمن شاء وفي الصحيحين عن بن مُغَفَّلٍ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ كُلِّ
(6/8)

أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ الْمُرَادُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ مَعَ الْفَرَائِضِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا وَاسْتَحَبُّوا جَمِيعَ هَذِهِ النَّوَافِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِلَّا فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَفِيهِمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَشْهَرُهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ والصحيح عند المحققين استحبابهما بحديثي بن مُغَفَّلٍ وَبِحَدِيثِ ابْتِدَارِهِمُ السَّوَارِيَ بِهَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَاخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فِي أَعْدَادِهَا مَحْمُولٌ عَلَى تَوْسِعَةِ الْأَمْرِ فِيهَا وَأَنَّ لَهَا أَقَلَّ وَأَكْمَلَ فَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْأَقَلِّ وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ فِعْلُ الْأَكْثَرِ الْأَكْمَلِ وَهَذَا كَمَا سَبَقَ فِي اخْتِلَافِ أَحَادِيثِ الضُّحَى وَكَمَا فِي أَحَادِيثِ الْوِتْرِ فَجَاءَتْ فِيهَا كُلِّهَا أَعْدَادُهَا بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَمَا بَيْنَهُمَا لِيَدُلَّ عَلَى أَقَلِّ الْمُجْزِئِ فِي تَحْصِيلِ أَصْلِ السُّنَّةِ وَعَلَى الْأَكْمَلِ وَالْأَوْسَطِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ هِنْدَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أمِّ حَبِيبَةَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُمْ دَاوُدُ وَالنُّعْمَانُ وَعَمْرٌو وَعَنْبَسَةُ وَقَدْ سَبَقَتْ لِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ قَوْلُهُ بِحَدِيثٍ يَتَسَارَّ إِلَيْهِ هُوَ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَرْفُوعَةِ أَيْ يُسَرُّ بِهِ مِنَ السُّرُورِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْبِشَارَةِ مَعَ سُهُولَتِهِ وَكَانَ عَنْبَسَةُ مُحَافِظًا عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا قَوْلُهُ ص تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ هُوَ مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ وَرَفْعِ احْتِمَالِ إِرَادَةِ الِاسْتِعَاذَةِ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِعْمَالِ التَّوْكِيدِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ وَكَذَا قَالَ عَنْبَسَةُ وَكَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ وَالنُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ فيه أن يحسن من العالم ومن يقتدى بِهِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا وَلَا يَقْصِدُ بِهِ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ بَلْ يُرِيدُ حَثَّ السَّامِعِينَ عَلَى التَّخَلُّقِ بِخُلُقِهِ فِي ذَلِكَ وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ وَتَنْشِيطِهِمْ لِفِعْلِهِ

[729] قَوْلُهُ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الظهر سجدتين أي ركعتين قَوْلُهَا كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَذَكَرَتْ مِثْلَهُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ونحوه في حديث بن عُمَرَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ فِي الْبَيْتِ كَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ غَيْرُهَا وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَسَوَاءٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ رَاتِبَةُ فَرَائِضِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ الِاخْتِيَارُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ كُلِّهَا وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ الْأَفْضَلُ فِعْلُ نَوَافِلِ النَّهَارِ الرَّاتِبَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَرَاتِبَةِ اللَّيْلِ فِي الْبَيْتِ وَدَلِيلُنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/9)

يُصَلِّي سُنَّةَ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ وَهُمَا صَلَاتَا نَهَارٍ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَهَذَا عَامٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ لَا مُعَارِضَ لَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْعُدُولُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي شَرْعِيَّةِ النَّوَافِلِ تَكْمِيلُ الْفَرَائِضِ بِهَا إِنْ عَرَضَ فِيهَا نَقْصٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَلِتَرْتَاضَ نَفْسُهُ بِتَقْدِيمِ النَّافِلَةِ وَيَتَنَشَّطَ بِهَا وَيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ أَكْمَلَ فَرَاغٍ لِلْفَرِيضَةِ وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ تُفْتَحَ صَلَاةُ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ كما ذكره مسلم بعد هذا قريبا

(باب جَوَازِ النَّافِلَةِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَفِعْلِ بَعْضِ الركعة قائما وبعضها قاعدا)
قَوْلُهَا وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا فِيهِ جَوَازُ النَّفْلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَهُوَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ قَوْلُهُ كُنْتُ شَاكِيًا بِفَارِسَ وَكُنْتُ أُصَلِّي قَاعِدًا فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَكَذَا ضَبَطَهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ الْمَشَارِقَةِ وَالْمَغَارِبَةِ بِفَارِسَ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْجَارَّةِ وَبَعْدَهَا فَاءٌ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ الرُّوَاةِ قَالَ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ صَوَابُهُ نَقَارِسَ بِالنُّونِ وَالْقَافِ وَهُوَ وَجَعٌ
(6/10)

مَعْرُوفٌ لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَدْخُلْ بِلَادَ فَارِسَ قَطُّ فَكَيْفَ يَسْأَلُهَا فِيهَا وَغَلَّطَهُ الْقَاضِي فِي هَذَا وَقَالَ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهَا فِي بِلَادِ فَارِسَ بَلْ سَأَلَهَا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ فَارِسَ وَهَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهَا عَنِ أَمْرٍ انْقَضَى هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا لِقَوْلِهِ وَكُنْتُ أُصَلِّي قَاعِدًا

[731] قَوْلُهَا قَرَأَ جَالِسًا حَتَّى إِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ فِيهِ جَوَازُ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْضِهَا مِنْ قِيَامٍ وَبَعْضِهَا مِنْ قُعُودٍ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَسَوَاءٌ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ أَوْ قَعَدَ ثُمَّ قَامَ وَمَنَعَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَهُوَ غَلَطٌ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي آخَرِينَ كَرَاهَةَ الْقُعُودِ بَعْدَ الْقِيَامِ وَلَوْ نَوَى الْقِيَامَ ثُمَّ أَرَادَ
(6/11)

أَنْ يَجْلِسَ جَازَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَجَوَّزَهُ من المالكية بن الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ قَوْلُهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْإِنْسَانُ أَرْبَعِينَ آيَةً هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ تَفْضِيلُ
(6/12)

الْقِيَامِ

[732] قَوْلُهَا قَعَدَ بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ قَالَ الرَّاوِي فِي تَفْسِيرِهِ يُقَالُ حَطَمَ فُلَانًا أَهْلَهُ إِذَا كَبُرَ فِيهِمْ كَأَنَّهُ لَمَّا حَمَلَهُ مِنْ أُمُورِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ صَيَّرُوهُ شَيْخًا مَحْطُومًا وَالْحَطْمُ الشَّيْءُ الْيَابِسُ قَوْلُهَا لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَدَّنَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ تَبْدِينًا إِذَا أَسَنَّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَنْ رَوَاهُ بَدُنَ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُخَفَّفَةِ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى هُنَا لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَثُرَ لَحْمُهُ وَهُوَ خِلَافُ صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ بَدَنَ يَبْدُنُ بَدَانَةً وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الضَّمَّ قَالَ الْقَاضِي رِوَايَتُنَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ جُمْهُورِهِمْ بَدُنَ بِالضَّمِّ وَعَنِ الْعُذْرِيِّ بِالتَّشْدِيدِ وَأَرَاهُ إِصْلَاحًا قَالَ وَلَا يُنْكَرُ اللَّفْظَانِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ هَذَا بِقَرِيبٍ فَلَمَّا أَسَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ وَلَحُمَ وفي آخر أسن وكثر لحمه وقول بن أَبِي هَالَةَ فِي وَصْفِهِ بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالَّذِي ضَبَطْنَاهُ وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ أُصُولِ بِلَادِنَا بِالتَّشْدِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[733] قَوْلُهُ عَنِ بن شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ
(6/13)

الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ عَنْ حَفْصَةَ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ صَحَابِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ السَّائِبُ وَالْمُطَّلِبُ وَحَفْصَةُ

[735] قَوْلُهُ هِلَالُ بْنُ يَسَافَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ فِيهِ إِسَافٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ قولُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ وَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي جَالِسًا قَالَ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ مَالِكٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قُلْتُ حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا قَالَ أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ مَعْنَاهُ أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ فِيهَا نِصْفُ ثَوَابِ الْقَائِمِ فَيَتَضَمَّنُ صِحَّتَهَا وَنُقْصَانَ أَجْرِهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاةِ النَّفْلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فَهَذَا لَهُ نِصْفُ ثَوَابِ الْقَائِمِ وَأَمَّا إِذَا صَلَّى النَّفْلَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ فَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ بَلْ يَكُونُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا وَأَمَّا الْفَرْضُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَاعِدًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَصِحَّ فَلَا يَكُونُ فِيهِ ثَوَابٌ بَلْ يَأْثَمُ بِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ كما لو استحل الزنى والربا أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الشَّائِعَةِ التَّحْرِيمِ وَإِنْ صلى
(6/14)

الْفَرْضَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ أَوْ مُضْطَجِعًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا لَمْ يَنْقُصْ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلَ الْحَدِيثِ فِي تَنْصِيفِ الثَّوَابِ عَلَى مَنْ صَلَّى النَّفْلَ قَاعِدًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الثوري وبن الْمَاجِشُونِ وَحُكِيَ عَنِ الْبَاجِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْمُصَلِّي فَرِيضَةً لِعُذْرٍ أَوْ نَافِلَةٍ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ قَالَ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ لَهُ عُذْرٌ يُرَخِّصُ فِي الْقُعُودِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ وَيُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِمَشَقَّةٍ وأما قوله ص لَسْتُ كَأَحَدٍ مَنْكُمْ فَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُعِلَتْ نَافِلَتُهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ كَنَافِلَتِهِ قائما تَشْرِيفًا لَهُ كَمَا خُصَّ بَأَشْيَاءَ مَعْرُوفَةٍ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَالْلُّغَاتِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ مِنَ الْقِيَامِ لِحَطْمِ النَّاسِ وَلِلسِّنِّ فَكَانَ أَجْرُهُ تَامًّا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ هَذَا كَلَامُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ باطل لأن غيره ص إِنْ كَانَ مَعْذُورًا فَثَوَابُهُ أَيْضًا كَامِلٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَلَيْسَ هُوَ كَالْمَعْذُورِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ تَخْصِيصٌ فَلَا يَحْسُنُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ وَإِطْلَاقُ هَذَا الْقَوْلِ فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ نَافِلَتَهُ ص قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ثَوَابُهَا كَثَوَابِهِ قَائِمًا وَهُوَ مِنَ الْخَصَائِصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ مَوْضِعَ الْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ وَكَذَا فِي الْفَرِيضةِ إِذَا عَجَزَ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا وَالثَّانِي مُتَرِبِّعًا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُتَوَرِّكًا وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا نَاصِبًا رُكْبَتَهُ وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ لَكِنِ الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا جَوَازُ التَّنَفُّلِ مُضْطَجِعًا لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْبُخَارِيِّ وَمَنْ صَلَّى قَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ وَإِذَا صَلَّى مُضْطَجِعًا فَعَلَى يَمِينِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ وَهُوَ خِلَافُ الْأَفْضَلِ فَإِنْ اسْتَلْقَى مَعَ إِمْكَانِ الِاضْطِجَاعِ لَمْ يَصِحَّ قِيلَ الْأَفْضَلُ مُسْتَلْقِيًا وَأَنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ لَا يَصِحُّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(6/15)

(بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ)
وَأَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَأَنَّ الرَّكْعَةَ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قِيَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ وَحَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ مِنْهُنَّ الْوِتْرُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِذَا جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ وَمِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا
(6/16)

ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَعَنْهَا كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَثَلَاثًا وَعَنْهَا كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ ثَمَانِيًا ثُمَّ يُوتِرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ
(6/17)

يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَقَدْ فَسَّرَتْهَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَعَنْهَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ صَلَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا من حديث بن عَبَّاسٍ أَنَّ صَلَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ سُنَّةُ الصُّبْحِ وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ طَوِيلَتَيْنِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِخْبَارُ كُلِّ واحد من بن عباس وزيد وعائشة بما شاهد وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقِيلَ هُوَ مِنْهَا وَقِيلَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْهَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ إِخْبَارَهَا بِأَحَدَ عَشْرَةَ هُوَ الْأَغْلَبُ وَبَاقِي رِوَايَاتِهَا إِخْبَارٌ مِنْهَا بِمَا كَانَ يَقَعُ نَادِرًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَأَكْثَرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وأقله
(6/18)

سَبْعٌ وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا كَانَ يَحْصُلُ مِنِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ أَوْ ضِيقِهِ بِطُولِ قِرَاءَةٍ كَمَا جاء في حديث حذيفة وبن مَسْعُودٍ أَوْ لِنَوْمٍ أَوْ عُذْرِ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ كِبَرِ السِّنِّ كَمَا قَالَتْ فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ أَوْ تَارَةً تَعُدُّ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ فِي أَوَّلِ قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَرَوَتْهَا عَائِشَةُ بَعْدَهَا هَذَا فِي مُسْلِمٍ وَتَعُدُّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ تَارَةً وَتَحْذِفُهُمَا تَارَةً أَوْ تَعُدُّ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ تَكُونُ عَدَّتْ رَاتِبَةَ الْعِشَاءِ مَعَ ذَلِكَ تَارَةً وَحَذَفَتْهَا تَارَةً قَالَ الْقَاضِي وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ وَأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مِنَ الطَّاعَاتِ الَّتِي كُلَّمَا زَادَ فِيهَا زَادَ الْأَجْرُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ وَيُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ وَأَنَّ الرَّكْعَةَ الْفَرْدَةَ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ الْإِيتَارُ بِوَاحِدَةٍ وَلَا تَكُونُ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ صَلَاةً قَطُّ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِ

[736] قَوْلُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذِّنُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وفي حديث بن عَبَّاسٍ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ اللَّيْلِ قَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَالَ وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ سُنَّةٌ قَالَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ مَرْجُوحَةٌ قَالَ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الِاضْطِجَاعِ قَبْلَهُمَا قَالَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي الِاضْطِجَاعِ قبلهما أنه سنة فكذا بعدهما قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَأَنَّهُ تَارَةً كَانَ يَضْطَجِعُ قَبْلُ وَتَارَةً بَعْدُ وَتَارَةً لَا يَضْطَجِعُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ أَوِ الصَّوَابُ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالِاضْطِجَاعِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ بالاضطجاع بعدها وقبلها وحديث بن عَبَّاسٍ قَبْلَهَا فَلَا يُخَالِفُ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يلزم من الاضطجاع قبلها أن لا يضطجع بعد ولعله صل ى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/19)

تَرَكَ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ لَوْ ثَبَتَ التَّرْكُ وَلَمْ يَثْبُتْ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ قَبْلُ وَبَعْدُ وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالِاضْطِجَاعِ بَعْدَهَا مَعَ رِوَايَاتِ الْفِعْلِ الْمُوَافِقَةِ لِلْأَمْرِ بِهِ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَجُزْ رَدُّ بَعْضِهَا وَقَدْ أَمْكَنَ بِطَرِيقَيْنِ أَشَرْنَا إِلَيْهِمَا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اضْطَجَعَ قَبْلُ وَبَعْدُ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاضْطِجَاعِ وَالنَّوْمِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي جَنْبِهِ الْيَسَارِ فَيَعْلَقُ حِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَغْرِقُ وَإِذَا نَامَ عَلَى الْيَسَارِ كَانَ فِي دَعَةٍ وَاسْتِرَاحَةٍ فَيَسْتَغْرِقُ قَوْلُهَا حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذِّنُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنٍ رَاتِبٍ لِلْمَسْجِدِ وَفِيهِ جَوَازُ إِعْلَامِ الْمُؤَذِّنِ الْإِمَامَ بِحُضُورِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا وَاسْتِدْعَائِهِ لَهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ قَوْلُهَا فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ هُمَا سُنَّةُ الصُّبْحِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَخْفِيفِهِمَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ قَوْلُهَا لَيُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَالَّذِي جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ قَوْلُهَا وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَأَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا

[737] قَوْلُهَا يُصَلِّي مَنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا وَفِي رِوَايَةٍ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ بسجدة وفي حديث بن عَبَّاسٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَى آخِرِهِ وَفِي حَدِيثِ بن عُمَرَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى هَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِرَكْعَةٍ وَلَا بِإِحْدَى عَشْرَةَ وَلَا بِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَهُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ التَّسْلِيمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِهِ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى

[738] قَوْلُهَا كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنِّ وَطُولِهِنَّ مَعْنَاهُ هُنَّ فِي نِهَايَةٍ مِنْ كَمَالِ الْحُسْنِ وَالطُّولِ مُسْتَغْنِيَاتٍ بِظُهُورِ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهُ وَالْوَصْفِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ فِي تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَالْقِيَامِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ تَطْوِيلُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْثِيرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَالَ طَائِفَةٌ تَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ وَقَالَ طَائِفَةٌ تَطْوِيلُ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ أَفْضَلُ وَتَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي النَّهَارِ أَفْضَلُ وَقَدْ سَبَقَتِ
(6/20)

الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً بِدَلَائِلِهَا فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قوله صلى الله عليه وسلم إن عيني تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي هَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَسَبَقَ فِي حَدِيثِ نَوْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَادِي فَلَمْ يَعْلَمْ بِفَوَاتِ وَقْتِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ لَا بِالْقَلْبِ وَأَمَّا أَمْرُ الْحَدَثِ وَنَحْوِهِ فَمُتَعَلِّقٌ بِالْقَلْبِ وَأَنَّهُ قِيلَ إِنَّهُ فِي وَقْتٍ يَنَامُ قَلْبُهُ وَفِي وَقْتٍ لَا يَنَامُ فَصَادَفَ الْوَادِي نَوْمَهُ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَوْلُهَا كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ هَذَا الْحَدِيثُ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْهُمَا فَأَبَاحَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا وَقَالَ أَحْمَدُ لَا أَفْعَلُهُ وَلَا أَمْنَعُ مَنْ فَعَلَهُ قَالَ وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ قُلْتُ الصَّوَابُ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَعَلَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا لِبَيَانِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَبَيَانِ جَوَازِ النَّفْلِ جَالِسًا وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّاتٍ قَلِيلَةٍ وَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِهَا كَانَ يُصَلِّي فَإِنَّ الْمُخْتَارَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ لَفْظَةَ كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الدَّوَامُ وَلَا التَّكْرَارُ وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ مَاضٍ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ مَرَّةً فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْرَارِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا تَقْتَضِيهِ بِوَضْعِهَا وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كُنْتُ أُطَيِّبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ أَنْ صَحِبَتْهُ عَائِشَةُ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَاسْتَعْمَلَتْ كَانَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُقَالُ لَعَلَّهَا طَيَّبَتْهُ فِي إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَحِلُّ لَهُ الطِّيبُ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَ أَنَّهَا اسْتَعْمَلَتْ كَانَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَا حَدِيثَ الرَّكْعَتَيْنِ جَالِسًا لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ مَعَ رِوَايَاتِ خَلَائِقَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ آخِرَ صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ كَانَ وِتْرًا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ بِالْأَمْرِ بِجَعْلِ آخِرِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وِتْرًا مِنْهَا اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا وصلاة اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَشْبَاهِهَا أَنَّهُ يُدَاوِمُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَيَجْعَلُهُمَا آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ بَيَانِ الْجَوَازِ وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الصَّوَابُ وَأَمَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَرَدِّ رِوَايَةِ
(6/21)

الرَّكْعَتَيْنِ جَالِسًا فَلَيْسَ بِصَوَابٍ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ إِذَا صَحَّتْ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا تَعَيَّنَ وَقَدْ جَمَعْنَا بَيْنَهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا تِسْعَ رَكَعَاتٍ يُوتِرُ مِنْهُنَّ كَذَا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ مِنْهُنَّ وَفِي بَعْضِهَا فِيهِنَّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ مِنْهَا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ وَفِي بَعْضِهَا رَكْعَتَا وَهُوَ الْوَجْهُ وَيُتَأَوَّلُ الْأَوَّلُ عَلَى تَقْدِيرٍ يُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَوْلُهَا وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ أَيْ بِرَكْعَةٍ

[739] قَوْلُهُ وَثَبَ أَيْ قَامَ بِسُرْعَةٍ فَفِيهِ الِاهْتِمَامُ بِالْعِبَادَةِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهَا بِنَشَاطٍ وَهُوَ بَعْضُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ قَوْلُهَا ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ أَيْ سُنَّةَ الصُّبْحِ

[740] قَوْلُهُ عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ قَوْلُهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ صَلَاتِهِ الْوِتْرُ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ جَعْلُ آخِرِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وِتْرًا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً
(6/22)

وَسَبَقَ تَأْوِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ جَالِسًا

[741] قَوْلُهَا كَانَ يُحِبُّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْقَصْدِ في العبادة وأنه ينبغي للإنسان أن لا يَحْتَمِلَ مِنَ الْعِبَادَةِ إِلَّا مَا يُطِيقُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُحَافِظُ عَلَيْهِ قَوْلُهَا كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى الصَّارِخُ هُنَا هُوَ الدِّيكُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ قَالُوا وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ صِيَاحِهِ

[743] قَوْلُهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْكَلَامِ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الْقَاضِي وَكَرِهَهُ الكوفيون وروى عن بن مَسْعُودٍ وَبَعْضِ السَّلَفِ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِغْفَارٍ وَالصَّوَابُ الْإِبَاحَةُ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَوْنُهُ وَقْتَ اسْتِحْبَابِ الِاسْتِغْفَارِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْكَلَامِ

[744] قَوْلُهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
(6/23)

يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا أَوْتَرَ قَالَ قُوْمِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ جَعْلُ الْوِتْرِ آخِرَ اللَّيْلِ سَوَاءٌ كَانَ لِلْإِنْسَانِ تهجد أم لَا إِذَا وَثِقَ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِإِيقَاظِ غَيْرِهِ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالنَّوْمِ عَلَى وِتْرٍ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثِقْ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ قَوْلُهُ فِي أَبِي يَعْفُورَ وَاسْمُهُ وَاقِدٌ وَيُقَالُ وَقْدَانُ هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَكِلَاهُمَا بِاتِّفَاقٍ وَهَذَا أَبُو يَعْفُورَ بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ أَبُو يَعْفُورَ الْأَصْغَرُ السامري الكوني التَّابِعِيُّ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ بِسْطَاسٍ وَاتَّفَقَا فِي كُنْيَتِهِمَا وَبَلَدِهِمَا وَتَبَعِيَّتِهِمَا وَيَتَمَيَّزَانِ بِالِاسْمِ وَالْقَبِيلَةِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ يُقَالُ فِيهِ أَبُو يَعْفُورَ الْأَكْبَرُ وَالثَّانِي الْأَصْغَرُ وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُهُمَا أَيْضًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ

[745] قَوْلُهَا مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلى السحروفي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ فِيهِ جَوَازُ الْإِيتَارِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ فَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْفِرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَفِي وَجْهٍ يَدْخُلُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَفِي وَجْهٍ لَا يَصِحُّ الْإِيتَارُ بِرَكْعَةٍ إِلَّا بَعْدَ نَفْلٍ
(6/24)

بَعْدَ الْعِشَاءِ وَفِي قَوْلٍ يَمْتَدُّ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقِيلَ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَوْلُهَا وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ مَعْنَاهُ كَانَ آخِرَ أَمْرِهِ الْإِيتَارُ فِي السَّحَرِ وَالْمُرَادُ بِهِ آخِرُ اللَّيْلِ كَمَا قَالَتْ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِيتَارِ آخِرَ اللَّيْلِ وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَاضِي كَرْمَانَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا

[746] قَوْلُهُ فَيَجْعَلُهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ الْكُرَاعُ اسْمٌ لِلْخَيْلِ قَوْلُهُ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْكَسْرُ أَفْصَحُ قَوْلُهُ فَأَتَى بن عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ فَقَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَيَعْرِفُ أَنَّ غَيْرَهُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِهِ أَنْ يُرْشِدَ
(6/25)

السَّائِلَ إِلَيْهِ فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ وَيَتَضَمَّنُ مَعَ ذلك الإنصاف والاعتراف بالفضل لأهله والتواضع قوله نُهِينَا أَنْ نَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا الشِّيعَتَانِ الْفِرْقَتَانِ وَالْمُرَادُ تِلْكَ الْحُرُوبُ الَّتِي جَرَتْ قَوْلُهَا فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ مَعْنَاهُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِأَمْثَالِهِ وَقَصَصِهِ وَتَدَبُّرُهُ وَحُسْنُ تِلَاوَتِهِ قَوْلُهَا فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَارَ تَطَوُّعًا فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/26)

وَالْأُمَّةِ فَأَمَّا الْأُمَّةُ فَهُوَ تَطَوُّعٌ فِي حَقِّهِمْ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفُوا فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّهِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا نَسْخُهُ وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلَوْ قَدْرَ حَلْبِ شَاةٍ فَغَلَطٌ وَمَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ مَعَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ لَا وَاجِبَ إِلَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ قَوْلُهَا كُنَّا نَعُدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ وَالتَّأَهُّبُ بِأَسْبَابِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا وَالِاعْتِنَاءُ بِهَا قَوْلُهَا فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ السِّوَاكِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ قَوْلُهَا وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَى قَوْلِهَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ هَذَا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ قَرِيبًا قَوْلُهَا فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ سَنَّ وَفِي بَعْضِهَا أَسَنَّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ قَوْلُهَا وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ الليل صلى من النهار ثنتي عَشْرَةَ رَكْعَةً هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَوْرَادِ وَأَنَّهَا إِذَا فَاتَتْ تُقْضَى
(6/27)

قوله

[747] عن يونس عن بن شهاب عن السائب بن يزيد وعبيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبْدِ الرحمن بن عبد القارىء قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ هَذَا الْإِسْنَادُ وَالْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِأَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ هَكَذَا مَرْفُوعًا وَجَمَاعَةً رَوَوْهُ مَوْقُوفًا وَهَذَا التَّعْلِيلُ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ ثُمَّ فِي مَوَاضِعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ بَلِ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ ومحققوا الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا أَوْ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا حُكِمَ بِالرَّفْعِ وَالْوَصْلِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّافِعُ وَالْوَاصِلُ أَكْثَرَ أَوْ أقَلَّ فِي الْحِفْظِ وَالْعَدَدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ فَائِدَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ فِيهِ رِوَايَةَ صَحَابِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ وَهُوَ السَّائِبُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَدْخُلُ فِي رِوَايَةِ الْكِبَارِ عن الصغار وقوله القارىء بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَةِ الْقَبِيلَةِ الْمَعْرُوفَةِ سبق بيانه مرات
(6/29)

[748] صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ يُقَالُ رَمِضَ يَرْمَضُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ وَالرَّمْضَاءُ الرَّمَلُ الَّذِي اشْتَدَّتْ حَرَارَتُهُ بِالشَّمْسِ أَيْ حِينَ يَحْتَرِقُ أَخْفَافُ الْفِصَالِ وَهِيَ الصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِ الْإِبِلِ جَمْعُ فَصِيلٍ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الرَّمْلِ وَالْأَوَّابُ الْمُطِيعُ وَقِيلَ الرَّاجِعُ إِلَى الطَّاعَةِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ هَذَا الْوَقْتَ قَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ أَفْضَلُ وَقْتِ صَلَاةِ الضُّحَى وَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[749] صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِ وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَسَوَاءٌ نَوَافِلُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَلَوْ جَمَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ تَطَوُّعَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ عِنْدَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ
(6/30)

السُّنَّةَ جَعْلُ الْوِتْرِ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَعَلَى أَنَّ وَقْتَهُ يَخْرُجُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ من مذهبنا
(6/31)

وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ يَمْتَدُّ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْفَرْضَ

[752] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ آخر الليل
(6/32)

قَوْلُهُ إِنَّكَ لَضَخْمٌ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَبَاوَةِ وَالْبَلَادَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ قَالُوا لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَكُونُ لِلضَّخْمِ غَالِبًا وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَطَعَ عليه الكلام أجله قَبْلَ تَمَامِ حَدِيثِهِ قَوْلُهُ أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ هو بالهمزة من القرأة ومعناه اذكره وأت بِهِ عَلَى وَجْهِهِ بِكَمَالِهِ قَوْلُهُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ كَانَ الْأَذَانُ بِأُذُنَيْهِ قَالَ الْقَاضِي المراد بالأذان هنا
(6/33)

الإقامة وهو اشارة إلى شدة تخفيفها بالسنة إِلَى بَاقِي صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ بَهْ بَهْ هُوَ بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءٍ سَاكِنَةٍ مُكَرَّرَةٍ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَهْ مَهْ زَجْرٌ وكف وقال بن السِّكِّيتِ هِيَ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى بَخٍ بَخٍ قَوْلُهُ أَبُو نَضْرَةَ الْعَوَقِيُّ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَوَاوٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَقَافٍ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَوَقَةِ بَطْنٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فَتْحَ الْوَاوِ واسكانها والصواب المشهور المعروف الفتح لاغير قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[755] فِي حَدِيثِ جابر مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ
(6/34)

مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْوِتْرِ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِمَنْ وَثِقَ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ وَأَنَّ مَنْ لَا يَثِقُ بِذَلِكَ فَالتَّقْدِيمُ لَهُ أَفْضَلُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَيُحْمَلُ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ فمن ذلك حديث أوصاني خليلي أن لا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَثِقُ بِالِاسْتِيقَاظِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ أَنْ يَشْهَدَهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَفِيهِ دَلِيلَانِ صَرِيحَانِ عَلَى تَفْضِيلِ صَلَاةِ الْوِتْرِ وَغَيْرِهَا آخر الليل

[756] قوله صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طُولُ الْقُنُوتِ الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ هُنَا الْقِيَامُ بِاتِّفَاقِ العلماء فيما
(6/35)

عَلِمْتُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ يَقُولُ كَقَوْلِهِ إِنَّ تَطْوِيلَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ قَرِيبًا وَأَيْضًا فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ

[757] قَوْلُهُ إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِيهِ إِثْبَاتُ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَتَضَمَّنُ الْحَثَّ عَلَى الدُّعَاءِ فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ رَجَاءَ مُصَادَفَتِهَا

[758] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَفِيهِ مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ سَبَقَ إِيضَاحُهُمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَمُخْتَصَرُهُمَا أَنَّ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفُ فِي حَقِّنَا غَيْرُ مُرَادٍ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهَا مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ وَعَنِ الِانْتِقَالِ والحركات وسائر سمات الخلق والثاني مذهب أكثرالمتكلمين وَجَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ هُنَا عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بها
(6/36)

بِحَسَبِ مَوَاطِنِهَا فَعَلَى هَذَا تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَأْوِيلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ وَأَمْرُهُ وَمَلَائِكَتُهُ كَمَا يُقَالُ فَعَلَ السُّلْطَانُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ أَتْبَاعُهُ بِأَمْرِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَمَعْنَاهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الداعين بالإجابة واللطف والله أعلم قوله ص يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الصَّحِيحُ رِوَايَةُ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ كَذَا قَالَهُ شُيُوخُ الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ بلفظه ومعناه قال ويحتمل أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ مَنْ يَدْعُونِي بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلم بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فِي وَقْتٍ فَأَخْبَرَ بِهِ ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَعْلَمَ بِهِ وَسَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْخَبَرَيْنِ فَنَقَلَهُمَا جَمِيعًا وَسَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ خَبَرَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فَقَطْ فَأَخْبَرَ بِهِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي مِنْ تَضْعِيفِ رِوَايَةِ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَكَيْفَ يُضَعِّفُهَا وَقَدْ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادٍ لَا مَطْعَنَ فِيهِ عَنِ الصَّحَابِيَّيْنِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ مُكَرَّرٌ للتوكيد والتعظيم قوله ص فلما يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ التَّامِّ إِلَى إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ إِلَى إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ آخِرَ
(6/37)

اللَّيْلِ لِلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ أفضل من أوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ أَبُو الْمُوَرِّعِ هُوَ مُحَاضِرٌ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَرِّعُ بِكَسْرِ الرَّاءِ هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَبُو الْمُوَرِّعِ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي كتب الحديث بن المورع وكلاهما صحيح وهو بن الْمُوَرِّعِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْمُوَرِّعِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ عَنْ مُحَاضِرٍ يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ صَحِيحٌ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى غَيْرَ عَدُومٍ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَدِيمٍ وَالثَّانِيَةِ عَدُومٍ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ أَعْدَمَ الرَّجُلُ إِذَا افْتَقَرَ فَهُوَ مُعْدِمٌ وَعَدِيمٌ وَعَدُومٌ وَالْمُرَادُ بِالْقَرْضِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَمَلُ الطَّاعَةِ سَوَاءٌ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالذِّكْرُ وَغَيْرُهَا مِنَ الطَّاعَاتِ وَسَمَّاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَرْضًا مُلَاطَفَةً لِلْعِبَادِ وَتَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الطَّاعَةِ فَإِنَّ الْقَرْضَ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ الْمُقْتَرِضُ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُؤَانَسَةٌ وَمَحَبَّةٌ فَحِينَ يَتَعَرَّضُ لِلْقَرْضِ يُبَادِرُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ بِإِجَابَتِهِ لِفَرَحِهِ بِتَأْهِيلِهِ لِلِاقْتِرَاضِ مِنْهُ وَإِدْلَالِهِ عَلَيْهِ وَذِكْرِهِ لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ قَوْلُهُ ثُمَّ يَبْسُطُ يديه سبحانه
(6/38)

وَتَعَالَى هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى نَشْرِ رَحْمَتِهِ وَكَثْرَةِ عَطَائِهِ وَإِجَابَتِهِ وَإِسْبَاغِ نِعْمَتِهِ قَوْلُهُ عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَغَرُّ لَقَبٌ وَاسْمُهُ سَلْمَانُ

(باب التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَهُوَ التَّرَاوِيحُ)
[759] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مَعْنَى إِيمَانًا تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ مُقْتَصِدٌ فَضِيلَتَهُ وَمَعْنَى احْتِسَابًا أَنْ يُرِيدَ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا يَقْصِدُ رُؤْيَةَ النَّاسِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ وَالْمُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَفْضَلَ صَلَاتُهَا مُنْفَرِدًا فِي بَيْتِهِ أَمْ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ الْأَفْضَلُ صَلَاتُهَا جَمَاعَةً كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنَ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ فَأَشْبَهَ صَلَاةَ الْعِيدِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ الْأَفْضَلُ فُرَادَى فِي الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ
(6/39)

الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة

[760] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِغُفْرَانِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ مَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ مَعْنَاهُ لَا يَأْمُرُهُمْ أَمْرَ إِيجَابٍ وَتَحْتِيمٍ بَلْ أَمْرَ نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تَقْتَضِي التَّرْغِيبَ وَالنَّدْبَ دُونَ الْإِيجَابِ وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ قَوْلُهُ فَتُوُفِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ مَعْنَاهُ اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ هَذِهِ الْمُدَّةَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقُومُ رَمَضَانَ فِي بَيْتِهِ منفردا حتى انقضى صدرا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ثُمَّ جَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى فِعْلِهَا جَمَاعَةً وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
(6/40)

هَذَا مَعَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ قَدْ يُقَالُ إِنَّ أَحَدَهُمَا يُغْنِي عَنِ الْآخَرِ وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالُ قِيَامُ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَعْرِفَتِهَا سَبَبٌ لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَقِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِمَنْ وَافَقَهَا وَعَرَفَهَا سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرَهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا مَعْنَاهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ

[761] قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَفِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ فِيهَا الِانْفِرَادُ إِلَّا فِي نَوَافِلَ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَكَذَا التَّرَاوِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ أَفْضَلَ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا فَعَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا وَفِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ إِمَامَتَهُ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنْ إِنْ نَوَى الْإِمَامُ إِمَامَتَهُمْ بَعْدَ اقْتِدَائِهِمْ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لَهُ وَلَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَحْصُلُ لِلْإِمَامِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَقَدْ نَوَوْهَا وَفِيهِ إِذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ وَخَوْفُ مَفْسَدَةٍ أَوْ مَصْلَحَتَانِ اعْتُبِرَ أَهَمُّهُمَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَأَى الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَصْلَحَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَمَّا عَارَضَهُ خَوْفُ الِافْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ تَرَكَهُ لِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تُخَافُ مِنْ عَجْزِهِمْ وتركهم
(6/41)

لِلْفَرْضِ وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ وَكَبِيرَ الْقَوْمِ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا يَتَوَقَّعُهُ أَتْبَاعُهُ وَكَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ يَذْكُرُهُ لَهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَإِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْنِ لِئَلَّا يَظُنُّوا خِلَافَ هَذَا وَرُبَّمَا ظَنُّوا ظَنَّ السُّوءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ تَشَهَّدَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَوَائِدُ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ التَّشَهُّدِ فِي صَدْرِ الْخُطْبَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَفِي حَدِيثٍ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الْخُطْبَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ قَوْلِ أَمَّا بَعْدُ فِي الْخُطَبِ وقد جاءت به أحاديث كثيرة في الصحيح مَشْهُورَةٌ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابًا في البداءة في الخطبة بأما بَعْدُ وَذَكَرَ فِيهِ جُمْلَةً مِنَ الْأَحَادِيثِ وَمِنْهَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْخُطْبَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اسْتِقْبَالُ الْجَمَاعَةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ يُقَالُ
(6/42)

جَرَى اللَّيْلَةَ كَذَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَهَكَذَا يُقَالُ اللَّيْلَةَ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ يُقَالُ الْبَارِحَةُ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ في أول الكتاب

(باب الندب الأكيد إلى قيام ليلة القدر)
وبيان دليل من قال إنها ليلة سبع وعشرين

[762] فِيهِ حَدِيثُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ أَنَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَهَذَا أَحَدُ الْمَذَاهِبِ فِيهَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةً مُبْهَمَةً مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَرْجَاهَا أَوْتَارُهَا وَأَرْجَاهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَأَكْثَرُهُمْ أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ لَا تَنْتَقِلُ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ إِنَّهَا تَنْتَقِلُ فَتَكُونُ فِي سَنَةٍ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَفِي سَنَةٍ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَسَنَةٍ لَيْلَةَ إِحْدَى وَلَيْلَةً أُخْرَى وَهَذَا أَظْهَرُ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيهَا وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ بَسْطٍ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ حَيْثُ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ قَوْلُهُ وَأَكْثَرُ عِلْمِي ضَبَطْنَاهُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ والمثلثة أكثر
(6/43)

(بَابُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعائه بالليل)
فيه حديث بن عَبَّاسٍ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْفَوَائِدِ وَغَيْرِهِ

[763] قَوْلُهُ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَأَتَى حَاجَتَهُ يَعْنِي الْحَدَثَ قَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ قَامَ هَذَا الْغَسْلُ لِلتَّنْظِيفِ وَالتَّنْشِيطِ لِلذِّكْرِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا بِكَسْرِ الشِّينِ أَيِ الْخَيْطَ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ فِي الْوَتَدِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ الْوِكَاءُ قَوْلُهُ فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهَكَذَا هُوَ فِي أُصُولِ بِلَادِنَا أَنْتَبِهُ بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ أُبْقِيهُ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ قَافٍ وَمَعْنَاهُ أَرْقُبُهُ وَهُوَ مَعْنَى أَنْتَبِهُ لَهُ قَوْلُهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ فِيهِ أَنَّ مَوْقِفَ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ إِذَا وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ يَتَحَوَّلُ إِلَى يَمِينِهِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَحَوَّلْ حَوَّلَهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَأَنَّ صلاة الصبي صحيحة وأن له موثقا مِنَ الْإِمَامِ كَالْبَالِغِ وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَاتِ صَحِيحَةٌ قَوْلُهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَوْمَهُ
(6/44)

مُضْطَجِعًا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَلَوْ خَرَجَ حَدَثٌ لَأَحَسَّ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا إِلَى آخِرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ سَأَلَ النُّورَ فِي أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْحَقِّ وَضِيَاؤُهُ وَالْهِدَايَةُ إِلَيْهِ فَسَأَلَ النُّورَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِسْمِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ وَحَالَاتِهِ وَجُمْلَتِهِ فِي جِهَاتِهِ السِّتِّ حَتَّى لَا يَزِيغَ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْهُ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كهيل عن كريب عن بن عَبَّاسٍ وَذَكَرَ الدُّعَاءَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا إِلَى آخِرِهِ قَالَ كُرَيْبٌ وَسَبْعًا فِي التَّابُوتِ فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ وَذَكَرَ فِي الدُّعَاءِ سَبْعًا أَيْ سَبْعَ كَلِمَاتٍ نَسِيتُهَا قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالتَّابُوتِ الْأَضْلَاعُ وَمَا يَحْوِيهُ مِنَ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِ تَشْبِيهًا بِالتَّابُوتِ الَّذِي كَالصُّنْدُوقِ يُحْرَزُ فِيهِ الْمَتَاعُ أَيْ وَسَبْعًا فِي قَلْبِي وَلَكِنْ نَسِيتُهَا وَقَوْلُهُ فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ الْعَبَّاسِ الْقَائِلُ لَقِيتُ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَوْلُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَرْضِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ وَرَوَاهُ الدَّاوُدِيُّ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْجَانِبُ وَالصَّحِيحُ الْفَتْحُ وَالْمُرَادُ بِالْوِسَادَةِ الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤس وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنِ الْبَاجِيِّ وَالْأَصِيلِيِّ
(6/45)

وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْوِسَادَةَ هُنَا الْفِرَاشُ لِقَوْلِهِ اضْطَجَعَ فِي طُولِهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَوْمِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُوَاقَعَةٍ بِحَضْرَةِ بَعْضِ مَحَارِمِهَا وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ جَاءَ فِي بعض روايات هذا الحديث قال بن عباس بت عند خالتي في ليلة كانت فِيهَا حَائِضًا قَالَ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَإِنْ لَمْ تصح طريقا فهي حسنة المعنى جدا إذ لم يكن بن عَبَّاسٍ يَطْلُبُ الْمَبِيتَ فِي لَيْلَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يُرْسِلُهُ أَبُوهُ إِلَّا إِذَا عَلِمَ عَدَمَ حَاجَتِهِ إِلَى أَهْلِهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يفعل حاجته مع حضرة بن عَبَّاسٍ مَعَهُمَا فِي الْوِسَادَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ مُرَاقِبًا لِأَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ أَوْ نَامَ قَلِيلًا جِدًّا قَوْلُهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ مَعْنَاهُ أَثَرَ النَّوْمِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذَا وَاسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ قَوْلُهُ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِيهِ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ لِلْمُحْدِثِ وَهَذَا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا تَحْرُمُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ النِّسَاءِ وَنَحْوِهَا وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَالَ إِنَّمَا يُقَالُ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ وَالَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَلَا لَبْسَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ إِنَّمَا أَنَّثَهَا عَلَى إِرَادَةِ الْقِرْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ هَذِهِ شَنٍّ مُعَلَّقٍ عَلَى إِرَادَةِ السِّقَاءِ وَالْوِعَاءِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الشَّنُّ الْقِرْبَةُ الْخَلَقُ وَجَمْعُهُ شِنَانٌ قَوْلُهُ وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا قِيلَ إِنَّمَا فَتَلَهَا تَنْبِيهًا لَهُ مِنَ النُّعَاسِ وَقِيلَ لِيَتَنَبَّهَ لِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَمَوْقِفِ الْمَأْمُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ
(6/46)

لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي قَوْلُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حَتَّى خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ فِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْوِتْرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ أَوْتَرَ يَكُونُ آخِرُهُ رَكْعَةٌ مَفْصُولَةٌ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَكْعَةٌ مَوْصُولَةٌ بِرَكْعَتَيْنِ كَالْمَغْرِبِ وَفِيهِ جَوَازُ إِتْيَانِ الْمُؤَذِّنِ إِلَى الْإِمَامِ لِيَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَتَخْفِيفِ سُنَّةِ الصُّبْحِ وَأَنَّ الْإِيتَارَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً أَكْمَلُ وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرُ الْوِتْرِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ أَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْعِشَاءِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ مُبَاعِدٌ لِلْحَدِيثِ قَوْلُهُ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ قَالُوا وَهُوَ السِّقَاءُ الْخَلَقُ وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى شَنٌّ مُعَلَّقَةٌ وَقِيلَ الْأَشْجَابُ الْأَعْوَادُ التي تعلق
(6/47)

عَلَيْهَا الْقِرْبَةَ قَوْلُهُ ثُمَّ احْتَبَى حَتَّى إِنِّي لَأَسْمَعُ نَفَسَهُ رَاقِدًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ احْتَبَى أَوَّلًا ثُمَّ اضْطَجَعَ كَمَا سَبَقَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَاضِيَةِ فَاحْتَبَى ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى سَمِعَ نَفْخَهُ وَنَفَسَهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ قَوْلُهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخْلَفَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ مَعْنَى أَخْلَفَنِي أَدَارَنِي مِنْ خلفه
(6/48)

قَوْلُهُ فَبَقِيتُ كَيْفَ يُصَلِّي هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ أَيْ رَقَبْتُ وَنَظَرْتُ يُقَالُ بَقِيتُ وَبَقَوْتُ بِمَعْنَى رَقَبْتُ وَرَمَقْتُ قَوْلُهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ يَعْنِي لَمْ يُسْرِفْ وَلَمْ يَقْتُرْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا قَوْلُهُ عن أبي رشدين مولى بن عَبَّاسٍ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ كُرَيْبٌ وَمَوْلَى
(6/49)

بن عَبَّاسٍ كُنِّيَ بِابْنِهِ رِشْدِينَ قَوْلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمَانَ الْحَجْرِيِّ هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ سَاكِنَةٍ مَنْسُوبٌ إِلَى حَجْرِ رُعَيْنٍ وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَوْلُهُ فَتَحَدَّثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/50)

مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ نَامَ فِيهِ جَوَازُ الْحَدِيثِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالَّذِي ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا هُوَ فِي حَدِيثٍ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ قَوْلُهُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِبَاقِي الرِّوَايَاتِ فِي تَخْلِيلِ النَّوْمِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ وَفِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ تَخَلُّلَ النَّوْمِ وَذَكَرَ الرَّكَعَاتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ حُصَيْنٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ لِاضْطِرَابِهَا وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ وَخَالَفَ فِيهِ الْجُمْهُورَ قُلْتُ وَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُتَأَصِّلَةً مُسْتَقِلَّةً إِنَّمَا ذَكَرَهَا مُتَابَعَةً وَالْمُتَابَعَاتُ يَحْتَمِلُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَمِلُ فِي الْأُصُولِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ صَلَاةَ اللَّيْلِ بِهِمَا كَمَا صَرَّحَتِ الْأَحَادِيثُ بِهَا فِي مُسْلِمٍ
(6/51)

وَغَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا بَعْدَ الْخَفِيفَتَيْنِ فَتَكُونُ الْخَفِيفَتَانِ ثُمَّ الطَّوِيلَتَانِ ثُمَّ السِّتُّ الْمَذْكُورَاتُ ثُمَّ ثَلَاثٌ بَعْدَهَا كَمَا ذَكَرَ فَصَارَتِ الْجُمْلَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ كَمَا فِي بَاقِي
(6/52)

الرِّوَايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[765] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ هَكَذَا هُوَ مُكَرَّرٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

[766] قَوْلُهُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ فَقَالَ أَلَا تُشْرِعُ يَا جَابِرُ الْمَشْرَعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشَّرِيعَةُ هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى عُبُورِ الْمَاءِ مِنْ حَافَّةِ نَهَرٍ أَوْ بحر وغيره وقوله أَلَا تُشْرِعُ بِضَمِّ التَّاءِ وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ الضَّمُّ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ وَشَرَعْتُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ شَرَعْتُ فِي النَّهَرِ وَأَشْرَعَتْ نَاقَتِي فِيهِ وَقَوْلُهُ أَلَا تُشْرِعُ مَعْنَاهُ أَلَا تُشْرِعُ نَاقَتَكَ أَوْ نَفْسَكَ قَوْلُهُ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ فِيهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ تُسَنُّ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْضِعِهَا قَوْلُهُ فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَنِي عن يمينه هو
(6/53)

كحديث بن عَبَّاسٍ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ

[767] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا أَبُو حُرَّةَ عَنِ الْحَسَنِ هُوَ أَبُو حُرَّةَ بِضَمِّ الْحَاءِ اسْمُهُ وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ قَوْلُهُمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِيَنْشَطَ بِهِمَا لِمَا بَعْدَهُمَا

[769] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ مُنَوِّرُهُمَا وَخَالِقُ نُورِهِمَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ بِنُورِكَ يَهْتَدِي أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَفْسِيرِ اسْمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النُّورِ وَمَعْنَاهُ الَّذِي بِنُورِهِ يُبْصِرُ ذُو الْعِمَايَةِ وَبِهِدَايَتِهِ يَرْشُدُ ذُو الغواية قال ومنه الله نور السماوات أَيْ مِنْهُ نُورُهُمَا قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذُو النُّورِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النُّورُ صِفَةَ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ أَيْ هُوَ خَالِقُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ مَعْنَى نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُدَبِّرُ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَيِّمُ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ صِفَاتِهِ الْقَيَّامُ وَالْقَيِّمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْقَيُّومُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَقَائِمٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كل نفس قال الهروي ويقال قوام قال بن عباس القيوم الذي لايزول وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَمَعْنَاهُ مُدَبِّرُ أَمْرِ خَلْقِهِ وَهُمَا سَائِغَانِ فِي
(6/54)

تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ لِلرَّبِّ ثَلَاثُ مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ فَشَرْطُ الْمَرْبُوبِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سَيِّدُ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الشَّرْطُ فَاسِدٌ بَلِ الْجَمِيعُ مُطِيعٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَتَيْنَا طائعين قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ الْحَقُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحَقُّ فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعْنَاهُ الْمُتَحَقِّقُ وُجُودُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وُجُودُهُ وَتَحَقَّقَ فَهُوَ حَقٌّ وَمِنْهُ الْحَاقَّةُ أَيِ الْكَائِنَةُ حَقًّا بِغَيْرِ شَكٍّ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ أَيْ كُلُّهُ مُتَحَقِّقٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ خَبَرُكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَقِيلَ أَنْتَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَقِيلَ مُحِقُّ الْحَقِّ وَقِيلَ الْإِلَهُ الْحَقُّ دُونَ مَا يَقُولُهُ الْمُلْحِدُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وقيل في قوله ووعدك الحق أي ومعنى صدق لِقَاؤُكَ حَقٌّ أَيِ الْبَعْثُ وَقِيلَ الْمَوْتُ وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَالصَّوَابُ الْبَعْثُ فَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْمُلْحِدِ لَا بِالْمَوْتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وبك خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي إِلَى آخِرِهِ مَعْنَى أَسْلَمْتُ اسْتَسْلَمْتُ وَانْقَدْتُ لِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ وَبِكَ آمَنْتُ أَيْ صَدَّقْتُ بِكَ وَبِكُلِّ مَا أَخْبَرْتَ وَأَمَرْتَ وَنَهَيْتَ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ أَيْ أَطَعْتُ وَرَجَعْتُ إِلَى عِبَادَتِكَ أَيْ أَقْبَلْتُ عَلَيْهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ رَجَعْتُ إِلَيْكَ فِي تَدْبِيرِي أَيْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ وَبِكَ خَاصَمْتُ أَيْ بِمَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْقُوَّةِ خَاصَمْتُ مَنْ عَانَدَ فِيكَ وَكَفَرَ بِكَ وَقَمَعْتُهُ بِالْحُجَّةِ وَبِالسَّيْفِ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ أَيْ كُلَّ
(6/55)

مَنْ جَحَدَ الْحَقَّ حَاكَمْتُهُ إِلَيْكَ وَجَعَلْتُكَ الْحَاكِمَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَا غَيْرُكَ مِمَّا كَانَتْ تَحَاكَمُ إِلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ صَنَمٍ وَكَاهِنٍ وَنَارٍ وشيطان وغيرها فلا أرضى الا بحكمك وَلَا أَعْتَمِدُ غَيْرَهُ وَمَعْنَى سُؤَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْفِرَةَ مَعَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ أَنَّهُ يَسْأَلُ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَخُضُوعًا وَإِشْفَاقًا وَإِجْلَالًا وَلِيُقْتَدَى بِهِ فِي أَصْلِ الدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ وَحُسْنِ التَّضَرُّعِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْمُعَيَّنِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مُوَاظَبَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاعْتِرَافِ لِلَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِهِ وَالْإِقْرَارِ بِصِدْقِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ

[770] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ
(6/56)

الْعُلَمَاءُ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى رَبَّ كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَظَائِرِهِ مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى كُلِّ عَظِيمِ الْمَرْتَبَةِ وَكَبِيرِ الشَّأْنِ دُونَ مَا يُسْتَحْقَرُ وَيُسْتَصْغَرُ فَيُقَالُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَرَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ رَبَّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبَّ الْمَغْرِبَيْنِ رَبَّ النَّاسِ مَالِكَ النَّاسِ إِلَهَ النَّاسِ رَبَّ الْعَالَمِينَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ رَبَّ النَّبِيِّينَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا فَكُلُّ ذَلِكَ وَشَبَهُهُ وَصْفٌ لَهُ سُبْحَانَهُ بِدَلَائِلِ الْعَظَمَةِ وَعَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ ذَلِكَ فِيمَا يُحْتَقَرُ وَيُسْتَصْغَرُ فَلَا يُقَالُ رَبَّ الْحَشَرَاتِ وَخَالِقَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَشِبْهَ ذَلِكَ عَلَى الْإِفْرَادِ وَإِنَّمَا يُقَالُ خَالِقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَخَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ هَذِهِ فِي الْعُمُومِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ مَعْنَاهُ ثَبِّتْنِي عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى اهدنا الصراط المستقيم

[771] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَبْيَضُ الْوَجْهِ مُوَرَّدُهُ لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ قَوْلُهُ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ أَيْ قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَيِ ابْتَدَأَ خلقها قَوْلُهُ حَنِيفًا قَالَ الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ مَائِلًا إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَأَصْلُ الْحَنَفِ الْمَيْلُ وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَيَتَصَرَّفُ إِلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْقَرِينَةُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَنِيفِ هُنَا الْمُسْتَقِيمُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْحَنِيفُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَصَبَ حَنِيفًا عَلَى الْحَالِ أَيْ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِي وَقَوْلُهُ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَيَانٌ لِلْحَنِيفِ وَإِيضَاحٌ لِمَعْنَاهُ وَالْمُشْرِكُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ
(6/57)

كَافِرٍ مِنْ عَابِدِ وَثَنٍ وَصَنَمٍ وَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَزِنْدِيقٍ وَغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ 8 إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي 8 قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ النُّسُكُ الْعِبَادَةُ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّسِيكَةِ وَهِيَ الْفِضَّةُ الْمُذَابَةُ الْمُصَفَّاةُ مِنْ كُلِّ خَلْطٍ وَالنَّسِيكَةُ أَيْضًا كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى قوله حياي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي أَيْ حَيَاتِي وَمَوْتِي وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ فِيهِمَا وَإِسْكَانُهَا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى فَتْحِ يَاءِ مَحْيَايَ وَإِسْكَانِ مَمَاتِي قَوْلُهُ 8لِلَّهِ8 قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ لَامُ الْإِضَافَةِ وَلَهَا مَعْنَيَانِ الْمِلْكُ وَالِاخْتِصَاصُ وَكِلَاهُمَا مُرَادٌ قَوْلُهُ 8 رَبِّ الْعَالَمِينَ8 فِي مَعْنَى رَبِّ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ وَالْمُدَبِّرُ وَالْمُرَبِّي فَإِنْ وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَبٍّ لِأَنَّهُ مَالِكٌ أَوْ سَيِّدٌ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَإِنْ وُصِفَ لِأَنَّهُ مُدَبِّرُ خَلْقِهِ وَمُرَبِّيهِمْ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ وَمَتَى دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَقِيلَ الرَّبُّ اخْتُصَّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا حُذِفَتَا جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَيُقَالُ رَبُّ الْمَالِ وَرَبُّ الدَّارِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالْعَالَمُونَ جَمْعُ عَالَمٍ وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ وَاحِدٍ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَتِهِ فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ الْعَالَمُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَزَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ الشَّيَاطِينُ وَقِيلَ بَنُو آدَمَ خَاصَّةً قَالَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ وَقَالَ الْآخَرُونَ هُوَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ قِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلَامَةِ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ صَانِعِهِ وَقِيلَ مِنَ الْعِلْمِ فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ بِالْعُقَلَاءِ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ أَيِ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ قَوْلُهُ وَأَنَا عَبْدُكَ أَيْ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّكَ مَالِكِي وَمُدَبِّرِي وَحُكْمُكَ نَافِذٌ فِيَّ قَوْلُهُ ظَلَمْتُ نَفْسِي أَيِ اعْتَرَفْتُ بِالتَّقْصِيرِ قَدَّمَهُ عَلَى سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ أَدَبًا كَمَا قَالَ آدَمُ وَحَوَّاءُ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ من الخاسرين قَوْلُهُ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ أَيْ أَرْشِدْنِي لِصَوَابِهَا وَوَفِّقْنِي لِلتَّخَلُّقِ بِهِ قَوْلُهُ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا أَيْ قَبِيحَهَا قَوْلُهُ لَبَّيْكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكِ
(6/58)

إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ يُقَالُ لَبَّ بِالْمَكَانِ لَبًّا وَأَلَبَّ إِلْبَابًا أَيْ أَقَامَ بِهِ وَأَصْلُ لَبَّيْكَ لَبَّيْنَ فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ قَوْلُهُ وَسَعْدَيْكَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ مُسَاعَدَةً لِأَمْرِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَمُتَابَعَةً لِدِينِكَ بَعْدَ مُتَابَعَةٍ قَوْلُهُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى الْأَدَبِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَدْحِهِ بِأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ مَحَاسِنُ الْأُمُورِ دُونَ مَسَاوِيهَا عَلَى جِهَةِ الْأَدَبِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ فَمِمَّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ الْمُحْدَثَاتِ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقُهُ سَوَاءٌ خَيْرُهَا وَشَرُّهَا وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ قَالَهُ الخليل بن أحمد والنضر بن شميل واسحق بْنُ رَاهَوَيْهِ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّانِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَقَالَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا مَعْنَاهُ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ لَا يُقَالُ يَا خَالِقَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَيَا رَبَّ الشَّرِّ وَنَحْوُ هَذَا وَإِنْ كَانَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ الشَّرُّ فِي الْعُمُومِ وَالثَّالِثُ مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إِلَيْكَ إِنَّمَا يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالرَّابِعُ مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ وَالْخَامِسُ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ كقولك فلان إلى بني قلان إِذَا كَانَ عِدَادُهُ فِيهِمْ أَوْ صَفُّوهُ إِلَيْهِمْ قَوْلُهُ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ أَيِ الْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إِلَيْكَ وَتَوْفِيقِي بِكَ قَوْلُهُ تَبَارَكْتَ أَيِ اسْتَحْقَقْتَ الثناء وقيل ثبت الخير عندك وقال بن الْأَنْبَارِيِّ تَبَارَكَ الْعِبَادُ بِتَوْحِيدِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِنَصْبِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ اللَّامِ وَرَفْعِهَا وَاخْتُلِفَ فِي الرَّاجِحِ مِنْهُمَا وَالْأَشْهَرُ النَّصْبُ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ بِدَلَائِلِهِ مُضَافًا إِلَى قَائِلِيهِ وَمَعْنَاهُ حَمْدًا لَوْ كَانَ
(6/59)

أَجْسَامًا لَمَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لِعِظَمِهِ قَوْلُهُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ هُمَا مِنَ الرَّأْسِ وَآخَرُونَ أَعْلَاهُمَا مِنَ الرَّأْسِ وَأَسْفَلُهُمَا مِنَ الْوَجْهِ وَقَالَ آخَرُونَ مَا أَقْبَلَ عَلَى الْوَجْهِ فَمِنَ الْوَجْهِ وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ هُمَا عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ لَا مِنَ الرَّأْسِ وَلَا مِنَ الْوَجْهِ بَلْ يَطْهُرَانِ بِمَاءٍ مُسْتَقِلٍّ وَمَسْحُهُمَا سُنَّةٌ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ احْتِجَاجِ الزُّهْرِيِّ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ جُمْلَةُ الذَّاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ الا وجهه وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ السُّجُودَ يَقَعُ بِأَعْضَاءٍ أُخَرَ مَعَ الْوَجْهِ وَالثَّانِي أَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إِلَى مَا يُجَاوِرُهُ كَمَا يُقَالُ بَسَاتِينُ الْبَلَدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ أَيِ الْمُقَدِّرِينَ وَالْمُصَوِّرِينَ قَوْلُهُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ مَعْنَاهُ تُقَدِّمُ مَنْ شِئْتَ بِطَاعَتِكَ وَغَيْرِهَا وَتُؤَخِّرُ مَنْ شِئْتَ عَنْ ذَلِكِ كَمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُكَ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ وَالدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ قَوْلُهُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
(6/60)

(باب اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ)
[772] فيه حديث حذيفة وحديث بن مسعود وقوله حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُمُ الْأَعْمَشُ وَالثَّلَاثَةُ بَعْدَهُ قَوْلُهُ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ إِلَى آخِرِهِ قَوْلُهُ فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ مَعْنَاهُ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ بِهَا فَيَقْسِمُهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَرَادَ بِالرَّكْعَةِ الصَّلَاةَ بِكَمَالِهَا وَهِيَ رَكْعَتَانِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ بَعْدَهُ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ ثُمَّ مَضَى مَعْنَاهُ قَرَأَ مُعْظَمَهَا بِحَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى إلا في آخر الْبَقَرَةِ فَحِينَئِذٍ قُلْتُ يَرْكَعُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِهَا فَجَاوَزَ وَافْتَتَحَ النِّسَاءَ وَقَوْلُهُ ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ اجْتِهَادٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ وأنه
(6/61)

لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ تَرْتِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ وَكَّلَهُ إِلَى أُمَّتِهِ بَعْدَهُ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني قال بن الْبَاقِلَّانِيِّ هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ مَعَ احْتِمَالِهِمَا قَالَ وَالَّذِي نَقُولُهُ إِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْكِتَابَةِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الدَّرْسِ وَلَا فِي التَّلْقِينِ وَالتَّعْلِيمِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا حَدٌّ تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ تَرْتِيبُ الْمَصَاحِفِ قَبْلَ مُصْحَفِ عُثْمَانَ قَالَ وَاسْتَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأُمَّةُ بَعْدَهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ تَرْكَ تَرْتِيبِ السُّوَرِ فِي الصَّلَاةِ وَالدَّرْسِ وَالتَّلْقِينِ قَالَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّدَهُ لَهُمْ كَمَا اسْتَقَرَّ فِي مصحف عثمان وإنما اختلف الْمَصَاحِفِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمُ التَّوْقِيفُ وَالْعَرْضُ الْأَخِيرُ فيتأول قرأته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ أَوَّلًا ثُمَّ آلَ عِمْرَانَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّوْقِيفِ وَالتَّرْتِيبِ وَكَانَتْ هَاتَانِ السُّورَتَانِ هَكَذَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةً قَبْلَ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الْأُولَى وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذلك ي رَكْعَةٍ وَلِمَنْ يَتْلُو فِي غَيْرِ صَلَاةٍ قَالَ وقد أباحه بعضهم وتأول نَهْيِ السَّلَفِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَنْكُوسًا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ إِلَى أَوَّلِهَا قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ تَرْتِيبَ آيَاتِ كُلِّ سُورَةٍ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ فِي الْمُصْحَفِ وَهَكَذَا نَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِكُلِّ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَمَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ قَوْلُهُ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَقَالَ فِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْرِيرِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ فِي الرُّكُوعِ وَسُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فِي السُّجُودِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتَعَيَّنُ ذِكْرُ الِاسْتِحْبَابِ قَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ
(6/62)

لِجَوَازِ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ عَنِ الرُّكُوعِ وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ لا يَجُوزُ وَيُبْطِلُونَ بِهِ الصَّلَاةَ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن أبي شيبة واسحق بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عن عبد الله يعني بن مَسْعُودٍ هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاقَ قَوْلُهُ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ ثُمَّ قَالَ هَمَمْتُ بِأَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ فِيهِ أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار وأن لا يُخَالَفُوا بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَى الْمُقْتَدِي فِي فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ الْقِيَامُ وَعَجَزَ عَنْهُ جَازَ لَهُ الْقُعُودُ وَإِنَّمَا لَمْ يقعد بن مَسْعُودٍ لِلتَّأَدُّبِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَاتِ وفيه استحباب تطويل صلاة الليل

(باب الحث على صلاة الوقت وان قلت)

[774] قوله حدثنا عثمان بن أبي شيبة واسحق عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عن عبد الله يعني بن مَسْعُودٍ هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاقَ قَوْلُهُ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم رجل
(6/63)

نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ أَوْ قَالَ فِي أذنيه اختلفوا في معناه فقال بن قُتَيْبَةَ مَعْنَاهُ أَفْسَدَهُ يُقَالُ بَالَ فِي كَذَا إِذَا أَفْسَدَهُ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَالطَّحَاوِيُّ وَآخَرُونَ هُوَ اسْتِعَارَةٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى انْقِيَادِهِ لِلشَّيْطَانِ وَتَحَكُّمِهِ فِيهِ وَعَقْدِهِ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِهِ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ وإذلاله له وَقِيلَ مَعْنَاهُ اسْتَخَفَّ بِهِ وَاحْتَقَرَهُ وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ يُقَالُ لِمَنِ اسْتَخَفَّ بِإِنْسَانٍ وَخَدَعَهُ بَالَ فِي أُذُنِهِ وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي دَابَّةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْأَسَدِ إِذْلَالًا لَهُ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ مَعْنَاهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَسَخِرَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ قَالَ وَخَصَّ الْأُذُنَ لِأَنَّهَا حَاسَّةُ الِانْتِبَاهِ

[775] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ بِضَمِّ الْحَاءِ عَلَى التَّصْغِيرِ وَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا الَّتِي رَأَيْتُهَا مَعَ كَثْرَتِهَا وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِدْرَاكَاتِ وَقَالَ إِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْحَسَنَ بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى التَّكْبِيرِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ النَّهَاوَنْدِيُّ وَالْجُعْفِيُّ وَخَالَفَهُمُ النَّسَائِيُّ وَالسَّرَّاجُ وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ فَرَوَوْهُ عَنْ قُتَيْبَةَ أَنَّ الْحُسَيْنَ يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ قَالَ وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ وَحَمْزَةُ بْنُ زِيَادٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ لَيْثٍ فَقَالُوا فِيهِ الْحَسَنُ وَقَالَ يُونُسُ الْمُؤَدِّبُ وَأَبُو النَّضْرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ لَيْثٍ الْحُسَيْنُ يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ مِنْهُمْ صَالِحُ بن كيسان وبن أبي عقيق وبن جُرَيْجٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ وَزَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ وَشُعَيْبٌ وَحَكِيمُ بْنُ حَكَمٍ وَيَحْيَى بْنُ أبي أنيسة وعقيل من رواية بن لَهِيعَةَ عَنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَغَيْرُهُمْ وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَأَرْسَلَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ عَنْ لَيْثٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَهْمٌ يَعْنِي مَنْ قَالَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَقَدْ غَلِطَ هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ ان الصواب من رواية ليث الحسين بالتصغير وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَاتِ بِلَادِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ أَيْ أَتَاهُمَا
(6/64)

فِي اللَّيْلِ قَوْلُهُ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا الْمُخْتَارُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَجَّبَ مَنْ سُرْعَةِ جَوَابِهِ وَعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ لَهُ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِهَذَا وَلِهَذَا ضَرَبَ فَخِذَهُ وَقِيلَ قَالَهُ تَسْلِيمًا لِعُذْرِهِمَا وَأَنَّهُ لَا عَتْبَ عَلَيْهِمَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَأَمْرُ الْإِنْسَانِ صَاحِبَهُ بِهَا وَتَعَهُّدُ الْإِمَامِ وَالْكَبِيرِ رَعِيَّتَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلنَّاصِحِ إِذَا لَمْ يَقْبَلْ نَصِيحَتَهُ أَوِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِمَا لَا يَرْتَضِيهِ أَنْ يَنْكَفَّ وَلَا يُعَنِّفَ إِلَّا لمصلحة قوله طرقه وفاطمة فقالوا أَلَا تُصَلُّونَ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ تُصَلُّونَ وَجَمْعُ الِاثْنَيْنِ صَحِيحٌ لَكِنْ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ وَقَالَ آخَرُونَ حَقِيقَةٌ

[776] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ الْقَافِيةُ آخِرُ الرَّأْسِ وَقَافِيةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ وَمِنْهُ قَافِيةُ الشِّعْرِ قَوْلُهُ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ نُسَخِ بِلَادِنَا بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ بِالرَّفْعِ أَيْ بَقِيَ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْعُقَدِ فَقِيلَ هُوَ عَقْدٌ حَقِيقِيٌّ بِمَعْنَى عَقْدِ السِّحْرِ لِلْإِنْسَانِ وَمَنْعُهُ مِنَ الْقِيَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ شَرِّ النفاثات في العقد فَعَلَى هَذَا هُوَ قَوْلٌ يَقُولُهُ يُؤَثِّرُ فِي تَثْبِيطِ النَّائِمِ كَتَأْثِيرِ السِّحْرِ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا يَفْعَلُهُ كَفِعْلِ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَقِيلَ هُوَ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ وَتَصْمِيمِهِ فَكَأَنَّهُ يُوَسْوِسُ فِي نَفْسِهِ وَيُحَدِّثُهُ بِأَنَّ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا فَتَأَخَّرْ عَنِ الْقِيَامِ وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ كنى به عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا
(6/65)

اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا الْحَثُّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَجَاءَتْ فِيهِ أَذْكَارٌ مَخْصُوصَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ وقد جمعتها وما يتعلق بها في بَابٍ مِنْ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَلَا يَتَعَيَّنُ لِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ ذِكْرٌ لَكِنَّ الْأَذْكَارَ الْمَأْثُورَةَ فِيهِ أَفْضَلُ وَمِنْهَا التَّحْرِيضُ عَلَى الْوُضُوءِ حِينَئِذٍ وَعَلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ قَلَّتْ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَتَانِ مَعْنَاهُ تَمَامُ عُقْدَتَيْنِ أَيِ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ثَانِيَةٌ وَتَمَّ بِهَا عُقْدَتَانِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى قُلْ أَئِنَّكُمْ لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله في أربعة أيام أَيْ فِي تَمَامِ أَرْبَعَةٍ وَمَعْنَاهُ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ تَمَّتِ الْجُمْلَةُ بِهِمَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَمِثْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فَقِيرَاطَانِ هَذَا لَفْظُ إِحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِمَعْنَاهُ وَالْمُرَادُ قِيرَاطَانِ بِالْأَوَّلِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ بِالصَّلَاةِ يَحْصُلُ قِيرَاطٌ وَبِالِاتِّبَاعِ قِيرَاطٌ آخَرُ يَتِمُّ بِهِ الْجُمْلَةُ قِيرَاطَانِ وَدَلِيلُ أَنَّ الْجُمْلَةَ قِيرَاطَانِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنَ الْأَجْرِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أُحُدٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِثْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةً فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ مَعْنَاهُ لِسُرُورِهِ بِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ الْكَرِيمُ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَوَعَدَهُ بِهِ مِنْ ثَوَابِهِ مَعَ مَا يُبَارِكُ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ مَعَ مَا زَالَ عَنْهُ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ وتثبيطه
(6/66)

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ مَعْنَاهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ وَآثَارِ تَثْبِيطِهِ وَاسْتِيلَائِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ عَنْهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الذِّكْرُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَنْ يُصْبِحُ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي فَإِنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ هَذَا اللَّفْظَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ صِفَةِ غَيْرِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ بَوَّبَ لِهَذَا الْحَدِيثِ بَابَ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى رَأْسِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمَازِرِيُّ وَقَالَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَعْقِدُ قَافِيَةَ رَأْسِهِ وَإِنْ صَلَّى بَعْدَهُ وَإِنَّمَا يَنْحَلُّ عُقَدُهُ بِالذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ قَالَ وَيُتَأَوَّلُ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْعُقَدِ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَجَعَلَ مَنْ صَلَّى وَانْحَلَّتْ عُقَدَهُ كَمَنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ لِزَوَالِ أَثَرِهِ

(باب اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ وَجَوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ)
وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الرَّاتِبَةُ وَغَيْرُهَا إِلَّا الشَّعَائِرَ الظَّاهِرَةَ وَهِيَ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالتَّرَاوِيحُ وَكَذَا مَا لَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَيُنْدَبُ كَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ هِيَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ

[777] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا مَعْنَاهُ صَلُّوا فِيهَا وَلَا تَجْعَلُوهَا كَالْقُبُورِ مَهْجُورَةً مِنَ الصَّلَاةِ وَالْمُرَادُ به صَلَاةُ النَّافِلَةِ أَيْ صَلُّوا النَّوَافِلَ فِي بُيُوتِكُمْ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ هَذَا فِي الْفَرِيضَةِ وَمَعْنَاهُ اجْعَلُوا بَعْضَ فَرَائِضِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لِيَقْتَدِيَ بِكُمْ مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ نِسْوَةٍ وَعَبِيدٍ وَمَرِيضٍ وَنَحْوِهِمْ قَالَ وَقَالَ الْجُمْهُورُ بَلْ هُوَ فِي النَّافِلَةِ لِإِخْفَائِهَا وَلِلْحَدِيثِ الْآخَرِ أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا الْمَكْتُوبَةَ قُلْتُ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّافِلَةُ وَجَمِيعُ أَحَادِيثِ الْبَابِ تَقْتَضِيهِ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْفَرِيضَةِ وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَةِ
(6/67)

فِي الْبَيْتِ لِكَوْنِهِ أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاءِ وَأَصْوَنَ مِنَ الْمُحْبِطَاتِ وَلِيَتَبَرَّكَ الْبَيْتُ بِذَلِكَ وَتَنْزِلَ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَلَائِكَةُ وَيَنْفِرُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا

[779] قَوْلُهُ بُرَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ أَنَّ بُرَيْدًا بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتُ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فِيهِ النَّدْبُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَيْتِ وَأَنَّهُ لَا يُخْلَى مِنَ الذِّكْرِ وَفِيهِ جَوَازُ التَّمْثِيلِ وَفِيهِ أَنَّ طُولَ الْعُمْرِ فِي الطَّاعَةِ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ يَنْتَقِلُ إِلَى خَيْرٍ لِأَنَّ الحي يستلحق بِهِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِمَا يَفْعَلُهُ مِنَ الطَّاعَاتِ

[780] قوله ص سُورَةُ الْبَقَرَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ بِلَا كَرَاهَةَ وَأَمَّا مَنْ كَرِهَ قَوْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَنَحْوِهَا فغالط وسبقت
(6/68)

الْمَسْأَلَةُ وَسَنُعِيدُهَا قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في أبواب فضائل القرآن قوله ص إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ يَنْفِرُ وَرَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ يَفِرُّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ

[781] قَوْلُهُ احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ فَصَلَّى فِيهَا فَالْحُجَيْرَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ تَصْغِيرُ حُجْرَةٍ وَالْخَصَفَةُ وَالْحَصِيرُ بِمَعْنًى شَكَّ الرَّاوِي فِي الْمَذْكُورَةِ مِنْهُمَا وَمَعْنَى احْتَجَرَ حُجْرَةً أَيْ حَوَّطَ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ بِحَصِيرٍ لِيَسْتُرَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ وَلَا يَتَهَوَّشَ بِغَيْرِهِ وَيَتَوَفَّرَ خُشُوعُهُ وَفَرَاغُ قَلْبِهِ وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَنَحْوِهِمْ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ دَائِمًا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِرُهَا بِاللَّيْلِ يصلي فيها وينحتها بِالنَّهَارِ وَيَبْسُطُهَا كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَعَادَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَفِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَفِيهِ جَوَازُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ وَجَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِمْ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِوُلَاةِ الْأُمُورِ وَكِبَارِ النَّاسِ وَالْمَتْبُوعِينَ فِي عِلْمٍ وَغَيْرِهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَأَصْلُ التَّتَبُّعِ الطَّلَبُ وَمَعْنَاهُ هُنَا طَلَبُوا مَوْضِعَهُ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ قَوْلُهُ وَحَصَبُوا الْبَابَ أَيْ رَمَوْهُ بِالْحَصْبَاءِ وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ تَنْبِيهًا لَهُ وَظَنُّوا
(6/69)

أَنَّهُ نَسِيَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ هَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّوَافِلِ الْمُرَتَّبَةِ مَعَ الْفَرَائِضِ وَالْمُطْلَقَةِ إِلَّا فِي النَّوَافِلِ الَّتِي هِيَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَكَذَا التَّرَاوِيحُ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَالِاسْتِسْقَاءُ فِي الصَّحْرَاءِ وَكَذَا الْعِيدُ إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَاللَّهُ أعلم قَوْلُهُ وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ يُحَجِّرُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يَتَّخِذُهُ حُجْرَةً كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالْإِثْرَاءِ مِنْ مَتَاعِهَا بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ قَوْلُهُ فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ أَيِ اجْتَمَعُوا وَقِيلَ رجعوا للصلاة

(باب فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وغيره)
والأمر بالاقتصاد في العبادة وهو أن يأخذ منها ما يطيق الدوام عليه وأمر من كان في صلاة فتركها ولحقه ملل ونحوه بأن يتركها حتى يزول ذلك

[782] قوله ص عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ أَيْ تُطِيقُونَ الدوام عليه
(6/70)

بِلَا ضَرَرٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَاجْتِنَابِ التَّعَمُّقِ وَلَيْسَ الْحَدِيثُ مُخْتَصًّا بِالصَّلَاةِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَسْأَمُ حَتَّى تَسْأَمُوا وَهُمَا بِمَعْنًى قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمَلَلُ وَالسَّآمَةُ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ فِي حَقِّنَا مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجِبُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مَعْنَاهُ لَا يُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمَالِّ فَيَقْطَعُ عَنْكُمْ ثَوَابَهُ وَجَزَاءَهُ وَبَسْطَ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ حَتَّى تَقْطَعُوا عَمَلَكُمْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ إذا مللتم وقاله بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَنْشَدُوا فِيهِ شِعْرًا قَالُوا وَمِثَالُهُ قَوْلُهُمْ فِي الْبَلِيغِ فُلَانٌ لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَقْطَعَ خُصُومَهُ مَعْنَاهُ لَا يَنْقَطِعُ إِذَا انْقَطَعَ خُصُومُهُ وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ يَنْقَطِعُ إِذَا انْقَطَعَ خُصُومُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ لِأَنَّهُ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يُصْلِحُهُمْ وَهُوَ مَا يُمْكِنُهُمُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا ضَرَرٍ فَتَكُونُ النَّفْسُ أَنْشَطَ وَالْقَلْبُ مُنْشَرِحًا فَتَتِمُّ الْعِبَادَةُ بِخِلَافِ مَنْ تَعَاطَى مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَشُقُّ فَإِنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يَتْرُكَهُ أَوْ بَعْضَهُ أَوْ يَفْعَلَهُ بِكُلْفَةٍ وَبِغَيْرِ انْشِرَاحِ الْقَلْبِ فَيَفُوتُهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنِ اعْتَادَ عِبَادَةً ثُمَّ أَفْرَطَ فَقَالَ تَعَالَى وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رعايتها وَقَدْ نَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى تَرْكِهِ قَبُولَ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَخْفِيفِ الْعِبَادَةِ وَمُجَانَبَةِ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ دُووِمَ عَلَيْهِ وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ دُووِمَ بِوَاوَيْنِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا دُوِمَ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ وَأَنَّ قَلِيلَهُ الدَّائِمَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يَنْقَطِعُ وَإِنَّمَا كَانَ الْقَلِيلُ الدَّائِمُ خَيْرًا مِنْ الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ لِأَنَّ بِدَوَامِ الْقَلِيلِ تَدُومُ الطَّاعَةُ وَالذِّكْرُ وَالْمُرَاقَبَةُ وَالنِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيُثْمِرُ الْقَلِيلُ الدَّائِمُ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً
(6/71)

قَوْلُهُ وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ أَيْ لَازَمُوهُ وَدَاوَمُوا عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآلِ هُنَا أَهْلُ بَيْتِهِ وَخَوَاصُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَقَرَابَتِهِ وَنَحْوِهِمْ

[783] قَوْلُهَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ أَيْ يَدُومُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْطَعُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَبْلِ الْمَمْدُودِ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ
(6/72)

لِزَيْنَبَ تُصَلِّي

[784] فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ به فقال حلوه يصلي أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ كَسِلَتْ بِكَسْرِ السِّينِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالنَّهْيُ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالْأَمْرُ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِنَشَاطٍ وَأَنَّهُ إِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ حَتَّى يَذْهَبَ الْفُتُورُ وَفِيهِ إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَفِيهِ جَوَازُ التَّنَفُّلِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي النَّافِلَةَ فِيهِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا

[785] قَوْلُهُ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ قَوْلُهُ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تَنَامُ اللَّيْلَ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا وَكَرَاهَةَ فِعْلِهَا وَتَشْدِيدِهَا عَلَى نَفْسِهَا وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَرِهَ ذَلِكَ حَتَّى عُرِفَتِ الْكَرَاهَةُ فِي وَجْهِهِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبُ جَمَاعَةٍ أَوِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ صَلَاةَ جَمِيعِ اللَّيْلِ مَكْرُوهَةٌ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مالك إذا لم ينم عن الصبح
(6/73)

(باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر)
بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك

[786] قوله ص إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ إِلَى آخِرِهِ نَعَسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ بِخُشُوعٍ وَفَرَاغِ قَلْبٍ وَنَشَاطٍ وَفِيهِ أَمْرُ النَّاعِسِ بِالنَّوْمِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَذْهَبُ عَنْهُ النُّعَاسُ وَهَذَا عَامٌّ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فِي الليل والنهار وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور لَكِنْ لَا يُخْرِجُ فَرِيضَةً عَنْ وَقْتِهَا قَالَ الْقَاضِي وَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ عَلَى نَفْلِ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ مَحِلُّ النَّوْمِ غَالِبًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَى يَسْتَغْفِرُ هُنَا يَدْعُو

[787] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْجَمَ
(6/74)

عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَيِ اسْتَغْلَقَ وَلَمْ يَنْطَلِقْ بِهِ لسانه لغلبة النعاس

(باب فضائل القرآن وما يتعلق به)

(باب الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ وَكَرَاهَةِ قَوْلِ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَجَوَازِ قَوْلِ أُنْسِيتُهَا)

[788] قَوْلُهُ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا
(6/75)

[790] بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَوَائِدُ مِنْهَا جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْلِ وَفِي الْمَسْجِدِ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ إِذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا وَلَا تَعَرَّضَ لِلرِّيَاءِ وَالْإِعْجَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِيهِ الدُّعَاءُ لِمَنْ أَصَابَ الْإِنْسَانُ مِنْ جِهَتِهِ خَيْرًا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ لِلْقِرَاءَةِ سُنَّةٌ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ سُورَةِ كَذَا كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ وَنَحْوِهَا وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَفِيهِ كَرَاهَةُ قَوْلِ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قَوْلُ أُنْسِيتُهَا وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ نَسِيتُهَا لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّسَاهُلَ فِيهَا وَالتَّغَافُلَ عنها وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَوْلَى مَا يُتَأَوَّلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ أَنَّ مَعْنَاهُ ذَمُّ الْحَالِ لَا ذَمُّ الْقَوْلِ أَيْ نَسِيتُ الْحَالَةَ حَالَةَ مَنْ حَفِظَ القرآن فغفل عنه حتى نسيه وقوله ص بَلْ هُوَ نُسِّيَ ضَبَطْنَاهُ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَقَالَ القاضي ضبطناه بالتشديد والتخفيف قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَدْ بَلَّغَهُ إِلَى الْأُمَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ الْكَلَامُ فِيمَا يَجُوزُ مِنَ السَّهْوِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَا يَجُوزُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ جَوَازُ النِّسْيَانِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتِدَاءٌ فِيمَا لَيْسَ
(6/76)

طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ وَالتَّعْلِيمُ وَلَكِنْ مَنْ جَوَّزَ قَالَ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بل لابد أَنْ يَتَذَكَّرَهُ أَوْ يَذْكُرَهُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شروط ذلك الفور أم يصح على التَّرَاخِي قَبْلَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَمَّا نِسْيَانُ مَا بَلَغَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَجُوزُ قَالَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ وَمُتَابِعِيهِمْ لَا يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ أَصْلًا فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُ صُورَتُهُ لَيْسَ إِلَّا وَهَذَا تَنَاقُضٌ مَرْدُودٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ مِمَّنْ يقتدى به إلا الأستاذ أبو الظفر الاسفرايني مِنْ شُيُوخِنَا فَإِنَّهُ مَالَ إِلَيْهِ وَرَجَّحَهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُتَنَاقِضٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[789] إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعَاهُدِ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِهِ وَالْحَذَرِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلنِّسْيَانِ قَالَ الْقَاضِي وَمَعْنَى صَاحِبِ الْقُرْآنِ أَيِ الَّذِي أَلِفَهُ وَالْمُصَاحَبَةُ الْمُؤَالَفَةُ وَمِنْهُ فُلَانٌ صَاحِبُ فُلَانٍ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَصْحَابُ الصُّفَّةِ وَأَصْحَابُ إِبِلٍ وَغَنَمٍ وَصَاحِبُ كَنْزٍ وَصَاحِبُ عِبَادَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ أَيْ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فَتْحَهَا وَكَسْرَهَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّفَصِّي الِانْفِصَالُ وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَشَدُّ تَفَلُّتًا النَّعَمُ أَصْلُهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِبِلُ خَاصَّةً لِأَنَّهَا الَّتِي تُعْقَلُ وَالْعُقُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْقَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْقَافِ وَهُوَ كَنَظَائِرِهِ وَهُوَ جمع عقال ككتاب وكتب وَالنَّعَمُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِعُقُلِهَا وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عُقُلِهِ وَفِي الثَّالِثَةِ فِي عُقُلِهَا وَكُلُّهُ صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِرِوَايَةِ الْبَاءِ مِنْ كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى عينا يشرب بها عباد الله عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَعْنَاهَا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عُقُلِهِ بِتَذْكِيرِ النَّعَمِ وَهُوَ صَحِيحٌ كما ذكرناه
(6/77)

(باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن)

[792] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ هُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى أَذِنَ فِي اللُّغَةِ الِاسْتِمَاعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا قَالُوا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ هُنَا عَلَى الِاسْتِمَاعِ بِمَعْنَى الْإِصْغَاءِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هُوَ مَجَازٌ وَمَعْنَاهُ الْكِنَايَةُ عَنْ تَقْرِيبِهِ الْقَارِئَ وَإِجْزَالِ ثَوَابِهِ لِأَنَّ سَمَاعَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ وَقَوْلُهُ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ مَعْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ وَأَصْحَابِ الْفُنُونِ يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِهِ وَعِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ يَسْتَغْنِي بِهِ قِيلَ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ النَّاسِ وَقِيلَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْكُتُبِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ القولان منقولان عن بن عُيَيْنَةَ قَالَ يُقَالُ تَغَنَّيْتُ وَتَغَانَيْتُ بِمَعْنَى
(6/78)

اسْتَغْنَيْتُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ مَعْنَاهُ تَحْزِينُ الْقِرَاءَةِ وترقيقها وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ قَالَ الْهَرَوِيُّ مَعْنَى يَتَغَنَّى بِهِ يَجْهَرُ بِهِ وَأَنْكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ تَفْسِيرَ مَنْ قَالَ يَسْتَغْنِي بِهِ وَخَطَّأَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ تَحْسِينِ الصَّوْتِ وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ كَمَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ هُوَ بِفَتْحِ الذَّالِ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا هِقْلٌ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ قَوْلُهُ كَأَذَنِهِ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ وَهُوَ مَصْدَرُ أَذِنَ يَأْذَنُ أَذَنًا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ بن أَيُّوبَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ كَإِذْنِهِ هَكَذَا هُوَ في رواية بن أيوب بكسر
(6/79)

الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ قَالَ الْقَاضِي هُوَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِمَعْنَى الْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَمْرِ به

[793] قوله ص فِي أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَأَصْلُ الزَّمْرِ الْغِنَاءُ وَآلُ دَاوُدَ هُوَ دَاوُدُ نَفْسُهُ وَآلُ فُلَانٍ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ دَاوُدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَ الصَّوْتِ جِدًّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مُوسَى لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ وَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ قَالَ الْقَاضِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّحْزِينِ وَالتَّشْوِيقِ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ فَكَرِهَهَا مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ لِخُرُوجِهَا عَمَّا جاء القرآن له من الخشوع والتفهم وأبحاهما أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ لِلْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلرِّقَّةِ وَإِثَارَةِ الْخَشْيَةِ وَإِقْبَالِ النُّفُوسِ عَلَى اسْتِمَاعِهِ قُلْتُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ أَكْرَهُ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ لَا أَكْرَهُهَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا خِلَافٌ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ حَالَيْنِ فَحَيْثُ كَرِهَهَا أَرَادَ إِذَا مَطَّطَ وَأَخْرَجَ الْكَلَامَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ مَدٍّ غَيْرِ مَمْدُودٍ وَإِدْغَامِ ما لا يجوز إدغامه وَنَحْوُ ذَلِكَ وَحَيْثُ أَبَاحَهَا أَرَادَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغَيُّرٌ لِمَوْضُوعِ الْكَلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(6/80)

(باب نزول السكينة لقراءة القرآن)

[795] قَوْلُهُ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ وَهُمَا تَثْنِيَةُ شَطَنٍ وَهُوَ الْحَبْلُ الطَّوِيلُ الْمُضْطَرِبُ قَوْلُهُ وَجَعَلَ فَرَسَهُ يَنْفِرُ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ وَفِي الثَّالِثَةِ غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا يَنْقُزُ أَمَّا الْأُولَيَانِ فَبِالْفَاءِ وَالرَّاءِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَبِالْقَافِ الْمَضْمُومَةِ وبالزاي
(6/81)

هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ بِلَادِنَا فِي الثَّالِثَةِ يَنْفِزُ بِالْفَاءِ وَالزَّايِ وَحَكَاهُ القاضي عياض عن بعضهم وغلطه ومعنى ينقز بِالْقَافِ وَالزَّايِ يَثِبُ قَوْلُهُ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ قَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى السَّكِينَةِ هُنَا أَشْيَاءُ الْمُخْتَارُ مِنْهَا أَنَّهَا شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تعالى فيه طُمَأْنِينَةٌ وَرَحْمَةٌ وَمَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ رُؤْيَةِ آحَادِ الْأُمَّةِ الْمَلَائِكَةَ وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ فُلَانٌ وَفِي الرواية الأخرى اقرأ ثلاث مرات معناه كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَمِرَّ عَلَى الْقُرْآنِ وَتَغْتَنِمَ مَا حَصَلَ لَكَ مِنْ نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائِكَةِ وَتَسْتَكْثِرَ مِنَ الْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ بَقَائِهَا

[796] قَوْلُهُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ حَدَّثَهُ هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَوْلُهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ
(6/82)

قَوْلُهُ بَيْنَمَا هُوَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ مَعْنَاهُ بَيْنَ أَوْقَاتِهِ قَوْلُهُ فِي مِرْبَدِهِ هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَيْبَسُ فِيهِ التَّمْرُ كَالْبَيْدَرِ لِلْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ جَالَتْ فَرَسُهُ أَيْ وَثَبَتَ وَقَالَ هُنَا جَالَتْ فَأَنَّثَ الْفَرَسَ وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ فَذَكَرَهُ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَالْفَرَسُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى

(باب فَضِيلَةِ حَافِظِ الْقُرْآنِ)
[797] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ فَضِيلَةُ حَافِظِ الْقُرْآنِ
(6/83)

واستحباب ضرب الأمثال لايضاح المقاصد

[798] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ السَّفَرَةُ جَمِيعُ سَافِرٍ كَكَاتِبٍ وَكَتَبَةٍ وَالسَّافِرُ الرَّسُولُ وَالسَّفَرَةُ الرُّسُلُ لِأَنَّهُمْ يُسْفِرُونَ إِلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِ اللَّهِ وَقِيلَ السَّفَرَةُ الْكَتَبَةُ وَالْبَرَرَةُ الْمُطِيعُونَ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ وَالْمَاهِرُ الْحَاذِقُ الْكَامِلُ الْحِفْظِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ بِجَوْدَةِ حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَوْنِهِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ أَنَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مَنَازِلَ يَكُونُ فِيهَا رَفِيقًا لِلْمَلَائِكَةِ السَّفَرَةِ لِاتِّصَافِهِ بِصِفَتِهِمْ مِنْ حَمْلِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ عامل بعملهم
(6/84)

وَسَالِكٌ مَسْلَكَهُمْ وَأَمَّا الَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ فَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي تِلَاوَتِهِ لِضَعْفِ حِفْظِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرٌ بِالْقِرَاءَةِ وَأَجْرٌ بِتَتَعْتُعِهِ فِي تِلَاوَتِهِ وَمَشَقَّتِهِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الَّذِي يَتَتَعْتَعُ عَلَيْهِ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَاهِرِ بِهِ بَلِ الْمَاهِرُ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ أَجْرًا لِأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ وَلَهُ أُجُورٌ كَثِيرَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ لِغَيْرِهِ وَكَيْفَ يَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْتَنِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ تِلَاوَتِهِ وَرِوَايَتِهِ كَاعْتِنَائِهِ حَتَّى مَهَرَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْحُذَّاقِ فِيهِ)
وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه

[799] قَالَ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأُبَيٍّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ قَالَ اللَّهُ سَمَّانِي لَكَ قَالَ اللَّهُ سَمَّاكَ لِي فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي قَالَ مُسْلِمٌ حدثنا محمد بن المثني وبن بَشَّارٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ وَسَمَّانِي لَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَبَكَى قَالَ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا خالد يعني
(6/85)

بن الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ بِمِثْلِهِ هَذِهِ الْأَسَانِيدُ الثَّلَاثَةُ رُوَاتُهَا كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ وَهَذَا مِنَ الْمُسْتَطْرَفَاتِ أَنْ يَجْتَمِعَ ثَلَاثَةُ أَسَانِيدَ مُتَّصِلَةٍ مُسَلْسَلُونَ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مِثْلِهِ وَشُعْبَةُ وَاسِطِيٌّ بَصْرِيٌّ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَفِي الطَّرِيقِ الثَّالِثِ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ أَنَّ قَتَادَةَ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَنَسٍ بِخِلَافِ الْأُولَيَيْنِ وَقَتَادَةُ مُدَلِّسٌ فَيَنْتَفِي أَنْ يُخَافَ مِنْ تَدْلِيسِهِ بِتَصْرِيحِهِ بِالسَّمَاعِ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا مَرَّاتٍ وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْحُذَّاقِ فِيهِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ وَالْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ وَمِنْهَا الْمَنْقَبَةُ الشَّرِيفَةُ لِأُبَيٍّ بِقِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ شَارَكَهُ فِي هَذَا وَمِنْهَا مَنْقَبَةٌ أُخْرَى لَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَنَصِّهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ وَمِنْهَا الْبُكَاءُ لِلسُّرُورِ وَالْفَرَحِ مِمَّا يُبَشَّرُ الْإِنْسَانُ بِهِ وَيُعْطَاهُ مِنْ مَعَالِي الْأُمُورِ وَأَمَّا قَوْلُهُ آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أمر النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِهِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى أُبَيٍّ فَأَرَادَ أُبَيٌّ أَنْ يَتَحَقَّقَ هَلْ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ عَلَى رَجُلٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاسْتِثْبَاتُ فِي الْمُحْتَمَلَاتِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحِكْمَةِ فِي قِرَاءَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيٍّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ سَبَبَهَا أَنْ تَسْتَنَّ الْأُمَّةُ بِذَلِكَ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى أَهْلِ الْإِتْقَانِ وَالْفَضْلِ وَيَتَعَلَّمُوا آدَابَ الْقِرَاءَةِ وَلَا يَأْنَفَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى جَلَالَةِ أُبَيٍّ وَأَهْلِيَّتِهِ لِأَخْذِ الْقُرْآنِ عنه وكان بعده ص رَأْسًا وَإِمَامًا فِي إِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَجَلُّ نَاشِرَتِهِ أَوْ مِنْ أَجَلِّهِمْ وَيَتَضَمَّنُ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا تَخْصِيصُ هَذِهِ السُّورَةِ فَلِأَنَّهَا وَجِيزَةٌ جَامِعَةٌ لِقَوَاعِدَ كَثِيرَةٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ وَمُهِمَّاتِهِ وَالْإِخْلَاصِ وَتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ وَكَانَ الْوَقْتُ يَقْتَضِي الِاخْتِصَارَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه)
للاستماع والبكاء عن القراءة والتدبر

[800] قَالَ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنْ حَفْصٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
(6/86)

غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ إِلَى آخِرِهِ قَالَ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا قَالَ مُسْلِمٌ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ
(6/87)

إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ الْأَسَانِيدُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ وَهُوَ مِنَ الطُّرُقِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَجَرِيرٌ رَازِيٌّ كُوفِيٌ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ الْأَعْمَشُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَأَيْضًا الْأَعْمَشُ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَلْقَمَةُ وَفِي حَدِيثِ بن مَسْعُودٍ هَذَا فَوَائِدُ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ اسْتِمَاعِ الْقِرَاءَةِ وَالْإِصْغَاءِ لَهَا وَالْبُكَاءِ عِنْدَهَا وَتَدَبُّرِهَا وَاسْتِحْبَابُ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِهِ لِيَسْتَمِعَ لَهُ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّفَهُّمِ وَالتَّدَبُّرِ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ تَوَاضُعُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَلَوْ مَعَ أَتْبَاعِهِمْ

[801] قوله ان بن مَسْعُودٍ وَجَدَ مِنَ الرَّجُلِ رِيحَ الْخَمْرِ فَحَدَّهُ هذا محمول على أن بن مَسْعُودٍ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ لِكَوْنِهِ نَائِبًا لِلْإِمَامِ عُمُومًا أَوْ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ أَوْ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَوْ أسْتَأْذَنَ مَنْ لَهُ إِقَامَةُ الْحَدِّ هُنَاكَ فِي ذَلِكَ فَفَوَّضَهُ إِلَيْهِ وَيُحْمَلُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ اعْتَرَفَ بِشُرْبِ خَمْرٍ بِلَا عُذْرٍ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِمُجَرَّدِ رِيحِهَا لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ وَالْإِكْرَاهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ آخَرِينَ

[801] قَوْلُهُ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ مَعْنَاهُ تُنْكِرُ بَعْضَهُ جَاهِلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّكْذِيبُ الْحَقِيقِيُّ فَإِنَّهُ لَوْ كَذَّبَ حَقِيقَةً لَكَفَرَ وَصَارَ مُرْتَدًّا يَجِبُ قَتْلُهُ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(6/88)

(باب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَتَعَلُّمِهِ)
[802] الْخَلِفَاتُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْحَوَامِلُ مِنَ الْإِبِلِ إِلَى أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا نِصْفُ أَمَدِهَا ثُمَّ هِيَ عِشَارٌ وَالْوَاحِدَةُ خَلِفَةٌ وَعُشَرَاءُ

[803] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَالْكَوْمَا مِنَ الْإِبِلِ بفتح الكاف العظيمة السنامم

(باب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ)
[804] قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم اقرؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ قَالُوا سُمِّيَتَا الزهراوين
(6/89)

لِنُورِهِمَا وَهِدَايَتِهِمَا وَعَظِيمِ أَجْرِهِمَا وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَسُورَةِ النِّسَاءِ وَسُورَةِ الْمَائِدَةِ وَشَبَهِهَا وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَالَ إِنَّمَا يُقَالُ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْلُومٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ قَالَ أهَلُ اللُّغَةِ الْغَمَامَةُ وَالْغَيَايَةُ كُلُّ شَيْءٍ أَظَلَّ الْإِنْسَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ سَحَابَةٍ وَغَبَرَةٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَهُمَا يَأْتِي كَغَمَامَتَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ كَأَنَّمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ من طير صاف الْفِرْقَانِ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَالْحِزْقَانِ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُمَا
(6/90)

قَطِيعَانِ وَجَمَاعَتَانِ يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ فِرْقٌ وَحِزْقٌ وَحَزِيقَةٌ أَيْ جَمَاعَةٌ

[805] قَوْلُهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالنَّوَّاسُ بْنُ سِمْعَانَ يُقَالُ سِمْعَانَ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا قَوْلُهُ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا أَيْ ضِيَاءٌ وَنُورٌ وَمِمَّنْ حَكَى فَتْحَ الرَّاءِ وَإِسْكَانَهَا الْقَاضِي وَآخَرُونَ وَالْأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ وَاللُّغَةِ الْإِسْكَانُ

(باب فَضْلِ الْفَاتِحَةِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ)
وَالْحَثِّ عَلَى قِرَاءَةِ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ الْبَقَرَةِ

[806] قَوْلُهُ أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ قَوْلُهُ عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ قَوْلُهُ سَمِعَ نَقِيضًا هُوَ بِالْقَافِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ صَوْتًا كَصَوْتِ الْبَابِ إِذَا فُتِحَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ قِيلَ مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقِيلَ
(6/91)

مِنَ الشَّيْطَانِ وَقِيلَ مِنَ الْآفَاتِ وَيَحْتَمِلُ مِنَ الجميع

(باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي)

[809] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ من الدجال
(6/92)

وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ قِيلَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا فِي أَوَّلِهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ فَمَنْ تَدَبَّرَهَا لَمْ يُفْتَتَنْ بِالدَّجَّالِ وَكَذَا فِي آخِرِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يتخذوا

[810] قَوْلُهُ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ ضُرَيْبُ بْنُ نُقَيْرٍ بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا وَنُقَيْرٌ بِالْقَافِ وَقِيلَ بِالْفَاءِ وَقِيلَ نُفَيْلٌ بِالْفَاءِ وَاللَّامِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ فِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِأُبَيٍّ وَدَلِيلٌ عَلَى كَثْرَةِ عِلْمِهِ وَفِيهِ تَبْجِيلُ الْعَالِمِ فُضَلَاءَ أَصْحَابِهِ وَتَكْنِيَتُهُمْ وَجَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ إِعْجَابٌ وَنَحْوُهُ لِكَمَالِ نَفْسِهِ وَرُسُوخِهِ فِي التَّقْوَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ قُلْتُ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ حُجَّةٌ لِلْقَوْلِ بِجَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ وَتَفْضِيلِهِ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لِأَنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِهِ يَقْتَضِي نَقْصَ الْمَفْضُولِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّهِ نَقْصٌ بِهِ وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ مَا وَرَدَ مِنْ إِطْلَاقِ أَعْظَمِ وَأَفْضَلِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ بِمَعْنًى عَظِيمٍ وفاضل
(6/93)

وَأَجَازَ ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ قَالُوا وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ أَجْرِ قَارِئِ ذَلِكَ وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ قَوْلِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوِ السُّورَةِ أَعْظَمُ أَوْ أفْضَلُ بِمَعْنَى أَنَّ الثَّوَابَ الْمُتَعَلِّقَ بِهَا أَكْثَرُ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا تَمَيَّزَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ بِكَوْنِهَا أَعْظَمَ لِمَا جَمَعَتْ مِنْ أُصُولِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ والوحدانية وَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَهَذِهِ السَّبْعَةُ أُصُولُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فَضْلِ قراءة قل هو الله أحد)
[811] قوله ص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أنحاء قصص وأحكام وصفات لله تعالى وقل هو الله أحد
(6/94)

متمحضة لِلصِّفَاتِ فَهِيَ ثُلُثٌ وَجُزْءٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يُضَاعَفُ بِقَدْرِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ

[812] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْشُدُوا أَيِ اجْتَمِعُوا

[813] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي قَالَ فِي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ قَالَ الْمَازِرِيُّ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ إِرَادَةُ ثَوَابِهِمْ وَتَنْعِيمِهِمْ وَقِيلَ
(6/95)

مَحَبَّتُهُ لَهُمْ نَفْسُ الْإِثَابَةِ وَالتَّنْعِيمِ لَا الْإِرَادَةُ قَالَ الْقَاضِي وَأَمَّا مَحَبَّتُهُمْ لَهُ سُبْحَانَهُ فَلَا يَبْعُدُ فِيهَا الْمَيْلُ مِنْهُمْ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ مُتَقَدِّسٌ عَلَى الْمَيْلِ قَالَ وَقِيلَ مَحَبَّتُهُمْ لَهُ اسْتِقَامَتُهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَقِيلَ الِاسْتِقَامَةُ ثَمَرَةُ الْمَحَبَّةِ وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ لَهُ مَيْلُهُمْ إِلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَحَبَّةَ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا

(باب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ)
[814] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةُ لَمْ يُرَ مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فِيهِ بَيَانُ عِظَمِ فَضْلِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا الْخِلَافُ فِي إِطْلَاقِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى كَوْنِهِمَا مِنَ الْقُرْآنِ وَرُدَّ عَلَى مَنْ نسب إلى بن مَسْعُودٍ خِلَافَ هَذَا وَفِيهِ أَنَّ لَفْظَةَ قُلْ مِنَ الْقُرْآنِ ثَابِتَةٌ مِنْ أَوَّلِ السُّورَتَيْنِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخَرَى أُنْزِلَ أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلَهُنَّ قَطُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ ضَبَطْنَا نَرَ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَبِالْيَاءِ الْمَضْمُومَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ
(6/96)

مَحْذُوفٍ أَيْ أَعْنِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ

(باب فضل من يقول بِالْقُرْآنِ وَيُعَلِّمُهُ وَفَضْلِ مَنْ تَعَلَّمَ حِكْمَةً)
مِنْ فِقْهٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَمِلَ بِهَا وَعَلَّمَهَا

[815] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحَسَدُ قِسْمَانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ فَالْحَقِيقِيُّ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا وَهَذَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَعَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ فَهُوَ الْغِبْطَةُ وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ النِّعْمَةِ الَّتِي عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَةً وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لَا غِبْطَةَ مَحْبُوبَةٌ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَيْ سَاعَاتُهُ وَوَاحِدُهُ
(6/97)

الْآنَ وَإِنًا وَإِنْيٌ وَإِنْوٌ أَرْبَعُ لُغَاتٍ

[816] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ أَيْ إِنْفَاقِهِ فِي الطَّاعَاتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حكمة فهو يقضي بها يعلمها مَعْنَاهُ يَعْمَلُ بِهَا وَيُعَلِّمُهَا احْتِسَابًا وَالْحِكْمَةُ كُلُّ مَا مَنَعَ مِنَ الْجَهْلِ وَزَجَرَ عَنِ الْقَبِيحِ

(باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه)
قوله ثم لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ هُوَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْأُولَى مَعْنَاهُ

[818] أَخَذْتُ بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ فِي عُنُقِهِ وَجَرَرْتُهُ بِهِ
(6/98)

مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّبَّةِ بِفَتْحِ اللَّامِ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ عَلَيْهَا وَفِي هَذَا بَيَانُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْقُرْآنِ وَالذَّبِّ عَنْهُ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى لَفْظِهِ كَمَا سَمِعُوهُ مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ إِلَى ما يجوزه الْعَرَبِيَّةُ وَأَمَّا أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بِإِرْسَالِهِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي تَعْزِيرَهُ وَلِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى مُخَالَفَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ مِنْ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ وَوُجُوهِهَا مَا لَا يَعْلَمُهُ عُمَرُ وَلِأَنَّهُ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ يَلْبَثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ حُضُورِ الْبَالِ وَتَحْقِيقِ الْقِرَاءَةِ تَمَكُّنَ الْمُطْلَقِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ إِنْزَالِهِ عَلَى سَبْعَةٍ التَّخْفِيفُ وَالتَّسْهِيلُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِسَبْعَةِ أَحْرُفٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ هُوَ تَوْسِعَةٌ وَتَسْهِيلٌ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْحَصْرَ قَالَ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ هُوَ حَصْرٌ لِلْعَدَدِ فِي سَبْعَةٍ ثُمَّ قِيلَ هِيَ سَبْعَةٌ فِي الْمَعَانِي كَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي تَعْيِينِ السَّبْعَةِ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ فِي أَدَاءِ التِّلَاوَةِ وَكَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِكَلِمَاتِهَا مِنْ إِدْغَامٍ وَإِظْهَارٍ وَتَفْخِيمٍ وَتَرْقِيقٍ وَإِمَالَةٍ وَمَدٍّ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ اللُّغَاتِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ فَيَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ لِيَقْرَأَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِمَا يُوَافِقُ لُغَتَهُ وَيَسْهُلُ عَلَى لِسَانِهِ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ الْأَلْفَاظُ وَالْحُرُوفُ وإليه أشار بن شِهَابٍ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ سَبْعُ قِرَاءَاتٍ وَأَوْجُهٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ سَبْعٌ لُغَاتُ الْعَرَبِ يَمَنُهَا وَمَعَدُّهَا وَهِيَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَأَعْلَاهَا وَقِيلَ بَلِ السَّبْعَةُ كُلُّهَا لِمُضَرَ وَحْدَهَا وَهِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ مُجْتَمِعَةٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقِيلَ بَلْ هِيَ مُجْتَمِعَةٌ فِي بَعْضِ
(6/99)

الْكَلِمَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ وَنَرْتَعْ وَنَلْعَبْ وباعد بين أسفارنا وَبِعَذَابٍ بَئِيسٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ ظَهَرَتْ وَاسْتَفَاضَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَبَطَهَا عَنْهُ الْأُمَّةُ وَأَثْبَتَهَا عُثْمَانُ وَالْجَمَاعَةُ فِي الْمُصْحَفِ وَأَخْبَرُوا بِصِحَّتِهَا وَإِنَّمَا حَذَفُوا مِنْهَا مَا لَمْ يَثْبُتْ مُتَوَاتِرًا وَأَنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ تَخْتَلِفُ مَعَانِيهَا تَارَةً وَأَلْفَاظُهَا أُخْرَى وَلَيْسَتْ مُتَضَارِبَةً وَلَا مُتَنَافِيةً وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ القراءة بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ خَاصَّةً لِلضَّرُورَةِ لِاخْتِلَافِ لُغَةِ الْعَرَبِ وَمَشَقَّةِ أَخْذِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ بِلُغَةٍ فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَالْكِتَابُ وَارْتَفَعَتِ الضَّرُورَةُ كَانَتْ قِرَاءَةً وَاحِدَةً قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الَّتِي يَقْرَأُ النَّاسُ الْيَوْمَ بِهَا لَيْسَ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا هُوَ أَحَدُ تِلْكَ السَّبْعَةِ بَلْ تَكُونُ مُفَرَّقَةً فِيهَا وَقَالَ أَبُو عبيد الله بن أبي صفرة هذه الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ إِنَّمَا شُرِعَتْ مِنْ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ الْمُصْحَفَ وَهَذَا ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ قَالَ غَيْرُهُ وَلَا تَكُنِ الْقِرَاءَةُ بِالسَّبْعِ المذكورة في الحديث في ختمة واحدة ولايدري أَيُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ كَانَ آخِرَ الْعَرْضِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّهَا مُسْتَفِيضَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَبَطَهَا عَنْهُ الْأُمَّةُ وَأَضَافَتْ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا إِلَى مَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْ أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ قِرَاءَةً بِهِ كَمَا أُضِيفَ كُلُّ قِرَاءَةٍ مِنْهَا إِلَى مَنِ اخْتَارَ الْقِرَاءَةَ بِهَا مِنَ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ سَبْعَةُ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالْأَحْكَامِ وَالْأَمْثَالِ وَالْقَصَصِ فَخَطَأٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَإِبْدَالِ حَرْفٍ بِحَرْفٍ وَقَدْ تَقَرَّرَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَحْرُمُ إِبْدَالُ آيَةِ أَمْثَالٍ بِآيَةِ أَحْكَامٍ قَالَ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ خَوَاتِيمُ الْآيِ فَيَجْعَلُ مَكَانَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فَاسِدٌ أَيْضًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ تغيير القرآن للناس هذا مختصرها نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أُعَاجِلُهُ
(6/100)

وَأُوَاثِبُهُ

[819] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مَعْنَاهُ لَمْ أَزَلْ أَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ فِي الْحَرْفِ لِلتَّوْسِعَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَيَسْأَلَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَيَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّبْعَةِ

[820] قَوْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَحَسَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنَ المختلفين
(6/101)

فِي الْقِرَاءَةِ قَالَ فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْنَاهُ وَسْوَسَ لِيَ الشَّيْطَانُ تَكْذِيبًا لِلنُّبُوَّةِ أَشَدَّ مِمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ غَافِلًا أَوْ مُتَشَكِّكًا فَوَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطَانُ الْجَزْمَ بِالتَّكْذِيبِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى قَوْلِهِ سُقِطَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ اعْتَرَتْهُ حِيرَةٌ وَدَهْشَةٌ قَالَ وَقَوْلُهُ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ نَزَغَ فِي نَفْسِهِ تَكْذِيبًا لَمْ يَعْتَقِدْهُ قَالَ وَهَذِهِ الْخَوَاطِرُ إِذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهَا لَا يُؤَاخَذُ بِهَا قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَزْعَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ ثُمَّ زَالَتْ فِي الْحَالِ حِينَ ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ فَفَاضَ عَرَقًا قَوْلُهُ فَلَمَّا رَأَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِيِ فَفِضْتُ عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَقًا قَالَ الْقَاضِي ضَرَبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِهِ تَثَبُّتًا لَهُ حِينَ رَآهُ قَدْ غَشِيَهُ ذَلِكَ الْخَاطِرُ الْمَذْمُومُ قَالَ وَيُقَالُ فِضْتُ عَرَقًا وَفِصْتُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ وَرِوَايَتُنَا هُنَا بِالْمُعْجَمَةِ قُلْتُ وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ أُصُولِ بِلَادِنَا وَفِي بَعْضِهَا بِالْمُهْمَلَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ أَنِ اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ قَالَ أرسل إلى أن اقرأالقرآن عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ بن أَبِي شَيْبَةَ أَنْ قَالَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفٍ وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى حَرْفَيْنِ وَفِي الثَّالِثَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَفِي الرَّابِعَةِ عَلَى سَبْعَةٍ هَذَا مِمَّا يُشْكِلُ مَعْنَاهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةِ الْمُرَادُ بِالثَّالِثَةِ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ الرَّابِعَةُ فَسَمَّاهَا ثَالِثَةً مَجَازًا وَحَمَلْنَا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَصْرِيحَهُ
(6/102)

فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ إِنَّمَا كَانَتْ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ الْأَخِيرَةُ وَيَكُونُ قَدْ حَذَفَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَيْضًا بَعْضَ الْمَرَّاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتَهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رَدَدْتُكَهَا هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ذِكْرُ بَعْضِ الرَّدَّاتِ الثَّلَاثِ وَقَدْ جَاءَتْ مُبَيَّنَةً فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلْنِيهَا مَعْنَاهُ مَسْأَلَةٌ مُجَابَةٌ قَطْعًا وَأَمَّا بَاقِي الدَّعَوَاتِ فَمَرْجُوَّةٌ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةَ الْإِجَابَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الشَّرْحِ فِي كِتَابِ الإيمان
(6/103)

[821] قَوْلُهُ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَقْصُورَةٍ وَهِيَ الْمَاءُ الْمُسْتَنْقَعُ كَالْغَدِيرِ وَجَمْعُهَا أَضًا كَحَصَاةٍ وَحَصًا وَإِضَاءٌ بِكَسْرِ الهمزة والمدكأكمة وَإِكَامٍ قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أمتك على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا مَعْنَاهُ لَا يَتَجَاوَزُ أُمَّتُكَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ وَلَهُمُ الْخِيَارُ فِي السَّبْعَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ نَقْلُ السَّبْعَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِالتَّخَيُّرِ فِيهَا وَإِنَّهَا لَا تُتَجَاوَزُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب تَرْتِيلِ الْقِرَاءَةِ وَاجْتِنَابِ الْهَذِّ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ)
فِي السُّرْعَةِ وَإِبَاحَةِ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رَكْعَةٍ

[822] ذَكَرَ في الاسناد الأول بن أبي شيبة وبن نُمَيْرٍ عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ بن مَسْعُودٍ وَفِي الثَّانِي أَبَا كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ هَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُوفِيُّونَ قَوْلُهُ للذي سأل بن مَسْعُودٍ عَنْ آسِنٍ كُلُّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتُ غَيْرَ هَذَا الْحَرْفِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَرْشِدٍ فِي سُؤَالِهِ إِذْ لَوْ كَانَ مُسْتَرْشِدًا لَوَجَبَ جَوَابُهُ وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ قَوْلُهُ إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي ركعة فقال بن مسعود هذا كهذا الشِّعْرِ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ أَخْبَرَ بِكَثْرَةِ
(6/104)

حفظه واتقانه فقال بن مَسْعُودٍ تَهُذُّهُ هَذًّا وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الذَّالِ وَهُوَ شِدَّةُ الْإِسْرَاعِ وَالْإِفْرَاطِ فِي الْعَجَلَةِ فَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْهَذِّ وَالْحَثُّ عَلَى التَّرْتِيلِ وَالتَّدَبُّرِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَأَبَاحَتْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ الْهَذَّ قَوْلُهُ كَهَذِّ الشِّعْرِ مَعْنَاهُ فِي تَحَفُّظِهِ وَرِوَايَتِهِ لَا فِي إِسْنَادِهِ وَتَرَنُّمِهِ لِأَنَّهُ يُرَتَّلُ فِي الْإِنْشَادِ وَالتَّرَنُّمِ فِي الْعَادَةِ قَوْلُهُ ان أقواما يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَوْمًا لَيْسَ حَظُّهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا مُرُورُهُ عَلَى اللِّسَانِ فَلَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ لِيَصِلَ قُلُوبَهُمْ وليس ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله وَتَدَبُّرُهُ بِوُقُوعِهِ فِي الْقَلْبِ قَوْلُهُ إِنَّ أَفْضَلَ الصلاة الركوع والسجود هذا مذهب بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ لَأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَفَسَّرَهَا فَقَالَ عِشْرُونَ سُورَةً فِي عَشْرِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ فِي تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا صَحِيحٌ موافق لرواية عائشة وبن عَبَّاسٍ أَنَّ قِيَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ وَأَنَّ هذا كَانَ قَدْرَ قِرَاءَتِهِ غَالِبًا وَأَنَّ تَطْوِيلَهُ الْوَارِدَ إِنَّمَا كَانَ فِي التَّدَبُّرِ وَالتَّرْتِيلِ وَمَا وَرَدَ من
(6/105)

غَيْرِ ذَلِكَ فِي قِرَاءَتِهِ الْبَقَرَةَ وَالنِّسَاءَ وَآلَ عِمْرَانَ كَانَ فِي نَادِرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَقَدْ جاء بيان هذه السور الْعِشْرِينَ فِي رِوَايَةٍ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ الرَّحْمَنُ وَالنَّجْمِ فِي رَكْعَةٍ وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةُ فِي رَكْعَةٍ وَالطُّورُ وَالذَّارِيَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَالْوَاقِعَةُ وَنُونْ فِي رَكْعَةٍ وَسَأَلَ سَائِلٌ وَالنَّازِعَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَعَبَسَ فِي رَكْعَةٍ وَالْمُدَّثِّرُ وَالْمُزَّمِّلُ فِي رَكْعَةٍ وَهَلْ أَتَى وَلَا أُقْسِمُ فِي رَكْعَةٍ وَعَمَّ وَالْمُرْسَلَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَالدُّخَانُ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فِي رَكْعَةٍ وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِقِصَرِ سوره
(6/106)

وَقُرْبِ انْفِصَالِ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ قَوْلُهُ فِي الرواية الأخرى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُفَصَّلَ مَا بَعْدَ آلِ حم وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عِشْرُونَ مِنَ الْمُفَصَّلِ وَقَوْلُهُ هُنَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم لَا تَعَارُضَ فِيهِ لِأَنَّ مُرَادَهُ فِي الْأُولَى مُعْظَمُ الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُفَصَّلِ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَوَّلُ الْقُرْآنِ السَّبْعُ الطِّوَالُ ثُمَّ ذَوَاتُ الْمَئِينَ وَهُوَ مَا كَانَ فِي السُّورَةِ مِنْهَا مِائَةُ آيَةٍ وَنَحْوِهَا ثُمَّ الْمَثَانِي ثُمَّ الْمُفَصَّلُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ فَقِيلَ مِنَ الْقِتَالِ وَقِيلَ مِنَ الْحُجُرَاتِ وَقِيلَ مِنْ ق قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفِيهِ جَوَازُ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ قَوْلُهُ فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيَّةً هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ مَا يُقَالُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أَذِنَ لَكُمْ فَقُلْنَا لَا إِلَّا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ فَقَالَ ظَنَنْتُمْ بآل بن أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةً مَعْنَاهُ لَا مَانِعَ لَنَا إلا أن تَوَهُّمُنَا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ فَنُزْعِجُهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ ظَنَنَّا تَوَهَّمْنَا وَجَوَّزْنَا لَا أَنَّهُمْ أَرَادُوا الظَّنَّ الْمَعْرُوفَ لِلْأُصُولِيِّينَ وَهُوَ رُجْحَانُ الِاعْتِقَادِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُرَاعَاةُ الرَّجُلِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَرَعِيَّتِهِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ قَوْلُهُ انْظُرِي هَلْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَخَبَرِ الْمَرْأَةِ وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ مَعَ إِمْكَانِ الْيَقِينِ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِقَوْلِهَا وَهُوَ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ قَوْلُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَفِي نَادِرٍ مِنْهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَظِيرًا قَوْلُهُ وَسُورَتَيْنِ مِنَ آلِ حم يَعْنِي مِنَ السُّوَرِ الَّتِي أَوَّلُهَا حم كَقَوْلِكَ فُلَانٌ مِنَ آلِ فُلَانٍ قَالَ الْقَاضِي وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حم نَفْسُهَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ أَيْ دَاوُدَ نَفْسِهِ
(6/107)

(باب مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَاتِ)
[823] قَوْلُهُ يَقُولُ مُدَّكِرٍ أَدَالًا يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَأَصْلُهُ مُذْتَكِرٌ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ دَالًا مُهْمَلَةً ثُمَّ أُدْغِمَتِ الْمُعْجَمَةُ فِي الْمُهْمَلَةِ فَصَارَ النُّطْقُ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ

[824] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ هَذَا إِسْنَادٌ كوفي
(6/108)

كُلُّهُ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ الْأَعْمَشُ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَلْقَمَةُ قَوْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُمَا قَرَآ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قُرْآنًا ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يُعْلَمْ مَنْ خَالَفَ النَّسْخَ فَبَقِيَ عَلَى النَّسْخِ قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمْ مُصْحَفُ عُثْمَانَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الْمَحْذُوفُ مِنْهُ كُلُّ مَنْسُوخٍ وَأَمَّا بَعْدَ ظُهُورِ مُصْحَفِ عُثْمَانَ فَلَا يُظَنُّ بأحد منهم أنه خالف فيه وأما بن مَسْعُودٍ فَرُوِيَتْ عَنْهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ وَمَا ثَبَتَ مِنْهَا مُخَالِفًا لِمَا قُلْنَاهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ فِي مُصْحَفِهِ بَعْضَ الْأَحْكَامِ وَالتَّفَاسِيرِ مِمَّا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَكَانَ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ وَكَانَ يَرَاهُ كَصَحِيفَةٍ يُثْبِتُ فِيهَا مَا يَشَاءُ وَكَانَ رَأْيُ عُثْمَانَ وَالْجَمَاعَةِ مَنْعَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ وَيَظُنَّ ذَلِكَ قُرْآنًا قَالَ الْمَازِرِيُّ فَعَادَ الْخِلَافُ إِلَى مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إِلْحَاقُ بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُصْحَفِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ مَا رُوِيَ مِنْ إِسْقَاطِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مُصْحَفِ بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَتْبُ كل القرآن وكتب ما سواهما وتركهما لِشُهْرَتِهِمَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ النَّاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَقَامَ إِلَى حَلْقَةٍ هِيَ بِإِسْكَانِ اللَّامِ فِي اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُقَالُ فِي لغة رديئة بفتحها وله فَعَرَفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ الْقَوْمِ هُوَ بِمُثَنَّاةٍ فِي أوله
(6/109)

مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيِ انْقِبَاضَهُمْ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْفِطْنَةَ وَالذَّكَاءَ يُقَالُ رَجُلٌ حُوشِيُّ الْفُؤَادِ أَيْ حَدِيدُهُ

(باب الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا)
فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ طُلُوعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ وَعِنْدَ اصْفِرَارِهَا حَتَّى تَغْرُبَ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ فِيهَا وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِلِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ كَصَلَاةِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَآخَرِينَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ
(6/110)

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي قَضَاءِ السُّنَّةِ الْفَائِتَةِ فَالْحَاضِرَةُ أَوْلَى وَالْفَرِيضَةُ الْمَقْضِيَّةُ أَوْلَى وَكَذَا الْجِنَازَةُ هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةِ أَحْكَامِ الْبَابِ وَفِيهِ فُرُوعٌ وَدَقَائِقُ سَنُنَبِّهُ عَلَى بَعْضِهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ أحَادِيثِ الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

[825] قَوْلُهُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَضَبَطْنَاهُ أَيْضًا بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ الَّذِي ضَبَطَهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ بِلَادِنَا وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ تَشْرُقُ أَيْ طَلَعَتْ عَلَى وَزْنِ طلعت تطلع وغربت تغرب ويقال شرقت تَشْرُقُ أَيِ ارْتَفَعَتْ وَأَضَاءَتْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وأشرقت الأرض بنور ربها أَيْ أَضَاءَتْ فَمَنْ فَتَحَ التَّاءَ هُنَا احْتَجَّ بِأَنَّ بَاقِي الرِّوَايَاتِ قَبْلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَبَعْدَهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا وَمَنْ قَالَ بِضَمِّ التَّاءِ احْتَجَّ لَهُ الْقَاضِي بِالْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ حَتَّى تَبْرُزَ وَحَدِيثِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّلُوعِ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ ارْتِفَاعُهَا وَإِشْرَاقُهَا وَإِضَاءَتُهَا لَا مُجَرَّدَ ظُهُورِ قُرْصِهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ لَا عُدُولَ عِنْدَهُ
(6/111)

لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ هَكَذَا هُوَ في الأصول بقرني شيطان في حديث بن عُمَرَ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ قِيلَ الْمُرَادُ بِقَرْنَيِ الشَّيْطَانِ حِزْبُهُ وَأَتْبَاعُهُ وَقِيلَ قُوَّتُهُ وَغَلَبَتُهُ وَانْتِشَارُ فَسَادِهِ وَقِيلَ الْقَرْنَانِ نَاحِيَتَا الرَّأْسِ وَأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَقْوَى قَالُوا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُدْنِي رَأْسَهُ إِلَى الشَّمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لَهَا مِنَ الْكُفَّارِ كَالسَّاجِدِينَ لَهُ فِي الصُّورَةِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ وَلِبَنِيهِ تَسَلُّطٌ ظَاهِرٌ وَتَمَكُّنٌ مِنْ أَنْ يُلَبِّسُوا عَلَى الْمُصَلِّينَ صَلَاتَهُمْ فَكُرِهَتِ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ صِيَانَةً لَهَا كَمَا كُرِهَتْ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي هِيَ مَأْوَى الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ وَفِي بَعْضِ أُصُولِ مُسْلِمٍ فِي حديث بن عُمَرَ هُنَا بِقَرْنَيِ الشَّيْطَانِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَسُمِّيَ شَيْطَانًا لِتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ وَكُلُّ مَارِدٍ عَاتٍ شَيْطَانٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ لِبُعْدِهِ مِنَ الْخَيْرِ
(6/112)

وَالرَّحْمَةِ وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ إِذَا هَلَكَ وَاحْتَرَقَ

[829] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ لَفْظَةُ بَدَا هُنَا غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ مَعْنَاهُ ظَهَرَ وحاجبها طرفها وتبرز بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ أَيْ حَتَّى تَصِيرَ الشَّمْسُ بَارِزَةً ظَاهِرَةً وَالْمُرَادُ تَرْتَفِعُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ

[830] قَوْلُهُ عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ هُوَ بِالْخَاءِ المعجمة قوله عن بن هُبَيْرَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ الْحَضْرَمِيُّ الْمِصْرِيُّ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ أَمَّا بَصْرَةُ فَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجَيْشَانِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَيْشَانَ قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ الْيَمَنِ وَاسْمُ أَبِي تَمِيمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ قَوْلُهُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بِالْمُخْمَصِ هُوَ بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ فِيهِ فَضِيلَةُ الْعَصْرِ وَشِدَّةُ الْحَثِّ عَلَيْهَا
(6/113)

[831] قَوْلُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ قَوْلُهُ تَضَيَّفَ لِلْغُرُوبِ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ تَمِيلُ قَوْلُهُ حِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ الظَّهِيرَةُ حَالُ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ وَمَعْنَاهُ حِينَ لَا يَبْقَى لِلْقَائِمِ فِي الظَّهِيرَةِ ظِلٌّ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا فِي الْمَغْرِبِ قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْقَبْرِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا تُكْرَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ بِمَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ الدَّفْنِ إِلَى هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَمَا يُكْرَهُ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ الْعَصْرِ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ بِلَا عُذْرٍ وَهِيَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا فَأَمَّا إِذَا وَقَعَ الدَّفْنُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِلَا تَعَمُّدٍ فَلَا يُكْرَهُ

[832] قَوْلُهُ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ
(6/114)

مَنْسُوبٌ إِلَى مَعْقِرَ وَهِيَ نَاحِيَةٌ بِالْيَمَنِ قَوْلُهُ جُرَآءٌ عَلَيْهِ قَوْمُهُ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ جُرَآءٌ بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ جَمْعُ جَرِيءٍ بِالْهَمْزِ مِنَ الْجُرْأَةِ وَهِيَ الْإِقْدَامُ وَالتَّسَلُّطُ وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ حِرَاءٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ المكسورة ومعناه غضاب ذو وغم قَدْ عِيلَ صَبْرُهُمْ بِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي أَجْسَامِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ حَرَى جِسْمُهُ يَحْرِي كَضَرَبَ يَضْرِبُ إِذَا نَقَصَ مِنَ أَلَمٍ وَغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِالْجِيمِ قَوْلُهُ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْتَ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ مَا أَنْتَ وَإِنَّمَا قَالَ مَا أَنْتَ وَلَمْ يَقُلْ مَنْ أَنْتَ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ صِفَتِهِ لَا عَنْ ذَاتِهِ وَالصِّفَاتُ مِمَّا لَا يُعْقَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ هَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَثِّ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَهَا بِالتَّوْحِيدِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ حَزَبَاتِ الْأُمُورِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُهِمَّهَا وَبَدَأَ بِالصِّلَةِ وَقَوْلُهُ وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِمَا وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ قَوْلُهُ فَقُلْتُ إِنِّي مُتَّبِعُكَ قَالَ إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فائتني معناه
(6/115)

قُلْتُ لَهُ إِنِّي مُتَّبِعُكَ عَلَى إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ هُنَا وَإِقَامَتِي مَعَكَ فَقَالَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ لِضَعْفِ شَوْكَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ أَذَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَلَكِنْ قَدْ حَصَلَ أَجْرُكَ فَابْقَ عَلَى إِسْلَامِكَ وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ وَاسْتَمِرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعِكَ حَتَّى تَعْلَمَنِي ظَهَرْتُ فَأْتِنِي وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ لِلنُّبُوَّةِ وَهِيَ إِعْلَامُهُ بِأَنَّهُ سَيَظْهَرُ قَوْلُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي قَالَ نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ فَقُلْتُ بَلَى فِيهِ صِحَّةُ الْجَوَابِ بِبَلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا نَفْيٌ وَصِحَّةُ الْإِقْرَارِ بِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا وَشَرْطُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْيٌ قَوْلُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ هَكَذَا هُوَ عَمَّا عَلَّمَكَ وَهُوَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ أَخْبِرْنِي عَنْ حُكْمِهِ وَصِفَتِهِ وَبَيِّنْهُ لِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ لَا يَزُولُ بِنَفْسِ الطُّلُوعِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِارْتِفَاعِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ أَيْ تَحْضُرُهَا الْمَلَائِكَةُ فَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْقَبُولِ وَحُصُولِ الرَّحْمَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ مَعْنَى يَسْتَقِلُّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ أَيْ يَقُومُ مُقَابِلَهُ فِي جِهَةِ الشَّمَالِ ليس مَائِلًا إِلَى الْمَغْرِبِ وَلَا إِلَى الْمَشْرِقِ وَهَذِهِ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ وَفِي
(6/116)

الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَلَامٌ عَجِيبٌ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ نَبَّهَتْ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَمَعْنَى تُسْجَرُ جَهَنَّمُ تُوقَدُ عَلَيْهَا إِيقَادًا بَلِيغًا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ هَلْ جَهَنَّمُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أَمْ عَجَمِيٌّ فَقِيلَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ كَرَاهَةُ الْمَنْظَرِ وَقِيلَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْرٌ جَهَامُ أَيْ عَمِيقَةٌ فَعَلَى هَذَا لَمْ تُصْرَفْ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ هِيَ عَجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ وَامْتَنَعَ صَرْفُهَا لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ مَعْنَى أَقْبَلَ الْفَيْءُ ظَهَرَ إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَالْفَيْءُ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَأَمَّا الظِّلُّ فَيَقَعُ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ وَفِيهِ كَلَامٌ نَفِيسٌ بَسَطْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدْخُلُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَلَا بِصَلَاةِ غَيْرِ الْإِنْسَانِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهِ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُدْنِيهِ وَالْوَضُوءُ هُنَا بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ أَيْ يُخْرِجُ الَّذِي فِي أَنْفِهِ يُقَالُ نَثَرَ وَانْتَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ الْأَنْفُ وَقِيلَ طَرَفُهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الطَّهَارَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ خَرَّتْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ الرُّوَاةِ إِلَّا بن أَبِي جَعْفَرٍ فَرَوَاهُ جَرَتْ بِالْجِيمِ وَمَعْنَى خَرَّتْ بِالْخَاءِ أَيْ سَقَطَتْ وَمَعْنَى جَرَتْ ظَاهِرٌ وَالْمُرَادُ بِالْخَطَايَا الصَّغَائِرُ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ وَالْخَيَاشِيمُ جَمْعُ خَيْشُومٍ وَهُوَ أَقْصَى الْأَنْفِ وَقِيلَ الْخَيَاشِيمُ عِظَامٌ رِقَاقٌ فِي أَصْلِ الْأَنْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّمَاغِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/117)

ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَقَالَ الشِّيعَةُ الواجب مسحهما وقال بن جَرِيرٍ هُوَ مُخَيَّرٌ وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ يَجِبُ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ قَوْلُهُ لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ هَذَا الْكَلَامُ قَدْ يُسْتَشْكَلُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَرَى التَّحْدِيثَ إِلَّا بِمَا سَمِعَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ مَرَّاتٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ سَمِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً جَازَ لَهُ الرِّوَايَةُ بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا تَعَيَّنَ لَهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَوْ لَمْ أَتَحَقَّقْهُ وَأَجْزِمْ بِهِ لَمَا حَدَّثْتُ بِهِ وَذَكَرَ الْمَرَّاتِ بَيَانًا لِصُورَةِ حَالِهِ وَلَمْ يُرِدْ أن ذلك شرط والله أعلم
(6/118)

[833] قَوْلُهَا وَهِمَ عُمَرُ تَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَتِهِ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ التَّحَرِّي قَالَ الْقَاضِي إِنَّمَا قَالَتْ عَائِشَةُ هَذَا لِمَا رَوَتْهُ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ وَمَا رَوَاهُ عُمَرُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو هريرة وقد قال بن عَبَّاسٍ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ قُلْتُ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَرِوَايَةُ التَّحَرِّي مَحْمُولَةٌ عَلَى تَأْخِيرِ الْفَرِيضَةِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ وَرِوَايَةُ النَّهْيِ مُطْلَقًا مَحْمُولَةٌ عَلَى غَيْرِ ذَوَاتِ الأسباب

[834] قوله قال بن عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَلَيْهَا هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ أَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهَا وَفِي بَعْضٍ أَصْرِفُ النَّاسَ عَنْهَا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ يَضْرِبُهُمْ عَلَيْهَا فِي وَقْتٍ وَيَصْرِفُهُمْ عَنْهَا فِي وَقْتٍ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ أَوْ يَصْرِفُهُمْ مَعَ الضَّرْبِ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَضْرِبُ مَنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ ويصرف
(6/119)

مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالدِّرَّةِ وَفِيهِ احْتِيَاطُ الْإِمَامِ لِرَعِيَّتِهِ وَمَنْعُهُمْ من البدع والمنهيات الشرعية وتعزيرهم عليها قَوْلُهُ قَالَ كُرَيْبٌ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا وَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي بِهِ فَقَالَتْ سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ تَحْقِيقُ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَيَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ أَعْلَمُ بِهِ أَوْ أعْرَفُ بِأَصْلِهِ أَنْ يُرْشِدَ إِلَيْهِ إِذَا أَمْكَنَهُ وَفِيهِ الِاعْتِرَافُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ بِمَزِيَّتِهِمْ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَدَبِ الرَّسُولِ فِي حَاجَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ فِيهَا بِتَصَرُّفٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَقِلَّ كُرَيْبٌ بِالذَّهَابِ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ فَلَمَّا أَرْشَدَتْهُ عَائِشَةُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَ رَسُولًا لِلْجَمَاعَةِ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِالذَّهَابِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ فَأَرْسَلُوهُ إِلَيْهَا قَوْلُهَا وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ أَنَّ بَنِي حَرَامٍ بِالرَّاءِ وَأَنَّ حَرَامًا فِي الْأَنْصَارِ وَحِزَامًا بِالزَّايِ فِي قُرَيْشٍ قَوْلُهَا فَأَرْسَلَتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِالسَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهَا فَقُولِي لَهُ تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ إِنَّمَا قَالَتْ عَنْ نَفْسِهَا تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ فَكَنَّتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تَقُلْ هِنْدُ بِاسْمِهَا لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ بِكُنْيَتِهَا وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِالْكُنْيَةِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا بِهَا أَوِ اشْتَهَرَ بِهَا بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ غَالِبًا إِلَّا بِهَا وَكُنِّيَتْ بِأَبِيهَا سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَكَانَ صَحَابِيًّا وَقَدْ ذَكَرْتُ أَحْوَالَهُ فِي تَرْجَمَتِهَا مِنْ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ قَوْلُهَا إِنِّي أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا مَعْنَى أَسْمَعُكَ سَمِعْتُكَ فِي الْمَاضِي وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُضَارِعِ لِإِرَادَةِ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ نرى تقلب وجهك وَفِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلتَّابِعِ إِذَا رَأَى مِنَ الْمَتْبُوعِ شَيْئًا
(6/120)

يُخَالِفُ الْمَعْرُوفَ مِنْ طَرِيقَتِهِ وَالْمُعْتَادَ مِنْ حَالِهِ أَنْ يَسْأَلَهُ بِلُطْفٍ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا رَجَعَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ عَامِدًا وَلَهُ مَعْنًى مُخَصَّصٌ عَرَفَهُ التَّابِعُ وَاسْتَفَادَهُ وَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا بِحَالٍ يَعْلَمُهَا وَلَمْ يَتَجَاوَزْهَا وَفِيهِ مَعَ هَذِهِ الْفَوَائِدِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ بِالسُّؤَالِ يَسْلَمُ مِنْ إِرْسَالِ الظَّنِّ السَّيِّئِ بِتَعَارُضِ الْأَفْعَالِ أَوِ الْأَقْوَالِ وَعَدَمِ الِارْتِبَاطِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ قَوْلُهَا فَأَشَارَ بِيَدِهِ فِيهِ أَنَّ إِشَارَةَ الْمُصَلِّي بِيَدِهِ وَنَحْوَهَا مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَفِيفَةِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا إِثْبَاتُ سُنَّةِ الظُّهْرِ بَعْدَهَا وَمِنْهَا أَنَّ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ إِذَا فَاتَتْ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَمِنْهَا أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ لَا تُكْرَهُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مَا لَا سَبَبَ لَهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَةُ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ لَنَا أَصَحُّ دَلَالَةً مِنْهُ وَدَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ دَاوَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَلَا يَقُولُونَ بِهَذَا قُلْنَا لِأَصْحَابِنَا فِي هَذَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا الْقَوْلُ بِهِ فَمَنْ دَأْبُهُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ كَانَ لَهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى صَلَاةٍ مِثْلِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا الْأَصْلُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمُ التَّخْصِيصِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ بِهِ بَلْ هُنَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ وَهِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ أَنَّهَا سُنَّةُ الظُّهْرِ وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْفِعْلُ مُخْتَصٌّ بِي وَسُكُوتُهُ ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمُهِمَّاتُ بُدِئَ بِأَهَمِّهَا وَلِهَذَا
(6/121)

بَدَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثِ الْقَوْمِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ سُنَّةَ الظُّهْرِ حَتَّى فَاتَ وَقْتُهَا لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِإِرْشَادِهِمْ وَهِدَايَتِهِمْ وَقَوْمَهُمْ إلى الإسلام أهم قَوْلُهَا مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ يعني بعد يوم وفد عبد القيس

[835] قَوْلُهُ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَتَيْنِ رَكْعَتَانِ هُمَا سُنَّةُ الْعَصْرِ قَبْلَهَا وَقَالَ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ وَسُنَّةُ الظُّهْرِ تَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا أَنَّهَا قَبْلَ العصر
(6/122)

(بَابُ اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ)
[836] فِيهِ حَدِيثُ صَلَاتِهِمْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَهَا بَعْدَ الْأَذَانِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صلاة المراد بالأذانين الأذان وَالْإِقَامَةِ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَشْهَرُهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ يُسْتَحَبُّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ لِلسَّلَفِ وَاسْتَحَبَّهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَحْمَدُ واسحق وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَآخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ النَّخَعِيُّ هِيَ بِدْعَةٌ وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ اسْتِحْبَابَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا قَلِيلًا وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ فِي جَوَابِ هَذِهِ
(6/123)

الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَالْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُهَا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ فَهَذَا خَيَالٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا تَتَأَخَّرُ بِهِ الصَّلَاةُ عَنِ أَوَّلِ وَقْتِهَا وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ النَّسْخَ فَهُوَ مُجَازِفٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا عَجَزْنَا عَنِ التَّأْوِيلِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَعَلِمْنَا التَّارِيخَ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ)
[839] ذَكَرَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثٍ أَحَدُهَا حديث بن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالْأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ لِلْعَدُوِّ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ وَجَاءَ
(6/124)

أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ فَقَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ الأوزاعي وأشهب مالكي وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قِيلَ إِنَّ الطَّائِفَتَيْنِ قَضَوْا رَكْعَتَهُمُ الْبَاقِيَةَ مَعًا وَقِيلَ مُتَفَرِّقِينَ وهو الصحيح الثاني حديث بن أَبِي حَثْمَةَ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا حَتَّى أَتَمُّوا رَكْعَتَهُمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ صِفَةً أُخْرَى أَنَّهُ صَفَّهُمْ صَفَّيْنِ فَصَلَّى بِمَنْ يَلِيهِ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ
(6/125)

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفَّهُمْ صَفَّيْنِ خَلْفَهُ وَالْعَدُوُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَرَكَعَ بِالْجَمِيعِ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَقَامُوا ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِي يَلِيهِ وَقَامَ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ سَجَدَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ وذكر في الركعة الثانية نحوه وحديث بن عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَقَدُّمُ الصَّفِّ وَتَأَخُّرُ الْآخَرِ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الشافعي وبن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَقَدُّمُ الصَّفِّ الثَّانِي وَتَأَخُّرُ الْأَوَّلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَيَجُوزُ بَقَاؤُهُمَا عَلَى حَالِهِمَا كَمَا هُوَ ظاهر حديث بن عَبَّاسٍ

[840] الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ فَكَانَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مُفْتَرِضِينَ خَلْفَ مُتَنَفِّلٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَحَكَوْهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إِذْ لَا دَلِيلَ لِنَسْخِهِ فَهَذِهِ سِتَّةُ أوجه في صلاة الخوف وروى بن مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجْهًا سَابِعًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً وَانْصَرَفُوا وَلَمْ يُسَلِّمُوا وَوَقَفُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ فَقَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَتَهُمْ ثُمَّ سَلَّمُوا وَذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ وَرَجَعَ أُولَئِكَ فَصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ وَبِهَذَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وُجُوهًا أُخَرَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ مَجْمُوعُهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا وذكر بن الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا فِي عَشَرَةِ مَوَاطِنَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْجُهَ كُلَّهَا جَائِزَةٌ بِحَسَبِ مَوَاطِنِهَا وَفِيهَا تَفْصِيلٌ وَتَفْرِيعٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ صَلَاةُ الْخَوْفِ أَنْوَاعٌ صَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيَّامٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ يَتَحَرَّى فِي كُلِّهَا مَا هُوَ أَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَأَبْلَغُ فِي الْحِرَاسَةِ فَهِيَ عَلَى اخْتِلَافِ صُوَرِهَا مُتَّفِقَةُ الْمَعْنَى ثُمَّ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَشْرُوعَةٌ الْيَوْمَ كَمَا كَانَتْ إِلَّا أَبَا يُوسُفَ وَالْمُزَنِيَّ فَقَالَا لَا تُشْرَعُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَزَالُوا عَلَى فِعْلِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ تَخْصِيصَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا كَمَا
(6/126)

رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي قَوْلُهُ وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ أَيْ فِي مُقَابَلَتِهِ وَنَحْرُ كُلِّ شي أَوَّلُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ
(6/127)

النُّسَخِ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَقَعْ فِي أَكْثَرِهَا ذِكْرُ الْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ الْآنَ

[841] قَوْلُهُ صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ قَوْلُهُ ذَاتُ الرِّقَاعِ هِيَ غَزْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ بِأَرْضِ غَطَفَانَ مِنْ نَجْدٍ سُمِّيَتْ ذَاتَ الرِّقَاعِ لِأَنَّ أَقْدَامَ الْمُسْلِمِينَ نُقِّبَتْ مِنَ الْحَفَاءِ فَلَفُّوا عَلَيْهَا الْخِرَقَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِيلَ سُمِّيَتْ لِجَبَلٍ هُنَاكَ يُقَالُ لَهُ الرِّقَاعُ لِأَنَّ فِيهِ بَيَاضًا وَحُمْرَةً وَسَوَادًا وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِشَجَرَةٍ هُنَاكَ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ الرِّقَاعِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ رَقَعُوا رَايَاتِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا وجدت فيها وَشُرِعَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةٍ خِلَافَ الرِّقَاعِ وَقِيلَ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضْرِ

[842] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ هَكَذَا هُوَ
(6/128)

فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا صَلَّتْ مَعَهُ وَهُمَا صَحِيحَانِ قَوْلُهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ هُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَضَمِّهَا يُقَالُ وِجَاهَهُ وَتُجَاهَهُ أَيْ قُبَالَتَهُ وَالطَّائِفَةُ الْفِرْقَةُ وَالْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ تَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الَّتِي مَعَ الْإِمَامِ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ وَالَّذِينَ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ كَذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلْيَأْخُذُوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَأَعَادَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ ضَمِيرَ الْجَمْعِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ

[843] قَوْلُهُ شَجَرَةٌ ظَلِيلَةٌ أَيْ ذَاتُ ظِلٍّ قَوْلُهُ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاخْتَرَطَهُ أَيْ سَلَّهُ قَوْلُهُ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ مَعْنَاهُ صَلَّى بالطائفة
(6/129)

الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمُوا وَبِالثَّانِيَةِ كَذَلِكَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَنَفِّلًا فِي الثانية وهم متفرضون وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ المفترض خلف المتنفل والله أعلم

(كتاب الجمعة يُقَالُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا حَكَاهُنَّ الْفَرَّاءُ وَالْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَوَجَّهُوا الْفَتْحَ بِأَنَّهَا تَجْمَعُ النَّاسَ وَيَكْثُرُونَ فِيهَا كَمَا يُقَالُ هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ لِكَثْرَةِ الْهَمْزِ وَاللَّمْزِ وَنَحْوَ ذَلِكَ سُمِّيَتْ جُمُعَةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا وَكَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمَّى الْعَرُوبَةَ

[844] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد)
(6/130)

أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ محمولة
(6/131)

عَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهَا مَنْ أَرَادَ الْمَجِيءَ فَلْيَغْتَسِلْ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ
(6/132)

عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَالْمُرَادُ بِالْمُحْتَلِمِ الْبَالِغُ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ فَحُكِيَ وُجُوبُهُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ حَكَوْهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وحكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ قَالَ الْقَاضِي وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ وَعُمَرُ يَخْطُبُ وَقَدْ تَرَكَ الْغُسْلَ وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ عُثْمَانَ فَعَلَهُ وأقره عمر وحاضروا الْجُمُعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ وَلَأَلْزَمُوهُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي السُّنَنِ مَشْهُورٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَكَانَ أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَأَجَابُوا عَنِ الأحاديث
(6/133)

الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِهِ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ

[846] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ أَيْ مُتَأَكِّدٌ فِي حَقِّهِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ أَيْ مُتَأَكِّدٌ لَا أَنَّ الْمُرَادَ الْوَاجِبُ الْمُحَتَّمُ الْمُعَاقَبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلْيَكُنْ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ لِيَبْلُغَ صَوْتُهُ جَمِيعَهُمْ وَلْيَنْفَرِدَ فَيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَفِيهِ أَنَّ الْخَطِيبَ يَكُونُ قَائِمًا وَسُمِّيَ مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ مِنَ النَّبْرِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ

[845] قَوْلُهُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ قَالَهُ تَوْبِيخًا لَهُ وَإِنْكَارًا لِتَأَخُّرِهِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ فِيهِ تَفَقُّدُ الْإِمَامِ رَعِيَّتَهُ وَأَمْرُهُمْ بِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَالْإِنْكَارُ عَلَى مُخَالِفِ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرَ الْقَدْرِ وَفِيهِ جَوَازُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْكِبَارِ فِي مَجْمَعٍ مِنَ النَّاسِ وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ قَوْلُهُ شُغِلْتُ الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ فِيهِ الِاعْتِذَارُ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِ إِبَاحَةُ الشُّغْلِ وَالتَّصَرُّفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ النِّدَاءِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فَرَأَى اشْتِغَالَهُ بِقَصْدِ الْجُمُعَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَجْلِسَ لِلْغُسْلِ بَعْدَ النِّدَاءِ وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِالرُّجُوعِ لِلْغُسْلِ قَوْلُهُ سَمِعْتُ النِّدَاءَ هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ قَوْلُهُ وَالْوُضُوءَ أَيْضًا هُوَ مَنْصُوبٌ أَيْ وَتَوَضَّأْتُ الْوُضُوءَ فَقَطْ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ

[847] قَوْلُهُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ أَيْ يَأْتُونَهَا قَوْلُهُ مِنَ الْعَوَالِي هِيَ الْقُرَى الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ هُوَ بِالْمَدِّ جَمْعُ عَبَاءَةٍ بِالْمَدِّ وَعَبَايَةٍ بِزِيَادَةِ يَاءٍ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ جَمْعُ كَافٍ كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ وَهُمُ الْخَدَمُ الَّذِينَ يَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ قَوْلُهُ لَهُمْ تَفَلٌ هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم للذين جاؤا وَلَهُمُ الرِّيحُ الْكَرِيهَةُ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ فِيهِ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ أَرَادَ الْمَسْجِدَ أَوْ مُجَالَسَةَ النَّاسِ أَنْ يَجْتَنِبَ الرِّيحَ الْكَرِيهَةَ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ

[844]

[846] قوله ص إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وغسل الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْغُسْلَ مَشْرُوعٌ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ سَوَاءٌ الْبَالِغُ وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَالثَّانِي صَرِيحٌ فِي الْبَالِغِ وَفِي أَحَادِيثَ أُخَرَ أَلْفَاظٌ تَقْتَضِي دُخُولَ النِّسَاءِ كَحَدِيثِ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَيُقَالُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ إِنَّ الْغُسْلَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُرِيدِ الْجُمُعَةِ وَمُتَأَكِّدٌ فِي حَقِّ الذُّكُورِ أَكْثَرَ مِنَ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِنَّ قَرِيبٌ مِنَ الطِّيبِ وَمُتَأَكِّدٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ أَكْثَرَ مِنَ الصِّبْيَانِ وَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُرِيدٍ لَهَا وَفِي وَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً وَفِي وَجْهٍ يستحب لمن
(6/134)

يَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَوَجْهٌ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ أَرَادَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا كَغُسْلِ يَوْمِ الْعِيدِ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أعلم قوله ص

[846] فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَوَادٍ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَسِوَاكٌ وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ وَاجِبٍ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسِوَاكٌ وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَعْنَاهُ وَيُسَنُّ السِّوَاكُ وَمَسُّ الطِّيبِ وَيَجُوزُ يَمَسُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي مُحْتَمِلٌ لِتَكْثِيرِهِ وَمُحْتَمِلٌ لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ فَأَبَاحَهُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[850] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ مَعْنَاهُ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي الصِّفَاتِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ الْمُرَادُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ حَقِيقَةً قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ مُوَاقَعَةُ زَوْجَتِهِ لِيَكُونَ أَغَضَّ لِلْبَصَرِ وَأَسْكَنَ لِنَفْسِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً الْمُرَادُ بِالرَّوَاحِ الذَّهَابُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَاتِ هُنَا لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَالرَّوَاحُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ الزَّوَالِ وَادَّعَوْا أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه وبن حَبِيبٍ الْمَالِكِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ اسْتِحْبَابُ التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَالسَّاعَاتُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَالرَّوَاحُ يَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ لُغَةُ الْعَرَبِ الرَّوَاحُ الذَّهَابُ سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ أَوْ آخِرَهُ أَوْ فِي اللَّيْلِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ وَالْمَعْنَى لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكْتُبُ مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وهو كالمهدي
(6/135)

بَدَنَةً وَمَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الثَّالِثَةِ ثُمَّ الرَّابِعَةِ ثُمَّ الْخَامِسَةِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ السَّادِسَةِ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَلَمْ يَكْتُبُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَحَدًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِالزَّوَالِ وَهُوَ بَعْدَ انْفِصَالِ السَّادِسَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنَ الْهَدْيِ وَالْفَضِيلَةِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلِأَنَّ ذِكْرَ السَّاعَاتِ إِنَّمَا كَانَ لِلْحَثِّ فِي التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا وَالتَّرْغِيبِ فِي فَضِيلَةِ السَّبْقِ وَتَحْصِيلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَانْتِظَارِهَا وَالِاشْتِغَالِ بِالتَّنَفُّلِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَحْصُلُ بِالذَّهَابِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا فَضِيلَةَ لِمَنْ أَتَى بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ النِّدَاءَ يَكُونُ حِينَئِذٍ وَيَحْرُمُ التَّخَلُّفُ بَعْدَ النِّدَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تَعْيِينُ السَّاعَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَمْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ إِنَّ مَنْ جَاءَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ السَّاعَاتِ وَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا مُشْتَرَكَانِ فِي تَحْصِيلِ أَصْلِ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْكَبْشِ وَلَكِنْ بَدَنَةُ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ مَنْ جَاءَ فِي آخِرِ السَّاعَةِ وَبَدَنَةُ الْمُتَوَسِّطِ مُتَوَسِّطَةٌ وَهَذَا كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى أُلُوفٍ فَمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ هُمْ عَشَرَةُ آلَافٍ لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَمَنْ صَلَّى مَعَ اثْنَيْنِ لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ لكن درجات الأول أكمل وأشباه هذا كثيرة مَعْرُوفَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ جَوَابٌ عَنِ اعْتِرَاضٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ أَمَّا لُغَاتُ هَذَا الْفَصْلِ فَمَعْنَى قَرَّبَ تَصَدَّقَ وَأَمَّا الْبَدَنَةُ فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنِهَا وَخَصَّهَا جَمَاعَةٌ بِالْإِبِلِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِبِلُ بِالِاتِّفَاقِ لِتَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ بِذَلِكَ وَالْبَدَنَةُ
(6/136)

وَالْبَقَرَةُ يَقَعَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِاتِّفَاقِهِمْ وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْوَاحِدَةِ كَقَمْحَةٍ وَشَعِيرَةٍ وَنَحْوِهُمَا مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَسُمِّيَتْ بَقَرَةٌ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ وَالْبَقْرُ الشَّقُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بَقَرَ بَطْنَهُ وَمِنْهُ سُمِّيَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ وَدَخَلَ فِيهِ مَدْخَلًا بَلِيغًا وَوَصَلَ مِنْهُ غَايَةً مَرْضِيَّةً وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَصَفَهُ بِالْأَقْرَنِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَحْسَنُ صُورَةً وَلِأَنَّ قَرْنَهُ يُنْتَفَعُ بِهِ وَالدَّجَاجَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَيَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَيُقَالُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تعالى وإذا حضر القسمة وَأَمَّا فِقْهُ الْفَصْلِ فَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَأَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ فِي الْفَضِيلَةِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وَفِيهِ أَنَّ الْقُرْبَانَ وَالصَّدَقَةَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بَعْدَ الْكَبْشِ بَطَّةٌ ثُمَّ دَجَاجَةٌ ثُمَّ بَيْضَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ الْكَبْشِ دَجَاجَةٌ ثُمَّ عُصْفُورٌ ثُمَّ بَيْضَةٌ وَإِسْنَادَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَانِ وَفِيهِ أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ الْإِبِلَ وَجَعَلَ الْبَقَرَةَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْهَدَايَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُضْحِيَّةِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ ثُمَّ الْبَقَرَ ثُمَّ الْغَنَمَ كَمَا فِي الْهَدَايَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ أَفْضَلَ الْأُضْحِيَّةِ الْغَنَمُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْإِبِلُ قَالُوا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْهَدَايَا وَأَمَّا تَضْحِيَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا تَرْجِيحُ الْغَنَمِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَمَكَّنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ إِلَّا مِنَ الْغَنَمِ أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم حضرت الملائكة يستمعون قالوا هولاء الْمَلَائِكَةُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ

[851] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُلْتَ
(6/137)

لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَدْ لَغَيْتَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا هُوَ فَقَدْ لَغَوْتَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ لَغَا يَلْغُو كَغَزَا يَغْزُو وَيُقَالُ لَغِيَ يَلْغَى كَعَمِيَ يَعْمَى لُغَتَانِ الْأُولَى أَفْصَحُ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي هَذِهِ الثَّانِيَةَ الَّتِي هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وَهَذَا مِنْ لَغِيَ يَلْغَى وَلَوْ كَانَ مِنَ الأول لقال والغوا بضم الغين قال بن السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ مَصْدَرُ الْأَوَّلِ اللَّغْوُ وَمَصْدَرُ الثَّانِي اللَّغْيُ وَمَعْنَى فَقَدْ لَغَوْتَ أَيْ قُلْتَ اللَّغْوَ وَهُوَ الْكَلَامُ الْمَلْغِيُّ السَّاقِطُ الْبَاطِلُ الْمَرْدُودُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ قُلْتَ غَيْرَ الصَّوَابِ وَقِيلَ تَكَلَّمْتَ بِمَا لَا يَنْبَغِي فَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى مَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ أَنْصِتْ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَسَمَّاهُ لَغْوًا فَيَسِيرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَوْلَى وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ إِذَا أَرَادَ نَهْيَ غَيْرِهِ عَنِ الْكَلَامِ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ إِنْ فَهِمَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَهْمُهُ فَلْيَنْهَهُ بِكَلَامٍ مُخْتَصَرٍ وَلَا يَزِيدُ عَلَى أَقَلِّ مُمْكِنٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَلَامِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعَيِّ قَالَ الْقَاضِي قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ وَحُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلا إذا تلى فِيهَا الْقُرْآنَ قَالَ وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْإِمَامُ هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِنْصَاتُ كَمَا لَوْ سَمِعَهُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ يَلْزَمُهُ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَحَدُ قولي الشافعي
(6/138)

لَا يَلْزَمُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ لخطبة وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حنيفة يجب الانصات بخروج الإمام

[852] قوله ص فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَفِي رِوَايَةٍ قَائِمٌ يُصَلِّي وَفِي رِوَايَةٍ وَهِيَ
(6/139)

سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ قَوْلُهُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ الْمَضْمُومَةِ قَالَ الْقَاضِي اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِ هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي مَعْنَى قَائِمٌ يُصَلِّي فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ قَالُوا وَمَعْنَى يُصَلِّي يَدْعُو وَمَعْنَى قَائِمٌ مُلَازِمٌ وَمُوَاظِبٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ مِنْ حِينِ خُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى فَرَاغِ الصَّلَاةِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَفْرُغَ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهُمْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَقِيلَ مِنْ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَقِيلَ آخِرَ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ هَذَا آثَارٌ مُفَسِّرَةٌ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ قَالَ وَقِيلَ عِنْدَ الزَّوَالِ وَقِيلَ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ نَحْوَ ذِرَاعٍ وَقِيلَ هِيَ مَخْفِيَّةٌ فِي الْيَوْمِ كُلِّهِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقِيلَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ الْقَاضِي وَلَيْسَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَقْتٌ لَهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ بَلِ
(6/140)

الصَّوَابُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ

[853] قَوْلُهُ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ بَلَغَ بِهِ أبا مُوسَى وَلَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بردة وتابعه واصل الا حدب ومخالد رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفٌ وَلَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ قُلْتُ لِمَخْرَمَةَ سَمِعْتُ مِنْ أَبِيكَ شَيْئًا قَالَ لَا هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَهَذَا الَّذِي اسْتَدْرَكَهُ بَنَاهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُ وَلِأَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَقْفٌ وَرَفْعٌ أَوْ إِرْسَالٌ وَاتِّصَالٌ حَكَمُوا بِالْوَقْفِ وَالْإِرْسَالِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ ضَعِيفَةٌ مَمْنُوعَةٌ وَالصَّحِيحُ طَرِيقَةُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالرَّفْعِ وَالِاتِّصَالِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحًا فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَسَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ بَعْدَهَا وَقَدْ رُوِّيْنَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ ذَاكَرْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ حَدِيثَ مَخْرَمَةَ هَذَا فَقَالَ مُسْلِمٌ هُوَ أَجْوَدُ حَدِيثٍ وَأَصَحُّهُ في بيان ساعة الْجُمُعَةِ

[854] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ
(6/141)

وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْفَضَائِلَ الْمَعْدُودَةَ لَيْسَتْ لِذِكْرِ فَضِيلَتِهِ لِأَنَّ إِخْرَاجَ آدَمَ وَقِيَامَ السَّاعَةِ لَا يُعَدُّ فَضِيلَةً وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ وَمَا سَيَقَعُ لِيَتَأَهَّبَ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَدَفْعِ نِقْمَتِهِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بن العزى فِي كِتَابِهِ الْأَحْوَذِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الْجَمِيعُ مِنَ الْفَضَائِلِ وَخُرُوجُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ هُوَ سَبَبُ وُجُودِ الذُّرِّيَّةِ وَهَذَا النَّسْلِ الْعَظِيمِ وَوُجُودِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا طَرْدًا بَلْ لِقَضَاءِ أَوْطَارٍ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهَا وَأَمَّا قِيَامُ السَّاعَةِ فَسَبَبٌ لِتَعْجِيلِ جَزَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَإِظْهَارِ كَرَامَتِهِمْ وَشَرَفِهِمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَمَزِيَّتُهُ عَلَى سائر الأيام وفيه دليل لمسئلة غَرِيبَةٍ حَسَنَةٍ وَهِيَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتَ طَالِقٌ فِي أَفْضَلِ الْأَيَّامِ وَفِيهَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا تَطْلُقُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالثَّانِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَفْضَلَ أَيَّامِ السَّنَةِ فَيَتَعَيَّنُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَإِنْ أَرَادَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ فَيَتَعَيَّنُ الْجُمُعَةُ وَلَوْ قَالَ أَفْضَلُ لَيْلَةٍ تَعَيَّنَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَهِيَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورِ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ قَبْلَ مُضِيِّ أَوَّلِ ليلة من العشر طلقت فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الشَّهْرِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ أَوْ أكْثَرَ لَمْ تَطْلُقْ إِلَّا فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ هِيَ مُنْتَقِلَةٌ لَا تَطْلُقُ إِلَّا فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الشَّهْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[855] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ الْآخِرُونَ فِي الزَّمَانِ وَالْوُجُودِ السَّابِقُونَ بِالْفَضْلِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ فَتَدْخُلُ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْجَنَّةَ قَبْلَ سَائِرِ الأمم
(6/142)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدَهِمْ هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَفْظَةُ بَيْدَ تَكُونُ بِمَعْنَى غَيْرَ وَبِمَعْنَى عَلَى وَبِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ هُنَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَيُقَالُ مَيْدَ بِمَعْنَى بَيْدَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا هَدَانَا اللَّهُ لَهُ فِيهِ دَلِيلٌ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودُ غَدًا أَيْ عِيدُ الْيَهُودِ غَدًا لِأَنَّ ظُرُوفَ الزَّمَانِ لَا تَكُونُ أَخْبَارًا عَنِ الْجُثَثِ فَيُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنًى يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ خَبَرًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا يَوْمُهُمْ أَيِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ قَالَ الْقَاضِي الظَّاهِرُ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ وَوُكِّلَ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ لِإِقَامَةِ شَرَائِعِهِمْ فِيهِ فَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ فِي تَعْيِينِهِ وَلَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ لَهُ وَفَرَضَهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مُبَيَّنًا وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ فَفَازُوا بِتَفْضِيلِهِ قَالَ وَقَدْ جَاءَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِالْجُمُعَةِ وَأَعْلَمَهُمْ بِفَضْلِهَا فَنَاظَرُوهُ أَنَّ السَّبْتَ أَفْضَلُ فَقِيلَ لَهُ دَعْهُمْ قَالَ الْقَاضِي وَلَوْ كَانَ مَنْصُوصًا لَمْ يَصِحَّ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ بَلْ كَانَ يَقُولُ خَالِفُوا فِيهِ قلت ويمكن
(6/143)

أَنْ يَكُونَ أُمِرُوا بِهِ صَرِيحًا وَنُصَّ عَلَى عَيْنِهِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ أَمْ لَهُمْ إِبْدَالُهُ وَأَبْدَلُوهُ وَغَلِطُوا فِي إِبْدَالِهِ

[856] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْهُدَى وَالْإِضْلَالَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ فِعْلُهُ خِلَافًا للمعتزلة
(6/144)

[850] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ التَّهْجِيرُ التَّبْكِيرُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ أَيِ التَّبْكِيرِ إِلَى كُلِّ صلاة هكذا فَسَّرُوهُ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنِ الْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ التَّهْجِيرُ السَّيْرُ فِي الْهَاجِرَةِ وَالصَّحِيحُ هُنَا أَنَّ التَّهْجِيرَ التَّبْكِيرُ وَسَبَقَ شرح تمام الحديث قريبا قوله مَثَّلَ الْجَزُورَ ثُمَّ نَزَّلَهُمْ حَتَّى صَغَّرَ إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ الْأَوَّلُ مَثَّلَ بِتَشْدِيدِ الثاء وفتح الميم ونزلهم أَيْ ذَكَرَ مَنَازِلَهُمْ فِي السَّبْقِ وَالْفَضِيلَةِ وَقَوْلُهُ صَغَّرَ بِتَشْدِيدِ الْغَيْنِ وَقَوْلُهُ مَثَلِ الْبَيْضَةِ هُوَ بفتح الميم والثاء المخففة

[850] قوله ص فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَسَبَقَ فِي الحديث
(6/145)

الْآخَرِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ يَحْضُرُونَ وَلَا يَطْوُونَ الصُّحُفَ فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ طَوَوْهَا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ أَوَّلَ صُعُودِهِ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخُطْبَةِ

[857] قوله ص مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِيهِ فَضِيلَةُ الْغُسْلِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ وَتَحْسِينُ الْوُضُوءِ وَمَعْنَى إِحْسَانِهِ الْإِتْيَانُ بِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَدَلْكُ الْأَعْضَاءِ وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ وَتَقْدِيمُ الْمَيَامِنِ وَالْإِتْيَانُ بِسُنَنِهِ الْمَشْهُورَةِ وَفِيهِ أَنَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَفِيهِ أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُطْلَقَةَ لَا حَدَّ لَهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ وَفِيهِ الْإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ لَا بَأْسَ بِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ثُمَّ أَنْصَتَ هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُحَقَّقَةِ الْمُعْتَمَدَةِ بِبِلَادِنَا
(6/146)

وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْجُمْهُورِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِبِلَادِنَا انْتَصَتَ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنِ الْبَاجِيِّ وَآخَرُونَ انْتَصَتَ بِزِيَادَةِ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ قَالَ وَهُوَ وَهْمٌ قُلْتُ لَيْسَ هُوَ وَهْمًا بَلْ هِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُخْتَصَرِ يُقَالُ أنصت ونصت وانتصت ثلاث لغات وقوله ص فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ هُمَا شَيْئَانِ مُتَمَايِزَانِ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فَالِاسْتِمَاعُ الْإِصْغَاءُ وَالْإِنْصَاتُ السُّكُوتُ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وَقَوْلُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْإِمَامِ وَعَادَ الضمير إليه للعلم به وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَضْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هُوَ بِنَصْبِ فَضْلَ وَزِيَادَةَ عَلَى الظَّرْفِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَصَارَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْجَمِيلَةَ فِي مَعْنَى الْحَسَنَةِ الَّتِي تُجْعَلُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتِهَا إِلَى مِثْلِ الْوَقْتِ مِنَ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى تَكُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَيُضَمُّ إِلَيْهَا ثَلَاثَةٌ فَتَصِيرُ عَشَرَةً قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ومن مس الحصا لغا فيه النهى عن مس الحصا وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَبَثِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِقْبَالِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالْمُرَادُ بِاللَّغْوِ هُنَا الْبَاطِلُ الْمَذْمُومُ الْمَرْدُودُ وقد سبق بيانه قريبا

[858] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا وَفُسِّرَ الْوَقْتُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَفِي حديث سهل
(6/147)

[859] مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ

[860] وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا زَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ وَفِي رِوَايَةٍ مَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ظَاهِرَةٌ فِي تَعْجِيلِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إِلَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ فجوازها قَبْلَ الزَّوَالِ قَالَ الْقَاضِي وَرُوِيَ فِي هَذَا أَشْيَاءُ عَنِ الصَّحَابَةِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْجِيلِهَا وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الْغَدَاءَ وَالْقَيْلُولَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُمْ نُدِبُوا
(6/148)

إِلَى التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا فَلَوِ اشْتَغَلُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَهَا خَافُوا فَوْتَهَا أَوْ فَوْتَ التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا وَقَوْلُهُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ التَّبْكِيرِ وَقِصَرِ حِيطَانِهِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ كان قد صار فيء يسير وقوله وما نجد فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ مُوَافِقٌ لِهَذَا فَإِنَّهُ لَمْ يَنْفِ الْفَيْءَ مِنْ أَصْلِهِ وَإِنَّمَا نَفَى مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ وَهَذَا مَعَ قِصَرِ الْحِيطَانِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ مُتَّصِلَةً بِهِ قَوْلُهُ نُرِيحُ نَوَاضِحَنَا هُوَ جَمْعُ نَاضِحٍ وَهُوَ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْضَحُ الْمَاءَ أَيْ يَصُبُّهُ وَمَعْنَى نُرِيحُ أَيْ نُرِيحُهَا مِنَ الْعَمَلِ وَتَعَبِ السَّقْيِ فَنُخَلِّيهَا مِنْهُ وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الرَّوَاحَ لِلرَّعْيِ قَوْلُهُ كُنَّا نُجَمِّعُ هُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ نُصَلِّي الْجُمُعَةَ

[861] قَوْلُهُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَذْكُرُ النَّاسَ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ إِلَّا قَائِمًا في الخطبتين
(6/149)

وَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِخُطْبَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ إِلَى اشْتِرَاطِ الْخُطْبَتَيْنِ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ وعن الحسن البصري وأهل الظاهر ورواية بن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَصِحُّ بِلَا خُطْبَةٍ وحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا قَائِمًا لِمَنْ أَطَاقَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ قَاعِدًا وَلَيْسَ الْقِيَامُ بِوَاجِبٍ وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ وَاجِبٌ لَوْ تَرَكَهُ أَسَاءَ وَصَحَّتِ الْجُمُعَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا شَرْطٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ فَرْضٌ وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ يَقُلْ هَذَا غَيْرُ الشَّافِعِيِّ وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ثَبَتَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قوله ص صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي

[862] وَقَوْلُهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْخُطْبَةِ الْوَعْظُ وَالْقُرْآنُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ الْخُطْبَتَانِ إِلَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمَا وَالْوَعْظِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَاجِبَاتٌ فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَتَجِبُ قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَيَجِبُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ يَكْفِي مِنَ الْخُطْبَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يَكْفِي تَحْمِيدَةٌ أَوْ تَسْبِيحَةٌ أَوْ تَهْلِيلَةٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ الْمُرَادُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لا الجمعة

[863] قَوْلُهُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَأُنْزِلَتْ هذه
(6/150)

الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَفِي الْأُخْرَى أَنَا فِيهِمْ فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَجَابِرٍ وَفِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ مِنْ قِيَامٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَجَابَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ أَرْبَعِينَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ رَجَعُوا أَوْ رَجَعَ مِنْهُمْ تَمَامُ أَرْبَعِينَ فَأَتَمَّ بِهِمُ الْجُمُعَةَ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ الْحَدِيثَ وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ انْتِظَارُهَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَاتِ مسلم هذه قوله اذ أَقْبَلَتْ سُوَيْقَةٌ هُوَ تَصْغِيرُ سُوقٍ وَالْمُرَادُ الْعِيرُ الْمَذْكُورَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْإِبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ الطَّعَامَ أَوِ التِّجَارَةَ لَا تُسَمَّى عِيرًا إِلَّا هَكَذَا وَسُمِّيَتْ سُوقًا لِأَنَّ الْبَضَائِعَ تُسَاقُ إِلَيْهَا وَقِيلَ لِقِيَامِ النَّاسِ فِيهَا عَلَى سُوقِهِمْ قَالَ الْقَاضِي وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ أَنَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الَّتِي انْفَضُّوا عَنْهَا إِنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا شَيْءَ
(6/151)

عَلَيْهِمْ فِي الِانْفِضَاضِ عَنِ الْخُطْبَةِ وَأَنَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا أَشْبَهُ بِحَالِ الصَّحَابَةِ وَالْمَظْنُونِ بِهِمْ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَدَعُونَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُمْ ظَنُّوا جَوَازَ الِانْصِرَافِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ قَالَ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَوْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خَطَبَ قَطُّ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَهَا

[864] قَوْلُهُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا رَأَوْا تجارة أولهوا انفضوا إليها وتركوك قائما هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَالْإِنْكَارَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ إِذَا خَالَفُوا السُّنَّةَ وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حسنة مع قوله تعالى فَاتَّبِعُوهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا كما رأيتموني أصلي

[865] قَوْلُهُ سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فِيهِ اسْتِحْبَابُ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ وَدْعِهِمْ أَيْ تَرْكِهِمْ وَفِيهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ وَمَعْنَى الْخَتْمِ الطَّبْعُ والتغطية
(6/152)

قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى خَتَمَ اللَّهُ على قلوبهم أي طبع وَمِثْلُهُ الرَّيْنُ فَقِيلَ الرَّيْنُ الْيَسِيرُ مِنَ الطَّبْعِ وَالطَّبْعُ الْيَسِيرُ مِنَ الْأَقْفَالِ وَالْأَقْفَالُ أَشَدُّهَا قَالَ الْقَاضِي اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي هَذَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَقِيلَ هُوَ إِعْدَامُ اللُّطْفِ وَأَسْبَابُ الْخَيْرِ وَقِيلَ هُوَ خَلْقُ الْكُفْرِ فِي صُدُورِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ غَيْرُهُمْ هُوَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ هُوَ عَلَامَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ لِتَعْرِفَ بِهَا الْمَلَائِكَةُ مَنْ يمدح ومن يذم

[866] قَوْلُهُ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا أَيْ بَيْنَ الطُّولِ الظَّاهِرِ وَالتَّخْفِيفِ الْمَاحِقِ

[867] قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خير الحديث
(6/153)

كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيَ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْفَوَائِدِ وَمُهِمَّاتٌ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَالضَّمِيرُ فِي قوله يقول صبحكم مساكم عَائِدٌ عَلَى مُنْذِرِ جَيْشٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثْتُ أَنَا والساعة روى بنصبها ورفعها والمشهور نصبها على المفعول معه وَقَوْلُهُ يَقْرُنُ هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ الفصيح وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَقَوْلُهُ السَّبَّابَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ وَقَوْلُهُ خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ فِيهِمَا وَبِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ أَيْضًا ضَبَطْنَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَكَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ بِالْوَجْهَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَوَيْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ وَفِي غَيْرِهِ بِالْفَتْحِ وَبِالْفَتْحِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَفَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ عَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ بِالطَّرِيقِ أَيْ أَحْسَنُ الطُّرُقِ طَرِيقُ مُحَمَّدٍ يُقَالُ فُلَانٌ حَسَنُ الْهَدْيِ أَيِ الطَّرِيقَةِ وَالْمَذْهَبِ اهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الضَّمِّ فَمَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ وَالْإِرْشَادُ قَالَ الْعُلَمَاءُ لَفْظُ الْهَدْيِ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إِلَى الرُّسُلِ وَالْقُرْآنِ وَالْعِبَادِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقوم يبشر المؤمنين وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ أَيْ بَيَّنَّا لَهُمُ الطَّرِيقَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ وَالتَّأْيِيدِ وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ اللَّهُ بِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ حَيْثُ جَاءَ الْهُدَى فَهُوَ لِلْبَيَانِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ فِي إِنْكَارِ الْقَدَرِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ مُثْبِتِي الْقَدَرِ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صراط مستقيم فَفَرَّقَ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْهِدَايَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالْمُرَادُ غَالِبُ الْبِدَعِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُبَاحَةٌ فَمِنَ الْوَاجِبَةِ نَظْمُ أدلة المتكلمين
(6/154)

لِلرَّدِّ عَلَى الْمَلَاحِدَةِ وَالْمُبْتَدِعِينَ وَشِبْهُ ذَلِكَ وَمِنَ الْمَنْدُوبَةِ تَصْنِيفُ كُتُبِ الْعِلْمِ وَبِنَاءُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَمِنَ الْمُبَاحِ التَّبَسُّطُ فِي أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَالْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ظَاهِرَانِ وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْمَسْأَلَةَ بِأَدِلَّتِهَا الْمَبْسُوطَةِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْتُهُ عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ قَوْلُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التَّرَاوِيحِ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ عَامًّا مَخْصُوصًا قَوْلُهُ كُلُّ بِدْعَةٍ مُؤَكَّدًا بِكُلِّ بَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ مَعَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى النَّبِيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم أَيْ أَحَقُّ قَالَ أَصْحَابُنَا فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْذُهُ مِنْ مَالِكِهِ الْمُضْطَرِّ وَوَجَبَ عَلَى مَالِكِهِ بَذْلُهُ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَلَكِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَمَا وَقَعَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الضَّيَاعُ بِفَتْحِ الضَّادِ العيال قال بن قُتَيْبَةَ أَصْلُهُ مَصْدَرُ ضَاعَ يَضِيعُ ضَيَاعًا الْمُرَادُ مَنْ تَرَكَ أَطْفَالًا وَعِيَالًا ذَوِي ضَيَاعٍ فَأَوْقَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الِاسْمِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُخَلِّفْ بِهِ وَفَاءً لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَيُهْمِلُوا الوفاء فزجرهم عن ذَلِكَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَبَادِي الْفُتُوحِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ أَيْ قَضَاؤُهُ فَكَانَ يَقْضِيهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ أَمْ كَانَ يَقْضِيهِ تَكَرُّمًا وَالْأَصَحُّ عِنْدهُمْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هَذِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ أَمْ لَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَيْنَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَهَمَّ مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَمْثِيلٌ لِمُقَارَبَتِهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِصْبَعٌ أُخْرَى كَمَا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِتَقْرِيبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُدَّةِ وَأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا كَنِسْبَةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا قَوْلُهُ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ
(6/155)

يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُفَخِّمَ أَمْرَ الْخُطْبَةِ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ وَيُجْزِلَ كَلَامَهُ وَيَكُونَ مُطَابِقًا لِلْفَصْلِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ وَلَعَلَّ اشْتِدَادَ غَضَبِهِ كَانَ عِنْدَ إِنْذَارِهِ أَمْرًا عَظِيمًا وَتَحْدِيدِهِ خَطْبًا جَسِيمًا قَوْلُهُ وَيَقُولُ أَمَّا بَعْدُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَوْلِ أَمَّا بَعْدُ فِي خُطَبِ الْوَعْظِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا فِي خُطَبِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ وَقَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ بَابًا فِي اسْتِحْبَابِهِ وَذَكَرَ فِيهِ جُمْلَةً مِنَ الْأَحَادِيثِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَوَّلِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ فَقِيلَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقِيلَ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ وَقِيلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنَّهُ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ فَصْلُ الْخِطَابِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ قَوْلُهُ كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْخُطْبَةِ وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُهُ وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ

[868] قَوْلُهُ إِنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ وكان يرقى من هذه الريح أما ضمادا فَبِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَشَنُوءَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ النون
(6/156)

وَبَعْدَهَا مَدَّةٌ وَيَرْقِي بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْمُرَادُ بِالرِّيحِ هُنَا الْجُنُونُ وَمَسُّ الْجِنِّ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَرْقِي مِنَ الْأَرْوَاحِ أَيِ الْجِنِّ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يُبْصِرُهُمُ النَّاسُ فَهُمْ كَالرُّوحِ وَالرِّيحِ قَوْلُهُ فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا نَاعُوسُ بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَالثَّانِي قَامُوسُ بِالْقَافِ وَالْمِيمِ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَكْثَرُ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَعَ فِيهَا قَاعُوسُ بِالْقَافِ وَالْعَيْنِ قَالَ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ تَاعُوسُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ نَاعُوسُ بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ قَالَ وَذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي أَطْرَافِ الصَّحِيحَيْنِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ قَامُوسُ بِالْقَافِ وَالْمِيمِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الصَّوَابُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ قاموس البحر وسطه وقال بن دُرَيْدٍ لُجَّتُهُ وَقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ قَعْرُهُ الْأَقْصَى وَقَالَ الْحَرْبِيُّ قَامُوسُ الْبَحْرِ قَعْرُهُ وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ بْنُ سَرَّاجٍ قَامُوسٌ فَاعُولٌ مِنْ قَمَسْتُهُ إِذَا غَمَسْتُهُ فَقَامُوسُ الْبَحْرِ لُجَّتُهُ الَّتِي تَضْطَرِبُ أَمْوَاجُهَا وَلَا تَسْتَقِرُّ مِيَاهُهَا وَهِيَ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ لَمْ أَجِدْ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ثَلْجًا وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحُسَيْنِ قَاعُوسُ الْبَحْرِ بِالْقَافِ وَالْعَيْنِ صَحِيحٌ بِمَعْنَى قَامُوسٍ كَأَنَّهُ مِنَ الْقَعْسِ وَهُوَ تَطَامُنُ الظَّهْرِ وَتَعَمُّقُهُ فَيَرْجِعُ إِلَى عُمْقِ الْبَحْرِ وَلُجَّتِهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِيُّ وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَاعُوسُ الْبَحْرِ بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ قَالَ
(6/157)

وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ قَامُوسُ وَهُوَ وَسَطُهُ وَلُجَّتُهُ قَالَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَوْجُودَةً فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ الَّذِي رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ لَكِنَّهُ قَرَنَهُ بِأَبِي مُوسَى فَلَعَلَّهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى قَالَ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَطْلُبُهَا فَلَا يَجِدُهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ فَيَتَحَيَّرُ فَإِذَا نَظَرَ فِي كِتَابِي عَرَفَ أَصْلَهَا وَمَعْنَاهَا قَوْلُهُ هَاتِ هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ قَوْلُهُ أَصَبْتُ مطهرة هي بكسر الميم وفتحها حكاها بن السكيت وغيره الكسر أَشْهَرُ

[869] قَوْلُهُ عَبْدُ الْمَلَكِ بْنُ أَبْجَرَ بِالْجِيمِ قَوْلُهُ وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ بِالْمُثَنَّاةِ قَوْلُهُ لَوْ كُنْتُ تَنَفَّسْتُ أَيْ أَطَلْتُ قَلِيلًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ بِفَتْحِ الْمِيمِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ عَلَامَةٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ الْمِيمُ فِيهَا زَائِدَةٌ وَهِيَ مَفْعَلَةٌ قَالَ الْهَرَوِيُّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ غَلِطَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي جَعْلِهِ الْمِيمَ أَصْلِيَّةً قال القاضي عياض قال شيخنا بن سَرَّاجٍ هِيَ أَصْلِيَّةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ الْهَمْزَةُ فِي وَاقْصُرُوا هَمْزَةُ وَصْلٍ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأَمْرِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا لِأَنَّ المراد
(6/158)

بِالْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ طَوِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُطْبَةِ لَا تَطْوِيلًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَهِيَ حِينَئِذٍ قَصْدٌ أَيْ مُعْتَدِلَةٌ وَالْخُطْبَةُ قَصْدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ مِنَ الْفَهْمِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ قَالَ الْقَاضِي فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ذَمٌّ لِأَنَّهُ إِمَالَةُ الْقُلُوبِ وَصَرْفُهَا بِمَقَاطِعِ الْكَلَامِ إِلَيْهِ حَتَّى يَكْسِبَ مِنَ الْإِثْمِ بِهِ كَمَا يَكْسِبُ بِالسِّحْرِ وَأَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ مَذْهَبُهُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَدْحٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَعْلِيمِهِمُ الْبَيَانَ وَشَبَّهَهُ بِالسِّحْرِ لِمَيْلِ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ وَأَصْلُ السِّحْرِ الصَّرْفُ فَالْبَيَانُ يَصْرِفُ الْقُلُوبَ وَيَمِيلُهَا إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثاني هو الصحيح المختار قوله عن بن أَبْجَرَ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ خَطَبَنَا عَمَّارٌ هَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وقال تفرد به بن أَبْجَرَ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَخَالَفَهُ الْأَعْمَشُ وَهُوَ أَحْفَظُ بِحَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ فَحَدَّثَ به عن أبي وائل عن بن مَسْعُودٍ هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مثل هذا الاستدراك مردود لأن بن أبجر ثقة يوجب قَبُولُ رِوَايَتِهِ

[870] قَوْلُهُ فَقَدْ رَشَدَ بِكَسْرِ الشِّينِ وَفَتْحِهَا قَوْلُهُ إِنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ لِتَشْرِيكِهِ فِي الضَّمِيرِ الْمُقْتَضِي لِلتَّسْوِيَةِ وَأَمَرَهُ بِالْعَطْفِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى بِتَقْدِيمِ اسْمِهِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أَنَّ الْخُطَبَ شَأْنُهَا الْبَسْطُ وَالْإِيضَاحُ وَاجْتِنَابُ الْإِشَارَاتِ وَالرُّمُوزِ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/159)

كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ وَأَمَّا قَوْلُ الْأُولَيَيْنِ فَيُضَعَّفُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الضَّمِيرِ قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَإِنَّمَا ثَنَّى الضَّمِيرَ ها هنا لِأَنَّهُ لَيْسَ خُطْبَةَ وَعْظٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيمُ حُكْمٍ فَكُلَّمَا قَلَّ لَفْظُهُ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى حِفْظِهِ بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْوَعْظِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ حِفْظُهُ وَإِنَّمَا يُرَادُ الِاتِّعَاظُ بِهَا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ باسناد صحيح عن بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا وَاللَّهُ أعلم قوله قال بن نُمَيْرٍ فَقَدْ غَوِي هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ غَوِيَ بِكَسْرِ الْوَاوِ قَالَ الْقَاضِي وَقَعَ فِي رِوَايَتَيْ مُسْلِمٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ وَهُوَ مِنَ الْغَيِّ وَهُوَ الِانْهِمَاكُ فِي الشَّرِّ

[871] قوله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا وُجُوبُهَا وَأَقَلُّهَا آية
(6/160)

[873] قَوْلُهُ مَا حَفِظْتُ ق إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ اخْتِيَارِ ق أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَعْثِ وَالْمَوْتِ وَالْمَوَاعِظِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّوَاجِرِ الْأَكِيدَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ ق أَوْ بَعْضِهَا فِي كُلِّ خُطْبَةٍ قَوْلُهُ عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ هَذَا صَحِيحٌ يُحْتَجُّ بِهِ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ تَسْمِيَتِهَا لِأَنَّهَا صَحَابِيَّةٌ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ قَوْلُهُ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ قَوْلُهُ سَعِيدٌ عَنْ خُبَيْبٍ هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن خبيب يَسَافٍ الْأَنْصَارِيُّ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ قَوْلُهَا وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا إِشَارَةً إِلَى حِفْظِهَا وَمَعْرِفَتِهَا بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُرْبِهَا مِنْ مَنْزِلِهِ قَوْلُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَرِوَايَاتِ جَمِيعِ شُيُوخِهِمْ قَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ صَوَابَهُ أَسْعَدُ وَغَلِطَ فِي زَعْمِهِ وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي الْغَلَطِ اغْتِرَارُهُ بِمَا فِي كِتَابِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ البَيِّعِ فَإِنَّهُ قَالَ صَوَابُهُ أَسْعَدُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سَعْدٌ وَحَكَى مَا ذَكَرَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَالَّذِي فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ ضِدُّ مَا قَالَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَارِيخِهِ سَعْدٌ وَقِيلَ أَسْعَدُ وَهُوَ وَهْمٌ فَانْقَلَبَ الْكَلَامُ عَلَى الحكم وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ سَيِّدُ الْخَزْرجِ وَأَخُوهُ هَذَا سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ جَدُّ يَحْيَى وَعَمْرَةَ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرُونَ فِي الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْمُنَافِقِينَ قَوْلُهُ
(6/161)

[874] عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ رَفَعَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَدَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ هَذَا فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَرْفَعَ الْيَدَ فِي الْخُطْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِبَاحَتَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ حِينَ اسْتَسْقَى وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا الرفع كان لعارض

[875] قَوْلُهُ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَارْكَعْ وَفِي رِوَايَةٍ قُمْ فَصَلِّ
(6/162)

الرَّكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ قَالَ لَا قَالَ ارْكَعْ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ لِيُصَلِّ
(6/163)

رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ يَا سُلَيْكُ قُمْ وَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي الدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْجَامِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَجَوَّزَ فِيهِمَا لِيَسْمَعَ بَعْدَهُمَا الْخُطْبَةَ وَحُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَا يُصَلِّيهِمَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَحُجَّتُهُمُ الْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِيَامِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا وَهَذَا نَصٌّ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَأْوِيلٌ وَلَا أَظُنُّ عَالِمًا يَبْلُغُهُ هَذَا اللَّفْظُ صَحِيحًا فَيُخَالِفُهُ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَيْضًا جَوَازُ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ لِحَاجَةٍ وَفِيهَا جَوَازُهُ لِلْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ وَفِيهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِرْشَادُ إِلَى الْمَصَالِحِ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَوْطِنٍ وَفِيهَا أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ وَأَنَّ نَوَافِلَ النَّهَارِ رَكْعَتَانِ وَأَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ فِي حَقِّ جَاهِلِ حُكْمِهَا وَقَدْ أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا فَوَاتَهَا بِالْجُلُوسِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَالِمِ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَتَدَارَكُهَا عَلَى قُرْبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْمُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لَا تُتْرَكُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ تُبَاحُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيَلْحَقُ بِهَا كُلُّ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ كَقَضَاءِ الفائتة
(6/164)

وَنَحْوِهَا لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ فِي حَالٍ لَكَانَ هَذَا الْحَالُ أَوْلَى بِهَا فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ فَلَمَّا تُرِكَ لَهَا اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ وَقَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا الْخُطْبَةَ وَأَمَرَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ قَعَدَ وَكَانَ هَذَا الْجَالِسُ جَاهِلًا حُكْمَهَا دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِهَا وَأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ بِحَالٍ وَلَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[876] قَوْلُهُ انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا قَالَ فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النسخ حسبت ورواه بن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ خِلْتُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ بِمَعْنَى حَسِبْتُ قال القاضي ووقع في نسخة بن الْحَذَّاءِ خَشَبٍ بِالْخَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَفِي كِتَابِ بن قتيبة خلب بضم لخاء وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَفَسَّرَهُ بِاللِّيفِ وَكِلَاهُمَا تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ حَسِبْتُ بِمَعْنَى ظَنَنْتُ كَمَا هُوَ فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ وَقَوْلُهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَلَطُّفِ السَّائِلِ فِي عِبَارَتِهِ وَسُؤَالِهِ الْعَالِمَ وَفِيهِ تَوَاضُعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِفْقُهُ بِالْمُسْلِمِينَ وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ وَخَفْضُ جَنَاحِهِ لَهُمْ وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى جَوَابِ الْمُسْتَفْتِي وَتَقْدِيمُ أَهَمِّ الْأُمُورِ فَأَهَمِّهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ سَأَلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَقَوَاعِدِهِ الْمُهِمَّةِ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِيمَانِ وَكَيْفِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَجَبَ إِجَابَتُهُ وَتَعْلِيمُهُ عَلَى الْفَوْرِ وَقُعُودُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُرْسِيِّ لِيَسْمَعَ الْبَاقُونَ كَلَامَهُ وَيَرَوْا شخصه الكريم
(6/165)

وَيُقَالُ كُرْسِيٌّ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا خُطْبَةُ أَمْرٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَلِهَذَا قَطَعَهَا بِهَذَا الْفَصْلِ الطَّوِيلِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتِ الْجُمُعَةَ وَاسْتَأْنَفَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فَصْلٌ طَوِيلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ كَلَامَهُ لِهَذَا الْغَرِيبِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْخُطْبَةِ فَيَكُونُ مِنْهَا ولا يضر المشي في أثنائها قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الجمعة سورة الجمعة وفي الثانية المنافقين فيه اسْتِحْبَابُ قِرَاءَتِهِمَا بِكَمَالِهِمَا فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ آخَرِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ اشْتِمَالُهَا عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهَا مِنَ الْقَوَاعِدِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ لِتَوْبِيخِ حَاضِرِيهَا مِنْهُمْ وَتَنْبِيهِهِمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا
(6/166)

فِيهَا مِنَ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْلِسٍ أَكْثَرَ مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ فِيهَا

[877] قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِ سَبِّحِ اسم ربك الأعلى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا بِهِمَا وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْقِرَاءَةُ في العيد بقاف وَاقْتَرَبَتْ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ وَفِي وَقْتٍ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاكَ وَفِي وَقْتٍ يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ قَافْ وَاقْتَرَبَتْ وَفِي وَقْتٍ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاكَ

[879] قَوْلُهُ عَنْ مُخَوِّلٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ أَمَّا مُخَوِّلٌ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْأَصْوَبُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ هَذَا عَنِ الْجُمْهُورِ قَالَ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ وَأَمَّا الْبَطِينُ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ قَوْلُهُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ
(6/167)

يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ من الدهر فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ مُوَافِقِينَا فِي اسْتِحْبَابِهِمَا فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا السُّجُودِ ذَكَرَ مَالِكٌ وَآخَرُونَ ذَلِكَ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمَرْوِيَّةِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي هريرة وبن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ

[881] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ
(6/168)

فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا وَالْحَثُّ عَلَيْهَا وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْمَلَهَا أَرْبَعٌ فَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا عَلَى الْحَثِّ عَلَيْهَا فَأَتَى بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَذَكَرَ الْأَرْبَعَ لِفَضِيلَتِهَا وَفَعَلَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي أَوْقَاتٍ بَيَانًا لِأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِهِنَّ وَحَثَّنَا عَلَيْهِنَّ
(6/169)

وَهُوَ أَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ وَأَحْرَصُ عَلَيْهِ وَأَوْلَى بِهِ قَوْلُهُ قَالَ يَحْيَى أَظُنَّنِي قَرَأْتُ فَيُصَلِّي أَوْ أَلْبَتَّةَ مَعْنَاهُ أَظُنُّ أَنِّي قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ فِي رِوَايَتِي عَنْهُ فَيُصَلِّي أَوْ أَجْزِمُ بِذَلِكَ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَالَ أَظُنُّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أو أجزم بها

[883] قوله بْنُ أَبِي الْخُوَارِ هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَوْلُهُ صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِهَا فِي الْمَسْجِدِ إِذَا رَآهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ مَصْلَحَةً قَالُوا وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ ضَرَبَهُ الْخَارِجِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَقْصُورَةِ فَأَجَازَهَا كَثِيرُونَ مِنَ السَّلَفِ وَصَلُّوا فِيهَا مِنْهُمُ الْحَسَنُ والقاسم بن محمد وسالم وغيرهم وكرهها بن عمر والشعبي وأحمد واسحاق وكان بن عُمَرَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَقْصُورَةِ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيهَا الْجُمُعَةُ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً لِكُلِّ أَحَدٍ فَإِنْ كَانَتْ مَخْصُوصَةً بِبَعْضِ النَّاسِ مَمْنُوعَةً مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ تَصِحَّ فِيهَا الْجُمُعَةُ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ الْجَامِعِ قَوْلُهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أن لا نوصل صلاة حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ النَّافِلَةَ الرَّاتِبَةَ وَغَيْرَهَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ لَهَا عَنْ مَوْضِعِ الْفَرِيضَةِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَأَفْضَلُهُ التَّحَوُّلُ إِلَى بَيْتِهِ وَإِلَّا فموضع آخر
(6/170)

مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ لِيُكْثِرَ مَوَاضِعَ سُجُودِهِ وَلِتَنْفَصِلَ صُورَةُ النَّافِلَةِ عَنْ صُورَةِ الْفَرِيضَةِ وَقَوْلُهُ حَتَّى نَتَكَلَّمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا يَحْصُلُ بِالْكَلَامِ أَيْضًا وَلَكِنْ بِالِانْتِقَالِ أَفْضَلُ لِمَا ذكرناه والله أعلم

(كتاب صلاة العيدين هِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ وَاجِبَةٌ فَإِذَا قُلْنَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فَامْتَنَعَ أَهْلُ مَوْضِعٍ مِنْ إِقَامَتِهَا قُوتِلُوا عَلَيْهَا كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَإِذَا قُلْنَا إِنَّهَا سُنَّةٌ لَمْ يُقَاتَلُوا بِتَرْكِهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَغَيْرِهَا وَقِيلَ يُقَاتَلُونَ لِأَنَّهَا شِعَارٌ ظَاهِرٌ قَالُوا وَسُمِّيَ عِيدًا لِعَوْدِهِ وَتَكَرُّرِهِ وَقِيلَ لِعَوْدِ السُّرُورِ فِيهِ وَقِيلَ تَفَاؤُلًا بِعَوْدِهِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ كَمَا سُمِّيَتِ الْقَافِلَةُ حِينَ خُرُوجِهَا تَفَاؤُلًا لِقُفُولِهَا سَالِمَةً وَهُوَ رُجُوعُهَا وَحَقِيقَتُهَا الرَّاجِعَةُ

[884] قَوْلُهُ شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَذَاهِبِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَئِمَّةِ)
(6/171)

الْفَتْوَى وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّتِهِمْ فِيهِ وَهُوَ فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ إِلَّا مَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ فِي شَطْرِ خِلَافَتِهِ الْأَخِيرِ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ لِأَنَّهُ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَنْ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقِيلَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَدَّمَهَا مُعَاوِيَةُ وَقِيلَ مَرْوَانُ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَقِيلَ زِيَادُ بِالْبَصْرَةِ فِي خلافة معاوية وقيل فعله بن الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ قَوْلُهُ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ قَوْلُهُ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا يَدْرِي حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ حِينَئِذٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَصَوَابُهُ لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ وَهُوَ حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ رِوَايَةً عَنْ طَاوُسٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ رواية إسحاق نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ لَا يَدْرِي حَسَنٌ قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ تَصْحِيحُ حِينَئِذٍ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ لِكَثْرَةِ النِّسَاءِ وَاشْتِمَالِهِنَّ ثِيَابِهِنَّ لَا يَدْرِي مَنْ هِيَ قَوْلُهُ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءُ وَمَعَهُ بِلَالٌ قَالَ الْقَاضِي هَذَا النُّزُولُ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ وَلَيْسَ كما قال إنما نزل إِلَيْهِنَّ بَعْدَ فَرَاغِ خُطْبَةِ الْعِيدِ وَبَعْدَ انْقِضَاءِ وَعْظِ الرِّجَالِ وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ أَتَاهُنَّ بَعْدَ فَرَاغِ خُطْبَةِ الرِّجَالِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ وَعْظِ النِّسَاءِ وَتَذْكِيرِهِنَّ الْآخِرَةَ وَأَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَحَثِّهِنَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ وَخَوْفٌ عَلَى الْوَاعِظِ أَوِ الْمَوْعُوظِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَفِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ إِذَا حَضَرْنَ صَلَاةَ الرِّجَالِ وَمَجَامِعَهُمْ يَكُنَّ بِمَعْزِلٍ عَنْهُمْ خَوْفًا مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ نَظْرَةٍ أَوْ فِكْرٍ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى
(6/172)

إِيجَابٍ وَقَبُولٍ بَلْ تَكْفِي فِيهَا الْمُعَاطَاةُ لِأَنَّهُنَّ أَلْقَيْنَ الصَّدَقَةَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ مِنْهُنَّ وَلَا مِنْ بِلَالٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ تَفْتَقِرُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ كَالْهِبَةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ جَزَمَ الْمُحَقِّقُونَ قَوْلُهُ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي هُوَ مَقْصُورٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ بِلَالٍ قَوْلُهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاحِدُهَا فَتَخَةٌ كَقَصَبَةٍ وَقَصَبٍ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرهَا فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ هِيَ الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ هِيَ خَوَاتِيمُ لَا فُصُوصَ لَهَا وَقَالَ بن السِّكِّيتِ خَوَاتِيمُ تُلْبَسُ فِي أَصَابِعِ الْيَدِ وَقَالَ ثَعْلَبٌ وَقَدْ يَكُونُ فِي أَصَابِعِ الْوَاحِدِ مِنَ الرجال وقال بن دُرَيْدٍ وَقَدْ يَكُونُ لَهَا فُصُوصٌ وَتُجْمَعُ أَيْضًا فَتَخَاتٌ وَأَفْتَاخٌ وَالْخَوَاتِيمُ جَمْعُ خَاتَمٍ وَفِيهِ أَرْبَعُ لغات فتح التاء وكسرها وخانام وَخَيْتَامٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ صَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى ثُلُثِ مَالِهَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثُلُثِ مَالِهَا إِلَّا بِرِضَاءِ زَوْجِهَا وَدَلِيلُنَا مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلُهُنَّ أَسْتَأْذَنَّ أَزْوَاجَهُنَّ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ هُوَ خَارِجٌ مِنَ الثُّلُثِ أَمْ لَا وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَسَأَلَ وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى الْجَوَابِ عَنْ مَذْهَبِهِمْ بِأَنَّ الْغَالِبَ حُضُورُ أَزْوَاجِهِنَّ فَتَرْكُهُمُ الْإِنْكَارَ يَكُونُ رِضَاءً بِفِعْلِهِنَّ وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ مُعْتَزِلَاتٍ لَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ مَنِ الْمُتَصَدِّقَةُ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا وَلَا قَدْرَ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ وَلَوْ عَلِمُوا فَسُكُوتُهُمْ لَيْسَ إِذْنًا قَوْلُهُ وَبِلَالٌ قائل بثوبه هو بهمزة قبل اللام
(6/173)

يكتب بِالْيَاءِ أَيْ فَاتِحًا ثَوْبَهُ لِلْأَخْذِ فِيهِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بَسَطَهُ لِيَجْمَعَ الصَّدَقَةَ فِيهِ ثُمَّ يُفَرِّقُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَاتِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا وَالزَّكَوَاتِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَاتِ الْعَامَّةَ إِنَّمَا يَصْرِفُهَا فِي مَصَارِفِهَا الْإِمَامُ

[885] قَوْلُهُ يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ يُلْقِينَ وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ الْقَلِيلَةِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْهَا يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ وَقَوْلُهُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ قَوْلُهُ تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ وَيَلْقِينَ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ مُكَرَّرٌ وَهُوَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ وَيُلْقِينَ كَذَا وَيَلْقِينَ كَذَا كما ذكره فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ لِعَطَاءٍ أَحَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ حِينَ يَفْرُغُ فَيُذَكِّرُهُنَّ قَالَ أَيْ لَعَمْرِي إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَطَاءٌ غَيْرُ مُوَافَقٍ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي بَلْ يُسْتَحَبُّ إِذَا لَمْ يَسْمَعْهُنَّ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ وَيَعِظُهُنَّ ويذكرهن إذا لم يترتب الْآنَ وَفِي كُلِّ الْأَزْمَانِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَأَيُّ دَافِعٍ يَدْفَعُنَا عَنْ هَذِهِ
(6/174)

السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ لِلْعِيدِ وَهُوَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ الْيَوْمَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيهِ شَيْءٌ خِلَافَ إِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ فِيهَا الصَّلَاةَ جَامِعَةً بِنَصْبِهَا الْأَوَّلَ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَالثَّانِيَ عَلَى الْحَالِ قَوْلُهُ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ سِطَةٌ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاسِطَةِ النِّسَاءِ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ مِنْ خِيَارِهِنَّ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ وَالْخِيَارُ قَالَ وَزَعَمَ حُذَّاقُ شُيُوخِنَا أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ مُغَيَّرٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ وَأَنَّ صَوَابَهُ مِنْ سَفَلَةِ النساء وكذا رواه بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَةِ النِّسَاءِ وَهَذَا ضِدُّ التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ سَفْعَاءَ الْخَدَّيْنِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهَذَا الَّذِي ادَّعَوْهُ مِنْ تَغْيِيرِ الْكَلِمَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مِنْ خِيَارِ النِّسَاءِ كَمَا فَسَّرَهُ هُوَ بَلِ الْمُرَادُ امْرَأَةٌ مِنْ وَسَطِ النِّسَاءِ جَالِسَةٌ فِي وَسَطِهِنَّ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ يُقَالُ وَسَطْتُ الْقَوْمَ أَسِطُهُمْ وَسْطًا وَسِطَةً أَيْ تَوَسَّطْتُهُمْ قَوْلُهُ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ فِيهَا تَغَيُّرٌ وَسَوَادٌ قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم تكثرن الشكاء هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ أَيِ الشَّكْوَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ هُوَ الْعَشِيرُ الْمُعَاشِرُ وَالْمُخَالِطُ وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ هُنَا عَلَى الزَّوْجِ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ كُلُّ مُخَالِطٍ قَالَ الْخَلِيلُ يُقَالُ هُوَ الْعَشِيرُ وَالشَّعِيرُ عَلَى الْقَلْبِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُنَّ يَجْحَدْنَ الْإِحْسَانَ لِضَعْفِ عَقْلِهِنَّ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِنَّ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَمِّ مَنْ يَجْحَدُ إِحْسَانَ ذِي إِحْسَانٍ
(6/175)

قَوْلُهُ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ هُوَ جَمْعُ قُرْطٍ قَالَ بن دُرَيْدٍ كُلُّ مَا عُلِّقَ مِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ فَهُوَ قُرْطٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ خَرَزٍ وَأَمَّا الْخُرْصُ فَهُوَ الْحَلْقَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الْحُلِيِّ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ الصَّوَابُ قُرْطَتُهُنَّ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي جَمْعِ قُرْطٍ كَخُرْجٍ وَخُرْجَةٍ وَيُقَالُ فِي جَمْعِهِ قِرَاطٌ كَرُمْحٍ وَرِمَاحٍ قَالَ الْقَاضِي لَا يَبْعُدُ صِحَّةُ أَقْرِطَةٍ وَيَكُونُ جَمْعَ جَمْعٍ أَيْ جَمْعَ قِرَاطٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ

[886] قَوْلُهُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا أَذَانَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ أَوْ لَا شَيْءَ هَذَا ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا
(6/176)

يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا فَيُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ

[889] قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ إِلَى الْمُصَلَّى وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مَنْ فَعَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَعَلَى هَذَا عَمِلَ النَّاسُ فِي مُعْظَمِ الْأَمْصَارِ وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَلَا يُصَلُّونَهَا إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الصَّحْرَاءُ أَفْضَلُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمُ الْمَسْجِدُ أَفْضَلُ إِلَّا أَنْ يَضِيقَ قَالُوا وَإِنَّمَا صَلَّى أَهْلُ مَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ لِسَعَتِهِ وَإِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى لِضِيقِ الْمَسْجِدِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ أَفْضَلُ إِذَا اتَّسَعَ قَوْلُهُ فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ أَيْ مُمَاشِيًا لَهُ يَدُهُ فِي يَدَيَّ هَكَذَا فَسَّرُوهُ قَوْلُهُ فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ فِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ لِلْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
(6/177)

وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ كَانَ الْمُنْكَرُ عَلَيْهِ وَالِيًا وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْكَارَ عليه يكون باليد لمن أمكنه ولا يجزئ عَنِ الْيَدِ اللِّسَانُ مَعَ إِمْكَانِ الْيَدِ قَوْلُهُ أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِ أَلَا ابْتِدَاءٌ بِأَلَا الَّتِي هِيَ لِلِاسْتِفْتَاحِ وَبَعْدَهَا نُونٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ لِأَنَّهُ سَاقَهُ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ هُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ الَّذِي يَعْلَمُ هُوَ طَرِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَيْفَ يَكُونُ غَيْرُهُ خَيْرًا مِنْهُ قَوْلُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ قَالَ الْقَاضِي عَنْ جِهَةِ الْمِنْبَرِ إِلَى جِهَةِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ انْصَرَفَ مِنَ الْمُصَلَّى وَتَرَكَ الصَّلَاةَ مَعَهُ بَلْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ وَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَلَوْلَا صِحَّتُهَا كَذَلِكَ لَمَا صَلَّاهَا مَعَهُ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَهَا عَلَى الصَّلَاةِ صَحَّتْ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ مُفَوِّتًا لِلْفَضِيلَةِ بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَقَدُّمُ خُطْبَتِهَا عَلَيْهَا لِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ وَاجِبَةٌ وَخُطْبَةُ الْعِيدِ مندوبة

[890] قَوْلُهَا أَمَرَنَا أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَوَاتِقُ جَمْعُ عاتق وهي الجارية البالغة وقال بن دريد هي التي قاربت البلوغ قال بن السِّكِّيتِ هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ تَبْلُغَ إِلَى أَنْ تَعْنُسَ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَالتَّعْنِيسُ طُولُ الْمَقَامِ فِي بَيْتِ أَبِيهَا بِلَا زَوْجٍ حَتَّى تَطْعَنَ فِي السِّنِّ قَالُوا سُمِّيَتْ عَاتِقًا لِأَنَّهَا عَتَقَتْ مِنِ امْتِهَانِهَا فِي الْخِدْمَةِ وَالْخُرُوجِ فِي الْحَوَائِجِ وَقِيلَ قَارَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَتُعْتَقُ مِنْ قَهْرِ أَبَوَيْهَا وَأَهْلِهَا وَتَسْتَقِلُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَالْخُدُورُ الْبُيُوتُ وَقِيلَ الْخِدْرُ سِتْرٌ يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ وقَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَالْمُخَبَّأَةُ هِيَ بِمَعْنَى ذَاتِ الْخِدْرِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ النِّسَاءِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ وَالْمُسْتَحْسَنَاتِ فِي العيدين دون غيرهن وأجابوا عن إِخْرَاجِ ذَوَاتِ الْخُدُورِ وَالْمُخَبَّأَةِ بِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَتْ مَأْمُونَةً بِخِلَافِ الْيَوْمَ وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ الْقَاضِي
(6/178)

عِيَاضٌ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي خُرُوجِهِنَّ لِلْعِيدَيْنِ فَرَأَى جَمَاعَةٌ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِنَّ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وعلي وبن عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّةً وَمَنَعَهُ مَرَّةً قَوْلُهَا وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ فِي أَمَرَ فِيهِ مَنْعُ الْحُيَّضِ مِنَ الْمُصَلَّى وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْمَنْعِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ مَنْعُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَسَبَبُهُ الصِّيَانَةُ وَالِاحْتِرَازُ مِنْ مُقَارَنَةِ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا صَلَاةٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدًا وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ يَحْرُمُ الْمُكْثُ فِي الْمُصَلَّى عَلَى الْحَائِضِ كَمَا يَحْرُمُ مُكْثُهَا فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ الْمَسْجِدَ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَوْلُهَا فِي الْحَيْضِ يُكَبِّرْنَ مَعَ النِّسَاءِ فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ وَقَوْلُهَا يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي الْعِيدَيْنِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ وَحَالَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ أَرْبَعَةُ مَوَاطِنَ فِي السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَى حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ وَالتَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْخُطْبَةِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فَكَانُوا يُكَبِّرُونَ إِذَا خَرَجُوا حَتَّى يَبْلُغُوا الْمُصَلَّى يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَزَادَ اسْتِحْبَابُهُ لَيْلَةَ الْعِيدَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكَبِّرُ فِي الْخُرُوجِ لِلْأَضْحَى دُونَ الْفِطْرِ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا التَّكْبِيرُ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ فمالك يراه وغيره يأباه وأما التكبير المشروع فِي أَوَّلِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ سَبْعٌ فِي الْأُولَى غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَقَالَ مَالِكٌ وأحمد
(6/179)

وَأَبُو ثَوْرٍ كَذَلِكَ لَكِنْ سَبْعٌ فِي الْأُولَى إِحْدَاهُنَّ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ خَمْسٌ فِي الْأُولَى وَأَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَرَى هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ مُتَوَالِيَةً مُتَّصِلَةً وَقَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُسْتَحَبُّ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِيَ هذا أيضا عن بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا التَّكْبِيرُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي عِيدِ الْأَضْحَى فَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةَ مَذَاهِبٍ هَلِ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ ظُهْرِهِ أَوْ صُبْحِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ ظُهْرِهِ وَهَلِ انْتِهَاؤُهُ فِي ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ ظُهْرِ أَوَّلِ أَيَّامِ النَّفْرِ أَوْ فِي صُبْحِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ ظُهْرِهِ أَوْ عَصْرِهِ وَاخْتَارَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ ابْتِدَاءَهُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَانْتِهَاءَهُ صُبْحَ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلِلشَّافِعِيِّ قوله إلى الْعَصْرُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَوْلٌ إِنَّهُ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ قَوْلُهَا وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ حُضُورِ مَجَامِعِ الْخَيْرِ وَدُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحِلَقِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِ ذلك قوله لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ هُوَ ثَوْبٌ أَقْصَرُ وَأَعْرَضُ مِنَ الْخِمَارِ وَهِيَ الْمِقْنَعَةُ تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا وَقِيلَ هُوَ ثَوْبٌ وَاسِعٌ دُونَ الرِّدَاءِ تُغَطِّي بِهِ صَدْرَهَا وَظَهْرَهَا وَقِيلَ هُوَ كَالْمَلَاءَةِ وَالْمِلْحَفَةِ وَقِيلَ هُوَ الْإِزَارُ وَقِيلَ الْخِمَارُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا الصَّحِيحُ أن معناه لتلبسها جلبابا لا يحتاج إلى عَارِيَةً وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى حُضُورِ الْعِيدِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَعَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى

[884] قوله فصلى
(6/180)

رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فِيهِ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الصلاة قبل صلاة الْعِيدِ وَبَعْدَهَا وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ لَا كَرَاهَةَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ لَا يُكْرَهُ بَعْدَهَا وَتُكْرَهُ قَبْلَهَا وَلَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ لِمَنْ كَرِهَهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ كراهتها والأصل أن لا مَنْعَ حَتَّى يَثْبُتَ قَوْلُهُ وَتُلْقِي سِخَابَهَا هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ قِلَادَةٌ مِنْ طِيبٍ مَعْجُونٍ عَلَى هَيْئَةِ الْخَرَزِ يَكُونُ مِنْ مِسْكٍ أَوْ قُرُنْفُلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الطِّيبِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْجَوْهَرِ وَجَمْعُهُ سُخُبٌ ككتاب وكتب

[891] قَوْلُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ سَأَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى لِأُمِّ سَلَمَةَ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ مُتَّصِلٌ مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ أَدْرَكَ أَبَا وَاقِدٍ بِلَا شَكٍّ وَسَمِعَهُ بِلَا خِلَافٍ فَلَا عَتْبَ عَلَى مُسْلِمٍ حِينَئِذٍ فِي رِوَايَتِهِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ سَأَلَنِي عُمَرُ قَالُوا يَحْتَمِلُ أَنَّ
(6/181)

عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَاسْتَثْبَتَهُ أَوْ أرَادَ إِعْلَامَ النَّاسِ بِذَلِكَ أَوْ نَحْوِ هَذَا مِنَ الْمَقَاصِدِ قَالُوا وَيَبْعُدُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مَعَ شُهُودِهِ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّاتٍ وَقُرْبِهِ مِنْهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّهُ تُسَنُّ الْقِرَاءَةُ بِهِمَا فِي الْعِيدَيْنِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَتِهِمَا لِمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْبَعْثِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَإِهْلَاكِ الْمُكَذِّبِينَ وَتَشْبِيهِ بُرُوزِ النَّاسِ لِلْعِيدِ بِبُرُوزِهِمْ لِلْبَعْثِ وَخُرُوجِهِمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جراد منتشر والله أعلم

[892] قَوْلُهَا وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ أَمَّا بُعَاثُ فَبِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُ صَرْفِهِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَهُوَ يَوْمٌ جَرَتْ فِيهِ بَيْنَ قَبِيلَتَيِ الْأَنْصَارِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَرْبٌ وَكَانَ الظُّهُورُ فِيهِ لِلْأَوْسِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَشْهُورُ الْمُهْمَلَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَوْلُهَا وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ مَعْنَاهُ لَيْسَ الْغِنَاءُ عَادَةً لَهُمَا وَلَا هُمَا مَعْرُوفَتَانِ بِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْغِنَاءِ فَأَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَحَرَّمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ هَذَا الْغِنَاءَ إِنَّمَا كَانَ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْقَتْلِ وَالْحِذْقِ فِي الْقِتَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ بِخِلَافِ الْغِنَاءِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا يَهِيجُ النُّفُوسَ عَلَى الشَّرِّ وَيَحْمِلُهَا عَلَى الْبَطَالَةِ وَالْقَبِيحِ قَالَ الْقَاضِي إِنَّمَا كَانَ غِنَاؤُهُمَا بِمَا هُوَ مِنْ أَشْعَارِ الْحَرْبِ وَالْمُفَاخَرَةِ بِالشَّجَاعَةِ وَالظُّهُورِ وَالْغَلَبَةِ وَهَذَا لَا يُهَيِّجُ الْجَوَارِيَ عَلَى شَرٍّ وَلَا إِنْشَادُهُمَا لِذَلِكَ مِنَ الْغِنَاءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِنْشَادِ وَلِهَذَا قَالَتْ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ أَيْ لَيْسَتَا مِمَّنْ يتغنى
(6/182)

بِعَادَةِ الْمُغَنِّيَاتِ مِنَ التَّشْوِيقِ وَالْهَوَى وَالتَّعْرِيضِ بِالْفَوَاحِشِ وَالتَّشْبِيبِ بِأَهْلِ الْجَمَالِ وَمَا يُحَرِّكُ النُّفُوسَ وَيَبْعَثُ الهوى والغزل كما قيل الغنا فيه الزنى وَلَيْسَتَا أَيْضًا مِمَّنِ اشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِإِحْسَانِ الْغِنَاءِ الَّذِي فِيهِ تَمْطِيطٌ وَتَكْسِيرٌ وَعَمَلٌ يُحَرِّكُ السَّاكِنَ وَيَبْعَثُ الْكَامِنَ وَلَا مِمَّنِ اتَّخَذَ ذَلِكَ صَنْعَةً وَكَسْبًا وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْإِنْشَادَ غِنَاءً وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْغِنَاءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ وَقَدِ اسْتَجَازَتِ الصَّحَابَةُ غِنَاءَ الْعَرَبِ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ الْإِنْشَادِ وَالتَّرَنُّمِ وَأَجَازُوا الْحُدَاءَ وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا كُلِّهُ إِبَاحَةُ مِثْلَ هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا وَمِثْلُهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يَخْرُجُ الشَّاهِدُ قَوْلُهُ أَبِمُزْمُورِ الشَّيْطَانِ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي غَيْرَهُ وَيُقَالُ أَيْضًا مِزْمَارٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَأَصْلُهُ صَوْتٌ بِصَفِيرٍ وَالزِّمِّيرُ الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْغِنَاءِ أَيْضًا قَوْلُهُ أَبِمُزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَنَّ مَوَاضِعَ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْفَضْلِ تُنَزَّهُ عَنِ الْهَوَى وَاللَّغْوِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْمٌ وَفِيهِ أَنَّ التَّابِعَ لِلْكَبِيرِ إِذَا رَأَى بِحَضْرَتِهِ مَا يَسْتَنْكِرُ أَوْ لَا يَلِيقُ بِمَجْلِسِ الْكَبِيرِ يُنْكِرُهُ وَلَا يَكُونُ بِهَذَا افْتِيَاتًا عَلَى الْكَبِيرِ بَلْ هُوَ أَدَبٌ وَرِعَايَةُ حُرْمَةٍ وَإِجْلَالٌ لِلْكَبِيرِ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَصِيَانَةٌ لِمَجْلِسِهِ وَإِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ وَتَسَجَّى بِثَوْبِهِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِعْرَاضًا عَنِ اللَّهْوِ وَلِئَلَّا يَسْتَحْيَيْنَ فَيَقْطَعْنَ مَا هُوَ مُبَاحٌ لَهُنَّ وَكَانَ هَذَا مِنْ رَأْفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ قَوْلُهُ جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ فَفِيهِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عِيدُنَا أَنَّ ضَرْبَ دُفِّ الْعَرَبِ مُبَاحٌ فِي يَوْمِ السُّرُورِ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْعِيدُ وَالْعُرْسُ
(6/183)

وَالْخِتَانُ قَوْلُهُ فِي أَيَّامِ مِنًى يَعْنِي الثَّلَاثَةَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَفِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ دَاخِلَةٌ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ وَحُكْمُهُ جَارٍ عَلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ لِجَوَازِ التَّضْحِيَةِ وَتَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَاسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ فِي الْمَسْجِدِ ويلتحق به ما في مَعْنَاهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْجِهَادِ وَأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ إِلَى لَعِبِ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى نَفْسِ الْبَدَنِ وَأَمَّا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى وَجْهِ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا مَخَافَةَ فِتْنَةٍ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَقُلْ للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ وأم حبيبة احتجبا عنه أي عن بن أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَتَا إِنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا فقال صلى الله عليه وسلم العمياوان أَنْتُمَا أَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَلَى هَذَا أَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِجَوَابَيْنِ وَأَقْوَاهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى وُجُوهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَإِنَّمَا نَظَرَتْ لَعِبَهُمْ وَحِرَابَهُمْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إِلَى الْبَدَنِ وَإِنْ وَقَعَ النَّظَرُ بِلَا قَصْدٍ صَرَفَتْهُ فِي الْحَالِ وَالثَّانِي لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ وَأَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً قَبْلَ بُلُوغِهَا فَلَمْ تَكُنْ مُكَلَّفَةً عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ لِلصَّغِيرِ الْمُرَاهِقِ النَّظَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْأَزْوَاجِ وَغَيْرِهِمْ
(6/184)

قولها وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربة حديثة السِّنِّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تُحِبُّ اللَّهْوَ وَالتَّفَرُّجَ وَالنَّظَرَ إِلَى اللَّعِبِ حُبًّا بَلِيغًا وَتَحْرِصُ عَلَى إِدَامَتِهِ مَا أَمْكَنَهَا وَلَا تَمَلُّ ذَلِكَ إِلَّا بِعُذْرٍ من تطويل وقولها فاقدروا هوا بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مِنَ التَّقْدِيرِ أَيْ قَدِّرُوا رَغْبَتَنَا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ وَقَوْلُهَا الْعَرِبَةُ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ والْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَمَعْنَاهَا الْمُشْتَهِيَةُ لِلَّعِبِ الْمُحِبَّةُ لَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَيُقَالُ
(6/185)

بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ وَهُوَ لَقَبٌ لِلْحَبَشَةِ وَلَفْظَةُ دُونَكُمْ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِغْرَاءِ وَحَذَفَ الْمُغْرَى بِهِ تَقْدِيرُهُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا اللَّعِبِ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَشَأْنُهَا أَنْ يَتَقَدَّمَ الِاسْمُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ جَاءَ تَأْخِيرُهَا شَاذًّا كَقَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكِ هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا قُلْتُ نَعَمْ تَقْدِيرُهُ حَسْبُكِ أَيْ هَلْ يَكْفِيكِ هَذَا الْقَدْرُ قَوْلُهَا جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَمَعْنَاهُ يَرْقُصُونَ وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى التَّوَثُّبِ بِسِلَاحِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَيْئَةِ الرَّاقِصِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهَا لَعِبهِمْ بِحِرَابِهِمْ فَيُتَأَوَّلُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى مُوَافَقَةِ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَوْلُهُ قَالَ عَطَاءٌ فُرْسٌ أَوْ حَبَشٌ قَالَ وَقَالَ بن عَتِيقٍ بَلْ حَبَشٌ هَكَذَا هُوَ فِي كُلِّ النُّسَخِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ عَطَاءً شَكَّ هَلْ قَالَ هم فرس
(6/186)

أَوْ حَبَشٌ بِمَعْنَى هَلْ هُمْ مِنَ الْفُرْسِ أو من الحبشة وأما بن عَتِيقٍ فَجَزَمَ بِأَنَّهُمْ حَبَشٌ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ القاضي عياض وقوله قال بن عَتِيقٍ هَكَذَا هُوَ عِنْدَ شُيُوخِنَا وَعِنْدَ الْبَاجِيِّ وقال لي بن عُمَيْرٍ قَالَ وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى قَالَ لِي بن أَبِي عَتِيقٍ

[893] قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ الصَّحِيحُ بن عُمَيْرٍ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ وَالصَّوَابِ قَوْلُهُ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ الْحَصْبَاءُ مَمْدُودٌ هِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ وَيَحْصِبُهُمْ بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ يَرْمِيهِمْ بِهَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ به والله أعلم

(كتاب صلاة الاستسقاء أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ سُنَّةٌ وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُسَنُّ لَهُ صَلَاةٌ أَمْ لَا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُسَنُّ لَهُ صَلَاةٌ بَلْ يُسْتَسْقَى بِالدُّعَاءِ بِلَا صَلَاةٍ وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ تُسَنُّ الصَّلَاةُ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَتَعَلَّقَ بِأَحَادِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا صَلَاةٌ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى لِلِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الصَّلَاةِ فَبَعْضُهَا مَحْمُولٌ عَلَى نِسْيَانِ الرَّاوِي وَبَعْضُهَا كَانَ فِي الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ وَيَتَعَقَّبُهُ الصَّلَاةُ لِلْجُمُعَةِ فَاكْتَفَى بِهَا وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ أَصْلًا كَانَ بَيَانًا لِجَوَازِ الِاسْتِسْقَاءِ بِالدُّعَاءِ بِلَا صَلَاةٍ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَتَكُونُ الْأَحَادِيثُ الْمُثْبِتَةُ لِلصَّلَاةِ مُقَدَّمَةً)
(6/187)

لِأَنَّهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِسْقَاءُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ الثَّانِي الِاسْتِسْقَاءُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ فِي أَثَرِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي قَبْلَهُ وَالثَّالِثُ وَهُوَ أَكْمَلُهَا أَنْ يَكُونَ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ وَيَتَأَهَّبُ قَبْلَهُ بِصَدَقَةٍ وَصِيَامٍ وَتَوْبَةٍ وَإِقْبَالٍ عَلَى الْخَيْرِ وَمُجَانَبَةِ الشَّرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى

[894] قَوْلُهُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْخُرُوجِ لِلِاسْتِسْقَاءِ إِلَى الصَّحْرَاءِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِافْتِقَارِ وَالتَّوَاضُعِ وَلِأَنَّهَا أَوْسَعُ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ يَحْضُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَلَا يَسَعُهُمُ الجامع وفيه اسْتِحْبَابِ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي أَثْنَائِهَا لِلِاسْتِسْقَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُحَوِّلُهُ فِي نَحْوِ ثُلُثِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَذَلِكَ حِينَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ قَالُوا وَالتَّحْوِيلُ شُرِعَ تَفَاؤُلًا بِتَغَيُّرِ الْحَالِ مِنَ الْقَحْطِ إِلَى نُزُولِ الْغَيْثِ وَالْخِصْبِ وَمِنْ ضِيقِ الْحَالِ إِلَى سَعَتِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا أَيْضًا لِلْمَأْمُومِينَ كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَخَالَفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا وَقَوْلُهُ اسْتَسْقَى أَيْ طَلَبَ السَّقْيَ وَفِيهِ أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُثْبِتِينَ لَهَا وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجَمَاهِيرُ إِلَى أَنَّهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَقَالَ اللَّيْثُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ صَحَّتَا وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتِهَا وَجَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْعِيدِ وَالتَّأْخِيرِ وَاخْتَلَفَتِ الرواية في
(6/188)

ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَاتٍ زَائِدَةً فِي أَوَّلِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فقال به الشافعي وبن جرير وروي عن بن الْمُسَيَّبِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٍ وَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يُكَبِّرُ وَاحْتَجُّوا لِلشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْعَدَدِ وَالْجَهْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَفِي كَوْنِهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ وَخَيَّرَهُ دَاوُدُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَتَرْكِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلَا يُقَامُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً قَوْلُهُ أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ الْمُرَادُ بِعَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمُتَكَرِّرُ فِي الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ قَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِهَا لِلدُّعَاءِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْقِرَاءَةُ وَالْأَذْكَارُ وَالْأَذَانُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كَالْخُطْبَةِ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ بِتَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ عَلَى صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَأَصْحَابُنَا
(6/189)

يحملونه على الجواز كما سبق بيانه

[896] قَوْلُهُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ السُّنَّةُ فِي كُلِّ دُعَاءٍ لِرَفْعِ بَلَاءٍ كَالْقَحْطِ وَنَحْوِهِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيَجْعَلَ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَإِذَا دَعَا لِسُؤَالِ شَيْءٍ وَتَحْصِيلِهِ جَعَلَ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلى السماء احتجوا بِهَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ يُوهِمُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يرفع ص إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ قد ثبت رفع يديه ص فِي الدُّعَاءِ فِي مَوَاطِنَ غَيْرِ الِاسْتِسْقَاءِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا مِنَ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أحدهما وذكرتها فِي أَوَاخِرِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعِ الرَّفْعَ الْبَلِيغَ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ أَرَهُ رَفَعَ وَقَدْ رَآهُ غَيْرُهُ رَفَعَ فَيُقَدَّمُ الْمُثْبِتُونَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَهُمْ جَمَاعَاتٌ عَلَى وَاحِدٍ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِي عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ قَتَادَةَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ قَتَادَةَ مُدَلِّسٌ وَأَنَّ الْمُدَلِّسَ لَا يُحْتَجُّ بِعَنْعَنَتِهِ حَتَّى يَثْبُتَ سَمَاعُهُ ذَلِكَ الحديث
(6/190)

فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ ثُبُوتَهُ بِالطَّرِيقِ الثَّانِي

[897] قَوْلُهُ دَارِ الْقَضَاءِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ سُمِّيَتْ دَارَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهَا بِيعَتْ فِي قَضَاءِ دَيْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْصَى ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُبَاعَ فيه ما له فان عجز ما له اسْتَعَانَ بِبَنِي عَدِيٍّ ثُمَّ بِقُرَيْشٍ فَبَاعَ ابْنُهُ دَارَهُ هَذِهِ لِمُعَاوِيَةَ وَمَالَهُ بِالْغَابَةِ قَضَى دَيْنَهُ وَكَانَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَكَانَ يُقَالُ لَهَا دَارُ قَضَاءِ دَيْنِ عُمَرَ ثُمَّ اقْتَصَرُوا فَقَالُوا دَارُ الْقَضَاءِ وَهِيَ دَارُ مَرْوَانَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ دَارُ الْإِمَارَةِ وَغَلِطَ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهَا دَارُ مَرْوَانَ فَظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ الْإِمَارَةُ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي قَوْلُهُ إِنَّ دَيْنَهُ كَانَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا غَرِيبٌ بَلْ غَلَطٌ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ وَغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ ادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَغِثْنَا هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَغِثْنَا بِالْأَلِفِ وَيُغِثْنَا بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَغَاثَ يُغِيثُ رُبَاعِيٌّ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْمَطَرِ غَاثَ اللَّهُ النَّاسَ وَالْأَرْضَ يَغِيثُهُمْ بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ أَنْزَلَ الْمَطَرَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْإِغَاثَةِ بِمَعْنَى الْمَعُونَةِ وَلَيْسَ من طلب الغيث إنما يُقَالُ فِي طَلَبِ الْغَيْثِ اللَّهُمَّ غِثْنَا قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَلَبِ الْغَيْثِ أَيْ هَبْ لَنَا غَيْثًا أَوِ ارْزُقْنَا غَيْثًا كَمَا يُقَالُ سَقَاهُ اللَّهُ وَأَسْقَاهُ أَيْ جَعَلَ لَهُ سُقْيًا عَلَى لُغَةِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَغِثْنَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِسْقَاءِ مُنْفَرِدًا عَنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ الْمَخْصُوصَةِ
(6/191)

وَاغْتَرَّتْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَقَالُوا هَذَا هُوَ الِاسْتِسْقَاءُ الْمَشْرُوعُ لَا غَيْرَ وَجَعَلُوا الِاسْتِسْقَاءَ بِالْبُرُوزِ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَالصَّلَاةِ بِدْعَةً وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ هُوَ سُنَّةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ أَنْوَاعٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ نَوْعٍ إِبْطَالُ نَوْعٍ ثَابِتٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا هَكَذَا هُوَ مُكَرَّرٌ ثَلَاثًا فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكَرُّرِ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا قَوْلُهُ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ السَّحَابِ وَجَمَاعَتُهَا قَزَعٌ كَقَصَبَةٍ وَقَصَبٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْخَرِيفِ قَوْلُهُ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَارٍ هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ جَبَلٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَمُرَادُهُ بِهَذَا الْإِخْبَارُ عَنْ مُعْجِزَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَظِيمِ كَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ متصلا بسؤاله من غير تقديم سَحَابٍ وَلَا قَزَعٍ وَلَا سَبَبٍ آخَرَ لَا ظَاهِرٍ وَلَا بَاطِنٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ أَيْ نَحْنُ مُشَاهِدُونَ لَهُ وَلِلسَّمَاءِ وَلَيْسَ هُنَاكَ سَبَبٌ لِلْمَطَرِ أَصْلًا قَوْلُهُ ثُمَّ أَمْطَرَتْ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَكَذَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ أَمْطَرَتْ بِالْأَلِفِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ مَطَرَتْ وَأَمْطَرَتْ لُغَتَانِ فِي الْمَطَرِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يُقَالُ أَمْطَرَتْ بِالْأَلِفِ إِلَّا فِي الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وأمطرنا عليهم حجارة وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَلَفْظَةُ أَمْطَرَتْ تُطْلَقُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَتُعْرَفُ بِالْقَرِينَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا وَهَذَا مِنْ أَمْطَرَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَطَرُ فِي الْخَيْرِ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوهُ خَيْرًا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ به قَوْلُهُ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا هُوَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ أَيْ قِطْعَةً مِنَ الزَّمَانِ وَأَصْلُ
(6/192)

السَّبْتِ الْقَطْعُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شُكِيَ إِلَيْهِ كَثْرَةُ الْمَطَرِ وَانْقِطَاعُ السُّبُلِ وَهَلَاكُ الْأَمْوَالِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَوَالَيْنَا وَهُمَا صَحِيحَانِ وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي هَذَا الْفَصْلِ فَوَائِدُ مِنْهَا الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِجَابَةِ دُعَائِهِ مُتَّصِلًا بِهِ حَتَّى خَرَجُوا فِي الشَّمْسِ وَفِيهِ أَدَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ رَفْعَ الْمَطَرِ مِنْ أَصْلِهِ بَلْ سَأَلَ رَفْعَ ضَرَرِهِ وَكَشْفَهُ عَنِ الْبُيُوتِ وَالْمَرَافِقِ وَالطُّرُقِ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ ساكن ولا بن سَبِيلٍ وَسَأَلَ بَقَاءَهُ فِي مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ بِحَيْثُ يَبْقَى نَفْعُهُ وَخِصْبُهُ وَهِيَ بُطُونُ الْأَوْدِيَةِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَذْكُورِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْإِكَامُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَكَمَةٍ وَيُقَالُ فِي جَمْعِهَا آكَامٌ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَيُقَالُ أَكَمٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَأُكُمٌ بِضَمِّهِمَا وَهِيَ دُونَ الْجَبَلِ وَأَعْلَى مِنَ الرَّابِيَةِ وَقِيلَ دُونَ الرَّابِيَةِ وَأَمَّا الظِّرَابُ فَبِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاحِدُهَا ظَرِبٌ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهِيَ الرَّوَابِي الصِّغَارُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ طَلَبِ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ عَلَى الْمَنَازِلِ وَالْمَرَافِقِ إِذَا كَثُرَ وَتَضَرَّرُوا بِهِ وَلَكِنْ لَا تُشْرَعُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا اجْتِمَاعٌ فِي الصَّحْرَاءِ قَوْلُهُ فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَفِي أَكْثَرِهَا فَانْقَلَعَتْ وَهُمَا بِمَعْنًى قَوْلُهُ فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ قَالَ لَا أَدْرِي قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ أَيْ قَحْطٌ
(6/193)

قَوْلُهُ فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَجَّرَتْ أَيْ تَقَطَّعَ السَّحَابُ وَزَالَ عَنْهَا قَوْلُهُ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ هِيَ بفتح الجيم واسكان الواو وبالباء الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْفَجْوَةُ وَمَعْنَاهُ تَقَطَّعَ السَّحَابُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَصَارَ مُسْتَدِيرًا حَوْلَهَا وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنْهُ قَوْلُهُ وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا قَنَاةُ بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِ زُرُوعٌ لَهُمْ فَأَضَافَهُ هُنَا إِلَى نَفْسِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْبَدَلِ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ وَهُوَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ يُقَدَّرُ فِيهِ مَحْذُوفٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَسَالَ الْوَادِي وَادِي قَنَاةَ قَوْلُهُ أَخْبَرَ بِجَوْدٍ هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَطَرُ الْكَثِيرُ قَوْلُهُ قَحَطَ الْمَطَرُ هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ أَمْسَكَ قَوْلُهُ وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ كِنَايَةٌ عَنْ يُبْسِ وَرَقِهَا وَظُهُورِ عُودِهَا قَوْلُهُ فَتَقَشَّعَتْ أَيْ زَالَتْ قَوْلُهُ وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ تُمْطِرُ وَبِنَصْبِ قَطْرَةٍ قَوْلُهُ مِثْلِ الْإِكْلِيلِ هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ الْعِصَابَةُ وَتُطْلَقُ عَلَى
(6/194)

كُلِّ مُحِيطٍ بِالشَّيْءِ قَوْلُهُ فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ السَّحَابِ وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَمَكَثْنَا وَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي نُسَخِ بِلَادِهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ لَيْسَ مِنْهَا هَذَا فَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ وَبَلَّتْنَا وَمَعْنَاهُ أَمْطَرَتْنَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ يُقَالُ بَلَّ السَّحَابُ بِالْمَطَرِ بَلًّا وَالْبَلَلُ الْمَطَرُ وَيُقَالُ انْهَلَّتْ أَيْضًا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ وَمَلَتْنَا بِالْمِيمِ مُخَفَّفَةِ اللَّامِ قَالَ الْقَاضِي وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَوْسَعَتْنَا مَطَرًا وَفِي رِوَايَةٍ مَلَأَتْنَا بِالْهَمْزِ وَقَوْلُهُ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ فَتْحِ التَّاءِ مَعَ ضَمِّ الْهَاءِ وَضَمِّ التَّاءِ مَعَ كَسْرِ الْهَاءِ يُقَالُ هَمَّهُ الشَّيْءُ وَأَهَمَّهُ أَيِ اهْتَمَّ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَمَّهُ أَذَابَهُ وَأَهَمَّهُ غمه قَوْلُهُ فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْمَدِّ وَالْوَاحِدَةُ مُلَاءَةٌ بالضم والمد وهي الريطة كَالْمِلْحَفَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَمْدُودٌ فِي الْجَمْعِ وَالْمُفْرَدِ وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي قَالَ هُوَ مَقْصُورٌ وَهُوَ غَلَطٌ مِنَ النَّاسِخِ فَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَصْلِ كَذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ بِلَا شَكٍّ وَمَعْنَاهُ تَشْبِيهُ انْقِطَاعِ السَّحَابِ وَتَجْلِيلِهِ بِالْمُلَاءَةِ الْمَنْشُورَةِ إِذَا طُوِيَتْ

[898] قَوْلُهُ حَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا قَالَ لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ مَعْنَى حَسَرَ كَشَفَ أَيْ كَشَفَ بَعْضَ بَدَنِهِ وَمَعْنَى حَدِيثُ عهد بربه أي بتكوين ربه اياه ومعناه أَنَّ الْمَطَرَ رَحْمَةٌ وَهِيَ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا فَيُتَبَرَّكُ بِهَا وَفِي
(6/195)