Advertisement

شرح النووي على مسلم 006



الكتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة: الثانية، 1392
عدد الأجزاء: 18 (في 9 مجلدات)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِقَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَوَّلِ الْمَطَرِ أَنْ يَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيَنَالَهُ الْمَطَرُ وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا وَفِيهِ أَنَّ الْمَفْضُولَ إِذَا رَأَى مِنَ الْفَاضِلِ شَيْئًا لَا يَعْرِفُهُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ لِيُعَلِّمَهُ فَيَعْمَلَ بِهِ وَيُعَلِّمَهُ غيره

[899] قَوْلُهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي فِيهِ الِاسْتِعْدَادُ بِالْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَحُدُوثِ مَا يخاف بسببه وَكَانَ خَوْفُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَاقَبُوا بِعِصْيَانِ الْعُصَاةِ وَسُرُورُهُ لِزَوَالِ سَبَبِ الْخَوْفِ قَوْلُهُ وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ رَحْمَةٌ أَيْ هَذَا رَحْمَةٌ قَوْلُهُ وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ
(6/196)

تَخَيَّلَتْ مِنَ الْمَخِيلَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهِيَ سَحَابَةٌ فِيهَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَاطِرَةٌ وَيُقَالُ أَخَالَتْ إِذَا تَغَيَّمَتْ قَوْلُهَا مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يتبسم وَالْمُسْتَجْمِعُ الْمُجِدُّ فِي الشَّيْءِ الْقَاصِدُ لَهُ وَاللَّهَوَاتُ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْحَمْرَاءُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى الحنك قاله الأصمعي

[900] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصِرْتُ بِالصَّبَا هِيَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَمَقْصُورَةٌ
(6/197)

وَهِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ وَهِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَهِيَ الرِّيحُ الْغَرْبِيَّةُ

(كِتَاب الْكُسُوفِ يُقَالُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكُسِفَا بِضَمِّهَا وَانْكَسَفَا وَخَسَفَا وَخُسِفَا وَانْخَسَفَا بِمَعْنًى وَقِيلَ كَسْفُ الشَّمْسِ بِالْكَافِ وَخَسْفُ الْقَمَرِ بِالْخَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَكْسَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَسَفَ الْقَمَرُ ثُمَّ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ يَكُونُ لِذَهَابِ ضَوْئِهِمَا كُلِّهُ وَيَكُونُ لِذَهَابِ بَعْضِهِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْإِمَامُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ الْخُسُوفُ فِي الْجَمِيعِ وَالْكُسُوفُ فِي بَعْضٍ وَقِيلَ الْخُسُوفُ ذَهَابُ لَوْنِهِمَا وَالْكُسُوفُ تَغَيُّرُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رُوِيَتْ عَلَى أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَ مُسْلِمٌ مِنْهَا جُمْلَةً وَأَبُو دَاوُدَ أُخْرَى وَغَيْرُهُمَا أُخْرَى وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ فِعْلُهَا جَمَاعَةً وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فُرَادَى وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا فَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَرُكُوعَانِ وَأَمَّا السُّجُودُ فَسَجْدَتَانِ كَغَيْرِهِمَا وَسَوَاءٌ تَمَادَى الْكُسُوفُ أَمْ لَا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ هُمَا رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ عَمَلًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ من رواية عروة وعمرة وحديث جابر وبن عباس وبن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ ركعة ركوعان وسجدتان قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ وحملوا حديث بن سَمُرَةَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِهِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ وعن بن عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثلاث ركعات ومن رواية بن عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ)
(6/198)

رَكَعَاتٍ قَالَ الْحُفَّاظُ الرِّوَايَاتُ الْأُوَّلُ أَصَحُّ وَرُوَاتُهَا أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رَكَعَاتٍ وَقَدْ قَالَ بِكُلِّ نَوْعٍ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الرِّوَايَاتِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الْكُسُوفِ فَفِي بَعْضِ الأوقات تأخر انجلاء الكسوف فزاد عدد الركوع وَفِي بَعْضِهَا أَسْرَعَ الِانْجِلَاءُ فَاقْتَصَرَ وَفِي بَعْضِهَا تَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّأَخُّرِ فَتَوَسَّطَ فِي عَدَدِهِ وَاعْتَرَضَ الْأَوَّلُونَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ تَأَخُّرَ الِانْجِلَاءِ لَا يُعْلَمُ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَلَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ مَنْوِيٌّ مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ إسحاق بن راهويه وبن جرير وبن الْمُنْذِرِ جَرَتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي أَوْقَاتٍ وَاخْتِلَافُ صِفَاتِهَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ فَتَجُوزُ صَلَاتُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّابِتَةِ وَهَذَا قَوِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الثَّانِي فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِقِرَاءَتِهَا فِيهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ الثَّانِي وَالرُّكُوعَ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالرُّكُوعِ وَكَذَا الْقِيَامُ الثَّانِي وَالرُّكُوعُ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقْصَرُ مِنَ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا مِنَ الثَّانِيَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِيَةِ هَلْ هُمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الثَّانِي وَالرُّكُوعِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَدُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَمْ يَكُونَانِ سَوَاءً وَيَكُونُ قَوْلُهُ دُونَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَيْ أَوَّلُ قِيَامٍ وَأَوَّلُ رُكُوعٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فِيهِمَا كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَأَدَّى طُمَأْنِينَتَهُ فِي كُلِّ رُكُوعٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَفَاتَهُ الْفَضِيلَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ السُّجُودِ فَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا لَا يُطَوِّلُهُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ يُسْتَحَبُّ إِطَالَتُهُ نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ فِي كُلِّ رَفْعٍ مِنْ رُكُوعٍ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إِلَى آخِرِهِ
(6/199)

وَالْأَصَحُّ اسْتِحْبَابُ التَّعَوُّذِ فِي ابْتِدَاءِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَقِيلَ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُطْبَةِ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ فقال الشافعي واسحاق وبن جَرِيرٍ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ

[901] قَوْلُهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا وَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ لَا يُطَوِّلُ السُّجُودَ وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ الْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِتَطْوِيلِهِ وَيُحْمَلُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ جِدًّا بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أي جد جِدًّا قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ وَصَفَ الصَّلَاةَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَفِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَفُوتُ بِالِانْجِلَاءِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ يَكُونُ أَوَّلُهَا الْحَمْدَ لِلَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَفْظَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُتَعَيَّنَةٌ فَلَوْ قَالَ مَعْنَاهَا لَمْ تَصِحَّ خُطْبَتُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يخسفان لموت
(6/200)

أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكَلَامَ رَدًّا عَلَيْهِمْ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ بَعْضَ الْجَاهِلِيَّةِ الضُّلَّالَ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَبَيَّنَ أَنَّهُمَا آيَتَانِ مَخْلُوقَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ لَهُمَا بَلْ هُمَا كَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ يَطْرَأُ عَلَيْهِمَا النَّقْصُ وَالتَّغَيُّرُ كَغَيْرِهِمَا وَكَانَ بَعْضُ الضُّلَّالِ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُ لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ لَا يُغْتَرُّ بِأَقْوَالِهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَادَفَ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا فِيهِ الْحَثُّ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنْ وَإِسْكَانِ النُّونِ أَيْ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ قَالُوا مَعْنَاهُ ليس أحدا مَنَعَ مِنَ الْمَعَاصِي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا أَشَدَّ كَرَاهَةً لَهَا مِنْهُ سُبْحَانَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا مَعْنَاهُ لَوْ تَعْلَمُونَ مِنْ عِظَمِ انْتِقَامِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ وَشِدَّةِ عِقَابِهِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَمَا عَلِمْتُ وَتَرَوْنَ النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَقَلَّ ضَحِكُكُمْ لِفِكْرِكُمْ فِيمَا عَلِمْتُمُوهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ مَعْنَاهُ مَا أَمَرْتُ بِهِ مِنَ التَّحْذِيرِ وَالْإِنْذَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُرْسِلَ بِهِ
(6/201)

وَالْمُرَادُ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى تَحَفُّظِهِ وَاعْتِنَائِهِمْ بِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِنْذَارِهِمْ قَوْلُهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فِيهِ إِثْبَاتُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى لِخَوْفِ فَوَاتِهَا بِالِانْجِلَاءِ فَالسُّنَّةُ الْمُبَادَرَةُ بِهَا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُهَا جَمَاعَةً وَتَجُوزُ فُرَادَى وَتُشْرَعُ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ وَسَائِرِ مَنْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَوْلُهَا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَقَالَ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ الثَّانِي مِثْلَهُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي صِفَةِ سَائِرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ رَفْعٍ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الْكُسُوفِ سَوَاءٌ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ وَفِي رِوَايَةٍ فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجُ اللَّهُ عَنْكُمْ مَعْنَاهُ بَادِرُوا بِالصَّلَاةِ
(6/202)

وَأَسْرِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى يَزُولَ عَنْكُمْ هَذَا الْعَارِضُ الَّذِي يُخَافُ كَوْنُهُ مُقَدِّمَةَ عَذَابٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ وَمَعْنَاهُ أُقَدِّمُ نَفْسِي أَوْ رِجْلِي وَكَذَا صَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِضَبْطِهِ وَضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ أَقْدُمُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ وَهُوَ مِنَ الْإِقْدَامِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ فِيهِ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَعْنَى يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا لِشِدَّةِ تَلْهِيبِهَا وَاضْطِرَابِهَا كَأَمْوَاجِ الْبَحْرِ الَّتِي يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ هُوَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مُعَذَّبٌ فِي نَفْسِ جَهَنَّمَ الْيَوْمَ عَافَانَا اللَّهُ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ فِيهِ التَّأَخُّرُ عَنْ مَوَاضِعِ الْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ قَوْلُهُ فَبَعَثَ مُنَادِيًا بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً لَفْظَةُ جَامِعَةً مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَالِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ
(6/203)

يُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَادَى لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلَا يُقَامُ قَوْلُهُ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورِ مَحْمُولٌ عَلَى كُسُوفِ الْقَمَرِ لِأَنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسِرُّ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَيَجْهَرُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ وَقَالَ أَبُو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد واسحق وَغَيْرُهُمْ يَجْهَرُ فِيهِمَا وَتَمَسَّكُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَزَرُوا الْقِرَاءَةَ بِقَدْرِ الْبَقَرَةِ وغيرها ولو كان جهرا لعلم قدرها بلا حزر وقال بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ سَوَاءٌ قَوْلُهُ حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ وَعَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِمْ مَنْ أُصَدِّقُ حَدِيثَهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَمَعْنَى اللَّفْظَيْنِ مُتَغَايِرٌ فَعَلَى
(6/204)

رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ لَهُ حُكْمُ الْمُرْسَلِ إِنْ قُلْنَا بِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ قَوْلَهُ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَوْلُهُ رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَيْ في كل ركعة يركع ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَوْلُهُ سِتُّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رُكُوعٌ ثلاث مرات وسجدتان

[903] قَوْلُهُ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْحُجَرِ أَيْ بَيْنَهَا قَوْلُهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ تَعْنِي مَوْقِفَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنْ تَكُونَ فِي الْجَامِعِ وَفِي جَمَاعَةٍ
(6/205)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ وَفِي آخِرِهِ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِيهِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَمَعْنَى تُفْتَنُونَ تُمْتَحَنُونَ فَيُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَيَقُولُ الْمُنَافِقُ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ أَيْ فِتْنَةً شَدِيدَةً جِدًّا وَامْتِحَانًا هَائِلًا وَلَكِنْ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت

[904] قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ طَوَّلَ الِاعْتِدَالَ الَّذِي يَلِي السُّجُودَ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ وَلَا فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ أَبِي الزُّبَيْرِ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُ الِاعْتِدَالَ الَّذِي يَلِي السُّجُودَ وَحِينَئِذٍ يُجَابُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بجوابين
(6/206)

أَحَدُهُمَا أَنَّهَا شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ فَلَا يُعْمَلُ بِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطَالَةِ تَنْفِيسُ الِاعْتِدَالِ وَمَدُّهُ قَلِيلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِطَالَتُهُ نَحْوَ الرُّكُوعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ أَيْ تَدْخُلُونَهُ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ وَقَبْرٍ وَمَحْشَرٍ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ تَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَآهُمَا رُؤْيَةَ عَيْنٍ كَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَأَزَالَ الْحُجُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّجَ لَهُ عَنِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى حِينَ وَصَفَهُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ أَيْ فِي جِهَتِهِ وَنَاحِيَتِهِ أَوْ فِي التَّمْثِيلِ لِقُرْبِ الْمُشَاهَدَةِ قَالُوا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رُؤْيَةَ عِلْمٍ وَعَرْضَ وَحْيٍ بِإِطْلَاعِهِ وَتَعْرِيفِهِ مِنْ أُمُورِهَا تَفْصِيلًا مَا لَمْ يَعْرِفْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَمِنْ عَظِيمِ شَأْنِهِمَا مَا زَادَهُ عِلْمًا بِأَمْرِهِمَا وَخَشْيَةً وَتَحْذِيرًا وَدَوَامَ ذِكْرٍ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا قَالَ الْقَاضِي وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الدَّالَّةِ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ كَتَنَاوُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُنْقُودَ وَتَأَخُّرِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ لَفْحُ النَّارِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ مَعْنَى تَنَاوَلْتُ مَدَدْتُ يَدَيَّ لِآخُذَهُ وَالْقِطْفُ بِكَسْرِ الْقَافِ الْعُنْقُودُ وَهُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالذِّبْحِ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ الْيَوْمَ وَأَنَّ فِي الْجَنَّةِ ثِمَارًا وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا أَيْ بِسَبَبِ هِرَّةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ هَوَامُّهَا وَحَشَرَاتُهَا وَقِيلَ صِغَارُ الطَّيْرِ وَحَكَى الْقَاضِي فَتْحَ الْخَاءِ وَكَسْرَهَا وَضَمَّهَا وَالْفَتْحُ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الْقَاضِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُؤَاخَذَةُ بِالصَّغَائِرِ قَالَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا عُذِّبَتْ عَلَيْهَا بِالنَّارِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً فَزِيدَ فِي عَذَابِهَا بِذَلِكَ هَذَا كَلَامُهُ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ بَلِ الصَّوَابُ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا عُذِّبَتْ بِسَبَبِ الْهِرَّةِ
(6/207)

وَهُوَ كَبِيرَةٌ لِأَنَّهَا رَبَطَتْهَا وَأَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يَجْعَلُهَا كَبِيرَةً كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي كُفْرَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَهِيَ الْأَمْعَاءُ قَوْلُهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى النِّسَاءِ ثُمَّ تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى قَامَ
(6/208)

فِي مَقَامِهِ فِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَضَبَطَ أَصْحَابُنَا الْقَلِيلَ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَقَالُوا الثَّلَاثُ مُتَتَابِعَاتٍ تُبْطِلُهَا وَيَتَأَوَّلُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْخُطُوَاتِ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً لَا مُتَوَالِيَةً وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ خُطْوَتَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ انْتَهَيْنَا إِلَى النِّسَاءِ يُخَالِفُهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ لِلنِّسَاءِ وَفِيهِ حُضُورُهُنَّ وَرَاءَ الرِّجَالِ قَوْلُهُ آضَتِ الشَّمْسُ هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ هَكَذَا ضَبَطَهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ بِبِلَادِنَا وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي قَالُوا وَمَعْنَاهُ رَجَعَتْ إِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ قَبْلَ الْكُسُوفِ وَهُوَ مِنْ آضَ يَئِيضُ إِذَا رَجَعَ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا أَيْ مِنْ ضَرْبِ لَهَبِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى تلفح وجوههم النار أَيْ يَضْرِبُهَا لَهَبُهَا قَالُوا وَالنَّفْحُ دُونَ اللَّفْحِ قال الله ... ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك أَيْ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْهُ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَيْتُ فِيهَا
(6/209)

صَاحِبَ الْمِحْجَنِ هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ عَصَا مُغَفَّفَةُ الطَّرْفِ

[905] قَوْلُهَا فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ فِيهِ امْتِنَاعُ الْكَلَامِ بِالصَّلَاةِ وَجَوَازُ الْإِشَارَةِ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا إِذَا كَانَتْ لِحَاجَةٍ قَوْلُهَا تَجَلَّانِي الْغَشْيُ هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ وَرُوِيَ أَيْضًا بِكَسْرِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُمَا بِمَعْنَى الْغِشَاوَةِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ يَحْصُلُ بِطُولِ الْقِيَامِ فِي الْحَرِّ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ وَلِهَذَا جَعَلَتْ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ وَفِيهِ أَنَّ الْغَشْيَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا دَامَ الْعَقْلُ ثَابِتًا قَوْلُهَا فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهَا مُتَوَالِيَةً لِأَنَّ الْأَفْعَالَ إِذَا كَثُرَتْ مُتَوَالِيَةً أَبْطَلَتِ الصَّلَاةَ قَوْلُهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ الْمَلَكَانِ السَّائِلَانِ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ وَلَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ امْتِحَانًا لَهُ وَإِغْرَابًا عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَلَقَّنَ مِنْهُمَا إِكْرَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفْعَ مَرْتَبَتِهِ فَيُعَظِّمُهُ هُوَ تَقْلِيدًا لَهُمَا لَا اعْتِقَادًا وَلِهَذَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَيَقُولُ المنافق لا أدري فيثبت اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ
(6/210)

الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة قَوْلُهُ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ لَا تَقُلْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَلَكِنْ قُلْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ هَذَا قَوْلٌ لَهُ انْفَرَدَ بِهِ وَالْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أول الباب
(6/211)

قَوْلُهُ فَفَزِعَ قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْفَزَعُ الَّذِي هُوَ الْخَوْفُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْفَزَعُ الَّذِي هُوَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الشَّيْءِ فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لِشِدَّةِ سُرْعَتِهِ وَاهْتِمَامِهِ بِذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ دِرْعَ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ سَهْوًا وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِأَمْرِ الْكُسُوفِ فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ الْبَيْتِ أَنَّهُ تَرَكَ رِدَاءَهُ لَحِقَهُ بِهِ إِنْسَانٌ

[907] قَوْلُهُ فِي الرواية الأولى من حديث بن عَبَّاسٍ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَدْرَ نَحْوَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ
(6/212)

قَدْرَ نَحْوَ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ لَكَانَ صَحِيحًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ بِكُفْرِ الْعَشِيرِ وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِكُفْرِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْجَارَّةِ وَضَمِّ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى كُفْرَانِ الْحُقُوقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّخْصُ كَافِرًا بِاللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذَا اللَّفْظِ مَرَّاتٍ وَالْعَشِيرُ الْمُعَاشِرُ كَالزَّوْجِ وَغَيْرِهِ فِيهِ ذَمُّ كُفْرَانِ الْحُقُوقِ لِأَصْحَابِهَا قَوْلُهُ تَكَعْكَعْتَ أَيْ تَوَقَّفْتَ وَأَحْجَمْتَ قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ يُقَالُ تَكَعْكَعَ الرَّجُلُ وَتَكَاعَى وكع وكوعا إذا أحجم وجبن

[908] قوله ثمان ركعات في أربع
(6/213)

سجدات أي ركع ثمان مَرَّاتٍ كُلُّ أَرْبَعٍ فِي رَكْعَةٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي الْكِتَابِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ

[910] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ بن عَمْرٍو فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ أَيْ رُكُوعَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَالْمُرَادُ بِالسَّجْدَةِ رَكْعَةٌ وَقَدْ سَبَقَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِإِطْلَاقِ السَّجْدَةِ عَلَى رَكْعَةٍ قَوْلُهَا مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَمَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ فِيهِمَا دَلِيلٌ لِلْمُخْتَارِ وَهُوَ اسْتِحْبَابُ تَطْوِيلِ السُّجُودِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهِمَا تَطْوِيلُ السُّجُودِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ مَعَ أَنَّ تَطْوِيلَ السُّجُودِ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَتَيْ عَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى وَرَوَاهُ الْبُخَاريُّ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَأَبُو داود من طريق غيرهم فتكاثرت طُرُقُهُ وَتَعَاضَدَتْ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ
(6/214)

بِهِ

[912] قَوْلُهُ فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ هَذَا قَدْ يُسْتَشْكَلُ مِنْ حَيْثُ أَنَّ السَّاعَةَ لَهَا مُقَدِّمَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا وَلَمْ تَكُنْ وَقَعَتْ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجِ الدَّابَّةِ وَالنَّارِ وَالدَّجَّالِ وَقِتَالِ التُّرْكِ وَأَشْيَاءَ أُخَرَ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا قَبْلَ الساعة كفتوح الشام والعراق ومصر وغيرهما وَإِنْفَاقِ كُنُوزِ كِسْرَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدِهَا لعل هذا الكسوف
(6/215)

قَبْلَ إِعْلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّانِي لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ تَكُونَ بَعْضَ مُقَدِّمَاتِهَا الثَّالِثِ أَنَّ الرَّاوِيَ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ظَنِّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشِيَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَعْجِلًا مُهْتَمًّا بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْرِ الْكُسُوفِ مُبَادِرًا إِلَى ذَلِكَ وَرُبَّمَا خَافَ أَنْ يَكُونَ نَوْعَ عُقُوبَةٍ كَمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ تُعْرَفُ الْكَرَاهَةُ فِي وَجْهِهِ وَيَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا كَمَا سَبَقَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ فَظَنَّ الرَّاوِي خِلَافَ ذَلِكَ وَلَا اعْتِبَارَ بِظَنِّهِ

[913] قَوْلُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يسبح ويهلل
(6/216)

وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيَدْعُو حَتَّى حَسِرَ قَالَ فَلَمَّا حَسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ هَذَا مِمَّا يُسْتَشْكَلُ وَيُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ ابْتَدَأَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ بَعْدَ انْجِلَاءِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ صَلَاتِهَا بَعْدَ الِانْجِلَاءِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ جَمَعَ الرَّاوِي جَمِيعَ مَا جَرَى فِي الصَّلَاةِ مِنْ دُعَاءٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَقِرَاءَةِ سُورَتَيْنِ فِي الْقِيَامَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَكَانَتِ السُّورَتَانِ بَعْدَ الِانْجِلَاءِ تَتْمِيمًا لِلصَّلَاةِ فَتَمَّتْ جُمْلَةُ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ أَوَّلُهَا فِي حَالِ الْكُسُوفِ وَآخِرُهَا بَعْدَ الِانْجِلَاءِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ تقديره لابد مِنْهُ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَلِقَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَلِرِوَايَاتِ بَاقِي الصَّحَابَةِ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا لِيَتَّفِقَ الرِّوَايَتَانِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنِ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا مُسْتَقِلًّا بَعْدَ انْجِلَاءِ الْكُسُوفِ لِأَنَّهَا صَلَاةَ كُسُوفٍ وَهَذَا ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ إِلَى قَوْلِهِ وَيَدْعُو فِيهِ دَلِيلٌ لِأَصْحَابِنَا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي دَعَوَاتِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ حَسِرَ عَنْهَا أَيْ كَشَفَ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى جُلِّيَ عَنْهَا قَوْلُهُ كُنْتُ أَرْتَمِي بَأَسْهُمٍ أَيْ أَرْمِي كَمَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى يُقَالُ أَرْمِي وَأَرْتَمِي وَتَرَامَى وَتَرَمَّى كَمَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الأخيرة قوله
(6/217)

[915] زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ إِنَّ الشمس والقمر آيتان لا يكسفان لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ لِكُسُوفِ الْقَمَرِ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا تُسَنُّ لِكُسُوفِ الْقَمَرِ هَكَذَا وَإِنَّمَا تُسَنُّ رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ فُرَادَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(6/218)

(كتاب الجنائز)

[916] الْجِنَازَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ ذَكَرَهُ بن فَارِسٍ وَغَيْرُهُ وَالْمُضَارِعُ يَجْنِزُ بِكَسْرِ النُّونِ وَالْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَيُقَالُ بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّتٌ وَيُقَالُ عَكْسُهُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَالْجَمْعُ جَنَائِزُ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعْنَاهُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَالْمُرَادُ ذَكِّرُوهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَالْأَمْرُ بِهَذَا التَّلْقِينِ أَمْرُ نَدْبٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا التَّلْقِينِ وَكَرِهُوا الْإِكْثَارَ عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاةَ لِئَلَّا يَضْجَرَ بِضِيقِ حَالِهِ وَشِدَّةِ كَرْبِهِ فَيَكْرَهُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَلِيقُ قَالُوا وَإِذَا قَالَهُ مَرَّةً لَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ بِكَلَامٍ آخَرَ فَيُعَادُ التَّعْرِيضُ بِهِ لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ وَيَتَضَمَّنُ الْحَدِيثُ الْحُضُورَ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ لِتَذْكِيرِهِ وَتَأْنِيسِهِ وَإِغْمَاضِ عَيْنَيْهِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَرَوْحٌ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ جَمِيعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ الْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ وَمَعْنَاهُ رَوَى عَنْهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَهُوَ كَمَا قاله)
(6/219)

أَبُو عَلِيٍّ وَلَوْ قَالَ مُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَوْضَحَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ عَادَتِهِ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُ حَذَفَهُ هُنَا لِوُضُوحِهِ عِنْدَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ

[918] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِيهِ فَضِيلَةُ هَذَا الْقَوْلِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُورٌ بِهِ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَقْتَضِي نَدْبَهُ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي أَجِرْنِي بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْأَفْعَالِ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ مَقْصُورٌ لَا يُمَدُّ وَمَعْنَى أَجَرَهُ اللَّهُ أَعْطَاهُ أَجْرَهُ وَجَزَاءُ صَبْرِهِ وَهَمِّهِ فِي مُصِيبَتِهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْلِفْ لِي هُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ لِمَنْ ذَهَبَ لَهُ مَالٌ أو ولد أو قَرِيبٌ أَوْ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ حُصُولُ مِثْلِهِ أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ أَيْ رَدَّ عَلَيْكَ مِثْلَهُ فَإِنْ ذَهَبَ مَا لَا يُتَوَقَّعُ مِثْلُهُ بِأَنْ ذَهَبَ وَالِدٌ أَوْ عَمٌّ أَوْ أخٌ لِمَنْ لَا جَدَّ لَهُ وَلَا وَالِدَ لَهُ قِيلَ خَلَّفَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَيْ كَانَ اللَّهُ
(6/220)

خَلِيفَةً مِنْهُ عَلَيْكَ وَقَوْلُهَا وَأَنَا غَيُورٌ يُقَالُ امْرَأَةٌ غَيْرَى وَغَيُورٌ وَرَجُلٌ غَيُورٌ وَغَيْرَانُ قَدْ جاء فعول في صفات المؤنث كثيرا كقولهم امْرَأَةٌ عَرُوسٌ وَعَرُوبٌ وَضَحُوكٌ لِكَثِيرَةِ الضَّحِكِ وَعَقَبَةٌ كؤد وَأَرْضٌ صَعُودٌ وَهَبُوطٌ وَحَدُودٌ وَأَشْبَاهُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ هِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَيُقَالُ أَذْهَبَ اللَّهُ الشَّيْءَ وَذَهَبَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ هُوَ بِقَصْرِ الْهَمْزَةِ وَمَدِّهَا وَالْقَصْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ كَمَا سَبَقَ قَوْلُهَا ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُهَا
(6/221)

أَيْ خَلَقَ فِيَّ عَزْمًا وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ أَوَّلِ خُطْبَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَمَّى عَزْمًا مِنْ حَيْثُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَزْمِ حُدُوثُ رَأْيٍ لَمْ يَكُنْ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا فَتَأَوَّلُوا قَوْلَ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ خَلَقَ لِي أَوْ فِيَّ عزما

[919] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ فِيهِ النَّدْبُ إِلَى قَوْلِ الْخَيْرِ حِينَئِذٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ وَطَلَبِ اللُّطْفِ بِهِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم

[920] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ وَرَفْعِ بَصَرِهِ وَهُوَ فَاعِلُ شَقَّ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بَصَرَهُ بِالنَّصْبِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا وَالشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الْقَاضِي قَالَ صَاحِبُ الأفعال يقال شق بصر الْمَيِّتُ بَصَرَهُ وَمَعْنَاهُ شَخَصَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الأخرى وقال بن
(6/222)

السكيت في الاصلاح والجوهري حكاية عن بن السِّكِّيتِ يُقَالُ شَقَّ بَصَرُ الْمَيِّتِ وَلَا تَقُلْ شَقَّ الْمَيِّتُ بَصَرَهُ وَهُوَ الَّذِي حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَصَارَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِ طَرَفُهُ قَوْلُهَا فَأَغْمَضَهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِغْمَاضِ الْمَيِّتِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا وَالْحِكْمَةُ فيه أن لا يَقْبُحُ بِمَنْظَرِهِ لَوْ تُرِكَ إِغْمَاضُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ مَعْنَاهُ إِذَا خَرَجَ الرُّوحُ مِنَ الْجَسَدِ يَتْبَعهُ الْبَصَرُ نَاظِرًا أَيْنَ يَذْهَبُ وَفِي الروح لغتان التذكير وَالتَّأْنِيثُ وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلتَّذْكِيرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الرُّوحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُتَخَلِّلَةٌ فِي الْبَدَنِ وَتَذْهَبُ الْحَيَاةُ مِنَ الْجَسَدِ بِذَهَابِهَا وَلَيْسَ عَرْضًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ وَلَا دَمًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ وَفِيهَا كَلَامٌ مُتَشَعِّبٌ لِلْمُتَكَلِّمِينَ قَوْلُهَا ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلِأَهْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ أَيِ الْبَاقِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ
(6/223)

[921] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَخَصَ بَصَرُهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيِ ارْتَفَعَ وَلَمْ يَرْتَدَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا الرُّوحُ قَالَ الْقَاضِي وَفِيهِ أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِإِفْنَاءٍ وَإِعْدَامٍ وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ وَتَغَيُّرُ حَالٍ وَإِعْدَامُ الْجَسَدِ دُونَ الرُّوحِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْ عَجْبِ الذَّنَبِ قَالَ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ الرُّوحُ وَالنَّفْسُ بِمَعْنًى

[922] قَوْلُهَا غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ قَوْلُهَا أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ الْمُرَادُ بِالصَّعِيدِ هُنَا عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَأَصْلُ الصَّعِيدِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَوْلُهَا تُسْعِدُنِي أَيْ تُسَاعِدُنِي فِي الْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ

[923] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شيء
(6/224)

عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى مَعْنَاهُ الْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ والتسليم لقضاء الله تعالى وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَخَذَ مِنْكُمْ كَانَ لَهُ لَا لَكُمْ فَلَمْ يَأْخُذْ إِلَّا مَا هو له فينبغي أن لا تَجْزَعُوا كَمَا لَا يَجْزَعُ مَنِ اسْتُرِدَّتْ مِنْهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وله ما أعطى معناه أَنَّ مَا وَهَبَهُ لَكُمْ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ مِلْكِهِ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى مَعْنَاهُ اصْبِرُوا وَلَا تَجْزَعُوا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَأْتِ قَدِ انْقَضَى أَجَلُهُ الْمُسَمَّى فَمُحَالٌ تَقَدُّمُهُ أَوْ تَأَخُّرُهُ عَنْهُ فَإِذَا عَلِمْتُمْ هَذَا كُلَّهُ فَاصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا مَا نَزَلَ بِكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى جُمَلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ وَالْآدَابِ قَوْلُهُ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافَيْنِ وَالشَّنَّةُ الْقِرْبَةُ الْبَالِيَةُ وَمَعْنَاهُ لَهَا صَوْتٌ وَحَشْرَجَةٌ كَصَوْتِ الْمَاءِ إِذَا أُلْقِيَ فِي الْقِرْبَةِ الْبَالِيَةِ قَوْلُهُ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ مَعْنَاهُ أَنَّ سَعْدًا ظَنَّ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْبُكَاءِ حَرَامٌ وَأَنَّ دَمْعَ الْعَيْنِ حَرَامٌ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ فَذَكَّرَهُ فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْبُكَاءِ وَدَمْعٍ بِعَيْنٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوهٍ بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ وَفَضِيلَةٌ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ النَّوْحُ وَالنَّدْبُ وَالْبُكَاءُ الْمَقْرُونُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا كَمَا
(6/225)

سَيَأْتِي

[924] فِي الْأَحَادِيثِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذَّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْعَيْنُ تَدْمَعُ وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَا لَمْ يَكُنْ لَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ

[924] قَوْلُهُ وَجَدَهُ فِي غَشْيَةٍ هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ قَالَ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِإِسْكَانِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي غَاشِيَةٍ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مَنْ يَغْشَاهُ مِنْ أَهْلِهِ وَالثَّانِي مَا يَغْشَاهُ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ

[924] قَوْلُهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ اسْتِحْبَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَعِيَادَةُ الْفَاضِلِ
(6/226)

المفضول وعيادة الإمام والقاضي والعالم أتباعه

[925] قَوْلُهُ مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلَا خِفَافٌ وَلَا قَلَانِسُ وَلَا قُمُصٌ فِيهِ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَإِطْرَاحِ فُضُولِهَا وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِفَاخِرِ اللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ جَوَازُ الْمَشْيِ حَافِيًا وَعِيَادَةِ الإمام والعالم المريض مع أصحابه

[926] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّمَا الصَّبْرُ مَعْنَاهُ الصَّبْرُ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ وَأَصْلُ الصَّدْمِ الضَّرْبُ فِي شَيْءٍ صُلْبٍ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ حَصَلَ بَغْتَةً قَوْلُهُ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ قَوْلُهَا وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي ثُمَّ قَالَتْ فِي آخِرِهِ لَمْ أَعْرِفْكَ فِيهِ الِاعْتِذَارُ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ إِذَا أَسَاءَ الْإِنْسَانُ أَدَبَهُ مَعَهُمْ وَفِيهِ صِحَّةُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ مَا أُبَالِي بِكَذَا وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ زعم أنه لا يجوز اثبات الباء إنما يقال ما باليت كذا وهذا غَلَطٌ بَلِ الصَّوَابُ جَوَازُ إِثْبَاتِ الْبَاءِ وَحَذْفِهَا وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ قَوْلُهُ فَلَمْ نجد عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ
(6/227)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوَاضُعِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَالْقَاضِي إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَوَّابٍ أَنْ لَا يَتَّخِذَهُ وَهَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا

[927] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بِبُكَاءِ الْحَيِّ وَفِي رِوَايَةٍ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ يَبْكِ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَنَسَبَتْهَا إِلَى النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمَا وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَزِرُ وازرة وزر أخرى قَالَتْ وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَهُودِيَّةٍ أَنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا يَعْنِي تُعَذَّبُ بِكُفْرِهَا فِي حَالِ بُكَاءِ أَهْلِهَا لَا بِسَبَبِ الْبُكَاءِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ وَيُنَاحَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَنَوْحِهِمْ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوبٌ إِلَيْهِ قَالُوا فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَنَاحُوا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تزر وازرة وزر أخرى
(6/228)

قَالُوا وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ ... إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ ...

(قَالُوا فَخَرَجَ الْحَدِيثُ مُطْلَقًا حَمْلًا عَلَى مَا كَانَ مُعْتَادًا لَهُمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ أَوْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِمَا فَمَنْ أَوْصَى بِهِمَا أَوْ أهْمَلَ الْوَصِيَّةَ بِتَرْكِهِمَا يُعَذَّبُ بِهِمَا لِتَفْرِيطِهِ بِإِهْمَالِ الْوَصِيَّةِ بِتَرْكِهِمَا فَأَمَّا مَنْ وَصَّى بِتَرْكِهِمَا فَلَا يُعَذَّبُ بِهِمَا إِذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِمَا وَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ وَحَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ إِيجَابُ الْوَصِيَّةِ بِتَرْكِهِمَا وَمَنْ أَهْمَلَهُمَا عُذِّبَ بِهِمَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مَعْنَى الْأَحَادِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنُوحُونَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَنْدُبُونَهُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ وَمَحَاسِنِهِ فِي زَعْمِهِمْ وَتِلْكَ الشَّمَائِلُ قَبَائِحُ فِي الشَّرْعِ يعذب بها كما كانوا يقولون يا مؤيد النِّسْوَانِ وَمُؤَتِّمَ الْوِلْدَانِ وَمُخَرِّبَ الْعُمْرَانِ وَمُفَرِّقَ الْأَخْدَانِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَرَوْنَهُ شَجَاعَةً وَفَخْرًا وَهُوَ حَرَامٌ شَرْعًا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِسَمَاعِهِ بُكَاءَ أَهْلِهِ وَيَرِقُّ لَهُمْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ امْرَأَةً عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى أَبِيهَا وَقَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا بَكَى اسْتَعْبَرَ لَهُ صُوَيْحِبُهُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ لَا تُعَذِّبُوا إِخْوَانَكُمْ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ الذُّنُوبِ يُعَذَّبُ فِي حَالِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ لَا بِبُكَائِهِمْ وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ وَأَجْمَعُوا كُلُّهمْ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ ونياحة لا مجرد دمع العين قوله ص فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ يُعَذَّبُ فِي قبره بما نيح عليه وما نيح عليه)
(6/229)

بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ وَحَذْفِهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ وَفِي رِوَايَةٍ بِإِثْبَاتِ فِي قَبْرِهِ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِهِ قَوْلُهُ فَقَامَ بِحِيَالِهِ يَبْكِي أَيْ حِذَاءَهُ وَعِنْدَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّبُ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ يُبْكَى بِالْيَاءِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَيَكُونُ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي وَيَجُوزُ عَلَى لُغَةٍ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَتَثْبِيتَ الْيَاءِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ ... أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ...

(قَوْلُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ الْقَائِلُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَوْلُهُ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ فَقَالَ يَا حَفْصَةُ أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ قَالَ مُحَقِّقُو أهل اللغة)
(6/230)

يُقَالُ عَوَّلَ عَلَيْهِ وَأَعْوَلَ لُغَتَانِ وَهُوَ الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقَالُ إِلَّا أَعْوَلَ وهذا الحديث يرد عليه

[928] قوله عن بن أبي مليكة كنت جالسا إلى جنب بن عُمَرَ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ جِنَازَةَ أَمِّ أَبَانَ ابْنَةِ عثمان وعنده عمرو بن عثمان فجاء بن عباس يقوده قائد فأراه أخبره بمكان بن عُمَرَ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَكُنْتُ بَيْنَهُمَا فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْجُلُوسِ وَالِاجْتِمَاعِ لِانْتِظَارِ الجنازة واستحبابه وأما جلوسه بين بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَهُمَا أَفْضَلُ بِالصُّحْبَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ وَالنَّسَبِ وَالسِّنِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْأَدَبَ أَنَّ الْمَفْضُولَ لَا يَجْلِسُ بَيْنَ الْفَاضِلِينَ إِلَّا لِعُذْرٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى عُذْرٍ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ أَرْفَقُ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ قوله عن بن عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ مُرْسَلَةً مَعْنَاهُ أَنَّ بن عُمَرَ أَطْلَقَ فِي رِوَايَتِهِ تَعْذِيبَ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ الْحَيِّ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِيَهُودِيٍّ كَمَا قَيَّدَتْهُ عَائِشَةُ وَلَا بِوَصِيَّةٍ كَمَا قَيَّدَهُ
(6/231)

آخَرُونَ وَلَا قَالَ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ كَمَا رواه أبوه عُمَرَ

[929] قَوْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ لَا وَاللَّهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَحَدٍ فِي هَذِهِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِقَرَائِنَ وَإِنْ لَمْ يَقْطَعِ الْإِنْسَانُ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمِنْ هَذَا قَالُوا لَهُ الْحَلِفُ بِدَيْنٍ رَآهُ بِخَطِّ أَبِيهِ الْمَيِّتِ عَلَى فُلَانٍ إِذَا ظَنَّهُ فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلَّ عَائِشَةَ لَمْ تَحْلِفْ عَلَى ظَنٍّ بَلْ عَلَى عِلْمٍ وَتَكُونُ سَمِعَتْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ قُلْنَا هَذَا بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أن عمر وبن عُمَرَ سَمِعَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ وَالثَّانِي لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاحْتَجَّتْ بِهِ عَائِشَةُ وَقَالَتْ سَمِعْتُهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَحْتَجَّ به إنما
(6/232)

احْتَجَّتْ بِالْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[932] قَوْلُهَا وَهِلَ هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ غَلِطَ وَنَسِيَ وَأَمَّا قَوْلُهَا فِي إِنْكَارِهَا سَمَاعَ الْمَوْتَى فَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ حَيْثُ ذَكَرَ مُسْلِمٌ
(6/234)

أَحَادِيثَهُ

[934] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا إِلَى آخِرِهِ
(6/235)

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ صِحَّةُ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يَمُتِ الْمُكَلَّفُ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْغَرْغَرَةِ

[935] قَوْلُهَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شَقِّ الْبَابِ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ صَائِرِ الْبَابِ شَقِّ الْبَابِ وَشَقُّ الْبَابِ تَفْسِيرٌ لِلصَّائِرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقَالُ صَائِرُ وَإِنَّمَا يُقَالُ صِيرُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ هُوَ بِضَمِّ الثَّاءِ وَكَسْرِهَا يُقَالُ حَثَا يَحْثُو وَحَثَى يَحْثِي لُغَتَانِ وَأَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي انكار البكاء عليهم وَمَنْعِهِنَّ مِنْهُ ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بُكَاءً بِنَوْحٍ وَصِيَاحٍ وَلِهَذَا تَأَكَّدَ النَّهْيُ وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدَ دَمْعِ الْعَيْنِ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَأَنَّهُ رَحْمَةٌ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بُكَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَاحَةٍ وَلَا صَوْتٍ قَالَ وَيَبْعُدُ أَنَّ الصَّحَابِيَّاتِ يَتَمَادَيْنَ بَعْدَ تَكْرَارِ نَهْيِهِنَّ عَلَى مُحَرَّمٍ وَإِنَّمَا كَانَ بُكَاءً مُجَرَّدًا وَالنَّهْيُ عَنْهُ تَنْزِيهٌ وَأَدَبٌ لَا لِلتَّحْرِيمِ فَلِهَذَا أَصْرَرْنَ عَلَيْهِ مُتَأَوِّلَاتٍ قَوْلُهُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفكَ وَاللَّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(6/236)

وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَنَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّكَ قَاصِرٌ لَا تَقُومُ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ لِنَقْصِكَ وَتَقْصِيرِكَ وَلَا تُخْبِرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُصُورِكَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُرْسِلَ غَيْرَكَ وَيَسْتَرِيحَ مِنَ الْعَنَاءِ وَالْعَنَاءُ بِالْمَدِّ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ وَقَوْلُهُمْ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِذْلَالِهِ وَإِهَانَتِهِ قَوْلُهُ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَا تَرَكْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العي هكذا هو مُعْظَمِ نُسَخِ بِلَادِنَا هُنَا الْعِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ التَّعَبُ وَهُوَ بِمَعْنَى الْعَنَاءِ السَّابِقِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَالَ الْقَاضِي وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْغَيُّ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَالَ وَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ الْعَنَاءُ بِالْمَدِّ وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى الْأَكْثَرِينَ خِلَافَ سِيَاقِ مُسْلِمٍ لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى الْأَوَّلَ الْعَنَاءَ ثُمَّ رَوَى الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَقَالَ إِنَّهَا بِنَحْوِ الْأُولَى إِلَّا فِي هَذَا اللَّفْظِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ خِلَافَهُ

[936] قَوْلُهَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الْبَيْعَةِ فِيهِ تَحْرِيمُ النَّوْحِ وَعَظِيمُ قبحه والاهتمام
(6/237)

بِإِنْكَارِهِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُهَيِّجٌ لِلْحُزْنِ وَرَافِعٌ لِلصَّبْرِ وَفِيهِ مُخَالَفَةُ التَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ وَالْإِذْعَانِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهَا فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا خَمْسٌ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ لَمْ يَفِ مِمَّنْ بَايَعَ مَعَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَايَعَتْ فِيهِ مِنَ النِّسْوَةِ إِلَّا خَمْسٌ لَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ النِّيَاحَةَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ غَيْرُ خَمْسٍ قَوْلُهُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ حِينَ نُهِينَ عَنِ النِّيَاحَةِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا آلَ فُلَانٍ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّرْخِيصِ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا تَحِلُّ النِّيَاحَةُ لِغَيْرِهَا وَلَا لَهَا فِي غَيْرِ آلِ فُلَانٍ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْحَدِيثِ وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْعُمُومِ مَا شَاءَ فَهَذَا صَوَابُ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا عَجِيبَةً وَمَقْصُودِي التَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهَا حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ النِّيَاحَةُ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ بِهَذَا الْحَدِيِثِ وَقِصَّةُ نِسَاءِ جَعْفَرٍ قَالَ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ مَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ كَشَقِّ الْجُيُوبِ وَخَمْشِ الْخُدُودِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَأَنَّ النِّيَاحَةَ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَلَيْسَ فِيمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ دليل صحيح لما ذكره والله أعلم
(6/238)

[938] قَوْلُهُ (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجنائز ولا يُعْزَمْ عَلَيْنَا) مَعْنَاهُ نَهَانَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ نَهْيَ كَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ لَا نَهْيَ عَزِيمَةِ تَحْرِيمٍ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِمَنْعِهِنَّ مِنَ اتِّبَاعِهَا وَأَجَازَهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَكَرِهَهُ لِلشَّابَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[939] (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا وَفِي رِوَايَةٍ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا وَالْمُرَادُ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا فَإِنِ احْتَجْتُنَّ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهَا لِلْإِنْقَاءِ فَلْيَكُنْ خَمْسًا فَإِنِ احْتَجْتُنَّ إِلَى زِيَادَةِ الْإِنْقَاءِ فَلْيَكُنْ سَبْعًا وَهَكَذَا أَبَدًا وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِيتَارَ مَأْمُورٌ بِهِ وَالثَّلَاثَ مَأْمُورٌ بِهَا نَدْبًا فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثٍ لَمْ تُشْرَعِ الرَّابِعَةُ وَإِلَّا زِيدَ حَتَّى يَحْصُلَ
(7/2)

الْإِنْقَاءُ وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا وِتْرًا وَأَصْلُ غُسْلِ الْمَيِّتِ فرض كفاية وكذلك حَمْلُهُ وَكَفَنُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ كُلُّهَا فُرُوضُ كِفَايَةٍ وَالْوَاجِبُ فِي الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَّةً لِلْبَدَنِ هَذَا مُخْتَصَرُ الْكَلَامِ فِيهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابٌ لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَمَعْنَاهُ إِنِ احْتَجْتُنَّ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ التَّخْيِيرُ وَتَفْوِيضُ ذَلِكَ إِلَى شَهْوَتِهِنَّ وَكَانَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ غَاسِلَةً لِلْمَيِّتَاتِ وَكَانَتْ مِنْ فاضلات الصحابيات الضارية وَاسْمُهَا نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَأَمَّا بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الَّتِي غَسَّلَتْهَا فَهِيَ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ إِنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ وَالصَّوَابُ زَيْنَبُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّدْرِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيَكُونُ فِي الْمَرَّةِ الْوَاجِبَةِ وَقِيلَ يَجُوزُ فِيهِمَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ شَيْءٍ مِنَ الْكَافُورِ فِي الْأَخِيرَةِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ وَلِأَنَّهُ يُطَيِّبُ الْمَيِّتَ وَيُصَلِّبُ بَدَنَهُ وَيُبَرِّدُهُ وَيَمْنَعُ إِسْرَاعَ فَسَادِهِ أَوْ يَتَضَمَّنُ إِكْرَامَهُ قَوْلُهَا (فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ يَعْنِي إِزَارَهُ وَأَصْلُ الْحِقْوِ مَعْقِدُ الْإِزَارِ وَجَمْعُهُ أَحْقٍ وَحِقِيٌّ وَسُمِّيَ بِهِ الْإِزَارُ مَجَازًا لِأَنَّهُ يُشَدُّ فِيهِ وَمَعْنَى أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ اجْعَلْنَهُ شِعَارًا لَهَا وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الْجَسَدَ سُمِّيَ شِعَارًا لِأَنَّهُ يَلِي شَعْرَ الْجَسَدِ وَالْحِكْمَةُ فِي إِشْعَارِهَا بِهِ تَبْرِيكُهَا بِهِ فَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَلِبَاسِهِمْ وَفِيهِ جَوَازُ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبِ الرَّجُلِ قَوْلُهَا (فَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أَيْ ثَلَاثَ ضَفَائِرَ جَعَلْنَا قَرْنَيْهَا ضَفِيرَتَيْنِ
(7/3)

وَنَاصِيَتَهَا ضَفِيرَةً كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمَشَطْنَاهَا بِتَخْفِيفِ الشِّينِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ مَشْطِ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَضَفْرِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ لَا يُسْتَحَبُّ الْمَشْطُ وَلَا الضَّفْرُ بَلْ يُرْسَلُ الشَّعْرُ عَلَى جَانِبَيْهَا مُفَرَّقًا وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَالظَّاهِرُ اطِّلَاعُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ واستئذانه فيه كما في باقي صفة غلسها قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا وَفِي رِوَايَةٍ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا وَالْمُرَادُ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا فَإِنِ احْتَجْتُنَّ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهَا لِلْإِنْقَاءِ فَلْيَكُنْ خَمْسًا فَإِنِ احْتَجْتُنَّ إِلَى زِيَادَةِ الْإِنْقَاءِ فَلْيَكُنْ سَبْعًا وَهَكَذَا أَبَدًا وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِيتَارَ مَأْمُورٌ بِهِ وَالثَّلَاثَ مَأْمُورٌ بِهَا نَدْبًا فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثٍ لَمْ تُشْرَعِ الرَّابِعَةُ وَإِلَّا زِيدَ حَتَّى يَحْصُلَ الْإِنْقَاءُ وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا وِتْرًا وَأَصْلُ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَكَذَا حَمْلُهُ وَكَفَنُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ كُلُّهَا فُرُوضُ كِفَايَةٍ وَالْوَاجِبُ فِي الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَّةً لِلْبَدَنِ هذا مختصر الكلام فيه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/4)

(ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْمَيَامِنِ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ وَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ وَيَلْحَقُ بِهَا أَنْوَاعُ الْفَضَائِلِ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ وُضُوءِ الْمَيِّتِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ وَيَكُونُ الْوُضُوءُ عِنْدَنَا فِي أَوَّلِ الْغُسْلِ كَمَا فِي وُضُوءِ الْجُنُبِ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا دَلِيلٌ لِأَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا أَنَّ النِّسَاءَ أَحَقُّ بِغُسْلِ الْمَيِّتَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَقَدْ تُمْنَعُ دَلَالَتُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ زَوْجَ زَيْنَبَ كَانَ حَاضِرًا فِي وَقْتِ وَفَاتِهَا لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ غُسْلِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضِ الْأَمْرَ إِلَى النِّسْوَةِ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ لَهُ غُسْلَ زَوْجَتِهِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ لَهُ غُسْلُهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّ لَهَا غُسْلَ زَوْجِهَا وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ
(7/5)

الْغُسْلُ عَلَى مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ مَوْضِعُ تَعْليمٍ فَلَوْ وَجَبَ لَعَلِمَهُ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ وَأَوْجَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ الْوُضُوءَ مِنْهُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ضَعِيفٌ بالِاتِّفَاقِ قَوْلُهُ

[940] (فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ) مَعْنَاهُ وُجُوبُ إِنْجَازِ وَعْدٍ بِالشَّرْعِ لَا وُجُوبٌ بِالْعَقْلِ كَمَا تَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَهُوَ نَحْوُ مَا فِي الْحَدِيثِ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مَعْنَاهُ لَمْ يُوَسَّعْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُعَجَّلْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ جَزَاءِ عَمَلِهِ قَوْلُهُ (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنْ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةً) هِيَ كِسَاءٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدُّيُونِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَكْفِينِهِ فِي نَمِرَتِهِ وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَمْ لَا وَلَا يَبْعُدُ مِنْ حَالِ مَنْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ إِلَّا نَمِرَةٌ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَاسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مِنَ الدُّيُونِ الدَّيْنَ الْمُتَعَلِّقَ بِعَيْنِ الْمَالِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْكَفَنِ وَذَلِكَ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمَرْهُونِ وَالْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ زَكَاةٌ أَوْ حَقُّ بَائِعِهِ بِالرُّجُوعِ بِإِفْلَاسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَهُوَ حشيش
(7/6)

مَعْرُوفٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ضَاقَ الْكَفَنُ عَنْ سَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ جُعِلَ مِمَّا يَلِيَ الرَّأْسَ وَجُعِلَ النَّقْصُ مِمَّا يَلِي الرِّجْلَيْنِ وَيَسْتُرُ الرَّأْسَ فَإِنْ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ سُتِرَتِ الْعَوْرَةُ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ جُعِلَ فَوْقَهَا فَإِنْ ضَاقَ عَنِ الْعَوْرَةِ سُتِرَتِ السَّوْأَتَانِ لِأَنَّهُمَا أَهَمُّ وَهُمَا الْأَصْلُ فِي الْعَوْرَةِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفَنِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ وَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْبَدَنِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ لِقَوْلِهِ لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُهَا فَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يُوجَدْ مِمَّا يَمْلِكُ الْمَيِّتُ إِلَّا نَمِرَةٌ وَلَوْ كَانَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَاجِبًا لَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَاضِرِينَ تَتْمِيمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَإِنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ جَرَتْ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ كَثُرَتِ الْقَتْلَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَغَلُوا بِهِمْ وَبِالْخَوْفِ مِنَ الْعَدُوِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ حَالِ الْحَاضِرِينَ الْمُتَوَلِّينَ دَفْنَهُ أنْ لَا يَكُونَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِطْعَةٌ مِنْ ثَوْبٍ وَنَحْوِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (مِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ) أَيْ أَدْرَكَتْ وَنَضِجَتْ قَوْلُهُ (فَهُوَ يَهْدُبُهَا) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا أَيْ يَجْتَنِيهَا يُقَالُ يَنَعَ الثَّمَرُ وَأَيْنَعَ يُنْعًا وَيُنُوعًا فَهُوَ يَانِعٌ وَهَدَبَهَا يَهْدِبُهَا إِذَا جَنَاهَا وهذا اسْتِعَارَةٌ لِمَا فُتِحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا

[941] قَوْلُهَا (كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاث أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) السَّحُولِيَّةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وهو رواية الأكثرين قال بن الأعرابي وغيره
(7/7)

هِيَ ثِيَابٌ بِيضٌ نَقِيَّةٌ لَا تَكُونُ إِلَّا من القطن وقال بن قُتَيْبَةَ ثِيَابٌ بِيضٌ وَلَمْ يَخُصَّهَا بِالْقُطْنِ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى سَحُولَ قَرْيَةٍ بِالْيَمَنِ تُعْمَلُ فِيهَا وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ السَّحُولِيَّةُ بِالْفَتْحِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى سَحُولَ مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ يُحْمَلُ مِنْهَا هَذِهِ الثِّيَابُ وَبِالضَّمِّ ثِيَابٌ بِيضٌ وَقِيلَ إِنَّ الْقَرْيَةَ ايضا بالضم حكاه بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ السَّابِقِ وَغَيْرِهِمَا وُجُوبُ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ وَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُوَزِّعُهُ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الْيَسَارِ وَعَلَى مَا يَرَاهُ وَفِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْكَفَنِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ لِلرَّجُلِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ وَالْوَاجِبُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ كَمَا سَبَقَ وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْمَرْأَةِ خَمْسَةٌ أَثْوَابٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي خَمْسَةٍ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ الثَّلَاثَةَ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى خَمْسَةٍ فَإِسْرَافٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ قَوْلُهَا (بِيضٌ) دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ التَّكْفِينِ فِي الْأَبْيَضِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَيُكْرَهُ الْمُصْبَغَاتُ وَنَحْوُهَا مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يَحْرُمُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِيهِ وَيَجُوزُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ التَّكْفِينَ فِي الْحَرِيرِ مُطْلَقًا قال بن الْمُنْذِرِ وَلَا أَحْفَظُ خِلَافَهُ وَقَوْلُهَا لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ مَعْنَاهُ لَمْ يُكَفَّنْ فِي قميص ولاعمامة وَإِنَّمَا كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ غَيْرِهِمَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ آخَرُ هَكَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُسْتَحَبُّ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ وَإِنَّمَا هُمَا زَائِدَانِ عَلَيْهِمَا وَهَذَا ضَعِيفٌ فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُزِعَ عَنْهُ عِنْدَ تَكْفِينِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُتَّجَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَعَ رُطُوبَتِهِ لَأَفْسَدَ الْأَكْفَانَ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي داود عن بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ وَقَمِيصُهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ مُجْمَعٌ عَلَى ضعفه لا سيما وقد خالف بروايته الثقاة قَوْلُهُ (مِنْ كُرْسُفٍ) هُوَ الْقُطْنُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ كَفَنِ الْقُطْنِ
(7/8)

قولها (اما الحلة فانما شبة علىالناس فِيهَا) هُوَ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَمَعْنَاهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَلَا تَكُونُ الْحُلَّةُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ إِزَارًا وَرِدَاءً قَوْلُهَا (حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) ضُبِطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي مُسْلِمٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْقَاضِي وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النُّسَخِ أَحَدُهَا يَمَنِيَّةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْيَمَنِ وَالثَّانِي يَمَانِيَّةٍ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْيَمَنِ أَيْضًا وَالثَّالِثُ يُمْنَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهُوَ أَشْهَرُ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَهِيَ عَلَى هَذَا مُضَافَةٌ حُلَّةُ يُمْنَةٍ قَالَ الْخَلِيلُ هِيَ ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ قَوْلُهَا (وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سُحُولٍ يَمَانِيَّةٍ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ سُحُولٍ أَمَّا يَمَانِيَةٍ فَبِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا لُغَةً فِي تَشْدِيدِهَا وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَلِفَ بَدَلُ يَاءِ النَّسَبِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ
(7/9)

بَلْ يُقَالُ يَمَنِيَّةٍ أَوْ يَمَانِيَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَأَمَّا قَوْلُهُ سُحُولٍ فَبِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ وَالسُّحُولُ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سَحْلٍ وَهُوَ ثَوْبُ الْقُطْنِ

[942] قَوْلُهَا (سُجِّيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ) مَعْنَاهُ غُطِّيَ جَمِيعُ بَدَنِهِ وَالْحِبَرَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْجِيَةِ الْمَيِّتِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَحِكْمَتُهُ صِيَانَتُهُ مِنْ الِانْكِشَافِ وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ الْمُتَغَيِّرَةِ عَنِ الْأَعْيُنِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَلُفُّ طَرَفُ الثَّوْبِ الْمُسَجَّى بِهِ تَحْتَ رَأْسِهِ وَطَرَفُهُ الْآخَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ عَنْهُ قَالُوا تَكُونُ التَّسْجِيَةُ بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا لِئَلَّا يتغير بدنه بسببها

[943] قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فكفن
(7/10)

فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا فَزَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ) قَوْلُهُ غَيْرِ طَائِلٍ أَيْ حَقِيرٍ غَيْرِ كَامِلِ السَّتْرِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْقَبْرِ لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقِيلَ سَبَبُهُ أَنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا يَحْضُرهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْضُرُهُ فِي اللَّيْلِ إِلَّا أَفْرَادٌ وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ لِرَدَاءَةِ الْكَفَنِ فَلَا يَبِينُ فِي اللَّيْلِ وَيُؤَيِّدُهُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ قَالَ الْقَاضِي الْعِلَّتَانِ صَحِيحَتَانِ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَهُمَا مَعًا قَالَ وَقَدْ قِيلَ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ) دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الدَّفْنِ فِي اللَّيْلِ فَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِهِ وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَا يُكْرَهُ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ وَبِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ وَالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا وَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَقَالُوا تُوُفِّيَ لَيْلًا فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْلِ فَقَالَ أَلَا آذَنْتُمُونِي قَالُوا كَانَتْ ظُلْمَةٌ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَرَّدِ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ وَإِنَّمَا نَهَى لِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ أَوْ عَنْ إِسَاءَةِ الْكَفَنِ أَوْ عَنِ الْمَجْمُوعِ كَمَا سَبَقَ وَأَمَّا الدَّفْنُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِيهَا فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ لَا يُكْرَهَانِ إِلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ التَّأْخِيرُ إِلَى ذلك الوقت لغير سبب به قال بن عَبْدِ الْحَكَمِ الْمَالِكِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ وَالِاصْفِرَارِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَوْ تَغِيبَ إِلَّا أَنْ يُخْشَى عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَنِصْفِ النَّهَارِ وَكَرِهَ اللَّيْثُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَفِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِإِحْسَانِ الْكَفَنِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ السَّرَفُ فِيهِ وَالْمُغَالَاةُ وَنَفَاسَتُهُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَظَافَتُهُ وَنَقَاؤُهُ وَكَثَافَتُهُ وَسَتْرُهُ وَتَوَسُّطُهُ وَكَوْنُهُ مِنْ جِنْسِ لِبَاسِهِ فِي الْحَيَاةِ غَالِبًا لَا أَفْخَرَ مِنْهُ وَلَا أَحْقَرَ
(7/11)

وقوله (فليحسن كفنه) ضبطوه بوجهين فتح الفاء وَإِسْكَانِهَا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ الْقَاضِي وَالْفَتْحُ أَصْوَبُ وأظهر وأقرب إلى لفظ الحديث

[944] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ) فِيهِ الْأَمْرُ بِالْإِسْرَاعِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِالْمَشْيِ بِهَا مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدٍّ يَخَافُ انْفِجَارَهَا وَنَحْوَهُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخَافَ مِنْ شِدَّتِهِ انْفِجَارَهَا أَوْ نَحْوَهُ وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا
(7/12)

وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُزْرِيَةِ وَلَا هَيْئَةٍ يُخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا قَالُوا وَلَا يَحْمِلُهَا إِلَّا الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَتِ الْمَيِّتَةُ امْرَأَةً لِأَنَّهُمْ أَقْوَى لِذَلِكَ وَالنِّسَاءُ ضَعِيفَاتٌ وَرُبَّمَا انْكَشَفَ مِنَ الْحَامِلِ بَعْضُ بَدَنِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَاعِ بِالْمَشْيِ بِهَا وَأَنَّهُ مُرَادُ الْحَدِيثِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهَا إِذَا اسْتَحَقَّ مَوْتُهَا وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَرَاهَةُ الْإِسْرَاعِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِسْرَاعِ الْمُفْرِطِ الَّذِي يَخَافُ مَعَهُ انْفِجَارَهَا أَوْ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) مَعْنَاهُ أَنَّهَا بَعِيدَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ فَلَا مَصْلَحَةَ لَكُمْ فِي مُصَاحَبَتِهَا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ صُحْبَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ غَيْرِ الصَّالِحِينَ

[945] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَاتِّبَاعِهَا وَمُصَاحَبَتِهَا حَتَّى تُدْفَنَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ) مَعْنَاهُ بِالْأَوَّلِ فَيَحْصُلُ بِالصَّلَاةِ قِيرَاطٌ وَبِالِاتِّبَاعِ مَعَ حُضُورِ الدَّفْنِ قِيرَاطٌ آخَرُ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ قِيرَاطَيْنِ تُبَيِّنُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مَنْ شَهِدَ جِنَازَةً وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا رَجَعَ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَجْمُوعَ بِالصَّلَاةِ وَالِاتِّبَاعِ وَحُضُورِ الدَّفْنِ قِيرَاطَانِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا وَالدَّلَائِلِ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةً فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ مَعَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْدَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِيرَاطَ الثَّانِي لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ دَامَ مَعَهَا مِنْ حِينِ صَلَّى إِلَى أَنْ فَرَغَ وَقْتُهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ
(7/13)

عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَحْصُلُ الْقِيرَاطُ الثَّانِي إِذَا سُتِرَ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ بِاللَّبِنِ وَإِنْ لَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ التُّرَابُ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِلَفْظِ الِاتِّبَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مَنْ يَقُولُ الْمَشْيُ وَرَاءَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَمَامِهَا وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ الْمَشْيُ قُدَّامَهَا أَفْضَلُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَطَائِفَةٌ هُمَا سَوَاءٌ قَالَ الْقَاضِي وَفِي إِطْلَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ الْمُنْصَرِفُ عَنِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ دَفْنِهَا إِلَى اسْتِئْذَانٍ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وهو المشهور عن مالك وحكى بن عبد الحكم عنه أنه لاينصرف إِلَّا بِإِذْنٍ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَوْلُهُ (قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ) الْقِيرَاطُ مِقْدَارٌ مِنَ الثَّوَابِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مِقْدَارِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْقِيرَاطُ الْمَذْكُورُ فِيمَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ وَفِي رِوَايَاتٍ قِيرَاطَانِ بَلْ ذَلِكَ قَدْرٌ مَعْلُومٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَذَا
(7/14)

وأقل وأكثر قوله (عن بن عُمَرَ لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ أَوْ أَكْثَرِهَا ضَيَّعْنَا فِي قَرَارِيطَ بِزِيَادَةِ فِي وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَالثَّانِي صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ ضَيَّعْنَا بِمَعْنَى فَرَّطْنَا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الطَّاعَاتِ حِينَ يَبْلُغُهُمْ وَالتَّأَسُّفِ عَلَى مَا يَفُوتُهُمْ مِنْهَا وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ عِظَمَ مَوْقِعِهِ قَوْلُهُ (وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا) ضَبَطْنَاهُ بضم الياء وفتح الراء عكسه وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَعَمُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ الْقِيرَاطُ الثَّانِي لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِفَرَاغِ الدَّفْنِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ) وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَهُ حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ يَحْصُلُ الْقِيرَاطُ الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ فِي اللَّحْدِ وَإِنْ لَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ التُّرَابُ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْ إِهَالَةِ التُّرَابِ لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا تُتَأَوَّلُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ يُوضَعُ فِي اللَّحْدِ وَيُفْرَغُ منه وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ قبل وصولها القبر قوله (فقال بن عُمَرَ أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَافَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ بِحَدِيثٍ لَا أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى رِوَايَةِ مَا لَمْ يَسْمَعْ لان مرتبة بن عمر
(7/15)

وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَجَلُّ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ واسكان الياء قوله (وأخذ بن عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يده) وقال في آخره (فضرب بن عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ الْأَوَّلُ حَصْبَاءِ بِالْبَاءِ وَالثَّانِي بِالْحَصَى مَقْصُورٌ جَمْعُ حَصَاةٍ وَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَفِي بَعْضِهَا عَكْسُهُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْحَصْبَاءُ هُوَ الْحَصَى وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِ هذا الفعل وانما بعث بن عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا بَعْدَ إِخْبَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ النِّسْيَانَ وَالِاشْتِبَاهَ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فَلَمَّا وَافَقَتْهُ عَائِشَةُ عَلِمَ أَنَّهُ حَفِظَ
(7/16)

وَأَتْقَنَ

[947] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فيه) وفي رواية ما من رجل يموت فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ خَرَجَتْ أَجْوِبَةً لِسَائِلِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ سُؤَالِهِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِقَبُولِ شَفَاعَةِ مِائَةٍ فَأَخْبَرَ بِهِ ثُمَّ بقبول شفاعة أربعين ثم ثلاث صُفُوفٍ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ فَأَخْبَرَ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ هَذَا مَفْهُومُ عَدَدٍ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأُصُولِيِّينَ فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ قَبُولِ شَفَاعَةِ مِائَةٍ مَنْعُ قَبُولِ مَا دُونَ ذَلِكَ وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِينَ مَعَ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ وَحِينَئِذٍ كُلُّ الْأَحَادِيثِ مَعْمُولٌ بِهَا وَيَحْصُلُ الشَّفَاعَةُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ وأربعين
(7/17)

قَوْلُهُ (فَحَدَّثْتُ بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ فَقَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الْقَائِلُ فَحَدَّثْتُ بِهِ هُوَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ الرَّاوِي أَوَّلًا عَنْ أَيُّوبَ هَكَذَا بَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ فَأَشَارَ إِلَى تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ وَلَيْسَ مُعَلَّلًا لِأَنَّ مَنْ رَفَعَهُ ثِقَةٌ وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْفُصُولِ في مقدمة الكتاب ثم في مواضع

[948] قَوْلُهُ (مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وجبت ومر
(7/18)

بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأُصُولِ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

[949] وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ (فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ خَيْرًا وَشَرًّا بِالنَّصْبِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِسْقَاطِ الْجَارِّ أَيْ فَأُثْنِيَ بِخَيْرٍ وَبِشَرٍّ وَفِي بَعْضِهَا مَرْفُوعٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَوْكِيدِ الْكَلَامِ الْمُهْتَمِّ بِتَكْرَارِهِ لِيُحْفَظَ وَلِيَكُونَ أَبْلَغَ وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الثَّنَاءُ بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَضْلِ فَكَانَ ثَنَاؤُهُمْ مُطَابِقًا لِأَفْعَالِهِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ مُرَادًا بِالْحَدِيثِ وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ وَأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَاتَ فَأَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ أَوْ مُعْظَمَهُمُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِيهِ
(7/19)

فَلَا تُحَتَّمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ بَلْ هُوَ فِي خَطَرِ الْمَشِيئَةِ فَإِذَا أَلْهَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ اسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ شَاءَ الْمَغْفِرَةَ لَهُ وَبِهَذَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الثَّنَاءِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَجَبَتْ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ) وَلَوْ كَانَ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُ تَقْتَضِيهِ لَمْ يَكُنْ لِلثَّنَاءِ فَائِدَةٌ وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فَائِدَةً فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ مُكِّنُوا بِالثَّنَاءِ بِالشَّرِّ مَعَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ هُوَ فِي غَيْرِ الْمُنَافِقِ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ وَفِي غَيْرِ الْمُتَظَاهِرِ بِفِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا يَحْرُمُ ذِكْرُهُمْ بِشَرٍّ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ طَرِيقَتِهِمْ وَمِنَ الِاقْتِدَاءِ بِآثَارِهِمْ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مَشْهُورًا بِنِفَاقٍ أَوْ نَحْوِهِ مما ذكرنا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ السَّبِّ وَقَدْ بَسَطْتُ مَعْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ قَوْلُهُ (فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الثَّنَاءُ بِتَقْدِيمِ الثَّاءِ وَبِالْمَدِّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَفِيهِ لُغَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ أَيْضًا وَأَمَّا النَّثَا بِتَقْدِيمِ النُّونِ وَبِالْقَصْرِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ الثَّنَاءُ الْمَمْدُودُ هُنَا فِي الشَّرِّ مَجَازًا لِتَجَانُسِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وجزاء سيئة سيئة ومكروا ومكر الله قَوْلُهُ (فِدًى لَكَ) مَقْصُورٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا

[950] قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَالْفَاجِرَ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَوْتَى قِسْمَانِ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ وَنَصَبُ الدُّنْيَا تَعَبُهَا وَأَمَّا اسْتِرَاحَةُ العباد
(7/20)

مِنَ الْفَاجِرِ مَعْنَاهُ انْدِفَاعُ أَذَاهُ عَنْهُمْ وَأَذَاهُ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا ظُلْمُهُ لَهُمْ وَمِنْهَا ارْتِكَابُهُ لِلْمُنْكَرَاتِ فَإِنْ أَنْكَرُوهَا قَاسَوْا مَشَقَّةً مِنْ ذَلِكَ وَرُبَّمَا نَالَهُمْ ضَرَرُهُ وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ أَثِمُوا وَاسْتِرَاحَةُ الدَّوَابِّ مِنْهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يؤذيها ويضربها وَيُحَمِّلُهَا مَا لَا تُطِيقُهُ وَيُجِيعُهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاسْتِرَاحَةُ الْبِلَادِ وَالشَّجَرِ فَقِيلَ لِأَنَّهَا تُمْنَعُ الْقَطْرَ بِمُصِيبَتِهِ قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ وَقَالَ الباجي لِأَنَّهُ يَغْصِبُهَا وَيَمْنَعُهَا حَقَّهَا مِنَ الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ

[951] (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مات فيه فخرج الىالمصلى وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) فِيهِ إِثْبَاتُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ فَرْضَهَا يَسْقُطُ بِصَلَاةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ اثْنَانِ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ وَفِيهِ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِعْلَامِهِ بِمَوْتِ النَّجَاشِيِّ وَهُوَ فِي الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِعْلَامِ بِالْمَيِّتِ لَا عَلَى صُورَةِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ بَلْ مُجَرَّدِ إِعْلَامِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَشْيِيعِهِ وَقَضَاءِ حَقِّهِ فِي ذَلِكَ وَالَّذِي جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ النَّعْيِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هَذَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ الْمَفَاخِرِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ يَحْتَجُّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا تُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهَا فِيهِ ويحتج
(7/21)

بحديث سهل بن بيضا وَيُتَأَوَّلُ هَذَا عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْمُصَلَّى أبلغ واظهار أَمْرِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ وَفِيهِ أَيْضًا إِكْثَارُ الْمُصَلِّينَ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ أَصْلًا لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُ الْمَيِّتِ الْمَسْجِدَ لَا مُجَرَّدُ الصَّلَاةِ

[952] قَوْلُهُ (عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سَلِيمٌ بِفَتْحِ السِّينِ غَيْرَهُ وَمَنْ عَدَاهُ بِضَمِّهَا مَعَ فَتْحِ اللَّامِ قَوْلُهُ (صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ وَهَكَذَا هُوَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي وَغَيْرِهَا وَوَقَعَ فِي مسند بن أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَسْمِيَتُهُ صَحْمَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ وَقَالَ هَكَذَا قَالَ لَنَا يَزِيدُ وَإِنَّمَا هُوَ صَمْحَةُ يَعْنِي بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الْحَاءِ وَهَذَانِ شَاذَّانِ وَالصَّوَابُ أَصْحَمَةُ بالألف قال بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ قَالَ الْعُلَمَاءُ
(7/22)

وَالنَّجَاشِيُّ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ وَأَمَّا أَصْحَمَةُ فَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ لِهَذَا الْمَلِكِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال المطرز وبن خَالَوَيْهِ وَآخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَلَامًا مُتَدَاخِلًا حَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ النَّجَاشِيُّ وَمَنْ مَلَكَ الرُّومَ قَيْصَرُ وَمَنْ مَلَكَ الْفَرَسَ كِسْرَى وَمَنْ مَلَكَ التُّرْكَ خاقَانُ وَمَنْ مَلَكَ الْقِبْطَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَلَكَ مِصْرَ الْعَزِيزُ وَمَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ تُبَّعُ وَمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ الْقَيْلُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَقِيلَ الْقَيْلُ أَقَلُّ دَرَجَةً مِنَ المَلِكِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ فِيهِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا سَبَقَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ (وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) وَكَذَا فِي حديث بن عَبَّاسٍ كَبَّرَ أَرْبَعًا وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بَعْدَ هَذَا خَمْسًا قَالَ الْقَاضِي اخْتَلَفَ الآثار في ذلك فجاء في رواية بن أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يكبر أربعا وخسما وَسِتًّا وَسَبْعًا وَثَمَانِيًا حَتَّى مَاتَ النَّجَاشِيُّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ إِلَى تِسْعٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا وَعَلَى سائر الصحابة خمسا وعلى غيرهم أربعا قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أربع
(7/23)

وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ عَلَى أَرْبَعٍ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ شُذُوذٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ قَالَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يخمس الا بن أَبِي لَيْلَى وَلَمْ يُذْكَرْ فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ السَّلَامُ وَقَدْ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ جُمْهُورُهُمْ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ تَسْلِيمَتَيْنِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالتَّسْلِيمِ أَمْ يُسِرُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولَانِ يَجْهَرُ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ الْأَيْدِي فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الرَّفْعُ في جميعها وحكاه بن المنذر عن بن عُمَرَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ والزهرى والأوزاعى وأحمد واسحاق واختاره بن الْمُنْذِرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَرْفَعُ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ الرَّفْعُ فِي الْجَمِيعِ وَفِي الْأُولَى فَقَطْ وَعَدَمُهُ فِي كُلِّهَا

[954] قَوْلُهُ (انْتَهَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ) يَعْنِي جَدِيدًا وَتُرَابُهُ رطب بعد لم تطل مدته فيبس فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الصَّلَاةِ على القبور قوله (من شهده بن عباس) وبن عباس بدل من قوله تَقُمُّ المَسْجِدَ أَيْ تَكْنُسُهُ وَفِي حَدِيثٍ لِسَوْدَاءَ هَذِهِ الَّتِي صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم على قبرها وحديث بن عباس السابق
(7/24)

وَحَدِيثِ أَنَسٍ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ أَمْ لَا وَتَأَوَّلَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ حَيْثُ مَنَعُوا الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ بِتَأْوِيلَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا لِظُهُورِ فَسَادِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِأُمَّتِهِ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمْ وَالِاهْتِمَامِ بِمَصَالِحِهِمْ في آخرتهم ودنياهم
(7/25)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) أَيْ أَعْلَمْتُمُونِي وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِحْبَابِ الْإِعْلَامِ بِالْمَيِّتِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ

[956] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةٌ عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ) قَوْلُهُ (كَانَ زَيْدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُهَا) زَيْدٌ هَذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَجَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَنْسُوخٌ دَلَّ الْإِجْمَاعُ على نسخه وقد سبق أن بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرَهُ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ الْيَوْمَ إِلَّا أَرْبَعًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا بَعْدَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الْخِلَافِ يَصِحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أوْ تُوضَعَ) وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا حَتَّى تُخَلِّفَهُ وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا اتَّبَعْتُمْ جِنَازَةً فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ
(7/26)

حيان بن حصين قَوْلُهُ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى نَهَى عن تقصيص القبور التقصيص بالقاف وصادين مهملتين هُوَ التَّجْصِيصُ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ هِيَ الْجِصُّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ تَجْصِيصِ القبر والبناء عيه وَتَحْرِيمُ الْقُعُودُ وَالْمُرَادُ بِالْقُعُودِ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ الْمُرَادُ بِالْقُعُودِ الْجُلُوسُ وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ هَذَا لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) قَالَ أَصْحَابُنَا تَجْصِيصُ الْقَبْرِ مَكْرُوهٌ وَالْقُعُودُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَكَذَا الِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ الْبَانِي فَمَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانَ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ فَحَرَامٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَرَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا يُبْنَى ويؤيد الهدم قوله
(7/27)

الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهِ لِلنَّدْبِ وَالْقُعُودُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[958] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ تَصِيرُونَ وَرَاءَهَا غَائِبِينَ عَنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُومُ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ (إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ) مَعْنَاهُ جِنَازَةُ كَافِرٍ من أهل
(7/29)

تِلْكَ الْأَرْضِ

[963] قَوْلُهُ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ إِلَى آخِرِهِ) فِيهِ إِثْبَاتُ الدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَهُوَ مَقْصُودُهَا ومُعْظَمُهَا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذَا الدُّعَاءِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَدِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ إِنْ صَلَّى عَلَيْهَا بِالنَّهَارِ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ وَإِنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ يُسِرُّ وَالثَّانِي يَجْهَرُ وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَيُسِرُّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَحِينَئِذٍ يُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ قَوْلُهُ حَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ أي علمنيه
(7/30)

بَعْدَ الصَّلَاةِ فَحَفِظْتُهُ قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) الْقَائِلُ وَحَدَّثَنِي هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ
(7/31)

صَالِحٍ الرَّاوِي فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ عَنْ حَبِيبٍ قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى النُّفَسَاءِ وَقَامَ وَسْطَهَا) هُوَ بِإِسْكَانِ السِّينِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ عِنْدَ عَجِيزَةِ الْمَيِّتَةِ

[964] قَوْلُهُ (أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى فَرَكِبَهُ) مَعْنَاهُ بِفَرَسٍ عَرِيٍّ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ اعْرَوْرَيْتَ الْفَرَسَ إِذَا رَكِبْتَهُ عَرِيًّا فَهُوَ مُعْرَوْرًى قَالُوا وَلَمْ يَأْتِ أُفْعَوْلَى مُعَدًّى إِلَّا قَوْلُهُمُ اعْرَوْرَيْتُ الْفَرَسَ وَاحْلَوْلَيْتُ الشَّيْءَ قَوْلُهُ (فَرَكِبَهُ
(7/32)

حين انصرف من جنازة بن الدَّحْدَاحِ) فِيهِ إِبَاحَةُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنَ الْجِنَازَةِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الذَّهَابِ مَعَهَا وبن الدَّحْدَاحِ بِدَالَيْنِ وَحَاءَيْنِ مُهْمَلَاتٍ وَيُقَالُ أَبُو الدَّحْدَاحِ ويقال أبو الدحداحة قال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ قَوْلُهُ (وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ) فِيهِ جَوَازُ مَشْيِ الْجَمَاعَةِ مَعَ كَبِيرِهِمُ الرَّاكِبِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ إِذَا حَصَلَ فِيهِ انْتَهَاكٌ لِلتَّابِعِينَ أَوْ خِيفَ إِعْجَابٌ وَنَحْوُهُ فِي حَقِّ التَّابِعِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ قَوْلُهُ (فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ) مَعْنَاهُ أَمْسَكَهُ لَهُ وَحَبَسَهُ وَفِيهِ إِبَاحَةُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِخِدْمَةِ التَّابِعِ مَتْبُوعَهُ بِرِضَاهُ قَوْلُهُ (فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ) أَيْ يَتَوَثَّبُ قَوْلُهُ (كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ) الْعِذْقُ هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ وَأَمَّا الْعَذْقُ بِفَتْحِهَا فَهُوَ النَّخْلَةُ بِكَمَالِهَا وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ فِي الْجَنَّةِ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ) قَالُوا سَبَبُهُ أَنَّ يَتِيمًا خَاصَمَ أَبَا لُبَابَةَ فِي نَخْلَةٍ فَبَكَى الْغُلَامُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَعْطِهِ إِيَّاهَا وَلَكَ بِهَا عِذْقٌ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ لَا فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَاشْتَرَاهَا مِنْ أَبِي لُبَابَةَ بِحَدِيقَةٍ لَهُ ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلِيَ بِهَا عِذْقٌ إِنْ أَعْطَيْتُهَا الْيَتِيمَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/33)

كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ فِي الْجَنَّةِ لِأَبِي الدحداح

[966] قَوْلُهُ (الْحَدُوا لِي لَحْدًا) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَيَجُوزُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ يُقَالُ لَحَدَ يَلْحَدُ كَذَهَبَ يَذْهَبُ وَأَلْحَدَ يَلْحَدُ إِذَا حَفَرَ اللَّحْدَ وَاللَّحْدُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا مَعْرُوفٌ وَهُوَ الشَّقُّ تَحْتَ الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الْقَبْرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ فِي أَنَّ الدَّفْنَ فِي اللَّحْدِ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ إِذَا أَمْكَنَ اللَّحْدُ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ قَوْلُهُ (الْحَدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ اللَّحْدِ وَنَصْبِ اللَّبِنِ وَأَنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَدْ نَقَلُوا أَنَّ عَدَدَ لَبِنَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم تسع

[967] قَوْلُهُ (جُعِلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) هَذِهِ الْقَطِيفَةُ أَلْقَاهَا شُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ كَرِهْتُ أَنْ يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ وَضْعِ قَطِيفَةٍ أَوْ مِضْرَبَةٍ أَوْ مِخَدَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ وَشَذَّ عَنْهُمُ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالَ فِي كِتَابهِ التَّهْذِيبِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّوَابُ كَرَاهَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ شُقْرَانَ انْفَرَدَ بِفِعْلِ ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا عَلِمُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ شُقْرَانُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ أَنْ يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ شُقْرَانَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهَا أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فروى البيهقي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْعَلَ تَحْتَ الْمَيِّتِ ثَوْبٌ فِي قَبْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْقَطِيفَةُ كِسَاءٌ له خمل
(7/34)

قوله (قال مسلم أبوجمرة اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ وَأَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ مَاتَا بِسَرَخْسَ) وَهُوَ أَبُو جَمْرَةَ بِالْجِيمِ وَالضُّبَعِيُّ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَمَّا سَرَخْسُ فَمَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخُرَاسَانَ وَهِيَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُقَالُ أَيْضًا بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ وَالْأَوَّلُ أشهر وإنما ذكر مسلم أبا جَمْرَةَ وَأَبَا التَّيَّاحِ جَمِيعًا مَعَ أَنَّ أَبَا جَمْرَةَ مَذْكُورٌ فِي الْإِسْنَادِ وَلَا ذِكْرَ لِأَبِي التَّيَّاحِ هُنَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَشْيَاءَ قَلَّ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهَا اثْنَانِ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا ضُبَعِيَّانِ بَصْرِيَّانِ تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ مَاتَا بِسَرَخْسَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَذَكَرَ بن عبد البر وبن مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ عِمْرَانَ وَالِدَ أَبِي جَمْرَةَ فِي كُتُبُهِمْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ قَالُوا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ صَحَابِيٌّ أَمْ تَابِعِيٌّ قَالُوا وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو جَمْرَةَ وَغَيْرُهُ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ فِي الْكُنَى لَيْسَ فِي الرُّوَاةِ مَنْ يُكَنَّى أَبَا جَمْرَةَ بِالْجِيمِ غَيْرُ أبي جمرة هذا

[968] قَوْلُهُ (أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ حَدَّثَهُ) وَفِي رِوَايَةِ هَارُونَ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ فَأَبُو عَلِيٍّ هُوَ ثُمَامَةُ بْنُ شُفَيٍّ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَالْهَمْدَانِيُّ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَوْلُهُ (كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ) هُوَ بِرَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاوٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ
(7/35)

الرَّاءِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الدَّالِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَنِ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَقَالَ هِيَ جَزِيرَةٌ بِأَرْضِ الرُّومِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ مُسْلِمٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَكْفِينَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِقْبَارَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ غُسْلَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ غُسِّلَ وَاخْتُلِفَ هَلْ صُلِّيَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ أَرْسَالًا يَدْعُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِفَضِيلَتِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَهَذَا يَنْكَسِرُ بِغُسْلِهِ وَقِيلَ بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ إِمَامَةَ الْفَرَائِضِ لَمْ تَتَعَطَّلْ وَلِأَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ قَبْلَ دَفْنِهِ وَكَانَ إِمَامَ النَّاسِ قَبْلَ الدَّفْنِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ فُرَادًى فَكَانَ يَدْخُلُ فَوْجٌ يُصَلُّونَ فُرَادًى ثُمَّ يَخْرُجُونَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَوْجٌ آخَرُ فَيُصَلُّونَ كَذَلِكَ ثُمَّ دَخَلَتِ النِّسَاءُ بَعْدَ الرِّجَالِ ثُمَّ الصِّبْيَانُ وَإِنَّمَا أَخَّرُوا دَفْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ إِلَى لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ أَوَاخِرَ نَهَارِ الثُّلَاثَاءِ لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ لِيَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِهِ إِنِ اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ تَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ وَيَنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ وَكَانَ هَذَا أَهَمَّ الْأُمُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ عَلَى الْأَرْضِ رَفْعًا كَثِيرًا وَلَا يُسَنَّمُ بَلْ يُرْفَعُ نَحْوَ شِبْرٍ وَيُسَطَّحُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُمْ تَسْنِيمُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ

[969] قَوْلُهُ (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ) فِيهِ الْأَمْرُ بِتَغْيِيرِ صُوَرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الياء واسمه
(7/36)

وَأَصْحَابُهُ قَامُوا لجِنَازَةٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ فَقَالَ إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا وَفِي رِوَايَةٍ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ حَتَّى تَوَارَتْ وَفِي رِوَايَةٍ قِيلَ إِنَّهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ وَفِي رِوَايَةٍ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا قَالَ الْقَاضِي اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ والشافعى القيام منسوخ وقال أحمد واسحاق وبن حبيب وبن الماجشون المالكيان هو مخير قال الشافعي فِي قِيَامِ مَنْ يُشَيِّعُهَا عِنْدَ الْقَبْرِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ لَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ قَالُوا وَالنَّسْخُ إِنَّمَا هُوَ فِي قِيَامِ مَنْ مَرَّتْ بِهِ وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي القيام على القبر حتى تدفن فكره قَوْمٌ وَعَمِلَ بِهِ آخَرُونَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عثمان وعلى وبن عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا وَقَالُوا هُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَاخْتَارَ
(7/37)

وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ قَوْلُهُ (عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَوْلُهُ

[972] (عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ) هُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَاسْمُهُ كَنَّازٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَآخِرُهُ زَايٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِليْهَا) فيه تصريح بالنهى عن الصلاة إلى القبر قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ

[973] قَوْلُهَا (مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي
(7/38)

الْمَسْجِدِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ بَنُو بَيْضَاءَ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ سَهْلٌ وَسُهَيْلٌ وَصَفْوَانُ وَأُمُّهُمُ الْبَيْضَاءُ اسْمُهَا دَعْدُ وَالْبَيْضَاءُ وَصْفٌ وَأَبُوهُمْ وَهْبُ بْنُ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ وَكَانَ سُهَيْلٌ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ
(7/39)

هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ وممن قال به أحمد واسحاق قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَرَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ فِي الْمُوَطَأِ عَنْ مالك وبه قال بن حبيب المالكى وقال بن أَبِي ذِئْبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ بِحَدِيثٍ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ حَدِيثُ سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالثَّانِي أَنَّ الَّذِي فِي النُّسَخِ الْمَشْهُورَةِ الْمُحَقَّقَةِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ حِينَئِذٍ فِيهِ الثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ فَلَا شَيْءَ لَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ عَلَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ وَقَدْ جَاءَ لَهُ بِمَعْنَى عليه كقوله تعالى وان أسأتم فلها الرَّابِعُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَقْصِ الْأَجْرِ فِي حَقِّ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَرَجَعَ وَلَمْ يشيعها الىالمقبرة لِمَا فَاتَهُ مِنْ تَشْيِيعِهِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ وَحُضُورِ دَفْنِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ هَذَا دَلِيلٌ لِطَهَارَةِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومحمد بن رافع قالا حدثنا بن أبي فديك أخبرنا الضحاك يعنى بن عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ خَالَفَ الضَّحَّاكَ حَافِظَانِ مَالِكٌ وَالْمَاجِشُونُ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا وَقِيلَ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مُرْسَلًا هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ الَّتِي زَادَهَا الضَّحَّاكُ زِيَادَةُ
(7/40)

ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ لِأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ غَيْرُهُ فَلَا تَقْدَحُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[974] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) دَارَ مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يَا أَهْلَ دَارٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَقِيلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَلَيْكُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الدَّارَ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى الرَّبْعِ الْمَسْكُونِ وَعَلَى الْخَرَابِ غَيْرِ الْمَأْهُولِ وَأَنْشَدَ فِيهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) التَّقْيِيدُ بِالْمَشِيئَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَامْتِثَالِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا الا أن يشاء الله وَقِيلَ الْمَشِيئَةُ عَائِدَةٌ إِلَى تِلْكَ التُّرْبَةِ بِعَيْنِهَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِهَا وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهَا (يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ) فِيهِ فَضِيلَةُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْبَقِيعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ سَوَاءٌ فِي تَقْدِيمِ السَّلَامُ عَلَى عَلَيْكُمْ بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ ... عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا ...

(قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) الْبَقِيعُ هُنَا بِالْبَاءِ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ مَدْفِنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سُمِّيَ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ لِغَرْقَدٍ كَانَ فِيهِ وَهُوَ مَا عَظُمَ مِنَ الْعَوْسَجِ وَفِيهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب أخبرنا بن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ سمعت)
(7/41)

عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقَالَتْ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِّي قُلْنَا بَلَى ح وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي) إِلَى آخِرِهِ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ عن بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْجُرْجَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سعيد المصيصى حدثنا حجاج عن بن جريج أخبرني عبد الله بن أبي ملكية وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْمَقْطُوعَةِ فِي مُسْلِمٍ قَالَ وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَهِمَ فِي رُوَاتِهَا وَقَدْ رَوَاهُ عبد الرزاق في مصنفه عن بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا مَقْطُوعٌ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُسْنَدٌ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّ رُوَاتَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَجْهُولِ لَا مِنْ بَابِ الْمُنْقَطِعِ إِذِ الْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ رَاوٍ قبل التابعى قال القاضي ووقع في سنده إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ مُسْلِمٍ وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ يُوهِمُ أَنَّ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ آخَرَ يُقَالُ لَهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ كَذَا بَلْ حَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ هُوَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِلَا شَكٍّ وَتَقْدِيرُ كَلَامِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ قَالَ هَذَا الْمُحَدِّثُ حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَحَكَى لَفْظَ الْمُحَدِّثِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَلَا يَقْدَحُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هَذَا الْمَجْهُولِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ حجاج
(7/42)

الْأَعْوَرِ لِأَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لَا مُتَأَصِّلًا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ بَلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ قَبْلَهُ قَوْلُهَا (فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ أي قدرما قَوْلُهَا (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا) أَيْ قَلِيلًا لَطِيفًا لِئَلَّا يُنَبِّهَهَا قَوْلُهَا (ثُمَّ أَجَافَهُ) بِالْجِيمِ أَيْ أَغْلَقَهُ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُفْيَةٍ لِئَلَّا يُوقِظَهَا وَيَخْرُجَ عَنْهَا فَرُبَّمَا لَحِقَهَا وَحْشَةٌ فِي انْفِرَادِهَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ قَوْلُهَا (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ إِزَارِي بِغَيْرِ بَاءٍ فِي أَوَّلِهِ وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى لَبِسْتُ إِزَارِي فَلِهَذَا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ قَوْلُهَا (جَاءَ الْبَقِيعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ إِطَالَةِ الدُّعَاءِ وَتَكْرِيرِهِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهِ وَفِيهِ أَنَّ دُعَاءَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ مِنْ دُعَاءِ الْجَالِسِ فِي الْقُبُورِ قَوْلُهَا (فأحضر فأحضرت) الاحضار العدو قولها (فقال مالك يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً) يَجُوزُ فِي عَائِشٍ فَتْحُ الشِّينِ وَضَمُّهَا وَهُمَا وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ الْمُرَخَّمَاتِ وَفِيهِ جَوَازُ تَرْخِيمِ الِاسْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُرَخَّمِ وَحَشْيَا بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ مَعْنَاهُ وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْكِ الْحَشَا وَهُوَ الرَّبْوُ وَالتَّهَيُّجُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمُسْرِعِ فِي مَشْيِهِ وَالْمُحْتَدِّ فِي كَلَامِهِ مِنَ ارْتِفَاعِ النَّفَسِ وَتَوَاتُرِهِ يُقَالُ امْرَأَةٌ حَشْيَاءُ وَحَشْيَةٌ وَرَجُلٌ حَشْيَانٌ وَحَشَشٌ قِيلَ أَصْلُهُ مَنْ أَصَابَ الرَّبْوُ حَشَاهُ وَقَوْلُهُ رَابِيَةً أَيْ مُرْتَفِعَةَ الْبَطْنِ قَوْلُهَا (لَا بِي شَيْءَ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ لَا بِي شَيْءَ بِبَاءِ الْجَرِّ وَفِي بَعْضِهَا لِأَيِّ شَيْءٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَحَذْفِ الْبَاءِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَفِي بَعْضِهَا لَا شَيْءَ وَحَكَاهَا الْقَاضِي قَالَ وَهَذَا الثَّالِثُ
(7/43)

أَصْوَبُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَنْتِ السَّوَادُ) أَيِ الشَّخْصُ قَوْلُهَا (فَلَهَدَنِي) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَرُوِيَ فَلَهَزَنِي بِالزَّايِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَهَدَهُ وَلَهَّدَهُ بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ دَفَعَهُ وَيُقَالُ لَهَزَهُ إِذَا ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ فِي صَدْرِهِ وَيَقْرَبُ مِنْهُمَا لَكَزَهُ وَوَكَزَهُ قَوْلُهُ (قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ نَعَمْ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَكَأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ صَدَّقَتْ نَفْسَهَا فَقَالَتْ نَعَمْ قَوْلُهَا (قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ لَلَاحِقُونَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ لِزَائِرِ الْقُبُورِ وَفِيهِ تَرْجِيحٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُؤْمِنَ قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَعَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِنْ كَانَ مُنَافِقًا لَا يَجُوزُ السَّلَامُ عَلَيْهِ
(7/44)

وَالتَّرَحُّمُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ جَوَّزَ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَفِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهَا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِنَّ لِحَدِيثِ لَعَنِ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالثَّانِي يُكْرَهُ وَالثَّالِثُ يُبَاحُ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ نَهَيْتُكُمْ ضَمِيرُ ذُكُورٍ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ فِي الْأُصُولِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) فِيهِ جَوَازُ زِيَارَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَيَاةِ وَقُبُورِهِمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَتْ زِيَارَتُهُمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَفِي الْحَيَاةِ أَوْلَى وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وصاحبهما في الدنيا معروفا وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ سَبَبُ زِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَهَا أَنَّهُ قَصَدَ قُوَّةَ الْمَوْعِظَةِ وَالذِّكْرَى بِمُشَاهَدَةِ قَبْرِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرِكُمُ الْمَوْتَ

[975] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/45)

قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يؤذن لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ) هَذَا الْحَدِيثُ وُجِدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ مَاهَانَ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَاتِ بِلَادِنَا مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيِّ وَلَكِنَّهُ يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَيُصِيبُ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا كَتَبَ فِي الْحَاشِيَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عن محمد بن عبيد ورواه بن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ قَوْلُهُ (فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قَالَ الْقَاضِي بُكَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ إِدْرَاكِ أَيَّامِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ

[977] قَوْلُهُ (مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ) هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَجْمَعُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَسْخِ نَهْيِ الرِّجَالِ عَنْ زِيَارَتِهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زيارتها
(7/46)

سُنَّةٌ لَهُمْ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَفِيهِنَّ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ مَنَعَهُنَّ قَالَ النِّسَاءُ لَا يَدْخُلْنَ فِي خِطَابِ الرِّجَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا الِانْتِبَاذُ فِي الْأَسْقِيَةِ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَسَتَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْأَضَاحِيُّ فَسَيَأْتِي إِيضَاحُهَا فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

[978] قَوْلُهُ (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) الْمَشَاقِصُ سِهَامٌ عِرَاضٌ وَاحِدُهَا مِشْقَصٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ لِعِصْيَانِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَجْرًا لَهُمْ عَنِ التَّسَاهُلِ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَعَنْ إِهْمَالِ وَفَائِهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ الْقَاضِي مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وولد الزنى وَعَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ عَلَى مَقْتُولٍ فِي حَدٍّ وَأَنَّ أَهْلَ الْفَضْلِ لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْفُسَّاقِ زَجْرًا لَهُمْ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَا يُصَلَّى عَلَى
(7/47)

مرجوم ويصلى على المقتول في قصاص وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلَّى عَلَى مُحَارِبٍ وَلَا عَلَى قَتِيلِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَقَالَ قَتَادَةُ لا يصلى على ولد الزنى وَعَنِ الْحَسَنِ لَا يُصَلَّى عَلَى النُّفَسَاءِ تَمُوتُ مِنْ زِنًا وَلَا عَلَى وَلَدِهَا وَمَنَعَ بَعْضُ السَّلَفِ الصَّلَاةَ عَلَى الطِّفْلِ الصَّغِيرِ وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى السِّقْطِ فَقَالَ بِهَا فُقَهَاءُ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضُ السَّلَفِ إِذَا مَضَى عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَمَنَعَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَسْتَهِلَّ وَتُعْرَفَ حَيَاتُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهِيدُ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَنِ الْحَسَنِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(كِتَاب الزَّكَاةِ هِيَ فِي اللُّغَةِ النَّمَاءُ وَالتَّطْهِيرُ فَالْمَالُ يُنْمَى بِهَا مِنْ حَيْثُ لَا يُرَى وَهِيَ مَطْهَرَةٌ لِمُؤَدِّيهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَقِيلَ يُنْمَى أَجْرُهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُمِّيَتْ فِي الشَّرْعِ زَكَاةٌ لِوُجُودِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيهَا وَقِيلَ لِأَنَّهَا تُزَكِّي صَاحِبَهَا وَتَشْهَدُ بِصِحَّةِ إِيمَانِهِ كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ قَالُوا وَسُمِّيَتْ صَدَقَةٌ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ لِتَصْدِيقِ صَاحِبِهَا وَصِحَّةِ إِيمَانِهِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَفْهَمَ الشَّرْعُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِلْمُوَاسَاةِ وَأَنَّ الْمُوَاسَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي مَالٍ لَهُ بَالٌ وَهُوَ النِّصَابُ ثُمَّ جَعَلَهَا فِي الْأَمْوَالِ الثَّابِتَةِ وَهِيَ الْعَيْنُ وَالزَّرْعُ وَالْمَاشِيَةُ وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا كَالْعُرُوضِ فَالْجُمْهُورُ يُوجِبُونَ زَكَاةَ الْعُرُوضِ وَدَاوُدُ يَمْنَعُهَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا كَانَ لِلْقِنْيَةِ وَحَدَّدَ الشَّرْعُ نِصَابَ كُلِّ جِنْسٍ بِمَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ فَنِصَابُ الْفِضَّةِ خَمْسُ أَوَاقٍ وَهِيَ مِائَتَا دِرْهَمٍ بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الذَّهَبُ فَعِشْرُونَ مِثْقَالًا وَالْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْإِجْمَاعِ قَالَ وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ وَوَرَدَ فيه أيضا)
(7/48)

حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَالْمَاشِيَةُ فَنُصُبُهَا مَعْلُومَةٌ وَرَتَّبَ الشَّرْعُ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ الْمُؤْنَةِ وَالتَّعَبِ فِي الْمَالِ فَأَعْلَاهَا وَأَقَلُّهَا تَعَبًا الرِّكَازُ وَفِيهِ الْخُمُسُ لعدم التعب فيه ويليه الزرع والتمر فَإِنْ سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَنَحْوِهِ فَفِيهِ الْعُشُرُ وَإِلَّا فَنِصْفُهُ وَيَلِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالتِّجَارَةُ وَفِيهَا رُبُعُ الْعُشُرِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَمَلِ فِيهِ جَمِيعَ السَّنَةِ وَيَلِيهِ الْمَاشِيَةُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهَا الْأَوْقَاصُ بِخِلَافِ الْأَنْوَاعِ السَّابِقَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[979] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) الْأَوْسُقُ جَمْعُ وَسْقٍ فِيهِ لُغَتَانِ فَتْحُ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَكَسْرُهَا وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْحَمْلُ وَالْمُرَادُ بِالْوَسْقِ سِتُّونَ صَاعًا كُلُّ صَاعٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ وَفِي رِطْلِ بَغْدَادَ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَقِيلَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ بِلَا أَسْبَاعٍ وَقِيلَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ فَالْأَوْسُقُ الْخَمْسَةُ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ وَهَلْ هَذَا التَّقْدِيرُ بِالْأَرْطَالِ تَقْرِيبٌ أَمْ تَحْدِيدٌ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا تَقْرِيبٌ فَإِذَا نُقِصَ عَنْ ذلك يسيرا وجبت الزَّكَاةُ وَالثَّانِي تَحْدِيدٌ فَمَتَى نَقَصَ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَائِدَتَانِ إِحْدَاهُمَا وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْمَحْدُودَاتِ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَاتَيْنِ إِلَّا مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ السَّلَفِ إِنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِ الْحَبِّ وَكَثِيرِهِ وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ زَكَاةً إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا لَا تَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِينَ مِثْقَالًا وَالْأَشْهَرُ عَنْهُمَا الْوُجُوبُ فِي عِشْرِينَ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَ دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ وَلَا زَكَاةَ فِي الْعِشْرِينَ حَتَّى تَكُونَ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا فِيمَا زَادَ فِي الْحَبِّ وَالتَّمْرِ أَنَّهُ يَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِحِسَابِهِ وَأَنَّهُ لَا أَوْقَاصَ فِيهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ والثورى والشافعي وبن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِنَّ فِيمَا زَادَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ رُبُعَ الْعُشُرِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَلَا وَقْصَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ علي وبن عُمَرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ السَّلَفِ لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلَا فِيمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ دِينَارًا حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَفِي كل
(7/49)

أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ دِرْهَمٌ فَجَعَلَ لَهَا وَقْصًا كَالْمَاشِيَةِ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشُرِ وَالرِّقَّةُ الْفِضَّةُ وَهَذَا عَامٌّ فِي النِّصَابِ وَمَا فَوْقَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحُبُوبِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ قَالَ الْقَاضِي ثُمَّ إِنَّ مَالِكًا وَالْجُمْهُورَ يَقُولُونَ بِضَمِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَعْضِهِمَا إِلَى بَعْضٍ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ ثُمَّ إِنَّ مَالِكًا يُرَاعِي الْوَزْنَ وَيَضُمُّ عَلَى الْأَجْزَاءِ لَا عَلَى الْقِيَمِ وَيَجْعَلُ كُلَّ دِينَارٍ كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى الصَّرْفِ الْأَوَّلِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُضَمُّ عَلَى الْقِيَمِ فِي وَقْتِ الزَّكَاةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ لَا يُضَمُّ مُطْلَقًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ) الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ خَمْسِ ذَوْدٍ بِإِضَافَةِ ذَوْدٍ إِلَى خَمْسٍ وَرُوِيَ بِتَنْوِينِ خَمْسٍ ويكون ذود بدلا منه حكاه بن عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ وَنَقَلَهُ بن عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ قَالَ أَهْلُ اللغة الذود من الثلاثة إلى العشر لا واحد له من لفظه انما يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ بَعِيرٌ وَكَذَلِكَ النَّفَرُ وَالرَّهْطُ وَالْقَوْمُ وَالنِّسَاءُ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا قَالُوا وَقَوْلُهُ خَمْسِ ذَوْدٍ كَقَوْلِهِ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ وَخَمْسَةِ جِمَالٍ وَخَمْسِ نُوقٍ وَخَمْسِ نِسْوَةٍ قَالَ سِيبَوَيْهِ تَقُولُ ثَلَاثُ ذَوْدٍ لِأَنَّ الذَّوْدَ مُؤَنَّثٌ وَلَيْسَ بِاسْمِ كَسْرٍ عَلَيْهِ مُذَكَّرُهُ ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الذَّوْدَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى الْعَشَرَةِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا بَيْنَ ثَلَاثٍ إِلَى تِسْعٍ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِنَاثِ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ الذَّوْدُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشَرَةِ وَالصُّبَّةُ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ وَالصِّرْمَةُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْعِشْرِينَ وَالْعَكَرَةُ مَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ إِلَى الثَّلَاثِينَ وَالْهَجْمَةُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَالْهُنَيَّةُ مِائَةٌ وَالْحَظْرُ نَحْوُ مِائَتَيْنِ وَالْعَرْجُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ الصِّرْمَةُ مَا بَيْنَ العشر إلى الاربعين وأنكر بن قُتَيْبَةَ أَنْ يُقَالَ خَمْسُ ذَوْدٍ كَمَا لَا يُقَالُ خَمْسُ ثَوْبٍ وَغَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ بَلْ هَذَا اللَّفْظُ شَائِعٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَمَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَلَيْسَ هُوَ جمعا لمفرد بِخِلَافِ الْأَثْوَابِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْجَمْعِ فَقَالُوا خَمْسُ ذَوْدٍ لِخَمْسٍ
(7/50)

مِنَ الْإِبِلِ وَثَلَاثُ ذَوْدٍ لِثَلَاثٍ مِنَ الْإِبِلِ وَأَرْبَعُ ذَوْدٍ وَعَشْرُ ذَوْدٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا قَالُوا ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَالْقِيَاسُ مِئِينَ وَمِئَاتٌ وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَهُ وَقَدْ ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ خَمْسِ ذَوْدٍ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ خَمْسَةِ ذَوْدٍ وَكِلَاهُمَا لِرُوَاةِ كِتَابِ مُسْلِمٍ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ فَإِثْبَاتُ الْهَاءِ لِانْطِلَاقِهِ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَمَنْ حَذَفَهَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَرَادَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُ فَرِيضَةٌ

[980] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقِي صَدَقَةٌ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَوَاقِي بِالْيَاءِ وَفِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ بَعْدَهَا أَوَاقٍ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْأُوقِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَجَمْعُهَا أَوَاقِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وأواق بحذفها قال بن السِّكِّيتِ فِي الْإِصْلَاحِ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَاحِدُهُ مُشَدَّدًا جَازَ فِي جَمْعِهِ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ فَالْأُوقِيَّةُ وَالْأَوَاقِيُّ وَالسُّرِّيَّةُ وَالسَّرَارِيُّ وَالْخُتِّيَّةُ وَالْعُلِّيَّةُ وَالْأُثْفِيَّةُ وَنَظَائِرُهَا وَأَنْكَرَ جُمْهُورُهُمْ أَنْ يُقَالَ فِي الْوَاحِدَةِ وُقِيَّةٌ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ جَوَازَهَا بِحَذْفِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَجَمْعِهَا وَقَايَا
(7/51)

وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَأَئِمَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْأُوقِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهِيَ أُوقِيَّةُ الْحِجَازِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُوقِيَّةُ وَالدَّرَاهِمُ مَجْهُولَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي أَعْدَادٍ مِنْهَا وَيَقَعُ بِهَا الْبِيَاعَاتُ وَالْأَنْكِحَةُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً إِلَى زَمَانِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَنَّهُ جَمَعَهَا بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَوَزْنُ الدِّرْهَمِ سِتَّةُ دَوَانِيقَ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ بَلْ كَانَتْ مَجْمُوعَاتٍ مِنْ ضَرْبِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَصِغَارًا وَكِبَارًا وَقِطَعَ فِضَّةٍ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ وَلَا مَنْقُوشَةٍ وَيَمَنِيَّةٍ وَمَغْرِبِيَّةٍ فَرَأَوْا صَرْفَهَا إِلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ وَتَصْيِيرَهَا وَزْنًا وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُ وَأَعْيَانًا لِيُسْتَغْنَى فِيهَا عَنِ الْمَوَازِينِ فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا وَضَرَبُوهُ عَلَى وَزْنِهِمْ قَالَ الْقَاضِي وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ حِينَئِذٍ مَعْلُومَةً وَإِلَّا فَكَيْفَ كَانَتْ تُعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَحُقُوقُ الْعِبَادِ وَلِهَذَا كَانَتِ الْأُوقِيَّةُ مَعْلُومَةً هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقَالَ أَصْحَابُنَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْدِيرِ بِهَذَا الْوَزْنِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ أَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِيقَ وَكُلَّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمِثْقَالُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ وَهُوَ
(7/52)

صَحِيحٌ جَمْعُ وِسْقٍ بِكَسْرِ الْوَاوِ كَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ وقد سبق أن الوسق بفتح الواو وبكسرة قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ تَمْرٍ أَوْ حَبٍّ) هُوَ تَمْرٌ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثَمَرٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ وَرِقٌ وَوَرْقٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْفِضَّةُ كُلُّهَا مَضْرُوبُهَا وَغَيْرُهُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي أَصْلِهِ فَقِيلَ يُطْلَقُ فِي الْأَصْلِ عَلَى جَمِيعِ الْفِضَّةِ وَقِيلَ هُوَ حَقِيقَةٌ لِلْمَضْرُوبِ دَرَاهِمَ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الدَّرَاهِمِ إِلَّا مَجَازًا وَهَذَا قَوْلُ كثير من أهل اللغة وبالأول قال بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ يَأْتِ فِي الصَّحِيحِ بَيَانُ نِصَابِ الذَّهَبِ وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ بِتَحْدِيدِ نِصَابِهِ بِعِشْرِينَ مِثْقَالًا وَهِيَ ضِعَافٌ وَلَكِنْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ الْمُعَشَّرَاتِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الْفِضَّةِ إِذَا كَانَتْ دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ رَائِجَةً أَوْ نَحْوَهَا لَا زَكَاةَ فِيهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهِيَ أوقية الحجاز
(7/53)

الشَّرْعِيَّةُ وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا نَقَصَتْ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ تَرُوجُ رَوَاجَ الْوَازِنَةِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ وَفِيهِ دليل أيضا لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ الْفِضَّةُ الْمَحْضَةُ مِنْهَا مائتى درهم

[981] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ) ضَبَطْنَاهُ الْعُشُورُ بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عُشْرٍ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ضَبَطْنَاهُ عَنْ عَامَّةِ شُيُوخِنَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ جَمْعٌ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ وَصَوَابُهُ الْفَتْحُ وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ مِنَ الصَّوَابِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ بِالضَّمِّ وَهُوَ الصَّوَابُ جَمْعُ عُشْرٍ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلِهِمْ عُشُورُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالضَّمِّ وَهُوَ الصَّوَابُ جَمْعُ عُشْرٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وَأَمَّا الْغَيْمُ هُنَا فَبِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمَطَرُ وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ الْغَيْلُ بِاللَّامِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ مَا جَرَى مِنَ الْمِيَاهِ فِي الْأَنْهَارِ وَهُوَ سيل دون السيل الكبير وقال بن السِّكِّيتِ هُوَ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى الْأَرْضِ وَأَمَّا السَّانِيَةُ فَهُوَ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْقَى بِهِ الْمَاءُ مِنَ الْبِئْرِ وَيُقَالُ لَهُ النَّاضِحُ يُقَالُ مِنْهُ سَنَا يَسْنُو إِذَا أُسْقِيَ بِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالنَّوَاضِحِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ مِنَ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالرَّيَاحِينِ وَغَيْرِهَا إِلَّا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ وَنَحْوَهُمَا أَمْ يَخْتَصُّ فَعَمَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ وَخَصَّصَ الْجُمْهُورُ عَلَى اخْتِلَافٍ لَهُمْ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ
(7/54)

وهو معروف فِي كُتُبِ الْفِقْهِ

[982] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ) هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَنَّ أَمْوَالَ الْقِنْيَةِ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَبِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَشَيْخَهَ حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ وَنَفَرًا أَوْجَبُوا فِي الْخَيْلِ إِذَا كَانَتْ إِنَاثًا أو ذكورا واناثا فِي كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَخْرَجَ عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ فِي الْعَبْدِ (إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ) صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ سَوَاءً كَانَ لِلْقِنْيَةِ أَمْ لِلتِّجَارَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يَجِبُ فِي عَبِيدِ التِّجَارَةِ وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ لاتجب عَلَى السَّيِّدِ بَلْ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَيَلْزَمُ السَّيِّدُ تَمْكِينَهُ مِنَ الْكَسْبِ لِيُؤَدِّيَهَا وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَيْضًا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ وَعَنْ عَطَاءٍ وَمَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وُجُوبُهَا عَلَى السَّيِّدِ وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ
(7/55)

دِرْهَمٌ وَفِيهِ وَجْهٌ أَيْضًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ فِي كَثِيرٍ من الأحكام

[983] قوله (منع بن جَمِيلٍ) أَيْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا يَنْقِمُ بن جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ) قَوْلُهُ يَنْقِمُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْأَعْتَادُ آلَاتُ الْحَرْبِ مِنَ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا وَالْوَاحِدُ عَتَادٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُجْمَعُ أَعْتَادًا وَأَعْتِدَةً وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ خَالِدٍ زَكَاةَ أَعْتَادِهِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا لِلتِّجَارَةِ وَأَنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا واجبة فقال لهم لا زكاة لكن عَلَيَّ فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ خَالِدًا مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ تَظْلِمُونَهُ لِأَنَّهُ حَبَسَهَا وَوَقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَبْلَ الْحَوْلِ عَلَيْهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ لَأَعْطَاهَا وَلَمْ يَشِحَّ بِهَا لِأَنَّهُ قَدْ وَقَفَ أَمْوَالَهُ لِلَّهِ تَعَالَى مُتَبَرِّعًا فَكَيْفَ يَشِحُّ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا وُجُوبَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ خِلَافًا لِدَاوُدَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ وَصِحَّةِ وَقْفِ الْمَنْقُولِ وَبِهِ قَالَتِ الْأُمَّةُ بِأَسْرِهَا إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَبَعْضَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ بعضهم هذه الصدقة التي منعها بن جميل
(7/56)

وَخَالِدٌ وَالْعَبَّاسُ لَمْ تَكُنْ زَكَاةً إِنَّمَا كَانَتْ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الصَّدَقَةِ وَذَكَرَ تَمَامَ الحديث قال بن الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَلْيَقُ بِالْقِصَّةِ فَلَا يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ مَنْعُ الْوَاجِبِ وَعَلَى هَذَا فَعُذْرُ خَالِدٍ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَا بَقِيَ لَهُ مَالٌ يَحْتَمِلُ المواساة بصدقة التطوع ويكون بن جَمِيلٍ شَحَّ بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَعَتَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي الْعَبَّاسِ هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا أَيْ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إِذَا طُلِبَتْ مِنْهُ هَذَا كلام بن الْقَصَّارِ وَقَالَ الْقَاضِي لَكِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا فِي الزَّكَاةِ لِقَوْلِهِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا كَانَ يَبْعَثُ فِي الْفَرِيضَةِ قُلْتُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي الزَّكَاةِ لَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) مَعْنَاهُ أَنِّي تَسَلَّفْتُ مِنْهُ زَكَاةَ عَامَيْنِ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ مَعْنَاهُ أَنَا أُؤَدِّيهَا عَنْهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَهَا عَنِ الْعَبَّاسِ إِلَى وَقْتِ يَسَارِهِ مِنْ أَجْلِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ تَعَجَّلْتُهَا مِنْهُ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ إِنَّا تَعَجَّلْنَا مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) أَيْ مِثْلُ أَبِيهِ وَفِيهِ تَعْظِيمُ حَقِّ الْعَمِّ

(باب زَكَاةِ الفطر)
[984] قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى الناس صاعا
(7/57)

من تمر أوصاعا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى فَرَضَ هُنَا فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مَعْنَاهُ أَلْزَمَ وَأَوْجَبَ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تعالى وآتوا الزكاة وَلِقَوْلِهِ فَرَضَ وَهُوَ غَالِبٌ فِي اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ إِيجَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ كَالْإِجْمَاعِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُدُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ إِنَّهَا سُنَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً قَالُوا وَمَعْنَى فَرَضَ قَدَّرَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ وَاجِبَةٌ لَيْسَتْ فَرْضًا بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْفِطْرَةُ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ قُلْتُ هَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا فَرْضُ وَاجِبٍ قَوْلُهُ (مِنْ رَمَضَانَ) إِشَارَةٌ إِلَى وَقْتِ وُجُوبِهَا وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَدُخُولِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ عِيدِ الْفِطْرِ وَالثَّانِي تَجِبُ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا تَجِبُ بِالْغُرُوبِ وَالطُّلُوعِ مَعًا فَإِنْ وُلِدَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الطُّلُوعِ لَمْ تَجِبْ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْقَوْلَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ الْمَازِرِيُّ قِيلَ إِنَّ هَذَا الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْفِطْرُ الْمُعْتَادُ فِي سَائِرِ الشَّهْرِ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ بِالْغُرُوبِ أَوِ الْفِطْرُ الطَّارِئُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَفِي قَوْلِهِ الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَامَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا قَالَ وَكَانَ سَبَبُ هَذَا أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَطُولُ وَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهَا مِنْ أُمُورٍ تُفَوِّتُ كَمَالَهَا جَعَلَ الشَّرْعُ فِيهَا كَفَّارَةً مَالِيَّةً بَدَلَ النَّقْصِ كَالْهَدْيِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَكَذَا الْفِطْرَةُ لِمَا يَكُونُ فِي الصَّوْمِ مِنْ لَغْوٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي إِخْرَاجِهَا عَنِ الصَّبِيِّ فَقَالَ الْجُمْهُورُ يَجِبُ إِخْرَاجُهَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذَا صَغِيرٍ أَوْ كبير وتعلق من لم يوجبها بأنها تَطْهِيرٌ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مُحْتَاجًا إِلَى التَّطْهِيرِ لِعَدَمِ الْإِثْمِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ التَّعْلِيلَ
(7/58)

بِالتَّطْهِيرِ لِغَالِبِ النَّاسِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يُوجَدَ التَّطْهِيرُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ كَصَالِحٍ مُحَقَّقِ الصَّلَاحِ وَكَكَافِرٍ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَحْظَةٍ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الْإِثْمِ وَكَمَا أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ جُوِّزَ لِلْمَشَقَّةِ فَلَوْ وَجَدَ مَنْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فَلَهُ الْقَصْرُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ فَإِنَّ دَاوُدَ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ فَأَوْجَبَهَا عَلَى الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ وَأَوْجَبَ عَلَى السَّيِّدِ تَمْكِينَهُ مِنْ كَسْبِهَا كَمَا يُمَكِّنُهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورُ وُجُوبُهَا عَلَى سَيِّدِهِ عَنْهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي تَقْدِيرِهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ ابْتِدَاءً وَالثَّانِي تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يَحْمِلُهَا عَنْهُ سَيِّدُهُ فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي فَلَفْظَةُ عَلَى عَلَى ظَاهِرِهَا وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ لَفْظَةُ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَالْبَوَادِي وَالشِّعَابِ وَكُلِّ مُسْلِمٍ حَيْثُ كَانَ وَبِهِ قال مالك وأبوحنيفة وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى دُونَ الْبَوَادِي وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ مِنَ الْفِطْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ لَزِمَتْهُ الْفِطْرَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَعَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَقَوْلُهُ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُجَّةٌ لِلْكُوفِيِّينِ فِي أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ فِي نَفْسِهَا وَيَلْزَمُهَا إِخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِمَا سَبَقَ فِي الْجَوَابِ لِدَاوُدَ فِي فِطْرَةِ الْعِيدِ وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَصَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ إِلَّا عَنْ مُسْلِمٍ فَلَا يَلْزَمُهُ عَنْ عَبْدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ الْكُفَّارِ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ تَجِبُ عَنِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ وَتَأَوَّلَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ السَّادَةُ
(7/59)

دُونَ الْعَبِيدِ وَهَذَا يَرُدُّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَاعًا مِنْ كَذَا وَصَاعًا مِنْ كَذَا فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْفِطْرَةِ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ صَاعٌ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ حِنْطَةٍ وَزَبِيبٍ وَجَبَ صَاعٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ حِنْطَةً وَزَبِيبًا وَجَبَ أَيْضًا صَاعٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ نِصْفُ صَاعٍ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذَا وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ هَذَا فِي قَوْلِهِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَالدَّلَالَةُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الطَّعَامَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ اسْمٌ لِلْحِنْطَةِ خَاصَّةً لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِبَاقِي الْمَذْكُورَاتِ وَالثَّانِي أَنَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاءَ قِيَمُهَا مُخْتَلِفَةٌ وَأَوْجَبَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا صَاعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ صَاعٌ وَلَا نَظَرَ إِلَى قِيمَتِهِ وَوَقَعَ في رواية لأبي داود أوصاعا مِنْ حِنْطَةٍ قَالَ وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ وَلَيْسَ لِلْقَائِلَيْنِ بِنِصْفِ صَاعٍ حُجَّةٌ إِلَّا حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ وَسَنُجِيبُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاعْتَمَدُوا أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً ضَعَّفَهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ وَضَعْفُهَا بَيِّنٌ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتُلِفَ فِي النَّوْعِ الْمُخْرَجِ فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يَجُوزُ الْبُرُّ وَالزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ وَالشَّعِيرُ إِلَّا خِلَافًا فِي الْبُرِّ لِمَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَخِلَافًا فِي الزَّبِيبِ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكِلَاهُمَا مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ بِهِ وَأَمَّا الْأَقِطُ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ وَمَنَعَهُ الْحَسَنُ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تُخْرَجُ إِلَّا هَذِهِ الْخَمْسَةُ وَقَاسَ مَالِكٌ عَلَى الْخَمْسَةِ كُلَّ مَا هُوَ عَيْشُ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الْقَطَانِيِّ وَغَيْرِهَا وَعَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِي غَيْرُ الْمَنْصُوصِ فِي الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَلَمْ يُجِزْ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إِخْرَاجَ
(7/60)

الْقِيمَةِ وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ قُلْتُ قَالَ أَصْحَابُنَا جِنْسُ الْفِطْرَةِ كُلُّ حَبٍّ وَجَبَ فِيهِ الْعُشْرُ وَيُجْزِي الْأَقِطُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِهِ وَالثَّانِي يَتَعَيَّنُ قُوتُ نَفْسِهِ وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْوَاجِبِ إِلَى أَعْلَى مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ عَدَلَ إِلَى مَا دُونَهُ لَمْ يُجْزِهِ قَوْلُهُ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ دُونَ سَائِرِ أَصْحَابِ نَافِعٍ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا مَالِكٌ بَلْ وَافَقَهُ فِيهَا ثِقَتَانِ وَهُمَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ وَعُمَرُ بْنُ نَافِعٍ فَالضَّحَّاكُ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَأَمَّا عُمَرُ فَفِي الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ يَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ فَقَوْلُهُ سَمْرَاءِ الشَّامِ هِيَ الْحِنْطَةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُوَافِقُوهُ فِي جَوَازِ نِصْفِ صَاعٍ حِنْطَةٍ وَالْجُمْهُورُ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً وَأَعْلَمُ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَنَرْجِعُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ وَجَدْنَا ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ وَالْقِيَاسَ مُتَّفِقًا عَلَى اشْتِرَاطِ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ كَغَيْرِهَا فَوَجَبَ اعْتِمَادُهُ وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ حَاضِرِي مَجْلِسِهِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عِلْمٌ فِي مُوَافَقَةِ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَذَكَرَهُ كَمَا جَرَى
(7/61)

لَهُمْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ

[985] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) صَرِيحٌ فِي إِجْزَائِهِ وَإِبْطَالٍ لِقَوْلِ مَنْ مَنَعَهُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَالَ خَالَفَ سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعْمَرًا فِيهِ فَرَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ عِيَاضٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنِ الْحَارِثِ قُلْتُ وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ صَحِيحُ السَّمَاعِ عَنْ عياض والله أعلم وقوله (بن أَبِي ذُبَابٍ) هُوَ بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْبَاءِ الموحدة قوله (عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ
(7/62)

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ لَا عَلَى الْعَبْدِ نَفْسِهِ وَقَدْ سَبَقَ الكلام فيه ومذاهبهم بدلائلها

[986] قَوْلُهُ (أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجَ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْفِطْرَةِ عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الخروج إلى المصلى والله أعلم
(7/63)

(باب اثم مَانِعِ الزَّكَاةِ)
[987] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَكَذَا بَاقِي الْمَذْكُورَاتِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَرَدَتْ بِالْبَاءِ وَفِي بَعْضِهَا رُدَّتْ بِحَذْفِ الْبَاءِ وَبِضَمِّ الرَّاءِ وَذَكَرَ الْقَاضِي الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ الْأُولَى هِيَ الصَّوَابُ قَالَ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَحُكِيَ إِسْكَانُهَا وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقِيَاسُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ) الْقَاعُ الْمُسْتَوِي الْوَاسِعُ مِنَ الْأَرْضِ يَعْلُوهُ مَاءُ السَّمَاءِ فَيُمْسِكُهُ قَالَ الْهَرَوِيُّ وَجَمْعُهُ قِيعَةٌ وَقِيعَانٌ مِثْلُ جَارٍ وَجِيرَةٌ وَجِيرَانٌ وَالْقَرْقَرُ الْمُسْتَوِي أَيْضًا مِنَ الْأَرْضِ الْوَاسِعُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافَيْنِ قَوْلُهُ (بُطِحَ) قَالَ جَمَاعَةٌ مَعْنَاهُ أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ الْقَاضِي قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ يُخْبَطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا قَالَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبَطْحِ كَوْنُهُ عَلَى الْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْبَسْطِ وَالْمَدِّ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى ظهره
(7/64)

وَمِنْهُ سُمِّيَتْ بَطْحَاءُ مَكَّةَ لِانْبِسَاطِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالُوا هُوَ تَغْيِيرٌ وَتَصْحِيفٌ وَصَوَابُهُ مَا جَاءَ بَعْدَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا وَبِهَذَا يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَرَى سَبِيلَهُ) ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَبِرَفْعِ لَامِ سَبِيلُهُ وَنَصْبِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَقْصَاءُ مُلْتَوِيَةُ الْقَرْنَيْنِ وَالْجَلْحَاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا وَالْعَضْبَاءُ الَّتِي انْكَسَرَ قَرْنُهَا الدَّاخِلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَنْطِحُهُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا صَاحِبَ بَقَرٍ) إِلَى آخِرِهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا) فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَعْظَمَ مَا كَانَتْ هَذَا لِلزِّيَادَةِ فِي عُقُوبَتِهِ بِكَثْرَتِهَا وَقُوَّتِهَا وَكَمَالِ خَلْقِهَا فَتَكُونُ أَثْقَلَ فِي وَطْئِهَا كَمَا أَنَّ ذَوَاتِ الْقُرُونِ تَكُونُ بِقُرُونِهَا لِيَكُونَ أَنْكَى وَأَصْوَبَ لِطَعْنِهَا وَنَطْحِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) الظِّلْفُ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ وَهُوَ الْمُنْشَقُّ مِنَ الْقَوَائِمِ وَالْخُفُّ لِلْبَعِيرِ وَالْقَدَمُ لِلْآدَمِيِّ وَالْحَافِرُ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ
(7/65)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَيْلِ (فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الَّتِي وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا الَّذِي وَهُوَ أَوْضَحُ وَأَظْهَرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ أَيْ مُنَاوَأَةً وَمُعَادَاةً قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ أَعَدَّهَا لِلْجِهَادِ وَأَصْلُهُ مِنَ الرَّبْطِ وَمِنْهُ الرِّبَاطُ وَهُوَ حَبْسُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي الثَّغْرِ وَإِعْدَادُهُ الْأُهْبَةَ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَيْلِ (ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا) اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْخَيْلُ كُلُّهَا ذُكُورًا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ إِنَاثًا أَوْ ذكورا واناثا وجبت الزكاة وهو بالخياران شَاءَ أَخْرَجَ عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِ الْقِيمَةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ بِحَالٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُجَاهِدُ بِهَا وَقَدْ يَجِبُ الْجِهَادُ بِهَا إِذَا تَعَيَّنَ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ فِي رِقَابِهَا الْإِحْسَانُ إِلَيْهَا وَالْقِيَامُ بِعَلْفِهَا وَسَائِرِ مُؤَنِهَا وَالْمُرَادُ بِظُهُورِهَا إِطْرَاقُ فَحْلِهَا إِذَا طُلِبَتْ عَارِيَتُهُ وَهَذَا عَلَى النَّدْبِ وَقِيلَ الْمُرَادُ حَقُّ اللَّهِ مِمَّا يُكْسَبُ مِنْ مَالِ الْعَدُوِّ عَلَى ظُهُورِهَا وَهُوَ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا) هُوَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَيُقَالُ طِيلُهَا بِالْيَاءِ كَذَا جَاءَ فِي الْمُوَطَّأِ وَالطِّوَلُ وَالطِّيلُ الْحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ولا يقطع طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ
(7/66)

مَعْنَى اسْتَنَّتْ أَيْ جَرَتْ وَالشَّرَفُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْعَالِي مِنَ الْأَرْضِ وَقِيلَ الْمُرَادُ هُنَا طَلْقًا أَوْ طَلْقَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَشَرِبَتْ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ) هَذَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْحَسَنَاتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ سَقْيَهَا فَإِذَا قَصَدَهُ فَأَوْلَى بِإِضْعَافِ الْحَسَنَاتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ما أنزل الله عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ) مَعْنَى الْفَاذَّةِ الْقَلِيلَةُ النَّظِيرِ وَالْجَامِعَةِ أَيَ الْعَامَّةُ الْمُتَنَاوِلَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا نَصٌّ بِعَيْنِهَا لَكِنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَامَّةُ وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِالْوَحْيِ وَيُجَابُ لِلْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ الْكَنْزُ كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ أَمْ عَلَى ظَهْرِهَا زَادَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ وَكَانَ مَخْزُونًا
(7/67)

قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْكَنْزِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ هُوَ كُلُّ مَالٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ تُؤَدَّ فَأَمَّا مَالٌ أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَقِيلَ الْكَنْزُ هُوَ الْمَذْكُورُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَكِنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك وقيل كل مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ وَقِيلَ هُوَ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَضِيقِ الْحَالِ وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ وَذَكَرَ عِقَابَهُ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ وَفِي آخِرِهِ فَيَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي
(7/68)

الصَّحِيحِ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْمُرَادُ قُبَيْلَ الْقِيَامَةِ بِيَسِيرٍ أَيْ حَتَّى تَأْتِيَ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَمَّا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْأَشَرُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالشِّينِ وَهُوَ الْمَرَحُ وَاللَّجَاجُ وَأَمَّا الْبَطَرُ فَالطُّغْيَانُ عِنْدَ الْحَقِّ وَأَمَّا
(7/69)

الْبَذَخُ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ

[988] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ وَقَعَدَ لَهَا) وَكَذَلِكَ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَقَعَدَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْعَيْنِ وَفِي قَطُّ لُغَاتٌ حَكَاهُنَّ الْجَوْهَرِيُّ وَالْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ قَطُّ مَفْتُوحَةُ الْقَافِ مُشَدَّدَةُ الطَّاءِ قَالَ الْكِسَائِيُّ كَانَتْ قُطُطُ بِضَمِّ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فَأُسْكِنَ الثَّانِي ثُمَّ أُدْغِمَ وَالثَّانِيَةُ قُطُّ بِضَمِّ الْقَافِ تَتْبَعُ الضَّمَّةَ كَقَوْلِكَ مُدَّ يَا هَذَا وَالثَّالِثَةُ قَطْ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الطَّاءِ وَالرَّابِعَةُ قُطُ بِضَمِّ الْقَافِ وَالطَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ قَلِيلَةٌ هَذَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الدَّهْرِ فَأَمَّا الَّتِي بِمَعْنَى حَسْبُ وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ فَمَفْتُوحَةٌ سَاكِنَةُ الطَّاءِ تَقُولُ رَأَيْتُهُ مَرَّةً فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قُلْتَ قَطْكَ هَذَا الشَّيْءُ أَيْ حَسْبُكَ وَقَطْنِي وقطى وقطه وقطاه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (شُجَاعًا أَقْرَعَ
(7/70)

الشُّجَاعُ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ وَالْأَقْرَعُ الَّذِي تَمَعَّطَ شَعْرُهُ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ وَقِيلَ الشُّجَاعُ الَّذِي يُوَاثِبُ الرَّاجِلَ وَالْفَارِسَ وَيَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ وَرُبَّمَا بَلَغَ رَأْسَ الْفَارِسِ وَيَكُونُ فِي الصَّحَارِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ) قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ هَذَا الشُّجَاعَ لِعَذَابِهِ وَمَعْنَى مُثِّلَ أَيْ نُصِّبَ وَصُيِّرَ بِمَعْنَى أَنَّ مَالَهُ يَصِيرُ عَلَى صُورَةِ الشُّجَاعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَلَكَ بِيَدِهِ فِي فِيهِ فَيَقْضِمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ) مَعْنَى سَلَكَ أَدْخَلَ وَيَقْضِمُهَا بِفَتْحِ الضَّادِ يُقَالُ قَضِمَتِ الدَّابَّةُ شَعِيرَهَا بِكَسْرِ الضَّادِ تَقْضَمُهُ بِفَتْحِهَا إِذَا أَكَلَتْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ) هِيَ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا قَوْلُهُ (قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا قَالَ طراق فَحْلِهَا وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَمَنِيحَتُهَا وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَقُّ فِي مَوْضِعٍ تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُوَاسَاةُ قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ الْأَلْفَاظُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ هَذَا الْحَقَّ غَيْرُ الزَّكَاةِ قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى قول الله تعالى وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم فَقَالَ الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بِهِ الزَّكَاةُ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ وَأَمَّا مَا جَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلِأَنَّ الْآيَةَ إِخْبَارٌ عَنْ وَصْفِ قَوْمٍ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِخِصَالٍ كَرِيمَةٍ فَلَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ كَمَا لَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى كَانُوا قَلِيلًا من الليل ما يهجعون وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ خَبَرٍ فَمَعْنَاهُ أَمْرٌ قَالَ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَمَسْرُوقٌ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَأَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ مِنْ فَكِّ الْأَسِيرِ وَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ وَالْمُوَاسَاةِ فِي الْعُسْرَةِ وَصِلَةِ الْقَرَابَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَنِيحَتُهَا) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمَنِيحَةُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعْطِيَ
(7/71)

الْإِنْسَانُ آخَرَ شَيْئًا هِبَةً وَهَذَا النَّوْعُ يَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْأَرْضِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الثَّانِي أَنَّ الْمَنِيحَةَ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ يَنْتَفِعُ بِلَبَنِهَا وَوَبَرِهَا وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا زَمَانًا ثُمَّ يَرُدُّهَا وَيُقَالُ مَنَحَهُ يَمْنَحُهُ بِفَتْحِ النُّونِ فِي الْمُضَارِعِ وَكَسْرِهَا فَأَمَّا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا فَفِيهِ رِفْقٌ بِالْمَاشِيَةِ وَبِالْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَى الْمَاشِيَةِ وَأَرْفَقُ بِهَا وَأَوْسَعُ عَلَيْهَا مِنْ حَلَبِهَا فِي الْمَنَازِلِ وَهُوَ أَسْهَلُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَأَمْكَنُ فِي وُصُولِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ الْحَلْبِ لِيُوَاسَوْا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ إِرْضَاءِ السُّعَاةِ)
وَهُمُ الْعَامِلُونَ عَلَى الصَّدَقَاتِ

[989] قَوْلُهُ (إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُتَصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا فقال رسول الله
(7/72)

ص

(أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) الْمُصَدِّقُونَ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَهُمُ السُّعَاةُ الْعَامِلُونَ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) مَعْنَاهُ بِبَذْلِ الْوَاجِبِ وَمُلَاطَفَتِهِمْ وَتَرْكِ مَشَاقِّهِمْ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى ظُلْمٍ لَا يفسق به الساعى إذ لو فسق لا نعزل وَلَمْ يَجِبِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ بَلْ لَا يُجْزِي وَالظُّلْمُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَإِنَّهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَكْرُوهَاتُ)

(باب تَغْلِيظِ عُقُوبَةِ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ)
[990] قَوْلُهُ (لَمْ أَتَقَارَّ أَيْ لَمْ يُمْكِنِّي الْقَرَارُ وَالثَّبَاتُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الكعبة) ثم فسرهم فَقَالَ (هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي وُجُوهِ الخير
(7/73)

وَأَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ بَلْ يُنْفِقُ فِي كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ يَحْضُرُ وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ تَحْلِيفٍ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ كَتَوْكِيدِ أَمْرٍ وَتَحْقِيقِهِ وَنَفْيِ الْمَجَازِ عَنْهُ وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي حَلِفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا النَّوْعِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَأَمَّا إِشَارَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قُدَّامَ وَوَرَاءَ وَالْجَانِبَيْنِ فَمَعْنَاهَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ مَتَى حَضَرَ أَمْرٌ مُهِمٌّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ نَفِدَتْ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَنَفَذَتْ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ
(7/74)

قَوْلُهُ (سَمِعْتُ لَغَطًا) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ أَيْ جَلَبَةً وَصَوْتًا غَيْرَ مَفْهُومٍ

[94] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا أَبَا ذَرٍّ) فِيهِ مُنَادَاةُ الْعَالِمِ وَالْكَبِيرِ صَاحِبَهُ بِكُنْيَتِهِ إِذَا كَانَ جَلِيلًا قَوْلُهُ (مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يَخْلُدُ أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ خلافا للخوارج والمعتزلة وخص الزنى وَالسَّرِقَةَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ أَفْحَشِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ داخل في
(7/75)

أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ قَوْلُهُ (فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقُلْتُ أَبُو ذَرٍّ) فِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِكُنْيَتِهِ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِهَا دُونَ اسْمِهِ وَقَدْ كَثُرَ مِثْلُهُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا) الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْأَوَّلِ الْمَالُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير أَيِ الْمَالِ وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الثَّانِي طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مَا سَبَقَ أَنَّهُ جَمِيعُ وُجُوهِ الْمَكَارِمِ وَالْخَيْرِ وَنَفَحَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ ضَرَبَ يَدَيْهِ فِيهِ بِالْعَطَاءِ وَالنَّفْحُ الرَّمْيُ وَالضَّرْبُ قَوْلُهُ (فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ) هِيَ الْأَرْضُ الْمُلْبَسَةُ حِجَارَةً سَوْدَاءَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (قلت وان سرق وان زنى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ) فِيهِ تَغْلِيظُ تحريم الخمر
(7/76)

[992] قَوْلُهُ (فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ) الْمَلَأُ الْأَشْرَافُ وَيُقَالُ أَيْضًا لِلْجَمَاعَةِ وَالْحَلْقَةُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ لُغَيَّةً رَدِيئَةً فِي فَتْحِهَا وَقَوْلُهُ (بَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ) أَيْ بَيْنَ أَوْقَاتِ قُعُودِي فِي الْحَلْقَةِ قَوْلُهُ (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ أَخْشَنُ الْجَسَدِ أَخْشَنُ الْوَجْهِ) هُوَ بِالْخَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي هَكَذَا عَنِ الْجُمْهُورِ وهو من الخشونة قال وعند بن الْحَذَّاءِ فِي الْأَخِيرِ خَاصَّةً حُسْنُ الْوَجْهِ مِنَ الْحُسْنِ وَرَوَاهُ الْقَابِسِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ حَسَنَ الشَّعْرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ مِنَ الْحُسْنِ وَلِغَيْرِهِ خَشِنَ مِنَ الْخُشُونَةِ وَهُوَ أَصْوَبُ قَوْلُهُ (فَقَامَ عَلَيْهِمْ) أَيْ وَقَفَ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ بَشِّرَ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَلُ) أَمَّا قَوْلُهُ بَشِّرَ الْكَانِزِينَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ لِمَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الْكَنْزَ كُلُّ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مذهب أبي ذر وورى عَنْهُ غَيْرُهُ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْكَنْزَ هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَأَمَّا إِذَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ سَوَاءٌ كَثُرَ أَمْ قَلَّ وَقَالَ الْقَاضِي الصَّحِيحُ أَنَّ إِنْكَارَهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى السَّلَاطِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي وُجُوهِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي بَاطِلٌ لِأَنَّ السَّلَاطِينَ فِي زَمَنِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ صِفَتُهُمْ وَلَمْ يَخُونُوا فِي بَيْتِ الْمَالِ إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَتُوُفِّيَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ قَوْلُهُ (بِرَضْفٍ) هِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ وَقَوْلُهُ يُحْمَى عَلَيْهِ أَيْ يُوقَدُ عَلَيْهِ وَفِي جَهَنَّمَ مَذْهَبَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ فَلَا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعِلْمِيَّةِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ
(7/77)

قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ هِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ اسْمٌ عَرَبِيٌّ سُمِّيَتْ بِهِ لِبُعْدِ قَعْرِهَا وَلَمْ يَنْصَرِفْ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ قَالَ قُطْرُبٌ عَنْ رُؤْبَةُ يُقَالُ بِئْرٌ جَهَنَّامٌ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ يُقَالُ جهم الْوَجْهِ أَيْ غَلِيظُهُ وَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ لِغِلَظِ أَمْرِهَا فِي الْعَذَابِ وَقَوْلُهُ (ثَدْيِ أَحَدِهِمْ) فِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الثَّدْيِ فِي الرَّجُلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ أَنْكَرَهُ وَقَالَ لَا يُقَالُ ثَدْيٌ إِلَّا لِلْمَرْأَةِ وَيُقَالُ فِي الرَّجُلِ ثُنْدُؤَةٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِسَيْفِهِ فَجَعَلَ ذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ وَسَبَقَ أَنَّ الثَّدْيَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَوْلُهُ (نُغْضِ كَتِفَيْهِ) هُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ وَهُوَ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي عَلَى طَرَفِ الْكَتِفِ وَقِيلَ هُوَ أَعْلَى الْكَتِفِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا النَّاغِضُ وَقَوْلُهُ يَتَزَلْزَلُ أَيْ يَتَحَرَّكُ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بِسَبَبِ نُضْجِهِ يَتَحَرَّكُ لِكَوْنِهِ يَهْتَرِي قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْحَرَكَةَ وَالتَّزَلْزُلَ إِنَّمَا هُوَ لِلرَّضْفِ أَيْ يَتَحَرَّكُ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ بِإِفْرَادِ الثَّدْيِ فِي الْأَوَّلِ وَتَثْنِيَتِهِ فِي الثَّانِي وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ (لَا تَعْتَرِيهِمْ) أَيْ تَأْتِيهِمْ وَتَطْلُبُ مِنْهُمْ يُقَالُ عَرَوْتَهُ وَاعْتَرَيْتَهُ وَاعْتَرَرْتَهُ إِذَا أَتَيْتَهُ تَطْلُبُ مِنْهُ حَاجَةً قَوْلُهُ (لَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ
(7/78)

عَنْ دُنْيَا وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا بِحَذْفِ عَنْ وَهُوَ الْأَجْوَدُ أَيْ لَا أَسْأَلُهُمْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهَا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ الْعَصْرِيُّ) هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَالْعَصْرِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي عَصْرٍ

(باب الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بِالْخَلَفِ)
[993] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ فَيَتَضَمَّنُ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مَعْنَى فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَلَفِ مِنْ فَضْلِ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَمِينُ اللَّهِ ملأى وقال بن نمير ملآن هكذا وقعت رواية بن نُمَيْرٍ بِالنُّونِ قَالُوا وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ وَصَوَابُهُ مَلْأَى كَمَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ ضَبَطُوا رواية بن نُمَيْرٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إِسْكَانُ اللَّامِ وَبَعْدَهَا همزة والثاني ملان بفتح اللام بِلَا هَمْزٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/79)

(يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ضَبَطُوا سَحَّاءُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا سَحَّاءٌ بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهُرُ وَالثَّانِي حَكَاهُ الْقَاضِي سَحَّاءُ بِالْمَدِّ عَلَى الْوَصْفِ وَوَزْنُهُ فَعَلَاءُ صِفَةٌ لِلْيَدِ وَالسَّحُّ الصَّبُّ الدَّائِمُ وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِ وَمَعْنَى لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ أَيْ لَا يَنْقُصُهَا يُقَالُ غَاضَ الْمَاءُ وَغَاضَهُ اللَّهُ لَازِمٌ ومعتد قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ هَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمُنَاسِبَةِ لِلشِّمَالِ لَا يُوصَفُ بِهَا الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الشِّمَالِ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّحْدِيدَ وَيَتَقَدَّسُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ التَّجْسِيمِ وَالْحَدِّ وَإِنَّمَا خَاطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَفْهَمُونَهُ وَأَرَادَ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْقُصُهُ الْإِنْفَاقُ وَلَا يُمْسِكُ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ جَلَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَعَبَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَوَالِي النِّعَمِ بِسَحِّ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْبَاذِلَ مِنَّا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَأَنَّ الْمَقْدُورَاتِ تَقَعُ بِهَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا تَخْتَلِفُ قُوَّةً وَضَعْفًا كَمَا يَخْتَلِفُ فِعْلُنَا بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَمُشَابَهَةِ الْمُحْدَثِينَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرواية الثَّانِيَةِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَفْعَلُ بِهَا الْمُخْتَلِفَاتِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِينَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِيَدَيْنِ عَبَّرَ عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ بِالْيَدَيْنِ لِيُفْهِمَهُمُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِمَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْخِطَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ (لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ نَصْبُ اللَّيْلِ
(7/80)

وَالنَّهَارِ وَرَفْعُهُمَا النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْفَيْضُ بِالْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالثَّانِي الْقَبْضُ بِالْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ بِالْقَافِ وَهُوَ الْمَوْجُودُ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ قَالَ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَالْمَعْرُوفُ قَالَ وَمَعْنَى الْقَبْضِ الْمَوْتُ وَأَمَّا الْفَيْضُ بِالْفَاءِ فَالْإِحْسَانُ وَالْعَطَاءُ وَالرِّزْقُ الْوَاسِعُ قَالَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْقَبْضِ بِالْقَافِ أَيِ الْمَوْتُ قَالَ الْبَكْرَاوِيُّ وَالْفَيْضُ الْمَوْتُ قَالَ الْقَاضِي قَيْسٌ يَقُولُونَ فَاضَتْ نَفْسُهُ بِالضَّادِ إِذَا مَاتَ وَطَيٌّ يَقُولُونَ فَاظَتْ نَفْسُهُ بِالظَّاءِ وَقِيلَ إِذَا ذُكِرَتِ النَّفْسُ فَبِالضَّادِ وَإِذَا قِيلَ فَاظَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النَّفْسِ فَبِالظَّاءِ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ فَقَدْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنِ الرِّزْقِ وَمَقَادِيرِهِ وَقَدْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ جُمْلَةِ الْمَقَادِيرِ وَمَعْنَى يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ قِيلَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ الرِّزْقِ يَقْتُرُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُوسِعُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَقَدْ يَكُونَانِ عِبَارَةً عَنْ تَصَرُّفِ الْمَقَادِيرِ بِالْخَلْقِ بِالْعِزِّ وَالذُّلِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ والمملوك)
(وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عَنْهُمْ) مَقْصُودُ الْبَابِ الْحَثُّ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ وَبَيَانُ عِظَمِ الثَّوَابِ فِيهِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً وَتَكُونُ صَدَقَةً وَصِلَةً وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ وَاجِبَةً بِمِلْكِ النِّكَاحِ
(7/81)

أَوْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَهَذَا كُلُّهُ فَاضِلٌ مَحْثُوثٌ عَلَيْهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَلِهَذَا

[995] قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ بن أَبِي شَيْبَةَ (أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَهُ النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَرَجَّحَ النَّفَقَةَ عَلَى الْعِيَالِ عَلَى هَذَا كُلِّهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَزَادَهُ تَأْكِيدًا

[996] بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ) فَقُوتُهُ مَفْعُولُ يَحْبِسَ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) هُوَ بِالْجِيمِ قَوْلُهُ (قَهْرَمَانُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ الْخَازِنُ الْقَائِمُ بِحَوَائِجِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَكِيلِ وَهُوَ بِلِسَانِ الْفُرْسِ

(باب الِابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَةِ بِالنَّفْسِ ثُمَّ أَهْلِهِ ثُمَّ الْقَرَابَةِ)
[997] فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَلَكَ
(7/82)

مَالٌ غَيْرُهُ فَقَالَ لَا فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا الِابْتِدَاءُ فِي النَّفَقَةِ بِالْمَذْكُورِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَمِنْهَا أَنَّ الْحُقُوقَ وَالْفَضَائِلَ إِذَا تَزَاحَمَتْ قُدِّمُ الْأَوْكَدُ فَالْأَوْكَدُ وَمِنْهَا أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَنْ يُنَوِّعَهَا فِي جِهَاتِ الْخَيْرِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا يَنْحَصِرُ فِي جِهَةٍ بِعَيْنِهَا وَمِنْهَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ فِيهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَاعَهُ لِيُنْفِقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي هَذَا وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا إِلَى آخِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(7/83)

(باب فَضْلِ النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْأَقْرَبِينَ وَالزَّوْجِ وَالْأَوْلَادِ)
(وَالْوَالِدَيْنِ وَلَوْ كَانُوا مُشْرِكِينَ)

[998] قَوْلُهُ (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءُ) اخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى أَوْجُهٍ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ رُوِّينَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنْ شُيُوخِنَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا مَعَ كَسْرِ الْبَاءِ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ قَالَ الْبَاجِيُّ قَرَأْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ الْبَرَوِيِّ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَالَ وَعَلَيْهِ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ بِالْمَشْرِقِ وَقَالَ لِي الصُّورِيُّ هِيَ بِالْفَتْحِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَنْ رَفَعَ الرَّاءَ وَأَلْزَمَهَا حُكْمَ الْإِعْرَابِ فَقَدْ أَخْطَأَ قَالَ وَبِالرَّفْعِ قَرَأْنَاهُ عَلَى شُيُوخِنَا بِالْأَنْدَلُسِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ يُعْرَفُ بِقَصْرِ بَنِي جَدِيلَةَ قِبْلِي الْمَسْجِدِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ هَذَا الْحَرْفَ بَرِيحَاءَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وكسر الراء وكذا سمعناه من أبي بحر عن العذرى والسمرقندى وكان عند بن سَعِيدٍ عَنِ الْبَحْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ بِيرَحَاءَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَضَبَطَهُ الْحُمَيْدِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ بَيْرَحَاءَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ وَوَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ جَعَلْتُ أَرْضِي بَارِيحَا لِلَّهِ وَأَكْثَرُ رِوَايَاتِهِمْ فِي هَذَا الْحَرْفِ بِالْقَصْرِ وَرُوِّينَاهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا بِالْوَجْهَيْنِ وَبِالْمَدِّ وَجَدْتُهُ بِخَطِّ الْأَصِيلِيِّ وَهُوَ حَائِطٌ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ وَلَيْسَ اسْمَ بِئْرٍ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي قَوْلُهُ (قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ) إِلَى آخِرِهِ فِيهِ دَلَالَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ كَمَا يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ قَالَ وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شخير التابعي
(7/84)

لَا يُقَالُ اللَّهُ يَقُولُ وَإِنَّمَا يُقَالُ قَالَ اللَّهُ أَوِ اللَّهُ قَالَ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُضَارِعًا وَهَذَا غَلَطٌ وَالصَّوَابُ جَوَازُهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَكَأَنَّ مَنْ كَرِهَهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِئْنَافَ الْقَوْلَ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ وَهَذَا ظَنٌّ عَجِيبٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ وَلَا لَبْسَ فِيهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْإِنْفَاقِ مِمَّا يُحِبُّ وَمُشَاوَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّدَقَاتِ وَوُجُوهِ الطَّاعَاتِ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ بَخٍ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَنْوِينِهَا مَكْسُورَةٍ وَحَكَى الْقَاضِي الْكَسْرَ بِلَا تَنْوِينٍ وَحَكَى الْأَحْمَرُ التَّشْدِيدَ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ فَإِذَا كُرِّرَتْ فَالِاخْتِيَارُ تَحْرِيكُ الْأَوَّلِ منونا واسكان الثاني قال بن دُرَيْدٍ مَعْنَاهُ تَعْظِيمُ الْأَمْرِ وَتَفْخِيمُهُ وَسُكِّنَتِ الْخَاءُ فِيهِ كَسُكُونِ اللَّامِ فِي هَلْ وَبَلْ وَمَنْ قَالَ بَخٍ بِكَسْرِهِ مُنَوَّنًا شَبَّهَهُ بِالْأَصْوَاتِ كَصَهٍ ومه قال بن السِّكِّيتِ بَخٍ بَخٍ وَبَهٍ بَهٍ
(7/85)

بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ بَخٍ كَلِمَةٌ تُقَالُ إِذَا حُمِدَ الْفِعْلُ وَقَالَ غَيْرُهُ تُقَالُ عِنْدَ الْإِعْجَابِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالٌ رَابِحٌ فَضَبَطْنَاهُ هُنَا بِوَجْهَيْنِ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَقَالَ الْقَاضِي رِوَايَتُنَا فِيهِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَاخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِمَا فَمَنْ رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ فَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَمَنْ رَوَاهُ رَايِحٌ بِالْمُثَنَّاةِ فَمَعْنَاهُ رَايِحٌ عَلَيْكَ أَجْرُهُ وَنَفْعُهُ فِي الْآخِرَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَجَانِبِ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ وَفِيهِ أَنَّ الْقَرَابَةَ يُرْعَى حَقُّهَا فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعُوا إِلَّا فِي أَبٍ بَعِيدٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ أَنْ يَجْعَلَ صَدَقَتَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ فَجَعَلَهَا فِي أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا يَجْتَمِعَانِ مَعَهُ فِي الْجَدِّ السَّابِعِ

[999] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ مَيْمُونَةَ حِينَ أَعْتَقَتِ الْجَارِيَةَ (لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ) فِيهِ فَضِيلَةُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْعِتْقِ وَهَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَخْوَالَكِ بِاللَّامِ وَوَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَخَوَاتِكِ بِالتَّاءِ قَالَ الْقَاضِي ولعله أَصَحُّ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَعْطَيْتِهَا أُخْتَكِ قُلْتُ الْجَمِيعُ صَحِيحٌ وَلَا تَعَارُضَ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَفِيهِ الِاعْتِنَاءُ بِأَقَارِبِ الْأُمِّ إِكْرَامًا بِحَقِّهَا وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي بِرِّهَا وَفِيهِ جَوَازُ تَبَرُّعِ الْمَرْأَةِ بما لها بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا

[1000] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ) فِيهِ أَمْرُ وَلِيِّ الْأَمْرِ رَعِيَّتَهُ بِالصَّدَقَةِ وَفِعَالِ الْخَيْرِ وَوَعْظُهُ النِّسَاءَ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَالْمَعْشَرُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ وَاحِدَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ مُفْرَدٌ وَأَمَّا الْجَمْعُ فَيُقَالُ بضم الحاء
(7/86)

وَكَسْرِهَا وَاللَّامُ مَكْسُورَةٌ فِيهِمَا وَالْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ قَوْلُهَا (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَكْفِي وَكَذَا قَوْلُهَا بَعْدُ أَتَجْزِي الصدقة عنهما بفتح التاء وقولها (أتجزى الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى زَوْجَيْهِمَا) هَذِهِ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ فَيُقَالُ عَلَى زَوْجَيْهِمَا وَعَلَى زَوْجِهِمَا وَعَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَهِيَ أَفْصَحُهُنَّ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ فِي قوله تعالى فقد صغت قلوبكما وَكَذَا قَوْلُهَا (وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا) وَشِبْهُ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ منه واحد قولهما (ولا تخبر مَنْ نَحْنُ ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِمَا) قَدْ يُقَالُ إِنَّهُ إِخْلَافٌ لِلْوَعْدِ وَإِفْشَاءٌ لِلسِّرِّ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ عَارَضَ ذَلِكَ جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبٌ مُحَتَّمٌ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ وَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ بُدِئَ بِأَهَمِّهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ
(7/87)

فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَأَنَّ فِيهَا أَجْرَيْنِ قَوْلُهُ (فَذَكَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) الْقَائِلُ فَذَكَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ هُوَ الْأَعْمَشُ وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ شَيْخَيْنِ شَقِيقٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ امرأة بن مَسْعُودٍ وَالْمَرْأَةِ الْأَنْصَارِيَّةِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَأَيْتَامِ فِي حُجُورِهِمَا وَنَفَقَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى بَنِيهَا الْمُرَادُ بِهِ كُلُّهُ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ وَسِيَاقُ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ

[1002] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ وَالنَّفَقَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي بَاقِي الْأَحَادِيثِ إِذَا احْتَسَبَهَا وَمَعْنَاهُ أَرَادَ بِهَا وَجْهَ الله تعالى
(7/88)

فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَنْفَقَهَا ذَاهِلًا وَلَكِنْ يَدْخُلُ الْمُحْتَسِبُ وَطَرِيقُهُ فِي الِاحْتِسَابِ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَأَطْفَالِ أَوْلَادِهِ وَالْمَمْلُوكِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِهِمْ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِمْ وَأَنَّ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ إِلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ فَيُنْفِقُ بِنِيَّةِ أَدَاءِ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَدْ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1003] قَوْلُهُ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ قَدِمَتَ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاهِبَةٌ أَوْ رَاغِبَةٌ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ رَاغِبَةٌ بِلَا شَكٍّ وَفِيهَا وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَقُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ قَالَ الْقَاضِي الصَّحِيحُ رَاغِبَةٌ بِلَا شَكٍّ قَالَ قِيلَ مَعْنَاهُ رَاغِبَةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَكَارِهَةٌ لَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ طامعة فيما أعطيتها حريصة عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَدِمَتَ عَلَيَّ أُمِّي رَاغِبَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ فَالْأَوَّلُ رَاغِبَةٌ بِالْبَاءِ أَيْ طَامِعَةٌ طَالِبَةٌ صِلَتِي وَالثَّانِيَةُ بِالْمِيمِ مَعْنَاهُ كَارِهَةٌ لِلْإِسْلَامِ سَاخِطَتُهُ وَفِيهِ جَوَازُ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ وَأُمُّ أَسْمَاءَ اسْمُهَا قَيْلَةُ وَقِيلَ قَتِيلَةُ بِالْقَافِ وَتَاءِ مُثَنَّاةٍ من فوق وهي قَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهَا أَسْلَمَتْ أَمْ مَاتَتْ عَلَى كفرها والأكثرون على موتها مشركة

(باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه)

[1004] قَوْلُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسَهَا

(ضَبَطْنَاهُ نَفْسَهَا وَنَفْسُهَا بِنَصَبِ السِّينِ وَرَفْعِهَا فالرفع)
(7/89)

عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ قَالَ الْقَاضِي أَكْثَرُ رِوَايَتِنَا فِيهِ بِالنَّصْبِ وَقَوْلُهُ افْتَلَتَتْ بِالْفَاءِ هَذَا هُوَ صَوَابُ الَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وغيرهم ورواه بن قُتَيْبَةَ اقْتَتَلَتْ نَفْسَهَا بِالْقَافِ قَالَ وَهِيَ كَلِمَةٌ يُقَالُ لِمَنْ مَاتَ فَجْأَةً وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ قتلته الْجِنُّ وَالْعِشْقُ وَالصَّوَابُ الْفَاءُ قَالُوا وَمَعْنَاهُ مَاتَتْ فَجْأَةً وَكُلُّ شَيْءٍ فُعِلَ بِلَا تَمَكُّثٍ فَقَدِ افْتُلِتَ وَيُقَالُ افْتَلَتَ الْكَلَامَ وَاقْتَرَحَهُ وَاقْتَضَبَهُ إِذَا ارْتَجَلَهُ وَقَوْلُهَا (أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ) فَقَوْلُهُ إِنْ تَصَدَّقْتِ هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إِنْ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهِ قَالَ وَلَا يَصِحُّ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَنِ الْمَيِّتِ تَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَيَصِلُهُ ثَوَابُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا أَجْمَعُوا عَلَى وُصُولِ الدُّعَاءِ وَقَضَاءِ الدِّينِ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَمِيعِ وَيَصِحُّ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ حَجَّ الْإِسْلَامِ وَكَذَا إِذَا وَصَّى بِحَجِّ التَّطَوُّعِ عَلَى الأصح عندنا واختلف العلماء في الصوم إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ فَالرَّاجِحُ جَوَازُهُ عَنْهُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا يَصِلُهُ ثَوَابُهَا وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يَصِلُهُ ثَوَابُهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ فَلَا تَصِلُهُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَحْمَدُ يَصِلُهُ ثَوَابُ الْجَمِيعِ كَالْحَجِّ
(7/90)

(باب بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَعْرُوفِ)
[1005] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) أَيْ لَهُ حُكْمُهَا فِي الثَّوَابِ وَفِيهِ بَيَانُ مَا ذَكَرْنَاهُ في الترجمة وفيه أنه لايحتقر شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْخَلَ بِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُ قَوْلُهُ

[1006] (ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ) الدُّثُورُ بِضَمِّ الدَّالِ جَمْعُ دَثْرٍ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (أو ليس قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ) وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَصَّدَّقُونَ فَالرِّوَايَةُ فِيهِ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالدَّالِ جَمِيعًا وَيَجُوزُ فِي اللُّغَةِ تَخْفِيفُ الصَّادِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً فَرَوَيْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ رَفْعُ صَدَقَةٍ وَنَصْبُهُ فَالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلَى أَنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ تَسْمِيَتَهَا صَدَقَةً أَنَّ لَهَا أَجْرًا كَمَا لِلصَّدَقَةِ أَجْرٌ وَأَنَّ هَذِهِ الطَّاعَاتِ تُمَاثِلُ الصَّدَقَاتِ فِي الْأُجُورِ وَسَمَّاهَا صَدَقَةً عَلَى طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ وَتَجْنِيسِ الْكَلَامِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا صَدَقَةٌ عَلَى نفسه
(7/91)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِهَذَا نَكَّرَهُ وَالثَّوَابُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ نَفْلًا وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ نَوَافِلُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَجْرَ الْفَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ النَّفْلِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إِنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ النَّافِلَةِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً وَاسْتَأْنَسُوا فِيهِ بِحَدِيثٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْجِمَاعِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ نَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا تَصِحُّ إِرَادَتُهُ هُنَا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَاتِ تَصِيرُ طَاعَاتٍ بِالنِّيَّاتِ الصَّادِقَاتِ فَالْجِمَاعُ يَكُونُ عِبَادَةً إِذَا نَوَى بِهِ قَضَاءَ حَقِّ الزَّوْجَةِ وَمُعَاشَرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَوْ طَلَبَ وَلَدٍ صَالِحٍ أَوْ إِعْفَافَ نَفْسِهِ أَوْ إِعْفَافَ الزَّوْجَةِ وَمَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنَ النَّظَرِ إِلَى حَرَامٍ أَوَ الْفِكْرِ فِيهِ أَوِ الْهَمِّ بِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ قَوْلُهُ (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) فِيهِ جَوَازُ الْقِيَاسِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنِ التَّابِعِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ ذَمِّ الْقِيَاسِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقِيَاسَ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ الْفُقَهَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ وَهَذَا الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ قِيَاسِ الْعَكْسِ وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ دليل
(7/92)

لِمَنْ عَمِلَ بِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ التَّسْبِيحِ وَسَائِرُ الْأَذْكَارِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِحْضَارُ النِّيَّةِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَذَكْرُ الْعَالِمُ دَلِيلًا لِبَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَخْفَى وَتَنْبِيهُ الْمُفْتَى عَلَى مُخْتَصَرِ الْأَدِلَّةِ وَجَوَازُ سُؤَالِ الْمُسْتَفْتِي عَنْ بَعْضِ مَا يَخْفَى مِنَ الدَّلِيلِ إِذَا عَلِمَ مِنْ حَالِ الْمَسْئُولِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ سُوءُ أَدَبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) ضَبَطْنَا أَجْرًا بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ وَهُمَا ظَاهِرَانِ

[1007] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَدَدَ تلك الستين والثلثمائة السُّلَامَى) قَدْ يُقَالُ وَقَعَ هُنَا إِضَافَةُ ثَلَاثٍ إِلَى مِائَةٍ مَعَ تَعْرِيفِ الْأَوَّلِ وَتَنْكِيرِ الثَّانِي وَالْمَعْرُوفُ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَكْسُهُ وَهُوَ تَنْكِيرُ الْأَوَّلِ وَتَعْرِيفُ الثَّانِي وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَكَيْفِيَّةُ قِرَاءَتِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ احْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ بِالْإِسْلَامِ قُلْنَا أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ وَأَمَّا السُّلَامَى فَبِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَهُوَ الْمَفْصِلُ وَجَمْعُهُ سَلَامَيَاتٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ) أَيْ بَاعَدَهَا قَوْلُهُ (فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ) قَالَ أَبُو تَوْبَةَ وَرُبَّمَا قَالَ يُمْسِي وَوَقَعَ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ كِتَابِ مُسْلِمٍ الْأَوَّلُ يَمْشِي بفتح
(7/93)

الْيَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالثَّانِي بِضَمِّهَا وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَلِبَعْضِهِمْ عَكْسُهُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَهُ فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَقَالَ إِنَّهُ يُمْسِي فَبِالْمُهْمَلَةِ لَا غَيْرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ وَقَالَ فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمئِذٍ فَبِالْمُعْجَمَةِ بِاتِّفَاقِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ) الْمَلْهُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَحَسِّرِ وَعَلَى الْمُضْطَرِّ وعلى المظلوم وقولهم يالهف نَفْسِي عَلَى كَذَا كَلِمَةٌ يُتَحَسَّرُ بِهَا عَلَى مَا فَاتَ وَيُقَالُ لَهِفَ بِكَسْرِ الْهَاءِ يَلْهَفُ بفتحها لهفا باسكانها أي حزن وتحسر وكذلك التلهف قوله صلى الله عليه وسلم (تمسك عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ) مَعْنَاهُ صَدَقَةٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ لَهُ أَجْرٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّ لِلْمُتَصَدِّقِ بِالْمَالِ أَجْرًا

[1009] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ
(7/94)

صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ صَدَقَةُ نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ لَا إِيجَابٍ وَإِلْزَامٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ) أَيْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ قَوْلُهُ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ قَوْلُهُ

[1010] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا فِي الْإِنْفَاقِ فِي الطَّاعَاتِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالصَّدَقَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُذَمُّ وَلَا يُسَمَّى سَرَفًا وَالْإِمْسَاكُ الْمَذْمُومُ هو الامساك عَنْ هَذَا

[1011] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَصَدَّقُوا فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا
(7/95)

فَأَمَّا الْآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا) مَعْنَى أُعْطِيَهَا أَيْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ مِمَّا وَرَدَ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ وَاغْتِنَامِ إِمْكَانِهَا قَبْلَ تَعَذُّرِهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ تَصَدَّقُوا فيوشك الرجل إلى آخره وَسَبَبُ عَدَمِ قَبُولِهِمُ الصَّدَقَةَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَظُهُورِ كُنُوزُ الْأَرْضِ وَوَضْعِ الْبَرَكَاتِ فِيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ بَعْدَ هَلَاكِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَقِلَّةِ آمَالِهِمْ وَقُرْبِ السَّاعَةِ وَعَدَمِ ادِّخَارِهِمُ الْمَالَ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1012] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَطُوفُ الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ مِنَ الذَّهَبِ) إِنَّمَا هَذَا يَتَضَمَّنُ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الذَّهَبُ لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا فَتَحْصُلُ الْمُبَالَغَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ كَوْنُهُ يَعْرِضُهَا وَيَطُوفُ بِهَا وَهِيَ ذَهَبٌ قَوْلُهُ وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ ثُمَّ قال وفي رواية بن بَرَّادٍ وَتَرَى هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْأَوَّلُ يُرَى بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ تَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ) مَعْنَى يَلُذْنَ بِهِ أَيْ يَنْتَمِينَ إِلَيْهِ لِيَقُومَ بِحَوَائِجِهِنَّ وَيَذُبَّ عَنْهُنَّ كَقَبِيلَةٍ بَقِيَ مِنْ رِجَالِهَا وَاحِدٌ فَقَطْ وَبَقِيَتْ نِسَاؤُهَا فَيَلُذْنَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ لِيَذُبَّ عَنْهُنَّ وَيَقُومَ بِحَوَائِجِهِنَّ وَلَا يَطْمَعَ فِيهِنَّ أَحَدٌ بِسَبَبِهِ وَأَمَّا سَبَبُ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ فَهُوَ الْحُرُوبُ وَالْقِتَالُ
(7/96)

الَّذِي يَقَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَتَرَاكُمُ الْمَلَاحِمِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ أَيِ الْقَتْلُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ بن عبد الرحمن القارىء) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَةِ الْقَبِيلَةِ المَعْرُوفَةِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا) مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَهَا وَيُعْرِضُونَ عَنْهَا فَتَبْقَى مُهْمَلَةً لَا تُزْرَعُ وَلَا تُسْقَى مِنْ مِيَاهِهَا وَذَلِكَ لِقِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ الْحُرُوبِ وتراكم الفتن وَقُرْبِ السَّاعَةِ وَقِلَّةِ الْآمَالِ وَعَدَمِ الْفَرَاغِ لِذَلِكَ والِاهْتِمَامِ بِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَجْوَدُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا يُهِمَّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَيَكُونُ رَبُّ الْمَالِ مَنْصُوبًا مَفْعُولًا وَالْفَاعِلُ مَنْ وَتَقْدِيرُهُ يُحْزِنُهُ وَيَهْتَمُّ لَهُ وَالثَّانِي يَهُمَّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَيَكُونُ رَبُّ الْمَالِ مَرْفُوعًا فَاعِلًا وَتَقْدِيرُهُ يَهُمُّ رَبُّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ أَيْ بِقَصْدِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ أَهَمَّهُ إِذَا أَحْزَنَهُ وَهَمَّهُ إِذَا أَذَابَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ هَمَّكَ مَا أَهَمَّكَ أَيْ أَذَابَكَ الشَّيْءُ الَّذِي أَحْزَنَكَ فَأَذْهَبَ شَحْمَكَ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي هُوَ مِنْ هَمَّ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا أَرَبَ لِي فِيهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ أَيْ لَا حَاجَةَ

[1013] قَوْلُهُ (مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرِ
(7/97)

بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَمَاعَةَ أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَاضِي بَغْدَادَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذهب والفضة) قال بن السِّكِّيتِ الْفَلْذُ الْقِطْعَةُ مِنْ كَبِدِ الْبَعِيرِ وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ التَّشْبِيهُ أَيْ تُخْرِجُ مَا فِي جَوْفِهَا مِنَ الْقِطَعِ الْمَدْفُونَةِ فِيهَا وَالْأُسْطُوَانُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ وَهُوَ جَمْعُ أُسْطُوَانَةٍ وَهِيَ السَّارِيَةُ وَالْعَمُودُ وَشَبَّهَهُ بالأسطوان لعظمه وكثرته

[1014] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) الْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ هُنَا الْحَلَالُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ) قَالَ الْمَازِرِيُّ قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِحَالَةَ الْجَارِحَةِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَشِبْهَهُ إِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَلَى مَا اعْتَادُوا فِي خِطَابِهِمْ لِيَفْهَمُوا فَكَنَّى هُنَا عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِأَخْذِهَا فِي الْكَفِّ وَعَنْ تَضْعِيفِ أَجْرِهَا بِالتَّرْبِيَةِ قال الْقَاضِي عِيَاضٌ لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى وَيُعَزُّ يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ وَيُؤْخَذُ بِهَا اسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ هَذَا وَاسْتُعِيرَ لِلْقَبُولِ وَالرِّضَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ ... إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ ...

(قَالَ وَقِيلَ عَبَّرَ بِالْيَمِينِ هُنَا عَنْ جِهَةِ الْقَبُولِ وَالرِّضَا إِذِ الشِّمَالُ بِضِدِّهِ فِي هَذَا قَالَ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِكَفِّ الرَّحْمَنِ هُنَا وَيَمِينِهِ كَفُّ الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَإِضَافَتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةُ مِلْكٍ وَاخْتِصَاصٍ لوضع)
(7/98)

هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِيهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ وَقَدْ قِيلَ فِي تَرْبِيَتِهَا وَتَعْظِيمِهَا حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ أَجْرِهَا وَتَضْعِيفُ ثَوَابِهَا قَالَ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنْ تَعْظُمَ ذَاتُهَا وَيُبَارِكَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا وَيَزِيدَهَا مِنْ فَضْلِهِ حَتَّى تَثْقُلَ فِي الْمِيزَانِ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تعالى يمحق الله الربا ويربى الصدقات قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْفَلُوُّ الْمُهْرُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ فُلِّيَ عَنْ أُمِّهِ أَيْ فُصِلَ وَعُزِلَ وَالْفَصِيلُ وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا فُصِلَ مِنْ إِرْضَاعِ أُمِّهِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ كَجَرِيحٍ وَقَتِيلٍ بِمَعْنَى مَجْرُوحٍ وَمَقْتُولٍ وَفِي الْفَلُوِّ لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا فَتْحُ الْفَاءِ وَضَمُّ اللَّامِ وَتَشْدِيدُ الْوَاوِ وَالثَّانِيَةُ كَسْرُ الْفَاءِ وَإِسْكَانُ اللام وتخفيف الواو قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلُوَّهُ أَوْ قَلُوصَهُ) هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ اللَّامِ وَهِيَ الناقة الفتية
(7/99)

ولايطلق عَلَى الذَّكَرِ

[1015] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا) قَالَ الْقَاضِي الطَّيِّبُ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْقُدُّوسِ وَأَصْلُ الطَّيِّبُ الزَّكَاةُ وَالطَّهَارَةُ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْخَبَثِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِي الْأَحْكَامِ وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْهَا أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي جُزْءٍ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْحَلَالِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْإِنْفَاقِ مِنْ غَيْرِهِ وَفِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوبَ وَالْمَأْكُولَ وَالْمَلْبُوسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَلَالًا خَالِصًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ الدُّعَاءَ كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِنَاءِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ (ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ) إِلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُطِيلُ السَّفَرَ فِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ كَحَجٍّ وَزِيَارَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَغُذِيَ بِالْحِرَامِ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمَكْسُورَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَيْنَ يُسْتَجَابُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ وَكَيْفَ يُسْتَجَابُ لَهُ

(باب الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)
(أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنْ النَّارِ)

[1016] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فليفعل) شق
(7/100)

التَّمْرَةِ بِكَسْرِ الشِّينِ نِصْفُهَا وَجَانِبُهَا وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا وَأَنَّ قَلِيلَهَا سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ قَوْلُهُ (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا وَهُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ لِسَانٍ بِلِسَانٍ قَوْلُهُ (وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) فِيهِ أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي فيها تطيب قَلْبِ إِنْسَانٍ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً أَوْ طَاعَةً قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ الْأَعْمَشُ وَعَمْرٌو وَخَيْثَمَةُ قَوْلُهُ (فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ قَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ نَحَّاهُ وَعَدَلَ بِهِ وَقَالَ
(7/101)

الْأَكْثَرُونَ الْمُشِيحُ الْحَذِرُ وَالْجَادُّ فِي الْأَمْرِ وَقِيلَ الْمُقْبِلُ وَقِيلَ الْهَارِبُ وَقِيلَ الْمُقْبِلُ إِلَيْكَ الْمَانِعُ لما وراء ظهره فأشاح هنا يحتمل هذه المعانى أَيْ حَذِرَ النَّارَ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَوْ جَدَّ فِي الْإِيضَاحِ بِإِيقَانِهَا أَوْ أَقْبَلَ إِلَيْكَ خِطَابًا أَوْ أَعْرَضَ كَالْهَارِبِ

[1017] قَوْلُهُ (مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوَ الْعَبَاءِ) النِّمَارُ بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نَمِرَةٍ بفتحها وهي ثياب صوف فيها تنمير والعباء بِالْمَدِّ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ جَمْعُ عَبَاءَةٍ وَعَبَايَةٍ لُغَتَانِ وَقَوْلُهُ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَيْ خَرَقُوهَا وَقَوَّرُوا وَسَطَهَا قَوْلُهُ (فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَغَيَّرَ قَوْلُهُ (فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ جَمْعِ النَّاسِ لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَوَعْظِهِمْ وَحَثِّهِمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِحِ قَوْلُهُ (فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحدة) سَبَبُ قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا أَبْلَغُ
(7/102)

فِي الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ وَلِمَا فِيهَا مِنْ تَأَكُّدِ الْحَقِّ لِكَوْنِهِمْ إِخْوَةً قَوْلُهُ (رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا قَالَ الْقَاضِي ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالْفَتْحِ وَبَعْضُهُمْ بالضم قال بن سِرَاجٍ هُوَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِمَا كَوَّمَهُ وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ قَالَ وَالْكُوْمَةُ بِالضَّمِّ الصُّبْرَةُ وَالْكَوْمُ الْعَظِيمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَالْكَوْمُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ كَالرَّابِيَةِ قَالَ الْقَاضِي فَالْفَتْحُ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْكَثْرَةُ وَالتَّشْبِيهُ بِالرَّابِيَةِ قَوْلُهُ (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) فَقَوْلُهُ يَتَهَلَّلُ أَيْ يَسْتَنِيرُ فَرَحًا وَسُرُورًا وَقَوْلُهُ مُذْهَبَةٌ ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي وَالْجُمْهُورُ مُذْهَبَةٌ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَالثَّانِي وَلَمْ يَذْكُرِ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ غَيْرَهُ مُدْهُنَةٌ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ الْهَاءِ وَبَعْدَهَا نُونٌ وَشَرَحَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي كِتَابِهِ غَرِيبُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ فَسَّرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِنْ صَحَّتِ الْمُدْهُنُ الْإِنَاءُ الَّذِي يُدْهَنُ فِيهِ وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ لِلنُّقْرَةِ فِي الْجَبَلِ الَّتِي يُسْتَجْمَعُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ فَشَبَّهَ صَفَاءَ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ بِصَفَاءِ هَذَا الْمَاءِ وَبِصَفَاءِ الدُّهْنِ وَالْمُدْهُنُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ هَذَا تَصْحِيفٌ وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَاتِ وَعَلَى هَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهَيْنِ فِي تَفْسِيرِهِ أَحَدُهُمَا مَعْنَاهُ فِضَّةٌ مُذْهَبَةٌ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي حُسْنِ الْوَجْهِ وَإِشْرَاقِهِ وَالثَّانِي شَبَّهَهُ فِي حُسْنِهِ وَنُورِهِ بِالْمُذْهَبَةِ مِنَ الْجُلُودِ وَجَمْعُهَا مَذَاهِبُ وَهِيَ شَيْءٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تَصْنَعُهُ مِنْ جُلُودٍ وَتَجْعَلُ فِيهَا خُطُوطًا مُذْهَبَةً يُرَى بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ وَأَمَّا سَبَبُ سُرُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَحًا بِمُبَادَرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَذْلِ أَمْوَالِهِمْ لِلَّهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِدَفْعِ حَاجَةِ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَاجِينَ وَشَفَقَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَتَعَاوُنِهِمْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ إِذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَنْ يَفْرَحَ وَيُظْهِرَ سُرُورَهُ وَيَكُونَ فَرَحُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/103)

(مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا) إِلَى آخِرِهِ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالْخَيْرَاتِ وَسَنِّ السُّنَنَ الْحَسَنَاتِ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ اخْتِرَاعِ الْأَبَاطِيلِ وَالْمُسْتَقْبَحَاتِ وَسَبَبُ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا فَتَتَابَعَ النَّاسُ وَكَانَ الْفَضْلُ الْعَظِيمُ لِلْبَادِي بِهَذَا الْخَيْرِ وَالْفَاتِحُ لِبَابِ هَذَا الْإِحْسَانِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُحْدَثَاتُ الْبَاطِلَةُ وَالْبِدَعُ الْمَذْمُومَةُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الْبِدَعَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ
(7/104)

وَمَنْدُوبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُبَاحَةٌ قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ

(باب الْحَمْلِ بِأُجْرَةٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا وَالنَّهْيِ الشَّدِيدِ)
(عَنْ تَنْقِيصِ الْمُتَصَدِّقِ بِقَلِيلٍ)

[1018] قَوْلُهُ (كُنَّا نُحَامِلُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا مَعْنَاهُ نَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِنَا بِالْأُجْرَةِ وَنَتَصَدَّقُ مِنْ تِلْكَ الْأُجْرَةِ أَوْ نَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا فَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالصَّدَقَةِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَتَوَصَّلُ إِلَى تَحْصِيلِ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْ حَمْلٍ بِالْأُجْرَةِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُبَاحَةِ
(7/105)

(باب فَضْلِ الْمَنِيحَةِ)
[1019] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً تَغْدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ) الْعُسُّ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقَدَحُ الْكَبِيرُ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَرُوِيَ بِعَشَاءٍ بِشِينِ مُعْجَمَةٍ مَمْدُودَةٍ قَالَ الْقَاضِي وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَكْثَرِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَ وَالَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْ مُتْقِنِي شُيُوخِنَا بِعُسٍّ وَهُوَ الْقَدَحُ الضَّخْمُ قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ قَالَ وَرُوِيَ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِعَسَاءٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَسَّرَهُ الْحُمَيْدِيُّ بِالْعُسِّ الْكَبِيرِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ قَالَ وَضَبَطْنَا عَنْ أَبِي مَرْوَانَ بْنِ سِرَاجٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا مَعًا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الْجَيَّانِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي مَرْوَانَ عَنْهُ إِلَّا بِالْكَسْرِ وَحْدَهُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ بِلَادِنَا أَوْ أَكْثَرِهَا مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِعَسَاءٍ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَمْدُودَةٍ وَالْعَيْنُ مَفْتُوحَةٌ وَقَوْلُهُ يَمْنَحُ بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ يُعْطِيهِمْ نَاقَةً يَأْكُلُونَ لَبَنَهَا مُدَّةً ثُمَّ يَرُدُّونَهَا إِلَيْهِ وَقَدْ تَكُونُ الْمَنِيحَةُ عَطِيَّةً لِلرَّقَبَةِ بِمَنَافِعِهَا مُؤَبَّدَةً مِثْلَ الْهِبَةِ

[1020] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً غَدَتْ بِصَدَقَةٍ وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ صَبُوحَهَا وَغَبُوقَهَا) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَنِيحَةً وَبَعْضِهَا مِنْحَةً بِحَذْفِ الْيَاءِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمِنْحَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْمَنِيحَةُ بِفَتْحِهَا مَعَ زِيَادَةِ الْيَاءِ هِيَ الْعَطِيَّةُ وَتَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ وَفِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهِمَا وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَحَ أُمَّ أَيْمَنَ عِذَاقًا أَيْ نَخِيلًا ثُمَّ قَدْ تَكُونُ الْمَنِيحَةُ عَطِيَّةً لِلرَّقَبَةِ بِمَنَافِعِهَا وَهِيَ الْهِبَةُ وَقَدْ تَكُونُ عَطِيَّةَ اللَّبَنِ أَوَ الثَّمَرَةِ مُدَّةً وَتَكُونُ الرَّقَبَةُ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَيَرُدُّهَا إِلَيْهِ إِذَا انْقَضَى اللَّبَنُ
(7/106)

أَوِ الثَّمَرُ الْمَأْذُونُ فِيهِ وَقَوْلُهُ صَبُوحَهَا وَغَبُوقَهَا الصَّبُوحُ بِفَتْحِ الصَّادِ الشُّرْبُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَالْغَبُوقُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَالصَّبُوحُ وَالْغَبُوقُ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُمَا مَجْرُورَانِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ صَدَقَةٍ قَالَ وَيَصِحُّ نَصْبُهُمَا عَلَى الظَّرْفِ وَقَوْلُهُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ) مَعْنَاهُ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب مَثَلِ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ)
[1021] قوله (قال عمرو حدثنا سفيان بن عيينة قال وقال بن جريج) هكذا هو في النسخ وقال بن جُرَيْجٍ بِالْوَاوِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ مَلِيحَةٌ وَإِنَّمَا أَتَى بالواو لأن بن عيينة قال لعمرو قال بن جُرَيْجٍ كَذَا فَإِذَا رَوَى عَمْرٌو الثَّانِي مِنْ تلك الاحاديث أتى بالواو لأن بن عيينة قال في الثاني وقال بن جُرَيْجٍ كَذَا وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا مَرَّاتٍ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَمْرٍو النَّاقِدِ (مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّتَانِ أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ لَدُنْ ثُدْيِهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا) ثُمَّ قَالَ (فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرٍو مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هَذَا وَهَمٌ وَصَوَابُهُ مِثْلُ مَا وَقَعَ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ وَتَفْسِيرُهُمَا آخِرَ الْحَدِيثِ يُبَيِّنُ هَذَا وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّ صِحَّةَ رِوَايَةَ عَمْرٍو هَكَذَا أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِهَا وَفِيهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَثَلُ الْمُنْفِقِ والمتصدق وقسيمهما
(7/107)

وَهُوَ الْبَخِيلُ وَحَذَفَ الْبَخِيلَ لِدَلَالَةِ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أَيْ وَالْبَرْدَ وَحَذَفَ ذِكْرَ الْبَرْدِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْمُتَصَدِّقِ فَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُتَصَدِّقِ بِالتَّاءِ وَفِي بَعْضِهَا الْمُصَّدِّقِ بِحَذْفِهَا وَتَشْدِيدِ الصَّادِ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَأَمَّا قَوْلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ فَهَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا كَمَثَلِ رَجُلٍ بِالْإِفْرَادِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَغْيِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَصَوَابُهُ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ جُبَّتَانِ أَوْ جُنَّتَانِ فَالْأَوَّلُ بِالْبَاءِ وَالثَّانِي بِالنُّونِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ عَكْسَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ لَدُنْ ثُدْيهِمَا فَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ أَوْ أَكْثَرِهَا ثُدْيهِمَا بِضَمِّ الثَّاءِ وَبِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْجَمْعِ وَفِي بَعْضِهِمَا ثُدْيَيْهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْهَامٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ وَتَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَيُعْرَفُ صَوَابُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي بَعْدَهُ فَمِنْهُ مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ وَصَوَابُهُ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ وَمِنْهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَصَوَابُهُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ جُنَّتَانِ أَوْ جُبَّتَانِ بِالشَّكِّ وَصَوَابُهُ جُنَّتَانِ بِالنُّونِ بِلَا شَكٍّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِالنُّونِ بِلَا شَكٍّ وَالْجُنَّةُ الدِّرْعُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ قَوْلُهُ (فَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ سَبَغَتْ عَلَيْهِ أَوْ مَرَّتْ كَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ مَرَّتْ بِالرَّاءِ قِيلَ إِنَّ صَوَابَهُ مُدَّتْ بِالدَّالِ بِمَعْنَى سَبَغَتْ وَكَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ انْبَسَطَتْ لَكِنَّهُ قَدْ يَصِحُّ مَرَّتْ عَلَى نَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى وَالسَّابِغُ الْكَامِلُ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَادَتْ بدال
(7/108)

مُخَفَّفَةٍ مِنْ مَادَ إِذَا مَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مَارَتْ وَمَعْنَاهُ سَالَتْ عَلَيْهِ وَامْتَدَّتْ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ مَعْنَاهُ تَرَدَّدَتْ وَذَهَبَتْ وَجَاءَتْ يَعْنِي لِكَمَالِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ عَلَيْهِ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَيَعْفُوَ أَثَرُهُ قَالَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ اخْتِلَالٌ كَثِيرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ تُجِنَّ بَنَانَهُ وَيَعْفُوَ أَثَرُهُ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْمُتَصَدِّقِ لَا فِي الْبَخِيلِ وَهُوَ عَلَى ضِدِّ مَا هُوَ وَصْفُ الْبَخِيلِ فِي قَوْلِهِ قَلَصَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا وَقَوْلِهِ يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ وَهَذَا مِنْ وَصْفِ الْبَخِيلِ فَأَدْخَلَهُ فِي وَصْفِ الْمُتَصَدِّقِ فَاخْتَلَّ الْكَلَامُ وَتَنَاقَضَ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَحَادِيثِ عَلَى الصَّوَابِ وَمِنْهُ رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ تَحُزُّ ثِيَابَهُ بِالْحَاءِ وَالزَّايِ وَهُوَ وَهَمٌ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ تُجِنَّ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ أي تستتر وَمِنْهُ رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ ثِيَابَهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ وَهَمٌ وَالصَّوَابُ بَنَانَهُ بِالنُّونِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَامِلَهُ وَمَعْنَى تَقَلَّصَتِ انْقَبَضَتْ وَمَعْنَى يَعْفُوَ أَثَرُهُ أَيْ يُمْحَى أَثَرُ مَشْيِهِ بِسُبُوغِهَا وَكَمَالِهَا وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ وَالْبُخْلُ بِضِدِّ ذَلِكَ وَقِيلَ هُوَ تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى انْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ واذا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ وَقِيلَ مَعْنَى يَمْحُو أَثَرُهُ أَيْ يَذْهَبُ بِخَطَايَاهُ وَيَمْحُوهَا وَقِيلَ فِي الْبَخِيلِ قَلَصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا أَيْ يُحْمَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُكْوَى بِهَا وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَالْحَدِيثُ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْخَبَرِ عَنْ كَائِنٍ وَقِيلَ ضُرِبَ الْمَثَلُ بِهِمَا لِأَنَّ الْمُنْفِقَ يَسْتُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفَقَتِهِ وَيَسْتُرُ عَوْرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَسَتْرِ هَذِهِ الْجُنَّةِ لَابِسَهَا وَالْبَخِيلُ كَمَنْ لَبِسَ جُبَّةً إِلَى ثُدْيَيْهِ فَيَبْقَى مَكْشُوفًا بَادِيَ الْعَوْرَةِ مُفْتَضِحًا فِي الدنيا والآخرة وهذا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الأخريين (كمثل رجلين ومثل رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ) هُمَا بِالنُّونِ فِي هَذَيْنِ الموضعين بلا شك ولا خلاف قَوْلُهُ (فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رأيته
(7/109)

يُوَسِّعُهَا فَلَا تَوَسَّعُ فَقَوْلُهُ رَأَيْتَهُ بِفَتْحِ التَّاءِ قَوْلُهُ تَوَسَّعُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَأَصْلُهُ تَتَوَسَّعُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى لِبَاسِ الْقَمِيصِ وَكَذَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ بَابُ جَيْبِ الْقَمِيصِ مِنْ عِنْدِ الصَّدْرِ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ لِبَاسِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَعَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ جَاءَتْ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ ثُبُوتِ أَجْرِ الْمُتَصَدِّقِ وَإِنْ وَقَعَتِ الصَّدَقَةُ فِي يَدِ فَاسِقٍ وَنَحْوِهِ)
فِيهِ حَدِيثُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ وَفِيهِ ثُبُوتُ الثَّوَابِ فِي الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ فَاسِقًا وَغَنِيًّا فَفِي كُلِّ كَبِدٍ حَرِيٍّ أَجْرٌ وَهَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَلَا يُجْزِي دَفْعُهَا إِلَى غنى
(7/110)

(باب أَجْرِ الْخَازِنِ الْأَمِينِ وَالْمَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا)
(غَيْرَ مُفْسِدَةٍ بِإِذْنِهِ الصَّرِيحِ والعرفى)

[1024] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَازِنِ الْأَمِينِ الَّذِي يُعْطِي مَا أَمَرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدَّقَيْنَ وَفِي رِوَايَةٍ (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا) وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْعَبْدِ إِذَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ مَوَالِيهِ قَالَ الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ وَفِي رِوَايَةٍ ولاتصم الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمُشَارِكَ فِي الطَّاعَةِ مُشَارِكٌ فِي الْأَجْرِ وَمَعْنَى الْمُشَارَكَةِ أَنَّ لَهُ أَجْرًا كَمَا لِصَاحِبِهِ أَجْرٌ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُزَاحِمَهُ فِي أَجْرِهِ وَالْمُرَادُ الْمُشَارَكَةُ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ
(7/111)

فَيَكُونُ لِهَذَا ثَوَابٌ وَلِهَذَا ثَوَابٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ ثَوَابِهِمَا سَوَاءً بَلْ قَدْ يَكُونُ ثَوَابُ هَذَا أَكْثَرَ وَقَدْ يَكُونُ عَكْسَهُ فَإِذَا أَعْطَى الْمَالِكُ لِخَازِنِهِ أَوِ امْرَأَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ نَحْوَهَا لِيُوصِلَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّ الصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ دَارِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَأَجْرُ الْمَالِكِ أَكْثَرُ وَإِنْ أَعْطَاهُ رُمَّانَةً أَوْ رَغِيفًا وَنَحْوَهُمَا مِمَّا لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ قِيمَةٍ لِيَذْهَبَ بِهِ إِلَى مُحْتَاجٍ فِي مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ بِحَيْثُ يُقَابِلُ مَشْيَ الذَّاهِبِ إِلَيْهِ بِأُجْرَةٍ تَزِيدُ عَلَى الرُّمَّانَةِ وَالرَّغِيفِ فَأَجْرُ الْوَكِيلِ أَكْثَرُ وَقَدْ يَكُونُ عَمَلُهُ قَدْرَ الرَّغِيفِ مَثَلًا فَيَكُونُ مِقْدَارُ الْأَجْرِ سَوَاءً وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْأَجْرُ بَيْنكُمَا نصفان) فمعناه قسمان وان كان أحدهما أكثركما قَالَ الشَّاعِرُ ... إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ بَيْنَنَا ...

(وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ سَوَاءً لِأَنَّ الْأَجْرَ فَضْلٌ مِنَ الله تعالى يؤتيه من يشاء ولا يُدْرَكُ بِقِيَاسٍ وَلَا هُوَ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ بَلْ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ الَّذِي لِأَحَدِهِمَا يَزْدَحِمَانِ فِيهِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ وَالصَّدَقَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْخَازِنُ أَوِ الْمَرْأَةُ أَوِ الْمَمْلُوكُ وَنَحْوُهُمْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ يَتَرَتَّبُ عَلَى جُمْلَتِهَا ثَوَابٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ وَالْعَمَلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا لِهَذَا نَصِيبٌ بِمَالِهِ وَلِهَذَا نَصِيبٌ بِعَمَلِهِ فَلَا يُزَاحِمُ صَاحِبُ الْمَالِ الْعَامِلَ فِي نَصِيبِ عَمَلِهِ وَلَا يُزَاحِمُ الْعَامِلُ صَاحِبَ الْمَالِ فِي نَصِيبِ مَالِهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَامِلِ وَهُوَ الْخَازِنُ وَلِلزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ مِنْ إِذْنِ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِذْنٌ أَصْلًا فَلَا أَجْرَ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ بَلْ عَلَيْهِمْ وِزْرٌ بِتَصَرُّفِهِمْ فِي مَالِ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَالْإِذْنُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا الْإِذْنُ الصَّرِيحُ فِي النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالثَّانِي الْإِذْنُ الْمَفْهُومُ مِنَ اطِّرَادِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ كَإِعْطَاءِ السَّائِلِ كِسْرَةً وَنَحْوَهَا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ وَاطَّرَدَ الْعُرْفُ فِيهِ وَعُلِمَ بِالْعُرْفِ رِضَاءُ الزَّوْجِ وَالْمَالِكِ بِهِ فَإِذْنُهُ فِي ذَلِكَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَهَذَا إِذَا عُلِمَ رِضَاهُ لِاطِّرَادِ الْعُرْفِ وَعُلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ كَنُفُوسِ غَالِبِ النَّاسِ فِي السَّمَاحَةِ بِذَلِكَ وَالرِّضَا بِهِ فَإِنِ اضْطَرَبَ الْعُرْفُ وَشَكَّ فِي رِضَاهُ أَوْ كَانَ شَخْصًا يَشُحُّ بِذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا التَّصَدُّقُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِصَرِيحِ إِذْنِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ) فَمَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ وَيَكُونُ مَعَهَا إِذْنٌ عَامٌّ سَابِقٌ مُتَنَاوِلٌ لِهَذَا القدر وغيره وذلك الاذن الذي قد بيناه سابقا اما بالصريح واما بالعرف ولابد مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم جعل)
(7/112)

الْأَجْرَ مُنَاصَفَةً وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ وَلَا مَعْرُوفٍ مِنَ الْعُرْفِ فَلَا أَجْرَ لَهَا بَلْ عَلَيْهَا وِزْرٌ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَفْرُوضٌ فِي قَدْرٍ يَسِيرٍ يُعْلَمُ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ فِي الْعَادَةِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ لَمْ يَجُزْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَأَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنَّهُ قَدْرٌ يُعْلَمُ رِضَا الزَّوْجِ بِهِ فِي الْعَادَةِ وَنَبَّهَ بِالطَّعَامِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْمَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفَقَةِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْخَازِنِ النَّفَقَةُ عَلَى عِيَالِ صَاحِبِ الْمَالِ وَغِلْمَانِهِ ومصالحه وقاصديه من ضيف وبن سَبِيلٍ وَنَحْوِهِمَا وَكَذَلِكَ صَدَقَتُهُمُ الْمَأْذُونُ فِيهَا بِالصَّرِيحِ أَوِ الْعُرْفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ) إِلَى آخِرِهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ شُرُوطٌ لِحُصُولِ هَذَا الثَّوَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِهَا وَيُحَافَظَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنَ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى التَّثْنِيَةِ وَمَعْنَاهُ لَهُ أَجْرُ مُتَصَدِّقٍ وَتَفْصِيلُهُ كَمَا سَبَقَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا) أَيْ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا الَّذِي فِي بَيْتِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ من بيتها زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مثله بما اكتسب وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ
(7/113)

شَيْئًا) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ شَيْئًا بِالنَّصْبِ فَيُقَدَّرُ لَهُ نَاصِبٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ اللَّهُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ الزَّوْجُ مِنْ أَجْرِ الْمَرْأَةِ وَالْخَازِنِ شَيْئًا وَجَمَعَ ضَمِيرَهُمَا مَجَازًا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ إِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ أَوْ حَقِيقَةً عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَان

[1025] قَوْلُهُ (مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَكَسْرِ الْبَاءِ قِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَقِيلَ لَا يَأْكُلُ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَاسْمُ آبِي اللَّحْمِ عَبْدُ اللَّهِ وَقِيلَ خَلَفٌ وَقِيلَ الْحُوَيْرِثُ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ صَحَابِيٌّ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ رَوَى عُمَيْرٌ مَوْلَاهُ قَوْلَهُ (كُنْتُ مَمْلُوكًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ قَالَ نَعَمِ الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ فِي الصَّدَقَةِ بِقَدْرٍ يَعْلَمُ رِضَا سَيِّدِهِ بِهِ وَقَوْلُهُ (أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ فَعَلِمَ ذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَاهُ فَقَالَ لِمَ ضَرَبْتَهُ فَقَالَ يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ فَقَالَ الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ عُمَيْرًا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ يَظُنُّ أَنَّ مَوْلَاهُ يَرْضَى بِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ مَوْلَاهُ فَلِعُمَيْرٍ أَجْرٌ لأنه فعل شيئا يعتقد طَاعَةً بِنِيَّةِ الطَّاعَةِ وَلِمَوْلَاهُ أَجْرٌ لِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا أَيْ لِكُلٍّ مِنْكُمَا أَجْرٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَجْرَ نَفْسِ الْمَالِ يَتَقَاسَمَانِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا قَرِيبًا فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ تَأْوِيلِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وقد وقع
(7/114)

فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا لَا يُرْتَضَى مِنْ تفسيره وقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَالْمَنْدُوبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَسَبَبُهُ أَنَّ الزَّوْجَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي كُلِّ الْأَيَّامِ وَحَقُّهُ فِيهِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يَفُوتُهُ بِتَطَوُّعٍ وَلَا بِوَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهَا الصَّوْمُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيُفْسِدُ صَوْمُهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ صَوْمَهَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِي الْعَادَةِ لِأَنَّهُ يَهَابُ انْتَهَاكَ الصَّوْمِ بِالْإِفْسَادِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ أَيْ مُقِيمٌ فِي الْبَلَدِ أَمَّا إِذَا كَانَ مُسَافِرًا فَلَهَا الصَّوْمُ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ

[1026] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفْتَاتُ عَلَى الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَالِكِي الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا بِالْإِذْنِ فِي أَمْلَاكِهِمْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ رِضَا الزَّوْجِ وَنَحْوِهِ بِهِ فَإِنْ عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ وَنَحْوُهَا رِضَاهُ بِهِ جاز كما سبق في النفقة

(باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع الْبِرِّ)
[1027] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ
(7/115)

قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ قِيلَ وَمَا زَوْجَانِ قَالَ فَرَسَانِ أَوْ عبدان أو بعيران وقال بن عَرَفَةَ كُلُّ شَيْءٍ قُرِنَ بِصَاحِبِهِ فَهُوَ زَوْجٌ يُقَالُ زَوَّجْتُ بَيْنَ الْإِبِلِ إِذَا قَرَنْتُ بَعِيرًا بِبَعِيرٍ وَقِيلَ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَثَوْبٌ قَالَ وَالزَّوْجُ يَقَعُ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَقِيلَ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ مَعَهُ آخَرُ وَيَقَعُ الزَّوْجُ أَيْضًا عَلَى الصِّنْفِ وَفُسِّرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ صَلَاتَيْنِ أَوْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ وَالْمَطْلُوبُ تَشْفِيعُ صَدَقَةٍ بِأُخْرَى وَالتَّنْبِيهُ عَلَى فَضْلِ الصَّدَقَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي الطَّاعَةِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا وَقَوْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْخَيْرِ وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْجِهَادِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ) قِيلَ مَعْنَاهُ لَكَ هُنَا خَيْرٌ وَثَوَابٌ وَغِبْطَةٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ هَذَا الْبَابُ فِيمَا نَعْتَقِدُهُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَبْوَابِ لِكَثْرَةِ ثَوَابِهِ وَنَعِيمِهِ فَتَعَالَ فَادْخُلْ مِنْهُ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مُنَادٍ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ الْبَابَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ) وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْجِهَادِ وَالصِّيَامِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ مَنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَطَاعَتِهِ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَاحِبِ الصَّوْمِ (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ سُمِّيَ بَابُ الرَّيَّانِ تَنْبِيهًا عَلَى أن العطشان بالصوم في الهوجر سيروى
(7/116)

وَعَاقِبَتُهُ إِلَيْهِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّيِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ أَيْ فُلُ هَلُمَّ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ أَيْ فُلُ بِضَمِّ اللَّامِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي وَآخَرُونَ غَيْرَهُ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ أَيْ فُلَانٌ فَرُخِّمَ وَنُقِلَ إِعْرَابُ الْكَلِمَةِ عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِي التَّرْخِيمِ قَالَ وَقِيلَ فُلُ لُغَةٌ فِي فُلَانٍ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ وَالتَّرْخِيمِ قَوْلُهُ (لَا تَوَى عَلَيْهِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فوق مقصور أي لاهلاك قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ جَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَابِ كَذَا وَمِنْ بَابِ كَذَا فَذَكَرَ بَابَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ قَالَ القاضي
(7/117)

وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ بَقِيَّةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي بَابِ التَّوْبَةِ وَبَابِ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَبَابِ الرَّاضِينَ فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ جَاءَتْ فِي الْأَحَادِيثِ وَجَاءَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ فلعله الباب الثامن

(باب الحث على الانفاق وكراهة الاحصاء)

[1029] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْفِقِي وَانْفَحِي وَانْضَحِي) أَمَّا انْفَحِي فَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَأَمَّا انْضِحِي فَبِكَسْرِ الضَّادِ وَمَعْنَى انْفَحِي وَانْضِحِي أَعْطِي وَالنَّفْحُ وَالنَّضْحُ الْعَطَاءُ وَيُطْلَقُ النَّضْحُ أَيْضًا عَلَى الصَّبِّ فَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ هُنَا وَيَكُونُ أَبْلَغَ مِنَ النَّفْحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (انْفَحِي وَانْضِحِي وَأَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّهُ عَلَيْكِ وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ) مَعْنَاهُ الحث على
(7/118)

النَّفَقَةِ فِي الطَّاعَةِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْإِمْسَاكِ وَالْبُخْلِ وَعَنِ ادِّخَارِ الْمَالِ فِي الْوِعَاءِ قَوْلُهُ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ لِي مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ فَقَالَ ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا أَعْطَاهَا الزُّبَيْرُ لِنَفْسِهَا بِسَبَبِ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا أَوْ مِمَّا هُوَ مِلْكُ الزُّبَيْرِ وَلَا يَكْرَهُ الصَّدَقَةَ مِنْهُ بَلْ رَضِيَ بِهَا عَلَى عَادَةِ غَالِبِ النَّاسِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَرِيبًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ) مَعْنَاهُ مِمَّا يَرْضَى بِهِ الزُّبَيْرُ وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ لَكِ فِي الرَّضْخِ مَرَاتِبَ مُبَاحَةً بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَكُلُّهَا يَرْضَاهَا الزُّبَيْرُ فَافْعَلِي أَعْلَاهَا أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ مَا اسْتَطَعْتِ مِمَّا هُوَ مِلْكٌ لَكِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَيُوعِيَ عَلَيْكِ) هُوَ مِنْ بَابِ مُقَابَلَةِ اللَّفْظِ بِاللَّفْظِ لِلتَّجْنِيسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَكَرُوا ومكر الله وَمَعْنَاهُ يَمْنَعُكِ كَمَا مَنَعْتِ وَيَقْتُرُ عَلَيْكِ كَمَا قَتَرْتِ وَيُمْسِكُ فَضْلَهُ عَنْكِ كَمَا أَمْسَكْتِهِ وَقِيلَ مَعْنَى لَا تُحْصِي أَيْ لَا تَعُدِّيهِ فَتَسْتَكْثِرِيهِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِانْقِطَاعِ إِنْفَاقِكِ

(باب الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ وَلَا تَمْتَنِعُ مِنْ الْقَلِيلِ لِاحْتِقَارِهِ)

[1030] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ
(7/119)

وَالسِّينِ وَهُوَ الظِّلْفُ قَالُوا وَأَصْلُهُ فِي الْإِبِلِ وَهُوَ فِيهَا مِثْلُ الْقَدَمِ فِي الْإِنْسَانِ قَالُوا وَلَا يُقَالُ إِلَّا فِي الْإِبِلِ وَمُرَادُهُمْ أَصْلُهُ مُخْتَصٌّ بِالْإِبِلِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْغَنَمِ اسْتِعَارَةً وَهَذَا النَّهْيُ عَنِ الِاحْتِقَارِ نَهْيٌ لِلْمُعْطِيَةِ الْمُهْدِيَةِ وَمَعْنَاهُ لَا تَمْتَنِعُ جَارَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا لِاسْتِقْلَالِهَا وَاحْتِقَارِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا بَلْ تَجُودُ بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كَفِرْسِنِ شَاةٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيرا يره وقال النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ قَالَ الْقَاضِي هَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ تَأْوِيلُ مَالِكٍ لِإِدْخَالِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيًا لِلْمُعْطَاةِ عَنِ الِاحْتِقَارِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) ذَكَرَ الْقَاضِي فِي إِعْرَابِهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا وَأَشْهَرُهَا نَصْبُ النِّسَاءِ وَجَرُّ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَبِهَذَا رُوِّينَاهُ عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِنَا بِالْمَشْرِقِ وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ وَالْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ وَالْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ وَهُوَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ جَائِزٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ يُقَدِّرُونَ فِيهِ مَحْذُوفًا أَيْ مَسْجِدَ الْمَكَانِ الْجَامِعِ وَجَانِبِ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ وَلِدَارُ الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ وَتُقَدَّرُ هُنَا يَا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ أَوِ الْجَمَاعَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ وَقِيلَ تَقْدِيرُهُ يَا فَاضِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ هَؤُلَاءِ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ سَادَاتِهِمْ وَأَفَاضِلِهِمْ وَالْوَجْهُ الثَّانِي رَفْعُ النِّسَاءِ وَرَفْعُ الْمُسْلِمَاتِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى النِّدَاءِ وَالصِّفَةِ أَيْ يَا أَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُسْلِمَاتُ قَالَ الْبَاجِيُّ وَهَكَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ بَلَدِنَا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ رَفْعُ نِسَاءٍ وَكَسْرُ التَّاءِ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ على الصِّفَةُ عَلَى الْمَوْضِعِ كَمَا يُقَالُ يَا زَيْدُ الْعَاقِلَ بِرَفْعِ زَيْدٍ وَنَصْبِ الْعَاقِلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ)
[1031] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) قَالَ الْقَاضِي اضافة
(7/120)

الظِّلِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةُ مِلْكٍ وَكُلُّ ظِلٍّ فَهُوَ لِلَّهِ وَمِلْكِهِ وَخَلْقِهِ وَسُلْطَانِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا ظِلُّ الْعَرْشِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مُبَيَّنًا وَالْمُرَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا قَامَ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَدَنَتْ مِنْهُمُ الشَّمْسُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا وَأَخَذَهُمُ الْعَرَقُ وَلَا ظِلَّ هُنَاكَ لِشَيْءٍ إِلَّا لِلْعَرْشِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ هُنَا ظِلُّ الْجَنَّةِ وَهُوَ نَعِيمُهَا وَالْكَوْنُ فِيهَا كَمَا قال تعالى وندخلهم ظلا ظليلا قال القاضي وقال بن دِينَارٍ الْمُرَادُ بِالظِّلِّ هُنَا الْكَرَامَةُ وَالْكَنَفُ وَالْكَفُّ مِنَ الْمَكَارِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ قَالَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظِلَّ الشَّمْسِ قَالَ الْقَاضِي وَمَا قَالَهُ مَعْلُومٌ فِي اللِّسَانِ يُقَالُ فُلَانٌ فِي ظِلِّ فُلَانٍ أَيْ فِي كَنَفِهِ وَحِمَايَتِهِ قَالَ وَهَذَا أولى الأقوال وَتَكُونُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْعَرْشِ لِأَنَّهُ مَكَانُ التَّقْرِيبِ وَالْكَرَامَةِ وَإِلَّا فَالشَّمْسُ وَسَائِرُ الْعَالَمِ تَحْتَ الْعَرْشِ وَفِي ظِلِّهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْإِمَامُ الْعَادِلُ) قَالَ الْقَاضِي هُوَ كُلُّ مَنْ إِلَيْهِ نَظَرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ وَبَدَأَ بِهِ لِكَثْرَةِ مَصَالِحِهِ وَعُمُومِ نَفْعِهِ وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَفِي بَعْضِهَا الْإِمَامُ الْعَدْلُ وَهُمَا صَحِيحَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَالْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْبَاءِ نَشَأَ مُتَلَبِّسًا لِلْعِبَادَةِ أَوْ مُصَاحِبًا لَهَا أَوْ مُلْتَصِقًا بِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْمَسَاجِدِ وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي بَعْضِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالتَّاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ شَدِيدُ الْحُبِّ لَهَا وَالْمُلَازَمَةِ لِلْجَمَاعَةِ فِيهَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ دَوَامُ الْقُعُودِ فِي الْمَسْجِدِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ اجْتَمَعَا عَلَى حُبِّ اللَّهِ وَافْتَرَقَا عَلَى حُبِّ اللَّهِ أَيْ كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمَا حُبَّ اللَّهِ وَاسْتَمَرَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَفَرَّقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا وَهُمَا صَادِقَانِ فِي حُبِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لِلَّهِ تَعَالَى حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا وَافْتِرَاقِهِمَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى التَّحَابِّ فِي اللَّهِ وَبَيَانُ عِظَمِ فَضْلِهِ وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ فَإِنَّ الْحُبَّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضَ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَهُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَثِيرٌ يُوَفَّقُ لَهُ
(7/121)

أَكْثَرُ النَّاسِ أَوْ مَنْ وُفِّقَ لَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أَخَافُ اللَّهَ بِاللِّسَانِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي قَلْبِهِ لِيَزْجُرَ نَفْسَهُ وَخَصَّ ذَاتَ الْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ لِكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَعُسْرِ حُصُولِهَا وَهِيَ جَامِعَةٌ لِلْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ لَا سِيَّمَا وَهِيَ دَاعِيَةٌ إِلَى نَفْسِهَا طَالِبَةٌ لِذَلِكَ قَدْ أَغْنَتْ عَنْ مَشَاقِّ التَّوَصُّلِ إِلَى مُرَاوَدَةٍ وَنَحْوِهَا فَالصَّبْرُ عَنْهَا لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ دَعَتْ إِلَى نَفْسِهَا مَعَ جَمْعِهَا الْمَنْصِبَ وَالْجَمَالَ مِنْ أَكْمَلِ الْمَرَاتِبِ وَأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ فَرَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ يُظِلَّهُ فِي ظِلِّهِ وَذَاتُ الْمَنْصِبِ هِيَ ذَاتُ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ الشَّرِيفِ وَمَعْنَى دَعَتْهُ أي دعته إلى الزنى بِهَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ أَصَحَّهُمَا هَذَا وَالثَّانِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا دَعَتْهُ لِنِكَاحِهَا فَخَافَ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا أَوْ أَنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَغْلَهُ عَنْ لِذَاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ فِي بِلَادِنَا وَغَيْرِهَا وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ رِوَايَاتِ نُسَخِ مُسْلِمٍ لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي النَّفَقَةِ فِعْلُهَا بِالْيَمِينِ قَالَ الْقَاضِي وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْوَهَمُ فِيهَا مِنَ النَّاقِلِينَ عَنْ مُسْلِمٍ لَا مِنْ مُسْلِمٍ بِدَلِيلِ إِدْخَالِهِ بَعْدَهُ حَدِيثَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدٍ وَبَيَّنَ الْخِلَافَ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ رَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ فَلَوْ كَانَ مَا رَوَاهُ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ مَالِكٍ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى هَذَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ صَدَقَةِ السِّرِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَالسِّرُّ فِيهَا أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ وَأَمَّا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فَإِعْلَانُهَا أَفْضَلُ وَهَكَذَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فَإِعْلَانُ فَرَائِضِهَا أَفْضَلُ وَإِسْرَارُ نَوَافِلِهَا أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَذَكَرَ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ مُبَالَغَةً فِي الْإِخْفَاءِ وَالِاسْتِتَارِ بِالصَّدَقَةِ وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا لِقُرْبِ الْيَمِينِ مِنَ الشِّمَالِ وَمُلَازَمَتِهَا لَهَا وَمَعْنَاهُ لَوْ قَدَّرْتَ الشِّمَالَ رَجُلًا مُتَيَقِّظًا لَمَا عَلِمَ صَدَقَةَ الْيَمِينِ لِمُبَالَغَتِهِ فِي الْإِخْفَاءِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنَ النَّاسِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى خَالِيًا فَفَاضَتْ عيناه
(7/122)

فِيهِ فَضِيلَةُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلُ طَاعَةِ السِّرِّ لِكَمَالِ الْإِخْلَاصِ فِيهَا

(باب بَيَانِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ صَدَقَةُ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ)
[1032] قَوْلُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الشُّحُّ أَعَمُّ مِنَ الْبُخْلِ وَكَأَنَّ الشُّحَّ جِنْسٌ وَالْبُخْلَ نَوْعٌ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ الْبُخْلُ فِي أَفْرَادِ الْأُمُورِ وَالشُّحُّ عَامٌّ كَالْوَصْفِ اللَّازِمِ وَمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الطَّبْعِ قَالَ فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الشُّحَّ غَالِبٌ فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَإِذَا شَحَّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّتِهِ وَأَعْظَمَ لِأَجْرِهِ بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ وَآيَسَ مِنَ الْحَيَاةِ وَرَأَى مَصِيرَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَتَهُ حِينَئِذٍ نَاقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ وَالشُّحُّ رَجَاءُ الْبَقَاءِ وَخَوْفُ الْفَقْرِ وَتَأْمُلُ الْغِنَى بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ تَطْمَعُ بِهِ وَمَعْنَى بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ بَلَغَتِ الرُّوحُ وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَ الْحُلْقُومِ إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ بِهِ الْوَارِثُ وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَادُ بِهِ سَبَقَ الْقَضَاءُ بِهِ
(7/123)

لِلْمُوصَى لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ تَصَرُّفِهِ وَكَمَالِ مِلْكِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ التَّصَرُّفِ فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّتِهِ كَبِيرُ ثَوَابٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَةِ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ) قَدْ يُقَالُ حَلَفَ بِأَبِيهِ وَقَدْ نَهَى عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَعَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِمَنْ تَعَمَّدَهُ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْحَدِيثِ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلَا تَكُونُ يَمِينًا وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهَا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ

(باب بَيَانِ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا)
(هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ الْآخِذَةُ)

[1033] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ
(7/124)

عَنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ قَالَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ عن ايوب عن نافع عن بن عُمَرَ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الْعِفَّةِ وَرَجَّحَ الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَالَ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْهَا وَالصَّحِيحُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ الرِّوَايَتَيْنِ فَالْمُنْفِقَةُ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ وَالْمُتَعَفِّفَةُ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ وَفِيهِ دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي الْمُنْفِقَةُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَعَفِّفَةُ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ غَيْرُهُ الْعُلْيَا الْآخِذَةُ وَالسُّفْلَى الْمَانِعَةُ حَكَاهُ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْمُرَادُ بِالْعُلُوِّ عُلُوُّ الْفَضْلِ وَالْمَجْدِ وَنَيْلُ الثَّوَابِ

[1034] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) مَعْنَاهُ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا بَقِيَ صَاحِبُهَا بَعْدَهَا مُسْتَغْنِيًا بِمَا بَقِيَ مَعَهُ وَتَقْدِيرُهُ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ بَعْدَهَا غِنًى يَعْتَمِدُهُ صَاحِبُهَا وَيَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ وَحَوَائِجِهِ وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ يَنْدَمُ غَالِبًا أَوْ قَدْ يَنْدَمُ إِذَا احْتَاجَ وَيَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِخِلَافِ مَنْ بَقِيَ بَعْدَهَا مُسْتَغْنِيًا فَإِنَّهُ لَا يَنْدَمُ عَلَيْهَا بَلْ يُسَرُّ بِهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يصبر على الاضاقة وَالْفَقْرِ فَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ قَالَ الْقَاضِي جَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَقِيلَ يَرُدُّ جَمِيعَهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِيلَ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ وَقِيلَ إِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ رُدَّتِ الزِّيَادَةُ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالطَّبَرِيُّ وَمَعَ جَوَازِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثُّلُثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ وَفِيهِ الِابْتِدَاءُ بالأهم فالأهم
(7/125)

فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ

[1035] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) شَبَّهَهُ فِي الرَّغْبَةِ فِيهِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَحِرْصِ النُّفُوسِ عَلَيْهِ بِالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ الْمُسْتَلَذَّةِ فَإِنَّ الْأَخْضَرَ مَرْغُوبُ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَالْحُلْوَ كَذَلِكَ عَلَى انْفِرَادِهِ فَاجْتِمَاعُهُمَا أَشَدُّ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ بقائه لأن الخضروات لَا تَبْقَى وَلَا تُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ إِشْرَافُ النَّفْسِ تَطَلُّعُهَا إِلَيْهِ وَتَعَرُّضُهَا لَهُ وَطَمَعُهَا فِيهِ وَأَمَّا طِيبُ النَّفْسِ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ أَظْهَرَهُمَا أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْآخِذِ وَمَعْنَاهُ مَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافٍ وَتَطَلُّعٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الدَّافِعِ وَمَعْنَاهُ مَنْ أَخَذَهُ مِمَّنْ يَدْفَعُ مُنْشَرِحًا بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ طَيِّبَ النَّفْسِ لَا بِسُؤَالٍ اضْطَرَّهُ إِلَيْهِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَطِيبُ مَعَهُ نَفْسُ الدَّافِعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ فَقِيلَ هُوَ الَّذِي بِهِ دَاءٌ لَا يَشْبَعُ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ بِالْبَهِيمَةِ الرَّاعِيَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ الْحَثُّ عَلَى التَّعَفُّفِ وَالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِمَا تَيَسَّرَ فِي عَفَافٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَالْإِجْمَالِ فِي الْكَسْبِ وَأَنَّهُ لَا يَغْتَرُّ الْإِنْسَانُ بِكَثْرَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِإِشْرَافٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَمْحَقُ الله الربا ويربى الصدقات

[1036] قوله صلى الله عليه وسلم (يا بن آدم
(7/126)

إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ) هُوَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ وَمَعْنَاهُ إِنْ بَذَلْتَ الْفَاضِلَ عَنْ حَاجَتِكَ وَحَاجَةِ عِيَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ لِبَقَاءِ ثَوَابِهِ وَإِنْ أَمْسَكْتَهُ فَهُوَ شَرٌّ لَكَ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْوَاجِبِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَمْسَكَ عَنِ الْمَنْدُوبِ فَقَدْ نَقَصَ ثَوَابَهُ وَفَوَّتَ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ فِي آخِرَتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ شَرٌّ وَمَعْنَى لَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ أَنَّ قَدْرَ الْحَاجَةِ لَا لَوْمَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ فِي الْكَفَافِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ كَمَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ زَكَوِيٌّ وَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِشُرُوطِهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ النِّصَابِ لِكَفَافِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَيُحَصِّلُ كِفَايَتَهُ مِنْ جِهَةٍ مُبَاحَةٍ وَمَعْنَى ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَنَّ الْعِيَالَ وَالْقَرَابَةَ أَحَقُّ مِنَ الْأَجَانِبِ وَقَدْ سَبَقَ

(باب النَّهْيِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ)
مَقْصُودُ الْبَابِ وَأَحَادِيثِهِ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالثَّانِي حَلَالٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِثَلَاثِ شُرُوطٍ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُؤْذِيَ المسؤول فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهِيَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1037] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ) هُوَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَهُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِهَا مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي يَحْصُبَ قَوْلُهُ (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَأَحَادِيثَ وَفِي بَعْضِهَا وَالْأَحَادِيثَ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَمُرَادُ مُعَاوِيَةَ النَّهْيُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ لِمَا شَاعَ فِي زَمَنِهِ مِنَ التَّحَدُّثِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا وُجِدَ فِي كُتُبِهِمْ حِينَ
(7/127)

فُتِحَتْ بُلْدَانُهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ فِي الْأَحَادِيثِ إِلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِضَبْطِهِ الْأَمْرَ وَشِدَّتِهِ فِيهِ وَخَوْفِ النَّاسِ مِنْ سَطْوَتِهِ وَمَنْعِهِ النَّاسَ مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْأَحَادِيثِ وَطَلَبِهِ الشَّهَادَةَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اسْتَقَرَّتِ الْأَحَادِيثُ وَاشْتُهِرَتِ السُّنَنُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) فِيهِ فَضِيلَةُ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ قَائِدٌ إِلَى تَقْوَى اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ
(7/128)

مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْطِي حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَسْتُ أَنَا مُعْطِيًا وَإِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ عَلَى مَا عِنْدِي ثُمَّ أَقْسِمُ مَا أُمِرْتُ بِقِسْمَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَالْأُمُورُ كُلُّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ وَالْإِنْسَانُ مُصَرَّفٌ مَرْبُوبٌ

[1038] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْفَاءِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْإِلْحَافُ الْإِلْحَاحُ

[1039] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (ليس المسكين هذا الطَّوَّافِ) إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمِسْكَيْنِ (الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ) إِلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ الْمِسْكِينُ الْكَامِلُ الْمَسْكَنَةِ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ بِالصَّدَقَةِ وَأَحْوَجُ إِلَيْهَا لَيْسَ هُوَ هَذَا الطَّوَّافُ بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَ أَصْلِ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَافِ بَلْ مَعْنَاهُ نَفْيُ كَمَالِ الْمَسْكَنَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليوم الآخر إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَوْلُهُ (قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا فَمَا الْمِسْكِينُ وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَا تَأْتِي كَثِيرًا
(7/129)

لِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ

[1040] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ أَيْ قِطْعَةُ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ مَعْنَاهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَلِيلًا سَاقِطًا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُحْشَرُ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَا لَحْمَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ وَعَلَامَةً لَهُ بِذَنْبِهِ حِينَ طَلَبَ وَسَأَلَ بِوَجْهِهِ كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الْأُخَرُ بِالْعُقُوبَاتِ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي كَانَتْ بِهَا الْمَعَاصِي وَهَذَا فِيمَنْ سَأَلَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ سُؤَالًا مَنْهِيًّا عَنْهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1041] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) قَالَ الْقَاضِي
(7/130)

مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِالنَّارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ يَصِيرُ جَمْرًا يُكْوَى بِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ

[1042] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْأَكْلِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَالِاكْتِسَابِ بِالْمُبَاحَاتِ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ النَّابِتَيْنِ فِي مَوَاتٍ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ فَيَحْطِبَ بِغَيْرِ تَاءٍ بَيْنَ الْحَاءِ وَالطَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهَكَذَا أَيْضًا فِي النُّسَخِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ بِالْمِيمِ وَفِي نَادِرٍ مِنْهَا عَنِ النَّاسِ بِالْعَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ على الثاني
(7/131)

[1043] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ) اسْمُ أَبِي إِدْرِيسَ عَابدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْمُ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُوَبٍ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وبعدها موحدة ويقال بن ثواب بفتح الثاء وتخفيف الواو ويقال بن أثوب ويقال بن عبد الله ويقال بن عوف ويقال بن مُسْلِمٍ وَيُقَالُ اسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالزُّهْدِ وَالْكَرَامَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَحَاسِنِ الْبَاهِرَةِ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَلْقَاهُ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ فِي النَّارِ فَلَمْ يَحْتَرِقْ فَتَرَكَهُ فَجَاءَ مُهَاجِرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ إِنَّهُ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَغَلَطٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ التَّوَارِيخِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وغيرهم والله أعلم قوله (فلقد رأيت أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ) فِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ السُّؤَالِ فَحَمَلُوهُ عَلَى عُمُومِهِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّنْزِيهِ عَنْ جَمِيعِ مَا يُسَمَّى سُؤَالًا وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(7/132)

(باب من تحل له المسألة)

[1044] قوله (عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِمُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ أَلِفٍ مُوَحَّدَةٍ قَوْلُهُ (تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهِيَ الْمَالُ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ يَسْتَدِينُهُ وَيَدْفَعُهُ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ كَالْإِصْلَاحٍ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَدِينَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى تُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ الْقِوَامُ وَالسِّدَادُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالسِّينِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ مَا يُغْنِي مِنَ الشَّيْءِ وَمَا تُسَدُّ بِهِ الْحَاجَةُ وَكُلُّ شَيْءٍ سَدَدْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ سِدَادٌ بِالْكَسْرِ وَمِنْهُ سِدَادُ الثَّغْرِ وَالْقَارُورَةِ وَقَوْلُهُمْ سِدَادٌ مِنْ عَوَزٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحجى مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ يَقُومَ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ يَقُومُونَ بِهَذَا الْأَمْرِ فَيَقُولُونَ لَقَدْ أصابته فاقة والحجى مَقْصُورٌ وَهُوَ الْعَقْلُ وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْمِهِ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِبَاطِنِهِ وَالْمَالُ مِمَّا يَخْفَى فِي الْعَادَةِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِصَاحِبِهِ وانما شرط الحجى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ التَّيَقُّظُ فَلَا تُقْبَلُ مِنْ مُغَفَّلٍ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الثَّلَاثَةِ فقال
(7/133)

بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ شَرْطٌ فِي بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ يُقْبَلُ مِنْ عَدْلَيْنِ كَسَائِرِ الشهادات غير الزنى وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهِ وَالْإِعْسَارِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْمَالِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ سُحْتًا وَرِوَايَةُ غَيْرِ مُسْلِمٍ سُحْتٌ وَهَذَا وَاضِحٌ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ وَفِيهِ إِضْمَارُ أَيْ أَعْتَقِدُهُ سُحْتًا أَوْ يؤكل سحتا

(باب جواز الأخذ بغير سؤال ولا تطلع)

[1045] قَوْلُهُ (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْهُ وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولا سائل فخذه ومالا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبَيَانُ فَضْلِهِ وَزُهْدِهِ وَإِيثَارِهِ وَالْمُشْرِفُ إِلَى الشَّيْءِ هُوَ الْمُتَطَلِّعُ إِلَيْهِ الحريص عليه ومالا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ لَا تُعَلِّقِ النَّفْسَ بِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ جَاءَهُ مَالٌ هَلْ يَجِبُ قَبُولُهُ أَمْ يُنْدَبُ عَلَى
(7/134)

ثَلَاثَةٍ مَذَاهِبَ حَكَاهَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جرير الطبرى وآخرون وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ عَطِيَّةِ السُّلْطَانِ وَأَمَّا عَطِيَّةُ السُّلْطَانِ فَحَرَّمَهَا قَوْمٌ وَأَبَاحَهَا قَوْمٌ وَكَرِهَهَا قَوْمٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ فِيمَا فِي يَدِ السُّلْطَانِ حَرُمَتْ وَكَذَا إِنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبِ الْحَرَامُ فَمُبَاحٌ إِنْ لم يكن في القابض مانع يمنعه من اسْتِحْقَاقَ الْأَخْذِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْأَخْذُ وَاجِبٌ مِنَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ مَنْدُوبٌ فِي عَطِيَّةِ السُّلْطَانِ دُونَ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وحدثنى أبو الطاهر أخبرنا بن وهب قال عمرو وحدثنى بن شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ وَقَوْلُهُ قَالَ عَمْرٌو مَعْنَاهُ قَالَ قَالَ عَمْرٌو فَحَذَفَ كِتَابَةَ قَالَ وَلَا بُدَّ لِلْقَارِئِ مِنَ النُّطْقِ بِقَالَ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا حَذَفُوا إِحْدَاهُمَا فِي الْكِتَابِ اخْتِصَارًا وَأَمَّا قَوْلُهُ قَالَ عَمْرٌو وَحَدَّثَنِي فَهَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَحَدَّثَنِي بِالْوَاوِ وَهُوَ صَحِيحٌ مَلِيحٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ عَمْرًا حدث عن بن شِهَابٍ بِأَحَادِيثَ عُطِفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَسَمِعَهَا بن وهب كذلك فلما أراد بن وَهْبٍ رِوَايَةَ غَيْرِ الْأَوَّلِ أَتَى بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ لِأَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ الْأَوَّلِ مِنْ عَمْرٍو مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ فَأَتَى بِهِ كَمَا سَمِعَهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا اسْتُدْرِكَ عَلَى مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ بَيْنَ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ رَجُلٌ وَهُوَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى قَالَ النَّسَائِيُّ لَمْ يَسْمَعْهُ السائب من بن السَّعْدِيِّ بَلْ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ حُوَيْطِبٍ عَنْهُ قَالَ غَيْرُهُ هُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ رَوَاهُ أَصْحَابُ شُعَيْبٍ وَالزُّبَيْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ حُوَيْطِبًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرًا أَخْبَرَهُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يونس بن عبد الأعلى عن بن وَهْبٍ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَقَدْ رَوَاهُ النسائي في سننه كما ذكر عن بن عُيْيَنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ عَنْ حُوَيْطِبٍ عن بن السَّعْدِيِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرُوِّينَاهُ عَنِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْقَادِرِ الرُّهَاوِيِّ فِي كِتَابِهِ الرَّبَاعِيَاتِ قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ هَكَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالزُّبَيْدِيُّ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيَّانِ وَعُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيَّانِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْصِيُّ ثُمَّ
(7/135)

ذَكَرَ طُرُقَهُمْ بِأَسَانِيدِهَا مُطَوَّلَةً مُطْرَقَةً كُلُّهُمْ عَنِ الزهري عن السائب عن حويطب عن بن السَّعْدِيِّ عَنْ عُمَرَ وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ قَالَ عَبْدُ الْقَادِرِ وَرَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَسْقَطَ حُوَيْطِبًا وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهِ فَرَوَاهُ عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ كما رواه الجماعة عن الزهري ورواه بن الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ فَأَسْقَطَ حُوَيْطِبًا كَمَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرزاق عن معمر فأسقط حويطبا وبن السَّعْدِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ طُرُقَهُمْ كَذَلِكَ قَالَ فَهَذَا مَا انْتَهَى مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ وَالصَّحِيحُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ عَنْ حويطب عن بن السَّعْدِيِّ عَنْ عُمَرَ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ صَحَابِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُمْ عُمَرُ وبن السَّعْدِيِّ وَحُوَيْطِبٌ وَالسَّائِبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَدْ جَاءَتْ جُمْلَةٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِيهَا أَرْبَعَةٌ صَحَابِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَأَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بعض وأما بن السَّعْدِيِّ فَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وقدان بن عبد شمس بن عبدود بْنِ نَضْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ قَالُوا وَاسْمُ وقدان عمرو ويقال عمرو بن وقدان وقال مُصْعَبٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ وقدان ويقال له بن السَّعْدِيِّ لِأَنَّ أَبَاهُ اسْتُرْضِعَ فِي بَنِي سَعْدِ بن بكر بن هوازن صحب بن السَّعْدِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمًا وَقَالَ وَفَدْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَنَ الشَّامَ رَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَأَمَّا حُوَيْطِبٌ فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ أَبُو الْأُصْبُعِ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عبدود بْنِ نَضْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَا تُحْفَظُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا شَيْءٌ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قَالَ عن بن السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ فَقَوْلُهُ الْمَالِكِيُّ صَحِيحٌ مَنْسُوبٌ إِلَى مالك بن
(7/136)

حَنْبَلِ بْنِ عَامِرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ السَّاعِدِيُّ فَأَنْكَرُوهُ قَالُوا وَصَوَابُهُ السَّعْدِيُّ كَمَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ كَمَا سَبَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ) هِيَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهِيَ الْمَالُ الَّذِي يُعْطَاهُ الْعَامِلُ عَلَى عَمَلِهِ قَوْلُهُ (عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَمَّلَنِي) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ أَعْطَانِي أُجْرَةَ عَمَلِي وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ لِدَيْنٍ أَوْ لِدُنْيَا كَالْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ وَغَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(7/137)

(باب كَرَاهَةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا)
[1046] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ حُبِّ الْعَيْشِ وَالْمَالِ) هَذَا مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ لِلْمَالِ مُحْتَكِمٌ فِي ذَلِكَ كَاحْتِكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ هَذَا صَوَابُهُ وَقِيلَ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَا يُرْتَضَى

[1047] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ على حب اثنتين

[1048] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/138)

(لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف بن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ) وَفِي رِوَايَةٍ وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التراب وفي رواية ولا يملأ نفس بن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ فِيهِ ذَمُّ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَحُبِّ الْمُكَاثِرَةِ بِهَا وَالرَّغْبَةِ فِيهَا وَمَعْنَى لَا يَمْلَأُ جَوْفَهُ إِلَّا التُّرَابُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوتَ وَيَمْتَلِئَ جَوْفُهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ
(7/139)

خَرَجَ عَلَى حُكْمِ غَالِبِ بَنِي آدَمَ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَيُؤَيِّدُهُ

[1049] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ الْحِرْصِ الْمَذْمُومِ وَغَيْرِهِ مِنَ المذمومات

(باب فضل القناعة والحث عليها)

[1051] قوله صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) الْعَرَضُ هُنَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ جَمِيعًا وَهُوَ مَتَاعُ الدُّنْيَا وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْغِنَى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة حِرْصِهَا لَا كَثْرَةَ الْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ طَالِبًا لِلزِّيَادَةِ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ غِنًى
(7/140)

(باب التحذير من الاغترار بزينة الدنيا وما يبسط مِنْهَا)
[1052] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) فِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَالْمُفَاخَرَةِ بِهَا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ إِذَا كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي التَّوْكِيدِ وَالتَّفْخِيمِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ قَوْلُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ أَوَ خَيْرٌ هُوَ إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا اويلم إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ ثَلَطَتْ أَوْ بَالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ خَيْرٌ هو فهو بفتح الواو والحبط بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ التُّخَمَةُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يُلِمُّ مَعْنَاهُ أَوْ يُقَارِبُ الْقَتْلَ
(7/141)

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إِلَّا وَتَشْدِيدِ اللَّامِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَلَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وتخفيف اللام على الاستفتاح وآكلة الْخَضِرِ بِهَمْزَةِ مَمْدُودَةٍ وَالْخَضِرِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ هَكَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي وَضَبْطَهُ بَعْضُهُمْ الْخُضَرِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ وَقَوْلُهُ ثَلَطَتْ هُوَ بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ أَلْقَتِ الثَّلْطَ وَهُوَ الرَّجِيعُ الرَّقِيقُ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْفِيَلَةِ قَوْلُهُ اجْتَرَّتْ أَيْ مَضَغَتْ جِرَّتَهَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْجِرَّةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مِنْ بَطْنِهِ لِيَمْضُغَهُ ثُمَّ يَبْلَعَهُ وَالْقَصْعُ شِدَّةُ الْمَضْغِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ أَوَ خَيْرٌ هُوَ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَهُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَخَافَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لَنَا مِنْ جِهَةٍ مُبَاحَةٍ كَغَنِيمَةٍ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ خَيْرٌ وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَاسْتِبْعَادٍ أَيْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ خَيْرًا ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَرٌّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا الْخَيْرُ الْحَقِيقِيُّ فَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ أَيْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرٌ ثُمَّ قَالَ أَوَ خَيْرٌ هُوَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا لَيْسَ بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا هُوَ فِتْنَةٌ وَتَقْدِيرُهُ الْخَيْرُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ وَلَكِنْ لَيْسَتْ
(7/142)

هَذِهِ الزَّهْرَةُ بِخَيْرٍ لِمَا تُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْمُنَافَسَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا عَنْ كَمَالِ الْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ كُلَّ مَا ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكِلَةَ الْخَضِرِ إِلَى آخِرِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ نَبَاتَ الرَّبِيعِ وَخَضِرَهُ يَقْتُلُ حَبَطًا بِالتُّخَمَةِ لِكَثْرَةِ الْأَكْلِ أَوْ يُقَارِبُ الْقَتْلَ إِلَّا إِذَا اقْتُصِرَ مِنْهُ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ وَتَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ الْمُقْتَصَدَةُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وَهَكَذَا الْمَالُ هُوَ كَنَبَاتِ الرَّبِيعِ مُسْتَحْسَنٌ تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ وَتَمِيلُ إِلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنْهُ وَيَسْتَغْرِقُ فِيهِ غَيْرَ صَارِفٍ لَهُ فِي وُجُوهِهِ فَهَذَا يُهْلِكُهُ أَوْ يُقَارِبُ إِهْلَاكَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِدُ فِيهِ فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا يَسِيرًا وَإِنْ أَخَذَ كَثِيرًا فَرَّقَهُ فِي وُجُوهِهِ كَمَا تَثْلِطُهُ الدَّابَّةُ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ هَذَا مُخْتَصَرُ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِيهِ مَثَلَانِ أَحَدُهُمَا لِلْمُكْثِرِ مِنَ الْجَمْعِ الْمَانِعِ مِنَ الْحَقِّ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ لِأَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ أَجْرَارَ الْبُقُولِ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهُ الدَّابَّةُ حَتَّى تَهْلِكَ وَالثَّانِي لِلْمُقْتَصِدِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ لِأَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ مِنْ أَجْرَارِ الْبُقُولِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ضَرَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَثَلًا بِحَالَتَيِ الْمُقْتَصِدِ وَالْمُكْثِرِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ نَبَاتَ الرَّبِيعِ خَيْرٌ وَبِهِ قِوَامُ الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا بَلْ مِنْهُ مَا يَقْتُلُ أَوْ يُقَارِبُ الْقَتْلَ فَحَالَةُ الْمَبْطُونِ الْمَتْخُومِ كَحَالَةِ مَنْ يَجْمَعُ الْمَالَ وَلَا يَصْرِفُهُ فِي وُجُوهِهِ فَأَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ وَالتَّوَسُّطَ فِي الْجَمْعِ
(7/143)

أَحْسَنُ ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِمَنْ يَنْفَعُهُ إِكْثَارُهُ وَهُوَ التَّشْبِيهُ بِآكِلَةِ الْخَضِرِ وَهَذَا التَّشْبِيهُ لِمَنْ صَرَفَهُ فِي وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ هذه الدابة تأكل من الخضر حتى تمتليء خَاصِرَتُهَا ثُمَّ تَثْلِطُ وَهَكَذَا مِنْ يَجْمَعُهُ ثُمَّ يَصْرِفُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَأَفَاقَ يَمْسَحُ الرُّحَضَاءَ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَمْدُودَةٍ أَيِ الْعَرَقَ مِنَ الشِّدَّةِ وَأَكْثَرُ مَا يُسَمَّى بِهِ عَرَقُ الْحُمَّى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ هَذَا السَّائِلَ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا أَيْنَ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّى وَفِي بَعْضِهَا أَيْ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ فَمَنْ قَالَ أَنَّى أَوْ أَيْنَ فَهُمَا بِمَعْنًى وَمَنْ قَالَ إِنَّ فَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ هَذَا هُوَ السَّائِلُ الْمَمْدُوحُ الْحَاذِقُ الْفَطِنُ وَلِهَذَا قَالَ وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ وَمَنْ قَالَ أَيٌّ فَمَعْنَاهُ أَيُّكُمْ فَحَذَفَ الْكَافَ وَالْمِيمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ مِمَّا يَنْبُتُ الرَّبِيعُ) وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ أَوْ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ وَرِوَايَةُ كُلَّ مَحْمُولَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مِمَّا وَهُوَ مِنْ بَابِ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلَّ شَيْءٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ) هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وبن السَّبِيلِ فِيهِ فَضِيلَةُ الْمَالِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَصَرَفَهُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يُرَجِّحُ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(7/144)

(باب فضل التعفف والصبر والقناعة والحث على كُلُّ ذَلِكَ)
[1053] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ خَيْرٌ مَرْفُوعٌ وَهُوَ صَحِيحٌ وَتَقْدِيرُهُ هُوَ خَيْرٌ كَمَا وقع في رواية البخارى وفي هذا الحديث الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا

[1054] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ) هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي الْحُبُلِ وَالْمَشْهُورُ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُحَدِّثِينَ ضَمُّ الْبَاءِ مِنْهُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَتْحُهَا وَمِنْهُمْ مَنْ سَكَّنَهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ) الْكَفَافُ الْكِفَايَةُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَفِيهِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَقَدْ يُحْتَجُّ بِهِ لِمَذْهَبِ مَنْ يقول الكفاف
(7/145)

أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ وَمِنَ الْغِنَى

[1055] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ محمد قوتا) قال أهل اللغة العربية الْقُوتُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَفِيهِ فَضِيلَةُ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْقُوتِ مِنْهَا وَالدُّعَاءِ بذلك

(باب اعطاء المؤلفة ومن يخاف على ايمانه ان لم يعط)
(واحتمال من سأل بجفاء لجهله وبيان الخوارج وأحكامهم)

[1056] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَيَّرُونِي بَيْنَ أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ أَوْ يُبَخِّلُونِي وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ) معناه أنهم ألحوا في المسألة لضعف يمانهم وألجأونى بِمُقْتَضَى حَالِهِمْ إِلَى السُّؤَالِ بِالْفُحْشِ أَوْ نِسْبَتِي إِلَى الْبُخْلِ وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ وَلَا يَنْبَغِي احْتِمَالُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ فَفِيهِ مُدَارَاةُ أَهْلِ الْجَهَالَةِ وَالْقَسْوَةِ وَتَأَلُّفُهِمْ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مَصْلَحَةٌ وَجَوَازُ دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ

[1057] قَوْلُهُ (فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ
(7/146)

مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) فِيهِ احْتِمَالُ الْجَاهِلِينَ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ مُقَابَلَتِهِمْ وَدَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ وَإِعْطَاءُ مَنْ يُتَأَلَّفُ قَلْبَهُ وَالْعَفْوُ عَنْ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا بِجَهْلِهِ وَإِبَاحَةُ الضَّحِكِ عِنْدَ الْأُمُورِ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا فِي الْعَادَةِ وَفِيهِ كَمَالُ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمِهِ وَصَفْحِهِ الْجَمِيلِ قَوْلُهُ (فَجَاذَبَهُ) هُوَ بِمَعْنَى جَبَذَهُ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ فَيُقَالُ جَبَذَ وَجَذَبَ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَوْلُهُ (حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الْحَاشِيَةَ انْقَطَعَتْ وَبَقِيَتْ فِي الْعُنُقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بَقِيَ أَثَرُهَا لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى
(7/147)

أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ

[1058] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَخْرَمَةَ (خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ) هُوَ مِنْ بَابِ التَّأَلُّفِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ (أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا) إِلَى آخِرِهِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سَعْدًا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي نَاسًا وَيَتْرُكُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فِي الدِّينِ وَظَنَّ أَنَّ الْعَطَاءَ يَكُونُ بِحَسَبِ الْفَضَائِلِ فِي الدِّينِ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ حَالَ هَذَا الْإِنْسَانِ الْمَتْرُوكِ فَأَعْلَمَهُ بِهِ وَحَلَفَ أَنَّهُ يَعْلَمُهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مُسْلِمًا فَلَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ النَّهْيَ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى فَسَكَتَ ثُمَّ رَآهُ يُعْطِي مَنْ هُوَ دُونَهُ بِكَثِيرٍ فَغَلَبَهُ مَا يَعْلَمُ مِنْ حُسْنِ حَالِ ذَلِكَ الانسان فقال يا رسول الله مالك عَنْ فُلَانٍ تَذْكِيرًا وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِعَطَائِهِ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى ثُمَّ نَسِيَهُ فَأَرَادَ تَذْكِيرَهُ وَهَكَذَا الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْعَطَاءَ لَيْسَ هُوَ عَلَى حَسَبِ الْفَضَائِلِ فِي الدِّينِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ مَعْنَاهُ إِنِّي أُعْطِي نَاسًا مُؤَلَّفَةً في ايمانهم
(7/148)

ضَعْفٌ لَوْ لَمْ أُعْطِهِمْ كَفَرُوا فَيَكُبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ وَأَتْرُكُ أَقْوَامًا هُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِينَ أَعْطَيْتُهُمْ وَلَا أَتْرُكُهُمُ احْتِقَارًا لَهُمْ وَلَا لِنَقْصِ دِينِهِمْ وَلَا إِهْمَالًا لِجَانِبِهِمْ بَلْ أَكِلُهُمْ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ النُّورِ وَالْإِيمَانِ التَّامِّ وَأَثِقُ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَزَلْزَلُ إِيمَانُهُمْ لِكَمَالِهِ وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْمَعْنَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنِّي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ قَوْلُهُ (أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَتَقْدِيرُهُ قَالَ أَعْطَى فَحَذَفَ لَفْظَةَ قَالَ قَوْلُهُ (وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أَيْ أَفْضَلُهُمْ عِنْدِي قَوْلُهُ (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فساررته فقلت مالك عَنْ فُلَانٍ) فِيهِ التَّأَدُّبُ مَعَ الْكِبَارِ وَأَنَّهُمْ يُسَارُّونَ بِمَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّذْكِيرِ لَهُمْ وَالتَّنْبِيهِ وَنَحْوِهِ وَلَا يُجَاهَرُونَ بِهِ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمُجَاهَرَةِ بِهِ مَفْسَدَةٌ قَوْلُهُ (إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ أَوْ مُسْلِمًا) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لَأَرَاهُ وَإِسْكَانِ وَاوِ أَوْ مُسْلِمًا وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ
(7/149)

مستوفى في كتاب الايمان قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ غَنَائِمِ هَوَازِنَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ فَعَتَبَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) إِلَى آخِرِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَيْسَ فِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُمْ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ وَأَنَّهُ لَمْ يَحْسِبْ مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الْخُمُسِ قَالَ وَالْمَعْرُوفُ فِي بَاقِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الْخُمُسِ فَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ صَرْفَ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلَ النَّاسِ فِيهِ عَلَى مَا يَرَاهُ وَأَنْ
(7/150)

يُعْطِيَ الْوَاحِدَ مِنْهُ الْكَثِيرَ وَأَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْغَنِيَّ مِنْهُ لِمَصْلَحَةٍ

[1059] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً) فِيهَا لُغَتَانِ إِحْدَاهُمَا ضَمُّ الهمزة واسكان الثاء وأصحهما وأشهرهما بفتحهما جَمِيعًا وَالْأَثَرَةُ الِاسْتِئْثَارُ بِالْمُشْتَرَكِ أَيْ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْكُمْ ويفضل
(7/151)

عَلَيْكُمْ غَيْرَكُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بن أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يُوَرِّثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَآخَرِينَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي تَوْرِيثَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ ارْتِبَاطًا وَقَرَابَةً وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِرْثِ وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَالْوَاحِدِ مِنْهُمْ فِي إِفْشَاءِ سِرِّهِمْ بِحَضْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ) قَالَ الْخَلِيلُ هُوَ مَا انْفَرَجَ بين جبلين وقال بن السِّكِّيتِ هُوَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْأَنْصَارِ وَرُجْحَانِهِمْ قَوْلُهُ (وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ) هُوَ بِعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ
(7/152)

قَوْلُهُ (وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْمَدِّ وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ جَمْعُ طَلِيقٍ يُقَالُ ذَاكَ لِمَنْ أُطْلِقَ مِنْ إِسَارٍ أَوْ وَثَاقٍ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ قِيلَ لِمُسْلِمِي الْفَتْحِ الطُّلَقَاءُ لِمَنِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ (وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا عَشَرَةُ آلَافٍ شَهِدُوا الْفَتْحَ وَأَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ
(7/153)

وَمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ سِتَّةُ آلَافٍ وَهَمٌ مِنَ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي السُّمَيْطُ عَنْ أَنَسِ) هُوَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ تَصْغِيرُ سِمْطٍ قَوْلُهُ (وعلى مجنبة خيلنا خالد) المجنبة بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ قَالَ شَمِرٌ الْمُجَنِّبَةُ هِيَ الْكَتِيبَةُ مِنَ الْخَيْلِ الَّتِي تَأْخُذُ جَانِبَ الطَّرِيقِ الْأَيْمَنَ وَهُمَا مُجَنِّبَتَانِ مَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ بِجَانِبَيِ الطَّرِيقِ وَالْقَلْبُ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ (فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا تَلُوذُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَالَ الْمُهَاجِرِينَ يَالَ الْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ قَالَ يَالَ الْأَنْصَارِ يَالَ الْأَنْصَارِ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ يَالَ بِلَامٍ مَفْصُولَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَالْمَعْرُوفُ وَصْلُهَا بِلَامِ التَّعْرِيفِ الَّتِي بَعْدَهَا قَوْلُهُ (قَالَ أَنَسٌ هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ
(7/154)

هَذِهِ اللَّفْظَةُ ضَبَطُوهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَوْجُهٍ أَحَدُهَا عِمِّيَّةٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ قَالَ الْقَاضِي كَذَا رُوِّينَا هَذَا الْحَرْفَ عَنْ عَامَّةِ شُيُوخِنَا قَالَ وَفُسِّرَ بِالشِّدَّةِ وَالثَّانِي عُمِّيَّةٍ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالثَّالِثُ عَمِّيَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا هَاءُ السَّكْتِ أَيْ حَدَّثَنِي بِهِ عَمِّي وَقَالَ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعْنَاهُ عِنْدِي جَمَاعَتِي أَيْ هَذَا حَدِيثُهُمْ قَالَ صاحب العين العم الجماعة وأنشد عليه بن دُرَيْدٍ فِي الْجَمْهَرَةِ ... أَفْنَيْتُ عَمَّا وَجُبِرْتُ عَمَّا ...

(قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْحَدِيثِ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِبُ الْجَمْعِ بَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ وَفَسَّرَهُ بِعُمُومَتِي أَيْ هَذَا حَدِيثُ فَضْلِ أَعْمَامِي أَوْ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ أَعْمَامِي كَأَنَّهُ حَدَّثَ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ ثُمَّ لَعَلَّهُ لَمْ يَضْبِطْ هَذَا الْمَوْضِعَ لَتَفَرُّقِ النَّاسِ فَحَدَّثَهُ بِهِ مَنْ شَهِدَهُ مِنْ أَعْمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ قَالَ قُلْنَا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1060] قَوْلُهُ (أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهَبِ الْعُبَيْدِ) الْعُبَيْدُ اسْمُ فَرَسِهِ قَوْلُهُ (يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ مِرْدَاسَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّزَ)
(7/155)

تَرْكَ الصَّرْفِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ قَوْلُهُ (وَعَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَبِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مَنْسُوبٌ إِلَى الشَّعِيرِ الْحَبِّ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ مَخْلَدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ أَبُو مُحَمَّدٍ بَغْدَادِيٌّ سَكَنَ طَرَسُوسَ رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصَّنْعانِيَّيْنِ وَسُفْيَانَ رَوَى عَنْهُ مسلم وأبو داود وبن عَوْفٍ الْبَزْدَوِيُّ وَابْنُهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَوْفٍ وَالْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ ثِقَةٌ وَذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ أَحْوَالِهِ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ وَذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مُخْتَصَرًا وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ فَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فِي الزَّكَاةِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا كُلَّهُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ قَالَ لَمْ أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَ مَخْلَدَ بْنَ خَالِدٍ الشَّعِيرِيَّ فِي رِجَالِ الصَّحِيحِ وَلَا فِي غَيْرِهِمْ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ وَلَا الْبَاجِيُّ وَلَا الْجَيَّانِيُّ وَمَنْ تَكَلَّمَ عَلَى رِجَالِ الصَّحِيحِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ التَّقْيِيدِ وَلَا ذَكَرُوا مَخْلَدَ بْنَ خَالِدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ أَصْلًا وَبَسَطَ الْقَاضِي الْكَلَامَ فِي إِنْكَارِ هَذَا الِاسْمِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الرُّوَاةِ أَحَدٌ يُسَمَّى مَخْلَدَ بْنَ خَالِدٍ لَا فِي الصَّحِيحِ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَضَمَّ إِلَيْهِ كَلَامًا عَجِيبًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنَ الْعَجَائِبِ فَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ مَشْهُورٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أولا وبالله
(7/156)

التَّوْفِيقُ

[1061] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الشِّعَارُ الثوب الذي يلى الجسد والدثار فَوْقُهُ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَنْصَارُ هُمُ الْبِطَانَةُ وَالْخَاصَّةُ وَالْأَصْفِيَاءُ وَأَلْصَقُ بِي مِنْ سَائِرِ النَّاسِ وَهَذَا مِنْ مَنَاقِبِهِمُ الظَّاهِرَةِ وَفَضَائِلِهِمُ الْبَاهِرَةِ
(7/157)

[1062] قَوْلُهُ (فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ) هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ صَبْغٌ أَحْمَرُ يُصْبَغُ به الجلود قال بن دُرَيْدٍ وَقَدْ يُسَمَّى الدَّمُ أَيْضًا صِرْفًا قَوْلُهُ (فَقَالَ رَجُلٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمُ الشَّرْعِ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَرَ وَقُتِلَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قُتِلَ قَالَ الْمَازِرِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ الطَّعْنَ فِي النُّبُوَّةِ وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْمَعَاصِي ضَرْبَانِ كَبَائِرُ وَصَغَائِرُ فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ مِنَ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْكَانِ وُقُوعِ الصَّغَائِرِ وَمَنْ جَوَّزَهَا مَنَعَ مِنْ إِضَافَتِهَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَى طَرِيقِ التَّنْقِيصِ وَحِينَئِذٍ فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَاقِبْ هَذَا الْقَائِلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا نَقَلَهُ عَنْهُ وَاحِدٌ وَشَهَادَةُ الْوَاحِدِ لَا يُرَاقُ بِهَا الدَّمُ قَالَ الْقَاضِي هَذَا التَّأْوِيلُ بَاطِلٌ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ وَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ وَخَاطَبَهُ خِطَابَ الْمُوَاجِهَةِ بِحَضْرَةِ الْمَلَأِ حَتَّى اسْتَأْذَنَ عُمَرُ وَخَالِدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلِهِ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ فَهَذِهِ هِيَ العلة وسلك
(7/158)

مَعَهُ مَسْلَكَهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آذَوْهُ وَسَمِعَ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ مَوْطِنِ مَا كَرِهَهُ لَكِنَّهُ صَبَرَ اسْتِبْقَاءً لِانْقِيَادِهِمْ وَتَأْلِيفًا لِغَيْرِهِمْ لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ فَيَنْفِرُوا وَقَدْ رَأَى النَّاسُ هَذَا الصِّنْفَ فِي جَمَاعَتِهِمْ وَعَدُّوهُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ

[1063] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَنْ يَعْدِلْ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ) رُوِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ فِي خِبْتَ وَخَسِرْتَ وَبِضَمِّهِمَا فِيهِمَا وَمَعْنَى الضَّمِّ ظَاهِرٌ وَتَقْدِيرُ الْفَتْحِ خِبْتَ أَنْتَ أَيُّهَا التَّابِعُ إِذَا كُنْتُ لَا أَعْدِلُ لِكَوْنِكَ تَابِعًا وَمُقْتَدِيًا بِمَنْ لَا يَعْدِلُ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ) وَفِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ اسْتَأْذَنَ فِي قَتْلِهِ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَارُضٌ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتَأْذَنَ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) قَالَ الْقَاضِي فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا مَعْنَاهُ لَا تَفْقَهُهُ قُلُوبُهُمْ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا تَلَوْا مِنْهُ وَلَا لَهُمْ حَظٌّ سِوَى تِلَاوَةِ الْفَمِ وَالْحَنْجَرَةِ وَالْحَلْقِ إِذْ بِهِمَا تقطيع الحروف والثاني مَعْنَاهُ لَا يَصْعَدُ لَهُمْ عَمَلٌ وَلَا تِلَاوَةٌ وَلَا يُتَقَبَّلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ يَخْرُجُونَ مِنْهُ خُرُوجَ السَّهْمِ إِذَا نَفَذَ الصَّيْدَ مِنْ جِهَةِ أُخْرَى وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شيء منه والرمية هِيَ الصَّيْدُ الْمَرْمِيُّ وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ
(7/159)

قال والدين هُنَا هُوَ الْإِسْلَامُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وقال الخطابي هو هنا الطَّاعَةُ أَيْ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْمَازِرِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ قَالَ وَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَكُونُ أَشَدَّ إِشْكَالًا مِنْ سَائِرِ الْمَسَائِلِ وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا الْمَعَالِي وَقَدْ رَغَّبَ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ عَبْدُ الْحَقِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا فَرَهَّبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْغَلَطَ فِيهَا يَصْعُبُ مَوْقِعُهُ لِأَنَّ إِدْخَالَ كَافِرٍ فِي الْمِلَّةِ وَإِخْرَاجَ مُسْلِمٍ مِنْهَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَنَاهِيكَ بِهِ فِي علم الأصول وأشار بن الْبَاقِلَّانِيِّ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْمُعَوِّصَاتِ لِأَنَّ الْقَوْمَ لم يصرحوا بالكفر وانما قالوا أقوالا لا تُؤَدِّي إِلَيْهِ وَأَنَا أَكْشِفُ لَكَ نُكْتَةَ الْخِلَافِ وَسَبَبَ الْإِشْكَالِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ مَثَلًا يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ وَلَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَحَيٌّ وَلَا حَيَاةَ لَهُ يُوقِعُ الِالْتِبَاسٌ فِي تَكْفِيرِهِ لِأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ دَيْنِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةً أَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا عَالِمَ كَانَ كَافِرًا وَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ كَوْنِ الْعَالِمِ لَا عِلْمَ لَهُ فَهَلْ نَقُولُ إِنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ إِذَا نَفَى الْعِلْمَ نَفَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى عَالِمًا وَذَلِكَ كُفْرٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَنْفَعُهُ اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ مَعَ نَفْيِهِ أَصْلَ الْعِلْمِ أَوْ نَقُولُ قَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ وَإِنْكَارُهُ الْعِلْمَ لَا يُكَفِّرُهُ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَالِمٍ فَهَذَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ هَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابهِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يَكْفُرُونَ وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَجَمَاهِيرُ المعتزلة وسائل أَهْلِ الْأَهْوَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ فِي الْمَذْهَبِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ فَرَدَّ شَهَادَتَهُمْ لِهَذَا لَا لِبِدْعَتِهِمْ والله أعلم
(7/160)

[1064] قَوْلُهُ (بَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا) هَكَذَا هُوَ فِي جميع نسخ بلادنا بذهبة بِفَتْحِ الذَّالِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ عَنِ الْجُلُودِيِّ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ بن مَاهَانَ بِذُهَيْبَةٍ عَلَى التَّصْغِيرِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ) وَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قَالَ فِيهَا عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الثَّانِيَةِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَفِي مُعْظَمِهَا عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ وَهِيَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا الشِّعْرُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ فَحِصْنٌ أَبُوهُ وَبَدْرٌ جَدُّ أَبِيهِ فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى أَبِيهِ وَتَارَةً إِلَى جَدِّ أَبِيهِ لِشُهْرَتِهِ وَلِهَذَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ ... فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ ...

(وَهُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ بْنِ دِينَارٍ الْفَزَارِيُّ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِيُّ) كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْخَيْرِ بِالرَّاءِ وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا زَيْدُ الْخَيْلِ بِاللَّامِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ يُقَالُ بِالْوَجْهَيْنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَيْدُ الْخَيْلِ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ زَيْدُ الْخَيْرِ قَوْلُهُ (أَيُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ) أَيْ سَادَاتِهَا وَأَحَدُهُمْ صِنْدِيدٌ بِكَسْرِ الصَّادِ قَوْلُهُ (فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) أَمَّا كَثُّ اللِّحْيَةِ فبفتح الكاف وهو كثيرها والوجنة بِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ أَيْضًا أَجْنَةٌ وهي لحم الخد قوله (ناتىء الجبين) هو بهمز ناتيء)
(7/161)

وَأَمَّا الْجَبِينِ فَهُوَ جَانِبُ الْجَبْهَةِ وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ جَبِينَانِ يَكْتَنِفَانِ الْجَبْهَةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ مِنْ ضئضىء هَذَا قَوْمًا) هُوَ بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ وَآخِرُهُ مَهْمُوزٌ وَهُوَ أَصْلُ الشَّيْءِ وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ جَمِيعًا وَهَذَا صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ قَالُوا وَلِأَصْلِ الشَّيْءِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الضِّئْضِئُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنِّجَارُ بكسر النون والنحاس والسنخ بكسر السين واسكان النون وبخاء معجمة والعنصر والعنض والأرومة قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) أَيْ قَتْلًا عَامًّا مُسْتَأْصِلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ باقية وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى قِتَالِهِمْ وَفَضِيلَةٌ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِتَالِهِمْ قَوْلُهُ (فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ) أَيْ مَدْبُوغٍ بِالْقَرَظِ قَوْلُهُ (لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا) أَيْ لَمْ تُمَيَّزْ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ ذِكْرُ عَامِرٍ هُنَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ هَذَا بِسِنِينَ وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ عَلْقَمَةُ بْنُ علاثة
(7/162)

كَمَا هُوَ مَجْزُومٌ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ) مَعْنَاهُ إِنِّي أُمِرْتُ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَفِي الْحَدِيثِ هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قلبه قوله (وهو مقف) أي مولى قَدْ أَعْطَانَا قَفَاهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى لَيِّنًا رَطْبًا) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ لَيِّنًا بِالنُّونِ أي سهلا
(7/163)

وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ لَيًّا بِحَذْفِ النُّونِ وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ رِوَايَةُ أَكْثَرِ شُيُوخِهِمْ قَالَ وَمَعْنَاهُ سَهْلًا لِكَثْرَةِ حِفْظِهِمْ قَالَ وَقِيلَ لَيًّا أَيْ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِهِ أَيْ يُحَرِّفُونَ مَعَانِيَهُ وَتَأْوِيلَهُ قَالَ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ اللَّيِّ في الشهادة وهو الميل قاله بن قُتَيْبَةَ (قَوْلُهُ (فَسَأَلَاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ) هُمُ الْخَوَارِجُ سُمُّوا حَرُورِيَّةً لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا حَرُورَاءَ وَتَعَاقَدُوا عِنْدَهَا عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَحَرُورَاءَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالْمَدِّ قَرْيَةٌ بِالْعِرَاقِ قَرِيبَةٌ مِنَ الْكُوفَةِ وَسُمُّوا خَوَارِجَ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَقِيلَ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْجَمَاعَةِ وَقِيلَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْلُهُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا) قَالَ الْمَازِرِيُّ هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى سَعَةِ عِلْمِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَدَقِيقُ نَظَرِهِمْ وَتَحْرِيرُهُمُ الْأَلْفَاظَ وَفَرْقُهُمْ بَيْنَ مَدْلُولَاتِهَا الْخَفِيَّةِ لِأَنَّ لَفْظَةَ مِنْ تَقْتَضِي كَوْنَهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ لَا كُفَّارًا بِخِلَافِ فِي وَمَعَ هَذَا فَقَدْ جَاءَ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ وَفِي رواية أبي ذران
(7/164)

بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِي تَكْفِيرِهِمْ وَأَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ تَكْفِيرِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَنْظُرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَفِيهَا ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى قُذَذِهِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً أَمَّا الرِّصَافُ فَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وهو مدخل النصل من السهم والنصل هو حديدة السهم والقدح عوده والقذذ بِضَمِّ الْقَافِ وَبِذَالَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ رِيشُ السَّهْمِ والفوق والفوقة بِضَمِّ الْفَاءِ هُوَ الْحَزُّ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الوتر والنضى بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وهو القدح كذا جَاءَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مُفَسَّرًا وَكَذَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَمَّا الْبَصِيرُ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الشَّيْءُ مِنَ الدَّمِ أَيْ لَا يَرَى شَيْئًا مِنَ الدَّمِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِصَابَةِ الرَّمِيَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِي فَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/165)

(وَمِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ) الْبَضْعَةِ بِفَتْحِ الْبَاءِ لَا غَيْرَ وَهِيَ الْقِطْعَةُ من اللحم وتدردر مَعْنَاهُ تَضْطَرِبُ وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) ضَبَطُوهُ فِي الصَّحِيحِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا حِينِ فرقه بحاء مهملة مكسورة ونون وفرقة بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ فِي وَقْتِ افْتِرَاقِ النَّاسِ أَيِ افْتِرَاقٍ يَقَعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الِافْتِرَاقُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما والثاني خير فرقة بخاء معجمة مفتوحة وراء وفرقة بكسر الفاء أي أفضل الْفِرْقَتَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّهُ بِضَمِّ الْفَاءِ بِلَا خِلَافٍ وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَقَالَ الْقَاضِي عَلَى رِوَايَةِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُرَادُ وَخَيْرُ الْقُرُونِ وَهُمُ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ قَالَ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ فَعَلَيْهِ كَانَ خُرُوجُهُمْ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ كَانَ الْإِمَامَ حِينَئِذٍ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُصِيبًا فِي قتاله والآخرون بغاة لاسيما مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَعَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهَذَا وَجَرَى كُلُّهُ كَفَلَقِ الصُّبْحِ وَيَتَضَمَّنُ بَقَاءَ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ لَهُمْ شَوْكَةً وَقُوَّةً خِلَافَ مَا كَانَ الْمُبْطِلُونَ يُشِيعُونَهُ وَأَنَّهُمْ يَفْتَرِقُونَ فِرْقَتَيْنِ وَأَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مَارِقَةٌ وَأَنَّهُمْ يُشَدِّدُونَ فِي الدِّينِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشْدِيدِ وَيُبَالِغُونَ فِي الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَلَا يُقِيمُونَ بِحُقُوقِ الْإِسْلَامِ بَلْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْحَقِّ
(7/166)

وَأَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ يَقْتُلُونَهُمْ وَأَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا صِفَةُ يَدِهِ كَذَا وَكَذَا فَهَذِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ المعجزات جرت كلها وَلِلَّهِ الْحَمْدُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ) السِّيمَا الْعَلَامَةُ وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْقَصْرُ وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالْمَدُّ وَالثَّالِثَةُ السِّيمِيَاءُ بِزِيَادَةِ يَاءٍ مَعَ الْمَدِّ لَا غَيْرَ وَالْمُرَادُ بالتحالق حلق الرؤوس وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى التَّحَلُّقُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى كَرَاهَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ لَهُمْ وَالْعَلَامَةُ قَدْ تَكُونُ بِحِرَامٍ وَقَدْ تَكُونُ بِمُبَاحٍ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحِرَامٍ وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (رَأَى صَبِيًّا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ فَقَالَ احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِبَاحَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا قَالَ أَصْحَابُنَا حَلْقُ الرَّأْسِ جَائِزٌ بِكُلِّ حَالٍ لَكِنْ إِنْ شَقَّ عَلَيْهِ تَعَهُّدُهُ بِالدُّهْنِ وَالتَّسْرِيحِ اسْتُحِبَّ حَلْقُهُ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ) هَكَذَا هُوَ فِي كُلِّ النُّسَخِ أَوْ مِنْ أَشَرِّ بِالْأَلِفِ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَالْمَشْهُورُ شَرُّ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَفِي هَذَا اللَّفْظِ دَلَالَةٌ لِمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِهِمْ وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ أَيْ شَرُّ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ) وَفِي رِوَايَةٍ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَفِي رِوَايَةٍ تَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ تَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمَا
(7/167)

بِالْحَقِّ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ هُوَ الْمُصِيبَ الْمُحِقَّ وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانُوا بُغَاةً مُتَأَوِّلِينَ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُؤْمِنُونَ لَا يَخْرُجُونَ بِالْقِتَالِ عَنِ الْإِيمَانِ وَلَا يَفْسُقُونَ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مُوَافِقِينَا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا القاسم وهو بن الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ) هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ بَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ قَوْلُهُ (عَنِ
(7/168)

الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ وَأَصْحَابِ الْأَسْمَاءِ وَالتَّوَارِيخِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ قَالَ وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا قَالَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مِشْرَقٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ وَهُوَ الضَّحَّاكُ الْهَمْدَانِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ مِنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ (فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ) ضبطوه بكسر الفاء وضمها

[1066] قَوْلُهُ (عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ قَوْلُهُ (وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ) مَعْنَاهُ أَجْتَهِدُ رأيي وقال القاضي فيه جَوَازُ التَّوْرِيَةِ وَالتَّعْرِيضِ فِي الْحَرْبِ فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ خَدْعَةٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَيُقَالُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَيُقَالُ خُدَعَةٌ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) مَعْنَاهُ صِغَارُ الْأَسْنَانِ صِغَارُ الْعُقُولِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ مَعْنَاهُ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِمْ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَنَظَائِرِهِ مِنْ دُعَائِهِمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا) هَذَا تَصْرِيحٌ بِوُجُوبِ قِتَالِ الْخَوَارِجِ
(7/169)

وَالْبُغَاةِ وَهُوَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْقَاضِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ وَأَشْبَاهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْبَغْيِ مَتَى خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ وَخَالَفُوا رَأْيَ الْجَمَاعَةِ وَشَقُّوا الْعَصَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ بَعْدَ إِنْذَارِهِمْ وَالِاعْتِذَارِ إِلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ لَكِنْ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا يُتْبَعُ مُنْهَزِمُهُمْ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ وَلَا تُبَاحُ أَمْوَالُهُمْ وَمَا لَمْ يَخْرُجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَيَنْتَصِبُوا لِلْحَرْبِ لَا يُقَاتَلُونَ بَلْ يُوعَظُونَ وَيُسْتَتَابُونَ مِنْ بِدْعَتِهِمْ وَبَاطِلِهِمْ وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ بِدْعَةً مِمَّا يَكْفُرُونَ بِهِ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ وَأَمَّا الْبُغَاةُ الَّذِينَ لَا يَكْفُرُونَ فَيَرِثُونَ وَيُورَثُونَ وَدَمُهُمْ فِي حَالِ الْقِتَالِ هَدَرٌ وَكَذَا أَمْوَالُهُمُ الَّتِي تُتْلَفُ فِي الْقِتَالِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ أَيْضًا مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي حَالِ الْقِتَالِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَالِ الْقِتَالِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ ضَمِنُوهُ وَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ دَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فِي حَالِ الْحَرْبِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ هو بفتح العين وهو
(7/170)

قَوْلُهُ (فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ) أَمَّا الْمُخْدَجُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ أَيْ ناقص اليد والمودن بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَيُقَالُ بِالْهَمْزِ وَبِتَرْكِهِ وَهُوَ نَاقِصُ الْيَدِ وَيُقَالُ أَيْضًا ودين والمثدون بِفَتْحِ الْمِيمِ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ صَغِيرٌ الْيَدِ مُجْتَمِعُهَا كَثُنْدُوَةِ الثَّدْيِ وَهِيَ بِفَتْحِ الثَّاءِ بلا همز وَبِضَمِّهَا مَعَ الْهَمْزِ وَكَانَ أَصْلُهُ مَثْنُودٌ
(7/171)

فَقُدِّمَتِ الدَّالُ عَلَى النُّونِ كَمَا قَالُوا جَبَذَ وَجَذَبَ وَعَاثَ فِي الْأَرْضِ وَعَثَا قَوْلُهُ (فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا حَتَّى قَالَ مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَفِي نَادِرٍ مِنْهَا مَنْزِلًا مَنْزِلًا مَرَّتَيْنِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ أَيْ ذَكَرَ لِي مَرَاحِلَهُمْ بِالْجَيْشِ مَنْزِلًا مَنْزِلًا حَتَّى بَلَغَ الْقَنْطَرَةَ الَّتِي كَانَ الْقِتَالُ عِنْدَهَا وَهِيَ قَنْطَرَةُ الدَّبْرَجَانِ كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَهُنَاكَ خَطَبَهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَوَى لَهُمْ هذه الأحاديث والقنطرة بِفَتْحِ الْقَافِ قَوْلُهُمْ (فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ) أَيْ رَمَوْا بِهَا عَنْ بُعْدٍ قَوْلُهُ (وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ) هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ مَدَّدُوهَا إِلَيْهِمْ وَطَاعَنُوهُمْ بِهَا وَمِنْهُ التَّشَاجُرُ فِي الخصومة قوله (وما أصيب من الناس يؤمئذ إِلَّا رَجُلَانِ) يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَأَمَّا
(7/172)

الْخَوَارِجُ فَقُتِلُوا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَوْلُهُ (فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ) إِلَى آخِرِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَ عَلِيًّا ثَلَاثًا وَإِنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ لِيُسْمِعَ الْحَاضِرِينَ وَيُؤَكِّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَيُظْهِرَ لَهُمُ الْمُعْجِزَةَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَأَنَّهُمْ مُحِقُّونَ فِي قِتَالِهِمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَقَوْلُهُ السَّلْمَانِيُّ هُوَ بِإِسْكَانِ اللَّامِ مَنْسُوبٌ إِلَى سَلْمَانَ جَدِّ قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ مراد قاله بن أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ أَسْلَمَ عَبِيدَةُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ وَلَمْ يره وسمع عمر وعليا وبن مَسْعُودٍ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَوْلُهُ (قَالُوا لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ قَالَ عَلِيٌّ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ أَصْلُهَا صِدْقٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ان الحكم الا لله لَكِنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَا
(7/173)

الْإِنْكَارَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَحْكِيمِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ) هُوَ بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ ضَرْعُ الشَّاةٍ وَهُوَ فِيهَا مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ إِنَّمَا أَصْلُهُ لِلْكَلْبَةِ وَالسِّبَاعِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَيُقَالُ أَيْضًا لِذَوَاتِ الْحَافِرِ وَيُقَالُ لِلشَّاةِ ضَرْعٌ وَكَذَا لِلْبَقَرَةِ ويقال للناقة خلف وقال أبو عبيد الْأَخْلَافُ لِذَوَاتِ الْأَخْفَافِ وَالْأَظْلَافُ وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ في ذات الخف والظلف خلف وضرع قَوْلُهُ (عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ بِضَمِّ
(7/174)

الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالثَّانِي مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ يُقَالُ يُسَيْرٌ وَأُسَيْرٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ) أَيْ يَذْهَبُونَ عَنِ الصَّوَابِ وَعَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ يُقَالُ تَاهَ إِذَا ذَهَبَ وَلَمْ يَهْتَدِ لِطَرِيقِ الْحَقِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
(وَعَلَى آلِهِ وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ)

[1069] قَوْلُهُ (أَخْذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِخْ كِخْ ارْمِ بِهَا أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) وَفِي رِوَايَةٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ قال القاضي يقال كِخْ كِخْ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَتَسْكِينِ الْخَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا مَعَ التَّنْوِينِ وَهِيَ كَلِمَةٌ يُزْجَرُ بِهَا الصِّبْيَانُ عَنِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ فَيُقَالُ لَهُ كِخْ أَيِ اتْرُكْهُ وَارْمِ بِهِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ هِيَ عَجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ بِمَعْنَى بِئْسَ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ فِي تَرْجَمَةِ بَابِ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانَةِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصِّبْيَانَ يُوَقَّوْنَ مَا يُوَقَّاهُ الْكِبَارُ وَتُمْنَعُ مِنْ تَعَاطِيهِ وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُقَالُ فِي الشَّيْءِ الْوَاضِحِ التحريم
(7/175)

وَنَحْوِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُخَاطَبُ عَالِمًا بِهِ وَتَقْدِيرُهُ عَجَبٌ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْكَ هَذَا مَعَ ظُهُورِ تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ آلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ خَاصَّةً قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هُمْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا وَقَالَ أُصْبَغُ الْمَالِكِيُّ هُمْ بَنُو قُصَيٍّ دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحِلُّ لِآلِهِ وَالثَّانِي تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَالثَّالِثُ تَحِلُّ لَهُ وَلَهُمْ وَأَمَّا مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا تَحْرُمُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ وَالثَّانِي تَحِلُّ وَبِالتَّحْرِيمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وبالاباحة قال مالك وادعى بن بَطَّالٍ الْمَالِكِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَأَمَّا مَوَالِي غَيْرِهِمْ فَتُبَاحُ لَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلِ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمُهَا عَلَى مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1070] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ) ظَاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَدَقَةِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ وَفِيهِمَا الْكَلَامُ السَّابِقُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي لِأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي
(7/176)

ثُمَّ أَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيَهَا) فِيهِ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ صَدَقَةِ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّدَقَةُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهِيَ تَعُمُّ النَّوْعَيْنِ وَلَمْ يَقُلِ الزَّكَاةُ وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْوَرَعِ لِأَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ لَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ لَكِنَّ الْوَرَعَ تَرْكُهَا قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا) فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْوَرَعِ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ أَنَّ التَّمْرَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ مُحَقَّرَاتِ الْأَمْوَالِ لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهَا بَلْ يُبَاحُ أَكْلُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَا لِكَوْنِهَا لُقَطَةً وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَلَّلَهُ أصحابنا وغيرهم
(7/177)

بِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الْعَادَةِ لَا يَطْلُبُهَا وَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَطْمَعٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1072] قَوْلُهُ (فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ) هُوَ بِالْحَاءِ وَمَعْنَاهُ عرض له وقصده (قوله ما تفعل هَذَا إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا) مَعْنَاهُ حَسَدًا منك لنا قوله (فما نفسنا عَلَيْكَ) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ مَا حَسَدْنَاكَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ بِبِلَادِنَا وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ تُصَرِّرَانِ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ أُخْرَى وَمَعْنَاهُ تَجْمَعَانِهِ فِي صُدُورِكُمَا مِنَ الْكَلَامِ وَكُلُّ شَيْءٍ جَمَعْتَهُ فَقَدْ صَرَرْتَهُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تُسَرِّرَانِ بِالسِّينِ مِنَ السِّرِّ أَيْ مَا تَقُولَانِهِ لِي سِرًّا وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ هَاتَيْنِ الثِّنْتَيْنِ وَالثَّالِثَةَ تُصْدِرَانِ بِإِسْكَانِ الصَّادِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَعْنَاهُ مَاذَا تَرْفَعَانِ إِلَيَّ قَالَ وَهَذِهِ رِوَايَةُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَالرَّابِعَةَ تُصَوِّرَانِ بِفَتْحِ
(7/178)

الصَّادِ وَبِوَاوٍ مَكْسُورَةٍ قَالَ وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَرِوَايَتُنَا عَنْ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا بِالسِّينِ وَاسْتَبْعَدَ رِوَايَةَ الدَّالِ وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُعْظَمِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَرَجَّحَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فقال الأصوب تصرران بالصاد والرائين قَوْلُهُ (قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ) أَيَ الْحُلُمَ كَقَوْلِهِ تعالى حتى اذا بلغوا النكاح قَوْلُهُ (وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ تُلْمِعُ إِلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ فَتْحُ التَّاءِ وَالْمِيمِ يُقَالُ أَلْمَعَ وَلَمَعَ إِذَا أَشَارَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِيَدِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَأَلَاهُ الْعَمَلَ عَلَى الصَّدَقَةِ بِنَصِيبِ الْعَامِلِ (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ بِسَبَبِ الْعَمَلِ أَوْ بِسَبَبِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَسْبَابِ الثَّمَانِيَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَجَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ الْعَمَلَ عَلَيْهَا بِسَهْمِ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ إِجَارَةٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي رَدِّهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ) تَنْبِيهٌ على العلة فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَأَنَّهَا لِكَرَامَتِهِمْ وَتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الْأَوْسَاخِ وَمَعْنَى أَوْسَاخُ النَّاسِ أَنَّهَا تَطْهِيرٌ لِأَمْوَالِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها فَهِيَ كَغَسَّالَةِ الْأَوْسَاخِ قَوْلُهُ
(7/179)

(حدثنا هارون بن معروف حدثنا بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن بن شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ بن شِهَابٍ وَسَبَقَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ عَنْ جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عبد الله بن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَوْفَلٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَصْلُ هُوَ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَنَسَبَهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ إِلَى جَدِّهِ وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيُّ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا جُوَيْرِيَةَ بْنَ أَسْمَاءَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى مِنَ الْخُمُسِ لِأَنَّهُمَا مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخُمُسِ قَوْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وَقَالَ أَنَا أَبُو حَسَنٍ القرم) هو بتنوين حسن وأما القرم فالبراء مَرْفُوعٌ وَهُوَ السَّيِّدُ وَأَصْلُهُ فَحْلُ الْإِبِلِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ الْمُقَدَّمُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِالْأُمُورِ وَالرَّأْيِ كَالْفَحْلِ هَذَا أَصَحُّ الْأَوْجُهِ فِي ضَبْطِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَالثَّانِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْقَوْمِ بِالْوَاوِ بِإِضَافَةِ حَسَنٍ إِلَى الْقَوْمِ وَمَعْنَاهُ عَالِمُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ وَالثَّالِثُ حكاه القاضي أيضا أبو حسن بالتنوين والقوم بِالْوَاوِ مَرْفُوعٌ أَيْ أَنَا مَنْ عَلِمْتُمْ رَأْيَهُ أَيُّهَا الْقَوْمُ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ حُرُوفَ النِّدَاءِ لَا تُحْذَفُ فِي نِدَاءِ الْقَوْمِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ (لَا أَرِيمُ مَكَانِي) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لَا أُفَارِقُهُ قَوْلُهُ (وَاللَّهِ لَا أَرِيمُ مَكَانِي حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْكُمَا ابْنَاكُمَا بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ
(7/180)

قَوْلُهُ بِحَوْرِ هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ بِجَوَابِ ذَلِكَ قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ يُقَالُ كَلَّمْتُهُ فَمَا رَدَّ عَلَيَّ حَوْرًا وَلَا حُوَيْرًا أَيْ جَوَابًا قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةُ أَيْ يَرْجِعَا بِالْخَيْبَةِ وَأَصْلُ الْحَوْرِ الرُّجُوعُ إِلَى النَّقْصِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا أَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ أَمَّا قَوْلُهُ ابْنَاكُمَا فَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ابْنَاكُمَا بِالتَّثْنِيَةِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ أَبْنَاؤُكُمَا بِالْوَاوِ عَلَى الْجَمْعِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَيْضًا قَالَ وَهُوَ وَهَمٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَقَالَ وَقَدْ يَصِحُّ الثَّانِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَمَعَ الِاثْنَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ بْنَ جُزْءٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ) أَمَّا مُحْمِيَةَ فَبِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مِيمٍ أُخْرَى مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُخَفَّفَةٍ وَأَمَّا جُزْءٍ فَبِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ زَايٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا تَقُولُهُ عَامَّةُ الْحُفَّاظِ وَأَهْلُ الْإِتْقَانِ وَمُعْظَمُ الرُّوَاةِ وَقَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ يُقَالُ جُزِي بِكَسْرِ الزَّاي يَعْنِي وَبِالْيَاءِ وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي بِلَادِنَا قَالَ الْقَاضِي وقال أبو عبيد هُوَ عِنْدَنَا جُزٌّ مُشَدَّدُ الزَّايِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَقَالَ الْقَاضِي كَذَا وَقَعَ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ لَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ

(باب إِبَاحَةِ الْهَدِيَّةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
(وَلِبَنِي هَاشِمٍ وبنى المطلب وان كان المهدى ملكها بطريق الصدقة) (وبيان أن الصدقة اذا قبضها المتصدق عليه زال عنها وصف الصدقة) (وحلت لكل أحد ممن كانت الصدقة محرمة عليه)

[1073] قَوْلُهُ (أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ السَّبَّاقِ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/181)

فِي لَحْمِ الشَّاةِ الَّذِي أَعْطِيَتْهُ مَوْلَاةُ جُوَيْرِيَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ (قَرِّبِيهِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ زَالَ عَنْهَا حُكْمُ الصَّدَقَةِ وصارت حلالا لنا وفيه دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ لَحْمَ الْأُضْحِيَّةِ إِذَا قَبَضَهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَسَائِرَ الصَّدَقَاتِ يَجُوزُ لِقَابِضِهَا بَيْعُهَا وَيَحِلُّ لِمَنْ أَهْدَاهَا إِلَيْهِ أَوْ مَلَكَهَا مِنْهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ لِقَابِضِهَا

[1075] قَوْلُهُ (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ) ثُمَّ قَالَ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى انْتِفَاءِ تَدْلِيسِ قَتَادَةَ لِأَنَّهُ عَنْعَنَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَصَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فِي الثَّانِيَةِ وَقَدْ سبق مرات أَنَّ الْمُدَلِّسِ لَا يُحْتَجُّ بِعَنْعَنَتِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَمَاعُهُ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ فَنَبَّهَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ
(7/182)

قَوْلُهُ (عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمِ بَقَرٍ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ أَوْ أَكْثَرِهَا وَأُتِيَ بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِهَا أُتِيَ بِغَيْرِ وَاوٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا قَوْلُهُ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ) فَذَكَرَ مِنْهَا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَكُمْ هَدِيَّةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ وهما
(7/183)

الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَتَخْيِيرُهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ حِينَ أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الثَّلَاثِ مَشْرُوحَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ

[1076] قَوْلُهَا (إِلَّا أَنَّ نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا) هِيَ نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا نَسِيبَةُ بِفَتْحِ النون وكسر السين وهي أم عطية

[1077] قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنْهَا وَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا) فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْوَرَعِ وَالْفَحْصِ عَنْ أَصْلِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ

(باب الدُّعَاءِ لِمَنْ أَتَى بِصَدَقَتِهِ)
[1078] قَوْلُهُ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) هَذَا الدُّعَاءُ وَهُوَ الصَّلَاةُ امْتِثَالٌ لِقَوْلِ الله عز وجل
(7/184)

وصل عليهم وَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّ الدُّعَاءَ لِدَافِعِ الزَّكَاةِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ هُوَ وَاجِبٌ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا حَكَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَّاطِيُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاعْتَمَدُوا الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ قَالَ الْجُمْهُورُ الْأَمْرُ فِي حَقِّنَا لِلنَّدَبِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَغَيْرَهُ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالدُّعَاءِ وَقَدْ يُجِيبُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ وُجُوبَ الدُّعَاءِ كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا بِأَنَّ دُعَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَاتَهُ سَكَنٌ لَهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِي صِفَةِ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ وَأَمَّا قَوْلُ السَّاعِي اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلَانٍ فكرهه جمهور أصحابنا وهو مذهب بن عباس ومالك وبن عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ بِلَا كَرَاهَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا تَبَعًا لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي لِسَانِ السَّلَفِ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَنْبِيَاءِ صَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَنَّ قَوْلَنَا عَزَّ وَجَلَّ مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَكَمَا لَا يُقَالُ مُحَمَّدٌ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ عَزِيزًا جَلِيلًا لَا يُقَالُ أَبُو بَكْرٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ صَحَّ الْمَعْنَى وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ أَمْ مُحَرَّمٌ أَوْ مُجَرَّدُ أَدَبٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِأَنَّهُ شِعَارٌ لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ شِعَارِهِمْ وَالْمَكْرُوهُ هُوَ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَيُقَالُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَتْبَاعِهِ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَمْنَعُوا مِنْهُ وَقَدْ أُمِرْنَا بِهِ فِي التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا السَّلَامُ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ وَلَا يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ بَيْنَهُمَا وَلَا يُفْرَدُ به غائب ولا يقال قال فلان عليه السلام وَأَمَّا الْمُخَاطَبَةُ بِهِ لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ فَسُنَّةٌ فَيُقَالُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكَ أَوْ سَلَامٌ عليك أو عليكم والله أعلم
(7/185)

(فَاقْدُرُوا لَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العدد وفي رواية فان غمي عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي الْكِتَابِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى فَاقْدُرُوا لَهُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْتَ السَّحَابِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُجَوِّزُ صَوْمَ يَوْمِ لَيْلَةِ الْغَيْمِ عَنْ رَمَضَانَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شاء الله تعالى وقال بن سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وبن قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ قَدِّرُوهُ بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ قَدِّرُوا لَهُ تَمَامَ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ قَدَّرْتُ الشَّيْءَ أُقَدِّرُهُ وَأَقْدُرُهُ وَقَدَّرْتُهُ وَأَقْدَرْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ مِنَ التَّقْدِيرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمِنْهُ قَوْلُ الله تعالى فقدرنا فنعم القادرون وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وهو تفسير لاقدروا لَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي رِوَايَةٍ بَلْ تَارَةً يَذْكُرُ هَذَا وَتَارَةً يَذْكُرُ هَذَا وَيُؤَكِّدُهُ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ قَالَ الْمَازِرِيُّ حَمَلَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فاقدروا له على أن المراد اكمال الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ كَمَا فَسَّرَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالُوا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حِسَابَ الْمُنَجِّمِينَ لِأَنَّ النَّاسَ لَوْ كُلِّفُوا بِهِ ضَاقَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ وَالشَّرْعُ إِنَّمَا يُعَرِّفُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُهُ جَمَاهِيرُهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) فَمَعْنَاهُ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ يُقَالُ غُمَّ وَأُغْمِيَ وَغُمِّيَ وَغُمِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا وَالْغَيْنُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا وَيُقَالُ غُبِّيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ وَقَدْ غَامَتِ السَّمَاءُ وَغَيَّمَتْ وَأَغَامَتْ وَتَغَيَّمَتْ وَأَغَمَّتْ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ وَلَا يوم الثلاثين
(7/186)

[1079] قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتَ الشَّيَاطِينُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وسلسلت الشياطين) وفي رواية (اذا دَخَلَ رَمَضَانُ) فِيهِ دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ قَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُقَالُ رَمَضَانُ عَلَى انْفِرَادِهِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُطْلَقُ عَلَى غيره الا بقيد وقال أكثر أصحابنا وبن الْبَاقِلَّانِيِّ إِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى الشَّهْرِ فَلَا كَرَاهَةَ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ قَالُوا فَيُقَالُ صُمْنَا رَمَضَانَ قُمْنَا رَمَضَانَ وَرَمَضَانُ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ وَيُنْدَبُ طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَلَا كَرَاهَةَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ وَحَضَرَ رَمَضَانُ وَأُحِبُّ رَمَضَانَ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إِطْلَاقِ رَمَضَانَ بِقَرِينَةٍ وَبِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّوَابُ
(7/187)

وَالْمَذْهَبَانِ الْأَوَّلَانِ فَاسِدَانِ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِنَهْيِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بصحيح ولم يصح في شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ ضَعِيفٌ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ لَا تُطْلَقُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ اسْمٌ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ كَرَاهَةٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ فِي إِطْلَاقِ رَمَضَانَ عَلَى الشَّهْرِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجنة وغلقت أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَأَنَّ تَفْتِيحَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَتَغْلِيقَ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَتَصْفِيدَ الشَّيَاطِينِ عَلَامَةٌ لِدُخُولِ الشَّهْرِ وَتَعْظِيمٌ لِحُرْمَتِهِ وَيَكُونُ التَّصْفِيدُ لِيَمْتَنِعُوا مِنْ إِيذَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالتَّهْوِيشِ عَلَيْهِمْ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمَجَازَ وَيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَالْعَفْوِ وان الشياطين يقل اغواؤهم وايذاؤهم ليصيرون كَالْمُصَفَّدِينَ وَيَكُونُ تَصْفِيدُهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ دُونَ أَشْيَاءَ وَلِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ صُفِّدَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَتْحُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عِبَارَةً عَمَّا يَفْتَحُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الَّتِي لَا تَقَعُ فِي غَيْرِهِ عُمُومًا كَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَالِانْكِفَافِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ وَهَذِهِ أَسْبَابٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَأَبْوَابٌ لَهَا وَكَذَلِكَ تَغْلِيقُ أَبْوَابِ النَّارِ وَتَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَنْكَفُّونَ عَنْهُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ وَمَعْنَى صُفِّدَتْ غُلِّلَتْ وَالصَّفَدُ بِفَتْحِ الْفَاءِ الْغُلُّ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَهُوَ مَعْنَى سُلْسِلَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي أَوْ فِيهِ أَحْرُفٌ بِمَعْنَى كلامه

(باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال)
(وأنه اذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما)

[1080] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ
(7/188)

فَاقْدُرُوا لَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ عَمِيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي الْكِتَابِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى فَاقْدُرُوا لَهُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْتَ السَّحَابِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُجَوِّزُ صَوْمَ يَوْمِ لَيْلَةِ الْغَيْمِ من رَمَضَانَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وقال بن سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وبن قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ قَدِّرُوهُ بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ قَدِّرُوا لَهُ تَمَامَ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ قَدَّرْتُ الشَّيْءَ أُقَدِّرُهُ وَأَقْدُرُهُ وَقَدَّرْتُهُ وَأَقْدَرْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ مِنَ التَّقْدِيرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمِنْهُ قَوْلُ الله تعالى فقدرنا فنعم القادرون وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وهو تفسير لاقدروا له لهذا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي رِوَايَةٍ بَلْ تَارَةً يَذْكُرُ هَذَا وَتَارَةً يَذْكُرُ هَذَا وَيُؤَكِّدُهُ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ قَالَ الْمَازِرِيُّ حَمَلَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْدُرُوا له على أن المراد اكمال الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ كَمَا فَسَّرَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالُوا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حِسَابَ الْمُنَجِّمِينَ لِأَنَّ النَّاسَ لَوْ كُلِّفُوا بِهِ ضَاقَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ وَالشَّرْعُ إِنَّمَا يُعَرِّفُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُهُ جَمَاهِيرُهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) فَمَعْنَاهُ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ يُقَالُ غُمَّ وَأُغْمِيَ وَغُمِّيَ وَغُمِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا وَالْغَيْنُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا وَيُقَالُ غُبِّيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ وَقَدْ غَامَتِ السَّمَاءُ وَغَيَّمَتْ وَأَغَامَتْ وَتَغَيَّمَتْ وَأَغَمَّتْ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ وَلَا يوم الثلاثين
(7/189)

مِنْ شَعْبَانَ عَنْ رَمَضَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ لَيْلَةَ غَيْمٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) الْمُرَادُ رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ بَلْ يَكْفِي جَمِيعَ النَّاسِ رُؤْيَةُ عَدْلَيْنِ وَكَذَا عَدْلٌ عَلَى الْأَصَحِّ هَذَا فِي الصَّوْمِ وَأَمَّا الْفِطْرُ فَلَا يَجُوزُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ عَلَى هلال شَوَّالٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَجَوَّزَهُ بِعَدْلٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا) وَفِي رِوَايَةٍ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْهِلَالِ فَقَدْ يَكُونُ تَامًّا ثَلَاثِينَ وَقَدْ يَكُونُ نَاقِصًا تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَقَدْ لَا يُرَى الْهِلَالُ فَيَجِبُ إِكْمَالُ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ قَالُوا وَقَدْ يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا
(7/190)

فِي شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَلَا يَقَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ اعْتِمَادِ الْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ
(7/191)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قَالَ الْعُلَمَاءُ أُمِّيَّةٌ بَاقُونَ عَلَى مَا وَلَدَتْنَا عَلَيْهِ الْأُمَّهَاتُ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ وَمِنْهُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ وَقِيلَ هُوَ نِسْبَةٌ
(7/192)

إِلَى الْأُمِّ وَصِفَتِهَا لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ النِّسَاءِ غالبا قوله (سمع بن عُمَرَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّيْلَةُ النِّصْفُ فَقَالَ لَهُ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّيْلَةَ النِّصْفُ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مَعْنَاهُ أَنَّكَ لَا تَدْرِي أَنَّ اللَّيْلَةَ النِّصْفُ أَمْ لَا لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَأَنْتَ أَرَدْتَ أَنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ الْيَوْمِ الَّذِي بِتَمَامِهِ يَتِمُّ النِّصْفُ وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ وَلَا تَدْرِي أَنَّهُ تَامٌّ أَمْ لَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مُشَدَّدَةً وَمُخَفَّفَةً

[1082] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
(7/193)

(لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ لِمَنْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةً لَهُ أَوْ يَصِلْهُ بِمَا قَبْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَصِلْهُ وَلَا صَادَفَ عَادَةً فَهُوَ حَرَامٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِلْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ فَإِنْ وَصَلَهُ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ صَادَفَ عَادَةً لَهُ فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ صَوْمَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَنَحْوِهِ فَصَادَفَهُ فَصَامَهُ تَطَوُّعًا بِنِيَّةِ ذَلِكَ جَازَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَسَوَاءٌ فِي النَّهْيِ عِنْدَنَا لِمَنْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَتَهُ وَلَا وَصَلَهُ يَوْمُ الشَّكِّ وَغَيْرُهُ فَيَوْمُ الشَّكِّ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ وَفِيهِ مَذَاهِبُ لِلسَّلَفِ فِيمَنْ صَامَهُ تَطَوُّعًا وَأَوْجَبَ صَوْمَهُ عَنْ رَمَضَانَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ بِشَرْطِ
(7/194)

أن يكون هناك غيم والله أعلم

[1083] قَوْلُهُ فِي حَلِفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا ثُمَّ دَخَلَ لما مضت تسع وعشرون ليلة ثم قَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) وَفِي رِوَايَةٍ فَخَرَجَ الينا في تسعة وعشرين فقلنا له انما اليوم تسعة وَعِشْرُونَ وَفِي رِوَايَةٍ فَخَرَجَ إِلَيْنَا صَبَاحَ تِسْعٍ وعشرين فقال
(7/195)

إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَفِي رِوَايَةٍ فلما مضى تسع وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِمْ أَوْ رَاحَ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَاهُ كُلُّهُ بَعْدَ تَمَامِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ فلما مضى تسع وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَقَوْلُهُ صَبَاحَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَيْ صَبَاحَ اللَّيْلَةِ الَّتِي بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَهِيَ صَبِيحَةُ ثَلَاثِينَ وَمَعْنَى الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ كَمَا صَرَّحَ به في بعض هذا الرِّوَايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(7/196)

(بَابُ بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ)
(وَأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ بِبَلَدٍ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِمَا بَعُدَ عَنْهُمْ) فِيهِ حَدِيثُ كُرَيْبٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ لِلتَّرْجَمَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَعُمُّ النَّاسَ بَلْ تَخْتَصُّ بِمَنْ قَرُبَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَقِيلَ إِنِ اتَّفَقَ الْمَطْلَعُ لَزِمَهُمْ وَقِيلَ إِنِ اتَّفَقَ الْإِقْلِيمُ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَعُمُّ الرُّؤْيَةُ فِي مَوْضِعٍ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَعَلَى هَذَا نَقُولُ إِنَّمَا لَمْ يعمل بن عَبَّاسٍ بِخَبَرِ كُرَيْبٍ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ فَلَا تَثْبُتُ بِوَاحِدٍ لَكِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِهِ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ لِهَذَا وَإِنَّمَا رَدَّهُ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا فِي حَقِّ الْبَعِيدِ

[1087] قَوْلُهُ (وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ مِنَ اسْتَهَلَّ
(7/197)

(باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وَصِغَرِهِ)
(وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَإِنْ غُمَّ فَلْيُكْمَلْ ثَلَاثُونَ) فِيهِ حَدِيثُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عن بن عباس وهو ظاهر الدلالة للترجمة

[1088] وقوله (تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ) أَيْ تَكَلَّفْنَا النَّظَرَ إِلَى جِهَتِهِ لنراه قوله (عن بن عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ) هَكَذَا هُوَ فِي بعضالنسخ وَفِي بَعْضِهَا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ وَجَمِيعُ النُّسَخِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى مَدِّهِ مِنْ غير ألف فيها وفي الرواية الثانية فقال بن عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَمَدَّهُ بِأَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُهُمُ الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ أَمَدَّهُ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الْإِمْدَادِ وَمَدَّهُ مِنَ الامتداد قال
(7/198)

الْقَاضِي وَالصَّوَابُ عِنْدِي بَقَاءُ الرِّوَايَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَمَعْنَاهُ أَطَالَ مُدَّتَهُ إِلَى الرُّؤْيَةِ يُقَالُ مِنْهُ مَدَّ وَأَمَدَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الغي قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ يُطِيلُونَ لَهُمْ قَالَ وَقَدْ يَكُونُ أَمَدَّهُ مِنَ الْمَدَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ قَالَ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ أَمْدَدْتُكَهَا أَيْ أَعْطَيْتُكَهَا قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ وَاسْمُهُ سعيد بن فيروز ويقال بن عمران ويقال بن أَبِي عِمْرَانَ الطَّائِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ عَامَ الْجَمَاجِمِ

(باب بَيَانِ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ)

[1089] قوله صلى الله عليه وسلم (شهرا عيد لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) الْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُمَا وَالثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ جَمِيعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَالِبًا وَقِيلَ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ ذِي الْحِجَّةِ عَنْ ثَوَابِ رَمَضَانَ لِأَنَّ فِيهِ الْمَنَاسِكَ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَقَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذِهِ الْفَضَائِلِ تَحْصُلُ سَوَاءٌ تَمَّ عَدَدُ رَمَضَانَ أم نقص والله أعلم
(7/199)

(باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر)
(وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام) (من الدخول في الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك وهو الفجر الثاني) (ويسمى الصادق والمستطير وأنه لا أثر للفجر الأول في الأحكام وهو الفجر الكاذب) (المستطيل باللام كذنب السرحان وهو الذئب)

[1090] قَوْلُهُ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسود من الفجر قَالَ لَهُ عَدِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ أَوْ أكثرها فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ وَفِي بَعْضِهَا قَالَ عَدِيٌّ بِحَذْفِ لَهُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَنْ أَثْبَتَهَا أَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى مَعْلُومٍ أَوْ مُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَوْ كَثِيرٍ مِنْهَا إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ وَفِي بَعْضِهَا إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ بِزِيَادَةِ تَاءٍ وَلَهُ وَجْهٌ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ عَرِيضٌ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْوِسَادَةِ الْوِسَادُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَعَادَ الْوَصْفُ عَلَى الْمَعْنَى لَا عَلَى اللَّفْظِ وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ شُرُوحٌ أَحْسَنُهَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ الله تعالى قال انما أخذ العقالين وَجَعَلَهُمَا تَحْتَ رَأْسِهِ وَتَأَوَّلَ الْآيَةَ لِكَوْنِهِ سَبَقَ إِلَى فَهْمِهِ أَنَّ الْمُرَادَ
(7/200)

بِهَا هَذَا وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهُ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنَ الْفَجْرِ فَعَلِمُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا كَانَ حُكْمَ الشَّرْعِ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنَ الفجر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ وَالدَّاوُدِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ فَعَلَهُ وَتَأَوَّلَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِطًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ مِنْ الْأَعْرَابِ وَمَنْ لَا فِقْهَ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ لُغَتِهِ اسْتِعْمَالُ الْخَيْطِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَلِهَذَا أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدِيٍّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ قَالَ وَفِيهِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُشْتَرَكَةَ لَا يُصَارُ إِلَى الْعَمَلِ بِأَظْهَرِ وُجُوهِهَا وَأَكْثَرِ اسْتِعْمَالِهَا إِلَّا إِذَا عُدِمَ الْبَيَانُ وَكَانَ الْبَيَانُ حَاصِلًا بِوُجُودِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ وَالْخَيْطُ الْأَسْوَدُ اللَّيْلُ وَالْخَيْطُ اللَّوْنُ وَفِي هَذَا مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ هُوَ مِنَ النَّهَارِ لَا مِنَ اللَّيْلِ وَلَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَحُكِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ الْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِ لَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ إِنْ جَعَلْتَ تَحْتَ وِسَادَكَ الْخَيْطَيْنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَوِسَادُكُ يَعْلُوهُمَا وَيُغَطِّيهِمَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَرِيضًا وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا لِأَنَّ مَنْ يَكُونُ هَذَا وِسَادَهُ يَكُونُ عِظَمُ قَفَاهُ مَنْ نِسْبَتِهِ بِقَدْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّكَ لَضَخْمٌ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَبَاوَةِ أَوْ عَنِ السِّمَنِ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ إِلَى بَيَانِ الْخَيْطَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْمُرَادُ بِالْوِسَادِ النَّوْمُ أَيْ إِنَّ نَوْمَكَ كَثِيرٌ وَقِيلَ أَرَادَ
(7/201)

بِهِ اللَّيْلَ أَيْ مَنْ لَمْ يَكُنِ النَّهَارُ عِنْدَهُ إِلَّا إِذَا بَانَ لَهُ الْعِقَالَانِ طَالَ لَيْلُهُ وَكَثُرَ نَوْمُهُ وَالصَّوَابُ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَالْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئْيُهُمَا) هَذِهِ اللَّفْظَةُ ضبطت على ثلاثة أوجه أحدها رِئْيَهُمَا بِرَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ يَاءٍ وَمَعْنَاهُ مَنْظَرُهُمَا وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى أحسن أثاثا ورئيا وَالثَّانِي زِيُّهُمَا بِزَايٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بِلَا هَمْزَةٍ وَمَعْنَاهُ لَوْنُهُمَا وَالثَّالِثُ رَيُّهُمَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا غَلَطٌ هُنَا لِأَنَّ الرَّيَّ التَّابِعُ مِنَ الْجِنِّ قَالَ فَإِنْ صَحَّ رِوَايَةً فَمَعْنَاهُ مَرْي وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1092] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ بن أُمِّ مَكْتُومٍ) فِيهِ جَوَازُ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَفِيهِ جَوَازُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَفِيهِ جَوَازُ أَذَانِ الْأَعْمَى قَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ جَائِزٌ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ كَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ بِلَالٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَصِيرٌ كُرِهَ لِلْخَوْفِ مِنْ غَلَطِهِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ أَذَانَيْنِ لِلصُّبْحِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ بَعْدَ طُلُوعِهِ أَوَّلَ الطُّلُوعِ وَفِيهِ اعْتِمَادُ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ وَسَائِرُ مَنْ يَقْبَلُ شَهَادَةَ الْأَعْمَى وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَلَا يَحْصُلُ عِلْمٌ بِالصَّوْتِ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ وَأَمَّا الْأَذَانُ وَوَقْتُ الصَّلَاةِ فَيَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ لجواز
(7/202)

الْأَكْلِ بَعْدَ النِّيَّةِ وَلَا تَفْسُدُ نِيَّةُ الصَّوْمِ بِالْأَكْلِ بَعْدَهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ الْأَكْلَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَجُوزُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا سَابِقَةٌ وَأَنَّ الْأَكْلَ بَعْدَهَا لَا يَضُرُّ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ غَيْرِنَا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَتَى أَكَلَ بَعْدَ النِّيَّةِ أَوْ جَامَعَ فَسَدَتْ وَوَجَبَ تَجْدِيدُهَا وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُ وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ السُّحُورِ وَتَأْخِيرِهِ وَفِيهِ اتِّخَاذُ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ جَازَ اتِّخَاذُ أَكْثَرِ مِنْهُمَا كَمَا اتَّخَذَ عُثْمَانُ أَرْبَعَةً وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَالْأَصَحُّ اتِّخَاذُهُمْ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا) قَالَ الْعُلَمَاءُ
(7/203)

مَعْنَاهُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيَتَرَبَّصُ بَعْدَ أَذَانِهِ لِلدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يَرْقُبُ الفجر فاذا قارب طلوعه نزل فأخبر بن أم مكتوم فيتأهب بن أُمِّ مَكْتُومٍ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ يَرْقَى وَيَشْرَعُ فِي الْأَذَانِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ أَوْ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ يُنَادِي لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ) فَلَفْظَةُ قَائِمَكُمْ مَنْصُوبَةٌ مَفْعُولُ يَرْجِعَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ رجعك الله وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيُعْلِمَكُمْ بِأَنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَيَرُدَّ الْقَائِمَ الْمُتَهَجِّدَ إِلَى رَاحَتِهِ لِيَنَامَ غَفْوَةً لِيُصْبِحَ نَشِيطًا أَوْ يُوتِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ أَوْ يَتَأَهَّبَ لِلصُّبْحِ إِنِ احْتَاجَ إِلَى طَهَارَةٍ أُخْرَى أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى عِلْمِهِ بِقُرْبِ الصُّبْحِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ أَيْ لِيَتَأَهَّبَ لِلصُّبْحِ أَيْضًا بِفِعْلِ مَا أَرَادَ مِنْ تَهَجُّدٍ قَلِيلٍ أَوْ إِيتَارٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ أَوْ سَحُورٍ إِنْ أَرَادَ الصَّوْمَ أَوِ اغْتِسَالٍ أَوْ وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الْفَجْرِ (لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ نَكَّسَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَلَكِنَّ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى
(7/204)

(هُوَ الْمُعْتَرِضُ وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلِ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا) قَالَ الرَّاوِي يَعْنِي مُعْتَرِضًا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانُ الْفَجْرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي الصَّادِقُ وَالْمُسْتَطِيرُ بِالرَّاءِ وَقَدْ سَبَقَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ بَيَانُ الْفَجْرَيْنِ وَفِيهَا أَيْضًا الْإِيضَاحُ فِي الْبَيَانِ وَالْإِشَارَةُ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ فِي التَّعْلِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1094] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَغُرَّنَّ أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنَ السَّحُورِ) ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا فَالْمَفْتُوحُ اسْمٌ
(7/205)

لِلْمَأْكُولِ وَالْمَضْمُومُ اسْمٌ لِلْفِعْلِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ هُنَا

(باب فضل السحور وتأكيد استحبابه)
(واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر)

[1095] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) رُوِيَ بِفَتْحِ السِّينِ مِنَ السَّحُورِ وَضَمِّهَا وَسَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُهُمَا فِيهِ الْحَثُّ عَلَى السَّحُورِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَأَمَّا الْبَرَكَةُ الَّتِي فِيهِ فَظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ يُقَوِّي عَلَى الصِّيَامِ وَيُنَشِّطُ لَهُ وَتَحْصُلُ بِسَبَبِهِ الرَّغْبَةُ فِي الِازْدِيَادِ مِنَ الصِّيَامِ لِخِفَّةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ عَلَى الْمُتَسَحِّرِ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ فِي مَعْنَاهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِيقَاظَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الشَّرِيفِ وَقْتِ تَنْزُّلِ الرَّحْمَةِ وَقَبُولِ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ صَاحِبُهُ وَصَلَّى أَوْ أَدَامُ الِاسْتِيقَاظَ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ أَوَ التَّأَهُّبِ لَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ
(7/206)

[1096] قَوْلُهُ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ) مَعْنَاهُ الْفَارِقُ وَالْمُمَيِّزُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِهِمُ السُّحُورُ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَسَحَّرُونَ وَنَحْنُ يُسْتَحَبُّ لَنَا السُّحُورُ وَأَكْلَةُ السَّحَرِ هِيَ السَّحُورُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ بِلَادِنَا وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْأَكْلِ كَالْغَدْوَةِ وَالْعَشْوَةِ وَإِنْ كَثُرَ الْمَأْكُولُ فِيهَا وَأَمَّا الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ فَهِيَ اللُّقْمَةُ وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالضَّمِّ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ رِوَايَةَ أَهْلِ بِلَادِهِمْ فِيهَا بِالضَّمِّ قَالَ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ هُنَا

[1097] قَوْلُهُ (تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ خَمْسِينَ آيَةً) مَعْنَاهُ بَيْنَهُمَا قَدْرُ قِرَاءَةِ خَمْسِينَ آيَةً أَوْ أَنْ يَقْرَأَ
(7/207)

خَمْسِينَ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَأْخِيرِ السُّحُورِ إِلَى قُبَيْلِ الْفَجْرِ

[1098] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لايزال النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْجِيلِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَمَعْنَاهُ لَا يَزَالُ أَمْرُ الْأُمَّةِ مُنْتَظِمًا وَهُمْ بِخَيْرٍ مَا دَامُوا مُحَافِظِينَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ وَإِذَا أَخَّرُوهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى فَسَادٍ يَقَعُونَ فيه قوله (لا يألوا عَنِ الْخَيْرِ) أَيْ لَا يَقْصُرُ عَنْهُ
(7/208)

(باب بَيَانِ وَقْتِ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ وَخُرُوجِ النَّهَارِ)
[1100] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) مَعْنَاهُ انْقَضَى صَوْمُهُ وَتَمَّ وَلَا يُوصَفُ الْآنَ بِأَنَّهُ صَائِمٌ فَإِنَّ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ خَرَجَ النَّهَارُ وَدَخَلَ اللَّيْلُ وَاللَّيْلُ لَيْسَ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ الْعُلَمَاءُ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَتَضَمَّنُ الْآخَرَيْنِ وَيُلَازِمُهُمَا وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي وَادٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لَا يُشَاهِدُ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَيَعْتَمِدُ إِقْبَالَ الظَّلَامِ وَإِدْبَارَ الضِّيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1101] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ) هُوَ بِجِيمٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ خَلْطُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوى والمجدح بِكَسْرِ الْمِيمِ عُودٌ
(7/209)

مُجَنَّحُ الرَّأْسِ لِيُسَاطَ بِهِ الْأَشْرِبَةُ وَقَدْ يَكُونُ له ثلاث شعب قَوْلُهُ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ فَقَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا فَنَزَلَ فَجَدَحَ فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ إِلَى آخِرِهِ) مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا صِيَامًا وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَدْحِ لِيُفْطِرُوا فَرَأَى الْمُخَاطَبُ آثَارَ الضِّيَاءِ وَالْحُمْرَةِ الَّتِي بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ لَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرَهَا فَأَرَادَ تَذْكِيرَهُ وَإِعْلَامَهُ بِذَلِكَ وَيُؤَيِّدُ
(7/210)

هَذَا قَوْلُهُ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ ذَلِكَ الضَّوْءَ مِنَ النَّهَارِ الَّذِي يَجِبُ صَوْمُهُ وَهُوَ مَعْنَى لَوْ أَمْسَيْتَ أَيْ تَأَخَّرْتَ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسَاءُ وَتَكْرِيرُهُ الْمُرَاجَعَةَ لِغَلَبَةِ اعْتِقَادِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَهَارٌ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ مَعَ تَجْوِيزِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ذَلِكَ الضَّوْءِ نَظَرًا تَامًّا فَقَصَدَ زِيَادَةَ الْإِعْلَامِ بِبَقَاءِ الضَّوْءِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَتَفْضِيلِهِ عَلَى الْفِطْرِ لِمَنْ لَا تَلْحَقُهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَفِيهِ بَيَانُ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ بِمُجَرَّدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَذْكِيرُ الْعَالِمِ مَا يُخَافُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَهُ وَأَنَّ الْفِطْرَ عَلَى التَّمْرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ لَوْ تَرَكَهُ جَازَ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَهُ الْفِطْرُ عَلَى الْمَاءِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّرْتِيبُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ فِي الْأَمْرِ بِالْفِطْرِ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ

(باب النَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ)
اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ وَهُوَ صَوْمُ يَوْمَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ بَيْنَهُمَا وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا عَلَى كَرَاهَتِهِ وَلَهُمْ فِي هَذِهِ الْكَرَاهَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَالثَّانِي كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَبِالنَّهْيِ عَنْهُ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي
(7/211)

أَحَادِيثِ الْوِصَالِ فَقِيلَ النَّهْيُ عَنْهُ رَحْمَةٌ وَتَخْفِيفٌ فَمَنْ قَدَرَ فَلَا حَرَجَ وَقَدْ وَاصَلَ جَمَاعَةٌ من السلف الأيام قال وأجازه بن وَهْبٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِلَى السَّحَرِ ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْأَكْثَرِينَ كَرَاهَتَهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْوِصَالُ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي أُبِيحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَرُمَتْ عَلَى الْأُمَّةِ وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَبَاحَهُ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ نَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ وَفِي بَعْضِهَا لَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ وَفِي بَعْضِهَا لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِعُمُومِ النَّهْيِ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُوَاصِلُوا وَأَجَابُوا عَلَى قَولِهِ رَحْمَةً بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِلتَّحْرِيمِ وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَتَكَلَّفُوا مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَأَمَّا الْوِصَالُ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا فَاحْتُمِلَ لِلْمَصْلَحَةِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي نَهْيِهِمْ وَالْمَفْسَدَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْوِصَالِ وَهِيَ الْمَلَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّعَرُّضُ لِلتَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ وَظَائِفِ الدِّينِ مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا وَأَذْكَارِهَا وَآدَابِهَا وَمُلَازَمَةِ الْأَذْكَارِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الْمَشْرُوعَةِ فِي نَهَارِهِ وَلَيْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1103] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي) مَعْنَاهُ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى فِيَّ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ يُطْعَمُ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ كَرَامَةً لَهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ
(7/212)

لَوْ أَكَلَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَقْطَعُ كُلَّ نِزَاعٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي وَلَفْظَةُ ظَلَّ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّهَارِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ الْحَقِيقِيُّ فِي النَّهَارِ بِلَا شَكٍّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَاكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَمَعْنَاهُ خُذُوا وَتَحَمَّلُوا

[1104] قَوْلُهُ (فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّا خَلْفَهُ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ حَسَّ بغير ألف ويقع في طرق بعض النُّسَخِ أَحَسَّ بِالْأَلِفِ وَهَذَا هُوَ الْفَصِيحُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَأَمَّا حَسَّ بِحَذْفِ الْأَلِفِ فَلُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَصِحُّ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ وَقَوْلُهُ يَتَجَوَّزُ أَيْ يُخَفِّفُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْجَائِزِ الْمُجْزِي مَعَ بَعْضِ الْمَنْدُوبَاتِ وَالتَّجَوُّزُ هُنَا لِلْمَصْلَحَةِ وَقَوْلُهُ دَخَلَ رَحْلَهُ أَيْ مَنْزِلَهُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ رَحْلُ الرَّجُلِ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ مَنْزِلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ وَبَرٍ أَوْ شَعْرٍ وَغَيْرِهَا
(7/213)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَادَّ لِيَ الشَّهْرُ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَفِي بَعْضِهَا تَمَادَى وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَهُوَ بِمَعْنَى مُدَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ) هُمُ الْمُشَدِّدُونَ فِي الْأُمُورِ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ النَّضْرِ (وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ) كَذَا هُوَ فِي كُلِّ النُّسَخِ بِبِلَادِنَا وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَكْثَرِ النُّسَخِ قَالَ وَهُوَ وَهَمٌ مِنَ الرَّاوِي وَصَوَابُهُ آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلِبَاقِي الْأَحَادِيثِ

[1105] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا إِذَا عَمِلَهُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ وَبَاتَ يَفْعَلُ كَذَا إِذَا عَمِلَهُ فِي اللَّيْلِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ ... وَلَقَدْ أَبِيتُ عَلَى الطَّوَى وَأَظَلُّهُ ...

(أَيْ أَظَلُّ عَلَيْهِ فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَلَالَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي لِأَنَّ ظَلَّ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّهَارِ)
(7/214)

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَكْلًا حَقِيقِيًّا فِي النَّهَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي الصَّوْمِ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ الْقُبْلَةُ فِي الصَّوْمِ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ لَكِنَ الْأَوْلَى لَهُ تَرْكُهَا وَلَا يُقَالُ إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لَهُ وَإِنَّمَا قَالُوا إِنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ مَعَ ثُبُوتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْمَنُ فِي حَقِّهِ مُجَاوَزَةُ حَدِّ الْقُبْلَةِ وَيُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ مُجَاوَزَتُهَا كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ وَأَمَّا مَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ فَهِيَ حَرَامٌ فِي حَقِّهِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَقِيلَ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ قَالَ الْقَاضِي قَدْ قَالَ بِإِبَاحَتِهَا لِلصَّائِمِ مُطْلَقًا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَكَرِهَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَالِكٌ وَقَالَ بن عَبَّاسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ تُكْرَهُ لِلشَّابِّ دُونَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مالك وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إِبَاحَتَهَا فِي صَوْمِ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ الْمَنِيُّ بِالْقُبْلَةِ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَنِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةُ الشُّرْبِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ وَكَذَا الْقُبْلَةُ مُقَدِّمَةٌ لِلْجِمَاعِ فَلَا تُفْطِرُ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ وغيره عن بن مَسْعُودٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ مَنْ قَبَّلَ قَضَى يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِ الْقُبْلَةِ

[1106] قَوْلُهُ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَضْحَكُ) قَالَ الْقَاضِي قِيلَ يَحْتَمِلُ ضَحِكُهَا
(7/215)

التَّعَجُّبَ مِمَّنْ خَالَفَ فِي هَذَا وَقِيلَ التَّعَجُّبُ مِنْ نَفْسِهَا حَيْثُ جَاءَتْ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يُسْتَحْيَ مِنْ ذِكْرِهِ لَا سِيَّمَا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا لِلرِّجَالِ لَكِنَّهَا اضْطُرَّتْ إِلَى ذِكْرِهِ لِتَبْلِيغِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ فَتَتَعَجَّبُ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَالِ الْمُضْطَرَّةِ لَهَا إِلَى ذَلِكَ وَقِيلَ ضَحِكَتْ سُرُورًا بِتَذَكُّرِ مَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَالِهَا مَعَهُ وَمُلَاطَفَتِهِ لَهَا قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا ضَحِكَتْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الثِّقَةِ بِحَدِيثِهَا قَوْلُهُ (فَسَكَتَ سَاعَةً) أَيْ لِيَتَذَكَّرَ قَوْلُهَا وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ إِرْبَهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَمَعْنَاهُ بِالْكَسْرِ الْوَطَرُ وَالْحَاجَةُ وَكَذَا بِالْفَتْحِ وَلَكِنَّهُ يُطْلَقُ الْمَفْتُوحُ أَيْضًا عَلَى الْعُضْوِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ قَالَ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا يُقَالُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ إِرْبٌ وَأَرَبٌ وَإِرْبَةٌ وَمَأْرَبَةٌ أَيْ حَاجَةٌ قَالَ وَالْإِرْبُ أَيْضًا الْعُضْوُ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى كَلَامِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَكُمُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْقُبْلَةِ وَلَا تَتَوَهَّمُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ مِثْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِبَاحَتِهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَيَأْمَنُ الْوُقُوعَ فِي قُبْلَةٍ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا إِنْزَالٌ أَوْ شَهْوَةٌ أَوْ هَيَجَانُ نَفْسٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ
(7/216)

وَأَنْتُمْ لَا تَأْمَنُونَ ذَلِكَ فَطَرِيقُكُمُ الِانْكِفَافُ عَنْهَا وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنْ مِثْلِ هَذَا مِمَّا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِلضَّرُورَةِ وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ قَوْلُهَا (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ) مَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ هُنَا اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَهُوَ مِنَ الْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ قَوْلُهُ (دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِيَسْأَلَانِهَا) كَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ لِيَسْأَلَانِهَا بِاللَّامِ وَالنُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ يَسْأَلَانِهَا بحذف
(7/217)

اللَّامِ وَهَذَا وَاضِحٌ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْعَرَبِيَّةِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهُ) هَذَا الْإِسْنَادُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُمْ يَحْيَى وَأَبُو سَلَمَةَ وَعُمَرُ وَعُرْوَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ قَوْلُهُ (عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ) هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ قَوْلُهَا (يُقَبِّلُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ) يَعْنِي فِي حَالِ الصيام
(7/218)

[1107] قَوْلُهُ (عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ) أَمَّا شُتَيْرٌ فَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقَ مَفْتُوحَةٍ وَأَمَّا شَكَلٌ فَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ كَافٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَكَّنَ الْكَافَ وَالْمَشْهُورُ فَتْحُهَا

[1108] قَوْلُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَشَدُّكُمْ خَشْيَةً لَهُ) سَبَبُ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ جَوَازَ التَّقْبِيلِ لِلصَّائِمِ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا يَفْعَلُ لِأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا وَقَالَ أَنَا أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَشَدُّكُمْ خَشْيَةً فَكَيْفَ تَظُنُّونَ بِي أَوْ تُجَوِّزُونَ عَلَيَّ ارْتِكَابَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَنَحْوِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ حِينَ قَالَ الْقَائِلُ هَذَا الْقَوْلَ وَجَاءَ فِي الْمُوَطَّأِ فِيهِ يُحِلُّ اللَّهُ
(7/219)

لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

((باب صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ))
[1109] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لِأَبِيهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى آخِرِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لِأَبِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ مَلِيحٌ وَمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَوْلُهُ لِأَبِيهِ بَدَلٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِإِعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ قَالَ القاضي ووقع في رواية بن ماهان فذكر ذلك عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِأَبِيهِ وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْحَارِثَ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي وِلَايَةِ مَرْوَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَالْحَارِثُ تُوُفِّيَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصْبِحُ جُنُبًا وَيُتِمُّ صَوْمَهُ رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ رَوَاهُ عَنِ الْفَضْلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّ سَبَبَ رُجُوعِهِ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَانِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَتَأَوَّلَ أَحَدَهُمَا وَهُوَ قَوْلُهُ مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَفْطَرَ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ
(7/220)

الْأَوْجُهِ فِي تَأْوِيلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهَذَا مُتَأَوَّلٌ رَجَعَ عَنْهُ وَكَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ لِأَنَّهُمَا أَعْلَمُ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ غَيْرِهِمَا وَلِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْأَكْلَ وَالْمُبَاشَرَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسود من الفجر وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ الْجِمَاعُ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وابتغوا ما كتب الله لكم وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْجِمَاعُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُصْبِحَ جُنُبًا وَيَصِحَّ صومه لقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل وَإِذَا دَلَّ الْقُرْآنُ وَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا وَجَبَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ الْفَضْلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ إِرْشَادٌ إِلَى الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَوْ خَالَفَ جَازَ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَجَوَابُهُمْ عَنِ الْحَدِيثِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَفْضَلَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيَكُونُ فِي حَقِّهِ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيَانَ لِلنَّاسِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ وَهَذَا كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلَاثَ أَفْضَلُ وَهُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَطَافَ عَلَى الْبَعِيرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَافَ سَاعِيًا أَفْضَلُ وَهُوَ الَّذِي تَكَرَّرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَالْجَوَابُ الثَّانِي لَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ مُجَامِعًا فَاسْتَدَامَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَالِمًا فَإِنَّهُ يفطر ولا صوم له والثالث جواب بن الْمُنْذِرِ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخٌ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ كَانَ الْجِمَاعُ مُحَرَّمًا فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَمَا كَانَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ مُحَرَّمًا ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَكَانَ يُفْتِي بِمَا عَلِمَهُ حَتَّى بَلَغَهُ النَّاسِخُ فرجع إليه قال بن الْمُنْذِرِ هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ) هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ الِاحْتِلَامِ عَلَى
(7/221)

الْأَنْبِيَاءِ وَفِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ الْأَشْهَرُ امْتِنَاعُهُ قَالُوا لِأَنَّهُ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ وَهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ وَيَتَأَوَّلُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ وَلَا يَجْنُبُ مِنَ احْتِلَامٍ لِامْتِنَاعِهِ مِنْهُ وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَى قَوْلِ الله تعالى ويقتلون النبيين بغير حق وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَتْلَهُمْ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ قَوْلُهُ (عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ أَمَرْتُكَ أَمْرًا جَازِمًا عَزِيمَةً مُحَتَّمَةً وَأَمْرُ وُلَاةِ الْأُمُورِ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ قَوْلُهُ (فَرَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ) فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْبَرَنِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَفِي رِوَايَةٍ أَخْبَرَنِيهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الْفَضْلِ وَأُسَامَةَ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ هَذِهِ الْأَمْصَارِ عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ الْجُنُبِ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ إِبْطَالُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَقِيلَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وليس بشيء وحكى عن طاوس وعروة والنخعى أن علم بجنابته لم يصح والا فيصح وحكى مثله عن أبي هريرة وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُجْزِيهِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ وَحُكِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ يَصُومُهُ وَيَقْضِيهِ ثُمَّ ارْتَفَعَ هَذَا الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَهْلِ الْأُصُولِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مُخَالِفٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ اغْتِسَالِهِمَا صَحَّ صَوْمُهُمَا وَوَجَبَ عَلَيْهِمَا إِتْمَامُهُ سَوَاءٌ تَرَكَتْ الْغُسْلَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا
(7/222)

بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ كَالْجُنُبِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا لَا نَعْلَمُ صَحَّ عَنْهُ أَمْ لَا قَوْلُهُ (أَبُو طُوَالَةَ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ المهملة
(7/223)

(بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّائِمِ)
(وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الْكُبْرَى فِيهِ وَبَيَانِهَا وَأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ) (وَتَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ) فِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُجَامِعِ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا جِمَاعًا أَفْسَدَ بِهِ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَصَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنَ فَإِنْ عَجَزَ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنِ اسْتَطَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْمُجَامِعِ ظَاهِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِعَجْزِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7/224)

إِنَّ الْكَفَّارَةَ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهِ بَلْ أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَامِ عِيَالِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ بَلْ تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُمَكَّنَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ وَالْمُؤَاخَذَاتِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ اسْتِقْرَارِ الْكَفَّارَةِ بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرَارِهَا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَفَّارَةِ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقِ التَّمْرِ فَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ فَلَوْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِخْرَاجِهِ فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي ذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَامِ عِيَالِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا وَمُضْطَرًّا إِلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى عِيَالِهِ فِي الْحَالِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرَاخِي فَأَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَإِطْعَامِ عِيَالِهِ وَبَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُصُولِيِّينَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا أَقْوَالٌ وَتَأْوِيلَاتٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ وَأَمَّا الْمُجَامِعُ نَاسِيًا فَلَا يُفْطِرُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ خِلَافٌ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَقَالَ أَحْمَدُ يُفْطِرُ وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَقَالَ عَطَاءٌ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ دَلِيلُنَا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحَّ أَنَّ أَكْلَ النَّاسِي لَا يُفْطِرُ وَالْجِمَاعُ فِي مَعْنَاهُ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْكَفَّارَةِ فِي الْجِمَاعِ فَإِنَّمَا هِيَ فِي جِمَاعِ الْعَامِدِ وَلِهَذَا قَالَ فِي بَعْضِهَا هَلَكْتُ وفي بعضها احترقت احترقت وهذا لايكون إِلَّا فِي عَامِدٍ فَإِنَّ النَّاسِيَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ

[1111] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً) رَقَبَةً مَنْصُوبٌ بَدَلٌ مِنْ مَا قَوْلُهُ (فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَاللُّغَةِ وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ ثُمَّ قَالَ وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا وَغَيْرُهُمْ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ قَالَ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ وَيُقَالُ لِلْعَرَقِ الزَّبِيلُ بِفَتْحِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ نُونٍ وَالزِّنْبِيلُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَزِيَادَةِ نُونٍ وَيُقَالُ لَهُ الْقُفَّةُ والمكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق والسفيفة بفتح
(7/225)

السين المهملة وبالفائين قال القاضي قال بن دُرَيْدٍ سُمِّيَ زَبِيلًا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ فِيهِ الزِّبْلُ وَالْعَرَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا يَسْعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَهِيَ سِتُّونَ مُدًّا لِسِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ قَوْلُهُ (قَالَ أَفْقَرَ مِنَّا) كَذَا ضَبَطْنَاهُ أَفْقَرَ بِالنَّصْبِ وَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ أَتَجِدُ أَفْقَرَ مِنَّا أَوْ أَتُعْطِي قَالَ وَيَصِحُّ رَفْعُهُ عَلَى تَقْدِيرِ هَلْ أَحَدٌ أَفْقَرُ مِنَّا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ أَغْيَرُنَا كَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ وَيَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى مَا سَبَقَ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقَدْ ضَبَطْنَا الثَّانِيَ بِالنَّصْبِ أَيْضًا فَهُمَا جَائِزَانِ كَمَا سَبَقَ تَوْجِيهُهُمَا قَوْلُهُ (فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) هُمَا الْحَرَّتَانِ وَالْمَدِينَةُ بين حرتين والحرة الأرض الملبسة حجارة سودا وَيُقَالُ لَابَةٌ وَلُوبَةٌ وَنَوْبَةٌ بِالنُّونِ حَكَاهُنَّ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَمَنْ لَا يُحْصَى مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالُوا وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسْوَدِ لُوبِيٌّ وَنُوبِيٌّ بِاللَّامِ وَالنُّونِ قَالُوا وَجَمْعُ اللَّابَةِ لُوَبٌ وَلَابٌ وَلَابَاتٌ وَهِيَ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ قَوْلُهُ (وَهُوَ الزِّنْبِيلُ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَبَعْدَهَا نُونٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ (إِنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ) كَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَفِي
(7/226)

بعضها واقع امرأته وكلاهما صحيح قوله (أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لَفْظَةُ أَوْ هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّخْيِيرِ تَقْدِيرُهُ يُعْتِقَ أَوْ يَصُومَ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْعِتْقِ أَوْ يُطْعِمَ إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا وَتُبَيِّنُهُ الرِّوَايَاتُ الْبَاقِيَةُ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ دَلَالَةٌ لِأَبِي حنيفة ومن يقول يجزئ عِتْقُ كَافِرٍ عَنْ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ وَالظِّهَارِ وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُونَ الرَّقَبَةَ الْمُؤْمِنَةَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لِأَنَّهَا مَنْصُوصٌ عَلَى وَصْفِهَا بِالْإِيمَانِ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ يُشْتَرَطُ الْإِيمَانُ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ تَنْزِيلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَالشَّافِعِيُّ يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُهُ

[1112] قَوْلُهُ (احْتَرَقْتُ) فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ وَأَنَّهُ لَا إِنْكَارَ عَلَى مُسْتَعْمِلِهِ قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم (تصدق تصدق) هذا التصدق مُطْلَقٌ وَجَاءَ مُقَيَّدًا فِي الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَذَلِكَ سِتُّونَ مُدًّا وَهِيَ خَمْسَةَ عشر صاعا
(7/227)

قَوْلُهُ (فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) هَذَا أَيْضًا مُطْلَقٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا سَبَقَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ وَأُجْمِعَ عَلَيْهِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَهُوَ اشْتِرَاطُ التَّتَابُعِ فِي صيام هذين الشهرين حكى عن بن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) فِيهِ حُجَّةٌ لَنَا وَلِلْجُمْهُورِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ
(7/228)

العلماء في الاعصار المتأخرة وهو اشتراط طعام سِتِّينَ مِسْكِينًا وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ إِطْعَامُ أَرْبَعِينَ مِسْكَيْنًا عِشْرِينَ صَاعًا ثُمَّ جُمْهُورُ الْمُشْتَرِطِينَ سِتِّينَ قَالُوا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَهُوَ رُبُعُ صَاعٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ

(بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ)
(إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ أَنْ يَصُومَ) (وَلِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَإِنْ صَامَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْفَتْوَى يَجُوزُ صَوْمُهُ فِي السَّفَرِ وَيَنْعَقِدُ وَيُجْزِيهِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ أَمِ الْفِطْرَ أَمْ هُمَا سَوَاءٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَلَا ضَرَرَ فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ وَاحْتَجُّوا بِصَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِمَا وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِي الْحَالِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمُ الْفِطْرُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ غَرِيبٌ وَاحْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ وَبِحَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ الْمَذْكُورِ فِي مُسْلِمٍ فِي آخِرِ الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ الْفِطْرِ وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَنْ يَخَافُ ضَرَرًا أَوْ يَجِدُ مَشَقَّةً كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَاعْتَمَدُوا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَالَ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا
(7/229)

الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ تَفْضِيلُ الصَّوْمِ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ سَوَاءٌ لِتَعَادُلِ الْأَحَادِيثِ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1113] قَوْلُهُ (خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ) يَعْنِي بِالْفَتْحِ فَتْحَ مَكَّةَ وَكَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الهجرة والكديد بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ عَيْنٌ جَارِيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَبْعُ مَرَاحِلَ أَوْ نَحْوُهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ قَرِيبٌ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْكَدِيدُ عَيْنٌ جَارِيَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ قَالَ وَعُسْفَانُ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بِهَا مِنْبَرٌ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ قَالَ وَالْكَدِيدُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَدِيدٍ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ بِثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ يُضَافُ إِلَيْهِ هَذَا الْكُرَاعُ وَهُوَ جَبَلٌ أَسْوَدُ مُتَّصِلٌ بِهِ والكراع كُلُّ أَنْفٍ سَالَ مِنْ جَبَلٍ أَوْ حَرَّةٍ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا كُلُّهُ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ قَالَ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِتَقَارُبِهَا وَإِنْ كَانَتْ عُسْفَانُ مُتَبَاعِدَةً شَيْئًا عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَكِنَّهَا كُلَّهَا مُضَافَةٌ إِلَيْهَا وَمِنْ عَمَلِهَا فَاشْتَمَلَ اسْمُ عُسْفَانَ عَلَيْهَا قَالَ وَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ حَالَ النَّاسِ وَمَشَقَّتَهُمْ فِي بَعْضِهَا فَأَفْطَرَ وَأَمَرَهُمْ بِالْفِطْرِ فِي بَعْضِهَا هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ كَمَا قَالَ إِلَّا فِي مَسَافَةِ عُسْفَانَ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا عَلَى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ وَكُلُّ بَرِيدٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَكُلُّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ قَوْلُهُ (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ جَائِزَانِ وَفِيهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ أَنْ يَصُومَ بَعْضَ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ وَلَا يَلْزَمُهُ بِصَوْمِ بَعْضِهِ إِتْمَامُهُ وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي فَهْمِ هَذَا الْحَدِيثِ فَتَوَهَّمَ أَنَّ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَّ قَوْلَهُ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَزَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ صَائِمًا فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فِي يَوْمِهِ أَفْطَرَ فِي نَهَارٍ وَاسْتَدَلَّ بِهِ
(7/230)

هَذَا الْقَائِلُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَافَرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ صَائِمًا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي يَوْمِهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فِي السَّفَرِ وَاسْتِدْلَالُ هَذَا الْقَائِلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعَجَائِبِ الْغَرِيبَةِ لِأَنَّ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ عَلَى سَبْعِ مَرَاحِلَ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا عَلِمُوا مِنْهُ النَّسْخَ أَوْ رُجْحَانَ الثَّانِي مَعَ جَوَازِهِمَا وَإِلَّا فَقَدْ طَافَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرِهِ وَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنَ الْجَائِزَاتِ الَّتِي عَمِلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ قَلِيلَةً لِبَيَانِ جَوَازِهَا وَحَافَظَ
(7/231)

على الأفضل منها قوله (قال بن عَبَّاسٍ فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ جَمِيعًا

[1114] قَوْلُهُ (فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) هَكَذَا هُوَ مُكَرَّرٌ مَرَّتَيْنِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ أَوْ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْفِطْرِ أَمْرًا جَازِمًا لِمَصْلَحَةِ بيان جوازه
(7/232)

فَخَالَفُوا الْوَاجِبَ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَكُونُ الصَّائِمُ الْيَوْمَ فِي السَّفَرِ عَاصِيًا إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ

[1115] قَوْلُهُ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ عليه الناس وقد ظلل عليه فقال ماله قَالُوا رَجُلٌ صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ) مَعْنَاهُ إِذَا شَقَّ عَلَيْكُمْ وَخِفْتُمُ الضَّرَرَ وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي هَذَا التَّأْوِيلَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمَعْنَى الْجَمِيعِ فِيمَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ (فَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَفِي رِوَايَةٍ
(7/233)

لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ وَفِي رِوَايَةٍ فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِسَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنَ الْمَدِينَةِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ وَدَخَلَهَا لِتِسْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ
(7/234)

قَوْلَهُ (فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا فَتَحَزَّمَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَكْثَرِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ فَتَخَدَّمَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ وَادَّعَوْا أَنَّهُ صَوَابُ الْكَلَامِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخْدُمُونَ قَالَ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا وَلِصِحَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ شَدُّوا أَوْسَاطَهُمْ لِلْخِدْمَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ لِلِاجْتِهَادِ فِي الْخِدْمَةِ وَمِنْهُ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ اجْتَهَدَ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مِنَ الْحَزْمِ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ وَالْأَخْذُ بِالْقُوَّةِ وَالِاهْتِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ

[1120] قَوْلُهُ (وَهُوَ مَكْثُورٌ
(7/236)

عليه) أي عنده كثيرون من الناس قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ صُمْ إِنْ شِئْتَ وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ) فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ جَائِزَانِ وَأَمَّا الْأَفْضَلُ مِنْهُمَا فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ وَسَرْدَهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِمَنْ لَا يَخَافُ مِنْهُ ضَرَرًا وَلَا يُفَوِّتُ بِهِ حَقًّا بِشَرْطِ فِطْرِ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِسَرْدِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ فِي السَّفَرِ فَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يُطِيقُ السَّرْدَ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا تَفْوِيتِ حَقٍّ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ وَأَمَّا إِنْكَارُهُ صَلَّى الله عليه وسلم على بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَوْمَ الدَّهْرِ فَلِأَنَّهُ عَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَضْعُفُ عَنْهُ وَهَكَذَا جَرَى فَإِنَّهُ ضَعُفَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَكَانَ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ وَإِنْ قَلَّ وَيَحُثُّهُمْ عَلَيْهِ

[1121] قَوْلُهُ (عَنْ أبي مراوح
(7/237)

هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ واسمه سعد
(7/238)

(بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ)
مذَهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ اسْتِحْبَابُ فِطْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ لِلْحَاجِّ وَحَكَاهُ بن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ بن عفان وبن عمر والثوري قال وكان بن الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةُ يَصُومَانِهِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَكَانَ إِسْحَاقُ يَمِيلُ إِلَيْهِ وَكَانَ عَطَاءٌ يَصُومُهُ فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ وَقَالَ قَتَادَةُ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَضْعُفْ عَنِ الدُّعَاءِ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِفِطْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْحَاجِّ فِي آدَابِ الْوُقُوفِ وَمُهِمَّاتِ الْمَنَاسِكِ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ كَفَّارَةٌ سَنَتَيْنِ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ لَيْسَ هُنَاكَ

[1123] قَوْلُهُ (إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ امْرَأَةَ الْعَبَّاسِ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ) فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ الْفِطْرِ لِلْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ الْوُقُوفِ رَاكِبًا وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا وَلَنَا قَوْلٌ أَنَّ غَيْرَ الرُّكُوبِ أَفْضَلُ وَقِيلَ إِنَّهُمَا
(8/2)

سَوَاءٌ وَمِنْهَا جَوَازُ الشُّرْبِ قَائِمًا وَرَاكِبًا وَمِنْهَا إِبَاحَةِ الْهَدِيَّةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهَا إِبَاحَةُ قَبُولِ هَدِيَّةِ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ الْمَوْثُوقِ بدينها ولا يشترط أَنْ يَسْأَلَ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِهَا أَمْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا أَوْ أَنَّهُ أَذِنَ فِيهِ أَمْ لَا إِذَا كَانَتْ مَوْثُوقًا بِدِينِهَا وَمِنْهَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا جَائِزٌ وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الزَّوْجِ سَوَاءٌ تَصَرَّفَتْ فِي الثُّلُثِ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَتَصَرَّفْ فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ إِلَّا باذنه وهو موضع الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِهَا وَيَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَمْ لَا وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَسَأَلَ قَوْلُهُ (عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) وَفِي رِوَايَتَيْنِ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ وَفِي رِوَايَةٍ مَوْلَى بن عَبَّاسٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ حَقِيقَةً ويقال له مولى بن عَبَّاسٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ هُوَ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ حَقِيقَةً وَيُقَالُ لَهُ مَوْلَى بن عَبَّاسٍ لِمُلَازِمَتِهِ لَهُ وَأَخْذِهِ عَنْهُ وَانْتِمَائِهِ إِلَيْهِ كَمَا قَالُوا فِي أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هانيء بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُونَ أَيْضًا مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
(8/3)

قَالُوا لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ وَانْتِمَائِهِ إِلَيْهِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ مقسم مولى بن عَبَّاسٍ لَيْسَ هُوَ مَوْلَاهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا قِيلَ مولى بن عَبَّاسٍ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ قَوْلُهُ (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ وَيُقَالُ لَهُ الْمِحْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ

(باب صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ)
اتَّفَقَ العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ شُرِعَ صَوْمُهُ قَبْلَ صَوْمِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَانَ وَاجِبًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَشْهَرُهُمَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ سُنَّةً مِنْ حِينِ شُرِعَ وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا قَطُّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتَأَكِّدَ الِاسْتِحْبَابِ فَلَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ صَارَ مُسْتَحَبًّا دُونَ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابِ وَالثَّانِي كَانَ وَاجِبًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ مِنَ اللَّيْلِ فَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَشْتَرِطُهَا وَيَقُولُ كَانَ النَّاسُ مُفْطِرِينَ أَوَّلَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ثُمَّ أُمِرُوا بِصِيَامِهِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِقَضَائِهِ بَعْدَ صَوْمِهِ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَقُولُونَ كَانَ مُسْتَحَبًّا فَصَحَّ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ وَيَتَمَسَّكُ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ أَمَرَ بِصِيَامِهِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَبِقَوْلِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَيَحْتَجُّ الشَّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ مَمْدُودَانِ وَحُكِيَ قَصْرُهُمَا

[1125] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا
(8/4)

فَأَبُو حَنِيفَةَ يُقَدِّرُهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالشَّافِعِيَّةُ يُقَدِّرُونَهُ لَيْسَ مُتَأَكِّدًا أَكْمَلَ التَّأْكِيدِ وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ فَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ الْآنَ مِنْ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ كَانَ صوم عاشوراء فرض وَهُوَ بَاقٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ لَمْ يُنْسَخْ قَالَ وَانْقَرَضَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا وَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَرُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ كَرَاهَةُ قَصْدِ صَوْمِهِ وَتَعْيِينِهِ بِالصَّوْمِ وَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَتَعْيِينِهِ لِلْأَحَادِيثِ وَأَمَّا قَوْلُ بن مَسْعُودٍ كُنَّا نَصُومُهُ ثُمَّ تُرِكَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ كَمَا كَانَ مِنَ الْوُجُوبِ وَتَأَكَّدَ النَّدْبُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ (إِنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَمَرَ
(8/5)

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ) ضَبَطُوا أَمَرَ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ
(8/6)

وَالْمِيمِ وَالثَّانِي بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي عِيَاضٌ غَيْرَهُ

[1129] وأما قولُ مُعَاوِيَةَ (أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) إِلَى آخِرِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ أَوْ يَكْرَهُهُ فَأَرَادَ إِعْلَامَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَخَطَبَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ) هَذَا كُلُّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا
(8/8)

جَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ

[1130] قَوْلُهُ (فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ فَسَأَلَهُمْ الْمُرَادُ بِالرِّوَايَتَيْنِ أَمْرَ مَنْ سَأَلَهُمْ وَالْحَاصِلُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَالْيَهُودُ يَصُومُونَهُ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِصِيَامِهِ مُتَأَكِّدًا ثُمَّ
(8/9)

بَقيَ صَوْمُهُ أَخَفَّ مِنْ ذَلِكَ التَّأَكُّدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ) الشَّارَةُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بِلَا هَمْزٍ وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْحَسَنَةُ وَالْجَمَالُ أَيْ يُلْبِسُونَهُنَّ لِبَاسَهُمُ الْحَسَنَ الْجَمِيلَ وَيُقَالُ لَهَا الشَّارَةُ وَالشُّورَةُ بِضَمِّ الشِّينِ وَأَمَّا الْحَلْيُ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ مُفْرَدٌ وَجَمْعُهُ حُلِيٌّ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الضَّمِّ وَاللَّامُ مَكْسُورَةٌ وَالْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ فِيهِمَا قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ وَقَالُوا إِنَّ مُوسَى صَامَهُ وَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَوْا فِيهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَغَرِقَ فِرْعَوْنُ فَصَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ وَقَالَ نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ) قال
(8/10)

الْمَازِرِيُّ خَبَرُ اليهُودِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِدْقِهِمْ فِيمَا قَالُوهُ أَوْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُ النَّقْلُ بِذَلِكَ حَتَّى حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَدًّا عَلَى الْمَازِرِيِّ قَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ فَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ بِقَوْلِ الْيَهُودِ حُكْمٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةُ حَالٍ وَجَوَابُ سُؤَالٍ فَقَوْلُهُ صَامَهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ابْتَدَأَ صَوْمَهُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِمْ وَلَوْ كَانَ هَذَا لَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ كَابْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي وقد قال قَالَ بَعْضُهُمْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ بِمَكَّةَ ثُمَّ تَرَكَ صِيَامَهُ حَتَّى عَلِمَ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ فَصَامَهُ قَالَ الْقَاضِي وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى بِلَفْظِ الحديث قلت المختار قوله الْمَازِرِيِّ وَمُخْتَصَرُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ كَمَا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ فَصَامَهُ أَيْضًا بِوَحْيٍ أَوْ تَوَاتُرٍ أَوِ اجْتِهَادٍ لَا بِمُجَرَّدِ أَخْبَارِ آحَادِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ هُوَ تَاسِعُ الْمُحَرَّمِ وأن النبي
(8/11)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(كَانَ يَصُومُ التَّاسِعَ)

[1134] وفي الرواية الأخرى (عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذا تصريح من بن عَبَّاسٍ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمٍ وَيَتَأَوَّلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِظْمَاءِ الْإِبِلِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْيَوْمَ الْخَامِسَ مِنْ أَيَّامِ الْوِرْدِ رَبْعًا وَكَذَا بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ فَيَكُونُ التَّاسِعُ عَشْرًا وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَخَلَائِقُ وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ وأمَّا تَقْدِيرُ أَخْذِهِ مِنَ الاظماء فبعيد ثم ان حديث بن عَبَّاسٍ الثَّانِي يَرُدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ عَاشُورَاءَ فَذَكَرُوا أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تَصُومُهُ فَقَالَ إِنَّهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ يَصُومُ التَّاسِعَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَصُومُهُ لَيْسَ هُوَ التَّاسِعُ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ الْعَاشِرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَآخَرُونَ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ جَمِيعًا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ الْعَاشِرَ وَنَوَى صِيَامَ التَّاسِعِ وَقَدْ سَبَقَ في)
(8/12)

صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي صَوْمِ التَّاسِعِ مَعَ الْعَاشِرِ أَنْ لَا يَتَشَبَّهَ بِالْيَهُودِ فِي إِفْرَادِ الْعَاشِرِ وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا وَقِيلَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي تَحْصِيلِ عَاشُورَاءَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1135] قَوْلُهُ (مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ) وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ مَنْ كَانَ نَوَى الصَّوْمَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَمَنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ وَلَمْ يَأْكُلْ أَوْ أَكَلَ فَلْيمسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ حُرْمَةً لِلْيَوْمِ كَمَا لَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرًا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يَجِبُ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ حُرْمَةً لِلْيَوْمِ وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَذْهَبِهِ أَنَّ صَومَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَرْضِ يَجُوزُ نِيَّتُهُ فِي النَّهَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَبْيِيتُهَا قَالَ لِأَنَّهُمْ نَوَوْا فِي النَّهَارِ وَأَجْزَأَهُمْ قَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ رَمَضَانُ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ لا حقيقة
(8/13)

الصَّوْمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُمْ أَكَلُوا ثُمَّ أُمِرُوا بِالْإِتْمَامِ وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ إِجْزَاءِ النِّيَّةِ فِي النَّهَارِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَهَا مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَوَابٌ آخَرُ أَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَإِنَّمَا كَانَ سُنَّةً مُتَأَكِّدَةً وَجَوَابٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يُجْزِيهِمْ وَلَا يَقْضُونَهُ بَلْ لَعَلَّهُمْ قَضَوْهُ وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَتَمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمٍ وَأَقْضَوْهُ

[1136] قَوْلُهُ (اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ) هُوَ الصُّوفُ مُطْلَقًا وَقِيلَ الصُّوفُ الْمَصْبُوغُ قَوْلُهُ (فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَ الْإِفْطَارِ قَالَ الْقَاضِي فِيهِ مَحْذُوفٌ وَصَوَابُهُ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ فَبِهَذَا يَتِمُّ الْكَلَامُ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَمْرِينُ الصِّبْيَانِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَتَعْوِيدُهُمُ الْعِبَادَاتِ وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُمْ مَتَى أَطَاقُوا الصَّوْمَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا غَلَطٌ مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَفِي رِوَايَةٍ يَبْلُغَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ)
فِيهِ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
(8/14)

نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى) وعن بن عُمَرَ نَحْوُهُ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ صَامَهُمَا عَنْ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا مُتَعَمِّدًا لِعَيْنِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا قَالَ فَإِنْ صَامَهُمَا أَجْزَاهُ وَخَالَفَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي ذَلِكَ

[1137] قَوْلُهُ (شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صِيَامِهِمَا) فِيهِ تَقْدِيمُ صَلَاةِ الْعِيدِ عَلَى خُطْبَتِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِهِ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْعِيدِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ وَمَنْهِيٍّ عَنْهُ قَوْلُهُ (يَوْمَ فِطْرِكُمْ) أَيْ أَحَدُهُمَا يوم فطركم
(8/15)

[1139] قوله (جاء رجل إلى بن عُمَرَ فَقَالَ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا فوافق يوم أضحى أو فطر فقال بن عُمَرَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هذا اليوم) معناه أن بن عُمَرَ تَوَقَّفَ عَنِ الْجَزْمِ بِجَوَابِهِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الْعِيدِ مُعَيَّنًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا وَأَمَّا هَذَا الَّذِي نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مَثَلًا فَوَافَقَ يَوْمَ الْعِيدِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُ الْعِيدِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَفِيهِ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَنَاوَلِ الْقَضَاءَ وَإِنَّمَا يَجِبُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَكَذَلِكَ لَوْ صَادَفَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ فِي الْأَصَحِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَيَحْتَمِلُ أن بن عُمَرَ عَرَضَ لَهُ بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَكَ الْقَضَاءُ لِتَجْمَعَ بَيْنَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(8/16)

(بَابُ تَحْرِيمِ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
(وَبَيَانُ أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

[1141] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) وَفِي رِوَايَةٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي رِوَايَةٍ أَيَّامُ مِنًى وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا بِحَالٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قال أبو حنيفة وبن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ صيامها لكل أحد تطوعا وغيره حكاه بن المنذر عن الزبير بن العوام وبن عمر وبن سِيرِينَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أحد قوليه يجوز صومها للمتمتع إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ قَالَا لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَشْرِيقِ النَّاسِ لُحُومَ الْأَضَاحِي فِيهَا وَهُوَ تَقْدِيدُهَا وَنَشْرُهَا فِي الشَّمْسِ وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْإِكْثَارِ مِنَ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ) هُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ نُبَيْشَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بن سلمة
(8/17)

(بَابُ كَرَاهَةِ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ لَا يُوَافِقُ عَادَتَهُ)
[1143] قَوْلُهُ (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَنَهَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ)

[1144] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ (لَا تَخْتَصُّوا
(8/18)

لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِإِثْبَاتِ تَاءٍ فِي الْأَوَّلِ بَيْنَ الْخَاءِ وَالصَّادِ وَبِحَذْفِهَا فِي الثَّانِي وَهُمَا صَحِيحَانِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الدَّلَالَةُ الظَّاهِرَةُ لقول جمهور أصحاب الشافعي وموافقيهم أنه يُكْرَهُ إِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ فَإِنْ وَصَلَهُ بِيَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ شِفَاءِ مَرِيضِهِ أَبَدًا فَوَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يُكْرَهْ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ بِهِ يُقْتَدَى نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصِيَامُهُ حَسَنٌ وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الَّذِي رَآهُ وَقَدْ رَأَى غَيْرُهُ خِلَافَ مَا رَأَى هُوَ وَالسُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَا رَآهُ هُوَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ وَمَالِكٌ مَعْذُورٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ وَلَوْ بَلَغَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ دُعَاءٍ وَذِكْرٍ وَعِبَادَةٍ مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَاةِ وَانْتِظَارِهَا وَاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ وَإِكْثَارِ الذِّكْرِ بَعْدَهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كثيرا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي يَوْمِهَا فَاسْتُحِبَّ الْفِطْرُ فِيهِ فَيَكُونُ أَعْوَنَ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْوَظَائِفِ وَأَدَائِهَا بِنَشَاطٍ وَانْشِرَاحٍ لَهَا وَالْتِذَاذٍ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَلَلٍ وَلَا سَآمَةٍ وَهُوَ نَظِيرُ الْحَاجِّ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ السُّنَّةَ لَهُ الْفِطْرُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلِ النَّهْيُ وَالْكَرَاهَةُ بِصَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِبَقَاءِ الْمَعْنَى فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِفَضِيلَةِ الصَّوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مَا يَجْبُرُ مَا قَدْ يَحْصُلُ مِنْ فُتُورٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي وَظَائِفِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ صَوْمِهِ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْحِكْمَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ إِفْرَادِ صَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ سَبَبُهُ خَوْفُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ بِحَيْثُ يُفْتَتَنُ بِهِ كَمَا افْتُتِنَ قَوْمٌ بِالسَّبْتِ وَهَذَا ضَعِيفٌ مُنْتَقَضٌ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ وَظَائِفِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَعْظِيمِهِ وَقِيلَ سَبَبُ النَّهْيِ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبُهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ مُنْتَقَضٌ بِيَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ صَوْمُهُ ولا
(8/19)

يُلْتَفَتُ إِلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ وَبِيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ الصَّرِيحُ عَنْ تَخْصِيصِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَيَوْمِهَا بِصَوْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَاحْتَجَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمُبْتَدَعَةِ الَّتِي تُسَمَّى الرَّغَائِبُ قَاتَلَ اللَّهُ وَاضِعَهَا وَمُخْتَرِعَهَا فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي هِيَ ضَلَالَةٌ وَجَهَالَةٌ وَفِيهَا مُنْكَرَاتٌ ظَاهِرَةٌ وَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُصَنَّفَاتٍ نَفِيسَةً فِي تَقْبِيحِهَا وَتَضْلِيلِ مُصَلِّيهَا وَمُبْتَدِعِهَا وَدَلَائِلِ قبحها وبطلانها وتضلل فَاعِلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب بيان نسخ قول الله تَعَالَى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)

[1145] قَوْلُهُ (عَنْ سَلَمَةَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا) وَفِي رِوَايَةٍ (قَالَ كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ حَتَّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشهر فليصمه قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْأُولَى هَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ أَوْ
(8/20)

مَخْصُوصَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ مَنْسُوخَةٌ كَقَوْلِ سَلَمَةَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ بَقِيَ مِنْهَا مَا لَمْ يُنْسَخْ فَرُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ حُكْمَ الْإِطْعَامِ بَاقٍ عَلَى مَنْ لَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ لِكِبَرٍ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ جَمِيعُ الْإِطْعَامِ مَنْسُوخٌ وَلَيْسَ عَلَى الْكَبِيرِ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ إِطْعَامٌ وَاسْتَحَبَّهُ لَهُ مَالِكٌ وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَتِ الرُّخْصَةُ لِكَبِيرٍ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ نُسِخَ فِيهِ وَبَقِيَ فِيمَنْ لَا يُطِيقُ وقال بن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ نَزَلَتْ فِي الْكَبِيرِ وَالْمَرِيضِ اللَّذَيْنِ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الصَّوْمِ فَهِيَ عِنْدَهُ مَحْكَمَةٌ لَكِنَّ الْمَرِيضَ يَقْضِي إِذَا بَرِئَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِطْعَامَ عَلَى الْمَرِيضِ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَنَزَلَتْ فِي الْمَرِيضِ يُفْطِرُ ثُمَّ يَبْرَأُ وَلَا يَقْضِي حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ آخَرُ فَيَلْزَمُهُ صَوْمُهُ ثُمَّ يَقْضِي بَعْدَهُ مَا أَفْطَرَ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ فَأَمَّا مَنِ اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِرَمَضَانَ الثَّانِي فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ بَلْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالضَّمِيرُ فِي يُطِيقُونَهُ عَائِدٌ عَلَى الْإِطْعَامِ لَا عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَهِيَ عِنْدَهُ عَامَّةٌ ثُمَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مُدَّانِ وَوَافَقَهُ صَاحِبَاهُ وَقَالَ أَشْهَبُ الْمَالِكِيُّ مُدٌّ وَثُلُثٌ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَرَضَ الْمُبِيحَ لِلْفِطْرِ هُوَ مَا يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ وَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ لِكُلِّ مَرِيضٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي

(بَابُ جَوَازِ تَأْخِيرِ قضاء رمضان ما لم يجيء رَمَضَانُ آخَرُ لِمَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ)
(كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَحَيْضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ)

[1146] قَوْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا في
(8/21)

شَعْبَانَ الشُّغُلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ (قَالَتْ إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ الشُّغُلُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَرْفُوعٌ أَيْ يَمْنَعُنِي الشُّغُلُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْنِي بِالشُّغُلِ وَبِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَتْ مُهَيِّئَةً نَفْسَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَرَصِّدَةً لِاسْتِمْتَاعِهِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهَا إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَلَا تَدْرِي مَتَى يُرِيدُهُ وَلَمْ تَسْتَأْذِنْهُ فِي الصَّوْمِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْذَنَ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَاجَةٌ فِيهَا فَتُفَوِّتُهَا عَلَيْهِ وَهَذَا مِنَ الْأَدَبِ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَحِلُّ لَهَا صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَصُومُهُ فِي شَعْبَانَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ مُعْظَمَ شَعْبَانَ فَلَا حَاجَةَ لَهُ فِيهِنَّ حِينَئِذٍ فِي النَّهَارِ وَلِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ شَعْبَانُ يَضِيقُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ قَضَاءَ رمضان في
(8/22)

حَقِّ مَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ كَحَيْضٍ وَسَفَرٍ يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ فِي أَوَّلِ الْإِمْكَانِ لَكِنْ قَالُوا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ شَعْبَانَ الْآتِي لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ حِينَئِذٍ إِلَى زَمَانٍ لَا يَقْبَلُهُ وَهُوَ رَمَضَانُ الْآتِي فَصَارَ كَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَوْتِ وَقَالَ دَاوُدُ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ بَعْدَ الْعِيدِ مِنْ شَوَّالٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ بِهِ لِلِاحْتِيَاطِ فِيهِ فَإِنْ أَخَّرَهُ فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ إِنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ بِلَا عَزْمٍ عَصَى وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ الْعَزْمُ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ شَعْبَانَ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي تَرْكِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ هَذَا إِذَا كَانَ تَمَكَّنَ مِنَ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَقْضِ فَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِعُذْرٍ ثُمَّ اتَّصَلَ عَجْزُهُ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الصَّوْمِ حَتَّى مَاتَ فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا يُطْعَمُ عَنْهُ وَلَا يُصَامُ عَنْهُ وَمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ صَوْمِ رَمَضَانَ نُدِبَ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا فَلَوْ قَضَاهُ غَيْرَ مُرَتَّبٍ أَوْ مُفَرَّقًا جَازَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ اسْمَ الصَّوْمِ يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ يَجِبُ تَتَابُعُهُ كَمَا يَجِبُ الْأَدَاءُ

(بَابُ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ)
[1147] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)

[1148] وَفِي رواية بن عَبَّاسٍ (أَنَّ امْرَأَةً
(8/23)

أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ فَقَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بالقضاء) وفي رواية عن بن عَبَّاسٍ جَاءَ رَجُلٌ وَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ (إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ على أمك دين فقضيتيه أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ
(8/24)

فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ)

[1149] وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ (قَالَ بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ صُومِي عَنْهَا قَالَتْ إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ حُجِّي عَنْهَا) وَفِي رِوَايَةٍ صَوْمُ شَهْرَيْنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءٌ أَوْ نَذْرٌ أَوْ غَيْرُهُ هَلْ يُقْضَى عَنْهُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَشْهَرُهُمَا لَا يُصَامُ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَيِّتٍ صَوْمٌ أَصْلًا وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ وَيَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْهُ وَيَبْرَأُ بِهِ الْمَيِّتُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِطْعَامٍ عَنْهُ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابِنَا الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ أُطْعِمَ عَنْهُ فَلَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَوْ ثَبَتَ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى
(8/25)

جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِالصِّيَامِ يَجُوزُ عِنْدَهُ الْإِطْعَامُ فَثَبَتَ أَنَّ الصَّوَابَ الْمُتَعَيِّنَ تَجْوِيزُ الصِّيَامِ وَتَجْوِيزُ الْإِطْعَامِ وَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ الْقَرِيبُ سَوَاءٌ كَانَ عَصَبَةً أَوْ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُمَا وَقِيلَ الْمُرَادُ الْوَارِثُ وَقِيلَ الْعَصَبَةُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلَوْ صَامَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ إِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ الصَّوْمُ عَنْهُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنَ السَّلَفِ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي صَوْمِ النَّذْرِ دُونَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَامُ عَنْ مَيِّتٍ لَا نَذْرَ ولا غيره حكاه بن المنذر عن بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَرِوَايَةً عَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ وَأَيُّ ضَرُورَةٍ إِلَيْهِ وَأَيُّ مَانِعٍ يَمْنَعُ مِنَ الْعَمَلِ بِظَاهِرِهِ مَعَ تَظَاهُرِ الْأَحَادِيثِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهَا قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُنَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ صَلَاةٌ فَائِتَةٌ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُصَامُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَيِّتِ والله أعلم وأما قول بن عَبَّاسٍ إِنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ وَفِي رِوَايَةٍ امْرَأَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ صَوْمُ شَهْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ صَوْمُ شَهْرَيْنِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَسَأَلَ تَارَةً رَجُلٌ وَتَارَةً امْرَأَةٌ وَتَارَةً عَنْ شَهْرٍ وَتَارَةً عَنْ شَهْرَيْنِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ صَوْمِ الْوَلِيِّ عَنِ الْمَيِّتِ كَمَا ذَكَرْنَا وَجَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ وَصِحَّةُ الْقِيَاسِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ وَفِيهَا قَضَاءُ
(8/26)

الدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهُ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُهُ فَيَبْرَأُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَيْنٌ لِآدَمِيٍّ وَضَاقَ مَالُهُ قُدِّمَ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهَا تَقْدِيمُ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالثَّانِي تَقْدِيمُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالْمُضَايَقَةِ وَالثَّالِثُ هُمَا سَوَاءٌ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى وَجْهِ الدَّلِيلِ إِذَا كَانَ مُخْتَصَرًا وَاضِحًا وَبِالسَّائِلِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ أَوْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاسَ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِ الدَّلِيلِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ ثُمَّ وَرِثَهُ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ أَخْذُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَرَادَ شِرَاءَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِحَدِيثِ فَرَسِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ النِّيَابَةَ فِي الْحَجِّ جَائِزَةٌ عَنِ الْمَيِّتِ وَالْعَاجِزِ الْمَأْيُوسِ مِنْ بُرْئِهِ وَاعْتَذَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِهِمْ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ وَالْحَجِّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَهَذَا عُذْرٌ بَاطِلٌ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابٌ وَإِنَّمَا فِيهِ اخْتِلَافٌ جَمَعْنَا بَيْنَهُ كَمَا سَبَقَ وَيَكْفِي فِي صِحَّتِهِ احْتِجَاجُ مُسْلِمٍ بِهِ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّهُ أعلم قوله (من مُسْلِمٍ الْبَطِينِ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ

(بَابُ نَدْبِ الصَّائِمِ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ وَلَمْ يُرِدِ الْإِفْطَارَ)
(أَوْ شُوتِمَ أَوْ قُوتِلَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي صَائِمٌ وَأَنَّهُ يُنَزِّهُ صَوْمَهُ عَنِ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ وَنَحْوِهِ)

[1150] فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ)

[1151] وَفِي
(8/27)

رِوَايَةٍ (إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا إِذَا دُعِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ اعْتِذَارًا لَهُ وَإِعْلَامًا بِحَالِهِ فَإِنْ سَمَحَ لَهُ وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِالْحُضُورِ سَقَطَ عنه الحضور وان لَمْ يَسْمَحْ وَطَالَبَهُ بِالْحُضُورِ لَزِمَهُ الْحُضُورُ وَلَيْسَ الصَّوْمُ عُذْرًا فِي إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَلَكِنْ إِذَا حَضَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ وَيَكُونُ الصَّوْمُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْأَكْلِ بِخِلَافِ الْمُفْطِرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ وَأَمَّا الْأَفْضَلُ لِلصَّائِمِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ صَوْمُهُ اسْتُحِبَّ لَهُ الْفِطْرُ وَإِلَّا فَلَا هَذَا إِذَا كَانَ صَوْمَ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا حَرُمَ الْفِطْرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِظْهَارِ نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ وَالْمُسْتَحَبُّ إِخْفَاؤُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَحُسْنِ الِاعْتِذَارِ عند سببه وأما الحديث الثاني ففيه نَهْيُ الصَّائِمِ عَنِ الرَّفَثِ وَهُوَ السُّخْفُ وَفَاحِشُ الْكَلَامِ يُقَالُ رَفَثَ بِفَتْحِ الْفَاءِ يَرْفُثُ بِضَمِّهَا وكسرها ورفث بِكَسْرِهَا يَرْفَثُ بِفَتْحِهَا رَفْثًا بِسُكُونِ الْفَاءِ فِي الْمَصْدَرِ وَرَفَثًا بِفَتْحِهَا فِي الِاسْمِ وَيُقَالُ أَرْفَثَ رُبَاعِيٌّ حَكَاهُ الْقَاضِي وَالْجَهْلُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّفَثِ وَهُوَ خِلَافُ الْحِكْمَةِ وَخِلَافُ الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ) مَعْنَاهُ شَتَمَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُشَاتَمَتِهِ وَمَعْنَى قَاتَلَهُ نَازَعَهُ وَدَافَعَهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) هَكَذَا هُوَ مَرَّتَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ جَهْرًا يَسْمَعُهُ الشَّاتِمُ وَالْمُقَاتِلُ فَيَنْزَجِرَ غَالِبًا وَقِيلَ لَا يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ بَلْ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ لِيَمْنَعَهَا مِنْ مُشَاتَمَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ وَمُقَابَلَتِهِ وَيَحْرِصُ صَوْمَهُ عَنِ الْمُكَدِّرَاتِ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَانَ حَسَنًا وَاعْلَمْ أَنَّ نَهْيَ الصائم عن
(8/28)

الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ بَلْ كُلِّ أَحَدٍ مِثْلُهُ فِي أَصْلِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الصَّائِمَ آكَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فَضْلِ الصِّيَامِ)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كل عمل بن آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ مَعَ كَوْنِ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى فَقِيلَ سَبَبُ إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فَلَمْ يُعَظِّمِ الْكُفَّارُ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ مَعْبُودًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ وَإِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِيلَ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَاءِ لِخَفَائِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ والغزو وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّائِمِ وَنَفْسِهِ فِيهِ حَظٌّ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ وَقِيلَ إِنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الطَّعَامِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَقَرُّبُ الصَّائِمِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَا الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَارِ ثَوَابِهِ أَوْ تَضْعِيفِ حَسَنَاتِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَظْهَرَ سُبْحَانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَى مِقْدَارِ ثَوَابِهَا وَقِيلَ هِيَ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى نَاقَةَ اللَّهِ مَعَ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ عِظَمِ فضل الصوم والحث إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنَا أَجْزِي بِهِ بَيَانٌ لِعِظَمِ فَضْلِهِ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ لِأَنَّ الْكَرِيمَ إِذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْجَزَاءَ اقْتَضَى عِظَمَ قَدْرِ الْجَزَاءِ وَسَعَةَ الْعَطَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ لَخُلُوفُ هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ فِيهِمَا وَهُوَ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِيهِ بِضَمِّ الْخَاءِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ
(8/29)

أَهْلِ الْغَرِيبِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَقَالَ الْقَاضِي الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ قَالَ وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ يَرْوِيهِ بِفَتْحِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ خَطَأٌ قَالَ الْقَاضِي وَحُكِيَ عَنِ الْفَارِسِيِّ فِيهِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ وَقَالَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَقُولُونَهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَالصَّوَابُ الضَّمُّ وَيُقَالُ خَلَفَ فُوهُ بِفَتْحِ الخاء واللام يخلف بضم اللام وأخلف يَخْلُفُ إِذَا تَغَيَّرَ وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ هَذَا مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ اسْتِطَابَةَ بَعْضِ الرَّوَائِحِ مِنْ صِفَاتِ الْحَيَوَانِ الَّذِي له طبائع تميل إلى شئ فَتَسْتَطِيبُهُ وَتَنْفِرُ مِنْ شَيْءٍ فَتَسْتَقْذِرُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى مُتَقَدِّسٌ عَنْ ذَلِكَ لَكِنْ جَرَتْ عَادَتُنَا بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ لِتَقْرِيبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ يُجَازِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَتَكُونُ نَكْهَتُهُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ كَمَا أَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ يَكُونُ رِيحُهُ رِيحَ الْمِسْكِ وَقِيلَ يحصل لصاحبه من الثواب أكثر ممن يَحْصُلُ لِصَاحِبِ الْمِسْكِ وَقِيلَ رَائِحَتُهُ عِنْدَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَتْ رَائِحَةُ الْخُلُوفِ عِنْدَنَا خِلَافَهُ وَالْأَصَحُّ ما قاله الداورى مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَقَالَهُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الْمِسْكِ حَيْثُ نُدِبَ إِلَيْهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَمَجَالِسِ الْحَدِيثِ وَالذِّكْرِ وَسَائِرِ مَجَامِعِ الْخَيْرِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهَةِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْخُلُوفَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ وَفَضِيلَتُهُ وَإِنْ كَانَ السِّوَاكُ فِيهِ فَضْلٌ أَيْضًا لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْخُلُوفِ أَعْظَمُ وَقَالُوا كَمَا أَنَّ دَمَ الشُّهَدَاءِ مَشْهُودٌ لَهُ بِالطِّيبِ وَيُتْرَكُ لَهُ غُسْلُ الشَّهِيدِ مَعَ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ فَإِذَا تُرِكَ الْوَاجِبُ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى بَقَاءِ الدَّمِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالطِّيبِ فَتَرْكُ السِّوَاكِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ وَاجِبًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى بَقَاءِ الْخُلُوفِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِذَلِكَ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الصِّيَامُ جُنَّةٌ) هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَمَعْنَاهُ سُتْرَةٌ وَمَانِعٌ
(8/30)

مِنَ الرَّفَثِ وَالْآثَامِ وَمَانِعٌ أَيْضًا مِنَ النَّارِ وَمِنْهُ الْمِجَنُّ وَهُوَ التُّرْسُ وَمِنْهُ الْجِنُّ لِاسْتِتَارِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ) هَكَذَا هُوَ هُنَا بِالسِّينِ وَيُقَالُ بِالسِّينِ وَالصَّادِ وَهُوَ الصِّيَاحُ وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَلَا يَجْهَلْ وَلَا يَرْفُثْ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَلَا يَسْخَرْ بِالرَّاءِ قَالَ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ السُّخْرِيَةَ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَكُلُّهُ مِنَ الْجَهْلِ قُلْتُ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَصْحِيفٌ وَإِنْ كَانَ لَهَا مَعْنًى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ أَمَّا فَرْحَتُهُ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ فَبِمَا يَرَاهُ مِنْ جَزَائِهِ وَتَذَكُّرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ لِذَلِكَ وَأَمَّا عِنْدَ فِطْرِهِ فَسَبَبُهَا تَمَامُ عِبَادَتِهِ
(8/31)

وَسَلَامَتُهَا مِنَ الْمُفْسِدَاتِ وَمَا يَرْجُوهُ مِنْ ثَوَابِهَا

[1152] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالْكَلَابَاذِيُّ مَعْنَاهُ الْبَقَّالُ كَأَنَّهُمْ نَسَبُوهُ إِلَى بَيْعِ الْقُطْنِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ الْبَاجِيُّ هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى بَابِ الْكُوفَةِ قَالَ وَقَالَهُ أَبُو ذَرٍّ أَيْضًا وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ قَطَوَانَ مَوْضِعٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ وَفِي بَعْضِهَا فَإِذَا دَخَلَ أَوَّلُهُمْ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وهو وهم والصواب آخِرُهُمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ الصِّيَامِ وَكَرَامَةُ الصائمين
(8/32)

(باب فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَنْ يُطِيقُهُ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا تَفْوِيتِ حَقٍّ)
قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) فِيهِ فَضِيلَةُ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَلَا يُفَوِّتُ بِهِ حَقًّا وَلَا يَخْتَلُّ بِهِ قِتَالُهُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُهِمَّاتِ غَزْوِهِ وَمَعْنَاهُ الْمُبَاعَدَةُ عَنِ النَّارِ وَالْمُعَافَاةُ مِنْهَا وَالْخَرِيفُ السَّنَةُ وَالْمُرَادُ سَبْعِينَ سَنَةً

(باب جَوَازِ صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال)
(وَجَوَازِ فِطْرِ الصَّائِمِ نَفْلًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ والْأَوْلَى إِتْمَامُهُ)

[1154] فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ يَا عَائِشَةُ هَلْ
(8/33)

عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَتْ فَخَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَّأْتُ لَكَ شَيْئًا قَالَ مَا هُوَ قُلْتُ حَيْسٌ قَالَ هَاتِيهِ فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَتْ (دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي اذا صَائِمٌ ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ قَالَ أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَأَكَلَ) الْحَيْسُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ التَّمْرُ مَعَ السَّمْنِ وَالْأَقِطِ وَقَالَ الْهَرَوِيُّ ثَرِيدَةٌ مِنْ أَخْلَاطِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ والزور بِفَتْحِ الزَّايِ الزُّوَّارُ وَيَقَعُ الزَّوْرُ عَلَى الْوَاحِدِ
(8/34)

وَالْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ وَقَوْلُهَا جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَّأْتُ لَكَ مَعْنَاهُ جَاءَنَا زَائِرُونَ وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ خَبَّأْتُ لَكَ مِنْهَا أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ جَاءَنَا زَوْرٌ فَأُهْدِيَ لَنَا بِسَبَبِهِمْ هَدِيَّةٌ فَخَبَّأْتُ لَكَ مِنْهَا وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ هُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَالثَّانِيَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى وَمُبَيِّنَةٌ أَنَّ الْقِصَّةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى كَانَتْ فِي يَوْمَيْنِ لَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ صَوْمَ النَّافِلَةِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ فِي النَّهَارِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَيَتَأَوَّلُهُ الْآخَرُونَ عَلَى أَنَّ سُؤَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ وَكَانَ نَوَاهُ مِنَ اللَّيْلِ فَأَرَادَ الْفِطْرَ لِلضَّعْفِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ وَتَكَلُّفٌ بَعِيدٌ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ التَّصْرِيحُ بِالدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ صَوْمَ النَّافِلَةِ يَجُوزُ قَطْعُهُ وَالْأَكْلُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَيَبْطُلُ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ نَفْلٌ فَهُوَ إِلَى خِيَرَةِ الْإِنْسَانِ فِي الِابْتِدَاءِ وَكَذَا فِي الدَّوَامِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَآخَرُونَ وَلَكِنَّهُمْ كُلَّهُمْ وَالشَّافِعِيَّ مَعَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِتْمَامِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ وَيَأْثَمُ بِذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالنَّخَعِيُّ وَأَوْجَبُوا قَضَاءَهُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا قَضَاءَ على من أفطره بعذر والله أعلم

(باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر)

[1155] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لَا يُفْطِرُ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُدُ وَآخَرُونَ وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْجِمَاعِ دُونَ الْأَكْلِ وَقَالَ أَحْمَدُ يَجِبُ فِي الْجِمَاعِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الأكل
(8/35)

(باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان)
(واستحباب أن لا يخلي شَهْرًا مِنْ صَوْمٍ) فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ) وَفِي رِوَايَةٍ يَصُومَ مِنْهُ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ قَدْ صَامَ وَيُفْطِرُ
(8/36)

حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ قَدْ أَفْطَرَ وَفِي رِوَايَةٍ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُخَلِّيَ شَهْرًا مِنْ صِيَامٍ وَفِيهَا أَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ بَلْ كُلِّ السَّنَةِ صَالِحَةٍ لَهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَالْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ وَقَوْلُهَا كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَبَيَانٌ أَنَّ قَوْلَهَا كُلَّهُ أَيْ غَالِبَهُ وَقِيلَ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَيَصُومُ بَعْضَهُ فِي سَنَةٍ أُخْرَى وَقِيلَ كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ وَتَارَةً بَيْنَهُمَا وَمَا يُخَلِّي مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ لَكِنْ فِي سِنِينَ وَقِيلَ فِي تَخْصِيصِ شَعْبَانَ بِكَثْرَةِ الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ تُرْفَعُ فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ فَكَيْفَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي شَعْبَانَ دُونَ الْمُحَرَّمِ فَالْجَوَابُ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إِلَّا فِي آخِرِ الْحَيَاةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُ مِنْ إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا لَمْ يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه

[782] وقوله ص
(8/37)

(خذوا من الأعمال ما تطيقون) إلى آخر هَذَا الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَبَيَانُهُ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْقِرَاءَةِ وَأَحَادِيثِ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ (سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صَوْمِ رجب فقال سمعت بن عَبَّاسٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ) الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ لَا نَهْيَ عَنْهُ وَلَا نَدْبَ
(8/38)

فِيهِ لِعَيْنِهِ بَلْ لَهُ حُكْمُ بَاقِي الشُّهُورِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي صَوْمِ رَجَبٍ نَهْيٌ وَلَا نَدْبٌ لِعَيْنِهِ وَلَكِنَّ أَصْلَ الصَّوْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ إِلَى الصَّوْمِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَرَجَبٌ أَحَدُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ تَضَرَّرَ به أو فوت به حقا)
(أولم يُفْطِرِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ وَبَيَانِ تَفْضِيلِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ) فِيهِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ جَمَعَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ طُرُقَهُ فَأَتْقَنَهَا وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ بَيَانُ رِفْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ وَحَثِّهِمْ عَلَى مَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهِمُ الْمَلَلُ بِسَبَبِهَا أَوْ تَرْكِهَا أَوْ تَرْكِ بَعْضِهَا وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ
(8/39)

مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا أَكْثَرُوا الْعِبَادَةَ ثُمَّ فَرَّطُوا فِيهَا فَقَالَ تَعَالَى وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى مَنْعِ صِيَامِ الدَّهْرِ نَظَرًا لِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِهِ إِذَا لَمْ يَصُمِ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا وَهِيَ الْعِيدَانِ وَالتَّشْرِيقُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ سَرْدَ الصِّيَامِ إِذَا أَفْطَرَ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ بِهِ ضَرَرٌ وَلَا يُفَوِّتَ حَقًّا فَإِنْ تَضَرَّرَ أَوْ فَوَّتَ حَقًّا فَمَكْرُوهٌ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَقَرَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَرْدِ الصِّيَامِ وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يُقِرَّهُ لَا سِيَّمَا فِي السَّفَرِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ بن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ الصِّيَامَ وَكَذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ وَعَائِشَةُ وَخَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ قَدْ ذَكَرْتُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يَصُومَ مَعَهُ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ وَبِهَذَا أَجَابَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ خِطَابًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْهُ أَنَّهُ عَجَزَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَنَدِمَ عَلَى كَوْنِهِ لم يقبل الرخصة قالوا فنهى بن عمر وكان لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَعْجَزُ وَأَقَرَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ بِلَا ضَرَرٍ وَالثَّالِثَ أَنَّ مَعْنَى لَا صَامَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْ مَشَقَّتِهِ مَا يَجِدُهَا غَيْرُهُ فَيَكُونُ خَبَرًا لَا دُعَاءً

[1159] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(8/40)

عَلِمَ مِنْ حَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو وَأَمَّا نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهِ فَهُوَ عَلَى اطلاقه وغير مُخْتَصٍّ بِهِ بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ صَلَاةُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا لِكُلِّ أَحَدٍ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَوْمِ الدَّهْرِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَلَا يُفَوِّتُ حَقًّا بِأَنَّ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ وَتَفْوِيتِ بَعْضِ الْحُقُوقِ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنَمْ بِالنَّهَارِ فَهُوَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَامَ نَوْمًا يَنْجَبِرُ بِهِ سَهَرُهُ فَوَّتَ بَعْضَ الْحُقُوقِ بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي بَعْضَ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي بِنَوْمِ بَاقِيهِ وَإِنْ نَامَ مَعَهُ شَيْئًا فِي النَّهَارِ كَانَ يَسِيرًا لَا يَفُوتُ بِهِ حَقٌّ وَكَذَا مَنْ قَامَ لَيْلَةً كَامِلَةً كَلَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ غَيْرِهَا لَا دَائِمًا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ (لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ السَّرْدِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيلِ السَّرْدِ وَتَخْصِيصُ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ وَتَقْدِيرُهُ لَا أَفْضَلَ مِنْ هَذَا فِي حَقِّكَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو عَنِ السَّرْدِ وَأَرْشَدَهُ إِلَى يَوْمٍ ويوم ولو
(8/41)

كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّ كُلِّ النَّاسِ لَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ وَبَيَّنَهُ لَهُ فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ) مَعْنَاهُ يَكْفِيكَ أَنْ تَصُومَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) أَيْ زَائِرَكَ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثُمَّ قَالَ فِي كُلِّ عِشْرِينَ ثُمَّ قَالَ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ) هَذَا مِنْ نَحْوِ مَا سَبَقَ مِنَ الْإِرْشَادِ إِلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وقد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون كُلَّ يَوْمٍ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ وَوَظَائِفِهِمْ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَبَعْضُهُمْ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا وَبَعْضُهُمْ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَبَعْضُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي سَبْعَةٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَةٍ وَكَثِيرٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَعْضُهُمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَبَعْضُهُمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ وَبَعْضُهُمْ ثَمَانِ خَتَمَاتٍ وَهُوَ
(8/42)

أَكْثَرُ مَا بَلَغْنَا وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ مُضَافًا إِلَى فَاعِلِيهِ وَنَاقِلِيهِ فِي كِتَابِ آدَابِ الْقُرَّاءِ مَعَ جُمَلٍ مِنْ نَفَائِسَ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُسْتَكْثَرُ مِنْهُ مَا يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْتَادُ إِلَّا مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الدَّوَامَ عَلَيْهِ فِي حَالِ نَشَاطِهِ وَغَيْرِهِ هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ وَظَائِفُ عَامَّةٌ أَوْ خَاصَّةٌ يَتَعَطَّلُ بِإِكْثَارِ الْقُرْآنِ عَنْهَا فَإِنْ كَانَتْ لَهُ وَظِيفَةٌ عَامَّةٌ كَوِلَايَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلْيُوَظِّفْ لِنَفْسِهِ قِرَاءَةً يُمْكِنُهُ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا مَعَ نَشَاطِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ كَمَالِ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَبِرَ وَعَجَزَ عَنِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ وَوَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ الليل وفي هذا الحديث وكلام بن عَمْرٍو أَنَّهُ يَنْبَغِي الدَّوَامُ عَلَى مَا صَارَ عَادَةً مِنَ الْخَيْرِ وَلَا يُفَرِّطُ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حقا) فيه
(8/43)

أَنَّ عَلَى الْأَبِ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ وَتَعْلِيمَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَظَائِفِ الدِّينِ وَهَذَا التَّعْلِيمُ وَاجِبٌ عَلَى الْأَبِ وَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَعَلَى الْأُمَّهَاتِ أَيْضًا هَذَا التَّعْلِيمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّرْبِيَةِ وَلَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ وَأُجْرَةُ هَذَا التَّعْلِيمِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(8/44)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصْفِ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى قَالَ مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ) مَعْنَاهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ عَدَمُ الْفِرَارِ صَعْبَةٌ عَلَيَّ كَيْفَ لِي بِتَحْصِيلِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ) سَبَقَ شَرْحُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَهَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ مُكَرَّرٌ مَرَّتَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَهَكَتْ) مَعْنَى هَجَمَتْ غَارَتْ وَنَهَكَتْ بِفَتْحِ النون وبفتح الهاء وكسرها والتاء ساكنة الْعَيْنُ أَيْ ضَعُفَتْ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ نُهِكْتَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ أَيْ نُهِكْتَ أَنْتَ أَيْ ضَنَيْتَ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي
(8/45)

قَوْلُهُ (وَنَفِهَتِ النَّفْسُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ أَعْيَتْ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) عَمْرٌو الاول هو بن دِينَارٍ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ
(8/46)

قَوْلُهُ (فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً) فِيهِ إِكْرَامُ الضَّيْفِ وَالْكِبَارِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ قَوْلُهُ (فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ وَصَارَتِ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوَاضُعِ وَمُجَانَبَةِ
(8/47)

الِاسْتِئْثَارِ عَلَى صَاحِبِهِ وَجَلِيسِهِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَقَدْ سَبَقَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ سَلِيمٌ بِفَتْحِ السِّينِ غَيْرَهُ قَوْلُهُ (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) هُوَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَالْقَصْرُ أَشْهَرُ

(باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر (وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس)

[1161] فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَلَمْ يَكُنْ يُبَالِي)
(8/48)

مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ) وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَسْمَعُ يَا فُلَانُ أَصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ قَالَ لَا قَالَ فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ بِالْهَاءِ بَعْدَ الرَّاءِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَهُ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ ثُمَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ أَيْضًا فِي سَرَرِ شَعْبَانَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ مُسْلِمٍ بِأَنَّ رِوَايَةَ عِمْرَانَ الْأُولَى بِالْهَاءِ وَالثَّانِيَةَ بِالرَّاءِ وَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَدْخَلَ الْأُولَى مَعَ حَدِيثِ عَائِشَةَ كَالتَّفْسِيرِ لَهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ سُرَّةِ الشَّهْرِ وَهِيَ وَسَطُهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَهُوَ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ الثَّلَاثَةِ هِيَ أَيَّامُ الْبِيضِ وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا حَدِيثٌ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ هِيَ الثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى ثَلَاثَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِئَلَّا يُظَنَّ تَعَيُّنُهَا وَنَبَّهَ بِسُرَّةِ الشَّهْرِ وَبِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ فِي أَيَّامِ الْبِيضِ عَلَى فَضِيلَتِهَا

[1162] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ) هُوَ بِزَايٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَجُلٌ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَيْفَ تَصُومُ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَجُلٌ أَتَى وَعَلَى هَذَا يُقْرَأُ رَجُلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيِ الشَّأْنُ وَالْأَمْرُ رَجُلٌ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ وَقَدْ أُصْلِحَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى وَكَانَ مُوجِبَ هَذَا الْإِصْلَاحِ جَهَالَةُ انْتِظَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُنْتَظِمٌ كَمَا ذَكَرْتُهُ فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (رَجُلٌ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَيْفَ تَصُومُ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ
(8/49)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ غَضَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَرِهَ مَسْأَلَتَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُجِيبَهُ وَيَخْشَى مِنْ جَوَابِهِ مَفْسَدَةً وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ السَّائِلُ وُجُوبَهُ أَوِ اسْتَقَلَّهُ أَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَقْتَضِي حَالُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشُغُلِهِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقِهِمْ وَحُقُوقِ أَزْوَاجِهِ وَأَضْيَافِهِ وَالْوَافِدِينَ إِلَيْهِ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُؤَدِّيَ إِلَى الضَّرَرِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ وَكَانَ حَقُّ السَّائِلِ أَنْ يَقُولَ كَمْ أَصُومُ أَوْ كَيْفَ أَصُومُ فَيَخُصُّ السُّؤَالَ بِنَفْسِهِ لِيُجِيبَهُ بِمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ كَمَا أَجَابَ غَيْرَهُ بِمُقْتَضَى أَحْوَالِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ قَالَ وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَاكَ) قَالَ الْقَاضِي قِيلَ مَعْنَاهُ وَدِدْتُ أَنَّ أُمَّتِي تُطَوِّقُهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطِيقُهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَكَانَ يُوَاصِلُ وَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي قُلْتُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا لِذَلِكَ أَوْ يُقَالُ إِنَّمَا قَالَهُ لِحُقُوقِ نِسَائِهِ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَعَلِّقِينَ بِهِ وَالْقَاصِدِينَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يكفر السنة)
(8/50)

الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ) مَعْنَاهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ صَائِمِهِ فِي السَّنَتَيْنِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّغَائِرُ وَسَبَقَ بَيَانُ مِثْلِ هَذَا فِي تَكْفِيرِ الْخَطَايَا بِالْوُضُوءِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَغَائِرُ يُرْجَى التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُفِعْتَ دَرَجَاتٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ) قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ (قَالَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسَكَتْنَا عَنْ ذِكْرِ الْخَمِيسِ لِمَا نَرَاهُ وَهَمًا) ضَبَطُوا نَرَاهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ قَالَ الْقَاضِي
(8/51)

عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ الْبَاقِيَاتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ دُونَ ذِكْرِ الْخَمِيسِ فَلَمَّا كَانَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ذِكْرُ الْخَمِيسِ تَرَكَهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ رَآهُ وَهَمًا قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَيَرْجِعُ الْوَصْفُ بِالْوِلَادَةِ وَالْإِنْزَالِ إِلَى الِاثْنَيْنِ دُونَ الْخَمِيسِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي مُتَعَيِّنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَفَسَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِأَيَّامِ الْبِيضِ وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُمْ عمر بن الخطاب وبن مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَ النَّخَعِيُّ وَآخَرُونَ آخِرَ الشَّهْرِ وَاخْتَارَ آخَرُونَ ثَلَاثَةً مِنْ أَوَّلِهِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَاخْتَارَتْ عَائِشَةُ وَآخَرُونَ صِيَامَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرٍ ثُمَّ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ وَاخْتَارَ آخَرُونَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَفِي حَدِيثٍ رفعه بن عُمَرَ أَوَّلَ اثْنَيْنِ فِي الشَّهْرِ وَخَمِيسَانِ بَعْدَهُ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَوَّلَ خَمِيسٍ وَالِاثْنَيْنِ بَعْدَهُ ثم الاثنين وقيل أول يوم من الشَّهْرِ وَالْعَاشِرَ وَالْعِشْرِينَ وَقِيلَ إِنَّهُ صِيَامُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ صَوْمِ أَيَّامِ البيض وقال بن شَعْبَانَ الْمَالِكِيُّ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ وَالْحَادِي عشر وَالْحَادِي وَعِشْرُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(8/52)

(بَابُ صَوْمِ شَهْرِ شَعْبَانَ

[1161] فِيهِ (عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَوْ لِآخَرَ أَصُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ قَالَ لَا قَالَ فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ) وَفِي رِوَايَةٍ فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ ضَبَطُوا سَرَرِ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَحَكَى الْقَاضِي ضَمَّهَا قَالَ وَهُوَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا سَرَارُ وَسِرَارُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَكُلُّهُ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْغَرِيبِ الْمُرَادُ بِالسَّرَرِ آخِرُ الشَّهْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهَا قَالَ الْقَاضِي قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَهْلُ اللُّغَةِ السَّرَرُ آخِرُ الشَّهْرِ قَالَ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا وَقَالَ الْمُرَادُ وَسَطُ الشهر قال وسرار كل شئ وَسَطُهُ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ لَمْ يَأْتِ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ فَلَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ وَسَطِهِ فَإِنَّهَا أَيَّامُ الْبِيضِ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ سَرَرُهُ أَوَّلُهُ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ سَرَرُهُ آخِرُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ رَوَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ الصَّحِيحُ آخِرُهُ وَلَمْ يَعْرِفِ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ سَرَرَهُ أَوَّلُهُ قَالَ الْهَرَوِيُّ وَالَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ أَنَّ سَرَرَهُ آخِرُهُ وَيُعَضِّدُ مَنْ فَسَّرَهُ بِوَسَطِهِ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ وَسَرَارَةُ الْوَادِي وَسَطُهُ وَخِيَارُهُ)
(8/53)

وقال بن السِّكِّيتِ سِرَارُ الْأَرْضِ أَكْرَمُهَا وَوَسَطُهَا وَسِرَارُ كُلِّ شئ وَسَطُهُ وَأَفْضَلُهُ فَقَدْ يَكُونُ سِرَارُ الشَّهْرِ مِنْ هَذَا قَالَ الْقَاضِي وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ آخِرُ الشَّهْرِ كَمَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَكْثَرُونَ وَعَلَى هَذَا يُقَالُ هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ تَقْدِيمِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا أَجَابَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مُعْتَادَ الصِّيَامِ آخِرَ الشَّهْرِ أَوْ نَذَرَهُ فَتَرَكَهُ بِخَوْفِهِ مِنَ الدُّخُولِ فِي النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّوْمَ الْمُعْتَادَ لَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ وَإِنَّمَا نَنْهَى عَنْ غَيْرِ الْمُعْتَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى (إِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَحَذَفَ لَفْظَةَ مِنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ مُرَادُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ أَيْ مِنْ قَوْمِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فَضْلِ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ

[1163] قَوْلُهُ (عَنْ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) اعْلَمْ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَرْوِي عَنْهُ اثْنَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحَدُهُمَا هَذَا الْحِمْيَرِيُّ وَالثَّانِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ)
(8/54)

الزُّهْرِيُّ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ كُلُّ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ الزُّهْرِيُّ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَاصَّةً حَدِيثِ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَإِنَّ رَاوِيَهُ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَلَا ذِكْرَ لِلْحِمْيَرِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ أَصْلًا وَلَا فِي مُسْلِمٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ) تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ لِلصَّوْمِ وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْ إِكْثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَوْمِ شَعْبَانَ دُونَ الْمُحَرَّمِ وَذَكَرْنَا فِيهِ جَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَلِمَ فَضْلَهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ وَالثَّانِي لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ أَنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الرَّوَاتِبُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْفَرَائِضَ وَالْأَوَّلُ أقوى وأوفق للحديث والله أعلم
(8/55)

(باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعا لرمضان
[1164] قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) فِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَمُوَافِقِيهِمْ فِي اسْتِحْبَابِ صَوْمِ هَذِهِ السِّتَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهَا قَالُوا فَيُكْرَهُ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ وَإِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ لَهَا وَقَوْلُهُمْ قَدْ يُظَنُّ وُجُوبُهَا يُنْتَقَضُ بِصَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُصَامَ السِّتَّةُ مُتَوَالِيَةً عَقِبَ يَوْمِ الْفِطْرِ فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَائِلِ شَوَّالٍ إِلَى أَوَاخِرِهِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْمُتَابَعَةِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَرَمَضَانُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِشَهْرَيْنِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ) صَحِيحٌ وَلَوْ قَالَ سِتَّةً بِالْهَاءِ جَازَ أَيْضًا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ صُمْنَا خَمْسًا وَسِتًّا)
(8/56)

وَخَمْسَةً وَسِتَّةً وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُونَ الْهَاءَ فِي الْمُذَكَّرِ إِذَا ذَكَرُوهُ بِلَفْظِهِ صَرِيحًا فَيَقُولُونَ صُمْنَا سِتَّةَ أَيَّامٍ وَلَا يَجُوزُ سِتَّ أَيَّامٍ فَإِذَا حَذَفُوا الْأَيَّامَ جَازَ الْوَجْهَانِ وَمِمَّا جَاءَ حَذْفُ الْهَاءِ فِيهِ مِنَ الْمُذَكَّرِ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ بِلَفْظِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أَيْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَقَدْ بَسَطْتُ إِيضَاحَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ والحث على طلبها وبيان محلها وارجاء أَوْقَاتِ طَلَبِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسُمِّيَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لِمَا يُكْتَبُ فِيهَا لِلْمَلَائِكَةِ مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كَقَوْلِهِ تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم وَقَوْلِهِ تَعَالَى تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ ربهم من كل أمر وَمَعْنَاهُ يُظْهِرُ لِلْمَلَائِكَةِ مَا سَيَكُونُ فِيهَا وَيَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَتَقْدِيرُهُ لَهُ وَقِيلَ سُمِّيَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لِعِظَمِ قَدْرِهَا وَشَرَفِهَا وَأَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى وُجُودِهَا وَدَوَامِهَا إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهَا فَقَالَ جَمَاعَةٌ هِيَ مُنْتَقِلَةٌ تَكُونُ فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ وَفِي سَنَةٍ أُخْرَى فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى وَهَكَذَا وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَيُقَالُ كُلُّ حَدِيثٍ جَاءَ بِأَحَدِ أَوْقَاتِهَا وَلَا تَعَارُضَ فِيهَا قَالَ وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا وَإِنَّمَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَقِيلَ بَلْ فِي كُلِّهِ وَقِيلَ إِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ فَلَا تَنْتَقِلُ أَبَدًا بَلْ هِيَ لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ فِي جَمِيعِ السِّنِينَ لَا تُفَارِقُهَا وَعَلَى هَذَا قِيلَ فِي السَّنَةِ كلها وهو قول بن مَسْعُودٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَقِيلَ بَلْ فِي شهر رمضان كله وهو قول بن عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ بَلْ فِي الْعَشْرِ الْوَسَطِ وَالْأَوَاخِرِ وَقِيلَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَقِيلَ تَخْتَصُّ بِأَوْتَارِ الْعَشْرِ وَقِيلَ بِأَشْفَاعِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَقِيلَ بَلْ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ قَوْلُ بن عَبَّاسٍ وَقِيلَ تُطْلَبُ فِي لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ)
(8/57)

أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَحُكِيَ عن على وبن مَسْعُودٍ وَقِيلَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وعشرين وهو محكى عن بلال وبن عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَقِيلَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وبن مَسْعُودٍ أَيْضًا وَقِيلَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَحُكِيَ عَنِ بن مَسْعُودٍ أَيْضًا وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا وَقِيلَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ قَالَ الْقَاضِي وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا رُفِعَتْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تَلَاحَا الرَّجُلَانِ فَرُفِعَتْ وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الشَّاذِّينَ لِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ هَكَذَا هُوَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِهَا رَفْعُ بَيَانِ عِلْمِ عَيْنِهَا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ رَفْعَ وُجُودِهَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْتِمَاسِهَا

[1165] قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم (أرى رؤياكم قد تواطت) أَيْ تَوَافَقَتْ وَهَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ بِطَاءٍ ثُمَّ تَاءٍ وَهُوَ مَهْمُوزٌ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِأَلِفٍ بَيْنَ الطَّاءِ وَالتَّاءِ صُورَةً لِلْهَمْزَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَهْمُوزًا قَالَ اللَّهُ تعالى ليواطئوا عدة ما حرم الله قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أَيِ احْرِصُوا عَلَى طَلَبِهَا وَاجْتَهِدُوا فِيهِ
(8/58)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ) يَعْنِي الْبَوَاقِي وَهِيَ الْأَوَاخِرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنِ السَّبْعِ بَدَلَ عَلَى وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أَيِ اطْلُبُوا حِينَهَا وَهُوَ زَمَانُهَا
(8/59)

[1166] قوله صلى الله عليه وسلم (أيقظنى بعض أَهْلِي فَنُسِّيتُهَا وَقَالَ حَرْمَلَةُ فَنَسِيتُهَا) الْأَوَّلُ بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَالثَّانِي بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ

[1167] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فَلْيَبِتْ مِنَ الْمَبِيتِ وَفِي بَعْضِهَا فَلْيَثْبُتْ مِنَ الثُّبُوتِ وَفِي بَعْضِهَا فَلْيَلْبَثْ مِنَ اللُّبْثِ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فَلْيَثْبُتْ هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنَ الثُّبُوتِ وَفِي بَعْضِهَا فَلْيَبِتْ مِنَ الْمَبِيتِ وَمُعْتَكَفِهِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَهُوَ مَوْضِعُ الِاعْتِكَافِ قَوْلُهُ (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) أَيْ قَطَرَ مَاءُ الْمَطَرِ مِنْ سَقْفِهِ قَوْلُهُ (فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا
(8/60)

وَمَاءً) قَالَ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ الْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُصَلِّي أَنْ لَا يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمْسَحَهَا فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يَمْنَعُ مُبَاشَرَةَ بَشَرَةِ الْجَبْهَةِ لِلْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَمْنَعُ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ سُجُودُهُ بَعْدَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي مَنْعِ السُّجُودِ عَلَى حَائِلٍ مُتَّصِلٍ بِهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طِينًا وَمَاءً) لَا يُخَالِفُ مَا تَأَوَّلْنَاهُ لِأَنَّ الْجَبِينَ غَيْرُ الْجَبْهَةِ فَالْجَبِينُ فِي جَانِبِ الْجَبْهَةِ وَلِلْإِنْسَانِ جَبِينَانِ يَكْتَنِفَانِ الْجَبْهَةَ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ امْتِلَاءِ الْجَبِينِ امْتِلَاءُ الْجَبْهَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ (مُمْتَلِئًا) كَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ مُمْتَلِئًا بِالنَّصْبِ وَفِي بَعْضِهَا مُمْتَلِئٌ وَيُقَدَّرُ لِلْمَنْصُوبِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أَيْ وَجَبِينُهُ رَأَيْتُهُ مُمْتَلِئًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى (ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَأْنِيثُ الْعَشْرِ كَمَا قَالَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَتَذْكِيرُهُ أَيْضًا لُغَةٌ صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَيَّامِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ
(8/61)

وَالزَّمَانِ وَيَكْفِي فِي صِحَّتِهَا ثُبُوتُ اسْتِعْمَالِهَا فِي هذا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ) أَيْ قُبَّةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ لُبُودٍ قَوْلُهُ (وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ) هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهِيَ طَرَفُهُ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا أَرْنَبَةُ الْأَنْفِ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ (وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) أَيْ قِطْعَةُ سَحَابٍ قوله
(8/62)

(أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ) هُوَ بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ وَوَاوٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمَعْنَاهُ أُزِيلَ يُقَالُ قَاضَ الْبِنَاءُ وَانْقَاضَ أَيِ انْهَدَمَ وَقَوَّضْتُهُ أَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ) هُوَ بِالْقَافِ وَمَعْنَاهُ يَطْلُبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ الْمُحِقُّ وَفِيهِ أَنَّ الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُنَازَعَةَ مَذْمُومَةٌ وَأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ قَوْلُهُ (فَإِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النسخ ثنتين وعشرين بالياء وفي بعضها اثنتان وعشرون بالالف
(8/63)

وَالْوَاوِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَعْنِي ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ قَوْلُهُ (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَالْأَوَّلُ جَارٍ عَلَى لُغَةٍ شَاذَّةٍ أَنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَيَبْقَى الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَجْرُورًا أَيْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ

[762] قَوْلُهُ (أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَنَّهَا تَطْلُعُ
(8/64)

من غير ذكر الشمس وحذفت للعلم بها فَعَادَ الضَّمِيرُ إِلَى مَعْلُومٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى تَوَارَتْ بالحجاب ونظائره والشعاع بِضَمِّ الشِّينِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ مَا يُرَى مِنْ ضَوْئِهَا عِنْدَ بُرُوزِهَا مِثْلَ الْحِبَالِ وَالْقُضْبَانِ مُقْبِلَةً إِلَيْكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْمَشْهُورَ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي تَرَاهُ مُمْتَدًّا بَعْدَ الطُّلُوعِ قَالَ وَقِيلَ هُوَ انْتِشَارُ ضَوْئِهَا وَجَمْعُهُ أَشِعَّةٌ وَشُعُعٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَالْعَيْنِ وَأَشَعَّتِ الشَّمْسُ نَشَرَتْ شُعَاعَهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ مَعْنَى لَا شُعَاعَ لَهَا أَنَّهَا عَلَامَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا قَالَ وَقِيلَ بَلْ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الْمَلَائِكَةِ فِي لَيْلَتِهَا وَنُزُولِهَا إِلَى الْأَرْضِ وَصُعُودِهَا بِمَا تَنْزِلُ بِهِ سَتَرَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَجْسَامِهَا اللَّطِيفَةِ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَشُعَاعَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1170] قَوْلُهُ (تَذَاكَرْنَا
(8/65)

لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ وهو النصف والجفنة بِفَتْحِ الْجِيمِ مَعْرُوفَةٌ قَالَ الْقَاضِي فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ فِي أَوَاخِرِ الشَّهْرِ لِأَنَّ الْقَمَرَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِهِ إِلَّا فِي أَوَاخِرِ الشَّهْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَوْجُودَةٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَإِنَّهَا تُرَى وَيَتَحَقَّقُهَا مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَنِي آدَمَ كُلَّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ كَمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي الْبَابِ وَإِخْبَارُ الصَّالِحِينَ بِهَا وَرُؤْيَتُهُمْ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهَا حَقِيقَةً فَغَلَطٌ فَاحِشٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(كتاب الاعتكاف هُوَ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ وَالْمُكْثُ وَاللُّزُومُ وَفِي الشَّرْعِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ بصفة مخصوصة ويسمى الاعتكاف جوارا وَمِنْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي أَوَائِلِ الِاعْتِكَافِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا)
(8/66)

حَائِضٌ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ الْأَحَادِيثَ فِي اعْتِكَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ وَالْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ فَفِيهَا اسْتِحْبَابُ الِاعْتِكَافِ وَتَأَكُّدِ اسْتِحْبَابِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَعَلَى أَنَّهُ مُتَأَكِّدٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُوَافِقِيهِمْ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْفِطْرِ وَيَصِحُّ اعْتِكَافُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَضَابِطُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مُكْثُ يَزِيدَ عَلَى طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ أَدْنَى زِيَادَةٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ فِي الْمَذْهَبِ وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَارِّ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ جَالِسٍ فِي الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أَوْ لِشُغُلٍ آخَرَ مِنْ آخِرَةٍ أَوْ دُنْيَا أَنْ يَنْوِيَ الاعتكاف فيحسب له ويثاب عليه مالم يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ جَدَّدَ نِيَّةً أُخْرَى وَلَيْسَ لِلِاعْتِكَافِ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ وَلَا فِعْلٌ آخَرُ سِوَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ دُنْيَا أَوْ عَمِلَ صَنْعَةً مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرُونَ يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ مفطر وحتجوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِاعْتِكَافِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال يارسول اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً
(8/67)

فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّيْلُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجَهُ وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا اعْتَكَفُوا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمَشَقَّةِ فِي مُلَازَمَتِهِ فَلَوْ جَازَ فِي الْبَيْتِ لفعلوه ولو مرة لاسيما النِّسَاءُ لِأَنَّ حَاجَتَهُنَّ إِلَيْهِ فِي الْبُيُوتِ أَكْثَرُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَالْجُمْهُورِ سَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُهَيَّأُ مِنْ بَيْتِهَا لِصَلَاتِهَا قَالَ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَكَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَجَوَّزَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِمَا ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ الْمُشْتَرِطُونَ الْمَسْجِدَ الْعَامَّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُهُمْ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَقَالَ أَحْمَدُ يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ تُقَامُ الْجَمَاعَةُ الرَّاتِبَةُ فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ يَخْتَصُّ بِالْجَامِعِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَنَقَلُوا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الصَّحَابِيِّ اخْتِصَاصَهُ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى وأجمعوا على أنه لاحد لِأَكْثَرِ الِاعْتِكَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ) احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ يَبْدَأُ بِالِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يَدْخُلُ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِذَا أَرَادَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ أَوِ اعْتِكَافَ عَشْرٍ وَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى
(8/68)

أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَفَ وَانْقَطَعَ فِيهِ وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ الصُّبْحَ لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْتَ ابْتِدَاءِ الِاعْتِكَافِ بَلْ كَانَ مِنْ قَبْلِ الْمَغْرِبِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا فِي جُمْلَةِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ انْفَرَدَ قَوْلُهُ (وَأَنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ) قَالُوا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْمُعْتَكِفِ لِنَفْسِهِ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ يَنْفَرِدُ فِيهِ مُدَّةَ اعتكافه مالم يضيق على الناس واذا اتخذه يَكُونُ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ وَرِحَابِهِ لِئَلَّا يُضَيِّقَ عَلَى غَيْرِهِ وَلِيَكُونَ أَخْلَى لَهُ وَأَكْمَلَ فِي انْفِرَادِهِ قَوْلُهُ (نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ فَقَالَ آلْبِرَّ يردن فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ) قُوِّضَ بِالْقَافِ الْمَضْمُومَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أُزِيلَ وَقَوْلُهُ آلْبِرَّ أَيِ الطَّاعَةَ قَالَ الْقَاضِي قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الكلام انكار لِفِعْلِهِنَّ وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِبَعْضِهِنَّ فِي ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ وَسَبَبُ إِنْكَارِهِ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُنَّ غَيْرَ مُخْلِصَاتٍ فِي الِاعْتِكَافِ بَلْ أَرَدْنَ الْقُرْبَ مِنْهُ لِغَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ أَوْ لِغَيْرَتِهِ عَلَيْهِنَّ فَكَرِهَ مُلَازَمَتَهُنَّ الْمَسْجِدَ مَعَ أَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ وَيَحْضُرُهُ الْأَعْرَابُ وَالْمُنَافِقُونَ وَهُنَّ مُحْتَاجَاتٌ إِلَى الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ لِمَا يَعْرِضْ لَهُنَّ فَيَبْتَذِلْنَ بِذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُنَّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ بِحُضُورِهِ مَعَ أَزْوَاجِهِ وَذَهَبَ الْمُهِمُّ مِنْ مَقْصُودِ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ التَّخَلِّي عَنِ الْأَزْوَاجِ وَمُتَعَلِّقَاتِ الدُّنْيَا وَشِبْهِ ذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُنَّ ضَيَّقْنَ الْمَسْجِدَ بِأَبْنِيَتِهِنَّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ
(8/69)

لِصِحَّةِ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَذِنَ لَهُنَّ وَإِنَّمَا مَنَعَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَارِضٍ وَفِيهِ أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنَ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً فَلَوْ أَذِنَ لَهَا فَهَلْ لَهُ مَنْعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ لَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ وَمَمْلُوكِهِ وَإِخْرَاجُهُمَا مِنَ اعْتِكَافِ التَّطَوُّعِ وَمَنَعَهُمَا مَالِكٌ وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ إِخْرَاجَ الْمَمْلُوكِ دُونَ الزَّوْجَةِ

(باب الِاجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ

[1174] قَوْلُهَا (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ

[1175] وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي العشر الأواخر مالم يَجْتَهِدْ فِي غَيْرِهِ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ)
(8/70)

فِي مَعْنَى شَدَّ الْمِئْزَرَ فَقِيلَ هُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِهِ وَمَعْنَاهُ التَّشْمِيرُ فِي الْعِبَادَاتِ يُقَالُ شَدَدْتُ لِهَذَا الْأَمْرِ مِئْزَرِي أَيْ تَشَمَّرْتُ لَهُ وَتَفَرَّغْتُ وَقِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ لِلِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَاتِ وَقَوْلُهَا أَحْيَا اللَّيْلَ أَيِ اسْتَغْرَقَهُ بِالسَّهَرِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُهَا وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ أَيْ أَيْقَظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ وَجَدَّ فِي الْعِبَادَةِ زِيَادَةً عَلَى الْعَادَةِ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُزَادَ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَاسْتِحْبَابُ إِحْيَاءِ لَيَالِيهِ بِالْعِبَادَاتِ وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ كُلِّهِ فَمَعْنَاهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُولُوا بِكَرَاهَةِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَتَيْنِ وَالْعَشْرِ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إِحْيَاءِ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمِئْزَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مَهْمُوزٌ وَهُوَ الْإِزَارُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ

[1176] فِيهِ قَوْلُ عَائِشَةَ (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ) وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ قَالَ الْعُلَمَاءُ هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ هُنَا الْأَيَّامُ التِّسْعَةُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ قَالُوا وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ فَلَيْسَ فِي صَوْمِ هَذِهِ التِّسْعَةِ كَرَاهَةٌ بَلْ هِيَ مستحبة استحبابا شديدا لاسيما التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَقَدْ سَبَقَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ يَعْنِي الْعَشْرَ الْأَوَائِلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهَا لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ)
(8/71)