Advertisement

شرح النووي على مسلم 010



الكتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة: الثانية، 1392
عدد الأجزاء: 18 (في 9 مجلدات)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَلَا كَلَّمَتْهُ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلَّمْتُكُمَا فِي وَاحِدَةٍ جِئْتَ يَا عَبَّاسُ تسألني نصيبك من بن أَخِيكَ وَجَاءَنِي هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فِيهِ إِشْكَالٌ مَعَ إِعْلَامِ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا نُورَثُ وَجَوَابُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إِنَّمَا طَلَبَ الْقِيَامَ وَحْدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَحْتَجُّ هَذَا بِقُرْبِهِ بِالْعُمُومَةِ وَذَلِكَ بِقُرْبِ امْرَأَتِهِ بِالْبُنُوَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا طَلَبَا مَا عَلِمَا مَنْعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنَعَهُمَا مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَبَيَّنَ لَهُمَا دَلِيلَ الْمَنْعِ وَاعْتَرَفَا لَهُ بِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوَلَّى أَمْرَ كُلِّ قَبِيلَةٍ سَيِّدُهُمْ وَتُفَوَّضُ إِلَيْهِ مَصْلَحَتُهُمْ لأنه أعرف بهم وَأَرْفَقُ بِهِمْ وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَأْنَفُوا مِنَ الِانْقِيَادِ لَهُ ولِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَابْعَثُوا حكما من أهله وحكما من أهلها وَفِيهِ جَوَازُ نِدَاءِ الرَّجُلِ بِاسْمِهِ مِنْ غَيْرِ كنية وفِيهِ جَوَازُ احْتِجَابِ الْمُتَوَلِّي فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ لِطَعَامِهِ أَوْ وُضُوئِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَفِيهِ جَوَازُ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَفِيهِ اسْتِشْهَادُ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَقُولُهُ بِحَضْرَةِ الْخَصْمَيْنِ الْعُدُولِ لِتَقْوَى حُجَّتُهُ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ وَقَمْعِ الْخَصْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنه عنه اتَّئِدَا) أَيْ اصْبِرَا وَأَمْهِلَا قَوْلُهُ (أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ) أَيْ أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشِيدِ وَهُوَ رفع الصوت يقال أنشدتك ونشدتك بالله قوله صلى الله عليه وسلم (لا نورث ما تركناه صدقة) هو برفع صدقة وما بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ الَّذِي تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَفَعَتْهُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ الشِّيعَةِ يُصَحِّفُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَا يُورَثُونَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَتَمَنَّى مَوْتَهُ فَيَهْلِكُ وَلِئَلَّا يُظَنَّ بِهِمُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا لِوَارِثِهمِ فَيَهْلِكَ الظَّانُّ وَيَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُمْ
(12/74)

قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخْصُصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا أفاء الله على رسوله الْآيَةُ) ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَعْنَى هَذَا احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا تَحْلِيلُ الْغَنِيمَةِ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَالثَّانِي تَخْصِيصُهُ بِالْفَيْءِ إِمَّا كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ كَمَا سَبَقَ مِنَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَهَذَا الثَّانِي
(12/75)

أَظْهَرُ لِاسْتِشْهَادِ عُمَرَ عَلَى هَذَا بِالْآيَةِ قَوْلُهُ

[1759] (فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) أَمَّا هِجْرَانُهَا فَسَبَقَ تَأْوِيلُهُ وَأَمَّا كَوْنُهَا عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَقِيلَ ثَلَاثَةً وَقِيلَ شَهْرَيْنِ وَقِيلَ سَبْعِينَ يَوْمًا فَعَلَى الصَّحِيحِ قَالُوا تُوُفِّيَتْ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ قَوْلُهُ (إِنَّ عَلِيًّا دَفَنَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَيْلًا) فِيهِ جَوَازُ الدَّفْنِ لَيْلًا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ النَّهَارَ أَفْضَلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ قَوْلُهُ (وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلَيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ) أَمَّا تَأَخُّرُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْبَيْعَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلِيٌّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاعْتَذَرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَ هَذَا فَتَأَخُّرُهُ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي الْبَيْعَةِ وَلَا فِيهِ أَمَّا الْبَيْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَةُ كُلِّ النَّاسِ وَلَا كُلِّ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعِقْدِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ مُبَايَعَةُ مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ وَأَمَّا عَدَمُ الْقَدْحِ فِيهِ فَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْإِمَامِ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَيُبَايِعَهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ إِذَا عَقَدَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِلْإِمَامِ الِانْقِيَادُ لَهُ وأن لا يظهر خلافا ولا يشق لعصا وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ بَيْعَتِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ خِلَافًا وَلَا شَقَّ الْعَصَا وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَهُ للعذر
(12/77)

الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَكُنِ انْعِقَادُ الْبَيْعَةِ وَانْبِرَامُهَا مُتَوَقِّفًا عَلَى حُضُورِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُضُورُ لِذَلِكَ وَلَا لِغَيْرِهِ فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ لَمْ يَحْضُرْ وَمَا نُقِلَ عَنْهُ قَدْحٌ فِي الْبَيْعَةِ وَلَا مُخَالَفَةٌ وَلَكِنْ بَقِيَ فِي نَفْسِهِ عَتَبٌ فَتَأَخَّرَ حُضُورُهُ إِلَى أَنْ زَالَ الْعَتَبُ وَكَانَ سَبَبُ الْعَتَبِ أَنَّهُ مَعَ وَجَاهَتِهِ وَفَضِيلَتِهِ فِي نَفْسِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَقُرْبِهِ مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك رَأَى أَنَّهُ لَا يُسْتَبَدُّ بِأَمْرٍ إِلَّا بِمَشُورَتِهِ وَحُضُورِهِ وَكَانَ عُذْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَاضِحًا لِأَنَّهُمْ رَأَوُا الْمُبَادَرَةَ بِالْبَيْعَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَخَافُوا مِنْ تَأْخِيرِهَا حُصُولَ خِلَافٍ وَنِزَاعٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ وَلِهَذَا أَخَّرُوا دَفْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عَقَدُوا الْبَيْعَةَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَهَمَّ الْأُمُورِ كَيْلَا يَقَعَ نِزَاعٌ فِي مَدْفِنِهِ أَوْ كَفَنِهِ أَوْ غُسْلِهِ أَوِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَفْصِلُ الْأُمُورَ فَرَأَوْا تقدم الْبَيْعَةِ أَهَمَّ الْأَشْيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ) أَمَّا كَرَاهَتُهُمْ لِمَحْضَرِ عمر فلما علموا من شدته وصدعه بما يظهر له فخافوا أن ينتصر لأبي بكر رضي الله عنه فيتكلم بكلام يوحش قُلُوبَهُمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ طَابَتْ عَلَيْهِ وَانْشَرَحَتْ لَهُ فَخَافُوا أَنْ يَكُونَ حُضُورُ عُمَرَ سَبَبًا لِتَغَيُّرِهَا وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يُغْلِظُوا عَلَيْهِ فِي الْمُعَاتَبَةِ وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ لِينُ أَبِي بَكْرٍ وَصَبْرِهِ عَنِ الْجَوَابِ عَنْ نَفْسِهِ وَرُبَّمَا رَأَى مِنْ كَلَامِهِمْ مَا غَيَّرَ قَلْبَهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ خَاصَّةٌ أَوْ عَامَّةٌ وَإِذَا حَضَرَ عُمَرُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا كَوْنُ عُمَرَ حَلَفَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ فَحَنَّثَهُ أَبُو بَكْرٍ وَدَخَلَ وَحْدَهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ الْإِنْسَانُ إذا أمكن
(12/78)

احْتِمَالُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا تَكُونُ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ قَوْلُهُ (وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ يُقَالُ نَفِسْتُ عَلَيْهِ بِكَسْرِ الْفَاءِ أَنْفَسُ بِفَتْحِهَا نَفَاسَةً وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَسَدِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ) مَعْنَى شَجَرَ الِاخْتِلَافُ وَالْمُنَازَعَةُ وَقَوْلُهُ لَمْ آلُ أَيْ لَمْ أُقَصِّرْ قَوْلُهُ (فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى المنبر) هو بكسر القاف يقال رقى يرقى كَعَلِمَ يَعْلَمُ وَالْعَشِيُّ بِحَذْفِ الْهَاءِ هُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ صِحَّةِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَانْعِقَادِ الإجماع عليها
(12/79)

قَوْلُهُ (كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ) مَعْنَاهُ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَيُقَالُ عَرَوْتَهُ وَاعْتَرَيْتَهُ وَعَرَرْتَهُ وَاعْتَرَرْتَهُ إِذَا أَتَيْتَهُ تَطْلُبُ مِنْهُ حَاجَةً

[1760] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَقْسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا التَّقْيِيدُ بِالدِّينَارِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا سِوَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يره وَقَالَ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يؤده إليك قَالُوا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ النَّهْيَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَإِرْثُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهُ لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا لِأَنِّي لَا أُورَثُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَبِهِ قَالَ جماهيرهم وحكى القاضي عن بن عُلَيَّةَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا لَمْ يُورَثْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ أَنْ جَعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ ثُمَّ إِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لَا يُورَثُونَ وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ عَدَمُ الْإِرْثِ بَيْنَهُمْ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آل يعقوب وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ وِرَاثَةُ الْمَالِ وَقَالَ وَلَوْ أَرَادَ وِرَاثَةَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقُلْ وَإِنِّي خِفْتُ الموالي من ورائي إذ لا يخاف الموالي عَلَى النُّبُوَّةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَالصَّوَابُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُورَثُونَ وَالْمُرَادُ بِقِصَّةِ زَكَرِيَّا وَدَاوُدَ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْإِرْثِ بَلْ قِيَامُهُ مَقَامَهُ وَحُلُولُهُ مَكَانَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمُؤْنَةُ عَامِلِي
(12/81)

فَقِيلَ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ وَالنَّاظِرُ فِيهَا وَقِيلَ كُلُّ عَامِلٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ عَامِلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَائِبٌ عَنْهُ فِي أُمَّتِهِ وَأَمَّا مَؤنَةُ نِسَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَقَ بَيَانُهَا قَرِيبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ صَارَتْ إِلَيْهِ بِثَلَاثَةِ حُقُوقٍ أَحَدُهَا مَا وُهِبَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ وَصِيَّةُ مُخَيْرِيقٍ الْيَهُودِيِّ لَهُ عِنْدَ إِسْلَامِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَتْ سَبْعَ حَوَائِطَ فِي بَنِي النَّضِيرِ وما أعطاه الأنصار من أرضهم وهو مالا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ وَكَانَ هَذَا مِلْكًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّانِي حَقُّهُ مِنَ الْفَيْءِ مِنْ أَرْضِ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أَجْلَاهُمْ كَانَتْ لَهُ خَاصَّةً لِأَنَّهَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَأَمَّا مَنْقُولَاتُ بَنِي النَّضِيرِ فَحَمَلُوا مِنْهَا مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ غَيْرَ السِّلَاحِ كَمَا صَالَحَهُمْ ثُمَّ قَسَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ لِنَفْسِهِ وَيُخْرِجُهَا فِي نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ نِصْفُ أَرْضِ فَدَكٍ صَالَحَ أَهْلَهَا بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ أَرْضِهَا وَكَانَ خَالِصًا لَهُ وَكَذَلِكَ ثُلُثُ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى أَخَذَهُ فِي الصُّلْحِ حِينَ صَالَحَ أَهْلَهَا الْيَهُودَ وَكَذَلِكَ حِصْنَانِ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ وَهُمَا الْوَطِيخُ وَالسَّلَالِمُ أَخَذَهُمَا صُلْحًا الثَّالِثُ سَهْمُهُ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَمَا افْتَتَحَ فِيهَا عَنْوَةً فَكَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً لَا حَقَّ فيها لأحد غيره لكنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَسْتَأْثِرُ بِهَا بَلْ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ وَالْمُسْلِمِينَ وَلِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَكُلُّ هَذِهِ صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَاتُ التَّمَلُّكِ بَعْدَهُ والله أعلم
(12/82)

(باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين قَوْلُهُ

[1762] (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ فِي النَّفْلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا وَفِي بَعْضِهَا لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا بِالْأَلِفِ فِي الرَّاجِلِ وَفِي بَعْضِهَا لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ هُنَا الْغَنِيمَةُ وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا اسْمُ النَّفْلِ لِكَوْنِهَا تُسَمَّى نَفْلًا لُغَةً فَإِنَّ النَّفْلَ فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَهَذِهِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَهْمِ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ يَكُونُ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ سَهْمَانِ بِسَبَبِ فَرَسِهِ وسهم بسبب نفسه ممن قال بهذا بن عباس ومجاهد والحسن وبن سِيرِينَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وإسحاق وأبو عبيد وبن جَرِيرٍ وَآخَرُونَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ فَقَطْ سَهْمٌ لَهَا وَسَهْمٌ لَهُ قَالُوا وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِ هَذَا أَحَدٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ وَهُوَ صَرِيحٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي الرَّجُلِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ وَمَنْ رَوَى وَلِلرَّاجِلِ رِوَايَتُهُ مُحْتَمِلَةٌ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْأُولَى جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَيَرْفَعُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا وَرَدَ مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ هذه الرواية في حديث بن عُمَرَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي أُسَامَةَ وَغَيْرِهِمْ بِإِسْنَادِهِمْ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمٌ له وسهمان لفرسه ومثله من رواية بن عَبَّاسٍ وَأَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ لَمْ يُسْهَمْ إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ وَيُرْوَى مِثْلُهُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ وَمَكْحُولٍ ويحيى الأنصاري وبن وَهْبٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ قَالُوا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ يُسْهَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)
(12/83)

(بَاب الْإِمْدَادِ بِالْمَلَائِكَةِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَإِبَاحَةِ الْغَنَائِمِ قَوْلُهُ

[1763] (لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ) اعْلَمْ أَنَّ بَدْرًا هُوَ مَوْضِعُ الْغَزْوَةِ الْعُظْمَى الْمَشْهُورَةِ وَهُوَ مَاءٌ مَعْرُوفٌ وَقَرْيَةٌ عَامِرَةٌ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ قال بن قُتَيْبَةَ بَدْرٌ بِئْرٌ كَانَتْ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ قَالَ أَبُو الْيَقْظَانِ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ فِيهِ ضُعَفَاءُ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ قَالَ الْحَافِظُ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَثَبَتَ فِي صحيح البخاري عن بن مَسْعُودٍ أَنَّ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَ يَوْمًا حَارًّا قَوْلُهُ (فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بربه اللهم انجزلي مَا وَعَدْتَنِي) أَمَّا يَهْتِفُ فَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ بَعْدَ الْهَاءِ وَمَعْنَاهُ يَصِيحُ وَيَسْتَغِيثُ بِاللَّهِ بِالدُّعَاءِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ في الدعاء ورفع اليدين فيه وأنة لابأس بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الدُّعَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأرض)
(12/84)

ضَبَطُوهُ تَهْلِكْ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا فَعَلَى الْأَوَّلِ تُرْفَعُ الْعِصَابَةُ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلٌ وَعَلَى الثَّانِي تنصب تكون مَفْعُولَةً وَالْعِصَابَةُ الْجَمَاعَةُ قَوْلُهُ (كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبِّكَ) الْمُنَاشَدَةُ السُّؤَالُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّشِيدِ وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ هَكَذَا وَقَعَ لِجَمَاهِيرِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ كَذَاكَ بِالذَّالِ وَلِبَعْضِهِمْ كَفَاكَ بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَسْبُكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبِّكَ وَكُلٌّ بِمَعْنًى وَضَبَطُوا مُنَاشَدَتَكَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ قَالَ الْقَاضِي مَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ فَاعِلًا بِكَفَاكَ وَمَنْ نَصَبَهُ فَعَلَى الْمَفْعُولِ بِمَا فِي حَسْبُكَ وَكَفَاكَ وَكَذَاكَ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ مِنَ الْكَفِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْمُنَاشَدَةُ إِنَّمَا فَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَرَاهُ أَصْحَابُهُ بِتِلْكَ الْحَالِ فَتَقْوَى قُلُوبُهُمْ بِدُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ مَعَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ وَقَدْ كَانَ وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا الْعِيرَ وَإِمَّا الْجَيْشَ وَكَانَتِ الْعِيرُ قَدْ ذَهَبَتْ وَفَاتَتْ فَكَانَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ حُصُولِ الْأُخْرَى لَكِنْ سَأَلَ تَعْجِيلَ ذَلِكَ وَتَنْجِيزَهُ مِنْ غَيْرِ أَذًى يَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى أَنِّي مُمِدُّكُمْ بألف من الملائكة مردفين أَيْ مُعِينُكُمْ وَالْإِمْدَادُ الْإِعَانَةُ وَمُرْدِفِينَ مُتَتَابِعِينَ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ قَوْلُهُ (أَقْدِمْ حَيْزُومُ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ سَاكِنَةً ثُمَّ زَايٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاوٍ ثُمَّ مِيمٍ قَالَ الْقَاضِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ حَيْزُونُ بِالنُّونِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ لِسَائِرِ الرُّوَاةِ وَالْمَحْفُوظُ وَهُوَ اسْمُ فَرَسِ الْمَلَكِ وَهُوَ مُنَادَى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ أَيْ يَا حَيْزُومُ وَأَمَّا أَقْدِمْ فضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما ولم يذكر بن دُرَيْدٍ وَكَثِيرُونَ أَوِ الْأَكْثَرُونَ غَيْرَهُ أَنَّهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَبِكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْإِقْدَامِ قَالُوا وَهِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ
(12/85)

لِلْفَرَسِ مَعْلُومَةٌ فِي كَلَامِهِمْ وَالثَّانِي بِضَمِّ الدَّالِ وَبِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ التَّقَدُّمِ قَوْلُهُ (فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ) الْخَطْمُ الْأَثَرُ عَلَى الْأَنْفِ وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَوْلُهُ (هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا) يَعْنِي أَشْرَافَهَا الْوَاحِدُ صِنْدِيدٌ بِكَسْرِ الصَّادِ وَالضَّمِيرُ فِي صَنَادِيدِهَا يَعُودُ عَلَى أَئِمَّةِ الْكُفْرِ أَوْ مَكَّةَ قَوْلُهُ (فَهَوِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بكر) هو بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنَهُ يُقَالُ هوى الشيء بكسر الواو يهوى بِفَتْحِهَا هَوًى وَالْهَوَى الْمَحَبَّةُ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَهْوَ ما قلت) هكذا هو في بَعْضِ النُّسَخِ وَلَمْ يَهْوَ وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَلَمْ يَهْوِي بِالْيَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ بِإِثْبَاتِ الباء مَعَ الْجَازِمِ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ بِالْيَاءِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ
(12/86)

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي وَقَوْلُهُ تَعَالَى حَتَّى يثخن في الأرض أَيْ يُكْثِرَ الْقَتْلَ وَالْقَهْرَ فِي الْعَدُوِّ

(بَاب رَبْطِ الْأَسِيرِ وَحَبْسِهِ وَجَوَازِ الْمَنِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ

[1764] (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ) أَمَّا أُثَالٌ فَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَهُوَ مَصْرُوفٌ وَفِي هَذَا جَوَازُ رَبْطِ الْأَسِيرِ وحبسه وجواز إدخال المسجد الكافر وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُهُ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ كَانَ الكافر كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ لَا يَجُوزُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَجُوزُ لِكِتَابِيٍّ دُونَ غَيْرِهِ وَدَلِيلُنَا عَلَى الْجَمِيعِ هَذَا الْحَدِيثُ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرام فَهُوَ خَاصٌّ بِالْحَرَمِ وَنَحْنُ نَقُولُ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُهُ الْحَرَمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ)
(12/87)

فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَعْنَاهُ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ صاحب دم لدمه موقع يشتفى بقتله قَاتِلَهُ وَيُدْرِكُ قَاتِلُهُ بِهِ ثَأْرَهُ أَيْ لِرِيَاسَتِهِ وَفَضِيلَتِهِ وَحُذِفَ هَذَا لِأَنَّهُمْ يَفْهَمُونَهُ فِي عُرْفِهِمْ وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ تَقْتُلُ مَنْ عَلَيْهِ دَمٌ وَمَطْلُوبٌ بِهِ وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا عَتَبَ عَلَيْكَ فِي قَتْلِهِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ ذَا ذَمٍّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ ذَا ذِمَامٍ وَحُرْمَةٍ فِي قَوْمِهِ وَمَنْ إِذَا عَقَدَ ذِمَّةً وَفَّى بِهَا قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهَا تَقْلِبُ الْمَعْنَى فَإِنَّ مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ لَا يَسْتَوْجِبُ الْقَتْلَ قُلْتُ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا عَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أَيْ تَقْتُلُ رَجُلًا جَلِيلًا يَحْتَفِلُ قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ ضَعِيفًا مَهِينًا فَإِنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي قَتْلِهِ وَلَا يُدْرِكُ بِهِ قَاتِلُهُ ثَأْرَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) فِيهِ جَوَازُ الْمَنِّ عَلَى الْأَسِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ (فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ) قَالَ أَصْحَابُنَا إِذَا أَرَادَ الْكَافِرُ الْإِسْلَامَ بَادَرَ بِهِ وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِلِاغْتِسَالِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَأْخِيرِهِ بَلْ يُبَادِرُ بِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ اغْتِسَالَهُ وَاجِبٌ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فِي الشِّرْكِ سَوَاءٌ كَانَ اغْتَسَلَ مِنْهَا أَمْ لَا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِنْ كَانَ اغْتَسَلَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا وَجَبَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ويَسْقُطُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا تَسْقُطُ الذُّنُوبُ وَضَعَّفُوا هَذَا بِالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يُقَالُ يَسْقُطُ أَثَرُ الْحَدَثِ بِالْإِسْلَامِ هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ أَجْنَبَ فِي الْكُفْرِ أَمَّا إِذَا لَمْ يُجْنِبْ أَصْلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالْغُسْلُ مُسْتَحَبٌّ لَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَآخَرِينَ وَقَالَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ قَوْلُهُ (فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ) هَكَذَا هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا نَخْلٌ بِالْخَاءِ
(12/88)

الْمُعْجَمَةِ وَتَقْدِيرُهُ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَسَلَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُهُمْ صَوَابُهُ نَجْلٌ بِالْجِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْمُنْبَعِثُ وَقِيلَ الْجَارِي قُلْتُ بَلِ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ صَحَّتْ بِهِ وَلَمْ يُرْوَ إِلَّا هَكَذَا وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ) وَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ هَذَا مِنْ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَمُلَاطَفَةٌ لِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأَشْرَافِ الَّذِينَ يَتْبَعُهُمْ عَلَى إِسْلَامِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ قَوْلُهُ (وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى فَبَشَّرَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ) يَعْنِي بَشَّرَهُ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَمَّا أَمْرُهُ بِالْعُمْرَةِ فَاسْتِحْبَابٌ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا سِيَّمَا مِنْ هَذَا الشَّرِيفِ الْمُطَاعِ إِذَا أَسْلَمَ وَجَاءَ مُرَاغِمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ فَطَافَ وَسَعَى وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَأَغَاظَهُمْ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (قَالَ لَهُ قَائِلٌ أَصَبَوْتَ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ أَصَبَوْتَ وَهِيَ لُغَةٌ وَالْمَشْهُورُ أَصَبَأْتَ بالهمز وعلى
(12/89)

الْأَوَّلِ جَاءَ قَوْلُهُمْ الصُّبَاةُ كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ قَوْلُهُ في حديث بن الْمُثَنَّى (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُحَقَّقَةِ إِنْ تَقْتُلْنِي بِالنُّونِ وَالْيَاءِ فِي آخِرِهَا وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ

(بَاب إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْحِجَازِ قَوْلُهُ صَلَّى

[1765] اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ (أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فقَالُوا قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ أُرِيدُ) مَعْنَاهُ أُرِيدُ أَنْ تَعْتَرِفُوا أَنِّي بَلَّغْتُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَجْنِيسِ الْكَلَامِ وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَأَنْوَاعِ الْفَصَاحَةِ وَأَمَّا إِخْرَاجُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) مَعْنَاهُ مُلْكُهَا وَالْحُكْمُ فِيهَا وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِأَنَّهُمْ حَارَبُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
(12/90)

كما ذكره بن عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هذه

[1766] قوله (عن بن عُمَرَ أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساؤهم وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) فِي هَذَا أَنَّ الْمُعَاهَدَ وَالذِّمِّيَّ إِذَا نَقَضَ الْعَهْدَ صَارَ حَرْبِيًّا وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلِلْإِمَامِ سَبْيُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ وَلَهُ الْمَنُّ عَلَى مَنْ أَرَادَ وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا مَنَّ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَتْ مِنْهُ مُحَارَبَةٌ انْتَقَضَ عَهْدُهُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُ الْمَنُّ فِيمَا مَضَى لَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ فِي أَمَانٍ ثُمَّ حَارَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَظَاهَرُوا قُرَيْشًا عَلَى قِتَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهُمُ الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ (يَهُودُ بَنِي قَيْنُقَاعَ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُقَالُ بِضَمِّ النُّونِ وفتحها وكسرها ثلاث لغات مشهورات
(12/91)

(باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن (على حكم حاكم عدل أهل للحكم)

[1768] قَوْلُهُ (نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) فِيهِ جَوَازُ التَّحْكِيمِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مُهِمَّاتِهِمُ الْعِظَامِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا الْخَوَارِجُ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى عَلِيٍّ التَّحْكِيمَ وَأَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ جَوَازُ مُصَالَحَةِ أَهْلِ قَرْيَةٍ أَوْ حِصْنٍ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ صَالِحٍ لِلْحُكْمِ أَمِينٍ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَعَلَيْهِ الْحُكْمُ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وإِذَا حَكَمَ بِشَيْءٍ لَزِمَ حُكْمُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَلَا لَهُمُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَلَهُمُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَأَرْسَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
(12/92)

إِلَى سَعْدٍ فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ دَنَا مِنَ الْمَسْجِدِ كَذَا هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَأَرَاهُ وَهْمًا إِنْ كَانَ أَرَادَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ جَاءَ مِنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ نَازِلًا عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَمِنْ هُنَاكَ أَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ لِيَأْتِيَهُ فَإِنْ كَانَ الرَّاوِي أَرَادَ مَسْجِدًا اخْتَطَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَاكَ كَانَ يُصَلِّي فِيهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ لَمْ يَكُنْ وَهَمًا قَالَ وَالصَّحِيحُ مَا جَاءَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ فَلَمَّا دَنَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فَلَمَّا طَلَعَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كذا وقع في كتاب بن أَبِي شَيْبَةَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَسْجِدَ تَصْحِيفٌ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ) فِيهِ إِكْرَامُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَتَلَقِّيهِمْ بِالْقِيَامِ لَهُمْ إِذَا أَقْبَلُوا هَكَذَا احْتَجَّ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لِاسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ قَالَ الْقَاضِي وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَنْ يَقُومُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ وَيَمْثُلُونَ قِيَامًا طُولَ جُلُوسِهِ قُلْتُ الْقِيَامُ لِلْقَادِمِ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ صَرِيحٌ وَقَدْ جَمَعْتُ كُلَّ ذَلِكَ مَعَ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ وَأَجَبْتُ فِيهِ عَمَّا تَوَهَّمَ النَّهْيَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ عَنَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ هَلْ هُمُ الْأَنْصَارُ خَاصَّةً أَمْ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ (إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ قَالَ الْقَاضِي يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضُوا بِرَدِّ الْحُكْمِ إِلَى سَعْدٍ فَنُسِبَ إِلَيْهِ قَالَ وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْأَوْسَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ يَعْنِي مِنَ الْأَوْسِ يُرْضِيهِمْ بِذَلِكَ فَرَضُوا بِهِ فَرَدَّهُ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَوْسِيِّ قَوْلُهُ (وَسَبْيِ ذُرِّيَّتِهِمْ) سَبَقَ أَنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مَعًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (لقد
(12/93)

حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ) الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَلِكُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتُؤَيِّدُهَا الرِّوَايَاتُ الَّتِي قَالَ فِيهَا لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي رُوِّينَاهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِكَسْرِ اللَّامِ بِغَيْرِ خِلَافٍ قَالَ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا فَإِنْ صَحَّ الْفَتْحُ فَالْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَقْدِيرُهُ بِالْحُكْمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى

[1769] قَوْلُهُ (رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ له بن الْعَرِقَةِ) هُوَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمَكْسُورَةٍ ثُمَّ قَافٍ قَالَ الْقَاضِي قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هِيَ أمه قال بن الْكَلْبِيِّ اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ حِبَّانُ بِكَسْرِ الْحَاءِ بْنُ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَيْصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ قَالَ وَاسْمُ الْعَرِقَةِ قِلَابَةُ بِقَافٍ مَكْسُورَةٍ وَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ وَسُمِّيَتْ بِالْعَرِقَةِ لِطِيبِ رِيحِهَا وَكُنْيَتُهَا أُمُّ فَاطِمَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هُوَ عِرْقٌ مَعْرُوفٌ قَالَ الْخَلِيلُ إِذَا قُطِعَ فِي الْيَدِ لَمْ يُرْقَأِ الدَّمُ وَهُوَ عِرْقُ الْحَيَاةِ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ شُعْبَةٌ لَهَا اسْمٌ قَوْلُهُ (فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ
(12/94)

فِيهِ جَوَازُ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَجَوَازُ مُكْثِ الْمَرِيضِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ جَرِيحًا قَوْلُهُ (إِنَّ سَعْدًا تَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ) الْكَلْمُ بِفَتْحِ الْكَافِ الْجُرْحُ وَتَحَجَّرَ أَيْ يَبِسَ قَوْلُهُ (فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا) هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ تَمَنَّاهُ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَهَذَا إِنَّمَا تَمَنَّى انْفِجَارَهَا لِيَكُونَ شَهِيدًا قَوْلُهُ (فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ لَبَّتِهِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ النَّحْرُ وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِ مِنْ لِيتِهِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَبَعْدَهَا ياء مثناة من تحت ساكنة والليت صَفْحَةُ الْعُنُقِ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ قَالَ الْقَاضِي قَالُوا وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قَوْلُهُ
(12/95)

(فلم يرعهم) أي لم يفجأهم ويأتيهم بَغْتَةً قَوْلُهُ (فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَمًا) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ يَغِذُّ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ وَفِي بَعْضِهَا يَغْذُ بِإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ يَسِيلُ يُقَالُ غَذَّ الْجُرْحُ يَغِذُّ إِذَا دَامَ سَيَلَانُهُ وَغَذَا يَغْذُو سَالَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَمَا زَالَ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ (أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ ... فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ ...
()

هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنِ الْمُعْظَمِ وَفِي بَعْضِهَا لِمَا فَعَلَتْ بِاللَّامِ بَدَلَ الْفَاءِ وَقَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَالْمَعْرُوفُ فِي السِّيَرِ قَوْلُهُ ... (تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا ... وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ)
) هَذَا مَثَلٌ لِعَدَمِ النَّاصِرِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ الْأَوْسَ لِقِلَّةِ حُلَفَائِهِمْ فَإِنَّ حُلَفَاءَهُمْ قُرَيْظَةُ وَقَدْ قُتِلُوا وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ الخروج لِشَفَاعَتِهِمْ فِي حُلَفَائِهِمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ حَتَّى مَنَّ عليهم
(12/96)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَهُمْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَهُوَ أَبُو حُبَابٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَيْتِ الْآخَرِ قَوْلُهُ (كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخُورُ) هُوَ اسْمُ جَبَلٍ مِنْ أَرْضِ أَجَازَ فِي دِيَارِ بَنِي مُزَيْنَةَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ هُوَ بِكَسْرِهَا وَبَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ وَآخِرُهُ نُونٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ بِمَيْطَارٍ بِالرَّاءِ قال القاضي وفي رواية بن مَاهَانَ بِحَيْطَانَ بِالْحَاءِ مَكَانَ الْمِيمِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ وَإِنَّمَا قَصَدَ هَذَا الشَّاعِرُ تَحْرِيضَ سَعْدٍ عَلَى اسْتِبْقَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ حُلَفَائِهِ وَيَلُومُهُ عَلَى حُكْمِهِ فِيهِمْ وَيُذَكِّرُهُ بِفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَيَمْدَحُهُ بِشَفَاعَتِهِ فِي حُلَفَائِهِمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ

(بَاب الْمُبَادَرَةِ بِالْغَزْوِ وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ قَوْلُهُ

[1770] (نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الْأَحْزَابِ أَنْ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَالَ آخَرُونَ لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ) هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الخوف من رواية بن عمر)
(12/97)

أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْأَحْزَابِ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ مِنَّا فَذُكِرَ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا منهم أما جميعهم بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كَوْنِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَقَدْ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَقِيلَ لِلَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ لَا تُصَلُّوا الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَلِلَّذِينَ صَلَّوْا بِالْمَدِينَةِ لَا تُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قِيلَ لِلْجَمِيعِ وَلَا تُصَلُّوا الْعَصْرَ وَلَا الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قِيلَ لِلَّذِينَ ذَهَبُوا أَوَّلًا لَا تُصَلُّوا الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَلِلَّذِينَ ذَهَبُوا بَعْدَهُمْ لَا تُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا وَتَأْخِيرِهَا فَسَبَبُهُ أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ تَعَارَضَتْ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا فِي الْوَقْتِ مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بني قريظة المبادرة بالذهاب إليهم وأن لا يُشْتَغَلَ عَنْهُ بِشَيْءٍ لَا أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَأْخِيرٌ فَأَخَذَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الْمَفْهُومِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى لَا إِلَى اللَّفْظِ فَصَلَّوْا حِينَ خَافُوا فَوْتَ الْوَقْتِ وَأَخَذَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَحَقِيقَتِهِ فَأَخَّرُوهَا وَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاسِ وَمُرَاعَاةِ الْمَعْنَى وَلِمَنْ يَقُولُ بِالظَّاهِرِ أَيْضًا وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعَنَّفُ الْمُجْتَهِدُ فِيمَا فَعَلَهُ بِاجْتِهَادِهِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَلِلْقَائِلِ الْآخَرِ أَنْ يَقُولَ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِصَابَةِ الطَّائِفَتَيْنِ بَلْ تَرَكَ تَعْنِيفَهُمْ وَلَا خِلَافَ فِي تَرْكِ تَعْنِيفِ الْمُجْتَهِدِ وَإِنْ أَخْطَأَ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب رَدِّ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ (حِينَ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بِالْفُتُوحِ) قَوْلُهُ

[1771] (لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ المدينة قدموا وليس بأيديهم شئ وَكَانَ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ)
(12/98)

وَالْعَقَارِ فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَافَ ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤنة ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ قَالَ الْعُلَمَاءُ لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ آثَرَهُمُ الْأَنْصَارُ بِمَنَائِحَ مِنْ أَشْجَارِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهَا مَنِيحَةً مَحْضَةً وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ نِصْفُ الثِّمَارِ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ أَنْ يَقْبَلَهَا مَنِيحَةً مَحْضَةً هَذَا لِشَرَفِ نُفُوسِهِمْ وَكَرَاهَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا كَلًّا وَكَانَ هَذَا مُسَاقَاةً وَفِي مَعْنَى الْمُسَاقَاةِ فَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ خَيْبَرُ اسْتَغْنَى الْمُهَاجِرُونَ بِأَنْصِبَائِهِمْ فِيهَا عَنْ تِلْكَ الْمَنَائِحِ فَرَدُّوهَا إِلَى الْأَنْصَارِ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْأَنْصَارِ فِي مُوَاسَاتِهِمْ وَإِيثَارِهِمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ الْإِسْلَامِ وَإِكْرَامِ أَهْلِهِ وَأَخْلَاقِهِمُ الْجَمِيلَةِ وَنُفُوسِهِمُ الطَّاهِرَةِ وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ من قبلهم يحبون من هاجر إليهم الْآيَةَ قَوْلُهُ (وَكَانَ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ) أَرَادَ بِالْعَقَارِ هُنَا النَّخْلَ قَالَ الزَّجَّاجُ الْعَقَارُ كل ماله أَصْلٌ قَالَ وَقِيلَ إِنَّ النَّخْلَ خَاصَّةً يُقَالُ لَهُ الْعَقَارُ قَوْلُهُ (وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقا لها) هو بكسر العين جمع عذق بفتحها وهي النخلة ككلب وكلاب وبئر وبئار قوله (فأعطاها رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ أَيْمَنَ) هَذَا دَلِيلٌ لِمَا قَدَّمْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّ مَا أَعْطَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ بَلْ كَانَ فِيهِ مَا هُوَ منيحة ومواساة
(12/99)

وَهَذَا مِنْهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا أَعْطَتْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِمَارَهَا يَفْعَلُ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ أَكْلِهِ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَضَيْفِهِ وَإِيثَارِهِ بِذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ فَلِهَذَا آثَرَ بِهَا أُمَّ أَيْمَنَ وَلَوْ كَانَتْ إِبَاحَةً لَهُ خَاصَّةً لَمَا أَبَاحَهَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَهُ بِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبِيحَ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ نَفْسُ رَقَبَةِ الشَّيْءِ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ قَوْلُهُ (رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ منائح ثمار أي إباحة للثمار لا تمليك لا رقاب النَّخْلِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ هِبَةً لِرَقَبَةِ النَّخْلِ لَمْ يَرْجِعُوا فِيهَا فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا كَانَتْ إِبَاحَةً كَمَا ذَكَرْنَا وَالْإِبَاحَةُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَرْجِعُوا فِيهَا حَتَّى اتَّسَعَتِ الْحَالُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ بِفَتْحِ خَيْبَرَ وَاسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَرَدُّوهَا عَلَى الْأَنْصَارِ فَقَبِلُوهَا وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم ذلك قوله (قال بن شِهَابٍ وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ) هذا تصريح من بن شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حَبَشِيَّةٌ وَكَذَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَقِيلَ إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَبَشِيَّةً وَإِنَّمَا الْحَبَشِيَّةُ امْرَأَةٌ أُخْرَى وَاسْمُ أُمِّ أَيْمَنَ الَّتِي هِيَ أُمُّ أُسَامَةَ بَرَكَةُ كُنِّيَتْ بِابْنِهَا أَيْمَنَ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَبَشِيِّ صَحَابِيٌّ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ
(12/100)

وَغَيْرُهُ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ قِطْعَةٍ مِنْ أَحْوَالِ أُمِّ أَيْمَنَ فِي بَابِ الْقَافَةِ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ أُمِّ أَيْمَنَ إِنَّهَا امْتَنَعَتْ مِنْ رَدِّ تِلْكَ الْمَنَائِحِ حَتَّى عَوَّضَهَا عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ إِنَّمَا فَعَلَتْ هَذَا لِأَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهَا كَانَتْ هِبَةً مُؤَبَّدَةً وَتَمْلِيكًا لِأَصْلِ الرَّقَبَةِ وَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِطَابَةَ قَلْبِهَا فِي اسْتِرْدَادِ ذَلِكَ فَمَا زَالَ يَزِيدُهَا فِي الْعِوَضِ حَتَّى رَضِيَتْ وَكُلُّ هَذَا تَبَرُّعٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِكْرَامٌ لَهَا لِمَا لَهَا مِنْ حَقِّ الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ قَوْلُهُ (وَاللَّهِ لَا نُعْطِيكَاهُنَّ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ نُعْطِيكَاهُنَّ بِالْأَلِفِ بَعْدَ الْكَافِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَكَأَنَّهُ أَشْبَعَ فَتْحَةَ الْكَافِ فَتَوَلَّدَتْ مِنْهَا أَلِفٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاللَّهِ مَا نُعْطَاكَهُنَّ وَفِي بَعْضِهَا لَا نُعْطِيكَهُنَّ والله أعلم
(12/101)

(بَاب جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِيهِ
[1772] حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ (أَنَّهُ أَصَابَ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ) وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَحْمٌ أَمَّا الْجِرَابُ فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ وَفِي هَذَا إِبَاحَةُ أَكْلِ طَعَامِ الغنيمة في دار الحرب قال القاضي أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَاتِهِمْ وَيَجُوزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْتِئْذَانَهُ إِلَّا الزُّهْرِيُّ وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَى عِمَارَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَلْزَمُهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا غَيْرِهَا فَإِنْ بِيعَ مِنْهُ شَيْءٌ لِغَيْرِ الْغَانِمِينَ كَانَ بَدَلُهُ غَنِيمَتَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرْكَبَ دَوَابُّهُمْ وَيُلْبَسَ ثِيَابُهُمْ وَيُسْتَعْمَلَ سِلَاحُهُمْ فِي حَالِ الْحَرْبِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ الْإِمَامِ وَشَرَطَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذْنَهُ وَخَالَفَ الْبَاقِينَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ أَكْلِ شُحُومِ ذَبَائِحِ الْيَهُودِ وَإِنْ كَانَتْ شُحُومُهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة والجمهور لا كراهة فيها وقال مالك هي مكروهة وقال أشهب وبن الْقَاسِمِ الْمَالِكِيَّانِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ هِيَ مُحَرَّمَةٌ وَحُكِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حل لكم قَالَ الْمُفَسِّرُونَ الْمُرَادُ بِهِ الذَّبَائِحُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا شَيْئًا لَا لَحْمًا وَلَا شَحْمًا وَلَا غَيْرَهُ وَفِيهِ حِلُّ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يُخَالِفْ إِلَّا الشِّيعَةُ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ إِبَاحَتُهَا سَوَاءٌ سَمَّوْا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا أَمْ لَا وَقَالَ قَوْمٌ لَا يَحِلُّ إِلَّا أَنْ يُسَمُّوا اللَّهَ تَعَالَى فَأَمَّا إِذَا ذَبَحُوا عَلَى اسْمِ الْمَسِيحِ أَوْ كَنِيسَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا تَحِلُّ تِلْكَ)
(12/102)

الذَّبِيحَةُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم فاستحببت منه) بعني لِمَا رَآهُ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى أَخْذِهِ أَوْ لِقَوْلِهِ لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شيئا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (إلى هرقل ملك الشام يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ (هِرَقْلَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَيُقَالُ هِرْقِلُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ وَهُوَ اسْمُ علم له ولقبه قصير وَكَذَا كُلُّ مَنْ مَلَكَ الرُّومَ يُقَالُ لَهُ قصير

[1773] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَعْنِي الصُّلْحَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ قَوْلُهُ (دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ) هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ اخْتُلِفَ فِي الرَّاجِحَةِ مِنْهُمَا وادعى بن السِّكِّيتِ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ قَوْلُهُ (عَظِيمُ)
(12/103)

بُصْرَى) هِيَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ مَدِينَةُ حُورَانَ ذَاتُ قَلْعَةٍ وَأَعْمَالٍ قَرِيبَةٌ مِنْ طَرَفِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَالْمُرَادُ بِعَظِيمِ بُصْرَى أَمِيرُهَا قَوْلُهُ عَنْ هِرَقْلَ (إنَّهُ سَأَلَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْأَلَهُ عَنْهُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا سَأَلَ قَرِيبَ النَّسَبِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ فِي نَسَبِهِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ إِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ أَيْ لَا تَسْتَحْيُوا مِنْهُ فَتَسْكُتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ إِنْ كَذَبَ قَوْلُهُ (وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ أَهْوَنَ فِي تَكْذِيبِهِ إِنْ كَذَبَ لِأَنَّ مُقَابَلَتَهُ بِالْكَذِبِ فِي وَجْهِهِ صَعْبَةٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهُ قَوْلُهُ (دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَهُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ لُغَةٍ بِلُغَةٍ أُخْرَى وَالتَّاءُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ وَأَنْكَرُوا عَلَى الْجَوْهَرِيِّ كَوْنَهُ جَعَلَهَا زَائِدَةً قَوْلُهُ (لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ) مَعْنَاهُ لَوْلَا خِفْتُ أَنَّ رُفْقَتِي يَنْقُلُونَ عَنِّي الْكَذِبَ إِلَى قَوْمِي وَيَتَحَدَّثُونَهُ فِي بِلَادِي لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ لِبُغْضِي إِيَّاهُ وَمَحَبَّتِي نَقْصَهُ وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الْكَذِبَ قَبِيحٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا هُوَ قَبِيحٌ فِي الْإِسْلَامِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ وَهُوَ بِضَمِّ الثَّاءِ وَكَسْرِهَا وَقَوْلُهُ (كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ) أَيْ نَسَبُهُ قَوْلُهُ (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَهَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مِنْ مَالِكٍ
(12/104)

وَرُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ بكسر الميم وملك بِفَتْحِهَا مَعَ كَسْرِ اللَّامِ وَالثَّانِي مَنْ بِفَتْحِ الميم وملك بِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ وَتُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِحَذْفِ مِنْ قَوْلُهُ (وَمَنْ يَتْبَعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ) يَعْنِي بِأَشْرَافِهِمْ كِبَارَهُمْ وَأَهْلَ الْأَحْسَابِ فِيهِمْ قَوْلُهُ (سَخْطَةً لَهُ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالسَّخَطُ كراهة الشيء وعدم الرضى بِهِ قَوْلُهُ (يَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ نُوَبًا نَوْبَةٌ لَنَا وَنَوْبَةٌ لَهُ قَالُوا وَأَصْلُهُ مِنَ الْمُسْتَقِيِينَ بِالسَّجْلِ وَهِيَ الدَّلْوُ الْمَلْأَى يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَجْلٌ قَوْلُهُ (فَهَلْ يَغْدِرُ) هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَهُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ قَوْلُهُ وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا يَعْنِي مُدَّةَ الْهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ الَّذِي جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا) يَعْنِي فِي أَفْضَلِ أَنْسَابِهِمْ وَأَشْرَفِهَا قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ انْتِحَالِهِ الْبَاطِلَ وَأَقْرَبُ إِلَى انْقِيَادِ النَّاسِ لَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الضُّعَفَاءَ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ فَلِكَوْنِ الْأَشْرَافِ يَأْنَفُونَ مِنْ تَقَدُّمِ مِثْلِهِمْ عَلَيْهِمْ وَالضُّعَفَاءُ لَا يَأْنَفُونَ فَيُسْرِعُونَ إِلَى الِانْقِيَادِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَأَمَّا سُؤَالُهُ عَنِ الرِّدَّةِ فَلِأَنَّ مَنْ دخل على
(12/105)

بَصِيرَةٍ فِي أَمْرٍ مُحَقَّقٍ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ فِي أَبَاطِيلَ وَأَمَّا سُؤَالُهُ عَنِ الْغَدْرِ فَلِأَنَّ مَنْ طَلَبَ حَظَّ الدُّنْيَا لَا يُبَالِي بِالْغَدْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى ذَلِكَ وَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ لَمْ يَرْتَكِبْ غَدْرًا وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْقَبَائِحِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ) يَعْنِي انشراح الصدور وأصلها اللُّطْفُ بِالْإِنْسَانِ عِنْدَ قُدُومِهِ وَإِظْهَارُ السُّرُورِ بِرُؤْيَتِهِ يُقَالُ بَشَّ بِهِ وَتَبَشْبَشَ قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ مَعْنَاهُ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيَعْظُمَ أَجْرُهُمْ بِكَثْرَةِ صَبْرِهِمْ وَبَذْلِهِمْ وُسْعَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (قُلْتُ يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ) أَمَّا الصِّلَةُ فَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَذَلِكَ بِالْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَحُسْنِ الْمُرَاعَاةِ وَأَمَّا الْعَفَافُ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الْعِفَّةُ الْكَفُّ عَمَّا لَا يحل ولا يحمل يقال عف يعف عفة وَعَفَافًا وَعَفَافَةً وَتَعَفَّفَ وَاسْتَعَفَّ وَرَجُلٌ عَفٌّ وَعَفِيفٌ
(12/106)

وَالْأُنْثَى عَفِيفَةٌ وَجَمْعُ الْعَفِيفِ أَعِفَّةٌ وَأَعِفَّاءُ قَوْلُهُ (إِنْ يَكُنْ مَا يَقُولُ حَقًّا إِنَّهُ نَبِيٌّ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ هِرَقْلُ أَخَذَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ فَفِي التَّوْرَاةِ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ عَلَامَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَهُ بِالْعَلَامَاتِ وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى النُّبُوَّةِ فَهُوَ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ فَهَكَذَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَهُوَ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى وَمَعْنَاهُ لَتَكَلَّفْتُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ وَارْتَكَبْتُ الْمَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ أُقْتَطَعَ دُونَهُ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ صِدْقَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا شَحَّ فِي الْمُلْكِ وَرَغِبَ فِي الرِّيَاسَةِ فَآثَرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ لَوَفَّقَهُ كَمَا وَفَّقَ النَّجَاشِيَّ وَمَا زَالَتْ عَنْهُ الرِّيَاسَةُ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَوْفِيقَهُ قَوْلُهُ (ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ إثم الأريسيين ويا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبينكم) الْآيَةَ فِي هَذَا الْكِتَابِ جُمَلٌ مِنَ الْقَوَاعِدِ وَأَنْوَاعٌ مِنَ الْفَوَائِدِ مِنْهَا 1 دُعَاءُ الْكُفَّارِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قِتَالِهِمْ وَهَذَا الدُّعَاءُ وَاجِبٌ وَالْقِتَالُ قَبْلَهُ حَرَامٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَتْ بَلَغَتْهُمْ فَالدُّعَاءُ مُسْتَحَبٌّ هَذَا مَذْهَبُنَا وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِهَادِ وَمِنْهَا 2 وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ فِي بَعْثِهِ مَعَ دِحْيَةَ فَائِدَةٌ وَهَذَا إِجْمَاعُ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَمِنْهَا 3 اسْتِحْبَابُ تَصْدِيرِ الْكِتَابِ
(12/107)

بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَإِنْ كَانَ الْمَبْعُوثُ إِلَيْهِ كَافِرًا وَمِنْهَا 4 أَنَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فهو أجزم الْمُرَادُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا الْكِتَابُ كَانَ ذَا بَالٍ بَلْ مِنَ الْمُهِمَّاتِ الْعِظَامِ وَبَدَأَ فِيهِ بِالْبَسْمَلَةِ دُونَ الْحَمْدِ وَمِنْهَا 5 أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنْ يَبْعَثَ بِذَلِكَ إِلَى الْكُفَّارِ وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْمُسَافَرَةِ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ أَيْ بِكُلِّهِ أَوْ بِجُمْلَةٍ مِنْهُ وَذَلِكَ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا خِيفَ وُقُوعُهُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ وَمِنْهَا 6 أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ وَالْكَافِرِ مَسُّ آيَةٍ أَوْ آيَاتٍ يَسِيرَةٍ مَعَ غَيْرِ الْقُرْآنِ وَمِنْهَا 7 أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمُكَاتَبَةِ وَالرَّسَائِلِ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَبْدَأَ الْكَاتِبُ بِنَفْسِهِ فَيَقُولُ مِنْ زَيْدٍ إِلَى عَمْرٍو وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ صِنَاعَةُ الْكِتَابِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ رَوَى فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَآثَارًا قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ قَالَ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا تَصْدِيرُ الْكِتَابِ وَالْعُنْوَانِ قَالَ وَرَخَّصَ جَمَاعَةٌ فِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ فَيَقُولَ فِي التَّصْدِيرِ وَالْعُنْوَانِ إِلَى فُلَانٍ مِنْ فُلَانٍ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَبَدَأَ باسم معاوية وعن محمد بن الْحَنَفِيَّةِ وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ وَأَمَّا الْعُنْوَانُ فَالصَّوَابُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ إِلَى فُلَانٍ وَلَا يَكْتُبَ لِفُلَانٍ لِأَنَّهُ إِلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا عَلَى مَجَازٍ قَالَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمِنْهَا 8 التَّوَقِّي فِي الْمُكَاتَبَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْوَرَعِ فِيهَا فَلَا يُفْرِطُ وَلَا يُفَرِّطُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ فَلَمْ يَقُلْ مَلِكِ الرُّومِ لِأَنَّهُ لَا مُلْكَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ إِلَّا بِحُكْمِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَا سُلْطَانَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِمَنْ وَلَّاهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَلَّاهُ مَنْ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْكُفَّارِ مَا تُنْفِذُهُ الضَّرُورَةُ وَلَمْ يَقُلْ إِلَى هِرَقْلَ فَقَطْ بَلْ أَتَى بِنَوْعٍ مِنَ الْمُلَاطَفَةِ فَقَالَ عَظِيمِ الرُّومِ أَيِ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ وَيُقَدِّمُونَهُ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِلَانَةِ الْقَوْلِ لِمَنْ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ تَعَالَى ادْعُ إِلَى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وقال تعالى فقولا له قولا لينا وَغَيْرَ ذَلِكَ وَمِنْهَا 9 اسْتِحْبَابُ الْبَلَاغَةِ وَالْإِيجَازِ وَتَحَرِّي الْأَلْفَاظِ الْجَزْلَةِ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ فِي نِهَايَةٍ مِنَ الِاخْتِصَارِ وَغَايَةٍ مِنَ الْإِيجَازِ وَالْبَلَاغَةِ وَجَمْعِ الْمَعَانِي مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَدِيعِ التَّجْنِيسِ وَشُمُولِهِ لِسَلَامَتِهِ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا بِالْحَرْبِ وَالسَّبْيِ وَالْقَتْلِ وَأَخْذِ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ وَمِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ
(12/108)

10 - أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ منهم رجل من أهل الكتاب الحديث 11 الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ مَنْ كَانَ سَبَبًا لِضَلَالَةٍ أَوْ سَبَبَ مَنْعٍ مِنْ هِدَايَةٍ كَانَ آثِمًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أثقالهم 12 وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ أَمَّا بَعْدُ فِي الْخُطَبِ وَالْمُكَاتَبَاتِ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ لِهَذِهِ بَابًا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي مُسْلِمٍ الْأَرِيسِيِّينَ وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ وَفِي كُتُبِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَعَلَى هَذَا اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ عَلَى أَوْجُهٍ أَحَدُهَا بِيَاءَيْنِ بَعْدَ السِّينِ وَالثَّانِي بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ السِّينِ وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةٌ وَالرَّاءُ مَكْسُورَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَالثَّالِثُ الْإِرِّيسِينَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الراء وبيان وَاحِدَةٍ بَعْدَ السِّينِ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي مُسْلِمٍ وَفِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ بِيَاءٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَبِيَاءَيْنِ بَعْدَ السِّينِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهِمْ عَلَى أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا وَأَشْهَرُهَا أَنَّهُمُ الْأَكَّارُونَ أَيِ الْفَلَّاحُونَ وَالزَّرَّاعُونَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ رَعَايَاكَ الَّذِينَ يَتْبَعُونَكَ وَيَنْقَادُونَ بِانْقِيَادِكَ وَنَبَّهَ بِهَؤُلَاءِ عَلَى جَمِيعِ الرَّعَايَا لِأَنَّهُمُ الْأَغْلَبُ وَلِأَنَّهُمْ أَسْرَعُ انْقِيَادًا فَإِذَا أَسْلَمَ أَسْلَمُوا وَإِذَا امْتَنَعَ امْتَنَعُوا وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ وَفِي غَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَكَّارِينَ وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَإِلَّا فَلَا يَحُلْ بَيْنَ الْفَلَّاحِينَ وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ وَفِي رواية بن وَهْبٍ وَإِثْمُهُمْ عَلَيْكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْفَلَّاحِينَ الزَّرَّاعِينَ خَاصَّةً بَلِ الْمُرَادُ بِهِمْ جَمِيعُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ الثَّانِي أَنَّهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَهُمْ أَتْبَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرِيسٍ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْأَرُوسِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى وَلَهُمْ مَقَالَةٌ فِي كُتُبِ الْمَقَالَاتِ وَيُقَالُ لَهُمْ الْأَرُوسِيَّونَ الثَّالِثُ أَنَّهُمُ الْمُلُوكُ الَّذِينَ
(12/109)

يَقُودُونَ النَّاسَ إِلَى الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ) وَهُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ بِدَعْوَتِهِ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأُولَى وَمَعْنَاهَا الْكَلِمَةُ الدَّاعِيَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ قَالَ الْقَاضِي وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَاعِيَةٌ هُنَا بِمَعْنَى دَعْوَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ليس لها من دون الله كاشفة أَيْ كَشْفٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ لَا يُبْتَدَأُ الْكَافِرُ بِالسَّلَامِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ كَافِرًا بِالسَّلَامِ وَأَجَازَهُ كَثِيرُونَ مِنَ السَّلَفِ وَهَذَا مَرْدُودٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَسَتَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ لِاسْتِئْلَافٍ أَوْ لِحَاجَةٍ إِلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَكَثُرَ اللَّغَطُ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَإِسْكَانِهَا وَهِيَ الْأَصْوَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ قَوْلُهُ (لَقَدْ أمر أمر بن أَبِي كَبْشَةَ) أَمَّا أَمِرَ فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الميم أي عظم وأما قوله بن أَبِي كَبْشَةَ فَقِيلَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ كَانَ يَعْبُدُ الشِّعْرَى وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي عِبَادَتِهَا فَشَبَّهُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي دِينِهِمْ كَمَا خَالَفَهُمْ أَبُو كَبْشَةَ رُوِّينَا عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ الْأَنْسَابِ قَالَ لَيْسَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ عَيْبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّشْبِيهِ وَقِيلَ إِنَّ أَبَا كَبْشَةَ جَدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم من قبل أمه قال بن قُتَيْبَةَ وَكَثِيرُونَ وَقِيلَ هُوَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى السَّعْدِيُّ حَكَاهُ بن بَطَّالٍ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ أَبُو الحسن الجرجاني التشابه إنما قالوا بن أَبِي كَبْشَةَ عَدَاوَةً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَسَبُوهُ إِلَى نَسَبٍ لَهُ غَيْرِ نَسَبِهِ الْمَشْهُورِ إِذْ لَمْ يُمْكِنُهُمُ الطَّعْنُ فِي نَسَبِهِ الْمَعْلُومِ الْمَشْهُورِ قَالَ وَقَدْ كَانَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ جَدُّهُ أَبُو آمِنَةَ يُكَنَّى أَبَا كَبْشَةَ وَكَذَلِكَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسَدٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ أَبُو سَلْمَى أُمِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ يُدْعَى أَبَا كَبْشَةَ قَالَ وَكَانَ فِي أَجْدَادِهِ أَيْضًا مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ أَبُو كَبْشَةَ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةِ أُمِّ وَهْبِ بن عبد مناف أبو آمِنَةَ أُمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ خُزَاعِيٌّ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَعْبُدُ الشِّعْرَى وَكَانَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ يُدْعَى أَبَا كَبْشَةَ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى السَّعْدِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ مِثْلَ هَذَا كُلِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حبيب
(12/110)

البغدادي وزاد بن مَاكُولَا فَقَالَ وَقِيلَ أَبُو كَبْشَةَ عَمُّ وَالِدِ حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ) بَنُو الْأَصْفَرِ هم الروم قال بن الْأَنْبَارِيِّ سُمُّوا بِهِ لِأَنَّ جَيْشًا مِنَ الْحَبَشَةِ غَلَبَ عَلَى بِلَادِهِمْ فِي وَقْتٍ فَوَطِئَ نِسَاءَهُمْ فَوَلَدْنَ أَوْلَادًا صُفْرًا مِنْ سَوَادِ الْحَبَشَةِ وَبَيَاضِ الرُّومِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيُّ نُسِبُوا إِلَى الْأَصْفَرِ بْنِ الرُّومِ بْنِ عِيصُو بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي هَذَا أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ بن الْأَنْبَارِيِّ قَوْلُهُ (مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ) أَمَّا حِمْصُ فَغَيْرُ مصروفة لأنها مؤنثة علم عجمية وَأَمَّا إِيلِيَاءُ فَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ أَشْهَرُهَا إِيلِيَاءُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ بَيْنَهُمَا وَبِالْمَدِّ وَالثَّانِيَةُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا بِالْقَصْرِ وَالثَّالِثَةُ إِلْيَاءُ بِحَذْفِ الْيَاءِ الْأُولَى وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِالْمَدِّ حَكَاهُنَّ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَآخَرُونَ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي يعلى الموصلي في سند بن عَبَّاسٍ الْإِيلِيَاءُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ قِيلَ مَعْنَاهُ بَيْتُ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ فَمَعْنَاهُ شُكْرًا لِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ وَأَنَالَهُ إِيَّاهُ وَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَالَ اللَّهُ تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة والله أعلم
(12/111)

(بَاب كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ملوك الكفار (يدعوهم إلى الإسلام قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ) هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى مَعْنٍ وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ هُوَ مِنْ وَلَدِ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مُسْلِمٌ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ مُسْلِمٌ حَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ) هَذِهِ الْأَسَانِيدُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ بَصْرِيٌّ بَغْدَادِيٌّ وَلَا يَنْقُضُ هَذَا مَا ذَكَرْتُهُ وَفِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي تَصْرِيحُ قَتَادَةَ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَنَسٍ فَزَالَ مَا يُخَافُ مِنْ لَبْسِهِ لَوِ اقْتُصِرَ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ

[1774] إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَمَّا كِسْرَى فَبِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ)
(12/112)

مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَقَيْصَرُ لَقَبُ مَنْ مَلَكَ الروم والنجاشي لكل من ملك الحبشة وخاقان لكل من ملك الترك وفرعون لكل من ملك القبط والعزيز لكل من ملك مصر وتبع لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ مُكَاتَبَةِ الْكُفَّارِ وَدُعَاؤِهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْعَمَلُ بِالْكِتَابِ وَبِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ حُنَيْنٌ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَرَاءَ عَرَفَاتٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا وَهُوَ مَصْرُوفٌ كَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ

[1775] قوله (قال بن عَبَّاسٌ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نُفَارِقْهُ) أبو سفيان هذا هو بن عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْمُهُ هُوَ كُنْيَتُهُ وَقَالَ آخَرُونَ اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ وَمِمَّنْ قَالَهُ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُمْ وَفِي هَذَا عَطْفُ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَذَبُّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ قَوْلُهُ (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ) أَمَّا قَوْلُهُ بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ فَكَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرِوَايَةٍ أُخْرَى بَعْدَهَا إِنَّهَا بَغْلَةٌ بَيْضَاءُ وَقَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ وَهِيَ وَاحِدَةٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ لَا يُعْرَفُ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةٌ سِوَاهَا وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا دُلْدُلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ فَهُوَ بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ فَرْوَةُ بْنُ نَعَامَةَ بِالْعَيْنِ وَالْمِيمِ)
(12/113)

وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي إِسْلَامِهِ فَقَالَ الطَّبَرِيُّ أَسْلَمَ وَعَمَّرَ عُمْرًا طَوِيلًا وَقَالَ غَيْرُهُمْ لَمْ يُسْلِمْ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الَّذِي أَهْدَاهَا لَهُ مَلِكُ أَيْلَةَ وَاسْمُ ملك أيله فيما ذكره بن إِسْحَاقَ يَحْنَةُ بْنُ رَوْبَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةَ الْكَافِرِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ هدايا العمال غلول مع حديث بن اللُّتْبِيَّةِ عَامِلِ الصَّدَقَاتِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ رَدَّ بَعْضَ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ إِنَّا لَا نَقْبَلُ زَبَدَ الْمُشْرِكِينَ أَيْ رَفْدُهُمْ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ نَاسِخَةٌ لِقَبُولِ الْهَدِيَّةِ قَالَ وَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا نَسْخَ بَلْ سَبَبُ الْقَبُولِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصٌ بِالْفَيْءِ الْحَاصِلِ بِلَا قِتَالٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ طَمِعَ فِي إِسْلَامِهِ وَتَأْلِيفِهِ لِمَصْلَحَةٍ يَرْجُوهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَكَافَأَ بَعْضَهُمْ وَرَدَّ هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي إِسْلَامِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي قَبُولِهَا مَصْلَحَةٌ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ تُوجِبُ الْمَحَبَّةَ وَالْمَوَدَّةَ وَأَمَّا غَيْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعُمَّالِ وَالْوُلَاةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَبُولُهَا لِنَفْسِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ قَبِلَهَا كَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يُهْدِهَا إِلَيْهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ إِمَامَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ هُوَ مُحَاصِرُهُمْ فَهِيَ غَنِيمَةٌ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن وبن القاسم وبن حبيب وحكاه بن حَبِيبٍ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ لِلْإِمَامِ خَالِصَةٌ بِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ إِنَّمَا رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ مَا عَلِمَ أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَقِيلَ مَا كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ اسْتِئْلَافُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ قَالَ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ بَعْدُ إِجْرَاؤُهَا مَجْرَى مَالِ الْكُفَّارِ مِنَ الْفَيْءِ أَوِ الْغَنِيمَةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْحَالِ وَهَذَا مَعْنَى هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ أَيْ إِذَا خَصُّوا بِهَا أَنْفُسَهُمْ لِأَنَّهَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحُكْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ إِنَّمَا قَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدَايَا كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ كَانَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ كَالْمُقَوْقِسِ وَمُلُوكِ الشَّامِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقْبَلُ زَبَدُ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أُبِيحَ لَنَا ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُنَاكَحَتُهُمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَقَالَ أَصْحَابُنَا مَتَى أَخَذَ الْقَاضِي أَوِ الْعَامِلُ هَدِيَّةً مُحَرَّمَةً لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى مُهْدِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ رُكُوبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَغْلَةَ فِي مَوْطِنِ الْحَرْبِ وَعِنْدَ اشْتِدَادِ النَّاسِ هُوَ النِّهَايَةُ فِي الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ
(12/114)

وَلِأَنَّهُ أَيْضًا يَكُونُ مُعْتَمَدًا يَرْجِعُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِهِ وَبِمَكَانِهِ وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا عَمْدًا وَإِلَّا فَقَدْ كَانَتْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَاسٌ مَعْرُوفَةٌ وَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ شَجَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَدُّمُهُ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ إِلَى جَمْعِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ فَرَّ النَّاسُ عَنْهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ حِينَ غَشَوْهُ وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي الثَّبَاتِ وَالشَّجَاعَةِ وَالصَّبْرِ وَقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ مُوَاسَاةً لِمَنْ كَانَ نَازِلًا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَخْبَرَتِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِشُجَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ إِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَّقُونَ بِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ) هِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي بَايَعُوا تَحْتَهَا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَمَعْنَاهُ نَادِ أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَوْلُهُ (فَقَالَ عَبَّاسٌ وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا) ذَكَرَ الْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ أَنَّ الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى سَلْعٍ فَيُنَادِي غِلْمَانَهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَهُمْ فِي الْغَابَةِ فَيُسْمِعُهُمْ قَالَ وَبَيْنَ سَلْعٍ والْغَابَةِ ثَمَانِيَةُ أَمْيَالٍ قَوْلُهُ (فو الله لَكَأَنَّ عَطَفْتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا فَقَالُوا يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِرَارَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا وَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الْفِرَارُ مِنْ جَمِيعِهِمْ وَإِنَّمَا فَتَحَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ مَكَّةَ الْمُؤَلَّفَةِ وَمُشْرِكِيهَا الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا وَإِنَّمَا كَانَتْ هَزِيمَتُهُمْ فَجْأَةً لِانْصِبَابِهِمْ عَلَيْهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَرَشْقِهِمْ بِالسِّهَامِ وَلِاخْتِلَاطِ أَهْلِ مَكَّةَ مَعَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ وَمِمَّنْ يَتَرَبَّصُ بِالْمُسْلِمِينَ الدَّوَائِرَ وَفِيهِمْ نِسَاءٌ وَصِبْيَانُ خَرَجُوا لِلْغَنِيمَةِ فَتَقَدَّمَ إِخْفَاؤُهُمْ فَلَمَّا رَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَلَّوْا فَانْقَلَبَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سَكِينَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَمَا ذَكَرَ
(12/115)

اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَهُوَ بِنَصْبِ الْكُفَّارِ أَيْ مَعَ الْكُفَّارِ قَوْلُهُ (وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ) هِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ يَعْنِي الِاسْتِغَاثَةَ وَالْمُنَادَاةَ إِلَيْهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ هُوَ شِبْهُ التَّنُّورِ يُسْجَرُ فِيهِ وَيُضْرَبُ مَثَلًا لِشِدَّةِ الْحَرْبِ الَّتِي يُشْبِهُ حَرُّهَا حَرَّهُ وَقَدْ قَالَ آخَرُونَ الْوَطِيسُ هُوَ التَّنُّورُ نَفْسُهُ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ هِيَ حِجَارَةٌ مُدَوَّرَةٌ إِذَا حَمِيَتْ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَطَأُ عَلَيْهَا فَيُقَالُ الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ وَقِيلَ هُوَ الضَّرْبُ فِي الْحَرْبِ وَقِيلَ هُوَ الْحَرْبُ الَّذِي يَطِيسُ النَّاسُ أَيْ يَدُقُّهُمْ قَالُوا وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ وَبَدِيعِهِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (فَرَمَاهُمْ بِالْحَصَيَاتِ ثُمَّ قَالَ انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا) هَذَا فِيهِ مُعْجِزَتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهُمَا فِعْلِيَّةٌ وَالْأُخْرَى خَبَرِيَّةٌ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِهَزِيمَتِهِمْ وَرَمَاهُمْ بِالْحَصَيَاتِ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الْأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهَا وُجُوهَهُمْ فَقَالَ شَاهَتِ الْوُجُوهُ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَةِ وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ مُعْجِزَتَانِ خَبَرِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ حَصًى وَقَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِذَا مَرَّةً وَبِذَا مَرَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَذَ قَبْضَةً وَاحِدَةً
(12/116)

مَخْلُوطَةً مِنْ حَصًى وَتُرَابٍ قَوْلُهُ (فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَا زِلْتُ أَرَى قُوَّتَهُمْ ضَعِيفَةً

[1776] قَوْلُهُ (قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ يَا أَبَا عُمَارَةَ فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ) هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي أَجَابَ بِهِ الْبَرَاءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ بَدِيعِ الْأَدَبِ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ فَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْبَرَاءُ لَا وَاللَّهِ مَا فَرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ جَرَى لَهُمْ كَذَا وَكَذَا وَأَمَّا قَوْلُهُ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ فَهُوَ بِالشِّينِ وَآخِرُهُ نُونٌ جَمْعُ شَابٍّ وَقَوْلُهُ أَخِفَّاؤُهُمْ جَمْعُ خَفِيفٍ وَهُمُ الْمُسَارِعُونَ الْمُسْتَعْجِلُونَ وَوَقَعَ هَذَا الْحَرْفُ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَالْهَرَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ جُفَاءً بِجِيمٍ مضمومة
(12/117)

وَبِالْمَدِّ وَفَسَّرَهُ بِسُرْعَانِهِمْ قَالُوا تَشْبِيهًا بِجَفَاءِ السَّيْلِ وهو غثاؤه قال القاضي رضي الله تعالى عَنْهُ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَمَعْنَاهَا مَا سَبَقَ مِنْ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَعِدُّوا وَإِنَّمَا خَرَجَ لِلْغَنِيمَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فَشَبَّهَهُ بِغُثَاءِ السَّيْلِ وأما قوله حسرا فهو بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ بِغَيْرِ دُرُوعٍ وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ والحاسر مَنْ لَا دِرْعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَأَمَّا الرِّشْقُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْمٌ لِلسِّهَامِ الَّتِي تَرْمِيهَا الْجَمَاعَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَضَبَطَ الْقَاضِي الرِّوَايَةَ هُنَا بِالْكَسْرِ وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِالْفَتْحِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا وَهُوَ الْأَجْوَدُ وَإِنْ كَانَا جَيِّدَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فَرَمَوْهُ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ فَهُوَ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قال أهل اللغة يقال رشقه يرشقه وأرشقه ثُلَاثِيٌّ وَرُبَاعِيٌّ وَالثُّلَاثِيُّ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ قَوْلُهُ (فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ) أَيْ دَعَا فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ قِيَامِ الْحَرْبِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أنا النبي لا كذب أنا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ كَوْنَ الرَّجَزِ شِعْرًا لِوُقُوعِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى ومَا عَلَّمْنَاهُ الشَّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي له وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ الْخَلِيلِ فِي أَنَّهُ شِعْرٌ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ الشِّعْرَ هُوَ مَا قُصِدَ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُوقِعَهُ مَوْزُونًا مُقَفًّى يَقْصِدُهُ إِلَى الْقَافِيَةِ وَيَقَعُ فِي أَلْفَاظِ الْعَامَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَوْزُونَةِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إِنَّهَا شِعْرٌ وَلَا صَاحِبُهَا شَاعِرٌ وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوْزُونِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَنْ تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وَقَوْلِهِ تَعَالَى نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يُسَمِّيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ شِعْرًا لِأَنَّهُ لَمْ تُقْصَدْ تَقْفِيَتُهُ وجعله شعرا
(12/118)

قَالَ وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ فَأَوْقَعَهُ ذَلِكَ فِي أَنْ قَالَ الرِّوَايَةُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ بِفَتْحِ الْبَاءِ حِرْصًا مِنْهُ عَلَى أَنْ يُفْسِدَ الرَّوِيَّ فَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عَنِ الْمَازِرِيِّ قُلْتُ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ السَّعْدِيُّ الصَّقَلِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَطَّاعِ فِي كتابه الشافي في علم القوافي قد رأي قَوْمٍ مِنْهُمُ الْأَخْفَشُ وَهُوَ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ بَعْدَ الْخَلِيلِ أَنَّ مَشْطُورَ الرَّجَزِ وَمَنْهُوكَهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ وَقَوْلِهِ صَلَّى الله عليه وسلم هل أنت إلا أصبع دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا النَّبِيُّ لَا كذب أنا بن عبد المطلب وأشباه هذا قال بن الْقَطَّاعِ وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُ غَلَطٌ بَيِّنٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّاعِرَ إِنَّمَا سُمِّيَ شَاعِرًا لِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ شَعَرَ الْقَوْلَ وَقَصَدَهُ وَأَرَادَهُ وَاهْتَدَى إِلَيْهِ وَأَتَى بِهِ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ مُقَفًّى فَإِنْ خَلَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا وَلَا يَكُونُ قَائِلُهُ شَاعِرًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ وَقَصَدَ الشِّعْرَ أَوْ أَرَادَهُ وَلَمْ يُقَفِّهِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ شِعْرًا وَلَا قَائِلُهُ شَاعِرًا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَكَذَا لَوْ قَفَّاهُ وَقَصَدَ بِهِ الشِّعْرَ وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مَوْزُونًا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهِ مَوْزُونًا مُقَفًّى لَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرَ لَا يَكُونُ شِعْرًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَأْتُونَ بِكَلَامٍ مَوْزُونٍ مُقَفًّى غَيْرَ أَنَّهُمْ مَا قَصَدُوهُ وَلَا أَرَادُوهُ وَلَا يُسَمَّى شِعْرًا وَإِذَا تُفُقِّدَ ذَلِكَ وُجِدَ كَثِيرًا فِي كَلَامِ النَّاسِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السُّؤَّالِ اخْتِمُوا صَلَاتَكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمَوْزُونَ لَا يَكُونُ شِعْرًا إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْقَصْدُ وَغَيْرُهُ مِمَّا سَبَقَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ بِكَلَامِهِ ذَلِكَ الشِّعْرَ وَلَا أَرَادَهُ فَلَا يُعَدُّ شِعْرًا وَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَانْتَسَبَ إِلَى جَدِّهِ دُونَ أَبِيهِ وَافْتَخَرَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الِافْتِخَارَ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ شُهْرَتُهُ بِجَدِّهِ أَكْثَرَ لِأَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ تُوُفِّيَ شَابًّا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلَ اشْتِهَارِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَشْهُورًا شُهْرَةً ظاهرة شائعة وكان سيد أهل مكة وكان كثير من الناس يدعون النبي صلى الله عليه وسلم بن عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَنْسُبُونَهُ إِلَى جَدِّهِ لِشُهْرَتِهِ وَمِنْهُ حَدِيثُ هَمَّامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي قَوْلِهِ أَيُّكُمُ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ كَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدَهُمْ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بُشِّرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ وَسَيَكُونُ شَأْنُهُ عَظِيمًا وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَهَ بِذِلْكَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ وَقِيلَ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَأَى
(12/119)

رُؤْيَا تَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْكِيرَهُمْ بِذَلِكَ وَتَنْبِيهَهُمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ لِتَقْوَى نُفُوسُهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّهُ ثَابِتٌ مُلَازِمٌ لِلْحَرْبِ لَمْ يُوَلِّ مَعَ مَنْ وَلَّى وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِعَهُ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ الرَّاجِعُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَيْ أَنَا النَّبِيُّ حَقًّا فَلَا أَفِرُّ وَلَا أَزُولُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي الْحَرْبِ أَنَا فلان وأنا بن فلان ومثله قول سلمة أنا بن الْأَكْوَعِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالُوا وَإِنَّمَا يُكْرَهُ قَوْلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِخَارِ كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَالْمِصِّيصِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْأُولَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَيُقَالُ أَيْضًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ قَوْلُهُ (فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ يَعْنِي كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ جَرَادٍ وَكَأَنَّهَا شُبِّهَتْ بِرِجْلِ الْحَيَوَانِ لِكَوْنِهَا قِطْعَةً مِنْهُ قَوْلُهُ (بِرِشْقٍ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ (فَانْكَشَفُوا) أَيِ انْهَزَمُوا وَفَارَقُوا مَوَاضِعَهُمْ وَكَشَفُوهَا قَوْلُهُ (كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ البأس نتقى به وإن الشجاع منا للذي
(12/120)

يُحَاذِي بِهِ) احْمِرَارُ الْبَأْسِ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْحَرْبِ وَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِحُمْرَةِ الدِّمَاءِ الْحَاصِلَةِ فِيهَا فِي الْعَادَةِ أَوْ لِاسْتِعَارِ الْحَرْبِ وَاشْتِعَالِهَا كَاحْمِرَارِ الْجَمْرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ حَمِيَ الْوَطِيسُ وَفِيهِ بَيَانُ شَجَاعَتِهِ
(12/121)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(وَعِظَمِ وُثُوقِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا إِلَى قَوْلِهِ مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْهَزِمًا فَقَالَ لَقَدْ رجع بن الْأَكْوَعِ فَزِعًا) قَالَ الْعُلَمَاءُ قَوْلُهُ مُنْهَزِمًا حَالٌ من بن الْأَكْوَعِ كَمَا صَرَّحَ أَوَّلًا بِانْهِزَامِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْهَزَمَ وَقَدْ قَالَتِ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا انْهَزَمَ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ انْهَزَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ وَقَدْ نَقَلُوا إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ انْهِزَامَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَلْ كَانَ الْعَبَّاسُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذَيْنِ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ يَكُفَّانِهَا عَنْ إِسْرَاعِ التَّقَدُّمِ إِلَى الْعَدُوِّ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَرَاءُ فِي حَدِيثِهِ السَّابِقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1777] (شَاهَتِ الْوُجُوهُ) أَيْ قَبُحَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)

(بَاب عزوة الطَّائِفِ

[1778] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَعْمَى الشَّاعِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ)
(12/122)

حَاصَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ الطائف) هكذا هو فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمرو بفتح العين وهو بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ الْقَاضِي كَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْجُلُودِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ عَنِ بن مَاهَانَ قَالَ وَقَالَ الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ صوابه بن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَذَا ذكره البخاري وكذا صوبه الدارقطني وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ثم قال أن بن عُقْبَةَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ ذَكَرَ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ في كتاب الأطراف في مسند بن عمر ثم في مسند بن عَمْرٍو وَأَضَافَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا وَأَنْكَرُوا هَذَا عَلَى خَلَفٍ وَذَكَرَهُ أَبُو مسعود الدمشقي في الأطراف عن بن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي مُسْنَدِ بن عُمَرَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي كُتُبِ الْأَدَبِ عَنْ قُتَيْبَةَ وَأَخْرَجَهُ هُوَ ومسلم جميعا في المغازى عن بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ وَالْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ بن عُيَيْنَةَ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ هَكَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِالشَّكِّ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ الْأَصَحُّ بن عمر بن الخطاب قال وكذا أخرجه بن مسعود في مسند بن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ وَلَيْسَ لِأَبِي العباس هذا في مسند بن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي كتاب السير عن بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَطْ

[1778] قَوْلُهُ (حَاصَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَقَالَ إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ أَصْحَابُهُ نَرْجِعُ وَلَمْ نفتتحه فَقَالَ اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ
(12/123)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
()

مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَ الشَّفَقَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَالرِّفْقَ بِهِمْ بِالرَّحِيلِ عَنِ الطَّائِفِ لِصُعُوبَةِ أَمْرِهِ وَشِدَّةِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ فِيهِ وَتَقْوِيَتِهِمْ بِحِصْنِهِمْ مع أنه صلى الله عليه وسلم علم أورجى أَنَّهُ سَيَفْتَحُهُ بَعْدَ هَذَا بِلَا مَشَقَّةٍ كَمَا جَرَى فَلَمَّا رَأَى حِرْصَ أَصْحَابِهِ عَلَى الْمُقَامِ وَالْجِهَادِ أَقَامَ وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الْجِرَاحُ رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ قَصَدَهُ أَوَّلًا مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ لِمَا رَأَوْا مِنَ الْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ وَلَعَلَّهُمْ نَظَرُوا فَعَلِمُوا أَنَّ رَأْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَرْكُ وَأَنْفَعُ وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً وَأَصْوَبُ مِنْ رَأْيِهِمْ فَوَافَقُوا عَلَى الرَّحِيلِ وَفَرِحُوا فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ سُرْعَةِ تَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)

(بَاب غَزْوَةِ بَدْرٍ قَوْلُهُ

[1779] (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا لَأَخَضْنَاهَا) قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا قَصَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِبَارَ الْأَنْصَارِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ لِلْقِتَالِ وَطَلَبِ الْعَدُوِّ وَإِنَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّنْ يَقْصِدُهُ فَلَمَّا عَرَضَ الْخُرُوجَ لِعِيرِ أَبِي سُفْيَانَ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَابُوهُ أَحْسَنَ جَوَابٍ بِالْمُوَافَقَةِ التَّامَّةِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ وَغَيْرِهَا وَفِيهِ اسْتِشَارَةُ الْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْخِبْرَةِ قَوْلُهُ أَنْ نُخِيضَهَا يَعْنِي الْخَيْلَ وَقَوْلُهُ بَرْكَ الْغِمَادِ أَمَّا بَرْكُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي)
(12/124)

عَنْ رِوَايَةِ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ صَوَابُهُ كَسْرُ الرَّاءِ قَالَ وَكَذَا قَيَّدَهُ شُيُوخُ أَبِي ذَرٍّ فِي الْبُخَارِيِّ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ هُوَ بِالْفَتْحِ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ قَالَ وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْحَمَوِيِّ بِالْكَسْرِ قُلْتُ وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الرَّاءَ سَاكِنَةٌ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَأَمَّا الْغِمَادُ فَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمَضْمُومَةٍ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ لَكِنَّ الْكَسْرَ أَفْصَحُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَالضَّمُّ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَحَكَى صاحب المشارق والمطالع الوجهين عن بن دُرَيْدٍ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشَّرْحِ ضَبَطْنَاهُ في الصحيحين بالكسر قال وحكى بن دُرَيْدٍ فِيهِ الضَّمَّ وَالْكَسْرَ وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ هُوَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَيُقَالُ بِضَمِّهَا قَالَ وَقَدْ ضَبَطَهُ بن الْفُرَاتِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ بِالضَّمِّ لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا سَمِعْتُهُ مِنَ الْمَشَايِخِ بِالْكَسْرِ قَالَ وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ بِنَاحِيَةِ السَّاحِلِ وَقِيلَ بَلْدَتَانِ هَذَا قَوْلُ الْحَازِمِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هُوَ مَوْضِعٌ بِأَقَاصِي هَجَرَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ بَرْكُ الْغِمَادِ وَسَعَفَاتُ هَجَرَ كِنَايَةٌ يُقَالُ فِيمَا تَبَاعَدَ قَوْلُهُ (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ وَتَتْرُكُوهُ إِذَا
(12/125)

كَذَبَكُمْ) مَعْنَى انْصَرَفَ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِهَا إِذَا عَرَضَ أَمْرٌ فِي أَثْنَائِهَا وَهَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ تَضْرِبُوهُ وَتَتْرُكُوهُ بِغَيْرِ نُونٍ وَهِيَ لُغَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ أَعْنِي حَذْفَ النُّونِ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمٍ وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الْكَافِرِ الَّذِي لَا عَهْدَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَسِيرًا وَفِيهِ مُعْجِزَتَانِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إِحْدَاهُمَا إِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَصْرَعِ جَبَابِرَتِهِمْ فَلَمْ يَنْفُذْ أَحَدٌ مَصْرَعَهُ الثَّانِيَةُ إِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْغُلَامَ الَّذِي كَانُوا يَضْرِبُونَهُ يَصْدُقُ إِذَا تَرَكُوهُ وَيَكْذِبُ إِذَا ضَرَبُوهُ وَكَانَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ والله أعلم قوله (فماط أَحَدُهُمْ) أَيْ تَبَاعَدَ

(بَاب فَتْحِ مَكَّةَ قَوْلُهُ

[1780] (فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ) هِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَهُمَا الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ وَيَكُونُ الْقَلْبُ بَيْنَهُمَا وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ على الحسر هو بصم الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ)
(12/126)

أَيِ الَّذِينَ لَا دُرُوعَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ (فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي) أَيْ جَعَلُوا طَرِيقَهُمْ فِي بَطْنِ الْوَادِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ) أَيِ ادْعُهُمْ لِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ) ثُمَّ قَالَ فَأَطَافُوا إِنَّمَا خَصَّهُمْ لِثِقَتِهِ بِهِمْ وَرَفْعًا لِمَرَاتِبِهِمْ وَإِظْهَارًا لِجَلَالَتِهِمْ وَخُصُوصِيَّتِهِمْ قَوْلُهُ (وَوَبَّشَتْ قريش أو باشا لَهَا) أَيْ جَمَعَتْ جُمُوعًا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى وَهُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ قَوْلُهُ (فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا) أَيْ لَا يَدْفَعُ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ قَوْلُهُ (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أُبِيحَتْ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا أُبِيدَتْ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ أَيِ اسْتُؤْصِلَتْ قُرَيْشٌ بِالْقَتْلِ وَأُفْنِيَتْ وَخَضْرَاؤُهُمْ بِمَعْنَى جَمَاعَتِهِمْ وَيُعَبَّرُ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُجْتَمِعَةِ بِالسَّوَادِ وَالْخُضْرَةِ وَمِنْهُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ عَلَى أَنَّ دُورَ مَكَّةَ مَمْلُوكَةٌ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا لِأَنَّ أَصْلَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْآدَمِيِّينَ تَقْتَضِي الْمِلْكَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَجَازٌ وَفِيهِ تَأْلِيفٌ لِأَبِي سُفْيَانَ وَإِظْهَارٌ لِشَرَفِهِ
(12/127)

قَوْلُهُ (فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَذَكَرَ نُزُولَ الْوَحْيِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ قَالُوا قَدْ كَانَ ذَلِكَ قَالَ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ) مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُمْ رَأَوْا رَأْفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِ مَكَّةَ وَكَفَّ الْقَتْلِ عَنْهُمْ فَظَنُّوا أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى سُكْنَى مَكَّةَ وَالْمُقَامِ فِيهَا دَائِمًا وَيَرْحَلُ عَنْهُمْ وَيَهْجُرُ المدينة فشق ذلك عليهم وأوحى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا قَالُوا نَعَمْ قَدْ قُلْنَا هَذَا فَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَعْنَى كَلَّا هُنَا حَقًّا وَلَهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا حَقًّا وَالْآخَرُ النَّفْيُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَأْتِينِي الْوَحْيُ وَأُخْبَرُ بِالْمُغَيَّبَاتِ كَهَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَشَبَهِهَا فَثِقُوا بِمَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُخْبِرُكُمْ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ والآخر لا تفتتنوا بِإِخْبَارِي إِيَّاكُمْ بِالْمُغَيَّبَاتِ وَتُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ
(12/128)

مَمَاتُكُمْ) فَمَعْنَاهُ أَنِّي هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى دِيَارِكُمْ لِاسْتِيطَانِهَا فَلَا أَتْرُكُهَا وَلَا أَرْجِعُ عَنْ هِجْرَتِي الْوَاقِعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ أَنَا مُلَازِمٌ لَكُمْ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ أَيْ لَا أحي إِلَّا عِنْدَكُمْ وَلَا أَمُوتُ إِلَّا عِنْدَكُمْ وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ هَذَا بكوا واعتذروا وقالوا وَاللَّهِ مَا قُلْنَا كَلَامَنَا السَّابِقَ إِلَّا حِرْصًا عَلَيْكَ وَعَلَى مُصَاحَبَتِكَ وَدَوَامِكَ عِنْدَنَا لِنَسْتَفِيدَ مِنْكَ وَنَتَبَرَّكَ بِكَ وَتَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِكَ هُوَ بِكَسْرِ الضَّادِ أَيْ شُحًّا بِكَ أَنْ تُفَارِقَنَا وَيَخْتَصَّ بِكَ غَيْرُنَا وَكَانَ بُكَاؤُهُمْ فَرَحًا بِمَا قَالَ لَهُمْ وَحَيَاءً مِمَّا خَافُوا أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُ عَنْهُمْ مِمَّا يستحي مِنْهُ قَوْلُهُ (فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) فِيهِ الِابْتِدَاءُ بِالطَّوَافِ فِي أَوَّلِ دُخُولِ مَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَهُوَ يَوْمُ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ وَالْأَحَادِيثُ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَخْصِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا بَعْدَهُ لِحَرْبٍ أَوْ بَغْيٍ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ دُخُولُهَا حَلَالًا فَلَيْسَ كَمَا نُقِلَ بَلْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَآخَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهَا حَلَالًا لِلْمُحَارِبِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا لِمَنْ يَخَافُ مِنْ ظَالِمٍ لَوْ ظَهَرَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ أَصْلًا فَلِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِحْرَامُ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلُهُ (فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ فَجَعَلَ يَطْعَنُهُ بِسِيَةِ قَوْسِهِ) السِّيَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وتخفيف الياء
(12/129)

الْمَفْتُوحَةِ الْمُنْعَطِفُ مِنْ طَرَفَيِ الْقَوْسِ وَقَوْلُهُ يَطْعُنُ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا فِي لُغَةٍ وَهَذَا الْفِعْلُ إِذْلَالٌ لِلْأَصْنَامِ وَلِعَابِدِيهَا وَإِظْهَارٌ لِكَوْنِهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه قَوْلُهُ (جَعَلَ يَطْعُنُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ النُّصُبُ الصَّنَمُ وَفِي هَذَا اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عِنْدَ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ قَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى احْصُدُوهُمْ حَصْدًا) هُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلُ السِّيَرِ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فُتِحَتْ صُلْحًا وَادَّعَى الْمَازِرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ انْفَرَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِقَوْلِهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ قَالُوا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ فَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ آمِنِينَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا وَبِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ أَجَارَتْ رَجُلَيْنِ أَرَادَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ فَكَيْفَ يَدْخُلُهَا صُلْحًا وَيَخْفَى ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يُرِيدَ قَتْلَ رَجُلَيْنِ دَخَلَا فِي الْأَمَانِ وَكَيْفَ يُحْتَاجُ إِلَى أَمَانِ أُمِّ هَانِئٍ بَعْدَ الصُّلْحِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَهُمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم احصدوهم وقتل خَالِدٌ مَنْ قَتَلَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ قِتَالًا وَأَمَّا أَمَانُ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَأَمَانُ أُمِّ هَانِئٍ فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ
(12/130)

عَلَى زِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ لَهُمْ بِالْأَمَانِ وَأَمَّا هَمُّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَتْلِ الرَّجُلَيْنِ فَلَعَلَّهُ تَأَوَّلَ مِنْهُمَا شَيْئًا أَوْ جَرَى مِنْهُمَا قِتَالٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَمَا أَشْرَفَ أَحَدٌ يَوْمئِذٍ لَهُمْ إِلَّا أَنَامُوهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَشْرَفَ مُظْهِرًا لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُولَ الله قال فما اسمي إذا كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ هَذَا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي نَبِيٌّ لِإِعْلَامِي إِيَّاكُمْ بِمَا تَحَدَّثْتُمْ بِهِ سِرًّا وَالثَّانِي لَوْ فَعَلْتُ هَذَا الَّذِي خِفْتُمْ مِنْهُ وَفَارَقْتُكُمْ وَرَجَعْتُ إِلَى اسْتِيطَانِ مَكَّةَ لَكُنْتُ نَاقِضًا لِعَهْدِكُمْ فِي مُلَازَمَتِكُمْ وَلَكَانَ هَذَا غَيْرَ مُطَابِقٍ لِمَا اشْتُقَّ مِنْهُ اسْمِي وَهُوَ الْحَمْدُ فَإِنِّي كُنْتُ أُوصَفُ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ الْحَمْدِ قَوْلُهُ (وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَكَانَ كُلُّ رجل منا بصنع طَعَامًا يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ فَكَانَتْ نَوْبَتِي) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ اشْتَرَاكِ الْمُسَافِرِينَ فِي الْأَكْلِ وَاسْتِعْمَالِهِمْ مكارم الأخلاق وليس هذا من باب المعارضة حتى يشترط فيه المساواة في الطعام وأن لا يَأْكُلَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُرُوءَاتِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ فَيَجُوزُ وَإِنْ تَفَاضَلَ الطَّعَامُ وَاخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ وَيَجُوزُ وَإِنْ أَكَلَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُمْ إِيثَارَ بَعْضِهِمْ بعضا قوله (فجاؤا إِلَى الْمَنْزِلِ وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا فَقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى آخِرِهِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ وَجَوَازُ
(12/131)

دُعَائِهِمْ إِلَيْهِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ وَاسْتِحْبَابُ حَدِيثِهِمْ فِي حَالِ الِاجْتِمَاعِ بِمَا فِيهِ بَيَانُ أَحْوَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَغَزَوَاتِهِمْ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَنْشَطُ النُّفُوسُ لِسَمَاعِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنَ الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ ضُرٌّ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا وَلَا أَذًى لِأَحَدٍ لِتَنْقَطِعَ بِذَلِكَ مُدَّةُ الِانْتِظَارِ وَلَا يَضْجَرُوا وَلِئَلَّا يَشْتَغِلَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي غِيبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ فِي الْجَمْعِ مَشْهُورٌ بِالْفَضْلِ أَوْ بِالصَّلَاحِ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الْحَدِيثُ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبُوا اسْتُحِبَّ لَهُ الِابْتِدَاءُ بِالْحَدِيثِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِيهِمْ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُمْ قَوْلُهُ (وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي) الْبَيَاذِقَةُ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافٍ وَهُمُ الرَّجَّالَةُ قَالُوا وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ أَصْحَابُ رِكَابِ الْمَلِكِ وَمَنْ يَتَصَرَّفُ فِي أُمُورِهِ قِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِخِفَّتِهِمْ وَسُرْعَةِ حَرَكَتِهِمْ هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ هُنَا وَفِي غَيْرِ مُسْلِمٍ أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا رِوَايَتُنَا فِيهِ قَالَ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ السَّاقَةُ وَهُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ آخِرَ الْعَسْكَرِ وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيَاذِقَةِ بِأَنَّهُمْ رَجَّالَةٌ وَسَاقَةٌ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ الشَّارِفَةُ وَفَسَّرُوهُ بِالَّذِينَ يُشْرِفُونَ عَلَى مَكَّةَ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا فِي بَطْنِ الْوَادِي وَالْبَيَاذِقَةُ هُنَا هُمُ الْحُسَّرُ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَهُمْ رَجَّالَةٌ لَا دُرُوعَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ (وَقَالَ مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا) يَعْنِي قَالَ هَذَا لِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ الَّذِينَ أَخَذُوا أَسْفَلَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَأَخَذَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ أَعْلَى مَكَّةَ قَوْلُهُ (فَمَا أَشْرَفَ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ) أَيْ مَا ظَهَرَ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلُوهُ فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى أَسْكَنُوهُ بِالْقَتْلِ كَالنَّائِمِ يُقَالُ نَامَتِ الرِّيحُ إِذَا سَكَنَتْ وَضَرَبَهُ
(12/132)

حَتَّى سَكَنَ أَيْ مَاتَ وَنَامَتِ الشَّاةُ وَغَيْرُهَا مَاتَتْ قَالَ الْفَرَّاءُ النَّائِمَةُ الْمَيِّتَةُ هَكَذَا تَأَوَّلَ هذه اللفظة
(12/133)

الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَمَنْ قَالَ فُتِحَتْ صُلْحًا يَقُولُ أَنَامُوهُ أَلْقَوْهُ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1782] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ قُرَيْشًا يُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ وَلَا يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَمَا ارْتَدَّ غَيْرُهُمْ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ حُورِبَ وَقُتِلَ صَبْرًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ ظُلْمًا صَبْرًا فَقَدْ جَرَى عَلَى قُرَيْشٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ غَيْرُ مُطِيعٍ كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطِيعًا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عُصَاةُ هُنَا جَمْعُ الْعَاصِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لَا مِنَ الصِّفَاتِ أَيْ مَا أَسْلَمَ مِمَّنْ كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِ مِثْلُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَالْعَاصِ بْنِ هِشَامٍ أَبُو الْبُخْتُرِيِّ وَالْعَاصِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ وَالْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ وَالْعَاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِمْ سِوَى الْعَاصِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعُذْرِيِّ فَغَيَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَهُ فَسَمَّاهُ مُطِيعًا وَإِلَّا فَقَدْ أَسْلَمَتْ عُصَاةُ قُرَيْشٍ وَعُتَاتُهُمْ كُلُّهُمْ بحمد الله تعالى ولكنه تَرَكَ أَبَا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَاسْمُهُ أَيْضًا الْعَاصِ فَإِذَا صَحَّ هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا لِمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ وَجُهِلَ اسْمُهُ لَمْ يُعَرِّفْهُ الْمُخْبِرُ بِاسْمِهِ فَلَمْ يَسْتَثْنِهِ كَمَا اسْتَثْنَى مُطِيعَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(12/134)

(بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَالْجِعِرَّانَةِ لُغَتَانِ التَّخْفِيفُ وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَالتَّشْدِيدُ وَسَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلُهُ

[1783] (هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى قَاضَى هُنَا فَاصَلَ وَأَمْضَى أَمْرَهُ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَضَى الْقَاضِي أَيْ فَصَلَ الْحُكْمَ وَأَمْضَاهُ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تِلْكَ السَّنَةُ عَامَ الْمُقَاضَاةِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ كُلُّهُ مِنْ هَذَا وَغَلَّطُوا مَنْ قَالَ إِنَّهَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ لِقَضَاءِ الْعُمْرَةِ التي صدعنها لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ الْمَصْدُودِ عَنْهَا إِذَا تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَوَّلِ الْوَثَائِقِ وَكُتُبِ الْإِمْلَاكِ وَالصَّدَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا هَذَا مَا اشْتَرَى فُلَانٌ أَوْ هَذَا مَا أَصْدَقَ أَوْ وَقَفَ أَوْ أَعْتَقَ وَنَحْوَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وَجَمِيعِ الْبُلْدَانِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بالاسم الشهور من غير زيادة خلافا لمن قال لابد مِنْ أَرْبَعَةٍ الْمَذْكُورِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَنَسَبِهِ وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الصُّلْحَ عَلَى مَا رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ وَفِيهِ احْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ الْيَسِيرَةِ لِدَفْعِ أَعْظَمَ مِنْهَا أَوْ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِذَلِكَ قَوْلُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ امْحُهُ فَقَالَ مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِالَّذِي أَمْحَاهُ وَهِيَ لُغَةٌ فِي أَمْحُوهُ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ الْمُسْتَحَبِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتِيمَ مَحْوِ عَلِيٍّ بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ)
(12/135)

وَلَوْ حَتَّمَ مَحْوَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لِعَلِيٍّ تَرْكُهُ وَلَمَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ قَوْلُهُ (وَلَا يَدْخُلُهَا بِسِلَاحٍ إِلَّا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ جلبان السلاح هو القراب وما فيه والجلبان بِضَمِّ الْجِيمِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ ضَبَطْنَاهُ جُلُبَّانُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قال وكذا رواه الأكثرون وصوبه بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَصَوَّبَهُ هُوَ وَثَابِتٌ وَلَمْ يَذْكُرْ ثَابِتٌ سِوَاهُ وَهُوَ أَلْطَفُ مِنَ الْجِرَابِ يَكُونُ مِنَ الْأُدُمِ يُوضَعُ فِيهِ السَّيْفُ مُغْمَدًا وَيَطْرَحُ فِيهِ الرَّاكِبُ سَوْطَهُ وَأَدَاتَهُ وَيُعَلِّقُهُ فِي الرَّحْلِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا شَرَطُوا هَذَا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أن لا يَظْهَرَ مِنْهُ دُخُولُ الْغَالِبِينَ الْقَاهِرِينَ وَالثَّانِي أَنَّهُ إِنْ عَرَضَ فِتْنَةٌ أَوْ نَحْوُهَا يَكُونُ فِي الِاسْتِعْدَادِ بِالسِّلَاحِ صُعُوبَةٌ قَوْلُهُ (اشْتَرَطُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا) قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الْمُهَاجِرَ مِنْ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهَذَا أَصْلٌ فِي أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْإِقَامَةِ وَأَمَّا مَا فَوْقَهَا فَلَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ وقَدْ رَتَّبَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيمَنْ نَوَى إِقَامَةً فِي بَلَدٍ فِي طَرِيقِهِ وَقَاسُوا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلَ كَثِيرَةً قَوْلُهُ (لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْتِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا
(12/136)

أُحْصِرَ عِنْدَ الْبَيْتِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رواية جميع الرواة سوى بن الْحَذَّاءِ فَإِنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْبَيْتِ وَهُوَ الوجه وأما أحصر وَحُصِرَ فَسَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرِنِي مَكَانَهَا فَأَرَاهُ مكانها فمحاها وكتب بن عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ احْتَجَّ بِهَذَا اللَّفْظِ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب ذَلِكَ بِيَدِهِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَالَ فِيهِ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَ فَكَتَبَ وَزَادَ عَنْهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ وَلَا يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْمَذْهَبِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ إِمَّا بِأَنْ كَتَبَ ذَلِكَ الْقَلَمُ بِيَدِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يَكْتُبُ أَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ حَتَّى كَتَبَ وَجَعَلَ هَذَا زيادة في معجزته فإنه كان أميا فكما علمه مالم يعلم من العلم وجعله يقرأ مالم يقرأ ويتلو مالم يكن يتلو كذلك علمه أن يكتب مالم يكن يكتب وخط مالم يكن يَخُطَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَوْ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ قَالُوا وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي وَصْفِهِ بِالْأُمِّيَّةِ وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ جَاءَتْ فِي هَذَا عَنِ الشعبي وبعض السلف وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَتَبَ قَالَ الْقَاضِي وَإِلَى جَوَازِ هَذَا ذَهَبَ الْبَاجِيُّ وَحَكَاهُ عَنِ السِّمَنَانِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى مَنْعِ هَذَا كُلِّهِ قَالُوا وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الذَّاهِبُونَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُبْطِلُهُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كتاب ولا تخطه بيمينك وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ قَالُوا وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَتَبَ مَعْنَاهُ أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ كَمَا يُقَالُ رَجَمَ مَاعِزًا وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الشَّارِبَ أَيْ أَمَرَ بِذَلِكَ وَاحْتَجُّوا
(12/137)

بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اكْتُبْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّهُ لَمْ يَتْلُ وَلَمْ يَخُطَّ أَيْ مِنْ قَبْلِ تَعْلِيمِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَبْلِهِ فَكَمَا جَازَ أَنْ يَتْلُوَ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ وَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي كَوْنِهِ أُمِّيًّا إِذْ لَيْسَتِ الْمُعْجِزَةُ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا فَإِنَّ الْمُعْجِزَةَ حَاصِلَةٌ بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ وَبِعُلُومٍ لَا يَعْلَمُهَا الْأُمِّيُّونَ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ظَاهِرٌ قَالَ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ كَالنَّصِّ أَنَّهُ كَتَبَ بِنَفْسِهِ قَالَ وَالْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ مَجَازٌ وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ قَالَ وَقَدْ طَالَ كَلَامُ كُلِّ فِرْقَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشَنَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلَى الْأُخْرَى فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا يَوْمُ الثَّالِثِ بِإِضَافَةِ يَوْمٍ إِلَى الثَّالِثِ وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ جَوَازُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ منه أي أَيْ يَوْمُ الزَّمَانِ الثَّالِثِ قَوْلُهُ (فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ قَالُوا لِعَلِيٍّ هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ فَأْمُرْهُ أَنْ يَخْرُجَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ فَخَرَجَ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَقَعْ فِي عَامِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَكَانُوا شَارَطُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَجِيءَ بِالْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَعْتَمِرَ وَلَا يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَجَاءَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَأَقَامَ إِلَى أَوَاخِرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالُوا لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هَذَا الْكَلَامَ فَاخْتَصَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْإِقَامَةَ وَهَذَا الْكَلَامَ كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ أَحْوَجُوهُمْ إِلَى أَنْ يَطْلُبُوا
(12/138)

مِنْهُمُ الْخُرُوجَ وَيَقُومُوا بِالشَّرْطِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الطَّلَبَ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بِيَسِيرٍ وَكَانَ عَزْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ عَلَى الِارْتِحَالِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثَةِ فَاحْتَاطَ الْكُفَّارُ لِأَنْفُسِهِمْ وَطَلَبُوا الِارْتِحَالَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثَةِ بِيَسِيرٍ فَخَرَجُوا عِنْدَ انْقِضَائِهَا وَفَاءً بِالشَّرْطِ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ لَوْ لَمْ يُطْلَبِ ارْتِحَالُهُمْ قَوْلُهُ

[1784] (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ سُهَيْلٌ أَمَّا بِسْمِ اللَّهِ فَمَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ولكن اكتب ما نعرف بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) قَالَ الْعُلَمَاءُ وَافَقَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِ كِتَابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَأَنَّهُ كَتَبَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ وَكَذَا وَافَقَهُمْ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَتَرَكَ كِتَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا وَافَقَهُمْ فِي رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَيْنَا دُونَ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا وَافَقَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُهِمَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالصُّلْحِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَفْسَدَةَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ أَمَّا الْبَسْمَلَةُ وَبِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَكَذَا قَوْلُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَيْضًا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ فِي تَرْكِ وَصْفِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ وَلَا فِي تَرْكِ وَصْفِهِ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا بِالرِّسَالَةِ مَا يَنْفِيهَا فَلَا مَفْسَدَةَ فِيمَا طَلَبُوهُ وَإِنَّمَا كَانَتِ المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب مالا يَحِلُّ مِنْ تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ
(12/139)

وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا شَرْطُ رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ وَمَنْعِ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِكْمَةَ فِيهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا ثُمَّ كَانَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ اللَّهُ لِلَّذِينَ جَاءُونَا مِنْهُمْ وَرَدَّهُمْ إِلَيْهِمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَهَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمَصْلَحَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى إِتْمَامِ هَذَا الصُّلْحِ مَا ظَهَرَ مِنْ ثَمَرَاتِهِ الْبَاهِرَةِ وَفَوَائِدِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ الَّتِي كَانَتْ عَاقِبَتُهَا فَتْحَ مَكَّةَ وَإِسْلَامَ أَهْلِهَا كُلِّهَا وَدُخُولَ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَبْلَ الصُّلْحِ لَمْ يَكُونُوا يَخْتَلِطُونَ بِالْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَظَاهَرُ عِنْدَهُمْ أُمُورُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هِيَ وَلَا يَحِلُّونَ بِمَنْ يُعْلِمُهُمْ بِهَا مُفَصَّلَةً فَلَمَّا حَصَلَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ اخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَجَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَذَهَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَكَّةَ وَحَلُّوا بِأَهْلِهِمْ وَأَصْدِقَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَسْتَنْصِحُونَهُ وَسَمِعُوا مِنْهُمْ أَحْوَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفَصَّلَةً بِجُزْئِيَّاتِهَا وَمُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةَ وَأَعْلَامَ نُبُوَّتِهِ الْمُتَظَاهِرَةَ وَحُسْنَ سِيرَتِهِ وَجَمِيلَ طَرِيقَتِهِ وَعَايَنُوا بِأَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فَمَا زَلَّتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ حَتَّى بَادَرَ خَلْقٌ مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَسْلَمُوا بَيْنَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ مَكَّةَ وَازْدَادَ الْآخَرُونَ مَيْلًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ لِمَا كَانَ قَدْ تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَيْلِ وَكَانَتِ الْعَرَبُ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ فِي الْبَوَادِي يَنْتَظِرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ إِسْلَامَ قُرَيْشٍ فَلَمَّا أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أَسْلَمَتِ الْعَرَبُ فِي الْبَوَادِي قَالَ تَعَالَى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دين الله أفواجا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) هُوَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ هَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالدَّرْجِ عَلَى وَزْنَيْ مِيَاهٍ وَشِيَاهٍ قَوْلُهُ (قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ إِلَى آخِرِهِ) أَرَادَ بِهَذَا تَصْبِيرَ النَّاسِ عَلَى الصُّلْحِ وَإِعْلَامِهِمْ بِمَا يُرْجَى بَعْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ فَإِنَّهُ يُرْجَى مَصِيرُهُ إِلَى خَيْرٍ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ فِي الِابْتِدَاءِ مِمَّا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ كَمَا كَانَ شَأْنُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِنَّمَا قَالَ سَهْلٌ هَذَا الْقَوْلَ حين
(12/140)

ظَهَرَ مِنْ أَصْحَابَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَرَاهَةَ التَّحْكِيمِ فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كَرَاهَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ الصُّلْحَ وَأَقْوَالِهِمْ فِي كَرَاهَتِهِ وَمَعَ هَذَا فَأَعْقَبَ خَيْرًا عَظِيمًا فَقَرَّرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصُّلْحِ مَعَ أَنَّ إِرَادَتَهُمْ كَانَتْ مُنَاجَزَةَ كُفَّارِ مَكَّةَ بِالْقِتَالِ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قوله (فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا) هِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ النَّقِيصَةُ وَالْحَالَةُ النَّاقِصَةُ قَالَ الْعُلَمَاءُ لَمْ يَكُنْ سُؤَالُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَلَامُهُ الْمَذْكُورُ شَكًّا بَلْ طَلَبًا لِكَشْفِ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ وَحَثًّا عَلَى إِذْلَالِ الْكُفَّارِ وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ كَمَا عُرِفَ مِنْ خُلُقِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقُوَّتِهِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ وَإِذْلَالِ الْمُبْطِلِينَ وَأَمَّا جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعُمَرَ بِمِثْلِ جَوَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِنَ الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِهِ وَبَارِعِ عِلْمِهِ وَزِيَادَةِ عِرْفَانِهِ وَرُسُوخِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَزِيَادَتِهِ فِيهِ كُلِّهِ عَلَى غَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ (فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَتْحِ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فأقرأه إياه فقال يا رسول الله
(12/141)

أو فتح هُوَ قَالَ نَعَمْ فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ) الْمُرَادُ أَنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فتحا مبينا وَكَانَ الْفَتْحُ هُوَ صُلْحَ يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ عمر أو فتح هُوَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا وَفِيهِ إِعْلَامُ الْإِمَامِ وَالْعَالِمِ كِبَارَ أَصْحَابِهِ بمَا يَقَعُ لَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَالْبَعْثِ إِلَيْهِمْ لِإِعْلَامِهِمْ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (يَوْمُ أَبِي جَنْدَلٍ) هُوَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ وَاسْمُ أبي جندل العاص بن سهيل بن عمر وقوله أمر بفظعنا أي يشق علينا ونخافه قوله (إلى أَمْرَكُمْ) هَذَا يَعْنِي الْقِتَالَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ قَوْلُهُ (عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ) هَكَذَا وَقَعَ هذا
(12/142)

الْحَدِيثُ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ كُلِّهَا وَفِيهِ مَحْذُوفٌ وَهُوَ جَوَابُ لَوْ تَقْدِيرُهُ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَدَدْتُهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَوْ تَرَى إِذِ المجرمون وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ولو ترى إذ الظالمون موقوفون وَنَظَائِرُهُ فَكُلُّهُ مَحْذُوفُ جَوَابِ لَوْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ مَا فَتَحْنَا مِنْهُ خُصْمًا فَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ وَمَعْنَاهُ مَا أَصْلَحْنَا مِنْ رَأْيِكُمْ وَأَمْرِكُمْ هذا ناحية إلا انفتحت أُخْرَى وَلَا يَصِحُّ إِعَادَةُ الضَّمِيرِ إِلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ مَا فَتَحْنَا مِنْهُ خُصْمًا فَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي وَهُوَ غَلَطٌ أَوْ تَغْيِيرٌ وَصَوَابُهُ مَا سَدَدْنَا مِنْهُ خُصْمًا وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَا سَدَدْنَا وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ وَيَتَقَابَلُ سَدَدْنَا بِقَوْلِهِ إِلَّا انْفَجَرَ وَأَمَّا الْخُصْمُ فَبِضَمِّ الْخَاءِ وَخُصْمُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وَنَاحِيَتُهُ وَشَبَّهَهُ بِخُصْمِ الرَّاوِيَةِ وَانْفِجَارِ الْمَاءِ مِنْ طَرَفِهَا أَوْ بِخُصْمِ الغرارة والخرج وانصباب مافيه بِانْفِجَارِهِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ مُصَالَحَةِ الْكُفَّارِ إِذَا كَانَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ مُدَّتَهَا لَا تَزِيدُ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ مُسْتَظْهِرًا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَفِي قَوْلٍ يَجُوزُ دون سنة وقال مالك لاحد لِذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ قَلَّ أَمْ كَثُرَ بحسب رأى الإمام والله أعلم
(12/143)

(باب الوفاء بالعهد

[1787] قَوْلُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ (خَرَجْتُ أَنَا وأبي حسيل) إلى آخره هو حُسَيْلٌ بِحَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ سِينٍ مَفْتُوحَةٍ مُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ يَاءٍ ثُمَّ لَامٍ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا حِسْلٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَهُوَ وَالِدُ حُذَيْفَةَ وَالْيَمَانُ لَقَبٌ لَهُ وَالْمَشْهُورُ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ الْيَمَانِ بِالنُّونِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ بَعْدَهَا وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَالصَّحِيحُ الْيَمَانِيُّ بِالْيَاءِ وَكَذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي وَشَدَّادُ بْنُ الْهَادِي وَالْمَشْهُورُ لِلْمُحَدِّثِينَ حَذْفُ الْيَاءِ وَالصَّحِيحُ إِثْبَاتُهَا قَوْلُهُ (فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا قُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا عَلَيْنَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ انْصَرِفَا نَفْي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ وَإِذَا أَمْكَنَ التَّعْرِيضُ فِي الْحَرْبِ فَهُوَ أَوْلَى وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَكَذِبُ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَفِيهِ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ وَقَدِ اخْتَلَفَ العلماء في الأسير يعاهد الكفار أن لا يَهْرَبَ مِنْهُمْ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَلْ مَتَى أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ هَرَبَ وَقَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهُوهُ فَحَلَفَ لَا يَهْرَبُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ وَأَمَّا قَضِيَّةُ حُذَيْفَةَ وَأَبِيهِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ اسْتَحْلَفُوهُمَا لَا يُقَاتِلَانِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ وَهَذَا لَيْسَ لِلْإِيجَابِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِتَرْكِ الْجِهَادِ مَعَ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ وَلَكِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَشِيعَ عَنْ أَصْحَابِهِ نَقْضُ الْعَهْدِ وَإِنْ)
(12/144)

كَانَ لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشِيعَ عَلَيْهِمْ لَا يَذْكُرُ تَأْوِيلًا

(بَاب غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ

[1788] قَوْلُهُ (كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ رَجُلٌ لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ مَا قَالَ) مَعْنَاهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَالَغَ فِي نُصْرَتِهِ وَلَزَادَ عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ فِي لَيْلَةِ الْأَحْزَابِ وَقَصَدَ زَجْرَهُ عَنْ ظَنِّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ أَكْثَرَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ قَوْلُهُ (وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَهُوَ الْبَرْدُ وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا (قُرِرْتُ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ بَرَدْتُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ لَا تُفَزِّعْهُمْ عَلَيَّ وَلَا تُحَرِّكْهُمْ عَلَيَّ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تُنَفِّرْهُمْ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ لَا تُحَرِّكْهُمْ عَلَيْكَ فَإِنَّهُمْ إِنْ أَخَذُوكَ كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيَّ لِأَنَّكَ رَسُولِي وَصَاحِبِي قوله (فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي)
(12/145)

فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ) يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَجِدِ الْبَرْدَ الَّذِي يَجِدُهُ النَّاسُ وَلَا مِنْ تِلْكَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ شَيْئًا بَلْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُ بِبَرَكَةِ إِجَابَتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَابِهِ فِيمَا وَجَّهَهُ لَهُ وَدُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ اللُّطْفُ بِهِ وَمُعَافَاتُهُ مِنَ الْبَرْدِ حَتَّى عَادَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَجَعَ وَوَصَلَ عَادَ إِلَيْهِ الْبَرْدُ الَّذِي يَجِدُهُ النَّاسُ وَهَذِهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظَةُ الْحَمَّامِ عَرَبِيَّةٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ قَوْلُهُ (فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ أَيْ يُدْفِئُهُ وَيُدْنِيهِ مِنْهَا وَهُوَ الصَّلَا بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْقَصْرِ وَالصِّلَاءُ بِكَسْرِهَا وَالْمَدِّ قَوْلُهُ (كَبِدِ الْقَوْسِ) هُوَ مِقْبَضُهَا وَكَبِدُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ قَوْلُهُ (فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا) الْعَبَاءَةُ بِالْمَدِّ وَالْعَبَايَةُ بِزِيَادَةِ يَاءٍ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الصُّوفِ وَهُوَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَسَوَاءٌ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي ذَلِكَ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَتِ الشِّيعَةُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الصُّوفِ وَتَجُوزُ فِيهِ وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ قَوْلُهُ (فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ قُمْ يَا نَوْمَانُ) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَهُوَ كَثِيرُ النَّوْمِ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي النِّدَاءِ كَمَا اسْتَعْمَلَهُ هُنَا وَقَوْلُهُ (أَصْبَحْتُ) أَيْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَأَمِيرِ الْجَيْشِ بَعْثُ الْجَوَاسِيسِ وَالطَّلَائِعِ لِكَشْفِ خَبَرِ الْعَدُوِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(12/146)

(بَاب غَزْوَةِ أُحُدٍ

[1789] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الأزدي وكذا قاله البخاري في التاريخ وبن أبي حاتم في كتابه وغيرهما وذكره بن عَدِيٍّ وَالسَّمْعَانِيُّ فَقَالَا هُوَ قَيْسِيٌّ فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَخَاهُ أُمَيَّةَ بْنَ خَالِدٍ فَنَسَبَهُ قَيْسِيًّا وَذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ فَقَالَ الْقَيْسِيُّ الْأَزْدِيُّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَانِ نِسْبَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ لِأَنَّ الْأَزْدَ مِنَ الْيَمَنِ وَقَيْسَ مِنْ مَعَدٍّ قَالَ وَلَكِنْ قَيْسُ هُنَا لَيْسَ قَيْسَ غَيْلَانَ بَلْ قَيْسَ بْنَ يُونَانَ مِنَ الْأَزْدِ فَتَصِحُّ النِّسْبَتَانِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي زِيَادِ بْنِ رَبَاحٍ الْقَيْسِيِّ وَيُقَالُ رِيَاحٌ كَذَا نَسَبَهُ مُسْلِمٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ الْقَيْسِيُّ وَقَالَ فِي النُّذُورِ التَّيْمِيُّ قِيلَ لَعَلَّهُ مِنْ تَيْمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَيَجْتَمِعُ النِّسْبَتَانِ وَإِلَّا فَتَيْمُ قُرَيْشٍ لَا تجْتَمِعُ هِيَ وَقَيْسٌ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ضَبْطِ هَدَّابٍ هَذَا مَرَّاتٍ وَأَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ هُدْبَةُ بِضَمِّ الْهَاءِ قِيلَ هُدْبَةُ اسْمٌ وَهَدَّابٌ لَقَبٌ وَقِيلَ عَكْسُهُ قَوْلُهُ (فَلَمَّا رَهِقُوهُ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ غَشُوهُ وَقَرُبُوا مِنْهُ أَرْهَقَهُ أَيْ غَشِيَهُ قَالَ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ رَهِقْتُهُ وَأَرْهَقْتُهُ أَيْ أَدْرَكْتُهُ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ قِيلَ لَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْمَكْرُوهِ قَالَ وَقَالَ ثَابِتٌ كُلُّ شَيْءٍ دَنَوْتَ مِنْهُ فَقَدْ رَهِقْتَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَهُ سَبْعَةُ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ فَقُتِلَتِ السَّبْعَةُ فَقَالَ لِصَاحِبَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا) الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِيهِ مَا أنصفنا بإسكان الفاء وأصحابنا مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ بِهِ هَكَذَا ضَبَطَهُ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَمَعْنَاهُ مَا أَنْصَفَتْ قُرَيْشٌ الأنصار لكون)
(12/147)

القرشيين لَمْ يَخْرُجَا لِلْقِتَالِ بَلْ خَرَجَتِ الْأَنْصَارُ وَاحِدًا بعدو أحد وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مَا أَنْصَفَنَا بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا الَّذِينَ فَرُّوا مِنَ الْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُنْصِفُوا لِفِرَارِهِمْ قَوْلُهُ

[1790] (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ رُوَاةِ كِتَابِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ جَعَلُوا أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ بَدَلَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ (وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) هِيَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهِيَ السِّنُّ الَّتِي تَلِي الثَّنِيَّةَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَلِلْإِنْسَانِ أَرْبَعُ رَبَاعِيَاتٍ وَفِي هَذَا وُقُوعُ الِانْتِقَامِ وَالِابْتِلَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لِيَنَالُوا جَزِيلَ الْأَجْرِ وَلِتَعْرِفَ أُمَمُهُمْ وَغَيْرُهُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَيَتَأَسَّوْا بِهِمْ قَالَ الْقَاضِي وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُمْ مِنَ الْبَشَرِ تُصِيبُهُمْ مِحَنُ الدُّنْيَا وَيَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِهِمْ مَا يَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِ الْبَشَرِ لِيَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ وَلَا يُفْتَتَنَ بِمَا ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَتَلْبِيسِ الشيطان من أمرهم مالبسه عَلَى النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ (وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ لُبْسِ الْبَيْضَةِ وَالدُّرُوعِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَصُّنِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ قَوْلُهُ (يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ) أَيْ يَصُبُّ عَلَيْهَا بِالتُّرْسِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْمُدَاوَاةِ وَمُعَالَجَةِ الْجِرَاحِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ لِأَنَّ
(12/148)

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يموت قَوْلُهُ (دُووِيَ جُرْحُهُ) هُوَ بِوَاوَيْنِ وَيَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ وَتَكُونُ الْأُخْرَى مَحْذُوفَةً كَمَا حُذِفَتْ مِنْ دَاوُدَ فِي
(12/149)

الْخَطِّ

[1792] قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَى نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) فِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحِلْمِ وَالتَّصَبُّرِ وَالْعَفْوِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى قَوْمِهِمْ وَدُعَائِهِمْ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَالْغُفْرَانِ وَعُذْرِهِمْ فِي جِنَايَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَهَذَا النَّبِيُّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ قَوْلُهُ (وَهُوَ يَنْضِحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ) هُوَ بِكَسْرِ الضَّادِ أَيْ يَغْسِلُهُ وَيُزِيلُهُ

(بَاب اشْتِدَادِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ

[1793] (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَقَوْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لِأَنَّ مَنْ يَقْتُلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ قَاصِدًا قَتْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)
(12/150)

(باب مالقى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) قَوْلُهُ

[1794] (أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ إِلَى آخِرِهِ) السَّلَا بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ مَقْصُورٌ وَهُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْوَلَدُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَهِيَ مِنَ الْآدَمِيَّةِ الْمَشِيمَةُ قَوْلُهُ (فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ) هُوَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ كَيْفَ اسْتَمَرَّ فِي الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى ظَهْرِهِ وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَجِسٍ قَالَ لِأَنَّ الْفَرْثَ وَرُطُوبَةَ الْبَدَنِ طَاهِرَانِ وَالسَّلَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا النَّجِسُ الدَّمُ وَهَذَا الْجَوَابُ يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ رَوْثَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَآخَرِينَ نَجَاسَتُهُ وَهَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا السَّلَا يَتَضَمَّنُ النَّجَاسَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ مِنَ الدَّمِ فِي الْعَادَةِ وَلِأَنَّهُ ذَبِيحَةُ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ فَهُوَ نَجِسٌ وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ وَجَمِيعُ أَجْزَاءِ هَذَا الْجَزُورِ وَأَمَّا الْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ مَا وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ فَاسْتَمَرَّ فِي سُجُودِهِ اسْتِصْحَابًا لِلطَّهَارَةِ وَمَا نَدْرِي هَلْ كَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً فَتَجِبُ إِعَادَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا أَمْ غَيْرَهَا فَلَا تَجِبُ فَإِنْ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ فالوقت موسع لها فإن قيل يبعد أن لا يُحِسُّ بِمَا وَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ قُلْنَا وَإِنْ أَحَسَّ بِهِ فَمَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ نَجَاسَةٌ وَاللَّهُ أعلم)
(12/151)

قَوْلُهُ (لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ) هِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَحُكِيَ إِسْكَانُهَا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَمَعْنَاهُ لَوْ كَانَ لِي قُوَّةٌ تَمْنَعُ أَذَاهُمْ أَوْ كَانَ لِي عَشِيرَةٌ بِمَكَّةَ تَمْنَعُنِي وَعَلَى هَذَا مَنَعَةٌ جَمْعُ مَانِعٍ كَكَاتِبٍ وَكَتَبَةٍ قَوْلُهُ (وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا وَقَوْلُهُ وَإِذَا سَأَلَ هُوَ الدُّعَاءُ لَكِنْ عَطَفَهُ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ تَوْكِيدًا قَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بِالْقَافِ واتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ وَصَوَابُهُ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بَعْدَ هَذَا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى الصَّوَابِ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَلَطٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْوَلِيدُ بن عقبة بالقاف هو بن أَبِي مُعَيْطٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ مَوْجُودًا أَوْ كَانَ طِفْلًا صَغِيرًا جِدًّا فَقَدْ أُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ قَدْ! نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ لِيَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ قَوْلُهُ (وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ) وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَسْمِيَةُ السَّابِعِ أَنَّهُ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَوْلُهُ (وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ
(12/152)

لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ) هَذِهِ إِحْدَى دَعَوَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُجَابَةُ وَالْقَلِيبُ هِيَ الْبِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ وَإِنَّمَا وُضِعُوا فِي الْقَلِيبِ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَلِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِرَائِحَتِهِمْ وَلَيْسَ هُوَ دَفْنًا لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَجِبُ دَفْنُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا بَلْ يُتْرَكُ فِي الصَّحْرَاءِ إِلَّا أَنْ يُتَأَذَّى بِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى بِبَدْرٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ السِّيَرِ قَالُوا إِنَّ عُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ وَهُوَ أَحَدُ السَّبْعَةِ كَانَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَاتَّهَمَهُ فِي حَرَمِهِ وَكَانَ جَمِيلًا فَنَفَخَ فِي إِحْلِيلِهِ سِحْرًا فَهَامَ مَعَ الْوُحُوشِ فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْحَبَشَةِ فَهَلَكَ قَالَ الْقَاضِي وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَأَى أَكْثَرَهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ مِنْهُمْ وَلَمْ يُقْتَلْ بِبَدْرٍ بَلْ حُمِلَ مِنْهَا أَسِيرًا وَإِنَّمَا قَتَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبْرًا بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ بَدْرٍ بِعِرْقِ الظُّبْيَةِ قُلْتُ الظُّبْيَةُ ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ مَضْمُومَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ ثُمَّ هَاءٌ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْحَازِمِيُّ في كتابه المؤتلف في الأماكن قال قَالَ الْوَاقِدِيُّ هُوَ مِنَ الرَّوْحَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ قَوْلُهُ (تَقَطَّعَتْ
(12/153)

أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ) الْأَوْصَالُ الْمَفَاصِلُ قَوْلُهُ (فَلَمْ يُلْقَ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْقَافِ فَقَطْ وَفِي أَكْثَرهَا فَلَمْ يُلْقَى بِالْأَلِفِ وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى لُغَةٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَقَرِيبًا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ (وَكَانَ يُسْتَحَبُّ ثَلَاثًا) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا يُسْتَحَبُّ بِالْبَاءِ الموحدة
(12/154)

فِي آخِرِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ رُوِيَ بِهَاءٍ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَمَعْنَاهُ الْإِلْحَاحُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1795] (فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلا بقرن الثعالب) أي لم أوطن لِنَفْسِي وَأَتَنَبَّهْ لِحَالِي وَلِلْمَوْضِعِ الَّذِي أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَفِيهِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَ قَرْنِ الثَّعَالِبِ لِكَثْرَةِ هَمِّي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي قرن الثعالب هو قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ وَهُوَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ وَأَصْلُ الْقَرْنِ كُلُّ جَبَلٍ صَغِيرٍ يَنْقَطِعُ مِنْ جَبَلٍ كَبِيرٍ قَوْلُهُ (إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ) هُمَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْخَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُمَا جَبَلَا مَكَّةَ أَبُو قُبَيْسٍ وَالْجَبَلُ الَّذِي يُقَابِلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم

[1796] (هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله مالقيت ...
()

لَفْظُ مَا هُنَا بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ الَّذِي لَقِيتِهِ مَحْسُوبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أَنَّ الرَّجَزَ هَلْ هُوَ شِعْرٌ وَأَنَّ مَنْ قَالَ هُوَ شِعْرٌ قال شرط الشعر أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا وَهَذَا لَيْسَ مَقْصُودًا وَأَنَّ الرواية المعروفة)
(12/155)

دَمِيتِ وَلَقِيتِ بِكَسْرِ التَّاءِ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَسْكَنَهَا قَوْلُهُ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ فَنُكِبَتْ إِصْبُعُهُ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ فِي غَارٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْكِنَانِيُّ لَعَلَّهُ غَازِيًا فَتَصَحَّفَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي بَعْضِ الْمُشَاهَدِ وَكَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ يُرَادُ بِالْغَارِ هُنَا الْجَيْشُ وَالْجَمْعُ لَا الْغَارِ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ بَعْضِ الْمُشَاهَدِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا ظَنُّكَ بِامْرِئٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَارَيْنِ أَيْ الْعَسْكَرَيْنِ وَالْجَمْعَيْنِ قَوْلُهُ (وَاشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ما ودعك ربك وما قلى) قال بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا وَدَّعَكَ أَيْ مَا قَطَعَكَ مُنْذُ أَرْسَلَكَ وَمَا قَلَى أَيْ مَا أَبْغَضَكَ وَسُمِّيَ الْوَدَاعُ وَدَاعًا
(12/156)

لِأَنَّهُ فِرَاقٌ وَمُتَارَكَةٌ وَقَوْلُهُ مَا قَرِبَكَ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمُضَارِعُ يَقْرَبُكَ بِفَتْحِهَا وَقَوْلُهُ مَا وَدَّعَكَ هُوَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ عَلَى الْقِرَاءَاتِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي قَرَأَ بِهَا الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِتَخْفِيفِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ مِنْ وَدَعَهُ يَدَعُهُ مَعْنَاهُ مَا تَرَكَكَ قَالَ الْقَاضِي النَّحْوِيُّونَ يُنْكِرُونَ أَنْ يَأْتِيَ مِنْهُ مَاضٍ أَوْ مَصْدَرٌ قَالُوا وَإِنَّمَا جَاءَ مِنْهُ الْمُسْتَقْبَلُ وَالْأَمْرُ لَا غَيْرَ وَكَذَلِكَ يَذَرُ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ جَاءَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ ... وَكَأَنَّ مَا قَدَّمُوا لِأَنْفُسِهِمْ ... أَكْثَرُ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدَعُوا ...

(وَقَالَ مَا الَّذِي غَالَهُ فِي الْوَادِ حَتَّى يَدَعَهُ غَالَهُ بِالْغَيْنِ المعجمة أي أخذه قَوْلُهُ

[1798] (رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فدكية) إلا كاف بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيُقَالُ وِكَافٌ أَيْضًا وَالْقَطِيفَةُ دِثَارٌ مخمل جَمْعُهَا قَطَائِفُ وَقُطُفٌ وَالْفَدَكِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى فَدَكٍ بَلْدَةٍ مَعْرُوفَةٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ (وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ وَهُوَ يَعُودُ سعد بن عباد) 1 فِيهِ جَوَازُ الْإِرْدَافِ عَلَى الْحِمَارِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدَّوَابِّ إِذَا كَانَ مُطِيقًا وَفِيهِ 2 جَوَازُ الْعِيَادَةِ رَاكِبًا وَفِيهِ 3 أَنَّ رُكُوبَ الْحِمَارِ لَيْسَ بِنَقْصٍ في حق)
(12/157)

الْكِبَارِ قَوْلُهُ (عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ هُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ غُبَارِ حَوَافِرِهَا) قَوْلُهُ (خَمَّرَ أَنْفَهُ) أَيْ غَطَّاهُ قَوْلُهُ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِيهِ جَوَازُ الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا بِأَلِفٍ فِي أَحْسَنَ أَيْ لَيْسَ شَيْءٌ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ جَمَاهِيرِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَ وَوَقَعَ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ الْأَحْسَنَ مِنْ هَذَا بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ قَالَ الْقَاضِي وَهُوَ عِنْدِي أَظْهَرُ وَتَقْدِيرُهُ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ تَقْعُدَ فِي بَيْتِكَ وَلَا تَأْتِينَا قَوْلُهُ (فَلَمْ يَزَلْ يُخَفِّضُهُمْ) أَيْ يُسَكِّنُهُمْ وَيُسَهِّلُ الْأَمْرَ بَيْنَهُمْ قَوْلُهُ (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ) بِضَمِّ الْبَاءِ عَلَى التَّصْغِيرِ قَالَ الْقَاضِي وَرُوِّينَا فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ الْبَحِيرَةِ مُكَبَّرَةً وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَأَصْلُهَا الْقَرْيَةُ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَدِينَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيَعْصِبُوهُ بِالْعِصَابَةِ) مَعْنَاهُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهُ مَلِكَهُمْ
(12/158)

وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا مَلَّكُوا إِنْسَانًا أَنْ يتوجوه ويعصبوا قَوْلُهُ (شَرِقَ بِذَلِكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ غَصَّ وَمَعْنَاهُ حَسَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان ذلك بسبب نفاقه عفانا اللَّهُ الْكَرِيمُ قَوْلُهُ (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ) مَعْنَاهُ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ الْإِسْلَامَ وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ كَافِرًا مُنَافِقًا ظَاهِرَ النِّفَاقِ

[1799] قَوْلُهُ (وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ) هِيَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ لِمُلُوحَةِ أَرْضِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحِلْمِ وَالصَّفْحِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي اللَّهِ تَعَالَى وَدَوَامِ الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(12/159)

(بَاب قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1800] (مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ) سَبَبُ السُّؤَالِ عَنْهُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ مَاتَ لِيَسْتَبْشِرَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ وَيَنْكَفَّ شَرُّهُ عَنْهُمْ قَوْلُهُ (ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَكَ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَرَكَ بِالْكَافِ وَفِي بَعْضِهَا بَرَدَ بِالدَّالِ فَمَعْنَاهُ بِالْكَافِ سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ وَبِالدَّالِ مَاتَ يُقَالُ بَرَدَ إِذَا مَاتَ قَالَ الْقَاضِي رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بَرَدَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَافِ قَالَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مُحَقِّقُونَ الْكَافَ وَأَنَّ ابني عفراء تركاه عفيرا وبهذا كلم بن مَسْعُودٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَلَهُ مَعَهُ كَلَامٌ آخر كثير مذكور في غير مسلم وبن مَسْعُودٍ هُوَ الَّذِي أَجْهَزَ عَلَيْهِ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ قَوْلُهُ (وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ) أَيْ لَا عَارَ عَلَيَّ فِي قَتْلِكُمْ إِيَّايَ قَوْلُهُ (لَوْ غير أكار قتلني) الأكار الزَّرَّاعُ وَالْفَلَّاحُ وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ نَاقِصٌ وَأَشَارَ أَبُو جَهْلٍ إِلَى ابْنَيْ عَفْرَاءَ اللَّذَيْنِ قَتَلَاهُ وَهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ وَنَخِيلٍ وَمَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الَّذِي قَتَلَنِي غَيْرَ أَكَّارٍ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَأَعْظَمَ لِشَأْنِي وَلَمْ يَكُنْ عَلَيَّ نَقْصٌ فِي ذَلِكَ)
بَاب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ طَاغُوتِ الْيَهُودِ

[1801] ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِيهِ قِصَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَعَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ بِالْحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ مُخَادَعَتِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ وَجَوَابِهِ فَقَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ إِنَّمَا قَتَلَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدَ النبي
(12/160)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(وَهَجَاهُ وَسَبَّهُ وَكَانَ عاهده أن لا يُعِينَ عَلَيْهِ أَحَدًا ثُمَّ جَاءَ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُعِينًا عَلَيْهِ قَالَ وَقَدْ أَشْكَلَ قَتْلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَمْ يَعْرِفِ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ هَذَا الْجَوَابُ وَقِيلَ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِأَمَانٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ وَإِنَّمَا كَلَّمَهُ فِي أَمْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَاشْتَكَى إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ عَهْدٌ وَلَا أَمَانٌ قَالَ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ قَتْلَهُ كَانَ غَدْرًا وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ إِنْسَانٌ فِي مَجْلِسِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَضُرِبَ عُنُقُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَدْرُ بَعْدَ أَمَانٍ مَوْجُودٍ وَكَانَ كَعْبٌ قَدْ نَقَضَ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُؤَمِّنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرُفْقَتُهُ وَلَكِنَّهُ اسْتَأْنَسَ بِهِمْ فَتَمَكَّنُوا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ وَلَا أَمَانٍ وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِبَابِ الْفَتْكِ فِي الْحَرْبِ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْحَرْبُ بَلِ الْفَتْكُ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ وَالْغِيلَةُ نَحْوُهُ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ اغْتِيَالِ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنَ الْكُفَّارِ وَتَبْيِيتِهِ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ إِلَى الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ (ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ) مَعْنَاهُ ائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ عَنِّي وَعَنْكَ ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامٍ بَاطِنُهُ صَحِيحٌ وَيَفْهَمُ مِنْهُ الْمُخَاطَبُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَذَا جَائِزٌ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا مالم يَمْنَعْ بِهِ حَقًّا شَرْعِيًّا قَوْلُهُ (وَقَدْ عَنَّانَا) هَذَا مِنَ التَّعْرِيضِ الْجَائِزِ بَلِ الْمُسْتَحَبِّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْبَاطِنِ أَنَّهُ أَدَّبَنَا بِآدَابِ الشَّرْعِ التي فيها تعب لكنه تعب في مرضات اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَحْبُوبٌ لَنَا وَالَّذِي فَهِمَ الْمُخَاطَبُ مِنْهُ الْعَنَاءَ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْبُوبٍ قَوْلُهُ (وَأَيْضًا وَاللَّهِ لِتَمَلُّنَّهُ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ أي يتضجرن مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ)
(12/161)

هذا الضجر قوله (يسب بن أَحَدِنَا فَيُقَالُ رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ يُسَبُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ السَّبِّ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ بَعْضِ رواة كِتَابَ مُسْلِمٍ يَشِبُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ المعجمة من الشباب والصواب الأول والوسق بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَأَصْلُهُ الْحِمْلُ قَوْلُهُ (نَرْهَنُكَ اللأمة) هي بالهمز وَفَسَّرَهَا فِي الْكِتَابِ بِأَنَّهَا السِّلَاحُ وَهُوَ كَمَا قَالَ قَوْلُهُ (وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ) أَمَّا الحارث فهو الحارث بن أوس بن أَخِي سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَأَمَّا أَبُو عَبْسٍ فَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ جَبْرٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ كما ذكره في الكتاب ويقال بن جَابِرٍ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ شَهِدَ بَدْرًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْعُزَّى وَهُوَ وَقَعَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَأَبُو عَبْسٍ بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِهَا وَأَبِي عِيسٍ بِالْيَاءِ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي يَأْتِيهِ قَوْلُهُ (كَأَنَّهُ صوت دم أي صوت طالب أو سوط سَافِكِ دَمٍ) هَكَذَا فَسَّرُوهُ قَوْلُهُ (فَقَالَ إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدٌ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ لَنَا شَيْخُنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ صَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ وَرَضِيعُهُ أَبُو نَائِلَةَ وَكَذَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ أَبَا نَائِلَةَ كَانَ رَضِيعًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ قَالَ وَهَذَا عِنْدِي لَهُ وَجْهٌ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ رَضِيعًا لِمُحَمَّدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(12/162)

(باب غزوة خيبر

[1365] قوله (فصلينا عندها صلاة الْغَدَاةَ بِغَلَسٍ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّبْكِيرِ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ صَلَاةِ الصُّبْحِ غَدَاةً فَيَكُونُ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا فِي كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ وَذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ جَوَازَ الْإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ إِذَا كَانَتْ مُطِيقَةً وَأَنَّ إِجْرَاءَ الْفَرَسِ وَالْإِغَارَةَ لَيْسَ بِنَقْصٍ وَلَا هَادِمٍ لِلْمُرُوءَةِ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ وَهُوَ مِنْ مَقَاصِدِ الْقِتَالِ قَوْلُهُ (وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ عَوْرَةً مِنَ الرَّجُلِ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ آخَرِينَ أَنَّهَا عَوْرَةٌ وَقَدْ جَاءَتْ بِكَوْنِهَا عَوْرَةً أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ انْحَسَرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لِضَرُورَةِ الْإِغَارَةِ وَالْإِجْرَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَدَامَ كَشْفُ الْفَخِذِ مَعَ إِمْكَانِ السَّتْرِ وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ)
(12/163)

فَخِذِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ فَجْأَةً لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَهُ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَرَ الْإِزَارَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ انْحَسَرَ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ هَذَا فَقَالَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِانْكِشَافِ عَوْرَتِهِ وَأَصْحَابُنَا يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ فَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يَمْتَنِعُ مِثْلُهُ قَوْلُهُ (اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ تَفَاءَلَ بِخَرَابِهَا بِمَا رَآهُ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ آلَاتِ الْخَرَابِ مِنَ الْفُوسِ وَالْمَسَاحِي وَغَيْرِهَا وَقِيلَ أَخَذَهُ مِنَ اسْمِهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) السَّاحَةُ الْفِنَاءُ وَأَصْلُهَا الْفَضَاءُ بَيْنَ الْمَنَازِلِ فَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ بِالْقُرْآنِ فِي الْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا فِي فَتْحِ مَكَّةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَطْعُنُ فِي الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ قَالَ الْعُلَمَاءُ يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى ضَرْبِ الْأَمْثَالِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ وَالْمَزْحِ وَلَغْوِ الْحَدِيثِ فَيُكْرَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ) هُوَ الْجَيْشُ وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالُوا سُمِّيَ خَمِيسًا لِأَنَّهُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ مَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ وَمُقَدِّمَةٌ وَمُؤَخِّرَةٌ وَقَلْبٌ قَالَ الْقَاضِي وَرُوِّينَاهُ بِرَفْعِ الْخَمِيسُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ مُحَمَّدٌ وَبِنَصَبِهَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ قَوْلُهُ (أَصَبْنَاهَا عَنْوَةً) هِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ قَهْرًا لَا صُلْحًا قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا كُلَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنِ بن شِهَابٍ أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ عَنْوَةً وَبَعْضَهَا صُلْحًا قَالَ وَقَدْ يُشْكِلُ مَا رُوِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَسَمَهَا نِصْفَيْنِ نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ
(12/164)

قَالَ وَجَوَابُهُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ حَوْلَهَا ضِيَاعٌ وَقُرًى أَجْلَى عَنْهَا أَهْلُهَا فَكَانَتْ خَالِصَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا سِوَاهَا لِلْغَانِمِينَ فَكَانَ قَدْرُ الَّذِي خَلَوْا عَنْهُ النِّصْفَ فَلِهَذَا قُسِمَ نِصْفَيْنِ قَالَ الْقَاضِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِغَارَةَ عَلَى الْعَدُوِّ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا أَوَّلَ النَّهَارِ عِنْدَ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ وَقْتُ غِرَّتِهِمْ وَغَفْلَةِ أَكْثَرِهِمْ ثُمَّ يُضِيءُ لَهُمُ النَّهَارُ لِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مُلَاقَاةِ الْجُيُوشِ وَمُصَافَفَتِهِمْ وَمُنَاصَبَةِ الْحُصُونِ فَإِنَّ هَذَا يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِيَدُومَ النَّشَاطُ بِبَرْدِ الْوَقْتِ بِخِلَافِ ضِدِّهِ قوله (وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم) الفؤس بالهمزة جمع فأس بالهمزة كرأس ورؤس والمكاتل جَمْعُ مِكْتَلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الْقُفَّةُ يُقَالُ لَهُ مِكْتَلٌ وَقُفَّةٌ وَزَبِيلٌ وَزَنْبِلٌ وزِنْبِيلٌ وَعِرْقٌ وسفيفة بالسين المهملة وبفاءين والمرور جَمْعُ مَرٍّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهِيَ الْمَسَاحِي قَالَ الْقَاضِي قِيلَ هِيَ حِبَالُهُمُ الَّتِي يَصْعَدُونَ بِهَا إلى النخل واحدها مر ومر وَقِيلَ مَسَاحِيهِمْ وَاحِدُهَا مَرٌّ لَا غَيْرَ

[1802] قَوْلُهُ (أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيَّاتِكَ) وَفِي
(12/165)

بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ أَيْ أَرَاجِيزِكَ وَالْهَنَةُ يَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَفِيهِ جَوَازُ إِنْشَاءِ الأراجيز وغيرها من الشعر وسماعها مالم يَكُنْ فِيهِ كَلَامٌ مَذْمُومٌ وَالشِّعْرُ كَلَامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ قَوْلُهُ (فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ) فيه استحباب الحدا في الأسفار لتنشط النُّفُوسِ وَالدَّوَابِّ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَاشْتِغَالِهَا بِسَمَاعِهِ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِأَلَمِ السَّيْرِ قَوْلُهُ (اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) كَذَا الرِّوَايَةُ قَالُوا وَصَوَابُهُ فِي الْوَزْنِ لَاهُمَّ أَوْ تَاللَّهِ أو وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَوَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ قَوْلُهُ (فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا) قَالَ الْمَازِرِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ فَدَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا يُقَالُ لَهُ سُبْحَانَهُ فَدَيْتُكَ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَكْرُوهٍ يُتَوَقَّعُ حُلُولُهُ بِالشَّخْصِ فَيَخْتَارُ شَخْصٌ آخَرُ أَنْ يَحِلَّ ذَلِكَ بِهِ وَيَفْدِيهِ منه قال ولعل هذا وقع مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ كَمَا يُقَالُ قَاتَلَهُ اللَّهُ وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرِبَتْ يَدَاكَ وَتَرِبَتْ يَمِينُكَ وَوَيْلُ أُمِّهِ وَفِيهِ كُلُّهُ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ الْفَادِيَ مُبَالِغٌ في طلب رضى الْمُفَدَى حِينَ بَذَلَ نَفْسَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِلْمَكْرُوهِ فَكَانَ مُرَادُ الشَّاعِرِ أَنِّي أَبْذُلُ نَفْسِي فِي رِضَاكَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ الْمَعْنَى وَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ إِلَى جِهَةٍ صَحِيحَةٍ فَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ وَاسْتِعَارَتُهُ وَالتَّجَوُّزُ بِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى وُرُودِ الشَّرْعِ بِالْإِذْنِ فِيهِ قَالَ وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فدا لَكَ رَجُلًا يُخَاطِبُهُ وَفَصَلَ بَيْنَ الْكَلَامِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَاغْفِرْ ثُمَّ دَعَا إِلَى رَجُلٍ يُنَبِّهُهُ فقال فدالك ثُمَّ عَادَ إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَقَالَ مَا اقْتَفَيْنَا قَالَ وَهَذَا تَأْوِيلٌ يَصِحُّ مَعَهُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا اضْطَرَّنَا إِلَيْهِ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ وَقَدْ يَقَعُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْجُمَلِ الْمُعَلَّقِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مَا يُسَهِّلُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ (إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا أَتَيْنَا بِالْمُثَنَّاةِ فِي أَوَّلِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ فَمَعْنَى الْمُثَنَّاةِ إِذَا صِيحَ بِنَا لِلْقِتَالِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَكَارِمِ أَتَيْنَا وَمَعْنَى الْمُوَحَّدَةِ أَبَيْنَا الْفِرَارَ وَالِامْتِنَاعَ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ فِدَاءً لَكَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَالْفَاءُ مَكْسُورَةٌ حَكَاهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ فَأَمَّا في المصدر
(12/166)

فَالْمَدُّ لَا غَيْرَ قَالَ وَحَكَى الْفَرَّاءُ فَدًى لك مفتوح مقصور قال وَرُوِّينَاهُ هُنَا فِدَاءٌ لَكَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ أَيْ لَكَ نَفْسِي فِدَاءٌ أَوْ نفسي فداء لك وبالنصب عَلَى الْمَصْدَرِ وَمَعْنَى اقْتَفَيْنَا اكْتَسَبْنَا وَأَصْلُهُ الِاتِّبَاعُ قَوْلُهُ (وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا) اسْتَغَاثُوا بِنَا وَاسْتَفْزَعُونَا لِلْقِتَالِ قِيلَ هِيَ مِنَ التَّعْوِيلِ عَلَى الشَّيْءِ وهو الاعتماد عليه وقيل مِنَ الْعَوِيلِ وَهُوَ الصَّوْتُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ هَذَا السَّائِقُ قَالُوا عَامِرٌ قَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ) مَعْنَى وَجَبَتْ أَيْ ثَبَتَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ وَسَيَقَعُ قَرِيبًا وَكَانَ هَذَا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الدُّعَاءَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ اسْتُشْهِدَ فَقَالُوا هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ أَيْ وَدِدْنَا أَنَّكَ لَوْ أَخَّرْتَ الدُّعَاءَ لَهُ بِهَذَا إِلَى وَقْتٍ آخَرَ لِنَتَمَتَّعَ بِمُصَاحَبَتِهِ وَرُؤْيَتِهِ مُدَّةً قَوْلُهُ (أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ) أَيْ جُوعٌ شَدِيدٌ قَوْلُهُ (لَحْمُ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) هَكَذَا هُوَ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ بِإِضَافَةِ حُمُرٍ وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ تَقْدِيرُهُ حُمُرُ الْحَيَوَانَاتِ الْإِنْسِيَّةِ وَأَمَّا الْإِنْسِيَّةُ فَفِيهَا لُغَتَانِ وَرِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَآخَرُونَ أَشْهَرُهُمَا كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانُ النُّونِ قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ رِوَايَةُ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ وَالثَّانِيَةُ فَتْحُهُمَا جَمِيعًا وَهُمَا جَمِيعًا نِسْبَةٌ إِلَى الْإِنْسِ وَهُمُ النَّاسُ لِاخْتِلَاطِهَا بِالنَّاسِ
(12/167)

بِخِلَافِ حُمُرِ الْوَحْشِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا) هَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْحَدِيثِ وَشَرْحُهُ مَعَ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَمُخْتَصَرُ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ أَنَّ السَّبَبَ الصَّحِيحَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ نَهَى لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَالثَّالِثُ لِأَنَّهَا أَخَذُوهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ هُمَا لِأَصْحَابِ مَالِكٍ الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَةِ لُحُومِهَا وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ يُهْرِيقُوهَا وَيَغْسِلُوهَا قَالَ أَوْ ذَاكَ) فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ فَرَأَى كَسْرَهَا ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِغَسْلِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ لَهُ لَأَجْرَانِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ لَأَجْرَانِ بِالْأَلِفِ وَفِي بَعْضِهَا لَأَجْرَيْنِ بِالْيَاءِ وَهُمَا صَحِيحَانِ لَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَشْهَرُ الْأَفْصَحُ وَالْأَوَّلُ لُغَةُ أَرْبَعِ قَبَائِلَ من العرب ومنها قوله تعالى إن هذان لساحران وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَجْرَيْنِ ثَبَتَا لَهُ لِأَنَّهُ جَاهَدَ مُجَاهِدٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي شَرْحِهِ فَلَهُ أَجْرٌ بِكَوْنِهِ جَاهِدًا أَيْ مُجْتَهِدًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى شَدِيدَ الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَلَهُ أَجْرٌ آخَرُ بِكَوْنِهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَمَّا قَامَ بِوَصْفَيْنِ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ) هَكَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ لَجَاهِدٌ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَنْوِينِ الدَّالِ مُجَاهِدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَنْوِينِ الدَّالِ أَيْضًا وَفَسَّرُوا لَجَاهِدٌ بِالْجَادِّ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ أَيْ إِنَّهُ
(12/168)

لَجَادٌّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ الْغَازِي وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهٌ آخر أنه جمع اللفظين توكيدا قال بن الْأَنْبَارِيِّ الْعَرَبُ إِذَا بَالَغَتْ فِي تَعْظِيمِ شَيْءٍ اشْتَقَّتْ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ لَفْظًا آخَرَ عَلَى غَيْرِ بِنَائِهِ زِيَادَةً فِي التَّوْكِيدِ وَأَعْرَبُوهُ بِإِعْرَابِهِ فَيَقُولُونَ جَادٌّ مُجِدٌّ وَلَيْلٌ لَائِلٌ وَشِعْرٌ شَاعِرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ وَبَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ لَجَاهَدَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مَجَاهِدَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَنَصْبِ الدَّالِ بِلَا تَنْوِينٍ قَالَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ) ضَبَطْنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ هُنَا فِي مُسْلِمٍ بِوَجْهَيْنِ وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي أَيْضًا الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ جماهير رواة البخاري ومسلم مشى بها بفتح الميم وَبَعْدَ الشِّينِ يَاءٌ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ المشى وبها جَارٌّ وَمَجْرُورٌ وَمَعْنَاهُ مَشَى بِالْأَرْضِ أَوْ فِي الْحَرْبِ وَالثَّانِي مُشَابِهًا بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَنْوِينِ الْهَاءِ مِنَ الْمُشَابَهَةِ أَيْ مُشَابِهًا لِصِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرِهِ مِثْلَهُ وَيَكُونُ مُشَابِهًا مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ رَأَيْتُهُ مُشَابِهًا وَمَعْنَاهُ قَلَّ عَرَبِيٌّ يُشْبِهُهُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَضَبَطَهُ بعض رواة البخاري نشأ بها بِالنُّونِ وَالْهَمْزِ أَيْ شَبَّ وَكَبِرَ وَالْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى الْحَرْبِ أَوِ الْأَرْضِ أَوْ بِلَادِ الْعَرَبِ قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ أَوْجُهُ الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنِي أبو الطاهر أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَنَسَبَهُ غَيْرُ بن وهب فقال بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَالَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ
(12/169)

مُسْلِمٍ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ مُسْلِمٍ وَدَقِيقِ نَظَرِهِ وَحُسْنِ خِبْرَتِهِ وَعَظِيمِ إِتْقَانِهِ وَسَبَبُ هَذَا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَالنَّسَائِيَّ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ بن شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ أبو دَاوُدُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الصَّوَابُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كعب وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ هَذَا هُوَ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عن بن وَهْبٍ قَالَ الْحُفَّاظُ وَالْوَهْمُ فِي هَذَا مِنَ بن وَهْبٍ فَجَعَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ رَاوِيًا عَنْ سَلَمَةَ وَجَعَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ رَاوِيًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ بَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَرْوِيهِ عَنْ سَلَمَةَ وَإِنَّمَا عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُهُ فَذُكِرَ فِي نَسَبِهِ لِأَنَّ لَهُ رِوَايَةً فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَاحْتَاطَ مُسْلِمٌ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه
(12/170)

فَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَبْدَ الله كما رواه بن وَهْبٍ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَمْ ينسبه لأن بن وهب لم يَنْسُبْهُ وَأَرَادَ مُسْلِمٌ تَعْرِيفَهُ فَقَالَ قَالَ غَيْرُ بن وَهْبٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ فَحَصَلَ تَعْرِيفُهُ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ للتعريف إلى بن وَهْبٍ وَحَذَفَ مُسْلِمٌ ذِكْرَ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ رواية بن وَهْبٍ وَهَذَا جَائِزٌ فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَ لَهُ حَذْفُ أَحَدِهِمَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْآخَرِ فَأَجَازُوا هَذَا الْكَلَامَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فَإِذَا كَانَ عُذْرٌ بِأَنْ كَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ غَلَطًا كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَانَ الْجَوَازُ أَوْلَى

(بَاب غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَهِيَ الْخَنْدَقُ

[1803] قَوْلُهُ (الْمَلَأُ قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا) هُمْ أَشْرَافُ الْقَوْمِ وَقِيلَ هُمُ الرِّجَالُ لَيْسَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَهُوَ مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ كَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَمَعْنَى أَبَوْا عَلَيْنَا امْتَنَعُوا مِنْ إِجَابَتِنَا إِلَى الْإِسْلَامِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الرَّجَزِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْكَلَامِ فِي حَالِ الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ عَمَلُ الْفُضَلَاءِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا وَمُسَاعَدَتُهُمْ فِي أعمال)
(12/171)

البر

[1804] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ) أَيْ لَا عَيْشَ بَاقٍ أو لا عيش مطلوب والله أعلم
(12/172)

(باب غزوة ذي قرد وغيرها قَوْلُهُ

[1806] (كَانَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ والراء بالدال الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَاءٌ عَلَى نَحْوِ يَوْمٍ مِنَ الْمَدِينَةِ مِمَّا يَلِي بِلَادَ غَطَفَانَ وَاللِّقَاحُ جَمْعُ لِقْحَةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ ذَاتُ اللَّبَنِ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ وَسَبَقَ بَيَانُهَا قَوْلُهُ (فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ يَا صَبَاحَاهُ) فِيهِ جَوَازُ مِثْلِهِ لِلْإِنْذَارِ بِالْعَدُوِّ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ (فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ)
(12/173)

أنا بن الْأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ ...
()

فِيهِ جَوَازُ قَوْلِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْقِتَالِ وَتَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ شُجَاعًا لِيُرْعِبَ خَصْمَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ الْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالُوا مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يَوْمُ هَلَاكِ اللِّئَامِ وَهُمُ الرُّضَّعُ مِنْ قَوْلِهِمْ لَئِيمٌ رَاضِعٌ أَيْ رَضَعَ اللُّؤْمَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَمُصُّ حَلَمَةَ الشَّاةِ وَالنَّاقَةِ لِئَلَّا يُسْمِعَ السُّؤَّالَ وَالضِّيفَانَ صَوْتَ الْحِلَابِ فَيَقْصِدُوهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَرْضَعُ طَرَفَ الْخِلَالِ الَّذِي يُخَلِّلُ بِهِ أَسْنَانَهُ وَيَمُصُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنْ رَضَعَ كَرِيمَةً فَأَنْجَبَتْهُ أَوْ لَئِيمَةً فَهَجَّنَتْهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْحَرْبُ مِنْ صِغَرِهِ وَتَدَرَّبَ بِهَا وَيُعْرَفُ غَيْرُهُ قَوْلُهُ (حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ) أَيْ مَنَعْتُهُمْ إِيَّاهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ) هُوَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمَعْنَاهُ فَأَحْسِنْ وَارْفُقْ وَالسَّجَاحَةُ السُّهُولَةُ أَيْ لَا تَأْخُذْ بِالشِّدَّةِ بَلِ ارْفُقْ فَقَدْ حَصَلَتِ النكابة في العدو ولله الحمد قوله

[1807] (قدمنا المدينة وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وفي)
(12/174)

رِوَايَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِائَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ قَوْلُهُ (فَقَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ) الْجَبَا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ وَهِيَ مَا حَوْلَ الْبِئْرِ وَأَمَّا الرَّكِيُّ فَهُوَ الْبِئْرُ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ رَكِيٌّ بِغَيْرِ هَاءٍ وَوَقَعَ هُنَا الرَّكِيَّةُ بِالْهَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ حَكَاهَا الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ (فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ بَسَقَ بِالسِّينِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ يُقَالُ بَزَقَ وَبَصَقَ وَبَسَقَ ثلاث لغات بمعنى والسين قليلة الاستعمال وجاشت أَيِ ارْتَفَعَتْ وَفَاضَتْ يُقَالُ جَاشَ الشَّيْءُ يَجِيشُ جَيَشَانًا إِذَا ارْتَفَعَ وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَبَقَ مِرَارًا كَثِيرَةً التَّنْبِيهِ عَلَى نَظَائِرِهَا قَوْلُهُ (وَرَآنِي عَزِلًا) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فَتْحُ الْعَيْنِ مَعَ كَسْرِ الزَّايِ وَالثَّانِي ضَمُّهُمَا وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْكِتَابِ بِالَّذِي لَا سِلَاحَ مَعَهُ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا أَعْزَلَ وَهُوَ أَشْهَرُ اسْتِعْمَالًا قَوْلُهُ (حَجَفَةٌ أَوْ دَرَقَةٌ) هُمَا شَبِيهَتَانِ بِالتُّرْسِ قَوْلُهُ (اللهم
(12/175)

ابْغِنِي حَبِيبًا) أَيْ أَعْطِنِي قَوْلُهُ (ثُمَّ إِنَّ المشركين راسلونا الصلح) هكذا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ رَاسَلُونَا مِنَ الْمُرَاسَلَةِ وَفِي بَعْضِهَا رَاسُّونَا بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَحَكَى الْقَاضِي فَتْحَهَا أَيْضًا وَهُمَا بِمَعْنَى رَاسَلُونَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ رَسَّ الْحَدِيثَ يَرُسُّهُ إِذَا ابْتَدَأَهُ وَقِيلَ مِنْ رَسَّ بَيْنَهُمْ أَيْ أَصْلَحَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَاتَحُونَا مِنْ قَوْلِهِمْ بَلَغَنِي رَسَّ مِنَ الْخَبَرِ أَيْ أَوَّلَهُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاسَوْنَا بِالْوَاوِ أَيِ اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ وَالْوَاوُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ وَهُوَ مِنَ الْأُسْوَةِ قَوْلُهُ (كُنْتُ تَبَعًا لِطَلْحَةَ) أَيْ خَادِمًا أَتْبَعُهُ قَوْلُهُ (أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ) أَيْ أَحُكُّ ظَهْرَهُ بِالْمِحَسَّةِ لِأُزِيلَ عَنْهُ الْغُبَارَ وَنَحْوَهُ قَوْلُهُ (أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا) أَيْ كَنَسْتُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الشَّوْكِ قَوْلُهُ (قُتِلَ بن زُنَيْمٍ) هُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ النُّونِ قَوْلُهُ (فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي) أَيْ سَلَلْتُهُ قَوْلُهُ (وَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي) الضِّغْثُ الْحُزْمَةُ قَوْلُهُ (جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَبَلَاتِ يُقَالُ لَهُ مِكْرِزٌ) هُوَ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ كَافٍ ثُمَّ رَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ زَايٍ وَالْعَبَلَاتُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ
(12/176)

وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ الْعَبَلَاتُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ أُمَيَّةُ الصُّغْرَى وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِمْ عَبَلِيٌّ تَرُدُّهُ إِلَى الْوَاحِدِ قَالَ لِأَنَّ اسْمَ أُمِّهِمْ عَبْلَةٌ قَالَ الْقَاضِي أُمَيَّةُ الْأَصْغَرُ وَأَخَوَاهُ نَوْفَلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عبد شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ نُسِبُوا إِلَى أُمٍّ لَهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ اسْمُهَا عَبْلَةُ بِنْتُ عُبَيْدٍ قَوْلُهُ (عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ أَيْ عَلَيْهِ تِجْفَافٌ بِكَسْرِ التَّاءِ وَهُوَ ثَوْبٌ كَالْجُلِّ يَلْبَسُهُ الْفَرَسُ لِيَقِيَهُ مِنَ السِّلَاحِ وَجَمْعُهُ تَجَافِيفُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ) أَمَّا الْبَدْءُ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَبِالْهَمْزِ أَيِ ابْتِدَاؤُهُ وَأَمَّا ثِنَاهُ فوقع في أكثر النسخ ثناه بثاء مُثَلَّثَةٌ مَكْسُورَةٌ وَفِي بَعْضِهَا ثُنْيَاهُ بِضَمِّ الثَّاءِ وَبِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ بَعْدَ النُّونِ وَرَوَاهُمَا جَمِيعًا القاضي وذكر الثاني عن رواية بن مَاهَانَ وَالْأَوَّلُ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ أَيْ عَوْدَةٌ ثَانِيَةٌ قَوْلُهُ (بَنِي لِحْيَانَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ قَوْلُهُ (لِمَنْ رَقِيَ الْجَبَلَ وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ (فَرَقِيتُ) كِلَاهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ قَوْلُهُ (فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لِحْيَانَ جَبَلٌ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ ضَبَطُوهَا بِوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِضَمِّ الْهَاءِ على
(12/177)

الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ هَمُّوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه وخافوا عائلتهم يقال همني الأمر وأهمني وقيل همني إذا بني وأهمني اغمني قَوْلُهُ (وَخَرَجْتُ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أُنَدِّيهِ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ أُنَدِّيهِ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ دَالٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ رُوَاةِ مُسْلِمٍ غَيْرَ هَذَا وَنَقَلَهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ جَمَاهِيرِ الرُّوَاةِ قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي الْحَذَّاءِ فِي مُسْلِمٍ أُبْدِيهِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ وَكَذَا قاله بن قُتَيْبَةَ أَيْ أُخْرِجُهُ إِلَى الْبَادِيَةِ وَأُبْرِزُهُ إِلَى مَوْضِعِ الْكَلَأِ وَكُلُّ شَيْءٍ أَظْهَرْتَهُ فَقَدْ أَبْدَيْتَهُ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِالنُّونِ وَهِيَ رِوَايَةُ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ وَالْأَزْهَرِيِّ وَجَمَاهِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُورِدَ الْمَاشِيَةَ الْمَاءَ فَتُسْقَى قَلِيلًا ثُمَّ تُرْسَلَ فِي الْمَرْعَى ثُمَّ تَرِدَ الْمَاءَ فَتَرِدَ قَلِيلًا ثُمَّ تُرَدَّ إِلَى الْمَرْعَى قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَنْكَرَ بن قُتَيْبَةَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَالْأَصْمَعِيِّ كَوْنَهُمَا جَعَلَاهُ بِالنُّونِ وَزَعَمَ أَنَّ الصَّوَابَ بِالْبَاءِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أخطأ بن قُتَيْبَةَ وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ قَوْلُهُ (فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ رحلة بالحاء وكتفه بالتاء بَعْدَهَا فَاءٌ وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ وكذا هو في أكثر الروايات
(12/178)

والأول هو الأظهر وفي بعضها رجله بالجيم وكعبه بِالْعَيْنِ ثُمَّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالُوا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ قَالَ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ هَذِهِ رِوَايَةُ شُيُوخِنَا وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ أَعْلَى مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَيُصِيبَ حِينَئِذٍ إذا أنفذ كَتِفَهُ وَمَعْنَى أَصُكُّ أَضْرِبُ قَوْلُهُ (فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ) أَيْ أَعْقِرُ خَيْلَهُمْ وَمَعْنَى أَرْمِيهِمْ أَيْ بِالنَّبْلِ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ هُنَا أُرَدِّيهِمْ بِالدَّالِ قَوْلُهُ (فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ) أَيْ أَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ الَّتِي تُسْقِطُهُمْ وَتُنْزِلُهُمْ قَوْلُهُ (جَعَلْتُ عَلَيْهِمْ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَهِيَ الْأَعْلَامُ وَهِيَ حِجَارَةٌ تُجْمَعُ وَتُنْصَبُ فِي الْمَفَازَةِ يُهْتَدَى بِهَا وَاحِدُهَا إِرَمٌ كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ قَوْلُهُ (وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ كُلُّ جَبَلٍ صَغِيرٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ قَوْلُهُ (لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحِ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ أَيْ شِدَّةٌ قَوْلُهُ (يتخللون الشجر
(12/179)

أَيْ يَدْخُلُونَ مِنْ خِلَالِهَا أَيْ بَيْنَهَا قَوْلُهُ (مَاءٌ يُقَالُ لَهُ ذَا قَرَدٍ) كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ ذَا بِأَلِفٍ وَفِي بَعْضِهَا ذُو قَرَدٍ بِالْوَاوِ وَهُوَ الْوَجْهُ قَوْلُهُ (فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ أَيْ طَرَدْتُهُمْ عَنْهُ وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ بِالْجِيمِ قال
(12/180)

الْقَاضِي كَذَا رِوَايَتُنَا فِيهِ هُنَا غَيْرُ مَهْمُوزٍ قَالَ وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ فَسَهَّلَهُ وَقَدْ جَاءَ مَهْمُوزًا بَعْدَ هَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ (فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ) هُوَ بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ثم غيرن مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَهُوَ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ عَلَى طَرَفِ الْكَتِفِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ تَحَرُّكِهِ وَهُوَ النَّاغِضُ أَيْضًا قَوْلُهُ (يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ قُلْتُ نَعَمْ) مَعْنَى ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ فَقَدَتْهُ وَقَوْلُهُ أَكْوَعُهُ هُوَ بِرَفْعِ الْعَيْنِ أَيْ أَنْتَ الْأَكْوَعُ الَّذِي كُنْتَ بُكْرَةَ هَذَا النَّهَارِ وَلِهَذَا قَالَ نَعَمْ وَبُكْرَةَ مَنْصُوبٌ غَيْرُ مَنُونٍ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يُقَالُ أَتَيْتُهُ بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ إِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ لَقِيتَهُ بَاكِرًا فِي يَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ قَالُوا وَإِنْ أَرَدْتَ بُكْرَةَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ قُلْتَ أَتَيْتُهُ بُكْرَةَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِأَنَّهَا مِنَ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنَةِ قَوْلُهُ (وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ) قَالَ الْقَاضِي رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُعْجَمَةِ قَالَ وَكِلَاهُمَا مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى فَبِالْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ خَلَّفُوهُمَا وَالرَّذِيُّ الضَّعِيفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَبِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ أَهْلَكُوهُمَا وَأَتْعَبُوهُمَا حتى أسقطوهما تركوهما وَمِنْهُ التَّرْدِيَةُ وَأَرَدَتِ الْفَرَسُ الْفَارِسَ أَسْقَطْتُهُ قَوْلُهُ وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ السَّطِيحَةُ إِنَاءٌ مِنْ جُلُودٍ سُطِحَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَالْمَذْقَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَلِيلٌ مِنْ لَبَنٍ مَمْزُوجٍ بِمَاءٍ قَوْلُهُ (وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَأْتُهُمْ عَنْهُ) كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ حَلَأْتُهُمْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْهَمْزِ وفي بعضها حليتهم عَنْهُ بِلَامٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ (نَحَرَ نَاقَةً مِنَ
(12/181)

الْإِبِلِ الَّذِي اسْتُنْفِذَتْ مِنَ الْقَوْمِ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الَّذِي وَفِي بَعْضِهَا الَّتِي وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الْإِبِلَ مُؤَنَّثَةٌ وَكَذَا أَسْمَاءُ الْجُمُوعِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّينَ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا وَأَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى الْغَنِيمَةِ لَا إِلَى لَفْظِ الْإِبِلِ قَوْلُهُ (ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَنْيَابُهُ وَقِيلَ أَضْرَاسُهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ) هَذَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الثَّنَاءِ عَلَى الشُّجْعَانِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْفَضَائِلِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ صَنِيعِهِمُ الْجَمِيلَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ الْجَمِيلِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يُأْمَنُ الْفِتْنَةُ عَلَيْهِ بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ (ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَيْنِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَمَعَهُمَا لِي) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ كان نفلا
(12/182)

وَهُوَ حَقِيقٌ بِاسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لبديع صنعه في هذه الغزوة قوله (وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا) يَعْنِي عَدْوًا عَلَى الرِّجْلَيْنِ قَوْلُهُ (فَطَفَرْتُ) أَيْ وَثَبْتُ وَقَفَزْتُ قَوْلُهُ (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي) مَعْنَى رَبَطْتُ حَبَسْتُ نَفْسِي عَنِ الْجَرْيِ الشَّدِيدِ وَالشَّرَفُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ أَسْتَبْقِي نَفَسِي بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ لِئَلَّا يَقْطَعَنِي الْبَهْرُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ إِذَا تَسَابَقَا بِلَا عِوَضٍ فَإِنْ تَسَابَقَا عَلَى عِوَضٍ فَفِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا تَصِحُّ قَوْلُهُ (فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بالقوم
(12/183)

هَكَذَا قَالَ هُنَا عَمِّي وَقَدْ سَبَقَ فِي حديث أبي الطاهر عن بن وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ أَخِي فَلَعَلَّهُ كَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَكَانَ عَمَّهُ مِنَ النَّسَبِ قَوْلُهُ (يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ) هُوَ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ يَرْفَعُهُ مَرَّةً وَيَضَعُهُ أُخْرَى وَمِثْلُهُ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ إِذَا رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَضَعَهُ مَرَّةً قَوْلُهُ (شَاكِ السِّلَاحِ) أَيْ تَامُّ السِّلَاحِ يُقَالُ رَجُلٌ شَاكِي السِّلَاحِ وَشَاكِ السِّلَاحِ وَشَاكٍ فِي السِّلَاحِ مِنَ الشَّوْكَةِ وَهِيَ الْقُوَّةُ وَالشَّوْكَةُ أَيْضًا السِّلَاحُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذات الشوكة تكون لكم قَوْلُهُ (بَطَلٌ مُجَرَّبٌ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ مجرب بالشجاعة وقهر الفرسان والبطل الشجاع يقال بَطُلَ الرَّجُلُ بِضَمِّ الطَّاءِ يَبْطُلُ بَطَالَةً وَبُطُولَةً أَيْ صَارَ شُجَاعًا قَوْلُهُ (بَطَلٌ مُغَامِرٌ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَرْكَبُ غَمَرَاتِ الْحَرْبِ وَشَدَائِدَهَا وَيُلْقِي نَفْسَهُ فِيهَا قَوْلُهُ (وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ) أي
(12/184)

يضربه من أسفله هو بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَضَمِّ الْفَاءِ قَوْلُهُ (وَهُوَ أَرْمَدُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ رَمِدَ الْإِنْسَانُ بِكَسْرِ الْمِيمِ يَرْمَدُ بِفَتْحِهَا رَمَدًا فَهُوَ رَمِدٌ وَأَرْمَدُ إِذْ هَاجَتْ عَيْنُهُ قَوْلُهُ (أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ) حَيْدَرَةُ اسْمٌ لِلْأَسَدِ وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ سُمِّيَ أَسَدًا فِي أَوَّلِ وِلَادَتِهِ وَكَانَ مَرْحَبٌ قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ أَسَدًا يَقْتُلُهُ فَذَكَّرَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ لِيُخِيفَهُ وَيُضْعِفَ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَانَتْ أُمُّ عَلِيٍّ سَمَّتْهُ أَوَّلَ وِلَادَتِهِ أَسَدًا بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَسَدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ غَائِبًا فَلَمَّا قَدِمَ سَمَّاهُ عَلِيًّا وَسُمِّيَ الْأَسَدُ حَيْدَرَةَ لِغِلَظِهِ وَالْحَادِرُ الْغَلِيظُ الْقَوِيُّ وَمُرَادُهُ أَنَا الأسد على جرأته وإقدامه وقوته قوله (أو فيهم بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ) مَعْنَاهُ
(12/185)

أَقْتُلُ الْأَعْدَاءَ قَتْلًا وَاسِعًا ذَرِيعًا وَالسَّنْدَرَةُ مِكْيَالٌ وَاسِعٌ وَقِيلَ هِيَ الْعَجَلَةُ أَيْ أَقْتُلُهُمْ عَاجِلًا وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنْدَرَةِ وَهِيَ شَجَرَةُ الصَّنَوْبَرِ يُعْمَلُ مِنْهَا النَّبْلُ وَالْقِسِيُّ قَوْلُهُ (فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ) يَعْنِي عَلِيًّا فَقَتَلَهُ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ قَاتِلُ مَرْحَبٍ وَقِيلَ إِنَّ قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة قال بن عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ الدُّرَرُ فِي مُخْتَصَرِ السير قال محمد بن إسحاق ان محمد بن مَسْلَمَةَ هُوَ قَاتِلُهُ قَالَ وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا كان قاتله عليا قال بن عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا ثُمَّ رَوَى ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلَمَةَ وَبُرَيْدَةَ قَالَ بن الْأَثِيرِ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ قَاتِلُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعًا مِنَ الْعِلْمِ سِوَى مَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْهَا أَرْبَعُ مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهَا تَكْثِيرُ مَاءِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالثَّانِيَةُ إِبْرَاءُ عَيْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالثَّالِثَةُ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ هَذِهِ وَالرَّابِعَةُ إِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يَقِرُّونَ فِي غَطَفَانَ وَكَانَ كَذَلِكَ وَمِنْهَا جَوَازُ الصُّلْحِ مَعَ الْعَدُوِّ وَمِنْهَا بَعْثُ الطَّلَائِعِ وَجَوَازُ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَرْجُلِ بِلَا عِوَضٍ وَفَضِيلَةُ الشَّجَاعَةِ وَالْقُوَّةِ وَمِنْهَا مَنَاقِبُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَأَبِي قَتَادَةَ وَالْأَحْزَمِ الْأَسْعَدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمِنْهَا جَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ فَعَلَ جَمِيلًا وَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا وَمِنْهَا جَوَازُ عَقْرِ خَيْلِ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَالِ وَاسْتِحْبَابُ الرَّجَزِ فِي الْحَرْبِ وَجَوَازُ قَوْلِ الرَّامِي وَالطَّاعِنِ وَالضَّارِبِ خُذْهَا وَأَنَا فُلَانٌ أو بن فُلَانٍ وَمِنْهَا جَوَازُ الْأَكْلِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَاسْتِحْبَابُ التَّنْفِيلِ مِنْهَا لِمَنْ صَنَعَ صَنِيعًا جَمِيلًا فِي الْحَرْبِ وَجَوَازُ الْإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمُطِيقَةِ وَجَوَازُ الْمُبَارَزَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا بَارَزَ عَامِرٌ وَمِنْهَا مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ الشَّهَادَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا وَمِنْهَا القاء
(12/186)

النَّفْسِ فِي غَمَرَاتِ الْقِتَالِ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَنَحْوِهَا وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ يَكُونُ شَهِيدًا سَوَاءٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِمْ أَوْ رَمَتْهُ دَابَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا أَوْ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ كَمَا جَرَى لِعَامِرٍ وَمِنْهَا تَفَقُّدُ الْإِمَامِ الْجَيْشَ وَمَنْ رَآهُ بِلَا سِلَاحٍ أَعْطَاهُ سِلَاحًا

(بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ الْآيَةَ
[1808] قَوْلُهُ (يُرِيدُونَ غِرَّتَهُ) أَيْ غَفْلَتَهُ قَوْلُهُ (فَأَخَذَهُمْ سَلَمًا) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَالثَّانِي بِإِسْكَانِ اللَّامِ مَعَ كَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ وَمَعْنَاهُ الصُّلْحُ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَكْثَرُونَ قَالَ فِيهِ وَفِي الشَّرْحِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَظْهَرُ وَمَعْنَاهَا أَسَرَهُمْ وَالسَّلَمُ الْأَسْرُ وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالسِّينِ قَالَ وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِسْلَامُ وَالْإِذْعَانُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أَيْ الِانْقِيَادَ وَهُوَ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ والاثنين والجمع قال بن الْأَثِيرِ هَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْقِصَّةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْخَذُوا صُلْحًا وَإِنَّمَا أُخِذُوا قَهْرًا وَأَسْلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عَجْزًا قَالَ وَلِلْقَوْلِ الْآخَرِ وَجْهٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجْرِ مَعَهُمْ قِتَالٌ بَلْ عَجَزُوا عَنْ دَفْعِهِمْ وَالنَّجَاةِ مِنْهُمْ فَرَضُوا بِالْأَسْرِ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ صُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ)
بَاب غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ

[1809] قَوْلُهُ (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِضَمِّ الْحَاءِ
(12/187)

الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْخِنْجَرُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفَتْحِهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ إِلَّا الْفَتْحَ وَذَكَرَهُمَا مَعًا فِي الْمَشَارِقِ وَرَجَّحَ الْفَتْحَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَوْهَرِيُّ غَيْرَ الْكَسْرِ فَهُمَا لُغَتَانِ وَهِيَ سِكِّينٌ كَبِيرَةٌ ذَاتُ حَدَّيْنِ وَفِي هَذَا الْغَزْوُ بِالنِّسَاءِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَوْلُهَا (بَقَرْتُ بَطْنَهُ) أَيْ شَقَقْتُهُ قَوْلُهَا { (اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ) } هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ وَكَانَ فِي إِسْلَامِهِمْ ضَعْفٌ فَاعْتَقَدَتْ أُمُّ سَلِيمٍ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ وَأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الْقَتْلَ بِانْهِزَامِهِمْ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهَا مَنْ بَعْدَنَا أَيْ مَنْ سِوَانَا

[1810] قَوْلُهُ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى) فِيهِ خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي الْغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِنَّ فِي السَّقْيِ وَالْمُدَاوَاةِ وَنَحْوِهِمَا وَهَذِهِ الْمُدَاوَاةُ لِمَحَارِمِهِنَّ وَأَزْوَاجِهِنَّ وَمَا كَانَ مِنْهَا لِغَيْرِهِمْ لَا يَكُونُ فِيهِ
(12/188)

مَسُّ بَشَرَةٍ إِلَّا فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ

[1811] قَوْلُهُ (أَبُو مَعْمَرٍ الْمِنْقَرِيُّ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَنْسُوبٌ إِلَى مِنْقَرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مُقَاعِسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تميم بن مرة بن أد بْنِ طَلْحَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نذار بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ قَوْلُهُ (مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ) أَيْ مُتَرِّسٌ عَنْهُ لِيَقِيَهُ سِلَاحَ الْكُفَّارِ قَوْلُهُ (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ) أَيْ شَدِيدَ الرَّمْيِ قَوْلُهُ (الْجَعْبَةُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ قَوْلُهُ (أَرَى خَدَمَ سُوقِهَا) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْوَاحِدَةُ خِدْمَةٌ وَهِيَ الْخَلْخَالُ وَأَمَّا السُّوقُ فَجَمْعُ سَاقٍ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لِلْخَدَمِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَهْيٌ لِأَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ قَبْلَ أَمْرِ النِّسَاءِ بِالْحِجَابِ وَتَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ النَّظَرَ إِلَى نَفْسِ السَّاقِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ النَّظْرَةُ فَجْأَةً بِغَيْرِ قَصْدٍ وَلَمْ يَسْتَدِمْهَا قَوْلُهُ (نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ) هَذَا مِنْ مَنَاقِبِ أَبِي طَلْحَةَ الْفَاخِرَةِ قَوْلُهُ (عَلَى مُتُونِهِمَا) أَيْ عَلَى
(12/189)

ظُهُورِهِمَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَاطُ النِّسَاءِ فِي الْغَزْوِ بِرِجَالِهِنَّ فِي حَالِ الْقِتَالِ لِسَقْيِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ

(بَاب النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ وَلَا يُسْهَمُ (وَالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ) قوله

[1812] (فقال بن عَبَّاسٍ لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ) يَعْنِي إِلَى نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ مِنَ الْخَوَارِجِ معناه أن بن عَبَّاسٍ يَكْرَهُ نَجْدَةً لِبِدْعَتِهِ وَهِيَ كَوْنُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ وَلَكِنْ لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْعِلْمِ لَمْ يُمْكِنْهُ كَتْمُهُ فَاضْطُرَّ إِلَى جَوَابِهِ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ أَيْ لَوْلَا أَنِّي إِذَا تَرَكْتُ الْكِتَابَةَ أَصِيرُ كَاتِمًا لِلْعِلْمِ مُسْتَحِقًّا لِوَعِيدِ كَاتِمِهِ لَمَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ (كَانَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ) وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ فِيهِ حُضُورُ النِّسَاءِ الْغَزْوَ وَمُدَاوَاتُهُنَّ الْجَرْحَى كَمَا سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ {وَقَوْلُهُ يُحْذَيْنَ} هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ {أَيْ يُعْطَيْنَ تِلْكَ الْعَطِيَّةَ وَتُسَمَّى الرَّضْخُ وَفِي هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ وَلَا تَسْتَحِقُّ السَّهْمَ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ} وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تَسْتَحِقُّ السَّهْمَ إِنْ كَانَتْ تُقَاتِلُ أَوْ تُدَاوِي الْجَرْحَى وَقَالَ مَالِكٌ لَا رَضْخَ لَهَا وَهَذَانِ المذهبان مردودان بهذا الحديث الصحيح الصَّرِيحِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا (وَسَأَلْتُ)
(12/190)

عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ هَلْ كَانَ لَهُمْ سَهْمٌ معلوم إذا حضروا البأس وأنهم لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا مِنْ غَنَائِمِ الْقَوْمِ) فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ يُرْضَخُ لَهُ وَلَا يُسْهَمُ لَهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا رَضْخَ لَهُ كَمَا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ وقال الحسن وبن سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ إِنْ قَاتَلَ أُسْهِمَ لَهُ قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُوَ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَكَذَلِكَ النساء فإن قاتلوا أجاز قَتْلُهُمْ قَوْلُهُ (وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ) مَعْنَى هَذَا مَتَى يَنْقَضِي حُكْمُ الْيُتْمِ وَيَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَأَمَّا نَفْسُ الْيُتْمِ فَيَنْقَضِي بِالْبُلُوغِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْحُلُمِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الْيُتْمِ لَا يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ وَلَا بِعُلُوِّ السِّنِّ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ الرُّشْدُ فِي دِينِهِ وَمَالِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً زَالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّبْيَانِ وَصَارَ رَشِيدًا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ وَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ضَابِطٍ لَهُ وَأَمَّا الْكَبِيرُ إِذَا طَرَأَ تَبْذِيرُهُ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفة لا يحجر قال بن الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَكَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ قَوْلُهُ (وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمُسِ لِمَنْ هُوَ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ هُوَ لَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ) مَعْنَاهُ خُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِذَوِي الْقُرْبَى وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فقال الشافعي مثل قول بن عَبَّاسٍ وَهُوَ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ يَكُونُ لِذَوِي الْقُرْبَى وَهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَقَوْلُهُ (أَبَى علينا قومنا ذاك) أي رأوا أنه لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ
(12/191)

إِلَيْنَا بَلْ يَصْرِفُونَهُ فِي الْمَصَالِحِ وَأَرَادَ بِقَوْمِهِ وُلَاةَ الْأَمْرِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ بِأَنَّ سُؤَالَ نَجْدَةَ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ المسائل كان في فتنة بن الزبير وكانت فتنة بن الزُّبَيْرِ بَعْدَ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنَ الْهِجْرَةِ {وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ أَنَّ بن عباس اراد بقوله أبي ذاك عينا قَوْمُنَا مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ} قَوْلُهُ (فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَهُ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ) مَعْنَاهُ أَنَّ الصِّبْيَانَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ وَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقِصَّةِ الْخَضِرِ وَقَتْلِهِ صَبِيًّا فَإِنَّ الْخَضِرَ مَا قَتَلَهُ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ عَلَى التَّعْيِينِ كَمَا قَالَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ وما فعلته عن أمري فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ تَعْلَمُ مِنْ صَبِيٍّ ذَلِكَ فَاقْتُلْهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَتْلُ قَوْلُهُ (وَتُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ فَتَقْتُلُ الْكَافِرَ وَتَدَعُ الْمُؤْمِنَ) مَعْنَاهُ مَنْ يَكُونُ إِذَا عَاشَ إِلَى الْبُلُوغِ مُؤْمِنًا وَمَنْ يَكُونُ إِذَا عَاشَ كَافِرًا فَمَنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ يَبْلُغُ كَافِرًا فَاقْتُلْهُ كَمَا عَلِمَ الْخَضِرُ أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا وَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّكَ أَنْتَ لَا تَعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا تَقْتُلْ
(12/192)

صَبِيًّا قَوْلُهُ (لَوْلَا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ) هِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ يَعْنِي فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ الْحَمْقَى وَيَرَى رَأْيًا كَرَأْيِهِمْ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ يَعْنِي بِالنَّتْنِ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ وَكُلُّ مُسْتَقْبَحٍ يُقَالُ لَهُ النَّتْنُ وَالْخَبِيثُ وَالرِّجْسُ وَالْقَذَرُ وَالْقَاذُورَةُ قَوْلُهُ (لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ) يَعْنِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ حُكْمُ الْيُتْمِ كَمَا سَبَقَ وَأَرَادَ بِالِاسْمِ الْحُكْمَ قَوْلُهُ (وَلَا نَعْمَةَ عَيْنٍ) هُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا أَيْ مَسَرَّةُ
(12/193)

عَيْنٍ وَمَعْنَاهُ لَا تُسَرُّ عَيْنُهُ يُقَالُ نَعْمَةُ عَيْنٍ وَنُعْمَةُ عَيْنٍ وَنَعَامَةُ عَيْنٍ وَنُعْمَى عَيْنٍ نعما ونعيم ونعيم عين وَنَعَامُ عَيْنٍ بِمَعْنًى وَأَنْعَمَ اللَّهُ عَيْنَكُ أَيْ أَقَرَّهَا فَلَا يَعْرِضُ لَكَ نَكَدٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ قَوْلُهُ (إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ) بِالْبَاءِ الموحدة وهو الشدة والمراد هنا الحرب
(12/194)

(باب عدد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ فِي الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَجَابِرٍ وَبُرَيْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً

[1814] وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَغَازِي فِي عَدَدِ غَزَوَاتِهِ صلى الله عليه وسلم وسراياه فذكر بن سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَدَدَهُنَّ مُفَصَّلَاتٍ عَلَى تَرْتِيبِهِنَّ فَبَلَغَتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزَاةً وَسِتًّا وَخَمْسِينَ سَرِيَّةً قَالُوا قَاتَلَ فِي تِسْعٍ مِنْ غَزَوَاتِهِ وَهِيَ بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْمُرَيْسِيعُ وَالْخَنْدَقُ وَقُرَيْظَةُ وَخَيْبَرُ وَالْفَتْحُ وَحُنَيْنٌ وَالطَّائِفُ هَكَذَا عَدُّوا الْفَتْحَ فِيهَا وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ فُتِحَتْ مَكَّةُ عَنْوَةً وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ الْخِلَافِ فِيهَا وَلَعَلَّ بُرَيْدَةَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ إِسْقَاطَ غَزَاةَ الْفَتْحِ وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ قَوْلُهُ (قُلْتُ فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَالَ ذَاتُ الْعُسَيْرِ أَوِ الْعُشَيْرِ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ الْعُسَيْرُ أَوْ الْعُشَيْرُ الْعَيْنُ مَضْمُومَةٌ وَالْأَوَّلُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالثَّانِي بِالْمُعْجَمَةِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ هِيَ ذَاتُ الْعُشَيْرَةِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ وَجَاءَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي يَعْنِي مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَسِيرٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بِحَذْفِ الْهَاءِ قَالَ وَالْمَعْرُوفُ فِيهَا الْعُشَيْرَةُ مُصَغَّرَةٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْهَاءِ قَالَ وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو إِسْحَاقَ {وَهِيَ مِنْ أَرْضِ مَذْحِجٍ} قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ)
(12/195)

هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَفِي بَعْضِهَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَيْضًا الِاخْتِلَافَ فِيهِ قَالَ وَقَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ الصَّوَابُ زُهَيْرٌ وَأَمَّا وُهَيْبٌ فَخَطَأٌ قَالَ لِأَنَّ وُهَيْبًا لَمْ يَلْقَ أَبَا إِسْحَاقَ وَذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ فَقَالَ زُهَيْرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وُهَيْبًا قَوْلُهُ

[1813] (عَنْ جَابِرٍ لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا وَلَا أُحُدًا) قَالَ الْقَاضِي كَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يشهدهما وقد ذكر أبوعبيد أنه شهد بدرا قال بن عَبْدِ الْبَرِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْهُمَا وَقَدْ ذكر بن الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا قَوْلُهُ (عَنْ جَابِرٍ قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَلَمْ أَشْهَدْ أُحُدًا وَلَا بَدْرًا) هَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ مُنْحَصِرَةً فِي تِسْعَ عَشْرَةَ بَلْ زَائِدَةً وَإِنَّمَا مُرَادُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَبُرَيْدَةَ بِقَوْلِهِمَا تِسْعَ عَشْرَةَ أَنَّ مِنْهَا تِسْعَ عَشْرَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَابِرٌ فَقَدْ أَخْبَرَ جَابِرٌ أَنَّهَا إِحْدَى وَعِشْرُونَ كَمَا تَرَى وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ بُرَيْدَةَ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً فَلَيْسَ فيه نفي الزيادة
(12/196)

(باب غزوة ذات الرقاع قَوْلُهُ

[1816] (وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ) أَيْ يَرْكَبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَوْبَةً فِيهِ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمَرْكُوبِ قَوْلُهُ فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ قَرِحَتْ مِنَ الْحَفَاءِ قَوْلُهُ (فَسُمِّيَتْ ذَاتُ الرِّقَاعِ لِذَلِكَ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا وَقَالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ بِجَبَلٍ هُنَاكَ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ وَحُمْرَةٌ وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِاسْمِ شَجَرَةٍ هُنَاكَ وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَلْوِيَتِهِمْ رِقَاعٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِالْمَجْمُوعِ {قَوْلُهُ (وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ) فِيهِ استحباب اخفاء)
(12/197)

الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَمَا يُكَابِدُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْمَشَاقِّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ مِثْلَ بَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا وُجِدَ لِلسَّلَفِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ}

(بَاب كَرَاهَةِ الِاسْتِعَانَةِ في الغزو بكافر إلا لحاجة (أو كونه حسن الرأي في المسلمين)

[1817] قَوْلُهُ (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحِرَّةِ الْوَبَرَةِ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِإِسْكَانِهَا وَهُوَ مَوْضِعٌ عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَانَ بِصَفْوَانَ بْنِ أمية قبل)
(12/198)

إِسْلَامِهِ فَأَخَذَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إِنْ كَانَ الْكَافِرُ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِ اسْتُعِينَ بِهِ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ وَحَمَلَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ وَإِذَا حَضَرَ الْكَافِرُ بِالْإِذْنِ رُضِخَ لَهُ وَلَا يُسْهَمُ لَهُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُسْهَمُ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حتى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ حَتَّى إِذَا كُنَّا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مَعَ الْمُوَدِّعِينَ فَرَأَتْ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهِا كُنَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(كِتَاب الْإِمَارَةِ)
(بَاب النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ

[1818] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (النَّاسُ

[1819] تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ) وَفِي رِوَايَةٍ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَفِي رِوَايَةٍ

[1820] لَا يَزَالُ هَذَا)
(12/199)

الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَشْبَاهُهَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُرَيْشٍ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُمْ وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ أَوْ عَرَّضَ بِخِلَافٍ مِنْ غَيْرِهِمْ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْقَاضِي اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ قُرَشِيًّا هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً قَالَ وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ عَدَّهَا الْعُلَمَاءُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ فِيهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ قَالَ وَلَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِ النَّظَّامِ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ وَلَا بِسَخَافَةِ ضِرَارِ بْنِ عمرو في قوله أن غير القرشي من النبط وغيرهم يقدم على القرشي لهو أن خَلْعِهِ إِنْ عَرَضَ مِنْهُ أَمْرٌ وَهَذَا الَّذِي قاله من باطل القول وزخرفه مع ماهو عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَمَعْنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْجَاهِلِيَّةِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ رُؤَسَاءَ الْعَرَبِ وَأَصْحَابَ حَرَمِ اللَّهِ وَأَهْلَ حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَنْظُرُ إِسْلَامَهُمْ فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَفُتِحَتْ مَكَّةُ تَبِعَهُمُ النَّاسُ وَجَاءَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَكَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ هُمْ أَصْحَابُ الْخِلَافَةِ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ وَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدُّنْيَا مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ وقد ظهر
(12/200)

مَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْ زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْآنَ الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةٍ لَهُمْ فيها وتبقى كذلك ما بقي اثْنَانِ كَمَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فَضِيلَةِ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لَهُمْ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيمُ قُرَيْشٍ فِي الْخِلَافَةِ فَقَطْ قُلْتُ هُوَ حُجَّةٌ فِي مَزِيَّةِ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهِمْ وَالشَّافِعِيُّ قُرَشِيٌّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1821] (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنان عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) وَفِي رِوَايَةٍ لا يزال أمر الناس ماضيا ماوليهم اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ الْقَاضِي قَدْ تَوَجَّهَ هُنَا سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا وَهَذَا مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْهُرُ الَّتِي بُويِعَ فِيهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ فِي حَدِيثِ الخلافة ثلاثون سنة خلافة النبوة وقد جاءمفسرا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا وَلَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ السُّؤَالُ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ وَلِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ قَالَ وَهَذَا اعْتِرَاضٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل لا يلي إلا اثنى عَشَرَ خَلِيفَةً وَإِنَّمَا قَالَ يَلِي وَقَدْ وَلِيَ هذا العدد ولا يضركونه وُجِدَ بَعْدَهُمْ غَيْرُهُمْ
(12/201)

هَذَا إِنْ جُعِلَ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ كُلُّ وَالٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُسْتَحِقَّ الْخِلَافَةِ الْعَادِلِينَ وَقَدْ مَضَى مِنْهُمْ مَنْ عُلِمَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْعَدَدِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ قَالَ وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ يَتَّبِعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالَ الْقَاضِي وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَدْ وُجِدَ إِذَا تَتَبَّعْتَ التَّوَارِيخَ فَقَدْ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ وَحْدَهَا مِنْهُمْ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ بَعْدَ أَرْبَعمِائَةِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ يَدَّعِيهَا وَيُلَقَّبُ بِهَا وَكَانَ حِينَئِذٍ فِي مِصْرَ آخَرُ وَكَانَ خَلِيفَةَ الْجَمَاعَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِبَغْدَادَ سِوَى مَنْ كَانَ يَدَّعِي ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ قَالَ وَيُعِضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ بَعْدَ هَذَا سَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قالوا فما تأمرنا قال فوا بيعة الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ
(12/202)

مَنْ يَعِزُّ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِهِ وَيَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ قَبْلَ اضْطِرَابِ أَمْرِ بَنِي أُمَيَّةَ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَخَرَجَ عَلَيْهِ بَنُو الْعَبَّاسِ وَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا أُخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ) هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ أَصَمُّونِي عَنْهَا فَلَمْ أَسْمَعْهَا لِكَثْرَةِ الْكَلَامِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ صَمَّتَنِيهَا النَّاسُ أَيْ سَكَّتُونِي عَنِ السُّؤَالِ عَنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1822] (عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الْأَبْيَضَ بَيْتَ كِسْرَى) هَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ فَتَحُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
(12/203)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْعُصَيْبَةُ تَصْغِيرُ عُصْبَةٍ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ وَكِسْرَى بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ) هُوَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ) الْفَرَطُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ السَّابِقُ إِلَيْهِ وَالْمُنْتَظِرُ لِسَقْيِكُمْ مِنْهُ وَالْفَرَطُ وَالْفَارِطُ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الْقَوْمَ إِلَى الْمَاءِ لِيُهَيِّئَ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلى بن سَمُرَةَ الْعَدَوِيِّ) كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْعَدَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي هَذَا تَصْحِيفٌ فَلَيْسَ هُوَ بِعَدَوِيٍّ إِنَّمَا هُوَ عَامِرِيٌّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَيُصَحَّفُ بِالْعَدَوِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب الاستخلاف وتركه

[1823] قوله (راغب وراهب) أي راج وَخَائِفٌ وَمَعْنَاهُ النَّاسُ صِنْفَانِ أَحَدُهُمَا يَرْجُو وَالثَّانِي يَخَافُ أَيْ رَاغِبٌ فِي حُصُولِ شَيْءٍ مِمَّا عندي أو راهب مني وقيل أَرَادَ أَنِّي رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَاهِبٌ مِنْ عَذَابِهِ فَلَا أُعَوِّلُ عَلَى مَا أَتَيْتُمْ بِهِ عَلَيَّ وَقِيلَ الْمُرَادُ الْخِلَافَةُ أَيِ النَّاسُ فِيهَا ضِرْبَانِ رَاغِبٌ فِيهَا فَلَا أُحِبُّ)
(12/204)

تَقْدِيمَهُ لِرَغْبَتِهِ وَكَارِهٌ لَهَا فَأَخْشَى عَجْزَهُ عَنْهَا قَوْلُهُ (إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِلَى آخِرِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أجمعوا علىأن الْخَلِيفَةَ إِذَا حَضَرَتْهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ وَقَبْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدِ اقْتَدَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا وَإِلَّا فَقَدِ اقْتَدَى بِأَبِي بَكْرٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفِ الْخَلِيفَةُ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِالسِّتَّةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَصْبُ خَلِيفَةٍ وَوُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْأَصَمِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجِبُ وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ فَبَاطِلَانِ أَمَّا الْأَصَمُّ فَمَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي بَقَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَا خَلِيفَةٍ فِي مُدَّةِ التَّشَاوُرِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَأَيَّامَ الشُّورَى بَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِنَصْبِ الْخَلِيفَةِ بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي النَّظَرِ فِي أَمْرِ مَنْ يُعْقَدُ لَهُ وَأَمَّا الْقَائِلُ الْآخَرُ فَفَسَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَسِّنُهُ وَلَا يُقَبِّحُهُ وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ لَا بِذَاتِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى خَلِيفَةٍ
(12/205)

وَهُوَ إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْقَاضِي وخالف في ذلك بكر بن أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ فَزَعَمَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أبي بكر وقال بن رَاوَنْدِيِّ نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ وَقَالَتِ الشِّيعَةُ وَالرَّافِضَةُ عَلَى عَلِيٍّ وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَجَسَارَةٌ عَلَى الِافْتِرَاءِ وَوَقَاحَةٌ فِي مُكَابَرَةِ الْحِسِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِهِ إِلَى عُمَرَ وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِ عُمَرَ بِالشُّورَى وَلَمْ يُخَالِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَحَدٌ وَلَمْ يَدَّعِ عَلِيٌّ وَلَا الْعَبَّاسُ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّةً فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَقَدِ اتَّفَقَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ عَلَى جَمِيعِ هَذَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ ذِكْرِ وَصِيَّةٍ لَوْ كَانَتْ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَصِيَّةٌ فَقَدْ نَسَبَ الْأُمَّةَ إِلَى اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْخَطَأِ وَاسْتِمْرَارِهَا عَلَيْهِ وَكَيْفَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنْ يَنْسِبَ الصَّحَابَةَ إِلَى الْمُوَاطَأَةِ عَلَى الْبَاطِلِ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ لَنُقِلَ فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ قَوْلُهُ (آلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا) أَيْ حَلَفْتُ
(12/206)

(بَاب النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الْإِمَارَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا قَوْلُهُ

[1652] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَسَألِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ أُكِلْتَ عَلَيْهَا) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ أَوْ أَكْثَرِهَا أُكِلْتَ بِالْهَمْزِ وَفِي بَعْضِهَا وُكِلْتَ قَالَ الْقَاضِي هُوَ فِي أَكْثَرِهَا بِالْهَمْزِ قَالَ والصواب بالواو أي أسلمت إليها ولم يَكُنْ مَعَكَ إِعَانَةٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا حَصَلَتْ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ قَوْلُهُ

[1733] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ) يُقَالُ حَرَصَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا أَكْثَرُ الناس ولو حرصت بمؤمنين قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ لَا يُوَلَّى مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ أَنَّهُ يُوكَلُ إِلَيْهَا وَلَا)
(12/207)

تَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ السَّابِقِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ إِعَانَةٌ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا وَلَا يُوَلَّى غَيْرُ الْكُفْءِ وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً لِلطَّالِبِ وَالْحَرِيصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً) فِيهِ إِكْرَامُ الضَّيْفِ بِهَذَا وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ فِي الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ (ثُمَّ ارْتَدَّ فَقَالَ لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ) فِيهِ وُجُوبُ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي اسْتِتَابَتِهِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ وَفِي قَدْرِهَا وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَفِي أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ من السلف والخلف يستتاب ونقل بن الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَقَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَالْمَاجِشُونُ الْمَالِكِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لَا يُسْتَتَابُ وَلَوْ تَابَ نَفَعَتْهُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَسْقُطُ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وقال عطاء إن كان ولد مسلما لم يستتب وإن كان ولد كافرا فأسلم ثم ارتد يستتاب واختلفوا في أن الِاسْتِتَابَةُ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَأَنَّهَا فِي الْحَالِ وَلَهُ قَوْلٌ إِنَّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَعَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ يُسْتَتَابُ شَهْرًا قَالَ الْجُمْهُورُ
(12/208)

وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي أَنَّهَا تُقْتَلُ إِذَا لَمْ تَتُبْ وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْجَمَاهِيرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ تُسْجَنُ الْمَرْأَةُ وَلَا تُقْتَلُ وَعَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وفيه أن لِأُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا يُقِيمُهُ إِلَّا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَلَا يُقِيمُهُ عَامِلُ السَّوَادِ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَضَاءِ إِذَا كَانَتْ وِلَايَتُهُمْ مُطْلَقَةً لَيْسَتْ مختبصة بِنَوْعٍ مِنَ الْأَحْكَامِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تُقِيمُ الْقُضَاةُ الْحُدُودَ وَيَنْظُرُونَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا يَخْتَصُّ بِضَبْطِ الْبَيْضَةِ مِنْ إِعْدَادِ الْجُيُوشِ وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا وِلَايَةَ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ قَوْلُهُ (أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي) مَعْنَاهُ أَنِّي أَنَامُ بِنِيَّةِ الْقُوَّةِ وَإِجْمَاعِ النفس للعبادة وتنشيطها لِلطَّاعَةِ فَأَرْجُو فِي ذَلِكَ الْأَجْرَ كَمَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي أَيْ صَلَوَاتِي

(بَاب كَرَاهَةِ الْإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلُهُ

[1825] (حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بَكْرِ بن عمرو عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن بن حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بَكْرٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ نُسْخَةِ الْجُلُودِيِّ الَّتِي هِيَ طَرِيقُ بلادنا قال ووقع عند بن مَاهَانَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَبَكْرٌ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ قَالَهُ عَبْدُ الغني قلت)
(12/209)

وَلَمْ يَذْكُرْ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ غَيْرَهُ واسم بن حُجَيْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَهُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَاسْمُ أَبِي حَبِيبٍ سُوَيْدٌ وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُمْ يَزِيدُ وَالثَّلَاثَةُ بَعْدَهُ قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي بَعْدَهُ

[1826] (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حرب وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن المقرئ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِهِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبي جعفر في هذا الاسناد فرواه سعيد بن أبي أيوب عنه كما سبق ورواه بن لهيعة عنه عن مسلم بن أبي مريم عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَمْ يَحْكُمِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ بِشَيْءٍ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ إِسْنَادًا وَمَتْنًا وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَحْفَظُ من بن لَهِيعَةَ وَأَمَّا الْمُقْرِئُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَذْكُورُ عَقِبَهُ وَاسْمُ أَبِي أَيُّوبَ وَالِدِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ مِقْلَاصٌ الْخُزَاعِيُّ الْمِصْرِيُّ وَاسْمُ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ سُفْيَانُ بْنُ هَانِئٍ مَنْسُوبٌ إِلَى جَيْشَانَ بِفَتْحِ الْجِيمِ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلَايَاتِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ تِلْكَ الْوِلَايَةِ وَأَمَّا الْخِزْيُ والندامة فهو في حَقُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا أَوْ كَانَ أَهْلًا وَلَمْ يَعْدِلْ فِيهَا فَيُخْزِيهِ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْضَحُهُ وَيَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَعَدَلَ فِيهَا فَلَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ تَظَاهَرَتْ بِهِ
(12/210)

الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَحَدِيثِ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَقِبَ هَذَا أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَلِكَثْرَةِ الْخَطَرِ فِيهَا حَذَّرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَكَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ وَامْتَنَعَ مِنْهَا خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى حِينَ امْتَنَعُوا

(بَاب فَضِيلَةِ الأمير الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ (بِالرَّعِيَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ)

[1827] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) أَمَّا قَوْلُهُ وَلُوا فَبِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ كَانَتْ لَهُمْ عليه ولاية والمقسطون هم العادلون وقد فسره في آخر الحديث والأقساط والقسط بكسر القاف العدل يقال أقسط أقساطا فَهُوَ مُقْسِطٌ إِذَا عَدَلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وأقسطوا إن الله يحب المقسطين وَيُقَالُ قَسَطَ يَقْسِطُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ قسوطا وَقَسْطًا بِفَتْحِ الْقَافِ فَهُوَ قَاسِطٌ وَهُمْ قَاسِطُونَ إِذَا جَارُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فكانوا لجهنم حطبا وَأَمَّا الْمَنَابِرُ فَجَمْعُ مِنْبَرٍ سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَنَابِرَ حقيقة عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ قُلْتُ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَيَكُونُ متضمنا للمنازل الرفيعة فهم على منابر حقيقة وَمَنَازِلُهُمْ رَفِيعَةٌ أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ فَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهِ وَلَا نَعْرِفُ مَعْنَاهُ لَكِنْ نَعْتَقِدُ أَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَأَنَّ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ)
(12/211)

السلف وطوائف من المتكلمين والثاني أنها تؤول عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَعَلَى هَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ عَنِ الْيَمِينِ الْحَالَةُ الحسنة والمنزلة الرفيعة قال قال بن عَرَفَةَ يُقَالُ أَتَاهُ عَنْ يَمِينِهِ إِذَا جَاءَهُ مِنَ الْجِهَةِ الْمَحْمُودَةِ وَالْعَرَبُ تَنْسِبُ الْفِعْلَ الْمَحْمُودَ وَالْإِحْسَانَ إِلَى الْيَمِينِ وَضِدَّهُ إِلَى الْيَسَارِ قَالُوا واليمين مأخوذة مِنَ الْيُمْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْيَمِينِ جَارِحَةً تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا فَمَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْفَضْلَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ عَدَلَ فِيمَا تَقَلَّدَهُ مِنْ خِلَافَةٍ أَوْ إِمَارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ حِسْبَةٍ أَوْ نَظَرٍ عَلَى يَتِيمٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَقْفٍ وَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ

[1828] عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَاسَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّهَا وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ (مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا) أَيْ مَا كَرِهْنَا وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا قَوْلُهَا (أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِيَّ محمد بن أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ) فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فَضْلُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ لِسَبَبِ عَدَاوَةٍ وَنَحْوِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ قَتْلِ مُحَمَّدٍ هَذَا قِيلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَقِيلَ بَلْ قُتِلَ أَسِيرًا بَعْدَهَا وَقِيلَ وُجِدَ بَعْدَهَا فِي خَرِبَةٍ فِي جَوْفِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَأَحْرَقُوهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرَ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ
(12/212)

هَذَا مِنْ أَبْلَغِ الزَّوَاجِرِ عَنِ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّاسِ وَأَعْظَمِ الْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِهِمْ وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِهَذَا الْمَعْنَى

[1829] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا قَامَ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ فَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ تَحْتَ نَظَرِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ قوله
(12/213)

[142] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي بَعْدَهُ سَبَقَ شَرْحُهُمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا لِغِشِّهِمْ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَيَخْلُدُ فِي النَّارِ وَالثَّانِي)
(12/214)

أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّهُ فَيَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِهَا أَوَّلَ وَهْلَةٍ مَعَ الْفَائِزِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ أَيْ وَقْتَ دُخُولِهِمْ بَلْ يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ عُقُوبَةً لَهُ إِمَّا فِي النَّارِ وَإِمَّا فِي الْحِسَابِ وَإِمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وُجُوبُ النَّصِيحَةِ عَلَى الْوَالِي لِرَعِيَّتِهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَالنَّصِيحَةِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ حَالَةِ الْمَوْتِ نَافِعَةٌ قَوْلُهُ (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ بِيَ حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ
(12/215)

قَبْلَ هَذَا الْحَالِ وَرَأَى وُجُوبَ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ مُضَيِّعًا لَهُ وَقَدْ أُمِرْنَا كُلُّنَا بِالتَّبْلِيغِ

[1830] قَوْلُهُ (إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَتِهِمْ) يَعْنِي لَسْتَ مِنْ فُضَلَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الْمَرَاتِبِ مِنْهُمْ بَلْ مِنْ سَقْطِهِمْ وَالنُّخَالَةُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ مِنْ نُخَالَةِ الدَّقِيقِ وَهِيَ قُشُورُهُ وَالنُّخَالَةُ وَالْحُقَالَةُ وَالْحُثَالَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَوْلُهُ (وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ) هَذَا مِنْ جَزْلِ الْكَلَامِ وَفَصِيحِهِ وَصِدْقِهِ الَّذِي يَنْقَادُ لَهُ كُلُّ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كُلُّهُمْ هُمْ صَفْوَةُ النَّاسِ وِسَادَاتُ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ قُدْوَةٌ لَا نُخَالَةَ فِيهِمْ وَإِنَّمَا جَاءَ التَّخْلِيطُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَفِيمَنْ بَعْدَهُمْ كَانَتِ النُّخَالَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ) قَالُوا هُوَ الْعَنِيفُ فِي رعيته لايرفق بِهَا فِي سَوْقِهَا وَمَرْعَاهَا بَلْ يَحْطِمُهَا فِي ذَلِكَ وَفِي سَقْيِهَا وَغَيْرِهِ وَيَزْحَمُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ بِحَيْثُ يُؤْذِيهَا وَيَحْطِمُهَا

(بَاب غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ

[1831] قَوْلُهُ (ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِغِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ وَأَصْلُ الْغُلُولِ الْخِيَانَةُ مُطْلَقًا ثُمَّ غَلَبَ اخْتِصَاصُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْخِيَانَةِ فِي الْغَنِيمَةِ قَالَ نَفْطَوَيْهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَيْدِي مغلولة عنه أي محبوسة يقال غل غلولاوأغل إِغْلَالًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ أُلْفِيَنَّ بِضَمِّ الهمزة وبالفاء المكسورة أىلاأجدن أَحَدَكُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَمَعْنَاهُ لَا تَعْمَلُوا عَمَلًا أَجِدُكُمْ بِسَبَبِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ الْقَاضِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ لَا أَلْقَيَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْقَافِ وَلَهُ وَجْهٌ كَنَحْوِ مَا سبق لكن المشهور الأول والرغاء بِالْمَدِّ صَوْتُ الْبَعِيرِ وَكَذَا الْمَذْكُورَاتُ بَعْدَ وَصْفِ)
(12/216)

كُلِّ شَيْءٍ بِصَوْتِهِ وَالصَّامِتُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالشَّفَاعَةِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلًا غَضَبًا عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ ثُمَّ يَشْفَعُ فِي جَمِيعِ الْمُوَحِّدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي شَفَاعَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ وَالْخَيْلِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْغُلُولِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ غَصْبًا فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالزَّكَاةِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ مَا غَلَّهُ فَإِنْ تَفَرَّقَ الْجَيْشُ وَتَعَذَّرَ إِيصَالُ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَيْهِ فَفِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ إِلَى الْإِمَامِ أَوِ الْحَاكِمِ كَسَائِرِ الأموال الضائعة وقال بن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ يَدْفَعُ خُمُسَهُ إِلَى الْإِمَامِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ عُقُوبَةِ الْغَالِّ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ يُعَزَّرُ عَلَى
(12/217)

حَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَلَا يُحَرَّقُ مَتَاعُهُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ لَا يُحْصَى مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْحَسَنُ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُحَرَّقُ رَحْلُهُ وَمَتَاعُهُ كُلُّهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَّا سِلَاحَهُ وَثِيَابَهُ الَّتِي عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَسَنُ إِلَّا الْحَيَوَانَ وَالْمُصْحَفَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي تَحْرِيقِ رَحْلِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَالِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَلَوْ صَحَّ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ بِالْأَمْوَالِ كَأَخْذِ شَطْرِ الْمَالِ مِنْ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَضَالَّةِ الْإِبِلِ وَسَارِقِ التَّمْرِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب تَحْرِيمِ هَدَايَا الْعُمَّالِ

[1832] قَوْلُهُ (اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا من الأسد يقال له بن اللُّتْبِيَّةِ) أَمَّا الْأَسْدُ فَبِإِسْكَانِ)
(12/218)

السِّينِ وَيُقَالُ لَهُ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ وَيُقَالُ لَهُمْ الْأَزْدُ وَالْأَسْدُ وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في الرواية الثانية وأما اللُّتْبِيَّةُ فَبِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَهَا قَالُوا وَهُوَ خَطَأٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِفَتْحِهَا وَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذَا قَالُوا وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا وَالصَّوَابُ اللُّتْبِيَّةُ بِإِسْكَانِهَا نِسْبَةً إِلَى بني لتب قبيلة معروفة وإسم بن اللُّتْبِيَّةِ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّالِ حَرَامٌ وَغُلُولٌ لِأَنَّهُ خَانَ فِي وِلَايَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ فِي عُقُوبَتِهِ وَحَمْلِهِ مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي الْغَالِّ وَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ السَّبَبَ فِي تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ عَلَيْهِ وَأَنَّهَا بِسَبَبِ الْوِلَايَةِ بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ لِغَيْرِ الْعَامِلِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ مَا يقبضه العالم وَنَحْوِهِ بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ وَأَنَّهُ يَرُدُّهُ إِلَى مُهْدِيهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَإِلَى بَيْتِ الْمَالِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْ شَاةٍ تَيْعِرُ) هُوَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمَفْتُوحَةٍ وَمَعْنَاهُ تَصِيحُ وَالْيُعَارُ صَوْتُ الشَّاةِ قَوْلُهُ (ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبِطَيْهِ) هِيَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا وَالْفَاءُ سَاكِنَةٌ فِيهِمَا وَمِمَّنْ ذَكَرَ اللُّغَتَيْنِ فِي الْعَيْنِ الْقَاضِي هُنَا وَفِي الْمَشَارِقِ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَالْأَشْهَرُ الضَّمُّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَآخَرُونَ عُفْرَةُ الْإِبِطِ هِيَ الْبَيَاضُ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ
(12/219)

بَلْ فِيهِ شَيْءٌ كَلَوْنِ الْأَرْضِ قَالُوا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَفَرِ الْأَرْضِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْفَاءِ وَهُوَ وَجْهُهَا قَوْلُهُ (فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ) فِيهِ مُحَاسَبَةُ الْعُمَّالِ لِيُعْلَمَ مَا قَبَضُوهُ وَمَا صَرَفُوا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا) هَكَذَا هُوَ ببعض النسخ فلا عرفن وَفِي بَعْضِهَا لَا أَعْرِفَنَّ بِالْأَلِفِ عَلَى النَّفْيِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا أَشْهَرُ قَالَ وَالْأَوَّلُ هُوَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ (بَصَرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي) مَعْنَاهُ أَعْلَمُ هَذَا الْكَلَامَ يَقِينًا وَأَبْصَرَتْ عَيْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم حين
(12/220)

تَكَلَّمَ بِهِ وَسَمِعَتْهُ أُذُنِي فَلَا شَكَّ فِي عِلْمِي بِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاللَّهِ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِيهِ تَوْكِيدُ الْيَمِينِ بِذِكْرِ اسْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعِي) فِيهِ اسْتِشْهَادُ الرَّاوِي وَالْقَائِلِ بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السامع وأبلغ في طمأنينته قوله (وحدثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ إِلَى قَوْلِهِ قَالَ عُرْوَةُ فَقُلْتُ لِأَبِي حُمَيْدٍ أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا حُمَيْدٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي هُنَا عَنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ وَوَقَعَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النُّسَخِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَهَذَا وَاضِحٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مُتَّصِلٌ أَيْضًا لِقَوْلِهِ قَالَ عُرْوَةُ فَقُلْتُ لِأَبِي حُمَيْدٍ أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ عُرْوَةَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ فَاتَّصَلَ الْحَدِيثُ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالطُّرُقِ الْكَثِيرَةِ السَّابِقَةِ قَوْلُهُ (فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ) أَيْ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَأَشْخَاصٍ بَارِزَةٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ وَالسَّوَادُ يَقَعُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ
(12/221)

[1833] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَتَمَنَا مِخْيَطًا) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ وَهُوَ الْإِبْرَةُ قَوْلُهُ (عَدِيُّ بْنُ عَمِيرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ قَالَ الْقَاضِي وَلَا يُعْرَفُ مِنَ الرِّجَالِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ عُمَيْرَةُ بِالضَّمِّ بَلْ كُلُّهُمْ بِالْفَتْحِ وَوَقَعَ فِي النَّسَائِيِّ الْأَمْرَانِ

(بَاب وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ (وَتَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِهَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَعَلَى تَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا القاضي)
(12/222)

عِيَاضٌ وَآخَرُونَ

[1834] قَوْلُهُ (نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى أَطِيعُوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم في عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِأُولِي الْأَمْرِ مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ هَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَقِيلَ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ الصَّحَابَةُ خَاصَّةً فَقَطْ فَقَدْ أَخْطَأَ

[1835] قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أميري فقد
(12/223)

أَطَاعَنِي) وَقَالَ فِي الْمَعْصِيَةِ مِثْلَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاعَةِ الْأَمِيرِ فَتَلَازَمَتِ الطَّاعَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1836] (عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ تَجِبُ طَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ فِيمَا يَشُقُّ وَتَكْرَهُهُ النُّفُوسُ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ كَانَتْ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُطْلِقَةُ لِوُجُوبِ طَاعَةِ وُلَاةِ
(12/224)

الْأُمُورِ عَلَى مُوَافَقَةِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ لا سمع ولا طاعة في المعصية والأثرة بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ وَيُقَالُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ فِي الْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الِاسْتِئْثَارُ وَالِاخْتِصَاصُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ أَيْ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اخْتَصَّ الْأُمَرَاءُ بِالدُّنْيَا وَلَمْ يُوصِلُوكُمْ حَقَّكُمْ مِمَّا عِنْدَهُمْ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الْحَثِّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَسَبَبُهَا اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أجوالهم فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ قَوْلُهُ

[1837] (إِنَّ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) يَعْنِي مَقْطُوعَهَا وَالْمُرَادُ أَخَسُّ الْعَبِيدِ أَيْ أَسْمَعُ وَأُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ كَانَ دَنِيءَ النَّسَبِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ مَقْطُوعَ الْأَطْرَافِ فَطَاعَتُهُ وَاجِبَةٌ وَتُتَصَوَّرُ إِمَارَةُ الْعَبْدِ إِذَا وَلَّاهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَوْ إِذَا تَغَلَّبَ عَلَى الْبِلَادِ بِشَوْكَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ عَقْدِ الْوِلَايَةِ لَهُ مَعَ الِاخْتِيَارِ بل شرطها
(12/225)

الْحُرِّيَّةُ قَوْلُهُ

[1840] (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَوْقَدَ نَارًا وَقَالَ
(12/226)

ادْخُلُوهَا إِلَى قَوْلِهِ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) هَذَا مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ أَنَّهُ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمَعْرُوفِ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ هَذَا الْأَمِيرُ قِيلَ أَرَادَ امْتِحَانَهُمْ وَقِيلَ كَانَ مَازِحًا قِيلَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا إِنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) هَذَا مِمَّا عَلِمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ وَهَذَا التَّقْيِيدُ بِيَوْمِ القيامة مبين
(12/227)

لِلرِّوَايَةِ الْمُطْلَقَةِ بِأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا لَوْ دَخَلُوهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) هَكَذَا هُوَ لِمُعْظَمِ الرُّوَاةِ وَفِي مُعْظَمِ النُّسَخِ بَوَاحًا بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِهَا
(12/228)

بَرَاحًا وَالْبَاءُ مَفْتُوحَةٌ فِيهِمَا وَمَعْنَاهُمَا كُفْرًا ظَاهِرًا وَالْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي وَمَعْنَى عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ أَيْ تَعْلَمُونَهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تُنَازِعُوا وُلَاةَ الْأُمُورَ فِي وِلَايَتِهِمْ وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ وَحُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا فَغَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَبَبُ عَدَمِ انْعِزَالِهِ وَتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفِتَنِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَتَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي عَزْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي بَقَائِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ لِكَافِرٍ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ انْعَزَلَ قَالَ وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَةَ الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءَ إِلَيْهَا قَالَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمُ الْبِدْعَةُ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ تَنْعَقِدُ لَهُ وَتُسْتَدَامُ لَهُ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ قَالَ الْقَاضِي فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَتَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ أَوْ بِدْعَةٌ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَسَقَطَتْ طَاعَتُهُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ وَخَلْعُهُ وَنَصْبُ إِمَامٍ عَادِلٍ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِلَّا لِطَائِفَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِخَلْعِ الْكَافِرِ وَلَا يَجِبُ فِي الْمُبْتَدِعِ إِلَّا إِذَا ظَنُّوا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ تَحَقَّقُوا الْعَجْزَ لَمْ يَجِبِ الْقِيَامُ وَلْيُهَاجِرِ الْمُسْلِمُ عَنْ أَرْضِهِ إِلَى غَيْرِهَا وَيَفِرَّ بِدِينِهِ قَالَ وَلَا تَنْعَقِدُ لِفَاسِقٍ ابْتِدَاءً فَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْخَلِيفَةِ فِسْقٌ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ خَلْعُهُ إِلَّا أَنْ تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَحَرْبٌ وَقَالَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ وَلَا يُخْلَعُ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَلْ يَجِبُ وَعْظُهُ وَتَخْوِيفُهُ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي وَقَدِ ادَّعَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ فِي هَذَا الْإِجْمَاعَ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ هَذَا بِقِيَامِ الحسن وبن الزُّبَيْرِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَبِقِيَامِ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الحجاج مع بن الأشعث وتأول هذا القائل قوله أن لا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ فِي أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ قِيَامَهُمْ عَلَى الْحَجَّاجِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ بَلْ لِمَا غَيَّرَ مِنَ الشَّرْعِ وَظَاهَرَ مِنَ الْكُفْرِ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْخِلَافَ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1709] قَوْلُهُ (بَايَعْنَا عَلَى السَّمْعِ) الْمُرَادُ بِالْمُبَايَعَةِ الْمُعَاهَدَةُ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْبَيْعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَكَذَا هَذِهِ البيعة
(12/229)

تَكُونُ بِأَخْذِ الْكَفِّ وَقِيلَ سُمِّيَتْ مُبَايَعَةً لِمَا فِيهَا مِنَ الْمُعَاوَضَةِ لِمَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى من عَظِيمَ الْجَزَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة الْآيَةَ قَوْلُهُ (وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ مَعْنَاهُ نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فِي كل زمان ومكان الكبار والصفار لَا نُدَاهِنُ فِيهِ أَحَدًا وَلَا نَخَافُهُ هُوَ وَلَا نَلْتَفِتُ إِلَى الْأَئِمَّةِ فَفِيهِ الْقِيَامُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ سَقَطَ الْإِنْكَارُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَوَجَبَتْ كَرَاهَتُهُ بِقَلْبِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ وَحَكَى الْقَاضِي هُنَا في بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْإِنْكَارِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَبَسَطْتُهُ بَسْطًا شافيا

(باب الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ) هَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ الْفَوَاتِ الثَّالِثِ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ مُسْلِمٍ بَلْ رَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ وَلِهَذَا قَالَ عَنْ مُسْلِمٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْإِمَامُ جُنَّةٌ) أَيْ كَالسِّتْرِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَيَمْنَعُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ وَيَتَّقِيهِ النَّاسُ وَيَخَافُونَ سَطْوَتَهُ وَمَعْنَى يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ أَيْ يُقَاتَلُ مَعَهُ الْكُفَّارُ وَالْبُغَاةُ وَالْخَوَارِجُ وَسَائِرُ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ مُطْلَقًا وَالتَّاءُ فِي يُتَّقَى مُبْدَلَةٌ من الواو)
(12/230)

(باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ قَوْلُهُ
[1842] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ) أَيْ يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَهُمْ كَمَا تَفْعَلُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ بِالرَّعِيَّةِ وَالسِّيَاسَةُ الْقِيَامُ عَلَى الشيء بما يصلحه وفي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ قَوْلِ هَلَكَ فُلَانٌ إِذَا مَاتَ وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ بِهِ وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ قَوْلُهُ تَعَالَى حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَتَكُونُ خُلَفَاءُ فتكثر قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوابَيْعَةَ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) قَوْلُهُ فَتَكْثُرُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنَ الْكَثْرَةِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ قَالَ الْقَاضِي وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ فَتَكْبُرُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ كَأَنَّهُ مِنْ إِكْبَارِ قَبِيحِ أَفْعَالِهِمْ وَهَذَا تَصْحِيفٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَةٍ بَعْدَ خَلِيفَةٍ فَبَيْعَةُ الْأَوَّلِ صَحِيحَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَبَيْعَةُ الثَّانِي بَاطِلَةٌ يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ طَلَبُهَا وَسَوَاءٌ عَقَدُوا لِلثَّانِي عَالِمِينَ بِعَقْدِ الأول جَاهِلِينَ وَسَوَاءٌ كَانَا فِي بَلَدَيْنِ أَوْ بَلَدٍ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي بَلَدِ الْإِمَامِ الْمُنْفَصِلِ)
(12/231)

وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ تَكُونُ لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَهَذَانِ فَاسِدَانِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ لِخَلِيفَتَيْنِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ اتَّسَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ قَالَ أصحابنا لا يجوز عقدها شخصين قَالَ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِاثْنَيْنِ فِي صُقْعٍ وَاحِدٍ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَتَخَلَّلَتْ بَيْنَهُمَا شُسُوعٌ فَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَالٌ قَالَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْقَوَاطِعِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَصْلِ وَأَرَادَ بِهِ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَلِظَوَاهِرِ إِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1843] (سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ قَالَ تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ) هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْإِخْبَارُ مُتَكَرِّرًا وَوُجِدَ مُخْبَرُهُ مُتَكَرِّرًا وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي ظَالِمًا عَسُوفًا فَيُعْطَى حَقَّهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ وَلَا يُخْلَعُ بَلْ يُتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كَشْفِ أَذَاهُ وَدَفْعِ شَرِّهِ وَإِصْلَاحِهِ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا ذِكْرُ اللُّغَاتِ الثَّلَاثِ فِي الْأَثَرَةِ وَتَفْسِيرِهَا وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا اسْتِئْثَارُ الْأُمَرَاءِ بِأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ
(12/232)

[1844] (وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ) هُوَ مِنَ الْمُنَاضَلَةِ وَهِيَ الْمُرَامَاةُ بِالنُّشَّابِ قَوْلُهُ (وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالشِّينِ وَهِيَ الدَّوَابُّ الَّتِي تَرْعَى وَتَبِيتُ مَكَانَهَا قَوْلُهُ (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) هُوَ بِنَصْبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَجَامِعَةً عَلَى الْحَالِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا) هَذِهِ اللَّفْظَةُ رُوِيَتْ عَلَى أَوْجُهٍ أَحَدُهَا وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ يُرَقِّقُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِقَافَيْنِ أَيْ يَصِيرُ بَعْضُهَا رَقِيقًا أَيْ خَفِيفًا لِعِظَمِ مَا بَعْدَهُ فَالثَّانِي يَجْعَلُ الْأَوَّلَ رَقِيقًا وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَقِيلَ يَدُورُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَيَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَسُوقُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ بِتَحْسِينِهَا وَتَسْوِيلِهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي فَيَرْفُقُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا فَاءٌ مَضْمُومَةٌ وَالثَّالِثُ فَيَدْفِقُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَبِالْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ يَدْفَعُ وَيَصُبُّ وَالدَّفْقُ الصَّبُّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلْيَأْتِ إلى الناس الذي يجب أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ) هَذَا مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَدِيعِ حِكَمِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يلزم أن لا يَفْعَلَ مَعَ النَّاسِ إِلَّا مَا يُحِبُّ أَنْ يَفْعَلُوهُ مَعَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(12/233)

(فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ) مَعْنَاهُ ادْفَعُوا الثَّانِيَ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَلَى الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِحَرْبٍ وَقِتَالٍ فَقَاتِلُوهُ فَإِنْ دَعَتِ الْمُقَاتَلَةُ إِلَى قَتْلِهِ جَازَ قَتْلُهُ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ مُتَعَدٍّ فِي قتاله قوله (فقلت له هذا بن عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ وَلَا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إِلَى آخِرِهِ) الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروِ بْنِ الْعَاصِ وَذِكْرَ الْحَدِيثِ فِي تَحْرِيمِ مُنَازَعَةِ الْخَلِيفَةِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الثَّانِيَ يُقْتَلُ فَاعْتَقَدَ هَذَا الْقَائِلُ هَذَا الْوَصْفَ فِي مُعَاوِيَةَ لِمُنَازَعَتِهِ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَتْ قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ فَرَأَى هَذَا أَنَّ نَفَقَةَ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَجْنَادِهِ وَأَتْبَاعِهِ فِي حَرْبِ عَلِيٍّ وَمُنَازَعَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ إِيَّاهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَمِنْ قَتْلِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ قِتَالٌ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مَالًا فِي مُقَاتَلَتِهِ قَوْلُهُ (أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ) هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْمُتَوَلِّينَ لِلْإِمَامَةِ بِالْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ إِجْمَاعٍ وَلَا عَهْدٍ قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ
(12/234)

الْكَعْبَةِ الصَّائِدِيِّ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِالصَّادِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ قال وَهُوَ غَلَطٌ وَصَوَابُهُ الْعَائِذِيِّ بِالْعَيْنِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قاله بن الحباب والنسابة هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تاريخه والسمعاني في الأنساب فقالا هُوَ الصَّائِدِيُّ وَلَمْ يَذْكُرَا غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدِ اجْتَمَعَ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَالسَّمْعَانِيُّ عَلَى الصَّائِدِيِّ قَالَ السَّمْعَانِيُّ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى صَائِدٍ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ وَصَائِدٌ اسْمُ كَعْبِ بْنِ شُرَحْبِيلَ بن شراحبيل بْنِ عَمْرِو بْنِ حُشَمِ بْنِ حَاسِدِ بْنِ حشَيمِ بْنِ حَوَانَ بْنِ نَوْفِ بْنِ هَمْدَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَحْبَارِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ

(بَاب الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ ظُلْمِ الْوُلَاةِ وَاسْتِئْثَارِهِمْ

[1845]

[1846] تَقَدَّمَ شَرْحُ أَحَادِيثِهِ فِي الْأَبْوَابِ قَبْلَهُ وَحَاصِلُهُ الصَّبْرُ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ طَاعَتُهُمْ بِظُلْمِهِمْ والله أعلم)
(12/235)

(باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (وفي كل حال وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة) قَوْلُهُ

[1847] (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَاكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ الدَّخَنُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَصْلُهُ أَنْ تَكُونَ فِي لَوْنِ الدَّابَّةِ كُدُورَةٌ إلى سواد قالوا والمراد)
(12/236)

هنا أن لا تَصْفُوَ الْقُلُوبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَلَا يَزُولُ خُبْثُهَا وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الصفا قَالَ الْقَاضِي قِيلَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ بَعْدَ الشَّرِّ أَيَّامُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ الْمُرَادُ الْأَمْرُ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَيَهْتَدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي) الْهَدْيُ الْهَيْئَةُ وَالسِّيرَةُ وَالطَّرِيقَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمِ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ مِنَ الْأُمَرَاءِ يَدْعُو إِلَى بِدْعَةٍ أَوْ ضَلَالٍ آخَرَ كَالْخَوَارِجِ والقزامطة وَأَصْحَابِ الْمِحْنَةِ وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ هَذَا لُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ وَوُجُوبُ طَاعَتِهِ وَإِنْ فَسَقَ وَعَمِلَ الْمَعَاصِيَ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَفِيهِ مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا وَقَدْ وَقَعَتْ كُلُّهَا قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي سَلَّامٍ قَالَ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا عِنْدِي مُرْسَلٌ لِأَنَّ أَبَا سَلَّامٍ لَمْ يَسْمَعْ حُذَيْفَةَ وَهُوَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَكِنَّ الْمَتْنَ صَحِيحٌ متصل بالطريق
(12/237)

الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِمٌ بِهَذَا مُتَابِعَةً كَمَا تَرَى وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ إِذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مُتَّصِلًا تَبَيَّنَّا بِهِ صِحَّةَ الْمُرْسَلِ وَجَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَيَصِيرُ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ

[1848] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي قَيْسِ بْنِ رِيَاحٍ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُثَنَّاةِ وَهُوَ زِيَادُ بْنُ رِيَاحٍ الْقَيْسِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ بَعْدَهُ وَقَالَهُ الْبُخَارِيُّ بِالْمُثَنَّاةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَقَالَهُ الْجَمَاهِيرُ بِالْمُثَنَّاةِ لَا غَيْرَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ عَلَى صِفَةِ مَوْتِهِمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ فَوْضَى لَا إِمَامَ لَهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ) هِيَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْمِيمُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ وَالْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ أَيْضًا قَالُوا هِيَ الْأَمْرُ الْأَعْمَى لَا يَسْتَبِينُ وَجْهُهُ كَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْجُمْهُورُ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ هَذَا كَتَقَاتُلِ الْقَوْمِ لِلْعَصَبِيَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً) هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ بِالْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَغَيْرِهَا وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ بِالْغَيْنِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ
(12/238)

فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ يُقَاتِلُ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ وَغَضْبَةٍ لَهَا وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ وَمَعْنَاهُ إِنَّمَا يُقَاتِلُ عَصَبِيَّةً لِقَوْمِهِ وَهَوَاهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَحَاشَى بِالْيَاءِ وَمَعْنَاهُ لَا يَكْتَرِثُ بِمَا يَفْعَلُهُ فِيهَا وَلَا يَخَافُ وَبَالَهُ
(12/239)

وَعُقُوبَتَهُ

[1851] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يوم القيامة) لا حجة له) أي لاحجة لَهُ فِي فِعْلِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ يَنْفَعُهُ
(12/240)

(بَاب حُكْمِ مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُجْتَمِعٌ

[1852] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ) الْهَنَاتُ جَمْعُ هَنَةٍ وَتُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْفِتَنُ وَالْأُمُورُ الْحَادِثَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ) فِيهِ الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ أَرَادَ تَفْرِيقَ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ شَرُّهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ)
(12/241)

كَانَ هَدَرًا فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَاقْتُلُوهُ مَعْنَاهُ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ) معناه يفرق جماعتكم كما تفرق العصاة االمشقوقة وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ وَتَنَافُرِ النُّفُوسِ

(بَاب إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1853] (إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِقَتْلِهِ وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُ هَذَا فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عقدها لخليفتين وقد سبق قريبا نقل الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَاحْتِمَالُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ)
بَاب وُجُوبِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ (وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا وَنَحْوِ ذَلِكَ) قَوْلُهُ

[1854] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ
(12/242)

سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نقاتلهم قال لا ماصلوا) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْإِخْبَارِ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَوَقَعَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ فَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ فَظَاهِرَةٌ وَمَعْنَاهُ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ إِثْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْكَارَهُ بِيَدِهِ ولَا لِسَانِهِ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ وَلْيَبْرَأْ وَأَمَّا مَنْ رَوَى فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ فَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَمَنْ عَرَفَ الْمُنْكَرَ وَلَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ فَقَدْ صَارَتْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ إِثْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ بِأَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِلِسَانِهِ فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ مَعْنَاهُ ولَكِنَّ الْإِثْمَ وَالْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ لَا يأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ أفلا نقاتلهم قال لا ماصلوا فَفِيهِ مَعْنَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَى الْخُلَفَاءِ
(12/243)

بمجرد الظلم أو الفسق مالم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام

(باب خيار الأئمة وشرارهم قوله

[1855] (عن رزيق بْنِ حَيَّانَ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزاي وتأخيرها على وجهين) ذكره البخاري وبن أبي حاتم والدارقطني وعبد الغني بن سعيد المصري وبن مَاكُولَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْمُؤْتَلِفِ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي مُعْظَمِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَالدِّمَشْقِيُّ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ شَرْحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ)
(12/244)

وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ) مَعْنَى يُصَلُّونَ أَيْ يَدْعُونَ قَوْلُهُ (فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فَجَثَا بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفِي بَعْضِهَا فَجَذَا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَأَمَّا بِالثَّاءِ فَيُقَالُ مِنْهُ جَثَا على ركبتيه يجثو وجثا يجثى جثوا وَجُثِيًّا فِيهِمَا وَأَجْثَاهُ غَيْرُهُ وَتَجَاثَوْا عَلَى الرُّكَبِ جثى وجثى بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَأَمَّا جَذَا فَهُوَ الْجُلُوسُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ نَاصِبَ الْقَدَمَيْنِ وَهُوَ الْجَاذِي وَالْجَمْعُ جَذَا مِثْلَ نَائِمٍ وَنِيَامٍ قَالَ الْجُمْهُورُ الْجَاذِي أَشَدُّ اسْتِيفَازًا مِنَ الْجَاثِي وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو هُمَا لُغَتَانِ
(12/245)

بَاب اسْتِحْبَابِ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ وَبَيَانِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَوْلُهُ

[1856] (كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) وَفِي رِوَايَةٍ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ

[1857] وَفِي رِوَايَةٍ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ فِي صحيحهما وَأَكْثَرُ رِوَايَتِهِمَا أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَكَذَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ أَلْفًا وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ وَكَسْرًا فَمَنْ قَالَ أَرْبَعُمِائَةٍ لَمْ يَعْتَبِرِ الْكَسْرَ وَمَنْ قَالَ خَمْسُمِائَةٍ اعْتَبَرَهُ وَمَنْ قَالَ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ تَرَكَ بَعْضَهُمْ لِكَوْنِهِ لَمْ يُتْقِنِ الْعَدَّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَرِوَايَةِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ

[1858] (بَايَعْنَاهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ على أن لا نَفِرَّ وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ) وَفِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ
(13/2)

يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَوْتِ وَهُوَ مَعْنَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَفِي رِوَايَةِ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ الْبَيْعَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْبَيْعَةُ على الاسلام والجهاد وفى حديث بن عمر وعبادة بايعنا على السمع والطاعة وأن لا ننازع الأمر أهله وفى رواية عن بن عُمَرَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ الْبَيْعَةُ عَلَى الصَّبْرِ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَجْمَعُ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا وَتُبَيِّنُ مَقْصُودَ كُلِّ الرِّوَايَاتِ فَالْبَيْعَةُ عَلَى أن لا نَفِرَّ مَعْنَاهُ الصَّبْرُ حَتَّى نَظْفَرَ بِعَدُوِّنَا أَوْ نُقْتَلَ وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْعَةِ عَلَى الْمَوْتِ أَيْ نَصْبِرُ وَإِنْ آلَ بِنَا ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ لَا أَنَّ الْمَوْتَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَكَذَا الْبَيْعَةُ عَلَى الْجِهَادِ أَيْ وَالصَّبْرُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ عَلَى الْعَشَرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصْبِرُوا لِمِائَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَا يَفِرُّوا مِنْهُمْ وَعَلَى الْمِائَةِ الصَّبْرُ لِأَلْفِ كَافِرٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَصَارَ الْوَاجِبُ مصابرة المثلين فقط هذا مذهبنا ومذهب بن عباس ومالك
(13/3)

وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مُجَرَّدُ الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ أَمْ يُرَاعَى وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ بَايَعْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم على أن لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا إِلَى آخِرِهِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ وَقَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ قَوْلُهُ (سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ) هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لما وصلوا الحديبية وجدوا بئرها إنما تنزه مِثْلَ الشِّرَاكِ فَبَسَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فيها ودعا فيها
(13/4)

بالبركة فجاست فَهِيَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّ السَّائِلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلِمَ أَصْلَ الْحَدِيثِ وَالْمُعْجِزَةِ فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَى فِيهَا وَلَمْ يَعْلَمْ عَدَدَهُمْ فَقَالَ جَابِرٌ كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَلَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ أَكْثَرَ لَكَفَانَا وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ دَعَا عَلَى بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ أَيْ دَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ قَوْلُهُ فِي الشَّجَرَةِ

[1859] (إِنَّهَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَكَانُهَا فِي العام المقبل) قال العلماء سبب خفائها أن لا يُفْتَتَنَ النَّاسُ بِهَا لِمَا جَرَى تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ وَنُزُولِ الرِّضْوَانِ وَالسَّكِينَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَوْ بَقِيَتْ ظَاهِرَةً مَعْلُومَةً لَخِيفَ تَعْظِيمُ الْأَعْرَابِ وَالْجُهَّالِ إِيَّاهَا وَعِبَادَتُهُمْ لَهَا فَكَانَ خَفَاؤُهَا رَحْمَةً مِنَ الله تعالى
(13/5)

(باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه

[1862] قَوْلُهُ (إِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ قَالَ لَا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ تَرْكِ الْمُهَاجِرِ هِجْرَتَهُ وَرُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ وَعَلَى أَنَّ ارتداد المهاجر أعرابيا من الكبائر قال ولهذا أَشَارَ الْحَجَّاجُ إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ سَلَمَةُ أَنَّ خُرُوجَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ إِنَّمَا هُوَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَلَعَلَّهُ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ وَطَنِهِ أَوْ لِأَنَّ الْغَرَضَ فِي مُلَازَمَةِ الْمُهَاجِرِ أَرْضَهُ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا وَفَرْضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنُصْرَتِهِ أَوْ لِيَكُونَ مَعَهُ أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَمَّا كَانَ الْفَتْحُ وَأَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَأَذَلَّ الْكُفْرَ وَأَعَزَّ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَقَالَ مَضَتِ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا أَيِ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لِمُوَاسَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُؤَازَرَتِهِ)
(13/6)

وَنُصْرَةِ دِينِهِ وَضَبْطِ شَرِيعَتِهِ قَالَ الْقَاضِي وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ فَقِيلَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى غَيْرِهِمْ بَلْ كَانَتْ نَدْبًا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرِ الْوُفُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَتْحِ بِالْهِجْرَةِ وَقِيلَ إِنَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى مَنْ لَمْ يُسْلِمْ كُلُّ أهل بلدة لئلا يبقى فى طلوع أَحْكَامِ الْكُفَّارِ

(بَاب الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ وَبَيَانِ مَعْنَى لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ

[1863] قَوْلُهُ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْهِجْرَةَ الْمَمْدُوحَةَ الْفَاضِلَةَ الَّتِي لِأَصْحَابِهَا الْمَزِيَّةُ الظَّاهِرَةُ)
(13/7)

إِنَّمَا كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَسَائِرِ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ فَإِنَّ الْخَيْرَ أَعَمُّ مِنَ الْجِهَادِ وَمَعْنَاهُ أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَفْعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ

[1353] قَوْلِهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ فَلَا تُتَصَوَّرُ مِنْهَا الْهِجْرَةُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْهِجْرَةَ الْفَاضِلَةَ الْمُهِمَّةَ الْمَطْلُوبَةَ الَّتِي يَمْتَازُ بِهَا أَهْلُهَا امْتِيَازًا ظَاهِرًا انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَمَضَتْ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ هَاجَرُوا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ قَوِيَ وَعَزَّ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عِزًّا ظَاهِرًا بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1864] (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْخَيْرِ بِسَبَبِ الْهِجْرَةِ قَدِ انْقَطَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَلَكِنْ حَصِّلُوهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَفِي هَذَا الْحَثُّ عَلَى نِيَّةِ الْخَيْرِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ يُثَابُ عَلَى النِّيَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) مَعْنَاهُ إِذَا طَلَبَكُمُ الْإِمَامُ لِلْخُرُوجِ إلى الجهاد
(13/8)

فَاخْرُجُوا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ فَرْضَ عَيْنٍ بَلْ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا فَعَلَهُ مَنْ تَحْصُلُ بِهِمُ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ وَإِنْ تَرَكُوهُ كُلُّهُمْ أَثِمُوا كُلُّهُمْ قَالَ أَصْحَابُنَا الْجِهَادُ الْيَوْمَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ الْكُفَّارُ بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ كِفَايَةٌ وَجَبَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ تَتْمِيمُ الْكِفَايَةِ وَأَمَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ كَانَ أَيْضًا فَرْضَ كِفَايَةٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ بِأَنَّهُ كَانَ تَغْزُو السَّرَايَا وَفِيهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ

[1865] (إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ من عملك شيئا) أما يترك فَبِكَسْرِ التَّاءِ مَعْنَاهُ لَنْ يُنْقِصَكَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكَ شَيْئًا حَيْثُ كُنْتَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُرَادُ بِالْبِحَارِ هُنَا الْقُرَى وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْقُرَى الْبِحَارَ وَالْقَرْيَةَ الْبُحَيْرَةَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُرَادُ بِالْهِجْرَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا هَذَا الْأَعْرَابِيُّ مُلَازَمَةُ الْمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكُ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ فَخَافَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أن لا يَقْوَى لَهَا وَلَا يَقُومَ بِحُقُوقِهَا وَأَنْ يَنْكُصَ عَلَى عَقِبَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ الَّتِي سَأَلْتَ عَنْهَا لَشَدِيدٌ وَلَكِنِ اعْمَلْ بِالْخَيْرِ فِي وَطَنِكَ وَحَيْثُ مَا كُنْتَ فَهُوَ يَنْفَعُكَ ولاينقصك اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(13/9)

(بَاب كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ

[1866] قَوْلُهَا (كَانَ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات إِلَى آخِرِه مَعْنَى يُمْتَحَنَّ يُبَايِعُهُنَّ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَقَوْلُهَا (فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ) مَعْنَاهُ فَقَدْ بَايَعَ الْبَيْعَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَوْلُهَا (وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ) فِيهِ أَنَّ بَيْعَةَ النِّسَاءِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ كَفٍّ وَفِيهِ أَنَّ بَيْعَةَ الرِّجَالِ بِأَخْذِ الْكَفِّ مَعَ الْكَلَامِ وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْأَجْنَبِيَّةِ يُبَاحُ سَمَاعُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وأنه لايلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة كتطبب وقصد وَحِجَامَةٍ وَقَلْعِ ضِرْسٍ وَكَحْلِ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا تُوجَدُ امْرَأَةٌ تَفْعَلُهُ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِعْلُهُ لِلضَّرُورَةِ وَفِي قَطُّ خَمْسُ لُغَاتٍ)
(13/10)

فَتْحُ الْقَافِ وَتَشْدِيدُ الطَّاءِ مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً وَبِضَمِّهِمَا وَالطَّاءُ مُشَدَّدَةٌ وَفَتْحِ الْقَافِ مَعَ تَخْفِيفِ الطَّاءِ سَاكِنَةً وَمَكْسُورَةً وَهِيَ لِنَفْيِ الْمَاضِي قَوْلُهَا فِي الرواية الأخرى (مَا مَسَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ) هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ مَا مَسَّ امْرَأَةً قَطُّ لَكِنْ يَأْخُذُ عَلَيْهَا الْبَيْعَةَ بِالْكَلَامِ فَإِذَا أَخَذَهَا بِالْكَلَامِ قَالَ اذْهَبِي فقد بايعتك وهذا التقدير مضرح بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَلَا بُدَّ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ

[1867] قَوْلُهُ (كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا فِيمَا اسْتَطَعْتَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِيمَا اسْتَطَعْتَ أَيْ قُلْ فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَهَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ يُلَقِّنُهُمْ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فِيمَا اسْتَطَعْتُ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي عُمُومِ بيعة مالا يُطِيقُهُ وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا رَأَى الْإِنْسَانُ مَنْ يلتزم مالا يُطِيقُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ لَا تَلْتَزِمْ مالا تطيق فيترك بَعْضَهُ وَهُوَ مِنْ نَحْوِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ)
(13/11)

(باب بيان سن البلوغ وَهُوَ السِّنُّ الَّذِي يَجْعَلُ صَاحِبَهُ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّجَالِ فِي أَحْكَامِ الْقِتَالِ وغير ذلك

[1868] قوله (عن بن عُمَرَ أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد وهو بن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ وَعُرِضَ عَلَيْهِ يوم الخندق وهو بن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ) هَذَا دَلِيلٌ لِتَحْدِيدِ الْبُلُوغِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ والأوزاعى وبن وَهْبٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً يَصِيرُ مُكَلَّفًا وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ فَتَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ مِنْ وُجُوبِ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهِ وَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الرَّجُلِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَيُقْتَلُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَهَذَا الْحَدِيثِ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ فَيَكُونُ الْخَنْدَقُ سَنَةَ أَرْبَعٍ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ قَوْلُهُ (لَمْ يُجِزْنِي وَأَجَازَنِي) الْمُرَادُ جَعَلَهُ رَجُلًا لَهُ حُكْمُ الرِّجَالِ المقاتلين)
(13/12)

(بَاب النَّهْيِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ إِذَا خِيفَ وُقُوعُهُ بِأَيْدِيهِمْ)

[1869] قَوْلُهُ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْمُسَافَرَةِ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ خَوْفُ أَنْ يَنَالُوهُ فَيَنْتَهِكُوا حُرْمَتَهُ فَإِنْ أُمِنَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِأَنْ يَدْخُلَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرِينَ عَلَيْهِمْ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا مَنْعَ مِنْهُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ من أصحابنا بالنهى مطلقا وحكى بن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا سَبَقَ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَلِطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَزَعَمَ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ
(13/13)

إِلَيْهِمْ كِتَابٌ فِيهِ آيَةٌ أَوْ آيَاتٌ وَالْحُجَّةُ فِيهِ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ قَالَ الْقَاضِي وَكَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مُعَامَلَةَ الْكُفَّارِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

(بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ وَتَضْمِيرِهَا)
فِيهِ ذِكْرُ حَدِيثِ مُسَابَقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ وَغَيْرِ الْمُضَمَّرَةِ وَفِيهِ جَوَازُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ وَجَوَازُ تَضْمِيرِهَا وَهُمَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِمَا لِلْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ وَتَدْرِيبِ الْخَيْلِ وَرِيَاضَتِهَا وَتَمَرُّنِهَا عَلَى الْجَرْي وَإِعْدَادِهَا لِذَلِكَ لِيُنْتَفَعَ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ فِي الْقِتَالِ كَرًّا وَفَرًّا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أن المسابقة بينهما مُبَاحَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بَيْنَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْخَيْلِ قَوِيِّهَا مَعَ ضَعِيفِهَا وَسَابِقِهَا مَعَ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا ثَالِثٌ أَمْ لَا فَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ فَجَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَوْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَيَكُونَ مَعَهُمَا مُحَلِّلٌ وَهُوَ ثَالِثٌ عَلَى فَرَسٍ مُكَافِئٍ لِفَرَسَيْهِمَا وَلَا يُخْرِجُ الْمُحَلِّلُ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا لِيَخْرُجَ هَذَا الْعَقْدُ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ عِوَضٍ فِي الْمُسَابَقَةِ

[1870] قَوْلُهُ (سَابَقَ بِالْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ) يُقَالُ أُضْمِرَتْ وَضُمِّرَتْ وَهُوَ أَنْ يُقَلَّلَ عَلَفُهَا مُدَّةً وَتُدْخَلَ بَيْتًا كَنِينًا وَتُجَلَّلَ فِيهِ لِتَعْرَقَ وَيَجِفَّ عَرَقُهَا فَيَجِفَّ لَحْمُهَا وَتَقْوَى عَلَى الْجَرْيِ قَوْلُهُ (مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ) هِيَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ سَاكِنَةٍ وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي وَآخَرُونَ الْقَصْرُ أَشْهَرُ وَالْحَاءُ مَفْتُوحَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّهَا قَالَ وَهُوَ خَطَأٌ قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا الْحَيْفَاءُ بِتَقْدِيمِ الْيَاءِ عَلَى الْفَاءِ وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا الْحَفْيَاءُ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بَيْنَ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَالْحَفْيَاءِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ وَأَمَّا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ فَهِيَ عِنْدَ الْمَدِينَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنَ الْمَدِينَةِ يَمْشِي مَعَهُ الْمُوَدِّعُونَ إِلَيْهَا
(13/14)

قَوْلُهُ (مَسْجِدُ بَنِي زُرَيْقٍ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ قَوْلِ مَسْجِدِ فُلَانٍ وَمَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ إسماعيل بن علية عن أيوب عن بن نافع عن نافع عن بن عمر فزاد بن نَافِعٍ قَالَ وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو مَسْعُودٍ مَحْفُوظٌ عن الجماعة من أصحاب بن عُلَيَّةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَرْوِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ بن المديني وداود عن بن علية عن أيوب عن بن نافع عن نافع عن بن عُمَرَ وَهَذَا شَاهِدٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ ورواه جماعة عن زهير عن بن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ كَمَا رَوَاهُ مسلم من غير ذكر بن نافع قوله
(13/15)

(عن بن عُمَرَ فَجِئْتُ سَابِقًا فَطَفَّفَ بِيَ الْفَرَسُ الْمَسْجِدَ) أى علا وثب إِلَى الْمَسْجِدِ وَكَانَ جِدَارُهُ قَصِيرًا وَهَذَا بَعْدَ مجاوزته الغاية لأن الغاية هي هذا الْمَسْجِدُ وَهُوَ مَسْجِدُ بَنِي زُرَيْقٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فضيلة الخيل وأن الخير معقود بنواصيها)

[1871] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَأجْرُ وَالْغَنِيِمَةُ) وَفِي رِوَايَةٍ الْخَيْرُ مَعْقُوصٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ وَفِي رِوَايَةٍ الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ الْمَعْقُودُ وَالْمَعْقُوصُ بِمَعْنًى وَمَعْنَاهُ مَلْوِيٌّ مَضْفُورٌ فِيهَا وَالْمُرَادُ بِالنَّاصِيَةِ هُنَا الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ عَلَى الْجَبْهَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا وَكَنَّى بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْفَرَسِ يُقَالُ فُلَانٌ مُبَارَكُ النَّاصِيَةِ وَمُبَارَكُ الْغُرَّةِ أَيِ الذَّاتِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ رِبَاطِ الْخَيْلِ وَاقْتِنَائِهَا لِلْغَزْوِ وَقِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَنَّ فَضْلَهَا وَخَيْرَهَا وَالْجِهَادَ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الشُّؤْمُ قَدْ يَكُونُ فِي الْفَرَسِ فَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ لِلْغَزْوِ وَنَحْوِهِ أَوْ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشُّؤْمَ يَجْتَمِعَانِ فِيهَا فإنه فسر الخير بالأجر والمغنم ولايمتنع مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ
(13/16)

الْفَرَسُ مِمَّا يُتَشَاءَمُ بِهِ

[1872] قَوْلُهُ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ) قَالَ الْقَاضِي فِيهِ اسْتِحْبَابُ خِدْمَةِ الرَّجُلِ فَرَسَهُ الْمُعَدَّةَ لِلْجِهَادِ

[1873] قَوْلُهُ (عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ) هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ
(13/17)

وَالْقَافِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَارِقٍ وَهُوَ جَبَلٌ بِالْيَمَنِ تَرَكَتْهُ الْأَزْدُ وَهُمُ الْأَسْدُ بِإِسْكَانِ السِّينِ فَنُسِبُوا إِلَيْهِ وَقِيلَ إِلَى بَارِقِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَدِيٍّ وَيُقَالُ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الْجَعْدِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَعُرْوَةِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَعُرْوَةِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ أَبِي الجعد

(باب ما يكره من صفات الخيل)

[1875] قَوْلُهُ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ) وَفَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى أَوْ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الشِّكَالِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ هُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ثَلَاثُ قَوَائِمَ محجلة وواحدة
(13/18)

مُطْلَقَةً تَشْبِيهًا بِالشِّكَالِ الَّذِي تُشَكَّلُ بِهِ الْخَيْلُ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي ثَلَاثِ قَوَائِمَ غَالِبًا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَدْ يَكُونُ الشِّكَالُ ثَلَاثَ قَوَائِمَ مطلقة وواحدة محجلة قال ولاتكون الْمُطْلَقَةُ مِنَ الْأَرْجُلِ أَوِ الْمُحَجَّلَةُ إِلَّا الرِّجْلَ وقال بن دُرَيْدٍ الشِّكَالُ أَنْ يَكُونَ مُحَجَّلًا مِنْ شِقٍّ وَاحِدٍ فِي يَدِهِ وَرِجْلِهِ فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قِيلَ الشِّكَالُ مُخَالِفٌ قَالَ الْقَاضِي قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمُطَرِّزِ قِيلَ الشِّكَالُ بَيَاضُ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَالْيَدِ الْيُمْنَى وَقِيلَ بَيَاضُ الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَالْيَدِ الْيُسْرَى وَقِيلَ بَيَاضُ الْيَدَيْنِ وَقِيلَ بَيَاضُ الرِّجْلَيْنِ وَقِيلَ بَيَاضُ الرِّجْلَيْنِ وَيَدٍ وَاحِدَةٍ وَقِيلَ بَيَاضُ الْيَدَيْنِ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْمَشْكُولِ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ الْجِنْسُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَجَابَةٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ أَغَرَّ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ لِزَوَالِ شَبَهِ الشِّكَالِ

(بَاب فَضْلِ الْجِهَادِ وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
[1876] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا إِلَى قَوْلِهِ أَنْ أُدْخِلَهُ
(13/19)

الْجَنَّةَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَكَفَّلَ اللَّهُ وَمَعْنَاهُمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهَذَا الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأموالهم بأن لهم الجنة الْآيَةَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ جِهَادًا بِالنَّصْبِ وَكَذَا قَالَ بَعْدَهُ وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وَتَقْدِيرُهُ لَا يُخْرِجُهُ الْمُخْرِجُ وَيُحَرِّكُهُ الْمُحَرِّكُ إِلَّا لِلْجِهَادِ وَالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ قَوْلُهُ (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي) مَعْنَاهُ لَا يُخْرِجُهُ إِلَا مَحْضُ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (وَتَصْدِيقَ كَلِمَتِهِ) أَيْ كَلِمَةُ الشَّهَادَتَيْنِ وَقِيلَ تَصْدِيقُ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْإِخْبَارِ بِمَا لِلْمُجَاهِدِ مِنْ عَظِيمِ ثَوَابِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ) ذَكَرُوا فِي ضَامِنٌ هُنَا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بِمَعْنَى مَضْمُونٌ كَمَاءٍ دَافِقٍ وَمَدْفُوقٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ بِمَعْنَى ذُو ضَمَانٍ قَوْلُهُ تَعَالَى (أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ عِنْدَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الشُّهَدَاءِ أَحْيَاءٌ عند ربهم يرزقون
(13/20)

وَفِي الْحَدِيثِ أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ دُخُولَهُ الْجَنَّةَ عِنْدَ دُخُولِ السَّابِقِينَ وَالْمُقَرَّبِينَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ وَلَا مُؤَاخَذَةٍ بِذَنْبٍ وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مُكَفِّرَةً لِذُنُوبِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ (أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ نَائِلًا مَا نَالَ مِنَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) قَالُوا مَعْنَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ بِلَا غَنِيمَةٍ إِنْ لَمْ يَغْنَمْ أَوْ مِنَ الْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا إِنْ غَنِمُوا وَقِيلَ إِنَّ أَوْ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَكَذَا وَقَعَ بِالْوَاوِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ بِالْوَاوِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَمِنَ أَنَّ الْخَارِجَ لِلْجِهَادِ يَنَالُ خَيْرًا بِكُلِّ حَالٍ فَإِمَّا أَنْ يُسْتَشْهَدَ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ بِأَجْرٍ وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ بِأَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده مامن كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ) أَمَّا الْكَلْمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ فَهُوَ الْجُرْحُ وَيُكْلَمُ بِإِسْكَانِ الْكَافِ أَيْ يُجْرَحُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لايزول عنه الدم بغسل ولاغيره وَالْحِكْمَةُ فِي مَجِيئِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدَ فَضِيلَتِهِ وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْيَمِينِ وَانْعِقَادِهَا بِقَوْلِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَنَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ الْحَلِفِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْيَمِينُ تَكُونُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ أَوْ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ قَالَ الْقَاضِي واليد هنا
(13/21)

بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ قَوْلُهُ (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ خَلْفَهَا وَبَعْدَهَا وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ وَأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ مَا يَخْتَارُهُ لِلرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ بَدَأَ بِأَهَمِّهَا وَفِيهِ مُرَاعَاةُ الرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ الْمَكْرُوهِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ قَوْلُهُ (لوددت أن أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ) فِيهِ فَضِيلَةُ الْغَزْوِ وَالشَّهَادَةِ وَفِيهِ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَالْخَيْرِ وَتَمَنِّي مَا لايمكن فِي الْعَادَةِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ فرض كفاية لافرض عَيْنٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْغَزْوِ وَأَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَخْلَصَ فِيهِ وَقَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا قَالُوا وَهَذَا الْفَضْلُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَفِي إِقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ هُوَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا وَمَعْنَاهُ يَجْرِي مُتَفَجِّرًا أَيْ كَثِيرًا وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَتَفَجَّرُ دَمًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذَا طُعِنَتْ) الضَّمِيرُ فِي كَهَيْئَتِهَا يعود على الجراحة وإذا طُعِنَتْ بِالْأَلِفِ بَعْدَ الذَّالِ كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ) هُوَ
(13/22)

بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ الرِّيحُ

(بَاب فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى)
[1877] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ شُعْبَةَ ترويه عَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ أَنَسٍ قَالَ وَصَوَابُهُ أَنَّ أَبَا خَالِدٍ يَرْوِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ وَيَرْوِيهِ أَبُو خَالِدٍ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ وَهَكَذَا قَالَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ الْقَاضِي فَيَكُونُ حُمَيْدٌ مَعْطُوفًا عَلَى شُعْبَةَ لَا عَلَى قتادة قال وقد ذكره بن أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَبِي خَالِدٍ عَنْ حُمَيْدٍ وَشُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ فَبَيَّنَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَيْضًا إِيهَامٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ حُمَيْدًا يَرْوِيهِ عَنْ قَتَادَةَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ كَذَلِكَ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ
(13/23)

حُمَيْدًا يَرْوِيهِ عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَبَقَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مامن نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أنها ترجع إلى الدنيا ولاأن لها الدنيا وما فيها الاالشهيد إِلَى آخِرِهِ) هَذَا مِنْ صَرَائِحِ الْأَدِلَّةِ فِي عَظِيمِ فَضْلِ الشَّهَادَةِ وَاللَّهُ الْمَحْمُودُ الْمَشْكُورُ وَأَمَّا سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا فَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ لِأَنَّهُ حَيٌّ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَهِدَتْ وَحَضَرَتْ دَارَ الاسلام وَأَرْوَاحَ غَيْرِهِمْ إِنَّمَا تَشْهَدُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ بن الْأَنْبَارِيِّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ وَقِيلَ لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ فَيَأْخُذُونَ رُوحَهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ شُهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَخَاتِمَةِ الْخَيْرِ بِظَاهِرِ حَالِهِ وَقِيلَ لِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِكَوْنِهِ شَهِيدًا وَهُوَ الدَّمُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ الرِّسَالَةَ إِلَيْهِمْ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُشَارِكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِي هَذَا الْوَصْفِ

[1878] قَوْلُهُ (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ لَا تَسْتَطِيعُوهُ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ لاتستطيعوه وَفِي بَعْضِهَا لَا تَسْتَطِيعُونَهُ
(13/24)

بِالنُّونِ وَهَذَا جَارٍ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا وَهِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ حَذْفُ النُّونُ من غير ناصب ولاجازم وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا وَنَظَائِرُهَا مَرَّاتٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ) مَعْنَى الْقَانِتِ هُنَا الْمُطِيعُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَظِيمُ فَضْلِ الْجِهَادِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْقِيَامَ بِآيَاتِ اللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَقَدْ جعل المجاهد مثل من لايفتر عَنْ ذَلِكَ فِي لَحْظَةٍ مِنَ اللَّحَظَاتِ وَمَعْلُومٌ أن هذا لايتأتى لِأَحَدٍ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاتستطيعونه وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1879] قَوْلُهُ (إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَجَرَ الرِّجَالَ الَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ) فِيهِ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ فى المساجد يوم الجمعة وغيره وأنه لايرفع الصوت بعلم ولاغيره عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْوِيشِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(13/25)

(بَاب فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
[1880] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) الْغَدْوَةُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ السَّيْرُ أَوَّلَ النهار إلى الزوال والروحة السير من الزوال إلى آخر النهار وأو هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلشَّكِّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّوْحَةَ يَحْصُلُ بِهَا هَذَا الثَّوَابُ وَكَذَا الْغَدْوَةُ وَالظَّاهِرُ أنه لايختص ذَلِكَ بِالْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ مِنْ بَلْدَتِهِ بَلْ يَحْصُلُ هَذَا الثَّوَابُ بِكُلِّ غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ فِي طريقه إلى الغزو وكذا غدوه وَرَوْحَةٍ فِي مَوْضِعِ الْقِتَالِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى غَدْوَةً وَرَوْحَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَضْلَ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَثَوَابَهُمَا خَيْرٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا كُلِّهَا لو ملكها انسان وَتَصَوَّرَ تَنَعُّمَهُ بِهَا كُلِّهَا لِأَنَّهُ زَائِلٌ وَنَعِيمَ الْآخِرَةِ بَاقٍ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ وَمَعْنَى نَظَائِرِهِ مِنْ تَمْثِيلِ
(13/26)

أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خيرمن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ مَلَكَهَا إِنْسَانٌ وَمَلَكَ جَمِيعَ مَا فِيهَا وَأَنْفَقَهُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ وَلَيْسَ تَمْثِيلُ الْبَاقِي بِالْفَانِي عَلَى ظَاهِرِ إِطْلَاقِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1882] قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا بن أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٌ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ عَنْ رِوَايَةِ الْجُلُودِيِّ قَالَ وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ بن مَاهَانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مروان فذكر بن أبى شيبة بدل بن أبي عمر قال والصواب الأول
(13/27)

(باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد فى الجنة من الدرجات)

[1884] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الدَّرَجَاتِ هُنَا الْمَنَازِلُ الَّتِي بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ فِي الظَّاهِرِ وَهَذِهِ صِفَةُ مَنَازِلِ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْغُرَفِ أَنَّهُمْ يَتَرَاءَوْنَ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ الرِّفْعَةُ بِالْمَعْنَى مِنْ كَثْرَةِ النَّعِيمِ وَعَظِيمِ الْإِحْسَانِ مِمَّا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ولابصفة مَخْلُوقٍ وَأَنَّ أَنْوَاعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ يَتَفَاضَلُ تَفَاضُلًا كَثِيرًا وَيَكُونُ تَبَاعُدُهُ فِي الْفَضْلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي الْبُعْدِ قَالَ الْقَاضِي وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(13/28)

(بَاب مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّا الدَّيْنَ)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ تَكْفِيرِ خَطَايَاهُ إِنْ قُتِلَ

[1885] (نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ ثُمَّ أَعَادَهُ فَقَالَ إِلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ) فِيهِ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ الْعَظِيمَةُ لِلْمُجَاهِدِ وهى تكفير خطاياه كلها إلاحقوق الْآدَمِيِّينَ وَإِنَّمَا يَكُونُ تَكْفِيرُهَا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ أَنْ يُقْتَلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مدبر وفيه أن الأعمال لاتنفع إلابالنية وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ) لَعَلَّهُ احْتِرَازٌ مِمَّنْ يُقْبِلُ فِي وَقْتٍ وَيُدْبِرُ فِي وَقْتٍ وَالْمُحْتَسِبُ هُوَ الْمُخْلِصُ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قَاتَلَ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ لِغَنِيمَةٍ أَوْ لِصِيتٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فليس له هذا الثواب ولاغيره وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا الدَّيْنَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى جَمِيعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَأَنَّ الْجِهَادَ وَالشَّهَادَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَا يُكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ وَإِنَّمَا يُكَفِّرُ حُقُوقَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الدَّيْنَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهِ فِي الْحَالِ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إلاالدين فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1886] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قيس قال
(13/29)

وحدثنا بن عَجْلَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الْقَائِلِ وَحَدَّثَنَا بن عَجْلَانَ هُوَ سُفْيَانُ قَوْلُهُ (عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ) الْأَوَّلُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالثَّانِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقِتْبَانِيُّ بِالْقَافِ مَكْسُورَةً ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَنْسُوبٌ إِلَى قِتْبَانَ بَطْنٍ مِنْ رعين

(باب فى بيان أن أرواح الشهداء فى الجنة وأنهم احياء عند ربهم يرزقون)

[1887] قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَذَكَرَ إِسْنَادَهَ إِلَى مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ
(13/30)

عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ ربهم يرزقون قالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ) قَالَ الْمَازِرِيُّ كَذَا جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ينسبه فيقول عبد الله بن عمرو وذكره أبومسعود الدمشقى فى مسند بن مَسْعُودٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قُلْتُ وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ بِلَادِنَا الْمُعْتَمَدَةِ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ مَنْسُوبًا فِي مُعْظَمِهَا وَذَكَرَهُ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي مسند بن مسعود وهوالصواب وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ لِقَوْلِهِ إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشُّهَدَاءِ (أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ) فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَمُ وَهِيَ الَّتِي يُنَعَّمُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَةِ هَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَة أَيْضًا وَغَيْرُهُمْ إِنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً وَإِنَّمَا تُوجَدُ بَعْدَ الْبَعْثِ فِي الْقِيَامَةِ قَالُوا وَالْجَنَّةُ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا آدَمُ غَيْرُهَا وَظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَفِيهِ إِثْبَاتُ مُجَازَاةِ الْأَمْوَاتِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ قَبْلَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْقَاضِي وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ لاتفنى فَيُنَعَّمُ الْمُحْسِنُ وَيُعَذَّبُ الْمُسِيءُ وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْآثَارُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ قَالَتْ تَفْنَى قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ هُنَا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ وَالنَّسَمَةُ تُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ الْإِنْسَانِ جِسْمًا وَرُوحًا وَتُطْلَقُ عَلَى الرُّوحِ مفردة وهو المراد بها فى هذا التَّفْسِيرِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِالرُّوحِ وَلِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْجِسْمَ يَفْنَى وَيَأْكُلُهُ التُّرَابُ وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ حتى
(13/31)

يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْقَاضِي وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ وَقَالَ هُنَا الشُّهَدَاءُ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَتُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَحْيَاءٌ عِنْدَ ربهم يرزقون وَكَمَا فَسَّرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ كَمَا جاء فى حديث بن عُمَرَ وَكَمَا قَالَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ النَّارُ يعرضون عليها غدوا وعشيا قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ بَلِ الْمُرَادُ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَذَابٍ فَيَدْخُلُونَهَا الْآنَ بِدَلِيلِ عُمُومِ الْحَدِيثِ وَقِيلَ بَلْ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَفْنِيَةِ قُبُورِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ وَفِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِطَيْرٍ خُضْرٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ بِحَوَاصِلِ طَيْرٍ وَفِي الْمُوَطَّأِ إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ فِي صُورَةِ طَيْرٍ أَبْيَضَ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْأَشْبَهُ صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ طَيْرٌ أَوْ صُورَةُ طَيْرٍ وَهُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرواية لاسيما مَعَ قَوْلِهِ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ قَالَ الْقَاضِي وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُهُمْ هَذَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ آخَرُونَ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْكَرُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بَلْ رِوَايَةُ طَيْرٍ أَوْ جَوْفِ طَيْرٍ أَصَحُّ مَعْنًى وَلَيْسَ لِلْأَقْيِسَةِ وَالْعُقُولِ فِي هَذَا حُكْمٌ وَكُلُّهُ مِنَ الْمُجَوَّزَاتِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَتْ من المؤمن أوالشهيد فِي قَنَادِيلَ أَوْ أَجْوَافِ طَيْرٍ أَوْ حَيْثُ يشاء كان ذلك ووقع ولم يبعد لاسيما مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْسَامٌ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْمُنَعَّمَ أَوِ الْمُعَذَّبَ مِنَ الْأَرْوَاحِ جُزْءٌ مِنَ الْجَسَدِ تَبْقَى فِيهِ الرُّوحُ وَهُوَ الَّذِي يَتَأَلَّمُ وَيُعَذَّبُ وَيَلْتَذُّ وَيُنَعَّمُ وَهُوَ الذى يقول رب ارجعون وَهُوَ الَّذِي يَسْرَحُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُصَوَّرَ هَذَا الْجُزْءُ طَائِرًا أَوْ يُجْعَلَ فِي جَوْفِ طَائِرٍ وَفِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ الْقَاضِي وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الروح ما هي اختلافا لايكاد يُحْصَرُ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْمَعَانِي وَعِلْمِ الباطن المتكلمين لاتعرف حقيقته ولايصح وَصْفُهُ وَهُوَ مِمَّا جَهِلَ الْعِبَادُ عِلْمَهُ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَغَلَتِ الْفَلَاسِفَةُ فَقَالَتْ بِعَدَمِ الرُّوحِ وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَطِبَّاءِ هُوَ الْبُخَارُ اللَّطِيفُ السَّارِي فِي الْبَدَنِ وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ شُيُوخِنَا هُوَ الْحَيَاةُ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُشَابِكَةٌ لِلْجِسْمِ يَحْيَى لِحَيَاتِهِ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ بِمَوْتِ الْجِسْمِ عِنْدَ فِرَاقِهِ وَقِيلَ هُوَ بَعْضُ الْجِسْمِ وَلِهَذَا وُصِفَ بِالْخُرُوجِ وَالْقَبْضِ وَبُلُوغِ الْحُلْقُومِ وَهَذِهِ صِفَةُ الأجسام لاالمعانى وَقَالَ بَعْضُ مُقَدَّمِي أَئِمَّتِنَا هُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَصَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ دَاخِلَ الْجِسْمِ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَغَيْرُهُمْ إِنَّهُ النَّفَسُ الدَّاخِلُ
(13/32)

وَالْخَارِجُ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ الدَّمُ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الرُّوحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُتَخَلِّلَةٌ فِي الْبَدَنِ فَإِذَا فَارَقَتْهُ مَاتَ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَهُمَا لَفْظَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَقِيلَ إِنَّ النَّفْسَ هِيَ النَّفَسُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ وَقِيلَ هِيَ الدَّمُ وَقِيلَ هِيَ الْحَيَاةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ تَعَلَّقَ بِحَدِيثِنَا هَذَا وَشِبْهِهِ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ الْقَائِلِينَ بِالتَّنَاسُخِ وَانْتِقَالِ الْأَرْوَاحِ وَتَنْعِيمِهَا فِي الصُّوَرِ الْحِسَانِ الْمُرَفَّهَةِ وَتَعْذِيبِهَا فِي الصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ الْمُسَخَّرَةِ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَهَذَا ضَلَالٌ بَيِّنٌ وَإِبْطَالٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ يَعْنِي يَوْمَ يَجِيءُ بِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا إِلَخْ) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي إِكْرَامِهِمْ وَتَنْعِيمِهِمْ إِذْ قَدْ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مَا لايخطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ثُمَّ رَغَّبَهُمْ فِي سُؤَالِ الزِّيَادَةِ فَلَمْ يَجِدُوا مَزِيدًا عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ فسألوه حين رأوه أنه لابد مِنْ سُؤَالٍ أَنْ يُرْجِعَ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى أَجْسَادِهِمْ ليجاهدوا ويبذلوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْتَلِذُّوا بِالْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب فَضْلِ الحهاد وَالرِّبَاطِ)
[1888] قَوْلُهُ (أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ فَقَالَ رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ) قَالَ الْقَاضِي هَذَا عَامٌّ
(13/33)

مَخْصُوصٌ وَتَقْدِيرُهُ هَذَا مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ وَإِلَّا فَالْعُلَمَاءُ أَفْضَلُ وَكَذَا الصِّدِّيقُونَ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْعُزْلَةِ عَلَى الِاخْتِلَاطِ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَفْضَلُ بِشَرْطِ رَجَاءِ السَّلَامَةِ مِنَ الْفِتَنِ وَمَذْهَبُ طَوَائِفَ أَنَّ الِاعْتِزَالَ أَفْضَلَ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِزَالِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ أَوْ هُوَ فِيمَنْ لَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْخُصُوصِ وَقَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَجَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ مُخْتَلِطِينَ فَيُحَصِّلُونَ مَنَافِعَ الِاخْتِلَاطِ كَشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَحِلَقِ الذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا الشِّعْبُ فَهُوَ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْسَ الشِّعْبِ خُصُوصًا بَلِ الْمُرَادُ الِانْفِرَادُ وَالِاعْتِزَالُ وَذَكَرَ الشِّعْبَ مِثَالًا لِأَنَّهُ خَالٍ عَنِ النَّاسِ غَالِبًا وَهَذَا الْحَدِيثُ نَحْوُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ حِينَ سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّجَاةِ فَقَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ

[1889] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ
(13/34)

عِنَانَ فَرَسِهِ) الْمَعَاشُ هُوَ الْعَيْشُ وَهُوَ الْحَيَاةُ وَتَقْدِيرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ خَيْرِ أَحْوَالِ عَيْشِهِمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَى مَتْنِهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ) مَعْنَاهُ يُسَارِعُ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ مَتْنُهُ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً وَهِيَ الصَّوْتُ عِنْدَ حُضُورِ العدو وهى بفتح الهاء وإسكان الياء والفزعة بِإِسْكَانِ الزَّايِ وَهِيَ النُّهُوضُ إِلَى الْعَدُوِّ وَمَعْنَى يَبْتَغِي الْقَتْلَ مَظَانَّهُ يَطْلُبُهُ فِي مَوَاطِنِهِ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ فِي الشَّهَادَةِ وَفِي هذا الحديث فضيلة الجهاد والرباط وَالْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ) الْغُنَيْمَةُ بِضَمِّ الْغَيْنِ تَصْغِيرُ الْغَنَمِ أَيْ قطعة منها والشعفة بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْعَيْنِ أَعْلَى الْجَبَلِ
(13/35)

(بَاب بَيَانِ الرَّجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ)
[1890] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ) قَالَ الْقَاضِي الضَّحِكُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ فِي حَقِّنَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ مِنَ الْأَجْسَامِ وَمِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ تَغَيُّرُ الْحَالَاتِ وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الرِّضَا بِفِعْلِهِمَا وَالثَّوَابُ عَلَيْهِ وَحَمْدُ فِعْلِهِمَا وَمَحَبَّتُهُ وَتَلَقِّي رُسُلِ اللَّهِ لَهُمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الضَّحِكَ مِنْ أَحَدِنَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ مُوَافَقَتِهِ مَا يَرْضَاهُ وَسُرُورِهِ وَبِرِّهِ لِمَنْ يَلْقَاهُ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُنَا ضَحِكُ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ لِقَبْضِ رُوحِهِ وَإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ كَمَا يُقَالُ قَتَلَ السُّلْطَانُ فُلَانًا أَيْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ
(13/36)

(باب من قتل كافرا ثم سدد)

[1891] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا) وَفِي رِوَايَةٍ لايجتمعان فِي النَّارِ اجْتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ قِيلَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ قَالَ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ قَتَلَ كَافِرًا فِي الْجِهَادِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُكَفِّرًا لِذُنُوبِهِ حَتَّى لَا يُعَاقَبَ عَلَيْهَا أَوْ يَكُونُ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِقَابُهُ إِنْ عُوقِبَ بِغَيْرِ النَّارِ كَالْحَبْسِ فِي الْأَعْرَافِ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوَّلًا وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَوْ يَكُونَ إِنْ عُوقِبَ بِهَا فى غير موضع عقاب الكفار ولايجتمعان فِي إِدْرَاكِهَا قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (اجْتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ) فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اجْتِمَاعٌ مَخْصُوصٌ قَالَ وَهُوَ مُشْكِلُ الْمَعْنَى وأوجه مافيه أن يكون معناه ماأشرنا إليه أنهما لايجتمعان فِي وَقْتٍ إِنِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ فَيُعَيِّرُهُ بِدُخُولِهِ مَعَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ إِيمَانُهُ وَقَتْلُهُ إِيَّاهُ وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ لَكِنْ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَدَّدَ وَمَعْنَاهُ اسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى وَلَمْ يَخْلِطْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ أَصْلًا سَوَاءٌ قَتَلَ كَافِرًا أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ قَالَ الْقَاضِي وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ثُمَّ سَدَّدَ عَائِدًا عَلَى الْكَافِرِ الْقَاتِلِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ تَغَيَّرَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَأَنَّ صَوَابَهُ مُؤْمِنٌ قَتَلَهُ كَافِرٌ ثُمَّ سَدَّدَ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لايجتمعان فِي النَّارِ اجْتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَيْ لايدخلانها لِلْعِقَابِ وَيَكُونُ هَذَا اسْتِثْنَاءً مِنِ اجْتِمَاعِ الْوُرُودِ وَتَخَاصُمِهِمْ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ هَذَا آخِرُ كَلَامِ القاضي
(13/37)

(باب فضل الصدقة فى سبيل الله تعالى وتضعيفها)

[1892] قَوْلُهُ (جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ) مَعْنَى مَخْطُومَةٌ أَيْ فِيهَا خِطَامٌ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الزِّمَامِ وَسَبَقَ شَرْحُهُ مَرَّاتٍ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ لَهُ أَجْرُ سَبْعِمِائَةِ نَاقَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَكُونَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ بِهَا سَبْعُمِائَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَخْطُومَةٌ يَرْكَبُهُنَّ حَيْثُ شَاءَ لِلتَّنَزُّهِ كَمَا جَاءَ فِي خَيْلِ الْجَنَّةِ وَنَجْبِهَا وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب فَضْلِ إِعَانَةِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ وَخِلَافَتِهِ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ)

[1893] قَوْلُهُ (أُبْدِعَ بِي) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بُدِّعَ بى بحذف الهمزة وبتشديد الدَّالِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَآخَرُونَ
(13/38)

بِالْأَلِفِ وَمَعْنَاهُ هَلَكَتْ دَابَّتِي وَهِيَ مَرْكُوبِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) فِيهِ فَضِيلَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَالْمُسَاعَدَةِ لِفَاعِلِهِ وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات لاسيما لِمَنْ يَعْمَلُ بِهَا مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ وَغَيْرِهِمْ وَالْمُرَادُ بِمِثْلِ أَجْرِ فَاعِلِهِ أَنَّ لَهُ ثَوَابًا بِذَلِكَ الفعل كما أن لفاعله ثوابا ولايلزم أَنْ يَكُونَ قَدْرُ ثَوَابِهِمَا سَوَاءً

[1894] قَوْلُهُ (إِنَّ فتى من أسلم قال يارسول اللَّهِ إِنِّي أُرِيدَ الْغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ بِهِ قَالَ ائْتِ فُلَانًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ إِلَى آخِرِهِ) فِيهِ فَضِيلَةُ الدلالة على الخير وفيه أن مانوى الْإِنْسَانُ صَرْفَهُ فِي جِهَةِ بِرٍّ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْجِهَةُ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَذْلُهُ فِي جِهَةٍ أُخْرَى مِنَ الْبِرِّ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالنَّذْرِ قَوْلُهُ صَلَّى
(13/39)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1895] (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا) أَيْ حَصَلَ لَهُ أَجْرٌ بِسَبَبِ الْغَزْوِ وَهَذَا الْأَجْرُ يَحْصُلُ بِكُلِّ جِهَادٍ وَسَوَاءٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَلِكُلِّ خَالِفٍ لَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ لَهُمْ وَإِنْفَاقٍ عَلَيْهِمْ أَوْ مُسَاعَدَتِهِمْ فِي أَمْرِهِمْ وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ الثَّوَابِ بِقِلَّةِ ذَلِكَ وَكَثْرَتِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ فَعَلَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ قَامَ بِأَمْرٍ مِنْ مُهِمَّاتِهِمْ قَوْلُهُ

[1896] (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا) أَمَّا بَنُو لِحْيَانَ فَبِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ بَنِي لِحْيَانَ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كُفَّارًا فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بَعْثًا يَغْزُونَهُمْ وَقَالَ لِذَلِكَ الْبَعْثِ لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ نِصْفُ عَدَدِهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَأَمَّا كَوْنُ الْأَجْرِ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا خَلَفَ الْمُقِيمُ الْغَازِيَ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ كَمَا شَرَحْنَاهُ قَرِيبًا وَكَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَاقِي الْأَحَادِيثِ قوله (فى
(13/40)

إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ) هُوَ بِالرَّاءِ وَاسْمُهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْنَصْرِيُّ بِالنُّونِ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي وَيُقَالُ مَوْلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ وَيُقَالُ مَوْلَى دَوْسٍ وَيُقَالُ لَهُ سَالِمُ سَبَلَاتٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهُوَ سَالِمُ الْبُرْدِ بِالرَّاءِ وَآخِرُهُ دَالٌ وَهُوَ سَالِمٌ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ بِالنُّونِ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادٍ وَهُوَ سَالِمٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ وَهُوَ سَالِمٌ مَوْلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ وَهُوَ سَالِمٌ مَوْلَى الْمَهْرَبَيْنِ وَهُوَ سَالَمٌ مَوْلَى دَوْسٍ وَهُوَ سَالِمٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيُّ وَلِسَالِمٍ هَذَا نَظَائِرُ فِي هَذَا وهو أن يكون للانسان أسماء أوصفات وَتَعْرِيفَاتٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَصَنَّفَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ فِي هذا كتابا حسنا وصنف فيه غيره

(باب حرمة نساء المجاهدين وإثم من خانهم فيهن)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1897] (حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ) هَذَا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا تَحْرِيمُ التَّعَرُّضِ لَهُنَّ بِرِيبَةٍ مِنْ نَظَرٍ مُحَرَّمٍ وَخَلْوَةٍ وَحَدِيثٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالثَّانِي فِي بِرِّهِنَّ
(13/41)

وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِنَّ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِنَّ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عليها مفسدة ولايتوصل بِهَا إِلَى رِيبَةٍ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَخُونُ الْمُجَاهِدَ فِي أَهْلِهِ (إِنَّ الْمُجَاهِدَ يَأْخُذُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ فَمَا ظَنُّكُمْ) مَعْنَاهُ مَا تَظُنُّونَ فِي رَغْبَتِهِ فِي أَخْذِ حَسَنَاتِهِ وَالِاسْتِكْثَارِ منها فى ذلك المقام أى لايبقى مِنْهَا شَيْئًا إِنْ أَمْكَنَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب سُقُوطِ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنْ الْمَعْذُورِينَ)
[1898] قَوْلُهُ (فَجَاءَ بِكَتِفٍ يَكْتُبُهَا) فِيهِ جَوَازُ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي الْأَلْوَاحِ وَالْأَكْتَافِ وَفِيهِ طَهَارَةُ عَظْمِ الْمُذَكَّى وَجَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من المؤمنين غير أولى الضرر الْآيَةَ فِيهِ دَلِيلٌ لِسُقُوطِ الْجِهَادِ عَنِ الْمَعْذُورِينَ ولكن لايكون ثَوَابُهُمْ ثَوَابَ الْمُجَاهِدِينَ بَلْ لَهُمْ ثَوَابُ نِيَّاتِهِمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ
(13/42)

كِفَايَةٍ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضَ عَيْنٍ وَبَعْدَهُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَرْضَ كِفَايَةٍ مِنْ حِينِ شُرِعَ وَهَذِهِ الْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عظيما وقوله تعالى غير أولى الضرر قُرِئَ غَيْرَ بِنَصْبِ الرَّاءِ وَرَفْعِهَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فى السبع قرأ نافع وبن عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ بِنَصْبِهَا وَالْبَاقُونَ بِرَفْعِهَا وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِجَرِّهَا فَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَمَنْ رَفَعَ فَوَصْفٌ لِلْقَاعِدِينَ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُمْ وَمَنْ جَرَّ فَوَصْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُمْ قَوْلُهُ (فشكا إليه بن أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ) أَيْ عَمَاهُ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا ضَرَارَتَهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أنه ضبط ضررا به والصواب الأول

(باب ثبوت الجنة للشهيد)

[1899] (قال رجل أين أنا يارسول اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ قَالَ فِي الْجَنَّةِ فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فِيهِ ثُبُوتُ
(13/43)

الجنة للشهيد وفيه المبادرة بالخير وأنه لايشتغل عَنْهُ بِحُظُوظِ النُّفُوسِ

[1900] قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ) بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَأَمَّا الْمِصِّيصِيُّ فَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَالصَّادِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمِصِّيصَةِ الْمَدِينَةِ الْمَعْرُوفَةِ قَوْلُهُ (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ هُوَ بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ

[1901] قَوْلُهُ (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُسَيْسَةَ عَيْنًا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بُسَيْسَةَ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ وَبِسِينَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ سَاكِنَةٌ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ قَالَ وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ بَسْبَسُ بِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سِينٌ سَاكِنَةٌ وَهُوَ بسبس بن عمرو ويقال بن بِشْرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْخَزْرَجِ وَيُقَالُ حَلِيفٌ لَهُمْ قُلْتُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ اسْمًا لَهُ وَالْآخَرُ لَقَبًا وَقَوْلُهُ (عَيْنًا) أَيْ مُتَجَسِّسًا وَرَقِيبًا قَوْلُهُ (مَا صَنَعَتْ عَيرُ أَبِي سُفْيَانَ) هِيَ الدَّوَابُّ الَّتِي تَحْمِلُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ الْعَيرُ هِيَ الْإِبِلُ وَالدَّوَابُّ تَحْمِلُ
(13/44)

الطعام وغيره من التجارات قال ولاتسمى عيرا إلااذا كَانَتْ كَذَلِكَ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ الْعَيْرُ الْإِبِلُ تَحْمِلُ الْمِيرَةَ وَجَمْعُهَا عِيَرَاتٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْيَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ لَنَا طَلِبَةً فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ) هِيَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ شيئا نطلبه والظهر الدَّوَابُّ الَّتِي تُرْكَبُ قَوْلُهُ (فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ) هُوَ بِضَمِّ الظَّاءِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ أَيْ مَرْكُوبَاتِهِمْ فِي هَذَا اسْتِحْبَابُ التَّوْرِيَةِ فِي الحرب وأن لايبين الْإِمَامُ جِهَةَ إِغَارَتِهِ وَإِغَارَةِ سَرَايَاهُ لِئَلَّا يَشِيعَ ذَلِكَ فَيَحْذَرَهُمُ الْعَدُوُّ قَوْلُهُ (فِي عُلُوِّ الْمَدِينَةِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (لايتقدمن أحد منكم إلى شئ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ) أَيْ قُدَّامَهُ مُتَقَدِّمًا فى ذلك الشئ لئلا يفوت شئ من المصالح التى لاتعلمونها قَوْلُهُ (عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ قَوْلُهُ (بَخٍ بَخٍ) فِيهِ لُغَتَانِ إِسْكَانُ الْخَاءِ وَكَسْرُهَا مُنَوَّنًا وَهِيَ كَلِمَةٌ تُطْلَقُ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ فِي الْخَيْرِ قَوْلُهُ (لَا والله يارسول الله الارجاءة أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ رَجَاءَةَ بِالْمَدِّ وَنَصْبِ التَّاءِ وفى بعضها رجاء بلاتنوين وَفِي بَعْضِهَا بِالتَّنْوِينِ
(13/45)

مَمْدُودَانِ بِحَذْفِ التَّاءِ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ وَمَعْنَاهُ وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُهُ لِشَيْءٍ إِلَّا لِرَجَاءِ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَوْلُهُ (فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ) هُوَ بِقَافٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ نُونٍ أَيْ جُعْبَةِ النُّشَّابِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَغَارِبَةِ فِيهِ تَصْحِيفٌ قَوْلُهُ (لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التمرثم قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ) فِيهِ جَوَازُ الِانْغِمَارِ فِي الْكُفَّارِ وَالتَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ

[1902] قَوْلُهُ (وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَيُقَالُ أَيْضًا بِحَضَرِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالضَّادِ بِحَذْفِ الْهَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ إِنَّ الْجِهَادَ وَحُضُورَ مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَسَبَبٌ لِدُخُولِهَا قَوْلُهُ (كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ) هُوَ بِفَتْحِ
(13/46)

الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَبِالنُّونِ وَهُوَ غِمْدُهُ

[677] قَوْلُهُ (وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ) مَعْنَاهُ يَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ مُسَبَّلًا لِمَنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَهُ لِطَهَارَةٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَفِيهِ جَوَازُ وَضْعِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ كَانُوا يَضَعُونَ أَيْضًا أَعْذَاقَ التَّمْرِ لِمَنْ أَرَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاخلاف فِي جَوَازِ هَذَا وَفَضْلِهِ قَوْلُهُ (وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ) أَصْحَابُ الصُّفَّةِ هُمُ الْفُقَرَاءُ الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَأْوُونَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ لَهُمْ فِي آخِرِهِ صُفَّةٌ وَهُوَ مَكَانٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الْمَسْجِدِ مُظَلَّلٌ عَلَيْهِ يَبِيتُونَ فِيهِ قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَالْقَاضِي وَأَصْلُهُ مِنْ صُفَّةِ الْبَيْتِ وهى شئ كَالظُّلَّةِ قُدَّامَهُ فِيهِ فَضِيلَةُ الصَّدَقَةِ وَفَضِيلَةُ الِاكْتِسَابِ مِنَ الْحَلَالِ لَهَا وَفِيهِ جَوَازُ الصُّفَّةِ فِي الْمَسْجِدِ وَجَوَازُ الْمَبِيتِ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ (اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا) فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلشُّهَدَاءِ وَثُبُوتُ الرِّضَا مِنْهُمْ وَلَهُمْ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى رَضِيَ الله عنهم ورضوا عنه
(13/47)

قَالَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِطَاعَتِهِمْ وَرَضُوا عَنْهُ بِمَا أَكْرَمَهُمْ بِهِ وَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالرِّضَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِفَاضَةُ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَهُوَ أَيْضًا بِمَعْنَى إِرَادَتِهِ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ

[1903] قَوْلُهُ (لِيَرَانِي اللَّهُ مَا أَصْنَعُ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ لِيَرَانِي بِالْأَلِفِ وَهُوَ صَحِيحٌ ويكون ما أصنع بدلامن الضَّمِيرِ فِي أَرَانِي أَيْ لِيَرَى اللَّهُ مَا أَصْنَعُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ بِيَاءٍ بَعْدَ الرَّاءِ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَعَلَى هَذَا ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَيَرَيَنَّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ يَرَاهُ اللَّهُ وَاقِعًا بَارِزًا وَالثَّانِي لَيُرِيَنَّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ لَيُرِيَنَّ اللَّهُ النَّاسَ ما أصنعه وَيُبْرِزُهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ قَوْلُهُ (فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا) مَعْنَاهُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْمُبْهَمَةِ أَيْ قَوْلُهُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ مَخَافَةَ أَنْ يُعَاهِدَ اللَّهَ عَلَى غَيْرِهَا فَيَعْجَزَ عَنْهُ أَوْ تَضْعُفَ بِنْيَتُهُ عَنْهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَلِيَكُونَ إِبْرَاءً لَهُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ قَوْلُهُ (وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ وَاهًا كَلِمَةُ تَحَنُّنٍ وَتَلَهُّفٍ قَوْلُهُ (أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ) مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَدَهُ رِيحَهَا مِنْ مَوْضِعِ الْمَعْرَكَةِ وَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ من مسيرة خمسمائة عام
(13/48)

(بَاب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العليا فهو فِي سَبِيلِ اللَّهُ)

[1904] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنِ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تُحْسَبُ بِالنِّيَّاتِ الصَّالِحَةِ وَأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي وَرَدَ فِي الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العليا قَوْلُهُ (الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ) أَيْ لِيَذْكُرَهُ النَّاسُ بِالشَّجَاعَةِ وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ قَوْلُهُ (وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً) هِيَ الْأَنَفَةُ وَالْغَيْرَةُ وَالْمُحَامَاةُ عَنْ عَشِيرَتِهِ
(13/49)

قَوْلُهُ (فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إليه الا أنه كان قائما) فيه أنه لابأس أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفْتِي وَاقِفًا إِذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ مِنْ ضِيقِ مَكَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ طَالِبُ الْحَاجَةِ وَفِيهِ إِقْبَالُ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى مَنْ يُخَاطِبُهُ

(بَاب مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ اسْتَحَقَّ النَّارَ)
[1905] قَوْلُهُ (تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ أَيُّهَا الشَّيْخُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ لَهُ نَاتِلٌ الشَّامِّيُّ هُوَ بِالنُّونِ فِي أَوَّلِهِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقُ وَهُوَ نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ الْحِزَامِيُّ الشَّامِيُّ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ وَهُوَ تَابِعِيٌّ وَكَانَ أَبُوهُ صَحَابِيًّا وَكَانَ نَاتِلٌ كَبِيرَ قَوْمِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَازِي وَالْعَالِمِ وَالْجَوَّادِ وَعِقَابِهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَإِدْخَالِهِمُ النَّارَ دَلِيلٌ عَلَى
(13/50)

تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ وَشِدَّةِ عُقُوبَتِهِ وَعَلَى الْحَثِّ عَلَى وُجُوبِ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مخلصين له الدين وفيه أن العمومات الْوَارِدَةَ فِي فَضْلِ الْجِهَادِ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ مُخْلِصًا وَكَذَلِكَ الثَّنَاءُ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَعَلَى الْمُنْفِقِينَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى مُخْلِصًا قَوْلُهُ (تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ تَفَرَّقُوا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ

(بَاب بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابِ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ وَمَنْ لَمْ يَغْنَمْ)
[1906] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ
(13/51)

أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ قَالَ أَهْلُ اللغة الاخفاق أن يغزو فَلَا يَغْنَمُوا شَيْئًا وَكَذَلِكَ كُلُّ طَالِبِ حَاجَةٍ إِذَا لَمْ تَحْصُلْ فَقَدْ أَخْفَقَ وَمِنْهُ أَخْفَقَ الصَّائِدُ إِذَا لَمْ يَقَعْ لَهُ صَيْدٌ وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَالصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ أَنَّ الْغُزَاةَ إِذَا سَلِمُوا أَوْ غَنِمُوا يَكُونُ أَجْرُهُمْ أَقَلَّ مِنْ أَجْرِ مَنْ لَمْ يَسْلَمْ أَوْ سَلِمَ وَلَمْ يَغْنَمْ وَأَنَّ الْغَنِيمَةَ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ أَجْرِ غَزْوِهِمْ فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَقَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمُ الْمُتَرَتَّبَ عَلَى الْغَزْوِ وَتَكُونُ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْرِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ كَقَوْلِهِ مِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا أَيْ يَجْتَنِيهَا فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَأْتِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ يُخَالِفُ هَذَا فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدِ اخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ حِكَايَتِهِ فِي تَفْسِيرِهِ أَقْوَالًا فَاسِدَةً مِنْهَا قَوْلُ مَنْ زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ولايجوز أَنْ يَنْقُصَ ثَوَابُهُمْ بِالْغَنِيمَةِ كَمَا لَمْ يَنْقُصْ ثَوَابُ أَهْلِ بَدْرٍ وَهُمْ أَفْضَلُ الْمُجَاهِدِينَ وَهِيَ أَفْضَلُ غَنِيمَةٍ قَالَ وَزَعَمَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَبَا هَانِئٍ حُمَيْدَ بْنَ هَانِئٍ رَاوِيَةٌ مَجْهُولٌ وَرَجَّحُوا الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي أَنَّ الْمُجَاهِدَ يَرْجِعُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ فَرَجَّحُوهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ لِشُهْرَتِهِ وَشُهْرَةِ رِجَالِهِ وَلِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا فِي مُسْلِمٍ خَاصَّةً وَهَذَا الْقَوْلٌ بَاطِلٌ مِنْ أَوْجُهٍ فَإِنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ رُجُوعُهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْغَنِيمَةَ تَنْقُصُ الْأَجْرَ أَمْ لَا وَلَا قَالَ أَجْرُهُ كَأَجْرِ مَنْ لَمْ يَغْنَمْ فَهُوَ مُطْلَقٌ وَهَذَا مُقَيَّدٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ أَبُو هَانِئٍ مَجْهُولٌ فَغَلَطٌ فَاحِشٌ بَلْ هُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوَى عنه الليث بن سعد وحيوة وبن وَهْبٍ وَخَلَائِقُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَيَكْفِي فِي تَوْثِيقِهِ احْتِجَاجُ مُسْلِمٍ بِهِ فِي صَحِيحِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ أنه
(13/52)

لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَلَيْسَ لَازِمًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَوْنُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ فَلَيْسَ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ نَصٌّ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكَانَ أَجْرُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِهِمْ وَقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ وَكَوْنُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ مَرَضِيًّا عَنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَلْزَمُ أَلَّا تَكُونَ وَرَاءَ هَذَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ شَدِيدُ الْفَضْلِ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَمِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ لَعَلَّ الَّذِي تَعَجَّلَ ثُلُثَيْ أَجْرِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ إِذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ وَجْهِهَا لَمْ يَكُنْ ثُلُثُ الْأَجْرِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الَّتِي أَخْفَقَتْ يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ بِالْأَسَفِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ فَيُضَاعَفُ ثَوَابُهَا كَمَا يُضَاعَفُ لِمَنْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ مُبَايِنٌ لِصَرِيحِ الْحَدِيثِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا فَنَقَصَ ثَوَابُهُ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ)

[1907] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) الْحَدِيثَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِظَمِ مَوْقِعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ وَصِحَّتِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ هُوَ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْفِقْهِ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ رُبْعُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ يَنْبَغِي لِمَنْ صَنَّفَ كِتَابًا أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا
(13/53)

عَنِ الْأَئِمَّةِ مُطْلَقًا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وغيره فابتدؤا به قبل كل شئ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ الْحُفَّاظُ وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَا عَنْ عُمَرَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعَنْ يَحْيَى انْتَشَرَ فَرَوَاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ إِنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ لَيْسَ هُوَ مُتَوَاتِرًا وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ التَّوَاتُرِ فِي أَوَّلِهِ وَفِيهِ طُرْفَةٌ مِنْ طُرَفِ الْإِسْنَادِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ يَحْيَى وَمُحَمَّدٌ وَعَلْقَمَةُ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرُهُمْ لَفْظَةُ إِنَّمَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ فَتَقْدِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ الأعمال تحسب بنية ولاتحسب إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّةٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أن الطهارة وهى الوضوء والغسل والتيمم لاتصح الا بالنية وكذلك الصلوة والزكوة وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالِاعْتِكَافُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَأَمَّا إِزَالَةُ النجاسة فالمشهور عندنا أنها لاتفتقر إِلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التُّرُوكِ والتَّرْكُ لايحتاج إِلَى نِيَّةٍ وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمِاعَ فِيهَا وَشَذَّ بعض أصحابنا فأوجبها وهو باطل وَتَدْخُلُ النِّيَّةُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْقَذْفِ وَمَعْنَى دُخُولِهَا أَنَّهَا إِذَا قَارَنَتْ كِنَايَةً صَارَتْ كَالصَّرِيحِ وان أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أوثلاثا وَقَعَ مَا نَوَى وَإِنْ نَوَى بِصَرِيحٍ غَيْرِ مُقْتَضَاهُ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ولايقبل مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (وانما لامرىء مَا نَوَى) قَالُوا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ بَيَانُ أَنَّ تَعْيِينَ الْمَنَوِيِّ شَرْطٌ فلو كان على انسان صلوة مقضية لايكفيه أن ينوى الصلوة الْفَائِتَةَ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهَا وَلَوْلَا اللَّفْظُ الثَّانِي لَاقْتَضَى الْأَوَّلُ صِحَّةَ النِّيَّةِ بِلَا تَعْيِينٍ أَوْ أَوْهَمَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ورسوله
(13/54)

مَعْنَاهُ مَنْ قَصَدَ بِهِجْرَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ قَصَدَ بِهَا دُنْيَا أَوِ امْرَأَةً فَهِيَ حَظُّهُ وَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْهِجْرَةِ وَأَصْلُ الْهِجْرَةِ) 55 التَّرْكُ وَالْمُرَادُ هُنَا تَرْكُ الْوَطَنِ وَذِكْرُ الْمَرْأَةِ مَعَ الدُّنْيَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ جَاءَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قَيْسٍ فَقِيلَ لَهُ مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى زِيَادَةِ التَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ تَنْبِيهًا عَلَى مَزِيَّتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب اسْتِحْبَابِ طَلَبِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهُ تَعَالَى)
[1908] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ)

[1909] وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى مُفَسَّرٌ مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا أَنَّهُ إِذَا سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ أُعْطِيَ مِنْ ثَوَابِ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ كَانَ عَلَى فِرَاشِهِ وَفِيهِ استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير
(13/55)

(باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو)

[1910] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ مَاتَ ولم يغزو ولم يحدث نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَوْلُهُ نَرَى بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نظن وهذا الذى قاله بن الْمُبَارَكِ مُحْتَمَلٌ وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ إِنَّهُ عَامٌّ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَشْبَهَ المنافقين المتخلفين عن الجهاد فى هذاالوصف فَإِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ أَحَدُ شُعَبِ النِّفَاقِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ نَوَى فِعْلَ عِبَادَةٍ فمات قبل فعلها لايتوجه عَلَيْهِ مِنَ الذَّمِّ مَا يُتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَنْوِهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَأَخَّرَهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَفْعَلَهَا فِي أَثْنَائِهِ فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا أَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ بَعْدَ التَّمَكُّنِ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ هَلْ يَأْثَمُ أَمْ لَا وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَأْثَمُ فِي الحج دون الصلوة لان مدة الصلوة قَرِيبَةٌ فَلَا تُنْسَبُ إِلَى تَفْرِيطٍ بِالتَّأْخِيرِ بِخِلَافِ الحج وقيل يأثم فيهما وقيل لايأثم فِيهِمَا وَقِيلَ يَأْثَمُ فِي الْحَجِّ الشَّيْخُ دُونَ الشَّابِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(13/56)

(بَاب ثَوَابِ مَنْ حَبَسَهُ عَنْ الْغَزْوِ مَرَضٌ أَوْ عُذْرٌ آخَرُ)
[1911] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قطعتم واديا الاكانوا معكم حبسهم المرض) وفى رواية الاشركوكم فِي الْأَجْرِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ شَرِكَهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِمَعْنَى شَارَكَهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ النِّيَّةِ فِي الْخَيْرِ وَأَنَّ مَنْ نَوَى الْغَزْوَ وَغَيْرَهَ مِنَ الطَّاعَاتِ فَعَرَضَ لَهُ عُذْرٌ مَنَعَهُ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ نِيَّتِهِ وَأَنَّهُ كُلَّمَا أَكْثَرَ مِنَ التَّأَسُّفِ عَلَى فَوَاتِ ذَلِكَ وَتَمَنَّى كَوْنَهُ مَعَ الْغُزَاةِ وَنَحْوِهُمْ كَثُرَ ثَوَابُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ)
[1912] قَوْلُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَتَفْلِي رَأْسَهَ وَيَنَامُ عِنْدَهَا) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واختلفوا فى كيفية ذلك فقال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ كَانَتْ إِحْدَى خَالَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ كَانَتْ خَالَةً لِأَبِيهِ
(13/57)

أَوْ لِجَدِّهِ لِأَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَوْلُهُ (تَفْلِي) بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ فِيهِ جَوَازُ فَلْيِ الرَّأْسِ وَقَتْلِ الْقَمْلِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا قَتْلُ الْقَمْلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْذِيَاتِ مُسْتَحَبٌّ وَفِيهِ جَوَازُ مُلَامَسَةِ الْمَحْرَمِ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَجَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْمَحْرَمِ وَالنَّوْمِ عِنْدَهَا وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلِ الضَّيْفِ عِنْدَ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ مِمَّا قَدَّمَتْهُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَكْلَهُ مِنْ طَعَامِهِ قَوْلُهَا (فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ) هَذَا الضَّحِكُ فَرَحًا وَسُرُورًا بِكَوْنِ أُمَّتِهِ تَبْقَى بَعْدَهُ مُتَظَاهِرَةً بِأُمُورِ الْإِسْلَامِ قَائِمَةً بِالْجِهَادِ حَتَّى فِي الْبَحْرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) الثَّبَجُ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ جِيمٍ وَهُوَ ظَهْرُهُ وَوَسَطُهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ) قِيلَ هُوَ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَيْ يَرْكَبُونَ مَرَاكِبَ الْمُلُوكِ لِسَعَةِ حَالِهِمْ وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ قَوْلُهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ (ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِيَ مِنْهُمْ وَكَانَ دَعَا لَهَا فِي الْأُولَى قَالَ أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى وَأَنَّهُ عَرَضَ فِيهَا غَيْرَ الْأَوَّلِينَ وَفِيهِ مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا إِخْبَارُهُ بِبَقَاءِ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ وَأَنَّهُ تَكُونُ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَقُوَّةٌ وَعَدَدٌ وَأَنَّهُمْ يَغْزُونَ وَأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ وَأَنَّ أُمَّ حَرَامٍ تَعِيشُ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ وَأَنَّهَا تَكُونُ مَعَهُمْ وَقَدْ وُجِدَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ ذَلِكَ وَفِيهِ فَضِيلَةٌ
(13/58)

لِتِلْكَ الْجُيُوشِ وَأَنَّهُمْ غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مَتَى جَرَتِ الْغَزْوَةُ الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا أُمُّ حَرَامٍ فِي الْبَحْرِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهَا رَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا فَهَلَكَتْ قَالَ الْقَاضِي قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنَّ فِيهَا ركبت أم حرام وزوجها إلى قبرص فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا هُنَاكَ فَتُوُفِّيَتْ وَدُفِنَتْ هُنَاكَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ مَعْنَاهُ فِي زَمَانِ غَزْوِهِ فِي الْبَحْرِ لَا فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ قَالَ وَقِيلَ بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِ قَالَ وَهُوَ أَظْهَرُ فِي دَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي زَمَانِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَكَرِهَ مَالِكٌ رُكُوبَهَ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُنَّ غَالِبًا التَّسَتُّرُ فِيهِ وَلَا غَضُّ الْبَصَرِ عن المتصرفين فيه ولايؤمن انْكِشَافُ عَوْرَاتِهِنَّ فِي تَصَرُّفِهِنَّ لَا سِيَّمَا فِيمَا صَغُرَ مِنَ السُّفْيَانِ مَعَ ضَرُورَتِهِنَّ إِلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَنْعُ رُكُوبِهِ وَقِيلَ إِنَّمَا مَنَعَهُ الْعُمَرَانِ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الدنيا لا للطاعات وقد روى عن بن عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِلَّا لِحَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ أَوْ غَازٍ وَضَعَّفَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ
(13/59)

فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَوْتَ فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْأَجْرِ لِأَنَّ أُمَّ حَرَامٍ مَاتَتْ وَلَمْ تُقْتَلْ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُمْ شُهَدَاءُ إِنَّمَا يَغْزُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ حَدِيثَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْعَمَتْهُ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِعُبَادَةَ حَالَ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتُحْمَلُ الْأُولَى عَلَى مُوَافَقَةِ الثَّانِيَةِ وَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ عَمَّا صار حالا لها بعد ذلك قوله (وحدثناه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هَكَذَا
(13/60)

هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ نُسَخِهِمْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ فَزَادَ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ

(بَاب فَضْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)
[1913] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا قَوْلُهُ (شُرَحْبِيلُ بْنِ السَّمِطِ) يُقَالُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ) هَذِهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُرَابِطِ وَجَرَيَانُ عَمَلِهِ عليه بَعْدَ مَوْتِهِ فَضِيلَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وَالْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمِنَ الْفُتَّانَ) ضَبَطُوا أَمِنَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَمِنَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ والثانى أو من بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِوَاوٍ وَأَمَّا الْفُتَّانُ فَقَالَ الْقَاضِي رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ بِضَمِّ الْفَاءِ جَمْعُ فَاتِنٍ قَالَ وَرِوَايَةُ الطَّبَرِيِّ بِالْفَتْحِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ أُومِنَ مِنْ فَتَّانِي الْقَبْرِ
(13/61)

(بَاب بَيَانِ الشُّهَدَاءِ)
[1914] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ) فِيهِ فَضِيلَةُ إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَهُوَ كُلُّ مُؤْذٍ وَهَذِهِ الْإِمَاطَةُ أَدْنَى شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله) وفى رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْمَطْعُونَ وَالْمَبْطُونَ وَالْغَرِقَ وَصَاحِبَ الْهَدْمِ وَصَاحِبَ ذَاتِ الْجَنْبِ وَالْحَرِقَ وَالْمَرْأَةَ تَمُوتُ بِجُمْعٍ

[1915] وَفِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ مَنْ قُتِلَ فِي سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَمْ يُخَرِّجَاهُ فَأَمَّا الْمَطْعُونُ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَأَمَّا الْمَبْطُونُ فَهُوَ صَاحِبُ دَاءِ الْبَطْنِ وَهُوَ الْإِسْهَالُ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ هُوَ الَّذِي بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ وَانْتِفَاخُ البطن وقيل
(13/62)

هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنُهُ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِدَاءِ بَطْنِهِ مُطْلَقًا وَأَمَّا الْغَرِقُ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ من يموت تحته وصاحب ذَاتِ الْجَنْبِ مَعْرُوفٌ وَهِيَ قُرْحَةٌ تَكُونُ فِي الْجَنْبِ بَاطِنًا وَالْحَرِيقُ الَّذِي يَمُوتُ بِحَرِيقِ النَّارِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ فَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ قِيلَ الَّتِي تَمُوتُ حَامِلًا جَامِعَةً وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا وَقِيلَ هِيَ الْبِكْرُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ فَمَعْنَاهُ بِأَيِّ صِفَةٍ مَاتَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوْتَاتُ شَهَادَةً بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ شِدَّتِهَا وَكَثْرَةِ أَلَمِهَا وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الصَّحِيحِ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ صَحِيحٍ مَنْ قُتِلَ دُونَ سَيْفِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ غَيْرِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ الشُّهَدَاءِ وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ هَذَا وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ شَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ وَشَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ هُنَا وَشَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ قُتِلَ مُدْبِرًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَيَانٍ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُقْسِمٍ أَشْهَدُ عَلَى أَخِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا عَلَى أَخِيكَ بِالْخَاءِ
(13/63)

وَفِي بَعْضِهَا عَلَى أَبِيكَ بِالْبَاءِ وَهَذَا هُوَ الصواب قال القاضي وقع فى رواية بن مَاهَانَ عَلَى أَبِيكَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَفِي رِوَايَةِ الْجُلُودِيِّ عَلَى أَخِيكَ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ عَلَى أَبِيكَ كَمَا سَبَقَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ وَإِنَّمَا قاله بن مُقْسِمٍ لِسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فضل الرمى والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه)

[1917] قَوْلُهُ (ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ) هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوة أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ قَالَهَا ثَلَاثًا) هَذَا تَصْرِيحٌ بِتَفْسِيرِهَا وَرَدَ لِمَا يَحْكِيهِ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ الْأَقْوَالِ سِوَى هَذَا وَفِيهِ وَفِي الْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ فَضِيلَةُ الرَّمْيِ وَالْمُنَاضَلَةِ وَالِاعْتِنَاءِ بِذَلِكَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْمُشَاجَعَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ اسْتِعْمَالِ السِّلَاحِ وَكَذَا الْمُسَابَقَةُ بِالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ التَّمَرُّنُ عَلَى الْقِتَالِ وَالتَّدَرُّبُ وَالتَّحَذُّقُ فِيهِ وَرِيَاضَةُ الْأَعْضَاءِ بِذَلِكَ

[1918] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ) الْأَرَضُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ على المشهور
(13/64)

وحكى الجوهرى لغة شاذة بإسكانها ويعجز بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِفَتْحِهَا فِي لُغَةٍ ومعناه الندب إلى الرمى

[1919] قوله (بن شَمَاسَةَ) بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِهَا قَوْلُهُ (لَمْ أُعَانِيهِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ لَمْ أُعَانِيهِ بِالْيَاءِ وَفِي بَعْضِهَا لَمْ أُعَانِهِ بِحَذْفِهَا وَهُوَ الْفَصِيحُ وَالْأَوَّلُ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى) هَذَا تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ فِي نِسْيَانِ الرَّمْيِ بَعْدَ عِلْمِهِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لِمَنْ تركه بلاعذر وسبق تفسير فليس منافى كِتَابِ الْإِيمَانِ

(بَاب قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ)

[1920] قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (ولا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى
(13/65)

يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ) هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ شَرْحُهُ مَعَ مَا يُشْبِهُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي تَأْتِي فَتَأْخُذُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَيْ تَقْرُبَ السَّاعَةُ وَهُوَ خُرُوجُ الرِّيحِ وَأَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَقَالَ
(13/66)

أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مُفَرَّقَةٌ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونَ وَمِنْهُمْ فُقَهَاءُ وَمِنْهُمْ مُحَدِّثُونَ وَمِنْهُمْ زُهَّادٌ وَآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفَ وَنَاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمِنْهُمْ أَهْلُ أَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الْخَيْرِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ مَا زَالَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْآنَ وَلَا يَزَالُ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَفِيهِ دَلِيلُ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَهُوَ أَصَحُّ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَمَّا حَدِيثُ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ) هُوَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْوَاوِ أَيْ عَادَاهُمْ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَأَى إِلَيْهِمْ وَنَأَوْا إِلَيْهِ أَيْ نَهَضُوا لِلْقِتَالِ قَوْلُهُ (مسلمة بن مُخَلَّدٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَزَالُ أهل
(13/67)

[1925] الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيُّ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْغَرْبِ الْعَرَبُ وَالْمُرَادُ بِالْغَرْبِ الدَّلْوُ الْكَبِيرُ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَا غَالِبًا وَقَالَ آخَرُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْغَرْبُ مِنَ الأرض وقال معاذهم بِالشَّامِ وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخِرُهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقِيلَ هُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْغَرْبِ أَهْلُ الشِّدَّةِ وَالْجَلَدِ وَغَرْبُ كُلِّ شَيْءٍ حَدُّهُ

(بَاب مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الدَّوَابِّ فِي السَّيْرِ وَالنَّهْيِ عَنْ التَّعْرِيسِ فِي الطَّرِيقِ)

[1926] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ وإِذَا سَافَرْتُمْ
(13/68)

بِهَا فِي السَّنَةِ فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا) الْخِصْبُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهُوَ كَثْرَةُ الْعُشْبِ وَالْمَرْعَى وَهُوَ ضِدُّ الْجَدْبِ وَالْمُرَادُ بِالسَّنَةِ هُنَا الْقَحْطُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أى بالقحوط ونقيها بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَهُوَ الْمُخُّ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالدَّوَابِّ وَمُرَاعَاةُ مَصْلَحَتِهَا فَإِنْ سَافَرُوا فِي الْخِصْبِ قَلَّلُوا السَّيْرَ وَتَرَكُوهَا تَرْعَى فِي بَعْضِ النَّهَارِ وَفِي أَثْنَاءِ السَّيْرِ فَتَأْخُذُ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ بِمَا تَرْعَاهُ مِنْهَا وَإِنْ سَافَرُوا فِي الْقَحْطِ عَجَّلُوا السَّيْرَ لِيَصِلُوا الْمَقْصِدَ وَفِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ قُوَّتِهَا وَلَا يُقَلِّلُوا السَّيْرَ فَيَلْحَقَهَا الضَّرَرُ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ مَا تَرْعَى فَتَضْعُفُ وَيَذْهَبُ نِقْيُهَا وَرُبَّمَا كَلَّتْ وَوَقَفَتْ وَقَدْ جَاءَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّعْرِيسُ النُّزُولُ فِي أَوَاخِرِ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالرَّاحَةِ هَذَا قَوْلُ الْخَلِيلِ وَالْأَكْثَرِينَ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ هُوَ النُّزُولُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْأَوَّلُ وَهَذَا أَدَبٌ مِنْ آدَابِ السَّيْرِ وَالنُّزُولِ أَرْشَدَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْحَشَرَاتِ وَدَوَابَّ الْأَرْضِ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ وَالسِّبَاعِ تَمْشِي فِي الليل على الطرق لِسُهُولَتِهَا وَلِأَنَّهَا تَلْتَقِطُ مِنْهَا مَا يَسْقُطُ مِنْ مَأْكُولٍ وَنَحْوِهِ وَمَا تَجِدُ فِيهَا مِنْ رِمَّةٍ وَنَحْوِهَا فَإِذَا عَرَّسَ الْإِنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ رُبَّمَا مَرَّ بِهِ مِنْهَا مَا يُؤْذِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَبَاعَدَ عَنِ الطَّرِيقِ
(13/69)

(بَاب السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ وَاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْمُسَافِرِ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ قَضَاءِ شُغْلِهِ)

[1927] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) مَعْنَاهُ يَمْنَعُهُ كَمَالَهَا وَلَذِيذَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ وَمُقَاسَاةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالسُّرَى وَالْخَوْفِ وَمُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ) النَّهْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ هِيَ الْحَاجَةُ وَالْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ بَعْدَ قَضَاءِ شُغْلِهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ بِمَا لَيْسَ لَهُ بِمُهِمٍّ

(بَاب كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلًا لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ)
[1928] قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غَدْوَةً أَوْ عشية) وفى
(13/70)

رِوَايَةٍ إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلًا فَلَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ أن يأتى أهله طروقا وفى الرواية الأخرى نَهَى أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنَهُمْ أَوْ يطلب عثراتهم أما قوله صلى الله عليه وسلم في الأخيرة يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ فَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ أَيْ فِي اللَّيْلِ وَالطُّرُوقُ بِضَمِّ الطَّاءِ هُوَ الْإِتْيَانُ فِي اللَّيْلِ وَكُلُّ آتٍ فِي اللَّيْلِ فَهُوَ طَارِقٌ وَمَعْنَى تَسْتَحِدُّ الْمُغِيبَةُ أَيْ تُزِيلُ شَعْرَ عَانَتِهَا وَالْمَغِيبَةُ الَّتِي غَابَ زَوْجُهَا وَالِاسْتِحْدَادُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْحَدِيدَةِ وَهِيَ الْمُوسَى وَالْمُرَادُ إِزَالَتُهُ كَيْفَ كَانَ وَمَعْنَى يَتَخَوَّنُهُمْ يَظُنُّ خِيَانَتَهُمْ وَيَكْشِفُ أَسْتَارَهُمْ وَيَكْشِفُ هَلْ خَانُوا أَمْ لَا وَمَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا أَنَّهُ يكوه لِمَنْ طَالَ سَفَرُهُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَيْلًا بَغْتَةً فَأَمَّا مَنْ كَانَ سَفَرُهُ قَرِيبًا تَتَوَقَّعُ امْرَأَتُهُ إِتْيَانَهُ لَيْلًا فَلَا بَأْسَ كَمَا قَالَ فِي إِحْدَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ وَإِذَا كَانَ فِي قَفْلٍ عَظِيمٍ أَوْ عَسْكَرٍ وَنَحْوِهِمْ وَاشْتُهِرَ قُدُومُهُمْ وَوُصُولُهُمْ وَعَلِمَتِ امْرَأَتُهُ وَأَهْلُهُ أَنَّهُ
(13/71)

قَادِمٌ مَعَهُمْ وَأَنَّهُمُ الْآنَ دَاخِلُونَ فَلَا بَأْسَ بِقُدُومِهِ مَتَى شَاءَ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى بِسَبَبِهِ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَتَأَهَّبُوا وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْدَمْ بَغْتَةً وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَا جَاءَ فِي

[715] الْحَدِيثِ الْآخِرِ أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ وَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا الدُّخُولَ فِي أَوَائِلِ النَّهَارِ بَغْتَةً فَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ لِيَبْلُغَ قُدُومُهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَتَأَهَّبَ النِّسَاءُ وَغَيْرُهُنَّ والله أعلم
(13/72)

(كِتَاب الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَمَا يُؤْكَلُ مِنْ الْحَيَوَانِ)
(بَاب الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ)
[1929] قَوْلُهُ (إنِّي أُرْسِلُ كِلَابِي الْمُعَلَّمَةَ إِلَى آخِرِهِ) مَعَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الِاصْطِيَادِ فِيهَا كُلِّهَا إِبَاحَةُ الِاصْطِيَادِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مُبَاحٌ لِمَنِ اصْطَادَ لِلِاكْتِسَابِ وَالْحَاجَةِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ بِالْأَكْلِ وَثَمَنِهِ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ اصْطَادَ لِلَّهْوِ وَلَكِنْ قَصَدَ تَذْكِيَتَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ الليث وبن عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّذْكِيَةِ فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ وَإِتْلَافُ نَفْسٍ عَبَثًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ قُلْتُ وَإِنْ قَتَلْنَ قَالَ وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا) وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى إِرْسَالِ الصَّيْدِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ عَلَى الصَّيْدِ وَعِنْدَ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْ سُنَّةٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَوْ تَرَكَهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا حَلَّ الصَّيْدُ وَالذَّبِيحَةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَحِلَّ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ فِي صَيْدِ الجوارح وهو مروى عن بن سِيرِينَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ وَالصَّيْدُ وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا
(13/73)

فَلَا وَعَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَالصَّحِيحُ الْكَرَاهَةُ وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وانه لفسق وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عليكم الميتة إلى قوله إلا ما ذكيتم فَأَبَاحَ بِالتَّذْكِيَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ وَلَا وُجُوبِهَا فَإِنْ قِيلَ التَّذْكِيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالتَّسْمِيَةِ قُلْنَا هِيَ فِي اللُّغَةِ الشَّقُّ وَالْفَتْحُ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لكم وَهُمْ لَا يُسَمُّونَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا فَنَأْكُلُ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمُّوا وَكُلُوا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ هِيَ الْمَأْمُورُ بِهَا عِنْدَ أَكْلِ كُلِّ طَعَامٍ وَشُرْبِ كُلِّ شَرَابٍ وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا مما لم يذكر اسم الله عليه أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب وما أهل به لغير الله ولأن الله تعالى قال وانه لفسق وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِفَاسِقٍ فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِيُجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآيَاتِ السَّابِقَاتِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَمَلَهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا لِلِاسْتِحْبَابِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ) فِي إِطْلَاقِهِ دَلِيلٌ لِإِبَاحَةِ الصَّيْدِ بِجَمِيعِ الْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ مِنَ الْأُسُودِ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وقال الحسن البصرى والنخعى وقتادة وأحمد واسحق لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ) فِيهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حِلِّ مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ الْمُرْسَلُ كَوْنُهُ كَلْبًا مُعَلَّمًا وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِرْسَالُ فَلَوْ أَرْسَلَ غَيْرَ مُعَلَّمٍ أَوِ اسْتُرْسِلَ الْمُعَلَّمُ بِلَا إِرْسَالٍ لَمْ يَحِلَّ مَا قَتَلَهُ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْمُعَلَّمُ إِذَا اسْتُرْسِلَ فَلَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْأَصَمِّ مِنْ إِبَاحَتِهِ وَإِلَّا مَا حكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَحِلُّ إِنْ كَانَ صَاحِبُهُ أَخْرَجَهُ لِلِاصْطِيَادِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِذَا شَارَكَهُ كَلْبٌ آخَرُ وَالْمُرَادُ كَلْبٌ آخَرٌ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ أَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ فَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا شَارَكَهُ كَلْبٌ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ عَلَى ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَّ قَوْلُهُ (قُلْتُ إِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ فَقَالَ إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وان أصابه
(13/74)

بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ الْمِعْرَاضُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ خَشَبَةٌ ثَقِيلَةٌ أَوْ عَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَالَ الْهَرَوِيُّ هُوَ سَهْمٌ لَا رِيشَ فِيهِ وَلَا نَصْلَ وَقَالَ بن دُرَيْدٍ هُوَ سَهْمٌ طَوِيلٌ لَهُ أَرْبَعُ قُذَذٍ رِقَاقٍ فَإِذَا رَمَى بِهِ اعْتَرَضَ وَقَالَ الْخَلِيلُ كَقَوْلِ الْهَرَوِيِّ وَنَحْوُهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَقِيلَ هُوَ عُودٌ رَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ غَلِيظُ الْوَسَطِ إِذَا رُمِيَ بِهِ ذَهَبَ مُسْتَوِيًا وَأَمَّا خَزَقَ فَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ وَمَعْنَاهُ نَفَذَ وَالْوَقْذُ وَالْمَوْقُوذُ هُوَ الَّذِي يُقْتَلُ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ مِنْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالْجَمَاهِيرِ أَنَّهُ إِذَا اصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ حَلَّ وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ يَحِلُّ مُطْلَقًا وَكَذَا قَالَ هؤلاء وبن أبى ليلى أنه يحل ما قتله بالبندقية وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ الجماهير لا يحل صيد البندقية مُطْلَقًا لِحَدِيثِ الْمِعْرَاضِ لِأَنَّهُ كُلَّهُ رَضٌّ وَوَقْذٌ وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ وَقِيذٌ أَيْ مَقْتُولٌ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ وَالْمَوْقُوذَةُ الْمَقْتُولَةُ بِالْعَصَا وَنَحْوِهَا وَأَصْلُهُ مِنَ الْكَسْرِ وَالرَّضِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مَنْعِ أَكْلِ مَا أَكَلَتْ مِنْهُ الْجَارِحَةُ وَجَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ كُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ إِذَا قَتَلَتْهُ الْجَارِحَةُ الْمُعَلَّمَةُ مِنَ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَأَكَلَتَ مِنْهُ فَهُوَ حَرَامٌ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ بن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحسن والشعبى
(13/75)

وَالنَّخَعِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ واسحق وأبو ثور وبن الْمُنْذِرِ وَدَاوُدُ وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وسلمان الفارسى وبن عُمَرَ وَمَالِكٌ يَحِلُّ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيِّ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَحَمَلُوا حَدِيثَ عَدِيٍّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ عَدِيٍّ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل فكلوا مما أمسكن عليكم وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُمْسَكْ عَلَيْنَا بَلْ عَلَى نفسه
(13/76)

وَقَدَّمُوا هَذَا عَلَى حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ لِأَنَّهُ أَصَحُّ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةِ عَلَى مَا إِذَا أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُ وَخَلَّاهُ وَفَارَقَهُ ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَهَذَا لَا يَضُرُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا جَوَارِحُ الطَّيْرِ إِذَا أَكَلَتْ مِمَّا صَادَتْهُ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالرَّاجِحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ تَحْرِيمُهُ وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ بِإِبَاحَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهَا ذَلِكَ بِخِلَافِ السِّبَاعِ وَأَصْحَابُنَا يَمْنَعُونَ هَذَا الدَّلِيلَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عليكم فَإِنَّمَا إِبَاحَتُهُ بِشَرْطِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ أُمْسِكَ عَلَيْنَا وَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ أَمْسَكَ لَنَا أَمْ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ إِبَاحَتِهِ وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ غَيْرِ الْمُحَدَّدِ مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ) مَعْنَاهُ إِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ الصَّيْدَ وَقَتْلَهُ إِيَّاهُ ذَكَاةٌ شَرْعِيَّةٌ بِمَنْزِلَةِ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْكَلْبُ لَكِنْ تَرَكَهُ وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَوْ بَقِيَتْ وَلَمْ يَبْقَ زَمَانٌ يُمَكِّنُ صَاحِبَهُ لِحَاقَهُ وَذَبْحَهُ فَمَاتَ حَلَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذَهُ قَوْلُهُ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَكَانَ لَنَا جَارًا وَدَخِيلًا وَرَبِيطًا بِالنَّهْرَيْنِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الدَّخِيلُ وَالدَّخَّالُ الَّذِي يُدَاخِلُ الْإِنْسَانَ وَيُخَالِطُهُ فِي أُمُورِهِ وَالرَّبِيطُ هُنَا بِمَعْنَى الْمُرَابِطِ وَهُوَ الْمُلَازِمُ وَالرِّبَاطُ الْمُلَازَمَةُ قَالُوا وَالْمُرَادُ هُنَا رَبْطُ نَفْسِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَعَنِ الدُّنْيَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
(13/77)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ وَجَبَ ذَبْحُهُ وَلَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ خلافه فباطل لاأظنه يَصِحُّ عَنْهُمَا وَأَمَّا إِذَا أَدْرَكَهُ وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِأَنْ كَانَ قَدْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمُرَّيْهِ أَوْ أَجَافَهُ أَوْ خَرَقَ أَمْعَاءَهُ أَوْ أَخْرَجَ حَشْوَتَهُ فَيَحِلُّ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَيُسْتَحَبُّ إِمْرَارُ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِهِ لِيُرِيحَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ) فِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ مُهِمَّةٍ وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الشَّكُّ فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ لِلْحَيَوَانِ لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُهُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَذَكَّاهُ حَلَّ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ اشْتَرَكَ فِي إِمْسَاكِهِ كَلْبُهُ وَكَلْبُ غَيْرِهِ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ حِينَئِذٍ فِي الْإِبَاحَةِ عَلَى تَذْكِيَةِ الْآدَمِيِّ لَا عَلَى إِمْسَاكِ الْكَلْبِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْإِبَاحَةُ بِإِمْسَاكِ الْكَلْبِ إِذَا قَتَلَهُ وَحِينَئِذٍ إِذَا كَانَ مَعَهُ كَلْبٌ آخَرُ لَمْ يَحِلَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ غَابَ عَنْكَ
(13/78)

يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ) هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إِذَا أَثَّرَ جُرْحُهُ فَغَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مَيْتًا وَلَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ غَيْرُ سَهْمِهِ حَلَّ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي الصَّيْدِ وَالسَّهْمِ وَالثَّانِي يَحْرُمُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ فِي الْكَلْبِ دُونَ السَّهْمِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَقْرَبُ إِلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُخَالِفَةُ لَهُ فَضَعِيفَةٌ وَمَحْمُولَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَكَذَا الأثر عن بن عَبَّاسٍ كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ أَيْ كُلْ مَا لَمْ يَغِبْ عَنْكَ دُونَ مَا غَابَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ) هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ

[1930] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ (إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا) هَكَذَا رَوَى هَذَا
(13/79)

الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا قَدْ يُقَالُ هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ إِذَا غُسِلَتْ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا بَعْدَ الْغُسْلِ سَوَاءٌ وُجِدَ غَيْرُهَا أَمْ لَا وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ اسْتِعْمَالِهَا إِنْ وُجِدَ غَيْرُهَا وَلَا يَكْفِي غَسْلُهَا فِي نَفْيِ الْكَرَاهَةِ وَإِنَّمَا يَغْسِلُهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ فِي آنِيَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَطْبُخُونَ فِيهَا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْأَكْلِ فِيهَا بَعْدَ الْغَسْلِ لِلِاسْتِقْذَارِ وَكَوْنِهَا مُعْتَادَةً لِلنَّجَاسَةِ كَمَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ فِي الْمِحْجَمَةِ الْمَغْسُولَةِ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَمُرَادُهُمْ مُطْلَقُ آنِيَةِ الْكُفَّارِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي النَّجَاسَاتِ فَهَذِهِ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهَا قَبْلَ غَسْلِهَا فَإِذَا غُسِلَتْ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ وَلَيْسَ فِيهَا اسْتِقْذَارٌ وَلَمْ يُرِيدُوا نَفْيَ الْكَرَاهَةِ عَنْ آنِيَتِهِمُ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ) هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يحل
(13/80)

لا بذكاة

[1931] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ) هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ أَوَّلُ عَوْدِ سَمَاعِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُفْيَانَ مِنْ مُسْلِمٍ وَالَّذِي قَبْلَهُ هُوَ آخِرُ فَوَاتِهِ الثَّالِثُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِي الْكِتَابِ فَوَاتٌ بَعْدَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ) وَفِي رِوَايَةٍ فِيمَنْ يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ هَذَا النَّهْيُ عن أكله للنتن محمول على التنزيه لا على التحريم وكذا سائر اللحوم والأطعمة المنتنة يكره أكلها وَلَا يَحْرُمُ إِلَّا أَنْ يُخَافَ مِنْهَا الضَّرَرُ خَوْفًا مُعْتَمَدًا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَحْرُمُ اللَّحْمُ المنتن وهو ضعيف والله أعلم
(13/81)

(باب تحريم أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذى مخلب من الطير)

[1932] قَوْلُهُ (نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ) الْمِخْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمِخْلَبُ لِلطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ بِمَنْزِلَةِ الظُّفُرِ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وَقَالَ
(13/82)

مَالِكٌ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُرَادُ بِذِي النَّابِ مَا يُتَقَوَّى بِهِ وَيُصْطَادُ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَةَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالُوا وَالْآيَةُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُحَرَّمًا إِلَّا الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ

[1933] قَوْلُهُ (عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سفيان) هو بفتح العين
(13/83)

وكسر الياء

[1934] قوله (عن ميمون بن مهران عن بن عَبَّاسٍ) هَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ مَيْمُونٍ مِنَ بن عَبَّاسٍ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا قَدْ يُخَالِفُ هَذَا

(باب اباحة ميتات البحر)

[1935] قَوْلُهُ (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ) فِيهِ أَنَّ الْجُيُوشَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَمِيرٍ يَضْبِطُهَا وَيَنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ أَفْضَلَهُمْ أَوْ مِنْ أَفْضَلِهِمْ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ لِلرُّفْقَةِ مِنَ النَّاسِ وَإِنْ قَلُّوا أَنْ يُؤَمِّرُوا بَعْضَهُمْ عَلَيْهِمْ وَيَنْقَادُوا لَهُ قَوْلُهُ (نَتَلَقَّى عَيرًا لِقُرَيْشٍ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْعَيرَ هِيَ الْإِبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ صَدِّ أَهْلِ الْحَرْبِ وَاغْتِيَالِهِمْ وَالْخُرُوجِ لِأَخْذِ مَالِهِمْ وَاغْتِنَامِهِ قَوْلُهُ (وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ) أَمَّا الْجِرَابُ فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا الْكَسْرُ أَفْصَحُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَنَمُصُّهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَسَبَقَ بَيَانُ لُغَاتِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَفِي هَذَا بَيَانُ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَالصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى الْغَزْوِ مع هذا الْحَالِ قَوْلُهُ (وَزَوَّدَنَا جِرَابًا لَمْ يَجِدْ لَنَا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة
(13/84)

وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْنُ نَحْمِلُ أَزْوَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا وَفِي رِوَايَةٍ فَفَنِيَ زَادُهُمْ فَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ زَادَهُمْ فِي مِزْوَدٍ فَكَانَ يقوتنا حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة وفى الموطأ ففنى زادهم وكان مزودى تمرا وَكَانَ يُقَوِّتُنَا حَتَّى كَانَ يُصِيبُنَا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِمُسْلِمٍ كَانَ يُعْطِينَا قَبْضَةً قَبْضَةً ثُمَّ أَعْطَانَا تَمْرَةً تَمْرَةً قَالَ الْقَاضِي الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّدَهُمُ الْمِزْوَدَ زَائِدًا عَلَى مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الزَّادِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَغَيْرِهَا مِمَّا وَاسَاهُمْ بِهِ الصَّحَابَةُ وَلِهَذَا قَالَ وَنَحْنُ نَحْمِلُ أَزْوَادَنَا قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يكُنْ فِي زَادِهِمْ تَمْرٌ غَيْرُ هَذَا الْجِرَابِ وَكَانَ مَعَهُمْ غَيْرُهُ مِنَ الزَّادِ وَأَمَّا إِعْطَاءُ أَبِي عُبَيْدَةَ إِيَّاهُمْ تَمْرَةً تَمْرَةً فإنما كان فى الحال الثانى بَعْدَ أَنْ فَنِيَ زَادُهُمْ وَطَالَ لُبْثُهُمْ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَعْنَاهَا الْإِخْبَارُ عَنْ آخِرِ الْأَمْرِ لَا عَنْ أَوَّلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَمْرَةً تَمْرَةً إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَنْ قَسَمَ عَلَيْهِمْ قَبْضَةً قَبْضَةً فَلَمَّا قَلَّ تَمْرُهُمْ قَسَمَهُ عَلَيْهِمْ تَمْرَةً تَمْرَةً ثُمَّ فرغ وفقدوا التمرة ووجدوا أَلَمًا لِفَقْدِهَا وَأَكَلُوا الْخَبَطَ إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْعَنْبَرِ قَوْلُهُ (فَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ زَادَنَا فِي مِزْوَدٍ فَكَانَ يُقَوِّتُنَا) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَهُ بِرِضَاهُمْ وَخَلَطَهُ لِيُبَارَكَ لَهُمْ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ وَكَمَا كَانَ الْأَشْعَرِيُّونَ يَفْعَلُونَ وَأَثْنَى عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ يُسْتَحَبُّ لِلرُّفْقَةِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ خَلْطُ أَزْوَادِهِمْ لِيَكُونَ أبرك وأحسن فى العشرة وأن لا يَخْتَصَّ بَعْضُهُمْ بِأَكْلٍ دُونَ بَعْضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ الرَّمْلُ الْمُسْتَطِيلُ الْمُحْدَوْدَبُ
قَوْلُهُ (فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَيْتَةٌ ثُمَّ قَالَ بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وقد اضطررتم فكلوا فأقما عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا) وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ
(13/85)

أَنَّهُمْ تَزَوَّدُوا مِنْهُ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ حِينَ رَجَعُوا هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا قَالَ فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَأَكَلَهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهَ عَنْهُ قَالَ أَوَّلًا بِاجْتِهَادِهِ إِنَّ هَذَا مَيْتَةٌ وَالْمَيْتَةُ حَرَامٌ فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَكْلُهَا ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَقَالَ بَلْ هُوَ حَلَالٌ لَكُمْ وَإِنْ كَانَ مَيْتَةً لِأَنَّكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَيْتَةَ لِمَنْ كَانَ مُضْطَرًّا غَيْرَ بَاغٍ ولاعاد فَكُلُوا فَأَكَلُوا مِنْهُ وَأَمَّا طَلَبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لَحْمِهِ وَأَكْلِهِ ذَلِكَ فإنما أراد به المبالغة فى تطيب نفوسهم فى حله وأن لَا شَكَّ فِي إِبَاحَتِهِ وَأَنَّهُ يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِهِ لِكَوْنِهِ طُعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خَارِقَةً لِلْعَادَةِ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهَا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُؤَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ وَمَتَاعِهِ إِدْلَالًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ السُّؤَالِ الْمَنْهِيِّ عنه انما ذلك فى حق الأجانب للتمول ونحو وَأَمَّا هَذِهِ فَلِلْمُؤَانَسَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالْإِدْلَالِ وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَجُوزُ بَعْدَهُ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَعَاطَى بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يَشُكُّ فِيهَا الْمُسْتَفْتِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُفْتِي وَكَانَ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلْمُسْتَفْتِي وَفِيهِ إِبَاحَةُ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ كُلِّهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا مَاتَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِاصْطِيَادٍ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَةِ السَّمَكِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَحْرُمُ الضُّفْدَعُ لِلْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا قَالُوا وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أصح يَحِلُّ جَمِيعُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَالثَّانِي لَا يَحِلُّ وَالثَّالِثُ يَحِلُّ مَا لَهُ نَظِيرٌ مَأْكُولٌ فِي الْبَرِّ دُونَ مَا لَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ فَعَلَى هَذَا تُؤْكَلُ خَيْلُ الْبَحْرِ وَغَنَمُهُ وَظِبَاؤُهُ دُونَ كَلْبِهِ وَخِنْزِيرِهِ وَحِمَارِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحِمَارُ وَإِنْ كان فى البر مَأْكُولٌ وَغَيْرُهُ وَلَكِنَّ الْغَالِبَ غَيْرُ الْمَأْكُولِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَمِمَّنْ قَالَ بِإِبَاحَةِ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ إِلَّا الضُّفْدَعَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وعثمان وبن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَبَاحَ مَالِكٌ الضُّفْدَعَ وَالْجَمِيعَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ غَيْرُ السمك وأما السمك الطافئ وَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْبَحْرِ بِلَا سَبَبٍ فَمَذْهَبُنَا إِبَاحَتُهُ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وأبو أيوب وعطاء مكحول وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَطَاوُسٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ دَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ قال بن عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ صَيْدُهُ مَا صِدْتُمُوهُ وَطَعَامُهُ مَا قَذَفَهُ وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا وَبِحَدِيثِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَبِأَشْيَاءَ مَشْهُورَةٍ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ وَجَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ وما مات فيه فطفا فلا
(13/86)

تأكلوا فحديث ضيعف بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لو لم يعارضه شئ كيف وهو معارض بما ذكرنا وَقَدْ أَوْضَحْتُ ضَعْفَ رِجَالِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْعَنْبَرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُضْطَرِّينَ قُلْنَا الِاحْتِجَاجُ بِأَكْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلُهُ (ولقد رأيتنا تغترف مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ) أَمَّا الْوَقْبُ فبفتح الواو واسكان القاف والباء الموحدة وهو داخل عينه ونقرتها والقلال بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قُلَّةٍ بِضَمِّهَا وَهِيَ الْجَرَّةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي يُقِلُّهَا الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ يحملها والفدر بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ هِيَ الْقِطَعُ وَقَوْلُهُ كَقَدْرِ الثَّوْرِ رَوَيْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا أَحَدُهُمَا بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ دَالٍ سَاكِنَةٍ أَيْ مِثْلُ الثَّوْرِ وَالثَّانِي كَفِدَرِ بِفَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ دَالٍ مَفْتُوحَةٍ جَمْعُ فِدْرَةٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَأَنَّ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ قَوْلُهُ (ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ جَعَلَ عليه رحلا قوله (وتوزدنا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ اللَّحْمُ يُؤْخَذُ فَيُغْلَى اعلاء ولا ينضج
(13/87)

وَيُحْمَلُ فِي الْأَسْفَارِ يُقَالٍ وَشَقْتُ اللَّحْمَ فَاتَّشَقَ وَالْوَشِيقَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ وَالْجَمْعُ وَشَائِقُ وَوُشُقٌ وَقِيلَ الوشيق الْقَدِيدُ قَوْلُهُ (ثَابَتْ أَجْسَامِنَا) أَيْ رَجَعَتْ إِلَى القوة قوله (فيأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فتصبه) كذا هو فى النسخ فتصبه وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَأَقَامَهَا فَأَنَّثَهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَوَجْهُ التَّذْكِيرِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْعُضْوَ قَوْلُهُ (وَجَلَسَ فِي حَجَاجِ عَيْنِهِ نَفَرٌ) هُوَ بِحَاءٍ ثُمَّ جِيمٍ مُخَفَّفَةٍ وَالْحَاءُ مَكْسُورَةٌ وَمَفْتُوحَةٌ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَهُوَ بِمَعْنَى وَقْبِ عَيْنِهِ الْمَذْكُورِ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَقَدْ شَرَحْنَاهُ قَوْلُهُ (إِنَّ رَجُلًا نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ ثَلَاثًا ثُمَّ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ) وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَحَرَ الْجَزَائِرَ هُوَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عبادة رضى الله قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى (فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ وَفِي الثَّالِثَةِ فَأَكَلَ مِنْهَا الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ مَنْ رَوَى شَهْرًا هُوَ الْأَصْلُ وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَمَنْ رَوَى دُونَهُ لَمْ يَنْفِ الزِّيَادَةَ وَلَوْ نَفَاهَا قَدَّمَ الْمُثْبَتَ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّاتٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الزِّيَادَةِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ كَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهُ فَوَجَبَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَجَمَعَ الْقَاضِي بينهما
(13/88)

بِأَنَّ مَنْ قَالَ نِصْفَ شَهْرٍ أَرَادَ أَكَلُوا مِنْهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ طَرِيًّا وَمَنْ قَالَ شَهْرًا أراد قَدَّدُوهُ فَأَكَلُوا مِنْهُ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ قَدِيدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (سِيفُ الْبَحْرِ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وإسكان المثناة تحت وهو ساحله كما قاله فِي الرِّوَايَتَيْنِ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَذَكَرَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَخْبَرْنَا أَبُو الْمُنْذِرِ الْقَزَّازُ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا الْقَزَّازُ بِالْقَافِ وَفِي أَكْثَرِهَا الْبَزَّازُ بِالْبَاءِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ وَالْأَشْهَرُ بِالْقَافِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ وَآخَرُونَ وَذَكَرَهُ خَلَفُ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِالْبَاءِ عَنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَكِنْ عَلَيْهِ تَضْبِيبٌ فَلَعَلَّهُ يُقَالُ بالوجهين فالقزاز بزاز وأبو المنذر هذا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ الْمُثَنَّى كَذَا سماه أحمد بن حنبل فيما ذكره بن أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ وَاقْتَصَرَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ صَدُوقٌ وَأَمَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِالْكِتَابَةِ عنه وهو من أفراد مسلم
(13/89)

(باب تحريم أكل لحم الحمر الانسية)

[1407] قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) أَمَّا الْإِنْسِيَّةُ فَبِإِسْكَانِ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا وَسَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَشَرْحُ أَحَادِيثِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَأَمَّا الْحُمُرُ الْإِنْسِيَّةُ فَقَدْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِهَا وَفِي رِوَايَةٍ

[1936] حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
(13/90)

وَسَلَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَفِي رِوَايَاتٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ الْقُدُورَ تَغْلِي فَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا وَقَالَ لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا شَيْئًا وَفِي رِوَايَةٍ نُهِينَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ أَو ذَاكَ

[1940] وَفِي رِوَايَةٍ نَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا فَإِنَّهُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةٍ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْجَمَاهِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومِهَا لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وقال بن عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَشْهَرُهَا أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ شَدِيدَةً وَالثَّانِيَةُ حَرَامٌ وَالثَّالِثَةُ مُبَاحَةٌ وَالصَّوَابُ التَّحْرِيمُ كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شئ أطعم أهلى إلا شئ مِنْ حُمُرٍ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنَا السَّنَةُ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا سِمَانَ حُمُرٌ وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ يَعْنِي بِالْجَوَّالِ
(13/91)

الَّتِي تَأْكُلُ الْجُلَّةَ وَهِيَ الْعَذِرَةُ فَهَذَا الْحَدِيثُ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلَفُ الْإِسْنَادِ شَدِيدُ الِاخْتِلَافِ وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ والله أعلم قوله

[1937] (نادى أن اكفؤا الْقُدُورَ) قَالَ الْقَاضِي ضَبَطْنَاهُ بِأَلِفِ الْوَصْلِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ كَفَأْتُ ثُلَاثِيٌ وَمَعْنَاهُ قَلَبْتُ قَالَ وَيَصِحُّ قَطْعُ الْأَلِفِ وَكَسْرُ الْفَاءِ مِنْ أَكْفَأْتُ رُبَاعِيٌّ وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ أهل اللغة منهم الخليل والكسائى وبن
(13/92)

السكيت وبن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ يُقَالُ كَفَأْتُ وَلَا يُقَالُ أَكْفَأْتُ بِالْأَلِفِ قَوْلُهُ (لُحُومُ الْحُمُرِ نِيئَةٌ وَنَضِيجَةٌ) هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْهَمْزِ أَيْ غَيْرُ مَطْبُوخَةٍ

[1939] قَوْلُهُ (كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيِ الَّذِي يَحْمِلُ مَتَاعَهَمْ

[1802] قَوْلُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قُدُورِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ أَوْ ذَاكَ) هَذَا صريح فى
(13/93)

نَجَاسَتِهَا وَتَحْرِيمِهَا وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فَإِنَّهَا رِجْسٌ وَفِي الْأُخْرَى رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ وَفِيهِ وُجُوبُ غَسْلِ مَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ وَأَنَّ الْإِنَاءَ النَّجِسَ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى سَبْعٍ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ يَجِبُ سَبْعٌ فِي الْجَمِيعِ عَلَى أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ وَيَصْدُقُ ذَلِكَ عَلَى مَرَّةٍ وَلَوْ وَجَبَتِ الزِّيَادَةُ لَبَيَّنَهَا فَإِنَّ فِي الْمُخَاطَبِينَ مَنْ هُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ لَا يَفْهَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ إِلَّا مُقْتَضَاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَرَّةٌ وَأَمَّا أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا بِكَسْرِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ بِوَحْيٍ أَوْ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ نُسِخَ وَتَعَيَّنَ الْغَسْلُ وَلَا يَجُوزُ الْيَوْمَ الْكَسْرُ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ مَالٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غُسِلَ الْإِنَاءُ النَّجِسُ فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(13/94)

(باب إباحة أكل لحم الْخَيْلِ)
[1941] قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَابِرٌ أَكَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ وَنَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ

[1942] وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وفضالة بن عبيد وأنس بن مالك وأسماء بنت أَبِي بَكْرٍ وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعَطَاءٌ وَشُرَيْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ وَدَاوُدُ وَجَمَاهِيرُ المحدثين وغيرهم وكرهها طائفة منهم بن عَبَّاسٍ وَالْحَكَمُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْثَمُ بِأَكْلِهِ وَلَا يُسَمَّى حَرَامًا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَكْلَ وَذَكَرَ الْأَكْلَ مِنَ الْأَنْعَامِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبِحَدِيثِ صَالِحِ بْنِ يحيى بن المقدم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ
(13/95)

وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو داود والنسائى وبن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْسُوخٌ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّالِ بِالْحَاءِ الْحَافِظِ قال هذا حديث ضعيف قال ولايعرف صالح بن يحيى ولاأبوه وَقَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا إِسْنَادٌ مُضْطَرِبٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ قَالَ وَصَالِحُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ وَقَالَ النَّسَائِيُّ حَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ قَالَ وَيُشْبِهُ إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَبِأَحَادِيثَ أُخَرَ صَحِيحَةٍ جَاءَتْ بِالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي النَّهْيِ حَدِيثٌ وَأَمَّا الْآيَةُ فَأَجَابُوا عَنْهَا بِأَنَّ ذِكْرَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ فَإِنَّمَا خُصَّ هَذَانِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْخَيْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير فَذَكَرَ اللَّحْمَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَقْصُودِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وَدَمِهِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ قَالُوا وَلِهَذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ وتحمل أثقالكم وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ هَذَا تَحْرِيمُ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (نَحَرْنَا فَرَسًا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ذَبَحْنَا فَرَسًا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ نَحَرْنَا كَمَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ فَمَرَّةً نَحَرُوهَا وَمَرَّةً ذَبَحُوهَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَضِيَّةً وَاحِدَةً وَيَكُونَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ مَجَازًا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَتِ الْحَقِيقَةُ وَالْحَقِيقَةُ غَيْرُ مُتَعَذِّرَةٍ بَلْ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ وَهِيَ
(13/96)

أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُ الْمَنْحُورِ وَنَحْرُ الْمَذْبُوحِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ مُخَالِفًا الْأَفْضَلَ وَالْفَرَسُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ إِبَاحَةِ الضَّبِّ ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ

[1943] أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الضَّبِّ لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا مُحَرِّمِهِ وَفِي رِوَايَاتٍ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَفِي رِوَايَةٍ

[1944] أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي وَفِي رِوَايَةٍ

[1945]

[1946] أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَهُ مِنْهُ فَقِيلَ أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ فَأَكَلُوهُ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ مَعْنَى أَعَافُهُ أَكْرَهُهُ تَقَذُّرًا وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبَّ حَلَالٌ لَيْسَ بمكروه إلا)
(13/97)

مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَرَاهَتِهِ وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا هُوَ
(13/98)

حَرَامٌ وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ وَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَدٍ فَمَحْجُوجٌ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (ضَبٌّ مَحْنُوذٌ) أَيْ مَشْوِيٌّ وَقِيلَ الْمَشْوِيُّ عَلَى الرَّضْفِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ قَوْلُهُ (إِنَّ خَالِدًا أَخَذَ الضَّبَّ فَأَكَلَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ) هَذَا مِنْ بَابِ الْإِدْلَالِ وَالْأَكْلِ مِنْ بَيْتِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ الَّذِي لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ وَخَالِدٌ أَكَلَ هَذَا فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ وَبَيْتِ صَدِيقِهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْذَانٍ لَا سِيَّمَا وَالْمُهْدِيَةُ خَالَتُهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ جَبْرَ قَلْبِ خَالَتِهِ أُمِّ حُفَيْدٍ الْمُهْدِيَةِ قَوْلُهُ فِي مَيْمُونَةَ

[1946] (وهى خالته وخالة بن عَبَّاسٍ) يَعْنِي خَالَةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَخَالَةَ بن عباس وأم خالد لبابة الصغرى وأم بن عَبَّاسٍ لُبَابَةُ الْكُبْرَى وَمَيْمُونَةُ وَأُمُّ حُفَيْدٍ كُلُّهُنَّ أَخَوَاتٌ وَالِدُهُنَّ الْحَارِثُ قَوْلُهُ (قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حفيدة) وفى الرواية الأخر أُمُّ حُفَيْدٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُمُّ حُفَيْدَةَ بالهاء
(13/99)

وَفِي بَعْضِهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ النَّضْرِ أُمُّ حُمَيْدٍ وَفِي بَعْضِهَا حُمَيْدَةُ وَكُلُّهُ بِضَمِّ الْحَاءِ مُصَغَّرٌ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَالْأَصْوَبُ وَالْأَشْهَرُ أُمُّ حُفَيْدٍ بِلَا هَاءٍ وَاسْمُهَا هُزَيْلَةُ وكذا ذكرها بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ) كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ
(13/100)

النُّسَخِ النِّسْوَةُ الْحُضُورُ

[1947] قَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَهُوَ إِقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْءَ وَسُكُوتُهُ عَلَيْهِ إِذَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ يَكُونُ دَلِيلًا لِإِبَاحَتِهِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ أَذَنْتُ فِيهِ وَأَبَحْتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْكُتُ عَلَى بَاطِلٍ وَلَا يُقِرُّ مُنْكَرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1948] قَوْلُهُ (دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ) يَعْنِي رَجُلًا تَزَوَّجَ قَرِيبًا وَالْعَرُوسُ يَقَعُ عَلَى
(13/101)

الْمَرْأَةِ وَعَلَى الرَّجُلِ قَوْلُهُ (قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خِوَانٌ) هُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ والجمع أخونة وخون وليس الْمُرَادُ بِهَذَا الْخِوَانِ مَا نَفَاهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي قَوْلِهِ مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ بَلْ شَيْءٌ مِنْ نَحْوِ السُّفْرَةِ

[1951] قَوْلُهُ إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ) فِيهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا فَتْحُ الْمِيمِ وَالضَّادِ وَالثَّانِيَةُ ضَمُّ الْمِيمِ وَكَسْرُ الضَّادِ والأول أشهر
(13/102)

وَأَفْصَحُ أَيْ ذَاتُ ضِبَابٍ كَثِيرَةٍ قَوْلُهُ (إِنِّي فِي غَائِطِ مُضِبَّةٍ) الْغَائِطُ الْأَرْضُ الْمُطَمْئِنَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ) أَمَّا يَدِبُّونَ فَبِكَسْرِ الدَّالِ وَأَمَّا دَوَابُّ فَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِهَا دَوَابًّا بِالْأَلِفِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْجَارِي عَلَى الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب إِبَاحَةِ الْجَرَادِ)
[1952] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) هُوَ بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ وَهُوَ أَبُو يَعْفُورٍ الْأَصْغَرُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ وَأَمَّا أَبُو يَعْفُورٍ الْأَكْبَرُ فَيُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ ويقال وقدان وَسَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَكِتَابِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ) فِيهِ إِبَاحَةُ الْجَرَادِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَتِهِ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ يَحِلُّ سَوَاءٌ مَاتَ بِذَكَاةٍ أَوْ بِاصْطِيَادِ مُسْلِمٍ أَوْ مَجُوسِيٍّ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ سَوَاءٌ قُطِعَ بعضه
(13/103)

أَوْ أُحْدِثَ فِيهِ سَبَبٌ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ إِلَّا إِذَا مَاتَ بِسَبَبٍ بِأَنْ يُقْطَعَ بَعْضُهُ أَوْ يُسْلَقَ أَوْ يُلْقَى فِي النَّارِ حَيًّا أَوْ يُشْوَى فَإِنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ فِي وِعَاءٍ لَمْ يَحِلَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب إِبَاحَةِ الْأَرْنَبِ)
[1953] قَوْلُهُ (فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَوْا عَلَيْهِ فَلَغَبُوا) مَعْنَى اسْتَنْفَجْنَا أَثَرْنَا وَنَفَرْنَا وَمَرُّ الظَّهْرَانِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالظَّاءِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ قَوْلُهُ (فَلَغَبُوا) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِي اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ وَفِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ بِكَسْرِهَا حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفُوهَا أَيْ أَعْيَوْا وَأَكْلُ الْأَرْنَبِ
(13/104)

حَلَالٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وبن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمَا كَرِهَاهَا دَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ أَحَادِيثَ مِثْلِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي النهى عنها شئ

(بَاب إِبَاحَةِ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الِاصْطِيَادِ والعدو وكراهة الخذف ذُكِرَ فِي الْبَابِ

[1954] النَّهْيُ عَنِ الْخَذْفِ لِكَوْنِهِ لَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَكِنْ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ أَمَّا الْخَذْفُ فَبِالْخَاءِ وَالذَّالِ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ رَمْيُ الْإِنْسَانِ بِحَصَاةٍ أَوْ نواة ونحوهما يجعلها بين أصبعيه السبابتين أوالابهام وَالسَّبَّابَةِ وَقَوْلُهُ (يَنْكَأُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَبِالْهَمْزِ فِي آخره هكذا هو فى)
(13/105)

الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ الْقَاضِي كَذَا رَوَيْنَاهُ قَالَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَنْكِي بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ غَيْرِ مَهْمُوزٍ قَالَ الْقَاضِي وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَكَأْتُ الْقُرْحَةَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ إِلَّا عَلَى تَجَوُّزٍ وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ النِّكَايَةِ يُقَالُ نَكَيْتُ الْعَدُوَّ وَأَنْكَيْتُهُ نِكَايَةً وَنَكَأْتُ بِالْهَمْزِ لُغَةٌ فِيهِ قَالَ فَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ تَتَوَجَّهُ رِوَايَةُ شُيُوخِنَا وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ مَهْمُوزٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الْخَذْفِ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ وَيُخَافُ مَفْسَدَتُهُ وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي هَذَا وَفِيهِ أَنَّ مَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَوْ حَاجَةٌ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ وَتَحْصِيلِ الصَّيْدِ فَهُوَ جَائِزٌ وَمِنْ ذَلِكَ رَمْيُ الطُّيُورِ الْكِبَارِ بِالْبُنْدُقِ إِذَا كَانَ لَا يَقْتُلُهَا غَالِبًا بَلْ تُدْرَكُ حَيَّةً وَتُذَكَّى فَهُوَ جَائِزٌ قَوْلُهُ (أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف ثم تخذف لاأكلمك أَبَدًا) فِيهِ هِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُسُوقِ وَمُنَابِذِي السُّنَّةِ مَعَ الْعِلْمِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ هِجْرَانُهُ دَائِمًا وَالنَّهْيُ عَنِ الْهِجْرَانِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسِهِ وَمَعَايِشِ الدُّنْيَا وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَنَحْوُهُمْ فَهِجْرَانُهُمْ دَائِمًا وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُؤَيِّدُهُ مَعَ نَظَائِرَ لَهُ كَحَدِيثِ كعب بن مالك وغيره

(باب الأمر باحسان الدبح والقتل وتحديد الشفرة)

[1955] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ كتب الاحسان على كل شئ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ
(13/106)

فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) أَمَّا الْقِتْلَةُ فَبِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ وَالْحَالَةُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ فَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ أَوْ أكثرها فأحسنوا الذبح بفتح الذال بغيرها وَفِي بَعْضِهَا الذِّبْحَةَ بِكَسْرِ الذَّالِ وَبِالْهَاءِ كَالْقِتْلَةِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ وَالْحَالَةُ أَيْضًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلْيُحِدَّ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ يُقَالُ أَحَدَّ السِّكِّينَ وَحَدَّدَهَا وَاسْتَحَدَّهَا بِمَعْنًى وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ بِإِحْدَادِ السِّكِّينِ وَتَعْجِيلِ إِمْرَارِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ أن لا يحد السكين بحضرة الذبيحة وأن لا يَذْبَحَ وَاحِدَةً بِحَضْرَةِ أُخْرَى وَلَا يَجُرَّهَا إِلَى مَذْبَحِهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ عَامٌّ فِي كُلِّ قَتِيلٍ مِنَ الذَّبَائِحِ وَالْقَتْلُ قِصَاصًا وَفِي حَدٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْجَامِعَةِ لِقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أعلم

(باب النهى عن صبر البهائم وهو حبسها لتقتل برمى ونحوه)

[1956] قَوْلُهُ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ) وَفِي
(13/107)

[1957] رِوَايَةٍ لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا قَالَ الْعُلَمَاءُ صَبْرُ الْبَهَائِمِ أَنْ تُحْبَسَ وَهِيَ حَيَّةٌ لِتُقْتَلَ بِالرَّمْيِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ مَعْنَى لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا أَيْ لَا تَتَّخِذُوا الْحَيَوَانَ الْحَيَّ غَرَضًا تَرْمُونَ إِلَيْهِ كَالْغَرَضِ مِنَ الْجُلُودِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي

[1958] رِوَايَةِ بن عُمَرَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَإِتْلَافٌ لِنَفْسِهِ وَتَضْيِيعٌ لِمَالِيَّتِهِ وَتَفْوِيتٌ لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ مُذَكًّى وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى قَوْلُهُ (نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ طَيْرًا وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْوَاحِدَ يُقَالُ لَهُ طَائِرٌ وَالْجَمْعُ طَيْرٌ وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ إِطْلَاقُ الطَّيْرِ عَلَى الْوَاحِدِ وَهَذَا الْحَدِيثُ جَارٍ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ قَوْلُهُ (وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نبلهم
(13/108)

هُوَ بِهَمْزِ خَاطِئَةٍ أَيْ مَا لَمْ يُصِبِ الْمَرْمَى وَقَوْلُهُ خَاطِئَةٍ لُغَةٌ وَالْأَفْصَحُ مُخْطِئَةٌ يُقَالُ لِمَنْ قَصَدَ شَيْئًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ غَلَطًا أَخْطَأَ فهو مخطىء وفى لغة قليلة خطأ فَهُوَ خَاطِئٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ جَاءَ عَلَى اللُّغَةِ الثَّانِيَةِ حَكَاهَا أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(كِتَابُ الْأَضَاحِي)
(بَابُ وَقْتِهَا)
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ أُضْحِيَةٌ وَإِضْحِيَةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَجَمْعُهَا أَضَاحِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَاللُّغَةُ الثَّالِثَةُ ضَحِيَّةٌ وَجَمْعُهَا ضَحَايَا وَالرَّابِعَةُ أَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجَمْعُ أَضْحَى كَأَرْطَاةٍ وَأَرْطَى وَبِهَا سُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ سميت بذلك لأنها تفعل فى الأضحى وَهُوَ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ وَفِي الْأَضْحَى لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ لُغَةُ قَيْسٍ وَالتَّأْنِيثُ لُغَةُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ
(13/109)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1960] (مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلِ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ نُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى اسْمِ اللَّهِ قَالَ الْكُتَّابُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إِذَا قِيلَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَيَّنَ كَتْبُهُ بِالْأَلِفِ وَإِنَّمَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا كُتِبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِكَمَالِهَا وَقَوْلُهُ قَبْلِ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ نُصَلِّيَ الْأَوَّلُ بِالْيَاءِ وَالثَّانِي بِالنُّونِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الْمُوسِرِ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ هِيَ سُنَّةٌ فِي حَقِّهِ إِنْ تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَبُو بكر الصديق وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبِلَالٌ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وبن الْمُنْذِرِ وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ رَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُوسِرِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُوسِرِ إِلَّا الْحَاجَّ بِمِنًى وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ بِالْأَمْصَارِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُوجِبُهَا عَلَى مُقِيمٍ يملك نصابا والله أعلم وَأَمَّا وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْبَحَهَا بَعْدَ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ وَحِينَئِذٍ تجْزِيهِ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ بن المنذر وأجمعوا أنها لاتجوز قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بعد ذلك فقال الشافعى وداود وبن الْمُنْذِرِ وَآخَرُونَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَمَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتَيْنِ فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ صَلَّى الْإِمَامُ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ صَلَّى الضُّحَى أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْبَوَادِي وَالْمُسَافِرِينَ وَسَوَاءٌ ذَبَحَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ أَمْ لَا وَقَالَ عَطَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْقُرَى وَالْبَوَادِي إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَلَا يَدْخُلُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْأَمْصَارِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ وَيَخْطُبَ فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَخُطْبَتِهِ وَذَبْحِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَيَجُوزُ بَعْدَهَا قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ أَهْلُ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَنَحْوُهُ عن الحسن
(13/110)

والأوزاعى واسحق بْنِ رَاهَوَيْهِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا يَجُوزُ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ خُطْبَتِهِ وَفِي أَثْنَائِهَا وَقَالَ رَبِيعَةُ فِيمَنْ لَا إِمَامَ لَهُ إِنْ ذَبَحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا يُجْزِيهِ وَبَعْدَ طُلُوعِهَا يُجْزِيهِ وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجُوزُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب وجبير بن مطعم وبن عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَسَدِيُّ فَقِيهُ أَهْلِ الشَّامِ وَمَكْحُولٌ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ تَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وعلى وبن عُمَرَ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ تَجُوزُ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ يَوْمَ النَّحْرِ خَاصَّةً وَلِأَهْلِ الْقُرَى يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ لَا تَجُوزُ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي جَمِيعِ ذِي الْحِجَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّضْحِيَةِ فِي لَيَالِي أَيَّامِ الذَّبْحِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجُوزُ لَيْلًا مَعَ الْكَرَاهَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ لَا تُجْزِيهِ فِي اللَّيْلِ بَلْ تَكُونُ شَاةَ لَحْمٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ) هُوَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ أَيْ قَائِلًا بِاسْمِ اللَّهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَاهُ وَقَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أربعة أوجه أحدها أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ لِلَّهِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ وَالثَّانِي مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ بِسُنَّةِ اللَّهِ وَالثَّالِثُ بتسمية الله
(13/111)

عَلَى ذَبِيحَتِهِ إِظْهَارًا لِلْإِسْلَامِ وَمُخَالَفَةً لِمَنْ يَذْبَحُ لِغَيْرِهِ وَقَمْعًا لِلشَّيْطَانِ وَالرَّابِعُ تَبَرُّكًا بِاسْمِهِ وَتَيَمُّنًا بِذِكْرِهِ كَمَا يُقَالُ سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَسِرْ بِاسْمِ اللَّهِ وَكَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُقَالَ افْعَلْ كَذَا عَلَى اسْمِ اللَّهِ قَالَ لأن اسمه سبحانه على كل شئ قال القاضي هذا ليس بشئ قَالَ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ قَوْلُهُ (شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ أَضْحًى ثُمَّ خَطَبَ) قَوْلُهُ أَضْحًى مَصْرُوفٌ وَفِي هَذَا أَنَّ الْخُطْبَةَ لِلْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ إِجْمَاعُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ثُمَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ

[1961] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ) مَعْنَاهُ أَيْ لَيْسَتْ ضَحِيَّةً وَلَا ثَوَابَ فِيهَا بَلْ هِيَ لَحْمٌ لَكَ تَنْتَفِعُ بِهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمْتَهُ لِأَهْلِكَ قَوْلُهُ (إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ فَقَالَ ضَحِّ بِهَا وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ وَلَا تَجْزِي جذعة عن أحد بعدك أما قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَجْزِي فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَالْكُتُبِ وَمَعْنَاهُ لَا تَكْفِي مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي
(13/112)

والد عن ولده وَفِيهِ أَنَّ جَذَعَةَ الْمَعْزِ لَا تَجْزِي فِي الأضحية وهذا متفق عليه قوله (يارسول اللَّهِ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ) قَالَ الْقَاضِي كَذَا رَوَيْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ مَكْرُوهٌ بِالْكَافِ وَالْهَاءِ مِنْ طَرِيقِ السِّنْجَرِيِّ وَالْفَارِسِيِّ وَكَذَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ رَوَيْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعُذْرِيِّ مَقْرُومٌ بِالْقَافِ وَالْمِيمِ قَالَ وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ مَعْنَاهُ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ يُقَالُ قَرِمْتُ إِلَى اللَّحْمِ وَقَرِمْتُهُ إِذَا اشْتَهَيْتُهُ قَالَ وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ عَرَفْتُ أَنَّهُ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ وَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَكَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَأَمَّا رِوَايَةُ مَكْرُوهٌ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا صَوَابُهُ اللَّحَمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ تَرْكُ الذَّبْحِ وَالتَّضْحِيَةِ وَبَقَاءُ أَهْلِهِ فِيهِ بِلَا لَحْمٍ حَتَّى يَشْتَهُوهُ مَكْرُوهٌ وَاللَّحَمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ اشْتِهَاءُ اللَّحْمِ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ لِيَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ مَعْنَاهُ ذَبْحُ مَا لَا يَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ مِمَّا هُوَ لَحْمٌ مَكْرُوهٌ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ مَعْنَاهُ هَذَا يَوْمٌ طَلَبُ اللَّحَمِ فِيهِ مَكْرُوهٌ شَاقٌّ وَهَذَا حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ) الْعَنَاقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ إِذَا قَوِيَتْ مَا لَمْ تَسْتَكْمِلْ سَنَةً وَجَمْعُهَا أَعْنُقٌ وَعُنُوقٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنَاقَ لَبَنٍ فَمَعْنَاهُ صَغِيرَةٌ قَرِيبَةٌ مِمَّا تَرْضَعُ قَوْلُهُ (عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) أَيْ أَطْيَبُ لَحْمًا وَأَنْفَعُ لِسِمَنِهَا وَنَفَاسَتِهَا وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ لَا كَثْرَتُهُ فَشَاةٌ نَفِيسَةٌ أَفْضَلُ مِنْ شَاتَيْنِ غَيْرِ سَمِينَتَيْنِ بِقِيمَتِهَا وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِّ وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ تَكْثِيرَ الْعَدَدِ فِي الْعَقِّ مَقْصُودٌ فَهُوَ الْأَفْضَلُ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ) مَعْنَاهُ أَنَّكَ ذَبَحْتَ صُورَةً نَسِيكَتَيْنِ وَهُمَا هَذِهِ وَالَّتِي ذَبَحَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَهَذِهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ هَذِهِ حَصَلَتْ بِهَا التَّضْحِيَةُ وَالْأُولَى وَقَعَتْ شَاةَ لَحْمٍ لَكِنْ لَهُ فِيهَا ثَوَابٌ لَا بِسَبَبِ التَّضْحِيَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَقَعْ أُضْحِيَّةً بَلْ لِكَوْنِهِ
(13/113)

قَصَدَ بِهَا الْخَيْرَ وَأَخْرَجَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَلِهَذَا دَخَلَهُمَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَقَالَ هَذِهِ خَيْرُ النَّسِيكَتَيْنِ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَتَضَمَّنُ أَنَّ فِي الْأُولَى خَيْرًا أَيْضًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) مَعْنَاهُ جَذَعَةُ الْمَعْزِ وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْكَلَامِ وَإِلَّا فَجَذَعَةُ الضَّأْنِ تَجْزِي قَوْلُهُ (عِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ) الْمُسِنَّةُ هِيَ الثَّنِيَّةُ وَهِيَ أَكْبَرُ مِنَ الْجَذَعَةِ بِسَنَةٍ فَكَانَتْ هَذِهِ
(13/114)

الْجَذَعَةُ أَجْوَدَ لِطِيبِ لَحْمِهَا وَسِمَنِهَا

[1962] قَوْلُهُ (وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ) أَيْ حَاجَةً قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الَّذِي رَخَّصَ لَهُ فِي جَذَعَةِ الْمَعْزِ (لَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا) هَذَا الشَّكُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ السَّابِقِ بِأَنَّهَا لَا تَبْلُغُ غَيْرَهُ وَلَا تَجْزِي أَحَدًا بَعْدَهُ قَوْلُهُ (وَانْكَفَأَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا) انْكَفَأَ مَهْمُوزٌ أَيْ مَالَ وَانْعَطَفَ وَفِيهِ إِجْزَاءُ الذَّكَرِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَذْبَحَهَا بِنَفْسِهِ وَهُمَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِمَا وَفِيهِ جَوَازُ التَّضْحِيَةِ بِحَيَوَانَيْنِ قَوْلُهُ (فَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا أَوْ قَالَ فَتَجَزَّعُوهَا) هُمَا بِمَعْنًى وهذا شك من الراوي فى أحد اللَّفْظَتَيْنِ وَقَوْلُهُ غُنَيْمَةٌ بِضَمِّ الْغَيْنِ تَصْغِيرُ الْغَنَمِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيِّ (ثُمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ ذِبْحًا) أَمَّا ذِبْحًا فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَبْطِهِ بِكَسْرِ الذَّالِ أَيْ حَيَوَانًا يُذْبَحُ كقول الله تعالى وفديناه بذبح وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنْ يُعِيدَ فَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْيَاءِ مِنَ الْإِعَادَةِ
(13/116)

وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنْ يُعِدَّ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَلَكِنْ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ الْإِعْدَادِ وَهُوَ التَّهْيِئَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ)
[1963] قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم (لا تذبحوا إلامسنة إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُسِنَّةُ هِيَ الثَّنِيَّةُ مِنْ كل شئ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَمَا فَوْقَهَا وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَذَعُ مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ يُجْزِي الْجَذَعُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ وَالضَّأْنِ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَأَمَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً يُجْزِي سواء وجد غيره أم لاوحكوا عن بن عمر والزهرى أنهما قالا لايجزى وَقَدْ يُحْتَجُّ لَهُمَا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَفْضَلِ وتقديره يستحب لكم أن لاتذبحوا إِلَّا مُسِنَّةً فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَجَذَعَةَ ضَأْنٍ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَنْعِ جَذَعَةِ الضَّأْنِ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِي بِحَالٍ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ يُجَوِّزُونَ الْجَذَعَ مِنَ الضأن مع وجود غيره وعدمه وبن عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ يَمْنَعَانِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاسْتِحْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُجْزِي الضَّحِيَّةُ بِغَيْرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إلا ما حكاه بن الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِبَقَرَةِ الْوَحْشِ عَنْ سَبْعَةٍ وَبِالظَّبْيِ عَنْ وَاحِدٍ وَبِهِ قَالَ
(13/117)

دَاوُدُ فِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ مَا لَهُ سَنَةٌ تَامَّةٌ هَذَا هوالأصح عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدِ أَهْلِ اللُّغَةِ وغيرهم وقيل ماله سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَقِيلَ بن عَشْرَةٍ حَكَاهُ الْقَاضِي وَهُوَ غَرِيبٌ وَقِيلَ إِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ بَيْنِ شَابَّيْنِ فَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ هَرِمَيْنِ فَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَنْوَاعِ الْبَدَنَةُ ثُمَّ الْبَقَرَةُ ثُمَّ الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ وَقَالَ مَالِكٌ الْغَنَمُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا أَطْيَبُ لَحْمًا حُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْبَدَنَةَ تُجْزِي عَنْ سَبْعَةٍ وَكَذَا الْبَقَرَةُ وأما الشاة فلاتجزى إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ بِالِاتِّفَاقِ فَدَلَّ عَلَى تَفْضِيلِ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَا بَعْدَ الْغَنَمِ فَقِيلَ الْإِبِلُ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَرَةِ وَقِيلَ البقرة أفضل من الابل وهوالأشهر عِنْدَهُمْ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ سَمِينِهَا وَطَيِّبِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي تَسْمِينِهَا فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابُهُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ كُنَّا نُسَمِّنُ الْأُضْحِيَّةَ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَرَاهَةَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَشَبَّهَ بِالْيَهُودِ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ

[1964] قَوْلُهُ (فَأَمَرَهُمْ أَلَّا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَالِكٌ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِي الذَّبْحُ إِلَّا بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَالْجُمْهُورُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ زَجْرُهُمْ عَنِ التَّعْجِيلِ الَّذِي قَدْ يُؤَدِّي إِلَى فِعْلِهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَاقِي الْأَحَادِيثِ التَّقْيِيدُ بِالصَّلَاةِ وَأَنَّ مَنْ ضَحَّى بَعْدَهَا أَجْزَأَهُ وَمَنْ لَا فَلَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ

[1965] أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا فَبَقِيَ عَتُودٌ فَقَالَ ضَحِّ بِهِ أَنْتَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَتُودُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ خَاصَّةً وَهُوَ مَا رَعَى وَقَوِيَ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ هُوَ مَا بَلَغَ سَنَةً وَجَمْعُهُ أَعْتِدَةٌ وعدان
(13/118)

بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي الدَّالِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ كَانَتْ هَذِهِ رُخْصَةً لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ كَمَا كَانَ مِثْلُهَا رُخْصَةً لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عازب السابق قال البيهقى وقد رَوَيْنَا ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ثُمَّ رَوَى ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا أَقْسِمُهَا ضَحَايَا بَيْنَ أَصْحَابِي فَبَقِيَ عَتُودٌ مِنْهَا فَقَالَ ضَحِّ بِهَا أنت ولارخصة لِأَحَدٍ فِيهَا بَعْدَكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَعَلَى هَذَا يحمل أيضا مارويناه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ غَنَمًا فَأَعْطَانِي عَتُودًا جَذَعًا فَقَالَ ضَحِّ بِهِ فَقُلْتُ إِنَّهُ جَذَعٌ مِنَ الْمَعْزِ أُضَحِّي بِهِ قَالَ نَعَمْ ضَحِّ بِهِ فَضَحَّيْتُ هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جيد حسن وليس فيه رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنَ الْمَعْزِ وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ عَتُودٌ وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مُتَعَيَّنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ بَعْجَةَ) هُوَ بالباء الموحدة مفتوحة

(باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل والتسمية والتكبير)

[1966] قَوْلُهُ (ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ وَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ ووضع رجله
(13/119)

على صفاحهما) قال بن الْأَعْرَابِيِّ وَغَيْرُهُ الْأَمْلَحُ هُوَ الْأَبْيَضُ الْخَالِصُ الْبَيَاضِ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ هُوَ الْأَبْيَضُ وَيَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ السواد وقال أبوحاتم هُوَ الَّذِي يُخَالِطُ بَيَاضَهُ حُمْرَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هو الأسوديعلوه حُمْرَةٌ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ هُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ وَالْبَيَاضُ أَكْثَرُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ الْأَبْيَضُ الَّذِي فِي خَلَلِ صُوفِهِ طَبَقَاتٌ سُودٌ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ هُوَ الْمُتَغَيِّرُ الشَّعْرِ بِسَوَادٍ وَبَيَاضٍ وَقَوْلُهُ أَقْرَنَيْنِ أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَرْنَانِ حَسَنَانِ قَالَ الْعُلَمَاءُ فَيُسْتَحَبُّ الْأَقْرَنُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ تَضْحِيَةِ الْإِنْسَانِ بِعَدَدٍ مِنَ الْحَيَوَانِ وَاسْتِحْبَابُ الْأَقْرَنِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّضْحِيَةِ بِالْأَجْمِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ لَهُ قَرْنَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي مكسورة القرن فجوزه الشافعى وأبو حنيفة والجمهور سواءكان يدمى أم لاوكرهه مَالِكٌ إِذَا كَانَ يُدْمِي وَجَعَلَهُ عَيْبًا وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِحْسَانِهَا وَاخْتِيَارِ أَكْمَلِهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعُيُوبَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وهو المرض والعجف والعور والعرج البين لاتجزى التضحية بها وكذا ماكان فِي مَعْنَاهَا أَوْ أَقْبَحَ كَالْعَمَى وَقَطْعِ الرِّجْلِ وَشِبْهِهِ وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ هَذَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم فى صحيحهما ولكنه صحيح رواه أبوداود وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَحَسَنَةٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَمْلَحَيْنِ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِحْسَانِ لَوْنِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا أَفْضَلُهَا الْبَيْضَاءُ ثُمَّ الصَّفْرَاءُ ثُمَّ الْغَبْرَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا يَصْفُو بَيَاضُهَا ثُمَّ الْبَلْقَاءُ وَهِيَ الَّتِي بَعْضُهَا أَبْيَضُ وَبَعْضُهَا أَسْوَدُ ثم السوداء وأما قوله فى الحديث الآخر يطأفى سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ فمعناه أنقوائمه وَبَطْنَهُ وَمَا حَوْلَ عَيْنَيْهِ أَسْوَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يتولى الانسان ذبح أضحيته بنفسه ولايوكل فى ذبحها الالعذر وَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْهَدَ ذَبْحَهَا وَإِنِ اسْتَنَابَ فيها مسلما جاز بلاخلاف وَإِنِ اسْتَنَابَ كِتَابِيًّا كُرِهَ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ وَأَجْزَأَهُ وَوَقَعَتِ التَّضْحِيَةُ عَنِ الْمُوَكِّلِ
(13/120)

هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الامالكا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْهَا ويجوز أن يستنيب صبيا أوامرأة حَائِضًا لَكِنْ يُكْرَهُ تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ وَفِي كَرَاهَةِ تَوْكِيلِ الْحَائِضِ وَجْهَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْحَائِضُ أَوْلَى بِالِاسْتِنَابَةِ مِنَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيُّ أَوْلَى مِنَ الْكِتَابِيِّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ وَكَّلَ أَنْ يُوَكِّلَ مُسْلِمًا فَقِيهًا بِبَابِ الذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِشُرُوطِهَا وَسُنَنِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَسَمَّى) فِيهِ إِثْبَاتُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الضَّحِيَّةِ وَسَائِرِ الذَّبَائِحِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنْ هَلْ هُوَ شَرْطٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ قَوْلُهُ (وَكَبَّرَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ مَعَ التَّسْمِيَةِ فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَوْلُهُ (وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا) أَيْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَهِيَ جَانِبُهُ وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِيَكُونَ أَثْبَتَ له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعهمن إِكْمَالِ الذَّبْحِ أَوْ تُؤْذِيهِ وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ بِالنَّهْيِ عَنْ هَذَا

[1967] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَلُمِّي الْمُدْيَةَ) أَيْ هَاتِيهَا وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا وَهِيَ السِّكِّينُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وبالذال المعجمة
(13/121)

أَيْ حَدِّدِيهَا وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الْقِتْلَةِ وَالذَّبْحِ وَإِحْدَادِ الشَّفْرَةِ قَوْلُهُ (وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى بِهِ) هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَتَقْدِيرُهُ فَأَضْجَعَهُ وَأَخَذَ فِي ذَبْحِهِ قَائِلًا بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ مُضَحِّيًا به ولفظه ثمهنا متأولة على ماذكرته بِلَا شَكٍّ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِضْجَاعِ الْغَنَمِ فِي الذبح وأنها لاتذبح قائمة ولاباركة بَلْ مُضْجَعَةً لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهَا وَبِهَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ إِضْجَاعَهَا يَكُونُ عَلَى جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الذَّابِحِ فِي أَخْذِ السِّكِّينِ بِالْيَمِينِ وَإِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِالْيَسَارِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ) فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ قَوْلِ الْمُضَحِّي حَالَ الذَّبْحِ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ مَعَهُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ تَقَبَّلْ مِنِّي فَهَذَا مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَسَنِ وَجَمَاعَةٍ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَرِهَ مَالِكٌ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ وَقَالَ هي بدعةواستدل بِهَذَا مَنْ جَوَّزَ تَضْحِيَةَ الرَّجُلِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَاشْتِرَاكَهُمْ مَعَهُ فِي الثَّوَابِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ أومخصوص وَغَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ النَّسْخَ وَالتَّخْصِيصَ لايثبتان بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى

(بَاب جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أنهر الدم الاالسن والظفر وسائرالعظام)

[1968] قوله (قلت يارسول اللَّهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مدى قال أعجل أوأرن) أَمَّا أَعْجِلْ فَهُوَ بِكَسْرِ
(13/122)

الْجِيمِ وَأَمَّا أَرِنْ فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَرُوِيَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَسْرِ النُّونِ وَرُوِيَ أَرْنِي بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ صوابه أرن على وزن أعجل وهو بمعناه وهومن النشاط والخفة أى أعجل ذبحها لئلاتموت خَنْقًا قَالَ وَقَدْ يَكُونُ أَرِنْ عَلَى وَزْنِ أَطِعْ أَيْ أَهْلِكْهَا ذَبْحًا مِنْ أَرَانَ الْقَوْمُ إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ قَالَ وَيَكُونُ أَرْنِ عَلَى وزن أعط بمعنى أدم الحز ولاتفتر من قولهم رنوت اذاأدمت النَّظَرَ وَفِي الصَّحِيحِ أَرْنِ بِمَعْنَى أَعْجِلْ وَأَنَّ هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ أَرْنِ أَوْ قَالَ أَعْجِلْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الْخَطَّابِيِّ قَوْلَهُ إِنَّهُ مِنْ أَرَانَ الْقَوْمَ إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ لِأَنَّ هَذَا لايتعدى وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ مُتَعَدٍّ عَلَى مَا فَسَّرَهُ وَرُدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ إِنَّهُ أَأْرَنَ إِذْ لَا تَجْتَمِعُ هَمْزَتَانِ إِحْدَاهُمَا سَاكِنَةٌ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي هَذَا إِيرَنْ بِالْيَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى أَرْنِي بِالْيَاءِ سَيَلَانُ الدَّمِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ صَوَابُ اللفظة بالهمزة والمشهور بلاهمز وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) أَمَّا السِّنُّ وَالظُّفُرُ فَمَنْصُوبَانِ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِلَيْسَ وَأَمَّا أَنْهَرَهُ فَمَعْنَاهُ أَسَالَهُ وَصَبَّهُ بِكَثْرَةٍ وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِجَرْيِ الْمَاءِ فِي النَّهَرِ يُقَالُ نَهَرَ الدَّمَ وَأَنْهَرْتُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا وَفِيهِ مَحْذُوفٌ أَيْ وَذُكِرَ اسم الله عليه أومعه وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الذَّكَاةِ مَا يقطع ويجرى الدم ولايكفى رضها ودمغها بما لايجرى الدَّمَ قَالَ الْقَاضِي وَذَكَرَ الْخُشْنِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَنْهَزَ بِالزَّايِ وَالنَّهْزُ بِمَعْنَى الدَّفْعِ قَالَ وَهَذَا غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَذَا ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّبْحِ وَإِنْهَارِ الدَّمِ تَمَيُّزُ حَلَالِ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ مِنْ حَرَامِهِمَا وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ لِبَقَاءِ دَمِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ يَقْطَعُ إِلَّا الظُّفُرَ وَالسِّنَّ وَسَائِرَ الْعِظَامِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ السَّيْفُ وَالسِّكِّينُ وَالسِّنَانُ وَالْحَجَرُ وَالْخَشَبُ وَالزُّجَاجُ وَالْقَصَبُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمُحَدَّدَةِ فَكُلُّهَا تَحْصُلُ بِهَا الذَّكَاةُ الاالسن وَالظُّفُرَ وَالْعِظَامَ كُلَّهَا أَمَّا الظُّفْرُ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُفْرُ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ الْحَيَوَانَاتِ وَسَوَاءٌ المتصل والمنفصل الطاهر والنجس فكله لاتجوز الذَّكَاةُ بِهِ لِلْحَدِيثِ وَأَمَّا السِّنُّ فَيَدْخُلُ فِيهِ سِنُّ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ وَالْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ وَيَلْحَقُ بِهِ سَائِرُ الْعِظَامِ مِنْ كُلِّ الْحَيَوَانِ المتصل منها والمنفصل الطاهر والنجس فكله لاتجوز الذكاة
(13/123)

بِشَيْءٍ مِنْهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَفَهِمْنَا الْعِظَامَ مِنْ بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِلَّةَ فِي قَوْلِهِ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ أَيْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ لِكَوْنِهِ عَظْمًا فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُهُ عَظْمًا فَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ العظم لاتجوز الذكاة بهوقد قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي كُلِّ مَا تَضَمَّنَهُ عَلَى مَا شَرَحْتُهُ وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وأبوثور وَدَاوُدُ وَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حنيفة وصاحباه لايجوز بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ الْمُتَّصِلَيْنِ وَيَجُوزُ بِالْمُنْفَصِلَيْنِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَاتٌ أَشْهَرُهَا جَوَازُهُ بِالْعَظْمِ دُونَ السِّنِّ كَيْفَ كَانَا وَالثَّانِيَةُ كَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ وَالثَّالِثَةُ كَأَبِي حَنِيفَةَ والرابعة حكاها عنه بن الْمُنْذِرِ يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ وعن بن جريح جَوَازُ الذَّكَاةِ بِعَظْمِ الْحِمَارِ دُونَ الْقِرْدِ وَهَذَا مع ماقبله بَاطِلَانِ مُنَابِذَانِ لِلسُّنَّةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَمُوَافِقُوهُمْ لاتحصل الذكاة إلابقطع الحلقوم والمرئ بكمالهما ويستحب قطع الودجين ولايشترط وهذا أصح الروايتين عن أحمد وقال بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ الحلقوم والمرئ وَالْوَدَجَيْنِ وَأَسَالَ الدَّمَ حَصَلَتِ الذَّكَاةُ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ بَعْضِ هَذَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُشْتَرَطُ قطع الحلقوم والمرئ وَيُسْتَحَبُّ الْوَدَجَانِ وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وبن الْمُنْذِرِ يُشْتَرَطُ الْجَمِيعُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا قَطَعَ ثَلَاثَةً مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَجْزَأَهُ وَقَالَ مالك يجب قطع الحلقوم والودجين ولايشترط المرئ وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ اللَّيْثِ أَيْضًا وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَكْفِي قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ وَعَنْهُ اشْتِرَاطُ قَطْعِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا قَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وعن أبى يوسف ثلاث روايات إحدها كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّانِيَةُ إِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَاثْنَيْنِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ حَلَّتْ وَإِلَّا فَلَا وَالثَّالِثَةُ يشترط قطع الحلقوم والمرئ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِنْ قَطَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَكْثَرَهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَبْحِ الْمَنْحُورِ وَنَحْرِ الْمَذْبُوحِ وَقَدْ جَوَّزَهُ الْعُلَمَاءُ كافة إلاداود فَمَنَعَهُمَا وَكَرِهَهُ مَالِكٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَفِي رِوَايَةٍ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِبَاحَةُ ذَبْحِ الْمَنْحُورِ دُونَ نَحْرِ الْمَذْبُوحِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ وَفِي الْغَنَمِ الذَّبْحُ وَالْبَقَرُ كالغنم عندنا وعند الجمهور وقيل يتخيربين ذَبْحِهَا وَنَحْرِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) مَعْنَاهُ فَلَا تَذْبَحُوا بِهِ فإنه يتنجس
(13/124)

بِالدَّمِ وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعِظَامِ لِئَلَّا تَنْجُسَ لِكَوْنِهَا زَادَ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَقَدْ نُهِيتُمْ عن التشبيه بِالْكُفَّارِ وَهَذَا شِعَارٌ لَهُمْ قَوْلُهُ (فَأَصَبْنَا نَهْبَ ابل وغنم فندمنها بعير فرماهرجل بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أَمَّا النَّهْبُ بِفَتْحِ النُّونِ فَهُوَ الْمَنْهُوبُ وكان هذا النهب غنيمة وقوله (فندمنها بَعِيرٌ) أَيْ شَرَدَ وَهَرَبَ نَافِرًا وَالْأَوَابِدُ النُّفُورُ وَالتَّوَحُّشُ وَهُوَ جَمْعُ آبِدَةٍ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَيُقَالُ مِنْهُ أَبَدَتْ بِفَتْحِ الْبَاءِ تَأْبُدُ بِضَمِّهَا وَتَأْبِدُ بِكَسْرِهَا وَتَأَبَّدَتْ وَمَعْنَاهُ نَفَرَتْ مِنَ الْإِنْسِ وَتَوَحَّشَتْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ
(13/125)

دَلِيلٌ لِإِبَاحَةِ عَقْرِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَنِدُّ وَيُعْجَزُ عن ذبحه ونحره قال أصحابنا وغيرهم الحيوانالمأكول الذى لاتحل مَيْتَتُهُ ضَرْبَانِ مَقْدُورٌ عَلَى ذَبْحِهِ وَمُتَوَحِّشٌ فَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَةِ كَمَا سَبَقَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ إِذَا قَدَرَ عَلَى ذَبْحِهِ بِأَنْ أَمْسَكَ الصَّيْدَ أَوْ كَانَ مُتَأَنِّسًا فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَةِ وأما المتوحش كالصيد فجميع أجزائه يذبح مادام مُتَوَحِّشًا فَإِذَا رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْهُ وَمَاتَ بِهِ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا إِذَا تَوَحَّشَ إِنْسِيٌّ بِأَنَ نَدَّ بعير أو بقرة أو فرس أوشردت شَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا فَهُوَ كَالصَّيْدِ فَيَحِلُّ بِالرَّمْيِ إِلَى غَيْرِ مَذْبَحِهِ وَبِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الجوارح عليه وكذا لوتردى بعير أوغيره فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ وَمَرِيئِهِ فهو كالبعير الناد فى حله بالرمى بلاخلاف عِنْدَنَا وَفِي حِلِّهِ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لايحل قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَحُّشِ مُجَرَّدَ الْإِفْلَاتِ بل متى تيسر لحوقه بعد ولوباستعانة بمن يمسكه ونحوذلك فليس متوحشا ولايحل حينئذ الابالذبح فِي الْمَذْبَحِ وَإِنْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ جاز رميه ولايكلف الصَّبْرَ إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ فِي فَخِذِهِ أَوْ خَاصِرَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ بَدَنِهِ فَيَحِلُّ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَمِمَّنْ قَالَ بِإِبَاحَةِ عَقْرِ النَّادِّ كَمَا ذَكَرْنَا عَلِيُّ بْنُ أبى طالب وبن مسعود وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حنيفة وأحمد وإسحاقوأبو ثور والمزنى وداود والجمهوروقال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ وَمَالِكٌ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةٍ فِي حَلْقِهِ كَغَيْرِهِ دَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رَافِعٍ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحُلَيْفَةُ هَذِهِ مَكَانٌ مِنْ تِهَامَةَ بَيْنَ حَاذَّةَ وَذَاتِ عِرْقٍ وَلَيْسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُؤْتَلِفُ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ لَكِنَّهُ قَالَ الْحُلَيْفَةُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ ذِي وَالَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَكَأَنَّهُ يُقَالُ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ (فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ) مَعْنَى كُفِئَتْ أَيْ قُلِبَتْ وَأُرِيقَ مَا فِيهَا وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ انْتَهَوْا إِلَى دار الاسلام والمحل الذى لايجوز فِيهِ الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَإِنَّ الْأَكْلَ مِنَ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنَّمَا يُبَاحُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْمَالِكِيُّ إِنَّمَا أُمِرُوا بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ عُقُوبَةً لَهُمْ لِاسْتِعْجَالِهِمْ فِي السَّيْرِ وَتَرْكِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(13/126)

فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ مُتَعَرِّضًا لِمَنْ يَقْصِدُهُ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ إِرَاقَةِ الْقُدُورِ إِنَّمَا هُوَ إِتْلَافٌ لِنَفْسِ الْمَرَقِ عُقُوبَةً لَهُمْ وَأَمَّا نَفْسُ اللَّحْمِ فَلَمْ يُتْلِفُوهُ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جُمِعَ ورد إلى المغنم ولايظن أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِتْلَافِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ لِلْغَانِمِينَ وَقَدْ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ الْجِنَايَةَ بِطَبْخِهِ لَمْ تَقَعْ من جميع مستحقى الغنيمة اذمن جُمْلَتِهِمْ أَصْحَابُ الْخُمُسِ وَمِنَ الْغَانِمِينَ مَنْ لَمْ يَطْبُخْ فَإِنْ قِيلَ فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ حَمَلُوا اللَّحْمَ إِلَى الْمَغْنَمِ قُلْنَا وَلَمْ يُنْقَلْ أَيْضًا أَنَّهُمْ أَحْرَقُوهُ وَأَتْلَفُوهُ وَإِذَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَقْلٌ صَرِيحٌ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا بِخِلَافِ إِكْفَاءِ قُدُورِ لَحْمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَإِنَّهُ أَتْلَفَ مَا فِيهَا مِنْ لَحْمٍ وَمَرَقٍ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَجِسَةً وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا إِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ وَأَمَّا هَذِهِ اللُّحُومُ فكانت طاهرة منتفعا بها بلاشك فلايظن إِتْلَافُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ قِيمَةَ هَذِهِ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ فَكَانَتِ الْإِبِلُ نَفِيسَةً دُونَ الْغَنَمِ بِحَيْثُ كَانَتْ قِيمَةُ البعير عشر شياه ولايكون هذا مخالفالقاعدة الشَّرْعِ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ فِي إِقَامَةِ الْبَعِيرِ مَقَامَ سَبْعِ شِيَاهٍ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي قِيمَةِ الشِّيَاهِ وَالْإِبِلِ الْمُعْتَدِلَةِ وَأَمَّا هَذِهِ القسمة فكانت قضية اتفق فيها ماذكرناه مِنْ نَفَاسَةِ الْإِبِلِ دُونَ الْغَنَمِ وَفِيهِ أَنَّ قسمة الغنيمة لايشترط فِيهَا قِسْمَةُ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ قَوْلُهُ (فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ) هُوَ بِلَامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهِيَ قُشُورُ الْقَصَبِ وَلِيطُ كُلِّ شَيْءٍ قُشُورُهُ وَالْوَاحِدَةُ لِيطَةٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ أَفَنَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا هَذَا وَهَذَا فَأَجَابَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَوَابٍ جَامِعٍ لِمَا سَأَلُوهُ وَلِغَيْرِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فقال كل ماأنهر الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ قَوْلُهُ (فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ حَتَّى وَهَصْنَاهُ) هُوَ بِهَاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ صَادٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثم نون
(13/127)

وَمَعْنَاهُ رَمَيْنَاهُ رَمْيًا شَدِيدًا وَقِيلَ أَسْقَطْنَاهُ إِلَى الْأَرْضِ وَوَقَعَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ رَهَصْنَاهُ بِالرَّاءِ أَيْ حَبَسْنَاهُ

(بَاب بَيَانِ مَا كَانَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فى الاسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء)

[1969] قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ) قَالَ الْقَاضِي لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عِلَّةٌ فِي رَفْعِهِ لِأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ سُفْيَانَ لَمْ يَرْفَعُوهُ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَرَوَاهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا مِمَّا وَهِمَ فِيهِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَالْقَعْنَبِيَّ وَأَبَا خَيْثَمَةَ واسحاق وغيرهم رووه عن بن عُيَيْنَةَ مَوْقُوفًا قَالَ وَرَفْعُ الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَانَ فَقَدْ رَفَعَهُ صَالِحٌ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَمَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَرْفُوعًا هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْمَتْنُ صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ
(13/128)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلاتأكلوا)

[1970] وفى حديث بن عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لايأكل أَحَدُكُمْ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَالَ سالم وكان بن عمر لايأكل لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَذَكَرَ

[1972] حَدِيثُ جَابِرٍ مِثْلَهُ فِي النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ كُلُوا بَعْدُ وَادَّخِرُوا وَتَزَوَّدُوا

[1971] وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهُ دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادَّخِرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَصَدَّقُوا ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ إِنَّمَا كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا وَذَكَرَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَثَوْبَانَ وَبُرَيْدَةَ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَخْذِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَقَالَ قَوْمٌ يَحْرُمُ إِمْسَاكُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ وَالْأَكْلُ مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ وَإِنَّ حُكْمَ التَّحْرِيمِ باق كما قاله على وبن عمر وقال جماهير العلماءيباح الْأَكْلُ وَالْإِمْسَاكُ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَالنَّهْيُ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الأحاديث المصرحة بالنسخ لاسيما حديث بريدة وهذامن نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ هُوَ نَسْخًا بَلْ كَانَ التَّحْرِيمُ لِعِلَّةٍ فَلَمَّا زَالَتْ زَالَ لِحَدِيثِ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ وَقِيلَ كَانَ النَّهْيُ الأول للكراهة لاللتحريم قَالَ هَؤُلَاءِ وَالْكَرَاهَةُ بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ وَلَكِنْ لَا يَحْرُمُ قَالُوا وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ تِلْكَ الْعِلَّةِ الْيَوْمَ فَدَفَّتْ دَافَّةٌ وَاسَاهُمُ النَّاسُ وَحَمَلُوا على هذا مذهب على وبن عُمَرَ وَالصَّحِيحُ نَسْخُ النَّهْيِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ لَمْ يبق تحريم ولاكراهة فيباح
(13/129)

الْيَوْمَ الِادِّخَارُ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَالْأَكْلُ إِلَى مَتَى شَاءَ لِصَرِيحِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بَعْدَ ثَلَاثٍ) قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الثَّلَاثِ مِنْ يَوْمِ ذَبْحِهَا وَيَحْتَمِلُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَبْحُهَا إِلَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَالَ وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الدَّافَّةُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ قَوْمٌ يَسِيرُونَ جَمِيعًا سَيْرًا خَفِيفًا وَدَفَّ يَدِفُّ بِكَسْرِ الدال ودافة الأعراب من يردمنهم الْمِصْرَ وَالْمُرَادُ هُنَا مَنْ وَرَدَ مِنْ ضُعَفَاءِ الْأَعْرَابِ لِلْمُوَاسَاةِ قَوْلُهُ (دَفَّ أَبْيَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا وَالضَّادُ سَاكِنَةٌ فِيهَا كُلِّهَا وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنَّمَا تُفْتَحُ إِذَا حُذِفَتِ الْهَاءُ فَيُقَالُ بِحَضَرِ فُلَانٍ قَوْلُهُ (إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ
(13/130)

الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ) قَوْلُهُ يَجْمُلُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مَعَ كَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَيُقَالُ بِضَمِّ الْيَاءِ مَعَ كَسْرِ الْمِيمِ يُقَالُ جَمَلْتُ الدُّهْنَ أُجْمِلُهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَأَجْمُلُهُ بِضَمِّهَا جَمْلًا وَأَجْمَلْتُهُ إِجْمَالًا أَيْ أَذَبْتُهُ وَهُوَ بِالْجِيمِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا) هَذَا تَصْرِيحٌ بِزَوَالِ النَّهْيِ عَنِ ادِّخَارِهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالصَّدَقَةِ مِنْهَا وَالْأَمْرُ بِالْأَكْلِ فَأَمَّا الصَّدَقَةُ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ أُضْحِيَّةَ تَطَوُّعٍ فَوَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْهَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِمُعْظَمِهَا قَالُوا وَأَدْنَى الْكَمَالِ أَنْ يَأْكُلَ الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ وَيُهْدِي الثُّلُثَ وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يَأْكُلُ النِّصْفَ وَيَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي قَدْرِ أَدْنَى الْكَمَالِ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَأَمَّا الْإِجْزَاءُ فيجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم كماذكرنا ولنا وجه أنه لاتجب الصدقة بشيء منها وأماالأكل منها فيستحب ولايجب هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلاما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْأَكْلَ منها وهو قول أبى الطيب بن سلمة من أصحابنا حكاه عنه الماوردىلظاهر هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مَعَ قَوْلِهِ تعالى فكلوا منها وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ بَعْدَ الْحَظْرِ كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الْأَمْرِ الْوَارِدِ بعد الحظر
(13/131)

فَالْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ كما لوورد ابتداء وقال جِمَاعَةٌ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ (قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَالَ جَابِرٌ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ نَعَمْ) ووقع فى البخارى لابدل قَوْلِهِ هُنَا نَعَمْ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَسِيَ فِي وقت فقال لاوذكر فى وقت فقال نعم

[1973] قوله (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نضرة وكذا ذكره أبوعلى الْغَسَّانِيُّ وَالْقَاضِي عَنْ نُسْخَةِ الْجُلُودِيِّ وَالْكِسَائِيِّ قَالَا وفى نسخة بن مَاهَانَ سَعِيدٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ مِنْ غَيْرِ ذكر قَتَادَةَ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَخَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فى طريق بن أبى شيبة وبن الْمُثَنَّى (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) هذا خلاف عادة مسلم فى الاقتصاروكان مُقْتَضَى عَادَتِهِ حَذْفَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَيَقْتَصِرُ عَلَى أَبِي نَضْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ ح ويتحول
(13/132)

فَإِنَّ مَدَارَ الطَّرِيقَيْنِ عَلَى أَبِي نَضْرَةَ وَالْعِبَارَةُ فِيهِمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَكَانَ يَنْبَغِي تَرْكُهُ فِي الْأُولَى قَوْلُهُ (إِنَّ لَهُمْ عِيَالًا وَحَشَمًا وَخَدَمًا) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَشَمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالشِّينِ هُمْ اللَّائِذُونَ بِالْإِنْسَانِ يَخْدُمُونَهُ وَيَقُومُونَ بِأُمُورِهِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُمْ خَدَمُ الرَّجُلِ وَمَنْ يَغْضَبُ لَهُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَغْضَبُونَ لَهُ وَالْحِشْمَةُ الْغَضَبُ وَيُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ أيضا ومنه قولهم فلان لايحتشم أَيْ لَا يَسْتَحِي وَيُقَالُ حَشَمْتُهُ وَأَحْشَمْتُهُ إِذَا أغضبته واذا أخجلته فاستحيى الْخَجْلَةَ وَكَأَنَّ الْحَشَمَ أَعَمُّ مِنَ الْخَدَمِ فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1974] (إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهْدٍ فَأَرَدْتُ أَنْ يفشوا فِيهِمْ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ يَفْشُوَ بِالْفَاءِ وَالشِّينِ أَيْ يَشِيعَ لَحْمُ الْأَضَاحِيِّ فِي النَّاسِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُحْتَاجُونَ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ يُعِينُوا بِالْعَيْنِ مِنَ الْإِعَانَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ أَشْبَهُ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ أَوْجَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْجَهْدُ هُنَا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالْفَاقَةُ

[1975] قَوْلُهُ (عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
(13/133)

ضَحِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ هَذِهِ فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ هَذَا فِيهِ تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ ادِّخَارِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَجَوَازُ التَّزَوُّدِ مِنْهُ وَفِيهِ أَنَّ الادخار والتزود فى الأسفار لايقدح فِي التَّوَكُّلِ وَلَا يُخْرِجُ صَاحِبَهُ عَنِ التَّوَكُّلِ وَفِيهِ أَنَّ الضَّحِيَّةَ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُسَافِرِ كَمَا هِيَ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُقِيمِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا ضَحِيَّةَ عَلَى الْمُسَافِرِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله تعالى عنه وقال مالك وجماعة لاتشرع لِلْمُسَافِرِ بِمِنًى وَمَكَّةَ

[1977] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ
(13/134)

عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مسكرا) هذا الحديث مماصرح فِيهِ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ جَمِيعًا قَالَ الْعُلَمَاءُ يُعْرَفُ نَسْخُ الْحَدِيثِ تَارَةً بِنَصٍّ كَهَذَا وَتَارَةً بِإِخْبَارِ الصَّحَابِيِّ كَكَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَتَارَةً بِالتَّارِيخِ إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَتَارَةً بِالْإِجْمَاعِ كَتَرْكِ قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي المرة الرابعة والاجماع لاينسخ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ نَاسِخً أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ فَسَبَقَ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَأَمَّا الِانْتِبَاذُ فِي الْأَسْقِيَةِ فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَسَنُعِيدُهُ قَرِيبًا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَذْكُرُ هُنَاكَ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلَ الْمُؤَوَّلِ مِنْهَا وَأَمَّا لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ فَذَكَرْنَا حُكْمَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب الْفَرَعِ والعتيرة)
[1976] قوله صلى الله عليه وسلم (لافرع ولاعتيرة) وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ قال
(13/135)

أَهْلُ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ الْفَرَعُ بِفَاءٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَيُقَالُ فِيهِ الْفَرَعَةُ بالهاء والعتيرة بعين مهملة مفتوحة ثم تاءمثناة مِنْ فَوْقُ قَالُوا وَالْعَتِيرَةُ ذَبِيحَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَّلِ مِنْ رَجَبٍ وَيُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةُ أَيْضًا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَفْسِيرِ الْعَتِيرَةِ بِهَذَا وَأَمَّا الْفَرْعُ فَقَدْ فَسَّرَهُ هُنَا بِأَنَّهُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَآخَرُونَ هو أول نتاج البهيمة كانوا يذبحونه ولايملكونه رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِي الْأُمِّ وَكَثْرَةِ نَسْلِهَا وَهَكَذَا فَسَّرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ هُوَ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ وَهِيَ طَوَاغِيتُهُمْ وَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَقِيلَ هُوَ أَوَّلُ النِّتَاجِ لِمَنْ بَلَغَتْ إِبِلُهُ مِائَةً يَذْبَحُونَهُ وَقَالَ شِمْرٌ قَالَ أَبُو مَالِكٍ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَلَغَتْ إِبِلُهُ مِائَةً قَدَّمَ بِكْرًا فَنَحَرَهُ لِصَنَمِهِ وَيُسَمُّونَهُ الْفَرَعَ وَقَدْ صَحَّ الْأَمْرُ بِالْعَتِيرَةِ وَالْفَرَعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجَاءَتْ بِهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ نُبَيْشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَادَى رَجُلٌ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ قَالَ اذْبَحُوا لله فى أى شهر كان وبروا لله وَأَطْعِمُوا قَالَ إِنَّا كُنَّا نُفْرِعُ فَرَعًا فِي الجاهلية فما تأمرنا فقال فى كل سائمة فرع تعدوه ما شيتك حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ فَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ رَوَاهُ أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة قال بن الْمُنْذِرِ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ السَّائِمَةُ مِائَةٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالفرعةمن كل خمسين واحدة وفى رواية من كل خمسين شاة شاة قال بن الْمُنْذِرِ حَدِيثُ عَائِشَةَ صَحِيحٌ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ الرَّاوِي أَرَاهُ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْفَرَعِ قَالَ الْفَرَعُ حَقٌّ وَأَنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُونَ بكرا أو بن مخاض أو بن لبون فتعطيه أرملة أوتحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفا إناؤك وَتُوَلِّهِ نَاقَتَكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَرَعُ حَقٌّ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ حِينَ يولد ولاشبع فيه ولهذا قال تذبحه فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ وَفِيهِ أَنَّ ذَهَابَ وَلَدِهَا يَدْفَعُ لَبَنَهَا وَلِهَذَا قَالَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكْفَأَ يَعْنِي إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَكَأَنَّكَ كَفَأْتَ إناءك وأرقته وأشاربه إلى ذهاب اللين وفيه أنه يُفْجِعَهَا بِوَلَدِهَا وَلِهَذَا قَالَ وَتُوَّلِهِ
(13/136)

ناقتك فأشار بتركه حتى يكون بن مخاض وهو بن سَنَةٍ ثُمَّ يَذْهَبُ وَقَدْ طَابَ لَحْمُهُ وَاسْتَمْتَعَ بلبن أمه ولاتشق عَلَيْهَا مُفَارَقَتُهُ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهَا هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ أَوْ قَالَ بِمِنًى وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْعَتِيرَةِ فَقَالَ مَنْ شَاءَ عَتَرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ قال يارسول اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَذْبَحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ذَبَائِحَ فِي رَجَبٍ فَنَأْكُلُ مِنْهَا وَنُطْعِمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابأس بِذَلِكَ وَعَنْ أَبِي رَمْلَةَ عَنْ مُخْنِفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ كُنَّا وُقُوفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ياأيها النَّاسُ إِنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً هَلْ تَدْرِي مَا الْعَتِيرَةُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الرَّجَبِيَّةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفُ الْمَخْرَجِ لأن أبارملة مَجْهُولٌ هَذَا مُخْتَصَرُ مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْفَرَعُ شَيْءٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْبَحُ بكر ناقته أوشاته فَلَا يَغْذُوهُ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِيمَا يَأْتِي بَعْدَهُ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَقَالَ فَرِّعُوا إِنْ شِئْتُمْ أَيِ اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا أَنْ يُكْرَهَ فِي الْإِسْلَامِ فَأَعْلَمَهُمْ أنه لاكراهة عَلَيْهِمْ فِيهِ وَأَمَرَهُمُ اسْتِحْبَابًا أَنْ يُغْذُوَهُ ثُمَّ يُحْمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَرَعُ حَقٌّ معناه ليس بباطل وهوكلام عَرَبِيٌّ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ قَالَ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لافرع ولاعتيرة أى لافرع واجب ولاعتيرة وَاجِبَةٌ قَالَ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ أَبَاحَ لَهُ الذَّبْحَ وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي العتيرة اذبحوالله فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ أَيِ اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ وَاجْعَلُوا الذَّبْحَ لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كان لاأنها فِي رَجَبٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابُ الْفَرَعِ والعتيرة وأجابوا عن حديث لافرع ولاعتيرة بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ السَّابِقُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْوُجُوبِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ ماكانوا يَذْبَحُونَ لِأَصْنَامِهِمْ وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالْأُضْحِيَّةِ فِي الِاسْتِحْبَابِ أَوْ فِي ثَوَابِ إِرَاقَةِ الدَّمِ فَأَمَّا تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة وقدنص الشَّافِعِيُّ فِي سُنَنِ حَرْمَلَةَ أَنَّهَا إِنْ تَيَسَّرَتْ كُلَّ شَهْرٍ كَانَ حَسَنًا هَذَا تَلْخِيصُ حُكْمِهَا فِي مَذْهَبِنَا وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ بِالْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ وَاللَّهُ أعلم
(13/137)

(باب نهى من ذخل عليه عشر ذى الحجة وهومريد التَّضْحِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا)

[1977] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلايمس من شعره وبشره شيئا) وفى رواية فلايأخذن شعرا ولايقلمن ظُفُرًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَبَعْضُ أصحاب الشافعى أنه يحرم عليه أخذ شئ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ فِي وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تنزيه وليس بحرام وقال أبو حنيفة لايكره وقال مالك فى رواية لايكره وَفِي رِوَايَةٍ يُكْرَهُ وَفِي رِوَايَةٍ يَحْرُمُ فِي التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبِ وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْآخَرُونَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يقلده ويبعث به ولايحرم عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْبَعْثُ بِالْهَدْيِ أَكْثَرُ مِنْ إِرَادَةِ التَّضْحِيَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لايحرم ذَلِكَ وَحَمَلَ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الظُّفُرِ والشعر النهى عن إزالة الظفر بقلم أوكسر أَوْ غَيْرِهِ وَالْمَنْعُ
(13/138)

مِنْ إِزَالَةِ الشَّعْرِ بِحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ إِحْرَاقٍ أَوْ أَخْذِهِ بِنَوْرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَسَوَاءُ شَعْرُ الْإِبْطِ وَالشَّارِبِ وَالْعَانَةِ وَالرَّأْسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شُعُورُ بَدَنِهِ قَالَ إبراهيم المروزى وغيره من أصحابناحكم أَجْزَاءِ الْبَدَنِ كُلِّهَا حُكْمُ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ وَدَلِيلُهُ الرواية السابقة فلايمس مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنْ يَبْقَى كَامِلَ الْأَجْزَاءِ لِيُعْتِقَ مِنَ النَّارِ وَقِيلَ التَّشَبُّهُ بِالْمُحْرِمِ قَالَ أَصْحَابُنَا هذا غلط لأنه لايعتزل النساء ولايترك الطِّيبَ وَاللِّبَاسَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتْرُكُهُ الْمُحْرِمُ قَوْلُهُ (عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عُمَرُ بِضَمِّ العين فى كل هذه الطرق والاطريق حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيِّ فَفِيهَا عَمْرٌو بِفَتْحِ العين والاطريق أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ فَفِيهَا عَمْرًا أَوْ عُمَرَ وَقَالَ الْعُلَمَاءُ الْوَجْهَانِ مَنْقُولَانِ فِي اسْمِهِ قَوْلُهُ (عَمَّارُ بْنُ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيُّ هُوَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَآخِرُهُ تَاءٌ تُكْتَبُ هَاءً قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ) هُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ أَيْ حَيَوَانٌ يُرِيدُ ذَبْحَهُ فَهُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَحِمْلٍ بِمَعْنَى مَحْمُولٍ ومنه قوله تعالى
(13/139)

وفديناه بذبح قَوْلُهُ (كُنَّا فِي الْحَمَّامِ قُبَيْلَ الْأَضْحَى فَأَطْلَى فيه أناس فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَمَّامِ إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَكْرَهُ هَذَا وَيَنْهَى عَنْهُ فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ يَا بن أَخِي هَذَا حَدِيثٌ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ وَذَكَرَ حَدِيثَهَا السَّابِقَ) أَمَّا قَوْلُهُ فَأَطْلَى فِيهِ أُنَاسٌ فَمَعْنَاهُ أَزَالُوا شَعْرَ الْعَانَةِ بِالنَّوْرَةِ وَالْحَمَّامُ مُذَكَّرٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ وَقَوْلُهُ إِنَّ سَعِيدًا يَكْرَهُ هَذَا يَعْنِي يَكْرَهُ إِزَالَةَ الشَّعْرِ فِي عَشْرِ ذِي الحجة لمن يريد التضحية لاأنه يَكْرَهُ مُجَرَّدَ الْإِطْلَاءِ وَدَلِيلُ مَا ذَكَرْنَاهُ احْتِجَاجُهُ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْإِطْلَاءِ إِنَّمَا فِيهِ النَّهْيُ عَنْ إِزَالَةِ الشَّعْرِ وَقَدْ نقل بن عبد البر عن بن الْمُسَيِّبِ جَوَازَ الْإِطْلَاءِ فِي الْعَشْرِ بِالنَّوْرَةِ فَإِنْ صح هذا عنه فهومحمول على أنه أفتى به انسانا لايريد التَّضْحِيَةَ قَوْلُهُ (عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ الْجُنْدَعِيِّ) وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ قَالَ اللَّيْثِيُّ الْجُنْدَعِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَبِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا وَجُنْدَعٌ بَطْنٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ وَسَبَقَ بَيَانُهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(13/140)

(بَاب تَحْرِيمِ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَعْنِ فَاعِلِهِ)
[1978] قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ) وفى رواية لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ أَمَّا لَعْنُ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ فَمِنَ الْكَبَائِرِ وَسَبَقَ ذَلِكَ مَشْرُوحًا وَاضِحًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْمُرَادُ بِمَنَارِ الْأَرْضِ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَامَاتُ حُدُودِهَا وَأَمَّا الْمُحْدِثُ بِكَسْرِ الدَّالِ فَهُوَ مَنْ يَأْتِي بِفَسَادٍ فِي الْأَرْضِ وَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ وَأَمَّا لذبح لِغَيْرِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَذْبَحَ بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ أَوِ الصليب أو لموسى أولعيسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا أَوْ لِلْكَعْبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فكل هذا حرام ولاتحل هَذِهِ الذَّبِيحَةُ سَوَاءٌ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ الْمَذْبُوحِ لَهُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِبَادَةَ لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا فَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا وَذَكَرَ الشَّيْخُ ابراهيم المروزى من أصحابنا أن مايذبح عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ أَفْتَى أَهْلُ بُخَارَةَ بِتَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا إِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ اسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ فَهُوَ كَذَبْحِ الْعَقِيقَةِ لِوِلَادَةِ الْمَوْلُودِ ومثل هذا لايوجب التَّحْرِيمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (إِنَّ عَلِيًّا غَضِبَ حِينَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيْكَ إِلَى آخِرِهِ فِيهِ إِبْطَالُ مَا تَزْعُمُهُ الرَّافِضَةُ وَالشِّيعَةُ وَالْإِمَامِيَّةُ مِنَ الْوَصِيَّةِ إِلَى عَلِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ
(13/141)

مِنَ اخْتِرَاعَاتِهِمْ وَفِيهِ جَوَازُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ الْآنَ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاضِعَ قَوْلُهُ (مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ به الناس كافة الاما كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي) هَكَذَا تُسْتَعْمَلُ كَافَّةً حَالًا وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ اسْتِعْمَالِهَا مُضَافَةً وَبِالتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِمْ هَذَا قَوْلُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمَذْهَبُ الْكَافَّةِ فَهُوَ خَطَأٌ مَعْدُودٌ فِي لَحْنِ الْعَوَامِّ وَتَحْرِيفِهِمْ وَقَوْلُهُ قِرَابُ سَيْفِي هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ أَلْطَفُ مِنَ الْجِرَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّيْفُ بِغِمْدِهِ وَمَا خَفَّ مِنَ الْآلَةِ وَاللَّهُ أعلم
(13/142)

(كِتَاب الْأَشْرِبَةِ)
(بَاب تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَمِنْ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُسْكِرُ)

[1979] قَوْلُهُ (أَصَبْتُ شَارِفًا) هِيَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ وَهِيَ النَّاقَةُ الْمُسِنَّةُ وَجَمْعُهَا شُرُفٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا قَوْلُهُ (أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهَا إِذْخِرًا لِأَبِيعَهُ وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَأَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ) أَمَّا قَيْنُقَاعُ فَبِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَيَجُوزُ صَرْفُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْحَيِّ وَتَرْكُ صَرْفِهِ عَلَى إِرَادَةِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الطَّائِفَةِ وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْوَلِيمَةِ لِلْعُرْسِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ وَمَنْ دُونَهُ وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ فِي الْأَعْمَالِ وَالِاكْتِسَابِ بِالْيَهُودِيِّ وَفِيهِ جَوَازُ الِاحْتِشَاشِ لِلتَّكَسُّبِ وَبَيْعِهِ وَأَنَّهُ لاينقص الْمُرُوءَةَ وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْوَقُودِ لِلصَّوَّاغِينَ وَمُعَامَلَتِهِمْ قَوْلُهُ (مَعَهُ قَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ) الْقَيْنَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ الْجَارِيَةُ الْمُغَنِّيَةُ قَوْلُهُ (أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ) الشُّرُفُ بِضَمِّ الشِّينِ وَالرَّاءِ وَتَسْكِينِ الرَّاءِ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ جَمْعُ
(13/143)

شَارِفٍ وَالنِّوَاءُ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ أى السمانجمع نَاوِيَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَهِيَ السَّمِينَةُ وَقَدْ نَوَتِ النَّاقَةُ تَنْوِي كَرَمَتْ تَرْمِي يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِذَا سَمِنَتْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي النِّوَاءِ أَنَّهَا بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَيَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ النَّوَى بِالْيَاءِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ رواه بن جَرِيرٍ ذَا الشَّرَفِ النَّوَى بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ وَبِفَتْحِ النُّونِ مَقْصُورًا قَالَ وَفَسَّرَهُ بِالْبُعْدِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ قَالَ وَهُوَ غَلَطٌ فِي الرِّوَايَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ تَمَامُ هَذَا الشِّعْرِ ... أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفَنَاءِ ... ... ضَعِ السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا ... وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ ... وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبِهَا لِشُرْبٍ ... قَدِيدًا مِنْ طَبِيخٍ أو شواء ...
قوله (فجب أسمنتهما) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى اجْتَبَّ وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ أَجَبَّ وَهَذِهِ غَرِيبَةٌ فِي اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى قَطَعَ قَوْلُهُ (وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا) أَيْ شَقَّهَا وَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي جَرَى مِنْ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ وَقَطْعِ أَسْنِمَةِ النَّاقَتَيْنِ وَبَقْرِ خواصرهما وأكل لحمهما وغير ذلك لااثم عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَمَّا أَصْلُ الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ فَكَانَ مُبَاحًا لِأَنَّهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وأما ما قد يقوله بعض من لاتحصيل لَهُ إِنَّ السُّكْرَ لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فَبَاطِلٌ لاأصل له ولايعرف أَصْلًا وَأَمَّا بَاقِي الْأُمُورِ فَجَرَتْ مِنْهُ فِي حال عدم التكليف فلااثم عَلَيْهِ فِيهَا كَمَنْ شَرِبَ دَوَاءً لِحَاجَةٍ فَزَالَ بِهِ عَقْلُهُ أَوْ شَرِبَ شَيْئًا يَظُنُّهُ خَلًّا فَكَانَ خَمْرًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَشَرِبَهَا وَسَكِرَ فَهُوَ فِي حَالِ السُّكْرِ غَيْرُ مكلف ولااثم عَلَيْهِ فِيمَا يَقَعُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا غَرَامَةُ مَا أَتْلَفَهُ فَيَجِبُ فى ماله
(13/144)

فَلَعَلَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَبْرَأَهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِقِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ أَوْ أَنَّهُ أَدَّاهُ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَّاهُ عَنْهُ لِحُرْمَتِهِ عِنْدَهُ وَكَمَالِ حَقِّهِ وَمَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ وَقَرَابَتِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَّمَ حَمْزَةَ النَّاقَتَيْنِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَا أَتْلَفَهُ السَّكْرَانُ مِنَ الْأَمْوَالِ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ كالمجنون فان الضمان لايشترط فيه التكليف ولهذا أوجب اللهتعالى فِي كِتَابِهِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ وَأَمَّا هَذَا السَّنَامُ الْمَقْطُوعُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ نَحْرُهُمَا فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ ما أبين منحى فَهُوَ مَيْتٌ وَفِيهِ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ السُّنَنِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَّاهُمَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الشِّعْرُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فَإِنْ كَانَ ذَكَّاهُمَا فَلَحْمُهُمَا حَلَالٌ باتفاق العلماء إلاما حكى عن عكرمة واسحاق وداود أنه لايحل ماذبحه سَارِقٌ أَوْ غَاصِبٌ أَوْ مُتَعَدٍّ وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ حِلُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَّاهُمَا وَثَبَتَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهُمَا فَهُوَ أَكْلٌ فِي حالة السكر المباح ولااثم فِيهِ كَمَا سَبَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَهْقِرُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ الْقَهْقَرَى الرُّجُوعُ إلى وراءووجهه اليك اذا ذهب عنك وقال أبو عمر وهو الاخصار فِي الرُّجُوعِ أَيِ الْإِسْرَاعُ فَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ خرج مسرعا والأول هو المشهور المعروف وَإِنَّمَا رَجَعَ الْقَهْقَرَى خَوْفًا مِنْ أَنْ يَبْدُوَ مِنْ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى
(13/145)

عَنْهُ أَمْرٌ يَكْرَهُهُ لَوْ وَلَّاهُ ظَهْرَهُ لِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا بِالسُّكْرِ قَوْلُهُ (أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَفِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ مِنَ الْبُخَارِيِّ مِنَ الصَّوَّاغِينَ فَفِيهِ دَلِيلٌ لِصِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِمْ بِعْتُ مِنْهُ ثَوْبًا وَزَوَّجْتُ مِنْهُ وَوَهَبْتُ مِنْهُ جَارِيَةً وَشِبْهِ ذَلِكَ وَالْفَصِيحُ حَذْفُ مِنْ فَإِنَّ الْفِعْلَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَ مِنْ فِي هَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْ ذَلِكَ نَظَائِرَ كَثِيرَةً فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ فِي حَرْفِ الْمِيمِ مَعَ النُّونِ وَتَكُونُ مِنْ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي زِيَادَتِهَا فِي الْوَاجِبِ قَوْلُهُ (وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ) هَكَذَا فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ مُنَاخَانِ وَفِي بَعْضِهَا مُنَاخَتَانِ بِزِيَادَةِ التَّاءِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهِ نُسَخُ الْبُخَارِيِّ وَهُمَا صَحِيحَانِ فَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ قَوْلُهُ (فَبَيْنَا أَنَا أجمع لشار فى مَتَاعًا مِنَ الْأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَجَمَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ فَإِذَا شَارِفَيَّ قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا) هَكَذَا فِي بَعْضَ نُسَخِ بِلَادِنَا وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَكْثَرِ نُسَخِهِمْ وَسَقَطَتْ لَفْظَةُ وَجَمَعْتُ الَّتِي عَقِبَ قَوْلِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَتَّى جَمَعْتُ مَكَانَ حِينَ جَمَعْتُ قَوْلُهُ (فاذا شار فى قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النسخ فاذا شارفى وفى بعضها فاذاشارفاى وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَوْ يَقُولُ فَإِذَا شَارِفَتَايَ إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ فَإِذَا شَارِفِي بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى لَفْظِ الْإِفْرَادِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ جِنْسَ الشَّارِفِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّارِفَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا) هَذَا الْبُكَاءُ وَالْحُزْنُ الَّذِي أَصَابَهُ سَبَبُهُ مَا خَافَهُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَجِهَازِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهَا تَقْصِيرُهُ أَيْضًا بِذَلِكَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ الشَّارِفَيْنِ مِنْ حَيْثُ هما من متاع الدنيابل لما قدمناه
(13/146)

وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (هُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) وَالشَّرْبُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُمُ الْجَمَاعَةُ الشَّارِبُونَ قَوْلُهُ (فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ فارتداه) هكذا هوفى النُّسَخِ كُلِّهَا فَارْتَدَاهُ وَفِيهِ جَوَازُ لِبَاسِ الرِّدَاءِ وَتَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بَابًا وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ اذا خرج من منزله تجمل بثيابه ولايقتصر على مايكون عَلَيْهِ فِي خَلْوَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَهَذَا مِنَ الْمُرُوءَاتِ وَالْآدَابِ الْمَحْبُوبَةِ قَوْلُهُ (فَطَفِقَ يَلُومُ حَمْزَةَ) أَيْ جَعَلَ يَلُومُهُ يُقَالُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا حَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَالْمَشْهُورُ الْكَسْرُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعناق
قَوْلُهُ (إِنَّهُ ثَمِلٌ) بِفَتْحِ
(13/147)

الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ سَكْرَانُ

[1980] قَوْلُهُ (وما شرابهم إلاالفضيخ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ) قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ الْفَضِيخُ أَنْ يَفْضَخَ الْبُسْرِ وَيَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَيَتْرُكَهُ حَتَّى يَغْلِيَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ مَا فُضِخَ مِنَ الْبُسْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ نَارٌ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ تَمْرٌ فَهُوَ خَلِيطٌ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ وَأَنَّهَا كُلَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَضِيخُ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالرُّطَبُ وَالْبُسْرُ وَالزَّبِيبُ وَالشَّعِيرُ وَالذُّرَةُ وَالْعَسَلُ وَغَيْرُهَا وَكُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ وَتُسَمَّى خَمْرًا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِنَّمَا يَحْرُمُ عَصِيرُ العنب ونقيع الزبيب النئ فأما المطبوخ منهما والنئ والمطبوخ مما سواهما فحلال مالم يُشْرَبْ وَيُسْكِرْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّمَا يَحْرُمُ عَصِيرُ ثَمَرَاتِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ قَالَ فَسُلَافَةُ الْعِنَبِ يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا إِلَّا أَنْ يُطْبَخَ حَتَّى يَنْقُصَ ثُلُثَاهَا وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَقَالَ يحل مَطْبُوخُهُمَا وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِحَدٍّ كَمَا اعْتُبِرَ فِي سُلَافَةِ العنب قال والنئ منه حرام قال ولكنه لايحد شاربه هذا كله مالم يُشْرَبْ وَيُسْكِرْ فَإِنْ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَوْنُهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْمُسْكِرَاتِ فَوَجَبَ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِسْكَارِ وَذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ قُلْنَا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ
(13/148)

يُسْكِرْ وَقَدْ عَلَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَحْرِيمَهُ كَمَا سَبَقَ فَإِذَا كَانَ مَا سِوَاهُ فِي مَعْنَاهُ وَجَبَ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ وَيَكُونُ التَّحْرِيمُ لِلْجِنْسِ الْمُسْكِرِ وَعُلِّلَ بِمَا يَحْصُلُ مِنَ الْجِنْسِ فِي الْعَادَةِ قَالَ الْمَازِنِيُّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ آكَدُ مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ وَلَنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إِذَا شَرِبَ سُلَافَةَ الْعِنَبِ عِنْدَ اعْتِصَارِهَا وَهِيَ حُلْوَةٌ لَمْ تُسْكِرْ فَهِيَ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنِ اشْتَدَّتْ وَأَسْكَرَتْ حَرُمَتْ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ تَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلِ آدَمِيٍّ حَلَّتْ فَنَظَرْنَا إِلَى مُسْتَبْدَلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَتَجَدُّدِهَا عِنْدَ تَجَدُّدِ الصِّفَاتِ وَتَبَدُّلِهَا فَأَشْعَرَنَا ذَلِكَ بِارْتِبَاطِ هَذِهِ الأحكام بهذه الصفة وقام ذلك مقام التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِالنُّطْقِ فَوَجَبَ جَعْلُ الْجَمِيعِ سَوَاءً فِي الْحُكْمِ وَأَنَّ الْإِسْكَارَ هُوَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ هَذِهِ إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ وَالثَّانِيَةُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَقَوْلِهِ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وحديث كل مسكر خمر وحديث بن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ هُنَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ
(13/149)

فى حديث أنس (أنهم أراقوها بحبر الرَّجُلِ الْوَاحِدِ) فِيهِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ هَذَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ قَوْلُهُ (فَجَرَتْ فِي سكك المدينة) أى طرقها وفى هذه الأحاديث أنها لاتطهر بالتخليل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وجوزه أبوحنيفة وفيه أنه لايجوز إِمْسَاكُهَا وَقَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْلُهُ (إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهِمْ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لصغير السن خدمة الكبار هذا اذا
(13/150)

تتساووا فِي الْفَضْلِ أَوْ تَقَارَبُوا

[1980] قَوْلُهُ (فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ) الْمِهْرَاسُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ حَجَرٌ مَنْقُورٌ وَهَذَا الْكَسْرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ كَسْرُهَا وَإِتْلَافُهَا كَمَا يَجِبُ إِتْلَافُ الْخَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هَذَا وَاجِبًا فَلَمَّا ظَنُّوهُ كَسَرُوهَا وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَذَرَهُمْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمُ الحكم وهو غسلهامن غَيْرِ كَسْرٍ وَهَكَذَا الْحُكْمُ الْيَوْمَ فِي أَوَانِي الْخَمْرِ وَجَمِيعِ ظُرُوفِهِ سَوَاءٌ الْفَخَّارُ وَالزُّجَاجُ وَالنُّحَاسُ والحديد والخشب والجلود فكلها تطهر بالغسل ولايجوز كسرها
(13/151)

(باب تحريم تخليل الْخَمْرِ)
[1983] قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلافقال لا) هذا دليل الشافعى والجمهور أنه لايجوز تخليل الخمر ولاتطهر بِالتَّخْلِيلِ هَذَا إِذَا خَلَّلَهَا بِخُبْزٍ أَوْ بَصَلٍ أوخميرة أو غير ذلك مما يلقى فيها فهي بَاقِيَةً عَلَى نَجَاسَتِهَا وَيَنْجُسُ مَا أُلْقِيَ فِيهَا ولايطهر هَذَا الْخَلُّ بَعْدَهُ أَبَدًا لَا بِغَسْلٍ وَلَا بِغَيْرِهِ أَمَّا إِذَا نُقِلَتْ مِنَ الشَّمْسِ إِلَى الظِّلِّ أَوْ مِنَ الظِّلِّ إِلَى الشَّمْسِ فَفِي طَهَارَتِهَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا تَطْهُرُ هَذَا الَّذِي ذكرناه من أنها لاتطهر إِذَا خُلِّلَتْ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةُ تَطْهُرُ وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَصَحُّهَا عَنْهُ أَنَّ التَّخْلِيلَ حَرَامٌ فَلَوْ خَلَّلَهَا عَصَى وَطَهُرَتْ وَالثَّانِيَةُ حَرَامٌ وَلَا تَطْهُرُ وَالثَّالِثَةُ حَلَالٌ وَتَطْهُرُ وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا طَهُرَتْ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سَحْنُونٍ الْمَالِكِيِّ أَنَّهَا لاتطهر فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب تَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وبيان أنها ليست بدواء)
[1984] قَوْلُهُ (إِنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَى أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا
(13/152)

فَقَالَ إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ) هَذَا دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ اتِّخَاذِ الْخَمْرِ وَتَخْلِيلِهَا وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَكَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهَا بِلَا سَبَبٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا وَكَذَا يَحْرُمُ شُرْبُهَا لِلْعَطَشِ وَأَمَّا إِذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إِلَّا خَمْرًا فَيَلْزَمُهُ الْإِسَاغَةُ بِهَا لِأَنَّ حُصُولَ الشِّفَاءِ بِهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخِلَافِ التَّدَاوِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب بَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُنْبَذُ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا)

[1985] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ الْكَرْمَةِ وَالنَّخْلَةِ وَفِي رِوَايَةٍ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِذَةَ الْمُتَّخَذَةَ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهَا تُسَمَّى خَمْرًا وَهِيَ حَرَامٌ إِذَا كَانَتْ مُسْكِرَةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْخَمْرِيَّةِ عَنْ نَبِيذِ الذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأَنَّهَا
(13/153)

كُلَّهَا خَمْرٌ وَحَرَامٌ وَوَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَسْمِيَةُ الْعِنَبِ كَرْمًا وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِهِ لِلتَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فى لسانهم الغالب فى استعمالهم

(باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين)

[1986] قوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلط التمر والزبيب والبسر والتمر) وَفِي رِوَايَةٍ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا وَفِي رِوَايَةٍ لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ بِنَبْذٍ وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ شرب النبيذ منكم فليشربه زبيبا فردا أوتمرا فردا أو بسرافردا وَفِي رِوَايَةٍ

[1988] لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي النَّهْيِ عَنِ انْتِبَاذِ الْخَلِيطَيْنِ وشربهما وهما تمر وزبيب أوتمر وَرُطَبٌ أَوْ تَمْرٌ وَبُسْرٌ أَوْ رُطَبٌ وَبُسْرٌ أَوْ زَهْوٌ وَوَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ سَبَبُ الْكَرَاهَةِ فِيهِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْكِرًا وَيَكُونُ مُسْكِرًا وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الجمهور أن هذا النهى لكراهة التنزيه ولايحرم ذلك مالم يَصِرْ مُسْكِرًا وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ بعض المالكية هو حرام وقال أبوحنيفة وأبو يوسف فى رواية عنه لاكراهة فيه ولابأس بِهِ لِأَنَّ مَا حَلَّ مُفْرَدًا حَلَّ مَخْلُوطًا وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا مُنَابَذَةٌ
(13/154)

لِصَاحِبِ الشَّرْعِ فَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ مَكْرُوهًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَخْتَصُّ بِالشُّرْبِ أَمْ يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ والأصح
(13/155)

التَّعْمِيمُ وَأَمَّا خَلْطُهُمَا فِي الِانْتِبَاذِ بَلْ فِي معجون وغيره فلابأس بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[1988] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاتنتبذوا الزَّهْوَ) هُوَ بِفَتْحِ الزَّاي وَضَمِّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَهْلُ الْحِجَازِ يَضُمُّونَ وَالزَّهْوَ هُوَ الْبُسْرُ الْمُلَوَّنُ الَّذِي بَدَا فِيهِ حُمْرَةٌ أَوْ صُفْرَةٌ وَطَابَ وَزَهَتِ النَّخْلُ تَزْهُو زَهْوًا وَأَزْهَتْ تُزْهِي وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ أَزْهَتْ بِالْأَلِفِ وَأَنْكَرَ غَيْرُهُ زهت بلاألف وأثبتهما الجمهور
(13/156)

ورجحوا زهت بحذف الألف وقال بن الْأَعْرَابِيِّ زَهَتْ ظَهَرَتْ وَأَزْهَتِ احْمَرَّتْ أَوِ اصْفَرَّتْ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ قَوْلُهُ (وَهُوَ أَبُو كَثِيرٍ الْغُبَرِيُّ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ

[1990] قَوْلُهُ (كَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الراء وهو بلد باليمن
(13/157)

(باب النهى عن الانتباذ فى المزفت والدباء والحنتم والنقير وبيان أنه منسوخ وأنه اليوم حلال مالم يصر مسكرا)
هَذَا الْبَابُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَحُكْمُ الِانْتِبَاذِ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَأَوْضَحْنَا كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَلَا نُعِيدُ هُنَا إِلَّا ما يحتاج إليه مع مالم يَسْبِقْ هُنَاكَ وَمُخْتَصَرُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ
(13/158)

الِانْتِبَاذُ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا فيها ولانعلم بِهِ لِكَثَافَتِهَا فَتَتْلَفُ مَالِيَّتُهُ وَرُبَّمَا شَرِبَهُ الْإِنْسَانُ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا فَيَصِيرُ شَارِبًا لِلْمُسْكِرِ وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِإِبَاحَةِ الْمُسْكِرِ فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ وَاشْتَهَرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحَ لَهُمُ الِانْتِبَاذُ فى كل وعاء بشرط أن لاتشربوا مُسْكِرًا وَهَذَا صَرِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ هذه الأحاديث (كنت نهيتكم عن الانتباذ الافى سقاء فاشربوا فى كل وعاء غير أن لاتشربوا مُسْكِرًا) قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ (أَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُقَيَّرِ وَالْحَنْتَمُ الْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ وَلَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ وَأَوْكِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِبِلَادِنَا وَالْحَنْتَمُ الْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمَاهِيرِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَمُعْظَمِ النُّسَخِ قَالَ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْحَنْتَمُ وَالْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَالْأُولَى تَغْيِيرٌ وَوَهَمٌ قَالَ وَكَذَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ وَعَنِ الْحَنْتَمِ وَعَنِ الْمَزَادَةِ الْمَجْبُوبَةِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالْحَنْتَمُ وَالدُّبَّاءُ وَالْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ قَالَ وَضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَجْبُوبَةُ بِالْجِيمِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُكَرَّرَةِ قال وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ الْمَخْنُوثَةُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَبَعْدَ الْوَاوِ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ إِنَّهَا بِالْجِيمِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَثَابِتٌ هِيَ الَّتِي قُطِعَ رَأْسُهَا فَصَارَتْ كَهَيْئَةِ الدَّنِّ وَأَصْلُ الْجَبِّ الْقَطْعُ وَقِيلَ هِيَ الَّتِي قُطِعَ رَأْسُهَا وَلَيْسَتْ لَهَا عزلاءمن أَسْفَلِهَا يَتَنَفَّسُ الشَّرَابُ مِنْهَا فَيَصِيرُ شَرَابُهَا مُسْكِرًا ولايدرى بِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ وَأَوْكِهِ
(13/159)

قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّ السِّقَاءَ إِذَا أُوكِيَ أُمِنَتْ مَفْسَدَةُ الْإِسْكَارِ لِأَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ نَبِيذُهُ وَاشْتَدَّ وَصَارَ مُسْكِرًا شَقَّ الْجِلْدَ الْمُوكَى فَمَا لم يشقه لايكون مُسْكِرًا بِخِلَافِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمَزَادَةِ الْمَجْبُوبَةِ وَالْمُزَفَّتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْعِيَةِ الْكَثِيفَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَصِيرُ فيها مسكرا ولايعلم قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ يعنى بن الْفَضْلِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا الْفَضْلُ بِغَيْرِ مِيمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ مُعْظَمِ نُسَخِ بِلَادِهِمْ وَهُوَ الصَّوَابُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَغَارِبَةِ الْمُفَضَّلُ بِالْمِيمِ وَهُوَ خَطَأٌ
(13/160)

صَرِيحٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِ الِانْتِبَاذِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الصواب
(13/161)

باتفاق نسخ الجميع قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَذَكَرَ الْإِسْنَادَ الثَّانِي إِلَى شُعْبَةَ عَنْ يَحْيَى أَبِي عُمَرَ الْبَهْرَانِيِّ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ نُسَخِ بِلَادِنَا يَحْيَى أَبِي عُمَرَ بِالْكُنْيَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَقَعَ لِجَمِيعِ شُيُوخِهِمْ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بِالْبَاءِ وَالنُّونِ نِسْبَةً قَالَ وَلِبَعْضِهِمْ يَحْيَى بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ وَكِلَاهُمَا وَهَمٌ وَإِنَّمَا هُوَ يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو عُمَرَ الْبَهْرَانِيُّ وَكَذَا جَاءَ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِ الِانْتِبَاذِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّوَابِ

[1996] باب النهي عَنِ الْجَرِّ) هُوَ بِمَعْنَى الْجِرَارِ الْوَاحِدَةُ جَرَّةٌ وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْجِرَارِ مِنَ الْحَنْتَمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَنْسُوخٌ كَمَا سَبَقَ
(13/162)

قَوْلُهُ (قُلْتُ يَعْنِي لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَيُّ شَيْءٍ نَبِيذُ الْجَرِّ فَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنَ المدر) هذا تصريح من بن عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْجَرَّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْجِرَارِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْمَدَرِ الَّذِي هُوَ التُّرَابُ
(13/163)

قَوْلُهُ (وَنَهَى عَنِ النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا أَوْ تُنْقَرُ نَقْرًا) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ وَالنَّسْحُ بِسِينٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ تُقْشَرُ ثُمَّ تُنْقَرُ فَتَصِيرُ نَقِيرًا وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تُنْسَجُ بِالْجِيمِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هُوَ تَصْحِيفٌ وَادَّعَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِي التِّرْمِذِيِّ بِالْجِيمِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مُعْظَمُ نسخ مسلم بالحاء قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ سَلَمَةَ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُقَدِّمَةِ هذا الشرح
(13/165)

قوله (ينبذ له فى نور مِنْ حِجَارَةٍ) هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَوْرٍ مِنْ بِرَامٍ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ مِنْ حِجَارَةٍ وَهُوَ قَدَحٌ كَبِيرٌ كَالْقِدْرِ يُتَّخَذُ تَارَةً مِنَ الْحِجَارَةِ وَتَارَةً مِنَ النُّحَاسِ وَغَيْرِهِ
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِنَسْخِ النَّهْيِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الْكَثِيفَةِ كَالدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ تَوْرَ الْحِجَارَةِ أَكْثَفُ مِنْ هَذِهِ كُلِّهَا وَأَوْلَى بِالنَّهْيِ مِنْهَا فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَبَذَ لَهُ فِيهِ دَلَّ عَلَى النَّسْخِ
(13/166)

وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ إِلَى آخِرِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم (نهيتكم عن النبيذ إلافى سقاء فاشربوا فى الأسقية كلها ولاتشربوا مُسْكِرًا) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ وإن الظروف أو ظرفا لايحل شيئا ولايحرمه وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ فَاشْرَبُوا فى كل وعاء غير أن لاتشربوا مُسْكِرًا قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا تَغْيِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَصَوَابُهُ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن الأشربة إلافى ظُرُوفِ الْأَدَمِ فَحَذَفَ لَفْظَةَ إِلَّا الَّتِي لِلِاسْتِثْنَاءِ ولابد مِنْهَا قَالَ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى فِيهَا تَغْيِيرٌ أَيْضًا وَصَوَابُهَا فَاشْرَبُوا فِي الْأَوْعِيَةِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَسْقِيَةَ وَظُرُوفَ الْأَدَمِ لَمْ تَزَلْ مُبَاحَةً مَأْذُونًا فِيهَا وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ غَيْرِهَا مِنَ
(13/167)

الْأَوْعِيَةِ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى كُنْتُ نهيتكم عن الانتباذ الافى سِقَاءٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ صَوَابَ الرِّوَايَتَيْنِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن الانتباذ الافى سِقَاءٍ فَانْتَبِذُوا وَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ وَمَا سِوَى هَذَا تَغْيِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ وَيُقَالُ فِيهِ مَعْرُوفٌ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيذِ) الْحَدِيثَ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِبِلَادِنَا وَمُعْظَمُ النُّسَخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عمرو وبواو من الخط وهو بن عمرو بن العاص ووقع فى بعضها بن عمر بضم العين يعنى بن الْخَطَّابِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ نُسَخَهُمْ أَيْضًا اخْتَلَفَتْ فِيهِمْ وَأَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْغَسَّانِيَّ قَالَ الْمَحْفُوظُ بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِبُ بن عيينة وبن أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فى مسند بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَنَسَبَهُ إِلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَكَذَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَوْعِيَةِ قَالُوا لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَوَقَعَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَسْقِيَةِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ الْمَدِينِيِّ
(13/168)

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ وَلَعَلَّهُ نقص منه فيكون عن النبيذ إلافى الْأَسْقِيَةِ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد وأبى بكربن أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ (لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ) فَمَعْنَاهُ يَجِدُ أَسْقِيَةَ الْأَدَمِ وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ) فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ أولاثم رَخَّصَ فِي جَمِيعِ الْأَوْعِيَةِ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(

[2002]

[2003]

بَاب بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مسكر خمر وأن كل خمر حرام)
قَدْ سَبَقَ مَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ وَذَكَرْنَا دَلَائِلَهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مَعَ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِيهِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَهُوَ خَمْرٌ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَسْمِيَةِ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ خَمْرًا لَكِنْ قَالَ أَكْثَرُهُمْ هُوَ مَجَازٌ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْخَمْرِ عَصِيرُ الْعِنَبِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ هُوَ حَقِيقَةٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2001] قَوْلُهُ (سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ) هُوَ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ وَهُوَ شَرَابُ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَيُقَالُ أَيْضًا بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ كَقِمْعٍ وَقِمَعٍ

[2001] قَوْلُهُ (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِتْعِ فَقَالَ كُلُّ شراب أسكر فهو حرام) هذامن جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْتِي إِذَا رَأَى بِالسَّائِلِ حَاجَةً إِلَى غَيْرِ مَا سَأَلَ أَنْ يَضُمَّهُ فِي الْجَوَابِ إِلَى الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَنَظِيرُ هَذَا
(13/169)

الْحَدِيثِ حَدِيثُ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ

[1733] قَوْلُهُ (إِنَّ شَرَابًا يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ مِنَ الشَّعِيرِ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيَكُونُ مِنَ الذُّرَةِ ومن الشعير ومن الحنطة قَوْلُهُ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ) أَيْ إِيجَازُ اللَّفْظِ مَعَ تَنَاوُلِهِ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ جِدًّا وقوله (بِخَوَاتِمِهِ) أَيْ كَأَنَّهُ يَخْتِمُ عَلَى الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا اللَّفْظُ الْيَسِيرُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ طَالِبِهِ وَمُسْتَنْبِطِهِ لِعُذُوبَةِ لَفْظِهِ وَجَزَالَتِهِ قَوْلُهُ (يَطْبُخُ حَتَّى يَعْقِدَ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ كسر الْقَافِ يُقَالُ عَقَدَ الْعَسَلَ وَنَحْوَهُ وَأَعْقَدْتُهُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) هذا الاسناد استدركه الدارقطنى وقال لم بتابع بن عباد على هذا قال ولايصح
(13/170)

هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ وَقَدْ روى عن بن عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ وَلَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ البخارى
(13/171)

من رواية بن والله أعلم
(13/172)

(باب عقوبة من شرب الخمر اذا لم يتب منها بمنعه إياها فِي الْآخِرَةِ)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ) وَفِي رِوَايَةٍ حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحْرَمُ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ دَخَلَهَا فَإِنَّهَا مِنْ فَاخِرِ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَيُمْنَعُهَا هَذَا الْعَاصِي بِشُرْبِهَا فِي الدُّنْيَا قِيلَ إِنَّهُ يَنْسَى شَهْوَتَهَا لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا كُلُّ مايشتهى وَقِيلَ لَا يَشْتَهِيهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا وَيَكُونُ هَذَا نَقْصُ نَعِيمٍ فِي حَقِّهِ تَمْيِيزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَارِكِ شُرْبِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ مُتَكَلِّمُو أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ تَكْفِيرَهَا قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ وَهُوَ الْأَقْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ ولم يصر مسكرا)
[2004] فيه بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينتبذله أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ والليلة التى تجئ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ) وَالْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ بِمَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ
(13/173)

الِانْتِبَاذِ وَجَوَازِ شُرْبِ النَّبِيذِ مَا دَامَ حُلْوًا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَغْلِ وَهَذَا جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَأَمَّا سَقْيُهُ الْخَادِمَ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَصَبُّهُ فلأنه لايؤمن بَعْدَ الثَّلَاثِ تَغَيُّرُهُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَقَوْلُهُ (سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ صَبَّهُ) مَعْنَاهُ تَارَةً يَسْقِيهِ الْخَادِمَ وَتَارَةً يَصُبُّهُ وَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ لِاخْتِلَافِ حَالِ النَّبِيذِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَغَيُّرٌ ونحوه من مبادئ الإسكار سقاه الخادم ولايريقه لِأَنَّهُ مَالٌ تَحْرُمُ إِضَاعَتُهُ وَيَتْرُكُ شُرْبَهُ تَنَزُّهًا وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مبادىء الْإِسْكَارِ وَالتَّغَيُّرِ أَرَاقَهُ لِأَنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ صَارَ حراما ونجسا فيراق ولايسقيه الخادم لأن المسكر لايجوز سقيه الخادم كما لايجوز شُرْبُهُ وَأَمَّا شُرْبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الثلاث فكان حيث لاتغير ولامبادىء تغير ولاشك أَصْلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عائشة (ينبذ غدوة فيشربه عشاء وينبذعشاء فيشربه غدوة) فليس مخالفا لحديث بن عباس فى الشرب إلى ثلاثلأن الشُّرْبَ فِي يَوْمٍ لَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَعَلَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ زَمَنَ الْحَرِّ وَحَيْثُ يُخْشَى فَسَادُهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ وحديث بن عَبَّاسٍ فِي زَمَنٍ يُؤْمَنُ فِيهِ التَّغَيُّرُ قَبْلَ الثَّلَاثِ وَقِيلَ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى نَبِيذٍ قليل يفرغ فى يومه وحديث بن عباس فى كثير لايفرغ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ) يُقَالُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا وَقَدْ سَبَقَ بيانه مرات
(13/174)