Advertisement

شرح النووي على مسلم 013



الكتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة: الثانية، 1392
عدد الأجزاء: 18 (في 9 مجلدات)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) الْمُرَادُ بِالتَّقْدِيرِ هُنَا الْكِتَابَةُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَفِي صُحُفِ التَّوْرَاةِ وَأَلْوَاحِهَا أَيْ كَتَبَهُ عَلَيَّ قَبْلَ خَلْقِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فَقَالَ بِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ قَالَ مُوسَى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ أَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُصَرِّحَةٌ بِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالتَّقْدِيرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ الْقَدَرِ فَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَدَّرَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَأَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ أَزَلِيٌّ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ مُرِيدًا لِمَا أَرَادَهُ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ وَخَيْرٍ وَشَرٍّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِي جَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِاتِّفَاقِ النَّاقِلِينَ وَالرُّوَاةِ وَالشُّرَّاحِ
(16/201)

وَأَهْلِ الْغَرِيبِ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى بِرَفْعِ آدَمَ وَهُوَ فَاعِلٌ أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ بِهَا وَمَعْنَى كَلَامِ آدَمَ أَنَّكَ يَا مُوسَى تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أخلق وقدر علي فلابد مِنْ وُقُوعِهِ وَلَوْ حَرَصْتُ أَنَا وَالْخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ عَلَى رَدِّ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْهُ لَمْ نَقْدِرْ فَلِمَ تَلُومُنِي عَلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّ اللَّوْمَ عَلَى الذَّنْبِ شَرْعِيِّ لَا عَقْلِيِّ وَإِذْ تَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آدَمَ وَغَفَرَ لَهُ زَالَ عَنْهُ اللَّوْمُ فَمَنْ لَامَهُ كَانَ مَحْجُوجًا بِالشَّرْعِ فَإِنْ قِيلَ فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ اللَّوْمُ وَالْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِي بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ وَغَيْرِهَا وَفِي لَوْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ زَجْرٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ محتاج إلى الزجر مالم يَمُتْ فَأَمَّا آدَمُ فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الزَّجْرِ فَلَمْ يَكُنْ
(16/202)

فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ فَائِدَةٌ بَلْ فِيهِ إِيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ

[2653] (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلِفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ تَحْدِيدُ وَقْتِ الْكِتَابَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ غَيْرِهِ لَا أَصْلُ التَّقْدِيرِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَزَلِيٌّ لَا أَوَّلَ لَهُ وَقَوْلُهُ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ أَيْ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(16/203)

(بَاب تَصْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2654] (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَفِيهَا الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ قَرِيبًا أَحَدُهُمَا الْإِيمَانُ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَأْوِيلٍ وَلَا لِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى بَلْ يُؤْمَنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ليس كمثله شئ وَالثَّانِي يُتَأَوَّلُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهَا فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ الْمَجَازُ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فِي قَبْضَتِي وَفِي كَفِّي لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حَالٌّ فِي كَفِّهِ بَلِ الْمُرَادُ تَحْتَ قُدْرَتِي وَيُقَالُ فُلَانٌ بَيْنَ إِصْبَعِي أُقَلِّبُهُ كَيْفَ شِئْتُ أَيْ أَنَّهُ مِنِّي عَلَى قَهْرِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُ فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَصَرِّفٌ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ شَاءَ لا يمتنع عليه منها شئ ولا يفوته ما أراده كما لايمتنع عَلَى الْإِنْسَانِ مَا كَانَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ فَخَاطَبَ الْعَرَبَ بِمَا يَفْهَمُونَهُ وَمَثَّلَهُ بِالْمَعَانِي الْحِسِّيَّةِ تَأْكِيدًا لَهُ فِي نُفُوسِهِمْ فَإِنَّ قِيلَ فَقُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدَةٌ وَالْإِصْبَعَانِ لِلتَّثْنِيَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ فَوَقَعَ التَّمْثِيلُ بحسب ما اعتادوه غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(باب كل شئ بِقَدَرٍ)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2655] (كُلُّ شئ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ أَوْ قَالَ الْكَيْسُ والعجز) قال
(16/204)

الْقَاضِي رَوَيْنَاهُ بِرَفْعِ الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ عَطْفًا عَلَى كُلُّ وَبِجَرِّهِمَا عَطْفًا عَلَى شَيْءٍ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعَجْزَ هُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ بِهِ وَتَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ الْعَجْزُ عَنِ الطَّاعَاتِ وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْكَيْسُ ضِدُّ الْعَجْزِ وَهُوَ النَّشَاطُ وَالْحِذْقُ بِالْأُمُورِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعَاجِزَ قَدْ قَدَّرَ عَجْزَهُ وَالْكَيِّسُ قَدْ قَدَّرَ كَيْسَهُ قَوْلُهُ

[2656] (جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر المراد بالقدر هنا القدر المعروف وهو ما قدر الله وقضاه وسبق به علمه وارادته وأشار الباجي إلى خلاف هذا وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَالْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَأَنَّهُ عَامٌّ فِي كل شئ فَكُلُّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ فِي الْأَزَلِ مَعْلُومٌ لِلَّهِ مراد له

(باب قدر على بن آدم حظه من الزنى وغيره)
قوله

[2657] (ما رأيت شيئا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الله كتب على بن آدم حظه من الزنى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ كتب على بن آدم نصيبه من الزنى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَى وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ
(16/205)

معنى الحديث أن بن آدم قدر عليه نصيب من الزنى فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ زِنَاهُ حَقِيقِيًّا بِإِدْخَالِ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ الْحَرَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ زِنَاهُ مجازا بالنظر الحرام اوالاستماع إلى الزنى وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْصِيلِهِ أَوْ بِالْمَسِّ بِالْيَدِ بِأَنْ يَمَسَّ أَجْنَبِيَّةً بِيَدِهِ أَوْ يُقَبِّلُهَا أَوْ بِالْمَشْيِ بالرجل إلى الزنى اوالنظر أَوِ اللَّمْسِ أَوِ الْحَدِيثِ الْحَرَامِ مَعَ أَجْنَبِيَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ بِالْفِكْرِ بِالْقَلْبِ فَكُلُّ هَذِهِ انواع من الزنى الْمَجَازِيِّ وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ معناه أنه قد يحقق الزنى بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يُولِجُ الْفَرْجُ فِي الْفَرْجِ وَإِنْ قَارَبَ ذَلِكَ والله اعلم واما قول بن عَبَّاسٍ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمَعْنَاهُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إن ربك واسع المغفرة وَمَعْنَى الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الْمَعَاصِي غَيْرَ اللَّمَمِ يُغْفَرُ لَهُمُ اللَّمَمُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عنه نكفر عنكم سيئاتكم فَمَعْنَى الْآيَتَيْنِ أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرَ يُسْقِطُ الصَّغَائِرَ وهي اللمم وفسره بن عَبَّاسٍ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّظَرِ وَاللَّمْسِ وَنَحْوهِمَا وَهُوَ كَمَا قَالَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ وَقِيلَ أَنْ يُلِمَّ بالشئ وَلَا يَفْعَلُهُ وَقِيلَ الْمَيْلُ إِلَى الذَّنْبِ وَلَا يُصِرُّ عَلَيْهِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بظاهر واصل اللمم والالمام الميل إلى الشئ وطلبه من غير مداومة والله اعلم
(16/206)

(باب معنى كل مولود يولد علىالفطرة)
وحكم موتى اطفال الكفار وأطفال المسلمين قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2658] (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ ابو هريرة اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عليها لا تبديل لخلق الله الآية) وفي رواية مامن مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ

[2660] وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا

[2661] وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تُوُفِّي صَبِيٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ كَمَا أَنْكَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي قَوْلِهِ أَعْطِهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ أَوْ مُسْلِمًا الْحَدِيثَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم مامن مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[2660] وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ قال
(16/207)

الْأَكْثَرُونَ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِيهِمْ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ وَحَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ

[2659] وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وَلَا! يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمَوْلُودِ التَّكْلِيفِ وَيَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ حَتَّى يَبْلُغَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فقال المازري قيل هي ما أخذ عليهم فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَأَنَّ الْوِلَادَةَ تَقَعُ عَلَيْهَا حتى يحصل التغيير بِالْأَبَوَيْنِ وَقِيلَ هِيَ مَا قُضِي عَلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ يَصِيرُ إِلَيْهَا وَقِيلَ هِيَ ما هئ لَهُ هَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَقبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ لَمْ يَرِثْهُمَا وَلَمْ يَرِثَاهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُمَا كَافِرَانِ وَلَمَا جَازَ أن يسبى فَلَمَّا فُرِضَتِ الْفَرَائِضُ وَتَقَرَّرَتِ السُّنَنُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى دِينِهِمَا وَقَالَ بن الْمُبَارَكِ يُولَدُ عَلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا وُلِدَ عَلَى الْكُفْرِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِقْرَارِ بِهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ يُقِرُّ بِأَنَّ لَهُ صَانِعًا وَإِنْ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ أَوْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُتَهَيِّئًا لِلْإِسْلَامِ فَمَنْ كَانَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهُمَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهَذَا مَعْنَى يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ أَيْ يَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي الدُّنْيَا فَإِنْ بَلَغَ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ وَدِينِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ سَبَقَتْ لَهُ سَعَادَةٌ أَسْلَمَ وَإِلَّا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَمِ النَّارِ أَمْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ فَفِيهِ الْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ قَرِيبًا الْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمْ فِي النَّارِ وَحَقِيقَةُ لَفْظِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْ بَلَغُوا وَلَمْ يَبْلُغُوا إِذِ التَّكْلِيفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْبُلُوغِ وَأَمَّا غُلَامُ الْخَضِرِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ قَطْعًا لِأَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ فَيَكُونُ هُوَ مُسْلِمًا فَيَتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا لَا أَنَّهُ كَافِرٌ فِي الْحَالِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ فِي الْحَالِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
(16/208)

(كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً) فَهُوَ بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ وَرَفْعِ الْبَهِيمَةِ وَنَصْبِ بَهِيمَةٍ وَمَعْنَاهُ كَمَا تَلِدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً (جَمْعَاءُ) بِالْمَدِّ أَيْ مُجْتَمِعَةُ الْأَعْضَاءِ سَلِيمَةٌ مِنْ نَقْصٍ لَا تُوجَدُ فِيهَا جَدْعَاءُ بِالْمَدِّ وَهِيَ مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْبَهِيمَةَ كَامِلَةَ الْأَعْضَاءِ لَا نَقْصَ فِيهَا وَإِنَّمَا يَحْدُثُ فِيهَا الْجَدْعُ وَالنَّقْصُ بَعْدَ وِلَادَتِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ زهير بن حرب (مامن مَوْلُودٍ إِلَّا يُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ يُلِدَ بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَكَسْرِ اللَّامِ عَلَى وَزْنِ ضُرِبَ حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى إِبْدَالِ الْوَاوِ يَاءً لِانْضِمَامِهَا قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ الْهِجْرِيُّ فِي نَوَادِرِهِ يُقَالُ وُلِدَ وَيُلِدَ بمعنى قال
(16/209)

القاضي ورواه غير السَّمَرْقَنْدِيُّ يُولَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَيْهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِي حِضْنَيْهِ بِحَاءٍ مُهْمَلةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ يَاءِ تَثْنِيَةُ حِضْنٍ وَهُوَ الْجَنْبُ وَقِيلَ الخاصرة قال القاضي ورواه بن مَاهَانَ خُصْيَيْهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْأُنْثَيَانِ قَالَ الْقَاضِي وَأَظُنُّ هَذَا وَهَمًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا وَسَبَقَ شَرْحُ هَذَا الحديث في كتاب الفضائل وسبق ذكر الغلام
(16/210)

الذي قتله الخضر في فضائل الخضر قوله0عن رقبة بن مسقلة) هكذا هو في جميع النسخ مسقلة بالسين وهو صحيح يقال بالسين والصاد وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ بَيَانٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يكون ما لَا يَكُونُ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ نَظَائِرِهِ مِنَ القرآن والحديث
(16/211)

(باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها)
لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر قَوْلُهُ

[2663] (قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي
(16/212)

مُعَاوِيَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سألت الله عزوجل لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ وَلَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ) أَمَّا حِلِّهِ فَضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ فَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا فِي الْمَوَاضِعِ الْخَمْسَةِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ جَمِيعَ الرُّوَاةِ عَلَى الْفَتْحِ وَمُرَادُهُ رُوَاةُ بِلَادِهِمْ وَإِلَّا فَالْأَشْهَرُ عِنْدَ رُوَاةِ بِلَادِنَا الْكَسْرُ وَهُمَا لُغَتَانِ وَمَعْنَاهُ وُجُوبُهُ وَحِينُهُ يُقَالُ حَلَّ الْأَجَلُ يَحِلُّ حِلًّا وَحَلًّا وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ مُقَدَّرَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ عَمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ فِي الْأَزَلِ فَيَسْتَحِيلُ زِيَادَتُهَا وَنَقْصُهَا حَقِيقَةً عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ صِلَةِ الرَّحِمِ تُزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَنَظَائِرِهِ فَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيلُهُ فِي بَابِ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَاضِحًا قَالَ الْمَازِرِيُّ هُنَا قَدْ تَقَرَّرَ بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ وَغَيْرِهَا وَحَقِيقَةُ الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ على ماهو عَلَيْهِ فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ زَيْدًا يَمُوتُ سِنُّهُ خَمْسُمِائَةٌ اسْتَحَالَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لِئَلَّا يَنْقَلِبَ الْعِلْمُ جَهْلًا فَاسْتَحَالَ أَنَّ الْآجَالَ الَّتِي عَلِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى تَزِيدُ وَتَنْقُصُ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الزِّيَادَةِ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ وَكَّلَهُ اللَّهُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ وَأَمَرَهُ فِيهَا بِآجَالٍ مَمْدُودَةٍ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ أَوْ يُثْبِتُهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَنْقُصُ مِنْهُ وَيَزِيدُ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ فِي الْأَزَلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ ويثبت وعلى ماذكرناه يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مسمى عنده وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَاتَ بِأَجَلِهِ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ قُطِعَ أَجَلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ مَا الْحِكْمَةُ فِي نَهْيِهَا عَنِ الدُّعَاءِ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ لِأَنَّهُ مَفْرُوغٌ مِنْهُ وَنَدْبِهَا إِلَى الدُّعَاءِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْعَذَابِ مَعَ أَنَّهُ مَفْرُوغٌ مِنْهُ أَيْضًا كَالْأَجَلِ فَالْجَوَابُ أن الجميع مفروع مِنْهُ لَكِنِ الدُّعَاءَ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ
(16/213)

النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَحْوِهِمَا عِبَادَةٌ وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعِبَادَاتِ فَقِيلَ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَمَا سَبَقَ لَنَا مِنَ الْقَدَرِ فَقَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَأَمَّا الدعاء بطول الأجل فليس عبادة وكمالا يَحْسُنُ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالذِّكْرِ اتِّكَالًا عَلَى الْقَدَرِ فَكَذَا الدُّعَاءُ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَنَحْوِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ مَسْخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْمَسْخِ وَجَاءَ كَانُوا بِضَمِيرِ الْعُقَلَاءِ مَجَازًا لِكَوْنِهِ جَرَى فِي الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهَا لِلْعُقَلَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى رَأَيْتُهُمْ لي ساجدين وكل في فلك يسبحون
(16/214)

(باب الايمان للقدر والاذعان له)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2664] (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) وَالْمُرَادُ بِالْقُوَّةِ هُنَا عَزِيمَةُ النَّفْسِ وَالْقَرِيحَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ فَيَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ أَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوِّ فِي الْجِهَادِ وَأَسْرَعَ خُرُوجًا إِلَيْهِ وَذَهَابًا فِي طَلَبِهِ وَأَشَدَّ عَزِيمَةً فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَرْغَبَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْأَذْكَارِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَأَنْشَطَ طَلَبًا لَهَا وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ فَمَعْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ خَيْرٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِيمَانِ مَعَ مَا يَأْتِي بِهِ الضَّعِيفُ مِنَ الْعِبَادَاتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ) أَمَّا احْرِصْ فَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَعْجِزْ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَحُكِي فَتْحُهُمَا جَمِيعًا وَمَعْنَاهُ احْرِصْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ وَاطْلُبِ الْإِعَانَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَلَا تَعْجِزْ وَلَا تَكْسَلْ عَنْ طَلَبِ الطَّاعَةِ وَلَا عَنْ طَلَبِ الْإِعَانَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ أَصَابَكَ شئ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ
(16/215)

الشَّيْطَانِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ قَطْعًا فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا ماشاء اللَّهُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ لَرَآنَا قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا لَا حُجَّةٌ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَى لِرَدِّ قدر بعد وقوعه قال وكذا جميع ماذكره الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوِّ كَحَدِيثِ لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَأَتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ولوكنت راجما بغير بينة لرجمت هذه ولولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى قَدَرٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْلَا الْمَانِعُ وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِهِ فَأَمَّا مَا ذَهَبَ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ قَالَ الْقَاضِي فَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ لَكِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ أَيْ يُلْقِي فِي الْقَلْبِ مُعَارَضَةَ الْقَدَرِ وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قُلْتُ وَقَدْ جَاءَ مِنَ اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي الْمَاضِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَيَكُونُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَأَمَّا من قاله تأسفا على مافات من طاعة الله تعالى أو ماهو مُتَعَذَّرٌ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(كِتَاب الْعِلْمِ)
(بَاب النَّهْيِ عَنْ اتِّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ)
وَالنَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ

[2665] (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَأَمَّا التَّاءُ الثَّانِيَةُ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ
(16/216)

فَتْحُهَا وَلَمْ يَذْكُرِ السَّمْعَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَنْسَابِ وَالْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرُونَ غَيْرَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهَا مَضْمُومَةٌ كَالْأُولَى قَالَ وَضَبَطَهَا الْبَاجِيُّ بِالْفَتْحِ قَالَ السَّمْعَانِيُّ هِيَ بَلْدَةٌ مِنْ كُوَرِ الْأَهْوَازِ مِنْ بِلَادِ خُورِسْتَانَ يَقُولُ لَهَا النَّاسُ شَتَرُ بِهَا قَبْرُ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّحَابِيِّ أَخِي أَنَسٍ قَوْلُهَا (تَلَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وأخر متشابهات إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ) قَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأُصُولِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى إِذَا لَمْ يَرِدْ تَوْقِيفٌ فِي تَفْسِيرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَتَنَاسُبُ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ وَلَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُتَشَابِهُ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَالْمُحْكَمُ مَا سِوَاهُ وَلَا قَوْلُهُمْ الْمُحْكَمُ مَا يَعْرِفُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَالْمُتَشَابِهُ مَا انْفَرَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَلَا قَوْلُهُمْ الْمُحْكَمُ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْمُتَشَابِهُ الْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ فَهَذَا أَبْعَدُ الْأَقْوَالِ قَالَ بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُحْكَمَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمَكْشُوفُ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِشْكَالٌ وَاحْتِمَالٌ وَالْمُتَشَابِهُ مَا يَتَعَارَضُ فِيهِ الِاحْتِمَالِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا انْتَظَمَ تَرْتِيبُهُ مُفِيدًا إِمَّا ظَاهِرًا وَإِمَّا بِتَأْوِيلٍ وَأَمَّا الْمُتَشَابِهِ فَالْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرَكَةُ كَاَلْقُرْءِ وكالذي بيده عقدة النكاح وكاللمس فَالْأَوَّلُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالثَّانِي
(16/217)

بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ وَالثَّالِثُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْمَسِّ باليد ونحوها قال ويطلق على ماورد فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ الْجِهَةَ وَالتَّشْبِيهَ وَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هَلْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَتَكُونُ الْوَاوُ فِي وَالرَّاسِخُونَ عَاطِفَةً أَمْ لَا وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الا الله ثُمَّ يَبْتَدِئُ قَوْلَهُ تَعَالَى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يقولون آمنا به وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمَلٌ وَاخْتَارَهُ طَوَائِفُ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ وَأَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَهُ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا لَا يُفِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَمَنْ يَتَّبِعُ الْمُشْكِلَاتِ لِلْفِتْنَةِ فَأَمَّا مَنْ سَأَلَ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا لِلِاسْتِرْشَادِ وَتَلَطَّفَ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَجَوَابُهُ وَاجِبٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يُجَابُ بَلْ يُزْجَرُ وَيُعَزَّرُ كَمَا عَزَّرَ عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه صبيع بن عسل حِينَ كَانَ يَتْبَعُ الْمُتَشَابِهَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ

[2666] (هَجَّرْتُ يَوْمًا) أَيْ بَكَّرْتُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ باختلافهم في الكتاب)
و [2667] في رواية اقرؤوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا الْمُرَادُ بِهَلَاكِ مَنْ قَبْلَنَا هُنَا هَلَاكُهُمْ فِي الدِّينِ بِكُفْرِهِمْ وَابْتِدَاعِهِمْ فَحَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ وَالْأَمْرُ بِالْقِيَامِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى اخْتِلَافٍ لَا يَجُوزُ او اختلاف
(16/218)

يُوقِعُ فِيمَا لَا يَجُوزُ كَاخْتِلَافٍ فِي نَفْسِ الْقُرْآنِ أَوْ فِي مَعْنًى مِنْهُ لَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ أَوِ اخْتِلَافٍ يُوقِعُ فِي شَكٍّ او شبهة اوفتنة وخصومة اوشجار وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي اسْتِنْبَاطِ فُرُوعِ الدِّينِ مِنْهُ وَمُنَاظَرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفَائِدَةِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2668] (أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ) هُوَ بِفَتْحِ الخاء وكسر الصاد والألد شَدِيدُ الْخُصُومَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ لَدِيدَيِ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ لِأَنَّهُ كُلَّمَا اُحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ أَخَذَ فِي جَانِبِ آخَرَ وَأَمَّا الْخَصِمُ فَهُوَ الْحَاذِقُ بِالْخُصُومَةِ وَالْمَذْمُومُ هُوَ الْخُصُومَةُ بِالْبَاطِلِ فِي رَفْعِ حق او اثبات بَاطِلٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2669] (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ إِلَخْ) السَّنَنُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالنُّونِ وَهُوَ الطَّرِيقُ وَالْمُرَادُ بِالشِّبْرِ
(16/219)

وَالذِّرَاعِ وَجُحْرِ الضَّبِّ التَّمْثِيلُ بِشِدَّةِ الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ وَالْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ لَا فِي الْكُفْرِ وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ) قَالَ الْمَازِرِيُّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَقْطُوعَةِ فِي مُسْلِمٍ وَهِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ هَذَا آخِرُهَا قَالَ الْقَاضِي قَلَّدَ الْمَازِرِيُّ أَبَا عَلِيٍّ الْغَسَّانِيَّ الْجَيَّانِيَّ فِي تَسْمِيَتِهِ هَذَا مَقْطُوعًا وَهِيَ تسمية باطلة وانما هذا عند اهل الصنعة من باب رواية المجهول وانما المقطوع ما حذف منه راو قلت وتسمية هذا الثاني ايضا مقطوعا مجاز وانما هو منقطع ومرسل عند الاصوليين والفقهاء وانما حقيقة الْمَقْطُوعُ عِنْدَهُمُ الْمَوْقُوفُ عَلَى التَّابِعِيِّ فَمَنْ بَعْدَهُ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ نَحْوَهُ وَكَيْفَ كَانَ فَمَتْنُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الثَّانِي مُتَابَعَةً وَقَدْ سَبَقَ ان المتابعة يحتمل فيها مالا يُحْتَمَلُ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ هُنَا اتِّصَالُ هَذَا الطَّرِيقِ الثَّانِي من جهة ابي إسحاق إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ رَاوِي الْكِتَابِ عَنْ مُسْلِمٍ وهو من زياداته وعالي اسناده قال ابو إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا بن أَبِي مَرْيَمَ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى آخِرِهِ فَاتَّصَلَتِ الرواية وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2670] (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) أَيِ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ
(16/220)

(بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ وَقَبْضِهِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ)
قَوْلُهُ

[2671] (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ إِلَخْ) هَذَا الْإِسْنَادُ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَثْبُتُ الْجَهْلُ وتشرب الخمر ويظهر الزنى) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ يَثْبُتُ الْجَهْلُ مِنَ الثُّبُوتِ وَفِي بَعْضِهَا يُبَثُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مُثَلَّثَةٌ مُشَدَّدَةٌ أَيْ يُنْشَرُ وَيَشِيعُ وَمَعْنَى تُشْرَبُ الْخَمْرُ شُرْبًا فاشيا ويظهر الزنى أَيْ يَفْشُو وَيَنْتَشِرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرواية الثانية وأشراط السَّاعَةِ عَلَامَاتُهَا وَاحِدُهَا شَرَطٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ ويقل الرِّجَالُ بِسَبَبِ الْقَتْلِ وَتَكْثُرُ النِّسَاءُ فَلِهَذَا يَكْثُرُ الجهل والفساد ويظهر الزنى والخمر ويتقارب الزَّمَانُ أَيْ يَقْرُبُ مِنَ الْقِيَامَةِ وَيُلْقَى الشُّحُّ هُوَ بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ أَيْ يُوضَعُ فِي الْقُلُوبِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ يُلَقَّى بِفَتْحِ اللَّامِ
(16/221)

وَتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ يُعْطَى وَالشُّحُّ هُوَ الْبُخْلُ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْحِرْصُ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ
(16/222)

فِيهِ مَبْسُوطًا فِي بَابِ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَفِي رِوَايَةٍ وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ هَذَا يَكُونُ قَبْلَ قَبْضِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2673] (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤسا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَبْضِ
(16/223)

الْعِلْمِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ الْمُطْلَقَةِ لَيْسَ هُوَ مَحْوُهُ مِنْ صُدُورِ حُفَّاظِهِ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمُوتُ حَمَلَتُهُ وَيَتَّخِذُ النَّاسُ جُهَّالًا يَحْكُمُونَ بِجَهَالَاتِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتخذ الناس رؤسا جهالا ضبطناه في البخاري رؤسا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالتَّنْوِينِ جَمْعُ رَأْسٍ وَضَبَطُوهُ فِي مُسْلِمٍ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي رُؤَسَاءَ بِالْمَدِّ جَمْعُ رَئِيسٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وفيه التحذير من
(16/224)

اتخاذ الجهال رؤساء قوله (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو ما أَحْسِبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا وَلَمْ يَنْقُصْ) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا اتَّهَمَتْهُ لَكِنَّهَا خَافَتْ أَنْ يَكُونَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوْ قَرَأَهُ مِنْ كُتُبِ الْحِكْمَةِ فَتَوَهَّمَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَرَّرَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَثَبَتَ عَلَيْهِ غَلَبَ عَلَى ظَنّهَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهَا أَرَاهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى حِفْظِ الْعِلْمِ وَأَخْذِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَاعْتِرَافُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ بِالْفَضِيلَةِ
(16/225)

(بَاب مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى أَوْ ضَلَالَةٍ)
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[1017] (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً) الْحَدِيثُ وَفِي الحديث الآخر

[2674] من دعا إلى هدى ومن دعا إلى ضلالة هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَرِيحَانِ فِي الْحَثِّ عَلَى اسْتِحْبَابِ سَنِّ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَتَحْرِيمِ سَنِّ الْأُمُورِ السَّيِّئَةِ وَأَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إِلَى
(16/226)

يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ كُلِّ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِ مُتَابِعِيهِ أَوْ إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ تَابِعِيهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْهُدَى وَالضَّلَالَةُ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَهُ أَمْ كَانَ مَسْبُوقًا إِلَيْهِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ تَعْلِيمُ عِلْمٍ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ أَدَبٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 0فَعَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ) مَعْنَاهُ إِنْ سَنَّهَا سَوَاءٌ كَانَ الْعَمَلُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ موته والله اعلم
(16/227)

(

كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار)

(باب الحث على ذكر الله تعالى

[2675] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) قَالَ الْقَاضِي قِيلَ مَعْنَاهُ بِالْغُفْرَانِ لَهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ وَالْقَبُولِ إِذَا تَابَ وَالْإِجَابَةِ إِذَا دَعَا وَالْكِفَايَةِ إِذَا طَلَبَ الْكِفَايَةَ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّجَاءُ وَتَأْمِيلُ الْعَفْوِ وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي أَيْ مَعَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ وَالرِّعَايَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى وهو معكم أينما كنتم فمعناه بالعلم والاحاطة قوله تعالى إن ذ كرني فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي قَالَ الْمَازِرِيُّ النَّفْسُ تُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا الدَّمُ وَمِنْهَا نَفْسُ الْحَيَوَانِ وَهُمَا مُسْتَحِيلَانِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهَا الذَّاتُ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نَفْسِي وَمِنْهَا الْغَيْبُ وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ولا أعلم ما فى نفسك أَيْ مَا فِي غَيْبِي فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا مُرَادُ الْحَدِيثِ أَيْ إِذَا ذَكَرَنِي خَالِيًا أَثَابَهُ اللَّهُ وَجَازَاهُ عَمَّا عَمِلَ)
(17/2)

بِمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ هم خَيْرٍ مِنْهُمْ هَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ على كثير ممن خلقنا تفضيلا فَالتَّقْيِيدُ بِالْكَثِيرِ احْتِرَازٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ والملائكةمن الْعَالَمِينَ وَيُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الذَّاكِرِينَ غالبا يكونون طائفة لانبى فيهم فاذا ذكره الله تعالى فِي خَلَائِقَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَانُوا خَيْرًا مِنْ تِلْكَ الطَّائِفَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَيَسْتَحِيلُ إِرَادَةُ ظَاهِرِهِ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ مَرَّاتٍ وَمَعْنَاهُ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَتِي تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَالتَّوْفِيقِ وَالْإِعَانَةِ وَإِنْ زَادَ زِدْتُ فَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً أَيْ صَبَبْتُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ وَسَبَقْتُهُ بِهَا وَلَمْ أُحْوِجْهُ إِلَى الْمَشْيِ الْكَثِيرِ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْمَقْصُودِ وَالْمُرَادُ أَنَّ جَزَاءَهُ يكون تضعيفه
(17/3)

عَلَى حَسَبِ تَقَرُّبِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي رِوَايَةِ محمد بن جعفر وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ جِئْتُهُ أَتَيْتُهُ هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ جِئْتُهُ أَتَيْتُهُ وَفِي بَعْضِهَا جِئْتُهُ بِأَسْرَعِ فَقَطْ وَفِي بَعْضِهَا أَتَيْتُهُ وَهَاتَانِ ظَاهِرَتَانِ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ وَهُوَ حَسَنٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَ اخْتِلَافِ اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[2676] قَوْلُهُ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهِ الْمُفَرِّدُونَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخِهِمْ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ رُوِيَ بِتَخْفِيفِهَا وَإِسْكَانِ الْفَاءِ يُقَالُ فَرَدَ الرَّجُلُ وَفَرَّدَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَأَفْرَدَ وَقَدْ فَسَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ تَقْدِيرُهُ وَالذَّاكِرَاتُهُ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ هُنَا كَمَا حذفت فى القرآن لمناسبة رؤس الْآي وَلِأَنَّهُ مَفْعُولٌ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَهَذَا التَّفْسِيرُ هو مراد الحديث قال بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ وَأَصْلُ الْمُفَرِّدِينَ الَّذِينَ هَلَكَ أَقْرَانُهُمْ وَانْفَرَدُوا عَنْهُمْ فَبَقُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ هُمُ الَّذِينَ اهْتَزُّوا فِي ذِكْرِ الله أى لهجوابه وقال بن الْأَعْرَابِيُّ يُقَالُ فَرَّدَ الرَّجُلُ إِذَا تَفَقَّهَ وَاعْتَزَلَ وخلا بمراعاة الأمر والنهى
(17/4)

(باب فى اسماء الله تعالى وفضل من أحصاها

[2677] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَكَانَتِ الْأَسْمَاءُ لِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ الأسماءالحسنى قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَشْهَرَ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اللَّهُ لِإِضَافَةِ هَذِهِ الأسماءاليه وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ كُلُّ اسم له فيقال الرؤف وَالْكَرِيمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُقَالُ من أسماء الرؤف أَوِ الْكَرِيمِ اللَّهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ لِأَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاءٌ غَيْرَ هَذِهِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِإِحْصَائِهَا لَا الْإِخْبَارِ بِحَصْرِ الْأَسْمَاءِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَسْأَلُكَ بِكُلٍّ اسْمٍ سَمَّيْتَ بِهِ نفسك أواستأثرت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ لِلَّهِ تَعَالَى أَلِفُ اسْمٍ قال بن الْعَرَبِيِّ وَهَذَا قَلِيلٌ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا تَعْيِينُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَقَدْ جَاءَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فِي بَعْضِ أَسْمَائِهِ خِلَافٌ وَقِيلَ إِنَّهَا مَخْفِيَّةُ التَّعْيِينِ كَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَنَظَائِرِهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِإِحْصَائِهَا فَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مَعْنَاهُ حَفِظَهَا وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ حَفِظَهَا وَقِيلَ أَحْصَاهَا عَدَّهَا)
(17/5)

فِي الدُّعَاءِ بِهَا وَقِيلَ أَطَاقَهَا أَيْ أَحْسَنَ الْمُرَاعَاةَ لَهَا وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ وَصَدَّقَ بِمَعَانِيهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْعَمَلُ بِهَا وَالطَّاعَةُ بِكُلِّ اسْمِهَا وَالْإِيمَانُ بِهَا لَا يَقْتَضِي عَمَلًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ حِفْظُ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتُهُ كُلُّهُ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ لَهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ الْوِتْرُ الْفَرْدُ وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاحِدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نَظِيرٌ وَمَعْنَى يُحِبُّ الْوِتْرَ تَفْضِيلُ الْوِتْرِ فِي الْأَعْمَالِ وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ فَجَعَلَ الصَّلَاةَ خَمْسًا وَالطَّهَارَةَ ثَلَاثًا وَالطَّوَافَ سَبْعًا وَالسَّعْيَ سَبْعًا وَرَمْيَ الْجِمَارِ سَبْعًا وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثًا وَالِاسْتِنْجَاءَ ثَلَاثًا وَكَذَا الْأَكْفَانُ وَفِي الزَّكَاةِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَخَمْسُ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ وَنِصَابُ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجَعَلَ كَثِيرًا مِنْ عَظِيمِ مَخْلُوقَاتِهِ وِتْرًا مِنْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ وَالْبِحَارُ وَأَيَّامُ الْأُسْبُوعِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى صِفَةِ مَنْ يَعْبُدِ اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّفَرُّدِ مُخْلِصًا لَهُ والله أعلم

(باب العزم فى الدعاء وَلَا يَقُلْ إِنْ شِئْتَ

[2678] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ وَلَا يَقُلْ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ لَا مُكْرِهَ له وفى رواية ليعزم الرغب)
(17/6)

فان الله لايتعاظمه شَيْءٌ أَعْطَاهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ عَزْمُ الْمَسْأَلَةِ الشِّدَّةُ فى طلبها والحزم مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي الطَّلَبِ وَلَا تَعْلِيقَ عَلَى مَشِيئَةٍ وَنَحْوِهَا وَقِيلَ هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِجَابَةِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْجَزْمِ فِي الطَّلَبِ وَكَرَاهَةُ التَّعْلِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ كَرَاهَتِهِ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ اسْتِعْمَالُ الْمَشِيئَةِ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ وَقِيلَ سَبَبُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ فِي هَذَا اللَّفْظِ صُورَةُ الِاسْتِعْفَاءِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَالْمَطْلُوبِ مِنْهُ قَوْلُهُ عن عطاء بن مثنى هُوَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ بَاب كَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ

[2680] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لايتمنين أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي فِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَاقَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضررا فى دينه
(17/7)

أوفتنة فِيهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الثَّانِي خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فِي أَدْيَانِهِمْ وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ خَافَ وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَالِهِ فِي بَلْوَاهُ بِالْمَرَضِ وَنَحْوهِ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إن كانت الحياة خيرا لى إِلَخْ وَالْأَفْضَلُ الصَّبْرُ وَالسُّكُونُ لِلْقَضَاءِ قَوْلُهُ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ وَأَنَسٌ يَوْمئِذٍ حَيٌّ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّضْرَ حَدَّثَ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ

[2682] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَمَلُهُ وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَمَلُهُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَجْوَدُ وَهُوَ الْمُتَكَرِّرُ فِي الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(17/8)

بَاب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ

[2683] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا هَدَّابُ هَذَا الْإِسْنَادُ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ إِلَّا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فشامى قوله صلىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِبَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ الْمُعْتَبَرَةَ
(17/9)

هِيَ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ النَّزْعِ فِي حَالَةٍ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا غَيْرُهَا فَحِينَئِذٍ يُبَشَّرُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ وَمَا أعدله وَيُكْشَفُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَهْلُ السَّعَادَةِ يُحِبُّونَ الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدلهم وَيُحِبُّ اللَّهُ لِقَاءَهُمْ أَيْ فَيُجْزِلُ لَهُمُ الْعَطَاءَ وَالْكَرَامَةَ وَأَهْلُ الشَّقَاوَةِ يَكْرَهُونَ لِقَاءَهُ لِمَا عَلِمُوا مِنْ سُوءٍ مَا يَنْتَقِلُونَ إِلَيْهِ وَيَكْرَهُ اللَّهُ لِقَاءَهُمْ أَيْ يُبْعِدُهُمْ عَنْ رَحْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ بِهِمْ وَهَذَا مَعْنَى كَرَاهَتِهِ سُبْحَانَهُ لِقَاءَهُمْ وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ سَبَبَ كَرَاهَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَاءَهُمْ كَرَاهَتُهُمْ ذَلِكَ وَلَا
(17/10)

أَنَّ حُبَّهُ لِقَاءَ الْآخَرِينَ حُبُّهُمْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ صِفَةٌ لَهُمْ

[2685] قَوْلُهَا إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ أَمَّا شَخَصَ فَبِفَتْحِ الشِّينِ وَالْخَاءِ وَمَعْنَاهُ ارْتِفَاعُ الْأَجْفَانِ إِلَى فَوْقُ وَتَحْدِيدُ النَّظَرِ وَأَمَّا الْحَشْرَجَةُ فَهِيَ تردد النفس فى الصدور وأما اقشعرار الْجِلْدُ فَهُوَ قِيَامُ شَعْرِهِ وَتَشَنُّجُ الْأَصَابِعِ تَقَبُّضُهَا

(باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى وحسن الظن به قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا أَوْ بُوعًا الْبَاعُ وَالْبُوعُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْبَوعُ بِفَتْحِهَا)
(17/11)

كُلُّهُ بِمَعْنًى وَهُوَ طُولُ ذِرَاعَيِ الْإِنْسَانِ وَعَضُدَيْهِ وَعَرْضُ صَدْرِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَهُوَ قَدْرُ أَرْبَعِ أَذْرُعٍ وَهَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ بِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَجَازِ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الذِّكْرِ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الْحَدِيثَيْنِ بَعْدَهُ

[2687] قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا أو أزيد معناه أن التضعيف بعشرة أمثالهالا بد بفضل الله ورحمته ووعده الذى لايخلف وَالزِّيَادَةُ بَعْدُ بِكَثْرَةِ التَّضْعِيفِ إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ وَإِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا وَحُكِي كَسْرُ الْقَافِ نَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ والله أعلم
(17/12)

بَاب كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا

[2688] قَوْلُهُ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ مِثْلُ الْفَرْخِ أَيْ ضَعُفَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ وَفِيهِ فَضْلُ الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَفِيهِ جَوَازُ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِرُهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَفِيهِ كَرَاهَةُ تَمَنِّي الْبَلَاءِ لِئَلَّا يَتَضَجَّرُ مِنْهُ وَيَسْخَطُهُ وَرُبَّمَا شَكَا وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ
(17/13)

الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّهَا الْعِبَادَةُ وَالْعَافِيَةُ وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ وَالْمَغْفِرَةُ وَقِيلَ الْحَسَنَةُ تَعُمُّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ

(بَاب فَضْلِ مَجَالِسِ الذَّكَرِ

[2689] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ أَمَّا السَّيَّارَةُ فَمَعْنَاهُ سَيَّاحُونَ فِي الْأَرْضِ وَأَمَّا فُضُلًا فَضَبَطُوهُ عَلَى أَوْجُهٍ أَحَدُهَا وَهُوَ أَرْجَحُهَا وَأَشْهَرُهَا فِي بِلَادِنَا فُضُلًا بِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ وَرَجَّحَهَا بَعْضُهُمْ وَادَّعَى أَنَّهَا أَكْثَرُ وَأَصْوَبُ وَالثَّالِثَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا الرِّوَايَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ شُيُوخِنَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالرَّابِعَةُ فُضُلٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ وَرَفْعِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْخَامِسَةُ فُضَلَاءَ بِالْمَدِّ جَمْعُ فَاضِلَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ زَائِدُونَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُرَتَّبِينَ مع الخلائق فهؤلاء السيارة لاوظيفة لهم وانما مَقْصُودُهُمْ حِلَقُ الذِّكْرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَغُونَ فَضَبَطُوهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ التَّتَبُّعِ وَهُوَ الْبَحْثُ عَنِ الشَّيْءِ وَالتَّفْتِيشُ وَالثَّانِي يَبْتَغُونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الا بتغاء وَهُوَ الطَّلَبُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ بِلَادِنَا حَفَّ بِالْفَاءِ وَفِي بَعْضِهَا حَضَّ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَثَّ عَلَى الْحُضُورِ وَالِاسْتِمَاعِ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِمْ وَحَطَّ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي قَالَ وَمَعْنَاهُ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالنُّزُولِ وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فِي الْبُخَارِيِّ هَلُمُّوا إلى)
(17/14)

حَاجَتِكُمِ وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَهِيَ حَفَّ قَوْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ يَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَيُحْدِقُونَ بِهِمْ وَيَسْتَدِيرُونَ حَوْلَهُمْ وَيَحُوفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَوْلُهُ وَيَسْتَجِيرُونَكَ مِنْ نَارِكَ أَيْ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ مِنْهَا قَوْلُهُ عَبْدٌ خَطَّاءٌ أَيْ كَثِيرُ الْخَطَايَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ الذِّكْرِ وَفَضِيلَةُ مَجَالِسِهِ وَالْجُلُوسِ مَعَ أَهْلِهِ وان لم يشاركهم وفضل مجالسة الصَّالِحِينَ وَبَرَكَتِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ضَرْبَانِ ذِكْرٌ بِالْقَلْبِ وَذِكْرٌ بِاللِّسَانِ وَذِكْرُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَرْفَعُ الْأَذْكَارِ وَأَجَلُّهَا الْفِكْرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَلَالِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَمَلَكُوتِهِ وَآيَاتِهِ فِي سمواته وَأَرْضِهِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا وَالثَّانِي ذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَمْتَثِلُ مَا أُمِرَ بِهِ وَيَتْرُكُ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَيَقِفُ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَأَمَّا ذكر اللسان مجردا فهو أضعف الأ ذكار وَلَكِنْ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الأحاديث قال وذكر بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ اخْتِلَافَ السَّلَفِ فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ الْقَاضِي وَالْخِلَافُ عِنْدِي إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي مُجَرَّدِ ذِكْرِ الْقَلْبِ تَسْبِيحًا وَتَهْلِيلًا وَشِبْهَهُمَا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُهُمْ لَا أَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الذِّكْرِ الْخَفِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ والا فذلك
(17/15)

لايقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله وانما الخلاف فى ذِكْرُ الْقَلْبِ بِالتَّسْبِيحِ الْمُجَرَّدِ وَنَحْوِهِ وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ اللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ فَإِنْ كَانَ لَاهِيًا فَلَا وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ ذِكْرَ الْقَلْبِ بِأَنَّ عمل السر أفضل ومن رجح ذكر اللِّسَانَ قَالَ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ فَإِنْ زَادَ بِاسْتِعْمَالِ اللِّسَانِ اقْتَضَى زِيَادَةَ أَجْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَكْتُبُ الْمَلَائِكَةُ ذِكْرَ الْقَلْبِ فقيل تكتبه وَيَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ عَلَامَةً يَعْرِفُونَهُ بِهَا وقيل لا يكتبونه لأنه لايطلع عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ قُلْتُ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَهُ وَأَنَّ ذِكْرَ اللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنَ الْقَلْبِ وَحْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب فَضْلِ الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

[2690] ذُكِرَ فِي الحديث أنها كانت أكثر دعاءالنبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا جَمَعَتْهُ مِنْ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ قَرِيبًا والله أعلم)
(17/16)

باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء

[2691] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ قَالَ فِي يَوْمٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلِ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْيَوْمِ كان له هذا الأجر المذكور فى الحديث على المائة ويكون له ثواب آخر على الزيادة وليس هذا من الحدود التى نهى عن اعتدائها وَمُجَاوَزَةُ أَعْدَادِهَا وَإِنَّ زِيَادَتَهَا لَا فَضْلَ فِيهَا أَوْ تُبْطِلُهَا كَالزِّيَادَةِ فِي عَدَدِ الطَّهَارَةِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الزِّيَادَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ لَا مِنْ نَفْسِ التَّهْلِيلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ التَّهْلِيلِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ التَّهْلِيلِ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَفِي حَدِيثِ التَّسْبِيحِ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ
(17/17)

كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّسْبِيحَ أَفْضَلُ وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ التَّهْلِيلِ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا إِنَّ التَّهْلِيلَ المذكور أفضل ويكون ما فيه من زيادةالحسنات وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ عِتْقِ الرِّقَابِ وَكَوْنُهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ زَائِدًا عَلَى فَضْلِ التَّسْبِيحِ وَتَكْفِيرِ الْخَطَايَا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ فَقَدْ حَصَلَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ تَكْفِيرُ جَمِيعِ الْخَطَايَا مَعَ مَا يَبْقَى لَهُ مِنْ زِيَادَةِ عِتْقِ الرِّقَابِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَمَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ مِائَةِ دَرَجَةٍ وَكَوْنِهِ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ هَذَا إِنَّ أَفْضَلَ الذِّكْرِ التَّهْلِيلُ مَعَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْحَدِيثَ وَقِيلَ إِنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ وَهِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَعْنَى التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ وَالصَّاحِبَةِ وَالنَّقَائِصِ مُطْلَقًا وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ مُطْلَقًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ التَّهْلِيلِ عَشْرَ مَرَّاتٍ حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
(17/18)

أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَبِيعِ بْنِ خثيم عن عمرو بن ميمون عن بن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُمُ الشَّعْبِيُّ وَرَبِيعٌ وعمرو وبن أبى ليلى واسم بن أبى ليلى هذا عبد الرحمن وأما بن أَبِي السَّفَرِ فَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَسَكَّنَهَا بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ

[2696] قَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ
(17/19)

كَبَّرْتُ كَبِيرًا أَوْ ذَكَرْتُ كَبِيرًا

[2698] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلِفُ حَسَنَةٍ أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلِفُ خَطِيئَةٍ هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَوْ يُحَطُّ بِأَوْ وَفِي بَعْضِهَا وَيُحَطُّ بِالْوَاوِ وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ كَذَا هُوَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ أَوْ يُحَطُّ بِأَوْ وَقَالَ الْبُرْقَانِيُّ وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ جِهَتِهِ فَقَالُوا وَيُحَطُّ بِالْوَاوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(17/20)

(بَاب فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ

[2699] فيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً إِلَى آخِرِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَامِعٌ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعُلُومِ وَالْقَوَاعِدِ وَالْآدَابِ وَسَبَقَ شَرْحُ أَفْرَادِ فُصُولِهِ وَمَعْنَى نَفَّسَ الْكُرْبَةَ أَزَالَهَا وَفِيهِ فَضْلُ قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ وَنَفْعِهِمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مُعَاوَنَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ بِمَصْلَحَةٍ أَوْ نَصِيحَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَفَضْلُ السِّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ وَفَضْلُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ وَفَضْلُ الْمَشْيِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ بِشَرْطِ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تعالى وان كَانَ هَذَا شَرْطًا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ لَكِنَّ عَادَةَ الْعُلَمَاءِ يُقَيِّدُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ وَيَغْفُلُ عَنْهُ بَعْضُ الْمُبْتَدِئِينِ وَنَحْوُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ قِيلَ الْمُرَادُ بِالسَّكِينَةِ هُنَا الرَّحْمَةُ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِعَطْفِ الرَّحْمَةِ عليه وقيل الطمأنينة والوقار هو أَحْسَنُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِفَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَسْجِدِ)
(17/21)

وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَيُلْحَقُ بِالْمَسْجِدِ فِي تَحْصِيلِ هذه الفضيلة الاجتماع فى مدرسة وَرِبَاطٍ وَنَحْوِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَوَاضِعِ وَيَكُونُ التَّقْيِيدُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَا يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ يُعْمَلُ بِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ مَعْنَاهُ مَنْ كَانَ عَمَلُهُ نَاقِصًا لَمْ يُلْحِقْهُ بِمَرْتَبَةِ أصحاب الأعمال فينبغى أن
(17/22)

لايتكل عَلَى شَرَفِ النَّسَبِ وَفَضِيلَةِ الْآبَاءِ وَيُقَصِّرَ فِي الْعَمَلِ

[2701] قَوْلُهُ لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ هِيَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِهَا وَهِيَ فُعْلَةٌ وَفُعَلَةٌ مِنَ الْوَهَمِ وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ وَاتَّهَمْتَهُ بِهِ اذا ظننت به ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ مَعْنَاهُ يُظْهِرُ فَضْلَكُمْ لَهُمْ وَيُرِيهِمْ حُسْنَ عَمَلِكُمْ وَيُثْنِي عَلَيْكُمْ عِنْدَهُمْ وَأَصْلُ الْبَهَاءِ الْحُسْنُ وَالْجَمَالُ وَفُلَانٌ يُبَاهِي بِمَالِهِ أَيْ يَفْخَرُ وَيَتَجَمَّلُ بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَيُظْهِرُ حُسْنَهُمْ

(بَاب اسْتِحْبَابِ الِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ

[2702] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْغَيْنُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْغَيْمُ بِمَعْنًى وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَتَغَشَّى الْقَلْبَ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ الْمُرَادُ الْفَتَرَاتُ وَالْغَفَلَاتُ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي كَانَ شَأْنُهُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ فَإِذَا فتَرَ عَنْهُ أَوْ غَفَلَ عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا وَاسْتَغْفَرَ مِنْهُ قَالَ وَقِيلَ هُوَ هَمُّهُ بِسَبَبِ أُمَّتِهِ وَمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهَا بَعْدَهُ فَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَقِيلَ سَبَبُهُ)
(17/23)

اشْتِغَالُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ أُمَّتِهِ وَأُمُورِهِمْ وَمُحَارَبَةُ الْعَدُوِّ وَمُدَارَاتُهُ وَتَأْلِيفُ الْمُؤَلَّفَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَشْتَغِلُ بذلك من عظيم مقامه فيراه ذنبا بالنسبةالى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وَأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَهِيَ نُزُولٌ عَنْ عَالِي دَرَجَتِهِ وَرَفِيعِ مَقَامِهِ مِنْ حُضُورِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُشَاهَدَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ وَفَرَاغِهِ مِمَّا سِوَاهُ فَيَسْتَغْفِرُ لِذَلِكَ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْغَيْنَ هُوَ السَّكِينَةُ الَّتِي تَغْشَى قَلْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فانزل السكينة عليهم وَيَكُونُ اسْتِغْفَارُهُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَارِ وَمُلَازَمَةِ الْخُشُوعِ وَشُكْرًا لِمَا أَوْلَاهُ وَقَدْ قَالَ الْمُحَاشِيُّ خَوْفُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ خَوْفُ إِعْظَامٍ وَإِنْ كَانُوا آمِنِينَ عَذَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْغَيْنَ حَالُ خَشْيَةٍ وَإِعْظَامٍ يَغْشَى الْقَلْبَ وَيَكُونُ اسْتِغْفَارُهُ شُكْرًا كَمَا سَبَقَ وَقِيلَ هُوَ شَيْءٌ يَعْتَرِي الْقُلُوبَ الصَّافِيَةَ مِمَّا تَتَحَدَّثُ بِهِ النَّفْسُ فهو شها والله أعلم

(باب التوبة قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ هَذَا الْأَمْرُ بِالتَّوْبَةِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المؤمنون وَقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى الله)
(17/24)

توبة نصوحا وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ بَيَانُ سَبَبِ اسْتِغْفَارِهِ وَتَوْبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ أَحْوَجُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِلتَّوْبَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَنْ يُقْلِعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَأَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا وَأَنْ يعزم عزما جازما أن لايعود إِلَى مِثْلِهَا أَبَدًا فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِآدَمِيٍّ فَلَهَا شَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ رَدُّ الظُّلَامَةِ إِلَى صَاحِبِهَا أَوْ تَحْصِيلُ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَالتَّوْبَةُ أَهَمُّ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَوَّلُ مَقَامَاتِ سَالِكِي طريق الآخرة

[2703] قوله صلىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا حَدٌّ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِنَّ لِلتَّوْبَةِ بَابًا مَفْتُوحًا فَلَا تَزَالُ مَقْبُولَةً حَتَّى يُغْلَقَ فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا أُغْلِقَ وَامْتَنَعَتِ التَّوْبَةُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا وَمَعْنَى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبِلَ تَوْبَتَهُ وَرَضِيَ بِهَا وَلِلتَّوْبَةِ شَرْطٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْغَرْغَرَةِ وَهِيَ حَالَةُ النَّزْعِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا غَيْرُهَا وَلَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ وَلَا غَيْرُهَا

(بَاب اسْتِحْبَابِ خَفْضِ الصَّوْتِ بالذكر إلافى المواضع التى ورد الشرع برفعه فيها كالتلبية وغيرها وإستحباب الاكثار من قول لاحول ولاقوة إلا بالله

[2704] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ حِينَ جَهَرُوا بِالتَّكْبِيرِ أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ انكم ليس)
(17/25)

تدعون أصم ولاغائبا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ ارْبَعُوا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَعْنَاهُ ارْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ وَاخْفِضُوا أَصْوَاتَكُمْ فَإِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ إِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ لِبُعْدِ مَنْ يُخَاطِبُهُ لِيُسْمِعَهُ وَأَنْتُمْ تدعون الله تعالى وليس هو بأصم ولاغائب بَلْ هُوَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ وَهُوَ مَعَكُمْ بِالْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ فَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى خَفْضِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ إِذَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إِلَى رَفْعِهِ فَإِنَّهُ إِذَا خَفَضَهُ كَانَ أَبْلَغَ فِي تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ فان دعت حاجةالى الرَّفْعِ رَفَعَ كَمَا جَاءَتْ بِهِ أَحَادِيثُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الأخرى الذى تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ هُوَ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مجاز كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد وَالْمُرَادُ تَحْقِيقُ سَمَاعِ الدُّعَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ سبب ذلك أنها كلمةاستسلام وَتَفْوِيضٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاعْتِرَافٍ بِالْإِذْعَانِ لَهُ وأنه لاصانع غيره ولاراد لأمره وأن العبد لايملك شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَمَعْنَى الْكَنْزِ هُنَا أَنَّهُ ثَوَابٌ مُدَّخَرٌ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ ثَوَابٌ نَفِيسٌ كَمَا أَنَّ الْكَنْزَ أَنْفَسُ أَمْوَالِكُمْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَوْلُ الْحَرَكَةُ وَالْحِيلَةُ أَيْ لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ وَلَا حِيلَةَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةَ فِي تَحْصِيلِ خَيْرٍ إِلَّا بِاللَّهِ وَقِيلَ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلا بعصمته ولاقوة على طاعته
(17/26)

إلا بمعونته وحكى هذا عن بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِالْحَوْقَلَةِ وَالْحَوْلَقَةِ وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ وَيُقَالُ أَيْضًا لَا حَيْلَ وَلَا قُوَّةَ فى لغة غريبة حكاها الجوهرى وغيره
(17/27)

باب الدعوات والتعوذ
قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهِ بَيَانُ تَعَوُّذِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَغَسْلِ الخطايا بالماء والثلج وأمااستعاذته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى وَفِتْنَةِ الْفَقْرِ فَلِأَنَّهُمَا حَالَتَانِ تُخْشَى الْفِتْنَةُ فِيهِمَا بالتسخط وقلةالصبر وَالْوُقُوعِ فِي حَرَامٍ أَوْ شُبْهَةٍ لِلْحَاجَةِ وَيُخَافُ فِي الْغِنَى مِنَ الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ وَالْبُخْلِ بِحُقُوقِ الْمَالِ أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي إِسْرَافٍ وَفِي بَاطِلٍ أَوْ فِي مَفَاخِرَ وَأَمَّا الْكَسَلُ فَهُوَ عَدَمُ انْبِعَاثِ النَّفْسِ لِلْخَيْرِ وَقِلَّةُ الرَّغْبَةِ مَعَ إِمْكَانِهِ وَأَمَّا الْعَجْزُ فَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ بِهِ وَكِلَاهُمَا تُسْتَحَبُّ الْإِعَاذَةُ مِنْهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا اسْتَعَاذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَقْرِ الَّذِي هُوَ فَقْرُ النَّفْسِ لَا قِلَّةُ الْمَالِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ تَكُونُ اسْتِعَاذَتُهُ مِنْ فَقْرِ الْمَالِ وَالْمُرَادُ الْفِتْنَةُ فِي عَدَمِ احْتِمَالِهِ وَقِلَّةِ الرِّضَا بِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِتْنَةُ الْقَبْرِ وَلَمْ يَقُلْ الْفَقْرُ وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ بفضل الفقر وأما استعاذته صلى الله عليه وسلم من الْهَرَمِ فَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الرَّدِّ إِلَى أرذل العمر
(17/28)

كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَرَفِ وَاخْتِلَالِ الْعَقْلِ وَالْحَوَاسِّ وَالضَّبْطِ وَالْفَهْمِ وَتَشْوِيهِ بَعْضِ الْمَنظِرِ وَالْعَجْزِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالتَّسَاهُلِ فِي بَعْضِهَا وأما استعاذته صلى الله عليه وسلم من الْمَغْرَمِ وَهُوَ الدَّيْنُ فَقَدْ فَسَّرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْطُلُ الْمَدِينُ صَاحِبَ الدَّيْنِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُهُ وَرُبَّمَا مات قبل وفاته فَبَقِيَتْ ذِمَّتُهُ مُرْتَهَنَةٌ بِهِ وَأَمَّا اسْتِعَاذَتُهُ صَلَّى الله
(17/29)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ فَلِمَا فِيهِمَا مِنَ التَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ وَالْإِغْلَاظِ عَلَى الْعُصَاةِ وَلِأَنَّهُ بِشَجَاعَةِ النَّفْسِ وَقُوَّتِهَا الْمُعْتَدِلَةِ تَتِمُّ الْعِبَادَاتُ وَيَقُومُ بِنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَالْجِهَادِ وَبِالسَّلَامَةِ مِنَ الْبُخْلِ يَقُومُ بِحُقُوقِ الْمَالِ وَيَنْبَعِثُ لِلْإِنْفَاقِ وَالْجُودِ وَلِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيَمْتَنِعُ مِنَ الطَّمَعِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَاسْتِعَاذَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِتَكْمُلَ صِفَاتُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ وَشَرْعِهِ أَيْضًا تَعْلِيمًا وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ كُلِّ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ الْفَتَاوَى فِي الْأَمْصَارِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الزُّهَّادِ وَأَهْلُ الْمَعَارِفِ إلى أن ترك الدعاءأفضل اسْتِسْلَامًا لِلْقَضَاءِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِنْ دَعَا لِلْمُسْلِمِينَ فَحَسَنٌ وَإِنْ دَعَا لِنَفْسِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ باعث للدعاء استحب والافلا وَدَلِيلُ الْفُقَهَاءِ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ وَفِعْلِهِ وَالْأخْبَارِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بِفِعْلِهِ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ذِكْرُ الْمَأْثَمِ وَهُوَ الْإِثْمُ وَفِيهَا فِتْنَةُ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ أَيْ فِتْنَةُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ

[2707] قَوْلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَمِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ أَمَّا دَرَكُ الشَّقَاءِ فَالْمَشْهُورِ فِيهِ فَتْحُ الرَّاءِ وَحَكَى الْقَاضِي
(17/30)

وَغَيْرُهُ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ رَوَاهُ سَاكِنَهَا وهى لغة وجهد الْبَلَاءِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا الْفَتْحُ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ فَيَدْخُلُ فِيهَا سُوءُ الْقَضَاءِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالْأَهْلِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْخَاتِمَةِ وَأَمَّا دَرَكُ الشَّقَاءِ فَيَكُونُ أَيْضًا فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا وَمَعْنَاهُ أَعُوذُ بِكَ أَنْ يُدْرِكَنِي شَقَاءٌ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ هِيَ فَرَحُ الْعَدُوِّ بِبَلِيَّةٍ تَنْزِلُ بِعَدُوِّهِ يُقَالُ مِنْهُ شَمِتَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَشَمَتَ بِفَتْحِهَا فَهُوَ شَامِتٌ وَأَشْمَتَهُ غَيْرُهُ وَأَمَّا جَهْدُ البلاء فروى عن بن عمرانه فَسَّرَهُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الْحَالُ الشَّاقَّةُ

[2709] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ قِيلَ مَعْنَاهُ الكاملات التى لا يدخل فيها نقص ولاعيب وَقِيلَ النَّافِعَةُ الشَّافِيَةُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ هُنَا القرآن والله أعلم
(17/31)

باب الدعا عند النوم

[2710] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ إِلَى آخِرِهِ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتَ النَّوْمَ فِي مَضْجَعِكَ فَتَوَضَّأْ وَالْمَضْجَعُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثُ سُنَنٍ مُهِمَّةٍ مُسْتَحَبَّةٍ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِحْدَاهَا الوضوء عند ارادة النوم فان كان متوضأ كَفَاهُ ذَلِكَ الْوُضُوءُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّوْمُ عَلَى طَهَارَةٍ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ فِي لَيْلَتِهِ وَلِيَكُونَ أَصْدَقَ لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَدَ مِنْ تَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ
(17/32)

بِهِ فِي مَنَامِهِ وَتَرْوِيعِهِ إِيَّاهُ الثَّانِيَةُ النَّوْمُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ وَلِأَنَّهُ أَسْرَعُ إلى الانتباه الثالثة ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ خَاتِمَةُ عَمَلِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ أَيْ اسْتَسْلَمْتُ وَجَعَلْتُ نَفْسِي مُنْقَادَةً لَكَ طائعة لحكمك قال العلماءالوجه وَالنَّفْسُ هُنَا بِمَعْنَى الذَّاتِ كُلِّهَا يُقَالُ سَلَّمَ وَأَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى وَمَعْنَى أَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ أى توكلت عليك واعتمدتك فىأمرى كُلِّهِ كَمَا يَعْتَمِدُ الْإِنْسَانُ بِظَهْرِهِ إِلَى مَا يُسْنِدُهُ وَقَوْلُهُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً أَيْ طَمَعًا فِي ثَوَابِكَ وَخَوْفًا مِنْ عَذَابِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ أَيْ الْإِسْلَامِ وأن أصبحت أصبت خيرا أَيْ حَصَلَ لَكَ ثَوَابُ هَذِهِ السُّنَنِ وَاهْتِمَامُكُ بِالْخَيْرِ وَمُتَابَعَتُكُ أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرُهُنَّ فَقُلْتُ آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ إِنْكَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَدِّهِ اللَّفْظَ فَقِيلَ إِنَّمَا رَدَّهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ آمَنْتُ بِرَسُولِكَ يَحْتَمِلُ غَيْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ سَبَبَ الْإِنْكَارِ أَنَّ هَذَا ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ فَيَنْبَغِي فِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ بِحُرُوفِهِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْجَزَاءُ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ وَلَعَلَّهُ أُوحِي إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَيَتَعَيَّنُ أَدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ وَقِيلَ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فِيهِ جَزَالَةٌ مِنْ حَيْثُ صَنْعَةِ الْكَلَامِ وَفِيهِ جَمْعُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَإِذَا قال رسولك الذى أرسلت فان هذان الأمران مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَكْرِيرِ لَفْظِ رَسُولٍ وأرسلت وأهل البلاغة يعيبو وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ خُطْبَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الرِّسَالَةِ النُّبُوَّةُ ولاعكسه وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْعِ الرِّوَايَةِ
(17/33)

بِالْمَعْنَى وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى جَوَازِهَا مِنَ الْعَارِفِ وَيُجِيبُونَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمَعْنَى هُنَا مُخْتَلِفٌ ولاخلاف فِي الْمَنْعِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمَعْنَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ أَيْ انْضَمَمْتَ إِلَيْهِ وَدَخَلْتَ فِيهِ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَعْدُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَ هَذَا كَانَ اذا أوى إلى فراشه قال الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فأما أويت وأوى إلى فراشك فمقصور وأما قوله وَآوَانَا فَمَمْدُودٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْفَصِيحُ الْمَشْهُورُ وَحُكِي بِالْقَصْرِ فِيهِمَا وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَقِيلَ معنى آوانا هنا رحمنا قوله فكم ممن لا مؤوى لَهُ أَيْ لَا رَاحِمَ وَلَا عَاطِفَ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا وَطَنَ لَهُ وَلَا سَكَنَ يأوى إليه

[2711] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
(17/34)

وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَبِاسْمِكَ أَحْيَا قِيلَ مَعْنَاهُ بِذِكْرِ اسْمِكَ أَحْيَا مَا حَيِيتُ وَعَلَيْهِ أَمُوتُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ بِكَ أَحْيَا أَيْ أَنْتَ تحبينى وأنت تميتنى والاسم هنا والمسمى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذى أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور المراد بأماتنا النوم وأماالنشور الْإِحْيَاءُ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعَادَةِ الْيَقِظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ كَالْمَوْتِ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ قال العلماء وحكمة الدعاء عند إرادةالنوم أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةَ أَعْمَالِهِ كَمَا سَبَقَ وَحِكْمَتُهُ إِذَا أَصْبَحَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ عَمَلِهِ بِذِكْرِ التَّوْحِيدِ وَالْكَلِمِ الطَّيِّبِ

[2712] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا لَكَ مماتها ومحياها أى حياتها وموتها وجميع أمورهالك
(17/35)

وَبِقُدْرَتِكَ وَفِي سُلْطَانِكَ

[2713] قَوْلُهُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ أَيْ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّهَا كُلُّهَا فِي سُلْطَانِهِ وَهُوَ آخِذٌ بِنَوَاصِيهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّيْنِ هُنَا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ الْعِبَادِ كُلُّهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ وَأَمَّا مَعْنَى الظَّاهِرِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَقِيلَ هُوَ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَمِنْهُ ظَهَرَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ وَقِيلَ الظاهر بالدلائل القطعية والباطن نجب عَنْ خَلْقِهِ وَقِيلَ الْعَالِمُ بِالْخَفِيَّاتِ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ سبحانه وتعالى بِالْآخِرِ فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ معناه الباقى بِصِفَاتِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهِمَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَزَلِ وَيَكُونُ كَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْخَلَائِقِ وَذَهَابِ عُلُومِهِمْ وَقَدَرِهِمْ وَحَوَاسِّهِمْ وَتَفَرُّقِ أَجْسَامِهِمْ فقال وتعلقت المتزلة بِهَذَا الِاسْمِ فَاحْتَجُّوا بِهِ لِمَذْهَبِهِمْ فِي فَنَاءِ الأجسام وذهابها بِالْكُلِّيَّةِ قَالُوا وَمَعْنَاهُ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ
(17/36)

وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرَادَ الْآخِرُ بِصِفَاتِهِ بَعْدَ ذَهَابِ صِفَاتِهِمْ وَلِهَذَا يُقَالُ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ فُلَانٌ يُرَادُ حَيَاتُهُ وَلَا يُرَادُ فَنَاءُ أَجْسَامِ مَوْتَاهُمْ وعدمها هذا كلام بن الباقلانى

[2714] قوله صلى الله علنه وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ تعالى فانه لا يعلم ما خلفه بعده عَلَى فِرَاشِهِ دَاخِلَةُ الْإِزَارِ طَرَفُهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يستحب
(17/37)

أَنْ يَنْفُضَ فِرَاشَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ حَيَّةٌ أَوْ عَقْرَبٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُؤْذِيَاتِ وَلْيَنْفُضْ وَيَدُهُ مَسْتُورَةٌ بِطَرَفِ إِزَارِهِ لِئَلَّا يَحْصُلَ فِي يَدِهِ مَكْرُوهٌ إِنْ كان هناك

(باب فى الأدعية

[2716] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شر مالم أَعْمَلْ قَالُوا مَعْنَاهُ مِنْ شَرِّ مَا اكْتَسَبْتُهُ مِمَّا قَدْ يَقْتَضِي عُقُوبَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ يَقْتَضِي فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ أَكُنْ)
(17/38)

قَصَدْتُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ الدُّعَاءِ

[2717] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ مَعْنَاهُ لَكَ انْقَدْتُ وَبِكَ صَدَّقْتُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ أَيْ فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ أىأقبلت بِهِمَّتِي وَطَاعَتِي وَأَعْرَضْتُ عَمَّا سِوَاكَ وَبِكَ خَاصَمْتُ أَيْ بِكَ أَحْتَجُّ وَأُدَافِعُ وَأُقَاتِلُ

[2718] قَوْلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ سَمِعَ سَامِعٌ بحمدالله وَحُسْنِ بَلَائِهِ رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنَ النَّارِ أَمَّا أَسْحَرَ فَمَعْنَاهُ قَامَ فِي السَّحَرِ أَوْ انْتَهَى فِي سَيْرِهِ إِلَى السَّحَرِ وَهُوَ آخِرُ اللَّيْلِ وَأَمَّا سَمِعَ سَامِعٌ فَرُوِيَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فَتْحُ الْمِيمِ مِنْ سَمِعَ وَتَشْدِيدِهَا وَالثَّانِي كَسْرُهَا مَعَ تَخْفِيفِهَا وَاخْتَارَ الْقَاضِي هُنَا وَفِي الْمَشَارِقِ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ التَّشْدِيدَ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ رِوَايَةَ أَكْثَرِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَا وَمَعْنَاهُ بَلَّغَ سَامِعٌ قَوْلِي هَذَا لِغَيْرِهِ وَقَالَ مِثْلَهُ تَنْبِيهًا عَلَى الذِّكْرِ فِي السَّحَرِ وَالدُّعَاءِ فِي ذَلِكَ وَضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى حَمْدِنَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ وَقَوْلُهُ رَبُّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا أَيْ احْفَظْنَا وَحُطْنَا وَاكْلَأْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا بِجَزِيلِ نِعَمِكَ وَاصْرِفْ عَنَّا كُلَّ مَكْرُوهٍ وَقَوْلُهُ عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنَ النَّارِ
(17/39)

مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ أَقُولُ هَذَا فِي حَالِ اسْتِعَاذَتِي وَاسْتِجَارَتِي بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ

[2719] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي إِلَى قَوْلِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي أَيْ أَنَا مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ اغْفِرْهَا إلى قِيلَ قَالَهُ تَوَاضُعًا وَعَدَّ عَلَى نَفْسِهِ فَوَاتَ الْكَمَالِ ذُنُوبًا وَقِيلَ أَرَادَ مَا كَانَ عَنْ سَهْوٍ وَقِيلَ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَغْفُورٌ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَدَعَا بِهَذَا وَغَيْرِهِ تَوَاضُعًا لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) يُقَدِّمُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ إلى رحمته بتوفيقه
(17/40)

ويوخر مَنْ يَشَاءُ عَنْ ذَلِكَ لِخِذْلَانِهِ

[2721] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى) أَمَّا الْعَفَافُ وَالْعِفَّةُ فَهُوَ التنزه عما لايباح وَالْكَفُّ عَنْهُ وَالْغِنَى هُنَا غِنَى النَّفْسِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ وَعَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ

[2722] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا ينفع ومن قلب لايخشع ومن نفس لاتشبع) هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَدْعِيَةِ الْمَسْجُوعَةِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ السَّجْعَ الْمَذْمُومَ فِي الدعاء هوالمتكلف فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ وَالْخُضُوعَ وَالْإِخْلَاصَ وَيُلْهِي عَنِ الضَّرَاعَةِ وَالِافْتِقَارِ وَفَرَاغِ الْقَلْبِ فَأَمَّا مَا حَصَلَ بِلَا تَكَلُّفٍ وَلَا إِعْمَالِ فِكْرٍ لِكَمَالِ الْفَصَاحَةِ ونحو ذلك أوكان مَحْفُوظًا فَلَا بَأْسَ بِهِ بَلْ هُوَ حَسَنٌ ومعنى نفس لاتشبع اسْتِعَاذَةٌ مِنَ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَالشَّرَهِ وَتَعَلُّقُ النَّفْسِ بِالْآمَالِ الْبَعِيدَةِ وَمَعْنَى زَكِّهَا طَهِّرْهَا وَلَفْظَةُ خَيْرُ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ مَعْنَاهُ لَا مُزَكِّي لَهَا الا
(17/41)

أَنْتَ كَمَا قَالَ أَنْتَ وَلِيُّهَا

[2723] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ) قَالَ الْقَاضِي رَوَيْنَاهُ الْكِبَرِ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا فَالْإِسْكَانُ بِمَعْنَى التَّعَاظُمِ عَلَى النَّاسِ وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ وَالرَّدِّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ قال القاضي وهذا أظهر وأشهر بما قَبْلَهُ قَالَ وَبِالْفَتْحِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَبِالْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَصَوَّبَ الْفَتْحَ وَتُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ
(17/42)

وَسُوءِ الْعُمُرِ

[2724] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) أَيْ قَبَائِلَ الْكُفَّارِ الْمُتَحَزِّبِينَ عَلَيْهِمْ وَحْدَهُ أَيْ مِنْ غَيْرِ قِتَالِ الْآدَمِيِّينَ بَلْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ) أَيْ سِوَاهُ

[2725] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قُلْ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادِ السَّهْمِ) أَمَّا السَّدَادُ هُنَا بِفَتْحِ السِّينِ وَسَدَادُ السَّهْمِ تَقْوِيمُهُ وَمَعْنَى سَدِّدْنِي وَفِّقْنِي وَاجْعَلْنِي مُنْتَصِبًا فِي جَمِيعِ أُمُورِي مُسْتَقِيمًا وَأَصْلُ السَّدَادِ الِاسْتِقَامَةُ وَالْقَصْدُ فِي الْأُمُورِ وَأَمَّا الْهُدَى هُنَا فَهُوَ الرَّشَادُ وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَمَعْنَى اذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقِ
(17/43)

والسداد سداد السهم أى تذكر ذلك فِي حَالِ دُعَائِكَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لِأَنَّ هَادِيَ الطريق لايزيغ عَنْهُ وَمُسَدَّدَ السَّهْمِ يَحْرِصُ عَلَى تَقْوِيمِهِ وَلَا يَسْتَقِيمُ رَمْيُهُ حَتَّى يُقَوِّمُهُ وَكَذَا الدَّاعِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَى تَسْدِيدِ عِلْمِهِ وَتَقْوِيمِهِ وَلُزُومِهِ السُّنَّةَ وَقِيلَ لِيَتَذَكَّرَ بِهَذَا لَفْظِ السَّدَادَ وَالْهُدَى لئلا ينساه

(باب التسبيح أول النهار وعند النوم

[2726] قَوْلُهُ (وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا) أَيْ مَوْضِعِ صَلَاتِهَا قَوْلُهُ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ قِيلَ مَعْنَاهُ مِثْلُهَا فِي الْعَدَدِ وقيل مثلها فى أنها لا تنفد وَقِيلَ فِي الثَّوَابِ وَالْمِدَادُ هُنَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَدَدِ وَهُوَ مَا كَثَّرْتَ بِهِ الشَّيْءَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَاسْتِعْمَالُهُ هُنَا مَجَازٌ لِأَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُحْصَرُ بِعَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ وَالْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ بِهِ فِي الْكَثْرَةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَا يَحْصُرُهُ الْعَدُّ الْكَثِيرُ مِنْ عَدَدِ الْخَلْقِ ثُمَّ زِنَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذَا أى ما لايحصيه عَدٌّ كَمَا لَا تُحْصَى)
(17/44)

كَلِمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي رِشْدِينَ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ كُرَيْبٌ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى

[2727] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي) كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ قَدَمُهُ مُفْرَدَةٌ وَفِي الْبُخَارِيِّ قَدَمَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَهِيَ زيادة ثقة لاتخالف الأولى قوله
(17/45)

(قِيلَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا تَرَكْتُهُنَّ لَيْلَةَ صِفِّينَ قَالَ وَلَا لَيْلَةَ صَفَّيْنِ) مَعْنَاهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْهُنَّ ذَلِكَ الْأَمْرُ وَالشُّغْلُ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَلَيْلَةُ صِفِّينَ هِيَ لَيْلَةُ الْحَرْبِ الْمَعْرُوفَةُ بِصِفِّينَ وَهِيَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْفُرَاتِ كَانَتْ فِيهِ حَرْبٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الشام

(باب استحباب الدعاء عند صياح الديك

[2729] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا سَمِعْتُمِ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رأت ملكا)
(17/46)

قَالَ الْقَاضِي سَبَبُهُ رَجَاءُ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ بِالتَّضَرُّعِ وَالْإِخْلَاصِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّالِحِينَ وَالتَّبَرُّكِ بِهِمْ

(بَاب دعاء الكرب

[2730] فيه حديث بن عَبَّاسٍ وَهُوَ حَدِيثٌ جَلِيلٌ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ عِنْدَ الْكُرَبِ وَالْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ قَالَ الطَّبَرِيُّ كَانَ السَّلَفُ يَدْعُونَ بِهِ وَيُسَمُّونَهُ دُعَاءَ الْكَرْبِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا ذِكْرٌ وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الذِّكْرَ يُسْتَفْتَحُ بِهِ الدُّعَاءِ)
(17/47)

ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ وَالثَّانِي جَوَابُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ أَمَا عَلِمْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى من شغله ذكرى عن مسئلتى أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَقَالَ الشَّاعِرُ ... إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ ...

(قَوْلُهُ (كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ نَابَهُ وَأَلَمَّ بِهِ أَمْرٌ شَدِيدٌ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهَذِهِ الْفَضَائِلُ المذكورة فى هذه الأذكارإنما هِيَ لِأَهْلِ الشَّرَفِ فِي الدِّينِ وَالطَّهَارَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ دُونَ الْمُصِرِّينَ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَحَادِيثُ عَامَّةٌ قُلْتُ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لاتختص وَاَللَّهُ أَعْلَمُ)

(بَاب فَضْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ

[2731] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَسْرِيِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ اسْمُهُ حِمْيَرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَبِالرَّاءِ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ حُمَيْدُ بْنُ بَشِيرٍ يُقَالُ الْعَنَزِيُّ الْجَسْرِيُّ مَنْسُوبٌ إلى بنى جسروهم بَطْنٌ مِنْ بَنِي عَنَزَةَ وَهُوَ جَسْرُ بْنُ تَيْمِ بْنِ الْقَدَمِ بْنِ عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ ضِرَارِ)
(17/48)

بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ كَذَا ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيُّ وَآخَرُونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ أَفْضَلُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّ وَإِلَّا فَالْقُرْآنُ أَفْضَلُ وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ الْمُطْلَقِ فَأَمَّا الْمَأْثُورُ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)
[2732] قَوْلُهُ (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كَرِيزٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم (مامن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ) وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ وَفِي رِوَايَةٍ دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فَمَعْنَاهُ فِي غَيْبَةِ الْمَدْعُوِّ لَهُ وَفِي سِرِّهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَاصِ قَوْلُهُ (بِمِثْلٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَيْنَاهُ بِفَتْحِهَا أَيْضًا يُقَالُ هُوَ مِثْلُهُ وَمَثِيلُهُ بِزِيَادَةِ الْيَاءِ أى عديله سواء وفى هذا فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هَذِهِ الْفَضِيلَةُ وَلَوْ دَعَا لِجُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالظَّاهِرُ حُصُولُهَا أَيْضًا وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا أَرَادَ أن يدعو لنفسه يدعولأخيه الْمُسْلِمِ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ لِأَنَّهَا تُسْتَجَابُ وَيَحْصُلُ لَهُ مِثْلُهَا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَرْوَانَ الْمُعَلِّمُ) هَكَذَا رَوَاهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ وَجَمِيعُ نُسَخِ بِلَادِنَا سَرْوَانَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ
(17/49)

وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّةِ شُيُوخِهِمْ وَقَالَ وعن بن مَاهَانَ أَنَّهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالْحَاكِمُ يُقَالَانِ جَمِيعًا فِيهِ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فردان بالفاء وهوأنصارى عِجْلِيٌّ قَوْلُهُ (حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءَ قَالَتْ حَدَّثَنِي سَيِّدِي) تَعْنِي زَوْجَهَا أَبَا الدَّرْدَاءَ فَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا سَيِّدَهَا وَتَوْقِيرُهُ وَأُمُّ الدَّرْدَاءَ هَذِهِ هِيَ الصُّغْرَى التَّابِعِيَّةُ وَاسْمُهَا هُجَيْمَةُ وَقِيلَ جهيمة
(17/50)

(باب استحباب حمدالله تَعَالَى بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ)
[2734] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) الْأَكْلَةُ هُنَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ المرةالواحدة من الأكل كالغداء والعشاء وفيه استحباب حمدالله تَعَالَى عَقِبَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ صِفَةَ التَّحْمِيدِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُودَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا وَجَاءَ غَيْرُ ذَلِكَ ولواقتصر عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ حَصَّلَ أَصْلُ السُّنَّةِ

(بَاب بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ (فَيَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)

[2735] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يعجل فيقول دَعَوْتُ فَلَا أَوْ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي) وَفِي رواية لايزال يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رسول الله)
(17/51)

ما الا ستعجال قَالَ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ حَسِرَ وَاسْتَحْسَرَ إِذَا أَعْيَا وَانْقَطَعَ عَنِ الشَّيْءِ وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنِ الدعاء ومنه قوله تعالى لايستكبرون عن عبادته ولايستحسرون أى لاينقطعون عَنْهَا فَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي إِدَامَةُ الدُّعَاءِ وَلَا يستبطئ الاجابة
(

كتاب الرقاق)
باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (وبيان الفتنة بالنساء)

[2736] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِذَا أَصْحَابُ الجد محبوسون) هوبفتح الْجِيمِ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ أَصْحَابُ الْبَخْتِ وَالْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَالْغِنَى وَالْوَجَاهَةِ بِهَا وَقِيلَ الْمُرَادُ أَصْحَابُ الْوِلَايَاتِ وَمَعْنَاهُ مَحْبُوسُونَ لِلْحِسَابِ
(17/52)

وَيَسْبِقُهُمُ الْفُقَرَاءُ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إلاأصحاب النار فقد أمربهم إِلَى النَّارِ) مَعْنَاهُ مَنِ اسْتَحَقَّ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى النَّارَ بِكُفْرِهِ أَوْ مَعَاصِيهِ وَفِي هَذَا
(17/53)

الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ

[2739] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ) الْفَجْأةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ مَقْصُورَةٌ عَلَى وَزْنِ ضَرْبَةٍ وَالْفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ لُغَتَانِ وَهِيَ الْبَغْتَةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلَهُ مُسْلِمٌ بَيْنَ أَحَادِيثِ النِّسَاءِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَيْهَا كُلَّهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَحَدِ حُفَّاظِ الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرِهِمْ حِفْظًا وَلَمْ يَرْوِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ مُسْلِمٍ تُوُفِّي بَعْدَ مُسْلِمٍ بِثَلَاثِ سِنِينَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ قوله
(17/54)

[2742] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَمَعْنَاهُ تَجَنَّبُوا الِافْتِتَانَ بِهَا وَبِالنِّسَاءِ وَتَدْخُلُ فِي النِّسَاءِ الزَّوْجَاتُ وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات ودوام فِتْنَتِهِنَّ وَابْتِلَاءِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِهِنَّ وَمَعْنَى الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا حُسْنُهَا لِلنُّفُوسِ وَنَضَارَتُهَا وَلَذَّتُهَا كَالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ فَإِنَّ النُّفُوسَ تَطْلُبُهَا طَلَبًا حَثِيثًا فَكَذَا الدُّنْيَا وَالثَّانِي سُرْعَةُ فَنَائِهَا كَالشَّيْءِ الْأَخْضَرِ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَمَعْنَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مِنَ الْقُرُونِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ فَيَنْظُرُ هَلْ تَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ أَمْ بِمَعْصِيَتِهِ وَشَهَوَاتِكُمْ

(بَاب قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ
[2743] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جبل) الغار النقب فى الجبل وأووا بقصر الهمزة)
(17/55)

وَيَجُوزُ فَتْحُهَا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ سَبَقَ بَيَانُهَا قَرِيبًا قَوْلُهُ (انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا) اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَالِ كَرْبِهِ وَفِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ بِصَالِحِ عَمَلِهِ وَيَتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيلِ فَضَائِلِهِمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَفَضْلِ خِدْمَتِهِمَا وَإِيثَارِهِمَا عَمَّنْ سِوَاهُمَا مِنَ الْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِ فَضْلُ الْعَفَافِ وَالِانْكِفَافِ عن المحرمات لاسيما بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالْهَمِّ بِفِعْلِهَا وَيُتْرَكُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَفِيهِ جَوَازُ الْإِجَارَةِ وَفَضْلُ حُسْنِ الْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ قَوْلُهُ (فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ) مَعْنَاهُ إِذَا رَدَدْتُ الْمَاشِيَةَ مِنَ الْمَرْعِي إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَوْضِعِ مَبِيتِهَا وَهُوَ مُرَاحُهَا بِضَمِّ الْمِيمِ يُقَالُ أَرَحْتُ الْمَاشِيَةَ وَرَوَّحْتُهَا بِمَعْنًى قَوْلُهُ (نَأَى بِي ذَاتَ يوم الشجر) وفى بعض ناءبى فالأول يجعل الْهَمْزَةِ قَبْلَ الْأَلِفِ وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ السبعة والثانى عَكْسُهُ وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَمَعْنَاهُ بَعُدَ وَالثَّانِي الْبُعْدُ قَوْلُهُ (فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وهو الإناء الذى يحلب فيه يسع حلبة ناقة ويقال له المحلب بكسر الميم قال القاضي وقد يريد بالحلاب هنااللبن الْمَحْلُوبُ قَوْلُهُ (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) أَيْ يَصِيحُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ مِنَ الْجُوعِ قَوْلُهُ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي) أى
(17/56)

حَالِي اللَّازِمَةُ وَالْفُرْجَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا فَرْجٌ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ قَوْلُهُ (وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) أَيْ جَلَسْتُ مَجْلِسَ الرَّجُلُ للوقاع قولها (لاتفتح الخاتم الابحقه) الْخَاتَمُ كِنَايَةٌ عَنْ بَكَارَتِهَا وَقَوْلُهُ بِحَقِّهِ أَيْ بنكاح لابزنا قَوْلُهُ (بِفَرَقِ أُرْزٍ) الْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَجْوَدُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ إِنَاءٌ يَسَعُ ثَلَاثَةَ آصَعٍ وَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ قَوْلُهُ (فَرَغِبَ عَنْهُ) أَيْ كَرِهَهُ
(17/57)

وسخطه وتركه وقوله (لاأغبق قبلهما أهلا ولا مالا) فقوله لاأغبق بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْبَاءِ أَيْ مَا كُنْتُ أُقَدِّمُ عَلَيْهِمَا أَحَدًا فِي شُرْبِ نَصِيبِهِمَا عِشَاءً مِنَ اللَّبَنِ وَالْغَبُوقُ شُرْبُ الْعِشَاءِ وَالصَّبُوحُ شُرْبُ أول النهاريقال مِنْهُ غَبَقْتُ الرَّجُلَ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَغْبُقُهُ بِضَمِّهَا مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ غَبْقًا فَاغْتَبَقَ أَيْ سَقَيْتُهُ عِشَاءً فَشَرِبَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ ضَبْطِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَكُتُبِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالشُّرُوحِ وَقَدْ يُصَحِّفُهُ بَعْضُ مَنْ لَا أنس لَهُ فَيَقُولُ أُغْبِقُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَهَذَا غَلَطٌ قَوْلُهُ (أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ) أَيْ وَقَعَتْ فِي سَنَةٍ قَحْطٍ قَوْلُهُ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ) أَيْ ثَمَنَهُ قَوْلُهُ (حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فارتجعت) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْجِيمِ أَيْ كَثُرَتْ حَتَّى ظَهَرَتْ حَرَكَتُهَا وَاضْطِرَابُهَا وَمَوْجُ بَعْضِهَا فِي بعض لكثرتها والارتعاج والإضطراب وَالْحَرَكَةُ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُجِيزُ بَيْعَ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ والتصرف فيه بغير اذن
(17/58)

(

كتاب التوبة)
أَصْلُ التَّوْبَةِ فِي اللُّغَةِ الرُّجُوعُ يُقَالُ تَابَ وَثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَآبَ بِمَعْنَى رَجَعَ وَالْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ هُنَا الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ لَهَا ثَلَاثَةَ أَرْكَانٍ الْإِقْلَاعُ وَالنَّدَمُ عَلَى فِعْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَالْعَزْمُ عَلَى أن لايعود إِلَيْهَا أَبَدًا فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلَهَا رُكْنٌ رَابِعٌ وَهُوَ التَّحَلُّلُ مِنْ صَاحِبِ ذَلِكَ الْحَقِّ وَأَصْلُهَا النَّدَمُ وَهُوَ رُكْنُهَا الْأَعْظَمُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي واجبة وأنها واجبة على الفور لايجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أوكبيرة وَالتَّوْبَةُ مِنْ مُهِمَّاتِ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِهِ الْمُتَأَكِّدَةِ وَوُجُوبُهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالشَّرْعِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْعَقْلِ وَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ قَبُولُهَا إِذَا وُجِدَتْ بِشُرُوطِهَا عَقْلًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقْبَلُهَا كَرَمًا وَفَضْلًا وَعَرَفْنَا قَبُولَهَا بِالشَّرْعِ وَالْإِجْمَاعِ خِلَافًا لَهُمْ وَإِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ ثُمَّ ذَكَرَهُ هَلْ يَجِبُ تَجْدِيدُ النَّدَمِ فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ بن الْأَنْبَارِيِّ يَجِبُ وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يَجِبُ وَتَصِحُّ التَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبٍ وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى ذَنْبٍ آخَرَ وَإِذَا تَابَ تَوْبَةً
(17/59)

صَحِيحَةً بِشُرُوطِهَا ثُمَّ عَاوَدَ ذَلِكَ الذَّنْبَ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْبُ الثَّانِي وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ هذا مذهب أهل السنة فى المسئلتين وَخَالَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِيهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ تَكَرَّرَتِ التَّوْبَةُ وَمُعَاوَدَةُ الذَّنْبِ صَحَّتْ ثُمَّ تَوْبَةُ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِهَا وَمَا سِوَاهَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْبَةِ هَلْ قَبُولُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ أَمْ مَظْنُونٌ فِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ مَظْنُونٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2675] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ اللَّهُ تعالى أنا تعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا) إِلَخْ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ سَبَقَ شَرْحُهُ وَاضِحًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الذِّكْرِ وَوَقَعَ فِي النُّسَخِ هُنَا حَيْثُ يَذْكُرُنِي بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَوَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ هُنَاكَ حِينَ بِالنُّونِ وَكِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِالنُّونِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ظَاهِرُ الْمَعْنَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ فَرَحُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ رِضَاهُ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ الْفَرَحُ يَنْقَسِمُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا السُّرُورُ وَالسُّرُورُ يُقَارِبُهُ الرِّضَا بِالْمَسْرُورِ بِهِ قَالَ
(17/60)

فَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْضَى تَوْبَةَ عَبْدِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَرْضَى وَاجِدُ ضَالَّتِهِ بِالْفَلَاةِ فَعَبَّرَ عَنِ الرِّضَا بِالْفَرَحِ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى الرِّضَا فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَمُبَالَغَةً فِي تَقْرِيرِهِ

[2744] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي أَرْضِ دَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ) أَمَّا دَوِّيَّةٍ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ جَمِيعًا وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَرْضٍ دَاوِيَّةٍ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْضًا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الدَّوِّيَّةُ الْأَرْضُ الْقَفْرُ وَالْفَلَاةُ الْخَالِيَةُ قَالَ الْخَلِيلُ هِيَ الْمَفَازَةُ قَالُوا وَيُقَالُ دَوِّيَّةٌ وَدَاوِيَّةٌ فَأَمَّا الدَّوِّيَّةُ فَمَنْسُوبٌ إِلَى الدو بتشديد الواو وهى البرية التى لانبات بِهَا وَأَمَّا الدَّاوِيَّةُ فَهِي عَلَى إِبْدَالِ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ أَلِفًا كَمَا قِيلَ فِي النَّسَبِ إِلَى طَيٍّ طَائِيُّ وَأَمَّا الْمَهْلَكَةُ فَهِي بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهِيَ مَوْضِعُ خَوْفِ الْهَلَاكِ وَيُقَالُ لَهَا مَفَازَةٌ قِيلَ إِنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ فَوَزَ الرَّجُلُ إِذَا هَلَكَ وَقِيلَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ بِفَوْزِهِ وَنَجَاتِهِ مِنْهَا كَمَا يُقَالُ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ

[2744] قَوْلُهُ (دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَعُودُهُ وهو مريض فحدثنا بحديثين حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ وَحَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ قَوْلُهُ الْمُؤْمِنُ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَالْفَاجِرُ يَرَى
(17/61)

ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ (مِنْ رَجُلٍ بِدَاوِيَّةٍ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ مِنْ رَجُلٍ بِالنُّونِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الْقَاضِي وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا مَرَّ رَجُلٌ بِالرَّاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ لِأَنَّ مَقْصُودَ مُسْلِمٍ أَنْ يُبَيِّنَ الْخِلَافَ فِي دَوِّيَّةِ وَدَاوِيَّةِ وَأَمَّا لَفْظَةُ مِنْ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا مَعْنَى لِلرَّاءِ هُنَا

[2745] قَوْلُهُ (حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ الْقَاضِي كَأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَزَادَةِ وَهِيَ الْقِرْبَةُ الْعَظِيمَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يزاد فيها من جلدآخر قَوْلُهُ (وَانْسَلَّ بَعِيرُهُ) أَيْ ذَهَبَ فِي خُفْيَةٍ قَوْلُهُ (فَسَعَى شَرَفًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا) قَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالشَّرَفِ هُنَا الطَّلْقَ وَالْغَلْوَةَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الشَّرَفُ مِنَ الْأَرْضِ لِيَنْظُرَ مِنْهُ هَلْ يَرَاهَا قَالَ وَهَذَا أَظْهَرُ

[2746] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
(17/62)

(مَرَّ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ الْقَائِمِ قَوْلُهُ (قُلْنَا شَدِيدًا) أَيْ نَرَاهُ فَرَحًا شَدِيدًا أَوْ يَفْرَحُ فَرَحًا شَدِيدًا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يحيى وجعفر بن حميد) هكذا صوابه بن حُمَيْدٍ وَقَدْ صُحِّفَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ الْحَافِظُ وَلَيْسَ لِمُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَعْفَرٍ هَذَا غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رُوَاةُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ وَهَمٌ وَصَوَابُهُ إِذَا سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ أَيْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَصَادَفَهُ مِنْ غَيْرِ
(17/63)

قَصْدٍ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الاخر عن بن مَسْعُودٍ قَالَ فَأَرْجِعُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ فَنَامَ نَوْمَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا يُصَحِّحُ رِوَايَةَ اسْتَيْقَظَ قال ولكن وَجْهَ الْكَلَامِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى سَقَطٍ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ (أَضَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ) أَيْ فقده

(باب سقوط الذنوب بالا ستغفار تَوْبَةً

[2748] قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَاصِّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا قَاصِّ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ من القصص قال القاضي عِيَاضُ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ قَاضِي بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ وَالْوَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِيهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَرُوِيَ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ قَاصًّا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرٌ بِالْمَدِينَةِ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا) إِنَّمَا كَتَمَهُ أَوَّلًا مَخَافَةَ اتِّكَالِهِمْ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تعالى وانهما كهم فِي الْمَعَاصِي وَإِنَّمَا)
(17/64)

حَدَّثَ بِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ كَاتِمًا لِلْعِلْمِ وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَحْفَظُهُ غَيْرُهُ فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الحديث الآ خر فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا أَيْ خَشْيَةَ الْإِثْمِ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فى كتاب الايمان والله أعلم

(باب فضل دوام الذكر والفكر فى أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك فى بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا

[2750] قَوْلُهُ (قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ قَوْلُهُ (عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الباء الْمُشَدَّدَةِ وَالثَّانِي كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي إِلَّا هَذَا الثَّانِي وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي أُسَيْدٍ بَطْنٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَذَكَرَهُ الْقَاضِي)
(17/65)

عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِمْ كَذَلِكَ وَعَنْ أَكْثَرِهِمْ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ وَأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ قَوْلُهُ (يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ) قَالَ الْقَاضِي ضَبَطْنَاهُ رَأْيُ عَيْنٍ بِالرَّفْعِ أَيْ كَأَنَّا بحال من يراها بعينه قَالَ وَيَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ نَرَاهَا رَأْيَ عَيْنٍ قَوْلُهُ (عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ) هُوَ بِالْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ حَاوَلْنَا ذَلِكَ وَمَارَسْنَاهُ وَاشْتَغَلْنَا بِهِ أَيْ عَالَجْنَا مَعَايِشَنَا وَحُظُوظَنَا وَالضَّيْعَاتُ جَمْعُ ضَيْعَةٍ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ مَعَاشُ الرَّجُلِ مِنْ مَالٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ وَرَوَى الْخَطَّابِيُّ هَذَا الْحَرْفَ عانسنا بالنون قال ومعناه لاعبنا ورواه بن قُتَيْبَةَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ وَمَعْنَاهُ عَانَقْنَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ أَعَمُّ قَوْلُهُ (نَافَقَ حَنْظَلَةُ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَافَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ حَيْثُ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ الْخَوْفُ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ وَالْفِكْرِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ فَإِذَا خَرَجَ اشتغل
(17/66)

بِالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَمَعَاشِ الدُّنْيَا وَأَصْلُ النِّفَاقِ إِظْهَارُ مَا يَكْتُمُ خِلَافَهُ مِنَ الشَّرِّ فَخَافَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِفَاقًا فَأَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنِفَاقٍ وَأَنَّهُمْ لَا يكلفون الدوام على ذلك سَاعَةً وَسَاعَةً أَيْ سَاعَةً كَذَا وَسَاعَةً كَذَا قَوْلُهُ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقَالَ مَهْ) قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ الِاسْتِفْهَامُ أَيْ مَا تَقُولُ وَالْهَاءُ هُنَا هِيَ هَاءُ السَّكْتِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلْكَفِّ وَالزَّجْرِ وَالتَّعْظِيمِ لِذَلِكَ
(17/67)

(باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه))

[2751] قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي) وَفِي رِوَايَةٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي قَالَ الْعُلَمَاءُ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الْإِرَادَةِ فَإِرَادَتُهُ الْإِثَابَةَ لِلْمُطِيعِ وَمَنْفَعَةَ الْعَبْدِ تُسَمَّى رِضًا وَرَحْمَةً وَإِرَادَتُهُ عِقَابَ الْعَاصِي وَخِذْلَانَهُ تُسَمَّى غَضَبًا وَإِرَادَتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ يُرِيدُ بِهَا جَمِيعَ الْمُرَادَاتِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالسَّبْقِ وَالْغَلَبَةِ هُنَا كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وَشُمُولُهَا كَمَا يُقَالُ غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ الْكَرَمُ وَالشَّجَاعَةُ إِذَا كَثُرَا مِنْهُ

[2752] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ إِلَى آخِرِهِ) هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ وَالْبِشَارَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْأَكْدَارِ الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ وَالصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ فِي قَلْبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بمائة
(17/68)

رَحْمَةٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَدَارُ الْجَزَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا جَمِيعًا جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي جَعَلَ اللَّهُ الرُّحْمَ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَبِضَمِّ الرَّاءِ قَالَ وَرَوَيْنَاهُ بِضَمِّ الرَّاءِ
(17/69)

وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَمَعْنَاهُ الرَّحْمَةُ

[2754] قَوْلُهُ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَبْتَغِي مِنَ الِابْتِغَاءِ وَهُوَ الطَّلَبُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذَا وَهَمٌ وَالصَّوَابُ مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَسْعَى بِالسِّينِ مِنَ السعى قلت كلاهما صواب لاوهم فِيهِ فَهِي سَاعِيَةٌ وَطَالِبَةٌ مُبْتَغِيَةٌ لِابْنِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2756] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ وَيَذِرُّوهُ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ وَقَالَ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ
(17/70)

مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ لَهُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثُ فقالت طائفة لايصح حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ قُدْرَةِ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّاكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَافِرٌ وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ إِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَافِرُ لَا يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يُغْفَرَ لَهُ قَالَ هَؤُلَاءِ فَيَكُونُ لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْعَذَابَ أَيْ قَضَاهُ يُقَالُ مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالثَّانِي إِنَّ قَدَرَ هُنَا بِمَعْنَى ضَيَّقَ عَلَيَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدَرَ عَلَيْهِ رزقه وهوأحد الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَظَنَّ أَنْ لَنْ نقدر عليه وَقَالَتْ طَائِفَةٌ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَكِنْ قَالَهُ هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولاقاصد لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ وَمُعْتَقِدٍ لَهَا بَلْ قَالَهُ فِي حَالَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الدَّهْشُ وَالْخَوْفُ وَشِدَّةُ الْجَزَعِ بِحَيْثُ ذَهَبَ تَيَقُّظُهُ وَتَدَبُّرُ مَا يَقُولُهُ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْغَافِلِ وَالنَّاسِي وَهَذِهِ الْحَالَةِ لايؤاخذ فِيهَا وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ الْآخَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْفَرَحُ حِينَ وَجَدَ رَاحِلَتَهُ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ فَلَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ الدَّهْشِ وَالْغَلَبَةِ وَالسَّهْوِ وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فَلَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ أَيْ أَغِيبُ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا مِنْ مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَبَدِيعِ اسْتِعْمَالِهَا يُسَمُّونَهُ مَزْجَ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّا أواياكم لعلى هدى فَصُورَتُهُ صُورَةُ شَكٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْيَقِينِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا الرَّجُلُ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ جَاهِلِ الصِّفَةِ قَالَ الْقَاضِي وَمِمَّنْ كَفَّرَهُ بِذَلِكَ بن جرير الطبرى وقاله أبوالحسن الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَكْفُرُ بِجَهْلِ الصِّفَةِ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ بخلاف حجدها وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بِصَوَابِهِ وَيَرَاهُ دِينًا وَشَرْعًا وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنِ اعتقد أن
(17/71)

مَقَالَتَهُ حَقٌّ قَالَ هَؤُلَاءِ وَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ عن الصفات لوجد العالم بها قليلاوقالت طَائِفَةٌ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ فِي زَمَنِ فَتْرَةٍ حِينَ يَنْفَعُ مُجَرَّدِ التَّوْحِيدِ وَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رسولا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنٍ شَرْعُهُمْ فِيهِ جَوَازُ الْعَفْوِ عَنِ الْكَافِرِ بِخِلَافِ شَرْعِنَا وَذَلِكَ مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ فِي شَرْعِنَا بِالشَّرْعِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقِيلَ إِنَّمَا وَصَّى بِذَلِكَ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ وَعُقُوبَةً لَهَا لِعِصْيَانِهَا وَإِسْرَافِهَا رَجَاءَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ بَالَغَ وَعَلَا فِي الْمَعَاصِي والسرف مجاوزة الحد قوله ان بن شِهَابٍ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ الَّتِي دَخَلَتِ النَّارَ وَعُذِّبَتْ بِسَبَبِ هِرَّةٍ حبستها حتى ماتت جوعا ثم قال بن شِهَابٍ لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ وَلَا يَيْأَسْ رَجُلٌ معناه أن
(17/72)

بن شِهَابٍ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ خَافَ أَنَّ سَامِعَهُ يَتَّكِلُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ سَعَةِ الرَّحْمَةِ وَعِظَمِ الرَّجَاءِ فَضَمَّ إِلَيْهِ حَدِيثَ الْهِرَّةِ الَّذِي فِيهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ضِدَّ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِئَلَّا يَتَّكِلَ ولاييأس وَهَكَذَا مُعْظَمُ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ لِلْوَاعِظِ أَنْ يَجْمَعَ فِي مَوْعِظَتِهِ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لئلا يقنط أحد ولايتكل قَالُوا وَلْيَكُنِ التَّخْوِيفُ أَكْثَرَ لِأَنَّ النُّفُوسَ إِلَيْهِ أَحْوَجُ لِمَيْلِهَا إِلَى الرَّجَاءِ وَالرَّاحَةِ وَالِاتِّكَالِ وَإِهْمَالِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْهِرَّةِ فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي مَوْضِعِهِ

[2757] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَاشَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا) هَذِهِ اللَّفْظَةُ رُوِيَتْ بِوَجْهَيْنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَحَدُهُمَا رَاشَهُ بِأَلِفٍ سَاكِنَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَالثَّانِي رَأَسَهُ بِهَمْزَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ قَالَ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ وَمَعْنَاهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا قَالَ وَلَا وَجْهَ لِلْمُهْمَلَةِ هُنَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ هُنَا قَوْلُهُ (فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ أَبْتَئِرُ بِهَمْزَةٍ بعدالتاء وَفِي أَكْثَرِهَا لَمْ أَبْتَهِرْ بِالْهَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْهَاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْهَمْزَةِ وَمَعْنَاهُمَا لَمْ أُقَدِّمْ خَيْرًا وَلَمْ أَدَّخِرْهُ وَقَدْ فَسَّرَهَا قَتَادَةُ فِي الْكِتَابِ وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يَبْتَئِرْ هَكَذَا هُوَ فى جميع النسخ وفى رواية ماامتأر بِالْمِيمِ مَهْمُوزٌ أَيْضًا وَالْمِيمُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ بِبِلَادِنَا وَنَقَلَ اتِّفَاقُ الرُّوَاةِ
(17/73)

وَالنُّسَخِ عَلَيْهِ هَكَذَا بِتَكْرِيرِ إِنْ وَسَقَطَتْ لَفْظَةَ أَنْ الثَّانِيَةَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ إِنِ الْأُولَى شَرْطِيَّةٌ وَتَقْدِيرُهُ إِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ عَذَّبَنِي وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ وَهِيَ إِثْبَاتُ أَنَّ الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى فَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِهِ فَقَالَ الْقَاضِي هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ تَلْفِيقٌ قَالَ فَإِنْ أُخِذَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَنَصَبَ اسْمَ اللَّهِ وجعل تقدير فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ اسْتَقَامَ اللَّفْظُ وَصَحَّ الْمَعْنَى لَكِنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الشَّكُّ فِي الْقُدْرَةِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ صَوَابُهُ حَذْفُ أَنَّ الثَّانِيَةِ وَتَخْفِيفُ الْأُولَى وَرَفْعُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ بَعْضِهِمْ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِإِثْبَاتِ إِنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْأُولَى مُشَدَّدَةٌ وَمَعْنَاهُ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي وَيَكُونُ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ تأول الرواية الأولى على أنه أراد بقدر ضَيَّقَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ لَكِنْ يَكُونُ قَوْلُهُ هُنَا مَعْنَاهُ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي إِنْ دَفَنْتُمُونِي بِهَيْئَتِي فَأَمَّا إِنْ سَحَقْتُمُونِي وَذَرَّيْتُمُونِي فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيَّ وَيَكُونُ جَوَابُهُ كَمَا سَبَقَ وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَرَبِّي) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَرَبِّي عَلَى الْقَسَمِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْقَسَمِ مِنَ الْمُخْبِرِ بِذَلِكَ عَنْهُمْ لِتَصْحِيحِ خَبَرِهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا وَرَبِّي فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الْقَاضِي بَلْ هُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى وَالْقَسَمِ قَالَ وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ لِأَحَدٍ مِنْ شيوخنا الا للتميمى من طريق بن الْحَذَّاءِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَذُرِّيَ قَالَ فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَهِي وَجْهَ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَذُرُّوهُ وَلَعَلَّ الذَّالَ سَقَطَتْ لِبَعْضِ النُّسَّاخِ وَتَابَعَهُ الْبَاقُونَ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ الْمَذْكُورَاتُ صَحِيحَاتُ الْمَعْنَى ظَاهِرَاتٌ فَلَا وَجْهَ لِتَغْلِيطِ شَيْءٍ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا) أَيْ مَا تَدَارَكُهُ
(17/74)

وَالتَّاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ قَوْلُهُ (إِنَّ رَجُلًا مِنَ الناس رغسه الله مالاوولدا) هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أعطاه ما لا وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ

(بَاب قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ الذُّنُوبِ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ الذُّنُوبُ وَالتَّوْبَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْبَةِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ ظَاهِرَةٌ فِي الدَّلَالَةِ لَهَا وَأَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ الذَّنْبُ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَتَابَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ تَابَ عَنِ الْجَمِيعِ تَوْبَةً وَاحِدَةً بَعْدَ جَمِيعِهَا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلَّذِي تَكَرَّرَ ذَنْبُهُ

[2758] اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ مَعْنَاهُ مَا دُمْتَ تُذْنِبُ ثُمَّ تَتُوبُ غَفَرْتُ لَكَ وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ)
(17/75)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنهار ليتوب مسيءالليل حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَلَا يَخْتَصُّ قبولها بوقت وقد سبقت المسألة فبسط اليداستعارة فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ قَالَ الْمَازِرِيُّ الْمُرَادُ بِهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ وَإِنَّمَا وَرَدَ لَفْظُ بَسْطِ الْيَدِ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا رَضِيَ أَحَدُهُمِ الشَّيْءَ بَسَطَ يَدَهُ لِقَبُولِهِ وَإِذَا كَرِهَهُ قَبَضَهَا عَنْهُ فَخُوطِبُوا بأمر حسي يفهمونه وهو مجازفان يَدَ الْجَارِحَةَ مُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى

(بَاب غَيْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ

[2760] قَدْ سبق تفسير غيرة الله تعالىفى حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَفِي غَيْرِهِ وَسَبَقَ بَيَانُ لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ)
(17/76)

وَالْغَيْرَةُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَهِيَ فِي حَقِّنَا الْأَنَفَةُ وَأَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ فَسَّرَهَا هُنَا فِي حَدِيثِ عَمْرٍو النَّاقِدِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ أَيْ غَيْرَتُهُ مَنْعُهُ وَتَحْرِيمُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ولاأحد أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) حَقِيقَةُ هَذَا مَصْلَحَةٍ لِلْعِبَادِ لِأَنَّهُمْ يُثْنُونَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَيُثِيبُهُمْ فَيَنْتَفِعُونَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ لَا يَنْفَعُهُ مَدْحُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُمْ ذَلِكَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَسَائِرِ
(17/77)

الْأَذْكَارِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ) قَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الِاعْتِذَارُ أَيْ اعْتِذَارُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ مِنْ تَقْصِيرِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ مِنْ مَعَاصِيهِمْ فَيَغْفِرُ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى وهو الذى يقبل التوبة عن عباده

[2761] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(17/78)

(وَاَللَّهُ أَشَدُّ غَيْرًا) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ غَيْرًا بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ مَنْصُوبٌ بِالْأَلِفِ هو الْغَيْرَةُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْغَيْرَةُ وَالْغَيْرُ وَالْغَارُ بِمَعْنًى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب قَوْله تَعَالَى إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ

[2763] قَوْلُهُ فِي الَّذِي أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ (إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْحَسَنَاتِ تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْحَسَنَاتِ هُنَا فَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا الصلوات الخمس واختاره بن جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ هِيَ قَوْلُ الْعَبْدِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ المراد الحسنات مطلقاوقد سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ مَا يُكَفِّرُ مِنَ الْمَعَاصِي بِالصَّلَاةِ وَسَبَقَ فِي مَوَاضِعَ قَوْلُهُ تعالى وزلفا من الليل هِيَ سَاعَتُهُ وَيَدْخُلُ فِي صَلَاةِ طَرَفَيِ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَفِي زُلَفًا مِنَ)
(17/79)

الليل الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ قَوْلُهُ (أَصَابَ مِنْهَا دُونَ الْفَاحِشَةِ) أى دون الزنى فِي الْفَرْجِ قَوْلُهُ (عَالَجْتُ امْرَأَةً وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا) مَعْنَى عَالَجَهَا أَيْ تَنَاوَلَهَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا وَالْمُرَادُ بِالْمَسِّ الْجِمَاعِ وَمَعْنَاهُ اسْتَمْتَعْتُ بِهَا بِالْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ جميع أنواع الاستمتاع إلاالجماع قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً) هَكَذَا تُسْتَعْمَلُ كَافَّةً حَالٌ أَيْ كُلُّهُمْ
(17/80)

ولا يضاف فيقال كافة الناس ولاالكافة بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي تَصْحِيفِ الْعَوَامِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ

[2764] قَوْلُهُ (أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ هَلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ معنا قال نعم قال قد غفرلك) هَذَا الْحَدُّ مَعْنَاهُ مَعْصِيَةٌ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُوجِبَةِ للتعزير وهى هنا من الصغائرلأنها كَفَّرَتْهَا الصَّلَاةُ وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِحَدٍّ أَوْ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ لَمْ تَسْقُطْ بِالصَّلَاةِ فقدأجمع العلماء على أن المعاصى الموجبة للحدود لاتسقط حُدُودُهَا بِالصَّلَاةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ الْمَعْرُوفِ قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يَحُدَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ مُوجِبَ الْحَدِّ وَلَمْ يَسْتَفْسِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ إِيثَارًا لِلسَّتْرِ بَلِ اسْتُحِبَّ تَلْقِينُ الرُّجُوعِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِمُوجِبِ الْحَدِّ صَرِيحًا
(17/81)

(باب قبول توبة القاتل وان كثرهم قَتْلُهُ)
[2766] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ رجلاقتل تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ قَتَلَ تَمَامَ الْمِائَةِ ثُمَّ أَفْتَاهُ الْعَالِمُ بِأَنَّ لَهُ تَوْبَةٌ) هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ عَمْدًا وَلَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بن عَبَّاسٍ وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ خِلَافِ هَذَا فَمُرَادُ قَائِلِهِ الزَّجْرُ عَنْ سبب التوبة لاأنه يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ تَوْبَتِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِيهِ وهو وَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَافٌ فَلَيْسَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَتَقْرِيرِهِ فَإِنْ وَرَدَ كان شرعا لنا
(17/82)

بلاشك وَهَذَا قَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخر ولا يقتلون إلى قوله إلامن تاب الْآيَةَ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فَالصَّوَابُ فِي مَعْنَاهَا أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّمُ وَقَدْ يجازى به وقد يجازى بغيره وقد لايجازى بَلْ يُعْفَى عَنْهُ فَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا مُسْتَحِلًّا له بغير حق ولاتأويل فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يَخْلُدُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ بَلْ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ مُرْتَكِبُ كَبِيرَةٍ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا لَكِنْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ثم أخبر أنه لايخلد مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا فِيهَا فَلَا يَخْلُدُ هَذَا ولكن قد يعفى عنه فلايدخل النار أصلا وقد لايعفى عَنْهُ بَلْ يُعَذَّبُ كَسَائِرِ الْعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ ثُمَّ يَخْرُجُ مَعَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَازَى بِعُقُوبَةٍ مَخْصُوصَةٍ أَنْ يَتَحَتَّمَ ذَلِكَ الْجَزَاءُ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ يُخَلَّدُ فِي جَهَنَّمِ وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهَا جَزَاؤُهُ أَيْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَازَى بِذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ مَنْ قَتَلَ مستحلا وقيل وَرَدَتِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بالخلود طول المدة لاالدوام وقيل معناه هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا ضعيفة أوفاسدة لِمُخَالَفَتِهَا حَقِيقَةَ لَفْظِ الْآيَةِ وَأَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَهُوَ شَائِعٌ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا عُفِي عَنْهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهَا كَانَتْ جَزَاءً وَهِيَ جَزَاءٌ لَهُ لَكِنْ تَرَكَ اللَّهُ مُجَازَاتَهُ عَفْوًا عَنْهُ وَكَرَمًا فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ فِيهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ ولاترجع إِلَى أَرْضكِ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا اسْتِحْبَابُ مُفَارَقَةِ التَّائِبِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي أَصَابَ بِهَا الذُّنُوبَ وَالْأَخْدَانَ الْمُسَاعِدِينَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَمُقَاطَعَتِهِمْ مَا دَامُوا عَلَى حَالِهِمْ وَأَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِمْ صُحْبَةَ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَبِّدِينَ الْوَرِعِينَ وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ وَيَنْتَفِعُ بِصُحْبَتِهِمْ وَتَتَأَكَّدُ بِذَلِكَ تَوْبَتُهُ قَوْلُهُ (فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ) هُوَ
(17/83)

بِتَخْفِيفِ الصَّادِ أَيْ بَلَغَ نِصْفَهَا قَوْلُهُ (نَأَى بِصَدْرِهِ) أَيْ نَهَضَ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأَلِفِ عَلَى الْهَمْزَةِ وَعَكْسُهُ وَسَبَقَ فِي حَدِيثِ أَصْحَابِ الْغَارِ وَأَمَّا قِيَاسُ الْمَلَائِكَةِ مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ وَحُكْمُ الْمَلَكِ الَّذِي جَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ عِنْدَ اشْتِبَاهِ أَمْرِهِ عَلَيْهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ أَنْ يُحَكِّمُوا رَجُلًا مِمَّنْ يَمُرُّ بِهِمْ فَمَرَّ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ رجل فحكم بذلك
(17/84)

باب سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر مِنْ النَّارِ

[2767] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ) وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَفِي رِوَايَةٍ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْفَكَاكُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ الْخَلَاصُ وَالْفِدَاءُ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِكُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَالْمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ خَلَفَهُ الْكَافِرُ فِي النار لاستحقاقه ذلك بكفره ومعنى فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ أَنَّكَ كُنْتَ مُعَرَّضًا لِدُخُولِ النَّارِ وَهَذَا فَكَاكُكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لَهَا عَدَدًا يَمْلَؤُهَا فَإِذَا دَخَلَهَا الْكُفَّارُ بِكُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ صَارُوا فِي مَعْنَى الْفَكَاكِ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا رواية يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بِذُنُوبٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ تِلْكَ الذُّنُوبَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُسْقِطُهَا عَنْهُمْ وَيَضَعُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِثْلَهَا بِكُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ فَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ بِأَعْمَالِهِمْ لا بذنوب المسلمين ولا بدمن هَذَا التَّأْوِيلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزرأخرى وَقَوْلُهُ وَيَضَعُهَا مَجَازٌ وَالْمُرَادُ يَضَعُ عَلَيْهِمْ مِثْلَهَا بِذُنُوبِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ لَكِنْ لَمَّا أَسْقَطَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَبْقَى عَلَى الْكُفَّارِ سَيِّئَاتِهِمْ صَارُوا فِي مَعْنَى مَنْ حَمَلَ إِثْمَ الْفَرِيقَيْنِ لِكَوْنِهِمْ حَمَلُوا الْإِثْمَ الْبَاقِي وَهُوَ إِثْمُهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ آثَامًا كَانَ لِلْكُفَّارِ سَبَبٌ فِيهَا بِأَنْ سَنُّوهَا فَتَسْقُطُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُوضَعُ عَلَى الْكُفَّارِ مِثْلُهَا لِكَوْنِهِمْ سَنُّوهَا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ كُلِّ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا
(17/85)

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ) إِنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ لِزِيَادَةِ الاستيشاق وَالطُّمَأْنِينَةِ وَلِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ السُّرُورِ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ الْعَظِيمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ فِيهِ شَكٌّ وَخَوْفٌ غَلَطٌ أَوْ نِسْيَانٌ أَوْ اشْتِبَاهٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ أَمْسَكَ عَنِ الْيَمِينِ فَإِذَا حَلَفَ تَحَقَّقَ انْتِفَاءُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَعَرَفَ صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمَا قَالَا هَذَا الْحَدِيثُ أَرْجَى حَدِيثٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَمَا قَالَا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِفِدَاءِ كُلِّ مُسْلِمٍ وَتَعْمِيمِ الْفِدَاءِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

[2768] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفُهُ
(17/86)

فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ) إِلَى آخِرِهِ أَمَّا كَنَفُهُ فَبِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَهُوَ سَتْرُهُ وَعَفْوُهُ وَالْمُرَادُ بِالدُّنُوِّ هُنَا دنو كرامة واحسان لادنو مَسَافَةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَهٌ عَنِ الْمَسَافَةِ وَقُرْبِهَا

(باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه)

[2769] قَوْلُهُ (وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ) أَيْ تَبَايَعْنَا عَلَيْهِ وَتَعَاهَدْنَا وَلَيْلَةُ الْعَقَبَةِ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارَ
(17/87)

فيها على الاسلام وأن يودوه وَيَنْصُرُوهُ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الَّتِي فِي طَرَفِ مِنًى التى يُضَافُ إِلَيْهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ مَرَّتَيْنِ فِي سَنَتَيْنِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعِينَ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ) أَيْ أَشْهَرُ عِنْدَ النَّاسِ بِالْفَضِيلَةِ قَوْلُهُ (وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا) أَيْ بَرِّيَّةً طَوِيلَةً قَلِيلَةَ الْمَاءِ يُخَافُ فِيهَا الْهَلَاكَ وَسَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُ الْخِلَافِ فِي تَسْمِيَتِهَا مَفَازَةً وَمَفَازًا قَوْلُهُ (فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرُهُمْ) هُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ كَشَفَهُ وَبَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ وَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْرِيَةٍ يُقَالُ جَلَوْتُ الشَّيْءَ كَشَفْتُهُ قَوْلُهُ (لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ) الْأُهْبَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ أَيْ لِيَسْتَعِدُّوا بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِمْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمْ أي بمقصدهم قوله يريد بذلك الديوان) هوبكسر الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِي فَتْحُهَا وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعْرَبٌ وَقِيلَ عَرَبِيٌّ قَوْلُهُ (فَقَلَّ رَجُلٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ الْقَاضِي هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَصَوَابُهُ أَلَّا يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ بِزِيَادَةِ أَلَّا وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(17/88)

(فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ) أَيْ أَمِيلُ قَوْلُهُ (حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ قَوْلُهُ (وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئًا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا أى أهبة سفرى قوله (تفارة الغزو) أى تقدم الغزاته سبقوا وَفَاتُوا قَوْلُهُ (رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ) أى متهمابه وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَذْكُرْنِي حَتَّى بَلَغَ تَبُوكًا) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ تَبُوكَا بِالنَّصْبِ وَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَكَأَنَّهُ صَرَفَهَا لِإِرَادَةِ الْمَوْضِعِ دُونَ الْبُقْعَةِ قَوْلُهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ أَيْ جَانِبَيْهِ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ وَلِبَاسِهِ قَوْلُهُ (فَقَالَ لَهُ مَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِئْسَ مَا قلت) هذا دليل لردغيبة الْمُسْلِمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَتِّكٍ فِي الْبَاطِلِ وَهُوَ مِنْ مُهِمَّاتِ الْآدَابِ وَحُقُوقِ الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ (رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ) الْمُبَيِّضُ
(17/89)

بكسر الباء هُوَ لَابِسٌ الْبَيَاضَ وَيُقَالُ هُمُ الْمُبَيِّضَةُ وَالْمُسَوِّدَةُ بالكسر فيهما أى لا بسوا الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ وَيَزُولُ بِهِ السَّرَابُ أَيْ يَتَحَرَّكُ وَيَنْهَضُ وَالسَّرَابُ هُوَ مَا يَظْهَرُ لِلْإِنْسَانِ فِي الْهَوَاجِرِ فِي الْبَرَارِيِّ كَأَنَّهُ مَاءٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ) قِيلَ مَعْنَاهُ أَنْتَ أَبُو خَيْثَمَةَ قَالَ ثَعْلَبُ الْعَرَبُ تَقُولُ كُنْ زَيْدًا أَيْ أَنْتَ زَيْدٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ كُنْ هُنَا لِلتَّحَقُّقِ وَالْوُجُودِ أَيْ لِتُوجَدْ يَا هَذَا الشَّخْصُ أَبَا خَيْثَمَةَ حَقِيقَةً وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ تَقْدِيرُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَبَا خَيْثَمَةَ وَأَبُو خَيْثَمَةَ هَذَا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَيْثَمَةَ وَقِيلَ مالك بْنُ قَيْسٍ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُكْنَى أَبَا خَيْثَمَةَ إِلَّا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ قَوْلُهُ (لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ) أَيْ عَابُوهُ وَاحْتَقَرُوهُ قَوْلُهُ (تَوَجَّهَ قَافِلًا) أَيْ رَاجِعًا قَوْلُهُ (حَضَرَنِي بَثِّي) أَيْ أَشَدُّ الْحُزْنِ قَوْلُهُ (قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلَ) فَقَوْلُهُ أَظَلَّ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَقْبَلَ وَدَنَا قُدُومُهُ كَأَنَّهُ أَلْقَى عَلَيَّ ظِلَّهُ وَزَاحَ أَيْ زَالَ قَوْلُهُ (فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ) أَيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ يُقَالُ
(17/90)

أَجْمَعَ أَمْرَهُ وَعَلَى أَمْرِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى قَوْلُهُ (لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا) أَيْ فَصَاحَةً وَقُوَّةً فِي الْكَلَامِ وَبَرَاعَةً بِحَيْثُ أَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ مَا يُنْسَبُ إِلَيَّ إِذَا أَرَدْتُ قَوْلُهُ (تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ أَيِ الْغَضْبَانِ قوله (ليوشكن) هو بكسر الشين أى ليسر عن قَوْلُهُ (تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ تَغْضَبُ قَوْلُهُ (إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ) أَيْ أَنْ يُعْقِبَنِي خَيْرًا وَأَنْ يُثَبِّتَنِي عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَوَاَللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي) هُوَ بِهَمْزٍ بَعْدَ الْيَاءٍ ثُمَّ نُونٍ ثم موحدة
(17/91)

أَيْ يَلُومُونَنِي أَشَدَّ اللَّوْمِ قَوْلُهُ (فِي الرَّجُلَيْنِ صَاحِبَيْ كَعْبٍ هُمَا مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ الْعَامِرِيُّ وَأَنْكَرَهُ الْعُلَمَاءُ وَقَالُوا هُوَ غَلَطٌ إِنَّمَا صَوَابُهُ الْعَمْرِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَكَذَا نسبه محمد بن إسحاق وبن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ قَالَ الْقَاضِي هُوَ الصَّوَابُ وَإِنْ كَانَ الْقَابِسِيُّ قَدْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا الْعَامِرِيَّ فَاَلَّذِي غَيَّرَهُ الْجُمْهُورُ أَصَحُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَكَذَا وقع فى نسخ مسلم وكذا نقله القاضي عن نسخ مسلم ووقع فى البخارى بن الربيع قال بن عَبْدِ الْبَرِّ يُقَالُ بِالْوَجْهَيْنِ وَمُرَارَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ قَوْلُهُ (وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ) هُوَ بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ مَنْسُوبٌ إِلَى وَاقِفٍ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ وَاقِفٍ وَاسْمُ وَاقِفٍ مَالِكُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَنْصَارِيُّ قَوْلُهُ (وَنَهَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ) قَالَ الْقَاضِي هُوَ بِالرَّفْعِ وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ قَالَ سِيبَوَيْهِ نَقْلًا عَنِ العرب اللهم اغفرلنا أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ وَهَذَا مِثْلُهُ وَفِي هَذَا هِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي قَوْلُهُ (حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ) مَعْنَاهُ تَغَيَّرَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَرْضِ فَإِنَّهَا تَوَحَّشَتْ عَلَيَّ وَصَارَتْ كَأَنَّهَا أَرْضٌ لَمْ أَعْرِفْهَا لِتَوَحُّشِهَا عَلَيَّ قَوْلُهُ (فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا) أَيْ خَضَعَا قَوْلُهُ (أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ
(17/92)

أَيْ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا وَأَقْوَاهُمْ قَوْلُهُ (تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ) مَعْنَى تَسَوَّرْتُهُ عَلَوْتُهُ وَصَعِدْتُ سُورَهُ وَهُوَ أَعْلَاهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ دُخُولِ الْإِنْسَانِ بُسْتَانَ صَدِيقِهِ وَقَرِيبِهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ويعرف أنه لايكره لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحوذلك قَوْلُهُ (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاَللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ) لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ كَلَامِهِمْ وَفِيهِ أَنَّهُ لايسلم عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَنَحْوِهِمْ وَفِيهِ أَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ وأن من حلف لايكلم إنسانا فسلم عليه أورد عَلَيْهِ السَّلَامَ حَنِثَ قَوْلُهُ (أَنْشُدُكَ بِاَللَّهِ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ أَسْأَلُكَ اللَّهَ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّشِيدِ وَهُوَ الصَّوْتُ قَوْلُهُ (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قَالَ الْقَاضِي لَعَلَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهَذَا تَكْلِيمَهُ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ كَلَامِهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لَمَّا نَاشَدَهُ اللَّهُ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ مُظْهِرًا لِاعْتِقَادِهِ لَا لِيَسْمَعَهُ وَلَوْ حَلَفَ رَجُلٌ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ يُرِيدُ إِسْمَاعَهُ وَجَوَابَهُ حَنِثَ قَوْلُهُ (نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ) يُقَالُ النَّبَطُ وَالْأَنْبَاطُ وَالنَّبِيطُ وَهُمْ فَلَّاحُو الْعَجَمِ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ
(17/93)

بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ) المضيعة فيها لغتان إحداهما كسرالضاد وإسكان الياء والثانية باسكان الضاد وفتح الياءأى فى موضع رحال يُضَاعُ فِيهِ حَقُّكَ وَقَوْلُهُ نُوَاسِكَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نُوَاسِيكَ بِزِيَادَةِ يَاءٍ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ وَنَحْنُ نُوَاسِيكَ وَقَطَعَهُ عَنْ جَوَابِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ نُشَارِكُكَ فِيمَا عِنْدَنَا قَوْلُهُ (فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورُ فَسَجَرْتُهَا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِبِلَادِنَا وَهِيَ لُغَةٌ فِي تَيَمَّمْتُ وَمَعْنَاهُمَا قَصَدْتُ وَمَعْنَى سجرتها أى أحرقتها وأنث الضميرلأنه أَرَادَ مَعْنَى الْكِتَابِ وَهُوَ الصَّحِيفَةُ قَوْلُهُ (وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ) أَيْ أَبْطَأَ قَوْلُهُ (فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ
(17/94)

الطَّلَاقَ فَلَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ (وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ) يَعْنِي أَنِّي قَادِرٌ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِي وَأَخَافُ أَيْضًا عَلَى نَفْسِي مِنْ حِدَّةِ الشَّبَابِ إِنْ أَصَبْتُ امْرَأَتِي وَقَدْ نُهِيتُ عَنْهَا قَوْلُهُ (فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا قَوْلُهُ (وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) أَيْ بمااتسعت وَمَعْنَاهُ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ مَعَ أَنَّهَا مُتَّسِعَةٌ وَالرَّحْبُ السَّعَةُ قَوْلُهُ (سَمِعْتُ صَارِخًا أَوْفَى عَلَى سلع) أى صعده وارتفع عليه وسلع بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَهُوَ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفٌ قَوْلُهُ (يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ) وَقَوْلُهُ (فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا) فِيهِ دَلِيلٌ لا ستحباب التَّبْشِيرِ وَالتَّهْنِئَةِ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ كُرْبَةٌ شَدِيدَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهَذَا الِاسْتِحْبَابُ عَامٌّ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ وَكُرْبَةٍ انْكَشَفَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أوالدنيا قَوْلُهُ (فَخَرَرْتُ سَاجِدًا) دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي اسْتِحْبَابِ سُجُودِ الشُّكْرِ بِكُلِّ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ حَصَلَتْ أو نعمة ظَاهِرَةٍ انْدَفَعَتْ قَوْلُهُ (فَآذَنَ النَّاسَ) أَيْ أَعْلَمَهُمْ قَوْلُهُ فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ) فيه استحباب
(17/95)

إِجَازَةِ الْبَشِيرِ بِخُلْعَةٍ وَإِلَّا فَبِغَيْرِهَا وَالْخُلْعَةُ أَحْسَنُ وَهِيَ الْمُعْتَادَةُ قَوْلُهُ (وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا) فِيهِ جواز العاريةوجواز إِعَارَةِ الثَّوْبِ لِلُّبْسِ قَوْلُهُ (فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا) أَتَأَمَّمُ أَقْصِدُ وَالْفَوْجُ الْجَمَاعَةُ قَوْلُهُ (فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي) فِيهِ اسْتِحْبَابُ مُصَافَحَةِ الْقَادِمِ وَالْقِيَامِ لَهُ إِكْرَامًا وَالْهَرْوَلَةِ إِلَى لِقَائِهِ بَشَاشَةً وَفَرَحًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ) مَعْنَاهُ سِوَى يَوْمِ إِسْلَامِكَ إِنَّمَا لَمْ يَسْتَثْنِهِ لِأَنَّهُ معلوم لابد مِنْهُ قَوْلُهُ (إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ بَعْضَ مالك فهو خيرلك) مَعْنَى أَنْخَلِعَ مِنْهُ أُخْرِجُ مِنْهُ وَأَتَصَدَّقُ بِهِ وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة
(17/96)

لاسيما ما عظم منها وانماأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الصَّدَقَةِ ببعضه خوفا من تضرره بالفقر وخوفا أن لايصبر عَلَى الْإِضَاقَةِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا صَدَقَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَإِنَّهُ كَانَ صَابِرًا رَاضِيًا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي فَأَثْبَتَ لَهُ مَالًا مَعَ قوله أولانزعت ثَوْبَيَّ وَاَللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي الْأَرْضُ وَالْعَقَارُ وَلِهَذَا قَالَ فَإِنِّي أَمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا فَالْمُرَادُ به من الثياب ونحوهما مِمَّا يُخْلَعُ وَيَلِيقُ بِالْبَشِيرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْيَمِينِ بِالنِّيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا فَإِذَا حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَنَوَى نَوْعًا لَمْ يَحْنَثْ بنوع آخر من المال أولا يَأْكُلُ وَنَوَى تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ بِالْخُبْزِ قَوْلُهُ فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي) أَيْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَالْبَلَاءُ وَالْإِبْلَاءُ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لَكِنْ إِذَا أُطْلِقَ كَانَ لِلشَّرِّ غَالِبًا فَإِذَا أُرِيدَ الْخَيْرُ قُيِّدَ كَمَا قَيَّدَهُ هُنَا فَقَالَ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي قَوْلُهُ (وَاَللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً) هِيَ بِإِسْكَانِ الذَّالِ وَكَسْرِهَا قَوْلُهُ (مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ
(17/97)

إِذْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَكَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِ البخارى قال العلماء لفضة لافى قوله أن لاأكون زَائِدَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنْ أَكُونَ كَذَبْتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك وَقَوْلُهُ فَأَهْلِكَ بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْفَصِيحِ الْمَشْهُورِ وَحُكِي فَتْحُهَا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ (وَإِرْجَاؤُهُ أمرنا) أى تأخيره قوله (فى رواية بن أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
(17/98)

كَعْبِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ) كَذَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرٌ وَكَذَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا رِوَايَةِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ مُصَغَّرٌ وَقَالَ قَبْلَهُمَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مُكَبَّرٌ وَكَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ مُكَبَّرٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ الصَّوَابُ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مُكَبَّرٌ وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ إِلَّا رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ مُكَبَّرٌ مَعَ تَكْرَارِهِ الْحَدِيثَ قَوْلُهُ (قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا) أَيْ أَوْهَمَ غَيْرَهَا وَأَصْلُهُ مِنْ وَرَاءَ كَأَنَّهُ جَعَلَ الْبَيَانَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ قَوْلُهُ (وَكَانَ أَوْعَاهُمْ لِأَحَادِيثِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ أَحْفَظَهُمْ قَوْلُهُ (لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ) الْمُرَادُ بِهِمَا غَزْوَةُ بَدْرٍ وَغَزْوَةُ تَبُوكَ كَمَا صرح به
(17/99)

فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ (وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاسٍ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا زِيَادَةٌ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهَا وَقَدْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ كَانُوا سَبْعِينَ أَلْفًا وقال بن إِسْحَاقَ كَانُوا ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَهَذَا أَشْهَرُ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ أَبَا زُرْعَةَ عَدَّ التابع والمتبوع وبن إِسْحَاقَ عَدَّ الْمَتْبُوعَ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ كَعْبٍ هَذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً إِحْدَاهَا إِبَاحَةُ الْغَنِيمَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ خَرَجُوا يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ الثَّانِيَةُ فَضِيلَةُ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَهْلِ الْعَقَبَةِ الثَّالِثَةُ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ فِي غَيْرِ الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي الرَّابِعَةُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْجَيْشِ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً أَنْ يُوَرِّيَ بِغَيْرِهَا لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْجَوَاسِيسُ وَنَحْوُهُمْ بِالتَّحْذِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ سُفْرَةً بَعِيدَةَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَرِّفَهُمُ الْبُعْدَ لِيَتَأَهَّبُوا الْخَامِسَةُ التَّأَسُّفُ عَلَى مَا فَاتَ مِنَ الْخَيْرِ وتمنى المتأسف أنه كان فعله لقوله فياليتنى فَعَلْتُ السَّادِسَةُ رَدُّ غِيبَةِ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِ مُعَاذٍ بِئْسَ مَا قُلْتَ السَّابِعَةُ فَضِيلَةُ الصِّدْقِ وَمُلَازَمَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ خَيْرٌ وَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَالْبِرُّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الثَّامِنَةُ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ رَكْعَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّتِهِ أَوَّلَ قُدُومِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ التَّاسِعَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا يَقْصِدُهُ النَّاسُ لِسَلَامٍ عَلَيْهِ أَنْ يقعد لهم فى مجلس بارزهين الْوُصُولِ إِلَيْهِ الْعَاشِرَةُ الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ وَقَبُولُ مَعَاذِيرَ الْمُنَافِقِينَ وَنَحْوِهِمْ مَا لَمْ يترتب على ذلك مفسدة الحادية عشر اسْتِحْبَابُ هِجْرَانِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ وَتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَمُقَاطَعَتِهِمْ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَزَجْرًا الثَّانِيَةَ عشر اسْتِحْبَابُ بُكَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ معصية الثالثة عشر أَنَّ مُسَارَقَةَ النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ وَالِالْتِفَاتَ لَا يبطلهاالرابعة عشر أَنَّ السَّلَامَ يُسَمَّى كَلَامًا وَكَذَلِكَ رَدُّ السَّلَامِ وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ يَحْنَثُ الْخَامِسَةَ عشر وُجُوبُ إِيثَارِ طَاعَةِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوَدَّةِ الصَّدِيقِ وَالْقَرِيبِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فَعَلَ أَبُو قَتَادَةَ حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ كَعْبٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حِينَ نُهِيَ عَنْ كلامه السادسة عشر
(17/100)

أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا فَتَكَلَّمَ وَلَمْ يَقْصِدْ كَلَامَهُ بَلْ قَصَدَ غَيْرَهُ فَسَمِعَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثِ الْحَالِفُ لِقَوْلِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ كلامه كما سبق السابعة عشر جَوَازُ إِحْرَاقِ وَرَقَةٍ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَصْلَحَةٍ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِالْمَصَاحِفِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُصْحَفِهِ الَّذِي أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِكَ صِيَانَةً فَهِي حَاجَةٌ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَحْرَقَ الْوَرَقَةَ وَفِيهَا لَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هوان الثامنة عشر إِخْفَاءُ مَا يُخَافُ مِنْ إِظْهَارِهِ مَفْسَدَةٌ وَإِتْلَافٌ التاسعة عشر أَنَّ قَوْلَهُ لِامْرَأَتِهِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ لَيْسَ بِصَرِيحِ طلاق ولايقع بِهِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَنْوِ الْعِشْرُونَ جَوَازُ خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا بِرِضَاهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ فَأَمَّا إِلْزَامُهَا بِذَلِكَ فَلَا الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ اسْتِحْبَابُ الْكِنَايَاتِ فِي أَلْفَاظِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ وَنَحْوِهَا الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الْوَرَعُ وَالِاحْتِيَاطُ بِمُجَانَبَةِ مَا يُخَافُ مِنْهُ الْوُقُوعُ فِي مَنْهِيٍّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ فِي خِدْمَةِ امْرَأَتِهِ لَهُ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ شَابٌّ أَيْ لَا يَأْمَنُ مُوَاقَعَتَهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ اسْتِحْبَابُ سُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ تجدد نعمة ظاهرة أواندفاع بَلِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ لَا يُشْرَعُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ اسْتِحْبَابُ التَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ اسْتِحْبَابُ تَهْنِئَةِ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ خَيْرًا ظَاهِرًا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ شَرًّا ظَاهِرًا السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ اسْتِحْبَابُ إِكْرَامِ الْمُبَشِّرِ بِخُلْعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنَّهُ يجوز تخصيص اليمين بالنية فاذا حلف لامال لَهُ وَنَوَى نَوْعًا لَمْ يَحْنَثْ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَالِ غَيْرِهِ وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَنَوَى خُبْزًا لَمْ يَحْنَثْ بِاللَّحْمِ وَالتَّمْرِ وَسَائِرِ الْمَأْكُولِ ولايحنث إِلَّا بِذَلِكَ النَّوْعِ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَنَوَى كَلَامًا مَخْصُوصًا لَمْ يَحْنَثْ بِتَكْلِيمِهِ إِيَّاهُ غَيْرَ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْمَخْصُوصِ وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَدَلِيلُهُ مِنْ هذا الحديث قوله فى الثوبين والله ماأملك غَيْرَهُمَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ فِي سَاعَةٍ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً ثُمَّ قَالَ فَإِنِّي أَمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ جَوَازُ الْعَارِيَّةِ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ جَوَازُ اسْتِعَارَةِ الثِّيَابِ لِلُّبْسِ الثَّلَاثُونَ اسْتِحْبَابُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عند امامهم وكبيرهم فى الأمورالمهمة مِنْ بِشَارَةٍ وَمَشُورَةٍ وَغَيْرِهِمَا الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ اسْتِحْبَابُ الْقِيَامِ لِلْوَارِدِ إِكْرَامًا لَهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ أَحَادِيثُ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّرْخِيصِ فِيهِ وَالْجَوَابِ عَمَّا يُظَنُّ بِهِ مُخَالِفًا لِذَلِكَ الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ اِسْتِحْبَاب الْمُصَافَحَة عِنْد التَّلَاقِي وَهِيَ سنة بلاخلاف الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ اسْتِحْبَابُ سُرُورِ الْإِمَامِ وَكَبِيرِ الْقَوْمِ بِمَا يَسُرُّ أَصْحَابَهُ وَأَتْبَاعَهُ
(17/101)

الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ كُرْبَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ صَالِحٍ مِنْ مَالِهِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْسَانِهِ وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ سُجُودُ الشُّكْرِ وَالصَّدَقَةُ جَمِيعًا وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ أنه يستحب لمن خاف أن لايصبر على الاضاقة أن لايتصدق بِجَمِيعِ مَالِهِ بَلْ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى مَنْ يُرِيدُ أن يتصدق بكل ماله ويخاف عليه أن لايصير عَلَى الْإِضَاقَةِ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَيُشِيرَ عَلَيْهِ بِبَعْضِهِ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَابَ بِسَبَبٍ مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ كَعْبٌ فِي الصِّدْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ)
[2770] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَوْلُهُ (عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى قَوْلِهِ وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ إِلَى قَوْلِهِ وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ من جمعه الحديث عنهم جائز لامنع مِنْهُ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَبَعْضَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ ثِقَاتٌ مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ فَإِذَا
(17/102)

تَرَدَّدَتِ اللَّفْظَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ كَوْنِهَا عَنْ هَذَا أَوْ ذَاكَ لَمْ يَضُرَّ وَجَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا لِأَنَّهُمَا ثِقَتَانِ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو وَهُمَا ثِقَتَانِ مَعْرُوفَانِ بِالثِّقَةِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ قَوْلُهُ (وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ اقْتِصَاصًا) أَيْ أَحْفَظُ وَأَحْسَنُ إِيرَادًا وَسَرْدًا لِلْحَدِيثِ قَوْلُهَا (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) هَذَا دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَمَلِ بِالْقُرْعَةِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَفِي الْعِتْقِ وَالْوَصَايَا وَالْقِسْمَةِ ونحوذلك وَقَدْ جَاءَتْ فِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَمِلَ بِهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ يُونُسُ وَزَكَرِيَّا وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال بن الْمُنْذِرِ اسْتِعْمَالُهَا كَالْإِجْمَاعِ قَالَ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ رَدَّهَا وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِبْطَالُهَا وحكى عنه إجازتها قال بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْقِيَاسُ تَرْكُهَا لَكِنْ عَمِلْنَا بِهَا لِلْآثَارِ وَفِيهِ الْقُرْعَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ عِنْدَ إِرَادَةِ السَّفَرِ بِبَعْضِهِنَّ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ بَعْضِهِنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِلَا قُرْعَةٍ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ أَنْفَعَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ وَالْأُخْرَى أَنْفَعُ لَهُ فِي بَيْتِهِ وَمَالِهِ
(17/103)

قَوْلُهَا (آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ) رُوِيَ بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ وَبِالْقَصْرِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ أَعْلَمَ قَوْلُهَا (وَعِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ) أَمَّا الْعِقْدُ فَمَعْرُوفٌ نَحْوَ الْقِلَادَةِ وَالْجَزْعُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَهُوَ خَرَزٌ يَمَانِيٌّ وَأَمَّا ظَفَارِ فَبِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَسْرِ تَقُولُ هَذِهِ ظَفَارِ وَدَخَلْتُ ظَفَارِ وَإِلَى ظفار بكسر الراء بلاتنوين فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَهِيَ قَرْيَةٌ فِي الْيَمَنِ قَوْلُهَا (وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِي كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فحملوا هو دجى فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ لِي بِاللَّامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِي بِالْبَاءِ وَاللَّامُ أَجْوَدُ وَيَرْحَلُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ يَجْعَلُونَ الرَّحْلَ عَلَى الْبَعِيرِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا فَرَحَلُوهُ بِتَخْفِيفِ الحاء والرهط هم جماعة دون عشرة والهودج بِفَتْحِ الْهَاءِ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ قَوْلُهَا (وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمَ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ) فَقَوْلُهَا يُهَبَّلْنَ ضَبَطُوهُ عَلَى أَوْجُهٍ أَشْهَرُهَا ضَمُّ الْيَاءِ وَفَتْحُ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يَثْقُلْنَ بِاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالثَّانِي يَهْبَلْنَ بِفَتْحِ الْيَاءِ والباء وإسكان الهاء بينهما والثالث بفتح الياء وضم الباء الموحدة وَيَجُوزُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ هَبِلَهُ اللَّحْمُ وَأَهْبَلَهُ اذا أثقله وكثرلحمه وَشَحْمُهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يَثْقُلْنَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ أَيْضًا الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللحم ويأكلن الْعُلْقَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ الْقَلِيلَ وَيُقَالُ لَهَا أيضا البلغة
(17/104)

قَوْلُهَا (فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي) أَيْ قَصَدْتُهُ قَوْلُهَا (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ بِلَا خِلَافٍ كَذَا ضَبَطَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ وَالْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ وَآخَرُونَ قَوْلُهَا عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ) التَّعْرِيسُ النُّزُولُ آخِرُ اللَّيْلِ فِي السَّفَرِ لِنَوْمٍ أَوِ اسْتِرَاحَةٍ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ هُوَ النُّزُولُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ قَوْلُهَا (ادَّلَجَ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَهُوَ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ قَوْلُهَا (فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ) أَيْ شَخْصَهُ قَوْلُهَا (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ) أَيْ انْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي بِقَوْلِهِ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ قَوْلُهَا (خَمَّرْتُ وَجْهِيَ) أَيْ غَطَّيْتُهُ قَوْلُهَا (نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) الْمُوغِرُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ النَّازِلُ فِي وَقْتِ الْوَغْرَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ كَمَا فَسَّرَهَا فِي الْكِتَابِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّ مِنْهُمْ من رواه موعرين بالعين المهملة وهو ضعيف ونحر الظَّهِيرَةِ وَقْتُ الْقَائِلَةِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ قَوْلُهَا (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ) أَيْ مُعْظَمَهُ وَهُوَ بِكَسْرِ الكاف على القراءة المشهورة وقرىء فىالشواذ بِضَمِّهَا وَهِيَ لُغَةٌ قَوْلُهَا (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كبره عبد الله بن أبى بن سلول) هكذاصوابه بن سلول برفع بن وكتابته بالألف
(17/105)

صِفَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَتَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ مَعَ نَظَائِرِهِ قَوْلُهَا (وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قول أهل الافك) أى يخوضون فيه والإفك بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَى الْقَاضِي فَتْحَهُمَا جَمِيعًا قَالَ هُمَا لُغَتَانِ كنجس ونجس وهو الكذب قولها (وهويريبنى أنى لاأعرف مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ) يَرِيبُنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ يُقَالُ رَابَهُ وَأَرَابَهُ إِذَا أَوْهَمَهُ وشككه واللطف بِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا مَعًا لُغَتَانِ وَهُوَ الْبِرُّ وَالرِّفْقُ قَوْلُهَا (ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ) هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُؤَنَّثَةِ كَذَلِكُمْ فى المذكر قولها (خرجت بعد ما نَقَهْتُ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ يُقَالُ نَقَهَ يَنْقَهُ نُقُوهًا فَهُوَ نَاقِهٌ كَكَلَحَ يَكْلَحُ كُلُوحًا فَهُوَ كَالِحٌ وَنَقِهَ يَنْقَهُ نَقَهًا فَهُوَ نَاقِهٌ كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا والجمع نقه بضم النون وبشديد الْقَافِ وَالنَّاقِهُ هُوَ الَّذِي أَفَاقَ مِنَ الْمَرَضِ وَيَبْرَأُ مِنْهُ وَهُوَ قَرِيبُ عَهْدٌ بِهِ لَمْ يَتَرَاجَعْ إِلَيْهِ كَمَالُ صِحَّتِهِ قَوْلُهَا (وَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ) أَمَّا مِسْطَحٌ فَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَأَمَّا الْمَنَاصِعُ فَبِفَتْحِهَا وَهِيَ مَوَاضِعُ خَارِجِ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَبَرَّزُونَ فِيهَا قَوْلُهَا (قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ) هِيَ جَمْعُ كَنِيفٍ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْكَنِيفُ السَّاتِرُ مُطْلَقًا قَوْلُهَا (وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ) ضَبَطُوا الْأُوَلِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفُ الْوَاوِ وَالثَّانِي الْأَوَّلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَكِلَاهُمَا
(17/106)

صَحِيحٌ وَالتَّنَزُّهُ طَلَبُ النَّزَاهَةِ بِالْخُرُوجِ إِلَى الصَّحْرَاءِ قَوْلُهَا (وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) أَمَّا رُهْمٌ فَبِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الهاء وأثاثه بهمزة مضمومة وثاء مثلثة مكررة ومسطح لقب واسمه عامر وقيل عوف كنيته أبوعباد وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ تُوُفِّي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَاسْمُ أُمِّ مِسْطَحٍ سَلْمَى قَوْلُهَا (فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ) أَمَّا عَثَرَتْ فَبِفَتْحِ الثَّاءِ وَأَمَّا تَعِسَ فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْفَتْحِ وَالْقَاضِي عَلَى الْكَسْرِ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْكَسْرَ وَبَعْضُهُمُ الْفَتْحَ وَمَعْنَاهُ عَثَرَ وَقِيلَ هَلَكَ وَقِيلَ لَزِمَهُ الشَّرُّ وَقِيلَ بَعُدَ وَقِيلَ سَقَطَ بِوَجْهِهِ خَاصَّةً وَأَمَّا الْمِرْطُ فَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلُهَا (أَيْ هَنْتَاهُ) هِيَ بِإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِهَا الْإِسْكَانُ أَشْهَرُ قَالَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ وَتُضَمُّ الْهَاءُ الْأَخِيرَةُ وَتُسَكَّنُ وَيُقَالُ فِي التَّثْنِيَةِ هَنْتَانِ وَفِي الْجَمْعِ هَنَاتُ وَهَنَوَاتُ وَفِي الْمُذَكَّرِ هَنٌ وَهَنَانٌ وَهَنُونَ وَلَكَ أَنْ تُلْحِقَهَا الهاء لبيان الحركة فتقول ياهنه وَأَنْ تُشْبِعَ حَرَكَةَ النُّونِ فَتَصِيرُ أَلِفًا فَتَقُولُ يَا هَنَاهْ وَلَكَ ضَمُّ الْهَاءَ فَتَقُولُ يَا هَنَاهُ أَقْبِلْ قَالُوا وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَخْتَصُّ بِالنِّدَاءِ وَمَعْنَاهُ يَا هَذِهِ وَقِيلَ يَا امْرَأَةُ وَقِيلَ يَا بَلْهَاءُ كَأَنَّهَا نُسِبَتْ إِلَى قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِمَكَايِدِ النَّاسِ وَشُرُورِهِمْ وَمِنَ الْمَذْكُورِ حَدِيثُ الصَّبِيِّ بن مَعْبَدٍ قُلْتُ يَا هَنَاهُ إِنِّي حَرِيصٌ عَلَى الجهاد
(17/107)

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهَا (قَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا) الْوَضِيئَةُ مَهْمُوزَةٌ مَمْدُودَةٌ هِيَ الْجَمِيلَةُ الْحَسَنَةُ والوضاءةالحسن ووقع فى رواية بن مَاهَانَ حَظِيَّةُ مِنَ الْحُظْوَةِ وَهِيَ الْوَجَاهَةُ وَارْتِفَاعُ الْمَنْزِلَةِ وَالضَّرَايِرُ جَمْعُ ضَرَّةٍ وَزَوْجَاتُ الرَّجُلِ ضَرَايِرُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَتَضَرَّرُ بِالْأُخْرَى بِالْغَيْرَةِ وَالْقَسْمِ وَغَيْرِهِ وَالِاسْمُ مِنْهُ الضِّرُّ بِكَسْرِ الضَّادِ وَحُكِي ضَمُّهَا وَقَوْلُهَا إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أَكْثَرْنَ الْقَوْلَ فِي عَيْبِهَا وَنَقْصِهَا قَوْلُهَا (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ) هُوَ بالهمزة أى لاينقطع قَوْلُهَا (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) أَيْ لَا أَنَامُ قَوْلُهَا اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ أَيْ أَبْطَأَ وَلَبِثَ وَلَمْ يَنْزِلْ قَوْلُهَا (وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الصَّوَابُ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ رَآهُ مَصْلَحَةً وَنَصِيحَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اعْتِقَادِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ رَأَى انْزِعَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَتَقَلُّقَهُ فَأَرَادَ رَاحَةَ خَاطِرِهِ وَكَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلُهَا
(17/108)

(وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنَ فَتَأْكُلُهُ) فَقَوْلُهَا أَغْمِصُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَعِيبُهَا وَالدَّاجِنُ الشَّاةُ الَّتِي تَأْلَفُ الْبَيْتَ وَلَا تَخْرُجُ لِلْمَرْعَى وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا تَسْأَلُونَ عَنْهُ أَصْلًا وَلَا فِيهَا شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا نَوْمُهَا عَنِ الْعَجِينِ قَوْلُهَا (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الْمِنْبَرِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بن سلول) أما أبى منون وبن سَلُولٍ بِالْأَلِفِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَأَمَّا اسْتَعْذَرَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ يَعْذِرُنِي فِيمَنْ آذَانِي فِي أَهْلِي كَمَا بَيَّنَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثُ وَمَعْنَى مَنْ يَعْذِرُنِي مَنْ يَقُومُ بِعُذْرِي إِنْ كَافَأْتُهُ عَلَى قَبِيحِ فِعَالِهِ وَلَا يَلُومُنِي وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ يَنْصُرُنِي وَالْعَذِيرُ النَّاصِرُ قَوْلُهَا (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ) قَالَ القاضي عياض هَذَا مُشْكِلٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ وَهُوَ قَوْلُهَا فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ غَزْوَةٌ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتٍّ فيما ذكره بن إِسْحَاقَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ فِي إِثْرِ غَزَاةِ الْخَنْدَقِ مِنَ الرَّمْيَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ السِّيَرِ الاشيئا قاله الواقدى
(17/109)

وَحْدَهُ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا ذَكَرَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي هَذَا وَهَمٌ وَالْأَشْبَهُ أنه غيره ولهذا لم يذكره بن إِسْحَاقَ فِي السِّيَرِ وَإِنَّمَا قَالَ إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَوَّلًا وَآخِرًا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَهِيَ سَنَةُ الْخَنْدَقِ وقد ذكر البخارى اختلاف بن إسحاق وبن عُقْبَةَ قَالَ الْقَاضِي فَيُحْتَمَلُ أَنَّ غَزَاةَ الْمُرَيْسِيعِ وَحَدِيثَ الْإِفْكِ كَانَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ قَبْلَ قِصَّةِ الْخَنْدَقِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ الْمُرَيْسِيعَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ قَالَ وَكَانَتِ الْخَنْدَقُ وَقُرَيْظَةُ بَعْدَهَا وَذَكَرَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَيْسِيعُ قَبْلَ الْخَنْدَقِ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا لِذِكْرِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ وَكَانَتْ فِي الْمُرَيْسِيعِ فَعَلَى هَذَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلُ غير بن إِسْحَاقَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْمُرَيْسِيعِ أَصَحُّ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ صَحِيحٌ قَوْلُهَا (وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ) هَكَذَا هُوَ هُنَا لِمُعْظَمِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ اجْتَهَلَتْهُ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ أَيْ اسْتَخَفَّتْهُ وَأَغْضَبَتْهُ وحملته على الجهل وفى رواية بن ماهان هنااحتملته بِالْحَاءِ وَالْمِيمِ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَصَالِحٍ وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَاهُ أَغْضَبَتْهُ فَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ قَوْلُهَا (فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ) أَيْ تَنَاهَضُوا لِلنِّزَاعِ وَالْعَصَبِيَّةِ كَمَا قَالَتْ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه
(17/110)

وَسَلَّمَ (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ) مَعْنَاهُ إِنْ كُنْتِ فَعَلْتِ ذَنْبًا وَلَيْسَ ذَلِكَ لَكِ بِعَادَةٍ وَهَذَا أَصْلُ اللَّمَمِ قَوْلُهَا (قَلَصَ دَمْعِي) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ أَيْ ارْتَفَعَ لاستعظام ما يعيينى مِنَ الْكَلَامِ قَوْلُهَا لِأَبَوَيْهَا (أَجِيبَا عَنِّي) فِيهِ تَفْوِيضُ الْكَلَامِ إِلَى الْكِبَارِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِهِ وَاللَّائِقِ بِالْمَوَاطِنِ مِنْهُ وَأَبَوَاهَا يَعْرِفَانِ حَالَهَا وَأَمَّا قول أبويها لاندرى مَا نَقُولُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي
(17/111)

سَأَلَهَا عَنْهُ لَا يَقِفَانِ مِنْهُ عَلَى زَائِدٍ عَلَى مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِهَا وَالسَّرَائِرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهَا (مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ) أَيْ مَا فَارَقَهُ قَوْلُهَا (فَأَخَذَهُ ما كان يأخذه من البر حاء) هِيَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهِيَ الشِّدَّةُ قَوْلُهَا (حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانَ مِنَ الْعَرَقِ) مَعْنَى لَيَتَحَدَّرُ لينصب والجمان بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَهُوَ الدَّرُّ شَبَّهَتْ قَطَرَاتُ عَرَقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَبَّاتِ اللُّؤْلُؤِ فِي الصَّفَاءِ وَالْحُسْنِ قَوْلُهَا (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ كُشِفَ وَأُزِيلَ قَوْلُهَا (فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي فَقُلْتُ وَاَللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي) مَعْنَاهُ قَالَتْ لَهَا أُمُّهَا قُومِي فَاحْمَدِيهِ وَقَبِّلِي رَأْسَهُ وَاشْكُرِيهِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي بَشَّرَكِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ إِدْلَالًا عَلَيْهِ وَعَتْبًا لِكَوْنِهِمْ شَكُّوا فِي حَالِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بِحُسْنِ طَرَائِقِهَا وَجَمِيلِ أَحْوَالِهَا وَارْتِفَاعِهَا عَنْ
(17/112)

هَذَا الْبَاطِلِ الَّذِي افْتَرَاهُ قَوْمٌ ظَالِمُونَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ فِيهِ قَالَتْ وَإِنَّمَا أَحْمَدُ رَبِّي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي وأنعم على بما لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ كَمَا قَالَتْ وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) أى لايحلفوا والالية اليمين وسسبق بَيَانُهَا قَوْلُهَا (أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي) أَيْ أَصُونُ سَمْعِي وَبَصَرِي مِنْ أَنْ أَقُولَ سَمِعْتُ وَلَمْ أَسْمَعْ وَأَبْصَرْتُ وَلَمْ أُبْصِرْ قَوْلُهَا وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي أَيْ تُفَاخِرُنِي وَتُضَاهِينِي بِجَمَالِهَا وَمَكَانِهَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ قَوْلُهَا (وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا) أَيْ جَعَلَتْ تَتَعَصَّبُ لَهَا فَتَحْكِي مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِفْكِ وَطَفِقَ الرجل بكسرالفاء عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِي فَتْحُهَا وَسَبَقَ بَيَانُهُ
(17/113)

قوله (ما كشفت من كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ) الْكَنَفُ هُنَا بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ أَيْ ثَوْبِهَا الَّذِي يَسْتُرُهَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ جِمَاعِ النِّسَاءِ جَمِيعُهُنَّ وَمُخَالَطَتِهِنَّ قَوْلُهُ (وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ مُوعِرِينَ) يَعْنِي بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ هِيَ بِإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي) هُوَ بِبَاءٍ موحدة
(17/114)

مفتوحة مخففة وَمُشَدَّدَةٍ رَوَوْهُ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ التَّخْفِيفُ أَشْهَرُ وَمَعْنَاهُ اتهموها والأبن بفتح الهمزة يقال أبنه يأبنه وَيَأْبُنُهُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا إِذَا اتَّهَمَهُ وَرَمَاهُ بخلة سوء فهو مأبون قالواوهو مُشْتَقٌّ مِنَ الْأُبَنِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَهِيَ الْعُقَدُ فِي الْقِسِيِّ تُفْسِدُهَا وَتُعَابُ بِهَا قوله (حتى أسقطوا لهابه فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نسخ بلادنا أسقطوا لهابه بِالْبَاءِ الَّتِي هِيَ حَرْفُ الْجَرِّ وَبِهَاءٍ ضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْجُلُودِيِّ قَالَ وفى رواية بن مَاهَانَ لَهَاتِهَا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ قَالَ الْجُمْهُورُ هذا غَلَطٌ وَتَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَمَعْنَاهُ صَرَّحُوا لَهَا بِالْأَمْرِ وَلِهَذَا قَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ اسْتِعْظَامًا لِذَلِكَ وَقِيلَ أَتَوْا بِسِقْطٍ مِنَ الْقَوْلِ فِي سُؤَالِهَا وَانْتِهَارِهَا يُقَالُ أَسْقَطَ وَسَقَطَ فِي كَلَامِهِ إِذَا أَتَى فِيهِ بِسَاقِطٍ وَقِيلَ إِذَا أَخْطَأَ فِيهِ وعلى رواية بن مَاهَانَ إِنْ صَحَّتْ مَعْنَاهَا أَسْكَتُوهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْكُتْ بَلْ قَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْخَالِصَةُ قولها (وأماالمنافق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ
(17/115)

الذى كان يستوشيه) أى يستخرجه بالبحث والمسئلة ثُمَّ يُفْشِيهِ وَيُشِيعُهُ وَيُحَرِّكُهُ وَلَا نَدَعُهُ بِحْمَدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ فَوَائِدَ كَثِيرَةً إِحْدَاهَا جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ قِطْعَةً مُبْهَمَةً مِنْهُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِعْلَ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَبُولِهِ مِنْهُ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ الثَّانِيَةُ صِحَّةُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَفِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ مَعَ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ الثَّالِثَةُ وُجُوبُ الْإِقْرَاعِ بَيْنَ النِّسَاءِ عِنْدَ إِرَادَةِ السَّفَرِ بِبَعْضِهِنَّ الرَّابِعَةُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءَ مُدَّةِ السَّفَرِ لِلنِّسْوَةِ الْمُقِيمَاتِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا وَحُكْمُ الْقَصِيرِ حُكْمُ الطَّوِيلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْخَامِسَةُ جَوَازُ سَفَرِ الرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ السَّادِسَةُ جَوَازُ غَزْوِهِنَّ السَّابِعَةُ جَوَازُ رُكُوبِ النِّسَاءِ فِي الْهَوَادِجِ الثَّامِنَةُ جَوَازُ خِدْمَةِ الرِّجَالِ لَهُنَّ فِي تِلْكَ الْأَسْفَارِ التَّاسِعَةُ أَنَّ ارْتِحَالَ الْعَسْكَرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرِ الْأَمِيرِ الْعَاشِرَةُ جواز خروج المرأة لحاجةالانسان بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُسْتَثْنَاةِ الحادية عشر جَوَازُ لُبْسِ النِّسَاءِ الْقَلَائِدَ فِي السَّفَرِ كَالْحَضَرِ الثانية عشر أن من يركب المرأة على الْبَعِيرَ وَغَيْرَهُ لَا يُكَلِّمُهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا إِلَّا لِحَاجَةٍ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا الْهَوْدَجَ وَلَمْ يكلموا من يظنونها فيه الثالثة عشر فضيلة الاقتصار فى الأكل للنساء وغيرهن وأن لايكثر مِنْهُ بِحَيْثُ يُهْبِلُهُ اللَّحْمُ لِأَنَّ هَذَا كَانَ حَالُهُنَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ فِي زَمَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الْكَامِلُ الْفَاضِلُ الْمُخْتَارُ الرَّابِعَةَ عشر جَوَازُ تَأَخُّرِ بَعْضِ الْجَيْشِ سَاعَةً وَنَحْوَهَا لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ لَهُ عَنِ الْجَيْشِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ضرورة إلى الاجتماع الخامسة عشر إِعَانَةُ الْمَلْهُوفِ وَعَوْنُ الْمُنْقَطِعِ وَإِنْقَاذُ الضَّائِعِ وَإِكْرَامُ ذَوِي الْأَقْدَارِ كَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ رَضِيَ اللَّهُ عنه فى هذا كله السادسة عشر حسن الأدب مع الأجنبيات لاسيما فِي الْخَلْوَةِ بِهِنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي بَرِّيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ مِنْ إِبْرَاكِهِ الجمل من غير كلام ولاسؤال وَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَمْشِي قُدَّامَهَا لَا بِجَنْبِهَا ولا وراءها السابعة عشر اسْتِحْبَابُ الْإِيثَارِ بِالرُّكُوبِ وَنَحْوِهِ كَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ الثامنة عشر اسْتِحْبَابُ الِاسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ سَوَاءً كَانَتْ فِي الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا وَسَوَاءَ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ أو من يعز عليه التاسعة عشر تَغْطِيَةُ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا عَنْ نَظَرِ
(17/116)

الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ كَانَ صَالِحًا أَوْ غَيْرَهُ الْعِشْرُونَ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَرَ عَنِ الْإِنْسَانِ مَا يُقَالُ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ كَمَا كَتَمُوا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَذَا الْأَمْرَ شَهْرًا وَلَمْ تَسْمَعْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا بِعَارِضٍ عَرَضَ وَهُوَ قَوْلُ أُمِّ مِسْطَحٍ تَعِسَ مِسْطَحٌ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ اسْتِحْبَابُ مُلَاطَفَةِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ وَحُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ عَارِضٌ بِأَنْ سَمِعَ عَنْهَا شَيْئًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ يُقَلِّلُ مِنَ اللُّطْفِ وَنَحْوِهِ لِتَفْطِنَ هِيَ أَنَّ ذَلِكَ لِعَارِضٍ فَتَسْأَلَ عَنْ سَبَبِهِ فَتُزِيلَهُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ اسْتِحْبَابُ السُّؤَالِ عَنِ الْمَرِيضِ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَرَادَتِ الْخُرُوجَ لِحَاجَةٍ أَنْ تَكُونَ مَعَهَا رَفِيقَةٌ تَسْتَأْنِسُ بِهَا وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ كَرَاهَةُ الْإِنْسَانِ صَاحِبَهُ وَقَرِيبَهُ إِذَا آذَى أَهْلَ الْفَضْلِ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ كَمَا فَعَلَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي دُعَائِهَا عَلَيْهِ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ فَضِيلَةُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالذَّبُّ عَنْهُمْ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ فِي ذَبِّهَا عَنْ مسطح الثامنة والعشرون أن الزوجة لاتذهب إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ جَوَازُ التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ الثَّلَاثُونَ اسْتِحْبَابُ مُشَاوَرَةِ الرجل بطانته وأهله وأصدقاءه فيما ينوبه مِنَ الْأُمُورِ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ جَوَازُ الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنِ الْأُمُورِ الْمَسْمُوعَةِ عَمَّنْ لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ أَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَهُوَ تَجَسُّسٌ وَفُضُولٌ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ خُطْبَةُ الْإِمَامِ النَّاسَ عِنْدَ نزول أمر مهم الثالثة والثلاثون اشتكاءولى الْأَمْرِ إِلَى الْمُسْلِمِينِ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ بِأَذًى فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَاعْتِذَارُهُ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِيَهُ بِهِ الرَّابِعَةَ وَالثَّلَاثُونَ فَضَائِلُ ظَاهِرَةٌ لِصَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطِّلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِمَا شَهِدَ وَبِفِعْلِهِ الْجَمِيلِ فِي إِرْكَابِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَحُسْنِ أَدَبِهِ فِي جُمْلَةِ الْقَضِيَّةِ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ فَضِيلَةٌ لِسَعْدِ بْنِ معاذوأسيد بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَطْعِ الْفِتَنِ وَالْخُصُومَاتِ وَالْمُنَازَعَاتِ وَتَسْكِينِ الْغَضَبِ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَبُولُ التَّوْبَةِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ تَفْوِيضُ الْكَلَامِ إِلَى الْكِبَارِ دُونَ الصِّغَارِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بآيات القرآن العزيز ولاخلاف أَنَّهُ جَائِزٌ الْأَرْبَعُونَ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِتَبْشِيرِ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ بَلِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنَ الْإِفْكِ وَهِيَ بَرَاءَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَلَوْ تَشَكَّكَ فِيهَا إِنْسَانٌ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قال بن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ لَمْ تَزْنِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ
(17/117)

عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَهَذَا إِكْرَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لهم الثانية والأربعون تجديد شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ فَضَائِلُ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فى قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ اسْتِحْبَابُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَإِنْ كَانُوا مُسِيئِينَ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ عَنِ الْمُسِيءِ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ اسْتِحْبَابُ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ فَضِيلَةُ زَيْنَبٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ التَّثْبِيتُ فِي الشَّهَادَةِ الْخَمْسُونَ إِكْرَامُ الْمَحْبُوبِ بِمُرَاعَاةِ أَصْحَابِهِ وَمَنْ خَدَمَهُ أَوْ أَطَاعَهُ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمُرَاعَاةِ حَسَّانَ وَإِكْرَامِهِ إِكْرَامًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ أَنَّ الْخُطْبَةَ تُبْتَدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْخُطَبِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّهَادَتَيْنِ أَمَّا بَعْدُ وَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ غَضَبُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ أَمِيرِهِمْ وَاهْتِمَامُهُمْ بِدَفْعِ ذَلِكَ الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ جَوَازُ سَبِّ الْمُتَعَصِّبِ لِمُبْطِلٍ كَمَا سَبَّ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لِتَعَصُّبِهِ لِلْمُنَافِقِ وَقَالَ إِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ وَأَرَادَ أَنَّكَ تَفْعَلُ فِعْلَ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يُرِدِ النِّفَاقَ الْحَقِيقِيَّ

(بَاب بَرَاءَةِ حَرَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرِّيبَةِ
[2771] ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَذْهَبَ يَضْرِبَ عُنُقَهُ فَذَهَبَ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ فِي رَكِيِّ وَهُوَ الْبِئْرُ فَرَآهُ مَجْبُوبًا فَتَرَكَهُ قِيلَ لَعَلَّهُ)
(17/118)

كَانَ مُنَافِقًا وَمُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِطَرِيقٍ آخَرَ وَجَعَلَ هذا محركا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنى وَكَفَّ عَنْهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتِمَادًا على أن القتل بالزنى وقد علم انتفاء الزنى والله أعلم
(17/119)

(كِتَاب صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ)
[2772] قَوْلُهُ (حَتَّى يَنْفَضُّوا) أَيْ يَنْفَرِدُوا قَالَ زُهَيْرٌ وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلِهِ يَعْنِي قِرَاءَةَ مَنْ يَقْرَأُ مِنْ حَوْلِهِ بِكَسْرِ مِيمِ مِنْ وَبِجَرِّ حَوْلِهِ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنِ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ مَنْ حَوْلِهِ بِالْفَتْحِ قوله (لووا رؤسهم) قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِهَا كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَبِإِسْكَانِهَا الضَّمُّ لِلْأَكْثَرِينَ وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ كِبَارِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَيُخَافُ ضَرَرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُبَلِّغَهُ إِيَّاهُ لِيَحْتَرِزَ مِنْهُ وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِزَيْدٍ وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْمُنَافِقِ وَإِلْبَاسِهِ قَمِيصَهُ
(17/120)

وَاسْتِغْفَارِهِ لَهُ وَنَفْثِهِ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ فَسَبَقَ شَرْحُهُ وَالْمُخْتَصَرُ مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ إِكْرَامًا لِابْنِهِ وَكَانَ صَالِحًا وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَاتِهِ بِأَنَّ ابْنَهُ سَأَلَ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ لِمَنِ انْتَسَبَ إِلَى صُحْبَتِهِ وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ قبل نزول قوله سبحانه وتعالى ولاتصل على أحد منهم مات أبدا ولاتقم على قبره
(17/121)

صَرَّحَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ أَلْبَسَهُ الْقَمِيصَ مُكَافَأَةً بِقَمِيصٍ كَانَ أَلْبَسَهُ الْعَبَّاسَ

[2775] قَوْلُهُ (قَلِيلُ فِقْهِ قُلُوبِهِمْ كَثِيرُ شَحْمِ بُطُونِهِمْ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْنَةَ قَلَّمَا تَكُونُ مَعَ السِّمَنِ قوله تعالى فمالكم فى المنافقين فئتين قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ مَعْنَاهُ أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي الاخْتِلَافِ فِي أَمْرِهِمْ وَفِئَتَيْنِ مَعْنَاهُ فِرْقَتَيْنِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى الْحَالِ قَالَ سيبويه اذا قلت مالك قَائِمًا مَعْنَاهُ لِمَ قُمْتَ وَنَصَبْتَهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ لَكَ فِي هَذَا الْحَالِ وقال الفراء
(17/122)

هو مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ مَحْذُوفَةٍ فَقَوْلُكَ مالك قَائِمًا تَقْدِيرُهُ لِمَ كُنْتَ قَائِمًا

[2779] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ منافقا فيهم ثمانية لايدخلون الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ) أما قوله صلى الله عليه وسلم في أَصْحَابِي فَمَعْنَاهُ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إِلَى صُحْبَتِي كَمَا قال فى الرواية الثانية فى أمتى وسم الْخِيَاطِ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا الْفَتْحُ أَشْهَرُ وَبِهِ قَرَأَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ وَهُوَ ثَقْبُ الْإِبْرَةِ ومعناه لايدخلون الجنة أبدا كما لايدخل الْجَمَلُ فِي ثَقْبِ الْإِبْرَةِ أَبَدًا وَأَمَّا الدُّبَيْلَةُ فبدال مهملة ثم الْجِيمِ وَرُوِيَ تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ بِحَذْفِ الْكَافِ الثَّانِيَةِ وَرُوِيَ تَكْفِتُهُمْ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ بَعْدَ الْفَاءِ مِنَ الْكَفْتِ وَهُوَ الْجَمْعُ وَالسَّتْرُ أَيْ تَجْمَعُهُمْ فِي قُبُورِهِمْ وَتَسْتُرُهُمْ قَوْلُهُ (كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ أَنْشُدُكَ بِاَللَّهِ كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ أَخْبِرْهُ اذا سألك قال كنا نخبرأنهم أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) وَهَذِهِ الْعَقَبَةُ لَيْسَتِ العقبة المشهورة
(17/125)

بِمِنًى الَّتِي كَانَتْ بِهَا بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا هَذِهِ عَقَبَةٌ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ اجْتَمَعَ الْمُنَافِقُونَ فِيهَا لِلْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ فَعَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ

[2780] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى الْمُرَارِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُرَارِ أَوِ الْمَرَارِ بِضَمِّ الْمِيمِ أَوْ فَتْحِهَا عَلَى الشَّكِّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّهَا أَوْ كَسْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْمُرَارُ شَجَرٌ مُرٌّ وَأَصْلُ الثَّنِيَّةِ الطَّرِيقُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَهَذِهِ الثَّنِيَّةِ عِنْدَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ الْحَازِمِيُّ قال بن إِسْحَاقَ هِيَ مَهْبِطُ الْحُدَيْبِيَةِ قَوْلُهُ (لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ قَالَ وَكَانَ الرَّجُلُ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ) يَنْشُدُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ يَسْأَلُ عَنْهَا قَالَ الْقَاضِي
(17/126)

قِيلَ هَذَا الرَّجُلُ هُوَ الْجَدُّ بْنُ قِيسٍ الْمُنَافِقُ قَوْلُهُ (فَنَبَذَتْهُ الْأَرْضُ) أَيْ طَرَحَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا عِبْرَةً لِلنَّاظِرِينَ

[2781] وَقَوْلُهُ (قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ) أَيْ أَهْلَكَهُ

[2782] قَوْلُهُ (هَاجَتْ رِيحٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ تَدْفِنُ بِالْفَاءِ وَالنُّونِ أَيْ تُغَيِّبُهُ عَنِ النَّاسِ وَتَذْهَبُ بِهِ لِشِدَّتِهَا

[2783] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
(17/127)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الرَّاكِبَيْنِ الْمُقَفِّيَيْنِ) أَيْ الْمُوَلِّيَيْنِ أَقْفِيَتُهُمَا مُنْصَرِفَيْنِ قَوْلُهُ (لِرَجُلَيْنِ حِينَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) سَمَّاهُمَا من أصحابه لا ظهارهما الاسلام والصحبة لاأنهما مِمَّنْ نَالَتْهُ فَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ

[2784] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تُعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً) الْعَائِرَةُ الْمُتَرَدِّدَةُ الْحَائِرَةُ لَا تَدْرِي لِأَيِّهِمَا تَتْبَعُ وَمَعْنَى تُعِيرُ أَيْ تُرَدَّدُ وَتَذْهَبُ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ تَكِرُّ فِي هَذِهِ مَرَّةً وَفِي هَذِهِ مَرَّةً أَيْ تَعْطِفُ عَلَى هَذِهِ وَعَلَى هَذِهِ وَهُوَ نَحْوُ تُعِيرُ وَهُوَ بكسر الكاف
(17/128)

(كِتَاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ)
[2785] قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم (لايزن عند الله جناح بعوضة) أى لايعدله فى القدر والمنزلة أى لاقدر له وفيه ذم السمن والحبر بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَهُوَ الْعَالِمُ

[2786] قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكَ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَرْضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ) هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَدْ سَبَقَ فِيهَا الْمَذْهَبَانِ التَّأْوِيلُ وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا غَيْرَ مُرَادٍ فَعَلَى قَوْلِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَتَأَوَّلُونَ الْأَصَابِعَ هُنَا عَلَى الِاقْتِدَارِ أَيْ خَلَقَهَا مَعَ عِظَمِهَا بِلَا تَعَبٍ وَلَا مَلَلٍ وَالنَّاسُ يَذْكُرُونَ الْإِصْبَعَ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالِاحْتِقَارِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ بِأُصْبُعِي أَقْتُلُ زيدا أى
(17/129)

لَا كُلْفَةَ عَلَيَّ فِي قَتْلِهِ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَصَابِعَ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ يَدَ الْجَارِحَةِ مُسْتَحِيلَةٌ قَوْلُهُ (فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ ثُمَّ قَرَأَ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَ الْحَبْرَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبِضُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ وَالْمَخْلُوقَاتِ بِالْأَصَابِعِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا الْإِشَارَةُ إِلَى نَحْوِ مَا يَقُولُ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينِ لَيْسَ ضَحِكُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَجُّبُهُ وتلاوته للآية تَصْدِيقًا لِلْحَبْرِ بَلْ هُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِ وَإِنْكَارٌ وَتَعَجُّبٌ مِنْ سُوءِ اعْتِقَادِهِ فَإِنَّ مَذْهَبَ الْيَهُودِ التَّجْسِيمُ فَفُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ تَصْدِيقًا لَهُ
(17/130)

إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي عَلَى مَا فُهِمَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ

[2788] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ) وفى رواية أن بن مقسم نظر إلى بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِيهِ بِيَدَيْهِ وَيَقُولُ أَنَا اللَّهُ وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا أَنَا الْمَلِكُ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ من أسفل شيء منه قال
(17/131)

العلماءالمراد بِقَوْلِهِ يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ولهذا قال ان بن مقسم نظر إلى بن عمر كيف يحكي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْيَدَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ وَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِالْيَدَيْنِ لِأَنَّ أَفْعَالِنَا تَقَعُ بِالْيَدَيْنِ فَخُوطِبْنَا بِمَا نَفْهَمُهُ لِيَكُونَ أَوْضَحَ وَأَوْكَدَ فِي النُّفُوسِ وَذَكَرَ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ حَتَّى يَتِمَّ الْمِثَالُ لِأَنَّا نَتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ مَا نُكْرِمُهُ وَبِالشِّمَالِ مَا دُونَهُ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّنَا يَقْوَى لِمَا لَا يَقْوَى لَهُ الشمال ومعلوم أن السماوات أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ فَأَضَافَهَا إِلَى الْيَمِينِ وَالْأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ لِيُظْهِرَ التَّقْرِيبَ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّ شَيْئًا أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ وَلَا أَثْقَلَ مِنْ شَيْءٍ هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي هَذَا قَالَ الْقَاضِي وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ يَقْبِضُ وَيَطْوِي وَيَأْخُذُ كُلُّهُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ مَبْسُوطَةٌ وَالْأَرَضِينَ مَدْحُوَّةٌ وَمَمْدُودَةٌ ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ وَتَبْدِيلِ الْأَرْضِ غَيْرِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ فَعَادَ كُلُّهُ إِلَى ضَمِّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَرَفْعِهَا وَتَبْدِيلِهَا بِغَيْرِهَا قَالَ وَقَبْضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَبَسْطَهَا تَمْثِيلٌ لِقَبْضِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَمْعِهَا بَعْدَ بَسْطِهَا وَحِكَايَةٌ لِلْمَبْسُوطِ وَالْمَقْبُوضِ وَهُوَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ لَا إِشَارَةً إِلَى الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا تَمْثِيلَ لِصِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى السَّمْعِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْيَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ وَقَوْلُهُ فِي الْمِنْبَرِ (يَتَحَرَّكَ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَسْفَلِهِ إِلَى أَعْلَاهُ لِأَنَّ بِحَرَكَةِ الْأَسْفَلِ يَتَحَرَّكُ الْأَعْلَى ويحتمل
(17/132)

أَنَّ تَحَرُّكَهُ بِحَرَكَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ قَالَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ هَيْبَةً لَسَمْعِهِ كَمَا حَنَّ الْجِذْعُ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ مُشْكِلٍ وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَلَا نُشَبِّهُ شَيْئًا بِهِ وَلَا نُشَبِّهُهُ بِشَيْءٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ فَمَا أَدْرَكْنَا عِلْمَهُ فَبِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا خَفِيَ عَلَيْنَا آمَنَّا بِهِ وَوَكَّلْنَا عِلْمَهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحَمَلْنَا لَفْظَهُ عَلَى مَا احْتُمِلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الَّذِي خُوطِبْنَا بِهِ وَلَمْ نَقْطَعْ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ قَوْلُهُ (وَالشَّجَرُ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ) الثَّرَى هُوَ التُّرَابُ النَّدِيُّ قَوْلُهُ (بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالذال المعجمة أى أنيابه

(باب ابتداء الخلق وخلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام

[2789] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خُلِقَ الْمَكْرُوهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ) كَذَا رَوَاهُ ثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الْمَعَاشُ وَيَصْلُحُ بِهِ التَّدْبِيرُ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ وَكُلُّ شَيْءٍ يَقُومُ بِهِ صَلَاحُ شَيْءٍ فَهُوَ تِقْنُهُ وَمِنْهُ إِتْقَانُ الشَّيْءِ وَهُوَ إِحْكَامُهُ قُلْتُ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَكِلَاهُمَا خُلِقَ يَوْمَ)
(17/133)

الثُّلَاثَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ) كَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ النُّورُ بِالرَّاءِ وَرِوَايَاتُ ثَابِتِ بْنِ قَاسِمٍ النُّونُ بِالنُّونِ فِي آخِرِهِ قَالَ الْقَاضِي وَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الْحُوتُ وَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا فَكِلَاهُمَا خُلِقَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَجَمْعُهُ أَرْبَعَاوَاتُ وَحُكِيَ أَيْضًا أَرَابِيعُ

(بَاب فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَصِفَةِ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

[2790] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ) الْعَفْرَاءُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ بَيْضَاءُ إِلَى حمرة والنقى بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدُ الْيَاءِ هُوَ الدَّقِيقُ الْحُورِيُّ وَهُوَ الدَّرْمَكُ وَهُوَ الْأَرْضُ الْجَيِّدَةُ قَالَ الْقَاضِي كَأَنَّ النَّارَ غَيَّرَتْ بَيَاضَ وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَى الْحُمْرَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ أَيْ لَيْسَ بِهَا عَلَامَةٌ سُكْنَى أو بناء ولا أثر)
(17/134)

(باب نزل أهل الجنة

[2792] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَكْفَأهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ) أَمَّا النُّزُلُ فَبِضَمِّ النُّونِ وَالزَّايِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُعَدُّ لِلضَّيْفِ عِنْدَ نُزُولِهِ وَأَمَّا الْخُبْزَةُ فَبِضَمِّ الْخَاءِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ الظُّلْمَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِي الْمَلَّةِ وَيَكْفَأُهَا بِالْهَمْزَةِ وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ يتكفأها بِالْهَمْزِ أَيْضًا وَخُبْزَةُ الْمُسَافِرِ هِيَ الَّتِي يَجْعَلُهَا فى الملة ويتكفأها بِيَدَيْهِ أَيْ يُمِيلُهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ وَتَسْتَوِيَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْبَسِطَةً كَالرُّقَاقَةِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْيَدِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَتَأْوِيلِهَا قَرِيبًا مَعَ الْقَطْعِ بِاسْتِحَالَةِ الْجَارِحَةِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ الْأَرْضَ كَالظُّلْمَةِ وَالرَّغِيفِ الْعَظِيمِ وَيَكُونُ ذَلِكَ طَعَامًا نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَوْلُهُ (إِدَامُهُمْ بَالَامُ وَنُونٌ قَالُوا وَمَا هَذَا قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا) أَمَّا النُّونُ فَهُوَ الْحُوتُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا بالام فبباء)
(17/135)

مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَبِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَمِيمٍ مَرْفُوعَةٍ غَيْرِ مُنَوَّنَةٍ وَفِي مَعْنَاهَا أَقْوَالٌ مُضْطَرِبَةٌ الصَّحِيحُ مِنْهَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ ثَوْرٌ وَفَسَّرَهُ بِهَذَا ولهذاسألوا الْيَهُودِيَّ عَنْ تَفْسِيرِهَا وَلَوْ كَانَتْ عَرَبِيَّةٌ لَعَرَفَتْهَا الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى سُؤَالِهِ عَنْهَا فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي بَيَانِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَعَلَّ الْيَهُودِيَّ أَرَادَ التَّعْمِيَةَ عَلَيْهِمْ فَقَطَعَ الْهِجَاءَ وَقَدَّمَ أَحَدَ الْحَرْفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَهِيَ لَامُ أَلِفٍ وَيَاءٍ يُرِيدُ لِأَي عَلَى وَزْنِ لَعَا وَهُوَ الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ فَصَحَّفَ الرَّاوِي الْيَاءَ الْمُثَنَّاةَ فَجَعَلَهَا مُوَحَّدَةً قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا أَقْرَبُ مَا يَقَعُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا زَائِدَةُ الْكَبِدِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ فِي الْكَبِدِ وَهِيَ أَطْيَبُهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ يَأْكُلُ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفًا فَقَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنَّهُمُ السَّبْعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ فَخُصُّوا بِأَطْيَبِ النُّزُلِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالسَّبْعِينَ أَلْفًا عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَلَمْ يُرِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2793] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْ بَايَعَنِي عَشْرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ) قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ الْمُرَادُ عَشْرَةٌ مِنْ أَحْبَارِهِمْ

(بَاب سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرُّوحِ وقوله تعالى يسألونك عن الروح

[2794] قَوْلُهُ (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حرث وهو متكىء عَلَى عَسِيبٍ) فَقَوْلُهُ فِي)
(17/136)

حَرْثِ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَهُوَ مَوْضِعُ الزَّرْعِ وَهُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي نَخْلِ وَاتَّفَقَتْ نُسَخُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ حَرْثٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعِ وَرَوَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي بَابِ وَمَا أوتيتم من العلم إلا قليلا خَرِبٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خَرَابٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَلِلْآخَرِ وَجْهٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ فِيهِ الْوَصْفَانِ وَأَمَّا الْعَسِيبُ فهو جريدة النخل وقوله (متكىء عَلَيْهِ) أَيْ مُعْتَمِدٌ قَوْلُهُ (سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَقَالُوا مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ أَيْ مَا دَعَاكُمْ إِلَى سُؤَالِهِ أَوْ مَا شَكَّكُمْ فِيهِ حَتَّى احْتَجْتُمْ إِلَى سُؤَالِهِ أَوْ مَا دَعَاكُمْ إِلَى سُؤَالٍ تَخْشَوْنَ سُوءَ عُقْبَاهُ قَوْلُهُ (فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ سَكَتَ وَقِيلَ أَطْرَقَ وَقِيلَ أَعْرَضَ عنه قوله (فلما نزل الوحى قال يسئلونك عَنِ الرُّوحِ) وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَكْثَرِ أَبْوَابِهِ قَالَ الْقَاضِي وَهُوَ وَهَمٌ وَصَوَابُهُ مَا سبق فى رواية بن مَاهَانَ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ وَفِي مَوْضِعٍ فَلَمَّا صَعِدَ الْوَحْيُ وقال وهذا وَجْهُ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ قُلْتُ وَكُلُّ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةٌ وَمَعْنَى رِوَايَةُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ وَتَمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قليلا هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أُوتِيتُمْ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ومسلم وما أوتوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ الْمَازِرِيُّ الْكَلَامُ فِي الرُّوحِ وَالنَّفْسِ مِمَّا يَغْمُضُ وَيَدِقُّ وَمَعَ هَذَا فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ الْكَلَامَ وَأَلَّفُوا
(17/137)

فيه التآليف قال أبوالحسن الأشعرى هو النفس الداخل والخارج وقال بن الْبَاقِلَانِيُّ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأَشْعَرِيُّ وَبَيْنَ الْحَيَاةِ وَقِيلَ هُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشَارِكٌ لِلْأَجْسَامِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لا يعلم الروح إلاالله تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ ربى وَقَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ مَعْلُومَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَقِيلَ هِيَ الدَّمُ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لاتعلم وَلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا وَإِنَّمَا أَجَابَ بِمَا فِي الآية الكريمة
(17/138)

لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِنْ أَجَابَ بِتَفْسِيرِ الرُّوحِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ وَفِي الرُّوحِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كُنْتُ قَيْنًا فِي الجاهلية) أى حدادا

(باب قوله تعالى إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى
[2797] قَوْلُهُ (هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ) أَيْ يَسْجُدُ وَيُلْصِقُ وَجْهَهُ بِالْعَفَرِ وَهُوَ التُّرَابُ قَوْلُهُ (فَمَا)
(17/139)

فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أَمَّا فَجِئَهُمْ فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُقَالُ أَيْضًا فَجَأَهُمْ لُغَتَانِ وَيَنْكِصُ بِكَسْرِ الْكَافِ رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ يَمْشِي عَلَى وَرَائِهِ قَوْلُهُ (إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لخندقا من نار وهو لا وَأَجْنِحَةً كَأَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ) وَلِهَذَا الْحَدِيثِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي عِصْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَرَادَ بِهِ ضَرَرًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب الدُّخَانِ

[2798] قَوْلُهُ (إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كنودة) هُوَ بَابٌ بِالْكُوفَةِ قَوْلُهُ (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كل شيء)
(17/140)

السَّنَةُ الْقَحْطُ وَالْجَدْبُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بالسنين وحصت بِحَاءٍ وَصَادٍ مُشَدَّدَةٍ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ اسْتَأْصَلَتْهُ قَوْلُهُ (أَفَيَكْشِفُ عَذَابَ الْآخِرَةِ) هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ عَلَى من يقول ان الدخان يكون يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثانية فقال بن مَسْعُودٍ هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَشْفَ الْعَذَابِ ثُمَّ عَوْدَهُمْ لَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ إِنَّمَا هُوَ
(17/141)

فِي الدُّنْيَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَسِنِي يُوسُفَ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ قَوْلُهُ (فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ وَحُكِي ضَمُّهَا قَوْلُهُ (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِمُضَرَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِمُضَرَ وَفِي الْبُخَارِيِّ اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُهُمْ اسْتَسْقِ هو الصواب اللائق بالحال لأنهم كفار لايدعى لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ قُلْتُ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَمَعْنَى اسْتَسْقِ اُطْلُبْ لَهُمُ الْمَطَرَ وَالسُّقْيَا وَمَعْنَى اسْتَغْفِرْ ادْعُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الِاسْتِغْفَارُ قَوْلُهُ
(17/142)

(مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ وَالْبَطْشَةِ وَاللِّزَامِ وَآيَةُ الرُّومِ) وَفَسَّرَهَا كُلَّهَا فِي الْكِتَابِ إِلَّا اللِّزَامَ وَالْمُرَادُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا أَيْ يَكُونُ عَذَابُهُمْ لَازِمًا قَالُوا وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى

(بَابُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ

[2800] قَالَ الْقَاضِي انْشِقَاقُ الْقَمَرِ مِنْ أُمَّهَاتِ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَاهَا عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَسِيَاقِهَا قَالَ الزَّجَّاجُ وَقَدْ أَنْكَرَهَا بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُضَاهِينَ الْمُخَالِفِي الْمِلَّةِ وَذَلِكَ لَمَّا أَعْمَى اللَّهُ قَلْبَهُ وَلَا إِنْكَارَ لِلْعَقْلِ فِيهَا لِأَنَّ الْقَمَرَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَشَاءُ كَمَا يُفْنِيهِ وَيُكَوِّرُهُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْمَلَاحِدَةِ لَوْ وَقَعَ هَذَا لَنُقِلَ مُتَوَاتِرًا وَاشْتَرَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِ وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ فَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ هَذَا)
(17/143)

الِانْشِقَاقَ حَصَلَ فِي اللَّيْلِ وَمُعْظَمُ النَّاسِ نِيَامٌ غَافِلُونَ وَالْأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ وَهُمْ مُتَغَطُّونَ بِثِيَابِهِمْ فَقَلَّ مَنْ يَتَفَكَّرُ فِي السَّمَاءِ أَوْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا إِلَّا الشَّاذُّ النَّادِرُ وَمِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ مُعْتَادٌ أَنْ كُسُوفَ الْقَمَرِ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْأَنْوَارِ الطَّوَالِعِ وَالشُّهُبِ الْعِظَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْدُثُ فِي السَّمَاءِ فِي اللَّيْلِ يَقَعُ وَلَا يَتَحَدَّثُ بِهَا إِلَّا الْآحَادُ وَلَا عِلْمَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَكَانَ هَذَا الِانْشِقَاقُ آيَةً حَصَلَتْ فِي اللَّيْلِ لِقَوْمٍ سَأَلُوهَا وَاقْتَرَحُوا رُؤْيَتَهَا فَلَمْ يَتَنَبَّهْ غَيْرُهُمْ لَهَا قَالُوا وَقَدْ يَكُونُ الْقَمَرُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي بَعْضِ الْمَجَارِي وَالْمَنَازِلِ الَّتِي تَظْهَرُ لِبَعْضِ الْآفَاقِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا يَكُونُ ظَاهِرًا لِقَوْمٍ غَائِبًا عَنْ قَوْمٍ كَمَا يَجِدُ الْكُسُوفَ أَهْلُ بَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قوله
(17/144)

(وحدثنا محمد بن بشار حدثنا بن أبى عدى كلاهما عن شعبة باسناد بن مُعَاذٍ) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بِإِسْنَادِ بن مُعَاذٍ وَفِي بَعْضِهَا بِإِسْنَادَيْ مُعَاذٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُ هَذَا أَشْبَهُ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لِمُعَاذٍ إِسْنَادَيْنِ قَبْلَ هَذَا وَالْأَوَّلُ أَيْضًا صَحِيحٌ لِأَنَّ الاسنادين من رواية بن معاذ عن أبيه
(17/145)

(باب فى الكفار

[2804] قال صلى الله عليه وسلم (لاأحد أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاسِعُ الْحِلْمِ حَتَّى عَلَى الْكَافِرِ الذى يكسب إِلَيْهِ الْوَلَدَ وَالنِّدَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ حَقِيقَةُ الصَّبْرِ مَنْعُ النَّفْسِ مِنَ الِانْتِقَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَالصَّبْرُ نَتِيجَةُ الِامْتِنَاعِ فَأُطْلِقَ اسْمُ الصَّبْرِ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي وَالصَّبُورُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي لَا يُعَاجِلُ الْعُصَاةَ بِالِانْتِقَامِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَلِيمِ فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْحَلِيمُ هُوَ الصَّفُوحُ مع القدرةعلى الانتقام)
(17/146)

(باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا

[2805] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا فَيَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ قَدْ أَرَدْتُ مِنْكُمْ أَهْوَنَ من هذا وأنت فى صلب آدم أن لا تُشْرِكَ إِلَى قَوْلِهِ فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ) وَفِي رِوَايَةٍ فَيُقَالُ قَدْ سُئِلْتُ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ فَيُقَالُ كَذَبْتَ قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمُرَادُ أَرَدْتُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى طَلَبْتُ مِنْكَ وَأَمَرْتُكَ وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِقَوْلِهِ قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ أَرَدْتُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا فَلَا يَقَعُ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَمِنْهَا الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُرِيدٌ لِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِ وَمُرِيدٌ لِكُفْرِ الْكَافِرِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّهُ أَرَادَ إِيمَانَ الْكَافِرِ وَلَمْ يُرِدْ كُفْرَهُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْبَاطِلِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ إِثْبَاتُ الْعَجْزِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَأَنَّهُ وَقَعَ)
(17/147)

فِي مُلْكِهِ مَا لَمْ يُرِدْهُ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيُقَالُ لَهُ كَذَبْتَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُقَالَ لَهُ لَوْ رَدَدْنَاكَ إِلَى الدُّنْيَا وَكَانَتْ لَكَ كُلُّهَا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهَا فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ كَذَبْتَ قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَبَيْتَ وَيَكُونُ هَذَا مِنْ مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عنه وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِيُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا به من سوء العذاب يوم القيامة أَيْ لَوْ كَانَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ وَأَمْكَنَهُمْ الِافْتِدَاءُ لَافْتَدَوْا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ اللَّهُ يَقُولُ وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَقَالَ يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ يَقُولُ وَإِنَّمَا يُقَالُ قَالَ اللَّهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا فَسَادَ هَذَا الْمَذْهَبِ وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَابَ جَوَازُهُ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ فِي قَوْلِهِ تعالى والله يقول الحق وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِثْلُ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(17/148)

[2807] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً) الصَّبْغَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ يُغْمَسُ غَمْسَةً وَالْبُؤْسُ بِالْهَمْزِ هُوَ الشِّدَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب جَزَاءِ الْمُؤْمِنِ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتَعْجِيلِ حَسَنَاتِ الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا)

[2808] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ
(17/149)

وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ لَا ثَوَابَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُجَازَى فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَصَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ يُطْعَمَ فِي الدُّنْيَا بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَيْ بِمَا فَعَلَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ صِحَّتُهُ إِلَى النِّيَّةِ كَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالضِّيَافَةِ وَتَسْهِيلِ الْخَيْرَاتِ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُدَّخَرُ لَهُ حَسَنَاتُهُ وَثَوَابُ أَعْمَالِهِ إِلَى الْآخِرَةِ وَيُجْزَى بها مع ذلك أيضا فى الدنيا ولامانع مِنْ جَزَائِهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ اعْتِقَادُهُ قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً مَعْنَاهُ لَا يَتْرُكَ مُجَازَاتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَالظُّلْمُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى النَّقْصِ وَحَقِيقَةُ الظُّلْمِ مُسْتَحِيلَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَمَعْنَى أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ صَارَ إِلَيْهَا وَأَمَّا إِذَا فَعَلَ الْكَافِرُ مِثْلَ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وقد سبقت المسألة فى كتاب الايمان
(17/150)

(باب مثل المؤمن كالزرع والمنافق والكافر كالأرزة)

[2809] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شجرة الأرزلا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ) وَفِي رِوَايَةٍ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفِيئُهَا الرِّيحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِيجَ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِبَةِ عَلَى أَصْلِهَا لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً أَمَّا الْخَامَةُ فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفُ الْمِيمِ وَهِيَ الطَّاقَةُ وَالْقَصَبَةُ اللَّيِّنَةُ مِنَ الزَّرْعِ وَأَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ وَأَمَّا تُمِيلُهَا وَتُفِيئُهَا فَمَعْنًى وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَمَعْنَى تَصْرَعُهَا تَخْفِضُهَا وتعدلها بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيْ تَرْفَعُهَا وَمَعْنَى تَهِيجُ تَيْبَسُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تستحصد بفتح أوله وكسرالصاد كذا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الصَّادِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَالْأَوَّلُ
(17/151)

أجود أى لاتتغير حَتَّى تَنْقَلِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالزَّرْعِ الَّذِي انْتَهَى يُبْسُهُ وَأَمَّا الْأَرْزَةُ فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ ثم زاى هذا هو المشهورفى ضَبْطِهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَاتِ وَكُتُبِ الْغَرِيبِ وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ وَصَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ أَنَّهَا تُقَالُ أَيْضًا بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ الْآرِزَةُ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ وَأَنْكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْآرِزَةُ
(17/152)

بِالْمَدِّ هِيَ الثَّابِتَةُ وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ هُنَا فَإِنْكَارُ أَبِي عُبَيْدٍ مَحْمُولٌ عَلَى إِنْكَارِ رِوَايَتِهَا كَذَلِكَ لَا إِنْكَارَ لِصِحَّةِ مَعْنَاهَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ يُقَالُ لَهُ الْأَرْزَنُ يُشْبِهُ شَجَرَ الصَّنَوْبَرِ بِفَتْحِ الصَّادِ يَكُونُ بِالشَّامِ وَبِلَادِ الْأَرْمَنِ وَقِيلَ هُوَ الصَّنَوْبَرُ وَأَمَّا الْمُجْذَبَةُ فَبِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَهِيَ الثَّابِتَةُ الْمُنْتَصِبَةُ يُقَالُ مِنْهُ جَذَبَ يَجْذِبُ وَأَجْذِبُ يَجْذِبُ وَالِانْجِعَافُ الِانْقِلَاعُ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ كَثِيرُ الْآلَامِ فِي بَدَنِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ وَذَلِكَ مُكَفِّرٌ لِسَيِّئَاتِهِ وَرَافِعٌ لِدَرَجَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَقَلِيلُهَا وَإِنْ وَقَعَ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يُكَفِّرْ شَيْئًا مِنْ سَيِّئَاتِهِ بَلْ يَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كاملة

(باب مثل المؤمن مثل النخلة)

[2811] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شجرة الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ هِيَ النَّخْلَةُ قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقَالَ لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَ هِيَ النَّخْلَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أَمَّا قَوْلُهُ لَأَنْ تَكُونَ فَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ
(17/153)

النُّسَخِ الْبَوَادِي وَفِي بَعْضِهَا الْبَوَادِ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ إِلْقَاءِ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ أَفْهَامَهُمْ وَيُرَغِّبَهُمْ فِي الْفِكْرِ وَالِاعْتِنَاءِ وَفِيهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ وَالْأَشْبَاهِ وَفِيهِ تَوْقِيرُ الْكِبَارِ كَمَا فَعَلَ بن عُمَرَ لَكِنْ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْكِبَارُ الْمَسْأَلَةَ فَيَنْبَغِي لِلصَّغِيرِ الَّذِي يَعْرِفُهَا أَنْ يَقُولَهَا وَفِيهِ سُرُورُ الْإِنْسَانِ بِنَجَابَةِ وَلَدِهِ وَحُسْنِ فَهْمِهِ وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَ هِيَ النَّخْلَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو لِابْنِهِ وَيَعْلَمُ حُسْنَ فَهْمِهِ وَنَجَابَتِهِ وَفِيهِ فَضْلُ النَّخْلِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَشَبَّهَ النَّخْلَةَ بِالْمُسْلِمِ فِي كَثْرَةِ خَيْرِهَا وَدَوَامِ ظِلِّهَا وَطِيبِ ثَمَرِهَا وَوُجُودِهِ عَلَى الدَّوَامِ فَإِنَّهُ مِنْ حِينِ يَطْلُعُ ثَمَرُهَا لايزال يُؤْكَلُ مِنْهُ حَتَّى يَيْبَسَ وَبَعْدَ أَنْ يَيْبَسَ يُتَّخَذُ مِنْهُ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْ خَشَبِهَا وَوَرَقِهَا وَأَغْصَانِهَا فَيُسْتَعْمَلُ جُذُوعًا وَحَطَبًا وَعِصِيًّا وَمَخَاصِرَ وَحُصْرًا وَحِبَالًا وَأَوَانِيَ وَغَيْرَ ذَلِكَ ثُمَّ آخِرُ شَيْءٍ مِنْهَا نَوَاهَا وَيُنْتَفَعُ بِهِ عَلَفًا لِلْإِبِلِ ثُمَّ جَمَالُ نَبَاتِهَا وَحُسْنُ هَيْئَةِ ثَمَرِهَا فَهِي مَنَافِعُ كُلُّهَا وَخَيْرٌ وَجَمَالٌ كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ خَيْرٌ كُلُّهُ مِنْ كَثْرَةِ طَاعَاتِهِ وَمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ وَيُوَاظِبُ عَلَى صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَقِرَاءَتِهِ وَذِكْرِهِ وَالصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي وَجْهِ التَّشْبِيهِ قِيلَ وَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ رَأْسَهَا مَاتَتْ بِخِلَافِ بَاقِي الشَّجَرِ وقيل لأنها لاتحمل حَتَّى تُلَقَّحَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي) أَيْ ذَهَبَتْ أَفْكَارُهُمْ إِلَى أَشْجَارِ الْبَوَادِي وَكَانَ كُلُّ إِنْسَانٍ يُفَسِّرُهَا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ شَجَرِ الْبَوَادِي وَذَهِلُوا عَنِ النَّخْلَةِ قوله (قال بن عُمَرَ وَأُلْقِي فِي نَفْسِي أَوْ رُوعِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ
(17/154)

أَقُولَهَا فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ) الرُّوعُ هُنَا بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ النَّفْسُ وَالْقَلْبُ وَالْخَلَدُ وَأَسْنَانُ الْقَوْمِ يَعْنِي كِبَارُهُمْ وَشُيُوخُهُمْ قَوْلُهُ (فَأُتِي بِجُمَّارٍ) هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْ قَلْبِ النَّخْلِ يَكُونُ لَيِّنًا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا (هَكَذَا صَوَابُهُ سَيْفٌ قَالَ الْقَاضِي وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ سُفْيَانَ وَهُوَ غَلَطٌ بَلْ هُوَ سَيْفٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَكِيعٌ يَقُولُ هُوَ سَيْفٌ أَبُو سليمان وبن الْمُبَارَكَ يَقُولُ سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ يَقُولُ سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَتَحَاتَّ وَرَقُهَا) أَيْ لَا يَتَنَاثَرَ وَيَتَسَاقَطَ قَوْلُهُ لَا يَتَحَاتَّ وَرَقُهَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَعَلَّ مُسْلِمًا قَالَ وَتُؤْتِي وكذا وجدت عند غيرى أيضا ولاتؤتى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُفْيَانَ صَاحِبِ مُسْلِمٍ ورواية غيره أيضا من مسلم لايتحات ورقها ولاتؤتى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ وَاسْتَشْكَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ هذا لقوله ولاتؤتى أُكُلَهَا خِلَافُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ فَقَالَ لَعَلَّ مُسْلِمًا رواه وتؤتى باسقاط لاوأكون أنا وغيرى غلطنا فى اثبات لاقال الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَلَيْسَ
(17/155)

هُوَ بِغَلَطٍ كَمَا تَوَهَّمَهُ إِبْرَاهِيمُ بَلِ الَّذِي فى مسلم صحيح باثبات لاوكذا رواه البخارى باثبات لاووجهه أن لفظة لاليست متعلقة بتؤتى بل متعلقة بمحذوف تقديره لايتحات ورقها ولامكرر أى لايصيبها كذا ولاكذا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي تِلْكَ الْأَشْيَاءَ الْمَعْطُوفَةَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ

(بَاب تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ وَبَعْثِهِ سَرَايَاهُ لِفِتْنَةِ النَّاسِ وَأَنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ قَرِينًا

[2812] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمَعْنَاهُ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنَّهُ سَعَى فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ بِالْخُصُومَاتِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْحُرُوبِ وَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا

[2813] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ)
(17/156)

يَفْتِنُونَ النَّاسَ) الْعَرْشُ هُوَ سَرِيرُ الْمُلْكِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَرْكَزَهُ الْبَحْرُ وَمِنْهُ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي نَوَاحِي الْأَرْضِ قَوْلُهُ (فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ) هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَهِيَ نِعْمَ الْمَوْضُوعَةُ لِلْمَدْحِ فَيَمْدَحُهُ لِإِعْجَابِهِ بِصُنْعِهِ وَبُلُوغِهِ الْغَايَةَ الَّتِي أَرَادَهَا قَوْلُهُ (فَيَلْتَزِمُهُ) أَيْ يَضُمُّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَيُعَانِقُهُ

[2814] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (ما منكم من أحد إلاوقد وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) فَأَسْلَمَ بِرَفْعِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَهُمَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فَمَنْ رَفَعَ قَالَ مَعْنَاهُ أَسْلَمُ أَنَا مِنْ شَرِّهِ وَفِتْنَتِهِ وَمَنْ فَتَحَ قَالَ إِنَّ الْقَرِينَ أَسْلَمَ مِنَ الاسلام وصار مؤمنا لايأمرنى إِلَّا بِخَيْرٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَرْجَحِ مِنْهُمَا فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الرَّفْعُ وَرَجَّحَ
(17/157)

الْقَاضِي عِيَاضُ الْفَتْحَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِقَوْلِهِ صَلَّى الله عليه وسلم فلا يأمرنى الابخير وَاخْتَلَفُوا عَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ قِيلَ أَسْلَمَ بِمَعْنَى اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ وَقَدْ جَاءَ هَكَذَا فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَاسْتَسْلَمَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ صَارَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ قَالَ الْقَاضِي وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي جِسْمِهِ وَخَاطِرِهِ وَلِسَانِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَرِينِ وَوَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ فَأَعْلَمَنَا بِأَنَّهُ مَعَنَا لِنَحْتَرِزَ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ

[2815] قَوْلُهُ (حدثنا بن وهب قال أخبرنى أبو صخر عن بْنِ قُسَيْطٍ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو عَبْدٍ التَّابِعِيُّ وَاسْمُ أَبِي صَخْرٍ هَذَا حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ الْخَرَّاطُ الْمَدَنِيُّ سَكَنَ مِصْرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(17/158)

(بَاب لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ بَلْ بِرَحْمَةِ اللَّهُ تَعَالَى)
[2816] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَنْ يُنْجِي أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ قَالَ رَجُلٌ وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ولااياى إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا) وَفِي رِوَايَةٍ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٌ وَفِي رواية بمغفرة ورحمة وفى رواية الاأن يَتَدَارَكَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أهل السنة أنه لايثبت بالعقل ثواب ولاعقاب ولا أيجاب ولاتحريم ولاغيرها من أنواع التكليف ولاتثبت هذه كلها ولا
(17/159)

غيرها الابالشرع وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ تَعَالَى اللَّهُ بَلِ الْعَالَمُ مُلْكُهُ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ فِي سُلْطَانِهِ يَفْعَلُ فيهما ما يشاء فلوا عَذَّبَ الْمُطِيعِينَ وَالصَّالِحِينَ أَجْمَعِينَ وَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ كَانَ عَدْلًا مِنْهُ وَإِذَا أَكْرَمَهُمْ وَنَعَّمَهُمْ وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ فَهُوَ فَضْلٌ مِنْهُ وَلَوْ نَعَّمَ الْكَافِرِينَ وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ وَخَبَرُهُ صِدْقٌ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا بَلْ يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ وَيُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ وَيُخَلِّدُهُمْ فى النار عدلامنه وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَيُثْبِتُونَ الْأَحْكَامَ بِالْعَقْلِ وَيُوجِبُونَ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ وَيُوجِبُونَ الْأَصْلَحَ وَيَمْنَعُونَ خِلَافَ هَذَا فِي خَبْطٍ طَوِيلٍ لَهُمْ تَعَالَى اللَّهُ عَنِ اخْتِرَاعَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ الْمُنَابِذَةِ لِنُصُوصِ الشَّرْعِ وَفِي ظَاهِرِ هَذِهِ الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لايستحق أَحَدٌ الثَّوَابَ وَالْجَنَّةَ بِطَاعَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا
(17/160)

كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كنتم تعملون وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ يُدْخَلُ بِهَا الْجَنَّةُ فَلَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بَلْ مَعْنَى الْآيَاتِ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ ثُمَّ التَّوْفِيقِ لِلْأَعْمَالِ وَالْهِدَايَةِ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا وَقَبُولِهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ فَيَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ وَهُوَ مُرَادُ الْأَحَادِيثِ وَيَصِحُّ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْأَعْمَالِ أَيْ بِسَبَبِهَا وَهِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى يَتَغَمَّدُنِي بِرَحْمَتِهِ يُلْبِسُنِيهَا وَيُغَمِّدُنِي بِهَا وَمِنْهُ أَغْمَدْتُ السَّيْفَ وَغَمَدْتُهُ اذا جعلته
(17/161)

فِي غِمْدِهِ وَسَتَرْتُهُ بِهِ وَمَعْنَى سَدِّدُوا وَقَارِبُوا اطْلُبُوا السَّدَادَ وَاعْمَلُوا بِهِ وَإِنَّ عَجَزْتُمْ عَنْهُ فَقَارِبُوهُ أَيْ اقْرَبُوا مِنْهُ وَالسَّدَادُ الصَّوَابُ وَهُوَ بين الافراط والتفريط فلا تغلوا ولا تفصروا

(باب إكثارالأعمال والاجتهاد فى العبادة

[2819] قوله (ان صلى الله عليه وسلم حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ أَتُكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا) وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى تَفَطَّرَتْ رِجْلَاهُ مَعْنَى تَفَطَّرَتْ تَشَقَّقَتْ قَالُوا وَمِنْهُ فَطَّرَ الصَّائِمُ وَأَفْطَرَهُ لِأَنَّهُ خَرَقَ صَوْمَهُ وَشَقَّهُ قَالَ الْقَاضِي الشُّكْرُ مَعْرِفَةُ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِ وَالتَّحَدُّثُ بِهِ وَسُمِّيَتِ الْمُجَازَاةُ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ شُكْرًا لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَشُكْرُ الْعَبْدِ اللَّهَ تَعَالَى اعْتِرَافُهُ بِنِعَمِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَمَامُ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَمَّا شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)
(17/162)

أَفْعَالَ عِبَادِهِ فَمُجَازَاتُهُ إِيَّاهُمْ عَلَيْهَا وَتَضْعِيفُ ثَوَابِهَا وَثَنَاؤُهُ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَهُوَ الْمُعْطِي وَالْمُثْنِي سُبْحَانَهُ وَالشَّكُورُ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بهذا المعنى والله أعلم

(باب الاقتصاد فى الموعظة

[2821] قوله (ما يمنعنى أن أخرج عليكم الاكراهية أَنْ أُمِلَّكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) السَّآمَةُ بِالْمَدِّ الْمَلَلُ وَقَوْلُهُ أُمِلُّكُمْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أُوقِعُكُمْ فِي الْمَلَلِ)
(17/163)

وَهُوَ الضَّجَرُ وَأَمَّا الْكَرَاهِيَةُ فَبِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَمَعْنَى يَتَخَوَّلنَا يَتَعَاهَدُنَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِهَا قال القاضي وقيل يصلحنا وقال بن الْأَعْرَابِيِّ مَعْنَاهُ يَتَّخِذُنَا خَوَلًا وَقِيلَ يُفَاجِئُنَا بِهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يَدْلُلْنَا وَقِيلَ يَحْبِسُنَا كَمَا يَحْبِسُ الْإِنْسَانُ خَوَلَهُ وَهُوَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَقَالَ هِيَ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ يَطْلُبُ حَالَاتِهِمْ وَأَوْقَاتِ نَشَاطِهِمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الِاقْتِصَادُ فِي الْمَوْعِظَةِ لِئَلَّا تَمَلَّهَا القلوب فيفوت مقصودها
(17/164)

(

كتاب الجنة وصفة نعيمها واهلها)
(

[2822]

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ حفت ووقع فى البخارى حفت ووقع فيه أَيْضًا حُجِبَتْ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَفَصِيحِهِ وَجَوَامِعِهِ الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ الْحَسَنِ ومعناه لايوصل الْجَنَّةَ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَكَارِهِ وَالنَّارَ بِالشَّهَوَاتِ وَكَذَلِكَ هُمَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوبِ فَهَتْكُ حِجَابِ الْجَنَّةِ بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِهِ وَهَتْكُ حِجَابِ النَّارِ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ فَأَمَّا الْمَكَارِهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَالصَّبْرُ عَلَى مَشَاقِّهَا وَكَظْمُ الْغَيْظِ وَالْعَفْوُ وَالْحِلْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيءِ وَالصَّبْرُ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الَّتِي النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الشَّهَوَاتُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالنَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْغِيبَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَلَاهِي وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الْمُبَاحَةُ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا مَخَافَةَ أَنْ يَجُرَّ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ أَوْ يُقَسِّي الْقَلْبَ أَوْ يَشْغَلَ عَنِ الطَّاعَاتِ أَوْ يُحْوَجَ إِلَى الِاعْتِنَاءِ بتحصيل الدنيا)
(17/165)

للصرف فيها ونحوذلك

[2824] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاعين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ذخرافى جَمِيعِ النُّسَخِ وَأَمَّا رِوَايَةُ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا فَفِيهَا ذِكْرٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَذُخْرًا كَالْأَوَّلِ فِي بَعْضِهَا قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ أَبْيَنُ كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قال والأولى رواية الفارسى فأمابله فَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَمَعْنَاهَا دَعْ عَنْكَ مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي لَمْ يُطْلِعْكُمْ عليه اعظم وكانه اضر ب عنه استقلالاله فى جنب مالم يُطْلِعْ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهَا غَيْرُ وَقِيلَ مَعْنَاهَا كَيْفَ

[2826]

[2827] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(17/166)

(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لايقطعها) وَفِي رِوَايَةٍ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادُ الْمُضَمَّرُ السَّرِيعُ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُرَادُ بِظِلِّهَا كَنَفُهَا وَذَرَاهَا وَهُوَ مَا يَسْتُرُ أَغْصَانَهَا وَالْمُضَمَّرُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ الَّذِي ضُمِّرَ لِيَشْتَدَّ جَرْيُهُ وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ صِفَةُ التَّضْمِيرِ قَالَ الْقَاضِي وَرَوَاهُ بَعْضُهُمُ الْمُضَمِّرُ بِكَسْرِ الميم الثانية صفة للراكب المضمر لفرسه
(17/167)

وَالْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ

[2829] قَوْلُهُ تَعَالَى (أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي) قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ أُنْزِلُهُ بِكُمْ وَالرِّضْوَانُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ وَالْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْعِ الْأَكْثَرُونَ دُرِّيٌّ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِلَا هَمْزٍ وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الدَّالِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَالثَّالِثَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَهُوَ الْكَوْكَبُ الْعَظِيمُ قِيلَ سُمِّيَ دُرِّيًّا لِبَيَاضِهِ كَالدُّرِّ وَقِيلَ لِإِضَاءَتِهِ وَقِيلَ لِشَبَهِهِ بِالدُّرِّ فِي كَوْنِهِ أَرْفَعُ مِنْ بَاقِي النُّجُومِ كَالدُّرِّ أَرْفَعُ الجواهر

[2831] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَهْلَ الجنة
(17/168)

لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) هَكَذَا هُوَ فى عامةالنسخ مِنَ الْأُفُقِ قَالَ الْقَاضِي لَفْظَةُ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْأُفُقِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أن من فى رواية مسلم لانتهاءالغاية وَقَدْ جَاءَتْ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ رَأَيْتُ الْهِلَالَ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَكِنْ حَمْلُهُمْ لَفْظَةَ مِنْ هُنَا عَلَى انْتِهَاءِ الْغَايَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هِيَ عَلَى بَابِهَا أَيْ كَانَ ابْتِدَاءُ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ رُؤْيَتَهُ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ وَمِنَ الْأُفُقِ قَالَ وَقَدْ جَاءَ فِي رواية عن بن مَاهَانَ عَلَى الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ وَمَعْنَى الْغَابِرِ الذَّاهِبُ الْمَاشِي أَيْ الَّذِي تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ وَبَعُدَ عَنِ الْعُيُونِ وَرُوِيَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ الْغَارِبُ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَرُوِيَ الْعَازِبُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَمَعْنَاهُ الْبَعِيدُ فِي الأفق
(17/169)

وكلها راجعة إلى معنى واحد

[2833] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا) الْمُرَادُ بِالسُّوقِ مَجْمَعٌ لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا فِي السُّوقِ وَمَعْنَى يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ أَيْ فِي مِقْدَارِ كُلِّ جُمْعَةٍ أَيْ أُسْبُوعٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةً أُسْبُوعٌ لِفَقْدِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسُّوقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وهو أفصح وريح الشَّمَالِ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْمِيمِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ هَكَذَا الرِّوَايَةُ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هِيَ الشَّمَالُ وَالشَّمْأَلُ باسكان الميم مهموز والشأملة بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الْمِيمِ وَالشَّمَلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالشَّمُولُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي مِنْ دُبُرِ الْقِبْلَةِ قَالَ الْقَاضِي وَخَصَّ رِيحَ الْجَنَّةِ بِالشَّمَالِ لِأَنَّهَا رِيحُ الْمَطَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَانَتْ
(17/170)

تَهُبُّ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ وَبِهَا يَأْتِي سَحَابُ الْمَطَرِ وَكَانُوا يَرْجُونَ السَّحَابَةَ الشَّامِيَّةَ وَجَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الرِّيحِ الْمُثِيرَةِ أَيِ الْمُحَرِّكَةِ لِأَنَّهَا تُثِيرُ فِي وُجُوهِهِمْ مَا تُثِيرُهُ مِنْ مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها

[2834] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ هِيَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ ليلة البدر والتى تليها على أضوء كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) الزُّمْرَةُ الْجَمَاعَةُ وَالدُّرِّيُّ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَبَيَانُهُ قَرِيبًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (زَوْجَتَانِ) هَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَالْأَشْهَرُ حَذْفُهَا وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثَ قَوْلُهُ (وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا أَعْزَبُ بِالْأَلِفِ وَهِيَ لُغَةٌ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ عَزَبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جَمِيعَ رُوَاتِهِمْ رَوَوْهُ وَمَا فى الجنة عزب بغير ألف الاالعذرى
(17/171)

فَرَوَاهُ بِالْأَلِفِ قَالَ الْقَاضِي وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْعَزَبُ من لازوجة لَهُ وَالْعُزُوبُ الْبُعْدُ وَسُمِّي عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنِ النِّسَاءِ قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَيَخْرُجُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ وَلَدِ آدَمَ قال وهذا كله فى الآدميات والافقد جَاءَ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ) أَيْ عَرَقُهُمْ (وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيْ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَبْسُوطًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) قَدْ ذَكَرَ مسلم فى الكتاب اختلاف بن أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي كُرَيْبٍ فِي ضَبْطِهِ فَإِنَّ بن أبى شيبة يرويه بضم الحاء واللام وأبو كريب بفتح الحاء وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاةُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَيُرَجَّحُ الضَّمُّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ وَقَدْ يُرَجَّحُ الْفَتْحُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ أَوْ عَلَى طُولِهِ قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يمتخطون
(17/172)

وَلَا يَتْفِلُونَ) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا حَكَاهُمَا الجوهرى وغيره وفى رواية لايبصقون وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَبْزُقُونَ وَكُلُّهُ بِمَعْنًى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أَيْ قَدْرَهُمَا

[2835] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ) مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ يَتَنَعَّمُونَ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ من ملاذ وأنواع نعيمها تنعما دائما لاآخر له ولاانقطاع أَبَدًا وَإِنَّ تَنَعُّمَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى هَيْئَةِ تَنَعُّمِ أهل الدنيا الاما بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاضُلِ فِي اللَّذَّةِ وَالنَّفَاسَةِ الَّتِي لايشارك نعيم الدنيا الافى التَّسْمِيَةِ وَأَصْلِ الْهَيْئَةِ وَإِلَّا فِي أَنَّهُمْ لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَبْصُقُونَ وَقَدْ دَلَّتْ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الأحاديث
(17/173)

الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ دَائِمٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ أَبَدًا

[2836] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لايبأس) وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا أَيْ لَا يُصِيبُكُمْ بَأْسٌ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَالِ وَالْبَأْسُ وَالْبُؤْسُ وَالْبَأْسَاءُ وَالْبُؤَسَاءُ بِمَعْنًى وينعم وتنعم بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ أَيْ يَدُومُ
(17/174)

لَكُمُ النَّعِيمُ

[2838] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) وَفِي رِوَايَةٍ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا أَمَّا الْخَيْمَةُ فَبَيْتٌ مُرَبَّعٌ مِنْ بُيُوتِ الْأَعْرَابِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ مُجَوَّفَةٍ بِالْفَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَفِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ مُجَوَّبَةٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْمَثْقُوبَةُ وَهِيَ بِمَعْنَى الْمُجَوَّفَةِ والزاويةالجانب وَالنَّاحِيَةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا وَفِي الثَّانِيَةِ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا ولامعارضة بَيْنَهُمَا فَعَرْضُهَا فِي مِسَاحَةِ
(17/175)

أَرْضِهَا وَطُولُهَا فِي السَّمَاءِ أَيْ فِي الْعُلُوِّ مُتَسَاوِيَانِ

[2839] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ فَأَمَّا سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اللَّذَانِ هُمَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فِي بِلَادِ الأرمن فجيحان نهر المصيصة وسيحان نهر إذنه وَهُمَا نَهْرَانِ عَظِيمَانِ جِدًّا أَكْبَرْهُمَا جَيْحَانُ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَوْضِعِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ فى صحاحه جيحان نهر بالشام فَغَلَطٌ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَازَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِبِلَادِ الْأَرْمَنِ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ لِلشَّامِ قَالَ الْحَازِمِيُّ سَيْحَانُ نَهْرٌ عِنْدَ الْمُصَيِّصَةِ قَالَ وَهُوَ غَيْرُ سَيْحُونَ وَقَالَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ نَهْرَانُ بِالْعَوَاصِمِ عِنْدَ الْمُصَيِّصَةِ وَطُرْسُوسُ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ جَيْحُونَ بِالْوَاوِ نَهْرٌ وَرَاءَ خُرَاسَانَ عِنْدَ بَلْخٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَيْحَانَ وَكَذَلِكَ سَيْحُونُ غَيْرُ سَيْحَانَ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ أَكْبَرُ أَنْهَارِ بلاد الاسلام
(17/176)

فَالنِّيلُ بِمِصْرَ وَالْفُرَاتُ بِالْعِرَاقِ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَيُقَالُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ فَفِي كَلَامِهِ إِنْكَارٌ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا قَوْلُهُ الْفُرَاتُ بِالْعِرَاقِ وَلَيْسَ بِالْعِرَاقِ بَلْ هُوَ فَاصِلٌ بَيْنَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَيُقَالُ سَيْحُونُ وَجَيْحُونُ فَجَعَلَ الْأَسْمَاءَ مُتَرَادِفَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحَانُ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحَانُ غَيْرُ جَيْحُونَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ كما سبق الثالث أَنَّهُ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ وَأَمَّا سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ بِبِلَادِ الْأَرْمَنِ بِقُرْبِ الشَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضُ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَّ بِلَادَهَا أَوِ الْأَجْسَامُ الْمُتَغَذِّيَةِ بِمَائِهَا صَائِرَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ لَهَا مَادَّةٌ مِنَ الْجَنَّةِ وَالْجَنَّةُ مَخْلُوقَةٌ موجودة اليوم عندأهل السنة وقد ذكر مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ الْفُرَاتَ وَالنِّيلَ يَخْرُجَانِ مِنَ الْجَنَّةِ وَفِي البخارى من أصل سدرة المنتهى

[2840] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ) قِيلَ مِثْلُهَا فِي رِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَضْعَفُ أَفْئِدَةً وَقِيلَ فِي الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَالطَّيْرُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ خَوْفًا وَفَزَعًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماء وَكَأَنَّ الْمُرَادَ قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ كَمَا جَاءَ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ فِي شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وَقِيلَ الْمُرَادُ مُتَوَكِّلُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي سَلِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَزَادَ الزُّهْرِيَّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ لِسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رِوَايَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فىكتاب الْعِلَلِ لَمْ يُتَابِعْ أَبُو النَّضْرِ عَلَى وَصْلِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا كَذَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ وَالْمُرْسَلُ الصَّوَابُ هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالصَّحِيحُ أن هذا الذى ذكره لايقدح فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا كَانَ مَحْكُومًا
(17/177)

بِوَصْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ مَعَ الْوَاصِلِ زِيَادَةٌ عُلِمَ حِفْظُهَا وَلَمْ يَحْفَظْهَا مَنْ أَرْسَلَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2841] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ تَأْوِيلِهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الضَّمِيرَ فِي صورته عائد إلى آدم وأن المرادأنه خُلِقَ فِي أَوَّلِ نَشْأَتِهِ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَرْضِ وَتُوُفِّيَ عَلَيْهَا وَهِيَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَلَمْ يَنْتَقِلْ أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ وَكَانَتْ صُورَتُهُ فِي الْجَنَّةِ هِيَ صُورَتُهُ فِي الْأَرْضِ لَمْ تَتَغَيَّرْ قَوْلُهُ (قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَذَهَبَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) فِيهِ أَنَّ الْوَارِدَ عَلَى جُلُوسٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلَوْ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَفَاهُ وَأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً عَلَى الِابْتِدَاءِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرَّدِّ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب جهنم أعاذنا الله منها

[2842] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاهِلِيِّ عَنْ شَقِيقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ رَفْعُهُ وَهَمٌ رواه الثورى ومروان وغيرهما عن)
(17/178)

العلاءابن خالد مؤقوفا قُلْتُ وَحَفْصٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ إِمَامٌ فَزِيَادَتُهُ الرَّفْعَ مَقْبُولَةٌ كَمَا سَبَقَ نَقْلُهُ عَنِ الْأَكْثَرِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ

[2844] قَوْلُهُ (سَمِعَ وَجْبَةً) هِيَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَهِيَ السَّقْطَةُ قَوْلُهُ (فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ هَذَا وَقَعَ فِي أَسْفَلِهَا فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِيهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ أَيْ هَذَا حَجَرٌ وَقَعَ أَوْ هَذَا حِينُ
(17/179)

وَنَحْوِ ذَلِكَ

[2845] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ يَعْنِي النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ) هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَهِيَ مَعْقِدُ الازار والسراويل وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى تَرْقُوتِهِ هِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ وَفِي رِوَايَةٍ حَقْوَيْهِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَهُمَا
(17/180)

معقد الازار والمراد هنا ما يخاذى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ جَنْبَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَحَاجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ) إِلَى آخِرِهِ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّارِ وَالْجَنَّةِ تَمْيِيزًا تُدْرَكَانِ بِهِ فتحاجتا ولايلزم مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّمْيِيزُ فِيهِمَا دَائِمًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَالَتِ الْجَنَّةُ فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ) أَمَّا سَقَطُهُمْ فَبِفَتْحِ السِّينِ والقاف أى ضعفاؤهم والمتحقرون منهم وأما عجزهم فبفتح الْعَيْنِ وَالْجِيمِ جَمْعُ عَاجِزٍ أَيْ الْعَاجِزُونَ عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا وَالتَّمَكُّنِ فِيهَا وَالثَّرْوَةِ وَالشَّوْكَةِ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ فَفِيهَا لَا يدخلنى الاضعاف النَّاسِ وَغِرَّتُهُمْ فَرُوِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْقَاضِي وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النُّسَخِ إِحْدَاهَا غَرَثُهُمْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ شُيُوخِنَا وَمَعْنَاهَا أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَالْجُوعِ وَالْغَرَثُ الْجُوعُ وَالثَّانِي عَجَزَتُهُمْ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَجِيمٍ وَزَايٍ وَتَاءٍ جَمْعُ عَاجِزٍ كَمَا سَبَقَ وَالثَّالِثُ غِرَّتُهُمْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ وَهَكَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا أَيْ الْبُلْهُ الْغَافِلُونَ الَّذِينَ لَيْسَ بِهِمْ فَتْكٌ وَحِذْقٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَهُوَ نَحْوُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ سَوَادُ الناس وعامتهم من أهل الايمان الذين لايفطنون لِلسُّنَّةِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمِ الْفِتْنَةُ أَوْ يُدْخِلُهُمْ فِي البدعة أو غيرها فهم ثابتوا الايمان وصحيحوا الْعَقَائِدِ وَهُمْ أَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَمَّا الْعَارِفُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَالصَّالِحُونَ الْمُتَعَبِّدُونَ فَهُمْ قَلِيلُونَ وَهُمْ أَصْحَابُ الدَّرَجَاتِ قَالَ وَقِيلَ مَعْنَى الضُّعَفَاءِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَهْلُ الْجَنَّةُ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ أَنَّهُ الْخَاضِعُ لِلَّهِ تَعَالَى الْمُذِلُّ نَفْسَهُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ضِدُّ المتجبر المستكبر
(17/181)

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَقُولُ قَطْ قط فهنالك تمتلىء وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) مَعْنَى يُزْوَى يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَجْتَمِعُ وَتَلْتَقِي عَلَى مَنْ فِيهَا وَمَعْنَى قَطْ حَسْبِي أَيْ يَكْفِينِي هَذَا وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قَطْ قَطْ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ فِيهِمَا وَبِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةٌ وَغَيْرُ مُنَوَّنَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم فأما النار فلا تمتلىء حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِجْلَهُ) وَفِي الرواية التى بعدها لاتزال جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَشَاهِيرِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا عَلَى مَذْهَبَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وطائفة من المتكلمين أنه لايتكلم فِي تَأْوِيلِهَا بَلْ نُؤْمِنُ أَنَّهَا حَقٌّ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ وَلَهَا مَعْنَى يَلِيقُ بِهَا وَظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَالثَّانِي
(17/182)

وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهَا فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ هُنَا الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ وَمَعْنَاهُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مَنْ قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي هَذَا تأويل النضر بن شميل ونحوه عن بن الْأَعْرَابِيِّ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ قَدَمُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَدَمِهِ إِلَى ذَلِكِ الْمَخْلُوقِ الْمَعْلُومِ الثَّالِثُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يُسَمَّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا يَضَعُ اللَّهُ فِيهَا رِجْلَهُ فَقَدْ زَعَمَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنِ فَوْرَكَ أَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَتَأْوِيلُهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْقَدَمِ وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُرَادَ بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ كَمَا يُقَالُ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ أَيْ قِطْعَةٌ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَظْهَرُ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَحَقُّوهَا وَخُلِقُوا لَهَا قَالُوا ولابد مِنْ صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الْعَقْلِيِّ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْجَارِحَةِ عَلَى اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ولايظلم اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا) قَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ بَيَانُ أَنَّ الظُّلْمَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تعالى فمن عذبه بذنب أو بلاذنب فَذَلِكَ عَدْلٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ينشىء لَهَا خَلْقًا) هَذَا دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْأَعْمَالِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُخْلَقُونَ حِينَئِذٍ وَيُعْطَوْنَ فِي الْجَنَّةِ مَا يُعْطَوْنَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَمِثْلُهُ أَمْرُ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا طَاعَةً قَطُّ فَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ
(17/183)

دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ سَعَةِ الْجَنَّةِ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ لِلْوَاحِدِ فِيهَا مِثْلُ الدُّنْيَا وَعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا ثُمَّ يَبْقَى فِيهَا شَيْءٌ لِخَلْقٍ يُنْشِئُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى

[2849] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يُقَالُ خلود فلاموت) قَالَ الْمَازِرِيُّ الْمَوْتُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَرَضٌ يُضَادُّ الْحَيَاةِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِعَرَضٍ بَلْ مَعْنَاهُ عَدَمُ الْحَيَاةِ وَهَذَا خَطَأ لِقَوْلِهِ تعالى خلق الموت
(17/184)

والحياة فَأَثْبَتَ الْمَوْتَ مَخْلُوقًا وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَيْسَ الْمَوْتُ بِجِسْمٍ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيُتَأَوَّلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ هَذَا الْجِسْمَ ثم يذبح مثالا لأن الموت لايطرأ عَلَى أَهْلِ الْآخِرَةِ وَالْكَبْشُ الْأَمْلَحُ قِيلَ هُوَ الأبيض الخالص قاله بن الْأَعْرَابِيُّ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ هُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ وَبَيَاضُهُ أَكْثَرُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي الضَّحَايَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَشْرَئِبُّونَ) بِالْهَمْزِ أى يرفعون رؤسهم إلى المنادى
(17/185)

[2851]

[2852] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظِ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ وَمَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ) مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ هَذَا كُلُّهُ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي إِيلَامِهِ وَكُلُّ هَذَا مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى يَجِبُ الْإِيمَانِ بِهِ لِإِخْبَارِ الصَّادِقِ بِهِ

[2853] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ (كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ) ضَبَطُوا قَوْلَهُ مُتَضَعَّفٍ
(17/186)

بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا الْمَشْهُورُ الْفَتْحُ وَلَمْ يَذْكُرِ الأكثرون غيره ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرو وَيَتَجَبَّرُونَ عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَالِهِ فِي الدُّنْيَا يُقَالُ تَضَعَّفَهُ وَاسْتَضْعَفَهُ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْكَسْرِ فَمَعْنَاهَا مُتَوَاضِعٌ مُتَذَلِّلٌ خَامِلٌ وَاضِعٌ مِنْ نَفْسِهِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ يَكُونُ الضَّعْفُ هُنَا رِقَّةُ الْقُلُوبِ وَلِينُهَا وَإِخْبَاتُهَا لِلْإِيمَانِ وَالْمُرَادُ أَنَّ أَغْلَبَ أَهْلِ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ كَمَا أَنَّ مُعْظَمَ أَهْلِ النَّارِ الْقِسْمُ الْآخَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِيعَابَ فِي الطَّرَفَيْنِ وَمَعْنَى الْأَشْعَثِ مُتَلَبِّدُ الشَّعْرِ مُغَبَّرُهُ الَّذِي لَا يَدْهُنُهُ وَلَا يُكْثِرُ غَسْلَهُ وَمَعْنَى مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ أَنَّهُ لايؤذن لَهُ بَلْ يُحْجَبُ وَيُطْرَدُ لِحَقَارَتِهِ عِنْدَ النَّاسِ قوله صلى الله عليه وسلم (لوأقسم عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) مَعْنَاهُ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا طَمَعًا فِي كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ وَقِيلَ لَوْ دَعَاهُ لَأَجَابَهُ يُقَالُ أَبْرَرْتُ قَسَمَهُ وَبَرَرْتُهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ النَّارِ (كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ) وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ متكبرا أَمَّا الْعُتُلُّ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ
(17/187)

فَهُوَ الْجَافِي الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ بِالْبَاطِلِ وَقِيلَ الْجَافِي الْفَظُّ الْغَلِيظُ وَأَمَّا الْجَوَّاظُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ الْجَمُوعُ الْمَنُوعُ وَقِيلَ كَثِيرُ اللَّحْمِ الْمُخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ وَقِيلَ الْقَصِيرُ الْبَطِينِ وَقِيلَ الْفَاخِرُ بِالْخَاءِ وَأَمَّا الزَّنِيمُ فَهُوَ الدَّعِيُّ فِي النَّسَبِ الْمُلْصَقِ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ شُبِّهَ بِزَنَمَةِ الشَّاةِ وَأَمَّا الْمُتَكَبِّرُ وَالْمُسْتَكْبِرُ فَهُوَ صَاحِبُ الْكِبْرِ وَهُوَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ

[2855] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ (عَزِيزٌ عَارِمٌ) الْعَارِمُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ الشِّرِّيرُ الْمُفْسِدُ الخبيث وقيل القوى الشرس وقد عرم بضم الراء وفتحها وكسرها عرامة بفتح العين وعراما بضمها فهو عارم وعرم وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ لِغَيْرِ ضَرُورَةِ التَّأْدِيبِ وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الضَّحِكِ مِنَ الضَّرْطَةِ يَسْمَعُهَا مِنْ غَيْرِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَغَافَلَ عَنْهَا وَيَسْتَمِرَّ عَلَى حَدِيثِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ وَالْمُعَاشَرَةِ

[2856] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبَا بَنِي كَعْبٍ هَؤُلَاءِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيِّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ
(17/188)

أَمَّا قَمْعَةُ ضَبَطُوهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَشْهَرُهَا قِمَّعَةُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَالثَّانِي كَسْرُ الْقَافِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ رواية الباجي عن بن مَاهَانَ وَالثَّالِثُ فَتْحُ الْقَافِ مَعَ إِسْكَانِ الْمِيمِ وَالرَّابِعُ فَتْحُ الْقَافِ وَالْمِيمِ جَمِيعًا وَتَخْفِيفُ الْمِيمِ قَالَ الْقَاضِي وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ وَأَمَّا خِنْدِفُ فَبِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي كَسْرُ الْخَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَآخِرُهَا فَاءٌ وَهِيَ اسْمُ الْقَبِيلَةِ فَلَا تَنْصَرِفُ وَاسْمُهَا لَيْلَى بِنْتُ عِمْرَانَ بْنِ الْجَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَبَا بَنِي كَعْبٍ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ أَبَا بِالْبَاءِ وَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرِ مِنْ نُسَخِ بِلَادِنَا وَفِي بَعْضِهَا أَخَا بِالْخَاءِ وَنَقَلَ الْقَاضِي هَذَا عَنْ أَكْثَرِ رواة الجلودي قال والأول رواية بن مَاهَانَ وَبَعْضُ رُوَاةِ الْجُلُودِيِّ قَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ قال وكذا ذكر الحديث بن أَبِي خَيْثَمَةَ وَمُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِأَنَّ كَعْبًا هُوَ أَحَدُ بُطُونِ خُزَاعَةَ وَابْنَهُ وَأَمَّا لُحَيُّ فَبِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَأَمَّا قُصْبَهُ فَبِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يَعْنِي أَمْعَاءَهُ وَقَالَ أَبُو عَبِيدٍ الْأَمْعَاءُ وَاحِدُهَا قَصَبٌ أَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ الْقَاضِي الْمَعْرُوفُ فِي نَسَبِ بن خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَمْعَةُ بْنُ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ وَإِنَّمَا عَامِرٌ عَمُّ أَبِيهِ أَبِي قَمْعَةَ وَهُوَ مُدْرِكَةُ بْنُ إِلْيَاسَ هَذَا قَوْلُ نُسَّابِ الْحِجَازِيِّينَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُمْ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ وَأَنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَاسْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ وَقَدْ
(17/189)

يَحْتَجُّ قَائِلٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2128] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لايدخلن الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ من مسيرة كذاوكذا) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا أَصْحَابُ السِّيَاطِ فَهُمْ غِلْمَانُ وَالِي الشُّرْطَةِ أَمَّا الْكَاسِيَاتُ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ كَاسِيَاتٌ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَارِيَاتٌ مِنْ شُكْرِهَا وَالثَّانِي كَاسِيَاتٌ مِنَ الثِّيَابِ عَارِيَاتٌ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ
(17/190)

وَالِاهْتِمَامِ لِآخِرَتِهِنَّ وَالِاعْتِنَاءِ بِالطَّاعَاتِ وَالثَّالِثُ تَكْشِفُ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا إِظْهَارًا لِجَمَالِهَا فَهُنَّ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ وَالرَّابِعُ يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِفُ مَا تَحْتَهَا كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ فِي الْمَعْنَى وَأَمَّا مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ فَقِيلَ زَائِغَاتٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَلْزَمُهُنَّ مِنْ حِفْظِ الْفُرُوجِ وَغَيْرِهَا وَمُمِيلَاتٌ يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ مِثْلَ فِعْلِهِنَّ وَقِيلَ مَائِلَاتٌ مُتَبَخْتِرَاتٌ فِي مِشْيَتِهِنَّ مُمِيلَاتٌ أَكْتَافُهُنَّ وَقِيلَ مَائِلَاتٌ يَتَمَشَّطْنَ الْمِشْطَةَ الْمَيْلَاءِ وَهِيَ مِشْطَةُ الْبَغَايَا مَعْرُوفَةٌ لَهُنَّ مُمِيلَاتٌ يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ تِلْكَ الْمِشْطَةِ وَقِيلَ مَائِلَاتٌ إِلَى الرِّجَالِ مُمِيلَاتٌ لَهُمْ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وغيرها وأما رؤوسهن كأسنمة البخت فمعناه يعظمن رؤوسهن بِالْخُمُرِ وَالْعَمَائِمِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُلَفُّ عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى تُشْبِهُ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ الْبُخْتِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ يَطْمَحْنَ إِلَى الرِّجَالِ وَلَا يَغْضُضْنَ عنهم ولا ينكسن رؤوسهن وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَائِلَاتِ تُمَشِّطْنَ الْمِشْطَةَ الْمَيْلَاءِ قَالَ وَهِيَ ضَفْرُ الْغَدَائِرِ وَشَدُّهَا إِلَى فَوْقُ وَجَمْعُهَا فِي وَسَطِ الرَّأْسِ فَتَصِيرُ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشْبِيهِ بِأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ إِنَّمَا هُوَ لِارْتِفَاعِ الْغَدَائِرِ فَوْقَ رؤوسهن وَجَمْعُ عَقَائِصِهَا هُنَاكَ وَتُكْثِرُهَا بِمَا يُضَفِّرْنَهُ حَتَّى تَمِيلَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ جَوَانِبِ الرَّأْسِ كَمَا يميل السنام قال بن دُرَيْدٍ يُقَالُ نَاقَةٌ مَيْلَاءُ إِذَا كَانَ سَنَامُهَا يَمِيلُ إِلَى أَحَدِ شِقَّيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لايدخلن الْجَنَّةَ) يُتَأَوَّلُ التَّأْوِيلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي نَظَائِرِهِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّتْ حَرَامًا مِنْ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهَا بِتَحْرِيمِهِ فَتَكُونُ كَافِرَةٌ مُخَلَّدَةٌ فى النار لاتدخل الجنة أبدا والثانى يحمل على أنها لاتدخلها أَوَّلَ الْأَمْرِ مَعَ الْفَائِزِينَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(17/191)

(باب فناء الدنيا وبيان الحشر يَوْمَ الْقِيَامَةِ

[2858] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاَللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ) وَفِي رِوَايَةٍ وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِالْإِبْهَامِ هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا بالابهام وهى الأصبع العظمى المعروفة كذا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ الرُّوَاةِ إِلَّا السَّمَرْقَنْدِيَّ فَرَوَاهُ الْبِهَامُ قَالَ وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَالَ الْقَاضِي وَرِوَايَةُ السَّبَّابَةِ أَظْهَرُ مِنْ رِوَايَةِ الْإِبْهَامِ وَأَشْبَهُ بالتمثيل لأن العادة الاشارة بها لا بِالْإِبْهَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ مَرَّةً وَهَذِهِ مَرَّةً وَالْيَمُّ الْبَحْرُ وَقَوْلُهُ بِمَ تَرْجِعُ ضَبَطُوا تَرْجِعُ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَمَنْ رَوَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ أَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى أَحَدِكُمِ وَالْمُثَنَّاةُ فَوْقُ أَعَادَهُ عَلَى الْأُصْبُعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَمَعْنَاهُ لَا يَعْلَقُ بِهَا كَثِيرُ شَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ مَا الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ فِي قِصَرِ مُدَّتِهَا وَفَنَاءِ لَذَّاتِهَا ودوام الآخرة ودوام)
(17/192)

لذاتها ونعيمها إلاكنسبة الْمَاءِ الَّذِي يَعْلَقُ بِالْأُصْبُعِ إِلَى بَاقِي الْبَحْرِ

[2859] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) الْغُرْلُ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ غَيْرُ مَخْتُونِينَ جَمْعُ أَغْرَلَ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ وَبَقِيَتْ مَعَهُ غُرْلَتُهُ وَهِيَ قُلْفَتُهُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ هُوَ الْأَغْرَلُ وَالْأَرْغَلُ وَالْأَغْلَفُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْأَقْلَفُ وَالْأَعْرَمُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَجَمْعُهُ غُرَلٌ وَرُغَلٌ وَغُلَفٌ وَقُلَفٌ وَعُرَمٌ وَالْحُفَاةُ جَمْعُ حَافٍ وَالْمَقْصُودُ أنهم يحشرون كما خلقوا لاشىء مَعَهُمْ وَلَا يُفْقَدُ مِنْهُمْ شَيْءٌ حَتَّى الْغُرْلَةُ تَكُونُ مَعَهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى
(17/193)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي إِلَى آخِرِهِ) هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةِ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ هُنَاكَ الْمُرَادُ بِهِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ

[2861] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَتَحْشُرُ بَقِيَّتُهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا) قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهَذَا الْحَشْرُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا قُبَيْلَ الْقِيَامَةِ
(17/194)

وَقُبَيْلَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى الله عليه وسلم بَقِيَّتُهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ وَتَقِيلُ وَتُصْبِحُ وَتُمْسِي وَهَذَا آخِرُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا فِي آيَاتِ السَّاعَةِ قَالَ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَرْحَلُ الناس وفى رواية تطرد الناس إلى محشر هم وَالْمُرَادُ بِثَلَاثِ طَرَائِقَ ثَلَاثُ فِرَقٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْجِنِّ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا أَيْ فِرَقًا مُخْتَلِفَةَ الْأَهْوَاءِ

(بَاب فِي صِفَةِ يوم القيامة أعاننا الله على أهواله)
[2862] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ قَالَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ عَرَقُ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ عَرَقُ نَفْسِهِ خَاصَّةً وَسَبَبُ كَثْرَةِ العرق تراكم الأهوال ودنو الشمس من رؤسهم ورحمة بعضهم بعضا
(17/195)

(باب الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النَّارِ)

[2865] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ) مَعْنَى نَحَلْتُهُ أَعْطَيْتُهُ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتُهُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ وَالْمُرَادُ إِنْكَارُ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ السَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْحَامِي وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَنَّهَا لَمْ تصرحوا حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِمْ وَكُلُّ مَالٍ مَلَكَهُ الْعَبْدُ فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ) أَيْ مُسْلِمِينَ وَقِيلَ طَاهِرِينَ مِنَ الْمَعَاصِي وَقِيلَ مُسْتَقِيمِينَ مُنِيبِينَ لِقَبُولِ الْهِدَايَةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ فِي الذَّرِّ وَقَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بلى قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا فَاجْتَالَتْهُمْ بِالْجِيمِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وعن رواية الحافظ أبى على الغسانى فاجتالتهم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَوْضَحُ أَيْ اسْتَخَفُّوهُمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ وَأَزَالُوهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ وَجَالُوا مَعَهُمْ فِي الْبَاطِلِ كَذَا فَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ شَمِرُ اجْتَالَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ ذَهَبَ بِهِ وَاجْتَالَ أَمْوَالَهُمْ سَاقَهَا وَذَهَبَ بِهَا قَالَ الْقَاضِي وَمَعْنَى فَاخْتَالُوهُمْ بِالْخَاءِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ أَيْ يَحْبِسُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وعجمهم الابقايا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) الْمَقْتُ أَشَدُّ الْبُغْضِ وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْمَقْتِ وَالنَّظَرِ مَا قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
(17/197)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِبَقَايَا أَهْلِ الْكِتَابِ الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمُ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِي بِكَ) مَعْنَاهُ لِأَمْتَحِنَكَ بِمَا يَظْهَرُ مِنْكَ مِنْ قِيَامِكَ بِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجِهَادِ فِي اللَّهِ حَقِّ جِهَادِهِ وَالصَّبْرِ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَبْتَلِي بِكَ مَنْ أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِرُ إِيمَانَهُ وَيُخْلِصُ فِي طَاعَاتِهِ وَمَنْ يَتَخَلَّفُ وَيَتَأَبَّدُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْكُفْرِ وَمَنْ يُنَافِقُ وَالْمُرَادُ أَنْ يَمْتَحِنَهُ لِيَصِيرَ ذَلِكَ وَاقِعًا بَارِزًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يُعَاقِبُ الْعِبَادَ عَلَى مَا وَقَعَ منهم لاعلى مَا يَعْلَمُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهَا وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ أَيْ نَعْلَمُهُمْ فَاعِلِينَ ذَلِكَ مُتَّصِفِينَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تقرأه نائما ويقظان) أما قوله تعالى لايغسله الماء فمعناه محفوظ فى الصدور لايتطرق إِلَيْهِ الذَّهَابُ بَلْ يَبْقَى عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ وأما قوله تعالى تقرأه نَائِمًا وَيَقْظَانَ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ يَكُونُ مَحْفُوظًا لك فى حالتى النوم واليقظة وقيل تقرأه فِي يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقُلْتُ رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً) هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَشْدَخُوهُ وَيَشُجُّوهُ كَمَا يُشْدَخُ الْخُبْزُ أَيْ يُكْسَرُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نُعِينُكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٍ مُتَصَدِّقٍ مُوَفَّقٍ وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ) فَقَوْلُهُ وَمُسْلِمٍ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلَى ذِي قُرْبَى وَقَوْلُهُ مُقْسِطٍ أَيْ عَادِلٍ قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم
(17/198)

(الضعيف الذى لازبر له الذين هم فيكم تبعا لايبتغون أَهْلًا وَلَا مَالًا) فَقَوْلُهُ زَبْرَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَا عَقْلَ لَهُ يَزْبُرُهُ ويمنعه مما لاينبغى وقيل هو الذى لامال لَهُ وَقِيلَ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَعْتَمِدُهُ وقوله لايتبعون بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُخَفَّفٌ وَمُشَدَّدٌ مِنَ الِاتِّبَاعِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَبْتَغُونَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لايطلبون قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَالْخَائِنُ الَّذِي لايخفى له طمع وإن دق الاخانة) معنى لا يخفى لايظهر قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ خَفَيْتَ الشَّيْءَ إِذَا أَظْهَرْتَهُ وَأَخْفَيْتَهُ إِذَا سَتَرْتَهُ وَكَتَمْتَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلُهُ (وَذَكَرَ الْبُخْلَ وَالْكَذِبَ) هِيَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَوِ الْكَذِبِ بِأَوْ وَفِي بَعْضِهَا وَالْكَذِبَ بِالْوَاوِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَقَالَ القاضي روايتنا عن جميع شيوخنا بالواو والا بن أَبِي جَعْفَرِ عَنِ الطَّبَرِيِّ فَبِأَوْ وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَلَعَلَّهُ الصَّوَابُ وَبِهِ تَكُونُ الْمَذْكُورَاتُ خَمْسَةً وَأَمَّا الشِّنْظِيرُ فَبِكَسْرِ الشِّينِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ
(17/199)

وَإِسْكَانِ النُّونِ بَيْنَهُمَا وَفَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ الفحاش وهو السىء الخلق قوله (فيكون ذلك ياأبا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَاَللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى آخِرِهِ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَائِلُ لَهُ قَتَادَةُ وَقَوْلُهُ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَعَلَّهُ يريد أواخر أمرهم وآثار الجاهلية والافمطرف صَغِيرٌ عَنْ إِدْرَاكِ زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ حَقِيقَةً وَهُوَ يَعْقِلُ

(بَاب عَرْضِ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ عَلَيْهِ وَإِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غدوا وعشيا الْآيَةَ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ)
(17/200)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فى مواطن كثيرة ولايمتنع فِي الْعَقْلِ أَنْ يُعِيدَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَيَاةَ فِي جُزْءٍ مِنَ الْجَسَدِ وَيُعَذِّبُهُ وَإِذَا لَمْ يَمْنَعْهُ الْعَقْلُ وَوَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَجَبَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هُنَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَسَمَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ مَنْ يُعَذَّبُ فِيهِ وَسَمَاعِ الْمَوْتَى قَرْعَ نِعَالِ دَافِنِيهِمْ وَكَلَامِهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْقَلِيبِ وَقَوْلِهُ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ الْمَيِّتَ وَإِقْعَادِهِمَا إِيَّاهُ وَجَوَابِهُ لَهُمَا وَالْفَسْحِ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَعَرْضِ مَقْعَدِهِ عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَسَبَقَ مُعْظَمُ شَرْحِ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَكِتَابِ الْجَنَائِزِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا ذَكَرْنَا خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَمُعْظَمِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ نَفَوْا ذَلِكَ ثُمَّ الْمُعَذَّبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْجَسَدُ بِعَيْنِهِ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ إِعَادَةِ الرُّوحِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى جُزْءٍ مِنْهُ وَخَالَفَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بن كرام وطائفة فقالوا لايشترط إِعَادَةُ الرُّوحِ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأَلَمَ وَالْإِحْسَاسَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَيِّ قَالَ أصحابنا ولايمنع من ذلك كون الميت قد تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ كَمَا نُشَاهِدُ فِي الْعَادَةِ أَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ أَوْ حِيتَانُ الْبَحْرِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِيدُهُ لِلْحَشْرِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَا يُعِيدُ الْحَيَاةَ إِلَى جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ أَجْزَاءٍ وَإِنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ وَالْحِيتَانُ فَإِنْ قِيلَ فَنَحْنُ نُشَاهِدُ الْمَيِّتَ عَلَى حَالِهِ فِي قَبْرِهِ فَكَيْفَ يسأل ويقعد ويضرب بمطارق من حديد ولايظهر لَهُ أَثَرٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بَلْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ النَّائِمُ فانه يجد لذة وآلاما لانحس نَحْنُ شَيْئًا مِنْهَا وَكَذَا يَجِدُ الْيَقْظَانُ لَذَّةً وآلما لما يسمعه أو يفكر فيه ولايشاهد ذلك جليسه مِنْهُ وَكَذَا كَانَ جِبْرَائِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم فيخبره بالوحى الكريم ولايدركه الْحَاضِرُونَ وَكُلُّ هَذَا ظَاهِرٌ جَلِيٌّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَمَّا إِقْعَادُهُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْمَقْبُورِ دُونَ الْمَنْبُوذِ وَمَنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ وَالْحِيتَانُ وَأَمَّا ضَرْبُهُ بِالْمَطَارِقِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُ فِي قَبْرِهِ فَيُقْعَدُ وَيُضْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[2866] قَوْلُهُ (مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ) هذا تنعيم
(17/201)

للمؤمن وتعذيب للكافر

[2867] قوله (حادث بِهِ بَغْلَتُهُ) أَيْ مَالَتْ عَنِ الطَّرِيقِ وَنَفَرَتْ وقرع النعال
(17/202)

وخفقها هو ضربها وَصَوْتُهَا فِيهَا

[2870] قَوْلُهُ (مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ) يَعْنِي بِالرَّجُلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا يَقُولُهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ التى ليس فيها تعظيم امتحانا للمسؤل لِئَلَّا يَتَلَقَّنَ تَعْظِيمَهُ مِنْ عِبَارَةِ السَّائِلِ ثُمَّ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

[2870] قَوْلُهُ (يُفْسَحُ لَهُ فى قبره ويملأ عليه خضراالى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) الْخَضِرُ ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ وَالثَّانِي بِضَمِّ
(17/203)

الْخَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَمَعْنَاهُ يمْلَأُ نِعَمًا غَضَّةً نَاعِمَةً وَأصْلُهُ مِنْ خَضِرَةِ الشَّجَرِ هَكَذَا فَسَّرُوهُ قَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفَسْحُ لَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ يُرْفَعُ عن بصره ما يجاوره من الحجب الكثيفة بحيث لاتناله ظلمة القبر ولاضيقة إِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ رُوحُهُ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالِاسْتِعَارَةِ لِلرَّحْمَةِ وَالنَّعِيمِ كَمَا يُقَالُ سَقَى اللَّهُ قَبْرَهُ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(17/204)

[2872] قَوْلُهُ فِي رُوحِ الْمُؤْمِنِ (ثُمَّ يَقُولُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ ثُمَّ قَالَ فِي رُوحِ الْكَافِرِ فَيُقَالُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ) قَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ انْطَلِقُوا بِرُوحِ الْمُؤْمِنِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي انْطَلِقُوا بِرُوحِ الْكَافِرِ إِلَى سِجِّينٍ فَهِيَ مُنْتَهَى الْأَجَلِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ إِلَى انْقِضَاءِ أَجَلِ الدُّنْيَا قَوْلُهُ (فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ) الرَّيْطَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَهُوَ ثَوْبٌ رَقِيقٌ وَقِيلَ هِيَ الْمُلَاءَةُ وَكَانَ سَبَبُ رَدِّهَا عَلَى الْأَنْفِ بِسَبَبِ مَا ذَكَرَ مِنْ نَتْنِ رِيحِ رُوحِ الْكَافِرِ

[2873] قَوْلُهُ (حَدِيدُ الْبَصَرِ) بِالْحَاءِ أَيْ نَافِذُهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوله
(17/205)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى آخِرِهِ) هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّاهِرَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى بدر (ماأنتم بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) قَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ الْمَازِرِيُّ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا خَاصٌّ فِي هَؤُلَاءِ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضُ وَقَالَ يُحْمَلُ سَمَاعُهُمْ عَلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْمَوْتَى فِي أَحَادِيثَ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ التى لامدفع لَهَا وَذَلِكَ بِإِحْيَائِهِمْ أَوْ إِحْيَاءِ جُزْءٍ مِنْهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ وَيَسْمَعُونَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ أَحَادِيثُ
(17/206)

السَّلَامِ عَلَى الْقُبُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[2874] قَوْلُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا مِنْ غَيْرِ نُونٍ وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الِاسْتِعْمَالِ وَسَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ وَمِنْهَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فِي كتاب الايمان لاتدخلوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَقَوْلُهُ جَيَّفُوا أَيْ أَنْتَنُوا وَصَارُوا جِيَفًا يُقَالُ جَيَّفَ الْمَيِّتُ وَجَافَ وَأَجَافَ وَأَرْوَحَ وَأَنْتَنَ بِمَعْنًى قَوْلُهُ (فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ الْقَلِيبُ وَالطَّوِيُّ بِمَعْنًى وَهِيَ الْبِئْرُ الْمَطْوِيَّةُ بِالْحِجَارَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا السَّحْبُ إلى القليب ليس دفنا لهم ولاصيانة وَحُرْمَةً بَلْ لِدَفْعِ رَائِحَتِهِمُ الْمُؤْذِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(17/207)

بَاب إِثْبَاتِ الْحِسَابِ

[2876] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ) معنى نوقش استقصى عليه قال الْقَاضِي وَقَوْلُهُ عُذِّبَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نَفْسَ الْمُنَاقَشَةِ وَعَرْضَ الذُّنُوبِ وَالتَّوْقِيفَ عَلَيْهَا هُوَ التَّعْذِيبُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الْعَذَابِ بِالنَّارِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ
(17/208)

فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَلَكَ مَكَانَ عُذِّبَ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّقْصِيرَ غَالِبٌ فِي الْعِبَادِ فَمَنِ اُسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامَحْ هَلَكَ وَدَخَلَ النَّارَ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْفُو وَيَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ يَشَاءُ قَوْلُهُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ) هَذَا مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَقَالَ اختلف العلماء عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ فَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ وَرُوِيَ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْهَا وَهَذَا اسْتِدْرَاكٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الْقَاسِمِ عن عائشة وسمعه أيضا منها بلاواسطة فرواه بالوجهين وقد سبقت نظائر هذا

(باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت

[2877] قوله صلى الله عليه وسلم (لايموتن أحدكم الاوهو يحسن بالله الظن) وفى رواية الاوهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا تَحْذِيرٌ مِنَ الْقُنُوطِ وَحَثٌّ عَلَى الرَّجَاءِ عِنْدَ الْخَاتِمَةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ)
(17/209)

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَعْفُو عَنْهُ قَالُوا وَفِي حَالَةِ الصِّحَّةِ يَكُونُ خَائِفًا رَاجِيًا وَيَكُونَانِ سَوَاءً وَقِيلَ يَكُونُ الْخَوْفُ أَرْجَحَ فَإِذَا دَنَتْ أَمَارَاتُ الْمَوْتِ غَلَّبَ الرَّجَاءَ أَوْ مَحْضَهُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْخَوْفِ الِانْكِفَافُ عَنِ الْمَعَاصِي وَالْقَبَائِحِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْ مُعْظَمُهُ فِي هَذَا الْحَالِ فَاسْتُحِبَّ إِحْسَانُ الظَّنِّ الْمُتَضَمِّنُ لِلِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِذْعَانِ لَهُ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ بعث كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا عَقَّبَهُ مُسْلِمٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ يُبْعَثُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ بَعْدَهُ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتِهِمْ
(17/210)

(

كتاب الفتن وأشراط الساعة)
قوله في رواية بن أبى شيبة وسعيد بن عمرو وزهير وبن أَبِي عُمَرَ (عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ) جَحْشٍ هَذَا الْإِسْنَادُ اجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعُ صَحَابِيَّاتِ زَوْجَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وربيبتان له بعضهن عن بعض ولايعلم حَدِيثٌ اجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعُ صَحَابِيَّاتٍ بَعْضِهِنَّ عَنْ بَعْضٍ غَيْرَهُ وَأَمَّا اجْتِمَاعُ أَرْبَعَةِ صَحَابَةٍ أَوْ أَرْبَعَةِ تَابِعِيِّينَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ فَوَجَدْتُ مِنْهُ أَحَادِيثَ قَدْ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ وَنَبَّهْتُ فِي هذا الشرح على ما مر مِنْهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَحَبِيبَةُ هَذِهِ هِيَ بِنْتُ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ وَلَدَتْهَا مِنْ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الَّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2880] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً
(18/2)

هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ووقع بعدهفي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَهُ وَعَقَدَ وُهَيْبٌ بِيَدِهِ تِسْعِينَ فَأَمَّا رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَيُونُسَ فَمُتَّفِقَتَانِ فِي الْمَعْنَى وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمُخَالِفَةٌ لَهُمَا لِأَنَّ عَقْدَ التِّسْعِينَ أَضْيَقُ مِنَ الْعَشَرَةِ قَالَ الْقَاضِي لَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَقَدِّمٌ فَزَادَ قَدْرَ الْفَتْحِ بَعْدَ هَذَا القدر قال أو يكون المراد التقريب بالتمثيل لاحقيقة التَّحْدِيدِ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ غَيْرُ مَهْمُوزَيْنِ وَمَهْمُوزَانِ قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِالْوَجْهَيْنِ الْجُمْهُورُ بِتَرْكِ الْهَمْزِ قَوْلُهُ (أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ) قَالَ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْبَاءِ وَفَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ بِالْفُسُوقِ والفجور وقيل المراد الزنى خاصة وقيل أولاد الزنى والظاهر أنه المعاصى مطلقا ويهلك بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ وَحُكِيَ فتحها وهو ضعيف اوفاسد
(18/3)

وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَبَثَ إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يَحْصُلُ الْهَلَاكُ الْعَامُّ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ صَالِحُونَ

[2882] قَوْلُهُ (دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَسَأَلَاهَا عَنْ الْجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ وكان ذلك فى أيام بن الزُّبَيْرِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْكَتَّانِيُّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ سنة تسع وخمسين ولم تدرك أيام بن الزُّبَيْرِ قَالَ الْقَاضِي قَدْ قِيلَ إِنَّهَا تُوُفِّيَتْ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي أَوَّلِهَا فَعَلَى هذايستقيم
(18/4)

ذكرها لأن بن الزُّبَيْرِ نَازَعَ يَزِيدَ أَوَّلَ مَا بَلَغَتْهُ بَيْعَتُهُ عِنْدَ وَفَاةِ مُعَاوِيَةَ ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَمِمَّنْ ذَكَرَ وَفَاةَ أُمِّ سَلَمَةَ أَيَّامَ يَزِيدَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ بَعْدَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصَةَ وَقَالَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يُسَمِّهَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هِيَ عَائِشَةُ قَالَ ورواه سالم بن أَبِي الْجَعْدِ عَنْ حَفْصَةَ أَوْ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَالَ وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَهُوَ أَيْضًا مَحْفُوظٌ عَنْ حَفْصَةَ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ تُوُفِّيَتْ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ) وَفِي رِوَايَةٍ ببيداء المدينة قال العلماء كل أرض ملساء لاشىء بِهَا وَبَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ الشَّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَيْ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ

[2883] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ) أَيْ يَقْصِدُونَهُ قَوْلُهُ صَلَّى
(18/5)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ) هِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَجْمَعُهُمْ وَيَمْنَعُهُمْ قَوْلُهُ عَنْ (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَيُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ هو بفتح الهاء غيره مَصْرُوفٍ

[2884] قَوْلُهُ (عَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِهِ) هُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ قيل معناه اضطرب بجسمه وقيل
(18/6)

حَرَّكَ أَطْرَافَهُ كَمَنْ يَأْخُذُ شَيْئًا أَوْ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ والمجبور وبن السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى وَيَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) أَمَّا الْمُسْتَبْصِرُ فَهُوَ الْمُسْتَبِينُ لِذَلِكَ الْقَاصِدُ لَهُ عَمْدًا وَأَمَّا الْمَجْبُورُ فَهُوَ الْمُكْرَهُ يُقَالُ أَجْبَرْتُهُ فَهُوَ مُجْبَرٌ هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ وَيُقَالُ أَيْضًا جَبَرْتُهُ فَهُوَ مَجْبُورٌ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ وَجَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى هذه اللغة وأما بن السَّبِيلِ فَالْمُرَادُ بِهِ سَالِكُ الطَّرِيقِ مَعَهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ وَيَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا أَيْ يَقَعُ الْهَلَاكُ فِي الدُّنْيَا عَلَى جَمِيعِهِمْ وَيَصْدُرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَصَادِرَ شَتَّى أَيْ يُبْعَثُونَ مُخْتَلِفِينَ عَلَى قَدْرِ نِيَّاتِهِمْ فَيُجَازَوْنَ بِحَسَبِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ التَّبَاعُدُ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُجَالَسَةِ الْبُغَاةِ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْمُبْطِلِينَ لِئَلَّا يَنَالَهُ مَا يُعَاقَبُونَ بِهِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهُمْ فِي ظاهر عقوبات الدنيا

[2885] قوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ) الْأُطُمُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ هُوَ الْقَصْرُ وَالْحِصْنُ وَجَمْعُهُ آطام ومعنى أشرف علاوارتفع وَالتَّشْبِيهُ بِمَوَاقِعِ الْقَطْرِ
(18/7)

فِي الْكَثْرَةِ وَالْعُمُومِ أَيْ إِنَّهَا كَثِيرَةٌ وَتَعُمُّ الناس لاتختص بِهَا طَائِفَةٌ وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْحُرُوبِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمْ كَوَقْعَةِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَالْحَرَّةِ وَمَقْتَلِ عُثْمَانَ وَمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2886] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وجد منها ملجأ فليعذبه) وَفِي رِوَايَةٍ سَتَكُونُ فِتْنَةٌ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ
(18/8)

مِنَ الْقَائِمِ أَمَّا تَشَرَّفَ فَرُوِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَحَدُهُمَا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَالشِّينِ وَالرَّاءِ والثانى يشرف بضم الياء واسكان الشين وكسرالراء وَهُوَ مِنَ الْإِشْرَافِ لِلشَّيْءِ وَهُوَ الِانْتِصَابُ وَالتَّطَلُّعُ إِلَيْهِ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ وَمَعْنَى تَسْتَشْرِفْهُ تَقْلِبْهُ وَتَصْرَعْهُ وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْإِشْرَافِ بِمَعْنَى الْإِشْفَاءِ عَلَى الْهَلَاكِ وَمِنْهُ أَشْفَى الْمَرِيضُ عَلَى الْمَوْتِ وَأَشْرَفَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ وَجَدَ منها ملجأ أى عاصما وموضعا يلتجىء إليه ويعتزل فليعذبه أى فَلْيَعْتَزِلْ فِيهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ إِلَى آخِرِهِ فَمَعْنَاهُ بَيَانُ عَظِيمِ خَطَرِهَا وَالْحَثُّ عَلَى تجنبها والهرب منها ومن التثبث فِي شَيْءٍ وَأَنَّ شَرَّهَا وَفِتْنَتَهَا يَكُونُ عَلَى حَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا

[2887] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (يعمد على سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ) قِيلَ الْمُرَادُ كَسْرُ السَّيْفِ حَقِيقَةً عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ لِيَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ
(18/9)

هَذَا الْقِتَالِ وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ وَالْمُرَادُ تَرْكُ الْقِتَالِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَالْأَحَادِيثُ قَبْلَهُ وبعده مما يحتج به من لايرى الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ بِكُلِّ حَالٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ العلماء فى قتال الفتنة فقالت طائفة لايقاتل فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْتَهُ وَطَلَبُوا قَتْلَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُدَافَعَةُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الطَّالِبَ مُتَأَوِّلٌ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرَةَ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ وَقَالَ بن عُمَرَ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وغيرهما لايدخل فِيهَا لَكِنْ إِنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ فِتَنِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ نَصْرُ الْمُحِقِّ فِي الْفِتَنِ وَالْقِيَامُ مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تعالى فقاتلوا التى تبغى الْآيَةَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ المُحِقُّ أَوْ عَلَى طائفتين ظالمتين لاتأويل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2888] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(18/10)

(إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) مَعْنَى تَوَاجَهَا ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَيْ ذَاتَهُ وَجُمْلَتَهُ وَأَمَّا كَوْنُ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لاتأويل لَهُ وَيَكُونُ قِتَالُهُمَا عَصَبِيَّةً وَنَحْوَهَا ثُمَّ كَوْنُهُ فِي النَّارِ مَعْنَاهُ مُسْتَحِقٌّ لَهَا وَقَدْ يُجَازَى بِذَلِكَ وَقَدْ يَعْفُو اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيلُهُ مَرَّاتٍ وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّلُ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ نَظَائِرِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي هَذَا الْوَعِيدِ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَقُّ إِحْسَانُ الظَّنِّ بِهِمْ وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وَتَأْوِيلُ قِتَالِهِمْ وَأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُتَأَوِّلُونَ لَمْ يَقْصِدُوا مَعْصِيَةً ولامحض الدُّنْيَا بَلِ اعْتَقَدَ كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّهُ الْمُحِقُّ وَمُخَالِفُهُ بَاغٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِتَالُهُ لِيَرْجِعَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ مُصِيبًا وَبَعْضُهُمْ مُخْطِئًا مَعْذُورًا فِي الْخَطَأِ لِأَنَّهُ لِاجْتِهَادٍ وَالْمُجْتَهِدُ إِذَا أَخْطَأَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الْمُحِقُّ الْمُصِيبُ فِي تِلْكِ الْحُرُوبِ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَكَانَتِ الْقَضَايَا مُشْتَبِهَةٌ حَتَّى إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ تَحَيَّرُوا فِيهَا فَاعْتَزَلُوا الطَّائِفَتَيْنِ وَلَمْ يُقَاتِلُوا وَلَمْ يَتَيَقَّنُوا الصَّوَابَ ثُمَّ تَأَخَّرُوا عَنْ مُسَاعَدَتِهِ مِنْهُمْ قَوْلُهُ (أرأريت إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلنِي قَالَ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُونُ مِنْ أصحاب النار)
(18/11)

مَعْنَى يَبُوءُ بِهِ يَلْزَمُهُ وَيَرْجِعُ وَيَحْتَمِلُهُ أَيْ يَبُوءُ الَّذِي أَكْرَهَكَ بِإِثْمِهِ فِي إِكْرَاهِكِ وَفِي دُخُولِهِ فِي الْفِتْنَةِ وَبِإِثْمِكَ فِي قَتْلِكِ غَيْرَهُ ويكون أصحاب النار أى مستحقالها وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَفْعُ الْإِثْمِ عَنِ الْمُكْرَهِ على الحضور هناك وأما القتل فال يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ بَلْ يَأْثَمُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِيهِ الاجماع قال أصحابنا وكذا الاكراه على الزنى لايرفع الْإِثْمُ فِيهِ هَذَا إِذَا أُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ حَتَّى مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا فَأَمَّا إِذَا رُبِطَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا مُدَافَعَتَهُ فَلَا إِثْمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الْمَقْتُولَ فِي النَّارِ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبَهُ) فِيهِ دَلَالَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَنْ نَوَى الْمَعْصِيَةَ وَأَصَرَّ عَلَى النِّيَّةِ يَكُونُ آثِمًا وان لم يفعلها ولاتكلم وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ جُرُفِ بِالْجِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا وَفِي بَعْضِهَا حَرْفِ بِالْحَاءِ وَهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ وَمَعْنَاهُ عَلَى طَرَفِهَا قَرِيبٌ مِنَ السُّقُوطِ فِيهَا قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا غُنْدَرُ عَنْ شعبة ح وحدثنا بن مثنى وبن بَشَّارٍ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ لَمْ يَرْفَعْهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَإِنَّ شُعْبَةَ
(18/12)

إِمَامٌ حَافِظٌ فَزِيَادَتُهُ الرَّفْعَ مَقْبُولَةٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاتقوم السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ) هَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَقَدْ جَرَى هَذَا فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ

[2889] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وان أمتى سيبلغ ملكها مازوى لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ) أَمَّا زُوِيَ فَمَعْنَاهُ جُمِعَ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ وَقَدْ وَقَعَتْ كُلُّهَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِالْكَنْزَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمُرَادُ كَنْزَيْ كسرى وقيصر ملكى العراق الشام فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُلْكَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَكُونُ مُعْظَمُ امْتِدَادِهِ فِي جِهَتَيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَهَكَذَا وَقَعَ وَأَمَّا فِي جِهَتَيِ الْجَنُوبِ وَالشِّمَالِ فَقَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَصَلَوَاتُ اللَّهِ وسلامه على رسوله الصادق الذى لاينطق عن الهوى ان هو الاوحى يُوحَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَسْتَبِيحَ بيضتهم) أى جماعتهم وأصلهم والبيضه
(18/13)

أيضا العزو الملك قَوْلُهُ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أن لاأهلكهم بسنة عامة) أى لاأهلكهم بِقَحْطٍ يَعُمُّهُمْ بَلْ إِنْ وَقَعَ قَحْطٌ فَيَكُونُ فِي نَاحِيَةٍ يَسِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ

[2890] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ
(18/14)

إِلَى آخِرِهِ) هَذَا أَيْضًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ

[2892] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ) أَمَّا عِلْبَاءُ فَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ لَامٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ ألف ممدودة وأحمر آخِرُهُ رَاءٌ وَأَبُو زَيْدٍ هُوَ عَمْرُو بْنُ أخطب بالخاء المعجمة الصحابى المشهور

[144] قَوْلُهُ (عَنْ حُذَيْفَةَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ
(18/16)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْفِتْنَةِ) وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ

[2893] قَوْلُهُ (قال جندب
(18/17)

جئت يوم الجرعة فاذارجل جَالِسٌ) الْجَرَعَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَأَجْوَدُ وَهِيَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْكُوفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْحِيرَةِ وَيَوْمُ الْجَرَعَةِ يَوْمٌ خَرَجَ فِيهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَتَلَقَّوْنَ وَالِيًا وَلَّاهُ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ فَرَدُّوهُ وَسَأَلُوا عُثْمَانَ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَوَلَّاهُ قَوْلُهُ (بِئْسَ الْجَلِيسُ لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْمَ تَسْمَعُنِي أُخَالِفُكَ) وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا الْمُعْتَمَدَةِ أُخَالِفُكَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَقَالَ الْقَاضِي رِوَايَةُ شُيُوخِنَا كَافَّةً بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ الْيَمِينُ قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُعْجَمَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ لَكِنَّ المهملة أظهر لتكرر الايمان بينهما

[2894] قوله صلى الله عليه وسلم (لاتقوم السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَكَسْرِ السين
(18/18)

أَيْ يَنْكَشِفُ لِذَهَابِ مَائِهِ

[2895] قَوْلُهُ (فِي ظِلِّ أُجُمِ حَسَّانَ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ وَهُوَ الْحِصْنُ وَجَمْعُهُ آجَامُ كَأُطُمٍ وَآطَامُ فِي الْوَزْنِ والمعنى قوله (لايزال النَّاسُ مُخْتَلِفَةٌ أَعْنَاقُهُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِالْأَعْنَاقِ هُنَا الرُّؤَسَاءُ وَالْكُبَرَاءُ وَقِيلَ الْجَمَاعَاتُ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ يَكُونُ
(18/19)

الْمُرَادُ بِالْأَعْنَاقِ نَفْسَهَا وَعَبَّرَ بِهَا عَنْ أَصْحَابِهَا لاسيما وَهِيَ الَّتِي بِهَا التَّطَلُّعُ وَالتَّشَوُّفُ لِلْأَشْيَاءِ

[2896] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ أَرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ) أَمَّا الْقَفِيزُ فَمِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هو ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف وهوخمس كَيْلَجَاتٍ وَأَمَّا الْمُدْيُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ قُفْلِ وَهُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الشَّامِ قَالَ الْعُلَمَاءُ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَكُّوكًا وَأَمَّا الْإِرْدَبُّ فَمِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ مِصْرَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ يَسَعُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ صَاعًا وَفِي مَعْنَى مَنَعَتِ الْعِرَاقُ وَغَيْرِهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَحَدُهُمَا لِإِسْلَامِهِمْ فَتَسْقُطُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَشْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَجَمَ وَالرُّومَ يَسْتَوْلُونَ عَلَى الْبِلَادِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْنَعُونَ حُصُولَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا بَعْدَ هذا بورقات عن جابر قال يوشك أن لايجىء اليهم قفيز ولادرهم قُلْنَا مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ يَمْنَعُونَ ذَاكَ وَذَكَرَ فِي مَنْعِ الرُّومِ ذَلِكَ بِالشَّامِ مِثْلَهُ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي زَمَانِنَا فِي الْعِرَاقِ وَهُوَ الْآنَ مَوْجُودٌ وَقِيلَ لانهم يرتدون فى آخر الزمان فيمنعون مالزمهم مِنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ تَقْوَى
(18/20)

شَوْكَتُهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْتَنِعُونَ مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ فَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاتقوم السَّاعَةُ حَتَّى تَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ) الْأَعْمَاقُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَدَابِقُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ غَيْرَهُ وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ الْفَتْحَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ وَالصَّرْفُ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ اسْمُ نَهْرٍ قَالَ وقد يؤنث ولا يصرف والاعماق وَدَابِقُ مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ بِقُرْبِ حَلَبَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَتِ الرُّومُ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سُبُوا مِنَّا) رُوِيَ سُبُوا عَلَى وَجْهَيْنِ فَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ وَضَمِّهِمَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ الضَّمُّ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ قَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ قُلْتُ كِلَاهُمَا صَوَابٌ لِأَنَّهُمْ سُبُوا أَوَّلًا ثم سبوا الكفار وهذاموجود فِي زَمَانِنَا بَلْ مُعْظَمُ عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ فِي بِلَادِ الشَّامِ وَمِصْرَ سُبُوا ثُمَّ هُمُ الْيَوْمَ بحمدالله يَسْبُونَ الْكُفَّارَ وَقَدْ سَبَوْهُمْ فِي زَمَانِنَا مِرَارًا كَثِيرَةً يَسْبُونَ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْكُفَّارِ أُلُوفًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَإِعْزَازِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لايتوب الله عليهم) أى لايلهمهم التَّوْبَةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ) هِيَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَضَمِّ الطَّاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ نُونٌ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَنَقَلَهُ القاضي فى المشارق عن المتقين والأكثرين وعن
(18/21)

بَعْضِهِمْ زِيَادَةُ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ النُّونِ وَهِيَ مدينة مشهورة من أعظم مدائن الروم

[2897] قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَقِيلَ بِالْفَتْحِ اسْمٌ لَهُ وَبِالضَّمِّ لَقَبٌ وَكَانَ يَكْرَهُ الضَّمَّ قَوْلُهُ حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ
(18/22)

بْنَ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ لَمْ يُدْرِكِ المستورد فالحديث مرسل قلت لااستدراك عَلَى مُسْلِمٍ فِي هَذَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مَحْذُوفَهُ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ مُتَّصِلًا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الثَّانِي مُتَابَعَةً وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الْمُتَابَعَةِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْأُصُولِ وَسَبَقَ أَيْضًا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ إِذَا رُوِيَ مِنْ جِهَةٍ أخرى متصلااحتج بِهِ وَكَانَ صَحِيحًا وَتَبَيَّنَّا بِرِوَايَةِ الِاتِّصَالِ صِحَّةَ رِوَايَةِ الْإِرْسَالِ وَيَكُونَانِ صَحِيحَيْنِ بِحَيْثُ لَوْ عَارَضَهُمَا صَحِيحٌ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ قدمنا هما عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ) هَكَذَا فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَأَجْبَرُ بِالْجِيمِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ وَفِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ وَأَصْبَرُ بِالصَّادِ قَالَ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمُطَابَقَةِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ وَهَذَا بِمَعْنَى أَجْبَرَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَخْبَرُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ
(18/23)

ولعل معناه أخبرهم بعلاجها والخروج منها

[2899] قَوْلُهُ (عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ عَنْ أُسَيْرِ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَهُمَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي اسْمِهِ

[2899] قَوْلُهُ (فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ مَقْصُورُ الْأَلِفِ أَيْ شَأْنُهُ وَدَأْبُهُ ذَلِكَ وَالْهِجِّيرَى بِمَعْنَى الْهَجِيرِ قَوْلُهُ (فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ) الشُّرْطَةُ بِضَمِّ الشِّينِ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تُقَدَّمُ لِلْقِتَالِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيَشْتَرِطُ فَضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فَيَشْتَرِطُ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ شِينٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ وَالثَّانِي فَيَشْتَرَّطُ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ ثُمَّ شِينٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ قَوْلُهُ (فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ) أَيْ يَرْجِعُ قَوْلُهُ (نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَاءِ أَيْ نَهَضَ وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ (فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّيْرَةَ عَلَيْهِمْ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْيَاءِ
(18/24)

أَيِ الْهَزِيمَةَ وَرَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ الدَّائِرَةَ بِالْأَلِفِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الدَّيْرَةِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الدَّائِرَةُ هُمُ الدَّوْلَةُ تَدُورُ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَقِيلَ هِيَ الْحَادِثَةُ قَوْلُهُ (حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخرميتا) جَنَبَاتِهِمْ بِجِيمٍ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ أَيْ نَوَاحِيهِمْ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِمْ بِجُثْمَانِهِمْ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ شُخُوصِهِمْ وَقَوْلُهُ فَمَا يَخَلِّفُهُمْ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُجَاوِزُهُمْ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِمْ فَمَا يَلْحَقُهُمْ أَيْ يلحق
(18/25)

آخِرَهُمْ وَقَوْلُهُ (إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ فِي بَأْسِ وَفِي أَكْبَرِ وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ مُحَقِّقِي رُوَاتِهِمْ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِنَاسٍ بِالنُّونِ أَكْثَرُ بِالْمُثَلَّثَةِ قَالُوا وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ سمعوا بأمر أكبر من ذلك

[2900] قَوْلُهُ لَا يَغْتَالُونَهُ أَيْ يَقْتُلُونَهُ غِيلَةً وَهِيَ الْقَتْلُ فِي غَفْلَةٍ وَخَفَاءٍ وَخَدِيعَةٍ قَوْلُهُ (لَعَلَّهُ نُجِّيَ مَعَهُمْ) أَيْ يُنَاجِيهِمْ وَمَعْنَاهُ يُحَدِّثُهُمْ قَوْلُهُ (فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ معجزات لرسول
(18/26)

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبَقَ بَيَانُ جزيرة العرب قَوْلُهُ (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ هُوَ بِفَتْحِ الهمزة وكسر السين

[2901] قوله (عن بن عُيَيْنَةَ عَنْ فُرَاتٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ) هَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ فُرَاتٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ قَالَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ مَوْقُوفًا هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ مسلم رواية بن رفيع موقوفة كما قال ولايقدح هَذَا فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ رُفَيْعٍ ثِقَةٌ حَافِظٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ فَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ) هَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الدُّخَانَ دُخَانٌ يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ وَإِنَّمَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هَذَا وانكار بن مَسْعُودٍ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا نَالَ قُرَيْشًا مِنَ الْقَحْطِ حَتَّى كَانُوا يَرَوْنَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ وَقَدْ وافق بن مسعود جماعة وقال بالقول الآخر حذيفة وبن عُمَرَ وَالْحَسَنُ وَرَوَاهُ حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا دُخَانَانِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ وَأَمَّا الدَّابَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هِيَ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ صدع فى الصفا وعن
(18/27)

بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا الْجَسَّاسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمِ) وَفِي رِوَايَةٍ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ قُعْرَةِ بِالْهَاءِ وَالْقَافُ مَضْمُومَةٌ وَمَعْنَاهُ مِنْ أَقْصَى قَعْرِ أَرْضِ عَدَنٍ وَعَدَنُ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ بِالْيَمَنِ قَالَ الّمَاوَرْدِيُّ سُمِّيَتْ عَدَنًا مِنَ الْعُدُونِ وَهِيَ الْإِقَامَةُ لِأَنَّ تُبَّعًا كَانَ يَحْبِسُ فِيهَا أَصْحَابَ الْجَرَائِمَ وَهَذِهِ النَّارُ الْخَارِجَةُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ وَالْيَمَنِ هِيَ الْحَاشِرَةُ لِلنَّاسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الذى بعده لاتقوم السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى فَقَدْ جَعَلَهَا الْقَاضِي عياض حاشرة قال ولعلهما نَارَانِ يَجْتَمِعَانِ لِحَشْرِ النَّاسِ قَالَ أَوْ يَكُونُ أبتداءخروجها مِنَ الْيَمَنِ وَيَكُونُ ظُهُورُهَا وَكَثْرَةُ قُوَّتِهَا بِالْحِجَازِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ نَارَ الْحِجَازِ مُتَعَلِقَةٌ بِالْحَشْرِ بَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ أَشْرِاطِ السَّاعَةِ مُسْتَقِلَّةٌ وَقَدْ خَرَجَتْ فِي زَمَانِنَا نَارٌ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَكَانَتْ نَارًا عَظِيمَةً جِدًّا مِنْ جَنْبِ الْمَدِينَةِ الشَّرْقِيِّ وَرَاءَ الْحَرَّةِ تَوَاتَرَ الْعِلْمُ بِهَا عِنْدَ جَمِيعِ الشَّامِ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ وَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ المهملة قوله
(18/28)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَرْحَلُ النَّاسَ) هُوَ بفتح التاء واسكان الراء وفتح الحاء المهملةالمخففة هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ وَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَتِهِمْ وَمَعْنَاهُ تَأْخُذُهُمْ بِالرَّحِيلِ وَتُزْعِجُهُمْ
(18/29)

وَيَجْعَلُونَ يَرْحَلُونَ قُدَّامَهَا وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ رَحْلِهَا الناس وحشرهم إياهم

[2902] قوله صلى الله عليه وسلم (لاتقوم السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى) هَكَذَا الرِّوَايَةُ تُضِيءُ أَعْنَاقَ وَهُوَ مَفْعُولُ تُضِيءُ يُقَالُ أَضَاءَتِ النَّارُ وَأَضَاءَتْ غَيْرُهَا وَبُصْرَى بِضَمِّ الْبَاءِ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالشَّامِ وَهِيَ مَدِينَةُ حُورَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ نَحْوُ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ

[2903] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (تبلغ المساكن اهاب أويهاب) أَمَّا إِهَابُ فَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَأَمَّا يَهَابُ فَبِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتٌ مَفْتُوحَةٌ وَمَكْسُورَةٌ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فى الشرح والمشارق
(18/30)

الاالكسر وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ نَهَابَ بِالنُّونِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا

[2905] قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم (الاان الفتنة ها هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ

[2904] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَيْسَتِ السَّنَةُ أَنْ لاتمطروا) وَالْمُرَادُ بِالسَّنَةِ هُنَا الْقَحْطُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين
(18/31)

[2906] قوله صلى الله عليه وسلم (لاتقوم السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذى الخلصة
(18/32)

وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ) أَمَّا قَوْلُهُ أَلَيَاتُ فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَمَعْنَاهُ أعجازهن جمع ألية كجفنة وجفنات والمراد يضطر بن مِنَ الطَّوَافِ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ أَيْ يَكْفُرُونَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَتَعْظِيمِهَا وَأَمَّا تَبَالَةُ فَبِمُثَنَّاةٍ فَوْقُ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَهِيَ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ وَلَيْسَتْ تَبَالَةُ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ وَيُقَالُ أَهْوَنُ عَلَى الْحُجَّاجِ مِنْ تَبَالَةَ لِأَنَّ تِلْكَ بِالطَّائِفِ وَأَمَّا ذُو الْخَلَصَةِ فَبِفَتْحِ الْخَاءِ وَاللَّامِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ حَكَى الْقَاضِي فِيهِ فِي الشَّرْحِ وَالْمَشَارِقِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا هَذَا وَالثَّانِي بِضَمِّ الْخَاءِ وَالثَّالِثُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ قَالُوا وَهُوَ بَيْتُ صَنَمٍ بِبِلَادِ دَوْسٍ

[2907] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَى آخِرِهِ) هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قوله
(18/33)

[2908] (حدثنا مروان عن يزيد وهو بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حديث لايدرى الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ) وَفِي الرِّوَايَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبَانَ قَالَ هُوَ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَذْكُرِ الْأَسْلَمِيَّ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَيَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ هُوَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ومراده وفى رواية بن أَبَانَ قَالَ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ هُوَ يَزِيدُ بن كَيْسَانَ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يُوهِمُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ كَيْسَانَ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ هُوَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ يَعْنِي أَبَا إِسْمَاعِيلَ وَهَذَا يُوَضِّحُ التَّأْوِيلَ الذى ذكرناه وقد أوضحه الْأَئِمَّةُ بِدَلَائِلِهِ كَمَا ذَكَرْتُهُ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ اعْلَمْ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ كَيْسَانَ
(18/34)

يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيلَ وَأَنَّ بَشِيرَ بْنَ سُلَيْمَانَ يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيلَ الْأَسْلَمِيَّ وَكِلَاهُمَا يَرْوِي عَنْ أَبِي حَازِمٍ فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي أَحَادِيثَ عَنْهُ منها هذا الحديث رواه مسلم أولاعن يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ رِوَايَةِ أبى إسماعيل الأسلمى الافى رواية بن أَبَانَ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي إِسْمَاعِيلَ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرِ الْأَسْلَمِيَّ فِي نَسَبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2909] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ) هُمَا تَصْغِيرُ سَاقَيِ الْإِنْسَانِ لِرِقَّتِهِمَا وَهِيَ صِفَةُ سوق السودان غالبا ولايعارض هذا قوله تعالى حرما آمنا لِأَنَّ مَعْنَاهُ آمِنًا إِلَى قُرْبِ الْقِيَامَةِ وَخَرَابِ الدُّنْيَا وَقِيلَ يُخَصُّ مِنْهُ قِصَّةُ ذِي
(18/35)

السُّوَيْقَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ

[2911] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَمْلِكُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْجَهْجَاهُ) بِهَاءَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا الْجَهْجَا بِحَذْفِ الْهَاءِ الَّتِي بَعْدَ الْأَلِفِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ

[2912] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ) أَمَّا الْمَجَانُّ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ مِجَنٍّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ التُّرْسُ وَأَمَّا الْمُطْرَقَةُ فَبِإِسْكَانِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ هَذَا هُوَ الْفَصِيحُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَفِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَحُكِي فَتْحُ الطَّاءِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ قَالَ الْعُلَمَاءُ هِيَ الَّتِي أُلْبِسَتِ الْعَقِبُ وَأَطْرَقَتْ بِهِ طَاقَةً فَوْقَ طَاقَةٍ قَالُوا وَمَعْنَاهُ تَشْبِيهُ وُجُوهِ التُّرْكِ فِي عَرْضِهَا وَتَنَوُّرِ وجناتها
(18/36)

بِالتِّرْسَةِ الْمُطْرَقَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ذُلْفَ الْآنُفِ) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ لُغَتَانِ الْمَشْهُورُ الْمُعْجَمَةُ وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ صَاحِبَا المشارق والمطالع قالارواية الجمهور بالمعجمة وبعضهم بالمهملة والصواب الْمُعْجَمَةُ وَهُوَ بِضَمِّ الذَّالِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ جَمْعُ أَذْلَفَ كَأَحْمَرَ وَحُمْرٍ وَمَعْنَاهُ فُطْسُ الْأُنُوفِ قِصَارُهَا مَعَ انْبِطَاحٍ وَقِيلَ هُوَ غِلَظٌ فِي أَرْنَبَةِ الْأَنْفِ وَقِيلَ تَطَامُنٌ فِيهَا وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْرِ) مَعْنَاهُ يَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى نِعَالُهُمِ الشَّعْرُ وَقَدْ وُجِدُوا فِي زَمَانِنَا هَكَذَا وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى حُمْرُ الْوُجُوهِ أَيْ بِيضُ الْوُجُوهِ مَشُوبَةٌ بِحُمْرَةٍ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ صِغَارُ الْأَعْيُنِ وَهَذِهِ كُلُّهَا مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ وُجِدَ قِتَالُ هَؤُلَاءِ التُّرْكِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِمُ الَّتِي ذَكَرَهَا صَلَّى
(18/37)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِغَارُ الْأَعْيُنِ حُمْرُ الْوُجُوهِ ذُلْفُ الْآنُفِ عِرَاضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ يَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ فَوُجِدُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا فِي زَمَانِنَا وَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَرَّاتٍ وَقِتَالُهُمُ الْآنَ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ إِحْسَانَ الْعَاقِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ غَيْرِهِمْ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ وَإِدَامَةِ اللُّطْفِ بِهِمْ وَالْحِمَايَةِ وَصَلَّى الله على رسوله الذى لاينطق عن الهوى ان هو الاوحى يُوحَى

[2913] قَوْلُهُ (يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يَجِيءَ إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ إِلَى آخِرِهِ) قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ قَبْلَ هَذَا بِأَوْرَاقٍ وَيُوشِكُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَمَعْنَاهُ يُسْرِعُ قَوْلُهُ (ثُمَّ أَسْكَتَ هُنَيَّةً) أَمَّا أَسْكَتَ فَهُوَ بِالْأَلِفِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُمْ رَوَوْهُ بِحَذْفِهَا وَإِثْبَاتِهَا وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَكْثَرِينَ حَذَفُوهَا وَسَكَتَ وَأَسْكَتَ لُغَتَانِ بِمَعْنَى صَمَتَ وَقِيلَ أَسْكَتَ بِمَعْنَى أَطْرَقَ وَقِيلَ بِمَعْنَى أَعْرَضَ وَقَوْلُهُ هُنَيَّةً بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِلَا هَمْزٍ قَالَ الْقَاضِي رَوَاهُ لَنَا الصَّدَفِيُّ بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ غَلَطٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي المال حثيا ولايعده عددا
(18/38)

وَفِي رِوَايَةٍ يَحْثُو الْمَالَ حَثْيًا قَالَ أَهْلُ اللغة يقال حثيت أحثى حثيا وحثوث أحثوا حَثْوًا لُغَتَانِ وَقَدْ جَاءَتِ اللُّغَتَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجَاءَ مَصْدَرُ الثَّانِيَةِ عَلَى فِعْلِ الْأُولَى وَهُوَ جَائِزٌ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ أنبتكم من الأرض نباتا وانبت هُوَ الْحَفْنُ بِالْيَدَيْنِ وَهَذَا الْحَثْوُ الَّذِي يَفْعَلُهُ هَذَا الْخَلِيفَةُ يَكُونُ
(18/39)

لِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ وَالْفُتُوحَاتِ مَعَ سَخَاءِ نَفْسِهِ

[2915] قوله صلى الله عليه وسلم (بؤس بن سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ) وَفِي رِوَايَةٍ وَيْسَ أو ياويس وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لِعَمَّارٍ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ أَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى فَهُوَ بُؤْسَ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَالْبُؤْسُ وَالْبَأْسَاءُ الْمَكْرُوهُ وَالشِّدَّةُ والمعنى يابؤس بن سمية ماأشده وَأَعْظَمَهُ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ وَيْسَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ويح كلمة ترحم وويس تَصْغِيرُهَا أَيْ أَقَلُّ مِنْهَا فِي ذَلِكَ قَالَ الْهَرَوِيُّ وَيْحُ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لايستحقها فيترحم بها عليه ويرثى له وويل لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَيْحُ وَوَيْسُ بِمَعْنَى وَيْلُ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيْحُ بَابُ رَحْمَةٍ وَوَيْلُ بَابُ عَذَابٍ وَقَالَ وَيْحُ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِمَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَكَةِ وَوَيْلُ لِمَنْ وَقَعَ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْفِئَةُ الطَّائِفَةُ وَالْفِرْقَةُ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُحِقًّا مُصِيبًا وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى بُغَاةٌ لَكِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ لِذَلِكِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا هَذَا الْبَابُ وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ عَمَّارًا يَمُوتُ قَتِيلًا وَأَنَّهُ يَقْتُلُهُ مُسْلِمُونَ وَأَنَّهُمْ بُغَاةٌ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ يُقَاتِلُونَ وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِرْقَتَيْنِ بَاغِيَةٍ وَغَيْرِهَا وَكُلُّ هَذَا قَدْ وَقَعَ مِثْلُ فَلَقِ الصُّبْحِ صَلَّى اللَّهُ وسلم على رسوله الذى
(18/40)

لاينطق عن الهوى إن هو إلاوحى يُوحَى

[2917] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدِ أُغَيْلِمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ هَذِهِ الرِّوَايَةِ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِرِوَايَةِ مُسْلِمِ طَائِفَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(18/41)

[2918] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَدْ مَاتَ كسرى فلاكسرى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ الله) قال الشافعى وسائر العلماء معناه لايكون كسرى بالعراق ولاقيصر بِالشَّامِ كَمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِانْقِطَاعِ مُلْكِهِمَا فِي هَذَيْنِ الْإِقْلِيمَيْنِ فَكَانَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا كِسْرَى فَانْقَطَعَ مُلْكُهُ وَزَالَ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَتَمَزَّقَ مُلْكُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ وَاضْمَحَلَّ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا قَيْصَرُ فَانْهَزَمَ مِنَ الشَّامِ وَدَخَلَ أَقَاصِي بِلَادِهِ فَافْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمَا وَاسْتَقَرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَأَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ
(18/42)

مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ وَكِسْرَى بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَفِي رِوَايَةٍ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَتُقَسِّمُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ كَنْزًا لِكِسْرَى الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ أَيِ الَّذِي فِي قَصْرِهِ الْأَبْيَضِ أَوْ قُصُورِهِ وَدُورِهِ الْبِيضِ

[2920] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي بَعْضُهَا فِي الْبَرِّ وَبَعْضُهَا فِي الْبَحْرِ (يَغْزُوهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ) قَالَ الْقَاضِي كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ أُصُولِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ قَالَ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمَعْرُوفُ الْمَحْفُوظُ
(18/43)

مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَسِيَاقُهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْعَرَبَ وَهَذِهِ
(18/44)

الْمَدِينَةُ هِيَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ

[2922] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (الاالغرقد فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) وَالْغَرْقَدُ نَوْعٌ مِنْ شَجَرِ الشَّوْكِ مَعْرُوفٌ بِبِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُنَاكَ يَكُونُ قَتْلُ الدَّجَّالِ وَالْيَهُودِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ إِذَا عَظُمَتِ الْعَوْسَجَةُ صَارَتْ غَرْقَدَةً

[157] قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (لاتقوم السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ) مَعْنَى يُبْعَثُ يَخْرُجُ وَيَظْهَرُ وَسَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ تَفْسِيرَ الدَّجَّالِ وَأَنَّهُ مِنَ الدَّجْلِ وَهُوَ التَّمْوِيهُ وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ وُجِدَ مِنْ
(18/45)

هؤلاءخلق كَثِيرُونَ فِي الْأَعْصَارِ وَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَلَعَ آثَارَهُمْ وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ

(بَاب ذكر بن صياد

[2924] يقال له بن صياد وبن صَائِدٍ وَسُمِّيَ بِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاسْمُهُ صَافٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَقِصَّتُهُ مُشْكِلَةٌ وَأَمْرُهُ مُشْتَبَهٌ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ الْمَشْهُورُ أم غيره ولاشك فِي أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ولاغيره وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ وَكَانَ فِي بن صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمِلَةٌ فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم لايقطع بأنه الدجال ولاغيره وَلِهَذَا قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ هو بأنه مسلم والدجال كافر وبأنه لايولد للدجال وقد ولدله هو وأن لايدخل مكة والمدينة وان بن صَيَّادٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكَّةَ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ فِتْنَتِهِ وَخُرُوجِهِ فِي الْأَرْضِ وَمِنَ اشْتِبَاهِ قِصَّتِهِ وَكَوْنِهِ أَحَدَ)
(18/46)

الدَّجَاجِلَةِ الْكَذَّابِينَ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ وَأَنَّهُ يَرَى عَرْشًا فَوْقَ الماء وأنه لايكره أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّجَّالُ وَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ وَقَوْلُهُ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ وَانْتِفَاخُهُ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ وَأَمَّا إِظْهَارُهُ الْإِسْلَامَ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ وَإِقْلَاعُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّهُ غَيْرَ الدَّجَّالِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَمْرِهِ بَعْدَ كِبَرِهِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ وَقِيلَ لهم اشهدوا قال وكان بن عُمَرَ وَجَابِرٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمَا يَحْلِفَانِ أَنَّ بن صياد هو الدجال لايشكان فِيهِ فَقِيلَ لِجَابِرٍ إِنَّهُ أَسْلَمَ فَقَالَ وَإِنْ أَسْلَمَ فَقِيلَ إِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ وَإِنْ دَخَلَ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ فقدنا بن صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ وَهَذَا يُعَطِّلُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ بن صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ وَأَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ باسناد صحيح عن بن عمر أنه كان يقول والله ماأشك أن بن صَيَّادٍ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَمْرِ بن صياد اختلافا كثيرا هل هو الدجال قال وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرَهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ
(18/47)

مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ تُوَافِقَ صفة بن صَيَّادٍ صِفَةَ الدَّجَّالِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِالدَّجَّالِ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ قطن وليس كما قال وكان أمر بن صَيَّادٍ فِتْنَةً ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِبَادَهُ فَعَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَقَاهُمْ شَرَّهَا قَالَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ عُمَرَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَالْمُتَوَقِّفِ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ جَاءَهُ الْبَيَانُ أَنَّهُ غَيْرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ وَقَدْ اخْتَارَ أَنَّهُ غَيْرَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وعن بن عُمَرَ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ الدَّجَّالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ لَمْ يَقْتُلْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ ادَّعَى بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّةَ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْجَوَابَ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ مُهَادَنَةِ الْيَهُودِ وَحُلَفَائِهِمْ وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ بِهَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي قَالَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ كَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ كتاب صلح على أن لايهاجوا ويتركوا على أمرهم وكان بن صياد منهم أودخيلا فِيهِمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَمَّا امْتِحَانُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا خَبَّأَهُ لَهُ مِنْ آيَةِ الدُّخَانِ فَلِأَنَّهُ كَانَ يَبْلُغُهُ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْكِهَانَةِ وَيَتَعَاطَاهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْغَيْبِ فَامْتَحَنَهُ لِيَعْلَمَ حَقِيقَةَ حَالِهِ وَيُظْهِرُ إِبْطَالَ حَالِهِ لِلصَّحَابَةِ وَأَنَّهُ كَاهِنٌ سَاحِرٌ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيُلْقِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يُلْقِيهِ الشَّيَاطِينُ إِلَى الْكَهَنَةِ فَامْتَحَنَهُ بِإِضْمَارِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَارْتَقِبْ يَوْمَ تأتى السماء بدخان مبين وَقَالَ خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا فَقَالَ هُوَ الدُّخُّ أَيِ الدُّخَانُ وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك أى لاتجاوز قَدْرَكَ وَقَدْرَ أَمْثَالِكَ مِنَ الْكُهَّانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ جُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ يُوحِي اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ مَا يُوحِي فَيَكُونُ وَاضِحًا كَامِلًا وَبِخِلَافِ مَا يُلْهِمُهُ اللَّهُ الْأَوْلِيَاءَ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ خَبِيئًا بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خَبَّأَ بِمُوَحَّدَةٍ فَقَطْ سَاكِنَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَوْلُهُ (هُوَ الدُّخُّ) هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ
(18/48)

وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ فِي الدُّخَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَحَكَى صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ فِيهِ فَتْحَ الدَّالِ وَضَمَّهَا وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ ضَمُّهَا فَقَطْ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخِّ هُنَا الدُّخَانُ وَأَنَّهَا لُغَةٌ فِيهِ وَخَالَفَهُمُ الْخَطَّابِيُّ فقال لامعنى لِلدُّخَانِ هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَا يُخَبَّأُ فِي كف أوكم كَمَا قَالَ بَلِ الدُّخُّ بَيْتٌ مَوْجُودٌ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْبَسَاتِينِ قَالَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَبَّأْتُ أَضْمَرْتُ لَكَ اسْمَ الدُّخَانِ فَيَجُوزُ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخَانِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَارْتَقِبْ يوم تأتى السماء بدخان مبين قَالَ الْقَاضِي قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَقِيلَ كَانَتْ سُورَةُ الدُّخَانِ مَكْتُوبَةً فِي يَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ كَتَبَ الْآيَةَ فِي يَدِهِ قَالَ الْقَاضِي وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي أَضْمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لِهَذَا اللَّفْظِ النَّاقِصِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطَفُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ أَيِ الْقَدْرَ الَّذِي يُدْرِكُ الْكُهَّانُ من الاهتداء إلى بعض الشيء وما لايبين مِنْ تَحْقِيقِهِ وَلَا يَصِلُ بِهِ إِلَى بَيَانِ وَتَحْقِيقِ أُمُورِ الْغَيْبِ وَمَعْنَى اخْسَأْ اقْعُدْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ
(18/49)

[2925] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لُبِسَ عَلَيْهِ) هُوَ بِضَمِّ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ أَيْ خُلِطَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى خُلِطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ أَيْ يَأْتِيهِ بِهِ شَيْطَانٌ فَخُلِطَ

[2927] قَوْلُهُ (فَلَبَسَنِي) بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا أَيْ جَعَلَنِي أَلْتَبِسُ فِي أَمْرِهِ وَأَشُكُّ فِيهِ قَوْلُهُ (فَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ) هُوَ
(18/50)

ذَمَامَةٌ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ مُخَفَّفَةٍ أَيْ حَيَاءٌ وَإِشْفَاقٌ مِنَ الذَّمِّ وَاللَّوْمِ قَوْلُهُ (حتى كاد أن يأخذ فى قوله) هوبتشديد فِيَّ وَقَوْلُهُ مَرْفُوعٌ وَهُوَ فَاعِلُ يَأْخُذَ أَيْ يُؤَثِّرَ فِيَّ وَأُصَدِّقُهُ فِي دَعْوَاهُ قَوْلُهُ (فَجَاءَ بِعُسٍّ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ الْقَدَحُ الْكَبِيرُ وجمعه عساس بكسر العين وأعساس قوله
(18/51)

(تبالك سَائِرَ الْيَوْمِ) أَيْ خُسْرَانًا وَهَلَاكًا لَكَ فِي بَاقِي الْيَوْمِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَتْرُوكِ الْإِظْهَارِ

[2928] قَوْلُهُ (فِي تُرْبَةِ الْجَنَّةِ) هِيَ دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّهَا فِي الْبَيَاضِ دَرْمَكَةٌ وَفِي الطِّيبِ مِسْكٌ وَالدَّرْمَكُ هُوَ الدَّقِيقُ الْحَوَارِيُّ الْخَالِصُ الْبَيَاضُ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل بن صياد عن تربة الجنة أو بن صَيَّادِ سَأَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَظْهَرُ

[2929] قَوْلُهُ (إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه حلف
(18/52)

بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بن صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ) اسْتَدَلَّ بِهِ جَمَاعَةٌ عَلَى جواز اليمين بالظن وأنه لايشترط فِيهَا الْيَقِينُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا حَتَّى لَوْ رَأَى بِخَطِّ أَبِيهِ الْمَيِّتِ أَنَّ لَهُ عِنْدَ زَيْدٍ كَذَا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ خَطُّهُ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ جَازَ الْحَلِفُ عَلَى استحقاقه

[2930] قوله فى رواية حرملة (عن بن وهب عن يونس عن بن شهاب عن سالم عن بن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ سَقَطَ فِي نسخة بن ماهان ذكر بن عمر وصار عنده منقطعا قال هو غيره والصواب رواية الجمهور متصلا بذكر بن عُمَرَ قَوْلُهُ (عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَنِي مَغَالَةَ وَفِي بعضها بن مَغَالَةَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَغَالَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْحَلْوَانِيِّ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ أَنَّهُ أُطُمُ بَنِي مُعَاوِيَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ الْقَاضِي وَبَنُو مَغَالَةَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِكِ إِذَا وَقَفْتَ آخِرَ الْبَلَاطِ مُسْتَقْبِلٌ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأُطُمُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ هُوَ الْحِصْنُ جَمْعُهُ آطَامٌ قَوْلُهُ (فَرَفَضَهُ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا فَرَفَضَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَقَالَ
(18/53)

الْقَاضِي رِوَايَتُنَا فِيهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ الرُّفَصُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ مِثْلُ الرَّفْسِ بِالسِّينِ قَالَ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهُوَ مَعْنَاهُ قَالَ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي أُصُولِ اللُّغَةِ قَالَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاضِي التَّمِيمِيِّ فَرَفَضَهُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَهُوَ وَهَمٌ قَالَ وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ فرقصه بالقاف والصاد المهملة ولاوجه لَهُ وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فَرَفَضَهُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ قَالَ وَرَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبِهِ فَرَصَهُ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ ضَغَطَهُ حَتَّى ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بُنْيَانٌ مرصوص قُلْتُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى رَفَضَهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ تَرَكَ سُؤَالَهُ الْإِسْلَامَ لِيَأْسِهِ مِنْهُ حِينَئِذٍ ثُمَّ شَرَعَ فِي سُؤَالِهِ عَمَّا يَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[2931] قَوْلُهُ (وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ بن صَيَّادٍ شَيْئًا) هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ يَخْدَعُ بن صياد ويستغفله لِيَسْمَعَ شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِ
(18/54)

وَيَعْلَمَ هُوَ وَالصَّحَابَةُ حَالَهُ فِي أَنَّهُ كَاهِنٌ أَمْ سَاحِرٌ وَنَحْوُهُمَا وَفِيهِ كَشْفُ أَحْوَالِ مَنْ تُخَافُ مَفْسَدَتُهُ وَفِيهِ كَشْفُ الْإِمَامِ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ بِنَفْسِهِ قَوْلُهُ (إِنَّهُ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ) الْقَطِيفَةُ كِسَاءٌ مُخْمَلٌ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي مُعْظَمِ نُسَخِ مُسْلِمٍ زَمْزَمَةٌ بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا بِرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِالْوَجْهَيْنِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَأَنَّهُ فِي بَعْضِهَا رَمْزَةٌ بِرَاءٍ أَوَّلًا وَزَايٍ آخِرًا وحذف الميم الثانية وهو صوت خفى لايكاد يفهم أو لا يفهم قوله (فثار بن صَيَّادٍ) أَيْ نَهَضَ مِنْ مَضْجَعِهِ وَقَامَ

[169] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا مِنْ نَبِيٍّ الاوقد أنذره قومه لقد أنذره نُوحٌ قَوْمَهُ) هَذَا الْإِنْذَارُ لِعِظَمِ فِتْنَتِهِ وَشِدَّةِ أَمْرِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ) اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى ضَبْطِهِ تَعْلَّمُوا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَذَا
(18/55)

نَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ قَالُوا وَمَعْنَاهُ اعْلَمُوا وَتَحَقَّقُوا يُقَالُ تَعْلَّمْ بِفَتْحٍ مُشَدَّدٍ بِمَعْنَى اعْلَمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ) قَالَ الْمَازِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحِيلَةٌ كَمَا يَزْعُمُ الْمُعْتَزِلَةُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْمَوْتِ مَعْنًى وَالْأَحَادِيثُ بِمَعْنَى هَذَا كَثِيرَةٌ سَبَقَتْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ جُمْلَةٌ مِنْهَا مَعَ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَسَبَقَ هُنَاكَ تَقْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الْقَاضِي وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ فِي الدُّنْيَا بَلْ مُمْكِنَةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهَا وَمَنْ مَنَعَهُ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى لاتدركه الأبصار عَلَى مَذْهَبِ مَنْ تَأَوَّلَهُ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلِلسَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ثُمَّ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالنُّظَّارِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ أَكْثَرُ مَانِعِيهَا فِي الدُّنْيَا سَبَبُ الْمَنْعِ ضَعْفُ قُوَى الْآدَمِيِّ فِي الدُّنْيَا عَنِ احْتِمَالِهَا كَمَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[2930] قَوْلُهُ (نَاهَزَ الْحُلُمَ) أَيْ قارب
(18/56)

الْبُلُوغَ

[2932] قَوْلُهُ (فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ) السِّكَّةُ بِكَسْرِ السِّينِ الطَّرِيقُ وَجَمْعُهَا سِكَكٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَصْلُ السِّكَّةِ الطَّرِيقُ الْمُصْطَفَّةُ مِنَ النَّخْلِ قَالَ وَسُمِّيَتِ الْأَزِقَّةُ سِكَكًا لِاصْطِفَافِ الدُّورِ فِيهَا قَوْلُهُ (فَلَقِيتُهُ لُقْيَةً أُخْرَى) قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ رُوِّينَاهُ لُقْيَةً بِضَمِّ اللَّامِ قَالَ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ يَقُولُونَهُ بِفَتْحِهَا هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ وَالرِّوَايَةِ بِبِلَادِنَا الْفَتْحُ قَوْلُهُ (وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ أَيْ وَرِمَتْ ونتأت وذكر القاضي أنه روى على أوجه آخَرَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ
(18/57)

(باب ذكر الدجال قَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْكِتَابِ بَيَانُ اشْتِقَاقِهِ وَغَيْرِهِ وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بَيَانُ تَسْمِيَتِهِ الْمَسِيحَ وَاشْتِقَاقُهُ وَالْخِلَافُ فِي ضَبْطِهِ قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِي قِصَّةِ الدَّجَّالِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ فِي صِحَّةِ وُجُودِهِ وَأَنَّهُ شَخْصٌ بِعَيْنِهِ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَأَقْدَرَهُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ الَّذِي يَقْتُلُهُ وَمِنْ ظُهُورِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَالْخِصْبِ مَعَهُ وَجَنَّتِهِ وَنَارِهِ وَنَهَرَيْهِ وَاتِّبَاعِ كُنُوزِ الْأَرْضِ لَهُ وَأَمْرِهِ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ وَالْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ فَيَقَعُ كُلُّ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ ثُمَّ يُعْجِزُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذلك فلايقدر على قتل ذلك الرجل ولاغيره وَيُبْطِلُ أَمْرَهُ وَيَقْتُلُهُ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ وَأَبْطَلَ أَمْرَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَخِلَافًا لِلْبُخَارِيِّ الْمُعْتَزِلِيِّ وَمُوَافِقِيهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّهُ صَحِيحُ الْوُجُودِ وَلَكِنَّ الذى يدعى مخارف وخيالات لاحقائق لَهَا وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَوْثُقْ بِمُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ النبوة)
(18/58)

فَيَكُونَ مَا مَعَهُ كَالتَّصْدِيقِ لَهُ وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ وَهُوَ فِي نَفْسِ دَعْوَاهُ مُكَذِّبٌ لَهَا بِصُورَةِ حَالِهِ وَوُجُودِ دَلَائِلِ الْحُدُوثِ فِيهِ وَنَقْصِ صُورَتِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ إِزَالَةِ الْعَوَرِ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ وَعَنْ إِزَالَةِ الشَّاهِدِ بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوبِ بَيْنَ عينيه ولهذه الدلائل وغيرها لايغتر به الارعاع مِنَ النَّاسِ لِسَدِّ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ رَغْبَةً فِي سَدِّ الرَّمَقِ أَوْ تَقِيَّةً وَخَوْفًا مِنْ أَذَاهُ لِأَنَّ فِتْنَتَهُ عَظِيمَةٌ جِدًّا تَدْهَشُ الْعُقُولَ وَتُحَيِّرُ الألباب مع سرعة مروره فى الأمر فلايمكث بِحَيْثُ يَتَأَمَّلُ الضُّعَفَاءُ حَالَهُ وَدَلَائِلَ الْحُدُوثِ فِيهِ وَالنَّقْصِ فَيُصَدِّقُهُ مَنْ صَدَّقَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلِهَذَا حَذَّرَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مِنْ فِتْنَتِهِ وَنَبَّهُوا عَلَى نَقْصِهِ وَدَلَائِلِ إِبْطَالِهِ وَأَمَّا أَهْلُ التَّوْفِيقِ فَلَا يَغْتَرُّونَ بِهِ ولايخدعون لِمَا مَعَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمُكَذِّبَةِ لَهُ مَعَ مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِحَالَهِ وَلِهَذَا يَقُولُ لَهُ الَّذِي يَقْتُلُهُ ثُمَّ يحييه ما ازددت فيك الابصيرة هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ

[169] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتعالى ليس بأعور ألاوإن الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ) أَمَّا طَافِئَةُ
(18/59)

فَرُوِيَتْ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَالْمَهْمُوزَةُ هِيَ الَّتِي ذَهَبَ نُورُهَا وَغَيْرُ الْمَهْمُوزَةِ الَّتِي نَتَأَتْ وَطَفَتْ مُرْتَفِعَةٌ وَفِيهَا ضَوْءٌ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ وَبَيَانُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى وَفِي رِوَايَةٍ الْيُسْرَى وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْعَوَرُ فِي اللُّغَةِ الْعَيْبُ وَعَيْنَاهُ مَعِيبَتَانِ عَوَرًا وأن احداهما طافئة بالهمز لاضوء فِيهَا وَالْأُخْرَى طَافِيَةٌ بِلَا هَمْزَةٍ ظَاهِرَةٍ نَاتِئَةٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَالدَّجَّالُ أَعْوَرُ فَبَيَانٌ لعلامة بينة تدل على كذب الدجال دلائل قَطْعِيَّةً بَدِيهِيَّةً يُدْرِكُهَا كُلُّ أَحَدٍ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى كَوْنِهِ جِسْمًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدلائل القطعية لكون بعض العوام لايهتدى إِلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2933] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ثُمَّ تَهَجَّاهَا فَقَالَ كَ فَ رَ يَقْرَأُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ) وَفِي رِوَايَةٍ يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرُ كَاتِبٍ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّهَا كِتَابَةٌ حَقِيقَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ آيَةً وَعَلَامَةً مِنْ جُمْلَةِ الْعَلَامَاتِ الْقَاطِعَةِ بِكُفْرِهِ وَكَذِبِهِ وَإِبْطَالِهِ وَيُظْهِرُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ مُسْلِمٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ وَيُخْفِيهَا عَمَّنْ أَرَادَ شقاوته وفتنتة ولاامتناع فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ خِلَافًا
(18/60)

منهم من قال هي كتابة حقيقة كَمَا ذَكَرْنَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مَجَازٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى سِمَاتِ الْحُدُوثِ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ يقرأه كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ

[2934] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَجَنَّتُهُ نَارٌ وَنَارُهُ جَنَّةٌ) وَفِي رِوَايَةٍ نَهْرَانِ وَفِي رِوَايَةٍ مَاءٌ وَنَارٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ فِتْنَتِهِ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ ثُمَّ يَفْضَحُهُ وَيُظْهِرُ لِلنَّاسِ عَجْزَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِمَّا أَدْرَكْنَ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَدْرَكْنَ وَفِي بَعْضِهَا أَدْرَكَهُ وَهَذَا الثَّانِي ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَغَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ العربية لأن هذه النون لاتدخل عَلَى الْفِعْلِ قَالَ الْقَاضِي وَلَعَلَّهُ يُدْرِكْنَ يَعْنِي فعبره بَعْضُ الرُّوَاةِ وَقَوْلُهُ يَرَاهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَمْسُوحُ الْعَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ) هِيَ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَهِيَ جِلْدَةٌ تُغْشِي الْبَصَرَ وَقَالَ
(18/61)

الْأَصْمَعِيُّ لَحْمَةٌ تَنْبُتُ عِنْدَ الْمَآقِي

[2937] قَوْلُهُ (سَمِعَ النواس بن سمعان) بفتح السين وكسرها قَوْلُهُ (ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ فِيهِمَا وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ خَفَّضَ بِمَعْنَى حَقَّرَ وَقَوْلُهُ رَفَّعَ أَيْ عَظَّمَهُ وَفَخَّمَهُ فَمِنْ تَحْقِيرِهِ وَهُوَ أَنَّهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَوَرُهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لايقدر عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ إِلَّا ذَلِكَ الرَّجُلُ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْهُ وَأَنَّهُ يَضْمَحِلُّ أَمْرُهُ وَيُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ وَمِنْ تَفْخِيمِهِ وَتَعْظِيمِ فِتْنَتِهِ وَالْمِحْنَةِ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَأَنَّهُ ما من نبى الاوقد أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ خَفَّضَ مِنْ صَوْتِهِ فِي حَالِ الْكَثْرَةِ فِيمَا تَكَلَّمَ فِيهِ فَخَفَّضَ بَعْدَ طُولِ الْكَلَامِ وَالتَّعَبِ لِيَسْتَرِيحَ ثُمَّ رَفَعَ لِيَبْلُغَ صَوْتُهُ كُلَّ أَحَدٍ قَوْلُهُ
(18/63)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا أَخْوَفُنِي بِنُونٍ بَعْدَ الْفَاءِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِحَذْفِ النُّونِ وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْكَلَامِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ فَأَمَّا لَفْظُهُ لِكَوْنِهِ تَضَمَّنَ مَا لَا يُعْتَادُ مِنْ إِضَافَةِ أَخْوَفِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ مَقْرُونَةٌ بِنُونِ الْوِقَايَةِ وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ الْأَصْلُ إِثْبَاتَهَا وَلَكِنَّهُ أَصْلٌ مَتْرُوكٌ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي قَلِيلٍ مِنْ كَلَامِهِمْ وَأَنْشَدَ فِيهِ أَبْيَاتًا مِنْهَا مَا أَنْشَدَهُ الْفَرَّاءُ ... فَمَا أَدْرِي فَظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ... أَمُسْلِمَتِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي ...

(يَعْنِي شَرَاحِيلَ فَرَخَّمَهُ فِي غَيْرِ النِّدَا لِلضَّرُورَةِ وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ ... وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي لِيَرْفِدَ خَائِبًا ... فَإِنَّ لَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلَا)
وَلِأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ أَيْضًا شَبَهٌ بِالْفِعْلِ وَخُصُوصًا بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ فَجَازَ أَنْ تَلْحَقُهُ النُّونُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ كَمَا لَحِقَتْ فِي الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ النُّونِ هُنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَخْوَفُ لِي فَأُبْدِلَتِ النُّونُ مِنَ اللَّامِ كَمَا أُبْدِلَتْ فِي لِعَنْ وَعَنْ بِمَعْنَى لَعَلَّ وَعَلَّ وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ مِنْ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ وَتَقْدِيرُهُ غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ مُخُوفَاتِي عَلَيْكُمْ ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ إِلَى الْيَاءِ وَمِنْهُ أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلُّونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أَخَافُهَا عَلَى أُمَّتِي أَحَقُّهَا بِأَنْ تُخَافَ الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ وَالثَّانِي بِأَنْ يَكُونَ أَخْوَفُ مِنْ أَخَافَ بِمَعْنَى خَوْفٍ وَمَعْنَاهُ غَيْرُ الدَّجَّالِ أَشَدُّ مُوجِبَاتِ خَوْفِي عَلَيْكُمْ وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الْمَعَانِي بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْأَعْيَانُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ فِي الشِّعْرِ الْفَصِيحِ شِعْرُ شَاعِرٍ وَخَوْفُ فُلَانٍ أَخْوَفُ مِنْ خَوْفِكَ وَتَقْدِيرُهُ خَوْفُ غَيْرِ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ خَوْفِي عَلَيْكُمْ ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَافُ الْأَوَّلُ
(18/64)

ثُمَّ الثَّانِي هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطُ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ أَيْ شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعْرِ مُبَاعِدٌ لِلْجُعُودَةِ الْمَحْبُوبَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ) هَكَذَا فِي نُسَخِ بِلَادِنَا خَلَّةً بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَتَنْوِينِ الْهَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ فِيهِ حَلَّةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَنَصْبِ التَّاءِ يَعْنِي غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ قِيلَ مَعْنَاهُ سَمْتُ ذَلِكَ وَقُبَالَتُهُ وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ الْحَلَّةُ مَوْضِعُ حَزْنٍ وَصُخُورٍ قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ حَلُّهُ بِضَمِّ اللَّامِ وَبِهَاءِ الضَّمِيرِ أَيْ نُزُولَهُ وَحُلُولَهُ قَالَ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ قَالَ وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ خَلَّةً بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ مَا بَيْنَ البلدين هذا آخر ماذكره الْقَاضِي وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنِ الْهَرَوِيِّ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا بِبِلَادِنَا وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ وَفَسَّرَهُ بِالطَّرِيقِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ (فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا) هُوَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ وَالْعَيْثُ الْفَسَادُ أَوْ أَشَدُّ الْفَسَادِ وَالْإِسْرَاعِ فِيهِ يُقَالُ مِنْهُ عَاثَ يَعِيثُ وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَعَاثٍ بِكَسْرِ الثَّاءِ مَنُوَّنَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهَذِهِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ طَوِيلَةٌ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ
(18/65)

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ لَا اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ فَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هَذَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ الْيَوْمِ شَرَعَهُ لَنَا صَاحِبُ الشَّرْعِ قَالُوا وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ وَوُكِلْنَا إِلَى اجْتِهَادِنَا لَاقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عِنْدَ الْأَوْقَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ ومعنى أقدروا له قدره أَنَّهُ إِذَا مَضَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ كُلَّ يَوْمٍ فَصَلُّوا الظُّهْرَ ثُمَّ إِذَا مَضَى بَعْدَهُ قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ فَصَلُّوا الْعَصْرَ وَإِذَا مَضَى بَعْدَ هَذَا قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ فَصَلُّوا الْمَغْرِبَ وَكَذَا الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ ثُمَّ الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ وَهَكَذَا حَتَّى يَنْقَضِي ذَلِكَ الْيَوْمُ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ صَلَوَاتُ سَنَةٍ فَرَائِضُ كُلُّهَا مُؤَدَّاةٌ فِي وَقْتِهَا وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي كَشَهْرٍ وَالثَّالِثُ الَّذِي كَجُمُعَةٍ فَقِيَاسُ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يُقَدَّرَ لَهُمَا كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلُ مَا كَانَتْ ذَرًّا وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدُّهُ خَوَاصِرَ) أَمَّا تَرُوحُ فَمَعْنَاهُ تَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ وَالسَّارِحَةُ هِيَ الْمَاشِيَةُ الَّتِي تَسْرَحُ أَيْ تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ إِلَى الْمَرْعَى وَأَمَّا الذُّرَى فبضم الذال المعجمة وهى الأعالى والأسنمة جَمْعُ ذُرْوَةِ بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا وَقَوْلُهُ (وَأَسْبَغَهُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَطْوَلَهُ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ وَكَذَا أَمَدَّهُ خَوَاصِرَ لِكَثْرَةِ امْتِلَائِهَا مِنَ الشِّبَعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبَ النَّحْلِ) هِيَ ذُكُورُ النَّحْلِ هَكَذَا فسره بن قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ قَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ جَمَاعَةُ النَّحْلِ لاذكورها خَاصَّةً لَكِنَّهُ كَنَّى
(18/66)

عَنِ الْجَمَاعَةِ بِالْيَعْسُوبِ وَهُوَ أَمِيرُهَا لِأَنَّهُ مَتَى طَارَ تَبِعَتْهُ جَمَاعَتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ) بفتح الجيم على المشهور وحكى بن دُرَيْدٍ كَسْرَهَا أَيْ قِطْعَتَيْنِ وَمَعْنَى رَمْيَةَ الْغَرَضِ أَنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ الْجَزْلَتَيْنِ مِقْدَارَ رَمْيَتِهِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمَشْهُورُ وَحَكَى الْقَاضِي هَذَا ثُمَّ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَتَقْدِيرُهُ فَيُصِيبُهُ إِصَابَةَ رَمْيَةِ الْغَرَضِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ (فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ) أَمَّا الْمَنَارَةُ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَهَذِهِ الْمَنَارَةُ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ وَدِمَشْقَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ كَسْرَ الْمِيمِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ فَضَائِلَ دِمَشْقَ وَفِي عِنْدَ ثَلَاثُ لُغَاتٍ كَسْرُ الْعَيْنِ وَضَمُّهَا وَفَتْحُهَا وَالْمَشْهُورُ الْكَسْرُ وَأَمَّا الْمَهْرُوذَتَانِ فَرُوِي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةُ أَكْثَرُ وَالْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَغَيْرِهِمْ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي النُّسَخِ بِالْمُهْمَلَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَعْنَاهُ لَابِسَ مَهْرُوذَتَيْنِ أَيْ ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِوَرْسٍ ثُمَّ بِزَعْفَرَانٍ وَقِيلَ هُمَا شَقَّتَانِ وَالشَّقَّةُ نِصْفُ الْمُلَاءَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ) الْجُمَانُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ هِيَ حَبَّاتٌ مِنَ الْفِضَّةِ تُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ اللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْمُرَادُ يَتَحَدَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ عَلَى هَيْئَةِ اللولؤ فى صفاته فَسُمِّي الْمَاءُ جُمَانًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصَّفَاءِ قوله صلى الله عليه وسلم (فلايحل لكافر يجد ريح نفسه الامات) هكذا الرواية فلا يحل بكسر الحاء ونفسه بِفَتْحِ الْفَاءِ وَمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَا يُمْكِنُ وَلَا يَقَعُ وَقَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ عِنْدِي حَقٌّ وَوَاجِبٌ قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْحَاءِ
(18/67)

وَهُوَ وَهَمٌ وَغَلَطٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُدْرِكُهُ بِبَابِ لُدٍّ) هُوَ بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ مَصْرُوفٌ وَهُوَ بَلْدَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ) قَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْمَسْحَ حَقِيقَةٌ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَمْسَحُ عَلَى وُجُوهِهِمْ تَبَرُّكًا وَبِرًّا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى كَشْفِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى (أخرجت عبادا لى لايدان لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ) فَقَوْلُهُ لايدان بِكَسْرِ النُّونِ تَثْنِيَةُ يَدٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ لا قدرة ولا طاقة يقال مالى بهذا الأمر يد ومالى بِهِ يَدَانِ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ وَالدَّفْعَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ وَكَأَنَّ يَدَيْهِ مَعْدُومَتَانِ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ وَمَعْنَى حَرِّزْهُمْ إِلَى الطُّورِ أَيْ ضُمَّهُمْ وَاجْعَلْهُ لَهُمْ حِرْزًا يُقَالُ أَحْرَزْتُ الشَّيْءَ أُحْرِزُهُ إِحْرَازًا إِذَا حَفِظْتُهُ وَضَمَمْتُهُ إِلَيْكَ وَصُنْتُهُ عَنِ الْأَخْذِ ووقع فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَزِّبْ بِالْحَاءِ وَالزَّايِ وَالْبَاءِ أَيِ اجْمَعْهُمْ قَالَ الْقَاضِي وَرُوِيَ حَوِّزْ بِالْوَاوِ وَالزَّايِ وَمَعْنَاهُ نَحِّهِمْ وَأَزِلْهُمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ إِلَى الطُّورِ قَوْلُهُ (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) الحدب النشز وينسلون يَمْشُونَ مُسْرِعِينَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى
(18/68)

عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى) النَّغَفُ بِنُونٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ فَاءٍ وَهُوَ دُودٌ يَكُونُ فِي أُنُوفِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ الْوَاحِدَةُ نغفة والفرسى بِفَتْحِ الْفَاءِ مَقْصُورٌ أَيْ قَتْلَى وَاحِدُهُمْ فَرِيسٌ قوله (مَلَأَهُ زَهْمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ دَسْمُهُمْ وَرَائِحَتُهُمُ الْكَرِيهَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (لايكن منه بيت مدر) أى لايمنع مِنْ نُزُولِ الْمَاءِ بَيْتٌ الْمَدَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ وَهُوَ الطِّينُ الصُّلْبُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ) رُوِيَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَاللَّامِ وَالْقَافِ وَرُوِيَ الزُّلْفَةُ بضم الزاى وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِالْفَاءِ وَرُوِيَ الزَّلَفَةُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَاللَّامِ وَبِالْفَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي رُوِيَ بِالْفَاءِ وَالْقَافِ وَبِفَتْحِ اللَّامِ وَبِإِسْكَانِهَا وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَالزَّايُ مَفْتُوحَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ثَعْلَبٌ وَأَبُو زَيْدٍ وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ كَالْمِرْآةِ وَحَكَى صاحب المشارق هذا عن بن عَبَّاسٍ أَيْضًا شَبَّهَهَا بِالْمِرْآةِ فِي صَفَائِهَا وَنَظَافَتِهَا وَقِيلَ كَمَصَانِعِ الْمَاءِ أَيْ إِنَّ الْمَاءَ يُسْتَنْقَعُ فِيهَا حَتَّى تَصِيرَ كَالْمَصْنَعِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ كَالْإِجَّانَةِ الْخَضْرَاءِ وَقِيلَ كَالصَّحْفَةِ وَقِيلَ كَالرَّوْضَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بقحفها) العصابة الجماعة وقحفها بِكَسْرِ الْقَافِ هُوَ مُقَعَّرُ قِشْرِهَا شَبَّهَهَا بِقِحْفِ الرَّأْسِ وَهُوَ الَّذِي فَوْقَ الدِّمَاغِ وَقِيلَ مَا انْفَلَقَ مِنْ جُمْجُمَتِهِ وَانْفَصَلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَيُبَارِكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ) الرِّسْلُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ هُوَ اللَّبَنُ واللقحة
(18/69)

بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ وَهِيَ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ وَجَمْعُهَا لِقَحٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ كَبِرْكَةٍ وَبِرَكٌ وَاللَّقُوحُ ذَاتُ اللَّبَنِ وَجَمْعُهَا لِقَاحٌ وَالْفِئَامُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ وَكُتُبِ الْغَرِيبِ وَرِوَايَةُ الحديث أنه بكسر الفاء وبالهمز قال القاضي ومنهم من لايجيز الْهَمْزَ بَلْ يَقُولُهُ بِالْيَاءِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَحَكَاهُ الْخَلِيلُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ قَالَ وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ فَأَدْخَلَهُ فِي حَرْفِ الْيَاءِ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِتَكْفِي الْفَخْذَ مِنَ النَّاسِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْفَخْذُ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْأَقَارِبِ وَهُمْ دُونَ الْبَطْنِ وَالْبَطْنُ دون القبيلة قال القاضي قال بن فَارِسٍ الْفَخْذُ هُنَا بِإِسْكَانِ الْخَاءِ لَا غَيْرُ فَلَا يُقَالُ إِلَّا بِإِسْكَانِهَا بِخِلَافِ الْفَخِذِ الَّتِي هِيَ الْعُضْوُ فَإِنَّهَا تُكْسَرُ وَتُسَكَّنُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ بِالْوَاوِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (يتهارجون تهارج الحمير) أَيْ يُجَامِعُ الرِّجَالُ النِّسَاءَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ كَمَا يَفْعَلُ الْحَمِيرُ وَلَا يَكْتَرِثُونَ لِذَلِكَ وَالْهَرْجُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ الْجِمَاعُ يُقَالُ هَرَجَ زَوْجَتَهُ أَيْ جَامَعَهَا يَهْرَجُهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَسِيرُونَ حَتَّى
(18/70)

يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ) هُوَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَالْخَمَرُ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ الَّذِي يَسْتُرُ مَنْ فِيهِ وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ جبل بَيْتِ الْمَقْدِسِ

[2938] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ) هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ طُرُقَهَا وَفِجَاجَهَا وَهُوَ جَمْعُ نَقْبٍ وَهُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ) قَالَ الْمَازِرِيُّ إِنْ قِيلَ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَذَّابِ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ وَكَيْفَ ظَهَرَتْ هَذِهِ الْخَوَارِقِ لِلْعَادَةِ عَلَى يَدِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَدَّعِي
(18/71)

الرُّبُوبِيَّةَ وَأَدِلَّةَ الْحُدُوثِ تُخِلُّ مَا ادَّعَاهُ وَتُكَذِّبُهُ وَأَمَّا النَّبِيُّ فَإِنَّمَا يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَلَيْسَتْ مُسْتَحِيلَةً فِي الْبَشَرِ فَإِذَا أَتَى بِدَلِيلٍ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ صَدَقَ وَأَمَّا قَوْلُ الدَّجَّالِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ فيقولون لافقد يستشكل لأن ما أظهره الدجال لادلالة فِيهِ لِرُبُوبِيَّتِهِ لِظُهُورِ النَّقْصِ عَلَيْهِ وَدَلَائِلِ الْحُدُوثِ وَتَشْوِيهِ الذَّاتِ وَشَهَادَةِ كَذِبِهِ وَكُفْرِهِ الْمَكْتُوبَةِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُجَابُ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ هُوَ أَنَّهُمْ لَعَلَّهُمْ قَالُوا خوفا منه وتقية لاتصديقا ويحتمل أنهم قصدوا لانشك فِي كَذِبِكِ وَكُفْرِكِ فَإِنَّ مَنْ شَكَّ فِي كَذِبِهِ وَكُفْرِهِ كَفَرَ وَخَادَعُوهُ بِهَذِهِ التَّوْرِيَةِ خَوْفًا منه ويحتمل أن الذين قالوا لانشك هُمْ مُصَدِّقُوهُ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى شَقَاوَتَهُ قَوْلُهُ (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يقال ان هذا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ رَاوِي الْكِتَابِ عَنْ مُسْلِمٍ وَكَذَا قَالَ مَعْمَرُ فِي جَامِعِهِ فى أثر هذا الحديث كما ذكره بن سُفْيَانَ وَهَذَا تَصْرِيحٍ مِنْهُ بِحَيَاةِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِهِ من كتاب المناقب والمسالح قوم معهم سلاح يرتبون فى المراكز كالخفر أسموا
(18/72)

بِذَلِكَ لِحَمْلِهِمُ السِّلَاحَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ فَيَقُولُ خُذُوهُ وَشُجُّوهُ) فَالْأَوَّلُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ مُدُّوهُ عَلَى بَطْنِهِ وَالثَّانِي شُجُّوهُ بِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ مِنَ الشَّجِّ وَهُوَ الْجُرْحُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي فَيُشَجُّ كَالْأَوَّلِ فَيَقُولُ خُذُوهُ وَشَبِّحُوهُ بِالْبَاءِ وَالْحَاءِ وَالثَّالِثُ فَيُشَجُّ وَشُجُّوهُ كِلَاهُمَا بِالْجِيمِ وَصَحَّحَ الْقَاضِي الْوَجْهَ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا الْأَوَّلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ) فَبِإِسْكَانِ الْوَاوِ وَفَتْحِ السِّينِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيُؤْشَرُ بِالْمِئْشَارِ مِنْ مَفْرَقِهِ) هكذا الرواية
(18/73)

يُؤْشَرُ بِالْهَمْزِ وَالْمِئْشَارُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا فَيَجْعَلُ فِي الْأَوَّلِ وَاوًا وَفِي الثَّانِي يَاءً وَيَجُوزُ الْمِنْشَارُ بِالنُّونِ وَعَلَى هَذَا يُقَالُ نَشَرْتُ الْخَشَبَةَ وَعَلَى الأول يقال أشرتها ومفرق الرَّأْسِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسَطُهُ وَالتَّرْقُوَةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ

[2939] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَا يُنْصِبُكَ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ أَيْ مَا يُتْعِبُكَ مِنْ أَمْرِهِ قَالَ بن دريد يقال أنصبه المرض وغيره ونصبه والأولى أَفْصَحُ قَالَ وَهُوَ تَغَيُّرُ الْحَالِ مِنْ مَرَضٍ أو تعب قوله (قلت يارسول اللَّهِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالْأَنْهَارَ وقال هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ) قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِهِ مُضِلًّا لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُشَكِّكًا لِقُلُوبِهِمْ بَلْ إِنَّمَا جَعَلَهُ لَهُ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَيُثْبِتَ الْحُجَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ
(18/74)

وَنَحْوِهِمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ

[2940] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فيبعث الله عيسى بن مريم) أى ينزله من السماء حاكما بشر عنا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نُزُولُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَتْلُهُ الدَّجَّالَ حَقٌّ وَصَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ فى العقل ولافى الشَّرْعِ مَا يُبْطِلُهُ فَوَجَبَ إِثْبَاتُهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بعض المعتزلة والجهيمة وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَرْدُودَةٌ بقوله تعالى وخاتم النبيين وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَبِيَّ بعدى وباجماع المسلمين أنه لانبى بَعْدَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لاتنسخ وَهَذَا اسْتِدْلَالُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يَنْزِلُ نَبِيًّا بِشَرْعٍ ينسخ شرعنا ولا فى هذه الأحاديث ولافى غَيْرِهَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا
(18/75)

بَلْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ هُنَا وَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يَنْزِلُ حَكَمًا مُقْسِطًا بِحُكْمِ شَرْعِنَا وَيُحْيِي مِنْ أُمُورِ شَرْعِنَا مَا هَجَرَهُ النَّاسُ قَوْلُهُ (فِي كَبِدِ جَبَلٍ) أَيْ وَسَطِهِ وَدَاخِلِهِ وَكَبِدُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ يَكُونُونَ فِي سُرْعَتِهِمْ إِلَى الشُّرُورِ وَقَضَاءِ الشَّهَوَاتِ وَالْفَسَادِ كَطَيَرَانِ الطَّيْرِ وَفِي الْعُدْوَانِ وَظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي أَخْلَاقِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا) اللِّيتُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَآخِرِهِ مُثَنَّاةٌ فوق وهى صفحة العنق وهى جانبه وأصغى أَمَالَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ) أَيْ يُطَيِّنُهُ وَيُصْلِحُهُ قَوْلُهُ (كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ
(18/76)

الظِّلُّ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْأَصَحُّ الطَّلُّ بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ كَمَنِيِّ الرِّجَالِ قَوْلُهُ (فَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ وَمَعْنَى مَا فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساق يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ وَهَوْلٍ عَظِيمٍ أَيْ يَظْهَرُ ذَلِكَ يُقَالُ كَشَفَتِ الْحَرْبُ عَنْ سَاقِهَا إِذَا اشْتَدَّتْ وَأَصْلُهُ أَنَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرِهِ كَشَفَ عَنْ سَاقِهِ مُسْتَمِرًّا فِي الْخِفَّةِ والنشاط له
(18/77)

(بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ

[2942] هِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَجَسُّسِهَا الْأَخْبَارَ لِلدَّجَّالِ وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا دَابَّةُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالت نكحت بن الْمُغِيرَةِ وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمئِذٍ فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) مَعْنَى تَأَيَّمْتُ صِرْتُ أَيِّمًا وَهِيَ التى لازوج لَهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ قَوْلُهَا فَأُصِيبَ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْجِهَادِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
(18/78)

وَتَأَيَّمَتْ بِذَلِكَ إِنَّمَا تَأَيَّمَتْ بِطَلَاقِهِ الْبَائِنِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِمْ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ فَقِيلَ تُوُفِّيَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَقِبَ طَلَاقِهَا باليمن حكاه بن عَبْدِ الْبَرِّ وَقِيلَ بَلْ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهَا فَأُصِيبَ أَيْ بِجِرَاحَةٍ أوأصيب فى ماله أونحو ذَلِكَ هَكَذَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ قَالَ الْقَاضِي إِنَّمَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ عَدَّ فَضَائِلِهِ فَابْتَدَأَتْ بِكَوْنِهِ خَيْرَ شَبَابِ قُرَيْشٍ ثُمَّ ذَكَرَتِ الْبَاقِي وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ حَدِيثِ فَاطِمَةَ هَذَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَبَيَانُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَأُمُّ شَرِيكٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) هَذَا قَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ إِنَّمَا هِيَ قُرَشِيَّةٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَاسْمُهَا غَرْبَةُ
(18/79)

وقيل غربلة وقال آخرون هما اثنتان قرشية وأنصارية قوله (ولكن انتقلى إلى بن عمك عبد الله بن عمرو بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَقَوْلُهُ بن أُمِّ مَكْتُومٍ يُكْتَبُ بِأَلِفٍ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ لَا لِعَمْرٍو فَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ عَمْرٍو وَإِلَى أُمِّهِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجُمِعَ نَسَبَهُ إِلَى أَبَوَيْهِ كَمَا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بن بحينة وعبد الله بن أبى بن سَلُولٍ وَنَظَائِرَ ذَلِكَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ حِينَ قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ عمها ولامن الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ بَلْ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالصَّوَابُ أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِالْبَطْنِ هُنَا الْقَبِيلَةُ لَا الْبَطْنُ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ منها والمراد أنه بن عَمِّهَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ مِنْ قَبِيلَتِهَا فَالرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ قَوْلُهُ (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) هُوَ بِنَصْبِ الصَّلَاةِ وَجَامِعَةٍ الْأَوَّلُ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ قَوْلُهَا (فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) إِلَى آخِرِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْعِدَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ
(18/80)

فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فَيُتَأَوَّلُ هَذَا اللَّفْظُ الْوَاقِعُ هُنَا عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ انْتَقِلِي إِلَى أم شريك والى بن أُمِّ مَكْتُومٍ مُقَدَّمًا عَلَى الْخُطْبَةِ وَعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً) هَذَا مَعْدُودٌ فِي مَنَاقِبِ تَمِيمٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَفِيهِ رِوَايَةُ الْفَاضِلُ عَنِ الْمَفْضُولِ وَرِوَايَةُ الْمَتْبُوعِ عَنْ تَابِعِهِ وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (ثم أرفؤ إلى جزيرة) هو بالهمز أى التجؤا إِلَيْهَا قَوْلُهُ (فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهِيَ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ تَكُونُ مَعَ الْكَبِيرَةِ كَالْجَنِيبَةِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا رُكَّابُ السَّفِينَةِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ الْجَمْعُ قَوَارِبُ وَالْوَاحِدُ قَارِبٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَجَاءَ هُنَا أَقْرُبُ وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِأَقْرُبِ السَّفِينَةِ أُخْرَيَاتُهَا وَمَا قَرُبَ مِنْهَا لِلنُّزُولِ قَوْلُهُ (دَابَّةٌ أَهْلَبُ) كَثِيرُ الشَّعْرِ الْأَهْلَبُ غَلِيظُ الشَّعْرٍ كَثِيرُهُ قَوْلُهُ (فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمِ بِالْأَشْوَاقِ) أَيْ شَدِيدُ الْأَشْوَاقِ إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ (فَرِقْنَا) أَي خِفْنَا قَوْلُهُ
(18/81)

صَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ) أَيْ هَاجَ وَجَاوَزَ حَدَّهُ الْمُعْتَادَ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ الِاغْتِلَامُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْإِنْسَانُ مَا حُدَّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْمُبَاحِ قَوْلُهُ (عَيْنُ زُغَرَ) بِزَايٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ وَهِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الشَّامِ وَأَمَّا طيبة فهي المدينة ويقال
(18/82)

لَهَا أَيْضًا طَابَةُ وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ اشْتِقَاقُهَا مَعَ بَاقِي أَسْمَائِهَا قَوْلُهُ (بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا) بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا أَيْ مَسْلُولًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ) قَالَ الْقَاضِي لَفْظَةُ مَا هُوَ زَائِدَةٌ صِلَةٌ لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ فِي جِهَاتِ الْمَشْرِقِ قَوْلُهُ (فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ يقال له رطب بن طَابٍ وَسَقَتْنَا سُوَيْقَ سُلْتٍ) أَيْ ضَيَّفَتْنَا بِنَوْعٍ مِنَ الرُّطَبِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَسَبَقَ
(18/83)

أَنَّ تَمْرَ الْمَدِينَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ نَوْعًا وسلت بِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ وَهُوَ حَبٌّ يُشْبِهُ الْحِنْطَةَ وَيُشْبِهُ الشَّعِيرَ قَوْلُهُ (تَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ) أَيْ سَلَكَتْ عَنِ الطَّرِيقِ قوله
(18/84)

(فَيَضْرِبُ رُوَاقَهُ) أَيْ يَنْزِلُ هُنَاكَ وَيَضَعُ ثِقَلَهُ

(بَاب فِي بَقِيَّةٍ مِنْ أَحَادِيثِ الدَّجَّالِ

[2944] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا) هَكَذَا هُوَ فِي جميع النسخ)
(18/85)

بِبِلَادِنَا سَبْعُونَ بِسِينٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ وَفِي رواية بن مَاهَانَ تِسْعُونَ أَلْفًا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ قَبْلَ السِّينِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَأَصْبَهَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وبالياء وَالْفَاءِ

[2946] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أكبر
(18/86)

مِنَ الدَّجَّالِ) الْمُرَادُ أَكْبَرُ فِتْنَةً وَأَعْظَمُ شَوْكَةً

[2947] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكِمْ أوأمر الْعَامَّةِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الدَّجَّالَ وَالدُّخَانَ إِلَى قَوْلِهِ وَخُوَيْصَةَ أَحَدِكِمْ فَذَكَرَ السِّتَّةَ فِي الرِّوَايَةِ الأولى معطوفة بأوالتى هِيَ لِلتَّقْسِيمِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْوَاوِ قَالَ هِشَامٌ خَاصَّةُ أَحَدِكِمُ الْمَوْتُ وَخُوَيْصَةُ تَصْغِيرُ خَاصَّةُ وَقَالَ قَتَادَةُ أَمْرُ الْعَامَّةِ الْقِيَامَةُ كَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُمَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَوْلُهُ (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُهُمْ صَوَابُهُ الْعَاشِي بِالْأَلِفِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي عَاشِ بْنِ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ عِكَابَةَ وَلَكِنْ الذى ذكره عبد الغنى وبن مَاكُولَا وَسَائِرُ الْحُفَّاظِ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي مُسْلِمٍ وَسَائِرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْعَيْشِيُّ وَلَعَلَّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْعَرَبِ فِي عَائِشَةَ عَيْشَةُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ هِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ جَاءَتْ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ قُلْتُ وَقَدْ حَكَى هذه اللغة أيضا ثعلب عن بن الْأَعْرَابِيِّ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ بِسْطَامَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وَتَرْكُهُ قَوْلُهُ (عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحٍ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُثَنَّاةِ هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمِصْرِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ فَتْحَ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَعَ فتح الراء
(18/87)

(بَاب فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِي الْهَرْجِ

[2948] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) الْمُرَادُ بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَةُ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ وَسَبَبُ كَثْرَةِ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَنَّ الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولايتفرغ لها إلا)
(18/88)

(أفراد

[2950] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هَكَذَا) وَفِي رِوَايَةٍ كَهَاتَيْنِ وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى وَفِي رِوَايَةٍ قَرَنَ بَيْنَهُمَا قَالَ قَتَادَةُ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى رُوِيَ بِنَصْبِ السَّاعَةِ وَرَفْعِهَا وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَقِيلَ الْمُرَادُ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ يَسِيرٌ كَمَا بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ فِي الطُّولِ وَقِيلَ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ الْمُجَاوَزَةِ)
(18/89)

[2952] قَوْلُهُ (سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ مَتَى هِيَ فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ وَفِي رِوَايَةٍ إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَامُ فَعَسَى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة وفي رواية إِنَّ عُمِّرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَفِي رِوَايَةٍ إِنْ يُؤَخَّرْ هَذَا قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ بِسَاعَتِكُمْ مَوْتِهِمْ وَمَعْنَاهُ يَمُوتُ ذلك القرن أوأولئك الْمُخَاطَبُونَ قُلْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الغلام لايبلغ الهرم ولايعمر
(18/90)

ولايؤخر

[2954] قَوْلُهُ (وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الطَّاءِ وَفِي بَعْضِهَا يَلِيطُ بِزِيَادَةِ يَاءٍ وَفِي بَعْضِهَا يَلُوطُ وَمَعْنَى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ يُطَيِّنُهُ وَيُصْلِحُهُ

(بَاب مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ

[2955] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا بَيْنَ النفختين أربعون قالوا ياأبا هُرَيْرَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ إِلَى آخِرِهِ) مَعْنَاهُ أَبَيْتُ أَنْ أَجْزِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا أَوْ سَنَةً أَوْ شَهْرًا بَلِ الَّذِي أَجْزِمُ بِهِ أَنَّهَا أَرْبَعُونَ)
(18/91)

مُجْمَلَةٌ وَقَدْ جَاءَتْ مُفَسَّرَةً مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَوْلُهُ (عَجْبُ الذَّنَبِ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ أَيِ الْعَظْمُ اللَّطِيفُ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ وَهُوَ رَأْسُ الْعُصْعُصِ وَيُقَالُ لَهُ عَجْمُ بِالْمِيمِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُخْلَقُ مِنَ الْآدَمِيِّ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ لِيُعَادَ تَرْكِيبُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (كل بن آدم يأكله التراب الاعجم الذَّنَبَ) هَذَا مَخْصُوصٌ فَيُخَصُّ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ
(18/92)

(

كتاب الزهد)

[2956] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَسْجُونٌ مَمْنُوعٌ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ مُكَلَّفٌ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ الشَّاقَّةِ فَإِذَا مَاتَ اسْتَرَاحَ مِنْ هَذَا وَانْقَلَبَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ النَّعِيمِ الدَّائِمِ وَالرَّاحَةُ الْخَالِصَةُ مِنَ النُّقْصَانِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّمَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَّلَ فِي الدُّنْيَا مَعَ قِلَّتِهِ وَتَكْدِيرِهِ بِالْمُنَغِّصَاتِ فَإِذَا مَاتَ صَارَ إِلَى الْعَذَابِ الدَّائِمِ وَشَقَاءِ الْأَبَدِ

[2957] قَوْلُهُ (وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَنَفَتَيْهِ مَعْنَى الْأَوَّلِ جَانِبَهُ وَالثَّانِي جَانِبَيْهِ قَوْلُهُ (جَدْيِ أَسَكَّ) أَيْ صَغِيرُ الأذنين قوله (بن عَرْعَرَةَ السَّاعِي) هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَعَرْعَرَةُ
(18/93)

بِعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ

[2959] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَلِمُعْظَمِ الرُّوَاةِ فَاقْتَنَى بِالتَّاءِ وَمَعْنَاهَا ادَّخَرَهُ لِآخِرَتِهِ أَيْ ادَّخَرَ ثَوَابَهُ وَفِي بَعْضِهَا فَأَقْنَى بِحَذْفِ التَّاءِ
(18/94)

أَيْ أَرْضَى

[2962] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ) مَعْنَاهُ نَحْمَدُهُ وَنَشْكُرُهُ وَنَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ثُمَّ تتباغضون أو نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ التَّنَافُسُ إِلَى الشَّيْءِ الْمُسَابَقَةُ إِلَيْهِ وَكَرَاهَةُ أَخْذِ غَيْرِكِ إِيَّاهُ وَهُوَ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الْحَسَدِ وَأَمَّا الْحَسَدُ فَهُوَ تَمَّنِي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا وَالتَّدَابُرُ التَّقَاطُعُ وَقَدْ بَقِيَ مَعَ التَّدَابُرِ شَيْءٌ من المودة أو لايكون مودة لاوبغض
(18/96)

وَأَمَّا التَّبَاغُضُ فَهُوَ بَعْدَ هَذَا وَلِهَذَا رُتِّبَتْ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ أَيْ ضُعَفَائِهِمْ فَيَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ أُمَرَاءُ عَلَى بَعْضٍ هَكَذَا فَسَّرُوهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (انظرواالى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى من هو فوقكم فهو أجدر أن لاتزدروا نعمة الله عليكم) معنى أجدر أحق وتزدروا تحقروا قال بن جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ هَذَا حَدِيثٌ جَامِعٌ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْخَيْرِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسُهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَادِ لِيَلْحَقَ بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبَهُ هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي غَالِبِ النَّاسِ وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَى مَنِ هُوَ دُونَهُ فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَشَكَرَهَا وَتَوَاضَعَ وَفَعَلَ فِيهِ الْخَيْرَ قوله صلى
(18/97)

[2964] اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُبْلِيَهُمْ بِإِسْقَاطِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَمَعْنَاهُمَا الِاخْتِبَارُ وَالنَّاقَةُ الْعُشَرَاءُ الْحَامِلُ الْقَرِيبَةُ الْوِلَادَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (شَاةً وَالِدًا) أى وضعت ولدها وهو مَعَهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا) هَكَذَا الرِّوَايَةُ فَأُنْتِجَ رُبَاعِيٌّ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ وَالْمَشْهُورُ نَتَجَ ثُلَاثِيٌّ وَمِمَّنْ حَكَى اللُّغَتَيْنِ الْأَخْفَشُ وَمَعْنَاهُ تَوَلَّى الْوِلَادَةَ وَهِيَ النَّتْجُ وَالْإِنْتَاجُ وَمَعْنَى وَلَّدَ هَذَا بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مَعْنَى أَنْتَجَ وَالنَّاتِجُ لِلْإِبِلِ وَالْمُوَلِّدُ
(18/98)

لِلْغَنَمِ وَغَيْرِهَا هُوَ كَالْقَابِلَةِ لِلنِّسَاءِ قَوْلُهُ (انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ) هُوَ بِالْحَاءِ وَهِيَ الْأَسْبَابُ وَقِيلَ الطُّرُقُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ الْجِبَالُ بِالْجِيمِ وَرُوِيَ الْحِيَلُ جَمْعُ حِيلَةٍ وَكُلٌّ صَحِيحٌ قَوْلُهُ (وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ) أَيْ وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي الَّذِينَ وَرِثُوهُ مِنْ أَجْدَادِي الَّذِينَ وَرِثُوهُ مِنْ آبَائِهِمْ كَبِيرًا عَنْ كَبِيرٍ فى العز والشرف والثروة قوله (فوالله لاأجهدك الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ أَجْهَدُكَ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ وَفِي رواية بن مَاهَانَ أَحْمَدُكَ بِالْحَاءِ وَالْمِيمِ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِالْوَجْهَيْنِ لَكِنِ الْأَشْهَرُ فِي مُسْلِمٍ بِالْجِيمِ وَفِي الْبُخَارِيِّ بِالْحَاءِ وَمَعْنَى الْجِيمِ
(18/99)

لَا أَشُقُّ عَلَيْكَ بِرَدِّ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ أَوْ تَطْلُبُهُ مِنْ مَالِي وَالْجَهْدُ الْمَشَقَّةُ وَمَعْنَاهُ بِالْحَاءِ لاأحمدك بِتَرْكِ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ تُرِيدُهُ فَتَكُونُ لَفْظَةُ التَّرْكِ مَحْذُوفَةً مُرَادَةً كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ لَيْسَ عَلَى طُولِ الْحَيَاةِ نَدَمٌ أَيْ فَوَاتُ طُولِ الْحَيَاةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ وَإِكْرَامِهِمْ وَتَبْلِيغِهِمْ مَا يَطْلُبُونَ مِمَّا يُمْكِنُ وَالْحَذَرُ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِهِمْ وَاحْتِقَارِهِمْ وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَمُّ جَحْدِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2965] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ) الْمُرَادُ بِالْغَنِىِّ غَنِىُّ النَّفْسِ هَذَا هُوَ الْغَنِىُّ الْمَحْبُوبُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْغَنِىَّ بِالْمَالِ وَأَمَّا الْخَفِيُّ فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي النُّسَخِ وَالْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَاتِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ رَوَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ الْخَامِلُ الْمُنْقَطِعُ إِلَى الْعِبَادَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ نَفْسِهِ وَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ الْوَصُولُ لِلرَّحِمِ اللطيف بهم
(18/100)

وَبِغَيْرِهِمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالصَّحِيحُ بِالْمُعْجَمَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ الِاعْتِزَالُ أَفْضَلُ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَمَنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ لِلِاخْتِلَاطِ قَدْ يُتَأَوَّلُ هَذَا عَلَى الِاعْتِزَالِ وَقْتَ الْفِتْنَةِ وَنَحْوِهَا

[2966] قَوْلُهُ (وَاَللَّهِ إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) فِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُ وَجَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِرُهُ وَشَرْحُهَا قَوْلُهُ (مَا لَنَا طعام نأكله الاورق الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ) الْحُبْلَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ واسكان الموحدة والسمر بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ كَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَآخَرُونَ وَقِيلَ الْحُبْلَةُ ثَمَرُ الْعِضَاهِ وَهَذَا يَظْهَرُ عَلَى رواية البخارى الاالحبلة وَوَرَقُ السَّمُرِ وَفِي هَذَا بَيَانُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَالصَّبْرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَشَاقِّ الشَّدِيدَةِ قَوْلُهُ (ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ) قَالُوا الْمُرَادُ بِبَنِي أَسَدٍ بَنُو الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى قَالَ الْهَرَوِيُّ مَعْنَى تُعَزِّرُنِي تُوقِفُنِي وَالتَّعْزِيرُ التَّوْقِيفُ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ وَقَالَ بن جَرِيرٍ مَعْنَاهُ تُقَوِّمُنِي وَتُعَلِّمُنِي وَمِنْهُ تَعْزِيرُ السُّلْطَانِ وهو تقويمه
(18/101)

بِالتَّأْدِيبِ وَقَالَ الْجَرْمِيُّ مَعْنَاهُ اللَّوْمُ وَالْعُتْبُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ تُوَبِّخُنِي عَلَى التَّقْصِيرِ فِيهِ

[2967] قَوْلُهُ (إِنَّ الدنيا قدآذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها الاصبابة كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا) أَمَّا آذَنَتْ فَبِهَمْزَةٍ ممدودة وفتح الذال أى أعلمت والصرم بِالضَّمِّ أَيِ الِانْقِطَاعُ وَالذَّهَابُ وَقَوْلُهُ حَذَّاءَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَأَلِفٍ ممدودة أي مسرعة الانقطاع والصبابة بِضَمِّ الصَّادِ الْبَقِيَّةُ الْيَسِيرَةُ مِنَ الشَّرَابِ تَبْقَى فِي أَسْفَلِ الْإِنَاءِ وَقَوْلُهُ يَتَصَابُّهَا أَيْ يَشْرَبُهَا وَقَعْرُ الشَّيْءِ أَسْفَلُهُ وَالْكَظِيظُ الْمُمْتَلِئُ قَوْلُهُ (قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا) أَيْ صَارَ فِيهَا قُرُوحٌ وَجِرَاحٌ مِنْ خُشُونَةِ الْوَرَقِ الَّذِي نَأْكُلُهُ وَحَرَارَتِهِ قَوْلُهُ (سَعْدُ بن مالك) هو سعد بن أبىوقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(18/102)

[2968] قَوْلُهُ (هَلْ نَرَى رَبَّنَا) قَدْ سَبَقَ شَرْحُ الرِّوَايَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَقُولُ أَيْ فُلْ) هُوَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَمَعْنَاهُ يافلان وَهُوَ تَرْخِيمٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَقِيلَ هِيَ لُغَةٌ بِمَعْنَى فُلَانٍ حَكَاهَا الْقَاضِي وَمَعْنَى أُسَوِّدْكَ أَجْعَلُكَ سَيِّدًا عَلَى غَيْرِكِ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ) أَمَّا تَرْأَسُ فَبِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَمَعْنَاهُ رَئِيسُ الْقَوْمِ وَكَبِيرُهُمْ وَأَمَّا تَرْبَعُ فَبِفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ هكذا رواه الجمهور وفى رواية بن ماهان
(18/103)

تَرْتَعُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقُ بَعْدَ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ الَّذِي كَانَتْ مُلُوكُ الْجَاهِلِيَّةِ تَأْخُذُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ رُبْعُهَا يُقَالُ رَبَعْتُهُمْ أَيْ أَخَذْتُ رُبْعَ أَمْوَالِهِمْ وَمَعْنَاهُ أَلَمْ أَجْعَلْكَ رَئِيسًا مُطَاعًا وَقَالَ الْقَاضِي بَعْدَ حِكَايَتِهِ نَحْوَ مَا ذكرته عندى ان معناه تركتك مستريحا لاتحتاج إِلَى مَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ أَرْبِعْ عَلَى نَفْسِكِ أَيِ ارْفُقْ بِهَا وَمَعْنَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَتَنَعَّمُ وَقِيلَ تَأْكُلُ وَقِيلَ تَلْهُو وَقِيلَ تَعِيشُ فِي سَعَةٍ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي) أَيْ أَمْنَعَكَ الرَّحْمَةَ كَمَا امْتَنَعْتَ مِنْ طَاعَتِي قوله (فيقول ها هنا اذا) معناه
(18/104)

قف ها هنا حتى يشهد عليك جوارحك اذقد صرت منكرا

[2969] وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ) أَيْ لِجَوَارِحِهِ وَقَوْلُهُ (كُنْتُ أُنَاضِلُ) أَيْ أُدَافِعُ وَأُجَادِلُ

[1055] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا) قِيلَ كِفَايَتُهُمْ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الاخرى كفافا
(18/105)

وقيل هو سد الرمق

[2972] قوله (حدثنا عمر النَّاقِدُ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ عَمْرًا النَّاقِدَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدَةَ وَيَحْيَى بْنَ يَمَانٍ كِلَاهُمَا
(18/106)

عَنْ هِشَامٍ

[2973] قَوْلُهُ (شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ) الرَّفُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ مَعْرُوفٌ وَالشَّطْرُ هُنَا مَعْنَاهُ شَيْءٌ مِنْ شَعِيرِ كَذَا فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ القاضي قال بن أَبِي حَازِمٍ مَعْنَاهُ نِصْفُ وَسْقٍ قَالَ الْقَاضِي وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَرَكَةَ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ فِي الْمَجْهُولَاتِ وَالْمُبْهَمَاتِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ فَقَالُوا الْمُرَادُ أَنْ يَكِيلَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ إِخْرَاجِ النَّفَقَةِ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى الْبَاقِي مَجْهُولًا وَيَكِيلُ مَا يُخْرِجُهُ لِئَلَّا يُخْرِجَ أَكْثَرَ مِنَ الْحَاجَةِ أَوْ أَقَلَّ

[2972] قَوْلُهُ (فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ
(18/107)

هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فَمَا كَانَ يُقِيتُكُمْ

[2975] قَوْلُهَا (حِينَ شَبِعَ النَّاسُ مِنَ التَّمْرِ وَالْمَاءِ) الْمُرَادُ حِينَ شَبِعُوا مِنَ التَّمْرِ وَإِلَّا فَمَا زَالُوا شباعا من الماء قوله
(18/108)

(ما تجد مِنَ الدَّقَلِ) هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْقَافِ وَهُوَ تَمْرٌ رَدِيءٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[2977]
(18/109)

(أربعين خريفا) أى أربعين سنة

(باب النهى عن الدخول على أهل الحجر إلامن يدخل باكيا

[2980] قَوْلِهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحاب الحجر لاتدخلوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ)
(18/110)

تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ) فَقَوْلُهُ قَالَ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ أَيْ قَالَ فِي شأنهم وكان هذا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وقَوْلُهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ أَوْ حَذَرَ أَنْ يُصِيبَكُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ عِنْدَ الْمُرُورِ بِدِيَارِ الظَّالِمِينَ وَمَوَاضِعِ الْعَذَابِ وَمِثْلُهُ الْإِسْرَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْفِيلِ هَلَكُوا هُنَاكَ فَيَنْبَغِي لِلْمَارِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمُرَاقَبَةُ وَالْخَوْفُ وَالْبُكَاءُ وَالِاعْتِبَارُ بِهِمْ وَبِمَصَارِعِهِمْ وَأَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ (ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا) أَيْ زَجَرَ نَاقَتَهُ فَحَذَفَ ذِكْرَ النَّاقَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَمَعْنَاهُ سَاقَهَا سَوْقًا كَثِيرًا حَتَّى خَلَّفَهَا وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ جَاوَزَ الْمَسَاكِنَ

[2981] قَوْلُهُ (فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إن يهريقوا ما استقواويعلفوا
(18/111)

الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ تَرِدُهَا النَّاقَةُ) وَفِي رِوَايَةٍ فاستقوا من بئارها أما الأبئار فَبِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ جَمْعُ بِئْرٍ كَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ وَيَجُوزُ قَلْبُهُ فَيُقَالُ آبَارٌ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ جَمْعُ قِلَّةٍ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِئَارُهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهُوَ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا النهى عن استعمال مياه بئار الحجر الابئر النَّاقَةِ وَمِنْهَا لَوْ عَجَنَ مِنْهُ عَجِينًا لَمْ يَأْكُلْهُ بَلْ يَعْلِفْهُ الدَّوَابَّ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ عَلْفُ الدَّابَّةِ طَعَامًا مَعَ مَنْعِ الْآدَمِيِّ مِنْ أَكْلِهِ وَمِنْهَا مُجَانَبَةُ آبَارِ الظَّالِمِينَ وَالتَّبَرُّكُ بِآبَارِ الصالحين

(باب فضل الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْيَتِيمِ

[2982] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الْمُرَادُ بِالسَّاعِي الْكَاسِبُ لهما العامل لمؤنتهما والأرملة من لازوج لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ أَمْ لَا وَقِيلَ هي التى فارقت زوجها قال بن قُتَيْبَةَ سُمِّيَتْ أَرْمَلَةً لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الْإِرْمَالِ وَهُوَ الْفَقْرُ وَذَهَابُ الزَّادِ بِفَقْدِ)
(18/112)

الزَّوْجِ يُقَالُ أَرْمَلَ الرَّجُلُ إِذَا فَنِيَ زَادُهُ

[2983] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ) كَافِلُ الْيَتِيمِ الْقَائِمُ بِأُمُورِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَتَأْدِيبٍ وَتَرْبِيَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ تَحْصُلُ لِمَنْ كَفَلَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَاَلَّذِي لَهُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا لَهُ كَجَدِّهِ وَأُمِّهِ وَجَدَّتِهِ وَأَخِيهِ وَأُخْتِهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَقَارِبِهِ وَاَلَّذِي لِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا

(بَاب فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ

[533] قَوْلُهُ (مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ فِي الْقَدْرِ وَالْمِسَاحَةِ وَلَكِنَّهُ أَنْفَسُ مِنْهُ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ وَيُحْتَمَلُ مِثْلُهُ فِي مُسَمَّى الْبَيْتِ وان كان أكبر مساحة واشرف)
(18/113)

(باب فضل الانفاق على المساكين وبن السبيل

[2984] قَوْلُهُ (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ) الْحَدِيقَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ النَّخِيلِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَرْضِ ذَاتِ الشَّجَرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ) مَعْنَى)
(18/114)

تَنَحَّى قَصَدَ يُقَالُ تَنَحَّيْتُ الشَّيْءَ وَانْتَحَيْتُهُ وَنَحَوْتُهُ إِذَا قَصَدْتُهُ وَمِنْهُ سُمِّيَ عِلْمُ النَّحْوِ لِأَنَّهُ قَصْدُ كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَمَّا الْحَرَّةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ فهي أرض ملبسة حجارة سودا وَالشَّرْجَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَجَمْعُهَا شِرَاجٌ بِكَسْرِ الشِّينِ وَهِيَ مَسَائِلُ الْمَاءِ فِي الْحِرَارِ وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَفَضْلُ أَكْلِ الْإِنْسَانِ مِنْ كسبه والانفاق على العيال

(باب تحريم الرياء

[2985] قَوْلُهُ (تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ وَشِرْكَهُ وَفِي بَعْضِهَا وَشَرِيكَهُ وَفِي بَعْضِهَا وَشَرِكَتَهُ وَمَعْنَاهُ أنا غنى)
(18/115)

عَنِ الْمُشَارَكَةِ وَغَيْرِهَا فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلْهُ بَلْ أَتْرُكْهُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ والمراد أن عمل المرائى باطل لاثواب فِيهِ وَيَأْثَمُ بِهِ

[2986] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَمِعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَايَا رَايَا اللَّهُ بِهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ مَنْ رَايَا بِعَمَلِهِ وَسَمَّعَهُ النَّاسَ لِيُكْرِمُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ وَيَعْتَقِدُوا خَيْرَهُ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النَّاسَ وَفَضَحَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِهِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَقِيلَ أَسْمَعَهُ الْمَكْرُوهَ وَقِيلَ أَرَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيهِ إِيَّاهُ لِيَكُونَ حَسْرَةً عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ النَّاسَ أَسْمَعَهُ اللَّهُ النَّاسَ وَكَانَ ذَلِكَ حَظَّهُ مِنْهُ

[2987] قَوْلُهُ (سَمِعْتُ جُنْدُبًا الْعَلَقِيُّ) هُوَ
(18/116)

بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ وَبِالْقَافِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَلَقَةِ بَطْنٌ مِنْ بَجِيلَةَ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كتاب الصلاة

(باب حفظ اللسان قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنَ مَا فِيهَا يُهْوِي بها فى النار) معناه لايتدبرها ويفكر فى قبحها ولايخاف مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وَهَذَا كَالْكَلِمَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْوُلَاةِ وَكَالْكَلِمَةِ تُقْذَفُ أَوْ مَعْنَاهُ كالكلمة التى يترتب عليها إضرارمسلم وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ حَثٌّ عَلَى حِفْظِ اللِّسَانِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ النُّطْقَ بكلمة أوكلام أَنْ يَتَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ نُطْقِهِ فَإِنْ ظهرت مصلحته تكلم وإلاأمسك)
(18/117)

باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولايفعله وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَفْعَلُهُ

[2989] قَوْلُهُ (أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الاسمعكم وَفِي بَعْضِهَا أَسْمَعَكُمْ وَكُلُّهُ بِمَعْنَى أَتَظُنُّونَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ قَوْلُهُ (أَفْتَتِحَ أمرا لاأحب أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَفْتَتَحَهُ) يَعْنِي الْمُجَاهَرَةُ بِالْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاءِ فِي الْمَلَأِ كَمَا جَرَى لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ الْأَدَبُ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَاللُّطْفُ بِهِمْ وَوَعْظُهُمْ سِرًّا وَتَبْلِيغُهُمْ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِمْ لِيَنْكَفُّوا عَنْهُ وَهَذَا كله اذا أمكن ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوَعْظُ سِرًّا وَالْإِنْكَارُ فَلْيَفْعَلْهُ عَلَانِيَةً لِئَلَّا يَضِيعَ أَصْلُ الْحَقِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ) هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْأَقْتَابُ الْأَمْعَاءُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَاحِدُهَا قِتْبَةٌ وَقَالَ
(18/118)

غيره قتب وقال بن عُيَيْنَةَ هِيَ مَا اسْتَدَارَ فِي الْبَطْنِ وَهِيَ الْحَوَايَا وَالْأَمْعَاءُ وَهِيَ الْأَقْصَابُ وَاحِدُهَا قَصَبٌ وَالِانْدِلَاقُ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنْ مَكَانِهِ

(بَاب النَّهْيِ عَنْ هَتْكِ الْإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ

[2990] قَوْلُهُ (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ عَمَلًا إِلَى آخِرِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مُعَافَاةٌ بِالْهَاءِ فى آخره يعود إلى الامة وقوله الاالمجاهرين هُمُ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ وَأَظْهَرُوهَا وَكَشَفُوا مَا سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ بِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ يُقَالُ جَهَرَ بِأَمْرِهِ وَأَجْهَرَ وَجَاهَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ فَكَذَا هو فى جميع النسخ الا نسخة بن مَاهَانَ فَفِيهَا وَإِنَّ مِنَ الْجِهَارِ وَهُمَا صَحِيحَانِ الْأَوَّلُ مِنْ أَجْهَرَ وَالثَّانِي مِنْ جَهَرَ وَأَمَّا قول مُسْلِمٌ وَقَالَ زُهَيْرٌ وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ بِتَقْدِيمِ الْهَاءِ فَقِيلَ إِنَّهُ خِلَافُ الصَّوَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ صَحِيحٌ وَيَكُونُ الْهِجَارُ لُغَةً فِي الْهِجَارِ الَّذِي هُوَ الْفُحْشُ وَالْخَنَا وَالْكَلَامُ الَّذِي لاينبغى وَيُقَالُ فِي هَذَا أَهْجَرَ إِذَا أَتَى بِهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ)
(18/119)

(بَاب تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَكَرَاهَةِ التَّثَاؤُبِ يُقَالُ شَمَّتَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْمُعْجَمَةُ أَفْصَحُ قَالَ ثَعْلَبٌ مَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّهُ عَنْكَ الشَّمَاتَةَ وَبِالْمُهْمَلَةِ هُوَ مِنَ السَّمْتِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالْهُدَى وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ التَّشْمِيتِ وَأَحْكَامِهِ فِي كِتَابِ السَّلَامِ وَمَوَاضِعَ وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِهِ فَأَوْجَبَهُ أَهْلُ الظاهر وبن مَرْيَمَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ قَالَ الْقَاضِي وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَرَدِّ السَّلَامِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَآخَرِينَ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَأَدَبٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّدْبِ وَالْأَدَبِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ قَالَ الْقَاضِي وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْحَمْدِ وَالرَّدِّ وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَارُ فَقِيلَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حال وقال بن جَرِيرٍ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذَا كُلِّهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَأَمَّا لَفْظُ التَّشْمِيتِ فَقِيلَ يَقُولُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَقِيلَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَقِيلَ يَقُولُ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ الْعَاطِسِ عَلَى الْمُشَمِّتِ فَقِيلَ يَقُولُ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ وَقِيلَ يَقُولُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَقَالَ)
(18/120)

مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُخَيَّرُ بَيْنَ هَذَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ صَحَّتِ الْأَحَادِيثُ بِهِمَا قَالَ وَلَوْ تَكَرَّرَ الْعُطَاسُ قَالَ مَالِكٌ يُشَمِّتُهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْكُتُ

[2991] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ إِذَا حَمِدَ الْعَاطِسُ وَتَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْ تَشْمِيتِهِ إِذَا لَمْ يَحْمَدْهُ فَيُكْرَهَ تَشْمِيتَهُ إِذَا لَمْ يَحْمَدْ فَلَوْ حَمِدَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْإِنْسَانُ لم يشمته وقال مالك لايشمته حَتَّى يَسْمَعَ حَمْدَهُ قَالَ فَإِنْ رَأَيْتَ مِنْ يَلِيهِ شَمَّتَهُ فَشَمِّتْهُ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَإِنَّمَا أُمِرَ الْعَاطِسُ بِالْحَمْدِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ بِخُرُوجِ مَا اخْتَنَقَ فِي دماغه من الابخرة قوله (دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْتِ ابْنِهِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ) هَذِهِ الْبِنْتُ هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ
(18/121)

الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ امْرَأَةُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ فِرَاقِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لَهَا وَوَلَدَتْ لِأَبِي مُوسَى وَمَاتَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَفَارَقَهَا وَمَاتَتْ بِالْكُوفَةِ وَدُفِنَتْ بظاهرها

[2994] قوله صلى الله عليه وسلم (التثاوب مِنَ الشَّيْطَانِ) أَيْ مِنْ كَسَلِهِ وَتَسَبُّبِهِ وَقِيلَ أُضِيفَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاوب قالوا لان العطاس يدل علىالنشاط وخفة البدن والتثاوب بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا مَعَ ثِقَلِ الْبَدَنِ وَامْتِلَائِهِ وَاسْتِرْخَائِهِ وَمَيْلِهِ إِلَى الْكَسَلِ وَإِضَافَتُهُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَاتِ وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرِ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوَسُّعُ فِي الْمَأْكَلِ وَإِكْثَارِ الْأَكْلِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّثَاؤُبَ مَمْدُودٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ) ووقع ها هنا فى بعض
(18/122)

النُّسَخِ تَثَاءَبَ بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا وَفِي أَكْثَرِهَا تَثَاوَبَ بِالْوَاوِ كَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ بَعْدَ هَذِهِ تَثَاوَبَ بِالْوَاوِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ ثَابِتٌ ولايقال تَثَاءَبَ بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا بَلْ تَثَأَّبَ بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَةِ قال بن دُرَيْدٍ أَصْلُهُ مِنْ تَثَأَّبَ الرَّجُلُ بِالتَّشْدِيدِ فَهُوَ مُثَوِّبٌ إِذَا اسْتَرْخَى وَكَسَلَ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ تثاءبت بالمد مخففا على تفاعلت ولايقال تَثَاوَبْتُ وَأَمَّا الْكَظْمُ فَهُوَ الْإِمْسَاكُ قَالَ الْعُلَمَاءُ أُمِرَ بِكَظْمِ التَّثَاوُبِ وَرَدِّهِ وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ لِئَلَّا يَبْلُغَ الشَّيْطَانُ مُرَادَهُ مِنْ تَشْوِيهِ صُورَتِهِ وَدُخُولِهِ فَمَهُ وَضَحِكِهُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(باب فى أحاديث متفرقة

[2996] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) الْجَانُّ الْجِنُّ وَالْمَارِجُ اللهب المختلط)
(18/123)

بسواد النار

[2997] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فُقِدَتْ أُمَّةٌ من بنى اسرائيل لايدرى ما فعلت ولا أراها الاالفأر أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهَا وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ) مَعْنَى هَذَا أَنَّ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا حُرِّمَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ دُونَ لُحُومِ الْغَنَمِ وَأَلْبَانِهَا فَدَلَّ بِامْتِنَاعِ الْفَأْرَةِ مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ دُونَ الْغَنَمِ عَلَى أَنَّهَا مَسْخٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْلُهُ (قُلْتُ أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ) هُوَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَمَعْنَاهُ مَا أَعْلَمُ ولاعندى شيء الاعن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَنْقُلُ عَنِ التَّوْرَاةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ شَيْئًا بِخِلَافِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ بِعِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ

[2998] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (لايلدغ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ
(18/124)

الرواية المشهورة لايلدغ بِرَفْعِ الْغَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِضَمِّ الْغَيْنِ عَلَى الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الْمُؤْمِنُ الممدوح وهو الكيس الحازم الذى لايستغفل فيخدع مرة بعد أخرى ولايفطن لِذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ الْخِدَاعَ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي بِكَسْرِ الْغَيْنِ عَلَى النَّهْيِ أَنْ يُؤْتَى مِنْ جِهَةِ الْغَفْلَةِ قَالَ وَسَبَبُ الْحَدِيثِ مَعْرُوفٌ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أسر أبا غرة الشاعر يوم بدر فمن عليه وعاهده أن لايحرض عليه ولايهجوه وَأَطْلَقَهُ فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى التَّحْرِيضِ وَالْهِجَاءِ ثُمَّ أَسَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَسَأَلَهُ الْمَنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ لايلدغ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ وَهَذَا السَّبَبُ يُضَعِّفُ الْوَجْهَ الثَّانِي وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ نَالَهُ الضَّرَرُ مِنْ جِهَةٍ أَنْ يَتَجَنَّبَهَا لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا ثانية
(18/125)

(باب النهي عن المدح إذا كان فيه افراط وخيف منه فتنة عَلَى الْمَمْدُوحِ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْبَابِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَدْحِ وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجَازَفَةِ فِي الْمَدْحِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَوْصَافِ أَوْ عَلَى مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ مِنْ إِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ إِذَا سَمِعَ الْمَدْحَ وأما من لايخاف عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَمَالِ تَقْوَاهُ وَرُسُوخِ عَقْلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَلَا نَهْيَ فِي مَدْحِهِ فِي وَجْهِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُجَازَفَةٌ بَلْ إِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةٌ كَنَشَطِهِ لِلْخَيْرِ وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ أَوِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ أَوِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ كَانَ مستحبا والله أعلم

[3000] قَوْلُهُ (وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا) أَيْ لا أقطع على عاقبة أحد ولاضميره لِأَنَّ ذَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنَّا وَلَكِنْ أَحْسِبُ وَأَظُنُّ لِوُجُودِ الظَّاهِرِ الْمُقْتَضِي)
(18/126)

لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ مَعْنَاهُ أَهْلَكْتُمُوهُ وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ مِنْ قَطْعِ الْعُنُقِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْهَلَاكِ لَكِنْ هَلَاكَ هَذَا الْمَمْدُوحِ فِي دِينِهِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا لِمَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَالِهِ بِالْإِعْجَابِ

[3001] وَقَوْلُهُ (وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ) هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْإِطْرَاءُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْمَدْحِ

[3002] قوله (أمرنا
(18/127)

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ) هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمِقْدَادُ الَّذِي هُوَ رَاوِيهِ وَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ وَكَانُوا يَحْثُونَ التُّرَابَ فِي وَجْهِهِ حَقِيقَةً وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ خَيِّبُوهُمْ فَلَا تُعْطُوهُمْ شَيْئًا لِمَدْحِهِمْ وَقِيلَ إِذَا مُدِحْتُمْ فَاذْكُرُوا أَنَّكُمْ مِنْ تُرَابٍ فَتَوَاضَعُوا وَلَا تُعْجَبُوا وَهَذَا ضَعِيفٌ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ) هَكَذَا هُوَ فى نسخ بلادنا بن عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا قَالَ الْقَاضِي وقع لأكثر شيوخنا بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُكَبَّرًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الذى ذكره البخارى وغيره
(18/128)

(باب التثبت فى الحديث وحكم كتابة العلم

[2493] قَوْلُهُ (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ وَهُوَ يَقُولُ اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ) يَعْنِي عَائِشَةَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ الْحَدِيثِ بِإِقْرَارِهَا ذَلِكَ وَسُكُوتِهَا عَلَيْهِ وَلَمْ تُنْكِرْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سِوَى الْإِكْثَارِ مِنَ الرِّوَايَةِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ لِخَوْفِهَا أَنْ يَحْصُلَ بِسَبَبِهِ سَهْوٌ وَنَحْوُهُ

[3004] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاتكتبوا عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنَ وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) قَالَ الْقَاضِي كَانَ بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي كِتَابَةِ الْعِلْمِ فَكَرِهَهَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ وَأَجَازَهَا أَكْثَرُهُمْ)
(18/129)

ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهَا وَزَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي النَّهْيِ فَقِيلَ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ يُوْثَقُ بِحِفْظِهِ وَيُخَافُ اتِّكَالِهِ عَلَى الْكِتَابَةِ إِذَا كتب ويحمل الأحاديث الواردة بالاباحة على من لايوثق بِحِفْظِهِ كَحَدِيثِ اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ وَحَدِيثِ صَحِيفَةَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَدِيثِ كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ وَحَدِيثِ كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَنُصُبِ الزَّكَاةِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ وحديث أبى هريرة أن بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَقِيلَ إِنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَكَانَ النَّهْيُ حِينَ خيف اختلاطه بالقرآن فلماأمن ذَلِكَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ وَقِيلَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي صَحِيفَةٍ واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارىء فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَاب قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ وَالسَّاحِرِ وَالرَّاهِبِ وَالْغُلَامِ

[3005] هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَفِيهِ جَوَازُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ وَنَحْوِهَا وَفِي إِنْقَاذِ النَّفْسِ مِنَ الْهَلَاكِ سَوَاءً نَفْسُهُ أَوْ نَفْسُ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ حُرْمَةٌ وَالْأَكْمَهُ الَّذِي خُلِقَ أَعْمَى وَالْمِئْشَارُ مَهْمُوزٌ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ بِقَلْبِهَا يَاءً وَرُوِيَ الْمِنْشَارُ بِالنُّونِ وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا قَرِيبًا وَذُرْوَةُ الجبل أعلاه وهى بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا وَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ أَيِ اضطرب وتحرك)
(18/130)

حَرَكَةً شَدِيدَةً وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رَوَاهُ فَزَحَفَ بِالزَّايِ وَالْحَاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَرَكَةِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَالْقُرْقُورُ بِضَمِّ الْقَافَيْنِ السَّفِينَةُ الصَّغِيرَةُ وَقِيلَ الْكَبِيرَةُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي الصَّغِيرَةَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ خِلَافًا كَثِيرًا وَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ أَيْ انْقَلَبَتْ وَالصَّعِيدُ هُنَا الْأَرْضُ الْبَارِزَةُ وكبد
(18/131)

القوس مقبضها عند الرمى قَوْلُهُ (نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ) أَيْ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ وَتَخَافُ وَالْأُخْدُودُ هُوَ الشَّقُّ الْعَظِيمُ فِي الْأَرْضِ وَجَمْعُهُ أَخَادِيدُ وَالسِّكَكُ الطُّرُقُ وَأَفْوَاهُهَا أَبْوَابُهَا قَوْلُهُ (مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ فَأَحْمُوهُ بِهَمْزَةِ قَطَعٍ بَعْدَهَا حَاءٌ سَاكِنَةٌ وَنَقَلَ الْقَاضِي اتِّفَاقَ النُّسَخِ عَلَى هَذَا وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ بِلَادِنَا فَأَقْحِمُوهُ بِالْقَافِ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَمَعْنَاهُ اطرحوه فِيهَا كُرْهًا وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ارْمُوهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِهِمْ حَمَيْتُ الْحَدِيدَةَ وَغَيْرَهَا إِذَا أَدْخَلْتُهَا النَّارَ لِتُحْمَى قَوْلُهُ (فَتَقَاعَسَتْ) أَيْ تَوَقَّفَتْ وَلَزِمَتْ مَوْضِعَهَا وَكَرِهَتِ الدُّخُولَ فِي النَّارِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ

(بَاب حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ

[3006] قَوْلُهُ (عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ زَايٍ ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ هَاءٍ وَأَبُو الْيُسْرِ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالسِّينُ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عمرو شهد العقبة وبدرا وهو بن عشرين سنة)
(18/133)

وَهُوَ آخِرُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ قَوْلُهُ (ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ) هِيَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ رِزْمَةٌ يَضُمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ ضِمَامَةٌ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا صَوَابُهُ إِضْمَامَةٌ بكسر الهمزة قبل الضاد قال القاضي ولايبعد عِنْدِي صِحَّةُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ هُنَا كَمَا قَالُوا صِنَّارَةٌ وَإِصْنَارَةٌ لِجَمَاعَةِ الْكُتُبِ وَلِفَافَةٌ لِمَا يُلَفُّ فِيهِ الشَّيْءُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَذَكَرَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ أَنَّ الضِّمَامَةَ لُغَةٌ فِي الْإِضْمَامَةِ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ إِضْمَامَةٌ بِالْأَلِفِ قَوْلُهُ (وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيُّ) الْبُرْدَةُ شَمْلَةٌ مُخَطَّطَةٌ وَقِيلَ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ فِيهِ صِغَرٌ يَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ وَجَمْعُهُ الْبُرُدُ وَالْمَعَافِرِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ يُعْمَلُ بِقَرْيَةٍ تُسَمَّى مَعَافِرَ وَقِيلَ هِيَ نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةٍ نَزَلَتْ تِلْكَ الْقَرْيَةَ وَالْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةٌ قَوْلُهُ (سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ) هِيَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَبِإِسْكَانِ الْفَاءِ أَيْ عَلَامَةٌ وَتَغَيُّرٌ قَوْلُهُ (كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ) قَالَ الْقَاضِي رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ الْحَرَامِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي حَرَامٍ وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ بالزاى المعجمة مع كسر الحاء ورواه بن مَاهَانَ الْجُذَامِيِّ بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ قَوْلُهُ (بن لَهُ جَفْرٌ) الْجَفْرُ
(18/134)

هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي قوى على الأكل وقيل بن خَمْسِ سِنِينَ قَوْلُهُ (دَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي) قَالَ ثعلب هي السرير الذي فى الحجلة ولايكون السَّرِيرُ الْمُفْرَدُ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ كُلُّ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَرِيكَةٌ قَوْلُهُ (قُلْتُ آللَّهِ قَالَ اللَّهِ) الْأَوَّلُ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَالثَّانِي بلامد وَالْهَاءُ فِيهِمَا مَكْسُورَةٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ القاضي رويناه بكسرها وفتحها معا قال وأكثر اهل العربية لايجيزون غَيْرَ كَسْرِهَا قَوْلُهُ (بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ) هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَرَفْعِ الرَّاءِ وَبِإِسْكَانِ مِيمِ سَمْعُ وَرَفْعِ الْعَيْنِ هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَيْنَايَ هَاتَانِ وَسَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيمِ أُذُنَايَ هَاتَانِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى قَوْلُهُ (وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ نِيَاطِ بِكَسْرِ النُّونِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالْقَلْبِ

[3007] قَوْلُهُ (فَقُلْتُ لَهُ يَا عَمِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكِ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ
(18/135)

وَأَخَذْتَ بِالْوَاوِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَالرِّوَايَاتِ وَوَجْهُ الْكَلَامِ وَصَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ أو أخذت بأولان الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحَدِهِمَا بُرْدَتَانِ وَعَلَى الْآخِرِ مَعَافِرِيَّانِ وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَهِيَ ثَوْبَانِ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَحِلُّ عَلَى الْآخِرِ وَقِيلَ لَا تَكُونُ إِلَّا الثَّوْبَ الْجَدِيدَ الَّذِي يُحَلُّ مِنْ طَيِّهِ

[3008] قَوْلُهُ (وَهُوَ يُصَلِّي فى ثوب واحد مشتملابه) أَيْ مُلْتَحِفًا اشْتِمَالًا لَيْسَ بِاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَعَ وُجُودِ الثِّيَابِ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَوْبٍ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِنَّمَا فَعَلَ جَابِرٌ هَذَا لِلتَّعْلِيمِ كَمَا قَالَ قَوْلُهُ (أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ) الْمُرَادُ بِالْأَحْمَقِ هُنَا الْجَاهِلُ وَحَقِيقَةُ الْأَحْمَقِ مَنْ يَعْمَلُ مَا يَضُرُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ وَفِي هَذَا جَوَازُ مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ لِلتَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيبِ وَزَجْرُ الْمُتَعَلِّمِ وَتَنْبِيهُهُ وَلِأَنَّ لَفْظَةَ الْأَحْمَقِ وَالظَّالِمِ قَلَّ مَنْ يَنْفَكُّ مِنَ الِاتِّصَافِ بِهِمَا وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ هِيَ الَّتِي يُؤَدِّبُ بِهَا الْمُتَّقُونَ وَالْوَرِعُونَ مَنِ اسْتَحَقَّ التَّأْدِيبَ وَالتَّوْبِيخَ وَالْإِغْلَاظَ فِي الْقَوْلِ
(18/136)

لِأَنَّ مَا يَقُولُهُ غَيْرُهُمْ مِنْ أَلْفَاظِ السَّفَهِ قوله (عرجون بن طَابَ) سَبَقَ شَرْحُهُ قَرِيبًا وَسَبَقَ أَيْضًا مَرَّاتٍ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ وَالْعُرْجُونُ الْغُصْنُ قَوْلُهُ (فَخَشَعْنَا) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ بِالْجِيمِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ مِنَ الْخُشُوعِ وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ وَالسُّكُونُ وَأَيْضًا غَضُّ الْبَصَرِ وَأَيْضًا الْخَوْفُ وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ الْفَزَعُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنَّ اللَّهَ قبل وجهه) قال العلماء تأويله أَيِ الْجِهَةُ الَّتِي عَظَّمَهَا أَوِ الْكَعْبَةُ الَّتِي عَظَّمَهَا قِبَلَ وَجْهِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ) أَيْ غَلَبَتْهُ بَصْقَةٌ أَوْ نُخَامَةٌ بَدَرَتْ مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرُونِي عَبِيرًا فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِخَلُوقٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَبِيرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الزَّعْفَرَانُ وَحْدَهُ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ هُوَ أَخْلَاطٌ مِنَ الطِّيبِ تُجْمَعُ بِالزَّعْفَرَانِ قال بن قتيبة ولاأرى القول الاما قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَالْخَلُوقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ هُوَ طِيبٌ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ يُجْمَعُ بِالزَّعْفَرَانِ وَهُوَ الْعَبِيرُ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِإِحْضَارِ عَبِيرٍ فَأَحْضَرَ خَلُوقًا فَلَوْ لَمْ يكن هو هو
(18/137)

لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا وَقَوْلُهُ (يَشْتَدُّ) أَيْ يَسْعَى وَيَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ الْمَسَاجِدِ وَتَنْزِيهِهَا مِنَ الْأَوْسَاخِ وَنَحْوِهَا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تطيبها وَفِيهِ إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ وَتَقْبِيحُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِاللِّسَانِ

[3009] قَوْلُهُ (فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا وَالْوَاوُ مُخَفَّفَةٌ وَالطَّاءُ مُهْمَلَةٌ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِالضَّمِّ وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ وَكَذَا قَيَّدَهُ الْبَكْرِيُّ وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ جُهَيْنَةَ قَالَ وَرَوَاهُ الْعُذْرِيُّ رحمه الله تعالى بفتح الباء وصححه بن سِرَاجٍ قَوْلُهُ (وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو) هُوَ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَنَا وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّةِ الرُّوَاةِ وَالنُّسَخِ قَالَ وَفِي بَعْضِهَا النَّجْدِيَّ بِالنُّونِ بَدَلُ الْمِيمِ قَالَ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ (النَّاضِحُ) هُوَ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعُقْبَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَهِيَ رُكُوبُ هَذَا نَوْبَةً وَهَذَا نَوْبَةً قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هِيَ رُكُوبُ مِقْدَارِ فَرْسَخَيْنِ وَقَوْلُهُ (وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَكْثَرِهِمْ يَعْقُبُهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفِي بَعْضِهَا يَعْتَقِبُهُ بِزِيَادَةِ تَاءٍ وَكَسْرِ الْقَافِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ يُقَالُ عَقَبَهُ وَاعْتَقَبَهُ وَاعْتَقَبْنَا وَتَعَاقَبْنَا كُلُّهُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ (فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ) أَيْ تَلَكَّأَ وَتَوَقَّفَ قَوْلُهُ (شَأْ لَعَنَكَ اللَّهُ) هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَذَكَرَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الرُّوَاةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُهْمَلَةِ قَالُوا وَكِلَاهُمَا كَلِمَةُ زَجْرٍ لِلْبَعِيرِ
(18/138)

يُقَالُ مِنْهُمَا شَأْشَأْتُ بِالْبَعِيرِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ إِذَا زَجَرْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ شَأْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَسَأْسَأْتُ بِالْحِمَارِ بِالْهَمْزِ أَيْ دَعَوْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ تُشُؤْ تُشُؤْ بِضَمِّ التَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا مَعَ الْأَمْرِ بِمُفَارَقَةِ الْبَعِيرِ الَّذِي لَعَنَهُ صَاحِبُهُ

[3010] قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيْشِيَةٌ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهَا عَلَى التَّصْغِيرِ مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ سَاكِنَةُ الْأُولَى قَالَ سِيبَوَيْهِ صَغَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ تَكْبِيرِهَا وَكَانَ أَصْلُهَا عَشِيَّةٌ فَأَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ شِينًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ) أَيْ يُطَيِّنُهُ وَيُصْلِحُهُ قَوْلُهُ (فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلًا) أَيْ أَخَذْنَا وَجَبَذْنَا وَالسَّجْلُ بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءَةُ وَسَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ قَوْلُهُ (حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِنَا وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ أَصَفَقْنَاهُ بِالصَّادِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ
(18/139)

وَمَعْنَاهُمَا مَلَأْنَاهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَتَأْذَنَانِ قُلْنَا نَعَمْ) هَذَا تَعْلِيمٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ الْآدَابَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْوَرَعَ وَالِاحْتِيَاطَ وَالِاسْتِئْذَانَ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا رَاضِيَانِ وَقَدْ أَرْصَدَا ذَلِكَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِمَنْ بَعْدَهُ قَوْلُهُ (فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ فَشَنَقَ لَهَا فَشَجَّتْ فَبَالَتْ) مَعْنَى أَشْرَعَهَا أَرْسَلَ رَأْسَهَا فِي الْمَاءِ لتشرب ويقال شنقها وأشنقبها أى كففتها بزمامها وأنت راكبها وقال بن دُرَيْدٍ هُوَ أَنْ تَجْذِبَ زِمَامَهَا حَتَّى تُقَارِبَ رَأْسَهَا قَادِمَةَ الرَّحْلِ وَقَوْلُهُ فَشَجَتْ بِفَاءٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ مَفْتُوحَاتٍ الْجِيمُ مُخَفَّفَةٌ وَالْفَاءُ هُنَا أَصْلِيَّةٌ يُقَالُ فَشَجَ الْبَعِيرُ إِذَا فَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ لِلْبَوْلِ وَفَشَّجَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ أَشَدُّ مِنْ فَشَجَ بِالتَّخْفِيفِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَبْطِهِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وغيرهما من أهل الغريب ذكره الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَشَجَّتْ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَتَكُونُ الْفَاءُ زَائِدَةً لِلْعَطْفِ وَفَسَّرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي غَرِيبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لَهُ قَالَ مَعْنَاهُ قَطَعَتِ الشُّرْبَ مِنْ قَوْلِهِمْ شَجَجْتُ الْمَفَازَةَ إِذَا قَطَعْتُهَا بِالسَّيْرِ وَقَالَ الْقَاضِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ فَثُجَّتْ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْجِيمِ قَالَ ولامعنى لهذه الرواية ولالرواية الْحُمَيْدِيِّ قَالَ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ اجْتِمَاعَ الشِّينِ وَالْجِيمِ وَادَّعَى أَنَّ صَوَابَهُ فَشَحَتْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ قولهم شحافاه إِذَا فَتَحَهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى تَفَاجَّتْ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عَامَّةِ النُّسَخِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ أَيْضًا صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (ثُمَّ جَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ) فِيهِ دليل لجواز الوضوء من الماءالذى
(18/140)

شَرِبَتْ مِنْهُ الْإِبِلُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الطَّاهِرِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ دُونَ قُلَّتَيْنِ وَهَكَذَا مَذْهَبُنَا قَوْلُهُ (لَهَا ذَبَاذِبُ) أَيْ أَهْدَابٌ وَأَطْرَافٌ وَاحِدُهَا ذِبْذِبٌ بِكَسْرِ الذَّالَيْنِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَتَذَبْذَبُ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا مَشَى أَيْ تَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ قَوْلُهُ (فَنَكَّسْتُهَا) بِتَخْفِيفِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِهَا قَوْلُهُ (تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا) أَيْ أَمْسَكْتُ عَلَيْهَا بِعُنُقِي وَخَبَنْتُهُ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَسْقُطَ قَوْلُهُ (قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ إِلَى آخِرِهِ) هَذَا فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا جَوَازُ العمل اليسير فى الصلاة وأنه لايكره إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ كُرِهَ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُومَ الْوَاحِدَ يَقِفُ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى يَسَارِهِ حَوَّلَهُ الْإِمَامُ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُومَيْنِ يُكَوِّنَانِ صَفًّا وَرَاءَ الامام كما لوكانوا ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلا بن مَسْعُودٍ وَصَاحِبَيْهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يَقِفُ الِاثْنَانِ عَنْ جَانِبَيْهِ قَوْلُهُ (يَرْمُقُنِي) أَيْ يَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرًا مُتَتَابِعًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ
(18/141)

هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ وَالْمُرَادُ هُنَا أَنْ يَبْلُغَ السُّرَّةَ وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ إِذَا شَدَّ الْمِئْزَرَ وَصَلَّى فِيهِ وَهُوَ سَاتِرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَتْ عَوْرَتُهُ تُرَى مِنْ أَسْفَلِهِ لَوْ كَانَ عَلَى سَطْحٍ ونحوه فان هذا لايضره

[3011] قوله (وكان قوت كل رجل مناكل يَوْمٍ تَمْرَةً فَكَانَ يَمَصُّهَا) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَحُكِي ضَمُّهَا وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ قَوْلُهُ (وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا) الْقِسِيُّ جَمْعُ قَوْسٍ وَمَعْنَى نَخْتَبِطُ نَضْرِبُ الشَّجَرَ لِيَتَحَاتَّ وَرِقُهُ فَنَأْكُلُهُ (وَقَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا) أَيْ تَجَرَّحَتْ مِنْ خُشُونَةِ الْوَرِقِ وَحَرَارَتِهِ قَوْلُهُ (فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ فَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا) مَعْنَى أُقْسِمُ أَحْلِفُ وَقَوْلُهُ أُخْطِئَهَا أَيْ فَاتَتْهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لِلتَّمْرِ قَاسِمٌ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ فَيُعْطِي كُلَّ إِنْسَانٍ تَمْرَةً كُلَّ يَوْمٍ فَقَسَمَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَنَسِيَ إِنْسَانًا فَلَمْ يُعْطِهِ تَمْرَتَهُ وَظَنَّ أَنَّهُ أَعْطَاهُ فَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ وَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَمَعْنَى نَنْعَشُهُ نَرْفَعُهُ وَنُقِيمُهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّعْفِ وَالْجَهْدِ وَقَالَ الْقَاضِي الْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ نَشُدُّ جَانِبَهُ فِي دَعْوَاهُ وَنَشْهَدُ لَهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ وَفِيهِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّفْيِ فِي الْمَحْصُورِ الَّذِي يُحَاطُ بِهِ

[3012] قَوْلُهُ (نَزَلْنَا
(18/142)

واديا أفيح) هو بالفاء أى واسعا وشاطىء الْوَادِي جَانِبُهُ قَوْلُهُ (فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ) هُوَ بِالْخَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يُجْعَلُ فِي أَنْفِهِ خِشَاشٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهُوَ عُودٌ يُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ إِذَا كَانَ صَعْبًا وَيُشَدُّ فِيهِ حَبْلٌ لِيَذِلَّ وَيَنْقَادَ وَقَدْ يَتَمَانَعُ لِصُعُوبَتِهِ فَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَآلَمَهُ انْقَادَ شَيْئًا وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ وَفِي هَذَا هَذِهِ الْمُعْجِزَاتُ الظَّاهِرَاتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا) أَمَّا الْمَنْصَفُ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ وَهُوَ نِصْفُ الْمَسَافَةِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِفَتْحِهِ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَقَوْلُهُ لَأَمَ بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَمَمْدُودَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ أَيْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَلَامَ بِالْأَلِفِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هُوَ تَصْحِيفٌ قَوْلُهُ (فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَعْدُو وَأَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا قَوْلُهُ (فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ) اللَّفْتَةُ النَّظْرَةُ إِلَى جَانِبٍ وَهِيَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فَحَالَتْ بِاللَّامِ وَالْمَشْهُورُ بِالنُّونِ وَهُمَا بِمَعْنًى فالحين والحال
(18/143)

الْوَقْتُ أَيْ وَقَعَتْ وَاتَّفَقَتْ وَكَانَتْ قَوْلُهُ (وَأَشَارَ أبو إسماعيل) وفى بعض النسخ بن إِسْمَاعِيلَ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ هُوَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ قَوْلُهُ (فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ فَانْذَلَقَ فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا) فَقَوْلُهُ فَحَسَرْتُهُ بِحَاءٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَالسِّينُ مُخَفَّفَةٌ أَيْ أَحْدَدْتُهُ وَنَحَّيْتُ عَنْهُ مَا يَمْنَعُ حِدَّتَهُ بِحَيْثُ صَارَ مِمَّا يُمْكِنُ قَطْعِي الْأَغْصَانَ بِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَانْذَلَقَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صَارَ حَادًّا وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ الضَّمِيرُ فِي حَسَرْتُهُ عَائِدٌ عَلَى الغصن أى خسرت غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ أَيْ قَشَّرْتُهُ بِالْحَجَرِ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا عَلَى الْهَرَوِيِّ وَمُتَابَعِيهِ وَقَالَ سِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَى هَذَا لِأَنَّهُ حَسَرَهُ ثُمَّ أَتَى الشَّجَرَةَ فَقَطَعَ الْغُصْنَيْنِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي لَفْظِهِ وَلِأَنَّهُ قَالَ فَحَسَرْتُهُ فَانْذَلَقَ وَاَلَّذِي يوصف بالانذلاق الحجر لاالغصن وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إِنَّمَا حَسَرَ الْحَجَرَ وَبِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فَحَسَرْتُهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ هكذا هو فى جميع النسخ كذا هُوَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَفِي كِتَابِ الْخَطَّابِيِّ وَالْهَرَوِيِّ وَجَمِيعِ كُتُبِ الْغَرِيبِ وَادَّعَى الْقَاضِي رِوَايَتَهُ عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِهِمْ لِهَذَا الْحَرْفِ بِالشِّينِ المعجمة
(18/144)

وَادَّعَى أَنَّهُ أَصَحُّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُرَفَّهُ عَنْهُمَا) أَيْ يُخَفَّفُ

[3013] قَوْلُهُ (وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُبَرِّدُ الْمَاءَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ) أَمَّا الْأَشْجَابُ هُنَا فَجَمْعُ شَجْبٍ بِإِسْكَانِ الْجِيمِ وَهُوَ السِّقَاءُ الَّذِي قَدْ أُخْلِقَ وَبَلِيَ وَصَارَ شَنًّا يُقَالُ شَاجِبٌ أَيْ يَابِسٌ وَهُوَ مِنَ الشَّجْبِ الَّذِي هُوَ الْهَلَاكُ وَمِنْهُ حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَامَ إِلَى شَجْبٍ فَصَبَّ مِنْهُ الْمَاءَ وَتَوَضَّأَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ وَأَمَّا قَوْلُ الْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشْجَابِ هُنَا الْأَعْوَادُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْقِرْبَةُ فَغَلَطٌ لِقَوْلِهِ يُبَرِّدُ فِيهَا عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ وَأَمَّا الْحِمَارَةُ فَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَهِيَ أَعْوَادٌ تُعَلَّقُ عَلَيْهَا أَسْقِيَةُ الْمَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ حِمَارٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَرِوَايَةُ الْجُمْهُورِ حِمَارَهُ بِالْهَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ (فَلَمْ أَجِدْ فيها الاقطرة فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ
(18/145)

شربه يابسه) قوله قطرة أى يسيرا والعزلاء بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِإِسْكَانِ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ وَهِيَ فَمُ الْقِرْبَةِ وَقَوْلُهُ شَرِبَهُ يَابِسُهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا فَلِقِلَّتِهِ مَعَ شِدَّةِ يُبْسِ بَاقِي الشجب وهو السقاء لو أفرغته لأشنقه الْيَابِسُ مِنْهُ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ قَوْلُهُ (وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِيَدِهِ أَيْ يَعْصِرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَادِ بِجَفْنَةٍ فَقُلْتُ يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ فَأَتَيْتُ بِهَا) أى ياصاحب جَفْنَةِ الرَّكْبِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْمُرَادُ وأن الجفنة لاتنادى ومعناه ياصاحب جَفْنَةِ الرَّكْبِ الَّتِي تُشْبِعُهُمْ أَحْضِرْهَا أَيْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ جَفْنَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلْيُحْضِرْهَا وَالْجَفْنَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ

[3014] قَوْلُهُ (فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً فَأَلْقَى دَابَّةً فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ) سِيفُ الْبَحْرِ بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ هُوَ سَاحِلُهُ وَزَخَرَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ
(18/146)

أَيْ عَلَا مَوْجُهُ وَأَوْرَيْنَا أَوْقَدْنَا قَوْلُهُ (حِجَاجُ عَيْنِهَا) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ عَظْمُهَا الْمُسْتَدِيرُ بِهَا قَوْلُهُ (ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ وَأَعْظَمِ كفل فى الركب فدخل تحته ما يطأطىء رَأْسَهُ) الْكِفْلُ هُنَا بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْمُرَادُ بِالْكِفْلِ هُنَا الْكِسَاءُ الَّذِي يَحْوِيهِ رَاكِبُ الْبَعِيرِ عَلَى سَنَامِهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ فَيَحْفَظُ الكِفلُ الرَّاكِبَ قَالَ الْهَرَوِيُّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رحمته أَيْ نَصِيبَيْنِ يَحْفَظَانِكُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ كَمَا يَحْفَظُ الْكِفْلُ الرَّاكِبَ يُقَالُ مِنْهُ تَكَفَّلْتَ الْبَعِيرَ وَأَكْفَلْتُهُ إِذَا أَدَرْتُ ذَلِكَ الْكِسَاءَ حَوْلَ سَنَامِهِ ثُمَّ رَكِبْتَهُ وَهَذَا الْكِسَاءُ كِفْلٌ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَضَبَطَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْفَاءِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فَهُوَ بِالْجِيمِ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْحَاءِ وَكَذَا وَقَعَ لِرُوَاةِ الْبُخَارِيِّ بِالْوَجْهَيْنِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(18/147)

بَاب فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ وَيُقَالُ لَهُ حَدِيثُ الرحل الحاء

[2009] قَوْلُهُ (يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ) أَيْ يَسْتَوْفِيهِ وَيُقَالُ سَرَى وَأَسْرَى لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَقَائِمُ الظَّهِيرَةِ نِصْفُ النَّهَارِ وَهُوَ حَالُ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ سُمِّي قَائِمًا لِأَنَّ الظِّلَّ لَا يَظْهَرُ فَكَأَنَّهُ وَاقِفٌ قَائِمٌ وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ قَائِمُ الظُّهْرِ بِضَمِّ الظَّاءِ وَحَذْفِ الْيَاءِ قَوْلُهُ (رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ) أَيْ ظَهَرَتْ لِأَبْصَارِنَا قَوْلُهُ (فَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً) الْمُرَادُ الْفَرْوَةُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي تُلْبَسُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ الْمُرَادُ بِالْفَرْوَةِ هُنَا الْحَشِيشُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ فَرْوَةٌ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ وَمِمَّا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَرْوَةً مَعِي وَيُقَالُ لَهَا فَرْوَةٌ بِالْهَاءِ وفرو بِحَذْفِهَا وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ وَإِنْ كَانَتَا صَحِيحَتَيْنِ قَوْلُهُ (أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ) أَيْ أُفَتِّشُ لِئَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ عَدُوٌّ وَقَوْلُهُ (لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) الْمُرَادُ بِالْمَدِينَةِ هُنَا مَكَّةُ وَلَمْ تَكُنْ مَدِينَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُمِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا كَانَ اسْمُهَا يَثْرِبُ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي إِنَّ ذِكْرَ الْمَدِينَةِ هُنَا وَهَمٌ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِهَا مَكَّةُ قَوْلُهُ (أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ) هُوَ
(18/148)

بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْبَاءِ يَعْنِي اللَّبَنَ الْمَعْرُوفَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَشْهُورَةُ وَرَوَى بَعْضُهُمْ لُبْنٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ أَيْ شِيَاهٌ وَذَوَاتُ أَلْبَانٍ قَوْلُهُ (فحلب لى فى قعب معه كثيبة مِنْ لَبَنٍ قَالَ وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا) الْقَعْبُ قَدَحٌ مِنْ خَشَبٍ مَعْرُوفٌ وَالْكُثْبَةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ وَهِيَ قَدْرُ الْحَلْبَةِ قَالَهُ بن السكيت وقيل هي القليل منه والادواة كَالرَّكْوَةِ وَأَرْتَوِي أَسْتَقِي وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ فَيُقَالُ كَيْفَ شَرِبُوا اللَّبَنَ مِنَ الْغُلَامِ وَلَيْسَ هُوَ مَالِكُهُ وَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَأْذَنُونَ لِلرُّعَاةِ إِذَا مَرَّ بِهِمْ ضَيْفٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ أَنْ يَسْقُوهُ اللَّبَنَ وَنَحْوَهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لِصَدِيقٍ لَهُمْ يَدِلُّونَ عَلَيْهِ وَهَذَا جَائِزٌ والثالث أنه مال حربى لاأمان لَهُ وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ وَالرَّابِعُ لَعَلَّهُمْ كَانُوا مُضْطَرِّينَ وَالْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ أَجْوَدُ قَوْلُهُ (بَرَدَ أَسْفَلُهُ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ بِضَمِّهَا قَوْلُهُ (وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ أَيْ أَرْضٍ صُلْبَةٍ
(18/149)

وَرُوِيَ جُدُدٍ بِدَالَيْنِ وَهُوَ الْمُسْتَوِي وَكَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً صُلْبَةً قَوْلُهُ (فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا) أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمُهَا فِي تِلْكِ الْأَرْضِ الْجَلَدِ قَوْلُهُ (وَوَفَى لَنَا) بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ قَوْلُهُ (فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ) هُوَ بِمَعْنَى ارْتَطَمَتْ قَوْلُهُ (لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي) يَعْنِي لَأُخْفِيَنَّ أَمْرَكُمْ عَمَّنْ وَرَائِي مِمَّنْ يَطْلُبُكُمْ وَأُلَبِّسُهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى لايعلم أَحَدٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ وَفِيهِ خِدْمَةُ التَّابِعِ لِلْمَتْبُوعِ وَفِيهِ اسْتِصْحَابُ الرَّكْوَةِ وَالْإِبْرِيقِ وَنَحْوِهِمَا فِي السَّفَرِ للطهارة والشرب وَفِيهِ فَضْلُ التَّوَكُّلِ
(18/150)

عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحُسْنُ عَاقِبَتِهِ وَفِيهِ فضائل للأنصار لِفَرَحِهِمْ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظُهُورُ سُرُورِهِمْ بِهِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ سَوَاءٌ قَرُبَتِ الْقَرَابَةُ وَالرَّحِمُ أَمْ بَعُدَتْ وَأَنَّ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ إِذَا قَدِمَ بَلَدًا لَهُ فِيهِ أَقَارِبُ يَنْزِلُ عِنْدَهُمْ يُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أعلم
(18/151)

(

كتاب التفسير)

[3015] قوله تعالى (وقولوا حطة) أى مسئلتنا حِطَّةٌ وَهِيَ أَنْ يَحُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا وَقَوْلُهُ (يزحفون على أساههم) جَمْعُ اسْتٍ وَهِيَ الدُّبُرُ

[3017] قَوْلُهُ فِي قَوْلِهِ تعالى اليوم أكملت لكم دينكم (انها نزلت
(18/152)

لَيْلَةَ جَمْعٍ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرفات) هكذا هو فى النسخ الرواية ليلة جمع وفى نسخة بن مَاهَانَ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَمَنْ رَوَى لَيْلَةَ جَمْعٍ فَهِيَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَنَحْنُ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ لِأَنَّ لَيْلَةَ جَمْعٍ هِيَ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَاتٍ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَمُرَادُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّا قَدِ اتَّخَذْنَا ذلك اليوم عيدامن وَجْهَيْنِ فَإِنَّهُ يَوْمَ عَرَفَةَ
(18/153)

وَيَوْمَ جُمُعَةٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِيدٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ

[3018] قَوْلُهُ (تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مثنى وثلاث ورباع) أَيْ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَلَيْسَ فِيهِ جَوَازُ جَمْعِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ قَوْلُهَا (يُقْسِطُ فِي صَدَاقِهَا) أَيْ يعدل قولها (أعلى سننهن) أَيْ أَعْلَى عَادَتِهِنَّ فِي
(18/154)

مهورهن ومهور أمثالهن يقال ضره وأضر بِهِ فَالثُّلَاثِيُّ بِحَذْفِ الْبَاءِ وَالرُّبَاعِيُّ بِإِثْبَاتِهَا قَوْلُهَا
(18/155)

(فَيَعْضِلُهَا) أَيْ يَمْنَعُهَا الزَّوَاجَ قَوْلُهَا (شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ) شَرِكَتْهُ بِكَسْرِ
(18/156)

الرَّاءِ أَيْ شَارَكَتْهُ وَالْعَذْقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ النَّخْلَةُ قَوْلُهَا فِي

[3019] قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَنْ كَانَ فقيرا فليأكل بالمعروف) أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا هُوَ أَيْضًا مذهب الشافعى والجمهور وقالت طائفة لايجوز وحكى عن بن عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَا وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا الآية وقيل بقوله تعالى ولاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِيمَا إِذَا أَكَلَ هَلْ يَلْزَمُهُ رد بدله وهما وجهان لأصحابنا أصحهما لايلزمه وقال فقهاء
(18/157)

الْعِرَاقِ إِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ إِذَا سَافَرَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[3022] قَوْلُهَا (أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبُّوهُمْ) قَالَ الْقَاضِي الظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْ هَذَا عِنْدَمَا سَمِعَتْ أَهْلَ مِصْرَ يَقُولُونَ فِي عُثْمَانَ مَا قَالُوا وَأَهْلَ الشَّامِ فِي عَلِيٍّ مَا قَالُوا وَالْحَرُورِيَّةَ فِي الْجَمِيعِ مَا قَالُوا وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَهُوَ قوله تعالى والذين جاؤا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الذين سبقونا بالايمان وبهذا احتج مالك فى انه لاحق فِي الْفَيْءِ لِمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ
(18/158)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَهُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ والله أعلم قوله (عن بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْقَاتِلَ مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ) وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا هذا هو المشهور عن بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ تَوْبَةً وَجَوَازُ الْمَغْفِرَةِ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يستغفر الله يجد الله غفورارحيما وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْقَتْلِ وَالتَّوْرِيَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي احتج بها بن عَبَّاسٍ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يُخَلَّدُ وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ جزاؤه ولايلزم مِنْهُ أَنَّهُ يُجَازَى وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانُ مَعْنَى الْآيَةِ فِي كِتَابِ التَّوْبَةِ والله أعلم

[3023] قوله (فرحلت إلى بن عَبَّاسٍ) هُوَ بِالرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هَذَا هُوَ الصحيح المشهور فى الروايات وفى نسخة بن مَاهَانَ فَدَخَلْتُ بِالدَّالِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ دَخَلْتُ بَعْدَ رِحْلَتِي إِلَيْهِ
(18/159)

قَوْلُهُ (فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَقَلَهُ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ عَلِمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَتَحْرِيمَ الْقَتْلِ قَوْلُهُ (نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَدِينَةِ) يَعْنِي بِالنَّاسِخَةِ آيَةَ النِّسَاءِ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا قَوْلُهُ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَمَرَنِي عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل بن عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُهُمْ لَعَلَّهُ أمرنى بن عبد الرحمن قال القاضي لايمتنع أن عبد الرحمن أمر سعيد أيسأل له بن عباس عمالا يعلمه عبد الرحمن فقد سأل بن عَبَّاسٍ أَكْبَرَ مِنْهُ وَأَقْدَمَ صُحْبَةً وَهَذَا الَّذِي قاله القاضي هو الصواب

[3024] قوله (اخبرنا ابوعميس عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ) هَكَذَا هُوَ هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بِالْمِيمِ ثم الجيم الانسخة بن مَاهَانَ فَفِيهَا عَبْدُ الْحَمِيدِ
(18/160)

بِحَاءٍ ثُمَّ مِيمٍ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ الْقَاضِي قَدِ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ فَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ وَغَيْرُهُ فَسَمَّاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بِالْحَاءِ ثُمَّ بِالْمِيمِ وَكَذَا قَالَهُ
(18/161)

سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَسَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ عَبْدَ الْمَجِيدِ بالميم ثم بالجيم وكذا رواه بن الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ يُقَالُ بِالْوَجْهَيْنِ قَالَ وَالْأَكْثَرُ بِالْمِيمِ ثُمَّ بِالْجِيمِ قَالَ الْقَاضِي فَإِذَا ثَبَتَ الْخِلَافُ فِيهِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِالْخَطَأِ

[3028] قَوْلُهُ (فَتَقُولُ مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا) هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَهُوَ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِهِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ عُرَاةً ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض ولايأخذونها أَبَدًا وَيَتْرُكُونَهَا تُدَاسُ بِالْأَرْجُلِ
(18/162)

حَتَّى تَبْلَى وَيُسَمَّى اللِّقَاءَ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَقَالَ تَعَالَى خذوا زينتكم عند كل مسجد وقال النبى صلى الله عليه وسلم لايطوف بالبيت عريان

[3029] قوله (فأنزل الله تعالى ولاتكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا إِلَى قَوْلِهِ وَمَنْ يَكْرَهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَهَذَا تَفْسِيرٌ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ لَفْظَةَ لَهُنَّ مُنَزَّلَةٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ وَإِنَّمَا هي تفسير وبيان يردان الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ لَهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ مُكْرَهَاتٍ لَا لِمَنْ أَكْرَهُهُنَّ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا فَخَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ إِذِ الْإِكْرَاهُ إِنَّمَا هُوَ لِمُرِيدَةِ التَّحَصُّنِ أَمَّا غَيْرُهَا فَهِيَ تُسَارِعُ إِلَى الْبِغَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْإِكْرَاهِ وَالْمَقْصُودُ أن الاكراه على الزنى حرام سواء أردن تحصنا أم لاوصورة الاكراه مع أنها لاتريد التحصن أن تكون هي مريدة الزنى بانسان فيكرهها على الزنى بِغَيْرِهِ وَكُلُّهُ حَرَامٌ قَوْلُهُ (إِنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُقَالُ لَهَا مُسَيْكَةُ وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمَيْمَةُ) أُمًّا مُسَيْكَةُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَقِيلَ إِنَّهُمَا مُعَاذَةُ وَزَيْنَبُ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي ست جوار له كان يكرههن على الزنى مُعَاذَةُ وَمُسَيْكَةُ وَأُمَيْمَةُ وَعَمْرَةُ وَأَرْوَى وَقُتَيْلَةُ وَاللَّهُ
(18/163)

أعلم قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ) بكسر الزاى وتشديد الميم قَوْلُهُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ
(18/164)

[3032] (وَإِنَّهَا مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَذَكَرَ الْكَلَالَةَ وَغَيْرَهَا) هَذَا كُلُّهُ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَبْوَابِهِ قَوْلُهُ
(18/165)

[3033] (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هذان خصمان اختصموا فى ربهم أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ) أَمَّا مِجْلَزُ فَبِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَاسْمُهُ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَقَيْسُ بْنُ عُبَادٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ قَالَ قَيْسٌ وَفِيهِمْ نَزَلَتِ الْآيَةُ وَلَمْ يُجَاوِزْ بِهِ قَيْسًا ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ عُثْمَانُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَوْلُهُ (قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فَاضْطَرَبَ الْحَدِيثُ) هَذَا كُلُّهُ كَلَامُهُ قُلْتُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا ضَعْفُ الْحَدِيثِ وَاضْطِرَابُهُ لِأَنَّ قَيْسًا سمعه من أبى ذركما رَوَاهُ مُسْلِمٌ هُنَا فَرَوَاهُ عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْ عَلِيٍّ بَعْضَهُ وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَيْسٌ مَا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَفْتَى بِهِ أَبُو مِجْلَزٍ تَارَةً وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ نَفْسِهِ وَرَأْيِهِ وَقَدْ عَمِلَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِمِثْلِ هَذَا فَيُفْتِي الْإِنْسَانُ مِنْهُمْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْفَتْوَى
(18/166)

دُونَ الرِّوَايَةِ وَلَا يَرْفَعُهُ فَإِذَا كَانَ وَقْتٌ آخَرُ وَقَصَدَ الرِّوَايَةَ رَفَعَهُ وَذَكَرَ لَفْظَهُ وَلَيْسَ فى هذا اضطراب والله أعلم
(18/167)