Advertisement

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام 002



الكتاب: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام
المؤلف: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح بن حمد بن محمد بن حمد البسام (المتوفى: 1423هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه وصنع فهارسه: محمد صبحي بن حسن حلاق
الناشر: مكتبة الصحابة، الأمارات - مكتبة التابعين، القاهرة
الطبعة: العاشرة، 1426 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(تنبيه/ الحواشي في هذه النسخة الإلكترونية هي حواشي المؤلف (الشيخ آل بسام) وليست حواشي المحقق) 3- أن العبادة قسط وعدل، فلا يغفل عن عبادته، لا يغلو فيها؛ لأن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرع جاء بالعدل في كل شيء والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع، وأمر بالاقتصاد في العبادات، ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال، فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشرع، والأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها.
4- أن الله تبارك وتعالى يتعبدك بأنواع كثيرة من العبادات.
فإذا أوغلت في نوع منها، تركت الباقي، فينبغي إبقاء شيء من القوة لسائر العبادات.
كما أن العبادات التي على الإنسان من معاشرة أهله، وزيارة أصدقائه، وطلبه الرزق في الدنيا، ومحادثة أولاده ونومه، إذا نوى بذلك الأجر وأداء الحقوق، كانت هذه العادات عبادات. ففضل الله واسع، وبِرِّه كبير.
الحديث الرابع
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عنهُ قَالَ:
أوْصَانِي خليلي بثلاث صيام ثلاثة أَيَّام مِنْ كُل شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأن أوْتِرَ قَبْلَ أن أنَامَ.
المعنى الإجمالي:
اشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاث وصايا نبوية كريمة:
الأولى: الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فيصير صيام ثلاثة الأيام كصيام الشهر كله.
والأفضل أن تكون الثلاثة، الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.
كما ورد في بعض الأحاديث، وفي تخصيصها بهذه الأيام فوائد طبية.
الثانية: أن يصلي الضحى، وأقلها ركعتان، لاسيما في حق من لا يصلي من الليل، كأبي هريرة الذي اشتغل بدراسة العلم أول الليل.
وأفضل وقتهما، ارتفاع الضحى حين ترمض الفصال (1) كما جاء في حديث آخر.
_________
(1) الفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، ورمضها: هو أن نحمي الرمضاء، أي الرمل، فتترك الفصال من شدة وإحراقها أخفافها.
(1/342)

الثالثة: أن من لا يقوم آخر الليل، فليوتر قبل أن ينام، كيلا يفوت وقته وكانت هذه الوصية في حق أبي هريرة وأمثاله، ممن ينامون عن الوتر آخر الليل.
ما يؤخذ من الحديث:
1- استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. والأولى أن تكون الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وقد ورد في تعيينها حديث قتادة بن ملحان الذي أخرجه أهل السنن قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم أيام البيض ثالث عشرة ورابع عشرة وخامس عشرة، وقال: هي كهيئة الدهر".
2- استحباب صلاة الضحى والمواظبة عليها لمن لم يقم لصلاة الليل، لئلا تفوته صلاة الليل والنهار.
3- الوتر قبل النوم في حق من يغلب على ظنه أنه لا يقوم آخر الليل. آما من غلب على ظنه القيام، فيؤخره إليه، وإن فاته بنوم أو نسيان، فالمستحب أن يقضيه.
4- أن هذه الأحكام الثلاثة المذكورة، من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الغالية، التي ينبغي أن يعتنى بها ويحرص عليها، لأنها عظيمة النفع، جليلة القدر.
الحديث الخامس
عَنْ محمَّد بْنِ عبَّاد بن جَعْفَر قال:
سَألتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله: أنَهَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم عن صَوْم الجُمُعَةِ؟ قال: نَعَمْ.
وزاد مسلم (وَرَبِّ الْكَعْبَة) .
الحديث السادس
عَنْ أبي هُريرة رَضْيَ الله عَنْهُ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُول: "لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلاَّ أنْ
يَصُومَ يَوْماً قَبْلَهُ أو يَوْمَاً بَعْدَهُ".
المعنى الإجمالي:
لما كان يوم الجمعة عيد الأسبوع، كما أن عيد الفطر وعيد الأضحى، عيد السنة والعيد فيه
(1/343)

الفرح وإظهار السرور، وفيه إعلان شكر الله على نعمه، وطلب المزيد، كان الأولى في هذا اليوم أن يكون الإنسان مفطرا، ليقوى على أدائها.
فشرع إفطار يوم الجمعة، ولكن يبيحه، ويزيل كراهة صومه، أن يقرن به صوم يوم قبله أو بعده، أو يكون ضمن صوم معتاد، لئلا يظن العامة أيضاً تخصيص يوم الجمعة بزيادة عبادة على غيره، فيعتقدوها ـ لفضل ذلك اليوم - واجبة.
ما يؤخذ من الحديثين:
1- النهى عن صوم يوم الجمعة.
2- جواز صومه إذا قرن بصيامٍ قبله أو بعده، أو كان في صوم معتاد.
3- يحمل النهي في صومه على التنزيه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه في جملة صومه الذي يصوم.
ورخص بصومه إذا قرن بغيره، ولو كان حراماً ما صيم، كعيد الفطر والنحر.
الحديث السابع
عَنْ أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أزْهَرَ، وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبيْدِ، قَال:
شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْن الْخطَّابِ رَضْيَ الله عَنْهُ فَقَالَ: هذَانِ يَوْمَانِ (1) نَهَى رَسُوْل الله
صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْم فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْم الآخَرُ اَّلذي تَأكُلُوْنَ
فِيهِ مِنْ نسُكِكُمْ (2) .
المعنى الإجمالي:
عيد الفطر وعيد النحر، هما العيدان الإسلاميان، اللذان جعلهما الشارع الحكيم الكريم يوْمَيْ فرح وسرور، وبهجة وحبور، يأتي فيهما المسلمون أنواع المتع المباحة من الأكل والشراب واللباس والزينة وغيرهما.
وقد حرم صومهما، لأن الفطر هو تحليل الصيام، كالسلام للصلاة، ولأن الأضحى يوم الأكل من الضحايا والهدايا، التي أمر الله تعالى بالأكل منهما.
فالخلق في هذين اليومين أضياف الله، فلْيقبلوا ضيافته، وليفطروا فيهما.
_________
(1) هذا كلام عمر في أحد العيدين، ولكنه جاء بالإشارة إلى الحاضر من العيدين تغليباً على الغائب منهما.
(2) نسككم: هو النسيكة، وهي الذبيحة.
(1/344)

ما يؤخذ من الحديث:
1- تحريم صوم يَوْمَيْ الفطر والأضحى.
2- أن الصوم فيهما لا ينعقد، فلا يصح، سواء كان لقضاء أو نفل أو نذر.
3- حكمة النهي عن صومهما، ما أشار إليه في الحديث، من أن عيد الفطر هو اليوم الذي انتهى بدخوله شهر رمضان، فلتميز ولتعرف حدود الصوم الواجب بالفطر.
كما نهى عن صيام يوم أو يومين قبله، تمييزاً له عن غيره.
وأما الأضحى، فلأنه يوم النسك الذي أمر بالأكل منه، فليبادر إلى امتثال أمره، بالتناول من طيبات رزقه، فليس من الأدب واللياقة، الإعراض عن ضيافة الكريم.
4- أنه يستحب للخطيب أن يذكر في خطبته ما يتعلق بوقته من الأحكام ويتحرى المناسبات.
الحديث الثامن
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضيَ الله عَنْه قَالَ:
نَهَى رَسُولُ الله عَنْ صَوم يوْمَيْن: النَّحْرِ، والْفِطْرِ وَعَن اشْتِمَالِ الصَّمَّاء وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ
في الْثَّوْبِ الوَاحِدِ وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَصْرِ.
أخرجه "مسلم " بتمامه، وأخرج "البخاري" الصوم فقط (1) .
الغريب:
الاحتباء: هو أن يقعد الرجل على إليتيه وينصب ساقيه يدير عليهما ثوباً واحداً.
الصماء: هو أن يرد الرجل الكساء من قبل ميمنته على يده اليسرى، وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعاً بثوب ليس له منافذ.
المعنى الإجمالي:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، عن صيام يومين، وعن لبستين، وعن صلاتين.
فأما اليومان المحرم صومهما، فيوم الفطر، ويوم النحر وتقدم شيء منْ حكمة تحريم الصيام فيهما.
_________
(1) الحق أن البخاري أخرجه بتمامه في هذا الباب، وكأن المصنف لم ينظره إلا في باب سترة العورة، فإنه ذكر طرفاً منه بدون ذكر الصوم والصلاة.
(1/345)

وأما اللبستان، فاشتمال الثوب الأصم، الذي ليس له منافذ، فإن لبسه يضر بالصحة، لعدم المنافذ المهوية فيه، ولأنه عنوان الكسل والبطالة، فلبسه يشل الحركة والعمل المطلوبين.
وأما الاحتباء بثوب واحد، فلأنه يخشى معه انكشاف العورة.
وأما الصلاتان، فالصلاة بعد صلاة الصبح، والصلاة بعد صلاة العصر.
فإن الوقتين اللذين بعدهما، وقتا عبادة المشركين، وقد تقدم الكلام عليهما.
ما يؤخذ من الحديث:
1- النهي عن هذه الأشياء المعدودة في الحديث.
2- النهي عن صيام العيدين، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر، من باب التحريم.
والنهي عن اللبستين، للكراهة، ما لم يغلب على الظن انكشاف العورة، فيحرم.
3- مراعاة الشارع مصالح العباد في كل شيء.
الحديث التاسع
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضْيَ الله عَنْهُ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
" مَنْ صَامَ يَوْماً في سبيل الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً".
المعنى الإجمالي:
الصيام من العبادات البدنية الشاقة، والجهاد من العبادات المالية والبدنية الصعبة.
فمن قوي عليهما جميعأ، فقام بهما في آن واحد، فهذا من الذين تركوا راحة الحياة والتلذذ بنعيمها، رغبة فيما عند اللَه تعالى من النعيم، وهرباً من عذابه الأليم، فجزاؤه عند الله تعالى أن يبعده بصوم اليوم الواحد في سبيل اللَه عن النار سبعين سنة.
وإبعاده عن النار، يقتضي تقريبه من الجنة، إذ ليس هناك إلا طريق للجنة وطريق للسعير.
ما يؤخذ من الحديث:
1- فضل الصيام إبَّانَ الجهاد في سبيل الله تعالى، وما يترتب عليه من الثواب العظيم.
2- يقيد استحباب الصيام في سبيل الله بعدم الإضعاف عن الجهاد.
فإن أضعفه فالمستحب له تركه، لأن الجهاد من المصالح العامة، والصوم مصلحة مقصورة على الصائم، وكلما عمت مصلحة العبادة، كانت أولى.
(1/346)

بَابُ لَيلَة القَدْرِ
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عمَرَ رَضْيَ اللَه عَنْهُمَا:
أنً رِجَالاً مِنْ أصْحَابِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المنام. في السْبعِ
الأوَاخِرِ. فقال رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: "أرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأًتْ في
السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَها فَلْيَتَحَرًهَا في السَّبْع الأوَاخِرِ".
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْهَا: أَنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
"تَحَّرَُوْا ليْلَةََ الْقَدْرِ فَي الوِتْرِ (1) مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ".
الغريب:
1- أروا فعل ماضٍ مبني للمجهول من الرؤية.
2- ليلة القدر ليلة مباركة من ليالي رمضان سميت "ليلة القدر" لعظيم قدرها وشرفها. وقيل: لأن للطاعات فيها قدراً، والمعنيان متلازمان.
3- العشر الأواخر: يعني الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان، لأن لها فضلاً ومزية.
5- قد تواطأت: أصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطئه من قبْله فنقلت هنا إلى معنى موافقة رؤيا الرجل، لرؤيا الآخر.
فتواطأت: مثل توافقت لفظاً ومعنى.
المعنى الإجمالي:
ليلة القدر، ليلة شريفة عظيمة، فيها تضاعف الحسنات وتكفر السيئات، وتقدر الأمور.
ولما علم الصحابة رضي الله عنهم فضلها وكبير منزلتها، أحبوا الاطلاع على وقتها.
ولكن الله سبحانه وتعالى - بحكمته ورحمته بخلقه - أخفاها عنهم ليطول تلمسهم لها في الليالي، فيكثروا من العبادة التي تعود عليهم بالنفع.
فكان الصحابة يرونها في المنام، واتفقت رؤاهم على أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر، فمن كان متحرياً فليتحرها في العشر الأواخر، خصوصاً في أوتار تلك العشر، فإنها أرجى.
_________
(1) لفظة الوتر ليست متفقاً عليها، كما يوهم صنيع المصنف، بل هي من أفراد البخاري.
(1/347)

وأرجاها وأكثرها علامات ودلالات هي ليلة سبع وعشرين من رمضان.
فليحرص على رمضان، وعشره الأخير أكثر، وليلة سبع وعشرين أبلغ. وفقنا الله لنفحاته الكريمة.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في تعيين ليلة القدر، وحكى فيها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" سبعة وأربعين قولاً.
وقد قصد بذلك المشاركة في إبهامها وتعميقها، ولكنه رجح منها أنها في أوتار العشر الأخيرة من رمضان.
وقال الإمام أحمد: أرجاها ليلهَ سبع وعشرين. وهذا القول أرجحها دليلاً.
ما يؤخذ من الحديث:
1- فضل ليلة القدر، لما ميزها الله تعالى من ابتداء نزول القرآن، وتقدير الأمور، وتنزيل الملائكة الكرام فيها.
فصارت في العبادة عن ألف شهر، لمزيد المضاعفة.
2- أن الله تبارك وتعالى- من حكمته ورحمته- أخفاها لِيَجِدَّ الناس في العبادة، طلباً لها، فيكثر ثوابهم.
3- أنها في رمضان وفي العشر الأخير أقرب. خصوصاً، ليلة سبع وعشرين.
1- أن الرؤيا الصالحة حقٌّ، يعمل بها إذا لم تخالف القواعد الشرعية.
فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل تواطؤ رؤياهم على أنها في العشر الأخير، دليلاً على كونها فيها.
5- استحباب طلبها، والتعرض فيها لنفحات الله تعالى.
فهذه ليلة مباركة تضاعف فيها الأعمال، ويستجاب فيها الدعاء، ويسمع النداء.
والمحروم، من حرم طلبها والتعرض لرحمة الله في مظانها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر إلا واحداً من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. قال ابن القيم: إذ تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا فإنه ليس من أيامٍ العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة. وأما ليالي عشر رمضان فهي الليالي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحييها كلها. فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة.
(1/348)

الحديث الثالث
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضْيَ الله عَنْهُ: أَنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ
فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فاعْتَكَفََ عَاماً حَتَّى (1) إِذا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ -
وَهِيَ الْلَيْلَةُ الْتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيْحَتِهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ- قَالَ:
مَنِ اعْتَكَفَ معِي فَلْيَعْتَكِفْ في العَشْرِ الأوَاخِرِ. فَقَدْ أُرِيْتُ هذِهِ الْليْلةَ ثُمَّ أنْسِيتهَا، وَقَدْ
رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِيْنٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ، والْتَمِسُوهَا فِي
كُل وِتْرٍ.
قَال: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلكَ الْلَيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ،
فَأبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّين مِنْ صُبْحِِ
إحْدَى وَعشْرِيْنَ.
الغريب:
في العشر الأوسط: قياسه "الوسطى" لأن العشر مؤنثة، وتوجيه صحته أنه أراد اليوم.
فوكف المسجد: أي قطر من سقفه، ومنه: وكف الدمع.
أريت هذه الليلة ثم أنسيتها: معناه أخبرت في موضعها ثم نسيت كيف أخبرت لحكمة إلهيَّةٍ لا أنه رآها عياناً.
المعنى الإجمالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الوسطى من شهر رمضان ابتغاء ليلة القدر وتحرياً لمصادفتها لأنه يظن أنها في تلك العشر.
فاعتكف عاماً- كعادته- حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه، علم أن لليلة القدر في العشر الأواخر، فقال لأصحابه:
من اعتكف معي في العشر الوسطى، فليواصل اعتكافه وليعتكف العشر الأواخر.
فقد رأيت في المنام هذه الليلة وأنسيتها وقد رأيتني فيها في المنام أسجد في ماء وطين، وهي رؤيا حق ولم يأت تأويلها، فلابد أنها أمامكم في العشر الأواخر فالتمسوها فيها.
فصدق الله رؤيا نبيه صلى الله عليه وسلم. فمطرت السماء تلك الليلة.
وكان مسجده صلى الله عليه وسلم مبنيا كهيئة العريش، عمده من جذوع النخل، وسقفه من جريدها، فوكف المسجد من أثر المطر، فسجد صلى الله عليه وسلم صبيحة إحدى وعشرين، في ماء وطين.
_________
(1) قوله: حتى إذا كانت.. إلخ: لم يخرجه "مسلم" وإنما هو في بعض روايات البخاري.
(1/349)

ما يؤخذ هن الحديث:
1-كون النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى، طلباً لليلة القدر، قبل علمه أن وقتها في العشر الأواخر.
2- هذا الحديث من أدلة الذين يرونها في ليلة إحدى وعشرين.
3- يدل هذا الحديث على أنها في العشر الأواخر، وفي أوتارها آكد.
4- أن الرؤيا حق لا سيما رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
5- صفة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه، وكونه عريشاً قد سقف بالجريد الملبد بالطينِ، وحيطانه بعسبان النخل، وسواريه بجذوع النخل. فعمارتهم المساجد، بالطاعة فيها، لا بالتشييد والزخرفة.

بَاب الاعتِكَاف
الاعتكاف: في اللغة، لزوم الشيء وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى: {يَعْكُفُوْنَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ} أي يلازمونها ويقيمون عليها.
وهو في الشرع: "المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة لطاعة الله".
أما حكمه: فقد أجمع العلماء على مشروعيته، وأجمعوا أيضاً على أنه مستحب ليس بواجب.
وأما حكمته وفائدته: - فقد قال "ابن القيم " في "الهدى" لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، شرع الاعتكاف الذي مقصوده وروحه، عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله، بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه. فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.
(1/350)

وذكر عقيب الصيام لمناسبتين:
الأولى: أن جملة الكلام على الصيام سيتناول صيام شهر رمضان، وهو الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه، لما يرجى فيه من ليلة القدر.
الثانية: اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف لأن تمام قطع العلائق عن الدنيا يكون بالصيام.
وقد اشترط الحنفية والمالكية لصحة الاعتكاف، الصيام. ورد عليهم الصنعاني بأنه لا دليل لهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا صائماً. والفعل المجرد لا يكون دالاً على الشرطية. وقد اعتكف في شوال ولم ينقل أنه صام أيام اعتكافه.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْهَا: أنَّ رَسُولَ اللَه صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ في الْعَشْرِ
الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتًى تَوَفَّاهُ الله تَعَالى. ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدَهُ.
وفي لفظٍ: "كَانَ رَسُولُ الله يَعْتَكِفُ في كلِّ رَمَضَانَ، فَإذَا صلَّى الْغَدَاةَ، جَاءَ مَكَانَهُ
الَّذِي اعْتَكَفَ فِيْهِ".
المعنى الإجمالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، طلباً لليلة القدر، بعد أن علم أنها في تلك العشر، واستمر يعتكفهن كل سنة، حتى توفاه الله تعالى.
ثم اعتكف أزواجه رضي الله عنهن، من بعده يطلبن ما طلب.
وإذا صلى الصبح دخل معتكفه، وهو ما يحتجزه من المسجد للخلوة وقطع العلائق عن الخلائق.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية الاعتكاف، وأنه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي يحرص عليها.
2- فائدته وثمرته: هي أن يقطع المعتكِف علائقه عن الدنيا وما فيها، ويخلو بربه، ويتلذذ بمناجاته وجمعه نفسه وخواطره وأفكاره، عليه وعلى عبادته.
3- أن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم استقر- أخيراً- على العشر الأواخر من رمضان، لما يُرجَى فيهن من ليلة القدر.
4- أن الاعتكاف سنة مستمرة لم تنسخ إذ اعتكف أزواجه صلى الله عليه وسلم بعده.
(1/351)

5- أن وقت دخول المعتكِف مكان اعتكافه، يكون بعد صلاة الصبح.
6- أنه لا بأس من أن يحتجز المعتكف ما يخلو به إذا لم يضيق على المصلين. لما أخرج الشيخانْ عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف أمر بضرب خبائه فضرب.
7- يؤخذ من معنى الاعتكاف، ومن مقصده أن المعتكف يجتنب الجماع ودواعيه، والخروج من معتكفه لغير حاجة، ويجتنب أعمال الدنيا من المعاوضات والصنائع ونحوها، وأن يُقِلَّ من مخالطة الناس لغير اجتماع في ذكر أو قرآن، لأن هذه الأشياء وأشباهها، منافية للاعتكاف.
8- أن شرط الاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة لقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} لئلا يفضي اعتكافه إلى ترك الجماعة، أو إلى تكرار الخروج إليها كثيراً.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْهَا: أنَّها كَانَتْ ترَجِّلُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ،
وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأسَهُ.
وفي رواية: "وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةِ الإنْسَانِ".
وفي رواية: " أنَ عَائِشَةَ قَالَتْ: إني كُنْت لا أدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِلْحَاجَةِ والْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا
أَسْأَلُ عَنْهُ إلاَّ وَأَنَا مَارَّة.
الترجيل: تسريح الشعر.
المعنى الإجمالي:
اليهود يتشددون في أمر الحائض فيجتنبون منها ما أباحه الله، من المباشرة والمضاجعة، بل يعتزلونها ويرونها رجساً نجساً.
والنصارى على نقيضيهم، فلا يتحاشون عنها، بل يعاملونها معاملة الطاهرة.
أما الإسلام دين السماح واليسر، ودين العدل والتوسط، فيراها طاهرة في بدنها وعرقها وثوبها. فالمؤمن لا ينجس، لا حيا ولا ميتاً
فلا بأس من مباشرتها للأشياء الرطبة واليابسة. بل لا بأس من أن يباشرها زوجها بما دون الفرج.
أما الجماع فيحرمه لما فيه من الخبث، الذي يعود بالضرر على المجامع وعلى الولد إن قُدِّر في ذاك الجماع.
لذا كانت عائشة رضي الله عنها تصلح رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهى حائض.
فكان اعتكافه لا يمنعه من ترجيل شعره، وتنظيف بدنه، وكان لا يخرج من المسجد لذلك،
(1/352)

بل يناولها رأسه وهو في المسجد وهي في بيتها.
فقد كان اعتكافه يمنعه من الخروج إلا لما فيه حاجته من طعام أو شراب، أو قضاء حاجة ونحو ذلك.
فالاعتكاف لزوم المسجد. والخروج ينافيه، لذا حكت عائشة عن نفسها أنها لا تدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا اعتكفت.
ومن اهتمامها بسرعة الرجوع، يكون المريض في طريقها فلا تقف لتواسيه، بل تسأل عنه وهي في طريقها بالذهاب أو الإياب إلى المسجد.
ما يؤخذ من الحديث:
1- أن الاعتكاف لا يمنع من ترجيل الشعر وغسله وأنواع التنظيف.
2- أنه لا بأس من ملامسة الحائض ومباشرتها للأشياء.
3- أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.
4- أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لحاجة، كالطعام والشراب.
5- أن إخراج بعض البدن من المسجد، لا يعد خروجا.
6- أن الحائض لا تمكث في المسجد، لئلا تلوثه.
7- أن من خرج لقضاء حاجة فَلْيَعُدْ إليه سريعاً، ولا يشتغل بغير حاجته التي أباحت له الخروج.
8- أن لمس المرأة لغير شهوة، لا يضر في الاعتكاف.
الحديث الثالث
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطًابِ رَضيَ الله عَنْهُ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلية
ِ أَنْ أعْتَكِفََ لَيْلَةً "وفي رواية: يَوْمَاً فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ".
قال: " فَأوْفِ بِنَذْرِكَ " ولم يذكر بعض الرواة "يوماً" ولا "ليلة".
المعنى الإجمالي:
نذر عمر بن الخطاب في الجاهلية أن يعتكف يوماً وليلة في المسجد الحرام، فسأل النبي عن حكم نذره.
فلما كان مطالباً بوفائه، سواء عقده في حال كفره أو إسلامه، أمره أن يوفي بنذره، لأنه وإن كان عقده مكروهاً إلا أن الوفاء به واجب.
ما يؤخذ من الحديث:
1- وجوب الوفاء بالنذر، ولو عقد في حال الكفر.
(1/353)

2- إذا عيَّن لاعتكافه المسجد الحرام تعيَّن، فإن عيَّن ما دونه من المساجد أجزأه عنها، وكل مسجد فاضل يجزئ عما دونه بالفضل.
3- أن الاعتكاف يجب بالنذر، ويلزم الوفاء به.
4-ورد في الحديث نذر " ليلة " وورد "يوماً" وورد مطلقاً. فمن أخذ برواية الليل أجزأه الاعتكاف بدون صوم.
ومن جعل المراد بالليل أو اليوم ما يشملهما جميعاً، اشترط الصوم في الاعتكاف، وهما قولان للعلماء، والأحوط الصيام معه.
الحديث الرابع
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُييٍّ رضيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفاً
في المَسْجِدِ، فَأَتَيْتُهُ أَزُورَهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ. ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ
مَسْكَنُهَا فِي بَيْتِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
فَمَرّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمَّا رأَيَا رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم أسْرَعَا في المَشْي.
فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: (عَلَى رِسْلِكُمَا، إنًهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) .
فَقَالا: سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله.
فَقَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَإنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا
شَرَّاً (أو قال: شَيْئاً) .
وفي رواية: أنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ في اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ
رَمَضَانَ، فتَحدََّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَعَهَا
يَقْلِبُهَا. حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عَنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَة" ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ.
الغريب:
حُيي: بضم الحاء. هو ابن أخطب اليهودي زعيم بني النضير قتل مع بني قريظة صبراً.
ليقلبني: بفتح الياء وسكون القاف، ليردني ويرجعني إلى منزلي.
في بيت أسامة: نسب البيت إلى أسامة بن زيد، فإنه صار له بعد ذلك.
على رسلكما: بكسر الراء: أي على هينتكما، أي تمهلا ولا تسرعا.
فقالا: سبحان الله، تسبيحٌ وردَ مورد التعجب.
المعنى الإجمالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً في العشر الأواخر من رمضان.
وكان ينقطع في معتكفه عن الناس إلا قليلاً للمصلحة.
ولذا فإن زوجه صفية رضي الله عنها زارته في إحدى الليالي فحدثته ساعة، ثم قامت إلى بيتها.
فلِمَا جبله الله عليه من كرم الأخلاق واللطف العظيم، وجبر القلوب، قام
(1/354)

معها ليشيعها ويؤنسها من وحشة الليل.
وفي أثناء سيره معها، مرَّ رجلان من الأنصار، فاستحييا أن يسايرا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أهله، فأسرعا في مشيهما.
فقال لهما: تمهلا ولا تسرعا، فإن التي معي زوجي صفية.
فتعجبا وكبر عليهما ذلك وقالا: سبحان الله! كيف تظن يا رسول الله أننا نظن شيئاً؟!
فأخبرهما أنه لم يظن بهما ذلك، وإنما أخبرهما أن الشيطان حريص على إغواء بني آدم، وله قدرة عليهم عظيمة فإنه يجري منهم مجرى الدم من لطف مداخله، وخَفِيِّ مسالكه. أعاذنا الله منه، بحمايته آمين.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية الاعتكاف، لاسيما في العشر الأواخر من رمضان.
2- أن المحادثة اليسيرة لا تنافي الاعتكاف، خصوصاً لمصلحة، كمؤانسة الأهل مثلاً.
3- وفيه حسن خلقه ولطفه صلى الله عليه وسلم، إذ آنسها، ثم قام ليشيعها إلى بيتها.
فكذا ينبغي أن يتحلَّى المسلمون بمثل هذه الأخلاق النبوية الكريمة.
4- وفيه أنه ينبغي أن يريل الإنسان ما يلحقه من تهمة، لئلا يظن به شيء هو بريء منه، أي ينبغي التحرز مما يسبب التهمة.
5- أن الشيطان له قدرة وتمكن قَوِيٌّ من إغواء بني آدم، فهو يجري منهم مجرى الدم.
قال "ابن دقيق العيد": وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدى بهم.
6- وفيه شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته:
فإنه يعلم من ظاهر الحال أن الرجلين لم يظنا شيئا، وإنما علم كيد الشيطان الشديد، فخاف عليهما أن يوسوس لهما بشيء يكون سبب هلاكهما
7- قال بعض العلماء: ومنه ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجه الحكم، إذا كان خافياً عليه، نفياً للتهمة.
8- جواز خلوة المعتكف بزوجه ومحادثتها، إذا لم يُثِرْ ذلك شهوته المنافية للاعتكاف.
9- قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس. وما كان من ذلك غير مقدور على دفعه لا يؤاخذ به لقوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} . قال الصنعاني: الوساوس تطرق القلب، فإن استرسل العبد معها قادته إلى الشك، وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه.
(1/355)

كِتَابِ الحَجّ
الحج: لغة، القصد: وشرعاً: القصد إلى البيت الحرام، لأعمال مخصوصة، في زمن مخصوص.
وابتدأ المصنف بـ "الصلاة" لأنها أهم أركان الدين بعد الشهادتين.
وثَنَّى بـ "الزكاة" لأنها قرينتها في آيات القرآن الكريم.
وثلَّث بـ "الصيام"، لكونه يجب كل سنة، ويطيقه ويقوم به الجمهور من المسلمين.
وأخَّر "الحج"، لأنه لا يجب إلا مرة في العمر، ولا يجب إلا على القادرين، وهم أقل من العاجزين.
وقد ثبت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، فوجوبه معلوم من الدين بالضرورة.
وفرض سنة تسع من الهجرة، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة، سنة عشر، بعد أن طهَّر البيت من آثار الشرك.
أما فضله فقد وردت فيه النصوص الكثيرة الصحيحة ومنها "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (1) .
أما حِكَمُهُ وأسراره، فأكثر من أن تحصى، ولا يوفيها -بياناً- إلا التصانيف المستقلة في الأسفار المطولة.
وَلْنُلِمَّ بنُبْذَةٍ منها ليقف القارئ على قُلٍّ من كُثْرٍ من أسرار شريعته الرشيدة وأهدافها الحميدة، فيرى أن له ديناً يهدف – بعباداته - إلى صلاح الدين والدنيا.
فهذا المؤتمر الإسلامي العظيم، وهذا الاجتماع الحاشد، فيه من المنافع الدينية والدنيوية والثقافية والاجتماعية والسياسية، ما يفوت الحصر والعدِّ.
أما الدينية، فما يقوم به الحاج من هذه العبادة الجليلة، التي تشتمل على أنواع من التذلل والخضوع، بين يدي الله تعالى.
فمنها تقحُّم الأسفار وإنفاق الأموال، والخروج من ملاذ الحياة، بخلع الثياب واستبدالها بإزار ورداء، حاسر الرأس، وترك الطيب والنساء، وترك الترفُّه بأخذ الشعور والأظفار ثم التنقل
_________
(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
(1/356)

بين هذه المشاعر.
كل هذا بقلوب خاشعة، وأعين دامعة، وألسنة مكبرة ملبية.
قد حدا بهم الشوق إلى بيت ربهم، ناسين- في سبيل ذلك ـ الأهل والأوطان والأموال، والنفس والنفيس، فما ترى ثوابهم عند ربهم؟
أما الثقافية، فقد أمر الله بالسير في الأرض، للاستبصار والاعتبار.
ففيه من معرفة أحوال الناس، والاتصال بهم، والتعرف على شئون الوفود، التي تمثل أصقاع العالم كله، ما يزيد الإنسان بصيرة وعلماً، إذا تحاكَّ بعلمائهم، واتصل بنبهائهم، فيجد لكل علمٍ وفنٍ طائفة تمثله.
أما الاجتماعية والسياسية، فإن الحج مؤتمر عظيم، يضم وفوداً متنوعة العلوم، مختلفة الثقافات، متباينة الاتجاهات والنزعات، فإذا اجتمع كل حزب بحزبه، وكل طائفة بشبيهتها، ومثلوا "لجان الحكومة الواحدة" ودرسوا وضعهم الغابر والحاضر والمستقبل، ورأوا ما الذي أخرهم، وما الذي يقدمهم، وما هي أسباب الفرقة بينهم، وما أسباب الائتلاف والاجتماع، وتوحيد الكلمة.
وبحثوا شئونهم الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، على أساس المحبة والوئام، وبروح الوحدة والالتئام.
أصبحوا يداً واحدة ضد عدوهم، وقوة مرهوبة في وجه المعتدي عليهم.
وبهذا يصير لهم كيان مستقل خاص، له مميزاته وأهدافه ومقاصده.
يسمع صوته ويصغى إلى كلمته، ويحسب له ألف حساب.
وبهذا يعود للمسلمين عزَّهم، ويرجع إليهم سؤددهم، ويبنون دولة إسلامية، دستورها كتاب الله وسنة رسوله، وشعارها العدل والمساواة، وهدفها الصالح العام، وغايتها الأمن والسلام.
حينئذٍ تتجه إليهم أنظار الدنيا، وتسلم الزمام إليهم، فيمسكونه بأيديهم، ويُقَوِّضُونَ مجالس بُنِيتْ على الظلم والبَغْي، ويبنون على أنقاضها العدل والإحسان.
وبهذا يقر السلام، ويستتب الأمن، وتتجه المصانع التي تصنع للموت الذريع أسلحة الدمار والخراب، إلى أن تخترع المعدات التي تساعد على التثمير والتصنيع، وإخراج خيرات الأرض، فتحقق حكمة الله بخلقه، ويحل الخصب والرخاء، والأمن والسلام مكان الجدب والغلاء، والخوف والدماء.
ولكن لابد لكمال تحقق أعمال هذا "المؤتمر" من لغة موحدة، يتفاهمون بها.
وأولى اللغات بذلك "لغة القرآن".
(1/357)

كما أنه لابد من التنظيم، والتنسيق، والرعايا من الحاكمين.
وإذا علمت ثمرات هذه الاجتماعات الإسلامية، فهمت جيداً - أيها المسلم المؤمن - أن لك ديناً عظيماً، جليل القدر، يقصد منه - بعد عبادة الله - صلاح الكون واتساقه، لأن الاجتماع هو أعظم وسيلة لجمع الأمة وتوحيد الكلمة.
ولذا فإنه عُنِيَ بالاجتماعات عناية عظيمة، تحقيقاً للمقاصد الكريمة.
ففرض على أهل المحلة الاجتماع في مسجدهم كل يوم خمس مرات.
وفرض على أهل البلد عامة الاجتماع للجمعة في كل أسبوع.
وفرض على المسلمين الاجتماع في كل عام.
وهذا موضوع خطير طويل، نكتفي منه بهذه الإشارة.
نسأل اللَه تعالى أن يُعْلِيَ كلمته، ويظهر دينه، وينصر أولياءه، ويذل
أعداءه. إنه قوي عزيز.

باب المواقيت
المواقيت: جمع ميقات. وهي زمانية ومكانية.
فالزمانية، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. والمكانية: ما ذكرت في هذين الحديثين.
وجعلت هذه المواقيت تعظيماً للبيت الحرام، وتكريماً، ليأتي إليه الحجاج والزوار من هذه الحدود، معظمين خاضعين خاشعين.
ولذا حرم ما حوله من الصيد، وقطع الشجر، لأن في ذلك استخفافاً بحرمته، وحطاً من كرامته.
والله سبحانه وتعالى، جعله مثابة للناس وأمناً، ورزق أهله من الثمرات، لعلهم يشكرون.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْن عَبَّاس رَضي الله عَنْهُمَا:
أنَ رَسُولَ الله وَقَّتَ لأهْلِ الْمَدِينةِ "ذا الْحُلَيْفَةِ"، ولأهلِ الشام "الجُحْفَة" ولأهلِ
نَجْدٍ "قَرْنَ الْمَنَازِلِ"، ولأهل الْيَمَن "يَلَمْلَمَ" وقال: " هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَي عَلَيْهِنَ مِنْ
غَيْرِ أهْلِهِنَّ لِمَن أرَادَ الحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَمَنْ كَان دُوْنَ ذلِكَ فمِنْ حَيْثُ أنْشَأ، حَتَى أهْلُ مَكَّةَ
مِنْ مَكَّةَ".
(1/358)

الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضْيَ الله عَنْهُمَا: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:
"يُهِلُّ أهْلُ المدِيِنَةِ مِنْ "ذِي الْحُلَيْفَة" وأهْلُ الشام مِنَ"الجُحْفَةِ" وأهْلُ نجدٍ مِنْ
"قَرْن الْمَنَازِلِ".
قال عبد الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَيُهِلُّ أهْلُ الْيَمَنِ
مِنْ يَلَمْلَم".
المواقيت المكانية:
ذو الحليفة: بضم الحاء وفتح اللام تصغير الحلفاء نبت معروف ينبت بتلك المنطقة. وتسمى الآن – آبار علي – ويكاد عمران المدينة المنورة – الآن - يصل إليها وتبلغ المسافة من ضفة وادي الحليفة إلى المسجد النبوي ثلاثة عشر كيلاً. ومن تلك الضفة إلى مكة المكرمة عن طريق- وادي الجموم – أربعمائة وثمانية وعشرين كيلاً والحليفة ميقات أهل المدينة ومن أتى عن طريقهم.
الجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء بعدها هاء قرية بينها وبين البحر الأحمر عشرة أكيال. وهي الآن خراب ويحرم الناس من:
رابغ: مدينة كبيرة فيها الدوائر والمرافق والمدارس الحكومية وتبعد عن مكة المكرمة عن طريق وادي الجموم- مائة وستة ثمانين كيلاً. ويحرم من رابغ أهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان وحكومات المغرب الأربع وبلدان أفريقيا وبعض المنطقة الشمالية في المملكة العربية السعودية.
يلملم: بفتح الياء المثناة التحتية فلام فميم فلام أخرى بعدها ميم أخرى ويقال ألملم - وسكان تلك المنطقة الآن يقولون لملم ولما سفلتت حكومتنا الطريق الآتي من ساحل المملكة العربية الجنوبي إلى مكة المكرمة والمار بوادي يلملم من غير مكان الإحرام القديم المسمى – السعدية - كنت أحد أعضاء لجنة شكلت لمعرفة مكان الإحرام مع الطريق الجديد فذهبنا إليه ومعنا أهل الخبرة والعارفون بالمسيات واجتمعنا بأعيان وكبار السن من سكان تلك المنطقة وسألناهم عن مسمى يلملم هل هو جبل أم واد فقالوا إن يلملم هو هذا الوادي الذي أمامكم وإننا لا نعرف جبلاً يسمى بهذا الاسم وإنما الاسم خاص بهذا الوادي، وسيوله تنزل من جبال السداة ثم تمده الأودية في جانبيه وهو يعظم حتى صار هذا الوادي الفحل الذي تشاهدونه وإن مجراه ممتد من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر الأحمر عند مكان في الساحل يسمى- المجيرمة.
(1/359)

وإنه من سفوح جبال السداة حتى مصبه في البحر الأحمر يقدر بنحو مائة وخمسين كيلاً ونحن الاَن في السعدية في نحو نصف مجراه وبعد التجول في المنطقة والمشاهدة وتطبيق كلام العلماء وسؤال أهل الخبرة والسكان تقرر لدينا أن مسمى يلملم الوارد في الحديث الشريف ميقاتاً لأهل اليمن ومن أتى عن طريقهم هو كل هذا الوادي المعترض لجميع طرق اليمن الساحلي وساحل المملكة العربية السعودية وأن الاسم عليه من فروعه في سفوح جبال السداة إلى مصبه في البحر الأحمر وأنه لا يحل لمن أراد نسكاً ومرَّ به أن يتجاوزه بلا إحرام من أي جهة من جهاته وطريق من طرقه.
وقد كان الطريق يمر بالسعدية وهي قرية فيها بئر السعدية وفيها إمارة ومدرسة ومسجد قديم جدد الآن ينسب إلى معاذ بن جبل. والسعدية تبعد عن مكة المكرمة اثنين وتسعين كيلاً. أما الطريق الذي سفلتته حكومتنا فهو يقع عن السعدية غرباً بنحو عشرين كيلاً يمر على وادي يلملم وعند ممره إلى يلملم يكون وادي يلملم عن مكة مائة وعشرين كيلاً.
ونحن بينا للمسئولين جواز الإحرام من الطريق القديم والطريق الجديد وغيرهما مما يمر في هذا وذلك حج عام 1401هـ وأنا الآن اكتب هذه الأسطر في ربيع
ثاني من عام 1402هـ فلا أدري هل يعاد الطريق من السعدية حيث الممر الأول أو يبقى هذا الطريق الجديد ويعد على ضفة الوادي أمكنة للإحرام، ودورات مياه للمحرمين.
ويحرم من يلملم اليمن الساحلي وسواحل المملكة السعودية وإندونيسيا وماليزيا والصين والهند وغيرهم من حجاج جنوب آسيا والآَن أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات أو البواخر التي لا ترسو إلا على مواني جدة.
قرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء وقد يقال قرن الثعالب لوجود أربع روابي صغار تسكنها الثعالب وقد أزيلت إحدى تلك الروابي لتوسعة طريق مكة – الطائف، وبقي الآن منها ثلاث أما الثعالب فمع توسع العمران هربت عن المنطقة. والقرن هو الجبل الصغير.
وهذا الميقات اشتهر اسمه الآن بالسيل الكبير ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة ثمانية وسبعون كيلاً ومن المقاهي والأمكنة التي اعتاد الناس أن يحرموا منها خمسة وسبعون كيلاً - والسيل الكبير الآن قرية كبيرة فيها محكمة وإمارة وجميع الدوائر والمرافق والخدمات والمدارس المنوعة.
ويحرم من قرن المنازل- أهل نجد وحاج الشرق كله من أهل الخليج والعراق وإيران وغيرهم.
وادي محرم: هذا هو أعلى "قرن المنازل" وهو قرية عامرة فيها مدرسة وكان لا يحرم منه
(1/360)

إلا قلة حتى فتحت حكومتنا طريق الطائف - مكة المار بالهدا وجبل الكرى فصار محرماً هاماً مزدحماً فبنت فيه الحكومة مسجداً كبيراً جداً له طرقه المسفلتة الداخلة والخارجة ومواقف السيارات ومكان الراحة وأمكنة الاغتسال ودورات المياه بأحدث تصميم وبناء لهذا المحرم الهام.
وهو لا يعتبر ميقاتاً مستقلاً من حيث الاسم لأنه فرع قرن المنازل ويبعد عن مكة بخمسة وسبعين كيلاً. ولولا كثرة تعرجات جبل كرا لكان عن مكة نحو ستين كيلاً فقط.
ويحرم منه من يحرم من الميقات الذي في أسفله ويزيد بحجاج الطائف وحجاج جنوب المملكة الحجازي وحجاج اليمن الحجازي.
تكميل:
ذات عرق: بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف سمي بذلك لأن فيه عرقاً وهو الجبل الصغير.
ويسمى الآن- الضريبة - قال ياقوت: الضريبة وادي حجازي يدفع سيله في - ذات عرق- والضريبة بفتح الضاد المعجمة بعدها راء مكسورة ثم ياء مثناة تحتية ثم باء موحدة تحتية ثم هاء واحدة الضراب وهى الجبال الصغار وهذا الميقات لم يرد في حديث الصحيحين ولكن ورد في بعض السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق. وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث.
قال في فتح الباري. والذي في البخاري عن ابن عمر قال لما فتحت الكوفة والبصرة أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله حدَّ لأهل نجد قرناً وهو جور عن طريقنا قال: فانظروا حذوها في طريقكم فحدَّ لهم - ذات عرق - قال الشافعي: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد ذات عرق وإنما أجمع عليه الناس وهذا يدل على أن ذات عرق ليس منصوصاً عليه وبه قطع الغزالي والرافعي في شرح المسند والنووي في شرح مسلم وكذا وقع في المدونة لمالك.
وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية أنه منصوص وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه. وقد وقع في حديث عائشة
وحديث الحارس السهمي كلاهما عند أحمد وأبي داود والنسائي وهذا يدل على أن للحديث أصلاً فلعل من قال إنه غير منصوص عليه لم يبلغه أو رأى ضعف
الحديث اهـ ملخصاً من فتح الباري. قلت: وعلى كل فقد صح توقيته عن عمر رضي الله عنه فإن كان منصوصاً عليه وجهله فهو من موافقاته المعروفة وإن لم يكن نُصَّ عليه فقد قال
(1/361)

صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". وقد أجمع المسلمون على أنه أحد مواقيت الحج ولله الحمد.
وقد قمت بشهر محرم في عام 1402 هـ من مكة المكرمة إلى هذا الميقات ومعي الشريف: محمد بن فوزان الحارثي وهو من العارفين بتلك المنطقة ومن المطلعين على التاريخ وقصدي بحث طريق الحج من الضريبة إلى مكة على الإبل فوجدت الميقات المذكور شعباً بين هضاب طوله من الشرق إلى الغرب ثلاثة أكيال وعرضه من الجنوب إلى الشمال نصف كيلاً ويحده من جانبيه الشمالي والجنوبي هضابه ويحده من الشرق – ريع انخل- ويحده من الغرب وادي الضريبة الذي يصب في وادي مرّ ويعتبر هذا الميقات من الحجاز فلا هو من نجد ولا من تهامة ولكنه حجاز منخفض يكاد يكون حرة فليس فيه جبال عالية. ويقع عنه شرقاً بنحو عشرة أكيال وادي العقيق ثم يلي العقيق شرقاً ـ صحراء ركبة - الواسعة حيث تبتدئ بلاد نجد. ويحرم من العقيق- الشيعة - مخالفة لعمر رضي الله عنه الذي جعل ذات عرق ميقاتاً.
والمسافة من ميقات ذات عرق حتى مكة مائة كيلاً. وأشهر الأمكنة التي يمر بها الطريق- مكة الرقة - وفيها آثار وبِرْكَة عظيمة قديمة من آثار بني العباس ثمَّ وادي نخلة الشامية - ثم المضيق - ثم البرود ثم شرائع المجاهدية ثم العدل وهذا الميقات مهجور الآن فلا يحرم منه أحد لأن الطرق المسفلتة في نجد وفي الشرق لا تمر عليه وإنما تمر على الطائف والسيل الكبير ـ قرن المنازل.
ملاحظة: جميع مواقيت الإحرام أودية عظام ولذا فإن الاحتياط أن يحرم الحاج أو المعتمر من الضفة التي لا تلي مكة من الوادي لئلا يعتبر متجاوزاً للميقات.
فائدة:
جاء في قرار مجلس كبار العلماء رقم 5730 تاريخ 21/10/1399 هـ وهو ما خلاصته: بعث الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر إلى الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود رسالة تتضمن جواز جعل جدة ميقاتاً لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية. وقد أحيلت إلى المجلس فاستعرض تلك الفتوى وأصدر ما يلي: أن المجلس بعد دراسة الأمور التي وردت في الرسالة يرى أن المسوغات التي استند إليها مردودة بالنصوص الشرعية وإجماع سلف الأمة وأنه بعد الرجوع إلى الأدلة وما ذكر أهل العلم عن المواقيت المكانية ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
أولاً: أن الفتوى الصادرة من فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم
(1/362)

الشرعية والشئون الدينية بقطر الخاصة بجواز جعل جدة ميقاتاً لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية فتوى باطلة لعدم استنادها إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله وإجماع سلف الأمة ولم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين الذين يعتد بأقوالهم.
ثانياً: لا يجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحداً منها جواً أو بحراً أن يتجاوزه من غير إحرام كما تشهد لذلك الأدلة وكما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى هذا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد. اهـ الخلاصة من القرار وبهذا انتهى بحثي عن المواقيت المكانية وهو بحث قل أن تجده في غير هذا الكتاب لأنه كتب عن مشاهدة وتطبيق وتحديد على الطبيعة ونسأل الله تعالى التوفيق والعصمة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المعنى الإجمالي:
لهذا البيت الحرام، التكريم، والتعظيم، والتقديس، والإجلال.
ومن ذلك أن جُعِل له حدود، لا يتجاوزها قاصده، بحج، أو عمرة إلا وقد أحرم وأتى في حال خشوع وخضوع، وتقديس وإجلال، عبادة لله واحتراماً لهذا البيت المطهر.
ومن رحمة الله بخلقه، أنه لم يجعل لهم ميقاتاً واحداً في إحدى جهاته، بل جعل لكل جهة محرماً وميقاتاً، لئلا تلحقهم المشقة بقصدهم ميقاتاً ليس في طريقهم، حتى جعل ميقات مَنْ داره دون المواقيت مكانه الذي هو فيه، حتى أهل مكة يحرمون بالحج من مكة، فلا يلزمهم الخروج إلى الحل كفعلهم بالعمرة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جعل هذه الأمكنة المذكورة مواقيت، لا يحل لمن أراد نسكاً تجاوزها بدون إحرام.
2- أن ميقات من دون المواقيت من مكانه الذي هو ساكن فيه.
3- أن ميقات أهل مكة منها، وهذا في الحج.
أما العمرة، فلا بد من الخروج إلى الحل وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة.
وقال المحب الطبري: "لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة".
وقصة عائشة مشهورة ثابتة فلا يقاومها مفهوم الحديث.
4- يدل قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" أن من أراد دخول مكة لغير حج أو عمرة، بل لتجارة أو زيارة قريب ونحوه، أنه لا يجب عليه الإحرام. ثم إن تجدد له عزم على الإحرام أحرم من حيث عزم على أداء النسك ولو داخل المواقيت أو من مكة في الحج.
(1/363)

وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، ويأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى.
رحمة من الله تعالى بخلقه، حيث جعل لكل جهة ميقاتاً يكون في طريق سالكه إلى مكة، سواء أكان من أهل تلك الجهة أم لا.
ولو جعل الميقات في جهة واحدة، لَشقَّ على من لم يأت منه مشقة كبيرة.
6- في تقدير النبي صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت وتحديدها، معجزة من معجزاته الدالة على صدق نبوته.
فقد حددها، ووقتها، وأهلها لم يسلموا، إشعاراً منه بأن أهل تلك الجهات سيسلمون، ويحجون، ويحرمون منها، وقد كان، ولله الحمد والمنة.
7- تعظيم هذا البيت وتقديسه، إذ جعل له هذا الحمى، الذي لا يتجاوزه من قصده بنسك، إلا وجاء منه معظماً، مكرماً، خاشعاً، خاضعاً، بهذه الهيئة الخاصة.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية الإحرام لمن أراد دخول الحرم، سواء أكان دخوله لنسك أم غيره.
وأجمعوا على وجوب الإحرام لمن أراد دخوله للنسك.
واختلفوا في وجوبه على من أراد الدخول لغير نسك، كدخوله لتجارة، أو سكن، أو غير ذلك.
فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: إلى وجوب الإحرام على من دخله، سواء أكان لنسك أم غيره، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم في مكة: "إنَّهَا حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ كَحُرمَتِهَا بِالأمْسِ".
واستدلوا بحديث ابن عباس عند البيهقي بلفظ: "لا يَدْخُلُ أحَدٌ مَكَّةَ إلاَّ مُحْرِماً". قال ابن حجر: إسناده جيد.
وذهب الإمام الشافعي في المشهور عنه: إلى جواز الدخول بلا إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في "المحلى" وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام "ابن تيمية"، وأبو الوفاء بن عقيل، قال ابن مفلح، في الفروع: وهي ظاهرة.
واستدلوا على ذلك بقوله في هذا الحديث: "ممن أراد الحج والعمرة".
(1/364)

وأجابوا عن الدليل الأول للموجبين بأن الحديث ليس له دخل في الإحرام، وإنما هو في تحريم القتال في مكة.
وأجابوا عن حديث ابن عباس، بأنه موقوف من طريق البيهقي ولا يحتج به فيما عداها من الطرق. والموقوف ليس بحجة.
ولم يوجب الله الحج والعمرة إلا مرة واحدة في العمر، والأصل براءة الذمة إلا بدليل موجب.
فائدة:
ما ذكر من الخلاف، في حق غير المتردد إلى الحرم لجلب الحطب أو الفاكهة ونحوهما، أو له بستان في الحل يتردد عليه، أو له وظيفة أو عمل في مكة، وأهله في "جدة" أو بالعكس.
فهؤلاء ونحوهم، لا يجب عليهم الإحرام عند عامة العلماء، فيما اطَّلَعْتُ عليه من كلام فقهاء المذاهب، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من التحريم على كل داخل إلى مكة بغير إحرام. والعمل على خلافه.

بَابُ مَا يَلبسُه المحْرم من الثياب
ذكر المؤلف رحمه اللَه تعالى في هذا الباب أربعة أحاديث.
الأول والثاني: في بيان ما يلبسه المحرم من الثياب، وما يجتنبه.
والثالث: في بيان التلبية، وسأُفْرِدُهُ بباب.
والرابع: في بيان حكم سفر المرأة بلا محرم، وسأفرده بباب أيضاً، ليتبين من تعدد التراجم ما في الأحاديث من الأحكام.
والمؤلف أخذ الترجمة من السؤال، الذي في الحديث.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضْيَ الله عَنْهُمَا: أنَّ رَجُلاً قالَ: يَا رَسُولَ الله. مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ
مِنَ الثيابِ؟.
قال صلى الله عليه وسلم: "لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلا العَمَائِمِ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا
الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ إلا أحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ،
وَلا يَلْبَسْ مِنَ الثيابِ شيئاً مَسَّهُ زَعْفَران أوْ وَرْسٌ".
وللبخاري: " وَلا تَنْتَقِبُ الْمَرأةُ، وَلا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ".
(1/365)

الغريب:
السراويل: يذكر ويؤنث، وهو مفرد على صيغة الجمع، وجمعه السراويلات، وهي لفظة أعجمية عُربَتْ.
البرانس: جمع بُرْنس، ثوب رأسه منه، ملتزق به، لباس للنساك في صدر الإسلام. ويلبسه المغاربة الآن.
الخفاف: بكسر الخاء جمع "خف" بضم الخاء، وهو ما يلبس في الرجل، ويكون إلى نصف الساق.
أما الجوارب، فما غطى الكعبين، وحكمهما واحد، ويأتي إنشاء الله. مسه: أصابه.
ورس: بفتح الواو، وإسكان الراء، نبت أصفر، يصبغ به الثياب، وله. رائحة طيِّبة.
الزعفران: نبات بصلي معمر من الفصيلة السوسنية يصبغ به أيضا.
ولا تنتقب: الانتقاب: هو أن تُخَمِّر المرأة وجهها- أي تغطيه بالخمار- وتجعل لعينيها خرقين تنظر منهما.
القفازين: تثنية قُفَّاز وهو شيء يعمل لليدين، من خرق، أو جلود، أو غيرها. يقيها من البرد وغيره، على هيئة ما يجعله حاملو البزاة والصقور.
الكعبين: العظمان الناتئان عند مفصل الساق.
المعنى الإجمالي:
قد عرف الصحابة رضي الله عنهم أن للإحرام هيئة تخالف هيئة الإحلال. ولذا سأل رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء المباحة، التي يلبسها المحرم.
ولمّا كان من اللائق أن يكون السؤال عن الأشياء التي يجتنبها، لأنها معدودة قليلة وقد أعْطِي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم أجابه ببيان الأشياء التي يجتنبها المحرم ويبقى ما عداها على أصل الحل، وبهذا يحصل العلم الكثير.
فأخذ صلى الله عليه وسلم يَعُدُّ عليه ما يحرم على الرجل المحرم من اللباس منها بكل نوع منه، على ما شابهه من أفراده، فقال:
لا يلبس القميص، وكل ما فُصِّل وَخِيطَ على قدر البدن، ولا العمائم، والبرانس، وكل ما يغطى به الرأس، ملاصقاً له، ولا
(1/366)

السراويل، وكل ما غطي به ـ ولو عضواً- كالقفازين ونحوهما، مخيطاً أو مُحِيطاً، ولا الخفاف ونحوهما، مما يجعل بالرجلين ساترين للكعبين، من قطن أو صوف، أو جلد أو غير ذلك.
فمن لم يجد وقت إحرامه نعلين، فَلْيَلْبَسْ الخفين ولْيَقْطَعْهُما من أسفل الكعبيِن، ليكونا على هيئة النعلين.
ثم زاد صلى الله عليه وسلم فوائد لم تكن في السؤال، وإنما المقام يقتضيها. فَبيَّن ما يحرم على المحرم مطلقاً من ذكر وأنثى، فقال:
ولا يلبس شيئاً من الثياب، أو غيرها مَخِيطاً أو غير مخيط، إذا كان مطيباً بالزعفران أو الورس، منبهاً بذلك على اجتناب أنواع الطيب.
ثم بيَّن ما يجب على المرأة، من تحريم تغطية وجهها وإدخال كفيها فيما يسترهما، فقال:
"ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين".
ما يؤخذ من الحديث:
1- أن السؤال ينبغي أن يكون متوجهاً إلى المقصود علمه.
2- أنه ينبغي للمسئول إذا رأى السؤال غير ملائم أن يعدله ويقيمه إلى المعنى المطلوب، ويضرب صفحاً عن السؤال، كقوله تعالى:} يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قل هِيَ مَوَاقِيْتَ لِلنَّاسِ والْحَجِّ. {
3- أن الأشياء التي يجتنبها المحرم من الملابس، قليلة معدودة.
وأما الأشياء المباحة فهي الكثيرة، التي تعرف بالجد لأنها على أصل الإباحة.
ولهذا المعنى صرف النبي صلى الله عليه وسلم، سؤال السائل عن ما يلبسه المحرم، إلى بيان ما لا يلبسه.
4- تحريم هذه الأشياء الملبوسة خاصة بالرجل.
وأمَّا المرأة، فيباح لها لبس المخيط وتغطية الرأس.
5- منها القميص: وَنَبَّه به على ما في معناه، من كل ما لبس على قدر البدن، مخيطاً أو محِيطاً.
6- ومنها "البرانس" و"العمائم" ونبه بهما على كل ما يُغَطَّى به الرأس أو بعضه، من مَخِيطٍ أو مُحِيطٍ، من معتاد ونادر. فيدخل القلانس، والطواقي ونحوهما.
7- ومنها "الْخُفَّان" وما في معناهما من كل ساتر للكعبين، من مخيط أو محيط، سواء كان من جلد، أو صوف، أو قطن، أو غيرها.
8- إذا لم يجد نعلين ونحوهما مما لا يستر الكعبين، فَليَتَرَخَّصْ بلبس الخفين ولكن لِيَقْطَعْهُمَا من أسفل الكعبين، ليكونا في معنى النعلين.
(1/367)

ويأتي في الحديث الذي بعد هذا، اختلاف العلماء في ذلك، وبيان الراجح منه، إن شاء الله. قال المجد بن تيمية واتفقوا على أن التحريم هنا على الرجل.
9- تحريم "الورس"، و"الزعفران" وما في معناهما من أنواع الطيب، لكل محرم من ذكر وأنثى.
10- تحريم تغطية المرأة وجهها، لأن إحرامها فيه. وتحريم لبس القفازين، على الذكر والأنثى.
11- هذه الفائدة والتي قبلها، لم تكن في سؤال السائل.
ولكن لما ظن النبي صلى الله عليه وسلم جهل السائل بها، بقرينة السؤال، زاده النبي صلى الله عليه وسلم لبيان العلم وقتَ الحاجة إليه، وعند مناسبته.
12- لهذا اللباس الخاص بالمحرم، حِكَمٌ وأسرار كثيرة.
منها: - أن يكون في حال خشوع وخضوع، بعيداً عن الترفُّه وزينة الدنيا، وليتذكر بهذا اللباس حال الموت، فيكون أقرب إلى المراقبة. قال ابن دقيق العيد: فيه تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشروطها وآدابها.
13- قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالسراويل والقميص على المخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس، مخيطاً كان أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجلين.
14- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلا لحاجة، والحاجة مثل البرد الذي يخاف أن يمرضه إذا لم يغط رأسه، فيلبس قدر الحاجة، فإذا استغنى عنه نزعه، وعليه أن يفدي إما بصيام ثلاثة أيام أو نسك شاة أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو مدِّ برٍّ. ويجوز أن يفدي قبل فعل المحظور وبعده.
فائدة:
المراد بالنهي عن لبس المخيط والمحيط، هو اللبس المعتاد. أما ارتداؤه ونحوه، فلا بأس.
(1/368)

الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس رضيَ الله عَنْهُما قال:
سَمِعْتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ بعَرَفَاتٍ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس خُفَّيْن.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارَاً فَلْيَلْبَسْ سَراوِيلَ (للمحرم) .
المعنى الإجمالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الحجيج بعرفات في حجة الوداع، ويبين أحكام المناسك.
وكان المسلمون في ذلك الوقت، في ضيق من الدنيا.
فَبَيَّن لهم أن من لا يجد نعلين يلبسهما في إحرامه، فليلبس بدلهما خفين ولو سترا الكعبين.
ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ولا يشقه، تخفيفاً من الشارع، ورخصةً من الله تعالى، الذي لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ما يؤخذ من الحديث:
1- الخطبةْ في عرفة لبيان أحكام الحج وآداب المناسك.
2- أنه ينبغي تذكير الناس في كل وقت بما يناسبهم.
3- أن من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين.
ظاهره، بلا قطع لهما، ويأتي الخلاف فيه.
4- أن من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل.
ولا فدية مع لبس الخفين والسراويل في هذه الحال.
5- سماحة هذه الشريعة ويسرها، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
اختلاف العلماء، والتوفيق بين الحديثين:
اختلف العلماء. في حكم المحرم، الذي لا يجد نعلين ووجد خُفَّيْنِ.
فهل يجب عليه قطعهما من أسفل الكعبين؟ وإن لم يفعل أثم وفدى، أو أنه يباح له لبسهما بلا قطع وليس عليه فدية؟
فذهب الجمهور من العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافي، والثوري وإسحاق: إلى الأول. مستدلين بحديث ابن عمر السابق. " فإن لم يجد نعلين فليقطعهما من أسفل الكعبين" لأنه أمر يقتضي الوجوب، فيحمل عليه حديث ابن عباس، على قاعدة "حمل المطلق على المقيد".
وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى الثاني، ويروى أيضاً عن عليٍّ، وقال به عطاء وعكرمة. مستدلين بحديث ابن عباس الذي معنا.
(1/369)

وأجابوا عن حديث ابن عمر بأجوبة، أحسنها أنه منسوخ بحديث ابن عباس، الذي خطب به في عرفات بينما حديث ابن عمر قاله في المدينة قبل حجة الوداع.
وأيدوا قولهم في النسخ بما يأتي:
1- أنه أطلق لبس الخفين بلا قطع بـ"عرفات"، على مشهد من أمم لم تحضر كلامه في المدينة، فليس عندهم علم من الحديث الأول ليحملوا هذا عليه، فما كان ليسكت عما يجهلون.
2- أن حديث ابن عباس في عرفات وهو وقت الحاجة، وتأخير البيان عنها ممتنع.
3- لم يذكر في حديث ابن عمر السراويل، وذكره في حديث ابن عباس ولم يأمر بفتقه مع أنه لا يوجد شيء يحمل عليه، مما دل على أنه أراد من الخفين والسراويل، مطلق اللبس بلا قطع ولا فتق.
4- أن القطع نسخ تخفيفاً وإصلاحاً عن الإفساد بإتلاف المال.
ونظائر هذه التخفيفات كثيرة في الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أولاً أمرهم بقطعهما ثم رخص لهم في لبسهما مطلقاً من غير قطع، وهذا هو الذي يجب حمل الحديث عليه. اهـ.

بَابُ التلبيَة
الحديث الأول
َعنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا: أنَّ تَلْبيَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم "لَبَّيْكَ
الّلهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لبًّيْكَ. إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ. لا شَرِيكَ لكَ".
قال: وَكَانَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ (1) فيها: لَبَّيْكَ. لّبَّيْكَ وَسَعْدَيكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ
وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
الغريب:
لبيك: مصدر محذوف العامل، جاء على صيغة التثنية، ولم يقصد به التثنية وإنما قصد به التكثير.
_________
(1) زيادة (ابن عمر) ليست في البخاري، بل أخرجها مسلم خاصة كما نبه عليه ابن عبد الحق.
(1/370)

واختلفوا في معناه، لاختلافهم في مأخذه.
فهل هي الإجابة بعد الإجابة، أو الانقياد، أو الإقامة في المكان وملازمته أو الحب بعد الحب ... الخ. ولا منافاة بينها بل هي متلازمة لأنها تفيد معنى الإقبال على الشيء والتوجه إليه، فمعنى ألبّ بالمكان: أقام فيه ولزمه.
إن الحمد: بكسر الهمزة وفتحها، والكسر أجود وأشمل معنى، لأن الفتح معناه تعليل الإجابة بسبب الحمد والنعمة فقط، والكسر للاستئناف، فيفيد الإجابة المطلقة عن الأسباب. قال ثعلب: من كسر (الهمزة) كان معناه: الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال لبيك لهذا السبب.
سعديك، القول في تصريف لفظه، مثل القول في "لبيك" ومعناه مساعدة في طاعتك بعد مساعدة.
الرغباء: تقال بالمد والقصر، فإن مدت فُتِحَتِ الراء وإن قصرت ضُمَّتْ. وهما من الرغبة كالنعمى والنعماء من النعمة. وقيل: الرغباء: الضراعة والمسألة.
المعنى الإجمالي:
التلبية: شعار الحج وعنوان الطاعة والمحبة، والإقامة والاستجابة الدائمة إلى داعي الله تعالى.
وهي تحتوي على أفضل الذكر من التزام عبادة الله وإجابة دعوته، ومطاوعته في كل الأحوال مقترناً ذلك بمحبته، والخضوع والتذلُّل ببن يديه، ومن إفراده بالوحدانية المطلقة: عن كل شريك في إلهيته وربوبيته وسلطانه، كما تحتوي على إثبات كل المحامد له.
وبإثباتها تنتفي عنه النقائص مع إسناد النعم كلها إليه، دقيقها وجليلها، ظاهرها وباطنها، كما تحتوي على إثبات الملك المطلق.
فهو المتصرف القاهر الذي بقبضته كل شيء، ولا ينازعه أحد في ملكه، بل الجميع خاضع له، ذليل بين يديه.
وإثبات هذه الصفات العُلي، التي فيها الثناء على الله، وإثبات المحامد والوحدانية والتصرف، تفيد وصفه - جل وعلا - بها مفردة، كما أن اجتماعها يفيد معنى زائداً يليق بجلاله الذي هو أهله، وذلك كمال ناشئ عن اقتران صفة بصفة.
فكونه مالكاً، كمال، وكونه الحمد له، كمال. واجتماعهما، كمال زائد على الكمالين. فله الصفات العلي والمحامد الكاملة.
وإثبات هذه الصفات، يوجب للعبد إفراده بالعبادة والمحبة، والتوجه والإقبال، والخوف والرجاء، وغير ذلك من متعلقات العبد بربه ومولاه.
(1/371)

ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية التلبية في الحج والعمرة، وتأكدها فيه لأنها شعاره الخاص ويأتي الخلاف: هل هي واجبة أو مستحبة؟ إن شاء الله.
2- الأفضل أن تكون بهذه الصيغة فقط للاتِّباع، ولما تحتويه هذه الجمل من المعاني العظيمة، ولما فيها من صفات الله تعالى الجليلة. فإن زاد فلا بأس.
3- أن التلبية شعار الحج كالتكبير شعار الصلاة فيستحب الإكثار منها، لاسيما عند الانتقال من منسك إلى آخر، وارتفاع على نشز، أو هبوط في منخفض، أو التقاء الحجيج، أو فعل محظور. لأن فيها التذكير على الإقامة على طاعة الله والاستجابة لداعيه. قال شيخ الإسلام: لا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر حتى يرمي جمرة العقبة، فإذا شرع في الرمي قطع التلبية فإنه حينئذ يشرع في التحلل.
4- تقدم في المعنى الإجمالي ما تحتويه التلبية من أنواع الذكر، من الإقامة على طاعته، وإثبات الوحدانية المطلقة له، وإثبات المحامد وإسناد النعم إليه،
والإقرار بملكه وقهره وسلطانه المطلق. فهي محتوية على توحيد الإلهية والربوبية، والأسماء والصفات.
5- مادامت التلبية شعار الحج، فينبغي رفع الصوت بها للرجال.
أما المرأة فتخفض صوتها خشية الفتنة بهذه العبادة الجليلة.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية التلبية في الحج، لأنها شعاره.
واختلفوا هل هي ركن، أو واجب، أو سنة؟.
فذهب إلى أنها سنة، الإمامان، الشافعي، وأحمد. ودليلهم أنها ذكر كسائر الأذكار، لا يجب بتركها شيء.
وذهب مالك وأصحابه، إلى أنها واجبة، يأثم تاركها، ويصح حجه، وعليه دم لتركه إياها.
وذهب أبو حنيفة، والثوري، وأهل الظاهر، وعطاء، وطاوس، وعكرمة إلى أنها رُكْن، لا يصح الحج بدونها.
ودليل هؤلاء، أنها شعار الحج، كما أن تكبيرة الإحرام، وتكبير الانتقالات، شعار الصلاة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُخِلَّ بها، وكان يقول: " خذوا عني مناسككم"، وهى من أعظم المناسك،
(1/372)

وفي الحديث: "أتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أن آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعوا أَصْوَاتَهُمْ بالإهْلالِ" وهي التلبية. والأمر يقتضي الوجوب.
قلت: وهذا قول جيد، وحجته قوية، وقد التزمها – ولله الحمد - المسلمون جميعاً، فلا تجد محرماً إلا وهو يقولها في نسكه مرات، فمِنْ مُقِلٍ وَمُكثِرِ.
فائدة:
قال شيخ الإسلام ما خلاصته: النية في الحج والعمرة: لا خلاف بين المسلمين في أن الحج والعمرة لا يصحان بدونها. وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين هما: قصد العبادة وقصد المعبود، وهو الأصل الذي دل عليه قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} وأما قصد العبادة فهو قصد عمل خاص يرضي به ربَّه من صيام أو حج أو غيرهما، وهذه النية التي تذكر في كتب الفقه المتأخرة، فالنية الأولى يتميز بها من يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا ويتميز بها المسلم من الكافر أما الثانية فهي تميز أنواع العبادات.
وقال رحمه الله: ولا يكون الرجل محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإن القصد مازال في القلب منذ خرج من بلده، ولا بد من قول أو عمل يصير به محرماً، والتجرد من الثياب واجب في الإحرام وليس شرطاً فيه، فلو أحرم وعليه ثيابه صح ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وباتفاق أئمة أهل العلم وعليه أن ينزع اللباس المحظور.
(1/373)

بَاب سَفر المَرأة بدُون محْرم
الحديث الأول
عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رَضيَ الله عَنْة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلُّ
لامْرَأةٍ تُؤمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ".
وفي لفظ (1) للبخاري: "لا تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلا مَعَ ذي مَحْرَم".
المعنى الإجمالي:
المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي نفسها لضعفها ونقصها.
ولا يغار عليها مثل محارمها، الذين يرون أن النَّيْلَ منها نَيْلٌ من شرفهم وعرضهم.
والرجل الأجنبي حينما يخلو بالأجنبية، يكون معرضاً لفتن الشيطان ووساوسه.
لهذه المحاذير، التي هي وسيلة في وقوعٍ الفاحشة وانتهاك الأعراض، حرَّم الشارع على المرأة أن تسافر يوماً، أو يوماً وليلة، إلا ومعها ذو محرم، وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب، كأب، وابن، وأخ، وعم، وخال. أو والد زوجها أو ابنه وإن نزل. أو رضاع. كأبيها، وأخيها منه.
وناشدها الشارع في إيمانها بالله واليوم الآخر.
إن كانت تحافظ على هذا الإيمان وتنفذ مقتضياته، أن لا تسافر إلا مع ذي محرم.
اختلاف العلماء:
وهي تكفي عن الاستنباطات، لأنها تشتمل عليها:
هذه خلافات نجملها ولا نطيل بتفصيلها، لمخالفتها نص الحديث الصحيح.
فقد اختلفوا: هل المرأة مستطيعة الحج بدون المحرم، إذا كانت ذات مال؟ أو أن وجود المحرم شرط في الاستطاعة؟.
الصحيح: أنه لا يحل خروجها بدون محرم لأي سفر، فتكون معذورة غير مستطيعة.
واختلفوا في الكبيرة، التي لا تميل إليها النفس: هل تسافر بدون محرم، أو لابد من المحرم؟.
_________
(1) قوله: (وفي لفظ البخاري) .. إلخ يوهم انفراد البخاري به، وليس كذلك بل أخرجه مسلم أيضاً.
(1/374)

الصحيح الأخير. لأن الحديث عام في كل امرأة، ولا يخلو الأمر من محذور، فلكل ساقطة لاقطة.
واختلفوا هل يكفي أن تكون مع رفقة أمينة، أو تسافر مع امرأة مسلمة ثقة أم لا؟.
ظاهر الحديث أنه لابد من المحرم، لأن غيرة المحرم ونظره مفقودان.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كانت المرأة من القواعد اللائي لم يحضن، وقد يئست من النكاح، ولا محرم لها فإنه يجوز في أحد قولي العلماء أن تحج مع من تأمنه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي.
وقد أجمع المسلمون أنه لا يجوز السفر للمرأة بدون محرم، إلا على وجه تأمن فيه. ثمَّ ذكر كل منهم الأمر الذي اعتقده صائناً لها وحافظاً، من نسوة ثقات، أو رجال مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أحق وأوجب وحكمته ظاهرة، فالذين خالفوا ظاهر الأحاديث، وأباحوا لها السفر حين تكون آمنة نظروا إلى المعنى المراد وقالوا: إنها مأمورة بالحج على وجه العموم بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سيلا) .
والذين أخذوا بظاهر حديث المنع من السفر قالوا: إن الحديث مخصص للآية وله نظائر كحديث الغازي الذي خرجت امرأته حاجة، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يدع الجهاد ويحج مع امرأته، وغيره من الأحاديث.
واختلفوا في تحديد السفر، تبعاً لاختلاف الأحاديث.
فمنها "يوم" و" يومان" و"ثلاث ليال" و"ليلة"، و"بريد".
والأحوط أن يؤخذ بأقلها، لأنه لا ينافي ما فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين، حسب حال السائل. والله أعلم.
(1/375)

ظاهرة محزنة:
إذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص الصحيحة، والآداب العالية، والغيرة الكريمة، والشهامة النبيلة، والمحافظة على الفروج والأعراض وحفظ الأنساب، وجدت كثيراً من المسلمين قد نبذوا دينهم وراءهم ظهرياً، ومرقوا منه، وصار التَّصَوُّنُ والحياء ضرباً من الرجعية والجمود.
أما الانحلال الخُلُقيُّ، وخلع رداء الحياء والعفاف، فهو التقدُّم والرُّقيُّ. فإنا لله وإنا إليه راجعون

بَاب الفِديَة
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْن مَعْقِلٍ، قال: جَلَسْتُ إلى كَعْب بْنِ عُجْرَةَ فَسَألتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ فقال: نَزَلَتْ
فِيَّ خَاصَّة، وَهِي لَكُمْ عَامَّة:
حُمِلْتُ إلى رَسُولِ الله وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلى وَجْهي فقال:
"مَا كُنْتُ أرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أرى - أو: مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أرَى: -
أتَجدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لا، قَالَ: فَصُمْ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِيْنَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ
نِصْفُ صَاعٍ.
وفي رواية: أمَرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أوْ
يُهْدِي شَاةً، أوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيامٍ.
لغريب:
نزلت فيَّ: يعني الآية وهي قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضَاً أوْ به أذَىً مِنْ رَأسِه فَفِدْية مِنْ صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ} .
حملت: بالبناء للمجهول.
ما كنت أُرَى: - بضم الهمزة، بمعنى "أظن".
ما أرى: - بفتح الهمزة، بمعنى "أشاهد".
الجَهد: بفتح الجيم "المشقة" وبضمها بمعنى "الوسع" و"الطاقة" والمراد ـ هنا – الأول.
الفَرَق: بفتح الفاء والراء، مكيال يسع ثلاثة آصع نبوية.
وتقدم في الزكاة تحرير الصاع النبوي ومكاييلنا الحاضرة والمقارنة بينهما.
(1/376)

المعنى الإجمالي:
رأى النب (1) ي صلى الله عليه وسلم "كعب بن عجرة" في الحديبية (2) وهو محرم.
وإذا القمل يتناثر على وجهه من المرض، والأوساخ المتسببة من المرض.
وكان صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فَرَقَّ لحاله وقال: ما كنت أظن أن المشقة بلغت منك هذا المبلغ، الذي أراه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذىً مِنْ رَأْسِهِ} الآية.
فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يجد أفضل ما يفدي به وهو الشاة؟.
فقال: لا، فقال: إذا لم تجد الشاة فأنت مخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر، أو غيره، ويكون ذلك كفارة عن حلق رأسه، الذي اضطر إليه في إحرامه، من أجل ما فيه من هوام، وفي الرواية الأخرى، خيَّره بين الثلاثة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز حلق الشعر للمحرم مع التضرر ببقائه، ويفدي.
2- تحريم أخذ الشعر للمحرم بلا ضرر، ولو فدى.
3- أن الأفضل في الفدية، ذبح شاة، وتقسيمها على الفقراء. فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
وفي الرواية الأخرى التخيير بين الثلاثة ويأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله.
4- كون السنة مفسرة، ومبينة للقرآن.
فإن "الصدقة " المذكورة في الآية مجملة، بيَّنها الحديث.
5- ظاهر الحديث أن نصف الصاع يخرج، سواء أكان من بر أم غيره.
وهو مذهب مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهو الصحيح، لظاهر الحديث.
أما المشهور من مذهب أحمد، فيجزئ مُدٌّ من بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره.
6- ظاهر النصوص، نزول الآية بعد فتوى النبي صلى الله عليه وسلم.
فتكون الآية مؤيدة للوحي الذي لا يتلى.
_________
(1) عبرت بلفظ "رأى" لأنه ورد في بعض ألفاظ الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به، وفي بعضها: أنه حمل إليه. والقضية واحدة.
(2) رد في بعض ألفاظ الحديث، أن ذلك في "الحديبية"
(1/377)

7- وفيه رأفة النبي صلى الله عليه وسلم.
8- وفيه تفقد الأمير والقائد أحوال رعيته.
9- ألحق العلماء بحلق الرأس تقليم الأظفار، والطيب، واللبس، بجامع الترفُّه في كل منها، وتسمى "فدية الأذى".
10- ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بكعب، وبعضها: أنه حمل إليه.
وجمع بينهما العلماء، بأنه مرَّ به أولاً ثم طلبه فحمل إليه.
11- يجوز الحلق قبل التكفير وبعده، ككفارة اليمين، تجوز قبل الحنث وبعده.
12- سبب نزول الآية {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضَاً…} الخ قضية كعب بن عجرة.
ولكنها عامة، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
تحقيق التخيير في الكفارة:
ظاهر الحديث الذي معنا يفيد تقديم الشاة، فإنْ لم يجدها، فهو مخير بين الصيام والإطعام.
أما الآية وبقية الروايات، فتفيد التخيير بين الثلاثة.
ومنها ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعله آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ".
قال: نَعَمْ.
فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "احْلِقْ رَأسَكَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً" فهذا وأمثاله، صريح في التخيير.
وقد جمع العلماء بينها، فقال ابن عبد البر: قدم الشاة، إشارةً إلى ترجيح الترتيب، لا إلى إيجابه.
قال النووي: قصد بسؤاله عن الشاة، أن يخبره إن كان عنده شاة، فهو مخير بين الثلاثة، لا أنه لا بجزيء مع وجودها غيرها.
وقال بعضهم: إنه أفتاه في الشاة اجتهاداً، وبعد ذلك نزلت الآية في التخيير بين الثلاثة.
ويؤيد هذا القول ما رواه مسلم عن عبد اللَه بن معقل، عن كعب قال: "أتجد شاة؟ قلت: لا، فنزلت هذه الآية".
والأحاديث الواردة في هذا المعنى، وردت من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، ومن طريق عبد الله بن معقل، عن كعب أيضاً.
(1/378)

وما روي من طريق عبد الرحمن، موافق لمعنى الآية، من إفادة التخيير بين الثلاثة.
وما ورد من طريق عبد الله بن معقل، يفيد الترتيب.
لهذا فإن ابن حزم، حكم على رواية عبد الله بالاضطراب، وقال في طريق عبد الرحمن: "هذا أكمل الأحاديث وأبينها".
والذي أرى: أن ما ذهب إليه "أبو محمد" هو أحسن جمع، لأن القصة واحدة. فلا يمكن أن يقع فيها إلا صفة واحدة، فلا يمكن الجمع إلا بهذا؛ ولذا قال ابن حجر: وأقرب ما وقفت عليه من طرق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن شئت فانسك شاة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم".
ورواية مالك في الموطأ "أي ذلك فعلت أجزأ "والله أعلم.

بَابُ حرمَة مَكة
حرمة "مكة" المكرمة مستمدة من هذا البيت المعظم، الذي هو أول بيت وُضِعَ في الأرض لِيَؤمَّه الناس لعبادة الله تعالى كما قال تعِالى {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًىً لِلعَالَمِينَ} . وقد بناه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.
ومازال معظماً مكرماً محجوجاً منذ بُنيَ حتى يفسد الزمان، ويذهب الإيمان.
فما دام الدين قائماً فقد جعله الله {مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَاً} .
وقد عظمه العرب في جاهليتهم، وجاءوا إليه من أقطار الجزيرة ومن ورائها، فأكرمهم سدنته وخدامه من قريش ومن قبلهم.
وجاء الإسلام فزاد من تعظيمه وتقديسه - وقد حماه الله من كل مُعْتَدٍ، وأكبر دليل، قصة أصحاب الفيل المشهورة.
والمجاورة فيه من أفضل العبادات لمن رزق الاستقامة، لأن العمل عنده مضاعف إلى مائة ألف ضعف كما أنَّ المعاصي عنده وفيه، مغلظة لحرمة المكان.
(1/379)

رزقنا الله العمل الصالح المرضي وجهه الكريم، وجنَّبَنَا الزَّيْغَ والضلالَ والْمِحَنَ والفتن، ما ظهر منها وما بطن. آمين.
وتقدم في أول الكتاب شيء من حِكَمِ الحج وأسرارِه.
وكون الحج إلى هذا البيت له حِكَم ومناسبات أخرى، منها أن هذا البيت ومناسكه، هي آثار أبي الأنبياء إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وهي ذكريات، وأعياد إسلامية دينية.
ومنها أن هذه البقعة هي مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه، ومنها شَعَّ نور الإسلام.
فالمسلمون يجددون بها عهداً وهي عاصمتهم الأولى ومُتَوَجَّه وجوههم ومهوى أفئدتهم.
جمع الله المسلمين على التُّقَى ولَمَّ كلمتهم فيما يُعْلي دينهم، ويرفع شأنهم. آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
الحديث الأول
عَنْ أبِي شُرَيْحٍ خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرو الْخُزَاعِي الْعَدَوِي رَضيَ الله عَنْة:
أَنهُ قَالَ لِعَمْرِو بْن سَعِيدِ بْنِ الْعَاص – وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِيْ أُيُّهَا الأمِيرُ
أنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَالَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ
أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأبصَرَتْهُ عَينايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ. أنَّهُ حَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ:
"إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله تعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ
لامْرِئ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً ولا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً. فَإنْ أحَدٌ
تَرَخَّصَ بِقِتَال رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُوْلُوا: إنَّ الله أذِن لِرسُولِهِ وَلَمْ يَأذَنْ
لَكُمْ، وإنِّمَا أذِنَ لِرَسُولِهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرمَتِهَا بالأمْسِ.
فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
فقيل لأبي شريح: مَا قَالَ لَكَ عَمْروٌ؟ قَالَ: قَالَ أنَا أعْلَمُ بِذلِكَ مِنْكَ يَا أبَا شُرَيْح، إنَ الْحَرَمَ لا يُعِيْذُ عَاصِياً وَلا فَارَّاً بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرَبَةٍ.
الخربة: بالخاء المعجمة، والراء المهملة. قيل: الخيانة، وقيل: البلية. وقيل: التهمة.
وأصلها في سرقة الإبل قال الشاعر:
والخارِبُ الِّلصُّ يُحِبُّ الخارِبا
الغريب:
ايذن لي: أصله "إأذن لي" بهمزتين فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
(1/380)

أن يسفك بها دماً: - بكسر الفاء وضمها - قال الهروي:
لا يستعمل السفك إلا في الدم
ساعة من نهار: هي ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر.
لا يعيذ: لا يجير ولا يعصم.
لا يعضد بها شجرة: هو مثل ضرب يضرب - بكسر الضاد ـ ومعناه يقطع.
المعنى الإجمالي:
لما أراد عمرو بن سعيد بن العاص، المعروف بالأشدق، أن يجهز جيشاً إلى مكة المكرمة وهو – يومئذ - أمير ليزيد بن معاوية على المدينة المنورة لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، جاءه أبو شريح، خويلد بن عمرو الخزاعي، لينصحه عن ذلك.
ولكون المنصوح كبيراً في نفسه، تلطَّف أبو شريح معه في الخطاب، حكمة منه ورشداً، ليكون أدعى إلى قبول النصيحة وسلامة العاقبة، فاستأذنه ليلقي إليه نصيحة في شأن بعثه الذي هو ساعٍ فيه، وأخبره أنه متأكد من صحة هذا الحديث الذي سيلقيه عليه، وواثق من صدقه إذ قد سمعته أذناه ووعاه قلبه، وأبصرته عيناه حين تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له عمرو بن سعيد في الكلام.
فقال أبو شريح: إن النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة فتح مكة "حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض" فهي عريقة بالتعظيم والتقديس، ولم يحرمها الناس كتحريم الحمى المؤقت والمراعي والمياه، وإنما الله الذي تولَّى تحريمها، ليكون أعظم وأبلغ.
فإذا كان تحريمها قديماً ومن الله "فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر - إن كان يحافظ على إيمانه - أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة.
فإن أحد ترخص بقتالي يوم الفتح، فقولوا: إنك لست كهيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أُذِنَ له ولم يُؤذن لك.
على أنه لم يحل القتال بها دائماً، وإنما هي ساعة من نهار، بقدر تلك الحاجة، وقد عادت حرمتها كما كانت، فليبلغ الشاهد الغائب.
لهذا بلغتك أيها الأمير، لكوني شاهداً هذا الكلام، صبيحة الفتح، وأنت لم تشهده.
فقال الناس لأبي شريح: بماذا أجابك عمرو؟ فقال: أجابني بقوله: " أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارًا بخربة"
وهذه محاولة منه باطلة، فإنه متوجه لقتال من هو أفضل منه وأولى بالخلافة.
(1/381)

وقد سلط عليه عبد الملك بن مروان، فقد قتله غدراً صبراً. وقد هزم جيشه وقتل أميره عليه، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
ما يؤخذ من الحديث:
1- إفادة العلم وقت الحاجة إليه، وهي مناسباته، لأنه أبلغ.
2- نصح ولاة الأمور، وأن يكون ذلك بلطف ولين، لأنه أنجح في المقصود.
3- تأكيد الخبر بما يثبته ويؤيده، من بيان الطرق الوثيقة، التي وصل منها، لكونه سمعه بنفسه، أو تكرر عليه، أو شاهد الحادث، أو نقله عن ثقة، ونحو ذلك.
4- البداءة بالحمد والثناء على الله تعالى، في الخطب والمخاطبات، والرسائل وغيرها، من الكلام المهم.
5- تحريم الله لمكة منذ خلق السماوات والأرض، مما يدل على أنها لم تفضل لمناسبات مؤقتة. وإنما هي عريقة أصيلة في التعظيم والتقديس.
أما تحريم إبراهيم عليه السلام، فهو إظهار لتحريم الله.
6- أن الإيمان الصحيح هو الرادع عن محارم الله وتعدِّي حدوده.
7- تحريم سفك الدماء في مكة، وظاهره التحريم مطلقاً. ويأتي بحثه إن شاء الله تعالى في الحديث الذي بعد هذا.
8- تحريم قطع شجرها، ظاهره سواء أن يكون قد نبت بنفسه أو غرسه آدمي. ويأتي بحثه إن شاء الله، في الحديث الذي بعد هذا.
9- أنه لا يحل لأحد أن يترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقاتل في مكة.
10- أنها أبيحت للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة، لم تبح قبلها، ولن تباح بعدها.
11- أن النبي فتح مكة عَنْوَةً لقوله" فإن أحد ترخص بقتال رسول الله".
12- وجوب تبليغ العلم لمن يعلمه، لاسيما عند الحاجة إليه. وهذا ما حمل أبا شريح على نصيحة عمرو بن سعيد.
13- قال ابن جرير: وفيه دليل على قبول خبر الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ.
تنبيه:
بحوث هذا الحديث الخلافية، أخرناها إلى الحديث الذي بعد هذا، لأن معنى الحديثين متقارب.
(1/382)

تنبيه آخر:
قال شيخ الإسلام: ولا يقطع شيء من شجر الحرم ولا من نباته، إلا الإزخر وما غرسه الناس أو زرعوه، فهو لهم.
ثم قال رحمه الله: وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام: كمسجد الصفا، وكمسجد المولد، وغيره، فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة. وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة كجبل حراء فإنه ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك، بل هو بدعة.
تنبيه ثالث:
حينما هم عمرو بن سعيد بمحاربة عبد الله بن الزبير بأمر من يزيد بن معاوية وجه إليه من المدينة جيشاً بقيادة عمرو بن الزبير ـ أخي عبد الله ـ وكانت بين الأخوين عداوة. فسار الجيش من المدينة، وحينما اقترب من مكة أخرج له عبد الله بن الزبير فرقتين من الجيش المرابط معه في مكة، فصارت الهزيمة على الجيش الأموي، وأسر عمرو بن الزبير، فحبسه أخوه وضربه بالسياط إلى أن مات.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رضيَ الله عَنْهُمَا قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ
فَتْحِ مَكَّةََ.
"لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَاد وَنِيَّة. وَإذَا اسْتُنْفِرْتُم فَانْفِرُوا".
وقال يوم فتح مكة: " إنَّ هذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ
بحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأحدٍ قَبْلِي، ولم يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ
نَهَار ـ وهي ساعتي هذه - فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا
يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، ولا يُخْتَلَى خَلاهُ"
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ الله إلاَّ الإذْخِرَ فَإنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبيُوتِهِمْ، فَقَال: " إلاَّ الإذْخِرَ".
القين: الحدّاد.
الغريب:
استنفرتم فانفروا: "نفر" خرج بسرعة. يعني إذا طلب خروجكم للحرب بسرعة فاخرجوا كما طلب منكم.
لا يعضد شوكه: العضد: القطع.
لا ينفر صيده: لا يزعج من مكانه ويذعر.
(1/383)

لا يختلى خلاه: "الخلا" بالقصر هو الرطب من الكلأ واختلاؤه قطعه.
الإذخر: يجوز فيه الرفع بدلاً مما قبله، ونصبه لكونه مستثنى بعد النفي.
واختار ابن مالك النصب، لكون الاستثناء وقع متراخياً عن المستثنى منه.
و"الإذخر" نبت أصله ماضٍ في الأرض، وقضبانه دقاق، ورائحته طيبة.
وهو كثير في أرض الحجاز، وكانوا يسقفون به، فيجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب ليسد الخلل، فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور.
لقينهم: بفتح القاف وسكون الياء، بعدها نون: هو الحداد، وحاجته لها، ليوقد بها النار.
المعنى الإجمالي:
بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، ودعا أهلها إلى الإسلام، فآمن به قليل منم فآذاهم المشركون في مكة فوسَّع الله لهم بالهجرة منها إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر معه أصحابه، وصارت الهجرة وَاجَبة منها، لأن المسلم لا يتمكن أن يظهر فيها إسلامه.
فلما فتحها النبي صلى الله عليه وسلم وصارت بلدة إسلامية، انقطعت الهجرة منها، لأنه زال موجبها، وبقي الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، ونصر دينه قائماً، إلي يوم القيامة، باللسان، والسلاح، والنية الصالحة، بإخلاص الأعمال لله تعالى.
ثم ذكر صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الجهاد، وجوب الخروج بسرعة ونشاط إذا استنفرهم وَلِيُّ الأمر للقتال.
ثم ذكر تحريم الله تعالى لمكة، أنه قديم بقدم خلق السماوات والأرض.
لأن الله هو الذي حرمها، ومن تلك المدة فهي حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل فيها القتال تأسِّياً بقتال النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
فقد أحلت له خاصة، ساعة من نهار، ثم رجعت حرمتها إليها مطلقاً إلى يوم القيامة.
ثم ذكر أن حرمة هذا البيت، شملت ما حوله من شجر، فلا يقطع، ومن صيد فلا يزعج وَيُنفَّر من مكانه، فما بالك بقتله؟ كما حرَّم لقطة الحرم إلا من أخذها لِيُعَرِّفها دائماً.
فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم قطع النبات، قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فهم في حاجة إليه لتسقيف بيوتهم وسَدِّ خلل قبورهم، وَإيقاد نيرانهم.
فقال صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر، فإنه مباح.
(1/384)

ما يؤخذ من الحديث:
1- انقطاع الهجرة من مكة إلى غيرها، لأنها ـ ولله الحمد- بلاد إسلامية.
أما الهجرة من غيرها، فهي باقية، من كل بلد لا يقيم الإنسان فيه دينه.
2- أن الجهاد باقٍ، واجب عند وجوده، ونيته عند عدمه.
وكذلك النية الصالحة، ركن أساسي في قبول الأعمال، وعليها المدار.
3- قوله "وإذا استنفرتم فانفروا" أي: إذا طلبتم للجهاد فأجيبوا ففيه وجوب النفر من المسلم إذا طلبه الإمام لقتال عدو، إما بتنفير عام، أو تعيين. فمن عَيَّنه الإمام، خرج.
4- تحريم القتال في مكة، فلا يحل لأحد إلى يوم القيامة.
5- أن حلها للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة من خصائصه، وأنها أحلت له ساعة، ثم عادت حرمتها كما كانت منذ خلقت السماوات والأرض.
6- تحريم قطع الشوك في حَرَمِهَا، وتحريم قطع الشجر الذي ليس فيه شوك من باب أولى، وكذلك الكلأ.
7- تحريم تنفير صيده، وحبسه وقتله أشد حرمة بطريق الأولى. والصيد، هو الحيوان المأكول، المتوحش أصلاً.
8- تحريم أخذ اللقطة فيها، إلا لمن أخذها لِيُعَرِّفها دائماً.
9- استثناء "الإذخر" من الكلأ، للحاجة الشديدة إليه. فيجوز أخذه رطباً أو يابساً.
10- أن بعض السُنَّة، تكون بفهم يلقيه الله على نبيه صلى الله عليه وسلم.
كما قال تعالى: {وأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذكْرَ لِتُبيِّنَ لِلنَاسِ ما نُزِّل إلَيْهِمْ} .
11- أن الفصل اليسير الذي لا يُعَدُّ قاطعاً للكلام، لا يضر بين المستثنى والمستثنى منه.
12- أن مكة فتحها النبي صلى الله عليه وسلم عَنْوَةً، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم وَكَلَئِهِ الْبَرِّيِّ الذي لم ينبته الآدمي.
كما أجمعوا على إباحة أخذ "الإذخر" وما أنبته الآدمي، من الزروع والبقول، أخذاً بالأحاديث الصحيحة المتقدمة وغيرها.
واختلفوا في قطع الشجر الذي أنبته الآدمي، فالجمهور على جواز قطعه، كالزرع الذي ينبته الآدمي.
وذهب الشافعية إلى تحريمه، أخذاً بعموم الحديث، ومال الشيخ "الموفق ابن قدامة" في "المغني" إلى هذا.
(1/385)

واختلفوا في جواز قتل من وجب عليه القتل فلجأ إلى الحرم.
فذهب إلى تحريمه جمهور التابعين، والإمام أبو حنيفة، وأصحابه من الفقهاء، والإمام أحمد، وبعض المحدِّثين وقالوا: يعالج حتى يخرج منه من وجب عليه حَدُّ القتل في غيره ثمَّ لجأ إليه.
وذهب مالك، والشافعي: إلى أنه يستوفى منه الْحَدُّ في الحرم.
ودليل مالك، والشافعي، ومن تبعهم، عمومات النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن خطل وهو معلق بأستار الكعبة، وقاسوه أيضاً على من أتى في الحرم بما يوجب القتل.
واستدل الأولون بمثل قوله تعالى: {ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَاً} ، {أوَ لَمُ نُمكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِنَاً} ونحوهما من الآيات، ولو لم يكن للتخصيص فائدة، لما ذكر.
وأجابوا عن أدلة المعارضين، بأنَّ العمومات لا تتناوله، لأن لفظها لا يدل عليه، لا بالوضع، ولا بالتضمن، فهو مطلق بالنسبة إليها.
ولو فرض تناولها له، لكانت مخصصة بالأدلة الواردة في وضع إقامة الحد فيه؟ لئلا يبطل موجبها.
أما قتل "ابن خطل" فليس فيه دليل لأنه قتل في الساعة التي أحل فيها الحرم للنبي عليه الصلاة والسلام.
وأما قياسه على من فعل ما يوجب القتل في الحرم، فلا يستقيم، لأن الجاني فيه هتك حرمته، وحرمة الله تعالى، فهما مفسدتان، ولو لم يقم الحد على الجناة فيه، لَعَمَّ الفساد، وعظم الشر في حرم الله.
بخلاف الذي أتى ما يوجب القتل خارجه، فذنبه أخف كثيراً، وهو - بلجوئه إلى الحرم – كالتائب من الذنب، النادم على فعله، فلا يناسب حاجته.
قال ابن حجر في "فتح الباري" فأما القتل، فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخص الخلاف بمن قتل في الحل، ثم لجأ إلى الحرم.
وممن نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر.
قلت: نصر ابن حزم في "المحلى" أن القصاص وأنواع الحدود، لا تقام في الحرم مطلقاً.
وقال: من أتى فيه بما يوجب القتل والحد، فليُخْرَج، ثم يقام عليه.
ونقل عمومات عن بعض الصحابة، ظاهرها معه.
(1/386)

واختلفوا: هل فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة صلحاً أو عنوة؟.
ذهب الأكثرون من العلماء – ومنهم الإمامان أبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه ـ إلى أنها عنوة.
وذهب الشافعي إلى أنها فتحت صلحاً، واستدلوا على ذلك بأنها لو فتحت عَنْوَةً لقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين الغانمين كـ"خيبر" ولملك الغانمون دورها، وكانوا أحق بها من أهلها، ولو كانت عنوة لم يؤمِّن أهلها.
واستدل الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أحلها ليِ ساعة من نهار".
وبقوله: " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لك".
واستدلوا أيضاً، بأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها في حالة حرب وتعبئة.
فقد جعل للجيش ميمنة، وميسرةً، ومقدمة، ومؤخرة، وَقَلْباً، ودخلها، وعلى رأسه المغفر غير محرم، وحصل القتال بين خالد بن الوليد وبينهم، حتى قتل منهم جماعة.
وقال صلى الله عليه وسلم للأنصار: "أترون أوباش قريش وأتباعهم، احصدوهم حصداً" حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم.
فقال: "من أغلق بابه فهو آمن" وغير ذلك من الأدلة الواضحة الصحيحة.
وأجابوا عن أدلة المعارضين:
فأما كونه لم يقسِّم أرضها بين الغانمين، فلأن الأرض غير داخلة في الغنائم التي تقسم، وهذا عمل الخلفاء الراشدين في الأرض العنوة التي يأخذونها، لا يقسمونها، وإنما يجعلونها فيئاً على المسلمين أولهم وآخرهم.
على أن النبي صلى الله عليه وسلم مَنَّ على أهل مكة، فَأمَّنَهمْ، ومِنْ تأمينهم، ترك ما بأيديهم.
مع أن هناك خلافاً بين العلماء: هل تملك رباع مكة ودورها؟.
وقد رجح كثير من العلماء عدم تملكها. وقالوا: إنه يستوي فيها المسلمون كالمساجد.
وأما تأمينه أهلها، فبعد القتال مَنَّ عليهم بذلك لكونهم جيران بيت الله تعالى. وبعد أن رأوا أن لا طاقة لهم في القتال طلبوا الأمان، فأجابهم لطفاً بهم ورحمة.
(1/387)

بَابُ مَا يجُوز قَتْله
هذه الترجمة فيها بيان ما يجوز قتله، بعد ذكر تحريم القتل، وتنفير الصيد. فهي كالاستثناء مما قبلها، أو دفع ما يتوهم دخوله.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عَنْهَا: أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
"خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتلْنَ فِي الحَرَم:
1:- الْغُرَابُ، 2:- والحِدَأَةُ، 3:- والعَقْرَبُ 4:- والفَأْرَة،: - وَالْكَلْبُ العَقُورُ".
ولمسلمٍ: " يُقْتَلُ خَمْسُ فَوَاسِقَ في الحِلِّ وَالُحَرَم (1) "
المعنى الإجمالي:
من الحيوان ما هو مؤذ بطبعه، فهذا يقتل في الحل، والحرم، والإحرام.
ومنها هذه المؤذيات الخمس، التي نبه بها الشارع على ما شابهها من الفواسق.
وهن، "الغراب" الذي يفسد الثمار، و"الحدأة" التي تخطف الثياب والحلي، و"العقرب" التي تلسع، و"الفأرة" التي تثقب وتخرب، و"الكلب العقور" الذي يعتدي على الناس.
فهذه خمسة أنواع من الحيوانات، وصفت بالفسق، وهو خروجها بطبعها عن سائر الحيوانات، بالتعدي والأذى.
ونبه بها معدودة، لاختلاف أذاها، فيلحق بها ماشاكلها في فسقها من سائر الحيوانات، فتقتل لأذيتها واعتدائها، فإن الحرم لا يجيرها والإحرام لا يعيذها.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل يتعدى القتل من هذه المذكورة إلى غيرها من الحيوانات أو لا؟.
فـ"أبو خيفة" يرى أن حكمها لا يتعداها إلى غيرها، وذلك أن حكمها عُلِّقَ بألقابها، واللقب لا يقتضي مفهوماً عند جمهور الأصوليين.
وذهب الجمهور إلى تعديتها إلى غيرها.
واختلفوا في المعنى الذي لأجله يُعدَّى حكمها إلى
_________
(1) اعلم أن اللفظ الأول للبخاري، ولِـ"مسلم" مثله، إلا أنه قال: فواسق بدل "فاسق". وأما اللفظ الذي عزاه لـ"مسلم"، فليس فيه كذلك، وإنما لفظه "خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم".
وفي رواية لـ"مسلم"، قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق، في الحل والحرم.
لعل المصنف أراده، لكن ليس هو لفظ النبي عليه السلام، وإنما هو لفظ الراوي.
(1/388)

غيرها.
فالشافعي يرى أنه كونهن مما لا يؤكل، فكل مالا يؤكل يجوز قتله بلا فدية.
وذهب الإمامان، مالك، وأحمد: إلى أن المعنى الجامع لهن ولغيرهن هو طبيعة الإيذاء.
وهذا قياس جيد، لأنه تعليل مفهوم من نص الشارع، وهو وصف الأصل بالفسق فإذا وجِدَ بالفرع، تم القياس، والحكم يدور مع علته، وجوداً وعدماً.
وأما تعديدها- مع أن الأذى واحد- فلينبه به الشارع على أنواعه ومفرداته الموجودة في كل نوع من هذه الفواسق ومثيلاتها.
تكميل:
الحيوانات على أربعة أقسام:
1- الحيوان المستأنس، كبهيمة الأنعام، والدجاج، يباح تذكيته في كل حال.
2- الحيوان الذي لا يؤكل وليس فيه أذى، فيكره قتله، وإن قتل فليس فيه فداء.
3- الحيوان المؤذي، كهذه المذكورة في الحديث وما في معناها، فيشرع قتلها في الحل، والإحرام، والحرم. وليس في قتلها شيء.
4- الحيوان الْبَرِّيُ المأكول؛ فهذا هو الصيد. في قتله في الحرم وفي الإحرام، الجزاء.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية قتل هذه الحيوانات المعدودة في الحديث، في الحل والحرم.
2- أن قتلها لما فيها من الفسق والأذى، فيلحق بها ما شابهها من الحيوان.
3- أن الأذى ليس نوعاً واحداً، فكل ما فيه مضرة على النفس أو المال أو غير ذلك، فهو الأذى الذي ليس لصاحبه حرمة، لذا نَبَّهَ على تعدد الأذى بتعديد هذه الحيوانات. والله هو الحكيم في خلقه، العدل في حكمه.
(1/389)

بَاب دُخول مَكةَ والبيت (1)
الحديث الأول
عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ رضيَ الله عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَةَ عَامَ
الْفَتْحِ وَعَلَى رَأسِهِ الْمِغفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأسْتَارِ الْكَعْبَةِ.
فقال: "اقْتُلُوهُ".
الغريب:
المغفر: بوزن مِنْبَر، زرد ينسج من حديد على قدر الرأس، وقاية له من وقع السيف.
"ابن خطل" بالخاء المعجمة والطاء المهملة المفتوحتين، اختلف في اسمه. قيل: هلال، وقيل غير ذلك، وقاتله أبو برزة الأسلمي.
المعنى الإجمالي:
كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش حروب كثيرة مما أوغر صدورهم.
فلما كان فتح مكة، دخلها صلى الله عليه وسلم في حالة حيطة وحذر، فوضع على رأسه المغفر.
وكان صلى الله عليه وسلم قد حض على أناس من المشركين أن يُقْتَلُوا، ولو وُجِدُوا في أستار الكعبة، وسمى منهم "ابن خطل" الذي أسلم، ثم قتل مسلماً وارتد عن الإسلام وذهب إلى الكفار، فجعل جواريه يغنين بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما وضعت الحرب أوزارها ذلك اليوم، وأمَّن أهل مكة، واستأمن منهم ووضع المغفر، وجد بعض الصحابة "ابن خطل" متعلقاً بأستار الكعبة، عائذاً بحرمتها من القتل، لما يعلم من سوء صنيعه، وقبح سابقته، فتحرجوا من قتله قبل مراجعة النبي صلى الله عليه. فلما راجعوه قال: اقتلوه، فقتل بين الحجر والمقام.
ما يؤخذ من الحديث:
1- كون النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة غير محرم، إذ دخل وعلى رأسه المغفر، وعليه أيضاً عمامة سوداء، كما في صحيح مسلم، فيجوز دخولها في مثل هذه الحال بلا إحرام.
2- تقديم الجهاد على النسك، لأن مصالح الأَوَل أعم وأنفع.
_________
(1) أصل ترجمة المؤلف. [باب دخول مكة وغيره] وجعلها شاملة لأحاديث الدخول وأحاديث آداب الطواف فتصرفت بإفراد حديثي دخول مكة، وحديث دخول البيت بهذه الترجمة، وجعلت لأحاديث الطواف ترجمة أخرى.
(1/390)

3- كون مكة فتحت عنوة، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، لا صلحاً كما هو مذهب الشافعي.
4- جواز فعل الأسباب المباحة الواقية، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله تعالى. 5- فيه جواز إقامة الحدود في الحرم ولو بالقتل، لأن قتل ابن خطل، كان بعد انتهاء القتال الذي أبيح في ساعة الدخول. والله أعلم.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ
مِنْ كَدَاء مِنْ الثَّنِيَّة الْعُلْيَا التي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلى.
الغريب:
كداء: بفتح الكاف والمد، اسم للثنية، التي في أعلى مكة وهي (ريع الحجون) وتقول العامة: (الحجول) وهو تحريف.
الثنية السفلى: الثَّنِيَّة، هي الطريق بين الجبلين.
والمراد بها، الطريق الذي خرج من المحلة المسماة (حارة الباب) وتسمى الثنية الآن (ريع الرسام) . وتسمى الثنية السفلى: كُدى - بضم القاف وقصر الألف.
المعنى الإجمالي:
حِج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فبات ليلة دخوله بـ"ذي طوى"لأربع خَلوْنَ من ذي الحجة.
وفي الصباح دخل مكة من الثنية العليا، التي تأتي من بيت مقابر مكة، لأنه أسهل لدخوله، إذ أتى من المدينة.
فلما فرغ من مناسكه خرج من مكة إلى المدينة من أسفل مكة، وهي الطريق التي تأتي على "جرول".
ولعل في مخالفة الطريقين تكثيراً لمواضع العبادة، كما فعل صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى عرفة والإياب منها، ولصلاة العيد والنفل، في غير موضع الصلاة المكتوبة، لتشهد الأرض على عمله عليها يوم تحدث أخبارها. أو لكون مدخله ومخرجه مناسبين لمن جاء من المدينة، وذهب إليها. والله أعلم.
(1/391)

الحديث التاسع عشر بعد المائتين
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا:
دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ وَأسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالُ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ
فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا البَابَ كُنْتُ أوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالاً فَسَألتُهُ: هَلْ
صَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِييْنِ.
المعنى الإجمالي:
لما فتح الله تبارك وتعالى مكة، وطهر بيته من الأصنام والتماثيل والصُّوَرِ، دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة المشرفة، ومعه خادماه، بلال، وأسامة، وحاجب البيت، عثمان بن طلحة.
فأغلقوا عليهم الباب لئلا يتزاحم الناس عند دخول النبي صلى الله عليه وسلم فيها ليروا كيف يتعبد، فيشغلوه عن مقصده في هذا الموطن، وهو مناجاة ربِّه وشكره على نعمه؛ فلما مكثوا فيها طويلاً، فتحوا الباب.
وكان عبد الله بن عمر حريصاً على تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، والأمكنة التي يأتيها ولو لغير عبادة، ولذا فإنه كان أول داخل لما فتح الباب.
فسأل بلالاً: هل صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.
وكانت الكعبة المشرفة – إذ ذاك – على ستة أعمدة، فجعل ثلاثة خلف ظهره، واثنين عن يمينه، وواحداً عن يساره، وجعل بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، فصلى ركعتين، ودعا في نواحيها الأربع.
ما يؤخذ من الحديث:
1- استحباب دخول الكعبة المشرفة، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها. وذكر ابن تيمية أن دخولها ليس فرضاً ولا سنة، ولكنه حسن.
2- أن دخولها ليس من مناسك الحج، وإنما هي فضيلة في ذاتها.
ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخلها في حجته، وإنما دخلها في عام الفتح.
وهذا هو التحقيق، في أنه لم يدخلها إلا مرة واحدة.
اختلاف العلماء:
الجمهور على جواز صلاة النافلة في الكعبة المشرفة وفوقها، إلا ما حكي عن ابن عباس.
وإنما الخلاف في جواز الفرض فيها. وفوق سطحها، ومثلها الحِجْر.
(1/392)

فذهب الإمام أحمد، ومالك في المشهور عنه إلى أنها لا تصح، مستدلين بقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} والمصلي فيها أو على سطحها، غير مستقبل لجهتها. وأما النافلة فمبناها على التخفيف. فتجوز فيها وعليها.
وبما روي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبع:
1- المزبلة 2- والمجزرة 3- والمقبرة 4- وقارعة الطريق.
5- والحمام 6- ومعاطن الإبل 7- وفوق ظهر بيت الله..
رواه الترمذي.
وذهب الإمامان، أبو حنيفة، والشافعي: إلى صحة الفريضة فيها وفوقها، وكذلك في الحِجْر. ودليلهم على ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
وما ثبت في حق النفل، يثبت في حق الفرض بلا فرق إلا بدليل، ولا دليل.
ولو سلم استدلالهم بالآية، على عدم صحة الفرض، لكان دليلاً على عدم النافلة أيضا.
وأما حديث ابن عمر، فلو صح، لكان عاماً للفريضة والنافلة، ولكن ضعفه مخرجه، وهو الترمذي. وقال البخاري: فيه رجل متروك.
واستدلوا بحديث "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِداً وَطَهوُراً"، والكعبة المشرفة أولى الأرض بذلك. والله أعلم.
(1/393)

بَابُ الطَّواف وأدَبه (1)
الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ رَضي الله عَنْهُ: أَنَّهُ جَاءَ إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ وَقبَّلَهُ وَقَالَ: إنِّي لأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا
تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أنِّي رَأَيْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قبَّلْتُك.
المعنى الإجمالي:
الأمكنة والأزمنة وغيرها من الأشياء، لا تكون مقدسة معظمة تعظيم عبادة الله لذاتها، وإنما يكون لها ذلك بشرع.
ولهذا جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الحجر الأسود وقبَّله بين الحجيج، الذين هم حديثو عهد بعبادة الأصنام وتعظيمها، وبيَّن أنه ما قَبَّلَ هذا الحجر وعظمه من تلقاء نفسه، أو لأن الحجر يحصل منه نفع أو مضرة، وإنما هي عبادة تلقاها من المشرع صلى الله عليه وسلم فقد رآه يُقبِّله فَقَبَّله، تأسِّياً واتِّباعاً، لا رأياً وابتداعاً.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعيه تقبيل الحجر الأسود للطائفين عندما يحاذونه، إن أمكن بسهولة.
2- أن تقبيله ليس لنفعه أو ضرره، وإنما هو عبادة لله تعالى، تلقيناها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
3- أن العبادات توقيفية، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.
ومعنى هذا أن العبادات لا تكون بالرأي والاستحسان، وإنما تتلقى عن المشرع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة، تؤخذ من كلام المحدَّث الملهم، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
4- تبيين ما يوهم العامة من مشاكل العلم، حتى لا يعتقدوا غير الصواب.
5- أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم من سنته المتبعة، فليس هناك خصوصية إلا بدليل
6- أنه إذا صح عن الشارع عبادة، عمل بها ولو لم تعلم حكمتها، على أن إذعان الناس وطاعتهم في القيام بها من الحكم المقصودة.
7- قال شيخ الإسلام: ويستحب للطائف أن يذكر الله تعالى ويدعوه بما يشرع من الأدعية والأذكار، وإن قرأ سراً فلا بأس. وليس للطواف
_________
(1) وضعت هذه الترجمة، لاشتمالها على أحاديث متفرقة في أحكام الطواف.
(1/394)

ذكر محدود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية. وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له. وكان صلى الله عليه وسلم يختم طوافه بين الركنين بـ"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رَضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
وَأصْحَابُهُ مَكَّةَ، فقَالَ المشركون: إنِّهُ يَقْدِمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأمَرَهُمْ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثّلاثَةََ، وَأن يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ،
وَلَمْ يَمْنَعْهُم أنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كلَّهَا إلا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
الغريب:
وَهَنَتهم: بتخفيف الهاء، أي أضعفتهم.
يثرب: من أسماء المدينة النبوية في الجاهلية.
أن يرملوا: بضم الميم "الرَّمَل" هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا.
الأشواط: بفتح الهمزة، جمع شوط بفتح الشين، وهو الجرية الواحدة إلى الغاية. والمراد هنا، الطوفة حول الكعبة.
الإبقاء عليهم: بكسر الهمزة والمد، الرفق بهم، والشفقة عليهم.
المعنى الإجمالي:
جاء النبي صلى الله عليه وسلم سنة ست من الهجرة إلى مكة معتمراً، ومعه كثير من أصحابه.
فخرج لقتاله وصده عن البيت كفار قريش، فحصل بينهم صلح، من مواده أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرجعون هذا العام، ويأتون في العام القابل معتمرين، ويقيمون في مكة ثلاثة أيام.
فجاءوا في السنة السابعة لعمرة القضاء.
فقال المشركون، بعضهم لبعض - تَشَفِّيَاً وشماتة ـ: إنه سيقدم عليكم قوم، وقد وهنتهم وأضعفتهم حُمَّى يثرب.
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قالتهم، أراد أن يرد قولهم ويغيظهم.
فأمر أصحابه أن يسرعوا إلا فيما بين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود فيمشوا، رفقاً بهم وشفقة عليهم، حين
(1/395)

يكونون بين الركنين لا يراهم المشركون، الذين تسلقوا جبل" قعيقعان (1) " لينظروا إلى المسلمين وهم يطوفون فغاظهم ذلك حتى قالا: إن هم إلا كالغزلان.
فكان هذا الرمل سنة متبعة في طواف القادم إلى مكة، تذكراً لواقع سلفنا الماضين، وتأسِّياً بهم في مواقفهم الحميدة، ومصابرتهم الشديدة، وما قاموا به من جليل الأعمال، لنصرة الدين، وإعلاء كلمة الله. رزقنا الله اتباعهم واقتفاء أثرهم.
ما يؤخذ من الحديث:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رملوا في الأشواط الثلاثة الأول ماعدا ما بين الركنين، فقد رخص لهم في تركه، إبقاء عليهم، وذلك في عمرة القضاء.
ويأتي استحبابه في كل الثلاثة وتحقيق البحث في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
2- استحباب الرمل في كل طواف وقع بعد قدوم، سواء أكان لنسك أم لا ففي صحيح مسلم: "كان ذلك إذا طاف الطواف الأول".
3- إظهار القوة والجلد أمام أعداء الدين، إغاظة لهم، وتوهيناً لعزمهم، وفتَّاً في أعضادهم.
4- أن من الحكمة في الرمل الآن تذكر حال سلفنا الصالح، في كثير من مناسك الحج، كالسعي، وَرَمْي الجمار والهَدْي وغيرها.
5- الرمل مختص بالرجال دون النساء، لأنه مطلوب منهن الستر.
6- لو فات الرمل في الثلاثة الأول، فإنه لا يقضيه، لأن المطلوب في الأربعة الباقية، المشي. فلا يخلف هيئتهن، فتكون سنة فات محلها.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ
يَقْدَمَ مَكَّة إذَا اسْتَلَمَ الرُكْنَ الأَسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ، يَخُبُّ ثَلاثَةَ أشْوَاطٍ".
الغريب:
يَخُبُّ- الخَبَب: نوع من الْعَدْوِ، وقيل، هو الرَّمَلُ، وعلى هذا فهما مترادفان.
_________
(1) هو الجبل الذي أصله "المروة" فلعلهم تسلقوا جانبه الغربي الشمالي فمن كان هناك، لا يرى الذي بين الركنين. اهـ الشارح.
(1/396)

المعنى الإجمالي:
كان ابن عمر رضي الله عنهما من الحريصين على تتبع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفتها، والبحث عنها، ولذا فإنه يصف طواف النبي صلى الله عليه وسلم الذي يكون بعد قدومه بأنه يرمل في الأشواط الثلاثة كلها بعد أن يستلم الحجر الأسود، الذي هو مبتدأ كل طواف، تذكراً لحالهم السابقة، يوم كانوا يفعلونه إغاظَةً للمشركين.
ما يؤخذ من الحديث:
1- استحباب الخبب، وهو الرمل، في الأشواط الثلاثة الأولِ كلها، في طواف القدوم.
2- المشي في الأربعة الباقية منها، ولو فاته بعض الرمل أو كله في الثلاثة الأول، لأنها سنة فات محلها. فالأربعة الأخيرة لا رمل فيها.
3- الخبب في الأشواط الثلاثة الأول كلها، هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد عمرة القضاء، فيكون ناسخاً للمشي بين الركنين في عمرة القضاء، لأنه متأخر، ولأن الضعف المانع من الرمل فيها، قد زال.
4- رمل النبي صلى الله عليه وسلم بعد زوال سببه، لتذكر تلك الحال التي كانوا عليها.
فنحن نرمل إحياء لتلك الذكرى.
5- استلام الحجر الأسود في ابتداء كل طواف، وعند محاذاته في كل طوفة لمن سهل عليه ذلك، وتقدم مشروعية تقبيله.
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رَضيَ الله عَنْهُمَا قال: طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في حَجةِ
الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنْ.
والمحجن: "عَصا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ".
الغريب:
المِحْجَن. بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم، عصاً محنية الرأس.
المعنى الإجمالي:
طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وقد تكاثر عليه الناس.
(1/397)

منهم: - من يريد النظر إلى صفة طوافه.
ومنهم: - من يريد النظر إلى شخصه الكريم، فازدحموا عليه.
ومن كمال رأفته بأمته ومساواته بينهم: أن ركب على بعير فأخذ يطوف عليه ليتساوى الناس في رؤيته، وكان معه عصاً محنية الرأس، فكان يستلم بها الركن ويقبل الحجر كما جاء في رواية مسلم لهذا الحديث.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز الطواف راكباً مع العذر لأن المشي أفضل، وإنما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمصلحة. قال ابن دقيق العيد: وهو أن الشيء قد يكون راجحاً بالنظر.
إلى محله، فإذا عارضه أمر آخر أرجح منه قدم على الأول من غير أن تزول فضيلة الأول. فإذا زال المعارض الراجح عاد الحكم الأول.
2- استحباب استلام الركن باليد إن أمكن، وإلا فَبِعَصَا ونحوها، بشرط ألا يؤذي به الناس.
3- جاء في مسلم زيادة "ويقبل المحجن" وأخرج مسلم عن ابن عمر مرفوعاً: "أنه استلم الحجر بيده ثم قبلها" قال في فتح الباري: وبهذا قال الجمهور إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده وإذا لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء وقبل ذلك الشيء.
4- إظهار العالم أفعاله مع أقواله لتحصل به القدوة الكاملة والتعليم النافع.
5- قال ابن دقيق العيد: واستدل بالحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، من حيث إنه لا يؤمن بول البعير في أثناء الطواف في المسجد.
ولو كان نجساً، لم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم المسجد للنجاسة، وقد منع - لتعظيم المساجد – ما هو أخف من هذا. والأصل الطهارة إلا بدليل، والدليل هنا أيد الأصل.
6- قال شيخ الإسلام: والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة فهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرم ويأتي بعمرة مكية فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولا رغَّب فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/398)

الحديث الخامس
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا قال: لَمْ أَرَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُ مِنَ
الْبَيْتِ إلا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِييْنِ.
الغريب:
اليمانيين: نسبة إلى اليمن تغليباً، كالقمرين، للشمس، والقمر، والعمرين لأبي بكر وعمر، والأبوين للأب والأم.
والمراد بهما، الركن اليماني، والركن الشرقي، الذي فيه الحجر الأسود.
المعنى الإجمالي:
للبيت أربعة أركان، فللركن الشرقي منها فضيلتان:
1- كونه على قواعد إبراهيم عليه السلام 2- وكون الحجر الأسود فيه.
والركن اليماني له فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم.
وليس للشامي والعراقي شيء من هذا، فإن تأسيسهما داخل عن أساس إبراهيم حيث أخرج الحجر من الكعبة من جهتهما.
ولهذا فإنه يشرع استلام الحجر الأسود وتقبيله، ويشرع استلام الركن اليماني بلا تقبيل.
ولا يشرع في حق الركنين الباقيين، استلام ولا تقبيل.
والشرع مبناه على الاتباع، لا على الإحداث والابتداع. ولله في شرعه حكم وأسرار.
ما يؤخذ من الحديث:
1- استحباب استلام الركنين اليمانيين.
والمستحب في حق الطائف، استلام وتقبيل الحجر الأسود إن أمكن بلا مشقة، فإن لم يمكن، استلمه فقط بيده، وَقَبَّلَ يَده، وإن لم يمكن استلمه بعَصاً ونحوها، وقبَّل ما استلمه به.
فإن آذى وشقَّ على نفسه أو غيره، أشار إليه ولم يُقَبِّل يده.
والركن اليماني إن تمكن من استلامه استلمه، وإن لم يتمكن لم يُشِرْ إليه لأنه لم يرد، والشرع في العبادات نقل وسماع.
قال شيخ الإسلام: أما الركن اليماني فلا يقبل على الصحيح. وأما سائر جوانب البيت والركنان الشاميان ومقام إبراهيم فلا يقبل ولا يتمسح به
(1/399)

باتفاق المسلمين المتبعين للسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أنه لا تقبل الحجرة النبوية ولا يتمسح بها لئلا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق. فإذا كان هذا في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقبر غيره أولى لا يقبل ولا يستلم، وأما الطواف بشيء من ذلك فهو من أعظم البدع المحرمة.
2- عدم مشروعية استلام غير الركنين اليمانيين من أركان الكعبة ولا غيرها من المقدسات، كمقام إبراهيم، وجبل الرحمة في "عرفة" والمشعر الحرام في "مزدلفة" وروضة النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة، وصخرة بيت المقدس وغيرها.
فإن الشرع يؤخذ عن الشارع بلا زيادة ولا غُلُوّ، ولا نقصان ولا جفاء.
ومن شرع عبادة لم يشرعها الله ورسوله، فقد كذَّب الله سبحانه في قوله {الْيَوْمَ أكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} واستدرك على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها".
وإننا لنرى من يُخِلُّ بصلاة الفرض، فيسلم مع الإمام أو قبله ليكون الأول في تقبيل الحجر الأسود. وكل هذا من آثار الجهل وقلة الناصحين والمرشدين.
فلقد انصرفنا إلى حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وتركنا أوامر الله تعالى وراء ظهورنا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(1/400)

بَابُ التمتّع
الأنساك ثلاثة: 1- تمتع 2- وقران 3- وإفراد
أما التمتع فهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ويحرم بالحج في عامه.
وأما القران: فهو أن يحرم بهما جميعاً، أو يدخل الحج على العمرة، فتتداخل أفعالهما.
وأما الإفراد فهو أن يحرم بالحج مُفْرِداً له عن العمرة.
واختلف العلماء في أفضلها، ويأتي - إن شاء الله - في الأحاديث القادمة.
الحديث الأول
عَنْ أبي جَمْرة نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضَّبْعِيِّ، قال: سَألتُ ابْنَ عَبَّاس عَنِ الْمُتْعَةِ فَأمَرَنِي بِهَا.
وَسَألتُهُ عَنْ الْهَدْيِ، قال: فِيهِ جَزُورٌ أوْ بَقَرَةٌ، أوْ شَاةٌ، أوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ.
قَالَ: وَكَأنَّ أُنَاساً كَرِهُوهَا فَنِمْتُ، فَرَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَاناً يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ،
وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلةٌ.
فأتَيْتُ ابْنَ عَبَّاس، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، سُنَّة أَبِي القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم.
الغريب:
الجزور: هو الذكر أو الأنثى من الإبل.
الشاة: هي الذكر أو الأنثى من الضأن أو المعزى.
شِرْك: أي مشاركة في ذبيحة من البقر أو الإبل.
المعنى الإجمالي:
كان العرب في الجاهلية، يَعُدُّونَ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا عفا (1) الأثر، وبرئ الدبر (2) وانسلخ صفر (3) حلت العمرة لمن اعتمر، حتى جاء الإسلام فأبطل هذه العقيدة بقوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} .
وألغاها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ اعتمر في أشهر الحج بعمرة مفردة، وجمع بينها وبين حجته، لأنه أحرم قارناً.
ومع هذا فقد بقيت بقية من تلك العقيدة في نفوس بعض المسلمين، من أهل الصدر الأول.
ولهذا سأل أبو حمزة ابن عباس عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فأمره بها، ثم سأله عن الهدي المقرون معها في الآية، فاخبره أنه جزور، وهي أفضله، ثمَّ بقرة، ثم شاة، أو سُبع البدنة أو البقرة مع من اشتركوا فيها للهدي أو الأضحية.
_________
(1) عفا: زال.
(2) الدبر: القروح التي تصيب جلد الدابة.
(3) صفر: هو الشهر المعروف.
(1/401)

فكأنَّ أحداً عارض أبا حمزة في تمتعه، فرأى هاتفاً يناديه في المنام "حج مبرور، ومتعه متقبلة".
فأتى ابْنَ عباس ليبشره بهذه الرؤيا الجميلة.
ولما كانت الرؤيا الصالحة جزءاً من أجزاء النبوة، فرح ابن عاس بها، واستبشر أن وفقه الله تعالى للصواب، فقال: الله أكبر هي سنة أبى القاسم صلى الله عليه وسلم.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز التمتع والإتيان بالعمرة في أشهر الحج، كما انعقد عليه الإجماع فيما بعد.
2- أن المراد بالهدي المذكور في قوله تعالى: {فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} البدنة أو البقرة، أو الشرك فيهما أو الشاة.
3- الاستئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي، تأييداً بها، لأنها عظيمة القدر في الشرع، وجزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. قال ابن دقيق العيد: هذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول.
4- الفرح بإصابة الحق، والاغتباط به، لأنه علامة التوفيق.
الحديث الثاني
عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّها قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، مَا شَأْنُ النَّاس حَلُّوا
مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟
فقال: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
المعنى الإجمالي:
أحرم النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة والحج، وساق الهدي وَلَبَّدَ رأسه بما يمسكه عن الانتشار، لأن إحرامه سيطول وأحرم بعض أصحابه كإحرامه، وبعضهم أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، وأكثرهم لم يسق الهدي، وبعضهم ساقه.
فلما وصلوا إلى مكة، وطافوا، وسعوا، أمر من لم يسق الهدي من المفردين والقارنين، أن يفسخوا حجهم ويجعلوها عمرة، ويتحللوا.
أما هو صلى الله عليه وسلم، ومن ساق الهدي منهم، فبقوا على إحرامهم ولم يحلوا.
فسألته زوجه "حفصة" لم حل الناس ولم تحل؟ قال: لأني لَبَّدْتُ رأسي، وَقلَّدْتُ هَدْيي وسُقْتُهُ، وهذا مانع لي من التحلل حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم انقضاء الحج يوم النحر.
(1/402)

ما يؤخذ من الحديث:
1- كون النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، كما تقدم تحقيقه.
2- مشروعية سَوْقِ الهدي من الأماكن البعيدة، وأنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
3- مشروعية تقليد الهدي، وذلك بأن يوضع في رقابها قلائد من الأشياء التي لم يجر عادة بتقليدها بها، والحكمة في ذلك إعلامها لتحترم فلا يتعرض لها.
4- مشروعية تلبيد الشعر المرسل في الإحرام، كما هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يجعل في الشعر ما يمسكه من الانتفاش.
5- أن سوق الْهَدْي من الحل، يمنع المحرم من التحلل حتى ينحر هديه يوم النحر.
6- إذا لم يَسُق الْهَدْيَ، فَيُشرع له فسْخَ حجه إلى عمرة، ويحل منها، ثمَّ يحرم بالحج في وقته.
الحديث الثالث (1)
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عَنْهُ، قال: أُنْزِلَتْ آيةُ الْمُتْعَةِ في كِتَابِ الله فَفَعَلْنَاهَا مَعَ
رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَلمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ بِحُرْمَتِهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ،
فَقالَ رَجُلٌ بِرأْيِهِ مَا شَاءَ.
قالَ البخاري: يُقَالُ: إنَّه عُمَرُ.
ولمسلم: نَزَلَتْ آيةُ الْمُتعَةِ - يعنِي متعةً الحج - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم،
ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. ولهما بمعناه.
المعنى الإجمالي:
ذكر" عمران بن حصين" رضي الله عنه المتعة بالعمرة إلى الحج.
فقال: إنها شرعت بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع أصحابه.
وهذه هي الأصول العظام في الدلالة على الأحكام الشرعية.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي} .
وأما السنة، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، وإقراره عليها.
وأما الإجماع، فقد فعلها بعضهم، مع علم من لم يفعلها وسكوته.
_________
(1) هذا الحديث حسب وضع المصنف وترتيبه هو رقم 228، ولكني قدمته إلى هنا لمناسبة الحديث الذي قبله، فكلاهما في مشروعية المتعة. اهـ الشارح.
(1/403)

وبعد هذا لم ينزِل ما ينسخها، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، وهي باقية لم تنسخ بعد هذا، فكيف يقول رجل برأيه وينهى عنها؟.
يشير بذلك إلى نَهْي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنها في أشهر الحج، اجتهاداً منه ليكثر زوار البيت في جميع العام، لأنهم إذا جاءوا بها مع الحج، لم يعودوا إليه في غير موسم الحج.
وكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أولى بالاتباع من قول كل أحد، مهما كان.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية التمتع وثبوته في الكتاب والسنة.
2- أنه قد توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وحكمها باقٍ لم ينسخ.
3- أنه لا يحل الأخذ برأي أحد يخالف ما ورد عن الله تعالى، أو عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
4- قوله: "لم ينزل قرآن يحرمها" دليل على ثبوت النسخ في الشريعة وأن القرآن ينسخ بالقرآن.
5- قوله: ولم ينه عنها دليل على جواز نسخ القرآن بالسنة.
ووجهته أنه لو لم يكن النسخ ممكناً، لما احتاج إلى الاحتراز في رفع حكم التمتع، الثابت بالقران، من نهي النبي صلى الله عليه وسلم.
6- قوله: "قال رجل برأيه ما شاء" فسره البخاري بعمر بن الخطاب. وروي أيضا عن عثمان ومعاوية رضي الله عنهم.
وقصدهم أن لا يقتصر الناس على زيارة البيت في أشهر الحج فقط، بل ليقصد في جميع العام.
ولكن كتاب الله تعالى وسنة رسوله مقدمان على كل اجتهاد. والله أعلم بأسرار شرعه.
والآن مع إجماع الناس على جواز التمتع وإتيانهم بالعمرة في أشهر الحج، لَم يَخْلُ البيت من الزوار في كل وقت.
نسأل الله تعالى أن يُعْلِيَ كلمته، وينشر دينه، ويقيم شعائره. آمين.
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِيْ الحُلَيْفَةَ، وَبَدَأَ رَسُولُ
الله صلى الله عليه وسلم، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أهَلَّ بِالْحَجِّ.
فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَهَلُّ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحجِّ.
(1/404)

فَكَانَ مِنَ النَّاس مَنْ تَمَتَّعَ، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ.
فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، قَالَ للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكمْ قَدْ أهْدَى فإنَّهُ
لا يُحِلُّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فَلْيَطُفْ
بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ
هَدْيَاً، فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وسَبَعْةَ إِذا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ".
فَطَافَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِيْنَ قَدِمَ إلى مَكَّة وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، أَوَّلَ شيءٍ،
ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَة أشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَىَ أرْبَعة، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بالْبَيْت عِنْدَ
الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأتَى الصَّفَا، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا والمرْوَةِ سَبْعَةَ أشْواطٍ ثُمَّ لَمْ
يُحِلَّ مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ.
وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كلِّ شَيء حَرُمَ عليه.
وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، مَنْ أهْدَى فَسَاق الهَدْيَ مِنَ النَّاس.
المعنى الإجمالي:
لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة "ميقات أهل المدينة" ليحج حجته التي ودع فيها البيت ومناسك الحج، وودع فيها الناس، وبلَّغهم برسالته وأشهدهم على ذلك، أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة والحج، فكان قارناً. والقِرَانُ تمتع.
فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فبعضهم أحرم بالنسكين جميعاً.
وبعضهم أحرم بالعمرة، ناوياً الحج بعد فراغه منها.
وبعضهم أفرد الحج فقط. فقد خيًرهم بين الأنساك الثلاثة.
وساق صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه الْهَدْيَ معهم من ذي الحليفة، وبعضهم لم يسقه.
فلما دَنَوْا من مكة حضَّ من لم يَسُق الهدي من المفردين والقارنين إلى فسخ الحج وجَعْلهَا عمرة.
فلما طافوا وسعوا، أكد عليهم أن يقصروا من شعورهم، وليتحللوا من عمرتهم ثم
(1/405)

يحرموا بالحج ويهدوا، لإتيانهم بنسكين بسفر واحد.
فمن لم يجد الهدي، فعليه صيام عشرة أيامٍ، ثلاثة في أيام الحج، يدخل وقتها بإحرامه بالعمرة، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، استلم الركن، وطاف سبعة، خب ثلاثة، لكونه الطواف الذي بعد القدوم، ومشى أربعة، ثم صلى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم أتى إلى الصفا، فطاف بينه وبين المروة سبعا، يسعى بين العلمين، ويمشي فيما عداهما، ثم لم يحل من إحرامه حتى قضى حجه، ونحر هَدْيَه يوم النحر.
فلما خلص من حجه ورمى جمرة العقبة، ونحر هديه وحلق رأسه يوم النحر، وهذا هو التحلل الأول، أفاض في ضحوته إلى البيت، فطاف به، ثم حلَّ من كل شيء حرم عليه حتى النساء، وفعل مثله من ساق الهدي من أصحابه.
ما يؤخذ من الحديث:
1- كون النبي صلى الله عليه وسلم أحرم متمتعاً، وهو القران، ويأتي تحقيق الخلاف إن شاء الله تعالى.
2- مشروعية سوق الهدي من الحل، فهو من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
3- جواز الأنساك الثلاثة: 1- التمتع 2- والقران 3- والإفراد، إذ أقر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها كلها، ويأتي الخلاف في بيان أفضلها.
4- مشروعية فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يَسُقِ الهدي، وتحلله، وبقاء من ساقه على إحرامه حتى ينتهي من حجه يوم النحر، فيحل. وقال شيخ الإسلام: وهكذا يقولون في كل متمتع ضاق عليه الوقت، فلم يتمكن من الطواف قبل الوقوف بعرفة فإنهم يأمرونه بإدخال الحج على العمرة ويصير قارناً.
ويأتي تحقيق الفسخ: هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ إن شاء الله تعالى.
5- أن فسخ الحج لمن لم يسق الهدي، يكون ولو بعد طواف القدوم والسعي، وينقلبان للعمرة.
6- أن على من لم يجد الهدي، صيام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة بعد الرجوع إلى أهله.
فأما الثلاثة، فلا تصح قبل الإحرام بالعمرة بالإجماع، واتفقوا على مشروعيتها بعد الإحرام بالحج.
(1/406)

وهل يجزيء قبله أو لا؟ قولان.
ومذهبنا جوازه، لوجود سببه وهو الإحرام بالعمرة لأن موجب الفدية هنا هو الإتيان بالعمرة والحج في سفر واحد.
والصيام بعد الإحرام بالعمرة شبيه بإخراج كفارة اليمين بعد عقده وقبل الْحِنْث.
7- مشروعية طواف القدوم لغير المتمتع، الذي لم يسق الهدي، وهو سنة، لأنه تحية المسجد الحرام.
8- استلام الحجر الأسود في أول الطواف، وتقدم مشروعية ذلك، في كل طوافه، إن سهل.
9- الرمل في الثلاثة، من طواف القدوم، والمشي في الأربعة الباقية.
10- مشروعية ركعتي الطواف، عند مقام إبراهيم.
11- السعي بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم سبعاً، وهو أحد أركان الحج على الصحيح. ورجح الموفق ابن قدامة أنه واجب، وليس بركن.
12- المولاة بين الطواف والسعي مستحب، وقيل: شرط.
13- أن سائق الهدي يتحلل من حجه يوم النحر بعد الرمي، والنحر للتحلل الأول.
14- طواف الإفاضة هو الركن الأعظم للحج.
والسنة والأفضل، أن يكون يوم النحر، بعد الرَّمْي وَالنَّحرِ.
15- التحلل الكامل بعد طواف الإفاضة من كل شيء حرم عليه بإحرامه.
16- أن هذه الأفعال من النبي صلى الله عليه وسلم، تشريع لأمته.
فكل من أحرم كإحرامه، فعليه مثل ما عليه لحديث "خذوا عني مناسككم".
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء (1) : هل حج النبي صلى الله عليه وسلم مُفْرِداً، أو قارناً، أو معتمراً؟
فأما من يرى أنه حج مفرداً، فقد تمسك بأدلة.
منها- ما في الصحيحين عن عائشة: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهلَّ رسول الله
_________
(1) لخصت هذه الخلافات وأدلتها من كتاب "زاد المعاد" لابن القيم رحمه الله، وزدت فيها بعض التوضيحات.
(1/407)

بالحج". وتقسيمها صريح في أن إهلاله بالحج وحده ثم ساق "ابن القيم" أحاديث في الصحيحين وغيرهما كلها تدور على أنه حج "مفرداً" وأنه أهل "بالْحج" وأن حجه لم يكن عمرة.
وذهبت طائفة من العلماء: إلى أنه حج [متمتعاً] فحُجتُهم أنهم سمعوا [أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع] و [المتمتع] عندهم من أهل بعمرة مفردة في أشهر الحج، ناوياً الإحرام بعد الفراغ منها بالحج.
وما روي عن معاوية [أنه قصَّر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص في العشر (1) ] .
وذهبت طائفة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم حج [قارناً] ، وهذا هو الصحيح الذي يسهل رد الأدلة الصحيحة إليه.
وقد ساق له "ابن القيم" من الأدلة ما يزيد على عشرين حديثاً صحيحة صريحة في ذلك، كثير منها في الصحيحين أو أحدهما.
منها: - ما رواه مسلم من حديث ابن عمر "أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً، ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وما أخرجاه في الصحيحين عن حفصة: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم "ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلدت هَدْيِي ولبَّدتُ رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج". وهذا يدل على أنه كان في عمرة معها حج.
وقال صلى الله عليه وسلم: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولحللت معكم". وهذا صريح في أنه استمر في حجه "ولم يتحلل إلا يوم النحر"، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "سقت الهدي وقرنت".
وقد قال الإمام أحمد: لاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً.
وشيخ الإسلام "ابن تيمية" رحمه الله من الذين يرون أنه حج قارناً،: ويوفق بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف فيقول:
والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة، إلا باختلاف يسير، يقع مثله في غير ذلك.
فإن الصحابة ثبت عنهم "أنه تمتع" والتمتع عندهم، يتناول القران.
والذين روي عنهم "أنه أفرد" رُوِيَ عنهم أنه تمتع، ويريدون به إفراد أعمال الحج، بحيث لم يسافر للنسكين سفرين، ولم يطف لهما طوافين، وَلَم يَسْعَ لهما سعيين.
_________
(1) الحديث بهذا اللفظ مما أنكره الناس، والحديث الذي في البخاري عن معاوية لم يذكر فيه [في العشر] . اهـ. الشارح.
(1/408)

فيقال تمتع تَمَتُّعَ قران، وأفرد أعمال الحج، وقرن بين النسكين.
وقد فسر التمتع المذكور في الآية، بما يشمل الأمرين، القران، والتمتع المعروف لدى الفقهاء بشرطه.
واختلفوا: أي الأنساك الثلاثة أفضل.
فالمشهور في مذهب الإمام أحمد، أن التمتع أفضل الثلاثة.
وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً والمتعة أحب إِليَّ، وهو آخر الأمرين من رسول الله قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولحللت معكم".
فهو تأسف على فواته، وأكد على أصحابه أن يفسخوا حجهم إليه.
وممن اختار التمتع، ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو أحد قَوْلَي الشافعي.
وذهب الثوري، وأهل الرأي: إلى اختيار القران، لما في الصحيحين عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ بهما جميعاً "لبيك عمرة وحجاً".
فهو نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان الله ليختار لنبيه، إلا أفضل الأنساك.
وهناك مسلك وسط، تجتمع فيه الأدلة، وهو أن التمتع أفضل لمن لم يسق الهدي، كالذين أكد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفسخوا حجهم إلى عمرة.
والقران أفضل في حق من ساق الهدي، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا القول، رواية عن الإمام "أحمد".
قال "ابن القيم" رحمه الله: وهذه طريقة شيخنا. يعنى "ابن تيمية" رحمه الله. وقال: هي التي تليق بأصول أحمد.
أما مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي، فالإفراد.
ودليلهم "أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج" متفق عليه.
وتقدم أن معنى الإفراد في هذا الحديث وأمثاله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن، فدخلت أفعال العمرة في الحج، فقيل: مفرد، والحق أنه قارن، كما صحت بذلك الأحاديث.
(1/409)

بَابُ الهَدْي
الهدي: ما أُهدي إلى البيت الحرام من الإبل، والبقر، والغنم وغيرها.
ويراد بتقديمه إلى البيت، التوسعة والإحسان إلى جيرانه وزائريه، من الفقراء، والمساكين. وهو من أفضل القرب عند الله تعالى.
لأن الصدقة، والإنفاق من أفضل العبادات.
لاسيما إذا كان في البلد الحرام، وعلى المنقطعين لعبادة الله تعالى فيه، والمجاورين لبيته.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رَضْيَ الله عَنْهَا قَالَت: فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِي،
ثُمَّ أشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا - أو قَلَّدْتُهَا – ثمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأقَامَ بِالْمَدِينَةِ.
فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كَانَ لَهُ حَلالاً.
الغريب:
القلائد: جمع قلادة، وهي ما يحاط به العنق، وتكون من الخيوط، والحديد.
والمراد هنا، قلائد الهدي، وتوضع على خلاف العادة.
وكانوا يجعلونها من القِرب، والنعال، وخيوط الصوف، ليعلم أنها هَدْيٌ فتحترم.
أشعرتها: الإشعار، معناه، الإعلام، والعبادات شعائر الله لأنها علامات طاعته.
والشعيرة: - هنا- ما يهدى إلى البيت من بهيمة الأنعام، فتُعَلَّمُ، وذلك بإزالة شعر أحد جانِبَيْ سنام البدنة أو البقرة، وكشطه حتى يسيل منه الدم، ليعلم الناس أنها مُهْدَاة إلى البيت فلا يتعرضوا لها.
فتلت: لويت.
المعنى الإجمالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم البيت العتيق ويقدسه.
فكان إذا لم يصل إليه بنفسه، بعث إليه الهدي، تعظيماً له، وتوسعة على جيرانه.
وكان إذا بعث الْهَدْيَ أشعرها وقلَّدها، ليعلم الناس أنها هدي إلى البيت الحرام، فيحترموها، ولا يتعرضوا لها بسوء.
فذكرت عائشة رضي الله عنها – تأكيداً للخبر-: أنها كانت تفتل قلائدها.
وكان إذا بعث بها - وهو مقيم في المدينة - لا يجتنب الأشياء التي يجتنبها المحرم من النساء، والطيب، ولبس المخيط ونحو ذلك، بل يبقى محلاً لنفسه كل شيء كان حلالاً له.
(1/410)

ما يؤخذ من الحديث:
1- استحباب بعث الهدي إلى البيت الحرام من البلاد البعيدة ولو لم يصحبها المُهْدِي، لأن الإهداء إلى البيت صدقة على مساكين الحرم، وتعظيم للبيت، وتقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء في طاعته.
2- استحباب إشعار الهدي وتقليده، بالقرب، والنعال، ولحاء الشجر، مما هو خلاف عادة الناس، ليعرفوه فيحترموه.
3- أن المُهْدِي لا يكون محرماً ببعث الهدي، لأن الإحرام هو نية النسك.
4- أن المُهْدِي لا يحرم عليه أيضا ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام. قال ابن المنذر: قال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرماً، ولا يجب عليه شيء. وقال بعض العلماء: وإلى ذلك ذهب فقهاء الأمصار.
5- جواز التوكيل في سوقها إلى الحرم، وذبحها وتفريقها.
6- أن الشرع يكون حيث المصلحة المحضة، أو المصلحة الراجحة. فإن إشعار الإبل والبقر المهداة، فيه تعذيب لها.
ولكن مصلحة إشعارها، لتعظيمها، وإظهار طاعة الله في إهدائها، راجح على هذه المفسدة اليسيرة.
7- أن الأفضل بعثها مقلدة، من أمكنتها، لا تقليدها عند الإحرام، لتكون محترمة على من تمر به في طريقها، وليحصل التنافس في أنواع هذه القرب المتعدِّي نفعها.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ رَضْيَ الله عَنْهَا قَالَت: أهْدَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً غنَما ً (1) .
المعنى الإجمالي:
أكثر ما كان يهديه النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيت، الإبل، لكونها أعظم نفعاً، وأكثر أجراً.
وذكرت عائشة رضي الله عنها، أنه صلى الله عليه وسلم، أهدى مرةً غنماً.
والإهداء من بهيمة الأنعام ومن غيرها، جائز، ولكن
_________
(1) هذا اللفظ للبخاري ورواه "مسلم" كذلك، وزاد "إلى البيت فقلدها".
(1/411)

الأنعام فيها إظهار شعائر الله تعالى، وإراقة الدماء في مرضاته، فهو عبادتان، صدقة، وسفك دم لوجهه الكريم، بعد أن كان يسفك للأصنام والطواغيت.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز إهداء الغنم إلى البيت الشريف.
2- أن الأكثر من هديه صلى الله عليه وسلم أفضل الهدايا والأموال عند العرب، وهي الإبل.
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضيَ الله عَنْهُ: أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَأىَ رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً،
قال: "ارْكَبْهَا" قال: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قال: "ارْكبْهَا" فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم.
وفي لفظ: "قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أوِ الثَّالِثَةِ: "ارْكبْهَا، وَيْلَكَ"، أو "وَيْحَكَ".
الغريب:
بدنة: بفتح الباء والدال، تطلق على الإبل، والبقر، لعظم أبدانها وضخامتها.
والمراد هنا، الناقة المهداة إلى البيت، ليستقيم الجواب.
ويلك: من الويل، وهو الهلاك.
وهي كلمة تستعمل للتغليظ على المخاطب، بدون قصد معناها، وإنما تجرى على ألسنة العرب في الخطاب، لمن وقع في مصيبة فغضب عليه.
ويحك: كلمة يؤتى بها للرحمة، والرثاء لحال المخاطب الواقع في مصيبة.
[ويل] و [ويح] ، مصدران، يقدر فاعلهما دائماً.
المعنى الإجمالي:
ما أهدي إلى البيت لا ينتفع منه بشيء مع عدم الحاجة إليه، لأنه أخرج لوجه الله، فلا يرجع إليه.
فإن كان ثَمَّ حاجة إلى ركوبه، أو حلبه، فلا بأس، مادام ذلك لا يضره.
ولهذا لما رأى صلى الله عليه وسلم رجلاً يسوق بدنة، هو في حاجة إلى ركوبها، رخص له في ذلك، وأمره به.
ولكون الهدي معظماً عندهم، لا يتعرض له، قال: إنها بدنة مهداة إلى البيت فقال: اركبها وإن كانت مهداة إلى البيت.
فعاوده الثانية والثالثة، فقال: اركبها، مغلظاً له الخطاب.
(1/412)

ما يؤخذ من الحديث:
1- تعظيم العرب لِلْهَدْيِ، واحترامه في قلوبهم. ثم جاء الإسلام فزاد من احترامه.
2- جواز ركوبه وحَلْبِه مع الحاجة إلى ذلك، بما لا يضره.
وهذا أعدل المذاهب، وفيه تجتمع الأدلة.
3- إنما قيدناه (بالحاجة وعدم الضرر) لما روى مسلم عن جابر قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً".
4- أخذ من هذا الحديث البخاري رحمه الله تعالى، جواز انتفاع الواقف بوقفه.
الحديث الرابع
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضيَ الله عَنْهُ قَال: أمَرَنِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى
بُدْنِهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا، وأَجِلَّتِهَا، وأَنْ لا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئاً، وَقَالَ:
"نَحْنُ نُعطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا".
الغريب:
بُذنه: جمع بدنة وتقدم تعريفها وضبطها و"البدن" بالجمع، فيها لغتان، 1- ضم الباء والدال. 2- وضم الباء، وسكون الدال.
أجلتها: المفرد "جُلٌّ" بضم الجيم، وجمعه "جِلال" بكسرها و"أجلة" جمع الجمع.
و"الجل"هو ما يطرح على ظهر البعير، من كساء ونحوه.
أن لا يعطي الجزار منها شيئا: أي من لحمها عوضاً عن جزارته والجزارة أطراف البعير، كالرأس واليدين والرجلين ثم نقلت إلى ما يأخذه الجزار من الأجرة لأنه كان يأخذ تلك الأطراف عن أجرته.
المعنى الإجمالي:
قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع ومعه هديه وقدم على بن أبى طالب رضي الله عنه من اليمن، ومعه هَدْيٌ.
فكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة، فنحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين بدنة،
(1/413)

وأمر علياً أن يقوم على نحر الباقي، وأن يتصدق بلحمها.
ولكونها قدمت لله تعالى، فلم يحب صلى الله عليه وسلم استرجاع شيءٍ منها.
ولذا أمره بالتصدق بلحمها، وجلودها وأجلتها.
وبما أنها صدقة للفقراء والمساكين، فليس لمهديها حق التصرف بها، أو بشيء منها على طريقة المعاوضة.
فقد نهاه أن يعطي جازرها منها، معاوضة له على عمله.
وإنما وعده أن يعطيه أجرته من غير لحمها، وجلودها، وأجلتها.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية الهدي، وأنه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
2- الأفضل كونه كثيراً، عظيم النفع.
فقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة.
3- أن يتصدق بها، وبما يتبعها، من جلود وأجلة.
وله أن يأكل من هدي التطوع والتمتع والقران الثلث فأقل.
4- أن لا يعطي جازرها شيئاً منها، على وجه المعاوضة، بل يتصدق عليه ويهدي إليه منها. قال ابن دقيق العيد: والذي يخشى منه في هذا أن تقع المسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه الجازر من اللحم، فيعود إلى المعاوضة في نفس الأمر. قال البغوي: أما إذا أعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه - إذا كان فقيراً - فلا بأس.
5- جواز التوكيل في ذبحها والتصدق بها.
الحديث الخامس
عَنْ زَيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ قَدْ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتهُ يَنْحَرُهَا فقال:
ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً، سُنَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
المعنى الإجمالي:
السنة في البقر والغنم وغيرهما – ماعدا الإبل - ذبحها من الحلق مضجعة على جانبها الأيسر، ومستقبلة القبلة.
وأما الإبل، فالسنة نحرها في لبتها، قائمة معقولة يدها اليسرى، لأن في هذا راحة لها، بسرعة إزهاق روحها.
ولذا لمَّا مَرَّ عبد الله بن عمر، على رجل يريد نحر بدنة مناخة، قال: ابعثها قياماً،
(1/414)

مقيدة، فهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي نهج أدب القرآن في نحرها بقوله (فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهُا) يعنِي، سقطت، والسقوط لا يكون إلا من قيام.
ما يؤخذ من الحديث:
1- سنة النبي صلى الله عليه وسلم نَحْرُ الإبل قائمة مقيدة لأنه من إحسان الذبحة، والرفق بالحيوان. وتشير إلى ذلك الآية الكريمة التي سبق ذكرها. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس: "صوافَّ قياماً".
قال سفيان بن عيينة: الصواف – بالتشديد - جمع "صافة" أي مصطفة في قيامها.
2- كراهة ذبحها باركة، لأن فيه تطويلاً في إزهاق روحها.
3- عادة الناس الآن نحرها باركة معقولة، فإذا كانوا غير قادرين على نحرها قائمة، ويخشى من عدم التمكن من إحسان ذبحها وتطعينها بما يعذبها ولا يريحها، فالأحسن أن تكون باركة حسب القدرة والمستطاع.
4- رحمة الله تعالى ورأفته بخلقه، حتى في حال إزهاق أرواحه.
وبمثل هذه الأحكام الرحيمة، والحنان العظيم، يعلم أنه دين عطف وشفقة، لا دين وحشية وعسف
فمن ينبئ الذين رَمَوْه بذلك، وهم يقتلون أبرياء بني آدم في عُقْرِ دارهم، لعلهم يفقهون؟.
(1/415)

بَابُ الغسْل لِلمُحرم
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ حُنَيْنِ: أنَّ عَبْدَ الله بْن عَبَّاسٍ رَضيَ الله عَنْهُمَا وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخرَمَةَ
اخْتَلَفا بِالأبْوَاء
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ.
قَالَ: فَأرْسَلَنٍي ابْنُ عَبَّاسِ إلَى أَبِي أيّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ وَهُوَ
يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هذَا؟.
فَقُلْتُ: أَنَا عَبْد الله بْنُ حُنَيْنُ أرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلَكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ رَأْسَه وَهُوَ مُحْرِمٌ؟.
فَوَضَعَ أَبُو أيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثّوْبِ فَطَأطَأهُ حَتَّى بَدَا لِيَ رَأْسُهُ.
ثُمَّ قَالَ لإنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: أُصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسهِ ثُمَّ حَرَّك رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقبَلَ
بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُم قَالَ: هكَذَا رَأْيْتُه صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ.
وفي رواية: فَقَالَ الْمِسْوَر لابْنِ عَبَّاسٍ: لا أُمَارِيكَ بَعْدَهَا أبَدَاً.
القرنان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة، التي تعلق عليها بكرة البئر.
الغريب:
الأبواء: بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة ممدوداً، موضع بين مكة والمدينة. يقع شرقي قرية مستورة بنحو ثلاثة كيلو مترات. وسيل الأبواء ومستورة واحد. وما تزال الأبواء معروفة بهذا الاسم حتى الآن.
القرنان: بفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البر وتمد بينهما خشبة تعلق عليها البكرة أو يجر عليها المستقي الحبل إذا لم يوجد بكرة وتسمى هاتان الخشبتان في نجد الآن "القامة".
طأطأه: أي طامنه يعني الثوب ليرى الرسول رأسه من ورائه.
أماريك: أجادلك.
المعنى الإجمالي:
اختلف عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم، في جواز غسل المحرم رأسه.
فذهب المسور إلى المنع، خشية سقوط الشعر من أثر الغسل، ولأن في الغسل ترفُّهاً وينبغي للمحرم أن يكون أشعث أغبر.
وذهب ابن عباس إلى الجواز، استصحاباً للأصل، وهو الإباحة، إلا بدليل "وهذا هو الفقه".
فأرسلا عبد الله بن حنين إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وهم في طريق مكة ليسأله فوجده عبد الله بن حنين – من تسهيل الله وتبيينه الأحكام لخلقه - يغتسل عند فم البئر،
(1/416)

ومستتراً بثوب وهو محرم.
فسلم عليه وأخبره أنه رسول ابن عباس ليسأله: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم.
فمن حسن تعليم أبي أيوب رضي الله عنه، واجتهاده في تقرير العلم، أرخى الثوب وأبرز رأسه، وأمر إنساناً عنده أن يصب الماء على رأسه، فصبه عليه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر.
وقال لعبد الله بن حنين: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل.
فلما جاء الرسول وأخبرهما بتصويب ما رآه عبد الله بن عباس - وكان رائدهم الحق، وبغيتهم الصواب -، رجعٍ المسور رضي الله عنه، واعترف بالفضل لصاحبه، فقال: لا أماريك أبداً.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز غسل المحرم رأسه، ويستوي فيه أن يكون ترفهاً أو تنظفاً أو تبرداً أو عن جنابة.
2- جواز إمرار اليد على شعر الرأس بالغسل إذا لم ينتف شعراً، ويسقطه.
3- في الحديث دليل على جواز المناظرة في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها، والرجوع إلى من يظن عنده العلم بها.
4- قبول خبر الواحد في المسائل الدينية. وأن العمل به سائغ شائع عند الصحابة.
5- الرجوع إلى النصوص الشرعية عند الاختلاف، وترك الاجتهاد والقياس عندها.
6- جواز السلام على المتطهر في وضوء أو غسل، ومحادثته عند الحاجة.
7- استحباب التستر وقت الغسل، فإن خاف من ينظر إليه وجب.
8- جواز الاستعانة في الطهارة بالغير.
9- سؤال ابن عباس أبا أيوب، يفيد أن عنده علماً نقلياً عن غسل المحرم، وأن أبا أيوب يعرف ذلك، فقد سأله عن كيفية الغسل، لا عن أصله.
10- قال شيخٍ الإسلام: ويستحب الغسل للإحرام، ولو كانت (المحرمة) نفساء أو حائضاً. وإن احتاج (المحرم) إلى التنظيف كتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، ونحو ذلك، فعل ذلك.
(1/417)

وهذا ليس من خصائص الإحرام، ولكنه مشروع بحسب الحاجة، وهكذا يشرع للجمعة والعيد على هذا الوجه.
قلت: والغسل الذي تجادل فيه ابن عباس والمسور ليس الغسل من أجل الإحرام، وإنما هو الغسل أثناء الإحرام، وهو الذي فعله أبو أيوب.

بَابُ فَسخ الحَج إلى العمْرة
الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: أَهَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابُهُ بالحَجِّ وَلَيْس مَعَ
أحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَطَلْحَةَ.
وَقَدِمَ عَلِيٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَال: أهَلَلْتُ بما أهَلَّ بهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَمرَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ أن يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيَطُوفُوا ثمَّ يُقَصِّرُوا وَيُحِلُّوا إلاَّ مَنْ كانَ
مَعَهُ الْهدْيُ.
فَقالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى "مِنىً" وَذَكَرُ أحَدِنَا يَقْطُرُ؟
فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا استَدْبَرْتُ مَا
أهْدَيْت، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهدْيَ لأحَلَلْتُ ". وَحَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ
أنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قالت: يَا رَسُولَ الله تنْطَلِقونَ بِحجَّةٍ
وَعُمْرةٍ وَأنْطَلِقُ بِحَجِّ! ‍‍ فَأمَرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنِ أبِى بَكْرٍ بِأن يَخْرُجَ مَعَهَا إلى التَنْعِيمِ،
فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
المعنى الإجمالي:
يصف "جابر بن عبد الله" رضيَ الله عنهما حجة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه وأصحابه أهلُّوا بالحج، ولم يَسُقِ الْهَدْيَ إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة بن عبيد الله. وكان على بن أبي طالب في اليمن، فقدم، ومن فقهه أحرم وعلَّق إحرامه بإحرام النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما قدموا مكة، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفسخوا إحرامهم من الحج إلى العمرة، ويكون طوافهم وسعيهم للعمرة، ثم يقصروا ويُحِلُّوا التحلل الكامل. هذا في حق من لم يسق الهدي.
أما من ساقه - ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم فبقوا - بعد طوافهم وسعيهم - على إحرامهم.
فقال الذين أُمِرُوا بفسخ حجهم إلى عمرة - متعجبين ومستعظمين -: كيف ننطلق إلى "مِنى" مُهِلين بالحج، ونحن حديثو عهد بجماع نسائنا؟.
فبلغ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مقَالَتَهم واستعظام ذلك في
(1/418)

نفوسهم، فطمأن أنفسهم بما هو الحق وقال:
لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سُقْتُ الهَدْىَ الذي منعني من التحلل، ولأحللت معكم. فرضيت أنفسهم واطمأنت قلوبهم.
وحاضت عائشة قُرْبَ دخولهم مكة، فصارت قارنة، لاًن حيضها منعها من الطواف بالبيت، وفعلت المناسك كلها غير الطواف والسعي.
فلما طهرت وطافت بالبيت طواف حجها، صار في نفسها شيء، إذ كان أغلب الصحابة – ومنهم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ـ قد فعلوا أعمال العمرة وحدها وأعمال الحج. وهي قد دخلت عمرتها في حجها.
فقالت: يا رسول الله، تنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟.
فطيَّب خاطرها، وأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج.
ما يؤخذ من الحديث:
1- كون النبي صلى الله عليه وسلم أحرم ومعه الهدي، فهو أفضل وأكمل.
2- أن ترك سوق الهدي جائز، لأن أكثر الصحابة لم يسقه.
ويأتي تَمَنِّيهِ صلى الله عليه وسلم عدم سَوْقِهِ الهدي، وتوجيه ذلك إن شاء الله تعالى.
3- فقه علي رضي الله عنه، فإنه حين لم يعرف أيّ الأنساك أفضل، علَّقه بإحرام النبي صلى الله عليه وسلم.
4- جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير.
5- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم إلى عمرة.
فإذا فرغوا من أعمال العمرة حلُّوا، ليحرموا بالحج فيقتضي الأمر فعل ما فعلوه ويأتي الخلاف في ذلك وتحقيقه، إن شاء الله تعالى.
6- أن من ساق الهدي، منعه ذلك من الإحلال، وبقي على إحرامه، كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم.
7- جواز المبالغة في الكلام، لاستيضاح الحقائق، وتبيين الأمور.
8- تَمنِّي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لم يسق الهدي، وأنه فسخ حجه إلى عمرة منها، وأنه آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم.
9- جواز تمني الأمور الفائتة إذا كانت من مصالح الدين، لأنه رغبة في الخير، وندم عليه. فهو من أنواع التوبة.
10- جواز فعل المناسك للحائض، ماعدا الطواف بالبيت، فممنوع. إما لاشتراط الطهارة في الطواف، وإما خشية تلويث المسجد.
11- أن السعي من شرطه أن يقع بعد طواف نسك. ولذا لم يصح من الحائض السعي،
(1/419)

لا لاشتراط الطهارة فيه، ولكن لأنه لابد أن يقع بعد طواف نسك وهو معدوم في حق الحائض.
12- جواز الإتيان بالعمرة من أدنى الحل بعد الحج ولا تسنُّ لأنه لم يقع من الصحابة إلا هذه المرة من عائشة. ولم ينقل عن عائشة أنها فعلتها بعد ذلك.
ولو كانت العمرة المشروعة، لما تركوها وهم في مكة، سهلة عليهم، ميسرة لهم.
13- أن الإحرام بالعمرة لابد أن يكون من خارج الحرم، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولم يخالف إلا قلة بخلاف الحج، فإنه من مكة لمن هو فيها.
والفرق بين الحج والعمرة، أن العمرة جميع أعمالها في الحرم، فيخرج للحل للجمع فيها بين الحل والحرم.
وأما الحج فبعض أعماله في الحرم، وبعضها في الحل، وهو الوقوف بعرفة.
14- قوله: "أهل بالحج" ظاهره أنه مُفرِد.
وتقدم الجمع بين روايات ما يوهم الإفراد أو التمتع، وأن الصحيح أنه قارن.
اختلاف العلماء، في فسخ الحج إلى عمرة:
أجمع العلماء على أن الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، قد فسخوا حجهم إلى عمرة، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
واختلفوا: هل هذا الفسخ لمن بعدهم أيضاً، أم لهم خاصة في تلك الواقعة؟.
فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء إلى أن هذا الفسخ خاص بالصحابة في تلك السنة، ولا يتعدَّاهم إلى غيرهم.
وذهب الإمام أحمد، وأهل الحديث، والظاهرية. ومن الصحابة ابن عباس وأبو موسى الأشعري: ـ إلى الفسخ.
استدل الأولون بما رواه أبو داود عن "أبي ذر" كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: "لم يكن ذلك إلا للركب، الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولـ"مسلم" عن "أبي ذر" كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وبما رواه الخمسة عن الحارث بن بلال، عن أبيه بلال بن الحارث قال: قلت يا رسول الله: فسخ الحج لنا خاصة، أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة.
(1/420)

فعند الجمهور أن حديث بلال ناسخ لأحاديث الفسخ، فهو للصحابة خاصة في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية، من تحريم العمرة في أشهر الحج، ويؤيد ذلك الأثر السابق عن أبي ذر رضي الله عنه.
واستدل الآخرون على فسخ الحج بأحاديث صحيحة جيدة قربت من حَدِّ التواتر عن بضعة عشر من الصحابة.
منها حديث جابر، وسراقة بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وعَلِيًّ، وابن عباس، وأنس، وابن عمر، والربيع بن سبرة، والبراء بن عازب، وأبي موسى، وعائشة، وفاطمة، وحفصة، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.
كل هؤلاء رَوَوْا أحاديث كثيرة ـ وبعضها في الصحيحين – تنص على فسخ الحج إلى العمرة.
ولهذا، لما قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، كل شيء منك حسن جميل، إلا خصلة واحدة. فقال: وما هي؟.
قال: تقول بفسخ الحج.
فقال الإمام أحمد: كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً، كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك؟
وقد أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب، منها حديثين:
1- حديث جابر، الذي نحن نتكلم عليه الآن
2- وحديث ابن عباس؛ سيأتي، ونورد معهما
حديثين من تلك الأحاديث المتكاثرة.
الأول: ما رواه "مسلم" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخاً.
فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة، إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية، وَرُحْنَا إلى "منى" أهللنا بالحج".
والثاني: ما رواه "مسلم" و"ابن ماجه" عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: "خرجنا محرمين، فقال رسول الله: من كان معه هَدْيٌ فَلْيُقِمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ، فليحلل، فلم يكن معي هدي، فحللت. وكان مع الزبير هدي، فلم يحلل".
وهذه أحاديث عامة للصحابة ولمن بعدهم، إلى الأبد.
فإن الأحكام الشرعية، لا تكون لجيل دون جيل، ولا لطائفة دون أخرى.
فمن ادّعى الخصوصية، فعليه الدليل.
(1/421)

وكيف ولما سأل سراقة بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الفسخ "هل هي للصحابة خاصة؟ " فقال: "بل للأمة عامَّة؟ ".
وقد وردت هذه الأحاديث في واقعة متأخرة، لم يأت بعدها ما ينسخها. ومن ادَّعى النسخ، فعليه الدليل.
بل ورد ما يبعد دعوى النسخ، حين قيل للنبي صلى الله عليه وسلم "عمرتنا هذه: لعامنا هذا أم للأبد؟ " فقال: "لا. بل لأبد الأبد، ودخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
أما دعوى الجمهور النسخ، بحديث بلال بن الحارث، فبعيد كل البعد.
لأن الإمام أحمد قال في حديثه: حديث بلال بن الحارث عندي، ليس بثبت، ولا أقول به. وأحد رواة سنده الحارث بن بلال لا يعرف.
وقال أيضاً: أرأيت لو عرف الحارث بن بلال؟ إلا أن أحد عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون ما يرون من الفسخ: أين يقع الحارث بن بلال منهم؟!
وأما أثر أبي ذر، فهو رَأيٌ له، وقد خالفه غيره فيه، فلا يكون حجة، لاسيما مع معارضته للأحاديث الصحاح.
وممن اختار الفسخ، شيخ الإسلام "ابن تيمية" قدس الله روحه، وتلميذه "ابن القيم".
وقد أطال "ابن القيم" البحث في الموضوع في كتابه [زاد المعاد] وبيَّن حجج الطرفين، ونصر الفسخ نصراً مؤزراً مبيناً، وردَّ غيره، وفنَّد أدلته بطريقته المقنعة، وعارضته القوية.
ثم اختلف القائلون بالفسخ: أهو للوجوب أم للاستحباب؟
فذهب الإمام أحمد: إلى استحباب الفسخ. قال شيخ الإسلام: أهل مكة وبنو هاشم وعلماء الحديث يستحبونها، فاستحبها علماء سنته، وأهل سنته، وأهل بلدته التي بقربها المناسك وهؤلاء أخص الناس به.
ولعل قصر الإمام "أحمد" لأحاديث الأمر بالفسخ مع التغليظ فيه على الاستحباب، حمله على عدم مبادرة الصحابة إلى امتثال أمره صلى الله عليه وسلم.
وذهب ابن عباس في المفهوم من كلامه: إلى أنه فرض من لم يَسُقْ هدي التمتع، حيث قال: " من جاء مُهلاًّ بالحج، فإن الطواف باليت يغيره إلى عمرة، شاء أم أبى".
وذهب "ابن حزم" إلى ما ذهب إليه ابن عباس، حيث يقول في كتابه المحلى:
ومن أراد الحج، فإنه إذا جاء إلى الميقات، فإن كان لا هدي معه، ففرض عليه أن يحرم بعمرة
(1/422)

مفردة ولابد، ولا يجوز له غير ذلك.
فإن أحرم بحج أو بقران حج وعمرة، ففرض عليه أن يفسخ إهلاله ذلك، بعمرة يحل إذا أتمها، لا يجزئه غير ذلك.
وذهب ابن القيم إلى هذا الرأي حيث قال في كتابه زاد المعاد بعد أن ساق حديث البراء بن عازب، ونحن نشهد الله علينا، أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضاً علينا فسخه إلى عمرة، تفادياً من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباعاً لأمره.
فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صح حرف واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه، دون مَنْ بعده، بل أجرى الله سبحانه وتعالى على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب: بأن ذلك كائن لأبد الأبد.
فما ندري ما تقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد، الذي غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من خالفه.
فهؤلاء، لما رأوا تكاثر الأحاديث في الأمر به، وغضب الرسول صلى الله عليه وسلم من أجله، لم يقنعوا إلا بالقول بوجوبه وفريضته.
وحديث البراء المشار إليه هو ما أخرجه ابن ماجه، والإمام أحمد وصححه، عن البراء بن عازب قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة".
قال: فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج، كيف نجعلها عمرة.
قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردوا عليه القول فغضب.
ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان، فرأت الغضب في وجهه فقالت: "من أغضبك أغضبه الله؟ ".
قال: "ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا يُتَّبعُ".
فهذا وأمثاله، متمسك من أوجبوا الفسخ.
الحديث الثاني
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضِي الله عَنْهُمَا قالَ: قدِمْنَا مَعَ سُولِ الله صلى الله عليه وسلم
وَنَحْنُ نَقُولُ " لَبَّيْكَ بالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً.
المعنى الإجمالي:
يقول جابر: قدمنا في حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُهلِّين بالحج ومُلبِّينَ به، لأن
(1/423)

بعضهم أفرد الحج، وبعضهم قرن، وكأنه مُفْرِد وسكت عن المتمتعين، وفيهم قسم متمتع.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ حجه إلى عمرة متمتعاً بها إلى الحج.
وهذا الحديث، أحد أدلة من يرون فسخ الحج إلى عمرة.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبَّاسٍ رَضيَ الله عَنْهُمَا قَال: قَدِمَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
وَأصحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ الله أيُّ الْحِلِّ؟ قال: "الحِلُّ كُلُّهُ".
المعنى الإجمالي:
يذكر ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا مكة في حجة الوداع، صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، وكان بعضهم محرماً بالحج، ومنهم القارن بين الحج والعمرة.
فأمر من لم يَسُقِ الْهَدْيَ من هاتين الطائفتين بأن يحلوا من حجهم، ويجعلوا إحرامهم بالعمرة.
فكبُر عليهم ذلك ورأوا أنه عظيم أن يتحللوا التحلل الكامل، الذي يبيح الجماع، ثم يحرمون بالحج، ولذا سألوه فقالوا: يا رسول الله: أي الحل؟ فقال صلى الله عليه وسلم الحل كله، فيباح لكم ما حرم عليكم قبل الإحرام فامتثلوا رضي الله عنهم
وهذا من أدلة القائلين بالفسخ أيضاً.
الحديث الرابع
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّيَيْرِ قال: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِس: كَيْفَ كانَ رَسُولُ الله صلى الله
عليه وسلم يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟
فقال: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
العنق: انبساط السير، و"النص" فوق ذلك.
الغريب:
العنق والنص: " العنق" بفتح العين والنون. و"النص" بفتح النون وتشديد الصاد. وهما ضربان من السير، والنص أسرعهما.
الفجوة: بفتح الفاء، المكان المتسع.
(1/424)

المعنى الإجمالي:
كان أسامة بن زيد رضى الله عنهما رديف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة.
فكان أعلم الناس بسير النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن صفته فقال:
كان يسير العنق، وهو انبساط السير ويسره في زحمة الناس، لئلا يؤذي به، وليكون بعد انصرافه من هذا الموقف العظيم وإقباله على المشعر الحرام
خاشعاً خاضعاً، عليه السكينة والوقار، راجياً قبول عمله، شاكراً على نعمه التي من أجلها عزَّ الإسلام، وذلَّ الشرك. فإذا وجد فرجة ليس فيها أحد من الناس حرك دابته، فأسرع قليلاً، وخشوعه وخضوعه لا يفارقانه صلى الله عليه وسلم في كل حركة وسكون.
ما يؤخذ من الحديث:
1- كون أسامة بن زيد رديف النبي صلى الله عليه وسلم، من دفع عرفة إلى مزدلفة، فهو أعلم الناس بسيره.
2- كان سيره صلى الله عليه وسلم انبساطاً لا تباطُؤَ فيه، ولا خفة ولا سرعة، فيؤذي بهما، ويذهب معهما خشوعه.
3- إذا وجد فجوة ليس فيها أحد، حرك دابته مع ما هو فيه من الخشوع والخضوع لله تعالى، ومراقبته الله، وتعظيمه لمناسكه ومشاعره.
4- أن ما عليه الناس اليوم من الطيش، والخفة، والسرعة، والسباق على السيارات مناف للسنة، وهيبة الحج، وسكينته ووقاره.
ويحدث من جراء هذه السرعة ما ينافي الشرع من المبادرة بالخروج من حدود عرفة قبل الغروب، فيحصل التشبه بالمشركين، ويحصل أضرار تلحق الراكبين ومراكبهم، ويحصل من الشجار والنزاع ما ينافي آداب الحج. إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على هذه العجلة، التي في غير موضعها.
(1/425)

باب حكم تقديم الرمي (1)
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله (2)
بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضَي الله عَنْهُمَا: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه
وسلم وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلونَهُ.
فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قالَ: اذْبَحْ ولا حَرَجَ. وَقَالَ الآخَرُ: لَمْ
أشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي، فقال: "اِرْمِ، ولا حَرَجَ".
فَمَا سئلَ- يَوْمَئِذٍ - عَنْ شيءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ".
المعنى الإجمالي:
اليوم العاشر من ذي الحجة هو يوم النحر ويوم الحج الأكبر، وهو من أفضل الأيام وأسعدها، لما يقع فيه من الأعمال الجليلة، لاسيما من الحاج الذي يؤدي فيه أربع عبادات جليلات وهن:
1- الرمي 2- والنحر 3- والحلق أو التقصير 4- والطواف بالبيت العتيق.
والمشروع أن يأتي بهن على هذا الترتيب، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وإتيانا بأعمال المناسك على النسق اللائق.
فيبدأ برمي جمرة العقبة، لأن رميها تحية "منى"، ثم ينحر هديه، مبادرةً بإراقة الدماء، لما فيه من الخضوع والطاعة، ولما فيه من نفع الفقراء والمساكين، ومشاركتهم الناس في فرحهم عيدهم.
ثم يحلق، أو يقصر ابتداء بالتحلل من الإحرام، وتأهباً بالزينة والهيئة الحسنهَ للطواف بالبيت.
هذا ما يشرع للحاج، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعده: "خذوا عني مناسككم".
ولكن الشارع رحيم عليم.
فإذا قدم أحد بعض هذه اْلأعمال على بعض، جهلاً بالحكم أو نسياناً، فلا يلحقه شيء من إثم أو جزاء.
_________
(1) من هنا إلى [باب المحرم يأكل من صيد الحلال] فيه سبعة أحاديث، كل واحد منها يدل على مسألة من مناسك الحج، ليس لها تعلق بالأخرى إلا حديثي طواف الزيارة والوداع. ولذا فإني وضعت لها ستة أبواب تبين موضع الفائدة منها- اهـ. شارح.
(2) وقع في بعض نسخ [العمدة] ، أن راوي هذا الحديث هو [عبد الله بن عمر الخطاب] والحق أنه كما وضعناه [عبد الله بن عمرو بن العاص] كما نبه على دلك الحافظ في فتح الباري اهـ. شارح.
(1/426)

ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه.
فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج.
وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج.
قال الراوي: فما سئل صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" سماحة في هذا الدين ويسراً.
ما يؤخذ من الحديث:
1- وقوف العالم في أيام المناسك لإفتاء الناس وإرشادهم في أمر حجهم.
2- جواز تقديم كل من الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير، والإفاضة بعضها على بعض من الناسي والجاهل.
ويأتي الخلاف في العامد إن شاء الله.
3- بدء يوم النحر برمي جمرة العقبة. ومن حكمة الرمي طرد الشيطان، فهو شبيه بتقديم الاستعاذة في الصلاة، وهذه مقارنة عنت لي ولم أر أحداً من العلماء قد ذكرها. وربما قالها أحدهم ولم أطلع على ذلك. فإذا كانت صوابا فهي من الله، وإذا كانت خطأ فهي مني.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية ترتيب الرمي والنحر والحلق أو التقصير والإفاضة هكذا، كما رتبها النبي صلى الله عليه وسلم.
فيبدأ بالرمي، ثم ينحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الإفاضة إلى البيت.
واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض بالنسبة للعامد.
فذهب الشافعي والإمام أحمد في المشهور عنه: إلى جواز ذلك مستدلين بما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح. قال: "اذبح ولا حرج" وقال آخر: ذبحت قبل أن ارمي. قال: "ارمي ولا حرج".
وهذا أحد طرق الحديث الذي معنا في الباب، وفي بعض طرقه "فما سئل عن شئ قُدِّم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج".
(1/427)

قال الطبري: لم يسقط النبي صلى الله عليه وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزئ، لأمره بالإعادة لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المكلف الحكم الذي يلزمه في الحج.
كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لم يأثم بتركه ناسياً أو جاهلاً، ولكن تجب عليه الإعادة.
وما ذهب إليه الإمامان، الشافعي، وأحمد، هو مذهب الجمهور من التابعين والسلف، وفقهاء الحديث لما تقدم من الأدلة وغيرها.
وذهب بعض العلماء: إلى أن رفع الإثم يكون بحال النسيان والجهل، لقول السائل في الحديث: "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحال ويبقى العامد على أصل وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج لحديث "خذوا عني مناسككم" هذا هو الخلاف المتقدم في الإثم وعدمه.
أما الإجزاء فقد قال الشيخ "ابن قدامة" في كتابه "المغني": "ولا نعلم خلافاً بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها" ا. هـ.
واختلفوا في وجوب الدم على من قدم المؤخر من هذه المناسك الأربعة.
فذهب الجمهور من السلف، وفقهاء الحديث، ومنهم الإمامان الشافعي وأحمد، وعطاء، وإسحاق: إلى عدم وجوب الدم من العامد وغيره، بناء على جواز الفعل وسقوط الإثم، ولقوله صلى الله عليه وسلم للسائل "لا حرج" فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معاً، لأن اسم الضيق يشملهما.
ووجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجباً حينئذ لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة، وتأخيره عنها لا يجوز.
وذهب بعض العلماء - ومنهم سعيد بن جبير وقتادة - إلى وجوب الدم على العامد بقوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه} .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها وقال: خذوا عني مناسككم، وهو رواية عن الإمام أحمد.
فقد قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح. فقال: إن كان جاهلاً، فليس عليه دم، فأما مع التعمد، فلا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال "لم أشعر".
وقال ابن دقيق العيد - بعد أن نقل كلام الإمام أحمد: وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي، دون العامد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج بقوله: "خذوا عني مناسككم".
(1/428)

وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه، إنما قرنت بقول السائل: "لم أشعر" فيخصص الحكم بهذه الحال وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج. ا. هـ.
قال الصنعاني: هذا حسن إلا أن إيجاب الدم لم ينهض دليله. وقال أيضاً: اعلم أن إيجاب الدم في هذه الأفعال والتروك في الحج، لم يأت به نص نبوي، وإنما روي عن ابن عباس، ولم يثبت عنه: أن من قدم شيئاً على شئ فعليه دم. وبه قال سعيد بن جبير والحسن والنخعي وأصحاب الرأي. وقال الصنعانى أيضاً: والعجب إطباق المفرعين على إيجاب الدم في محلات كثيرة، والدليل كلام ابن عباس، وعلى أنه لم يثبت عنه.

باب كيف ترمى جمرة العقبة
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الرحْمَنِ بْنِ يَزِيِدَ النَّخَعِي أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَرَآهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى
بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَل البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، و"مِنىً" عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هذَا مَقَامُ الَّذِي
أُنْزلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ صلى الله عليه وسلم.
المعنى الإجمالي:
رمي الجمار في يوم النحر وأيام التشريق عبادة جليلة، فيها معنى الخضوع لله تعالى، وامتثال أوامره والاقتداء بإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، واستعادة ذكريات قصته الرائعة مع ابنه في صدق الإيمان وطاعة الرحمن حين عرض له الشيطان محاولاً وسوسته عن طاعة ربه فحصبه في تلك المواقف، بقلب المؤمن وعزيمة الصابر ونفس الراضي بقضاء ربه.
فنحن نرمى الشيطان متمثلاً في تلك المواقف إحياء للذكرى وإرغاماً للشيطان الذي يحاول صدنا عن عبادة ربنا.
وأول ما يبدأ به الحاج يوم النحر هو رمي الجمرة الكبرى لتكون فاتحة أعمال ذلك اليوم الجليلة.
(1/429)

فيقف منها موقف النبي صلى الله عليه وسلم حيث الكعبة المشرفة عن يساره ومني عن يمينه واستقبلها ورماها بسبع حصيات يكبر مع كل واحدة كما وقف ابن مسعود رضي الله عنه هكذا وأقسم أن هذا هو مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، صلى الله عليه وسلم.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية رمي جمرة العقبة (1) وحدها يوم النحر.
2- أن يرميها بسبع حصيات، واحدة بعد أخرى، ولا يجزئ رميها دفعة واحدة، وهو مفهوم من الحديث.
3- يجوز رميها من أي مكان بإجماع العلماء.
ولكن الأفضل أن يجعل البيت عن يساره و"منى" عن يمينه، ويستقبلها.
4- أن هذا هو موقف الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن مسعود سورة البقرة، لأن فيها كثيراً من أحكام الحج.
5- جواز إضافة السورة إلى البقرة، خلافاً لمن منع ذلك.
فابن مسعود أعلم الناس بالقرآن.
6- تسمية هذه المواقف بـ"الجمرات" لا ما يفوه به جهال العامة من تسميتها بـ"الشيطان الكبير" أو" الشيطان الصغير".
فهذا حرام، لأن هذه مشاعر مقدسة محترمة، تعبدنا الله تعالى برميها، والذكر عندها.
وأعظم من ذلك ما يسبونها به من ألفاظ قبيحة منكرة، وما يأتون عندها مما ينافي الخشوع والخضوع والوقار، من رميها بأحجار كبيرة، أو رصاص، أو نعال.
كل هذا حرام مناف للشرع، لما فيه من الغلو والجفاء، ومخالفة الشارع.
_________
(1) العقبة التي تنسب إليها الجمرة، أزيلت في عام 1377 هـ لقصد توسعة شوارع "منى" وأظنه بعد استشارة بعض قضاة مكة- اهـ. شارح.
(1/430)

باب فضل الحلق وجواز التقصير
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال:
"اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قالوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول الله؟ قال: "الَّلهُمَّ ارْحَم
الْمحَلِّقِينَ. قالوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الَّلهُمَّ ارْحَمِ المُحلِّقِينَ، قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ
يَا رَسُولَ الله قال: "وَالمُقَصِّرِينَ".
المعنى الإجمالي:
الحلق والتقصير من مناسك الحج والعمرة الجليلة.
والحلق أفضل من التقصير لأنه أبلغ في التعبد، والتذلل لله تعالى، باستئصال شعر الرأس في طاعة الله تعالى.
ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين بالرحمة ثلاثاً (1) .
والحاضرون يذكرونه بالمقصرين فيعرض عنهم، وفي الثالثة أو الرابعة أدخل المقصرين معهم في الدعاء، مما يدل على أن الحلق في حق الرجال هو الأفضل.
هذا ما لم يكن في عمرة التمتع، ويضيق الوقت بحيث لا ينبت الشعر لحلق الحج، فليقصر، فهو في حقه أفضل.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية الحلق أو التقصير. والصحيح أنَّ أحدهما واجب للحج والعمرة.
2- فضل الحلق على التقصير في حق الرجال، وهو مجمع عليه.
وهذا ما لم يكن في عمرة متمتعاً بها إلى الحج، ويضيق الوقت، بحيث لا ينبت قبل حلق الحج، فحينئذ يكون التقصير أولى.
3- المراد بالحلق استئصال شعر الرأس بأي شي، والتقصير الأخذ من أطرافه، بقدر أنملة.
4- المشروع، هو الاكتفاء بالحلق أو التقصير، لا الإتيان بهما جميعاً.
5- استدل بتفضيل الحلق على التقصير، بأنهما نسكان من مناسك الحج، وليسا لاستباحة المحظور فقط. وإلا لما فضل أحدهما على الآخر.
وهذا هو الأصحّ من قولي العلماء، وهو ما ذهب إِليه الجمهور، وهو مذهب الأئمة الأربعة
_________
(1) روى البخاري ومسلم بإحدى طرق هذا الحديث: "إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاَ، وفي الرابعة قال: "والمقصرين" اهـ ـ شارح.
(1/431)

6- الذي يفهم من الحلق في هذا الحديث، هو أخذ جميع شعر الرأس.
وهو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وهو مذهب الإمامين، مالك، وأحمد.

باب طواف الإفاضة والوداع
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَأفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فأراد النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنَّهَا حَائِضٌ، فقالَ: " أحَابِسَتُنَا هِي؟ " فقالوا: يَا رَسُولَ الله، إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ يَوْمَ النَحْرِ. قال "اخْرُجُوا".
وفي لفظ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "عَقْرَى حَلْقَى، أَطافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قيل: نَعَمْ. قال "فَانْفِرِي".
الغريب:
أفضنا يوم النحر: فاض الماء، سال. وسمي طواف الزيارة بطواف الإفاضة لزحف الناس ودفعهم بكثرة في بطاح مكة، إلى البيت الحرام.
أحابستنا: الاستفهام للإنكار والإشفاق مما يتوقع.
عقري حلقي: بفتح الأول منهما وسكون الثاني، والقصر بغير تنونين. هكذا يرويه الأكثرون بوزن غضبى لأنه جاء على المؤنث. والمعروف في اللغة التنوين مثل سقياً ورعياً هكذا قال سيبويه وأبو عبيد. ومعناه الدعاء علها بالعقر وهو مثل الجرح في جسدها. والدعاء عليها بوجع الحلق أيضاً. وخرج الزمخشري معناه على أنهما صفتان للمرأة المشؤومة أي أنها تعقر قومها وتستأصلهم ويحتمل أن يكونا مصدرين مثل الشكوى. ولم يقصد منهما حقيقة الدعاء وإنما هما لفظان يجريان على لسان العرب، كـ"تربت يداك" و" ثكلتك أمك".
فانفري: بكسر الفاء وضمها، والكسر أفصح، وبه جاء القرآن "انْفِرُوا خفافاً وَثِقَالاً" ومعناه: اخرجي.
(1/432)

المعنى الإجمالي:
ذكرت عائشة رضي الله عنها: أنهم حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
فلما قضوا مناسكهم أفاضوا ليطوفوا بالبيت العتيق، ومعهم زوجه صفية رضي الله عنها.
فلما كان ليلة النفر، حاضت "صفية" فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يريد منها ما يريد الرجل من أهله، فأخبرته عائشة أنها حاضت.
فظن صلى الله عليه وسلم أنه أدركها الحيض فلم تطف طواف الإفاضة.
لأن هذا الطواف ركن لا يتم الحج بدونه، قال صلى الله عليه وسلم:
أحابستنا هي هنا حتى تنتهي حيضتهاْ وتطوف لحجها؟.
فأخبروه أنها قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضها.
فقال: فلتنفر، إذ لم يبق عليها إلا طواف الوداع، وهي معذورة في تركه.
ما يؤخذ من الحديث:
1- أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يسقط بحال.
2- أن على أمير الحج ورئيس الرفقة ونحوهما انتظار من حاضت حتى ينتهي حيضها، وتطوف طواف الحج.
3- أن طواف الوداع غير واجب على الحائض، وأنها تخرج، وليس عليها فداء، لتركها الطواف.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رَضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: أُمِر النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خففَ عَنِ الْمَرأةِ الْحَائِض.
المعنى الإجمالي:
لهذا البيت الشريف تعظيم وتكريم، فهو رمز لعبادة الله والخضوع والخشوع بين يديه فكان له في الصدور مهابة، وفِى القلوب إجلال وتعلق، ومودة.
ولذا شرع للقادم عليه أن يحييه بالطواف به قبل كل عبادة، لأن الطواف ميزته، ولدى السفر أن يكون آخر عهده به ليتفرغ لتلك الساعة الرهيبة، التي تتقطع فيها القلوب، وتذرف فيها الدموعٍ، عند مفارقة هذا البيت الذي تهفو إليه الأفئدة وتحن للقرب منه القلوب شوقاً إلى رحابه المقدسة، ومشاعره المعظمة، حيث تنزلت وحلَّت البركات، وهبطت الرحمات، وشعَّت الأنوار.
وهذا الطواف الأخير، وتلك الوقفة الحزينة بين الركن والباب في حق كل راحل من مقام هذا البيت، سواء كان حاجَّا أو غيره. إلا المرأة الحائض، فلكونها تلوث المسجد بدخولها سقط عنها الطواف بلا فداء.
(1/433)

ما يؤخذ من الحديث:
1- وجوب طواف الوداع في حق كل مسافر من مكة، سواء كان حاجَّاً أم غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وطواف الوداع ليس من تمام الحج، ولكن كل من خرج مِن مكة عليه أن يودع، ولهذا من أقام بمكة لا يودع على الصحيح، فوجوبه ليكون آخر عهد الخارج بالبيت.
2- أن الحائض ليس عليها طواف للوداع، ولا دم بتركه.
3- أن طواف الوداع يكون آخر شئون المسافر، لأن هذا معنى الوداع، ومثل شراء بعض الأشياء في طريقه إلى السفر، أو انتظار الرفقة، أو نحو ذلك من التأخر اليسير، لا يضر.
اختلاف العلماء:
ذهب مالك إلى استحباب طواف الوداع دون وجوبه على كل أحد لسقوطه عن الحائض. ولو كان واجباً لما سقط بحال.
وذهب الجمهور- ومنهم الأئمة الثلاثة - إلى وجوبه على غير الحائض. لظاهر الأمر به. قال ابن المنذر: قال عامة فقهاء الأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع.
(1/434)

باب وجوب المبيت بمنى (1)
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا قال: اسْتأذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم أنْ يَبِيْتَ بِمكَةَ لَيَالِي "مِنَىً" مِنْ أَجْلِ سِقَايَتهِ، فًأذِنَ لَهُ.
الغريب:
سقايته: المراد بها سقاية الحجيج؛ فخدمة الحجاج، والبيت مقسمة بين قريش.
فكان لعبد مناف، السقاية.
فكانوا قبل حفر زمزم يأتون بالماء بالقرب ونحوها، فلما حفرها عبد المطلب،
أخذ يسقي الحاج منها، فوصلت بالوراثة إلى ابنه العباس، فأقَّره النبي صلى الله عليه وسلم عليها.
المعنى الإجمالي:
المبيت بـ"منى" ليالي التشريق، أحد واجبات الحج التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن الإقامة بـ"منى" تلك الليالي والأيام، من المرابطة على طاعة الله تعالى، في تلك الفجاج المباركة.
ولما كانت سقاية الحجيج من القُرَبِ المفضلة، لأنها خدمة لحجاج ببيته وأضيافه؟ رخص لعمه العباس ـ لكونه قائماً عليها – بترك المبيت بـ"منى" ليقوم بِسَقْي الحجاج، مما دلَّ على أن غيره، ممن لا يعمل مثل عمله، ليس له هذه الرخصة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- وجوب المبيت بـ"منى" ليالي أيام التشريق.
2- المراد بالمبيت، الإقامة بـ"منى" أكثر الليل.
3- الرخصة في ترك المبيت لسقاة الحاج، وألحقوا بهم الرعاة.
وبعضهم ألحق أيضاً أصحاب الحاجات الضرورية، كمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض ليس عنده من يمرضه.
4- ما كان عليه أهل مكة في جاهليتهم من إكرام الحجاج والقيام بخدمتهم
وتسهيل
_________
(1) لم يراع المصنف - رحمه الله تعالى - في ترتب هذه الأحاديث طريق الفقهاء، ولا أعمال المناسك. فجعل - بعد الوداع - المبيت بـ"منى" وجمع الصلاة في مزدلفة. وجزاء الصيد.
ولم يتبين لي وجه المناسبة من هذا الترتيب- اهـ- شارح.
(1/435)

أمورهم. ويعتبرون هذا من المفاخر الجليلة فجاء الإسلام فزاد من
إكرامهم فعسى أن نحتذي هذه الآداب ونقدم لضيوف الرحمن ما يكون في الدنيا
ذكراً حسناً، وللآخرة ذخراً طيباً.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل المبيت واجب، أو مستحب؟.
فذهب الجمهور – ومنهم الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد - إلى الوجوب.
ووجهه أن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم العباس بترك المبيت للسقاية، دليل على عدم الرخصة لغيره، ممن لا يعمل مثل عمله.
والدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم بات فيها وقال: " خذوا عني مناسككم".
وذهب أبو حنيفة، والحسن: إلى أنه مستحب.
واختلفوا في وجوب الدم في تركه وهو مبنيٌّ على الخلاف السابق.
فمن أوجبه، أوجب الدم بتركه، ومن استحبه، لم يوجبه.

باب جمع المغرب والعشاء في مزدلفة
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا: قال: جَمَع النبي صلى الله عليه وسلم بَيْنَ
الْمَغرِب وَالْعِشَاءِ، بـ"جَمْعٍ" لِكُلٌ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا إقَامَة، وَلَمْ يُسَبِّحْ بينهُمَا وَلا عَلَى
أثر وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (1) .
الغريب:
"جمع" بفتح الجيم، وسكون الميم. هي "مزدلفة" سميت جمعاً لاجتماع الناس فيها ليلة يوم النحر.
و"الازدلاف" التقرب، فسميت "مزدلفة" أيضاً، لأن الحاج يتزلفون فيها من "عرفة" إلى "منى" وتسمى "المشعر الحرام" لأنها في داخل حدود الحرم لتقابل تسمية عرفة بالمشعر الحلال، لأنها خارج الحرم.
لم يسبح بينهما: يراد بالتسبيح – هنا - صلاة النافلة، كما جاء في بعض الأحاديث
_________
(1) هدا لفظ البخاري بزيادة وإسقاط، فأما الزيادة فهي لفظ "كل" بعد قوله "أثر".
وأما الإسقاط، فهو من قوله "لكل" واحدة منها ـ ومسلم ذكره ألفاظ.
(1/436)

تسمية صلاة الضحى بـ" سبحة الضحى" لاشتمال الصلاة على التسبيح من تسمية الكل باسم البعض.
المعنى الإجمالي:
لما غربت الشمس منٍ يوم عرفة، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف يشاهد فيها انصرف منها إلى "مزدلفة"، ولم يُصَلِّ المغرب.
فلما وصل إلى "مزدلفة" إذا بوقت العشاء قد دخل، فصلَّى بها المغرب والعشاء، جمع تأخير، بإقامة لكل صلاة، ولم يُصَلِّ نافلة بينهما، تحقيقاً لمعنى الجمع ولا بعدهما، ليأخذ حظه من الراحة، استعداداً لأذكار تلك الليلة، ومناسك غدٍ، من الوقوف عند المشعر الحرام، والدفع إلى "منى" وأعمال ذلك اليوم.
فإن أداء تلك المناسك في وقتها، أفضل من نوافل العبادات التي ستدرك في غير هذا الوقت.
ما يؤخذ من الحديث:
1- مشروعية جمع التأخير بين المغرب والعشاء في "مزدلفة" في ليلتها.
2- الحكمة في هذا - والله أعلم - التخفيف والتيسير على الحاج، فهم في مشقة من التنقل، والقيام بمناسكهم.
3- فيؤخذ منه يسر الشريعة وسهولتها، رحمةً من الشارع، الذي علم قدرة الناس وطاقتهم وما يلائمها.
4- أن يقام لكل صلاة من المغرب والعشاء، إقامة واحدة.
5- لم يذكر في هذا الحديث، الأذان لهما، وقد صح من حديث جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم "جمع بينهما بأذان وإقامتين" ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
6- أنه لا يشرع التنفل بين المجموعتين ولا بعدهما، فهو من باب التيسير والتخفيف، والاستعداد للمناسك بنشاط، لأن هذه المناسك، ليس لها وقت تشرع فيه إلا هذا، فينبغي التفرغ لها، والاعتناء بها قبل فواتها.
7- قال شيخ الإسلام: والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر في أول الوقت ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جداً قبل طلوع الشمس، فإن كان في الضعفة كالنساء والصبيان فإنه يتعجل في مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر.
(1/437)

اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في سبب الجمع بين المغرب والعشاء في "مزدلفة".
فبعضهم يرى أنه لعذر السفر، وهم الشافعية والحنابلة.
وعلى هذا، فلا يباح لمن لا يباح له الجمع، كأهل مكة.
والحنفية والمالكية، يرون أنه لعذر النسك. وهؤلاء يستحبونه لكل أحدٍ سواء كان مسافراً لنسكه أم لا.
والأولى، اتباع السنة، وهو الجمع لكل حاج، سواء أكان لهذا أم لغيره.
على أنه تقدم لنا أن الصحيح أن السفر لا يقدر بمدة ولا مسافة، وإنما هو كل سفر حُمِلَ له الزاد والمزاد فهو سفر.
ولا شك أن الحاج – سواء أكان آفاقيَّاً، أم مكياً - متحمل في حجه ما يتحمله المسافر من المتاعب والمشاق.
واختلفوا في الأذان والإقامة لهاتين الصلاتين.
فذهب بعضهم- ومنهم سفيان - إلى أنهما تصليان جميعاً، بإقامة واحدة.
وذهب بعضهم - ومنهم مالك - إلى أنهما تصليان بأذانين وإقامتين.
وذهب بعضهم- ومنهم إسحاق- إلى أنهما تصليان بإقامتين فقط.
والصحيح ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما، من أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين.
وحجتهم في ذلك ما ذكره جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديثه الطويل، الذي وصف به حجة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها لأنه حرص على معرفة أحواله، وتتبع أقواله وأفعاله، فحفظ من هذه الحجة ما لم يحفظ غيره.
أما سبب اختلاف العلماء في الأذان والإقامة، فهو تعدد الروايات.
فقد صح عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة".
وروي عن ابن عمر ثلاث روايات، إحداهن: - أنه جمع بينهما فقط، وهي حديث الباب الذي معنا.
والثانية: - أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما.
والثالثة: - أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة.
وكلها روايات صحيحة الإسناد، وبعضها في الصحيحين، وبعضها في السنن.
بما أن القضية واحدة فلا يمكن حمل كل رواية على حال، ولا يمكن النسخ ولا الجمع بين الروايات.
فالأحسن الأخذ بما تقدم من رواية جابر الذي نقل حجته صلى الله عليه وسلم بلا اضطراب.
وتُعَدُّ باقي الروايات مضطربة المتون، فتطرح. وهذا رأي "ابن القيم" رحمه الله تعالى.
(1/438)

باب المحرم يأكل من صيد الحلال
الحديث الأول
عَنْ أبي قَتَادَةَ الأنْصَارِي رَضي الله عَنْهُ: أنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ
حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - وَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْر
حَتَّى نَلْتَقِي. فَأخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انصَرَفُوا أحْرَمُوا كُلُّهُم إلاَّ أبَا قَتَادَةَ لمْ يُحْرِمْ.
فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ رَأوْاِ حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أبو قتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أتَاناً،
فنَزَلْنَا وَأكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أنَأكُلُ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُون؟!.
فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا، فَأدْرَكَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَألنَاهُ عَنْ ذلِكَ.
فَقَالَ: "مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أوْ أشَاَرَ إلَيْهَا؟ ".
قَالُوا: لا. قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فكُلوا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا".
وفي رواية " هَلْ مَعَكُم منْهُ شَيءٌ؟ " فقلتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلتُهُ الْعَضُدَ، فَأكَلَ مِنْهَا، أو
"فَأكَلَهَا".
الغريب:
خرج حاجاً: من المعتمد أن ذلك في "عمرة الحديبية" فأطلق على العمرة الجج، وهو جائز.
فإن الحج – لغة القصد، والمعتمر قاصد البيت.
حُمر وحش: نوع من الصيد على صفة الحمار الأهلي، ومفردها حمار.
ونسبت إلى الوحش، لتوحشها، وعدم استئناسها.
أتاناً: هي الأنثى من الحمر.
المعنى الإجمالي:
خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، يريد العمرة.
وقبل أن يصل إلى محرم المدينة، القريب منها، وهو "ذو الحليفة" بلغه أنَّ عَدُوُّاً أتى من قِبَل ساحل البحر يريده، فأمر طائفة من أصحابه - فيهم أبو قتادة - أن يأخذوا ذات اليمين، على طريق الساحل، ليصدوه، فساروا نحوه.
فلما انصرفوا لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم في ميعاده، أحرموا إلا أبا قتادة فلم يحرم (1) .
_________
(1) اختلف في السبب الذي من أجله لم يحرم" أبو قتادة". مثل أصحابه.
والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه ليكون ردءاً له دون عدوه وعيناً يستطلع له أخبار الأعداء، كان يظن أنه لا يتمكن من دخول مكة، فلم يحرم.
وفي أثناء تجواله وحله يستطلع أخبار العدو أحرم أصحابه - ا. هـ شارح.
(1/439)

وفي أثناء سيرهم، أبصروا حمر وحش، وتمنوا بأنفسهم لو أبصرها أبو قتادة لأنه حلال.
فلما رآها حمل عليهاْ فعقر منها أتاناً، فأكلوا من لحمها.
ثم وقع عندهم شك في جواز أكلهم منها وهم محرمون، فحملوا ما بقي من لحمها حتى لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فسألوه عن ذلك فاستفسر منهم: هل أمره أحد منهم، أو أعانه بدلالة، أو إشارة؟ قالوا: لم يحصل شيء من ذلك.
فَطَمْأَن قلوبهم بأنها حلال، إذ أمرهم بأكل ما بقي منها، وأكل هو صلى الله عليه وسلم منها.
الحديث الثاني
عَن الصَّعْبِ بْنٍ جَثامَةَ الَّلَيْثِيِّ رَضيَ الله عَنْهُ أنَّهُ أَهْدَى إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
حِمَاراً وَحْشِيَّاً وَهُوَ بِالأبْوَاءِ - أوْبـ "ودَّان " – فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأى مَا في وَجْهِهِ قَالَ:
"إنَا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أَنَّا حُرُم".
(1/440)

وفي لفظ لـ"مسلم": رِجلَ حِمَار. وفي لفظ "شِقَ حِمَار" وفي لفظ: "عَجُزَ حِمَارٍ".
قال المصنف: وجه هذا الحديث: أنه ظنّ أنه صِيدَ لأجله، والمحرم لا يأكل ما صِيدَ لأجله.
الغريب:
الصعب: بفتح الصاد المهملة، وسكون العين المهملة.
جثامة: بفتح الجيم والميم، وتشديد الثاء المثلثة.
الأبواء، ودان: تقدم ضبط الأبواء، وأنه المكان المعروف بـ"مستورة (1) ".
وأما "ودان" فموضع قريب منه، وهو بفتح الواو، وتثقيل الدال المهملة، بعدها ألف ونون.
لم نرده: استعمل بفتح الدال، ويجوز ضمها.
إنا حرم: بكسر الهمزة وفتحها.
فالكسر، على أنها ابتدائية لاستئناف الكلام.
والفتح، على حذف لام التعليل.
والأصل: "إنا لم نرده عليك إلا لأننا حرم".
"وحرم" بضم الحاء، والراء المهملتين، أي محرمون.
المعنى الإجمالي:
لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وبلغ إما الأبواء أو ودان، وأحدهما قريب من الثاني، أهدى إليه "الصعب بن جثامة" حماراً وحشياً.
وكان من عادته الكريمة، وتواضعه المعروف، قبول الهدية، مهما قلَّتْ، ومن أيِّ أحد.
وقد رده عليه لأنه ظن أنه صاده لأجله، وهو أولى من تورَّع عن المشتبه، وما صاده الحلال للمحرم، فإنه لا يحل له.
وأخبره بسبب ردِّه عليه، وهو أنهم محرمون، والمحرمون لا يأكلون مما صيد لهم، لئلا يقع في نفسه شيء من ردِّ هديته.
ما يؤخذ من الحديث:
1- قبوله صلى الله عليه وسلم الهدية، جبراً لقلوب أصحابها.
2- رد الهدية إذا وُجد مانع من قبولها، وإخبار المُهْدِي بسبب الرد لتطمئن نفسه، وتزول وساوسه.
3- تحريم صيد الحلال على المحرم، إذا كان قد صيد من أجله.
_________
(1) تقدم التحقيق عن أهل تلك الجهة أن الأبواء يقع عن مستورة شرقاً بنحو ثلاثة كيلوات ـ ا. هـ الشارح
(1/441)

اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في أكل الصيد المصيد للمحرم.
فمذهب أبي حنيفة، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، جواز أكل المحرم
لما صاده الحلال من الصيد، سواء أصاده لأجله أم لا.
وهو مرويٌّ عن جملة من الصحابة، منم عمر بن الخطاب، والزير، وأبو هريرة.
وحجة هؤلاء، حديث أبي قتادة المذكور في هذا الباب.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منه، وأقر رفقة أبي قتادة على أكلهم قبل أن يأتوا إليه، وأمرهم بالأكل منه أيضاً.
وذهب طائفة إلى تحريم لحم الصيد على المحرم مطلقاً، سواء صيد لأجله أم لم يصد لأجله..
ومن هؤلاء، على بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، ومَرْوِيٌّ عن طاوس، وسفيان الثوري.
وحجة هؤلاء عموم قوله تعالى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَادُمْتُمْ حُرُمَاً} .
وحديث "الصعب بن جثامة" الذي معنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رده وعلَّل الرد بمجرد الإحرام.
وذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد،. وإسحاق وأبو ثور- إلى التوسط بين القولين.
فما صاده الحلال لأجل المحرم، حرم على المحرم، وما لم يصده لأجله، حل له. وقد صح هذا التفصيل، عن عثمان بن عفان.
وأراد بهذا التفصيل، الجمع بين حديث أبي قتادة، وحديث الصعب بن جثامة، لأن كليهما صحيح، لا يمكن رده.
ومما يؤيد هذا الرأي، ما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم، مالم تصيدوه أو يُصَدْ لكم".
وبهذا تجتمع الأدلة، وإعمالها أحسن من إهمال بعضها مع صحتها.
وهو جمع مستقيم، ليس فيه تكلُّف أو تعسُّف.
(1/442)

قد يستبعد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحشي لأجله وحده، دون رفقته، وهو إشكال في موضعه.
والذي يزيل هذا الإشكال هو أن نفهم أن الصيد عند العرب هواية محببة لديهم، وظرف يتعشقه ملوكهم وكبارهم.
فلا يبعد أن أبا قتادة، لما رأى حمر الوحش، شاقه طرادها قبل أن يفكر في أنه سيصيدها ليأكل لحمها هو وأصحابه.
أدب الزيارة
المسافر إلى المدينة المنورة لقصد العبادة يشرع له أن يقصد بسفره إليها زيارة المسجد النبوي الشريف، وعبادة الله تعالى فيه لأنه المسجد الثاني في الفضل ومضاعفة العبادة، والدليل على ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" رواه الإمام أحمد وصححه ابن حبان.
هذا هو القصد المسنون شرعاً، وليس زيارة قبره الشريف، لأنه نص في الحديث الذي رواه البخاري على أن الزيارة للمسجد، وذلك في قوله: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام. ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" وقد روى مسلم هذا الحديث أيضاً. وليس النهي عن شد الرحل إلى قبره الشريف استخفافاً بحقه صلى الله عليه وسلم، فإن محبته مقدمة على محبة كل شئ بعد الله.
ولكنه امتثال لأمره، وقد قال الله تعالى في حقه: {ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا} .
فإذا وصل الزائر إلى المسجد النبوي الشريف استحب له عند الدخول أن يقدم رجله اليمنى، ويقول: " بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يصلي ركعتين، والأفضل أن يكونا في الروضة الشريفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ويزور بعد الصلاة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فيقف تجاه القبر مما يلي وجهة الكريم بأدب وخفض صوت ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". وذلك لما جاء في سنن أبي داو د عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من
(1/443)

أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" ولا بأس أن يزيد في السلام بقوله: "السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك خير الجزاء " ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
ثم يمضي الزائر إلى يمينه، قليلاً فيسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ثم إلى يمينه أيضاً، فيسلم على عمر بن الخطاب رضى الله عنه. ثم يتوجه إلى القبلة ويدعو الله بما أحب، ولكن الأفضل أن يدعو بالأدعية الشرعية المأثورة، وأن يقدم من الدعاء ما فيه نصر دين الله وإعلاء كلمته، ويدعو لنفسه ولوالديه، ولمشايخه وأقاربه والمسلمين عامة. ويدعوا الله أن يشفع به محمداً صلى الله عليه وسلم وبوالديه وذريته وأقاربه ومن له حق عليه من المسلمين.
وإذا أراد العودة من المدينة المنورة فعل وقال مثلما تقدم. وتستحب زيارة البقيع والدعاء فيه للموتى بالدعاء المأثور، وهو خاص بالرجال. وكذلك تستحب زيارة مسجد قباء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره، ويحسن الذهاب إلى أحد لمشاهدة مكان المعركة والدعاء للشهداء والترضي عنهم، ومنهم حمزة بن عبد المطب رضي الله عنه.
أشياء يجب على الزائر اجتنابها
بما أن الزائر قد جاء إلى المدينة المنورة لغاية دينية ـ وهي العبادة – فعليه أن يلتزم باتباع ما شرعه الله ورسوله، وذلك باجتناب ما نهيا عنه. ومن ذلك: -
1- الابتعاد عن التفوه بمطالب توجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والله وحده هو القادر عليها، كتفريج الكربات وإبراء المرضى وزيادة الرزق وغير ذلك. أما الشفاعة فتكون بدعاء الله أن يشفع به نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم. فإن طلب مالا يقدر عليه إلا الله من غيره لشرك وضلال.
2- الاتجاه وقت الدعاء إلى القبلة لا إلى القبر الشريف، فإن ذلك أقرب للإجابة.
(1/444)

3- عدم الطواف والتمسح بالقبر الشريف، فقد أجمع العلماء الأئمة وسلف الأمة على أن الطواف بغير الكعبة لا يجوز بحال. وأنه لا يتمسح إلا بالركن اليماني والحجر الأسود من الكعبة المشرفة.
4-عدم الإكثار من التردد على القبر الشريف للسلام والزيارةَ، فإن الإكثار غير مشروع، لأنه لم يكن من عادة الصحابة رضي الله عنهم ولا من مذهب السلف الصالح. ويكفي المسلم أن يصلي ويسلم على الرسول في أي مكان كان، لأن الصلاة والسلام يبلغانه ولو كان فاعل ذلك في أقصى المعمورة.
5- ألا يقف الزائر عند القبر أو بعيدا عنه وقد اتخذ هيئة الوقوف في الصلاة جاعلاً يديه على صدره، مسبلاً عينيه، ومرخياً حاجبيه، والرسول عليه الصلاة والسلام أهل للاحترام ولكن بغير هذه الوقفة التي هي من خصائص الوقوف بين يدي الله تعالى.
6- يكره عنده رفع الصوت بالسلام والترحم والدعاء، فقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} .
(1/445)

كِتَابُ البيوع
البيوع: جمع للبيع. والبيع مصدر، والمصادر لا تجمع. لكن جمع لملاحظة اختلاف أنواعه.
وتعريفه: لغة- أخذ شيء وإعطاء شيء، فقد أخذوه من البائع الذي يُمَدُّ، إما لقصد الصفقة، أو للتقابض على المعقود عليها من الثمن والمثمن.
ولفظ " البيع"، يطلق على الشراء أيضاً، فهو من الأضداد وكذلك (الشراء) فهو من الأضداد.
لكن إذا أطلق البائع، فالمتبادر إلى الذهن أنه باذل السلعة.
أما تعريفه شرعا: فهو: مبادلة مال بمال، لقصد التملك، بما يدل عليه من صِيَغ القول والفعل.
وجوازه ثابت بأصول الأدلة الأربعة:
1- الكتاب {وأحَلَّ الله البَيْعَ} .
2- والسنة " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " ونصوص الكتاب والسنة فيه كثيرة.
3- وأجمع المسلمون على جوازه
4- ويقتضيه القياس، لأن الحاجة داعية إليه، فلا يحصل الإنسان على ما يحتاجه إذا كان بيده غيره، إلا بطريقه.
أما الصيغة التي ينعقد بها فالصواب في ذلك ما قاله شيخ الإسلام " ابن تيمية " من أنه ينعقد بكل قول أو فعل، عده الناس بيعا، سواء أكان متعاقباً أم متراخياً لأن الله تعالى لم يُرد أن يتعبدنا بألفاظ معينة، وإنما القصد الدلالة على معناه، وبأي لفظ دل عليه، حصل المقصود.
والناس يختلفون في مخاطبتهم واصطلاحاتهم، تبعا لاختلاف الزمان والمكان.
فكل زمان ومكان، له لغته واصطلاحاته، والمراد من ذلك المعنى.
وينفعنا في هذه (الأبواب منٍ المعاملات) أن نفهم قاعدة جليلة، تحد لنا المعاملات المباحة، وأن نفهم أيضا ضوابط تحيط بجميع المعاملات المحرمة، وترد إليها جميع جزئياتها، وهذه القاعدة
(1/448)

هي:
أن الأصل في المعاملات، وأنواع التجارات والمكاسب، الحل والإباحة. فلا يمنع منها إلا ما حرمه الله ورسوله.
فهذا أصل عظيم، يستند إليه في المعاملات والعادات.
فمن حرم شيئاً من ذلك، فهو مطالب بالدليل، لأنه على خلاف الأصل. وبهذا يعلم سماحة الشريعة وسعتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتطورها حسب مقتضيات البشر، ومصالح الناس.
وهي قاعدة مطردة، مبناها العدل والقسط، ومراعاة مصالح الطرفين.
ولا تخرج المعاملة عن هذا الأصل العظيم، من الإباحة إلى التحريم، إلا لما يقترن بها من محذور، يرجع إلى ظلم أحد الطرفين، كالربا، والغرر، والجهالة، والخداع، والتغرير.
فهذه معاملات- عند تأملها- نجدها تعود إلى ظلم أحد العاقدين.
والمعاملات المحرمة ترجع إلى هذه الضوابط وما حرمت إلا لمفاسدها وظلمها.
فإن الشارع الحكيم الرحيم، جاء بكل ما فيه صلاح، وحذر عن كل ما فيه فساد.
الحاصل: أن المعاملات المحرمة ترجع إلى ضوابط، أعظمها الثلاثة الآتية: -
الأول: الربا بأنواعه الثلاثة، ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض.
الثاني: الجهالة والغرر، ويدخل فيها جزئيات كثيرة، وصوره متعددة.
الثالث: الخداع والتغرير، ويشمل أنواعاً متعددة.
هذا مجملها وسيأتي- إن شاء الله تعالى- تفصيلها في الأحاديث الآتية.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضىَ عنهما عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ:
" إذَا تَبَايَعَ الرجُلانِ فَكُلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفرقَا وَكَانا جَمِيعاً، أو يُخَيَر أحَدُهُمَا الآخر قال: فَإِن خَيّرَ أحَدُهُمَا الآخر فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ وَجَبَ البيع ".
الحديث الثاني
وفي معناه من حديث حَكِيم بن حزام قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
" البيعَانِ بِالخِيَارِ مَا لمْ يَتَفَرَّقَا- أو قال: حَتًى يَتَفرَقَا- فَإنْ صدَقا وبَينا، بُورِكَ لَهُمَا في بَيعِهِمَا- وَإن كَتَمَا وَكَذبَا مُحِقتْ بَرَكة بَيْعِهمَا".
(1/449)

الغريب:
بالخيار: بكسر الخاء، اسم مصدر " اختار " من الاختيار أي طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الرد.
البيعان: بتشديد الياء، يعنى البائع والمشتري أطلق عليهما من باب التغليب. وقد تقدم أن كل واحد من اللفظين يطلق على معنى الآخر.
محقت: مبنى للمجهول، معناه: ذهبت وزالت زيادة كسبهما وربحهما أو يخير أحدهما الآخر: أي يقول له: اختر إمضاء البيع.
المعنى الإجمالي:
لما كان البيع قد يقع بلا تفكر ولا ترو، فيحصل للبائع أو المشترى ندم على فوات بعض مقاصده، جعل له الشارع الحكيم أمداً يتمكن فيه، من فسخ العقد. وهذا الأمد هي مدة مجلس العقد.
فما دام العاقدان في مجلس العقد، فلكل منهما الخيار في إمضاء العقد أوفسخه
فإذا افترقا بأبدانهما، افتراقا يتعارف الناس عليه، أو عقد البيع على أن لا خيار بينهما، فقد تم العقد، ولا يجوز لواحد منهما الفسخ، إلا بطريق الإقالة.
ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من أسباب البركة والنماء، وشيئاً من أسباب الخسارة والهلاك.
فأسباب البركة والربح والنماء، هي الصدق في المعاملة، وتبين ما في المعقود عليه من عيب أو نقص أو غير ذلك.
وأما اً سباب المحق والخسارة، فهي كَتم العيوب، والكذب في المعاملة، والتدليس.
وهى أسباب حقيقية لبركة الدنيا بالزيادة والشهرة بحسن المعاملة، وفي الآخرة بالأجر والثواب، وحقيقة لمحق كسب الحياة، من سيئ المعاملة والابتعاد عنه، حتى يفقد ثقة الناس وإقبالهم، وخسارة في الآخرة، لغشه الناس. و " من غشنا، فليس منا "
ما يؤخذ من الحديث:
1- إثبات خيار المجلس لكل من البائع والمشترى، من إمضاء البيع أو فسخه.
2- أن مدته من حين العقد إلى أن يتفرقا من مجلس العقد.
3- أن البيع يلزم بالتفرق بأبدانهما من مجلس العقد.
4- أن البائع والمشترى لو اتفقا على إسقاطه بعد العقد وقبل التفرق، أو تبايعا على أن لا خيار لهما، لزم العقد، لأن الحق لهما، وكيفما اتفقا جاز.
(1/450)

5- الفرق بين حق الله تعالى ومحض حق الآدمي.
فما كان لله، لا يكفى لجوازه رضا الآدمي، كعقود الربا.
وما كان للآدمي، جاز برضاه المعتبر، لأن الحق لا يعدوه.
6- لم يحد الشارع للتفرق حداً، فمرجعه إلى العرف. فما عده الناس مفرقا، لزم البيع به.
فالخروج من البيت الصغير، أو الصعود إلى أعلاه، والتنحي في الصحراء ونحو ذلك، يعد تفرقاً منها لمدة الخيار، وملزماً للعقد.
7- حرم العلماء التفرق، خشية الفسخ، لما روى أهل السنن من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال و" ولا يحل له أن يفارقه صاحبه، خشية أن يستقيله "، ولأنه تحايل لإسقاط حق الغير.
8- أن الصدق في المعاملة وبيان ما في السلعة سبب للبركة في الدنيا والآخرة. كما أن الغش والكذب والكتمان، سبب محق البركة وزوالها.
وهذا شيء محسوس في الدنيا، فإن الذين تنجح تَجارتهم، وتروج سلعهم هم أهل الصدق والمعاملة الحسنة.
ما خسرت تجارة وفلست، إلا بسبب الخيانة. وما عند الله لأولئك وهؤلاء أعظم.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس:
فذهب جمهور العلماء، من الصحابة والتابعين والأئمة إلى ثبوته. ومن هؤلاء، على بن أبي طالب، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو برزة، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن البصري، والشعبي، والزهري، والأوزاعى، والليث، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، والبخاري، وسائر المحققين المجتهدين.
ودليلهم هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، كحديثي الباب وغيرهما. قال ابن عبد البر وحديث عبد الله بن عمر أثبت ما نقل الآحاد.
وذهب أبو حنيفة، ومالك وأكثر أصحابهما إلى عدم ثبوت خيار المجلس.
واعتذروا عن العمل بهذه الأحاديث بأعذار ضعيفة، أجاب عنها الجمهور بما أوهاها.
ومن تلك الاعتذارات.
أولاً: أن الحديث على خلاف عمل أهل المدينة، وعملهم حجة.
وردّ بأن كثيراً من أهل المدينة، يرون الخيار، ومنهم الصحابة المتقدم ذكرهم، وسعيد بن
(1/451)

المسيب. قال ابن عبد البر ولا تصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة، لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب- وهما من أجل فقهاء المدينة- روى عنهما منصوصاً العمل به، وقد كان ابن أبى ذئب- وهو من فقهاء المدينة ... معاصر لمالك- ينكر عليه ترك العمل به، فكيف يصح لأحد أن يدعى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؟ هذا لا يصح القول به. أهـ. وعلى فرض أنهم مجمعون، فليس إجماعهم بحجة، لأن الحجة إجماع الأمة، التي ثبتت لها العصمة. قال ابن دقيق العيد: فالحق الذي لا شك فيه أن عمل أهل المدينة وإجماعهم لا يكون حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر لأن الدليل العاصم للأمة من الخطأ في الاجتهاد لا يتناول بعضهم ولا مستند للعصمة سواه. ا. هـ.
ثانياْ: أن المراد بـ " المتبايعان " في الحديث، المتساومان.
والمراد، بالخيار، قبول المشترى أو رده.
وردَ بأن تسمية السائم بائعا مجاز، والأصل الحقيقة.
وأيضاً لا يمكن تطبيق الحديث الذي ذكر فيه التفرق، على حال السائمين. قال ابن عبد البر: إذا حمل على المتساومين لا يكون حينئذ في الكلام فائدة إذ من المعلوم أن كل واحد من المتساومين بالخيار على صاحبه ما لم يقع إيجاب بالبيع والعقد والتراضي، فكيف يرد الخبر بما لا يفيد فائدة! وهذا ما لا يظنه ذو لب على رسول اللَه صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: أن المراد بالتفرق، تفرق الأقوال بين البائع والمشترى عند الإيجاب والقبول.
ورد بأنه خلاف الظاهر من الحديث، بل خلاف نص بعض الأحاديث وهو " أيمَا رَجل ابتاعَ مِنْ رَجل بيعة، فإنَ كل وَاحدٍ مِنْهُمَا بَالخِيَار، حتى يَتَفَرقا مِنْ مَكانِهِما ".
وأيضاً الإيجاب والقبول، لم يحصل بهما افتراق، وإنما حصل بهما إجماع والتئام.
وهذه نماذج من محاولتهم رد الحديث، سقت منها هذه الثلاثة ليعلم القاري أنهم لم يستندوا على شيء. وهم المالكيون والحنفيون.
كما قال ابن عبد البر.
وقد بالغ العلماء بالرد عليهم. حتى نقل عن بعضهم الخشونة على مالك، لرده الحديث الصحيح، وهو من رواته. وقد روى هذا الحديث من وجوه كثيرة عن جماعة من الصحابة، وإن خالف الحكم في هذين الحديثين بعض ظواهر النصوص من تمام البيع بالعقد بدون ذكر التفرق فإن الشرع قد يخرج بعض الجزئيات عن الكليات تعبدا أو لمصلحة تخصها.
(1/452)

بَابُ مَا نهى الله عنه من البيوع
الحديث الأول
عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضَي الله عَنْهُ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عَن الْمُنَابَذَةِ وَهِي طَرْحُ الرجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قبْلَ أنْ يُقَلبَهُ أو يَنْظُرَ إلَيهِ وَنَهى عَنِ الْمُلامَسَةِ وَالْمُلامَسَةِ: لمس الرَّجُلِ الثَّوْبَ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ".
المعنى الإجمالي:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغَرَر، لما يحصل فيه من مضرة لأحد المتعاقدين، بأن يغبن في بيعه أو شرائه.
وذلك كأن يكون المبيع مجهولا للبائع، أو للمشترى، أو لهما جميعاً.
ومنه بيع المنابذة، بحيث يطرح البائع الثوب مثلاً، على المشترى، " يعقدان البيع قبل النظر إليه أو تقليبه.
ومثله بيع الملامسة، كأن يجعلا العقد على لمس الثوب، مثلا، قبل النظر إليه أو تقليبه.
وهذان العقدان يفضيان إلى الجهل والغرر في المعقود عليه.
فأحد العاقدين تحت الخطر إما غانما أو غارماً، فيدخلان في (باب الميسر) المنهي عنه.
ما يستفاد من الحديث:
1- النهى عن بيع الملامسة: فسرت بتفاسير، الصحيح منها، ما ذكر في هذا الحديث وأشباهه من التفاسير التي تعود إلى جهالة المبيع والغرر فيه.
ومن ذلك تفسير الشافعي أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام فيقول صاحبه: بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لَمسُكَ مقام نظرك.
2- النهي عن بيع المنابذة وفسرت أيضاً بتفاسير، الصحيح منها ما ذكر في هذا الحديث وأشباهه، مما يعود إلى الجهالة في المبيع.
ومنه بيع الحصاة كأن يقول: اً ي ثوب وقعت عليه الحصاة، فعليك بكذا.
3- أما جعل اللمس أو النبذ بيعاً، أو يجعل البيع معلقاً باللمس أو النبذ مع معرفة المبيع في هذه الصور، فالصحيح أن البيع صحيح، لأنه لا يترتب عليه محذور شرعي، كالبيع بالمعاطاة.
4- اًن هذين البيعين غير صحيحين، لأن النهى يقتضي الفساد.
5- المراد بالنهى، المبيعات المختلفة: بصفاتها أو قيمتها.
(1/453)

أما ما كان متفقاً، متساوى القيم، فيصح، لأنه لا تحصل بشرائه على هذه الطرق، الجهالة المحذورة
6- استدل بذلك على عدم صحة شراء المجهول وعدم صحة شراء الأعمى فيما طريق العلم به النظر، لأن ذلك يفض إلى الغرر.
7- وأما البيع الغائب فإنه يصح بيعه إذا كان الوصف يحيط به وإذا وصف وصفاً تنتفي معه جهالته كوصف بيع السلم، فإذا لم يجده المشتري على الصفة المشروطة، فإن كان موصوفاً معينا بطل العقد. وإن كان موصوفا في الذمة فالعقد صحيح ويلزم البائع إحضار ما تتم به الصفات المشروطة في العقد.
8- قال النووي: اعلم أن الملامسة والمنابذة ونحوهما، مما نص عليه، هي داخلة في النهى عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، لكونها من بيعات الجاهلية المشهورة.
قال: والنهى عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة. وقال ابن عبد البر: الأصل في هذا الباب كله النهي عن القمار والمخاطرة، وذلك للميسر المنهي عنه.
9- بهذا تبين أن ما نهى عنه في هذا الحديث، مرجعه إلى الضابط الثاني المتقدم.
الحديث الثاني (1)
عَن أبي هُرَيرةَ رَضىَ الله عَنْهُ: أنً رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تَلَقًوُا الركْبَان، وَلا يَبع بَغضُكُم عَلى بَيْعِ بَعْض، وَلا تَنَاجَشُوا، ولا يبع حَاضرٌ لِبَاد، وَلا تُصَروا (2) الغَنَمَ، وَمَن ابتاعَهَا فهو بخْيَرِ النّظَرَيْن بَعْدَ أن يَحْلُبَهَا: إنْ رَضِيَهَا، أمسَكَهَا، وإنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وصاعا مِنْ تمر"
وفي لفظ " هُو بِالخِيَارِ ثَلاثاً".
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاس رَضي الله عَنْهُمَا قال: نَهى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأنْ يَبِيَع حَاضِر لِبَاد.
_________
(1) الحديث رقم [252] حسب ترتيب المؤلف هو رقم (256) قدمته إلى هنا لأنه كالقطعة من الحديث الذي معه - ا. هـ شارح.
(2) التصرية: ربط أحلاف الماشية مدة، ليجتمع فيها اللبن فيخدع بها الشاري.
(1/454)

قال: فقلت، لابن عباس ما قوله: " حَاضِر لِبَادٍ "؟ قال: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً.
الغريب:
لا تلقوا الركبان: جمع " راكب " ويراد تلقى القادمين إلى البلاد لبيع سلعهم، فيشتريها منهم قبل وصولهم إلى السوق.
وأطلق على الركبان، تغليبا. وإلا فهو شامل للمشاة.
ولا تناجشوا: النجش، بفتح النون وإسكان الجيم، وهو الزيادة في السلعة
ممن لا يريد شراءها، بل لنفع البائع بزيادة الثمن، أو مضرة المشترى بإغلائها عليه.
مأخوذ من " نجش الصيد " وهو استثارته لأن الزائد يثير الرغبة في السلعة، ويرفع ثمنها. قال ابن قتيبة: النجش: الختل والخديعة، ومنه قيل للصائد: ناجش، لأنه يختل الصيد.
ولا يبع حاضر لباد والحاضر: هو البلدي المقيم " والبادي " نسبة إلى البادية.
والمراد به القادم لبيع سلعته بسعر وقتها. سواء أكان بدويا أم حضرياً، فيقصده الحاضر ليبيع له سلعته بأغلى من سعرها لو كانت مع صاحبها. والسمسار هو البائع أو المشترى لغيره.
ولا تُصَروا الغنم: بضم التاء وفتح الصاد، بعدها راء مثقلة مضمومة، ثم واو الجماعة، والفعل مجزوم بلا الناهية، " والغنم " منصوب على المفعولية، من التصرية، وهى الجمع. قال ابن دقيق العيد: تقول: صرّيت الماء في الحوض وصريته- بالتخفيف- إذا جمعته (1) .
وتصرية البهائم، حبس اللبن في ضروعها حتى يجتمع. والمنهى عنه، إذا قصد به تغرير المشترى بكثرة لبنها.
المعنى الإجمالي:
في هذين الحديثين الجليلين، ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن خمسة أنواع من البيع المحرم، لما فيها من الأضرار العائدة على البائع أو المشتري أو غيرهما.
1 - فنهى عن تلقى القادمين لبيع سلعهم من طعام وحيوان، فيقصدهم قبل أن يصلوا إلى السوق، فيشترى منهم جَلَبَهمْ.
فلجهلهم بالسعر، ربما غبنهم في بيعهم، وحرمهم من باقي رزقهم الذي تعبوا فيه وَطَووْا لأجله المفازات، وتجشموا المخاطر، فصار طعمة باردة لمن لم يكد فيه.
2- كما نهى أن يبيع أحد على بيع أحد، ومثله في الشراء على شرائه.
وذلك بأن يقول في خيار المجلس أو الشرط: أعطيك أحسن من هذه السلعة أو بأرخص من هذا
_________
(1) ما يزال أهل نجد حتى الآن يقولون: " بئر صارية " للتي تجمع ماؤها لعدم الأخذ منه.
(1/455)

الثمن، إن كان مشتريا، أو أشتريها منك بأكثر من ثمنها، إن كان بائعا، ليفسخ البيع، ويعقد معه.
وكذا بعد الخيارين، نهى عن ذلك، لما يسببه هذا التحريش من التشاحن والعداوة والبغضاء؛ ولما فيه من قطع رزق صاحبه.
3- ثم نهى عن النجش، الذي هو الزيادة في السلعة لغير قصد الشراء، وإنما لنفع البائع بزيادة الثمن، أو ضرر المشترى بإغلاء السلعة عليه ونهى عنه، لما يترتب عليه من الكذب والتغرير بالمشترين، ورفع ثمن السلع عن طريق المكر والخداع.
4- وكذلك نهى أن يبيع الحاضر للبادي سلعته لأنه يكون محيطاً بسعرها؛ فلا يبقى منه شيئاً ينتفع به المشترون. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض". وإذا باعها صاحبا، حصل فيها شيء من السعة على المشترين. فالنهى عن بيع الحاضر للبادي، فيه التضييق على المقيمين.
5- ثم نهى عن بيع التغرير والتدليس، وهو ترك اللبن في ضروع بهيمة (1) الأنعام، ليجتمع عند بيعها فيظن المشترى أن هذا عادة لها فيشتريها زائداً في ثمنها مالا تستحقه، فيكون قد نهَى المشترى وظلمه.
فجعل الشارع له مدة يتدارك بها ظلامته، وهي الخيار ثلاثة أيام له أن يمسكها، وله أن يردها على البائع بعد أن يعلم (2) أنها مصراة.
فإن كان قد حلب اللبن ردها ورد معها صاع تمر بدلا منه.
ما يؤخذ من الحديث:
1- النهي عن تلقى القادمين، لبيع سلعتهم، والشراء منهم، قبل أن يصلوا إلى السوق.
فالنهى يفيد التحريم.
وسيأتي قريباً أن البيع صحيح أو باطل.
2- الحكمة في النهي لئلا يخدعوا، فيشترى منهم سلعهم بأقل من قيمتها بكثير (3) .
3- تحريم البيع على بيع المسلم وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: عندى مثلها بتسعة.
_________
(1) إنما عبرت ببهيمة الأنعام مع أن الذي في الحديث الغنم فقط، لورود الإبل في بعض طرق الحديث وأما ترك البقر، فلقلتها في بلاد العرب العدنانيين، والحكم فيها واحد، لاتحاد المعنى.
(2) قيدت بالعلم، مع أن الحديث قيده بالحلب، لأن الحلب طريق للعلم، فإذا حصل بطريق أخرى كشهادة عدل أو اعتراف البائع، خير المشتري بين الإمساك والرد، ولو لم يحلبها.
(3) عبرت بلفظة (بكثير) لتتفق حكمة هذا النهي مع حكمة النهي عن بيع الحاضر للبادي -ا. هـ - شارح.
(1/456)

ومثله الشراء على شرائه، كأن يقول لمن باع سلعته بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ العقد مع الأول، ويعقد معه.
ومحل التحريم في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط، وكذلك بعد الخيارين لأن فيه ضررا أيضاً من تأسيف العاقد، مما يحمله على محاولة الفسخ، بانتحال بعض الأعذار، أو اضطغانه على البائع أو المشترى منه، وغير ذلك من المفاسد.
ومثل المسلم في ذلك، الذمي وإنما خرج مخرج الغالب.
وقد قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذمي في سومه، إلا الأوزاعى وحده.
4- مثل البيع في التحريم، خطبة النكاح على الخاطب قبله.
وكذلك الوظائف والأعمال، كالمقاولات والإجارات، وغير ذلك من العقود لأن المعنى الموجود في البيع- وهو إثارة العداوة والبغضاء- موجود في الكل.
5- النهي عن بيع الحاضر للبادي وصفته " أن يقدم من يريد بيع سلعته من غير أهل البلد، فيتولى بيعها له أحد المقيمين في البلد " فتحريمه مخصص لحديث " الدين النصيحة ".
6- والحكمة في النهى، إغلاء السلعة على المقيمين إذا باعها عليهم أحد منهم بخلاف ما إذا كانت مع القادم، فلجهله بالسعر، لا يستقصي جميع قيمتها، فيحصل بذلك سعة على المشترين.
7- قيد بعض العلماء التحريم بشروط، أهمها أن يقدم البادي لبيع سلعته، وأن يكون جاهلا بسعر البلد، وأن يكون بالناس حاجة إليها.
8- النهى عن تصرية اللبن في ضروع بهيمة الأنعام عند البيع.
9- تحريم ذلك لما فيه من التدليس والتغرير بالمشترى، فهو من الكذب، وأكل أموال الناس بالباطل. وإن كان قد صراها لحاجته أو لغير قصد البيع فذلك جائز على ألا يضر بالحيوان، وإلا فحرام.
10- أن البيع صحيح لقوله: " إن رضيها أمسكها " ولكن له الخيار بين الإمساك والرد، إذا علم بالتصرية، سواء أعلمه قبل الحلب، أم بالحلب.
11- أن خياره يمتد ثلاثة أيام، منذ علم التصرية.
12- يفيد هذا الحديث، أن كل بيع يقع فيه التدليس فهو محرم، وأن المدلس عليه بالخيار.
(1/457)

13- إذا علم التصرية، وردها بعد حلبها، رد معها صاعاً من تمر بدلاً من اللبن. سواء كانت المصراة من الغنم، أو الإبل، أو البقر، قل اللبن أو كثر. وتقديره من الشارع بمقدار من التمر لا يزيد ولا ينقص روعي فيه قطع الخصام والنزاع لو ترك تقدير ذلك إليهما، بادعاء زيادة اللبن أو نقصه أو اختلاطه باللبن الحادث في الضرع. وتقدير ذلك بالتمر أفضل لأن كلا من التمر والحليب قوت ذلك الزمان، ولأن كليهما مكيل.
وهذا التمر مقابل اللبن الذي اشتريت وهو في ضرعها.
أما الحادث بعد، فلا يرد عنه شيئاً، لأن الخراج بالضمان.
14- النهى عن النجش، وهو زيادة من لا يريد شراء السلعة في ثمنا، وذلك لنفع البائع أو الإضرار بالمشترى، وربما قصد الإضرار بكليهما، وهو محرم، لأن النهي يقتض التحريم. وإذا كان قد تواطأ مع البائع على النجش فهما شريكان في الإثم وهو مثبت للخيار في البيع.
اختلاف العلماء:
مذهب جمهور العلماء صحة شراء مُتلَفي الركبان، بل حكى عن جميع العلماء.
والدليل على ذلك ما رواه مسلم وغيره " لا تَلَقوا الجلب، فمن تَلَقى فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار".
كما أن النهي في الحديث لا يعود إلى نفس العقد، ولا إلى ركن أو شرط منه، وإنما هو، لأجل الإضرار بالركبان، ولا يقدح في نفس البيع، بل يمكن تداركه.
واختلفوا في ثبوت الخيار، فذهب الشافعي، وأحمد: إلى ثبوته، إذا غبن البائع غَبْناً خارجاً عن العادة والعرف عند التجار.
ودليلهم، الحديث المتقدم، ولأن هذا ضرر نزل بالبائع، ولا يمكن تداركه بغير الخيار.
وذهب الحنفية إلى عدم الخيار، والقول الأول هو الصحيح.
واختلفوا في صحة بيع من باع على بيع أخيه.
فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، والظاهرية: إلى أن البيع غير صحيح، فلا ينعقد، للنهي عنه، والنهي يقتض الفساد.
وذهب الأئمة " الثلاثة " إلى صحة البيع لأن النهى لا يعود إلى نفس العقد، بل إلى أمر
(1/458)

خارج عنه.
وما يقال في البيع على البيع، يقال مثله في الشراء على الشراء لأن المعنى واحد فيهما، ولأن الشراء يسمى بيعا أيْضاً.
واختلفوا في صحة بيع الحاضر للبادي.
فالمشهور في مذهب الإمام أحمد، البطلان بشروط أربعة:
1- أن يكون بالناس حاجة إلى السلعة.
2- وأن يقدم البائع، لبيع سلعته بسعر يومها.
3- وأن يكون جاهلا بسعرها.
4- وأن يقصده الحاضر لبيعها له.
فإن اختل شرط منها صح البيع. ودليلهم أن النهى يقتضي الفساد.
وذهب الجمهور إلى صحة البيع مع التحريم، لمخالفته النهي.
وذهب جمهور العلماء- ومنم الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأحمد: إلى رد صاع من تمر، عن لبن المصراة عند ردها إلى البائع، كما هو نص الحديث الصحيح.
وذهب الحنفية: إلى أنه لا يرد شيئا، وللمشترى اللبن بدل علفها. وحاولوا رد نص الحديث بدعوى النسخ بقوله تعالى: {وَإن عَاقَبتمْ فَعَاقِبُوا بمثْل ما عُوقِبْتم به}
وإن فرضنا تأخر الآية عن الحديث، فما فيها حجة، لأنها في باب العقوبات، وليس موضوعنا منها.
واعتذارهم الثاني عن الأخذ بالحديث، أنه مخالف لقياس الأصول، وهو " أن اللبن مثلى، فيقتضى الضمان بمثله، والضمان يكون بقدر المثل، وهذا ضمن بصاع مطلقاً، قلّ أو كَثُرَ ".
وما أشبه ذلك من اعتراضات، أجاب عنها العلماء. ويكفى للجواب عنها أن نقول: إن خبر الشارع الثابت مقدم على قياس الأصول، لأنه أصل بنفسه، واجب الاعتبار بل إن الأصول لا تستند ولا تؤصل، إلا من نصوص الشارع. فلا يمكن أن ندع حديثا صحيحاً واضحا بلا معارض راجح، يقدم عليه. قال الخطابي في (معالم السنن) : والأصل أن الحديث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب القول به، وصار أصلا في نفسه.
والأصول إنما صارت أصولا لمجيء الشريعة بها وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد، فالقول به واجب، وليس تركه لسائر الأصول بأولى من تركها له- ا. هـ كلامه.
(1/459)

فائدتان:
الأولى: إذا تأملت ما تقدم من " الاستنباطات" و "خلاف العلماء" وجدت أن بعضهم مستمسك بظاهر الحديث، وآخذ بما دل عليه لفظه وبعضهم الآخر قد قيده ببعض القيود، تخصيصاً أو تعميماً.
وهذا- كما قال تقي الدين " ابن دقيق العيد ": دائر بين اتباع المعنى، واتباع اللفظ. والأحسن أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورا كثراً، فلا بأس باتباعه.
وتخصيص النص به أو تعميمه على قواعد القياس، وحيث يخفى أو لا يظهر ظهوراً قوياً، فاتباع اللفظ أولى
على أني لم أذكر إلا قليلا مما لم يدل عليه ظاهر الحديث، وذلك حين يقوى الأخذ بالمعنى جدا، كتقييد إطلاق بيع البائع للبادي بتلك الشروط الثلاثة، فإنها- عند تأمل معنى الحديث، ومقصود النهى منه- معتبرة، وكذلك تعمل الحكم في تصرية بهيمة الأنعام مع أن الوارد في هذا الحديث الغنم، لأن المعنى مفهوم وظاهر عمومه في جميعها.
وكذلك تقييد " خيار الجالب " بالغبن عادة، رجوعاً إلى المعنى الواضح في ذلك، وهو إزالة الضرر عنه. وأعرضت عن شيئين هما:
1- إما تمسك حرفي متقيد باللفظ، كمن جمد على قصر حكم التصرية في الغنم خاصة، لأنها المنصوص عليها، وغفل عن المعنى الواضح المقصود.
2- وإما ابتعاد عن ظاهر الحديث إلى معنى بعيد، كمن شرط في بطلان بيع الحاضر للبادي، أن يقصده الحاضر، فإن لم يقصده بل قصده البادي، فلا تحريم، والبيع صحيح، على أني ذكرته عن مذهب الحنابلة لبيان المذهب فقط.
وبهذا أرى أني توسطت بين الوجهتين، وسلكت طريقاْ متوسطة مرضية.
الثانية: في تحريم تَلَقِّي الركبان، وبيع الحاضر للبادي يعلم كيف أن الإسلام يراعى المصالح العامة على المصالح الخاصة، كما هو مقتضى العقل الصحيح.
فإن انتفاع أهل البلد بشرائهم السلع رخيصة، قُدمَ على انتفاع الواحد ببيعه سلعته غالية.
كذلك منعت مصلحة فرد، يتلقى الركبان، لأجل مصلحة أهل البلد الذين لهم الحق في أن ينتفعوا جميعاً بالشراء من الجالب مباشرة، مع ما فيه من دفع الضرر عن الجالب أيضاً.
(1/460)

الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضَي الله عَنْهُمَا: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهى عن بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلةِ. وَكَان بَيْعاً يَتَبَايَعُهُ أهْلُ الْجَاهِلِيةِ. كَانَ الرَّجُلُ يَتَبَايَعُ الْجزُورَ إلَى أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تنتج التي في بَطْنِهَا.
قيل: إنه كان يبيع الشارِفَ- وهي الكبيرة الْمُسِنَّةُ بنتاج الجنينِ، الذي في بطنِ نَاقَتِهِ.
الغريب:
حَبَل الحَبَلة: بفتح الحاء والباء فيهما. و" الحبلة " جمع " حابل " كظالم وظلمة، وكاتب وكَتبة، واكثر استعمال الحبَل للنساء خاصة، والحمل لهن ولغيرهن، من إناث الحيوان.
الجزور: هو البعير ذكراً كان أو أنثى، وجمعه، جزر، وجزائر.
تنتج: بضم التاء الأولى وإسكان النون وفتح التاء الثانية، وبعدها جيم معناه، تلد. وهو آت على صيغة المبنى للمجهول دائما. وقد أسند إلى الناقة.
الجاهلية: يطلق هذا الاسم، على الزمن الذي قبل الإسلام وأهله، مشتق من الجهل، لغلبته عليهم تنتج التي في بطنها: يريد بيع نتاج النتاج، أي بيع أولاد أولادها. وذلك بأن ينتظر أن تلد الناقة، فإذا ولدت أنثى ينتظر حتى تشب، ثم يرسل عليها الفحل، فتلقح فله ما في بطنا.
المعنى الإجمالي:
أشهر تفاسير هذا البيع تفسيران (1)
1- فإما أن يكون معناه التعليق، وذلك بأن يبيعه الشيء بثمن مؤجل بمدة تنتهي بولادة الناقة، ثم ولادة الذي في بطنها، ونُهيَ عنه لما فيه من جهالة أجل الثمن، والأجل له وقع في الثمن في طوله وقصره.
2- وإما أن يكون معناه بيع المعدوم المجهول، وذلك بأن يبيعه نتاج الحمل الذي في بطن الناقة المسنة، ونُهي عنه لما فيه من الضرر الكبير والغرر، فلا
يعلم: هل يكون أنثى، وهل هو واحد أو اثنان، وهل هو حي أو ميت؟
_________
(1) اشتهر التفسير الأول عن راوي الحديث ابن عمر فأخذ به مالك والشافعي، لأن الراوي أعلم بمعنى ما روى.
وأما التفسير الثاني، فلبعض أئمة اللغة، كأبي عبيدة، وأبي عبيد، وابن الأنباري والجوهري.
قال النووي: هذا أقرب إلى اللغة -ا. هـ - شارح. ولحبل الحبلة معنى آخر عند علماء اللغة وهو حمل الكرمة قبل أن تبلغ. ومثله النهي عن بيع ثمر النحل قبل أن يزهي. انظر لسان العرب (حبل)
(1/461)

ومجهولة مدة حصوله-
وهذه من البيعات المجهولة، التي يكثر ضررها وعذرها، فتفضي إلى المنازعات.
ما يؤخذ من الحديث:
1- النهى عن هذا البيع على كلا التفسيرين، لأنه إن كان على الأول، فَلِمَا فيه من جهالة الأجل وإن كان على الثاني، فَلِمَا فيه، من فقدان المبيع، وجهالته.
2- النص على هذا النوع من البيع، لأنه من بيعات الجاهلية، وإلا فهو عام في كل بيع يحصل فيه جهالة وغرر.
3- حكمة النهى، أنه من بيع الغرر المفضي إلى الميسر والقمار، وأكل المال بالباطل، مع ما يحصل في ذلك من الشجار والخصام، والعداوة والبغضاء.
قاعدة في المعاملات المحرمة ملخصة
من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية
الأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذهم الربا وقد نهوا عنه، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات وما يؤخذ بغير رضا المستحق.
وأكل أموال الناس بالباطل في المعاوضات نوعان ذكرهما الله في كتابه هما: الربا والميسر. فقد تحرم الربا الذي هو ضد الصدقة في سورة البقرة وآل عمران والروم والمدثر والنساء، وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما أجمله الله في كتابه، فنهى عن بيع الغرر، وهو المجهول العاقبة، لاًن بيعه من الميسر، وذلك مثل بيع العبد إذا أبق، أو الفرس والبعير إذا شرد.
أما الربا فتحريمه في القرآن أشد، وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر، لأنه لا يضطر إليه إلا المحتاج، فيأخذ ألفا معجلة ليدفع ألفا ومائتينِ مؤجلات، والموسر لا يفعل ذلك، فيكون في هذه الزيادة ظلم للمحتاج.
(1/462)

وقد حرم الرسول صلى الله عليه وسلم أشياء يخفي فيها الفساد، لأنها مفضية إلى الفساد المحقق، مثل ربا الفضل فإن الحكمة فيه قد تخفى. ومفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه. كبيع العقار ولم تعلم الأساسات، وبيع الدابة الحامل والمرضع. وإن لم يعلم الحمل واللبن، وبيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وإن كانت الأجزاء التي يكمل بها الصلاح لم تتحقق بعد، فظهرا أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز في غيره.
أما الربا فإنه لما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في بيعها بالخرص، ولم يجوز المفاضلة المتيقنة، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة وهو قدر النصاب، أي خمسة أوسق ومادون. وأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، والإمام أحمد موافق لمالك في الغالب منها، فإنهما يحرمان الربا، ويشددان فيه حق التشديد، حتى يسدا الذرائع المفضية إليه وإن لم تكن حيلة.
وفي الجملة فإن أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعاً محكما مراعون لمقصود الشريعة وأصولها، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر فعله عن الصحابة وتدل عليه معاني الكتاب والسنة.
وأما الغرر فمن أشد ما قيل فيه قولا أبي حنيفة والشافعي، فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع مالا يدخله غيره من الفقهاء. مثل الحب والثمر في قشره، كالباقلاء والجوز واللوز في قشره، وكالحب في سنبله، فإن القول الجديد عنده أن ذلك لا يجوز.
وأما مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فيجوز عنده بيع هذه الأشياء وبيع جميع ما تدعو الحاجة إليه أو يقل غرره، حتى إنه يجوز عنده بيع المقاثي جملة وبيع المغيبات في الأرض كالجزر والفجل.
وأحمد قريب منه، فقد خرج ابن عقيل عنه وجهين فيها، الثاني منهما أنه يجوز كمذهب مالك، وهذا القول هو قياس أصول أحمد.
(1/463)

باب النهي عن بيع الثمرة
قبل بُدُوِّ صلاحها (1)
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللَه بْن عُمَرَ رَضىَ الله عَنْهُمَا: ان رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نهى عَنْ بَيْعِ الثًمَرَةِ حَتَى يَبدو صَلاحُهَا، نَفى البَاِئعَ وَالمُشتَرِيَ.
الحديث الثاني
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهَى. قِيلَ: وَمَا تُزْهَى؟ قال: حَتَى تَحْمَرًا أوْ تَصْفر. قال: " أرَأيتَ إذَا مَنَعَ الله الثًمَرَةَ بمَ يَسْتَحِق أحَدُكمْ مَال أخِيهِ؟.
الغريب:
تزهى: بضم التاء من " أزهى يزهى " والإزهاء في الثمر، أن يحمر أو يصفر، لبدء الطيب فيه.
حتى يبدو: قال النووي: هو بمعنى يظهر، وهو بلا همز.
المعنى الإجمالي:
كانت الثمار مُعَرضة لكثير من الآفات قبل بُدُو صلاحها، وليس في بيعها مصلحة للمشترى في ذلك الوقت.
فنهى النبي البائع والمشترى عن بيعها حتى تزهى، وذلك بُدُو الصلاح، الذي دليله في تمر النخل، الاحمرار أو الاصفرار.
ثم علل الشارع المنع من تبايعها، بأنه لو أتت عليها آفة، أو على بعضها، فبماذا يحل لك- أيها البائع- مال أخيك المشترى، كيف تأخذه بلا عوض ينتفع به؟
ما يؤخذ من الحديثين:
1- النهْيُ عن بيع الثمار قبل بُدُو صلاحها.
2- النهى يقتضي الفساد، فيكون بيعها غير صحيح.
3- جواز بيعها بعد بُدُو صلاحها. وكذلك لو باعها قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال. وهو قول الجمهور.
4- أن دليل الصلاح في ثمر النحل، الاحمرار أو الاصفرار، ولو في بعض الثمرة. فصلاح
_________
(1) وضعت هذه الترجمة، لتفصيل المقام -أه- شارح
(1/464)

بعض الثمرة في شجرة دليل على صلاحها جميعها، وينسحب هذا على سائر ذلك النوع في البستان الواحد وقد ذكر في التمر الاحمرار أو الاصفرار أما غيره من الثمر فصلاحه أن يطيب كله ويظهر نضجه والصلاح في الحب اًن يشتد.
5- الحكمة في النهى، هو أنها قبل بُدو الصلاح، معرضة لكثر من الآفات. فإذا تلفت، أو تضررت صار ذلك في ملك المشترى، الذي لم ينتفع منها، فيكون من أكل الأموال بالباطل.
كما أن بيعها قبل بُدوِّ الصلاح، ليس له فائدة لعدم الانتفاع بها.
وكذلك فيه قطع للتخاصم والتنازع بين المتعاملين، وإزالة لأسباب العداوة والبغضاء بينهم.
6- فيه تحريم أكل أموال الناس بغير حق، ولو بما فيه صورة رضا من الطرفين.
الحديث الثالث
عَنْ عَيْدِ الله بن عُمَرَ رَضي اللَه عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَن الْمُزَابَنَةِ. وهي أن يَبِيعَ ثمَرَ حَائِطِهِ إنْ كان نَخْلا بِتَمْر كَيْلًا، وَإنْ كان كَرْماً أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيب كيْلا، وإنْ كَانَ زَرْعا أنْ يَبِيعَهُ بِكَيلِ طَعَاما، نَهَى عَنْ ذلِكَ كُلهِ.
الغريب:
المزابنة: بضم الميم، وفتح الزاى، والباء، والنون، على وزن المفاعلة. وهى مأخوذة من " الزبن " وهو: الدفع الشديد، كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه.
المعنى الإجمالي:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، التي هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، لما في هذا البيع من الضرر، ولما فيه من الجهالة بتساوي المبيعين المفضية إلى الربا وقد ضربت لها أمثلة توضحها وتبينها.
وذلك، كأن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا، بتمر كيلا، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلا. أو زرعاً، أن يبيعه بكيل طعام من جنسه، نهى عن ذلك كله، لما فيه من المفاسد، والأضرار.
الاختلاف في معنى المزابنة:
أجمع العلماء على أن هذه الصورة المذكورة في الحديث مزابنة.
(1/465)

ولكن الإمام الشافعي، جعل هذه الصور، أصل المزابنة، وألحق بها كل بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم يجرى فيه الربا، بناء منه على أن تفاسير المزابنة في أحاديثها، مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى فرض أنها تفاسير رواتها من الصحابة، فهم أعلم بما رووا، فقولهم مقدَّمٌ على قول غيرهم.
أما الإمام مالك، فمعنى المزابنة عنده، أنها بيع كل شيء، لا يعلم كيله، أو وزنه، أو عدده، بشيء من جنسه. سواء أكان ربوياً أم غيره، لأن سبب النهى، ما فيه من المخاطرة.
وقد رجع في تفسيرها إلى أصلها اللغوي، وقد تقدمت الإشارة إليه في [الغريب] .
ويترجح- عندي- تفسير مالك، لأنه جامع لكثير من المنهيات تحت أصل واحد.
وأما التفاسير المذكورة، فلا تنافي، لأن عادة السلف، اً نهم يفسرون الشيء بمثاله، وهو جزء منه. ولا يريدون به حصره في هذا النوع، وإنما يريدون به المثال.
ما يؤخذ من الحديث:
1- النهى عن المزابنة.
2- تعريفها بهذه الصور، التي توضح أصلها.
3- أن بيوعاتها فاسدة، لأن النهي يقتضي الفساد.
4- حكمة النهي عنها، ما فيها من المخاطرة والقمار، لأنها بيع معلوم بمجهول. ولما فيها من بيع النوعين الربويين المجهولين، لأنه لابد في صحة بيعهما من العلم بالتساوي. فأما مع الجهل بتساويهما، فهو مظنة الربا الراجحة، فيحرم.
5- فيه دليل على تحريم بيع الرطب بادر، لعدم العلم بالتساوي ولو تحرى في تساويهما، بل يدل على تحريم بيع كل نوعين ربويين، جهل تساويهما إما لكونهما اختلفا في الرطوبة، أو اليبوسة، وإما لكون أحدهما حبا والآخر طحيناً، أو أحدهما مطبوخا، والآخر نيئا، أو غير ذلك مما لا يعلم معه التساوي بينهما.
الحديث الرابع
عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رَضي الله عنهما قال: نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمُخَابَرَةِ، والْمُحَاقَلَةِ، وَعِنِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأنْ لا تُبُاعَ إلا بِالدينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلا الْعَرايَا ".
المحاقلة: - بيع الحنطة في سنبلها.
(1/466)

الغريب:
المخابرة: على وزن المفاعلة، مأخوذة من " الخبار " وهي الأرض اللينة القابلة للزرع، أو من " الخبير " وهو من يحسن حرث الأرض.
المحاقلة: مأخوذة من " الحقل" وهو الزرع وموضعه، فاشتقت منه. والمراد بها- هنا- ييع الحنطة بسنبلها، بحنطة صافية من التبن. المزابنة، تقدمت، و" العرايا ": ويأتي الكلام عليها مفصلا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
المعنى الإجمالي:
تقدم أن الأصل في المعاملات الحل والجواز، وأنها باقية على أصل الإباحة والبراءة الأصلية.
وما ورد عن الشارع الحكيم، من النهى عن بعض المعاملات التي يرجع إلى قاعدة الربا المحرمة المستقبحة شرعاً وعقلا وغير هاتين من قواعد الفساد الذي حاربه الشارع يشمله النهى من باب أولى.
ومن تلك المعاملات الراجعة إلى الجهالة وإلى الربا أيضا، المخابرة، والمحاقله، التي هي عبارة عن بيع الحب في سنبله، بحب من جنسه.
فهنا جهل أحد العوضين، لأنه مستور بأوراقه وتبنه، والجهل بذلك يوقعنا في ربا الفضل، لأن الجهل بالتماثل، كالعلم بالتفاضل في الحكم.
ومثل المحاقلة، المزابنة: التي هي بيع التمر على رؤوس النخل بتمر مثله.
فما يقال في الأول، يقال في هذا.
واستثنى من ذلك، مسألة " العرايا " بشروطها، للحاجة إليها. وتأتي إن شاء الله تعالى.
كما نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، حفظا للحقوق، ولئلا يأخذ البائع الثمن بلا مقابل ينتفع به المشترى.
ما يستفاد من الحديث:
1- النهى عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة.
2- استثنى من المزابنة، العرايا، للحاجة.
3- النهى عن هذه. لما فيها من الجهل بتساوي العوضين، والجهل بذلك يفضي بنا إلى الربا.
4- من باب أولى يحرم البيع إذا علم التفاضل بين العوضين، الربويين من جنس واحد.
5- النهي عن بيع الثمر قبل بُدو صلاحه، لأمن العاهة.
(1/467)

الحديث الخامس
عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنصاري رَضىَ الله عَنْهُ: أنً رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِي، وَحُلْوانِ الْكَاهِنِ.
الغريب:
مهر البغي: البغي: بفتح الباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وتشديد الياء. وهو فعيل، بمعنى فاعلة، يعنى الباغية، والبغاء: الطلب، وكثرة استعماله في الفساد. ومهرها، ما تعطاه على الزنا، سمى مهراً، من باب التوسع.
حُلوان الكاهن: الحُلوان بضم الحاء، مصدر " حلوته " إذا أعطيته.
قال في فتح الباري: وأصله من " الحلاوة " شبه بالشيء الحلو، من حيث إنه يؤخذ سهلا بلا مشقة.
وأما الكاهن: فهو الذي يدعى علم الأشياء المغيبة المستقبلة. وفي معناه " العراف" و " المنجم " ونحوهما من المشعوذين والدجالين.
المعنى الإجمالي:
لطلب الرزق طرق كريمة شريفة طيبة، جعلها الله عوضا عن الرزق الخبيثة الدنيئة.
فلما كان في الطرق الأولى كفاية عن الثانية، ولما كانت مفاسد الثانية عظيمة لا يقابلها ما فيها من منفعة، حرم الشرع الطرق الخبيثة التي من جملتها، هذه المعاملات الثلاث.
1- بيع الكلب: فإنه خبيث رجس، ثمنه خبيث لا يحوز أكله واستحلاله.
2- وكذلك ما تأخذه الزانية مقابل فجورها، الذي به فساد الدين والدنيا.
3- ومثله ما يأخذه أهل الدجل والتضليل، ممن يدعون معرفة الغيب والتصرف في الكائنات، ويخيلون على الناس- بباطلهم- ليسلبوا أموالهم، فيأكلوها بالباطل.
كل هذه طرق خبيثة محرمة، لا يجوز فعلها، ولا تسليم العوض فيها، وقد أبدلها اللَه بطرق مباحة شريفة.
ما يستفاد من الحديث
1- النهى عن بيع الكلب، تحريم ثمنه، ولا فرق بين المعلم وغيره، وكلب الزرع والماضية وغيره، وإنما يجوز اقتناؤه فقط بهذه الأشياء الثلاثة.
(1/468)

2- تحريم البغاء وتحريم ما يؤخذ عليه، سواء كان من حُرَةٍ أو أمة، فهو خبيث من عمل خبيث في جميع طرقه.
3- تحريم " الكهانة " ونحوها من العرافة، والتنجيم، وضرب الحصى، وتحضير الجن، وتحريم أخذ شيء على هذه الأعمال الخرافية الشيطانية.
4- من هذه المنهيات وغيرها، يعلم أن الشريعة نهى عن كل ما فيه مضرة وما يترتب عليه من مكاسب.
الحديث السادس
عَنْ رَافِعِ بْن خَديج: أنً رسُولَ اللَه صَلًى الله عَلَيْهِ وَسَلًمَ قَالَ: " ثَمَنُ الْكَلب خبيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغي خبِيثٌ، وَكَسْبُ الَحجّام خَبِيثُ (1)
المعنى الإجمالي:
يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم المكاسب الخبيثة والدنيئة لتجنبها، إلى المكاسب الطيبة الشريفة. ومنها ثمن الكلب، وأجرة الزانية على زناها، وكسب الحجام، فهي مكاسب دنيئة كريهة سافلة، يجتنبها ذو الكرامة والمروءة.
ما يستفاد من الحديث:
1- النهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، واجتناب ما يؤدى إليهما.
2- النهى عن كسب الحجام، لأنها مهنه زرية، مخلة بالكرامة والشرف، فمكسبها خبيث.
3- قال شيخ الإسلام إذا عرف الحرام بعينه لم يؤكل حتما، وإن لم يعرف عينه لم يحرم الأكل منه، لكن إذا كثر الحرام يترك ورعا.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في كسب الحجام.
فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه محرم لهذا الحديث، ولما روى أبو هريرة من أنه صلى الله عليه وسلم " نهى عن كسب الحجام " رواه أحمد.
_________
(1) هذا الحديث من أفراد مسلم كما نبه عليه " عبد الحق " وغيره.
(1/469)

وروى أحمد أيضا عن مُحَيصَة بن مسعود: " أنه كان له غلام حجام، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن كسبه فقال: ألا أطعمه أيتاما لي؟ قال: لا. قال: أفلا أتصدق به؟ قال: لا فرخص له أن يعلفه ناضحه " (1)
ذهب بعض العلماء: إلى أنه حلال، لأن أحاديث النهى منسوخة بإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم أجره، ولكن النسخ يحتاج إلى معرفة المتأخر من الأدلة. وأحسن ما يجمع به أدلة الفريقين، أن يقال: إن لفظ " الخبيث " كما يطلق على المحرم، يطلق أيضا على الشيء الرديء والكسب الدنيء، كقوله تعالى: {ولا تَيَمّموا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقون} وسمى الشارع الثوم والبصل خبيثين. فتسمية كسب الحجام خبيثا من هذا الباب، لأنه مكسب دنيء، من مهنة زرية.
والشارع يرغب في معالي الأمور، والمكاسب الطيبة الشريفة. فيكون كسب الحجام خبيثا من جانب الآخذ، مع أنه حلال له.
باَب الْعرَايا (2)
هذا الباب يذكر فيه ما جاء في جواز بيع العارية- ويأتي تعريفها-: وهى مسألة مستثناة من تحريم "بيع المزابنة " الذي تقدم الكلام عليه في الحديث رقم [257] ، ويأتي توضيح ذلك وتوجيهه إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول
عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ رَضي الله عَنْهُ: أن رَسولَ الله صَلًى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ رَخَصَ لصاَحب الْعَريَّةِ أنْ يَبيعَها بخَرْصِهَا.
ولـ " مسلم " بِخَرْصِهَا تمْراً، يَأكُلُونَهَا رُطباً.
الغريب:
العرية: فعيلة بمعنى مفعولة. وجمعها عرايا مثل مطية ومطايا. قال في مختار الصحاح:
_________
(1) ورد في رواية " اعلفه نضاحك " والناضحة هي الناقة التي تخرج الماء من البئر، والنضاح: الرقيق الذي يعملون في ذلك.
(2) كانت ترجمة المؤلف [باب العرايا وغير ذلك] فرأيت أن أجعل العرايا في باب، وباقي أحاديث الباب في ثلاثة أبواب تناسبها للأحكام. ا. هـ شارح
(1/470)

وإنما أدخلت فيها الهاء، لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلة. وسميت " عرية " لانفرادها بالرخصة عن أخواتها.
المعنى الإجمالي:
تقدم أن بيع التمر على رؤوس النخيل بتمر مثله محرم، لأنه بيع المزابنة
المنهي عنه، لما فيه من الجهل بتساوي النوعين الربويين.
وأشد حالاته إذا باعه على رؤوسه وهو رطب، بتمر جاف، فقد خفى تساويه من وجهتين 1:- كونهما بيعاً خرصا 2: - وكون أحدهما رطبا، والآخر جافاً، فهذا البيع أحد صور " ربا الفضل ".
كانت الأثمان قليلة في الزمن الأول، فيأتي الرطب في المدينة والتفكه به، والناس محتاجون إليه، وليس عند بعضهم ما يشترى به من النقود، فرخص لهم أن يشتروا مايتفكهون به من الرطب بالتمر الجاف ليأكلوها رطبة مراعين في ذلك تساويهما لو آلت ثمار النخل إلى الجفاف.
ما يستفاد من الحديث:
1- تحريم بيع التمر على النخل بتمر مثله، لأنه بيع المزابنة المنهي عنه، ومأخذه في هذا الحديث لفظ " رخص ".
2- جواز بيع العرية- وتقدم شرحها لغة وشرعا-: هو مستثنى من التحريم السابق في المزابنة.
3- أن الرخصة لمن احتاج إلى أكل الرطب خاصة.
4- أن يقدر الرطب على النخلة تمرا بقدر التمر الذي جعل ثمنا له.
فائدتان:
الأولى: تقدم التحريم في بيع المزابنة الذي هو إحدى صور الربا المحرم، واستثنى من هذا التحريم مسألة " العرايا ".
فلما جاءت على خلاف الأصل، اشترط العلماء للرخصة فيها شروطا، بعضها مأخوذ من أحاديثها، وبعضها باق على أصل معاملة الربا.
1- أن تخرص النخلة بما تؤول إليه تمراً لطلب المماثلة.
2- أن تكون لمحتاج إلى الرطب ليأكله رطبا.
والمشهور من مذهبنا المنع في عكس هذه المسألة: وهو أن يشترى المحتاج إلى التمر برطبة تمراً وفى وجه يجوز، لأنه إذا جاز لمن يريد التفكه بالرطب، فكيف لا يجوز لمن احتاج إلى التمر ليأكل؟!
(1/471)

3- أن لا يكون معه نقود يشترى بها.
4- أن يتقابضا قبل التفرق، فالتمر بكيله، والنخلة بتخليتها.
5- أن لا تزيد عن خمسة أوسق، ويأتي في الحديث الذي بعد هذا.
6- إذا اشترى اثنان فأكثر من الرطب لكل واحد خمسة أوسق من رجل واحد صح، ولو اشترى شخص من بائعين فأكثر خمسة أوسق صح أيضاً. أما إذا اشترى من اثنين فأكثر أزيد من خمسة أوسق فلا يصح.
الفائدة الثانية:
الجمهور من العلماء يقصرون الجواز على النخل خاصة، ورخص به طائفة من العلماء ومنهم شيخ الإسلام في سائر الثمار، لأن الرطب فاكهة المدينة ولكل بلد فاكهة، والحكمة المرخصة موجودة فيها كلها، والرخصة عامة.
الحديث الثاني
عَنْ أبي هريرةَ رَضي الله عَنْهُ: أنَ النبي صَلى الله عَلَيْهِ وَسلمَ رَخَّصَ في بَيْع العَرَايَا في خَمْسَةِ أوْسُق، أو دون خَمْسَةِ أوْسقٍ.
المعنى الإجمالي:
لما كانت مسألة "العرايا" مباحة للحاجة من أصل محرم، اقتصر على القدر المحتاج إليه غالباً، فرخص فيما قدره خمسة أوسق فقط أو ما دون ذلك، لأنه في هذا القدر تحصل الكفاية للتفكه بالرطب.
ما يستفاد من الحديث:
1- الرخصة في بيع العرايا للحاجة إلى التفكه بالرطب.
2- أن تكون الرخصة بقدر الكفاية، لأن الرخصة لا يتجاوز بها قدر الحاجة.
3- الوسق بسكون السين- ستون صاعا نبويا، فيكون ثلاثمائة صاع. وتقدم أن الصاع النبوي، ينقص عن صاعنا الحاضر (وكيلتنا) الخمس وخمس الخمس، وهذا هو الحد الأعلى للجواز.
(1/472)

اختلاف العلماء:
ذهب كثير من العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة والظاهرية: إلى أنه لا يجوز بيع العرايا إلا فيما دون خمسة أوسق، لأن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز، ويلغى الشك الذي وقع في الحديث [خمسة أوسق أو دون خسة أوسق] وهو شك وقع لأحد رواة الحديث. وهو داود بن الحصين، فلذلك جوزنا " دون خمسة أوسق " لأنه متفق عليها ومنعنا " الخمسة " للشك فيها. والأصل التحريم للنهى عن المزابنة.
وذهب بعضهم- ومنهم المالكية- إلى الجواز في الخمسة عملا برواية الشك، وبما روى عن سهل بن أبي حَثْمة [أن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة] وهو رواية عن الإمام أحمد، نظر فيها إلى عموم الرخصة، فلا يضر الشك في الزيادة القليلة، واختارها شيخنا " عبد الرحمن آل سعدي " رحمه الله تعالى.

باب بيع النخل بعد التأبير
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضي الله عَنْهُما: أن رَسولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " مَنْ بَاعَ نَخْلا قَدْ أبرت فَثَمَرَتُهَا للْبَائِع، إلا أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"
ولـ " مسلم " (1) و" مَنْ ابتَاعَ عَبْدا فَمَالُهُ للَّذِي بَاعَهُ إلا أن يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ".
الغريب:
أبرت: بتخفيف الباء وتشديدها.
فالأول: أبرت النخل أبراً، بوزن أكلت أكلا.
والثاني: أبرت النخل تأبيراً، بوزن علمته أعلمه تعليماً.
والتأبير: التلقيح، وهو وضع شيء من طلع ذكر النخل، في طلع إناثه.
المبتاع: هو المشترى، بقرينة الإشارة إلى البائع ويأتي اللفظ للبائع والمشترى، فهو من الأضداد.
_________
(1) قول المصنف: ولـ " مسلم" يوهم أن هذه الزيادة لم يذكرها البخاري في صحيحه، وليس كذلك، بل هي في الصحيحين كما نبه عليه في فتح الباري، وقد ذكرها البخاري في [باب الرجل يكون له ثمر أو شرك في حائط أو نخل] والذي أوقع المصنف في الوهم، هو عدم ذكر البخاري لها في (باب البيع) واقتصاره على القطعة الأولى - ا. هـ.
(1/473)

المعنى الإجمالي:
أول العمل في ثمرة النخل هو تلقيحه، ولهذا فإن الشارع أناط به الحكم. فمن باع أصول نخل، فإن كانت الثمرة مؤبرة قد عمل بها صاحبها واستشرفت نفسه لها، فهي للبائع مبقاة على أصولها إلى أوان جذاذها. وإن لم تؤبر فهي داخلة في بيع الأصول، فتكون للمشترى. هذا ما لم يشترط المشترى في الصورة الأولى، دخول الثمرة أو بعضها في البيع، أو يستثنى البائع الثمرة أو بعضها في الصورة الثانية، فتكون باقية على أصولها إلى أوان جذاذها، لاًن المسلمين على شروطهم الصحيحة، وهذا منها. وكذلك العبد الذي جعل سيده بيده مالا، فإن باعه فماله لسيده الذي باعه لأن العقد لا يتناوله، إلا أن يشترطه المشترى، أو يشترط بعضه، فيدخل في البيع.. ولو كان المال الذي معه مما يجرى فيه الربا مع الثمن فإنه جائز لأنه تابع غير مقصود لذاته والتابع لا حكم له، لأنه في حكم المتبوع.
ما يؤخذ من الحديث:
1- أن من باع نخلا قد أُبّر، فثمرته للبائع، وهذا منطوق الحديث.
2- أن من باع نخلا لم يؤبر، فثمرته للمشترى، وهذا مفهوم الحديث.
3- إن استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر، أو بعضها فهي له بشرطه.
4- إن اشرط المشترى دخول الثمرة المؤبرة بالعقد، فهي له بشرطه.
5- صحة اشتراط بعض الثمرة مأخوذ من حذف المفعول به من قوله [إلا أن يشترط المبتاع] ، فهو صادق عليه كله، وعلى بعضه.
6- إن كان بعض ثمره مؤبرا، وبعضه غير مؤبر، فالصحيح أن لكل حكمه، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدماً. إلا إذا كان التأبير في نخلة واحدة فتكون كل ثمرتها للبائع، لأن باقيها تبع لأولها.
7- ألحق الفقهاء بالبيع جميع التصرفات: كأن يكون النخل عوض صلح. أو صداقا، أو جعله صاحبه أجرة، أو هبة أو غير ذلك مما فيه نقل الملك.
8- دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير، أو اشترطها المشترى وهي مؤبرة، يُعَدّ بيعاً للثمر قبل بُدُو صلاحه، لكن رخص فيه لأنه تابع
لأصله. ليس مستقلا. والقاعدة العامة " يثبت تبعاً، ما لا يثبت استقلالا " وهذه الصورة منها وبهذا يجمع بين النصين.
(1/474)

9- أن من باع عبداً، وقد جعل بين يديه مالا يتصرف به، فالمال للبائع إلا أن يشترطه المشترى مع الصفقة، أو يشترط بعضه، فيدخل مع المبيع. وحينئذ يشترط فيه ما يشترط غيره من المبيعات.
10- لا يضر أن يكون مع العبد المبيع ما يدخله الربا مع الثمن، كأن يتبعه فضة والثمن ريالات فضية، لأنه تابع.
11- قال شيخ الإسلام: بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء. وإن اشتراه بشرط القطع جاز بالاتفاق. وإن باعه مطلقا لم يجز عند جماهير العلماء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد.

بَابُ نهي المشتري عن بيع الطعام قبل قبضه
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
" مَنِ ابتاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حَتَى يَسْتَوْفِيَهُ ".
وفي لفظ: " حَتَّى يَقْبِضَهُ " وعن ابن عباس.. مثله.
الغريب:
من ابتاع: يعنى من اشترى. طعاماً- لغة- كل مطعوم، من مأكول ومشروب. وفي الصدر الأول، إذا أطلق الطعام في الحجاز، انصرف إلى الْبُر خاصة.
المعنى الإجمالي:
لما كان قبض الطعام من متممات العقد، ومكملات الملك، نهى الشارع الحكيم، المشترى عن بيعه حتى يقبضه ويستوفيه، ويكون تحت يده وتصرفه،
لأنه- قبل القبض- عرضة للتلف في ضمان البائع، ولأن العقد عليه قبل القبض، ربما سبب فسخ العقد الأول.
فاٍن كان بخسارة، حاول المشترى الفسخ، وإن كان بربح، حاوله البائع.
(1/475)

ما يستفاد من الحديث:
1- النهى عن بيع الطعام قبل قبضه.
2- في لفظ [حتى يستوفيه] ما يشعر بأنه خاص بما يحتاج إلى حق توفية، وهو المكيل والموزون.
وفي لفظ [حتى يقبض] ما يفيد عموم النهي عن البيع، في الجزاف والمكيل، والموزون، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
3- جواز بيعه بعد القبض والاستيفاء.
4- النهى ورد في الحديث بالتصرف فيه بالبيع، ولكن ألحق كثير من العلماء- ومنهم الشافعية، والحنابلة- بعض عقود تدخل تحت مسمى البيع، أو تكون وسيلة إليه كالإجارة، والهبة على عوض، والرهن، والحوالة.
5- أما ماعدا البيع وما يجرى مجراه، فيجوز التصرف فيه، لأنها عقود يتسامح فيها بالغرر اليسير، ولأنها لم تقصد للربح فمحذور محاولة فسخ العقد المشار إليها خفية.
اختلاف العلماء:
ذهبت الحنفية والشافعية، إلى المنع من بيع أي شيء قبل قبضه، وهو رواية قوية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه " ابن عقيل " والشيخ تقي الدين. وقال الشيخ: وعليه تدل أصول أحمد، واختارها " ابن القيم " وصححها، وذكر أن أحاديثها لا تنافي أحاديث الطعام، وأطال القول فيها. لكن الحنفية استثنوا بيع العقار، فيجوز- عندهم- ولو قبل قبضه.
وذهبت المالكية في المشهور عنهم، إلى منع ما بيع من الطعام بالكيل والوزن خاصة.
وذهبت الحنابلة، في المشهور من مذهبهم: إلى منع ما بيع بكيل، أو وزن أو عد، أو بصفة، أو رؤية متقدمة للعقد. ولا فرق في ذلك بين المطعوم وغيره. وذهب بعض المالكية إلى اختصاص ذلك بالمطعوم، ويستوي في ذلك أن يكون جزافا، أو مكيلا، أو موزوناً أو غيرها.
وفي هذا القدر من البيع تجتمع آراء جميع العلماء، ولم ينفرد من فقهاء المذاهب إلا المتقيدون بمشهور مذهب الحنابلة، الذين قصروا المنع على المبيع بالكيل أو الوزن، أو العد، أو الذرع (1) ، مع أنه- هنا- رواية عن الإمام أحمد منع بيع الطعام مطلقاً. مشى عليها " الخِرَقي " وصاحب المغنى، وشارح المقنع.
_________
(1) الذرع: القياس بالذراع.
(1/476)

أدلة هذه الأقوال:
استدل الحنفية والشافعية ومن وافقهم، بما رواه أحمد، والنسائي، عن حكيم ابن حزام قال: " قُلْتُ: يَا رَسولَ الله، إني اشتَرِى بيوعا، فَما يَحِل لي منهَا وَمَا يَحرُمُ؟ فقال: إذا اشتريت بيعاً فلا تبْعهُ حَتى تقْبِضَهُ " وفي إسناده مقال للعلماء.
وما رواه أبو داود، والدارقطنى، وصححه الحاكم، وابن حبان، عن زيد بن ثابت: " أن النَبي صلى الله عليه وسلم نَهَى أن تباع السلَعُ حَيْث تُبتاع حَتى يَحُوزَها التجارُ إلَى رِحَالِهِم "، وظاهر هذين الحديثين، عامُ في كل مبيع.
واستدل المالكية، الذين يرون أن المنع في مكيل الطعام وموزونه، بما رواه" مسلمِ " و " أحمد " عن جابر قال: " قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إذَا ابتعْتَ طَعَامَا فَلا تَبِعْه حَتَى تَستوْفِيَهُ ". والاستيفاء، إنما يكون في الكيل أو الوزن.
ومثله في " مسلم " و " أحمد " أيضا عن أبى هريرة: " نَهَى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أنْ يُشْتَرى الطَّعَامُ ثُمً يُبَاع حَتَّى يُسْتَوْفَى ".
ولـ" مسلم ": ثم أنَ النبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اشْترَى طَعَاماً فَلا يَبعْهُ حَتًى يَكْتَالَهُ ".
أما الذين لا يفرقون في المطعوم، بين الجزاف وغيرِه، فيستدلون، بما رواه " البخاري، و " مسلم " و " أبو داود " و " النسائي " عن ابن عمر قال:
" كانُوا يَبْتَاعُونَ الطعَامَ جُزَافاً بأعْلَى السُّوق فَنَهَاهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يَبِيعُوهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ ".
وفي أحد ألفاظ هذا الحديث: " مَن ابتاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حتَى يَقْبِضَهُ ".
وهذه أحاديث تعُمُّ الجزاف وغيره، مع أن حديث ابن عمر، نص صريح بالجزاف.
(1/477)

وهذه الأدلة لا تنافي حديثي ابن عمر، وأبي هريرة، اللذين استدل بهما المالكية، لأن ثبوت وجوب القبض في المكيل والموزون، لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في غيره.
وأدلة هاتين الطائفتين تدل- بمفهومها- على اختصاص منع البيع في الطعام سواء أكان مكيلا أم موزوناً، كما هو مذهب المالكية، أو هما والجزاف أيضاً، كما هو مذهب الذين بعدهم،: لكنه " مفهوم لقب " وليس بحجة، ولو فرضنا مجيئه، فإنه لا يقاوم منطوق الأحاديث التي استدل بها الحنفية والشافعية.
أما أدلة المشهور من مذهب الحنابلة، فهي مفاهيم أحاديث الطعام، أيضا، لأنها نصَّتْ عليه، فدل على أن هذا الحكم مقصور على الطعام، وأن قصره على ما يباع بالكيل والوزن، لأنه هو الجاري- غالباً- في بيعه.
ولما روى عن ابن عمر " مَضَتِ السنةُ أن مَا أدرَكهُ الصفْقَةُ حَبا مَجْمُوعا فَهُوَ مِنْ مَال المُبتاعِ " رَواه البخاري تعليقا والمبتاع، هو المشترى.
ثم عَدَّوِا هذا الحكم، إلى كل ما يحتاج إلى حق توفية، مما يبيع بكيل، أو وزن، أو عَدد أو ذرْع، أو بيع بصفة، أو رؤية متقدمة على العقد، لأن هذا كله يحتاج إلى حق توفية.
فائدتان:
الأولى: فقهاء المذاهب يجعلون ضمان التلف في الآفة السماوية-: هي مالا صُنْع لآدمي فيها، كالحر، والبرد، والجراد، ونحو ذلك من الحوادث. فما يصح عندهم تَصرفُ المشترى فيه قبل القبض بالبيع، يكون ضمانه عليه، إذا تلف أو تعيّب. وما لا يصح تصرفه فيه، فمن ضمان البائع على حسب اختلافهم المتقدم في ذلك.
الثانية: في صفة قبض المبيعات: يحصل قبض ما يبيع بكيل، بكيله. وما بيع بوزن، بوزنه. وما بيع بعد بعده. وما بيع بذرع بذرعه. وما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله.
والعقار والثمر على الشجر، بتخليته، بأن يرفع البائع يده ويضعها المشترى.
(1/478)

بَابُ تحْريم بَيْع الخبائث
من صفات النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة وعلى ألسنة الأنبياء عليم الصلاة والسلام: أنه الذي يحل الطيبات، ويحرم الخبائث.
وهذا تشريع عام في المآكل والمشارب، والملابس، والعادات وغير ذلك.
وهذه قاعدة كبيرة تحافظ على كل طيب، وتنفي كل خبيث، كما أنها معتمد لكل ما جدّ وطرأ، ليقاس بمقياسها الصحيح.
وهذا من كمال هذه الشريعة، ومن عناصر البقاء والخلود فيها.
وتأمل الحديث الآتي تجدْ أن المحرمات فيه عُددَتْ، إشارة إلى أنها نماذج لما يفسد الأديان، والأبدان، والعقول. فيراد بذكرها، التنبيه على أنواعها وأشباهها. والله حكيم عليم.
الحديث الأول
عَنْ جَابرِ رَضَ الله عَنْهُ: أنَهُ سَمِعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقُول عَامَ الفَتْح: " إن الله وَرَسُولَهُ حَرمَ بيعَ الخَمر، وَالمَيتَةِ، وَالخِنزِير، والأصنام ".
فقيل: يَا رَسُول الله، أرَأيْتَ شحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإنَّهَا يُطْلَى بِهَا السَّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟.
فقال: " لَا. هُوَ حَرَام ".
ثمَّ قَالَ رَسُولُ الله على عنْدَ ذلِكَ: " قَاتَلَ الله الْيَهُودَ، إنَّ الله لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوه فَأكلُوا ثَمَنَهُ ". جَمَلُوهُ: أذَابُوهُ.
الغريب:
عام الفتح: هو فتح مكة، وكان في السنة الثامنة من الهجرة في شهر رمضان.
حرَّم: بإعادة الضمير إلى الواحد، تأدباً مع الله تعالت عظمته، وتفرد بالإجلال.
الميتة: بفتح الميم، ما ماتت حتف أنفها، أو ذُكتْ ذكاة غير شرعية.
الأصنام: مفرده " صنم " وهو " الوثن " المتخذ من الأحجار وغيرها، على هيئة مخصوصة للعبادة.
أرأيت شحوم الميتة: أخبرني عن حكم بيع شحوم الميتة: فهل يحل مع وجود هذه المنافع فيها؟.
يستصبح بها الناس: أي يستضيئون به، حين يجعلونه في المصابيح وهي السرج. هو حرام: الضمير يعود على البيع.
(1/479)

قاتل الله اليهود: لعنهم الله، لما ارتكبوه من هذه الحيلة الباطلة. وفيه تنبيه على علة تحريم بيع هذه الأشياء.
جملوه: بفتح الجيم والميم المخففة. أي أذابوه. و " الجميل " الشحم المذاب.
المعنى الإجمالي:
جاءت هذه الشريعة الإسلامية السامية، بكل ما فيه صلاح للبشر، وحذّرت من كل ما فيه مضرة تعود على العقول والأبدان والأديان.
فأباحت الطيبات- وهى أغلب ما خلق الله في الأرض لنا. وحرمت الخبائث.
ومن تلك الخبائث المحرمة هذه الأشياء الأربعة المعدودة في هذا الحديث. فكل واحدا منها يشار به إلى نوع من المضار.
فالخمر- وهي كل ما أسكر وخامر العقل- هي أم الخبائث، التي بها تزول عن الإنسان نعمة العقل التي كرَّمهْ الله بها.
ويأتي في حال سكره ولهوه بأنواع المنكرات والعظائم، وإشاعة العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصد عن الخير وعن ذكر الله.
ثم ذكر الميتة، التي لم تمت- غالباً- إلا بعد أن تسممت بالمكروبات والأمراض أو احتقن دمها في لحمها، فأفسده، فأكلها مضرة كبيرة على البدن، وهدم للصحة. ومع هذا، فهي جيفة خبيثة نتنة نجسة، تعافها النفوس، ولو أكلت مع إكراهها والتقزز منها، لصارت مرضاً على مرض، وبلاء مع بلاء.
ثم ذكر أخبث الحيوانات وأكرهها وأبشعها، وهو الخنزير الذي يحتوى على أمراض وميكروبات، لا تكاد النار تقتلها وتزيلها. فضرره عظيم، ومفاسده متعددة، ومع هذا فهو قذر نجس.
ثم ذكر ما فيه الضرر أكبر والمفسدة العظمى، وهى الأصنام التي هي ضلال البشرية وفتنتهم، وهي التي بها حورب الله تعالى وأشركت في عبادته وحقه على خلقه، فهي مصدر الضلال، ومحط الفتنة.
وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لمحاربتها، وإنقاذ الناس من شرها. فكم فتن بها من خلائق، وكم ضل بها من أمم، وكم استوْجبَتْ النار بها.
فهذه الخبائث، عناوين المفاسد والمضار، التي تعود على العقل والبدن والدين.
فهي أمثلة لاجتناب كل خبيث، وصيانة لما يفسد العقول والأبدان والأديان. فاجتنابها وقاية من أنواع المفاسد.
(1/480)

ما يستفاد من الحديث:
1- تحريم بيع الخمر وعمله وما يعينها عليه وشربه، أو التداوي به.
ويدخل في مسمى الخمر، كل مسكر، سائلا أو جامداَ أُخذَ من أي شيء، سواء أكان من عنب، أم تمر أم شعير، ومثله الحشيش، والأفيون، والدخان، والقات، فكلها خبائث محرمة.
2- حرمت لما فيها من المضار الكبيرة والمفاسد العظيمة على العقل، والدين، والبدن، والمال، وما تجره من الشرور والعداوات والجنايات، إلى غير ذلك من مفاسد لا تخفى.
3- تحريم الميتة، لحمها، وشحمها، ودمها، وعصبها، وكل ما تسري الحياة فيه من أجزائها.
وحُرمت، لما فيها من المضرة على البدن، ولما. فيها من الخبث والقذارة والنجاسة، فهي كريهة خبيثة، ومن أجل هذه المضار وانتفاء المصالح، حَرُمَ بيعها.
4- استثنى جمهور العلماء، الشعر، والوبر، والصوف، والريش من الميتة، لأنه ليس له صلة بها ولا تحله الحياة، فلا يكسب من خبثها.
أما جلدها، فهو نجس قبل الدبغ، لكن بعد أن يدبغ دبغا جيدا، ويزيل الدباغ فضلاته الخبيثة، فإنه يحل ويطهر عند الجمهور. وبعضهم يقصر استعماله على اليابسات.
والأول أولى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يطهره الماء والقرَظ (1) "
5- تحريم بيع الخنزير: - ويحرم أكله وملامسته وقربه، فهو من الخبائث التي هي مفسدة محضة، لا مصلحة فيها، فضرره على البدن والعقل عظيم، لأنه يسمم الجسد بأمراضه، ويورث آكله من طباعه الخبيثة، وهو مشاهد في الأمم التي تأكله، فقد عرفوا بالبرودة.
6- تحريم بيع الأصنام، لما تجره من شر كبير على العقل، والدين، باتخاذها وترويجها، محادة لله تعالى.
ومن ذلك الصليب، الذي هو شعار النصارى. والتماثيل التي تصنع للزعماء والوزراء.
ومنها أيضا هذه الصور التي تظهر في المجلات والصحف وغطها، لا سيما الصور الخليعة العارية الماجنة، التي فتنت الشباب وأثارت غرائزهم الجنسية.
ومنها الأفلام السينمائية، خصوصا المناظر الماجنة السافرة عن الدعارة والفجور.
فهذه كلها شر لا خير فيه، ومفسدة لا مصلحة فيها، ولكن ألف الناس المنكر، حتى صار معروفا. فالله المستعان.
7- أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. لا سيما إذا كانت المفاسد أرجح من
_________
(1) القرظ: ورق السلم، كانوا يدبغون به.
(1/481)

المصالح.
فإن مصالح شحوم الميتة، لم تبح بيعها، والمعاملة به، ولذا- لما عددوا له منافعها، لعلها تسوغ بيعها- قال: لا، هو حرام.
8- استعمال النجاسة على وجه لا يتعدى لا بأس به، فإنه لم ينههم عنه لما أعلموه به.
والضمير في قوله: " هو حرام " راجع إلى البيع، لا إلى الاستعمال.
9- أن التحيل على محارم الله، سبب لغضبه ولعنه، فإن من يأتي الأمر، عالما تحريمه، أخف ممن يأتيه متذرعاً إليه بالحيل.
لأن الأول معترف بالاعتداء على حدود الله ويرج له الرجوع والاستغفار.
وأما الثاني، فهو مخادع لله تعالى، وبحيلته هذه سيصر على آثامه، فلا يتوب، فيكون محجوبا عن الله تعالى.
10- أن الحيل هي سنة اليهود، المغضوب عليهم.
11- أن حبهم للمادة قديم، حملهم على الحيل ونقض العهود وغشيان المحرمات، ولا يزالون في غيهم يعمهون، شتت الله شملهم.
قلما ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم تحريم هذه الأشياء، ذكروا له منافع في شحم الميتة يأتونها، لعله يستثنى تحريمها من هذه الأشياء المحرمة، لهذه المنافع المقصودة، فقال: لا تبيعوها فإن بيعها حرام، لا تسوغه هذه المنافع. ولم ينههم عن استعمالها فيما ذكروه.
ثم من كان رأفته ونصحه بأمته، حذرهم مما وقع فيه اليهود من استحلال المحرمات بالحيل الدنيئة السافرة، لئلا يقعوا مثلهم فيما يشبهها، فدعا على اليهود باللعن ليشعر أمته عظيم جريمتهم بارتكاب الحيل.
وبين لهم أنه تعالى لما حرم على اليهود الشحوم، عمدوا- من مخادعتهم الله تعالى وعبادتهم للمادة- إلى أن أذابوا الشحم المحرم عليهم كله وباعوه، وأكلوا ثمنه، وزعموا بهذا، أنهم لم ارتكبوا معصية، فهم لم يأكلوا الشحم، وإنما أكلوا ثمن الشحم، وهذا هو التلاعب بأوامر الله تعالى ونواهيه، والاستخفاف بأحكامه وحدوده.
ولقد أصابنا ما أصابهم من ارتكاب الحيل، ومخادعة الله تعالى، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: " لَتَركبُن سنن مَنْ كَان قبلكُم حَذوَ القُذةِ يالقُذةِ (1) . حَتى لَو دخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلتُمُوهُ " فالله المستعان.
_________
(1) القذة: الريشة التي توضع في مؤخرة السهم الذي يرمى به، وقد كانوا يلائمون ما بين الريش الذي يكون في آخره ...
(1/482)

ونسأل الله تعالى العصمة والهداية، وأن يرينا الحق حقا وارزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
12- تحريم الحيل، وأنها لا تغير الحقائق، ولو سميت الأشياء بغير أسمائها وأزيلت بعض صفاتها.
13- أن الشرع جاء. بكل ما فيه الخير والحذر من كل ما فيه شر أو رجح شره على خيره.
14- أن المحرمات المعدودة في الحديث نماذج لأنواع الخبائث المحرمة، التي يعود ضررها على الدين، أو العقل، أو البدن، أو الطباع والأخلاق.
فكأن هذا الحديث سيق لبيان أنواع الخبائث (1) .

بابُ السَّلَم
السلم: - هو السلف، وزنا ومعنى، وسمى سلما، لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفا، لتقديمه.
وتعريفه شرعا: عقد على موصوف في الذمة، مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد. وبهذا التعريف يعلم أنه نوع من البيع.
والأصل في جوازه، الكتاب، والسنة، والإجماعِ، والقياس الصحيح. فأما الكتاب فقوله تعالى: {يَا أيهَا الذي آمَنُوا إذا تداينتم بدين إلَى أجَل مُسَمى فَاكْتُبُوهُ} قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مُسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية.
وأما السنة، فمنها حديث الباب الآتي. وإما الإجماع، فلم ينقل عن أحد من العلماء منعه. قال الشافعي: أجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت.
وهو على وفق القياس والمصلحة للبائع والمشترى.
فالبائع ينتفع بشراء السلعة بأقل من قيمتها حاضرة. والمشترى ينتفع بتوسعه بالثمن. وقد اشترطت فيه الشروط، التي تحقق فيه المصلحة، وتبعده عن الضرر والغرر. حيث شرط قبض الثمن بالمجلس لتحصل الفائدة من التوسعة، وشرطه العلم بالعوضين والأجل، وضبط المسلم فيه بمعايير الشرعية، لإبعاد النزاع والمخاصمات. ولا فرق بين تأجيل الثمن وتأجيل المثمن، فكلاهما وفق القياس والمصلحة، والشرع لا يأتي إلا بالخير.
_________
(1) من هذا المعنى أخذت الترجمة، التي جعلناها مقدمة لهذا الحديث ا. هـ شارح.
(1/483)

وقد ظن بعض العلماء خروجه عن القياس، وعدوه من " باب بيع ما ليس عندك " المنهي عنه في حديث حكيم بن حزام، وليس منه في شيء.
فإن حديث حكيم يحمل على بيع عين معينة ليست في ملكه، وإنما ليشتريها من صاحبها فيعطيها المشترى، فهذا غرر، وعقد على غير مقدور عليه.
أو يحمل على السلم، الذي يظن المسلم أنه لا يتمكن من تحصيله وقت حلول الأجل.
فأما السلم الذي استوفى شروطه، فليس من الحديث في شيء، لأن متعلقه الذمم لا الأعيان. فهو على وفق القياس. والحاجة داعية إليه. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن ثلاثا فيهن البركة، ذكر منها [البيع إلى أجل] والسلم منه.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ رَضىَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ الْمَدِينة وَهمْ يُسْلِفون في الثّمَارِ السنةَ والسنتين وَا لثَّلاثَ.
فقال: " مَنْ أسلَفَ في شَيءٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْل مَعْلُوم، وَوَزْنٍ مَعْلُوم، إلَى أجل مَعْلُوم ".
المعنى الإجمالي:
قدم النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا، فوجد أهل المدينة- لأنهم أهل زروع وثمار- يسلفون. وذلك بأن يقدموا الثمن ويؤجلوا المثمن في الثمار، مدة سنة، أو سنتين، أو ثلاث سنين، فأقرهم صلى الله عليه وسلم على هذه المعاملة ولم يجعلها من باب بيع ما ليس عند البائع المفضي إلى الغرر، لأن السلف متعلقه الذمم لا الأعيان. ولكن بين صلى الله عليه وسلم لهم في المعاملة أحكاما تبعدهم عن المنازعات والمخاصمات التي ربما يجرها طول المدة في الأجل فقال: من أسلف في شيء فليضبط قدره بمكياله وميزانه، الشرعيين المعلومين، وليربطه بأجل معلوم، حتى إذا عرف قدره وأجله، انقطعت الخصومة والمشاجرة، واستوفى المشترى حقه بسلام.
ما يستفاد من الحديث:
يشترط في السلم ما يشترط في البيع، لأنه أحد أنواعه.
فلابد أن يكون العقد من جائز التصرف، مالك للمعقود عليه، أو مأذون
له فيه، ولابد فيه من الرضا، وأن يكون المسلم فيه مما يصح بيعه، ولابد فيه من القدرة عليه وقت حلوله، وأن يكون الثمن والمثمن معلومين.
ويزيد السلم على هذه الشروط شروطاً ترجع إلى زيادة ضبطه وتحريره، لئلا تفضي المعاملة إلى الشجار والمخاصمة، ونأخذ أهم هذه الشروط من الحديث الذي معنا.
(1/484)

1- أن يبين قدر المسلم فيه بمكياله أو ميزانه الشرعيين، إن كان مكيلا أو موزوناً، أو بذرعه، إن كان مما يُذْرَعُ، أو بِعَدّهِ إن كان مما يُعَد، ولا يختلف المعدود بالكبر أو الصغر أو غيرهما، اختلافاً ظاهراً.
2- أن يكون مؤجلا، ولابد في الأجل أن يكون معلوما، فلا يصح حالاُّ، ولا إلى أجل مجهول.
3- أن يقبض الثمن بمجلس العقد، وهذا مأخوذ من قوله: "فَلْيُسْلِفْ " لأن السلف هو البيع، الذي عُجلَ ثمنه وأجلِ مثمنه.
4- أن يسلم في الذمة لا في الأعيان، وهذا هو الذي سوَغ العقد، وإن كان وفاؤه من شيء غير موجود عند البائع، وإنما يستوفى من ثمار أو زروع لم توجد وقت العقد.
وبهذا تبين أن السلم لم يتناوله النهى في قوله " ولا تبع ما ليس عندك " وأن العقد عليه وفق القياس. هذه أهم شروطه المعتبرة.
وقد شدد فيه بعض الفقهاء بذكر قيود وحدود، ليس عليها دليل واضح.

بَابُ الشروط في البَيْع
والأصل في الشروط، الصحة، والتزامها لمن شرطت عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: " الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطاً أحَلَّ حَرَاماً أوْ حَرّمَ حَلالا ".
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رَضِ الله عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْني بَريرةُ فَقَالَت: كاتَبْتُ أهلي عَلَى تِسْعِ أوَاقٍ. في كُل عَام أوقيةٌ، فَأعِينِيِي.
فَقُلْتُ: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أعُدّهَا لَهُمْ وَوَلاؤكِ لي، فَعَلْتُ.
فَذَهَبَتْ بَرِيرَة إلى أهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأبَوْا علَيْهَا.
فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِس.
فَقَالَتْ: إني عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأبَوْا إلا أنْ يَكُونَ لَهُم الْوَلاءُ.
فَأخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " خُذِيهَا واشتَرِطِي لَهُمُ الوَلاء، فَإنمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ".
فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُم قَامَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي الناس. فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ،
(1/485)

ثُمَّ قَالَ: " أمّا بَعْدُ، فَمَا بَال رِجَال يَشترِطُونَ شرُوطاً لَيسَتْ فِي كِتَابِ الله؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيسَ فِي كِتَاب الله فَهُوَ بَاطِل، وإن كانَ مِائَةَ شرْط. قَضَاءُ الله أحَق، وَشرْط الله أوْثقُ، وَإنَمَا الوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ.
الغريب:
كاتبت: مشتقة من الكتب، وهو الجمع، لأن نجوم أقساطها جمعت على العبد
أواق: الأوقية أربعون درهماً، وتقدم ضبطها بالعملة الحاضرة في الزكاة.
وولاؤك لي: الولاء، هو النصرة، لكن خص في الشرع بالعتق الذي هو تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق.
فما بال: حال.
في كتاب الله: أي في شرعه الذي كتبه على العباد وحكمه العام.
وإن كان مائة شرط: لم يقصد بالمائة التحديد، وإنما قصد التوكيد والمبالغة للعموم، ويدل على ذلك قوله: "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، قضاء اللَه أحق وشرط الله أوثق ".
أحق وأوثق: جاءا على صيغة التفضيل وليسا علىٍ بابهما بمعنى أن في كل من الجانبين حقاً ووثاقه، وإنما جاءت الصيغتان مرادا بهما "أن قضاء اللَه هو الحق، وشرط الله هو القوى". فهما صفتان مشبهتان.
المعنى الإجمالي:
هذا حديث جليل عظيم، لما اشتمل عليه من الأحكام، ولما حوى من الفوائد.
ولقد أفرده بعض العلماء بالتصنيف، واستخرجوا منه ما يزيد على أربعمائة حكم وفائدة.
ونحن نجمل أهم الأحكام التي يدل عليها.
فملخص القصة، أن أمة لأحد بيوت أهل المدينة يقال لها (بريرة) كاتبت أهلها، بمعنى اشترت نفسها من سادتها بتسع أواق من فضة، تسلم لهم كل عام أوقية واحدة، وكانت تخدم عائشة، ولها بها صلة ومعرفة.
فجاءتها تستعينها على وفاء كتابتها لتخلص من الرق، لأن المكاتب رقيق، ما بقى عليه درهم واحد.
فمن رغبة عائشة رضى اللَه عنها في الخير، وكبير مساعدتها في طرق البر، قالت لبريرة: اذهبي إلى سادتك فأخبريهم أني مستعدة أن أدفع لهم أقساط كتابتهم مرة واحدة ليكون ولاؤك لي خالصاً.
فأخبرت بريرة سادتها بما قالته عائشة، فأبوا ذلك إلا أن يكون لهم الولاء، لينالوا به الفخر حينما انتسب إليهم الجارية وربما حصلوا به نفعا مادياَ، من إرث ونصرة وغيرهما.
فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم باشتراطهم، فقال: اشتريها منهم،
(1/486)

واشترطي لهم الولاء، فهذا اشتراط باطل لن ينفعهم، فإنما الولاء لمن أعتق.
وهم قد أقدموا على هذا الاشتراط طمعا في حطام الحياة الدنيا غير مبالين بالحدود والأحكام الشرعية. فاشترتها عائشة على هذا.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب في الناس فحمد الله وأثنى عليه- كعادته في الأمور الهامة والخطب- ثم انتقل من الثناء على الله تعالى بقوله: " أما بعد " إلى زجر الناس عن الشروط المحرمة المخالفة لكتاب الله تعالى فقال: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست من أحكام الله وشرعه، وإنما هي من دافع الطمع والجشع، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، مهما كثر وَأكد ووُثق، فإن قضاء اللَه تعالى أحق بالاتباع، لأنه الذي على وفق الحق والعدل، وهو يأتي بمصالح العباد ويدفع مضارهم، وشرط اللَه الذي ارتضاه لخلقه هو القوىُ، وما سواه واه ضعيف، وإنما الولاء لمن أعتق، وليس للبائع ولا لغيره.
ما يستفاد من الحديث:
1- مشروعية مكاتبة العبد، لأنها طريق إلى تخليصه من الرق وفك رقبته، خصوصاً مع قوة العبد على الكسب وصلاحه، وحسن تصرفه، ففيها أجر كبير. قال تعالى: {فَكاتبوهم إنْ عَلِمتُم فيهم خَيْراً} .
2- أن الكتابة تكون مؤجلة على أقساط يدفعها العبد شيئا فشيئا.
لأنه حين عقد الكتابة- لا يملك شيئا، فصار التأجيل فيها لازما، ومن هنا أخذ بعض العلماء معناها.
3- جواز تعجيل تسليم الأقساط المؤجلة لتخليص المكاتب من الرق عاجلا، وهو مأخوذ من استعانة " بريرة " بعائشة على ذلك.
4- جاز بيع المكاتب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة في شرائها، وبريرة لم تأت عائشة إلا لطلب العون.
وقد منعه بعض العلماء، ويحتاجون إلى جواب عن هذا الحديث، ولا جواب عندهم يكفي للعدول عنه.
وممن قال بجواز بيعه، الإمام أحمد رحمه الله تعالى
5- أن شرط الولاء في البيع باطل، لأن الولاء للمعتق لا للبائع، فهو لحمة كلحمة النسب، يعد نفعه على من أنعم على العتيق بالعتق، لا على من باعه وأحذ ثمنه، فهذا من تمام عدل الله في أحكامه. وأما البيع فصحت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبطل العقد بما اشترطه أولياء بريرة على عائشة، وإنما أفاد أن الشرط باطل.
6- أخذ العلماء من هذا الحديث أن البائع إذا اشترط على المشترى عتق العبد الجميع فإن الشرط صحيح، ويجب على المشتري أن يعتقه فإن لم يفعل أعتقه الحاكم، لأن العتق حق الله تعالى، وهو متشوف إلى عتق الرقاب.
(1/487)

7- أشكل على العلماء إذْنُ النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة بشراء بريرة من أهلها، مع موافقتهم على اشتراط الولاء لهم وهو شرط باطل مع اتفاق العلماء على تكريم النبي صلى الله عليه وسلم عن قصد تغريرهم، فذهبت في تأويل ذلك مذاهب كثيرة.
وأحسنها أن يقال: إن سياق القصة يفهم منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين هذا الحكم، وأن الولاء للمعتق لا لغيره. فأراد هؤلاء البائعون أن يشترطوا الولاء طمعاً به، لما يعود به عليهم من النفع.
ولعل الذي سوَّغ لهم الإقدام عليه، أن عقد الكتابة قد تم، وقد سلم بعض نجومه.
فتوهموا أن هذا يُخَوّل لهم اشتراط الولاء، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم غضب أن يُتَلاعَبَ بكتاب الله وأحكامه بأدنى الشبهِ.
فقام ووعظ الناس، وبين لهم أن كل شرط ليس في شرع الله، فهو باطل مهما كَثُرَ، ومهما أكد، لأن الخير والعدل في اتباع شرعه، والشر والظلم في الابتعاد عنه. وفقنا الله لاتباعه.
اعتراض: قد يرد على هذا التخريج فيقال: إذا كان هذا شرطا باطلا معلوم البطلان، قد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من اشتراطه، فكيف اشترطت عليهم عائشة أن الولاء لها؟.
ولعَل الجواب أن الحكم قد اشتبه عليها مع وجود الكتابة وتسليم بعض الأقساط، فأرادت أن تحتاط لنفسها باشتراط ما تظن أن الشارع ملكها إياه.
وحين أبوا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بإبائهم، فكان الغضب منصبا على الذين يريدون شرطا مخالفا لحكم الله، مع أنه ربما كان قد وقع منهم بتأويل بعيد.
ولم أر هذا الاعتراض وجوابه لأحد، فالله أعلم.
8- استحباب تبيين الأحكام عند المناسبات، وأن يكون في المجامع الحافلة.
9- افتتاح الخطب، بحمد الله، والثناء عليه، لتحل بها البركة، ولتكون أولى بالقبول، من إيرادها جافة.
10- استحباب إتيان الخطيب" أما بعد" لأنها تشعر بانتقال الخطيب من موضوع إلى آخر، وتزيد الكلام حلاوة وطلاوة
11- أنه يراد بكتاب الله، أحكامه وشرعه.
12- أن كل شرط لم يأذن الله به فهو باطل مردود، وإن كثرَ وأكدَ.
13- ليس المقصود بالمائة الشرط، التحديد فإن زيد عليها جازت الشروط.
(1/488)

وإنما المراد المبالغة والتعظيم كقوله تعالى في حق المنافقين الذين لن يغفر لهم {استغفرْ لَهم أولا تَستغفرْ لَهُم إنْ تَستغفِرْ لَهُم سَبْعِينَ مَرة فَلن يَغفِرَ الله لهُم} .
14- أن أقضية الله وأحكامه، وشروطه، وحدوده، هي المتبعة.
وما عداها فلا يتبع ولا يركن إليه، لأنه على خلاف الحق والعدل.
15- أن الولاء للمعتق خاصة، فهو لحمة كلحمة النسب، يحصل بها التوارث والتناصر والتقارب.
16- أن العتق سبب الولاء بأي طريق كان، سواء أكان لمكاتبة، أم لكفارة أم مقصودا به البر الإحسان.
17- أن الشروط التي على خلاف مقتضى العقد، فاسدة بنفسها، غير مفسدة للعقد. فإن عقد البيع يقتضي أن يكون الولاء للمشترى الذي أعتق، فشرط الولاء لغير المعتق خلاف مقتضى العقد، فيكون فاسدا.
ملخص من كلام ابن تيمية حول الشروط الصحيحة، والفاسدة:
ذكر رحمه الله أن الذي يمكن ضبطه منها قولان:
أحدهما أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته، وهو قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، كثير من أصول الشافعي، وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد، فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس، وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل. أما أهل الظاهر فلم يصححه لا عقداً ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي ألا يصح في العقود شروط يخالف مقتضاها في المطلق. والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثنى مواضع للدليل الخاص، وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي.
وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر ويوسعون في الشروط أكثر منهم، لقولهم بالقياس، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي يتفردون بها عن أهل الظاهر وحجة هؤلاء ما
(1/489)

جاء في قصة بريرة " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" فكل شرط ليس في القرآن ولا في الإجماع فهو مردود.
والحجة الثانية أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء، لأن العلة فيه كونه مخالفا لمقتضى العقد، لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع.
فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع، بمنزلة تغيير العبادات، وهذه نكتة القاعدة: وهى أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغير للمشروع.
والقول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا، ونصوص أحمد المنصوص عنه أكثرها تجري على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط منه. وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس، ولا يعارض بكونه شرطا يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص، وكان قد بلغه من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ما تجده عند غيره من الأئمة بهذا الخصوص.
وقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بالوفاء بالعهود والمواثيق والشروط والعقود وأداء الأمانة ورعاية ذلك، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده، ومقصود العقد هو الوفاء به، وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَه صلى الله عليه وسلم " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم " قال الترمذى: حديث حسن صحيح.
وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، وهو حقيقة المذهب. والمشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبا بدونه، فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما، فما كان مباحا بدون الشرط فالشرط يوجبه، والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث أن اشتراط الزيادة على مطلق القيد واشتراط النقص جائز ما لم يمنع منه الشرع.
(1/490)

الحديث الثاني
عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ الله رَضيَ الله عَنْهُمَا: أنهُ كَانَ يَسِيُر عَلَى جَمَل فَأعْيَا، فأرَادَ أن يُسَيبهُ.
قال: فَلَحَقَني النبي صَلى الله عليه وَسِلمَ فَدعَا لي، وَضَرَبهُ فَسارَ سيْراً لَم يَسِرْ مِثلَهُ قَطْ، فقالَ: " بعْنِيهَ بأوقِية " قُلْتُ: لا. ثم قال: " بعْنِيه " فَبِعْتُهُ بأوقِيةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إلَى أهلي.
فَلَما بَلَغْتُ، أتَيتهُ بَالجَمَلِ، فَنَقَدَني ثمَنَهُ. ثُم رَجَعْتُ. فَأرْسل في أثرِي فَقَالَ: " أتراَني مَاكَستكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خذْ جَمَلَكَ وَدرَاهِمَكَ، فهُوَ لَكَ".
الغريب:
فأعيا: أعيا الرجل أو البعير، إذا تعب وَكَل من الَمشي، يستعمل لازما ومتعدياً، تقول: أعيا الرجل، وأعياه الله.
أن يسيبه: أن يطلقه، ليذهب على وجهه.
حُمْلانه: بضم الحاء وسكون الميم، أي حمله البائع.
أتراني: بضم التاء، أي أتظنني.
ماكستك: المماكسة: - المكالمة في البيع والشراء، لطلب الزيادة، أو النقص في الثمن.
المعنى الإجمالي:
كان جابر بن عبد الله رضى الله عنهما مع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى غزواته، وكان راكباً على جمل قد هزل فأعيا عن السير ومسايرة الجيش حتى إنه أراد أن يطلقه فيذهب لوجهه، لعدم نفعه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم من رأفته بأصحابه وبأمته- يمشى في مؤخرة الجيوش، رِفْقاً بالضعيف، والعاجز، والمنقطع. فلحق جابراً وهو على بعيره الهزيل، فدعا له وضرب جمله، فصار ضربه الكريم الرحيم قوةً وعوناً للجمل العاجز، فسار سيراً لم يسر مثله. فأراد صلى الله عليه وسلم من كرم خلقه ولطفه- تطييب نفس جابر ومجاذبته الحديث المعين على قطع السفر، فقال: بعنيه بأوقية.
فطمع جابر رضى الله عنه بفضل الله وعلم أن لا نقص على دينه من الامتناع من بيعه للنبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا لم يدخل في الطاعة الواجبة، إذ لم يكن الأمر على وجه الإلزام. ومع هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد عليه الطلب فباعه إياه بالأوقية واشترط أن يركبه إلى أهله في المدينة، فقبل صلى الله عليه وسلم شرطه. فلما
وصلوا، أتاه بالجمل، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الثمن. فلما رجع أرسل في أثره فرجع إليه وقال له: أتظنني بايعتك طمعا في جملك لآخذه منك؟ خذ جملك ودراهمك فهما لك. وليس هذا بغريب على كرمه وخلقه ولطفه، فله المواقف العظيمة صلى الله عليه وسلم.
(1/491)

ما يستفاد من الحديث:
1- أن الأحسن للقائد والأمير أن يكون في مؤخرة الجيش والقافلة، انتظارا للعاجزين والمنقطعين. وكما في الحديث " الضعيف أمير الركب ".
2- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، ورأفته بأمته.
فحين رأى جابراً على هذه الحال، أعانه بالدعاء، وضَرْبِ الجمل الذي صار قوة له على السير بإذن الله تعالى.
3- معجزة كبرى من معجزاته صلى الله عليه وسلم ناطقة بأنه رسول الله حقا، إذ يأتي على هذا الجمل العاجز المتخلف، فيضربه فيسير على إثر الضرب هذا السير الحسن ويلحق بالجيش.
4- جواز البيع والشراء من الإمام لرعيته.
5- أن الامتناع على النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه القصة، لا يُعَد إثما وعقوقاً وتركا لطاعته، فإن هذه عنه، ليست على وجه الإلزام والتحتيم، وإنما على وجه التخيير والترغيب.
ومثلها قصة بريرة، حين شفع إليها أن ترجع إلى زوجها " مغيث " فقد سألته: أتأمرني بذلك؟ فقال: بل شافع. فقالت: لا حاجة لي به. فقد فهم الصحابة رضى الله عنهم أن مثل هذه الأشياء لا تلزم الإجابة، وإلًا لكانوا أسرع الناس إلى الامتثال.
6- أخذ من هذا الحديث " ابن رجب " رحمه الله، قاعدة عامة وهى: أنه يجوز للإنسان نقل الملك في شيء، واستثناء نفعه، المعلوم، مدة معلومة. وهذا يعم كل شيء من إجارة، وهبة، ووقف، ووصية، إلا بُضْعَ الأًمَة فلا يجوز استثناؤه، لأنها منفعة لا تحل إلا بالزوجية أو ملك اليمين.
7- جواز البيع واستثناء نفع المبيع، إذا كان النفع المستثنى معلوما.
وهذه المسألة جزء من القاعدة السابقة. وفى هذا خلاف يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: - هل يجوز للبائع أن يشترط نفعا معلوما في المبيع- كسكنى الدار المبيعة شهراً؟ وهل يجوز- أيضا- للمشترى أن يشترط على البائع نفعه المعلوم في المبيع، كأن يشترط عليه حمل ما اشتراه منه إلى موضع معين، أو خياطة الثوب المبيع ونحو ذلك؟
فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. إلى عدم صحة العقد والشرط- إلا أن " مالكا " أجاز شرط الحمل على الدابة إلى المكان القريب.
(1/492)

وذهب الإمام " أحمد " إلى جواز شرط واحد فقط، ووافقه على رأيه إسحاق، وابن المنذر، والأوزاعى، وإن جمع في العقدين شرطين بطل البيع.
وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن البيع صحيح مع الشروط العائدة للبائع من منافع معلومة في المبيع، أو عائدة للمشترى من منافع معلومة في المبيع من البائع.
واختار هذه الرواية شيخ الإسلام والمسلمين أبو العباس (ابن تيمية) ، وتلميذه شمس الدين " ابن القيم ".
ونصرها وأكدها شيخنا العلامة المحقق " عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي"، رحمهم الله جميعاً والمسلمين.
وهذا ما أعتقد صحته، كما يأتي تبيين أدلة العلماء، رحمهم الله تعالى، ومآخذهم.
أدلة المذاهب السابقة:
استدل الأئمة الثلاثة على ما ذهبوا إليه، بما رواه الخمسة عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن الثنيَا إلا أن يعلم ". وبما رواه الترمذى وصححه، والنسائي، وابن ماجة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل شرطان في بيع ". وقد روى أبو حنيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع وشرط " وفسروا الشرطين في البيع، والشرط فيه بمثل هذه الشروط، التي يشترطها البائع أو المشترى على الآخر مما فيه مصلحة المبيع، أو منفعة البائع، كاشتراط خياطة الثوب، أو تفصيله، أو تكسير المشترى الحطب، أو حمله، أو استثناء نفع معلوم في المبيع للبائع، كسكنى الدار المبيعة، أو حمل الدابة ونحو ذلك.
وأجابوا عن حديث جابر الذي معنا، بأن المبايعة ليست حقيقية، وإنما أراد كلية أن ينفع جابراً بالهبة، فاتخذ بيع الجمل ذريعة إلى ذلك بدليل ذلك قوله: " أتراني ماكستك لاَخذ جملك؟ " وأجاب بعضهم إلى أن اختلاف الرواة في ألفاظ حديث جابر، مما يمنع الاحتجاج به على هذا المطلب، فإن بعض ألفاظه " بعته واشترطت حملانه إلى أهلي " وفى لفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاره ظهره إلى المدينة ". وفى لفظ قال: " بعت النبي صلى الله عليه وسلم جملا فأفقرني ظهره إلى المدينة " والإفقار إعارة الظهر.
أما أدلة الذين يرون جواز اشتراط البائع المنافع المعلومة في البيع، أو اشتراط المشترى على البائع المنافع العائدة على المبيع، فكثيرة.
(1/493)

منها: قوله عليه الصلاة والسلام: " المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحلَّ حراماً، أو حرم حلالا " وهذه ليست مما يحل حراماً، ولا مما يحرم حلالا.
ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم " نهى عن الثنيا إلا أن يعلم "، وهذه شروط واستثناءات معلومة، فتكون غير داخلة في النهى.
ومنها- حديث جابر، الذي معنا، إذ شرط على النبي صلى الله عليه وسلم ظهر جمله إلى المدينة. وليس في هذه الشروط شيء من المحاذير، كالربا، والغرر، والضرر، والظلم. فكيف تكون محرمة والأصل في المعاملات الإباحة، والسعة؟ وكما أنه لا مفسدة فيها، فليست- أيضا- وسيلة إلى المفسدة.
وأجابه عن أدلة المفسدين للعقد مع الشرط، بأن حديث " نهى النبي عن الثنيا إلا أن يعلم" مفهومه دليل من أدلتنا، فهو رد عليكم. وأما حديث نهى عن بيع وشرط، فلم يصح، وإنما الوارد " لا يحل شرطان في بيع ".
اختلاف العلماء:
واختلف العلماء في تفسير الشرطين. وأحسن ما فُسرا به، أن المراد بذلك "مسألة العينة". وهى أن يقول: " خذ هذه السلعة بعشرة نقداً، وآخذها منك بعشرين نسيئة ".
فهذا هو المعنى المطابق لمعنى الحديث، وهو نظير البيعتين في ييعة، الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: " من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسُهُماَ، أو الربا " وقد فسر ببيع العينة. ولا يحتمل حديث الشرطين في بيع، غير هذا المعنى. والمراد بالشرطين: الأول: العقد نفسه، فإنه عهد تشارطا على الوفاء به. والثاني: - ما صحبه من شرط العقد مرة أخرى بأزيد من الثمن الأول.
وأما حديث جابر، فلا يرد عليه أنه قصد به الهبة، لا البيع حقيقة. فإننا لو فرضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد البيع حقيقة، فلم يكن معلوما لـ" جابر " وهو الذي ابتدأ شرط ظهر الجمل، فكأن هذا الشيء معلوم جوازه لديهم.
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على شرطه، وهو لا يقر على باطل، لا في جد، ولا في هَزْلٍ. وأما الاعتراض على الحديث باختلاف الرواة في ألفاظه، فقد أجاب عن ذلك العلامة " ابن دقيق العيد " بما نصه: " هذا صحيح لكن بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها. أما إذا كان الترجيح واقعا لبعضها- لأن رواته أكثر وأحفظ- فينبغي العمل بها، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالاًقوى، والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح. فتمسك بهذا الأصل، فإنه نافع في مواضيع عديدة" ا. هـ.
(1/494)

وأما دليل مشهور مذهب الحنابلة، فالاقتصار في الاستدلال بحديث [ولا شرطان في بيع] .
والصحيح الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح له الضمير، الرواية التي اختارها شيخا الإسلام، ورجحها شيخنا "السعدي" لقوة أدلتها النقلية والقياسية، وعدم ما يعارضها. والله الموفق للصواب.
فائدة:
الشروط في البيع قسمان. أحدهما: ما هو منفعة في المبيع يستثنيها البائع، أو نفع من البائع في المبيع، يشترطه المشترى. وهذه هي مواطن الخلاف بين العَلماء، يتقدم الكلام فيها. والقسم الثاني: ما هو من مقتضى العقد، كالتقابض، وحلول الثمن. أو من مصلحة العقد، كاشتراط تأجيل الثمن، أو الرهن، أو الضمين. أو صفة في المبيع مقصودة، ككون العبد كاتباً أو صانعاً، أو الأمة بكراً، أو خياطة ونحو ذلك. فهذه الشروط لا خلاف في جوازها، كثرت أو قَلتْ.
الحديث الثالث
عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عَنْهُ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ أن يبيع حَاضِر لِبَادٍ، وَلا تَنَاَجَشُوا، وَلا يَبع الرجُلُ عَلَى بيع أخيه. وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ، وَلا تَسْأل المَرأة طَلاقَ أخْتِهَا لِتُكفِىءَ مَا في إنَاِئهَا (1) "
ما يستفاد من الحديث:
الكلام على بيع الحاضر للبادي، والنجش، وبيع الرجل على بيع أخيه، تقدم مفصلا في الحديثين رقم [252 و 253] ، بما أغنى عن إعادتها ههنا. وفيه من الفوائد الزوائد ما يأتي:
1- تحريم خطبة النكاح على خطبة أخيه، حتى يعلم أن الخاطب رُد عن طلبه، ولم يُجَبْ، لما تسبب الخِطْبة على خِطبةْ الغير من العداوة والبغضاء، والتعرض لقطع الرزق.
2- تحريم سؤال المرأة زوجها أن يطلق ضرتها، أو توغير صدره عليها، أو الفتنة بينهما، ليحصل بينهما الشر، فيفارقها، فهذا حرام، لما يحتوى عليه من المفاسد الكبيرة، من توريث العداوات، وجلب الإحن، وقطع رزق المطلقة، الذي كنى عنه بِكَفْءِ ما في إنائها من الخير، الذي سببه النكاح، وما يوجبه من نفقة وكسوة وغيرها من الحقوق الزوجية. فهذه أحكام جليلة وآداب سامية، لتنظيم حال المجتمع، وإبعاده عما يسبب الشر والعداوة والبغضاء، ليحل محل ذلك المحبة والمودة والوئام والسلام.
_________
(1) هذا لفظ البخاري ولـ " مسلم " نحوه ا. هـ شارح
(1/495)

بَابُ الرِّبا والصَّرْف
الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: {فإذا أنزلنَا عَلْيَها المَاءَ اهتزت وَرَبَتْ} يعنى زادت.
وفى الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة. وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. فأما الكتاب فمثل قوله تعالى {وَحرّمَ الربا} والسنة، في مثل الحديث، الذي لعن به صلى الله عليه وسلم [آكل الربا وموكله، وشاهده، وكاتبه] وهو متفق عليه. وقد أجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة (1) لما استندت عليه من النصوص.
وتحريمه: - مقتضى العدل والقياس، لأن التعامل به ظلم أو ذريعة إليه. والكون لا يقوم إلا بالعدل، الذي أوجبه المولى على نفسه، وألزم به خلقه ومضار الرِّبا ومفاسده لا تحصى.
منها: - تضخم المال بطريق غير مشروعة، لأنه تضخم على حساب سلب مال الفقير وضمه إلى كنوز الَغنى، وحسبك بهذا داء فتاكا في المجتمعات، وسبباً في الخصومات والعداوات، وهو أداة هدامة للنشاط والعمل الشريف، واستثمار الأرض، وإخراج طيباتها. وحدث لدينا معاملات في البنوك، وصناديق البريد، تجاسروا فيها على تعاطى الربا، وسموه بغير اسمه.
وهذا مصداق للحديث النبوي الشريف "يأتي على الناس زمان يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها".
وبسط هذه البحوث والرد عليها، له كتب غير هذا.
أما الصرف: فمادته تدور على التقلب والتغير في الأشياء.
قال في اللسان: "الصرف بيع الذهب بالفضة وبالعكس، أنه يتصرف به عن جوهر إلى جوهر" فهو بيع الأثمان بعضها ببعض.
الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخطَابِ رَضىَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم:
" الذًهَبُ بالذًهَبِ رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالفِضةُ بِالفِضةِ رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُر بِالبُر رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشعِيرُ بِالشعِير رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ. "
_________
(1) إذا قيل بالجملة، فالمراد كل الصور. وإذا قيل: في الجملة، فيراد بعض الصور ونحن عبرنا ب "في الجملة " إشارة إلى ما ورد من خلاف ضعيف في بعض صوره- ا. هـ. شارح.
(1/496)

الغريب:
إلا هاء وهاء: فيهما لغات، أشهرها المد وفتح الهمزة فيهما، ومعناه التقابض.
المعنى الإجمالي:
يبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، كيفية البيع الصحيح بين هذه الأنواع، التي يجرى فيها الربا، وهو أنه من باع ذهبا بفضة أو بالعكس، فلا بد من الحلول والتقابض في مجلس العقد، وإلا لما صح العقد، لأن هذه مصارفة، يشترط لدوام صحتها التقابض.
كما أن من باع- برا بِبُر، أو شعيرا بشعير، فلابد من التقابض بينهما، في مجلس العقد لما بين هذه الأنواع من علة الربا المفسدة للعقد، إذا حصل التفرق قبل القبض.
ما يستفاد من الحديث:
1- تحريم بيع الذهب بالفضة أو العكس، وفساده إذا لم يتقابض المتبايعان قبل التفرق من مجلس العقد، وهذه هي المصارفة.
2- تحريم بيع البر بالبر، أو الشعير بالشعير. وفساده، إذا لم يتقابض المتبايعان قبل التفرق من مجلس العقد.
3- صحة العقد إذا حصل القبض في المصارفة. أو بيع البر بالبر، أو الشعير بالشعير، في مجلس العقد.
4- يراد بمجلس العقد مكان التبايع، سواء أكانا جالسين، أم ماضيين، أم راكبين. ويراد بالتفرق ما يُعَد تفرقا عرفا، بين الناس.
الحديث الثاني
عَنْ أبي سَعيد الخُدرِىّ رَضيَ الله عَنهُ: أنَ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:
" لا تَبِيعُوا الذهَبَ بالذهَبِ، إلا مِثْلا بمثل، وَلا تُشِفوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض. وَلا تَبِيعُوا الورِقِ بِالوَرِقِ إلا مِثْلا بِمِثْلٍ وَلا تُشفوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض وَلَا تَبِيعُوا مِنْها غَائباً بنَاجِز ".
وفى لفظ: " إلا يَداً بيدٍ ". وفي لفظ: " إلا (1) وَزْناً بِوَزْنٍ مِثلا بِمثْلى سَواءً بِسَواء".
_________
(1) وله وفى لفظ "إلا وزنا بوزن " ذكر الوزن من أفراد "مسلم " نبه عليه عبد الحق في كتابه "الجمع بين الصحيحين " ا. هـ شارح
(1/497)

الغريب:
1- الورق: هو الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
2- ولا تُشفُّوا بعضها على بعض: بضم أوله، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء. أي لا تفضلوا بعضها على بعض. وهو رباعي من " أشف " و " الشف " بالكسر، الزيادة، ويطلق على النقص أيضاً، فهو من الأضداد.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث الشريف ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الربا بنوعيه: الفضل، والنسيئة.
فهو ينهى عن بيع الذهب بالذهب، سواء أكانا مضروبين، أم غير مضروبين، إلا إذا تماثلا وزناً بوزنْ، وأن يحصل التقابض فيهما، في مجلس العقد، إذ لا يجوز بيع أحدهما حاضراً، والآخر غائبا.
كما نهى عن بيع الفضة بالفضة، سواء أكانت مضروبة أم غير مضروبة، إلا أن تكون متماثلة وزناً بوزن، وأن يتقابضا بمجلس العقد.
فلا يجوز زيادة أحدهما عن الآخر، ولا التفرُّق قبل التقابض.
ما يستفاد من الحديث:
1- النهى عن بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، سواء أكانت مضروبة، أم غير مضروبة، أم مختلفة، ما لم تكن مماثلة بمعيارها الشرعي وهو الوزن، وما لم يحصل التقابض من الطرفين في مجلس العقد.
2- النهى عن ذلك يقتضي تحريمه وفساد العقد.
3- التماثل والتقابض بمجلس العقد، مشروط بين جميع الأموال الربوية، ويأتي بيان ما يجمعها إن شاء الله.
4- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رجل يداين الناس كل مائة بمائة وأربعين ويجعل سلفا على حرير: هذا هو عين الربا الذي أنزل فيه القرآن، وذكر أنه لا يستحق إلا ما أعطاهم أو نظيره أما الزيادة فلا يستحق شيئا منها. أما ما قبضه بتأول فيعفى عنه: وأما ما بقى في الذمم فهو ساقط لقوله تعالى: {وذروا ما بقى من الربا} .
(1/498)

اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على تحريم التفاضل (1) والنساء في جنس واحد من الأجناس، التي نص عليها حديث عبادة بن الصامت قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى ". رواه مسلم.
فهو نص في منع التفاضل في الجنس الواحد من هذه الأعيان المذكورة.
وأما منع النسيئة، فيستفاد من مثل حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَه صلى الله عليه وسلم: " الذهب بالذهب رباً، إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً، إلا هاء وهاء".
ويجوز بيع الجنس الواحد من هذه الستة بالجنس الآخر نَساء لبقية حديث عبادة " فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " وكل هذا مجمع عليه عند العلماء، إلا في الشعير مع البر، فقد رأى بعضهم أنَهما جنس واحد، والصحيح أنهما جنسان.
وقد ذهبت الظاهرية إلى أن الربا لا يتعدى هذه الأجناس الستة لنفيهمُ القياس.
وأما جمهور العلماء فقد عَدّوا الحكم إلى غيرها من الأشياء. واختلفوا في الأشياء الملحقة، تبعاً لاختلافهم في فهم العلة المانعة من التفاضل والنِّساء،
وقد اتفق العلماء على أن العلة في الذهب والفضة، غير العلة في الأربعة الباقية وأن لكل منهما علة واحدة. ثم اختلفوا في العلة.
فالرواية المشهورة عن الإمام أحمد، في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس وفى الأربعة الباقية، كونها مكيلة جنس، فيلحق بهما ما شابهما في العلة.
وبهذا القول قال النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق والحنفية. فعلى هذا يجرى الربَا في كل موزون، أو مكيل بيع بجنسه، سواء أكان مطعوماً، كالحبوب، والسكر، والأدهان. أم غير
_________
(1) إلا ما نقل عن ابن عباس في ربا الفضل، إن لم يكن رجع عنه كما قيل - ا. هـ شارح.
(1/499)

مطعوم، كالحديد، والصفر والنحاس، والأشنان ونحو ذلك. وغير المكيل أو الموزون
لا يجرى فيه، وأن كان مطعوما، كالفواكه المعدودة.
ويستدلون على ثبوت هذا التعليل عندهم، بما رواه أحمد عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين ".
وما رواه الدارقطنى عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما وُزِنَ مثلا بمثل، نوعاً واحدا. وما كيل، فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان، فلا بأس به ". فاعتبر، هنا، الكيل، أو الوزن في الجنس الواحد، لتحقق العلة.
وذهب الشافعي إلى أن العلة، الطعم والجنس، والعلة في الذهب والفضة، كونهما ثمنين للأشياء، فيختص الحكم بهما. والدليل على ذلك، ما رواه مسلم، عن معمر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع الطعام بالطعام، إلا مثلا بمثل ".
فقد علَّق الحكم باسم الطعام، فدل على العلة واشتقاقها. ووافق الإمام مالك الشافعي في النقدين، أم غيرهما، فالعلة عنده فيه ترجع إلى الجنس والادخار، والاقتيات. وكذلك ما يصلح الطعام من التوابل. ويرون أن الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث جاءت للتنبيه على ما في معناها، ويجمعها كلها الاقتيات والادخار.
فالبر، والشعير، لأنواعْ الحبوب. والتمر لأنواع الحلويات، كالسكر والعسل، والملح، لأنواع التوابل.
وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد هي مذهب الإمام الشافعي في القديم، وقال بها سعيد بن المسيب. وهى أن العلة في الأربعة المذكورة في الحديث: الطعم، والكيل أو الوزن فلا يجرى الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالرمان والحض، والبطيخ.
كما لا يجرى في مكيل أو موزون لا يطعم. فلابد من اعتبار الأمرين، لأن الكيل وحده، أو الوزن وحده، لا يقتضي وجوب المماثلة، كما أن الطعم
وحده لا تتحقق به المماثلة، لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تتحقق المماثلة في المعيار الشرعي الذي هو الكيل والوزن.
(1/500)

وبهذا القول تجتمع الأحاديث الواردة في هذه المسألة، ويقيد كل حديث منها بالآخر.
وقد اختار هذا القول [صاحب المغنى] والشارح عبد الرحمن بن أبي عمر، وشيخ الإسلام " ابن تيمية " رحمهم الله تعالى.
تلخيص:
قال في المغنى: فالحاصل إن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا. رواية واحدة كالأرز، والدخن والقطنيات، والدهن.
وهذا قول أكثر أهل العلم وعلماء الأمصار في القديم والحديث. وما يعدم فيه الكيل، والوزن والطعم، واختلف جنسه، فلا ربا فيه رواية واحدة. وهو قول أكثر العلماء، وذلك كالتين والنوى. وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل والوزن من جنس واحد، فيه روايتان.
واختلف أهل العلم فيه، والأولى- إن شاء الله- حِله، إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يقوى التمسك به، وهى- مع ضعفها- يعارض بعضها بعضا. فوجب إخراجها، أو الجمع بينها، والرجوع إلى أصل الحل، الذي يقتضيه الكتاب، والسنة، والاعتبار.
الحديث الثالث
عَن أبي سَعِيدٍ الخُدري رَضىَ الله عَنْهُ قَالَ: جَاءَ بلال إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم بِتَمْر بَرْنى، فَقَالَ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم: " مِنْ أين هذَا؟ ".
قَالَ بلال: كانَ عِنْدَنَا تَمْر رَدِيء، فَبِعتُ مِنْهُ صَاعَيْن بصَاع، لِيَطْعَمَ النًّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ.
فَقَالَ النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ عِنْدَ ذِلكَ " أوّهِ أوَّه، عَينُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لا تَفْعَلْ، وَلكِنْ إذَا أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ فبعِ التَّمْرَ بِبَيْع آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بهِ ".
الغريب:
بَرْني: من تمر المدينة الجيد، وهو معروف بها إلى الآن، بسره أصفر، فيه طول.
أوه أوه: كلمة يؤتى بها للتوجع، أو التفجع.
المعنى الإجمالي:
جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني جيد، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من جودته وقال: من
(1/501)

أين هذا؟
قال بلال: كان عندنا تمر، فبعت الصاعين من الردي بصاع من هذا الجيد، ليكون مطعم النبي صلى الله عليه وسلم منه.
فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتأوه، لأن المعصية عنده هي أعظم المصائب.
وقال: عملك هذا، هو عين الربا المحرم، فلا تفعل، ولكن إذا أردت استبدال رديء، فبع الرديء بدراهم، ثم اِشتر بالدراهم تمرا جيدا. فهذه طريق مباحة تعملها، لاجتناب الوقوع في المحرم.
ما يستفاد من الحديث:
1- تحريم ربا الفضل بالتمر، بأن يباع بعضه ببعض، وأحدهما أكثر من الأخر.
2- استدل بالحديث على جواز [مسألة العينة] وهى أن يبيع سلعة نسيئة، ثم يشتريها من المشترى بنقد أقل من ثمنها الأول، ويأتي الخلاف في ذلك وتحقيقه إنْ شاء الله تعالى.
3- استدل بالحديث على جواز [مسألة التورق] ، وهى أن يشترى ما يساوى مائة ريال، بمائة وعشرين مؤجلة لا لينتفع به بل ليبيعه وينتفع بثمنه، ويأتي تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى.
4- عظم المعصية، كيف بلغت من نفس النبي صلى الله عليه وسلم.
5- لم يذكر في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره برد البيع. والسكوت عن الرد، لا يدل على عدمه.
وقد ورد في بعض الطرق أنه قال: [هذا الربا فرِده] وقد قال تعالى: {فإنْ تُبتم فَلَكُم رُؤوس أمْوَاِلكُم لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُون} .
6- جواز الترفه في المأكل والمشرب، ما لم يصل إلى حد التبذير، والسرف المنهي عنه، فقد قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرمَ زِينَةَ الله التي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَيباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنيا} .
7- فيه بيان شيء من أدب المفتى.
وهو أنه إذا سئل عن مسألة محرمة، ونهى عنها المستفتى، أن يفتح أمامه أبواب الطرق المباحة، التي تغنيه عنها.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم المسألة العينة، التي تقدم شرحها.
فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، وأحمد وأتباعهم: إلى تحريمها. وهو مروى عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سنين، والشعبي، والنخعى، وهو مذهب الثوري، والاوزاعى.
(1/502)

لما روى أحمد، وأبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأخَذتُمْ أذنابَ البَقَرِ، ورَضيتُمْ بِالزَرعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلطَ الله عَلَيْكُم ذُلا لا يَنْزِعُهُ عنكم حَتى تَرْجِعُوا إلَى دِينكُم ".
وما رواه أحمد أيضاً [أن أم ولد زيد بن أرقم، أخبرت عائشة: أنها باعت غلاما من زيد، بثمانمائة إلى العطاء، ثم اشترته منه بستمائة درهم، فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب] .
والظاهر أنها لا تقول مثل هذا باجتهاد منها، لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأجاز الشافعي بيع العينة، أخذاً بعموم ما رواه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد، وأبى هريرة [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاء بتمر جنيب [طيب] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكُلَ تَمْرِ خَيبرَ هكَذَا؟ فَقالَ: لا والله، إنّا لَنَأخذُ الصَّاعَ مَن هذَا بِالصاعَيْن، وَالصَّاعَيْن بِالثَّلَاثَةِ] .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تَفْعَلْ، بع الجَمعَ [التمر الرديء] ثُم ابتعْ بالدراهم جنيباً ".
فعموم هذا الحديث يدل على أنه لا بأس أن يكون الذي اشترى منه التمر الرديء بدراهمه، هو الذي باع عليه التمر الطيب فعادت دراهمه إليه، لأنه لم يفعل.
وعند الأصوليين [أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال] .
أما [مسألة التورق] التي معناها، أن يشتري السلعة نسيئة لغير قصد الانتفاع بها، وإنما ليبيعها بثمنها، فالمشهور عند أصحابنا جوازها.
وكان شيخنا " عبد الرحمن السعدي " يجيزها، ويرى عموم هذا الحديث يتناولها بالحل.
وقال في أحد كتبه: "لأن المشترى لم يبعها على البائع عليه، وعموم النصوص تدل على
(1/503)

جوازها، وكذلك المعنى لأنه لا فرق بين أن يشتريها ليستعملها في أكل أو شرب، أو استعمال، أو يشتريها لينتفع بثمنها، وليس فيها تحيل على الربا بوجه من الوجوه، مع دعاء الحاجة إليها، وما دعت إليها الحاجة، وليس فيه محذور شرعي، لم يحرمه الشارع على العباد".
والرواية الثانية عن الإمام أحمد، التحريم، واختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية ".
وقال ابن القيم "وكان شيخنا- ابن تيمية- رحمه الله يمنع من مسألة التورق وسئل عنها مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها.
وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا، موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بالشراء والبيع والخسارة فيها".
والمانعون من "العينة" جعلوها من باب الذرائع المحرمة، وجعلوا الحديث من باب المطلق الذي يقيد بِصُوَر البيع الصحيح، وليس من باب العام، الذي يشمل كل صورة للبيع، حتى ولو كانت مع البائع.
وهكذا إطلاقات الشارع تدل على ما أذن فيه وأباح.
فإن قوله: "بع الجمع" مطلق، يقيد بالعقود الصحيحة، وليس بعام ليدخل فيه الصورة التي تعقد مع مشترى "الجمع" في هذا الحديث.
وبهذا تبين فساد قول الذين يحاولون الاستدلال على وجود الحيل في الشرع فإن الشارع لما نهاه عن معاملة محرمة، فتح أمامه الباب إلى معاملة غيرها مباحة، لا علاقة بينهما بوجه من الوجوه.
ومن أراد بسط هذا، فعليه ب " إعلام الموقعين " لابن القيم، رحمه لله تعالى.
الحديث الرابع
عَنْ أبي المِنْهَالِ قال: سَالتُ البَرَاءَ بنَ عازِب وَزَيْدَ بنَ أرْقمَ عَنِ الصرفِ، فَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: هذَا خَير مِنىٍ وَكِلاهُما يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ بيع الذَهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنا.
المعنى الإجمالي:
سأل أبو المنهال، البراء بن عازب، وزيد ين أرقم، عن حكم الصرف، الذي هو بيع الأثمان بعضها ببعض.
فمن ورعهما رضى الله عنهما، أخذا يتدافعان الفتوى، ويحتقر كل واحد منهما نفسه بجانب صاحبه.
ولكنهما اتفقا على حفظهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الذهب بالفضة
(1/504)

دَيناً، لاجتماعهما في علة الربا، فحينئذ لابد فيهما من التقابض في مجلس العقد، وإلا لما صح الصرف، وصار ربا بالنسيئة.
ما يستفاد من الحديث:
1- النهى عن بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، وهما أو أحدهما غائب، فلابد من التقابض في مجلس العقد.
2- صحة البيع مع التقابض في مجلس العقد، لأنه صرف.
3- المفسد للعقد إذا لم يحمل تقابض في المجلس، هو ما اجتمع فيه النقدان، من علة الربا.
4- ما كان عليه السلف رضى الله عنهم من الورع، وتفضيل بعضهم بعضا.
الحديث الخميس
عَنْ أبي بَكْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الْفِضةِ بِالْفِضَّةِ. وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ: إِلا سَوَاءً بِسَواءٍ.
وَأمرَنَا أنْ نَشْتَريَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كيف شِئْنَا وَنَشْتَرِيَ الذًهَبَ بِالْفِضةِ كَيْفَ شِئْنَا.
قال: فسأله رَجل فَقَالَ: يَداً بيد؟ فَقَالَ: هكَذَا سَمِعْتُ
المعنى الإجمالي:
لما كان بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متفاضلا رباً، نهى عنه ما لم يكونا متساويين، وزناً بوزن
أما بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، فلا بأس به، وإن كانا متفاضلين
على أنه لابد في صحة ذلك من التقابض في مجلس العقد، وإلا كان ربا النسيئة المحرم، لأنه لما اختلف الجنس جاز التفاضل، وبقى شرط التقابض، لعلة الربا الجامعة بينهما.
ما يستفاد من الحديث:
1- تحريم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متفاضلين، لاجتماع الثمن والمثمن، في جنس واحد من الاجناس الربوية
2- إباحة بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، بشرطين:
الأول: التماثل منهما، فلا يزيد أحدهما على الآخر.
والثاني: التقابض في مجلس العقد بينهما.
وما يقال في الذهب والفضة، يقال في جنس واحد من الأجناس الربوية، حينما يباع بعضه ببعض، كالبر بالشعير.
(1/505)

3- جواز بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب متفاضلين، ْ لكون كل واحد منهما من جنس غر جنس الآخر.
وكذا يقال في كل جنس بيع بغير جنسه من الأجناس الربوية، فلا بأس من التفاضل بينهما.
4- لابد في بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، من التقابض بينهما في مجلس العقد.
فإن تفرقا قبل القبض، بطل العقد، لاجتماعهما في العلة الربوية.
وكذا كل جنسين اتفقا فى العلة الربوية، وهى الكيل، أو الوزن مع الطعم، فلابد من التقابض بينهما في مجلس العقد.
اختلاف العلماء في (الأوراق البنكية) :
في هذه الأزمان الأخيرة، أخذ الناس يتعاملون بدل الذهب والفضة بالأوراق البنكية (الأنواط) .
فجعلوا لكل نقد (فئة) تقابلها، تحمل اسمها وقيمتها.
فاختلف الناس في حكمها وإليك الإشارة إلى أقوالهم، بطريق الإيجاز والاختصار.
فمنهم: من يرى أنها من بيع السندات والديون والصكوك، فحرم المعاملات بها إطلاقاً.
ومنهم: من يرى أنها عروض من عروض التجارة، فلا يجرى فيها الربا بنوعيه.
وهذا القول بتساهله مقابل للقول الذي قبله بشدته، الثاني يرى جواز بيع بعضها ببعض، وبيعها بأحد النقدين متفاضلة ونسيئة، وأنه لا مانع من ذلك، لأنه لا يجرى فيها الربا.
وهذان القولان في غاية الضعف.
فأما الأول: ففيه تشديد، وحرج وضيق، وطبع ديننا السماح، واليسر، خصوصاً في العادات والمعاملات.
والثاني: فيه فتح لباب شر كبير، وهو الربا بأنواعه، مع أنه لا يستند إلى شيء من تعليل صحيح.
ومنهم: من يرى أن حكمها، حكم النقدين، يجرى فيها ما يجرى فيهما من الأحكام.
وهذا له وجه من الصحة، لقوة مأخذه، ويستدلون على ذلك بأن البدل له حكم المبدل في كل شئ.
وأحسن الأقوال في ذلك وأعدلها وأقربها للصواب، هو أن نجعل حكمها حكم الفلوس.
فنجرى فيها ربا النسيئة، ولا نجرى عليها ربا الفضل.
فيجوز بيع بعضها ببعض، أو بأحد النقدين متفاضلة والمفاضلة هنا فيما تمثل من القيمة النقدية، أما المفاضلة في ذاتها فأمر لا يتضرر، ولا يجوز ذلك نسيئة.
(1/506)

وهذا قول وسط في الموضوع، وفيه توسعة على الناس، الذين اضطروا إلى التعامل بها، كما أن فيه أيضا سدا لباب ربا النسيئة، الذي هو أعظم أنواع الربا.
وبسط الموضوع يحتاج إلى بحث مستقل، لأنه حصل بها مجادلات طويلة.
ولشيخنا " عبد الرحمنٍ بن ناصر آل سعدي " رسالة في هذا البحث، نشرت في الصحف، ونشرت أيضا وحدها برسالة مستقلة، وهو يرجح القول الأخير.
بَابُ الرَّهن (1)
الرهن: بفتح الراء وسكون الهاء، وهو، لغة: - الثبوت والدوام.
فأخذ معناه الشرعي من هذا، لبقائه واستقراره عند المرتهن.
"تعريفه شرعا: جَعْلُ مال، توثقةً، بدين يستوفى منه، أو من ثمنه، إن تعذر الاستيفاء من ذمة الغريم.
وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح.
أما الكتاب فقوله تعالى: {إِنْ كنْتُمْ عَلَى سَفَر ولَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فِرِهَان مَقْبوضَةٌ} .
"أما السنة، فكثيرة، ومنها ما في البخاري عن أنس قال: " ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه بشعير " وفيها حديث الباب، وغيرهما كثير.
وأجمع المسلمون على جوازه، وإن اختلفوا في بعض مسائله.
كما أن الحاجة داعية إليه في كثير من المعاملات، إذ به يحصل التوثقة والاستيفاء..
أما فائدته، فكبيرة. لأنه من الوثائق التي يحصل منها الاستيفاء عند تعذر ذلك من الذٌمم، ويؤمن به من غدر المدين، ويحصل به الاطمئنان للدائن من مدينه.
وأكمل التوثق إذا قبض الرهن عند المرتهن، أو العدل الذي يرضى الراهن والمرتهن بقاءه بيده.
فإن لم يحصل قبضه، فالرهن صحيح لازم، ولكنه ناقص الفائدة، قليل الثمرة.
وقد أرشد الله إلى أكمل الحالات وأوثقها فقال: {فَرِهَان مقبوضة} .
_________
(1) لترجمة التي وضعها المصنف " باب الرهن وغيره " ويشير بلفظ "غيره " إلى عدة أبواب من أبواب الفقه، ذكر لكل باب منها حديث أو حديثين.
فمنها " الحوالة " و " الإفلاس " و " الشفعة "، فهو لم يعقد ترجمة من هنا إلى أن وصل إلى أحكام " اللقطة " فوضع لها ترجمة.
فرأيت تفصيل هذه المباحث، وتبين أحكام أحاديثها، بوضع تراجم، تعين على البيان والفهم وفقنا الله جميعا لكل خير. ا. هـ شارح
(1/507)

الحديث الأول
عَنْ عَاِئشةَ رَضىٍ الله عَنْها: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْ يَهُوِدي طَعَاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعا مِنْ حَدِيدٍ.
المعنى الإجمالي:
زهادة النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا، وتقللهُ منها، وكرمه الذي يبارى الرياح، لم يُبْقِ ما يدخره لقوت نفسه، وقوت أهله، الأيام اليسيرة.
ولهذا فقد آل به الأمر أن اشترى من يهودي طعاماً من شعير، ورهنه ما هو محتاج إليه للجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، وهو درعه الذي يلبسه في الحروب، وقاية- بعد الله تعالى- من سلاح العدو، وكيدهم.
ما يستفاد من الحديث:
1- جواز الرهن مع ثبوته في الكتاب العزيز أيضاً.
2- جواز معاملة الكفار، وأنها ليست من الركون إليهم المنهي عنه. قال الصنعاني: وهو معلوم من الدين ضرورة، فإنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام في المدينة عشراً يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب وينزلون أسواقهم.
3- وفيه جواز معاملة مَنْ أكثر ماله حرام، ما لم يعلم أن عين المتعامل به حرام. قال الصنعاني: وفيه دليل إلى عدم النظر إلى كيفية معاملتهم في أنفسهم، فإنه من المعلوم أنهم يبيعون الخمور ويأكلون السحت ويقبضونه، ولكن ليس لنا البحث عن معاملتهم وعن كيفية دخول المال إلى أيديهم، بل نعاملهم معاملة من في يده ملكه الحلال حتى يتبين لنا خلافه. ومثله الظلمة.
4- وليس في الحديث دليل على جواز بيع السلاح على الكفار، لأن الدرع ليس من السلاح ولأن الرهن ليس بيعا أيضاً، ولأن الذي رهن عنده النبي صلى الله عليه وسلم درعه، في حساب المستأمنين الذين تحت الحماية والحراسة، فلا يُخْشَى منهم سطوة أو خيانة. فإن إعانة الكفار والأعداء بالأسلحة، محرمة وخيانة كبرى.
5- فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الإقلال والزهد، رغبة فيما عند الله وكرما، فَلا يَدَع مالاً يقر عنده.
(1/508)

6- فيه تسمية الشعير بالطعام، خلافاً لمن قصر التسمية على الحنطة فقد ثبت من بعض الطرق، أنه عشرون أو ثلاثون صاعاً من شعير.
7- وفيه جواز الرهن في الحضر، فتكون الآية مخرجة مخرج الغالب حينما يعوز الكاتب والشاهد في السفر، وهذا مذهب جمهور العلماء، خلافا لما نقل عن مجاهد، والضحاك، ومذهب الظاهرية: من أن الرهن خاصة في السفر دون الحضر، لمفهوم الآية.

بَابُ الحَوَالة (1)
الحوالة: بفتى الحاء، مأخوذة من التحول، وهو الانتقال.
" فهي نقل دَيْن من ذمة إلى ذمة " فتنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
وهي ثابتة بالسنة كهذا الحديث، وبإجماع العلماء، وبالقياس الصحيح، فإن الحاجة داعية إليها، قال بعضهم: هي من بيع الدين بالدين.
وجاز فيها تأخر القبض من باب الرخصة، فتكون على خلاف القياس، والصحيح خلاف ذاك وأنها من جنس إيفاء الحق، ولهذا أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في معرض الوفاء، وأداء الدين.
أما فائدتها، فتسهيل المعاملات بين الناس، لاسيما إذا كان الغريم في بلد، والمحال عليه في بلد آخر، ويسهل على المحال الاستيفاء منه.
وإذا أحال المدين غريمه على من لا دَيْن له عليه، فهو توكيل في الاستقراض والاستيفاء، وليس من الحوالة، وليس له أحكامها.
ومثله: إحالة من لا دين له عليه على من عليه له الدين، فليس بحوالة، وإنما هو توكيل في القبض من المدين.
ولهذا قيد قبولها بكون المحال عليه مليئا. ولو كان الديْن باقياً في ذمة المحيل، لما ضَر كون المحال عليه معسراً.
وانتقال الدين وبراءة ذمة المحيل هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
11- ولكن هل يرجع المحال لو تبين أن المحال عليه مفلس أو مات أو جحد؟ فيه خلاف وتفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على اعتبار رضا المحيل في الحوالة، واختلفوا في اعتبار رضا المحال والمحال عليه.
فذهب " أبو حنيفة " إلى اعتبار رضاهما، لأنها معاوضة، يشترط لها الرضا من الطرفين فهما طرف، والمحيل هو الطرف الآخر.
_________
(1) هذه الترجمة وما بعدها من التراجم إلى باب اللقطة كلها من وضعي.
(1/509)

ولكون الرضا معتبراً عندهم، فإنهم لا يرون الحديث على ظاهره، فيفيد الوجوب. وإنما يرون أن الاتباع مستحب ومندوب.
وذهب الإمام أحمد وأتباعه، والظاهرية، وأبو ثور، وابن جرير: إلى أن الأمر للوجوب، إبقاء للحديث على ظاهره، وأنه يتحتم على من أحيل بحقه على مليء أن يحتال.
فإن كانت الحوالة على غير مليء فعند الظاهرية أنها حوالة فاسدة لا تصح، لأنها لم توافق محلها الذي ارتضاه الشارع وهو الملاءة.
وعند الحنابلة تصح، لأن الحق للمحال وقد رضى بذلك.
واختلفوا: هل يرجع المحال على المحيل في ذلك؟ خلافات وتفاصيل.
الحديث الأول
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضي الله عَنْهُ: أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَطل الغني ظُلْم، وَإذَا اتْبعَ أحدكم عَلى مليء فَليَتْبع ".
الغريب:
مطل الغنى: أصل " المطل " المد. تقول: مطلت الحديدة أمطلها، إذا مددتها لتطول. والمراد تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر. و" مطل " مصدر مضاف. إلى فاعله، والتقدير: مطل الغنى غريمه، ظلم.
اتبع: بضم الهمزة وسكون التاء وكسر الباء مبنياً للمجهول، بمعنى أحيل..
مليء: بتسكين الياء المهموزة. فأما تعريفه- لغة- فهو الغنى المقتدر على الوفاء. "أما تعريفه عند الفقهاء، فهو المليء بماله، وبدنه، وقوله.
بماله: القدرة على الوفاء.
وبدنه: إمكان إحضاره بمجلس الحكم.
وقوله: أن لا يكون مماطلا.
فليتبع: بفتح الياء التحتية وسكون التاء الفوقية، بمعنى فليحتل.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث الشريف أدب من آداب المعاملة الحسنة.
فهو صلى الله عليه وسلم يأمر المدين بحسن القضاء، كما يرشد الغريم إلى حسن الاقتضاء.
فبين صلى الله عليه وسلم أن الغريم إذا طلب حقه، أو فهم منه الطلب بإشارة أو قرينة، فإن تأخير حقه عند الغنى القادر على الوفاء، ظلم له، للحيلولة دون حقه بلا عذر.
وهذا الظلم يزول إذا أحال المدين الغريم على مليء يسهل عليه أخذ حقه منه، فَلْيَقْبَل
(1/510)

الغريم الحوالة حينئذ.
ففي هذا حسن الاقتضاء منه، وتسهيل الوفاء، كما أن فيه إزالة الظلم بما لو بقي الدين بذمة المدين المماطل.
ما يستفاد من الحديث:
1- تحريم مطل الغنىّ، ووجوب وفاء الدين الذي عليه لغريمه.
2- لفظ " المطل "، يشعر بأنه لا يحرم عليه التأخير ويجب عليه الوفاء، إلا عند طلب الغريم، أو ما يشعر برغبته في الاستيفاء.
3- التحريم خاص بالغنى المتمكن من الأداء.
أما الفقير، أو العاجز لشيء من الموانع، فهو معذور.
4- تحريم مطالبة المعسر، ووجوب إنظاره إلى الميسرة، لأن تحريم المطل ووجوب الوفاء، منوطان بالغنى القادر.
أما المعسر فيحرم التضييق عليه، لأنه معذور، وملاحقته بالدين حرام.
5 - في الحديث حسن القضاء من المدين. بأن لا يماطل الغريم.
وفيه حسن الاقتضاء من الغريم بأن يقبل الحوالة إذا أحاله المدين على مليء.
6- ظاهر الحديث أنه إذا أحال المدين الغريم على مليء، وجب عليه قبول الحوالة. ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
7- مفهومه أنه لا يجب على المحال قبول الحوالة إذا أحاله على غير مليء.
8- فسر العلماء " المليء " بأنه ما اجتمع فيه ثلاث صفات:
(1) أن يكون قادراً على الوفاء، فليس بفقير.
(2) صادقا بوعده، فليس بمماطل.
(3) يمكن جلبه إلى مجلس الحكم، فلا يكون صاحب جاه، أو يكون أباً للمحال، فلا يمكنه الحاكم من مرافعته.
9- قال العلماء: إن مناسبة الجمع بين هاتين الجملتين أنه لما كان المطل ظلماً من المدين، طلب من الغريم إزالة هذا الظلم بقبول الحوالة على من لا يلحقه منه ضرر وهو المليء.
10- ظاهر الحديث، انتقال الديْن من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
والصحيح الذي تطمئن إليه النفس: أن المحال إن احتال برضاه، عالماً بإفلاس المحال عليه، أو موته، أو مماطلته ونحو ذلك من العيوب التي في المحال عليه، ولم يشترط على المحيل
(1/511)

الرجوع عند تعذر أو تعسُّر الاستيفاء، أنه لا يرجع، لأنه رضى بإحالة حقه من ذمة إلى ذمة يعلم مصيره فيها، فهو شبيه بما لو اشترى مبيعاً معيباً يعلم عيبه.
وإن لم يكن راضياً بالحوالة على المعسر ونحوه، أو كان راضيا بالحوالة عليه، لكن يجهل عسره ونحوه أو غرر فيه، شرط الرجوع عند تعذر الاستيفاء، أو تعسره، فالحق أن له الرجوع، لأن عسر المحال عليه عيب لم يعلم به ولم يرض به، فله الرجوع، كما أن له الرجوع عند الشرط لأن المسلمين على شروطهم، والله أعلم.

بَابُ مَنْ وَجَد سلْعَته عند رجل قد أفلس
الحديث الأول
عَنْ أَبي هُرَيْرة رَضِىَ الله عَنْة قالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم [أَوْ قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول] : منْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِه عِندَ رَجُلٍ- أَوْ إنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَس فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ".
المعنى الإجمالي:
من باع متاعه لأحد، أو أودعه، أو أقرضه إياه ونحوه، فأفلس المشترىَ ونحوه، بأن كان ماله لا يفي بديونه، فله أن يأخذ متاعه إذا وجد عينه، بأن كان بحاله لم تتغير فيها صفاته بما يخرجه عن اسمه، ولى يقبض من ثمنه شيئا، ولم يتعلق به حق أحد من مشتر، أو مُتَّهب (1) . أو رهن، أو شفعة أو غير ذلك من عقود المعاوضات.
فحينئذ يكون أحق به من الغرماء المتحاصي (2) المال، لأنه وجد متاعه بعينه فلا ينازعه فيه أحد.
فإن كان المبيع ونحوه قد تغير بما يخرجه عن اسمه ومسماه، أو كان البائع قد قبض ثمنه أو بعضه، أو قد تصرف فيه المفلس بما تعلق به حق أحد، فلصاحب المتاع- حينئذ أسوة بالغرماء.
ما يستفاد من الحديث:
1- أن من وجد متاعه عند أحد قد أفلس فله الرجوع فيه بشروط أخذها العلماء من الأحاديث، وأخذوا بعضها من فهمهم لمراد الشارع الحكيم. قال ابن دقيق العيد: دلالته قوية.
_________
(1) متهب: اسم فاعل من الهبة، ويريد الموهوب له.
(2) المتحاصي المال: الغرماء المقتسمون لحصص المال، والمال مفعول به وقد أضيف إلى " المتحاصي " إضافة لفظية.
(1/512)

قال الإصطخري من أصحاب الشافعي: لو قضى القاضي بخلافه نقض حكمه.
2- يراد " بصاحب المتاع" في الحديث، البائع وغيره، من مُقْرِض ومودع ونحوهم من أصحاب عقود المعاوضات. فعموم الحديث يشملهم.
ولا ينافي العموم أن يصرح باسم [البائع] في بعض الأحاديث.
3- أن تكون موجودات المفلس لا تفي بديونه، وهذا الشرط مأخوذ من اسم [المفلس] شرعا.
4- أن تكون عين المتاع موجودة عند المشترى، هذا الشرط هو نص الحديث الذي معنا وغيره.
5- أن يكون الثمن غير مقبوض من المشترى. فإن قبض كله أو بعضه، فلا رجوع بعين المتاع.
وهذا الشرط مأخوذ من المعنى المفهوم، ومن بعض ألفاظ الأحاديث.
6- الذي يفهم من عموم لفظ الحديث، أن الغرماء لو قدموا صاحب المتاع بثمن متاعه، فلا يسقط حقه من الرجوعَ بمتاعه.
قلت: وأرى أننا إذا رجعنا إلى مراد الشارع وهو [حفظ حق صاحب المتاع] فإننا نلزمه بأخذ الثمن، الذي باعه به إذا قدمه الغرماء، خصوصاً إذا كان في أخذه مصلحة لعموم الغرماء، وللمفلس الذي يتشوف الشارع إلى التخفيف من ديونه.
قال " ابن رشد ": تقدر السلعة.
فإن كانت قيمتها مساوية للثمن أو أقل منه، قضى بها للبائع.
وإن كانت أكثر، دفع إليه مقدار ثمنه ويتحاصُون الباقي وبهذاْ القول قال جماعة من أهل الأثر
7- أن تكون السلعة بحالها لم يتلف منها شيء، ولم تتغير صفاتها بما يزيل اسمها، كنسج الغزاة، وخبز الحب، وجعل الخشب باباً ونحو ذلك.
فإن تغيرت صفاتها، أو تلف بعضها فهو أسوة بالغرماء.
8- أن لا يتعلق بها حق من شفعة، أو رهن، وأولى من ذلك أن لاتباعَ أو توهب، أو توقف
(1/513)

ونحو ذلك، فلا رجوع فيها ما لم يكن التصرف فيها حيلة على إبطال الرجوع، فإن الحيل محرمة، وليس لها اعتبار.
هذه هي الشروط المعتبرة للرجوع في عين المتاع عند المفلس.
وبعضها أخذ من لفظ الأحاديث، وبعضها من المعنى المفهوم. والله أعلم.
اختلاف العلماء:
ذهبت الحنفية إلى أن البائع غير مستحق لأخذ عين ماله حين يجده عند المفلس، وأن المفلس أحق به. لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري، ومن ضمانه، واستحقاق البائع أخذها منه، نقض لملكه.
وتأولوا الحديث بأنه خبر واحد مخالف للأصول، وحملوه على صورة وهي أن يكون المتاع وديعة، أو عارية أو لقطة عند المفلس وهو حمل مردود.
ولو كان كذلك لما قيد بالإفلاس، فإنه يرجع بهذه الأشياء مع الإفلاس ودونه.
والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء من العمل بالحديث.
قال الشوكاني: " والاعتذار بأنه الحديث، مخالف للأصول، اعتذار فاسد، حيث أن السنة الصحيحة من جملة الأصول، فلا يترك العمل بها إلا بما هو أنهض منها، ولم يرد في المقام ما هو كذلك، ا. هـ منه.
قال بعض العلماء: لو حكم الحاكم بخلاف هذا الحديث، نقض حكمه، لأنه لا يقبل التأويل.
ولولا شهرة هذا الخلاف للحنفية ما ذكرته، ولكنى قصدت بذكره التنبيه على ضعفه، وأنه من الآراء التي صودمت بها النصوص.
وقد أذكر في هذا الكتاب بعض الخلافات الضعيفة، لشهرة من يقول بها، وضعف ما تسند إليه، خشية الوقوع فيها تقليدا وثقة بأصحابها، والعصمة لأصحاب الرسالات عليهم الصلاة والسلام.
(1/514)

باَبُ الشفعَة
الشفعة: بضم الشين وسكون الفاء.
والشفع: لغة، الزوج، قسيم الفرد، فإذا ضمت فرداً إلى فرد، فأنت شفعته. ومن هنا اشتقت الشفعة، لأن الشافع يضم حصة شريكه إلى حصته.
والشفعة: تطلق على التملك وعلى الحصة المملوكة فتعريفها- شرعاً- على المعنى الأول: [استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض] . وهى ثابتة بالسنة، بحديث الباب، وبإجماع العلماء. ولما كان موضوعها، العقارات المشتركة.
- وبطبيعة الشراكة والخلطة يحصل أضرار عظيمة ومشاكل جسيمة. وكثير من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض. إلا من آتى الشركة حقها، وقليل ما هم- لما كان الأمر هكذا صارت الشفعة على وفق القياس الصحيح أيضا. فإن انتزاع حصة الشريك بثمنه من المشترى، منفعة عظيمة للشريك المنتزع، ودفع للضرر الكبير عنه، بلا مضرة تلحق البائع والمشترى فكل قد أخذ حقه كاملا غير منقوص.
وبهذا تعلم أنها جاءت على الأصل وفق القياس والحكمة، والشرع كله، خير وبركة. فلا يأمر إلا بما تتمحض مصلحته أو تزيد على مفسدته، لا ينهى إلا عما تتمحض مضرته أو تزيد على مصلحته.
ولم يستحق الشفيع (1) نزع الشقص (2) من يد المشترى بغير رضاه إلا للمصلحة الخالية من المضرة.
فحينئذ تكون ثابتة بالسنة، والإجماع، والقياس، خلافاً لمن توهموا ثبوتها على خلاف الأصل والقياس.
الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ الله رَضي الله عَنْهُماَ قَالَ. جَعَلَ (3) (وفي لفظ: - قضى) النبي صلى الله عليه وسلم بالشُّفعَةِ فيِ كُل مَال لَم يقسم. فَإذَا وقَعَتِ الحُدودُ وَصرفَتِ الطرقُ فَلا شُفعَة.
الغريب:
وقعت الحدود: عينت. و" الحدود " جمع " حد " وهو _ هنا _ ما تميز به الأملاك بعد القسمة.
صرفت الطرق: بضم الصاد وكسر الراء المثقلة، يتخفف. بمعنى بينت مصارفها وشوارعها.
_________
(1) الشفيع: صاحب الشفعة المنتزع حصة شريكه بعوض
(2) الشقص: السهم والنصيب والشرك.
(3) أخرجه " ابن الجوزي " في " تحقيقه " عن طريق أبي سلمة عن جابر بلفظ: " إنما جعل " وقال: انفرد لإخراجه البخاري، ثم أخرجه عن أبي الزبير عن جابر بلفظ " قضى "
(1/515)

المعنى الإجمالي:
هذه الشريعة الحكيمة جاءت لإحقاق الحق والعدل ودفع الشر والضر ولها النظم المستقيمة والأحكام العادلة للغايات الحميدة والمقاصد الشريفة، فتصرفاتها حسب المصلحة وفق الحكمة والسداد.
ولهذا فإنه لما كانت الشركة في العقارات يكثر ضررها ويمتد شررها وتشق القسمة فيها، أثبت الشارع الحكيم الشفعة للشريك.
بمعنى أنه إذا باع (1) أحد الشريكين (2) نصيبه من العقار المشترك بينهما، فللشريك الذي لم يبع أخذ النصيب من المشترى بمثل ثمنه، دفعاً لضرره بالشراكة.
هذا الحق، ثابت للشريك ما لم يكن العقار المشترك قد قسم وعرفت حدوده وصرفت طرقه.
أما بعد معرفة الحدود وتميزها بين النصيبين، وبعد تصريف شوارعها وتشقيقها فلا شفعة، لزوال ضرر الشراكة والاختلاط الذي ثبت من أجله استحقاق انتزاع المبيع من المشترى.
ما يستفاد من الحديث:
1- هذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة وهو مستند الإجماع عليها.
2- صدر الحديث يشعر بثبوت الشفعة في المنقولات وسياقه يخصها بالعقار، ولكن يتبعها الشجر والبناء إذا كانا في الأرض.
3- تكون الشفعة في العقار المشترك، الذي لم تميز حدوده، ولم تصرف طرقه، لضرر الشراكة التي تلحق الشريك الشفيع.
4- إذا ميزت حدوده، وصرفت طرقه، فلا شفعة لزوال الضرر بالقسمة، وعدم الاختلاط.
5- بهذا يعلم أنها لا تثبت للجار، لقيام الحدود وتمييزها.
ويأتي الكلام على الشفعة فيما فيه منفعة مشتركة بين الجارين إن شاء الله تعالى.
6- استدل بعضهم بالحديث: على أن الشفعة لا تكون إلا في العقار الذي تمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته، أخذاً من قوله: " في كل ما لم يقسم " لأن الذي لا يقبل القسمة، لا يحتاج إلى نفيه. ويأتي الخلاف فيه إن شاء الله.
7- تثبت الشفعة إزالةً لضرر الشريك، ولذا اختصت بالعقارات لطول مدة الشراكة فيها.
_________
(1) عبرت بلفظ " باع " حيث الحديث ورد في البيع، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، والوجه الثاني: يثبت بما انتقل بتصرف غير مالي، اختاره بعض الأصحاب وهو مذهب مالك والشافعي.
(2) لا فرق بين شريك أو شركاء، وإذا كان الشفعاء أكثر من واحد، فالشفعة بينهم على قدر أملاكهم، فإن أسقط بعضهم شفعته أخذ باقي الشركاء كل الشقص أو تركه، لئلا يضر بالمشتري، فالشرع جاء لمحاربة الضرر عن الطرفين ا. هـ شارح
(1/516)

وأما غير العقار، فضرره يسير. يمكن التخلص منه بوسائل كثيرة، من المقاسمة التي لا تحتاج إلى كلفة، أو بالبيع ونحو ذلك.
فائدة:
يرى بعض العلماء- ومنهم الفقهاء المتابعون للمشهور من مذهب الحنابلة- سقوطها إن علم الشفيع ببيع الشقص ولم يشفع على الفور، ولم يجعلوا له مهلة إلا لعمل الأشياء الضرورية، من أكل، وشرب، وصلاة ونحو ذلك، بناء منهم على أن الأصل في المعاملات الرضا.
والشفيع يريد انتزاع الشقص بغير رضا المشترى فحاربوه، واستأنسوا على ذلك بأحاديث ضعيفة كحديث " الشفعة كَحل العِقَال ".
والحق أنه يرجع في ذلك إلى العرف في التحديد، ويعطى مهلة متعارفة للتفكير والمشاورة.
فائدة ثانية:
يحرم التحيل لإسقاط الشفعة ولإبطال حق مسلم، كما قال ذلك الإمام أحمد رحمه الله.
وقد يعمد من لا يراعى حدود دينه وحقوق إخوانه، إلى محاولة إسقاطها بشيء من الحيل، كأن يعطى الشقص بصورة من الصور، التي لا تثبت فيها،
أو لا يثبتها الحكام فيها، أو يضر الشفيع بإظهار زيادة في الثمن، أو بوقف الشقص، حيلة لإسقاطها.
فهذه حيل لا تسقط فيها الشفعة عند الأئمة الأربعة، كما قال ذلك صاحب الفائق رحمه الله تعالى.
وقال شيخ الإسلام: الاحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز بالاتفاق. وإنما اختلف الناس في الاحتيال عليها قبل وجوبها وبعد انعقاد السبب، وهو ما إذا أراد المالك بيع الشقص المشفوع مع أن الصواب أنه لا يجوز الاحتيال على إسقاط حق مسلم، وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال المحرم فهو باطل.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في العقارات التي تقسم قسمة إجبار (1)
واختلفوا فيما سوى
_________
(1) العقارات قسمان:
القسم الأول: عقار كبير واسع لا تميز بين أجزائه كالدور الكبار، والأرض الواسعة، فهذه تجب قسمتها إذا طلب أحد الشريكين، لأنه لا ضرر قي قسمتها، وتسمى هذه " قسمة إجبار ".
والقسم الثاني: صغير كحمام، ودكان ضيق، فهذه لا تقسم غلا برضا الشريكين أو الشركاء جميعا لوجود الضرر في قسمتها، وهذه لها أحكام البيع، أما الأولى فهي إفراز لا بيع ا. هـ شارح
(1/517)

ذلك.
فذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلى ثبوتها في كل شيء من العقارات والمنقولات.
مستدلين على ذلك بصدر الحديث الذي معنا، قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم.
وبما رواه الطحاوى عن جابر قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شيء ".
وعندهم، أن الشفعة جاءت لإزالة الضرر الحاصل بالشركة والقسمة، ولذلك كلفة ومؤنة.
وبعض العلماء- كالقاضي عياض وابن دقيق العيد- عَدوا هذا القول من الشواذ.
وذهب مالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: إلى أنه لا شفعة للجار، ولا للشريك المقاسم، بل تثبت بالعقار الذي لم يقسم.
فإذا وقعت حدوده، وصُرِّفت طرقه، فلا شفعة عندهم.
وهو مروىُ عن عمر، وعثمان، وعلىّ رضى الله عنهم.
واستدلوا على ذلك بحديث الباب " فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة".
قال الإمام أحمد: إنه أصح ما روى في الشفعة.
وفي البخاري عن جابر " إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة ".
وفي سنن أبي داود عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قسمت الأرض وَحُدَّتْ فلا شفعة فيها " إلى غير ذلك من الأحاديث.
ولأن الشفعة إنما أثبتها الشارع لإزالة الضرر اللاحق بشراكة العقارات التي تطول ويصعب التخلص منها بالقسمة، وتستوجب أعمالا وتغييرات، ولها
مرافق وحقوق، وكل هذا مدعاة إلى جلب الخصام والشجار، فثبتت لإزالة هذه الأضرار.
أما غير العقارات المشتركة، فلا توجد فيها إلا نسبة قليلة من الضرر يمكن التخلص منها بالقسمة، أو البيع، أو التأجير.
والجار ليس عنده هذه الأضرار مادام غير مشارك، ولو أثبتنا للجار لشاعت القضية فما من أحد إلا وله جار.
وذهب بعض العلماء- ومنهم الحنفية- إلى ثبوتها للجار مطلقاً، سواء كان له مع جاره شركة في زقاق، أو حوش، أو بئر ونحو ذلك، أو لم يكن.
(1/518)

ويستدلون على ذلك بما رواه البخاري عن أبي رافع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الجار أحق بصقبِه ".
وبما رواه أبو داود، والنسائي، والترمذى عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جار الدار أحق بالدار ".
وروى أصحاب السنن الأربعة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحدا " وهذا حديث صحيح.
وقالوا: إن الضرر الذي قصد الشارع رفعه، هو ضرر الجوار، فإن الجار قد يسيء إلى جاره بِتَعْلِيَةِ جداره وتَتَبُعِ عوراته والتطلَع على أحواله، فجعل له الشارع هذا الحق، ليزيل به الضرر عن نفسه وحرمه وماله.
وللجار حرمة وحق، حث الله عليهما ورسوله.
فأمر بإكرامه، ونَفَى الإيمان عمن أساء إليه.
فنظر قوم إلى أدلة كل من الفريقين. فرأوا أن كلا منهما معه أثر لا يُرَدُّ، ونظر لا يُصَد. فمع كل منهما أحاديث صحيحة وتعليلات قويه مقبولة. وقد علموا أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا تتضارب، بل ينظر بعضها إلى بعض وتتلاحظ بعين التوافق والالتئام، لأنها من عند من {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} .
لذا فقد توسطوا بين القولين، وجمعوا بين الدليلين فقالوا:
إن منطوق حديث " فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق " ونحوه، انتفاء الشفعة عند معرفة كل واحد حده واختصاصه بطريقه.
وإن منطوق حديث: " الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها، وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً " إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق وانتفائها عند تصريف الطريق، فتوافق المفهوم والمنطوق.
وممن يرى هذا الرأي، علماء البصرة، وفقهاء المحدثين. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية " " وابن القيم " وشيخنا عبد الرحمن آل سعدي. قال شيخ
(1/519)

الإسلام: وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال، أعدلها القول بأنه إن كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلا فلا ا. هـ
قلت: وهو قول وسط، تجمع فيه الأدلة، ويزول به كثير من الأضرار الكبيرة الطويلة.
أما إثباتها في المنقول أو للجار الذي ليس له شركة في مرفق، فلا يعتضد بشيء من الأدلة، ولا يكفى أنه يوجد في ذلك قليل من الضرر، الذي يمكن إزالته بسهولة ويسر. والله أعلم.

بَابُ أحْكام الجوَار (1)
المؤلف رحمه اللَه ذكر بعد هذا الحديث المتعلق بـ " الشفعة " أربعهَ أحاديث تتعلق ب " الوقف " و " الهبة ".
ثم ذكر بعدهن ثلاثة أحاديث تتعلق ب " المزارعة ". ثم ذكر بعدهن حديثاً في " الهبة " أيضاً.
ثم ذكر أحاديث تتعلق " بالغصب " و " أحكام الجوار "، ثم ذكر أحاديث " الوصايا ".
فلا أعلم، ما وجه هذا الترتيب عنده؟.
وبما أن أحاديث " الوقف" و " الهبة "و " الوصايا " كلها من جنس واحد، لأنها عقود تبرعات، وأحكامها متقاربة، ومسائلها متناظرة، عمدت إلى جعلها متوالية، وأخرتها ليكون بعدها " باب الفرائض " لوجود المناسبة بينها أيضاً.
وقدمت هذه الأحاديث المتعلقة ب " المزارعة "، و " والغصب " و" أحكام الجوار " ليحسن الترتيب، وتجتمع المسائل المتناسبة.
الحديث الأول (2)
عَن أبي هُرَيرةَ رضىَ الله عَنْهُ: أن رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يَمْنَعَن جَار جَارَهُ أن يَغْرزَ خَشَبَةً في جدَارهِ ".
ثم يقول أبو هريرة: مَا لي أراكم عَنْهَا مُعْرضِينَ؟ والله لأرْمِيَن بِهَا بَين أكتافكم.
الغريب:
لا يمنعن: لا: - ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، وحرك بالفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
خشبة: بالإفراد، وقد روى بالجمع، والمعنى واحد، لأن المراد بالواحد الجنس
عنها، بها: الضمير فيهما راجع إلى السنة المذكورة في مقالته.
_________
(1) أحكام الجوار تناسب أن تقع بعد الشفعة، فبينهما شيء من الصلة، لأن كليهما من حقوق الجوار المرعية ا. هـ شارح
(2) هذا الحديث حسب ترتيب المصنف رقم " 287".
(1/520)

بين أكتافكم: بالتاء المثناة الفوقية جمع " كتف ". وقد ورد في بعض الروايات بالنون. و " أكناف " جمع " كنف " بفتح الكاف والنون، هو الجانب.
المعنى الإجمالي:
للجار على جاره حقوق تجب مراعاتها، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على صلة الجار، وذكر أن جبريل مازال يوصيه به حتى ظن أنه سيورثه من جاره، لعظم حقه، وواجب بره.
فلهذا تجب بينهم العشرة الحسنهَ، والسيرة الحميدة، ومراعاة حقوق الجيزة، وأن يكف بعضهم عن بعض الشر القولي والفعلي. فلا يؤمن بالله تعالى من لا يأمن جاره بوائقه.
ومن حسن الجوار، ومراعاة حقوقه، أن يبذل بعضهم لبعض، المنافع التي لا تعود عليهم بالضرر الكبير مع نفعها للجار.
ومن ذلك أن يريد الجار، أن يضع خشبة في جدار جاره.
فإن لم يكن ثَم حاجة إلى ذلك، ينبغ لصاحب الجدار أن يأذن له، مراعاة لحق الجار.
وإن كان ثَم حاجة لصاحب الخشب، وليس على صاحب الجدار ضرر من وضع الخشب، فيجب على صاحب الجدار أن يأذن له في هذا الانتفاع، الذي ليس عليه منه ضرر مع حاجة جاره إليه. ويجبره الحاكم على ذلك إن لم يأذن.
فإن كان ثَم ضرر، أو ليس هناك حاجة، فالضرر لا يزال بالضرر.
والأصل في حق المسلم المنع، ولذا فإن أبا هريرة رضى الله عنه، لما علم مراد المشرع الأعظم من هذه السنة الأكيدة، استنكر منهم إعراضهم في العمل بها، وتوعدهم بأن يلزمهم بالقيام بها، فإن للجار حقوقا فرضها اللَه تعالى تجب مراعاتها والقيام بها.
ما يستفاد من الحديث:
1- النهْىُ عن منع الجار أن يضع خشبة على جدار جاره، إذا لم يكن عليه ضرر من وضعها، وكان في الجار حاجة إلى ذلك.
2- قيد وضع الخشب بعدم الضرر على صاحب الجدار، وبحاجة صاحب الخشب، لأن التصرف في مال الغير ممنوع إلا بإذنه.
فلا يجوز إلا لحاجة من عليه له الحق وهو الجار، كما أنه لا يوضع مع تضرره لأًن الضرر لا يزال بالضرر.
3- هل النَهْىُ على وجه التحريم أو الكراهة؟ يأتي بيان ذلك إن شاء الله.
4- فهم أبو هريرة رضى اللَه عنه أن الجار متحتم عليه بَذْلُ ذلك لجاره، ولذلك فإنه استنكر عليهم إعراضهم عن هذه السنة. وتهددهم بالأخذ بها.
(1/521)

5- هذا من حقوق الجار الذي حضً الشارع على بره والإحسان إليه، فنعلم من هذا عِظَمَ حقوقه ووجوب مراعاتها.
ولهذا فإنه يقاس على وضع الخشب غيره، من الانتفاعات، التي يكون في الجيران حاجة إليها، وليس على مالك نفعها مضرة كبيرة في بذلها، فيجب بذلها ويحرم منعها.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على المنع من وضع خشب الجار على جدار جاره مع وجود الضرر إلا بإذنه لقوله عليه الصلاة والسلام: " لا ضرر ولا ضرار ".
واختلفوا فيما إذا لم يكن على صاحب الجدار ضرر، وكان بصاحب الخشب حاجة إلى ذلك، بأن لا يمكنه التسقيف إلا به.
ذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة،: مالك، والشافعي في المشهور عنهم إلى أنه لا يجوز وضع الخشب على حائط الجار إلا بإذن صاحب الجدار وإن لم يأذن، فلا يجبر عليه.
مستدلين على ذلك بأصل المنع من حق الغير إلا برضاه كحديث " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " وحديث " إن أموالكم وأعراضكم عليكم حرام " ونحو ذلك من الأدلة.
وذهب الإمام أحمد، وإسحاق وأهل الحديث إلى وجوب بذل الجدار لصاحب الخشب مع حاجة الجار إليه وقلة الضرر على صاحب الجدار وإجباره على ذلك مع الامتناع.
وقال بهذا القول، بعض المالكية، وهو قول لأبي حنيفة، ومذهب الشافعي في القديم. والدليل على ذلك ما يأتي:
1- ظاهر هذاَ الحديث الذي معنا، فإنه ورد بصيغة النهي، والنهي يقتضي التحريم، وإذا كان المنع حراماً، فإن البذل واجب.
2- أبو هريرة الذي روى الحديث، استنكر عدم الأخذ به، وتوعد على ذلك، وهذا يقتضي فهمه لوجوب البذل وتحريم المنع، وراوي الحديث، أعرف بمعناه.
(1/522)

3- ورد مثل هذه القضية في زمن عمر فقد روى مالك بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة، سأله محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا له فيجريه في أرض محمد بن مسلمة، فامتنع.
فكلمه عمر في ذلك فأبى. فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك.
ولم يعلم لعمر مخالف في هذه القضية من الصحابة، فكان اتفاقاً منهم على ذلك.
4- أن الشارع عظم حقوق الجار وأكد حرمته، فله على جاره حقوق فإذا لم يبذل له ما ليس عليه فيه مضرة، فأين رَعْىُ الحقوق والحرمة؟
أما العمومات التي يستدلون بها على عدم الوجوب، فلا يبعد أن تكون مخصصة بهذا الحديث، للمصالح

بَابُ الغصْبِ
مصدر " غصبه يغصبه " أخذه ظلماً.
والغصب شرعاً: هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق.
وهو من الظلم المحرم في الكتاب، والسنة، والإجماع.
ويجب على الغاصب رد ما غصبه، لأنه من رد المظالم إلى أهلها.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رَضى الله عَنْهَا: أنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: " من ظَلَمَ قِيدَ شِبْر مِنَ الأرْض طُوقَهُ مِنْ سَبْعِ أرْضِينَ ".
الغريب:
قيد شبر: بكسر القاف وسكون الياء، أي قدر. وذكر " الشبر"، إشارة إلى استواء القليل والكثير.
طوقه: بضم الطاء وتشديد الواو المكسورة، مبنى للمجهول، بمعنى أن يجعل طوقاً في عنقه.
أرضين: بفتح الراء ويجوز إسكانها.
الظلم: لغة وضع الشيء في غير محله. وشرعا التصرف في حق الغير بدون إذنه.
المعنى الإجمالي:
مال الإنسان على الإنسان حرام، فلا يحل لأحد أخذ شيء من حق أحد، إلا بطيبة نفسه، وأشد ما يكون ذلك، ظلم الأرض، لطول مدة استمرار الاستيلاء عليها- ظلماً.
(1/523)

ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من ظلم قليلا أو كثيراً من الأرض جاء يوم القيامة بأشد ما يكون من العذاب، بحيث تغلظ رقبته، وتطول، ثم يطوق الأرض التي غصبها وما تحتها، إلى سبع أرضين، جزاء له على ظلمه صاحب الأرض بالاستيلاء عليها.
ما يؤخذ من الحديث:
1- تحريم الغصب، لأنه من الظلم الذي حرمه الله على نفسه، وجعله بيننا محرماً.
2- أن الظلم حرام، في القليل والكثير، وهنا فائدة ذكر الشبر
3- أن العقار يكون مغصوبا بوضع اليد، ويكون مستولى عليه. قال القرطبي: ومن الحديث إمكان غصب الأرض وأنه من الكبائر.
4- أن من ملك ظاهر أرض، ملك باطنها إلى تخومها.
فلا يجوز أن ينقب أحد من تحته، أو يجعل نفقا أو سرباً ونحو ذلك إلا بإذنه، ويكون مالكا لما فيها من أحجار مدفونة، أو معادن، وله أن يحفر ما شاء. كما أن العلماء قالوا: إن الهواء تابع للقرار، فمن ملك أرضا ملك ما فوقها.
5- قال شيخ الإسلام: إذا اختلط الحرام بالحلال، كالمقبوض غصبا والربا والميسر، فإذا اشتبه بغيره واختلط لم يحرم الجمع، فإذا علم أن في البلد شيئاً من هذا لا يعلم عينه لم يحرم على الناس الشراء من ذلك البلد. لكن إذا كان كثر مال الرجل حراما هل تحرم معاملته أو تكره؟ (فالجواب) على وجهين، وإن كان الغالب على ماله الحلال لم تحرم معاملته.
6َ وقال أيضاً: المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين عند جماهير العلماء، فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عواريّ أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم، أو يصرفها في مصالح المسلمين، أو يسلمها إلى عدل يصرفها في مصالح المسلمين.
فائدة:
قال في المغني: وما كان في الشوارع والطرقات والرحبات بين العمران فليس لأحد إحياؤه، سواء كان واسعا أو ضيقا، وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق، لأن ذلك يشترك فيه المسلمون، وتتعلق به مصلحتهم، فأشبه مساجدهم، ويجوز الارتفاق بالقعود
(1/524)

في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد، ولا يضر بالمارة، لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار، ولأنه ارتفاق بمباح من غير إضرار، فلم يمنع، كالاجتياز.

بَابُ المساقاة والمزارعة
المساقاة: مأخوذة من أهم أعمالها، وهو السقي.
وهى شرعاً: دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه، بجزء معلوم من ثمره.
و" المزارعة " مأخوذة من الزراعة: وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها
و" المساقاة " و " المزارعَة " من عقود المشاركات، التي مبناها العدل بين الشريكين، فإن صاحبى الشجر والأرض، كصاحب النقود، التي دفعها للمضارب في التجارة.
والمساقي، والمزارع، كالتاجر الذي يتجر بالمال، فهما داخلتان في أبواب المشاركات، فالغنم بينهما، والغرم عليهما.
وبهذا يعلم، أنهما أبعد عن الغرر والجهالة، من الإجارة، وأقرب منها إلى القياس والعدل، ولذا فإنهما جاءتا على الأصل.
لا كما قال بعضهم: أنهما على خلاف القياس لظنهم أنهما من باب الاجارات، التي يشترط فيها العلم بالعمل والأجرة، فهذا وهم منهم.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا: أنَّ النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ عَلى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أو زَرْع.
الغريب:
شطر ما يخرج منها: الشطر، يطلق على معان، منها النصف، وهو المراد هنا.
من ثمر: بالثاء المثلثة، عام لثمر النخل والكرم وغيرهما.
المعنى الإجمالي:
بلدة " خيبر " بلدة زراعية، كان يسكنها طائفة من اليهود.
فلما فتحها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من الهجرة، وقسم أراضيها ومزارعها بين الغانمين، وكانوا مشتغلين عن الحراثة والزراعة بالجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله تعالى، وكان يهود " خيبر " أبصر منهم بأمور الفلاحة أيضاً، لطول معاناتهم وخبرتهم فيها، لهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم
(1/525)

أهلها السابقين على زراعة الأرض وسقْي الشجر، ويكون لهم النصف، مما يخرج من ثمرها وزرعها، مقابل عملهم ونفقتهم، وللمسلمين النصف الآخر، لكونهم أصحاب الأصل.
فما زالت هذه المعاملة سائرة بينهم زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر الصديق، حتى جاء عمر بن الخطاب وأجلاهم عن بلدة خيبر.
ما يستفاد من الحديث:
1- جواز المزارعة والمساقاة، بجزء مما يخرج من الزرع: الثمر.
2- ظاهر الحديث، أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، وهو الصحيح، خلافا للمشهور من مذهبنا في اشتراطه.
3- أنه إذا علم نصيب العامل، أغنى عن ذكر نصيب صاحب الأرض أو الشجر، لأنه بينهما.
4- جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستان واحد، بأن يساقيه على الشجر، بجزء معلوم وزراعة الأرض بجزء معلوم.
5- جواز معاملة الكفار بالفلاحة، والتجارة، والمقاولات على البناء والصنائع، ونحو ذلك من أنواع المعاملات.
اختلاف العلماء في المساقاة والمزارعة:
تقدم أن طائفة من العلماء يرون أن المساقاة والمزارعة جاءتا على خلاف الأصل والقياس، لهذا اختلف العلماء في حكمهما، مع ورود النص فيهما. فأما " المساقاة " فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تجوز بحال، لأنها إجارة بثمرة لم تخلق، أو بثمرة مجهولة، فهي راجعة إلى التصرف بالثمرة قبل بدو صلاحها أو راجعة إلى جهالة العوض، وكلاهما ممنوع.
فعمدته في رد النص فيها، مخالفتها للأصول.
وذهب الظاهرية، إلى أنها لا تجوز إلا في النخل خاصة، لورود الخبر فيها.
وذهب الشافعي إلى جوازها في النخل والكرم خاصة، لاشتراكهما في كثير من الأحكام، ومنها وجوب الزكاة فيهما خاصة من سائر الثمار وذلك عنده.
وهؤلاء تحرزوا من امتداد الحكم إلى سائر الشجر المقصود. المنتفع به، بناء منهم على أن هذا الحكم الثابت في هذا الخبر، إنما جاء على خلاف الأصل فلا يتعدى به محل النص.
(1/526)

وذهب الإمام " أحمد " إلى جوازها في كل ماله ثمر مأكول، بل ألحق كثير من أصحابه، ما له ورق أو زهر منتفع به مقصود.
وذهب " مالك " إلى جوازها في كل ما له أصل ثابت، فهي رخصة عنده عامة في كل ذلك.
والحق الذي لأشك فيه أن الحكم شامل لكل ما فيه نفع مقصود من الأشجار، لأن الحديث ورد بالثمر، وهو عام في كل ثمر، ومن خصصه فعليه الدليل، ولأن هذين العقدين من عقود المشاركة التي جاءت على الأصل المقيس، فهي معلومة العمل والجزاء عليه.
وتقدم أن رد النصوص الصحيحة بدعوى مخالفتها للأصول، دعوى باطلة لأن الحديث هو الأصل في الأحكام، فكيف يمكن لأحد يعظم نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبيح لنفسه رد كلامه لأصل يدعيه، وهذا عمله وعمل خلفائه من بعده، لم ينسخ ولم يغير حكم الله فيه؟!.
واختلفوا في " المزارعة " فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلى عدم جوازها.
ودليلهم على ذلك. أحاديث رويت عن رافع بن خديج.
منها كنا نخابر (1) علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفع.
قال: قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى] .
وعن ابن عمر قال: [ما كنا نرى بالمزارعة بأسا، حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها] متفق عليهما.
ولمسلم عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال: لا بأس به إنما كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات (2) والجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ولم يكن للناس كراء إلا هذا، ولذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به.
وكذلك صح عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليزُرِعْها أخاه] .
_________
(1) نخابر بمعنى نزارع، فالمخابرة هي المزارعة، مأخوذة من الخبار وهي الأرض اللينة أو من الخبير الزراعي.
(2) أعجمية معربة بمعنى الأنهار الكبار.
(1/527)

وما روى أحمد ومسلم عن جابر أيضاً قال: [كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من القِصرى (1) ومن كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه وإلا فليدعها] .
فهذه الأحاديث هي حجة الذين يذهبون إلى عدم جواز المزارعة، ويرون أنها محرمة باطلة.
وهذه الأحاديث تؤيد أصلهم الذي استندوا عليه في الحرمة، وهو أن المزارعة من نوع الإجارة، والإجارة لابد أن يكون الأجر فيها معلوما، لأنها كالثمن، والمزارعة عوضها مجهول، فتحرم ولا تصح.
وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى جوازها وأنها من العقود الصحيحة الثابتة.
وسبق الإمام أحمد إلى القول بجوازها، طائفةْ من الصحابة، عملوا بها.
منهم على بن أبي طالب، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم.
كما سبقه طائفة كبيرة من أئمة التابعين، منهم عمر بن عبد العزيز، والقاسم ابن محمد، وعروة بن الزبير، وابن سرين، وسعيد بن المسيب، وطاوس، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. كما وافق الإمام فقهاء المحدثين، ومنهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، صاحبا أبي حنيفة، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسفيان الثوري، والإمام البخاري، وأبو داود.
ومن المحدثين المتأخرين، ابن المنذر، وابن خزيمة، وابن سريج، والخطابي، كما ذهب إلى هذا القول من ذوى المذاهب المستقلة، الظاهرية، وأصحاب أبى حنيفة. قال النووي: وهو الراجح المختار. والمسلمون في جميع الأمصار والأعصار جارون على العمل بالمزارعة. وقد صنف ابن خزيمة كتابا في جواز المزارعة وأجاد.
وتابع الإمام أحمد على جوازها، فقهاءُ الحنابلة، المحققون منهم والمقلدون.
وتمسك هؤلاء بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر، فإنها قضية مشهورة لا تقبل الرد ولا التأويل.
ولذا فقد استمرت هذه المعاملة منذ عقدت، حتى أجلاهم عمر عن خيبر في خلافته، وبهذا يتحقق أنها لم تنسخ ولم تبدل.
_________
(1) القصرى: بكسر القاف وسكون الصاد وكسر الراء المهملة، هو ما يبقى في المنخل بعد الإنتخال، أو ما يبقى من الحب في السنبل مما لا يتخلص منه بعد ما يداس، وتسمى القصارة، وهذا أسمها إلى الآن عند أهل نجد.
(1/528)

أما أحاديث رافع بن خَديج، التي استدل بها المانعون، فقد تكلم فيها العلماء، وذلك لاضطرابها وتلونها فإنه تارة يروى المنع عن عمومته، وتارة أخرى عن رافع بن ظهير، وثالثة عن سماعه هو ثم يروى النهى عن [كراء الأرض] .
وحينا [ينهى عن الجعل] . ورابعة [عن الثلث والربع والطعام المسمى]
وبهذا حصل الاضطراب، وشك فيها، حتى قال الإمام أحمد. [حديث رافع، ألوان وضروب] ، وقد أنكره الصحابة، ولم يعلم به عبد الله بن عمر، إلا في خلافة معاوية.
فكيف مثل هذا الحكم يخفى عليهم وهم يتعاطونه؟!.
وعلى فرض انسجامها وصحة الأخذ بها، فقد أجاب العلماء عنها، وعن حديث جابر بأجوبة مقنعة.
وأحسنها الجمع بينها وبين أحاديث خيبر، وذلك بأن تحمل أحاديث النهي عن المزارعة، على المزارعة الفاسدة التي دخلها شيء من الغرر والجهالة، وصار فيها شبه من الميسر والمغالبات.
وهو حمل وجيه، بل قد صرح بذلك في بعض طرق أحاديثه.
ولهذا قال شمس الدين " ابن القيم ": [إن من تأمل حديث رافع بن خديج وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها، ومطلقها على مقيدها، علم أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، أمر بين الفساد وهو المزارعة الظالمة الجائرة فإنه قال [كنا نكرى الأرض، على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه] .
وفي لفظ له [كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع] .
وقوله: [ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه. أما بشيء معلوم مضمون، فلا باًس] وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه وما فيه من مجمل أو مطلق أو مختصر، فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظاْ وحكماً، ا. هـ كلام " ابن القيم " رحمه الله تعالى.
وقال الليث بن سعد: " الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز، لما فيه من المخاطرة ".
وقال ابن المنذر: قد جاءت أخبار رافع بعلل تدل على أن النهى كان لتلك العلل.
قال الخطابي: إنما صار هؤلاء (أبو حنيفة ومالك والشافعي) إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليها أحمد.
ثم قال الخطابي أيضاً: فالمزارعة على النصف والثلث
(1/529)

والربع، وعلى ما تراضى عليه الشريكان جائزة، إذا كانت الحصص معلومة، والشروط الفاسدة معدومة. وهى عمل المسلمين في بلدان الإسلام وأقطار الأرض، شرقها وغربها، لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد أو صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها.
ثم قال الخطابي رحمه الله عن حديث رافع في الإجارة بالماذيانات وأقبال الجداول قال: فقد أعلمك رافع في هذا الحديث: أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم، وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا شروطاً فاسدة وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقى والجداول، فيكون خاصاً لرب المال.
والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة وقد يسلم ما على السواقى ويهلك سائر الزرع، فيبقى المزارع لا شيء له، وهذا غرر وخطر.
وإذا اشترط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة، فسدت المضاربة، وهذا وذاك مواء.
وأصل المضاربة في السنة المزارعة والمساقاة، فكيف يجوز أن يصح الفرع، ويبطل الأصل؟! ا. هـ. كلام الخطابي قدس الله روحه. وهو توجيه جليل، بلفظ قليل. وقال شيخ الإسلام والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام إذا اشترط لرب الأرض منها زرع مكان بعينه. والأمر في ذلك كما قال الليث بن سعد؛ فقد بين أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيء إذا نظر فيه ذو بصيرة بالحلال والحرام علم أنه حرام.
وبهذا تبين أن المزارعة والمساقاة، عقدان صحيحان جائزان، وأن القول بجوازهما هو مذهب جمهور الأمة، سلفا وخلفا، وأنه عمل المسلمين، قديماً وحديثاً.
فائدة:
قال شيخ الإسلام:
الجمهور يقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك، وشركة عقود. وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك، كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود، وإن كانا قد يجتمعان.
والمضاربة شركة عقود بالإجماع، والمساقاة والمزارعة. وإن كان من الفقهاء من يزعم أنهما من باب الإجارة، وأنهما على خلاف القياس- فالصواب أنهما أصل مستقل، وهو من باب المشاركة، لا من باب الإجارة وهي على وفق قياس المشاركات.
(1/530)

بَاب في جَواز كراء الأرض بالشيء المعْلوم
والنهي عن الشروط الفاسدة
الحديث الأول (1)
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: كُنَّا أكثرَ الأنصار حَقْلا، وَكُنَّا نَكْرِي الأرض عَلى أن لَنَا هذِه وَلَهُمْ هَذِهِ، وَرُبَّمَا أخْرَجَتْ هذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ، فَنَهانَا عَنْ ذلِكَ. فأما الوَرقُ فَلَمْ يَنْهَنَا.
الحديث الثاني
ولـ " مسلم " عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْس قال: سَالتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيج عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِق، فقال: لا بَأسَ بِهِ، إنَّمَا كَان النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلى عَهْدِ النَّبي صلى الله عليه وسلم بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأقْبَالِ الْجَدَاوِلِ وَأشْيَاءَ مِنَ الزَرْعِ، فَيهْلِكُ هذَا، وَيَسْلَمُ هذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاء إلا هذَا، فَلِذلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأمَّا شَيء مَعْلُوم مَضْمُون فَلا بَأسَ بِهِ..
الماذيانات: اْلأنهار الكبار. والجدول: النهر الصغير.
الغريب:
حقلا: بفتح الحاء المهملة، وسكون القاف، منصوب على التمييز. الأصل في الحقل القراح الطيب، ثم أطلق على الزرع، واشتق منه المحاقلة.
الماذيانات: بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة، ثم ألف ونون، ثم بعدها ألف أيضاً. قال الخطابي: هي من كلام العجم (2) فصارت دخيلا في كلام العرب.
أقبال الجداول: بفتْح الهمزة، فقاف فباء. والأقبال، الأوائل. والجداول جمع "جدول" وهو النهر الصغير.
المعنى الإجمالي:
في هذين الحديثين، بيان وتفصيل لإجارة الأرض الصحيحة، وإجارتها الفاسدة.
فقد ذكر رافع بن خديج أن أهله كانوا أكثر أهل المدينة مزارع وبساتين.
فكانوا يكارون الأرض كراء جاهلياً، فيعطون الأرض لتزرع، على أن لهم جانباً من الزرع، وللمزارع، الجانب الآخر، فربما جاء هذا، وتلف ذاك.
وقد يجعلون لصاحب الأرض، أطايب الزرع، كالذي ينبت على الأنهار والجداول،
_________
(1) رقم هذين الحديثين [284] و [285] حسب ترتيب المصنف رحمه الله تعالى.
(2) قال ابن الأثير: إنها سوادية معربة.
(1/531)

فيهلك هذا، ويسلم ذاك، أو بالعكس.
فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المعاملة، لما فيها من الغرر والجهالة والمخاطرة، فإنها باب من أبواب الميسر، وهو محرم لا يجوز، فلابد من العلم بالعوض، كما لابد من التساوي في المغنم والمغرم.
فإن كانت جزء منها، فهي شركة مبناها العدل والتساوي في غنْمِهَا وغُرْمِهَا.
وإن كانت بعوض، فهي إجارة لابد فيها من العلم بالعوض.
وهى جائزة سواء أكانت بالذهب والفضة، أم بالطعام مما يخرج من الأرض (1) أو من جنسه أو من جنس آخر، لأنها إيجار للأرض ولعموم الحديث [فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به] .
ما يستفاد من الحديث:
1- جواز إجارة الأرض للزراعة، وقد أجمع عليه العلماء في الجملة.
2- أنه لابد أن تكون الأجرة معلومة، فلا تصح بالمجهول.
3- عموم الحديث يفيد أنه لا بأس أن تكون الأجرة ذهباً أو فضة أو غيرهما، حتى ولو كان من جنس ما أخرجته الأرض، أو مما أخرجته بعينه.
4- النهى عن إدخال شروط فاسدة فيها: "ذلك كاشتراط جانب معين من الزرع وتخصيص ما على الأنهار ونحوها لصاحب الأرض أو الزرع، فهي
مزارعة أو إجارة فاسدة، لما فيها من الغرر والجهالة والظلم لأحد الجانبين، يجب أنْ تكون مبنية على العدالة والمواساة.
فإما أن تكون بأجر معلوم للأرض، وإما أن تكون مزارعة يتساويان فيها مغنما ومغرماً.
5- بهذا يعلم أن جميع أنواعَ الغرر والجهالات والمغالبات، كلها محرمة باطلة، فهي من القمار والميسر، وفيهما ظلم أحد الطرفين.
والشرع إنما جاء بالعدل والقسط والمساواة بين الناس، لإبعاد العداوة والبغضاء، وجلب المحبة والمودة.
اختلاف العلماء:
ذهب عامة العلماء إلى جواز الإجارة بالذهب والفضة والعروض غير الطعوم.
واختلفوا في جوازها في الطعام.
فإن كان معلوماً غير خارج منها، فذهب إلى جوازها أكثر أهل العلم، ومنهم الشافعية، والحنفية، والحنابلة. سواء أكان الطعام من جنس الخارج منها، أم من غير جنسه، للحديث العام، ولأنه ليس فيه ذريعة إلى الربا، فجاز، كالنقود.
ومنعه الإمام مالك، محتجاً بحديث [فلا يكريها بطعام] .
وإن كان بجزء مما يخرج منها، فلا يجوز عند الأئمة الثلاثة.
وما نقل عن الإمام أحمد في جوازها، فمحمول على إرادته للمزارعة، بلفظ الإجارة.
_________
(1) بشرط أن لا يكون بجزء منها، فلا تصح إجارة، وإنما تصح مزارعة إذا كان الجزء معلوما كما تقدم.
(1/532)

بَابُ الوَقف
قال ابن فارس في [مقاييس اللغة] : الواو والقاف والفاء، أصل يدل على تمكث ثم يقاس عليه. ثم قال: ولا يقال: أوقف.
قلت: ومن أصل التمكث يؤخذ الوقف الشرعي فإنه ماكث الأصل.
وتعريفه شرعاً: حبس مالكٍ مالَهُ المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القُرب ابتغاء وجه الله تعالى.
وحكمه: الاستحباب. وقد ثبت بالسنة، لأحاديث كثيرة.
منهاِ حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثلاثٍ، صدقة جارية.. الخ ".
وإجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين على جوازه ولزومه.
قال الشافعي: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته. وإنما حبس أهل الإسلام وهذا إشارة إلى أنه حقيقة شرعية.
وقال الترمذي: " لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافاً في جواز وقف الأرضين " إلا أنه نقل عن شريح القاضي أنه أنكر الْحُبُسَ.
ومثل هذا لا يعطى حكم الوقف من اللزوم والثواب والفضل والأحكام.
وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه.
قال جابر بن عبد الله: " لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا مقدرة، إلا وقف ".
وبهذا يعلم إجماع القرن المفضل عليه، فلا يلتفت إلى خلاف بعدَه.
أما فضله، فهو من أفضل الصدقات التي حث الله عليها، ووعد عليها، بالثواب الجزيل، لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه الخير.
وقد ورد في فضله آثار خاصة، لحديث عمر، وخالد، وعمل الصحابة رضى الله عنهم أجمعين.
وهذه الأحاديث الواردة في أصله وفضله.
وهذا الفضل الجزيل المترتب عليه، هو إذا كان وقفاً شرعياً حقيقياً واقعاً في موقعه، مقصوداً به وجه الله تعالى، موجهة مصارفه إلى وجوه القرب وأبواب البر والإحسان، من بناء المساجد والمدارس النافعة، والمشاريع الخيرية وصرفه إلى أهله من ذوى القرب والرحم، والفقراء والمساكين، والعاجزين، والمنقطعين، ومساعدة أهل الخير والصلاح، ونحو ذلك.
(1/533)

أما أن يحجر على أولاده وورثته باسم الوقف حتى لا يبيعوه، أو تكثر عليه الديون فيقف عقارَه خشية أن يباع لأصحاب الحقوق، أو يقفه على أولاده، فيحرم بعضهم ويحابى بعضهم، كأن يجعل نصيب البنات لهن ما دمن على قيد الحياة، أو يفضل بعض الأولاد على بعض لغير قصد صحيح أو يقفه على جهة من الجهات التي لا بِر فيها ولا قربة، ونحو ذلك. فهذا كله ليس بوقف صحيح، بل هو تحجير باسم الوقف.
وبهذا يدخل في أبواب الظلم، بدلا من أبواب البر، لأنه ليس على مراد الله، وكل ما أحدث في غير أمر الله فهو رد. أي مردود.
وبما تقدم تعرف الحكمة الجليلة من الوقف، فهو إحسان إلى الموقوف عليهم وبِرّ بهم، وهم أولى الناس بالبر والإحسان، وذلك إما لحاجتهم كالفقراء والأيتام والأرامل والمنقطعين، أو للحاجة إليهم كالمجاهدين والمعلمين والمتعلمين والعاملين- تبرعاً- في خدمة الصالح العام.
وفيه إحسان كبير وبِرّ عظيم للواقف إذ يتصدق بهذه الصدقة المؤبدة التي يجرى عليه ثوابها بعد انقطاع أعماله وانتهاء آماله، بخروجه من دنياه إلى أخراه.
الحديث الأول (1)
عَنْ عَبْدِ الله بنٍ عُمَرَ قال: أصاب عُمَرُ أرضا بِخَيْبَرَ فأتى النَبي صَلًى الله عَلَيْهِ ومسَلّمَ يَسْتَأمِرُهُ فِيهاَ، فقال: يَا رَسَوُلَ الله، إني أصبت أرْضاً بِخَيْبَرَ لَمْ أصِبْ مَالا قَط هُوَ أنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَماَ تَأمُرُني بِهِ؟
قال: " إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أصْلَهَا وَتَصَدقْتَ بِهَا ".
قال: فَتَصَدقَ بِهَا عُمَرُ، غَيْرَ أنَهُ لا يُباعُ أصلُهَا وَلا يُورَث.
قال: فَتَصَدقَ بهَا عُمَرُ في الفُقَرَاء، وفي القُربَى، وَفي الرقَابِ، وَفي سَبيلِ الله، وَابن السبيلِ، وَالضيفِ، لا جُنَاح عَلَى مَن وَلِيَهَا أن يَأكلَ مِنْهَا بالمعرُوفِ، أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً، غيرَ مُتَمَول فِيهِ. وفي. لفظ: غيْرَ مُتَأثل.
الغريب:
أرضا بخيبر: بلاد شمالي المدينة تبعد عنها 160كم لا تزال عامرة بالمزارع والسكان، وكانت مسكنا لليهود حتى فتحها النبي صلى الله عليه وسلم عام سبع فأقرهم على فلاحتها حتى أجلاهم عمر في خلافته. وأرض عمر هذه، اسمها " تَمغ " بفتح فسكون اشتراها من أرض خيبر.
يستأمره: يستشيره في التصرف بها.
_________
(1) رقم هذا الحديث حسب ترتيب المصنف [279] أخرجناه لنضمه إلى الأحاديث المناسبة له.
(1/534)

قط: ظرف زمان للماضي، مشدد الطاء، مبنى على الضم:
أنفس منه: يعني أجود منه، والنفيس: الشيء الكريم الجيد المغتبط به.
لا جناح: لا حرج ولا إثم.
غرِ متمول، غير متأثل: المتمول: اتخاذ المال أخذا أكثر من حاجته. و" التأثل " اتخاذ أصل المال وجمعه حتى كأنه قديم عنده.
المعنى الإجمالي:
أصاب عمر بن الخطاب رضى الله عنه أرضا بخيبر، قدرها مائة سهم، هي أغلى أمواله عنده، لطيبها وجودتها: كانوا- رضى الله عنهم- يتسابقون إلى الباقيات الصالحات.
- فجاء رضي اللَه عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم طمعاً في البر المذكور في قوله تعالى: {لَنْ تَنَالوا البِرً حَتًى تُنْفِقُوا مِمًا تُحِبونَ} - يستشيره في صفة الصدقة بها لوجه الله تعالى. لثقته بكمال نصحه.
فأشار عليه بأحسن طرق الصدقات، وذلك بأن يحبس أصلها ويقفه فلا يتصرف به ببيع، أو إهداء، أو إرث أو غير ذلك من أنواع التصرفات، التي من شأنها أن تنقل الملك، أو تكون سببا في نقله، ويصدق بها في الفقراء والمساكين، وفى الأقارب والأرحام، وأن يَفُكً منها الرقاب بالعتق من الرق، أو بتسليم الديات عن المستوجبين، وأن يساعد بها المجاهدين في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصر دينه، وأن يطعم المسافر الذي انقطعت به نفقته في غير بلده، ويطعم منها الضيف أيضا، فإكرام الضيف من الإيمان بالله تعالى.
بما أنها في حاجة إلى من يقوم عليها ويتعاهدها بالري والإصلاح، فقد رفع الحرج والإثم عمن وليها أن يأكل منها بالمعروف، فيأكل ما يحتاجه، ويطعم منها صديقا غير متخذ منها مالا زائدا عن حاجته، فهي لم تجعل إلا للإنفاق في طرق الخير والإحسان، لا للتمول والثراء.
ما يستفاد من الحديث:
1- يؤخذ من قوله: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" معنى الوقف الذي هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
2- يؤخذ من قوله: "غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث" حكم التصرف في الوقفة، فإنه لا يجوز نقل الملك فيه، ولا التصرف الذي يسبب نقل الملك، بل يظل باقيا لازما، يعمل به حسب شرط الواقف الذي لا حيف فيه ولا جنف.
3- مكان الوقف، وأنه العين التي تبقى بعد الانتفاع بها.
فأما ما يذهب بالانتفاع به، فهو صدقة، وليس له موضوع الوقف ولا حكمه.
(1/535)

4- يؤخذ من قوله: "فتصدق بها عمر في الفقراء.. الخ" مصرف الوقف الشرعي، وأنه الذي يكون في وجوه البر والإحسان العام أو الخاص، كقرابة الإنسان. وفك الرقاب، والجهاد في سبيل الله، والضيف، والفقراء، والمساكين وبناء المدارس والملاجئ والمستشفيات ونحو ذلك.
5- يؤخذ من قوله: " لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف" صحة شرط الواقف الشروط التي لا تنافى مقتضى الوقف وغايته، والتي ليس فيها إثم ولا ظلم.
فمثل هذه الشروط لا بأس بها لأن للواقف فيها منفعة بلا جور على أحد. فإذا شرطت مثل هذه الشروط نفذت، ولولا أنها تنفذ، لم يكن في اشتراط عمر فائدة.
6- في قوله: " لا جناح على من وليها.. الخ" جواز أكل ناظر الوقف منه بالمعروف بحيث يأكل قدر كفايته وحاجته، غير متخذ منه مالا، وكذلك له أن يطعم منه الصديق بالمعروف.
7- فيه فضيلة الوقف، وأنه من الصدقات الجارية والإحسان المستمر.
8- وفيه أن الأفضل أن يكون من أطيب المال وأنفسه، طمعاً في بر الله وإحسانه الذي جعله للذين ينفقون مما يحبون.
9- وفيه مشاورة ذوى الفضل. وهم أهل الدين والعلم، وكل عمل له أرباب يعلمونه.
10- وفيه أن الواجب على المستشار أن ينصح بما يراه الأفضل والأحسن، فالدين النصيحة.
11- وفيه فضيلة الإحسان والبر بذوي الأرحام، فإن الصدقة عليهم، صدقة وصلة.
12- يؤخذ من الحديث أن الشروط في الوقف لابد أن تكون صحيحة على مقتضى الشرع؛ فلا تكون مما يخالف مقتضى الوقف من البر والإحسان، ومن العدل والبعد عن الجور والجنف والظلم.
ونسوق هنا خلاصة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك فقد ذكر حديث عائشة " من نذر أن يطع الله فليطعه ... " وحديث بريدة " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ... والمسلمون على شروطهم ... " ثم قال:
من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة اً والبيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه الله على عباده، بحيث
(1/536)

تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه، أو النهي عما أمر الله به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود، الوقف وغيره، ولكن تنازعوا في العقود والمباحات كالبيع والإجارة والنكاح هل معنى الحديث من اشترط شرطاً لم يثبت أنه خالف فيه الشرع، أو من اشترط شرطاً يعلم أنه مخالفا لما شرعه الله.
هذا فيه تنازع، لأن قوله آخر الحديث " كتاب الله أحق وشرط الله أوثق " يدل على أن الشرط الباطل ما خالف ذلك.
وقوله: " من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل " قد يفهم منه ما ليس بمشروع، وصاحب القول الأول يقول: ما لم ينه عنه من المباحات فهو ما أذن فيه فيكون مشروعاً بكتاب الله، وأما ما كان من العقود التي يقصد بها الطاعات كالنذر، فلا بد أن يكون المنذور طاعة، فمتى كان مباحا لم يجب الوفاء به.
ثم تحدث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن البدعة، وبين أنها جميعاً مذمومة في الشرع، وبين أن ما فعل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من جمع المصحف، وجمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان، وطرد اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ليس بدعة، وإنما هو شرعة، لأن أقل ما يقال فيه أنه من سنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
وعقب على ذلك بقوله: وبالجملة فلا خلاف بين العلماء أن من وقف على صلاة أو صيام أو نحو ذلك من غير الشرعي لم يصح وقفه والخلاف في المباحات. وهذا أصل عظيم وهو التفريق بين المباح الذي يفعل لأنه مباح وبين ما يتخذ دينا وعبادة وطاعة وقربة، فمن جعل ما ليس مشروعا دينا وقربة، كان ذلك حراما باتفاق المسلمين.
ثم قال رحمه الله تعالى: القسم الثالث عمل مباح مستوى الطرفين فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به، والجمهور من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أن شرطه باطل، فلا يصح عندهم أن يشرط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى، وذلك لأن الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا لما له فيه منفعة في الدين والدنيا، فما دام الإنسان حياً فله أن يبذل ماله في تحصيل الأغراض المباحة، - لأنه ينتفع بذلك، فأما الميت فما بقي بعد الموت ينتفع من أعمال الأحياء إلا بعمل صالح قد أمر به أو أعان عليه أو أهدى إليه ونحو ذلك، فأما الأعمال التي ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت فإذا اشترط الموصي أو الواقف عملا أو صفة لا ثواب فيها كان السعي في تحصيلها سعياً فيما لا ينتفع به في دنياه ولا في آخرته، ومثل هذا لا يجوز.
(1/537)

اختلاف العلماء:
شذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله فأجاز بيع الوقف ورجوع الواقف فيه.
ومذهبه مخالف لنص الحديث ولذا قال صاحبه أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث (حديث عمر) لقال به، ورجع عن بيع الوقف.
وقال القرطبي: الرجوع في الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه.
وذهب مالك والشافعي: إلى لزوم الوقف وعدم جوازه وصحة بيعه بحال، أخذاً بعموم الحديث " غير أنه لا يباع أصلها. الخ ".
وذهب الإمام أحمد إلى قول وسط، وهو أنه لا يجوز بيعه ولا الاستبدال به إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، ولم يمكن الانتفاع به، ولا تعميره وإصلاحه،
فإن تعطلت منافعه، جاز بيعه واستبداله بغيره. استدل على ذلك بفعل عمر حينما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب.
فكتب إلى سعد: " أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلى".
وكان هذا العمل بمشهد من الصحابة، فلم يُنْكَر. فهو كالإجماع.
وشبهه بالهَدْىِ الذي يعطب قبل بلوغه مَحله، فإنه يذبح بالحال، وتترك مراعاة المَحِل، لافضائها إلى فوات الانتفاع بالكلية.
قال ابن عقيل رحمة الله: "الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه، استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض"
قال شيخ الإسلام " ابن تيميهَ " رحمه الله: "ومع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه، لظهور المصلحة".
وذكر رحمه الله أنه يجوز إبدال الوقف، ولو كان مسجدا بمثله أو خير منه، وكذلك إبدال الهدي والأضحية والمنذور، وذلك بأن يعوض فيها بالبدل، أو تباع ويشترى بثمنها، إلا المساجد الثلاثة فما يجوز تغيير عرصتها وإنما يجوز الزيادة فيها، وإبدال البناء بغيره، كما دلت عليه السنة وإجماع الصحابة.
وذكر شيخنا عبد الرحمن آل سعدي رحمه الله أنه إذا نقص الموقوف أو قلت منافعه، وكان
(1/538)

غيره أصلح منه وأنفع للموقوف عليهم ففيه عن الإمام أحمد روايتان، أشهرهما المنع، أي منع بيعه واستبداله
والثانية، الجواز، وهى اختيار شيخ الإسلام. وعليها العمل في محاكم المملكة العربية السعودية فإذا ثبت عند القاضي أن في بيعه واستبدال غبطة أو مصلحة أجازه، وأذن لناظره بذلك. وإلا فلا.
ولكن في هذه الحال لا ينبغي أن يستقل الناظر في بيعه، بل يرفع الأمر للحاكم، ويجتهد في الأصلح، لأنه في هذه الحال يدخلها من الهدى والخطأ، ما يحتاج إلى رفعه، ورفع المسئولية عنه بالحاكم. والله أعلم- ا. هـ.
وهذا هو الجاري في محاكم المملكة، فإنه لا يباع وقف إلا بإذن من الحاكم الشرعي، بل حتى تطلع هيئة القضاء في محكمة التمييز على حكم القاضي وتراه موافقا للوجهة الشرعية، فتجيزه، وبدون هذا فإن الوقف لا يُتَصرف فيه بما ينقل الملك.

باَبُ الهِبَة
الهبة: - بكسر الهاء وتخفيف الباء. وهى- شرعا- تمليك في الحياة بلا عوض. ولفظ الهبة يشمل أنواعا كثيرة:
منها: - الهدية المطلقة، والإبراء من الدين، والصدقة، والعطية، وهبة الثواب. ولكنْ بينها فروق.
فالهبة المطلقة: - ما قصد بها التودد إلى الموهوب له.
والصدقة: - ما قصد بها محض ثواب الآخرة.
والعطية: - هي الهبة في مرض الموت المخوف، وتشارك الوصية في أكثر أحكامها.
وهبة الدين: - هي إبراء المدين من الدين.
وهبة الثواب: - وهى ما قصد بها أخذ عوضها، وهى من أنواع البيع ولها أحكامه.
ولكن إذا أطلقت الهبة، فالمراد بها الأولى من هذه الأنواع.
ولها فوائد وحكم كثيرة، من إسداء المعروف، والتعاون، والتودد، وجلب المحبة، ففي الحديث " تهادوا تحابوا " لا سيما إذا كانت على قريب، أو جار، أو من بينك وبينه عداوة.
فهنا تحقق من المصالح والمنافع الشيء الكثير، وتكون من أنواع العبادات الجليلة التي أزالت ما في الصدور، ووثقت عرى القرابة والجوار. والشرع يهدف إلى كل ما فيه الخير والصلاح.
(1/539)

الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ رَضي الله عَنْهُ قَالَ: حَمَلْت عَلَى فَرس فِي سَبيلِ الله، فَأضَاعَهُ الذي كان عِنْدَهُ، فَأرَدْتُ أن أشْتَريَهُ وَظَنَنتُ أنَهُ يَبيعُهُ بِرُخْص، فَسألتُ النَبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تَشترِهِ ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ وَإن أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإنَ العَائِدَ في هِبَتِهِ كالعَائِدِ فِي قيئهِ ".
وفي لفظ: " فَإنَّ الذِي يَعُودُ فِي صَدَقتِهِ كالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قيْئِهِ ".
الحديث الثاني
وَعَنِ ابْن عَباس رَضيَ الله عَنْهُمَا: أنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
" العائِدُ في هِبَتِهِ كالعَائِد فِي قيئهِ ".
المعنى الإجمالي:
أعان عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا على الجهاد في سبيل الله.
فأعطاه فرسا يغزو عليه، فقصر الرجل في نفقة ذلك الفرس، ولم يحسن القيام عليه، وأتعبه حتى هزل وضعف.
فأراد عمر أن يشتريه منه وعلم أنه سيكون رخيصاً لهزاله وضعفه، فلم يقدم على شرائه حتى استشار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ففي نفسه من ذلك شيء لكونه من الملهَمين.
فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن شرائه ولو بأقل ثمن، لأن هذا شيء خرج لله تعالى فلا تتبعه نفسك ولا تعلق به، ولئلا يحابيك الموهوب له في ثمنه، فتكون راجعاً ببعض صدقتك. ولأن هذا خرج منك، وكفر ذنوبك، وأخرج منك الخبائث والفضلات، فلا ينبغي أن يعود إليك. ولهذا سمى شراءه عوداً في الصدقة.
ثم ضرب مثلا للتنفير من العود في الصدقة بأبشع صورة وهى أن العائد فيها، كالكلب الذي يقىء ثم يعود إلى قيئه فيأكله مما يدل على بشاعة هذه الحال وخستها، ودناءة مرتكبها.
ما يستفاد من الحديثين:
1- استحباب الإعانة على الجهاد في سبيل الله، وأن ذلك من أجل الصدقات، فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم صدقة.
2- أن عمر تصدت على ذلك المجاهد بالفرس ولم يجعلها وقفا عليه، أو وقفا في سبيل الله على الجهاد، وإلا لما جاز للرجل بيعه. فالمراد حمل تمليك لا حمل توقيف.
3- النهى عن شراء الصدقة، لأنها خرجت لله، فلا ينبغي أن تتعلق بها النفس. وشراؤها دليل على تعلقه بها، ولئلا يحابيه البائع فيعود عليه شيء من صدقته.
(1/540)

4- يحرم العود في الصدقة، وهو مذهب جمهور العلماء.
5- التنفير من ذلك بهذا المثل الذي هو الغاية في البشاعة والدناءة.
6- استثنى جمهور العلماء من تحريم العودة في الهبة ما يهبه الوالد لولده، فإن له الرجوع في ذلك، عملا بما رواه أحمد وأصحاب السنن، عن ابن عمر، وابن عَباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يحل لرجل مسلم أن يعطى العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى ولده " صححه الترمذي والحاكم.

بَابُ العَدل بَيْن الأولاد في العطِية (1)
الحديث الأول
عَن النَعْمَانِ بْنِ بَشِير قال: تَصَدق عَليَّ أبي بِبعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أمي عَمرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرضى حَتًى يَشْهَدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
فَانطَلَقَ أبى إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيُشْهِدَهُ عَلَى صدَقَتي.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أفَعَلْتَ هذا بوَلَدِك كُلهِمْ "؟ قال: لا. قَالَ: " اتقوا الله وَاعْدِلُوا بَينَ أولادكم ".
فَرَجَع أبي، فَرَدَّ تِلْكَ الصًدَقَةَ.
وفي لفظ قال: " فَلا تُشْهِدْني إذاً، فإني لا أشْهَدُ عَلَى جَورٍ".
وفي لفظ: " فَأشْهِد عَلَى هذَا غَيْرِي ".
المعنى الإجمالي:
ذكر النعمان بن بشير الأنصاري: أن أباه خصه بصدقة من بعض ماله فأرادت أمه أن توثقها بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلبت من أبيه أن يشهد النبي صلى الله عليه وسلم عليها.
فلما أتى به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتحمل الشهادة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتصدقت مثل هذه الصدقة على ولدك كلهم؟ قال: لا.
وبما أن تخصيص بعض الأولاد دون بعض، أو تفضيل بعضهم على بعض عمل مناف للتقوى
_________
(1) وضعت هذه الترجمة، لتفصيل المقام- ا. هـ. شارح.
(1/541)

وأنه من الجور والظلم، لما فيه من المفاسد، إذ يسبب قطيعة المفضل عليهم لأبيهم وابتعادهم عنه، ويسبب عداوتهم وبغضهم لإخوانهم المفضلين.
لما كانت هذه بعض مفاسده قال النبي صلى الله عليه وسلم له: " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ولا تشهدني على جور وظلم " ووبخه ونفَّره عن هذا الفعل بقوله: أشهد على هذا غيري.
فما كان من بشير رضى اللَه عنه إلا أن رجع بتلك الصدقة كعادتهم في الوقوف عند حدود الله تعالى.
اختلاف العلماء
أجمع العلماء على مشروعية التسوية بين الأولاد في الهبة، حتى كان السلف يسوون بينهم في القبل (1) لما في ذلك من العدل وإشعارهم جميعاْ بالمودة، وتصفية قلوبهم وإبعاد البغض والحقد والحسد عنهم.
ولكن اختلف العلماء في وجوب المساواة بينهم في الهبة.
فذهب الإمام أحمد، والبخاري، وإسحاق، والثوري، وجماعة إلى وجوبها وتحريم التفضيل بينهم، أو تخصيص بعضهم دون بعض، أخذاً بظاهر الحديث.
وذهب الجمهور إلى أنها مستحبة فقط، وأطالوا الاعتذار عن هذا الحديث بما لا مقنع فيه.
والحق الذي لاشك فيه، وجوب المساواة، لظاهر الحديث، ولما فيه من المصالح، وما في ضده من المضار.
كما أن ظاهر الحديث، التسوية بين الذكر والأنثى، لقوله لبشير " سَوِّ بينهم " وهو قول الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة، ورواية عن االإمام أحمد، اختارها من أصحابه " ابن عقيل " والحارثي.
وأما المشهور من مذهب الإمام أحمد، فهو أن يقسم بينهم على قدر إرثهم للذكر مثل حظ الأنثيين وهو اختيار شيح الإسلام " ابن تيمية ".
فائدة:
ذكر وجوِب العدل بين الأولاد في الهبة، وتحريم التخصيص أو التفضيل، ما لم يكن ثَمَ سبب موجب لذلك.
فإن كان هناك ما يدعو إلى التفضيل أو التخصيص، فلا بأس، كأن يكون أحدهم مريضاً، أو أعمى، أو زمنا (2) ، أو كان ذا أسرة كبيرة أو طالب علم، ونحو ذلك من الأسباب، فلا بأس، بتفضيله لشيء من هذه المقاصد.
وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد بقوله- في تخصيص بعضهم بالوقف-: لا بأس إذا كان لحاجة، وكرهه إذا كان على سبيل الأثرة.
وقال شيخ الإسلام " ابن تيمية ": والحديث والآثار تدل على وجوب العدل ... ثم هنا نوعان.
_________
(1) بضم القاف، فتح الباء، جمع قبلة.
(2) زمن: ذو عاهة.
(1/542)

1- نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فالعدل فيه أن يعطى كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.
2- ونوع تشترك حاجتهم إليه، من عطية، أو نفقة، أو تزويج. فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.
وينشأ من بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة، مثل أن يقضى عن أحدهم دينا وجب عليه من أرش (1) جناية، أو يعطى عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة، ونحو ذلك، ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر" ا. هـ من الاختيارات.
ما يؤخذ من الأحاديث:
1- وجوب العدل بين الأولاد، وتحريم التفضيل أو التخصيص. ذكرهم وأنثاهم سواء.
2- أن ذلك من الجور والظلم، الذي لا تجوز فيه الشهادة تحملا وأداء.
3- وجوب رد الزائد أو إعطاء الآخرين، حتى يتساووا.
4- أن الأحكام التي تقع على خلاف الشرع تبطل، ولا تنفذ، ولا يعتبر عقدها الصوري، لأنه على خلاف المقتضى الشرعي.

بَابُ هِبَة العمرى
الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رَضىَ الله عَنْهُمَا قال: قَضَى النَّبي صلى الله عليه وسلم بالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
وفي لفظ: "مَنْ اعمِرَ عُمْرَى فَهِي لَهُ وَلِعَقبِهِ فإنَّهَا لِلَّذِي أعْطِيَها، لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أعْطاهَا لأنَّهُ عَطَاءٌ وَقَعَتْ فِيهِ الموَارِيثُ".
وقال جابر: إنَّمَا الْعُمْرَى التي أجَازَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَقُولَ: هِي لَكَ وَلِعَقِبِكَ. فَأمَّا إذا قَالَ: هِي لك مَا عِشتَ، فإنَّهَا تَرجِعُ إلَى صَاحِبهَا.
_________
(1) الأرش: هو عقوبة مالية تدفع مقابل كل جناية بدنية ليس لها مقدر من الشرع ويسمى باصطلاح الفقهاء [حكومة] وطريقة الفقهاء في تقدير الجناية إذا كانت حكومة هوان تفرض أن المجني عليه عبدا رقيقا فيقدر له قيمة وهو سليم في الجناية ثم يقدر له قيمة وبه الجناية فما بين القيمتين هو الأرش (الحكومة) ا. هـ شارح.
(1/543)

في لفظ لمسلمِ: " امسِكُوا عَلَيْكُمْ أموَالَكمْ وَلا تُفْسِدُوهَا فَإنَّهُ مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فهِي لِلَّذِي اعْمِرَهَا حَيّاً وَمَيْتاً وَلِعَقِبِهِ ".
الغريب:
العمرى: بضم العين المهملة، وسكون الميم، وألف مقصورة. مشتقة من العمر، وهو الحياة. سميت بذلك، لأنهم كانوا في الجاهلية يعطى الرجلُ الرجلَ الدار أو غيرها ويقول: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك
أعمر: بضم أوله، وكسر الميم. مبنى للمجهول.
المعنى الإجمالي:
العمرى: - ومثلها " الرقبى " نوعان من الهبة، كانوا يتعاطونهما في الجاهلية، فكان الرجل يعطى الرجل الدار أو غيرها بقوله: أعمرتك إياها أو أعطيتكها عمرك أو عمري.
فكانوا يرقبون موت الموهوب له، ليرجعوا في هبتهم.
فأقر الشرع الهبة، وأبطل الشرط المعتاد لها، وهو الرجوع، لأن العائد في هبته، كالكلب، يقيئ ثم يعود في قيئه، ولذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن وهبت له ولعقبه من بعده.
ونبههم صلى الله عليه وسلم إلى حفظ أموالهم بظنهم عدم لزوم هذا الشرط وإباحة الرجوع فيها فقال: " أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي اعمِرَها، حياً وميتا، ولعقبها ".
هذا ما لم يصرح الواهب بأنها للموهوب له ما عاش فقط، فالمسلمون على شروطهم، ويكون حكمها، حكم العارية.
لكن لا يرجع الواهب فيها ولا بعد وفاة الموهوب له، لأن الوفاء بالوعد واجب، والإخلاف من صفات المنافقين المحرمة.
اختلاف العلماء:
العمرى ثلاثة أنواع:
1- إما أن تؤبد كقوله: لك: لعقبك من بعدك.
2- أو تطلق كقوله: هي لك عمرك أو عمري.
وجمهور العلماء على صحة هذين النوعين وتأبيدهما وهو مذهب بعض الحنابلة
3- والنوع الثالث أن يشترط الواهب الرجوع فيها بعد موت أحدهما. فهل يصح الشرط أو يلغى وتكون مؤبدة أيضاً؟
ذهب إلى صحة الشرط، جماعة من العلماء، منهم الزهري، ومالك، وأبو ثور، وداود. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام وغيره من الأصحاب، لحديث " المسلمون على شروطهم ".
(1/544)

والمشهور من مذهب الإمام أحمد، إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها.
وشرط الرجوع فيها المختلف في صحته، غير هبتها مدة الحياة فهذه لها حكم العارية بإجماع العلماء.
ما يؤخذ من الحديث:
1- صحة هبة " العمرى " وأنها من منح الجاهلية، التي أقرها الإسلام وهذبها، بمنع الرجوع فيها، لما في الرجوع من الدناءة والبشاعة.
2- أنها تكون للموهوب له ولعقبه، سواء أكانت مؤبدة أم مطلقة.
أما إذا شرط الواهب الرجوع فيها، فقد تقدم الخلاف في ذلك بين العلماء.
3- أما إذا كانت الهبة لمدة الحياة فقط، بأن قال: هي لك ما دمت حيا، أو ما عشت، فهذه لها حكم العارية.
4- إن الشروط الفاسدة غير لازمة في العقد، ولو ظنها العاقد لازمة نافعة له. لكن. قال الفقهاء: ويثبت الخيار في إمضاء البيع أورده لمشتر ظن ما ليس له ضمن عقده.

باَبُ اللُّقَطَة
اللُّقَطَة: - بضم اللام وفتح القاف على المشهور. وهي المال الضائع من ربِّه يلتقطه غيره. وَالمُلْتَقَطُ على ثلاثة أقسام: -
1- فقسم تافِه لا تتبعه همة أوساط الناس، كالسَّوط، والرغيف ونحوهما، فهذا يملك بالالتقاط ولا يلزم تعريفه.
2- والثاني، ما لا يجوز التقاطه، وهى الأشياء التي تمنع نفسها من صغار السباع لِعَدْوهاَ، كالظباء، أو بقوتها وتحملها، كالإبل، والبقر ونحو ذلك. فهذا يحرم التقاطه.
3- والنوع الثالث ما عدا ذلك، فهذا هو الذي يشرع التقاطه بقصد الحفظ لصاحبه وفيه الأحكام الآتية: -
الحديث الأول
عَنْ زَيْد بنِ خَالِدٍ الجُهَنيّ رَضي الله عَنْهُ قَالَ: سُئل رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلًمَ فَيْ لقَطَةِ الذَهَب أوِ الورِقِ، فقال اعْرِفْ وِكَاءها وَعِفَاصَهَا ثُمً عَرفها سَنةً، فإن لَم تُعْرَف فَاسْتنْفقهَا وَلتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإن جَاءَ طَالبُهَا يَوْماً منَ الدهْرِ فَأدهَا إلَيهِ ".
وَسألهُ عَنْ ضَالةِ الإبِلِ فَقَالَ: مَالَكَ وَلَها؟ دَعْهَا، فِإن مَعَهَا حِذَاءها وَسِقَاءها، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشجَرَ، حَتى يَجدَهَا رَبُهَا".
(1/545)

وَسَألهُ عَنِ الشاة فَقَالَ: خُذها، فَإنَما هِيَ لَكَ، أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذئبِ.
الغريب:
وِكاءها: بكسر الواو ممدود " الوكاء " ما يربط به الشيء.
عفاصها: بكسر العين المهملة، ففاء، وبعد الألف صاد مهملة. هو وعاؤها.
حِذَاءها: بكسر الحاء المهملة، فذال معجمة، هو خفها، لمتانته وصلابته.
سقاءها: بكسر السين، هو جوفها الذي حمل كثيراً من الماء والطعام.
ربها: هو صاحبها الذي ضاعت منه.
المعنى الإجمالي:
سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم المال الضال عن ربه، من الذهب، والفضة، والإبل، والغنم.
فبين له صلى الله عليه وسلم حكم هذه الأشياء لتكون مثالا لأشباهها، من الأموال الضائعة، فتأخذ حكمها.
فقال عن الذهب والفضة: اعرف وكاءها الذي شدت به، ووعاءها الذي جعلت فيه، لتميزها من بين مالك، ولتخبر بعلمك بها من ادعاها.
فإن طابق وصفه صفاتها، أعطيه إياها، وإلا تبين لك عدم صحة دعواه.
وأمره أن يعرفها سنة كاملة بعد التقاطه إياها.
ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق، وأبواب المساجد. والمجمعات العامة، وفي مكان التقاطها.
ثم أباح له- بعد تعريفها سنة، وعدم العثور على صاحبا- أن يستنفقها، فإذا جاء صاحبها في أي يوم من أيام الدهر، أداها إليه.
وأما ضالة الإبل ونحوها، مما يمتنع بنفسه، فنهاه عن التقاطها.
لأنها ليست بحاجة إلى الحفظ، فلها من طبيعتها حافظ، لأن فيها القوة على صيانة نفسها من صغار السباع، ولها من أخفافها ما تقطع به المفاوز، ومن عنقها ما تتناول به الشجر والماء، ومن جوفها ما تحمل به الغذاء، فهي حافظة نفسها حتى يجدها ربها الذي سيبحث عنها في مكان ضياعها.
وأما ضالة الغنم ونحوها من صغار الحيوان، فأمره أن يأخذها حفظا لها من الهلاك وافتراس السباع، وبعد أخذها يأتي صاحبها فيأخذها، أو يمضي عليها حول التعريف فتكون لواجدها.
ما يستفاد من الحديث:
1- أن من وجد مالا ضائعاْ عن ربه لا يمتنع من حفظ نفسه، استحب له أخذه بقصد الحفظ والصيانة عن الهلاك، والاستحباب هو أرجح الأقوال.
(1/546)

2- أن يعرف الواجد وكاءها ووعاءها وجنسها ليميزها عن ماله وليعرف صفاتها فيختبر من ادعى ضياعها منه، فذلك من تمام حفظها وأدائها إلى ربها.
3- أن يعرفها سنة في مجامع الناس كأبواب المساجد والمحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة.
وفي زمننا يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة.
4- إن لم تعرف في مدة العام، جاز له إنفاقها وبقى مستعدا لإعطاء صاحبها عوضها مثلها، إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة.
5- فإن مضى عليها الحول ولم تعرف، ملكها ملتقطها ملكا قهريا من غير اختيار كالإرث وإذا جاء صاحبها بعد الحول فله عوضها، أو هي بعينها إن كانت موجودة.
6- إن جاء صاحبها ولو بعد أمد طويل ووصفها. دفعت إليه.
ويكفى وصفها بينة على أنها له، فلا يحتاج إلى شهود ولا إلى يمين، لأن وصفها هو بينتها، فبينة كل شيء بحسبه، فإن البينة ما أبان الحق وأظهره، ووصفها كاف في ذلك.
وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال، التي يدعيها أحد ولا يكون له فيها منازع، فيكتفي بوصفه إياها.
7- أما ضالة الإبل ونحوها مما يمتنع بقوته أو بعَدْوه أو بطيرانه، فلا يجوز التقاطها، لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها، ما يحفظها ويمنعها.
لكن إن وجدت في مهلكة رُدتْ بقصد الإنقاذ، لا التقاط.
8- أما الشاة، فالأحسن- بعد أخذها- أن يعمل فيها الأصلح من أكلها مقدرا قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو إبقائها مدة التعريف.
وتركها بدون أخذها، تعريض لها للهلاك.
فإن جاء صاحبها، رجع بها أو بقيمها أو ثمنها، وإن لم يأت، فهي لمن وجدها.
(1/547)

كتَابُ الوَصَايَا
الوصايا: جمع وصية مثل هدايا: جع هدية. قال الأزهري: مأخوذة من" وصيتُ الشيء أصِيه " إذا وصلته. سميت وصية لأن الموصي وصل ما كان له في حياته بما كان بعد مماته. ويقال: وصّى- بالتشديد- وأوصى يوصى أيضاً. وهي- لغة- الأمر قال الله تعالى: {وَوَصّى بها إبراهِيمُ بَنيهِ وَيَعْقُوبُ} .
وشرعاً: عهد خاص بالتصرف بالمال، أو التبرع به بعد الموت.
وهى مشروعة بالكتاب، لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيكم إذَا حَضَرَ أحَدَكُم المَوتُ إن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيّة} .
ومشروعة بالسنة لهذه الأحاديث الآتية وإجماع المسلمين في جميع الأعصار والأمصار.
وهى من محاسن الإسلام، إذ جعل لصاحب المال جزءاً من ماله، يعود عليه ثوابه وأجره بعد موته.
وهي من لطف الله بعباده ورحمته بهم، حينما أباح لهم من أموالهم عند خروجهم من الدنيا أن يتزودوا لآخرتهم بنصيب منها.
لهذا جاء في بعض الأحاديث القُدسيةِ قول الله تعالى: " يا ابن آدم جعلت لك نصيباً من مالك حين أخذت بكظمك (1) لأطهِّرَكَ به وأزكِّيَكَ ".
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ رَضي الله عَنْهُمَا: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَاحَق امرئ مسلم لَهُ شَيء يُوصي بهِ، يَبِيتُ لَيلَة أو لَيلَتَين إلا وَوَصيتهُ مَكْتُوبَة عنده ".
زاد " مسلم " قال ابن عمر: فَوَ الله مَا مَرتْ عَلَي لَيلَة مُنْذُ سَمِعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ ذلِكَ إلا وعندي وَصِيتي.
المعنى الإجمالي:
يحض الني صلى الله عليه وسلم أمته على المبادرة إلى فعل الخير واغتنام الفرصة قبل فواتها، فأفادهم أنه ليس من الحق والصواب والحزم لمن عنده شيء يريد أن يوصي به ويبينه، أن يهمله حتى تمضى عليه المدة الطويلة.
بل يبادر إلى كتابته وبيانه، وغاية ما يسامح فيه الليلة والليلتان.
فإن المبادرة إلى ذلك، من المسابقة إلى الخيرات والأخذ بالحزم.
_________
(1) الكظم: مخرج النفس من الحلق ويريد: عند خروج نفسه وانقطاع نفسه.
(1/548)

فإن الإنسان لا يدري ما مقامه في هذه الحياة؟ كما أن فيه امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولذا فإن ابن عمر رضي الله عنهما- بعد أن سمع هذه النصيحة النبوية- كان يتعاهد وصيته كل ليلة، امتثالا لأمر الشارع، وبيانا للحق، وتأهبا للنقلة إلى دار القرار.
ما يستفاد من الحديث:
1- مشروعية الوصية وعليها إجماع العلماء، وعمدة الإجماع، الكتاب والسنة
2- أنها قسمان: أ- مستحب ب- وواجب.
فالمستحب، ما كان للتطوعات والقربات.
والواجب في الحقوق الواجبة، التي ليس بينة تثبتها بعد وفاته لأن " ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب ". وذكر ابن دقيق العيد أن هذا الحديث محمول على النوع الواجب.
3- مشروعية المبادرة إليها، بيانا لها، وامتثالا لأمر الشارع فيها، واستعداداً للموت. وتبصُّراً بها وبمصرفها، قبل أن يشغله عنها شاغل.
4- أن الكتابة المعروفة تكفى لإثبات الوصية والعمل بها، لأنه لم يذكر شهوداً لها.
والخط إذا عرف، بينة ووثيقة قوية.
5- فضل ابن عمر رضي الله عنه، ومبادرته إلى فعل الخير، واتباع الشارع الحكيم.
6- قال ابن دقيق العيد: والترخيص في الليلتين والثلاث دفع للحرج والعسر.
الحديث الثاني
عَنْ سَعْدِ بنِ أبي وَقاص رَضي الله عَنْهُ قَال جَاءَني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُني- عَامَ حَجةِ الوَدَاع منْ وَجَع اشْتَد بي.
فَقُلْتُْ: يَا رسول الله، قَدْ بَلَغَ بي مِن الوَجَعِ مَا تَرى، وَأنَا ذو مال، وَلا يَرِثُني إلا ابنة، أفَأتَصَدق بثُلُثَي مالي؟
قَالَ: " لا " قلْتُ: فَالشطْرُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: " لا "
قُلْتُ: فَالثلُثُ؟.
قَالَ: " الثُّلُثُ " وَالثلثُ كَثِير. إنَكَ أنْ تَذَرَْ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءٍ خَير مِنْ أن تَترَكهُم عَالَةً يَتَكَففُونَ النَّاسَ، وَإنكَ لن تُنْفِقَ نَفَقَة تَبتَغِي بهَا وَجْهَ الله إلا أجرت بِهَا، حَتى مَا تَجْعَلُ في فيّ امْرَأتِكَ ".
قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رسول الله اخَلفُ بَعْدَ أصْحَابي؟
قَالَ: " إنَكَ لَئنْ تخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلا تَبْتَغِي بِهِ وجْهَ الله إلا ازْدَدتَ بِهِ درَجَة وَرفعَةً، وَلَعَلًكَ أن تُخَلَّفَ حتَى ينتَفِعَ
(1/549)

بِكَ أقْوَام وَيُضَر بكَ آخَرُونَ. اللهُم أمْض لأصْحَابي هِجْرَتَهُمُ، وَلا تَرُدهُم عَلَى أعقابهم لكِنَّ البَائسَ سَعدُ بنُ خَوْلَةَ " يَرثي لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ مَاتَ بِمَكةَ.
الغريب:
الشطر: يجوز جره بالعطف على " ثلثي " وبين الزمخشري أنه يجوز نصبه على تقدير فعل محذوف هو عامل نصبه أي " أعين " ويطلق على معان، منها النصف وهو المراد هنا.
كثير: بالثاء المثلثة في أكثر روايات الحديث وهو المحفوظ.
أن تذر: بفتح الهمزة على التعليل، وبكسرها على الشرطية. قال النووي: هما صحيحان، ورد بعضهم الكسر لعدم صلاحية " خير " جواباً، إذ لا فاء فيها. وابن مالك يرى أن " خير " هي الجواب، والفاء مقدرة. والمعنى فهو خير.
عالة: جمع " عائل " و " العالة " الفقراء من " عال يعيل " إذا افتقر. " والعيلة " الفقر.
يتكففون الناس: مأخوذ من الكف " اليد " أي يسألون الناس بأكفهم.
سعد ابن خولة: نسب إلى أمه وهو قريشي عامري من جماعة أبي عبيدة ابن الجراح. وقيل: فارسي من اليمن حالف بني عامر. بدري من فضلاء الصحابة توفى بمكة في حجة الوداع، كانت تحته سبيعة بنت الحارث، فتوفي عنها وهي حامل. وقد رثى له النبي صلى الله عليه وسلم لأنه توفي في البلد التي هاجر منها، فدعا صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يتم لهم هجرتهم.
المعنى الإجمالي:
مرض سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه في حجة الوداع مرضاً شديداً خاف من شدته الموت.
فعاده النبي صلى الله عليه وسلم كعادته في تفقد أصحابه ومواساته إياهم.
فذكر سعد للنبي صلى الله عليه وسلم من الدواعي، ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بالكثير من ماله.
(1/550)

بَاب الفرائض
جمع (فريضة) بمعنى مفروضة و (المفروض) المقدر، لأن (الفرض) التقدير، فكاًن اسمها ملاحظ فيه قوله تعالى: {نصيباً مفروضا} أي مقدراً معلوماً.
وتعريفها شرعا: العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها.
والأصل فيها، الكتاب لقوله تعالى: {يوصيِكم الله في أولادِكُمُ} الآيتين.
والسنة، لحديث ابن عباس الآتي: وإجماع الأمة على أحكامها، في الجملة.
ولما كانت الأموال وقسمتها، محطَّ الأطماع، وكان الميراث في معظم الأحيان لضعفاء وقاصرين، تَولى الله -تبارك وتعالى- قسمتها بنفسه في كتابه مبينة، مفصلة، حتى لا يكون فيها مجال للآراء والأهواء، وسواها بين الورثة على مقتضى العدل والمصلحة والمنفعة التي يعلمها.
وأشار إليها بقوله تعالى: {لا تَدْرُون أيُّهُمْ أقْرَبُ لَكُم نَفْعا} فهذه قسمة عادلة مبينة على مقْتضى العدل والمصالح العامة. والإشارة إلى شيء مما فهم من العدل.
والقياس يخرج بنا عن موضوع الكتاب ويطيله علينا.
وتدبر كتاب الله مع الأوضاع البشرية، بهداية ونور، يبين شيئا من أسرار الله الحكيمة.
بعد قسمة (الحكيم الخبير) يأتي دعاة [التجديد] من المستغربين، ليغيروا حكم الله تعالى، ويبدلوا قسمته، بعد أن تمت كلماته صدقا وعدلا، زاعمين أنها أعدل وأحسن من أحكام الله {وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهّ حُكْماً لِقَوم يُوقِنُون} .
والحق: أنَّ هؤلاء المهووسين، جهلوا القوانين السماوية، والأوضاع الأرضية فنعقوا بما لم يسمعوا.
وهم - في نعيقهم - بين امرأة أحست بمركب نقصها، فأرادت أن تخرج على شريعة الله، وبين متظرف يريد التزين بالإلحاد والزندقة، وبين ناعق بما لا يسمع إن هو إلا دعاء ونداء، فهم لا يعقلون.
وهذا العلم علم شريف جليل.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم، على تعلمه وتعليمه في أحاديث.
منها: حديث ابن مسعود مرفوعا " تعلموا الفرائض، وعلموها الناس " وقد يراد بالفرائض- هنا - الأحكام عامة.
وقد أفرده العلماء بالتصانيف الكثيرة، من النظم والنثر، وأطالوا الكلام عليه.
(1/553)

ويكفى في تعلم أحكامه فهم الآيات الثلاث من سورة النساء، وحديث ابن عباس الآتي، فقد أحاطت بأمهات مسائله، ولم يخرج عنها إلا النادر.
ونورد هنا مقدمات تتعلق بهذا المقام، لتكمل الفائدة في هذا الكتاب، فيغني عن المطولات.
فللإرث أسباب ثلاثة:
الأول: النسب، وهي القرابة لقوله تعالى: {وَأولُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولَى ببعض} .
الثاني: النكاح الصحيح لقوله: {وَلَكُم نِصْفُ مَا تَرَكَ أزوَاجُكُم} الآية.
الثالث: الولاء، لحديث ابن عمر مرفوعاً "الولاء لحمة كلحمة النسب".
وأما غير هذه الثلاثة، فلا تكون سبباً للإرث على المشهور عند العلماء. فمتى وجد شيء من هذه الثلاثة، حصل التوارث بين الطرفين، حتى في الولاء على الصحيح.
وللإرث موانع، إذا وجدت أو وجد شيء منها، امتنع الإرث، وإن وجد سببه، لأن الأشياء لا تتم إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها.
وموانع الإرث ثلاثة:
الأول: القتل، فمن قتل مورثه، أو تسبب لقتله بغير حق، فلا يرثه، ولو بغير قصد، من باب (من تعجل شيئا قبل أوانه، عوقب بحرمانه) في حق العامد، ومن باب (سد الذرائع) في حق غيره، لحديث عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليس للقاتل شيء " رواه مالك في الموطأ.
الثاني: الرق. فلا يرث العبد قريبه، لأنه لو ورث لكان لسيده. وكذلك المملوك، يورث لأنه لا يملك، إذ إن ماله لسيِّده.
الثالث: اختلاف الدين. ويأتي بيانه في حديث أسامة، إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عَباس رضي الله عَنْهُمَا عَن الَّنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلمَ قَالَ: " ألِحقُوا الفراَئِض بأهْلِهَا، فَمَا بَقِي فَلأوْلَى رَجُل ذَكَر".
وفي رواية: "اقسِمُوا المَالَ بَيْنَ أهْلِ الفَرَائِض عَلَى كِتَابِ الله، فَمَا تَرَكَت الفَرَائِضُ فَلأِوْلَى رَجُل ذَكَر (1) ".
المعنى الإجمالي:
يأمر النبي صلى الله عليه وسلم القائمين على قسمة تركة أن يوزعوها على مستحقيها بالقسمة العادلة الشرعية كما أراد الله تعالى.
فيعطى أصحاب الفروض المقدرة فروضهم في كتاب الله. وهى الثلثان، والثلث، والسدس، والنصف، والربع، والثمن.
فما بقى بعدها، فإنه يعطى إلى من هو أقرب إلى الميت من الرجال لأنهم الأصل في التعصيب. فيقدمون على ترتيب منازلهم وقربهم من الميت كما يأتي بيانهم قريبا- بعد بيان أصحاب الفروض، إن شاء الله تعالى.
_________
(1) ذكر الذكر بعد الرجل للتأكيد ولإدخال الصبي ليزول الوهم.
(1/554)

" خلاصة عن الإرث وكيفيته، مسبقاة من القرآن الكريم، ومن هذا الحديث الجليل "
نبدأ بما بدأ الله به من توريث ذوي الفروض الذين نص الله تعالى توريثهم وقدر فرضهم.
حتى إذا علمنا ما لهم، ذكرنا الذين يأخذون ما أبقت الفروض، وهم العصبات.
فالفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: 1- النصف 2- والربع 3- والثمن 4- والثلثان 5- والثلث 6- والسدس. ولكل فرض صاحبه أو أصحابه.
1- النصف: ويكون للبنت، ولبنت الابن وإن نزل، لقوله تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف} وبنت الابن بنت.
وهذا التوريث بالإجماع، بشرط أن لا يكون معهن غيرهن من الأولاد.
وهو (أي النصف) فرض الزوج أيضا، بشرط أن لا يكون للزوجة ولد من ذكر أو أنثى، لقوله تعالى: " ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ".
(1/555)

وهو (أي النصف) فرض الأخت الشقيقة، وإن لم توجد، فالأخت لأب مع عدم الفرع الوارث، لقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} وهذه في ولد الأبوين أو لأب بالإجماع.
2- الربع: ويكون للزوج مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: {فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن} وهو (أي الربع) فرض الزوجة فأكثر، مع عدم الفرع الوارث لقوله تعالى: {ولهنَّ الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد}
3- الثمن: للزوجة فأكثر، مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: {فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم}
4- الثلثان: للبنتين ولبنتي الابن، إذا لم يعصَّبن.
ودليل توريثهما الثلثين، حديث امرأة سعد بن الربيع، حين جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم (أحد) شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما شيئا من ماله، ولا ينكحان إلا بمال. فقال: يقضى الله في ذلك، ونزلت آية المواريث.
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عمهما فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك " رواه أبو داود، وصححه الترمذي.
وتأخذان الثلثين بالقياس على الأختين المنصوص عليهما في قوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} فالبنتان، وبنتا الابن، أولى بالثلثين من الأختين.
وأما الثلاث من البنات، وبنات الابن فلهن الثلثان بنص قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} والثلثان فرض الأختين الشقيقتين فأكثر، وفي حال فقدهما يكون للأختين لأب فأكثر، لقوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك}
وبإجماع العلماء، والمراد بالثنتين، بنتا الأبوين، وبنتا الأب. وقاسوا ما زاد على الأختين، عليهما.
(1/556)

5- والثلث: فرض الأم مع عدم الفرع الوارث للميت، وعدم الجمع من الإخوة.
فدليل الشرط الأول، قوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث}
ودليل الشرط الثاني، قوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس}
وهو فرض الإخوة لأم، من الاثنين فصاعدا، يستوي ذكرهم وأنثاهم، لقوله تعالى: {وإن كان رحل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث}
وأجمع العلماء على أن المراد بالأخ والأخت، ولد الأم.
وقرأ ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص {وله أخ أو أخت من أم}
وقد ورد في إرثهم آثار، وشرط إرثهن عدم الأم ويشتركن إذا تساوين ويحجب بعضهن بعضا بالقرب من الميت.
وهو (أي السدس) فرض ولد الأم الواحد، ذكرا كان أو أنثى بإجماع العلماء لقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منها السدس} وتقدمت قراءة عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص.
وهو (أي السدس) فرض بنت الابن فأكثر مع بنت الصلب بإجماع العلماء، لحديث ابن مسعود، وقد سئل عن بنت وبنت ابن فقال: أقضى فيهما قضاء رسول اللَه صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى فللأخت. رواه البخاري.
وكذا حكم بنت ابن ابن، مع بنت ابن، وهكذا.
ومثل بنت الابن مع البنت، الأخت لأب مع الشقيقة، قياساً عليها.
والسدس: للأب أو للجد عند عدم الأب، ومع وجود الفرع الوارث.
هذه هي الفروض الستة المذكورة في القرآن الكريم، وهؤلاء هم أصحابها وكيفية أخذهم لها.
فإن بقي بعد أصحابها شيء أخذه العاصب عملا بقوله تعالى: {فَإنْ لَم يَكُنْ له وَلَد
(1/557)

ووَرثَهُ أبَوَاهُ فَلأمهِ الثلُث} يعنى والباقي لأبيه تعصيباً. ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديثنا هذا: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فَلأِولى رجل ذكر". وفي إرث أخي سعد بن الربيع "وما بقى فهو لك".
وللتعصيب، جهات بعضها أقرب من بعض، فيرثون الميت بحسب قربهم منه.
وجهات العصوبة، بُنوُّة، ثم أبُوُّة، ثم أخُوُّة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم ثم الولاء، وهو المعتق، وعصباته.
فيقدم الأقرب جهة، كالابن فإنه مقدم على الأب.
فإن كانوا في جهة واحدة، قدم الأقرب منزلة على الميت، كالابن فإنه يقدم على ابن الابن.
فإن كانوا في جهة واحدة واستوت منزلهم من الميت، قدم الأقوى مهم وهو الشقيق على من لأب من إخوة وأبنائهم، أو أعمام، وأبنائهم.
ويحجب الورثة بعضهم بعضا حرماناً ونقصانا.
فالنقصان يدخل على جميعهم. والحرمان لا يدخل على الزوجين والأبوين والولدين لأنهم يدْلون بلا واسطة.
والأب يسقط الجد، والجد يسقط الجد الأعلى منه.
والأم تسقط الجدات، وكل جدة تسقط الجدة التي فوقها.
والابن يسقط ابن الابن وكل ابن ابن أعلى يسقط من تحته من أبناء الأبناء.
ويسقط الإخوة الأشقاء، بالابن، وبالأب، وبالجد على الصحيح.
والإخوة لأب يسقطون بمن تسقط به الأشقاء وبالأخ الشقيق.
وبنو الإخوة يسقطون بالأب، وبكل جد لأب، وبالإخوة. والأعمام يسقطون بالإخوة وأبنائهم.
وأولاد الأم، يسقطون بالفروع مطلقا، وبالأصول من الذكور.
وبنت الابن، تسقط ببنت الصلب فأكثر.
وكل بنت ابن نازل تسقط باثنتين فأكثر ممن فوقها، ما لم يكن مع بنات الابن أو من نزل منهن من يعصبهن، من ولد ابن.
وتسقط الأخوات لأب بالشقيقتين فأكثر، ما لم يكن معهن من يعصبهن من إخوانهن.
هذه خلاصة سقناها لبيان المواريث بمناسبة شرح هذا الحديث الجامع، وقد أطال العلماء الكلام على هذا الباب من أبواب الفقه, وأفردوه بالتصانيف الكثيرة. والله ولي التوفيق.
(1/558)

الحديث الثاني
عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله, أتنزل غدا في دارك بمكة؟
فقال: "هل ترك لنا عقيل من رباع أو دورٍ؟ ".
ثم قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
الغريب:
الرباع: محلات الإقامة، والمراد هنا الدور. والرباع: بكسر الراء.
المعنى الإجمالي:
لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة سأله أسامة بن زيد: هل سينزل صبيحة دخوله فيها داره؟
فقال صلى الله عليه وسلم: وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب من رباع نسكنها؟
وذلك أن أبا طالب توفي على الشرك، وخلف أربعة أبناء، طالبا، وعقيلا، وجعفر، وعليا.
فجعفر وعلى، أسلما قبل وفاته، فلم يرثاه، وطالب وعقيل بقيا على دين قومهما فورثاه، ففقد طالب في غزوة بدر، فرجعت الدور كلها لعقيل فباعها.
ثم بيَّن حكماً عامًّا يين المسلم والكافر فقال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم".
لأن الإرث مبناه على الصلة والقربى والنفع، وهي منقطعة ما دام الدين مختلفاً لأنه الصلة المتينة، والعروة الوثقى.
فإذا فقدت هذه الصلة، فقد معها كل شيء حتى القرابة، وانقطعت علاقة التوارث بين الطرفين، لأن فصمها أقوى من وصل النسب والقرابة.
جمع الله المسلمين على التقوى، وقوى صلاتهم وعلاقاتهم بالإيمان. إنه سميع الدعاء.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز بيع بيوت مكة، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم العقد على حاله. وقد يقال: إنه لم يتعرض لعقود المشركين السابقة، فلا يكون في الحدث دلالة على هذه المسألة.
2- أن المسلم لا يرث الكافر، ولا الكافر يرث المسلم.
3- أن الإسلام هو أقوى الروابط، وأن اختلاف الدين، هو السبب في حَل العلاقات والصلات.
4- قال النووي كلاما مؤداه أن التوارث بين المسلمين
(1/559)

والكفار غير جائز عند جماهير العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا معاذ لن جبل وسعيد بن المسيب فقد أجازا توريث المسلم من الكافر واحتجا بحديث "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" وليس فيه دليل على ما أرادا لأنه في عموم فضل الإسلام وحديث أسامة نص واضح في هذه المسألة، ولعله لم يبلغ معاذًا وسعيدا.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَىَ عَنْ بَيع الولاءِ وَهِبتِهِ.
المعنى الإجمالي:
الوَلاء لحمَة كلحمَةِ النسب، من حيث إن كلا منهما لا يكتسب ببيع ولا هبة ولا غير هما، لهذا لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره.
وإنما هو صلة ورابطة بين المعتق والعتيق يحصل بها إرث الأول من الثاني، بسبب نعمته عليه بالعتق الذي هو فَكُّ رَقبته من أسْرِ الرِّقٌ، إلى ظلال الحرية الفسيحة.
ما يستفاد من الحديث:
1- قال ابن دقيق العيد: الولاء حق ثبت بوصف، وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه، لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف.
2- النهي عن بيع الولاء، وعن هبته، وعن غيرهما من أنواع التمليكات.
3- أن العقد باطل لأن النَّفي يقتضي الفساد.
4- أن هذه العلاقة الباقية التي لا تنفصم، كما لا تنفصم علاقة النسب تسبب الإرث، فيرث المعتق عن عتقه، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم، لنعمة العتق عليه.
(1/560)

الحديث الرابع
عَنْ عَاِئشَةَ رضي الله عَنْهَا قالت: كانت في بريرةَ ثَلاثُ سنن: خيرتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. وأهْديِ لَهَا لَحم، فَدَخَل عَلَيَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالبرْمَة عَلَى النارِ، فدَعَا بِطَعَام فَأتَى بِخُبْز وأدم مِن أدم البَيْتِ.
فَقَال: "ألم أرَ البرمة عَلَى النارِ فِيهَا لَحم"؟
فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله ذلِكَ لحم تصدقَ بِهِ عَلَى بَرِيرةَ فكَرِهْنَا أن نطْعِمَكَ مِنهُ.
فقال: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَهوَ لَنَا مِنْهَا هَدية".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فِيهَا: "الولاء لِمَنْ أعْتَقَ".
الغريب:
برمة: قال في القاموس: البرمة- بالضم- قِدْر من حجارة، جمعه برم، بالضم في الباء، وبالفتح في الراء.
المعنى الإجمالى:
تذكر عائشة رضي الله عنها من بركة مولاتها بريرة متيمنة بتلك الصفقة، التي قربتها منها، إذ أجرى الله تعالى من أحكامه الرشيدة في أمرها ثلاث سنن، بقيت تشريعاً عاماً على مر الدهور.
فالأولى: أنها عتقت تحت زوجها الرقيق (مغيث) فخيرت يين الإقامة معه على نكاحهما الأول، وبين مفارقته واختيارها نفسها لأنه أصبح لايكافئها في الدرجة، إذ هي حرة وهو رقيق، والكفائة هنا معتبرة، فاختارت نفسها، وفسخت نكاحها، فصارت سنة لغيرها.
والثانية: أنه تُصدقَ عليها بلحم وهي في بيت مولاتها عائشة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم واللحم يطبخ في البرمة، فدعا بطعام فأتوه بخبز وأدم من أدم البيت الذي كانوا يستعملونه في عادتهم الدائمة، ولم يأتوه بشيء من اللحم الذي تصدق به على بريرة، لعلمهم أنه لا يأكل الصدقة فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم، فقالوا: بلى، ولكنه قد تصدق به على بريرة، وكرهنا إطعامك منه.
فقال: هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية.
والثالثة: أن أهلها لما أرادوا بيعها من عائشة، اشترطوا أن يكون ولاؤها لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الولاء لمن أعتق) .
(1/561)

ما يستفاد من الحديث:
1- أن الأمة إذا عتقت تحت عبد يكون لها الخيار يين البقاء معه ويين الفسخ من عصمة نكاحه، وجواز ذلك بإجماع العلماء. أما إذا عتقت تحت حر فلا خيار لها عند جهور العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد.
2- فيه يبان اعتبار الكفاءة في النسب بين الزوجين. وأن في موانع التكافؤ بين الزوجين الحرية والرق.
3- أن الفقر إذا تصدق عليه فأهدى من صدقته إلى من لا تحل له الصدقة، من غنى وغيره، فإهداؤه جائز، لأنه قد ملك الصدقة، فيتصرف بها كيف شاء.
4- فيه دليل على سؤال صاحب البيت أهله عن شؤون منزله وأحواله.
5- وفيه انحصار الولاء بالمعتق، فلا يكون لغيره، ولا يخرج عن أحقيته بحال.
6- أنه ما دام بهذه الصفة من اللصوق، إذ عُدَّ لحمة كلحمة النسب يحصل به إرث المعتق وعصبته من عتيقه، وهذا هو المقصود من ذكر الحديث هنا.
(1/562)

كِتَاب الّنَكَاح (1)

النكاح حقيقته -لغَة- الوطء. ويطلق -مجازاً- على العقد، من إطلاق المسبب على السبب.
وكل ما ورد في القران من لفظ (النكاح) ، فالمراد به العقد إلا قوله تعالى: {فَلا تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَه} فالمراد به الوطء.
والأصل في مشروعيته، الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النسَاءِ} وغيرها من الآيات.
وأما السنة، فآثار كثيرة، قولية، وفعلية، وتقريرية، ومنها حديث الباب "يا معشر الشباب ... إلخ".
وأجمع المسلمون على مشروعيته وقد حث عليه الشارع، الحكيم لما يترتب عليه من الفوائد الجليلة، ويدفع به من المفاسد الجسيمة، فقد قال الله تعالى {وانكحوا الأيَامَى مِنْكُم} وهذا أمر، وقال: {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أن يَنْكحنَ أزْوَاجَهُن} وهذا نَهْي.
وقال صلى الله عليه وسلم: "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" وقال: "تناكحوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة"، والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
كل هذا لما يترتب عليه من المنافع العظيمة، التي تعود على الزوجين، والأولاد، والمجتمع، والدين، بالمصالح الكثيرة.
فمن ذلك، ما فيه من تحصين فرجي الزوجين: وقصر كل منهما بهذا العهد نظره على صاحبه عن الخلان والخليلات.
ومن ذلك ما في النكاح من تكثير الأمة بالتناسل ليكثر عباد الله تعالى، وأتباع نبيه صلى الله عليه وسلم فتتحقق المباهاة ويتساعدوا على أعمال الحياة.
ومنها: حفظ الأنساب، التي يحصل بها التعارف، والتآلف، والتعاون، والتناصر.
ولولا عقد النكاح وحفظ الفروج به، لضاعت الأنساب ولأصبحت الحياة فوضى، لا وراثة، ولا حقوق، ولا أصول، لا فروع.
_________
(1) من هنا إلى باب الصداق، لم يجعل المؤلف بين أحاديثه ترجمة: بما أن أحاديثه متثعبة البحوث، فقد جعلت لها تراجم تناسبها- اهـ. شارح.
(1/563)

ومنها: ما يحصل بالزواج من الألفة والمودة والرحمة بين الزوجين.
فإن الإنسان لا بد له من شريك في حياته، يشاطره همومه وغمومه، ويشاركه في أفراحه وسروره.
وفي عقد الزواج سر إلهي عظيم يتم عند عقده- إذا قدّر الله الألفة فيحصل بين الزوجين من معاني الود والرحمة مالا يحصل بين الصديقين أو القريبين إلا بعد الخلطة الطويلة.
وإلى هذا المعنى أشار تبارك وتعالى بقوله: {وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَق لَكُمْ مِن أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةَ وَرَحْمَةً إِن فِي ذلِكَ لآيات لِقومٍ يتفكرون} .
ومنها: ما يحصل في اجتماع الزوجين من قيام البيت والأسرة، الذي هو نواة قيام المجتمع وصلاحه.
فالزوج يَكِدُّ ويكدح ويتكسب، فينفق ويعول.
والمرأة، تدبر المنزل، وتنظم المعيشة وتربي الأطفال، وتقوم بشئونهم.
وبهذا تستقيم الأحوال، وتنتظم الأمور.
وبهذا تعلم أن للمرأة في بيتها عملا كبيرا، لا يقل عن عمل الرجل في خارجه، وأنها إذا أحست القيام بما نيط بها فقد أدت للمجتمع كله خدمات كبيرة جليلة.
فتبين أن الذين يريدون إخراجها من بياتها ومقر عملها، لتشارك الرجل في عمله، قد ضلوا عن معرفة مصالح الدين والدنيا، ضلالا بعيداً.
وفوائد النكاح، لا تحصيها الأقلام ولا تحيط بها الإفهام، لأنه نظام شرعي إلهي، سُن ليحقق مصالح الآخرة والأولى.
ولكن له آداب وحدود، لابد من مراعاتها والقيام بها من الجانبين، لتتم به النعمة، وتتحق السعادة، ويصفو العيش، وهي أن يقوم كل واحد من الزوجين بما لصاحبه من حقوق، ويراعى ماله من واجبات.
فمن الزوج، القيام بالإنفاق، وما يستحق من كسوة ومسكن بالمعروف، وأن يكون طيب النفس، وأن يحسن العشرة باللطف واللين، والبشاشة والأنس، وحسن الصحبة.
وعليها أن تقوم بخدمته وإصلاح بيته، وتدبير منزله ونفقته، وتحسن إلى أبنائه وتربيهم، وتحفظه في نفسها وبيته وماله، وأن تقابله بالطلاقة والبشاشة
وتهيئ له أسباب راحته، وتدخل على نفسه السرور، ليجد فى بيته السعادة والانشراح والراحة، بعد نَصبَ العمل وتعبه.
فإذا قام كل من الزوجين بما لصاحبه من الحقوق والواجبات، صارت حياتهما سعيدة، واجتماعهما حميداً. ورفرف على بيتهما السرور والحبور، ونشأ الأطفال فى هذا الجو الهادئ الوادع، فشبوا على كرم الطباع، وحسن الشمائل، ولطيف الأخلاق.
وهذا النكاح الذى أتينا على شيء من فوائده، ثم ذكرنا ما يحقق من السعادة، هو النكاح
(1/564)

الشرعي الإسلامي الذى يكفل صلاح البشر، وعمار الكون، وسعادة الدارين.
فإن لم يحقق المطلوب، فإن النظم الإلهية التي أمر بها وحث عليها لم تراع فيه، وبهذا تدرك سُمُّو الدين، وجليل أهدافه ومقاصده.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ رَضيَ الله عَنْهُ قَالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرَ الشباب، مَن استطاع مِنْكُمُ البَاعَةَ فلْيَتزَوج، فَإنه أغض لِلبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يستطع فعَليهِ بالصوم، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاء".
الغريب:
معشر الشباب: المعشر، هم الطائفة الذين يشملهم وصف.
الباءة: فيها لغات، أشهرها بالمد والهاء، اشتقت للنكاح من المباءة " وهى المنزل للملازمة بينهما، لأن من تزوج امرأة بَوّأها منزلا.
فعليه بالصوم: قيل إنه من قبيل إغراء الغائب وسهل ذلك فيه أن المُغْرى به تقدم ذكره في قوله: "من استطاع منكم الباءة" فصارَ كالحاضر. وقيل: إن الباء زائدة، ويكون معنى الحديث، الخبر، لا الأمر.
الوِجاء: بكسر الواو والمد هو رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا، فتذهب بذهابهما شهوة الجماع، وكذلك الصوم، فهو مُضعِف لشهوة الجماع، ومن هنا تكون بينهما المشابهة.
المعنى الاجمالي:
بما أن التحصن والتعفف واجب، وضدهما محرم، وهو آتٍ من قبل شدة الشهوة مع ضعف الإيمان، والشباب أشد شهوة، خاطبهم النبى صلى الله عليه وسلم مرشدا لهم إلى طريق العفاف، وذلك أن من يجد منهم مؤنة النكاح من المهر والنفقة والسكن، فليتزوج لأن الزواج يغض البصر عن النظر المحرم ويحصن الفرج عن الفواح! ق وأغرى من لم يستطع منهم مؤنة النكاح وهو تائق إليه- بالصوم، ففيه الأجر، وقمع شهوة الجماع وإضعافها بترك الطعام والشراب، فتضعف النفس وتنسد مجارى الدم التي ينفذ معها الشيطان، فالصوم يكسر الشهوة كالوجاء للبيضتين اللتين تصلحان المنى فتهيج الشهوة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- حث الشباب القادر على مؤنة النكاح [المهر والنفقة] حثه على النكاح لأنه مظنة القوة وشدة الشهوة.
(1/565)

2- قال شيخ الإسلام: واستطاعة النكاح هو القدرة على المؤنة وليس هو القدرة على الوطء، فإن الخطاب إنما جاء للقادر على الوطء, ولذا أمر من لم يستطع بالصوم، فإنه له وجاء.
3- من المعنى الذي خوطب لأجله الشباب، يكون الأمر بالنكاح لكل مستطيع لمؤنته وقد غلبته الشهوة، من الكهول والشيوخ.
4- التعليل في ذلك أنه أغض للبصر وأحصن للفرج عن المحرمات.
5- إغراء من لم يستطع مؤنة النكاح بالصوم، لأنه يضعف الشهوة، لأن الشهوة تكون من الأكل، فتركه يضعفها.
6- قال شيخ الإسلام: ومن لا مال له هل يستحب له أن يقترض ويتزوج فه نزاع في مذهب الإمام أحمد وغيره، وقد قال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} .
الحديث الثاني
عن أنس بن مَالِكٍ رَضي الله عَنْهُ أن نَفَرا مِنْ أصحَابِ النَبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزوَاجَ النَبي صلى الله عليه وسلم عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ.
فَقالَ بَعضُهُم: لا أتَزَوجُ النسَاءَ، وقَالَ بعضهم: لا آكل اللحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُم ْ: لا أنَام عَلَى فِرَاش.
فَبَلَغَ النَبي صلى الله عليه وسلم ذلِكَ، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه وقَالَ: "مَا بَالُ أقواَم قالُوا: كَذَا وكَذا؟ وَلكني أصَلي وأنَامُ، وَأصُومُ وأفْطر، وأتَزَوجُ النسَاء، فَمَن رَغِبَ عَنْ سنتي فَليسَ مِني (1) } .
المعنى الإجمالي:
بنيت هذه الشريعة السامية على السماح واليسر، وإرضاء النفوس بطيبات الحياة وملاذِّها المباحة به، وكرهها للعنت والشدة والمشقة على الفس، وحرمانها من خيرات هذه الدنيا.
ولذا فإن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حملهم حب الخير والرغبة فيه إلى أن يذهبوا فيسألوا عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم في السر الذي لا يطلع عليه غير أزواجه فلما أعلمنهم به استقلوه، وذلك من نشاطهم على الخير وَجَدهم فيه.
فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!
_________
(1) هذا اللفظ لمسلم خاصة، وللبخاري نحوه، ولهذا قال المصنف في (عمدته الكبرى) متفق عليه.
(1/566)

فهو- في ظنهم- غير محتاج إلى الاجتهاد في العبادة.
فعول بعضهم على ترك النساء، ليفرغ للعبادة.
وعول بعضهم على ترك أكل اللحم، زهادةً في ملاذ الحياة
وصمم بعضهم على أنه سيقوم الليل كله، تَهَجُّدا أو عبادة.
فبلغت مقالتهم من هو أعظمهم تقوى، وأشدهم خشية، وأعرف منهم بالأحوال والشرائع.
فخطب الناس، وحمد الله، وجعل الوعظ والإرشاد عاما، جريا على عادته الكريمة.
فأخبرهم أنه يعطى كل ذي حق حقه، فيعبد الله تعالى، ويتناول ملاذ الحياة المباحة، فهو ينام ويصلى، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنته السامية، فليس من أتباعه، وإنما سلك سبيل المبتدعين.
ما يؤخذ من الحديث:
1- حب الصحابة رضي الله عنهم للخير، ورغبتهم فيه وفى الإقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم.
2- سماح هذه الشريعة ويسرها، أخذاً من عمل نبيها صلى الله عليه وسلم وهديه.
3- أن الخير والبركة فى الإقتداء به، وإتباع أحواله الشريفة.
4- أن أخذ النفس بالعنت والمشقة والحرمان، ليس من الدين في شيء، بل هو من سنن المبتدعين المتنطعين، المخالفين لسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
5- أن ترك ملاذ الحياة المباحة، زهادة وعبادةً، خروج عن السنة المطهرة واتباع لغير سبيل المؤمنين.
6- في مثل هذا الحديث الشريف بيان أن الإسلام ليس رهبانية وحرمانا، وإنما هو الدين الذي جاء لإصلاح الدين والدنيا، وأنه أعطى كل ذي حق حقه.
فلله تبارك وتعالى حق العبادة والطاعة بلا غُلُو ولا تنطع.
وللبدن حقه من ملاذ الحياة والراحة.
بهذا تعلم أن الدين أنزل من لدن حكيم عليم، أحاط بكل شيء علما.
علم أن للإنسان ميولا، وفيه غرائز ظامئة، فلم يحرمه من الطيبات، وعلم طاقته في العبادة، فلم يكلفه شططاً وعسرا.
7- السنة هنا تعنى الطريقة، ولا يلزم من الرغبة عن السنة- بهذا المعنى- الخروج من الملة لمن كانت رغبته عنها لضرب من التأويل يعذر فيه صاحبه.
8- الرغبة عن الشيء تعني الإعراض عنه. والممنوع أن يترك ذلك تنطعا ورهبانية، فهذا مخالف للشرع. وإذا كان تركه من باب التورع لقيام شبهة فى حله، ونحو ذلك من المقاصد المحمودة لم يكن ممنوعا.
(1/567)

الحديث الثالث
عَنْ سَعد بْنِ أبى وَقاص رَضيَ الله عَنْهُ قَالَ: رَدّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمانَ بْنِ مَظعُون التَبَتلَ، وَلَوْ أذنَ لَهُ لاخْتَصيْنَا.
التبتل: ترك النكاح، ومنه قيل لمريم عليها السلام: البتول.
الغريب:
التبتل: أصل التبتل القطع والإبانة، والمراد- هنا- الانقطاع عن النساء للعبادة.
المعنى الاجمالى:
روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن عثمان بن مظعون من شدة رغبته في الإقبال على العبادة، أراد أن يتفرغ لها ويهجر ملاذَ الحياة.
فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن ينقطع عن النساء ويقبل على طاعة الله تعالى فلا يأذن له، لأن ترك ملاذ الحياة والانقطاع للعبادة، من الغُلو في الدين والرهبانية المذمومة.
وإنما الدين الصحيح هو القيام بما لله من العبادة مع إعطاء النفس حظها من الطيبات.
ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أذن لعثمان، لاتبعه كثير من المُجدّين في العبادة. وتقدم معنى الحديث، في الذي قبله.
فائدة:
في حاشية الصنعاني على شرح العمدة ما يلي:
أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك، فصار يشتتهي ألا يتناول. وللنفس في هذا مكر خفي رياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت إلى خير.
ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه من إظهار التخشع الزائد عن الحد، وتخشين الملبس، وأشياء صار العوام يستحسنونها، وصارت لأقوام كالمعاش، يجتنون من ثمراتها تقبيل اليد والتوقير، وأكثر في خلوته على غير حالته في جلوته، يتناول في خلوته الشهوات، ويعكف على اللذات ويرى الناس أنه متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظرت إلى أحواله فعنده كبر فرعون.
(1/568)

باب المحرمات من النكاح
المحرمات من النكاح قسمان:
1- قسم يحرم إلى الأبد 2- وقسم يحرم إلى أمد.
فالأول: سبع من النسب هن:
1- الأمهات وإن علون.
2- والبنات وإن نزلن.
3- والأخوات من أبوين، أو أب، أو أم.
4- وبناتهن.
5- وبنات الإخوة.
6- والعمات.
7- والخالات.
ودليل تحريم هؤلاء قوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم ... إلخ} .
ويحرم ما يماثلهن من الرضاعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
ويحرم أربع بالمصاهرة وهن:
1- أمهات الزوجات وإن علون.
2- وبناتهن وإن نزلن إن كان قد دخل بهن.
3- وزوجات الآباء والأجداد وإن عَلَوا.
4- وزوجات الأبناء وإن نزلوا.
ويحرم ما يماثلهن من الرضاع، ودليل هذا قوله تعالى: {وَأمهَاتُ نِسَائِكُم....} الخ.
أما المحرمات إلى أمد، فهن أخت الزوجة، وعمتها وخالتها، والخامسة للحر الذي عنده أربع زوجات، والزانية حتى تتوب، ومطلقته ثلاثا حتى تنكح زوجاً غيره، والمُحْرمة بنسك حتى تحل، والمعتدة من غيره. حتى تنقضي عدتها.
وماعدا هؤلاء فهو حلال، كما قال تعالى- حين عدد المحرمات- {وأحِل لَكُم ما وراء ذلِكُم} .
وفي هذين الحديثين الآتيين في هذا الباب، الإشارة إلى بعض ما تقدم
الحديث الأول
عَنْ أم حَبِيبَةَ بنْتِ أبي سُفْيَانَ رَضي الله عَنْهُمَا أنَهَا قَالَتْ: يا رسول الله، أنكح أختي ابنةَ أبي سُفيَانَ، فقال: " أوَ تُحِبينَ ذلِكَ "؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأحَبُ مَنْ شَارَكَنِي في خَيْر، أختي.
فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ذلِكَ لاَ يَحِلُّ لي ".
قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: "بنت أم سلمة"؟ قلت:
(1/569)

نعم، فقال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن".
قال (1) عروة: وثوبية مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله بشر حيبة، فقال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثوبية.
الحيبة، بكسر الحاء: الحالة.
الغريب:
بمخلية: بضم الميم، وسكون الخاء المعجمة، وكسر اللام. اسم فاعل من "أخلى يخلى" أي لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضرة.
نحدث: بضم النون وفتح الخاء، بالبناء للمجهول.
بنت أم سلمة: استفهام قصد به التثبت لرفع الاحتمال في إرادة غيرها.
ربيبتي في حجري: الربيبة مشتقة من الرب وهو الإصلاح، لأنه يقوم بأمرها.
والحجر بفتح الحاء وكسرها، وليس له مفهوم، بل لمجرد مراعاة- لفظ الآية.
ثويبة: بالمثلثة المضمومة، ثم واو مفتوحة، ثم ياء التصغير، ثم باء موحدة ثم هاء.
بشر حيبة: بكسر الحاء المهملة، وسكون الياء التحتية، ثم باء موحدة. أي بسوء حال. ووقع مضبوطاً في بعض نسخ البخاري بالخاء المعجمة.
المعنى الإجمالي:
أم حبيبة (2) بنت أبي سفيان هي إحدى أمهات المؤمنات رضى الله عنهن وكانت حظية وسعيدة بزواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم -وحق لها ذلك- فالتمست من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج أختها.
فعجب صلى الله عليه وسلم، كيف سمحت أن ينكح ضرة (3) لها، لما عند النساء من الغيرة الشديدة في ذلك، ولذا قال -مستفهما متعجبا-: أو تحبين ذلك؟ فقالت: نعم أحب ذلك.
ثم شرحت له السبب الذي من أجله طابت نفسها بزواجه من أختها، وهو أنه لابد لها من
_________
(1) قوله: [قال عروة ... الخ] يوهم أنه من المتفق عليه، وليس كذلك، فهو من أفراد البخاري خاصة، كما قاله (عبد الحق) في جمعه بين الصحيحين.
(2) قيل اسمها: (رمله) وقيل: عزة.
(3) ضرة المرأة، هي امرأة زوجها.
(1/570)

مشارك فيه من النساء، ولن تنفرد به وحدها، فإذا فليكن المشارك لها في هذا الخير العظيم هو أختها.
وكأنها غير عالمة بتحريم الجمع بين الأختين، ولذا فإنه أخبرها صلى الله عليه وسلم أن أختها لا تحل له (1) .
فأخبرته أنها حدثت أنه سيتزوج بنت أبي سلمة.
فاستفهم منها متثبتاً: تريدين بنت أم سلمة؟ قالت: نعم.
فقال: مبينا كذب هذه الشائعة: - إن بنت أم سلمة لا تحل لي لسببين.
أحدهما: أنها ربيبتي التي قمت على مصالحها في حجري، فهي بنت زوجتي.
والثاني: أنها بنت أخي من الرضاعة، فقد أرضعتني، وأباها أبا سلمة، ثويبة -وهي مولاة لأبي لهب- فأنا عمها أيضاً، فلا تعرضْنَ علي بناتِكن وأخواتكن، فأنا أدرى وأولى منكن بتدبير شأني في مثل هذا.
ما يؤخذ من الحديث:
1- تحريم نكاح أخت الزوجة، وأنه لا يصح.
2- تحريم نكاح الربيبة، وهى بنت زوجته التي دخل بها. والمراد بالدخول- هنا- الوطء، فلا يكفي مجرد الخلوة.
3- ليس (الحجر) -هنا- مرادا، وإنما ذكر لقصد التبشيع والتنفير.
4- تحريم بنت الأخ من الرضاعة، لأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.
5- أنه ينبغي للمفتي- إذا سئل عن مسألة يختلف حكمها باختلاف أوجهها- أن يستفصل عن ذلك.
6- أنه ينبغي توجيه السائل ببيان ما ينبغي له أن يعرض عنه وما يقبل عليه، لاسيما إذا كان ممن تجب تربيته وتعليمه، كالولد والزوجة.
7- الظاهر أن أم حبيبة فهمت إباحة أخت الزوجة للرسول صلى الله عليه وسلم من باب الخصوصية له. ذلك أنه لا قياس بين أخت الزوجة والربيبة، وإنما- لما سمعت أنه سيتزوج بربيبته وهي محرمة عليه بنص الآية التي حرم فيها الجمع بين الأختين- ظننت الخصوصية من هذا العموم.
_________
(1) يعني لا تحل له أختها مادامت هي زوجة، فهي من المحرمات إلى أمد.
(1/571)

الحديث الثاني
عَنْ أبي هريرة رَضي اللَه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يُجْمَعُ بين المرأة وعمتها، ولا بَيْنَ المرأة وَخَالتِهَا ".
المعنى الإجمالي:
جاءت هذه الشريعة المطهرة بكل ما فيه الخير والصلاح وحاربت كل فيه الضرر والفساد ومن ذلك أنها حثت على الألفة والمحبة والمودة، ونهت عن التباعد، والتقاطع، والبغضاء.
فلما أباح الشارع تعدد الزوجات لما قد يدعو إليه من المصالح، وكان- غالبا- جمع الزوجات عند رجل، يورث بينهن العداوة والبغضاء، لما يحصل من الغيرَةِ، نهى أن يكون التعدد بين القريبات، خشية أن تكون القطيعة بين الأقارب.
فنهى أن تنكح الأخت على الأخت، وأن تنكح العمة على بنت الأخ وابنة الأخت على الخالة وغيرهن، مما لو قدر إحداهما ذكرا والأخرى أنثى، حرم عليه نكاحها في النسب. فإنه لا يجوز الجمع والحال هذه.
وهذا الحديث يخصص عموم قوله تعالى: {وأحِلَّ لكم ما وَرَاءَ ذلِكم} وأدمجنا أحكامه، فلا حاجة إلى تفصيلها، لوضوحها من المعنى الإجمالي.
فائدة:
الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، قال ابن المنذر. لست أعلم في ذلك خلافا اليوم، واتفق أهل العلم على القول به، ونقل ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي الإجماع. قال ابن دقيق العيد. وهو مما أخذ من السنة، وإن كان إطلاق الكتاب يقتضي الإباحة لقوله تعالى. {وأحل لكم ما وراء ذلكم} إلا أن الأئمة من علماء الأمصار خصصوا ذلك العموم بهذا الحديث، وهو دليل على جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
قال الصنعاني: ليس المراد بالواحد الفرد، بل ماعدا المتواتر، فالحافظ ابن حجر ذكر أن هذا الحديث رواه من الصحابة ثلاثة عشر نفراً، وعدهم، ففيه رد على من زعم أنه لم يروه إلا أبو هريرة.
(1/572)

فائدة ثانية:
نكاح الكتابية جائز بآية المائدة، وهو مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم. فإن قيل: فقد وصفهم (أي أهل الكتاب) بالشرك بقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... } قيل: إن أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك، وحيث وصفوا بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوا من الشرك. فأصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التي جاءت بالتوحيد لا بالشرك اهـ من كلام شيخ الإسلام ابن تيميه.

بَابُ الشروط في النكاح
الشروط في النكاح قسمان:
1- صحيح وهو: مالا يخالف مقتضى العقد، وأن يكون للمشترط من الزوجين غرض صحيح، ويأتي شيء من أمثلته.
2- وباطل وهو: ما كان مخالفا لمقتضي العقد.
والميزان في هذه الشروط ونحوها، قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالا أو أحل حراماً" ولا فرق بين أن يقع اشتراطها قبل العقد أو معه.
الحديث الأول
عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِر قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحق الشروط أن تُوفُوا بِهِ مَا استحللتم بِهِ الفرُوج".
المعنى الإجمالي:
لكل واحد من الزوجين مقاصد وأغراض في إقدامه على عقد النكاح.
فيشترط على صاحبه شروطاً ليتمسك بها ويطلب تنفيذها، عدا ما هناك من شروط هي من مقتضيات عقد النكاح.
لأن شروط النكاح عظيمة الحرمة، قوية اللزوم -لكونها استحق بها استحلال الاستمتاع بالفروج- فقد حث الشارع الحكيم العادل على الوفاء بها، فقال: إن أحق شرط يجب الوفاء به وأولاه، هو ما اسْتحِل به الفرج- وبُذِلَ من أجله البضع.
ما يؤخذ من الحديث:
1- وجوب الوفاء بالشروط التي التزم بها أحد الزوجين لصاحبه، وذلك كاشتراط زيادة
(1/573)

في المهر أو السكنى بمكان معين من جانب المرأة، وكاشتراط البكارة والنسب، من جانب الزوج.
2- أن وجوب الوفاء، شامل للشروط التي هي من مقتضى العقد، والتي من مصلحة أحد الزوجين.
3- يقيد عموم هذا الحديث بوجوب الوفاء بالشروط، بمثل حديث [لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها] .
4- أن الوفاء بشروط النكاح آكد من الوفاء بغيرها، لأن عوضها استحلال الفروج.
5- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحيح الذي عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف أن ما يوجب العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر، بل المرجع في ذلك إلى العرف، كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} والسنة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لهند "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" وإذا تنازع الزوجان فرضه الحاكم باجتهاده.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ رَضيَ الله عَنْهُمَا: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهى عَنْ نِكاحِ الشغَارِ.
وَالشغَارُ: أنْ يُزَوجَ الرَّجُلُ ابنتَهُ عَلى أنْ يُزَوجَهُ الآخر ابنتهُ وَلَيس بيَنَهُمَا صَدَاقٌ.
الغريب:
الشغار: بكسر الشين المعجمة والغين المعجمة، أصله -في اللغة- الرفع، فأخذ منه صورة هذا النكاح لرفع كل واحد من الولييِن عن موليته لصاحبه بلا صداق ولا نفع يعود عليها.
المعنى الإجمالي:
الأصل في عقد النكاح أنه لا يتم إلا بصداق للمرأة، يقابل ما تبذله من بضعها.
ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا النكاح الجاهلي، الذي يظلم به الأولياء مولياتهم، إذ
(1/574)

يزوجونهن بلا صداق يعود نفعه عليهن، وإنما يبذلونهن بما يرضى رغباتهم وشهواتهم، فيقدمونهن إلى الأزواج، على أن يزوجوهم مولياتهم بلا صداق.
فهذا ظلم وتصرف في أبضاعهن بغير ما أنزل الله. وما كان كذلك فهو محرم باطل.
ما يؤخذ من الحديث:
1- النهى عن نكاح الشغار، والنهى يقتضي الفساد، فهو غير صحيح.
2- أن العلة في تحريمه وفساده، هو خلوه من الصداق المسمى، ومن صداق المثل، وأشار إليه بقوله: [وليس بينهما صداق] .
3- وجوب النصح للمولية. فلا يجوز تزويجها بغر كفء، لغرض الوَلي ومقصده.
4- بما أنهم جعلوا العلة في إبطال هذا النكاح، هي خُلُوُّهُ من الصداق، فإنه يجوز أن يزوجه موليته على أن يزوجه الآخر موليته بصداق غير قليل مع الكفاءة بين الزوجين والرضا منهما.
5- قوله: [والشغار: أن يزوج الرجل.. إلخ] قال ابن حجر: اختلفت الروايات عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، وبهذا قال الشافعي، فقد قال: لا أدرى التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك وجعله بعضهم من تفسير نافع وليس خاصا بالابنة، بل كل مولية. وقال القرطبي: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكر أهل اللغة، فإن كان مرفوعا فهو المقصود. وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا لأنه أعلم بالمقال وأفقه بالحال.
6- أجمع العلماء على تحريم هذا النكاح، واختلفوا في بطلانه. فعند أبي حنيفة أن النكاح يصح ويفرض لها مهر مثلها.
وعند الشافعي وأحمد. أن النكاح غير صحيح، لأن النهيَ يقتضي الفساد.
وحكى في الجامع رواية عن الإمام أحمد بطلانه ولو مع صداق، اختارها (الخِرَقي) لعموم ما روى الشيخان عن ابن عمر. "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار" ومثله في مسلم عن أبي هريرة.
ولأن أبا داود جعل التفسير وهو قوله " وليس بينهما صداقط من كلام نافع.
واختار هذا القول العلامة الأثري (الشيخ عبد العزيز بن باز) حفظه الله في رسالة له في الأنكحة الباطلة. والله أعلم.
(1/575)

الحديث الثالث
عَنْ عَلى بْنِ أبي طالب رَضيَ الله عَنْهُ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.
المعنى الإجمالي:
سَن الشارع النكاح لقصد الاجتماع والدوام، والألفة، وبناء الأسرة، وتكوينها.
ولذا كان أبغض الحلال إلى الله الطلاق، لكونه هدما لهذا البناء الشريف.
وكل قصد أو شرط يخالف هذه الحكمة من النكاح، فهو باطل.
ومن هنا حرم نكاح (المتعة) ، وهو أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل، بعد أن كان مباحا في أول الإسلام لداعي الضرورة.
ولكن ما في هذا النكاح من المفاسد، من اختلاط في الأنساب؛ واستئجار للفروج، ومجافاة للذوق السليم والطبيعة المستقيمة، هذه المفاسد ربَتْ على ما فيه من لذة قضاء الشهوة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- تحريم نكاح المتعة وبطلانه، وعليه أجمع العلماء. قال ابن دقيق العيد: وفقهاء الأمصار كلهم على المنع، وأكثر الفقهاء على الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت.
2- كان مباحا في أول الإسلام للضرورة فقط، ثم جاء التأكيد والتأبيد لتحريمه ولو عند الضرورة.
3- نهى الشارع الحكيم عنه، لما يترتب عليه من المفاسد، منها: اختلاط الأنساب، واستباحة الفروج بغير نكاح صحيح.
4- النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية فهي رجس، بخلاف الحمر الوحشية، فهي حلال بالإجماع.
فائدة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل يسير في البلاد، ويخاف أن يقع في المعصية، فهل له أن يتزوج في مدة إقامته في تلك البلدة فإذا سافر طلق من تزوجها؟
(1/576)

فأجاب بأن له أن يتزوج، ولكن على أن ينكح نكاحا مطلقا، يمكنه من إمساكها أو تطليقها إن شاء، وإن نوى طلاقها حتما عند انقضاء سفره كره في مثل ذلك، وفي صحة النكاح نزاع.
ثم ببن رحمه الله رأيه في نكاح المنعة، فقال: إن قصد أن يستمتع بها إلى مدة ثم يفارقها، مثل المسافر إلى بلد يقيم به مدة فيتزوج وفي نيته إذا عاد إلى وطنه أن يطلقها، ولكن النكاح عقده عقداً مطلقا فهذا فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد.
1- قيل: هو نكاح جائز، وهو اختيار الموفق وقول الجمهور.
2- وقيل: إنه نكاح تحليل لا يجوز، وروى عن الأوزاعي ونصر القاضي وأصحابه.
3- وقيل مكروه وليس بمحرم.
والصحيح أن هذا ليس بنكاح متعة ولا يحرم، وذلك أنه قاصد للنكاح وراغب فيه، بخلاف المحلل، لكن لا يريد دوام المرأة معه وهذا ليس بشرط، فإن دوام المرأة معه ليس بواجب، بل له أن يطلقها، فإذا قصد أن يطلقها بعد مدة فقد قصد أمرا جائزا بخلاف نكاح المتعة، فإنه مثل الإجارة تنقضي فيه بانقضاء المدة، ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل، وأما هذا فملكه ثابت مطلق، وقد تتغير بنية فيمسكها دائما، وذلك جائز له، كما لو تزوج بنية إمساكها دائماً، ثم بدا له طلاقها جاز ذلك.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على تحريم هذا النكاح وبطلانه.
واختلفوا في الوقت الذي حرم فيه، تبعا للآثار التي وردت في تحريمه.
فبعضهم يرى أن التحريم كان يوم (خيبر) مستدلا بحديث الباب، ثم أنها أبيحت، ثم حرمت يوم فتح مكة.
وبعضهم يرى أنها لم تحرم إلا يوم الفتح، وقبله كانت مباحة، ويقولون: إن علياً رضي الله عنه لم يرد في هذا الحديث أن تحريم المتعة وقع مع تحريم لحوم الحمر الأهلية يوم (خيبر) وإنما قرنهما جميعا ردا على ابن عباس الذي يجيز المتعة للضرورة ويبيح لحوم الحمر الأهلية. وهذا القول أولى.
قال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين فكانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح، وهو عام أوطاس، ثم حرت تحريما مؤبدا. قال: ولا مانع من تكرير الإباحة (1) .
_________
(1) أي في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم لا بعد التحريم المؤبد.
(1/577)

بَابُ ما جاء في الاستئمار وَالاستئذان
عَنْ أبي هريرة رَضيَ الله عَنْهُ أنَ رَسُولَ الله صلى لله عليه وسلم قَال: "لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتى تستأمر، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتًى تُستأذَن، قالُوا: يا رسول الله، وَكيفَ إذنها؟ قَال: أن تسكت".
الغريب:
الأيم: بفتح الهمزة وتشديد الياء التحتية المثناة، بعدها ميم، أشهر وأكثر ما تستعمل، في المرأة المفارقة من زوجها، وهو متعين هنا، لمقابلتها للبكر.
تستأمر: أصل الاستئمار: طلب الأمر. فالمعنى لا يعقد عليها إلا بعد طلب الأمر منها، وأمرها به.
لا تنكح: برفع الفعل المضارع بعد لا النافية، وإن كان الغرض النهي وهذا أسلوب معروف من أساليب البلاغة العربية.
المعنى الإجمالي:
عقد النكاح عقد خطير، يستبيح به الزوج أشد ما تحافظ عليه المرأة،: هو بضعها.
وتكون بهذا العقد أسيرة عند زوجها، يوجهها حيث يشاء ويريد، لهذا جعل لها الشارع العادل الرحيم الحكيم الأمر، في أن تختار شريك حياتها، وأن تصطفيه بنظرها. فهي التي تريد أن تعاشره، وهى أعلم بميولها ورغبتها.
فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تزوج الثيب حتى يؤخذ أمرها فتأمر.
كما نهى عن تزويج البكر حتى تستأذن في ذلك أيضا فتأذن.
بما أنه يغلب الحياء على البكر، اكتفى منها بما هو أخف من الأمر، وهو الإذن، كما اكتفى بسكوتها، دليلا على رضاها.
ما يؤخذ من الحديث:
1- النهي عن نكاح الثيب قبل استئمارها وطلبها ذلك وقد ورد النهى بصيغة النفي، ليكون أبلغ، فيكون النكاح بدونه باطلا.
2- النهْيُ عن نكاح البكر قبل استئذانها، ومقتضى طلب إذنها، أن نكاحها بدونه باطل أيضا.
(1/578)

3- يفيد طلب إذنها: أن المراد بها البالغة، وإلا لم يكن لاستئذانها فائدة، لو كان المراد الصغيرة. قال ابن دقيق العيد: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون أقرب إلى التأكد وقال الشافعي في القديم: أستحب ألا تزوج البكر الصغيرة حتى تبلغ وتستأذن
4- عبر عن البكر بالاستئذان لغلبة الحياء عليها، فلا تكون موافقتها بأمر كالثيب.
5- يكفى في إذنها السكوت لحيائها -غالبا- عن النطق. والأحسن أن يجعل لموافقتها بالسكوت أجلا، تعلم به أنها بعد انتهاء مدته يعتبر سكوتها إذنا منها وموافقة.
6- لا يكفي في استئمار الثيب واستئذان البكر مجرد الإخبار بالزواج، بل لا بد من تعريفها بالزوج تعريفا تاما، عن سنه، وجماله، ومكانته، ونسبه، وغناه، وعمله، وضد هذه الأشياء، وغير ذلك مما فيه مصلحة لها.
7- قال شيخ الإسلام: من كان لها ولي من النسب وهو العصبة فهذه يزوجها الولي بإذنها، ولا يفتقر ذلك إلى حاكم باتفاق العلماء. وأما من لا ولي لها فإن كان في القرية أو المحلة نائب حاكم زوجها، وهو أمير الأعراب ورئيس القرية وإذا كان فيهم إمام مطاع زوجها أيضا بإذنها. والله أعلم.
8- وقال شيخ الإسلام الإشهاد على إذن المرأة ليس شرطا في صحة العقد عند جماهير العلماء، وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب أحمد والشافعي، والمشهور من المذهبين كقول الجمهور وأن ذلك لا يشترط والذي ينبغي لشهود النكاح أن يشهدوا على إذن الزوجة قبل العقد لوجوه ثلاثة، ليكون العقد متفقا على صحته، وللأمان من الجحود، وخشية أن يكون الولي كاذبا في دعوى الاستئذان.
اختلاف العلماء:
ليس هناك نزاع بين العلماء، في أن البالغة العاقلة الثيب لا تجبر على النكاح ودليل ذلك واضح.
وليس هناك نزاع أيضا في أن البكر التي دون التسع، ليس لها إذن، فلأبيها تزويجها بلا إذنها ولا رضاها بكفئها. قال شيخ الإسلام فإن أباها يزوجها ولا إذن لها.
ودليلهم زواج عائشة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم وهى ابنة ست. واختلفوا في البالغة.
فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أن لأبيها إجبارها، وهو مذهب مالك، والشافعي،
(1/579)

وإسحاق.
ودليلهم ما رواه داود عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صِماتها (1) ". فحيث قسم النساء قسمين، وأثبت لأحدهما الحق، دل على نفيه عن الآخر وهو البكر، فيكون وليها أحق منها.
الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ليس له إجبارها وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والأوزاعى، والثوري، وأبي ثور.
واختار هذه الرواية من الأصحاب: أبو بكر، والشيخ تقي الدين ابن تيميه، وابن القيم وصاحب الفائق، وشيخنا (عبد الرحمن آل سعدي) ومال إليه الشيخ عبد الله أبا بطين، مفتى الديار النجدية في زمنه.
ودليل هذا القول، حديث الباب، إذ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تزويجها بدون إذنها، ولو لم يكن إذنها معتبراً، لما جعله غاية لإنكاحها.
وبما رواه أبو داود، وابن ماجة، عن ابن عباس: أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: "والبكر تستأذن".
ففي حديث الباب النهيُ، وحديث الجارية فيه الحكم بخيارها، وفى الحديث الثالث، الأمر باستئذانها وهو يقتضي الوجوب.
وهذا القول هو الذي تقتضيه قواعد الشرع الحكيمة العادلة.
فإذا كان أبوها لا يتصرف بالقليل من مالها بدون إذنها، فكيف يكرهها على بَذْل بضعها وَعشرةِ من تكرهه، ولا ترغب في البقاء معه؟.
إن إرغامها على الزواج بمن تكره، هو الحبس المظلم لنفسها، وقلبها، وبدنها وعقلها.
والقول به، ينافي العدل والحكمة.
وما الفرق بينها وبين الثيب، التي عرفوا لها هذا الحق؟.
إن التفريق بينهما، من التفريق بين المتماثلين، الذي يأباه القياس.
وما استدل به للقول الأول من قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" مفهوم، وعلى القول بكونه حجة، فدليل المنطوق مقدم عليه.
_________
(1) بكسر الصاد: - هو السكوت.
(1/580)

تتمة:
عقد النكاح، كبير خطير، وضرره ونفعه عائد على الأسرة كلها. لذا أرى العمل بقوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم} وهو أن يبحث من أطرافه، ويتدوال الرأي فيه بين جميع أفراد الأسرة المعتبرين، وأن يستخيروا الله تعالى، ويسألوه التسديد والتوفيق، ويعملوا بما يرون أنه الأحسن والأولى.
ويكون للزوجة الرأي الأخير بعد تعريفها وتفهيمها. وإذا تم على هذا، فهو أحرى أن يؤدم بين الزوجين والأسرتين.

بَابُ لا ينكح مطَلقته ثَلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره
عَن عَاِئشَةَ رَضيَ الله عَنْهَا قَالَت: جَاءتِ امْرَأةُ رِفَاعَةَ القُرَظِي إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: كُنْتُ عِندَ رِفَاعَةَ القُرَظِي فَطَلقني فَبَتَّ طلاقي فتزوَّجت بَعْدَهُ عَبْدَ الرحمن بنَ الزُّبير وإنَّمَا مَعَهُ مِثلُ هُدْبَةِ الثوبِ.
فَتَبَسَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: "أتريدين أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذوقي عُسيلَتَهُ وَيَذُوق عُسَيْلَتك".
فَقَالَت: وأبو بَكر عِنْدَه، وخالد بنُ سَعِيدٍ بالبابِ يَنتظِرُ أنْ يُؤذَنَ لَهُ، فنادى: "يَا أبَا بَكْر، ألا تَسْمَعُ إلى هذِهِ مَا تَجْهَرُ بهِ عِنْدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم؟.
الغريب:
فبت طلاقي: بتشديد التاء المثناة. أصله: القطع، والمراد طلقها الطلقة الأخيرة من الطلقات الثلاث، كما في صحيح مسلم "فطلقها آخر ثلاث تطليقات (1) .
الزبيِر: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة، ثم ياء، ثم راء.
هُدْبة: بضم الهاء، وإسكان الدال. بعدها موحدة: هي طرف الثوب الذي لم ينسج، شبهوها بهدب العين. أرادت أن ذَكرَه، يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار.
عسَيلته: بضم العين، وفتح السين. تصغير عسلة، وهي كناية عن الجماع. شبه لذته بلذة العسل وحلاوته.
_________
(1) ذهل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد عن هذه الرواية التي ساقها المصنف محتملة لإرسال الثلاث دفعة، ومحتملة لأن تكون آخر طلقة، ومحتملة لأن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة عند بعض الفقهاء. ولو فطن لهذه الرواية، لعلم أنها مفسرة لها، وأن المراد- هنا- طلقها الثالثة من التطليقات- اهـ. شارح.
(1/581)

المعنى الإجمالي:
جاءت امرأة رفاعة القرظي شاكية حالها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فأخبرته أنها كانت زوجاً لرفاعة، فبتَّ طلاقها بالتطليقة الأخيرة، وهي الثالثة من طلقاتها، وأنها تزوجت بعده (عبد الرحمن بن الزبِير) فلم يستطع أن يمسها لأن ذكرَه ضعيف رِخْو، لا ينتشر.
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم من جهرها وتصريحها بهذا الذي تستحي منه النساء عادة، وفهم أن مرادها، الحكم لها بالرجوع إلِى زوجها الأول رفاعة. حيث ظنت أنها بعقد النكاح من عبد الرحمن قد حلت له.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أبى عليها ذلك، وأخبرها بأنه لابد- لحل رجوعها إلى رفاعة- من أن يطأها زوجها الأخير.
وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وخالد بن سعيد، بالباب ينتظر الإذن بالدخول فنادى خالد أبا بكر، متذمرا من هذه المرأة التي تجهر بمثل هذا الكلام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا، لما له في صدورهْم من الهيبة والإجلال. صلى الله عليه وسلم ورضي اللَه عنهم وأرضاهم، ورزقنا الأدب معه، والإتباع له.
ما يؤخذ من الحديث:
1- أن المراد ببَت الطلاق هنا، الطلقة الأخيرة من الثلاث، كما بينته الرواية الأخرى كما تقدم في شرح [الغريب] .
2- أنه لا يحل بعد هذا البت المذكور هنا أن ينكحها زوجها، الذي بت طلاقها إلا بعد أن تتزوج غيره، ويطأها الزوج الثاني، فيكون المراد بقوله تعالى: {حَتى تَنكِح زوجا غَيْرَهُ} الوطء، لا مجرد العقد قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، فلا تحل له حتى يجامعها الثاني.
3- المراد بالعسيلية، اللذة الحاصلة بتغيب الحشفة ولو لم يحصل إنزال مَني، وعليه إجماع العلماء، فلابد من الإيلاج لأنه مظنة اللذة.
4- أنه لابد من الانتشار، وإلا لم تحصل اللذة المشترطة.
5- أنه لا بأس من التصريح بالأشياء التي يستحي منها للحاجة، فقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتبسم من كلامها.
6- حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وطيب نفسه. اللهم ارزقنا اتباعه، والإقتداء به. آمين.
اختلاف العلماء:
موضع ذكر هذا الخلاف هو (باب الطلاق) وبما أن المؤلف لم يأت هناك بما يشير إليه
(1/582)

وجاءت مناسبته هنا، فإني أذكره لقوته، وللحاجة إليه.
فقد اختلف العلماء فيمن أوقع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، أو أوقعها بكلمات ثلاث لم يتخللها رجعة، فهل تلزمه الطلقات الثلاث، فلا تحل له زوجته إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، وتعتد منه، أم أنها تكون طلقة واحدة، له رجعتها مادات في العدة، وبعد العدة يعقد عليها ولو لم تنكح زوجاً غيره؟.
اختلف العلماء في ذلك اختلافا طويلا عريضا، وعُذب من أجْل القول بالرجعة بها جماعة من الأئمة والعلماء، منهم شيخ الإسلام، ابن تيميه، وبعض أتباعه.
وما ذلك إلا لأن القول بوقوعها، هو المشهور من المذاهب الأربعة. وكأن من خرج عنها لقوة دليل أو لاتباع إمام من سَلَفِ الأمة ليس على الحق. قاتل الله التعصب والهوى، وهى مسألة طويلة.
ولكننا -نسوق- هنا- ملخصا فيه الكفاية.
ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وجمهور الصحابة والتابعين: إلى وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة إذا قال (أنت طالق ثلاثا) ونحوه أو (بكلمات) ولو لم يكن بينهن رجعة.
ودليلهم حديث ركانة بن عبد الله (أنه طلق امرأته البتة) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " والله ما أردتَ إلا واحدة؟ ".
قال ركانة: (والله ما أردتُ إلا واحدة) يستحلفه ثلاثا.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن حبان، والحاكم.
ووجه الدلالة من الحديث، استحلافه صلى الله عليه وسلم للمطلق أنه لم يرد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر، لوقع ما أراده.
واستدلوا أيضا بما في صحيح البخاري عن عائشة " أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلقت".
فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟.
قال: " لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" ولو لم تقع الثلاث لم يمنع رجوعها إلى الأول إلا بعد ذوق الثاني عسيلتها.
(1/583)

واستدلوا أيضا بعمل الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم على إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ثلاثا، كما نطق بها المطلق. وكفى بهم قدوة وأسوة.
ولهم أدلة غير ما سقْنَا، ولكن ما ذكرنا، هو الصريح الواضح لهم.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أن موقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللها رجعة، لا يقع عليه إلا طلقة واحدة. وهو مروي عن الصحابة، والتابعين، وأرباب المذاهب.
فمن الصحابة القائلين بهذا القول، أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.
ومن التابعين، طاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وغالب أتباع ابن عباس، وعبد الله بن موسى، ومحمد بن إسحاق.
ومن أرباب المذاهب، داود وأكثر أصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أحمد، منهم المجد عبد السلام بن تيميه، وكان يفتي بها سرا، وحفيده شيخ الإسلام (ابن تيميه) يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عذِّبَ من أجل القول بها، هو وكثير من أتباعه.
ومنهم ابن القيم الذي نصرها نصرا مؤزرا في كتابيه [الهدى] و [أعلام الموقعين] فقد أطال البحث فيها، واستعرض نصوصها، وردَ على المخالفين بما يكفى ويشفى.
واستدل هؤلاء بالنص، والقياس.
فأما النص، فما رواه مسلم في صحيحة [أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وفي صدر من إمارة عمر؟ قال: نعم] وفي لفظ [ترد إلى واحدة؟ قال: نعم] .
فهذا نص صحيح صريح، لا يقبل التأويل والتحويل.
وأما القياس، فإن جَمْعَ الثلاث محرم وبدعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد] وإيقاع الثلاث دفعة واحدة ليس من أمر الرسول، فهو مردود مسدود.
(1/584)

وأجاب هؤلاء عن أدلة الجمهور بما يأتي.
أما حديث ركانة، فقد ورد في بعض ألفاظه (أنه طلقها ثلاثا) وفى لفظ (واحدة) وفى لفظ (البتة) ولذا قال البخاري: إنه مضطرب.
وقال الإمام أحمد: طرقه كلها ضعيفة، وقال بعضهم: في سنده مجهول، وفيه من هو ضعيف متروك.
قال شيخ الإسلام: وحديث ركانة ضعيف عند أئمة الحديث، ضعفه أحمد والبخاري وأبو عبيد وابن حزم بأن رواته ليسوا موصوفين بالعدل والضبط. وأما حديث عائشة فالاستدلال به غير وجيه، إذ من المحتمل مرادها بالثلاث نهاية ما للمطلق من الطلقات الثلاث، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، وهو مجمل يحمل على حديث ابن عباس المبين كما جاء في الأصول.
وأما الاستدلال بعمل الصحابة، فما أولاهم بالاقتداء والاتباع.
ونحن نقول: إنهم يزيدون عن مائة ألف، وكل هذا الجمع الغفير- وأولهم نبيهم- يعدون الثلاث واحدة حتى إذا توفى صلى الله عليه وسلم وهي على ذلك، وجاء خليفته الصديق فاستمرت الحال على ذلك حتى توفى، وخلفه عمر رضي الله عنه، فمضى صدر خلافته والأمر كما هو على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق، بعد ذلك جعلت الثلاث واحدة كما بَينا سببه وبيانه.
فصار جمهور الصحابة ممن قضى نحبه قبل خلافة عمر، أو نزحت به الفتوحات فبل مجلسه الذي عقده لبقية الصحابة المقيمين عنده في المدينة.
فعلمنا -حينئذ- أن الاستدلال بعمل الصحابة منقوض بما يشبه إجماعهم في عهد الصديق على خلافه.
وعمل عمر بن الخطاب رضي اللَهْ تعالى عنه حاشاه وحاشا من معه أن يعملوا عملا يخالف ما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما رأى أن الناس تعجلوا، وأكثروا من إيقاع الطلاق الثلاث وهو بدعة محرمة، فرأى أن يلزمهم بما قالوه، تأديبا وتعزيرا على ما ارتكبوا من إثم، وما أتوه عن ضيق هم في غنى عنه ويسر وسعة.
وهذا العمل من عمر رضي الله عنه اجتهاد من اجتهاد الأًئمة، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يستقر تشريعاً لازما لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإن طلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات،
(1/585)

مثل (أنت طالق ثلاثا) أو (أنت طالق وطالق وطالق) أو (أنت طالق ثم طالق ثم طالق) أو يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق. أو عشر طلقات، أو مائة طلقة، ونحو ذلك من العبارات. فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مد خولا بها أو غير مدخول بها.
أحدها: أنه طلاق مباح لازم، وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية القديمة عنه، اختارها الخرقي.
الثاني: أنه طلاق محرم لازم، وهو. قول مالك وأبي حنيفة وأحمد، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف والخلف من الصحابة والتابعين.
الثالث: أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من الصحابة، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد.
وهذا القول (الثالث) هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة. وليس في الكتاب والسنة مايو جب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقد. بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله. وعلى هذا يدل القياس والاعتبار بسائر أصول الشرع ... (و) لا نزاع بين المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يبلغه عن الله تعالى، فهو معصوم فيما شرعه للأمة بإجماع المسلمين، وكذلك الأمة أيضا معصومة أن تجتمع على ضلالة.
وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر: والفرق ظاهر بين الطلاق والحلف به، وبين النذر والحلف بالنذر، فإذا كان الرجل يطلب من الله حاجة فقال: إن شفى الله مريضي أو قضى دينيٍ أو خلصني من هذه الشدة فلله علي أن أتصدق بألف درهم أو أصوم شهرا أو أعتق رقبة، فهذا تعليق نذر يجب عليه الوفاء به بالكتاب والسنة والإجماع. وإذا علق النذر على وجه اليمين فقال: إن سافرت معكم أو إن زوجت فلانا فعلي الحج، أو فمالي صدقة، فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء هو حالف بالنذر ليس بناذر، فإذا لم يف بما الزمه أجزأه كفارة يمين.
هذه خلاصة سقناها في بيان هذه المسألة الشهيرة الطويلة الأطراف.
وعلى كلا القولين، فالقول به لا يوجب هذه الثورات التي قسمت المسلمين طالما أنها مسألة فرعية خلافية. والله أعلم.
(1/586)

باَبُ عشرَة النسَاء
في هذا الباب يتكلم العلماء على معاشرة كل واحد من الزوجين لصاحبه.
فيبينون شيئا من حقوق الرجل، وبعضا من حقوق المرأة على زوجها، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في مقدمة [كتاب النكاح] .
وخلاصة ما نقوله هنا: أن لكل من الزوجين على صاحبه حقوقا، فليحرص كل منهما على أداء ما عليه، تاما غير منقوص.
ومع هذا فالأولى أن لا يشدد صاحبها باستيفائها واستقصائها.
فإذا راعى كل واحد منهما هذه المعاملة الرشيدة الحكيمة، استقامت أمورهم وصلحت أحوالهم.
وإن تشدد كل منهما في طلب حقه كاملا، وتساهل من عليه الحق في أدائه، فثمرة ذلك العيش النكد، والعشرة المُرة، التي يعقبها الفراق، وتفكك الأسر، وينزع عنهم الرحمة، التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم لمن هو (سمح إذا قضى، سمح إذا اقتضى) .
الحديث الأول
عَنْ أنَس بن مالك رَضي الله عَنْهُ قَالَ: مِن السنةِ إذَا تزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثيب أقَامَ عِنْدَهَا سبعا ثم قَسَمَ. وإذَا تَزَوج الثيبَ أقام عِنْدَهَا ثَلاثاً ثُم قَسَم. قَالَ أبو قِلابَة: ولَو شئتُ لقُلْتُ: إنَ أنَسا رفَعَهُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
المعنى الإجمالي:
العدل في القسم بين الزوجات واجب، والميل إلى إحداهن ظلم. ومن مال جاء يوم القيامة وشِقه مائل، وذلك من جنس عمله.
فيجب العدل بينهن فيها هو من مُكْنة الإنسان وطاقته.
وما لا يقدر عليه -مما هو في غير استطاعته كالوطء ودواعيه مما يكون أثر المحبة- فهذا خارج عن طوقه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ومن القَسْمِ الواجب، ما ذكر في هذا الحديث، من أنه إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعا يؤنسها، ويزيل وحشتها وخجلها، لكونها حديثة عهد بالزواج، ثم قسم لنسائه بالسوية.
وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا، لكونها أقل حاجة إلى هذا من الأولى.
وهذا الحكم الرشيد، جَاء في هذا الحديث الذي له حكم الرفع، لأن الرواة إذا قالوا: من السنة، فلا يقصدون إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/587)

الحديث الثاني
عَنِ ابنِ عباس رضي الله عَنْهمَا قَال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحَدَكُم إذَا أرَادَ أن يأتي أهْلَهُ قَال: بسْمِ الله، اللَّهمَّ جنبنا الشيطان وجَنبِ الشيطَانَ ما رزقتنا فَإنهُ إن يقدر بَينهُمَا وَلَدْ في ذلك لم يضره الشيطان أبَدَاً".
المعنى الإجمالي:
يبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف شيئا من آداب الجماع، وهو أنه ينبغي للرجل إذا أراد جماع زوجته أو أمته أن يقول: "بسم الله" فإن كل أمر لا يبدأ فيه بـ "بسم الله" فهو أبتر.
وأن يقول الدعاء النافع "اللَّهُم جَنبْنَا الشيطان وَجَنب الشيطان مَا رَزَقْتَنَا" فإن قدر الله تعالى لهما ولدا من ذلك الجماع، فسَيكون -ببركة اسم الله تعالى وهذا الدعاء المبارك- في عصمة، فلا يضره الشيطان.
وبمثل هذه الآداب الشريفة تكون عادات الإنسان عبادات، حينما تقترن بالآداب الشرعية، والنية الصالحة في إتيان هذه الأعمال.
تنبيه:
ذكر القاضي عياض: أنه لم يحمل هذا الحديث على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء. ذكر (ابن دقيق العيد) أنه يحتمل حمله على عموم الضرر، حتى الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصا بالنسبة للضرر البَدَني، وقال: هذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل، لأننا لو حملناه على العموم، اقتضى ذلك أن يكون. معصوما من المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، ولابد من وقوع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم.
وأحسن ما يقال في هذا المقام وأمثاله: أن الشارع جعل لكل شيء أسبابا ومواقع.
فإن وُجِدَت الأسباب، وانتفت الموانع، وُجدَ المسبب الذي رتب عليه.
وإن لم توجد الأسباب، أو وجِدَتْ، ولكن حصلت معها الموانع، لم يقع.
فهنا قد يُسَمي المجامع، ويستعيذ، ولكن توجد موانع تقتضي إبطال السبب أو ضعفه، فلا تحقق المطلوب.
وبهذا يندفع الإشكال الذي تحير فيه (تقي الدين بن دقيق العيد) في هذه المسألة.
(1/588)

فائدة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما العزل فقد حرمه طائفة من العلماء، لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإذن المرأة.
فائدة ثانية:
وقال أيضا: المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها باتفاق الأئمة. وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها من مكان إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك، فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها، فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج.

بَابُ النّهي عن الخلْوَة بِالأجنبية
عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِر: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إياكم وَالدُّخُولَ عَلَى النسَاءَ ".
فَقَالَ رجل مِنَ الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الْحَموَ؟ قَالَ: "الحموُ الْمَوتُ".
ولـ (مسلم) عن أبى الطَّاهِرِ عنِ ابن وهْبٍ قَالَ: سمعت الليثَ يَقُولُ: الحَمْوُ أخو الزَّوْجِ وَمَا أشبهه مِن أقَارِب الزوْج، ابن الْعَمٌ وَنَحْوه.
الغريب:
إياكم: مفعول بفعل مضمر، تقديره، اتقُوا الدخول. نصب على التحذير، وهو: - تنبيه المخاطب على محذور، ليتحرز عنه.
وتقدير الكلام: قوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء،: النساء أن يدخلن عليكم. و (الدخول) معطوف على المنصوب.
أرأيت الحمو: يعنى أخبرنا عن حكم خلوة الحمو.
والحمو: بفتح الحاء وضم الميم وبعدها واو لم يهمز، هو: قريب الزوج، من أخ، وابن عم، ونحوهما. قال النووي: اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة، كأبيه وعمه وأخيه وابن عمه ونحوهم.
(1/589)

الحمو الموت: شبه (الحمو) بالموت، لما يترتب على دخوله الذي لا ينكر، من الهلاك الديني. قال في فتح الباري: والعرب تصف الشيء المكروه بالموت.
المعنى الإجمالي:
يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على النساء الأجنبيات، والخلوة بهن، فإنه ماخلا رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما فإن النفوس ضعيفة، والدوافع إلى المعاصي قوية، فتقع المحرمات، فنهى عن الخلوة بهن ابتعادا عن الشر وأسبابه.
فقال رجل: أخبرنا يا رسول الله، عن الحمو الذي هو قريب الزوج، فربما احتاج، إلى دخول بيت قريبه الزوج وفيه زوجته، أما له من رخصة؟.
فقال صلى الله عليه وسلم: الحمو الموت، لأن الناس قد جروا على التساهل بدخوله، وعدم استنكار ذلك، فيخلو بالمرأة الأجنبية، فربما وقعت الفاحشة وطالت على غير علم ولا ريبه، فيكون الهلاك الديني، والدمار الأبدي، فليس له رخصة، بل احذروا منه ومن خلواته بنسائكم، إن كنتم غيورين.
ما يستفاد من الحديث:
1- النهي عن الدخول على الأجنبيات والخلوة بهن، سدا لذريعة وقوع الفاحشة.
2- أن ذلك عام في الأجانب من أخي الزوج وأقاربه، الذين ليسوا محارم للمرأة. قال ابن دقيق العيد: ولا بد من اعتبار أن يكون الدخول مقتضيا للخلوة، أما إذا لم يقتض ذلك فلا يمتنع.
3- التحريم -هنا- من باب تحريم الوسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد.
4- الابتعاد عن مواطن الزلل عامة، خشية الوقوع في الشر.
5- قال شيخ الإسلام: كان عمر بن الخطاب يأمر العزاب ألا يسكنوا بين المتأهلين، وألا يسكن المتأهل بين العزاب، وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/590)

بَابُ الصَّدَاق
هو العِوَضُ الذي في النكاح أو بعده، للمرأة. بمقابل استباحة الزوج بضعها وله عدة أساء، وفيه عدة لغات.
وهو مشروع فْي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: {وَآتوا النِّسَاءَ صَدُقاتهِن نِحْلَة} وغيرها من الآيات.
وأما السنة، ففعله، وتقريره، وأمره. كقوله: "التمس ولو خاتما من حديد".
وأجمع العلماء على مشروعيته، لتكاثر النصوص فيه.
وهو مقتضي القياس، فإنه لابد من الاستباحة بالنكاح، ولابد لذلك من العوض.
ولم يجعل الشرع حدا لأكثره ولا لأقله، إلا أنه يستحب تخفيفه لقوله صلى الله عليه وسلم: "أعظم النساء بركة، أيسرهن مؤنة".
ولما رواه الخمسة عن عمر بن الخطاب قال: "ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه "، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية".
والصالح العام يقتضي تخفيفه، فإن في ذلك مصلحة كبيرة للزوجين وللمجتمع.
فكم من نساء جلسن بلا أزواج، وكم من شبان، قعدوا بلا زوجات. بسبب المغالاة في المهور والنفقات، التي خرجت إلى حَد السرف والتبذير.
وجلوس الجنسين بلا زواج، يحملهم على ارتكاب الفواحش والمنكرات.
وكم من مفاسد وأضرار، تولدت عن هذا السرف، فمنها الاجتماعية، والأخلاقية، والمالية وغيرهما.
وإذا بلغت الحال إلى ما نرى ونسمع، فالذي نعتقد أنه لابد من تدخل الحكومات في هذه المسألة، لِحَل هذه الأزمة، وإلزام الناس بطرق عادلة مستقيمة، والله ولي التوفيق.
(1/591)

الحديث الأول
عَن أنَس بن مَالِكٍ رَضي الله عَنْة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتَقَ صَفيةَ وَجَعَل عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.
المعنى الإجمالي:
كانت صفية بنت حُيي، أحد زعماء بنى النضير وكانت زوجة كنانة بن أبي الحقيق فقتل عنها يوم خيبر.
وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم (خيبر) عنوة، فصار النساء والصبيان أرقاء للمسلمين بمجرد السبي.
ووقعت صفية في قسم دِحْيةَ بن خليفة الكلبي، فعوضه عنها غيرها واصطفاها لنفسه، جبراً لخاطرها، ورحمة بها لعزها الذاهب.
ومن كرمه إنه لم يكتف بالتمتع بها أمة ذليلة، بل رفع شأنها، بإنقاذها من ذُل الرقِّ وجعلها إحدى أمهات المؤمنين.
وذلك: أنه أعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز عتق الرجل أمته، وجعل عتقها صداقاً لها، وتكون زوجته.
2- أنه لا يشترط لذلك إذنها ولا شهود، ولا ولي، كما لا يشترط التقيد بلفظ الإنكاح، ولا التزويج.
3- فيه دليل على جواز كون الصداق منفعة دينية أو دنيوية:
4- وفي مثل هذه القصة في زواج النبي صلى الله عليه وسلم، ما يدل على كمال رأفته وشفقته وعمله بما يقول، حيث قال: "ارحموا عزيز قوم ذل".
فهذه أرملة فقدت أباها مع أسرى بني قريظة المقتولين، وزوجها في معركةْ خيبر وهما سيدا قومهما، ووقعت في الأسر والذل. وبقاؤها تحت أحد أتباعه زوجة أو أمة، ذل لها وكسر لِعزها، ولا يرفع شأنها، ويجبر قلبها إلا أن تنقل من سيد إلى سيد، فكان هو أولى بها.
وبهذا تعلم أن هذا التعدد الذي وقع له صلى الله عليه وسلم في الزوجات، ليس إرضاء لرغبة جنسية، كما يقول أعداء هذا الدين والكائدون له، وإلا لقصد إلى الأبكار الصغار، ولم يكن زواجه من ثيبات انقطعن لفقد أزواجهن.
ولو استعرضنا قصة زواجه بهن، واحدة واحدة، لوجدنها لا تخرج عن هذه المقاصد الرحيمة النبيلة، فحاشاه وما أبعده عما يقول المعتدون الظالمون!! وقد صنف في هذا الموضوع عدد من الكتاب المحدثين مثل عباس محمود العقاد وبنت الشاطئ.
(1/592)

اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في جواز جعل العتق صداقا.
فذهب الإمام أحمد وإسحاق: إلى جوازه، عملا بقصة زواج صفية، وبأنه القياس الصحيح، لأن السيد مالك لرقبة أمَته ومنفعتها ومنفعة وطئها.
فإذا أعتقها واستبقى شيئا من منافعها، التي هي تحت تصرفه، فما المانع من ذلك، وما هو المحذور؟
وذهب الأئمة الثلاثة: إلى عدم جواز ذلك. وتأولوا الحديث بما يخالف ظاهره، أو حملوه على الخصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم.
وحمل الحديث على خلاف ظاهره أو جعله خاصا، يحتاج إلى بيان ودليل، لأن الأصل بقاء الحديث على الظاهر، كما أن الأصل في الأحكام، العموم. ولو كان خاصا، لنقِل.
الحديث الثاني
عَنْ سَهل بن سَعدٍ الساعِدِي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتَقَ صَفيةَ وَجَعَل عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.
أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جَاءَتهُ امرَأة فَقَالت: إني وَهَبْت نَفْسي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلا.
فقال رَجُل: يا رسول الله، زوجنيها إنْ لَم يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَة.
فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكَ مِِن شيء تُصْدِقُهَا"؟ فقال: مَا عِنْدِي إلا إزاري هذَا.
فَقَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنْ أعطَيتَهَا إزَارَكَ جَلستَ وََلا إزارَ لكَ، فَالتمس ِ شيئَاً".
قالَ: مَا أجِدُ، قالَ: (التمس ولو خاتما مِنْ حديد) .
فَالتمس فََلم يَجِد شَيئاً.
فَقَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هَل مَعَكَ شيء مِنَ القُرآنِ "؟ قال: نعم.
فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "زَوجتُكَهَا بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآن".
المعنى الإجمالي:
خُص النبي صلى الله عليه وسلم بأحكام ليست لغيره.
منها: تزوجه من تهب نفسها له بغير صداق، كما في آية الأحزاب {وامرأةً مُؤمنَة إن وَهبتْ نَفْسَهَا للنبي إن أرَادَ النبي أن يسَتنْكِحَهَا خالصة لَك مِنْ دونِ المُؤمِنينَ} فجاءت هذه المرأة واهبة نفسها، لعلها تكون إحدى نسائه.
فنظر إليها فلم تقع في نفسه، ولكنه لمْ يردها، لئلا يخجلها، فأعرض عنها، فجلست، فقال رجل: يا رسول الله، زَوجْنيهَا إن لم يكون لك بها حاجة.
وبما أن الصداق لازم في النكاح، قال له: هل عندك من شيء تصدقها؟.
فقال: ما عندي إلا إزاري.
إذا أصدقها إزاره يبقى عريانا لا إزار له، فلذلك قال له: "التمس، ولو خاتَماً
(1/593)

من حديد".
فلما لم يكن عنده شيء قال: "هل معك شيء من القرآن؟ " قال: نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: زوجتكها بما معك من القرآن، تعلمها إياه، فيكون صداقها.
ما يستفاد من الحديث:
1- جواز عرض المرأة نفسها، أو الرجل ابنته، على رجل من أهل الخير والصلاح.
2- جواز نظر من له رغبة في الزواج إلى المرأة التي يريد الزواج منها، والحكمة في ذلك، ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: "انظر إليها، فهو أحرى أن يؤدم بينكما".
والمسلمون -الآن- بين طَرَفَيْ نقيض.
فمنهم: المتجاوزون حدود الله تعالى، بتركها به خطيبها في المسارح، والمتنزهات، وا لمرحلات، والخلوات.
ومنهم: المقضرون الذين يُكِنونَها فلا يصل إلى رؤيِتها من يريد الزواج. وسلوك السبيل الوسط هو الحق كما قال تعالى: {وَكَان بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً} .
3- ولاية الإمام على المرأة التي ليس لها ولي من أقربائها.
4- أنه لابد من الصداق في النكاح، لأنه أحد العوضين.
5- يجوز أن يكون يسيرا جداً للعجز لقوله: "ولو خاتما من حديد". على أنه يستحب تخفيفه للغني والفقير. لما في ذلك من المصالح الكثيرة وقد تقدم بيات ذلك.
6- الأولى ذكر الصداق في العقد ليكون، أقطع للنزاع، فإن لم يذكر، صح العقد، ورجع إلى مهر المثل.
وجرت العادة الآن، أن يرسله الرجل إلى المرأة قبل العقد، فترضى به المرأة وأهلها، وبعد الرضا يكون العقد، فحينئذ لا يكون ثم حاجة إلى ذكره في العقد.
7- أن خطبة العقد لا تجب، حيث لم تذكر في هذا الحديث.
8- أنه يصح أن يكون الصداق منفعة، كتعليم قرآن، أو فقه، أو أدب، أو صنعة، أو غير ذلك من المنافع.
ومنع بعضهم إصداق تعليم القرآن، بدعوى الخصوصية لهذا الرجل، أو التأويل، بأن تزويجه بها لكونه من أهل القرآن.
وليس بشيء لأن الأصل أن الأحكام عامة وأنه قد ورد في ألفاظ الحديث" فَعَلمْهَا من القرآن".
9- أن النكاح ينعقد بكل لفظ دال عليه.
والدليل على ذلك، ألفاظ الحديث. فقد ورد بلفظ "زوجتكها" وبلفظ "مَلَّكْتُكَهَا" وبلفظ "أمكَناكَهَا".
والذين قيدوا العقد بلفظ خاص، يرجحون لفظ التزويج على غيره.
(1/594)

قال ابن حجر: الذي تحرر مما قدمته أن الذين رووه بلفظ التزويج أكثر عددا ممن رووه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من الحفاظ مثل ذلك.
وما دام ورد في ألفاظ الحديث -وهو محتمل- فليس هناك مانع من أن الألفاظ الثلاثة وقعت بمناسبة سياق الكلام.
والمحاورة مع الخاطب وألفاظ العقود والفسوخ في جميع المعاملات، ليست ألفاظاً مقيداً بها، كالأذان وتكبير الصلاة، وإنما جاءت ليستدل بها على معانيها.
فأي لفظ أدَّى المعنى المراد، فهو صالح.
وهو قول الحنفية والمالكية واختيار شيخ الإسلام (ابن تيميه) و (ابن القيم) .
10- في الحديث حسن خلقه ولطفه صلى الله عليه وسلم، إذ لم يردها حين لم يرغب فيها، بل سكت حتى طلبها منه بعض أصحابه.
11- قال بعض العلماء: لا دلالة بحديث الكتاب على جواز لبس خاتم الحديد، لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من حديد، فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه. وقد أخرج هذا الحديث أصحاب السنن.
الحديث الثالث
عَنْ أنَس بن مالِكٍ رَضي الله عَنْهُ: أنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأى عبد الرحمن بن عَوف وَعَلَيْهِ ردع زعفران، فَقالَ النبي صلى الله عليه وسلم (مَهْيَم) ؟.
فَقَالَ يا رسول الله، تَزَوَّجْتُ امْرَأةً.
فَقَالَ: "مَا أصْدَقْتَهَا"؟ قالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهبَ.
قَالَ صلى الله عليه وسلم: " بَارَكَ الله لَكَ، أولم وَلَو بشاة ".
الغريب:
ردع: بفتح الراء، ودال مهملة، ثم عين مهملة. وقال الزركشي.
ولو قرىء بالمعجمة لصح من جهة المعنى، وهو أثر الزعفران وخضابه
قال في القاموس. و (الردع، الزعفران أو لطخ منه وأثر الطيب في الجسد) .
ْمَهْيَمْ: بفتح الميم، وسكون الهاء، بعدها ياء مفتوحة، ثم ميم ساكنة، اسم فعل أمر بمعنى (أخبرني) عند ابن مالك.
وقال الخطابي: (كلمة يمانية، معناها: مالك وما
(1/595)

شأنك) ؟.
وكأنه أنكر عليه الصفرة التي عليه، والطيب الذي يظهر أثره، فيليق بالنساء، فلما علم أنه أصابه من زوجه، رَخص له.
وزن نواة من ذهب. معيار للذهب معروف لديهم. قالوا: إنه وزن خمسة دراهم.
أولم: فعل أمر، مشتق من الوليمة، وهو طعام الإملاك.
المعنى الإجمالي:
رأى النبي صلى الله عليه وسلم على (عبد الرحمن بن عوف) شيئاً من أثر الزعفران، وكان الأولى بالرجال أن يتطيبوا بما يظهر ريحه، ويخفي أثره.
فسأله- بإنكار- عن هذا الذي عليه. فأخبره أنه حديث عهد بزواج، وقد أصابه من زوجه، فرخص له في ذلك.
ولما كان صلى الله عليه وسلم حَفِيا بهم، عطوفاً عليهم، يتفقد أحوالهم ليقرهم على الحسن منها، وينهاهم عن القبيح، سأله عن صداقه لها.
فقال: ما يعادل وزن نواة من ذهب.
فدعا الله له صلى الله عليه وسلم بالبركة، وأمره أن يولم من أجل زواجه ولو بشاة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- كراهة التطيب بالزعفران وما يظهر أثره من الطيب، للرجال.
2- تفقد الوالي والقائد لأصحابه، وسؤاله عن أحوالهم وأعمالهم.، التي تعنيه وتعنيهم.
3- استحباب تخفيف الصداق. فهذا عبد الرحمن بن عوف، لم يصدق زوجته إلا وزن خمسة دراهم من ذهب.
4- الإشارة إلى أصل الصداق في النكاح، بناء على مقتضي الشرع والعادة.
5- الدعاء للمتزوج بالبركة. وقد ورد الدعاء للمتزوج بهذا الدعاء "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما بخير".
6- مشروعية الوليمة من الزوج، وأن لا تقل عن شاة إذا كان من ذوى اليسار. قال ابن دقيق العيد: الوليمة: الطعام المتخذ لأجل العرس، وهو من المطلوبات شرعا ولعل من فوائده إشهار النكاح باجتماع الناس للوليمة.
(1/596)

7- أن يدعي إليها أقارب الزوجين، والجيران، والفقراء، وأهل الخير ليحصل التعارف والتآلف، والبركة، وأن يجتنب السرف، والمباهاة، والخيلاء.
8- قال شيخ الإسلام: أجمع العلماء على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق، وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم.
9- وقال أيضا: وإذا أصدقها ديناَ كثيرا في ذمته، وهو ينوي ألا يعطيها إياه كان ذلك حراماً عليه.
وما يفعله بعض أصحاب الخيلاء والكبرياء من تكثير المهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو ينوي ألا يعطيهم إياه، فهذا منكر قبيح مخالف للسنة، خارج عن الشريعة.
وإن قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه، فقد حمل نفسه وشغل ذمته وتعرض لنقص حسناته، وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه.
(1/597)

كتاب الطلاق
الطلاق: في اللغة: حل الوثاق. مشتق من الإطلاق، وهو الترك والإرسال.
وفي الشرع: حَل عقدة التزويج، والتعريف الشرعي فَرْد من معناه اللغوي العام. قال إمام. الحرمين: هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره.
وحكمه ثابت في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح.
فأما الكتاب فنحو {الطلاقُ مَرتَانِ} وعيرها من الآيات.
وأما السنة، فقوله صلى الله عليه وسلم: {أبغض الحلال إلى الله الطلاق} وغيره من فعله وتقريره صلى الله عليه وسلم.
والأمة مجمعة عليه، والقياس يقتضيه.
فإذا كان يتم النكاح بالعقد لمصالحه وأغراضه فإنه يفسخ ذلك العقد بالطلاق، للمقاصد الصحيحة.
والأصل في الطلاق، الكراهة، للحديث المتقدم، ولأنه حَل لِعُرى النكاح، الذي رغَّب فيه الشارع، وحث عليه، وجعله سبباً لكثير من مصالح الدين والدنيا.
لذا فإن الطلاق سبب في إبطال هذه المصالح وإفسادها، والله لا يحب الفساد.
فمن هنا كرهه الشارع، لكنه عند الحاجة إليه نعمة كبيرة، وفضل عظيم، إذ يحصل به الخلاص من العشرة المُرة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لضعف في الدين، أو سوء في الأخلاق، أو غير ذلك مما يسبب قلق الحياة ونكد الاجتماع. والله حكيم عليم واسع الرحمة.
وبهذا تعرف جلال هذا الدين، وسُمُو تشريعاته، وأنها الموافقة للعقل الصحيح، والمتمشية مع مصالح الناس وبشرع الطلاق على الكيفية الآتية في وسط الأحكام وقوام للأمور، خلافا لليهود والمشركين، الذين يطلقون ويراجعون بلا عد، ولا حد.
وخلافا للنصارى، الذين لا يبيحون الطلاق، فتكون الزوجة غلا في عنق زوجها وإن لم توافقه، أو لم تحقق مصالح النكاح، ولذا أخذت به أوربا وأمريكا لما رأوا مصالحه، ومنافعه. والله حكيم عليم.
(1/598)

ولو قدم هذا الدين وتشريعاته السمحة إلى الناس كما هي، بعيدة عن أكاذيب المفترين، وخرافات المتنطعين، لأخذ به كل منصف، ولأصبح الدين هو النظام العام، وتحققت رسالته العامة
الحديث الأول
عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضيَ الله عنْهُمَا: أنَهُ طَلق امْرَأتهُ وَهي حَاِئض، فَذَكرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فتَغَيظ مِنْهُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالَ: "ليراجعها ثم يمسكها حَتى تَطْهرَ، ثم تَحِيض فَتَطْهُر، فَإن بَدَا له أن يُطلقَهَا فَليُطلقهَا قَبْل أن يمسها، فَتِلك العدة كمَا أمر الله عَزَ وَجَل".
وفي لفظ " حَتى تحِيضَ حَيْضَةَ مستقبلة، سوى حيضتها الَّتي طَلقَهَا فِيهَا ".
وفي لفظ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَجَعَهَا عَبْد الله كَمَا أمَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المعنى الإجمالي:
طلق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض، فذكر ذلك أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتغيظ غضبا، حيث طلقها طلاقا محرما، لم يوافق السنة.
ثم أمره بمراجعْتها وإمساكها حتى تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض أخرى ثم تطهر منها.
وبعد ذلك- إن بدا له طلاقها ولم ير في نفسه رغبة في بقائها- فليطلقها قبل أن يطأها.
فتلك العدة، التي أمر الله بالطلاق فيها لمن شاء.
ومع أن الطلاق في الحيض محرم ليس على السنة، فقد حسبت عليه تلك الطلقة من طلاقها، فامتثل رضي الله عنه أمر نبيه، فراجعها.
ما يؤخذ من الحديث:
1- تحريم الطلاق في الحيض، وأنه من الطلاق البِدعِي الذي ليس على أمر الشارع.
2- أمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر برجعتها، دليل على وقوعه.
ووجهته أن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله. والأمر برجعتها يقتضي الوجوب، وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد والأوزاعي، وحمله بعضهم على الاستحباب وذهب إليه الشافعي ورواية عن أحمد واحتجوا بأن ابتداء النكاح ليس بواجب فاستدامته كذلك.
3- الأمر بإرجاعها إذا طلقها في الحيض، وإمساكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر.
(1/599)

4- قوله [قبل أن يمسها] دليل على أنه لا يجوز الطلاق في طُهْر جامعَ فيه.
5- الحكمة في إمساكها حتى تطهر من الحيضة الثانية، هو أن الزوج ربما واقعها في ذلك الطهر، فيحصل دوام العشرة، ولذا جاء في بعض طرق الحديث [فإذا طهرت مسها] .
وقال (ابن عبد البر) الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المقصود في النكاح.
وأما الحكمة في المنع من طلاق الحائض، فخشية طول العدة.
وأما الحكمة في المنع من الطلاق في الطهر المجامع فيه فخشية أن تكون حاملا، فيندم الزوجان أو أحدهما.
ولو علما بالحمل لأحسنا العشرة، وحصل الاجتماع بعد الفرقة والنفرة.
وكل هذا راجع إلى قوله تعالى {فَطَلقوهُن لعدتهن} ولله في شرعه حكم وأسرار، ظاهرة وخفية.
اختلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء- ومنهم الأئمة الأربعة رضي الله عنهم: إلى وقوع الطلاق في الحيض.
ودليلهم على ذلك أمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر بارتجاع زوجته حين طلقها حائضاً.
ولا تكون الرجعة إلا بعد طلاق سابق لها، ولأن في بعض ألفاظ الحديث "فحسبت من طلاقها".
وذهب بعض العلماء- ومنهم شيخ الإسلام (ابن تيميه) وتلميذه (ابن القيم) إلى أن الطلاق لا يقع فهو لاغ.
واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي [أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهى حائض، قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئا] .
وهذا الحديث في (مسلم) بدون قوله: [ولم يرها شيئا] .
وقد استنكر العلماء هذا الحديث، لمخالفته الأحاديث كلها.
وأجاب (ابن القيم) عن أدلة الجمهور بأن الأمر برجعتها، معناه إمساكها على حالها الأولى، لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعا فهو ملغى، فيكون النكاح بحاله.
وأما الاستدلال بلفظ " فحسبت من طلاقها" فليس فيه دليل، لأنه غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأطال (ابن القيم) النقاش في هذا الموضع في كتاب [تهذيب السنن] على عادته في الصولات والجولات، ولكن الأرجح ما ذهب إليه جمهور العلماء. والله أعلم.
(1/600)

الحديث الثاني
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قيْس: أنً أبَا عَمْرِو بْن حَفْص طَلقهَا ألبته وَهُو غَائِب.
وفي رواية: طلَقَهَا ثلاثا فأرسل إلَيْهَا وَكِيلَة بِشَعِير، فَسَخِطَته فَقَالَ: والله مَالَكِ عَلَينا منْ شيء.
فَجَاءت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَذَكرَتْ ذلِكَ لَهُ، فقالَ: " ليْسَ لكَ عَلَيْهِ نَفَقَة" وفي لفظ "وَلا سكْنَى".
فَأمَرَهَا أن تَعتَدً في بَيْتِ أم شَريكٍ، ثم قالَ: " تِلكَ امرَأة يَغشَاهَا أصحابي، اعتدي عنْدَ ابنِ أم َمكتوم، فَإنَهُ رَجُل أعمَى، تَضَعِينَ ثِيابَكِ عِنْدَهُ، فَإذا حللتِ فآذنيني ".
قَالتْ: فَلَمَا حلَلتُ ذكرت لَهُ أن مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ وأبَا جَهْم خَطَبَاني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أبو جَهْم فلا يَضَعَُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهٍ، وأما مُعَاوِيَة فصعلوك لا مَالَ له، انكحِي أسامة بنَ زَيد " فَكَرِهَتْهُ.
ثم قَالَ: " انكحِي أسامة بنَ زيد " فنكحته، فَجَعَلَ الله فِيهِ خيْرا وَاغْتَبَطْتُ بهِ (1) .
الغريب:
ألبتة: البت: القطع. قال في (المصباح) (بت الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتة، والأصل مبتوت طلاقها) والمراد- هنا- أنه طلقها طلاقا بائنا لا رجعة فيه.
فسخطته: السخط: ضد الرضا، قال في (مختار الصحاح) : أسخطه: أغضبه، وتسخط عطاءه، استقله. فالمراد -هنا- أنها استقلت النفقة.
"أم شريك: بفتح الشين وكسر الراء، بعدها ياء، ثم كاف: إحدى فضليات نساء الصحابة رضي الله عنهم.
يغشاها أصحابي: يراد بغشيانهم، كثرة ترددهم إلا، لصلاحها وفضلها.
فآذنيني: بمد الهمزة، أي أعلميني.
فلا يضع عصاه عن عاتقه: العاتق ما بين العنق والمنكب، وهو مكان وضع العصا.
وهذا التعبير، كناية عن شدته على النساء، وكثرة ضربه لهن ويفسر هذا المعنى روايتا (مسلم) .
الأولى: "وأما أبو جهم فرجل ضَراب للنساء".
والثانية: "وأبو جهم فيه شدة على النساء".
و"جهم" مفتوح الجيم، ساكن الهاء.
فصعلوك: بضم الماد، التصعلك، هو الفقر، والصعلوك هو الفقير.
انكحي أسامة: بكسر الهمزة، ضبطه المطرزي.
_________
(1) الحديث بهذا السياق من أفراد (مسلم) وأما البخاري، فذكر فيه قصة نتقالها وذكر بن حجر أن صاحب العمدة قد وهم فأورد حديث فاطمة مع المتفق عليه.
(1/601)

المعنى الإجمالي:
بَت أبو عمرو بن حفص طلاق زوجته فاطمة بنت قيس.
والمبتوتة ليس لها نفقة على زوجها، ولكنه أرسل إليها بشعير، فظنت أن نفقتها واجبة عليه ما دامت في العدة، فاستقلت الشعير وكرهته، فأقسم أنه ليس لها عليه شيء.
فشكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها أنه ليس لها نفقة عليه ولا سكنى، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك.
ولما ذكر صلى الله عليه وسلم أن أم شريك يكثر على بيتها تردد الصحابة، أمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم لكونه رجلا أعمى، فلا يبصرها إذا وضعت ثيابها، وأمرها أن تخبره بانتهاء عدتها.
ولعله أرادها لأسامة بن زيد، فخشى أن تعتد فتتزوج قبل أن يعلم.
فلما اعتدت خطبها (معاوية) و (أبو جهم) فاستشارت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
بما أن النصح واجب -لا سيما للمستشير- فإنه لم يُشرْ عليها بواحد منهما. ولم يرده لها لأن أبا جهم شديد على النساء وسيئ الخلق، ومعاوية فقير ليس عنده مال، وأمرها بنكاح أسامة، فكرهته لكونه مَوْلَى.
ولكنها امتثلت أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقبلته، فاغتبطت به، وجعل الله فيه خيراً كثيراً.
ما يؤخذ من الحديث:
1- قوله: "طلقها ثلاثا" ليس معناه، تكلم بهن دفعة واحدة، فهذا محرم غضب منه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ".
ولكنه -كما قال النووي-: (كان قد طلقها قبل هذا اثنتين) .
وكما ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث في (مسلم) [أنه طلقها طلقة كانت بقيت لها من طلاقها] .
2- أن المطلقة طلاقاً باتا، ليس لها نفقة ولا سكنى في عدتها، ما لم تكن حاملا.
3- جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن، حيث قال: " فإذا حللت فآذنيني".
4- ذكر الغائب بما يكره على وجه النصح، ولا يكون- حينئذ- غيبة محرمة.
5- جواز نكاح غير المكافئ في النسب، إذا رضيت به الزوجة والأولياء فـ (أسامة) قد مسه الرق، وفاطمة قرشية.
6- وجوب النصح لكل أحد لا سيما المستشير.
فمن استشارك فقد ائتمنك، وأداء الأمانة واجب.
7- تستر المرأة عن الرجال، وابتعادها عن أمكنتهم ومجتمعاتهم.
8- ليس في أمرها بالاعتداد في بيت ابن أم مكتوم دليل على جواز نظر المرأة إلى الرجل، فقد أمرها بالابتعاد عن الرجال عند هذا الأعمى مع أمرها يغض بصرها عنه؟ قال الله تعالى: {وقلْ لِلْمُؤمنَاتِ يغضضن من أبصارهِن} .
(1/602)

وكما أمر صلى الله عليه وسلم أم سلمة وميمونة بالاحتجاب حين دخل ابن أم مكتوم، فقالتا: إنه أعمى.
فقال: "أفعمياوان أنتما فليس تبصرانه؟ " حديث حسن في السنن. قال النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور وأكثر أصحابنا أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي، كما يحرم نظره إليها. ثم استدل بالآية وقال: إن الفتنة مشتركة، كما يخاف الافتتان بها، يخاف الافتتان به. ويدل عليه من السنة حديث أم سلمة.
9- جواز الخطبة على خطبة الغيرِ إذا لم يعلم بالخاطب، وعلم أنه لم يُجب
10- أن امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم خير وبركة، سواء أحبه الإنسان أو لا.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء هل للبائن نفقة وسكنى، زمن العدة، أو لا؟
فذهب الإمام أحمد: إلى أنه ليس لها نفقة، ولا سكنى، وهو قول علي، وابن عباس، وجابر.
وبه قال عطاء، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور وداود، مستدلين بحديث الباب.
وذهب الحنفية إلى أن لها النفقة والسكنى، وهو مروى عن عمر، وابن مسعود وقال به ابن أبى ليلى، وسفيان الثوري، مستدلين بما روى عن عمر: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة) .
وذهب مالك، والشافعي، إلى أن لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب عائشة، وفقهاء المدينة السبعة، ورواية عن أحمد، مستدلين بقوله تعالى: {أسكنوهن مِنْ حَيثُ سكنتم مِنْ وجدكم} .
والصحيح، هو القول الأول، لقوة الدليل وعدم المعارض.
فأما القول الثاني فضعيف، لأن هذه الكلمة التي استدلوا بها، لم تثبت عن عمر.
فقد سئل الإمام أحمد: أيصح هذا عن عمر؟ قال: لا.
وعلى فرض صحتها، فصريح كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقدم كل اجتهاد كل أحد.
وأما أصحاب القول الثالث، فلا يستقيم لهم الاستدلال بالآية، لأنها جاءت في حكم الرجعية، لا في حكم البائن.
ويوضح ذلك قوله تعالى: {لا تَدري لَعَل الله يحدث بَعدَ ذلِكَ أمرا} .
وإحداث الأمر، معناه تغيره نحو الزوجة ورغبته فيها في زمن العدة، وهو مستحيل في البائن.
(1/603)

بَابُ العِدَّة
العدة: بكسر العين المهملة مأخوذ من "العدد" بفتح الدال، لأن أزمنة العدة محصورِة.
وهي تربص المرأة المحدود شرعا، عن التزويج، بعد فراق زوجها. والأصَل فيه، الكتاب والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب، فمثل قوله تعالى: {والمُطَلقَاتُ يتربصن بِأنفُسِهِنَّ} الآية وغيرها.
وأما السنة، فكثيرة جدا، منها ما تقدم، من أمره صلى الله عليه وسلم فاطمة "أن تعتد في بيت أم شريك".
وأجمع العلماء عليها، استنادا إلى نصوص الكتاب والسنة الكثيرة.
وقد جعل الله تبارك وتعالى هذه العدة تتربص فيها المفارقة لحكم وأسرار عظيمة. وهذه الحكم، تختلف باختلاف حال المفارقة.
فمنها، العلم ببراءة الرحم، لئلا يجتمع ماء الواطئين في رحم واحد، فتختلط الأنساب، وفى اختلاطها، الشر والفساد.
ومنها، تعظيم خطر عقد النكاح، ورفع قدره، وإظهار شرفه.
ومنها، تطويل زمن الرجعة للمطلق، إذ لعله يندم، فيكون عنده زمن يتمكن فيه من الرجعة.
وهذه الحكمة ظاهرة في عدة الرجعية وأشار إليها القرآن: {لا تدري لَعَل اللَه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِك أمرا} .
وفيه قضاء حق الزوج، وإظهار التأثر لفقده، وهذا في حق المتوفى عنها.
ولها حكم كثيرة، لحق الزوج والزوجة، وحق الولد، وحق الله قبل ذلك كله بامتثال أمره.
فمجرد اتباع أوامره، سر عظيم من أسرار شرعه، والله الموفق.
عَنْ سُبَيِعَة الأسلمية: أنهَا كَانَتْ تَحْتَ سعد بن خَوَلَةَ وهُوَ مِنْ بنى عامِرِ بْنِ لؤَي، وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدراً، فتوُفِّى عنها في حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِي حَامِل، فَلَمْ تنشَبْ (تَلبث) أن وَضَعَت حملها بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَا تجمَّلت مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ.
فَدَخل عليها أبو السنابل بن بعكك- رجل من بني عبد الدار- فَقَالَ لَهَا: مَالي أراك مُتَجَمِّلة، لَعَلكِ تُرَجَّين للنكَاح؟ والله مَا أنت بِنَاكحٍ حَتَى تَمُر عَلَيْكِ أربَعَةُ أشْهُر وَعَشر.
(1/604)

قَالَت سُبَيْعَةُ: فَلَمَا قَالَ لي ذلِكَ جمعت عَلَىَّ ثِيَابي حِين أمسيْتُ فَأتَيْتُ رسول اللَه صلى الله عليه وسلم فَسَألتُهُ عن ذلِكَ، فأفتاني بِأني قَدْ حَلَلتُ حين وَضَعْتُ حَمْلي، وأمرني بالتَّزوِيج إن بَدَا لي.
وقال ابنُ شِهَاب: وَلا أرى بِأساً أنْ تَتَزوجَ حِينَ وضعت، وإن كَانَت في دمِهَا، غَير لا يقربها زوجُهَا حَتى تَطهُرَ.
الغريب:
سُبَيْعَة: بضم السين، وفتح الباء الموحدة.
فلم تنشب: بفتح الشين، أي لم تمكث طويلا.
تعلت من نفاسها: بفتح العين وتشديد اللام. معناه، ارتفع نفاسها وطهرت من دمها.
بعكك: بفتح الباء الموحدة، ثم عين ساكنة، ثم كافين الأولى مفتوحة.
المعنى الإجمالي:
توفي سعد بن خولة عن زوجته سبيعة الأسلمية وهي حامل. فلم تمكث طويلا حتى وضعت حملها.
فلما طِهرت من نفاسها، وكانت عالمة أنها بوضع حملها قد خرجت من عدتها وحلَّت للأزواج، تجملَت.
فدخل عليها أبو السنابل، وهى متجملة، فعرف أنها متهيئة للخطاب.
فأقسم -على غلبة ظنه- أنه لا يحل لها النكاح حتى يمر عليها أربعة أشهر وعشر، أخذا من قوله تعالى: {والذِين يُتَوَفوْن منكم ويذرون أزْواجاً يتَرَبصْنَ بِأنفُسِهن أربعة أشهُر وعشراً} وكانت غير متيقنة من صحة ما عندها من العلم، والداخل أكَد الحكم بالقسم.
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأفتاها بحلها للأزواج حين وضعت الحمل، فإن أحبت الزواج، فلها ذلك، عملا بقوله تعالى {وَأولاتُ الأحمال أجلُهُن أن يضَعْنَ حَمْلَهُن} .
ما يؤخذ من الحديث:
1- وجوب العدة على المتوفى. عنها زوجها.
2- أن عدة الحامل، تنتهي بوضع حملها.
3- عموم إطلاق الحمل، يشمل ما وضع، وفيه خلق إنسان.
(1/605)

4- أن عدة المتوفى عنها -غير حامل- أربعة أشهر وعشر للحرة وشهران وخمسة أيام للأمة.
5- يباح لها التزويج، ولو لم تطهر من نفاسها، لما روت (فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي.. الخ) رواه ابن شهاب الزهري.
6- قال شيخ الإسلام: والقرآن ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، ولا على من وطئت بشبهة، ولا على المزني بها.
توفيق بين آيتين:
عموم قوله تعالى: {وَأوَلاتُ الأحْمَال أجلهن أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} يفيد أن كل معتدة بطلاق أو موت، تنتهي عدتها، بوضع حملها.
وعموم ِقوله تعالى: {والَذِينَ يُتَوَفَوْنَ منكم ويذرون أزواجا يَتَربصْنَ بأنفُسِهِن أربعَةَ أشْهر وَعَشْر} يفيد أن عدة كل متوفًّى عنها، أربعة أشهر وعشر، سواء كانت حاملا، أو حائلا.
ولهذا التعارض، ذهب بعض العلماء- وهم قلة- إلى أن عدة المتوفى عنها أبعد الأجلين، بالأشهر أو الحمل.
فإن كان حملها أكثر من أربعة أشهر وعشر، اعتدت به.
وإن وضعت قبلهن، اعتدت بالأشهر، خروجا من التعارض.
ولكن جمهور العلماء، ومنهم الأئِمة الأربعة، ذوو المذاهب الخالدة- ذهبوا إلى تخصيص آية {والَّذِينَ يُتَوَفْوْنَ منكم} الآية. بحديث سُبَيْعة، الذي معنا، فتكون الآية هذه، خاصة في غير ذوات الأحمال، وأبقوا الآية الأولى على عمومها بأن وضع الحمل غاية كل عدة في حياة أو وفاة.
وبهذا التخصيص، تجتمع الأدلة، ويزول الإشكال.
ويقصد هذا التخصيص، أن أكبر حكم العدة، هو العلم ببراءة الرحم، وهو ظاهر بوضع الحمل.
فائدة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل ترك زوجته ست سنين ولم يترك لها نفقة، ثم بعد ذلك تزوجت رجلا ودخل بها، ثم حضر الزوج.
فأجاب: إن النكاح الأول فسد لتعذر النفقة من جهة الزوج، وانقضت عدتها، ثم تزوجت الثاني فنكاحه صحيح، وإن كانت تزوجت الثاني قبل فسخ نكاح الأول فنكاحه باطل.
(1/606)

بَابُ تحريم إحداد المَرْأة أكثر من ثلاثة إلا على زوج
الإحداد: في اللغة: المنع، فاشتق من هذه المادة إحداد المرأة، لأن الزوجة المتوفى عنها ممنوعة من الزينة، والطيب، والزواج، شرعا.
وقد أجمع العلماء عليه، بعد استنادهم على النصوص الصحيحة الصريحة في مشروعيته.
وله فوائد كثيرة، أكبرها أداء المرأة حق زوجها الذي هو أعظم الناس حقا عليها، وذلك بإظهار التأثُّر لفراقه.
وتحيط نفسها أيضا بحمى من ترك الزينة عن أعين الخُطَّاب، صيانة لحرمة الزوج مدة التربص.
عَنْ زَينبَ بِنْتِ أم سَلمَةَ قَالَت: تُوُفي حَمِيمٌ لأم حَبيبة، فدَعَتْ بِصُفرَةٍ فمسحَتْ بِذِراعَيْهَا فَقَالَتْ: إنَّما أصْنَعُ هذَا لأنِّي سمِعْتُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمِن بالله واليَوم الآخِر أن تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْق ثَلاثٍ إلا عَلَى زوْج أربَعَةَ أشْهُر وَعَشْرا"
الحميم: القرابة.
الغريب:
حميم: القريب. وجاء في بعض روايات الصحيحين أن المتوفى أبوها، أبو سفيان.
بصفرة: بضم الصاد وسكون الفاء، طيب فيه زعفران أو ورْس.
أن تحد: بضم التاء وكسر الحاء، رباعي ماضيه (أحَد) .
ويجوز فتح التاء وضم الحاء، يقال: أحدت المرأة، وحدَّث فهي مُحِدٌّ وحَادٌّ، ولا يقال حادة بالهاء.
المعنى الإجمالي:
توفى والد أم حبيبة،: كانت قد سمعت النهْيَ عن الإحداد فوق ثلاث إلا على زوج.
فأرادت تحقيق الامتثال، فدعت بطيب مخلوط بصفرة، فمسحت ذراعيها، وبيَّنت سبب تطيبها، وهو أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً".
ما يؤخذ من الحديث:
1- تحريم الإحداد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا المرأة على زوجها.
2- إباحة الثلاث على غير الزوج، تخفيفا للمصيبة، وترويحاً للنفس بإبدائها شيئاً من التأثر على الحبيب المفارق.
(1/607)

3- وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفى، أربعة أشهر وعشراً وعموم الحديث يفيد وجوبه على كل زوجة، مسلمة كانت أو ذمية، كبيرة أو صغيرة.
4- قوله: " تؤمن بالله واليوم الأخر " سيق للزجر والتهديد.
5- الحكمة في تحديد المدة بأربعة أشهر. عشر، أنها المدة التي يتكامل فيها تخليق الجنين، وتنفخ فيه الروح إن كانت حاملا، وإلا فقد برئ رحمها براءة واضحة، لا ريبة فيها.
6- والإحداد: هو اجتنابها كل ما يدعو إلي جماعها ويرغب في النظر إليها، من الزينة والطيب وسيأتي بيانه إن شاء الله.

بَابُ مَا تجتنبه الحَاد (1)
الحديث الأول
عَنْ أمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله عَنْهَا أنَّ رَسُولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: "لا تُحِدُّ امْرَأةٌ عَلَى مَيِّتٍ فوْق ثَلاثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْج، أرْبعَةَ أشهر وعشراً، وَلا تَلْبِسُ ثَوْباً مَصْبوغاً إلا ثَوْبَ عَصب، وَلا تَكْتَحِلُ: ولا تَمسُّ طِيباً وَلا شَيْئاً إِلاَّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطِ أو أظْفَار".
العصب: ثياب من اليمن، فيها بياض وسواد.
والنبذة: الشيء اليسير. والقسط: العود أو نوع من الطيب تُبخَر به النُّفَسَاء.
والأظفار: جنس من الطيب لا واحد له من لفظه. وقيل: هو عطر أسود، القطعة منه تشبه الظفر.
الغريب:
عصب: بفتح العين ثم صاد ساكنة مهملتين، ثم باء موحدة، هو ثوب من بُرُود اليمن، يسوى غزله ثم ينسج مصبوغا، فيخرج مُوَشَّي مختلف الألوان.
نُبْذَة: بضم النون وسكون الباء، بعدها ذال معجمة. أي قطعة. ويطلق على الشيء اليسير.
قُسْط: بضم القاف وسكون السين المهملة
أظفار: بفتح الهمزة. (والقسط) و (الأظفار) نوعان من البخور.
_________
(1) وضعت هذه الترجمة لتحديد المقصود من هذه الأحاديث- اهـ. شارح.
(1/608)

المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث لأن الثلاث كافية للقيام بحق القريب والتفريج عن النفس الحزينة. ما لم يكن الميت زوجها، فلا بد من الإحداد عليه أربعة أشهر وعشراً، قياما بحقه الكبير، وتصوُّنا في أيام عدته.
ومظهر الإحداد، هو ترك الزينة من الطيب، والكحل، والحلي، والثياب الجميلة، فلا تستعمل شيئا من ذلك.
أما الثياب المصبوغة لغير الزينة، فلا بأس بها من أي لون كان.
وكذلك تجعل في فرجها إذا طهرت قطعة يسيرة من الأشياء المزيلة للرائحة الكريهة، وليست طيبا مقصوداً في هذا الموضع الذي ليس محلا للزينة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- النهي عن إحداد المرأة على ميت فوق ثلاث، غير زوجها.
2- إباحة الثلاث فما دون، تفريجا عن النفس.
3-وجوب إحداد المرأة على زوجها أربعة أشهر وعشراً، ما لم تكون حاملاً فبوضع الحمل، وتقدم.
4- الإحداد. معناه: ترك الزينة وما يدعو إلى نكاحها.
فعليه تجتنب كل حلي، وكل طيب، وكحل، وتجتنب الثياب التي تشهرها من أي نوع ولون.
5- يباح لها الثوب المصبوغ لغير الزينة.
والتجمل وضده، راجعان إلى عُرْف كل زمان ومكان، فهو ذوق، فلا يتقيد بنوع من الثياب والهيئة. فقد قال شيخ الإسلام: (المعتدة عن وفاة) تتربص أربعة أشهر وتجتنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها، وتلزم منزلها، فلا تخرج بالنهار إلى لحاجة ولا بالليل إلا لضرورة ولا تلبس الحلي ولا تختضب بحناء ولا غيره، ولا يحرم عليها عمل من الأعمال المباحة ويجوز لها سائر ما يباح في غير العدة، مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مسترة، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن. اهـ.
6- يباح أن تضع في فرجها بعد الطهر، هذا المشابه للطيب، لقطع الرائحة الكريهة.
(1/609)

الحديث الثاني
عَنْ أم سَلَمَة رضي الله عَنْهَا قَالَت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوجهَا، وقد اشتكت عَيْنَها أفنكْحُلُهَا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا " مرتين أو ثَلاثَاً، كل ذلك يقول: "لا".
ثم قال: " إنَّمَا هِي أربَعَةُ أشهر وعشر، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَ في الْجَاهِلَيَّةِ تَرْمِي بالبَعْرَةِ عَلى رأس الْحَوْل ".
فَقَالَتْ زَينبُ: كَانَتِ المرأة إذَا توفي عَنْهَا زوْجُهَا دَخَلَتْ حِفشا وَلبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلْم تَمس طِيباً وَلا شَيْئاً حَتَّى تَمُرُّ عَلَيْهَا سَنَةٌ، ثم تؤتَي بِدَابَّةٍ -حمار أو طَيْر أو شاةٍ- فَتَفْتضُّ بهِ، فَقَلًمَا تَفْتَضُّ بِشَيء إلا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فتعْطَي بَعْرَة فتَرْمِي بِهَا، ثم تُرَاجِعُ بَعْد مَا شَاءَتْ مِنْ طِيب أوْ غيْرِهِ.
الغريب:
البعرة: بفتح العين وإسكانها.
حِفْشا: بكسر الحاء المهملة وإسكان الفاء، ثم شين معجمة. هو البيت الصغير الحقير.
فتفتضُّ به: بفاء، ثم مثناة، ثم فاء ساكنة، ثم مثناة مفتوحة، ثم ضاد معجمة مثقلة. معناه: أنها تتمسح به فتنقي به درنها ووسخها الذي تراكم عليها، طيلة هذه المدة. وهي عادة من عاداتهم في الجاهلية.
أفنكحُلها: بضم الحاء.
المعنى الإجمالي:
جاءت امرأة تستفتى النبي صلى الله عليه وسلم، فتخبره أن زوج ابنتها توفى فهي حاد عليه، والحادُّ تجتنب الزينة، ولكنها اشتكت وجعا في عينيها فهل من رخصة فنكحُلها؟.
فقال صلى الله عليه وسلم: لا- مكرراً ذلك، مؤكدا.
ثم قلَّل صلى الله عليه وسلم المدة، التي تجلسها حاداً لحرمة الزوج وهي أربعة أشهر وعشر، أفلا تصبر هذه المدة القليلة التي فيها شيء من السعة.
وكنتن في الجاهلية، تدخل الحاد منكن بيتاً صغيراٍ كأنه زرب وحش، فتتجنب الزينة، والطيب، والماء، ومخالطة الناس، فتراكم عليها أوساخها وأقذارها، معتزلة الناس، سنة كاملة.
فإذا انتهت منها أعطيت بعرة، فرمت بها، إشارة إلى أن ما مضى عليها من ضيق وشدة وحرج لا يساوي -بجانب القيام بحق زوجها- هذه البعرة.
فجاء الإسلام فأبدلكن بتلك الشدة نعمة، وذلك الضيق سعة، ثم لا تصبر عن كحل عينها، فليس لها رخصة، لئلا تكون سُلَّماً إلى فتح باب الزينة للحادِّ.
(1/610)

ما يؤخذ من الحديث:
1- وجوب الإحداد أربعة أشهر وعشراً، على المتوفى عنها زوجها.
2- أن تجتنب كل زينة، من لباس، وطيب، وحلي، وكحل وغيرها.
ومن الزينة هذه المساحيق والأصباغ، التي فُتِنَ بها الناس أخيرا، من (بودرة) و (منا كير) ونحو ذلك.
فالمقصود بذلك جمع الزينة بأنواع مظاهرها وأشكالها، من كل ما يدعو إلى الرغبة في المرأة.
3- أن تجتنب الكحل الذي يكون زينة في العين ولو لحاجة إليه.
ولا بأس بالتداوي، بما ليس فيه زينة، من كحل ليس له أثر و (قطرة) ونحوها. فالمدار في ذلك على الزينة والجمال.
4- يُسرُّ هذه الشريعة وسماحتها، حيث خففت آثار الجاهلية وأثقالها.
ومن ذلك ما كانت تعانيه المرأة بعد وفاة زوجها، من ضيق، وحرج، ومحنة، وشدة، طيلة عام.
فخفف الله تعالى هذه المدة، بتقصيرها إلى نحو ثلثها، وبإبطال هذا الحرج الذي ينال هذه المرأة المسكينة.
فأباح لها النظافة، في جسمها، وثوبها، ومسكنها، وأباح لها مخالطة أقاربها ونسائها في بيتها.
وحفظ للزوج حقه، باجتنابها ما يشهرها، من زينة، ويرغب بها في مدة، هي من حقوقه. والله حكيم عليم.
(1/611)

كِتَابُ اللِّعَان
اللعان: مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد.
فيكون هذا الكتاب سمى (كتاب اللعان) إما مراعاة للفظ، لأن الرجل يلعن نفسه في الخامسة من الشهادات على صدق دعواه.
واشتق من دعاء الرجل باللعن لا من دعاء المرأة (بالغضب) لتقدم اللعن على الغضب في الآيات.
وإما مراعاة للمعنى -وهو الطرد والإبعاد- لأن الزوجين يفترقان بعد تمامه، فُرْقَةً لا اجتماع بعدها.
وتعريفه شرعاً: أنه شهادات مؤكدات بأيْمَانٍ من الزوجين، مقرونة بلعن أو غضب، والأصل فيه، الكتاب والسنة، والإجماع.
فأما الكتب فقوله تعالى: {وَالًذِينَ يَرْمُونَ أزْوَاجَهُمْ وَلم يَكُنْ لهم شهداء إلا أنْفُسُهُمْ} الآية.
وأما السنة، فمثل حديث الباب. وقد أجمع عليه العلماء في الجملة.
حكمته التشريعية:
الأصل أنه من قذف محصنا بالزنا صريحا فعليه إقامة البينة، وهي أربعة شهود.
وإن لم يأت بهؤلاء الشهود، فعليه حَدُّ القذف، ثمانون جلدة، كما قال تعالى: {والَّذِينَ يَرمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتوا بأربعة شُهَدَاءَ فَاجْلِدوهُمْ ثَمَانِينَ جَلدَة} استثنى من هذا العموم إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، فعليه إقامة البينة -أربعة شهود- على دعواه.
فإن لم يكن لديه أربعة شهود، فَيدْرَأ عنه حدَّ القذف أن يحلف أربع مرات: إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، وفي الخامسة، يلعن نفسه، إن كان من الكاذبين.
وذلك أن الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجه، فلا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية، لأن هذا عار عليه، وفضيحة له، وانتهاك لحرمته.
ولا يقدم على قذف زوجه إلا من تحقق، لأنه لن يقدم على هذا إلا بدافع الغَيرَة الشديدة، إذ أن العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويا لصحة دعواه.
(1/612)

الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ رَضيَ الله عَنهُمَا: أنَّ فلانَ بنَ فُلانٍ قَال: يا رسول الله، أرأيت لَو وَجَدَ أحدنا امْرَأتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيفَ يَصْنَعُ؟ إن تَكَلَّم، تَكَلَّم بِأمْر عَظِيمٍ، وَإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْل ذلِكَ؟
قَالَ: فَسَكَتَ النبي صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُجِبْهُ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ أتاه فَقَالَ: "إنَّ الذِي سألتك عَنْهُ قَدِ ابتلِيتُ بِهِ، فَأنزلَ الله -عزَّ وَجَل- هؤُلاءِ الآيات في سورة "النُّور".
{والذين يَرْمُونَ أزواجهم} فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكَرهَُ، وَأخْبَرَهُ أن عَذَابَ الدنيا أهوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخرة.
فقال: َلا-والذي بَعَثَكَ بِالحقً نَبياً- مَا كَذَبتُ عَليْهَا.
ثُمً دَعَاهَا، وَوَعَظَهَا، وَأخْبَرَهَا أن عَذَابَ الدنيا أهون من عَذَابِ الآخِرَةِ.
فَقَالَتْ: لا، والذِي بعثك بالحق إنه لكاذب:
فَبَدَأ بِالرجُل فَشَهِدَ أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين والخامسة: أن لَعنَةَ الله عليه إن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينِ.
ثم ثَنى بالمَرْأةِ، فَشهِدَتْ أربعَ شهادات بالله، إنهُ لَمِنَ الكاذبين والخَامِسَةِ: أن غَضبً الله عَلَيْهَا إن كان مِنْ الصادِقينَ. ثُم فَرقَ بَينهمَا.
ثُم قَالَ: "الله يَعْلَمُ إن أحدَكُمَا كَاذِب، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِب؟ " ثلاثاً.
وفي لفظ: " لا سَبِيل لك عَلَيهَا" قالَ: يا رسول الله: مالي؟.
قالَ: "لا مال لك" إن كنت صدقت عليها فهو بما استحلت من فرجها، وإنْ كُنْتَ كَذَبتَ عَليْهَا فهو أبعد لَكَ منها.
المعنى الإجمالي:
صاحب هذه القصة كأنه أحسَّ من زوجه ريبةً، وخاف أن يقع منها على فاحشة، فحار في أمره، لأنه إن قذفها ولم يأت ببينة، فعليه الحد، وإن سكت فهي الدياثة والعار، وأبدى هذه الخواطر للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يجبه كراهة لسؤال قبل أوانه، ولأنه من تعجل الشر والاستفتاح به، بالإضافة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينزل عليه في ذلك شيء.
بعد هذا رأى هذا السائل الفاحشة التي خافها فأنزل الله في حكمه وحكم زوجه، هذه الآيات من سورة النور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أزواجهم} (1) الآيات.
_________
(1) قيل نزلت هذه الآيات في (عويمر العجلاني) وزوجه بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم له: (قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك) .
وقيل: نزلت في (هلال بن أمية) وزوجه، بدليل أنه أول من لاعن في الإسلام.
قال النووي: يحتمل أنها نزلت فيهما جميعا- اهـ شارح.
(1/613)

فَتلاهن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكَّره ووعظه بأن عذاب الدنيا- وهو حَد القذف- أهون من عذاب الآخرة.
فأقسم أنه لم يكذب بِرَمْيهِ زوجه بالزنا.
ثم وعظ الزوجة كذلك وأخبرها أن عذاب الدنيا - وهو حدُّ الزنا بالرَّجم- أهون من عذاب الآخرة.
فأقسمت أيضا: إنه لمن الكاذبين.
حينئذ بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بما بدأ الله به، وهر الزوج، فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين فيما رماها به، وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين في دعواه. ثم فرق بينهما فرقة مؤبدة.
بما أن أحدهما كاذب، فقد عرض عليهما النبي صلى الله عليه وسلم التوبة.
فطلب الزوج صداقه، فقال: ليس لك صداق، فإن كنت صادقا في دعواك زناها، فالصداق بما استحللت من فرجها، فإن الوطء يقرر الصداق.
وإن كنت كاذبا عليها، فهو أبعد لك منها، إذ رميتها بهذا البهتان العظيم.
ما يؤخذ من الحديث:
1- بيان اللعان وصفته، وهو: أن من قذف زوجه بالزنا ولم يُقِم البينة، فعليه الحد، إلا أن يشهد على نفسه أربع مرات: إنه لمن الصادقين في دعواه. وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
فإن نكلت الزوجة، أقيم عليها حَدُّ الزنا، وإن شهدت بالله أربع مرات: إنه لمن الكاذبين في رَمْيها بهذه الفاحشة، وفي الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، درَأتْ عنها حدَّ الزنا.
2- إذا تم اللعان بينهما. بشروطه فُرِّق بينهما فراق مؤبَّدة. لا تحل له، ولو بعد أزواج.
3- أن يوعظ كل من الزوجين عند إرادة اليمين، لعله يرجع إن كان كاذبا، وكذلك بعد تمام اللعان، تعرض عليهما التوبة، ليتوب فيما بينه وبين الله تعالى.
4- خالف هذا الباب غيره من أبواب الفقه بمسائل.
منها: أنه لابد أن يقرن مع اليمين لفظ " الشهادة "، وفي الخامسة الدعاء على نفسه باللعنة من الزوج، ومن الزوجة، الدعاء على نفسها في الخامسة بالغضب.
ومنها: تكرير الأيمان.
ومنها: أن الأصل أن البينة على المدعى، واليمين على من أنكر، هنا طلبت الإيمان من المدعى والمنكر.
5- البداءة بالرجل في التحليف، كما هو ترتيب الآيات.
(1/614)

6- أن الزوج لا يرجع بشيء من صداقه بعد الدخول ولو كانت الفرقة من لعان.
7- اللعان خاص بين الزوجين، أما غيرهما فيجرى فيه حكم القذف المعروف.
8- كراهة المسائل التي لم تقع والبحث عنها، لاسيما ما فيه أمارة الفاحشة.
9- قال العلماء: واختصت المرأة بلفظ (الغضب) لعظم الذنب بالنسبة إليها، على تقدير وقوعه، لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، وذلك أمر عظيم يترتب عليه مفاسد كثيرة، كانتشار المحرمية، وثبوت الولاية على الإناث واستحقاق الأموال بالتوارث، فلا جرم أن خصت بلفظ الغضب الذي هو أشد من اللعنة.
10- قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على إجراء الأحكام على الظاهر.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَر َرَضي الله عَنْهُمَا: أن رجلا رَمَى امرَأتَهُ وَانتفى مِنْ وَلدِهَا في زَمَانِ رسول اللْه صلى الله عليه وسلم.
فَأمَرَهُمَا رَسُول صلى الله عليه وسلم، فَتَلاعَنَا، كَما قالَ الله تعالى. ثم قَضَى بِالوَلَدِ للمرأة، وَفرَّقَ بين المتلاعنين.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث يروى عبد الله بن عمر رَضيَ الله عنهما: أن رجلا قذف زوجته بالزنا، وانتفى من ولدها، وبرئ منه فكذبته في دعواه ولم تُقِرَّ على نفسها.
فتلاعنا، بأن شهد الزوج بالله تعالى أربع مرات أنه صادق في قذفها، ولعن نفسه في الخامسة.
ثم شهدت الزوجة بالله أربع مرات أنه كاذب، ودعت على نفسها بالغضب في الخامسة.
فلما تمَّ اللعان بينهما، فرق بينهما النبي صلى الله عليه وسلم فرقة دائمة، وجعل الولد تابعا للمرأة، منتسبا إليها، منقطعا عن الرجل، غير منسوب إليه.
ما يؤخذ من الحديث:
1- ثبوت حكم اللعان حينما يرمي الرَّجل زوجه بالزنا وتكذبه.
2- إذا تم اللعان، انتفى الولد الملاعن على نفسه من أبيه، وصار منسوبا إلى أمه فقط.
3- الفرقة المؤبدة الدائمة بين المتلاعنين، فلا تحل له بعد تمام اللعان بحال من الأحوال.
4- إذا تحقق الزوج أن الولد من غيره، فيجب عليه نفيه، واللعان عليه، إن كذبته. لئلا يلحقه نسبه، فيفضي إلى أمور منكرة، حيث يستحل من الإرث ولحوق النسب، والاختلاط بالمحارم، وغير ذلك، وهو أجنبي عنهم.
(1/615)

5- الأحسن في رعاية النساء التوسط، فلا يكثر الرجل من الوساوس التي لم تبن على قرائن، ولا يحجبها عما هو متعارف ومألوف بين الناس المحافظين مادام لم ير ريبة، ولا يتركها مهملة، تذهب حين شاءت، وتكلم من شاءت، فهذا هو التفريط. ومع الريبة دياثة.
الحديث الثالث
عَنْ أبي هريرة رَضي الله عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُل مِنْ بَني فزارة إلَى النَبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ امرأتي وَلَدَتْ غلاما أسود.
فَقَالَ الَّنبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَكَ إبِل"؟ قال: نَعَمْ.
قَالَ " فَمَا ألوانها"؟ قالَ: حُمْر.
قَالَ: " فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أوْرَقَ "؟ قَالَ: إنَّ فِيهَا لوُرْقاً.
قَالَ: "فَأنىَّ أتَاهَا ذلِكَ"؟ قالَ: عَسَى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عرق.
قَالَ: "وَهذَا عَسَى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْق".
الغريب:
رجل من بنى فَزَارة: بفتح الفاء والزاي، من غطَفان (قبيلة عدنانية) والرجل اسمه ضمضم بن قتادة.
أنَّي أتاه: بفتح الهمزة وتشديد النون، أي مما أتاه هذا اللون المخالف للون أبويه.
أورق: بفتح القاف لأنه لا ينصرف، وهو الأسود الذي لم يخلص سواده وإنما فيه غبرة. وجمعه وُرْق، كأحمر وحُمْر.
نزعه عرق: العرق، بكسر العين وسكون الراء، هو الأصل. والنزع هو الجذب.
والمعنى -هنا- لعله جذبه أصل من النسب، فأشبه المجذوب الجاذب في لونه وخلقه.
المعنى الإجمالي:
ولد لرجل من قبيلة فزارة غلام خالف لونه لون أبيه وأمه، فصار في نفس أبيه شك منه. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم معرضا بقذف زوجه وأخبره بأنه ولد له غلام أسود.
ففهم النبي صلى الله عليه وسلم مراده من تعريفه، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلا مما يعرف ويألف.
فقال: هل لك إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل يكون فيها من أورق مخالف لألوانها؟ قال: إن فيها لورقا.
فقال: فمن أين أتاها ذلك اللون المخالف لألوانها؟.
قال الرجل: عسى أن يكون جذبه عرق وأصل من آبائه وأجداده.
فقال: فابنك كذلك، عسى أن يكون في آبائك وأجدادك من هو أسود، فجذبه في لونه.
فقنع الرجل بهذا القياس المستقيم، وزال ما في نفسه من خواطر.
(1/616)

ما يؤخذ من الحديث:
1- أن التعريض بالقذف ليس قذفا، فلا يوجب الحد، وبه قال الجمهور: كما أنه لا يعد غيبة إذا جاء مستفتيا، ولم يقصد مجرد العيب والقدح.
2- أن الولد يلحق بأبويه، ولو خالف لونه لونهما قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المخالفة في اللون بين الأب والابن بالبياض والسواد لا تبيح الانتفاء.
3- الاحتياط للأنساب، وأن مجرد الاحتمال والظن، لا ينفي الولد من أبيه، فإن الولد للفراش. والشارع حريص على إلحاق الأنساب ووصلها.
4- فيه ضرب الأمثال، وتشبيه المجهول بالمعلوم، ليكون أقرب إلى الفهم
وهذا الحديث، من أدلة القياس في الشرع. قال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي: فيه دليل على صحة الاعتبار بالنظير.
5- فيه حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يخاطب الناس بما يعرفون ويفهمون. فهذا أعرابي يعرف الإبل وضرابها وأنسابها.
أزال عنه هذه الخواطر بهذا المثل، الذي يدركه فهمه وعقله، فراح قانعا مطمئنا.
فهذا من الحكمة التي قال الله فيها {ادع إلى سَبيلِ ربِّكَ بِالحِكمَةِ} فكلٌّ يخَاطبُ على قدر فهمه وعلمه.

بَابُ لحَاق النَّسب (1)
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رَضي الله عَنْهَا قَالت: اخْتَصَمَ سَعْدُ بنُ أبي وَقاص وَعبدُ بنُ زَمْعَةَ في غلام.
فَقَالَ سَعْد: يا رسول الله، هذَا ابنُ أخي عُتْبَة بن أبي وقاص، عَهِدَ إلَيَّ أنهُ ابنه، انظُرْ إلَى شَبَهِهِ.
وقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: هذَا أخِي يَا رسول الله، وُلِدَ عَلى فِرَاش أبي مِن وَلِيدَتِهِ.
فَنَظَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرَأى شبها بيِّناً بِعُتْبَةَ.
فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبدُ بنُ زَمعَةَ، الوَلدُ لِلفَرَاش، وَللعاهر الحجر واحتجبي مِنْه يَاسودة" فَلَمْ يَرَ سودة قَطُّ.
_________
(1) وضعت هذه الترجمة، لأن ما تحتها من الأحاديث مقصودة لها، لكن المؤلف أدمجها في كتب اللعان - اهـ- شارح.
(1/617)

الغريب:
عهد إلي أنه ابنه: يعنى أوصى إلي أنه ابنه، ألحقه بنسبه وأبيه.
فراش أبي: يراد بالفراش صاحبه، وهو الزوج والسيد.
الوليدة: الجارية التي وطئها سيدها، فجاءت منه بولد.
للعاهر الحجر: العاهر: الزاني، ومعنى له الحجر: أي له الخيبة، ولا حق له في الولد.
زمعة: بفتح الزاى وسكون الميم، سمى بإحدى الزمعات، وهن الشعرات المتعلقات بأنف الأرنب.
المعنى الإجمالي:
كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبنها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه.
فزنا عتبة بن أبي وقاص بأمة لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى (عتبة) إلى أخيه (سعد) بأن يلحق هذا الغلام بنسبه.
فلمَّا جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه.
فاختصم عليه هو، وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته وهي: أن أخاه أقر بأنه ابنه، وبما بينهما من شبَه.
فقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد من وليدة أبي.
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلام، فرأى فيه شبها بيناً بعتبة.
لأن الأصل أنَّه تابع لمالك الأمة، فقد قضى به لزمعه وقال الولد للفراش، وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، فهو بعيد عن الولد.
ولكن لما رأى شبه الغلام بعتبة، تورع صلى الله عليه وسلم أن يستبيح النظر إلى أخته سودة بنت زمعة (1) بهذا النسب، فأمرها بالاحتجاب منه، احتياطا وتورُعاً.
ما يؤخذ من الحديث:
1- أن الولد للفراش، بشرط إمكان الإلحاق بصاحب الفراش. قال ابن دقيق العيد: والحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم.
2- أن الزوجة تكون فراشاً بمجرد عقد النكاح، وأن الأمة فراش، لكن لا تعتبر إلا بوطء السيد، فلا يكفى مجرد الملك.
والفرق بينهما، أن عقد النكاح مقصود للوطء، وأما تملك الأمة، فلمقاصد كثيرة. أما شيخ الإسلام ابن تيميه فقال: أشار أحمد أنه لا تكون الزوجة فراشا إلا مع العقد والدخول المحقق، لا الإمكان المشكوك فيه. قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلا فكيف تصير المرأة فراشا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يبن بها.
3- أن الاستلحاق لا يختص بالأب، بل يجوز من الأخ وغيره من الأقارب.
_________
(1) هي أول من تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنهما. وانظر ترجمتها في الإصابة4/338.
(1/618)

4- أن حكم الشبه إنما يعتمد عليه، إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش.
5- قال العلماء، من المالكية، والشافعية، والحنابلة: أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته سودة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع لما رأى الشبه قويا بينه وبين عتبة بن أبي وقاص.
6- أن حكم الوطء المحرم كالحلال في حرمة المصاهرة.
ووجهه أن سودة أمرت بالاحتجاب. فدل على أن وطء عتبة بالزنا، له حكم. الوطء بالنكاح. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
وخالفهم المالكية والشافعية، فعندهم لا أثر لوطء الزنا، لعدم احترامه.
7- أن حكم الحاكم لا يغير الأمر في الباطن.
فإذا علم المحكوم له أنه مبطل، فهو حرام في حقه، ولا يبيحه له حكم الحاكم. قال شيخ الإسلام ومن وطئ امرأة بما يعتقده نكاحا فإنه يلحق به النسب ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء، فيما أعلم، وإن كان ذلك النكاح باطلا عند الله وعند رسوله وكذلك كل وطء اعتقد أنه ليس حراما وهو حرام.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ رَضي الله عَنْهَا: أنَّها قَالَتْ: إنَّ رَسولَ اللَه صلى الله عليه وسلم دَخَل عَلَيَّ مَسْروراً تَبْرُق أسارير وَْجهِهِ، فَقَالَ: " ألم ترَيْ أن مُجَزَّزاً نظَرَ آنِفا إلَى زَيْدِ بن حَارِثَةَ وأسامة بْن زَيْدٍ، فَقَالَ: إنَ بَعْضَ هذِهِ الأقدَام لَمِنْ بَعْض ".
وفي لفظ: " كَانَ مجَزِّرٌ، قَائِفاً ".
الغريب:
تبْرُق: بضم الراء، تلمع وتضئ.
أسارير وجهه: الأسارير، جمع أسرار، والأسرار جمع سَرَر أو سٌرر، وهو الحط في باطن الكف. وأريد بها هنا، الخطوط التي في الجبهة.
مجززا: بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاى الأولى على صيغة اسم الفاعل وهو من بني مد لج قبيلة عرفت بالقيافة والحكم لا يختص بها وحدها.
آنفا: أي في الزمن القريب من القول.
قائفا: القائف هو من يعرف إلحاق الأنساب بالشبه، ويعرف الآثار، وجمعه قافة.
المعنى الإجمالي:
كان زيد بن حارثة أبيض اللون، وابنه أسامة أسمر، وكان الناس -من أجل اختلاف لونيهما- يرتابون فيهما، ويتكلمون ني صحة نسبة أسامة إلى أبيه، بما يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/619)

فمرَّ عليهما (مجزِّز المدلجي) القائف، وهما قد غَطَّيَا رَأسيْهما في قطيفة، وبدت أرجلهما.
فقال إن بعض هذه الأقدام لَمنْ بعض، لما رأى بينهن من الشبه.
وكان كلام هذا القائف على سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فسُرَّ بذلك سرورا كثيرا، حتى دخل على عائشة وأسارير وجهه تَبْرق، فرحا واستبشارا للاطمئنان إلى صحة نسبة أسامة إلى أبيه، ولِدحْض كلام الذين يطلقون ألسنتهم في أعراض الناس بغير علم.
ما يؤخذ من الحديث:
1- العمل بقول القافة في إلحاق النسب، مع عدم ما هو أقوى منها، كالفراش، وهو قول الأئمة الثلاثة، استدلالا بسرور النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة، ولا يسر إلا بحق.
وخالفهم أبو حنيفة، فلم يعمل بها، واعتذر عن الحديث بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه.
2- يكفي قائف واحد، ولكن اشترط العلماء فيه أن يكون عَدْلا مجرباً في الإصابة وهذا حق. فإنَّه. لا يقبل الخبر، ولا ينفذ الحكم، إلا ممن اتصف بهذين الوصفين.
3- تشوف الشارع الحكيم إلى صحة الأنساب، وإلحاقها بأصولها.
4- الفرح والتبشير بالأخبار السارة، وإشاعتها. خصوصا ما فيه إزالة ريبة أو قالَة سوء.
5- لا تختص بالقيافة قبيلة بعينها، وإنما يعمل بخبر من اجتمعت فيه شروط الإصابة من القافة.
6- ظن الفقهاء أن القائف يمكن أن يلحق الولد بأكثر من أب، وأثبت الطب الحديث أن الحيوان المنوي الذي يحصل منه الإلقاح لا يكون من ماءَين لرجلين.
الحديث الثالث
عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْري رضي الله عَنْهُ قَالَ: ذُكِرَ العَزلُ لرسول اللَه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "ولِمَ يَفعَلُ ذلِكَ أحدكم"؟ -وَلَمَ يقل: فَلا يَفعَلْ ذلكَ أحدكم- فَإنَّهُ "لَيسَتْ نَفسٌ مَخْلُوقَة إلاَّ الله خالُقها".
الغريب:
العزل: نزع الذكر من الفرج إذا قارب الإنزال، ليزل خارجه.
لم يفعل ذلك أحدكم؟ : استفهام بمعنى الإنكار.
المعنى الإجمالي:
ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يفعله بعض الرجال في نسائهم وإمائهم.
فاستفهم منهم النبي صلى الله عليه وسلم عن السبب الباعث على ذلك بصيغة الإنكار.
ثم أخبرهم صلى الله عليه وسلم عن
(1/620)

قصدهم من هذا العمل بالجواب المقنع المانع عن فعلهم.
وذلك بأن الله تعالى قد قدر المقادير، فليس عملكم هذا براد لنسمة قد كتب الله خلقها وقدر وجودها، لأنه مقدر الأسباب والمسببات.
فإذا أراد خلق النطفة من ماء الرجل، سرى من حيث لا يشعر، إلى قراره المكين.
ما يستفاد من الحديث:
1- يأتي حكم العزل والخلاف فيه قريبا، إن شاء الله تعالى.
2- إنكار العزل بقصد التحرز عن خلق الولد، لأن فيه اعتمادا على الأسباب وحدها.
3- أنه ما من نفس مخلوقة إلا وقد قدر الله وجودها، ففيه الإيمان بالقَدَر، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وليس فيه تعطيل للأسباب، فإنه قدر الأشياء وقدر لها أسبابها، فلا بد من عمل الأسباب، والله يقدر ما يشاء ويفعل ما يريد.
فتعطيل الأسباب، وعدم الإيمان بتأثيرها، أو الاعتماد عليها وحدها، كلاهما مذهب مذموم.
والمذهب الحق المختار الوسط، هو الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن للأسباب تأثيرا وهو مذهب أهل السنة، وبه تجتمع الأدلة العقلية والنقلية. ولله الحمد.
الحديث الرابع
عَن جَابِر رضي الله عَنْهُ قالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرآن يَنْزِلُ. لَوْ كَانَ شيئا يُنهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ القُرَانُ.
المعنى الإجمالي:
يخبر (جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما: أنهم كانوا يعزلون من نسائهم وإمائهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرهم على ذلك، ولو لم يكن مباحا ما أقرهم عليه.
فكأنه قيل له: لعله لم يبلغه صنيعكم؟
فقال: إذا كان لم يبلغه فإن الله- تبارك وتعالى- يعلمه، والقرآن ينزله. ولو كان مما ينهى عنه، لنَهى عنه القرَان، ولما أقرنا عليه المشرع.
ما يستفاد من الحديث:
1- أن الصحابة كانوا يعزلون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله سبحانه مطلع على عملهم، فأقرهم عليه، وكأن الراوي -سواء أكان جابراَ أم سفيان- أراد بهذا أن العزل موجود في زمن التشريع ولما لم ينزل به شيء استدل أنه جائز أقر الشارع عليه عباده، وبهذا يندفع استغراب ابن دقيق العيد.
وقد جاء في صحيح (مسلم) أنه بلغه ذلك حيث قال جابر: (فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينهنا) .
(1/621)

2- أن العزل مباح، حيث علمه صلى الله عليه وسلم وأقرهم عليه، فإنه لا يقر على باطل، وشرعه قوله، وتقريره. وسيأتي الخلاف فيه.
3- قال الصنعاني: قوله: (لو كان شيئا) هذا من أفراد مسلم، وليس هو من قول جابر، وإنما هو من قول سفيان بن عيينة راوي الحديث عن عطاء عن جابر، ولفظ مسلم (لو كان شيء ينهى عنه لنهينا عنه) . تفرد به سفيان استنباطا أدرجه في الحديث، ولفظ مؤلف العمدة يقتضي أنه من الحديث، وليس كذلك.
4- استغرب ابن دقيق العيد هذا التقرير المنسوب إلى جابر، وهو تقرير الله، وحاول الصنعاني في أن يزيل هذا الاستغراب، ولكنه يزول تماما إذا علمنا أنه ليس من قول جابر.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم العزل.
فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، وأحمد إلى جوازه في الزوجة الحرة بإذنها وفي الزوجة الأمة بإذن سيدها، وفي الأمة بغير إذن أحد.
واستدلوا على جوازه بهذين الحديثين المتقدمين وغيرهما من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
واستدلوا على تقييده بإذن الحرة، بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها".
قال أبو داود: سمعت الإمام أحمد ذكر هذا الحديث، فما أنكره.
وذهب الشافعي إلى جواز العزل مطلقا، في الحرة والأمة. ورويت الرخصة عن عشرة من الصحابة.
وذهب إلى تحريمه مطلقا (ابن حزم) وطائفة. مستدلين بما رواه " مسلم عن جُذَامة بنت وهب قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس، فسألوه عن العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي" وجعلوا هذا الحديث ناسخاً لأحاديث الإباحة، التي هي على وفق البراءة الأصلية، وهذا الحديث ناقل عن البراءة الأصلية- هذا جوابهم.
والأحسن، الجمع بين النصوص بلا نسخ، فيكون الأصل الإباحة.
وهذا الحديث يحمل على ما إذا أراد بالعزل التحرز عن الولد، ويدل له قوله: " ذلك الوأد الخفي ".
(1/622)

الحديث الخامس
عَنْ أبي ذرٍّ رَضيَ الله عَنْهُ: أنه سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لَيسَ مِنْ رجل ادعَى لِغَيرِ أبِيهِ -وهو يعلمه- إلا كَفَرَ، وَمن ادعى مَا لَيس لَهُ فَلَيْس مِنَّا، وليتبوأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وَمَنْ دَعَا رُجُلا بِالكُفْرِ، أو قال: يَا عَدو الله، وَليسَ كَذلِكَ، إلا حَارَ عَليه ".
كذا عند (مسلم) وللبخاري، نحوه.
الغريب:
وليتبوأ: أي فليتخذ له مباءة، وهي المنزل.
إلا حار عليه: بالحاء المهملة، أي رجع عليه، ومنه قوله تعالى {إنه ظن أن لن يحور} أي يرجع.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث وعيد شديد وإنذار أكيد، لمن ارتكب عملا من هذه الثلاثة، فما بالك بمن عملها كلها؟.
أولها: أن يكون عالما أباه، مثبتا نسبه فينكره ويتجاهله، مدعيا النسب إلى غير أبيه، أو إلى غير قبيلته.
وثانيها: أن يدعي "وهو عالم" ما ليس له من نسب، أو مال، أو حق من الحقوق، أو عمل من الأعمال، أو يزعم صفة فيه يستغلها ويصرف بها وجوه الناس إليه.
يدَّعي علما من شَرْعٍ، أو طب، أو غيرهما، ليكسب من وراء دعواه، فيكون ضرره عظيما، وشره خطيرا.
أو يخاصم في أموال الناس عند الحكام، وهو كاذب فهذا عذابه عظيم، إذ تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم: وأمره أن يختار له مقرا في النار لأنه من أهلها، فكيف إذا أيد دعاويه الباطلة بالأيمان الكاذبة.
ثالثها: أن يرمِىَ بريئا بالكفر، أو اليهودية، أو النصرانية، أو بأنه من أعداء الله.
فمثل هذا يرجع عليه ما قال لأنه أحق بهذه الصفات القبيحة من المسلم الغافل، عن أعمال السوء وأقواله.
ما يستفاد من الحديث:
1- فيه دليل على تحريم الانتفاء من نسبه المعروف، والانتساب إلى غيره. سواء أكان ذلك من أبيه القريب، أم من أجداده، ليخرج من قبيلته إلى قبيلة أخرى. لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة، من ضياع الأنساب، واختلاط المحارم بغيرهم، وتقطع الأرحام، وغير ذلك.
2- اشترط العلم، لأن تباعد القرون، وتسلسل الأجداد، قد يوقع في الخلل والجهل، والله لا يكلف نفساً إلا وُسْعَهَا، ولا يؤاخذ بالنسيان والخطأ.
(1/623)

3- قوله " ومن ادَّعى ما ليس له" يدخل فيه كل دعوى باطلة، من نسب، أو مال، أو علم، أو صنعة، أو غير ذلك.
فكل شيء يدَّعيه، وهو كاذب، فالنبي صلى الله عليه وسلم برئ منه، وهو من أهل النار، فليختر مقامه فيها.
كيف إذا أيد دعاويه الباطلة بالأيمان الكاذبة، ليأكل بها أموال الناس؟! فهذا ضرره عظيم وأمره كبير.
4- الوعيد الثالث فيمن أطلق الكفر، أو الفسق، أو نفى الإيمان، أو غير ذلك على غير مستحق، فهو أحق منه به، لأن هذا راجع عليه، فالجزاء من جنس العمل.
5- فيؤخذ منه التنبه على تحريم تكفير الناس بغير مسوغ شرعي، وكفر بواح ظاهر.
فإن التكفير والإخراج من الملة، أمر خطير، لا يقدم عليه إلا عن بصيرة، وتثبت، وعلم.
اختلاف العلماء:
أجمع علماء السنة: على أن المسلم، لا يكفر بالمعاصي كفرا يخرجه من الملة.
والشارع قد يطلق على فاعل المعاصي الكفر، كما في الحديث الذي معنا. فاختلف العلماء في ذلك.
فالجمهور يَرَوْن: أن هذه أحاديث جاءت لقصد الزجر والردع، فتبقى على تخويفها وتهويلها، فلا تؤول.
ومن العلماء من أولها فقال: يراد [بالكفر] كفر النعمة، أو بمعنى أنه قارب الكفر، أو أن هذا الوعيد لمن يستحل ذلك، فيكون رادا لنصوص الشريعة الصحيحة الصريحة، فيكفر.
ومثل قوله: "ليس منا" يعنى ليس على طريقنا التامة المستقيمة، وإنما نقص إيمانه ودينه.
والأحسن، مسلك الجمهور، وهو أن تبقى على إبهامها، ليبقى المعنى المقصود منها، فتكون زاجرة رادعة عن محارم الله تعالى.
فإن النفوس مجبولة على اتباع الهوى، فعسى أن يكون لها رادع من مثل هذه النصوص الشريفة. والله أعلم.
(1/624)

كتاب الرَّضَاع
الرَّضاع: بفتح الراء وكسرها، مصدر رضع الثدي إذا مصه.
وتعريفه شرعا: مص لبن ثاب عن حمل أو شربه.
وحكم الرضاع ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع. ونصوصه مشهورة.
والأحكام المترتبة على الرضاع، تحريم النكاح، وإباحة النظر والخلوة، والمحرمية في السفر، لا وجوب النفقة والتوارث، وولاية النكاح.
وحكمة هذه المحرمية والصلة، ظاهرة، فإنه حين تغذى بلبن هذه المرأة، نبت لحمه عليه، فكان كالنسب له منها.
ولذا كره العلماء، استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخُلق أو مَنْ بها مرض مُعْد، لأنه يَسْرِى إلى الولد.
واستحبوا أن يختار المرضعة، الحسنة الخُلُق والخَلْق، فإن الرضاع يُغير الطباع.
والأحسن أنه لا يرضعه إلا أمه، لاًنَّه أنفع وأمري وأحسن عاقبة، من اختلاط المحارم، التي ربما توقع في مشاكل زوجية.
وقد حث الأطباء على لبن الأم، لا سيما في الأشهر الأول.
وقد ظهرت حكمة الله الكونية، حين جعل غذاء الطفل من لبن أمه، بالتجارب، وبتقارير الأطباء ونصائحهم. والله حكيم عليم.
الحديث الأول
عَن بن عَباس رضي الله عَنْهُمَا قَالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بِنتِ حَمْزَةَ "لا تَحِل لي، يَحْرُمُ مِنَ الرضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ النسَبِ، وَهِي ابنةُ أخي مِنَ الرضَاعَةِ ".
الحديث الثاني
عَنْ عَاِئشَةَ رَضي الله عَنْهَا قالَت: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إنُّ الرضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الولادةَ ".
(1/625)

المعنى الإجمالي:
رَغِبَ على بن أبي طالب رضي الله عنه، من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بنت عمهما حمزة (1) .
فأخبره صلى الله عليه وسلم أنها لا تحل له، لأنها بنت أخيه من الرضاعة.
فإنه صلى الله عليه وسلم، وعمه حمزة رضعا من (ثويبة) وهى مولاة لأبي لهب، فصار أخاه من الرضاعة، فيكون عم ابنته، ويحرم بسبب الرضاع، ما يحرم مثله من الولادة.
ما يستفاد من الحديث:
1- ما يثبت في الرضاع من المحرمية، ومنها تحريم النكاح.
2- أنه يثبت فيه مثل ما يثبت في النسب.
فكل امرأة حرمت نسبا، حرمت من تماثلها رضاعا.
3- الذين تنشر فيهم المحرمية من أجل الرضاع، هم المرتضع وفروعه، أبناؤه وبناته ونسلهم.
أما أصوله، من أب، وأم، وآبائهم، فلا يدخلون في المحرمية.
وكذلك حواشيه، من إخوة وأخوات، وأعمام، وعمات، وأخوال، وخالات. كل هؤلاء غير داخلين في حكمه.
والرضيع يكون كأحد أولاد المرضعة، فتكون أمه، وصاحب اللبان أباه، وأولادهما إخوته وأخواته وآباؤه منهما- وإن عَلوْا- أجداده، وأعمامهما: وعماتهما، وأخوالهما، وخالاتهما ووأعمامه، وأخواله، وإخوانهما وأخواتهما، أعمامه وعماته، وأخواله، وخالاته.
الحديث الثالث
وَعَنْهَا قَالَتْ: إن أفلحَ- أخَا أبي القُعَيْس- استأذن عَليَّ بَعْدَ مَا أنزل الحجاب، فَفُلْتُ: والله لا آذَنُ لَهُ حَتى أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخا أبي القُعيس لَيسَ هُوَ أرضعني وَلكِن أرضعتني امرأة أبي القُعَيس.
فَدَخلَ عَلى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقُلْت يَا رسول الله إن الرَّجُلَ لَيسَ هُوَ أرضَعَنِي وَلكِنْ أرضَعَتْنِي امرأَتَهُ.
فَقالَ: (اِئْذَنِي لَهُ) فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ.
قالَ عُرْوَةُ: فَبِذلِكَ كَانَتْ عَاِئِشَةُ تَقول: حَرِّمُوا مِن الرضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
_________
(1) جاء في مسلم عن علي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، تنوق في قريش وتدعنا؟ ففال: (وهل عندكم شيء؟) قلت: نعم، بنت حمزة فقال: (إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة) .
(1/626)

في لفظ: ثم اِستأذَنَ عَلَيَّ أفلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِين مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟
فَقُلْتُ: كَيفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أرْضَعَتْك امْرَأةُ أخِي بِلبَن أخِي.
قَالتْ: فَسَألتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "صَدَقَ أفلحُ، ائذَني لَهُ، تَرِبَت يَمِينُكِ".
تربت: أي افتقرت. والعرب تدعو على الرجل، ولا تريد وقوع الأمر به.
الغريب:
أفلح: بفتح الهمزة، بعدها فاء ساكنة، ثم لام، ثم حاء مهملة غير منون لأنه لا ينصرف.
القعيس: بقاف مضمومة، ثم عين مهملة، فياء مثناة تحتية، فسين مهملة.
عند الدارقطني: أن اسمه وائل بن أفلح الأشعري.
آذن له: بالمد.
بعد ما أنزل الحجاب: كان النساء في صدر الإسلام يُسْفِرْنَ بعد أعقاب الجاهلية فأنزل الله تعالى آية الحجاب {يا أيها النبي قل لأزْوَاجكَ وَبَنَاتكَ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِن مِنْ جلابيبهن} الآية. سنة خمس فاحتجبن عن الرجال.
والجلباب: هو الملحفة: مثل (العباءة) .
تَرِبت يمينك: يعنى لصقت بالتراب من الفقر، دعاء تقوله العرب ولا تريد المقصود منه.
المعنى الإجمالي:
استرضعت عائشة رضي الله عَنها من زوجة أبي القُعَيس.
وبعد ما أمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين بالحجاب عن الرجال الأجانب، جاء أخو والد عائشة من الرضاعة، يستأذن عليها بالدخول، فأبت أن تأذن له، لأن التي أرضعتها زوجة أبي القعيس، لا هو.
واللبن للمرأة لا للرجل، فيما تظن.
فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته الخبر فقال: " ائذني له فإنه عمك " فعلمت عائشة رضي الله عنها أن اللبن الذي يرتضع، إنما هو من أثر ماء الرجل والمرأة.
فكانت بعد هذا تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب.
ما يستفاد من الحديث:
1- فيه دليل على ثبوت حكم الرضاع من زوج المرضعة وأقاربه، لأنه صاحب اللبن، فإن اللبن تسبب عن ماءه وماء المرأة جميعا.
فوجب أن يكون الرضاع منهما وتنتشر الحرمة من قِبَلِهِمَا سواء.
وهذا مذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث، وأصحاب المذاهب، خلافا لطائفة قليلة يرون: أن الحرمة لا تنتشر إلا من قبل المرأة فقط، وهو رد للنصوص الصحيحة.
(1/627)

2- فيه دليل على وجوب احتجاب النساء من الرجال غير المحارم، مع صريح القرآن في ذلك، فقد كان التعذر في أول الإسلام فبقى على عادة الجاهلية حتى حرم سنة خمس من الهجرة وهكذا جميع الشرائع الإسلامية لم يلزم الناس بها دفعة واحدة، أو في سنة واحدة. وإنما تنزل شيئاً فشيئا، يستدرج بها الشارع الحكيم الناس لتخف عليهم فيقوموا بها. والله حكيم في شرعه، عليم بأحوال خلقه.
وما يفوه به دعاة السفور، ممن لا حظ لهم من علم، ولا نصيب لهم من فكر، ولا وازع لهم من ضمير وخُلُق- مع كونهم لم يفكروا فيما يجره من المفاسد والعواقب الوخيمة، لم يستندوا فيه إلى نقل صحيح، ولا على عقل واع، ولا على ذوق مستقيم.
وإلا فإن السفور هو أول الشر، وهو السبب في اختلاط الجنسين الذي جرَّ المصائب، وهتك الأعراض، وأفسد البيوت وفرق الأسر، وسبب الخيانات.
والذين أباحوه- وهم قلة- لا يستندون إلى دليل، ولو رأوْا ما صار إليه الناس، وما آل إليه أمر البلاد التي تدرجت إلى الشر بإباحته، لتمنوا الرجوع إلى أجداثهم.
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرهِ أنْ تُصيِبَهُمْ فِتْنَة أو يصيبهم عذاب أليم} فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
اللهم بَصر عبادك في أمر دينهم، وأعدهمْ إلى حظيرته. يا سميع الدعاء.
الحديث الرابع
وَعَنْهَا قالَت: دَخَلَ عَلَي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل، فَقَالَ: يَا عَاِئشَةُ، مَنْ هذَا؟ قُلْتُ: أخِي مِنَ الرضَاعَةِ.
فَقالَ: "يَا عَائشَة، انظُرنَ مَنْ إخْوَانكُن، فإنمَا الرضَاعَةُ مِنَ المجَاعَةِ".
المعنى الإجمالي:
دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة، فوجد عندها أخاها في الرضاعة- وهو لا يعلم عنه- فتغير وجهه صلى الله عليه وسلم، كراهةً لتك الحال، وغيرة على محارمه.
فعلمت السبب الذي غيَّر وجهه، فأخبرته: أنه أخوها من الرضاعة.
فقال: يا عائشة انظرْن وتثبتنَ في الرضاعة، فإن منها ما لا يسبب المحرمية، فلا بد من رضاعة ينبت عليها اللحم وتشتد بها العظام، وذلك أن تكون من المجاعة، حين يكون الطفل محتاجا إلى اللبن، فلا يتقوت بغيره، فيكون حينئذ كالجزء من المرضعة، فيصير كأحد أولادها، فّتثبت المحرمية.
(1/628)

ما يؤخذ من الحديث:
1- غيرة الرجل على أهله ومحارمه، من مخالطة الأجانب.
2- إذا أحس الرجل من أهله ما يريبه، فعليه التثبت قبل الإنكار.
3- التثبت من صحة الرضاع المحرم وضبطه.
فهناك رضاع لا يحرم، كأن لا يصادف وقت الرضاع المحرم.
4- أنه لابد أن يكون الرضاع في وقت الحاجة إلى تغذيته، فإن الرضاعة من المجاعة، ويأتي تحديد ذلك، عددا، ووقتا، والخلاف فيه، إن شاء الله.
5- والحكمة في كون الرضاع المحرم هو ما كان من المجاعة، لأنه حين يتغذى بلبنها محتاجا إليه، يشب عليه لحمه، وتقوى عظامه، فيكون كالجزء منها، فيصير كولد لها تغذى في بطنها، وصار بضعة منها.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في قدر الرضاع المحرم.
فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وهو مروي عن علي، وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، والأوزاعى، والثوري.
وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وحجتهم: أن الله سبحانه وتعالى علق التحريم باسم (الرضاعة) وكذلك (القرآن) أطلقها ولم يقيدْهَا بشيء، فحيث وجد اسمها وجد حكمها.
وذهبت طائفة أخرى: إلى أنه لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات. وهذا قول أبي ثور، وابن المنذر، وداود.
وحجة هؤلاء، ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحرم المصة ولا المصتان" رواه مسلم.
فمفهوم الحديث: أن ما زاد على المصتين يثبت به التحريم، وهو الثلاث فصاعداً.
وذهبت طائفة ثالثة إلى أنه لا يثبت بأقَل من خمس رضعات.
وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاوس. وهو مذهب الأئمة الشافعي. وأحمد، وابن حزم.
ودليل هؤلاء، ما ثبت في صحيح (مسلم) عن عائشة رَضي الله عنها قالت:
(1/629)

"كان فيما أنزل من القرآن عَشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهى فيما يقرأ من القرآن".
وما جاء في صحيح (مسلمٍ) أيضاً في قصة سهلة، زوجة أبي حذيفة، حينما قالت: [إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفةَ، في بيت واحد ويراني فضلى. وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فقال فيه؟.
فقال صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه" فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة] .
وأجابت هذه الطائفة، عن أدلة الطائفتين الأوليين فقالت:
وأما من يرون أن قليله وكثيره يحرم، فجوابهم الحديث الصحيح المتقدم "لا تحرم المصة ولا المصتان".
وأما جواب أصحاب الثلاث، فهو أن دليلهم مفهوم، والمنطوق مقدم عليه، والعمل بأحاديث الرضعات الخمس، إعمال للأحاديث كلها.
فائدة:
ما هي الرضعة التي يحصل بها العدد، وما مقدارها؟
الشارع ذكر الرضعة وأطلقها إلى ما يعرفه الناس ويعدونه رضعة، والرضعة، معناها، المرة من الرضعات، كالأكلة من الأكلات، والشربة من الشربات.
والناس لا يعدون الأكلة: إلا الوجبة التامة، سواء تخللها قيام، أو اشتغال يسير، أو قطعها لعارض، ثم رجع إليها، لأنه لم يكملها. فهكذا الرضعة.
فالصحيح أنها لا تحسب رضعة إلا ما رضعه الصبي، ثم تركه لغير عارض ولا شاغل، بل عن طيب نفس وري.
وهو مذهب الشافعي، وهى الرواية الثانية عن الإمام أحمد ونصرها (ابن القيم) في (الهدى) واختارها شيخنا (عبد الرحمن آل سعدي) .
أما إذا نقلته المرضعة من ثدي إلى ثدي، أو جاءه ما يلهيه ثم تركه، أو نحو ذلك، فالصحيح أن هذه المصة، لا تعد رضعة.
واختلف العلماء في وقت الرضاع الذي يتعلق به التحريم، ولهم في ذلك أقوال، ولكن التي تصلح للبحث والمناقشة، ويستند إلى الأدلة، أربعة مذاهب هي:
الأول: أن الرضاع المعتبر، هو ما كان في الحولين فقط.
الثاني: هو ما كان في الصغر، ولم يقدروه بزمان.
(1/630)

الثالث: أن الرضاع يحرِّم ولو كان للكبير البالغ، أو الشيخ.
الرابع: أن الرضاع لا يكون محرماً إلا ما كان في الصغر، إلا إذا دعت الحاجة إلى رضاع الكبير، الذي لا يستغنى عن دخوله، ويشق الاحتجاب منه.
فذهب إلى الأول، الشافعي، وأحمد، وصاحبا أبي حنيفة، أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. وصح عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر. وروى عن الشعبي، وهو قول سفيان، وإسحاق، وابن المنذر.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَالوَالِدَاتُ يُرضِعْنَ أولادهُن حَولَين كَامِلَيْن لِمَنْ أرَادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فجعل تمام الرضاعة حولين، فلا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به تحريم.
وحديث " إنما الرضاعة من المجاعة "، المتقدم، ومدة المجاعة، هي ما كان في الحولين.
وما رواه الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عباس يرفعه "لا رضاع إلا ما كان في الحولين ".
وفي سنن أبي داود من حديث ابن مسعود يرفعه "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظمْ".
ورضاع الكبير لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم.
وذهب إلى القول الثاني، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، خلا عائشة.
وروي عن ابن عمر، وابن المسيب، واختاره شيخ الإسلام (ابن تيميه) ودليل هؤلاء ما في الصحيحين أنه قال: "إنما الرضاعة من المجاعة" فيقتضي عمومه، أن مادام الطفل غذاؤه اللبن، أن ذلك الرضاع محرم، وهو نظر جيد، ومأخذه قَويّ.
وذهب إلى القول الثالث، طائفة من السلف والخلف، منهم عائشة، وروي عن علي، وعروة، وعطاء، وقال به (الليث بن سعد) و (داود) و (ابن حزم) ونصره في كتابه [المحلى] ورد حجج المخالفين.
وكانت عائشة إذا أحبت أن يدخل عليها أحد من الرجال، أمرت أختها أم كلثوم، أو بنات أخيها فأرضعته.
ودليل هؤلاء، ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم [أن سهلة بنت سهيل قالت: يا رسول الله، إن سالما مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، فقال: "أرضعيه تحرمي عليه" فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، رواه مسلم.
(1/631)

وهذا حديث صحيح ليس في ثبوته كلام. ولكن أصحاب القول بالحولين يجيبون عنه بأحد جوابين.
الأول: أنه منسوخ، ولكن دعوى النسخ، تحتاج إلى معرفة التأريخ بين النصوص، وليس هناك علم بالمتقدم منها والمتأخر.
ولو كان منسوخا، لقاله الذين يُحَاجُّون عائشة في هذه المسألة ويناظرونها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن.
الجواب الثاني: دعوى الخصوصية، فيرون هذه رخصةً خاصة لسالم وسهلة، وليست لأحد غيرهما.
وتخريج هذا المسلك لهم، أنهم يقولون: جاءت سهلة شاكية متحرجة من الإثم والضيق، لما نزلت (آية الحجاب) فرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه استثناها عن عموم الحكم.
قالوا: ويتعين هذا المسلك، وإلا لَزِمَنا أحدُ مسلكين، إما نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، أو نسخها به.
ولا يمكن هذا، لأننا لا نعلم تاريخ السابق منها واللاحق. وبهذا المسلك نتمكن من العمل بالأحاديث كلها فيكون هذا الحديث خاصا ب (سالم) و (سهلة) وسائر الأحاديث لعامة الأمة.
وذهب إلى القول الرابع (وهو أن تأييد رضاع الكبير رخصة عامة لكل من هو في مثل حال (سهلة) شيخ الإسلام (ابن تيميه) وجعله توسطا بين الأدلة وجمعا بينها، حيث إن النسخ لا يمكن بين هذه النصوص، لعدم العلم بالتاريخ.
والخصوصية لـ (سالم) وحده لم تثبت، فتكون خصوصية في مثل من هو في حال (سالم) وزوج أبو حذيفة، حيث يشق الاحتجاب عنه، ولا يستغني عن دخوله والخلوة به.
ورجح هذا المسلك (ابن القيم) في (الهدى) فقال: وهذا أولى من النسخ ودعوى الخصوصية لشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له. والله الموفق.
(1/632)

الحديث الخامس
عَنْ عُقْبَةَ بن الحَارِثِ: أنَهُ تَزَوَّجَ أم يحي بِنْت أبي إهَاب. فَجَاءت أمَة سَودَاء فَقَالَتْ: قَد أرضعتكما.
فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبي صلى الله عليه وسلم، قالَ: فَأعرَضَ عَنها.
قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ " وَكَيفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أن قَدْ أرْضَعَتْكُمَا " (1) .
المعنى الإجمالي:
تزوَّج (عقبة بن الحارث) أم يحيى بنت أبي إهاب (2) فجاءت أمة سوداء فأخبرته أنها قد أرضعته وأرضعت زوجه، وأنهما أخوان من الرضاعة.
فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم قولها، وأنها كاذبة في دعواها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم -منكرا عليه رغبته في البقاء معها، مع شهادة هذه الأمة-: كيف لك بذلك، وقد قالت هذه المرأة ما قالت، وشهدت بما علمت؟.
ما يستفاد من الحديث:
1- أنه إذا ثبت الرضاع المحرم بين الزوجين، انفسخ نكاحهما.
2- أن الرضاع يثبت، وتترتب أحكامه بشهادة امرأة واحدة، ويأتي الخلاف في ذلك، إن شاء الله تعالى.
3- وفيه إثبات القاعدة الشرعية العامة وهي: (يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا) ، ووجهه أن شهادة المرأة لا تكفي في فسخ النكاح وفي الطلاق، فإذا شهدت بالرضاع، ثبت حكمه، فيثبت فسخ النكاح تبعا له.
4- قبول شهادة الرقيق إذا كان عَدْلاً، لقوله، " أمة " ولا بد في الشهود كلهم من العدالة، وانتفاء التهمة.
5- الإنكار على من حاول البقاء على المحرمات، ولو يجعله تأويلاً.
6- أن وطء الشبهة لا يوجب شيئاً، وصاحبه معذور عن حَدِّ الدنيا وعذاب الآخرة، لأن العلم شرط في إقامة الحدود، ووعيد الله على العامدين.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في شهادة ثبوت الرضاع.
_________
(1) هذا الحديث من أفراد البخاري ولم يخرجه (مسلم) بل لم يخرج في صحيحه عن عقبة بن الحارث شيئا- اهـ- شارح.
(2) بكسر الهمزة.
(1/633)

فذب الشافعي، وعطاء: إلى أنه لابد من أربع نسوة، لأن كل امرأتين في منزلة الرجل الواحد.
وذهب مالك، والحكم: إلى أنه لا يقبل إلا شهادة امرأتين، لأن الرجال أكمل شهادة، ومع هذا لا يقبل في الشهادة إلا رجلان.
وذهب الحنفية: إلى أنه لا يقبل إلا رجلان، أو رجل وامرأتان.
لقوله تعالى: {وَاستشْهِدُوا شَهِيدَين مِنْ رِجالِكُم فَإنْ لَم يَكُونَا رَجُلَين فَرَجُل وَامرَأتانِ} والجمهور على عدم العمل بهذا الحديث، وحملوه على أنه من باب الورع. وأن النهي فيه للتنزيه.
وذهب الإمام أحمد وهو من مفرداته عن الأئمة الثلاثة: إلى أنه يكتفي لثبوت الرضاع بشهادة امرأة مرضية. وقد نقل عن عثمان وابن عباس.
وقال بهذا القول طاوس، والحسن، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق.
ودليل هذا القول، حديث الباب الذي تقدم شرحه، وهو دليل واضح صحيح. والله الموفق.
فائدة:
ينبغي حفظ الرضاع وضبطه، في حينه، وكتابته.
فيحفظ من رضع منه ولده، ومن شاركه في الرضاع، ومن رضع من لبنه، ويبين مقدار الرضاع، ووقته، حتى لا تقع المشكلات بعد النكاح، فيحصل التفرق والندم، وتشتت الأولاد، والأسف على الماضي، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة.
الحديث السادس
عَنِ الْبَراء بْنِ عَازِب رَضي اللَه عَنْهُ قَالَ: خَرَج رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم -يَعْني مِنْ مَكةَ- فَتَبِعَتْهُمُ ابُنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يا عم.
فَتَنَاوَلَهَا عَلي فَأخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دونَك ابنةَ عَمكِ فَاحتَمَلَتْهَا.
فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلي، وَجَعْفَر، وَزيد.
فقال عَلي: أنَا أحَقُّ بِهَا وَهِي ابنةُ عَمي.
وَقَالَ جَعْفَر: ابنهُ عَمِّي وخالتها تَحْتي.
وَقَالَ زيد: بنْتُ أخِي.
فَقَضَى بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِخَالتهَا، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأم ".
وقالَ لِعَلىِّ: " أنْتَ مِني وَأنَا مِنْك".
قالَ لِجَعفَر: " أشبهت خَلْقِي وَخُلُقِي ".
وقالَ لِزَيدٍ: " أنتَ أخونا ومولانا" (1)
_________
(1) بهذا السياق من أفراد (البخاري) : وكذا عزاه إليه البيهقي في سننه وعبد الحق في (الجمع بين الصحيحين) و (الترمذي) في الأطراف، ووقع لصاحب المنتقى وابن الأثير في جامع الأصول أنه من المتفق عليه، ومرادهما قصة الحديث منه، والبخاري ذكره في موضعين من صحيحه مطولا. اهـ- شارح.
(1/634)

الغريب:
دونكِ: بكسر الكاف، خطاب، لأنثى، وهو اسم فعل منقول من الظرف بمعنى خُذِيهَا.
وقال زيد: بنت أخي: البنت لحمزة بن عبد المطلب، وزيد من قبيلة كلب. فمراده إذا الأخوة الإسلامية، التي آخاها النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين، حين هاجروا إلى المدينة.
خَلقي: بفتح الخاء وإسكان اللام، والمراد به، الصفات الظاهرة.
وخُلُقِي: بضم الخاء واللام، المراد به الصفات الباطنة.
ومولانا: أي عتيقنا، فالمولى يطلق على السيد، فيكون مولىً من أعلى، ويطلق على العتيق، فيكون مولىً من أسفل.
المعنى الإجمالي:
لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم، من "عمرة القضاء" في السنة السابعة،: وخرجوا من مكة، تبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب، تنادى: "يا عم يا عم" فتناولها ابن عمها على بن أبي طالب رضي الله عنه، فأخذ بيدها وقال لزوجه فاطمة: خذي ابنة عمك، فاحتملتها.
فاختصم في الأحقية بحضانتها ثلاثة: 1- على 2- وأخوه جعفر 3- وزيد بن حارثة الكلبي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل منهم أدلى بحجته لاستحقاق الحضانة.
فقال علي: هي ابنة عمى، فأنا أحق بها.
وقال جعفر: هي ابنة عمى، وخالتها: زوجتي.
وقال زيد: هي بنت أخي الذي عقد بيني وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤاخاة، يثبت بها التوارث والتناصر، فأنا أحق بها.
فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بما أرضى قلوبهم، وطيب خواطرهم.
فقضى بالبنت للخالة، لأنها بمنزلة الأم في الحُنُوَّ والشفقة، وكانت عند جعفر.
وقال لِعلي: " أنت مني وأنا منك " وكفى بهذا فخراً، وفضلا.
وقال لجعفر: " أشبهت خَلقِي وَخُلُقِي " فأنت مثلي بالأخلاق الظاهرة والصورة، ومثلي في الأخلاق الحميدة الباطنة، من الحلم، والكرم، واللطف وغيرها، وكفى بهذه بشارة وسروراً. فقد طيب خاطره لأن الحكم بالحضانة له من أجل زوجه وهي خالة المحضونة لا من أجله هو.
وقال لزيد: أنت أخونا في الإسلام، ومولانا، ومولى القوم منهم. فكل منهم رضي واغتبط بهذا الفضل العظيم.
(1/635)

ما يستفاد من الحديث:
1- ثبوت الحضانة لحق الصغير والمعتوه، لحفظه، وصيانته، والقيام بشئونه. وهي من رحمة الله تعالى بخلقه.
2- أن العصبة من الرجال، لهم أصل في الحضانة، ما لم يوجد من هو أحق منهم، حيث أقر صلى الله عليه وسلم كلا من عَلي، وجعفر في ادِّعائه حضانة ابنة عمه، ولم ينكر عليهما.
3- أن الأم مقدمة في الحضانة على كل أحد، فإنه لم يعطها الخالة في هذه القصة إلا لأنها (بمنزلة الأم) لكمال شفقتها وبِرِّهَا.
4- أن الخالة تَلي الأم في الحضانة، فهي بمنزلتها في الحُنُو والشفقة.
5- أن الأصل في الحضانة، هو طلب تحقق الشفقة والرحمة لهذا العاجز القاصر، وهذا من رحمة الله تعالى ورأفته بالعاجزين والمقطعين، إذ هيأ لهم القلوب الرحيمة.
6- أنَّ المرأة المزوجة، لا تسقط حضانتها إذا رضي زوجها بقيامها بالحضانة، لأنها لم تسقط عنها إلا لأجل التفرغ لحقوق الزوج، والقيام ببيته وشئونه.
فإذا رضي بقيامها بالحضانة، فهي باقية على حقها منها.
وبهذا يحصل التوفيق بين قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالحضانة لجعفر، وبين قوله صلى الله عليه وسلم للمرأة المطلقة -حين نازعها مطلقها في ابنهما-: " أنت أحق به ما لم تُنْكَحِي " رواه أحمد، وأبو داود.
7- حُسْنُ خلق النبي صلى الله عليه وسلم ولطفه، إذ حكم لواحد من الثلاثة وأرضاهم جميعاً بما طَيَّب أنفسهم، وأرضى ضمائرهم، فراحوا مسرورين مغتبطين. فصلوات اللَه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخ الإسلام: فكل من قدمناه من الأبوين إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها (أي البنت) أو اندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى بها بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه، وقدمناه إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال مفسدته فإنه ضعيف العقل قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي مقصده معاشرة الأضرار وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه، ومتى كان الأمر كذلك فلا ريب أنه لا يمكن من
(1/636)

يفسد معه حاله.
وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالقرابة والنكاح والولاية، بل هو من جنس (الولاية) ولاية النكاح والمال التي لابد فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الإمكان. ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا، بل مع العدوان والتفريط لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل المحسن القائم بالواجب. والله أعلم.
ثم قال رحمه الله: إذا تزوجت الأم فلا حضانة لها، ومن حضنت الطفل ولم تكن الحضانة لها وطالبت بالنفقة لم يكن لها ذلك فإنها ظالمة بالحضانة، فلا تستحق المطالبة بالنفقة.
وقال الصنعاني: لم يتكلم الشارح (أي ابن دقيق العيد) على التوفيق بين حديث الباب والحكم بالحضانة للخالة وبين حديث عمرو بن شعيب أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحي" أخرجه أبو داود.
وقال ابن القيم: إنه حديث احتاج الناس فيه إلى عمروبن شعيب، ولم يجدوا بدًّا من الاحتجاج به، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في سقوط الحضانة بالتزوج غير هذا. وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم.
ووجه المعارضة أنه صلى الله عليه وسلم حكم بابنة حمزة لخالتها، وهي متزوجة بجعفر، ولم يقل: إنها سقطت حضانتها بتزويجها وجمع بينهما بأن الزوج إذا رضي بأن امرأته تحضن من لها حق في حضانته بقي حقها ثابتا في حضانة من يستحق حضانته، وها هنا قد كان الزوج وهو جعفر هو المطالب في حق حضانة بنت حمزة لخالتها، فهو رضا منه وزيادة. قيل: وكأن وجه سقوط حق المرأة في الحضانة إذا تزوجت هو شغلها بحق الزوج عن الحضانة، فإذا رضى الزوج بقي حقها ثابتا لعدم المقتضي سقوط حقها في الحضانة.
(1/637)

كِتَابُ القِصَاص
قال (ابن فارس) : (القاف والصاد، أصل صحيح، يدل على تَتَبعِ الشيء ومن ذلك قوله اقتصصت الأثر إذا تتبعته، ومن ذلك اشتقاق القصاص في الجراح وذلك أنه يفعل به، مثل فعله بالأول) . فهو شرعا: تتبع الدم بالقَوَدِ.
والأصل في القصاص، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
فأما الكتاب فلقوله تعالى: {النَّفس بِالنَّفْس} الآية، و {كُتِبَ عليكم القِصَاصُ في القتلى} .
وأما السنة، فكثير. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث- إلى قوله: - والنفس بالنفس".
وأجمع العلماء عليه في الجملة.
وهو مقتضى القياس، فهو المساواة بين الجاني والمجني عليه.
حكمته التشريعية:
حكمته متجلية في هذه الآية الكريمة البليغة {ولكم في القِصَاص حَيَاة} قال الشوكاني: (أي لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم حياة) .
وذلك لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصاً إذا قتل آخر، كَفَّ عن القتل وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية.
وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنَّه جعل القصاص الذي هو موت حياةً باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضاً، إبقاء على أنفسهم، واستدامة لحياتهم.
ولهذا نجد كثرة القتل: الجرائم عند الأمم التي زعمت المدنية، فحكمت بالقوانين الوضعية، فلم تجاز الجاني بما يستحق، بل حكمت بالسجن تَمَدُّناً ورحمة.
ولم ترحم المقتول الذي فقده أهله، وبنوه. ولم ترحم الإنسانية، التي أصبحت غير آمنة على دمائها بيد هؤلاء السفهاء، والذين لا تلذ لهم الحياة إلا في غياهب السجون.
فهؤلاء الذين عدلوا عن القوانين السماوية إلى القوانين الأرضية، لم يفكروا في عواقب الأمور، لأنهم ليسوا من "أولى الألباب" الذين يتدبرون فيعقلون.
(1/638)

الحديث الأول
عَنْ عبدِ الله بْنِ مسعُودٍ رَضي الله عَنْهُ قال: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لا يَحِلُّ دَمُ امرئ مُسْلمٍ يَشهدُ أن لا إله إلا الله وَأني رَسُولُ الله إلا بإحْدَى ثلاث:
1- الثيبُ الزًاني
2- وَالنفْسُ بِالنَفْس
3- وَالتاركُ لِدِينهِ المُفَارِقُ لِلجمَاعَةِ.
المعنى الإجمالي:
حرص الشارع الحكيم الرحيم على إبقاء النفوس وأمْنِها، فجعل لها من شرعه حماية ووقاية، فجعل أعظم الذنوب -بعد الإشراك بالله- قتل النفس التي حرم الله.
وحرم -هنا- قتل المسلم الذي أقر بالشهادتين إلا أن يرتكب واحدة من الخصال الثلاث.
الأولى: أن يزني وقد مَن الله عليه بالإحصان، وأعف فرجه بالنكاح الصحيح.
والثانية: أن يعمد إلى نفس معصومة، فيزهقها عدوانا وظلما.
فالعدل والمساواة لمثل هذا، أن يلقى مثل ما صنع إرجاعا للحق إلى نصابه وردعا للنفوس الباغية عن العدوان.
والثالثة: من يبتغى غير سبيل المؤمنين، بالارتداد عن دينه، والرجوع عن عقيدته، فهذا يقتل لأنه لا خير في بقاء من ذاق حلاوة الإيمان، ثم رغب عنه وزهد فيه.
فهؤلاء الثلاثة يقتلون، لأن في قتلهم سلامة الأديان والأبدان والأعراض.
ما يستفاد من الحديث:
1- تحريم قتل المسلم من ذكر وأنثى، وصغير وكبير، بغير حق.
2- أن من أتى بالشهادتين (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وأتى بما تقتضيانه وابتعد عما يناقضهما، فهو المسلم. محرم الدم والمال والعرض، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم.
3- تحريم فعل هذه الخصال الثلاث أو بعضها، وأن من فعل شيئا منها، استحق عقوبة القتل، إما كفرا، أوحدا، فدمه هدر.
4- الثيب، يراد به المحصن، وهو من جامع وهو حُر مكلف، في نكاح صحيح، سواء أكان رجلا أم امرأة. فإذا زنا، فعقوبته الرجم بالحجارة حتى يموت.
5- أن من قتل معصوما عمدا عدواناً، فهو مستحق للقصاص بشروطه.
(1/639)

6- أن المرتد عن الإسلام يقتل، لأن ردته دليل على خبث طويته، وأن قلبه خال من الخير وغير مستعد لقبوله، سوءا أكان ذكرا أم أنثى، فإن كفره أعظم من الكفر الأصلي.
7- استدل بهذا الحديث على أن تارك الصلاة لا يقتل بتركها، لكونه ليس من الأمور الثلاثة.
أما ابن القيم فقد قال في كتاب الصلاة: وأما حديث ابن مسعود- ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث- فهو حجة لنا في قتل تارك الصلاة، فإنه جعل منهم التارك لدينه، والصلاة ركن الدين الأعظم، ولا سيما إن قلنا بأنه كافر، فقد ترك الدين بالكلية، وأنه إن لم يكفر فقد ترك عمود الدين.
الحديث الثاني
عن عبد الله بن مسعود رَضيَ الله عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يقضى بيْنَ الناس يَوْمَ القيامَةِ، في الدماءِ".
المعنى الإجمالي:
يحاسب الله تعالى الخلائق يوم القيامة، ثم يقضي بينهم بعدله. ويبدأ من المظالم بالأهم.
بما أن الدماء هي أعظم وأهم ما يكون من المظالم، فإنها أول ما يقضي به منها في ذلك اليوم العظيم.
ما يستفاد من الحديث:
1- عِظَمُ شأن دم الإنسان، فإنه لم يبدأ به يوم القيامة إلا لكونه أهم وأعظم من غيره من أنواع مظالم العباد. قال ابن دقيق العيد: فيه تعظيم لأمر الدماء، فإن البداءة تكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك فإن الذنوب تعظم بحسب عظم المفردة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أهم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه.
2- إثبات يوم القيامة والحساب والقضاء: الجزاء فيه.
3- هذا الحديث لا ينافي ما أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1/640)

أول ما يحاسب عنه العبد صلاته، لأن حديث الباب فيما بين العبد وبين غيره من الخلق، وحديث الصلاة، فيما يتعلق بحقوق الخالق.
ولا شك أن أعظم حقوق الناس هي الدماء، وأن أعظم حقوق الله على المسلم، الصلاة.
4- أنه على القضاء والمحاكم العناية بأمر قضايا الدماء والقتل، وجعل الأهمية لها والأولوية على غيرها من القضايا.
الحديث الثالث
عَنْ سَهْل بْنِ أبي حَشمَةَ قَال: انطلق عَبْدُ الله بْن سهل وَمحَيصَةُ بْنُ مَسْعُود إلَى خَيْبَرَ -وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْح- فَتَفَرَّقَا. فَأتَى مُحَيصةُ إلَى عَبْدِ الله بْن سَهْل وَهُوَ يَتَشَحطُ فِي دَمِه قَتِيلا. فَدَفَنَهُ. ثُمً قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرحمن بنُ سَهْل وَمُحَيصَةُ وَحُريصَةُ ابنا مَسْعُود إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فَذَهَبَ عَبْدُ الرحمن يتكلم.
فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: (كَبِّر كَبِّر) وَهُو أحدث القَوْم، فَسكَتَ، فَتَكَلَمَا.
فَقَال: "أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقونَ قاتلكم أوْ صاحبكم "؟.
قَالوا: وَكَيفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَرَ؟ قَال: "فتبرئكم يهود بِخَمسِينَ يمينا؟ ". قَالوا: وَكَيفَ بأيمان قَوْم كُفَّار؟.
فَعَقَلَهُ النَّبي صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ.
وَفي حَدَيثِ حَمادِ بن زَيدٍ: فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "يقسم خَمْسُونَ منكم عَلَى رَجُل مِنْهُمْ فيدْفعُ بِرمتِهِ" قالوا: أمْر لَم نشهده، كَيفَ نَحْلِفُ؟.
قال: "فتبرئكم يهود بِأيمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ " قالوا: يَا رسول الله، قوم كُفَّار؟.
وَفي حَدِيِثِ سعد بن عبيد: فَكَرِهَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُبطِل دمه، فَوَدَاهُ بمِائةٍ مِن إبِل الصَّدَقَةِ.
الغريب:
مُحَيصة: بضم الميم فحاء مهملة، فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة، على صيغة التصغير.
يتشحط: بفتح الياء التحتية والتاء الفوقية أيضا، بعدها شين معجمة، ثم حاء مهملة مشددة، بعدها طاء. يعنى: يضطرب ويتخبط.
حُوَيِّصة: بضم الحاء وفتح الواو، فمثناة تحتية مشدَّدة، فصاد مهملة.
كبَّر كَبِّر: بلفظ الأمر فيهما، والثاني تأكيد لفظي للأول.
يعنى: ليتكلم الكبير سناً.
أحدث القوم: أصغرهم.
فعقله: أصله أن القاتل كان إذا قَتَل، جمع الديةَ من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول أي: شدها في عقلها، ليسلمها إلى أهله. فسميت (عقلا) بالمصدر، وكثر استعماله للدية ولو بالنقود.
(1/641)

بِرمته: بضم الراء المهملة بعدها ميم مشددة مفتوحة، والرمة: الحبل، والمراد إذا استحققتم بأيمانكم قتله دفع إليكم أسيرا مقيدا بحبله، لا يستطع الهرب.
فوداه: يعني: دفع دية.
ما يستفاد من الحديث:
1- هذا الحديث أًصل في (مسألة القسامة (1) وصفتها: - أن يوجد قتيل بجراح أو غيره ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على من قتله، ويدَّعى أولياء المقتول على واحدٍ أو جماعة قتله، وتقوم القرائن على صدق الولي المدَّعِي، إما بعداوة بين القتيل والمدعي عليه، أو أن يوجد في داره قتيلا، أو يوجد أثاثه مع إنسان، ونحو ذلك من القرائن، فيحلف المدعي خمسين يمينا ويستحق دم الذي يزعم أنه القاتل. قال في فتح الباري: اتفقوا على أنها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء حتى تقرن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها.
فإن نكل، حلف المدعي عليه خمسين يمينا وبرئ. وإن نكل، قضى عليه بالنكول.
2- المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لابد في صحة دعوى المدَّعِي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه، وهو ما يسمى (باللوث) . فإن لم يكن ثَم عداوة، فلا قسامة.
والرواية الثانية عنه: صحة الدعوى، وتُوَجَّه التُهمَةُ بما يغلب على الظن من القرائن، كأن يوجد القتيل في دار إنسان، أو يرى أثاثه عنده، أو توجد شهادة لا تثبت القتل، كشهادة الصبيان ونحو ذلك من القرائن.
واختار هذه الرواية (ابن الجوزي) وشيخ الإسلام (ابن تيميه) . قال في (الإنصاف) : وهو الصواب، وهى مذهب الإمام الشافعي.
3- دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور:
الأول: أن اليمين توجهت على المدعي، وبقية الدعاوى، البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه المنكر.
الثاني: أنه يبدأ بأيمان المدعي أو المدعين، إن كانوا أكثر.
الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة.
وتشابه القسامة (مسألة اللعان) وتقدمت في بابها.
4- إذا وجد القتيل المجهول القاتل، ووجدت القرائن على قاتله، حلف أولياء المقتول خمسين
_________
(1) القسامة: بفتح القاف، هي الأيمان المكررة في دعوى القتل.
(1/642)

يمينا على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدعى عليه إذا كان القتل عمداً محضا، روى عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو المذهب القديم للشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم " يُقْسِمُ خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته".
ولـ (مسلم) ويسلم إليكم. وفي لفظ [تستحقون دم صاحبكم] ، ولأنه حجة قويةِ، يثبت بها العمد، فيجب بها القتل، كالبينة.
أما المشهور من مذهب الشافعي، فلا يستحقون إلا الدية لقوله: صلى الله عليه وسلم " إما أن يَدوا صاحبكم، وإما أن يُؤذَنُوا بحرب".
وإن كان القتل غير عمد وثبت القول على المتهم فعليه الدية.
5- إذا نكل المدعون عن الدعوى، أو كانوا من غير أهل الأيمان [النساء والصبيان] توجهت الأيمان على المتهمين في القتل فيحلفون خمسين يمينا، أنهم لم يقتلوه، وأنهم لا يعلمون قاتله فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا، أُدِينُوا بصدق الدعوى عليهم.
6- إذا نكل أولياء المقتول على الأيمان، وحلف المدعى عليهم فحينئذ تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه. ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولا ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل. كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة.
7- أن اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصمين.
ففي [دعوى القسامة] توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولا، لأن جانبهم تقوى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم. والقرائن إذا قويت، فإنها من البيانات الواضحة.
فإن نكلوا عن الأيمان، دل نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم فيحلفون ويبرأون من التهمة.
8- استحباب تقديم الأكبر سنا في الأمور، لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة.
9- قوله: [فوداه بمائة من إبل الصدقة] دليل على جواز صرف الزكاة في المصالح العامة. ويدل عليه قوله تعالى: {وَفِي سَبِيل الله} .
فسبيل الله، كل مصلحة عامة، فيها نفع للمسلمين.
10- جواز الوكالة في المطالبة بالحدود.
11- وفيه دليل على رد اليمين على المدَّعِي من المدَّعَى عليه، أو عند نكول المدعي عليه.
12- وعلى أن الدعوى بين المسلم والذمي، كالدعوى بين المسلمين، وأن الأيمان تُقَبل من الكفار.
(1/643)

الحديث الرابع
عِنْ أنَس بنِ مَالك رَضيَ الله عَنْهُ: أنَ جَارِيَةً وُجدَ رأسها مَرْضُوضاً بين حجرين، فَقِيل مَنْ فَعَل هذَا بِكِ؟ فلان، فلان، حَتَّى ذكِرَ يهودي، فَأوْمَأتْ برأسها.
فَأخِذَ اليَهْودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأمَرَ النَبي صلى الله عليه وسلم أنْ يُرَضَّ رَأسُهُ بَيْنَ حجرينِ.
الحديث الخامس
ولـ (مسلم) ، وَالنِّسَائِي (1) عَن أنَس: أن يهوديًّا قَتَلَ جَارِيَة عَلى أوْضَاح فَأقَادَهُ بِها رَسُولُ صلى الله عليه وسلم.
الغريب:
مرضوضا: اسم مفعول، أي مدقوقا.
أوضاح: بالفاء المعجمة، وبعد الألف حاء مهملة، وهي قطع الفضة، سميت أوضاحا لبياضها.
المعنى الإجمالي:
وجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم- جارية قد رض رأسها بين حجرين، وبها بقية من حياة، فسألوها عن قاتلها يعددون عليها من يظنون أنهم قتلوها، حتى أتوا على اسم يهودي، فأومأت برأسها: أي نعم، هو الذي رض رأسها، فصار متهما بقتلها.
فأخذوه وقرروه حتى اعترف بقتلها من أجل حُليِّ فضة عليها.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجازى بمثل ما فعل، فرضَّ رَأسه بين حجرين، تأويلا لقوله تعالى: {وَإن عَاقبتمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقبتمْ بِهِ} فقتلوه كما قتل الجارية، صيانة للدماء، وردعا للسفهاء.
ما يستفاد من الحديث:
1- أن الرجل يقتل بالمرأة. قال تعالى: {النفس بالنًفْس} قال النووي: وهو إجماع من يعتد به.
2- ثبوت القصاص في القتل بالمثل، وأنه لا يختص بالمحدد، وهو مذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد.
_________
(1) قوله: (ولمسلم والنسائي) هذه الرواية التي عزاها لمسلم، ليست فيه بهذا اللفظ وإنما لفظه: " فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين" وهي بهذا اللفظ للبخاري أيضا.
(1/644)

3- قبول قول المجني عليه في مثل هذه الحال لإلقاء التُّهمة على أحد، فيقرر ويحبس ويسأل ويناقش، فإن ثبت عليه القتل، أخِذَ به، وإلاَّ، حلف وتُرك.
4- أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به، فإن قتل بسيف قتل به، وإن قتل ببندقية قتل بها، أو بغرق غرق، أو بتحريق حرق جزاء لما فعل، وعملا بقوله تعالى: {وإن عاقبتم فَعَاقِبُوا بمثل مَا عوقبتم بِهِ} {وجزاء سيِّئةٍ سيِّئة مِثْلُهَا} {فمن اعتَدَى عَلَيكم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عليكم} وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها الشيخ (ابن تيميه) وقال: [هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل] .
قال الزركشي: [وهي أصح دليلا] وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، ومذهب الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، واختارها شيخنا (عبد الرحمن بن سعدي) .
وفي هذا يظهر العدل، ويكمل معنى القصاص، ويرتدع المجرمون.
أما المشهور من مذهب الحنابلة، فلا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف، لقوله صلى الله عليه وسلم: [لا قَوَدَ إلا بالسيف] رواه ابن ماجة.
لكن الحديث ضعيف، فقد قال ابن عدي: [طرقه كلها ضعيفة] .
الحديث السادس
عَنْ أبي هريرة رضي اللَه عَنْهُ قالَ: لَمَّا فَتَحَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، قَتَلَتْ هُذَيْل رَجلا مِنْ بَني لَيْثٍ بِقتِيل كَان لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " إنَّ الله عَزَّ وَجَل قَدْ حَبَسَ عَنْ مكَّةَ الفِيلَ، وَسلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينِ. وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ كَانَ قبلي وَلا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعدِي، وَإنَمَا أحلّت لي سَاعَة مِن النَّهار، وَإنَّهَا ساعتي هذِهِ حَرَام: لا يُعضَدُ شَجَرُهَا وَلا يختلى خَلاهَا ولا يُعْضَدُ شَوْكهَا وَلا تُلْتَقَط ساقِطتهَا إلا لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيل فهو بخير النَّظَرَين: إما أن يَقتُل وإمَّا إن يُدَى ".
فقَامَ رَجُل مِنْ أهْلِ اليمن يُقَالُ له أبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يا رسول الله، اكْتُبُوا لي.
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم " اكْتُبُوا لأبي شاهٍ ".
ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، إلا الأذخِر، فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيوتِنَا وقُبُورنَا.
فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم"إلا الأذْخِرَ" (1) .
_________
(1) هذا الحديث بهذا السياق من أفراد (مسلم) وروى (البخاري) نحوه من حديث مجاهد مرسلا، ش أسند الحديث إلى ابن عباس قال، بمثل هذا أو نحو هذا، ثم قال: رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قاله (عبد الحق) في جمعه بين الصحيحين.
(1/645)

الغريب:
هذيل: بضم الهاء بعد ذال مفتوحة. ثم ياء فلام. قبيلة مُضرِية مشهورة لا تزال مساكنهم بالقرب من مكة.
ليث: بالثاء المثلثة، قبيلة مشهورة تنسب إلى ليث بن بكر بن كنانة، من قبائل مضر.
لا يُعْضَد شجرها: بضم الياء التحتية وسكون السين المهملة وفتح الضاد المعجمة، آخره دال. أي، لا يقطع.
ولا يُخْتَلَى خلاها: بضم الياء التحتية وسكون الخاء، وفتح التاء واللام المقصورة: وهو الرطب من الحشيش: أي لا يُجَزُ ولا يُقطَعُ.
لمنشد: اسم فاعل من (أنشد) وهو المُعَرف على اللقطة.
بخير النظرين: أخذُ الدية أو القصاص.
أن يُودِيَ: بسكون الواو أي يعطى القاتل أو أولياءه الدية لأولياء المقتول.
أبو شاه: بالشين المعجمة، بعدها ألف، فهاء، بالوقف والدرج، ولا يقال بالتاء.
الإذخر: بكسر الهمزة، وبعدها ذال فخاء معجمتان، ثم راء: نبت معروف طيب الرائحة، دقيق الأصل، صغير الشجر.
ما يؤخذ من الحديث:
تقدمت أكثر معاني هذا الحديث في [كتاب الحج] ونجملها هنا مفصلين الفوائد الزوائد.
1- فيه دليل على أن مكة فتنحت عَنْوَة، إذ [حبس الله عنا الفيل] ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين قال النووي في شرح مسلم: من خصائص الحرم ألا يحارب أهله فإن بغوا على أهل العدل، فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام العدل.
وقال الجمهور: يقاتلون على بغيهم. إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها.
2- أن مكة محرمة، لم تحِلَّ لأحد، وأنها لا تزال ولن تزال محرمة، فلا يعضد شجرها وشوكها، ولا يقطع أو يُجَز خلاها. ففي هذا بيان شرفها وحرمتها عند الله تعالى.
3- استثنى من ذلك ما أنبته الآدمي وما وجد مقطوعا، ورَعي البهائم، والكمأة والإذخر، فهذه مباحة.
4- أن لقطة الحرم لا تحل إلا لمن أراد التعريف عليها حتى يجدها صاحبها.
فإذا أيس من صاحبها، تصدق بها عنه بنية تعويضه عنها، إذا جاء يطلبها.
5- كتابة العلم، ففيها حفظه وتقييده عن الضياع.
وقد حث الله تعالى على الكتابة بقوله: {عَلَّمَ بالقلم عَلَّّم الإنسان ما لَم يعْلَمْ} وعظمها بقوله تعالى: {ن والقَلَم وما يَسْطًرُونَ} ففي الكتابة مصالح الدنيا والآخرة.
(1/646)

6- قوله: "ومن قتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل وإما أن يُودَى" فيه دليل على أن لأولياء المقتول [وهم ورثته] العفو مطلقا وهو أفضل لهم والعفو إلى الدية، وأن لهم القصاص والتخيير، وهو المشهور من مذهبنا.
وكان القصاص مُتحَتِّما في التوراة، فخفف الله عن هذه الأمة بجواز العفو عن القاتل إلى الدية بقوله: {فَمن عُفي لَهُ مِنْ أخِيه شيء فاتِّباع بالمَعروفِ وَأدَاء إليهِ بِإحْسَانٍ ذلِكَ تَخْفِيف من ربكم وَرَحَمْة} .
والقصاص عدل، والعفو إحسان، فينبغي أن يوافق موقعه، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (استيفاء الإنسان حقه من الدم عَدْل، والعفو إحسان، والإحسان - هنا، أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا بعد العدل، وهو أن يحصل ضرر، فإذا حصل منه ضرر، كان ظلما من العافي، إما لنفسه، وإما لغيره، فلا يشرع.
قال في (الإنصاف) : وهذا عين الصواب.
الحديث السابع
عَن عُمَرَ بنِ الَخطَّاب رَضِيَ الله عَنْهُ: أنَّهُ اسْتشارَ النَّاسَ فِي إمْلاصِ الْمَرأةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعبةَ رَضِيَ الله عَنْهْ: شَهِدْتُ النًبي صلى الله عليه وسلم قَضىَ فِيهِ بِغُرَّة: عَبْدٍ أو أمَةٍ.
فَقَالَ: "لتأتينَّ بِمَنْ يِشْهَدُ مَعَكَ" فشهد معه محمد ابن مَسْلَمةَ.
إمْلاصُ الْمَرأةِ: أنْ تُلْقِي جَنينَهَا مَيْتاً.
الغريب:
إملاص المرأة: بكسر الهمزة وسكون الميم، آخره صاد مهملة، مصدر (أملص) أملصت المرأة ولدها: أي أزلفته، وهو أن تضعه قبل أوانه.
بغرة: بضم الغين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، بعدها تاء، وهى-في الأصل- بياض في الوجه.
واستعمل -هنا- في العبد والأمة ولو كانا أسودين، لكرم الآدمي على الله.
المعنى الإجمالي:
وضعت امرأة ولدها ميتا قبل أوان الولادة على إثر جناية عليها.
وكان من عادة الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يستشير أصحابه وعلماءهم في أموره وقضاياه، لاسيما المستجد فيها، يستشيرهم مع ما أوتيه من سعة في العلم، وقوة في الفكر. لما في أخذ رأيهم من استخراج غامض العلم وإصابة لصادق الحكم، وتأليف قلوبهم، وجبر
(1/647)