Advertisement

__التعريف بالمصطلح الشريف_



الكتاب: التعريف بالمصطلح الشريف
المؤلف: أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري، شهاب الدين (المتوفى: 749هـ)
عني بتحقيقه وضبطه وتعليق حواشيه: محمد حسين شمس الدين
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ميز مقادير الرتب، وقنن القوانين حتى لا يبقى سبيل لمن عتب، وبين قدر عظماء السلاطين بقدر معرفة من خاطب عنهم له عن كثب.
نحمده لما رزق من فواضل زادت محاسن العلوم، وعرفت تفاوت درجات الأولياء إذ قالوا: وما منا إلا له مقام معلوم، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة يعلو بها الإسلام ولا يعلى عليه، ويعنو لها وجه كل متكبر متكثر بقليل ما لديه، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أقرب من دنا مقاماً من ربه، وأشرف من غزا الملوك بكتائبه، ودعاهم إلى الله بكتبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد. قد أغري أهل الفضل بحب التمام، وطبع كل رقيق الشمائل على الظماء إلى موارد الأدب الجمام، ولم يبق من لم يصرف إليه الاهتمام، أو ولع بالري ولوع الصب وكلف بالسجع كلف الحمام. وكان على الألسنة أني لم أطلع هذه الشعوب، وعدى وهو جزع شأو القارح اليعبوب، فذكرت بالدستور الذي كنت عملته في عنفوان الصبا بالأبواب السلطانية بديوان الإنشاء، وقربت منه لكل قاصر قصر الرشاء، وكنت كتبت:
(1/13)

يا طالب الإنشاء خذ علمه ... عني فعلمي غير منكور
ولا تقف في باب غيري فما ... تدخله إلا بدستوري
وألحوا علي في المسألة في الوقوف عليه، وفتح أبواب الأفهام المقفلة بالنظر إليه؛ وكان مما حالت دونه الأيدي الغاصبة، ومانعت عنه الأيام الغالبة، فقلت: أيها الشغف بي اسمع بي ولا ترني، وأيها الكلف بهذا الفن هذا زمانك إني قد مضى زمني! ولو تركت هذا الفن الذي أصبح الولع به مرضاً، وهذا الفضل الذي ما عدت رأيت جوهره إلا عرضاً، وشغلت نفسك بسوى هذا من العلم النافع والعمل الصالح، لكان أعود عليك، وأقر لك وأقرب إليك! فأبى إلا أن يكلفني غرامة ذلك الضائع، ويريد مني رد تلك الودائع. هذا وقد خلعت ذلك الرداء المعار، ومات سلطاننا - رحمه الله - وزال الشعار، وقد أهملت هذا الفن حتى نسيته، وزدت على سائلي في الجهل به أو أواسيه. ثم لم أجد لي راحة من دوام مطالبته إلا بأن أضع له دستوراً، وأحرق خاطري له في التذكر لما فات وإن كنت لا أجد إلا فتوراً. وسألته عن أربه لأعمل على مقتضى إرادته، وأدأب فيما يحصل به قدر إفادته، فاقترح أن أجعله لما يحتاج إليه في ذلك الديوان المباشر، ويكون له كالمعلم الحاضر، والجليس
المباصر. وقد أتيت به على وفق اقتراحه، وملأته سروراً به وقت راحه؛ وأتيت فيه بزيادات على ما في الأول أين تلك منها، وإعادات في تلك العادات لو حصلت الآن لأعرض عنها، ومحاسن حسنت السماح بما بخل به العاجز الشحيح، وأمسكه بيده ولو وجد مع هذا
(1/14)

لم يكن إلا كالطريح. وهيهات لا ينهض العاجز، ولا يتفتق الذهن المحجوب وبينه وبين ما جهد له ألف حاجز، وسميته: (التعريف بالمصطلح الشريف)، وجعلته سبعة أقسام:
الأول: في رتب المكاتبات.
الثاني: في عادات العهود، والتقاليد، والتفاويض، والتواقيع، والمراسيم، والمناشير.
الثالث: في نسخ الأيمان.
الرابع: في الأمانات، والدفن، والهدن، والمواصفات، والمفاسخات.
الخامس: في نطاق كل مملكة وما هو مضاف إليها من المدن والقلاع والرساتيق.
السادس: في مراكز البريد، والحمام، ومراكز هجن الثلج، والمراكب المسفرة به في البحر، والمناور، والمحرقات.
السابع: في أوصاف ما تدعو الحاجة إلى وصفه؛ وهو سبعة فصول.
وأدخلت في كل قسم من ذلك ما يفتقر إليه ويحسب فيه؛ وهيهات قد ذهبت مني شرة الصبا وشرة الفطنة، وعدمت الرغبة، وعقمت القرائح، وانصرفت إلى غير ذلك الركائب الطلائح، وسماء الشبيبة بضحى المشيب قد تجلت، والنفس قد ألقت ما فيها وتخلت، واستدركت الفارط، وألقيت القلم من يدي وقلت: وما كاتب بالكف إلا كشارط.
(1/15)

القسم الأول
في رتب المكاتبات
وأول ما نبدأ بما يكتب إلى الأبواب الشريفة الخليفيتية - زادها الله شرفاً - جرياً على قديم العادة، ورجاءً لملاحظة السعادة.
والكتابة إليها من الملوك والسوقة لا يختلف؛ وهي: (أدام الله أيام الديوان العزيز، المولوي، السيدي، النبوي، الإمامي، الفلاني) ثم الدعاء المعطوف، والصدر بالتعظيم المألوف.
وقد يفتتح بغير هذا الدعاء، نحو: (أدام الله سلطان، وخلد الله سلطان، أو أيام. .) أو غير ذلك مما يقتضي العزة والدوام.
والصدر نحو: (العبد، أو المملوك، يقبل الأرض أو العتبات أو مواطئ المواقف) أو غير ذلك.
ويختم الكتاب تارة بالدعاء وتارة بـ (طالع) أو (أنهى) أو غيرهما مما فيه معنى الإنهاء.
ويخاطب الخليفة في أثناء الخطاب: بالديوان العزيز، وبالمواقف المقدسة أو المشرفة، والأبواب الشريفة، والباب العزيز، والمقام الأشرف، والجانب الأعلى أو
(1/17)

الشريف، وبأمير المؤمنين - مجردة عن (سيدنا ومولانا) ومرة غير مجردة - مع مراعاة المناسبة والتسديد والمقاربة.
وسبب الخطاب بالديوان العزيز الخضعان عن مخاطبة الخليفة نفسه، وتنزيل الخطاب منزلة من يخاطب نفس الديوان؛ والمعني به ديوان الإنشاء: إذ الكتب وأنواع المخاطبات إليه واردة وعنه صادرة.
فأما خطاب المكاتب عنه (بالعبد) أو (المملوك) أو (الخادم) فاختلف بحسب من كتب عنه: فكتب صلاح الدين بن أيوب: (الخادم)، وكتب بنوه والعادل أخوه: (المملوك)، وكتب الكامل ابن العادل: (العبد)، وجرى هذا ابنه الصالح، وكتب الناصر بن
(1/18)

العزيز (أقل المماليك)، وكتب الناصر داود: (أقل العبيد). وكان علاء الدين خوارزم شاه لا يكتب إلا (الخادم المطواع). وكتب هكذا ابنه جلال الدين. وكانت أم جلال الدين تكتب: (الأمة الداعية). هذا على شمم أنوف الخوارزمية وعلاء شأنهم.

صدر مكاتبة إلى الأبواب الشريفة الخليفية
أدام الله أيام الديوان العزيز، ولازالت سيوف أوليائه في رقاب أعدائه محكمة، وصنوف الكفار في أيدي عسكره الجرار بالنهاب مقسمة، وصفوف أهل الشرك مزلزلة بخوافق أعلامه المطهرة وسنابك جياده المطهمة؛ ولا برحت ملائكة النصر من أمداده، وملوك العصر بيض الوجوه بتعظيم شعار سواده.
الخادم ينتهب ثرى العتبات الشريفة بالتقبيل، وينتهي في قصارى الطلبات على الوقوف على تلك الرحاب وهو وكل ابن سبيل، ويكلل ربى تلك الساحات
(1/19)

بلآلئ الدموع، خضوعاً في ذلك الموقف الذي تنكر القلوب فيه الصدور، وتلصق منه الترائب بالنحور، ويظهر سيماء الجلالة في الوجود، ويغدق على الأولياء فيعرفون بسيماهم من أثر السجود، وينهي أن ولاءه القديم، وبلاءه العظيم، وأيامه السالفة، وأفعاله التالدة والطارفة، وسوابق خدمه في امتثال الأوامر الشريفة التي لم يزل يتسارع إليها، ويقارع عليها، ويصارع غلب الأسود على تنفيذ مراسمها، وإقامة مواسمها، وإطارة صيتها، ودوام تثبيتها، تحمل الخادم على الاسترسال. وتجمل له السؤال، والذي ينهيه كيت وكيت.
صدر آخر: أدام الله أيام الديوان العزيز ولازالت أيامه محفوظة، وراياته بالنصر محظوظة، وأعداؤه بمصارع بعضها بعضاً موعوظة، ولا برح شعاره المرقوم أشرف ما دارت عليه المحاجر، ورعبة المعلوم أفتك مما صالت به الخناجر، ورضاه أعظم ما ادخر إذا بلغت القلوب الحناجر، وسطاه يفلل الجيوش ويلبس كل مقنع من الأبطال ما تلبسه النساء من المعاجر، وعلاه تري الجوزاء دون الثواب ما هو على طاعته آجر، ونهاه يبطل غي كل غاو ويرد كيد كل فاجر، وتقاه لو جهد النير الأعلى لما ارتقاه ولو قرع به البحر لما احتاج إلى ساجر، وهداه يدل النجم على سراه ويكفي في الكف به كل زاجر، وثباته في السؤدد العريق يزلزل كل طوط لا يزول ويسئم كل مضاجر، وأناته لا تقدر بزمان ولا ما تألق به في معلم أعلامه الشريفة العباسية النهار وشمخت بالسواد ذوائب الدياجر
(1/20)

الخادم يشافه ثرى الأرض المقدسة التي جُعلت مسجداً وترابها طهوراً، ويقبّل ربى تلك العتبات المشرفة التي زادت آياتها على الشمس ظهوراً، ويعفر جبينه في تلك الربوات فيزداد نور ولائه القديم نوراً؛ ويدين بعبودية هي من وصايا آبائه أول مال وعته أذنه، ومن إرث ولائه أولى ما كان عليه ظنه، ومن تحقيق الشكر لآلائه ما لم يخب فيه ظنه، وينهي كيت
وكيت.
صدر آخر: أدام الله سلطان الديوان العزيز، ولازالت الخلائق بكرمه مضيفة، والكتائب في هجير وطيسه مصيفة، والأيام في نصر أنصاره مصنفة، والمواضي بأوامره في قبضات عساكره مصرفة، والنقود - إلا ما تشرف باسمه - مزيفة، والقلوب في صدور الأعداء بخواطف رعبه مسيفة، والوعود - إلا ما تنجزه مواهبه - مسوفة، والوغى لا تُرى إلا برماحه المثقفة، والسماء - وإن علت - لا تكون إلا لأذيال بيوته مسجفة، والمهابة بسطاه إما للمعاقل فاتحة وإما عما يُطمع أن تناله الأيدي منها مجحفة، والأمم على اختلافها تحت راياته المنصورة مقاتلة وأخرى له محالفة، والأعلام التي يأوي إليها الإسلام به جواز الجوزاء أولها مخلفة، والأبطال لقتال الكفار ببوارق سيوفه قبل مضايق صفوفه ومخانق زحوفه مخوفة.
الخادم يقبل بولائه إلى ذلك الجناب، ويقبل الأرض وكتابه يحسن المناب، ويقيل عثراته إذ كان به قد لاذ، ويقيم معاذيره إذ كان به قد عاذ، ويتسربل بطاعته سرابيل تقيه إذا خاف من سهام الدهر إلى مهجته النفاذ، ويصول بانضمامه إلى تلك
(1/21)

العصابة المنصورة لا بما يُطبع من الفولاذ، ويجل تلك المواقف المقدسة أن يبل مواطيها بدمعه، وأن يحل مواطنها بقلبه قبل أن يعاجل كل عدو بقمعه، ويعد ما هدي إليه من الاعتصام بسببها سبباً لفوزه، وموجباً لملك رق عنق كل عاص وحوزه، وينهي كيت وكيت.
صدر آخر: خلد الله سلطان الديوان العزيز ولازالت أيامه شامخة الذوائب، شارخة الصبا حتى حيث يلحق الشيب الشوائب، راسخة الفخار في الظهور بالعجائب، نافخة في فحم الليل جمر الكتائب، صارخة والرعد ترتعد فرائصه بين السحائب، ناسخة دولة كل علياء بما تأتي به من الغرائب، وتبذله كل الرغائب، فاسخة عقد كل خالع يرده الله ردة خائب، باذخة له على ماضي كل زمان ذاهب، من عصور الخلفاء الشرفاء وآيب، سالخة لجلدة كل أيم ظن أن في أنياب رمحه النوائب.
الخادم يقبل العتبات الشريفة ساجداً بجبينه، وشاهداً يستأديه له على يمينه، وجاحداً كل ولاء سوى ولائه المعقود بيمينه، وعاقداً بشرف الانتساب إليه عقد دينه، وحامداً الله الذي جعله من طاعة أمير المؤمنين عند حسن يقينه، وعائداً بأمله إلى كرم تثمر به الآمال، وتقمر به
الليالي لأنه شعاره الذي تضرب به الأمثال، وتمطر به السحب الجهام فتمحو بها آية الإمحال؛ وينهي ورود المثال الشريف الذي طلع نيره فأنار، وسطع متضاده فألف بين الليل والنهار؛ وأقبل فما رآه إلا كتابه الذي أوتيه باليمين، وسحابه الذي أعطيه يندى من الجبين، ونصره أكثر من الألوف، وصرفه أعجل من السيوف، وزاحم به الدهر فضلاً عن الصفوف، وزار به الوغى لا يهابها وخطيات القنا وقوف؛ فتشرّف به وطار بغير جناح، وقاتل بغير سلاح، وقرأ
(1/22)

وبات قرى له في السماح، وتسلمه كأنما تسنم به المعاقل وتسلم منه المفتاح.
صدر آخر: خلد الله أيام الديوان العزيز، ولا زالت سطواته تجمد برعبها الأبطال المدججة، وتخمد بفيضها النيران المؤججة، وتخمل بركز نفاذها إلى القلوب الرماح المزججة، وتبخل معها بعوائد كرمها السحب المثججة، وتخف لديها أوقار الجبال المفججة، وتخربل تخور خوفاً أن تترقى إليها الأصوات المضججة، وتخص بالغرق من خاطر في بحارها الملججة، وتحلف بسلطانها: للموت أشهى من البقاء إلى طرائد سيوفها المهججة، وتخلد النصر بحججها القائمة على الخصماء المتحججة.
الخادم يقلب وجهه في سماء الشرف بتقبيل الأرض التي طالت السماء، فأطالت النعماء، وفضلت النجوم اللوامع، وأوتيت بمالكها - أعز الله سلطانه - كلم الفضل الجوامع، وأحلت شوامخ المجد من حلها، وأجلت قدر من جد فأجلها، وأعطت مفاتيح الكنوز - كنوز الشرف - لمن قبلها كما يقبل الحجيج الحجر، أو أملها كما يؤمل الساري طلوع القمر، وينهي. . .
صدر آخر غريب الأسلوب: أدام الله أيام العدل والإحسان، والنعم الحسان، والفضل المشكور بكل لسان، الأيام التي أشرق صباحها السافر، وعم سماحها الوافر، وآمن بيمنها كل مسلم ضرب عليه سرادق الليل الكافر، وعلت شموسها وقد
(1/23)

جنحت العصور الذواهب، وقدحت أشعتها فأضاءت بين لابتي الغياهب، أيام الديوان العزيز المولوي، السيدي، النبوي، الإمامي، الحاكمي، لا برحت أيامه مفننه، وأحكامه مقننه، وسحبه على الظماء محننه، وقربه بفقد ما حوته مجننه، وحقائقه غير مظننه، وطرائقه للخير مسننه، والخلائق تحت جناح رأفته ورحماه مكننه؛ ولا زال ولأوه ضمير من اعتقد، وممير من أخذ من الدهر ما نقد، ومبير الأسود المتضائلة لديه كالنقد، وسمير من تنبه وضجيع من رقد،
ومعير البرق ندى كرمه وقد وقد، ومغير متعالي الصباح من راياته العالية بما عقد، ومجير من لاذ به حتى لا يضره من فقد، ومبير عداه براده الذي إن تأخر إلى حين فقد.
الخادم يخدم تلك العتبات الشريفة التي إن تاهت على السماء فما، وإن دنت للتقبيل فإن الثريا تود أن تكون فما، وينهب تراب تلك الأرض التي هي مساجد، ويقبل ذلك البساط الذي لا موضع فيه إلا مكان لاثم أو ساجد؛ وينزهها عن سواكب دمعه لأن ذلك الحرم الآمن لا تطل فيه الدماء، ويجلها عن مواقع لثمه لأنها لا تلثم السماء، ويرفع صالح الدعاء، وإنما إلى سمائها يرفعه، وينهي صادق الولاء، وما ثم من يدفعه، ويدخر من صحيح العبودية ما يرجو أنه ينفعهن ويطالع العلوم الشريفة بكذا وكذا.
(1/24)

رسم المكاتبة إلي ولي العهود بالخلافة
ضاعف الله جلال الجانب الشريف المولوي، السيدي النبوي، الفلاني، وأطلع من وجود الشمس بدره التام، وأحوج مع زاخر البحر منه إلى مدد الغمام، وقدّمه إماماً على الناس وأطال الله بقاء سيدنا أبيه الإمام، ولا عدم منه مع نظر والده الشريف جميل النظر، ولا برح صدر دسته العلّي إذا غاب وثانيه إذا حضر، ولا زال الزمان مختالاً من جود وجودهما لا عرّف الله الأنام قدره إلا بالزهر والثمر، ولا زاد فيض كرم إلا وهو من كف أبيه الكريم فاض أو من وبله العظيم انهمر.
الخادم يخدم تلك العتاب الباذخة الشرف، الناسخة بما وجده من الخير في (الأشراف في) تقبيلها قول من قال: لا خير في السرف، وينهي ولاء ما عقد على مثله ضمير، ولا انعقد شبيهه لولي عهد ولا أمير، وإخلاصه في انتماء أشرق منه على الجبين، وأشرف فرآه فرضاً عليه فيما نطق به القرآن ورقم في الكتاب المبين.
صدر آخر: أعز الله أنصار الجانب الشريف، ولا جحد منه سر ذلك
(1/25)

الجلال، ولا معنى ذلك البدر المشرق منه في صورة الهلال، ولا فيض ذلك السحاب المشرع منه هذا المورد الزلال، ولا تلك المآثر التي دل عليها منه كرم الخلال، ولا تلك الشجرة المفرعة ولا ما امتد منها به من الغصن الممتد الظلال، ولا ذلك الإمام الذي هو ولي عهده وهو أعظم من الاستقلال.
الخادم يقبل تلك اليد موفيا لها بعهده، ومصفيا منها لورده، ومصفيا منها جلابيب الشرف
على عطفه، وحسبه فخاراً أن يدعى في ذلك المقام بعبده، ويترامى على تلك الأبواب، ويلثم ذلك الثرى ويرجو الثواب.
صدر آخر: ولا زالت عهود ولايته منصوصه، وإيالته بعموم المصالح مخصوصه، وصفوف جيوشه كالبنيان مرصوصه، وقوادم أعدائه بالحوالق محصوصه، وبدائع أنبائه فيما حلقت إليه دعوته الشريفة مقصوصه، والوفود في أبوابه أجنحتها بالندى مبلولة مقصوصه.
الخادم يجدد بتلك الأعتاب خدمه، ويزاحم في تلك الرحاب خدمه؛ ويقف في تلك الصفوف لا تنفك عن الطاعة في قدمه، ويتمثل بين تلك المواقف ويتميز عليهم إذا ذكر في السوابق قدمه؛ ويدلي بحجج سيوفه التي أشهرها، وصروفه التي لاقى أشهرها، ومواقفه التي ما أنكرها الديوان العزيز مّذ أثبتها. ولا حط رماحها مُذ أنبتها، ولا محا سطورها مذ كتبها، ليغيظ الأعداء ولا يشفي صدورها مذ كبتها، وينهي كذا وكذا.
صدر آخر: ولا زالت مواعيد الظفر له ممضوضة ورؤس من كفر بطوارقه
(1/26)

مرضوضة، وصحائف الأيام عما يسر به الزمان فيه مفضوضة، وجفون عداه ولو اتصلت بمقل النجوم مغضوضة، وطوارق الأعداء التي تجنهم منه بسيوفه معضوضة.
الخادم يخدم أرضه المقدسة بترامي قبله، وتقليب وجهه إلى قبله، ويتطوف بذلك الحرم، ويتطول من فواضل ذلك الكرم، ويتطوق بقلائد تلك المنن، وفرائد تلك المواهب التي إن لم تكن له وإلا فمن؛ فإنه - والله يشهد له - لا يعتقد بعد ولاء سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، والقيم بأمور الدنيا والدين - عليه الصلاة والسلام - إلا ولاءها ولا يؤمل بعد تلك الآلاء إلا آلاءها، ولا يرجو من غير هذه الشجرة المباركة لأمله إثماراً، ولا لليله إقماراً، ولا لأيامه حافظاً، ولا لحال إقدامه في قدم صدق ولائه لافظاً؛ قائماً في خدم هذه الدولة القاهرة يجهد في منافعها، ويجد في كبت مدافعها، ويدخر شفاعتها العظمى إذا جاءت كل أمة بشافعها.

إمام الزيدية باليمن
وهو من بقايا الحسنيين القائمين بآمل الشط، من بلاد طبرستان، وقد كان سلفهم جاذب الدولة العباسية حتى كاد يطيح رداءها، ويشمت بها أعدائها؛ وهذه البقية الآن بصنعاء وبلاد حضرموت وما والاهما من بلاد اليمن؛ وأمراء مكة تسر طاعته، ولا تفارق جماعته؛
والإمامة الآن فيهم من بني المطهر؛ واسم الإمام القائم في وقتنا: حمزة، ويكون بينه وبين الملك الرسولي باليمن مهادنات ومفاسخات
(1/27)

تارة وتارة؛ وهذا الإمام وكل من كان قبله على طريقة ما غيروها وهي إمارة أعرابية لا كبر في صدورها ولا شمم في عرانينها؛ وهم على مسكة من التقوى وترد بشعار الزهد؛ يجلس في ندي قومه كواحد منهم، ويتحدث فيهم ويحكم بينهم، سواء عنده المشروف والشريف، والقوي والضعيف؛ وربما اشترى سلعته بيده، ومشى في أسواق بلده لا يغلظ الحجاب، ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجاب، يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسع، ولا تكثر غير مشبع، هكذا هو وكل من سلف قبله من عدل شامل وفضل كامل.
ورسم المكاتبة إليه: أدام الله جلال الجانب الكريم، العالي، السيدي، الإمامي، الشريفي، النسيبي، الحسيبي، العلامي، سليل الأطهار، جلال الإسلام، شرف الأنام، بقية البيت النبوي، فخر النسب العلوي، مؤيد أمور الدين، خليفة الأئمة، رأس العلياء، صالح الأولياء، علم الهداة، زعيم المؤمنين، ذخر المسلمين، منجد الملوك والسلاطين؛ ولا زال زمانه مربعاً، وغيله مسبعاً، وقراه مشبعاً، وكرمه بفيض نداه منبعاً، وهداه حيث أم بالصفوف متبعاً، وملكه المجتمع باليمن، لو أدركه سيف بن ذي يزن، لم يكن إلا لديه منتضى وتبع لم يكن له إلا تبعاً؛ ولا فتئت معاقل شرفه بالجوزاء، وعقائد حبه تعد لحسن الجزاء، ومعاهد وطنه آهلة بكثرة الأعزاء، وياسم أهل ولائه تعز إليه بالاعتزاء، ومباسم ثغور أودائه
(1/28)

ضاحكة السيوف في وجوه الأرزاء. هذه النجوى إلى روضة الممرع وإلا فما تزم الركائب، وإلى حوضه المترع وإلا فما الحاجة إلى السحائب، وإلا حماه المخصب، وإلا فمما يسري الرائد، وإلى مرماه المطنب فوق السماء وإلا إلى أين يريد الصاعد، تسري ولها من هادي وجهه دليل، وفي نادي كرمه مقيل، وإلى بادي حرمه وما فيه للعاكف، وإلى عالي ضرمه ما لا ينكره العارف، وفي آثار قدمه ما يحكم به كل عائف، وفي بدار خدمه ما يذر عداه كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، مبدية وأول ما تبدأ بسلام تقدمه على قول كيت وكيت، وثناء ولا مثل قوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}.
صدر آخر: ولا عطل محراب هو إمامه، ولا بطل عمل هو تمامه، ولا جف ثرا نبات هو غمامه، ولا خف وقار امرئ بيده المصرفة زمامه، ولا ارتد مضرب سيف رؤوس أعاديه
كمامه، ولا ارتأى في حصول الخيرة له من كان إلى كنفه انضمامه؛ وأطال الله باع عليائه، وأطاب بأنبائه سماع أوليائه؛ وأدام إجماع السرور عليه، ومصافاته لأصفيائه وتراميه إليه؛ صدرت بها الركائب إليه مخفه، وسرت بها لتقف عليه والقلوب بها محفه؛ وأهوت لديه تشمخ بها لوصولها إليه الكبر، وطوت إليه البيد طي الشقة تقيسها المطايا بالأذرع والثريا بالشبر؛ تأتي بالعجب إذ تجلب إليه المسك الأذفر، وتجلو له الصباح وما لاح والليل وما أسفر؛ وتحل في مقر إمامته، وتحلي العاطل بما نثره من الطل صوب غمامته؛ موصلة لعلمه ما لا يقطع، ومضوعة عنده من عنبر الشحر ما يستبضع ومعلمة له كيت وكيت.
وقد وصل إلينا بمصر في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون سقى الله
(1/29)

عهدها رسول من هذا الإمام ابن مطهر إمام الزيدية من صنعاء، بكتاب منه يقتضي الاستدعاء، أطال فيه الشكوى من صاحب اليمن وعدد قبائحه، ونشر على عيون الناس فضايحه، واستنصر بمدد يأتي تحت الأعلام المنصورة لإجلائه عن دياره، وإجرائه مجرى الذين ظلموا في تعجيل دماره؛ وقال: إنه إذا حضرت الجيوش المؤيدة قام معها، وقاد إليها الأشراف والعرب أجمعها، ثم إذا استنقذ منه ما بيده أنعم به عليه ببعضه، وأعطي منه ما هو إلى جانب أرضه، فكتبت إليه مؤذنا بالإجابة، مؤيدا إليه ما يقتضي إعجابه؛ وضمن الجواب أنه لا رغبة لنا في السلب، فإن النصرة تكون لله خالصة وله كل البلاد لا قدر ما طلب؛ وهذا نسخة ما كتبت به إليه:
ضاعف الله جلال الجانب (بالألقاب والنعوت) واعتز جانبه عزاً تعقد فواضله بنواصي الخيل، وصياصي المعاقل التي لم يطلع على مثلها سهيل، وأقاس الشرف الذي طلع منه في الطوق وتمسك سواه بالذيل؛ وقدمه للمتقين إماماً، وجعله للمستقين غماما، وشرفه على المرتقين في علا النسب العلوي ونوره وصوره تماماً؛ ومن على اليمن بيمنه، وأعلم بصنعاء حسن صنيعه وبحضرموت حضور موت أعدائه، وبعدن أنها مقدمة لجنات عدنه؛ ولا زالت الأفاق تأمل في فيضه سحابا دانيا، وتتهلل إذا شامت له برقا يمانيا، وتتنقل في رتب محامده ولا تبلغ من المجد ما كان بانياً.
هذه النجوى وكفى بها فيما يقدم بين يديها، ويقوم ولا يقوم من كل غالي الثمن ما عليها، تطوي المراحل، وتجوب البر والبلد الماحل، وتثب إليه البحار وتقذف منها العنبر إلى
الساحل؛ وترسي بها سفنها، ى وتحط إليه بل تخط لديه مدنها؛ وتؤذن علمه - سره الله - بما لم يحل إليه من نظرن ولم يخل منه من سبب ألف به النوم أو نفر، وورود وارد رسوله فقال: يا بشراي ولم يقل هذا غلام، ووصوله بالسلامة
(1/30)

والسلام، وما تضمنه ما استصحب منه من صحيفة كلها كرم، وأخبار صحيحة كلها مما لو قذف به الماء لاضطرم، ذكر فيها أمر المتغلب العادي، والصاحب الذي يفعل فعل الأعادي، والجار الذي جار والظالم البادي، وما مد الأيدي إليه من النهاب، وما اختطف به القلوب من الإرهاب، وحدث عن أخباره وعندنا علمه، وأخبر عن أفعاله مما له أجر الصبر عليه وعليه ظلمه، وقص رسوله القصص، وزاد الشجى وضيق مجال الغصص، وأطار من وكر هذا العدوان طائرا كأنما كان في صدره، وحرك منه لأمرٍ كان يتجرع له كأس صبره؛ وقد أسمع الداعي، وأسرع الساعي، وبلغ الأمانة حاملها، وأوصل الكلمة قائلها؛ ومرحباً مرحباً بداعي القيام من قبله؛ وأهلاً أهلاً بما بلغ عن ألسنه رسله، وهلُم هلم إلى قلع هذه الشجرة التي لم يخب إلا ظن غارسها، وقطع هذه الصخرة التي لم تنصب إلا مزلقة لدائسها، والتعاضد التعاضد لما هتف به هاتفه الصارخ، وسمعه حتى الرمح الأصم والسيف المتصاوخ؛ فليأخذ لهذا الأمر الأهبة، وليشد عليه فقد آنت الوثبة، فقد سطرت وقد نهض إلى الخيل ملجمها، وبادر وضع السهام في الكائن مزحمها؛ وكأنه بأول الأعنة، وآذان الجياد تفرق بين شطري وجهها الأسنة، وكأنه برسول القائد وفي أعقابه الجيش المطل، والألوية وكل بطل باسل يبتدر الوغى ولا يستذل؛ ولا أرب لنا في استزادة بلاد وسع الله لنا نطاقها، وكثر بنا مدد أموالها وقد على أيدينا إنفاقها؛ وإنما القصد كله والأرب جميعه كشف تلك الكرب، وتدارك ذلك الذماء الذي
(1/31)

أوشك أو كرب، وإن قدر فتوح، وتيسر ما طرف سوانا إليه طموح، كان هو أحق بسبقه: لأنه جار الدار، والأول الذي كان له البدار، ويقل له لعظيم شرفه ما نسمح به وإن جل، وما نهبه منه وإن عظم شأن كل تبع وهو ببعضه ما استقل؛ وكأنه والخيل قد وافته تجد في الإحضار، وتسرع إليه وتكفيه مؤونة الانتظار.

ولاة العهود بالسلطنة
أعز الله أنصار المقام وما زال مشرق الأهلة، مغدق السحب المستهلة، محدق الحدائق لتجتبي الأمة ثمره وتتبوأ ظله، مطلق الأعنة إلى مدى - قبله سلف الملوك فما وجدوا إلا
ظله.
صدرت هذه المفاوضة إلى مقامه العالي ومحله منا في الصدر، ومثاله - وإن بعد عنا - بين عينينا مثال القمر ليلة البدر، ومكانه إلى جانبنا على سرير الملك يتشوق لحلوله، ومقامه تحت أعلامنا وأعلامه يتشوف إلى وصوله، وعساكرنا التي هي عساكره تعلن في مواقفها الجهاد باسمنا واسمه، وجنودنا التي هي مدده تقسم بالله وبنا أنها لا تعدل عن قسمه.
صدر آخر: أعز الله أنصار المقام وأنجز له من النصر ما وعد، وبوأه سرير الملك الذي اقتعد، وبشر سح صيته الذي سبح له لما أرعد، وسبح في مدده حتى أبعد، وسنح طائرة إلا أنه الذي عدى العد.
أصدرناها إلى مقامه العالي تملي عليه أحاديث أشواقنا إليه، وأنبائنا التي نرجو أن تكون أسر ما يرد عليه، وتمثل له ما نحن عليه من سلامة له أوفرها، وأشتات تأيد لنا الجد في جمعها وله ظفرها؛ ويطلع علمه الشريف.
صدر آخر: أعز الله أنصار المقام العالي ولا زال معنا معنى حيث يممنا، وأدنى
(1/32)

دان منا إذا ارتقينا كاهل المنبر وتسنمنا، وأبدى مبد في استيداع جلائل القلاع إذا تسلمنا؛ ولا برحت جنود الليل والنهار تصحبنا سرى وتصحبه إقامة، وتقربنا سرائر وتقربه إلينا حتى لا يرى بعين الإجلال إلا مقامنا ولا نرى ولا نرى بعين الحنو إلا مقامه.
أصدرناها إليه وعهدنا له كما عهد، وعقدنا له على لواء كل نصر كما عقد، وشوقنا إليه يمثله لنا مثال الحاضر، ويرينا شخصه الكريم بالقلب وسنراه إن شاء الله عن قريب بالناظر.

أمير مكة
وإمرتها في الأشراف (بني حسن)؛ واستقرت في أولاد أبي نمي؛ وهي الآن في رميثة، وهو آخر من بقي من بيته، وعليه كان النص من أبيه دون البقية مع
(1/33)

تداولهم لها؛ والقائم بها عنه ابنه عجلان.
ورسم المكاتبة إليه: أدام الله نعمة المجلس العالي، الأميري، الكبيري، العالمي، العادلي، المؤيدي، العضدي، النصيري، الذخري، الغوثي، المفيدي، الأوحدي، الظهيري، الزعيمي، الكافلي، الشريفي، الحسيبي، النسيبي، الأصيلي، الفلاني، عز الإسلام والمسلمين، سيد
الأمراء في العالمين، جلال العترة الطاهرة، كوكب الأسرة الظاهرة، فرع الشجرة الزاكية، طراز العصابة العلوية، ظهير الملوك والسلاطين، نسيب أمير المؤمنين، لا زال حرمه أميناً، ومكانه مكيناً، وشرفه ينير له بمجاورة الحجر الأسود عند الله وجهاً ويضيء جبيناً.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي، تحمل إليه سلاماً تميل به الركائب، وثناء تثني على مسكه الحقائب، وشوقاً أوسق قلبه في نسكه مع الحبائب، وتوضح لعلمه الكريم.
صدر آخر: ومتعه بجوار بيته الكريم، وزاد بجميل مساعيه شرف نسبه الصميم، وآنسه بقرب الحَجِر والحِجر والركن والحطيم.
(1/34)

صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تهدي إليه سلاماً، وثناءً تطيب به الصبا قبل أن تحمل شيحاً وخزاما، وتوضح لعلمه الكريم.
دعاء وصدر: وأراه مناسكه، وآنس بالتقوى مسالكه، وأشهد على عمله الصالح بطحائه وما ينزله من الملائكه.
صدرت هذه المكاتبة بتحياتها المباركة، وأثنيتها التي لا تزال إليه بها أفئدة من الناس سالكة، وتوضح لعلمه الكريم.

أمير المدينة الشريفة
وهي في بني حسين، ثم الآن هي في بيت جماز من شيحة، وتفرد بها طفيل بن منصور بن جماز، وقد كان جدهم فقيهاً من أهل العراق، قدم على السلطان صلاح الدين فأمره على المدينة فاستقرت بها قدمه وقدم بنيه؛ وأمراء مكة أقدم قدما وأبذخ إمرة، ولهم التقدم عليهم في الموكب والمجلس.
ورسم المكاتبة إليه: مثل المكاتبة المتقدمة لأمراء مكة، ويناسبه من الدعاء والصدر قولنا: ولا زال في جوار الله ورسوله، ومهبط الوحي ونزوله، ومكان يردد فيه من أبويه الطاهرين بين حيدره وبتوله.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي بسلام يحدو ركابها، وثناء يزين في (قبا)
(1/35)

قبابها، وشوق إلى رؤية الروضة التي طالما استسقى فيها رسول الله (ص) سحابها، وتوضح لعلمه الكريم. . .
دعاء وصدر: وزاده من الله ورسوله قربا، وأكد له بحماية حرمه حبا، وأبهجه كلما رأى
جده (ص) وقد جاوز آلا وجالس صحبا.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي مطربة بالسلام، مطنبة في ثنائه المفصل النظام، وتوضح لعلمه الكريم.

صاحب اليمن
هو الملك المجاهد سيف الدين علي بن الملك المؤيد هزبر الدين داوود من بيت رسول؛ وكان جدهم هذا رسول أميراخور الملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب؛ فلما بعث الملك الكامل ولده الملك المسعود أطسز، وهو الذي تسميه العامة: أقسيس، بعث معه رسولاً في جملة من بعثه معه. ثم تنقلت الأحوال حتى استقل رسول بملك اليمن وصار الملك في عقبه إلى الآن.
(1/36)

ورسم المكاتبة إليه: أعز الله جانب المقام العالي، الملكي، المجاهدي، السيفي، ولا زال يحسن ولاية حسبه، وينهض بنجاح نسبه، ويصون ملكه بعدله أكثر من قضبه، ويثبت في اليمن في حالة إقامته ومنقلبه. أصدرناها إلى مقامه موشحة المعاطف بحليه، شاكرة علا عليه، ذاكرة من محامده ما يتكثر السحاب بوليه، ومبديه لعلمه الكريم كيت وكيت.
صدر آخر: ولا زالت به تعز تعز وتفوز ببره زبيد، ويخرج من عدن عدن فضله المديد، وتمتلي بوفود البر والبحر: هذا تطير به المراكب وهذه الركائب
(1/37)

كلاهما من مكان بعيد ولا برحت به آهلة الأوطان، مشتقة صفات قطره اليمني من (الإيمان يمان)، محجوباً بالجلالة أو محجوجاً بما ينسب إليه من أحد الأركان.
أصدرناها والسلام يباري ما تنبت أرضه من نباته الطيب، ويجازي بالثناء ما ينهل في أكنافه الجنوبية من سحابها الصيب، وتسري إليه بتحياتنا الشريفة على قادمة كل نسيم، وفي طي كل عام له وقوف على ربعة وتسليم، وتوضح للعلم الكريم.
صدر آخر: ولا زال أفضل متوج في يمنه، وأعلى علي إذا قيس بابن ذي يزنه، وأشجع من حمى بعهوده ما لا تقدر السيوف على حمايته من موطنه، ولا انفك الملك المجاهد عن عرضه المصون، وسيف الدين الذي يقوم في المفروض من مراضي الله بالمسنون، وأبا الحسن لما يحسن في فطنته الحسنى أو فطرته من الظنون، والعلي قدراً إذا أخذت الملوك مراتبها وحدقت إليه العيون.
صدرت هذه المفاوضة إلى حضرته وسلامها يتفاوح لديها، ويصافح غمائمه في يديهان وتجري سفائن إخلاصه حتى تقف عليها، وتسري تحياتنا محلقة بالبشرى في صباح كل يوم يقرب من الوصول إليها.
(1/38)

المريني صاحب بر العدوة
وهو السلطان أبو الحسن، علي بن عثمان، من بني عبد الحق؛ وهم من بني مرين؛ وبنو مرين من البربر، ملكو بعد الموحدين؛ وورث هذا السلطان ملك العزفيين بسبتة، وملك بني عبد الواد بتلمسان وأطاعه ملك الأندلس، ودان له ملك أفريقية، وعرض عليه ابنته فتزوج بها، فساقها إليه سوق الأمة. وبنو مرين رجال الوغى وناسها، وأبطال الحرب وأحلاسها وهم يفخرون بغزارة علمه وفضل تقواه؛ وهو اليوم ملك ملوك الغرب، وموقد نيران الحرب.
ورسم المكاتبة إليه: بسم الله الرحمن الرحيم: من السلطان الأعظم الملك الفلاني، السيد، الأجل، العالم، العادل، المجاهد، المرابط، المثاغر، المؤيد، المظفر، المنصور، الشاهنشاه، فلان الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي
(1/39)

العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، مبيد الطغاة والكفار، مملك الممالك والأقاليم والأمصار، إسكندر الزمان، ناشر لواء العدل والإحسان، قسيم أمير المؤمنين أبي فلان، فلان بن فلان، خلد الله سلطانه، ونصر جنوده وجيوشه وأعوانه، تحية يفتتح بها الخطاب، ويقدم منها ما زكى وطاب (وتقال هنا سجعات مختصرة نحو أربع أو خمس) يخص بها الحضرة الشريفة العلية، الطاهرة الزكية، حضرة المقام العالي، السلطان، السيد، الجليل، العالم، العادل، المجهد، المرابط، المثاغر، المؤيد، المظفر، المنصور، الأسرى، الأسنى، الزكي، الأتقى، المجاهد في الله، الغالب بنصر الله، المؤيد على أعداء الله، أمير المؤمنين، قائد الموحدين، مجهز الغزاة والمجاهدين، مجند الجنود، عاقد البنود، مالئ صدور البراري والبحار، مزعزع أسرة الكفار، مؤيد السنة، معز الملة، شرف الملوك والسلاطين، بقية السلف الكريم، والنسب الصميم، ربيب الملك القديم، أبي فلان، فلان بن فلان (ويرفع نسبه إلى عبد الحق، وهو أول نسبه). ويقال في كل منهم: أمير المسلمين، أبي فلان، ثم يدعى له نحو: أعز الله أنصاره أو سلطانه أو غير ذلك من الأدعية الملوكية
بدعاء مطول مفخم. ثم يقال: أما بعد حمد الله، ويخطب خطبة مختصرة. ثم يقال: أصدرت إليه، وسيرت لتعرض عليه، لتهدي إليه من السلام كذا وكذا، ومن هذا ومثله. ثم يقال: ومما تبديه كذا وكذا.
صدر آخر: تهدي إليه من السلام ما يطلع عليه نهاره المشرق من مشرقه، ويحييه به الهلال الطالع في جانبه الغربي على أفقه، وتصف شوقاً أقام بين جفنيه والكرى الحرب، وودا يملأ برسله كل بحر ويأتي بكل ضرب، وثناء يستروح
(1/40)

بنسيمه وإن كان لا يستروح إلا بما يهب من الغرب، مقدمة شكرا لما يبهر من عزماته التي أعزت الدين، وغزت الملحدين، وحلقت على من جاورها من الكفار تحليق صقور الرجال على مسفة الغربان، وتقيم عند الشجاع عذر الجبان، وتبين آثارها في أعناق الأعداء وللسيوف آثار بيان؛ وإن كان فعله أكثر مما طارت به الأخبار، وطافت به مخلقات البشائر في الأقطار، وسار به الحجيج تعرف آثاره عرفات، وصارت تستعلم أخباره وتندب قبل زمانه ما فات.

صاحب أفريقية
وهو ملك تونس لا يدعي إلا الخلافة، ويتلقب بألقاب الخلفاء، ويخاطب بأمير المؤمنين في بلاده، ويدعي النسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن أهل النسب من ينكر ذلك: فمنهم من يجعله من بني عدي بن كعب، رهط عمر وليس من بني عمر؛ ومنهم من يقول: بل من هنتانة، ليسوا من قبائل العرب في شيء، وهم الحفصيون نسبى إلى أبي حفص - أحد العشرة أصحاب ابن تومرت - وهم بقايا الموحدين؛ إذ كان من تقرير ابن تومرت أن الموحدين هم أصحابه، ولم يبق ملك الموحدين إلا في بني حفص هذا، وملكهم غربا من جزائر مزغنا إلى عقبة برقة الفارقة بين أطرابلس وبين برقة، وهي نهاية الحد الشرقي، ومن الشام البحر الرومي، ومن الجنوب آخر بلاد الجريد والأرض السواخة، إلى ما يقال إن فيه
(1/41)

موقع المدينة المسماة بمدينة النحاس وهو أجل ملوك الغرب مطلقا؛ إلا أنه قد ضعفت منته بقوة السلطان المريني المجاور، واختلاف رعيته عليه، واستطالة يد العرب في الحكم؛ واسمه في زماننا أبو بكر، وكنيته أبو يحيى، ولقبه المتوكل على الله.
ورسم المكاتبة إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد حمد الله (بخطبة مختصرة في مقتضى
الحال) ثم يقول: فهذه المفاوضة أو النجوى أو المذاكرة أو المطارحة (أو ما يجري مجرى ذلك) تهدي من طيب السلام (ومن هذا ومثله) إلى الحضرة الشريفة، العلية، السرية، العالمية، العادلية، الكاملية، الأوحدية، حضرة الإمارة العدوية، ومكان الإمامة القرشية، وبقية السلالة الطاهرة الزكية، حضرة أمير المسلمين، وزعين الموحدين، والقائم في مصالح الدنيا والدين، السلطان السيد الكبير، المجاهد، المؤيد، المرابط، المثاغر، المظفر، المنصور، الأوحد، المتوكل على ربه، والمجاهد في حبه، والمناضل عن الإسلام بذبه، أبي بكر. (ويدعى له بما يناسب مختصرا ثم يذكر ما يليق بكرم الجدود).
صدر آخر: صدرت إليه تهدي من طيب السلام ما ترق في جانبه الغربي أصائله، ويروق فيما ينصب لديه من أنهار النهار جداوله، ويحمله لكل غاد ورائح، ويجري به السفن كالمدن والركائب الطلائح، وتخص ذلك المقر منه بثناء يعز لأن ينيب لبعده الدار، ويستطللع ليل العراق به من فوق أفريقية النهار، وتحامي مصر به عن
(1/42)

جارتها الممنعة، وتفخر بجاريتها الشمس التي لا ترى في أفقها إلا مبرقعة.

صاحب الأندلس
أبو الفضل يوسف، من ولد قيس بن سعد بن عبادة: شاب فاضل له يد في الموشحات. مقره أغرناطة، ومكانه منها القصبة الحمراء؛ ومعنى القصبة عندهم: القلعة، وتسمى: حمراء أغرناطة.
ورسم المكاتبة إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد (بخطبة مختصرة) فهذه المفاوضة إلى الحضرة العلية، السنية، السرية، العالية، العادلية، المجاهدية، المؤيدية، المرابطية، المثاغرية، المظفرية، المنصورية، بقية شجرة الفخار، وخالصة سلف الأنصار، المجاهد عن الدين، والذاب عن حوزة المسلمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، خلاصة الخلافة المعظمة، أثير الإمامة المكرمة، ظهير أمير المؤمنين، أبي الفضل يوسف. وربما كتب في ألقابه: الفقيه؛ إذ كان يرد في مكاتباته إلى الباب الشريف مثل هذه اللفظة.
صدر: صدرت هذه المكاتبة إليه متكلفة بالنصر على بعد الدار، مجردة
(1/43)

النصل إلا أنه الذي لا يؤخره البدار، مسعدة بالهمم ولولا الاشتغال بجهاد أعداء الله فيمن قرب لما تقدمت سرعان الخيل، ولا أقبلت إلا في أوائل طلائعها للأعداء الويل، ولا كتبت إلا والعجاج
يترب السطور، والفجاج تقذف ما فيها على ظهور الصواهل إلى بطون البحور، مبدية ذكر ما عندنا بسببها لمجاورة الكفار، ومحاورة السيوف التي لا تمل من النفار، مع العلم بما لها في ذلك من فضيلة الجهاد، ومزية الجلد على طول الجلاد، ومصابرة السهر لأوقات منيمة، ومكاثرة هذا العدو بالصبر ليكون لها غنيمة. ونحن على إمدادها - أيدها الله - بالنصر والدعاء الذي هو أخف إليها من العساكر، وأخفى مسيرا إذا قدر حقه الشاكر، ثقة بأن الله سينصر حزبه الغالب، ويكف عدوه المغالب، ويصل بإمداد الملائكة لجنده، ويأتي بالفتح أو بأمر من عنده، لتجري ألطافه على ما عودت، ويؤخذ الأعداء بالجزيرة، ولينصرن الله من ينصره وينظر إلى أهل هذه الجزيرة.

ملك التكرور
وهو صاحب مالي؛ ومالي عبارة عن اسم إقليم، والتكرور مدينة من مدنها، وكذلك كوكو، وحد مملكته في الغرب البحر المحيط، وفي الشرق بلاد البرنو، وفي الشمال جبال البربر، وفي الجنوب الهمج.
وأما غانة فإنه لا يملكها وكأنه مالكها: يتركها عن قدرة عليها لأن بها وبما وراءها جنوباً منابت الذهب؛ وقد جرب أن بلاد منابت الذهب متى أخذت وفشا فيها الإسلام والأذان عدم نبات الذهب فيها، فصاحب مالي يتركها لذلك لأنه مسلم؛ وله عليها إتاوة كبيرة مقررة تحمل إليه في كل سنة. ونبات الذهب بها يبدأ في شهر
(1/44)

أغشت، ويقع - والله أعلم - أنه مركب من تموز وآب حيث سلطان الشمس قاهر، وذلك عند أخذ النيل بالارتفاع والزيادة، فإذا حط النيل تتبع حيث ركب عليه من الأرض، فيوجد منه ما هو نبات يشبه النجيل وليس به، فمن قراميه الذهب؛ ومنه ما يوجد كالحصى؛ والأول أفحل وأخلص وأقوم في العيار.
وملك التكرور هذا يدعي النسب إلى عبد الله بن صالح بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
ورسم المكاتبة إليه: أدام الله تعالى نصر المقر العالي، السلطان، الجليل، الكبير، العالم، العادل، المجاهد، المؤيد، الأوحد، عز الإسلام، شرف ملوك الأنام، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحدين، جمال الملوك والسلاطين، سيف الخلافة، ظهير الإمامة، عضد أمير المؤمنين، الملك فلان ويدعى له بما يناسب. وبعد هذا سلام وتشوق.
هذه المفاوضة تبدي. لا يعرض له، ولا يقر بشيء من الألقاب الدالة على النسب العلوي.
(1/45)

دعاء وصدر يختصان به: ويسر له القيام بفرضه، وأحسن له العاملة في قرضه، وكثر سواده الأعظم وجعلهم بيض الوجوه يوم عرضه، ومتعه بملك يحد الحديد سجف سمائه والذهب نبات أرضه.
صدرت هذه المفاوضة وصدرها به مملو، وشكرها عليه مجلو، ومزايا حبه في القلوب سر كل فؤاد، وسبب ما حلي به الطرف والقلب من السواد، تنزل به سفنها المسيرة في البر وترسى، وتحل عند ملك ينقص به زائده وينسى موسى منسى، وتقيم عليه والدهر لا يطرقه فيما ينوب، والفكر لا يشوقه إلا ذهبت صباً من أرضه أو جنوب.

صاحب البرنو
وبلاده تحد بلاد ملك التكرور في الشرق، ثم يكون حدها من الشمال بلاد صاحب أفريقيا، ومن الجنوب الهمج.
ورسم المكاتبة إليه: أدام الله تعالى نصر الجناب الكريم، العالي، الملك، الجليل، الكبير، العالم، العادل، الغازي، المجاهد، الهمام، الأوحد، المظفر، المنصور، عز الإسلام (من نوع ألقاب ملك التكرور وتختصر).
(1/46)

وهذا دعاء وصدر: ولا زالت همم سلطانه غير مقصرة، ووفود حجه غير محصرة، وسيفه في سواد من جاوره من أعدائه الكفار يقول: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}.
صدرت، ولها مثل مسكة أفقه عبق، وعنبرة طينته سواد إلا أنه من السواد اليقق، وشبيبة ملكه الذي يفديه سواد الحدق، أوجبها ود أسكنه مسكنه من سويداء القلب لا يريم، وأراه غرة الصباح الوضاح تحت طرة الليل البهيم.

صاحب الكانم
من بيت قديم في الإسلام، وجاء إليهم من ادعى النسب العلوي في بني الحسن؛ ويتمذهب بمذهب الشافعي رضي الله عنه ورسم المكاتبة إليه: كرسم مكاتبة صاحب البرنو.
(1/47)

صاحب دنقلة
وهو رعية من رعايا صاحب مصر، عليه حمل مقرر يقوم به كل سنة، ويخطب ببلاده لخليفة العصر وصاحب مصر.
ورسم المكاتبة إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس الجليل، الكبير، الغازي، المجاهد، المؤيد، الأوحد، العضد، مجد الإسلام، زين الأنام، فخر المجاهدين، عمدة الملوك والسلاطين.
هذا إذا كان مسلما؛ وإن لم يكن مسلما فمكاتبته كمكاتبة صاحب سيس ولا يعلم له السلطان بخطه.

صاحب أمجره
ملك ملوك الحبشة، وهو نصراني يحكم على تسعة وتسعين ملكا، وهو تمام المائة؛ ومنهم سبعة مسلمون: منهم صاحب أوفات، ودواراو، وشرحا، وهدبة؛ وهذه هدبة هي التي يداوى بها الخصيان دون غيرها من البلاد.
وهو ملك جليل، كثير العدد، وافر المدد، متسع البلاد. وبلغنا أن القائم بها الآن أسلم سرا واستمر على إظهار النصرانية إبقاء لملكه؛ ومدبر دولته رجل يقرب إلى
(1/48)

بني الأرشي الأطباء بدمشق، ولولا أن معتقد دين النصرانية لطائفة اليعاقبة أنه لا يصح تعمد معمودي إلا باتصال من البطريرك، وأن كرسي البطريرك كنيسة الإسكندرية، فيحتاج إلى أخذ مطران بعد مطران من عنده، وإلا كان شمخ بأنفه على المكاتبة، لكنه مضطر إلى ذلك؛ ولأوامر البطريرك عنده ما لشريعته من الحرمة، وإذا كتب إليه كتابا فأتى ذلك الكتاب أول مملكته خرج عميد تلك الأرض فحمل الكتاب على رأس علم، ولا يزال يحمله بيده حتى يخرجه من أرضه؛ وأرباب الديانة من تلك الأرض كالقسوس والشمامسة حوله مشاة بالأدخنة، فإذا خرجوا من حد أرضهم تلقاهم من يليهم، أبدا كذلك في كل أرض بعد أرض، حتى يصلوا إلى أمجره فيخرج صاحبها بنفسه ويفعل مثل ذلك الفعل؛ إلا أن المطران هو الذي يحمل الكتاب لعظمته لا لتأبي الملك، ثم لا يتصرف الملك في أمر ولا نهي ولا قليل ولا كثير حتى ينادي للكتاب، ويجمع له يوم الأحد في الكنيسة، ويقرأ والملك واقف، ثم لا يجلس مجلسه حتى ينفذ ما أمره به.
ورسم المكاتبة إليه: أطال الله بقاء الحضرة العالية، الملك الجليل، الهمام، الضرغام، الأسد، الغضنفر، الخطير، الباسل، السميدع، العالم في ملته، العادل في مملكته، المنصف لرعيته، المتبع لما يجب في أقضيته، عز الملة النصرانية، ناصر الملة المسيحية، ركن الأمة العيسوية، عماد بني المعمودية، حافظ البلاد الجنوبية، متبع الحواريين، والربانيين والقديسين، معظم كنيسة صهيون، أوحد ملوك اليعقوبية، صديق الملوك والسلاطين. (ويدعى له دعاء مفخما يليق به، لا يعلم له، وتكتب ألقاب السلطان قبل البسملة كعادة الطغراوات).
دعاء وصدر يليقان به: وأظهر فعله على من يدانيه من كل ملك هو بالتاج
(1/49)

معتصب، ولكف اللجاج بالعدل منتصب، ولقطع حجاج كل معاند بالحق معتصر أو للحق مغتصب.
صدرت هذه المفاوضة إلى حضرته العلية من حضرة القدس مسراها، ومن أسرة الملك القديم سراها، وعلى صفاء تلك السريرة الصافية ترد وإن لم يكن بها غليل، وإلى ذلك الصديق الصدوق المسيح تصل وإن لم تكن بعثت إلا من تلقاء الخليل.
وأما الملوك السبعة المسلمون فلم يرد منهم كتاب، ولا صدر إليهم خطاب.

صاحب ماردين
وهو الآن الملك الصالح شمس الدين، صالح ابن الملك المنصور؛ وهو من أرتق؛ وهم أهل مملكة قديمة. كان جدهم من أكابر أمراء السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي؛ ومن خدمته ترقى إلى الملك وصارت هذه المملكة بماردين وأعمالها في عقبه إلى الآن.
ورسم المكاتبة إليه:
أعز الله نصرة المقر الكريم، العالي، الكبيري، الملكي، الصالحي،
(1/50)

الشمسي، ولا زال ملكا تاجه المدايح، ومنهاجه المنايح، وطريقته إذا وصفت قيل: هذه طريقة الملك الصالح.
أصدرناها إليه وشكرها تسوقه إليه حداة الركائب، وتشوق منه إلى لقاء الحبائب، وتثني على مكارمه التي كلما أقلعت منها سحائب أعقبت بسحائب، وتوضح العلم الكريم.
صدر آخر:
ولا زالت شمسه في قبة فلكها، وسماء ممالكه مملوءة حرسا شديدا وشهبا بملكها، ونعمه تتعب البحار إذا وقفت في طريقها، والغمائم إذا جازت في مسلكها.
أصدرناها إليه والسلام متنوع على كرمه، متضوع بأطيب من أنفاس المسك في نعمه، متسرع إليه تسرع مواهبه إلى وفود حرمه، وتوضح للعلم الكريم.
صدر ثالث:
ولا زالت العفاة تلتحف بنعمائه، وتنتجع مساقط أنوائه، ويستضيء منه بأشرق شمس طلعت من الملك في سمائه.
أصدرناها وثناؤها يساق عجلا، ومدائحها تجيد مترويا ومرتجلا، وشكرها لو رصع مع الجواهر لأقام عذر الياقوت إذا اكتسى خده الحمرة خجلا، وتوضح للعلم الكريم.
(1/51)

صاحب حصن كيفا
وهو من بقايا الملوك الأيوبية، وممن تنظر إليه ملوك مصر بعين الإجلال لمكان ولائهم القديم لهم واستمرار الود الآن بينهم، وقد كان آخر وقت منهم الملك الصالح قصد الأبواب السلطانية، فلما أتى دمشق عقبه الأخبار بأن أخاه قد ساور سريره وقصد بسلطته سلطانه، فكر راجعا ولم يعقب؛ فما لبثت الأخبار أنجاءت بأنه حين صعد قلعته، وكر نحو سريره رجعته، وثب عليه أخوه المتوثب فقتله وسفك دمه، ثم أظهر عليه ندمه، وكتب إلى السلطان فأجيب بأجوبة دالة على عدم القبول لأعذاره؛ (ولبس وده على دخلة) والسرائر مكدرة، والخواطر بعضها من بعض منفرة.
ورسم المكاتبة إليه: أدام الله نعمة المجلس العالي، الملكي، الفلاني (بالألقاب الملوكية) الأجلي، العالمي العادلي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المثاغري، الأوحدي، الأصيلي، الفلاني (باللقب المتعارف) عز الإسلام والمسلمين، بقية الملوك والسلاطين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحدين، شرف الدول، ذخر المماليك، خليل أمير المؤمنين. (وربما قيل: عضد أمير المؤمنين إذا صغر).
دعاء وصدر: واستعاد به من الدهر من عهود سلفه ما تسلف، وحاز له من مواريث الملك أكثر مما خلى له أوله وما خلف، وحط للرحال في حصن كيفا به
(1/52)

على ملك. أما المستجير به فيتحصن وأما فضله فلا يكيف، وأعال السحاب الذي يكل عن مجاراته ويجري هو ولا يتكلف.
أصدرت هذه المكاتبة إليه ونوؤها يصوب، ولألأوها تشق به الظلماء الجيوبن وثناؤها على
حسن بلائه في طاعة ربه يقول له: صبراً صبرا كما تعودتم يا آل يعقوب.
صدر آخر ودعاء: وشد به بقية البيت، وحيا طلله البالي وأحيا رسمه الميت، وذكر به من زمان سلفه القديم ما لا يعرف في هيت، وأبقى منه ملكا من بني أيوب لا يثني وعده اللي ولا يقال فيه ليت، ونور الملك بغرته لا بما قرع السمع عن الشمع وورد المصابيح من الزيت، وحفظ منه جوادا لو عتبه أخوه السحاب على السبق لقال له: هيهات كم خلفت مثلك خلفي وخليت. أصدرت هذه المكاتبة إليه - أعز الله جانبه - والتحيات موشحة بنطقها، مصبحة لسجاياه الكريمة بخلقها، ساحبة إليه ذيل خيلائها إذ كانت به تختال، وبسببه على السرور تختال.

صاحب أرزن
بلده صغير وقدره كبير؛ من ملوك آل سلجوق ومن بقايا أولئك السلاطين الذين
(1/53)

دوخوا الدول وملكوا العبيد والخول، واعتدلت التيجان على مفارقهم، ودكت الجبال بمجرى سوابقهم؛ وهو ملك لا يعرف قدر صآلته ولاكنه جلالته. آخر من أعرف منهم هو الأمير الملقب بالملك القاهر؛ ويتهم بمذهب النصيرية، وله إحسان إلى من يمر به وإلى الرعية؛ إلا أن الأكراد أمراء الجبال المطلة عليه والمجاورة له قد نكصوا أطرافه وأكثروا تخطف رعاياه وتحيف بلاده.
ورسم المكاتبة إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، الملكي، الفلاني، الأجلي، الكبيري، العالمي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، الأوحدي، الفلاني، عز الإسلام، شرف الملوك في الأنام، بقية السلاطين، نصر الغزاة والمجاهدين، ولي أمير المؤمنين.

صاحب بدليس
هو الأمير شرف الدين، أبو بكر؛ ويتهم بمذهب النصيرية، وبلده صغير ودخله يسير، وعمله ضيق؛ وهو طريق المارة وقصاد الأبواب السلطانية إلي الأردو إذا لم يكن بالعراق؛ وله خدم مشكورة.
(1/54)

ورسم المكاتبة إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، الأميري (أسوة الأمراء).

صاحب هراة
ولا يجري على الألسن إلا صاحب هرى. وكان ملكها الملك غياث الدين، ولك أسمع أعجميا يقول إلا: قياس الدين؛ وكان ملكا جليلا نبيلا مفخما معظما، له مكانة عند الملوك الهولاكوهية، ومنزلة رفيعة علية. وكان بين غياث الدين وبين النوين جوبان مودة أكيدة وصداقة عظيمة؛ فلما دارت به دوائر الزمان وأفضت به الحال إلى الهرب لجأ إلى صاحب هرى هذا، على إنه يسهل له الدخول إلى صاحب الهند، أو إلى ملك ما وراء النهر، فأجابه وأنزله، وبسط أمله؛ وأسر له الخداع حتى اطمأن إليه، فأصعده إلى قلعته ليضيفه فصعد ومعه ابنه جلوقان، وهو ابنه من خوندة بنت السلطان خذابنده. وكان جلوقان هذا هو الذي أجيب إلى تزويجه ببنت السلطان الملك الناصر، وعلى هذا تمت قواعد الصلح. وبنى جوبان أمره على أنه بعد التزويج يأخذ له ملك بيت هولاكو بشبهة أنه ابن بنت خذابندا، وأنه لم يبق بعد أبي سعيد من يرث الملك سواه؛ ثم يستضيف له ملك مصر والشام بشبهة أنه بنت صاحب مصر هي التي ترث الملك من أبيها، فحالت المنايا دون الأماني؛ وحال صعود جوبان وابنه جلوقان القلعة أمسكهما غياث الدين وخنقهما ليتخذ بذلك وجها عند السلطان بو سعيد، وبعث بذلك إلى بو سعيد فشكر له إمساكهما وأنكر عليه التعجيل في قتلهما فاعتذر: بأنني لو لم اقتلهما لم آمن استعداد من معهما
(1/55)

لمحاصرتي، فقبل عذره وطلب من إبهام جوبان ليعرف أنه قد قتل، وكان فيه زيادة سلعة ظاهرة يعرف بها، فجهزه إليه فأكرم رسله وبعث إليه بالخلع، وأمر بإصبع جوبان فطيف بها في الممالك؛ ثم سألت بغداد خاتون، بنت جوبان - وكان قد تزوج بها أبو سعيد وكلف بها الكلف الشديد - في نقل أجسادهما فنقلت، فعقدت لهما المآتم ثم أمرت بحملهما إلى مكة المعظمة ثم إلى المدينة المشرفة ليدفنا في التربة الجوبانية التي كان جوبان أعدها لدفنه في حال حياته، فمكنت من ذلك إلا من الدفن فإنهما دفنا بالبقيع. ثم حضر غياث الدين حضرة أبي سعيد فأكرم وأعطي العطايا السنية ثم لم يلبث أن مات وولي ابنه. ولم يحضرني الآن اسمه. ولم يكن صاحب هذه المملكة ممن يكاتب عن السلطان حتى كانت واقعة جوبان فكتب إليه.
ورسم المكاتبة إليه: أعز الله نصر المقر الكريم، العالي، العالمي، العادلي،
(1/56)

المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المثاغري، الأوحدي، الملك الفلاني، شرف الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين.

ملوك كيلان
وهم جماعة كل منهم مستقل بنفسه، متفرد بملكه، على ضيق بلادهم وقرب مجاورة بعضهم من بعض والجبل والبحر يحصرانهم: الجبل من جنوبهم والبحر من شمالهم؛ وهو البحر الطبرستاني المسمى حيث هو بالقلزم وليس به، وهو بحر لا يتصل بالمحيط لا بمصب منه ولا بمصب إليه؛ وهؤلاء رسلهم قليلة وكتبهم أقل من القليل.
ورسم المكاتبة إليه: نحو ما يكتب به إلى صاحب حصن كيفا، إلا صاحب بومن فإنه يكتب إليه بالجناب، وهو مثلهم في بقية الألقاب.
(1/57)

الأكراد
وهم خلائق لا تحصى وأمم لا تحصر؛ ولولا أن سيف الفتنة بينهم يستحصد قائمهم، وينبه نائمهم، لفاضوا على البلاد، واستضافوا إليهم الطارف والتلاد؛ ولكنهم رموا بشتات الرأي وتفرق الكلمة، لا يزال بينهم سيف مسلول، ودم مطلول، وعقد نظام محلول، وطرف باكية بالدماء مبلول؛ ولهم رأسان كل منهما جليل، ولكل منهما عدد غير قليل؛ وهما صاحب جولمرك، وصاحب عقرشوش.
والكبير منهما الذي تتفق طوائف الأكراد - مع اختلافها - على تعظيمه والإشارة بأنه فيهم الملك المطاع والقائد المتبع، هو صاحب جولمرك؛ وهو صاحب مملكة متسعة ومدن وقلاع وحصون، وله قبائل وعشائر وأنفار. وهو ينسبون إلى عتبة بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف؛ وكانت قد انتهت الإمرة فيهم إلى الملك أسد الدين موسى بن مجلي بن موسى بن منكلان. وكان رجلا عظيما نهابا وهابا، تجله ملوك المماليك الجليلة وتعظمه حكام الأردو وصاحب مصر. وإشارته مقبولة عند الجميع. وإذا اقتتلت طائفتان من الأكراد فتقدم إليهما بالكف كفوا، وسمعوا له سمع مراعي لا سمع مطيع. والقائم الآن من بنيه الملك عماد الدين مجلي؛ وهو رجل يحب أهل العلم والفضل، ويحل منهم عنده من أتاه أعظم محل. كتب لي قاضيه إن أخوته من ظهر أبيه هم: عز الدين؛ وزيد الدين؛ وأعمامه: عز الدين شير، وشمس الدين شيخ أمير، والأمير داوود، وحسام الدين. وما منهم إلا وله حكم وتصرف؛ ومرجعهم كلهم إلى الملك عماد الدين صاحب جولمرك.
وأما الثاني فهو صاحب عقرقوش؛ وملوكها الآن من أولاد المبارزكك؛ وكان مبارز الدين كك رجلا شجاعا كريما تغلب عليه غرائب من الهوس فيدعي أنه ولي من
(1/58)

الأولياء يقبل النذر؛ وكانت تنذر له النذور تقربا إليه بما تنفق عليه لا اعتقادا فيه فيسر بذلك؛ فإذا أتاه النذر أضاف إليه مثله من ماله وتصدق بهما جميعا. وأهل هذا البيت يدعون عراقة الأصل في الإمرة، وقدم السؤدد في الحشمة، ويقولون إنهم عقدت إليهم ألوية الغمارة وتسلموا أزمة هذه البلاد، وتسنموا صهوات هذه الصياصي بمناشير الخلفاء، وأنهم كانوا لهم أهل وفاء؛ ولهم وفي هذا حكايات كثيرة، وأخبار مأثورة؛ وهم أهل تنعم ورفاهية ونعمة ظاهرة، وبزة فاخرة، وآدر مزخرفة، ورياض مفوقة، وخيول مسومة، وجوارح معلمة، وخدم وغلمان، وجوار حسان، ومعازف وقيان، وسماط ممدود وخوان، وأهل عشرة وأخوان. وموقع بلادهم من أطراف بلادنا قريب والمدعو منهم من الرحبة وما جاورها يكاد يجيب. وملوكنا تشكر لهم إخلاص نصيحة، وصفاء سريرة صحيحة. والقائم فيهم الآن شجاع الدين ابن الأمير نجم الدين خضر ابن المبارز كك؛ ولم يبلغ الآن مبلغ أبيه، ولا أظنه يقاربه ولا يدانيه؛ على أنه قد ملك ملكه، ونظم سلكه.
ورسم المكاتبة إلى كل منهما: أدام الله نعمة المجلس العالي، الأميري، (والألقاب التامة الكاملة).
وأما بقية أمرائهم فجلتهم الأكابر: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأميري بالياء. والألقاب من الطبقة الثانية، وما دونها لمن دونهم.
ومما ينبه عليه أن في طرق المارين ومسالك المسافرين من بلادنا إلى خراسان، ومنها إلينا، ينجم في بعض الأحيان أهل فساد يعمدون إلى عميد يقدمونه عليهم فيقطعون السبل ويخيفون الطرق؛ وتطير سمعة عميدهم، وتنتشر في قريبهم وبعيدهم، فيكاتب ذلك العميد من أبواب الملوك، ويضطر إليه لفتح الطريق للسلوك؛ ويكون من غير بيت الإمرة، ولا أهل القديم. وربما هوى نجمه، فانقطع
(1/59)

بانقطاع عمره اسمه؛ مثل (الجملوك) الخارج بطريق خراسان، والغرس بالو الخارج فيما يقارب بلاد شهرزور، ومثل الخارجين على (دربند القرابلي). وهؤلاء لا يعرف لأحد منهم رتبة محفوظة، ولا قانون في رسم المكاتبة معروف؛ والشأن فيما يكتب إلى هؤلاء بحسب الاحتياج وقدر ما يعرف لهم من اشتداد
الساعد، وعدد المساعد. ولقد كتبنا إلى كل من الجملوك والغرس بالو بالسامي بالياء، وجهزت إليهما الخلع وأتحفا بالتحف.

أمراء الأتراك
بالبلاد المعروفة الآن ببلاد الروم، وتسمى الآن ببلاد الدروب؛ وهي البلاد المنحصرة بين بحري القرم - وهو المسمى ببحر نيطش وما ينطش - وفي الغرب إلى الخليج القسطنطيني، وتنتهي متشاملة إلى القسطنطينية، وتسمى اسطنبول: وهي
(1/60)

قاعدة ملوك الروم، ومنها تعقد راياتهم وتقوم؛ وتنتهي جنوبا إلى بلاد (ابن لاون) وهي بلاد الأرمن، يحدها البحر الشامي.
وهذه البلاد بلاد متسعة، وهي مفرقة لملوك مجتمعة، وإنما هم لا يطلق عليهم إلا اسم الإمارة؛ ولا انتظام لكلمتهم، ولا اجتماع لجملتهم؛ وأكبرهم صاحب كرميان، وله بينهم وضع محفوظ، ونظام مرعي.
فأما ملوكنا، فأجل من لديهم منهم جماعة بني قرمان، لقرب ديارهم، وتواصل أخبارهم، ولنكاياتهم في متملك (سيس) وأهل بلاد الأرمن، واجتياحهم لهم من ذلك الجانب مثل احتياج عساكرنا لهم من هذا الجانب؛ فمكاتباتنا إلى بنى قرمان لا تكاد تنقطع؛ وأما إلى البقية فأقل من القليلن وأخفى من مرأى الضئيل.
وهم:
الأول: صاحب كرميان: ولم يكتب إليه مدة مقامي بالأبواب السلطانية؛ ويشبه أن تكون المكاتية إليه (بالمقر) نظير صاحب ماردين، لكن بأبسط ألقاب، إذ هي أدعى لاستحسانهم لقلة معارفهم.
وعلى هذا التقدير يكون رسم المكاتبة إليه:
(أعز الله نصر المقر الكريم، العالي، الملكي، الأجلي، العالمي، العادلي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المثاغري، المظفري، المنصوري، الفلاني، عون الإسلام والمسلمين، فخر الملوك والسلاطين، نصير الغزاة والمجاهدين، زعيم
(1/61)

الجيوش، مقدم العساكر، ظهير أمير المؤمنين.
فإن لم يسمح له بكل هذه المخاطبة، ولم يؤهل لنظير هذه المكاتبة، كتبت له هذه الألقاب مع
(الجناب الكريم) وخوطب بالإمارة إن لم يسمح له بالمخاطبة بالملك.
الثاني: صاحب كصطمونية: وكانت آخر وقت لسليمان باشا؛ وكان أميرا كبيرا، كثير العدد، موفور المدد، ذا هيبة وتمنع. ثم مات وورث ملكه ابنه إبراهيم شاه، وكان عاقا لأبيه، خارجاً عن مراضيه، وكان في حياته متفردا بمملكة (سنوي)، وهي الآن داخلة في ملكه، ومنخرطة في سلكه.
ورسم المكاتبة إليه: (أدام الله نعمة المجلس العالي، الأميري) (بأكمل الألقاب، وأتم ما يكتب في هذا الباب).
الثالث: صاحب أرمناك: وهو ابن قرمان المقدم الذكر.
ورسم المكاتبة إليه: (أدام الله نعمة المجلس العالي) (بأكمل الألقاب وأكبرها، وأجمعها وأكثرها). ولإخوته أيضا رسوم في المكاتبات؛ فأكثرهم قدرا،
(1/62)

وأفتكهم نابا وظفرا، الأمير بهاء الدين موسى، وحضر إلى باب السلطان وتلقى بالإجلال، وأحل في ممتد الظلال، وأورد موارد الزلال، وأري ميامن اسعد من طلعة الهلال. وحج مع الركب المصري وقضى المناسك، وأسبل في ثرى تلك الربى بقية دمعه المتماسك، وشكر أمراء الركب دينه المتين، وذكروا ما فيه من حسن اليقين، وعاد إلى الأبواب السلطانية وأجلس في المرتين مع أمراء المشور، وأشرك في الرأي وسأل السلطان في منشور يكتب له بما يفتح بسيفه من بلاد الأرمن يقاتل بعلمه المنشور، ويجتني من شجر المران جنى عسله المشور، فكتبته له، واستقر رسم مكاتبته نظير مكاتبة أخيه وهو مثله، وشبيه فضله فضله؛ فأما بقية قرمان فدونهما في المكاتبة.
الرابع: صاحب طنغزلو: ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي الأميري).
الخامس: صاحب توازا: وهو في المكاتبة نظير صاحب طنغزلو. اسمه في زماننا (علي أرينه).
السادس: صاحب عيدلي: وهو في زماننا (دندار) أخو يونس صاحب انطاليا. وهو في المكاتبة نظير صاحب توازا.
السابع: صاحب فاويا: وهو مراد الدين حمزة؛ وهو ملك مضعوف، ورجل بمجالس أنسه
مشغوف.
ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأميري) بالياء.
(1/63)

الثامن: صاحب برسا: وهو أرخان بن عثمان. وهو نظير صاحب فاويا في المكاتبة.
التاسع: صاحب أكبرا: وهو في زماننا دمرخان بن قراشي.
ومكاتبته نظير مكاتبة صاحب برسا.
العاشر: صاحب مرمرا: وهو بخشي بن قراشي.
ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي).
الحادي عشر: صاحب مغنيسيا: واسمه (صاروخان). والمكاتبة إليه: (السامي) بالياء.
الثاني عشر: صاحب نيف: وهو علي باشا أخو صاروخان صاحب مغنيسيا المقدم ذكره. ورسم المكاتبة إليه مثل أخيه المذكور.
الثالث عشر: صاحب بركي: وهو إبن أيدين. والمكاتبة إليه: أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي) بالألقاب التامة.
الرابع عشر: صاحب فوكه: وهو أرخان بن منتشا. والمكاتبة إليه نظير صاحب بركي.
الخامس عشر: صاحب أنطاليا: وهو خضر بن يونس. ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي)
السادس عشر: صاحب قراصار: واسمه زكريا. ورسم المكاتبة إليه: (هذه المكاتبة إلى المجلس السامي) بلا ياء.
(1/64)

عظماء الملوك بإيران وتوران وما والاهما من البلاد
الشرقية
من مجر الفرات إلى مطلع الشمس
أعلم أن إيران مملكة الأكاسرة؛ وهي من الفرات إلى نهر جيحون حيث بلخ، ومن البحر الفارسي وما صاقبه من البحر الهندي إلى البحر المسمى بالقلزم، بحر طبرستان. وهي المملكة الصائرة إلى بيت هولاكو؛ وقد دخل فيها مملكة الهياطلة، وهي بلاد مازندران وما يليها إلى آخر كيلان؛ وجيلان، وبلاد الجيل؛ وطبرستان واقعة بينهما، أعني بين مازندران
وكيلان؛ ومازندران الآخذة شرقا وكيلان الآخذة غربا.
وأما توران فهي: مملكة الخاقانية، كانت في القديم بيد أفراسياب ملك الترك؛ وهي من نهر بلخ إلى مطلع الشمس على سمت الوسط؛ فما اخذ عنها جنوبا كان بلاد السند، ثم الهند، وما اخذ عنها شمالا كان بلاد الخفجاج، وهم طائفة القبجاق، وبلاد الصقلب، والجهاركس، والروس، والماجار، وما جاورهم من طوائف الأمم المختلفة سكان الشمال. ويدخل في توران ممالك كثيرة وبلاد واسعة وأعمال شاسعة وأمم مختلفة لا تكاد تحصى؛ تشمل على بلاد غزنة، والباميان، والغوز، وما وراء النهر (وهذا النهر الذي يشار إليه هو جيحون) نحو بخارى وسمرقند، والصغد، والخوجند، وغير ذلك؛ وبلاد تركستان، وأشروسنة، وفرغانة، وبلا صاغون، وطراز، وصريوم وبلاد الخطا نحو بشمالق والمالق
(1/65)

إلى قراقوم (وهي قرية جنكز خان التي أخرجته وعريسته التي أدرجته) ثم ما وراء ذلك من بلاد الصين، وصين الصين. وكل هذه ممالك جليلة، وأعمال حفيلة، وملةكها سلاطين عظام، وملوك كرام، قد أكرمهم الله الآن بالإسلام، وشرفهم بإتباع سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
فأما مملكة إيران: فكان العهد بها أن تكون لرجل واحد وسلطان فرد مطاع؛ وعلى هذا ضمت الأيام إلى حين توفي السلطان أبو سعيد، فصاح في جنباتها كل ناعق، وقطع رداءها كل جاذب، وتفرد كل متغلب بجانب، فهي الآن نهبى بأيديهم.
فأما عراق العرب، فهو بغداد وبلادها وما يليها من ديار بكر وربيعة ومضر، بيد الشيخ حسن الكبير وهو الحسن بن الحسين بن أقبغا من طائفة النورانيين؛ وكان جده نوكراً لهولاكو بن طولى بن جنكزخان المجرد لقتل الباطنية، فاستولى على إيران بمجموعها. (والنوكر هو الرفيق).
-
وأما بقية ديار بكر فهي بيد إبراهيم شاه بن بارنباي بن ثوتاي.
وأما مملكة أذر بيجان، وهي قطب مملكة إيران، ومقر كرسي ملوكها من بني جنكزخان، فهي بيد جنكزخان، وهي بيد أولاد جوبان، وبها ألقان القائم الآن سليمان شاه. ولا أعرف صحة نسبه ولا سياقته بالدعوى.
وأما خراسان فبيد القان طغيتمريار وهو صحيح النسب، غير أني لم أعرف أسماء آبائه.
(1/66)

وأما بلاد الروم فقد أضيف إلى إيران منها قطعة صالحة وبلاد نازحة؛ وهي الآن بيد (أرتنا) وقد نُبه على ذلك ليعرف.
وأما رسم المكاتبة إلى القان الجامع لحدودها، والناظم لعقودها - كما كان أبو سعيد - فهو كتاب يكتب في قطع البغدادي الكامل، تُبدأ فيه - بعد البسملة وسطر من الخطبة - بالطغرا المكتتبة بالذهب المزمك بألقاب سلطاننا على عادة الطغراوات، ثم تكمل الخطبة وتفتتح ببعدية إلى أن تساق الألقاب وهي: الحضرة الشريفة، العالية، السلطانية، الأعظمية، الشاهنشاهية، الأوحدية، الأخوية، القانية، الفلانية (من غير أن يخلط فيها الملكية لهوانها عليهم وانحطاطها لديهم) ثم يدعى له بالأدعية المعظمة المفخمة الملوكية: من إعزاز السلطان، ونصر الأعوان، وخلود الأيام، ونشر الأعلام، وتأييد الجنود، وتكثير الوفود، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى. ثم يقال ما فيه التلويح والتصريح بدوام الوداد، وصفاء الاعتقاد، ووصف الأشواق، وكثرة الأتواق، وما هو من هذه النسبة. ثم يؤتى على المقاصد ويختم بدعاء جليل، وتستعرض الحوائج والخدم، ويوصف التطلع إليها، ويظهر التهافت عليها. وهذا الكتاب تكتب جميع خطبته وطغراه وعنوانه بالذهب المزملك، وكذلك كل ما وقع في أثنائه من اسم جليل، وكل ذي شأن نبيل: من اسم الله تعالى، أو لنبينا (ص)، أو لأحد من الأنبياء والملائكة عليهم السلام، أو ذكر لدين الإسلام، أو ذكر سلطاننا أو السلطان المكتوب إليه أو ما هو متعلق بهما. مثاله: (عندنا وعندكم) و (لنا ولكم) و (كتابنا وكتابكم)، وكل هذا يكتب بالذهب؛ وما سواه يكتب السواد.
فأما العنوان فهو بهذه الألقاب إلا أن ينتهي إلى اللقب الخاص، ثم يدعى له بدعوة أو دعوتين نحو: (أعز الله سلطانها، وأعلى شأنها) أو نحو ذلك، ثم يسمى اسم السلطان المكتوب إليه، ثم يقال (خان) كما كنا نكتب فنقول: (أبو سعيد بهادر
(1/67)

خان) فقط، ويطمغ بالذهب بطمغات عليها ألقاب سلطاننا؛ وتكون الطمغات على الأوصال: يبدأ بالطمغة على اليمين في أول وصل، ثم على اليسار في ثاني وصل، ثم على هذا النمط إلى أن ينتهي في الآخر على اليمين. ولا يختم على الطرة البيضاء؛ والكاتب يخلي لمواضع الطمغة مواضع الكتابة، تارة يمنةة وتارة يسرةة.
وحكام دولة هذا السلطان: أمراء الألوس؛ وهم أربعة، أكبرهم (بكلاري بك) وهو أمير الأمراء، كما كان قطلو شاه عند غازان، وجوبان عند خذابندا ثم عند بو سعيد؛ وهؤلاء الأمراء الأربعة لا يفصل جليل أمر إلا بهم؛ فمن غاب منهم كتب اسمه في اليرالغ، وهي المراسيم كما يكتب لو كان حاضرا، ونائبه يقوم عنه. وهم لا يمضون أمراً إلا بالوزير؛ والوزير يمضي الأمور دونهم، ويأمر نوابهم فتكتب أسمائهم: فالوزير هو حقيقة السلطان، وهو المتفرد بالحديث بالمال والولاية والعزل حتى في جلائل الأمور، كما أن (بكلاري بك) يتحدث في أمر العسكر بمفرده. فأما الاشتراك في أمور الناس فبهم أجمعين، وليس للأمراء في غالب ذلك من العلم إلا ما علم نوابهم.
ورسم المكاتبة إليهم:
(بكلاري بك): أعز الله نصر المقر الكريم.
(1/68)

والثلاثة الذين دونه: أدام الله نصر الجناب.
ويقال لكل منهم (النويني) ومثل هذا مكاتبة (أرتنا) بالروم، وأمير التومان بديار بكر: من سوناي وبنيه وكذلك سائر الأمراء والنوينات وهم أمراء التوامين.
ورسم المكاتبة إلى الوزير: (ضاعف الله نعمة المجلس العالي، الأميري، الوزيري) على عادة مكاتبات الوزراء بألقاب الوزارة؛ فإن لم يكن له إمرة يقال: (الوزيري) ولا يقال: (الصاحبي) لهوانها لديهم. وعادة ما يكتب إلا (بكلاري بك) في قطع النصف، وما يكتب إلى أمراء النوينات والوزير في قطع الثلث.
وأما مملكة توران فهي منقسمة ثلاثة أقسام:. كان آخر العهد بها إلى انقضاء الأيام الناصرية؛ وبها سلطانان مسلمان وسلطان كافر، وهو أكبر الثلاثة، وهو المسمى بالقان الكبير صاحب التخت، وهو صاحب الصين والخطا ووارث تخت جنكزخان؛ ولم يكن يكاتب لترفعه وإبائه، وطيرانه بسمعة آبائه؛ ثم تواترت الآن الأخبار بأنه قد أسلم ودان بدين الإسلام، ورقم كلمة التوحيد على ذوائب الأعلام؛ وإن صح - وهو المؤمل - فقد ملأت الأمة المحمدية الخافقين، وعمت المشرق والمغرب وامتدت بين ضفتي البحر المحيط.
(1/69)

وأما الملكان المسلمان فأحدهما صاحب السراي وخوارزم والقرم ودشت القبحاق؛ وهي
المملكة المعروفة ببيت بركة. كان يسمى صاحبها في قديم الزمان - زمان الخلفاء وما قبله - صاحب السرير، وكان صاحبها في الأيام الناصرية: السلطان أزبك خان؛ وقد خطب إليه السلطان فزوجه بنتاً تقرباً إليه. وما زال بين ملوك هذه المملكة وبين ملوكنا قديم اتحاد، وصدق وداد، من أول أيام الظاهر بيبرس وإلى آخر وقت. والملك الآن فيهم في أولاد أزبك: أما (تني بك) أو (جاني بك)، وأظنها في (تني بك).
ورسم المكاتبة إليه: - إن كتب بالعربي - رسم ما يكتب إلى صاحب إيران كما تقدم، وإلا فالأغلب أن يكتب إليه بالمغلي، وذلك مما كان يتولاه أيتمش المحمدي، وطاير بغا الناصري، وإرغدلق الترجمان، ثم صار يتولاه قوصون الساقي.
وأما الثاني منهما فهو صاحب غزنة وبخارى وسمرقند وعامة ما وراء النهر. وآخر ما استقرت لترما شيرين؛ وكان حسن الإسلام، عادل السيرة، طاهر الذيل،
(1/70)

مؤثراً للخير، محباً لأهله، مكرما لمن يرد عليه من العلماء والصلحاء وطوائف الفقهاء والفقراء.
والمكاتبة إليه على رسم مكاتبة صاحب إيران.
وأما القان الكبير: فإن صح إسلامه وقدرت المكاتبة إليه تكون المكاتبة إليه كذلك أو أجل من ذلك؛ وهؤلاء الثلاثة وصاحب إيران أولاد جنكزخان.
دعاء وصدر:
وعرفه قدر ما أنعم به عليه، وسلمه من مفاتيح الأرض من شرقها إليه، وفضله به على ملوك بيته، إذ جعل ذهب الشمس أول ما يصاغ دونهم لتاجه، ودينارها أول ما يقع في يديه؛ ولا زال لربه عبداً شكورا، عارفاً بحق أنعمه من قبل أن يكون شيئاً مذكورا، منيبا إليه إذا كان الناس إما شاكراً وإما كفورا، ليؤدي بالشكر حق المنعم، ويتقرب إلى الله بما يتقبله منه وإنما يتقبل الله من المسلم.
حضرته العالية مخدومة، وأسرته الزاهية بخواتم القبل مختومة، وعداوة الأعداء بصدق محبته مخصومة، والقلوب لأخبار وداده مصدقة، والبحار بكرمه مصفقة، والركائب بحديثه مشرقة ومغربة، ومبعدة ومقربة. ما انفصل حين، وجمع الناس لملوك مصلحين، فلا يستغرب إذا جمعت الأقطار فرق شعاعها، وضمت
(1/71)

شموسها المشرقة في كل صباح فرائد النجوم في خيوط شعاعها، لمحاسنها التي تتألف من نفر، وتقيم الحجة إذا قيل فيها {إن الله
يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر}.

صاحب الهند
وأما غير هؤلاء فهو صاحب الهند، واسمه أبو المجاهد محمد بن طغلقشاه؛ وهو أعظم ملوك الأرض شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً، وبراً وبحراً، وسهلاً وقفراً، وسمته في بلاده (الإسكندر الثاني). وبالله إنه يستحق أن يسمى بذلك ويوسم به: لاتساع بلاده، وكثرة أعداده، وعزر أمداده، وشرف منابت الأرض، ووفور معادنه، وما تنبته أرضه، ويخرجه بحره، ويجبى إليه، ويرد من التجار عليه. وأهل بلاده أمم لا تحصى، وطوائف لا تعد.
حدثنا عبد الله دفتر خوان والافتخار، وهما الرسولان الواصلان فيما تقدم منه، ما لو سكنت النفوس إلى براءتهما من التعصب فيه لحكى منه العجائب وحدث
(1/72)

عنه بالغرائب. وقد حدثنا قوم آخرون، وكلهم ثقات معتبرون منهم الفقيه سراج الدين الهندي مدرس البيدمرية بالقاهرة والتاج البزي والشيخ مبارك الأبتايتي بما ظهر من مجموع كلامهم، بأن عسكر هذا السلطان نحو التسعمائة ألف فارس، وعنده زهاء ألفي فيل يقاتل عليها، وخلق من العبيد مقاتلة تقاتل رجالة مع سعة الملك والحال، وكثر الدخل والمال، وشرف النفس والآباء، مع الاتضاع للعلماء والصلحاء، وكثرة الإنفاق، وعميم الإطلاق، ومعاملة الله تعالى بالصدقة، وإخراج الكفاف للمرتزقه، بمرتبات دائمة، وإدرارات متصلة؛ ولقد أرسل مالا برسم الحرمين وبيت المقدس، وهدية للسطان تزيد على ألف ألف دينار، فقطع عليها الطريق باليمن، وقتل محضرها بأيدي مماليكه، لأمر بيت بليل، ثم قتل قاتلوه، وأخذ أهل اليمن المال وأكلوه، وكتب عن سلطاننا إلى صاحب اليمن في هذا كتاب منه: (وقد عددت عليه فعلته) وقيل فيه: (وفعل ما لا يليق، وأمسى وهو يعد من الملوك فأصبح يعد من قطاع الطريق)، وجرى في هذه الكلمة نبأ ليس هذا موضعه.
عدنا إلى ذكر صاحب الهند فنقول إن رسم المكاتبة إليه رسم المكاتبة إلى القانات الكبار المقدم ذكرهم: في هيئة الكتاب، وما يكتب به، والطغرا والخطبة.
فأما ألقابه فهي: (المقام الأشرف، العالي، المولوي، السلطاني، الأعظمي، الشاهنشاهي، العالمي، العادلي، المجاهدي، المرابطي، المثاغري، المظفري، المؤيدي، المنصوري، إسكندر الزمان، سلطان الوقت والأوان، منبع الكرم والإحسان، المعفي على ملوك آل
ساسان، وبقايا أفراسياب وخاقان، ملك البسيطة،
(1/73)

سلطان الإسلام، غياث الأنام، أوحد الملوك والسلاطين)؛ ويدعى له. ولم نكتب إليه في ذلك الوقت لقبا ينسب إلى الخلافة نحو (خليل أمير المؤمنين) وما يجري هذا المجرى إذ كان قد بلغنا أنه يربأ بنفسه إلا أن يدعى بالخلافة، ويرى له فضل الإنافة.
دعاء وصدر: ولا زال سلطانه للأعداء مبيرا، وزمانه بما قضى به من خلود ملكه خبيرا، وشأنه وإن عظم يتدفق بحرا ويرسي ثبيرا، ومكانه - وإن جل أن يجلببه مسكي الليل - يملأ الأرجاء أرجا والوجود عبيرا، وإمكانه يستكين له الإسكندر خاضعا وإن حاز نعيما جما وملكا كبيرا، ولا برحت الملوك بولائه تتشرف، وآلائه تتعرف، وبما تطبع مهابته من البيض بيض الهند في المهج تتصرف.
المملوك يخدم بدعاء يحلق إلى أفقه، ويحل العلياء والمجرة في طرقه، ويهدي منه ما يعتدل به التاج فوق مفرقه، ويعتد له النجم وهو لا يثنيه إلا وسادة تحت مرفقه، ويسمو إلى مقام جلاله ولا يسأم من دعاء الخير، ولا يمل إذا مالت النجوم عن السير، ولا يزال يصف ملكه المحمدي بأكثر مما وصف به الملك السليماني وقد
(1/74)

قال: وأوتينا من كل شيء وعلمنا منطق الطير.
فأما غير هؤلاء من السلاطين الكبراء والملوك العظماء ممن يكاتب من ملوك الإسلام على نأي الديار وبعد المزار ممن لم يبلغ أدنى سعي هؤلاء الملوك فهو:

صاحب البلغار والسرب
وبلاده في متاخمة مملكة صاحب السراي؛ وربما أنه يظهر لصاحب السراي الانقياد والطاعة؛ وكانت رسله قد وصلت إلى الأبواب السلطانية تطلب له الألوية والأعلام، فجهزت إليه مع مات جرت العادة بمثله من التشريف والسيفين والشعار والخيل المسرجة الملجمة.
ورسم المكاتبة إليه على ما كتب: (أعز الله نصر الجناب الكريم، العالي، الملكي، الأجلي، الكبيري، العالمي، العادلي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المشاغري، الأوحدي، سيف الإسلام والمسلمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدم العساكر، جمال الملوك والسلاطين، ذخر أمير المؤمنين.
(1/75)

فهؤلاء جملة من بكاتب من ملوك الإسلام شرقا وغربا وبعدا وقربا.
فأما رسم المكاتبة إلى ملوك الكفار، ممن بعد أو قرب بالجوار فأبعدهم صيتا وأجلهم قدرا، وأنبههم ذكرا، وأكثرهم سمعة في حديث وقديم:

ملك الروم صاحب القسطنطينية
وقد كان قبل غلبة الفرنج ملكا جليلا، ترجع إليه من عبد الصليب سائر الملوك، ويفتقر إليه منهم الغني والصعلوك؛ وكتب التواريخ مشحونة بأخباره، وذكر وقائعه وآثاره؛ وأول من ألبس هامه الذلة، وأصار جمعه إلى القلة، هارون الرشيد حين أغزاه أبوه المهدي إياه، فأزال الشمم من أنفه، وثنى جامح عطفه. فأما غزوات مسلم ابن عبد الملك ويزيد بن معاوية فإنها لم تبلغ فيه حد الكناية، ولا أعظمت له الشكاية. وهذا الملك الآن كان السلطان (أزبك) قد كاد يبتز تاجه، ويعقم نتاجه، ويخل من جانب البحر المغلق رتاجه، فاحتاج إلى مداراته وبذل له نفائس المال، وصحب أيامه على مضض الاحتمال؛ وكانت له عليه قطيعة مقرره، وجملة مال مقدره. فأما الآن بعده فقد عميت علينا منهم الأخبار، وتولى بالدنيا الإدبار:
ورسم المكاتبة إليه: (ضاعف الله بهجة الحضرة العالية المكرمة، حضرة الملك الجليل، الخطير، الهمام، الأسد، الغضنفر، الباسل، الضرغام، المعرق، الأصيل، الممجد، الأثير، الأثيل، البلالاوس، الريدراغون، ضابط الممالك
(1/76)

الرومية، جامع البلاد الساحلية، وارث القياصرة القدماء، محيي طرق الفلاسفة والحكماء، العالم بأمور دينه، العادل في ملكه، معز النصرانية، مؤيد المسيحية، أوحد ملوك العيسوية، مخول التخوت والتيجان، حامي البحار والخلجان، آخر ملوك اليونان، ملك ملوك السريان، عماد بني المعمودية، رضي الباب بابا رومية، ثقة الأصدقاء، صديق المسلمين، أسوة الملوك والسلاطين). ثم يكتب اسمه هنا ويدعى له.
دعاء وصدر يليقان به: (وجعل له مع الإسلام يدا لا تزعزعه من أوطانه، ولا تنزعه من سلطانه، ولا توجب له إلا استقرار لتيجانه، واستمرار بملكه على ما دارت على حصونه مناطق خلجانه، ولا برحت ثمار الود تدنو من أفنانه، ومواثيق العهد تبويء له ما يسر به من إشادة معالم سلفه وشد بناء يونانه.
أصدرناها وشكره كجاره البحر لا يوقف له على آخر، ولا يوصف مثل عقده الفاخر، ولا يكاثر إلا قيل: أين هذا القليل من هذا الزاخر؟).
دعاء آخر: ونظم سلكه، وحمى ملكه، وكفى محبيه هلكه، وأجرى بوده ركائبه وفلكه، ووقاه كذب الكاذب وكف إفكه، وأشهد على وده الليل والنهار، (وما عند كافوره هذا كف ولا مسكه هذا مسكه).
(1/77)

ملك الكرج
وبلاد الكرج أمها مدينة تفليس، وموقع هذه البلاد بين بلاد الروم المذكورة أولا وبين بلاد أرمينية؛ وهي بلاد جليلة ومملكة مفخمة، وكأنها مقتطعة من البلادين، ولها ملك قائم، وبها ملك دائم، وسلطان بيت هولاكو بمملكة إيران يحكم عليها، ويرالغه تصل إليها، إلا أنه لا يطغى بها سيله، ولا تجوس خلال ديارها للحرب المضرمة خيله، وإنما له بها تومان اتخذها سدادا لثغرها، وقياما بأمرها؛ منزلهم فسيح بواديها؛ أهل حل وترحال، وتنقل من حال إلى حال. وآخر من كان له منهم في هذه البلاد سمعه، وأقيلت به للمهابة صرعه، الشيخ محمود بن جوبان، وكان باسلا لا يطاق، ورجلا مر المذاق؛ ولما جرت الكائنة لأبيه، لاذ بالسلطان (أزبك قان)؛ ثم لم تطل له مده، ولا انفرجت له حلق شده، وأتاه أجله وما استطاع رده.
وأما عسكر الكرج فهم صليبة دين الصليب، وأهل البأس والنجدة منهم. (ويقال في المسلمين الكرد وفي النصارى الكرج) وهم للعساكر الهولاكوهية عتاد وذخر، ولهم بهم وثوق وعليهم اعتماد، ولا سيما لأولاد جوبان وبنيه، وبقايا مخلفيه، لسالف إحسان جوبان إليهم، ويد مشكورة كانت له عندهم، وكان صديق ملكهم (برطلما) يغرس عنده الصنائع، ويسترعيه الودائع، فكان أخص خصص به، وأصدق صديق له، يدعوه للمهم، ويستصرخ به في الملم، ويعده رداءا لعسكره، ومزيلا لمنكره، وبرطلما عهدي به حي يرزق من أجل ملوك النصرانية، وأعرق انساب
(1/78)

بني المعمودية، وقد كان كاتب الأبواب الشريفة السلطانية بسبب كنيسة المصلبة، وأن ترفع عنها الأيدي المتغلبة، فبرزت الأوامر المطاعة بإعادتها عليهم وقد كانت أخذت منهم؛ وهي بظاهر القدس الشريف واتخذت مسجدا، وعز هذا على طوائف العلماء والصلحاء. وإن لم يعمل سدى. قيل: إن كان يحسن لجوبان قصد البلاد،
ويبذل له عليه الطارف والتلاد.
ورسم المكاتبة إليه: (أدام الله بهجة الحضرة العلية، حضرة الملك الجليل الهمام، الباسل، الضرغام، السميدع، الكرار، الغضنفر، المتخت، المتوج، العالم في ملته، العادل في رعيته، بقية الملوك الأغريقية، سلطان الكرج، ذخر ملك البحار والخلج، حامي حمى الفرسان، وارث آبائه في الأسرة والتيجان، سياج بلاد الروم وإيران، سليل اليونان، خلاصة ملوك السريان، بقية أبناء الملوك والتيجان معز النصرانية، مؤيد العيسوية، مشيح الأبطال المسيحية، معظم بيت المقدس بعقد النية، عماد بني المعمودية، ظهير الباب بابا رومية، مواد المسلمين، خالصة الأصدقاء المقربين، صديق الملوك والسلاطين. وقد يقال: (مصافي المسلمين، موافي الملوك والسلاطين).
دعاء يليق به: (وحمى ملكه بوده لا بجنده، وبوفائه بعهده لا بجيشه ومد بنده، وبما عندنا من سجايا الإحسان لا بما يظن أنه من عنده، وبما في رأينا الموري لا بما يقدح النار من زنده).
(1/79)

مملك سيس
وهو ملك عريق من أبناء الملوك، يزعم أن أصله من البيت القسطنطيني؛ ومن ملك منهم سمي (التكفور)، سمةجرت عليهم منذ كانوا وإلى الآن. وعندي نظر في دعواهم أنهم من البيت القسطنطيني، إذ كان أهل ذلك البيت هم صليبة الروم، ومعتقدهم معتقد الملكانية، والبيت التكفوري أرمن ومعتقدهم معتقد اليعاقبة أو ما يقاربه، وبين المعتقدين بعد عظيم وبون ناء. والذي نعرف من حال هذا البيت أن جدهم الأكبر كان رئيس النصارى بهذه البلاد في سالف الدول، وزمان الملوك الأول، والنصارى هم أهل المدرة وصنائعهم فيها شتى بين نجار وفعول وأكرة، وكانت طاعتهم آخرا لبقية الملوك السلاجقة بالروم، وعليهم جزية مقررة، وطاعة
(1/80)

معروفة؛ والعمال والشحاني على البلاد من جهة الملك السلجوقي حتى ضعفت تلك الدولة، وسكنت شقائق تلك الصولة، وانتدب بعضهم لقتال بعض، وصارت الكلمة شورى، والرعية فوضى، وشوامخ المعاقل مجالا للتخريب، والبلاد المصونة قاصية من الغنم للذيب، فطمع هذا اللعين، واستنسر بغاثه، واشتد إنكاثه، ورأى سواما لا ذائد عنه فساقه، ومتاعا لا حامية له فملأ منه أوساقه، واستولى على هذه البلاد
وتملكها، وتحيف مواريث بني سلجوق واستهلكها.
وهذه البلاد منها ما يسمى العواصم، ومنها البلاد التي كانت تسمى قديما الثغور؛ وكانت تسمى بذلك لمثاغرتها الروم؛ وحدها من القبلة وانحراف للجنوب بلاد بغراص وما يليها، ومن الشرق جبال الدربندات، ومن الشمال بلاد ابن قرمان،
(1/81)

ومن الغرب سواحل الروم المفضية إلى العلايا وأنطاليا. وكان يفصل بينها وبين بلاد الإسلام نهر جاهان وقد أخذ في أخريات الأيام الناصرية عدة بلاد مما وراءه أمها آياس؛ وقد كان أخذ بعض ذلك أيام المنصور لاجين، واستنيب به أستدمر الكرجي، ثم أعيد إلى الأرمن بمواطأة أستدمر إذ قتل لاجين وضعفت الدولة، وعل الأرمن قطيعة مقدرة كانت بلغت ألف ألف ومائتي ألف درهم مع أصناف، ثم حط لهم منها، وهم الآن بين طاعة وعصيان. ولملوك البيت الهولاكوهي عليهم حكم قاهر، وفيهم أمر نافذ، قبل ضعف شوكتهم، ولين قسوتهم، وخلو غابهم من قسورتهم. وهم أخبث عدو للإسلام، وأثرهم بالصالحية باق، ولو مكنوا من دمشق لمحوا آثارها، وأنسوا أخبارها. ولقد صاهر ملكها الآن صاحب قبرص لأمر لا بلغاه وقصد لا سوغاه؛ على أن متملك سيس كان سلطاننا وصيه من أبيه، وصية
(1/82)

أشهد عليها أهل مملكته، وجعلها وسيلة لبقاء دولته، وكتب له تقليدا عوض أبيه من إنشائي، وجهز له من حلَّفه فحلف، وألبسه التشريف فلبس وقبّل الأرض به وخدم.
ورسم المكاتبة إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة الملك، الجليل، البطل، الباسل، الهماه، السميدع، الضرغام، الغضنفر، ليغون بن أوشين، فخر الملة المسيحية، ذخر الأمة النصرانية، عماد بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين.
دعاء: وفقه الله لطاعة يكنفه ذمامها، ويقيه مصارع السوء التزامها، وتجري له بالسلامة في النفس والمال أحكامها.
دعاء آخر: ولا عدم من بيننا الكرم الذي أجاره، والأمن الذي أمن جاره، والأمان الذي وسع عليه وجاره، والعفو الذي وقاه في الدنيا قبل الآخرة نارا وقودها الناس والحجارة.
دعاء آخر: أبقاه الله لولاء يبديه، وفرض من الخدمة يؤديه، ودين في ذمته من القطيعة يقوم به مع طرائف ما يهديه.
دعاء آخر: أراه الله ما يستدفع به من مواضي السيوف البلاء إذا نزل، والسمهري الذي لا
يرويه البحر إذا نهل، والسيل الذي لا يقف في طريقه شيء ولا يمشي على مهل.
دعاء آخر: صان الله بمصانعته من أهل ملته كل قبيل وأمن بمداراته من
(1/83)

خوف جيوشنا المنصورة كل سبيل، وصد عنه بصدق صداقته بعث جنودنا الذي لا يرد وأوله بالفرات وآخره بالنيل.
دعاء آخر: لا زال يوقى بطاعته بوادر الأسنة، وعوادي الخيل موشحة بالأعنة، وعيث الجيش حيث لا يبقى إلا أحد الأقسام الثلاثة: القتل أو الأسر أو المنة.
دعاء آخر: جنب الله رأيه سوء التعكيس، وشر ما يزين مثله إبليس، وأخذ جنائب قلاعه وأول تلك الجنائب سيس.

ملك سنوب
ويقال بالسين والصاد؛ وهي بلد على ضفة الخليج القسطنطيني، وملكها رومي من بيت الملك القديم، يقرب إلى صاحب القسطنطينية، ويقال أن أباه أعرق من آبائه في السلطان، وليس ملكه بكبير، ولا عدده بكثير. وبينه وبين أمراء الأتراك حروب، يكون في أكثرها المغلوب.
ورسم المكاتبة إليه مثل متملك سيس.
وهذا دعاء يليق به: وكفاه شر ما ينوب، وروّح خاطرة في الشمال بريا ما يهب من الجنوب، ووقاه سوء فعل يورث الندم وأول ما يقرع السن سنوب، وأحسن له في الولاء المآل، وحقق له في دفع البلاء الآمال، وجعله بالطاعة من حزب أهل اليمين إذا قضت الأقدار أن يكون من أهل الشمال.
(1/84)

ملك رودس
وهي جزيرة تقابل شطوط الجزيرة الرومية، وأهلها في البحر حرامية: إذا ظفروا بالمسلم أخذوا ماله وأحيوه فباعوه أو استخدموه، وإذا ظفروا بالفرنجي أخذوا ماله وقتلوه ورسم المكاتبة إليه مثل متملك سيس، إلا أنه لا يقال فيها (معز بابا رومية) وتختصر بعض ألقابه لأنه دونه.
دعاء يليق به: قدّم الله له الأعذار، وكفاه توابع الإنذار، وحذره عاقبة البغي قبل أن لا ينفع
الحذار.
دعاء آخر: فك الله من وثاقه كل مأسور، وأقال كل غراب له من الرجوع وجناحه مكسور، وعصمه بالتوبة مما اقترف لا بالبحر ولو أنه سبعة بحور، وسور مدينته ولو أنه مائة سور.

صاحب جزيرة المصطكا
وهي جزيرة حقيرة صغيرة لا تبعد مدى من الإسكندرية، وصاحبها صغير لا في
(1/85)

مال ولا رجال، وجزيرته ذات قحط لا يطر شاربها بزرع، ولا يدر حالبها بضرع، إلا أنها تنبت هذه الشجرة فتحمل منها وتجلب، وترسى السفن عليها بسببها وتطلب؛ وفي ملكها خدمة لرسلنا إذا ركبوا ثبج البحر، وتجهيز لهم إلى حيث أرادوا، وتنجيز لهم إذا توجهوا وإذا عادوا.
ورسم المكاتبة إليه: كالذي قبله.
أدعية تليق به: (وفقه الله لطاعته، وأنهضه من الولاء بقدر طاقته).
دعاء آخر: (وفقه الله لطاعته، وقبل منه قدر استطاعته).
دعاء آخر: (أطاب الله قلبه، وأدام إلينا قربه).
دعاء آخر: (لا زال إلى الطاعة يبادر، وعلى الخدمة أنهض قادر، ومكانه تزم إليه ركائب السفن بكل وارد وصادر).

الأذفونش ملك الأندلس
وبيده جمهور الأندلس، وبسيوفه فنيت جحاجحها الشُّمُس، وهو وارث ملك
(1/86)

(لذريق) الملك. وكان بأيديهم قطعة منها - أعني النصارى - أيام بني أمية حتى زالت أيامهم، ونكست أعلامهم، وخمدت سورتهم، وأخذ قسورتهم، وتقسم ملك الخلافة بأيدي ملوك الطوائف كبني عباد وبني الأفطس وبني صمادح وبني جهور وبني سعيد وغيرهم من كل قريب وبعيد، وأصبحت البلاد نهبا صيح في حجراته، وقلبا قطع بحسراته، وفرق ذلك الشمل الملتم، وأخمد ذلك الجمر المضطرم؛ ثم عاثت ذئاب النصارى في سرح الإسلام، ودبت عقاربهم في ظلل الظلام، وأمد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين - رحمه الله - بعساكره الجزيرة،
وقرب نواه الشطون
(1/87)

من تلك المدن المستزيرة، وطرد على نعاجهم الذئاب، وقهر عداهم وأسرع الإياب؛ وكانت تلك الكائنة التي أخذ فيها ابن عباد، وانقرض ملكه وباد.
وعادت النصارى تزأر عواديها، وتسأر الموت في كؤوس ساقيها، وأخذت عرائس تلك المدن مثل دار الخلافة قرطبة، والزهراء، والزاهرة، وإشبيلية، وبلنسية، وتلك الجبال الراسية والسفن المرسية؛ وكانت قد أخذت طليطلة، وهي القاعدة الأولى، والمملكة العضمى، والعقيلة الكبرى، وأم إقليم الأندلس، وتخت لذريق الملك، وأخذ الثغر الأعلى: سرقسطة، وطوي بساط تلك البسطة، واستعلت اليد الكافرة، واستعلنت الكلمة الظافرة، وحبس آخر من بقي من رمق المسلمين في شرق الأندلس نواحي أغرناطة والمرية، في بقعة كمفحص القطاة ضيقا، ومدرج النمل طريقا، وقد أناخ به كلكله، وأديم به توكله؛ إلا أن الله وعد دينه أن لا يخذل، وأن مصونه لا يبذل؛ وها هم الآن - وابن الأحمر، ملك المسلمين بالأندلس، آونة وآونة تارة محاربة وتارة مهادنة؛ إلا أن الله قد جرد لهم من السلطان أبي الحسن المريني - أعز
(1/88)

الله به حزب الإيمان - سيفا تخسأ لديه أكلبهم، ويداوي ببرد مائه كلبهم، ولولاه لاجتاحوا البقية، واحتاجوا - أعني بقية إلى الإسلام - إلى التقية.
وقد كان الأذفونش ممن قوي طمعه في بلاد مصر والشام في أخرى ليالي الايام الفاطمية، وواطى (الريد فرنس)، وحدثتهم أمانيهم بافتراس البلاد، وأملوا ما لم يكن الله مبلغه لهم، وأرسوا على دمياط وأخذت، وراشقتهم السهام فما نفذت؛ ثم عادت المساورة، وكادت المثاورة، وتقاذف الساحل رجالا زمان بني أيوب - رحمهم الله - ونزل على دمياط الملك الصالح أيوب، وكشف الله غمام الغمة أعقاب تلك الأيام، وأخرجت من يد دمياط تلك الشوكة الخبيثة، وأسر (الريد فرنس) وكان هو جالب تلك الرزايا، ورامي صوائب تلك البلايا، وأمسك بالخناق، ثم نفس عنه وترك في دار الصاحب فخر الدين، إبراهيم بن لقمان، كاتب الغنشاء بالمنصورة، مرسما عليه. وكان الطواشي الكبير (صبيح) ترسيمه، ثم من عليه، وأطلق على حال قرر
(1/89)

معه، وقال القائل وهو (ابن مطروح) من أبيات:
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقالة من ذي وداد نصيح
(1/90)

دار ابن لقمان على حالها ... فالقيد باق والطواشي صبيح
حدثني رسول الأذفونش، بتعريف ترجمان موثوق به من أهل العدالة يسمى صلاح الدين الترجمان الناصري، أن الأذفونش من ولد هرقل المفتتح منه الشام، وأن الكتاب الشريف النبوي الوارد على هرقل متوارث عندهم محفوظ مصون، يلف بالديباج والأطلس، ويدخر أكثر من ادخار الجوهر والأعلاق، وهو إلى الآن عندهم لا يخرج، ولا يسمح بإخراجه، ينظر فيه بعين الإجلال، ويكرمونه غاية الكرامة، بوصية توارثها منهم كابر عن كابر، وخلف عن سلف؛ والذي أقول أن هرقل لم يكن الملك نفسه، وإنما كان متسلم الشام لقيصر، وقيصؤ بالقسطنطينية لم يرم، وإنما كتب النبي
(1/91)

صلى الله عليه وسلم إلى هرقل لأنه كان مجاورا لجزيرة العرب من قبل الشام، وعظيم بصرى كان عاملا له.
والريد فرنس: هو الملك الكبير المطاع، وإنما الأذفونش هو صاحب السطوة، وذكره أشهر في المغرب لقربه منهم وبعد الريد فرنس، إذ كانت مملكته وراء الأندلس شرقا، في الأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة، وكرسي ملكه فرنسة، وكرسي ملك الأذفونش طليطلة. ومكاتباته متواصلة، والرسل بيننا وبينهما تنقطع على سوء مقاصده وخبث سره وعلانيته: أهدى مرة إلى السلطان سيفا طويلا وثةبا بندقيا وطارقة طويلة رقيقة تشبه النعش، وفي هذا ما لا يخفى من استفتاح باب الشر والتصريح المعروف بالكناية، فكان الجواب إرسال حبل أسود وحجر، أي أنه كلب إن قيد في الحبل وإلا رمي بالحجر.
وأما (الريد فرنس) فلا أذكر له إلا فرد رسول ورد، وأبرق وأحرق بناره وأرعد، جاء يطلب بيت المقدس، على أنه يفتح له ساحل قيسارية أو عسقلان، ويكون للإسلام بهما ولاة مع ولاته، والبلاد مناصفة، ومساجد المسلمين قائمة، وإدرارات قومهما دارة، على أنهه يبذل مائتي ألف دينار تعجل وتحمل في كل سنة نظير دخل نصف البلاد التي يتسلمها على معدل ثلاث سنين، ويطرف في سنة بغرائب التحف والهدايا. وحسن هذا كتاب من كتبة القبط، كانوا صاروا رؤوسا في الدولة بعمائم بيض وسرائر سود، وهم أعداء زرق، يجرعون الموت الأحمر، وعملوا على تمشية هذا القصد وإن سرى في البلدان هذا السم، وتطلب له الدرياق فعز، وقالوا: هذا مال جليل يتعجل! ثم ما عسى أن يكون منهم وهم نطفة في بحر، وحصاة في دهناء.
(1/92)

وبلغ هذا أبي - رحمه الله - فآلى أن يجاهر في هذا، ويجاهد بما أمكنه، ويدافع بمهما قدر
عليه، ولو لاوى السلطان على رأيه إن أصغى إلى أولئك الأفكة، وقال لي: تقوم معي وتتكلم، ولو خضبت منا ثيابنا بدم، وراسلنا قاضي القضاة القزويني الخطيب، فأجاب وأجاد الاستعداد، فلما بكرنا إلى الخدمة وحضرنا بين يدي السلطان بدار العدل، أحضرت الرسل، وكان بعض أولئك الكتبة حاضرا، فاستعد لأن يتكلم، وكذلك استعدينا نحن، فما استتم كلامهم حتى غضب السلطان وحمي غضبه، وكاد يتضرم عليه حطبه، ويتعجل لهم عطبه، وأسكت ذلك المنافق بخزيته، وسكتنا نحن اكتفاءا بما بلغه السلطان مما رده بخيبته، فصد ذلك الشيطان، وكفى الله المؤمنين القتال، وردت على راميها النصال. وكان الذي قاله السلطان: (والكم! أنتم عرفتم ما لقيتم نوبة دمياط من عسكر الملك الصالح، وكان جماعة أفراد ملفقة مجمعة، وما كان هؤلاء بعد الترك وما كان يشغلنا عنكم إلا قتال التتار، ونحن اليوم بحمد الله صلح، نحن وإياهم من جنس واحد، ما يتخلى بعضه عن بعض، وما كنا نريد إلا الابتداء، فأما الآن فتحصلوا وتعالوا، وإن لم تجوا فنحن نجيكم ولو أننا نخوض البحر بالخيل؛ والكم صارت لكم ألسنة تذكر القدس! والله ما ينال أحد منكم ترابة إلا ما تسفيها الرياح عليه وهو مصلوب!) وصرخ فيهم صرخة زعزعت قواهم، وردهم أقبح رد، ولم يقرأ لهم كتابا، ولا رد عليهم سوى هذا جوابا.
وأما رسم المكاتبة إليه: (أطال الله بقاء الحضرة السامية حضرة الملك
(1/93)

الجليل، الهمام، الأسد، الباسل، الضرغام، الغضنفر، بقية سلف قيصر، حامي حماة بني الاصفر، الممنع السلوك، وارث لذريق وذراري الملوك، فارس البر والبحر، ملك طليطلة وما يليها، بطل النصرانية، عماد بني المعمودية، حامل راية المسيحية، وارث التيجان، شبيه مريحنا المعمدان، محب للمسلمين، صديق الملوك والسلاطين، الأذفنش سرقلان).
دعاء وصدر يليقان به: (وكفاه شر نفسه، وأجناه ثمر غرسه، ووقاه فعل يوم يجر عليه مثل أمسه، وأراه مقدار النعمة بالبحر الذي تمنع بسوره وتوقى بترسه.
أصدرناها إليه وجند الله لا يمنعهم مانع، ولا يضرهم في الله ما هو صانع، ولا يبالون أكتائب يخلفونها أم كتبا، وجداول لهم تعرض لهم أمبحارل لا تقطعها إلا وثبا).
دعاء آخر وصدر: (وقاه بتوفيقه إتلاف المهج، وكفاه بأس كل أسد لم يهج، وحماه منشر فتنة لا يبل البحر الذي تحصن به ما يعقده غبارها من الرهج.
أصدرناها إليه وأسنتنا لا ترد عن نحر، وأعنتنا لا تصد بسور ولو ضرب من وراء بحر).

النواب
الأول: كافل الممالك الإسلامية
وهو نائب السلطان بالحضرة، وهو يحكم في كل ما يحكم فيه السلطان، ويعلم في التقاليد والتواقيع والمناشير وغير ذلك مما هو من هذا النوع على كل ما يعلم عليه السلطان. وبقية النواب لا يعلم الرجل منهم إلا على ما يتعلق بخاصة نيابته؛ وهذه رتبة لا يخفى فيها له التميز. والوزير فيها يجري مجراه، وهما فيها على حد سواء.
أما نائب الغيبة وهو الذي يترك إذا غاب السلطان والنائب الكافل وليس إلا
(1/94)

لإخماد الثوائر وخلاص الحقوق، وحكمه في رسم الكتابة إليه رسم مثله من الأمراء.
وأما النائب الكافل فقد رأيت بعض الكتاب قد كتب في تعريفه: (نائب السلطنة المعظمة وكافل الممالك الشريفة الإسلامية) وكتب في لقبه: (الأميري الآمري). والكاتب المذكور كاتب صالح في المعرفة وليس بحجة. فأما كتابه في ألقابه (الآمري) فليست بشيء، وإنما حمله عليها إفراط الملق؛ وأما جمعه في تعريفه بين ذكر النياية والكفالة فمقبول منه فيه، والذي أراه أن يجمعا في تقليده فيقال فيه: (أن يقلد نيابة السلطة المعظمة وكفالة الممالك الشريفة مصرا وشاما، وسائر البلاد الإسلامية أو الممالك الإسلامية) ونحو ذلك.
فأما في تعريف الكتب، فقد جرت عادة نواب الشام أن يقتصروا في كتبها إليه على (كافل الممالك الإسلامية المحروسة). ولعمري في ذلك مقنع، وإن في الاقتصار عليها ما هو أكثر فخامة. وعلى ذلك أكثر عمل الكتاب بديوان مصر أيضا، وانظر إلى ما يكتب بإشارته تراهم مقتصرين له على هذا في التعريف، فاعلم ذلك.
ورسم المكاتبة إليه: (أعز الله تعالى أنصار الجناب الكريم، العالي، الأميري، الأجلي، الاكبيري، العالمي، العادلي، المؤيدي، الممهدي، المشيدي، الزعيمي، الذخري، المقدمي، العوني، الغياثي، المرابطي، المثاغري، المظفري، المنصوري، الأتابكي، الكافلي، الفلاني، ركن الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، أتابك الجيوش، مقدم العساكر، زعيم الجنود، عاقد البنود، ذخر الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، غياث الأمة، غوث الملة، مشيد الدول، كافل الممالك، منجد الملوك والسلاطين).
(1/95)

دعاء يختص به وصدر: (ولا زالت الممالك كلها في كفالته، والمسالك على اختلاف طرقها آيلة إلى إيالته، والملائكة محومة على بنوده محتفة بهالته، والأرائك لا تثنى إلا في دست فخاره ولا تعد إلا لجلالته. أصدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم، زاده الله كرامة، والقلوب تسأل لو أب، والنفوس مطمئنة بأننا لم يغب عما حضر فيه عنا وما غاب، تخص جنابه بأفضل السلام، وأطيب الثناء المرقوم على أعلى الأعلام، وأطرب الشكر الذي يرى منه حقيقة ما يتمناه النظراء في الأحلام).
دعاء آخر وصدر: (ولا زالت كفاية كفالته تزيد على الآمال، وتتقرب إلى الله بصلاح الأعمال، وتكفل ما بين أول الجنوب وأقصى الشمال، وتمسك رواق الملك المشخمر الذي لولاها لمال، وتنهر فتوق الأعداء بكل برق من سيوفها المرهفة ما لجرحه اندمال، وتروع طوائف الكفر الأشتات فلا تفتدى من أسنتها المثقفة إلا بأرواح لا بمال. أصدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم وصدرها بذكره منشرح، وببره فرح، وبعلو قدره في أيامنا الزاهرة يسر ويؤمل منه على ما يزيد على أمل المقترح، تهدي إليه من السلام أطيبه، ومن الثناء أطنبه، ومن الشكر ما يهز هذه السكر من سمع منه أطربه أو سمع مطربه).
دعاء آخر وصدر: (ووصل المشار بعلمه الذي لا ينكر، وحلمه الذي يشكر، وحكمه الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقسمه الذي شرفه وصرفه عنا في كل متكلم في مال ومقدم على عسكر. أصدرناها إلى الجناب الكريم العالي بسلام يسرع إليه، ويرد منا عليه، ونحييه به ولا ينسى له ما لديه.
واعلم أن مكاتبات أكابر النواب بعده، وهم نائب الشام ونائب حلب ونائب طرابلس
(1/96)

ونائب حماه ونائب صفد ونائب غزة، تكاد تكون متساوية، أو بعضها مميزا عن بعض؛ ولكن ربما امتاز نائب الشام على بقيتهم فنذكره ثم نذكر بعده نائب حلب وسائر النواب على الترتيب.

الثاني: نائب الشام
الذي كان مستقرا في رسم مكاتبته في الأيام الناصرية: (ضاعف الله نعمة الجناب العالي). وقد استقر الآن في الدولة الصالحية: (أعز الله نصرة الجناب الكريم العالين الأميرين الأجلي، الكبيري، العالمي، العادلي، المؤيدي، الممهدي، المشيدي، العوني، الغياثي، الذخري، الزعيمي، المقدمي، الظهيري، الكافلين الفلاني، عز الإسلام والمسلمين، سيد
الأمراء في العالمين، نصر الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدم العساكر، عون الأمة، غياث الملة، ممهد الدول، مشيد المماليك، ظهير الملوك والسلاطين، عضد أمير المؤمنين).
(1/97)

دعاء وصدر: (ولا زالت الدول برايته مقبلة السعود، مترقية في الصعود، تارة ببعث البعوث وتارة بوفادة الوفود. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم تهدي إليه من السلام أشرقه نجوما، ومن الثناء أغدقه غيوما، وتوضح لعلمه الكريم. .).
دعاء وصدر: (ولا زالت الممالك بآرائه منيره، وبراياته لأعداء الله وأعاديها مبيره، وبرؤياه تتضاءل الشموس المشرقة وتخجل السحب المطيرة: صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم تهدي إليه من السلام درره، ومن الثناء غرره، وتوضح لعلمه الكريم. .).
دعاء وصدر: (ولا برحت آراؤه كالنجوم بعيدة المدى، قريبة الهدى، متهللة كالغمام: للأعداء منها الصواعق وللأولياء الندى - صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب الكريم - أعزه الله تعالى - تخصه بسلام حسن الافتتاح، وثناء كما نظم الوشاح، وتوضح لعلمه الكريم. .).
دعاء وصدر: ووقى بسور جيوشه الممنعة ضرر الضراء، وكسر بأسود جنوده ذئاب الأعداء الضراء وسبق دهماء الليل وشهباء النهار وحمراء الشفق وصفراء الأصيل وشقراء البرق بسابقته الخضراء. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام يملأ حدق حدائقه نورا، وقلب عساكره سرورا).
دعاء وصدر: (وعمر معاهده، وزين به بلده ومعابده، وساق ملء واديه سيل نعم لا يحل بغير الذرى معاقده. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما مثل الطيف الزائر، وثناء يحل منه بجامع المحاسن يحلق إليه به نسره الطائر).
(1/98)

دعاء وصدر: (ولا زال النصر حلية أيامه، وشامة شامه، وغمامة ما يحلق على بلده المخضر من غمامه. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام لا يرضى حافر جواده الهلال نعلا، ولا يحظى به إلا بلده ونخص منه الشرف الأعلى).
دعاء وصدر: (وسقى عهده العهاد، وشفى بعدله العباد، وزان به حسن بلده التي لم يخلق مثلها في البلاد، وهي إرم ذات العماد. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام تسر به النفوس، ويعرف فضله الجامع وتجلى العروس).

الثالث: نائب حلب
ورسم مكاتبته: ضاعف الله نعمة الجناب العالي، الأميري، الأجلي، الكبيري، العالمي، العادلي، الممهدي، المشيدي، العوني، الذخري، الزعيمي، المقدمي، الظهيري، المرابطي، المثاغري، الكافلي، الفلاني، عز الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحدين، عماد الدولة، ذخر الملة، ظهير الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين).
دعاء وصدر: (ولا زالت هممه مطلة على النجوم في منازلها، مطاولة للبروق بمناصلها، قائمة في مصالح الدول مقام جحافلها. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي - أعزه الله تعالى - تهدي إليه سلاماً كالدرر، وثناء طويل الأوضاح والغرر، وتوضح لعلمه الكريم).
دعاء وصدر: (وأمده بعونه، وجمله بصونه، ولا زال رأيه في النقيضين: لهذا سبب فنائه ولهذا علة كونه. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما رطيبا، وشكرا يكون على ما تخفي الصدور رقيبا، وتوضح لعلمه الكريم).
(1/99)

دعاء وصدر: (ولا زال يعد ليوم تشيب له الولدان، ويعد دونه كل محاربيه وبينه وبينهم الشهباء والميدان، ويعم حلب من حلى أيامه ما لا يفقد معه إلا اسم ابن حمدان). وإن كان اسمه سيف الدين قال: (ويعم حلب من حلى أيامه ما لا يفقد معه سيف الدين إن فقدت سيف الدولة ابن حمدان).
وأما الصدر فهو: (صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما ما مر بروض إلا انتهب طيبه نهبا، وثناء تعقد له أعلامه على كتيبته الشهبا).
دعاء وصدر: (وفتح بسيوفه الفتح الوجيز، وأحل عقائل المعاقل منه في الكنف الحريز، وأعاد به رونق بلد ماجفت بها زبدة حلب وهو فيها العزيز. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام ذهبه لا يذهب، وثناء لا يصلح لغير عقيلة الشهباء قلادة عنبره الأشهب).

الرابع: نائب طرابلس
وهو من هذه النسبة وما لا يبعد منها.
والدعاء مثل قولنا: (وأطاب أيامه التي ما رقت على مثلها أسحار، وعدد مناقبه العقول التي
تحار، وأخذ بنواصي الأعداء بيده لا تنأى بهم البراري المقفرة ولا تحصنهم البحار. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام وفرت منه أسهمه التي يدرأ بها العدا في نحرها، وثناء مطرب ترقص به الخيل في أعنتها والسفن في بحرها).
دعاء آخر وصدر: (ولا زالت صفوفه تشد بنيان الحرب، وسيوفه تعد للقتل وإن قيل للضرب، وسجوفه تجر على بلد ما مثله في شرق ولا حصل على غير المسمى منه غرب.
(1/100)

صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما يزيد أفقه تزيينا، وثناء يأتيه من فائق الدر بما يستهون معه بالمينا).

الخامس: نائب حماة
وهو من هذه النسبة أيضا وما يقاربها.
والدعاء نحو قولنا: (وأتم بخدمه كل مبرة؛ وبهممه كل مسرة، وصان ما وليه أن يكون به غير النهر (العاصي) أو ينسب إليه سوى البلد المعروف (معرة).
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاما تمسح أنديته بالسحائب، وثناء يأتي به حمى حماة وقونها المنشورة بألويته معقودة الذوائب).
دعاء آخر وصدر: (وحمى حماه، وزان موكبه بأحسن حماه، وحسن كنائن سهامه التي لا يصلح لها غير بلده حماه.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاماً تحمله إليه الركائب السائرة، وثناء تشرق منه الكواكب أضعاف ما تريه أفلاك الدواليب الدائرة.

السادس: نائب صفد
من هذه النسبة وما يقاربها.
والدعاء نحو قولنا: (وشكر هممه التي وفت، وعزائمه التي كفت، وسر بكفالته بلدا منذ وليه قيل: صفد قد صفت.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجانب العالي تهدي إليه سلاماً لا تزال شعائره تقام، وثناء مذهب على بلده قيل: إن هواءها يشفي الأسقام).
دعاء آخر وصدر: (ولا زالت مساعيه تسوق إليه الحظوظ البطية، وتقدم له العلياء مثل المطية، وتهنيه بما خص به من صفد وهي العطية.
(1/101)

صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تهدي إليه سلاماً يحييه في محله، وثناء يودع في معقله الذي لا تصل إلى أعلى الشوامخ إلا إلى ما سفل من ظله، وتوضح لعلمه. .)
فأما عامة المكاتبات فاعلم إنها تنقسم إلى عدة أقسام:
قسم لأرباب السيوف، وقسم لأرباب الأقلام، وقسم لأهل الصلاح.
ثم قسّم أرباب السيوف على أقسام:
قسم في مقدمي الألوف، وقسم في الطبلخانات، وقسم في العشرات، وقسم فيمن دون ذلك.
ثم قسم أرباب الأقلام على أقسام:
قسم في الوزراء، وقسم فيمن يجري مجرى الوزراء ولا صريح له بها، وقسم في القضاة والعلماء.
وأما القسم الثالث فواحد.

القسم الأول: في أرباب السيوف
وهو أجل الأقسام، وأجله قسم مقدمي الألوف، واعلم أن مقدمي الألوف بالأبواب السلطانية لكبارهم أسوة كبار النواب بالممالك كالشام وحلب، ولأوسطهم أسوة أوسطهم كحماة وطرابلس وصفد، ولأصغرهم أسوة أصغرهم كغزة وحمص؛
(1/102)

فاعلم ذلك وقس عليه. وقد التحق بهم رسم المكاتبات لمقدمي الألوف بالشام، إلا أنه لا يبلغ بأحد منهم مبلغ كبار النواب.
وأما بحلب فلكبارهم أسوة صغار النواب، ولصغارهم دون ذلك.
ثم الذي نقوله لكبار المقدمين بالأبواب السلطانية: (الجناب الكريم) ثم (الجناب العالي) ثم (المجلس العالي).
وبدمشق: (الجناب العالي) ثم (المجلس العالي).
وبحلب: (المجلس العالي) ثم (المجلس السامي) بالياء.
وبطرابلس: بالسامي، بالياء، بغير زيادة ولا نقص.

قسم الطبلخانات
واعلم أن في أمراء الطبلخانات من يكتب له (المجلس العالي) كمن يكون معينا للتقدمة، وله عدة سبعين أو ثمانين فارسا أو نحو ذلك، وكالمقربين من الخاصكية، أو من له عراقة في
نسب كبقايا الملوك، أو أرباب وظائف جليلة:
(1/103)

كحاجب كبير، أو استاذ دار جليل، أو مدبر دولة لم يصرح له بالوزارة، أو دوادار متصرف، وهؤلاء كلهم، إن كتب لهم (بالمجلس العلي)، فإن يكتب لهم بغير افتتاح بالدعاء، والمكاتبة إليهم (بالعالي) على سبيل العرض لا الاستحقاق، وإلا فأجل رسم مكاتبة أمراء الطبلخانات: (السامي) بالياء، ولجمهورهم - مصراً أو شاماً - من الترك والتركمان والأكراد: (السامي) بغير الياء؛ فاعلم ذلك.
(1/104)

قسم العشرات
اعلم أن لكلهم (مجلس الأمير)، فإن زيد قدر أحد لسبب ما كتب له (المجلس السامي) بغير الياء.
وقسم من دون ذلك كمقدمي الحلقة والجند؛ فللمقدمين أسوة أمراء العشرات في المكاتبة. وأما الجند: (فالأمير الأجل)، وأما جند الأمراء (فالطواشي) فاعلم ذلك.
(1/105)

القسم الثاني: في أرباب الأقلام
والأول قسم الوزراء، ولم تزل مكاتبة أجلاء الوزراء بـ (المجلس العالي). ثم كتب لآخرهم بالديار المصرية (الجانب العالي)، وكتب بالشام للصاحب عز الدين، أبي يعلى، حمزة بن القلانسي - رحمه الله - لجلالة قدره وسابقة خدمه وعناية من كتب إليه بها. والذي استقر عليه الحال للوزير بمصر (الجناب العالي)، وللزير بالشام (المجلس العالي) بالدعاء، كما كتب للصاحب أمين الملك.
والثاني قسم من يجري مجرى الوزراء ولا صريح له بها، مثل ناظر الخاص، وكاتب السر، وناظر الجيش، ناظر الدولة، وكاتب السر بالشام، وهؤلاء كلهم بـ (المجلس العالي) والدعاء. وأما ناظر الدولة بالشام (فالعالي) بغير الدعاء. وناظر الجيش بالشام، وناظر الدولة بحلب، وكاتب السر بها، وناظر الجيش بها، وناظر طرابلس، وكاتب السر بها (فالسامي) بالياء. وبهذه المكاتبة يكتب لموقعي مصرا وشاما. فأما من دون هؤلاء فبغير الياء، ثم (بمجلس القاضي) أو (الصدر). وأما النظار بحماة وصفد وغزة وحمص وكاتب الإنشاء بها فلا يستحق أحد منهم أكثر من (السامي) بغير الياء.
والثالث قسم القضاة والعلماء والأئمة وأكابرهم، مثل قضاة القضاة بمصر - والشافعي خاصة بالشام - كل منهم بـ (المجلس العالي). وبقية قضاة القضاة:
(1/106)

الحنفي والمالكي والحنبلي بالشام، والحنفي والشافعي بحلب، وقاضي القضاة بطرابلس، وقاضي القضاة بصفد، ووكيل بيت المال المعمور بالديار المصرية، والخطيب بالشام، ووكيل بيت المال بالشام، ومن يجري مجراهم بـ (المجلس السامي) بالياء. وقد صار المحتسب بمصر والشام كذلك. وأما من دونهم من أرباب الوظائف الدينية وبقية العلماء وأكابرهم بـ (السامي) بغير ياء، ومن دونهم بـ (مجلس القاضي) أو (الشيخ) على قدر اللائق بذلك الشخص.

القسم الثالث: أهل الصلاح
وهؤلاء ما يخرج بهم عن (المجلس السامي الشيخي) أو (المجلس السامي الشيخ) أو (مجلس حضرة الشيخ) أو (الشيخ). ويستوون في الألقاب المفردة؛ وأما المركبة فيتفاوتون فيها بحسب أحوالهم، فيزاد بعض وينقص آخرون.

الرسوم في الكتب إلى أمراء العربان
اعلم أن المكاتبين من العربان بديار مصر وبرقة واليمن والحجاز والشام والعراق والبحرين أمم لا يقدر فيهم على الاستيعاب، وإنما نذكر جملا كافية دالة فنقول:
أما العرب بمصر في الوجهين القبلي والبحري فجماعات كثيرة وشعوب وقبائل لكنهم على سعة أموالهم واتساع نطق جماعاتهم ليسوا عند السلطان في الذروة ولا السنام، إذ كانوا أهل حاضرة وزرع، ليس منهم من ينجد ولايتهم، ولا يعرق ولا
(1/107)

يشئم، ولا يخرجون عن حدود الجدران، وعلى كل حال (فالمندل العرف في أرجائه حطب).
وأنبههم أمراء عرب البحيرة، وهم أشبه القوم بالتخلق بخلائق العرب في الحل والترحال، يغربون إلى القيروان وقابس، ويفدون على الحضرة السلطانية وفود أمثالهم من أمراء العرب. والإمرة فيهم لمحمد بن أبي سليمان وقائد بن مقدم.
ورسم المكاتبة إلى كل منهما: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأميري) والعلامة السلطانية: أخوه. - وأما من دونهما فنجم بن هجل شيخ عائذ بالشرقية.
ورسم المكاتبة إليه: (هذه المكاتبة إلى مجلس السامي الأمير).
وناصر الدين عمر بن فضل بالصعيد. ورسم المكاتبة إليه مثل نجم.
وشيخ الحداربة سمرة بن مالك، وهو ذو عدد جم وشوكة منكية، يغزو الحبشة وأمم
السودان، ويأتي بالنهاب والسبايا، وله أثر محمود، وفعل مأثور. وفد على السلطان وأكرم مثواه، وعقد له لواء وشرف بالتشريف وقلّد ذلك، وكتب إلى
(1/108)

ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته، والركوب للغزو معه متى أراد. وكتب له منشور بما يفتح من البلاد، وتقليد بإمرة العربان القبلية مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته، وتركز رايته.
ورسم المكاتبة إليه: (السامي الأمير) كمن تقدم.
وأما عرب برقة فلم يبق فيهم من إلا جعفر بن عمر، وكان لا يزال بين طاعة وعصيان، ومخاشنة وليان، وكانت أمراء عرب البحيرة تغري به، وتغير خاطر السلطان عليه، والجيوش في كل وقت تنهد إليه، وقل أن ظفرت منه بطائل أو رجعت بمغنم، وإن أصابته نوبة من الدهر. وآخر أمره أن ركب طريق ألواح حتى خرج من الفيوم وطرق باب السلطان لائذا بالعفو، ووصل ولم يسبق به خبر ولم يعلم السلطان به حتى استأذن المستأذن له عليه وهو في جملة الوقوف بالباب، فأكرم أتم الكرامة، وشرف بأجل التشاريف وأقام مدة في قرى الإحسان وإحسان القرى، وأهله لا يعلمون بما جرى، ولا يعرفون اين يمم ولا أي جهة نحا، حتى أتتهم وافدات البشائر، وجاءتهم منه ليتحققوا صحة خبره الأمائر، وقال له السلطان: لأي شيء ما أعلمت أهلك بقصدك إلينا؟ فقال: خفت أن يقولوا: يفتك بك السلطان، فاتثبط. فاستحسن قوله، وأفاض عليه طوله. ثم أعيد إلى أهله، فانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء، ولا رثى له صاحب، ولا شمت به عدو.
(1/109)

ورسم المكاتبة إليه: (السامي الأمير) مثل الأول.
وأما اليمن فقد كانت كتب أمراء الأشراف وردت على حضرة السلطان، ولا يحضرني الآن أسماؤهم، وإنما كتب إليهم نسبة هذه المكاتبة إلا المنسوب إلى قربى الإمام فكتب إليهم بـ (السامي) بالياء؛ وأما الإمام فقد تقدم ذكره.
وممن يكاتب من عرب اليمن: الدواسر وزبيد. كان ذلك إلى رجال منهم بسبب خيل تسمى للسلطان عندهم، وكنا نكتب إليهم على قدر ما يظهر لنا بالاستخبار عن مكانة الرجل منهم. وكلها ما بين (المجلس السامي الأمير) وما بين (مجلس الأمير) ليس إلا.
وأما الحجاز فعربانه على قسمين: قسم منهم أهل الدربين المصري والشامي؛ وليس فيهم
من هو في عير ولا نفير، ولا يحل في ذروة ولا غارب. وأجل من فيهم إذا كتب له (مجلس الأمير) كان كمن سور وطوق، لا بل طيلس وتوج. وأما أمراؤه السراة فشيوخ لأم وخالد والمنتفق وعائذ الحجاز؛ وهؤلاء من كان منهم المشار إليه كتب إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأميري)؛ والعلامة
(1/110)

الشريفة إليه (أخوه). ثم من يليهم (بالسامي) بغير ياء ثم الأعيان من بقيتهم (مجلس الأمير).
وأما عربان الشام فهم جل القوم وعين الناس، ولا عناية للملوك إلا بهم، ولا مبالاة بغيرهم. ورأس الكل آل فضل، وآل مراء، وآل علي وهم من آل فضل. وفضل ومراء أخوان، وهما من سلسلة من طييء وهم يزعمون أنهم من ولد علي بن جعفر بن يحيى البرمكي من العباسة بنت المهدي؛ ولو اقتصروا على عددهم في طييء كان أبذخ لشرفهم وأقوم لفخارهم، إذ لا تعدل العرب بفارس. وأما جماعتهم فمن أشتات العرب على اختلاف الشعوب والقبائل مستخدمون معهم أو منضمون إليهم.
أ - والبدأة بآل فضل، إذ كانوا في نحر العدو، ولهم العديد الأكثر، ولهم المال الأوفر. وآل علي منهم، وإنما نزلوا غوطة دمشق حيث صارت الإمرة إلى عيسى بن مهنا. وبقي عيسى بن مهنا جار الفرات في تلابيب التتار، ولهذا يضاعف إكرامهم، وتوفر لهم الإقطاعات، وتسنى العطايا. وقد صاروا الآن أهل بيتين: بيت مهنا بن
(1/111)

عيسى وهو المعبر عنه بأمير آل فضل وبيت فضل بن عيسى. وتقسمت بقية بني عيسى على قسمين مع أهل كل بيت منهما قسم.
والمكاتبة إلى الأمير منهم: (أدام الله نعمة المجلس العالي، الأميري) بألقاب جليلة معظمة مفخمة.
وأما من هو نظيره أو مدانيه وعدته الإمرة، فرسم المكاتبة إليه:
(صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي)، ومن دونه (السامي الأميري). وكل هؤلاء لهم العلامة الشريفة (أخوه). فمن دون هؤلاء (السامي الأمير). والعلامة الشريفة: الاسم الشريف.
ب - وأما أمير آل علي فرسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأميري) والعلامة الشريفة (أخوه).
ج - وكذلك أمير آل مراء، ومنازلهم بلاد حوران. ومن دون هؤلاء من أقاربهم
(1/112)

لأعيانهم (السامي الأمير)، ولمن دونهم من الصغار (مجلس الأمير)، فهؤلاء الأمراء المنظور إليهم بالإجلال الموفر لهم حظ الإقبال.
د - ودون هؤلاء بنو عقبة. ورسم المكاتبة إلى أميرهم مثل أمير آل مراء، وكذلك رسم المكاتبة إلى أقربائه كأقرباء أولئك.
هـ - وأما بنو مهدي، ومنازلهم البلقاء من مضافات دمشق ونسبهم في عدوة، فإمرتهم في أربعة، رسم المكاتبة إلى كل منهم: (مجلس الأمير).
ووكذلك عرب غزة فإمرتهم آل فضل بن حجي ورسم المكاتبة إليه: (مجلس الامير).
وأما العرب الذين بالحفار وهي منازل الرمل فلا يؤبه إليهم، ولا يعبأ بهم.
ز - أما بقية عرب الشام نحو زبيد المرج، وزبيد حوران، وخالد حمص، والمشارقة، وغزية إذا أطاعوا، وزبيد الأحلاف فأجل كبرائهم وأشياخهم من يكتب له (مجلس الأمير) وهؤلاء جملة عرب الشام.
وأما عرب العراق: وهم عبادة وخفاجة؛ ومن بني عبادة بنو عز، وهم
(1/113)

جماعة فأجل من يكتب إليه منهم رسمه: (هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأمير).
وأما عرب البحرين: فمنهم قوم يصلون إلى باب السلطان وصول التجار، يجلبون جياد الخيل وكرام المهاري واللؤلؤ وأمتعة من أمتعة العراق والهند، ويرجعون بأنواع الحباء والإنعام والقماش والسكر وغير ذلك، ويكتب لهم بالمسامحة فيردون ويصدرون. وبلادهم بلا زرع وضرع، وبر وبحر، ولهم متاجر مربحة، وواصلهم إلى الهند لا ينقطع، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، ولهم قصور مبنية، وآكام علية، وريف غير متسع، إلى ما لهم من النعم والماشية، والحاشية والغاشية؛ وإنما الكلمة قد صارت بينهم شتى والجماعة مفترقة.
ورسم المكاتبة إلى كبرائهم: (بالسامي) بالياء. والعلامة الشريفة (أخوه). ثم ما دون لك لمن دونهم. فاعلم ذلكن فهؤلاء جملة العربان المكاتبين.

وأما المطلقات
فأقسامها لا تخرج عن ثمانية أنواع: إلى الوجه القبلي؛ وإلى الوجه البحري، وإلى عامة الديار المصرية، وغلى بعض البلاد الشامية، وإلى كل البلاد الشامية، وإلى بعض أولياء
الدولة كالأمراء بدمشق أو حلب، وإلى قبائل العرب أو التركمان أو الأكراد أو بعضهم.
فهذه جملة ما يكتب فيها المطلقات.
(1/114)

والمطلقات على ضربين:
الأول: المطلقات المكبرة؛ وهي ما يكتب إلى سائر النواب بالمماليك الشريفة، خلا سيس فإنها مستنجدة. غير أنه إن رسم بإضافته إليهم فيحتاج إلى تحرير الحال في أمره: هل يكتب له بعد نائب طرابلس أو بعد نائب صفد؟ ولا يمكن أن يكون بعد مقدم العسكر بغزة، ولا نائب الكرك، لأن رتبته في المكاتبة أعلى منهما؛ فإنها نظير مكاتبة نائب طرابلس وحماة وصفد.
الثاني: المطلقات المصغرة؛ وفي كلها يكتب: (مثالنا هذا إلى كل واقف عليه من المجالس السامية، الأمراء، الأجلاء، الأكابر، المجاهدين، المؤيدين، الأنصار، الغزاة، الأنجاد، الأمجاد، أمجاد الإسلام، أشراف الأمراء، أعوان الدولة، عدد الملوك والسلاطين: الولاة، والنواب، والشادين، والمتصرفين بالوجه الفلاني، أو بالديار المصرية، أو بالبلاد الشامية، أو بالبلاد الفلانية، أو بالديار المصرية والبلاد الشامية وسائر الممالك الإسلامية. وقد يزاد في هذا لمقتضيه: (والتغور والحصون والأطراف المحروسة).
فإذا كان إلى الممالك الإسلامية قيل: (بالديار المصرية، والبلاد الشامية،
(1/115)

وسائر الممالك الإسلامية المحروسة، وما جاورها من البلاد الشرقية، والممالك القانية).
وقد يكون إلى جهة الروم فيقال: (وما جاورها من البلاد الرومية وما يليها).
فأما إذا كان إلى بعض أولياء الدولة نظر: فإذا كان إلى عامة أمراء دمشق قيل:
(صدرت هذه المكاتبة إلى المجالس العالية الأمراء) وبقية الألقاب من نسبة ما يكتب للمجلس العالي. فإذا انتهى إلى أعضاء الملوك والسلاطين، أو عضد الملوك والسلاطين - ويجوز إطلاق هذا الإفراد على الجمع - قال: (جماعة الأمراء مقدمي الألوف، وأمراء الطبلخانات، وسائر مجالس الأمراء أمراء العشرات، ومقدمي الحلقة المنصورة).
فأما ما يكون لأمراء حلب أو غيرها من الممالك (فبالسامية).
وإن كان لأمراء العربان أو التركمان أو الأكراد كتب على عادة المطلقات (بالسامية) وكتب بعد (عدد الملوك والسلاطين): (الجماعة الفلانية) أو غير ذلك مما يقتضي التعريف بمن
كتب إليه.
ثم بعد (التعريف) في المطلقات: (الدعاء)، ثم الإفضاء إلى الكلام.
وفي آخر المطلقات يتعين أن يقال: (فليعلموا ذلك ويعتمدوه بعد الخط الشريف أعلاه) أو (وسبيل كل واقف عليه العمل به بعد الخط الشريف أعلاه).
وعنوان المطلقات مخالف لعنوان الكتب المفردة للآحاد: فإن تلك في ظاهر الورق، وهذه في باطن الورق، فوق وصلين أو ثلاثة، فوق البسملة، إذ كانت لا تختم. ويقال فيها: (مثال كريم مطلق إلى الولاة والنواب) أو غير ذلك من نحو ما في الصدر، ويضمن العنوان ملخص ما فيه، ثم يقال: (على ما شرح فيه) أو (حسبما شرح فيه).
(1/116)

وجميع المطلقات لا تختم، اللهم إلا بعض ما هو لأولياء الدولة، إذا كان في سر يكتم ولا يراد إظهاره إلا عند الوقوف عليه، فيختم على عادة الكتب، فاعلم ذلك.

وأما ترجمة العلامة بالقلم الشريف
فنقول: أكثر من يكتب إليه من الأمراء ومماليك البيت الشريف فترجمته بالخط الشريف: (والده)، ومن دون ذلك (الاسم الشريف).
وأما الغرباء: كملوك المسلمين، والعربان، وأكابر القضاة، وأهل الصلاح، والأكابر فترجمته بالخط الشريف: (أخوه) ومن دون ذلك: (الاسم الشريف). والترجمة على التواقيع الشريفة مطلقا: (الاسم الشريف)، وعلى المناشير مطلقا: (العلامة الشريفة)، وعلى شواهد ما يكتب ما صورته: (يكتب).
ويكتب لكبار ملوك الإسلام (الطغرا) فوق البسملة وهي: (السلطان الملك الفلاني، فلان الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، ملك البسيطة) بألقاب طوال، ذهب، مزدوجة، سطر واحد. ويكتب الاسم بين الألقاب: قاطع ومقطوع، وتحته: (خلد الله سلطانه).
(1/117)

وأما جميع ملوك الكفار فإن الكتب التي تكتب إليهم لا يشملها الخط الشريف بالجملة الكافية، وإنما يكتب فوق البسملة في الكتاب - بخط الكاتب عوض العلامة الشريفة - أسطر قصيرة ببياض من الجانبين ما صورته، وتسمى الطغرا أيضا:
من السلطان الأعظم، الملك الفلاني، العالم، العادل، المجاهد، المرابط، المثاغر، المؤيد، المظفر، المنصور، الشاهنشاه، فلان الدنيا والدين، سلطان الإسلام، والمسلمين، محيي العدل
في العالمين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، ظل الله في أرضه، القائم بسننه وفرضه، إسكندر الزمان، مملك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان، واهب الأقاليم والأمصار، مبيد الطغاة والبغاة والكفار، حامي الحرمين، خادم القبلتين، جامع كلمة الإيمان، ناشر لواء العدل والإحسان، سيد ملوك الزمان، إمام المتقين، قسيم أمير المؤمنين، أبي فلان، فلان ابن السلطان الشهيد الملك الناصر، والد الملوك والسلاطين، أبي المعالي محمد، خلد الله سلطانه ونصر جنوده وجيوشه وأعوانه.
(1/118)

القسم الثاني من الكتاب
في عادات العهود والتقاليد والتفاويض والتواقيع
والمراسيم والمناشير
اعلم أن هذا ينقسم إلى أقسام:
أ - فمنها عهود؛ ولا تكون إلا للخلفاء عن الخلفاء والملوك، ولا يكون إلا عن الخلفاء أو الملوك: تكتب لولاة العهد عن المستقلين. فأما من قام من الخلفاء بغير عهد ممن تقدم فإنما يكتب له مبايعة، ومعناها معنى الماجرى الذي يكتب. وأما من قام من الملوك بغير عهد من خليفة ولا ملك متقدم فلم تجر العادة بكتابة مبايعة له.
ب - ومنها تقاليد؛ ولا تكون إلا لكفلاء الملك، كأكابر النواب والوزراء ومن كان في معناهما؛ وقد يكون لأكابر قضاة القضاة.
فأما عامة القضاة فالواجب أن لا يسمى ما يكتب لهم إلا تفاويض.
فأما جمهور من عانى الكتابة في زماننا وما قاربه فعلى تسمية تواقيع، (ونبهنا على هذا لموضع الفائدة فيه). واعلم أنني لا أكتب هذا إلا تفاويض؛ وأما صغار النواب فيأتي ذكرهم في التواقيع إن شاء الله، فاعلم ذلك.
(1/119)

ج - ومنها تواقيع؛ وهي لعامة أرباب الوظائف، جليلها وحقيرها، وكبيرها وصغيرها، حتى النواب اللاحقين بشأو الكبار فمن دونهم. وعندي في هذا نظر: والذي أرى أن يكون لمن لحق بشأو الكبار منهم (تفاويض)، للصغار (مراسيم)، ولأدنى الطبقات منهم (تواقيع) لميزة السيوف على الأقلام؛ وكذلك تجري نسبة التواقيع على ما يكتب في المسامحات والإطلاقات.
د - ومنها مراسيم؛ وهي ما يكتب في صغائر الأمور التي لا تتعلق بولاية. ثم المراسيم: منها ما يستفتح بالبسملة، وهو للأهم، وما لا يستفتح بها، وهو لما هو أدنى، كأوراق الجواز في الطرق. ويكتب عن النواب مثل هذا في الإطلاقات من الخزانة العالية، والإهداء، والإسطبلات، وخزائن السلاح، وغير ذلك. ثم إذا فهمت ذلك فأعلم:

أولا: العهود
أ - عهود الخلفاء عن الخلفاء: لم تجر عادة سلف الفضلاء الكتاب أن يستفتحها بما يذكر، هو: (هذا ما عهد بع عبد الله ووليه فلان أبو فلان، الإمام الفلاني، أمير المؤمنين. عهد إلى ولده (أو إلى أخيه) الأمير السيد الجليل، ذخيرة الدين، وولي عهد المسلمين، أبي فلان وفلان، أيده الله بالتمكين، وأمده بالنصر المبين، وأقر به عين أمير المؤمنين). ثم ينفق كل كاتب بعد هذا على قدر سعته، ثم يقول: (أما بعد، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويصلي على نبيه سيدنا محمد) ويخطب في ذلك خطبة يكثر فيها التحميد وينتهي فيه إلى سبعة، ثم يأتي بعد ذلك بما يناسب من القول، ووصف فكر الذي يعهد فيمن بعده، ويصف المعهود إليه بما يليق من الصفات الجليلة. ثم يقول: (عهد إليه وقلده بعده جميع ما هو مقلده، لم رآه من صلاح الأمة، ومصالح الخلق، بعد أن استخار الله تعالى في ذلك، ومكث مدة يتدبر ذلك، ويروي فيه فكره وخاطره، ويستشير أهل الرأي والنظر، فلم ير أقوم منه بأمور الأمة ومصالح الدنيا والدين) ومن هذا ومثله، ثم يقال: (إن
(1/120)

المعهود إليه قبل منه ذلك) ويأتي في ذلك بما يليق من محاسن العبارة وأحاسن الكلام.
ب - ما يكتب عن الخلفاء للملوك: وطريق القدماء فيه على قريب من هذا النحو؛ وعليه كتب القاضي الفاضل عهدي أسد الدين شيركوه، وابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين؛ وهكذا كتب شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي عهدي العادل كتبغا والمنصور لاجين. فأما ابن لقمان فقد استفتح العهد المكتتب للملك الظاهر بيبرس بخطبة، وليس ابن لقمان بحجة، وإنما ذكرناه لكي لئلا يتمسك به من لم يعرف حقائق الأقدار. على أن الفاضل محيي الدين بن عبد الظاهر تبعه فيما كتب به للمنصور قلاوون.
(1/121)

ج - وما يكتب للملوك عن الملوك مثل ولاة العهود والمنفردين بصغار البلاد: فإنه لا تستفتح عهودهم إلا بالخطب. وكلما كثرت التحميدات في الخطب كان أكبر لأنها تدل على عظم قدر النعمة.
وللناس مذهبان فيما يكتب للملوك عن الخلفاء من الألقاب:
فالأول: أن يكتب (السلطان، السيد، الأجل، الملك الفلاني، العالم، العادل) مع بقية ما يناسب من الألقاب المفردة والمركبة.
والثاني: فعلى أن يكتب لهم: (المقام الشريف أو الكريم أو العالي) مجردا عنهما، ويقتصر
على المفردة دون المركبة. وأنا إلى رأي الأول أجنح، وعليه أعمل.
د - وأما ما يكتب عن الملوك لأولياء العهود والمفردين بصغار البلاد فيكتب لهم: (المقام الشريف أو الكريم أو العالي) مجردا عنهما، ويقتصر على المفردة دون المركبة. على أن في هذا ضابطا كان في القديم وهو أنه لا يكتب لملك إلا ما كان يلقب به من ديوان الخلافة بالنص من غير زيادة ولا نقص.

ثانيا: التقاليد
وأما التقاليد فلا تستفتح إلا بالخطب بـ (الحمد لله) وليس إلا؛ ثم يقال بعدها: (أما بعد)؛ ثم يذكر ما يسنح من حال الولاية وحال المولى وحسن الفكر فيمن يصلح، وأنه لم ير أحق من ذلك المولى، ويسمى، ثم يقال ما يفهم أنه هو المقدم الوصف أو المتقدم إليه بالإشارة، ثم يقال: (رسم الأمر الشريف، العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الفلاني) ويدعى له أن يقلد كذا، أو أن يفوض إليه كذا؛ والأول، أجل، ثم يوصي بما يناسب تلك الولاية مما لا بد منه، تارة جماليا، وتارة تفصيليا. وينبه فيه على تقوى الله تعالى، ثم يختم بالدعاء للمولى بالإعانة، أو التأييد، أو
(1/122)

المزيد، أو التوفيق، أو ما يجري هذا المجرى. ثم يقال: (وسبيل كل واقف عليه العمل به بعد الخط الشريف أعلاه).
ولفضلاء الكتاب في هذا أساليب، وتفنن كثير الأعاجيب، وكل مألوف غريب. ومن طالع كلامهم في هذا وجد ما قلناه، وتجلى له ما أبهمناه. والتقاليد يقال في عنوانها: (تقليد شريف لفلان بكذا).

ثالثا: التفاويض
وأما التفاويض فهي من هذا النمط، غير أنه لا يقال بعد الخطبة إلا (وبعد فإن) ولا يقال (يقلد)، وتكون أخصر من التقاليد. ويقال في تعريفها: (تفويض شريف لفلان بكذا).

رابعا: التواقيع
وأما التواقيع فهي على هذا الأنموذج؛ وقد يقال فيها: (أن يفوض) وقد يقال: (أن يرتب) و (أن يقرر)؛ وعنوانها: (توقيع شريف لفلان بكذا).
وقد تستفتح التواقيع بـ (الحمد لله) نحو ما تقدم، وقد تستفتح بقول: (أما بعد حمد الله). وقد
تستفتح بقول (أما بعد فإن). وقد تستفتح بقول: (إن أولى ما كان كذا) أو ما هذا معناه. وقد تستفتح بقول: (من حسنت طرائقه، وحمدت خلائقه) أو ما هذا معناه. وقد تستفتح بقول: (رسم بالأمر الشريف) بالألقاب السلطانية الكاملة، و (الحمد لله) أكبرها، و (رسم بالأمر الشريف) أصغرها، وما بينهما على الترتيب.
(1/123)

ومن استصغر من المولين لا يدعى له في آخر توقيعه، ولا يقال في آخر التواقيع على اختلافها: (وسبيل كل واقف عليه) بل يقال: (فليعتمد ما رسم به فيه بعد الخط الشريف أعلاه).

خامسا: المراسيم
وأما المراسيم فعلى هذا النحو، وينتهي في أقلها إلى: (رسم بالأمر الشريف، زاده الله شرفا) من غير إطالة.
فأما ما هو عن النواب في الإطلاقات فلا يكتب فيه إلا (العالي) خاصة، مجردة عن (الشريف) فاعلم ذلك.
واعلم أن شيخنا شهاب الدين محمود الحلبي - تغمده الله - قسم مقدار التحميدة أو التوقيع تقسيما لا أرضاه؛ والذي أراه اختصار مقدار التحميدة التي في الخطبة والخطب مطلقا، وإطالة ما بعد ذلك، والإطناب في الوصايا، اللهم إلا لمن جل قدره، وعظم أمره، فإن الأولى هي الاقتصار في الوصايا على أهم الجمليات؛ ويعتذر في الاختصار بما يعرف من فضله، ويعلم من علمه، ويوثق به تجربته، ومن هذا ومثله. والكاتب في هذا كله بحسب ما يراه، ولكل واقعة مقال يليق بها، ولملبس كل رجل قدر معروف لا يليق به غيره. وفي هذا غنى لمن عرف، وكفاية لمن علم.
(1/124)

سادسا: المناشير
أما المناشير فهي ما يكتب للأمراء والجند بما يجري في أرزاقهم من ديوان الإقطاع؛ وشأنه شأن ما تقدم، إلا أن المناشير أخصر، ولا وصايا فيها، ولا إطناب في مقاصد للكتاب يستوفيها. ومن كان مؤهلا لأن يكتب له تقليد كان منشوره من نوعه، ومن دون ذلك إلى أدنى الرتب من النسبة. إلا أنه لا يقال: (رسم بالأمر الشريف) وإنما العادة الجارية في
المصطلح أن يقال: (خرج الأمر الشريف) سواء كان أثناء المنشور أو ابتداءا.
ويكتب لكل ذوي الطبلخانات وأدناها من له أربعون طواشيا بـ (الحمد لله)، ولذوي العشرات ومن لا يبلغ حد أدنى الطلبخانات: (أما بعد الحمد لله). ويكتب لمقدمي الحلقة وجندها: (وخرج الأمر الشريف) ابتداءا. والمناشير لا يكتب في أواخرها المستند، ويكتب فيها كاتب الإنشاء إلى أن ينتهي إلى قوله: (أن يجري في إقطاعه) ثم يكتب نص ما كتب به من ديوان الإقطاع، وهو ديوان الجيوش، إلى أن
(1/125)

يكلمه، ويلتزم تاريخ المربعة الجيشية التي كتب على حكمها، لما يترتب على ذلك من المحاسبات.
وثم فائدة تعلم، وهي أن الأمير إذا رسم له بزيادة أو تعويض نظر: فإذا كان من ذوي الألوف أو من قاربهم كتب له: (أما بعد حمد الله)، وإن كان من ذوي الطلبخانات الصغار فمن دونهم حتى جند الحلقة كتب له: (خرج الأمر الشريف). فأما إذا انتقل الأمير من إقطاع إلى غيره كتب له على العادة نحو ما ذكرناه أولا كأنه مبتدءا.

الطغرى التي تكون بين الطرة والبسملة
وقد جرت العادة أن تكتب للمناشير الكبار - كمقدمي الألوف والطلبخانات - طغرى بالألقاب السلطانية، تكون فوق وصل بياض فوق البسملة. ولهذه الطغراوات رجل مفرد لعملها وتحصيلها بالديوان. فإذا كتب الكاتب منشورا أخذ من تلك الطغراوات واحدة وألصقها فيما كتب به، فاعلم ذلك.

في مقادير قطع الورق
وأما مقادير قطع الورق الذي يكتب فيه فللعهود: القطع الكامل بقلم مختصر الطومار، وللتقاليد قطع الثلثين وقطع النصف بقلم الثلث الكبير، وللتفاويض وكبار التوقيع والمراسيم: قطع النصف وقلم الثلث الخفيف، ولما دون ذلك من التواقيع والمراسيم: قطع الثلث وقلم التوقيعات، ثم لما دون ذلك: قطع العادة وقلم الرقاع. وهكذا حكم المناشير في الترتيب.
وهذا منتهى تصل إليه، وتفصيل لائق قس عليهن وبالله التوفيق.
(1/126)

وأما المستندات فقد تقدم أن المناشير لا يكتب في آخرها المستند؛ وأما التواقيع والمراسيم والمربعات والكتب فإنها يبين فيها سبب ما كتب به؛ وأما ما كان مستند شاهده بتلقي (نائب
السلطة الشريفة) فإنه يكتب ما صورته: (بالإشارة العالية، الكافلية، الفلانية، أعلاها الله تعالى)، وأما ما كان شاهده بتلقي (أمير آخور) فإنه يكتب: (برسالة الجناب العالي، الأميري، الفلاني، أمير آخور الفلاني، ضاعف الله نعمته)؛ وأما ما كان شاهده بتلقي (الدودار) فإنه يكتب: (برسالة المجلس السامي، الأميري، الفلاني، أيده الله تعالى). وأما ما كان شاهده بتلقي صاحب ديوان الإنشاء الشريف فإنه يكتب: (حسب المرسوم)؛ وأما ما كان شاهده بتلقي صاحب ديوان الإنشاء والموقعين بدار لعدل فإنه يكتب (حسب المرسوم الشريف من دار العدل)؛ وأما ما كان شاهده من (ديوان الخاص الشريف) أو من ديوان الجيوش المصرية فيقال: (حسب المرسوم الشريف) ثم يقال فيه: (من ديوان كذا). وهذا شيء كان في المراسيم المربعة لا غير، وكان الذي يكتب في ديوان الإنشاء بما يتلقى عنهم يقال فيه: (حسب المرسوم الشريف) لا غير، كما يقال فيما يتلقاه صاحب ديوان الإنشاء، فأوجب في هذا الوقت أن يكون هذا الضابط في الجميع ليعرف المستند في الوقت الحاضر من غير تأخير.
وموضع كتابة المستند في التواقيع التي على ظهور القصص على الجانب الأيمن من الورقة، بين السطرين الأول والثاني، وفي البقية بعد التاريخ.
(1/127)

وأما أوراق الطريق فإنها لا يكتب فيها إلا: (حسب المرسوم الشريف) لا غير، وموضعها من ورقة لطريق موضعها من التواقيع التي على القصص، والله الموفق.
(1/128)

الوصايا
جملة من الوصايا التي تذكر في العهود
والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم
وهذا باب كبير، وللقلم فيه سبح طويل. ولو تكلفنا استيعاب الوصايا لألزمنا تكليف ما لا يطاق، وإنما تقدم منها المهم، ونأتي بالجوامع كالتبصرة للناظر، والتنبيه للغافل؛ ومن كان ذا خاطر تفجرت له ينابيعه، وجرت له شعابه.
1 - عهود الخلفاء إلى ولاة العهود وإلا الملوك، وعهود الملوك من الملوك، وكل ذلك في طبقة تتقارب؛ والوصية فيها:
بتقوى الله وإقامة حدوده، والشرع الشريف وتشييد عقوده، والوفاء بعهوده، وأخذ مال الله
بحقه، وصرفه في مستحقه، والاجتهاد على الجهاد، وحسن النظر للأمراء والأجناد، وطوائف العرب والتركمان والأكراد، وغزو أعداء الله برا وبحرا، وقصدهم حيث كانوا بعدا وقربا، ورعاية الرعايا وعمارة البلاد، وتأمين الجواد، وإضافة المهابة التي تقشعر لها عصب الفساد، وعمارة المعاقل والقلاع والحصون والثغور، وحماية الأطراف والمواني، وجمع كلمة الأمة، واستعباد القلوب بالإحسان،
(1/129)

وإقامة منار العدل والإنصاف، والأخذ من الظالم للمظلوم، وللضعيف من القوي، وتأمين الحرمين وبيت المقدس الذي هو ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال؛ وإقامة موسم الحج في كل عام، وتجهيز السبيل على أكمل العوائد، وإجراء ضرائح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - على أكمل ما يكون من الإكرام، والتوقير والاحترام، ورعاية من فيها من القومة والخدام، وتحرير معايير النقود والمعاملات، والتأني في ارتياد الأكفاء للولايات، وتقديم الأحق فالأحق، والوصية بذرية من يموت أبوه في موقف جهاد أو موضع خدمة، وببقايا أرباب البيوت، وصرف وجوه الصدقات والمرتبات التي أجرتها الملوك لذوي الاستحقاق - ما لم يكن مانع - وإجراء جهات الأوقاف على اختلافها في مجاريها، وصرفها في مصارفها، وعلى حكم شرط واقفها؛ وإذا بلغ الرأي المشورة استشار فيه واجتهد، وله رأيه. وليقم البريد وينصب له عيونا تأتيه بالأخبار، وتستنطق له ألسنة تشافهه بالأنباء. ولا يزال للأحوال متفقدا، وللأمور متعهدا، يبدأ بالأهم فالأهم، ويقدم الأولى فالأولى، ويحسن في كل أمر فعلا وقولا. وليكن في هذا كله بقوة من غير عسف، ولين من غير ضعف، وأناتا لا يتراخى بها مدد الإمهال، ولا تؤدي عواقبها إلى الإهمال). وغير هذا في هذا ومثله من كل ما يقال.
2 - وصية نائب سلطة:
(يوصى بتقوى الله وتنفيذ الأحكام الشرعية، ومعاضدة حكامها، واستخدام السيوف لمساعدة أقلامها، وتفقد العساكر المنصورة وعرضها، وإنهاضهم لنوافل الخدمة وفرضها، والتخير للوظائف، وإجراء الأوقاف على شرط كل واقف، والملاحظة الحسنى للبلاد وعمارة أوطانها، وإطابة قلوب سكانها، ومعاضدة مباشري الأموال مع عدم عما ألف من عدل هذه الأيام الشريفة وإحسانها، وتحصين ما لديه، وتحسين كل ما أمره إليه، واستطلاع الأخبار والمطالعة بها، والعمل بما يرد عليه من المراسيم المطاعة والتمسك بسببها؛ وأنه مهما
أشكل عليه يستضيء فيه بنور آرائنا العالية فهو يكفيه، ومن قتل من الجند أو مات وخلف ولدا يصلح لإقطاعه يعين
(1/130)

له ليقوم بمخلفيه، ويقال من هذا ليقوم بتمام الغرض ويوفيه).
3 - وصية وزير:
(يوصي بتقوى الله فإن عليه رقيب، وإليه أقرب من كل قريب، فليجعله أمامه، وليطلب منه لكل ما شرع فيه تمامه؛ وليجل رأيه في كل ما تشد الدولة أزرها، وتسند إليه ظهرها؛ وليجعل العدل أصلا يبني على أسه، والعمل في أموره كلها لسلطانه لا لنفسه؛ وليدع منه الغرض جانبا، وحظ النفس الذي لا يبدو إلا من العدو وليصدق من دعاه صاحبا؛ وليبصر كيف يثر الأموال من جهاتها، وكيف يخلص بيوت الأموال - بالاقتصار على الدراهم الحلال - من شبهاتها؛ ولينزه مطاعم العساكر المنصورة عن أكل الحرام فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يرى به من العين إلا ما يحرم الهجوع؛ وليحذر من هذا فإن المفاجئ به كالمخاتل؛ وليتجنب إطعام الجند منه فإن آكل الدرهم الحرام ما يقاتل؛ وليحسن كيف يولي ويعزل، ويسمن ويهزل، وعليه بالكفاة الأمناء، وتجنب الخونة وإن كانوا ذوي غناء؛ وإياه والعاجز، ومن لو رأى المصلحة بين عينيه رأى بينه وبينها ألف حاجز؛ وليطهر بابه، ويسهل حجابه، ويفكر فيما بعد أكثر مما قرب: مقدما للأهم فالأهم من المصالح، وينظر إلى ما غاب عنه وحضر نظر المماسي والمصابح؛ ولا يستبدل إلا بمن ظهر لديه عجزه أو ثبتت عنده خيانته؛ ولا يدع من جميل نظره من صحت لديه كفايته، أو تحققت عنده أمانته؛ وليسلك أقصد الطرق في أمر الرواتب التي هي من صدقاتنا الشريفة وصدقات من تقدم من الملوك، وهي إما لمن وجب له حق وإن كان غنيا أو عرف صلاحه وهو صعلوك؛ وكذلك ما هو لأيتام الجند الذين ماتوا على الطاعة، وأمثالهم ممن خدموا دولتنا القاهرة بما استطاعه: فإن غالب من مات منهم لم يخلف لهم إلا ما نسمح لهم به من معروف، ونجريه لهم من جار هو أنفع من كثير مما يخلفه الآباء للأبناء من المال المتملك والوقف الموقوف؛ وليصرف اهتمامه إلى استخلاص
(1/131)

مال الله الذي نحن أمناؤه، وبه يشغل أوقاته وتمتلي كالإناء آناؤه؛ فلا يدع شيئا يجب لبيت المال المعمور من مستحقه؛ ولا يتسمح في تخلية شيء منه كما أننا نوصيه أنه لا يأخذ شيئا إلا بحقه؛ وليبقي لأيامنا الزاهرة تواقيعه ذكرا لا يفنى، وبرا لا يزال ثمره الطيب من قلمه يجنى، ليكون من رياح
دولتنا التي تغتنم ما يثيره من سحابها المطير، وحسنات أيامنا التي ما ذكرنا وذكر معنا فيها إلا وقيل: نعم الملك ونعم الوزير!).
4 - وصية نائب القلعة:
(وعليه بحفظ هذه القلعة التي زفت إليه عقيلتها الممنعة، وجلبت عليه سافرة دونها السماء بالسحب مقنعة، وسلمت إليه مفاتيحها - وخواتيم الثريا أقفال - وأوقدت إليه مصابيحها - وقناديل البروق لا تشب لقفال؛ فليبدأ بعمارة ما دعت الحاجة إليه من تجديد أبنيتها، وتشييد أفنيتها، وشد عقودها، وعد ما لا يحصى في الذخائر من نقودها، وتنبيه أعين رجالها والكواكب قد همت برقودها، والأخذ بقلوب من فيها وتدارك بقية ذمائهم وتلافيها، وجمعهم على الطاعة، وبذر الإحسان فيهم إذا عرف أرضا تزكو فيها الزراعة، والتمادي لهم: فرب رجال تجزى عن عدة سنين في ساعة، وتحصين هذا الحصن المنيع بما يدخر في حواصله، ويستمد بعمارة البلاد المختصة به من واصله، وما يكون به من المجانيق التي لا ترقى عقاربها، ولا توقى منها أقاربها، ولا ترد لها مضارب، ولا يكف عن زباني زبانيتها كل ضارب، ولا يخطي سهمها، ولا يخفا بين النجوم نجمها، ولا يعرف ما في صندوقها المقفل، من البلاء المرسل، ولا في فخذها المشمر الساق عن النشاط الذي لا
(1/132)

يكسل؛ وغيرها من الرايات التي في غيرها لا تشد، ولسوى خيرها لا تعد، وما يرمى فيها من السهام التي تشق قلب الصخر، ويبكي خنساء كل فاقدة على صخر؛ وكذلك قسي اليد التي لا يد بها ولا قبل، وكنائن السهام التي كم أصبح رجل وبه منها مثل الجبل، وما يصان من العدد واللبوس، ويعد للنعم وللبوس، وما يمد من الستائر التي هي أسوار الأسوار، ولمعاصم عقائل المعاقل منها حلى سوى كل سوار، وهي التي تلاث لثمها على مباسم الشرفات، وتضرب حجبها على أعالي الغرفات؛ وسوى هذا مما تعتصم به شوامخ القلال، ويتبوأ به مقاعد للقتال، فكل هذا حصله وحصنه، وأحسبه وحسنه، وأعد منه في الأمن لأوقات الشدائد، واجر فيه على شأو من تقدم وزد في العوائد؛ وكن من هذا مستكثرا، وله على ما سواه مؤثرا، حتى لا تزال رجالك مطمئنة الخواطر، طيبة في غلق القلوب ما عليها إلا السحب المواطر، واعملوا بإعادة القلاع في غلق أبواب هذه القلعة وفتحها، وتفقد متجددات أحوالها في مساء كل ليلة وصبحها، وإقامة الحرس، وإدامة العسس، والحذار ممن لعله
يكون قد تسور أو اختلس، وتعرف أخبار من جاورك من الأعداء حتى لا تزال على بصيره، ولا تبرح تعد لكل أمر مصيرهم، وأقم نوب الحمام الذي قد لا تجد في بعض الأوقات سواه رسولا، ولا تجد غيره مخبرا ولا سواه مسؤولا، وطالع أبوابنا العالية بالأخبار، وسارع إلى ما يرد عليك منها من ابتداء وجواب، وصب فكرك كله إليها وإلى ما تتضمنه من الصواب).
(1/133)

5 - وصية أستادار:
(وليتفقد أحوال الحاشية على اختلاف طوائفها، وأنواع وظائفها، وليرتبها في الخدمة على ما يجب، وينظر في أمورهم نظرا لا يخفى معه شيء مما هم عليه ولا يحتجب؛ وليبدأ بمهم السماط المقدم الذي يقدم، وما يتنوع فيه من كل مطعم، وما يمد منه في كل يوم بكرة والعصر، وما يستدعى معه من الطوارئ التي لا يحدها الحد ولا يحصرها الحصر، وأحوال المطبخ الكريم الذي منه ظهور تلك المخافي، ووفاء ذلك الكرم الوافي، والتقدم إلى الأمناء والمشرفين فيه بأمانة الإنفاق، وصيانة المآكل مما يعاب على الإطلاق؛ ثم أمر المشروب وما تغلق عليه أبواب الشراب خاناه السعيدة من لطائف مأكول ومشروب، وشيء عزيز لا يوجد إلا فيها إذا عز المطلوب، ومراجعة الأطباء فيما تجري عليه قوانينها، وتشب لطبخه من جمر اليواقيت كوانينها، وإفراز ما هو للخاص الشريف منها وما هو للتفرقة، وما لا يصرف إلا بخط الطبيب ولا يسلم إلا إلى ثقة؛ ثم (الطست خاناه) السعيدة التي هي خزانة اللباس،
(1/134)

وموضع ما نبرز به من الزينة للناس، وما يحتاج إليه من آلات التطبيب، وما يعين لها من الصابون وماء الورد والطيب، وغير ذلك من بقية ما هي مستقره، ويؤخذ منها مستدره، ومن يستخدم بها ممن بريء من الريب، وعرف بالعفاف والأدب، وعلم أنه من أهل الصيانة، وعلى ما سلم إليه ومن خالطته الأمانة؛ ثم (الفراشخاناه) وما ينصب فيها من الخيام، وما يكون فيها من فرش سفر ومقام، وشمع يفضض كافور كافوريته آبنوس الظلام؛ ثم غلمان الإسطبل السعيد والنجابة، وإن كان إلى سواه استخدامهم، ولدى غيرهم مستقرهم ومقامهم، لكنهم ما خرجوا من عديده، ولا يروقهم ويروعهم إلا حسن وعده وخشن وعيده؛ ثم المناخات السلطانية وما بها من جمال، وما يسرح فيها من مال وجمال، ومن يستخدم فيها من (سيروان) و (مهمرد) وما فيها من قطار
مزدوج وفرد؛ فيوفر لهذه الجهة نصيبا من النظر يشاهد أمورها وقد غابت في الأقطار، وتفرقت كالسحب يلزمها القطار القطار؛ وليكونوا على باله فإنهم يسرقون ذرة الكحل من العين ومعهم الذهب العين محملا بالقنطار، فليحسن منهم الارتياد، وليتخير أرقهم أفئدة فإنهم بكثرة ملازمتهم للإبل مثلها حتى في غلظ الأكباد. وطوائف المعاملين، والأبقار ومن عليها من العاملين، وزرائب الغنم
(1/135)

وخولتها ورعائها، وأصناف البيوت الكريمة وما تطلبه في استدعائها، ونفقات الأمراء المماليك السلطانية في إهلال كل هلال، وما يصرف في كساويهم على جاري عادتهم أو إذا دعت إليه ضرورة الحال، وما يؤخذ عليه خطه من وصولات تكتب؛ واستدعاآت تحسب من لوازمه وهي للكثرة لا تحسب؛ فليكن لهذا كله مراعيا، ولأموره واعيا، ولما يجب فيه دون ما لا يجب مستدعيا أو إليه داعيا؛ وهو كبير البيت وإليه يرجع أمر كل مملوك ومستخدم، وبأمره يؤخر من يؤخر ويقدم من يقدم، ومثله يتعلم منه ولا يعلم، وعصاه على الكل محمولة على الرقاب، مبسوطة في العفو والعقاب، ومكانه بين أيدينا حيث نراه ويرانا ولدينا قاب قوسين أو أدنى من قاب.
وعليه بتقوى الله فبها تمام الوصايا وكمال الشروط، والأمر بها فعصاه محكمة وأمره مبسوط، وكل ما يناط بنا: من خاصة أمورنا في بيتنا - عمره الله ببقائنا وزاد تعميره - بتدبيره منوط).
6 - وصية مقدم المماليك:
(وليحسن إليهم، وليعلم أنه واحد منهم ولكنه مقدم عليهم، وليأخذ بقلوبهم إقامة المهابة التي يخيل إليهم بها أنه معهم وخلفهم وبين يديهم، وليلزم مقدم كل طبقة بما يلزمه عند تقسيم صدقاتنا الجارية عليهم: من ترتيب الطباق، وإجراء ساقية جارية من إحساننا إليهم ولا ينس السواق؛ وليكن لأحوالهم متعهدا، ولأمورهم متفقدا، وليستعلم أخبارهم حتى لا يزال منها على بصيرة، وليعرف ما هم عليه مما لا
(1/136)

يخفى عليه فإنهم إن لم يكونوا له أهلا فإنهم جيرة، وليأمر كلا منهم ومن مقدميهم والسواقين بما يلزمهم من الخدمة، وليرتبهم على حكم مكانتهم منا فإن تساووا فليقدم من له قدمة، وليعدل في كل تفرقة، وليحسن في كل عرض ونفقة، وليفرق فيهم ما لهم من الكساوى ويسبل عليهم رداء الشفقة، وليعد منهم لغابنا المحمي سباعا تفترس العادية، وليجمل النظر في أمر الصغار منهم والكبار أصحاب
الطبقات العالية، وليأخذهم بالركوب في الأيام المعتادة، والدخول إلى مكان الخدمة الشريفة والخروج على العادة، وليدرهم في أوقات البياكر والأسفار نطاقا دائر الدهليز المنصور، وليأمرهم أمرا عاما بأن لا يركب أحد منهم إلا بدستور ولا ينزل إلا بدستور، وليحترز عليهم من طوائف الغلمان، ولا يستخدم منهم إلا معروفا بالخير ويقيم عليه الضمان، وليحرر على من دخل عليهم وخرج، ولا يفسح لأحد منهم إلا من علم أنه ليس في مثله حرج، ولا يدع للريبة بينهم مجالا للاضطراب، وليوص مقدميهم بتفقد ما يدخل إليهم فإن الغش أكثره من الطعام أو الشراب، وليدم مراجعتنا في أمرهم فإن بها يعرف الصواب، وليعمل بما نأمره به ولا يجد جوى في جواب).
7 - وصية أمير آخور:
(وليكن على أمل ما يكون من إزاحة الأعذار، والتأهب لحركاتنا الشريفة في ليل كان أو نهار، مقدما الأهم فالأهم من الأمور، والأبدأ فالأبدأ من تقديم مراكبنا
(1/137)

السعيدة وتهيئة موكبنا المنصور، وترتيب ذلك كله على ما جرت به العوائد، وتحصيل ما تدعو الحاجة إليه على قدر الكفاية والزوائد، والنظر في جميع إسطبلاتنا الشريفة، والجشارات السعيدة، وخيل البريد، والركائب المعدة لقطع كل مدى بعيد، وما يجتمع في ذلك وينقسم، وما يركب منها ويجنب مما يسم الأرض بالبدور والأهلة من كل حافر ومنسم، وما هو برسم الإطلاق، وما يعد لمماليك الطباق، وخيل التلاد، وما يجلب من وقود كل قبيلة من القبائل ويجيء من كل بلد من البلاد، والمشترى مما يباع من المواريث ويستعرض من الأسواق، وما يعد للمواكب وللسباق، ولجل رأيه في ترتيب ذلك كله في مراتبه على ما تقتضيه المهمات، والاحتراز في التلاد مما لعله يبدل ويقال هو هذا أو يؤخذ بحجة أنه مات؛ وليجتهد في تحقيق ما نفق؛ وليحرره على حكم ما يتحقق عنده لا على ما اتفق، وكذلك ليكن فحصه عمن يستخدم عنده من الغلمان، ولا يهمل أمورهم مع معاملتهم بالإحسان، ولا يستخدم إلا من تشكر سيرته في أحواله، وتعرف خبرته فيما يراد من أمثاله؛ وكذلك الركابة الذين تملك أيديهم أعنة هذه الكرائم، والتحرز في أمرهم ممن لعله يأوي إليهم من أرباب الجرائم، والأوشاقية الذين هم مثل مماليكه وهم في الحقيقة إخوانه، وجماعة المباشرين الذين هم في مباشرة الإسطبلات السعيدة ديوانه، وكل هؤلاء يلزمهم بما يلزم أمثالهم من السلوك، ويعلمهم ما يجب عليهم أن
يتعلموه من خدمة الملوك، ولا يسمح لأحد منهم في أمر يفضي إلى إخلال، ولا يقتضي فرط إدلال، وليقم أودهم بالأدب فإن الأدب ما فيه إذلال؛ وكل هؤلاء الطوائف ممن يتجنب العامة مخالطتهم لما طار في أيام من تقدم على أمثالهم من سوء السمعة، ويتخوف منهم السرعة، فليكن لهم منك أعظم زاجر، ومن شكي إليك منهم فسارع إلى التنكيل به وبادر، وأشهر من فعلك بهم ما يوجب منهم الطمأنينة، ولا يعود أحد بعده يكذب يقينه،
(1/138)

وأمراء أخورية الذين هم أتباعكن وبهم يمتد باعك، هم بحسب ما تجعلهم بصدده، وما منهم إلا من يقدر أن يتعدى حده في مقام قدمه وبسط يده، فاجعل لكل منهم مقاما معلوما، وشيئا تجعل له فيه تحكيما؛ وتثمين الخيول المشتراة والتقادم قومها بأهل الخبرة تقويم عدل، وقل الحق ولا يأخذك فيه لوم ولا عذل، وما يصرف من العليق برسم الخيول السلطانية ومن له من صدقاتنا الشريفة عليق، مر بصرفه عند الاستحقاق واضبطه بالتعليق، وتصرف في ذلك كله ولا تتصرف إلى تصرف شفيق؛ وصنه بأقلام جماعة الديوان ولا تقنع في غير أوقات الضرورة برفيق عن رفيق؛ وكذلك البراسيم السنوية أصلا وزيادة، ولا تصرف إلا ما نأمر به وإلا فلا تخرج فيه عن العادة؛ ونزلاؤك من أمراء العربان عاملهم بالجميل، وزد في أخذ خواطرهم ولو ببسط بساط الأنس لهم فما هو قليل، لتضاعف رغبتهم في كل عام، وليستدلوا ببشاشة وجهك لهم على ما بعده من الأنعام؛ وبغال الكوسات السعيدة والأعلام المنصورة، وأبغال الخزانة العالية المعمورة، اجعلها من المهمات المقدمة، والمقدمات لنتائج أيام النصر المعلمة، ورتبتها في مواقفها، وأتمها أتم ما يكون من وظائفها، فبها تثبت مواقف العسكر المنصور، وإليها يأوي كل مستظل ورحى الحرب تدور، وغير ذلك من قماش الإسطبلات السعيدة من الذهب والفضة والحرير، وكل قليل وكثير، باشره مباشرة من لا يتخلى، وأحصه خرجا ودخلا، وإياك والأخذ بالرخص، أو إهمال الفرص، أو طلب فائت جرم أهملته حتى نكص).
8 - وصية والي حرب:
(وهو يعلم ما علق بذمته من أمر الجمهور، وقبل فيه قوله من ستر المهتوك وهتك المستور، وما يجمه سواد البلد من غثاء السيل، وما يغطي عليه دجى الليل من الويل، فليجعل هذا منه ببال، وليسترفع أوراق الصباح حتى لا يخفى عليه ما تستره
(1/139)

سود الليال؛
وليخمد نوائر العامة فإنها أطير شرارا من النيران، وليزعهم بهيبة السلطان فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ونحن نوصيه أن لا يغلق بابا مفتوحا ولا يفتح بابا مغلقا، ولا يقتل عقربا يمكن كف شرها بالرقا؛ وليتتبع المفسدين لإقامة ما أمر الله من الحدود، وليراجع الشرع الشريف إذا أبهم عليه المقصود، وليتغافل عمن تستر بداره في جنح الليالي الأثائث، وليعقم نسل الخمر فإنها أم الخبائث، وليرق ما ظفر به من أجلابها، وليؤدب تجارها وبئس التجار ويبالغ في آدابها، ولينصب الأرصاد على من دخل من أبواب المدينة أو أتى البيوت من غير أبوابها، وكذلك أختها في مخامرة العقل، وشقيقتها في التأديب، إن لم يكن الحد لعدم النقل؛ وهي الحشيش التي يعرف آكلها دون الناس بعينه، وتقضيه من سكر المدام ما فاته من دينه، وتبدو صفراء في وجهه سوداء في جسمه خضراء في فمه حمراء في عينه، مثلما تجريه الضرب المبرح من دمه فإنها طالما حسنت لأهلها الشهوات، وأعطته طعم المر وهي نبات، طال ما طلبها هي وأختها الخمر إبليس واستدعاها، وأخرج بها لسوائمه الضالة ماءها ومرعاها؛ وليخلص من الحقوق ما رفع إليهن ويطالب به من مطل به وقد أوجبه الحق عليه، ولينتقد أرباب الزغل نقد الصيارف لزيفهم المردود، وليقم عليهم السياسة إذا لم تمض عليهم الحدود؛ وليتفقد الحبوس في كل حين، ويتعرف أحوالها ليعرف ما يفعله عن يقين؛ وليستعد لطوارئ المهمات، وعوادي الملمات، ولا يبيت كل ليلة إلا وهو متأهب لإطفاء كل نار، وإخماد كل لهب وأولها نار الفتن وما يطير فيها من شرار، وإن وقع والعياذ بالله حريق في قطر من أقطار المدينة يعجل إليه البدار، ويعجل بهدم أبنيته وهدم ما حوله حتى لا يؤخذ الجار بالجار؛ وليكن عنده من طوائف السقايين والقصارين من لا يجد في خوض الماء مشقه، ولا تطول عليه شقه، ولا يرى جدارا دبت في أحشائه النار إلا ويطفئ بما عنده من الماء ما عنده من الحرقة؛ والحذر ممن في بابه فإنه لا دواء لدائهم العضال، ولا استقامة لمن حاد منهم
(1/140)

وحاد إلا بأخذ الروح والمال؛ ونحن منه بمرأى ومسمع، فليتق الله وليحذرنا ففي هذا وهذا الخير أجمع).
9 - وصية أتابك المجاهدين:
(وأنت ابن ذلك الأب حقيقة، وولد ذلك الوالد الذي لم تعمل له إلا من دماء الأعداء عقيقة؛ وقد عرفت مثله بثبات الجنان، وصلت بيدك ووصلت إلى ما لم يصل إليه رمح ولا قدر
عليه سنان، ولم يزاحمك عدو إلا قال له: أيها البادي المقاتل كيف تزاحم الحديد، ولا سمي اسمك لجبار إلا قال له: {وجاءت سكره الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}؛ وأنت أولى من قام بهذه الوظيفة، وألف قلوب هذه الطائفة التي ما حلم بها الحالم إلا وبات يرعد خيفة، فليأخذ هذا الأمر بزمامه؛ وليعمل لله ولإمامه، وليرم في حب البقاء الدائم بنفسه على المنية، ولينادم على معاقرة الدماء زهور سكاكينه الحنية. واطبع منهم زبرا تطاول السيوف بسكاكينها، وتأخذ بها الأسود في عرينها، وتمتد كأنها آمال لما تريد، وترسل كأنها آجال ولهذا هي إلى كل عدو أقرب من حبل الوريد؛ وأذك منهم شعلا إذا دعيت لأحسابها لا تجد إلا متحاميا، وارم منهم سهاما إذا دعيت بأنسابها الإسماعيلية فقد جاء أن إسماعيل كان راميا؛ وفرج بهم عن الإسلام كل مضيق، واقلع عن المسلمين من العوانية كل حجر في الطريق؛ وصرف رجالك الميامين، وتصيد بهم فإنهم صقور ومناسرهم السكاكين؛ واخطف بهم الأبصار فبأيمانهم كل سكينة كأنها البرق الخاطف، واقطف الرؤوس فإنها ثمرات أينعت لقاطف، واعرف لهم حقهم وضاعف لهم تكريما، وأدم لهم بنا بر عميما، وقدم أهل النفع منهم فقد قدمهم الله {وفضل الله المجاهدين
(1/141)

على القاعدين أجرا عظيما} - واعلم أنها مثل الوحوش فزد في تأنسهم، واشكر إقدامهم فطالما اقتحموا على الملوك وما هابوا يقظة حرسهم، وارفع بعضهم على بعض درجات في نفقات تسافيرهم وقعود مجلسهم، ولا تسو بينهم فما هم سواء و {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم}. وأصل هذه الدعوة ما زالت تنتقل بالمواريث حتى انتهت إلينا حقوقها، وأومضت بنا حيث خلعت هياكلها بجرعاء الحمى بروقها؛ والله تعالى يوفقه ويرشده، ويطول باعه لما قصرت عنه سواعد الرماح ووصلت إليه يده).
10 - وصية أمير مكة المعظمة:
(وليعلم أنه قد ولي حيث ولد بمكة في سرة بطحائها، وأمر عليها ما بين بطن نعمانها إلي فجوة روحائها، وأنه قد جعل له ولاية هذا البيت الذي به تم شرفه، وعلت غرفه، وعرف حقه له أبطحه ومعرفه، إذ كان أولى ولاة هذا الحرم بتعظيم حرماته، وسرور جوانبه بما يلوح من البشر على قسماته، ولأنه أحق بني الزهراء بما أبقته له آباؤه، وألقته إليه من حديث قصي جده الأقصى أنباؤه؛ وهو أجدر من طهر هذا المسجد من أشياء ينزه أن يلحق
به فحش عابها، وشنعاء هو يعرف كيف يتتبعها وأهل مكة أعرف بشعابها.
فليتق راية هذه الولاية باليمين، وليتوق ما يتخوف به ذلك البلد الأمين،
(1/142)

وليعلم أنه قد أعطى الله عهده وهو بين ركن ومقام، وأنه قد بايع الله، والله عزيز ذو انتقام، وليعمر تلك المواطن، ويعم ببره المار والقاطن، وليعمل في ذلك بما ينجث عنه نجاره، ويأمن به سكان ذلك الحرم الذي لا يروع حمامه فكيف جاره، ولينصت إلى اسمه عز وجل حيث يعلن به الداعي على قبة زمزم في كل مساء وليعرف حق هذه النعمة، وليعامل من ولي عليهم بما يليق أن يعامل به من وقف تحت ميزاب الرحمة؛ وقد أكد موثقه والله الله في نقضه، ومد عليه يده والحجر الأسود يمين الله في أرضه، وليتبصر أين هو فإن الله قد استأمنه على بيته الذي بناه، وسلمه إليه في بمشعره الحرام ومسجد خيفه ومناه؛ وإنه البيت المقصود: وكل من تشوق حمى ليلى فإنما قصده أو لعلع بلعلع فإنما عناه؛ وفي جمعه يجتمع كل شتيت، وفي ليالي مناه يطيب المبيت، وبمحصبه تقام المواسم، وتفتر الثغور البواسم، وتهب من قبل نعمان الرياح النواسم، وفي عقوة داره محط الرحال في كل عام، ومقر كل ذات عود تجذب بقلع وعوذ تقاد بزمام، وإليه تضرب الرجال البراري والبحار، وتأتيه الوفود على كل قطار يحدى من الأقطار؛ وكل هؤلاء إنما يأتون في ذمام الله بيته الذي من دخله كان آمنا، وإلى محل ابن بنت نبيه الذي يلزمه من طريق بر الضيف ما أخذ لهم وإن لم يكن ضامنا.
فليأخذ بمن أطاع من عصى، وليردع كل مفسد ولا سيما العبد فإن العبد لا يزجره إلا العصان وليتلق الحجاج بالرحب والسعة، فهم زواره وقد دعاهم إلى
(1/143)

بيته وإنما دعاهم إلى دعة؛ وليتلق المحمل الشريف والعصائب المنصورة، وليخدم على العادة التي هي من الأدب مع الله معنى ومعنا صورة؛ وليأخذ بخواطر التجار فإنهم سبب الرفق لأهل هذا البلد وتوسعة ما لديهم، والمستجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم - صلوات الله عليه - إذ قال: {واجعل أفئدة من الناس تهوي إليه}، ولا تتحيف أموالهم بغرامة يقل بها الغنم، ولا بظلامة فإنه بإبراز هذا البيت الذي يرد دونه من اراد فيه إلحادا بظلم؛ ولينظر كيف حبس دونه الفيل، وليكف عادية من جاوره من الأعراب حتى لا يخاف ابن سبيل؛ وليقم شعائر الشرع المطهر، وأوامر أحكامه التي قامت بأبويه: بحكم جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
وسيف أبيه حيدر؛ وليأمر طوائف الأشراف وأشياعهم وسائر أهل موالاتهم وأتباعهم بلزوم ما كان عليه صالح السلف وما عليه الإجماع، وتجنب ما كانت الزيدية قد زادت فيه وكف الأطماع؛ وليتق الله فإنه مسئول لديه عما استرعاه وقد أصبح وهو له راع؛ وإياه أن يتكل على شرف بلده، فإن الأرض لا تقدس أحدا، أو شرف محتده، فإن يوم القيامة لا ينفع فيه ولد والدا ولا والد ولدا).
11 - وصية أمير المدينة المشرفة:
(فكمل بتقوى الله شرفك، واتبع في الشريعة الشريفة سلفك؛ وكتاب الله المنزل؛ أنتم أهل بيت فيكم تنزل، وسنة جدكم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تهمل، وهي مجدكم المؤثل، ومعرفة حق من مضى عنكم، وإلا فعمن تنقل، ومنكم، وإلا فممن تؤمل؛ وإزالة البدع وإلا فلأي شيء سيوفكم تصقل، ولماذا رماحكم تعدل؛ والرافضة وغلاة الشيعة هم دنس من انتمى إلى هذا البيت الشريف بولائه، وسبب وقوف من يقصد الدخول تحت لوائهن فهم وإن حسبوا من أمداده، ليسوا - وحاشى نوره الساطع - إلا من المكثرين لسواده؛ أرادوا حفظ المودة في القربى فأخلوا، وقصدوا تكثير عددهم فقلوا، وأنف من هو بريء من سوء مذهبه من أن يتظاهر بالولاء فيعد في أهل البدع بسببهم، مع أنهم طمعوا في رضى الله فأخطأتهم المطامع، وصحيح أنهم
(1/144)

زادوهم عددا إلا أنها كزيادة الشغياء أو كزيادة الأصابع. فصمم عزمك على ما عاهدت الله عليه من رفع أيدي قضاتهم، ومنعهم هم ومن اتبع خطوات الشيطان في سبيل مرضاتهم، وحذرهم مما لا يعود معه على أحد منهم ستر يسبل، ولا يبقى معه لغير السيف حكم يقبل؛ فمن خاض للسلف الصالح يم ذم أغرق في تياره، أو قدح فيهم زناد عناد أحرق بناره؛ وألزم أهل المدينة الشريفة بكلمة السنة فإنها أول ما رفعت بتلك المواطن المعظمة أعلامها، وسمعت في تلك الحجرة المكرمة أحكامها، مع تعفيه آثار ما ينشأ على هذه البدعة من الفتن حتى لا ينعقد لها نقع مثار، وتوطئة أكناف ذلك الحمى لئلا يبقى به لمبطل في مدارج نطقه عثار؛ والوصية بسكان هذا الحرم الشريف ومن ينزل به من نزيل، ويجاور به مستقرا في مهاد إقامة أو مستوفزا على جناح رحيل، ومن يهوي إليهم من ركائب، ويأوي إليهم من رفقة مالت من نشوات الكرى بهم راقصات النجائب، ومن يصل من ركبان الآفاق، وإخوان نوى يتشاكون إليهم مر الفراق، ومن
يتلاقى بها من طوائف كلهم في بيوت هذا الحي عشاق، وأمم شتى جموعهم من مصر وشام ويمن وعراق، وما يصل معهم في مسيل وفودنا، وسبيل جودنا، ومحاملنا الشريفة التي ينصب لنا بها في كل أرض سرير، وأعلامنا التي ما سميت بالعقبان إلا وهي إليها من الأشواق تطير؛ فمتى شعرت بمقدم ركابهم، أو برقت لك عوارض الأقمار من سماء قبابهم، فبادر إلى تلقيهم، وقبل لنا الأرض في آثار مواطيهم، وقم بما يجب في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وطاعتنا، وأخرج عنهم كل يد ولا تخرجهم عن جماعتنا.
وأهل البادية هم حزبك الجيش اللهام، وحربك إذا كان وقودها جثث وهام، وهم قوم لهم يؤدبهم الحضر، ولا يبيت أحد منهم لأنفته على حذر؛ فاستجلب بمداراتك قلوبهم الأشتات؛ وبادر حبال إبلهم النافرة قبل البتات، وترقب مراسمنا
(1/145)

المطاعة إذا ذرت لك مشارقها، وتأهب لجهاد أعداء الله متى لمعت لك من الحروب بوارقها، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولولا أن السيف لا يحتاج إلى حلية لأطلنا حمائل ما نمليه عليك، فما شهد للشريف بصحة نسبه، أزكى من عمله بحسبه؛ والله تعالى يقوي أسبابك المتينة، ويمتع العيون بلوامعك المبينة، ويمسك بك ما طال به إرجاف أهل المدينة).
12 - وصية ناظر الحرمين:
(وليعلم أن نظره في هذا البيت المقدس نظير نظره في البيت المحرم، وأن تذممه بضريح الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام مثل تذممه بقبر ابنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه إذا أم القدس كان تشبيها بقصد مكة إذا يمم، وإذا زم المطايا إلى عين سلوان كان كمن زم إلى زمزم، وإذا زار بلد الخليل كان مثل من زار طيبة إلا أنه ما أسبل فاضل برده ولا تلثم، وإذا علا نشزا من جبال الأرض المقدسة كان كأنما علا جبال الحجاز وإن لم تحد ركائبه بأحد ولا ألم يلملم.
فليباشر هذا النظر بعين لا تمل من النظر، ولا تخل بمصالح يوفي بها النذر من نذر، وليتعهد هذين الحرمين الشريفين متعهدا لأوقافهما تعهد المطر، وليتردد في أكنافهما وليتفقد دوام إسعافهما بما وصلت إليه طاقته وما قدر، وليقم وظائفهما أتم القيام، وليدم عوارفهما التي تعم من جاور فيهما مقيما أو مر بهما وما أقام؛ وليلزم أرباب الخدم فيهما بما يلزم كلا منهم عمله، وليرم في قلوبهم رعبا لا يغيب عن عيانهم، وليمد السماط الكريم للظاعن
والمقيم، وليعلم أنه قد ناب عن صاحبه عليه
(1/146)

الصلاة والسلام في إفاضة بره العميم، وإضافة الطارق المنتاب في ضحى النهار ودجى الليل البهيم، ووقف في بابه يتلقى الضيفان وهو يعلم ما يلزم من وقف في باب كريم؛ وليبسط يديه بسماح ذلك الجود، ويفتح ويمد ذلك السماط فإنهما ما انقطعا من الوفود.
وأصل الوصايا تقوى الله، وما ينبه على وصية إلا وفيه أحسنها، وبآدابه الحسنى يقمع مسيئها ويزاد محسنها).
13 - وصية أمير العرب:
(والتقوى درعك الحصين، والشرع الشريف سبيلك المبين، والحدود والقصاص بهما تمنع المحارم، والجهاد فإن فيه شفاء لصدور الصوارم؛ فاقتد بالإنصاف زمام زمانك، واثن إلى الحق عنان عنانك، وفرغ فكرك لمصالح الإسلام، وامنع كل طارق حتى الطيف في الأحلام، ومزق بعزمك جلابيب الديجور، وفرق بغوثك والصبح بالكوكب الدري منحور، واستعلم أخبار العدا في طليعة كل صباح، وتأهب لهم فرب يوم يجيء بوجه وقاح، واثبت في اللقاء ثبات مجرب، وتطلع إلى جموعهم التي كم ناظر إليها مع الصبح نجم مغرب، ولا تفارق من وجه البلاد وسيما، ولا تشم من غير الطيبة نسيما، وإذا نزلت على الباب فلا تطلب سوى البراعة له قسيما، ولا تتبدل بالفرات واردا، ولا تتبعك المناظر إذا أرسلت طرفك إلى سواها رائدا؛ واضرب بقارعة الطريق خيامك، وانشر للمعتافين غمامك، وطنب دخانك إلى السماء وابسط ضرامك، وأقبل على الذكر الجميل فكل شيء غاد ورائح، وأنزل بساحتك الضيوف وانحر لهم كوم والهجان وكل طرف سانح، واحفظ أطراف البلاد ممن يتولع ببنانها، أو يترصد لمرابع أسودها أو مراتع غزلانها، وخص الرعايا
(1/147)

برعاية تنبت لهم الزروع، وتدر من سوائمهم الضروع، ولا تدخل إلى البرية إلا إذا لم يبق لك بالبلاد مقام، ولا منزل بين شيح وخزام.
وأما العرب فهو أميرهم المطاع، وآمرهم وهم له أتباع، وهو يعرف مقاديرهم، وكيف يعامل كبيرهم وصغيرهم، فليجمعه على طاعتنا الشريفة ما استطاع؛ وليمنعهم من طبع الطباع، وليصدعهم بالحق على حكم استحقاقهم في كل إقطاع واقتطاع؛ وهو بما يصلح لركابنا العالي من الخيل جد خبير، وبما يناسب سرجنا الشريف من كل سابق وسابقة مالها
نظير؛ فليأخذ نفسه وإخوته وبني عمه وأهله وعترته الأقربين، بأن يكونوا بالجياد إلينا متقربين، ومتى وردت عليه مراسمنا الشريفة بأمر سارع إلى العمل بحكمه، أو اتصل متجدد يعلمنا منه بما وصل إلى علمه.
وهذا تقليدنا الشريف حجة على من سمعه، أو قصد في خلافه تفريق كلمة مجتمعه. ومرسومنا أن ينقل مضمونه إلى الآفاق، ويعلم به كل مصعد إلى الشام ومنحدر إلى العراق، ليحدو به كل حاد الركاب تساق، ويسمر به في كل حي سامر يتجاذب حواشي حديثه الرفاق، ويتناجى كل راكب مطية وفارس مطهمة عناق؛ فمن بلغنا أنه حاد عن أمره، أو تأول في نقض لرفعة قدره، فالسيف أسبق شيء إلى نحرهن والموت أعجل إليه لأنه فتح من فمه ما كان مسدودا من باب قبره).
14 - وصية مقدم الأكراد:
(فليجمع أشتات هذه الفرق، وليجمع من شملهم ما افترق، وليؤلف قلوب أكابرهم ممن نفر، وليذهب بأس بينهم ليكون بأسهم فيمن كفر، وليخلص أظفار
(1/148)

بعضهم من بعض ليخلص الظفر، وليقرر عندهم أن إحساننا إليهم غير منزور، وأن أقل شبرا أقطعناهم من الأرض خير لهم عند الله وعند أنفسهم مما لهم من أقصى العجم إلى شهرزور، وأن أكنافنا الموطئة لهم خير من تلك الجبال الموعرة، وأن بلادنا الآمنة أقر لهم من تلك البلاد التي لا تزال محاصرة أو محصرة؛ وليعرف حق قبائلهم على اختلاف الشعوب، وأنواع الطوائف التي لو اتفقت كلمتها لما وجدت خيلا تكفيها في الركوب، وليكرم منهم ذوي البيوت الكريمة، والإمرة القديمة والأصول التي بلغت السماء فروعها، وحلت لمعان الشموس سيوفها المبرقة ودروعها؛ وليعلم أن صدقاتنا العميمة غير قليلة، وأن رعايتنا الشريفة ستعمهم وتوقد نار كل قبيلة، وأننا لا ينقص عندنا بخت (بختي)، ولا ننسى طرف (ديسني)، ونحل أزرار (زرزاري) إلا لنلبسه الملبس السني، ولا نسهر طرف (سهري) إلا لينام قرير العين، ولا نتعب (راندوادي) وما فيهم إلا من هو ذو الخويصرة ولا فيهم إلا من هو ذو اليدين.
وكذلك بقية أنفارهم الذين ألفهم الإحسان، وعرفهم الجود بما أوجب لبلادهم ومن خلفوا فيها من أولادهم للنسيان. وأنت عليهم الأمير، والجامع لهم بمشيئة الله على الطاعة وهو على جمعهم إذ يشاء قدير؛ فاعرف منهم ساكن كل عمود وجدار، ومن قربت به أو بعدت الدار،
وضمهم إلى كنف الإكتناف، وألفهم بكلمة الائتلاف، وكن بهم على انتظار ما صرفنا إليه الوجه من الجهاد، والتأهب بلبس الجلد للجلاد، واتخاذ أكابر فيهم لتصل منهم يدك بالبنان، وتشتد بهم كما يشتد
(1/149)

بكعوب الرماح المثقفة السنان؛ واسبرهم بخوض السباريت، وارمهم في البر والبحر ولا تخف فإنهم عفاريت، وألزم بالخبرة الدائمة الخبزة، ولا تلزم غير المخبزة، وميز بعضهم من بعض إلا في الأوقات التي تحيض بها الذكور بأيدي الرجال ولا تعرف المميزة من غير المميزة، ومن مات من ذوي الإقطاع آته خبزه حتى يعين لغيره خبزه، وكذا العاجز وتأن حتى يتحقق عجزه، وما يجب على أصحاب الماشية من حق هو حق أقوام ورزق طوائف أخرى من العساكر المنصورة مضت عليه السنون ولهم في أعدائه أيام فاعمل بما جرت العادة به في استخراجه بالرفق من غير ترك شيء منه ينسى في الآجل، وينسب إلى التقصير إذا أخره عن وقت استحقاقه في العاجل. وكذلك ميراث من مات منهم ولا وارث له إلا بيت المال، والعمل في ذلك بتقوى الله فهي العدة للمآل).
15 - وصية مقدم التركمان:
(فليجمع لنا طوائف التركمان، وليأمرهم بالاستعداد للجهاد فإنهم ترك الأيمان، ولا يدع منهم - إذا رسمنا له - من يلقم سهمه الوتر، ومن إذا جر قوسه رأى منهم طالعا في العقرب القمر. وليجمع طوائفهم على كثرة أفراقهم، وبعد ما بين بيوتهم وأرزاقهم، وليؤلفهم على الطاعة التي بها تقدم، وبسببها سدد سمهريه وتقوم؛ وسهامهم هي التي تبقى، وسيوفهم هي التي الأراقم التي لا تلين للرقى؛ وما برحت ترفع لهم القباب، وتشفع لهم إلينا وصائل الأنساب، ووسائل الأسباب. وليأمر أمراءهم بإقامة وظائف الإمرة ودق الطلبخانات كل عشية، وما يظهر فيه التفاوت بين كل ذي همة وضيعة وهمة علية، ومن مات من المخبزة أنهى إلينا - أو إلى من قرب إليه من
(1/150)

نوابنا - خبزه، وألزم من طلب إقطاعه من مخلفيه بما عليه من التقدمة المقررة. ومن لم يترك وارثا إلا بيت المال حفظ له حقه الموروث: فإنه مال الله المقسومن ولكل مسلم فيه حق معلوم. وما هو على السائمة من الزكاة يساعد على استخراجهن وإيصال الحق إلى مستحقه وإلى كل مقطع على حكم منشوره الشريف أو إفراجه.
وتقوى الله سبب مزيده فلا يزال متمسكا بذلك السبب، وليقم منها بما وجب.)
16 - وصية مقدم الجبلية:
(وليعرف ما قلد من المنن، ويعلم أنه قد قدم على الفريقين من قيس ويمن وأنه قد جمعت له هذه الذوائب، وحملت له الرايات: هذه محمرة الخدود وهذه صفر الترائب. وقد قلد هذا الأمر الجلل، وجمع عليه أهل السهل والجبل؛ وهو لا يعدم من نصحاء الطائفتين، قول المشير، ومن كبراء الفريقين، من يحسن له العسير. ولم نقدمه إلا لعلمنا أنه ممن لا يستميله الهوى، ولا يميله حظ النفس لأقربائه ولو سقط الجبل أوهوى. فليكن عند ظننا الجميل، وليعدل بكل سبيل؛ فكلمة الإسلام تجمع الجميع، وتعم الكل في حكم التشريع. فليصلح ذات بينهم، وليسقط بينهم ما كانت رجال كل فرقة تطلب به الأخرى من دينهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) فليجعل هذا الحديث مسنده، وليبسط به لسانه ويكف يده، وليفض جمعهم على صلح يعمل على أنه يدوم، وتندمل به الجراح وتعفى الكلوم، ويدفن كل قتيل عند أهله، وتبطل به دعوى كل فريق متى ادعى به ادعى الآخر بمثله؛ وليجفف تلك الدماء التي كانت تتثعب، ويرأب تلك الصدوع التي كانت تتشعب، ولينزل القبيلتين منزلة أبناء أب واحد، ويصرف بأسهم الذي كان بينهم إلى كل جاحد؛ وليتألفهم بجهده، ويلفهم عليه ببذل رفده؛ وليستصف خواطر بعضهم لبعض، ويعلمهم أن الشيطان الذي دخل بينهم قد آن له أن يخلد إلى الأرض؛ وليعرف لكل من الفريقين حق سابقة قديمة، ومكانة في أول الإسلام
(1/151)

عظيمة؛ وإنما هم لمع من تلك الأنوار، وتبع لأسلافهم ذمي المهاجرين والأنصار؛ وليجعل هممهم على الجهاد مجتمعه، وعلى أعداء الله وأعداء الدولة القاهرة مجمعه؛ وليدع سيوفهم تقر في الأجفان، وخطواتهم في الخدمة لا تحف بها أسود الغيل عن خفان؛ ولينههم عن دعوى الجاهلية، ويخفف عن الرقاب تلك البلية؛ وليعلمهم أنهم مسئولون، {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}.
ويسكن في رؤوس تلك الجبال نسورهم القشاعم، وحياتهم الأراقم، ليكونوا أوقات الحاجة أهل قوة وجلد، وأولي بأس شديد على الأعداء لا على ابن عم مدان وابن أخت حكمه حكم الولد. وتقوى الله في تعظيم حرماته هي المنهل العذب الكثير الزحام، والأمر المطاع ولا كقوله عز من قائل: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}.
17 - وصية مستوفي الصحبة:
(فهو المهيمن على الأقلام، والمؤمن على مصر والشام، والمؤمل لما يكتب بخطه من كل ترتيب وإنعام، والملازم لصحبة سلطانه في كل سفر ومقام؛ وهو مستوفي الصحبة، والمستولي بالهمم على كل رتبه، والمعول على تحريره، والمعمول بتقريره، والمرجوع في كل الأمور إلى تقديره. به يتحرر كل كشف، ويكف كل كف، وبتنزيله وإلا ما يكمل استخدام ولا صرف؛ وهو المتصفح عنا لكل حساب، والمتطلع إلى ما حضر وغابن والمناقش لأقلام الكتاب، والمحقق الذي إذا قال قال الذي عنده علم من الكتاب، والمظهر للخبايا، والمطلع للخفايا، والمتفق
(1/152)

على صحة ما عنده إذا حصل الخلاف، ووصل الأمر فيه إلى التلاف.
وليلزم الكتاب بما يلزمهم من الأعمال، ويحررها بالمستقر إطلاقه وضرائب رؤوس المال، وعمل المكلفات وأن يكلفوا عملها، وتقدير المساحات وليتتبع خللها. وليلزمهم بتمييز قيمها بعض عن بعض، وتفاوت ما بين تسجيل الفدن في كل بلد حسب ما يصلح له زراعة كل أرض، وبمستجد الجرائد وما يقابل عليه ديوان الإقطاع والأحباس، وغير ذلك مما لا يحصل فيه التباس.
ومثلك لا يزاد بالتعليم، ولا ينازع فكل شيء يؤخذ منه بالتسليم؛ وما ثم ما يوصى به رب وظيفة إلا وعنده ينزل علمه، وفيه ينزه فهمه؛ وملاك الكل تقوى الله والأمانة فهما الجنتان الواقيتان، والجنتان الباقيتان؛ وقد عرف منهما بما يفاض منه عليه أسبغ جلباب، وأسبل ستر يصان بههو ومن يتخذهم من معينين ونواب. والله تعالى يبلغه من الرتب أقصاها، ويجري قلمه الذي لا يدع في مال ممالكنا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.)
(1/153)

18 - وصية جامعة لقاض من أي مذهب كان:
(وهذه الرتبة التي جعل الله إليها منتهى القضايا، وإنهاء الشكايا، ولا يكون صاحبها إلا من العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، ومتولي الأحكام الشرعية بها كما ورث عن نبي الله صلى الله عليه وسلم علمه، كذلك ورث حكمه؛ وقد أصبح بيده زمام الأحكام، وفصل القضاء الذي يعرض بعضه بعده على غيره من الحكام؛ وما منهم إلا من ينقد نقد الصيرفي، وينفذ حكمه نفاذ المشرفي؛ فليترو في أحكامه قبل إمضائها، وفي المحاكمات إليه قبل فصل قضائها
وليراجع الأمر مرة بعد مرة حتى يزول عنه الالتباس، ويعاود فيه بعد التأمل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس؛ وما أشكل عليه بعد ذلك فليجل ظلمه بالاستخاره، وليحل مشكلة بالاستشاره، ولا ير نقصا عليه إذا استشار قد أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالشورى، ومر من أول السلف من جعلها بينه وبين خطأ الاجتهاد سورا، فقد ينسخ للمرء ما أعيا غيره وقد أكثر فيه الدأب، ويتفطن الصغير لما لم يتفطن إليه الكبير كما فطن ابن عمر للنخلة وما منعه أن يتكلم إلا صغر سنه ولزوما مع من هو أكبر منه للأدب؛ ثم إذا وضح له الحق قضى به لمستحقه، وسجل له به واشهد على نفسه بثبوت حقهن وحكم له به حكما يسره يوم القيامة أن يراهن وإذا كتب له به ذكر بخير إذا بلي وبقى الدهر ما كتبت يداه. وليسوا بين تقسيم الخصوم حتى في تقسيم النظر، وليجعل كل عمله على الحق فيما أباح وما حظر؛ وليجد النظر في أمر الشهود حتى لا يدخل عليه زيف، وليتحر في استيداء الشهادات فرب قاض ذبح بغير سكين وشاهد قتل بغير سيف؛ ولا يقبل منهم إلا من عرف بالعداله، وألف منه أن يرى أوامر النفس أشد العدى له - وغير هؤلاء ممن لم تجر له
(1/154)

بالشهادة عاده، ولا تصدى للارتزاق بسحتها ومات وهو حي على الشهادة.
فليقبل منهم من لا يكون في قبول مثله ملامه، فرب عدل بين منطقة وسيف وفاسق في فرجية وعمامه. ولينقب على ما يصدر من العقود التي يؤسس أكثرها على شفا جرف هار، ويوقع في مثل السفاح إلا أن الحدود تدرأ بالشبهات ويبقى العار. وشهود القيمة الذين يقطع بقولهم في حق كل مستحق ومال كل يتيم، ويقلد شهاداتهم على كل أمر عظيم، فلا يعول منهم إلا على كل رب مال عارف لا تخفى عليه القيم، ولا يخاف معه خطأ الحدس وقد صقل التجريب مرآه فهمه على طول القدم. وليتأن في ذلك كله أناة لا تقضي بإضاعة الحق، ولا إلى المطاولة التي تفضي إلى ملل من استحق. وليمهد لرمسه، ولا يتعلل بأن القاضي أسير الشهود وهو كذلك وإنما يسعى لخلاص نفسه - والوكلاء هم البلاء المبرم، والشياطين المسولون لمن توكلوا له بالباطل ليقضى لهم به وإنما تقطع لهم قطعة من جهنم؛ فليكف بمهابته ساوس أفكارهم، ومساوي فجارهم، ولا يدع لمجنى أحد منهم ثمرة إلا ممنوعه، ولا يد اعتداء تمتد إلا مغلولة إلى عنقه أو مقطوعة؛ وليطهر بابه من دنس الرسل
الذين يمشون على غير الطريق، وإذا رأى واحدا منهم درهما ود لو حصل في يده ووقع في نار الحريق؛ وغير هذا مما لا يحتاج به مثله أن يوصى، ولا أن يحصى عليه منه أفراد عمله وهو لا يحصى، ومنها النظر في أمور أوقاف أهل مذهبه نظر العموم، فليعمرها بجميل نظره فرب نظرة أنفع من مواقع
(1/155)

الغيوم، وليأخذ بقلوب طائفته الذين خص من بينهم بالتقديم، وتفاوت بعد ما بينه وبينهم حتى صار يزيل عارض الرجل منهم النظرة منه ويأسو جراحه منه التكليم. وهذه الوصايا إنما ذكرت له على سبيل الذكرى، وفيه - بحمد الله - أضعافها ولهذا أوليناه - والحمد لله - شكرا. وقد جعلنا له أن يستنيب من يكون بمثل أوصافه أو قريبا من هذه المثابة؛ ومن يرضى به أن يحمل عنه الكل ويقاسمه ثوابه؛ وتقوى الله هي جماع الخير ولاسيما لصاحب هذه الوظيفة، ولمن وليها أصلا أو فرعا لا يستغني عنها رب حكم مطلق التصرف ولا خليفة.
ويزاد الشافعي:
وليعلم أنه صدر المجلس، وإنه أدنى القوم وإن كانوا أشباهه منا حيث نجلس، وأنه ذو الطيلسا الذي يخضع له رب كل سيف ويبلس، وليتحقق أنه إنما رفعه علمه وتقاه، وأن سببه دينه لا دنياه هو الذي رقاه؛ فليقدر حق هذه النعم، وليقف عند حد منصبه الذي يود لو اشترى سواد مداده بحمر النعم.
ويقال في وصيته:
وأمر دعاوى بيت المال المعمور، ومحاكماته التي فيها حق كل فرد من الجمهور؛ فليحترز في قضاياها غاية الاحتراز، وليعمل بما يقتضيه لها الحق من الصيانة والإحراز، ولا يقبل فيها كل بينة للوكيل عن المسلمين فيها مدفع، ولا يعمل فيها بمسألة ضعيفة يضن أنها ما تضر عند الله فإنها ما تنفع؛ وله حقوق فلا يجد من يسعى في تملك شيء منها بالباطل منه إلا الياس، ولا يلتفت إلى من رخص لنفسه وقال: (هو مال السلطان) فإنه ما لنا فيه إلا ما لواحد من الناس. وأموال الأيتام الذين حذر الله من أكل مالهم إلا بالمعروف لا بالشبهات، وقد مات آباؤهم ومنهم صغار لا يهتدون إلى غير الثدي للرضاع ومنهم حمل في بطون الأمهات؛ فليأمر المتحدثين لهم
(1/156)

بالإحسان إليهم، وليعرفهم بأنهم سيجزون في بينهم بمثل ما يعملون معهم إذا ماتوا وتركوا ما في يديهم، وليحذر منهم من لا ولد له: {وليخش الذين لو
تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم}. وليقص عليهم في مثل ذلك أنباء من سلف تذكيرا، ويتل عليهم القرآن ويذكرهم بقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونه ناراً وسيصلون سعيرا}.
والصدقات الموكولة إلى تصريف قلمه، المأكولة بعدم أمانة المباشرين وهي في ذممه، يتيقظ لإجرائها على السداد في صرفها في وجوه استحقاقها، العمل بما لا يجب سواه في أخذها وإنفاقها. والمسائل التي تفرد بها مذهبه وترجح عنده بها العمل، وأعد عنها الجواب لله إذا سأل، لا يعمل فيها بمرجوح إلا إذا كان نص مذهب إمامه أو عليه أكثر الأصحاب، ورآه وقد حكم به أهل العلم ممن تقدمه لرجحانه عنده وللاستصحاب. ونواب البر لا يقلد منهم إلا من تحقق استحقاقه، فإنه إنما يوليه على مسلمين لا علم لأكثرهم فهم إلى ذي العلم أشد فاقة؛ هذا إلى ما يتعرف من ديانتهم ومن عفافهم الذي يتجرع المرء منهم مرارة الصبر من الفاقة وهو به يتحلى، ثم لا يزال له عين عليهم فإن الرجال كالصناديق المقفلة لا يعرف الرجل ما هو حتى يتولى.
ويزاد الحنفي:
وليعلم أن إمامه أول من دون الفقه وجمعه، وتقدم وأسبق العلماء من تبعه، وفي مذهبه ومذاهب أصحابه أقوال في المذهب، ومسائل ما لحقه فيها مالك وهو أول من جاء بعده وممن يعد من سوابقه أشهب، ومن أهمها تزويج الصغائر، وتحصينهن بالأكفاء من الأزواج خوفا عليهن من الكبائر؛ وشفعة الجوار التي لو لم تكن من رأيهم لما أمن جار السوء على رغم الأنوف، ولأقام الرجل الدهر ساكنا في داره بين أهله وهو يتوقع المخوف؛ وكذلك نفقة المعتدة التي هي في أسر من طلقها
(1/157)

وإن بتت من حباله، وبقيت لا هو بالذي ينفق عليها ولا هي بالتي تستطيع أن تتزوج من رجل ينفق عليها من ماله؛ ومن استدان مالا فأكله وادعى الإعسار، ولفق له بينة أراد أن تسمع له ولم يدخل الحبس ولا أرهق من أمره الأعسار؛ وأهل مذهبه على أنه يسجن أولا ويمكث مدة، ثم إذا ادعى أن له بينة أحضرت ثم هل تقبل أو لا - فهذا - وأمثاله وما فيه عموم صلاح وعظيم نفع ما فيه جناح، فليقض في هذا كله إذا رآه بمقتضى مذهبه، وليهتد في هذه الآراء وسواها بقمر إمامه الطالع أبي حنيفة وشهبه؛ وليحسن إلى فقهاء مذهبه الذي أدنى إليه أكثره الاغتراب، وحلق بهم إليه
طائر النهار حيث لا يحلق البازي وجناح الليل حيث لا يطير الغراب؛ وقد تركوا ورائهم من البلاد الشاسعة، والأمداد الواسعة، ما يراعى لهم حقه إذا عدت الحقوق، ويجمعه وإياهم به أبوه أبو حنيفة وما مثله من ينسب إلى العقوق.
يزاد المالكي:
ومذهبه له السيف المصلت على من كفر، والمذهب بدم من طل دمه وحصل به الظفر؛ ومن عدا قدره الوضيع، وتعرض إلى أنبياء الله بالقول الشنيع، فإنه إنما يقتل بسيفه المجرد، ويراق دمه تعزيرا بقوله الذي به تفرد؛ ولم يزل سيف مذهبه لهم بارز الصفحة، مسلما له إلى مالك خازن النار من مذهب مالك الذي ما فيه فسحه؛ وفي هذا ما يصرح غدر الدين من القذى، وما لم تطل دماء هؤلاء (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى)؛ وإنما نوصيه بالتحري في الثبوت، والبينة التي لا يستدرك بها ما يفوت؛ وإنما هو رجل يحيا أو يموت؛ فليتمهل قبل بت القضاء، وليعذر إليهم لاحتمال ثبوت تفسيق للشهود أو بغضاء، حتى لا يعجل تلافا، ولا يعجل بما لا يتلافى؛ فكما أننا نوصيه أن لا ينقض في شد الوثاق عليهم إبراما، فهكذا نوصيه أن لا يصيب بغير حقه دما حراما. وكذلك قبول الشهادة على الخط، وإحياء ما مات من الكتب وإدناء ما شط - فهذا مما فيه فسحة للناس، وراحة ما فيها باس، إلا أنه يكون
(1/158)

الثبوت بهذه البينة للاتصال، لا لنزع يد ولا إلزام بمجردها بمال؛ وهكذا ما يراه من ولاية الأوصياء وهو مما هو تفرد به هو دون البقية، وفيه مصلحة وإلا فما معنى الوصية؛ وهو زيادة احتراز ما تضر مراعاة مثلها في الأمور الشرعية، وسوى هذا مثل إسقاط الريع في وقف استرد وقد بيع، وعطل المشتري من التكسب بذلك المال مدة لا يشتري ولا يبيع، وهذا مما يبت قضاءه في مثله، ويجعل عقاب من أقدم على بيع الوقف إحرامه مدة البيع من مغله، وسوى ذلك مما عليه العمل، ومما إذا قال فيه قال بحق وإذا حكم عدل. وفقهاء مذهبه في هذه البلاد قليل ما هم، وهم غرباء فليحسن مأواهم، وليكرم بكرمه مثواهم وليستقر بهم النوى في كنفه فقد ملوا طول الدرب، ومعاناة السفر الذي هو أشد الحرب، ولينسهم أوطانهم ببره ولا يدع في مآقيهم دمعا يفيض على الغرب.
ويزاد الحنبلي:
والمهم المقدم - وهو يعلم ما حدث على أهل مذهبه من الشناعة، وما رموا به من الأقوال
التي نتركها لما فيها من البشاعة، ونكتفي به في تعفية آثارها، وإماطة أذاها عن طريق مذهبه لتأمن السالكة عليه من عثارها؛ فتعالى الله أن يعرف بكيف، أو يجاوب السائل عنه بهذا إلا بالسيف؛ والانضمام إلى الجماعة والحذر من الانفراد، وإقرار آيات الصفات على ما جاءت عليه مع الاعتقاد أن الظاهر غير المراد، والخروج بهم إلى النور من الظلماء، وتأويل ما لا بد من تأويله مثل حديث الأمة التي سئلت عن ربها: أين هو؟ فقالت: في السماء، وإلا ففي البلية بإثبات الجهة ما فيها من الكوارث، ويلزم منها الحدوث والله سبحانه قديم ليس بحادث ولا محلا للحوادث؛ وكذلك القول في القرآن ونحن ننذر من تكلم في ذلك بصوت أو حرف، فما جزاء من قال بالصوت إلا سوط وبالحرف إلا حتف؛ ثم بعد هذا الذي يزع به الجهال، ويرد دون غايته الفكر الجوال، ينظر في أمور مذهبه ويعمل بكل ما صح نقله عن إمامه
(1/159)

وأصحابه: من كان منهم في زمانه ومن تخلف عن أيامه، فقد كان رحمه الله إمام حق نهض وقد قعد إلينا تلك المده، وقام نوبة المحنة مقام سيد تيم رضي الله عنه نوبة الردة، ولم تهب بع زعازع المريسي وقد هبت مريسا، ولا ابن أبي داود وقد جمع له كل ذود وساق إليه من كل قطر عيسا، ولا نكث عهدة ما قدم له المأمون في وصية أخيه من المواثق، ولا روعه سوط المعتصم وقد صب عليه عذابه ولا سيف الواثق.
فليقف على أثره؛ وليقف بمسنده على مذهبه كله أو أكثره، وليقض بمفرداته وما اختاره أصحابه الأخيار، وليقلدهم إذا لم تختلف عليه الأخبار، وليحترز لدينه في بيع ما دثر من الأوقاف وصرف ثمنه في مثله، ولاستبدال لما فيه المصلحة لأهله، والفسخ على من غاب مدة يسوغ في مثلها الفسخ، وترك زوجة لم يترك لها نفقة وخلاها وهي مع بقائها في زوجيته كالمعلقة، وإطلاق سراحها لتتزوج بعد ثبوت الفسخ بشروطه التي يبقى حكمها به حكم المطلقة؛ وفيما يمنع مضارة الجار، وما يتفرع على قوله (ص): (لا ضرر ولا ضرار)؛ وأمر وقف الإنسان على نفسه وإن رآه سوى أهل مذهبه، وأطلعت به أهله علماء لولاهم لما جلا الزمان جنح غيهبه، وكذلك الجوائح التي يخفف بها عن الضعفاء وإن كان لا يرى بها الإلزام،
(1/160)

ولا تجري لديه مجرى المصالحة بدليل الالتزام؛ وكذلك المعاملة التي لولا الرخصة عندهم فيها لما أكل أكثر الناس إلا الحرام المحض، ولا أخذ قسم الغلال والمعامل هو يزرع البذور ويحرث الأرض؛ وغير ذلك مما هو من مفرداته التي هي
للرفق جامعه، وللرعايا في أكثر معايشهم وأسبابهم نافعة؛ وإذا استقرت الأصول كانت الفروع لها تابعه. وفقهاء مذهبه هم الفقراء لقلة المحصول وضعف الأوقاف، وهم على الرقة كالرماح المعدة للثقاف؛ فخذ بخواطرهم، ومد آمالهم في غائب وقتهم وحاضرهم، واشملهم بالإحسان الذي يرغبهم، ويقل به طلبهم لوجوه الغنى ويكثر طلبهم).
19 - وصية قاضي العسكر:
إذا كان منفردا فإنه لا يوصى كما يوصى قاضي العمل المستقل؛ وقد تكون على هذا النحو:
(وهو الحاكم على أن لا تنفذ إلا أقضية السيوف، ولا تزدحم الغرماء إلا في مواقف الصفوف، والماضي قلمه وكل خطي يميد بالدماء، والمضي سجله وقد طوى العجاج كالكتاب سجل السماء؛ وأكثر ما يتحاكم إليه في الغنائم التي لم تحل لأحد قبل هذه الأمة، وفي الشركة وما تطلب فيه القسمة، وفي المبيعات وما يرد منها بعيب، وفي الديون المؤجلة وما يحكم فيها بغيب؛ وكل هذا مما لا يحتمل طول الأناة في القضاء، وإشغال الجند المنصور عن مواقف الجهاد بالتردد إليه للإمضاء؛ فليكن مستحضرا لهذه المسائل ليبت الحكم في وقته، ويسارع السيف المصلت في ذلك الموقف ببته، وليعلم أن العسكر المنصور هم في ذلك الموطن أهل الشهادة، وفيهم من يكون جرحه تعدينا له وزيادة؛ فليقبل منهم من لا تخفى عليه سيماء القبول، ولا
(1/161)

يرد منهم من لا يضره أن يرده هو وهو عند الله مقبول؛ وليجعل له مستقرا معروفا في المعسكر يقصد فيه إذا نصبت الخيام، وموضعا يمشي فيه ليقضي فيه وهو سائر وأشهر ما كان على يمين الأعلام؛ وليلزم ذلك طول سفره وفي مدد المقام، ولا يخالفه ليبهم على ذوي الحوائج فما هو بالصالحية بمصر ولا بالعادلية بالشام؛ وليتخذ معه كتابا تكتب للناس وإلا فمن أين يوجد مركز الشهود، وليسجل لذي الحق بحقه وإلا فما انسد باب الجحود. وتقوى الله هي التي بها تنصر الجنود، وما لم تكن أعلى ما يكون على أعلام الحرب وإلا فما الحاجة إلى نشر البنود).
20 - وصية محتسب:
(وقد ولي أمر هذه الرتبة، ووكل بعينه النظر في مصالح المسلمين لله حسبه؛ فلينظر في الدقيق والجليل، والكثير والقليل، وما يحصر بالمقادير وما لا يحصر، وما لا يأمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر، وما يشترى ويباع، وما يقرب بتحريره إلى الجنة ويبعد من
النار ولو لم يكن قد بقى بينه وبينها إلا قدر باع أو ذراع؛ وكل ما يعمل من المعايش في نهار أو ليل، وما لا يعرف قدره إلا إذا نطق لسان الميزان أو تكلم فم الكيل. وليعمل لديه معدلا لكل عملن وعيارا إذا عرضت عليه المعايير يعرف من جار ومن عدل. وليتفقد أكثر هذه الأسباب، ويحذر من الغش فإن الداء أكثره من الطعام أو الشراب. وليتعرف الأسعار ويستعلم الأخبار، في كل سوق من غير إعلام لأهله ولا إشعار؛ وليقم عليه من الأمناء من ينوب عنه في النظر، ويطمئن به وإن غاب إذا حضر؛ ويأمره بإعلامه بما أعضل، ومراجعته مهما أمكن فإن رأي مثله أفضل.
(1/162)

ودار الضرب والنقود التي منها تنبث، وقد يكون فيها من الزيف ما لا يظهر إلا بعد طول اللبث: فليتصد لمهمها بصدره الذي لا يحرج، وليعرض منها على المحك من رأيه ما لا يجوز عليه بهرج، وما يعلق من الذهب المكسور ويروبص من الفضة ويخرج، وما أكلت النار كل لحامه أو بعضه فليقم عليه من جهته الرقباء، وليقم على شمس ذهبه من يرقب منه ما ترقب من الشمس الحرباء؛ وليقم الضمان على العطارين والطرقية في بيع غرائب العقاقير إلا ممن لا يستراب فيه وهو معروف، وبخط متطبب ماهر لمريض معين في دواء موصوف. والطرقية وأهل النجامة وسائر الطوائف المنسوبة إلى ساسان، ومن يأخذ أموال الرجال بالحيلة ويأكلهم باللسان، وكل إنسان سوء من هذا القبيل هو في الحقيقة شيطان لا إنسان: امنعهم كل المنع، واصدعهم مثل الزجاج حتى لا ينجبر لهم صدع، وصب عليهم النكال وإلا فما يجدي في تأديبهم ذات التأديب والصفع، واحسم كل هذه المواد الخبيثة، واقطع ما يجدد ضعفاء الناس من هذه الأسباب الرثيثة؛ ومن وجدته قد غش مسلما، أو أكل بباطل درهما، أو أخبر مشتريا بزائد، أو أخرج عن معهود العوائد: أشهره في البلد، وأركب تلك الآلة قفاه حتى يضعف منه الجلد. وغير هؤلاء من فقهاء
(1/163)

المكاتب وعالمات النساء وغيرهما من الأنواع ممن يخاف من ذئبه العائث في سرب الظباء والجآذر، ومن يقدم على ذلك ومثله وما يحاذر: ارشقهم بسهامك، وزلزل أقدامهم بإقدامك، ولا تدع منهم إلا من اختبرت أمانتهن واخترت صيانته. والنواب لا ترض منهم إلا من يحسن نفاذا، ويحسب لك أجر استنابته إذا قيل لك من استنبت فقلت هذا. وتقوى الله هي نعم المسالك، وما لك في كل ما ذكرناه بل أكثره إلا إذا عملت فيه بمذهب مالك.)
21 - وصية خطيب:
(وليرق هذه الرتبة التي رفعت له ذرى أعوادها، وقدمت له من المنابر مقربات جيادها؛ وليصعد منها أعلى درجه، وليسعد منها بصهوة كأنما كانت له من بكرة يومه المشرق مسرجه؛ وليرع حق هذه الرتبة الشريفة، والذروة التي ما أعدت إلا لأمام فرد مثله أو خليفة؛ وليقف حيث تخفق على رأسه الأعلام، ويتكلم فتخرس الألسنة وتجف في فم الذرى الأقلام؛ ولقرع المسامع بالوعد والوعيد، ويذكر بأيام الله {من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ويلين القلوب القاسية وإن كان منها ما هو أشد قسوة من الحجارة أو الحديد؛ وليكن قد قدم إلى نفسه قبل أن يتقدمن وليسبل عليه درع التوبة قبل أن يتكلم؛ وليجعل لكل مقام مقالا يقوم به على رؤوس الشهاد، ويفوق منه سهما لا يخطئ موقعه كل فؤاد؛ وليقم في المحراب قيام من يخشى ربه، ويخاف أن لا يخطف الوجل قلبه؛ وليعلم أن صدفة ذلك المحراب ما انفلقت عن مثل درته المكنونة، وصناديق الصدور ما أطبقت على مثل جوهرته المخزونة؛ وليؤم بذلك الجم الغفير، وليتقدم بين أيديهم فإنه السفير؛
(1/164)

وليؤد هذه الفريضة التي هي من أعظم الأركان، وأول الأعمال التي توضع في الميزان، وأقرب القرب التي يجمع إليها داعي كل أذان؛ وليقم بالصلاة في أوقاتها، وليرح بها الناس في أول ميقاتها؛ وليخفف مع الإتمام، وليتحمل عمن وراءه فإنه هو الإمام. وعليه بالتقوى في عقد كل نية، وأمام كل قضية؛ والله تعالى يجعله ممن ينقلب إلى أهله وهو مسرور، وينصب له مع الأئمة المقسطين يوم القيامة على يمين الرحمن منابر من نور.)
22 - وصية شيخ الشيوخ:
(وأنت في الأيام قدوة، وللأنام أسوة، ومنك تتلقف الوصايا، وبك تتثقف السجايا؛ وإنما هي بركات سمائية لا يجد أحد غنى عن مزيدها، وحركات إلهية لا يبلغ نهاية في تعديدها؛ وهي مشكاة أنوار، وميقات أذكار، وأوقات تطوع زمانها كله نهار، وأساس ما يبنى عليه الاجتهاد فأدم تشمير الذيل، {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل}؛ وخذ جماعتك بمأخذك في الأمور، وذكرهم بأيام الله {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} ولازم لله المراقبة، ودوام في الله المصاحبة؛ ومثلك خير كله، وسحاب لا يتقلص ظله؛ ومن عندك في هذا المكان، كلهم لك إخوان، وهم لك على التقوى أعوان،
(1/165)

وكلهم كالشجرة يجمعها أصل
واحد تفرعت منه أغصان، فاعرف لأهل السابقة حقهم ومنك وإلا فممن يطلب العرفان؛ وبصبر من هام بليلى ولعا باسمها وما عرف المسمى، ووقف حائرا لما استبعد المرمى، وظن أن لثامها دونها يمنع لثما، وتوهم أن الحجاب العلة وما عرف أن طرفه عن حسنها أعمى. فداو قلوبهم المرضى، ونبه جفونهم من رقداتها فقد أطالت غمضا، وارفق بهم ودارهم وارض بأن تكون لهم أرضا، ولا تدع من تراه ترك نافلة حتى ترى دوام السهر على عينيه فرضا. وأحسن تربية من استجد في التنقل من حال إلى حال، وإيقاظه من أول عشاء حتى يتعب ويرد الليل أسمال. وتدريج المريدين على قدر ما تحتمله أفهامهم، وتشتمله من مطارف القوة أيامهم. وإياك والمعاجلة بكؤوس لا تقوى كل قوة على شرابها، وكشف حقيقة غاية كثير من الناس أن يقف بعيدا عن حجابها. وألزم كلا ممن عندك أو استجد تلاوة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهما الثقلان، وحسب من غذى بهما قلبه وهو ملآن؛ فلا طريق إلى الله إلا من سبيلهما، ولا هدى إلا لمن استرشد بدليلهما؛ فعليك بهما فهما المنهاج والشرعة، وإياك إياك من كل محدثة فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة بدعه.
فاتخذهما لك إلى الله الذريعة، ومر بتجنب ما سواهما فقد أجمعت الأمة على بطلان كل حقيقة تخالفها الشريعة. ومن مال إلى ما نعوذ بالله منه من اتحاد أو حلول، أو ادعى أنه يكون إلى الله من غير طريق الأنبياء وصول، فكن أنت المنكر عليه، والسارق بعدلك السيف إليه. ومن لم يكن قلبه قد اشرب كفرا، ولا أعمل في إقامة الدليل فكرا، فخذه بالتوبة والاستغفار، وخذه بما أمر الله به نبيه: {قل إنما إلهكم إله واحد لا إله إلا هو سبحانه هو الله الواحد القهار}. واعلم يقينا بأن
(1/166)

أولئك أمورهم بينة وهي متشابهة، وأنهم بالغوا في التوحيد فوقعوا في الشرك إذ أرادوا أن يجعلوا الكل إلها واحدا فجعلوه آلهة. ولا يموه عليك من ادعى أو ادعي له أنه إنما قال ذلك شطحة في سكره، فقد صدق ولكنه خمار مسكراته أو من مخامرة كفره.
وقد يقول قوم إنهم من العشاق، وما كذبوا فإنهم ما موهوا إلا في فعلهم وأما قولهم فهم محمول على الإطلاق. وإياك والرأفة على أحد من هذه الفرقة الضالة رأفة رحيم، أو مخادعة رأيك فيهم فما أنت به من سوء باطنهم عليم، وخذ في أمرهم بالحزم {وإما ينزغنك
من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ومن دخل في هذه الطائفة من غير أهلها أو تغير عما عهد عليه لا تحسن له ملتقى، ولا تدع له مرتقى، ولا تحمل أحد منهم على الحلم {بلى من أوفى بعهده واتقى} وأنت كبير قوم تهوي إليك نجائبهم من كل فج عميق، وترد عليك ركائبهم من الطريقة والطريق: فوسع لملتقاهم صدرك الرحيب، ونوع لقراهم برك القريب؛ واعلم بأنك أصبحت في بيوتك للوفود مقيم ومقيل، وقبيح بمن تخلق بصفات الكريم رد نزيل؛ فأي مسافر وقف لك على باب، أو مت إليك من خرقة الفقر بأسباب، عجل له الإذن في الدخول، واضرب له ببشرك به مثلا في البشرى بقرب الوصول: فأنتم قوم مبنى أمركم على التوكل فدع هذا من التوكل وما نوى، وأمر بأن يؤخذ عكازه وتفرش سجادته لتلقي غربته عصاها ويستقر بها النوى؛ ومثل هذا المغترب إن لم تسهم له مع من عندك بنصيب، لا يقدم عليك غريب، ولا يصح له مع الغرباء ما يقال: كل غريب للغريب نسيب: فمن مثل هذه الصدقة كسبه، وما أتاك حتى توكل على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وبقية ما يقاس وما يقال، وما توشع به من وظائف الذكر الحميد أردية بكر وآصال؛ فعن تعبداتك يحكي الحاكي، ومن تهجداتك يشكو الليل لو يعطف المشكو على الشاكي، وبسببك يتنافس في العمل الزاكي، وبك يتأسى طرف كل واحد لولاك ما كان بالباكي ولا المتباكي. وتقوى الله بها تبدو لطائف الأسرار، ويغدو {الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار} وهي
(1/167)

قوت قلبك، وقوة حبك، وبها كانت أول صلتك بالحق ووصولك إلى ربك، فما نذكرها إلا لنثبتك من نوازع وجد كاد رياها يطير بلبك).
23 - وصية نقيب السادة الأشراف:
(ونحن نجلك عن الوصايا إلا ما نبترك بذكره، ويسرك إذا اشتملت على سره؛ فأهلك أهلك. راقب الله ورسوله جدك صلى الله عليه وسلم فيما أنت عنه من أمورهم مسئول، وارفق بهم فهم أولاد أمك وأبيك حيدرة والبتول؛ وكف يد من علمت أنه قد استطال بشرفه فمد إلى العناد يدا، واعلم بأن الشريف والمشروف سواء في الإسلام إلا من اعتدى، وأن الأعمال محفوظة ثم معروضة بين يدي الله فقدم باليوم ما تفرح به غدا؛ وأزل البدع التي ينسب إليها أهل الغلو في ولائهم، والعلو فيما يوجب الطعن على آبائهم، لأنه يعلم أن السلف
الصالح رضي الله عنهم كانوا منزهين عما يدعيه خلف السوء من افتراق ذات بينهم، ويتعرض منهم أقوام إلى ما يجرهم إلى مصارع حينهم؛ فللشيعة عثرات لا تقال، من أقوال ثقال؛ فسد هذا الباب سد لبيب، واعمل في حسم موادهم عمل أريب، وقم في نهيهم والسيف في يدك قيام خطيب، وخوفهم من قوارعك مواقع كل سهم مصيب؛ فما دعي بـ (حي على خير العمل) إلى خير من الكتاب والسنة والإجماع، فانظم في نادي قومك عليها عقود الاجتماع؛ ومن اعتزى إلى اعتزال، أو مال إلى الزيدية في زيادة مقال، أو ادعى في الأئمة الماضين ما لم يدعوه، أو اقتفى في طرق الإمامية بعض ما ابتدعوه، أو كذب في قول على صادقهم، أو تكلم بما أراد على لسان ناطقهم، أو قال إنه تلقى عنهم سرا ضنوا على الأمة ببلاغه، وذادوهم عن لذة مساغه، أو روى عن يوم السقيفة
(1/168)

والجمل غير ما ورد أخبارا، أو تمثل بقول من يقول: عبد شمس قد أوقدت لبني هاشم نارا، أو تمسك من عقائد الباطن بظاهر، أو قال إن الذات القائمة بالمعنى تختلف في مظاهر، أو تعلق له بأئمة الستر رجاء، أو انتظر مقيما برضوى عنده عسل وماء، أو ربط على السرداب فرسه لمن يقود الخيل يقدمها اللواء، أو تلفت بوجهه يظن عليا - كرم الله وجهه - في الغمام، أو تفلت من عقال العقل في اشتراط العصمة في الإمام. فعرفهم أجمعين أن هذا من فساد أذهانهم، وسوء عقائد أديانهم؛ فإنهم عدلوا في التقرب بأهل هذا البيت الشريف عن مطلوبهم، وإن قال قائل إنهم طلبوا فقل له {كلا بل ران على قلوبهم}.
وانظر في أمور أنسابهم نظرا لا يدع مجالا للريب، ولا يستطيع معه أحد أن
(1/169)

يدخل فيهم بغير نسب، ولا يخرج منهم بغير سبب، وساوق المتصرفين في أموالهم في كل حساب واحفظ لهم كل حسب. وأنت أولى من أحسن لمن طعن في أسانيد هذا الحديث الشريف أو تأول فيه على غير مراد قائله - صلى الله عليه وسلم - تأديبا، وأراهم مما يوصلهم إلى الله وإلى رسوله طريقا قريبا؛ ونكل بمن قد علمت أنه قد مالأ على الحق ومال إلى فريق الباطل فرقا، وطوى صدره على الغل وغلب من أجله على ما سبق في علم الله من تقديم من تقدم حنقا، وحار وقد أوضحت لهم الطريقة المثلى طرقا؛ واردعهم عن تعرضوا في القدح إلى نضال نصال، وامنعهم فغن فرقهم كلها وإن كثرت خابطة في ظلام ضلال؛ وقدم تقوى الله في كل عقد وحل، واعمل بالشريعة الشريفة فإنها السبب الموصول الحبل؛ والله
تعالى يرفعك في الزلفى إلى أشرف محل، ويمد لك رواق عز إذا أبرز له البرق خده خجل أو مد الغمام معه سرادقاته اضمحل).
24 - وصية وكيل بيت المال المعمور:
(هو الوكيل في حقوق جميع المسلمين وما له معهم إلا حق رجل واحد، والمكلف بالمخاصمة عنهم حتى يقر الجاحد؛ وهو القائم للدعوى لهم وعليهم، والمطلوب من الله ومنا بما يؤخذ لهم أو يؤخذ من يديهم، والمعد لتصحيح العقود، وترجيح جهة بيت المال في العقار المبيع والثمن المنقود، والمتكلم بكتاب الوكالة الشرعية الثابتة، والثابت القدم والأقدام غير ثابتة، والمسفوح المجال في مجالس (الحكام والمجادل بلسان الحق في الأحكام، والموقوفة كل دعوى لم تسمع في
(1/170)

وجهه أو وجه من أذن له في سماعها، والمرجوع غليه في إماتة كل مخاصمة حصل الضجر من طول نزاعها، وإبداء الدوافع، ما لم يجد بدا من الإشهاد عليه بعدم الدافع، والانتهاء إلى الحق كان له أو عليه ولا يقف عند تثقيل مثقل ولا شفاعة شافع؛ وبوقوفه تحدد الحدود وتمتحن الشهود ويمشى على الطرق المستقيمة، وتحفظ لأصحابها الحقوق القديمة؛ وبه يتم عقد كل بيع وإيجار إذا كانت المصلحة فيها لعامة المسلمين ظاهرة، ولهم فيما يوكل عنهم في الحظ والغبطة بحسب الأوقات الحاضرة.
ونحن نوصيه في ذلك جميعه بالعمل بما علم، والانتهاء في مقتضى قولنا إلى ما فهم؛ وتقديم تقوى الله فإنه متى قدمها بين يديه سلم، والوقوف مع رضي الله فإنه متى وقف معه غنم، والعمل بالشرع الشريف كيفما توجهت أحكامه، والحذر من الوقوف في طريقه إذا نفذت سهامه؛ ومن مات وله ورثة معروفة تستكمل بحقها ميراثه، وتحوز بحظها تراثه: لا يكلفهم ثبوتا يكون من باب العنت، والمدافعة بحق لا يحتاج مستحقه إلى زيادة ثبت؛ وإنما أنت ومن كانت قضيته منكرة، والمعروف من مستحقي ميراثه نكرة: فأولئك شدد في أمرهم، وأوط شهداءهم في الاستفسار منهم على جمرهم، وتتبع باطن الحال لعله عنك لا يتستر، ولا يمشي عليك فيه الباطل ويمشي شاهد الزور بكميه ويتبختر؛ فإن تحققت صحة شهاداتهم وإلا فأشهرهم في الدنيا ودعهم في الآخرة لا يخفف عنهم العذاب ولا يفتر؛ وكل ما يباع أو يؤجر ارجع فيه إلى العوائد؛ وتقلد أمر الصغير، وجدد لك أمرا منا في الكبير، وذلك بعد مراعاة ما نجب مراعاته، والتأني كل التأني حتى يثبت ما ينبغي إثباته؛ وشهود
القيمة عليهم المدار، وبشهادتهم يقدر المقدار؛ وما لم يكونوا من ذوي الأقدار، ومن أهل الخبرة بالبز والجدار، وممن اشترى العقار واستغله وبنى الدار، وإلا فاعلم أن مثله لا يرجع إليه، ولا يعول ولاسيما في حق
(1/171)

بيت المال عليه؛ فاتفق مع ولاة الأمور من أهل الأحكام على تعيين من يعين لتقليد مثل هذه الشهادة، وتوق منهم من له كل هذه الخبرة حتى تعرف أنه من أهل الزهادة؛ ولك أن تدعي حق المسلمين حيث شئت ممن ترى أن حقه عنده يترجح، وأن بينتهم تكون عنده أوضح، فأما الدعوى عليك فمن عادتها أن لا تسمع إلا في مجلس الحكم العزيز الشافعي - أجله الله تعالى - ونحن لا نغير العوائد، ولا ننتفض ما بنت الدولة السالفة عليه القواعد: فليكن في ذلك المجلس سماعها إذا تعينت، وإقامة البينات عليها إذا تبينت؛ والله الله في حق بيت المال، ثم الله الله في الوقت الحاضر والمآل. ومن تستنيبهم عنك بالأعمال لا تقر منهم إلا من تقربه عينك، ويوفى به عند الله لا بما تحصله من الدنيا دينك؛ ومن كان لعلمه مصلحا، ولأمله منجحا: لا تغير عليه فيما هو فيه، ودعه حتى يتبين لك خافيه؛ ولتستقص في كل وقت عنهم الأخبار، ولتستعلم حقائق ما هم عليه بما تستصحبه من الأخبار، ولا تزال منهم على يقين، وعمل بما فيه خلاص دنيا ودين).
25 - وصية مدرس:
(وليطلع في محرابه كالبدر وحوله هالة تلك الحلقة، وقد وقت أهداب ذلك السواد منه أعظم اسودادا من الحدقة؛ وليرق سجادته التي هي لبدة جواده إذا استن الجدال في المضمار، وليخف أضواء أولئك العلماء الذين هم كالنجوم كما
(1/172)

تتضاءل الكواكب في مطالع الأقمار؛ وليبرز لهم من وراء المحراب كمينه، وليفض على جداولهم الجافة معينه؛ وليقذف لهم من جنبات ما بين جنبيه درر ذلك البحر العجاج، وليرهم من غرر جياده ما يعلم به أن سوابقه لا يهولها قطع الفجاج؛ وليظهر لهم من مكنون علمه ما كان يخفيه الوقار، وليهب من ممنون فضله ما يهب منه عن ظهر غنى أهل الافتقار؛ وليقرر تلك البحوث ويبين ما يرد عليها وما يرد به من منعها وتطرق بالنقض إليها، حتى لا تنفصل الجماعة إلا بعد ظهور الترجيح، والإجماع على كلمة واحدة على الصحيح؛ وليقبل في الدروس طلق الوجه على جماعتهن وليستملهم إليه بجهد استطاعتهن وليربهم كما يربي الوالد الولد، وليستحسن ما تجيء به أفكارهم وإلا فحكم رجل بالجبه لبنت فكر وأد. هذا إلى أخذهم بالاشتغال، وقدح
أذهانهم للاشتعال. ولينشئ الطلبة حتى ينمي منهم الغروس، ويؤهل منهم من كان لا يظن منهم أنه يتعلم لأنه يعلم ويلقي الدروس).
26 - وصية مقرئ:
(وليدم على ما هو عليه من تلاوة القرآن فإنه مصباح قلبه، وصلاح قربه، وصباح القبول المؤذن له برضى ربه؛ وليجعل سوره له أسوارا، وآياته تظهر بين عينيه أنوارا؛ وليتل القرآن بحروفه وإذا قرأ استعاذ، وليجمع طرقه وهي التي عليها
(1/173)

الجمهور ويترك الشواذ، ولا يرتد دون غاية لإقصار، ولا يقف فيعد أن أتم لم يبق بحمد الله إحصار، وليتوسع في مذاهبه ولا يخرج عن قراءة القراء السبعة أئمة الأمصار، وليبذل للطلبة الرغاب، وليشبع فإن ذوي النهمة سغاب، ولير الناس ما
(1/174)

وهبه الله من الاقتدار فإنه احتضن السبع ودخل الغاب؛ وليتم مباني ما أتم (ابن عامر) و (أبو عمرو) له التعمير، ولفه (الكسائي) في كسائه ولم يقل جدي (ابن كثير)، وحم به (لحمزة) أن يعود ذاهب الزمان، وعرف أنه لا (عاصم) من أمر الله يلجأ معه إليه وهو الطوفان، وتدفق يتفجر علما وقد وقفت السيول الدوافع، وضر أكثر قراء الزمان بعدم تفهيمهم وهو (نافع)، وليقبل على ذوي الإقبال على الطلب؛ وليأخذهم بالتربية فما منهم إلا من هو إليه قد انتسب؛ وهو يعلم ما من الله عليه بحفظ كتابه العزيز من النعماء، ووصل سببه منه بحبل الله الممتد من الأرض إلى السماء؛ فليقدر حق هذه النعمة بحسن إقباله على التعليم، والإنصاف إذا سئل فعلم الله ما يتناهى {وفوق كل ذي علم عليم}.
27 - وصية محدث:
وقد أصبح بالسنة النبوية مضطلعا، وعلى ما جمعته طرق أهل الحديث مطلعا، وصح في الصحيح أن حديثه الحسن، وأن المرسل منه في الطلب مقطوع عنه كل ذي لسن؛ وأن سنده هو المأخوذ عن العوالي، وسماعه هو المرقص منه طول الليالي، وأن مثله لا يوجد في نسبه المعرق، ولا يعرف مثله للحافظين: (ابن عبد البر) بالمغرب (وخطيب بغداد) بالمشرق؛ وهو يعلم مقدار طلب الطالب فإنه طالما شد
(1/175)

له النطاق، وسعى له سعيه وتجشم المشاق؛ وارتحل له يشتد به حرصه والمطايا مرزمة، وينبهه له طلبه والجفون مقفلة والعيون مهومة؛ ووقف على الأبواب لا يضجره طول الوقوف حتى يؤذن له في ولوجها،
وقعد القرفصاء في المجالس لا تضيق به على قصر فروجها.
فليعامل الطلبة إذا أتوه للفائدة معاملة من جرب، ولينشط الأقرباء منهم ويؤنس الغرباء فما هو إلا ممن طلب آونة من قريب وآونة تغرب، وليسفر لهم صباح قصده عن النجاح، ولينتق لهم من عقوده الصحاح، وليوضح لهم الحديث، وليرح خواطرهم بتقريبه ما كان يسار إليه السير الحثيث، وليؤتهم مما وسع الله عليه فيه المجال، ويعلمهم ما يجب تعليمه من المتون والرجال، ويبصرهم بمواقع الجرح والتعديل، والتوجيه والتعليل، والصحيح والمعتل الذي تتناثر أعضاؤه سقما كالعليل؛ وغير ذلك مما لرجال هذا الشأن به عناية، وما ينقب فيه عن دراية أو يقنع فيه بمجرد رواية؛ ومثله ما يزاد حلما، ولا يعرف بمن رخص في حديث موضوع أو كتم علما).
28 - وصية نحوي:
(وهو زيد الزمان، الذي يضرب به المثل، وعمرو الأوان، وقد كثر من سيبويه الملل، ومازني الوقت ولكنه الذي لم تستبح منه الإبل، وكسائي الدهر الذي لو
(1/176)

تقدم لما اختار غيره الرشيد للمأمون، وذو السؤدد، لا أبو الأسود، على أنه ذو السابقة والأجر الممنون؛ وهو ذو البر المأثور، والقدر المرفوع، ولواؤه المنصوب، وذيل فخاره المجرور؛ والمعروف بما لا ينكر لمثله من الحزم، والذاهب عمله الصالح بكل العوامل التي لم يبق منها لحسوده إلا الجزم، وهو ذو الأبنية التي لا يفصح عن مثلها الإعراب، ولا يعرف أفصح منها فيما أخذ عن الأعراب؛ والذي أصبحت أهدابه فوق عمائم الغمائم تلاث، ولم يزل طول الدهر يشكر منه أمسه ويومه وغده وإنما الكلمات ثلاث. فليتصد للإفادة، وليعلمهم مثل ما ذكر فيه من علم النحو نحو هذا وزيادة؛ وليكن للطلبة نجما به يهتدى، وليرفع بتعليمه قدر كل خبر يكون خبرا له وهو المبتدا؛ وليقدم منهم كل من صلح للتبريز، واستحق أن ينصب إماما بالتمييز، وليورد من موارده أعذب النطاف، وليجر إليه كل مضاف إليه ومضاف؛ وليوقفهم على حقائق الأسماء، وليعرفهم دقائق البحوث حتى اشتقاق الاسم هل هو من السمو أو من السيماء؛ وليبين لهم الأسماء الأعجمية المنقولة والعربية الخالصة، وليدلهم على أحسن الأفعال لا ما يشتبه فيه بصفات (كان) وأخواتها من الأفعال الناقصة، وليحفظهم المثل وكلمات الشعراء، ولينصب نفسه لحد أذهان بعضهم ببعض نصب الإغراء؛ وليعامل
جماعة المستفيدين منه بالعطف، ومع هذا كله فليرفق بهم فما بلغ أحد علما بقوة ولا غاية بعسف).
29 - وصية متطبب طبائعي:
(وليتعرف أولا حقيقة المرض بأسبابه وعلاماته، ويستقص أعراض المريض
(1/177)

قبل مداواته، ثم ينظر إلى السن والفصل والبلد، ثم إذا عرف حقيقة المرض، وقدر ما يحتمله المزاج إذا عرض، يشرع في تخفيف الحاصل، وقطع الواصل، مع حفظ القوى. ولا يهاجم الداء، ولا يستغرب الدواء، ولا يقدم على الأبدان إلا بما يلائمها، ولا يبعد الشبه، ولا يخرج عن جادة الأطباء ولو ظن الإصابة حتى يقوى لديه الظن ويتبصر به في رأي أمثاله. وليتجنب الدواء، ما أمكنه المعالجة بالغذاء، والمركب، وما أمكنه المعالجة بالمفرد؛ وإياه والقياس إلا ما صح بتجريب غيره في مثل مزاج من أخذ في علاجه، وما عرض له، وسنه، وفصله، وبلده، ودرجة الدواء. وليحذر التجربة، فقد قال (أبقراط) وهو رأس القوم: إنها خطر.
ثم إذا اضطر إلى وصف دواء صالح للعلة نظر إلى ما فيه من المنافاة وإن قلت، وتحيل لإصلاحه بوصف يصلح معه، مع الاحتراز في وصف المقادير والكميات والكيفيات، في الاستعمال والأوقات، وما يتقدم ذلك الدواء أو يتأخر عنه. ولا يأمر باستعمال دواء، ولا ما يستغرب من غذاء، حتى يحقق حقيقته، ويعرف جديده من عتيقه: ليعرف مقدار قوته بالفعل؛ وليعلم أن الإنسان هو بنية الله وملعون من هدمها؛ وأن الطبيعة مكافية وبؤسى لمن ظلمها؛ وقد سلم الأرواح وهي وديعة الله في هذه الأجسام، فليحفظها وليتق الله ففي ذلك جميع الأقسام؛ وإياه ثم إياه أن يصف دواء ثم يكون هو الذي يأتي به، أو يدل عليه، أو المتولي لمناولته للمريض ليستعمله من يديه، وفي هذا كله لله المنة ولنا إذ هدينا له وأرشدناه إليه).
30 - وصية متطبب بالكحل:
(وها أنت أفردت بتسليم أشرف الحواس الخمس، والجوارح التي لولاها لم تعرف حقيقة ما يدرك بالسمع والذوق والشم واللمس؛ وهي العين التي تفدى بالعين، وتوقى ساعة البين؛ وقد جعلت منها لمعالجة أشرف الأعضاء، وأشرف إنسان يحيط بصره بكل الفضاء؛ فاجعل عليها من مداراتك الواقية، وأبق بها من حسن الأثر
(1/178)

ما يرى والعين باقية؛ وتلطف بها في
العلاج، وارفق بها فإنها من طبقات: منها الزجاجية ومنها شبيه الزجاج. ولا تقدم عليها بمداواة حتى تعرف حقيقة المرض، والسبب الذي نال به ذلك الجوهر العرض؛ ثم داوها مداواة تجلوا بها القذى عن البصر، وتشفي بها من السقام إلا الذي في عيون الغيد من حور، ويقيم بأجفانها عليها سورا، ويديم لإنسانها من ضوء البصر نورا. ثم لاطف بما يناسب من الغذاء ذلك الإنسان، وترفق به فإنك معروف بالإحسان؛ وصنه عن قدح قادح، وأعنه حتى لا يقال يا أيها الإنسان إنك كادح. وأعمل على ما فيه صلاح ذاك السواد الأعظم، والإمتاع بذلك السواد الذي لا يشترى بملء الأرض ذهبا منه قدر نصف درهم؛ وتخير من الكحل ما فيه جلاء الأبصار، وشفاء العين مما يخاف على الإنسان فيه الأخطار. وافعل في هذا كله ما إذا كنت بسواد الحدق لم تنسخ، وإذا قيس قدر ميل منه لم يبعد إليه ألف فرسخ؛ واستشر الأطباء الطبايعية فيما أهم، وفيما لا يستغنى فيه عن رأي مثلهم، من تخفيف مادة الاستفراغ أو نقص دم، إلا غير هذا مما إذا فعلته لم تلم بعده بما ألم).
31 - وصية جرائحي:
(واعرف ما تحتاج هذه الوظيفة واجبر كل كسر، وشد كل أسر، وخط كل فتق، وقو كل رتق، وداو الكلوم، ودار باللطف فإن إفراط القوة في الدواء يلحقه بالسموم. واعمل على حفظ الأعصاب، وشد الأعضاء حتى تتمكن من معالجة المصاب؛ والتوقي في كل أعماله فإنها في صناعة كلها خطر، وجميع أمورها مغيبة لا يوقف فيها على خبر. وليبادر ما يفوت، ولا يكلم أحدا ما حسن للسان حديد السكوت، وليحذر قطع شريان ما قطع إلا نزف دم صاحبه حتى يموت، وليعد معه ما يكون لإخراج النصال فإنه يكون مع عساكرنا المنصورة أوقات الحرب والسهام تغوص
(1/179)

في الأجسام، والرماح في رجل هي والحسام؛ وليكن في هذا كله مزاح الأعذار، مزال العوائق في مضايق أوقات لا يستدرك فيها فائت الأعمار؛ وليعد لهذا الأمر عدته، وليصرف إليه همته؛ وليفعل في هذا ما لا يبقى عليه به جناح، ولا يخطيء معه عمله نجاح، ولا يقاس به أحد وقد أفاد علمه وأجاد عمله وأجدى، وظهرت بركت معالجة يه التي إذا وضعها على الجرح يهدا).
32 - وصية منجم:
(وقد أغناه ما رآه من مساعدة الأقدار لنا أن ينجم، ونطقت له الحال بسعادتنا فما زاد على
أنه كان يترجم، ولم نستخدمه لأنا نقول بتأثير الأفلاك ولا الاحتياج إلى ما هنالك، إلا أن عادة الملوك جرت على ذلك؛ مع العلم بسعة علمه مما ورث عن الحكماء، وتكلم به على ملكوت، الأرض والسماء، وأنه جمع من هذه الصناعة ما لا يجيء منه (أبو معشر البلخي) بمشعار، ولا غيره من جميع الجماعة وفي الجملة (كوشيار). ومع هذا فما نمنعه من عمل ما لم يخطر على مثله من رقبة الطوالع، ورؤية المطالع، وتحرير الأوقات حين المواليد، وتسيير الكواكب لمعرفة ما يعرف بالحساب من رؤوس الأشهر وأيام العيد، وملازمة الخدمة الشريفة في السفر والحضر، ورؤية طلائعنا المنصورة فإنها أسعد من رؤية كل هلال ينتظر؛ والحذر مما نهت الشريعة الشريفة عن قوله لئلا يغمض عليه دينه علماء الإسلام، والقول في الكواكب إلا بما قيل فيها من أنها لا تعدو ثلاثة أقسام: منها معالم للهدى ورجوم للشياطين ومصابيح تجلو الظلام).
(1/180)

33 - وصية موقت:
(وما أخر هذه المدة إلا وكل شيء إلى ميقات، ولأن تقديم مثله من الأشياء التي كانت تحسب لها الأوقات، وإلا فقد عرف أنه المقدم في الزمن الأخير، والمتفرد وقد هم مماثله لمساواته فسقط عن درجة النظير، وأتقن علم الهيئة التي يحاط بها علما بملكوت السماء، وتعرف بها شمس النهار ونجوم الظلماء؛ ويتحقق كيف دوران الأفلاك ومقاديرها، وهيئة المنازل وتصويرها، وانتقالات الكواكب السيارة وإلى أين ينتهي تسييرها، فليبصر كيف يكون، ولينظر الطالع ولا يأمن أن يكون عليه من النجوم عيون؛ وليعرف ما على خطي المشرق والمغرب، ومركزي وتدي السماء والأرض المشدود بهما رواق الفلك المطنب؛ وليحرر ذلك كله تحرير من يعلم أنه هو المقلد في أداء الفرائض، والمقتحم في لجج السماء الغمرات التي لا تخوض معه فيها خائض، وأن به يقام الأذان، وتصلى الصلوات ويفطر ويصام في رمضان. ويعد تثويبه تسري العقول، وييقن كشف حجاب لليل المسبول، وتخرج مطمئنة القلوب بتسبيحه وتهاجم البيد وهي تفترس بأنياب غول.
وكل هذا متعلق به فليراقب الله في خلاص الذمة، ويتجنب الملامة مع أمة سيدنا محمد (ص) ومع الأئمة. ولا يزال محررا للارتفاع في كل بلد يحل به ركابنا الشريف على حكم عرضه، ومقادير الأبعاد بين سمائه وأرضه، مؤذنا كل من كان مؤذنا بحين كل صلاة في
أول وقتها، من غير تقديم يؤدي به قبل الوجوب، أو تأخير يضيق به الوقت الموسع على ذي الضرورة حين الوثوب، وليكن على يقين بأنه بكل ما حصل فيه التقصير من هذا ومثله مطلوب).
34 - وصية رئيس اليهود:
(وعليه بضم جماعته، ولم شملهم باستطاعته، والحكم فيهم على قواعد ملته، وعوائد أئمته في الحكم إذا وضح له بأدلته، وعقود الأنكحة وخواص ما يعتبر عندهم فيها على الإطلاق، وما يفتقر فيها إلى الرضى من الجانبين في العقد والطلاق، وفيمن أوجب عنده حكم دينه عليه التحريم، وأوجب عليه الانقياد إلى
(1/181)

التحكيم، وما ادعوا فيه التواتر من الأخبار، والتضافر على العمل به مما لم يوجد فيه نص وأجمعت عليه الأحبار، والتوجه تلقاء بيت المقدس إلى جهة قبلتهم، ومكان تعبد أهل ملتهم؛ والعمل بهذا جميعه بما شرعه موسى الكليم، والوقوف معه إذا ثبت أنه فعل ذاك النبي الكريم، وإقامة حدود التوراة على ما أنزل الله من غير تحريف، ولا تبديل لكلمة تأويل ولا تصريف، واتباع ما أعطوا عليه العهد، وشدوا عليه العقد، وأبقوا به ذماءهم، ووقوا به دماءهم، وما كانت تحكم به الأنبياء والربانيون، ويسلم إليه الإسلاميون منهم ويعبر عنه العبرانيون؛ كل هذا مع إلزامهم بما يلزمهم من حكم أمثالهم أهل الذمة الذين أقروا في هذه الديار، ووقاية أنفسهم بالخضوع والصغار، ومد رؤوسهم بالإذعان لأهل ملة الإسلام، وعدم مضايقتهم في الطرق وحيث يحصل الالتباس بهم في الحمام، وحمل شعار الذمة الذي جعل لهم حلية العمائم، وعقد على رؤوسهم لحفظهم عقد التمائم؛ وليعلم أن شعارهم الأصفر، موجب لئلا يراق دمهم الأحمر وأنهم تحت علم علامته آمنون، وفي دعة أصائله ساكنون؛ وليأخذهم بتجديد صبغه في كل حين، وليأمرهم بملازمته ملازمة لا تزال علائمها إلى رؤوسهم تبين، وعدم التظاهر بما يقتضي المناقضة، أو يفهم منه المعارضة، أو يدع فيه غير السيف وهو إذا كلم شديد العارضة، وله ترتيب طبقات أهل ملته من الأحبار فمن دونهم على قدر استحقاقهم، وعلى ما لا تخرج عنه كلمة اتفاقهم؛ وكذلك له الحديث في جميع كنائس اليهود المستمرة إلى الآن، المستقرة بأيديهم من حين عقد عهد الذمة ثم ما تأكد بعده بطول الزمان، من غير تجديد متجدد، ولا إحداث قدر متزيد، ولا فعل شيء مما لم تعقد عليه الذمة، ويقر عليه
سلفهم الأول سلف هذه الأمة، وفي هذا كفاية وتقوى الله وخوف بأسنا رأس الأمور المهمة).
(1/182)

35 - وصية رئيس السامرة:
(ولا يعجز عن لم شعث طائفته مع قلتهم، وتأمين سربهم الذي لو لم يؤمنوا فيه لأكلهم الذئب لذلتهم، وليصن بحسن السلوك دماءهم التي كأنما صبغت عمائمهم الحمر منها بما طل، وأوقد لهم منها النار الحمراء فلم يتقوها إلا بالذل؛ وليعلم أنهم شعبة من اليهود لا يخالفونهم في أصل المعتقد، ولا في شيء يخرج عن قواعد دينهم لمن انتقد، ولولا هذا لما عدوا في أهل الكتاب، ولا قنع منهم إلا بالإسلام أو ضرب الرقاب؛ فليبن على هذا الأساس، ولينبئ قومه أنهم منهم وإنما الناس أجناس، وليلتزم من فروع دينه ما لا يخالف فيه إلا بأن يقول لا مساس؛ وإذا كان كما يقول: إنه كهارون عليه السلام فليلتزم الجدد، وليقم من شرط الذمة بما يقيم به طول المدد، وليتمسك بالموسوية من غير تبديل، ولا تحريف في كلمة ولا تأويل؛ وليحص عمله فإنه عليه مسطور، وليقف عند حده ولا يتعد طوره في الطور؛ وليحكم في طائفته وفي أنكحتهم ومواريثهم وكنائسهم القديمة المعقود عليها بما هو في عقد دينه، وسبب لتوطيد قواعده في هذه الرتبة التي بلغها وتوطينه).
36 - وصية بطريرك النصارى الملكيين:
(وهي كبير أهل ملته، والحاكم عليهم ما امتد في مدته؛ وإليه مرجعهم في
(1/183)

التحريم والتحليل، وفي الحكم بينهم بما أنزل في التوراة ولم ينسخ في الإنجيل؛ وشريعته مبينة على المسامحة والاحتمال، والصبر على الأذى وعدم الاكتراث به والاحتفال؛ فخذ نفسك في الأول بهذه الآداب، واعلم أنك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب: فتخلق من الأخلاق بكل جميل، ولا تستكثر من متاع الدنيا فإنه قليل؛ وليقدم المصالحة بين المتحاكمين إليه قبل الفصل البت فإن الصلح كما يقال سيد الأحكام، وهو قاعدة دينه المسيحي ولم تخالف فيه المحمدية الغراء دين الإسلام؛ ولينظف صدور إخوانه من الغل ولا يقنع بما ينظفه ماء المعمودية من الأجسام؛ وإليه أمر الكنائس والبيع، وهو رأس جماعته والكل له تبع: فإياه أن يتخذها له تجارة مربحة، أو يقتطع بها مال نصراني يقربه فإنه ما يكون قد قربه إلى المذبح وإنما ذبحه؛ وكذلك الديارات وكل عمر، والقلالي فيتعين عليه أن يتفقد فيها كل أمر؛ وليجهد في إجراء أمورها على ما فيه رفع الشبهات، وليعلم أنهم إنما اعتزلوا فيها للتعبد فلا
يدعها تتخذ متنزهات: فهم إنما أحدثوا هذه الرهبانية للتقلل في هذه الدنيا والتعفف عن الفروج، وحبسوا فيها أنفسهم حتى إن أكثرهم إذا دخل إليها ما يعود يبقى له خروج؛ فليحذرهم من عملها مصيدة للمال، أو خلوة له ولكن بالنساء حراما وإنما يكون تنزه عن الحلال؛ وإياه ثم إياه أن يؤوي إليها من الغرباء القادمين عليه من يريب، أو يكتم عن الإنهاء إلينا مشكل أمر ورد عليه من بعيد أو قريب؛ ثم الحذر الحذر من إخفاء كتاب يرد إليه من أحد الملوك، ثم الحذر الحذر من الكتابة إليهم أو المشي على مثل هذا السلوك؛ وليتجنب البحر وإياه من اقتحامه فإنه يغرق، أو تلقي ما يلقيه إليه جناح غراب منه فإنه بالبين ينعق؛ والتقوى مأمور بها أهل كل
(1/184)

ملة، وكل موافق ومخالف في القبلة؛ فليكن عمله بها وفي الكناية ما يغني عن التصريح، وفيها رضي الله وبها أمر المسيح).
37 - وصية بطريرك اليعاقبة:
ويقال في وصية بطرك اليعاقبة مثل ذلك إلا فيما ينبه عليه. ويسقط منه قولنا:
(واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب) إذ كان لا يدين بطاعة الباب الذي هو رأس الملكانيين، وإنما هو رأس اليعاقبة نظيره للمالكيين؛ ويقال مكان هذه الكلمة: (واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك قسيم الباب، وأنتما سواء في الأتباع، ومتساويان فإنه لا يزداد مصراع على مصراع). ويسقط منه قولنا: (وليتجنب البحر وإياه من اقتحامه فإنه يغرق) وثانية هذه الكلمة إذ كان ملك اليعاقبة مغلغلا في الجنوب ولا بحر، ويبدل بقولنا: و (وليتجنب ما لعله ينوب، وليتوق ما يأتيه سرا من تلقاء الحبشة حتى إذا قدر فلا يشم أنفاس الجنوب، وليعلم أن تلك المادة وإن كثرت مقصرة، ولا يحفل بسؤدد السودان فإن الله جعل آية الليل مظلمة وآية النهار مبصرة) ثم يختم بالوصية بالتقوى كما تقدم، ونحو هذا والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/185)

القسم الثالث
في نسخ الإيمان
أ - يمين شريف يستحلف بها للمبايعة العامة
(أقول وأنا فلان: والله والله والله، وتالله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله، والله العظيم الذي لا إله إلا هون البارئ الرحمن الرحيم، عالم الغيب والشهادة، والسر والعلانية، وما تخفي الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، والمجازي لها بما عملت، وحق جلال الله، وقدرة الله، وعظمة الله، وكبرياء الله، وسائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا؛ إنني من وقتي هذا، وما مد الله في عمري، قد أخلصت نيتي، ولا أزال مجتهدا في إخلاصها، وأصفيت طويتي، ولا أزال مجتهدا في أصفائها، في طاعة مولانا السلطان (ويذكر لقبه ونسبه) - خلد الله ملكه - وخدمته ومحبته وامتثال مراسيمه، والعمل بأوامره؛ وإنني والله العظيم حرب لمن حاربه، سلم لمن سالمه، عدو لمن عاداه، ولي لمن والاه من سائر الناس أجمعين؛ وإنني والله العظيم لا أضمر لمولانا السلطان بنسبه سوءا ولا غدرا، ولا خديعة ولا مكرا، ولا خيانة في نفس ولا مال، ولا سلطنة ولا قلاع ولا حصون، ولا بلاد ولا غير ذلك، ولا أسعى في تفريق كلمة أحد من أمرائه ولا مماليكه ولا عساكره ولا أجناده، ولا عربانه
(1/186)

ولا تركمانه ولا أكراده، ولا استمالة طائفة منهم لغيره، ولا أوافق على ذلك بقبول ولا فعل ولا نية ولا مكاتبة ولا مراسلة ولا إشارة ولا رمز ولا كناية ولا تصريح؛ فإن جاءني كتاب من أحد من خلق الله بما فيه مضرة على مولانا السلطان، أو على دولته، لا أعمل به، ولا أصغي إليه، وأحمل الكتاب إلى ما بين يديه الشريفتين، هو ومن أحضره إن قدرت على إمساكه.
وأنني والله العظيم أفي لمولانا السلطان بهذه اليمين من أولها إلى آخرها، لا أنقضها ولا شيئا منها، ولا أستثني فيها ولا في شيء منها، ولا أخالف شرطا من شروطها؛ ومتى خالفتها أو شيئا منها، أو نقضتها أو شيئا منها، أو استفتيت فيها أو في شيء منها طلبا لنقضها، فكل ما أملكه من صامت وناطق صدقة على الفقراء والمساكين، وكل زوجة في عقد نكاحه أو يتزوجها في المستقبل طالق ثلاثا بتاتا على سائر المذاهب، وكل مملوك أو أمة في ملكه أو يملكهم في المستقبل أحرار لوجه الله تعالى، وعليه الحج إلى بيت الله
الحرام بمكة المعظمة، والوقوف بعرفة ثلاثين حجة متواليات متتابعات كوامل، حافيا حاسرا،
(1/187)

وعليه صوم الدهر كله إلا الأيام المنهي عنها، وعليه أن يفك ألف رقبة مؤمنة من أسر الكفار، ويكون بريئا من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ومن دين الإسلام إن خالفت هذه اليمين أو شرطا من شروطها.
وهذه اليمين يميني، وأنا فلان، والنية فيها بأسرها نية مولانا السلطان فلان، ونية مستحلفي له بها، لا نية لي في باطني وظاهري سواها. أشهد الله علي بذلكن وكفى بالله شهيدا، والله على ما أقول وكيل).
ويكتب الحالف اسمه في الموضعين بخطه أو بخط من يكتب عنه إن كان ممن لا يكتب.
وقد يزاد فيها لنواب القلاع ونقبائها والوزراء وأرباب التصرف في الأموال والدوادارية وكتاب السر زيادات:
- فأما نواب القلاع ونقباؤها فمما يزاد في تحليفهم:
(. . . وإنني أجمع رجال هذه القلعة (ويسمي القلعة التي هو فيها) على طاعة مولانا السلطان فلان وخدمته في حفظ هذه القلعة وحمايتها وتحصينها والذب عنها والجهاد دونها والمدافعة عنها بكل طريق؛ وإنني أحفظ حواصلها وذخائرها وسلاح خاناتها على اختلاف أنواع ما فيها من الأقوات والأسلحة، وأنني لا اخرج شيئا منها إلا في أوقات الحاجة والضرورة الداعية المتعين فيها تفريق الأقوات والسلاح على قدر ما تدعو الحاجة إليه، وأنني أكون في ذلك كواحد من رجال هذه القلعة؛ وكل واحد ممن يتبعني كواحد ممن يتبع أتباع رجال هذه القلعة: لا أتخصص ولا أمكن من التخصيص؛ وإنني والله والله والله لا افتح أبواب هذه القلعة إلا في الأوقات الجاري بها عادة فتح أبواب الحصون، وأغلقها في الوقت الجاري بها العادة، ولا أفتحها إلا بشمس، ولا أغلقها إلا بشمس؛ وإنني أطالب الحراس والدراجة وأرباب النوب في هذه القلعة بما جرت به العوائد اللازمة لكل منهم، مما في ذلك جميعه مصلحة مولانا السلطان فلان؛ ولا أسلم هذه القلعة إلا لمولانا السلطان فلان، أو بمرسومه
(1/188)

الشريف وأمارته الصحيحة وأوامره الصريحة؛ وإنني لا أستخدم في هذه القلعة إلا من فيه نفع هذه القلعة وأهلية الخدمة. لا أعمل في ذلك بغرض نفس لي، ولا أرخص فيه لمن يعمل بغرض نفس له؛ وإنني أبذل في ذلك كله الجهد، وأشمر فيه عن
ساعد الجد).
- وأما الوزراء وأرباب التصرف في الأموال فمما يزاد في تحليفهم:
(. . . وإنني أحفظ أموال مولانا السلطان فلان - خلد الله ملكه - من التبذير والضياع، والخونة وتفريط أهل العجز، ولا أستخدم في ذلك ولا في شيء منه إلا أهل الكفاية والأمانة، ولا أضمن جهة من الجهات الديوانية إلا من الأمناء القادرين، أو ممن زاد زيادة ظاهرة وأقام عليه الضمان الثقات، ولا أؤخر مطالبة أحد بما يتعين عليه بوجه حق من حقوق الديوان المعمور، والموجبات السلطانية على اختلافها؛ وإنني والله العظيم لا ارخص في تسجيل ولا قياس، ولا أسامح أحدا بموجب يجب عليه، ولا أخرج عن كل مصلحة تتعين لمولانا السلطان فلان ودولته، ولا أخلي كل ديوان يرجع إلي أمره ويوكل بي أمر مباشرته من تصفح لأحواله، واجتهاد في تثمير أمواله، وكف أيدي الخونة عنه، وغل أيديهم أن تصل إلى شيء منه؛ ولا أدع حاضرا ولا غائبا من أمور هذه المباشرة حتى أجد فيه وأبذل الجهد الكلي في إجراء أموره على السداد، وحسن الاعتماد، وإنني لا أستجد على المستقر إطلاقه ما لم يرسم لي به، إلا ما فيه مصلحة ظاهرة، لهذه الدولة القاهرة، ونفع بين لهذه الأيام الشريفة؛ وإنني والله أودي الأمانة في كل ما وكل بي ووليت من القبض والصرف، والولاية والعزل، والتقديم والتأخير، والتقليل والتكثير، وفي كل جليل وحقير، وقليل وكثير).
- وأما الدوادارية وكتاب السر فيزداد فيهما:
(. . . وإنني مهما اطلعت عليه من مصالح مولانا السلطان فلان ونصائحه، وأمر داني ملكه ونازحه، أوصله إليه، وأعرضه عليه، ولا أخفيه شيئا منه ولو كان علي، ولا أكتمه ولو خفت وصول ضرره إلي).
(1/189)

ويفرد الدوادار:
(بأنني لا أؤدي عن مولانا السلطان رسالة في إطلاق مال، ولا استخدام مستخدم، ولا إقطاع إقطاع، ولا ترتيب مرتب، ولا تجديد مستجد، ولا سداد ثاغر، ولا فصل منازعة، ولا كتابة توقيع ولا مرسوم، ولا كتاب صغيرا كان أو كبيرا إلا بعد عرضه على مولانا السلطان فلان، ومشاورته، ومعاودة أمره الشريف ومراجعته).
ويفرد كاتب السر:
(بأنه مهما تأخر قراءته من الكتب الواردة على مولانا السلطان فلان، من البعيد والقريب، يعاود فيه في وقت آخر؛ فإن لم يعاد فيه لمجموع لفظه - لطوله الطول الممل - عاود فيه بمعناه في الملخصات؛ وأنه لا يجاوب في شيء لم ينص المرسوم الشريف فيه بنص خاص - مما لم تجر العادة بالنص فيه - لا يجاوب فيه إلا بأكمل ما يرى أن فيه مصلحة مولانا السلطان فلان ومصلحة دولته؛ بأشد جواب يقدر عليه، ويصل اجتهاده إليه؛ وأنه مهما أمكنه المراجعة فيه لمولانا السلطان فلان راجعه فيه، وعمل بنص ما يرسم له به فيه).

ب - أيمان أهل الكتاب
يمين اليهود
(إنني والله والله والله العظيم، القديم الأزلي الفرد الصمد، القديم الواحد
(1/190)

الأحد، المدرك المهلك، باعث موسى بالحق، وشاد عضده وأزره بأخيه هارون، وحق التوراة المكرمة وما فيها وما تضمنته، وحق العشر كلمات التي أنزلت على موسى في الصحف الجوهر، وما حوته قبة الزمان، وإلا تعبدت فرعون وهامان، وبرئت من إسرائيل، ودنت بدين النصرانية، وصدقت مريم في دعواها، وبرأت يوسف النجار، وأنكرت الخطاب، وتعمدت الطور بالقاذورات، ورميت الصخرة بالنجاسة، وشركت بخت نصر في هدم بيت المقدس وقتل بني إسرائيل، وألقيت العذرة على مظان الأسفار، وكنت ممن شرب من النهر ومال إلى جالوت، وفارقت شيعة طالوت، وأنكرت الأنبياء، ودللت على دانيال، وأعلمت جبار مصر بمكان إرميا، وكنت مع البغي والفواجر يوم يحيى، وقلت: إن النار المضيئة من شجرة العوسج نار إفك، وأخذت الطرق على مدين، وقلت بالعظائم في بنات شعيب، وأجلبت مع السحرة على موسى، ثم برئت ممن آمن منهم، وكنت مع من قال: اللحاق اللحاق لندرك من فر، وأشرت بيتخليف تابوت يوسف في مصر، وسلمت إلى السامري، ونزلت أريحا مدينة الجبارين، ورضيت بفعل سكنة سدوم، وخالفت أحكام التوراة، واستبحت السبت وعدوت فيه، وقلت إن المضلة ضلال، وإن الحنكة محال، وقلت بالبدائة على الله في الأحكام، وأجزت نسخ الشرائع، واعتقدت أن عيسى ابن مريم المسيح الموعود
به على لسان موسى بن عمران، وانتقلت عن اليهودية إلى سواها من
(1/191)

الأديان، واستبحت لحم الجمل والشحم والحوايا وما اختلط بعظم، وتأولت أن آكل ثمنه غير آكله، وقلت مقالة أهل بابل في إبراهيم، وإلا أكون محرما حرمة تجمع عليها الأحبار، وتقلب عليها حصر الكنائس، ورددت إلى التيه، وحرمت المن والسلوى، وبرئت من كل الأسباط، وقعدت عن حرب الجبارين مع القدرة والنشاط).

يمين النصارى
(إنني والله والله العظيم، وحق المسيح عيسى ابن مريم، وأمه السيدة مرين، وما أعتقده من دين النصرانية، والملة المسيحية، وإلا أبرأ من المعمودية، وأقول إن ماءها نجس، وإن القرابين رجس، وبرئت من مر يوحنا المعمدان والأناجيل الأربعة، وقلت إن متى كذوب، وإن مريم المجدلانية باطلة الدعوى في إخبارها عن السيد اليسوع المسيح، وقلت في السيدة مريم قول اليهود، ودنت بدينهم في الجحود، وأنكرت اتحاد اللاهوت بالناسوت، وبرئت من الأب والابن وروح القدس، وكذبت القسوس، وشاركت في ذبح الشمامس، وهدمت الديارات والكنائس، وكنت ممن مال على قسطنطين ابن هالاني، وتعمد أمه بالعظائم، وخالفت المجامع التي أجمعت عليها الأساقف برومية والقسطنطينية، ووافقت البرذعاني بأنطاكية، وجحدت مذهب الملكانية، وسفهت رأي الرهبان، وأنكرت وقوع الصلب على السيد
(1/192)

اليسوع، وكنت مع اليهود حين صلبوه، وحدت عن الحواريين، واستبحت دماء الديرانيين؛ وجذبت رداء الكبرياء عن البطريرك، وخرجت عن طاعة الباب، وصمت يوم الفصح الأكبر، وقعدت عن أهل الشعانين، وأبيت عيد الصليب والغطاس، ولم أحفل بعيد السيدة، وأكلت لحم الجمل، ودنت بدين اليهود، وأبحت حرمة الطلاق، وخنت المسيح في وديعته، وتزوجت في قرن بامرأتين، وهدمت بيدي كنيسة قمامة، وكسرت صليب الصلبوت، وقلت في البنوة مقال نسطورس، ووجهت إلى الصخرة وجهي، وصديت عن الشرق المنير حيت كان المظهر الكريم، وإلا برئت من النورانيين والشعشعانيين، ودنت غير دين النصارى، وأنكرت أن السيد اليسوع أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وقلت إنه مربوب، وإنه ما رؤي وهو مصلوب، وأنكرت أن القربان المقدس على المذبح ما صار لحم المسيح ودمه حقيقة، وخرجت في النصرانية، عن لاحب الطريقة، وإلا قلت بدين
التوحيد، وتعبدت غير الأرباب، وقصدت بالمظانيات غير طريق الإخلاص، وقلت إن المعاذ غير روحاني، وإن بني المعمودية تسيح في فسيح السماء، وأثبت وجود الحور العين في المعاد، وإن في الدار الآخرة التلذذات الجسمانية، وخرجت خروج الشعرة من العجين من دين النصرانية، وأكون من ديني محروما، وقلن إن جرجس لم يقتل مظلوما).
(1/193)

فإذا كان من اليعاقبة بدل قوله (اتحاد اللاهوت بالناسوت) بقوله: (مماسة اللاهوت للناسوت) ويبطل قوله: (ووافقت البرذعاني بأنطاكية، وجحدت مذهب الملكانية) ويبدل بقوله: (وكذبت يعقوب البرذعاني، وقلت إنه غير نصراني، وجحدت اليعقوبية، وقلت إن الحق مع الملكية). ويبطل قوله: (وخرجت عن طاعة الباب) ويبدل قوله: (وقاتلت بيدي عمد شيون، وخربت كنيسته وكنت أول مفتون) وإن كان من النساطرة أبدل القولين وأبقى ما سواهما، وقال عوض (مماسة اللاهوت للناسوت): (إشراق اللاهوت على الناسوت)؛ ويزاد بعد ما يحذف: (وقلت بالبراءة من نسطورس وما تضمنه الإنجيل المقدس).

يمين السامرة
وهي على نحو من يمين اليهود، لأنهم منهم؛ وقد قال العلماء: (إن وافقت أصولهم أصول اليهود أقروا بالجزية وإلا فلا). وقد خرجت لهم نسخة يمين تفردهم لموضع خلافهم لفرق اليهود وهي:
(أقول وأنا فلان، إنني والله والله والله العظيم، البارئ، القادر، القاهر، القديم، الأزلي، رب موسى وهارون، منزل التوراة والألواح الجوهر، منقذ بني إسرائيل، وناصب الطور قبلة للمتعبدين، وإلا كفرت بما في التوراة، وبرئت من نبوة موسى، وقلت بان الإمامة في غير بني هارون، ودكيت الطور، وقلعت بيدي أثر البيت المعمور، واستبحت حرمة السبت، وقلت بالتأويل في الدين، وأقررت بصحة توراة اليهود، وأنكرت القول بأن لا مساس، ولم أتجنب شيئا من الذبائح، وأكلت
(1/194)

الجدي بلبن أمه، وسعيت في الخروج إلى الأرض المحظور علي سكنها، وأتيت النساء الحيض زمان الطمث مستبيحا لهن، وبت معهن في المضاجع، وكنت أول كافر بخلافة هارون، وأنفت منها أن تكون).

يمين المجوس
(إنني والله الرب العظيم، القديم، النور الأول، رب الأرباب وإله الآلهة، ماحي آية الظلم،
والموجد من العدم، مقدر الأفلاك ومسيرها، ومنور الشهب ومصورها، خالق الشمس والقمر، ومنبت النجم والشجر، والنار والنور، والظل والحرور، وحق (جيومرت) وما أولد من كرائم النسل، و (زرادشت) وما جاء به من القول الفصل، والزند وما تضمن، والخط المستدير وما بين، وإلا أنكرت أن (زادشت) لم يأت بالدائرة الصحيحة بغير آلة، وإن مملكة (إفريديون) كانت ضلالة، وأكون قد شركت (بهراسف) فيما طعما لحيتيه، وقلت إن كابيان لم يسلط عليه، وخرقت بيدي الدرفس، وأنكرت ما عليه من الوضع الذي أشرقت عليه
(1/195)

أجرام الكواكب، وتمازجت فيه القوى الأرضية بالقوى السمائية، وكذبت (ماني) وصدقت (مزدك)، واستبحت فضول الفروج والأموال، وقلت بإنكار الترتيب في طبقات العالم، وألا مرجع في الأبوة إلا إلى آدم، وفضلت العرب على العجم، وجعلت الفرس كسائر الأمم، ومسحت بيدي خطوط الفهلوية، وجحدت السياسة الساسانية، وكنت ممن غزا الفرس مع الروم، وممن خطأ سابور في خلع أكتاف العرب، وجلبت البلاء إلى بابل، ودنت بغير دين الأوائل، وإلا أطفأت النار، وأنكرت فعل الفلك الدوار، ومالأت فاعل الليل على فاعل النهار، وأبطلت حكم النيروز والمهرجان، وأطفأت ليلة الصدق مصابيح النيران، وإلا أكون ممن حرم الأمهات، وقال إنه لا يجوز الجمع بين الأخوات، وأكون ممن أنكر صواب فعل أردشير، وكنت لقومي بئس المولى وبئس العشير).

ج - أيمان طوائف من أهل البدع
الطائفة الأولى: الشيعة.
أما الرافضة وأنواع الشيعة فهم طوائف كثيرة يجمعهم حب علي رضي الله عنه، وتختلف فرقهم فيمن سواه.
فأما مع إجماعهم على حبه فهم مختلفون في اعتقادهم فيه، فمنهم أهل غلو مفرط وعتو زائد: ففيهم من أدى به الغلو إلى أن اتخذ عليا إلها وهم النصيرية، ومنهم من قال إنه النبي المرسل وغلط جبريل، ومنهم من قال إنه شريك في النبوة والرسالة،
(1/196)

ومنهم من قال إنه وصي النبوة بالنص الجلي؛ ثم تخالفوا في الإمامة بعده، وأجمعوا بعده على الحسن ثم الحسين. وقالت فرقة منهم: وبعدهما محمد بن الحنفية.

وجماهير القوم الموجودين في هذه المماليك خمس فرق ظاهرة وهم النصيرية،
والإسماعيلية، والإمامية، والزيدية، والدروز.

النصيرية
وهم القائلون بألوهية علي، وإذا مر بهم السحاب قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن؛ ويزعمون أن السحاب مسكنه، ويقولون إن الرعد صوته، وإن البرق ضحكه، وإن سلمان الفارسي رسوله؛ ويحبون ابن ملجم، ويقولون إنه خلص اللاهوت من الناسوت؛ ولهم خطاب بينهم، من خاطبوه به لا يعود يرجع عنهم، ولا يذيعه ولو ضربت عنقه؛ وقد جرب هذا كثيرا.
وهم طائفة ملعونة مرذولة، مجوسية المعتقد، لا تحرم البنات ولا الأخوات ولا الأمهات؛ ويحكى عنهم في هذا حكايات، ولهم اعتقاد في تعظيم الخمر، ويرون أنها من النور، ولهم قول في تعظيم النور مثل قول المجوس أيضا أو يقاربه.
وأيمانهم:
(إنني وحق العلي الأعلى، وما أعتقده في المظهر الأسنى، وحق النور وما نشأ منه، والسحاب وساكنه،. . . وإلا برئت من مولاي علي العلي العظيم، وولائي له، ومظاهر الحق، وكشفت حجاب سلمان بغير إذن، وبرئت من دعوة الحجة نصير، وخضت مع الخائضين في لعنة ابن ملجم، وكفرت بالخطاب، وأذعت السر
(1/197)

المصون، وأنكرت دعوى أهل التحقيق، وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى أجتث أصولها وأمنع سبيلها، وكنت مع قابيل على هابيل، ومع النمرود على إبراهيم، وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه، إلى أن ألقى العلي العظيم وهو علي ساخط، وأبرأ من قول قنبر، وأقول إنه بالنار ما تطهر).

الإسماعيلية
وهم القائلون بانتقال الإمامة بعد جعفر الصادق إلى ابنه الأكبر إسماعيل، وهو جد الخلفاء الفاطميين بمصر. وهذه الطائفة هو شيعة تلك الدولة، والقائمون بتلك الدعوة، والقائلون لتلك الكلمة؛ وهم - وإن اظهروا الإسلام، وقالوا بقول الإمامية ثم خالفوهم في موسى الكاظم، وقالوا بأنها لم تصر إلا إلى أخيه إسماعيل - فإنهم طائفة كافرة، تعتقد التناسخ والحلول؛ ثم هم مختلفون فيما بعد: فمنهم نزارية وهم القائلون بإمامة نزار، والبقية
مستعلوية ويقولون بإمامة المستعلي بالله. وهؤلاء تجمعهم يمين واحدة؛ ثم نبين موضع الخلاف بينهم فيما يأتي.
(1/198)

واليمين الجامعة لهم أن يقول:
(إنني والله والله والله الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر القاهر، الذي لا إله إلا هو، وحق أئمة الحق، وهداة الخلق علي وبنيه أئمة الظهور والخفاء، وإلا برئت من صحيح الولاء، وصدقت أهل الباطل، وقمت مع فرقة الضلال وانتصبت مع النواصب في تقرير المحال، ولم أقل بانتقال الإمامة إلى السيد الحسين، ثم إلى بنيه بالنص الجلي، موصولة إلى جعفر الصادق، ثم إلى ابنه إسماعيل صاحب الدعوة الهادية، والأثرة الباقية، وإلا قدحت في القداح، وأثمت الداعي الأول، وسعيت في اختلاف الناس عليه، ومالأت على السيد المهدي، وخذلت الناس عن القائم، ونقضت الدولة في المعز، وأنكرت أن يوم غدير خم لا يعد في الأعياد، وقلت أن لا علم للأئمة بما يكون، وخالفت من ادعى لهم العلم بالحدثان، ورميت آل بيت محمد بالعظائم، وقلت فيهم بالكبائر، وواليت أعداءهم، وعاديت أولياءهم.)
ثم من هنا تزيد النزارية:
(وإلا فجحدت أن يكون الأمر صار إلى نزار، وأنه أتى حملا في بطن جارية
(1/199)

لخوفه خوض بلاد الأعداء، وأن الاسم لم يغير الصورة، وإلا طعنت على الحسن بن الصباح، وبرئت من المولى علاء الدين صاحب الألموت، ومن ناصر الدين سنان الملقب براشد الدين، وكنت أول المعتدين، وقلت إن ما رووه كان من الأباطيل، ودخلت في أهل الفرية والأضاليل.)
وأما من سواهم من الإسماعيلية المنكرين لإمامة نزار فيقال لهم عوض هذا:
(وإلا قلت إن الأمر صار إلى نزار، وصدقت القائلين إنه خرج حملا في بطن جارية، وأنكرت ميتته الظاهرة بالإسكندرية، وادعيت أنه لم ينازع الحق أهله، ويجاذب الخلافة ربها، ووافقت شيعته، وتبعت الحسن بن صباح، وكنت في النزارية آخر الأدوار.)
ثم يجمعهم آخر اليمين أن يقال:
(وإلا قلت مقالة ابن السلار في النفاق، وسددت رأي ابن أيوب، وألقيت
(1/200)

بيدي الراية الصفراء، ورفعت السوداء، وفعلت في أهل القصر تلك الفعال، وتمحلت مثل ذلك المحال.)

الإمامية
وأما الإمامية فهم القائلون بأنهم اثنا عشر إماما: أولهم علي كرم الله وجهه، وآخرهم المنتظر في آخر الزمان، وهم الذين خالفتهم الإسماعيلية، فقالت الإسماعيلية بإمامة إسماعيل بن جعفر وقال هؤلاء بإمامة موسى الكاظم ابن جعفر. وهم مسلمون إلا أنهم أهل بدعة كبيرة سبابة.
وهؤلاء يمينهم
(إنني والله والله والله العظيم، الرب الواحد الأحد، الفرد الصمد، وما أعتقده من صدق محمد (ص) ونصه على إمامة ابن عمه ووارث علمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم غدير خم، وقوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأدر الحق على لسانه كيفما دار) وإلا كنت مع أول قائم يوم السقيفة، آخر متأخر يوم الدار، ولم أقل بجواز التقية خوفا على النفس، وأعنت ابن الخطاب، واضطهدت فاطمة الزهراء، ومنعتها حقها من الإرث، وساعدت في تقديم تيم وعدي وأمية، ورضيت بحكم الشورى، وكذبت حسان بن ثابت يوم عائشة،
(1/201)

وقمت معها يوم الجمل، وشهرت السيف مع معاوية في صفين، وصدقت دعوى زياد، ونزلت على حكم ابن مرجانة، وكنت مع عمر بن سعد في قتال الحسين، وقلت إن الأمر لم يصر بعد الحسن إلى الحسين، وساعدت شمر بن ذي الجوشن على فعل تلك البلية، وسبيت أهل البيت، وسقتهم بالعصي إلى دمشق، ورضيت بإمارة يزيد، وأطعت المغيرة بن شعبة، وكنت ظهيرا لعمرو بن العاص، ثم لبسر بن أبي أرطأة، وفعلت فعل عقبة بن عبد الله المري، وصدقت رأي الخوارج، وقلت إن الأمر لم ينتقل بعد الحسين بن علي في أبنائه إلى تمام الأئمة إلى الإمام المهدي المنتظر، ودللت على مقاتل أهل البيت بني أمية وبني العباس، وأبطلت حكم التمتع، وزدت في حد الخمر ما لم يكن، وحرمت بيع أمهات الأولاد، وقلت برأيي في الدين، وبرئت من شيعة أمير المؤمنين، وكنت مع هوى أهل الشام والغوغاء القائمة بالنهروان، واتبعت خطأ أبي موسى، وأدخلت في القرآن ما لم يثبته ابن مسعود، وشركت ابن ملجم وأسعدته في صداق قطام، وبرئت من
(1/202)

محبة همدان، ولم أقل باشتراط العصمة في الإمام، ودخلت مع أهل النصب الظلام.)

الزيدية
وأما الزيدية فهم أقرب القوم إلى القصد الأمم، وقولهم إن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - أئمة عدل وإن ولايتهما كانت لما تقتضيه المصلحة، مع أن عليا - رضي الله عنه - أفضل منهما، ويرون جواز ولايته المفضول على الفاضل في بعض الأحيان لما تقتضيه المصلحة أو لخوف الفتنة. ولهذه الطائفة إمام باق إلى الآن باليمن، وصنعاء دارهن وأمراء مكة المعظمة منهم.
وحدثني الشريف مبارك ابن الأمير عطيفة بن أبي نمي أنهم لا يدينون إلا بطاعة ذلك الإمام، ولا يرون إلا أنهم نوابه، وإنما يتوقون صاحب مصر لخوفهم منه وللإقطاع، وصاحب اليمن لمداراتهم لواصل الكاوم ورسوم الأنعام. وكانت لهؤلاء دولة قديمة بطبرستان فزالت إلا هذه البقية.
وهؤلاء أيمانهم أيمان أهل السنة، ويزاد فيها:
(. . . وإلا برئت من معتقد زيد بن علي، ورأيت أن قولي في الأذان: (حي على خير العمل) بدعة، وخلعت طاعة الإمام المعصوم الواجب الطاعة،
(1/203)

وادعيت أن المهدي المنتظر ليس من ولد الحسين بن علي، وقلت بتفضيل الشيخين على أمير المؤمنين علي وبنيه، وطعنت في رأي ابنه الحسن على ما اقتضته المصلحة وطعنت عليه فيه).

الدرزية
وأما غير هؤلاء ممن يحتاج إلى تحليفه، ويضمه نطاق التصرف في لفيفه، فهم طائفة الدرزية؛ وهي بئست الطائفة الآمنة الخائفة؛ وشأنهم شأن النصيرية في استباحة فروج المحارم وسائر الفروج المحرمة، وهم أشد كفرا ونفاقا منهم، وأبعد من كل خير، وأقرب إلى كل شر. وانتماؤهم إلى أبي محمد الدرزي؛ وكان من أهل موالاة الحاكم أبي علي المنصور بن العزيز خليفة مصر. وكانوا أولا من الإسماعيلية، ثم خرجوا عن كل ما تمحلوه، وهدموا كل ما أثلوه؛ وهم يقولون برجعة الحاكم، وأن الألوهية انتهت إليه وتديرت ناسوته، وهو يغيب ويظهر بهيئته، ويقتل أعداءه قتل إبادة لا معاد بعده؛ وهم ينكرون المعاد من حيث هو، ويقولون نحو قول الطبائعية: إن الطبائع هي المولدة، وإن الموت بفناء الحرارة الغزيرية كانطفاء السراج بفناء الزيت إلا من اعتبط، ويقولون: دهر دائم، وعالم قائم؛ أرحام تدفع، وأرض تبلع.
وأصل هذه الطائفة هم الذين زادوا في البسملة أيام الحاكم فكتبوا: (بسم الحاكم الله الرحمن الرحيم)، فلما أنكر عليهم كتبوا: (بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم) فجعلوا في الأول (الله) صفة للحاكم، وفي الثاني العكس. ومن هؤلاء أهل كسروان ومن جاورهم. وكان شيخنا ابن تيمية - رحمه الله - يرى أن قتالهم وقتال
(1/204)

النصيرية أولى من قتال الأرمن: لأنهم عدو في دار الإسلام، وشر بقائهم أضر.
وهؤلاء أيمانهم:
(إنني والله، وحق الحاكم، وما اعتقده في مولاي الحاكم، وما اعتقده أبو محمد الدرزي الحجة الواضحة، ورآه الدرزي مثل الشمس اللائحة، وإلا قلت إن مولاي الحاكم مات وبلي، وتفرقت أوصاله وفني، واعتقدت تبديل الأرض والسماء، وعود الرمم بعد الفناء، وتبعت كل جاهل، وحضرت على نفسي ما أبيح لي، وعملت بيدي على ما فيه فساد بني، وكفرت بالبيعة المأخوذة، وألقيتها ورائي منبوذة.)

الطائفة الثانية: الخوارج
وأما الخوارج فهم الفرقة المباينة للسنة والشيعة؛ وهم الذين أنكروا التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله، وكفروا عليا رضي الله عنه ومعاوية وسائر من خالفهم ممن لم ير رأيهم؛ وهم طوائف، ومنهم الآن الوهبية.
وأيمانهم أيمان أهل السنة، ويزاد فيها:
(. . . وإلا أجزت التحكم، وصوبت قول الفريقين في صفين، وأطعت بالرضى مني حكم أهل الجور، وقلت في كتاب الله بالتأويل، وأدخلت في الدين ما ليس منه، وقلت إن إمارة بني أمية عدل، وإن قضائهم حق، وإن عمرو ابن العاص أصاب، وإن أبا موسى ما أخطأ، واستبحت الأموال والفروج بغير حق، واجترحت الكبائر والصغائر، ولقيت الله مثقلا بالأوزار، وقلت إن فعلت عبد الله ابن ملجم كفر، وإن قاتل خارجة آثم، وبرأت من فعلة قطام، وخلعت طاعة الرؤوس، وأنكرت أن تكون الخلافة إلا في قريش، وإلا فلا رويت سيفي ورمحي من دماء المخطئين.)
(1/205)

الطائفة الثالثة: القدرية
ويميتهم: (والله والله والله العظيم، ذي الأمر الأنف، خالق الأفعال والمشيئة، وإلا قلت بأن
العبد غير مكتسب، وأن الجعد بن درهم محتقب، وقلت بأن هشام بن عبد الملك أصاب دما حلالا منه، وإن مروان بن محمد كان ضالا في اتباعه، وآمنت بالقدر خيره وشره، وقلت إن ما أصابني لم يكن ليخطئني، وما أخطئني لم يكن ليصيبني، ولم أقل إنه إذا كان أمر قد فرغ منه ففيم أسدد وأقارب، ولم أطعن في رواة الحديث: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ولم أتأول معنى قوله تعالى {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم}، وبرئت مما أعتقد، ولقيت الله وأنا أقول إن الأمر غير أنف، وبالله التوفيق والعصمة.)

د - في الأيمان التي يحلف بها الحكماء
(إنني والله والله والله العظيم، الذي لا إله إلا هو، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الأبدي، السرمدي، الأزلي، الذي لم يزل علة العلل، ورب الأرباب، ومدبر الكل، القدير القديم، الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، المنزه أن يكون حادثا
(1/206)

أو عرضا للأحداث، الحي الذي اتصف بصفات البقاء والسرمدية والكمال، المتردي برداء الكبرياء والجلال، مدبر الأفلاك، ومسير الشهب، مفيض القوى على الكواكب، وباث الأرواح في الصور، مكون الكائنات، ومنمي الحيوان والمعدن والنبات،. . . وإلا فلا رقيت روحي إلى مكانها، ولا اتصلت نفسي بعالمها، وبقيت في ظلم الجهالة وحجب الضلالة، وفارقت نفسي غير مرتسمة بالمعارف ولا مكملة بالعلم، وبقيت في عوز النقص وتحت إمرة البغي، وأخذت بنصيب من الشرك، وأنكرت المعاد، وقلت بفناء الأرواح، ورضيت في هذا بمقالة أهل الطبيعة، ودمت في قيد المركبات وشواغل الحس، ولم أدرك الحقائق على ما هي عليه،. . وإلا فقلت إن الهيولى غير قابلة لتركيب الأجسام، وأنكرت المادة والصورة، وخرقت النواميس، وقلت إن التحسين والتقبيح إلى غير العقل، وخلدت مع النفوس الشريرة، ولم أجد سبيلا إلى النجاة، وقلت: إن الإله غير فاعلا بالذات، ولا عالما بالكليات، ودنت بأن النبوات متناهية وإنها غير مكسبية، وحدت عن طرائق الحكماء، ونقضت تقرير القدماء، وخالفت الفلاسفة، ووافقت على إفساد الصور للعبث، وحيزت الرب في جهة، وأثبت أنه جسم، وجعلته فيما يدخل تحت الحد والماهية، ورضيت بالتقليد في الألوهية).
(1/207)

القسم الرابع
في الأمانات والدفن والهدن والمواصفات والمفاسخات
أولا: الأمانات
فأما الأمانات فهي أقواها دلالة على اشتداد سلطان من كتب عنه الأمان إذ كان يؤمن الخائف أمنا لا عوض عنه في عاجل ولا آجل. ويختلف الشأن في ذلك، ويجمع المقاصد أن يكتب بعد البسملة:
(هذا أمان الله تعالى، وأمان نبيه سيدنا محمد نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - وأماننا لفلان ابن فلان الفلاني (ويذكر أشهر أسمائه وتعريفه) على نفسه وأهله وماله، وجميع أصحابه وأتباعه وكل ما يتعلق به: من قليل وكثير، وجليل وحقير، أمانا لا يبقى معه خوف ولا جزع في أول أمره ولا آخره، ولا عاجله ولا آجله، يخص ويعم، وتصان به النفس والأهل والولد والمال وكل ذات اليد. فليحضر هو وبنوه، وأهله وذووه وأقربوه، وغلمانه وكل حاشيته، وجميع ما يملكه من دانيته وقاصيته، وليصل بهم إلينا، ويفد على حضرتنا في ذمام الله وكلاءته وضمان هذا الأمان، له ذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يناله مكروه منا، ولا من أحد من قبلنا، ولا يتعرض إليه بسوء ولا أذى، ولا يرنق له مورد بقذى؛ وله منا الإحسان، والصفاء بالقلب واللسان، والرعاية التي تؤمن سربه، وتهنئ شربه، ويطمئن بها خاطره، ويرفرف عليها كالسحاب لا يناله إلا ماطره.
فليحضر واثقا بالله تعالى وبهذا الأمان الشريف؛ وقد تلفظنا له به ليزداد وثوقا، ولا يجد بعده سوء الظن إلى قلبه طريقا؛ وسبيل كل واقف عليه إكرامه في حال حضوره، وإجراؤه على أحسن ما عهد من أموره، وليكن له ولكل من يحضر معه وما
(1/208)

يحضر أوفر نصيب من الإكرام، وتبليغ قصارى القصد ونهاية المرام، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه).

ثانيا: الدفن
وهو وإن كان أقوى من هذا سببا، وأسل لما في الصدور، فإنه مؤخر عن رتبته لقلة وقوعه
عند الملوك، وبعد طريقهم فيه عن جادة السلوك. وهو كثير متداول بين العربان، ولا يطمئن خاطر المذنب منهم إلا به. وطريقتهم فيه أن يجتمع أكابر قبيلة الذي يدفن بحضور رجال يثق بهم المدفون له، ويقوم منهم رجل ثم يقول للمجني عليه: نريد منك الدفن لفلان، وهو مقر بما أهاجك عليه، ثم يعدد ذنوبه التي أخذ بها، ولا يبقي منها بقية. ويقر الذي يدفن القائل على أن هذا جملة ما نقمه على المدفون له، ثم يحفر بيده حفيرة في الأرض ويقول: (قد ألقيت في هذه الحفيرة ذنوب فلان التي نقمتها عليه، ودفنتها له دفني لهذه الحفيرة). ثم يرد تراب الحفيرة إليها حتى يدفنها بيده. ولم تجر للعرب عادة بالكتابة في ذلك، بل يكتفى في هذا بما كان بمحضر كبار الفريقين؛ ثم لو كانت دماء أو قتلى عفيت وعفت بها آثار الطلائب.
(1/209)

فأما إذا كانت من الملوك كتب بعد البسملة:
(هذا دفن لذنوب فلان، من الآن لا تذكر ولا يطالب بها، ولا يؤاخذ بسببها، اقتضته المراحم الشريفة السلطانية الملكية الفلانية - ضاعف الله حسناتها وإحسانها: وهي ما بدى من الذنوب لفلان من الجرائم التي ارتكبها، والعظائم التي احتقبها، وحصل العفو الشريف عن زللها، وقابل الإحسان العميم بالتغمد سوء عملها؛ وهي كذا وكذا (وتذكر) دفنا لم تبق معه مؤاخذة بسبب من الأسباب، ومات به الحقد وهيل عليه التراب، ولم يبق معه لمطالب بشيء منه مطمع، ولا في إحيائه رجاء - وفي غير ما وارت الأرض فاطمع - وتصدق بها سيدنا ومولانا السلطان الأعظم (ويذكر ألقابه واسمه) - تقبل الله صدقته - وعفا عنها، وقطع الرجاء باليأس منها، وأبطل منها كل حق يطلب، وصفح منها عن كل ذنب كان به يستذنب، ودفنها تحت قدمه، ونسيها في علم كرمه، وخلاها نسيا منسيا لا تذكر في خفارة ذممه، وجعله بها مقيما في أمر الله إلى أن يبعث الله خلقه، ويتقاضى كما يشاء حقه، لا يعقب في هذا الأمان معقب، ولا ينتهي إلى أمد له نظر المترقب، لا ينبش هذا الدفين، ولا يوقف له على أثر في اليوم ولا بعد حين، ولا يخشى فيه صبر مصابر، ولا يقال فيه إلا: وهبها كشيء لم يكن أو كنازج به الدار أو من غيبته المقابر.
ورسم بالأمر الشريف العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الفلاني، أعلاه الله وشرفه، وغفر به لكل مذنب ما أسلفه، أن يكتب له هذا الكتاب بما عفي له عنه وحفر له ودفن،
وأصبح بعمله غير مرتهن، ودفن له فيه دفن العرب، وقطع في التذكر له أرب كل ذي أرب، ودرس في القبور الدوارس، وغيب مكانه فيما طمر في الليالي الدوامس.
وسبيل كل واقف على هذا الكتاب - وهو الحجة على من وقف عليه، أو بلغه
(1/210)

خبره، أو سمعه، أو وضح له أثره - أن يتناسى هذه الوقائع، ويتخذها فيما تضمنته الأرض من الودائع، ولا يذكر منها إلا ما اقتضاه حلمنا الذي يؤمن معه التلف، وعفونا الذي شمل وعفا الله عما سلف).

ثالثا: الهدن
أما الهدن فاعلم أنها تكون بين ملكين؛ وأكثر ما تكون من ملك الإسلام لملك كافر؛ وتكون إلى أجل معلوم يهادن بها أحدهما الآخر على نفسه، وعساكره، وبلاده، ورعاياه، وما يدخل في دائرته، وينضوي إلى سائرته، أو على شيء يقرر له على ذلك، وإما لا على شيء.
فأما إذا كان من الجانبين فتلك مواصفة؛ وسيأتي، فاعلم ذلك.
فأما الهدنة فسبيل الكتابة فيها بعد البسملة:
(هذا ما هادن عليه، وأجل إليه، مولانا السلطان فلان - خلد الله سلطانه، وشرف به زمانه - الملك فلان الفلاني: هادنه حين ترددت إليه رسله، وتوالت عليه كتبه، وأمله ليمهله، وسأله ليكف عنه أسله، حين أبت صفاحه أن تصفح، وسماء عجاجه بالدماء إلا أن تسفح؛ فرأى - سدد الله آراءه - أن الصلح أصلح، وأن معاملة الله اربح، وهادن هذا الملك (ويسميه) على نفسه وأهله، وولده ونسله، وجميع بلاده، وكل طارفه وتلاده، وماله من ملك ومال، وجهات وأعمال، وعسكر وجنود، وجموع وحشود، ورعايا في مملكته من المقيم والطارئ، والسائر بها والساري، هدنة مدتها لأول تاريخ هذه الساعة الراهنة وما يتلوها مدة كذا وكذا (ولهم عادة أن
(1/211)

يحسبوها مدة سنين شمسية فيحرر الكاتب حسابها بالقمرية ويذكر سنين وأشهرا وأياما وساعات حتى يستكمل السنين الشمسية المهادن عليها) يحمل فيها هذا الملك فلان إلى بيت مال المسلمين، وإلى تحت يد مولانا السلطان فلان قسيم أمير المؤمنين، في هذه المدة (ويذكر المقرر ويحرر، ثم يقول:) يقوم به هذا الملك من ماله، ومما يتكفل بجبايته من جزية أهل بلاده وخراج عماله، يقوم به (ثم يذكر أقساطه) قياما لا يحوج معه إلى مطالبه، ولا إلى تناوله بيد مغالبه.
على أن يكف مولانا السلطان عنه بأس بأسائه، وخيله المطلة عليه في صباحه ومسائه، ويضم عن بلاده أطراف جنوده وعساكره وأتباعهم، ويؤمنه من بطائهم وسراعهم، ويمنع عن بلاد هذا الملك المتاخمة لبلاده، والمزاحمة لدوافق أمداده، ويرد عنها وعما جاورها في بقية ما في مملكته، وهي كذا وكذا (وتذكر) أيدي النهب، ويكف الغارات ويمنع الأذى، ويرد من نزح من رعايا هذا الملك إليه - ما لم يدخل في دين الإسلام وشهد الشهادتين ويقر بالكلمتين المعتادتين - ويؤمن جلابة هذا الملك وتجاره والمترددين من بلاده إلى بلاد الإسلام في عوارض الأشغال، ولا يحصل عليهم ضرر في نفس ولا مال؛ وإن أخذت المتجرمة لهم مالا أو قتلت منهم أحدا أمر بإنصافهم من ذلك المتجرم، وأن يؤخذ بحقهم من ذلك المجرم. وعليه مثل ذلك فيمن يدخل إليه من بلاد الإسلام، وأن لا يفسح لنفسه ولا لأحد من جميع أهل بلاده في إيواء مسلم متنصر، ولا يرخص لذي عمى منهم ولا متبصر. وإنه كلما وردت عليه كتب مولانا السلطان فلان، أو كتب نوابه، أو أحد من المتعلقين بأسبابه، يسارع إلى امتثاله والعمل به في وقته الحاضر ولا يؤخره ولا يمهله، ولا يطرحه ولا يهمله.
وعليه أن لا يكون عونا للكفار، على بلاد الإسلام وإن دنت به أو بعدت
(1/212)

الدار، ولا يواطئ على مولانا السلطان فلان أعداءه وأولهم التتار، وأن يلتزم ما يلزمه من المسكة بالمسكنة، ويفعل ما تسكت عنه به الأسنة وما أشبهها من الألسنة؛ وعليه أن ينهي ما يتجدد عنده من أخبار الأعداء ولو كانوا أهل ملته، وينبه على سوء مقاصدهم، ويعرف ما يهم سماعه من أحوال ما هم عليه.
هذه هدنة تم عليها الصلح إلى منتهى الأجل المعين فيه ما استمسك بشروطها، وقام بحقوقها، ووقف عند حدها الملتزم به، وصرف إليها عنان اجتهاده، وبنى عليها قواعد وفائه، وصان من التكدير فيها سرائر صفاته. سأل هو في هذه الهدنة المقررة، وأجابه مولانا السلطان إليها على شروطها المحررة، وشهد به الحضور في المملكتين وتضمنته هذه الهدنة المسطرة. وبالله التوفيق). (ويؤرخ بالعربي والسرياني).
أما المواصفات: فهي ما يقرر بين ملكين على تقرير من الجانبين - كما تقدمت الإشارة إليه. وسبيل الكتابة فيها بعد البسملة:
(هذه هدنة استقرت بين السلطان فلان والسلطان فلان: هادن كل واحد منهما الآخر على الوفاء عليه، وأجل له أجلا ينتهي إليه، لما اقتضته المصلحة الجامعة، وحسمت به مواد الآمال الطامعة. تأكدت بينهما أسبابها، وفتحت بهما أبوابها، وعليهما عهد الله على الوفاء بشرطها والانتهاء إلى أمدها، ومد حبل الموادعة إلى آخر مددها، ضربا لها أجلا أوله ساعة تاريخه وإلى نهاية المدة، وهي مدة كذا (ويذكر نحو ما تقدم)؛ على أن كل واحد منهما يغمد بينه وبين صاحبه سيف الحرب، ويكف ما بينهما من السهام الراشقة، وتعقل الرماح الخطارة، وتقر على مرابطها الخيل
(1/213)

المغيرة؛ وبلاد السلطان فلان كذا وكذا، وما في مملكة كل منهما من الثغور والأطراف والمواني والرساتيق والجهات والأعمال: برا وبحرا، وسهلا وجبلا، نائيا ودانيا، ومن فيها: من ملكها المسمى وبنيه، وأهله وأمواله، وجنده وعساكره، وخاص ما يتعلق به وسائر رعاياه على اختلاف أنواعهم، وعلى انفرادهم واجتماعهم، البادي والحاضر، والمقيم والسائر، والتجار والسفارة، وجميع المترددين من سائر الناس أجمعين؛ على أن يكون على فلان كذا، وعلى فلان كذا (ويعين ما يعين من مال أو بلاد أو مساعدة في حرب أو غير ذلك) يقوم بذلك لصاحبه، وينهض من حقه المقرر بواجبه؛ وعليهما الوفاء المؤكد المواثيق، والمحافظة على العهد والتمسك بسببه الوثيق، هدنة صحيحة صريحة، نطقا بها، وتصادقا عليها، وعلى ما تضمنته المواصفة المستوعبة بينهما فيها، وأشهدا الله عليها بمضمونها، وتواثقا على ديونها، وشهد من حضر مقام كل منهما على هذه الهدنة وما تضمنته من المواصفة، وجرت بينهما على حكم المناصفة، رأيا فيها سكون الجماح، وغض طرف الطماح؛ وعلى أن على كل منهما رعاية ما جاوره من البلاد والرعية، وحملهم في قضاياهم على الوجوه الشريعة؛ ومن نزح من إحدى المملكتين إلى الأخرى أعيد، وما أخذ منها باليد الغاصبة استعيد؛ وبهذا ثم الإشهاد، وقريء على المسامع وعلى رؤوس الأشهاد).

رابعا: المفاسخات
وهي نوعان: فسخ ومفاسخة.
فالفسخ: ما وقع من أحد الجانبين، فيه نقض عهد حصلت المواثقة عليه؛ وقل أن يكون في هذا إلا ما يبعث به على ألسنة الرسل. وقد كتب عمي الصاحب شرف
(1/214)

الدين أو محمد عبد
الوهاب - رحمه الله - سنة دخول العساكر الإسلامية ملطية سنة أربع عشرة وسبعمائة فسخا على (التكفور) متملك (سيس) كان سببا لأن زاد قطيعته.
والذي أقول فيه: إنه إن كتب فيه، كتب بعد البسملة:
(هذا ما استخار الله تعالى فيه فلان، استخارة تبين له فيها غدر الغادر، وأظهر له بها سر الباطن ما حققه الظاهر؛ فسخ فيها على فلان ما كان بينه وبينه من المهادنة التي كان آخر الوقت الفلاني آخر مدته، وطهر السيوف الذكور فيها من الدماء إلى انقضاء عدته، وذلك حين بدا منه من واجبات النقض، وحل المعاهدة التي كانت يشد بعضها ببعض، وهي كذا وكذا (وتذكر وتعد) مما يوجب كل ذلك إخفار الذمة، ونقض العهود المرعية الحرمة، وهد قواعد الهدنة، وتخلية ما كان قد أمسك من الأعنة. كتب إنذارا، وقدم حذارا؛ وممن يشهد بوجوب هذا الفسخ، ودخول ملة تلك الهدنة في حكم النسخ، ما تشهد به الأيام، ويحكم به عليه النصر المكتتب للإسلام. وكتب هذا الفسخ عن فلان لفلان وقد نبذ إليه عهده،
(1/215)

وأنفذ إليه وأنجز وعده، بعد أن صبر مليا على ممالاته، وأقام مدة يداوي مرض وفائه ولا ينحج فيه شيء من مداواته؛ ولينصرن الله من ينصره، ويحذر من بأس مكره من يحذره.
وأمر فلان بأن يقرأ هذا الكتاب على رؤوس الأشهاد، لينقل مضمونه إلى البلاد، أنفة من أمر لا يتأدى به الإعلان، وينصب به لهذا الغادر لواء لا يقال إذا يقال: هذه اللواء لغدرة فلان بن فلان.
وأما المفاسخة: فتكون من الجهتين؛ وصورة ما يكتب فيها:
(هذا ما اختاره فلان وفلان من فسخ ما كان بينهما من المهادنة التي هي إلى آخر مدة كذا: اختارا فسخ بنائها، ونسخ أنبائها، ونقض ما أبرم من عقودها، وأكد من عهودها. جرت بينهما على رضى من كل منهما بإيقاد نار الحرب التي كانت أطفئت، وإثارة تلك الثوائر التي كانت كفيت. نبذاه على سواء بينهما، واعتقاد من كل منهما، أن المصلحة في هذا لجهته، وأسقط ما يحمله للآخر من ربقته، ورضي فيه بقضاء السيوف، وإمضاء أمر القدر والقضاء في مساقاة الحوف؛ وقد أشهدا عليهما بذلك الله وخلقه ومن حضر، ومن سمع ونظر؛ وكان ذلك في تاريخ كذا؛ والله الموفق والهادي إلى طريق الحق).
(1/216)

القسم الخامس
في نطاق كل مملكة
وما هو مضاف إليها من المدن والقلاع والرساتيق
أما نطاق كل مملكة، فسأذكر مملكة الإسلام، وما تجري فيه لكتابها الأقلام؛ وأبتدئ بالقاهرة التي هي اليوم أم الممالك وحاضرة البلاد؛ وهي في وقتنا دار الخلافة وكرسي الملك، ومنبع العلماء ومحط الرحال، وتبعها كل شرق وغرب، وبعد وقرب، خلا الهند: فإنه نائي المكان، بعيد المدى، يقع إلينا من أخباره ما نكبره، ونسمع من حديثه ما لا نألفه.
وكان يحق لنا أن نجعل كل النطق بالقاهرة دائرا، وإنما نفردها بما اشتملت عليه حدود الديار المصرية، ثم ندير بأم كل مملكة نطاقها، ثم إليها مرجع الكل، وإلى بحرها صب تلك الخلج.

أولا: في ذكر مملكة الديار المصرية
ومصر يشتمل عليها أربعة حدود:
- فأما الحد القبلي فينتهي من ضفة القلزم حيث عيذاب على بلاد الحداربة، إلى الروم من بلاد النوبة خلف الجنادل التي على مصب النيل، إلى جبال المعدن، إلى صحراء الحبشة.
(1/217)

وأما الحد الشرقي فينتهي إلى بحر القلزم؛ وغالب ما بينه وبين مجرى النيل منقطع رمال ومحاجر وجبال؛ ويسمى ما ساحل البحر في هذا الحد: بر العجم، ثم يتسع من حيث السويس وما أخذ شرقا عن بركة الغرندل التي أغرق الله فيها فرعون فينتهي الحد إلى تيه بني إسرائيل حتى يقع على أطراف الشام.
وأما الحد الشمالي وتسميه أهل مصر: البحري فما بين الزعقة ورفح حيث الشجرتان؛ وما إخال اليوم بقاء الشجرتين، وإنما هما موضع الشجرة التي تعلق فيها العوام الخرق، وتقول هذه مفاتيح الرمل، وهي حيث الكتب المجنبة عن البحر الشامي قريبامن الزعقة. فأما الأشجار التي بالمكان المعروف الآن بالخروبة، ويعرف قديما بالعش - وقد بني بها خان سبيل، وعملت ساقية يجري منها الماء إلى حوض تستسقي من المارة والحلال - فهي وإن عظمت محدثة عن زمان من حدد الأقاليم وليست في موقع ما ذكروه. ثم يأخذ هذا الحد
مساحلا مع البحر الشامي.
وأما الحد الغربي فآخره في العمارة معمور الإسكندرية، آخذا على الليونة إلى العميدين، إلى العقبة، وهو آخر حد مصر، ثم يعطف الحد على الواحات مقتبلا على الصعيد حتى يقع على الحد القبلي.
(1/218)

في ذكر كورها
وهذا أوان ذكر النطاق فنقول: لمصر وجهان: قبلي وبحري.

الوجه القبلي
هو أجلهما قدرا، وأطولهما مدى، وأكثرهما جدى؛ وهو:
1 - بلاد الجيزة: وهي أقربها إلى القاهرة غربي النيل. ويقع قبالة القبلي منها بلاد إتفيح.
2 - بلاد إتفيح: شرقي النيل في بر القاهرة، تصاقب بركة الحبش وبساتين الوزير.
(1/219)

3 - بلاد البهنسا: وهي مما يلي الجيزة مقتبلا في برها.
4 - بلاد الفيوم: تصاقب البهنسا من غربها، وبينهما منقطع رمل. والفيوم هو الذي يجري بحره دائما مستمرا؛ وينقسم به الماء في مقاسيم مثل دمشق؛ ولا يعرفون قسمة الماء إلا بالقصبات.
5 - بلاد الأشمونين والطحاوية: وتلي البهنسا من جنوبيه.
6 - بلاد منفلوط: وتلي بلاد الأشمونين من جهة الجنوب.
7 - بلاد أسيوط: جنوبي بلاد منفلوط.
(1/220)

8 - بلاد إخميم: وهي مصاقبة لعمل أسيوط في جنوبيه. وإخميم شرقي النيل؛ ويقارب دمنتها البراري المشهورة في البلاد، المضروب بها المثل على الألسنة. وهي وإن كانت شرقي النيل فكل بلادها ومزارعها غربي النيل.
9 - بلاد قوص: وقوص أيضا شرقي النيل؛ وهناك جل العمارة وموضع الحرث والزرع. وفي غربي النيل قبالتها البلاد المعروفة بغرب قمولا، وهي من مضافات قوص وبلادها؛ ثم أسوان وهو من عمل قوص، وواليه نائب عنه؛ ويخرج مما بين قوص وأسوان إلى صحراء عيذاب حتى ينتهي إلى عيذاب، وهي قرية حاضرة البحر، ومنها يعدى إلى جدة، ويكون بها جند من قوص؛ وواليها - وإن كان من قبل السلطان - فإنه نائب لوالي قوص؛
ووالي قوص أعظم ولاة مصر وأجلهم.
(1/221)

هذه جملة الوجه القبلي؛ وفيه الصعيدان: الأدنى والأعلى. فالأدنى هو كل ما سفل عن الأشمونين إلى القاهرة، والأعلى هو كل ما على عن الأشمونين إلى أسوان. وغالب زرعه ورفعه، وجلب قوته ضرعه غربي النيل. وما يوجد شرقي النيل قليل، وهو تبع لا متبوع.

الوجه البحري
وهو كل ما سفل عن الجيزة إلى حيث مصب النيل في البحر الشامي بدمياط ورشيد؛ وهو أعرض من الوجه القبلي، وبه الإسكندرية وهي مدينة مصر العظمى.
فأما ما وقع منه شرقي النيل في بر القاهرة المتصل بها فأقربها منه: الضواحي؛ وهي القرى التي أمرها بيد والي القاهرة؛ ثم قليوب؛ ثم الشرقية ومدينتها بلبيس.
وأما ما وقع بين فرقتي النيل الشرقية والغربية في هذا الوجه فأقربها إلى
(1/222)

الجيزة جزيرة بني نصرن ثم منوف، وكلاهما عمل واحد. والاسم لمنوف؛ وهي كانت مدينة مصر العظمى زمن فرعون موسى، ثم أبيار وهي من عمل منوف أيضا. واسم منوف: منف. ثم يليها بلاد (الغربية) ومدينتها (محلة المرحوم)؛ وهي عمل جليل يضاهي قوص؛ ثم يليه (أشمون) وتعرف (بأشمون الرمان) لكثرة وجود الرمان بها؛ وهي بلاد الدقهلية والمرتاحية. ثم يليها (دمياط) - حماها الله - وهي أحد الثغور، والضالة المستنشدة بعد طول الدهور، ويليها أحد مصبي النيل.
ثم ما هو غربي الفرقة الثانية من النيل فأقربه إلى الجيزة بلاد البحيرة، ومدينتها (دمنهور الوحش). وهذه البلاد تشتمل على بر مقفر وطوائف من العرب، وبها (بركة النطرون) الذي لا يعلم في الدنيا أن يستغل من بقعة صغيرة نظير ما يستغل منها: فإنها نحو مائة فدان تغل نحو مائة ألف دينار.
(1/223)

ثم يلي بلاد البحيرة مدينة الإسكندرية: ثغر الإسلام المفتر، وحمى الملك المخضر - حرسها الله وكفاها - وهي مدينة لا يتسع لها عمل، ولا يكثر لها قرى. فهذه جملة الوجه البحري.
ثم لم يبق ما ينبه عليه إلا (قطيا) وهي قرية في الرمل جعلت لأخذ الموجبات، وحفظ الطرقات؛ وأمرها مهم، ومنها يطالع بكل وارد وصادر.
وأما (الواحات) فجارية في إقطاع أمرائهم يولون عليها كل مقطع في إقطاع؛ ومغلها كأنه
مصالحة لعدم التمكن من استغلاله أسوة ببقية ديار مصر لوقوعه منقطعا في الرمال النائية والقفار النازحة. وهذه جملة نطق القاهرة المحيطة بمصر سفلا وعلوا، وبالله التوفيق.

ثانيا: في ذكر المملكة الشامية
أما الشام فيحده جميعه من القبلة إلى البر المقفر: تيه بني إسرائيل وبر الحجاز والسماوة إلى مرمى الفرات بالعراق. وهذه المحادات كلها من جزيرة العرب.
(1/224)

ويحده جميعه من الشرق طرف السماوة والفرات.
ويحده من الشمال البحر الشامي.
ويحده من الغرب حد مصر المتقدم ذكره. وهذه الحدود هي الجامعة على ما يحتاج إليه، وإذا فصلت تحتاج إلى زيادة إيضاح.
ثم نقول: للناس في الشام أقوال: فمنهم من لا يجهله إلا شاما واحدا، ومنهم من يجعله شامات، فيجعل بلاد فلسطين والأرض المقدسة إلى حد الأردن شاما، ويقولون: الشام الأعلى؛ ويجعل دمشق وبلادها من الأردن إلى الجبال المعروفة (بالطوال) شاما، ويقع على قرية (النبك) وما هو على خطها؛ ويجعل سوريا: وهي حمص وبلادها إلى رحبة مالك بن طوق شاما، ويجعلون حماة وشيزر من مضافاتها، وثم من يجعل منها حماة دون شيزر؛ ويجعل قنسرين وبلادها وحلب مما يدخل في هذا الحد إلى جبال الروم وبلاد العواصم والثغور - وهي بلاد سيس - شاما. فأما عكا وطرابلس وكل ما هو على ساحل البحر فكل ما قابل منه شيئا من الشامات حسب منه؛ ونبهنا على هذا كله ليعرف.
فأما ما هو في زماننا، وعليه قانون ديواننا، فإنه إذا قال السلطان: بلاد الشام، ونائب الشام، لا يريد به إلا دمشق ونائبها؛ وولايته من لدن العريش حد بلاد مصر - إلى آخر سلمية مما هو شرق بشمال، وإلى الرحبة مما هو شرق محض. وقد أضيف إليها في أيام سلطاننا بلاد جعبر، وحقها أن تكون مع حلب. فعلى هذا قد صارت
(1/225)

مملكة دمشق مشتملة على الشام الأعلى وما يليه وما يلي ما يليه وبعض الشام الأدنى، وليس يخرج عنها من ذلك إلا حماة، وما أخرج مع صفد ومع طرابلس وأفردا به، والكرك؛ ويكون في نيابة نائبها نيابة غزة ونيابة دمشق ونيابة حمص وبعض شيء مما يقتضي الحق أن يكون في نيابة حلب.
ونحن نذكر ذلك على ما هو الآن، فاعلم أن نيابة الشام تشتمل على ولاية بر وأربع
صفقات:
فأما البر فهو ضواحي دمشق؛ وحده من القبلة قرية الخيارة المجاورة للكسوة وما هو على سمتها طولا، ومن الشرق الجبال الطوال إلى النبك وما وقع على سمتها من القرى آخذا على عسال وما حولها من القرى إلى الزبداني، ومن الغرب وما هو من الزبداني إلى قرى القيران المسامتة للخيارة المقدمة الذكر، وفي هذا مرج دمشق وغوطتها.
وأما صفقاتها فأربع صفقات:

الصفقة الأولى
الساحلية والجبلية
وأم هذه البلاد مدينة غزة؛ والنيابة بها، ولنائبها الحديث في هذه الصفقة، مع مراجعة نائب الشام. وأما الولاية والعزل بها فلنائب الشام، إلا في مرقريتا وبيت
(1/226)

جبريل والداروم فإن نائب غزة يولي ولاتها.
وهذه الصفقة هي الشام الأعلى، ينقص منه ما هو من نهر الأردن إلى أول حد قاقون. فأما ما يدور بهذه الصفقة من النطق والولايات الجليلة فالجبلي منها: بلد الخليل علي السلام، وهو أقربها إلى غزة، ثم القدس الشريف، ثم نابلس.
وأما الساحلي: فولاية مدينة غزة، ثم الرملة - وهي فلسطين - ثم لد، ثم قاقون.

الصفقة الثانية
القبلية
سميت بهذا لأنها قبلي دمشق؛ وحدها من القبلة جبال الغور القبلية المجاورة لمرج بني عامر، ومن الشرق البرية، ومن الشمال حد ولاية بر دمشق القبلي، ومن الغرب الأغوار إلى بلاد الشقيف.
ومدينتها (بصرى) وبها قلعة كأنها قلعة دمشق، وكانت دار ملك لبعض بني أيوب.
ومقر الولاية بأذرعات - أعني ولاية الوالي الحاكم على مجموع الصفقة.
وهذه الصفقة أولها من جهة القبلة (البلقاء) - ومدينتها (حسبان) - ثم
(1/227)

(الصلت)، ثم عجلون - وجبل (عوف) منه، ومدينة هذه القلعة: الباعونة. وعجلون اسم القلعة المبنية على الجبل المطل على (الباعونة): وهو حصن جليل على صغره، وله حصانة ومنعة منيعة. ثم
أذرعات؛ ولأذرعات ولاية خاصة بها.
وأول حد هذه الصفقة من الشرق: (صرخد)، ولها قلعة، وكان بها متملك من المماليك المعظمية، وقد يجعل بها من يحط عن ملك أو نيابة معظمة.
ثم يلي صرخد: بصرى، ثم (زرع)، ثم أذرعات. وقد يتصل عمل بصرى بأذرعات من القبلة لوقوع (زرع) متشاملة. ويلي (زرع) مغربا عنها: (نوى)، وينتهي من عملها إلى أذرعات. ويلي (نوى) مغربا عنها بشمال بلاد الشعرا: والولاية بها تكون تارة في قرية (حان) وتارة في قرية (القنيطرة). ويليها مغربا بشمال (بانياس): وبها قلعة (الصبيبة)، وهي من أجل القلاع، مبنية في أعلى البقاع.
واعلم أن الأغوار كلها لهذه الصفقة، خلا ما هو مختص (بالكرك).
ومدينة الغور المضاف إلى هذه الصفقة: (بيسان)، وبها مقر الولاية. وهذه جملة الصفقة القبلية.
(1/228)

الصفقة الثالثة
الشمالية
أما الصفقة الثالثة وهي المعروفة بالشمالية فخدها من القبلة حد ولاية بر دمشق الشامي وبعض الغربي؛ ومن الشرق قرية (جوسية) التي بين القرية المعروفة (بالقصب) من عمل حمص وبين القرية المعروفة بالفيجة من عمل بعلبك؛ ومن الشمال (مرج الأسل) المستقل عن قائم الهرمل حيث يمد (نهر الأرنكا) - وهو العاصي - والبلاد المفردة لطرابلس من كل ما تشامل عن جبل لبنان إلى البحر؛ ومن الغرب ما هو على سمت البحر منحدرا عن صور إلى حد ولاية بر دمشق القبلي والغربي.
وتشتمل هذه الصفقة على خمسة أعمال:
الأول: (عمل بعلبك): وبها القلعة الحصينة الجليلة التي هي من أجل مباني الأرض؛ وغنما بنيت قلعة دمشق على مثالها، وهيهات لا تعد من أمثالها! وأين قلعة دمشق من قلعة بعلبك؟! وحجارتها تلك الجبال الثوابت، وعمدها تلك الصخور النوابت:
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه=إن السماء نظير الماء في الزرق
وكانت دار ملك موروثة جليلة الذكر، نبيهة الشأن؛ ومن عشها درج نجم الذين أيوب، والد
الملوك الأيوبية. ولبعلبك ولاية خاصة بها، ومن مضافاتها ولايتان جليلتان
(1/229)

وهما عملا البقاعين المعروفين بالبعلبكي وبالعزيزي.
الثاني (عمل البقاع البعلبكي): نسبة إلى بعلبك لقربه منها؛ وليس له مقر ولاية.
الثالث (عمل البقاع العزيزي): ومقر الولاية به (الكرك) المعروف (بكرك نوح). وهاتان الولايتان الآن منفصلتان عن بعلبك، وهما مجموعتان لوال واحد جليل مفرد بذاته.
الرابع (عمل بيروت): وهو يصاقب بلاد بعلبك من شامها بقرب؛ وهو عمل جليل. ومدينة بيروت هي الشام؛ وهي به نظير الإسكندرية بمصر.
الخامس (عمل صيدا): وهي ولاية جليلة واسعة العمل، ممتدة القرى.
وهذه جملة الصفقة الشمالية.

الصفقة الرابعة
الشرقية
وحدها من القبلة قرية (القصب) المجاورة لقرية (جوسية) المقدم لذكرها، آخذا هذه الحد على (النبك) إلى (القريتين)، ومن الشرق السماوة إلى الفرات وينتهي
(1/230)

إلى مدينة (سلمية)؛ ولها قلعة تقاربها تعرف بـ (شميمش)؛ ومن الشمال ما بين سلمية إلى الرستن؛ ومن الغرب نهر الأرنط وهو العاصي؛ ومدينة هذه الصفقة حمص: وهي دار ملك البيت الأسدي، ولم يزل لملكها في الدولة الأيوبية سطوة تخاف وبأس يحذر. وبها القلعة المصفحة، ولا منعة لها؛ ولها نيابة جليلة وعسكر.
وتشمل هذه الصفقة على ولاية (قارا): وهي قبلي حمص، وولاية مدينة حمص نفسها، وولاية سلمية، وولاية تدمر - وهي ما بين القريتين والرحبة.
وبهذه الصفقة مدينة الرحبة على الفرات، وبها قلعة ونيابة، وفيها بحرية وخيالة وكشافة وطوائف من المستخدمين. فهذه جملة هذه الصفقة الشرقية، وبها تمت الصفقات الربع.
ولم يبق من مضافات الشام إلى جعبرة؛ وهي مجددة البنيان مستجدة لأنها جددت منذ سنوات بعد أن طال عليها الأبد وأخنى عليها الذي أخنى على لبد.
(1/231)

وبتمام ذكرها تم ما يطلق عليه الآن الشام في المصطلح على ما يجري على لسان سلطاننا ويصرح به فيما يكتب عنه.

القاعدة الثانية من قواعد البلاد الشامية
حلب
ويحدها من القبلة المعرة وما وقع على سمتها إلى الدمنة الخراب والسلسلة الرومية ومجرى القناة القديمة الواقع ذلك كله بين (الحيار) والقرية المعروفة بـ (قبة ملاعب)؛ ويحدها من الشرق البر حيث يحد (بردا) آخذا على جبل الثلج ونهر الجلاب على أطراف (بالس) إلى الفرات دائرة بحدها. وبهذا التقسيم تكون بلاد جعبر داخلة في حدودها. ويحدها من الشمال بلاد الروم مما وراء بهسنى وبلاد الأرمن مما وراء نهر جاهان، ومن الغرب ما أخذ مع بلاد الأرمن على البحر الشامي.
ولحلب قلاع وولايات. فأما القلاع فيهي:
قلعة البيرة: وهي التي لا تماثل، ولها عسكر ومنعة، ولنائبها مكانة جليلة.
قلعة المسلمين: وهي المعروفة بقلعة الروم. وكانت مسكنا لخليفة الأرمن، ولا
(1/232)

يزال بها طاغوت الكفر، فقصدها الملك الأشرف خليل - تغمده الله برحمته - ونزل عليها، ولم يزل بها حتى افتتحها وسماها قلعة المسلمين. وهي من جلائل القلاع.
قلعة الكختا: وهي ذات عمل متسع، وعسكر متطوع مجتمع.
قلعة كركر: وهي قلعة حصينة شاهقة في الهواء يرى الفرات منها كالجدول الصغير وكانت من أعظم الثغور في زمان التتار.
قلعة بهسنى: وهي الثغر المتاخم لبلاد الدروب، والمشتعل جمره في الحروب. به عسكر من التركمان والأكراد، ولا يزال لهم آثار في الجهاد. ولنائبها مكانة جليلة، وإن كان لا يلتحق بنائب البيرة.
قلعة عينتاب: وهي مدينة حسنة. وبها قلعة حصينة منقوبة في الصخر.
قلعة الراوندان: وهي قلعة حصينة على جبل مرتفع أبيض، ذات أعين وبساتين وفواكه، وواد حسن. ونهرها من تحتها نهر (عفرين).
قلعة الدربساك: وهي قلعة حصينة من جند قنسرين شمالي حلب. وبها مسجد جامع، ويمر بها النهر الأسود.
قلعة بغراص: وكانت ثغر الإسلام في نحر الأرمن حتى استضيفت الفتوحات الجاهانية
وبها (الرصص) وهو عضو من أعضائها وجزء من أجزائها.
(1/233)

قلعة القصير: وهي لأنطاكية.
قلعة الشغر وبكاس: وهما كالشيء الواحد
قلعة حجر شغلان: بالقرب من بغراس شمالي حلب على مسافة قريبة جدا.
قلعة أبي قبيس: وهي قلعة حصينة غربي حلب مما يلي الساحل.
قلعة شيزر: وهي من جند حمص غربي حلب، على نحو ثلاث مراحل منها.
فهذه جملة قلاعها؛ وهي على هذا الترتيب؛ وإن كانت عينتاب داخلة عن النطاق فإنها في موقعها بين ما ذكر، وبالله التوفيق.
وأما ولاياتها فأجلها الغربيات، وهي (سرمين) وما معها. وجملة ولايات حلب هي:
كفر طاب، وفامية، وسرمين، والجبول، وجبل سمعان، وعزاز، وتلباشر، غير ما في هذه القلاع مما له ولاية مضافة إليه.
(1/234)

ولمدينة حلب نفسها ولاية بركما لدمشق. وهذه جملة البلاد الحلبية.

القاعدة الثالثة من قواعد البلاد الشامية
حماة
وحدها من القبلة مدينة الرستن وما سامتها آخذا ما بين (سلمية) و (قبة ملاعب) إلى حيث مجرى النهر والآثار القديمة؛ وحدها من الشرق البر آخذا على سلمية إلى ما استقل عن قبة ملاعب؛ وحدها من الشمال آخر حد المعرة من أنقراتا (؟)؛ وحدها من الغرب مضافات مصياف وقلاع الدعوة. وليس لها نطاق يدور على غير ولاية برها الخاص بها نفسها، و (بارين) و (المعرة).

القاعدة الرابعة من قواعد البلاد الشامية
طرابلس
وحدها من القبلة جبل لبنان ممتدا على ما يليه من مرج الأسد حيث يمتد نهر العاصي؛ ومن الشرق نهر العاصي؛ ومن الشمال قلاع الدعوة؛ ومن الغرب البحر الرومي.
وبلاد طرابلس لها قلاع وولايات.
فأما القلاع فهي: حصن عكار - وحصن الأكراد: وهو حصن جليل وقلعة
(1/235)

شماء، لا تبعد منها السماء؛ وكانت محل النيابة ومقر العسكر قبل فتح طرابلس - وبلاطنس - وصهيون - ثم قلاع الدعوة وهي: العليقة، والمنيفة، والكهف، والمرقب، والقدموس، والخوابي، والرصافة، ومصياف: وهي دار ملك هذه القلاع الإسماعيلية، ولها على قللها الرتب العلية.
وأما ولاياتها فهي: أنطرطوس، واللاذقية، وجبة المنيطرة، وبلاد الضنيين، ومنها بشرية، وجبلة (وبها مقام إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه) وأنفة؛ وجبيل؛ وما لعل في تلك القلاع مما له ولاية. فهذه جملة البلاد الطرابلسية.

القاعدة الخامسة من قواعد البلاد الشامية
صفد
وحدها من القبلة الغور حيث جسر الصنبرة من وراء طبرية؛ ومن الشرق الملاحة الفاصلة بين بلاد الشقيف وبين حولة بانياس. ومن الشمال نهر (ليطا). ومن الغرب البحر.
وولاياتها: الشقيف؛ وهو الشقيف الكبير المسمى بشقيف أرنون، وهو قلعة منيفة منيعة، ولها بر له وال - وولاية جينين - وولاية عكا - وولاية الناصرة - وولاية
(1/236)

صور؛ وبصور كنيسة يقصدها ملوك من البحر عند تمليكهم ليملكوا بها وإلا فما يصح لهم تمليك، وشرطهم أن يدخلوها عنوة: فلهذا لا يزال عليها الرقبة، لذلك وهم على هذا يأتونها مباغتة فيقضون منها ما أرادوا ثم ينصرفون.

القاعدة السادسة من قواعد البلاد الشامية
الكرك
ويعرف بكرك الشوبك. وحده من القبلة عقبة الصوان. ومن الشرق بلاد البلقاء. ومن الشمال بحيرة سدوم، وهي المعروفة بالمنتنة وببحيرة لوط. ومن الغرب تيه بني إسرائيل.
والكرك حصن الإسلام. ومعقله والسلام. بناه الملك العادل ابن أيوب، وشيد بناءه، ووسع فناءه؛ وكان ديرا لرهبان عملوا به مراكب ونقلوها إلى بحر القلزم لقصد الحجاز لأمور سولتها لهم أنفسهم فأوقع الله بهم بالعزائم الصلاحية، والهمم العادلية، وأخذوا، وأمر السلطان صلاح الدين بهم فحملوا إلى منى وذبحوا بها على جمرات العقبة حيث تذبح البدن بها. ولم
تزل الملوك تعده لمخاوفها، وتدخر به أموالها، ونخلف فيه أبناءها. والشوبك الآن من مضافاتها، إلا أن قلعته أخليت من الرجال، وسد بابها. ورسم الولاية قائم، ومتوليها يكون من قبل السلطان؛ وهو يراجع من له الحكم في الكرك.
وللكرك ولاية بر يحكم على بلاده. والبلقاء تارة تضاف إليه، وتارة لا تضاف؛ وهي الآن نائبة عنه مع دمشق لا معه.
وأما ما بقي مما أفرده بالذكر ما اتصل بذيل المملكة الحلبية، وهو الفتوحات
(1/237)

الجاهانية. وأتيت بها هنا إذ لم يكن لها تعلق بمملكة تذكر فيها، وليست هي من الشامات في شيء، وإنما هي من بلاد الأرمن المسماة قديما ببلاد (العواصم والثغور) والعهد بفتحها قريب. وجعلت نيابة جليلة نحو حمص، وجعل أمرها إلى نيابة الشام؛ ثم جعلت إلى حلبن وأمرها مزلزل حتى الآن.
وحدها من القبلة البحرن ومن الشرق البلاد الحلبية حيث باب إسكندرونة، ومن الشمال نهر جاهان يفصل بينها وبين بلاد الدروب، ومن الغرب الباقي بأيدي الأرمن ومدينتها آياس، وبها عدة قلاع خربت عند الفتح أجلها: كاورا والبقية ونجمة، وتل حمدونن وحميميص، والهارونيتان: وهما حصنان بناهما هارون الرشيد. والبقية من بناء المأمون.
وبهذا تم ذكر النطاق بمصر والشامات وما معها من جميع الممالك الإسلامية إلا الحجاز، وهو قطعة من جزيرة العرب، وليس أمره بمضبوط، ولا بحفظ الثقة منوط. وقد تقدم في رسوم المكاتبات من تحديد الممالك ما هو المهم المقدم، وفي ذلك غنى، والله ولي التوفيق بمنه وكرمه.
(1/238)

القسم السادس
في مراكز البريد، والحمام، وهجن الثلج
والمراكب المسفرة به في البحر، والمناور والمحرقات
الباب الأول: في البريد
اعلم أن البريد المحرر هو أربعة فراسخ، والفرسخ هو ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف ذراع بالهاشمي، والذراع أربعة وعشون إصبعا، والإصبع أربعة شعيرات: ظهر واحدة إلى بطن أخرى، والشعيرة أربع شعرات من ذنب بغل. فهذا هو البريد المعمول عليه كل عمل.
فأما مراكز البريد الموضوعة الآن فإنها ليست على هذا العمل، لتفاوت الأبعاد، إذا ألجأت الضرورة إلى ذلك: تارة لبعد ماء، وتارة للأنس بقرية، حتى إنك لترى في هذه المراكز البريدين قدر بريد واحد؛ ولو كانت على التحرير الذي عليه الأعمال لما كانت تفاوتت.
وقد كان البريد في عهد الأكاسرة والقياصرة، ولكن لا أعرف على أي الحالين كان، ولا أظنه إلا على المحرر، إذ كانت حكمتهم تأبى إلا ذلك.
فأما أول من وضع البريد في الإسلام فمعاوية بن أبي سفيان
(1/239)

- رضي الله عنه - حين استقرت له الخلافة، ومات أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - وسلم له ابنه الحسن، وخلا من المنازع، فوضع البريد لتسرع إليه أخبار بلاده من جميع أطرافها، فأمر بإحضار رجال من دهاقين الفرس وأهل أعمال الروم وعرفهم ما يريد، فوضعوا له البرد واتخذوا لها بغالا بأكف كان عليها سفر البريد.
وقيل: إنما فعل ذلك زمن عبد الملك بن مروان حين خلا وجهه من الخوارج عليه: كعمرو بن سعيد الأشدق، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد. وكان الوليد بن عبد الملك يحمل عليه الفسيفساء - وهو الفص المذهب - من القسطنطينية إلى دمشق، حتى صفح منه حيطان المسجد الجامع. ومساجد مكة والمدينة والقدس الشريف. ولم يبق الآن إلا ما هو بجامع دمشق في الصحن، وبقية بمكة في توسعة المهدي، قريب باب بني شيبة ودار العجلة، وإلى الآن به اسم المهدي، وبقية بقبة الصخرة؛ وأما باقيه فذهب.
ثم لم يزل البريد قائما، والعمل عليه دائما، حتى آن لبناء الدولة المروانية أن ينتقض،
ولحبلها أن ينتكثن فأنقطع ما بين خراسان والعراق، لانصراف الوجوه إلى الشيعة القائمة بالدولة العباسية. ودام الأمر على هذا حتى انقرضت أيام مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وملك السفاح ثم المنصور ثم المهدي والبردي لا يشد له سرج، ولا يلجم له دابة.
ثم إن المهدي أغزى ابنه هارون الرشيد الروم، وأحب أن يزال على علم قريب من خبره، فرتب ما بينه وبين معسكر ابنه بردا كانت تأتيه بأخباره، وتريه متجددات أيامه؛ فلما قفل الرشيد قطع المهدي تلك البرد؛ ودام الأمر على هذا باقي
(1/240)

مدته ومدة خلافة موسى الهادي بعده.
فلما كانت خلافة هارون الرشيد ذكر يوما حسن صنيع أبيه في البرد التي جعلها بينهما، فقال له يحيى بن خالد: لو أمر أمير المؤمنين بإجراء البريد على ما كان عليه صلاحا لملكه، فأمره به، فقرره يحيى بن خالد ورتبه على ما كان عليه أيام بني أمية، وجعل البغال في المراكز؛ وكان لا يجهز عليه إلا الخليفة أو صاحب الخبر، ثم استمر على هذا. ولما دخل المأمون بلاد الروم ونزل على نهر البرذون، وكان الزمان حرا والفصل صيفا، قعد على النهر ودلى رجليه فيه وشرب ماءه، فاستعذبه واستبرده واستطابه، وقال لمن كان معه: ما أطيب ما شرب عليه هذا الماء؟ فقال كل رجل برأيه، فقال: أطيب ما شرب عليه هذا الماء رطب (إزاز)، قالوا له: يعيش أمير المؤمنين حتى يأتي العراق ويأكل من رطبها الإزاز، فما استتموا كلامهم حتى أقبلت بغال البريد تحمل ألطافا منها رطب إزاز، فأتي المأمون منها فأكل وأمعن، وشرب من ذلك الماء فأكثر، فعجب الحاضرون لسعادته في أنه لم يقم من مقامه حتى بلغ أمنيته، على ما كان يظن من تعذرها؛ فلم يقم المأمون من مقامه حتى حم حمى حادة كانت فيها منيته.
ثم قطع بنو بويه البريد حين علوا على الخلافة وغلبوا عليها؛ وإنما أرادوا بقطعه أن يخفى على الخليفة ما يكون من أخبارهم وحركاتهم أحيان قصدهم بغداد؛ وكان الخليفة لا يزال يأخذ بهم على بغتة.
وجاءت الملوك السلاجقة على هذا؛ وأهم ملوك الإسلام اختلاف ذات بينهم وتنازعهم، فم يكن بينهم إلا الرسل على الخيل والإبل، في كل أرض بحسبها.
فلما أتت الدولة الزنكية أقامت لهذا النجابة، وأعدت لهم النجب المنتخبة.
(1/241)

ودام هذا كل زمانها وزمان بني أيوب - رحمهم الله - إلى آخر أيامهم، وسقوط أقدامهم. وتبعها على ذلك أوائل الدولة التركية، حتى صار الملك إلى الملك الظاهر بيبرس - رحمه الله - واجتمع له ملك مصر والشام وحلب إلى الفرات، وأراد تجهيز دولته إلى دمشق فعين لها نائبا ووزيرا وقاضيا وكاتبا للإنشاء. وكان عمي الصاحب شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب - رحمه الله - هو كاتب الإنشاء، فلما مثل لديه ليودعه أوصاه بوصايا كثيرة آكدها مواصلته بالأخبار وما يتجدد من أخبار التتار والفرنج، وقال له: إن قدرت أن لا تبيتني كل ليلة إلا على خبر، ولا تصبحني إلا على خبر فأفعل. فعرض له بما كان عليه البريد في الزمان الأول وأيام الخلفاء وعرضه عليه فحسن موقعه منه وأمر به. قال عمي: فكنت أنا المقرر له قدامه وبين يديه. وحدثني بذلك مفصلا مطولا عن عمي جمال الدين عبد الله الدواداري البريدي المعروف بابن الشديد. وها هو الان على ذلك. وهو جناح الإسلام الذي لا يحصن، وطرف قادمته التي لا تقص.
وسنذكر مراكز البريد في الممالك الإسلامية ونبدأ بمصر:

مركز قلعة الجبل
ونقدم من مصر ما هو من مركز قلعة الجبل المحروسة إلى نواحيها الخاصة
(1/242)

بها، وهي ثلاث جهات: جهة إلى قوص ثم إلى أسوان، وجهة الإسكندرية، وجهة دمياط. ثم نذكر بعدها ما هو من مركز القلعة إلى الفرات - نهاية حد الممالك المحروسة من الشرق.
فأما ما هو إلى جهة قوص: فمن مركز القلعة إلى (الجيزة)؛ ثم منها إلى (زاوية أم حسين) وإلى (منية القائد) - وهي الآن المركز - ثم منها إلى (ونا)؛ ثم منها إلى (ببا)؛ ثم منها إلى (دهروط)؛ ثم منها إلى (أقلوسنا)؛ ثم منها إلى (منية ابن خصيب): وهي مدينة على ضفة النيل، ذات مرأى جميل، وبها مدارس وحمامات وسوق غير قليل، ويقال إن الخصيب أيام ولايته مصر عمرها وأنشأها لابنه وسماها باسم ابنه فعرفت به، وبها (ربع الكريمي) مطل الطاقات على النيل، يفصل بينهما ساحة متوسطة المساحة، يسرح فيها النظر؛ ثم منها إلى (الأشمونين): وهي إحدى مدن الصعيد، وبها مقر الولاية كما تقدم؛ ثم منها إلى (ذورة سربام)؛ وتعرف بذروة الشريف، نسبة إلى الشريف حصن الدين بن ثعلب، فإنها كانت دار مقامه، وبها قصوره ودوره، وكان قد خرج وملك الصعيد، وعجز عنه ملوك مصر، وأمن
أيام المعز أيبك ومن بعده فلم يظفر به، ثم خدعه الظاهر بيبرس ومناه العوض بالإسكندرية، فلما أناب، أعلق به الظفر والناب، وجهز إلى الإسكندرية ليتملكها فشنق على بابها. والذروة هذه على ضفة النيل وفوهة (بحر المنهى) وهو (البحر
(1/243)

اليوسفي) المشتق منه إلى الفيوم، وينسب عمله إلى يوسف عليه السلام؛ ثم منها إلى (منفلوط): وهي من مدن الصعيد، وأجل خاص السلطان؛ ثم منها إلى (أسيوط): وهي من مدن الصعيد وأحسنها جباية وظاهرا؛ ثم منها إلى (طما)؛ ثم منها إلى (المراغة) وربما سميت المرائغ؛ ثم منها إلى (بلسبورة) وبعضهم يبدل السين زايا؛ ثم منها إلى (جرجا)؛ ثم منها إلى (البلينة)؛ ثم منها إلى (هو) ويليها (الكوم الأحمر): وهما من خاص السلطان، وعندهما ينقطع الريف في البر الغربي، ويكون الرمل المتصل (بدندرا) ويسمى (خانق دندرا)؛ ثم من (هو) هذه إلى (قوص)؛ ثم من (قوص) يركب البريد الهجن إلى (أسوان) وإلى (عيذاب)، ثم إلى (النوبة) أو إلى (سواكن) على ما يكون.
أما إلى الإسكندرية فالمراكز إليها في طريقين.
- فالوسطى تشق العامر الآهل، وهي من مركز القلعة المحروسة إلى (قليوب)؛ ثم منها إلى (منوف)؛ ثم منها إلى (المحلة) وهي (محلة المرحوم) مدينة الغربية؛ ثم منها إلى (النحريرية)؛ ثم منها إلى الإسكندرية.
- والطريق الأخرى وهي الآخذة على البر وتسمى طريق الحاجر، وهي من مركز
(1/244)

القلعة إلى الجيزة؛ ثم منها إلى (جزيرة القط)؛ ثم منها إلى (وردان)؛ ثم منها إلى (الطرانة)؛ ثم منها إلى (زاوية مبارك) وأهل تلك البلاد تقول: (انبارك)؛ ثم منها إلى (دمنهور الوحش) مدينة أعمال البحيرة؛ ثم منها إلى (لوقين)؛ ثم منها إلى الإسكندرية.
وأما طريق دمياط فتتشعب من (السعيدية) الآتي ذكرها في المراكز الآخرة إلى الفرات، وقاصدها يسلك من القلعة في المراكز الآتي ذكرها إلى السعيدية، ثم منها إلى (أشموم الرمان) ثم منها إلى دمياط. وبهذا تم ذكر المراكز الخاصة بالديار المصرية.
وأما المراكز الآخذة من قلعة الجبل المحروسة إلى الفرات فمنها إلى (سرياقوس) - وكان قبل هذا بـ (العش) وكان طويل المدى في مكان منقطع، وكان لا يزال تشتكى منه البريدية فصلح بنقله، وحصل به الرفق لأمور لو لم يكن منها إلا قربه من الأسواق
المجاورة للخانقاه الناصرية وما يوجد فيها، وأنسه بما حوله لكفى؛ ثم منها إلى (بئر البيضاء) ثم منها إلى (بلبيس) وهي آخر المراكز التي لخيل السلطان، وهي الخيل التي تشترى بمال السلطان، ويقام لها السواس والعلوفات، ثم مما يليها خيل البريد المقررة على عربان ذوي إقطاعات عليها خيول موظفة تحضر في هلال كل شهر إلى مراكز أصحاب النوبة، فإذا انسلخ الشهر جاء غيرهم، وهم لهذا يسمون خيل الشهارة؛ وعلى الشهارة وال من قبل السلطان يستعرض في رأس كل
(1/245)

شهر خيل أصحاب النوبة فيه، ويدوغها بالداغ السلطاني. وما دام أنها تستجد فهي قائمة، فمتى اكترى أهل نوبة ممن قبلهم تلفت المراكز، إذ كان لا يهل الشهر وفي خيل المنسلخ قوة، ولا سيما والعرب قل أن تعلف. وأول هذه المراكز (السعيدية)؛ ثم منها إلى (الخطارة)؛ ثم منها إلى (قبر الوايلي) وقد استجد به أبنية وأسواق وبساتين حتى صار كأنه قرية؛ ثم منها إلى (الصالحية) وهي آخر معمور الديار المصرية؛ ثم بئر (غزي) وماؤه مجلوب من بئر وراءه؛ ثم منها إلى (القصير) وقد كان وكريم الدين وكيل الخاص الناصري بنى بها خانا ومسجدا ومئذنة، وعمل ساقية، فتهدم ذلك كله، ولم يبق له من يجدده، وبقيت المئذنة، وقد رتب لها زيت للتنوير، وهذا (القصير) يقارب المركز القديم المعروف (بالعاقولة) المقارب لقنطرة الجسر الجاري تحتها فواضل ماء النيل أوان زيادته إذا خرج إلى الرمل؛ ثم منها إلى (حبوة) ولا ماء لها، ولا بناء بها، وإنما هي موقف تقف بها خيل العرب الشهارة، ويجلب إليها الماء من بئر وراءها؛ ثم منها إلى (الغرابي)؛ ثم منها إلى (قطيا) ثم منها إلى (صبيحة نخلة معن) ومن الناس من يختصر على إحدى هذه الكلمات في تسميتها؛ ثم منها إلى (المطيلب)؛ ثم منها إلى (السوادة) - وقد حولت عن مكانها الأول فصار المسافر لا يحتاج إلى تعريج إليها؛ ثم منها إلى (الورادة) وهي قرية صغيرة وبها المسجد الأشرفي على قارعة الطريق، بناه الملك الأشرف خليل - تغمده الله برحمته - وبه رفق للمارة، وهو مأوى لمبيت السفارة. وقد كان فخر الدين كاتب المماليك بنى إلى جانبه رباطا بيع بعده؛ ثم منها إلى (بئر القاضي) وهذا المدى
(1/246)

بينهما طويل جدا يمله السالك؛ ثم منها إلى (العريش) وقد أحسن كريم الدين - رحمه الله - بعمل ساقية سبيل به، وبناء خان حصين فيه يأوي إليه من ألجأه المساء، وينام فيه آمنا من طوارق الفرنج؛ ثم منها إلى (الخروبة) المقدمة الذكر، وبها الساقية والخان المذكوران فيما
تقدم بناهما فخر الدين كاتب المماليك - رحمه الله - وحكمه في تحصين السفارة حكم الخان الكريمي بالعريش؛ وهذا آخر مراكز العرب الشهارة، ثم مما يليها خان السلطان ذوات الإسطبلات والخدمة تشرى بمال السلطان وتعلف منه، وأولها (الزعقة) ثم منها إلى (رفح) ثم منها إلى (السلقة) وكان قبل هذا البريد (ببئر طرنطاي) حيث الجميز ويسمى سطر. وكان في نقله إلى (السلقة) المصلحة؛ ثم من (السلقة) إلى (غزة).

مراكز عزة
والذي يتفرع عنه مراكز ثلاث جهات، وهي: الكرك، ودمشق، وصفد.
1 - فأما الطريق إلى كرك فمن غزة إلى (ملاقس) وهو مركز بريد؛ ثم من (ملاقس) إلى بيت جبريل وهو بلد الخليل عليه السلام؛ ثم منها إلى (جنبا)؛ ثم منها إلى (الصافية) ثم منها إلى (الكرك).
2 - ومن قصد من غزة دمشق أتى (الجينين) وهو مركز بريد؛ ثم أتى (بيت داراس) وبها خان بناه ناصر الدين الخزندار التنكزي، وكان قديما (بياسور) وكان طويل المدى وكانت المصلحة في نقله، ثم منها إلى (قطرة) وهو مركز مستجد، وهناك بئر سبيل وآثار لطاجار الدوادار الناصري، وهو كان المشير بتجديد هذا المركز،
(1/247)

وحصل به رفق عظيم لبعد ما بين (لد) وبيت داراس أو ياسور؛ ثم منها إلى لد، ثم منها إلى (العوجا) وهي زوراء عن الطريق لو نقلت منه لكان أرفق؛ ثم منها إلى (الطيرة) وبها خان كان شرع فيه ناصر الدين الدوادار التنكزي ثم كمل بيد غيره؛ ثم منها إلى (قاقون) ثم منها إلى (فحمة) ثم منها إلى (جينين) وهي على صفد. وقد عمر طاجار الدوادار بها خانا جميل البناء جليل النفع ليس على الطريق أحسن منه ولا أحصن، ولا أزيد نفعا منه ولا أزين.
3 - ومن قصد منه صفد أتى تبنين ثم إلى حطين وبها قبر شعيب عليه السلام؛ ثم منها إلى صفد.
ومن قصد دمشق توجه منها إلى (ذرعين) ومنها ينزل على درب (عين جالوت) مارا عليها وهي مركز مستجد حصل به أعظم الرفق والراحة من العقبة التي يسلك عليها بين جينين وبيسان مع طول المدى؛ ثم من (ذرعين) إلى بيسان ومنها إلى (المجامع) وهو مركز مستجد كنت المشير به، وهو عند جسر أسامة حصل به الرفق لبعد ما كان بين بيسان
وزحر، وقد كانت الطريق قديما من بيسان على (طيبة) إلى (أربد) وكانت غاية في المشقة، وكان المسافر ما بين بيسان وطيبة يحتاج إلى خوض الشريعة وبها معدية للفارس دون الفرس، وإنما يعبر الفرس سباحة؛ وكان في هذا من المشقة ولاسيما أيام زيادة الشريعة وكلب البرد ما لا يوصف: لقطع الماء، ومعاناة العقاب التي لا يشقها جناح العقاب، وإنما الأمير الكبير كافل الشام الطنبغا - رحمه الله - نقل هذه الطريق وجعلها على (القصير المعيني) حيث هي اليوم، ونقل
(1/248)

المركز من الطيبة إلى (زحر) حين غرق بعض البريدية الجبليين بالشريعة - لا نسي الله ذلك لفاعله - ولما بعثت من الأبواب السلطانية إلى الشام سنة إحدى وأربعين وسبعمائة استطلت المدى ما بين بيسان وزحر فأشرت بتجديد هذا المركز فاستجد؛ ثم من هذا المركز إلى (زحر)؛ ثم منها إلى أربد؛ ثم منها إلى (طفس)؛ ثم منها إلى (الجامع) وكان قديما بالمكان المسمى (برأس الماء) فلما ملكه الأمير الكبير كافل الشام تنكز - رحمه الله - نقل المركز منه إلى هذا الجامع فقرب به المدى ما بينه وبين (طفس) وكان بعيدا فما جاء إلا حسنا؛ ثم منها إلى (الصنمين)؛ ثم منها إلى (غباغب)؛ ثم منها إلى (الكسوة)؛ ثم منها إلى دمشق المحروسة.

في ذكر مركز دمشق وما يتفرع عنه من المراكز
ومن دمشق تتشعب المراكز: فمن أراد منها طريق البيرة أو الرحبة اللتين هما آخر حد الممالك الإسلامية من الشرق أتى منها القصيرة؛ ثم منها إلى القطيفة. ثم منها الافتراق:
فطريق البيرة منها إلى القسطل؛ ثم منها إلى (قارا)؛ ثم منها إلى (بريج العطش) وقد كان مقطع طريق وموضع خوف، فبنى به قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد بن صصرى التغلبي - رحمه الله - مسجدا وبركة، وأجرى الماء إلى البركة من ملك كان له هناك وقفه على هذا السبيل، فبدل الخوف أمنا، والوحشة أنسا - لا نسي الله له ذلك - ثم منها إلى (الغسولة) ومنها تتشعب طريق إلى طرابلس على (القصب) سيأتي ذكرها؛ ثم من الغسولة إلى (سمنين) ومنها إلى حمص ثم من حمص إلى الرستن؛ ثم منها إلى حماة؛ ثم منها إلى (لطمين)؛ ثم منها إلى
(1/249)

طرابلس؛ ثم منها إلى (المعرة) ثم منها إلى (أنقراتا)؛ ثم منها إلى (إياد)؛ ثم منها إلى قنسرين؛ ثم منها إلى حلب؛ ثم منها إلى (الباب)؛ ثم منها إلى (الساجور)؛ ثم منها إلى البيرة: وهي في البر الشرقي. والبيرة أجل قلاع الإسلام، وعقائل
المعاقل التي لم تفترع على طول الأيام.
ومن أراد الرحبة فطريقه من القطيفة المقدمة الذكر على (العطنة) وليس بها مركز، وإنما بها خان تفرق به صدقة من الخبز والأحذية ونعال الدواب؛ ثم إلى (جليجل)؛ ثم منها إلى (المصنع)؛ ثم منه إلى (القريتين)؛ ثم منها إلى (الحسير) ومنها إلى (البيضاء)، ومنها إلى (تدمر) وهي المدينة الغريبة البناء المنسوبة إلى عمل الجن؛ ومنها إلى (أرك)؛ ومنها إلى (السخنة)؛ ومنها إلى (قباقب) ومنها إلى (كواثل) وهي اليوم (عطل)؛ ثم منها إلى الرحبة، وهي والبيرة المقدمة الذكر آخر الحد الشرقي كما تقدم.
وأما ما يتشعب من المراكز من دمشق فمنها إلى (بريج الفلوس) إلى (أرينبة) إلى (لغران) إلى صفد.
- ومن دمشق إلى خان ميسلون إلى (زبدان) إلى الحصين إلى بيروت.
- ومن خان ميسلون المذكور إلى جزين إلى صيدا.
- ومن خان ميسلون أيضا إلى كرك نوح - عليه السلام - مقر ولاية البقاع، ثم منها إلى بعلبك إن أراد. واعلم أن بين صيدا إلى بيروت قدر مركز لمن أراد.
- ومن دمشق إلى الزبداني إلى بعلبك.
- ومن أراد من بعلبك حمص توجه منها إلى (القصب) ثم إلى الغسولة.
(1/250)

- ومن أراد منها طرابلس توجه منها إلى القصب؛ ثم منها إلى (قدس)؛ ثم منها إلى (أقمار)؛ ثم منها إلى (الشعراء) ثم منها إلى (عرقا) ثم منها إلى طرابلس. ومن دمشق إلى طرابلس ركوب مراكز حمص إلى الغسولة المقدمة الذكر ثم إلى القصب ثم ما ذكر.
- ومن دمشق إلى (جعبر) مراكز حمص، ثم من حمص إلى (سليمة) ثم منها إلى (بغيديد)؛ ثم منها إلى سوريا؛ ثم منها إلى (الحص) ثم منها إلى جعبر.
- ثم من أراد من جعبر (رأس العين) توجه من جعبر إلى (عين بذال) ثم منها إلى (صهلان) ثم منها إلى (الخابور) ثم منها إلى رأس العين.
- ومن دمشق إلى مصياف: المراكز المذكورة إلى (طفس) ومنها إلى (القنية) ومنها إلى (البرج الأبيض) ومنها إلى (حسبان) ومنها إلى (ديباج) ومنها إلى (أكرية) ومنها إلى الكرك.
- ومن دمشق إلى مركز ولاية الولاة بالصفقة القبلية: المراكز إلى (طفس)، ثم منها إلى أذرعات.
فهذه جملة مراكز دمشق إلى كل جهة؛ فأما مقدار الولايات فمن كل واحدة إلى ما يليها، حتى يتوصل المسافر على البريد إلى حيث أراد.
(1/251)

مراكز حلب
وقد ذكرنا ما هو منها إلى (البيرة) وهي أجل ثغورها، وعليها مدرجة جمهورها.
- فأما ما سواها فمن حلب إلى (السموقة) ثم منها إلى (سندار)؛ ثم منها بلاد الدروب. وقد استضفنا في هذا الحين القريب منها إلينا: قيسارية ودرندة، وإنما المستقر المعروف أن آخر حد الممالك الإسلامية من هذه الجهة: بهنسى.
- واعلم أن من (عينتات) إلى (قلعة المسلمين) إلى جسر الحجر. ثم إلى الكختا، وهي آخر الحد من الطرف الآخر.
- ومن حلب إلى (أرحاب)، ومنها إلى (تيزين)، ومنها إلى (يغرا)، ومنها إلى (بغراص) وهي كانت آخر الحد مما يلي بلاد الأرمن؛ وقد استضفنا نحن في هذا الحين ما استضفنا فصار من (بغراص) إلى (باياس) وهي أول جيل الأرمن، ثم إلى آياس: وهي الآن مدينة الفتوحات الجاهانية المستضافة.
- ومن حلب إلى (الجبول)؛ ثم منها إلى (بالس)؛ ثم منها إلى (جعبر). فهذه جملة مراكز حلب. وأما بقايا القلاع ومقار الولايات فمن شعب هذه الطرق أو من واحدة إلى أخرى.

مراكز طرابلس
- اعلم أن طرابلس إلى (مرقية)؛ ثم منها إلى (بلنياس) ثم منها إلى
(1/252)

اللاذقية: وهي مدينة ذات ميناء يقال إنه ليس على البحر أحسن منه؛ وقد كان كريم الدين هم بعمارته وإدارته فعاجله ما سبق نبه عليه الكتاب، وصرف عنه وقد وضع رجله إليه في الركاب.
- ثم من اللاذقية إلى (صهيون): وهي قلعة جليلة وكانت دار متملك، وإليها تحيز الملك الكامل سنقر الأشقر، إذ كسر بعد ملك ما بين العريش والفرات، وقد كان المظفر بيبرس الجاشنكير - بعد عود سلطاننا وأخذ غصيبته من يده - قد سأل في تركه بصهيون.
- ثم من صهيون إلى (بلاطنس): وهو من مشاهير القلاع. ومن شاء من صهيون إلى
(برزيه): وهو حصن سمي باسم من عمره أو عرف بملكه. ومن شاء فمن بلاطنس إلى العليقة أول قلاع الدعوة مما يلي بلاد طرابلس؛ ثم منها إلى (الكهف)؛ ثم مننها إلى (القدموس)؛ ثم منها إلى (الخوابي)؛ ثم منها إلى (الرصافة)، ثم منها إلى (مصياف). فهذه جملة مراكز طرابلس. فأما مقار الولايات فمن واحدة إلى أخرى. وبتمام ذكر ذلك ثم ذكر جميع مراكز البريد بالممالك المحروسة.
فأما من أطراف ممالكنا إلى حضرة (الأردو) حيث هو ملك بني هولاكو فلهم مراكز تسمى: خيل الأولاق وخيل اليام يحمل عليها، ولكنها لا تشترى بمال السلطان، ولا تكلف منه، وإنما هي على أهل تلك الأرض نحو مراكز العرب في رمل مصر ونحو ذلك.
(1/253)

الباب الثاني: في مراكز الحمام
وأول ما نقوله إنه نشأ من بلد الموصل، وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر وبالغوا حتى أفردوا له ديوانا وجرائد بأنساب الحمام؛ وللفاضل محيي الدين بن عبد الظاهر في ذلك كتاب سماه: (تمائم الحمائم).
فأما أول من اعتنى به من الملوك ونقله من الموصل فهو الشهيد نور الدين محمود بن زنكي - رحمه الله - سنة 565هـ.
واعلم أن الحمام بمصر قد انقطع تدريجه بالوجه القبلي، وقد كان متصلا إلى قوص وأسوان وعيذاب، ولم يبق الآن منه إلا ما هو من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن القاهرة إلى دمياط، ومن القاهرة إلى السويس، ومن القاهرة إلى بلبيس متصلا بالشام.
ومن بلبيس أيضا إلى الصالحية، ومن الصالحية إلى قطيا، ومن قطيا إلى الورادة، ومن الورادة إلى غوة.
ومن غزة إلى بلد الخليل عليه السلام؛ ومن غزة إلى القدس الشريف؛ ومن غزة إلى نابلس.
(1/254)

ومن غزة إلى لد، ومن لد إلى قاقون، ومن قاقون إلى جينين، ومن جينين إلى صفد، ومن جينين إلى بيسان، ومن بيسان إلى أربد، ومن أربد إلى طفس، ومن طفس إلى الصنمين، ومن الصنمين إلى دمشق.
ومن كل واحدة من هذه المراكز إلى ما جاورها من المشاهير: مثل من بيسان إلى أذرعات،
ومن طفس إليها لإشعار والي الولاة.
ثم من دمشق يسرح الحمام إلى بعلبك، ويسرح إلى قارا، ويسرح إلى القريتين.
ثم من قارا إلى حمص، ومنها إلى حماة، ومنها إلى المعرة، ومنها إلى حلب.
ومن حلب إلى البيرة، وإلى قلعة المسلمين، وإلى بهنسى، وإلى بقية ماله شأن مما حولها.
ثم من القريتين إلى تدمر، ومنها السخنة، ومنها إلى قباقب، ومنها إلى الرحبة. وقد تعطل الآن تدريج الشخنة إلى قباقب، وإنما صار يسوق ببطائق تدمر الواقعة بالسخنة منها إلى قباقب، ثم يسرح على الجناح من قباقب إلى الرحبة.
وبهذا تم ذكر الحمام في سائر الممالك الإسلامية.
(1/255)

الباب الثالث: مراكز هجن الثلج ومراكبه
وهي لا تعمر بالهجن إلا أوان نقل الثلج من دمشق إلى حضرة السلطان بقلعة الجبل، وذلك مما حدث في أثناء دولة سلطاننا - تغمده الله برحمته - واستمر. وقد كان قبل هذا لا يحمل إلا في البحر، خاصة من الثغور الشامية ببيروت وصيدا، ويفرض على البقاع وبعلبك إرفادهما في ذلك؛ وكان يسيرا فكثر، وقر منه على طرابلس مما استقر على (جبة بشري) والمنيطرة.
والمراكب تأتي دمياط في البحر، ثم يخرج الثلج في النيل إلى ساحل (بولاق) فينقل منه على البغال السلطانية ويحمل إلى (الشرابخاناه) الشريفة ويخزن في صهريج أعد له؛ وهو الآن يحمل في البر والبحر. ومدة ترتيب حمله من حزيران إلى آخر تشرين الثاني، وعدة نقلاته في البر إحدى وسبعون نقلة متقاربة مدة ما بينها، وقد صار يزيد على ذلك. ويجهز بكل نقلة بريدي يتدركه، ويجهز معه ثلاج خبير بحمله ومداراته، يحمل على فرس ببريد ثان. واستقر في وقت أن يحمل الملاح على خيل الولاية.
(1/256)

والمرصد في كل نقلة خمسة أحمال؛ والمستقر في كل مركز له ستة هجن: خمسة للحمل، وواحد للهجان.
ومراكز الهجن: من دمشق إلى الصنمين، ثم إلى طفس، ثم منها إلى أربد، ثم منها إلى بيسان، ثم منها إلى جنين، ثم منها إلى قاقون، ثم منها إلى لد، ثم منها إلى غزة، ثم منها إلى العريش (وهو آخر ما قررت إقامته على مملكة الشام، خلا جينين فإنه على صفد) ثم من
العريش إلى الورادة، ثم منها إلى المطيلب، ثم منها إلى قطيا، ثم منها إلى القصير، ثم منها إلى الصالحية، ثم منها إلى بلبيس، ثم منها إلى القلعة - حرست.
ومن الورادة إليها تركب الهجن من المناخات السلطانية والكلفة على مال مصر. فهذه جملة مراكز الهجن.
في المراكب التي تنقل الثلج: فأما عدد المراكب المسفرة به في البحر فكانت في أيام الظاهر بيبرس ثلاثة مراكب في السنة، لا تزيد على ذلك. ودامت على أيام سلطاننا في السلطنة الثالثة، وبقيت صدرا منها، ثم أخذت في التزايد إلى أن بلغت أحد عشر مركبا من مملكتي الشام وطرابلس، وربما أنافت على ذلك. ثم قلل منها استغناء. وآخر عهدي بها مكن السبعة إلى الثمانية تطلب من الشام ولا تكلف طرابلس إلا المساعدة، وكل ذلك بحسب اختلاف الأوقات وداعي الضرورات. وإذا سافرت سافر معها من يتداركها من ثلاجين لمداراتها. والواصلون بها على المراكب يعودون على البريد في البر.
ولا يصل الثلج متوفرا إلا إذا أخذ من الثلج المجلد، وأجيد كبسه، واحترز عليه من الهواء، فإنه أسرع إذابة له من الماء. ومنذ قرر ما يحمل منه على الظهر استقر منه خاص المشروب، لأنه يصل أنظف وآمن عاقبة؛ على أن كل المتسفرين
(1/257)

يأخذون الجاشني منه بحضور (أمير مجلس) (وشاد الشرابخاناه السلطانية) وخزانها. فأما المنقول في البحر فلسوى ذلك؛ وللمجهزين به من الخلع والإنعام رسوم مستقرة، وعوائد مستمرة. وقد نبه على ذلك كله لموضع الفائدة فيه. وبهذا تم ذكر المراكز بجميع الممالك الإسلامية مصر وشاما.
(1/258)

الباب الرابع: في المناور والمحرقات
أما المناور: فهي مواضع رفع النار في الليل، والدخان في النهار، للأعلام بحركات التتار إذا قصدوا البلاد للدخول لحرب أو لإغارة.
ولما يرفع من هذه النيران، أو يدخن من هذا الدخان، أدلة يعرف بها اختلاف حالات رؤية العدو والمخبر به باختلاف حالاتها، تارة في العدد، وتارة في غير ذلك. وقد أرصد من كل منور الديادب والنظارة: لرؤية ما وراءهم وإيراء ما أمامهم، ولهم على ذلك جوامك مقررة لا تزال دارة. فمنذ اصلح الله بين الفئتين، وأمن جانب الجهتين، قد قل بذلك الاحتفال،
وصرف عن البال.
والمناور المذكورة تارة تكون على رؤوس الجبال، وتارة تكون في أبنية عالية، ومواضعها تعرف بها أكثر السفارة؛ وهي من أقصى ثغور الإسلام كالبيرة والرحبة إلى حضرة السلطان بقلعة الجبل؛ حتى إن المتجدد بكرة بالفرات كان يعلم بها عشاء، والمتجدد عشاء كان يعلم بها بكرة.
(1/259)

فأما طريق الرحبة: فكان بنور بمدينة (عانا) قوم من النصاح (بحجة أمر سوى التنوير، ويستر عليهم أهل البلد حبا لملوكنا) فترى ناره أو دخانه (بخربة الروم) وبالجرف أيضا؛ ويرفع فيهما أو في إحداهما فيرى من كل منهما بوادي الهيكل؛ ويرفع فيه فيرى بالقناطر؛ ويرفع بالقناطر فيرى بالرحبة - وقاها - الله - ويرفع فيها فيرى في كواثل؛ ويرفع فيها فيرى في منظرة قباقب؛ ويرفع فيها فيرى بحفير أسد الدين؛ ويرفع فيها فيرى بالسخنة؛ ويرفع فيها فيرى بمنظرة أرك؛ ويرفع فيها فيرفع فيها فيرى بالبويب (وهو قنطرة بين أرك وتدمر) ويرفع فيها فيرى بمنظرة تدمر؛ ويرفع فيها فيرى بمنظرة البيضاء؛ ويرفع فيها فيرى بالحير؛ ويرفع فيها فيرى بجليجل؛ ويرفع فيها فيرى بالقريتين؛ ويرفع فيها فيرى بالعطنة؛ ويرفع فيها فيرى بثنية العقاب، ويرفع فيها فيرى بمئذنة العروس؛ ويرفع فيها لما حولها إنذارا للرعايا وضما للأطراف؛ ويرفع حول دمشق بالحبل المطل على برزة فيرى بالمانع، ويرفع به فيرى بتل قرية الكتيبة؛ ثم يرفع فيها فيرى بالطرة؛ ويرفع فيها فيرى بجبل أربد وبجبل عجلون، ثم يرفع بها فينور بجبل طيبة، ثم يرفع بها فيرى بالمنور المعمول إزاء البئر الذي برأس الجبل المنحدر إلى بيسان ويعرف بعقبة البريد (وقد عدل الآن بطريق البريد عنه) ويرى منه أطراف أعمال نابلس - نحو جبال أبزيق وما حولها - ويرفع من هذا المنور الذي برأس عقبة البريد فيرى بالجبل المعروف بقرية جينين؛ ثم يرفع منه فيرى بجبل فخمة؛ ثم يرفع منه فيرى بشرفة قاقون؛ ثم يرفع منه فيرى بأطراف أعمال نابلس، ويرى على قصد الطريق بذروة الجبل المصاقب لمجدل يابا؛ ثم يرفع منه فيرى بمركز ياسور (وقد عدل البريد الآن عنه)؛ ثم يرفع منه فيرى بالجبال المطلة على غزة؛ وترفع بغزة على
(1/260)

أعالي الحدب المعروف بحدب غزة. ثم لا منور ولا إخبار بلسان النار إلا على الجناح والبريد.
ثم اعلم أن من جميع ما ذكرناه مناور تتشعب إلى ما خرج عن جادة الطريق إلى البلاد الآخذة على جنب جنوبا وشمالا وشرقا وغربا. فأما هذه المناور الآن فرسوم قد عفت، وجسوم أكلت شعل النار أرواحها فانطفت؛ والحمد لله على أمن إطفاء نارها؛ وإخفاء منارها.
وأما المحرقات: فقد كان الاهتمام بها أول شيء؛ وهي مواضع مما يلي بلادنا من حد الشرق داخلة في تلك المملكة، كان يجهز رجال لتحرق زرعها ونباتها؛ وهي أراض مخصبة كانت تقوم بكفاية خيل القوم مرعى إذا قصدوا البلاد، فكانت تحرق إضعافا لهم وإقعادا لحركاتهم، إذ كانوا من عادتهم لا يتكلفون علوفة لخيلهم، بل يكلونها إلى ما تنبت الأرض: فإذا كانت أرضا مخصبة سلكوها، وإذا كانت مجد تجنبوها. وكانوا لا يفطنون لقصد حريقها، ثم فطنهم أهل المداجاة، فصاروا يربطون عليها الطريق؛ ويمسكون منها بالأطراف، وقتل عديد بسببها، وأحرقوا بأشد من نارها. ولكن ينفق في هذه المحرقات في كل سنة من الخزانة بدمشق جمل من الأموال، ويجهز فيها أجلاد الرجال. وكان شأنهم في الإحراق استصحاب الثعالب الوحشية والكلاب المنفرة، ثم يكمن المجهزون لذلك عند أمناء النصاح وفي كهوف الجبال وبطون الأودية؛ وتمضي الأيام حتى يكون يوم ريحه عاصف وهواؤه زعزع، تعلق النار موثوقة في أذناب الثعالب والكلاب، ثم تطلق الثعالب، والكلاب في أثرها وقد جوعت، فتجد الثعالب في الهرب، والكلاب في الطلب، فتحرق ما مرت به من الزرع والنبات، وتعلق الريح النار منه فيما جاوره، هذا إلى ما كانت تلقيه الرجال بأيديها في الليالي المظلمة، وعشايا الأيام المعتمة. وكان أصحابنا يجدون في هذا رفقا ودفعا عن مباغتة الأطراف ومهاجمة الثغور.
(1/261)

وهذه مواضع المحرقات وهي: ببلاد البقعة أرض البقعة، والثرثار، والقنية، وباشنزة، والهتاخ، ومشهد ابن عمرو، والمويلح، وبلاد نينوى وهي من الموصل الآن. ونينوى كانت ذات الذكر القديم، ويقال إنها البلد المرسل إليه يونس عليه السلام. والمحرقات بها: ببرطلة والقنيطرة؛ وقد كان علي باشا ابن حجك حين دانت له الدولة قد عزم على أن يبتني بها مدينة جليلة تكون مقرا للسلطان، إيثارا لعدم مفارقة الأوطان، فعاجله ما حم له من حمامه، وفراغ الدنيا من أيامه.
وتمام المحرقات: الوادي، والميدان، والباب (وأظنه يعرف بعرب طي)، والصويمعة، والمرج المعروف ببني زيد، والمرج المحترق، ومنازل الأويراتية (وهي أطراف هذه المواضع إلى جبل الأكراد. وكل هذه الأرض مجال خيلهم وقرارة سيلهم) وبلاد سنجار - المنطق، والمنظرة، والمزيدة، وتحت الجبال عند التليلات.
فأما أرض الجبال فإنها كانت لا تحرق، وأبوابها بغير طارق خير لا تطرق، إذ هي بلد البقية القادرية من ولد شيخ الإسلام عبد القادر الجيلي المعروف عند العامة بالكيلاني - نفع الله به وببقية الصالحة -؛ وهذه الذرية معظمة في الجهتين، ولهم عند ملوكنا المكانة العالية، لقديم سلفهم، وصميم شرفهم، ولما للإسلام وأهله من إسعافهم بما تصل إليه القدرة ويبلغه الإمكان.
ومن تمام المحرقات: البازار، وأعالي جبل سنجار، وكل ما يقدر عليه في تلك الديار. فهذا جملة ما على الخاطر، وغاية ما يستحضره على طول المدة الذاكر؛ وإنما هو مثال، وما تضرب به الأمثال.
(1/262)

القسم السابع
في أوصاف ما تدعو الحاجة إلى وصفه
مما يكثر ذكره في المكاتبات
ويشتمل على سبعة فصول:
الأول: في الآلات ما يندرج معها بحكم التبع.
الثاني: في الحيوان.
الثالث: في الأمكنة.
الرابع: في المياه وما هو من لازمها.
الخامس: في الكواكب.
السادس: في الأزمنة.
السابع: في الأنواء.
(1/263)

الفصل الأول: في الآلات
وهي أنواع

النوع الأول: السلاح
في السيف: وسل منه سيفا يمضي حكمه على الرقاب، ويقضي على المرء بما تبقي بقاياه للأعقاب؛ يجد به اللاعب، ويتلقى بصدره المتاعب؛ ويدنو من العدو اقتباسه، ويعز عليه إذا تألى في الحرب فما يقسم به إلا رأسه؛ لا يمنع دونه زرد موضون، ولا بيض مكنون؛ قد توقد شعلا، وسفل الفرند في تياره وعلا؛ وكاد لولا السل يأكل غمده، ويقطع حتى بنده؛ وقد تردى حامله منه بابن صاعقه، وأرى الآجال منه كل بارقه؛ وقد قذف في اللج سعيره، وقبل في إبلاغ الآجال سفيره؛ كأن على متنه سلخ أيم، أو كأنه متلفع بقطع من غيم؛ قد أسبل الضارب منه ذيل ذبابه، وراع الأعداء فما خافوا من أسده المزمجر إلا سقوط ذبابه؛ فأدنى به لأجله كل محضر، وجنى منه ثمر الوقائع يانعا من ورق الحديد الأخضر.
- فيه: وسل سيفا سال المنون من لعابه، وسار الموت في إهابه؛ وتناوم عذاره ملء جفونه فما هجع، وتناوب للوثوب للمهح فما رجع، وتباكى على من قتل
(1/264)

فجرت دموعه دماء،
وتحرق على من سلم فتوقدت ضلوعه نارا وترقرقت مآقيه ماء.
في الرمح: وأعد له كل معتدل الكعوب، يجد به اللاعب وهو ملعوب؛ يضرس الحرب بأنيابه، ويتمسك الموت المطنب بأسبابه؛ يجري الدماء بالأنابيب، ويأخذ الفارس بالتلابيب؛ تحرز به المكاسب، ويلقط ببنانه من الأرواح ما لا يحصيه الحاسب؛ يود البرق المعترض في السماء لو أنه في هيئته تصور، ويتمنى نطاق البروج في السماء لو أنه بشرفاته تسور، ويتيمن الأولياء بثغره الضاحك ويتشاءم الأعداء بكعبه المدور؛ يري له كل طعنة نجلاء تفجر عينها الأنهار، ونطفة زرقاء يقدح شجرها الأخضر النار؛ يعد الموت لأسله كل سليل، ولا يوجد فيها مطعن وللطاعن فيها كل سبيل.
في الطبرزين وهو الطبر: وما منهم إلا من مشى أمام ركابنا بطبرزينه وهو الطبر، وأري من عيانه ما لا يبلغه الخبر؛ تقر له السيوف على نفوسها، ويمضي حكمه على الدبابيس فتحمله إلى رؤوسها؛ متى جرد من غلافه قيل: هذا معين قد نضخ؛ ومتى فتك به حامله إن شاء قتل فأجرى الدماء وإن شاء رضخ.
(1/265)

في السكين: وقد شرعت السكينة تنضنض لسانها، وتعطي على خشونة الحد ليانها؛ وقد كتب الفرند عليها سطورا، وضرب الشنبر عليها سورا؛ وأطلع ليل الغلف صبيحتها الغراء، وطبع حديدها الأزرق من الجوهر ما يصير بالدماء، ياقوتة حمراء، واتخذ منها الصاحب في وقت المضيق، ومثل الأخ حين وضعها في نحور الأعداء ولكنه شقيق.
في القوس: وتنكب قوسا موعد الأجيال إهلال هلالها، وتفيو الأبطال بظلالها، يشق غدران الزرد منها نون، ويرسل على عذرات الأعداء منها منون؛ تئن ولا يعرف علاج أمراضها، ويبعد على السيوف ما تقدر عليه من بلوغ أغراضها؛ قد أفاضت من السهام الراشقة سجلها، وأثبتت في مستنقع الموت رجلها؛ واستوت في قبضة الرامي، وباشرت القتل وناب غيرها الدامي؛ كم أماتت نفوس الأعداء بكمدها، وتقيأت دما من مهجهم بما رمت من كبدها، فأصمت الرمايا وما فارقت ظل الإبهام، وتقاسمت النصر هي والسيف ولكن كان لها دونه أوفر السهام.
- وفيها: وأخرج قوسه الأرواح في قبضتها، والبرق في خاطف ومضتها؛ والسهام قد أرخت ذوائب نصالها، والأوتار لا تروع بفصالها؛ كأنها نصف دائرة المنجنون، أو تعريقة
نون؛ ويشبع سغبها، ولا يدفع شغبها؛ معطية منوع، واهبة تروع؛ صابرة لا تعرف ندم، سائرة لها رجل إلا أنها لا تمشي بالقدوم؛ طائرة وما لها جناح، غائرة وما طلع على كوكبها الصباح؛ هلال لا يعوز رائيه بصير، ضاق فتر بمراميه عن مسير.
في السهام والكنائن: وقد اعتد معه من الكنائن كل ديمة، ذات وبل مستديمة؛
(1/266)

لما يصب منها من صوائب نبل قد بريت فيها السهام بري القداح، وريشت لصيد ما لا تصيده ذوات الجناح؛ ووصلت من النصول بكل مشتد العقب، قوي العصب؛ مرهف الصقال، مخوف الصيال؛ تقع حيث وقع، وإذا فاضت السيوف غدرانا بلت منه نقع؛ يصل إلى ما لو تطاول إليه الرمح للبب به معتقله، أو جال في خاطر السيف لضرب به ضاربه وقيد به صيقله؛ لا يتكشف ضلله إذا تجلى القتام، ولا تعيا حيله إذا أدرعت الفوارس لرد السهام؛ بلاء منزل، وقضاء مرسل؛ وحتف عاجل لا يلقاه إلا حائن، وضر بين ولهذا لا تزال تتشكى الكنائن.
في قوس البندق ويسمى الجلاهق: وبرز إلى مصارع الطير ومعه من قسي البندق كل صائلة بالحين، صائبة بالعين؛ قد تلفعت بالحرير، وتوشعت بالحبير؛ ولبست مثل حلل الربيع، وسلبت من ريش الطير المختلف الألوان ما ظهر عليها حسنه البديع؛ وقد تعقفت رؤوسها كأنها جيمات الأصداغ، وتدبجت قموصها فكأنها تعلمت من السماء حسن الأصباغ؛ وأوترت من الأوتار بما طلبت مثله من الطيور، وأسبلت عليها أزر مكداناتها لأن الحسناء لا يحسن بها السفور، قد أصمت ببندقها، ورمت الطيور من أفقها؛ وأصبح في يد قبضتها كل محلق بجناحه، ومخلق بدمه وجه مسائه أو صباحه، تمد من مقره بندقها في الوتر شبكا، وتزمجر ولا ترثي لمن شكا؛ ترمي الطير منها أمثال الأبابيل، ويمسك بوعدها في أخذ كل ما سنح في الجو لا كما يمسك الماء الغرابيل.
(1/267)

في الجراوة والبندق: ومعه جراوة كأنها أفق أنجم، أو كنانة أسهم؛ لا يزال الطير الآمن بطوالعها ينكب، وفي مطالعها يظل دمه إذا غاب كوكب منها بدا كوكب؛ قد بعدت بالبندق مراميها فما شاء راميها اغتصب، وصال به لا بها وبالقوس مما ليس في قوة جلد ولا عصب.
في العامود وهو الدبوس: ثم ضاق به المجال، وسئم سيفه من قطع الآجال؛ فاخترط من تحت فخذه عامودا تهد به الأبنية المشيدة، وتتساقط به الفوارس كأنها خشب في عمد ممددة؛
قد كمم بالحديد، وارتج موقعه فلما قيل إنه شاش عمم به رأس الصنديد؛ يموت به قتيله ولا يتنصف، ويفزع وجيبه وما هو إلا أصلاب رجال تقصف؛ يأمن به الضارب ما يخاف بالسيف في الضراب، ويقدمه قدامه لا تحميه عنه الحميلة ولا يبعد قربه القراب؛ لا ترى بشقشقته الأبطال إلا خمودا، ولجج السيوف إلا جمودا، ورأس القتيل إذا أهوى إليه إلا كان عليه من فلق الصباح عمودا؛ لا يحصن منه خوذة ولا سربال، ولا يهاب إبراق سيوف ولا نبال؛ تتكسر الأصلاب الصلاب به تكسر الزجاج، وتفلق به بيض الخوذ مثل بيض الدجاج.
في العصا: وقد خف عليه محملها فهو لا يضعها عن عاتقه، ولا يعد سواها لإزالة عائقه؛ قد اتخذ منها آية موسوية أصبحت بها يده بيضاء، وتصرف بها كيف شاء؛ وكان يعتمد عليها إذا وقف، ويجمع عليها فريقه إذا اختلف؛ وطالما قرع بها كاهل المنازع، وكان له في قمع الأعداء بها غير هذا من المنافع: يلين قسوتهم إذا امتنعوا، ويلقف بالادراء بها ما صنعوا.
(1/268)

في البيضة: وقد لبس منها بيضة زانها بياض مفرقه، وطلع فيها طلوع البدر في أفقه؛ وأتى فيها كأنه قد تلبس شعلة لهب، وعكس بها شعاع الشمس كأنها فضة قد مسها الذهب؛ لا يجد له السيف فيها مضربا، ولا يمد له العجاج عليها مضربا؛ لم يزل يوصف صبرها المذكور، ويلبس الكوافي منها من لا يطمع بما تحت ذيله الذكور؛ قد جعلت نفسها دون رأس لابسها فداء، وآلت أن لا تزال تدفع عنه أعداء.
في الدرع: وأقبل في سابغة ضاقت عيونها فلمحت المنون ازورارا، واطردت متونها تشب الوقائع نارا؛ تكحل بالغبار خزر حدقها، وتطرق أبواب الشجاعة بحلقها؛ ترد على الشمس شعاعها، وتبدي على اللمس مناعها؛ لام ليست للتعريف، وموج غني عن التصريف؛ بأسها شديد، وبصرها حديد، وبحرها بعائمه لا يميد؛ تلافيها السيوف فتقف عند حدها، وتخاطبها ألسنة الرماح فتحسن في ردها؛ تفيض على النصال فتخمد لها برقا، وتحشر مجرمي الذوابل زرقا؛ تسمع حديثا للقتال منقولا، ونرد الطاعن فيها مغلولا.
في الترس: وحمل بيده ترسا لا يزال به السيف ينكص على عقبه، ويرد وما زاد على أن حصل منه على عجبه؛ كأنما صنع لمدافعة الأجل، أو صنع ليحمل عن الضارب فضيحة
ما يلقاه من الخجل؛ كأنما شب فيه الموت والتهب، وطلعت من مشرقه الشمس فقيل إنها ترس من الذهب.
(1/269)

النوع الثاني: آلات الحصار
في المنجنيق: وأنذرتها المنجنيق ما بعدها، وحذرتها: إلا تتخلى وتلقي ما عندها؛ فلما أبت إلا امتناعا، وأن ترخي عقيلتها المخطوبة عليها من الستائر قناعا، تقدمت إليها المجانيق وقد شدت نطاقها، وشمرت للحرب ساقها، ورمت قبل القلعة قلب ساكنها بالوجل، ولطخت قبل الدماء بالشفق خدها بالخجل، واستأنت في قصدها وجاءت إليها على عجل؛ ورغت رعودها وتلك هدة واجب، وقامت في قتالها بالواجب، وأثرت في أبدان البدنات أمرا، وتقدمت فما خلت في طريقها حجرا؛ وجادلت السور فما أحسن الرد، ولعبت معه لعب النرد؛ فنشط اللاغب، وانبسط اللاعب، حتى (استردتا خيذتها) المغصوبة، وغلبت لما جارت عليها الفصوص والمناجيق منصوبة؛ فقلعت السور والباشورة، وقلبت المدينة من صورة إلى صورة، فما مضت إلا ساعة، وقد بقي صيتها إلى بقاء الساعة.
وفيه: ونصبنا عليها من المناجيق ما سامى قلاعها، وسام اقتلاعها؛ وهدم
(1/270)

سورها، وهتم ثغورها؛ وفجر حجارتها لا بالأنهار، وأضجر سيارتها وما غاب نهار؛ وأتت على البلد ومن فيه، وأتت على ما نطق به لسانها ملء فيه؛ وما هان أمرها وهو عنيد، ولا لان قلبها وهو حديد؛ ولا قصر باعها وهو طويل، ولا اختصر عنانها وهو مديد؛ من كل محكمة الترتيب، من كل محكمة الترتيب، محكمة التدريب، مبسوطة اليد تنادي السماء من مكان قريب؛ مفتولة الساعد، مقبولة المساعد؛ يتحرك لسانها كأنها تعاتب، ويتحرر سنانها كأنها قلم كاتب؛ لها فخذ كريم لا تلوي به على نسب، وحبل متين ولا يتمسك منه بسبب؛ قد أثبتت في مستنقع الموت رجلها، وأنبتت في غابات القنا أصلها؛ وأصبحت كالرجال، لا يعرف ما في صناديقها المقفلة، وكالأعمال لا تخف كفاتها المثقلة؛ لا تكاثر في مجال، ولا تكابر أنها تلقف ما صنعوا من عصي وحبال؛ قد استلت كأنها عقاب، وامتدت كأنها سحاب؛ وهدرت كأنها رعود، واستترت كأنها خود؛ واضطرمت كأنها حريق، واضطربت كأنها طليق؛ وأطلت كأنها أجل، وولت كأنها وجل، وطلت دماء دبت في صفحات البذيات كأنها خجل؛ وأنت وغيرها الثاكل، وسغبت وفي الثغور الممضغ منها فضلة الآكل؛ فناجت تلك الشرفات
بما محى محاسنها، وتتبع في المكان مكامنها؛ وأرعدت فرائص الحجارة، وأخلت السور من النظارة؛ وولجت المدينة وولعت بمبانيها الهائلة ففرقت شملها، وبعقودها الطائلة فحلت نظمها وعجلت حلها؛ وألقت عن المدينة نطاق السور، وفكت عن الجيد عقد جيبه المزرور؛ ودخلت العساكر المنصورة إلى داخل المدينة هجما من كل مكان، ووثبا على آثار الثور كأنه ما كان؛ وملك البلد بمجموعه ورفعت به الأعلام، وسمعت به دعوة الإسلام؛ وتسنمت ذروة الأبراج للأذان، وتسلمت ولصانع المنجنيق اليد وله الإحسان.
في الزيارات: وشد من الزيارات كل ذات معجزة خارقة، ورجل دائسة في
(1/271)

الأرض ولها يد لأعناق المعاقل خانقة؛ تهدر مثل الفنيق، إذا أزبد، وتباري المنجنيق فتقول: هذه صنعة ما لي فيها يد.
في الستائر: وتسترت تلك المحجبه، وتسورت بأسوار أخرى من الستائر غدت النواظر منها متعجبه، ثم طفقت لا تنظر إلى من وراء ستور تلك الستائر، ولا يعرف بها ما في داخلها إلا كما يعرف ما في السرائر؛ وقفت دريئة للسهام إلا أنها سهام المنجنيق، وصبابة لكل صب لا يرى منظرها الأنيق؛ وأقام من فيها خلفها يخاتل، وغايته أن يدافع عن نفسه وهو يوهم أنه يقاتل.
في السهام الخطائية: ومن السهام خطائية لا تخطي صوابها، ولا تخطي مهلك قرية مصائبها؛ قد حشيت صدورها غضبا، وكاثرت السهام بأجنحة النار غلبا، لا تنكب طرقها، ولا تفرق الأعداء ويحرقهم إلا رعدها المجلجل وبرقها.
في مكاحل البارود: ومن مكاحل كم أعمى عين بلد كحلها، وكم لقح بدنة مبدنة فحلها؛ وكم رمى فيها نطفة نار، واشتملت أحشاؤها منه على جنين كانت النار عليها به أهون من العار؛ لا تبالي بالأعداء إذا أخرجت لهم خفايا سرها،
(1/272)

ولا تخشى إذا أبدت للقوم خبايا شرها؛ تورد القلاع منا النار ذات الوقود، وترض ببنادقها رؤوس الشرفات وتكسر أضلاع العقود؛ فكم دخل بندقها المدينة هجما، وقذف شيطانها المريد بشهاب كأن له رجما.
في قوارير النفط: وقد صدمهم من النفط تلك القوارير، وأجيل في بحر أفكارهم أخبار تلك القواقير؛ ورمت القلاع منها ببلاء يقتلع قليعتها، ويسد ذريعتها؛ فإذا هي في تلك البروج متسلقة، وبحبال تلك العقيلة متعلقة؛ ثم إذا بها قد نشرت عليها رايتها الحمراء، ودبت
بعقارب البارود المصررة الضراء؛ وامتدت أغصان شجرتها وقد توقدت نارا تتأجج، وتفتحت وردا إلا أنه كلما ذبل تضرج.

النوع الثالث: الآلات الملوكية
في التخت: وعقد لإجماع على ملكه، ونظم لاجتماع في سلكه؛ فانحل الرتاج، وحل على التخت فحلى على التخت والتاج؛ وكان للسرير، أجل مما جلل به من الحرير؛ وأعظم مما صفح به من الذهب، بعض ما وهب؛ فشرف قدر ذلك العود، وتمنى أن زمانه في الغصن الأخضر لا يعود؛ وأتى تخت أفريدون دونه، وود عرش بلقيس أن يكونه؛ فما علا مثله قدر تخت، ولا قدر لمثله بخت.
في المنطقة: وأنعم عليه بمنطقة شد بها ظهره، وشد أزره؛ وناط بها من
(1/273)

العلائق ما يحسن تحت عاتقه، ولا يزال يذكر بها عند المنعم بها بعلائقه؛ قد زينت بها الحضور، وتطلب ما ضاع تحتها من طيب الثياب فأصبحت عليه تدور؛ فضم ذلك الوشاح الخصر إليه، وقال ذهبه: كم لي أدور وما وقعت لي عين عليه.
في الخاتم: وتناول خاتم الأمان بيده، وختم على ما ختم بعسجده؛ فكأنما سلب به الثريا ما كانت يدها قد ادخرته لبنانها، وجعلته ألسنة الشموس الملغلغة خاتما لبيانها.
في المنديل: وتناول منه منديل الأمان، وكفيل السلامة الوافي بالضمان؛ يشد الوسط فلا ينحل، ويقوم مقام المنطقة في المحل؛ جرت على عادة الطمأنينة به الجواد، وبشر يدا تناولته بأنها لا تمس بعده بمنديل إلا أعراف الجياد.
في الحرمدان: والحرمدان كمامة ثمر، وغمامة سماء تحتها قمر؛ دوح أوراق، وقرارة ما تكدر أوراق؛ كأنما قدت من جلدة الليل، وعلقت بالثريا وطرفت بسهيل.
في القلم: وقلمه بالسيوف الركع يخدم، والرماح بمطاولته تقرع السن مما تندم؛ توقى سود أهدابه بالأجفان، وينزل لقرى كرمه الضيفان؛ يروع بالصرير، وينقل عن الأسود الزئير؛ قد قصر مجاريه، وعد من الأبرار لتمجيد باريه.
في الدواة: وما فتئت أرشية الأقلام تستقي من قليبها، وتستر بخضابها الأسود بياض مشيبها؛ منبع الأرزاق، وموضع الإرفاق، ذات الليل الذي
(1/274)

كله نجوم وأقمار، ومنبت السمرات ذوات الأثمار؛ قد تردت بمثل جناح العقاب، وأردت الأعداء وجعلت بأيدي
الأولياء العقاب.
وفيها: وقدمت له الدواة وهي رتبة التشريف، وآلة التصريف؛ والأفق الذي يبعث إلى كل أرض غماما، ويراسل في كل دوح حماما؛ وتحوي حكم الأقاليم أقلامها، وينفلق عن صباح المعاني ظلامها؛ وتتفجر الأرزاق من منبعها، ويشكر أيادي النيل وما يجيء من القلم قدر إصبعها؛ يروع الأعداء مدد مدادها، وتخاف لقاها ولا تهاب الجيوش لأنها تعلم أنها إنما جاءت لتكثير سوادها.
في المرملة: وماج منها كثيب، ونبع قليب؛ وهبت بها رمال، ودبت مثل أكارع النمال؛ وملأت سحبها مدارج الدروج، وسدت على فضاء البيضاء الفروج؛ فأنبتت لوقتها الرياض، وجمعت بالرمل الحمرة والبياض؛ فجاءت على تفصيل ما فيها والجملة، وبدت من تحت سجوفها كل رملة أحسن من رملة؛ فأبهج ذلك الرداء الرخيص مشبرقا، وسحب ذيله برمل زرود والنقا؛ فعاد قرطاسي القرطاس كميتا لم يخضبه النجيع، ونوار المهرق شقيقا لم ينبته الربيع؛ وأمنت به سماء الخط أن تطمس، وأظلت أنداء السحب بيوم قد أشمس؛ فبث في بياض النهار حمرة الشفق، وكلل السطور بما يكلل به لؤلؤ الطل الورق؛ وتنبهت به تلك الحروف فعبرت أحسن التعبير، وغدت وكأن رمالها من الطيب مسك والتراب عبير.
في السرج واللجام: وكم ثم سرج ينافسه الجبين في تكوينه، والهلال في
(1/275)

تلوينه؛ يضيء منه كوكب، ويسري منه أمن مركب؛ كأنه فتر قد أشار بقرب المسير، أو مخلف جاء به البشير؛ كأنما غشاه الأصيل بذهبه، أو وشاه البرق بلهبه؛ قرن بأمثاله وإن لم تستو كل شروط المقابلة، وأضحت عليها أولياؤنا إخوانا على سرر متقابلة؛ هذا إلى لجم لو لم تمسك الخيل الشكائم لطارت، ولو لم تأبه لها بالأعنة لما سارت؛ مما لم يصح لملك قبلنا ولا تهيا، ولا قاد في عنانه البرق وقد أسرج وألجم بالثريا.
في الكور والزمام: وأرخينا أزمة المطي وما منها إلا موشح على كوره، متأهب لبكوره؛ قد تقلدت بزمامها، وتقدمت المطايا لاهتمامها؛ وأفلت من الكور هلالا، ومدت من الوشح ظلالا؛ وأمست لا يحثها إلا بارق على أضا، ولا تبعد على راكبها مسافة وزمامها بيده وما ضاق الفضا.
في السوط: وقد لها سوطا يزيد في أدبها، ويوجب به في السرعة دأبها؛ فلم يزل يسوق
عهاد جيادها ببرقه، ويصبه عليها فتتصبب عرقا مثل ودقه.
في الأعلام - وهي العصائب: ونشرت العصائب المنصورة فهبت بالسعادة ريحها، وظللت الكتائب فيحها؛ وحومت حولها العقبان واثقة بما تطعم من جزرها، وبما تطمع به من نهاب عسكرها؛ وعرفت لها ميامن كل راية صفراء، ورفعت فجرت وراءها الجيوش ونصبت للإغراء؛ وأحاطت بالعصابة السوداء الخليفتية فكانت سويداء قلبها، ومضت بها فكانت سيوفا بعثت من قربها.
في المظلة - وهي الجتر: ورفعت علينا قبة تظللنا من الشمس حيث سرنا،
(1/276)

وتقيم معنا حيث صرنا؛ لم يرفع على غير الرماح أساسها، ولم يتوج بغير السماء رأسها؛ قد بنيت على صهوات الجياد، وأعدت دون الأبنية لأوقات الجلاد؛ فهي رواقنا المنصوب في كل سرى وسير، وبساط ملكنا السليماني الذي تسري أمامه الوحش وتظلله الطير.
في الطبول: ودقت الطبول حتى ظن أن الأرض قد انقلبت، وأن الجبال مع الرجال قد أجلبت؛ حتى خيلت في يوم العرض أنه يوم القيامة، وأنه يوم العرض الأكبر فما تمنى امرؤ إلا السلامة.
في البوقات: وأعدت البوقات في جنبات العسكر المنصور، وأرجفت الأرض فما قيل إلا أن إسرافيل نفخ في الصور؛ وقد أعلن نفرها، ولم يسمع في الحرب إلا سفرها؛ فلم يزل يفاجئ الأعداء منها الانتكاس، ويرسل عليهم بإرعاد السيوف بها شواظا من نار ونحاس؛ فلو زجر البحر بصوتها لم يجر، ولولا الريح أسمع من حجر.
في الصرناي - وهو الزمر: وقد صبر ذلك الصرناي، على الصبر على الناي؛ لولاه لم يعرف زنام، ولا اشتهر حديثه مع المعتصم بين الأنام؛ لم يبلغ مدى صوته شبابه، ولا يحق لبياض مشيبها إلا أن يفدي شبابه.
في المشدة - وهي الرقبة: وشدت على فرس النوبة الرقبة السلطانية تعجب النظار، وتحدث المسرة بما فيها من ذائب النضار؛ كأنما لمعت بذهب البروق
(1/277)

غواديها، وعلمت الخيل مقدار الشرف بها فطالت به هواديها؛ وذلك في ساعة تحققت بها الآمال ما كانت مرتقبة، وبيد ولي ما شد منها رقبة حتى فك ألف رقبة.
في الغاشية: وحملت الغاشية بين أيدينا وسارت بها الحاشية، وطار بها الخبر فمل يبق إلا
قال: هل أتاك حديث الغاشية؛ ومشى بها حاملها وهي تتمايل سرورا ببلوغ الأرب، وفرحا بأيامنا المقبلة أوجب لها هذا الطرب.
في الخيل الجفتا - وذكرت هنا لمناسبتها هذه الآلات -:
وتقدم (الجفتا) وهما راكبان على فرسين أشهبين صوحب بينهما حتى تآلفا، وأبيضا لما طبعا على الصفا؛ قد اقتسما اليمين والشمال، وسارا وهما للهدو مثل دبيب النمال؛ ما انفصلا مذ اعتنقا، ومذ تلازما ما افترقا؛ داما على ود غير مختلف، واتحدا حتى صارا كالواحد مثل لام الألف.

النوع الرابع: آلات السفر
في المحفة: واتخذ من المحفة مهدا يجد به راكبه الراحة، ويقطع به البر
(1/278)

وكأنه مركب يشق به البحر سباحة؛ لا يعرف ممتطي صهوته بعد المدى أو اقترب، ولا مرتقي ذروته متى طلع نجم أو غرب؛ قد حملت على البغال فهي تمور مورا، ويجوب بها الفلا لا تعرف نجدا ولا غورا؛ يصل السري وعينه لا تفارق الغرار، ولا يكلف يده مسك العنان ولا العذار.
في المحمل: وقدمت الركاب، ورفعت تلك القباب؛ وحدا بها الحادي، وطار بها إذا أطربها بجانب الوادي؛ فتراقصت البخت بتلك القباب حتى مالت عذبها، ومادت على تلك التلاع الشوارف كسبها؛ وأضحت تسأل لديها الذمم، وأمست الريح كالغيرى تجاذبها فصول الريط واللمم؛ وشدت على مطا الطايا منها بروج مشيدة، وكسيت أحسن الملابس لما كانت معنا مجردة.
في الخيام: ونصبت له من الخيم في كل أرض دار محلال، وشيدت أفنية تتفيأ لها ظلال؛ قد سدت الأطناب عمدها، وكأن وتد السماء عامود ووتد الأرض وتدها؛ وأقلت قمرا واستقلت فلكا، وسمت سماء تحوي ملكا؛ وبني منها من الخيام كل رفيع، وكل بيت بني على الأسباب والأوتاد ولم يدركه التقطيع؛ فوسعت الأرض تلك الأفنية؛ وأربت عن جملة السماء تلك الأبنية؛ وأصبح بينما تزاح أعذارها للمقام تزال، وأهلها لا يستقر بهم وطن ولا دار كأنهم فوق متن الريح نزال؛ فأحسنت في صحابتها، وأمطرت لا نوء دون سحابتها؛ ولم يزل حولها موارد هيام، وحيث نصبت قيل: سقيت الغيث أيتها الخيام.
(1/279)

في الخركاه: ورفعت منها قبة امتدت السحب دون سجوفها، وعقدت قبة السماء على
سقوفها؛ وعمرت عمر النسور ما عاش لبدها، وربطت ربط السوابق لا ينزل عنها طول الدهر لبدها؛ وقوي بقوة التركيب على ضعف تلك الأعضاء وهنها، ولا ينفش بسوافي الريح عهنها، ولا تزال لبابيدها الحمر مشربة ندى ورد الخدود، مؤذنة بطول بقائها الأيام مالكها بالخلود.
في أداوي الماء: وحملت معهم أداوي ماء يتبرد في تلك الهواجر بنسيمها، ويقال في ظل نعيمها؛ ولا يستأمن عليها كل خديم، ولا يغضب المتزود بها أن يقدد ولا يقد لها أديم؛ لو أنها وعود لما استطاع إخلافها، أو أمهات لما رضي إلا أخلافها؛ سحب تسري مع حاملها، وتغنيه فلا ينتجع مواقع الغمام استغناء بحاصلها.
في الحياض: وقد صدرت عن تلك الحياض الإبل بريها، وامتلأت جنباتها بما طالت به يد عبقريتها؛ ثم أضحت تلك الرواء دوافق، يمتاح لها الدلاء كأنها سعوب منصبة، ويمتار منها كل قربة لا ترد كأنها تعتقد ذلك قربة.
في الجفان: وشكرا لتلك الموائد الممدودة، واجفان المورودة، وتلك
(1/280)

المناسف التي لو كانت كالجبال لكانت بكثرة امتداد الأيدي إليها قد نسفت، أو كالجمال البوارك لكانت بأثقال ما حملت من الطعام قد عسفت؛ ومن جفان كالجواب، ما للائم فيها جواب.
في القدور: وق أمسوا ألي أقدار عالية، وقدور بذهب النيران حالية؛ كأنها جبال راسية، أو جمال سارية، من كل قدر كأنها على موقد النر زنجية متوركة، أو ليلة ظلماء بأطراف النهار من كل ناحية متمسكة.
في نار القرى: وقد لبس الليل بها قميصا من أرجوان، وبات موقدها مثل ملك يدعو إلى رضوان؛ كم تفرعت منها في الليل شجرة ذهب، أو انقض كوكب له ذنب؛ قد أدرع الليل منها بزعفران، ونبت محمر الشقيق في مواقد النيران؛ فغشيها الطارق والمنتاب، ودنا منها كل ساري ليل إلا المرتاب.
في الأثافي: وتخلفت ثلاث تلك الأثافي وقد فرشت بعدهم الرماد، وأصبحت في جملة الجماد؛ كأنها نقط الثناء من سؤال كل سائل: أين ثووا، أو نقط الشين من قول كل قائل: هنا كانوا أو هنا شووا؛ لا تمر عليها الركائب إلا مجدة، ولا يأتي إلا لعل حروفها تستمد من تلك الأسافي مدة.
في أضواء المشاعل: وتكاثرت تلك الأضواء حتى طوت جنح الليل، وطفح
(1/281)

النهار مثل السيل، وامتلأت الآفاق نجوما فلم يحتج أحد يسأل عن سهيل؛ هذا وخبرها دون العيان، وعنصرها مثل العقيان.
في الفانوسين: وقد توقد في دجى الليل منهما فرقدان، وتآلف منهما أخوان متقدان؛ تنظر الظلماء منهما بعينين، وتولول شعلهما فتحسبهما السابقة أذنين؛ قد حملا على رؤوس الرماح تطعن بهما لبة الظلام، وتنشر منهما عليها مذهبات الأعلام؛ فلم يخف بهما منار، وكل علم في رأسه نار.

النوع الخامس: آلات الصيد
في الفخ: وسقط على داهية ضمت له بين الجوانح، وضمنت لحتفه ما في أيدي الجوارح؛ وأمسكه قوس الفخ بكيده، وزاده قيدا على قيده؛ فأعجزه المصير، وضاق به منه فتر عن مسير.
في الشباك: وألقيت لها شباك إصابتها بعيونها، وصارت لمنونها؛ وجمعت عليها أطرافها فلم ينج منها حاسر ولا مدرع، ولا خلص من حبالها سابق ولا متبع؛ وأمسكت تلك الأبطال المدججة إمساك النقد، وألقتها في شباكها ولم تستعذ من شر النفاثات في العقد؛ فساقت حتى أقصى قصيها، واستلانت أعصى عصيها، وجاءت إليها بسحر السحرة بما ألقت من حبالها وعصيها؛ فأمسكت تلك السوانخ، ووقف في ميادينها تلك السوابح.
(1/282)

في الزبريطانة: ورمى بالزبريطانة فقذف ليلها المظلم أنجما، وأتبع بها مارد الطير فأمسى بشهبها مرجما؛ فنفخ بها في غير ضرم؛ وانتفخ من غير ورم؛ وقام ينفث فيها فألقى سم الأساود، ومد إلى شم الذرى بساعد، وسرحها بيده فكان السماك الرامح، وأكثر بها الصرعى فكان سعد الذابح؛ وصبب منها فوارة بنادقها الصغار ما تساقط من الماء، ووشيجها المقوم ما صعد إلى السماء.
في الصنانير: وعطفت لها من الصنانير تلك المحاجن، وأعلقت فيها تلك المحاسن؛ ودلت إليها في خيط كان لعنقها حبلا من مسد، وشممت هواء الدنيا فكان سببا لها إلى مفارقة الروح الجسد، وأخرجت من تحت ستور الماء مخباتها، واستؤذنت أبكارها وإذنها صماتها؛ ثم لما لببت تلك الطرائد وخيطت بتلك الأسافي أفواهها، وريعت بشنقها في تلك الجبال
وفي لجج البحر أشباههان حملت منكسة على رمال من قصب، وأصيبت بسهام ما وصلت بجلد ولا عصب.

النوع السادس: آلات المعاملة
في الميزان: ونصب من الميزان عدل يرجع إليه، ويعتمد في الإنصاف عليه؛ محسن لا يغير إحسانه، ومنصف بغير الحق لا يحرك لسانه؛ لا يسعى به إلا من
(1/283)

نجح، ولا يثقل في كتفه إلا من رجح؛ يرد بقيامه بالقسطاس المستقيم المفتري، وإن لم يكن من الميزان برج الزهرة فربما كان بيت المشتري؛ ولم يزل يستعاذ من خفته، ويعز من ثقل كفه بما في كتفه؛ وقد أعد يوم القيامة لأعمال الأنام، ورآه سيد هذه الأمة قد تدلى من السماء فيما قصه من المنام.
في الكيل: ومنذ فتح الكيل فمه صدق، واعتبروا به ولم يبق إلا مصدق؛ ورجعوا إلى حكمه وهو أصلح، ومذ علم على رقمه وتقلصت شفته قيل: أفلح؛ قد طلع رقمه، واضطلع به قرمه؛ أحد ما أمر القرآن بالوفاء بقسطه، وصح به السلم بشرطه؛ لم يسغ للذراع ولا للميزان تصريفه، ولا أدرك أحدهما مده ولا نصيفه.
في الذراع: وقد صح معه القياس، وقدر عليه اللباس، وتفاصل على الرضى به الناس؛ ميزان نصب بالقسط لا يفتقر إلى مثاقيل، ولا يرجع عنده ثقيل؛ لا يحتاج في إعطاء الحق إلى تعليق، ولا يضطر إلى تدقيق النظر لتحقيق؛ به تحصر المساحة، وتبرأ الساحة؛ ويحد من الحد ما يتبع، ويقوم به نوء الذراع ولا يقاس للثريا بشبر ولا للجوزاء بإصبع.
في المقص: وذكر هنا تبعا -: وهو الذي طالما واصله المرء فقطعن وجهد فلم يقع، في كل يد له غير درهم فاقتنع؛ روحان في جسد، واثنان بقلب واحد خلا من الحسد؛ كم صاح فأصبح كل ذي شقة بعيدة به صاعقا، وجثا بين القوم على ركبتيه ثم قص قصا صادقا.
(1/284)

النوع السابع: آلات الطرب
في الدف: وضرب بالدف فأحسن إذا ضرب، وجاء بمجموع الطرب؛ قد حمل الشمس منه دارة القمر، وطلع وحسنه قد بهر العيون وقمر؛ فناسب في فتح بنانه عليه وانضمامه، وأظهر نقص آلات الطرب كلها بتمامه.
في الشبابة: ولم يزل يهوى منها ناحلة صفراء باد شحوبها، ظاهر نحيبها؛ أنابيب في
أجوافها الريح تصفر، إذا سد منها منخر جاش منخر؛ الرماح بها كل على القصب، وبنان ممسكها مملك وهي تاجه الذي به اعتصب؛ يود هفيف الدوح أنه منها يتعلم، ويقول لديها الحضور الصموت ونحن سكوت والهوى يتكلم؛ قد جلب الملهى بها السرور أو سبب، واستعار طربها لوصف الحبائب فلهذا إذا ذكر حبيبه قيل قد شبب.
في العود: آلة لا يضرب بها إلا مجيد، ولا تكون إلا بين صدر وجيد؛ يسر وقد وتر، ويطلق وهو في قبضة اليد قد أسر؛ كأنما علمته الحمائم أصواتها حين نشأت في الدوح، وألقتها عليه فنقلها إلى الغناء من النوح؛ كم عمر مجالس السرور وهو في مثل الحرب، وأطرب وهو في تقييد وضرب؛ ماس رطيبا، وطاب ولا غرو للعود إذا نفخ طيبا.
في الرباب: وضرب بالرباب فتذكر زمانه بالحبائب، وأيامه بتلك الربائب؛ فاهتز إلى الأحباب، وطرب بزينب والرباب؛ وطاب صوته على الترديد، ورق وقلبه
(1/285)

من حديد؛ فلاحت به لأوقات السرور شارقة، وحثت به كؤوس المدام ولا غرو أن يكون للرباب بارقة.
في الطنبور: آلة لولاها لما حصل النفاق لدنانير، ولا احتاج الطرب في دخوله إلى دستور الدساتير؛ حسن موضوعان وتفرق كل طرب فيه وجاء مجموعا.
في الجنك - وهو آلة محدثة -: وضمت من الجنك ما طال عنقا، وطاب عبقا؛ وأحدث فأحدث الطرب، واختصت العجم منه بما لم يعهد للعرب؛ لا يبعد من مقاربه فهم، ولا يكون سهم سرور إلا والجنك دونها هو المتصل بالسهم.

النوع الثامن: آلات اللعب
في النرد: وهو للزمان مثال، ولجملة السنة تمثال؛ مهاركه عدد أيام الشهر، وفصوصه تجيء مثل القضاء والقدر في تصريف الدهر؛ وخصاله سبعة كالجمعة؛ وبيضه وسوده مثل الليالي والأيام، وكله نقص ويطلب فيه التمام؛ وفيه تمثال لمدد الآجال، والتنقل من حال إلى حال؛ وما يأتي بغير كسب وما لابد فيه من أنه يكتسب، وما يكون بسبب وغير سبب؛ مما نجم من آفاق العجم إلا أنه محرم، ونار تتضرم.
(1/286)

في الشطرنج: معركة لا تطل فيه الدماء، وميدان خيل لا تجري فيه الشهباء ولا الدهماء؛ قد قرنت رخاخه، ونصبت للخيل فخاخه؛ وامتدت أسوار بيادقه، وقعدت شاهاته الملوك
على نمارقه؛ وأوسعت فيه الأفكار المجال، وأتت فيه بغرائب البداية والارتجال؛ وطالما عقد فيه البند، وأوري بالمراشقة فيه الزند؛ وهالت فيه الأفيال، وبلغت فيه الفرازين ما لم تبلغه الأقيال.

النوع التاسع: المسكرات وآلاتها
في وصف الخمر على الجادة المعتادة: وسعى الساقي بكاسها، وصب الذهب من أكياسها؛ وفض عنها طينة ختام كانت طابعا لشمسها، ودواء مما يخامر العقول من مسها؛ وراضها بالمزاج ولولاه لجمحت، ولاينها بملاطكفته حتى جنحت؛ وافتض منها بكرا لم تعنس، وقدح منها نارا لو رآها عابدها لزمزم أو العيسوي لقدس.
في ذمها: وهي التي أترع الشيطان كأسها دهاقا، ولم يرض إلا بالعقول عليها إنفاقا؛ لم تورف كرمتها الظلال إلا لظلال، ولا خلقت طينتها إلا للخبال؛ أول ما سودت بالقار صحيفة دنها، وأساءت بالمساورة معاشرة خدنها؛ ولم تنكر خباثة الخندريس، وأن تعريش الحبب على مائها عرش إبليس.
في الكأس: والكأس هلال مالت شفته، وأفق محمر الشفق تمت صفته؛ شب في الكف والتهب، والكأس من فضة والراح من ذهب؛ كأنه تعريقة نون في يد الكاتب، أو معدن أصبح به حامل الكأس الكاسب.
في القدح: تكون من جوهر مكنون، وتجسد من هواء مظنون؛ واتخذ خدرا
(1/287)

لابنة العنب، وطاف به الساقي فأصبح منه في راحة وهو في تعب؛ قهقه عليه الإبريق فصدح، وطار منه شرار المدام فقيل قدح.
في الإبريق: ولم يبق في ذلك المجلس إبريق حتى أتلع جيده، وملأ من ودج الراووق وريده؛ حتى غردت في دوحه البلابل؛ وطعنت الهموم بتلك الذوابل؛ وتنبهت بها المسرات وهي نيام، ومالت رقابها كأنها إوز بأعلى الرقمتين قيام؛ ولم يزل يدار حتى خفت الأوقار، ولم يبق في الإبريق إلا لواث فمه كأنما تناول ياقوتا بمنقار.
في ذم الحشيش: - وهي لا تحمد في حال -: وهي وإن كانت مما تنبت الأرض من قواتل السموم، والمضنيات للجسوم، فإنها حرام وإن لم ينص على تحريمها، حطام وإن رعى قوم في هشيمها؛ ضررها لا يعد، وإن لم يجب الحد فيها فإنه يجب التعزير وربما كان أمضى
من الحد؛ ومن رآها وقذر منها وعلم أنها نجسة العين، وأن آكلها لاستيلاء السوداء عليه مثل غراب البين؛ وقد أساء آكلها لنفسه ما اختار، وأشبه البهائم فإن الحشيش ما يأكله إلا الحمار.
(1/288)

الفصل الثاني: في الحيوان وأنواعه
النوع الأول: في الحيوان المذلل المعد للركوب
في الخيل: اعلم أن صفات الخيل المستحسنة كثيرة امتلأت بها الكتب، وكثرت بها المعرفة حتى بقيت لا تكاد تجهل؛ وجماعها في الفرس أن يكون من عظم خلقه كالبنيان، وفي سرعة انعطافه مثل العنان، وفي اشتداد جريه مثل الطيران؛ ويكون رقيق لحم الخدين، واسع الشدقين، جاحظ العينين، حديد الحدقتين، مؤلل الأذنين، عريض الجنبين، ناتئ الصدر، قصير الوظيف، طويل النسا، قصير المطا، واسع الخطى، عريض الكفل، سائل الذيل، قصير عجم الذنب، صلب الحافر مقبقبه كأنه قعب الحالب، لين الجلد، ناعم البشرة، كأن دهنا سكب عليه.
وأزينها الشهب، وأصبرها الكمت، وأسبقها الشقر، وأحدها الدهم. وما
(1/289)

سلم فيها من الوضح كان أشد - والغرة والحجول من الوضح -.
وهي نوعان: عراب وهماليج.
ويقال فيها: وقد أتحفناه من الخيل بكل سابق تقصر عنه الرياح، ويقص الطير وراءه الجناح؛ تظن السحب عن مباراته مشغولة، والبروق عند مجاراته مشكولة؛ لا يسمع للرعد وراءه إلا الأنين، ولا يرى النهار في ليل عجاجه إلا حمل أو جنين.
فمن أشهب جواد بما في يده، سابق يعد يومه الأبيض لغده، كأنما قمصه النهار بردائه، أو سمح له البدر التمام بروائه؛ قد صيغ من لجين، وصين نور البصر منه بسواد العين. - ومعه شهباء من جنسه لا تحدث عن غيرها محاسن الأنباء، ولا تعرف لحلب زبدة إلا لكونها حكتها وتسمت بالشهباء.
ومن أخضر لم يبعد عليه أرب، أخضر الجلد من بيت العرب؛ يطلع في أكمام اللبس نوارا، ويقدح من الشجر الأخضر نارا؛ إذا أم نازحا اقترب؛ وإذا بلله الركض جر ذيله على المجرة وملأ الدلو إلى عقد الكرب. - تتلوه خضراء عجلت بالشراء، وأقاما عذر بني أمية
في حب الخضراء.
ومن أدهم كم دهم الأعداء رعب غرته المطلة، ودهى الأنواء بما أبكى سحبها المستهلة، وسلب الظلماء حلتها ثم دار على هلالها ومعه تتمة أربعة أهلة؛ أو عن
(1/290)

لعنترة خياله لم يذكر لبان أدهمه، أو رأى البدر غرته لزرر في الليل جيبه على درهمه؛ إذا بلغ قبل ارتداد الطرف مداه كان قد اقتصر، وإذا قصر به أمد السرور زيد فيه سواد القلب والبصر.
ومن كميت، كم حي على تمني مثله كميت؛ وقد أسجف سواد الليل ذيل شفقه، وذر فتيت المسك على ورد ألقه؛ وخرط كالعقيقه، ورخص بملأ العليقه، وأشبه الروض فإن لم يكنه كان شقيقه.
ومن أشقر أغر كأنه قبس يتلهب؛ وقد قيد بحجولة لئلا يذهب؛ كأنما سلب البرق رداءه الموشع، ووقفت له الشمس كما وقفت ليوشع؛ وقر له كل سابق بأنه مسبوق، وأذعن له في الميدان لما جاء وعليه أثر الخلوق؛ - يجنب إلى جانبه شقراء طارت من زندة شراره، وأتت ما بين شقيقه وبهاره؛ لا يدانيها جواد ليس معها يدان، ولا يباريها إذا قيل له: هذه الشقراء وهذه الميدان.
ومن أصفر حبشي كأنما علق سبج بديناره، أو امتد خيط من الليف في أصيل نهاره؛ لا يفوته ما أراد من التحصيل، ولا ينكر له إذا كان كريما وهو أصيل.
(1/291)

ويدانيه صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وتسوء المناظرين؛ كأنها سبيكة ذهب أفرغت، أو في ورش المغرب قد صبغت؛ لا تزال تتجمل بها الكتائب المنصورة، وتتقدم الجنائب منها صفراء كأنها راية السلطان المنشورة.
- ومن ذي بلق كأنما هو لابس بردين، أو جامع لضدين؛ إلا أنه قد ضم بردا وأرخى بردان وامتد فيه جنح الليل والنهار قد تبدى. - ويليه بلقاء تسوي مبلغ خراجهان وتدل على تمام الحسن باعتدال مزاجها؛ قد جاءت وفق ما أراد، وازداد حسنها بما جمعت من البياض والسواد.
- ومن الأكاديش الرهاوين كل سابق يبلغ الأمد القصي، ويخدم ركابه منه الخادم الخصي؛ يتمشى مشية المتمايل، ويظهر على بقية الخيل وهو المتخايل؛ أهون ما تمر به الوحول، وأسهل عليه قنن الجبال التي لا تتقحم مشاقها الوعول؛ قد أعرق في بني الأصفر فجاء كأنه
دينار، وأقام في الروم سناقبس فتلهب كأنه نار؛ وتكفل براحة راكبه فكأن صهوته أوطأ المهود، وأخف ظهرا من الجياد العربية في قطع العقبة الكؤود؛ كم حام في قلة شاهق من النسور، ونزل إلى قرارة واد لا يطن مستوطنه منه النشور؛ يتحدر تحدر الماء، ويصعد صعود الدعاء المتقبل فلا يزال حتى تفتح له أبواب السماء.
في البغال: وأكرم بها بغلة لا تغلو بقيمة، ولا تفخر إلا بنفسها لا بالأصول القديمة؛ يعتبر في الحسن جميع أحوالها، ويعتذر لها إذا قصرت العمومة بما طال من شرف أخوالها؛ ذروة أعدت لعالم، وصهوة لخليفة أو وزير أو حاكم؛ تتدفق كالسيل،
(1/292)

وتترفق ولا يعجزها مطلع سهيل؛ لا يلحقها ما يلحق الخيل من الزهو، ولا ترتاد إلا للجد لا للهو؛ ذلت سكينة كأنما سمعت إنذارا، أو قدمت أعذارا، وأناة كأنما تراقب في دوس الأرض حذارا، وتبلغ الأقصى ولا يبل لها الركض سالفا ولا عذرا.
في الحمر: وبعث إليه بحمار صعيدي، لا ينسب راكبه إلى كبرن ولا ينقص عما يتعالى إليه جياد الخيل إلا قدر شبر؛ ولم يزل على راكبه السكينة، وهو أحد الثلاثة التي نوه الله بذكرها في قوله: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة}؛ يبلغ عليه المدى البعيد، وييمم به الساري حيث شاء لأنه من الصعيد؛ مئونته خفيفة، ومقتنيه يسرجه ولا يجد عليه خيفة؛ وقد ركبت مثله الأنبياء، ولم يقتن غيره الأولياء؛ يؤمن منه النفار، وتقنعه النغبة من الجفار؛ لا يخشى راكبه بعد المهوى إذا سقط، ولا يعدم من محاسن البغال إلا عين الحاسد فقط؛ يحصل به ما يراد من الفرس في طول الأسفار، ويطمئن مودعه به إذا كان هو المثل فيما يحمل من الأسفار.
في الإبل: وهي نوعان: عجم وعراب؛ ثم العراب رواحل وجمال أثقال.
وقد أعددنا لبلوغ الغاية من الإبل ما اقتدنا به كل صعب، وحملنا عليه معنا كل صحب؛ وقدمنا منها سفائر ليل، وسفائن آل هي أقدر على قطع تياره من سوانح الخيل؛ واخترنا منها رواحل تطوي بها المراحل، وتساق سحبها التي هي كالإبل إلى البلد الماحل؛ وارتدنا منها كل طائر في الزمام، ضامر كالقسي يرمي بقتبه
(1/293)

كالسهام؛ في هيئة جبال وهي جمال، وتمايل دوحة فرعاء وهي في سرعة التنقل ظلال؛ لا تباري الرياح خفافها، ولا تمكن على الأرض من حافر الحر أخفافها؛ قد طويت طي الأنابيب، ووسمت الأرض ببدور حولها من
حوافر الخيل محاريب؛ ومعها برسم حمل الأثقال كل عبادي لو رآه عبدة ابن الطبيب لقصر عليه القول، أو الراعي لما انصرف بعده إلى الشول؛ أو زين به فناء ابن زبانة لم تلقه في النعم الغارب، أو حميت به رواحل امرئ القيس لما سمع قول العائب؛ يحمل الجمل منها ما لو حمل الجبل بعضه لتصدع، ويكابد جهد السرى لا يشكو ولا يتوجع؛ قد ألف بادية الأعراب فلا ينفك بين حل ومرتحل، ولا يبالي حيث شد راكبه وحل؛ قد طوى على الظماء أحشاءه، وذلل وما كان يعجزه عز الآباء لو شاءه؛ ومعه من العجم البخاتي ما يقطع الأرض بسار يساريك نزل معه النجم في أفقه، ويدك الصخرة في طرقه؛ ويغنى بحلي أوبار عما يضاهي به من الحلل، وتباهي به ذوات القباب الخشب ربات الكلل؛ عزت نفوسا، وطلعت من المشرق شموسا؛ وقصرت أيديها واشتدت زنودها، كأنما تهم بمواثبة عدو يكيدها؛ تنصب في أقطار الأرض كأنها الغيوم السواجم، وتقلد من أوبارها بأطواق زين البراجم؛ لا تمتد معها سوائم العرب، ولا تسري معها إذا مد السحاب رواق أنوائه وضرب؛ ولا يستطيع
(1/294)

معها سلوك الوحول، ولا يحصل منها إلا على حوالات المحال إذا حصلت هي على حقيقة الوصول؛ تتباعد منها خطى وهي مثل أختها، وتتدانى منها شبها وإنما فضلت عليها البخاتي باستحقاقها لا ببختها.

النوع الثاني: في جليل الوحوش، سباعه وغير سباعه
في الأسد: وإذا بغابة تزأر أسودها، وتجأر منها حمر المنايا وسودها؛ قد دميت براثنا، وعطفت مثل الأثافي محاجنها؛ وتلظت كبودها الحرار، وأمن معها الاغترار؛ قد دارت حماليق حدقها، وظهرت عليها أماير حنقها؛ ولوت أذنابها وأقعت، وأعجلت الواصف أن ينعت؛ كأنما سربلت بالدماء، واقتطعت ذلك الغاب دون أسد السماء؛ لا تتباطأ المنايا عن وثباتها السراع، ولا يبعد مدى الآجال وليس بينها وبينه إلا قدر ذراع؛ لو نزل به العوام لأنكر نسبه في بني الأسد، أو أبو القرى لرأى ادعاء أبوته رأيا فسد؛ قد وقفت تحامي عن تلك الفريسة، وتمنع كل ضرغام منها أن يدخل خيسه؛ فخاف كل واحد تلك الغابة ومن دونها الكئيب الفرد، وصار إذا ذكر له الورد عطس قبل أن يشمه منذ قيل: الأسد الورد.
في النمر: ووثب من تحت أكمة هناك نمر ما يدعى مثله لقاسط، ولا يتمطر مثله لقانط؛ قد سمر إهابه، ووقف وهو يوهم أنه يريد ذهابه؛ قد راب لونه المنمر، وعاب كل كلف برقة
الخصر لما رأى خصره المزنر، لا يرجى خير لديه، ولا يطمع خفيف الجري بالفرار من بين يديه؛ لو شاء أن يثب الجبل لوثب، أو يكسر الصخر الأصم وسمع حسا لقيل وجب؛ لا ينفع منه حذار، ولا يحول بينه وبين غنيمته من
(1/295)

الغنم علو جدار؛ يفزع الرجل الجليد من لونه الأرقط، ويطن أنه من دماء الكسائر ما تنقط.
في الذئب: وقد قيل إن بمنعرج اللوى ذئبا قد أخاف كل سائمة، وآلى إلى وكنها كل هائمة؛ وأخاف السرح فلم يمتد، وهاجم القطيع ولم يرتد؛ حتى فعل الفظيع، وقطع القطيع؛ وتوقدت حماليقه توقد السرج، وتموجت أعضاؤه تموج الخلج؛ وزان نحفه بوبره، وفتقت براثنه ما خاط بإبره، وطالما أبعد النجعة، وزار في الليل بعد هجعة؛ وفتن بخده الأسيل، وقعد على المائدة مع الإكليل؛ هذا وربما تجسس، وأبغض لأجله كل ديباج لكونه يسمى بأطلس.
في الفيل: ومن فيل كأنه ليل ضاحك عن نهار، وطور خرطومه منه شفير منهار؛ كأنه راقص جاء يرقص بكمه، أو داخل على ملك عاجل الأرض بلثمه؛ له ناب لا يبالي بما ناب، لمع منه برق في سحاب، وانقض في الليل منه شهاب؛ بناء مشيد، من حجر لا أو حديد؛ لا يطاوله بنيان، مشيد على أربعة أركان؛ يموج كأنه سكران، ويمور كأنه ثعبان؛ ويصول كأنه إنسان، ويهول كأنه جان؛ سائس مسوس، رئيس مرؤوس؛ مطيع مطاع، يطل بين عينيه شجاع، يخف إلى الحرب حاملا على صهوته بعض القلاع. .
في الكركدن: وأتى بكركدن لو نار شب في معقله لما نزح، ولو ثار له الكبش في الهيجاء لنطح؛ طالما رعى في بطن أمه، وجهد له الفيل ولم يقدر على سلمه؛ قد
(1/296)

عدم على كثرة ذوات الأوراق ما يباريه، وأقبل في بحر الآل كالمركب وقرنه ساريه؛ من شبهه قال هذا جبل غرس عليه وتد من الأوتاد، ومن نظره بين عينيه قال عمود سرب نسوة عند مقتاد.
في الزرافة: قال الجاحظ: زعموا أن الزرافة خلق تولد بين الناقة من نوق الحبوش أي نوق الحبشة وبين البقرة الوحشية وبين الذيخ - وهو ذكر الضباع - قالوا: إن الذيخ يعرض للناقة من الحبوش فيسفدها فتلقح بولد يجيء خلقه بين الناقة والضبع، فإن كان الولد أنثى يعرض لها الثور الوحشي فيضربها فيصير الولد زرافة، وإن كان ذكرا تعرض للمهاة فألقحها فتلد زرافة أيضا. قال: ومنهم من زعم أنه لا تلقح الزرافة الأنثى من الزرافة الذكر، وإنما هو مركب. قال: وقالوا إن هذا مشهور باليمن والحبشة؛ وأسنان الذكور أكثر
من أسنان الإناث؛ وإذا كانت أسنانها سودا دلت على هرمها، وإذا كانت بيضاء دلت على الفتاء. ومن أمراضها: الكلب؛ وهو كالجنون يعتريها كما يعتري الكلب فيقتلها - وكل من عضته وهي على هذه الحالة قتلته إلا ابن آدم فإنه ربما عولج فسلم؛ ومن أمراضها أيضا: الذبحة والنقرس.
- ويقال في وصفها:
كأنها كأس خمر جال عليه حبب، أو فضة نقط بها ذهب؛ قد ارتفع هاديها على ذنبها، وعلا رأسها على رقبتها حتى كاد يبلغ السماء بسببها؛ ليست للمها ولا للبقر، وإن لم تكن مما يجل فإنها ليست مما يحتقر.
في الحمارة العتابية: وقد تساوى فيها الليل والنهار، واعتدل البياض
(1/297)

والسواد بمقدار؛ واستقامت خطوطها، وتدفقت فيها أنهار قدرها شطوطها؛ فتشمخت إعجابا، وجمعت شيبا وشبابا؛ وراقت حلتها المسهمة، وتخاطيطها المقسمة؛ وغدت روضة تفتح نوارها، وليلة يتخلل بين الظلماء أنوارها؛ قد فضض سبجها، وكثرت في أثناء لياليها الجون فرجها؛ وغدت وكأن النهار قد قد إهابها، وكأن البرق قد شقق سحابها؛ هذا على أنها لم تعد أمثالها في صورتها، ولا تخالفت أغصان الخطوط في شجرتها؛ حتى تلاقت عند طرف آذانها، وكفت شجراء الشجر بصحة تقسيم أغصانها.
في الحمار الوحشي: وعن حمار حمار وحشي قد شمر فضل إهابه ليذهب، وجرى في مدى شوطه حتى كاد يتلهب؛ قد أسبل ذنبا كأنه من حرير ملون، وداس بحافر كأنه من قعب مكون وسن ضرسا طبع على خصي الذكور غيرة على الأتن، وقلب عينيه لفهم ما تؤدي إليه خبرة الأذن؛ فقتل بالسهم الصائل منه جد غيور، وردي منه قتيل طالما رد الإناث وأردي بالذكور.
في البقر الوحشي: وجرت على يمناه بقرة وحشية قد اشتبكت أغصان قرونها، وأطلق أسهمها على كرائم النساء لحسن عيونها؛ فقصدها برمحه، وعدها من ربحه؛ هذا وقد كثر في السرب أمثالها إلا أنها كانت أقرب إليه، والمقصودة منه على كثرة البقر الذي تشابه عليه.
في المها: وصادف في ذلك المهمه مها لا تردي الفوارس إلا بعيونها، ولا
(1/298)

تحب أبكار
النساء إلا لشبه عونها؛ قد لبست من الديباج حللا، واكتست بالوبر فلم تبق خللا؛ فلو فطنت لها الغواني لما خرجت لبيوتها من كسر ولا فتنت بعيونها بين الرصافة والجسر.
في الغزال: وسنح غزال سبى بحسن خفره، وسمح بإعطاء الرياح بعض خبره؛ قد تلفت بجيده، وانفتل يهزأ بالكلب في وصيده؛ لو عن للعشاق لهاموا، ولعذلوا لصائده ولاموا؛ ولما نصبوا بيوت أشعارهم لغيره على طريق، ولا قال قائل منهم: أنت منهم لليلى ما حييت طليق؛ ووراءه أم طلى لم تخف إلا على طلاها، ولم تحل إلا أن مسكا غلف روقها وأن كافورا طلاها؛ لم يفت العامرية معناها، على أنه لم يشبهها منها إلا جيدها وعناها.
في الأرنب: ولم يكسو مثل وبرها، ولا سمع مثل خبرها؛ تحلت بصفات الذكور والإناث، وكادت لخفة جريها تكون ذات أجنحة مثنى وثلاث؛ لا يظن كل ذي وثب من الظباء معها إلا أنه يحجل، ولا يطمع في اللحاق بها أيد سراع وأرجل؛ ولا تدرك إلا إذا تحدرت من صبب، أو كانت في مجال الخيل فيه ركض وخبب؛ فأما إذا تعلقت بالجبال، أو تردت في مقتبل الخريف برد الظلال، فطائر لا يمسك، وأمل لا يدرك، ولا تصبر النفس عليه فيترك.
في الثعلب: ومر ثعلب ظنه الكلب من أبناء جنسه، خرج بعد تحصنه بالوجار
(1/299)

طول حبسه؛ فنبهت عليه الكلاب، وأطلقت وراءه في الطلاب؛ فلم يزل يتلوى عليها في المطاردة مثل العنان، ويراوغ الكلب مراوغة البطل في الحرب العوان؛ ويهزأ بالقانص ببصبصة ذنبه، ويطفر كل طفرة يخاف فيها عنقود الثريا على عنبه.
في الهرة: ومن هرة تنفق ما كسد، وتحكي في انتفاخها صولة الأسد؛ ذات أنس في الدار، وأس للغار؛ تخالس مخالسة الذئاب، وتسطو بأظفار وأنياب؛ طالما ساورت الأرقم، وتجرعت منه مر العلقم؛ وأكلت منه السم الذباح، واستوطنت البيوت وتركت ظاهرها للكلب النباح.

النوع الثالث: في معلمات الصيد
أول من صاد بالكلاب بالفرس، وأول من اتخذها (دارا)؛ وكذلك الفهد، وأول من اتخذ كسرى أنوشروان، وأول من صاد بالعقاب أهل المغرب، ولا يعد في الصقور ولا البزاة. وأول من صاد بالصقور الحرث بن معاوية بن كندة والسنقر منها، والعهد بجلبه إلى بلادنا
قريب؛ وأول من صاد بالبازي البطالسة ملوك مصر.
في الفهد: ومعه من الفهود رديف يبرز على الغزال الموت من مكمنه، ويأخذ في وسط السرب من مأمنه؛ يثب عليه وثبا، ويخالسه إما رأى شجرا أو كثبا؛ لا ينظر منه حيث التفت حركه، ولا يظن لحاقه ولا دركه؛ لا يزال يمهله حتى إذا أمسكه لم يكد يفلته، ولم يعد يسلطه مرسله وسكينه معه لم يصلته؛ فلم يستطع الظبي أن يفر لديه، ولا يتخفى منه وما فيه جارحة إلا وفيها عين تنظر إليه؛ وقد أعجب منه حرز
(1/300)

أحداقه، وذائب الكحل من آماقه، وحسن ما يروق في جيده من قلائده وأطواقه؛ هذا إلى لين جلدته، ورونق جدته، وما جمع من سواد وبياض، وكمائم لم تفتح في نوار رياض.
في الكلب: وهو نوعان: السلوق والزغاري. فأما السلوقية فمنسوبة إلى (سلوق)، وهي من بلاد اليمن؛ ولها سلاح جيد وكلاب فره. وإناث الكلاب أسرع تعلما من ذكورها. قالوا: تتولد السلوقية بين الثعالب والكلاب، ولا يقبل التعليم إلا البطن الثالث منها. قال الجاحظ: وخير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى لون الأسد بين الصفرة والحمرة، ثم البيض إذا كانت عيونها سوداء. قال: ويستدل فيها على الفراهة بطول ما بين يدي الكلب ورجليه، وبقصر ظهره؛ ويكون صغير الرأس، طويل العنق، غليظه، يشبه بعض خلقه بعضا، قصير اليدين، طويل الرجلين، غليط العضدين، أزرق العينين، عظيم المقلتين، ناتئ الحدق، طويل الخطم لطيفه، واسع الشدقين، ناتئ الجبهة عريضها، طويل الصدر غليظه، مضموم الإصبع، دقيق الوسط. ويكره في ذكورها طول الذنب، ولا يكره في إناثها.
في السلوقية: وأطلقت من قداتها فانبثت تولول أنيابها، وتلوي أذنابها؛ وتحسب أنها مما طويت خصورها أنابيب، ومما مطرها الجري شآبيب؛ خرجت تبتغي رزقا، وتطلب عسفا لا رفقا؛ لا تدع كناسا إلا كنست، ولا سرب وحش إلا حتوفا، ولا تقرأ من مفرقاتها سطور سربها إلا حروفا؛ تجهد في فنائها، وتجد في إخراجها من
(1/301)

فنائها؛ وتزداد عليها كلبا لا يرطبه شحومها، ولا ينالها منها إلا دماؤها إلا لحومها.
في الزغاريات: ولديه زغاريات منها كل صغير الحجم، ينقض كالنجم، يسلك كل طريق لا يسلك فجه، ويملك منه ما لا يملك من السلوقي المضاعف نسجه؛ يخرج كل ذات وكر، ويطأ إليها كل أرض يفتض منها عذرة البكر؛ لولاه لما حصل الصيد، وإذا فاته البطش
باليد لم يفته بالكيد.

النوع الرابع: الجوارح
ويستحب في الجوارح كبر هامتها، ونتوء صدرها، واتساع حماليقها، وقوة إبصارها، وحدة مناسرها، وصفاء لونها، ونعومة رياشها، وقوة قوادمها، وتكاثف خوافيها، وثقل محملها، وخفة وثباتها، واشتدادها في الطلب، ونهمها في الأكل.
ثم اعلم أن الطيور الجوارح نوعان: صقور وبزاة.
فالصقر ما كان أسود العين، والبازي ما كان أصفر العين، على خلاف المسميات. ثم اعلم أن أشرف الجوارح المسماة في وقتنا: السناقر، وليس لها ذكر في القديم؛ وهي مجلوبة من البحر الشامي، مغالى في أثمانها. وقد كان الواحد منها يبلغ ألف دينار، ثم نزل عن تلك الرتبة، وانحط عن تلك الهضبة؛ وهو معدود في الصقور.
واعلم أن الصقور هي: المختصة الآن بتسمية الصقر، وتسميها العرب:
(1/302)

الحر، ومنها الشاهين، والكوهية - وهي بحرية - والسقاوة، والجلمة.
والبزاة هي: البازي، والزرق، والباشق - ويسمى اليؤيؤ - وأما العقاب فقد قدمنا أنه لا يعد في الصقور ولا في البزاة، وهو معدود في الجوارح وفي الطير الجليل؛ ونبهنا على ذلك لموضع الفائدة فيه، فليعلم ذلك.
في العقاب: وأظلتها عقاب ربما أحسنت السهام بريشها عند المناب، وأضحت وكأن قلوب الطير حالين لدى وكرها الحشف البالي والعناب؛ ولا ينجو طريد من مخلبها، ولا يأمن وهو في الهواء بؤس منقلبها؛ تخاف الشمس في أفق السماء من شدة حرصها، ومذ تسمت بالغزالة ونظرت نار عينيها ما تحرت تجر النار إلى قرصها؛ قد أردفت بأمثالها من كل ذات إقدام لا يقدم عليها جبان، ولا تنشر الأعلام مثل أجنحتها وإن قيل لها عقبان؛ تتطامن لها الظباء كأنها إليها تضرع، وتتخبط لها حين تصرع.
(1/303)

في الصقر: ومن صقر لا تؤسى له جراح، ولا يدع من وحش يسرح ولا طائر يطير بجناح؛ أينما وجه لا يأتي إلا بخير، وحيثما أطلق كان حتف الوحش والطير؛ يدع أقطار الفلاة مجزرة، أو روضة بالدماء مزهرة؛ يجد إلى الطير في عنقه، ويحلق إلى السماء ويرجع وطائره في عنقه؛ تخافه العفر على نفوسها، وتخضع له ولأمثاله فما تخرج إلا
والطير على رؤوسها؛ يزيد خبره في مضان الصيد على الخبر، وتخرج الظباء وقد انسجنت خوفا منه في ملاءة من العجاج مخيطة من قرونها بالإبر؛ شديد الأيد، قد بنى على الكسر حروف الصيد؛ يحمد مقتنيه أيامه الغر، ويقول له إذا تلفت إلى الصيد: إن جلبت ضيفا فأنت حر؛ لا يحب مستصحبه معه غلا مزاده، وأينما سار حامله وهو على يده كأن معه زاده.
في السنقر: وبينها سنقر هو فيها ملك متوج، ورزق مروج؛ تجرأ على سفك الدماء، وأبى أن يطلب رزقه إلا من السماء؛ يود الكركي لو خلص من مخاليبه، ويخاف أن يسلم من خرط الشبكة ويقع في كلاليبه؛ يدرك الصيد ولا يؤجله، ويدفع صدره ثم يومي إليه برأسه كأنه يستعجله؛ قد جمع من المحاسن كل الصنوف، وكتبت عليه أسطر تقرأ بما تقرى به الضيوف.
في الشاهين: ومن شاهين مذ حلق وراء الطير شاهت به الوجوه، وشاهدت الأمال به ما ترجوه؛ قد أصبح كل محلق بجناحه رهين يده، وكل سارب من الوحش طعام يومه أو غده؛ لا يتعبه خلف الطريدة بعد المدى، ولا يرده خوف مسافة ولا تقحم ردى؛ ريبة عام لم يمنع بطول دهر، وممتد منه في الطلق مثل ريح سليمان التي غدوها شهر ورواحها شهر.
في الكوهية: ووتبعتها كوهية، هي بالمحاسن حرية، ولكثرة الأقدام مجرية؛ قد وكل يها أمر مطبخه، وأمد بها من الطير من ليس بمصرخه؛ لا تعف عن دم، ولا ترى
(1/304)

أطرافها إلا مثمرة بعناب أو مخضبة بعندم؛ قد أخلت من كل سانح، ولبست زي الراهب المتعبد وفتكت بكل سائح.
في السقاوة: وأطل عليها بلاء اسمه السقاوة، وحنت عليها مخاليبها وهي كالحديد أو أشد في القساوة؛ حتى سالت الدماء كالمذانب، وكست الأرض حبرا من رياش الحبارى وفرى من جلود الأرانب؛ وجعلت في قبضة الكلب ما كانت عليه العين تدور، وتكفلت بكفاية المطبخ وملأت القدور.
في الجلم: وخرج ومعه من الجلم كل صغير لا يحتقر، وصائد إلى سواه لا يفتقر؛ كأنما خلقت من داجي الظلم، وطبعت من حديد السيوف وإن سميت بالجلم؛ فأخذت دق الطير أخذا بغير رفق، وتسلطت عليها فما كانت إلا حمى الدق؛ ثم انفرد منها باثنين أرسلهما على
كركي شذ عن رفاقه، وقارنه نحسان لسوء اتفاقه، فأخذاه عن اليمين وعن الشمالن وتبا له من الحياة الآمال؛ فهوى لديهما هويا، وغلب بهما - وضعيفان يغلبان قويا.
في البازي: وأطلق منه بازي مهما لقي لقف، ومها خطا لديه خطف؛ كأنما خط جؤجؤ بقلم، أو رش عليه من الصباح والظلم؛ قد اعتد للطوارق، وادرأ بمثل الطوارق؛ قد دحض حجج الحجل، وكسرها حتى أبان عليها حمرة الخجل؛ لا
(1/305)

يسأل من الصيد عما نهب، ولا تعرف له قيمة إلا أن له عينا من ذهب.
في الزرق: وحلق الزرق تحليق البازي المطل؛ والبطل المدل؛ قد تقاضى الطيور بغير دينه، واقتدر على ضعافها فدرة القوي ذي الذهب بعينه؛ وأضحت كل لائذة لا تغاث، والبزاة لا تفخر لأن الذكور لا تقاومها الإناث؛ وعطف من مخلبه حرف صلة وجناحه العائد، وأوقد من مقلته نارا لو شاء لشوى عليها الصائد.
في الباشق: وانقضت البواشق على تلك الحانيات، ولقفت ما قدرت عليه من تلك الحائمات؛ ثم حطت على ما لبد منها في مكمنه، وأخذته بالخوف من مأمنه؛ وتهاوت من ناحية تلك السهام، وفعلت ما أمكنها وكان أكثر فعلها بالأوهام؛ ولم يبق ذو جناح منها حتى قش منها ما وقع تحت الأشجار، وينج في الطلق الواحد عدد البنج؛ وجار ولم يخط شيء من تلك السهام الرواشق، ولا رجعت منها إلا بقوت الجماعة وقد قيل إن ما فيها قوت الباشق.

النوع الخامس: الطير الجليل
اعلم أن الطير الجليل المعتد به في الواجب عند رماة البندق أربعة عشر طيرا: منها ثمانية تحمل عندهم بأعناقها، وستة تحمل بأسياقها.
فأما الثمانية الأولى فهي: التم، والكي، والأوزة، واللغلغة، والأنيسة، والحبرج، والنسر، والعقاب.
(1/306)

وأما الستة الثانية فهي: الكركي، والغرنوق، والمرزم، والصوغ، والشبيطر، والعناز.
وهذه الطيور منها عشرة طيور الشتاء وهي: الكركي، والإوزة، واللغلغة، والأنيسة، والحبرج، والتم، والصوغ، والعناز، والعقاب، والنسر. والأنيسة أشرفها.
والأربعة الباقية طيور الصيف وهي: الكي، والغرنوق، والمرزم، والشبيطر.
وقال بعضهم: الإوز شتوي صيفي؛ وإنما قيل طيور الصيف والشتاء بحسب الوجدان.
ومن شرطهم استتمام خصال ثمان وهي: الأدب، والصدق، والشجاعة، والمروءة، والكرم، والمودة، والوفاء، والفتوة.
فأما قولهم: (الوجوه) فهو أن تقف الرماة إذا خرجوا إلى (البرز) مع طلوع الفجر - وهو أول وقت خروج الطائر من الماء - إلى حين طلوع الشمس؛ فما يصرعه في ذلك الوقت يسمى: (وجه غداة)؛ فإذا طلعت الشمس خرجوا من المقامات، وصبح بعضهم بعضا؛ فإذا خرج الطير وصرع في ذلك الوقت شيء يسمى: (وجه صباح) و (وجه مصبح)؛ فإذا كان لهم طائر يدخل الماء ويخرج منه فذلك يسمى: (وجه خوارج) و (وجه رواجع)؛ وأما (وجه العشاء) فهو أن لا يبقى من الطير في الصحراء شيء إلا ويأتي، وهو أوسع الوجوه وقتا.
فإذا خرجوا من (المقامات) باركوا في المصروع و (حملوه).
والتبريك والحمل أن يقول الرجل للطير المصروع: (بارك الله فيك) ثم يرفعه بيده. و (الحمل) يقوم للصارع مقام الشهادة.
(1/307)

والمقامات على قدر ما يقع في الخطة؛ ويقال لمن جاء في آخرها: بطيحة - والوقوف في مقام التحمل على قدر القدمة في الرمي.
ولا يقبل عندهم إلا شهاداتهم؛ والشاطر عندهم من كانت له صروع كثيرة وإحسان ونكت.
والإحسان أن يصرع الرامي طيرين من جفة، أو طيرين من زمزوم، أو طيرين من خمسة، أو من أربعة، أو من ثلاثة، أو أن يصرع (المصطحب): وهو أن يمر به طائران فيصرعهما جميعا.
والنكت هي صراع الأطيار الكثيرة من زمزوم وما أشبهه.
ومن اقترف منهم ذنبا عقد له مجلس: فإذا قطع الحاكم فيه - أي حكم عليه - نزل عن قدمته، ونودي عليه، وهذا هو (الإقعاد).
في ذكر البرز: وبرزنا للرمي ومعنا قسي لا تتشكى معها الأوتار، ولا تزال طالبة للطير بالأوتار؛ في رفقة قد خرجوا في طلق، وإخوان صدق أحدقوا بالملق؛ آثروا التغرب على حب الديار، وبدوا أقمارا طالعة في سحب الغبار؛ في وجوه ما منها إلا ما ليس له شبيه، وعرف بأن يومه ذو الوجهين وهو وجيه. مرة والشمس ما طلعت، ولا سرحت الغزالة في فضاء النهار ولا رتعت؛ ومرة غدا اليوم مع أمس، والتقم المغرب قرص الشمس؛ بينا ترى
الطير سائرة، إذا من عينها بالساهرة؛
(1/308)

وبينما تكون رتعا، إذا بهم في محاريب قسيها ركعا؛ وقد أعددنا معنا من الجراوات كل حمراء تكن موتا أحمر، وتقذف نجوما تظل بها ذوات الأجنحة تقمر؛ وقد أكنت من البندق كل مرمية مرموقة، متفرقة وكلها من طينة واحدة مخلوقة؛ كأنها من حصى الجمار حيث تحذف، أو من شهود الزور - والعجب أن منها الجرح وهي تقذف؛ حتى أخذنا مواضعنا وللطير في الماء مواقع، كأنها من فوقه فواقع؛ فلم تزل حتى نكدنا لطيب عيشنا سرورها، ونقطنا بالبندق سطورها؛ ولم نعد حتى عدم بيننا الإعسار، وأثرينا بما كسبت أيدينا ملء اليمين نحمل قسينا باليسار؛ ولم يك بأسرع مما عاجلنا تلك الصرعى فحصلت، ولم نسأل بأي ذنب قتلت؛ ولم يبق منا إلا من عرف منهجه القويم، وعاد إلى مستقره يروي الحديث عن قديم.
فمن تم تم خلقه، وقدم على الطير المعتد به في الواجب بما أوجبه حقه؛ قد تميز شيده من قاره، وخاض منه النهار في الليل وغالى فيه فعلق برجله ومنقاره؛ حسن في خلقه المستتم، وحق لسناه المشرق أن يسمى بدر التم؛ فرماه ببندقة طال عليه بعدها الأسف، وأسقط عليه بعدها الأسف، وأسقط عليه كسفا وهكذا البدر إذا قابل كرة الأرض انكسف.
ومن كي أرزق الجلباب، قد أطرق إطراق الشروق وخف خفة الشباب؛ كأنه في تخييمه ثمامة، وفي تحويمه غمامة؛ قد مسح بجناحه على الماء، وأكل كل حوت إلا حوت السماء؛ فصوب إليه صائبة أصابه مقتها، ولم تعده لما ألم وقتها.
ومن إوز يمشي مشية المتمايل، ويهتز هزة المتخايل؛ قد تمايل إعجابا، ولبس من بياض ريشه وزرقته سنجابا؛ ينظر النظر الشزر لكثرة الارتقاب، ويلتفت
(1/309)

تلفت الظباء إلا أنها زادت عليها بلين الرقاب؛ فلسعتها عقرب قوسه، وقل لديها أنصاره على كثرة خزرجه لديه وأوسه.
ومن لغلغ رفلت في جلابيب أخواتها، واشتملت على أكثر أدواتها؛ قد تطاير منها رماد عن لهب، وفتنت بعيون أحسن من ذي عين من الذهب؛ تحارب بسحر الحدق، وتشهد - لمشابهتها للترك - أن من قال: (شبيه الشيء منجذب إليه)، صدق؛ فلم يكن بأعجل مما رماها، وصرعها وكانت تظن أنه يتحاماها.
ومن أنيسة قد لبست من كل الألوان، وقل وجودها في كل أوان؛ لا توجد مثلها آنسة، ولا
يلقى شبيهها ظبية كانسة؛ قد أصبحت لا تحدث إلا أخبارها، ولا يخير رام بينها وبين جليل الطير إلا يترك الكل ويختارها؛ فرماها ببندقة ألقتها يديه، وأصابتها في المقتل مع عزتها عليه.
ومن حبرج كأنه زهر روض منمق بين الزروع، أو فارس حرب خرج وعلى أكتافه صدأ الدروع؛ لا يجزع لطول بينه، ولا يخاف إذا سرح أن يصيبه الوتر بعينه؛ كأنه على ذهب يدرج، وإذا ذكر كل جليل كان حقيرا في جنب الحبرج؛ فأقصدته رمية عجل بها الرامي سريعا، فخر لديه صريعا.
وطار عليه نسر قد اصحر على إلف مثله في البيوت، وفر على أنه يسلم ولم
(1/310)

يدر أنه يموت؛ قد شمر فاضل السربال، وأوى إلى الجبل ليعتصم به فلم يعصمه شيء من الجبال؛ عرف لعفافه عن الدماء بالخير، ونسبت إليه القبة المعروفة به فأصبح صاحب القبة والطير؛ لو صارعه كل الباع لصرعه، أو حلق مع أخويه: النسر الطائر والواقع لما طار واحد منهما معه؛ فتصدى له الرامي حتى رماه من قنته، وأخرج ملكه المحجب من قبته.
ثم طارت عليه عقاب من العقبان فتخاء كاسرة، مدرعة حاسرة؛ ما أمت سربا إلا انشعبت، ولا حملت على يد إلا وأضحت ترمي بظل ذي ثلاث شعب؛ قد فتكت بكل طائر حتى لم يدع لها قرنا، وسطت على الظباء فكم أهلكت قرنا. فرماها بحين من بندقه، وأراح منها كل ظبي في كناسه وطائر في أفقه.
ومر على إثرها كركي انسل من خيطه، وأقبل يستن في شوطه؛ كأنما جللته السماء بردائها، أو كسته لون الماء من تساقط أندائها قد شف لونا عن العنبر الورد، وزين الأفق لما حلق في شفقيه بذهب ولازورد؛ فعاجله الرامي في تعرضه، وعاجله ببندقة خر لديها - وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه.
فتبعه غرنوق حسن المجتلا، مقدم على الغرانيق العلا؛ قد أدرع مثل
(1/311)

الزرد، وتوقد ضرمه ثم برد؛ كأنما أطبقت أجفانه على جمر، أو عصر من عنقود الثريا ما أوعاه في مقلته من خمر؛ فأصابه الرامي في جناحه، وعد تحصيله من أول نجاحه.
ثم حلق عليه صوغ كأنه رقيق غيم، أو متدرع بسلخ أيم؛ كأن بقية نرجس بفيه، أو ليل ذر على الصباح بين قوادمه وخوافيه؛ قد أتعب الرامي، وابعد عليه المرامي؛ إلا أن أجله
أعجله، وأتاه على يده ما أجله ولا أجله.
ثم عارض مرزما، وعاين منه مثل نوئه منسجما؛ قد أبرز كميه بين درعيه، وتوقى من الصدر والجناح مصرعيه؛ فظل يدل بما عليه من جوشن مورد، وجؤجؤ عبل عليه درع مزرد؛ فلم يدافع حذارة ما حلق إليه، ولا أقبل إلا ورشاش الدماء عليه؛ فقام إليه على فرقه، ورماه فلم يخط ما بين مغرزه ومفرقه.
ثم استقبله شبيطر بنيته سوية، وآيته في تلقف الثعبان موسوية؛ يأكل الحية ولا يتشكى أوجاعا، ويلقم كل بطل ولا يدع شجاعا؛ قد تقاصر كل جليل عن قدره؛ وألقى جوشنه من جناحيه من وراء ظهره؛ وتلقى بصدره فقعد له وهو مرتفق، وسقاه بصوائبه كأسا منه لم يفق؛ فلما لم يبق إلا انصرافه من مقامه، وعوده بعد بأسائه في الطير وانتقامه.
عن له عناز قد تجلل بذوائبه، وأضاء برقه في جون سحائبه؛ وقد طلع في السواد منه مثل بدره، وتجلبب به إلا ما قل منه عن صدره؛ فتحلى من رياشه بما لم
(1/312)

تجده العفر، وأشرق بياضه في السواد مثل نور هدى في كفر؛ فعجل له باستقباله الحمام، وكان لطيوره التمام.

النوع السادس: طيور مختلفة
الحمام الهدي: وهو الرسائلي. وأجوده الخضر والغر؛ فإذا اسود الحمام حتى يدخل في الاحتراق صار مثل الزنجي الشديد البطش القليل المعرفة. والأبيض وما ضرب فيه البياض لا يجيء من الغاية لضعف قوته؛ وعلى قدر ما يعتريه من البياض يعتريه من الضعف.
ويختار منها كل قصير المنقار، طويل العنق، طويل القوادم من غير إفراط، ولحوق الخوافي بعضهن ببعض، وصلابة القصب من غير انتفاخ ولا يبس، وعظم الفخذين، وقصر الساقين، وغلظ الأصابع، وقصر الذنب، وتوقد الحدقتين، وصفاء اللون.
ويقال فيه: وهو حمام علم منه ما علمت الجوارح، وذلل منه ما ذللت من الخيول الجوامح؛ وأخذت بالتدريج، وانتخب منها كل زوج بهيج؛ ونزلت الأبراج لأنها أمثال النجوم، وحلقت حتى لا تزداد عليها بتحليق البرق الغيوم؛ وجعلت لاستطلاع الأخبار، وعرف بها من العلم ما لم تؤت مثله الأحبار.
في سائر الحمام مما هب وهدر: وشدت الحمائم على تلك الأفنان، وبكت
(1/313)

بكاء آدم وما
أخرجت من الجنان؛ قد نبهت بعد هدر كل نائم، وسلت بعد طول سبات كل هائم؛ تارة يغني وتارة تنوح، وتجمجم ويحق لها أن تبوح.
في القطاة: وكم من قطاة علق بها شرك تجاذبه بجناحها وتغالبه بجماحها؛ لا يرد كدر بها كدر الماء، ولا يبعد عليها ثنائي بهماء، ولا يخفى عليها طريق بر مقفر ولا ما به ماء.
في الحجل: وأخرج من الحجل كل متولجة، وأظهر كل متحرجة، وصاد منها كل مخبلة من شدة الخوف ومبنجة؛ وسبى منها كل ذات حلة دكنا موردة، وكل هيفاء غادة خصورها ممنطقة مشددة.
في الدراج: ومن الدراج كل ذات رداء موقوم، وجلباب كأنه أول شفق فيه لآخر رقوم، طابت طعاما، ولم يعدها الصائد إلا أنعاما.
في الغراب: وهو الذي ينعق بالخراب، ويؤذن بالاغتراب؛ وما زال ينمى له الحين، وينسب إلى الفراق ويقال: غراب البين.
في البط: وقد لبست أحسن الرياش، وأكثرت شق الأنهار فأضحى عليها منه مثل الرشاش؛ قد تتوجت بمثل أجنحة الطواويس، وصفقت بأجنحتها فأشبهت أصوات النواقيس؛ وعقفت أذنابها كأنها أطراف قسي البندق التي تصيبها، ولازمت زرقة الجو مما قل منه نصيبها؛ ورضيت بالعلقة من العلق حبا بالقناعة، ووقفت على فرد رجل زيادة في الطاعة.
في الديك: ووثب على أعلا الجدار، والفجر قد هم بالبدار؛ فصفق بالجناح، وشمر ذيله ليخوض غدير الصباح؛ هذا وقد استشاط والتهب، وصاغ له منقارا من ذهب؛ وجناحه قد حسن تكوينه، وحسب من نوار الربيع تلوينه؛ واختال لما صحت
(1/314)

نقوشه، واعتدل عليه شربوشه؛ وفضل بلا خلاف، وصفت عينه فلم تعد وصف السلاف.
في الدجاج: وقد أشرف من ذلك الدجاج، على مثل قوارير الزجاج؛ من كل مسمرة الدستبان، منها زهر الفول وسائرهن زهر البستان؛ مطعمات لهن بر ممنون، ومتشابهات كأنهن بيض مكنون؛ كأن في أعرافهن نارا تؤجج، وكأن كل دجاجة منهن بطل مدجج؛ يصلح بهن المزاج، ويكتفى في العلاج؛ أجل ما أكل الصحيح والسقيم، وراق الشرب منهن الديباج الرقيم.
(1/315)

الفصل الثالث: في الأمكنة
في مدينة مسورة: وهي مدينة تصرف عنها العين، وتصرف فيها العين؛ وقد أضحت غرة في وجه الدهماء، وأمست في الأرض أخت البلدة التي في السماء؛ قد شد بالسور على خصرها النطاق، ونجم بها طالع الأنجم النفاق؛ ذات أزقة وسيعة، وأدور فيها لمنازل الأقمار وديعة، قد فصلت منطقتها بالبروج، وفضلت على كل بلد حظ ساكنها منها الخروج.
في آثار دمنة: فأصبحت لا ترى إلا آثار مساكنها، ولا تروي إلا أخبار ساكنها؛ قد غدت أطلالا تجر عليها الرياح أذيالها، وتسرح فيها النعام رئالها؛ كأنها لم تكن ملعبا للحبائب، ولا مرأى للربائب؛ قد تجدلت تلك الجدران، وأوقدت بالجوانح ما أطفئ منها من النيران؛ وانتضى عليها البرق سيفه فخر ذلك البناء المشمخر، وضرخ في جنباتها جواد الرعد المسبطر؛ وفرطذلك العقد المنضد، وفصل ذلك العقد المعضد؛ فشكها في خيطه الغمام، وحل فيها عقد صبره
(1/316)

الإلمام؛ فهدت تلك الأركان، وهدمت ما كأن شيئا منها كان؛ فأصبحت تسقى بماء العبرات، وتروى بأجاج لا يرويها العذب الفرات.
في قلعة شاهقة: وهي أي قلعة يقص دونها قوادم النسر، وتعرف بضمها إلى النجوم أن جميع القلاع غيرها مبني على الكسر؛ قد ذلت الرياح عن طرقها، ونزلت الكواكب دون أفقها؛ ومتت إليها البروق بأسباب لم تقطع، وفصل عليها ثوب السحاب لكنه مذ وقع دونها ما توقع؛ قد استعلت على قنة جبل ازداد بها رفعة منار، وأصبح بها - وهو صخر - علما في رأسه نار.
في حصن شاهق محصن: ودونه جبال رفيعة، وأودية منيعة؛ وقد بني على قنة يقع دونها النسر الطائر، ويقنع بدون طيفها الخيال الزائر؛ قد آلت السحب إلا تفرجت عنه فروجها، والشهب إلا ميزت منه بروجها؛ قد أذكى البرق فيه شعله، وغلقت عليه السماء أبوابها المقفلة؛ وأنكرت الشمس فيه الأيام، وخفيت دونه الأهلة فما رئيت إلا في التمام؛ وتمنطقت أسواره بالمجانيق التي حالت العهود، وحلت العقود؛ وهدرت في كل ناحية فنيقها، ونزلت في كل جهة فريقها؛ ورداء أسواره من المقاتلة أسوار، ومن أهل النوب من جرت معهم أطوار؛ وما عملت في صخوره المعاول، ولا دبت نقوبها في المفاصل، ولا نفذت منه المادة ولا انقطع عنه الواصل.
في منازل بلد: وأحدق بذلك البلد، وقطع من نسله كل ما ولد، وحسمت عنه مواد الحلب
حتى قل منه الجلد؛ وضربت حولها الخيام، وكثر عليها القتام؛ ودارت بها العساكر فكانت وشاحا، وأحدقت بها إحداق الأجفان بالعين إلا أنها كانت وقاحا؛ وصبرت على قطع المدد وقطع المدد حتى كادت تلقي بأيديها إلى السلم، وتسقط من الضعف لعدم القوت لا لوجود السقم؛ ثم إن طائفة منهم سلمت بالأمان، وسلمت بالإيمان؛ وطائفة أصرت على الامتناع حتى أخذت قبضا، ووفى السيف منهم فرضا؛
(1/317)

ولو أسلموا سلموا، وهكذا يأخذ الله الذين ظلموا؛ وشب الفريقان، وشب الحريقان؛ فلما التقى الجمعان، وأن الصدعان؛ أتوا وقد غليت مراجل صدورهم، وغلبت سحب المغافر على كوامل بدورهم؛ وألد كل ذي حنق، وجن كل ذي شطن يقطع الحلق؛ وظلل القتام، وطبع الموت فيه على الرقاب بخاتمه طابعا ما يفكه الختام؛ إلا أن العاقبة كانت للمتقين، وكتب لهم النصر - ولله الحمد - قد تحقق عن يقين.
في المسجد والمحراب: وأتى من المسجد بيت العبادة، ودار السعادة؛ وجهه إلى بيت الله الحرام، وميقات الصلاة والإحرام؛ واستقبل المحراب فكان لصدفته درا، وبين أحناء ضلوعه سرا؛ ثم قام وقنت، وأطال متنفلا لم يخشى العنت.
في المنبر: واخضر به عود المنبر، ونظر به إلى من بر؛ وضمخ طيبا، إذ منه ضم خطيبا؛ وأضاء في حلل السواد حتى كان يشرق، واهتز بالندى حتى كاد يورق؛ وأطرب إذ ضرب منه عود تشجي نغماته الفصيحة، ونفح عود يشب بنار تلك القريحة.
في المئذنة: وقد رفعت منها سبابة تتشهد، ومنارة تشهد فيها النجوم لمن يتشهد؛ تسبح فيها بالغدو والآصال رجال، ويعرف بها الأوقات والآجال؛ تذكر القانت في محرابه، وتنبه النائم لما هو أحرى به.
في حي حلول: وشاقه تذكر اللقا، وساقه إلى حي على أيمن النقا؛ فأشرف منه على بيوت قد أشرعت إلى الرياح، وشرعت حولها الرماح؛ وأكنت لياليها السود
(1/318)

أقمارا، وأطلعت أيامها الشموس نهارا؛ ورتعت في جنباتها الجآذر، وصرف عنها صرف الزمان ما يحاذر؛ وانبثت إماؤها في تهيئة الأهب، والاستعداد لليل وصدر النهار ما ذهب؛ وقد حصلت لقرى الضيفان الجفان، وفتكت بذوي الصبابة قبل قواتل السيوف الأجفان؛ وقد أطلت فتية الحي تشد بهم تلك السلاهب، ويتدارك بهم بقية الليل الذاهب؛ وقد قال ولدان الحي: تعالوا - إلى
أن يأتي الصيد - نحطب، ورقبوا الطارق وما نخاله إلا عنقاء مغرب؛ فإذا هم به وقد حط رحله والشمس قد انحطت للغروب، والفتية قد نزلوا من الركوب؛ فبات يعلل على نارهم، ويأخذ في التأهب للرحيل ووده لا يخرج من ديارهم؛ ثم لم يجد بدا من الانصراف، حين ألقى الليل عنه الطراف؛ هذا وخطيب الدجى لم يتمزق أهبه، ولم يشرق دواء الصباح ذهبه.
في مرج أخضر: ونزل بمرج كأنما فرش بإستبرق، وطلع الصباح في ليله المتراكم فأشرق؛ قد اتسع للرائد فيه مدى طرفه، وامتد إلى غايته أمد طرفه؛ واخضر كأنما خلع عليه العذار، وحسن كأنما قبلت به الأعذار؛ وقد نسجت ديباجته الأنواء، وقرطت زمرده الأنداء؛ كأنما عبثت بنسيمه فارات المسك فرضها، أو عرضت عليه فضة الفضاء في تلك الجوانب ففضها؛ وقد طرفه بزهر الربيع أوانه، وضلل عليه قوس السماء فنفضت عليه ألوانه، فما حل في أكنافه إلا من اذكره خضرة العيش، وثبته ومع هذا وثب به الطيش.
(1/319)

في روضة غناء: هذا وهو إلى جانب روضة تولت خيوط الأنواء نسج غلائلها، ورقم خمايلها؛ وتعليق سيوف الجداول من جنباتها المخضرة في خمائلها؛ وقد وشعت مرطها، وحلت إلى الأنداء قرطها؛ ونفضت عليها البكر والأصائل أصباغها، وأطالت عليها ظلال الصباح والعشي إسباغها؛ فجاءت ببدائع الألوان، وأقبلت باكورة تعد من بداية الأوان؟
في شجر بادية: وثم شجر له دواء وما له ثمر، وسمر لا يجتنى منها إلا طرائف السمر؛ وقد جعلت تلك المهامه أدواحا، وكانت لجسوم تلك القفار أرواحا؛ فلم يبق إلا من توقى بها حر الهجير، وتعلق بذمة ظلالها من نار الرمضاء يستجير؛ فأطالت ذماء كل روح، وطابت مقيلا أنست لمفارق الخيام بذي طلوح.
في بر مقفر: واستقبل برا لا تسلك فيه القطا، ولا يستعجل فيه البطا، وقد بعد ما بين جنبيه، وعلقت دون أقصاه المطي فلا تنتهي إليه؛ لو سلكه النجم لضل، أو اقتحمه الريح المتشامخ لذل؛ أو سقته السيارة لما اهتدت إلى الماء ببيت امرئ القيس، أو دليل خالد لما نسب في أمره إلى الكيس؛ لا تعرف فيه اليعافير كيف تتجه، ولا العصافير في أي قطر هي لأمره المشتبه؛ يفني في أقل مداه الزاد والظهر، ويفنى الجديدان: اليوم والليلة، ويقصر المديدان: المقام والشهر.
(1/320)

في مفازة: وقطع مفازة لا يقطعها كل حديد، ولا تذرعها أيدي المطي مثل كل البيد؛ يلوك فيها العارف الحصا خوفا من جفاف فمه، ونشاق ماء حياته ودمه؛ لا يفيد في سلوكها النادم العض على الأصابع، ولا يدري القادم عليها ما الله به صانع؛ لا ينهل فيها الماء المحمول إلا نهلة الطائر، ولا يعلم فيها المنقطع للبس نعله أين يقدم السائر؛ لا يدرك فيها مأمول، ولا يقتل العيس إلا الظلماء والماء فوق ظهورها محمول.
في رمل: ودخل في تلك الرمال فنسفها نسفا، وأوطأها حافرا وخفا؛ ولم يرعه شوامخ تلك الكثبان، ولا لوافح نار الهجير في وجوه الركبان؛ والرمل قد طار شرره، وظهر أثره؛ وسالت في تلك الشعاب أوديته، ولفت في معارف تلك الطرق أرديته؛ وعقدت منه كل عقدة لا تحلها الأنامل، ونسجت من رماله كل شقة لا تفتل خيوطها الأنامل؛ وقد امتنع جانبه فلا يقدر وارد مائه على نهل، ولا يزال يحدث منه عن أبي ذر ويسلكه أبو جهل.
في كثيب: وكم عاجت المطايا على كثيب، وكم عادت على أيمنه وذكرت حاجة كئيب؛ ماجت في الأرض تلك الروادف، ومالت فأمسكتها من الرواجف؛ ونهدت في أعالي بطون تلك الأودية كأنها نهود، ونظمت كاللآليء في أجياد تلك السفوح كأنها عقود؛ وعلت كأنها لتلك المذللة أسنمة، وظلت عن تلك القلل كأنها مسلمة؛ قد امتدت للزلزال أسبابا دون الأوتاد، وعدت من صغار الجبال فكانت لها كالأولاد؛ ودارت نطاقا بذلك الفضاء كأنها مخيمة، وتقاصرت عن مدى الجبال كأنها بغير الثريا مختمة.
في جبل شاهق: وكم دونه من جبل لا يبلغ الطرف أدناه، ولا يقطع النسر المحلق منه إلا دون مناه؛ لا تظن الشمس عليه إلا إكليلا، ولا يرى البدر المعلق في ذاره إلا قنديلا؛ تقع دونه الرياح ظلعا، وتزور النجوم حتى تغدو عيونها حولا ولا تستطيع إليه تطلعا.
(1/321)

في واد عميق: ونزل قرارة واد لا ترى فيه الشمس إلا عند زوالها، والأقمار إلا بعد تمام هلالها؛ لو تهدر إلا مهواته الريح لخر صاعقا، أو الرعد لشق ثوب السحاب ونزل زاعقا.
(1/322)

الفصل الرابع: في المياه ولوازمها
في البحر: والبحر سماء يمشي في مناكبها، ويمتطي كواهل كواكبها؛ أفلاكها الدائرة، فلكها السائرة؛ وملائكتها المسبحة بأسمائها، حيتانها السابحة في مائها؛ تنشأ منه السحائب، ويخرج الدر منه بين الصلب والترائب؛ تجري فيه السفن في موج كالجبال آياته لا
تحتجب، وكله عجب حتى ليس فيه عجب.
في تنكر البحر: وتنكر البحر بعد أصحابه، ونكر معروفه لأصحابه؛ وأقبل عليهم بوجه مكفهر قد قطبه، وخرق في جنب السفينة قد قطبه؛ والريح قد شرد باللجج شردها، والأمواج قد أحكم في التقدير سردها؛ وقد تزاحمت الأفواج، وتلاحمت الأمواج، وتلاطمت الحيتان بعضها ببعض، وقد كشفت الريح البحر حتى كادت تبين قرارة الأرض؛ والخوف متوقع، والموت منتظر ولكن أين حدث في البلقع.
في إصحاب البحر: وقد أصحب البحر بعد امتناع جانبه، وتلوي مجانبه، وتلوي مجانبه؛ وأصحب وكف؛ وغدت السفن كأنها سرر مرفوعة، والقلاع منشورة كأنما السماء بها مرقوعة؛ وقد لان من الرياح ما اخشوشن، وبان البحر لتكسر موجه كأنه لابس جوشن؛ وصفت سريرة مائه وكانت قد تكدرت تكدر الخب، وتسهلت عريكة ريحه، وكانت قد تعسرت عسر الحب. وهو الآن طيع العنان، حسن العيان، كيفما أخذت به أصحب، وانقاد بعدما كان قد استصعب.
(1/323)

في نهر جار: فطنب بجانب نهر يتلوى أرقمه، ويمر النسيم على ديباجه الساذج فيرقمه؛ يروع حصاه حالية العذارى؛ ويظهر صفاء باطنه لظاهره اعتذارا؛ كأنما ذاب فرند في مائه، أو تفرى ليل عن سمائه؛ فجاء بدمع العين، وغسل حتى صدأ البين.
في غدر: وفي تلك الفيح غدران كأنها عشور في مصاحف، ووجوه حسان في بيض ملاحف؛ كل غدير منها كأنه درهم، وكل أتي كأنه يجمع أرقم؛ قد امتدت في ذلك الفضاء، وسالت في إنائها المصوغ من الذهب الأحمر بالفضة البيضاء؛ وقد صقلت عليها الرياح سوالفها، وتذكرت حولها فتية الحي مآلفها؛ وأرخت عليها الرياض خضر برودها، وحامت النفوس الظماء منها على ورودها.
في منهل مورود: ووردنا منه نطفة زرقاء تروي الصدي، وتروي بأقرب سند حديث السحاب من طريق الندي؛ يرشف من حبابها مثل الثغور، ومن رضابها ما تقل به الخمور؛ قد نشرت منه شققا بيضاء وقصرتها الشمس، وحمتها مسافتها البعيدة من اللمس؛ تحدرت من غر طوال الذوائب، ونزلت على صفاء الأرض من صفو السحائب؛ وتولت الريح نفي قذاتها، ونفع شاربيها بدفع أذاتها؛ فكانت مثل صفاء الدمعة، ورقة الشمعة، وثياب أهل
الإيمان البيض يوم الجمعة.
في ماء آجن: ولم تجد الإبل على تحرق أكبادها، وتخرق أكتادها، وامتداد لياليها وأيامها بأوامها، وذهاب مددها، بعطش كبدها، إلا ماء سار من حمأة
(1/324)

كدر، وعلا رأسه المشيب مما بلغ من كبر؛ كأنما صب الزيت على مائه، أو غشي صباح غديره بظلمائه؛ وقد أصبح كأنه نقيع حناء، وبقية ما عل أرقمه من زمان حواء؛ لا تقربه الدواب ولا كثير من الناس، ولا تهون المصيبة به إلا إذا وجد بعد الإياس.
في السفن: وأطار من السفن كل خفيفة الجناح، خفية الجماح؛ تمد من القلوع أجنحة، وتعد من المجاذيف أسلحة؛ تجل أن تقاس بدهم الخيل، أو تشبه نجب قلوعها المنشرة بنهار أو ليل؛ قد اتخذت سماء البحر ميدانا، وحطت على موجة البحر غربانا؛ وشالت انفها تتنسم الأرواح، ومدت كفها وكتب على الماء ما خطت في الألواح؛ فكأن كل واحدة منها على البحر ثوب فيه قصر، وكأن الماء عين محدقة وهو فيها سواد البصر.
في السمك: وثم من عجائب المخلوقات ما يتجاوز طور العقل، ويتجوز فيه أهل النقل؛ ومنها نوع السمك الذي تنوعت مخلوقاته، واجتمعت في البحر متفرقاته؛ وحسن في ذلك المهرق منه تعريف كل نون، واجتلاء كل حسناء كأنها بيض مكنون؛ وتنوع ما يخرج من البحر من ذلك اللحم الطري، وطلوع كل حوت ما يعوزه إلا المشتري؛ وبيان كل بنية كأنما يقشر منها سبيكة فضة، أو تخرج منها جمارة
(1/325)

غضة على انبعاثها في صفحة الماء، وانبثاثها كالنجوم في السماء، وتلببها بأمثال الجواشن، وإطلالها في مثل الخود من تلك الرواشن؛ وتلك الظهور الجؤجؤية، والقمص الؤلؤية؛ والبطون التي كأن لمسها من حرير، والأذناب التي لو سحبت في خطة الأخطل لجرى وراءها جرير.
(1/326)

الفصل الخامس: في الكواكب
في الشمس: وقد طلعت الشمس العائبة، وحال الذهب في تلك البودقة الذائبة؛ وأسفرت تلك المخدرة، وأطلعت تلك الشارقة المنورة؛ وأفلتت من شرك النجوم تلك الغزالة، وأقبلت تحت قناع الشفق وما عليها إلا غلالة.
في الهلال: وقد جرى في تلك اللجج الغزار زورقه، وورثه أصيله أو ورده شفقه؛ وتقوس كأنه حاجب، وانشق كأنه حاجب، وانشق كأنه نون أجادها كاتب.
في القمر: وقد أوقد في الليل ذلك السراج، وزينت قبة الفلك تلك الجامة الزجاج؛ وأتم تمامه، واستدار كأنه هامه - أستغفر الله - بل عمامه.
في النجوم: وقد طفت على ذلك اللج مواقع النجوم، وتفرقت مواقع تلك الأنواء السجوم؛ وقذف ذلك البحر لؤلؤه، وانهد ذلك البازي جؤجؤه؛ ومدت تلك الشبكة، ووقع فيها الحوت فخافت السمكة؛ وقد طعنت أسنتها النوافذ الليل حتى أنهرت فتقه، وهلهلت ثوبه ولولا الحسن لما أظهرت عتقه.
(1/327)

في المجرة: وقد ركد نهر المجرة، وانهار جرفها وصار كل ناحية ذرة، وكأنه حديقة نوار، فصار لما التأم كله أنوار.
في الثريا: والثريا عنقود منور، وقدح مصور؛ وخاتم في بنان حبشي، ونوار في حدائق الصباح والعشي؛ ولم يطل الليل مذ قيس بشبرها، وأحسن ما شبهت بصفحة مهرق رشت عليها الظلماء من حبرها.
في الجوزاء: وقد زادت الجوزاء في الطول، وشالت عصاها على الشول؛ وامتدت كأنها ذراع، وطالت كأنها باع؛ وشدت كأنها طنب ممدود، وانفصلت كأنها جيد محدود؛ وتهدلت فرع، ودرت كأنها ضرع؛ تعرف بين النجوم، وتسفر على البقية وجوم.
(1/328)

الفصل السادس: في الأزمنة
في الصباح: وقد رقت تلك البكر، ووضحت تلك الغرر؛ وحسنت تلك الصبح المسفرة، وأصبحت بها الأيام ضاحكة مستبشرة؛ وقد أخذت مجامع الحسن تلك المبادي، وأولت بيض الأيادي؛ وجليت تلك السماء الفضية، وجليت تلك المرآة التي كانت من بقايا الليل صدية؛ ودبت حمرة الشفق في وجه النهار، وتوقدت جمرة الصباح إلا أنها من نور لا نار؛ وكان انفتاق الضوء في أخريات الليل مثل شجر ياسمين ينفض، وأقبل النهار في شبابه إلا أن شباب النهار أبيض؛ وباكر الصباح بالصبوح، ودفن الهموم والزق لديه مذبوح؛ وشرب على ماء ورد الشفق مثله من المدام، وجاهر النهار ولم يخش الملام.
في شدة الحر: وحمي وطيس الهجير، وقيد الراكب بحبل الشمس مثل الزنجير؛ وود الماشي على الأرض لو وقى قدمه بأم رأسه، والملتظي في ذلك الحر لو وصل الرياح بأنفاسه؛ كأن كل حصاة من جمره تتوقد، وكأن مدى ما بين كل خطوتين ما بين الأرض
والفرقد؛ شموسه السم المذاب، ونطفه العذاب العذاب؛ لا يتمسك له إلا بآل من آل، وذمته من شعلة رمل يشب لها ذبال؛ ألفح من نار العتاب، وأشد لظى في القلوب من فراق الأحباب.
في شدة البرد: واشتد البرد حتى أرق العظام ودقها، وفرق الأجسام وشقها؛
(1/329)

وعجل النافض لمن ود أن تعقبه الحمى، والرعدة حتى فصص الأجسام عظما عظما؛ وفعل في الأبدان ما يفعله الموت في الجمود، وفي المواقد ما يفعل طول المكث من الخمود؛ وترك الريق في الفم لا يذوب؛ والمدعي أنه يقدر أن ينطق لا يظن أنه كذوب.
في الغبوق: وآخر الغبوق حتى خفق جناح الشمس للغروب؛ وانحل مسك المساء حتى كاد في ما ورد الشفق يذوب؛ ثم عب في غبوقه، ووصله بالليل حتى ضرب الشجر ببوقه.
في العشايا: وزاد نحول الأصيل ورق مدامه فكاد وجنح العصر للطفل، واعتل نير النهار إلا أنه ما أفل؛ وقد كادت الشمس تتوارى، وتفتح في روض المغرب نوارا؛ إلا أن دينارها ما سقط؛ وغراب الليل لحب أشعتها ما لقط.
في شدة الظلماء: واشتد الظلام فلم يتوضح غلسه، ولا زنر بالنجوم أطلسه؛ كأنه استعار سواد قلب العاذل، وعرض الغني الممسك عن الباذل؛ قد آلى الصباح أنه فيه ما ينير، وحرن فخيم وقعد على أنه لا يسير.
(1/330)

الفصل السابع: في الأنواء
في الرياح: وصفقت قوادم الرياح، وخفت السفن بها للرواح؛ وخفيت على العيون فما تعرف إلا بخفقها، ولا تشكر صنائع السحب إلا إذا تغاضت لها عن حقها؛ فإنها هي التي تنشئها في السماء، وتنشرها فتبسط جناحها المبلول بالماء؛ لا يعرف مركزها فيتبع، ولا يعرف إلا أنها ما بين اثنين إلى أربع.
في ريح عاصف: ثم استحالت ريحا تدمر كل شيء أتت عليه، وتقتلع دون الجبل المطل كل ما لديه؛ رغت رعودها القواصف، وعنست زعازعها العواصف؛ فلم تدع طريقا ما أنكرت معارفه، ولا ذا رياش ما سلبت مطارفه؛ ولا بحرا لم يصعب جانبه، ويقطع المركب الذي يجر باللبان جاذبه؛ فجأر إلى ربه الربان، ولم يسطع على مجمر البرق العود ولا نفع اللبان.
في السحاب: وأما السحاب فقد تراكمت ضلله، وصبغت المفارق
(1/331)

حلله؛ قد طبق ما بين الشرق والغرب، وأذنت نباله الراشقة بالحرب؛ وكأن دون السماء سماء، وفوق الماء ماء؛ ولم يبق معهم إلى فريق مذهب، ولا لطريق مذهب؛ قد أخذ من كل جانب، وسال بالبحر لا بالمذانب.
في الرعد: وأما الرعد فقد صرخ، ونفخ في أذن السماء حتى انتفخ؛ ولم يظن سامعه إلا أن قد شققت، وأن السحاب قد مزقت؛ وأن الجبال قد دحيت، وأن صورة الوجود قد محيت؛ فترك القلوب واجفة، والأرض راجفة، والظنون لا تستبعد أن تتبعها الرادفة.
في البرق: والبرق قد نبض عرقه، ووضح بين جمة الليل السوداء فرقة؛ وعلقت منه سلاسل من ذهب، وأوقدت مجامر من لهب؛ ولم يظن إلا أن أشهب الصباح قد رقد في أدهم الليل، أو أن عمودا من فضة قد تحدر في صبب السيل.
في نزول المطر والبرد والثلج: وحجبت السماء السحب ثم أخذت في الانسكاب، وجاءت بأفواج المطر: بعضه قد جمد وبعضه قد ذاب؛ وأصبحت صبيحة ليلة والناس بين ماء وطين، وأنواع من ذائب طل ومفتر ثغور وسقيط ياسمين؛ وأصبحت الأرض كلها قارورة، وذيول الأنواء المرفوعة عليها مجرورة، والثلج قد زاد في برد رضابها، والبرق قد أرسل برد أنوائه إلى الآفاق بالرضى بها، والسحاب قد مد خيوطه، والمحل قد أماته الثلج وذر من الكافور حنوطه.
(1/332)

في الآل: قد عب عبابه، وغر سرابه؛ وطبق أطباق الغمام، وانتشر انتشار الظلام؛ وأفعم واديه بالخديعة، وعدم السياسة من ظن أنه الشريعة؛ ولم يطفح نهره إلا بالخراب، ولا أتت القرب لتملأ منه إلا راحت وهي فارغة الجراب.
قال المملي - أجزل الله له الثواب -: وهذا آخره وبتمامه ثم الكتاب؛ وليعذر من وقف عليه، فقد علم الله كيف كان يتلقف قلم الاستملاء، ويتخطفه مسارعة من لسان الإملاء، حتى كتب في غاية الاستعجال، وحسب عند حاضريه مما يجري مجرى الارتجال، لخمود خاطري، وجمود ماطري، وإعراضي عن هذه الصناعة، التي قلت منها البضاعة؛ وعلمت أن إنفاق رأس مالي من العمر فيها كان إضاعة؛ على أنه - وإن لم يكن فيه طائل، عند ذوي الفضائل، فقد لا يقع - لتوسعهم في العلم - موقع النقص لديهم، لعلمهم إذا كسد عندهم
أن قوما له ينفق عليهم.
والله يوفقنا لما هو أصلح، وبفتح علينا - فقد قرعنا بابه - والله يفتح.
(1/333)