Advertisement

__المقاصد من الأمثلة النبوية_



المقاصد من الأمثلة النبوية


د. الأمين محمد محمود الجكني
أستاذ مساعد بكلية الدعوة
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
(
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على النبي الكريم، المبعوث هدى ورحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فمن خلال الاعتناء بالسيرة النبوية ظهر لي أنَّها تشتمل على أسلوب ضرب المثل؛ كما في إنذاره ( في بداية الدعوة لمّا أمره الله تعالى بإنذار عشيرته وجمع قومه، فشجعني ذلك إلى جمع ما أمكن في هذا الموضوع وبيان ما اشتملت عليه الأحاديث من الفوائد والآداب مما لا يجده الباحث في موضوع واحد، وهذا المجال قد صنَّف فيه العلماء، ولكنهم جمعوا فيه الأحاديث المسندة وغير المسندة، وغير الأحاديث مما شاع بين الناس، أو قاله أهل الحكمة، فظهر لي أن أتناول هذا الباب مقتصراً على الأحاديث الصحيحة المسندة، وبيان أقوال العلماء من الشراح والمفسرين في هذه الأحاديث، ومع أنَّ الجمع لها هو أنَّها وردت بصيغة المثل أو التمثيل؛ إلاَّ أنَّها تتناول عدة صور ومقاصد، منها التأكيد على صدق دعوته ( وخوفه على الناس، ونصحهم في التحذير من المعاصي والغلو في الدين، وفي تحريم الغيبة، وبيان حقيقة الدنيا وأنَّها دار الغرور والمتاع القليل، وبيان حقيقة المسلم والمهاجر، وقرب الجنة والنار، ومثال توحيد الله تعالى والصلاة والصوم والصدقة، وأثر الصلاة في محو الذنوب، والمثال لتصويرها وتقريب معانيها وتأكيد الحقائق وترسيخها من صورة المعقول إلى المحسوس، وذلك لإفهام المخاطبين لعلهم يتذكرون.
وقد اعتمدت على الصحيحين والسنن وغيرها من كتب الحديث، وكتب الشروح، والتفسير، وكتب الأمثال، وحرصت على الاختصار في التوثيق، حيث أكتفي بتوضيح موضع الحديث مفصّلاً من أحد الصحيحين، ثم أقتصر على مواضعه الأخرى بالإشارة إلى الكتاب ورقم الباب.
وسميت البحث (المقاصد من الأمثلة النبوية) وهو يشتمل على مقدمة وواحد وعشرين مطلباً، ثم الخاتمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ونسأله التوفيق والعفو عن كل خطيئة وزلل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المَثَل-بفتح الميم- تشابه المعاني المعقولة. والمِثْل - بكسر الميم وسكون الثاء- تشابه الأشخاص المحسوسة(1).
قال الراغب: المُمَثّل: المصوّر على مثال غيره.
والمَثَل: قولٌٍ في شيءٍ يشبه قولاً في شيءٍ آخر بينهما مشابهةٌ؛ لِيُبَيِّن أحدُهما الآخر ويصوِّرَه؛ نحو قولهم: الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ، فإنَّ هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال.
والمثل: يقال على وجهين:
أحدهما: بمعنى المِثْل، نحو: شِبْهٍ، وشَبَهٍ.
والثاني: بمعنى المشابهة لغيره في معنى من المعاني، أيّ معنىً كان، وهو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة(2).
وقد ضرب الله تعالى في كتابه الأمثلة في آيات كثيرة(3) كما قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ((4)وضرب النبي ( الأمثال، فقد روي أيضاً عن عبد الله بن عمر أنَّه قال: حفظت عن رسول الله ( ألف مثل. ولم يصح. ولم أر أحداً من أهل الحديث صنَّف فأفرد لها باباً غير أبي عيسى ولله درّه، لقد فتح باباً أو بنى قصراً أو داراً، ولكن اختط خطاً صغيراً فنحن نقنع به ونشكره عليه، وجملة ما ذكر أربعة عشر حديثاً.
وفي الأصل المثلات، واحدها مثلة، وهي الأشباه والأمثال... ويأتي التمثيل بمعنى التصوير والتشبيه(5)، كما يأتي ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى أفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه(6).
ويعتبر التمثيل أيضاً أسلوباً من الأساليب في تأكيد الحقائق وترسيخها، وجعل المعقول كالمحسوس(7).
الغلو: الارتفاع وتجاوز الحد في كل شيء، يقال ذلك في التنطع في الدين، وكثرة الصداق، وفي السعر، وفي القَدْر والمنزلة، وفي السهم(8).
قال تعالى: (لاَتَغْلُوا فِي دِينِكُم((9)، وفي الحديث: (إيَّاكم والغلو في الدين) (10).
والغلوّ في الدين: هو التشدد فيه ومجاوزة الحد، وقيل: معناه: البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبَّداتها. ومنه الحديث: (وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه)(11)؛ إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ من أخلاقه وآدابه التي أُمِر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوسطها(12).
وقد ورد عن النبي ( بيان أحوال الخوارج ومروقهم من الدِّين مروق السهم من الرميَّة(13). وذكر العلماء رحمهم الله تعالى الفوائد من هذه الأحاديث، ومنها:
ذمّ الخوارج وشدة بدعتهم لتكفيرهم المسلمين والانشغال بقتالهم واستباحة دمائهم، وتركهم قتال أهل الذمة، وهذا كلّه من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبلٍ وثيقٍ من العلم، وكفى أنَّ رأسهم ردَّ على رسول الله ( أمره، ونسبه إلى الجور نسأل الله السلامة.
ومن الفوائد: أنَّ قتالهم أولى من قتال المشركين، والزجر عن الأخذ بظواهر جميع الآيات القابلة للتأويل التي يفضي القول بظاهرها إلى مخالفة إجماع السلف، والتحذير من الغلوّ في الديانة والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع، وقد وصف الشارع الشريعة بأنَّها سهلة سمحة(14).
وفي حديث عبد الله بن عمرو: (إنَّ هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإنَّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).
أخرجه أحمد والبزار عن جابر(، وصوب إرساله، وله شاهد في الزهد لابن المبارك عن عبد الله بن عمرو موقوفاً(15).
و(المُنْبَتُّ)-بنون ثم موحدة ثم مثناة ثقيلة- أي: الذي عطب راحلته وهي مركوبه من شدّة السير، مأخوذة من البتّ وهو القطع، أي: صار منقطعاً، وبقي في طريقه عاجزاً لم يصل إلى مقصوده، ولم يقض وَطَره، وقد أعطب ظهره، وفقد مركوبه الذي كان يوصله لو رفق به(16).
وقال الهروي: شُبِّهَ بالمجتهد في العبادة حتى يتحسّر(17).
وقوله: (أوغِلُوا) - بكسر المعجمة- من الوغول في الشيء والسير فيه والإمعان، والمراد: سر فيه برفق، وابلُغ الغاية القصوى منه بالرفق، لا على سبيل التهافت والخُرق، ولا تحمل على نفسك وتكلّفها ما لا تطيق فتعجز وتترك الدِّين والعمل(18).
وهذه الأحاديث النبوية في الحث على الرفق في الدين والتسديد والمقاربة والتيسير هي في الواقع متفقة مع الآيات الكريمة الموضحة أنَّ الله تعالى لا يكلف نفساً إلاَّ وسعها، ومعنى هذا: أنَّ المتشدِّد والمتنطع والذي يكلّف نفسه من العبادة قد زين له الشيطان وهواه ذلك، وأنساه طاقة وطبيعة نفسه البشرية، وأضله بجعله يظنّ أنَّه أعرف بنفسه وأحرص على مصلحتها من الله تعالى، ولكن سيظهر بعد حين أنَّه أرهق نفسه وشقّ عليها، فإمَّا أن يستمرّ مع شعوره بالملل، وإمَّا أن يتراجع مرتداً ومقصراً ومتحسراً.
وهذا الحديث استشهد به الحافظ رحمه الله تعالى في شرح الأحاديث الواردة في صحيح البخاري في باب القصد والمداومة على العمل، وأوضح أنَّ المقصود بالقَصْد-بفتح القاف وسكون المهملة-: هو سلوك الطريق المعتدلة واستحباب ذلك، وقد فسروا السداد بالقصد.
وذلك في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله ( قال: (سَدِّدُوا وقاربوا، واعلموا أن لن يُدخِل أحدكم عمله الجنّة، وأنَّ أحبَّ الأعمال أدومها إلى الله وإن قلّ) (19).
ومعنى (سدِّدوا) اعملوا واقصدوا بعملكم السداد، أي: الصواب واتباع السنة من الإخلاص وغيره ليقبل عملك، فينزل عليكم الرحمة.
(وقاربوا) أي: لا تُفْرِطُوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة؛ لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا(20).
قوله في الحديث: (وشيء من الدلجة)(21) إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة وهو الموافق للترجمة، وعبّر بما يدلّ على السير؛ لأنَّ العابد كالسائر إلى محلّ إقامته، وهو الجنّة(22).
قال الهروي: الغلو في العمل سيئة، والتقصير عنه سيئة، والحسنة بينهما وهو القصد(23).
وقوله: (وأنَّ أحبّ الأعمال أدومها إلى الله وإن قلّ) الحكمة في ذلك: أنَّ المديم للعمل يلازم الخدمة فيكثر التردد إلى باب الطاعة كل وقت ليجازى بالبر لكثرة تردده، فليس هو كمن لازم الخدمة مثلاً ثم انقطع، ومن ثمّ ورد الوعيد في حق من حفظ القرآن ثم نسيه، والمراد بالعمل هنا الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات(24).
عن أبي موسى ( قال: قال رسول الله (: (مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قوماً فقال: رأيت الجيش بعيني وإنِّي أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فصبّحهم الجيش فاجتاحهم)(25).
(مَثَلي)-بفتح الميم والمثلّثة- والمثل: الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب والتفهيم.
(بعيني) ذكر العينين إرشاداً إلى أنَّه تحقق عنده جميع ما أخبر عنه تحقق من رأى شيئاً بعينه لا يعتريه وهم ولا يخالطه شك(26).
(وإنِّي أنا النذير العريان) ضرب بالعريان المثل في تحقيق الخبر(27)...
قال النووي: قال العلماء: أصله أنَّ الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخالفة نزع ثوبه وأشار به عليهم إذا كان بعيداً منهم؛ ليخبرهم بما دهمهم ويبقى عريانًا، وأكثر ما يفعل هذا ربيئة القوم، وهو طليعتهم ورقيبهم، وقالوا: وإنَّما يفعل ذلك؛ لأنَّه أَبْيَن للناظر وأغرب وأشنع منظراً عند المبصر، ويكون على مكان عالٍ، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو، وقيل: معناه: أنا النذير الذي أدركني جيش العدو فأخذ ثيابي فأنا أنذركم عرياناً(28). والأصل فيه: أنَّ رجلاً لقي جيشاً فسلبوه وأسروه فانفلت إلى قومه فقال: إنِّي رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عرياناً فتحققوا صدقه؛ لأنَّهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا بصدقه لهذه القرائن، فضرب النبي ( لنفسه ولما جاء به مثلاً بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقه؛ تقريباً لإفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه(29).
ويؤيده ما أخرجه الرامهرمزي في [الأمثال](30) وهو عند أحمد أيضاً بسند جيد من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ( قال: (خرج النبي ( ذات يوم فنادى ثلاث مرات: أيها الناس مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً أن يأتيهم فبعثوا رجلاً يترايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو، فأقبل لينذر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه أيها الناس أتيتم ثلاث مرات)(31).
وأحسن ما فسر به الحديث من الحديث، وهذا كلّه يدلّ على أنَّ العريان من التعرّي وهو المعروف في الرواية.
قوله: (فالنجاء النجاء) أي: اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب، إشارة إلى أنَّهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش.
قال الطيبي: في كلامه أنواعٌ من التأكيدات: أحدها: (بعين)، ثانيها: (وإنِّي أنا)، ثالثها: (العريان)؛ لأنَّه الغاية في قرب العدو؛ ولأنَّه الذي يختص في إنذاره بالصدق(32).
(فأطاعته طائفة) أي: بعض القوم.
(فأدلجوا)- بهمزة قطع ثم سكون- أي: ساروا أوَّل الليل، أو ساروا الليل كلّه على الاختلاف في مدلول اللفظة(33).
(على مهلهم)-بفتحتين- والمراد به الهينة والسكون، -وبفتح أوَّله وسكون ثانيه- الإمهال، وليس مراداً هنا(34).
وقال النووي: في جميع نسخ مسلم: (مُهُلتهم)-بضم الميم والهاء-(35).
(وكذبته طائفة) قال الطيبي: عبّر في الفرقة الأولى بالطاعة، وفي الثانية بالتكذيب؛ ليؤذن بأنَّ الطاعة مسبوقة بالتصديق، ويشعر بأنَّ التكذيب مستتبع بالعصيان.
(صبّحهم الجيش) أي: أتاهم صباحاً، هذا أصله، ثمّ كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغتةً في أي وقتٍ كان.
(فاجتاحهم)-بجيم ثم حاء مهملة- أي: استأصلهم من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته، والاسم الجائحة وهي الهلاك، وأطلقت على الآفة لأنَّها مهلكة(36).
قال الطيبي: شبه ( نفسه بالرجل وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبّه من أطاعه من أمته ومن عصاه بمن كذب الرجل في إنذاره ومن صدقه.
وعن أبي هريرة ( أنَّه سمع رسول الله ( يقول: (إنَّما مثلي ومثل الناس كرجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يَزَعُهنَّ ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذٌ بحُجَزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها)(37).
(استوقد) بمعنى أوقد وهو أبلغ، والإضاءة فرط الإنارة(38).
(الفراش) الحق أنَّه نوعٍ من الطير مستقلٌ له أجنحةٌ أكبر من جثته، وأنواعه مختلفة في الكبر والصغر، وكذا أجنحته.
(يَزَعُهنَّ)-بفتح التحتانية والزاي وضم العين المهملة- أي: يدفعهنَّ(39).
(فيقتحمن) أي: يدخلن، وأصله من القحم وهو الإقدام، والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت(40).
وفي الحديث ما كان فيه ( من الرأفة والرحمة والحرص على نجاة الأمة كما قال تعالى: (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ((41).
(بحُجَزِكم)-بضم المهملة وفتح الجيم بعدها زاي- جمع حجزة وهي معقد الإزار والسراويل(42).
(عن النار) وضع المسبب موضع السبب؛ لأنَّ المراد أنَّه يمنعهم من الوقوع في المعاصي التي تكون سبباً لولوج النار.
وفيه إشارة إلى أنَّ من أخذ رسول الله ( بحجزته لا اقتحام له فيها.
(وأنتم تفلتون)-بفتح أوَّله والفاء واللاَّم الثقيلة- وأصله تنفلتون، -وبضم أوَّله وسكون الفاء وفتح اللامَّ- ضبطوه بالوجهين وكلاهما صحيح، تقول: تفَلَّت مني، وأفلت مني، لمن كان بيدك فعالج الهرب منك حتى هرب(43).
وحاصل هذا التمثيل أنَّه شبه تساقط وتهافت الجاهلين والمخالفين أصحاب الشهوات في المعاصي التي تكون سبباً في الوقوع في النار بتهافت وتساقط الفراش بالوقوع في النار اتباعاً لشهواتها، وشبه ذبّه العصاة عن المعاصي بما حذرهم به وأنذرهم بذبّ صاحب النار الفراش عنها(44).
وقال عياض: شبه تساقط أهل المعاصي في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا(45).
(تقتحمون فيها) عند مسلم (فيغلبونّي) النون مثقلة لأنَّ أصله فيغلبونني، والفاء سببية، والتقدير: أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم من النار، فجعلتم الغلبة مسببة عن الأخذ.
قال الطيبي: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: (ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ((46)، وذلك أنَّ حدود الله محارمه ونواهيه، كما في الحديث الصحيح: (ألا إنَّ حِمى الله محارمه) ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذّاتها وشهواتها، فشبه ( إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستنقاذ الرجال من النار، وشبه فشو ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف، وتعديهم حدود الله وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم بالفراش التي تقتحمن في النار وتغلبن المستوقد على دفعهنّ عن الاقتحام، كما أنَّ المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سبباً لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لترديهم.
وفي قوله: (آخذ بحجزكم) استعارة، مثّل حالةَ منعه الأمة عن الهلاك بحالة رجل آخذ بحجزة صاحبه الذي يكاد يهوي في مهواة مهلكه(47).
لا ريب أنَّ للجليس أثر على من يجالسه إمَّا بخير إن كان صالحاً، وإمَّا بشرٍّ إن كان فاسداً والعياذ بالله تعالى، وقد أشار القرآن الكريم إلى معاتبة الإنسان نفسه على مصاحبة أهل السوء؛ لما حدث له بسببهم من انشغاله عن طاعة الله تعالى، وارتكابه الذنوب، والأشد من ذلك الكبائر الموبقات وما يترتب عليها في الوقوع مما هو أشدَّ منها، نسأل الله تعالى العافية والسلامة لنا ولجميع المسلمين.
قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَِيلاً* يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولاً((48).
وقد ضرب رسول الله ( مثلاً واضِحاً للجليس كما رواه البخاري وغيره عن أبي موسى ( قال: قال رسول الله (: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدَمُك من صاحب المسك إمَّا تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثةً) (49).
من تأمَّل الحديث يدرك الهدي النبوي والبلاغة في اشتمال الحديث على جوامع الكلم وضرب الأمثال بصورة في منتهى الإيضاح والدقة وبيان المقاصد الحقيقية؛ ممّا يجب على الإنسان من الحذر من الأصحاب والجلساء في كل زمان، وخاصة في هذا الزمن الذي زادت فيه الفتن والحركات والجماعات بمختلف المسميات والصفات، وأصبح من الأسلم أن يقلل الإنسان من الأصحاب، ويتحرى في مجالسة الأخيار أهل التقوى والعلم والأدب والخلق الحسن، ولا يشغل جميع وقته معهم، وإنَّما بالقدر المناسب الذي يحقق الأنس والسعادة، ثم يشغل وقته بالمداومة على قراءة كتاب الله الكريم والحرص على حفظ ما يتيسر، ومطالعة كتب الحديث والتفسير؛ لينفع نفسه ويقف على مقاصد الشريعة.
(كِير الحداد)-بكسر الكاف بعدها تحتانية ساكنة- وحقيقته البناء الذي يركب عليه الزق، والزق هو الذي ينفخ فيه، فأطلق على الزق اسم الكير مجازاً لمجاورته له، وقيل: الكير هو الزق نفسه، وأمَّا البناء فاسمه الكور(50).
وفي الحديث النهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا(51)، ومن ذلك مرتكب المعاصي بشتى صورها وخاصة الكبائر، ومن لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر، وصاحب الغيبة والنميمة، ومن عرف بالكذب والبهتان، والتنطع والتشدد، وتفسيق المسلمين، مثل الخوارج ومن كان على شاكلتهم وفكرهم وهواهم وجهلهم وعداوتهم، ومن اشتغل بكشف أخطاء المسلمين وعوراتهم وسبهم وسوء الظنَّ بهم وحسدهم والحقد عليهم وتحقيرهم، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة القبيحة.
وفي الحديث الترغيب في مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب ومن ينتفع بمجالسته فيهما(52)، مثل الذي يعين على طاعة الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينصح أخاه المسلم إذا صدر منه خطأ أو تقصير.
وروي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قوله: لا تجالس مفتوناً فإنَّه لاتخطئك منه إحدى خلتين: إمَّا أن يفتنك فتتابعه، وإمَّا أن يؤذيك قبل أن تفارقه. وكذلك قول أبي قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإنَّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون(53).
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)(54).
قيل: خص المهاجر بالذكر تطييباً لقلب من لم يهاجر من المسلمين لفوات ذلك بفتح مكة، فأعلمهم أنَّ من هجر ما نهى الله عنه كان هو المهاجر الكامل، ويحتمل أن يكون ذلك تنبيهاً للمهاجرين ألا يتكلوا على الهجرة فيقصروا في العمل.
وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها ( والله أعلم(55).
وبالتأمل في لفظ الحديث يظهر بكلّ وضوح شدّة نصح رسول الله ( لأمته، حيث أكّد لهم أنَّ المسلم مع كونه هو المؤمن بأركان الإسلام والإيمان فهو كذلك لا ينبغي له أن يؤذي المسلمين بأي نوعٍ من الأذى بالبطش والظلم والحسد والمكر والكذب والسب والشتم والهجر في غير محله وبدون القواعد والآداب الواردة في القرآن والسنة، فيجب على المسلم أن يكون حريصاً على كلّ أسباب الودّ والألفة مع أخيه المسلم حتى لو أخطأ خطأً متفقاً عليه يبقى له جميع حقوق الإسلام، ولا يجوز أن يؤذى بأي فحشٍ من غبيةٍ أو بهتانٍ أو التعرض له في المجالس، هذه هي تعاليم القرآن والسنة، وكلّ إنسان مؤاخذ بوزره، ومن تسبب في إيذاء المسلمين بجرحٍ أو تنقيصٍ أو تبديعٍ أو تفسيقٍ أو تشهيرٍ سينال وزر عمله و وزر من تبعه في ذلك،فكيف إذا كان هذا الأذى نابعٌ من اختلاف وجهات النظر، وعدم الاقتناع بما يراه الآخر أو لايهتم به أصلاً، ولا يلقي له بالاً؛ لأنَّ بعض علماء المسلمين يقولون بجوازه، ومن العلم والأدب والعدل أنَّ المرء كما يكره أن يُجْبَرَ على ما يخالفه، فعليه أن يكره أيضاً أن يُجْبِرَ غيره على موافقته، وإلاَّ اتهمهم وشهّر بهم، فالأجدر أن يُسلّم نفسه ويسلِّم الآخرين منه، ولا مانع من النصح بالحكمة والموعظة الحسنة لبيان ما يراه صواباً.
لقد حث الإسلام أتباعه على اتخاذ جميع أسباب القوة التي من شأنها أن تجعلهم أقوياء قادرين على مواجهة الفتن والمحن، ومن تلك الأسباب: التواضع والتقارب كما في قول الله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ((56)، قيل: مرصوص بالرصاص، وقيل: من رصصت البناء إذا لاءمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعةٍ واحدةٍ(57).
وهذا كله إشارة إلى ضرورة اتخاذ كلّ السُّبُل لتوثيق وتقريب الصلة بين المسلمين، ونبذ كبّ الطرق والأهواء والآراء الشخصية التي تؤدي إلى الفرقة بينهم؛ لما في ذلك من الأجر والثواب، والقوة في مواجهة الأعداء والفتن، فكما أنَّ تراص البنيان وتقاربه يسد ضعف بعض أجزاء البنيان أو ما يعتريه من خلل، فكذلك الألفة والمحبة والتراحم والتعاون والتناصح يسدّ الخلل الذي قد يحدث من خطأ وتقصيرِ بعضِ المسلمين، ويساعد في إصلاحه ومعالجته مما يشجعهم على التصدي لعدوهم الحقيقي، أمَّا أسباب التنازع فإنَّها تؤدي إلى الفشل كما قال الله تعالى: (ولاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ((58).
فما أحوج المسلمين اليوم إلى التراص والتقارب ومعرفة العدو الحقيقي المتربصّ بهم وبدينِهم الحنيف.
عن أبي موسى( عن النبي ( قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ثم شبّك بين أصابعه)(59).
عن النعمان بن بشير( قال: قال رسول الله(: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(60).
وفي رواية: (المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كلّه وإن اشتكى رأسه اشتكى كله)(61).
قال ابن بطال: والمعاونة في أمور الآخرة وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها، وقد ثبت حديث أبي هريرة (: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) (62).
(ثم شبك بين أصابعه) هو بيان لوجه التشبيه أيضاً، أي: يشد بعضهم بعضاً مثل هذا الشد، ويستفاد منه أنَّ الذي يريد المبالغة في بيان أقواله يمثلها بحركاته ليكون أوقع في نفس السامع(63).
قال النووي: ((هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه، وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام))(64).
قوله (: (تداعى له سائر الجسد) أي: دعا بعضه بعضاً إلى المشاركة في ذلك، ومنه قوله: تداعت الحيطان أي: تساقطت أو قربت من التساقط(65).
هذه الأوامر النبوية هي الوحي، وهي مظاهر الرحمة والعطف وكل خير، ومن ذلك بيان ما يجب في كل حال وخاصة عند المرض والألم، ومن أوجه المرض والألم وقوع المسلم في الخطأ المتفق عليه، فهنا يجب أن يزداد التعاون والتراحم والتعاطف حتى لو أصر على خطئه؛ لأنَّ ذلك أقرب إلى جعله يشعر بقوة رابطة الإسلام والإيمان، ولم ترد في القرآن ولا في السنة، وها هو سيدنا ونبينا ( يأمر بكل خير من الصلة والتعاون لتقوية الفرد والمجتمع، بينما هناك من يدعون إلى الفرقة بين المسلمين مستندين إلى أنَّ المسلم قد وقع في معصية أو خطأ، ولكن ما هي حقيقة هذه المعصية وهذا الخطأ، وإن كان صحيحاً هل المصلحة تقتضي تركه وإظهار العبوس والغضب له حتى لا يرجع عن الخلل الذي وقع فيه مع ما في ذلك من زيادة الفرقة بين المسلمين، وشماتة الأعداء والحاقدين وسعادتهم وهم ينظرون إلى انشغال المسلمين بعضهم ببعض، ويتربصون الفرصة المناسبة بحيث يكون من الصعب تدارك الأمر، وقد فات الأوان، نسأل الله تعالى أن يجازي خيراً كلّ من امتثل القرآن الكريم وسنة النبي (، وهدى الله من أخطأ في اجتهاده وآثر الانشغال بما فيه ضعف المسلمين.
أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب الغيبة(66). وقوله تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابُُ رَّحِيمُُ((67).
هكذا اكتفى بذكر الآية المصرحة بالنهي عن الغيِبَة، ولم يذكر حكمها كما ذكر حكم النميمة وجزم بأنَّها من الكبائر(68).
وحدّ الغيبة قال الراغب: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوجٍ إلى ذكر ذلك(69).
وقال ابن الأثير في النهاية: هي أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه، فإذا ذكرته بما ليس فيه فهو البهت والبهتان(70).
وقال النووي في الأذكار تبعاً للغزالي: ذكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خُلُقه أو خَلْقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسه أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز.
وقال النووي في الأذكار: الغِيبَة والنميمة محرّمتان بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت الأدلّة على ذلك(71).
ونقل أبو عبد الله القرطبي في تفسيره الإجماع على أنَّها من الكبائر؛ لأنَّ حدّ الكبيرة صادق عليها؛ لأنَّها مما ثبت الوعيد الشديد فيه(72).
وقد ورد في [الأدب المفرد] وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة ( في قصة ماعز ورجمه في الزنا: ( وأن رجلاً قال لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رُجِم رَجْم الكلب، فقال لهما النبي (: كُلاَ من جيفة هذا الحمار-لحمار ميت- فما نلتما من عرض هذا الرجل أشد من أكل هذه الجيفة)(73).
وأخرج أحمد والبخاري في [الأدب المفرد] بسندٍ حسنٍ عن جابرٍ ( قال: كنا مع النبي ( فهاجت ريحٌ منتنة. فقال النبي (: (هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)(74).
وهذا الوعيد في هذه الأحاديث يدل على أنَّ الغيبة في أمور الدين والدنيا من الكبائر(75)، وكلّ مؤمن يكره أن يذكر في دينه أشدّ مما يكره أن يذكر في بدنه(76).
وكما أنَّ الغِيبَة مذمومة في حقِّ الحيَّ، فهي كذلك في حقِّ الميت؛ لأنَّه قد أفضى إلى عمله، وإن كان مخطئاً أو مقصِّراً أو حدثت منه عبارةٌ غير لائقةٍ أو زلّة لسانٍ فإنَّه لا أحد يعلم هل ختم الله له بالخير، ولا بأس بالتنبيه على موضع الخطأ والسوء، والنصيحة بالحسنى بدون ذكر الإنسان وتعيينه؛ لأنَّ المقصود هو التحذير من الخطأ في قوله، والمسلم المخطئ إذا مات فهو أحوج إلى الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وهذا هو أَحد المقاصد من الصلاة على الميت، والأولى بالمسلم أن يستغفر الله لنفسه ولجميع المسلمين الأحياء والأموات، قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ((77).
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ( يقول: (إنَّما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة)(78).
والمعنى: لا تجد في مائة من الإبل راحلة تصلح للركوب؛ لأنَّ الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئاً سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه، ويلين جانبه(79).
قال الخطابي(80): تأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما: أنَّ الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريفٍ على مشروفٍ، ولا رفيعٍ على وضيعٍ كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة وهي التي ترحل لتركب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة، أي: كلها حمولة تصلح للحمل ولا تصلح للرحل والركوب عليها.
والثاني: أنَّ أكثر الناس أهل نقص، وأمَّا أهل الفضل فعددهم قليل جداً، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة، ومنه قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ((81)، وقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ((82).
قال الحافظ: وأورد هذا الحديث في [كتاب القضاء] في تسوية القاضي بين الخصمين أخذاً بالتأويل الأوَّل.
ونقل عن ابن قتيبة: أنَّ الراحلة هي النجيبة التامة الخلق، الحسنة المنظر، المختارة من الإبل للركوب والرحل، فإذا كانت في إبل عرفت، ومعنى الحديث: أنَّ الناس متساوون ليس لأحدٍ منهم فضلٌ في النسب بل هم أشباه كالإبل المائة التي لا راحلة فيها، فهي مستوية(83).
وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الذكر النجيب والأنثى النجيبة، والهاء في الراحلة للمبالغة، قال: وقول ابن قتيبة غلط، والمعنى: أنَّ الزاهد في الدنيا الكامل الراغب في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل(84).
وقال النووي: هذا أجود، وأجود منه قول آخرين: إنَّ المرضي الأحوال من الناس الكامل الأوصاف الحسن المنظر القوي على الأحمال والأسفار قليل(85).
قال الحافظ: هو الثاني، إلاَّ أنَّه خصصه بالزاهد، والأولى تعميمه(86).
وقال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أنَّ الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة.
وقال ابن بطال: معنى الحديث أنَّ الناس كثير، والمرضي منهم قليل، وإلى هذا المعنى أومأ البخاري بإدخاله في (باب رفع الأمانة)؛ لأنَّ من كانت هذه صفته الاختيار عدم معاشرته.
وأشار ابن بطال إلى أنَّ المراد بالناس في الحديث من يأتي بعد القرون الثلاثة: الصحابة والتابعين وتابعيهم، حيث يصيرون يخونون ولا يؤتمنون(87).
عن عبد الله بن مسعود ( قال: قال النبي( : (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)(88).
(شراك) هو السير الذي يدخل فيه إصبع الرجل، ويطلق أيضاً على كل سير وقى به القدم.
قال ابن بطال: فيه أنَّ الطاعة موصلة إلى الجنة، وأنَّ المعصية مقربة إلى النار، وأنَّ الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء، وورد في هذا المعنى حديث: (إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة) الحديث. فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنَّه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها.
وقال ابن الجوزي: معنى الحديث: أنَّ تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية(89).
عن أبي هريرة ( عن النبي ( قال: (بُعثت أنا والساعة كهاتين، يعني إصبعين)، وفي الباب عن سهل وعن أنس(90).
المراد بالساعة هنا يوم القيامة، والأصل فيها قطعة من الزمان ...
وفي رواية سفيان: (وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى)(91).
وفي رواية أبي ضمرة عن أبي حازم عند ابن جرير: (وضم بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، وقال: ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان)، ونحوه في حديث بريدة بلفظ: (بعثت أنا والساعة، إن كادت لتسبقني). أخرجه أحمد (92) والطبري وسنده حسن(93).
وفي حديث المستورد بن شداد: (بعثت في نَفَس الساعة سبقتها كما سبقت هذه لهذه. لأصبعيه السبابة والوسطى) أخرجه الترمذي والطبري(94).
وقوله: (في نَفَس)-بفتح الفاء- وهو كناية عن القرب، أي: بعثت عند تنفسها وقد حان قيامها وقرب، إلاَّ أنَّ الله أخرها قليلاً(95).
وقيل معناه: أنَّه جعل للساعة نَفَساً كنفس الإنسان، أراد: إنِّي بعثت في وقت قريب منها أحسّ فيه بنفسها، كما يُحس بنفس الإنسان إذا قرب منه، يعني بُعثت في وقت بانت أشراطها فيه وظهرت علاماتها(96).
ومثله في حديث أبي جَبِيرة-بفتح الجيم وكسر الموحدة- الأنصاري عن أشياخ من الأنصار، أخرجه الطبري، وأخرجه أيضاً عن أبي جَبِيرة مرفوعاً بغير واسطة بلفظ آخر.
وأخرج الطبري من حديث جابر بن سمرة (: (كأنِّي أنظر إلى أصبعي رسول الله ( أشار بالمسبحة والتي تليها وهو يقول: (بعثت أنا والساعة كهذه من هذه)). وفي رواية وجمع بين أصبعيه السبابة والوسطى).
والمراد بالسبابة-وهي بفتح المهلمة وتشديد الموحدة- الأصبع التي بين الإبهام والوسطى، وهي المراد بالمسبحة، سميت مسبحة لأنَّها يشار بها عند التسبيح وتحرّك في التشهد(97) عند التهليل إشارة إلى التوحيد، وسميت سبّابة؛ لأنَّهم كانوا إذا تسابوا أشاروا بها(98).
قال عياض وغيره: أشار بهذا الحديث على اختلاف ألفاظه إلى قلة المدة بينه وبين الساعة، والتفاوت إما في المجاورة وإما في قدر ما بينهما(99)، ويعضده قوله: (كفضل أحدهما على الأخرى).وقال بعضهم: هذا الذي يتجه أن يقال، ولو كان المراد الأوَّل لقامت الساعة لاتصال إحدى الأصبعين بالأخرى(100).
قال ابن التين: اختلف في معنى قوله: (كهاتين) فقيل: كما بين السبابة والوسطى في الطول، وقيل: المعنى ليس بينه وبينها نبي.
وقال القرطبي في [المفهم]: حاصل الحديث تقريب أمر الساعة وسرعة مجيئها.
وقال البيضاوي: معناه أنَّ نسبة تقدم البعثة النبوية على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الأصبعين على الأخرى.
وقيل: المراد استمرار دعوته لا تفترق إحداهما عن الأخرى، كما الإصبعين لا تفترق إحداهما عن الأخرى(101).
وقال القرطبي في [التذكرة]: معنى هذا الحديث تقريب أمر الساعة، ولا منافاة بينه وبين قوله في الحديث الآخر: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)(102) فإنَّ المراد بحديث الباب أنَّه ليس بينه وبين الساعة نبي كما ليس بين السبابة والوسطى إصبع أخرى، ولا يلزم من ذلك علم وقتها بعينه لكن سياقه يفيد قربها، وأنَّ أشراطها متتابعة كما قال تعالى: (فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا((103).
قال الضحاك" أوَّل أشراطها بعثة محمد ((104) والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين وحثهم على التوبة والاستعداد(105).
وفي هذا الباب حديث ابن عمر الذي في الصحيح مرفوعاً: (ما أجلكم في أجل من كان قبلكم إلاَّ من صلاة العصر إلى مغرب الشمس) (106).
ومن طريق مغيرة بن حكيم عن ابن عمر بلفظ: (ما بقي لأمتي من الدنيا إلا كمقدار إذا صليت العصر).
ومن طريق مجاهد عن ابن عمر: (كنا عند النبي ( والشمس على قعيقعان مرتفعة بعد العصر فقال: ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من هذا النهار فيما مضى منه) وهو عند أحمد بسند حسن(107).
وحديث ابن عمر صحيح متفق عليه، والصواب الاعتماد عليه، وله محملان: أحدهما: أنَّ المراد بالتشبيه التقريب ولا يراد حقيقة المقدار، والثاني: أن يحمل على ظاهره فيقدم حديث ابن عمر لصحته ويكون فيه دلالة على أنَّ مدة هذه الأمة قدر خمس النهار تقريباً(108).
ذكر البخاري في صحيحه: باب مثل الدنيا في الآخرة(109)، وأورد قوله تعالى: (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَّرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ((110).
أوضح الحافظ أنَّ هذه الترجمة بعض لفظ حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن المستورد بن شداد رفعه: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع)(111).
وأورد البخاري حديث سهل بن سعد أنَّه سمع رسول الله ( يقول: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روْحة خير من الدنيا وما فيها) (112).
فإنَّ قدر السوط في الجنة إذا كان خيراً من الدنيا فيكون الذي يساويها بما في الجنة دون قدر السوط، فيوافق ما دلّ عليه حديث المستورد(113).
قال القرطبي: هذا نحو قوله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ((114)، وهذا بالنسبة إلى ذاتها، وأمَّا بالنسبة إلى الآخرة فلا قدر لها ولا خطر، وإنَّما أورد ذلك على سبيل التمثيل والتقريب وإلاَّ فلا نسبة بين المتناهي وبين ما لا يتناهى، وإلى ذلك الإشارة بقوله: (فلينظر بم يرجع) ووجهه: أنَّ القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة.
والحاصل: أنَّ الدنيا كالماء الذي يعلق في الإصبع من البحر، والآخرة كسائر البحر(115).
قال ابن عطية: المراد بالحياة الدنيا في هذه الآية ما يختص بدار الدنيا من تصرف، وأمَّا ما كان فيها من الطاعة وما لا بد منه مما يقيم الأود ويعين على الطاعة فليس مراداً هنا.
وقال القرطبي: متاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها، وسمّاه قليلاً؛ لأنَّه لا بقاء له، وأورد الحديث في ضرب المثل بالراكب الذي استظلّ ثم راح(116).
والزينة ما يتزين به مما هو خارج عن ذات الشيء مما يحسن به الشيء، والتفاخر يقع بالنسب غالباً كعادة العرب، والتكاثر ذكر متعلقه في الآية(117).
وصورة هذا المثال أنَّ المرء يولد فينشأ فيقوى فيكسب المال والولد ويرأس، ثم يأخذ بعد ذلك في الانحطاط فيشيب ويضعف ويسقم وتصيبه النوائب من مرضٍ ونقصِ مالٍ وعزٍّ، ثم يموت فيضمحلّ أمره ويصير ماله لغيره، وتغير رسومه، فحاله كحال أرضٍ أصابها مطرٌ فنبت عليها العشب نباتاً معجباً أنيقاً، ثم هاج أي: يبس واصفر، ثم تحطم وتفرّق إلى أن اضمحلّ... قال: واختلف في المراد بالكفار: فقيل: جمع كافر بالله؛ لأنَّهم أشد تعظيماً للدنيا وإعجاباً بمحاسنها، وقيل: المراد بهم الزراع مأخوذ من كفر الحب في الأرض أي: ستره بها، وخصهم بالذكر؛ لأنَّهم أهل البصر بالنبات فلا يعجبهم إلاَّ المعجب حقيقة.
وأمَّا قوله: (وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَآ ( فهو تأكيد لما سبق، أي: تغرّ من ركن إليها، وأما التقي فهي له بلاغ إلى الآخرة(118).
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ( بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو عابر سبيلٍ...)(119).
قال الطيبي: ليس ((أو)) للشك، بل للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بل، فشبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأنَّ الغريب قد يسكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق، فإنَّ من شأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة، ومن ثمَّ عقبه بقوله: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح...)، وبقوله: (وعدّ نفسك في أهل القبور) والمعنى: استمر سائراً ولا تغتر، فإنَّك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى المشبه به، وأمَّا المشبه فهو قوله: (وخذ من صحتك لمرضك) أي: إنَّ العمر لا يخلوا عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحاً فسر سير القصد وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائماً مقام ما لَعلَّه يَفُوت حالة المرض والضعف(120).
قال ابن بطال: لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم؛ إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه مستأنس به؛ فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ بسفره إلاَّ بقوته عليه وتخفيفه من الأثقال، غير متثبت بما يمنعه من قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته من قصده، شبهه بهما، وفي ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل.
وقال غيره: هذا الحديث أصله في الحث على الفراغ على الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة.
وقال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه(121).
وقال غيره: عابر السبيل هو المار على الطريق طالباً وطنه، فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسله فيه ثم يعود إلى وطنه ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه.
وقال غيره: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب، أن يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة(122).
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فراش رسول الله ( من أَدَم وحَشْوه ليف(123).
عن علقمة عن عبد الله قال: (نام رسول الله ( على حصير فقام وقد أثّر في جنبه فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وِطاء؟ فقال: مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلاَّ كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) حديث صحيح(124). نقله الحافظ وعزاه لأحمد وأبي داود الطيالسي عن ابن مسعود(125).
هذا الحديث يدل على حقيقة الدنيا، وأنَّه مهما ظنّ الإنسان أنَّها طويلة وأنَّ العمر ما زال طويلاً، إنَّما ذلك وهم؛ وسيجد نفسه ولو بعد حين أن العمر ليس إلاَّ قصيراً مثل القدر الذي يستريح فيه الإنسان المسافر، ثم يذهب ويترك هذا المكان إلى مكان آخر، كما أنَّه سيترك الدنيا بالموت والمصير إلى مكان آخر هو الآخرة.
عن كعب بن مالك الأنصاري( قال: قال رسول الله (: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) حديث حسن صحيح(126).
الحرص: شدة الإرادة والشره إلى المطلوب(127). وقال الجوهري: الحرص: الجشع(128).
التعبير بالذئب إشارة إلى الذئب المعروف بالافتراس والإفساد وخاصة مع الحيوانات الضعيفة كالغنم، وهو -أي الذئب- مفترس بطبعه في جميع الأحوال، ولكن يكون أشد وأكثر فساداً إذا تعرض للجوع إلى درجة أنَّه قد يهاجم الحيوانات الكبيرة القوية.
وفي موسوعة الأمثال: (ماذئبان ضاريان في زريبة بأسرع ...) (129)، وهذا إشارة إلى شدة شراستهما وفسادهما.
والتثنية بذئبين للإشارة إلى ما يحدثه ذئب واحدٌ، فكيف بذئبين، وشدة وكثرة ما يحدث منهما من فساد، وإضاعة للمال، فهو شبيه بما يحدث للحريص الذي ينشغل بالدنيا وجمع المال، ويظنّ أنَّه يصلح شأنه وماله، بينما هو قد أضر نفسه وحرمها من فعل الخير والإكثار من الصدقات، والتخلق بالأخلاق الحميدة من الكرم والجود والسخاء، طمعاً فيما عند الله تعالى، ورجاء أن يبارك الله تعالى له، ولكنه آثر أن يتصف بالأخلاق السيئة المذمومة من الجشع والبخل، فأدخل الفساد على نفسه وأخلاقه وماله، وأشد من ذلك إذا أشغله الحرص عن العبادات الواجبة.

عن النواس بن سمعان الكلابي( قال: قال رسول الله (: (إنّ اللهَ ضربَ مثلاً صراطاً مستقيماً على كَنَفَىْ الصراطِ، زوران لهما أبوابٌ مفتحة، على الأبوابِ ستورٌ وداعٍ يدعو على رأسِ الصراطِ، وداعٍ يدعو فوقه ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? والأبوابُ التي على كَنَفَيْ الصراطِ حدودُ للهِ، فلا يقع أحدٌ في حدودِ اللهِ حتى يكشفَ الستر، والذي يدعو من فوقه واعظ ربه)(130).
فضرب مثلاً لخمسة: صراط، أبواب، ستور، داع على رأس الصراط، داع من فوقه.
(فالأول) هو الصراط، مثل عن الطريق الجادة لكل معنى مستقيم كالهدى والدين والإيمان بالله والعدل، ونحو ذلك، وهو عبارة عما عليه من الكتاب والسنة دليل وليس للبدعة والمعصية إليه سبيل، مما عليه سلف الأمة وشهدت له شواهد العبرة يفضي بصاحبه إلى التوحيد، ويعينه في الطاعة على بذل المجهود.
(الثاني) الأبواب، وهي تحتمل في التمثيل معاني كثيرة؛ لكنه قد فسّرها بالحدود فتعينت من جملة المحتملات في الحدود.
(الثالث) قوله: (مفتحة) وإنَّما وصفها بالفتح؛ لأنَّ الشهوات إليها شارعة، والنفس نحوها نازعة، والسبل سهلة لينة، كما روي أن الجنة حَزَنٌ بربوة، وأنَّ النار سهل بشهوة(131).
(الرابع) الستور، وهي مثل لكل حاجز عن الحرام، حاجب عن المحظور من دين ومروءة وحياة وهمة وعار وعفة.
(الخامس) الداعي، وهو مثل للنبي ( وخلفائه.
(السادس) الداعي الذي من فوقه، وهو الواعظ إمَّا من تهديد، وإمَّا من زجر باستيفاء الحدود، وإمَّا من خوف اليوم المشهود.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرج علينا رسول الله ( يوماً فقال: (إنِّي رأيت في المنام كأنَّ جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي ...)
وفيه: (إنَّما مثلك ومثل أمتك، كمثل ملك اتخذ داراً...) (132).
تمثيل ضرب فيه الملائكة له المثلَ بالله والدار والبيت والمائدة.
وفيه فائدتان:
(إحداهما): أنَّ الله تعالى ضرب المثل تارةً بالطريق إلى الإسلام، وتارة بالدار، والمعنى متقارب؛ لأنَّ الطريق سبب إلى الدار، والدار مشتملة على البيت، والبيت يحوي المائدة، وكل مقصود في المنفعة والبيت.
(الثانية) أنَّه جعل المقصود المائدة، وهو ما يؤكل ويشرب رداً على الصوفية الذين يقولون لا مطلوب في الجنة إلاَّ الوصال، نعم لا وصال لنا إلا باقتضاء الشهوات الجسمانية والنفسانية والمعقولة والمحسوسة وفي الجنة جماع ذلك(133).
عن أنس ( قال: قال رسول الله (: (مثل أمَّتي مثل المطر لا يدرى أوَّله خير أم آخره) (134).
وجه الحديث: أنَّ معظم مقاصد الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ القانون الذي تقوم به رئاسة الدين لسياسة العالمين فرض دائم إلى يوم القيامة، وتكثر المناكر آخر الزمان ويقل المغيرون لها، ويذهب المعروف ويعدم الداعي إليه والآمر به، فإذا قام واحدٌ بها فله أضعاف ما كان للصحابة من الأجر في هذه الخصلة وحدها، ويفضلون الخلق بسائر الخصال العظيمة التي نظامها الصحبة الكريمة ومشاهدة الغرة الزاهرة وتلقي الأخلاق الطاهرة، يشهد له قوله: (المتمسك بدينه عند فساد الناس كالقابض على الجمر). والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى: أنَّ الناظر إلى ظاهر أوَّل هذه الأمة وآخرها تتقارب أوصافهم وتتشابه أفعالهم لا يحكم بالتفضيل بينهم دون النظر إلى الباطن. والأوَّل أصح(135).
عن ابن مسعود ( قال: صلى رسول الله ( العشاء ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه ثم خط عليه خطاً... وفيه خبر وافد الجن...
وفيه: ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبداً قط أوتي مثل ما أوتي هذا
النبي (، إنَّ عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلاً، مثل سيّد بنى قصراً ثم جعل مائدة فدعا الناس... (136).
ذكر ابن العربي فوائد الحديث ومنها:
قوله: (دعا الناس إلى طعامه وشرابه) وهذا مثل للثواب.
قوله: (ومن لم يجب عاقبه) قالت الحكماء: من دعوناه فلم يجبنا فله الفضل علينا، فإن جاءنا فلنا الفضل عليه.وهذا صحيح في النظر، فأما حكم العبد مع المولى فكما قال تعالى في هذا المثل: إنَّه إذا لم يجب الدعوة استحق العقوبة(137).
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي (: (إنَّما مثلي ومثل الأنبياء قبلي كرجل بنى داراً فأكملها وأحسنها إلاَّ موضع لبنةٍ، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة)(138).
إذا تأمل المتفطن هذا الحديث رأى أنَّ قدر النبي ( في الأنبياء أعظم وأكرم من لبنة في حائط، والحديث صحيح، ومعناه مما تكررت عليه الأيام فيه بلغاء الأنام، ولم ألف عند أحد به طريقاً إلى الإعلام، فرجعت إلى نفسي القاصرة، فظهر لي فيه والله تعالى أعلم: أنَّ اللبنة كانت من الأس، ولولا كون هذه اللبنة في هذا الأس لانقض المنزل؛ لأنَّها القاعدة والمقصود(139).
قال الحافظ: جعل الأنبياء كرجل واحد؛ لأنَّه لا يتم ما أراد من التشبيه إلاَّ باعتبار الكل، وكذلك الدار لاتتم إلاَّ باجتماع البنيان، ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلي، وهو أن يوجد وصف من أوصاف المشبه ويشبه بمثله من أحوال المشبه به، فكأنَّه شبّه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع به يتم صلاح ذلك البيت(140).
ونقل كلام ابن العربي وقال: وهذا إن كان منقولاً فهو حسن وإلاَّ فليس بلازمٍ، نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع في رواية همام عند مسلم: (إلاَّ موضع لبنة من زاوية من زواياها)(141)، فيظهر أنَّ المراد أنَّها مكملة محسنة، وإلاَّ لاستلزم أن يكون الأمر كان ناقصاً، وليس كذلك، فإنَّ شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا: النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة، وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام، وفضل النبي ( على سائر النبيين، وأنَّ الله ختم به المرسلين، وأكمل به شرائع الدين(142).
حديث الحارث الأشعري أن رسول الله ( قال: (إِنَّ اللهَ أمرَ يحيى بنَ زكريا بخمسِ كلماتٍ أن يَعملَ بها ويأمرَ بنى إسرائيلَ أن يعملوا بها...) وفيه (فقال: إنّ اللهَ أمرنى بخمسِ كلماتٍ أن أعملَ بهن وآمرَكم أن تعملوا بهن، أَوَّلُهُنَّ: أنْ تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وإنّ مَثَلَ مَنْ أشركَ باللهِ كمثلِِ رجلٍٍ اشتَرَى عبداً مِنْ خالِصِِ مالِهِ بذهبٍ أو وَرَقٍ، فقال: هذه دارى وهذا عملى فاعْمَلْ وأَدِّ إِلَىَّ، فكان يَعْمَلُ ويُؤَدِّى إلى غيرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يرضى أن يكون عبدُه كذلك؟ وإنّ اللهَ أَمَرَكُم بالصّلاةِ فإذا صَلَّيتُم فلا تَلْتَفِتُوا، فإنّ اللهَ يَنْصِبُ وجهَه لوجهِ عبدِه فى صلاتِه ما لم يلتفِتْ، وآمُرُكُم بالصِّيامِ فإنّ مَثَلَ ذلك كمثلِ رجلٍ فى عِصابَةٍ معه صُرَّةٌ فيها مِسْكٌ فكلُّهم يَعْجَبُ أو يُعْجِبُهُ ريحُها، وإن ريحَ الصّائِمِ أطيبُ عند اللهِ من ريحِ المِسْكِ، وآمرُكم بالصّدقةِ، فإنّ مَثَلَ ذلك كمثلِ رجلٍ أَسَرَهُ العَدُوُّ فأَوْثَقُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ وقَدَّمُوه ليضرِبُوا عُنُقَهُ، فقال: أنا أَفْدِيهِ منكم بالقليلِِ والكثيرِِ، فَفَدَى نَفْسَهُ منهم، وآمرُكم أن تَذْكُرُوا اللهَ فإن مَثَلَ ذلك كَمَثَلِ رجلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فى أثرِهِ سراعاً حتى إذا أتى على حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ منهم كذلك العبدُ لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشيطانِ إلا بذكرِ اللهِ)(143).
(الكلمة الأولى): أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وهي المبدأ والغاية.
الفائدة في الخلق والخليقة في الدنيا والآخرة هي عبادة الله تعالى وحده... والآدمي كله بذاته وصفاته وأفعاله كله خلق الله... والثواب والعقاب إنَّما يتعلق بالأمر والنهي لا بالإرادة والقضاء، ولما كان وجود ذلك من المخالفات بذات العبد مذموماً ضرب الله لها مثلاً خدمة عبدك لغيرك وهو تحت إحسانك ورفقك، وهو عند الناس مذموم فلِمَ يكونون مع الله كما يكرهون أن يكونوا مع غيره؟ فيجعلون لله ما يكرهون، إن هذا إلاَّ إفكٌ افتروه وأعانهم عليه الشيطان(144).
(الكلمة الثانية): الصلاة.
(الكلمة الثالثة): الصيام:
والحكمة في أنَّ ريح الصائم أطيب من ريح المسك، أنَّ الصائم مكتوم الفعل؛ إذ الصوم فعل لا يعلم حقيقته إلاَّ الله سبحانه فينشر الله عليه ريح المسك معلماً ملائكته وأولياءه أنَّه صائمٌ مباهاةً وتكرمةً له، وهذا كلّه جار على الأصل في الشريعة، فإنَّ المكروه في الدنيا محبوبٌ في الآخرة، ومضرة الدنيا منفعة الآخرة، ونصب الدنيا راحة الآخرة، وهكذا إلى آخر الرزمة خصلة خصلة وقصة قصة(145).
(الكلمة الرابعة): الصدقة:
والحكمة في مثال الصدقة أنَّ الله تعالى خلق للعبد بدنه وماله، وجعل المال تابعاً للبدن خادماً له، ومنفعة ورياشاً في المعاش ومعونة، وأعلم العبد ذلك قولاً وأراه إيَّاه معاينةً في نفسه، فلما استقرت هذه المعرفة عند العبد ركب فيه الحرص والطمع، وغشاه حجاب الأمل والجشع، فقلب القوس ركوة، وجعل البدن خادماً للمال، فيسعى به في جمع المال وتأليفه واختزانه، ويقطع الحظوظ منه والحقوق، فإذا به قد عاد عليه وباله، وساء لذلك مآله، وحصل في ربقة المطالبة، وأسر المخالفة، فلا يحله من ذلك إلاَّ بذله، ولايفكه إلاَّ عطاؤه؛ ولذلك ضرب الله مثلاً من كان في أسر العدو فإنَّه يفدي نفسه بإخراجها من الأسر بجميع ما في يديه من ملك وهو مع الحقوق إلى ذلك أحوج وهو عليه أوكد(146).
(الكلمة الخامسة): أن تذكروا الله.
والحكمة في ذكر الله تعالى هو الثناء عليه بما هو أهله، والتضرع إليه فيما يؤمل منه، وأشرفه ذكره بكلامه.. وهو شرف الإنسان وعصمة من الشيطان، إذا ذكر العبد ربه غفر على كل الأحوال ذنبه، وقد بالغ فيه سبحانه حتى جعله خيراً من الصدقة ومن الجهاد... (147).
عن أبي موسى الأشعري ( قال: قال رسول الله (: (مَثَلُ المُؤمنِ الذي يقرأُ القرآنَ كمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، ريحُها طيّبٌ وطَعْمُها طيّبٌ، ومَثَلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ كمَثَلِ التَّمْرَةِ لا ريحَ لها وطعمُها حُلْوٌ، ومَثَلُ المنافقِ الذي يقرأُ القرآنَ مَثَلُ الرَّيْحانَةِ، ريحُها طيّبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المُنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، ليسَ لها ريحٌ وطعمُها مُرٌّ)(148).
قال الحافظ: في الحديث فضيلة حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب للفهم، وأنًَّ المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دلّ عليه(149).
وقال ابن العربي: ضرب النبي ( المثل للمؤمن بالأترجة لطيب طعمها وريحها عبارة عن طيب الظاهر بالذكر والباطن بالاعتقاد، وضرب للمنافق مثلاً بالريحان فظاهره طيب ريحها وإذا اختبرت باطنها وجدت طعمها مراً، وضرب مثلاً للكافر بالحنظلة التي ريحها مر لخبث ريحها وطعمها.
وفي رواية (طعمها مر ولا ريح لها) ومعنى نفي الريح ههنا أي: لا ريح طيبة، أمَّا أنَّ لها ريحاً قبيحاً، فتارة أخبر بوجود الرائحة الخبيثة وتارة أخبر عن عدم وجود الريح الطيبة، وفي وجود الريح الخبيثة عدم وجود الريح الطيبة، فيخبر تارة عن العدم للحسن وتارة عن وجود القبيح، ويكون الكل صحيحاً(150).
عن أبي هريرة ( قال: قال رسول الله (: (مَثَلُ الْمُؤمنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ ، يَفِيءُ وَرَقُهُ من حيث أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا ، فإذا سَكَنَت اعتدلَتْ ، وكذلكَ الْمُؤمنُ يُكَفَّأُ بِالبَلاءِ ، وَمَثَلُ الكافرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حتّى يَقْصِمَهَا اللهُ إِذَا شاء)(151).
الخامة: هي الطاقة الغَضّة اللينة الرطبة من الزرع(152).
المعنى: أنَّ المؤمن يصيبه البلاء والغموم فينحرف عن حال السرور وطيب العيش إلى النكد، وهو كثير الآلام في بدنه أو أهله أو ماله، وذلك مكفِّرٌ لسيئاته، ورافعٌ لدرجاته، وتارة يكون في حال عافية وفرح، والكافر والمنافق في صحة من بدنهما ورغد من عيشهما، حتى ينفذ القدر فيهما، والريح لا تؤثر فيهما إلا إذا استحصدت أي: دنا فناؤهما، وقد ضرب الله للمؤمنين مثل الزرع فقال: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأءَهُ فَآزَرَهُ((153) إلى قوله: (الكُفَّارَ( فالزرع محمد رسول الله (، والشطء فراخ الزرع حوله، أصحابه ينمي الزرع ويغلظ ويستوي الكل على سوقه حتى يعتدل كلّه في تمام الإيمان وكمال الدين فيعجب زارعه وذلك من فعل الله ليغيظ بمحمد ( وأصحابه ( الكفار، فمن أبغض الصحابة فهو كافر(154).
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ( قال: (إنَّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ...)(155).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ( قال: (إنَّ من الشجر لما بركته كبركة المسلم ...)(156).
إنَّ الله تعالى ضرب المثل بالنخلة لكلمة التوحيد فقال تعالى: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهَ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ((157).
وضرب النبي ( لها مثلاً للمؤمن، وكلا المثَلَين صحيحٌ فصيحٌ معجزٌ للناس مبين للمعارف ما يعم نفعه في الدين وتشمل بركته جميع المسلمين...
قوله: (لا يسقط ورقها) وجه التمثيل في نفي سقوط الورق وجوه منها: أنَّ النخلة لا تعرى عن لباسها من الورق كالمؤمن لا يعرى من لباس التقوى، فإنَّ اللباس الظاهر يقي من آفات الدنيا، فلباس النفس الورع، ولباس القلب قطع الأمل ونفي الطمع، ولباس الروح حسم العلائق وحذف العوائق وسلوك الصراط المستقيم دون سائر الطرائق، ولباس العابدين ترك الحرام، ولباس العارفين مجانبة الآثام، ولباس المحبين نبذ الآثام(158).
ومنها: ثبوت المؤمن على اعتقاده كثبوت النخلة على أساسها، وعلو كلمته وعمله كعلو النخلة في السماء.
وفيها: أنَّ النخلة ينتفع بها بعد انجعافها في جمارها وسعفها وعثاكلها وجفها، وكذلك المؤمن لا ينقطع عمله بموته إذا نظر في تكملة إيمانه وتوفير طاعاته لنفسه(159).
عن أبي هريرة ( أنَّ رسول الله ( قال: (أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يومٍ خمس مرّاتٍ، هل يبقى من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمس يمح الله بهنّ الخطايا)(160).
(من درنه) الدرن: الوسخ، وقد يطلق الدرن على الحَبِّ الصغير التي تحصل في بعض الأجساد(161).
وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس.
قال الطيبي: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب؛ لأنَّهم لم يقتصروا في الجواب على لا، بل أعادوا اللفظ تأكيداً(162).
وجه التمثيل: أنَّ المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة والأحوال المشاهدة في بدنه وثيابه فيطهره الماء الكثير العذب إذا والى استعماله وواظب على الاغتسال به؛ فكذلك تطهّر الصلاة العبد من أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذنباً إلا أسقطته وكفرته، ويكون ذلك بالوضوء والصلاة، وإنَّما يكفر الوضوء الذنوب؛ لأنَّه يراد به الصلاة فما ظنك بالمراد وهو الصلاة، ذلك أقوى في التكفير وأولى بالإسقاط، وكما يطهر الماء الوسخ فكذلك يذهب الهموم والغموم الداخلة على العبد أيضاً، فإنَّ الهموم أصلها الذنوب، فإذا ذهبت الذنوب التي هي أسباب الهموم ذهبت في نفسها بذهاب أسبابها؛ ولذلك يقول المعبر للرجل الذي يرى في منامه أنَّه يغتسل: إن كان عليك دين قضيته أو هم زال عنك شغله(163).
وهذا الحديث يدلّ على سعة رحمة الله تعالى حيث جعل الصلوات من أسباب محو الذنوب، وهذا ما يدعو إلى السعادة وأنَّ الإنسان يحرم عليه أن يقنط من رحمة الله تعالى مهما كثرت ذنوبه، فإنَّ الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً تكرماً منه عز وجل، ومن كرمه العبادات والطاعات وأفعال الخير التي شرعها لتكون من الأسباب في تكفير الذنوب والخطايا؛ وخاصة الصلوات الخمس؛ لكونها من أركان الدين، ولما في أدائها في أوقاتها وبأركانها وشروطها من الفلاح والنجاة.
عن عبد الله ( قال: (خط النبي ( خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به-أو قد أحاط به-وهذا الذي هو خارج منه أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)(164).
الأَمَل: -بفتحتين- رجاء ما تحبه النفس من طول عمر وزيادة غنى، وهو قريب المعنى من التمنّي، وقيل: الفرق بينهما أنَّ الأمل ما تقدم له سبب، والتمني بخلافه، وقيل: لا ينفك الإنسان من أمل فإن فاته ما أمله عوّل على التمني، ويقال: الأمل إرادة الشخص تحصيل شيء يمكن حصوله، فإذا فاته تمنّاه.
وورد في ذمّ الاسترسال مع الأمل حديث أنس( رفعه: (أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا)) أخرجه البزار.
وعن عبد الله بن عمرو رفعه: (صلاح أوَّل هذه الأمة بالزهادة واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل). أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا في[كتاب قصر الأمل] (165).
وقيل قصر الأمل حقيقة الزهد، وليس كذلك، بل هو سبب؛ لأنَّ من قصر أمله زهد، ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة، والرغبة في الدنيا، والنسيان للآخرة، والقسوة في القلب؛ لأنَّ رقته وصفاءه إنَّما يقع بتذكير الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال القيامة(166)، كما قال تعالى: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ((167).
وقيل: من قصر أمله قلّ همه وتنوّر قلبه؛ لأنَّه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة، وقلّ همه ورضي بالقليل.
وقال ابن الجوزي: الأمل مذموم للناس إلاَّ العلماء، فلولا أملهم لما صنفوا ولا ألّفوا.
وقال غيره: الأمل مطبوع في جميع بني آدم كما في الحديث الذي في الباب بعده: (لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين حبّ الدنيا وطول الأمل)(168).
وفي الأمل سر لطيف؛ لأنَّه لولا الأمل ما تهنّى أحدٌ بعيش، ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنَّما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته(169).
قوله: (خط) الخط هو الرسم والشكل.
(مربعاً) هو المستوي الزوايا.
قوله: (وخط خطا في الوسط...) قيل: هذه صفة الخط.

1 2



3 4


ورسمه ابن التين هكذا:
الأجل

5 5


والأوَّل المعتمد، وسياق الحديث يتنزل عليه، والإشارة بقوله: (هذا الإنسان) إلى النقطة الداخلة، وبقوله: (وهذا أجله محيط به) إلى المربع، وبقوله: (وهذا الذي هو خارج منه أمله) إلى الخط المستطيل المنفرد، وبقوله: (وهذه) إلى الخطوط، وهي مذكورة على سبيل المثال، لا أنَّ المراد انحصارها في عدد معين(170).
ويؤيده قوله في حديث أنس ( بعده: (إذ جاءه الخط الأقرب)(171).
فإنَّه أشار به إلى الخط المحيط به، ولا شك أنَّ الذي يحيط به أقرب إليه من الخارج عنه(172).
قوله: (خُطُطاً)-بضم المعجمة والطاء الأولى-للأكثر، ويجوز فتح الطاء.
وقوله: (هذا الإنسان) مبتدأ وخبر، أي: هذا الخط هو الإنسان على التمثيل.
وقوله: (وهذه الخطط)-بالضم فيهما أيضاً-.
(الأعراض) جمع عَرَضٍ-بفتحتين- وهو ما ينتفع به في الدنيا في الخير وفي الشر.
(نهشه)- بالنون والشيم المعجمة- أي: أصابه وأجهده(173).
والمراد بالأعراض: الآفات العارضة له، فإن سلم من هذا لم يسلم من هذا، وإن سلم من الجميع ولم تصبه آفة من مرضٍ أو فقد مالٍ أو غير ذلك بغته الأجل.
والحاصل أنَّ من لم يمت بالسبب مات بالأجل.
وفي الحديث إشارة إلى الحضّ على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل. وعبّر بالنهش وهو لدغ ذات السم مبالغة في الإصابة والإهلاك(174).
وعند البيهقي في [الزهد] (خط خطوطاً وخط خطاً ناحية ثم قال: هل تدرون ما هذا؟ هذا مثل ابن آدم ومثل التمني، وذلك الخط الأمل، بينما يأمل إذْ جاءه الموت).
وإنَّما جمع الخطوط ثم اقتصر في التفصيل على اثنين اختصاراً، والثالث الإنسان، والرابع الآفات(175).
وقد أخرج الترمذي عن أنس بلفظ: (هذا ابن آدم وهذا أجله، ووضع يده عند قفاه ثم بسطها فقال: وثم أمله، وثم ّأجله). أي: أنَّ أجله أقرب إليه من أمله. قال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد(176).
قال الحافظ: أخرجه أحمد ولفظه: (أنَّ النبي ( غرز عوداً بين يديه، ثم غرز إلى جنبه آخر، ثم غرز الثالث فأبعده، ثمَّ قال: هذا الإنسان وهذا أجله وهذا أمله)(177). والأحاديث متوافقة على أنَّ الأجل أقرب من الأمل(178).

الخاتمـة
من خلال هذا البحث الذي جمع أحاديث الأمثلة والمعاني؛ نستنتج ما يلي:
? تعدد المسائل والمواضيع التي تناولتها هذه الأحاديث.
? أهمية أسلوب المثال ومقاصده.
? التحذير من الغلو في الدين وفضل التقارب والتسديد والتيسير.
? التأكيد على حرص رسول الله ( في إنذار العالمين، وتحذريهم مما فيه شرّهم، وهديهم إلى ما فيه الخير لهم من السلامة والنجاة.
? تقريب الحقيقة للمؤمنين وتحذيرهم من المعاصي والأهواء والشهوات.
? التذكير بمعاني المسلم والمهاجر، وتخلقهم بالأخلاق الحميدة والعبادة.
? ترسيخ معاني التوحيد والصلاة والصوم والصدقة.
? بيان حرمة وشناعة الغيبة بشتى صورها.
? فضل الزهد وإيثار الآخرة والحذر من الدنيا ومتاعها.
? سعة رحمة الله تعالى في جعل الصلاة تمحو جميع الذنوب.
? تصوير حقيقة الدنيا وقرب الجنة جعلنا الله وجميع المسلمين من أهلها، وقرب النار أعاذنا الله وجميع المسلمين منها.
? حث كلّ إنسان أن يسعى لصلاح نفسه بما يوصله إلى رحمة الله تعالى وفضله.
? التأكيد على نهاية العمر مهما طال بالأعراض أو الأجل.
? قبول القدر المناسب من الأمل الهادف إلى تحقيق الطمأنينة وإبعاد اليأس والأوهام والو ساوس التي قد تتمكن من الإنسان فتفسده.
? ذم الاسترسال والغلو في طول الأمل الذي يؤدي إلى التقصير في فعل الطاعات وتأخير التوبة ونسيان الآخرة والغرور بالدنيا وزينتها.


(


(1) عارضة الأحوذي 10/296.
(2) مفردات ألفاظ القرآن 759.
(3) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 660-661، مفردات ألفاظ القرآن 759-760
(4) سورة إبراهيم: 25.
(5) عارضة الأحوذي 10/296، وانظر المعاني والشواهد في ذلك. هدي الساري إلى مقدمة فتح الباري 185، 186.
(6) شرح مسلم للنووي 16/140. الفتح 11/317. 9/67.
(7) الفتح 2/11.
(8) مفردات ألفاظ القرآن 613، النهاية 3/382.
(9) النساء/171.
(10) صحيح البخاري الاعتصام [5]، النسائي مناسك [217]، جه، مناسك[63]، المسند 1/215، 347.
(11) سنن أبي داود 5/174، (4843)، أدب [23].
(12) النهاية 3/382.
(13) صحيح البخاري 12/390، (6933، 6934)، استتابة المرتدين.
(14) الفتح 12/301.
(15) مسند أحمد 3/199. السنن الكبرى للبيهقي 3/18، (4520)، مجمع الزوائد 1/62، الفتح 11/297.
(16) غريب الحديث للهروي 2/28. النهاية 1/92، الأمثال لأبي عبيد 6/3 [7]، فتح الباري 11/297، موسوعة أمثال العرب 1/159، 195.
(17) غريب الحديث 2/28.
(18) غريب الحديث 2/27. النهاية 5/209.
(19) صحيح البخاري مع الفتح 11/294، (6464)، و(6467).
(20) فتح الباري 11/297.
(21) صحيح البخاري 11/294، (6463)، عن أبي هريرة (.
(22) الفتح 11/298.
(23) غريب الحديث 2/28، 29.
(24) الفتح 11/299.
(25) صحيح البخاري 11/316، (6482)، رقاق [26]، اعتصام [2]. صحيح مسلم 15/48-49، فضائل [16].
(26) الفتح 11/316.
(27) الفتح 11/316.
(28) شرح مسلم 15/48. النهاية 3/225.
(29) الفتح 11/317.
(30) أمثال الحديث المروية عن النبي ( 2324، [10].
(31) مسند أحمد 5/348.
(32) الفتح 11/317.
(33) النهاية 2/129، شرح مسلم للنووي 15/49.
(34) الفتح 11/317.
(35) شرح مسلم 15/49.
(36) الفتح 11/317.
(37) صحيح البخاري 11/316، (6483)، رقاق [26]. صحيح مسلم 15/49، فضائل [18]، مسند أحمد 2/244، 312، 540، سنن الترمذي أدب [82].
(38) الفتح 11/317، 318.
(39) غريب الحديث للهروي 3/228، النهاية 5/180.
(40) شرح مسلم للنووي 15/50، الفتح 11/318.
(41) سورة التوبة: 128.
(42) شرح مسلم للنووي 15/50، الفتح 11/318.
(43) الفتح 11/318.
(44) شرح مسلم للنووي 15/50، الفتح 318، 319.
(45) الفتح 11/318.
(46) البقرة/229.
(47) الفتح 11/319.
(48) سورة الفرقان: 27.
(49) صحيح البخاري 4/323، (2101)ن البيوع [38]، و9/660، (5534)، الذبائح [31]. صحيح مسلم 16/178، بر [146]، د/أدب [16]. المسند 4/404، 405، 408.
(50) الصحاح 2/811.
(51) شرح مسلم للنووي 16/178. الفتح 4/324.
(52) شرح مسلم للنووي 16/178. الفتح 4/324.
(53) الأمثال لأبي عبيدة بن سلام 130.
(54) صحيح البخاري 11/316، (6484)، رقاق [26] وإيمان [4]. سنن أبي داود وتر [2، 11، 12] جهاد [2]، سنن النسائي إيمان[9]، سنن ابن ماجه فتن [2]. مسند أحمد 2/163، 192، 205، 212، و3/154.
(55) الفتح 11/319.
(56) سورة الصف: 4.
(57) الجامع لأحكام القرآن 18/81.
(58) سورة الأنفال: 46.
(59) صحيح البخاري 10/450، (6026)، الأدب [36]. صحيح مسلم 16/139. الفتح 10/450.
(60) صحيح مسلم 16/140.
(61) صحيح مسلم 16/140.
(62) مسند أحمد 2/274.
(63) الفتح 10/450.
(64) شرح مسلم للنووي 16/139-140، موسوعة أمثال العرب 5/374.
(65) شرح مسلم للنووي 16/139-140.
(66) صحيح البخاري 10/469، الأدب[46].
(67) سورة الحجرات: 12.
(68) الفتح 10/469.
(69) مفردات ألفاظ القرآن 617.
(70) النهاية 3/399.
(71) الأذكار 299
(72) الجامع لأحكام القرآن 16/337، الفتح 10/470.
(73) الأدب المفرد 1/256. سنن أبي داود 4/580، 581، (4428) الحدود [24].
(74) مسند أحمد 3/351.
(75) الفتح 10/470.
(76) الجامع لأحكام القرآن 16/337،
(77) سورة محمد: 19.
(78) صحيح البخاري 11/333، (6498) رقاق [35]. صحيح مسلم 16/101،فضائل [232]. سنن الترمذي، أدب [52]، المسند 2/7، 44، 70، 88.
(79) الفتح 11/335.
(80) أعلام الحديث 3/2255-2256، موسوعة أمثال العرب 5/507.
(81) سورة الأعراف: 187.
(82) سورة الأنعام: 111. الفتح 11/335.
(83) نقله النووي عن ابن قتيبة شرح مسلم للنووي 16/101. ونقله المازني عن القتبي. المعلم 3/159.
(84) تهذيب اللغة 5/3، 4، المعلم للمازري 3/159، موسوعة أمثال العرب 5/507. شرح مسلم للنووي 16/101.
(85) شرح مسلم للنووي 16/101
(86) الفتح 11/335.
(87) الفتح 11/335.
(88) صحيح البخاري 11/321، (6488)، رقاق [29]. مسند أحمد 1/387، 413، 442.
(89) الفتح 11/321.
(90) صحيح البخاري 11/347، (6505، 6503، 6504).
(91) مسند أحمد 5/265.
(92) مسند أحمد 5/331.
(93) الفتح 11/348.
(94) سنن الترمذي، فتن [39].
(95) النهاية 5/94. الفتح 11/348.
(96) النهاية 5/94.
(97) النهاية 2/332.
(98) الفتح 11/349.
(99) شرح مسلم للنووي 18/89.
(100) الفتح 11/349.
(101) الفتح 11/349، 350
(102) صحيح البخاري 1/114، (50)، إيمان [37] تفسير سورة 31. صحيح مسلم إيمان [1، 5، 7]، سنن أبي داود سنة[16] مسند أحمد 2/426، سنن الترمذي إيمان [5، 5]، سنن ابن ماجه مقدمة [9] فتن [25].
(103) سورة محمد: 18.
(104) أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن( (الدر المنثور 7/467).
(105) الفتح 11/350.
(106) صحيح البخاري 6/495، (3459)، الأنبياء [50]، فضائل القرآن [17]. ت/أدب [92]، المسند [2/112، 124.
(107) مسند أحمد 2/133، 3/19، سنن الترمذي فتن [26].
وقُعَيقعان: بالضم ثمّ الفتح،بلفظ التصغير: اسم جبلٍ بمكة. معجم البلدان لياقوت 4/379.
(108) الفتح 11/350، 351.
(109) صحيح البخاري 11/213، 232.
(110) سورة الحديد: 20.
(111) صحيح مسلم 17/192،جنّة [55]. صحيح سنن الترمذي 2/270، (2439)، زهد [15]. ماجه زهد [3]، مسند أحمد 4/229، 230،
(112) صحيح البخاري 6/85، (2892)، الجهاد [73]، و11/213-232، (6415)، رقاق [2].
(113) الفتح 11/232، موسوعة أمثال العرب 5/294.
(114) سورة النساء: 77.
(115) الفتح 11/332.
(116) الجامع لأحكام القرآن 5/281، 282.
(117) الفتح 11/323.
(118) الفتح 11/232، 233.
(119) صحيح البخاري 11/233، (6416)، رقاق [3]، ت/زهد [25]. جه/زهد [3] المسند 2/24، 41، 131.
(120) الفتح 11/234.
(121) الفتح 11/234.
(122) الفتح 11/234، 235.
(123) صحيح البخاري 11/282، (6456).
(124) سنن الترمذي 4/17، (2483)، الزهد [31]، جه/زهد [3]، المسند 1/301. الإحسان 8/91، عن ابن عمر.
(125) الفتح 11/292.
(126) سنن الترمذي 4/16، 17، (2482)، الزهد [30]. الإحسان 5/95. دي/رقاق [21]. مسند أحمد 3/456، 460.
(127) لسان العرب 7/11.
(128) الصحاح 3/1032.
(129) موسوعة أمثال العرب 5/295.
(130) سنن الترمذي 4/222، (3019)، أدب[76].
(131)عارضة الأحوذي 10/296، 297.
(132) سنن الترمذي 4/223، (3020)، أدب [76].
(133) عارضة الأحوذي 10/297، 298.
(134) سنن الترمذي 4/229، 03030)، أدب [81]. المسند 3/130، 143، 4/319. الإحسان 9/176، عن عمار بن ياسر.
(135) عارضة الأحوذي 10/318.
(136) سنن الترمذي 4/223، 224، (3021)
(137) عارضة الأحوذي 10/300.
(138) صحيح البخاري 6/558، (3534، 3535) المناقب [18]، الفضائل [20-23]. سنن الترمذي 4/225، (3022)، أدب [77]، المسند 2/137، 256، 312، 398، 412، و5/137، و3/361.
(139) عارضة الأحوذي 10/301، 302، ونقله عنه الحافظ الفتح 6/559.
(140) الفتح 6/559.
(141) صحيح مسلم15/51، الفضائل [20-23].
(142) الفتح 6/559.
(143) سنن الترمذي 4/225، 226، (3023)ن أدب [88]. المسند 5/344، الإحسان 8/43. المستدرك 1/236.
(144) عارضة الأحوذي 10/303.
(145) عارضة الأحوذي 10/304، 305.
(146) عارضة الأحوذي 10/305.
(147) عارضة الأحوذي 10/306.
(148) صحيح البخاري 9/555، (5427)، أطعمة[30] و9/66 [5020] فضائل القرآن [17، 36]، توحيد [57]، م/مسافرين [243].
سنن الترمذي 4/227، (3025)، أدب [79]، د/أدب [16]، ن/إيمان [32]، المسند 4/397، 404، 408.
(149) الفتح 9/67.
(150) عارضة الأحوذي 10/308، 309.
(151) صحيح البخاري 6/2716، (7028) توحيد [31]، و مرضى [1]، أدب [79-89].
سنن الترمذي 4/227، 228، (3026). م/منافقين [58، 59، 60]، دس/رقاق [36].
المسند 2/234، 284، 523، 3/454، 6/386.
(152) غريب الحديث للهروي 4/208، النهاية 2/89ن تهذيب اللغة 7/606، 608.
(153) سورة الفتح: 29، شرح مسلم للنووي 17/151.
(154) عارضة الأحوذي 10/310، الجامع لأحكام القرآن 16/295.
(155) صحيح البخاري 1/165، (72)، علم [14]، و572 (5448) الأطعمة [46]، سنن الترمذي 4/228، (3027)، أدب [79]. صحيح مسلم17/153، منافقين [62] المسند 2/12، 41، 61.
(156) صحيح البخاري 9/569، (5444)، الأطعمة [42].
(157) سورة إبراهيم: 24.
(158) عارضة الأحوذي 10/311، 313.
(159) عارضة الأحوذي 10/313، الجامع لأحكام القرآن 9/359.
(160) صحيح البخاري 2/11، (528)، مواقيت [6]. م/ ماجه [283، 284]. ط/سفر [91]، المسند 1/72، 177، و2/379، 427، 441. سنن الترمذي 4/228، (3028)، أدب [80].
(161) النهاية 2/115. الفتح 2/11.
(162) الفتح 2/11.
(163) عارضة الأحوذي 10/315، 316. الفتح 2/11-12.
(164) صحيح البخاري 11/235، 236، (6417)، رقاق [4]، ث/4. المسند 1/385، 3/18، 123ن 135.
(165) الفتح 11/236، 237.
(166) الفتح 11/237.
(167) سورة الحديد: 16.
(168) صحيح البخاري 11/239، (6420).
(169) الفتح 11/237.
(170) الفتح 11/237-238.
(171) صحيح البخاري 11/236، (6418)
(172) الفتح 11/238.
(173) النهاية 5/137، الفتح 11/238. الصحاح 3/1023.
(174) الفتح 11/238.
(175) الفتح 2/189. الفتح 11/238
(176) صحيح سنن الترمذي 2/272، (2451)، زهد [25] جه/زهد [27]، المسند 4/172، الفتح 11/238، الإحسان 4/285.
(177) المسند 3/18.
(178) الفتح 11/238.
---------------

= ---------------

=

---------------

------------------------------------------------------------

168
مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة- العدد )28(

169
المقاصد من الأمثلة النبوية