Advertisement

الأمير والفقير



الأمير والفقير





الأمير والفقير

تأليف
مارك توين

ترجمة
أميرة علي عبد الصادق




الأمير والفقير

The Prince and the Pauper

مارك توين

Mark Twain

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون:
توين، مارك
الأمير والفقير / تأليف مارك توين.
     تدمك:
     ?- القصص الإنجليزية
          أ- العنوان

???

رسم الغلاف: حنان الكرارجي، تصميم الغلاف: سيلفيا فوزي.

يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إليكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2012 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Prince and the Pauper
All Rights Reserved.




الفصل الأول
مولد الأمير والفقير


يُحكى أنه في قديم الزمان وُلد طفل بمدينة لندن، كان يُدعى توم كانتي، لأسرة مُعدمة لا يسعها تحمل تكاليف تنشئته. وفي اليوم نفسه، وببقعة مختلفة من المدينة ذاتها، وُلد طفل آخر لأسرة ثرية طالما تاقت له. وكان هذا الطفل يُدعى إدوارد تيودور، ووالده هو ملك إنجلترا.
في حقيقة الأمر، كانت إنجلترا بأسرها تتوق لهذا الصبي الصغير. فعندما وُلد، خرج الناس مهللين في الشوارع، وعانق الأغراب بعضهم بعضًا، وانهمرت دموع الفرحة من أعينهم، وعُزفت الموسيقى، ورقص الناس، وأُقيمت الحفلات والاستعراضات. تمنى الجميع، وخاصة الملك هنري، صبيًّا. وبالرغم من أن لديه أختين تكبرانه سنًّا، فقد أصبح إدوارد الآن وريثًا للعرش، وسيصير يومًا ما ملكًا للبلاد.
لم تسترع كل هذه الجلبة انتباه إدوارد، أمير ويلز، الذي كان ينام مدثرًا بالحرير في سريره الدافئ، لا يؤرق جفنيه شيء في هذا العالم. وسهر الجميع على راحته، بما في ذلك الملك والملكة والنبلاء من الرجال والنساء في البلاط الملكي والساسة رفيعو الشأن.
أما توم كانتي الصغير، فلم يحظ بمثل هذا النوم الهانئ حيث أحاطت به الأغطية البالية، ولم يكن هناك حطب لإشعال النيران لتدفئته. وقلقت والدته عندما فكرت في كيفية توفير المال اللازم لإطعام هذا الطفل الجديد. أكنَّت والدة كانتي حبًّا جمًّا لصغيرها، وسعدت بإنجابها له، لكنها كانت تخشى معاناة هذا الرضيع المسكين من مصاعب الحياة. فهي تتمكن بالكاد من تحمل تكاليف طعام طفلتيها الأخريين. قبَّلت السيدة كانتي جبين توم، وتمنت له أحلامًا سعيدة.
مرت أعوام عدة، وإدوارد يحيا محاطًا بالثروات والجواهر، في حين لم يملك توم من دنياه سوى أقل القليل. ومع ذلك فقد شب كلاهما ليصيرا قويين ونافعين وذكيين.
كان توم وأسرته يقطنون بشارع «أوفال كورت» بالقرب من جسر لندن، في الدور الثالث بمبنى عتيق متهالك آيل للسقوط. عاش توم في غرفة واحدة مع والديه وجدته وأختيه التوءمين، نان وبيت، اللتين تكبرانه سنًّا. فكان والداه ينامان على سرير ملتصق بأحد أركان الغرفة، في حين كانت جدته تنام في الركن المواجه لهما. أما توم وأختاه، فكانوا يتمتعون بحرية أكبر في إعداد أماكن نومهم؛ فكان بإمكانهم اختيار أي مكان على الأرض ليناموا فيه.
كانت نان وبيت تبلغان من العمر خمسة عشر عامًا، واتسمتا بالعطف وطيبة القلب، شأنهما في ذلك شأن والدتهما. أما السيد كانتي والجدة، فلم يكونا على القدر نفسه من الحنان. فكان كانتي لصًّا، بينما كسبت الجدة رزقها بالتسول في الشوارع. وسعى السيد كانتي لتحويل أطفاله إلى لصوص، لكن نان وبيت وتوم ما كانوا ليسرقوا. لذا اضطر الأطفال للتسول، وعند عدم جلبهم ما يكفي من المال عند عودتهم للمنزل، كان السيد كانتي يستشيط غضبًا، ويصرخ أحيانًا في وجوههم، وبخاصة توم، عندما تثور ثائرته.
وكثيرًا ما كان والد توم يجبره على النوم دون عشاء، وهو يقول: «إذا لم تتمكن من جلب المال إلى المنزل، فليس هناك ما تأكله.» وفي هذه الليالي كانت والدة توم تحضر له الطعام خلسة؛ بضع كِسرات أو لقيمات ادخرتها له من طعامها. شعر الجميع بالجوع في منزل كانتي حيث لم يتوفر أبدًا ما يكفي من الطعام لهم جميعًا.
على الرغم من الشدائد الكثيرة التي كان توم يعاني منها، فقد كان الصبي سعيدًا بحياته. فهي الحياة نفسها التي يعيشها جميع أصدقائه، ولم يكن يدري أن هناك أسلوبًا آخر للعيش.
وفي أحد الأيام انتقل قس عجوز يُدعى الأب آندرو إلى البناية التي يقطنها توم وأسرته. ولم يكن لهذا القس أبرشية آنذاك، لذلك عاش وسط الفقراء. وكان يستقطع في كثير من الأحيان جزءًا من يومه لتعليم أطفال أسرة كانتي القراءة والكتابة. لكن السيد كانتي كان يرى أن قضاء الوقت مع الكتب يعني وقتًا أقل للتسول بالشوارع، ومن ثم كان على الأطفال التعلم سرًّا. وكان توم طالبًا شغوفًا، فأحب عالم الكتب والقراءة، حتى إن القس العجوز علمه بعض الكلمات اللاتينية.
صار توم يقضي مزيدًا من الوقت في «المدرسة»، وكان القس يقص عليه روايات عن الفرسان والعمالقة، والجنيات والقلاع المسحورة، والملوك والأمراء، وسرعان ما امتلأت رأس توم بهذه القصص. فكان يظل مستيقظًا في الليل تاركًا لخياله العنان ومحاولًا نسيان حصيرة القش التي ينام عليها ومعدته الخاوية ليفكر بدلًا من ذلك في الحياة بين جدران القلاع. وبمرور الوقت أصبحت لدى توم أمنية واحدة يرغب بشدة في تحقيقها، ألا وهي رؤية أمير حقيقي.
بينما كان توم يقرأ المزيد عن الحياة الراقية التي ينعم بها الملوك والأمراء، بدأ ينتبه إلى ملابسه الرثة، وأدرك أن هناك أناسًا لا ينامون متضورين جوعًا كل ليلة. كما أنه ليس لزامًا على البعض التسول في الشوارع للحصول على الفتات من الطعام. وظل توم يلعب مع أصدقائه ويستمتع بحياته، لكن شيئًا تغير. فعلى الرغم من أنه اعتاد الاستمتاع باللعب في الوحل والماء على شاطئ نهر «التايمز»، أصبح يقضي هذا الوقت الآن في الاغتسال وتنظيف نفسه. كان يحاول التغير تدريجيًّا حتى يصبح شبيهًا بشخصيات القصص التي يرويها له القس آندرو.
عندما كان توم يجتمع مع أصدقائه وحدهم، كان يقيم بلاطًا ملكيًّا، ويعين نفسه أميرًا، ويملي على الجميع كيف يتصرفون وماذا يتعين عليهم فعله. واستمتع أصدقاؤه باللعبة، واستمروا في ممارستها، ولم يدرك أحد أن الأمر كان يعني ما هو أكثر من مجرد اللعب في نظر توم؛ فهو يتدرب لليوم الذي سيصبح فيه فعلًا في البلاط الملكي.
بالرغم من هذه اللحظات الممتعة، ظل توم يقضي الجزء الأكبر من يومه مرتديًا ثيابه الرثة، متسولًا في الشوارع، ليعود إلى المنزل كل ليلة مدركًا أن أباه وجدته سيصبان عليه جام غضبهما. وكان ينتظر والدته لتحضر له الطعام خلسة في وقت متأخر من الليل. وفي أثناء حدوث كل ذلك، كانت رغبته لرؤية أمير حقيقي تزداد قوة.
وفي أحد أيام شهر يناير/كانون الثاني، كان توم يسير في الشوارع حزينًا حافي القدمين ومياه الأمطار الباردة تتساقط عليه وهو لا يملك معطفًا أو مظلة تقيه منها. كان توم يتفقد واجهات المحال متأملًا الشطائر والحساء وحلوى البودنج، متشوقًا للغاية إلى الحصول على إحدى هذه الشطائر. ألن يكون من الرائع الجلوس في أحد هذه المحال والاستمتاع بوجبة عشاء دافئة؟ ملأ الحزن قلب توم المسكين في ذلك اليوم، وعاد إلى المنزل تلك الليلة مبللًا يشعر بالبرد، وذهب مباشرة للنوم. راودته الأحلام طوال الليل عن القصور والأمراء والولائم الضخمة؛ ورأى في الحلم أنه أمير يملك بين يديه كل شيء، وعندما استيقظ في الصباح ورأى الفقر والقذارة من حوله، تزايد شعوره بالتعاسة، واستلقى على الحصيرة القش التي ينام عليها وأخذ في البكاء.


الفصل الثاني
عالمان يتصادمان


نهض توم من فوق حصيرة القش جائعًا ومصابًا بالدوار، وغادر المنزل دون أن يتحدث مع أحد، وهام على وجهه في الشوارع مستغرقًا في أفكاره. لم يدرك توم مدى ابتعاده عن منزله إلا بعد فترة طويلة من الوقت، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يبعد فيها عن منزله كل هذه المسافة، لكنه لم يتوقف، بل استمر ماضيًا في طريقه.
تجاوز توم بوابات المدينة وصولًا إلى الريف، وسار بمحاذاة سور المدينة. وعلى بُعد وقعت عيناه على قصر عظيم. كان هذا القصر هو قصر «ويستمنستر» حيث يعيش الملك هنري والأمير إدوارد أيضًا. وتساءل توم هل ستسنح له الفرصة لرؤية الأمير الحقيقي.
كان الحراس يقفون على جانبي بوابة القصر في وضع استقامة وثبات شديدين، وتجمع بعض الأشخاص الآخرين في الجوار آملين في إلقاء نظرة خاطفة على العائلة المالكة. راقب توم البوابات وهي تُفتح ويخرج منها العديد من العربات الجميلة مغادرةً أراضي القصر، وكان على يقين من أن هذه العربات تحمل أشخاصًا متأنقين ورائعين.
اقترب توم من البوابات ببطء، وكان مدركًا تمامًا للملابس الرثة التي يرتديها والقذارة التي تغطي وجهه، ويعي أنه يشذ عن باقي الجمع، لكن كان لديه فضول شديد. ولك أن تتخيل كيف انحبست أنفاسه عندما رأى مجموعة صغيرة من الأشخاص داخل أراضي القصر يتوسطهم صبي صغير يرتدي الساتان والحرير ويعلق سيفًا مرصعًا بالجواهر بجانبه. وعلم توم في الحال أن هذا الصبي هو الأمير؛ أخيرًا الأمير إدوارد بلحمه وشحمه.
اتسعت عينا توم من فرط الإثارة، وأصبحت رغبته في رؤية الأمير عن قرب أكثر إلحاحًا. فقد توم شعوره بمن يحيطون به، وتلاشى من أمام عينيه الحراس وزائرو القصر الآخرون. ودون أن يدري ما يفعل، اندفع بوجهه قبالة قضبان البوابة، وكان نحيلًا لدرجة أنه كاد ينزلق عبرها.
وفجأة شعر بيد قوية تمسك بذراعه، وصرخ فيه الحارس وهو يقول: «عندك أيها المتسول! انتبه لتصرفاتك.»
ضحك الجمع، وأشاروا إلى توم وهم يقولون: «نعم! لا تقترب أكثر مما ينبغي أيها المتسول!»
جاء صوت من داخل أراضي القصر يقول: «دعوه وشأنه! كيف تجرءون على إهانة أحد رعايا والدي؟» واندفع الأمير الصغير نحو البوابات لمساعدة توم وهو يستشيط غضبًا ويقول: «افتحوا البوابات ودعوه يمر! لن أقف مكتوف الأيدي بينما يُعامل أي شخص بمثل هذه القسوة.»
توقف الجمع عن الضحك والإشارة إلى توم، وخلعوا قبعاتهم وانحنوا لأميرهم وهم يقولون: «عاش أمير ويلز!»
فتح الحراس البوابات ليدخل منها توم، وشاهدوا أمير الفقراء بثيابه البالية وهو يجري أمامهم ليحيي أمير الأثرياء بثيابه الثمينة.
نظر إدوارد إلى توم، وقال: «تبدو متعبًا وجائعًا. أنا آسف على قسوة حارسي معك. رجاءً تعالَ معي!»
تقدم عدد من الحراس للأمام عندما بدأ توم في اللحاق بإدوارد، فلوح لهم الأمير بالتنحي جانبًا، ولم يحاول أحد بعد ذلك منع توم من مرافقة الأمير.
قاد إدوارد توم إلى داخل القصر، وتحدث مع الخدم الواقفين في الرواق آمرًا إياهم بإحضار الغداء إلى غرفته. وانعقد لسان توم؛ فقد كان القصر أجمل بكثير مما تخيل.
كانت غرفة الأمير مذهلة، حيث احتوت على مدفأة تتوهج بها النيران، وسجادة تكسو الأرض، وكراسٍ كبيرة مريحة. وكانت أشعة الشمس تتدفق عبر النوافذ الزجاجية النظيفة إلى داخل الغرفة. وقبل أن تسنح لتوم الفرصة بإلقاء نظرة على الغرفة، وصل الخدم حاملين طعام الغداء.
لم يرَ توم شيئًا كهذا من قبل. فقد قرأ عن الولائم في الكتب، لكن رؤيتها بأم عينه كانت أمرًا مختلفًا تمامًا. تضمنت الوليمة فاكهة ولحمًا باردًا وأرغفة من الخبز. حدق توم في المائدة، ولم يعرف ما يجب عليه فعله.
لاحظ إدوارد عدم شعور توم بالراحة، فسحب كرسيًّا ليجلس عليه توم، وقال له: «رجاءً اجلس! تناول ما يحلو لك من الطعام.»
وبينما كان يجلس على المائدة، سأل الأمير توم: «ما اسمك؟»
– «توم كانتي.»
– «هل تعيش بالقرب من هنا؟»
«لا» أجاب توم وهو يتحدث بصعوبة، حيث كان يستمتع بالطعام بشدة، لكنه لم يرغب في التحدث وفمه ممتلئ، واستطرد قائلًا: «أعيش بعيدًا جدًّا عن هنا في «أوفال كورت».»
فكرر الأمير قوله: ««أوفال كورت»؟ لم أسمع بهذا المكان قط، هل هو مكان جيد؟»
«حسنًا» أمعن توم في التفكير قبل أن يجيب قائلًا: «إنه مختلف كثيرًا عن منزلك.»
«وهل لديك عائلة؟» ملأ الفضول الأمير بشأن هذا الصبي الغريب، فلم يسبق له الالتقاء بأحد مثله من قبل؛ كان توم يرتدي ثيابًا بالية ويسير بلا حذاء في مثل هذا اليوم قارس البرودة.
– «نعم، لدي أم وأب وأختان يكبرانني سنًّا، وأيضًا تعيش جدتي معنا.»
لاحظ الأمير الحزن يرتسم على وجه توم أثناء حديثه، فسأله: «هل يحسنون معاملتك؟»
رد توم بقوله: «أمي حنون للغاية، وكذلك أختاي، نان وبيت.» ثم صمت قليلًا، ونظر إلى الأمير، وقرر أنه يجدر به تحري الصدق في الحديث. «أبي وجدتي ليسا على القدر نفسه من الحنان، وعندما يغضبان — وكثيرًا ما يفعلان — يصرخان في وجهي، ويجبراني على النوم دون عشاء أيضًا.»
هب الأمير واقفًا والغضب يتقد من عينيه، وقال: «ماذا! هل تعني أنهما يمنعان عنك الطعام؟»
نكس توم رأسه وأجاب بهدوء شديد: «نعم، يا سيدي!»
– «هذا أمر مروع! لن أسمح باستمرار ذلك. سأتحدث مع والدي ليأمر بإلقاء القبض على هؤلاء المتوحشين.»
فقال توم: «أعتقد أن لدى والدك أمورًا أكثر أهمية ليقوم بها!»
«هراء!» لوح إدوارد بيديه، وقال: «لن أسمح بالتجاوز عن مثل هذا الظلم.» ثم نظر إلى الصبي مهلهل الثياب واستطرد: «أتعلم، يتسم والدي بحدة الطبع. لم يصرخ في وجهي قط، لكنني رأيته عندما يشتد غضبه مع أشخاص آخرين. وكم أستاء من رؤيته في هذه الحال.»
ابتسم توم، إذ فرح بوجود قاسم مشترك بينه وبين الأمير.
سأل إدوارد: «هل يعمل لدى أسرتك الكثير من الخدم؟»
«يا إلهي! كلا» كاد توم يضحك وهو يقول هذه الكلمات، لكنه كان يعرف أنه من الوقاحة فعل ذلك.
صُعق الأمير. «لكن كيف تخلع أختاك ملابسهما ليلًا؟ ومن يساعدهما في ارتدائها صباحًا؟»
– «إن عليهما الاعتماد على أنفسهما في كل هذه الأمور، لكنهما لا تملكان سوى فستان واحد لكلٍ منهما، لذلك فالأمر لا يمثل مشقة كبيرة لهما.»
بدت الصدمة على وجه إدوارد مرة أخرى وهو يقول: «لا يُعقل أنك تقول الحقيقة!»
فأجاب توم: «حسنًا، لا تمتلك كل واحدة منهما سوى جسد واحد.»
«سأتولى هذا الأمر، ستحظى أختاك بعدد من الفساتين أكثر مما تحلمان به، سأعمل على تحقيق ذلك على الفور.» لاحظ إدوارد نظرة الدهشة على وجه توم. «لا تشغل بالك، ليس هناك داعٍ لشكري.» ولوح بيده ثانيةً.
أضاف إدوارد: «عليّ أن أعترف يا توم أنك تجيد الحديث للغاية، فهل ذهبت إلى المدرسة؟»
فأجاب توم: «كلا، لكن أحد جيراننا يعمل قسًّا، وقد علمني القراءة والكتابة، حتى إنه علمني بعض الكلمات اللاتينية. أنا لا أعلم الكثير من الكلمات، لكنني لا أزال أتعلم.»
قال إدوارد: «يجب أن تواظب على ذلك يا توم، وسيزداد الأمر يسرًا مع الممارسة.»
جلس إدوارد هادئًا للحظة، ثم قال: «أشعر أحيانًا أنني قضيت حياتي بأكملها في المدرسة؛ ساعات طوال أقضيها مع المعلمين الخصوصيين كل يوم أو أتعلم فيها إدارة شئون البلاد. فهم يعدونني لأصبح ملكًا يومًا ما، وليس هناك إلا القليل من الوقت للقيام بأي شيء آخر.» ثم نظر إلى توم، وقال: «ماذا تفعل عندما لا تكون في المدرسة؟»
أجاب توم: «حسنًا، يجبرني أبي على التسول في الشوارع من أجل المال، ويغضب بشدة عندما لا أجلب ما يكفي من المال إلى المنزل، ولذا فأنا أقلق بشدة من هذا الشأن.»
ابتسم توم للأمير، واستطرد: «لكن لدي أصدقاء رائعين، وهناك دائمًا ما يمكننا فعله معًا؛ نشاهد عروض العرائس المتحركة التي تقام في الميدان، وكذلك العروض المسرحية، وأحيانًا يأتي أحد العازفين ومعه قرد أليف للترفيه عن الناس في الشارع. كما أننا نتسابق ونتعارك فيما بيننا. وفي فصل الصيف، نذهب للسباحة في النهر.» ابتسم توم ثانيةً، ثم قال: «أعتقد أن هذا هو الأمر المفضل لديّ؛ فاللعب برش الماء يسعدني للغاية.»
بدا الحزن هذه المرة على وجه الأمير. «كم أتمنى قضاء يوم مثل هذه الأيام! يوم واحد للعب في الماء والتسابق، يوم واحد لا ألقي فيه بالًا للدروس والواجبات الملكية.»
ونظر إدوارد إلى توم بثيابه الرثة وقال له: «يا ليت بإمكاني ارتداء ملابسك والاستمتاع بحياتك ليوم واحد؛ فليس هناك ما يمكن أن يسعدني أكثر من ذلك.»
حدق توم في ذهول، وقال: «ليت بإمكاني يا سيدي ارتداء ملابسك مرة واحدة فقط؛ فهذا أقصى ما أبتغيه.»
وقف الأمير، وقال: «إذن، فلنفعل ذلك! لنتبادل ملابسنا. ربما لن يستمر الأمر لأكثر من بضع دقائق، لكنها ستفي بالغرض!»
وبعد بضع دقائق، كان توم يقف في الغرفة الملكية مرتديًا ملابس الأمير، وإدوارد يقف أمامه مرتديًا ملابس الفقير الرثة. سار الصبيان نحو إحدى المرايا للنظر إلى أنفسهما، ووقفا جنبًا إلى جنب محدقين في المرآة، وكلاهما مصدوم ومذهول مما رآه.
قال إدوارد مترويًا: «انظر إلينا! لم ألحظ من قبل كم نحن متشابهان، فلنا نفس الطول ونفس لون الشعر والعينين، إننا كالتوءمين!»
فرد توم: «أرى ذلك، جلالتك! أظن أنه لا يمكن لأحد أن يميز أحدنا عن الآخر.» واستمر الصبيان يحدق كل منهما في الآخر.
قال إدوارد: «انتظر! هل هذه كدمة على ذراعك؟ هل حارس القصر هو من تسبب فيها بإمساكه إياك؟»
فرد توم: «نعم، أظن ذلك، ولكن لا عليك، فقد كان الحارس يؤدي …»
«هراء!» لوح الأمير بيده وقال: «سأتولى هذا الأمر في الحال. رجاء انتظرني هنا، لن أغيب سوى لحظات، أعدك بذلك.»
أمسك إدوارد ببعض الأشياء الهامة التي كانت على مكتبه، ووضعها سريعًا في مكان آمن، ثم ركض خارجًا من الباب ومتوجهًا نحو أراضي القصر. ولسوء الحظ، نسي إدوارد أنه لا زال يرتدي ملابس توم الرثة، وجرى نحو البوابات وهو يصيح: «افتحوا البوابات! يجب أن أتحدث إليكم.»
فتح الحارس، الذي سبق أن قسا على توم في وقت مبكر من هذا اليوم، البوابات، وما إن بدأ إدوارد حديثه حتى دفعه الحارس إلى الطريق وهو يقول: «ابتعد عن هنا، أيها المتسول!»
ضحك جمع الناس وأشاروا إلى الصبي مجددًا.
صاح إدوارد: «ويحك! كيف تجرؤ على معاملتي هكذا! أنا أمير إنجلترا!»
علت ضحكات الجميع هذه المرة، وانحنوا أمام إدوارد وهم يقولون: «عفوًا، جلالتك!» ودفع أحدهم إدوارد، فسقط على الأرض.
«كيف تجرؤ على لمسي!» كان إدوارد غاضبًا ومرتبكًا؛ لماذا يهزأ الجميع به؟ فلم يسبق أن عامله أحد هذه المعاملة.
قال الحارس: «هيا، لتفسحوا الطريق أمام أمير إنجلترا.»
فتفرق الجمع، ودفع الحارس إدوارد إلى مسافة أبعد نحو الطريق، وهو يقول: «تحرك أيها المتسول! ولا تدعني أراك بالقرب من القصر ثانيةً.»
استمر إدوارد المسكين في احتجاجه، لكن لم يصدقه أحد، بل استمر الناس في الاستهزاء به ودفعه بقوة. وبعد برهة قصيرة، ملَّ الجمع من لعبتهم، وأصبحوا لا يجدون متعة في ادعاء هذا المتسول بأنه الأمير، فغادر بعضهم عائدين إلى منازلهم، في حين صاح آخرون في إدوارد، ودفعوه بقسوة.
وفي آخر الأمر، أدرك إدوارد أنه ما للجدال من جدوى. إنه محاصر خارج منزله وما من أمل في الدخول إليه. فسار بالطريق — على غير هدى — آملًا في الحصول على بعض المساعدة.


الفصل الثالث
إدوارد يصل إلى «أوفال كورت»


لم يتعرف إدوارد على أيٍ مما يحيط به. كان يعلم أنه في لندن، لكن لم تسبق له رؤية هذا الحي من قبل. واستوقف أحد رجال الشرطة ليستوضح منه الأمر، لكن الشرطي دعاه بالشقي المزعج وأبعده عنه. كان إدوارد المسكين وحيدًا تمامًا؛ وعلى الرغم من أنه طالما حلم باليوم الذي يصبح فيه بمفرده، فهو يشعر الآن بالرعب بعد أن استحال حلمه حقيقةً.
بدأت السماء حينئذٍ تمطر، واستمر الأمير المشرد المسكين ماضيًا في رحلته عبر الطرقات، وفجأة أمسك رجل ما بياقته.
قال الرجل: «ألا تزال في الخارج حتى هذه الساعة المتأخرة؟ ولم تجلب بنسًا واحدًا إلى المنزل من أجل والدتك أو من أجلي؟»
حرر إدوارد نفسه من قبضة الرجل واستدار لمواجهته: «هل أنت والده؟ هل أنت السيد كانتي؟» نظر الرجل إلى إدوارد مستغربًا. «حمدًا لله أنك وجدتني، الآن يمكننا إعادة الأمور إلى نصابها.»
قال السيد كانتي: «والده؟ ما هذا اللغو يا فتى؟ أنا والدك.»
– «أرجوك، دعنا لا نؤخر الأمر أكثر من ذلك، فأنا أشعر بالألم والإرهاق والبرد، خذني إلى والدي الملك على الفور.»
بدأ السيد كانتي في الضحك بينه وبين نفسه. «حسنًا، لقد تحقق الأمر أخيرًا؛ لقد جُنَّ جنونك، توم أصبح مجنونًا!» وضحك السيد كانتي، فهو يستمتع بمعاناة الآخرين، وقال: «كفانا من ذلك!» وأمسك بياقة الأمير مرة أخرى، وأخذ يجره في الطريق.
تقدم رجل آخر نحوهما، لم يستطع إدوارد رؤيته بوضوح في الشارع المظلم، ولم يلاحظ سوى أن الرجل كان يلبس رداءً طويلًا.
قال الرجل: «اترك الصبي وشأنه، فأنت تؤلمه.»
«لا يمكنك أن تملي عليّ كيف أعامل ابني!» قال السيد كانتي ذلك وقد بدأ الغضب يتملكه؛ لقد جُرحت كرامته، فهو لا يحب أن يتحداه أحد.
قال الرجل: «إنه ليس سوى صبي صغير.»
قال السيد كانتي غاضبًا: «لا تتدخل فيما لا يعنيك.» ودفع الرجل الذي سقط على الرصيف محدثًا صوتًا مكتومًا.
أمسك السيد كانتي بالأمير، وجذبه بعنف في الطريق. قاومه إدوارد، وأخذ يصيح طلبًا للمساعدة طوال الطريق إلى منزل كانتي.


الفصل الرابع
مغامرات توم في غياب إدوارد


وجد توم كانتي الكثير من الأمور لتسليته عندما تُرك بمفرده في غرفة الأمير. فقضى وقتًا طويلًا ينظر لنفسه في المرآة، واستدار أولًا يسارًا ثم يمينًا، ثم سار مبتعدًا مقلدًا مشية الأمير، ونظر خلفه أثناء السير حتى يرى نفسه في المرآة. تظاهر توم أن الغرفة مليئة بكبار القوم ممن يحملون لقب دوق وإيرل، وتحدث مع كلٍّ منهم بشأن أمور مهمة للغاية. وعندما انحنت هذه الشخصيات التي نسجها خياله أمامه، طلب منهم النهوض ولوح بيده محاولًا بأقصى جهده تقليد تلويح الأمير.
وفي آخر الأمر، أدرك توم أن الأمير قد طال غيابه كثيرًا. وقد بدأ اهتمامه بالتقاط الأشياء وتأملها يفتر، كما بدأ يتسلل إليه شعور قوي بعدم الراحة؛ فماذا يمكن أن يحدث إذا دخل أي شخص وأمسك به مرتديًا ملابس الأمير؟ وما عقوبة انتحال شخصية الأمير؟
مشى توم على أطراف أصابع قدميه حتى وصل إلى الباب وفتحه بهدوء، ثم أنعم النظر في الرواق. فهب ستة خدام من مقاعدهم واقفين، وسأله أحدهم: «أمرك يا سيدي؟»
تراجع توم سريعًا إلى داخل الغرفة، وأغلق الباب. وأخذ يفكر: «إنهم يسخرون مني. سيسرعون في استدعاء الحراس الآن.» وأخذ يسير جيئة وذهابًا في الغرفة.
وفي هذه اللحظة، فُتح الباب وأعلن أحد الخدم: «ليدي جين جراي.» اندفعت فتاة صغيرة السن ترتدي فستانًا جميلًا إلى داخل الغرفة، وأسرعت نحو توم، لكنها توقفت عندما رأت النظرة التي علت وجهه.
سألت ليدي جين: «سيدي اللورد، هل أنت على ما يرام؟»
تعذر على توم التحدث، وحاول جاهدًا إخراج الكلمات من فمه، فقال: «نعم، أرجوكِ، عليكِ أن تساعديني. فأنا لست لوردًا أو أميرًا. اسمي توم كانتي، وأنا هنا عن طريق الخطأ. تبادلنا أنا والأمير ملابسنا، وكان من المفترض أن يستمر الأمر بضع دقائق فقط، لكنني لا أدري أين ذهب. كان من المفترض أن يعود منذ وقت طويل.»
وعندئذٍ ركع توم أمام ليدي جين، وشابك يديه متوسلًا إياها أن تصدقه.
فصاحت ليدي جين: «سيدي اللورد، أتركع على ركبتيك؟ هذا غير مقبول يا سيدي.» واستدارت تاركةً توم وخرجت مسرعة من الغرفة.
استبد اليأس بتوم، وجثم على الأرض يبكي. «لا أمل، سأسجن الآن بلا شك.»
وفي هذه الأثناء، بدأ الذعر ينتشر في باقي أنحاء القصر، وسرعان ما ذاع الخبر بأن الأمير قد جُن؛ فهو يظن نفسه شخصًا آخر ولا يعرف ليدي جين. كيف لا يمكنه التعرف على فتاة عرفها طوال حياته؟ فوالدها صديق مقرب للملك، وقضى الأطفال وقتًا طويلًا معًا. كان الملك يرقد مريضًا في غرفته منذ فترة، وعندما تناهى إلى سمعه أخبار جنون الأمير، أرسل في طلب ابنه.
اقتيد توم المسكين من غرفة الأمير، وسار عدة أروقة طويلة، محاطًا بالأطباء والخدم وأفراد البلاط الملكي، وقد ملأ الرعب قلبه. لم تكن لديه أي فكرة عما يمكن أن يحدث. فبالتأكيد سيدرك الملك على الفور أنه محتال.
وبعد فترة وجيزة، كان توم يقف في غرفة دافئة وجميلة، وكان هناك رجل ذو لحية ضخم البنيان ممتلئ الجسم يستلقي على أريكة بالقرب من المدفأة. بدا الرجل صارمًا؛ وكان يهابه الكثير من الناس، لكن صوته كان حانيًا عندما تحدث مع الصبي.
سأل الملك هنري: «كيف حالك، يا بني؟ لقد أفزعت ليدي جين حقًّا.»
قال توم متلعثمًا: «أ … أنت الملك؟» وهز رأسه: «إذن فهذه بالتأكيد نهايتي.»
تنهد الملك وهو يقول: «آه يا إدوارد، لقد تمنيت يا بني أن تكون الشائعات غير صحيحة، لكن ما أراه هو أنك تعاني من اضطراب شديد. اقترب مني يا بني.» أمسك هنري وجه الصبي في يديه بحنان وقال له: «ألا تتعرف على والدك العزيز؟» ونظر الملك إليه عن كثب ثم قال: «كم يحزنني أنك لا تتعرف عليّ.»
فأجاب توم: «أظن أنك الملك.»
شعر الملك بارتعاش بدن الصبي، فقال له: «أرجوك، لا تخف. لن يمسك أحد هنا بأذى.»
«أرجوك يا سيدي، عليك أن تصدقني، فأنا أقول الحقيقة. لست الأمير إدوارد، اسمي توم كانتي، وأنا متسول من «أوفال كورت»، ووجودي هنا جاء عن طريق الخطأ. ولا أعلم أين الأمير إدوارد الآن.» وبدأ توم يبكي. «لا أريد أن أُسجن! أرجوك، لا أريد سوى العودة إلى منزلي وأسرتي وأصدقائي!»
رد الملك متسائلًا: «السجن؟ بني العزيز، بالطبع لن تُسجن. لماذا تفكر في مثل هذا الأمر؟ لماذا قد أرغب في عقابك؟ أنت حر دائمًا في الذهاب أينما شئت وفعل ما ترغب في فعله.»
فسأل توم والحماس يملؤه: «إذن، فأنا حر في الذهاب لأي مكان؟»
فقال الملك: «يمكنك الرحيل وقتما شئت، وإن كنت أتمنى أن تبقى بضع دقائق أخرى» ثم دقق النظر في توم وقال: «أين ستذهب؟»
«سأعود إلى منزلي بالطبع. فأصدقائي وأسرتي في «أوفال كورت» يبحثون عني بالتأكيد الآن.» شعر توم بالحماس وقد أوشك على الخروج من هذه المحنة.
نكس الملك رأسه وهو يقول: «ابني مجنون. نرجو رحمتك يا رب، أمير إنجلترا مجنون؛ لا يعلم من هو.»
نظر الملك إلى الأطباء وموظفي البلاط الملكي الموجودين في الغرفة، وقد بدا عليهم جميعًا القلق، ثم قال لهم: «أخبركم الآن جميعًا أن ابني سيصبح يومًا ما ملك إنجلترا، سواء أكان عاقلًا أم مجنونًا.»
تقدم كبير مستشاري الملك إلى الأمام، ويُدعى لورد هيرتفورد، ويتولى مساعدة الملك في عمله، وكان دائمًا بجوار الملك داعمًا إياه. قال هيرتفورد: «رغبات الملك أوامر.» ثم انحنى أمام الملك وتوم.
تنهد الملك مرة أخرى وقال: «ينبغي أن أرتاح الآن.» ثم أراح رأسه على الوسادة. «إدوارد، اذهب مع عمك هيرتفورد الآن يا بني، وتعال لرؤيتي في وقت لاحق بعد أن أنال قسطًا من الراحة.»
قاد لورد هيرتفورد توم إلى خارج الغرفة، وسار توم عبر الردهات مرة أخرى حتى عاد إلى غرفة الأمير. طالما راود توم حلم الحياة أميرًا في القصر، لكن حلمه كان يتحول سريعًا إلى كابوس.


الفصل الخامس
توم يتعلم قواعد القصر


في وقت لاحق بعد ظهر ذلك اليوم، أحضر لورد هيرتفورد مجموعة من الرجال إلى غرفة الأمير، وأشار إلى أحد المقاعد موضحًا أن على توم الجلوس. فعل الصبي كما أُمر، لكنه شعر شعورًا غريبًا، فهو يعلم أنه ليس من اللياقة الجلوس بينما يقف من هم أعلى منه شأنًا. طلب منهم الجلوس، فانحنى له جميع الرجال لكن ظلوا واقفين.
كاد توم يلح في طلبه عندما همس له لورد هيرتفورد في أذنه: «جلالتك، لا تلح في هذا الأمر. فليس من اللائق أن يجلسوا في حضرتك.»
استطرد لورد هيرتفورد: «اعذرني، جلالتك، لكنني بحاجة للتحدث إليك على انفراد للحظة» ووقف أمام توم وقال له: «أنا على يقين أنك تعلم مدى أهمية ثقة شعب إنجلترا في ملكهم.»
أومأ توم برأسه ببطء.
«وأنا متأكد أيضًا أنك تعي أن مرض والدك أقلق الكثير من الناس.» راقب هيرتفورد توم وهو يومئ برأسه مرة أخرى، ثم قال: «أصدر والدك أوامر بألا تتسبب في أي مشكلات أخرى، وطلب ألا تذكر بعد الآن هذا الفتى المدعو توم كانتي أو «أوفال كورت».»
أومأ توم برأسه، فهو يعلم أن ليس هناك ما يمكن قوله. لقد شعر أنه حبيس ملابس الأمير.
وبينما كان توم يراقبهم، تابع لورد هيرتفورد والرجال الآخرون عملهم. وكان توم يستمع إليهم ويومئ برأسه كدليل على الموافقة عندما كان هيرتفورد يشير له بضرورة ذلك. ورحل بعد ذلك جميع الرجال ما عدا لورد هيرتفورد، ودخلت الأميرة إليزابيث وليدي جين مبتهجتين.
مال لورد هيرتفورد على توم ليهمس في أذنه: «أرجو منك أن تتذكر رغبات والدك أيها الأمير إدوارد. فنحن لا نريد إزعاج أي شخص آخر.»
أومأ توم برأسه مرة أخرى، وأجاب بهدوء: «أجل.»
وجه توم بعد ذلك انتباهه إلى إليزابيث وجين. كانت الفتاتان مرحتين وممتعتين. وساعد وجودهما في إلهاء توم عن مشكلاته، لكن الأمر لم يكن يسيرًا تمامًا عليه؛ فتحدثت الفتاتان عن أشخاص وأشياء لم يعرفها، كما تحدثتا أحيانًا إليه بلغات لم يفهمها. لاحظت إليزابيث أنه كان يواجه صعوبة ما، فبذلت أقصى ما بوسعها لمساعدته عند ارتباكه، حتى إنها أمسكت بيده عندما بدا منزعجًا. وأدرك توم أنه مهما حدث له وهو حبيس هذا القصر، فسيظل يشعر دائمًا بالسعادة لالتقائه بإليزابيث وجين.
وبعد رحيل الفتاتين، أدرك توم شعوره بالتعب؛ فقد كان يومًا طويلًا. لذا طلب من لورد هيرتفورد والآخرين في الغرفة تركه بمفرده فترة من الوقت.
قال لورد هيرتفورد: «بالطبع، منك الأمر ومنَّا الطاعة.»
غادر الجميع الغرفة عدا الخدم، وانتظر توم أن يخرجوا أيضًا، فقال: «شكرًا على مساعدتكم، لكن أظن أنني سأغفو قليلًا الآن.»
«بالطبع يا سيدي.» قال أحدهم ذلك وهو يمسك برداء توم ويبدأ في فك أزراره.
تبيّن لتوم أنهم موجودون لمساعدته في خلع ملابسه، وتذكر حينئذٍ اندهاش الأمير إدوارد من عدم وجود من يساعد أختيه على ارتداء ملابسهما وخلعها. وقرر توم عدم المجادلة في الأمر، وبدلًا من ذلك، وافق على مساعدتهم له وهو يتنهد بعمق.
بعد استيقاظه من غفوته، عانى توم من المحنة نفسها، لكن هذه المرة بالعكس. فبدلًا من خلع ملابسه ليغفو، ألبسه الخدم ملابس ثقيلة وثمينة لتناول العشاء، ثم تقدمه أحدهم إلى غرفة كبيرة بها مائدة واحدة طويلة. فجلس توم على كرسي كبير ومريح بأحد أطراف المائدة.
بالرغم من أن توم كان يتناول الطعام وحده، فلم يكن بمفرده في الغرفة، حيث أحاط به الخدم ومقدمو الطعام. واستغرب توم الأمر؛ فبالرغم من أن لديه أخيرًا ما يكفي من الطعام لتناوله، كان من الصعب عليه الاستمتاع به.
نظر توم إلى منديل المائدة، ووجده مصنوعًا من قماش رقيق وناعم ويحيط بأطرافه خيط ملون. كان المنديل جميلًا للغاية، فقال توم لكبير الخدم: «رجاءً أبعد هذا المنديل كي لا أتسبب في اتساخه.»
أخذ كبير الخدم المنديل من توم دون أي تعليق.
راقب الخدم توم وهو يأكل، ولم يكن من اليسير عليهم رؤية أميرهم في مثل هذه الحالة. فلم يستخدم الشوكة الصحيحة عند تناول السلاطة، ورشف من الكوب محدثًا صوتًا مرتفعًا، كما دس أصابعه في الخضروات. فهو لم ير من قبل اللفت أو تلك الأوراق الخضراء المعروفة بالخس. ونظر الخدم إليه في ذعر وهو يضع الشوكة جانبًا ويتناول ما تبقى من وجبته بيديه.
وفي منتصف الوجبة، اكتشف توم مشكلة جديدة؛ فقد شعر بحكة في أنفه ولم يعلم ما يتوجب عليه فعله: هل عليه حكها بنفسه؟ فإن لم يكن مسموحًا له ارتداء ملابسه بنفسه، فهل سيكون مسموحًا له حك أنفه؟
قال توم: «عذرًا، هل يمكن أن يخبرني أحد، رجاءً، هل بإمكاني حك أنفي؟» تسمر جميع الخدم في أماكنهم محدقين في توم في ذهول، ولم يعلم أحد منهم ما يمكن فعله، فظلوا صامتين. وفي آخر الأمر، استسلم توم للأمر الواقع وحك أنفه بنفسه.
عند الانتهاء من العشاء، وقف توم، وملأ جيوبه بالمكسرات — تحسبًا لشعوره بالجوع في وقت لاحق — وتوجه عائدًا إلى غرفته بعد أن قال: «شكرًا لكم على الطعام، أتمنى لكم ليلة سعيدة.» ولوح بيده للجميع، وترك الغرفة.
راقب الخدم توم وهو يترك الغرفة، وتمنوا ألا يطول مرض الأمير.


الفصل السادس
الختم الملكي


استيقظ الملك هنري من غفوته مذعورًا، فقد علم أنه يحتضر وأراد التأكد من أن كل شيء سيسير بسلاسة بعد رحيله. يحمل ملك إنجلترا على عاتقه مسئوليات جِسام، فماذا إذا كان إدوارد يعاني من مشكلات؟ هل كان ابنه يتعرض للكثير من الضغوط؟ ألهذا السبب كان يتحدث بغرابة شديدة؟
استدعى الملك هنري لورد هيرتفورد إلى غرفته. كان اللورد واحدًا من أكثر الأصدقاء الذين يثق فيهم الملك، وكاد يحيط علمًا بكل شئون الملك. وفي الواقع كان أحد الأشخاص المعدودين الذين كانوا يعرفون أن الملك كان مريضًا منذ فترة. هذا أيضًا إلى جانب معرفته بأن الأمير إدوارد كان يتولى بعضًا من مهام الملك.
قال الملك هنري: «علينا إتمام عملنا، وسنحتاج للختم الملكي لاستكمال هذه القوانين الجديدة.» كان هنري يواجه صعوبةً في التنفس، فتحدث ببطء شديد للحفاظ على ما لديه من قوة. «لقد أعرت الختم للأمير إدوارد منذ بضعة أيام، أرجوك خذه منه.»
قال هيرتفورد: «بالتأكيد، جلالتك.» ثم توجه مباشرةً إلى غرفة الأمير إدوارد.
وعند وصول هيرتفورد إلى الغرفة، وجد توم متعثرًا في أداء واجب اللغة اللاتينية، فتساءل هل اعتلال عقل الأمير قد زاد من صعوبة تعلمه.
قال هيرتفورد منحنيًا أمام توم: «سيدي، لقد أرسلني والدك وطلب مني إحضار الختم الملكي إليه.»
رفع توم بصره عن الكتاب المدرسي، وقد أصابته حيرة شديدة؛ فماذا يكون هذا الختم الملكي؟ فقال: «أستميحك عذرًا، لورد هيرتفورد، لكنني لا أفهم ما تقوله.»
حاول هيرتفورد مرة أخرى: «الختم الملكي، لقد أعارك والدك إياه الأسبوع الماضي، ونحن بحاجة إليه لإنهاء بعض الأمور المهمة.»
بحث توم حوله في الغرفة، لكن هل كان ليتعرف على الختم حتى إن رآه؟ سأل توم في هدوء: «هل يمكنك وصفه لي؟» علم توم المسكين أنه خيب ظن هيرتفورد، لكنه كان يبذل أقصى ما في وسعه.
– «يوجد به مقبض وفي أسفله قرص مستدير من الذهب.»
هز توم رأسه، وقال: «آسف، لم أره.» وفكر لحظة، ثم استطرد: «ربما سبق أن أعاده الأمير الحقيقي.» لاحظ توم النظرة على وجه هيرتفورد، فقال: «أعني، ربما أكون قد أعدته الأسبوع الماضي.»
قضى هيرتفورد الدقائق القليلة التالية محاولًا إقناع توم أن الختم الملكي — أيًّا كانت ماهيته — كان في مكان ما بالغرفة. فما كان من توم إلا أن ابتسم وهز كتفيه.
أخذ هيرتفورد يفكر وهو يسير عائدًا إلى غرفة الملك: «حسنًا، ربما يكون الأمير مجنونًا، لكنه لا يزال على الأقل مهذبًا.»
وعندما أخبر هيرتفورد الملك هنري أن الختم الملكي مفقود، تنهد الملك بعمق وقال: «أتمنى أن يسترد ابني عافيته سريعًا. فلا يمكن أن يكون الأمير مجنونًا، فما بالك بملك مجنون.»


الفصل السابع
أولى ليالي إدوارد بعيدًا عن القصر


في هذه الأثناء، استمرت حياة الأمير إدوارد خارج القصر. وبينما كان توم يتعلم كيف تكون حياة الأمراء، كان إدوارد يتعرف على مدى صعوبة حياة الفقراء. فهو لم يعتد أن يتجاهله الناس، بل جرت العادة معه أن يهب الناس لتنفيذ أوامره في الحال. لكنه لم يتمكن من جعل السيد كانتي يستمع إليه.
جرَّ جون كانتي الأمير المتوسل إلى الغرفة التي تعيش فيها الأسرة. قاوم إدوارد وأخذ يصيح، لكن كانتي أحكم قبضته عليه.
قال السيد كانتي متجهمًا: «لقد نلت كفايتي منك ومن ردودك الوقحة. ستخرج فجر غد للتسول في الشوارع والحصول على المال! وستظل هناك، فليس هناك وقت للعب أو لمقابلة أصدقائك.»
صاحت السيدة كانتي: «دع الفتى وشأنه!»
نظر كانتي إلى زوجته في ذهول. «كيف تجرئين على الحديث معي بهذه الطريقة؟! سأفعل ما أشاء في منزلي.» لكنه أفلت الصبي وأمره بالذهاب إلى النوم.
ألقى إدوارد نظرة على أنحاء الغرفة. كانت تضيئها شمعة واحدة والظلام يعمها. جلست سيدة عجوز في الركن، ونظرت إليه فتاتان تجلسان بجوارها والشفقة تملأ عينيهما. حاولتا الابتسام، لكن القلق بدا عليهما.
قال إدوارد مخاطبًا السيد كانتي: «سوف تعلم أن هذه المعاملة لن تمر مرور الكرام. فأنا إدوارد، أمير ويلز. سوف تدفع ثمن أفعالك عندما أعود إلى القصر.»
نظر جميع من كانوا في الغرفة إلى إدوارد، وبدأت السيدة العجوز الجالسة في الركن في الضحك: «أخيرًا، فقد الصبي عقله!» وأخذت تتأرجح في كرسيها وهي تقهقه مع نفسها.
نظرت السيدة كانتي إلى الصبي مشفقةً عليه، وقالت له: «ابني العزيز، هل تشعر بالمرض؟» ثم وضعت يدها على جبينه لترى هل يعاني من الحمى، وشرعت في البكاء وهي تملس على وجنته. «آه، حبيبي توم المسكين.»
قال إدوارد برفق: «آسف، اسمي ليس توم، اسمي إدوارد، الأمير إدوارد.» لقد أدرك في الحال أنها امرأة حنون للغاية، ولم يرغب في إخافتها أكثر من ذلك، فقال: «ابنك بخير، أرجوك لا تقلقي. إنه في القصر الآن، لقد تبادلنا الملابس …»
قال السيد كانتي مقاطعًا: «حسنًا، ألسنا محظوظين حقًّا. لا يحظى الجميع في «أوفال كورت» بزيارة ملكية.» ثم نظر إلى السيدة العجوز وغمز بعينه، واستمرت هي في الضحك.
«هيا، نان! بيت! لا تجلسا أمام الأمير. ألا تعلمان أن هذا تصرف وقح؟» وقف السيد كانتي واضعًا يديه بجانبيه. «نحن لا نريد أن يأخذ الأمير فكرة سيئة عنا.» وعندما لم تتحرك الفتاتان، غضب السيد كانتي وصرخ فيهما: «ألم تسمعاني؟ يجب عليكما الركوع أمام الأمير.»
قالت نان: «أبي، إن توم متعب، ويجدر بنا السماح له بالحصول على قسط من النوم.»
وأضافت بيت: «أنا على يقين أنه سيصبح أحسن حالًا في الصباح.»
فردت السيدة العجوز: «ضاعت أموال هذا اليوم أيضًا هباءً!»
وقف إدوارد، وقال: «كفى! أنا ابن الملك.»
نظر السيد كانتي إلى إدوارد وقد احتقن وجهه من شدة الغضب.
فجذبت السيدة كانتي الصبي بين ذراعيها وقالت بصوت حانٍ: «أرجوك، دعه ينام الليلة، وستتحسن الأمور في الصباح.»
نظر السيد كانتي إلى زوجته، وقال: «حسنًا، سندع الأمر الآن. ولكن ذلك لأن تعب اليوم قد حلَّ بي فقط.»
أومأت السيدة كانتي برأسها ومسحت على شعر إدوارد وهي تقول: «تعال يا بني. استلق هنا وحاول أن تنام.» وسوت السيدة كانتي البطاطين على الحصيرة القش وأحكمتها حول إدوارد. حاولت أن تشعره بالراحة قدر الإمكان، وأخرجت من جيبها قطعة من الخبز كانت قد ادخرتها له من حصتها في الطعام.
همس إدوارد: «شكرًا لك، سيدة كانتي، سوف أتذكر دائمًا طيبة قلبك.»
وعندما راح الجميع في النوم، نهضت السيدة كانتي ووقفت بجانب إدوارد لتشاهده وهو ينام لبضع دقائق. بدا لها الأمر مستحيلًا ألا يكون هذا ابنها، لكن ثمة أمر غير صحيح. ربما نبرة صوته أو هيئته، ربما طريقته في التلويح بذراعه عندما لا يعجبه شيء ما، فهو يفعل ذلك وكأنه يدفع الأفكار أو الناس غير المرغوب فيهم بعيدًا.
لقد كانت تعلم إيماءات توم وعاداته جيدًا؛ كلما كان يستيقظ من النوم أثناء الليل، كان يضع يده أمام وجهه مع توجيه راحتها للخارج. لقد فعل ذلك آلاف المرات، ودائمًا يتبع الأسلوب نفسه.
جثت السيدة كانتي بجانب الصبي، ودغدغت أنفه بريشة من فراشها. فتح الصبي عينيه جيدًا وجلس مستقيمًا قليلًا، لكنه لم يضع يده أمام وجهه. وبدلًا من ذلك، أغلق عينيه وعاد يغط في نوم عميق مرة أخرى. وللتأكد من الأمر، دغدغت السيدة كانتي أنفه بالريشة مرة أخرى، فلم يفتح الصبي عينيه هذه المرة، وكل ما فعله هو أنه تقلب في نومه وسحب البطانية إليه.
لم تعرف السيدة كانتي هل ينبغي عليها الضحك أم البكاء. فقد سعدت بأن هذا الصبي ليس ابنها؛ فذلك يعني أن توم ليس مجنونًا. لكنها كانت قلقة؛ فهل ابنها بأمان؟ هل هو حقًّا في القصر؟ بالتأكيد سيلاحظ الملك وجود اختلاف ما. ربما جن جنونها، فكيف لا يكون هذا ابنها؟ بدا الأمر برمته بلا معنى لها.
عادت السيدة كانتي إلى سريرها، وهي تفكر: «لا بد أنه حلم، ستعود الأمور إلى طبيعتها في الصباح.»
لكن في الصباح التالي، كان كل شيء أبعد ما يكون عما هو طبيعي. استيقظ جميع من في الغرفة الصغيرة على صوت صياح في الخارج، وطرق أحدهم الباب فجأة طرقات عديدة قوية.
«من هناك؟» صاح السيد كانتي وهو على السرير. «ماذا تريد؟»
قال رجل: «يجدر بك الرحيل يا كانتي. فأنت في ورطة كبيرة؛ ذلك الرجل الذي طرحته أرضًا الليلة الماضية كان القس العجوز، الأب آندرو. لقد ضربته بقوة، ونُقل إلى المستشفى، والشرطة تتجه الآن إلى هنا.»
هب السيد كانتي واقفًا، ليس هناك وقت لإضاعته! «هيا، لينهض الجميع! سنغادر في التو.»
انتصب إدوارد في جلسته مدهوشًا ومرتبكًا. ما كل هذه الجلبة؟ واستغرق منه الأمر بضع دقائق ليتذكر المكان الذي هو فيه، وأنه لم يعد في القصر. وعاوده الشعور بالإحباط من جديد.
وقبل أن يدرك إدوارد الأمر، كان يركض نزولًا على السلالم مع آل كانتي. كانت الشوارع مزدحمة ومفعمة بالإثارة، إذ كان هناك مهرجان مقام بالشارع. وكانت هناك ألعاب وموسيقيون وألعاب نارية على طول ضفة النهر. والسفينة الملكية تشق طريقها في الماء! كان الأمر كما وصفه توم للأمير بالضبط، لكن لسوء الحظ، لم يكن لدى إدوارد الوقت للاستمتاع بالأمر.
أمسك السيد كانتي بيد إدوارد لجذبه وسط الحشد، وتبعتهما السيدة كانتي ونان وبيت ومن ورائهم السيدة العجوز. وكان المحتشدون المتحمسون يرتطمون بهم ويدفعونهم. فقد السيد كانتي توازنه وكاد يقع على الأرض، واحتاج كلتا يديه ليستعيد توازنه. وبمجرد أن أفلت يد إدوارد حتى اندفع الأمير خلسة بين الحشد واختفى. وفي لحظات قليلة، كان قد تحرر من والده المزعوم وجرى على طول ضفة النهر.


الفصل الثامن
عاش ملك إنجلترا!


بينما كانت السفينة الملكية تشق طريقها في نهر التايمز، جلس توم على عرش فاق ارتفاعه أي شيء آخر على السفينة. وتمتع توم من موضعه هذا بإطلالة رائعة على المهرجان المقام في الشارع. لم يسبق له أن رأى المهرجان من الماء من قبل وأدهشه مدى جماله.
ألقى توم نظرة على إليزابيث وجين، اللتين كانتا تتبادلان الحديث، ولم تلاحظا الأضواء على الشاطئ أو الناس وهم يغنون. أدرك توم أنهم رأوا بالتأكيد المهرجان مرات كثيرة من قبل. لم يكن ذلك ليثير انتباههما.
رست السفينة، وتلقى توم وإليزابيث وجين المساعدة للوصول إلى الشاطئ. وأثناء سيرهم وصولًا إلى قاعة كبيرة، تفرق الحشد لإفساح الطريق للثلاثي الملكي. ونُفخ في الأبواق أثناء مرورهم من الباب، وانحنى الجميع لهم. قادت مجموعة من الحرس توم والفتاتين إلى مقاعدهم على منصة. وما إن جلس الأطفال الثلاثة حتى جلس الآخرون جميعًا.
ساد الهدوء القاعة لبضع دقائق فقط، ثم بدأ الاحتفال، وشاهده توم من كرسيه على المنصة. كان المشهد خلابًا؛ بدأ الناس يرقصون والألوان تتراقص. ونسي توم لحظة كل ما يؤرقه من مشكلات؛ فنسي أنه محاصر في شخصية الأمير، وأنه ما من أحد يصدقه، وأنه سيُسجن بلا شك إذا اكتشف أحد الحقيقة. فشرد مغتبطًا وسط مظاهر الاحتفال وأصواته.
كم كان غريبًا أنه في الأثناء ذاتها التي كان توم يستمتع فيها بمباهج الاحتفال، كان الأمير الحقيقي لإنجلترا خارج القاعة يحاول مستميتًا أن يدخل إليها. بذل إدوارد أقصى ما لديه لإقناع الحراس أنه الأمير الحقيقي، لكنهم رفضوا الاستماع إليه، وبالطبع ضحك الحشد المحيط به. وتساءل إدوارد هل سيمكنه في أي وقت الاعتياد على مثل هذا النوع من الضحك، فقد سمعه مرات كثيرة في اليومين الماضيين، وكان موقنًا أنه لم يرُق له.
قال إدوارد: «عليكم أن تصدقوني، أنا أمير ويلز الحقيقي! ومن يجلس بالداخل ليس سوى مدعٍ.»
قالت سيدة وهي تحاول النظر إلى داخل القاعة: «ابتعد عن هنا، أيها الصبي!»
ثم قال رجل: «لا تدع أحدًا يزعجك. فسواء أكنت الأمير الحقيقي أم لا، ليس لديهم الحق في معاملتك بهذا الأسلوب.»
نظر إدوارد لأعلى ليرى رجلًا طويلًا ونحيفًا يقف بجانبه. كان حسن الملبس، وإن كانت ملابسه قد نالت منها يد الزمان. كان معطفه مغطى بالرُقع والأزرار غير المتطابقة. لكن بدت طيبة القلب على وجهه، وابتسم لإدوارد.
قال الرجل: «اسمي مايلز هيندون.» ومد يده ناحية إدوارد.
لم يصافحه الفتى، وإنما أومأ برأسه بدلًا من ذلك وهو يقول: «وأنا إدوارد».
رد مايلز: «نعم، بالطبع. يسعدني الالتقاء بك، أمير إدوارد.» انحنى مايلز أمام إدوارد وقال: «دعني أتحدث مع هذا الحارس من أجلك.»
عندما سمع الناس مايلز وهو يدافع عن الفتى، أخذوا يضحكون. «انظروا! ها هنا أمير آخر متخفٍ.»
وقال آخر: «ربما يجب علينا مساعدتهما.»
فرد عليه الأول: «نعم، أعتقد أنهما بحاجة إلى بعض المساعدة. إنهما بحاجة إلى بعض المساعدة لإلقائهما في البركة.»
ضحك الجميع، وشعر إدوارد فجأة بيد على ذراعه. كان يسحبه أحدهم إلى مكان أبعد داخل الحشد، فصرخ إدوارد وأشهر مايلز سيفه.
أفلت الرجل ذراع إدوارد، وابتعد عنه وعن مايلز.
قال مايلز: «دعه وشأنه. لا شأن لك به.»
بدا أن آخرين في الحشد لا يرغبون في الابتعاد، فقد تحركوا ناحية مايلز ولم يبد عليهم الخوف من سيفه.
وفجأة نُفخ في أحد الأبواق، وقال عازفه بينما ظهر رجل بالقرب من بوابات القاعة: «أفسحوا الطريق لرسول الملك». استدار الجميع لمشاهدة الرجل وهو يسير إلى داخل القاعة، وانتهز مايلز الفرصة ليمسك بإدوارد ويأخذه إلى مكان آمن. لكن ذلك للأسف كان يعني أنه سيفوتهما سماع الأخبار التي يحملها الرسول؛ تلك الأخبار التي كانت تهم الفتى كثيرًا.
توقف جميع الحاضرين داخل القاعة للاستماع بينما كان رسول الملك يقترب. كان توم سعيدًا للغاية بمجرد الجلوس ومشاهدة الراقصين. كان يومًا غريبًا، لكن توم كان مستمتعًا. وعندما استيقظ أخيرًا من حلم اليقظة الذي كان يعيش فيه، أدرك أن أنظار كل من كانوا في القاعة كانت موجهة إليه. كانوا جميعًا بانتظاره ليقول للرسول أن بإمكانه التحدث.
نُفخ في البوق مرة أخرى، وتنحنح الرسول، ثم قال: «تُوفي الملك!» ساد الصمت القاعة، وحدق الجميع — وعلى رأسهم توم — في صمت مطبق. وأعاد الرسول قوله: «تُوفي الملك!»
أحنى جميع من في القاعة رءوسهم وأخذوا يتلون صلاة في صمت، ثم التفتوا إلى توم، ورفعوا كئوسهم وأياديهم وهم يهتفون جميعًا: «عاش ملك إنجلترا!»
لم يكن لدى توم المسكين أي فكرة عما يجب عليه فعله. فأخذ يبحث بعينيه في القاعة عن وجه ودود — عن شخص يخبره بما يجب عليه فعله — لكن الجميع كانوا ينظرون إليه ليقوم بالخطوة التالية، وهم يهتفون لملك المستقبل.
مال توم على هيرتفورد وهمس في أذنه متسائلًا: «هل صحيح أنني سأُنصَّب ملكًا على البلاد قريبًا؟»
فأجاب هيرتفورد: «نعم، جلالتك. في غضون أسابيع قليلة، ستُنصَّب ملكًا على كل إنجلترا. وحتى ذلك الحين، سنراجع معًا جميع التفاصيل، وسأساعدك في تولي مهام منصبك الجديد بسهولة ويسر. وعندما يحين موعد تتويجك، ستكون على علم بكل ما يتعين عليك معرفته عن حياة الملك.»
جلس توم على مقعده بائسًا. ملك إنجلترا القادم! ماذا عساه أن يفعل؟


الفصل التاسع
إدوارد ومايلز يعرفان المزيد


من المفترض أن يكون إدوارد هو الذي يتحدث مع لورد هيرتفورد. من المفترض أن يكون هو الذي يتلقى هتافات الجماهير. لكن، بدلًا من ذلك، كان الأمير يركض في شوارع لندن محاولًا الوصول إلى مكان آمن.
قاد مايلز إدوارد عبر الأزقة والشوارع الخلفية، وهو يحكم قبضته على ذراع الأمير. تدفقت أعداد كبيرة إلى الشوارع، ولم يستوعب مايلز كل هذا الصخب حيث أدهشه كم كان المهرجان حاشدًا. وعند وصولهما إلى جسر لندن، كانت الشوارع مكتظة بالناس.
علم إدوارد بأنباء وفاة والده من هتافات الجماهير وصيحاتهم، إذ كانوا يقولون: «مات الملك! عاش الملك! عاش الملك إدوارد!»
ذرفت عينا الفتى دمعًا. فهذا الرجل، الذي اتسم في أحيان كثيرة بالحدة مع الآخرين، كان لطيفًا معه دائمًا. أزعج الأمير خبر وفاة والده وعدم تمكنه من توديعه.
قال الأمير بهدوء: «صرت ملكًا» ونظر إلى الجماهير الهاتفة حوله، «أنا الآن الملك إدوارد. أليس غريبًا ألا يتمكن أحد من رؤيتي؟»
سار مايلز وإدوارد فوق الجسر، الذي اكتظ بالناس إلى الحد الذي أصبحت معه الحركة بطيئة للغاية. طالما كان هذا الجسر مكانًا صاخبًا، فكانت تصطف به المتاجر والنُزل ومحال الجزارة والمخابز. لقد كان في الواقع أشبه بمدينة صغيرة في حد ذاته. كان مايلز يقيم في أحد هذه النُزل، وكاد هو وإدوارد يعبران الباب الأمامي للنُزل حين أمسك جون كانتي بإدوارد من الخلف.
كان السيد كانتي يبحث عن ابنه طوال اليوم، وعبر الجسر مرات عديدة وسأل كل شخص يعرفه هل رأى الصبي. وفي النهاية، لمحه يسير مع مايلز.
قال السيد كانتي غاضبًا: «أظننت أن بإمكانك الهرب؟» كان غاضبًا للغاية. «سأعلمك درسًا لن تناسه بسرعة.» وجذب إدوارد من ذراعه محاولًا سحبه إلى الشارع.
وقف مايلز بينهما، وسأل: «ما علاقتك بهذا الصبي؟ لماذا تهدده؟»
ضيّق السيد كانتي عينيه وقال: «ما دخلك أنت بالأمر؟ إنه ابني، وسأفعل ما يحلو لي.»
قال إدوارد: «هذا كذب! إنه ليس والدي. والدي هو الملك، أو بالأحرى، كان الملك.» بدا الحزن على إدوارد لحظة، لكنه تماسك سريعًا، وقال: «هذا رجل قاسٍ عديم الرحمة.»
قال السيد كانتي: «لا تثر غضبي يا فتى، بدأ صبري ينفد!»
قال إدوارد: «لن أذهب معه!»
ورد مايلز: «حسنًا، حُسم الأمر. الفتى سيبقى معي.» وضم ذراعيه إلى صدره ووقف في مكانه متحديًا.
قال السيد كانتي: «سنرى ما سيحدث بهذا الشأن.» ومد يده محاولًا الوصول إلى إدوارد.
قال مايلز متمهلًا: «انتبه لما أقوله، هذا الصبي أصبح في حمايتي الآن، ولن يستطيع أحد إلحاق الأذى به أو إجباره على فعل شيء لا يرغب في فعله. وحفاظًا على سلامتك، أنصحك أن تتركه وشأنه.» ووضع مايلز يده على سيفه وحدق في السيد كانتي.
تمتم السيد كانتي بصوت خافت، ورحل بعيدًا عنهما.
قال مايلز: «سيكون كل شيء على ما يرام الآن.» ووضع يده على كتف الصبي. «على الأقل، سنحظى بنوم عميق الليلة.»
تبع إدوارد مايلز وصعدا ثلاث مجموعات من درجات السلم وصولًا إلى غرفته. وبحلول هذا الوقت، كان الوقت قد تأخر للغاية، وكان إدوارد جائعًا ومتعبًا.
قال إدوارد: «أيها السيد الصالح، أرجو أن تعلمني عندما يحضر الخدم وجبة العشاء.» ثم استلقى على السرير: «أنا جائع للغاية. أعتقد أنني لم آكل شيئًا منذ يوم أو اثنين.»
وقبل أن يتمكن مايلز حتى من الرد، كان إدوارد قد راح في نوم عميق.
ابتسم مايلز وهو يفكر: «ربما يكون هذا الفتى يتخيل فقط أنه أمير ويلز، لكنه بالتأكيد يعلم كيف يتصرف كشخصية ملكية. لقد أخذ سريري دون حتى أن يطلب.» نظر مايلز حوله في الغرفة بحثًا عن بطانية إضافية، لكنه لم يجد. فخلع سترته واستخدمها في تغطية إدوارد.
وفكر مايلز: «يا له من فتى مسكين! إنه مريض ومرتبك وليس له صديق في هذا العالم.» أخذ مايلز يراقب الفتى وهو نائم. لقد بدا عاجزًا لا حيلة له. وفكر مايلز في أسرته، فهو لم يرهم منذ سنوات. تساءل هل لا يزال والده على قيد الحياة. ربما تغير أخواه، آرثر وهيو، كثيرًا في السنوات السبع التي لم يرهما فيها. ربما يجدر به أخذ الفتى معه إلى منزله، سيرحب والده للغاية بالفتى المريض. أيضًا سيكون أخوه آرثر ودودًا، لكن ربما تكون المشكلة في هيو، لأنه لم يكن ودودًا، لكن تمنى مايلز أن يكون هيو قد تغير بمرور السنين.
نظر مايلز إلى إدوارد وقال: «حسنًا، سأكون صديقه. لقد دافعت عنه بالفعل، وسأصبح الآن أخاه أيضًا. أي شخص سيحاول إلحاق الضرر به سيكون عليه التعامل معي أولًا.»
وفي تلك اللحظة، وصل أحد الخدم حاملًا العشاء. وتركه على المائدة ثم صفق الباب عند خروجه، ففزع الأمير الصغير واستيقظ من نومه. وانتصب جالسًا سريعًا وهو يشعر بالارتباك بشأن المحيط الذي يوجد فيه. وارتسمت على وجهه نظرة حزن وهو يقول: «يا للأسف! ظننت أن كل هذا ربما يكون حلمًا. للمرة الثانية على التوالي أستيقظ في الصباح ويخيب ظني.»
قال مايلز: «في الواقع، سيدي، هذا ليس الصباح.» إذا كان الفتى يعتقد أنه أمير ويلز، فسوف يعامله على هذا الأساس، «لا نزال في منتصف الليل.»
لاحظ إدوارد أن مايلز استخدم معطفه ليغطيه، فقال له: «أنت كريم معي للغاية.» وأعطاه المعطف. «خذه أرجوك، فلم أعد بحاجة إليه.»
أخذ مايلز المعطف من إدوارد، وكانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها الفتى بكلمات رقيقة. وتساءل مايلز إلى متى ستستمر هذه الكياسة.
وقف إدوارد واتجه نحو الحوض الموجود بأحد الأركان وانتظر.
قال مايلز: «لدينا بعض الطعام الجيد لنستمتع به. ربما لا يكون ما اعتدت عليه في القصر، لكنه دافئ وشهي. يمكننا أن نتناول هذا الطعام ثم نغفل قليلًا، لنستيقظ في الصباح مستعدين ومنعمين بالراحة. سيكون علينا الاستيقاظ مبكرًا إذا كنا سنعيدك إلى القصر.»
نظر إدوارد إلى مايلز بدهشة وبعض من نفاد الصبر.
فسأل مايلز: «هل هناك خطأ ما؟»
قال إدوارد: «أرغب في الاغتسال.»
رد مايلز: «بالطبع، أرجوك تصرف على راحتك، لست بحاجة لطلب الإذن.»
تسمر الفتى في مكانه، وتنحنح وهو يضرب بقدمه على الأرض.
قال مايلز: «معذرةً، ولكنني لا أفهم. هل هناك شيء آخر؟»
قال إدوارد بصرامة: «رجاءً، صب الماء في الإناء.» وبصوت تطغى عليه السلطوية استطرد: «ولا تطل الحديث، من فضلك.»
كبح مايلز نفسه قبل أن ينفجر في الضحك، وأومأ برأسه في أدب، ثم فعل ما طلبه منه إدوارد.
وانتظر بأناة بينما كان إدوارد يغتسل، وهو يفكر: «يتسم هذا الفتى بشيء من الوقاحة. إنه يؤمن حقًّا أنه الأمير إدوارد، وسيتضرر بالتأكيد إذا تركته بمفرده. في نهاية الأمر، لقد سبق أن دافعت عنه مرتين في ليلة واحدة.»
قطع صوت آمر أفكار مايلز مفزعًا إياه فجأة: «هيا، المنشفة!»
مع أن المنشفة، الموجودة بجانب الحوض، كانت بمتناول إدوارد، ناوله مايلز إياها. بعد ذلك اغتسل مايلز بينما كان إدوارد جالسًا على المائدة يتناول طعامه.
عند انتهاء مايلز من الاغتسال، توجه للمائدة. سحب كرسيًّا وتهيأ للجلوس.
قال إدوارد: «انتظر! هل تجرؤ على الجلوس في حضرة ملك المستقبل؟»
قرر مايلز أنه لا توجد سوى طريقة واحدة للتعامل مع هذا الموقف: سوف يجاري الفتى، فيبدو أنه لا فائدة من التشاجر معه. من الواضح أن عقله مضطرب. وضحك مايلز بينه وبين نفسه عندما فكر: «إذا أحدثت مزيدًا من المشكلات، فسيرسلني إلى السجن.» لذا نفذ مايلز ما طلبه ملك المستقبل؛ وعمل على خدمته أثناء تناوله الطعام.
وعند انتهاء إدوارد من طعامه، استرخى في كرسيه. كان من الجيد تناول وجبة مشبِعة أخيرًا. شعر بمزيد من الراحة. توجه بالحديث إلى مايلز قائلًا: «مايلز، هذا اسمك، أليس كذلك؟»
– «نعم يا سيدي. مايلز هيندون.»
«تفضل بالجلوس يا مايلز.» لوح إدوارد بيده ليريه أين يجلس. «حدثني عن نفسك بينما أهضم طعام العشاء.»
جلس مايلز، ولوح إدوارد بيده مرة أخرى، هذه المرة للطعام مشيرًا إلى مايلز بأن عليه تناول شيء ما. كبح مايلز ابتسامة أخرى.
– «أنا من «كِنت»، ووالدي هو سير ريتشارد هيندون، صاحب قصر هيندون.»
قال إدواراد: «إذن، فأنت من أصول نبيلة.»
أومأ مايلز رأسه وقال: «أسرتي فاحشة الثراء، ووالدي رجل كريم وعطوف، يحبه جميع من يعيشون في مقاطعته. أما والدتي، فتوفيت في سن صغيرة للغاية. ولديّ أخوان: آرثر، الذي يكبرني سنًّا، يشبه والدي في كرمه وعطفه؛ وهيو، أخي الأصغر، ليس على القدر نفسه من طيبة القلب. على الأقل، لم يكن كذلك في آخر مرة رأيته فيها. لا يسعني سوى أن آمل أن يكون قد تغير للأفضل بمرور السنين. لقد كان يبلغ من العمر تسعة عشر عامًا فقط آنذاك، لذا فأنا متفائل للغاية.
عاشت ليدي إيديث أيضًا معنا، كانت تبلغ من العمر ستة عشر عامًا في آخر مرة رأيتها فيها. كانت جميلة ولطيفة وذكية. والدها كان إيرل وتُوفي وهي في سن صغيرة جدًّا ليصبح أبي وصيًّا عليها. فهي وريثة لثروة كبيرة. كنت أحبها بشدة، وهي أيضًا أحبتني. لكنها للأسف كانت مخطوبة لأخي آرثر. كان زواجًا مدبرًا بين العائلتين، وما كان لآرثر أو إيديث أي اختيار فيه، ولم يعترضا من باب الولاء للعائلتين فقط.
كان آرثر يحب امرأة أخرى، وكان دائمًا متفائلًا بشأن نجاحنا في تحقيق ما نرغب فيه. كل ما نحتاج إليه هو الصبر. ادعى هيو أيضًا أنه يحب إيديث، لكن الحقيقة هي أنه أحب ثروتها فقط. وكان أخي هيو مقنعًا للغاية، خاصةً مع والدنا. فصدق سير ريتشارد كل كلمة قالها هيو. وبالرغم من عدم ثقة أحد في هيو، اعتقد والدي أنه لا يمكن أن يتسبب في أي ضرر.
وحتى لا أطيل عليك، أخبر هيو أبي بأكاذيب لفقها بشأني. فأدعى أن نواياي سيئة وأنني أتسبب في المشكلات وأجلب العار على العائلة. هذا وقد كان أخونا آرثر يعاني من متاعب صحية، فقد وُلد مريضًا وكنا دائمًا نشعر بالقلق من ألا يعيش طويلًا. ولذا أعتقد أن هيو رأى أنه من الأفضل التخلص مني، حيث إنني كنت الوريث التالي بعد آرثر، فكنت سأرث كل شيء بما في ذلك الزواج من إيديث. كان يعلم أنه لا حق له في ثروة أبي أو ثروة إيديث في وجودي. فأقنع والدي أنني كنت أعتزم اختطاف ليدي إيديث والاستيلاء على ثروتها. وجاء رد فعل أبي مثل أي رجل شريف يواجه مثل هذه «الحقائق». طردني من المنزل، وأُرسلت لأداء الخدمة العسكرية، ثلاث سنوات في الجيش.
كانت ثلاث سنوات عسيرة، خضت فيها العديد من المعارك، وتعلمت فيها الكثير. كان عقابي جائرًا، لكنني حققت أقصى استفادة ممكنة منه. وأُسرت بعد ذلك لأقضي السنوات السبع الماضية في معسكر أسر أجنبي، تمكنت من الهرب منه أخيرًا والمضي في طريقي وصولًا إلى إنجلترا. ولم تصلني أي أخبار عن أسرتي طوال هذه المدة، لا أعلم هل والدي وآرثر لا يزالان على قيد الحياة وهل تغير أخي هيو أخيرًا أم لا.
لم يمر على عودتي إلى إنجلترا سوى بضعة أيام فقط، وكنت في طريقي إلى منزل والدي عندما عثرت عليك.»
قال إدوارد: «لقد ظُلمت ظلمًا بينًا! عندما أعود إلى عرشي، سأعيد الأمور إلى نِصابها. هذا وعد مني!»
فرد مايلز: «شكرًا لك يا سيدي. هذا كرم بالغ منك.»
«لا داعي للشكر!» قال إدوارد ذلك وهو يلوح بيده. «والآن دعني أخبرك كيف انتهى بي الحال — وأنا ملك إنجلترا — مرتديًا هذه الملابس الرثة وهائمًا في شوارع لندن.»
وعندما كان إدوارد يتحدث، أشفق عليه مايلز كثيرًا، وهو يفكر: «لقد جُن الفتى تمامًا، وفقد اتصاله بالواقع. إنه بحاجة لرعاية مني أكثر مما توقعت.»
عندما انتهى إدوارد من روايته، هز مايلز رأسه في دهشة، وقال: «هذه قصة مروعة يا سيدي.»
قال إدوارد: «لقد أنقذتني الليلة، ولن أنسى ذلك. فلتخبرني بأعظم أمانيك، وعندما أتوج ملكًا، سأحققها لك.»
أمعن مايلز في التفكير بضع دقائق، وكان أول ما ورد في ذهنه أن يقول إنه ليكفيه شرف خدمته. لكنه فكر بعد ذلك أنه ما دام من المرجح ألا يتمتع بمكافأته، فيمكنه أن يطلب المستحيل.
فخر راكعًا أمام إدوارد، وقال: «لا أطلب سوى شيء واحد، جلالتك، وهو أن أتمتع أنا — وكل من يرثني — دائمًا بشرف البقاء في البلاط الملكي.»
قال إدوارد: «لقد لُبي طلبك، وسوف تُعرف دائمًا باسم سير مايلز هيندون.»
أدرك إدوارد فجأة أنه متعب للغاية، وقال: «والآن، اخلع عني هذه الملابس الرثة.» وهو يشير إلى ملابسه. «حان وقت النوم، فقد كان يومًا طويلًا جدًّا.»
انسل إدوارد إلى السرير استعدادًا للنوم، وقال: «نم أمام الباب يا مايلز، تحسبًا لاقتحام أي دخلاء للمكان.»
لم يتسن لمايلز الرد على إدوارد حيث راح الأخير في نوم عميق مرة أخرى. وفكر مايلز: «كان يجب أن يولد ملكًا فعلًا، فهو يتقن أداء الدور إتقانًا تامًا.»
تمدد مايلز أمام الباب وهو يفكر: «حسنًا، لقد نمت بلا شك في أماكن أسوء من ذلك على مدار السنوات السبع الماضية.»
•••

عندما استيقظ مايلز، كانت الظهيرة. لقد تأخر كثيرًا عن الوقت الذي كان ينوي الاستيقاظ فيه، لذا كان يجب عليهما الإسراع الآن. وقف مايلز واستعد للخروج. تحرك إدوارد وسأله عما يفعله، فرد مايلز: «أعتني ببعض الأمور فقط، يا سيدي. سوف أعود في الحال. أرجوك لا تزعج نفسك.» وقبل أن يخرج مايلز من الباب، كان إدوارد قد راح في نوم عميق مرة أخرى.
عاد مايلز بعد نصف ساعة حاملًا حُلة مستعملة من أجل إدوارد وبعض الطعام للإفطار. جلس على المائدة لإصلاح بعض العيوب في الحلة، حيث كانت إحدى الحواشي غير مثبتة وأحد الأزرار بحاجة لإعادة تثبيت. وأثناء عمله ألقى نظرة على السرير، ولاحظ للمرة الأولى ما جعل الهلع والذهول يدبان في نفسه: وهو أن إدوارد ليس موجودًا!
أسرع مايلز إلى الطابق السفلي، وجرى باتجاه الخادم الذي جلب لهما طعام العشاء الليلة الماضية، وصرخ فيه: «أين الصبي؟»
أفزعت حالة الغضب التي كان عليها مايلز الخادم، فتعذر عليه التحدث، وقال متلعثمًا: «جاء صبي آخر بعد أن رحلت يا سيدي، وقال إنك أردت من الصبي الموجود في غرفتك أن يقابلك بالقرب من الجسر. فذهبت إلى غرفتك وأيقظته، وقد انزعج لاستيقاظه في هذا الوقت المبكر للغاية، لكنه ارتدى ملابسه ونزل إلى الطابق السفلي.»
سأل مايلز: «هل رحل إدوارد مع هذا الصبي الآخر؟»
فأجاب الخادم: «نعم، لقد غادرا معًا متجهين ناحية الجسر.»
«هل هذا كل ما تتذكره؟ هل هناك شيء آخر يمكن أن يساعدني في العثور عليه؟» تمنى مايلز ألا يكون هذا الصبي الآخر يضمر السوء لإدوارد.
قال الخادم بهدوء: «كان هناك أمر واحد بدا غريبًا؛ فقد شاهدتهما يسيران معًا، وعلى بعد نحو نصف بناية، خرج رجل رثُّ الهيئة من أحد الأبواب وانضم إليهما. وقد أمسك بذراع صديقك الصبي وجذبه ناحية الجسر. ظننته أنت وأنك متلهف لرؤيته.»
قال مايلز: «أيها الأحمق! كيف سأعثر عليه الآن؟»
خرج مايلز مسرعًا من باب النُزل، وركض في الشارع الذي رأى الخادم إدوارد فيه آخر مرة. وأخذ يفكر: «يا للصبي المسكين! ربما يكون في خطر عظيم. إنه بالتأكيد الرجل الذي ادعى أنه والده. كيف عساي أسامح نفسي؟ كان يجدر بي مراقبته جيدًا، فالصبي المسكين عليل. من يعلم الضرر الذي يمكن أن يكون قد لحق به؟ لقد خرج من النُزل لأنه ظن أنني قد طلبت مقابلته. لقد وثق فيَّ والآن ربما يكون مفقودًا!»
ركض مايلز بأقصى سرعته. كان عليه العثور على إدوارد قبل وقوع أي مكروه له.


الفصل العاشر
إدوارد في الشرك ثانيةً


بحث مايلز في الشوارع عن إدوارد، وركض على طول الجسر، ومن مكان لآخر مستوقفًا الناس طوال الطريق ليسألهم هل رأوا السيد كانتي والصبي. وتمكن من تتبع آثارهما بضع وحدات سكنية، ثم فقدها. لم يرهما أحد، ولا يعلم أحد مكانهما.
واصل مايلز بحثه طوال اليوم وأثناء الليل. وقد تملك منه التعب والجوع، ونفدت لديه جميع الأدلة التي تساعده في اقتفاء أثرهما. وقرر أخيرًا أنه يجدر به تناول العشاء ونيل قسط كاف من النوم، وسوف يبدأ البحث من جديد في الصباح.
استلقى مايلز في السرير متأملًا. كان يعلم أن إدوارد سيحاول الهرب من الرجل الذي يدعي أنه والده. «ماذا ستكون خطوته التالية؟ هل سيعود إلى لندن؟ كلا، فسيجازف هكذا بأن يُمسك به من جديد إذا عاد إلى هذا الحي. هل هناك من يمكن للصبي الاعتماد عليه؟ كلا.» كان مايلز يدرك أنه الحامي الوحيد لإدوارد، ولم تكن هناك العديد من الخيارات أمام إدوارد بخلاف البحث عن صديقه الوحيد. وبما أن العودة إلى لندن كانت أمرًا مستبعدًا تمامًا، كان الخيار الوحيد أمام إدوارد هو التوجه إلى قصر هيندون. فقد أخبره مايلز أنه في طريقه للعودة إلى منزل أسرته. لذا قرر مايلز التوجه إلى قصر هيندون في الصباح، إذ كان متيقنًا من أنه سيعثر على إدوارد في طريقه إلى هناك، أو أن «ملك المستقبل» الشاب سيعثر عليه في المنزل.
كان إدوارد — للأسف — لا يزال في قبضة السيد كانتي. لكن لم يكن السيد كانتي بمفرده هذه المرة، فكان يصاحبه صديق صغير السن يُدعى هوجو. وكان هذا الفتى الجديد لصًّا. صُدم إدوارد وثار حنقه عندما رأى هذا الرجل الكريه. وكان جرُّه له في الشوارع أمرًا مهينًا ومخزيًا. بدا أن السيد كانتي لا يتمتع بصحة جيدة، فكانت ذارعه معلقة في حمالة كتف والرضوض تحيط بإحدى عينيه، وأيضًا كان يعرج قليلًا. وبذراعه السليمة، أمسك كانتي بإدوارد واستمر في جذبه.
وأخيرًا توقف إدوارد وأبى أن يواصل السير. فكان من المفترض أن يأتي مايلز إليه، وليس العكس. قال إدوارد: «لن أمضي لأبعد من هنا الليلة، لقد نلت كفايتي.»
فقال السيد كانتي: «لكن صديقك بحاجة إليك، صديقك ذا المعطف الفاخر.» وكان صوته تشوبه نبرة تهكمية. «لقد جُرح وأرسل في طلبك.»
قال إدوارد: «جُرح؟ لماذا لم تقل ذلك من قبل؟ من الذي يمكن أن يفعل شيئًا كهذا له؟»
واصل الثلاثة السير، وتجاوزوا أسوار المدينة وصولًا للغابة. وأخيرًا وصلوا إلى حظيرة قديمة بالقرب من أحد بيوت المزارع. ودخل السيد كانتي وهوجو وإدوارد إليها، وتفقد إدوارد جميع أرجاء المكان بنظره ثم قال: «أين هو؟»
وجاء الرد على سؤاله ضحكة خبيثة من السيد كانتي. «حسنًا، أنت ابني بلا شك. فقد كنت بالغباء الكافي لتتبعني في الغابة. كان من المفترض أن تعي الأمر أفضل من ذلك.»
قال إدوارد: «لست والدي. لا أدري ما يمكنك فعله، لكني أطلب منك أن تكون رجلًا صالحًا وتعيدني إلى النُزل.»
قال السيد كانتي: «لا أظن ذلك يا بني. المدينة ليست مكانًا آمنًا بالنسبة لي. فأنا رجل مطلوب للعدالة، ألا تعلم ذلك؟» وأخرج ذراعه من حمالة الكتف ولوح باتجاه إدوارد. «أنا متنكر. فالمرء لا يعرف أبدًا أين يختفي أعداؤه.»
حاول إدوارد التراجع للوراء، لكن السيد كانتي أمسك به مرة أخرى. «أخبرني يا فتى، أين والدتك؟ وأين أختاك؟»
نظر إدوارد له مباشرة في عينيه، وقال: «كفاك ألغازًا. لقد توفيت والدتي؛ وأختاي في القصر.»
تحرك هوجو باتجاه إدوارد، ونظر إليه وكأنه سيدفع الصبي الذي يصغره حجمًا، لكن السيد كانتي أوقفه. «اتركه يا هوجو. ما من جدوى في إضاعة الوقت مع هذا الصبي.»
بينما كان السيد كانتي وهوجو يتحدثان بصوت خافت، سار إدوارد إلى ركن مظلم في الحظيرة. رتب لنفسه سريرًا في القش واستلقى عليه. تجاهل الأصوات المتهامسة، وأخذ يفكر في والده. إذا لم يصل إلى القصر في الوقت المناسب، فستفوته جنازة والده. تذكر إدوارد كل اللحظات الحانية التي تشاركها مع الملك. فبالرغم من بعده أحيانًا، كان هنري أبًا صالحًا. ولم يستطع إدوارد أن يلومه على بعده عنه، فليس هينًا أن يكون المرء ملك إنجلترا، حيث يشغل هذا المنصب جزءًا كبيرًا من الوقت.
بعد فترة من الوقت، بدأ جفنا إدوارد يتدليان. تعذر عليه البقاء مستيقظًا، وكاد يغلبه النوم عندما سمع أصواتًا أعلى تأتي من الطرف الآخر للحظيرة. جلس السيد كانتي وهوجو بالقرب من النار، وكان هناك العديد من النساء والرجال الآخرين أيضًا، وكانوا يضحكون ويتحدثون بصوتٍ مرتفع. لم يشعر إدوارد بالأمان، فلم يبد عليهم حسن الخلق.
تبين بعد قليل لإدوارد أن السيد كانتي كان صديقًا قديمًا لهذه الجماعة. وأخذ يستمع إلى ما يروونه من قصص عن عمليات السرقة والمؤامرات. فتحدثوا عن أصدقائهم ممن تُوفوا أو سُجنوا أو تعرضوا لما هو أسوء من ذلك. وعلم أيضًا أن بعضًا من أفراد هذه الجماعة لم يختاروا كونهم لصوصًا. فلم يكن أمامهم ببساطة أي مكان آخر يذهبون إليه عندما فقدوا مزارعهم. وقد وجهوا اللوم للملك في هذا الشأن بقولهم إن هنري أخذ أراضيهم ولم يوفر لهم وظائف يعملون بها. فحاولوا التسول في الشوارع، لكن ألقي القبض عليهم حيث كان التسول أمرًا غير قانوني أثناء فترة حكم الملك هنري. ونظرًا لإعالتهم أسرًا تحتاج إلى الطعام، تحولوا للسرقة. وتساءل إدوارد عن مدى مصداقية هذه الروايات. فهل من الممكن أن يكون والده قد فعل شيئًا بهذا السوء؟
وقف «الزعيم» — أو هكذا أطلق عليه الجميع — وشمر عن ظهره، وقال: «أترون هذه الندوب؟ لقد أحدثها لي حراس السجن عندما تجرأت على الشكوى. قلت إن التسول ليس جريمة، فضربوني بالسوط. وإذا سُجنت الآن، فسيكون ذلك بسبب كوني لصًّا. إن لم يكن هناك اختلاف في العقوبة، فلماذا لا أسرق؟»
«ستتغير القوانين قريبًا!» صاح إدوارد بذلك وهو في الجانب الآخر للحظيرة، ثم سار باتجاه الجماعة التي حدق أفرادها جميعًا فيه والدهشة تملؤهم. فلم يكن أحد يعلم بوجوده سوى هوجو ووالده. «ستتغير القوانين من اليوم!»
سأل «الزعيم» السيد كانتي: «من هذا؟»
هز السيد كانتي رأسه وهو يشعر بالإحراج. «إنه ابني. لا تعره اهتمامًا، لقد أصابه مكروه ما في عقله، ويظن أنه الملك.»
قال إدوارد: «أنا الملك بالفعل.» واندفع باتجاه السيد كانتي وهو يقول: «قريبًا لن تشكك في هذا الأمر. أنت لم تسىء معاملة عائلتك فحسب، ولكنك أيضًا لص. لن تفلت من العقاب.»
قال السيد كانتي غاضبًا: «هل ستشي بي، يا فتى؟»
رد إدوارد بفتور: «سأسلمك للعدالة.» فلم يكن خائفًا من هذا الرجل.
قال «الزعيم»: «الآن، يمكنك أن تطلق على نفسك ملكًا أو فقيرًا إن شئت. ولن يعتقد أحد هنا في هذا أو ذاك، لكننا لا نتهاون مع من يشي، نحن لا نحب الواشين.»
لم يرد إدوارد، حيث أدرك أن هذا الرجل يخيفه، وفطن إلى أن هذا «الزعيم» شخص خطير.
قال «الزعيم» لباقي أفراد الجماعة: «والآن، أيها الإخوة والأخوات، لنشرب نخب ملك إنجلترا القادم، فلا توجد بيننا كل يوم شخصية ملكية.»
«عاش إدوارد، الملك القادم!» هتف الجميع بذلك ما عدا السيد كانتي، حيث جلس وقد ارتسمت على وجهه نظرة غاضبة.
قال إدوارد: «شكرًا لكم.»
دفع هذا الرد جميع من في الحظيرة إلى قهقهة صاخبة، حتى السيد كانتي ظهرت على وجهه ابتسامة خافتة.
قالت إحدى السيدات: «إنه يستحق اسمًا أفضل من إدوارد، ذلك الاسم القديم العادي. أي شخص يمكن أن يُدعى إدوارد.»
واقترح شخص آخر: «ماذا عن فوو فوو؟»
فردت السيدة: «هذا ممتاز، فوو فوو الأول!» وهلل الجميع مرة أخرى.
«إنه بحاجة إلى تاج.» قالت السيدة ذلك والتقطت سلطانية ووضعتها مقلوبة على رأسه، وألقى شخص آخر ببطانية على كتفيه كما لو كانت رداء الملك.
فقالت السيدة: «وعرش!» فحملوا إدوارد ووضعوه على أحد البراميل.
هلل جميع من في الحظيرة ورقصوا حول إدوارد. جثوا أمامه وقبلوا قدميه. وحاول إدوارد دفعهم جانبًا، وصاح فيهم ليتوقفوا، لكن دون جدوى؛ فهم لا يستطيعون سماعه وسط ضحكاتهم الصاخبة، ولم يهتم أحد بما كان يرغب في قوله.


الفصل الحادي عشر
إدوارد يطلع على حياة اللصوص


غادر اللصوص الحظيرة في الفجر، ووقف إدوارد بجانب الطريق بينما اقتحم بعضهم أحد منازل المزرعة، الذي خلا من سكانه، فسلبوا ما أرادوه منه، وساروا مسافة أبعد على الطريق حتى وصلوا إلى منزل آخر خالٍ، ففعلوا به الشيء نفسه.
وصل اللصوص في وقت مبكر من ظهيرة ذلك اليوم إلى إحدى المدن، وطلب «الزعيم» من هوجو أن يأخذ إدوارد ليمروا على المنازل، بينما تجول باقي أفراد المجموعة؛ فذهب بعضهم للبحث عن طعام، وبحث البعض الآخر عن المزيد لسرقته.
سأل إدوارد: «ما الذي تفعله؟»
رد هوجو: «سنتسول.» وكان يسير أمام إدوارد وقد سئم من هذا الفتى وحديثه الغريب.
توقف إدوارد فجأة في مكانه، وقال: «عذرًا! بإمكانك فعل ما تشاء، أما أنا فلن أتسول.»
لم يلق هوجو بالًا لإدوارد، فقد عثر بالفعل على هدفهما الأول. ارتمى هوجو على الأرض متأوهًا وباكيًا. شعر إدوارد بالارتباك وتساءل عما يفعله هذا الصبي.
رفع إدوارد بصره ليرى رجلًا يسير نحوهما. توقف الرجل عندما أبصر هوجو على الأرض وقال: «يا إلهي، ما الخطب أيها الفتى؟»
فقال هوجو متأوهًا: «آه سيدي. أنا وأخي كنا في طريقنا إلى المنزل عندما مرضت.»
سأل الرجل الذي جثا بجانب هوجو: «هل هناك ما يمكنني فعله؟»
– «هل يمكنك منحي بنسًا لشراء بعض الطعام؟ فكسرة صغيرة يمكن أن تجعلني أحسن حالًا، أنا موقن من ذلك.»
فقال الرجل: «بنسًا واحدًا؟ لماذا؟ سأمنحك ثلاثة!» وأخرج ثلاثة بنسات من جيبه وأعطاها لهوجو وهو يقول: «خذ هذه الأموال واجلب لنفسك بعض الخبز. والآن تعال هنا يا فتى» وجه الرجل حديثه لإدوارد. «ساعدني في حمل أخيك إلى منزلكما.»
قال إدوارد: «إنه ليس أخي.» وضم ذراعيه إلى صدره.
– «ماذا؟ ليس أخاك؟»
فرد إدوارد: «إنه متسول ولص.»
قال الرجل: «كلاكما لصوص!» ووقف وصاح: «الشرطة! ليستدعي أحد الشرطة. هذان الصبيان كانا يحاولان خداعي! ادعى أحدهما المرض ليتمكن الآخر من سرقتي. النجدة!»
هب هوجو على قدميه وهرب ليختفي في أحد الأركان في بضع ثوانٍ فقط. واستغل إدوارد لحظة الحرية هذه، حيث استدار وركض في الاتجاه الآخر. فكان يعلم أن الشرطة لن تصدقه.
ركض إدوارد إلى خارج المدينة وعلى طول الطريق، وظل يركض إلى أبعد مكان أمكنه الوصول إليه. ولحسن حظه، وصل إلى أحد منازل المزارع التي لا تبعد عن المدينة. وفكر في أن يطرق الباب، لكنه كان يشعر بإعياء شديد، ولم يرد أن يجازف بالتعرض لمزيد من السخرية والإهانات. فقد أعياه قول الحقيقة وعدم تصديق أحد له. لم يقف أحد بجانبه سوى مايلز، ولم تكن لدى إدوارد أي فكرة عن كيفية العثور عليه.
سار إدوارد باتجاه الحظيرة، وتفقد أرجاء المكان ليتأكد من خلوه. كان الهدوء يخيم على المكان، فدخل إدوارد ووجد مكانًا يستلقي فيه؛ وكان مكانًا لطيفًا ودافئًا.
وفي اللحظة التي كاد إدوارد ينام فيها، شعر بشيء بجواره؛ كان شيئًا كبيرًا وذا رائحة غريبة. فتسمر إدوارد في مكانه وقد ملأه الرعب من أن يلاحظه هذا الشيء، ومد يده برفق، لكنه كان مرتعدًا، فسحبها سريعًا مرة أخرى. وحاول مرة تلو الأخرى، حتى لمس في الآخر حبلًا. استدار لينظر إلى ما أمسكه وعندها أدرك أنه لم يكن حبلًا على الإطلاق! لقد كان ذيل عجل.
اطمأن إدوارد لمعرفته بأن هذا الكائن الغريب لم يكن سوى عجل. وشعر بالسعادة أيضًا لعلمه أنه لم يكن بمفرده؛ فكان يشعر بأنه وحيد وبلا أصدقاء، وكان من اللطيف أن يكون له رفيق. استدار إدوارد ناحية العجل وراح في النوم وهو يمسح على رقبة الحيوان.


الفصل الثاني عشر
وقت للمشاركة


فتح إدوارد عينيه في الصباح التالي ليرى طفلين يحدقان به؛ صبي وفتاة ينظران إليه في صمت. فحدق إدوارد فيهما بدوره.
سألت الفتاة: «من أنت؟»
قال إدوارد: «أنا الملك القادم.»
فسأل الصبي: «الملك القادم؟ ملك ماذا؟»
رد إدوارد: «ملك إنجلترا.»
نظر الطفلان أحدهما إلى الآخر في دهشة، وهمست الفتاة: «هل … هل يمكن أن يكون ما يقوله صحيحًا؟»
قال الفتى وهو يفكر متأملًا: «حسنًا، لم تسبق لي رؤية الملك القادم، لذلك لا يمكنني أن أقول إنه ليس الملك.»
وأضاف: «إذا كنت الملك القادم حقًّا، فسوف نصدقك.»
فرد إدوارد: «أنا هو صدقًا.» وابتسم، فأخيرًا وجد من يصدقه.
قالت الفتاة: «إذن، يجب أن ترافقنا إلى الداخل. تعد والدتنا الإفطار، ويمكنك الانضمام إلينا.»
تبِع إدوارد الطفلين إلى داخل المنزل، واستقبلته والدتهما بترحاب. ولاحظت حالة ملابسه واتساخ وجهه، وأخبرها طفلاها أنه ملك إنجلترا القادم. راقبته وهو يجلس على المائدة ويأكل سلطانية من طحين الشوفان؛ فكان وقورًا ومهذبًا حقًّا. وشعرت بالشفقة حيال هذا الفتى المسكين.
وقالت له: «يسعدنا وجودك هنا، جلالتك. فهو شرف لنا تواجدك معنا على مائدتنا.»
أنهى إدوارد إفطاره، واسترخى في كرسيه وهو يشعر بالامتلاء والرضا. كانت السيدة وطفلاها يستعدون للذهاب إلى العمل. وعند خروجها من الباب، طلبت من إدوارد تنظيف أطباق الإفطار.
فكر إدوارد: «ماذا؟ ملك إنجلترا القادم يغسل الأطباق؟» وكاد أن يعترض، لكنه فكر ثانيةً: «يجب أن أرد إحسانها بإحسان. هذا أقل ما يمكنني فعله.»
لم يؤد إدوارد مهمته على نحو جيد، وأدهشه مدى صعوبة تنظيف الملاعق والسلطانيات الخشبية. واستغرق الأمر منه وقتًا طويلًا للغاية، وكانت النتيجة أبعد ما تكون عن الإتقان، لكنه كان فخورًا بنفسه. فقد تعلم فعل شيء جديد تمامًا.
واصل إدوارد مساعدة الأرملة طوال النهار. فقشر بعض التفاح على نحو سيء للغاية، وكنس الأرضية على الدرجة نفسها من السوء. وقبل الظهيرة أرسلته الأرملة إلى الحظيرة مع ابنها ليساعده في إطعام الأبقار. وفعل إدوارد كما طلبت منه.
اتبع إدوارد تعليمات الصبي الأصغر منه سنًّا، وصب الحبوب في المعلف للأبقار. لم يكن معتادًا على هذا العمل الشاق، ولاحظ الصبي أن إدوارد يعاني في حمله لحقيبة الحبوب، فسأله: «هل أحضر لك كوبًا من الماء؟ تبدو عطشًا.»
قال إدوارد: «نعم، رجاءً. هذا لطف بالغ منك.» فركض الصبي الصغير عائدًا إلى المنزل بينما واصل إدوارد عمله.
وفجأة سمع إدوارد صوتًا مألوفًا خلفه، فأسقط حقيبة الحبوب من يده.
قال السيد كانتي متسائلًا: «هل تخليت عن سلوك الأمراء؟»
استدار إدوارد للخلف ببطء، وكان السيد كانتي يقف هناك واضعًا يديه بجانبيه ومبتسمًا لإدوارد بدناءة.
فكر الصبي أن يركض، لكنه كان محاصرًا، وكان يعلم أنه لا أمل له في الهروب. اقترب هوجو من باب الحظيرة، وقد اندهش لرؤيته إدوارد بالداخل. فقد اكتشف هو والسيد كانتي هذه الحظيرة بالمصادفة أثناء بحثهما عن مأوى لهما، ولم يتوقعا بالتأكيد العثور على الصبي هناك. ودون أن ينبس بكلمة، أمسك السيد كانتي بذراع إدوارد بينما وضع هوجو يده الأخرى على فمه، وتحركوا بسرعة وهدوء حتى لا يسمع أحد بالمنزل أي شيء.


الفصل الثالث عشر
العودة إلى اللصوص


عاد الملك فوو فوو للترحال مع مجموعة اللصوص من جديد. وكان السيد كانتي يعمد إلى مضايقة إدوارد كلما أدار «الزعيم» ظهره، كما كان هوجو يطأ على أصابع قدميه، ويصطدم به ثم يدعي أن الأمر كان حادثًا. بل إنه حاول كذلك إيقاعه.
رفض إدوارد الرد على أيِّ من إهانات هوجو؛ فلن يدنو بنفسه إلى مستواه. أيضًا أبى المشاركة في أي من الأنشطة غير القانونية للمجموعة؛ فما كان ليسرق معهم أو يتسول في الشوارع. وسار معهم منتظرًا سنوح فرصة له للهرب.
هذا وكان هوجو يعد خطة خاصة به. لقد أدرك أن الوسيلة الوحيدة للتخلص من إدوارد هي أن يُلقى القبض عليه. فإذا هرب إدوارد، فسوف يبحث عنه السيد كانتي. لكنه إذا كان في السجن، فسوف يمضون في طريقهم من دونه. لقد ضاق هوجو ذرعًا بهذا الفتى الذي يستقطب اهتمام الجميع، وكان هوجو قد بدأ يعتبر السيد كانتي كوالده ولم يرغب في المنافسة.
عرض هوجو أن يأخذ إدوارد إلى القرية التالية للبحث عن أموال. وبحث عن الهدف المناسب بعناية فائقة؛ فهو يعلم أن أمامه فرصة واحدة فقط. فاختار سيدة تحمل سلة طعام، وتحرك هوجو بسرعة كبيرة، وخطف السلة من السيدة وهرب.
لم يصدق إدوارد حسن حظه، فهو بمفرده! وما كاد يستدير ويجري في الاتجاه الآخر حتى ظهر هوجو مرة أخرى، ودفع بالسلة بين ذراعي إدوارد. وقبل أن تسنح لإدوارد الفرصة ليدرك ما حدث، صاح هوجو: «قف! لص!» ثم جرى في أحد الأركان ليراقب ما يحدث من بعيد.
أسقط إدوارد السلة، واندفعت السيدة نحوه وانتزعت طعامها. وجاء معها عدد من الأشخاص الذين أمسكوا بإدوارد.
صاح إدوارد: «دعوني وشأني! فأنا لم أخطئ.»
وزاد الجمع وأحاط بإدوارد المزيد من الناس. وأوشك الصبي على الاستسلام عندما سمع صوتًا مألوفًا يقول: «ابتعدوا عن الصبي!»
شاهد إدوارد سيفًا طويلًا يفرق الجمع، فتنحى الجميع جانبًا وسار مايلز نحو الملك القادم.
قال إدوارد: «سير مايلز، كنت أتساءل متى ستصل.»
مال مايلز ليهمس في أذن إدوارد. ثم قال إدوارد: «يجب أن نتوخى الحذر سير. فلا يزالوا أكثر منا بكثير.» فابتسم مايلز، لقد نسي أنه نال الآن لقب سير. لا تزال ذاكرة الصبي قوية للغاية، بالرغم من جنونه. أثار هذا الأمر دهشة مايلز.
وفي تلك اللحظة وصل أحد رجال الشرطة، وقبل أن يتمكن من التحدث، قال مايلز: «شكرًا للرب على وصولك. فلتكن في المقدمة، أرجوك، وسنتبعك.» ووضع مايلز يده على كتف إدوارد وأخبره أن يظل هادئًا، فأطاعه الملك القادم.
وبينما كان مايلز وإدوارد يتبعان رجل الشرطة، أخذا يتحدثان بهدوء.
سأل مايلز: «لقد سن الملك القوانين، أليس كذلك؟» فأومأ إدوارد برأسه. «كيف إذن يمكن أن نحترمها ونقاومها في الوقت نفسه؟ يجب أن يكون لدينا إيمان بأن هذه القوانين ستحمي البريء كما تعاقب المذنب بالضبط.»
أمل إدوارد أن يكون مايلز محقًّا. فقد شهد في الأيام القليلة الماضية أحداثًا جسامًا جعلته يتشكك في كلام مايلز.
وقف إدوارد أمام القاضي، ودخلت السيدة التي كانت تحمل السلة إلى المحكمة. طلب القاضي من السيدة أن تكشف عن محتويات السلة؛ فكانت عبارة عن خنزير سمين جاهز للطهو.
سأل القاضي: «ما قيمة هذا الخنزير في تقديرك؟»
فأجابت: «ثلاثة شِلنات وثمانية بنسات، يا سيدي.»
نظر القاضي في أرجاء قاعة المحكمة المكتظة بالناس، وطلب من الحراس إخراج الجميع ما عدا مايلز وإدوارد والسيدة.
قال القاضي: «سيدتي، أرجو أن تمعني النظر في هذا الأمر. فقد كان هذا الفتى على الأرجح جائعًا ومتعبًا عندما سرق سلتك. وعدم امتلاك المرء شيئًا يأكله يدفعه لفعل أمور غريبة. والآن يا سيدتي، هل تدركين أن من يسرق شيئًا تزيد قيمته عن شِلنين وأربعة بنسات يُرسَل إلى إصلاحية للأحداث؟»
شهق إدوارد، فلم تكن لديه فكرة أن مثل هذا الأمر يمكن حدوثه. كان يعلم أن الأمر خطير، لكن هل يمكن أن يُرسَل إلى إصلاحية للأحداث؟
صاحت السيدة: «يا إلهي، لا! ماذا فعلت؟ لا يمكن أن يذهب هذا الصبي للإصلاحية بسببي. ماذا يجب عليّ فعله؟»
قال القاضي بهدوء: «نصيحتي لكِ هي أن تخفضي من قيمة الخنزير.»
فقالت: «إذًا، فلنقل أنه بثمانية بنسات.»
كان مايلز شديد الانفعال لدرجة أنه عانق إدوارد أمام الجميع، وشعر الصبي بالإحراج لكنه لم يقل شيئًا.
التقطت السيدة سلتها وغادرت قاعة المحكمة سريعًا. أمسك أحد الحراس الباب لها، ثم تبعها إلى الخارج. وتبعهما مايلز الذي كان فضوليًا لمعرفة سبب مغادرة الحارس.
قال الحارس للسيدة: «هذا خنزير سمين. سأشتريه منك، إليك ثمانية بنسات.»
ضحكت السيدة وهي تقول: «ثمانية بنسات! لا تكن سخيفًا! هذا الخنزير يساوي أكثر من ذلك بكثير.»
«سيدتي، لكنك أقسمت أن هذا الخنزير يساوي ثمانية بنسات، فهل كنت تكذبين؟» ابتسم الحارس، وقد اعتبر نفسه ماهرًا للغاية. وعندما لم تجد السيدة مخرجًا، أعطت الخنزير للحارس. فأخذه منها وخبئه في مكان سري قبل أن يعود إلى المحكمة.
عاد مايلز إلى إدوارد في الوقت المناسب ليسمع حكمًا يصدر عليه بالسجن لفترة قصيرة. استشاط الصبي غضبًا، وكان على وشك الاحتجاج والصراخ عندما وضع مايلز يده مرة أخرى على كتفه، وهو يقول له: «أرجو منك أن تصبر فترة قصيرة من الوقت فقط يا سيدي. وأعدك أنك لن تعاني في السجن أبدًا.»
رأى إدوارد أن يثق في مايلز وأن يبقى هادئًا. فليس لديه خيار آخر في نهاية الأمر.
تبع مايلز وإدوارد الحارس في ميدان عام. وكانت الشمس تغرب، والهواء يزداد برودة، والناس يتجهون إلى منازلهم لينعموا بالدفء.
نقر مايلز على كتف الحارس، وقال له: «أود التحدث معك لحظة.»
فأجاب الحارس: «ليس لدينا وقت لذلك. فمن المتوقع استقبال الصبي في السجن.»
قال مايلز: «سأقول لك ذلك مرة واحدة وأتمنى أن تعيه.» ومال بالقرب من الحارس وهو يقول: «دع الصبي يهرب.»
– «ماذا؟ هذا سخف!»
تحدث مايلز بهدوء: «لقد سمعت كل كلمة قلتها لتلك السيدة. هل تود أن أخبر القاضي بما حدث؟ ستفقد وظيفتك بالتأكيد إذا علم القاضي أنك خدعت تلك السيدة الأمينة.» وصمت لحظة ثم قال: «أو ربما سيقرر القاضي أن من يستحق قضاء فترة في السجن هو أنت.»
حدق الحارس في مايلز وهو لا يصدق ما يسمعه. ولم يستطع أن ينطق بأي كلمة.
قال مايلز: «عظيم، سأسرع عائدًا إلى المحكمة لأتحدث مع القاضي.» واستدار ليغادر المكان، لكن الحارس أمسك بذراعه.
«لا، انتظر. فلن يرأف القاضي بحالي.» وأخذ الحارس نفسًا عميقًا. «إذن، حسنًا، يبدو أنه لا خيار أمامي. لكن أسرِع.» وأخذ الحارس نفسًا عميقًا آخر واستدار.
وقال: «سأعد لعشرة، إذا رأيتكما هنا عندما أستدير، فسوف آخذكما إلى السجن.»
وقبل أن يعد الحارس إلى ثمانية، كان مايلز وإدوارد قد ابتعدا تمامًا وتجاوزا العديد من الشوارع.


الفصل الرابع عشر
قصر هيندون


استغرقت الرحلة إلى قصر هيندون عدة أيام على ظهور الخيل، وأخيرًا قال مايلز: «انظر يا سيدي.» وأشار إلى منزل كبير قابع على تل. «هذا هو منزلي! قصر هيندون.» لاحظ إدوارد عيون مايلز وقد اغرورقت بالدموع.
قال مايلز: «أتساءل هل سيتذكرني أحد. هل لا يزال جميع الخدم أنفسهم هناك؟ لا، هذه سذاجة مني.» وهز رأسه قليلًا: «سيجن والدي وأخواي وليدي إيديث من الفرحة عندما يرونني.» ونظر إلى إدوارد، وقال: «كما سيسعدون للغاية لمقابلتك.»
ترجل مايلز عن حصانه، وسار إلى المنزل واندفع عبر الباب الأمامي. وكان إدوارد خلفه على مقربة منه.
كان المنزل من الداخل كئيبًا ويغلفه الحزن. وبدت الغرف باردة بالرغم من النيران القوية في المدافئ. سار مايلز برشاقة إلى داخل الغرفة الأمامية، وكان هناك رجل يجلس أمام النار، وظهره للباب.
صاح مايلز: «هيو! كم أنا سعيد لرؤيتك. فلتقف وتعانق أخاك.»
وقف هيو سريعًا، وعندما رأى مايلز، ارتد للخلف فجأة. وقد بدا في أول الأمر مندهشًا، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه، وأمعن النظر في مايلز.
«أخشى، أيها الغريب، أنه قد اختلط عليك الأمر. فأنا لست أخاك.» عبس هيو في وجه مايلز. لقد تعرف على أخيه في التو، لكنه لم يرد أن يعلم مايلز ذلك.
قال مايلز: «عذرًا» وسار خطوة أخرى للأمام ثم قال: «ألست هيو هيندون؟»
فقال: «نعم، أنا هيو. لكن من أشك فيه هو أنت.»
– «أنا مايلز! أعلم أنني قد غبت طويلًا، لكن لا يمكن أن أكون قد تغيرت بهذا القدر.»
وقف هيو منتصبًا، وقال: «كيف تجرؤ! أخي توفي من سبع سنوات. اخرج الآن، وإلا سأجعل الشرطة تقبض عليك بتهمة الاحتيال.»
حاول مايلز أن يبدي اعتراضه، لكن هيو رفع يده، وقال: «تلقينا خطابًا يقول إن أخي مايلز قُتل في إحدى المعارك، وبكيناه منذ سنوات عديدة.»
قال مايلز: «دعني أرى والدنا.» وكاد يصرخ، فلماذا لا يصدقه أخاه؟ «سيتعرف عليَّ أبونا على الفور.»
قال هيو بهدوء: «لا يستطيع المرء استدعاء الموتى.»
«أبونا مات؟» أمسك مايلز برأسه بين يديه. «والدنا الحبيب المسكين.» ونظر إلى هيو مرة أخرى. «وماذا عن ليدي إيديث؟ هل هي بخير؟ هل لا تزال تعيش في قصر هيندون؟»
قال هيو: «بالطبع.»
فسأل مايلز: «وأخونا آرثر؟ هل لا يزال على قيد الحياة؟»
قال هيو: «لا، أخي توفي منذ نحو ست سنوات.»
– «فلتستدع الخدم إذن، سيتعرفون عليَّ. فأي شخص عرفني وأنا صغير سيتعرف عليَّ. لقد عملوا جميعًا هنا سنوات عديدة.»
قال هيو: «للأسف، معظمهم رحلوا، لكنني سأستدعي البعض إلى هنا إذا كان ذلك سيثبت وجهة نظرك.» وغادر هيو الغرفة.
أخذ مايلز يمشي جيئة وذهابًا، وهو يقول: «لا أفهم شيئًا مما يحدث. فبعد سنوات عديدة في معسكر الأسر، وهروبي، والصعوبات التي قابلتني لأعود إلى المنزل، لا أحد يتعرف علي. هذا أشبه بالحلم المزعج.» واستدار إلى إدوارد: «أرجو أن تصدقني جلالتك. هذا منزلي، وهذا كان أخي هيو. وأدعى مايلز هيندون.»
قال إدوارد ببساطة: «لا شك لدي فيك. فأنت لم تشك فيّ، وسوف أمنحك التقدير ذاته.»
سالت الدموع مرة أخرى من عيني مايلز، وقال: «شكرًا لك يا سيدي، إنني أشكرك من كل قلبي.»
فجأة، انفتح أحد الأبواب، ودخلت سيدة جميلة يتبعها على مسافة قريبة هيو. سارت السيدة بتمهل، ورأسها منخفض، وعيناها مثبتتان على الأرض. وقد بدت في شدة الحزن.
قال مايلز: «إيديث! عزيزتي.»
لاحظ إدوارد أن السيدة ارتعدت قليلًا عندما تحدث مايلز، وبدأ وجهها يحمر.
رفع هيو يده ووقف بينهما، واستدار ناحية إيديث، وقال: «انظري إلى هذا الرجل، هل تعرفينه؟»
صمتت لحظات قليلة قبل أن تنظر إلى أعلى وتقول سريعًا: «لا أعرفه.» وعادت لتحملق في الأرض. وبعد لحظة، ركضت خارج الغرفة، وهي تغالب دموعها.
انهار مايلز على أحد الكراسي، وأمسك رأسه، وتأوه.
دخل الخدم الغرفة، وسألهم هيو هل يعرفون مايلز، فهز الجميع رءوسهم منكرين في صمت.
قال هيو: «إذن هذا ما قد طلبته. لا بد من وجود خطأ ما. فلم يتعرف الخدم عليك، وكذلك زوجتي لم تتعرف …»
رفع مايلز بصره إلى هيو وقال: «زوجتك؟!» وفي لحظة، كان هيو مثبتًا قبالة الحائط. «الآن علمت ما فعلته. لقد كتبت هذا الخطاب بنفسك، وأقنعت الجميع أنني توفيت وأخذت مكاني. فأي سبب آخر كان سيدفع إيديث للزواج منك؟ لقد أردت أموالها، فلفقت قصة وفاتي. لقد سلبتني حبي!»
نادى هيو على الخدم ليساعدوه.
قال أحدهم: «لكن يا سيدي، إنه مسلح.»
فصرخ هيو: «هل جميعكم جبناء؟»
قال مايلز: «يمكنهم فعل ما يشاءون، لدي شيء واحد فقط أود قوله: أنا مايلز هيندون، سيد قصر هيندون، ولن أغادر. وعليك أن تتيقن مما أقوله!»
أشار هيو ثانيةً إلى الخدم، فسحبوا مايلز بعيدًا عن سيدهم. ونظر هيو إلى مايلز مستهزئًا قبل أن يندفع خارج الغرفة.


الفصل الخامس عشر
مايلز المدعي


جلس إدوارد ومايلز في الغرفة الأمامية لقصر هيندون يفكران في خطوتهما التالية. أو بالأحرى، كان مايلز يفكر فيما سيفعله بعد ذلك، بينما بدأ إدوارد يتساءل لماذا لم يكن هناك من يبحث عنه؟!
قال إدوارد: «لا بد أنهم قد أدركوا الآن أن محتالًا يعيش في القصر، فلماذا لم يأت أحد للبحث عني؟»
كان هناك طرق خفيف على الباب، ودخلت إيديث الغرفة. اندفع مايلز للأمام لتحيتها، لكنها رفعت يدها قليلًا، فتوقف مايلز في مكانه. كانت لا تزال جميلة، لكن يملؤها الحزن.
قالت له: «لقد جئت لأحذرك.» كان صوتها هادئًا، واستدارت للنظر خلفها عدة مرات. «زوجي سيد هذه المنطقة، وله سلطة على كل شيء وكل شخص.» صمتت لحظة ثم قالت: «ودائمًا ينفذ ما يريد.»
تجاهل مايلز تعليقاتها، وقال: «ألا تتعرفين عليَّ، يا إيديث؟ ألا ترين أنني مايلز؟»
ابتلعت ريقها وأخذت نفسًا عميقًا. لم تستطع النظر إليه في عينيه. «لا يمكنني سوى تحذيرك. يجب أن تهرب. يجب أن ترحل الآن.»
قال مايلز بحزم: «لن أترك منزلي مرة أخرى.»
«ألا تفهم؟» احمرت وجنتاها وأخذت تتنفس بصعوبة. «لم يعد هذا منزلك. إن زوجي طاغية، ولست بأمان هنا.» واستدارت لتنظر خلفها مرة أخرى. «كلانا في الواقع ليس آمنًا هنا.»
«أتطلبين مني الرحيل بعد ما قلته؟ هل تخشين أن يلحق بك أذى؟» واقترب منها مايلز، لكنها أوقفته مرة أخرى بإشارة من يدها.
قالت وهي تعطيه كيسًا من النقود: «أرجوك خذ هذه النقود. فستعينك في أسفارك.»
فقال مايلز: «قدمي لي خدمة واحدة. انظري إليَّ في عيني مرة واحدة فقط. انظري في عيني وقولي لي إنك لا تتعرفين عليَّ.»
وفي هذه اللحظة، انفتح الباب فجأة، واندفع عدد من الخدم إلى داخل الغرفة وأمسكوا بالزائرين. وبعد صراع مرير، هُزم مايلز، وسُحب هو وإدوارد بعيدًا، وزُج بهما في السجن.


الفصل السادس عشر
السجن


كانت زنزانة السجن مكتظة وشديدة القذارة. رجال ونساء كانوا محبوسين داخل هذا المكان الضيق، بعضهم مكبل إلى الحائط، والبعض الآخر مقيَّد إلى الأسِرة. ولم يتسع المكان لأحد ليتحرك في أرجائه.
عند وصولهما المكان في بادئ الأمر، كان الغضب والأسى يسيطران على مايلز، ولم يستطع التفكير بذهن صاف. فكان كل تركيزه منصبًا على جرائم أخيه ولم يستطع التفكير في أي شيء آخر. لكن بعد فترة من الوقت، بدأ مايلز يهدأ. وحاول أن يقرر هل تعرفت عليه إيديث أم لا، لكنه لم يستطع فهم الأمر. فقد كانت عودته إلى المنزل تجربة صاعقة ومخيبة للآمال.
مرت بضعة أيام، ومايلز وإدوارد يصابان بالهزال في زنزانة السجن. فقد عانيا من الأجواء القذرة والطعام الرديء. وتوقف إدوارد عن ادعاء كونه ملكًا، حيث كانت الأمور صعبة بما فيه الكفاية مع مناداة الجميع لمايلز بالمحتال.
حظي مايلز بشهرة كبيرة في السجن، فكان الحراس يتوقفون عنده في أحيان كثيرة ليهينوه. وكانوا يحضرون في بعض الأحيان أشخاصًا ربما يتعرفوا عليه، لكن لم يقل أحد إنه يعرفه. وفي أحد الأيام أحضروا رجلًا عجوزًا كان سجينًا أيضًا، وكان أحد الخدم القدامى في قصر هيندون. أشار الحراس إلى مايلز، وسألوا الرجل: «هل هذا سيدك السابق؟»
نظر الرجل العجوز إلى مايلز، وهز رأسه، وهو يقول: «ليست لدي أي فكرة عما تتحدثون عنه، فلم أر هذا الرجل في حياتي من قبل.»
ضحك الحراس مرة أخرى، وتركوا الرجل العجوز مع مايلز. وعندما أصبحا في مأمن من أن يسمعهما أحد، همس الرجل العجوز: «حمدًا لله!» وابتسم. «سيدي عاد أخيرًا. لقد ظننا أنك ميت طوال تلك السنوات.»
قال مايلز: «جورج؟ هل هذا أنت؟ ماذا تفعل هنا؟»
– «ما تفعله أنت. لقد ألقى أخوك بالكثير منا هنا. ولولا اتساخ ملابسنا وحالتنا المزرية، لتعرفتَ على الكثير منا.»
وهكذا علم مايلز قصة أسرته. توفي آرثر، كما أخبره هيو، منذ ست سنوات. ووطأة موت آرثر واختفاء مايلز أدت إلى مرض سير ريتشاد. وأراد سير ريتشارد أن ينعم هيو وإيديث بالأمان ويتزوجا، لكن إيديث ترجته الانتظار، فكانت موقنة أن مايلز سيعود أو سيبعث لهم بأخباره. ووافق سير ريتشارد، ثم وصل خطاب في أحد الأيام يوضح أن مايلز قُتل في إحدى المعارك. وشعر سير ريتشارد أنه لا جدوى من الانتظار أكثر من ذلك، وتزوج هيو من إيديث. ولم يمر وقت طويل حتى انتشرت الشائعات في الأنحاء بأن إيديث قد عثرت على عدد من مسودات الخطاب، الذي يحمل أخبار وفاة مايلز، مكتوبًا بخط يد زوجها. لكن لم يكن لديها أي أمل في الطلاق، فليس لها عائلة أخرى أو أي موارد دعم. وإذا رحلت، فسيأخذ هيو كل أموالها ولن يصبح لديها أي شيء. وعندما توفي سير ريتشارد، استولى هيو على ثروة الأسرة أيضًا. لم يحبه الناس كثيرًا، في الواقع كانوا يخافونه. كان الجميع يعلمون أنه لا يتردد في الزج بالناس في السجن. ولم يشعر أحد بالأمان في مواجهته.
قال مايلز: «هذه رواية مفزعة يا جورج. ليته كان بإمكاني فعل أي شيء لتغييرها.»
فرد جورج: «إنه زمن غريب. لقد سمعت شائعات أخرى عن أن الملك القادم مجنون، وسمعت أنهم يبعدونه عن عامة الناس.»
فجأة رفع إدوارد صوته قائلًا: «الملك القادم ليس مجنونًا! من الأفضل أن تهتم بشئونك.»
هز الخادم العجوز كتفيه وعاد إلى أفكاره.
قال جورج: «من المقرر دفن الملك خلال يوم أو اثنين، وسيتوج الملك الجديد بعد ذلك بأيام قليلة. كم كنت أتمنى المشاركة في الاحتفالات، فالمرء يفوته الكثير من الأمور وهو في السجن.»
جلس إدوارد مصدومًا؛ هل لا يزال ذلك الصبي القروي الصغير موجودًا في القصر؟ ولأول مرة يدرك إدوارد أن شخصًا آخر قد يتوج ملكًا بدلًا منه.
عند انتهاء مدة سجنهما أخيرًا، عاد مايلز وإدوارد ثانيةً للترحال على الطريق. وكان الحزن يملأ نفس مايلز، حيث كان يعلم أنه لن يستطيع العودة إلى المنزل. سوف يزج به هيو مرة أخرى ببساطة في السجن بوصفه محتالًا. كل ما كان يأمله ذهب أدراج الرياح، وكل أحبائه رحلوا عن دنياه. وكان يتساءل هل فقد قدرته أيضًا على المقاومة.
من ناحية أخرى، اكتسب إدوارد قوة جديدة، وسار على طول الطريق والتصميم يملؤه. لمحه مايلز، وللحظة نسي مشكلاته الخاصة، وشعر بالابتهاج.
قال مايلز: «لم أسألك إلى أين نحن ذاهبون؟»
– «إلى لندن بالطبع.»
عندما وصل مايلز وإدوارد إلى المدينة بعد بضعة أيام، اكتشفا أنهما وصلا في الوقت المناسب. فالملك هنري دُفن، وسيتُوج توم ملكًا في اليوم التالي.


الفصل السابع عشر
يوم التتويج


خيم الحزن على حياة توم في القصر. فكانت المملكة لا تزال تبكي الملك هنري، كما أن الأسى الذي كانت تشعر به إليزابيث وجين أزعج توم أيضًا. لكن مع كل هذا، كان توم يتعلم كيف يستمتع بحياته كملك قادم. فكان يقرأ الكتب متى يشاء، ويطلب رؤية إليزابيث وجين متى يشاء أيضًا. كان بإمكانه تناول جميع أنواع الطعام التي يشتهيها. وحتى مراسم ارتداء الملابس وخلعها كان يستمتع بها. لقد أحب ملابسه الثمينة وطلب المزيد منها. وكان مولعًا بوجه خاص بسماع النداء: «افسحوا الطريق أمام الملك.» كلما دخل أي غرفة.
هل فكر توم في الملك الشرعي؟ ذلك الصبي الذي لا يزال مفقودًا في مكان ما بهذا العالم؟ في الأيام القليلة الأولى، أضناه الشعور بالذنب والقلق. لكن سرعان ما تلاشت هذه المشاعر، بل وتلاشى كذلك قلقه على والدته وأختيه. وعندما كان يفكر فيهن — بملابسهن الرثة وشعرهن الأشعث — كان يشعر بقشعريرة في جسده. وفي النهاية أصبح بالكاد يفكر فيهن.
في صباح يوم التتويج استيقظ توم على صوت موسيقى. كانت هذه الموسيقى تُعزف خصيصًا من أجله؛ فهذا هو اليوم الذي سيصبح فيه ملكًا متوجًا. كان الفرح والابتهاج يعمَّان أرجاء البلاد. وشعر توم بفرحة عارمة بلا شك.
وعند وصول توم إلى الكنيسة، أُرشد إلى واجهتها. نظر توم إلى الناس المجتمعين حوله، وكانوا جميعهم سعداء ومتحمسين. هللوا لحضوره وصاحوا: «الملك إدوارد.» وامتلأ قلب توم بالفخر، وشعر أنه ما من شيء أكثر أهمية من أن يكون المرء ملك إنجلترا.
وفجأة وقعت عينا توم على والدته، فصعقته الصدمة، ووضع يده أمام وجهه، مع توجيه راحتها للخارج، ليحجب رؤيته. تذكرت والدته هذه الإيماءة، فعلمت على الفور أنه ابنها!
اندفعت الأم تشق طريقها لتصل إلى مقدمة الجمع وأمسكت بذراعه، وقد بدأت تبكي. قالت منتحبة: «آه، يا بني! حمدًا لله على سلامتك! لقد صليت من أجلك كل ليلة وكل صباح.» ونظرت إليه والسعادة تملأ وجهها.
كان توم على وشك أن يقول: «أنا لا أعرفك» عندما سحبها أحد الحراس من أمام توم، وألقى بها على الأرض موجهًا إليها تهديدًا صارمًا. وعندما رأى توم أمه وهي تقع، كاد قلبه ينفطر، وانمحى شعوره بالفخر سريعًا. ولأول مرة منذ أسابيع، لم يرغب توم في أن يكون ملكًا.
استمر الجمع في الهتاف باسم الملك إدوارد، لكن توم لم يستطع سماعهم. فقد عاوده الشعور بأنه محاصر، وكان الشيء الوحيد الذي يمكنه سماعه هو صوته، فأخذت كلمات «أنا لا أعرفك» تتكرر مرارًا وتكرارًا في رأسه.
لاحظ لورد هيرتفورد أن توم مخفوض العينين وترتسم على وجهه نظرة حزينة، فهمس له: «جلالتك، سيلاحظ الناس أنك غير سعيد، وهذا لا يصح اليوم. يجب أن تبتهج حتى يبتهجوا هم أيضًا.»
نظر توم إلى هيرتفورد، وكان خائفًا من الانخراط في البكاء. وقال بهدوء: «لكن هذه السيدة أمي.»
شهق لورد هيرتفورد. لقد عاد الملك إلى جنونه من جديد! لقد ظنوا جميعًا أن الصبي قد أخذ يتعافى. لا بد أن السبب هو الإثارة التي يحملها اليوم. وفكر هيرتفورد: «لا بد أن نراقبه جيدًا تحسبًا لأن يقول أكثر مما يجب قوله.»
قاد هيرتفورد توم إلى العرش، الذي كان موجودًا على منصة خاصة بحيث يتمكن كل من في الكنيسة من رؤيته. جلس توم ببطء شديد، ونظر حوله. كان الجمع هادئًا أثناء انتظارهم لوضع التاج على رأسه. وكان الصوت الوحيد الذي تمكن توم من سماعه هو صوت أنفاسه، حيث كانت عالية للغاية.
حمل رئيس أساقفة مدينة «كانتربري» التاج الملكي، وسار باتجاه توم. وأمسك بالتاج فوق رأس الصبي، وتلى صلاة قصيرة. وفي اللحظة التي كان رئيس الأساقفة على وشك وضع التاج على رأسه، صاح صوت ما قائلًا: «أمنعك من وضع تاج إنجلترا على رأس هذا المدعي. أنا الملك الحقيقي!»
أحاطت على الفور مجموعة من الحراس بإدوارد. وبينما كانوا يحاولون سحبه من الكنيسة، سمعوا صوتًا آخر.
قال توم: «توقفوا! اتركوه. إنه الملك!»
بدأ الجمع في التمتمة والاهتياج. ما هذا الذي يحدث؟ لم يشهد أحد شيئًا كهذا من قبل.
خطا هيرتفورد إلى مقدمة المذبح، وصاح: «لا تفزعوا! يعاني الملك فقط من إحدى نوباته. لا تعيروه انتباهًا.» وأشار هيرتفورد إلى إدوارد، الذي لا يزال محاطًا بالحراس. «أخرجوا هذا المتسول من هنا على الفور.»
قال توم: «لا تلمسوه. آمركم أن تتركوه.» فحرر الحراس إدوارد من قبضتهم. «أنا أخبركم أنه ملك إنجلترا الحقيقي.»
سار إدوارد إلى المذبح وصعد الدرجات، وركض توم للقائه، وعانقه بحرارة.
قال توم: «أنا سعيد للغاية لأنك عدت أخيرًا.» واندهش توم لمدى الراحة التي شعر بها الآن بعد انتهاء الأمر.
شهق كل من في القاعة عندما وقف الصبيان جنبًا إلى جنب. فكانا متطابقين. هل يُعقل أن ملك إنجلترا كان يعيش حياة الفقراء؟ وهل كادوا يتوجون أحد الفقراء ملكًا على إنجلترا؟
قال هيرتفورد: «هذا مربك للغاية. لست متأكدًا مما يجب فعله.»
قال إدوارد: «اطرح عليَّ سؤالًا، أي سؤال له علاقة بالبلاط الملكي.»
وهكذا سأل هيرتفورد وبعض اللوردات الآخرين إدوارد بعض الأسئلة، التي أجاب عن جميعها إجابات صحيحة. وشعر توم بالإثارة، فيبدو أنه سيتمكن من العودة للمنزل قريبًا.
وأخيرًا قال هيرتفورد: «أعترف أن هذا مثير للغاية، لكن ملكنا الصغير يمكنه فعل الأمر نفسه، وهذا ليس إثباتًا على أن المتسول هو الملك.»
خطا اللورد الوصي إلى الأمام، وقال: «لديَّ سؤال، إذا كنت الملك الحقيقي، فسوف تعرف الإجابة عنه. أين الختم الملكي؟ إنه مفقود منذ عدة أيام.»
بدا إدوارد مدهوشًا، فهو لا يتذكر أين رأى الختم الملكي آخر مرة.
حاول توم، ملاحظًا ارتباك إدوارد، مساعدته. «أرجوك أن تمعن التفكير، جلالتك، وأنا موقن أنك ستتذكر. ماذا فعلت آخر يوم لك في القصر؟»
نظر إدوارد إلى توم. إنه يقدر مساعدة هذا الفتى، ربما لا يكون سيئًا كما اعتقد. «حسنًا، كنت أعمل مع لورد هيرتفورد في غرفتي، وكان الختم الملكي معنا آنذاك!» بدا إدوارد راضيًا عن نفسه. «وقد تركت أوراق عملي على المكتب وخرجت لأتريض في الفناء، حيث رأيتك عند البوابة.» وأومأ إدوارد برأسه لتوم.
«وعدنا إلى غرفتي لنتناول الطعام، وتبادلنا ملابسنا، ثم ركضت أنا خارجًا لأتحدث مع الحراس …» صمت إدوارد لحظة، ثم صاح: «انتظر، أتذكر الآن. قبل أن أترك الغرفة، خبأت أوراق عملي والختم الملكي.» وأخبر إدوارد اللورد الوصي أن يبحث في درج سري بالجزء الخلفي من مكتبه، وسيعثر على الختم الملكي هناك.
انتظر جميع من في الكنيسة، والهدوء يخيم عليهم، بينما فتش اللورد الوصي وبعض الحراس المكتب. حدق توم وإدوارد أحدهما في الآخر بعينين متسعتين. لا يصدق أي منهما أن هذا الأمر قد أوشك على الانتهاء. وتلا كلاهما صلوات في صمت داعين الرب أن يعثر الحراس على الختم الملكي.
ركض اللورد الوصي عائدًا إلى الكنيسة، وقد أمسك الختم الملكي رافعًا إياه عاليًا في الهواء، وبدأ الجميع في التهليل.
– «عاش الملك الحقيقي! عاش الملك إدوارد الحقيقي!»
سار توم بعيدًا عن العرش، وخلع رداءه وقدمه لإدوارد.
أشار اللورد الوصي إلى توم. «أيها الحراس! خذوا هذا المحتال إلى السجن!»
قال إدوارد بحزم: «كلا! فلولاه ما تمكنت من استعادة مُلكي. لا يؤذي أحد هذا الصبي، إنه صديق مخلص.»


الفصل الثامن عشر
أخيرًا نهاية سعيدة!


في الوقت الذي كانت كل هذه الأحداث المثيرة تدور داخل الكنيسة، كان مايلز المسكين محاصرًا بالخارج. لقد فقد أثر إدوارد في الزحام في وقت مبكر من ذلك الصباح. واعتزم الانتظار حتى يغادر الجمع ليتمكن من البحث على نحو أيسر. فكان يعلم أن إدوارد في مكان ما في الجوار.
مع نهاية فترة الظهيرة رأى مايلز الملك. لم يستطع تصديق ما رأته عيناه. إنه صديقه الفقير! هل هذا ممكن؟ نظر مايلز إلى المجموعة الموجودة بجوار الملك ولاحظ صبيًّا آخر. لكن انتظر، أهذا الصبي هو صديقه الفقير؟ كاد الصبيان أن يكونا متطابقين.
سار مايلز باتجاههما في حالة من الذهول، ولم يسمع الحراس وهم ينادون عليه، حيث كان كل تركيزه منصبًّا على هذا اللغز. ولم يتوقف إلا عندما وقف أحد الحراس أمامه.
قال الحارس: «تراجع.»
توجه الملك إدوارد بنظره إليه عندما سمع الحارس يتحدث، فقال: «دعه يأتي إليَّ. إن سير مايلز له كل الحق في أن يكون هنا.»
قال مايلز متلعثمًا: «جلالـ … جلالتك، لقد عثرت على مُلكك.»
ابتسم إدوارد، وقال: «نعم، بفضلك وبفضل شجاعتك.»
قال مايلز: «آسف يا سيدي. أعتقد أنني لا أزال أعاني من آثار الصدمة.»
رد إدوارد: «هذا مفهوم تمامًا. فبعد أن عدت وعلمت بجميع الصعوبات التي واجهها توم لإقناع الناس بالحقيقة، أدرك أن قصتي بدت لا تُصدق بالتأكيد. لقد كنت أنتظر وصولك، فلدي هدية لك.» نظر إدوارد إلى المجموعة التي تقف بالقرب منه.
نادى إدوارد: «سير هيو، تعال إلى هنا.»
سار هيو، شقيق مايلز، سريعًا نحو الملك وجثا أمامه، وقال: «نعم، جلالتك.»
– «سير هيو، أود أن تنظر إلى هذا الرجل، هل تتعرف عليه؟»
استدار هيو، وشهق عندما رأى مايلز، وقال: «أنا … كلا يا سيدي. هذا الرجل محتال! أقسم لك.»
قال إدوارد: «أعلم بشأن كل جرائمك. أعلم أنك استوليت على ممتلكات أخيك الشرعية. أيها الحراس! خذوا هذا الرجل إلى السجن.»
أخذ هيو يصرخ وهم يسحبونه بعيدًا.
وبعد فترة قصيرة، كان هناك لم شمل آخر سعيد، حيث ركض توم مرتميًا بين ذراعي أمه. كانت لديه الكثير من القصص ليرويها لها، كما كان يحمل لها خبرًا سعيدًا بأن الملك قد منحهم منزلًا جديدًا. وسينعمون بملابس نظيفة وعمل شريف. وضحكت السيدة كانتي ونان وبيت.
قالت السيدة كانتي: «طالما علمت أنك مقدَّر لأمور عظيمة.»
وقالت بيت: «إنه لكرم كبير من الملك إدوارد أن يساعدنا.»
وأضافت نان: «نعم، إنه كريم للغاية.»
ابتسم توم لأسرته، وقال: «هذا صحيح، فلا يوجد من هو أكثر عطفًا وكرمًا من ملكنا الصالح إدوارد.»
وبذلك نكون قد وصلنا إلى نهاية قصتنا. لم تطل المدة التي قضاها هيو في السجن، حيث لم يرغب مايلز وإيديث أن يعاني هيو كثيرًا. وعندما أُطلق سراحه، قرر مغادرة إنجلترا، وانطلق إلى أمريكا. وحصلت إيديث على الطلاق من هيو، وتزوجت من مايلز بعد فترة قصيرة من رحيله.
نعمت أسرة كانتي بحياة سعيدة ومرضية في منزلهم الجديد. توفيت جدتهم في إحدى الليالي وهي نائمة. أما السيد كانتي، فلم يظهر ثانية أبدًا. وعاشوا في هدوء وراحة تامة لما تبقى من حياتهم.