Advertisement

السنجاب الصغير


السنجاب الصغير




السنجاب الصغير

تأليف
كامل كيلاني





الفصل الأول
الْبَيْتُ الصَّغِيرُ


(?) دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ

كَانَ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ» مِثَالًا لِلزَّوْجِ الْوَفِيِّ، الْأَمِينِ الْقَوِيِّ، الْكَرِيمِ الْغَنِيِّ، وَكَانَتْ زَوْجُهُ الْأَمِيرَةُ «بُثَيْنَةُ» مِثَالًا لِلزَّوْجِ الْفَاضِلَةِ، الْمُحْسِنَةِ الْعَادِلَةِ، الْوَفِيَّةِ الْكَامِلَةِ. وَقَدْ عَاشَ كِلَاهُمَا — فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ — عِيشَةً رَاضِيَةً، لَا يُنَغِّصُ حَيَاتَهُمَا شَيْءٌ. وَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا مِنْ أُمْنِيَّةٍ تُرْجَى فِي الْحِيَاةِ إِلَّا أَنْ يَرْزُقَهُمَا اللهُ طِفْلًا يَمْلَأُ بَيْتَهُمَا نُورًا وَرَجَاءً، وَسَعَادَةً وَبَهَاءً، وَبَهْجَةً وَصَفَاءً. وَسُرْعَانَ مَا اسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُمَا، وَحَقَّقَ لَهُمَا رَجَاءَهُمَا، وَلَمْ تَلْبَثِ الزَّوْجُ أَنْ حَمَلَتْ بَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ وَاسْتَبْشَرَ الزَّوْجَانِ بِذَلِكَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقْتُ الْوِلَادَةِ، وَضَعَتِ الْأَمِيرَةُ «بُثَيْنَةُ» الْمَوْلُودَةَ الَّتِي طَالَمَا تَرَقَّبَاهَا بِفَارِغِ الصَّبْرِ، فَحَمِدَا لِلهِ مَا وَهَبَ، وَأَطْلَقَا عَلَيْهَا اسْمَ «صَفِيَّةَ».
(?) الْيَتِيمَةُ

وَلَكِنَّ الزَّمَنَ لَمْ يُمْهِلِ الْأُمَّ حَتَّى تَتَمَتَّعَ بِطِفْلَتِهَا، فَمَا لَبِثَتْ أَنْ عَاجَلَهَا الْمَوْتُ، فَتَيَتَّمَتِ الطِّفْلَةُ وَتَرَمَّلَ الزَّوْجُ. وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ عَزَاءٍ بَعْدَ مَوْتِ قَرِينَتِهِ غَيْرُ الْعِنَايَةِ بِابْنَتِهِ.
كَانَ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ» — كَمَا أَسْلَفْنَا — مِثَالَ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ، فَعَاشَ فِي قَصْرِهِ الْفَسِيحِ كَمَا يَعِيشُ الْمُلُوكُ، وَلَمْ يُعْوِزْهُ شَيْءٌ مِنْ مَطَالِبِ الْحَيَاةِ. وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» تَخْتَلِفُ إِلَى حَدِيقَةِ الْقَصْرِ الْفَسِيحَةِ لِتَتَنَزَّهَ فِيهَا كُلَّمَا طَابَ لَهَا التَّنَزُّهُ.
(?) الْفَتَاةُ الطَّائِعَةُ

وَقَدْ نَشَأَتْ فَتَاتُنَا الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» الصَّغِيرَةُ فِي كَنَفِ وَالِدِهَا وَعِنَايَتِهِ، وَحَنَانِهِ وَرِعَايَتِهِ، فَلَمْ يَأْلُ جُهْدًا فِي تَعْوِيدِهَا — مُنْذُ نَشْأَتِهَا — كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ؛ لِتَكُونَ مَثَلًا صَالِحًا لِطَاعَةِ أَبِيهَا، وَالْبُعْدِ عَنِ الدُّخُولِ فِيمَا لَا يَعْنِيهَا. وَكَانَتْ أَسْرَعَ إِلَى تَلْبِيَةِ نَصَائِحِهِ، وَالانْقِيَادِ لأَوَامِرِهِ، وَالابْتِعَادِ عَنْ نَوَاهِيهِ، فَرَضِيَ عَنْهَا وَرَضِيَتْ عَنْهُ، وَأَصْبَحَتِ الْفَتَاةُ نَمُوذَجًا نَادِرًا لِلِامْتِثَالِ وَالطَّاعَةِ وَتَجَنُّبِ الْفُضُولِ، فَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهَا قَطُّ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِغَيْرِ شَأْنِهَا، أَوْ تَشْغَلَ نَفْسَهَا بِمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهَا بِفَائِدَةٍ.
(?) مَسَاوِئُ الْفُضُولِ

وَالْفُضُولُ — كَمَا تَعْلَمُ أَيُّهَا الصَّغِيرُ الْعَزِيزُ — نَقِيصَةٌ شَائِعَةٌ فِي بَعْضِ مَنْ تَرَى مِنَ الْأَطْفَالِ. وَرُبَّمَا دَفَعَهُمْ أَحْيَانًا إِلَى الدُّخُولِ فِي شُئُونِ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ لِتَعَرُّفِ أَسْرَارِهِمْ وَدَخَائِلِهِمْ. وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْلُبُهُ هَذِهِ النَّقِيصَةُ الشَّائِنَةُ عَلَى أَصْحَابِهَا وَذَوِيهَا مِنْ أَلْوَانِ الْمَصَائِبِ وَالْبَلَاءِ، وَفُنُونِ الْمَتَاعِبِ وَالشَّقَاءِ.
(?) حَيَاةُ الْعُزْلَةِ

وَلَمْ تَكُنِ الْأَمِيرَةُ الصَّغِيرَةُ تَتَخَطَّى حَدِيقَةَ الْقَصْرِ ذَاتَ الْأَسْوَارِ الْعَالِيَةِ، فَلَا غَرْوَ إِذَا لَمْ تَقَعْ عَيْنَاهَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرَ أَبِيهَا، وَلَا عَجَبَ إِذَا لَمْ تَرَ أَحَدًا مِنْ خَدَمِ الْقَصْرِ. فَخُيِّلَ لَهَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَصْنَعُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ. وَقَدْ أَغْنَاهَا أَبُوهَا، فَلَمْ يُعْوِزْهَا مَطْلَبٌ مِنَ الْمَطَالِبِ، بَعْدَ أَنِ اجْتَمَعَتْ لَهَا الْأَسْبَابُ كُلُّهَا، وَتَوَفَّرَ لَهَا كُلُّ مَا تَصْبُو إِلَيْهِ نَفْسُهَا مِنْ طَرَائِفِ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ، وَالْكُتُبِ وَالْأَلْعَابِ. وَقَدْ بَذَلَ أَبُوهَا جُهْدَهُ فِي تَرْبِيَتِهَا وَتَنْشِئَتِهَا وَتَعْلِيمِهَا بِنَفْسِهِ، حَتَّى قَارَبَتِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهَا، وَلَمْ يَدُرْ بِخَلَدِهَا أَنْ تُفَكِّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْعَيْشِ، وَلَا خَطَرَ بِبَالِهَا يَوْمًا أَنْ تَتَبَرَّمَ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْهَادِئَةِ الْكَرِيمَةِ الرَّاضِيَةِ، أَوْ تَتَطَلَّعَ إِلَى أَنْ تَسْتَبْدِلَ بِهَا حَيَاةً أُخْرَى.
(?) الْبَيْتُ الصَّغِيرُ

وَكَانَ فِي نِهَايَةِ الْحَدِيقَةِ بَيْتٌ صَغِيرٌ لَا نَوَافِذَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ بَابٍ وَاحِدٍ مُغْلَقٍ دَائِمًا. وَكَانَ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ» يَدْخُلُ ذَلِكَ الْبَيْتَ الصَّغِيرَ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَحْتَفِظُ دَائِمًا بِمِفْتَاحِهِ مَعَهُ. وَلَمْ تَكُنِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» تَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ يَحْتَوِي شَيْئًا غَيْرَ الْآلَاتِ الْخَاصَّةِ بِالْحَدِيقَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَخْطُرْ لَهَا أَنْ تَسْأَلَ أَبَاهَا عَنْهُ قَطُّ.
(?) مِفْتَاحُ الْبَيْتِ

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ بَيْنَا كَانَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» تَبْحَثُ عَنْ مِرَشَّةٍ تُرْوِي بِهَا أَزْهَارَهَا، خَطَرَ بِبَالِهَا أَنْ تَحْصُلَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الصَّغِيرِ، فَقَالَتْ لِأَبِيهَا: «أَيَسْمَحُ لِي وَالِدِي الْعَزِيزُ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الَّذِي فِي أَقْصَى الْحَدِيقَةِ؟» فَقَالَ لَهَا مَدْهُوشًا: «وَمَاذَا تُرِيدِينَ بِهَذَا الْمِفْتَاحِ يَا (صَفِيَّةُ)؟» فَأَجَابَتْهُ وَهِيَ مُتَعَجِّبَةٌ مِنْ دَهْشَتِهِ: «أَنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى مِرَشَّةٍ وَلَعَلِّي أَظْفَرُ بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ الصَّغِيرِ.» فَقَالَ لَهَا مُرْتَبِكًا: «كَلَّا يَا «صَفِيَّةُ»، لَا تُوجَدُ هُنَاكَ مِرَشَّاتٌ.» وَكَانَ صَوْتُهُ يَتَهَدَّجُ مِنْ فَرْطِ التَّأَثُّرِ وَالْإِشْفَاقِ وَهُوَ يَنْطِقُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ. فَتَنَهَّدَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» حِينَ رَأَتْ فَزَعَ أَبِيهَا وَتَأَلُّمَهُ، وَاشْتَدَّتْ دَهْشَتُهَا مِمَّا بَدَا عَلَيْهِ مِنَ الِانْزِعَاجِ وَالْقَلَقِ، وَتَعَاظَمَتْهَا الْحَيْرَةُ حِينَ رَأَتْ وَجْهَ أَبِيهَا قَدِ امْتُقِعَ، وَشَاهَدَتِ الْعَرَقَ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ، فَقَالَتْ لَهُ جَزِعَةً: «مَاذَا بِكَ يَا أَبِي؟»
فَأَجَابَهَا وَاجِمًا: «لَا شَيْءَ يَا بُنَيَّتِي، لَا شَيْءَ.»
فَقَالَتْ لَهُ مُتَحَيِّرَةً: «هَلْ كَدَّرَكَ يَا أَبِي أَنَّنِي طَلَبْتُ هَذَا الْمِفْتَاحَ؟ فَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَيْتِ الصَّغِيرِ سَبَّبَ لَكَ يَا أَبَتِ هَذَا الانْزِعَاجَ؟» فَقَالَ لَهَا مُرْتَبِكًا: «لَا شَيْءَ يَا فَتَاتِي! أَلَسْتِ تُرِيدِينَ مِرَشَّةً؟ إِنَّهَا فِي حُجْرَةِ الْأَزْهَارِ. فَاذْهَبِي تَجِدِيهَا هُنَاكَ.»
(?) أَسْئِلَةٌ مُحْرِجَةٌ

فَسَأَلَتْهُ مُتَعَجِّبَةً: «وَلَكِنْ مَاذَا فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ يَا أَبَتِ؟»
فَأَجَابَهَا مُؤَنِّبًا: «لَيْسَ فِيهِ مَا يَهُمُّكِ يَا عَزِيزَتِي!»
فَقَالَتْ مَدْهُوشَةً: «فَمَا بَالُكَ تَذْهَبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ وَحْدَكَ دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لِي بِمُرَافَقَتِكَ؟»
فَضَاقَ صَدْرُهُ بِمَا سَمِعَ، وَتَمَلَّكَهُ الْغَضَبُ، فَقَالَ: «إِنَّ الْفُضُولَ — كَمَا تَعْلَمِينَ — نَقِيصَةٌ مَعِيبَةٌ، فَمَا بَالُكِ تُخَالِفِينَ عَادَتَكِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَتَدَخَّلِينَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِكِ، وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْكِ هَذَا التَّدَخُّلُ؟»
(?) وَسَاوِسُ الْفَتَاةِ

لَمْ تَقُلِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا اتَّجَهَتْ بِفِكْرِهَا إِلَى الْبَيْتِ الصَّغِيرِ. وَلَمْ تَكُنْ لِتُفَكِّرَ فِيهِ مِنْ قَبْلُ، لَوْلَا مَا رَأَتْهُ مِنَ انْزِعَاجِ أَبِيهَا وَقَلَقِهِ حِينَ سَمِعَ إِشَارَتَهَا الْعَابِرَةَ إِلَيْهِ. فَلَمْ تَعُدْ تُفَكِّرُ بَعْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ إِلَّا فِيهِ، وَرَاحَتْ تَقُولُ فِي نَفْسِهَا: «تُرَى مَاذَا يَحْتَوِيهِ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ؟ وَمَا بَالُ أَبِي قَدْ حَرَصَ عَلَى مِفْتَاحِهِ؟ وَلِمَاذَا امْتُقِعَ وَجْهُهُ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَتَهَدَّجَ صَوْتُهُ عِنْدَمَا طَلَبْتُهُ مِنْهُ؟ وَلِمَاذَا بَدَا عَلَيْهِ الْخَوْفُ حِينَ طَرَقَ سَمْعَهُ ذَلِكَ السُّؤَالُ؟ أَتُرَاهُ يَخَافُ عَلَيَّ شَيْئًا يَحْوِيهِ؟ أَوْ يَضِنُّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِ؟ أَمْ تُرَاهُ يَخْشَى عَلَيَّ الْخَطَرَ إِذَا دَخَلْتُهُ كُلَّ يَوْمٍ؟ لَعَلَّ فِيهِ حَيَوَانًا مُفْتَرِسًا يَتَوَقَّى أَنْ أَتَعَرَّضَ لِأَذَاهُ. فَإِذَا صَحَّ هَذَا فَمَا بَالُهُ يَدْخُلُهُ؟
كَلَّا، مَا أَظُنُّ ذَلِكَ صَحِيحًا؛ فَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ الصَّغِيرِ كَائِنٌ حَيٌّ لَأَحْسَسْتُ حَرَكَتَهُ، أَوْ سَمِعْتُ نَأْمَتَهُ (صَوْتَهُ)، وَلَوْ كَانَ فِيهِ قِطٌّ لَمَاءَ فَسَمِعْتُ مُوَاءَهُ، أَوْ حَمَامٌ لَهَدَلَ فَسَمِعْتُ هَدِيلَهُ، أَوْ كَلْبٌ لَنَبَحَ فَسَمِعْتُ نُبَاحَهُ، أَوْ ظَبْيَةٌ لَبَغَمَتْ فَسَمِعْتُ بُغَامَهَا، أَوْ أَسَدٌ لَزَأَرَ فَسَمِعْتُ زَئِيرَهُ، أَوْ حَيَّةٌ لَفَحَّتْ فَسَمِعْتُ فَحِيحَهَا، أَوْ دَجَاجَةٌ لَقَوْقَأَتْ فَسَمِعْتُ قَوْقَأَتَهَا، أَوْ دِيكٌ لَسَقَعَ فَسَمِعْتُ سَقْعَهُ، أَوْ ضِفْدَعٌ لَنَقَّتْ فَسَمِعْتُ نَقِيقَهَا، أَوْ غُرَابٌ لَنَعَبَ فَسَمِعْتُ نَعِيبَهُ، أَوْ بُلْبُلٌ لَغَرَّدَ فَسَمِعْتُ تَغْرِيدَهُ، أَوْ ذِئْبٌ لَعَوَى فَسَمِعْتُ عُوَاءَهُ. وَلَكِنَّنِي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ هَذِهِ الْحُجْرَةِ صَوْتَ إِنْسِيٍّ وَلَا حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ. فَلَوْ كَانَ فِيهَا حَيَوَانٌ أَنِيسٌ لَجَلَبَهُ لِي، وَلَمْ يَضنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا حَيَوَانٌ مُفْتَرِسٌ لَانْقَضَّ عَلَى وَالِدِي وَافْتَرَسَهُ حِينَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ … وَلَكِنْ لَعَلَّهُ مُحْكَمُ الْوَثَاقِ … فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَنْ يَكُونَ عَلَيَّ خَطَرٌ مِنْهُ … فَمَاذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ؟ لَعَلَّهُ سَجِينٌ. وَلَكِنَّ أَبِي رَجُلٌ طَيِّبٌ لَا يَحْرِمُ بَرِيئًا مِسْكِينًا نِعْمَةَ الْهَوَاءِ وَالْحُرِّيَّةِ … فَلَا بُدَّ لِي إِذَنْ مِنْ كَشْفِ هَذَا السِّرِّ وَرَفْعِ الْغِطَاءِ عَنْهُ. وَلَكِنْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ؟ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا الْحُصُولُ عَلَى الْمِفْتَاحِ. آهٍ. لَوْ نَسِيَهُ نِصْفَ سَاعَةٍ! أَلَا إِنَّ نِصْفَ سَاعَةٍ لَوَقْتٌ كَافٍ لِأَبْلُغَ فِيهِ مَا أُرِيدُ. فَمَتَى يَنْسَاهُ؟» وَانْتَبَهَتْ مِنْ غَفْوَتِهَا فَجْأَةً عَلَى صَوْتِ أَبِيهَا، إِذْ كَانَ يُنَادِيهَا بِصَوْتٍ فِيهِ رَنَّةُ الْأَلَمِ، فَأَسْرَعَتْ إِلَيْهِ مُلَبِّيَةً تَقُولُ: «هَأَنَذِي يَا أَبِي آتِيَةٌ إِلَيْكَ.»
(??) حِيلَةُ الْفَتَاةِ

وَلَمْ تَكَدْ عَيْنَاهَا تَلْتَقِيَانِ بِعَيْنَيْهِ حَتَّى رَأَتْ وَجْهَهُ مَا يَزَالُ مُمْتَقَعًا مُقَطَّبَ الْأَسَارِيرِ، يُسْفِرُ عَنْ هِيَاجٍ وَاضْطِرَابٍ، فَأَرَادَتْ «صَفِيَّةُ» أَنْ تَتَظَاهَرَ بِالسُّرُورِ وَالِابْتِهَاجِ، مُخْفِيَةً مَا تَرَكَهُ مَنْظَرُ أَبِيهَا فِي نَفْسِهَا مِنْ أَثَرٍ، مُتَوَخِّيَةً جُهْدَهَا أَنْ تُعِيدَ الْهُدُوءَ وَالسَّكِينَةَ إِلَيْهِ، لَعَلَّهَا تَسْتَطِيعُ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ الظَّفَرَ بِأُمْنِيَّتِهَا. فَبَدَتْ لِأَبِيهَا كَأَنَّهَا نَسِيَتْ حَدِيثَهَا مَعَهُ فِي شَأْنِ الْمِفْتَاحِ، رَجَاءَ أَنْ تُعِيدَ الطُّمَأْنِينَةَ إِلَى قَلْبِهِ الْحَزِينِ.
وَجَلَسَا إِلَى الْمَائِدَةِ وَأَكَلَ «غَالِبٌ» لُقَيْمَاتٍ قَلِيلَةً وَهُوَ صَامِتٌ بَئِيسٌ بِرَغْمِ مَا كَانَ يَبْذُلُ مِنْ جُهْدٍ فِي مُغَالَبَةِ أَلَمِهِ لِيَبْدُوَ فَرِحًا مَسْرُورًا. وَجَعَلَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» تَتَفَنَّنُ فِي مَرَحِهَا وَدُعَابَتِهَا حَتَّى عَادَ إِلَى أَبِيهَا سُكُونُهُ وَاطْمِئْنَانُهُ كَمَا كَانَا مِنْ قَبْلُ.
(??) نَصِيحَةُ الْوَالِدِ

وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» — كَمَا عَرَفْتَ — قَدِ اقْتَرَبَتْ سِنُّهَا مِنَ الْعَامِ الْخَامِسَ عَشَرَ، فَوَعَدَهَا أَبُوهَا بِهَدَايَا ثَمِينَةٍ يُفَاجِئُهَا بِهَا فِي عِيدِ مِيلَادِهَا الْوَشِيكِ (الْعَاجِلِ). وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ قَالَ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ» لِلْأَمِيرَةِ الصَّغِيرَةِ: «أَرَانِي مُضْطَرًّا يَا ابْنَتِي الْعَزِيزَةَ إِلَى التَّغَيُّبِ سَاعَةً رَيْثَمَا أُعِدُّ طَائِفَةً مِنَ الْهَدَايَا الَّتِي سَأُقَدِّمُهَا لَكِ فِي عِيدِ مِيلَادِكِ الْخَامِسَ عَشَرَ، فَانْتَظِرِينِي يَا «صَفِيَّةُ» رَيْثَمَا أَعُودُ، وَحَاذِرِي أَنْ تَجْنَحِي إِلَى الْفُضُولِ، وَسَأُفَسِّرُ لَكِ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقُصُّ عَلَيْكِ مَا تَشَائِينَ، وَأَشْرَحُ لَكِ كُلَّ مَا غَمَضَ عَلَيْكِ الْآنَ. فَلَا تَشْغَلِي خَاطِرَكِ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِيقَاتًا، وَمَا كُلُّ مَا يُعْرَفُ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ، وَلَا كُلُّ مَا يُقَالُ جَاءَ أَوَانُهُ، وَالْأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا. فَإِلَى الْمُلْتَقَى، وَإِيَّاكِ وَالْفُضُولَ.»
(??) نِسْيَانُ الْمِفْتَاحِ

وَقَبَّلَ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ» ابْنَتَهُ الْأَمِيرَةَ قُبْلَةَ حَنَانٍ وَحُبٍّ، وَابْتَعَدَ عَنْهَا وَهُوَ مُتَأَلِّمٌ لِتَرْكِهَا. وَلَمَّا خَرَجَ أَسْرَعَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى غُرْفَةِ أَبِيهَا. وَلَا تَسَلْ عَنْ سُرُورِهَا وَابْتِهَاجِهَا حِينَ تَبَيَّنَتْ أَنَّهُ قَدْ نَسِيَ الْمِفْتَاحَ عَلَى الْمِنْضَدَةِ.
(??) حَيْرَةٌ وَتَرَدُّدٌ

فَتَنَاوَلَتِ الْمِفْتَاحَ فَرْحَى مُسْرِعَةً إِلَى الْحَدِيقَةِ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ إِلَى الْبَيْتِ الصَّغِيرِ ذَكَرَتْ قَوْلَ أَبِيهَا لَهَا: «إِيَّاكِ وَالْفُضُولَ»، وَذَكَرَتِ الْحِكْمَةَ الَّتِي طَالَمَا قَرَأَتْهَا مُنْذُ طُفُولَتِهَا لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ وَهِيَ: «مَنْ دَخَلَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ لَقِيَ مَا لَا يُرْضِيهِ»، فَوَقَفَتْ حَائِرَةً مُتَرَدِّدَةً، وَهَمَّتْ بِالرُّجُوعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْ، وَكَادَتْ تَعْدِلُ عَنْ عَزْمِهَا الْخَاطِئِ، وَتُعِيدُ الْمِفْتَاحَ إِلَى مَكَانِهِ دُونَ أَنْ تَرَى مَا يَحْتَوِيهِ ذَلِكَ الْبَيْتُ.
(??) أَنِينٌ خَافِتٌ

وَإِنَّها لَتَهُمُّ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الدَّارِ، إِذَا بِهَا تَسْمَعُ أَنِينًا خَافِتًا لَا يَكَادُ يَبِينُ، فَاقْتَرَبَتْ مِنَ الْبَابِ وَوَضَعَتْ أُذُنَهَا عَلَيْهِ، فَسَمِعَتْ صَوْتًا هَامِسًا يُغَنِّي بِلُطْفٍ:
وَيْلَاهُ إِنِّي مُتْعَبَهْسَجِينَةٌ مُعَذَّبَهْوَحِيدَةٌ مُنْفَرِدَهْمَنْبُوذَةٌ مُضْطَهَدَهْ وَانْقَطَعَ الصَّوْتُ لَحْظَةً، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ شَادِيًا:
هَلُمَّ يَا صَفِيَّهْوَأَسْرِعِي إِلَيَّهْوَأَخْرِجِينِي مِنْ هُنَاوَاللهُ يَجْزِي الْمُحْسِنَا فَعَجِبَتِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ مِمَّا سَمِعَتْ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَقَالَتْ تُحَدِّثُ نَفْسَهَا: «لَا رَيْبَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ تَاعِسَةٌ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهَا أَبِي فَحَكَمَ بِسِجْنِهَا هُنَا.»
(??) الْعَجُوزُ «سُنْعُبَةُ»

وَدَقَّتِ الْبَابَ بِلُطْفٍ وَقَالَتْ: «مَنْ أَنْتِ؟ وَمَا اسْمُكِ؟ وَمَنْ تَكُونِينَ؟ وَمَاذَا عَسَانِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ لِأَجْلِكِ؟»
فَقَالَتْ لَهَا مُسْتَعْطِفَةً:
أَنَا الْعَجُوزُ «سُنْعُبَهْ»قَضَيْتُ عُمْرِي مُتْعَبَهْحَزِينَةً مُكْتَئِبَهْخَائِفَةً مُضْطَرِبَهْ فَسَأَلَتْهَا الْأَمِيرَةُ: «وَلِمَاذَا تُسْجَنِينَ وَتَشْقَيْنَ؟»
فَعَادَ الصَّوْتُ يُغَنِّي غِنَاءً حَزِينًا وَيَقُولُ:
أَشْقَى وَمَا أَتَيْتُذَنْبًا وَلَا جَنَيْتُإِلَيَّ يَا بُنَيَّهْوَأَسْعِدِي الشَّقِيَّهْ فَسَأَلَتْهَا الْأَمِيرَةُ: «فَمَا بَالُكِ تُسْجَنِينَ دُونَ أَنْ تُسْلِفِي إِسَاءَةً إِلَى أَحَدٍ؟» فَقَالَتِ الْعَجُوزُ: «ثِقِي بِأَنَّنِي لَمْ أَقْتَرِفْ ذَنْبًا وَلَمْ أَرْتَكِبْ جُرْمًا، وَلَكِنَّ رَجُلًا سَاحِرًا — وَا أَسَفَاهُ — هُوَ الَّذِي جَاءَ بِي إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، وَحَكَمَ عَلَيَّ بِالسِّجْنِ فِي هَذَا الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الْمُظْلِمِ مَدَى الْحَيَاةِ. فَهَلْ تَمُنِّينَ عَلَيَّ بِالْخَلَاصِ مِنْ هَذَا الْأَسْرِ؟ وَسَأَقُصُّ عَلَيْكِ مِنْ أَخْبَارِي مَا يُرَنِّحُكِ طَرَبًا، وَيَمْلَؤُكِ عَجَبًا.»
(??) فَتْحُ الْبَابِ

فَلَمْ تَتَرَدَّدِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ فِي تَصْدِيقِ مَا سَمِعَتْ، وَأَبَى عَلَيْهَا سُوءُ حَظِّهَا إِلَّا أَنْ يَتَغَلَّبَ فُضُولُهَا وَشَغَفُهَا بِرُؤْيَةِ مَا نَهَاهَا أَبُوهَا عَنْ رُؤْيَتِهِ، عَلَى مَا عُرِفَتْ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالامْتِثَالِ. فَوَضَعَتِ الْمِفْتَاحَ فِي الْقُفْلِ، وَلَكِنَّ يَدَهَا اضْطَرَبَتْ وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَفْتَحَ الْبَابَ. فَتَرَدَّدَتْ لَحْظَةً، وَأَوْشَكَتْ أَنْ تَعْدِلَ عَنْ فُضُولِهَا، وَلَكِنَّهَا سَمِعَتِ الصَّوْتَ الصَّغِيرَ يُنَادِيهَا مُتَوَسِّلًا: «إِنَّ مَا سَأَقُولُهُ لَكِ يَا «صَفِيَّةُ» سَيُعَلِّمُكِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً تَهُمُّكِ مِمَّا يَحْرِصُ أَبُوكِ عَلَى كِتْمَانِهِ وَإِخْفَائِهِ عَنْكِ.»
وَلَمْ تَكَدْ أَمِيرَتُنَا الْفَتَاةُ تَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى تَمَلَّكَهَا الْفُضُولُ، فَصَحَّتْ عَزِيمَتُهَا عَلَى تَعَرُّفِ مَا يَحْتَوِيهِ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ، فَلَمْ تَتَرَدَّدْ فِي تَنْفِيذِ هَذِهِ الرَّغْبَةِ، وَسُرْعَانَ مَا أَدَارَتِ الْمِفْتَاحَ فِي الْقُفْلِ، وَلَمْ تَكَدْ تَفْعَلُ حَتَّى انْفَتَحَ الْبَابُ.

الفصل الثاني
فَكَاكُ الْأَسِيرِ


(?) صَوْتٌ فِي الظَّلَامِ

وَنَظَرَتِ الْأَمِيرَةُ مُتَلَهِّفَةً مَشْغُوفَةً تُحَاوِلُ أَنْ تَتَعَرَّفَ مَا حَوْلَهَا، فَوَجَدَتِ الظَّلَامَ مُخَيِّمًا مُتَرَاكِمًا فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ الصَّغِيرِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَتَبَيَّنَ شَيْئًا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَلْبَثْ أَنْ سَمِعَتْ ذَلِكَ الصَّوْتَ الْخَافِتَ يَهْمِسُ قَائِلًا: «شُكْرًا لَكِ يَا «صَفِيَّةُ»، وَلَوْلَا أَنْتِ لَمْ أَظْفَرْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَالْخَلَاصِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ. شُكْرًا لَكِ أَلْفَ شُكْرٍ؛ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِي إِنْقَاذِي عَائِدٌ إِلَيْكِ.»
(?) نَجَاحُ الْحِيلَةِ

وَكَأَنَّمَا كَانَ الصَّوْتُ يَنْبَعِثُ مِنْ جَوْفِ الْأَرْضِ. فَلَمَّا أَنْعَمَتِ الْأَمِيرَةُ النَّظَرَ رَأَتْ فِي رُكْنٍ قَرِيبٍ عَيْنَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ تَلْتَمِعَانِ، وَتُحَدِّقَانِ فِيهَا، وَتُطِيلَانِ النَّظَرَ إِلَيْهَا فِي سُخْرِيَةٍ وَخُبْثٍ، وَسَمِعَتِ الصَّوْتَ الْخَافِتَ يَهْمِسُ قَائِلًا: «لَقَدْ نَجَحَتْ حِيلَتِي، وَتَمَّتْ خَدِيعَتِي لَكِ يَا «صَفِيَّةُ»، فَغَلَبْتُكِ عَلَى أَمْرِكِ، وَجَعَلْتُكِ تَخْضَعِينَ لِفُضُولِكِ وَتَنْدَفِعِينَ مُتَوَرِّطَةً فِيمَا لَا يَهُمُّكِ، وَتَشْغَلِينَ بَالَكِ بِمَا لَا يَعُودُ عَلَيْكِ بِأَيَّةِ فَائِدَةٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ نَصِيحَةِ أَبِيكِ وَتَحْذِيرِهِ، فَلَوْ لَمْ أَسْتَثِرْ فُضُولَكِ بِغِنَائِي وَرَجَائِي لَرَجَعْتِ أَدْرَاجَكِ، وَعُدْتِ مِنْ حَيْثُ أَتَيْتِ، وَلَوْ تَمَّ لَكِ ذَلِكَ، لَفَقَدْتُ كُلَّ أَمَلٍ فِي نَجَاتِي مِمَّا أُعَانِيهِ مِنَ الشَّقَاءِ، وَأُكَابِدُهُ مِنْ فُنُونِ الْبَلَاءِ. أَمَّا الْآنَ وَقَدْ كُتِبَ لِيَ الْفَوْزُ فَقَدْ أَصْبَحْتِ أَنْتِ وَأَبُوكِ قَيْدَ سُلْطَتِي وَرَهْنَ إِشَارَتِي.»
(?) عَدُوَّةُ الْأُسْرَةِ

وَلَمْ تَكُنِ الْأَمِيرَةُ قَدْ أَدْرَكَتْ مَدَى الْكَارِثَةِ الَّتِي جَلَبَتْهَا عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى أَبِيهَا بِانْدِفَاعِهَا فِيمَا لَا يَهُمُّهَا، وَتَوَرُّطِهَا فِيمَا لَا يَعْنِيهَا، وَتَنَكُّبِهَا سَبِيلَ الطَّاعَةِ. أَمَّا الْآنَ فَقَدْ تَبَيَّنَتْ أَنَّ هَذِهِ الْمُتَحَدِّثَةَ السَّاخِرَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صَدِيقَةً، بَلْ هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَدُوَّةٌ خَطِيرَةٌ سَجَنَهَا أَبُوهَا لِيَقِيَ بِنْتَهُ شَرَّهَا، وَيُؤَمِّنَهَا مِنْ كَيْدِهَا. وَهَمَّتْ أَنْ تَخْرُجَ وَتُغْلِقَ الْبَابَ، فَانْبَعَثَ الصَّوْتُ قَائِلًا فِي لَهْجَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ السُّخْرِيَةِ وَالشَّمَاتَةِ وَالْوَعِيدِ: «مَكَانَكِ يَا «صَفِيَّةُ»، فَقَدْ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدَيْكِ وَمِنْ يَدَيْ أَبِيكِ، وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِكِ أَنْ تُبْقِينِي بَعْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ فِي هَذَا السِّجْنِ الْكَرِيهِ. وَلَوْ أَنَّكِ صَبَرْتِ بِضْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يَتِمَّ الاحْتِفَالُ بِعِيدِ مِيلَادِكِ الْخَامِسَ عَشَرَ لَمَا بَقِيَ لِي أَمَلٌ فِي الْخَلَاصِ مِنَ السِّحْرِ، وَالانْطِلَاقِ مِنْ ذُلِّ الْأَسْرِ، وَلَقَضَيْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا مَحْبُوسَةً مُعَذَّبَةً فِي هَذَا السِّجْنِ الْخَانِقِ.»
(?) سُخْرِيَةُ السِّنْجَابِ

وَمَا هِيَ إِلَّا أَنِ اسْتَخْفَى الْبَيْتُ الصَّغِيرُ وَبَقِيَ الْمِفْتَاحُ وَحْدَهُ فِي يَدِ فَتَاتِنَا الْمُتَأَلِّمَةِ الْحَزِينَةِ. وَتَلَفَّتَتْ «صَفِيَّةُ» حَوْلَهَا فَلَمْ تَجِدْ أَمَامَهَا غَيْرَ سِنْجَابٍ صَغِيرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهَا غَاضِبًا حَاقِدًا بِعَيْنَيْنِ يَكَادُ الشَّرَرُ يَتَطَايَرُ مِنْهُمَا. وَظَلَّ السِّنْجَابُ الصَّغِيرُ يَضْحَكُ بِصَوْتٍ كَانَ — عَلَى انْخِفَاضِهِ — مُزْعِجَ النَّبَرَاتِ مُفَزِّعَ الْجَرْسِ (مُرَوِّعَ الصَّوْتِ) قَائِلًا: «هِي، هِي، هِي! أَيُّ جَزَعٍ يَبْدُو عَلَيْكِ يَا أَمِيرَتِيَ الصَّغِيرَةَ! شَدَّ مَا رَفَّهْتِ عَنِّي أَيَّتُهَا الْفُضُولِيَّةُ الْجَرِيئَةُ، وَأَزَلْتِ وَحْشَتِي بِانْدِفَاعِكِ فِي تَعَرُّفِ مَا لَا يُفِيدُكِ. شُكْرًا لَكِ أَيَّتُهَا الْغَبِيَّةُ الصَّغِيرَةُ، فَقَدْ مَلَأْتِ نَفْسِي بَهْجَةً وَسُرُورًا، شُكْرًا لَكِ أَيَّتُهَا الْبَلْهَاءُ عَلَى مَا أَسْدَيْتِ إِلَيَّ مِنْ جَمِيلٍ. آهٍ، مَا أَلْطَفَكِ أَيَّتُهَا الشَّقِيَّةُ! لَقَدْ سُجِنْتُ هُنَا قَرَابَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا فِي هَذَا السِّجْنِ الْفَظِيعِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِي أَنْ أُلْحِقَ الْأَذَى بِكِ وَلَا بِأَبِيكِ، لَوْلَا انْدِفَاعُكِ فِي الْفُضُولِ، وَاشْتِغَالُكِ بِمَا لَا فَائِدَةَ لَكِ مِنْهُ. لَقَدْ هَيَّأْتِ لِي فُرْصَةً نَادِرَةً لِلِانْتِقَامِ مِنْ أَبِيكِ الَّذِي خَصَصْتُهُ بِكُلِّ مَا يَسَعُهُ قَلْبِي مِنْ كَرَاهِيَةٍ وَبَغْضَاءَ، فَأَنَا أَبْغَضُهُ لِأَنَّهُ أَبُوكِ كَمَا أَبْغَضُكِ لِأَنَّكِ ابْنَتُهُ».
(?) حِقْدُ الْعَجُوزِ

فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ: «وَمَنْ تَكُونِينَ أَنْتِ أَيَّتُهَا الْفَأْرَةُ الْحَمْقَاءُ؟» فَقَالَتْ لَهَا شَامِتَةً: «أَنَا الْجِنِّيَّةُ «سُنْعُبَةُ»، وَإِنَّنِي لَأَبْغَضُ الْأُسْرَةَ الَّتِي تَنْتَمِينَ إِلَيْهَا وَأَمْقُتُهَا أَشَدَّ الْمَقْتِ، وَلَا أُطِيقُ أَنْ أَرَاهَا تَعِيشُ عَيْشًا نَاعِمًا هَانِئًا. وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيَّ عَارِفِيَّ لَقَبَ «نَاقِمَةَ» حِينَ أَدْرَكُوا مَا أُضْمِرُهُ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ وَالْمَقْتِ وَالنِّقْمَةِ لِكُلِّ مَنْ رَأَيْتُ، مِنْ دَابَّةٍ وَحَيَوَانٍ، وَجِنِّيٍّ وَإِنْسَانٍ. وَقَدْ بَادَلَنِي الْجَمِيعُ كُرْهًا بِكُرْهٍ، وَإِسَاءَةً بِإِسَاءَةٍ، فَأَصْبَحْتُ أَلْعَنُهُمْ وَيَلْعَنُونَنِي، وَأَبْغَضُهُمْ وَيَبْغَضُونَنِي. وَلَقَدْ أَفْرَدْتُ أَبَاكِ — مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ — بِكُرْهٍ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، كَمَا أَفْرَدَنِي بِمِثْلِهِ. وَسَتَرَيْنَنِي — مُنْذُ هَذِهِ اللَّحْظَةِ — أَلْزَمَ لَكِ مِنْ ظِلِّكِ، حَيْثُمَا ذَهَبْتِ، وَأَيْنَمَا حَلَلْتِ.»
فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ مُنْزَعِجَةً: «تَبًّا لَكَ أَيُّهَا السِّنْجَابُ الشَّقِيُّ الْحَقِيرُ. إِنَّ سِنْجَابًا مِثْلَكَ لَنْ يُخِيفَ مِثْلِي؛ فَاعْزُبْ عَنِّي أَيُّهَا الشِّرِّيرُ وَإلَّا نَكَّلْتُ بِكَ وَسَحَقْتُكَ بِقَدَمِي هَذِهِ. وَلَنْ يُعْجِزَ مِثْلِي مُعَاقَبَتُكَ وَالتَّخَلُّصُ مِنْكَ.» فَقَالَ السِّنْجَابُ: «مَا أَبْعَدَ مَا تَقُولِينَ عَنِ الصَّوَابِ! وَسَيَتَجَلَّى لَكِ صِدْقُ مَا أَقُولُ، وَسَأَكُونُ فِي إِثْرِكِ أَنَّى ذَهَبْتِ!»
(?) مِكْنَسَةُ الدَّارِ

وَأَسْرَعَتِ الْأَمِيرَةُ تَجْرِي صَوْبَ الْمَنْزِلِ، وَكَانَتْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَتَلَفَّتُ فِيهَا إِلَى الْوَرَاءِ، تَرَى السِّنْجَابَ يُلَاحِقُهَا وَلَا يُفَارِقُهَا، وَكُلَّمَا ابْتَعَدَتْ عَنْهُ رَأَتْهُ يَضْحَكُ مِنْهَا سَاخِرًا هَازِئًا. وَلَمَّا وَصَلَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى الْمَنْزِلِ هَمَّتْ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ مُتَعَمِّدَةً أَنْ تَسْحَقَ السِّنْجَابَ الصَّغِيرَ بَيْنَ مِصْرَاعَيْهِ، وَلَكِنَّ الْبَابَ ظَلَّ مَفْتُوحًا عَلَى الرَّغْمِ مِمَّا بَذَلَتِ الْأَمِيرَةُ مِنْ جُهْدٍ فِي إِغْلَاقِهِ، وَظَلَّ السِّنْجَابُ وَاقِفًا لَا يَتَحَرَّكُ عِنْدَ سُدَّةِ الْبَابِ (عَتَبَتِهِ).
فَصَاحَتِ الْأَمِيرَةُ قَائِلَةً وَهِيَ تَكَادُ تَنْشَقُّ مِنَ الْغَيْظِ وَالْخَوْفِ: «انْتَظِرِي أَيَّتُهَا الْفَأْرَةُ الْحَمْقَاءُ حَتَّى أُنْزِلَ بِكِ مَا أَنْتِ جَدِيرَةٌ بِهِ مِنْ عِقَابٍ.» وَأَسْرَعَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى الْمِكْنَسَةِ فَرَفَعَتْهَا بِيَدِهَا فِي الْهَوَاءِ، وَأَرَادَتْ أَنْ تُهْوِيَ بِهَا عَلَى رَأْسِ السِّنْجَابِ الصَّغِيرِ بِضَرْبَةٍ شَدِيدَةٍ قَاتِلَةٍ، فَاشْتَعَلَتِ الْمِكْنَسَةُ نَارًا، وَامْتَدَّ لَهَبُهَا إِلَى يَدِ الْأَمِيرَةِ فَأَلْقَتْهَا بِسُرْعَةٍ، وَدَفَعَتْهَا بِقَدَمِهَا إِلَى الْمَوْقِدِ حَتَّى لَا تَحْتَرِقَ أَرْضُ الْحُجْرَةِ.
(?) الْمَاءُ الْغَالِي

ثُمَّ تَنَاوَلَتْ إِنَاءً يَغْلِي مَاؤُهُ فَوْقَ النَّارِ؛ فَأَلْقَتْهُ عَلَى السِّنْجَابِ. وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَ الْمَاءُ الْغَالِي لَبَنًا حَلِيبًا، فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ «سُنْعُبَةُ» تَشْرَبُهُ سَائِغًا هَنِيئًا وَهِيَ تَقُولُ: «مَا أَلْطَفَكِ يَا «صَفِيَّةُ»! فَأَنْتِ لَمْ تَكْتَفِي بِأَنْ خَلَّصْتِنِي، بَلْ جِئْتِنِي أَيْضًا بِفَطُورٍ لَذِيذٍ!»
(?) حَيْرَةُ الْفَتَاةِ

فَأَنْشَأَتِ الْأَمِيرَةُ الْمِسْكِينَةُ تَبْكِي بِحَرَارَةٍ، وَلَمْ تَدْرِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ وَلَا كَيْفَ تَكُونُ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا؟ وَإِنَّهَا لَمُرْتَبِكَةٌ حَائِرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ إِذْ سَمِعَتْ أَبَاهَا يُنَادِيهَا؛ فَاشْتَدَّ خَوْفُهَا، وَالْتَفَتَتْ إِلَى الْفَأْرَةِ مُتَوَسِّلَةً ضَارِعَةً وَهِيَ تَقُولُ: «هَا هُوَ ذَا أَبِي قَادِمًا. أَبِي … أَبِي، أَشْفِقِي عَلَيَّ أَيَّتُهَا الْفَأْرَةُ، وَابْتَعِدِي عَنِّي حَتَّى لَا يَرَاكِ أَبِي.» فَقَالَتِ الْفَأْرَةُ: «كَلَّا، لَنْ أَذْهَبَ، بَلْ سَأَبْقَى مُتَوَارِيَةً خَلْفَ كَعْبَيْكِ حَتَّى يَعْلَمَ وَالِدُكِ كَيْفَ عَصَيْتِهِ وَنَكَّبْتِ عَنْ طَاعَتِهِ.»
(?) أَيْنَ الْمِفْتَاحُ؟

وَلَمْ يَكَدِ السِّنْجَابُ الصَّغِيرُ يَسْتَخِفِي خَلْفَ الْأَمِيرَةِ حَتَّى دَخَلَ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ»، فَرَأَى الْأَمِيرَةَ مُرْتَبِكَةً خَائِفَةً مُمْتَقَعَةَ الْوَجْهِ، فَقَالَ لَهَا بِصَوْتٍ مُضْطَرِبٍ: «لَقَدْ نَسِيتُ هُنَا مِفْتَاحَ الْبَيْتِ الصَّغِيرِ، فَهَلْ وَجَدْتِهِ؟» فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ وَهِيَ تُقَدِّمُ الْمِفْتَاحَ وَقَدِ احْمَرَّ وَجْهُهَا خَجَلًا: «هَا هُوَ ذَا الْمِفْتَاحُ يَا أَبِي.» فَسَأَلَهَا مُتَعَجِّبًا: «وَمَا هَذَا اللَّبَنُ الْمُرَاقُ (الْمَسْكُوبُ) عَلَى الْأَرْضِ؟» فَأَجَابَتْهُ فِي اضْطِرَابٍ وَقَلَقٍ: «الْقِطَّةُ سَكَبَتْهُ يَا أَبِي.» فَقَالَ لَهَا مَدْهُوشًا: «كَيْفَ تَقُولِينَ؟ كَيْفَ سَكَبَتْهُ الْقِطَّةُ؟ وَهَلْ تَسْتَطِيعُ الْقِطَّةُ أَنْ تَحْمِلَ إِنَاءَ اللَّبَنِ إِلَى وَسَطِ الْحُجْرَةِ ثُمَّ تَسْكُبَهُ عَلَى أَرْضِهَا هَكَذَا؟»
فَقَالَتْ لَهُ وَقَدِ اشْتَدَّ اضْطِرَابُهَا: «كَلَّا، لَمْ تَسْكُبْهُ الْقِطَّةُ يَا أَبِي. كَلَّا، لَمْ يَسْكُبْهُ غَيْرِي؛ فَقَدِ انْقَلَبَ الْإِنَاءُ مِنْ يَدِي وَأَنَا أَحْمِلُهُ، فَسَالَ مَا فِيهِ عَلَى أَرْضِ الْحُجْرَةِ كَمَا تَرَى.» وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ تَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ يَدُلُّ عَلَى تَلْفِيقِهَا وَبُعْدِ مَا تَقُولُ عَنِ الصِّدْقِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا حَتَّى لَا تَلْتَقِيَا بِعَيْنَيْ أَبِيهَا، فَتَكْشِفَا لَهُ مَا تَسْتُرُهُ مِنْ ذَنْبِهَا. وَلَمْ يَخْفَ عَلَى الْأَمِيرِ «غَالِبٍ» مُدَاوَرَتُهَا فَقَالَ لَهَا: «هَلُمِّي فَأَحْضِرِي الْمِكْنَسَةَ، وَأَزِيلِي هَذَا اللَّبَنَ.»
فَأَجَابَتْهُ: «لَا مِكْنَسَةَ هُنَا يَا أَبِي.»
فَقَالَ لَهَا: «كَيْفَ؟ أَلَمْ تَكُنْ هُنَا مِكْنَسَةٌ حِينَ خَرَجْتُ؟»
فَقَالَتْ: «أَحْرَقْتُهَا — يَا أَبِي — دُونَ انْتِبَاهٍ، وَأَنَا … وَأَنَا …!»
(??) غَضَبُ الْوَالِدِ

وَاعْتُقِلَ لِسَانُهَا فَلَمْ يَنْطَلِقْ بِحَرْفٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُوهَا مُحَدِّقًا، وَأَلْقَى نَظْرَةً قَلِقَةً فِي الْحُجْرَةِ، ثُمَّ تَنَهَّدَ، وَخَطَا مُتَبَاطِئًا إِلَى الْبَيْتِ الصَّغِيرِ فِي آخِرِ الْحَدِيقَةِ، فَتَهَافَتَتِ الْأَمِيرَةُ عَلَى كُرْسِيٍّ قَرِيبٍ مِنْهَا، وَاسْتَرْسَلَتْ فِي بُكَاءٍ وَانْتِحَابٍ. وَظَلَّتِ الْفَأْرَةُ السِّنْجَابِيَّةُ فِي مَكَانِهَا سَاكِنَةً لَا تَتَحَرَّكُ. وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ عَادَ إِلَيْهَا الْأَمِيرُ «غَالِبٌ» مُسْرِعًا، مُكْفَهِرَّ الْوَجْهِ مُفَزَّعًا، فَقَالَ لَهَا فِي حَسْرَةٍ وَلَهْفَةٍ: «مَاذَا فَعَلْتِ يَا «صَفِيَّةُ»؟ مَاذَا فَعَلْتِ يَا شَقِيَّةُ؟ دَفَعَكِ الْفُضُولُ إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا لَا يَعْنِي. فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ هَيَّأْتِ سَبِيلَ الْخَلَاصِ لِخُصُومِنَا الْأَشِدَّاءِ، وَأَعْدَائِنَا الْأَلِدَّاءِ.»

الفصل الثالث
جَرَائِمُ السِّنْجَابِ


(?) بَيْنَ الْأَبِ وَابْنَتِهِ

وَهُنَا صَاحَتْ «صَفِيَّةُ» قَائِلَةً وَقَدِ ارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ: «اصْفَحْ عَنِّي وَسَامِحْنِي — يَا أَبَتِ — فَقَدْ كُنْتُ أَجْهَلُ فَدَاحَةَ الْكَارِثَةِ الَّتِي جَلَبْتُهَا عَلَيْكَ.» فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا مُتَحَسِّرًا: «هَذِهِ نَتِيجَةُ مَنْ يُخَالِفُ النَّصِيحَةَ دَائِمًا. هَذِهِ آخِرَةُ مَنْ لَا يَحْرِصُ عَلَى الطَّاعَةِ. وَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَذْهَبُ بِهِ الظَّنُّ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ إِلَّا جُرْمًا خَفِيفًا هَيِّنَ الْأَثَرِ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَتَجَلَّى لَهُ أَنَّ ذَنْبَهُ عَظِيمٌ، وَجُرْمَهُ خَطِيرٌ، حِينَ تَبْدُو لَهُ نَتَائِجُهُ الْمُرَوِّعَةُ الَّتِي تَحِيقُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْأَبْرِيَاءِ.»
فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ: «وَلَكِنْ أَيُّ فَأْرَةٍ هَذِهِ يَا أَبَتِ؟ وَأَيُّ سُلْطَانٍ لَهَا عَلَيْكَ فَتَجْلُبَ لَكَ كُلَّ هَذَا الْخَوْفِ الشَّدِيدِ؟ وَكَيْفَ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْجُنَهَا إِذَا كَانَ لَهَا مِثْلُ هَذِهِ الْقُوَّةِ وَذَلِكَ السُّلْطَانِ؟ وَلِمَاذَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْجُنَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَرَابِعَةً كَمَا سَجَنْتَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ؟»
(?) حَقِيقَةُ «غَالِبٍ»

فَقَالَ لَهَا «غَالِبٌ»: «إِنَّ هَذَا السِّنْجَابُ — يَا ابْنَتِي — لَيْسَ مِنَ السَّنَاجِيبِ الْمَعْرُوفَةِ، وَالْفِيرَانِ الْمَأْلُوفَةِ، بَلْ هُوَ جِنِّيَّةٌ حَمْقَاءُ، تَجْمَعُ — إِلَى لُؤْمِهَا وَسُخْفِهَا — شَرَاسَةَ الطَّبْعِ، وَلُؤْمَ النَّفْسِ، وَقُوَّةَ الْبَأْسِ. وَلَقَدْ كُنْتُ عَلَى وَشْكِ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكِ بِقِصَّتِي — بَعْدَ أَيَّامٍ — حِينَ تَبْلُغِينَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ. أَمَّا الْآنَ وَقَدْ أَنْقَذْتِ عَدُوَّتِيَ اللَّدُودَ وَخَلَّصْتِهَا مِنَ الْأَسْرِ، فَفِي وُسْعِي أَنْ أُكَاشِفَكِ بِمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ أُخْفِيَهُ عَنْكِ إِلَى أَنْ يَحِينَ عِيدُ مِيلَادِكِ الْخَامِسَ عَشَرَ. إِنَّ قِصَّتِي عَجِيبَةٌ مِنْ عَجَائِبِ الْقِصَصِ. فَأَنَا جِنِّيٌّ مِنَ الْجِنِّ، لَا إِنْسِيٌّ مِنَ الْإِنْسِ، كَمَا يَظُنُّ مَنْ يَرَانِي مِنَ النَّاسِ. أَنَا جِنِّيٌّ مِنْ أَبْنَاءِ الْجِنَّانِ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّكِ إِنْسِيَّةً مِنْ بَنَاتِ الْإِنْسَانِ. فَأَنْتِ نِصْفُ إِنْسِيَّةٍ وَنِصْفُ جِنِّيَّةٍ؛ لِأَنَّ أُمَّكِ إِنْسِيَّةٌ مِنْ نَسْلِ آدَمَ، وَأَبَاكِ جِنِّيٌّ مِنْ نَسْلِ الشَّيْصَبَانِ، وَلَكِنَّ مَا امْتَازَتْ بِهِ أُمُّكِ مِنَ الْفَضَائِلِ الْعَالِيَةِ اجْتَذَبَ إِلَيْهَا قَلْبَ مَوْلَاتِنَا «الزُّهَرَةِ»، مَلِكَةِ الْجِنِّيَّاتِ، فَاخْتَارَتْهَا لِي زَوْجًا، وَكَانَ اخْتِيَارًا مُوَفَّقًا سَعِيدًا.»
(?) غَضَبُ «سُنْعُبَةَ»

وَرُفِعَتِ الْأَعْلَامُ، وَأُقِيمَتِ الزِّينَاتُ الْبَاهِرَةُ احْتِفَالًا بِزَوَاجِي، وَلَكِنْ فَاتَنِي — لِسُوءِ الْحَظِّ — أَنْ أَدْعُوَ الْجِنِّيَّةَ «سُنْعُبَةَ»؛ فَغَاظَهَا ذَلِكَ مِنِّي، وَأَحْفَظَهَا عَلَيَّ، وَمَلَأَ نَفْسَهَا الشِّرِّيرَةَ حِقْدًا. وَضَاعَفَ مِنْ غَيْظِهَا أَنَّنِي تَزَوَّجْتُ أُمَّكِ بَعْدَ أَنْ أَبَيْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِحْدَى بَنَاتِهَا، بِرَغْمِ إِلْحَاحِهَا عَلَيَّ فِي ذَلِكَ، فَأَضْمَرَتْ لِي «سُنْعُبَةُ» حِقْدًا كَمِينًا، وَأَلَمًا دَفِينًا، وَامْتَلَأَ قَلْبُهَا سُخْطًا عَارِمًا عَلَيَّ وَعَلَى أَهْلِي وَأَبْنَائِي. وَمَا كُنْتُ أَرْتَاعُ لِوَعِيدِهَا وَأَجْزَعُ مِنْ تَهْدِيدِهَا حِينَئِذٍ؛ فَقَدْ كَانَتْ لِي قُوَّةٌ تَرْجَحُ قُوَّتَهَا إِنْ لَمْ تُمَاثِلْهَا، وَقَدْ أَفْرَدَتْنِيَ «الزُّهَرَةُ»، مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاتِ، مِنْ بَيْنِ حَاشِيَتِهَا جَمِيعًا، بِعَطْفٍ وَرِعَايَةٍ لَا مَثِيلَ لَهُمَا. وَكِثيرًا مَا وَقَفَتْ حَائِلًا تَرُدُّ عَنِّي كَيْدَ هَذِهِ الشِّرِّيرَةِ، وَتُفْسِدُ عَلَيْهَا تَدْبِيرَهَا الْخَبِيثَ، وَتُحْبِطُ مُؤَامَرَاتِهَا الْمُهْلِكَةَ.
(?) انْتِقَامُ «سُنْعُبَةَ»

ثُمَّ حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ، فَلَمْ يَكَدْ يَنْقَضِي عَلَى وِلَادَتِكِ بِضْعُ سَاعَاتٍ حَتَّى أَحَسَّتْ أُمُّكِ آلَامًا شَدِيدَةً مُبَرِّحَةً، لَمْ أَسْتَطِعْ لَهَا دَفْعًا وَلَا تَخْفِيفًا، فَتَغَيَّبْتُ عَنْهَا لَحْظَةً لِأَسْتَمِدَّ مَعُونَةَ «الزُّهَرَةِ»، وَمَا كِدْتُ أَعُودُ حَتَّى وَجَدْتُ أُمَّكِ قَدْ فَارَقَتِ الْحَيَاةَ.
فَقَدِ انْتَهَزَتِ الْجِنِّيَّةُ الشَّقِيَّةُ الْحَمْقَاءُ «سُنْعُبَةُ» فُرْصَةَ غِيَابِي، فَأَمَاتَتْهَا عَبْطَةً (صَحِيحَةً شَابَّةً) لَيْسَ بِهَا مِنْ مَرَضٍ.
(?) غَرِيزَةُ الْفُضُولِ

وَكَانَتْ «سُنْعُبَةُ» عَلَى وَشْكِ أَنْ تَغْرِسَ فِي نَفْسِكِ كُلَّ مَا انْطَبَعَ فِي نَفْسِهَا مِنْ رَذَائِلَ وَمَسَاوِئَ، لَوْلَا أَنَّنِي أَسْرَعْتُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَيْكِ — لِحُسْنِ الْحَظِّ — فَحَالَ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آرَابِهَا (مَقَاصِدِهَا) الْخَبِيثَةِ، وَأَحْبَطَ (أَبْطَلَ) عَمَلَهَا الْأَحْمَقَ. وَقَدْ أَفْلَحْتُ فِي رَدِّهَا عَنْكِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَدَأَتْ فِيهِ تَبُثُّ فِي نَفْسِكِ حُبَّ الْفُضُولِ، وَمُطَاوَعَةَ هَوَى النَّفْسِ فِي تَعَرُّفِ مَا لَا يُفِيدُهَا، وَالْجَرْيِ وَرَاءَ مَا لَا يَعْنِيهَا. وَلَنْ يَنْفَكَّ عَنْكِ سِحْرُهَا وَيَزُولَ سُلْطَانُهَا إِلَّا إِذَا بَلَغْتِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ.
(?) سِجْنُ «سُنْعُبَةَ»

وَقَدْ أَمْكَنَتْنِي قُوَّتِي — تُؤَازِرُهَا قُوَّةُ مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاتِ — مِنْ إِحْبَاطِ كَيْدِهَا لَكِ، وَإِبْعَادِ سُلْطَانِهَا عَنْكِ. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكِ سَتُصْبِحِينَ نَاجِيَةً مِنْ كَيْدِهَا وَنُفُوذِهَا مَتَى أَتْمَمْتِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، عَلَى شَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ: هِيَ أَلَّا تَنْدَفِعِي فِي طَرِيقِ الْفُضُولِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مَهْمَا تَكُنِ الْمُغْرِيَاتُ. وَرَأَتِ «الزُّهَرَةُ» فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنْ تُعَاقِبَ «سُنْعُبَةَ» عَلَى مَا جَلَبَتْهُ لَكِ مِنْ شَقَاءٍ وَتَعَبٍ، فَتُحَوِّلَهَا سِنْجَابًا صَغِيرًا وَتَسْجُنَهَا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الَّذِي رَأَيْتِهِ الْيَوْمَ.
(?) فُرَصٌ ثَلاثٌ

وَقَدْ كُتِبَ عَلَى هَذِهِ الشِّرِّيرَةِ أَنْ تَظَلَّ سَجِينَةً إِلَّا إِذَا فَتَحْتِ أَنْتِ لَهَا الْبَابَ رَاضِيَةً مُخْتَارَةً، وَقَدْ كُتِبَ عَلَيْهَا أَلَّا تَعُودَ جِنِّيَّةً كَمَا كَانَتْ إِلَّا إِذَا طَاوَعْتِ فُضُولَكِ مَرَّاتٍ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغِيَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ. فَإِذَا أَنْتَ قَاوَمْتِ هَذِهِ النَّزْعَةَ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ تَحَرَّرْتِ مِنَ الْأَسْرِ، وَخَلَصْتِ مِنْ سُلْطَانِ «سُنْعُبَةَ» وَنُفُوذِهَا إِلَى الْأَبَدِ. وَاعْلَمِي أَنَّنِي لَمْ أُوَفِّرْ لَكِ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَزَايَا إِلَّا بِمَا صَبَرْتُ عَلَيْهِ مِنْ شَدِيدِ الْعَنَاءِ، وَمَا بَذَلْتُ مِنْ كَبِيرِ الْمَجْهُودِ، وَمَا أَفْضَلَتْ بِهِ مَوْلَاتُنَا «الزُّهَرَةُ» مِنْ صَادِقِ الْمَعُونَةِ. وَثِقِي أَنَّنِي لَمْ أَظْفَرْ بِهَذِهِ الْغَايَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنِ ارْتَضَيْتُ أَنْ أُقَاسِمَكِ حَظَّكِ مِنَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ، فَأُصْبِحَ مِثْلَكِ عَبْدًا رَقِيقًا خَاضِعًا ? «سُنْعُبَةَ» إِذَا تَغَلَّبَ عَلَيْكِ الْفُضُولُ مَرَّاتٍ ثَلَاثًا. وَقَدْ أَخَذْتُ نَفْسِي بِالْعِنَايَةِ بِتَهْذِيبِ نَفْسِكِ، وَتَجْنِيبِكِ نَقِيصَةَ الْفُضُولِ، فَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي هَدْمِ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ الْمَشْئُومَةِ الَّتِي لَا تَجْلُبُ عَلَى مَنْ يُطَاوِعُهَا إِلَّا جِسَامَ الْمَتَاعِبِ، وَثِقَالَ الْمَصَائِبِ.
(?) قَبْلَ أَيَّامٍ

وَقَدِ اخْتَرْتُ لَكِ هَذَا الْقَصْرَ، بَعْدَ أَنْ أَفْرَدْتُكِ فِيهِ، وَلَمْ أَتَسَمَّحْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَنْ أُمَكِّنَكِ مِنْ رُؤْيَةِ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِنِّيَّاتِ وَالْإِنْسِيَّاتِ عَلَى السَّوَاءِ، وَغَلَوْتُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ أُمَكِّنْكِ مِنْ رُؤْيَةِ أَحَدٍ مِنَ الْخَدَمِ وَالْوَصَائِفِ.
وَأَعْدَدْتُ لَكِ — بِمَا لِي مِنْ سُلْطَانٍ وَنُفُوذٍ — كُلَّ مَا يُعْوِزُكِ مِنْ مَطَالِبِ الْعَيْشِ، وَحَاجَاتِ الْحَيَاةِ، وَأَسْبَابِ التَّرْفِيهِ وَالتَّسَلِّي. وَقَدِ ارْتَاحَتْ نَفْسِي حِينَ رَأَيْتُنِي نَجَحْتُ فِي هَذَا الْمُهِمِّ، وَانْتَصَرْتُ فِي تِلْكَ الْمَعْرَكَةِ. وَكُنْتِ عَلَى وَشْكِ أَنْ تُدْرِكِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَكِ وَبَيْنَ تَمَامِهَا إِلَّا أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ، فَتَتَحَرَّرِي مِنْ نِيرِ «سُنْعُبَةَ» وَتَخْلُصِي مِنْ أَسْرِهَا إِلَى الْأَبَدِ. وَلَكِنَّ سُوءَ الْحَظِّ أَبَى عَلَيْكِ إِلَّا أَنْ تَسْأَلِينِي عَنْ ذَلِكَ الْمِفْتَاحِ الْمَشْئُومِ الَّذِي لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِكِ مَرَّةً وَاحِدَةً قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ الْأَنْكَدِ. وَقَدْ أَعْجَلَتْنِي الْمُفَاجَأَةُ، وَأَذْهَلَنِي وَقْعُهَا، فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَكْتُمَ عَنْكِ مَا سَاوَرَنِي مِنَ الْقَلَقِ، وَأُخْفِيَ مَا تَرَكَهُ سُؤَالُكِ فِي نَفْسِي مِنْ سَيِّئِ الْأَثَرِ، وَمُوجِعِ الْأَلَمِ.
وَكَأَنَّ مَا بَدَا عَلَيَّ مِنْ دَهْشَةٍ وَاضْطِرَابٍ قَدْ أَثَارَ ثَائِرَةَ فُضُولِكِ، وَأَذْكَى مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَفْسُكِ مِنْ تَشَوُّقٍ لِتَعَرُّفِ سِرِّ الْمِفْتَاحِ.
(?) فُرْصَةُ الاخْتِبَارِ

وَلَئِنْ تَظَاهَرْتُ أَمَامَكِ بِالْمَرَحِ وَالابْتِهَاجِ، وَتَكَلَّفْتُ الصَّبْرَ وَالِاسْتِخْفَافَ وَفِقْدَانَ الْمُبَالَاةِ، لَقَدْ عَرَفْتُ غَرَضَكِ، وَلَمْ أُخْطِئْهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، وَوَقَفْتُ عَلَى كُنْهِ مَا تُضْمِرِينَ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَأَدْرَكْتُ حَقِيقَةَ مَا يَهْجِسُ فِي نَفْسِكِ مِنَ الْفُضُولِ مُنْذُ رَأَيْتُكِ تُلْحِفِينَ فِي السُّؤَالِ عَمَّا يَحْوِيهِ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ. وَضَاعَفَ عَلَيَّ الْأَلَمَ مَا رَأَيْتُهُ مِنْ إِصْرَارِ «الزُّهَرَةِ» عَلَى أَنْ أُيَسِّرَ لَكِ طَرِيقَ الْإِغْرَاءِ، فَأَتْرُكَ الْمِفْتَاحَ فِي مُتَنَاوَلِ يَدِكِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْأَقَلِّ، لِتَخْتَبِرَ مَدَى إِرَادَتِكِ، وَتَتَعَرَّفَ مِقْدَارَ نَجَاحِكِ فِي مُقَاوَمَةِ الْفُضُولِ لِتَكُونِي جَدِيرَةً بِثَنَائِهَا وَإِعْجَابِهَا. وَهَكَذَا حَتَمَتِ «الزُّهَرَةُ» عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَ الْمِفْتَاحَ، مُتَظَاهِرًا بِنِسْيَانِهِ؛ لِأُيَسِّرَ لَكِ — فِي أَثْنَاءِ غِيَابِي — فُرْصَةً لاخْتِبَارِ قُوَّةِ إِرَادَتِكِ، وَرَجَاحَةِ عَقْلِكِ وَحَزَامَتِكِ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ الِامْتِحَانِ بُدٌّ وَلَا مَفَرٌّ؛ فَلَا عَجَبَ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَيَّ الْحُزْنُ وَالْأَلَمُ مُنْذُ تَرَكْتُكِ وَحْدَكِ نَهْبًا لِلْأَقْدَارِ، وَهَدَفًا لِلْأَخْطَارِ.
(??) نَتِيجَةٌ لَا تَسُرُّ

وَعِنْدَمَا رَأَيْتُ مَا بَدَا عَلَى أَسَارِيرِ وَجْهِكِ — بَعْدَ عَوْدَتِي — مِنَ الْحَيْرَةِ وَالارْتِبَاكِ وَحُمْرَةِ الْخَجَلِ، عَرَفْتُ صِدْقَ مَا حَدَسْتُ، وَتَأَكَّدَتْ لِي صِحَّةُ مَا ظَنَنْتُ، وَكَانَ مَا خِفْتُ أَنْ يَكُونَ، فَقَدْ أَخْفَقْتِ فِي الِامْتِحَانِ، وَضَعُفَتْ إِرَادَتُكِ — يَا بُنَيَّةُ — فَعَجَزْتِ عَنِ الثَّبَاتِ، وَتَغَلَّبَ عَلَيْكِ حُبُّ الْفُضُولِ، فَانْدَفَعْتِ فِيمَا نَهَيْتُكِ عَنْهُ، فِي غَيْرِ تَبَصُّرٍ وَلَا تَرَوٍّ، وَجَلَبْتِ عَلَيْكِ وَعَلَى أَبِيكِ بِهَذَا التَّسَرُّعِ الطَّائِشِ مَصَائِبَ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَهَا إِلَّا الله. وَلَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَكْشِفَ لَكِ هَذِهِ الْعَاقِبَةَ، أَوْ أُطْلِعَكِ عَلَى سِرِّهَا، وَمَكْنُونِ أَمْرِهَا، أَوْ أَبُوحَ لَكِ بِشَيْءٍ مِنْ تَفْصِيلِهَا قَبْلَ أَوَانِهَا. وَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ذَلِكَ إِلَّا يَوْمَ تَبْلُغِينَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ. وَلَمْ يَكُنْ لِي مِنْ سَبِيلٍ إِلَى كَشْفِ مَا اسْتُودِعْتُهُ مِنْ أَسْرَارٍ قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ هَذَا الْيَوْمُ الْمُوشِكُ.
وَهَكَذَا اضْطُرِرْتُ إِلَى إِخْفَاءِ الْمُسْتَقْبَلِ عَنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي عَنْ ذَلِكَ مَنْدُوحَةٌ وَلَا مَهْرَبٌ؛ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَذِّرَكِ مِمَّا تَسْتَهْدِفِينَ لَهُ مِنَ الْمَتَاعِبِ وَالْأَخْطَارِ. وَلَوْ أَنَّنِي خَالَفْتُ لَانْعَكَسَتِ الْآيَةُ، وَوَقَعْتُ تَحْتَ طَائِلَةِ الْجِنِّيَّةِ الشِّرِّيرَةِ «سُنْعُبَةَ» فَأَصْبَحْتُ لَهَا أَسِيرًا ذَلِيلًا، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ عِنْدِي أَسِيرَةً ذَلِيلَةً.
(??) بَارِقَةُ الْأَمَلِ

وَالْآنَ — يَا فَتَاتِي الْعَزِيزَةَ — لَقَدْ أَخْطَأْتِ، وَجَلَبْتِ عَلَيْنَا بِخَطَئِكِ شَرًّا مُسْتَطِيرًا. وَلَكِنَّنَا — مَعَ ذَلِكَ — لَمْ نَفْقِدِ الرَّجَاءَ فِي تَلَافِي هَذَا الْخَطَأِ الشَّنِيعِ، وَلَا تَزَالُ أَمَامَنَا بَارِقَةُ أَمَلٍ فِي النَّجَاةِ وَالْفَوْزِ عَلَى عَدُوَّتِنَا «سُنْعُبَةَ». فَفِي وُسْعِكِ أَنْ تُكَفِّرِي عَنْ ذَنْبِكِ، وَتَسْتَغْفِرِي مِنْ جُرْمِكِ، إِذَا حَزَمْتِ أَمْرَكِ، وَتَغَلَّبْتِ عَلَى فُضُولِكِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَامِلَةً. فَهَلْ تَعِدِينَنِي بِالِانْتِصَارِ عَلَى تِلْكَ النَّقِيصَةِ الْمَشْئُومَةِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي تُرَاوِدُ نَفْسَكِ وَتُسَاوِرُ هَوَاكِ؟
(??) الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ»

«وَاعْلَمِي أَنَّ الْأَمِيرَ «صَفَاءً» الَّذِي اخْتَارَهُ الْحَظُّ السَّعِيدُ زَوْجًا كَرِيمًا لَكِ، لَا يَزَالُ يَتَرَقَّبُ عِيدَكِ الْخَامِسَ عَشَرَ بِفَارِغِ الصَّبْرِ، وَلَا يَزَالُ يُؤَمِّلُ فِي نَجَاحِكِ، وَهُوَ عَلَى مِثْلِ حَرِّ الْجَمْرِ؛ فَلَا تُخَيِّبِي الظُّنُونَ، وَاجْتَازِي الاخْتِبَارَ الْهَيِّنَ الْمَيْسُورَ بِمَا عَرَفْتُهُ فِيكِ مِنْ فِطْنَةٍ وَتَدَبُّرٍ، وَحَزَامَةٍ وَتَبَصُّرٍ، آهٍ. يَا صَفِيَّةُ! أَشْفِقِي عَلَى نَفْسِكِ إِنْ لَمْ تُشْفِقِي عَلَيَّ، وَاعْتَصِمِي بِالشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالثَّبَاتِ وَالْمُقَاوَمَةِ. وَلَا زَالَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ»، وَهُوَ أَنْبَلُ شَابٍّ فِي أُسْرَتِنَا، وَاثِقًا بِرَجَاحَةِ عَقْلِكِ وَدِقَّةِ فَهْمِكِ.»
(??) اسْتِغْفَارُ النَّدَمِ

وَكَانَتْ «صَفِيَّةُ» جَاثِيَةً عِنْدَ قَدَمَيْ أَبِيهَا، مُخْفِيَةً وَجْهَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَبْكِي بُكَاءً حَارًّا، عَلَى أَنَّهَا اسْتَعَادَتْ شَيْئًا مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْقُوَّةِ عِنْدَمَا طَرَقَتْ سَمْعَهَا الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ، وَعَانَقَتْ أَبَاهَا مُسْتَعْطِفَةً مُسْتَغْفِرَةً، نَادِمَةً مُسْتَعْبِرَةً. ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: «أُقْسِمُ لَكَ — يَا أَبِي — أَنَّنِي لَنْ أُقَصِّرَ فِي تَدَارُكِ مَا صَدَرَ عَنِّي مِنْ خَطَأٍ، وَإِصْلَاحِ مَا فَرَطَ مِنِّي مِنْ غَلَطٍ؛ فَالْبَثْ مَعِي، وَابْقَ إِلَى جَانِبِي، وَلَا تَتْرُكْنِي وَحْدِي؛ فَإِنَّ الْقُرْبَ مِنْكَ لِنَفْسِي عَزَاءٌ، وَلِهِمَّتِي مَضَاءٌ، وَلَنْ تُعْوِزَنِي الشَّجَاعَةُ إِذَا ضَمِنْتُ لِزَامَكَ الْأبَوِيَّ، وَإِرْشَادَكَ الْحَكِيمَ.»
فَقَالَ «غَالِبٌ»: «كَلَّا، لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَقْدُورِي أَنْ أَبْقَى إِلَى جَانِبِكِ؛ فَقَدْ أَصْبَحْنَا الْآنَ تَحْتَ سُلْطَانِ عَدُوَّتِيَ اللَّدُودِ «سُنْعُبَةَ»، وَلَنْ تَسْمَحَ لِي هَذِهِ الشِّرِّيرَةُ أَنْ أَبْقَى إِلَى جِوَارِكِ لِأُبَصِّرَكِ بِالْأَخْطَارِ، وَأُحَذِّرَكِ مَكَايِدَ الأَشْرَارِ.»
(??) وَعِيدُ «سُنْعُبَةَ»

«وَاعْلَمِي أَنَّ «سُنْعُبَةَ» لَنْ تَأْلُوَ جُهْدًا فِي الْإِيقَاعِ بِكِ، وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْكِ، بِكُلِّ مَا تَزْخَرُ بِهِ نَفْسُهَا مِنْ حَمَاقَةٍ وَشَرٍّ. وَإِنِّي لَيُدْهِشُنِي أَلَّا أَرَاهَا بِجِوَارِكِ إِلَى الْآنَ. فَالْحَمْدُ لِله عَلَى بُعْدِهَا وَالْخَلَاصِ مِنْ رُؤْيَتِهَا؛ فَلَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنَّا وَسَمِعَتْ هَذَا الْحِوَارَ لَامْتَلَأَتْ نَفْسُهَا شَمَاتَةً وَابْتِهَاجًا بِمَا حَلَّ بِنَا.»
وَهُنَا ظَهَرَ أَمَامَهُ السِّنْجَابُ الصَّغِيرُ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْوَاهِنِ الْمُزْعِجِ: «إِنَّ «سُنْعُبَةَ» لَا زَالَتْ قَرِيبَةً مِنْكَ، عِنْدَ قَدَمَيِ ابْنَتِكَ. وَلَقَدْ فَاضَتْ نَفْسِي سُرُورًا مِمَّا سَمِعْتُهُ مِنْ شَكْوَاكَ الْمَرِيرَةِ وَآلَامِكَ الْمُبَرِّحَةِ. وَلَيْسَ أَبْهَجَ لِنَفْسِي مِنْ تَكْدِيرِ عَيْشِكَ، وَتَنْغِيصِ حَيَاتِكَ. وَقَدِ اسْتَخْفَيْتُ عَنْكَ، فَلَمْ أُبَادِرْ بِالظُّهُورِ حَتَّى لَا أَحْرِمَ نَفْسِي لَذَّةَ الْإِنْصَاتِ إِلَى شَكْوَاكَ، وَالْفَرَحِ بِمُصِيبَتِكَ. فَوَدِّعِ ابْنَتَكَ الْعَزِيزَةَ فَإِنِّي آخِذَتُهَا مِنْكَ لَا مَحَالَةَ، وَمَانِعَتُكَ مِنْ مُصَاحَبَتِهَا مُنْذُ الْيَوْمِ.»
(??) هَزِيمَةُ «غَالِبٍ»

وَلَمْ يَكَدِ السِّنْجَابُ يُتِمُّ وَعِيدَهُ حَتَّى اقْتَرَبَ مِنْ ثَوْبِهَا، وَأَنْشَبَ أَسْنَانَهُ الصَّغِيرَةَ الْحَادَّةَ فِي ذَيْلِهَا لِيَسْحَبَهَا وَرَاءَهُ، فَصَرَخَتِ الْفَتَاةُ الْمِسْكِينَةُ صَرَخَاتٍ حَزِينَةً مُؤْلِمَةً، وَقَدْ أَمْسَكَتْ بِجِلْبَابِهَا وَتَعَلَّقَتْ بِهِ، وَرَاحَتْ تَشُدُّهُ لِتُخَلِّصَهُ مِنْهُ، وَلَكِنَّ قُوَّةً لَا قِبَلَ لَهَا بِهَا جَذَبَتْهَا فِي عُنْفٍ، فَتَنَاوَلَ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ» التَّاعِسُ الْحَظِّ هِرَاوَةً (عَصًا ضَخْمَةً) وَرَفَعَهَا عَلَى السِّنْجَابِ، وَلَكِنَّ السِّنْجَابَ عَاجَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُهْوِيَ عَلَيْهِ بِهِرَاوَتِهِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى قَدَمِ «غَالِبٍ» فَأَعْجَزَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَوَقَف «غَالِبٌ» جَامِدًا لَا حَرَاكَ بِهِ كَأَنَّهُ تِمْثَالٌ مِنَ الصَّخْرِ. وَتَعَلَّقَتِ الْأَمِيرَةُ بِقَدَمَيْ أَبِيهَا، وَرَاحَتْ تَسْأَلُ «سُنْعُبَةَ» أَنْ تَرْحَمَ أَبَاهَا وَتُشْفِقَ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ، مَا أَبْعَدَ الرَّحْمَةَ وَالشَّفَقَةَ عَنْ قُلُوبِ الْأَشْرَارِ! فَقَدْ هَزِئَتْ بِهَا الْخَبِيثَةُ ضَاحِكَةً مِنْ سَذَاجَتِهَا، سَاخِرَةً مِنْ بَلَاهَتِهَا. ثُمَّ أَتْبَعَتْ ضَحِكَتَهَا وَسُخْرِيَتَهَا قَوْلَهَا: «إِلَيَّ يَا «صَفِيَّةُ». هَلُمِّي أَيَّتُهَا الْفُضُولِيَّةُ الرَّعْنَاءُ. تَعَالَيْ أَيَّتُهَا الْغَبِيَّةُ الْبَلْهَاءُ، فَلَيْسَ بِمُسْتَطَاعٍ أَنْ نَخْدَعَكِ فِي هَذَا الْمَكَانِ خُدْعَتَيْنِ، وَنُوقِعَكِ هُنَا فِي شِبَاكِنَا مَرَّتَيْنِ. كَلَّا، بَلْ نَطُوفُ بِكِ، وَنُرِيكِ مِنْ بِلَادِ الْعَالَمِ مَا لَمْ يَخْطُرْ لَكِ عَلَى بَالٍ، حَتَّى نَقْضِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.»
(??) احْتِرَاقُ الْبَيْتِ

وَكَانَتْ «سُنْعُبَةُ» لَا تَزَالُ تَسْحَبُ «صَفِيَّةَ» وَتَجْذِبُ ذَيْلَ ثَوْبِهَا، وَتَسُدُّ عَلَيْهَا سُبُلَ الْهَرَبِ، وَلا تُتِيحُ لَهَا فُرَصَةً لِلْخَلَاصِ مِنْهَا لَحْظَةً وَاحِدَةً.
وَلَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَةِ الْفَتَاةِ أَنْ تَتَخَلَّصَ مِنْ هَذِهِ الْجَبَّارَةِ الْبَاطِشَةِ. وَمَا لَبِثَتْ «سُنْعُبَةُ» أَنْ صَرَخَتْ صَرْخَةً ضَعِيفَةً مُتَقَطِّعَةً، وَسُرْعَانَ مَا الْتَهَبَ الْبَيْتُ كُلُّهُ، وَدَمَّرَتْهُ النَّارُ. وَأَدْرَكَتْ «صَفِيَّةُ» حِينَئِذٍ أَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ فِي مَكَانِهَا لَأَحْرَقَهَا اللَّهَبُ، وَلَوْ تَمَّ ذَلِكَ لَفَقَدَ أَبُوهَا بِمَوْتِهَا كُلَّ أَمَلٍ فِي خَلَاصِهِ، وَظَلَّ طُولَ حَيَاتِهِ عَبْدًا ذَلِيلًا فِي أَسْرِ «سُنْعُبَةَ». وَلَكِنَّهَا إِذَا أَبْقَتْ «صَفِيَّةُ» عَلَى حَيَاتِهَا؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَفْقِدِ الْأَمَلَ فِي إِنْقَاذِ أَبِيهَا مِنْ شَرِّ هَذِهِ الْعَجُوزِ الشَّرِسَةِ الشَّغْبَةِ.
(??) وَدَاعٌ وَافْتِرَاقٌ

فَقَالَتْ لأَبِيهَا مَحْزُونَةً: «الْوَدَاعُ يَا أَبِي! إِلَى الْمُلْتَقَى بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَنْ تُقَصِّرَ بِنْتُكَ «صَفِيَّةُ» فِي إِنْقَاذِكَ مِنْ أَسْرِكَ، وَرَدِّ حُرِّيَّتِكَ الْمَسْلُوبَةِ إِلَيْكَ. لَقَدْ جَلَبْتُ عَلَيْكَ الشَّقَاءَ بِتَسَرُّعِي وَفُضُولِي وَحَمَاقَتِي. فَلَأَجْلِبَنَّ لَكَ الْهَنَاءَ بِصَبْرِي وَكِيَاسَتِي وَحَزَامَتِي.»
وَسُرْعَانَ مَا ابْتَعَدَتْ «صَفِيَّةُ» عَنِ اللَّهَبِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْحَرِيقِ.
(??) رَجَاءٌ خَائِبٌ

وَظَلَّتِ الْفَتَاةُ تَجْرِي إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ وَهِيَ لَا تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ وَلَا إِلَى أَيِّ مَكَانٍ تَقْصِدُ؟ وَظَلَّتْ كَذَلِكَ عِدَّةَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ أَعْيَاهَا التَّعَبُ، وَلَوَّعَهَا الْجُوعُ، وَبَحَثَتْ عَنْ مَكَانٍ تَأْوِي إِلَيْهِ، فَرَأَتْ عَجُوزًا جَالِسَةً أَمَامَ بَيْتِهَا، فَبَدَأَتِ الْعَجُوزَ بِالتَّحِيَّةِ، وَسَأَلَتْهَا رَاجِيَةً أَنْ تَأْذَنَ لَهَا فِي الْبَقَاءِ عِنْدَهَا، ثُمَّ خَتَمَتْ حَدِيثَهَا قَائِلَةً: «إِنَّنِي أَكَادُ أَمُوتُ جُوعًا وَتَعَبًا، وَلَسْتُ أَدْرِي مَاذَا أَصْنَعُ، إِذَا ضَنَنْتِ عَلَيَّ بِالدُّخُولِ وَلَمْ تَسْمَحِي لِي بِالْبَقَاءِ فِي بَيْتِكِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟»
فَقَالَتِ الْعَجُوزُ مُتَعَجِّبَةً: «كَيْفَ تَخْرُجُ أَمِيرَةٌ مِثْلُكِ لِتَمْضِيَ فِي الطَّرِيقِ حَائِرَةً مُتَعَثِّرَةً؟ وَكَيْفَ انْطَلَقْتِ وَحْدَكِ مُنْفَرِدَةً دُونَ رَائِدٍ وَلَا أَنِيسٍ؟ أَلَيْسَ لَكِ بَيْتٌ تَأْوِينَ إِلَيْهِ؟ كَيْفَ تُطَوِّعُ لَكِ نَفْسُكِ أَنْ تُئْوِيَكِ بُيُوتُ الْغُرَبَاءِ دُونَ سَابِقِ مَعْرِفَةٍ؟ ثُمَّ مَا هَذَا السِّنْجَابُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَبْدُو لِعَيْنِي كَأَنَّهُ عِفْرِيتٌ خَبِيثٌ؟»
فَالْتَفَتَتْ «صَفِيَّةُ» خَلْفَهَا، فَرَأَتْ «سُنْعُبَةَ» تَنْظُرُ إِلَيْهَا فِي تَهَكُّمٍ وَسُخْرِيَةٍ، فَأَرَادَتْ طَرْدَهَا، وَلَكِنَّهَا أَبَتْ أَنْ تُفَارِقَهَا، وَظَلَّتْ وَرَاءَهَا فِي إِصْرَارٍ وَعِنَادٍ. وَلَمَّا رَأَتِ الْعَجُوزُ أَنَّ السِّنْجَابَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ مُتَابَعَةِ الْفَتَاةِ هَزَّتْ رَأْسَهَا ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: «امْضِي فِي طَرِيقِكِ أَيَّتُهَا الْأَمِيرَةُ، فَلَنْ يَحُلَّ بَيْتِي جِنِّيَّةٌ مِنَ الْجِنَّانِ، وَلَنْ أَقْبَلَ أَنْ أَسْتَضِيفَ مَنْ يَحْمِيهِمُ الشَّيْطَانُ!»
(??) نَوْمٌ عَمِيقٌ

فَاسْتَأْنَفَتْ «صَفِيَّةُ» سَيْرَهَا تَبْكِي، وَكَانَتْ كُلَّمَا حَلَّتْ مَكَانًا وَالْتَمَسَتْ فِيهِ مَلْجَأً، لَقِيَتْ مِنَ الرَّفْضِ مِثْلَمَا لَقِيَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، لِمُتَابَعَةِ السِّنْجَابِ لَهَا، ثُمَّ أَدَّى بِهَا التَّجْوَالُ إِلَى غَابَةٍ لَفَّاءَ: تَتَشَابَكُ أَشْجَارُهَا، فَكَانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّهَا أَنْ صَادَفَتْ غَدِيرَ مَاءٍ، فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ هَائِمَةً عَطْشَى تَنْقَعُ غُلَّتَهَا. وَمَا هِيَ إِلَّا أَنْ وَجَدَتْ فَوَاكِهَ وَشَيْئًا مِنْ ثَمَرِ الْجَوْزِ الصَّغِيرِ، فَأَصَابَتْ مِنْهُ قَلِيلًا، ثُمَّ جَلَسَتْ إِلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ، وَانْخَرَطَتْ فِي بُكَائِهَا مُسْتَرْسِلَةً فِي أَحْزَانِهَا وَهُمُومِهَا، وَظَلَّتْ تَنْدُبُ سُوءَ مَصِيرِهَا، وَقَدْ شَغَلَهَا مَا يَلْقَى أَبُوهَا عَمَّا تَلْقَاهُ. وَمَا زَالَتْ حَائِرَةً بَائِرَةً لَا تَدْرِي كَيْفَ يَنْتَهِي أَمْرُهَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَيُّ ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الامْتِحَانِ سَتُعَانِيهِ. وَظَلَّتْ غَارِقَةً فِي تأَمُّلِهَا مُغْمِضَةَ الْعَيْنِ، حَتَّى لَا تَتَأَذَّى بِمَنْظَرِ ذَلِكَ السِّنْجَابِ الصَّغِيرِ الْمَشْئُومِ.
وَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ مَلَكَهَا النَّوْمُ لِمَا حَلَّ بِهَا مِنْ وَصَبٍ وَنَصَبٍ، وَمَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ غَيَاهِبِ اللَّيْلِ.

الفصل الرابع
لِقَاءُ الْأَمِيرِ


(?) فَتَاةُ الْغَابَةِ

وَبَيْنَا كَانَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» نَائِمَةً، كَانَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» مُنْصَرِفًا إِلَى الصَّيْدِ فِي الْغَابَةِ، مُتَنَوِّرًا بِمَا يَحْمِلُهُ أَتْبَاعُهُ مِنَ الْمَشَاعِلِ. وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَتْبَعُ الْآرَامَ (الظِّبَاءَ) وَالْغِزْلَانَ، جَادَّةً مُسْرِعَةً فِي اللِّحَاقِ بِهَا، حَتَّى بَلَغَتْ مَكَانَ «صَفِيَّةَ». فَوَقَفَتِ الْكِلَابُ عِنْدَهَا وَلَمْ تُوَاصِلْ سَيْرَهَا، وَظَلَّتْ وَاقِفَةً بِالْقُرْبِ مِنَ الْأَعْشَابِ الَّتِي تَرْقُدُ خَلْفَهَا الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ. وَعَجِبَ الْأَمِيرُ الْفَتَى حِينَ رَأَى كِلَابَهُ الْعَادِيَةَ (الْمُسْرِعَةَ) فِي أَثَرِ الظِّبَاءِ وَالْغِزْلَانِ، تَكُفُّ فَجْأَةً عَنِ الصِّيَاحِ، وَتُمْسِكُ بَغْتَةً عَنِ النُّبَاحِ، ثُمَّ تَجْلِسُ حَوْلَ «صَفِيَّةَ» صَامِتَةً سَاكِنَةً. وَسُرْعَانَ مَا نَزَلَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» عَنْ جَوَادِهِ وَتَرَجَّلَ لِيَدْفَعَ الْكِلَابَ إِلَى الصَّيْدِ، وَلَكِنْ شَدَّ مَا عَرَتْهُ الدَّهْشَةُ حِينَ وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى أَمِيرَةٍ رَائِعَةِ الْجَمَالِ تَرْقُدُ عَلَى أَدِيمِ هَذِهِ الْغَابَةِ، فَنَظَرَ فِيمَا حَوْلَهَا فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا إِلَى جِوَارِهَا، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ تَنَامُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَمِيرَةِ الْحَسْنَاءِ وَحْدَهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُوحِشِ. وَأَيْقَنَ أَنَّهَا تَائِهَةٌ ضَلَّتْ طَرِيقَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا اللَّيْلُ، فَنَامَتْ رَيْثَمَا يَنْبَلِجُ الصُّبْحُ. وَلَمَّا أَطَالَ النَّظَرَ إِلَيْهَا عَنْ كَثَبٍ (عَنْ قُرْبٍ)، لَمَحَ أَثَرَ الدُّمُوعِ الَّتِي تَسَايَلَتْ مِنْ عَيْنَيْهَا الْمُغْمَضَتَيْنِ. وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ تَرْتَدِي ثَوْبًا سَاذَجًا مِنَ الْحَرِيرِ الثَّمِينِ، فَبَدَتْ لِعَيْنَيْهِ يَدَاهَا الْبَيْضَاوَانِ، وَأَنَامِلُهَا الْوَرْدِيَّةُ، وَشَعَرُهَا الْمُرَجَّلُ قَدْ رُشِقَ فِيهِ مُشْطٌ مِنَ الذَّهَبِ، وَعِقْدُهَا اللُّؤْلُئِيُّ الثَّمِينُ يَلْتَمِعُ فِي الظَّلَامِ الْبَهِيمِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ يُدْرِكَ أَنَّهَا فَتَاةٌ مَوْفُورَةُ الثَّرَاءِ، كَرِيمَةُ الْمَنْبِتِ.
(?) فِي مَحَفَّةٍ

وَلَمْ تَسْتَيْقِظِ الْأَمِيرَةُ، بِرَغْمِ مَا اكْتَنَفَهَا مِنْ ضَجِيجِ الْخَيْلِ، وَعُوَاءِ الْكِلَابِ، وَصَخَبِ الْجُنْدِ يُحِيطُونَ بِهَا مُتَجَمِّعِينَ. وَكَانَ الْأَمِيرُ فِي دَهْشَتِهِ لَا يَكُفُّ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَمِيرَةِ وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْعَجَبُ وَتَعَاظَمَتْهُ الْحَيْرَةُ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ حَاشِيَتِهِ يَعْرِفُهَا. وَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الضِّيقُ لِطُولِ هَذِهِ الرَّقْدَةِ الْمُقْلِقَةِ، أَمْسَكَ بِيَدِهَا فَلَمْ تُبْدِ حَرَاكًا، ثُمَّ هَزَّ يَدَهَا مُتَلَطِّفًا لِيُوقِظَهَا مِنْ نَوْمِهَا الْعَمِيقِ، فَلَمْ تَسْتَيْقِظِ الْفَتَاةُ مِنْ سُبَاتِهَا، فَقَالَ لِجُنْدِهِ: «لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ نَتْرُكَ الْأَمِيرَةَ التَّائِهَةَ، وَلَعَلَّهَا ضَلَّتْ (تَاهَتْ) فِي هَذِهِ الْغَابَةِ الْفَسِيحَةِ الْأَرْجَاءِ، الْمُلْتَوِيَةِ الشِّعَابِ، أَوْ لَعَلَّ بَعْضَ السَّحَرَةِ قَدْ رَمَى بِهَا فِي هَذَا الْمَطْرَحِ الْقَصِيِّ. وَلَكِنْ كَيْفَ نَحْمِلُهَا وَهِيَ رَاقِدَةٌ؟» فَقَالَ لَهُ الْقَائِدُ الْكَبِيرُ «وَثَّابٌ» الَّذِي يَتَوَلَّى أَمْرَ كِلَابِ الصَّيْدِ: «نَسْتَطِيعُ — أَيُّهَا الْأَمِيرُ — أَنْ نَصْنَعَ لَهَا مَحَفَّةً مِنْ غُصُونِ الْأَشْجَارِ، ثُمَّ نَحْمِلُهَا إِلَى فُنْدُقٍ قَرِيبٍ لِتَسْتَرِيحَ فِيهِ؛ حَتَّى لَا تَعُوقَ سُمُوَّكَ عَنْ مُوَاصَلَةِ الصَّيْدِ.»
(?) فِي عَالَمِ الْأَحْلَامِ

فَقَالَ الْأَمِيرُ: «إِنَّ فِكْرَتَكَ لَمُوَفَّقَةٌ صَائِبَةٌ، فَهَيِّئْ لَهَا الْمَحَفَّةَ يَا «وَثَّابُ» لِتَضَعَهَا فِيهَا، وَلَكِنْ لَا تَذْهَبْ بِهَا إِلَى فُنْدُقِ الْغُرَبَاءِ — كَمَا اقْتَرَحْتَ — بَلِ اذْهَبْ بِهَا إِلَى قَصْرِي، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمِيرَةَ — فِيمَا يَبْدُو لِي — عَرِيقَةُ الْأَصْلِ، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيَّ مُنْذُ رَأَيْتُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا مَلَكًا كَرِيمًا هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى عَالَمِنَا الْأَرْضِيِّ. وَسَأُشْرِفُ — أَنَا نَفْسِي — عَلَى الْعِنَايَةِ بِالْأَمِيرَةِ وَحِيَاطَتِهَا، وَلَنْ أُقَصِّرَ فِي إِعْدَادِ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْنَا مِنْ حَفَاوَةٍ وَتَكْرِيمٍ.» وَسُرْعَانَ مَا هَيَّأَ لَهَا «وَثَّابٌ» وَجُنُودُهُ مَحَفَّةً مِنْ أَفْنَانِ الشَّجَرِ، ثُمَّ أَلْقَى الْأَمِيرُ مِعْطَفَهُ فِي الْمَحَفَّةِ لِيَكُونَ لَهَا فِرَاشًا وَثِيرًا (لَيِّنًا)، وَاقْتَرَبَ مِنْهَا وَهِيَ لَمَّا تَزَلْ مُسْتَغْرِقَةً فِي سُبَاتِهَا، وَحَمَلَهَا مُتَلَطِّفًا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمَحَفَّةِ، ثُمَّ أَرْقَدَهَا عَلَى مِعْطَفِهِ.
وَكَأَنَّمَا كَانَتِ الْأَمِيرَةُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ سَابِحَةً فِي جَوٍّ بَهِيجٍ مِنَ الْأَحْلَامِ، فَقَدِ ابْتَسَمَتْ وَجَمْجَمَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ وَهِيَ تَقُولُ: «أَبِي، أَبِي، لَقَدْ كَتَبَ اللهُ لَنَا النَّصْرَ، وَمَنَحَنَا الْفَوْزَ، وَأَتَمَّ لَنَا إِنْقَاذَكَ إِلَى الْأَبَدِ … إِنَّ مَلِكَةَ الْجِنِّيَّاتِ … هَذَا الْأَمِيرُ صَفَاءٌ …! إِنِّي أَرَاهُ … مَا أَكْرَمَهُ … اللهُ يَرْعَاهُ.»
(?) فِي قَصْرِ الْأَمِيرِ

وَدَهِشَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» حِينَ سَمِعَ الْفَتَاةَ تَنْطِقُ اسْمَهُ وَهِيَ سَابِحَةٌ فِي أَحْلَامِهَا، وَلَمْ يُخَامِرْهُ شَكٌّ فِي أَنَّهَا تُعَانِي مَكَايِدَ بَعْضِ السَّحَرَةِ، فَأَمَرَ حَمَلَةَ الْمَحَفَّةِ أَنْ يَتَرَيَّثُوا (يَتَمَهَّلُوا) فِي سَيْرِهِمْ، وَيُبْطِئُوا فِي مَشْيِهِمْ، حَتَّى لَا تَنْزَعِجَ الْفَتَاةُ فَتَهُبَّ مِنْ نَوْمِهَا مَذْعُورَةً فَزِعَةً.
وَمَا زَالَ الْأَمِيرُ يَرْعَاهَا وَيَمْشِي إِلَى جَانِبِ مَحَفَّتِهَا حَتَّى بَلَغَتْ قَصْرَهُ، فَأَمَرَ بِإِعْدَادِ الْحُجْرَةِ الْمَلَكِيَّةِ لِنَوْمِهَا. وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُزْعِجَهَا أَحَدٌ، فَحَمَلَهَا بِنَفْسِهِ إِلَى الْحُجْرَةِ، وَوَضَعَهَا عَلَى السَّرِيرِ الْمَلَكِيِّ، وَأَمَرَ الْوَصَائِفَ اللَّوَاتِي عَهِدَ إِلَيْهِنَّ فِي الْقِيَامِ عَلَى خِدْمَتِهَا، أَنْ يَسْتَدْعِينَهُ مَتَى اسْتَيْقَظَتْ.
(?) يَقَظَةُ الْفَتَاةِ

وَلَبِثَتِ الْأَمِيرَةُ رَاقِدَةً حَتَّى الضُّحَى، فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إِلَّا وَقَدِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَتَلَفَّتَتْ حَوْلَهَا مَدْهُوشَةً حَائِرَةً، فَلَمْ تَرَ السِّنْجَابَ الصَّغِيرَ إِلَى جَانِبِهَا، فَابْتَهَجَتْ حِينَ رَأَتْهُ قَدْ غَابَ وَاسْتَخْفَى عَنْ نَاظِرِهَا، وَحَمِدَتِ اللهَ عَلَى خَلَاصِهَا مِنْهُ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: «أَتُرَانِي فِي حُلْمٍ أَمْ فِي يَقَظَةٍ؟ وَهَلْ كُتِبَ لِيَ الْخَلَاصُ مِنْ أَسْرِ الْجِنِّيَّةِ «سُنْعُبَةَ»؟ فَأَيَّةُ قُوَّةٍ مِنْ قُوَى الْجِنِّ خَلَّصَتْنِي مِنْ أَسْرِهَا؟ لَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ أَنْقَذَنِي مِنْهَا كَانَ أَقْوَى بَأْسًا، وَأَنْفَذَ أَمْرًا، وَأَعْظَمَ شَأْنًا.»
(?) قُدُومُ الْأَمِيرِ

وَسَارَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى النَّافِذَةِ، فَرَأَتْ جُنُودًا وَقُوَّادًا يَرْتَدُونَ ثِيَابَهُمُ الْحَرْبِيَّةَ الْفَاخِرَةَ، فَتَعَاظَمَتْهَا الدَّهْشَةُ، وَهَمَّتْ أَنْ تُنَادِيَ بَعْضَ الْجُنُودِ، ثُمَّ عَدَلَتْ عَنْ رَأْيِهَا حِينَ سَمِعَتْ خَفْقَ أَقْدَامٍ تَدْنُو مِنْهَا، وَحَانَتْ مِنْهَا الْتِفَاتَةٌ فَرَأَتِ الْأَمِيرَ «صَفَاءً» أَمَامَهَا وَهُوَ لَا يَزَالُ يَرْتَدِي ثِيَابَ الصَّيْدِ. وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا حَتَّى حَيَّاهَا فِي احْتِرَامٍ وَتَلَطُّفٍ وَإِعْجَابٍ، وَلَمْ تَكَدْ تَرَاهُ حَتَّى عَرَفَتْ فِيهِ صُورَةَ الْأَمِيرِ الَّذِي رَأَتْهُ فِي حُلْمِهَا حِينَ كَانَتْ نَائِمَةً، فَابْتَدَرَتْهُ قَائِلَةً عَلَى غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْهَا: «إِنَّهُ الْأَمِيرُ صَفَاءٌ!» فَقَالَ لَهَا مُتَعَجِّبًا مَدْهُوشًا: «كَيْفَ عَرَفَتْنِي سَيِّدَتِي الْأَمِيرَةُ؟ أَتُرَانَا الْتَقَيْنَا قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَكَيْفَ نَسِيتُ اسْمَكِ وَلَمْ أَعُدْ أَذْكُرُ شَيْئًا؟» فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ وَقَدِ احْمَرَّ وَجْهُهَا خَجَلًا: «كَلَّا، لَمْ نَلْتَقِ — يَا سَيِّدِي — قَبْلَ الْيَوْمِ، وَلَمْ أَرَكَ إِلَّا مُنْذُ زَمَنٍ قَلِيلٍ فِي عَالَمِ الْأَحْلَامِ. أَمَّا اسْمِي، فَلَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّنِي لَمْ أُقَابِلْ فِي حَيَاتِي أَحَدًا قَبْلَ أَمْسِ، وَلَمْ يَعْرِفِ اسْمِي أَحَدٌ غَيْرَ أَبِي وَعَدُوَّتِهِ اللَّدُودِ «سُنْعُبَةَ». وَلَعَلَّكَ تَدْهَشُ إِذَا قُلْتُ لَكَ: إِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ أَبِي قَبْلَ أَمْسِ!»
(?) حِوَارٌ عَجِيبٌ

فَقَالَ الْأَمِيرُ: «وَكَيْفَ جَهِلْتِ اسْمَ أَبِيكِ، وَجَهِلَ النَّاسُ اسْمَكِ؟» فَأَنْشَأَتِ الْأَمِيرَةُ تَقُصُّ عَلَيْهِ كُلَّ مَا حَدَّثَهَا بِهِ وَالِدُهَا أَمْسِ مِنْ عَجَائِبِ الْأَنْبَاءِ، ثُمَّ بَاحَتْ لَهُ فِي سَذَاجَةٍ نَادِرَةٍ بِمَا جَلَبَهُ عَلَيْهَا الْفُضُولُ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا يُفِيدُهَا، وَالتَّسَرُّعُ فِي تَعَرُّفِ مَا لَا يَعْنِيهَا، وَمَا جَرَّهُ عَلَيْهَا ذَلِكَ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمَشْئُومَةِ، ثُمَّ خَتَمَتْ حَدِيثَهَا قَائِلَةً: «وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَبْلَغِ مَا أُكَابِدُهُ مِنْ أَلَمٍ — أَيُّهَا الْأَمِيرُ — بَعْدَ أَنِ اضْطُرِرْتُ إِلَى تَرْكِ أَبِي، وَفَرَرْتُ مِنَ اللَّهِيبِ الَّذِي أَضْرَمَتْهُ «سُنْعُبَةُ» الْجَارِمَةُ الْحَاقِدَةُ. لَقَدْ أَوْصَدَتِ (أَغْلَقَتِ) الْأَبْوَابَ دُونِي، وَأَحَاطَ بِيَ اللَّهَبُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَلَمْ أَرَ بُدًّا مِنْ تَرْكِ الدَّارِ، وَلَمْ أَكَدْ أَفْعَلُ حَتَّى رَأَيْتُنِي مُسْتَهْدَفَةً لِلْبَرْدِ وَالْجُوعِ، وَلَكِنَّ فَضْلَ الله تَدَارَكَنِي، فَاسْتَوْلَى عَلَيَّ السُّبَاتُ، وَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ غَرِقْتُ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ حَافِلٍ بِالْأَحْلَامِ الْبَهِيجَةِ. وَمَا زِلْتُ أَجْهَلُ: كَيْفَ وُجِدْتُ هُنَا؟ وَفِي أَيِّ قَصْرٍ أَنَا؟ وَأَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّنِي الْآنَ فِي قَصْرِكَ!» فَقَالَ لَهَا الْأَمِيرُ يُطَمْئِنُهَا بَاسِمًا: «صَدَقْتِ يَا عَزِيزَتِي، وَلَمْ تَعْدِي الصَّوَابَ.» ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهَا كَيْفَ عَثَرَ عَلَيْهَا فِي الْغَابَةِ، وَأَفْضَى إِلَيْهَا بِمَا تَفَوَّهَتْ بِهِ — وَهِيَ فِي نُعَاسِهَا — مِنْ قَوْلٍ، دَلَّهُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَحْلَامًا سَارَّةً بَهِيجَةً.
(?) مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاتِ

ثُمَّ خَتَمَ حَدِيثَهُ قَائِلًا: «إِنَّ مَا لَمْ يَقُلْهُ أَبُوكِ لَكِ — فِيمَا أَظُنُّ — هُوَ أَنَّ «الزُّهَرَةَ»، مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاِتِ، وَهِيَ زَعِيمَةُ أُسْرَتِي، تَخَيَّرَتْكِ لِي زَوْجًا، حِينَ تُدْرِكِينَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ. وَلَا رَيْبَ عِنْدِي أَنَّ مَلِيكَتَنَا «الزُّهَرَةَ» هِيَ الَّتِي أَوْحَتْ إِلَيَّ بِأَنْ أَخْرُجَ لِلصَّيْدِ عَلَى ضَوْءِ الْمَشَاعِلِ؛ حَتَّى تُتَاحَ لِيَ الْفُرْصَةُ لِلُقْيَاكِ فِي تِلْكَ الْغَابَةِ الَّتِي كُنْتِ تَائِهَةً فِيهَا. وَلَعَلَّكِ تَعْلَمِينَ أَنَّكِ سَتَبْلُغِينَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، فَأَرْجُو أَنْ تَعُدِّي هَذَا قَصْرَكِ الْمُخْتَارَ، تَأْمُرِينَ فِيهِ مَا تَشَائِينَ وَتَنْهِينَ، لَا رَادَّ لِأَمْرِكِ، وَلَا عِصْيَانَ لِمَشِيئَتِكِ، وَلَا تَوَانِيَ فِي تَلْبِيَةِ إِشَارَتِكِ، وَتَنْفِيذِ رَغْبَتِكِ. وَلَنْ تَمْضِيَ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْكِ وَالِدُكِ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ»، فَيَجْتَمِعَ الشَّمْلُ الشَّتِيتُ، وَنُقِيمُ حَفَلَاتِ الْعُرْسِ إِنْ شَاءَ اللهُ.»
(?) عَلَى المَائِدَةِ

فَشَكَرَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» لِلْأَمِيرِ أَصْدَقَ الشُّكْرِ، وَمَضَتْ إِلَى غُرْفَةِ الزِّينَةِ حَيْثُ وَجَدَتْ جَمْهَرَةً مِنَ الْوَصِيفَاتِ يَتَرَقَّبْنَهَا، حَامِلَاتٍ أَلْوَانًا لَا تُحْصَى مِنْ نَفِيسِ الْحُلِيِّ، وَرَائِعِ الْحُلَلِ. وَلَمَّا كَانَتْ «صَفِيَّةُ» لَا تُعْنَى بِالْمَظَاهِرِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَتَرَدَّدْ فِي ارْتِدَاءِ أَوَّلِ ثَوْبٍ قُدِّمَ لَهَا، وَهُوَ مِنَ الْغَارِ الْوَرْدِيِّ الْمُحَلَّى بِأَفْخَرِ وَشْيٍ. وَقَدْ وَضَعَتْ عَلَى رَأْسِهَا قَلَنْسُوَةً مِنَ الدِّمَقْسِ (الْحَرِيرِ) مُزَيَّنَةً بِالْوُرُودِ، حَالِيَةً بِالْأَزْهَارِ. ثُمَّ عَمَدَتِ الْوَصِيفَاتُ إِلَى شَعْرِهَا فَرَجَّلْنَهُ وَجَعَلْنَهُ عَلَى هَيْئَةِ تَاجٍ. وَمَا كِدْنَ يَنْتَهِينَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ الْأَمِيرُ يَدْعُوهَا لِتَنَاوُلِ الْفَطُورِ، فَانْطَلَقَتْ «صَفِيَّةُ» مَعَهُ إِلَى غُرْفَةِ الطَّعَامِ، حَيْثُ هُيِّئَ لَهَا مَأْكَلٌ هَنِيٌّ. وَكَانَتْ — كَمَا عَلِمْتَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ الصَّغِيرُ — لَمْ تَطْعَمْ شَيْئًا مُنْذُ يَوْمَيْنِ، فَأَقْبَلَتْ عَلَى الطَّعَامِ فِي شَهِيَّةٍ نَادِرَةٍ، وَشَوْقٍ بَالِغٍ شَدِيدٍ.

الفصل الخامس
سِتَارُ الْقُبَّةِ


(?) بَيْنَ الخَمَائِلِ

وَلَمَّا أَصَابَتْ مِنَ الْمَأْكَلِ مَا أَرَادَتْ، صَحِبَهَا الْأَمِيرُ إِلَى الْحَدِيقَةِ، وَأَرَاهَا مَا تَزْدَانُ بِهِ مِنْ بَدِيعِ الْخَمَائِلِ الْحَالِيَةِ بِنَاضِرِ الْأَزْهَارِ. وَكَانَ فِي طَرَفِ إِحْدَاهَا مَبْنًى أَخْضَرُ صَغِيرٌ، مُسْتَدِيرٌ مِنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، يَزْدَانُ بِالرَّيَاحِينِ، وَفِي وَسَطِهِ قُبَّةٌ يُخَيَّلُ لِرَائِيهَا أَنَّهَا تَحْوِي شَجَرَةً، وَلَكِنَّ سِتَارًا قَدْ سُدِلَ عَلَيْهَا وَلُفَّ حَوْلَهَا، وَخِيطَ فَوْقَهَا؛ فَسَتَرَهَا عَنِ الْعُيُونِ. وَلَمْ يَكُنِ النَّاظِرُ يَرَى مِنْ خِلَالِ السِّتْرِ إِلَّا بِضْعَةَ ثُقُوبٍ ضَيِّقَةٍ يَنْبَعِثُ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى ضِيقِهَا بَرِيقٌ شَدِيدٌ لَا عَهْدَ لِأَحَدٍ بِمِثْلِهِ.
(?) غِطَاءُ الشَّجَرَةِ

وَأُعْجِبَتِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ أَيَّمَا إِعْجَابٍ بِكُلِّ مَا يَكْتَنِفُهَا مِنْ خَمَائِلَ وَأَشْجَارٍ، وَوُرُودٍ وَأَزْهَارٍ، وَبَلَابِلَ وَأَطْيَارٍ، وَكَانَتْ تَتَرَقَّبُ مِنَ الْأَمِيرِ الْفَتَى أَنْ يَعْمِدَ إِلَى ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي يَلُفُّ الشَّجَرَةَ وَيَحْجُبُهَا عَنِ الْأَنْظَارِ، فَيَرْفَعَهُ أَوْ يُمَزِّقَهُ؛ لِتَرَى مَا يُخْفِيهِ مِنْ بَدَائِعَ وَرَوَائِعَ.
وَلَكِنْ شَدَّ مَا خَابَ ظَنُّهَا حِينَ رَأَتْهُ يَهُمُّ بِمُغَادَرَةِ الْخَمِيلَةِ دُونَ أَنْ يُحَدِّثَهَا بِشَيْءٍ.
(?) هَدِيَّةُ الزِّفَافِ

فَقَالَتْ لَهُ: «تُرَى لِمَاذَا حَجَبْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ؟ وَمَا بَالُ هَذَا السِّتْرِ يُخْفِيهَا فَلَا يَدَعُ لِأَحَدٍ سَبِيلًا إِلَى رُؤْيَتِهَا؟ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْهَا قَلِيلًا — أَيُّهَا الْأَمِيرُ — وَتُخْبِرُنِي بِحَقِيقَتِهَا، وَأَيَّ نَوْعٍ مِنَ الْأَشْجَارِ تَكُونُ؟ وَلِمَاذَا حَجَبُوهَا بِهَذَا السِّتْرِ؟» فَقَالَ لَهَا الْأَمِيرُ وَالْفَرَحُ بَادٍ عَلَى أَسَارِيرِهِ: «إِنَّها — يَا عَزِيزَتِي — هَدِيَّةُ الزِّفَافِ الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لَكِ، وَخَصَصْتُكِ بِهَا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَكِ أَلَّا تَرَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَحِينَ يَوْمُ مِيلَادِكِ الْخَامِسَ عَشَرَ.»
(?) حِوَارُ الْأَمِيرَيْنِ

فَاشْتَدَّ شَوْقُ الْأَمِيرَةِ «صَفِيَّةَ» إِلَى أَنْ تَعْرِفَ حَقِيقَتَهَا، وَدَفَعَهَا الْفُضُولُ إِلَى تَعَجُّلِ رُؤْيَتِهَا، قَبْلَ الْأَوَانِ، فَأَلَحَّتْ عَلَى الْأَمِيرِ «صَفَاءٍ» تَسْأَلُهُ: «وَلَكِنْ أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ يَتَلَأْلَأُ مِنْ خِلَالِ الثُّقُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يَحْجُبُهَا هَذَا السِّتْرُ؟ فَمَا إِخَالُهَا إِلَّا فُصُوصًا مِنَ اللُّؤْلُؤِ النَّادِرِ الْبَدِيعِ.» فَأَجَابَهَا الْأَمِيرُ: «لَا تَتَعَجَّلِي — يَا عَزِيزَتِي — فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ وَقْتًا، وَسَتَعْرِفِينَ جَوَابَ مَا تَطْلُبِينَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ. وَلْتَكُونِي عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ هَذِهِ الْهَدِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ مَأْلُوفِ الْهَدَايَا، بَلْ هِيَ مِنْ نَفَائِسِ الطُّرَفِ الْجَلِيلَةِ الْقَدْرِ، الَّتِي لَمْ يَظْفَرْ بِمِثْلِهَا أَحَدٌ.»
(?) تَحْذِيرٌ وَإِنْذَارٌ

فَتَمَلَّكَهَا الْفُضُولُ، وَانْدَفَعَتْ تُسَائِلُهُ: «أَلَيْسَ لِي مِنْ سَبِيلٍ إِلَى رُؤْيَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ هَذِهِ الْأَيَّامُ الْبَاقِيَةُ؟» فَقَالَ لَهَا «صَفَاءٌ»: «كَلَّا، لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، فَقَدْ حَتَمَتْ عَلَيْنَا مَوْلَاتُنَا «الزُّهَرَةُ» أَلَّا نُطْلِعَكِ عَلَى سِرِّهَا قَبْلَ يَوْمِ الزِّفَافِ، وَتَوَعَّدَتْنَا إِذَا خَالَفْنَا نُصْحَهَا بِشُرُورٍ فَادِحَةٍ لَا قِبَلَ لَكِ بِاحْتِمَالِهَا. وَإِنِّي لَعَلَى ثِقَةٍ بِحِكْمَتِكِ، وَرَجَاحَةِ عَقْلِكِ، وَمَوْفُورِ حَزَامَتِكِ. وَفِي هَذِهِ الْخِلَالِ ضَمَانٌ مِنَ اقْتِحَامِكِ طَرِيقِ الْفُضُولِ، وَأَمَانٌ مِنْ تَعَرُّضِكِ لِمَا يَتَهَدَّدُ الْفُضُولِيِّينَ مِنْ وَخِيمِ الْعَوَاقِبِ. وَلَسْتُ أَشُكُّ فِي أَنَّ مَا تَتَحَلَّى بِهِ نَفْسُكِ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَمَا تُضْمِرِينَهُ لِي مِنْ وَفَاءٍ وَإِخْلَاصٍ، كَفِيلَانِ بِالتَّغَلُّبِ عَلَى هَذِهِ الرَّغْبَةِ الْجَامِحَةِ الَّتِي تَدْفَعُكِ إِلَى سُلُوكِ طَرِيقٍ مَخُوفَةٍ وَعْرَةٍ، لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهَا، وَلَا تُرْضَى نَتَائِجُهَا.»
(?) ذِكْرَيَاتٌ مُؤْلِمَةٌ

فَاضْطَرَبَتِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ حِينَ سَمِعَتْ هَذَا التَّحْذِيرَ، وَسُرْعَانَ مَا ذَكَرَتْ مَا جَرَّهُ عَلَيْهَا الْفُضُولُ مِنْ فَكَاكِ السِّنْجَابِ الصَّغِيرِ، وَخَلَاصِهِ مِنَ الْأَسْرِ، وَمَا أَعْقَبَ ذَلِكَ مِنَ الْكَوَارِثِ الْقَاصِمَةِ الَّتِي حَاقَتْ بِهَا وَبِأَبِيهَا فَدَمَّرَتْ قَصْرَهُمَا، وَشَرَّدَتْهُمَا كُلَّ مُشَرَّدٍ، وَنَصَرَتْ عَلَيْهِمَا عَدُوَّتَهُمَا الْحَاقِدَةَ الشِّرِّيرَةَ «سُنْعُبَةَ»، وَجَلَبَتْ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمِحَنِ مَا لَمْ يَكُونَا لِيَتَعَرَّضَا لَهُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا فُضُولُهَا إِلَى مُخَالَفَةِ أَبِيهَا، وَالتَّهَوُّرِ فِي تَعَرُّفِ مَا لَا يَعْنِيهَا. فَهِيَ لَوْ لَمْ تَفْتَحِ الْبَيْتَ الصَّغِيرَ لَمَا أَتَاحَتْ ? «سُنْعُبَةَ» سَبِيلَ الْخَلَاصِ، وَيَسَّرَتْ لَهَا وَسَائِلَ الْكَيْدِ وَالِانْتِقَامِ.
(?) أَيَّامُ السَّعَادَةِ

وَهَكَذَا كَفَّتِ الْأَمِيرَةُ عَنْ فُضُولِهَا، وَأَقْلَعَتْ عَنِ التَّفْكِيرِ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهَا بِالْأَذَى، فَوَاصَلَتْ نُزْهَتَهَا مَعَ الْأَمِيرِ، وَقَضَتْ يَوْمَهَا فِي سُرُورٍ وَانْشِرَاحٍ، وَقَدَّمَ لَهَا الْأَمِيرُ بَقِيَّةَ نِسَاءِ حَاشِيَتِهِ بَعْدَ أَنْ أَفْضَى إِلَيْهِنَّ بِأَنَّهَا سَتَكُونُ زَوْجَهُ، إِذِ اخْتَارَتْهَا لَهُ «الزُّهَرَةُ» شَرِيكَةً لِحَيَاتِهِ، فَأَقْبَلْنَ عَلَى أَمِيرَتِهِنَّ فَرِحَاتٍ مُهَنِّئَاتٍ. وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ مِثَالًا لِلدَّمَاثَةِ وَاللُّطْفِ، فَأَحْبَبْنَهَا جَمِيعًا. وَلَا تَسَلْ عَنِ ابْتِهَاجِهِنَّ بِاخْتِيَارِهَا مَلِكَةً عَلَيْهِنَّ، فَقَدْ رَأَيْنَ مِنْ مَزَايَاهَا مَا حَبَّبَهَا إِلَيْهِنَّ. وَمَضَى الْغَدُ، وَمَضَتْ فِي أَثَرِهِ أَيَّامٌ، بَيْنَ أَعْيَادٍ وَحَفَلَاتٍ وَصَيْدٍ وَنُزْهَةٍ. وَكَانَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» وَخَطِيبَتُهُ يَسْتَقْبِلَانِ أَيَّامَ السَّعَادَةِ وَالْغِبْطَةِ فَرِحَيْنِ، وَيَتَرَقَّبَانِ عِيدَ الْمِيلَادِ مُبْتَهِجَيْنِ. وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ «صَفَاءٌ» يُخْلِصُ لِبِنْتِ عَمِّهِ الْإِخْلَاصَ كُلَّهُ، وَيُعْجَبُ بِمَا مَنَحَهَا اللهُ مِنْ كَرِيمِ الصِّفَاتِ وَالْمَزَايَا، وَنِبيلِ الْخِلَالِ وَالشِّيَمِ، كَمَا كَانَتْ «صَفِيَّةُ» تُعْجَبُ بِمَا وَهَبَهُ اللهُ مِنْ رَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَكَرَمِ النَّفْسِ، وَمَا مَيَّزَهُ بِهِ مِنَ الْخِلَالِ النَّبِيلَةِ العَالِيَةِ، وَتَتَرَقَّبُ خَلَاصَ أَبِيهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَانْتِصَارَهُ عَلَى السِّنْجَابِ الصَّغِيرِ.
(?) الْيَوْمُ الْأَخِيرُ

عَلَى أَنَّ شَغَفَهَا بِرُؤْيَةِ مَا يَحْجُبُهُ ذَلِكَ السِّتْرُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ وَصَلَ إِلَى غَايَتِهِ، وَبَلَغَ مُنْتَهَاهُ، فَلَمْ يَهْدَأْ لَهَا خَاطِرٌ، وَلَمْ يَرْتَحْ لَهَا قَلْبٌ، وَظَلَّتْ دَائِمَةَ التَّفْكِيرِ فِيهِ، وَالشَّوْقِ إِلَى تَعَرُّفِ مَا يَحْوِيهِ. وَاشْتَدَّ بِهَا الْفُضُولُ فَرَاحَتْ تَحْلُمُ بِهِ لَيْلًا، وَتُفَكِّرُ فِيهِ نَهَارًا كُلَّمَا خَلَتْ إِلَى نَفْسِهَا. وَكَانَتْ تَشْعُرُ بِأَلَمٍ شَدِيدٍ وَحُزْنٍ عَظِيمٍ لِعَجْزِهَا عَنِ اكْتِنَاهِ هَذَا اللُّغْزِ، وَالْوُصُولِ إِلَى سِرِّهِ، وَتَمَلَّكَتْهَا رَغْبَةٌ جَامِحَةٌ، وَشَوْقٌ جَارِفٌ إِلَى تَعَرُّفِهِ. وَانْقَضَتِ السَّاعَاتُ، وتَعَاقَبَتِ الْأَيَّامُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ تُشْرِقُ شَمْسُ غَدِهِ لِتُنِيرَ عِيدَ مِيلَادِهَا الْخَامِسَ عَشَرَ.
أَمَّا الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» فَكَانَ حِينَئِذٍ مُنْهَمِكًا فِي إِعْدَادِ مَا يَتَطَلَّبُهُ الِاحْتِفَالُ بِزَوَاجِهِ، وَقَدْ أَقَامَ سُرَادِقًا عَظِيمًا لِمَدْعُوَّاتِهِ وَضُيُوفِهِ مِنْ كَرِيمَاتِ الْجِنِّ وَأَمِيرَاتِهِنَّ، مِمَّنْ دَعَتْهُنَّ «الزُّهَرَةُ» إِلَى مُشَارَكَتِهِ فِي الْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ.
(?) عِنْدَ القُبَّةِ

وَبَقِيَتِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ خَالِيَةً بِنَفْسِهَا فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ، ثُمَّ سَاقَتْهَا قَدَمَاهَا إِلَى الْحَدِيقَةِ وَهِيَ تُفَكِّرُ فِي السَّعَادَةِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُهَا فِي غَدِهَا. وَظَلَّتْ سَائِرَةً — عَلَى غَيْرِ انْتِبَاهٍ مِنْهَا — حَتَّى اقْتَرَبَتْ مِنَ القُبَّةِ. وَلَمْ تَدْرِ كَيْف يَمَّمَتْ هَذَا الْمَكَانَ وَلَمْ تَكُنْ قَاصِدَةً إِلَيْهِ؟ فَجَلَسَتْ إِلَى جِوَارِ الْقُبَّةِ وَهِيَ بَاسِمَةٌ مُفَكِّرَةٌ فِيمَا يَغْمُرُهَا مِنْ سُرُورٍ وَبَهْجَةٍ.
(??) وَسْوَاسُ الْفُضُولِ

وَلَمْ تَكَدْ عَيْنَاهَا تَقَعَانِ عَلَى ذَلِكَ السِّتْرِ الْبَدِيعِ الَّذِي يُغَطِّي هَدِيَّةَ الْعُرْسِ حَتَّى عَاوَدَتْهَا الرَّغْبَةُ فِي تَعَرُّفِ ذَلِكَ الْكَنْزِ الثَّمِينِ، وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا عَدَلَتْ عَنْ فُضُولِهَا وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا: «لَا حَاجَةَ إِلَى الْعَجَلَةِ، فَلَنْ يَنْقَضِيَ الْيَوْمُ وَتُشْرِقُ شَمْسُ غَدٍ حَتَّى أَعْرِفَ كُلَّ مَا يَحْتَوِيهِ السِّتْرُ، وَأُبْصِرَ مَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ كَرِيمِ اللآلِئِ، وَنَفِيسِ الْيَوَاقِيتِ.»
ثُمَّ عَاوَدَهَا وَسْوَاسُ الْفُضُولِ فَقَالَتْ: «وَلَكِنْ مَاذَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ تَعَرُّفِهِ الْآنَ؟ إِنَّنِي أَرَى ثُقُوبًا ضَيِّقَةً صَغِيرَةً، فَمَاذَا عَلَيَّ إِذَا وَصْوَصْتُ مِنْ خِلَالِهَا فَعَرَفْتُ شَيْئًا مِمَّا تَحْجُبُهُ؟» وَمَا زَالَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ يُغْرِيهَا، وَيَهْجِسُ فِي صَدْرِهَا، وَيُزَيِّنُ لَهَا مُخَالَفَةَ النُّصْحِ، حَتَّى انْدَفَعَتْ خُطْوَةً أُخْرَى فِي طَرِيقِ الْفُضُولِ وَقَالَتْ: «وَمَاذَا عَلَيَّ إِذَا أَدْخَلْتُ أَنَامِلِي الرَّفِيقَةَ، فَزَحْزَحْتُ بِهَا ذَلِكَ السِّتْرَ قَلِيلًا؛ لَعَلِّي أَتَعَرَّفُ حَقِيقَةَ مَا يَحْجُبُهُ عَنِّي؟ وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا سَيَفْطُنُ إِلَى مَا صَنَعْتُ، وَلَنْ يَشْعُرَ أَحَدٌ بِمَا فَعَلْتُ؛ فَلَنْ يَتَزَحْزَحَ السِّتْرُ عَنْ مَكَانِهِ، لِأَنَّنِي لَنْ أَرْفَعَهُ كُلَّهُ، بَلْ أَكْتَفِي بِإِزَاحَتِهِ بِأَصَابِعِي بِمِقْدَارِ مَا يُتِيحُ لِعَيْنِي أَنْ تَنْفُذَ مِنْ خِلَالِهِ. وَلَسْتُ أَدْرِي: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْيَوْمِ وَالْغَدِ؟ وَمَا أَظُنُّنِي مُخْطِئَةً إِذَا تَعَجَّلْتُ يَوْمًا وَاحِدًا، وَمَا أَحْسَبُنِي أُغْضِبُ أَحَدًا بِذَلِكَ، فَقَدْ حَزَمْتُ أَمْرِي، وَكَبَحْتُ رَغْبَتِي، وَصَبَرْتُ هَذِهِ الْأَيَّامَ الطِّوَالَ دُونَ أَنْ يَهُزَّنِي الْفُضُولُ إِلَى رُؤْيَتِهِ.»
(??) إِزَاحَةُ السِّتَارِ

وَنَظَرَتِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ حَوْلَهَا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا يَرْقُبُهَا، فَاشْتَدَّ بِهَا الْفُضُولُ، وَتَمَلَّكَتْهَا رَغْبَةٌ ثَائِرَةٌ أَنْسَتْهَا نَصِيحَةَ الْأَمِيرِ الْكَرِيمِ، وَأَذْهَلَتْهَا عَنْ تَحْذِيرِهِ، فَلَمْ تُبَالِ مَا بَصَّرَها بِهِ مِنْ عَوَاقِبِ الْفُضُولِ، وَمَا يَجُرُّهُ مِنَ الْكَوَارِثِ وَالْأَخْطَارِ. لَقَدْ نَسِيَتِ الْأَمِيرَةُ كُلَّ شَيْءٍ، وَاسْتَهَانَتْ بِكُلِّ فَادِحَةٍ مِنَ المَصَائِبِ، فَأَدْخَلَتْ أُنْمُلَتَهَا فِي نُقْرَةٍ ضَيِّقَةٍ، ثُمَّ جَذَبَتْهَا فِي رِفْقٍ. وَلَمْ تَكَدْ تَلْمِسُ السِّتْرَ حَتَّى تَمَزَّقَ مِنْ أَعْلَاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ، وَعَلَا ضَجِيجٌ كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ.
(??) شَجَرَةُ اللُّؤْلُؤِ

وَبَدَتْ أَمَامَ عَيْنَيْهَا هَدِيَّةُ الْعُرْسِ، وَهِيَ شَجَرَةٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ النَّفِيسِ، سَاقُهَا مِنَ الْمَرْجَانِ، وَأَوْرَاقُهَا مِنَ الزُّمُرُّدِ، وَفَاكِهَتُهَا مِنَ الْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ: مِنْ مَاسٍ وَزُمُرُّدٍ وَيَاقُوتٍ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ كَائِنٍ كَانَ. وَكَانَتِ الْأَحْجَارُ الْكَرِيمَةُ فِي أَمْثَالِ أَحْجَامِ الْفَاكِهَةِ الَّتِي رُكِّبَتْ عَلَى صُورَتِهَا، وَشُكِّلَتْ بِهَيْئَاتِهَا. وَقَدْ شَعَّ مِنْهَا بَرِيقٌ بَاهِرٌ يَكَادُ سَنَاهُ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ. وَلَمْ تَكَدِ الْأَمِيرَةُ تَرَى تِلْكَ الشَّجَرَةَ الْبَدِيعَةَ الَّتِي لَا يَتَمَثَّلُ الْخَيَالُ أَبْدَعَ مِنْهَا، حَتَّى سَمِعَتْ ضَجَّةً أَقْوَى مِنَ الْأُولَى وَأَعْنَفَ، فَتَيَقَّظَتْ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَأَنْسَتْهَا الضَّجَّةُ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنَ الْإِعْجَابِ وَالدَّهَشِ.
(??) الْأَمِيرُ الْجَرِيحُ

وَأَحَسَّتْ كَأَنَّهَا حُمِلَتْ إِلَى فَضَاءٍ يُشْرِفُ عَلَى قَصْرِ الْأَمِيرِ، وَلَاحَتْ مِنْهَا الْتِفَاتَةٌ فَرَأَتِ الْقَصْرَ الْبَدِيعَ وَهُوَ يُدَمَّرُ وَتَلْتَهِمُهُ النَّارُ، وَسَمِعَتْ قَعْقَعَةً كَأَنَّهَا قَصْفُ الرُّعُودِ، وَأَصْوَاتًا مُزْعِجَةً تُصِمُّ الْآذَانَ مُنْبَعِثَةً مِنْ خِلَالِ الْأَنْقَاضِ، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثْ أَنْ رَأَتِ الْأَمِيرَ «صَفَاءً» نَفْسَهُ جَرِيحًا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْأَنْقَاضِ، وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْ جِسْمِهِ، وَهُوَ فِي أَسْمَالٍ بَالِيَةٍ، ثُمَّ يَدْنُو مِنْهَا مُتَأَلِّمًا مَحْزُونًا يَقُولُ: «صَفِيَّةُ … صَفِيَّةُ … لَكِ اللهُ … أَيَّتُهَا الْجَاحِدَةُ الْمُنْكِرَةُ لِلْجَمِيلِ. انْظُرِي إِلَى أَيَّةِ حَالٍ صَيَّرْتِنِي، أَنَا وَحَاشِيَتِي جَمِيعًا. أَلَا إِنَّنِي قَدْ يَئِسْتُ مِنْكِ، وَمَا أَظُنُّكِ — بَعْدَ أَنْ خَالَفْتِ النُّصْحَ مَرَّةً ثَانِيَةً — إِلَّا مُنْدَفِعَةً فِي طَرِيقِ فُضُولِكِ إِلَى الْمُخَالَفَةِ مَرَّةً ثَالِثَةً، دُونَ أَنْ تُبَالِيَ مَا جَلَبْتِ عَلَى نَفْسِكِ وَعَلَى أَبِيكِ وَعَلَى زَوْجِكِ مِنْ شَقَاءٍ. فَالْوَدَاعَ الْوَدَاعَ الْآنَ يَا صَفِيَّةُ. فَهَلْ أَنْتِ نَادِمَةٌ عَلَى مَا فَعَلْتِ؟ لَعَلَّ النَّدَمَ يُكَفِّرُ عَنْ إِنْكَارِ جَمِيلٍ أَسْدَاهُ إِلَيْكِ أَمِيرٌ تَاعِسٌ كَانَ يَمْحَضُكِ الْإِخْلَاصَ، وَيُصْفِيكِ الْوُدَّ، وَلَا يَتَوَخَّى غَيْرَ سَعَادَتِكِ!»
(??) سُخْرِيَةُ السِّنْجَابِ

وَلَمْ يَكَدْ يُتِمُّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حَتَّى ابْتَعَدَ عَنْهَا، وَرَاحَ يَمْشِي فِي خُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ مُتَعَثِّرَةٍ، فَجَثَتِ الْأَمِيرَةُ عَلَى رُكْبَتِهَا وَالدُّمُوعُ تَهْطِلُ غَزِيرَةً مِنْ عَيْنَيْهَا، وَظَلَّتْ تُنَادِيهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَخْفَى عَنْ عَيْنَيْهَا، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ خَلْفَهُ لِيَشْهَدَ مَبْلَغَ أَلَمِهَا. وَكَانَتْ عَلَى وَشْكِ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهَا لَوْلَا أَنَّهَا سَمِعَتْ ضَحِكَةً سَاخِرَةً مُتَقَطِّعَةً تَنْبَعِثُ مِنَ السِّنْجَابِ الصَّغِيرِ. وَرَأَتْهُ يَقِفُ أَمَامَهَا شَامِتًا بِهَا وَهُوَ يَقُولُ: «لَكِ أَنْ تَشْكُرِينِي يَا صَفِيَّةُ لِمُسَاعَدَتِي إِيَّاكِ؛ فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكِ لَيْلًا بِتِلْكَ الْأَحْلَامِ اللَّذِيذَةِ، لِأُغْرِيَكِ بِمَا يَحْتَوِيهِ السِّتْرُ الَّذِي مَزَّقْتِهِ، وَكَانَ لِيَ الْفَضْلُ فِي قَرْضِ ذَلِكَ الثَّوْبِ؛ لِأُمَهِّدَ لَكِ سَبِيلَ النَّظَرِ مِنْ خِلَالِهِ، وَأُغْرِيَكِ بِرُؤْيَةِ مَا يَحْتَوِيهِ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَطَلَ سِحْرِي عَلَيْكِ، وَعَجَزْتُ عَنِ الانْتِقَامِ مِنْكِ كُلَّ الْعَجْزِ. وَلَمْ يَبْقَ — يَا حَبِيبَتِي — سِوَى خَطَأٍ وَاحِدٍ أَنْتِ لَا بُدَّ وَاقِعَةٌ فِيهِ، فَيَتِمُّ لِي بِهِ إِذْلَالُكِ، وَإِذْلَالُ أَبِيكِ وَزَوْجِكِ جَمِيعًا، وَتُصْبِحِينَ أَسِيرَتِي بَعْدَ ذَلِكَ مَدَى الْحَيَاةِ.»
•••

وَاسْتَوْلَى السُّرُورُ عَلَى السِّنْجَابِ، وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ فَرَحًا بِمَا وُفِّقَ إِلَيْهِ مِنْ شَرٍّ، وَانْطَلَقَ يَرْقُصُ حَوْلَ «صَفِيَّةَ» رَقْصَةَ الشَّمَاتِ وَالابْتِهَاجِ.
(??) تَوْبَةٌ وَنَدَمٌ

وَلَمْ تَغْضَبِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» لِمَا سَمِعَتْهُ مِنْ لَوْمِ «سُنْعُبَةَ»، بَلْ قَالَتْ فِي نَفْسِهَا نَادِمَةً: «هَذِهِ غَلْطَتِي، فَلَوْلَا فُضُولِي الْمَشْئُومُ، وَلَوْلَا إِنْكَارِي لِلْجَمِيلِ لَمَا نَجَحَتْ «سُنْعُبَةُ» الْخَبِيثَةُ فِي أَنْ تُغْرِيَنِي بِارْتِكَابِ هَذِهِ الْحَمَاقَةِ. وَمَا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ بِأَلَمِي وَصَبْرِي وَقُوَّةِ إِرَادَتِي، فِي مُقَاوَمَةِ الْإِغْرَاءِ الثَّالِثِ، مَهْمَا يَكُنْ مِنَ الصُّعُوبَةِ. وَلَيْسَ أَمَامِي سِوَى سَاعَاتٍ تَمُرُّ، ثُمَّ لَا تَكُونُ بَعْدَهَا إِلَّا سَعَادَةُ أَبِي وَزَوْجِي، وَسَعَادَتِي بِهِمَا.»
•••

وَلَبِثَتِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ فِي مَكَانِهَا ثَابِتَةً لَا تُبْدِي حَرَكَةً، وَبَذَلَتْ «سُنْعُبَةُ» أَقْصَى مَا فِي وُسْعِهَا لِتَحْمِلَهَا عَلَى السَّيْرِ، وَلَكِنَّ الْأَمِيرَةَ أَصَرَّتْ عَلَى أَنْ تَبْقَى أَمَامَ أَنْقَاضِ الْقَصْرِ، فَلَمْ تَتَزَحْزَحْ عَنْهُ خُطْوَةً وَاحِدَةً.

الفصل السادس
صُنْدُوقُ الْعَجُوزِ


(?) عِقَابٌ عَادِلٌ

وَهَكَذَا مَضَى الْيَوْمُ كُلُّهُ عَلَى هَذِهِ الْوَتِيرَةِ، وَقَدِ اشْتَدَّ الظَّمَأُ بِالْأَمِيرَةِ حَتَّى كَادَتْ تَهْلِكُ عَطَشًا، وَلَكِنَّهَا صَبَرَتْ رَاضِيَةً بِقَضَاءِ اللهِ، وَتَقَبَّلَتْ هَذَا الْعِقَابَ الصَّارِمَ فِي غَيْرِ شَكْوَى وَلَا تَمَلْمُلٍ وَلَا ضَجَرٍ، وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا مُتَأَسِّيَةً مُتَصَبِّرَةً: «أَلَيْسَ مِنَ الْعَدَالَةِ وَالْحَقِّ أَنْ أُعَانِيَ مِنَ الْأَلَمِ أَكْثَرَ مِمَا عَانَيْتُ، وَأُكَابِدَ مِنَ الْجَهْدِ فَوْقَ مَا كَابَدْتُ، وَأَلْقَى مِنَ الْعِقَابِ أَضْعَافَ مَا لَاقَيْتُ، لَعَلِّي أُكَفِّرُ عَمَّا جَلَبْتُهُ مِنْ نَكَبَاتٍ عَلَيَّ وَعَلَى أَبِي وَابْنِ عَمِّي جَمِيعًا؟ أَلَا لَا بُدَّ أَنْ أَحْتَمِلَ صَابِرَةً جَزَاءَ مَا أَسْلَفْتُ مِنْ إِسَاءَةٍ، وَلَا مَعْدَى لِي عَنِ الْبَقَاءِ حَيْثُ أَنَا فِي مَكَانِي حَتَّى تَطْلُعَ شَمْسُ غَدِي، فَأَبْلُغَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِي.»
وَمَا زَالَتْ كَذَلِكَ حَتَّى جَنَحَتِ الشَّمْسُ لِلْمَغِيبِ، وَشَرَعَتْ طَلَائِعُ اللَّيْلِ تَبْسُطُ ظَلَامَهَا الْبَهِيمَ.
(?) وَدِيعَةُ الْعَجُوزِ

وَلَمْ تَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى رَأَتْ عَجُوزًا قَادِمَةً عَلَيْهَا، وَمَا إِنِ اقْتَرَبَتْ مِنْهَا الْعَجُوزُ حَتَّى بَادَرَتْهَا بِالتَّحِيَّةِ، ثُمَّ قَالَتْ: «هَلْ لَكِ أَيَّتُهَا الْحَسْنَاءُ أَنْ تُسْدِيَ إِلَيَّ صَنِيعًا كَرِيمًا، وَجَمِيلًا مَشْكُورًا، فَتَحْتَفِظِي بِهَذَا الصُّنْدُوقِ الثَّقِيلِ وَدِيعَةً عِنْدَكِ، رَيْثَمَا أَذْهَبُ لِزِيَارَةِ إِحْدَى قَرِيبَاتِي فِي مَكَانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ؟» فَأَجَابَتْهَا الْأَمِيرَةُ فِي تَلَطُّفٍ وَأَدَبٍ: «لَكِ مَا تَشَائِينَ يَا أُمَّاهُ. وَلَيْسَ أَبْهَجَ إِلَى نَفْسِي مِنْ تَحْقِيقِ مَا تَطْلُبِينَ.» فَنَاوَلَتْهَا الْعَجُوزُ الصُّنْدُوقَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: «شُكْرًا لَكِ — أَيَّتُهَا الشَّابَّةُ الْجَمِيلَةُ — عَلَى مَعْرُوفِكِ، وَلَنْ تَطُولَ غَيْبَتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.»
(?) نَصِيحَةُ الْعَجُوزِ

وَأَخِيرًا قَالَتِ الْعَجُوزُ لَهَا: «وَلَكِنْ لِي رَجَاءٌ عِنْدَكِ، أَلَّا تَفْتَحِي هَذَا الصُّنْدُوقَ، وَأَلَّا يَدْفَعَكِ الْفُضُولُ إِلَى تَعَرُّفِ مَا فِيهِ، وَأَرْجُو أَلَّا يُغْرِيَكِ بِذَلِكَ مَا يَحْتَوِيهِ مِنَ الطَّرَائِفِ الثَّمِينَةِ، وَالْعَجَائِبِ النَّادِرَةِ، الَّتِي لَمْ تَقَعْ عَلَيْهَا عَيْنٌ، وَلَا خَطَرَتْ بِبَالِ كَائِنٍ كَانَ، وَكَذَلِكَ أَرْجُو أَنْ تَتَرَفَّقِي فِي حَمْلِهِ، فَلَا تُلْقِيهِ عَلَى الْأَرْضِ بِقُوَّةٍ وَعُنْفٍ؛ لِأَنَّهُ مَصْنُوعٌ مِنْ خَشَبٍ رَقِيقٍ لَا يَقْوَى عَلَى الاصْطِدَامِ، وَأَخْشَى مَا أَخْشَاهُ أَنْ يَنْكَسِرَ الصُّنْدُوقُ، فَيَنْكَشِفَ لَكِ مَا يَحْتَوِيهِ مِنَ النَّفَائِسِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ لِعَيْنٍ أَنْ تَرَاهَا.»
(?) أَضْوَاءٌ مُؤْتَلِقَةٌ

فَوَعَدَتْهَا الْفَتَاةُ خَيْرًا، وَانْصَرَفَتِ الْعَجُوزُ بَعْدَ أَنْ كَرَّرَتْ لَهَا نَصِيحَتَهَا، وَأَعَادَتْ عَلَيْهَا تَحْذِيرَهَا، فَوَضَعَتِ الْفَتَاةُ الصُّنْدُوقَ إِلَى جَانِبِهَا فِي حَذَرٍ وَعِنَايَةٍ مُتَرَفِّقَةً بِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَهُ سُوءٌ، وَجَلَسَتْ مُطْرِقَةً تُفَكِّرُ فِيمَا مَرَّ بِهَا مِنْ أَحْدَاثٍ وَخُطُوبٍ، وَمَا جَرَّهُ عَلَيْهَا فُضُولُهَا مِنْ كَوَارِثَ وَمِحَنٍ. وَمَضَتْ فَتْرَةٌ مِنَ الزَّمَنِ دُونَ أَنْ تَحْضُرَ الْعَجُوزُ، وَحَانَتْ مِنَ الْأَمِيرَةِ الْتِفَاتَةٌ إِلَى الصُّنْدُوقِ، فَرَأَتْ أَضْوَاءً تَنْبَعِثُ مِنْهُ فَتُنِيرُ مَا حَوْلَهُ إِلَى مَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا مُتَعَجِّبَةً: «تُرَى مَاذَا يَتَلَأْلَأُ فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ الْعَجِيبِ؟ وَلِمَاذَا تَنْبَعِثُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَضْوَاءُ الْمُؤْتَلِقَةُ؟» ثُمَّ قَلَبَتِ الصُّنْدُوقَ مُتَرَفِّقَةً، وَأَنْعَمَتْ نَظَرَهَا فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ، فَعَجَزَتْ عَنِ الاهْتِدَاءِ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَعْرِفَ سِرَّ مَا يَنْبَعِثُ مِنْهُ مِنْ ضَوْءٍ لَامِعٍ نَفَّاذٍ لَمْ تَأْلَفِ الْعُيُونُ مِثْلَهُ.
(?) إِرَادَةٌ حَازِمَةٌ

فَأَعَادَتِ الصُّنْدُوقَ إِلَى الْأَرْضِ قَائِلَةً: «أَيُّ فُضُولٍ هَذَا؟ وَلِمَاذَا أَنَا مَشْغُولَةٌ مُولَعَةٌ بِمَا لَا يَعْنِينِي؟ وَمَاذَا يَهُمُّنِي مِنْ أَمْرِ الصُّنْدُوقِ؟ وَكَيْفَ أُبِيحُ لِنَفْسِي أَنْ أَمَسَّ وَدِيعَةً ائْتُمِنْتُ عَلَيْهَا؟ إِنَّهَا أَمَانَةٌ لَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا إِلَى صَاحِبَتِهَا الْعَجُوزِ كَمَا هِيَ. لَقَدْ أَوْدَعَتْنِي الصُّنْدُوقَ وَحَذَّرَتْنِي أَنْ أَفْتَحَهُ. فَمَا أَجْدَرَنِي بِالْكَفِّ عَنِ التَّفْكِيرِ فِيهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِتَعَرُّفِ مَا يَحْوِيهِ؛ حَتَّى لَا يَتَمَلَّكَنِي الْفُضُولُ — كَمَا تَمَلَّكَنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ — فَيُغْرِيَنِي بِفَتْحِ الصُّنْدُوقِ، كَمَا أَغْرَانِي مِنْ قَبْلُ بِفَتْحِ الْبَيْتِ الصَّغِيرِ، وَتَمْزِيقِ سِتْرِ الْقُبَّةِ.» وَهَكَذا عَرَفَتِ الْأَمِيرَةُ كَيْفَ تَكْبَحُ جِمَاحَ فُضُولِهَا، وَتُحَوِّلُ نَظَرَها عَنِ الصُّنْدُوقِ، فَأَصَرَّتْ عَلَى نِسْيَانِهِ وَالِانْصِرَافِ عَنْهُ. وَهَكَذَا أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَاتَّجَهَتْ بِتَفْكِيرِهَا إِلَى أَدَاءِ وَاجِبِهَا. وَظَلَّتْ مُتَرَقِّبَةً صَبَاحَ غَدِهَا وَهِيَ تَقُولُ: «غَدًا أُدْرِكُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِي، وَيَنْتَهِي بِذَلِكَ سِحْرُ «سُنْعُبَةَ» فَأَرَى الْأَمِيرَيْنِ «غَالِبًا» وَ«صَفَاءً»، وَلَنْ أَخْشَى مَكْرُوهًا بَعْدَ هَذَا اللِّقَاءِ، وَلَنْ أُبَالِيَ دَسَائِسَ الْجِنِّيَّةِ الْحَمْقَاءِ.»
(?) حِيلَةُ الْجِنِّيَّةِ

وَهُنَا ظَهَرَتْ أَمَامَهَا «سُنْعُبَةُ» وَابْتَدَرَتْهَا قَائِلَةً: «هَا أَنَا ذَا قَرِيبَةٌ مِنْكِ يَا صَفِيَّةُ، وَلَمْ أَبْتَعِدْ عَنْكِ لَحْظَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ جَزِعْتُ لِمَا كَابَدْتِ بِسَبَبِي مِنْ كَوَارِثَ وَآلَامٍ، وَلَنْ أَضِنَّ عَلَيْكِ الْآنَ بِرُؤْيَةِ مَا يَحْتَوِيهِ الصُّنْدُوقُ.»
فَلَمْ تُجِبْهَا «صَفِيَّةُ» بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَتْ «سُنْعُبَةُ»: «أَلَا تَسْمَعِينَ يَا «صَفِيَّةُ» مَا أَقُولُ؟ أَتَظُنِّينَ أَنَّنِي لَا أَزَالُ عَدُوَّةً لَكِ كَمَا تَوَهَّمْتِ؟ كَلَّا يَا فَتَاتِي. حَسْبُكِ مَا لَقِيتِ مِنِّي، لَقَدْ تَأَلَّمْتُ لِمَا أَصَابَكِ مِنَ النَّكَبَاتِ، وَعَزَمْتُ عَلَى تَدَارُكِ مَا أَسْلَفْتُهُ إِلَيْكِ مِنْ أَذِيَّاتٍ وَإِسَاءَاتٍ. وَسَنُصْبِحُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ صَدِيقَتَيْنِ مُتَحَابَّتَيْنِ، وَسَتَرَيْنَ مِصْدَاقَ مَا أَقُولُ حِينَ أَفْتَحُ الصُّنْدُوقَ أَمَامَكِ، وَأُطْلِعُكِ عَلَى ذَخَائِرِهِ وَنَفَائِسِهِ وَمُحْتَوَيَاتِهِ.»
(?) فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ

فَسَكَتَتِ الْأَمِيرَةُ وَلَمْ تَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وَيَئِسَتْ «سُنْعُبَةُ» مِنْ إِغْرَائِهَا، وَلَمْ يَبْقَ أَمَامَهَا وَقْتٌ تُضَيِّعُهُ، فَانْدَفَعَتْ إِلَى الصُّنْدُوقِ تَقْتَرِضُ غِطَاءَهُ، فَصَاحَتِ الْأَمِيرَةُ بِهَا، وَأَسْرَعَتْ إِلَى الصُّنْدُوقِ فَاحْتَضَنَتْهُ وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ ? «سُنْعُبَةَ»: «كُونِي عَلَى ثِقَةٍ أَنَّكِ إِذَا لَمَسْتِ هَذَا الصُّنْدُوقَ قَطَعْتُ رَقَبَتَكِ عَلَى الْفَوْرِ بِلَا تَرَدُّدٍ.» فَنَظَرَتْ إِلَيْهَا «سُنْعُبَةُ» فِي شَيْطَنَةٍ وَخُبْثٍ. وَلَمْ تَسْتَطِعْ «سُنْعُبَةُ» أَنْ تُقَاوِمَ الْفَتَاةَ.
وَحَاوَلَتْ «سُنْعُبَةُ» جَاهِدَةً أَنْ تَبْتَدِعَ حِيلَةً أُخْرَى تُمَكِّنُهَا مِنْ إِغْرَاءِ الْأَمِيرَةِ، وَاسْتِثَارَةِ فُضُولِهَا، وَدَفْعِهَا إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا لَا يَعْنِيهَا، وَالزَّجِّ بِنَفْسِهَا فِيمَا لَا يُفِيدُهَا. وَإِنَّهَا لَغَارِقَةٌ فِي تَفْكِيرِهَا الْمُجْرِمِ، إِذْ دَقَّتِ السَّاعَةُ مُؤْذِنَةً بِانْتِصَافِ اللَّيْلِ. وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا صَرَخَتْ «سُنْعُبَةُ» صَرْخَةً مُفَزِّعَةً مُؤْلِمَةً، وَقَالَتْ ? «صَفِيَّةَ»: «هَا إِنَّهَا سَاعَةُ مِيلَادِكِ الَّتِي دَقَّتْ يَا أَمِيرَتِيَ الْعَزِيزَةَ؛ فَقَدْ بَلَغْتِ الْآنَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ، فَأَمِنْتِ بِذَلِكَ مِنْ كُلِّ خَوْفٍ، وَلَنْ يُصِيبَكِ مِنِّي ضُرٌّ وَلَا أَذًى بَعْدَ الْآنَ. لَقَدْ أَصْبَحْتِ نَاجِيَةً مِنْ كَيْدِي، وَغَدَوْتِ بَعِيدَةً عَنْ مُتَنَاوَلِ يَدِي، كَمَا أَصْبَحَ «غَالِبٌ» وَ«صَفَاءٌ» مُنْذُ هَذِهِ السَّاعَةِ طَلِيقَيْنِ مِنْ كُلِّ أَسْرٍ، وَلَيْسَ لِي عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ بَعْدَ الْآنَ قُوَّةٌ وَلَا سُلْطَانٌ. أَمَّا أَنَا فَوَيْلَاهُ؛ لَقَدْ قُضِيَ عَلَيَّ أَنْ أَبْقَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي اخْتَارَتْهَا لِي «الزُّهَرَةُ». وَسَأَقْضِي حَيَاتِي التَّاعِسَةَ كُلَّهَا فِي هَيْئَةِ سِنْجَابٍ صَغِيرٍ، وَلَيْسَ لِي مِنْ سَبِيلٍ إِلَى الْخَلَاصِ مِنَ السِّحْرِ، وَاسْتِرْدَادِ صُورَتِي الْأُولَى، بَعْدَ أَنْ أَخْفَقْتُ فِي الْإِيقَاعِ بِكِ، وَعَجَزْتُ عَنْ إِغْرَائِكِ بِالدُّخُولِ فِيمَا لَا يَعْنِي. وَلَعَلِّي أَظْفَرُ بِفَتَاةٍ كَرِيمَةٍ أُخْرَى أَدْفَعُهَا إِلَى الْفُضُولِ مَرَّاتٍ ثَلَاثًا، فَيَزُولَ عَنِّي بَعْدَ ذَلِكَ سِحْرُ السَّاحِرَةِ. وَفِي وُسْعِكِ الْآنَ أَنْ تَفْتَحِي الصُّنْدُوقَ وَتَطَّلِعِي عَلَى مَا يَحْتَوِيهِ، فَقَدْ أَمِنْتِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ.»
وَمَا كَادَ السِّنْجَابُ الصَّغِيرُ يُتِمُّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حَتَّى غَيَّبَتْهُ أَطْبَاقُ الظَّلَامِ.
(?) الْبُومَةُ النَّاعِبَةُ

وَأَبَى عَلَى الْأَمِيرَةِ حَزْمُهَا أَنْ تَثِقَ بِكَلَامِ عَدُوَّتِهَا اللَّدُودِ، فَلَمْ تَنْخَدِعْ بِتَمْلِيقِهَا، وَلَمْ تُصْغِ إِلَى نَصِيحَتِهَا، وَعَقَدَتِ الْعَزِيمَةَ عَلَى أَنْ تَحْتَفِظَ بِالصُّنْدُوقِ الَّذِي ائْتُمِنَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى تَعُودَ صَاحِبَتُهُ فَتَرُدَّهُ إِلَيْهَا، دُونَ أَنْ تَمَسَّهُ يَدَاهَا. وَلَمْ تَكَدْ تَعْقِدُ عَزْمَهَا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ حَتَّى سَمِعَتْ بُومَةً تُحَلِّقُ فَوْقَهَا نَاعِبَةً، ثُمَّ رَأَتْهَا تَقْذِفُ الصُّنْدُوقَ بِحَجَرٍ فَتُحَطِّمُهُ تَحْطِيمًا، وَتَنْثُرُ قِطَعَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَثَمَّةَ صَرَخَتِ الْأَمِيرَةُ جَزِعَةً مُرْتَاعَةً وَقَدِ اشْتَدَّ بِهَا الْخَوْفُ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ.
(?) مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاتِ

وَسُرْعَانَ مَا ظَهَرَتْ أَمَامَهَا «الزُّهَرَةُ»، مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاتِ، ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: «مَرْحَى يَا «صَفِيَّةُ» مَرْحَى! لَقَدْ نَجَحْتِ أَوْفَى نَجَاحٍ، وَعَرَفْتِ كَيْفَ تَتَغَلَّبِينَ عَلَى «سُنْعُبَةَ» عَدُوَّةِ أُسْرَتِكِ، وَقَدْ نَصَرَكِ اللهُ عَلَى تِلْكَ الْجِنِّيَّةِ الشَّرِسَةِ الْقَاسِيَةِ. وَسَأُعِيدُكِ الْآنَ إِلَى أَبِيكِ، بَعْدَ أَنْ تَأْكُلِي وَتَشْرَبِي هَنِيئًا مَرِيئًا؛ فَقَدْ لَبِثْتِ زَمَنًا طَوِيلًا جَاِئَعَةً لَمْ تَأْكُلِي شَيْئًا وَلَمْ تَشْرَبِي.»
•••

ثُمَّ قَدَّمَتْ لَهَا «الزُّهَرَةُ» صَحْفَةً مُلِئَتْ بِالْفَاكِهَةِ، فَلَمْ تَكَدِ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ تَأْكُلُ وَاحِدَةً مِنْهَا، حَتَّى أَشْبَعَتْهَا وَأَرْوَتْهَا.
(??) مَرْكَبَةُ «الزُّهَرَةِ»

وَأَعَدَّتْ لَهَا «الزُّهَرَةُ» مَرْكَبَةً لُؤْلُؤِيَّةً فَاخِرَةً يَجُرُّهَا أَفْعَيَانِ رَائِعَتَانِ، فَرَكِبَتَاهَا جَمِيعًا. وَلَمَّا ثَابَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى رُشْدِهَا، وَصَحَتْ مِنْ دَهْشَتِهَا، شَكَرَتِ الْجِنِّيَّةَ أَعْمَقَ الشُّكْرِ لِحِمَايَتِهَا، وَسَأَلَتْهَا أَنْ تُنْجِزَ وَعْدَهَا، فَتُرِيَهَا أَبَاهَا.
فَقَالَتِ الْجِنِّيَّةُ: «إِنَّ وَالِدَكِ يَنْتَظِرُكِ فِي قَصْرِ الْأَمِيرِ «صَفَاءٍ».»
فَقَالَتِ الْفَتَاةُ: «وَلَكِنِّي أَحْسَبُ — يَا مَوْلَاتِي — أَنَّ قَصْرَهُ دُمِّرَ وَاحْتَرَقَ، وَأَنَّ الْأَمِيرَ يُعانِي مِنْ آلَامِ الْجُرُوحِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ أَحَدٌ.»
•••

فَقَالَتِ «الزُّهَرَةُ»: «كَلَّا، لَا تَخْشَيْ شَيْئًا، فَإِنَّ الْأَمِيرَ بِخَيْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا مَقْصِدٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا أَنْ نُطْلِعَكِ عَلَى مِقْدَارِ مَا يَجُرُّ إِلَيْهِ الْفُضُولُ مِنْ وَخِيمِ الْعَوَاقِبِ، وَسَيِّئِ النَّتَائِجِ. وَقَدْ نَجَحَتْ خُطَّتُنَا — وَالْحَمْدُ لِلهِ — أَوْفَى نَجَاحٍ؛ فَبَرِئْتِ مِنْ نَقِيصَةِ الْفُضُولِ، وَلَمْ تَنْدَفِعِي فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ إِلَى الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَهُمُّكِ. وَسَتَرْيَن الْأَمِيرَيْنِ «غَالِبًا» وَ«صَفَاءً» عَلَى أَتَمِّ صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ، كَمَا كَانَا قَبْلَ أَنْ تَفْتَحِي الْبَيْتَ الصَّغِيرَ، وَتُمَزِّقِي الثَّوْبَ الَّذِي كَانَ يُغَطِّي الْقُبَّةَ الَّتِي أَوْدَعَ فِيهَا الْأَمِيرُ هَدِيَّةَ الْعُرْسِ.»
(??) فِي قَصْرِ الْأَمِيرِ

وَلَمَّا أَتَمَّتِ «الزُّهَرَةُ» كَلَامَهَا، وَقَفَتِ الْمَرْكَبَةُ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ سُلَّمِ الْقَصْرِ. وَكَانَ الْأَمِيرَانِ «غَالِبٌ» وَ«صَفَاءٌ» يَنْتَظِرَانِهَا مَعَ حَاشِيَتِهِمَا جَمِيعًا، فَارْتَمَتْ «صَفِيَّةُ» بَيْنَ ذِرَاعَيْ أَبِيهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى الْأَمِيرِ تُحَيِّيهِ، مُعْتَذِرَةً لَهُمَا عَمَّا بَدَرَ مِنْهَا مِنْ إِسَاءَةٍ غَيْرِ مُتَعَمَّدَةٍ إِلَيْهِمَا، فَلَمْ تَرَ عَلَى مُحَيَّاهُمَا أَثَرًا لِمَا حَدَثَ.
•••

وَبَدَا كِلَاهُمَا كَأَنَّهُمَا لَا يَذْكُرَانِ مَا أَسْلَفَتْهُ إِلَيْهِمَا مِنْ خَطَأٍ جَسِيمٍ.
وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ لِحَفَلَاتِ الزَّوَاجِ الَّتِي أُقِيمَتْ فِي الْحَالِ، وَحَضَرَتْهَا كُلُّ صَالِحَةٍ مِنَ الْجِنِّ، وَدَامَتِ الْحَفَلَاتُ عِدَّةَ أَيَّامٍ.
وَعَاشَ «غَالِبٌ» وَ«صَفَاءٌ» وَ«صَفِيَّةٌ» عِيشَةً نَاعِمَةً هَانِئَةً، وَلَمْ تَنْسَ الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ هَذَا الدَّرْسَ النَّافِعَ الْبَلِيغَ الَّذِي شَفَاهَا مِنْ مَرَضِ الْفُضُولِ.

خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ


وَقَدْ أُعْجِبَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» بِهَا، وَافْتَتَنَ بِمَا مَيَّزَهَا اللهُ بِهِ مِنْ نَبِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَكَرِيمِ الْخِلَالِ، كَمَا أُعْجِبَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» بِمَا مَيَّزَ اللهُ بِهِ الْأَمِيرَ مِنْ خِصَالٍ نَادِرَةٍ، وَشَمَائِلَ كَرِيمَةٍ بَاهِرَةٍ، وَابْتَهَجَ «غَالِبٌ» بِمَا ظَفَرَ بِهِ مِنْ نَجَاحٍ وَتَوْفِيقٍ، وَعَاشُوا جَمِيعًا فِي هَنَاءَةٍ وَسُرُورٍ وَبَهْجَةٍ، وَرُزِقَتْ «صَفِيَّةُ» وَ«صَفَاءٌ» أَجْمَلَ الْبَنِينِ وَالْبَنَاتِ.
•••

وَكَانَا يُحَدِّثَانِ أَوْلَادَهُمَا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعْجِبَةِ فِي أَعْيَادِ مِيلَادِهِمْ؛ لِتَكُونَ لَهُمْ دَرْسًا نَافِعًا يُبَصِّرُهُمْ بِطَرَائِقِ الرَّشَادِ، وَيُجَنِّبُهُمْ شَرَّ الْفُضُولِ، وَيَحْفَظُهُمْ مِنْ كَيْدِ الْخُبَثَاءِ وَالْأَشْرَارِ، وَيُعِيذُهُمْ مِنْ كُلِّ وَسْوَاسٍ خَنَّاسٍ، يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ.