Advertisement

غاية البيان شرح زبد ابن رسلان 001



الكتاب: غاية البيان شرح زبد ابن رسلان
المؤلف: شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي (المتوفى: 1004هـ)
الناشر: دار المعرفة - بيروت
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الْمُقدمَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي أظهر زبد دينه القويم وَهدى من وَفقه إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم أَحْمَده على مَا أنعم وَعلم وسدد إِلَى الصِّرَاط وَقوم وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْوَاحِد القهار الْكَرِيم الستار وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ختام الْأَنْبِيَاء الْأَبْرَار صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وعل آله وَأَصْحَابه صَلَاة وَسلَامًا دائمين على ممر اللَّيَالِي وَالنَّهَار
وَبعد فَإِن صفوة الزّبد فِي الْفِقْه للشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة ولي الله تَعَالَى (أَحْمد بن رسْلَان) من أبدع كتاب فِي الْفِقْه صنف وَأجْمع مَوْضُوع فِيهِ على مِقْدَار حجمه ألف طلب مني بعض السَّادة الْفُضَلَاء والأذكياء النبلاء أَن أَضَع عَلَيْهَا شرحا يحل ألفاظها ويبرز دقائقها وَيُحَرر مسائلها ويجود دلائلها فأجبته إِلَى ذَلِك بعون الْقَادِر الْمَالِك ضاما إِلَيْهِ من الْفَوَائِد المستجادات مَا تقربه أعين أولى الرغبات راجيا من الله جزيل الثَّوَاب ومؤملا مِنْهُ أَن يَجعله عُمْدَة لأولي الْأَلْبَاب وسميته (غَايَة الْبَيَان فِي شرح زبد ابْن رسْلَان)
وَالله أسأَل وبنبيه أتوسل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم مُوجبا للفوز بجنات النَّعيم قَالَ النَّاظِم (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) أَي أؤلف إِذْ كل فَاعل يبْدَأ فِي فعله بِبسْم الله يضمر مَا جعل التَّسْمِيَة مبدأ لَهُ كَمَا أَن الْمُسَافِر إِذا حل أَو ارتحل فَقَالَ بِسم الله كَانَ الْمَعْنى بِسم الله أحل وبسم الله أرتحل وَالِاسْم مُشْتَقّ من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ وَالله علم للذات الْوَاجِب الْوُجُود وَأَصله إِلَه حذفت همزته وَعوض عَنْهَا حرف التَّعْرِيف ثمَّ جعل علما وَهُوَ عَرَبِيّ عِنْد الْأَكْثَر والرحمن الرَّحِيم إسمان بنيا للْمُبَالَغَة من رحم وَالرَّحْمَة لُغَة رقة الْقلب وانعطاف يَقْتَضِي التفضل وَالْإِحْسَان فالتفضل غايتها وَأَسْمَاء الله تَعَالَى الْمَأْخُوذَة من نَحْو ذَلِك إِنَّمَا تُؤْخَذ بِاعْتِبَار الغايات دون المبادى الَّتِي تكون انفعالات والرحمن أبلغ من الرَّحِيم لِأَن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى كَمَا فِي قطع وَقطع وَنقض بحذر فَإِنَّهُ أبلغ من حاذر وَأجِيب لِأَن ذَلِك اكثرى لاكلى وَبِأَنَّهُ لَا يُنَافِي أَن يَقع فِي الأنقص زِيَادَة معنى لسَبَب آخر كالإلحاق بالأمور الجبلية مثل شَره ونهم وَبِأَن الْكَلَام فِي مَا إِذا كَانَ المتلاقيان فِي الِاشْتِقَاق متحدى النَّوْع فِي الْمَعْنى كغرث وغرثان وَصد وصديان لَا كحذر وحاذر للِاخْتِلَاف (الْحَمد للإله) بَدَأَ بالحمدلة بعد الْبَسْمَلَة اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز وَعَملا بِخَبَر كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع وَفِي رِوَايَة بِالْحَمْد لله وَجمع النَّاظِم كَغَيْرِهِ بَين الابتداءين عملا بالروايتين وَإِشَارَة إِلَى أَنه لَا تعَارض بَينهمَا إِذْ الِابْتِدَاء حَقِيقِيّ وإضافي فالحقيقي حصل بالبسملة والإضافي بالحمدلة وَقدم الْبَسْمَلَة عملا بِالْكتاب وَالْإِجْمَاع وَجُمْلَة الحمدلة خبرية لفظا إنشائية معنى
(1/2)

وَالْحَمْد أَي اللَّفْظِيّ لُغَة الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْجَمِيل الِاخْتِيَارِيّ على جِهَة التبجيل سَوَاء تعلق بالفضائل أم بالفواضل وَالشُّكْر لُغَة فعل ينبيء عَن تَعْظِيم الْمُنعم من حَيْثُ أَنه منعم على الشاكر سَوَاء كَانَ ذكرا بِاللِّسَانِ أم اعتقادا ومحبة بالجنان أم عملا وخدمة بالأركان فمورد الْحَمد هُوَ اللِّسَان وَحده ومتعلقه النِّعْمَة وَغَيرهَا ومورد الشُّكْر اللِّسَان وَغَيره ومتعلقه النِّعْمَة وَحدهَا فَالْحَمْد أَعم مُتَعَلقا وأخص موردا وَالشُّكْر بِالْعَكْسِ وَالْحَمْد عرفا فعل ينبيء عَن تَعْظِيم الْمُنعم من حَيْثُ أَنه منعم على الحامد أَو غَيره وَالشُّكْر عرفا صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ من السّمع وَغَيره إِلَى مَا خلق لأَجله فَهُوَ أخص مُتَعَلقا من الثَّلَاثَة قبله لاخْتِصَاص مُتَعَلّقه بِاللَّه تَعَالَى ولاعتبار شُمُول المآلات فِيهِ وَالشُّكْر اللّغَوِيّ مسَاوٍ للحمد الْعرفِيّ وَبَين الحمدين عُمُوم من وَجه والآله المعبود بِحَق ذِي الْجلَال أَي العظمة وشارع الْحَرَام والحلال أَي مبينهما قَالَ تَعَالَى {شرع لكم من الدّين} الْآيَة وفيهَا براعة الاستهلال وَشَمل متعلقات الْأَحْكَام كلهَا إِذْ الْحَرَام ضد الْحَلَال فَيتَنَاوَل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح وَخلاف الاولى وَالْمَكْرُوه وَكَذَا الصَّحِيح كَمَا يتَنَاوَل الْحَرَام وَالْبَاطِل بِنَاء على تنَاول الحكم لَهما ثمَّ صَلَاة الله مَعَ سلامي أَتَى بهما امتثالا لقَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا} وَقد فسر قَوْله تَعَالَى {ورفعنا لَك ذكرك} بِأَن مَعْنَاهُ لَا أذكر إِلَّا وتذكر معي وَالصَّلَاة من الله رَحْمَة مقرونة بتعظيم وَمن الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار وَمن الْمُكَلّفين تضرع وَدُعَاء وَقرن بَينهَا وَبَين السَّلَام خُرُوجًا من كَرَاهَة إِفْرَاد أَحدهمَا عَن الآخر على النَّبِي هُوَ إِنْسَان أوحى إِلَيْهِ بشرع وَإِن لم يُؤمر بتبليغه فَإِن أَمر بذلك فَرَسُول أَيْضا فالرسول أخص من النَّبِي وَعبر بِالنَّبِيِّ دون الرَّسُول لِأَنَّهُ أَكثر اسْتِعْمَالا وَلَفظه بِلَا همز وَهُوَ الْأَكْثَر أَو بِهِ من النبأ وَهُوَ الْخَبَر والرسالة أفضل من النُّبُوَّة الْمُصْطَفى الْمُخْتَار وَحذف الْمَعْمُول يُؤذن بِالْعُمُومِ فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه أفضل المخلوقين من إنس وجن وَملك وَملك وَهُوَ كَذَلِك التهامي نِسْبَة إِلَى تهَامَة مُحَمَّد علم مَنْقُول من إسم مفعول المضعف سمي بِهِ نَبينَا بإلهام من الله تَعَالَى بِأَنَّهُ يكثر حمد الْخلق لَهُ لِكَثْرَة خصاله الجميلة كَمَا روى فِي السّير أَنه قيل لجده عبد الْمطلب وَقد سَمَّاهُ فِي سَابِع وِلَادَته لمَوْت أَبِيه قبلهَا لم سميت ابْنك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ من أَسمَاء آبَائِك وَلَا قَوْمك قَالَ رَجَوْت أَن يحمد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَقد حقق الله رَجَاءَهُ كَمَا سبق فِي علمه الْهَادِي من الضلال أَي الدَّال بلطف والضلال نقيض الْهدى وَهُوَ دين الْإِسْلَام قَالَ تَعَالَى {وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم} وَأفضل الصحب إسم جمع لصَاحب بِمَعْنى الصَّحَابِيّ وَهُوَ من اجْتمع مُؤمنا بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَات على ذَلِك وَخير آل فآله أَقَاربه الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم وَالْمطلب ابنى عبد منَاف وَقَوله وَأفضل الصحب وَخير آل عطف على النَّبِي وَأفَاد بِهِ أَن أَصْحَابه أفضل من أَصْحَاب غَيره من الْأَنْبِيَاء وَإِن آله أفضل من آل غَيره وَظَاهر أَن الْمفضل عَلَيْهِ فيهمَا غير الْأَنْبِيَاء وَبعد هذى زبد نظمتها جمع زبدة وعنى بهَا مهمات الْفَنّ وَلَفْظَة بعد يُؤْتى بهَا للانتقال من أسلوب إِلَى آخر وَقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْتِي بأصلها فِي خطبه وَهُوَ أما بعد بِدَلِيل لُزُوم الْفَاء فِي حيزها غَالِبا لتضمن أما معنى الشَّرْط وَالْعَامِل فِيهَا أما عِنْد سِيبَوَيْهٍ لنيابتها عَن الْفِعْل أَو الْفِعْل نَفسه عِنْد غَيره وَالْأَصْل مهما يكن من شَيْء بعد الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام وهذى اسْم إِشَارَة أُشير بهَا إِلَى مَوْجُود فِي الْخَارِج وَهُوَ زبد الْعَلامَة البارزى تغمده الله تَعَالَى برحمته وَقد تَأَخّر نظم هَذَا الْبَيْت عَن نظم الزّبد بِدَلِيل تَعْبِيره بِلَفْظ الْمَاضِي فِي قَوْله نظمتها وزدتها أبياتها ألف أَي تَقْرِيبًا فَأَنَّهَا تزيد عَلَيْهِ نَحْو أَرْبَعِينَ بَيْتا بِمَا قد زدتها الْبَاء بِمَعْنى مَعَ أَي مَعَ مَا قد زدتها من الْمُقدمَة
(1/3)

والخاتمة وَغَيرهمَا ثمَّ وصف الزّبد بأوصاف ترغب فِيهَا مِنْهَا أَنَّهَا يسهل حفظهَا على الْأَطْفَال لحلاوة نظمها وبراعته وَمِنْهَا أَنَّهَا نافعة لمبتدى الرِّجَال بِأَن تبصره وَلما كَانَ نَفعهَا للمبتدى من الذُّكُور أتم لنقلها إِيَّاه من الْجَهْل إِلَى الْعلم اقْتصر عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ نافعة لغيره أَيْضا إِذْ هِيَ مذكرة لَهُ وَيحْتَمل أَنه اقْتصر عَلَيْهِ تواضعا وهضما والمبتدى هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ فِي ذَلِك الْعلم وَلم يصل فِيهِ إِلَى حَالَة يسْتَقلّ فِيهَا بتصوير مسَائِل ذَلِك فَهُوَ الْمُتَوَسّط وَإِن اسْتَقل بالتصوير واستحضر غَالب أَحْكَام ذَلِك الْعلم فَهُوَ الْمُنْتَهى وَمِنْهَا أَنَّهَا تَكْفِي مَعَ التَّوْفِيق من الله تَعَالَى للمشتغل والتوفيق خلق قدرَة الطَّاعَة فِي العَبْد قَالَ تَعَالَى {وَاتَّقوا الله ويعلمكم الله} وَقد ورد لَا يتوفق عبد حَتَّى يوفقه الله وَلما كَانَ عَزِيزًا لم يذكرهُ الله فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي مَحل وَاحِد فِي قَوْله {وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه} وَمَا ورد من نَحْو قَوْله {إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا} فَذَاك من مَادَّة الْوِفَاق لَا من مَادَّة التَّوْفِيق إِن فهمت وأتبعت بِالْعَمَلِ وعد مِنْهُ بِأَن من اتَّقَاهُ علمه بِأَن يَجْعَل فِي قلبه نورا يفهم بِهِ مَا يلقى إِلَيْهِ وفرقانا أَي فيصلا يفصل بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل قَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا} فبتقوى الله تزداد المعارف فاعمل وَلَو بالعشر كَالزَّكَاةِ تخرج بِنور الْعلم من ظلمات أَي ينْدب للْإنْسَان أَن يعْمل بِمَا يُعلمهُ من مسنونات الشَّرْع فَإِن لم يعْمل بجميعها فليعمل وَلَو بالعشر مِنْهَا تَخْفِيفًا عَلَيْهِ كَمَا اكْتفى الشَّارِع فِي زَكَاة النَّبَات المسقى بِغَيْر مُؤنَة بعشره تَطْهِيرا لَهُ وتنمية وَأَنه يخرج بِنور الْعلم بِسَبَب الْعَمَل الْمَذْكُور من ظلمات الْجَهْل وَفِي بعض النّسخ لنُور بِاللَّامِ بدل الْبَاء والظلمات بِضَم اللَّام وَفتحهَا وسكونها كَمَا فِي النّظم جمع ظلمَة وَهِي عدم النُّور وَقد قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ إِنَّكُم فِي زمَان من ترك مِنْكُم فِيهِ عشر مَا يعلم هلك وَسَيَأْتِي زمَان من عمل فِيهِ بِعشر مَا يعلم نجا أما الْعَمَل بِمَا يُعلمهُ من الْوَاجِبَات فقد ذكره بقوله فعالم بِعِلْمِهِ لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن أَي أَن الْعَالم إِذا لم يعْمل بِعِلْمِهِ بِأَن ترك شَيْئا مِمَّا تعين عَلَيْهِ عمله أَو ارْتكب محرما يعذبه الله إِن لم يعْفُو عَنهُ قبل تعذيبه عَابِد الوثن وَهُوَ الصَّنَم إِذْ الْعَالم ارْتكب الْمعْصِيَة عَالما بتحريمها وعابد الوثن غير عَالم بِتَحْرِيم عِبَادَته وَعَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الزَّبَانِيَة أسْرع إِلَى فسقة الْقُرَّاء مِنْهُم إِلَى عَبدة الْأَوْثَان فَيَقُولُونَ يبْدَأ بِنَا قبل عَبدة الْأَوْثَان فَيُقَال لَهُم لَيْسَ من يعلم كمن لَا يعلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِن أول النَّاس يقْضى يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِ رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأَن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال هُوَ عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قاريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَاف المَال فَأتى بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألْقى فِي النَّار رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَعَن الْوَلِيد بن عقبَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسل إِن أُنَاسًا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ
(1/4)

بِمَا دَخَلْتُم النَّار فوا الله مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نقُول وَلَا نَفْعل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ علمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَالْبَيْهَقِيّ وَالْأَحَادِيث فِي وعيده كَثِيرَة وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ويل لمن لَا يعلم مرّة وويل لمن يعلم سبع مَرَّات وَقيل لِابْنِ عُيَيْنَة أَي النَّاس أطول ندامة قَالَ أما فِي الدُّنْيَا فصانع الْمَعْرُوف إِلَى من لَا يشكره وَأما عِنْد الْمَوْت وَبعده فعالم مفرط وَالله أَرْجُو أَي أُؤَمِّل الْمَنّ أَي الإنعام بالإخلاص لكَي يكون مُوجب الْخَلَاص وَالْإِخْلَاص فِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء فِيهَا وَهُوَ سَبَب الْخَلَاص من أهوال يَوْم الْقِيَامَة لما رُوِيَ عَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من فَارق الدُّنْيَا على الْإِخْلَاص لله وَحده لَا شريك لَهُ وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة فَارقهَا وَالله عَنهُ رَاض رَوَاهُ ابْن ماجة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَعَن ثَوْبَان رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عيه وَسلم يَقُول طُوبَى للمخلصين أُولَئِكَ مصابيح الْهدى تنجلي عَنْهُم كل فتْنَة ظلماء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأَحَادِيث فِي فضل الاخلاص كَثِيرَة مُقَدّمَة بِكَسْر الدَّال كمقدمة الْجَيْش للْجَمَاعَة الْمُتَقَدّمَة مِنْهُ من قدم اللَّازِم بِمَعْنى تقدم وَبِفَتْحِهَا على قلَّة كمقدمة الرجل فِي لُغَة من قدم الْمُتَعَدِّي فِي علم الْأُصُول أَي أصُول الدّين وَالْفِقْه فَإِنَّهُ ذكر فِيهَا شَيْئا من كل مِنْهُمَا أول وَاجِب مَقْصُود لذاته على الْإِنْسَان الْبَالِغ الْعَاقِل وَلَو أُنْثَى وَلَو رَقِيقا معرفَة الْإِلَه تَعَالَى باستيقان أَي يَقِينا لقَوْله تَعَالَى {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} {وليعلموا أَنما هُوَ إِلَه وَاحِد} وَلِأَنَّهَا مبْنى سَائِر الْوَاجِبَات إِذْ لَا يَصح بِدُونِهَا وَاجِب وَلَا مَنْدُوب وَالْمرَاد بهَا معرفَة وجوده تَعَالَى وَمَا يجب لَهُ من إِثْبَات أُمُور وَنفي أُمُور وَهِي الْمعرفَة الإيمانية أَو البرهانية لَا الْإِدْرَاك والإحاطة بكنه الْحَقِيقَة لامتناعه شرعا وعقلا وَالْيَقِين حكم الذِّهْن الْجَازِم المطابق لموجب وَمَا ذكره من أَن ذَلِك أول وَاجِب هُوَ الْأَصَح من بضعَة عشر قولا والنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ اعتبرا أَي أَن النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ مُعْتَبر لصِحَّة الْإِيمَان لِلْخُرُوجِ من عَهده التَّكْلِيف بِهِ مِمَّن قدرا أَي من الْقَادِر عَلَيْهِ إِن صدق الْقلب إِذْ الْإِيمَان تَصْدِيق الْقلب بِمَا علم ضَرُورَة مَجِيء الرَّسُول بِهِ من عِنْد الله كالتوحيد والنبوة والبعث وَالْجَزَاء وافتراض الصَّلَوَات الْخمس وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالْمرَاد بِتَصْدِيق الْقلب إذعانه وقبوله وَلما كَانَ تَصْدِيق الْقلب أمرا بَاطِنا لَا اطلَاع لنا عَلَيْهِ جعله الشَّارِع مَنُوطًا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهل النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرط لإجراء أَحْكَام الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا من الصَّلَاة عَلَيْهِ والتوارث والمناكحة وَغَيرهَا دَاخل فِي مُسَمّى الْإِيمَان أَو جُزْء مِنْهُ دَاخل فِي مُسَمَّاهُ قَولَانِ ذهب جُمْهُور الْمُحَقِّقين إِلَى أَولهمَا وَعَلِيهِ من صدق بِقَلْبِه وَلم يقر بِلِسَانِهِ مَعَ تمكنه من الْإِقْرَار فَهُوَ مُؤمن عِنْد الله وَهَذَا أوفق باللغة وَالْعرْف وَذهب كثير من الْفُقَهَاء إِلَى ثَانِيهمَا وألزمهم الْأَولونَ بِأَن من صدق بِقَلْبِه فاخترمته الْمنية قبل اتساع وَقت الْإِقْرَار بِلِسَانِهِ يكون كَافِرًا وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع على مَا نَقله الرَّازِيّ وَغَيره لَكِن يُعَارض دَعْوَاهُ قَول الشِّفَاء الصَّحِيح أَنه مُؤمن مستوجب للجنة حَيْثُ أثبت فِيهِ خلافًا وَخرج بقوله مِمَّن قدرا الْعَاجِز لخرس أَو سكتة أَو إخترام منية قبل التَّمَكُّن مِنْهُ فَيصح إيمَانه وَأما الْإِسْلَام فَهُوَ أَعمال الْجَوَارِح من الطَّاعَات كالتلفظ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغير ذَلِك لَكِن لَا تعْتَبر الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة فِي الْخُرُوج عَن عُهْدَة التَّكْلِيف بِالْإِسْلَامِ إِلَّا مَعَ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ
(1/5)

التَّصْدِيق الْمَار فَهُوَ شَرط للإعتداد بالعبادات فَلَا يَنْفَكّ الْإِسْلَام المعتبرعن الْإِيمَان وَإِن انْفَكَّ الْإِيمَان عَنهُ فِيمَن اخترمته الْمنية قبل اتساع وَقت التَّلَفُّظ وَأما مَا ورد من إِثْبَات أَحدهمَا وَنفي الآخر من نَحْو قَوْله تَعَالَى {قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا} فَهُوَ وَارِد فِي الْمُنَافِقين وَأما الْعَطف فِي قَوْله تَعَالَى {إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} فَإِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى معنيهما اللغويين وَلذَلِك ذكر الصَّدَقَة وَالصَّوْم وَغَيرهمَا بعدهمَا بطرِيق الْعَطف مَعَ الْإِجْمَاع على عدم خُرُوجهَا عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان هَذَا كُله بِالنّظرِ لما عِنْد الله أما بِالنّظرِ لما عندنَا فالإسلام هُوَ النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَط فَمن أقرّ بهما أجريت عَلَيْهِ أَحْكَام الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا وَلم يحكم عَلَيْهِ بِكفْر إِلَّا بِظُهُور إمارات التَّكْذِيب كسجوده اخْتِيَارا لكواكب أَو صُورَة أَو استخفاف بِنَبِي أَو بمصحف أَو بِالْكَعْبَةِ أَو نَحْو ذَلِك وَالصَّحِيح صِحَة إِيمَان الْمُقَلّد وَاللَّام فِي قَوْله لصِحَّة الْإِيمَان للتَّعْلِيل أَو بِمَعْنى فِي وَألف اعتبرا وَقدرا للإطلاق وبالأعمال يكون الْإِيمَان ذَا نقص وَذَا كَمَال أَي الْإِيمَان يزِيد بِسَبَب زِيَادَة الْأَعْمَال ككثرة النّظر ووضوح الْأَدِلَّة وَزِيَادَة الطَّاعَة وَينْقص بِسَبَب نَقصهَا والأدلة فِي ذَلِك كَثِيرَة وَمَا قيل من أَن حَقِيقَة الْإِيمَان لَا تزيد وَلَا تنقص لما مر أَنه التَّصْدِيق القلبي الَّذِي بلغ حد الْجَزْم والاذعان وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِيهِ زِيَادَة وَلَا نقص حَتَّى إِن من حصل لَهُ حَقِيقَة التَّصْدِيق القلبي فَسَوَاء عمل الطَّاعَات أَو ارْتكب الْمعاصِي فتصديقه لَا تغير فِيهِ أصلا رد بِأَنا لَا نشك أَن تَصْدِيق الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَعلَى وأكمل من تَصْدِيق غَيرهم وَإِن تَصْدِيق أبي بكر أَعلَى من تَصْدِيق غَيره من بَقِيَّة النَّاس وَيُؤَيِّدهُ أَن كل أحد يعلم أَن مَا فِي قلبه يتفاضل حَتَّى يكون فِي بعض الْأَحْوَال أعظم يَقِينا وإخلاصا وتوكلا مِنْهُ فِي بَعْضهَا وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيق والمعرفة بِحَسب ظُهُور الْبَرَاهِين وَكَثْرَتهَا فَكُن من الْإِيمَان فِي مزِيد وَفِي صفاء الْقلب ذَا تَجْدِيد أَي كن أَيهَا الْمُكَلف الْمُخَاطب فِي نَفِيس عمرك من الْإِيمَان فِي تَحْصِيل مزِيد مِنْهُ بِكَثْرَة الصَّلَاة والطاعات فَرضهَا ونفلها وَترك مَا للنَّفس من شهوات نفسانية أَو بهيمية مُحرمَة أَو مَكْرُوهَة وَإِيَّاك ثمَّ إياك أَن يَقع مِنْك نقص فِي إيمانك بارتكاب مَعْصِيّة من معاصي الله تَعَالَى فَتَقَع فِي خسران عمرك النفيس الَّذِي لَا يعدل مِنْهُ لَحْظَة مِنْهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَهُوَ رَأس مَالك الَّذِي تربح فِيهِ السَّعَادَة الأبدية والعيشة المرضية وَكن دَائِما ساعيا فِي صفاء قَلْبك من الكدورات البشرية ذَا تَجْدِيد لَهُ فَكلما صفيته من كدر وَحدث فِيهِ كدر آخر من جنسه أَو من غير جنسه سعيت فِي تنقيته مِنْهُ حَتَّى لَا يزَال قَلْبك صافيا وَأَنت بالإجتهاد فِي إِصْلَاحه ساعيا بِكَثْرَة الصَّلَاة والطاعات وَترك مَا لنَفسك من الشَّهَوَات فَكلما تحركت إِلَى شَهْوَة فتداركها ببصيرتك وفر مِنْهَا بِصدق التجائك إِلَى مَوْلَاك وَكن مستنصرا بِرَبِّك على قَلْبك ومستعينا على نَفسك بقلبك فبدوام تصفيتك تحصل جمعيتك وَلِهَذَا كَانَ أَكثر الصُّوفِيَّة على أَنه إِنَّمَا سمي الصوفى بذلك لِكَثْرَة تصفيته قلبه قَالَ سهل بن عبد الله الصُّوفِي من صفا من الكدر وامتلأ من العبر وَانْقطع إِلَى الله عَن الْبشر وتساوى عِنْده الذَّهَب والمدر وَقَالَ الْغَزالِيّ كَانَ اسْم الْفَقِيه فِي الْعَصْر الأول لمن علم طَرِيق الْآخِرَة ودقائق آفَات النُّفُوس ومفسدات الْأَعْمَال واستيلاء الْخَوْف على الْقلب دون من علم الْفُرُوع الْعَرَبيَّة وَأَحْكَام الْفَتَاوَى وَقَول النَّاظِم بِكَثْرَة وَترك مُتَعَلق بِكُل من مزِيد وتجديد وَفِي بعض النّسخ فشهوة النَّفس مَعَ الذُّنُوب موجبتان قسوة الْقُلُوب أَي ارْتِكَاب الْمُكَلف لشهوات نَفسه وارتكابه الذُّنُوب الطالبة لَهَا مقتضيات قسوة قلبه
(1/6)

وَإِن أبعد قُلُوب النَّاس من رَبنَا الرَّحِيم قلب قاسي أَي أبعد النَّاس من رَحمَه رَبنَا الرَّحِيم صَاحب الْقلب القاسي لخَبر التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا تكثروا الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله فَإِن كَثْرَة الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله قسوة للقلب وَإِن أبعد النَّاس من الله الْقلب القاسي وَفِي مُسْند الْبَزَّار عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة من الشَّقَاء جمود الْعين وقساوة الْقلب وَطول الأمل والحرص على الدُّنْيَا وَفِي ذكر رَبنَا وَوَصفه بالرحيم مُبَالغَة فِي التَّعَبُّد وَفِي نُسْخَة بدل هَذَا الْبَيْت وَإِن من أبعد قُلُوب النَّاس لربنا الرَّحِيم قلب قاسي فدال أبعد سَاكِنة وَوَصلهَا بنية الْوَقْف وَاللَّام فِي لربنا مُتَعَلقَة بأبعد وَهُوَ بِمَعْنى من أوعن وقلب مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ خَبره قاسى وَالْجُمْلَة خبر لِأَن وَاسْمهَا ضمير الشَّأْن وَعَلِيهِ حمل خبر إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون وَلَا يحمل على زِيَادَة من خلافًا للكسائي وَسَائِر الْأَعْمَال لَا تخلص إِلَّا مَعَ النِّيَّة أَي إِن سَائِر الْأَعْمَال لَا يخلص فاعلها من عُهْدَة تَكْلِيفه بهَا بِأَن تقع صَحِيحَة مجزئة مثابا عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّة والأعمال جمع عمل وَهُوَ يتَنَاوَل عمل اللِّسَان والجنان والأركان وَظَاهر أَن النِّيَّة لَا تحْتَاج إِلَى نِيَّة أُخْرَى فتندرج فِيهَا الْعِبَادَات وَغَيرهَا كطهارة الْحَدث وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَالْعمْرَة وَالْأُضْحِيَّة وَالْهدى والعقيقة وَالْكَفَّارَة وَالْجهَاد وَالصَّدقَات وَقَضَاء حوائج النَّاس وعيادة المرضى وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَابْتِدَاء السَّلَام ورده وتشميت الْعَاطِس وَجَوَابه وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإجَابَة الدَّعْوَى وَحُضُور مجْلِس الْعلم والإذكار وزيارة الأخوان والقبور وَالنَّفقَة على الْأَهْل والضيفان وإكرام أهل الْفضل وَذَوي الْأَرْحَام ومذاكرة الْعلم والمناظرة فِيهِ وتكريره وتدريسه وتعلمه وتعليمه ومطالعته وكتابته وتصنيفه وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاء وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق والنصيحة والإعانة على الْبر وَالتَّقوى وَقبُول الْأَمَانَات وأداؤها وَأما الْوَاجِب الَّذِي لم يشرع عبَادَة كرد الْمَغْصُوب والمباح وَالْمَكْرُوه وَالْمحرم فَلَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة وَلَكِن لَا يُثَاب عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّة فَيَنْبَغِي استحضار النِّيَّة عِنْد الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم بِأَن يقْصد بهَا التَّقْوَى على الطَّاعَة وَعند جماع موطوءته بِأَن يقْصد بِهِ المعاشرة بِالْمَعْرُوفِ وإيصال الْمَرْأَة حَقّهَا وإعفافها وإعفاف نَفسه وَتَحْصِيل ولد صَالح ليعبد الله وَعند عمل حِرْفَة كالزراعة بِأَن يقْصد بهَا إِقَامَة فرض الْكِفَايَة ونفع الْمُسلمين وَالضَّابِط أَنه مَتى قصد بِالْعَمَلِ امْتِثَال أَمر الشَّارِع وبتركه الإنهاء بنهي الشَّارِع كَانَ مثابا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا فَعلم أَن التروك وَنَحْوهَا وَإِن كَانَت لَا تفْتَقر إِلَى نِيَّة فِي عُهْدَة الْخُرُوج من التَّكْلِيف بهَا لكنه لَا يُثَاب عَلَيْهَا إِلَّا بهَا وَالْكَلَام على النِّيَّة من سَبْعَة أوجه نظمها بَعضهم فِي قَوْله ... حَقِيقَة حكم مَحل وزمن ... كَيْفيَّة شَرط ومقصود حسن ... والمرجح أَن إيجادها ذكرا فِي أول الْعَمَل ركن واستصحابها حكما بِأَن لَا يَأْتِي بمناف لَهَا شَرط فَمَا أفهمهُ ظَاهر قَوْله مَعَ النِّيَّة من أَنَّهَا شَرط للصِّحَّة خَارج عَن الْمَاهِيّة مصاحب لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار شَرطهَا حَتَّى لَا يُخَالف الْمَشْهُور من أَنَّهَا ركن وَاللَّام فِيهَا للْعهد أَو معاقبة للضمير على رَأْي وَالتَّقْدِير إِلَّا مَعَ نياتها ككون الْعَمَل صَلَاة أَو غَيرهَا ظهرا مثلا أَو غَيرهَا وَكَونه فرضا مثلا حَيْثُ تخلص أَي أَنه لَا بُد فِي حُصُول الثَّوَاب على الْعَمَل من إخلاص نِيَّة فَاعله مَعَ الله تَعَالَى بِأَن لم يُشْرك فِيهَا غَيره وَقد عبر عَن الْإِخْلَاص بعبارات شَتَّى ترجع إِلَى أَنه تصفية الْفِعْل عَن الملاحظة للمخلوق وَمَا أَفَادَهُ كَلَام المُصَنّف من أَن الْعَامِل إِذا شرك فِي عمله بَين أَمر ديني ودنيوي لَا أجر لَهُ مُطلقًا هُوَ مااختاره ابْن عبد السَّلَام وَغَيره واستظهره الزَّرْكَشِيّ وَالْأَوْجه مَا اخْتَارَهُ الغزالى من اعْتِبَار الْبَاعِث فَإِن كَانَ الْأَغْلَب الديني
(1/7)

فَلهُ أجر بقدرة أَو الدنيوى فَلَا أجر لَهُ وَإِن تَسَاويا تساقطا وَقَول النَّاظِم حَيْثُ تخلص مَبْنِيّ للْمَفْعُول فصحح النِّيَّة قبل الْعَمَل وائت بهَا مقرونة بِالْأولِ أَي يجب على من أَرَادَ عملا تَصْحِيح نِيَّته قبل عمله وقرنها بِأول وَاجِب مِنْهُ كالوجه فِي الْوضُوء فَلَا يَكْفِي قرنها بِمَا بعده لخلو أول الْوَاجِبَات عَنْهَا وَلَا بِمَا قبله لِأَنَّهُ سنة تَابِعَة للْوَاجِب الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود وَإِنَّمَا لم يُوجب الْمُقَارنَة فِي الصَّوْم لعسر مراقبة الْفجْر وتطبيق النِّيَّة عَلَيْهِ فَيصح بنية متراخية عَن الْعَمَل إِن كَانَ تَطَوّعا ومتقدمة عَلَيْهِ إِن كَانَ فرضا وَلَيْسَ لنا فِي الْعِبَادَات مَا يجوز تَقْدِيم النِّيَّة عَلَيْهِ غير الصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة نعم شرطُوا فِي الزَّكَاة أَن تكون النِّيَّة صدرت بعد تعْيين الْقدر الَّذِي يُخرجهُ فَإِن كَانَت قبله فَلَا وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة كَذَلِك وَالتَّحْقِيق أَنه لَيْسَ لنا مَا تمْتَنع مقارنته وَيجب تَقْدِيمه غير الصَّوْم وَأما مَا يجوز تقدمه فَهُوَ الْبَاقِي وَالضَّابِط أَن مَا دخل فِيهِ بِفِعْلِهِ اشْترطت فِيهِ الْمُقَارنَة كَالصَّلَاةِ وَمَا دخل فِيهِ لَا بِفِعْلِهِ لَا تشْتَرط كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَو نوى ثمَّ طلع الْفجْر وَهُوَ نَائِم صَحَّ صَوْمه فقد دخل فِيهِ بِدُونِ فعله وألحقت الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة بِالصَّوْمِ لِأَنَّهَا قد تقع بِغَيْر فعله بالنيابة (وَإِن تدم) النِّيَّة (حَتَّى بلغت آخِره) أَي الْعَمَل (حزت الثَّوَاب كَامِلا فِي الْآخِرَة أَي ينْدب اسْتِدَامَة نِيَّة الْعَمَل ذكرا إِلَى إِتْمَامه لِئَلَّا يَخْلُو عَنْهَا حَقِيقَة أما استدامتها حكما بِأَن لَا يَأْتِي بِمَا ينافيها فَوَاجِب كَمَا مر وَقَوله تدم بِضَم التَّاء وَكسر الدَّال أَو بِفَتْح التَّاء وَضم الدَّال ففاعلة على الأول ضمير الْمُخَاطب وعَلى الثَّانِي ضمير النِّيَّة (وَنِيَّة وَالْقَوْل ثمَّ الْعَمَل بِغَيْر وفْق سنة لَا تكمل) أَي أَن النِّيَّة وَالْقَوْل وَالْعَمَل إِن وَقعت على غير وفْق سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي شَرِيعَته لَا تكمل أَي لَا تعْتَبر لِأَنَّهَا مَعْصِيّة أَو قريبَة مِنْهَا لقَوْله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا} فَلَو عبر بِلَا تحصل لَكَانَ أنسب (من لم يكن يعلم ذَا فليسأل) أَي من لم يعلم مَا مر بِأَن جَهله أَو شَيْئا مِنْهُ فالإشارة بذا إِلَيْهِ فليسأل أهل الْعلم وجوبا إِن كَانَ وَاجِبا وندبا إِن كَانَ مَنْدُوبًا لقَوْله تَعَالَى {فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} وهم أهل الْعلم (من لم يجد معلما فليرحل) أَي من لم يجد معلما يُعلمهُ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَمر دينه ومعاشه فليرحل وجوبا لتعلم الْوَاجِب وندبا للمندوب فقد رَحل الْكَرِيم للاستفادة من الْخضر ورحل جَابر ابْن عبد الله مسيرَة شهر إِلَى عبد الله بن أنيس فِي حَدِيث وَاحِد (وَطَاعَة مِمَّن حَرَامًا يَأْكُل مثل الْبناء فَوق موج يَجْعَل) أَي أَن فعل الطَّاعَة من صَلَاة وَصَوْم وَحج وَغير ذَلِك مِمَّن يَأْكُل أَو يشرب أَو يلبس حَرَامًا عَالما بِهِ مثل وَاضع بِنَاء فَوق موج بَحر عجاج بِأَن يَجعله أساسا لَهُ وَمَعْلُوم أَنه لَا يثبت عَلَيْهِ فقد روى من حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا (من لم يُبَالِي من أَيْن اكْتسب المَال لم يبال الله من أَيْن أدخلهُ النَّار) وَتَخْصِيص النَّاظِم الْأكل لِأَنَّهُ أغلب الإنتفاعات ثمَّ شرع فِي ذكر شَيْء من أصُول الدّين وَهِي الْعلم بالعقائد الدِّينِيَّة عَن الْأَدِلَّة اليقينية فَقَالَ (فاقطع يَقِينا) من غير تردد (بالفؤاد) أَي الْقلب واجزم بِحَدَث بِفَتْح الْحَاء أَي تجدده بعد أَن لم يكن (الْعَالم بعد الْعَدَم) أَي يجب على الْمُكَلف أَن يتَيَقَّن بفؤاده وبحزم بِلِسَانِهِ بِكَوْن الْعَالم حَادِثا وَهُوَ مَا سوى الله تَعَالَى أوصائه وَقد أجمع على ذَلِك أهل الْملَل إِلَّا الفلاسفة وَقَوله يَقِينا مَنْصُوب على الْحَال أَي متيقنا أَو مفعول مُطلق (أحدثه) أوجده (لَا لاحتياجه الْإِلَه) أَي أَن
(1/8)

الْمُحدث للْعَالم هُوَ الله تَعَالَى كَمَا جَاءَ بِهِ السّمع وَدلّ عَلَيْهِ الْعقل فَإِن احدنا لَيْسَ بِقَادِر على خلق جارحة لنَفسِهِ أورد سمع أَو بصر فِي كَمَال قدرته وَتَمام عقله فَفِي كَونه نُطْفَة أَو عدما أولى فَوَجَبَ أَن الْخَالِق هُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَدلّ على أنفراده بذلك دلَالَة التمانع الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا} إِذْ لَو جَازَ كَونه اثْنَيْنِ لجَاز أَن يُرِيد أَحدهمَا شَيْئا وَالْآخر ضِدّه الَّذِي لَا ضد لَهُ غَيره كحركة زيد وسكونه بِأَن تتَعَلَّق الإرادتان مَعًا بإيجادهما فِي وَقت وَاحِد لِأَن كلا مِنْهُمَا أَمر مُمكن فِي نَفسه وَلذَا تعلّقت الْإِرَادَة بِكُل مِنْهُمَا إِذْ لَا تضَاد بَين الإرادتين بل بَين المرادين والممكن لَا يلْزم من فرض وُقُوعه محَال فَيمْتَنع وُقُوع المرادين وَعدم وقوعهما لِامْتِنَاع اجْتِمَاع الضدين الْمَذْكُورين وارتفاعهما فَيتَعَيَّن وُقُوع أَحدهمَا فَيكون مريده هُوَ الْإِلَه دون الآخر لعَجزه فَلَا يكون الْإِلَه إِلَّا وَاحِدًا (وَلَو أَرَادَ تَركه لما ابتداه) أَي أَنه فَاعل بِالِاخْتِيَارِ لَا بِالذَّاتِ إِن اراد فعل وَإِن أَرَادَ ترك إِذْ الْكل مُتَعَلق بإرادته ومشيئته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن (فَهُوَ لما يُريدهُ فعال) أى أَنه فعال لما يُريدهُ خلافًا للفلاسفة الْقَائِلين بِأَنَّهُ موجد بِالذَّاتِ وَقد نطق الْقُرْآن الْعَظِيم بِأَنَّهُ فعال لما يُرِيد وَهُوَ كَمَا قَالَه أهل السّنة عَام فِي الْخَيْر وَالشَّر خلافًا اللمعتزلة حَيْثُ قَالُوا إِنَّمَا يُرِيد الْخَيْر فَهُوَ فعال لَهُ دون الشَّرّ وَقد أَشَارَ إِلَى مَذْهَبهم عبد الْجَبَّار مُخَاطبا للأستاذ أبي إِسْحَاق بقوله سُبْحَانَ من تنزه عَن الْفَحْشَاء فَأَجَابَهُ الْأُسْتَاذ بقوله سُبْحَانَ من لَا يجرى فِي ملكه إِلَّا مَا يَشَاء (وَلَيْسَ فِي الْخلق لَهُ مِثَال) أَي أَنه لَيْسَ فِي الْخلق بأسرهم لَهُ مِثَال لِأَنَّهُ لَو حصلت الْمُمَاثلَة بَينه وَبَين خلقه لم يكن وَاحِدًا لِأَن الْوَاحِد هُوَ الَّذِي لَا مثل لَهُ إِذْ لَو كَانَ لَهُ مثل لزم كَونه خَالِقًا ومخلوقا وقديما وحادثا مَعًا لِأَن مَا وَجب للمثل وَجب لمثله وكل ذَلِك محَال عقلا فَلَيْسَ كذاته ذَات وَلَا كَفِعْلِهِ فعل وَلَا كصفاته صفة جلت ذَاته الْقَدِيمَة عَن أَن يكون لَهَا صفة حَادِثَة كَمَا اسْتَحَالَ أَن يكون للذات الْحَادِثَة صفة قديمَة وَلِهَذَا أعظم الْمِنَّة على أهل التَّوْحِيد وأجزل النِّعْمَة على ذوى التَّحْقِيق حَيْثُ أعتق أسرهم عَن رق عبودية مَاله مثل وَعبادَة مَاله شكل وَلما كَانَ المعبود سُبْحَانَهُ لَا مثل لَهُ حق للعابدين أَن لَا يذروا مَقْدُورًا إِلَّا بذلوه وَلَا يغادروا معسورا فِي طلبه إِلَّا تَحملُوهُ إِذْ لايجوز بذل المهج إِلَّا فِي طلب الْعَزِيز الَّذِي لَا مثل لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ أَبُو إِسْحَاق الاسفراينى جمع أهل الْحق جَمِيع مَا قيل فِي التَّوْحِيد فِي كَلِمَتَيْنِ إِحْدَاهمَا اعْتِقَاد أَن كل مَا تصور فِي الأوهاو فَالله تَعَالَى بِخِلَافِهِ لِأَن الَّذِي يتَصَوَّر فِي الأوهام مَخْلُوق لله تَعَالَى وَالله تَعَالَى خالقه وَالثَّانيَِة اعْتِقَاد أَن ذَاته لَيست مشبهة بِذَات وَلَا معطلة عَن الصِّفَات وَقد أكد ذَلِك بقوله {وَلم يكن لَهُ كفوا أحد} وَهَذَا غَايَة فِي الإيجاز والجودة (قدرته لكل مَقْدُور جعل) أَي أَن قدرته تَعَالَى شَامِلَة لكل مَقْدُور من الممكنات الْجَوَاهِر والأعراض الْحَسَنَة والقبيحة النافعة والضارة فتعلقات قدرته لَا تتناهى وَإِن كَانَ كل مَا تعلّقت بِهِ بِالْفِعْلِ متناهيا فمتعلقاتها بِالْقُوَّةِ غير متناهية وبالفعل متناهية وَهَكَذَا القَوْل فِي متعلقات علمه تَعَالَى وَأَشَارَ بقوله (لكل مَقْدُور جعل) إِلَى أَن مُتَعَلق الْقُدْرَة الممكنات أما المستحيلات فلعدم قابليتها للوجود لم تصلح أَن تكون محلا لتَعلق الْقُدْرَة لَا لكلال فِيهَا قَالَ تَعَالَى {إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر} {وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا} {وَمَا أَصَابَكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ فبإذن الله} أَي بِقَضَائِهِ وَقدره {مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها} {ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة} {وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ} وَفِي الْخَبَر الصَّحِيح (كل شَيْء بِقَضَاء وَقدر) (وَعلمه لكل مَعْلُوم شَمل) اى إِن علمه تَعَالَى شَامِل لكل مَعْلُوم مَكَانا أَو مُتَمَكنًا جوهرا أَو عرضا وجودا أَو عدما جزئيا أَو كليا وَاجِبا أَو جَائِزا أَو محالا قَدِيما أَو حَادِثا يعلم ذَلِك بِعلم وَاحِد قديم لَا بِتَعَدُّد بتعداد المعلومات وَلَا يَتَجَدَّد بتجددها
(1/9)

وَلَيْسَ بمكتسب وَلَا ضرورى لقَوْله تَعَالَى {أحَاط بِكُل شَيْء علما} {وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} {عَالم الْغَيْب لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين} وأطبق الْمُسلمُونَ على أَنه تَعَالَى يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَأَن علمه مُحِيط بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء جملَة وتفصيلا وَكَيف لَا وَهُوَ خَالِقهَا وَقد قَالَ تَعَالَى {أَلا يعلم من خلق} وَقَول النَّاظِم جعل مبْنى للْمَفْعُول أَو للْفَاعِل وَقَوله شَمل بِكَسْر الْمِيم وبجوز فتحهَا (مُنْفَرد بالخلق وَالتَّدْبِير أى أَنه تَعَالَى مُنْفَرد باختراع الْأَعْيَان والْآثَار والجواهر والأعراض لَا يخرج حَادث عَن أَن يكون مخلوقا لَهُ فأفعال الْعباد الاختيارية وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وَحدهَا وَلَيْسَ لقدرتهم تَأْثِير فِيهَا بل الله تَعَالَى أجْرى عَادَته بِأَن يُوجد فِي العَبْد قدرَة واختيارا فَإِذا لم يكن هُنَاكَ مَانع أوجد فِيهِ فعله الْمَقْدُور مُقَارنًا لَهما فَيكون فعل العَبْد مخلوقا لله تَعَالَى إبداعا وإحداثا ومكسوبا للْعَبد وَالْمرَاد بِكَسْبِهِ لَهُ مقارنته لقدرته وإرادته من غير أَن يكون مِنْهُ تَأْثِير أَو مدْخل فِي وجوده سوى كَونه محلا لَهُ وَهُوَ مُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ للأمور من غير مشارك لَهُ وَلَا معِين فَلَا يحدث حَادث فِي الْعَالم الْعلوِي وَلَا السفلي إِلَّا بتدبيره وإرادته وقضائه وحكمته قَالَ تَعَالَى {يدبر الْأَمر} أى يبرمه وينفذه بِمَا يُريدهُ عبر عَنهُ بِهِ تَقْرِيبًا إِذْ هُوَ عَالم بعواقب الْأُمُور كلهَا من غير نظر وَلَا فكر يعلم مَا يكون قبل أَن يكون ومالا يكون إِذْ لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَمن علم أَنه مُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ لَا يفكر فِي تَدْبِير نَفسه بل يكل تَدْبيره إِلَى خالقه فَمن لَا خلق لَا تَدْبِير لَهُ قَالَ أهل الْمعرفَة من لم يدبر دبرله وَإِن كَانَ لابد من التَّدْبِير فدبر أَن لَا تدبر (جلّ عَن الشبيه والنظير) أى أَنه تَعَالَى جلّ عَن الشبيه والنظير فِي ذَاته وَصِفَاته وأفعاله قَالَ الفاكهى الظَّاهِر أَن الشبيه والنظير والمثيل وَنَحْو ذَلِك أَسمَاء مترادفة وَيحْتَمل أَن يُقَال هُنَا تَعَالَى عَن الشبيه فِي ذَاته والنظير فِي صِفَاته (حى) والحياة صفة أزلية تقتضى صِحَة الْعلم لموصوفها (مُرِيد) والإرادة صفة أزلية تخصص أحد طرفى الشَّيْء من الْفِعْل وَالتّرْك بالوقوع (قَادر) وَالْقُدْرَة صفة أزلية تُؤثر فِي الشَّيْء عِنْد تعلقهَا بِهِ (علام) وَالْعلم صفة أزلية لَهَا تعلق بالشَّيْء على وَجه الْإِحَاطَة بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ (لَهُ الْبَقَاء) وَهُوَ اسْتِمْرَار الْوُجُود فَلَا أول لَهُ وَلَا آخر (والسمع) وَهُوَ صفة أزلية تحيط بالمسموعات وَاكْتفى بِذكر السّمع عَن الْبَصَر وَهُوَ صفة أزلية تحيط بالمبصرات (وَالْكَلَام) وَهُوَ صفة أزلية عبر عَنْهَا بالنظم الْمَعْرُوف الْمُسَمّى بِكَلَام الله أَيْضا ويسميان بِالْقُرْآنِ أَيْضا وَقَول النَّاظِم علام صِيغَة مُبَالغَة وَهَذِه الصِّفَات نظمها بَعضهم فِي قَوْله
حَيَاة وَعلم قدرَة وَإِرَادَة
كَلَام وابصار وَسمع مَعَ البقا ... فهذى صِفَات االله جلّ قديمه
لَدَى الأشعرى الحبر ذِي الْعلم والتقى
هَذَا مَذْهَب أهل الْحق إِلَّا أَن بعض أَئِمَّتنَا أنكر الثَّامِنَة وَهِي الْبَقَاء وَقَالَ هُوَ بَاقٍ بِذَاتِهِ لَا بِبَقَاء وَهَذِه الصِّفَات زَائِدَة على مَفْهُوم الذَّات وَلَيْسَت عينهَا وَلَا غَيرهَا كَمَا مر أما صِفَات الْأَفْعَال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وبجمعها اسْم التكوين فَلَيْسَتْ أزلية خلافًا لبَعض الْحَنَفِيَّة بل هِيَ حَادِثَة أى متجددة لِأَنَّهَا إضافات تعرض للقدرة وهى تعلقاتها بوجودات المقدورات لأوقات وجوداتها وَلَا مَحْذُور فِي اتصاف البارى سُبْحَانَهُ بالإضافات كَكَوْنِهِ قبل الْعَالم وَمَعَهُ وَبعده وأزلية أَسْمَائِهِ الراجعة إِلَى صِفَات الْأَفْعَال من حَيْثُ رُجُوعهَا إِلَى الْقُدْرَة لَا الْفِعْل فالخالق مثل من شَأْنه الْخلق أى الَّذِي هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يَصح بهَا الْخلق وَهِي الْقُدْرَة كَمَا يُقَال المَاء فِي الْكوز مروأى هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يحصل بهَا الإرواء عِنْد مصادفة الْبَاطِن وَالسيف فِي الغمد قَاطع أى هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يحصل بهَا الْقطع عِنْد ملاقاة الْمحل فَإِن
(1/10)

أُرِيد بالخالق مِنْهُ من صدر مِنْهُ الْخلق فَلَيْسَ صدوره أزليا وَقَول النَّاظِم البقا بالقص بِالْقصرِ للوزن (كَلَامه كوصفه الْقَدِيم) أى كَلَام الله تَعَالَى النَّفْسِيّ صفة قديمَة كَبَقِيَّة صِفَاته الْقَدِيمَة بِحرف وَلَا صَوت لِأَنَّهُمَا عرضان حادثان ويستحيل اتصاف الْقَدِيم بالحادث وَهَذَا مَذْهَب أهل الْحق وَقد ذكر الْإِنْسَان فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين موضعا وَقَالَ إِنَّه مَخْلُوق وَذكر الْقُرْآن فِي أَرْبَعَة وَخمسين موضعا وَلم يقل إِنَّه مَخْلُوق وَلما جمع بَينهمَا نبه على ذَلِك فَقَالَ {الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان} ثمَّ تَارَة يدل عَلَيْهِ بالعبارة وَتارَة يدل عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ فَإِذا عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وبالعبرانية فتوارة وبالسريانية فإنجيل كَمَا إِذا ذكر الله تَعَالَى بلغات مُخْتَلفَة فالمسمى وَاحِد وَإِن كَانَت اللُّغَات مُخْتَلفَة أما الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهِ فمخلوق حَادِثَة لَكِن امْتنع الْعلمَاء من إِطْلَاق الْخلق والحدوث عَلَيْهَا إِذا سميت قُرْآنًا لما فِيهِ من الْإِيهَام (لم يحدث المسموع للكليم) أى الْكَلَام الَّذِي سَمعه الكليم مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلَام الله تَعَالَى حَقِيقَة لَا مجَازًا فَلَا يكون مُحدثا لما مر وَهَذَا معنى قَوْله (لم يحدث المسموع للكليم) أى لم يُوصف الْكَلَام المسموع للكليم بِأَنَّهُ مُحدث بل هُوَ قديم لِأَنَّهُ الصّفة الأزلية الْحَقِيقِيَّة وَلِأَنَّهُ كَمَا لم تتعذر رُؤْيَته تَعَالَى مَعَ أَنه لَيْسَ جسما وَلَا عرضا كَذَلِك لَا يتَعَذَّر سَماع كَلَامه مَعَ إِنَّه لَيْسَ حرفا وَلَا صَوتا وَقَوله يحدث بِضَم الْيَاء من أحدث أَو بِفَتْحِهَا من حدث فالمسموع مَنْصُوب على الأول بِكَوْنِهِ مَفْعُولا ومرفوع على الثَّانِي بالفا لمية (يكْتب فِي اللَّوْح وباللسان يقْرَأ كَمَا حفظ بالأذهان) أى أَن الْقُرْآن الْعَزِيز يُطلق عَلَيْهِ شرعا إطلاقا حَقِيقِيًّا لَا مجازيا أَنه مَكْتُوب فِي ألواحنا وَمَصَاحِفنَا بأشكال الْكِتَابَة وصور الْحُرُوف الدَّالَّة عَلَيْهِ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تسافرو فِي الْقُرْآن إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو) وَلِهَذَا قَالَ بعض أَصْحَابنَا أَن ينْعَقد الْيَمين بالمصحف فِي حَالَة الْإِطْلَاق وَأَنه مقروء بألسنتنا بِحُرُوفِهِ الملفوظة المسموعة بآذاننا وَلِهَذَا حرمت قِرَاءَة الْقُرْآن على ذى الْحَدث الْأَكْبَر وَأَنه لمحفوظ بأذهاننا فِي صدورنا واتصاف الْقُرْآن بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة وَبِأَنَّهُ غير مَخْلُوق أى مَوْجُود أزلا وابدا اتصاف لَهُ بِاعْتِبَار وجودات الموجودات الْأَرْبَعَة فان لكل مَوْجُود وجودا فِي الْخَارِج ووجودا فِي الذِّهْن ووجودا فِي الْعبارَة ووجودا فِي الْكِتَابَة فَهِيَ تدل على الْعبارَة وَهُوَ على مَا فِي الذِّهْن وَهُوَ على مَا فِي الْخَارِج فالقرآن بِاعْتِبَار الْوُجُود الذهنى مَحْفُوظ فِي الصُّدُور وَبِاعْتِبَار الْوُجُود اللساني مقروء بالألسنة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْبَيَانِي مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْخَارِجِي وَهُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالذَّاتِ المقدسة لَيْسَ فِي الصُّدُور وَلَا فِي الْأَلْسِنَة وَلَا فِي الْمَصَاحِف (أرسل رسله بمعجزات ظَاهِرَة لِلْخلقِ باهرات) أى يجب على كل مُكَلّف اعْتِقَاد أَن الله تَعَالَى أرسل الرُّسُل من الْبشر إِلَى الْبشر مبشرين لأهل الْإِيمَان وَالطَّاعَة بالثواب وَالْجنَّة ومنذرين لأهل الْكفْر والعصيان بالعقاب وَالنَّار لتبليغ الرسَالَة وَبَيَان مَا أنزل عَلَيْهِم مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من أَمر الدُّنْيَا وَالدّين ولإقامة حجَّة الله على خلقه لقَوْله تَعَالَى {لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل} وبدونهم لَا يُمكن الْوُصُول إِلَى الله وَلَا يَصح سلوك الطَّرِيق إِلَيْهِ لِأَن الْعقل لَا يسْتَقلّ بِإِدْرَاك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأحوال الْقِيَامَة وأيدهم بالمعجزات الظاهرات الباهرات إِذْ مدعى الرسَالَة لَا بُد لَهُ من دَلِيل على دَعْوَاهُ والمعجزة دَلِيله وَالْمرَاد الْحجَّة الظَّاهِرَة الَّتِي يُشَارِكهُ فِي الْعلم بهَا خلقه أما الْحجَّة الْحَقِيقِيَّة الْمُنْفَرد هُوَ بعلمها فَهِيَ قَائِمَة على الْخلق بِدُونِ الرُّسُل لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حكم عدل وَقد روى أَن عدد الأنبءيا مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقيل مِائَتَا ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقيل ألف ألف وَمِائَتَا ألف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا عدد الْمُرْسلين مِنْهُم ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر وَقيل وَأَرْبَعَة عشر وَالْمَذْكُور مِنْهُم فِي الْقُرْآن بأسماء الْأَعْلَام ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نَبيا آدم وَإِدْرِيس ونوح وَهود وَصَالح وَإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق
(1/11)

وَيَعْقُوب ويوسف وَلُوط ومُوسَى وهرون وَشُعَيْب وزَكَرِيا وَيحيى وَعِيسَى وَدَاوُد وَسليمَان وإلياس وأليسع وَذُو الكفل وَأَيوب وَيُونُس وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذُو القرنين وعزيز ولقمان وعَلى القَوْل بنبوة الثَّلَاثَة وَقَالَ بَعضهم لم ينْحَصر عدد الْأَنْبِيَاء وَلَا الرُّسُل لقَوْله تَعَالَى {مِنْهُم من قَصَصنَا عَلَيْك وَمِنْهُم من لم نَقْصُصْ عَلَيْك} والمعجزة أَمر خارق للْعَادَة مقرون بالتحدى مَعَ عدم الْمُعَارضَة من الْمُرْسل إِلَيْهِم وَسميت معْجزَة لتضمنها تعجيزهم عَن الْإِتْيَان بِمِثْلِهَا على أَن تَسْمِيَتهَا بذلك مجَاز لِأَن الْعَجز تبين بهَا فان المعجز فِي الْحَقِيقَة خَالق الْعَجز وَالْأَمر يَشْمَل القَوْل وَغَيره وَالْمرَاد بخرقه للْعَادَة ظُهُوره على خلَافهَا كإحياء ميت وإعدام جبل وانفجار المَاء من بَين الْأَصَابِع والتحدي دَعْوَى الرسَالَة إِذْ لَيْسَ الشَّرْط الاقتران بالتحدى بِمَعْنى طلب الْإِتْيَان بِالْمثلِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للتحدي فَمن قيل لَهُ إِن كنت رَسُولا فأت بمعجزة فأظهر الله على يَدَيْهِ معجزا كَانَ ظُهُوره دَلِيلا على صدقه نازلا منزلَة التَّصْرِيح بالتحدى وَخرج بقَوْلهمْ خارق الْعَادة وَغَيره كطلوع الشَّمْس كل يَوْم على الْعَادة وَخرج بقَوْلهمْ مقرون بالتحدى الخارق من غير تحد وَهُوَ كَرَامَة الولى والخارق الْمُتَقَدّم على التحدى كالموجود من النَّبِي قبل النُّبُوَّة وَهُوَ الْمُسَمّى عِنْد أهل الْأُصُول إرهاصا أى تأسيسا للنبوة من أرهصت الْحَائِط إِذا أسسته كشق صدر نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغسل قلبه فِي زمن الصِّبَا وإظلال الْغَمَام وتكليم الشّجر وَالْحجر قبل النُّبُوَّة وَفِي المواقف ان هَذِه تسمى كرامات أَيْضا والخارق الْمُتَأَخر عَنهُ بِمَا يُخرجهُ عَن الْمُقَارنَة الْعُرْفِيَّة وَقَوْلهمْ مَعَ عدم الْمُعَارضَة من الْمُرْسل إِلَيْهِم مَعْنَاهُ أَن تتعذر معارضته مَعَ كَونه مُوَافقا لدعوى الرَّسُول دَالا على صدقه وَخرج السحر والشعبذة من الْمُرْسل إِلَيْهِم إذلا مُعَارضَة بذلك وَالظَّاهِرَة الْوَاضِحَة والباهرات الغالبات لمن تحدى بِهن لِأَن البهر لُغَة الْغَلَبَة أَو الأتيان بِمَا يتعجب مِنْهُ من البهر بِمَعْنى الْعجب والبالغات فِي الظُّهُور الْغَايَة من قَوْلهم ابهر فلَان فِي كَذَا إِذا بَالغ فِيهِ وَلم يدع جهدا (وَخص من بَينهم مُحَمَّدًا) أى أَن الله تَعَالَى خص من بَين الرُّسُل نَبينَا مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بخصائص كَثِيرَة لَا تكَاد تَنْحَصِر ذكر الائمة غالبها فِي مؤلفاتهم المختصة بهَا وَقد أَشَارَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى ذَلِك بِحَذْف الْمُتَعَلّق لِأَنَّهُ يُؤذن بِالْعُمُومِ فَقَالَ (فَلَيْسَ بعده نَبِي أبدا) أى إِن مِمَّا خصّه الله بِهِ أَنه خَاتم النَّبِيين فَلَا نَبِي بعده وَأَن الله تَعَالَى بَعثه إِلَى كَافَّة الْخلق من الْإِنْس وَالْجِنّ وَقد أفتى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ لم يبْعَث إِلَى الْمَلَائِكَة فَفِي تَفْسِير الإِمَام الرَّازِيّ والبرهان النَّسَفِيّ حِكَايَة الاجماع على أَنه لم يُرْسل إِلَيْهِم أما غَيره فَكَانَت رسَالَته خَاصَّة وَعُمُوم رِسَالَة نوح بعد الطوفان لانحصار البَاقِينَ فِيمَن كَانَ مَعَه فِي السَّفِينَة وَأَنه (فَضله على جَمِيع من سواهُ) من الْمُرْسلين والأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَغَيرهم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (أَنا سيد ولد آدم) وَيُؤْخَذ مِنْهُ تفضيله على آدم بِالْأولَى لِأَن أفضل الْأَنْبِيَاء وَالرسل أولو الْعَزْم وهم نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَنه ورد عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (أَنا سيد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة) وخصها بِالذكر لظُهُوره لكل أحد بِلَا مُنَازعَة لقَوْله تَعَالَى {لمن الْملك الْيَوْم} وَنَوع الآدمى أفضل الْخلق فَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل الْخلق وَقد حكى الرَّازِيّ الاجماع على أَنه مفضل على جَمِيع الْعَالمين وَأما خبر (لَا تفضلونى على يُونُس لَا تفضلوا بَين الْأَنْبِيَاء) وَنَحْوهمَا فَهُوَ مَحْمُول على نهى عَن تَفْضِيل يفضى لنَقص بَعضهم فانه كفر أَو عَن تَفْضِيل فِي نفس النُّبُوَّة الَّتِى لَا تَتَفَاوَت فِي ذَوَات الْأَنْبِيَاء المتفاوتين بالخصائص أَو نهى عَن ذَلِك تأدبا وتواضعا أَو قبل علمه بِأَنَّهُ أفضل الْخلق وَبعده فِي التَّفْضِيل الانبياء ثمَّ الْمَلَائِكَة فخواص الْبشر أفضل من خَواص الْمَلَائِكَة وخواص الْمَلَائِكَة أفضل من عوام الْبشر وَعَامة الْبشر أفضل من عَامَّة الْمَلَائِكَة وهم أجسام لَطِيفَة لَهُم قُوَّة التشكل والتبدل قادرون على أَفعَال شاقة عباد مكرمون مواظبون على الطَّاعَة معصومون عَن الْمُخَالفَة وَالْفِسْق لَا يوصفون بذكورة وَلَا أنوثة
(1/12)

فَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الشَّفِيع) يَوْم الْقِيَامَة قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع) وَله شفاعات أعظمها فِي تَعْجِيل الْحساب والإراحة من هول الْموقف حِين يفزعون إِلَيْهِ بعد الْأَنْبِيَاء وَهِي مُخْتَصَّة بِهِ بِالْإِجْمَاع وَهِي المُرَاد بالْمقَام الْمَحْمُود فِي قَوْله تَعَالَى {عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا} وَهُوَ الْمقَام الَّذِي يحمده فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ الثَّانِيَة فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَلَا عِقَاب قَالَ القَاضِي عِيَاض وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا وَهِي مُخْتَصَّة بِهِ قَالَ بَعضهم وَالْعجب مِمَّن توقف فِي هَذِه الخصوصية وَقَالَ لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِذْ الدَّلِيل عَلَيْهَا الاجماع على أَن هَذِه الْأُمُور لَا تدْرك بِالْعقلِ وَلم يرد النَّقْل إِلَّا فِي حَقه وَالْأَصْل الْعَدَم والبقاء على مَا كَانَ الثَّالِثَة فِي أنَاس استحقوا دُخُول النَّار فَلَا يدْخلُونَهَا قَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره ويشركه فِيهَا من يَشَاء الله وَتردد النَّوَوِيّ فِي ذَلِك قَالَ السكبي لِأَنَّهُ لم يرد تَصْرِيح بذلك وَلَا بنفيه قَالَ وهى فِي إجَازَة قَالَ وَهِي فِي إجَازَة الصِّرَاط بعد وَضعه وَيلْزم مِنْهَا النجَاة من النَّار الرَّابِعَة فِي إِخْرَاج من أَدخل النَّار من الْمُوَحِّدين وَفِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَهِي مُخْتَصَّة بِهِ الْخَامِسَة فِي إِخْرَاج من أَدخل النَّار من الْمُوَحِّدين غير هَؤُلَاءِ ويشاركه فِيهَا الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة والمؤمنون السَّادِسَة فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة لأَهْلهَا وَجوز النَّوَوِيّ اختصاصها بِهِ السَّابِعَة فِي تَخْفيف الْعَذَاب عَن بعض الْكفَّار كأبى طَالب وَجعل ابْن دحْيَة مِنْهُ التَّخْفِيف عَن أبي لَهب فِي كل يَوْم اثْنَيْنِ لسروره بِوِلَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإعتاقه ثويبة حِين بَشرته بِهِ وَمن شفاعاته أَنه يشفع لمن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَأَن يشفع فِي التَّخْفِيف من عَذَاب الْقَبْر وَفِي العروة الوثقى للقزوينى أَنه يشفع لجَماعَة من صلحاء الْمُسلمين يتَجَاوَز عَنْهُم فِي تقصيرهم فِي الطَّاعَات وَذكر بَعضهم أَنه يشفع فِي أَطْفَال الْمُشْركين حَتَّى يدخلُوا الْجنَّة وَعبارَة المُصَنّف شَامِلَة لجَمِيع ذَلِك (والحبيب للاله) أى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حبيب الله لخَبر (أَلا وَأَنا حبيب الله وَلَا فَخر) وَظَاهر الْأَحَادِيث يدل على أَن الْمحبَّة أتم من الْخلَّة لِأَن سِيَاق الْفَضَائِل الَّتِي أوتيها نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدل على أَن كل مَا ذكر لَهُ أتم فضلا من كل مَا ذكر لغيره وَقد اخْتصَّ بالمحبة كَمَا اشْتهر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بالخلة فَدلَّ على أَن الْمحبَّة أفضل لِأَن صَاحبهَا أفضل وَفرق النَّيْسَابُورِي بَين الْخَلِيل والحبيب بِأَن الْخَلِيل الَّذِي أمتحنه ثمَّ أحبه والحبيب الَّذِي أحبه ابْتِدَاء تفضلا والخليل الَّذِي جعل مَا يملكهُ فدَاء خَلِيله والحبيب الَّذِي أحبه تفضلا والخليل الَّذِي جعل مَا تملكه فدَاء خلية والحبيب الَّذِي جعل الله مَمْلَكَته فداءه وَوجد إِبْرَاهِيم الْخلَّة وَلم يجدهَا أحد غَيره بِسَبَبِهِ وَوجد مُحَمَّد الْمحبَّة ووجدتها أمته بِسَبَبِهِ قَالَ تَعَالَى {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} وَقَالَ (يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) والمحبة اسْم جَامع بِهِ تجمع الْخلَّة وَغَيرهَا وَالْعَام أكبر من الْخَاص (وَبعده) أى بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والأنبياء (فَالْأَفْضَل) أَبُو بكر (الصّديق) وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ وَلَا مبالاة بِمَا يُخَالِفهُ وسمى بِالصديقِ لِأَنَّهُ صدق بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نبوته ورسالته من غير تلعثم وَصدقه فِي الْمِعْرَاج بِلَا تردد فِيمَا أخبر بِهِ (وَالْأَفْضَل التالى لَهُ) عمر بن الْخطاب (الْفَارُوق) لما روى أَنه قَالَ (كَانَ إِسْلَام عمر عزا وهجرته نصْرَة وأمارته رَحْمَة وَالله مَا استطعنا أَن نصلى حول الْبَيْت ظَاهِرين حَتَّى أسلم عمر) وروى ابْن سعد عَن صُهَيْب أَنه قَالَ لما اسْلَمْ عمر قَالَ الْمُشْركُونَ انتصف الْقَوْم منا وَقَالَ حُذَيْفَة لما أسلم عمر كَانَ الاسلام كَالرّجلِ الْمقبل لَا يزْدَاد إِلَّا قربا وَلما قتل كَانَ الْإِسْلَام كَالرّجلِ الْمُدبر لَا يزْدَاد إِلَّا بعدا وَورد أَن جِبْرِيل نزل عِنْد إِسْلَام عمر وَقَالَ يامحمد استبشر أهل السَّمَاء بِإِسْلَام عمر وسمى بالفاروق لِأَنَّهُ فرق بَين الْحق وَالْبَاطِل فِي القضايا والخصومات ثمَّ (عُثْمَان) بن عَفَّان (بعده كَذَا على) بن أبي طَالب لاطباق السّلف على أفضليتهم عِنْد الله على هَذَا التَّرْتِيب وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ قلت لأبي أى النَّاس خير بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أَبُو بكر قلت ثمَّ من قَالَ عمر قلت ثمَّ من قَالَ عُثْمَان
(1/13)

قلت وَأَنت قَالَ أَنا إِلَّا رجل من الْمُسلمين وَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن عمر (كُنَّا نخير بَين النَّاس فِي زمَان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنخير أَبَا بكر ثمَّ عمر بن الْخطاب ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان) وَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع عِنْد الأكبرين (فالستة الْبَاقُونَ) من الْعشْرَة وهم طَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَسعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح فالبدري أى فَالْأَفْضَل بعد الْعشْرَة شهد وقْعَة بدر وهم ثلثمِائة وَبضْعَة عشر والبضع بِكَسْر الْبَاء وَقد تفتح مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع وَعبارَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره وثلاثه عشر وَزَاد أهل السّير على الْقَوْلَيْنِ وَأَرْبَعَة عشر وَخَمْسَة عشر وَسِتَّة عشر وَثَمَانِية عشر وَتِسْعَة عشر وَقَالَ بَعضهم ثَمَانِيَة من الثَّلَاثَة عشر لم يحضروها وَإِنَّمَا ضرب لَهُم بسهمهم وأجرهم وَكَانُوا كمن حضرها وَهِي البطشة الْكُبْرَى الَّتِي أعز الله بهَا الْإِسْلَام ثمَّ بعد الْبَدْرِيِّينَ أَصْحَاب أحد ثمَّ أهل بيعَة الراضوان (وَالشَّافِعِيّ) أَمَام الْأَئِمَّة (وَمَالك) بن انس إِمَام دَار الْهِجْرَة (والنعمان) الإِمَام أَبُو حنيفَة المنعوت بالخشية والخيفة وَأحمد بن حَنْبَل المتعمق فِي التَّقْوَى وسُفْيَان الثَّوْريّ (وَغَيرهم من سَائِر الْأَئِمَّة) كَابْن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد والاوزاعي وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ (على هدى من رَبهم) فِي العقائد وَغَيرهَا وَلَا أعتبار بِمن تكلم فيهم بِمَا هم بريئون مِنْهُ ومناقبهم مأثورة وفضائلهم مَشْهُورَة ويكفى فِيهَا أنتشار علمهمْ وتقرر جلالتهم على مدى الْأَزْمَان وَذَلِكَ لايقدر أحد على أَن يَضَعهُ لنَفسِهِ وَلَا لغيره ومناقبهم أَكثر من أَن تحصى رَضِي الله عَنْهُم (وَالِاخْتِلَاف) بَينهم فِيمَا طَرِيقه الِاجْتِهَاد (رَحمَه) لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتِلَاف أَصْحَابِي رَحمَه وَالْمرَاد بهم المجتهدون قيس بهم غَيرهم فَلَو اخْتلف جَوَاب مجتهدين متساوين فَالْأَصَحّ أَن للمقلد أَن يتَخَيَّر فَيعْمل بقول من شَاءَ مِنْهُمَا وَقَول النَّاظِم وَالشَّافِعِيّ باسكان الْيَاء (والأولياء ذَوُو كرامات رتب) أى أَن الْأَوْلِيَاء وهم العارفون بِاللَّه تَعَالَى حَسْبَمَا يُمكن المواظبون على الطَّاعَة المجتنبون للمعاصي المعرضون عَن الانهماك فِي اللَّذَّات والشهوات أَصْحَاب كرامات فَهِيَ جَائِزَة وواقعة وَقد دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة قَالَ تَعَالَى {كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب} الآيه وَقَالَ تَعَالَى {قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب} الآيه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بَيْنَمَا رجل يَسُوق بقرة قد حمل عَلَيْهَا إِذْ التفتت الْبَقَرَة لَهُ فَقَالَت لَهُ إِنِّي لم أخلق لهَذَا إِنَّمَا خلقت للحراثة فَقَالَ النَّاس سُبْحَانَ الله بقرة تَتَكَلَّم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا وَأَبُو بكر وَعمر الحَدِيث وَيُؤْخَذ مِمَّا مر فِي تَعْرِيف المعجزة امتيازها عَن الْكَرَامَة بالتحدي وَيُؤْخَذ مِمَّا هُنَا أَن الْكَرَامَة هِيَ الخارق المقرون بالعرفان وَالطَّاعَة وَخرج بِهِ مَا لَا يكون مَقْرُونا بذلك وَيُسمى استدراجا ومؤكدات تَكْذِيب الْكَذَّابين كَمَا روى أَن مُسَيْلمَة دعى لأعور لتصح عينه العوراء فَذهب ضوء الصَّحِيحَة أَيْضا وَيُسمى هَذَا إهانة وَقد تظهر الخوارق من قبل عوام الْمُسلمين تخليصا لَهُم من المحن والمكاره وَتسَمى مَعُونَة وَقد تلخص من هَذَا مَعَ مَا سبق أَن الخارق للْعَادَة سِتَّة أَنْوَاع معْجزَة وإرهاص وكرامه واستدراج ومعونة وإهانه وكرامات الْأَوْلِيَاء متفاوته كتفاوت معجزات الْأَنْبِيَاء كجريان النّيل بِكِتَاب عمر ورؤيته وَهُوَ على الْمِنْبَر بِالْمَدِينَةِ جَيْشه بنهاوند حَتَّى قَالَ لأمير الْجَيْش يَا سَارِيَة الْجَبَل الْجَبَل محذرا لَهُ من وَرَاء الْجَبَل لمكر الْعَدو هُنَاكَ وَسَمَاع سَارِيَة كَلَامه مَعَ بعض الْمسَافَة وكشرب خَالِد السم من غير تضرر بِهِ وَغير ذَلِك مِمَّا وَقع للصحابة وَغَيرهم (وَمَا انْتَهوا لولد من غير أَب) أَي ان الألياء لَا ينتهون إِلَى ولد من غير أَب وَنَحْوه كقلب جماد بَهِيمَة قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي الرسَالَة إِن كثيرا من المقدورات
(1/14)

نعلم الْيَوْم قطعا أَنه لَا يجوز أَن تظهر كَرَامَة لولى لضَرُورَة أَو شبه ضَرُورَة مِنْهَا حُصُول الْإِنْسَان لَا من أبوين وقلب جماد بهيمه وأمثال هَذَا يكثر هَذَا قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ وَهَذَا حق يخصص قَول غَيره مَا جَازَ أَن يكون معْجزَة لنَبِيّ جَازَ أَن يكون كَرَامَة لوَلِيّ لافارق بَينهمَا إِلَّا التحدي وَقد جرى عَلَيْهِ المُصَنّف لكنه راى مَرْجُوح فقد قَالَ الزَّرْكَشِيّ إِنَّه مَذْهَب ضَعِيف وَالْجُمْهُور على خِلَافه وَقد أنكروه على الْقشيرِي حَتَّى وَلَده أَبُو نصر فِي كِتَابه المرشد فَقَالَ قَالَ بعض الْأَئِمَّة مَا وَقع معْجزَة لنَبِيّ لَا يجوز تَقْدِير وُقُوعه كَرَامَة لوَلِيّ كقلب العصى ثعبانا وإحياء الْمَوْتَى وَالصَّحِيح تَجْوِيز جملَة خوارق الْعَادَات كرامات للأولياء وَفِي الأرشاد لأمام الْحَرَمَيْنِ مثله وَفِي شرح مُسلم للنووي فِي بَاب الْبر والصلة أَن الكرامات تجوز بخوارق الْعَادَات على أختلاف أَنْوَاعهَا وَمنعه بَعضهم وَادّعى أَنَّهَا تخْتَص بِمثل إِجَابَة دُعَاء وَنَحْوه وَهَذَا غلط من قَائِله وانكار للحس بل الصَّوَاب جريانها بقلب الْأَعْيَان وَنَحْوهَا اه (وَلم يجز فِي غير مَحْض الْكفْر خروجنا على ولى الْأَمر أى يحرم الْخُرُوج على ولى الْأَمر وقتاله باجماع الْمُسلمين لما يَتَرَتَّب على ذَلِك من فتن وإراقة الدِّمَاء وَفَسَاد ذَات الْبَين فَتكون الْمفْسدَة فِي عَزله أَكثر مِنْهَا فِي بَقَائِهِ ولأننا تَحت طَاعَته فِي أمره وَنَهْيه مَا لم يُخَالف حكم الشَّرْع وَإِن كَانَ جائرا قَالَ النووى فِي شرح مُسلم إِن الْخُرُوج عَلَيْهِم وقتالهم حرَام باجماع الْمُسلمين وَإِن كَانُوا فسقه ظالمين اهو هُوَ مَحْمُول على الْخُرُوج عَلَيْهِم بِلَا عذر وَلَا تَأْوِيل وَخرج بقول المُصَنّف ولى الْأَمر مالو طَرَأَ عَلَيْهِ كفر فَإِنَّهُ يخرج عَن حكم الْولَايَة وَتسقط طَاعَته وَيجب على الْمُسلمين الْقيام عَلَيْهِ وقتاله وَنصب غَيره إِن أمكنهم ذَلِك وَيُمكن أَن يُسْتَفَاد هَذَا من قَوْله فِي غير مَحْض الْكفْر بِجعْل (فِي) للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم} أى لم يجز لأجل غير مَحْض الْكفْر خروجنا على ولى الْأَمر (وَمَا جرى بَين الصاحب نسكت عَنهُ وَأجر الِاجْتِهَاد نثبت) أى أَنه يجب سكوتنا عَمَّا جرى بَين الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم من المنازعات والمحاربات الَّتِى قتل بِسَبَبِهَا كثير مِنْهُم فَتلك دِمَاء طهر الله مِنْهَا أَيْدِينَا فَلَا نلوث بهَا ألسنتنا كمنازعة مُعَاوِيَة عليا بِسَبَب تَأْخِير تَسْلِيم قتلة عُثْمَان إِلَى عشيرته ليقتصوا مِنْهُم لِأَن عليا رأى تَأْخِير تسليمهم أصوب لِأَن الْمُبَادرَة بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم مَعَ كَثْرَة عشيرتهم واختلاطهم بالعسكر تُؤَدّى إِلَى أضطراب أَمر الأمامة فان بَعضهم عزم على الْخُرُوج على عَليّ وَقَتله لما نَادَى يَوْم الْجمل بِأَن يخرج عَنهُ قَتله عُثْمَان وَرَأى مُعَاوِيَة الْمُبَادرَة وتسليمهم للاقتصاص مِنْهُم أصوب وَذَلِكَ لِأَن لَهُم تأويلات ظَاهِرَة ومحامل قَوِيَّة وعد التهم ثَابِتَة بِنَصّ الْكتاب وَالسّنة فَلَا تَزُول بِالِاحْتِمَالِ وَنثْبت أجر الإجتهاد لكل مِنْهُم لِأَن ذَلِك مبْنى على الِاجْتِهَاد فِي مسئلة ظنية للمصيب فِيهَا أَجْرَانِ على اجْتِهَاده وإصابته وللمخطىء أجر على اجْتِهَاده وَقد ورد فِي فَضلهمْ أَدِلَّة كَثِيرَة وَقَول النَّاظِم الصحاب بِكَسْر الصَّاد جَمِيع صَاحب كجائع وجياع (فرض على النَّاس إِمَام ينصب) أى أَنه يجب على النَّاس نصب إِمَام يقوم بمصالحهم كتنفيذ أحكامهم وَإِقَامَة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وَأخذ صَدَقَاتهمْ إِن دفعوها وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطَّرِيق وَقطع المنازعات بَين الْخُصُوم وَقِسْمَة الْغَنَائِم وَغير ذَلِك لإِجْمَاع الصَّحَابَة بعد وَفَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على نَصبه حَتَّى جَعَلُوهُ أهم الْوَاجِبَات وقدموه على دَفنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم تزل النَّاس فِي كل عصر على ذَلِك وَشرط الإِمَام كَونه بَالغا عَاقِلا مُسلما عدلا حرا ذكرا مُجْتَهد شجاعا ذَا رأى وكفاية قرشيا سميعا بَصيرًا ناطقا سليم الْأَعْضَاء من نقص يمْنَع اسْتِيفَاء الحركه وَسُرْعَة النهوض فَإِن لم يُوجد قرشى مستجمع للشروط فكناني مستجمع فَإِن لم يُوجد فمستجمع من ولد إِسْمَعِيل فَإِن لم يكن فجرهمي مستجمع وجرهم أصل الْعَرَب فَإِن لم يُوجد فمستجمع من ولد
(1/15)

اسحق فَإِن لم يُوجد مستجمع أصلا فمستجمع الْأَكْثَر من قُرَيْش أَو كنَانَة أَو ولد إِسْمَعِيل أَو غَيرهم على التَّرْتِيب الْمَذْكُور وَالْجَاهِل الْعَادِل أولى من الْعَالم الْفَاسِق وَلَا يشْتَرط فِي الامام كَونه مَعْصُوما وَلَا كَونه هاشميا أَو علويا وَلَا كَونه أفضل أهل زَمَانه بل يجوز نصب الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وَلَا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ وَمَا على الْإِلَه شَيْء يجب أَي لايجب شَيْء على الله وَمن يُوجب عَلَيْهِ وَلَا حكم الْإِلَه لِأَنَّهُ خَالق الْخلق فَكيف يجب للمخلوقين المملوكين لَهُ بجملة هوياتهم وأفعالهم لعملهم الْمُسْتَحق عَلَيْهِم أجر أَو رِعَايَة مصلحَة فضلا عَمَّا هُوَ الْأَصْلَح تَعَالَى الله عَن أَن يجب عَلَيْهِ شَيْء وَأما نَحْو قَوْله تَعَالَى {كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة} وَقَوله {وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّمَا هُوَ إِحْسَان وتفضل لَا إِيجَاب وإلزام يثيب من أطاعه بفضله وَمن يَشَأْ عاقبه بعدله أَي أَنه تَعَالَى يثيب من اطاعه من عباده بفضله ويعاقب من عَصَاهُ من مكلفيهم إِن شَاءَ بعدله وَمعنى الثَّوَاب إِيصَال النَّفْع إِلَى العَبْد على طَرِيق الْجَزَاء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فأثابهم الله بِمَا قَالُوا} أَي جزاهم والإثابه على الطَّاعَة مجمع عَلَيْهَا لَكِنَّهَا عِنْد أهل السّنة فضل وَعند الْمُعْتَزلَة وجوب وَمعنى الْعقَاب إِيصَال الْأَلَم إِلَى الْمُكَلف على طَرِيق الْجَزَاء وَهُوَ متحتم فِي الشّرك كَمَا يأتى ومتوقف فِي غَيره من المعاصى على انْتِفَاء الْعَفو لإخباره بذلك وَقَوله (يَشَأْ) بالإسكان وَصله بنية الْوَقْف (يغْفر مَا يَشَاء دون الشّرك بِهِ خُلُود النَّار دون شكّ) أى أَنه تَعَالَى يغْفر مَا يَشَاء من المعاصى غير الشّرك أما هُوَ فَلَا يغفره وَمن مَاتَ مُشْركًا فَهُوَ مخلد فِي الْعَذَاب بِالْإِجْمَاع وَخرج بِهِ غَيره من المعاصى وَإِن كَانَت كَبَائِر لم يتب مِنْهَا فَلَا يخلد بهَا أحد مِمَّن مَاتَ مُؤمنا فِي الْعَذَاب (لَهُ عِقَاب من أطاعه كَمَا يثبيبمن عصى ويولى نعما) أى أَن لَهُ تَعَالَى أَن يُعَاقب من أطاعه كَمَا لَهُ أَن يثيب من عَصَاهُ ويوليه نعما كَثِيرَة عَظِيمَة لِأَنَّهُ ملكه يتَصَرَّف فِيهِ كَيفَ يَشَاء لكنه لَا يَقع مِنْهُ ذَلِك لإخباره بإثابة الْمُطِيع وتعذيب العَاصِي كَمَا مر قَالَ أَصْحَابنَا وَلَيْسَت الْمعْصِيَة عِلّة الْعقَاب وَالطَّاعَة عِلّة الثَّوَاب وَإِنَّمَا هما أمارتان عَلَيْهِمَا وإنكار الْمُعْتَزلَة ذَلِك بِنَاء على أصلهم فِي التقبيح الْعقلِيّ فَإِنَّهُ يُؤدى إِلَى الظُّلم وَهُوَ نقص محَال على الله تَعَالَى رد بِلُزُوم النَّقْص على قَوْلهم فَإِنَّهُم أوجبوا عَلَيْهِ تَعَالَى حَقًا لغيره وَلَو وَجب ذَلِك لَكَانَ فِي قَيده وَهُوَ نقص وَاحْتج الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِده بِخَبَر (إِن الله يخلق فِي النَّار أَقْوَامًا) وَكَذَلِكَ لااستبعاد فِي إثابة من لم يطع فَفِي الْخَبَر الصَّحِيح (إِن الله تَعَالَى ينشىء فِي الْجنَّة أَقْوَامًا) وَكَذَلِكَ الحكم فِي الْحور الْعين واطفال الْمُسلمين وَغَيرهم مِمَّن يتفضل عَلَيْهِم من غير اثابة على عمل سَابق وَلَيْسَت الربوبية مُقَيّدَة بمصالح الْعُبُودِيَّة (كَذَا لَهُ أَن يؤلم الْأَطْفَال) أى أَنه لَهُ إيلام الْأَطْفَال وَالدَّوَاب فِي الْآخِرَة أما فِي الدُّنْيَا فَنحْن نشاهد من لاذنب لَهُ يبتلى من أَطْفَال ودواب وَذَلِكَ عدل مِنْهُ تَعَالَى لتصرفه فِي ملكه بِمَا يُرِيد وَفِي ذَلِك حكم لكنه لَا يَقع إِذْ لم يرد إيلام الاطفال وَالدَّوَاب فِي غير قصاص وَالْأَصْل عَدمه أما فِي الْقصاص فلخبر (لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء) رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ يقْتَصّ لِلْخلقِ بَعضهم من بعض حَتَّى للجماء من القرناء وَحَتَّى الذّرة من الذّرة وَقَالَ ليختصمن كل شَيْء يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى الشاتان فِيمَا انتطحتا وَقَضِيَّة هَذِه الْأَخْبَار أَنه يتَوَقَّف الْقصاص يَوْم الْقِيَامَة على التَّكْلِيف والتمييز فيقتص من طِفْل لطفل وَغَيره (وَوَصفه بالظالم استحالا) أى أَنه تَعَالَى يَسْتَحِيل وَصفه بالظالم وَهَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر إِذْ قد يتخيل من تَعْذِيب الْمُطِيع وإيلام الْأَطْفَال أَن ذَلِك ظلم
(1/16)

فَصرحَ باستحالته عَلَيْهِ أى عقلا وسمعا أما الأول فَلِأَن الظُّلم إِنَّمَا يعرف بالنهى عَنهُ وَلَا يتَصَوَّر فِي أَفعاله تَعَالَى مَا ينْهَى إِذْ لَا يتَصَوَّر لَهُ ناه وَلِأَن الْعَالم خلقه وَملكه وَلَا ظلم فِي تصرف الْمَالِك فِي ملكه وَلِأَنَّهُ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَذَلِكَ مُسْتَحِيل على الْمُحِيط بِكُل شَيْء علما وَأما الثَّانِي فَلَمَّا لَا يُحْصى من الْآيَات وَالْأَخْبَار وَالْألف فِي قَوْله الْأَطْفَال واستحالا للإطلاق {يرْزق من يَشَأْ وَمن شا أحرما} أى أَنه يرْزق من يَشَاء مَا شَاءَ من الرزق وَمن شَاءَ أحرمهُ مَا شَاءَ مِنْهُ وَفِي نُسْخَة حرما وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى منع وَالْألف فيهمَا للإطلاق أَو أَنه تَعَالَى يرْزق من يَشَاء بِأَن يُوسع عَلَيْهِ فِيهِ وَمن يَشَاء حرمه بِأَن يضيق عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الرازق فَلَا رَازِق غَيره وكل يسْتَوْفى رزق نَفسه وَلَا يتَصَوَّر أَن يَأْكُل رزق غَيره وَلَا أَن يَأْكُل غَيره رزقه لِأَن مَا قدره الله تَعَالَى غذَاء الشَّخْص يجب أَن ياكله وَيمْتَنع أَن يَأْكُلهُ غَيره فَمن حق من عرف أَنه الرازق أَن لايسأل حَوَائِجه قلت أم كثرت إِلَّا مِنْهُ تَعَالَى (والرزق مَا ينفع وَلَو محرما) أى أَن الرزق بِمَعْنى المرزوق مَا ينْتَفع بِهِ حَتَّى فِي التغذى وَغَيره وَلَو كَانَ حَرَامًا بِغَصب أَو غَيره لقَوْله تَعَالَى {قل أَرَأَيْتُم مَا أنزل الله لكم من رزق فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا} إِذْ لَو لم نقل بذلك لزم أَن المتغذي بالحرام طول عمره لم يرزقه الله أصلا وَأَن الدَّوَابّ لَا ترزق لِأَنَّهَا لَا تملك وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى {وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها} لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يتْرك مَا أخبر أَنه عَلَيْهِ وَقَول النَّاظِم من (يشا وَمن شا) بالإسكان وصلَة بنية الْوَقْف (وَعلمه بِمن يَمُوت مُؤمنا فَلَيْسَ يشقى بل يكون آمنا) أى من علم الله تَعَالَى مَوته مُؤمنا فَلَيْسَ يشقى بل يكون سعيدا آمنا من عَذَاب الْكفَّار وَإِن تقدم مِنْهُ كفر وَقد غفر وَمن علم مَوته كَافِرًا فيشقى وَإِن تقدم مِنْهُ إِيمَان وَقد حَبط عمله وَقد قَالَ الْأَشْعَرِيّ إِنَّه تبين أَنه لم يكن إِيمَانًا فالسعادة الْمَوْت على الْإِيمَان وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الخلود فِي الْجنَّة والشقاوة الْمَوْت على الْكفْر وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الخلود فِي النَّار وَقَالَ الله تَعَالَى {وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة خَالِدين فِيهَا} وَقَالَ تَعَالَى {فَأَما الَّذين شَقوا فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق خَالِدين فِيهَا} لم يزل أَبُو بكر (الصّديق) رَضِي الله عَنهُ (فِيمَا قد مضى) من عمره (عِنْد إلهه) تَعَالَى (بِحَالَة الرِّضَا) وَإِن لم يَتَّصِف بِالْإِيمَان قبل تَصْدِيقه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لم يثبت عَنهُ حَالَة كفر كَمَا ثبتَتْ عَن غَيره مِمَّن آمن وَظن بعض الْحَنَفِيَّة أَن الْأَشْعَرِيّ يَقُول بِأَنَّهُ كَانَ مُؤمنا قبل المبعث وَلَيْسَ كَذَلِك (إِن الشقي الشقي الْأَزَل وَعَكسه السعيد لم يُبدل) أى أَن الشقى من كتبه الله شقيا فِي الْأَزَل لَا فِي غَيره والسعيد من كتبه الله سعيد فِي الْأَزَل لَا فِي غَيره وَإِن كلا مِنْهُمَا لَا يُبدل إِذْ من كتبه فِي الْأَزَل شقيا يَسْتَحِيل أَن يَنْقَلِب سعيدا وَمن كتبه فِي الْأَزَل سعيدا يَسْتَحِيل أَن يَنْقَلِب شقيا بِخِلَاف الْمَكْتُوب فِي غَيره كاللوح الْمَحْفُوظ قَالَ تَعَالَى {يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب} أَي أَصله وَهُوَ الْعلم الْقَدِيم الَّذِي لَا يُغير مِنْهُ شَيْء كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس وَغَيره وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَرْفُوع (فرغ رَبك من الْعباد فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير) وَفِي عقائد النَّسَفِيّ وَغَيرهَا أَن السعيد قد يشقى بِأَن يرْتَد بعد الْإِيمَان وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى والشقى قد يسْعد بِأَن يُؤمن بعد الْكفْر والتغيير يكون على السَّعَادَة والشقاوة دون الاسعاد والاشقاء فانهما من صِفَاته تَعَالَى وَالْحَاصِل أَنه يحمل مَا دلّ على التبدل على أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى علم الْمَلَائِكَة الْمُسْتَند إِلَى مَا فِي الْمُصحف وَمَا دلّ على عدم التبدل على أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى علمه تَعَالَى (وَلم يمت قبل انقضا الْعُمر أحد) أى أَنه لَا يَمُوت أحد قبل انْقِضَاء أَجله وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي كتب الله فِي الْأَزَل انْتِهَاء حَيَاته فِيهِ بقتل أَو غَيره قَالَ الله تَعَالَى {فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}
(1/17)

والعطف فِي قَوْله (ولايستقدمون) على الْجُمْلَة الشّرطِيَّة مَعَ الظّرْف لَا الجزائية وَالْمعْنَى فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة فَمَا الظَّن بِمَا زَاد وَلَو كَانَ عطفا على الْجُمْلَة الجزائية لورد أَن الاستقدام عِنْد المجىء لَا يتَصَوَّر وَالْمَوْت فائم بِالْمَيتِ مَخْلُوق الله تَعَالَى لَا صنع للْعَبد فِيهِ خلقا وَلَا كسبا ومبنى هَذَا على أَن الْمَوْت وجودي بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى {خلق الْمَوْت والحياة} وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه عدمى وَمعنى خلق الْمَوْت قدره وَأما نقص الْعُمر الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى {وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب} فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ النَّقْص من عمر ذَلِك المعمر بل المُرَاد وَمَا ينقص من عمر معمر آخر وَالضَّمِير لَهُ وَإِن لم يذكر لدلَالَة مُقَابِله وَقيل فِي تَأْوِيله غير ذَلِك وَأما خبر الطَّبَرَانِيّ أَن الْمَقْتُول يتَعَلَّق بقاتله يَوْم الْقِيَامَة وَيَقُول يَا رب ظَلَمَنِي وَقطع أجلى فمتكلم فِي اسناده وَبِتَقْدِير صِحَّته فَهُوَ مَحْمُول على مقتول سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه لَو لم يقتل لَكَانَ يعْطى أَََجَلًا زَائِدا (وَالنَّفس تبقى لَيْسَ تفنى لِلْأَبَد) أى أَن النَّفس وهى الرّوح تبقى بعد موت الْبدن منعمة أَو معذبة فَلَا تفنى عِنْد النفخة الأولى وَلَا غَيرهَا لِأَن الأَصْل فِي بَقَائِهَا بعد الْمَوْت استمراره وَتَكون من الْمُسْتَثْنى بقوله إِلَّا من شَاءَ الله كَمَا قيل فِي الْحور الْعين (والجسم يبْلى غير عجب الذَّنب) أى أَن الْجِسْم جَمِيعه يفنى وَيصير تُرَابا إِلَّا عجب الذَّنب فَإِنَّهُ لَا يبْلى لخَبر (لَيْسَ شىء من الأنسان إلايبلى إِلَّا عظما وَاحِدًا وَهُوَ عجب الذَّنب مِنْهُ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ فِي أَسْفَل الصلب عِنْد رَأس العصعص يشبه فِي الْمحل مَحل أصل الذَّنب من ذَوَات الْأَرْبَع وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى جسم الأنسان كالبذر بِالنِّسْبَةِ إِلَى جسم النَّبَات وَهُوَ بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْجِيم وَآخره بَاء موحده وَقد تبدل ميما وَحكى اللحيان تثليث الْعين فيهمَا فَهِيَ سِتّ لُغَات (وَمَا شَهِيد بَالِيًا وَلَا نبى أى ان الأَرْض لَا تاكل لحم الْأَنْبِيَاء وَلَا الشُّهَدَاء تكريما لَهُم فهم إحْيَاء فِي قُبُورهم عِنْد رَبهم يرْزقُونَ لقَوْله تَعَالَى {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله} الْآيَة للْخَبَر الصَّحِيح أَن الأَرْض لَا تَأْكُل لُحُوم الْأَنْبِيَاء إِذْ هم أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ ويحجون (كَمَا ورد // وَقَول النَّاظِم وَلَا نَبِي أى بَالِيًا وَزَاد بَعضهم الْمُؤَذّن الْمُحْتَسب لخَبر عبد الله بن عمر والمؤذن الْمُحْتَسب كالمتشحط فِي دَمه وَأَن مَاتَ لم يدود فِي قَبره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكبر ويدود بِكَسْر الْوَاو الْمُشَدّدَة اى لم يَأْكُلهُ الدُّود وَقَول النَّاظِم انقضا بِالْقصرِ للوزن وَالروح مَا أخبر عَنْهَا الْمُجْتَبى أَي الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنمسك الْمقَال عَنْهَا ادبا أى أَن حَقِيقَة الرّوح وَهِي النَّفس مَا أخبر عَنْهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد سُئِلَ عَنْهَا لعدم نزُول الْأَمر ببيانها قَالَ تَعَالَى {ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي} فنمسك الْمقَال عَنْهَا أدبا مَعَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا نعبر عَنْهَا بِأَكْثَرَ من مَوْجُود كَمَا قَالَ الْجُنَيْد الرّوح شَيْء أستأثر الله بِعِلْمِهِ وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا من خلقه فَلَا يجوز لِعِبَادِهِ الْبَحْث عَنهُ بِأَكْثَرَ من أَنه مَوْجُود وَإِلَى هَذَا ذهب أَكثر الْمُفَسّرين والخائضون فِيهَا أختلفوا على أَكثر من ألف قَول فَقَالَ جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين أَنَّهَا جسم لطيف متشبك بِالْبدنِ كاشتباك المَاء بِالْعودِ الْأَخْضَر واجاب الخائضون عَن الْآيَة بِأَنَّهُ ترك جَوَاب ذَلِك لقَوْل الْيَهُود فِيمَا بَينهم أَن لم يجب عَنْهَا فَهُوَ صَادِق لِأَن ذَلِك عِنْدهم من عَلَامَات نبوته فَكَانَ ترك الْجَواب تَصْدِيقًا لما تقدم فِي كتبهمْ من وَصفه بذلك وَلِأَن سُؤَالهمْ كَانَ سُؤال تعجيز وتغليط لِأَن الرّوح مُشْتَرك بَين روح الأنسان وَجِبْرِيل وَملك آخر يُقَال لَهُ الرّوح وصنف من الْمَلَائِكَة وَالْقُرْآن وَعِيسَى بن مَرْيَم فَلَو أُجِيب عَن وَاحِد مِنْهَا لقالت الْيَهُود لما نرد هَذَا تغتا مِنْهُم وأذى فجَاء الْجَواب مُجملا على وَجه يصدق على كل من مَعَاني الرّوح وَالْعلم أَسْنَى سَائِر الْأَعْمَال أى أَن
(1/18)

الْعلم أرفع وَأفضل من سَائِر الْأَعْمَال الَّتِي يتَقرَّب بهَا إِلَى الله تَعَالَى لأدلة أَكثر من أَن تحصر وَأشهر من أَن تذكر كَقَوْلِه تَعَالَى {شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ} وَقَوله تَعَالَى {إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء} وَخبر الصَّحِيحَيْنِ أذ مَاتَ أبن آدم أنقطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جاريه أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ) وَخبر أبن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحهمَا (أَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا لطَالب الْعلم رضَا بِمَا يصنع) وَخبر التِّرْمِذِيّ وَغَيره 0 فضل الْعَالم على العابد كفضلي عَليّ أدناكم) وللأن أَعمال الطَّاعَة مَفْرُوضَة ومندوبه والمفروض افضل من الْمَنْدُوب وَالْعلم مِنْهُ لِأَنَّهُ إِمَّا فرض عين وَإِمَّا فرض كفايه وَقَالَ سُفْيَان مَا أعلم عملا أفضل من طلب الْعلم وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ طلب الْعلم أفضل من صَلَاة النَّافِلَة وَقَالَ بَعضهم
وكل فَضِيلَة فِيهَا سناء
وجدت الْعلم من هاتيك أَسْنَى ... فَلَا تَعْتَد غير الْعلم ذخْرا
فَإِن الْعلم كنز لَيْسَ يفنى
وَالْألف وَاللَّام فِي الْعلم وللإستغراق أَو للْجِنْس أَو للْعهد الذكرى أَو الذهنى أى الشَّرْعِيّ الصَّادِق بالتفسير والْحَدِيث وَالْفِقْه (وَهُوَ دَلِيل الْخَيْر والإفضال) أى أَن الْعلم دَلِيل الْخَيْر أى الْفَوْز بالسعادة الأخروية والافضال الانعام قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سلك الله بِهِ طَرِيقا من طرق الْجنَّة) ثمَّ الْعلم يَنْقَسِم إِلَى فرض عين وَفرض كفايه وَقد شرع فِي ذكرهمَا مبتدئا بِالْأولِ مِنْهُمَا فَقَالَ ففرضه علم صِفَات الْفَرد (أَي أَن من فروض الْعين علم صِفَات الله تَعَالَى وَمَا يجب لَهُ وَيمْتَنع عَلَيْهِ كَكَوْنِهِ مَوْجُودا وَاحِدًا قَدِيما لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر وَلَا عرض وَلَا مُخْتَصّ بِجِهَة وَلَا مُسْتَقر على مَكَان حَيّ قَادر عليما مُرِيد سميع بَصِير بَاقِيا متكلما قديم الصِّفَات خَالِقًا أَفعَال الْعباد منزها عَن حُلُول الْحَوَادِث وَلَا يعْتَبر فِيهَا الْعلم بِالدَّلِيلِ بل يكفى فِيهَا الأعتقاد الْجَازِم (مَعَ كل مَا يَحْتَاجهُ الْمُؤَدِّي) أى الْمُكَلف بفرائض الله تَعَالَى (من فرض دين الله فِي الدَّوَام) أى فَرَائض الله تَعَالَى مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فعلهَا إِلَّا بِهِ (كالطهر) عَن الْحَدث بِوضُوء أَو غسل اَوْ تيَمّم والخبث مغلظا أَو متوسطا أَو مخففا وَالصَّلَاة وَالصِّيَام فَإِن من لَا يعلم أَرْكَان الْعِبَادَة وشروطها لَا يُمكنهُ أَدَاؤُهَا وَإِنَّمَا يتَعَيَّن تعلم الْأَحْكَام الظاهره دون الدقائق والمسائل الَّتِى لَا تعم بهَا الْبلوى وَخرج بقوله فِي الدَّوَام مَا لَا يجب فِي الْعُمر إِلَّا مرّة وَهُوَ الْحَج وَالْعمْرَة وَمَا لَا يجب فِي الْعَام إِلَّا مرّة وَهُوَ الزَّكَاة فَلَا يتَعَيَّن علم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أَدَائِهَا إِلَّا على من وَجَبت عَلَيْهِ فَمن لَهُ مَال زكوى يلْزمه تعلم ظواهر أَحْكَام الزَّكَاة وَأَن كَانَ ثمَّ ساع يَكْفِيهِ الْأَمر فقد يجب عَلَيْهِ مَا لَا يُعلمهُ الساعى وكالفرض فِي مَا ذكره النَّفْل إِذا اراد فعله إِذْ تعاطى الْعِبَادَة الْفَاسِدَة حرَام (وَالْبيع للمحتاج للتبايع) فَيتَعَيَّن على متعاطى البيع وَالشِّرَاء تعلم أحكامهما حَتَّى يتَعَيَّن على الصَّيْرَفِي أَن يعلم عدم جَوَاز بيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ إِلَّا مَعَ الْحُلُول والمماثلة وَالْقَبْض قبل التَّفَرُّق وَلَا بيع أحداهما بِالْآخرِ إِلَّا مَعَ الْحُلُول وَالْقَبْض قبل التَّفَرُّق (وَظَاهر الْأَحْكَام فِي الصَّنَائِع) فَيتَعَيَّن تعلم ظَاهر الْأَحْكَام الْغَالِب فِيهَا على من يعانيها دون الْفُرُوع النادرة والمسائل الدقيقة حَتَّى يتَعَيَّن على الخباز أَن يعلم أَنه لَا يجوز بيع خبز الْبر بِالْبرِّ وَلَا بدقيقه وَيتَعَيَّن علم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي المناكحات وَنَحْوهَا (وَعلم دَاء للقلوب مُفسد) لَهَا ليحترز عَنهُ وَهُوَ علم
(1/19)

أمراضها الَّتِى تخرجها عَن الصِّحَّة فَيعلم حَدهَا وسببها وعلاجها (كالعجب) وَهُوَ استعظام الْآدَمِيّ نَفسه على غَيره والركون إِلَيْهَا مَعَ نِسْيَان أضافتها للمنعم (وَالْكبر) وَهُوَ أَن يتَعَدَّى الشَّخْص طوره وَقدره وَهُوَ خلق فِي النَّفس وأفعال تصدر من الْجَوَارِح (وداء الْحَسَد) وَهُوَ كراهتك نعْمَة الله على غَيْرك ومحبتك زَوَالهَا عَنهُ وَمَا ذكره المُصَنّف نَقله فِي الرَّوْضَة عَن الْغَزالِيّ ثمَّ قَالَ وَقَالَ غَيره فِيهِ تَفْصِيل فَمن رزق قلبا سليما من هَذِه الامراض الْمُحرمَة كَفاهُ الله ذَلِك وَمن لم يسلم وَتمكن من تَطْهِير قلبه بِغَيْر تعلم الْعلم الْمَذْكُور وَجب تَطْهِيره وَأَن لم يتَمَكَّن إِلَّا بتعلمه وَجب اهثم ذكر الْقسم الثَّانِي وَهُوَ فرض الكفايه وَبِه شرع فِي أصُول الْفِقْه فَقَالَ (وَمَا سوى هَذَا من الْأَحْكَام فرض كفايه على الْأَنَام) أى مَا سوى فرض الْعين من علو أَحْكَام الله كالتوغل فِي علم الْكَلَام بِحَيْثُ يتَمَكَّن من إِقَامَة الْأَدِلَّة وأزالة الشّبَه فرض كفايه على جَمِيع الْمُكَلّفين الَّذين يُمكن كلا مِنْهُمَا فعله فَكل مِنْهُم مُخَاطب لفعله لَكِن إِذا فعله الْبَعْض سقط الْحَرج عَن البَاقِينَ فَإِن امْتنع جَمِيعهم من فعله أَثم كل من لَا عذر لَهُ مِمَّن علم ذَلِك وَأمكنهُ الْقيام بِهِ أَو لم يعلم وَهُوَ قريب يُمكنهُ الْعلم بِهِ بِحَيْثُ ينْسب إِلَى التَّقْصِير وَلَا أَثم على من لم يتَمَكَّن لعدم وُجُوبه عَلَيْهِ قَالَ الإِمَام فِي الْمَحْصُول وَأعلم أَن التَّكْلِيف فِيهِ أى فِي فرض الكفايه مَوْقُوف على حُصُول الظَّن الْغَالِب فَإِن غلب على ظن جمَاعَة أَن غَيرهَا يقوم بذلك سقط عَنْهَا وَأَن غلب على ظنهم أَن غَيرهم لَا يقوم بِهِ وَجب عَلَيْهِم وَأَن غلب على ظن كل طَائِفَة أَن غَيرهم يقوم بِهِ سقط الْفَرْض عَن كل وَاحِد من تِلْكَ الطوائف وَأَن كَانَ يلْزم مِنْهُ أَن لَا يقوم بِهِ أحد لِأَن تَحْصِيل الْعلم بِأَن غَيْرِي هَل يفعل هَذَا الْفِعْل أما لَا غير مُمكن إِنَّمَا الْمُمكن تَحْصِيل الظَّن أهوَ مَا ذكره النَّاظِم من أَن فرض الكفايه يتَعَلَّق بِجَمِيعِ الْأَنَام هُوَ الْأَصَح وَعَلِيهِ الْجُمْهُور وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالْألف والام فِي قَوْله الْأَحْكَام للْعهد أى أَحْكَام دين الله وَهِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وآلتها وَخرج بهَا غَيرهَا لِأَنَّهُ محرم أَو مَكْرُوه أَو مُبَاح فَالْأول كالفلسفة والشعبدة والتنجيم والرمل وعلوم الطبائعيين وَكَذَا السحر على الصَّحِيح وَالثَّانِي كأشعار المولودين المشتمله على الْغَزل والبطاله وَالثَّالِث كأشعارهم الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سخف وَلَا شَيْء مِمَّا يكره أَو ينشط على الشَّرّ أَو يثبط عَن الْخَيْر وَلَا يحث عَلَيْهِ أَو يستعان بِهِ عَلَيْهِ (كل مُهِمّ قصدُوا تحصله من غير أَن يعتبروا من فعله) أى ان فرض الكفايه يعرف بِأَنَّهُ كل مُهِمّ قصدُوا فِي الشَّرْع تَحْصِيله من غير أَن يعتبروا عين من يَفْعَله أى يقْصد حُصُوله فِي الْجُمْلَة فَلَا ينظر إِلَى فَاعله إِلَّا بتبع للْفِعْل ضَرُورَة أَنه لَا يحصل بِدُونِ فَاعل فَيتَنَاوَل مَا هُوَ ديني كَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر ودنيوي كالحرف والصنائع وَخرج فرض الْعين فَإِنَّهُ مَنْظُور بِالذَّاتِ إِلَى فَاعله حَيْثُ قصد حُصُوله من كل وَاحِد من الْمُكَلّفين أَو من عين مخصوصه كالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَا فرض عَلَيْهِ دون أمته وَلم يُقيد النَّاظِم التحصل بِالْجَزْمِ أحترازا عَن السّنة لِأَن الْغَرَض تَمْيِيز فرض الْكِفَايَة عَن فرض الْعين وَذَلِكَ حَاصِل بِمَا ذكره والقائم بِفَرْض الْعين أفضل من الْقَائِم بِفَرْض الكفايه لشدَّة أعتناء الشَّارِع بِهِ بِقَصْدِهِ حُصُوله من كل مُكَلّف فِي الْأَغْلَب ثمَّ مثل لفرض الْكِفَايَة بقوله (كأمر مَعْرُوف وَنهى الْمُنكر) الْمجمع عَلَيْهِ إِذْ هُوَ من أعظم قَوَاعِد الْإِسْلَام وَالْمرَاد بِهِ الْأَمر بواجبات الشَّرْع والنهى عَن محرماته فَإِن نصب الْأَمَام لذَلِك رجلا تعين عَلَيْهِ بِحكم الْولَايَة وَهُوَ الْمُحْتَسب وَسَوَاء فِي ذَلِك تعلق بِحُقُوق الله تَعَالَى جَمِيعًا كالأمر بِإِقَامَة الْجُمُعَة إِذا توفرت شُرُوطهَا أَو أفرادا كمن أخر الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة عَن وَقتهَا فَإِن قَالَ نسيتهَا حثه على المراقبة وَلَا يعْتَرض على من أَخّرهَا ووقتها باقى أَو تعلق بِحَق آدَمِيّ عَام كبلد تعطل شربه أَو أنهدم سوره أَو طرقه أَبنَاء السَّبِيل المحتاجون وَتركُوا معونتهم فَإِن كَانَ فِي بَيت المَال مَال وَأمكن
(1/20)

الْأَخْذ مِنْهُ لم يُؤمر النَّاس بذلك وَإِلَّا أَمر أهل المسكنة برعايتها أَو بِحَق خَاص كمطل الْمَدِين الْمُوسر فالمحتسب يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ مِنْهُ إِذا طلبه ربه من غير ضرب وَلَا حبس أَو تعلق بِحُقُوق مُشْتَركَة كأمر الولياء بِنِكَاح الْأَكفاء وإلزام النِّسَاء أَحْكَام الْعدَد وَأخذ السَّادة بِحُقُوق الأرقاء وَأَصْحَاب الْبَهَائِم بتعهدها وَأَن لَا يستعملوها فِيمَا لَا تُطِيقهُ أَو من تصدى للتدريس أَو الْوَعْظ وَلَيْسَ هُوَ من أَهله وَلَا يُؤمن اعتزاز النَّاس بِهِ فِي تَأْوِيل أَو تَحْرِيف أنكر عَلَيْهِ الْمُحْتَسب وَشهر أمره لِئَلَّا يفتر بِهِ وَإِذا رأى رجلا وَاقِفًا مَعَ امْرَأَة فِي شَارِع يطرقه النَّاس لم يُنكر عَلَيْهِ أَو خَال فَمحل رِيبَة فينكره وَيَقُول لَهُ إِن كَانَت محرمك فصنها عَن مَوَاقِف الرِّيبَة وَلَا يُنكر فِي حُقُوق الْآدَمِيّين كتعديه فِي جِدَار جَاره إِلَّا بِطَلَب صَاحب الْحق (وَأَن يظنّ النهى لم يُؤثر) أى لَا يسْقط الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر بظنه أَنه لَا يُفِيد أَو بِعِلْمِهِ ذَلِك بِالْعَادَةِ بل يجب عَلَيْهِ الْأَمر والنهى فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ وَلَيْسَ الْوَاجِب عَلَيْهِ قبُوله ذَلِك مِنْهُ لقَوْله تَعَالَى {وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ} وَلَا يشْتَرط فِي الْآمِر والناهي كَونه ممتثلا مَا أَمر بِهِ مجتنبا مَا نهى عَنهُ بل يجب عَلَيْهِ الْأَمر والنهى فِي حق نَفسه وَحقّ غَيره فَإِن أخل بِأَحَدِهِمَا لم يجز الاخلال بِالْآخرِ وَلَا يخْتَص المأر والنهى بأرباب الولايات والمراتب بل ذَلِك ثَابت لآحاد الْمُسلمين وَاجِب عَلَيْهِم وعَلى الْمُكَلف تَغْيِير الْمُنكر بأى وَجه أمكنه وَلَا يكفى الْوَعْظ لمن أمكنه إِزَالَته بِالْيَدِ وَلَا تكفى كَرَاهَة الْقلب لمن قدر على النهى بِاللِّسَانِ وَإِنَّمَا يَأْمر وَينْهى من كَانَ عَالما بِمَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ وَذَلِكَ يخْتَلف بِحَسب الْأَشْيَاء فَإِن كَانَ من الْوَاجِبَات الظَّاهِرَة أَو الْمُحرمَات الْمَشْهُورَة كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزِّنَا وَالْخمر وَنَحْوهَا فَلِكُل الْمُسلمين عُلَمَاء بهَا وَإِن كَانَ من دقائق الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَمَا يتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ لم يكن للعوام الِابْتِدَاء بانكاره بل ذَلِك للعاملين بهَا ويلتحق بهم من أعلمهُ الْعلمَاء بِكَوْنِهِ مجمعا عَلَيْهِ ثمَّ الْعلمَاء إِنَّمَا يُنكرُونَ الْمجمع على تَحْرِيمه أَو مَا أعتقد فَاعله تَحْرِيمه وَأما الْأَمر بالمندوب فمندوب أما الْمُخْتَلف فِيهِ إِذا فعله من لَا يعْتَقد تَحْرِيمه فَلَا يُنكره عَلَيْهِ لَكِن إِن نَدبه على وَجه النصح لِلْخُرُوجِ من الْخلاف فمحبوب وَيكون بِرِفْق لِأَن الْعلمَاء متفقون على أستحباب الْخُرُوج من الْخلاف إِذا لم يلْزم مِنْهُ إخلال بِسنة ثَابِتَة أَو وُقُوع فِي خلاف آخر وَيَنْبَغِي أَن يرفق فِي تَغْيِير الْمُنكر بالجاهل وبالظالم الَّذِي يخَاف شَره فان ذَلِك أدعى إِلَى قبُول قَوْله وَإِزَالَة الْمُنكر وَإِن قدر على الِاسْتِعَانَة بِغَيْرِهِ وَلم يسْتَقلّ بِهِ اسْتَعَانَ مَا لم يؤد إِلَى إِظْهَار سلَاح وَحرب فَإِن عجز رفع ذَلِك إِلَى صَاحب الشَّوْكَة فَإِن عجز عَن جَمِيع ذَلِك كرهه بِقَلْبِه قَالَ جمع من علم خمرًا فِي بَيت رجل أَو طنبور أَو علم شربه أَو ضربه فَعَلَيهِ أَن يهجم على صَاحب الْبَيْت ويريق الْخمر ويفصل الطنبور وَيمْنَع أهل الْبَيْت الشّرْب وَالضَّرْب فَإِن لم ينْتَهوا فَلهُ قِتَالهمْ وَإِن أَتَى الْقِتَال عَلَيْهِم وَهُوَ مثاب على ذَلِك حَتَّى لَو رأى مكبا على مَعْصِيّة كزنا وَشرب خمر فَلهُ مَنعه وَإِن أَتَى الدّفع عَلَيْهِ فَلَا ضَمَان وَلَيْسَ للْآمِر والناهي الْبَحْث والتنقيب والتجسس واقتحام الدّور بالظنون بل إِن رأى شَيْئا غَيره قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَإِن غلب على ظن الْمُحْتَسب أَو غَيره استسرار قوم بالمنكر بأمارة أَو آثَار ظَهرت فَذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون فِيهِ انتهاك حُرْمَة يفوت تداركها كَأَن أخبرهُ من يَثِق بصدقه بِأَن رجلا خلا بِرَجُل ليَقْتُلهُ أَو بِامْرَأَة ليزني بهَا فَيجوز لَهُ التَّجَسُّس والإقدام على الْكَشْف وَالْإِنْكَار وَالثَّانِي مَا قصر على هَذِه الْمرتبَة فَلَا يجوز فِيهِ الْكَشْف والتجسس وَلَا يسْقط الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَّا بِأَن يخَاف مِنْهُ على نَفسه أَو عضوه أَو منفعَته أَو مَاله أَو يخَاف على غَيره مفْسدَة أعظم من مفْسدَة الْمُنكر الْوَاقِع (أَحْكَام شرع الله) جمع حكم وَهُوَ خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف بالاقتضاء أَو التَّخْيِير فالخطاب تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للأفهام وَالْمرَاد بِهِ هُنَا كَلَامه النَّفْسِيّ الأزلي الْمُسَمّى فِي الْأَزَل خطابا وبإضافته إِلَى الله تَعَالَى خرج خطاب من سواهُ إِذْ لَا يحكم إِلَّا حكمه والمكلف الْبَالِغ الْعَاقِل وَيتَعَلَّق بِفِعْلِهِ تعلقا معنويا قبل وجوده أَو بعده قبل الْبعْثَة وتنجيزيا بعد وجوده بعد الْبعْثَة إِذْ لَا حكم قبلهَا وَخرج بِفعل الْمُكَلف خطاب اله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِذَاتِهِ وَصِفَاته وأفعاله وَذَوَات الْمُكَلّفين وبالجمادات وبفعل الْمُكَلّفين
(1/21)

لَا بالاقتضاء والتخيير وَلَا خطاب يتَعَلَّق بِفعل غير الْبَالِغ الْعَاقِل وَولي الصَّبِي وَالْمَجْنُون مُخَاطب بأَدَاء مَا وَجب فِي مَا لَهما مِنْهُ كَالزَّكَاةِ وَضَمان الْمُتْلف كَمَا يُخَاطب صَاحب الْبَهِيمَة بِضَمَان مَا أتلفته حَيْثُ فرط فِي حفظهَا لتنزل فعلهَا فِي هَذِه الْحَالة منزلَة فعله وَصِحَّة عبَادَة الصَّبِي كصلاته وصومه المثاب عَلَيْهَا لَيْسَ لِأَنَّهُ مَأْمُور بهَا كَمَا فِي الْبَالِغ بل ليعتادها فَلَا يَتْرُكهَا بعد بُلُوغه (سبع تقسم الْفَرْض وَالْمَنْدُوب وَالْمحرم وَالرَّابِع الْمَكْرُوه ثمَّ مَا أُبِيح وَالسَّادِس الْبَاطِل وأختم بِالصَّحِيحِ) وَسَيَأْتِي بَيَانهَا وَمَا جرى عَلَيْهِ من أَن الْأَحْكَام سَبْعَة بأدراج الصَّحِيح وَالْبَاطِل من خطاب الْوَضع فِيهَا وَهُوَ جعل الشَّيْء سَببا أَو شرطا أَو مَانِعا أَو صَحِيحا أَو بَاطِلا رأى مَرْجُوح وَالْمَشْهُور عدم شُمُول الحكم للخطاب الوضعي وَوَجهه الْحصْر فِيمَا ذكره أَن الحكم إِن تعلق بالمعاملات فإمَّا بِالصِّحَّةِ أَو بِالْبُطْلَانِ أَو بِغَيْرِهِمَا فَهُوَ إِمَّا طلب أَو إِذن فِي الْفِعْل وَالتّرْك على السوَاء والطلب إِمَّا طلب فعل أَو ترك وكل مِنْهُمَا إِمَّا جازم أَو غير جازم فَطلب الْفِعْل الْجَازِم الْإِيجَاب وَغير الْجَازِم النّدب وَطلب التّرْك الْجَازِم التَّحْرِيم وَغير الْجَازِم الْكَرَاهَة وَالْإِذْن فِي الْفِعْل وَالتّرْك على السوَاء الْإِبَاحَة وَزَاد جمع متأخرون خلاف الأولى فَقَالُوا إِن كَانَ طلب التّرْك الْغَيْر الْجَازِم بنهي مَخْصُوص فكراهة والإفخلاف الأولى وَأما المتقدمون فيطلقون الْمَكْرُوه على ذِي النهى الْمَخْصُوص وَغَيره وَقد يَقُولُونَ فِي الأول مَكْرُوه كَرَاهَة شَدِيدَة وَعلم مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَن جعل المُصَنّف الْأَحْكَام هَذِه السَّبْعَة فِيهِ تجوز لِأَنَّهَا متعلقاتها لَا أَنْفسهَا إِذْ الْإِيجَاب هُوَ الحكم وَالْوُجُوب أَثَره وَالْوَاجِب مُتَعَلقَة وَكَذَا الْبَقِيَّة فَالْحكم الَّذِي هُوَ خطاب الله تَعَالَى إِذا نسب إِلَى الْحَاكِم سمى إِيجَابا أَو تَحْرِيمًا أَو إِلَى مَا فِيهِ الحكم وَهُوَ الْفِعْل سمى وجوبا أَو وَاجِبا أَو حُرْمَة أَو حَرَامًا فالإيجاب وَالْوَاجِب مثلا متحدان بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بالإعتبار وَيَأْتِي مثل ذَلِك فِي النّدب وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة وَالْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه والمباح وَيُسمى الْفَرْض وَاجِبا ومحتوما ومكتوبا خلافًا لأبي حنيفَة حَيْثُ ذهب إِلَى أَن الْفَرْض أثبت بِدَلِيل قَطْعِيّ وَالْوَاجِب مَا ثَبت بِدَلِيل ظَنِّي وَيُسمى الْمحرم حَرَامًا ومحظورا وذنبا ومعصية ومزجورا عَنهُ ومتوعدا عَلَيْهِ أَي من الشَّرْع وَيُسمى الْمُبَاح حَلَالا وطلقا وجائزا وَإِنَّمَا لم يتَعَرَّض المُصَنّف للرخصة والعزيمة لاندراجهما فِيمَا ذكره لِأَن الحكم الشَّرْعِيّ إِن تغير تعلقه من صعوبة على الْمُكَلف إِلَى سهوله عَلَيْهِ كَأَن تغير من الْحُرْمَة إِلَى الْإِبَاحَة لعذر مَعَ قيام السَّبَب للْحكم الْأَصْلِيّ المتخلف عَنهُ للْعُذْر فَالْحكم الْمُتَغَيّر إِلَيْهِ السهل الْمَذْكُور يُسمى رخصَة وَاجِبا كَانَ كَأَكْل الْميتَة للْمُضْطَر أَو مَنْدُوبًا كالقصر للْمُسَافِر سفرا مُبَاحا يبلغ ثَلَاثَة أَيَّام أَو مُبَاحا كالسلم أَو خلاف الأولى كفطر الْمُسَافِر الَّذِي لَا يجهده الصَّوْم وَإِن لم يتَغَيَّر الحكم كَمَا ذكره فعزيمة وَبَعْضهمْ خص الْعَزِيمَة بِالْوَاجِبِ وَبَعْضهمْ عممها للْأَحْكَام الْخَمْسَة (فالفرض مَا فِي فعله الثَّوَاب كَذَا على تَاركه الْعقَاب) أَي إِن الْفَرْض من حَيْثُ وَصفه بالفرضية مَا يُثَاب فَاعله على فعله ويعاقب على تَركه وَتَنَاول قَوْله مَا فِي فعله الثَّوَاب الْفَرْض وَالْمَنْدُوب وَخرج بِهِ الْحَرَام وَالْمَكْرُوه والمباح وَخرج بقوله كَذَا على تَاركه الْعقَاب الْمَنْدُوب ويكفى فِي صدق الْعقَاب وجوده لوَاحِد من العصاة مَعَ الْعَفو عَن غَيره فَلَا يخرج من تَعْرِيف المُصَنّف الْوَاجِب المعفو عَنهُ أَو يُرِيد بالعقاب ترتبه على تَركه فَلَا ينافى الْعَفو وَهَذَا تَعْرِيف رسمي فَيصح باللازم وَظَاهر أَن الْوَاجِب الَّذِي لَا يتَوَقَّف أجزاؤه على نِيَّة كَنَفَقَة الزَّوْجَات والأقارب والأرقاء ورد الْمَغْصُوب والعوارى والودائع يعْتَبر فِي الْآيَة فَاعله قَصده التَّقَرُّب بِهِ (وَمِنْه مَفْرُوض على الْكِفَايَة) أَي أَن الْفَرْض الْمَذْكُور يَشْمَل فرض الْعين والكفاية لسُقُوط الْفَرْض فِيهِ بِفعل الْبَعْض وَلَا مُنَافَاة كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ بَين قَول الْأُصُولِيِّينَ أَن فرض الْكِفَايَة يسْقط بِفعل الْبَعْض وَقَول الْفُقَهَاء لَو صلى على الْجِنَازَة طَائِفَة أُخْرَى
(1/22)

وَقعت صلَاتهم فرضا أَيْضا وَإِذا سقط الْفَرْض بِالْأولَى كَيفَ يَقع غَيرهَا فرضا لِأَن عبارَة الْمُحَقِّقين أسقط الْحَرج عَن البَاقِينَ أَي لَا حرج عَلَيْهِم فِي ترك هَذَا الْفِعْل فَلَو فَعَلُوهُ وَقع فرضا كَمَا لَو فَعَلُوهُ مَعَ الْأَوَّلين دفْعَة وَاحِدَة وَأجِيب عَنهُ أَيْضا بِأَن فرض الْكِفَايَة قِسْمَانِ أَحدهمَا مَا يحصل بِفِعْلِهِ تَمام الْمَقْصُود مِنْهُ وَلَا يقبل الزِّيَادَة كَغسْل الْمَيِّت وتكفينه فَهَذَا هُوَ الَّذِي يسْقط بِفعل الْبَعْض وَالثَّانِي تتجدد مصْلحَته بتكرار الفاعلين لَهُ كالاشتغال بِالْعلمِ وَحفظ الْقُرْآن وَصَلَاة الْجِنَازَة إِذْ مقصودها الشَّفَاعَة فَهَذَا كل أحد مُخَاطب بِهِ وَإِذا فعله يَقع فرضا سَوَاء أتقدمه غَيره بِفِعْلِهِ أم لَا ثمَّ مثل فرض الْكِفَايَة بقوله (كرد تَسْلِيم من الْجَمَاعَة) أَي كرد تَسْلِيم الْمُسلم الْوَاحِد على الْجَمَاعَة فيكفى فِي جَوَابه رد مُكَلّف وَاحِد مِنْهُم فِي إِسْقَاط الْإِثْم عَنْهُم بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ السَّلَام على وَاحِد فَقَط فَإِن رده فرض عين فَإِذا تَركه أَثم هُوَ وَحده (وَالسّنة المثاب من قد فعله وَلم يُعَاقب امْرُؤ إِن أهمله) أَي أَن السّنة من حَيْثُ وصفهَا بهَا مَا يُثَاب فَاعله عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقب على تَركه فَشَمَلَ قَوْله المثاب من قد فعله الْفَرْض وَالسّنة وَخرج بِهِ الْحَرَام وَالْمَكْرُوه والمباح وَخرج بِمَا بعده الْوَاجِب (وَمِنْه مسنون على الْكِفَايَة كالبدء بِالسَّلَامِ من جمَاعَة) أَي أَن السّنة تَنْقَسِم إِلَى سنة عين كالوتر وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ وَإِلَى سنة كِفَايَة وَقد مثل لَهَا بابتداء السَّلَام من جمَاعَة وَأَشَارَ بِالْكَاف إِلَى عدم الْحصْر فَمِنْهُ الْأَذَان وَالْإِقَامَة وتشميت الْعَاطِس وَالْأُضْحِيَّة وَالتَّسْمِيَة عِنْد الْأكل من جمَاعَة وَكَذَا مَا يفعل بِالْمَيتِ مِمَّا يسن كتوجيهه للْقبْلَة وتغميض عَيْنَيْهِ وَشد لحييْهِ وتثليث غسله ولفائفه وتوضيئه وتغسيله بسدر أَو خطمى وَغير ذَلِك مِمَّا يكثر تعداده وَأَحْكَام السَّلَام كَثِيرَة فابتداؤه على كل مُسلم وَلَو صَبيا سنة عين إِن كَانَ الْمُسلم وَاحِدًا وَسنة كِفَايَة إِن كَانَ جمَاعَة ورده وَلَو كَانَ الْمُسلم صَبيا فرض عين إِن كَانَ الْمُسلم عَلَيْهِ وَاحِدًا مُكَلّفا وَفرض كِفَايَة إِن كَانَ جمَاعَة وَشَرطه ابْتِدَاء وردا إسماع لَهُ واتصال كاتصال الْإِيجَاب بِالْقبُولِ فَإِن شكّ فِي سَمَاعه زَاد فِي الرّفْع فَإِن كَانَ عِنْده نيام خفض صَوته بِحَيْثُ لَا يوقظهم والقارىء كَغَيْرِهِ فِي ندب السَّلَام عَلَيْهِ وَوُجُوب رده بِاللَّفْظِ وَلَا يكفى رد صبي وَمَجْنُون مَعَ وجود مُكَلّف وَلَا رد غير الْمُسلم عَلَيْهِم وَيجب الْجمع بَين اللَّفْظ وَالْإِشَارَة على من رد على أَصمّ وَمن سلم عَلَيْهِ جمع بَينهمَا وتجزيء إِشَارَة الْأَخْرَس ابْتِدَاء وردا وصيغته ابْتِدَاء السَّلَام عَلَيْكُم أَو سَلام عَلَيْكُم ويجزىء عَلَيْكُم السَّلَام مَعَ الْكَرَاهَة وَتسن صِيغَة الْجمع فِي السَّلَام على الْوَاحِد لأجل الْمَلَائِكَة وَيحصل أصل السّنة فِيهِ بِالْإِفْرَادِ وَالْإِشَارَة بِهِ بِلَا لفظ خلاف الأولى وَلَا يجب لَهَا رد وَالْجمع بَينهَا وَبَين اللَّفْظ أفضل وصيغته ردا وَعَلَيْكُم السَّلَام أَو وَعَلَيْك السَّلَام للْوَاحِد وَكَذَا لَو ترك الْوَاو فَإِن عكس جَازَ وَلَا يجزىء وَعَلَيْكُم فَقَط وتعريفه أفضل وَزِيَادَة وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ابْتِدَاء وردا أكمل وَإِن سلم كل على الآخر مَعًا لزم كلا مِنْهُمَا الرَّد أَو مُرَتبا كفى الثَّانِي سَلَامه رد أَو إِن سلم عَلَيْهِ جمَاعَة كَفاهُ وَعَلَيْكُم السَّلَام بقصدهم وَينْدب أَن يسلم الرَّاكِب على الْمَاشِي والماشي على الْوَاقِف وَالصَّغِير على الْكَبِير والقليل على الْكثير فِي حَالَة تلاقي فَلَو عكس لم يكره وَيسلم الْوَارِد مُطلقًا على من ورد عَلَيْهِ وَيكرهُ تَخْصِيص الْبَعْض من الْجمع بِالسَّلَامِ ابْتِدَاء وردا وَيسن السَّلَام للنِّسَاء مَعَ بَعضهنَّ وغيرهن إِلَّا مَعَ الرِّجَال الْأَجَانِب فَيحرم السَّلَام على الْأَجْنَبِيّ من الشَّابَّة ابْتِدَاء وردا ويكرهان عَلَيْهَا وَلَا يكره سَلام الْجمع الْكثير من الرِّجَال عَلَيْهَا وَيسن ابْتِدَاء السَّلَام من الْعَجُوز وَجمع من النسْوَة على غَيْرهنَّ وَعَكسه وَيجب الرَّد كَذَلِك وَلَو سلم بالعجمية جَازَ إِن أفهم الْمُخَاطب وَلَا يبْدَأ بِهِ فَاسِقًا وَلَا مبتدعا وَلَا يردهُ عَلَيْهِمَا إِلَّا لعذر وَلَا يجب رده على مَجْنُون وسكران وَيحرم ابْتِدَاء الْكَافِر بِهِ فَإِن بِأَن من سلم عَلَيْهِ كَافِر فَلْيقل لَهُ استرجعت سلامي وَإِن سلم الذِّمِّيّ على مُسلم قَالَ لَهُ وَعَلَيْك وَيجب اسْتِثْنَاؤُهُ
(1/23)

بِقَلْبِه إِن كَانَ بَين مُسلمين وَلَا يبْدَأ بِتَحِيَّة غير السَّلَام إِلَّا لعذر وَلَو قَامَ عَن مجْلِس فَسلم وَجب الرَّد وَينْدب لمن دخل دَاره أَن يسلم على أَهله أَو موضعا خَالِيا فَلْيقل السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين وَلَا يسلم على من فِي حمام أَو يقْضى حَاجته أَو يَأْكُل أَو يصلى أَو يُؤذن وَالضَّابِط أَن يكون الشَّخْص بِحَالَة لَا يَلِيق بالمروءة الْقرب مِنْهُ فِيهَا فَيدْخل النَّائِم والناعس والخطيب وَلَا يلْزم من لَا يسْتَحبّ السَّلَام عَلَيْهِ رده نعم يجب الرَّد على مستمع خطْبَة الْجُمُعَة مَعَ كَون السَّلَام عَلَيْهِ غير مسنون وَيسْتَحب للملبى رده بِاللَّفْظِ وَيكرهُ الرَّد لمن يَبُول أَو يُجَامع أَو نَحْوهمَا وَيسن لمن يَأْكُل أَو فِي الْحمام وَيسن للمصلى وَنَحْوه بِالْإِشَارَةِ وَيسن إرْسَال السَّلَام إِلَى غَائِب برَسُول أَو كتاب وَيجب على الرَّسُول التَّبْلِيغ وعَلى الْمُرْسل إِلَيْهِ الرَّد فَوْرًا وَيسْتَحب الرَّد على الْمبلغ أَيْضا وَينْدب أَن يحرص كل من المتلاقيين على الْبدَاءَة بِهِ ويتكرر بِتَكَرُّر التلاقي وَيبدأ بِهِ قبل الْكَلَام وَإِن كَانَ مارا فى سوق أَو جمع لَا ينتشر فيهم السَّلَام الْوَاحِد سلم على من يَلِيهِ فَقَط أَولا وَإِن تخطى وَجلسَ إِلَى من لم يسمع سَلَامه سلم ثَانِيًا وَلَا يسْقط الْفَرْض عَن الْأَوَّلين برد الآخرين وَلَا يتْرك السَّلَام خوف عدم الرَّد (أما الْحَرَام فالثواب يحصل لتارك وآثم من يفعل) أَي أَن الْحَرَام وَلَو بِاعْتِبَار ظن الْمُكَلف من حَيْثُ وَصفه بِالْحُرْمَةِ مَا يُثَاب تَاركه إِذا تَركه امتثالا وَيَأْثَم فَاعله إِذا أقدم عَلَيْهِ عَالما بِتَحْرِيمِهِ وَتَنَاول قَوْله فالثواب يحصل لتارك سَائِر أَنْوَاع الْحَرَام وَخرج بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح وَخرج بقوله وآثم من يفعل الْمَكْرُوه وَعدل هُنَا عَن قَول غَيره ويعاقب على فعله لاحتياجه إِلَى التَّأْوِيل بِأَنَّهُ يكفى فِي صدق الْعقَاب وجوده لوَاحِد من العصاة مَعَ الْعَفو عَن غَيره أَو يُرِيد ترَتّب الْعقَاب على فعله فَلَا ينافى الْعَفو (وفاعل الْمَكْرُوه لم يعذب بل أَن يكف لامتثال يثب) أَي إِن فَاعل الْمَكْرُوه لَا يعذب على فعله ويثاب على تَركه إِن تَركه امتثالا وَخرج بِمَا ذكره الْحَرَام وَالْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح وَفِي نُسْخَة بدل لم يعذب لم يُعَاقب (وَخص مَا يُبَاح باستواء الْفِعْل وَالتّرْك على السوَاء) أَي إِن الْمُبَاح من حَيْثُ وَصفه بِالْإِبَاحَةِ خص باستواء فعله وَتَركه على السوَاء بِأَن أذن الشَّارِع فِي فعله وَتَركه على السوَاء من غير تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر باقتضاء مدح أَو ذمّ وَخرج بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْحرَام وَالْمَكْرُوه (لَكِن إِذا نوى بِأَكْلِهِ الْقوي لطاعة الله لَهُ مَا قد نوى) أَي إِن الْمُكَلف إِذا نوى بِفعل الْمُبَاح التَّقْوَى لطاعة الله تَعَالَى لَهُ مَا قد نوى فيثاب عَلَيْهِ كَأَن نوى بِأَكْلِهِ الْمُبَاح التَّقْوَى على الْعِبَادَة أَو بنومه النشاط لَهَا وكما يُثَاب على الْمُبَاح إِذا فعله بِقصد التَّقْوَى على الْعِبَادَة كَذَلِك يَأْثَم بِهِ إِذا فعله بالتقوى على الْمعْصِيَة وَاللَّام فِي قَوْله لطاعة الله تعليلية أَو بِمَعْنى على أَو فِي (أما الصَّحِيح فِي الْعِبَادَات فَمَا وَافق شرع الله فِيمَا حكما) أَي أَن الصَّحِيح فِي الْعِبَادَات مَا وَافق شرع الله فِي وُقُوعه بِأَن استجمع مَا يعْتَبر فِيهِ شرعا من أَرْكَان وشروط وَلَو فِي ظن فَاعله وَإِن لم يسْقط الْقَضَاء وَقيل هُوَ مَا أسقط الْقَضَاء فَمن صلى مُحدثا ظَانّا طَهَارَته ثمَّ تبين لَهُ حَدثهُ صلَاته صَحِيحَة على الأول لموافقتها الشَّرْع اعْتِمَادًا على ظَنّه بَاطِلَة على الثَّانِي وَكَذَلِكَ صَلَاة فَاقِد الطهُورَيْنِ لوُجُوبهَا عَلَيْهِ حِين إِذْ على حسب طاقته فَهِيَ مُوَافقَة للشَّرْع (وَفِي الْمُعَامَلَات مَا ترتبت عَلَيْهِ آثَار بِعقد ثبتَتْ) أَي أَن الصَّحِيح فِي الْمُعَامَلَات مَا ترتبت عَلَيْهِ آثاره وَهِي مَا شرع ذَلِك العقد لَهُ كالملك فِي البيع وَحل الْوَطْء فِي النِّكَاح وَحل الِانْتِفَاع فِي الْإِجَارَة وَعدم الضَّمَان وَاسْتِحْقَاق الْمَشْرُوط من
(1/24)

الرِّبْح فِي الْقَرَاض وبينونة الزَّوْجَة فِي الْخلْع فالصحة مُوَافقَة الْفِعْل ذِي الْوَجْهَيْنِ فِي وُقُوعه الشَّرْع عبَادَة كَانَ أَو مُعَاملَة (وَالْبَاطِل الْفَاسِد للصحيح ضد وَهُوَ الَّذِي بعض شُرُوطه فقد) أَي إِن الْبَاطِل هُوَ الْفَاسِد وَهُوَ ضد الصَّحِيح مَا فقد بعض معتبراته وَهِي مُرَادة بِالشُّرُوطِ فهما اسمان مُتَرَادِفَانِ لمسمى وَاحِد خلافًا للحنفية وَقَول إمامنا الشَّافِعِي وكل فعل محرم يقْصد بِهِ التَّوَصُّل إِلَى اسْتِبَاحَة مَا جعل الشَّرْع أَصله على التَّحْرِيم أَو رد عَلَيْهِ العقد فِي وَقت ضيق الْمَكْتُوبَة فَإِن المتلفظ بِالْعقدِ تَارِك لتكبيرة الْإِحْرَام وَتركهَا حِينَئِذٍ محرم فَهَذَا محرم توصل بِهِ إِلَى اسْتِبَاحَة الْأَمْلَاك وَأَصلهَا على الْحَظْر مَعَ أَنه لَيْسَ بفاسد أهم وَأجَاب عَنهُ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ غير وَارِد لِخُرُوجِهِ بقوله مَا جعل الشَّرْع أَصله على التَّحْرِيم إِذْ الأَصْل فِي الْمَنَافِع الْحل فَلم يتَوَصَّل بِالْعقدِ الْمَذْكُور إِلَى اسْتِبَاحَة مَا جعل الشَّرْع أَصله على التَّحْرِيم وَبِقَوْلِهِ فعل محرم فَإِن الْمحرم حَيْثُ أطلق انْصَرف إِلَى مَا حرم لذاته والتلفظ بِالْعقدِ الْمَذْكُور إِنَّمَا حرم لعَارض وَفرق أَصْحَابنَا بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الْحَج وَالْعَارِية وَالْخلْع وَالْكِتَابَة وَزَاد الشَّيْخ زين الدّين الكتنانى أَرْبَعَة أخر وَهِي الْوكَالَة وَالْإِجَارَة والجزية وَالْعِتْق قَالَ بَعضهم وَلَا ينْحَصر فِيهَا بل يجْرِي فِي سَائِر الْعُقُود وَمن صوره مَا لَو نكح بِلَا ولى فَهُوَ فَاسد يُوجب مهر الْمثل لَا الْحَد وَلَو نكح السَّفِيه بِلَا إِذن فَبَاطِل لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء وَقَول النَّاظِم فقد الْأَنْسَب بِنَاؤُه للْمَفْعُول وَيُوجد فِي بعض النّسخ (واستثن مَوْجُودا كَمَا لَو عدما كواجد المَاء إِذا تيمما) أَشَارَ باستثناء هَذِه وَمَا بعْدهَا إِلَى مَا زَاده الْقَرَافِيّ وَغَيره على الْأُصُولِيِّينَ فِي الْأَحْكَام الوضعية وَهُوَ التقديرات الشَّرْعِيَّة وَهِي ضَرْبَان أَحدهمَا إِعْطَاء الْمَوْجُود حكم الْمَعْدُوم كَالْمَاءِ الْمَوْجُود مَعَ مَرِيض يخَاف عَلَيْهِ من اسْتِعْمَاله على نفس أَو عُضْو أَو منفعَته فَإِنَّهُ ينْتَقل إِلَى التَّيَمُّم وَيقدر أَن هَذَا المَاء الْمَوْجُود مَعْدُوم لوُجُود الْعذر (وَمِنْه مَعْدُوم كموجود مثل كدية تورث عَن شخص قتل) أَي أَن الْمَعْدُوم يعْطى حكم الْمَوْجُود كالدية الموروثة عَن قَتِيل فَإِنَّهُ يقدر وجودهَا ودخولها فِي ملك الْمَوْرُوث فِي آخر جُزْء من حَيَاته فِي الْأَصَح حَتَّى يقْضى مِنْهَا دُيُونه مَعَ أَنَّهَا مَعْدُومَة حَال التَّقْدِير الْمَذْكُور وَوجه اسْتثِْنَاء هَاتين الصُّورَتَيْنِ من ضَابِط الْبَاطِل أَنَّهُمَا فقدتا بعض شُرُوطهَا وَمَعَ ذَلِك فهما صحيحتان بِاعْتِبَار التَّقْدِير وَمَا فِي قَول النَّاظِم كَمَا لَو عدما مصدريه وَالْألف فِي قَوْله عدما وتيمما للإطلاق وَقَوله مثل مَبْنِيّ للْمَفْعُول وخفف الثَّاء الْمُثَلَّثَة للوزن وَهَذَا آخر زِيَادَة النَّاظِم المتوالية = (كتاب الطَّهَارَة) =
الْكتاب لُغَة الضَّم وَالْجمع وَفِي الِاصْطِلَاح اسْم لجملة مُخْتَصَّة من الْعلم مُشْتَمِلَة على أَبْوَاب وفصول ومسائل غَالِبا وَالطَّهَارَة مصدر طهر بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا وَالْفَتْح أفْصح يطهر بضَمهَا فيهمَا وَهِي فِي اللُّغَة النَّظَافَة والخلوص من الأدناس حسية كَانَت كالأنجاس أَو معنوية كالعيوب وَشرعا زَوَال الْمَنْع الْمُتَرَتب على الْحَدث أَو الحبث أَو الْفِعْل الْمَوْضُوع لإِفَادَة ذَلِك أَو لإِفَادَة بعض آثاره كالتيمم فَإِنَّهُ يُفِيد جَوَاز الصَّلَاة الَّذِي هُوَ من آثَار ذَلِك فَهِيَ قِسْمَانِ وَلِهَذَا عرفهَا النَّوَوِيّ وَغَيره بِاعْتِبَار الْقسم الثَّانِي بِأَنَّهَا رفع حدث أَو إِزَالَة نجس أَو مَا فِي مَعْنَاهُمَا وعَلى صورتهما كالتيمم والأغسال المسنونة وتجديد الْوضُوء والغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة (وَإِنَّمَا يَصح تَطْهِير بِمَا أطلق) بِالْبِنَاءِ لما لم يسم فَاعله أَي إِنَّمَا يَصح التَّطْهِير فِي غير الاستحالة وَالتَّيَمُّم بِالْمَاءِ الْمُطلق وَأفَاد تَعْبِيره بأنما المفيدة للحصر حصر التَّطْهِير فِي المَاء الْمُطلق وَهُوَ كَذَلِك لقَوْله تَعَالَى {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا} ذكر المَاء امتنانا فَلَو طهر غَيره فَاتَ الامتنان وَلما (4 غَايَة الْبَيَان)
(1/25)

يَأْتِي أما فِي الْحَدث وَهُوَ هُنَا أَمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمْنَع صِحَة الصَّلَاة حَيْثُ لَا مرخص فَلقَوْله تَعَالَى {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} الْآيَة وَأما فِي النَّجس فلخبر صبوا عَلَيْهِ أَي بَوْل الْأَعرَابِي ذنوبا من مَاء وَالْأَمر للْوُجُوب فَلَو رفع غير المَاء لم يجب التَّيَمُّم عِنْد فَقده وَلَا غسل الْبَوْل بِهِ وَلَا يُقَاس بِهِ غَيره لاخْتِصَاص الطُّهْر بِهِ تعبدا أَو لما حوى من الرقة واللطافة الَّتِي لَا تُوجد فِي غَيره وَدخل فِي عِبَارَته تَطْهِير دَائِم الْحَدث والغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالْوُضُوء المجدد والأغسال المسنونة وَتَنَاول المَاء جَمِيع أَنْوَاعه بِأَيّ صفة كَانَ من أَحْمَر وأسود ومنحل ثلج أَو برد ومنعقد ملح أَو حجر ومتصاعد من غليان المَاء لِأَنَّهُ مَاء حَقِيقَة وَينْقص المَاء بِقَدرِهِ وَخرج بِهِ مَالا يُسمى مَاء كتراب تيَمّم وَحجر استنجاء وأدوية دباغ وشمس وريح غَيرهَا حَتَّى التُّرَاب فِي غسلات النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة فَإِن المطهر لَهَا هُوَ المَاء بِشَرْط امتزاجه بِالتُّرَابِ فِي غسلة مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابهَا وَالْمُطلق مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم مَاء بِلَا قيد وَإِن قيد لموافقة الْوَاقِع كَمَاء بِئْر وثلج وَبرد فَدخل فِيهِ الْمُتَغَيّر كثيرا بِمَا لَا يُؤثر كطين وطحلب وَخرج بِهِ الْمُقَيد بِإِضَافَة نحوية كَمَاء الْورْد وبصفه كَمَاء دافق أَي مني وبلام عهد كَقَوْلِه فِي الْخَبَر نعم إِذا رَأَتْ المَاء أَي الْمَنِيّ (لَا مُسْتَعْمل) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء مُسْتَعْمل قَلِيل فِي فرض من رفع حدث وَإِزَالَة نجس وَالْمرَاد بِالْفَرْضِ مَا لَا بُد مِنْهُ آثم تَاركه أَولا فَشَمَلَ مَا تَوَضَّأ بِهِ الْحَنَفِيّ الَّذِي لَا يعْتَقد وجوب النِّيَّة وَمَا اغْتَسَلت بِهِ الْكَافِرَة ليحل وَطْؤُهَا وَمَا تَوَضَّأ بِهِ الصَّبِي وَاقْتضى كَلَام النَّاظِم أَنه غير مُطلق وَهُوَ كَذَلِك وَلَا يَحْنَث بشربه من حلف لَا يشرب مَاء وَلَا يَقع شِرَاؤُهُ إِن وكل فِي شِرَاء مَاء (وَلَا بِمَا) مَوْصُولَة أَو نكرَة مَوْصُوفَة (بطاهر مخالط تغيرا تغيرا إِطْلَاق الِاسْم غيرا فِي طعمه أَو رِيحه أَو لَونه وَيُمكن استغناؤه بصونه) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء تغير بطاهر مخالط لَهُ تغيرا كثيرا يمْنَع إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ وَيحدث لَهُ اسْما آخر سَوَاء أَكَانَ فِي طعمه أم رِيحه أم لَونه وَسَوَاء أَكَانَ التَّغَيُّر حسيا أم تقديريا كَمَا لَو وَقع فِيهِ مُوَافق لَهُ فِي صِفَاته كَمَاء مُسْتَعْمل أَو مَاء شجر أَو عرق فَلم يُغَيِّرهُ لكنه لَو قدر مُخَالفا لَهُ لغيره كثيرا وَيعْتَبر تَقْدِيره بأوسط الصِّفَات كلون الْعصير وَطعم الرُّمَّان وريح اللاذن بِخِلَاف النَّجس كبول انْقَطع رِيحه وَاخْتَلَطَ بِمَاء كثير وَلم يظْهر بِهِ تغير فَأَنا نقدره بأشد الصِّفَات كلون الحبر وَطعم الْخلّ وريح الْمسك وَخرج بِهِ مالم يتَغَيَّر أَو تغير لَا بِأحد الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة كالمسخن والمبرد أَو بأحدها لَا بمخالط كالمتغير بِمَا قرب مِنْهُ أَو بطول الْمكْث أَو بمجاور كدهن وكافور صلب وقطران إِن لم يخْتَلط بِالْمَاءِ أَو بِمَا يخالطه وَلَا غنى للْمَاء عَنهُ كالمتغير بطين أَو طحلب متفتت أَو نورة أَو زرنيخ بمقر المَاء أَو مَمَره أَوله عَنهُ غنى وَغَيره يَسِيرا فَكل مِنْهَا يطهر لبَقَاء إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ وَحَيْثُ لم يتَغَيَّر الخليط جَازَ اسْتِعْمَال الْجَمِيع لاستهلاكه وَبَقَاء الِاسْم وعَلى هَذَا يجب تَكْمِيل النَّاقِص عَن الطُّهْر بالمستهلك حَيْثُ لم يُجَاوز ثمنه ثمن المَاء المعجوز عَنهُ والمخالط مَالا يتَمَيَّز فِي رأى الْعين والمحاور بِخِلَافِهِ وَفِي تعلق بِمَا بتغيرا تضمين وَهُوَ أَن لَا يظْهر معنى الْبَيْت إِلَّا بآخر وَهُوَ عيب فِي الشّعْر خلافًا للأخفش وَقس عَلَيْهِ نَظَائِره وَالْألف فِي قَوْله تغيرا وغيرا للإطلاق (واستثن) أَيهَا النَّاظر مِمَّا تقدم (تغييرا) بمجاور تغيرا كثيرا (بِعُود صلب) فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لِأَن تغيره بذلك تروح لَا يمْنَع إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ (أوورق) من شجر تناثر وتفتت وَلَو كَانَ ربيعيا أَو بَعيدا عَن المَاء فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لعسر الِاحْتِرَاز عَنهُ فَإِن طرح وَلَو صَحِيحا وتفتت ضرّ لكَونه مخالطا مُسْتَغْنى عَنهُ أما غير المتفتت فمجاور وَقد مر أَنه لَا يضر وَخرج بالورق الثِّمَار الساقطة وَنَحْوهَا فتضر لِإِمْكَان الِاحْتِرَاز عَنْهَا غَالِبا (أَو طحلب) بِضَم الطَّاء مَعَ ضم اللَّام وَفتحهَا وكل مَا فِي مقرّ المَاء وممره فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لتعذر صون المَاء عَنهُ (أَو ترب) وَلَو مُسْتَعْملا مَا لم يسم طينا فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لِأَن التَّغَيُّر بِهِ مُجَرّد كدورة وَهِي لَا تسلب الطّهُورِيَّة وَمِمَّا يسْتَثْنى أَيْضا الْمُتَغَيّر بملح مائي وَإِن طرح
(1/26)

فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لانعقاده من المَاء كالجمد بِخِلَاف الْملح الْجبلي إِذا لم يكن فِي مقرّ المَاء وممره وَقَوله واستثن بِمَعْنى استدرك إِذْ هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع وَيُمكن أَن يَجْعَل مُنْقَطِعًا فِيمَا عدا الرَّابِعَة مُتَّصِلا فِيهَا بِنَاء على رأى من يَجْعَل التَّغَيُّر فِيمَا عَداهَا سالبا للإسم وَقد مر مَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرَّاجِح خِلَافه وَقَول النَّاظِم ترب إِحْدَى لُغَات التُّرَاب (وَلَا بِمَاء مُطلق حلته عين نَجَاسَة وَهُوَ دون الْقلَّتَيْنِ) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء مُطلق حلت فِيهِ عين نَجَاسَة وَالْحَال أَنه قَلِيل وَلَو جَارِيا وَلم يتَغَيَّر لتنجسه بهَا للْخَبَر الْآتِي وَخرج بِالْمَاءِ غَيره من الْمَائِع وَإِن كثر وَمن الجامد بتوسط رُطُوبَة فَإِنَّهُ ينجس فَإِن بلغ مَا تنجس بالملاقاة قُلَّتَيْنِ بِمَاء وَلَو طَاهِرا أَو متنجسا فطهور وَوصف النَّاظِم المَاء بالاطلاق قبل حلولها فِيهِ أَفَادَ بِهِ تنجس المَاء الطَّاهِر غير الطّهُور بحلولها فِيهِ بِالْأولَى وَفِي بعض النّسخ وَهُوَ بِدُونِ الْقلَّتَيْنِ (واستثن) أَيهَا الْوَاقِف (مَيتا دَمه لم يسل) عِنْد شقّ عُضْو مِنْهُ فِي حَيَاته كذباب ونمل وَنَحْو وعقرب وبق وقمل وبرغوث ووزغ فَلَا ينجس مَاء قَلِيلا وَلَو مَائِعا مالم يطْرَح فِيهِ مَيتا أَو غَيره لخَبر البُخَارِيّ إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فليغمسه كُله فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء زَاد أَبُو دَاوُد وَأَنه يَتَّقِي بجناحه الَّذِي فِيهِ الدَّاء أَمر بغمسه وَقد يفضى إِلَى مَوته فَلَو نجس المَاء لما أَمر بذلك وَقيس بالذباب مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا لَا يسيل دَمه بِخِلَاف نَحْو حَيَّة وضفدع فَلَو شككنا فِي سيل دَمه امتحن بِجِنْسِهِ فيجرح للْحَاجة كَمَا قَالَه الغزالى وَلَو كَانَ مِمَّا يسيل دَمه لَكِن لَا دم فِيهِ أَو فِيهِ دم لَا يسيل لصغره فَلهُ حكم مَا يسيل دَمه كَمَا ذكره القَاضِي أَبُو الطّيب فَإِن طرح فِيهِ مَيتا وَلَو كَانَ مِمَّا نشئوه مِنْهُ نجسه لندرته إِذْ لَا يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ وَكَذَا إِن غَيره (أَو لَا يرى بالطرف) أَي الْبَصَر (لما يحصل) لقلته كرشاش بَوْل أَو خمر فَلَا ينجس مَا حل فِيهِ لمَشَقَّة الِاحْتِرَاز عَنهُ وَلَو رأى قوي الْبَصَر مَا لَا يرَاهُ غَيره فَالظَّاهِر الْعَفو كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ وَغَيره كَمَا فِي سَماع نِدَاء الْجُمُعَة وكالماء فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ الْمَائِع وَالرّطب وَيسْتَثْنى أَيْضا مسَائِل مِنْهَا الْحَيَوَان غير الْآدَمِيّ إِذا وَقع فِي مَاء قَلِيل وعَلى منفذه نَجَاسَة وَخرج مِنْهُ حَيا فَإِنَّهُ لَا يُنجسهُ بِخِلَاف المستجمر فَإِنَّهُ يُنجسهُ وَمِنْهَا الْيَسِير عرفا من دُخان النَّجَاسَة وَمن شعر نجس من غير كلب وخنزير وَمن غُبَار السرجين وَقَوله يحصل بِكَسْر اللَّام للوزن ثمَّ عطف على قَوْله وَهُوَ بِدُونِ الْقلَّتَيْنِ قَوْله (أَو قُلَّتَيْنِ) وقدرهما (بالرطيل الرَّمْلِيّ) نِسْبَة لبلدة بِالشَّام (فَوق ثَمَانِينَ قريب رَطْل) أَي الَّذِي وَزنه ثَمَانمِائَة دِرْهَم قريب أحد وَثَمَانِينَ رطلا (والقلتان بالدمشقي ميه وَنَحْو أَرْطَال أَتَت ثمانيه) والرطل على هَذَا فِي مُرَجّح الرَّافِعِيّ فِي رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما فَيكون مائَة رَطْل وَثَمَانِية أَرْطَال وَثلث رَطْل وعَلى مَا صَححهُ النَّوَوِيّ من أَنه مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم مائَة وَسبع رَطْل وبالبغدادي خَمْسمِائَة رَطْل وبالمصري على مُرَجّح الرَّافِعِيّ أَرْبَعمِائَة وَأحد وَخَمْسُونَ رطلا وَثلث رَطْل وَثلثا أُوقِيَّة لَا أَرْبَعَة أَخْمَاس أُوقِيَّة كَمَا توهمه بَعضهم وعَلى مَا صَححهُ النَّوَوِيّ أَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ رطلا وَثَلَاثَة أَسْبَاع رَطْل وبالمساحة فِي المربع ذِرَاع وَربع طولا وعرضا وعمقا وَفِي بعض النّسخ بدل هَذَا الْبَيْت أَو قُلَّتَيْنِ بالدمشقي ميه ثَمَان أَرْطَال أَتَت بعد ميه (وَالنَّجس الْوَاقِع قد غَيره) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء مُطلق حلت فِيهِ عين نَجَاسَة وَهُوَ دون الْقلَّتَيْنِ وَإِن كَانَ جَارِيا وَلم تغيره لتنجسه بهَا لخَبر مُسلم إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده نَهَاهُ عَن الغمس خشيَة النَّجَاسَة وَمَعْلُوم أَنَّهَا إِذا خفيت لَا تغير المَاء فلولا أَنَّهَا تنجسه بوصولها لم يَنْهَهُ ولمفهوم خبر أبي دَاوُد وَغَيره وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّه حسن
(1/27)

وَالْحَاكِم أَنه صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ لم ينجس فَمَعْنَى لم يحمل خبثا لم يقبله لهَذِهِ الرِّوَايَة وَخرج بِالْمَاءِ الْمَائِع وَإِن كثر والجامد بتوسط رطوبته فَإِنَّهُ ينجس وَفَارق كثير المَاء كثير غَيره بِأَن كَثِيره قوى ويشق حفظه من النَّجس بِخِلَاف غَيره وَإِن كثر فَإِن بلغ مَا تنجس بالملاقاة قُلَّتَيْنِ بِمَاء طَاهِر أَو مُتَنَجّس وَلَا تغير بِهِ عَاد طهُورا وَأما المَاء الْجَارِي فَإِنَّهُ وَإِن كَانَت جرياته مُتَّصِلَة حسا فَهِيَ مُنْفَصِلَة حكما إِذْ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عَمَّا وَرَاءَهَا فَلَو وَقع فِيهَا نجس فَكَمَا لَو وَقع فِي راكد حَتَّى لَو كَانَت قَليلَة تنجست بوصوله إِلَيْهَا وَإِن بلغت مَعَ مَا أمامها وَخَلفهَا قُلَّتَيْنِ لتفاصل أَجزَاء الْجَارِي فَلَا يتقوى بعضه بِبَعْض بِخِلَاف الراكد والجرية إِذا بلغ كل مِنْهُمَا قُلَّتَيْنِ وَلَو وَقع فِيهَا وَهِي قَليلَة نجس جامد فَإِن كَانَ مُوَافقا لجرياتها تنجست دون مَا أمامها وَمَا خلفهَا أَو وَاقِفًا أَو جريها أسْرع فمحله وَمَا أَمَامه مِمَّا مر عَلَيْهِ نجس وَإِن امْتَدَّ فراسخ حَتَّى يجْتَمع فِي حُفْرَة أَو يتراد وَعَلِيهِ يُقَال مَاء ألف قلَّة ينجس بِلَا تغير والجرية الَّتِي تعقب جرية النَّجس الْجَارِي تغسل الْمحل فلهَا حكم الغسالة حَتَّى لَو كَانَت النَّجَاسَة مُغَلّظَة فَلَا بُد من سبع جريات (واختير) دَلِيلا عِنْد النَّوَوِيّ فِي روضته وَغَيرهَا وَصَححهُ فِي تنقيحه وَقَالَ فِي مَجْمُوعه إِنَّه الصَّوَاب الْمُوَافق للدليل ولنص الْأُم وَالْخَبَر ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين وَكَذَا لأثر فَإِنَّهُ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَقد اتَّفقُوا على تَضْعِيفه وجرحوه إِلَّا الشَّافِعِي فوثقه فَثَبت أَنه لَا أصل للكراهة وَلم يثبت عَن الْأَطِبَّاء فِيهِ شَيْء اه وَأجِيب بِأَن دَعْوَاهُ أَن الْمُوَافق للدليل ولنص الْأُم عدم الْكَرَاهَة مَمْنُوعَة وَأثر عمر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد آخر صَحِيح على أَن الْحصْر فِي قَوْله إِلَّا الشَّافِعِي فوثقه مَمْنُوع بل وَثَّقَهُ ابْن جريج وَابْن عدي وَغَيرهمَا كَمَا ذكره الأسنوى وَقَوله وَلم يثبت عَن الْأَطِبَّاء فِيهِ شَيْء شَهَادَة نفي لَا يرد بهَا قَول الشَّافِعِي أَو يكفى فِي إثْبَاته قَول سيدنَا عمر الَّذِي أعرف بالطب من غَيره وتمسكه بِهِ من حَيْثُ إِنَّه خبر لَا تَقْلِيد (فِي مشمس لَا يكره) اسْتِعْمَاله وَالْمذهب كَرَاهَة ماسخنته الشَّمْس بحدتها وَإِن لم يكن بِفعل أحد حَيْثُ كَانَ بمنطبع أَي منطرق غير ذهب أَو فضَّة فِي قطر حَار كمكة وَلَو فِي ميت أَو أبرص مالم يبرد وَوجد غَيره وَالْكَرَاهَة شَرْعِيَّة وَسَوَاء كَانَ فِي طَهَارَة أم شرب أم طَعَام مَائِع وَالْأَصْل فِيهِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لعَائِشَة وَقد سخنت مَاء بالشمس يَا حميراء لَا تفعلي هَذَا فَإِنَّهُ يُورث البرص وروى الشَّافِعِي عَن عمر أَنه كَانَ يكره الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ المشمس وَقَالَ إِنَّه يُورث البرص وَالْمرَاد بِهِ مَا أثرت فِيهِ لَا مَا انْتقل من حَالَة إِلَى حَالَة أُخْرَى وَالْمعْنَى أَن الشَّمْس بحدتها تفصل من المنطبع زهومة تعلو المَاء فَإِذا لاقت الْبدن خيف عَلَيْهِ البرص بِخِلَاف المسخن بالنَّار ابْتِدَاء لذهاب الزهومة بهَا وَالْعلَّة تَقْتَضِي أَن غير المَاء من الْمَائِعَات كَالْمَاءِ وَبِه جزم الزَّرْكَشِيّ قَالَ البُلْقِينِيّ وَغير الْآدَمِيّ من الْحَيَوَانَات إِن كَانَ البرص يُدْرِكهُ كالخيل أَو يتَعَلَّق بالآدمي مِنْهُ ضَرَر اتجهت للكراهة وَإِلَّا فَلَا وَمِمَّا يكره اسْتِعْمَاله شَدِيد الْحَرَارَة والبرودة لمَنعه الإسباغ فَإِن فقد غَيره وضاق الْوَقْت وَجب أَو خَافَ مِنْهُ ضَرَرا حرم كَمَا نبه عَلَيْهِ الْمُحب الطَّبَرِيّ وكل مَاء مغضوب عَلَيْهِ كمياه ثَمُود إِلَّا بِئْر النَّاقة وَمَاء ديار قوم لوط لخسفها وَمَاء ديار بابل لخَبر أبي دَاوُد إِنَّهَا أَرض ملعونة وَمَاء بِئْر ذِي أروان الَّتِي وضع فِيهَا السحر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمسخ مَائِهَا حَتَّى صَار كنقاعة الْحِنَّاء وَمَاء بِئْر برهوت لخَبر ابْن حبَان شَرّ بِئْر فِي الأَرْض برهوت (وَإِن بِنَفسِهِ انْتَفَى التَّغَيُّر وَالْمَاء) أَي إِذا انْتَفَى تغير المَاء الْكثير بِالنَّجسِ بِأَن لم يدْرك بِنَفسِهِ وَلَا بِعَين كطول مكث وهبوب ريح أَو بِمَاء نبع فِيهِ أَو صب عَلَيْهِ وَلَو متنجسا طهر لانْتِفَاء عِلّة التنجس وَهِي التَّغَيُّر وَلَا يضر عود تغيره إِذا خلا عَن نجس جامد (لَا كزعفران يطهر) أَي إِذا زَالَ التَّغَيُّر ظَاهرا بِعَين ساترة لَهُ كَأَن زَالَ بِنَحْوِ جص أَو تُرَاب أَو زَالَ تغير لَونه بزعفران أَو رِيحه بمسك أَو طعمه
(1/28)

بخل لم يطهر للشَّكّ فِي أَن تغيره زَالَ أَو استتر بل الظَّاهِر الاستتار وَقَضِيَّة الْعلَّة أَنه لَو صفا المَاء وَلم يبْق بِهِ تغير طهر وَبِه صرح فِي الْمَجْمُوع فِي التُّرَاب وَغَيره مثله (وكل مُسْتَعْمل فِي تَطْهِير فرض) من رفع حدث أَو إِزَالَة نجس وَلَو معفوا عَنهُ إِذْ هُوَ فرض أَصَالَة (وَقل) بِأَن كَانَ دون الْقلَّتَيْنِ (لَيْسَ بالطهور) لانتقال الْمَنْع إِلَيْهِ وَلِأَن السّلف لم يجمعوه فِي أسفارهم لاستعماله ثَانِيًا مَعَ أحتياجهم إِلَيْهِ وَعدم استقذاره فِي الطَّهَارَة بل عدلوا إِلَى التَّيَمُّم وَالْمرَاد بِالْفَرْضِ مَالا بُد مِنْهُ أَثم تَاركه أم لَا فَشَمَلَ مَا أغتسلت بِهِ الْكِتَابِيَّة من حيض أَو نِفَاس ليحل وَطْؤُهَا وطهارة حنفى وَلَو بلانية كَمَا مر وتطهير الْوَجْه قبل بطلَان التَّيَمُّم وَغسل الْمَيِّت وَخرج بِالْفَرْضِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمل فِي نفل كالغسلة الثَّانِيَة وَالْوُضُوء المجدد وَالْغسْل الْمسنون وَغسل الرجلَيْن فِي الْخُف قبل بطلَان مسحمها فَإِنَّهُ طهُور وَخرج بقوله وَقل مَا لَو كَانَ كثيرا فَهُوَ طهُور وَلَو انغمس ذُو حدث أكبر فِي مَاء دونهمَا ثمَّ نوى ارْتَفع حَدثهُ وَصَارَ مُسْتَعْملا بِالنِّسْبَةِ لغيره لَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ حَتَّى يخرج مِنْهُ حَتَّى لَو أحدث حَالَة إنغماسه فَلَو رفع حَدثهُ بِهِ لبَقَاء صُورَة الِاسْتِعْمَال وَالْمَاء حَال اسْتِعْمَاله بَاقٍ على طهوريته وَلَو نوى قبل تَمام انغماسه ارْتَفع حَدثهُ عَن الْجُزْء الملاقى وَله تتميم انغماسه ويرتفع حَدثهُ فَلَو غرف بأناء أَو يَده ثمَّ غسل الْبَاقِي لم يرْتَفع حَدثهُ وَلَو انغمس فِيهِ جنبان ونويا مَعًا بعد تَمام انغماسهما ارْتَفَعت جنابتهما أَو مُرَتبا ارْتَفَعت عَن الأول لَا الثَّانِي وَلَو نويا مَعًا بعد غسل جُزْء مِنْهُمَا ارْتَفَعت جَنَابَة الْجُزْء وَصَارَ المَاء مُسْتَعْملا بِالنِّسْبَةِ لَهما وَالْمَاء حَال تردده على عُضْو غير مُسْتَعْمل بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَإِن جرى من عُضْو المتوضىء إِلَى عُضْو آخر وَلَو من يَد إِلَى أُخْرَى صَار مُسْتَعْملا وَلَو انْفَصل من عُضْو الْجنب إِلَى عُضْو آخر فِيمَا لَا يغلب فِيهِ التقاذف كَانَ مُسْتَعْملا وَلَو غمس المتوضىء يَده فِي إِنَاء قبل فرَاغ الْوَجْه لم يصر مُسْتَعْملا وَكَذَا بعده إِن نوى الاغتراف والإصار مُسْتَعْملا وَالْجنب بعد النِّيَّة كالمحدث بعد غسل وَجهه وَلَو غسل كل مِنْهُمَا بِمَاء فِي كَفه باقى يَده أَجزَأَهُ بِخِلَاف مَا لَو غسل بِهِ نميرها فَإِنَّهُ لَا يكفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب النَّجَاسَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أى وإزالتها وَالْبَاب أسم لجملة من الْعلم مُشْتَمِلَة على فُصُول غَالِبا والفصل أسم لجملة من الْعلم مُشْتَمِلَة على مسَائِل والنجاسة لَهَا إطلاقان أَحدهمَا على الحكم الشَّرْعِيّ الذى هُوَ نقيض الطَّهَارَة وَثَانِيهمَا على الْعين النَّجِسَة وهى بِهَذَا الاطلاق لُغَة المستقذر وَشرعا كل عين حرم تنَاولهَا على الأطلاق حَالَة الِاخْتِيَار مَعَ سهولة تمييزها لحرمتها وَلَا لاستقذارها وَلَا لضررها فِي بدن أَو عقل فَخرج بالاطلاق مَا يُبَاح قَلِيله كبعض النباتات السمية وبحالة الِاخْتِيَار حَالَة الضَّرُورَة فَيُبَاح فِيهَا تنَاول النَّجَاسَة وبسهولة تمييزها دود الْفَاكِهَة وَنَحْوهَا فَيُبَاح تنَاوله مَعهَا وَهَذَانِ القيدان للإدخال لَا للإخراج وبالبقية الْآدَمِيّ والمخاط وَنَحْوه والحشيشة المسكرة والسم الَّذِي يضر كَثِيره وقليله وَالتُّرَاب فَإِن تنَاولهَا لم يحرم لنجاستها بل لحُرْمَة الآدمى واستقذار المخاط وَنَحْوه وضرر الْبَقِيَّة وَعرفهَا النَّاظِم بالعد ليعلم طَهَارَة غَيرهَا على الأَصْل فَقَالَ (الْمُسكر الْمَائِع) كنبيذ وخمر وَلَو مستحيلة فِي الحبات ومحترمة وهى مَا عصرت لَا بِقصد الخمرية اما الْخمر فتغليظا وزجرا عَنْهَا كَالْكَلْبِ وَلقَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس} والرجس شرعا هُوَ النَّجس خرجت الثَّلَاثَة المقرونة بهَا بِالْإِجْمَاع فَبَقيت هِيَ على النَّجَاسَة وَأما النَّبِيذ فقياسا إِلَى الْخمر بِجَامِع الْإِسْكَار بمائع وَخرج بالمائع البنج والحشيشة وَنَحْوهمَا فَإِنَّهَا حرَام مَعَ إسكارها وطهارتها وَلَا يرد عَلَيْهِ الْخمر المنعقدة وَلَا الحشيشة المذابة نظرا إِلَى الأَصْل فيهمَا وَقَوله الْمُسكر وَمَا عطف عَلَيْهِ خبر مبتدا مَحْذُوف تَقْدِيره هى أَي النَّجَاسَة (وَالْخِنْزِير) لِأَنَّهُ أَسْوَأ حَالا من الْكَلْب لِأَنَّهُ يقتنى بِحَال ولندب قَتله من غير ضَرَر فِيهِ وَالنَّص على تَحْرِيمه و (الْكَلْب) وَلَو معلما لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليرقه ثمَّ ليغسله سبع مَرَّات) وَلخَبَر مُسلم (طهُور إِنَاء أحدكُم
(1/29)

إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب أَن يغسلهُ سبع مَرَّات أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) وَجه الدّلَالَة أَنه لَو لم يكن نجسا لما أَمر بإراقته لما فِيهَا من إِتْلَاف المَال المنهى عَن إضاعته وَأَن الطَّهَارَة إِمَّا عَن حدث أَو خبث وَالْأول مُنْتَفٍ عَن الْإِنَاء فَتعين كَون طَهَارَته عَن الْخبث فثبتت نَجَاسَة فَمه مَعَ إِنَّه أطيب أَجْزَائِهِ بل هُوَ اطيب الْحَيَوَان نكهة لِكَثْرَة مَا يَلْهَث فبقيتها اولى وَفِي الْخَبَر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دعى إِلَى دَار قوم فَأجَاب ثمَّ دعى إِلَى دَار أُخْرَى فَلم يجب فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِن فِي دَار فلَان كَلْبا قيل وان فِي دَار فلَان هرة فَقَالَ الْهِرَّة لَيست بنجسة رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وإراقة مَا ولغَ فِيهِ وَاجِبَة إِن أُرِيد اسْتِعْمَال الْإِنَاء الإ فمندوبة كَسَائِر النَّجَاسَة إِلَّا الْخمر غير المحترمة فَتجب إراقتها لطلب النَّفس تنَاولهَا (مَعَ فرعيهما) أى الْكَلْب وَالْخِنْزِير مَعَ الآخر اَوْ مَعَ حَيَوَان طَاهِر تبعا لَهُ وتغليبا للنَّجَاسَة وَعلله فِي الْمُهَذّب بِأَنَّهُ مَخْلُوق من نَجَاسَة فَكَانَ مثلهَا قَالَ فِي شَرحه وَلَا ينْتَقض بالدود المولد مِنْهَا لأَنا نمْنَع انه مَخْلُوق من نَفسهَا وَإِنَّمَا تولد فِيهَا كدود الْخلّ لَا يخلق من نفس الْخلّ بل يتَوَلَّد فِيهِ قَالَ وَلَو ارتضع جدى كَلْبه أَو خنزيره فنبت لَحْمه على لَبنهَا لم ينجس على الْأَصَح وَالْفرع يتبع أَبَاهُ فِي نسبه وامه فِي رقها وحريتها وأشرفهما فِي الدّين وَإِيجَاب الْبَدَل وَتَقْرِير الْجِزْيَة وأخفهما فِي عدم وجوب الزَّكَاة وأخسها فِي النَّجَاسَة وَتَحْرِيم الذَّبِيحَة والمناكح (والسؤر) بِالْهَمْزَةِ وتبدل واوا الْبَقِيَّة أى بَقِيَّة الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما كعظم وَشعر وَدم وَبَوْل ودمع وعرق وَسَائِر فضلاتها إِذْ مَا انْفَصل من نجس الْعين فَهُوَ نجس وَقيل السؤر فَضله الشَّرَاب (وميتة) وَإِن لم يسل دَمهَا لقَوْله تَعَالَى {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} وَتَحْرِيم مَا لَيْسَ بمحترم وَلَا مستقدر وَلَا ضَرَر فِيهِ يدل على نَجَاسَته وَهِي مَا زَالَت حَيَاتهَا لَا بِذَكَاة شَرْعِيَّة (مَعَ الْعِظَام وَالشعر وَالصُّوف) أى جَمِيع ذَلِك نجس لِأَن كلا مِنْهَا تحله الْحَيَاة وَلِأَن الْعظم جُزْء النَّجس وَالشعر وَالصُّوف متصلان بِالْحَيَوَانِ اتِّصَال خلقه فَكَانَا كالأعضاء وكالعظم الظلْف وَالظفر والحافر والقرن وَمثل الشّعْر وَالصُّوف الْوَبر والريش (لَا مأكولة) من سمك وجراد وجنين مذكاة مَاتَ بتذكية أمه وصيد لم تدْرك ذَكَاته وَبِغير نَاد مَاتَ بِالسَّهْمِ فَإِنَّهَا طَاهِرَة لقَوْله تَعَالَى {أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه} وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وصححوه وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن أبي أوفى قَالَ غزونا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) سبع غزوات نَأْكُل مَعَه الْجَرَاد وَصَحَّ عَن ابْن عمر أحل لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ السّمك وَالْجَرَاد والكبد وَالطحَال وَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع بل رَفعه ابْن مَاجَه وَغَيره وَلَكِن بِسَنَد ضَعِيف وَلخَبَر ابْن حبَان وَصَححهُ (ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِذا أرْسلت كلبك وَسميت وَأمْسك وَقتل فَكل وَإِن أكل فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك على نَفسه) وَفِيهِمَا أَيْضا من رِوَايَة رَافع ابْن خديج (أَن بَعِيرًا ند فَرَمَاهُ رجل بِسَهْم فحبسه الله تَعَالَى فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن لهَذِهِ الْبَهَائِم أوابد كأوابد الْوَحْش فَمَا غَلَبَكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) على ان الْجَنِين وَالصَّيْد وَالْبَعِير لَيست ميتَة بل جعل الشَّارِع هَذَا ذكاتها وَلِهَذَا صرح فِي خبر الْجَنِين بِأَنَّهُ مذكى وَإِن لم تباشره السكين ذكره فِي الْمَجْمُوع (وَلَا بشر) أى ميتَة الْبشر وَلَو كَافِرًا طَاهِرَة لخَبر الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُؤمن لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) وَلقَوْله تَعَالَى {وَلَقَد كرمنا بني آدم} وَقَضِيَّة تكريمهم عدم تنجيسهم بموتهم وَأما قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس} فَالْمُرَاد بِهِ نَجَاسَة الِاعْتِقَاد أَو أجتنابهم كالنجس لَا نَجَاسَة الْأَبدَان وَلِهَذَا ربط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَسير الْكَافِر فِي الْمَسْجِد وَقد أَبَاحَ الله تَعَالَى طَعَام أهل الْكتاب وَاعْلَم أَن فضلَة الْحَيَوَان قِسْمَانِ أَحدهمَا مَاله مقرّ واستحالة فِي الْبَاطِن كَالدَّمِ وَهُوَ نجس من مَأْكُول اللَّحْم وَغَيره إِلَّا مَا أستثنى ثَانِيهمَا مَا لَيْسَ كَذَلِك بل يرشح رشحا كالعرق والدمع واللعاب والمخاط وَهُوَ طَاهِر من كل حَيَوَان طَاهِر نجس من النَّجس وسيأتى فِي كَلَامه الْإِشَارَة إِلَى الْقسم الثانى وَقد ذكر من الْقسم الأول
(1/30)

أمورا فَقَالَ (وَالدَّم) أى المسفوح نجس وَلَو من سمك أَو جَراد أَو متحليا من كبد وطحال لقَوْله تَعَالَى {أَو دَمًا مسفوحا} أى سَائِلًا وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي دم الِاسْتِحَاضَة فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلى رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأما الكبد وَالطحَال وَالدَّم الْمَحْبُوس فِي ميتَة السّمك وَالْجَرَاد والجنين فطاهرة وَكَذَلِكَ المنى وَاللَّبن إِذا خرجا على هَيْئَة الدَّم وَالدَّم الباقى على اللَّحْم وعظامه نجس مَعْفُو عَنهُ لِأَنَّهُ من الدَّم المسفوح وَإِن لم يسل لقلته وَلَعَلَّه مُرَاد من عبر بِطَهَارَتِهِ و (القىء) وَإِن لم يتَغَيَّر لِأَنَّهُ من الفضلات المستخيلة نعم لَو أكل حبا وَخرج مِنْهُ متصلبا بِحَيْثُ لَو زرع لنبت فَهُوَ متجنس كَمَا لَو أَكلته بَهِيمَة وَخرج من دبرهَا كَذَلِك (وكل مَا ظهر من السَّبِيلَيْنِ) أى الْقبل والدبر أَو أَحدهمَا مِمَّا لَهُ اجْتِمَاع واستحالة فِي الْبَاطِن كبول وروث وَلَو من سمك وجراد ومأكول اللَّحْم وعذرة ومذى وودى ونجاسة بَعْضهَا بِالنَّصِّ وَبَعضهَا بِالْإِجْمَاع وَبَعضهَا بِالْقِيَاسِ وَأما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خبر العرنيين بِشرب أَبْوَال الْإِبِل فللتداوى وَهُوَ جَائِز بالنجاسات غير الْخمر والدود الْخَارِج من الْفرج طَاهِر الْعين وَفِي الْمَجْمُوع أَن المَاء السَّائِل من فَم النَّائِم نجس إِن كَانَ من معدته وَيعرف نبتنه وصفرته طَاهِر إِن إِن كَانَ من لهواته وَيعرف بانقطاعه بطول النّوم وَكَذَا إِن شكّ وَقِيَاس الْمَذْهَب الْعَفو عَمَّن عَمت بلواه بِهِ كَدم البراغيث قَالَ وَسَأَلت الْأَطِبَّاء عَنهُ فأنكروا كَونه من الْمعدة ثمَّ اسْتثْنى مِمَّا تقدم قَوْله (سوى أصل الْبشر) من منية وعلقته ومضغته فَإِنَّهُ طَاهِر تكرمه لَهُ لِأَنَّهُ مبدأ خلقه كالتراب وَفِي مُسلم عَن عَائِشَة كنت أفرك المنى من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيصلى فِيهِ وَفِي رِوَايَة لابنى خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحهمَا وَهُوَ يصلى وَمَا ورد من أَنَّهَا كَانَت تغسله مَحْمُول على النّدب وَمَا أَفَادَهُ كَلَامه من نَجَاسَة منى غير الآدمى من كل حَيَوَان طَاهِر تبع فِيهِ كَأَصْلِهِ تَرْجِيح الرَّافِعِيّ وَالأَصَح عِنْد النووى طَهَارَته لِأَنَّهُ أصل حَيَوَان طَاهِر فَأشبه أصل الآدمى وَالأَصَح طَهَارَة العلقه والمضغة ورطوبة الْفرج من كل حَيَوَان طَاهِر (وجزء حَيّ كيد مفصول كميته) أى الْجُزْء الْمُنْفَصِل من الْحَيَوَان حَال حَيَاته حكمه كَحكم ميتَته إِن طَاهِرَة فطاهر وَإِن نجسه فنجس كَالْيَدِ الْمُنْفَصِلَة من الْحَيَوَان فَهِيَ طَاهِرَة من الآدمى وَلَو مَقْطُوعَة فِي سَرقَة نَجِسَة من غير لخَبر (مَا قطع من حى فَهُوَ ميت) رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ فجزء الْبشر والسمك وَالْجَرَاد طَاهِر دون جُزْء غَيرهَا وَقَوله مفصول فِيهِ تذكير الْيَد على تَأْوِيلهَا بِنَحْوِ الْجُزْء وَإِلَّا فهى مُؤَنّثَة وَقَوله كميته لَيست هاؤها للتأنيث بل هى ضمير أضيف إِلَيْهَا ميت بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْيَاء (لَا شعر الْمَأْكُول وصوفه وريشه) أى شعر الْمَأْكُول وصوفه وريشه ووبره المنفصلات حَال حَيَاته لَيست كميتته فِي النَّجَاسَة بل هِيَ طَاهِرَة لعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهَا وَلقَوْله تَعَالَى {وَمن أصوافها وأوبارها} الْآيَة وهى مخصصة للْخَبَر الْمَار وَمَا على الْعُضْو المبان من شعر وَنَحْوه نجس كَمَا يُؤْخَذ من كَلَامه لِأَنَّهُ شعر الْعُضْو والعضو غير مَأْكُول وَخرج شعر غير الْمَأْكُول فَهُوَ نجس نعم يُعْفَى عَن كَثِيره من مركوب (وريقته وعرق) أى مَا لَيْسَ لَهُ اجْتِمَاع واستحالة فِي الْبَاطِن بل يرشح رشحا كالريق والعرق والدمع والمخاط طَاهِر من كل حَيَوَان طَاهِر نجس من غَيره (والمسك ثمَّ فأرته) بالهز وَتَركه أى الْمسك وفأرته طاهران إِذا انفصلا حَال حَيَاة الظبية أَو بعد ذكاتها لخَبر (الْمسك أطيب الطّيب) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن وبيص الْمسك كَانَ يرى من مفرقة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَلَا انْفِصَال الفارة بالطبع كالجنين وَلِئَلَّا يلْزم نَجَاسَة الْمسك وهى خراج بِجَانِب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حَتَّى تلقيها أما إِذا انفصلا بعد الْمَوْت فنجسان كاللبن وفارقا بيض الْميتَة المتصلب بنموه بعد الْمَوْت بخلافهما وَعلم من حصره النَّجَاسَة فِيمَا ذكره طَهَارَة العنبر كَمَا
(1/31)

نَص عَلَيْهَا فِي الْأُم وطهارة الزباد كَمَا صوبها فِي الْمَجْمُوع نعم يحْتَرز عَن شعره لِأَنَّهُ شعر سنور بَرى (وتطهر الْخمر إِذا تخللت بِنَفسِهَا) أى نجس الْعين يطهر فِي صُورَتَيْنِ أَحدهمَا الْخمر وَلَو غير مُحْتَرمَة إِذا تخللت بِنَفسِهَا أى صَارَت خلا من غير مصاحبة عين لمَفْهُوم خبر مُسلم عَن أنس قَالَ سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أتتخذ الْخمر خلا قَالَ) لَا وروى الْبَيْهَقِيّ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه خطب فَقَالَ لَا يحل خل من خمر أفسدت حَتَّى يبْدَأ الله إفسادها لزوَال الشدَّة من غير نَجَاسَة خلقتها وأفسدت بِضَم الْهمزَة أى خللت وَيبدأ إفسادها بِفَتْح الْيَاء أى يَجْعَلهَا خلا بِلَا علاج آدمى وَحَيْثُ حكم بطهارتها حكم بِطَهَارَة دنها تبعا لَهَا للضَّرُورَة وَإِلَّا لم يُوجد خل طَاهِر من خمر وَالْخمر حَقِيقَة هُوَ المعتصر من الْعِنَب أما النَّبِيذ فخمر مجَازًا وَيُؤْخَذ من كَلَام الْبَغَوِيّ أَنه يطهر لِأَن المَاء من ضَرُورَته وَقد قَالَ الرَّافِعِيّ لَو ألْقى فِي عصير الْعِنَب مَاء حَالَة عصره لم يضر بِلَا خلاف لِأَن المَاء من ضَرُورَته اهو مُرَاده بعصير الْعِنَب الْعِنَب الَّذِي اعتصر مَاؤُهُ بِقَرِينَة قَوْله حَالَة عصره إِذْ يحْتَاج فِي استقصاء عصيره إِلَى صب مَاء عَلَيْهِ لإِخْرَاج مَا يبْقى فِيهِ فالماء من ضرورتة وَمَا أَفَادَهُ كَلَام الْبَغَوِيّ من طَهَارَته اخْتَارَهُ السكبى وَغَيره وَهُوَ الْأَصَح وَبِه افتى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بل جرى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا فِي السّلم حَيْثُ جزموا بِصِحَّة السّلم فِي خل التَّمْر وَالزَّبِيب (وَإِن غلت) فارتفعت إِلَى رَأس الدن ثمَّ عَادَتْ إِلَى أَسْفَل وتخللت حكم بِطَهَارَة مَا أرتفعت إِلَيْهِ من الدن للضَّرُورَة قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ أما لَو أرتفعت بِفِعْلِهِ فَلَا يطهر الدن إِذْ لَا ضَرُورَة وَكَذَا الْخمر لاتصالها بالمرتفع النَّجس (أَو نقلت) من ظلّ إِلَى شمس وَعَكسه أَو بِفَتْح رَأس الدن استعجالا للحموضة فَإِنَّهَا تطهر لِأَن الْفِعْل الخالى عَن الْعين لَا يُؤثر بِنَاء على أَن عِلّة النَّجَاسَة تنجسها بِالْعينِ كَمَا سيأتى لَا تَحْرِيم التَّخْلِيل الدَّال عَلَيْهِ الْخَبَر والأثر السابقان أما إِذا تخللت بمصاحبة عين طرحت فِيهَا أَو وَقعت فِيهَا بِنَفسِهَا حَال خمريتها أَو قبلهَا وَإِن لم تُؤثر فِي التَّخْلِيل كحصاة وَمَاء فَلَا تطهر لتنجسها بعد تخللها بِالْعينِ الَّتِي تنجست بهَا وَلَا وَلَا ضَرُورَة بِخِلَاف الدن قَالَ البغوى فِي فَتَاوِيهِ وَلَو نقلت من دن إِلَى آخر طهرت بالتخلل بِخِلَاف مَا لوأخرجت مِنْهُ ثمَّ صب فِيهِ عصير آخر فتخمر ثمَّ تخَلّل لَا يطهر ومفهول كَلَامهم أَنَّهَا تطهر بالتخلل إِذا نزعت الْعين مِنْهَا قبله وهى طَاهِرَة وَلم يتَحَلَّل مِنْهَا شَيْء وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف مَا لَو كَانَت نَجِسَة إِذْ النَّجس يقبل التَّنْجِيس أَو تحلل مِنْهَا شَيْء وغلت بالغين الْمُعْجَمَة أَو الْمُهْملَة ثَانِيهمَا مَا ذكره بقوله (وَجلد ميتَة) أَي الْجلد الَّذِي تنجس بِالْمَوْتِ يطهر باندباغه وَلَو بِلَا فعل فَاعل ظَاهره وباطنه بالدباغ وَهُوَ نزع الفضلات كَالدَّمِ وَاللَّحم بحريف طَاهِر أَو نجس كقرظ وذرق طير بِحَيْثُ لَو نقع الْجلد فِي مَاء لم يعدله النتن وَالْفساد لخَبر مُسلم (إِذا ذبغ الإهاب فقد طهر) وَخبر أَبى دَاوُد وَغَيره بِإِسْنَادِهِ حسن أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي شَاة ميتَة (لَو أَخَذْتُم إهابها قَالُوا إِنَّهَا ميتَة فَقَالَ يطهرها المَاء والقرظ) وَرووا أَيْضا بِإِسْنَاد حسن أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نستمتع بجلود الْميتَة إِذا دبغت وَخرج بِالْجلدِ الشّعْر فَلَا يطهر لعدم تأثره بالدباغ قَالَ النَّوَوِيّ ويعفى عَن قَلِيله (سوى خِنْزِير بر وكلب أَن يدبغ بحريف طهر) أى أَن جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما وَفرع إحدهما لَا يطهر بالدبغ لِأَن سَبَب نَجَاسَة الْميتَة تعرضها للعفونة والحياة أبلغ فِي دَفعهَا فاذا لم تفد الطَّهَارَة فالدبغ أولى وَخرج بالدبغ تجميده وتمليحه وتشميسه وَنَحْوهَا فَإِنَّهَا لَا تطهره وَأفهم كَلَامه أَنه يجب المَاء فِي أثْنَاء الدبغ وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ إِحَالَة كالتخليل لَا إِزَالَة وَلِهَذَا جَازَ بِالنَّجسِ المحصل لذَلِك وَأما خبر (يطهرها المَاء والقرط) فَمَحْمُول على النّدب أَو الطَّهَارَة الْمُطلقَة إِذْ يجب غسله بعد دبغه لتنجسه بالدابغ النَّجس أَو الْمُتَنَجس بملاقاته أما خِنْزِير الْبَحْر الذى لَا يعِيش إِلَّا فِيهِ وَإِذا خرج مِنْهُ صَار عيشه عَيْش مَذْبُوح فطاهر وَعلم من الِاقْتِصَار على هذَيْن الشَّيْئَيْنِ أَن غَيرهمَا من نجس الْعين لَا يطهر وَهُوَ كَذَلِك حَتَّى لَو صَار النَّجس ملحا بِوُقُوعِهِ فِي مملحة أَو رَمَادا أَو دخانا بالنَّار لم يطهر وَلَا
(1/32)

ترد طَهَارَة المنى وَاللَّبن والمسك لِأَن أَصْلهَا لَا يحكم عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ مَا دَامَ فِي الْجوف مَا لم يتَّصل بِخَارِج وَقَول النَّاظِم أَن يدبغ بدرج الْهمزَة للوزن وَلما انهى الْكَلَام على نجس الْعين ذكر الْمُتَنَجس وَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام إِمَّا نَجَاسَة مُغَلّظَة أَو متوسطة أَو مخففه وَبَدَأَ بِالْأولَى فَقَالَ (نَجَاسَة الْخِنْزِير مثل) نَجَاسَة (الْكَلْب تغسل سبعا مرّة بترب) ممزوج بِمَاء لخَبر مُسلم (طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب أَن يغسلهُ سبع مَرَّات أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة لِلتِّرْمِذِي أولَاهُنَّ أَو أخراهن بِالتُّرَابِ وَفِي أُخْرَى لمُسلم وعفروه الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ وَالْمرَاد أَن التُّرَاب يمزج بالسابعة كَمَا فِي رِوَايَة أأبي دَاوُد (السَّابِعَة بِالتُّرَابِ) وهى مُعَارضَة لرِوَايَة أولَاهُنَّ فِي مَحل التُّرَاب فيتساقطان فِي تعْيين مَحَله ويكتفى بِوُجُودِهِ فِي وَاحِدَة من السَّبع كَمَا فِي رِوَايَة الدارقطنى إحدا هن بالبطحاء وَلكنه يسن فِي غير الْأَخِيرَة وَالْأولَى أولى ليستغنى عَن تتريب مَا يُصِيبهُ شَيْء من الغسلات وَقيس بالكلب الْخِنْزِير وفروعهما كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله مثل الْكَلْب وبولوغه غَيره كبوله وعرقه وَلَو جرى المَاء الكدر على الْمُتَنَجس بذلك سبع جريات أَو تحرّك سبعا فِي مَاء كثير كدر طهر كَمَا قَالَه الْبَغَوِيّ وَغَيره وَأفهم كَلَام المُصَنّف الاكتغاء بالسبع وَإِن أَصَابَهُ نجس آخر وَأَنه لَا يكفى ذَر التُّرَاب على الْمحل وَلَا مزجه بِغَيْر مَاء إِلَّا أَن يمزجه بِالْمَاءِ بعد مزجه بذلك وَلَا مزج غير التُّرَاب وَأَنه لَا تقوم ثامنه أَو غَيرهَا مقَام التُّرَاب وَهُوَ كَذَلِك وَلَا يكفى مزج تُرَاب غير طَاهِر إِلَى نظرا إِلَى أَن الْقَصْد بِالتُّرَابِ التَّطْهِير وَهُوَ لَا يحصل بذلك فتشترط طهورية التُّرَاب فَلَا يكفى التُّرَاب الْمُسْتَعْمل كَمَا صرح بِهِ الْكَمَال سلار شيخ النَّوَوِيّ أى وَإِن غسل سبعا والغسلات المزيلة للعين تعد وَاحِدَة وَلَو فِي النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة حَتَّى لَو لم تزل إِلَّا بست غسلات مثلا حسبت مرّة وتكفى السَّبع وَإِن تعدد الولوغ أَو الوالغ فأل فِي كَلَامه للْجِنْس وَالْوَاجِب من التُّرَاب مَا يكدر المَاء ويصل بواسطته إِلَى جَمِيع أَجزَاء الْمحل سَوَاء أمزجه بِهِ قبل وضعهما على الْمحل أم بعده بِأَن يوضعا وَلَو مترتبين ثمَّ يمزجا قبل الْغسْل وَإِن كَانَ الْمحل رطبا إِذا الطّهُور الْوَارِد على الْمحل بَاقٍ على طهوريته وَبِذَلِك جزم ابْن الرّفْعَة فِيمَا لَو وضع التُّرَاب أَولا وَمثله عَكسه بِلَا ريب وَهَذَا مُقْتَضى كَلَامهم وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا قَالَه البلقينى وَغَيره وَمَا وَقع للأسنوى وَمن تبعه من أَنه يجب المزج قبل الْوَضع كَمَا صرح بِهِ الجوينى فِي التَّبْصِرَة وَأَن مَا قَالَه ابْن الرّفْعَة مَرْدُود بِأَنَّهُ خلاف مُقْتَضى كَلَامهم فَلَا يرتكب بِلَا ضَرُورَة وَكَلَام الْجُوَيْنِيّ عَلَيْهِ لاله إِذْ عِبَارَته لَيْسَ كَيْفيَّة التعفير تعفير الثَّوْب بغبار التُّرَاب ثمَّ غسله بعد نفضه وَإِنَّمَا التعفير أَن يخلط التُّرَاب بِالْمَاءِ خلطا ثمَّ يغسل الْمحل وهى دَالَّة على أَن الْمَمْنُوع إِنَّمَا هُوَ غسله بعد نفض التُّرَاب أَو بِلَا مزج وَأَن الْمُعْتَبر مزجه قبل الْغسْل سَوَاء أَكَانَ قبل الْوَضع أم بعده وَهُوَ الْمَطْلُوب وَلَيْسَ فِي قَوْله ثمَّ يغسل مَا يقتضى اعْتِبَار مزجه قبل الْوَضع انْتهى وَلَا يجب تتريب الأَرْض الترابية ويكفى تسبيعها إِذْ لَا معنى لتتريب التُّرَاب نعم لَو تطاير شىء من غسلاتها فَلَا بُد من تتريبه أخذا من قَاعِدَة أَن كل نَجَاسَة مُغَلّظَة لَا بُد فِي طهرهَا إِلَّا الأَرْض الترابية وَالِاسْتِثْنَاء معيار الْعُمُوم كماأفنى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَاسْتقر رايه عَلَيْهِ آخرا وَلَو ولغَ كلب فِي أناء فِيهِ مَاء كثير لم ينقص بُلُوغه لم ينجس المَاء وَلَا الْإِنَاء وَإِن أصَاب جرمه المستور بِالْمَاءِ وَتَكون كَثْرَة المَاء مَانِعَة من تنجسه بِخِلَاف مَا لَو كَانَ بِهِ مَاء قَلِيل فَإِنَّهُ ينجس المَاء والإناء فَإِن كوثر فَبلغ قُلَّتَيْنِ طهر المَاء لَا الْإِنَاء والترب إِحْدَى لُغَات التُّرَاب ثمَّ ذكر النَّجَاسَة المتوسطة وَهِي غَالب النَّجَاسَات فَقَالَ (وَمَا سوى ذين 9 أى نَجَاسَة الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما (ففردا) أى مرّة (يغسل) بِالْمَاءِ ثمَّ النَّجَاسَة إِمَّا حكمِيَّة وهى الَّتِى يتقين وجودهَا وَلَا تحس أَو عَيْنِيَّة وهى مَا تحس فَالْأولى يكفى فِيهَا جرى المَاء على الْمحل مرّة وَاحِدَة من غير اشْتِرَاط أَمر زَائِد وَالثَّانيَِة يجب فِيهَا مَعَ جرى المَاء زَوَال عينهَا وَزَوَال أوصافها من طعم ولون وريح فَلَا تطهر مَعَ بَقَاء شىء مِنْهَا وَلَا يضر بَقَاء لون أَو ريح عسر زوالة للْمَشَقَّة وَلَو من مغلطة فَإِن
(1/33)

بقيا مَعًا ضرّ لقُوَّة دلالتهما على بَقَاء الْعين وَإِن بقى الطّعْم وَحده ضرّ وَإِن عسرت إِزَالَته لسهولتها غَالِبا فَألْحق بهَا نادرها وَلِأَن بَقَاءَهُ يدل على بَقَاء الْعين (والحث) بِالْمُثَنَّاةِ والقرص بِالْمُهْمَلَةِ لمحل النَّجَاسَة أفضل حَيْثُ لم تتَوَقَّف إِزَالَتهَا على ذَلِك وَإِلَّا وجبا مثلهمَا الِاسْتِعَانَة بأشنان أَو نَحوه (والتثليث فِيهِ أفضل) أى ينْدب بعد طهر مَحل النَّجَاسَة غسله ثَانِيَة وثالثة استظهارا كطهر الْحَدث ولأمر المستيقظ بالتثليث مَعَ توهم النَّجَاسَة فَمَعَ تيقنها أولى أما النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة فَلَا ينْدب تثليثها على الْأَصَح لِأَن المكبر لَا يكبر كَمَا أَن المصغر لَا يصغر وَفِي بعض النّسخ بدل قَوْله والحت إِلَى آخِره وغسلتين اندب لطهر يكمل وَبَين مَا قدمْنَاهُ بقوله (يَكْفِيك جرى الماعلى الحكميه وَأَن تزَال الْعين من عَيْنَيْهِ) ثمَّ ذكر النَّجَاسَة المخففة فَقَالَ (وَبَوْل طِفْل) ذكر (غير در) بِالْمُهْمَلَةِ أى لبن (مَا أكل) مَا ذكر على وَجه التغذى وَإِن كَانَ اللَّبن الْمَأْكُول نجسا (يَكْفِيهِ رش) المَاء وَإِن لم يسل (إِن يصب كل الْمحل) بِأَن يعمه ويغمره بِخِلَاف الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى لَا بُد فِي بولهما من الْغسْل على الأَصْل وَيحصل بالسيلان مَعَ الْغمر وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر (يغسل من بَوْل الْجَارِيَة ويرش من بَوْل الْغُلَام) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خزيمه وَالْحَاكِم وصححاه وَفرق بَينهمَا بِأَن الِابْتِلَاء بِحمْلِهِ أَكثر وَبِأَن بَوْله أرق من بولها فَلَا يلصق بِالْمحل لصوق بولها وَألْحق ببولها بَوْل الْخُنْثَى من أى فرجيه خرج وَعلم مِمَّا تقرر أَنه لَا يمْنَع النَّضْح تحنيك الصبى بِتَمْر وَنَحْوه وَلَا تنَاوله السفوف والأدوية وَنَحْوهمَا للإصلاح وَمحل النَّضْح قبل تَمام الْحَوْلَيْنِ إذالرضاع بعده كالطعام كَمَا نقل عَن النَّص وَينْدب فِي هَذِه التَّثْلِيث أَيْضا وَلَا بُد فِيهَا من إِزَالَة عينهَا وأوصافها كَغَيْرِهَا وَخرج ببول الصبى غائطه فَيجب غسله على الأَصْل ثمَّ ذكر حكم غسالة النَّجَاسَة فَقَالَ (وَمَاء مغسول لَهُ حكم الْمحل إِذْ لَا تغير بِهِ حَتَّى انْفَصل) أى أَن حكم المَاء الذى غسل بِهِ نَجَاسَة وَلَو معفوا عَنْهَا وانفصل عَن محلهَا حكمه عِنْد انْفِصَاله عَنهُ غير متغير أى وَلَا زَائِد الْوَزْن إِن طَاهِر فطاهر وَإِن نجسا فنجس لِأَن بَلل الْمحل بعض ذَلِك المَاء وَالْمَاء الْوَاحِد الْقَلِيل لَا يَتَبَعَّض طَهَارَة ونجاسة فَيغسل مَا أَصَابَهُ شىء من الأولى من مَرَّات الْمُغَلَّظَة سِتا وَمن الثَّانِيَة خمْسا وَهَكَذَا إِلَى السَّابِعَة فَلَا يغسل مِنْهَا شىء فَإِن انْفَصل متغيرا أَو زا ئد الْوَزْن بعد اعْتِبَار مَا يَأْخُذهُ الْمحل من المَاء وَيُعْطِيه من الْوَسخ الطَّاهِر فَهُوَ نجس وَالْمحل كَذَلِك هَذَا فِي غسالة الْمَفْرُوض أما مَاء غسالة الْمَنْدُوب كالتثليث فَهُوَ طهُور وَإِذا غسل فَمه الْمُتَنَجس فليبالغ فِي الغرغرة يغسل كل مَا فِي حد الظَّاهِر وَلَا يبتلع طَعَاما وَلَا شرابًا قبل غسله لِئَلَّا يصيرا آكلا للنَّجَاسَة (وليعف عَن نذر) أى قَلِيل (دم) غير مغلظ (و) قَلِيل 0 قيح من بثرة) وهى بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة خراج صَغِير (و) من (دمل و) من (قرح) بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا الْجرْح وَمن فصد وحجامة من نَفسه وَغَيره أى من غير كلب وَنَحْوه لمَشَقَّة الِاحْتِرَاز عَنهُ أما الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما فَلَا يُعْفَى عَن شىء مِنْهُ وَخرج بقوله عَن نزر الْكثير عرفا فَلَا يُعْفَى عَنهُ إِن كَانَ من غَيره أَو حصل بِفِعْلِهِ كَأَن عصره أَو انْتقل عَن مَحَله والا عفى عَنهُ أَيْضا ويعفى عَن دم البراغيث والبق والبعوض وَنَحْوهَا وونيم الذُّبَاب وَبَوْل الخفاش رَوْثَة وَإِن كثرت إِلَّا إِن كَانَت بِفِعْلِهِ فيعفى عَن قليلها ويعفى عَن قَلِيل طين الشَّارِع النَّجس وَلَو ممغلظ وَهُوَ مَا يتَعَذَّر الِاحْتِرَاز عَنهُ غَالِبا وَهُوَ مَا لَا ينْسب صَاحبه إِلَى سقطة أَو كبوة أَو قلَّة تحفظ وَيرجع فِي ذَلِك إِلَى الْعَادة وَيخْتَلف باخْتلَاف مَوْضِعه وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَأما طين الشَّارِع الذى تظن نَجَاسَته ظنا غَالِبا لغلبتها فِيهِ فطاهر عملا بلأصل وَأما مَاء القروح والنفاطات فَإِن تغير فنجس وَإِلَّا فطاهر
(1/34)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْآنِية - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
جَمِيع إِنَاء كسقاء وأسقية وَبِنَاء وأبنية (يُبَاح مِنْهَا) أتخاذ واستعمالا (طَاهِر من خشب وَغَيره) كخزف ونحاس وحديد ورصاص وجلود من حَيْثُ كَونه إِنَاء طَاهِرا فَفِي الصَّحِيح (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ من إِنَاء من صفر وَمن إِنَاء من شبه وَمن تور من حِجَارَة) والصفر بِضَم الصَّاد النّحاس والشبه بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة النّحاس الْأَحْمَر الذى يشبه الذَّهَب فِي لَونه فَلَا يرد تَحْرِيم اسْتِعْمَال جلد أَو غَيره من آدمى وَلَا مَغْصُوب أَو مَسْرُوق لِأَن تَحْرِيمهَا لَيْسَ من الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة بل من حَيْثُ حُرْمَة الآدمى والاستيلاء على حق الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه خرج بالطاهر النَّجس فَلَا يُبَاح اسْتِعْمَاله إِلَّا فِي جَاف أَو مَاء كثير (لَا فضَّة أَو ذهب فَيحرم اسْتِعْمَاله) على الذُّكُور وَالْإِنَاث والخناثى وَالصبيان حَتَّى يحرم على الْمُكَلف سقى نَحْو طِفْل فِي إِنَاء مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا وَسَوَاء أَكَانَ الِاسْتِعْمَال فِي طَهَارَة أَو غَيرهَا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (لَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا تَأْكُلُوا فِي صحافها) وَقيس غير الْأكل وَالشرب عَلَيْهِمَا لِأَن عِلّة التَّحْرِيم وجود عين الذَّهَب وَالْفِضَّة مراعى فِيهَا الْخُيَلَاء وَقد يعللون بالخيلاء مراعين فِيهَا الْعين وَلَا فرق فِي الْإِنَاء بَين كَونه كَبِيرا أَو صَغِيرا (كمرود لامْرَأَة) وملعقة للْأَكْل أَو الشّرْب وخلال الْأَسْنَان نعم لَو احْتَاجَ إِلَى الاكتحال بميل مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا لجلاء الْعين جَازَ وَمحل التَّحْرِيم إِذا وجد غَيره وَإِلَّا جَازَ اسْتِعْمَاله نعم يقدم الْفضة على الذَّهَب عِنْد وجودهما وَيُؤْخَذ من كَلَامه صِحَة طَهَارَته مِنْهُ وَكَون الْمَأْكُول أَو المشروب حَلَالا وَهُوَ كَذَلِك وَيحرم الاحتواء على مجمرة مِنْهُ أَو كَونهَا بِقُرْبِهِ بِحَيْثُ يعد متطيبا بهَا عرفا والتطيب بِمَاء الْورْد أَو غَيره مِنْهُ فليفرغه فِي يَده الْيُسْرَى ثمَّ فِي يَده الْيُمْنَى ثمَّ يَسْتَعْمِلهُ وكما يحرم اسْتِعْمَاله يحرم اتِّخَاذه لِأَنَّهُ يجر إِلَى اسْتِعْمَاله كآلة اللَّهْو واقتناؤه أَيْضا وَيحرم التزيين بِهِ وَلَو فِي الْبيُوت والحوانيت والكعبة فَلَا أُجْرَة لصانعه وَلَا أرش على كاسره وَيحل إِنَاء ذهب أَو فضَّة موه بنحاس أَو غَيره إِن حصل مِنْهُ شىء بِالْعرضِ على النَّار وَإِلَّا حرم وَيحل إِنَاء نُحَاس أَو نَحوه موه بِذَهَب أَو فضَّة إِن لم يحصل مِنْهُ شىء بِالْعرضِ على النَّار وَإِلَّا حرم (وَجَاز من زبرجد) بدال مُهْملَة وفيروزج وَيَاقُوت وبلور وكل جَوْهَر وَلَو من طيب مُرْتَفع كمسك وَعَنْبَر وكافور بِنَاء على أَن عِلّة تَحْرِيم إِنَاء النَّقْدَيْنِ الْعين مَعَ أَن الْجَوْهَر النفيس لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص فَلَا خُيَلَاء وكما يجوز اسْتِعْمَال الْإِنَاء الذى نفاسته لصنعته لَا لذاته كزجاج وخشب مُحكم الخرط (وَتحرم الضبة من هذَيْن) أَي من ذهب أَو فضَّة (بكبر عرفا مَعَ التزيين) أى تحرم الضبة مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا مَعَ كبرها وَكَونهَا كلهَا أَو بَعْضهَا للتزيين لوُجُود الْمَعْنيين الْعين وَالْخُيَلَاء ومرجع الْكبر وضده الْعرف على اللأصح فان شكّ فِي الْكبر فَالْأَصْل الْإِبَاحَة 0 إِن فقدا) أى الْكبر والزينة بِأَن كَانَت صَغِيرَة لحَاجَة (حلت) بِلَا كَرَاهَة (وفردا يكره وَالْحَاجة الَّتِى تساوى كسْرَى) أى أَن كَانَت الضبة كَبِيرَة لحَاجَة أَو صَغِيرَة فَوق الْحَاجة كره اسْتِعْمَالهَا والتزيين بهَا واتخاذها للكبر والزينة وَلم تحرم للْحَاجة فى الأولى والصغر فِي الثَّانِيَة وَالْمرَاد بِالْحَاجةِ غَرَض إصْلَاح كسر الْإِنَاء دون التزيين وَلَا يعْتَبر الْعَجز عَن غير الذَّهَب وَالْفِضَّة لِأَن الْعَجز عَن غَيرهمَا يُبِيح اسْتِعْمَال الْإِنَاء الذى كُله ذهب أَو فضَّة فضلا عَن المضبب بِهِ كَمَا مر وأصل ضبة الْإِنَاء مَا يصلح بِهِ خلله من صفيحة أَو غَيرهَا وإطلاقها على مَا هُوَ للزِّينَة
(1/35)

توسع وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر البُخَارِيّ عَن أنس (أَن قدحه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي يشرب فِيهِ كَانَ مسلسلا بِفِضَّة) أى مشعبا بخيط فضَّة لانشقاقه وَمَا ذكره كَأَصْلِهِ من مُسَاوَاة ضبة الذَّهَب لعنبة الْفضة تبع فِيهِ الرَّافِعِيّ وَرجح النووى تَحْرِيمهَا مُطلقًا لِأَن الدَّلِيل الْمُخَصّص للتَّحْرِيم إِنَّمَا ورد فِي الْفضة وَلَا يلْزم من جَوَازهَا جَوَازه لِأَن الْخُيَلَاء فِيهِ أشدوبابه أضيق وَفِي بعض النّسخ بدل قَوْله وَالْحَاجة الخ لحَاجَة مَا لم تجَاوز كَسره (وَيسْتَحب فِي الْأَوَانِي التغطية وَلَو بِعُود حط فَوق الانية) مَعَ تَسْمِيَة الله تَعَالَى لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا سَوَاء أَكَانَ فِيهَا مَاء أَو غَيره لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (غطوا الْإِنَاء وأوكئوا السقاء) وَفِي رِوَايَة لَهما (خمر آنيتك وَاذْكُر اسْم الله وَلَو تعرض عَلَيْهَا عودا قَالَ الْأَئِمَّة وَفَائِدَة ذَلِك من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فان الشَّيْطَان لَا يحل سقاء وَلَا يكْشف إِنَاء ثَانِيهَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي السّنة لَيْلَة ينزل فِيهَا وباء لَا يمر بِإِنَاء لَيْسَ عَلَيْهِ غطاء أَو سقاء لَيْسَ عَلَيْهِ وكاء الا نزل فِيهِ من ذَلِك الوباء) قَالَ اللَّيْث بن سعد أحد رُوَاته فِي مُسلم فالأعاجم يتوقون ذَلِك فِي كانون الأول قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين وَهُوَ كيهك ثَالِثهَا صيانتها من النَّجَاسَة وَنَحْوهَا وَقد عمل بَعضهم بِالسنةِ فِي التغطية بِعُود فَأصْبح وأفعى ملتفة على الْعود وَلم تنزل فِي الْإِنَاء وَلَكِن لَا يعرض الْعود على الْإِنَاء إِلَّا مَعَ ذكر اسْم الله فَإِن السِّرّ الدَّافِع هُوَ اسْم الله تَعَالَى مَعَ صدق النِّيَّة وَيسن أَيْضا إيكاء السقاء وإطفاء النَّار عِنْد النّوم وإغلاق الْبَاب بعد الْمغرب وَجمع الصّبيان والمواشي ثمَّ شرع فِي ذكر الِاجْتِهَاد فَقَالَ (ويتحرى) جَوَازًا إِن قدر على طهُور بِيَقِين ووجوبا إِن لم يقدر عَلَيْهِ ويجتهد (لاشتباه طَاهِر بِنَجس وَلَو لأعمى قَادر) الِاجْتِهَاد والتحرى والتآخى بذل المجهود فِي طلب الْمَقْصُود فيجتهد الِاشْتِبَاه طَاهِر من مَاء أَو ثوب أَو طَعَام أَو شراب أَو غَيرهَا بآخر نجس بِأَن يبْحَث عَمَّا يبين النَّجس بالأمارات المغلبة على الظَّن كرشاش حول إنائه أَو ابتلال طرفه أَو تحركه أَو قرب الْكَلْب مِنْهُ أَو زِيَادَته أَو نَقصه وَيسْتَعْمل مَا ظن طَهَارَته لِأَن الْحل شَرط للمطلوب يُمكن التَّوَصُّل إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ فَجَاز كالقبلة وَقد يجب بِأَن لَا يجد غَيرهمَا وضاق وَقت الصَّلَاة أَو أضطر للتناول وَشَمل إِطْلَاقه مَا لَو حصل الِاشْتِبَاه بِإِخْبَار ثِقَة وَلَو أُنْثَى وعبدا كَأَن أخبرهُ بتنجس أَحدهمَا مُبْهما وَكَذَا إِن أخبرهُ بِهِ معينا ثمَّ الْتبس عَلَيْهِ فَإِن لم يلتبس عَلَيْهِ وَبَين سَبَب النَّجَاسَة أَو كَانَ فَقِيها فِي الْمِيَاه مُوَافقا لَهُ لزمَه قبُول خَبره وَامْتنع عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد كالمفتى يجد النَّص وكالقبلة وَغَيرهَا وكما يجْتَهد الْبَصِير يجْتَهد الْأَعْمَى الْقَادِر على الِاجْتِهَاد على الْأَصَح كَمَا فِي الْوَقْت وَلِأَن لَهُ طَرِيقا غير الْبَصَر كالشم واللمس والذوق وَفَارق مَنعه فِي الْقبْلَة بِأَن أدلتها بصرية فَإِن تخير قلد بَصيرًا ثِقَة كالعامى يُقَلّد مُجْتَهدا بِخِلَاف مَا لَو اشْتبهَ عَلَيْهِ الْوَقْت فَإِن لَهُ أَن يقلده إِن لم يتحير لِأَن الِاجْتِهَاد هُنَاكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بتعاطى أَعمال مستغرقة للْوَقْت وَفِيه مشقة ظَاهِرَة بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِن لم يجده أَو اخْتلف عَلَيْهِ بصيران أَو تحرى بَصِير وتحير لم يَصح تيَمّمه إِلَّا أَن لَا يبْقى مَعَه مَاء طَاهِر بِيَقِين وَخرج بقوله قَادر الْأَعْمَى الْعَاجِز عَن الِاجْتِهَاد لفقد شمه ولمسه وذوقه وسَمعه أَو لبلادة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ لَا يجْتَهد بل يُقَلّد ثِقَة عَارِفًا (لَا الْكمّ) أى لَو أشتبه عَلَيْهِ أحد كمى ثوب مُتَنَجّس بِالْآخرِ فَلَا اجْتِهَاد فِيهِ بل يجب غسلهمَا مَعًا لتصح صلَاته فِيهِ لِأَنَّهُ ثوب وَاحِد تَيَقّن نَجَاسَته فَلَا تَزُول بِالشَّكِّ كَمَا لَو خفى مَحل النَّجَاسَة فِيهِ وَلم تَنْحَصِر فِي مَحل مِنْهُ فَلَو اجْتهد وَغسل الْمُتَنَجس عِنْده لم تصح صلَاته فِيهِ بعمة فِي الثَّوْبَيْنِ فيهمَا مَعًا على الْأَصَح وَفرق بِأَن مَحل الِاجْتِهَاد الِاشْتِبَاه بَين شَيْئَيْنِ فتأثيره فِي أَجزَاء الْوَاحِد أَضْعَف فَلَو انْفَصل الكمان أَو أَحدهمَا كَانَا كالثوبين وَالْبَوْل وميتة وَمَاء ورد وخمر در أتن لَو أشتبه مَاء وَبَوْل مُنْقَطع الرَّائِحَة أَو ميتَة بمذكاة أَو مَاء ورد بِمَاء أَو خمر يحل
(1/36)

أَو لبن بدر أى لبن أتن بِضَم الْهمزَة وَالتَّاء جمع أتان بِالْمُثَنَّاةِ وهى الْأُنْثَى من الْحمر الْأَهْلِيَّة فَلَا اجْتِهَاد إِذْ لَا أصل للخمسة فِي حل الْمَطْلُوب بل فِي مسئلة الْبَوْل يريقها أَو أَحدهمَا أَو يصب مِنْهُ فِي الآخر ثمَّ يتَيَمَّم فَلَو تيَمّم قبل ذَلِك لم يَصح لِأَنَّهُ تيَمّم بِحَضْرَة طَاهِر بِيَقِين لَهُ طَرِيق إِلَى إعدامه فَلَا يشكل بِصِحَّة اليمم بِحَضْرَة مَاء منع مِنْهُ نَحْو سبع وَفِي مسئلة مَاء الْورْد يتَوَضَّأ بِكُل مِنْهُمَا مرّة ويعذر فِي تردده فِي النِّيَّة وَإِن قدر على طهُور بِيَقِين وَلَا يجب عَلَيْهِ إِزَالَة التَّرَدُّد بَان يَأْخُذ غرفَة من هَذَا وغرفة من الآخر ويستعملها دفْعَة فِي وَجهه نَاوِيا وَلَو اشتبهت ميتَة بمذكيات بلد أَو إِنَاء بَوْل بأواني بلد فَلهُ أَخذ بَعْضهَا بِلَا اجْتِهَاد إِلَى أَن يبْقى وَاحِد (ومحرما) أى لَا يتحَرَّى فِيهَا لَو اشتبهت بأجنبيات محصورات إِذْ لَا عَلامَة تمتاز بهَا الْمحرم عَن غَيرهَا فَإِن ادّعى امتيازها بعلامة فَلَا اجْتِهَاد أَيْضا لِأَنَّهَا إِنَّمَا تعتمد عِنْد اعتضاد الظَّن بِأَصْل الْحل وَالْأَصْل فِي الأبضاع الْحُرْمَة فَإِن اشتبهت بِغَيْر محصورات فَلهُ أَن ينْكح مِنْهُنَّ إِلَى أَن يبْقى عدد مَحْصُور لِئَلَّا ينسد عَلَيْهِ بَاب النِّكَاح وكل عدد لَو اجْتمع فِي صَعِيد وَاحِد يعسر على النَّاظر عده بِمُجَرَّد النّظر كالمائتين فَغير مَحْصُور وَإِن سهل عدَّة كعشرة وَعشْرين فمحصور وَبَينهمَا وسائط تلْحق بِأَحَدِهِمَا بِالظَّنِّ وَمَا وَقع فِيهِ الشَّك استفتى فِيهِ الْقلب وَلَو اشتبهت زَوجته بأجتناب حرم عَلَيْهِ أَن يطَأ مِنْهُم مُطلقًا لِأَن الْوَطْء لَا يُبَاح إِلَّا بِالْعقدِ وَلِأَن الأَصْل فِي الأبضاع الْحُرْمَة فيحتاط لَهَا وَالِاجْتِهَاد خلاف الِاحْتِيَاط وَقد أَشَارَ النَّاظِم بِكَلَامِهِ إِلَى بعض شُرُوط الِاجْتِهَاد فَمِنْهَا أَن يكون بَين مُتَعَدد وَأَن يكون بَاقِيا على الْأَصَح خلافًا للرافعي وَأَن يكون لكل من المشتبهين أصل فِي حل الْمَطْلُوب وَأَن يكون للعلامة فِي المتعدد مجَال أى مدْخل وَكلهَا تعلم من كَلَامه على هَذَا التَّرْتِيب وَأما ظُهُور الْعَلامَة فَإِنَّمَا هُوَ شَرط للْعَمَل وبالاجتهاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب السِّوَاك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
وَهُوَ لُغَة الدَّلْك وآلته وَشرعا اسْتِعْمَال عود أَو نَحوه كأشنان فِي الْأَسْنَان وَمَا حولهَا (يسن) السِّوَاك مُطلقًا لخَبر (السِّوَاك مطهرة للفم مرضاة للرب) رَوَاهُ ابْنا خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَرَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا بِصِيغَة الْجَزْم لكنه (لَا) يسن (بعد زَوَال الصَّائِم) أى زَوَال شمس يَوْمه بل يكره لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) والخلوف بِضَم الْخَاء تغير رَائِحَة الْفَم وَالْمرَاد الخلوف بعد الزَّوَال لغير (أَعْطَيْت أمتى فِي شهر رَمَضَان خمْسا ثمَّ قَالَ وَأما الثَّانِيَة فَإِنَّهُم يمسون وخلوف أَفْوَاههم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) رَوَاهُ السَّمْعَانِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن كَمَا ذكره فِي الْمَجْمُوع من حِكَايَة ابْن الصّلاح والمساء بعد الزَّوَال وأطيبيه الخلوف تدل على طلب إبقائه فَكرِهت إِزَالَته فِيمَا ذكر وَأما خبر أَبى دَاوُد وَغَيره عَن عَامر بن ربيعَة قَالَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يستاك وَهُوَ صَائِم مَالا أعد) فَلَيْسَ فِيهِ أَنه فعله بعد الزَّوَال وتزول الْكَرَاهَة بغروب الشَّمْس فِي الْأَصَح وَالْمعْنَى فِي أختصاصها بِمَا بعد الزَّوَال أَن تغير الْفَم بِسَبَب الصَّوْم إِنَّمَا يظْهر غَالِبا حِينَئِذٍ وَلَو وَاصل وَأصْبح صَائِما كره لَهُ ذَلِك قبل الزَّوَال وَبعده أخذا من الْعلَّة كَمَا قَالَه الجيلى فِي الإعجاز وَأفْتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو تغير فَمه بعد الزَّوَال بِسَبَب آخر غير الخلوف كنوم أَو وُصُول شىء كريه الرّيح إِلَى فَمه فاستاك لذَلِك لم يكره كَمَا قَالَه الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه (وأكدوه لانتباه النَّائِم) أى يتَأَكَّد طلب السِّوَاك لانتباه النَّائِم من نَومه لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا قَامَ من النّوم يشوص فَاه بِالسِّوَاكِ) أى يدلكه وَقيس بِالنَّوْمِ الْمَذْكُور غَيره بِجَامِع
(1/37)

التَّغَيُّر (ولتغير) رَائِحَة (فَم) بنوم أَو أكل أَو كَلَام أَو تَركه أَو غَيره لما روى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير وَغَيره عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَنه قَالَ (كَانُوا يدْخلُونَ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يستاكوا فَقَالَ تدخلون على قلحا استاكوا (وللصلاة) أَي عِنْد إِرَادَة الْقيام لَهَا سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا وَسَوَاء أَكَانَ متوضأ أَو متيمما أم فاقدا للطهورين لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (لَوْلَا أَن أشق على أمتى أَو على النَّاس لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) وفى رِوَايَة لَهما (بِالسِّوَاكِ مَعَ كل صَلَاة) أى أَمر إِيجَاب بِدَلِيل خبر (لفرضت عَلَيْهِم عِنْد كل صَلَاة) ويتأكد أَيْضا للْوُضُوء وَإِن لم يصل بِهِ وللتيمم أَيْضا وللقراءة ولصفرة الْأَسْنَان وَيُمكن إدراجها فِي قَول النَّاظِم ولتغير فَم ولدخول منزل وللطواف بأنواعه ولسجدة التِّلَاوَة أَو الشُّكْر قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَعند الْأكل وَعند إِرَادَة النّوم قَالَ الزركشى وَبعد الْوتر وَفِي السحر كَمَا قَالَه ابْن عبد الْبر وللصائم قبل أَوَان الخلوف كَمَا يسن التَّطَيُّب قبل الْإِحْرَام كَمَا ذكره الإِمَام فِي كتاب الْحَج وَعند الِاخْتِصَار كَمَا دلّ عَلَيْهِ خبر الصَّحِيحَيْنِ وَيُقَال إِنَّه يسهل خُرُوج الرّوح وَلَيْسَ لَهُ إِذا أَرَادَ أَن يستاك ثَانِيًا غسل سواكه إِن حصل عَلَيْهِ وسخ أَو ريح أَو نَحْوهمَا كَمَا ذكره فِي الْمَجْمُوع (وَسن) الاستياك (باليمنى) وَإِن كَانَ لإِزَالَة قلح والبداءة بالجانب الْأَيْمن من فَمه لشرف الْأَيْمن (وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يحب التَّيَامُن مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنه كُله فِي طهوره وَترَجله وتنعله وسواكه) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيسن عرضا ويجزىء طولا ويمره على كراسى أَضْرَاسه وأطراف أَسْنَانه وسقف حلقه بلطف ولينوبه السّنة ويعوده الصبى ليألفه و (الْأَرَاك أولاه) ثمَّ النّخل ثمَّ الْعود ذُو الرّيح الطّيب ثمَّ مُطلق الْعود واليابس المندى بِمَاء أولى وَيحصل بِكُل مزيل للوسخ طَاهِر وَلَو خرقَة أَو أصبعا مُتَّصِلَة من غَيره خشنة إِلَّا أُصْبُعه لِأَنَّهَا لَا تسمى سواكا (وَيسْتَحب الاكتحال بالإثمد لخَبر التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اكتحلوا بالإثمد فَإِنَّهُ يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر) وَرَوَاهُ النسائى وَابْن حبَان بِلَفْظ إِن من خير أكحالكم الإثمد وَعَن عَليّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (عَلَيْكُم بالإثمد فَإِنَّهُ منبتة للشعر مذْهبه للقذى مصفاة لِلْبَصَرِ) وَفِي حَدِيث (عَلَيْكُم بالإثمد المروح عِنْد النّوم) أى المطيب بالمسك وَيسْتَحب كَونه (وترا) لخَبر أَبى دَاوُد وَغَيره باسناد جيد من اكتحل فليوتر) وَاخْتلفُوا فِي قَوْله فليوتر فَقيل يكتحل فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَفِي الْيُسْرَى مرَّتَيْنِ فَيكون الْمَجْمُوع وترا وَالأَصَح أَنه يكتحل فِي كل عين ثَلَاثًا لخَبر الترمذى عَن ابْن عَبَّاس وحسنة قَالَ (كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مكحلة يكتحل مِنْهَا فِي كل عين ثَلَاثًا) وَاسْتدلَّ للْأولِ بِخَبَر الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر قَالَ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اكتحل جعل الْعين الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَفِي الْعين الْيُسْرَى مرودين فجعلهم وترا) لَكِن فِي أسناده الْعُمْرَى وَمن لَا يعرف وَقد علم أَنه لَو اكتحل شفعا حصل لَهُ أصل السّنة روى أَبُو دَاوُد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج) (وغبا ادهن) أى وقتا بعد وَقت بِحَسب الْحَاجة لخَبر الترمذى وَصَححهُ عَن عبد الله بن مُغفل قَالَ (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الادهان إِلَّا غبا) وَفِي الشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي عَن أنس بن مَالك قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكثر دهن رَأسه وتسريح لحيته) وَمَا يرْوى فِي كتب الْفُقَهَاء مَرْفُوعا (استاكوا عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا) فَغَرِيب قَالَ فِي الْمَجْمُوع الادهان غبا بِكَسْر الْغَيْن هُوَ أَن يدهن ثمَّ يتْرك حَتَّى يجِف الدّهن وَقَالَ فِي نكته قَول الشَّيْخ ويدهن غبا أَي وقتا بعد وَقت فيدهن ثمَّ يتْركهُ حَتَّى يجِف رَأسه وَنقل ابْن الرّفْعَة عَن بَعضهم وَقَالَ قبله الغب كَمَا قَالَ ابْن فَارس ان ترد الْإِبِل المَاء يَوْمًا وتدعه يَوْمًا وَبِهَذَا فسر الإِمَام أَحْمد الحَدِيث وَبِه قَالَ بعض الشَّارِحين (وقلم ظفرا) أَي يسن تقليم الأظافر أى قصها بمقص أَو نَحوه لعده من الْفطْرَة وَلِأَنَّهَا تتفاحش بِتَرْكِهَا وَقد يمْنَع الْوَسخ الْحَاصِل
(1/38)

تحتهَا من وُصُول مَاء الطَّهَارَة إِلَى مَا تَحْتَهُ وَمحل ندب أزالة الظفر وَالشعر الآتى فِي غير عشر ذى الْحجَّة لمريد التَّضْحِيَة وَوقت قصها عِنْد طولهَا وَيَوْم الْجُمُعَة أولى وَلَا يُعَارضهُ مَا روى عَن أنس قَالَ وَقت لنا فِي قصّ الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة أَن لَا نَتْرُك أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا وروى عَن وَصِيَّة على أَن التقليم فِي كل عشرَة أَيَّام ونتف الْإِبِط فِي كل أَرْبَعِينَ وَحلق الْعَانَة فِي كل عشْرين وقص الْأنف فِي كل ثَلَاثِينَ وَالْحق فِي الْجَمِيع اتِّبَاع الْحَاجة الأولى فِي قصها أَن يكون مُخَالفا لخَبر من قصّ أَظْفَاره لم ير فِي عَيْنَيْهِ رمدا) وَفَسرهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة الله بن بطة بِأَن يبْدَأ بخنصر الْيُمْنَى ثمَّ الْوُسْطَى ثمَّ الأبهام ثمَّ البنصر ثمَّ المسبحة ثمَّ إِبْهَام الْيُسْرَى ثمَّ الْوُسْطَى ثمَّ الْخِنْصر ثمَّ السبابَة ثمَّ البنصر وَفِي الْإِحْيَاء أَنه يبْدَأ فِي الْيَدَيْنِ بمسبحة الْيُمْنَى وَيخْتم بإبهامها وَفِي الرجلَيْن بخنصر الْيُمْنَى وَيخْتم بخنصر الْيُسْرَى قَالَ النووى لَا بَأْس بِهِ إِلَّا تَأْخِيره إِبْهَام الْيُمْنَى فَإِن السّنة إِكْمَال الْيُمْنَى أَولا وَيسن غسل رُءُوس الْأَصَابِع بعد قصّ أظفارها فقد قيل إِن الحك بالأظفار قبل غسلهَا يضر بالجسد وَالظفر بِضَم الظَّاء وَالْفَاء وإسكانها وبكسر الظَّاء مَعَ إسكان الْفَاء وَكسرهَا وَيُقَال فِيهِ أظفور (وانتن لإبط) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء أى ينْدب ذَلِك إِن اعتاده وَإِلَّا فيحلقه (ويقص) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (الشَّارِب) بِحَيْثُ يظْهر طرف الشّفة وَلَا يحفيه من أَصله (والعانة) بِالنّصب (احْلق) من الرجل أما الْأُنْثَى فالمستحب لَهَا نتفها كَمَا ذكره النووى وَغير لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خمس من الْفطْرَة الْخِتَان والاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط والاستحداد هُوَ حلق الْعَانَة قَالَ الغزالى وَيسْتَحب نتف الْإِبِط فِي كل أَرْبَعِينَ يَوْمًا مرّة قَالَ وَذَلِكَ سهل على من تعود فِي الِابْتِدَاء نتفه فَأَما من تعود الْحلق فيكفيه إِذْ فِي النتف تَعْذِيب وإيلام وَالْمَقْصُود النَّظَافَة وهى تَحْصِيل بِالْحلقِ واختص النتف بالإبط وَالْحلق بالعانة لِأَن الْإِبِط مَحل الرَّائِحَة الكريهة والنتف يضعف الشّعْر فتخف الرَّائِحَة الكريهة وَالْحلق يكثر الشّعْر فتكثر فِيهِ الرَّائِحَة قَالَ الجيلى وَشعر الْعَانَة إِذا طَال يعشش فِيهِ الشَّيْطَان وَيذْهب قُوَّة الْجِمَاع (والختان وَاجِب) على الذّكر وَالْأُنْثَى (لبالغ) عَاقل مُحْتَمل لَهُ (سَاتِر) بِالنّصب (كمرة قطع) وهى الغلفة من الذّكر 0 وَالِاسْم) بنصبه أَيْضا (من أُنْثَى) لقَوْله تَعَالَى {ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} وَكَانَ من مِلَّته الْخِتَان فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه اختتن وعمره ثَمَانُون سنة وَفِي صَحِيح ابْن حبَان وَالْحَاكِم مائَة وَعِشْرُونَ سنة وَقيل سَبْعُونَ سنة وَلخَبَر أَبى دَاوُد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لرجل أسلم ألق عَنْك شعر الْكفْر واختتن وَالْأَمر للْوُجُوب وَلِأَنَّهُ قطع جُزْء من الْبدن لَا يسْتَخْلف تعبدا فَلَا يكون إِلَّا وَاجِبا كَقطع السّرقَة واحترزوا بالقيد الأول من الشّعْر وَالظفر فَإِنَّهُ يسْتَخْلف وَبِالثَّانِي عَن الْقطع للأكلة فَإِنَّهُ لَا يجب وَلِأَنَّهُ قطع عُضْو سليم فَلَو لم يجب لم يجز كَقطع الْأصْبع فِي الْقصاص وَأما خبر أَحْمد والبيهقى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْخِتَان سنة فِي الرِّجَال مكرمَة فِي النِّسَاء فَأُجِيب عَنهُ بِأَن المُرَاد مِنْهُ أَنه سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ فعله وَأمر بِهِ فَيكون وَاجِبا وَأما ختان الصبى وَالْمَجْنُون وَمن لَا يحْتَملهُ فَلَيْسَ بِوَاجِب لِأَن الْأَوَّلين ليسَا من أهل الْوُجُوب وَالثَّالِث يتَضَرَّر بِهِ وكما يجب الْخِتَان يجب قطع السُّرَّة لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ثُبُوت الطَّعَام إِلَّا بِهِ وربطها إِلَّا أَن وجوبهما على الْغَيْر لِأَنَّهُ لَا يفعل إِلَّا فِي الصغر وَيجب على الْمَالِك ختن رَقِيقه أَو تخليته ليكتسب ويختتن وَيسن كَونه يَوْم السَّابِع الذى يلى وِلَادَته إِن أطاقه فَإِن أخر اسْتحبَّ أَن يكون فِي الْأَرْبَعين فَإِن أخر عَنْهَا فَفِي السّنة السَّابِعَة لِأَنَّهُ الْوَقْت الَّذِي يُؤمر فِيهِ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاة عِنْد تَمْيِيزه وَأما الْخُنْثَى الْمُشكل فَيحرم ختنه وَلَو بعد بُلُوغه لِأَنَّهُ جرح مَعَ الشكولم يصدر مِنْهُ جِنَايَة فَلَا يشكل بِقطع إِحْدَى يدين اشتبهت بأصلية وَقد سرق مَا يقطع بِهِ وَمن لَهُ ذكران عاملان ختنا جَمِيعًا أَو أَحدهمَا عَامل ختن فَقَط وَيعرف عمل الذّكر بالبول وَمؤنَة الْخِتَان فِي مَال المختون فَإِن لم يكن لَهُ مَال فعلى من تلْزمهُ مُؤْنَته وَيجْبر الإِمَام بَالغا عَاقِلا على الْخِتَان إِذا احتمله وَامْتنع مِنْهُ وَلَو مَاتَ قبل الْخِتَان حرم ختنه وَإِن كَانَ
(1/39)

بَالغا وَإِن ولد مختونا لم يختن وَأما تثقيب آذان الصبية لتعليق الْحلق فَحَرَام لِأَنَّهُ جرح لم تدع إِلَيْهِ حَاجَة صرح بِهِ الغزالى فِي الْإِحْيَاء وَبَالغ فِيهِ مُبَالغَة شَدِيدَة قَالَ إِلَّا أَن يثبت فِيهِ من جِهَة النَّقْل رخصَة وَلم تبلغنَا وَفِي الرِّعَايَة فِي مَذْهَب أَحْمد يجوزتثقيب آذان الصبية للزِّينَة وَيكرهُ ثقب آذان الصَّبِي وَفِي فَتَاوَى قاضيخان من الْحَنَفِيَّة أَنه لَا بَأْس بتثقيب آذان الصبية لأَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يُنكر عَلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَيكرهُ القزع تنزها) لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى عَن القزع وَهُوَ بقاف وزاى مفتوحتين وَعين مُهْملَة وَهُوَ حلق بعض الرَّأْس سَوَاء كَانَ من مَوضِع وَاحِد أم مُتَفَرقًا مَأْخُوذ من قزع السَّحَاب وَهُوَ تقطعه قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم أجمع الْعلمَاء على كَرَاهَة القزع إِذْ كَانَ فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة إِلَّا أَن يكون لمداواة أَو نَحْوهَا وهى للتنزيه وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك لَا بَأْس بِهِ فِي الْقِصَّة أَو الْقَفَا للغلام قَالَ الْعلمَاء وَالْحكمَة فى النهى عَنهُ أَنه تَشْوِيه للخلقة قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء لَا بَأْس بحلق جَمِيع الرَّأْس لمن أَرَادَ التَّنْظِيف وَلَا بَأْس بِتَرْكِهِ لمن أَرَادَ أَن يدهن ويرجل وَادّعى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على إِبَاحَة حلق الْجَمِيع وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد وروى عَنهُ أَنه مَكْرُوه لما روى أَنه من وصف الْخَوَارِج وَلَا خلاف أَنه لَا تكره إِزَالَته بالمقراض وَلَا خلاف أَن اتِّخَاذه أفضل من إِزَالَته إِلَّا عِنْد التَّحَلُّل من النّسك (وَالْأَخْذ من جَوَانِب عنفقة ولحية وحاجب) أَي يكره للرجل أَخذ الشّعْر من جَوَانِب عنفقته وَمن لحيته وحاجبيه كَذَا فِي التَّحْقِيق وَغَيره لِأَنَّهُ فِي معنى التنميص المنهى عَنهُ لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح لَا بَأْس بِأخذ مَا حول العنفقة وَفهم من كَلَام النَّاظِم كَرَاهَة حلق الرجل لعَينه ونتفها بطرِيق الأولى خُصُوصا أول طُلُوعهَا إيثارا للمرودة (وَحلق شعر) رَأس (امْرَأَة) لِأَن بَقَاءَهُ يزينها نعم إِن عجزت عَن معالجته ودهنه وتأذت بهوامه فَلَا كَرَاهَة ونتف لحيتها وشاربها مُسْتَحبّ لِأَن بَقَاء كل مِنْهُمَا يشينها (ورد طيب وَرَيْحَان على من يهدى) أَي يكره تعَاطِي رد الطّيب أَو الريحان على من أهداه إِلَيْهِ كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي تَحْقِيقه وَقد علم أَن قَول المُصَنّف ورد مجرور بالمضاف الَّذِي قدرناه وَحذف الْمُضَاف سَائِغ شَائِع فِي الْكَلَام الفصيح (وحرموا خضاب شعر بسواد لرجل وَامْرَأَة) أَي يحرم خضاب شعر أَبيض من رَأس رجل أَو امْرَأَة أَو لحية رجل بِالسَّوَادِ لخَبر أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حَيَّان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكون قوم يخضبون فِي آخر الزَّمَان بِالسَّوَادِ كحواصل الْحمام لَا يريحون رَائِحَة الْجنَّة وكالرجل وَالْمَرْأَة الْخُنْثَى نعم يجوز للْمَرْأَة ذَلِك بِإِذن زَوجهَا أَو سَيِّدهَا لِأَن لَهُ غَرضا فِي تزيينها بِهِ وَقد أذن لَهَا فِيهِ وَالظَّاهِر كَمَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يحرم على الْوَلِيّ خضب شعر الصَّبِي أَو الصبية إِذا كَانَ أصهب بِالسَّوَادِ أَي لما فِيهِ من تَغْيِير الْخلقَة وَإِن عزى للناظم فِي شَرحه لنظمه أَنه قَالَ إِن الظَّاهِر أَنه لَا يحرم انْتهى (لَا للْجِهَاد) أَي يجوز خضب الشّعْر الْأَبْيَض بِالسَّوَادِ لأجل الْجِهَاد لما فِيهِ من إرهاب الْعَدو وَخرج بِالسَّوَادِ خضبه بِغَيْرِهِ كالحناء فَلَا يحرم بل هُوَ سنة للذّكر وَالْأُنْثَى
(1/40)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْوضُوء) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هُوَ بِضَم الْوَاو الْفِعْل وَبِفَتْحِهَا المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ فِيهِ وَقيل بِالْفَتْح فيهمَا وَقيل بِالضَّمِّ فيهمَا والمبوب لَهُ الْوضُوء بِمَعْنى الْفِعْل وَهُوَ من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن وَفِي الشَّرْع اسْتِعْمَال المَاء فِي أَعْضَاء مَخْصُوصَة مفتتحا بنية قَالَ الإِمَام وَهُوَ تعبدي لَا يعقل مَعْنَاهُ لِأَن فِيهِ مسحا وَلَا تنظيف فِيهِ وَالأَصَح أَنه مَعْقُول الْمَعْنى وَكَانَ فَرْضه مَعَ فرض الصَّلَاة كَمَا رَوَاهُ ابْن ماجة وَالأَصَح أَنه لَيْسَ من خَصَائِص هَذِه الْأمة وَإِنَّمَا الْخَاص بهم الْغرَّة والتحجيل (مُوجبه الْخَارِج من سَبِيل) أَي مُوجب الْوضُوء بِكَسْر الْجِيم أَي أَسبَابه لِأَنَّهُ مُفْرد مُضَاف ليعم أَرْبَعَة أَحدهَا الْخَارِج من سَبِيل مُعْتَاد قبلا كَانَ أَو دبرا ريحًا كَانَ الْخَارِج وَلَو من قبل أَو عينا نَادرا كَانَ أَو مُعْتَادا نجسا كَانَ أَو طَاهِرا وَلَو دوده أخرجت رَأسهَا ثمَّ رجعت أما الْغَائِط وَالْبَوْل وَالرِّيح والمذى فبالنص وَأما مَا عَداهَا فبالقياس عَلَيْهَا وَفِي مُوجبه أوجه أَصَحهَا بِالْخرُوجِ مَعَ الِانْقِطَاع وجوبا موسعا وَمَعَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة وجوبا مضيقا وَيجْرِي ذَلِك فِي مُوجب الْغسْل من الْحيض وَالنّفاس وَشَمل كَلَام النَّاظِم إِيجَاب الْوضُوء بِخُرُوج الْخَارِج من دبر الْمُشكل أَو من قبليه جَمِيعًا وَمن ثقبه انفتحت فِي معدة أَو فَوْقهَا أَو تحتهَا وَقد خلق مسدود الْمخْرج الْأَصْلِيّ أَو انفتحت تَحت الْمعدة وَقد انسد الْأَصْلِيّ فَصَارَ لَا يخرج مِنْهُ شَيْء وَإِن لم يلتحم وَهُوَ كَذَلِك وَمحل مَا ذكر فِي الانسداد الْعَارِض فَيقوم مقَام الْأَصْلِيّ فِي النَّقْض فَقَط دون إِجْزَاء الْحجر وَإِيجَاب الْوضُوء تمسها وَالْغسْل بالإيلاج فِيهَا وَإِيجَاب سترهَا وَتَحْرِيم النّظر إِلَيْهَا فَوق الْعَوْرَة لَكِن رجح فِي الْمَجْمُوع عدم انْتِقَاض الْوضُوء إِذا نَام مُمكنا لَهَا من مقره والمنسد حِينَئِذٍ كعضو زَائِد من الْخُنْثَى لَا وضوء بمسه وَلَا غسل بإيلاجه والإيلاج فِيهِ أما إِذا كَانَ الانسداد خلقيا فمنفتحه كالأصلي فِي الْأَحْكَام كلهَا كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَيُؤْخَذ من قَوْلنَا فمنفتحه أَنه لَا أثر لخُرُوج من منفتح بِأَصْل الْخلقَة كالفم وَخرج مِمَّا مر خُرُوج الْخَارِج من غَيره كَأحد قبلى الْمُشكل وثقبه انفتحت تَحت الْمعدة مَعَ انفتاح الْأَصْلِيّ أَو انفتحت فِيهَا أَو فَوْقهَا وَلَو مَعَ انسداد الْأَصْلِيّ فَلَا يُوجب الْوضُوء لِأَن الأَصْل عدم النَّقْض حَتَّى يثبت شرعا وَلم يثبت إِلَّا فِيمَا مر (غير منى مُوجب التغسيل) اسْتثْنى النَّاظِم من إِيجَاب الْوضُوء بِخُرُوج الْخَارِج الْمَنِيّ الْمُوجب للْغسْل وَهُوَ مني الشَّخْص نَفسه الْخَارِج مِنْهُ أول مرّة كَأَن أمنى بِمُجَرَّد نظر أَو احْتِلَام مُمكنا مقعدته فَإِنَّهُ لَا يُوجب الْوضُوء لِأَنَّهُ أوجب أعظم الْأَمريْنِ وَهُوَ الْغسْل بِخُصُوصِهِ فَلم يُوجب أدونهما بِعُمُومِهِ كزنا الْمُحصن لما أوجب أعظم الحدين وَهُوَ الرَّجْم بِكَوْنِهِ زنا مُحصن لم يُوجب أدونهما بِكَوْنِهِ زنا وَيلْحق بِهِ ولادَة بِلَا بَلل كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَفرق بَينه وَبَين إِيجَاب الْحيض وَالنّفاس الْوضُوء مَعَ إيجابهما الْغسْل بِأُمُور مِنْهَا أَنَّهُمَا لَا فَائِدَة لبَقَاء الْوضُوء مَعَهُمَا وأنهما يمنعان صِحَة الْوضُوء فَلَا يجامعانه مَعَ إيجابهما الْغسْل بِخِلَاف خُرُوج المنى يصبح مَعَه الْوضُوء فِي صُورَة سَلس المنى فيجامعه وَمِنْهَا أَن كلا مِنْهُمَا يخرج صَاحبه عَن كَونه مُكَلّفا بِالصَّلَاةِ فَلَا معنى لبَقَاء الْوضُوء حِينَئِذٍ وَلَا كَذَلِك المنى وَخرج بقوله مُوجب التغسيل مَا لَا يُوجِبهُ كَأَن جومعت فِي دبرهَا أَو فِي قبلهَا وَلم تنقض شهوتها وَاغْتَسَلت ثمَّ خرج مِنْهَا أَو استدخل شخص من منيه أَو منى غَيره ثمَّ خرج مِنْهُ فَإِنَّهُ يُوجب الْوضُوء كَمَا شَمله الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَيْضا وَمثله مَا لَو أَلْقَت بعض ولد كيد فينتقض وضوءها وَلَا غسل بِهِ كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى (كَذَا زَوَال الْعقل) وَهُوَ ثَانِيهَا أَي التَّمْيِيز فَإِن فسر بِآلَة التَّمْيِيز كَمَا حكى عَن إمامنا الْأَعْظَم أَو أَنه صفة يُمَيّز بهَا بَين الْحسن وَبَين الْقَبِيح فَالْمُرَاد زَوَال تصرفه وَهُوَ التَّمْيِيز إِمَّا بارتفاعه بالجنون أَو انغماره بالإغماء أَو السكر وَنَحْوه أَو استتاره بِالنَّوْمِ وَنَحْوه كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا بنوم كل مُمكن) لخَبر العينان وكاء السه فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَأخرجه ابْن السكن فِي صحاحه وَغير النّوم مِمَّا ذكر أبلغ مِنْهُ فِي الذهول الَّذِي هُوَ مَظَنَّة لخُرُوج شَيْء من دبره كَمَا أشعر بِهِ الْخَبَر إِذْ السه الدبر ووكاءه حفاظه عَن أَن يخرج مِنْهُ شَيْء لَا يشْعر (6 غَايَة الْبَيَان)
(1/41)

وَبِه العينان كِنَايَة عَن الْيَقَظَة وَلَا يضر فِي النَّقْض بِزَوَال الْعقل الَّذِي هُوَ مَظَنَّة لخُرُوج الْخَارِج كَون الأَصْل عدم خُرُوج شَيْء لِأَنَّهُ لما جعل مَظَنَّة لِخُرُوجِهِ من غير شُعُور بِهِ أقيم مقَام الْيَقِين كَمَا أُقِيمَت الشَّهَادَة المفيدة للظن مقَام الْيَقِين فِي شغل الذِّمَّة وَقَوله لَا بنوم إِلَى آخِره أَي لَا يجب الْوضُوء بنوم كل شخص مُمكن مقعدته من مقره وَلَو مُسْتَندا إِلَى مَا لَو زَالَ لسقط أَو مُحْتَبِيًا بِأَن يجلس على آلييه رَافعا رُكْبَتَيْهِ محتويا عَلَيْهِمَا بيدَيْهِ أَو غَيرهمَا لخَبر مُسلم عَن أنس قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينامون ثمَّ يصلونَ وَلَا يتوضأون وَلَفظ أبي دَاوُد ينتظرون الْعشَاء فينامون حَتَّى تخفق رؤوسهم الحَدِيث وَحمل على نوم الْمُمكن مَقْعَده جمعا بَينه وَبَين خبر العينان وكاء السه ولأمنه حِينَئِذٍ خُرُوج الْخَارِج وَلَا عِبْرَة بِاحْتِمَال خُرُوج ريح من قبله لندرته وَلَو زَالَت إِحْدَى ألييه قبل انتباهه أنتقض وضوءه وَلَو كَانَ مستشعرا أَو مَعَ انتباهه أَو بعده أَو شكّ فَلَا وَلَا يلْحق الْإِغْمَاء وَنَحْوه مَعَ تَمْكِين المقعدة بِالنَّوْمِ لِأَن عدم الشُّعُور مَعَهُمَا أبلغ كَمَا مر وَلَا تَمْكِين لمن نَام على قَفاهُ مُلْصقًا مَقْعَده بمقره وَلَا لمن نَام قَاعِدا وَهُوَ هزيل بِحَيْثُ يكون بَين مَقْعَده ومقره تجاف وَكَانَ بِحَيْثُ لَو خرج مِنْهُ شَيْء لَا يحس بِهِ وَخرج بِزَوَال الْعقل بعض النعاس وَحَدِيث النَّفس وأوائل نشوة السكر فَلَا نقض بهَا وَيُقَال للنعاس سنة وَالْفرق بَينه وَبَين النّوم أَن الناعس يسمع كَلَام الْحَاضِرين وَإِن لم يفهمهُ بِخِلَاف النَّائِم وَمن عَلامَة النّوم الرُّؤْيَا فَلَو شكّ فِي أَنه مُتَمَكن أَولا أَو فِي أَنه نَام أَو نعس لم ينْتَقض وضوءه أَو رأى رُؤْيا وَشك هَل نَام أَو نعس انْتقض ثَالِثهَا مَا ذكره بقوله (ولمس مرأة رجل) أَي لمس ذكر أُنْثَى أجنبيين كبيرين ببشرتهما وَهِي مَا سوى السن وَالشعر وَالظفر أَو فِي مَعْنَاهَا عمدا أَو سَهوا بِشَهْوَة أَو غَيرهَا سَوَاء فِي ذَلِك اللامس والملموس والأصلي وَالزَّائِد وَالْعَامِل والأشل من أَعْضَاء الْوضُوء أَو غَيرهَا والخصى والعينين والمحبوب والمسموح وَالشَّيْخ الْهَرم والعجوز لقَوْله تَعَالَى {أَو لامستم النِّسَاء} أَي لمستم كَمَا قرىء بِهِ لَا جامعتم وَالْمعْنَى فِي إِيجَابه الْوضُوء أَنه مَظَنَّة الإلتذاذ المثير للشهوة وَرجل فِي كَلَامه مَنْصُوب ووقف عَلَيْهِ بِحَذْف الْألف على لُغَة ربيعَة أَو مجرور بِإِضَافَة لمس إِلَيْهِ وَفصل بَينهمَا بمفعوله وَهُوَ امْرَأَة على لُغَة كَمَا فِي قِرَاءَة ابْن عَامر قَوْله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم} بِنصب أَوْلَادهم وجر شركائهم بِإِضَافَة قتل إِلَيْهِ مَفْصُولًا بَينهمَا بمفعوله (لَا محرم) أَي لَا لمس حرم وَهِي من حرم نِكَاحهَا على التَّأْبِيد بِسَبَب مُبَاح لحرمتها سَوَاء كَانَت من نسب أَو رضَاع أَو مصاهرة وَلَو بِشَهْوَة فَلَا يُوجب الْوضُوء لانْتِفَاء المظنة بَينهمَا (وَحَائِل للنقض كف) أَي لَا نقض مَعَ وجود حَائِل بَين بشرتي الذّكر وَالْأُنْثَى وَلَو رَقِيقا وَخرج بذلك اللَّمْس الْوَاقِع بَين ذكرين أَو أنثيين أَو خُنْثَى وَأُنْثَى أَو ذكر ولمس الْعُضْو الْمَقْطُوع وَالشعر وَلَو على فرج وَالسّن وَالظفر وَمن لم يبلغ حد الشَّهْوَة عرفا فَلَا يُوجب شَيْء مِنْهَا الْوضُوء وَشَمل كَلَامه لمس الْمَيِّت فينتقض بِهِ وضوء الْحَيّ وَقَوله وَحَائِل لَيْسَ مَعْطُوفًا على محرم بل مُبْتَدأ خَبره كف وَفِي قَوْله كف وكف الْآتِيَة جناس تَامّ مُسْتَوفى لاتِّفَاقهمَا فِي أَنْوَاع الْحُرُوف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وهما من نَوْعَيْنِ رَابِعهَا مَا ذكره فِي قَوْله (وَمَسّ فرج بشر بِبَطن كف) أَي ينْقض الْوضُوء مس فرج آدَمِيّ بِبَطن كف قبلا كَانَ أَو دبرا من نَفسه أَو غَيره عمدا أَو سَهوا مُتَّصِلا أَو ذكرا مَقْطُوعًا لخَبر من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ وَفِي رِوَايَة من مس فرجه وَفِي رِوَايَة ذكرا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَخبر ابْن حبَان فِي صَحِيحه (إِذا أفْضى أحدكُم بِيَدِهِ إِلَى فرجه وَلَيْسَ بَينهمَا ستر وَلَا حجاب فَليَتَوَضَّأ) وَمَسّ فرج غَيره أفحش من مس فرجه لهتك حُرْمَة غَيره وَالْمرَاد بِمَسّ قبل الْمَرْأَة ملتقى الشفرين على المنفذ وبمس الدبر ملتقى المنفذ وببطن الْكَفّ مااستتر عِنْد وضع إِحْدَى الْكَفَّيْنِ على الْأُخْرَى مَعَ تحامل يسير وَخرج بالفرج مس أحد قبلى الْمُشكل فَلَا نقض بِهِ لَا أَن يمس الْوَاضِح مِنْهُ مثل آلَته وبالآدمي الْبَهِيمَة فَلَا ينْقض مس فرجهَا كَمَا لَا يجب ستره وَلَا يحرم النّظر إِلَيْهِ وَلَا يتَعَلَّق بِهِ ختان وَلَا استنجاء وَلِأَن لمس إناث الْبَهَائِم لَيْسَ يحدث فَكَذَلِك مس فرجهَا فعلى هَذَا لَو أَدخل يَده فِي فرجهَا
(1/42)

لم ينْتَقض طهره فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وببطن الْكَفّ رُءُوس الْأَصَابِع وَمَا بَينهَا وحرف الْكَفّ فَلَا نقض بِمَسّ شَيْء مِنْهَا لِأَنَّهَا خَارِجَة عَن سمت الْكَفّ وَلِأَنَّهُ لَا يعْتَمد على الْمس بهَا وَحدهَا من أَرَادَ معرفَة لين الممسوس أَو خشونته وَلَا ينْتَقض الممسوس وَلَو كَانَ لَهُ كفان أَو ذكران انْتقض الْوضُوء بِمَسّ كل مِنْهُمَا لَا بِمَسّ الزَّائِد مَعَ الْعَامِل وينقض مس الْأصْبع الزَّائِدَة إِذا كَانَت على سنَن الْأَصَابِع (واختير من أكل للحم الجزر) أَي الْمُخْتَار عِنْد النَّوَوِيّ وَجَمَاعَة وجوب الْوضُوء من أكل لحم الجزر أَي الْإِبِل نيئا أَو مطبوخا قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ وَإِن شَذَّ مذهبا فَهُوَ قوى دَلِيلا لصِحَّة حديثين فِيهِ وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ واعتقدوا رجحانه أهوَ قد أَشَارَ النَّاظِم إِلَى حِكَايَة ذَلِك بِلَفْظ اختير بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَلَيْسَ فِي كَلَامه دلَالَة على اخْتِيَاره لَهُ وَلَكِن القَوْل الْجَدِيد الْمَشْهُور وَهُوَ الْمَذْهَب أَنه لَا يُوجب الْوضُوء لخَبر جَابر قَالَ كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترك الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار وَأجِيب عَن دَلِيل الْقَدِيم بِحمْلِهِ على النّدب أَو على الْوضُوء اللّغَوِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ جَوَاب غير شاف (وَمَعَ يَقِين حدث أَو طهر إِذا طرا شكّ بضده عمل يقينه) أَي إِذا تَيَقّن حَدثا أَو طهرا ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ شكّ عمل بضده أَي بيقينه استصحابا لَهُ لخَبر مُسلم إِذا وجد أحدكُم فِي بَطْنه شَيْئا فأشكل عَلَيْهِ أخرج مِنْهُ شَيْء أَولا فَلَا يخْرجن من الْمَسْجِد حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا قَالَ النَّوَوِيّ وغيرة الشَّك هُنَا وَفِي مُعظم أَبْوَاب الْفِقْه هُوَ التَّرَدُّد سَوَاء المستوى وَالرَّاجِح انْتهى وَالْبَاء فِي قَوْله بضد مُتَعَلقَة بقوله طَرَأَ أَو بقوله شكّ فَتكون ظرفية ويقينه مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَيصِح رَفعه على أَنه فَاعل عمل أَي عمل يقينه عمله (وسابق إِذا جهل خُذ ضد مَا قبل يَقِين) أَي إِذا جهل السَّابِق من الْحَدث وَالطُّهْر كَأَن وجدا مِنْهُ بعد الْفجْر مثلا وَجَهل السَّابِق مِنْهُمَا أَخذ بضد مَا تيقنه قبلهمَا من حدث أَو طهر فَإِن تذكر أَنه كَانَ قبلهمَا مُحدثا فَهُوَ الْآن متطهر سَوَاء اعْتَادَ تَجْدِيد الْوضُوء أم لَا لِأَنَّهُ تَيَقّن الطَّهَارَة وَشك فِي تَأَخّر الْحَدث عَنهُ وَالْأَصْل عدم تَأَخره وَإِن تذكر أَنه كَانَ قبلهمَا متطهرا فَهُوَ الْآن مُحدث إِن اعْتَادَ تَجْدِيد الْوضُوء وَلَو مرّة كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَيَقّن الْحَدث وَشك فِي تَأَخّر الطَّهَارَة عَنهُ وَالْأَصْل عدم تأخرها فَإِن لم يعْتد تجديده لم يَأْخُذ بالضد بل بِالْمثلِ فَيكون الْآن متطهرا لِأَن الظَّاهِر تَأَخّر طهره عَن حَدثهُ و (حَيْثُ لم يعلم بِشَيْء فالوضوء مُلْتَزم) أَي إِذا لم يعلم مَا قبلهمَا فالوضوء لَازم لَهُ لتعارض الِاحْتِمَالَيْنِ من غير مُرَجّح وَلَا سَبِيل إِلَى الصَّلَاة مَعَ التَّرَدُّد الْمَحْض فِي الطُّهْر وَهَذَا خَاص بِمن يعْتَاد التَّجْدِيد فَإِن غَيره يَأْخُذ بِالطُّهْرِ مُطلقًا كَمَا مر فَلَا أثر لتذكره وَإِن خَالف فِيهِ بعض الْمُتَأَخِّرين (فَرْضه النِّيَّة) أَي فروض الْوضُوء سِتَّة أَحدهَا النِّيَّة لما مر وَيجب قرنها بِأول جُزْء من الْوَجْه كَأَن يَنْوِي رفع الْحَدث أَو اسْتِبَاحَة الصَّلَاة أَو غَيرهَا مِمَّا لَا يُبَاح إِلَّا بِالْوضُوءِ أَو أَدَاء فرض الْوضُوء أَو فرض الْوضُوء أَو الْوضُوء ودائم الْحَدث لَا تُجزئه نِيَّة رفع الْحَدث وَلَو نوى غَيره رفع غير حَدثهُ أَجزَأَهُ إِن غلط لَا إِن تعمد (واغسل وجهكا) ثَانِيهَا غسل الْوَجْه قَالَ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم} وَالْمرَاد انغساله وَكَذَا فِي بَقِيَّة الْأَعْضَاء وَالْمرَاد ظَاهر الْوَجْه إِذْ لَا يجب غسل دَاخل الْعين والفم وَالْأنف وَحده طولا مَا بَين منابت شعر رَأسه غَالِبا وأسفل طرف الْمقبل من اللحيين وعرضا مَا بَين أُذُنَيْهِ وشعور الْوَجْه إِن لم تخرج عَن حَده وَكَانَت نادرة الكثافة كعذار وَهُوَ مَا حَاذَى الْأُذُنَيْنِ وهدب وشارب وَعند وعنفقة ولحية امْرَأَة وَخُنْثَى وَجب غسلهَا ظَاهرا وَبَاطنا وَإِن كثفت وَإِن لم تكن نادرة الكثافة وَهِي لحية الرجل وعارضاه أَو خرجت عَن حَده كشعر اللِّحْيَة والعارض والعذار والسبال وَجب غسل ظَاهرهَا وباطنها إِن خفت وَإِلَّا
(1/43)

وَجب غسل ظَاهرهَا فَقَط فَلَو خف بعض اللِّحْيَة مثلا وكثف بَعْضهَا فَلِكُل حِكْمَة إِن تميز وَإِلَّا فكالخفيف والخفيف مَا ترى بَشرته فِي مجْلِس التخاطب وَيجب غسل جُزْء من الرَّأْس وَسَائِر الجوانب الْمُجَاورَة للْوَجْه احْتِيَاطًا (وغسلك الْيَدَيْنِ مَعَ مرفقكا) ثَالِثهَا غسل الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْفَاء وَعَكسه قَالَ تَعَالَى {وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} وَدلّ على دخولهما فِي الْغسْل الْآيَة وَالْإِجْمَاع وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبين للْوُضُوء الْمَأْمُور بِهِ كَمَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره فَإِن لم يكن لَهُ مرفق اعْتبر قدره فَإِن قطعت من الْمرْفق وَجب غسل رَأس الْعَضُد أَو من فَوْقه ندب غسل بَاقِي عضده وَيجب غسل شعر الْيَدَيْنِ وَإِن كثف وظفرهما وَإِن طَال وَيَد زَائِدَة إِن نَبتَت فِي مَحل فرض وَإِن نَبتَت فِي غَيره وَجب غسل مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَله إِن تميزت فَإِن لم تتَمَيَّز بفحش قصر أَو نقص أصْبع أَو ضعف بَطش أَو نَحوه وَجب غسلهَا وتجري هَذِه الْأَحْكَام فِي الرجلَيْن وَالْألف فِي قَوْله وجهكا ومرفقك للإطلاق (وَمسح بعض الرَّأْس) رَابِعهَا مسح بعض رَأسه لقَوْله تَعَالَى {وامسحوا برؤوسكم} وَلَا فرق بَين مسح بشرة الرَّأْس وَالشعر الَّذِي عَلَيْهَا بِحَيْثُ يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمسْح وَلَو بعض شَعْرَة وَاحِدَة بيد وَغَيرهَا وَلَو من صَاحب رَأْسَيْنِ أصليين بِشَرْط كَون الشّعْر الْمَمْسُوح لَو مد لم يخرج عَن حد الرَّأْس وَفِي مُسلم أَنه صلى اله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمسح بناصيته وعَلى عمَامَته فَدلَّ على الِاكْتِفَاء بمسح الْبَعْض وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُوم عِنْد الْإِطْلَاق وَلم يقل أحد بِوُجُوب خُصُوص الناصية وَهِي الشّعْر الَّذِي بَين النزعتين وهما بياضان يكتنفانها والاكتفاء بهَا يمْنَع وجوب الِاسْتِيعَاب وَيمْنَع وجوب التَّقْدِير بِالربعِ أَو أَكثر لِأَنَّهُ دونه وَالْبَاء كَمَا فِي الْمَجْمُوع عَن جمَاعَة من أهل الْعَرَبيَّة إِذا دخلت على مُتَعَدد كَمَا فِي الْآيَة تكون للتَّبْعِيض أَو على غير مُتَعَدد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وليطوفوا بِالْبَيْتِ} تكون للإلصاق وَإِنَّمَا وَحب التَّعْمِيم فِي التَّيَمُّم مَعَ أَن آيَته كهذه الْآيَة لثُبُوته بِالسنةِ وَلِأَنَّهُ بدل فَاعْتبر مبدله وَمسح الرَّأْس أصل فَاعْتبر لَفظه وَأما عدم وُجُوبه فِي الْخُف فللإجماع وَلِأَن التَّعْمِيم يُفْسِدهُ مَعَ أَن مَسحه مَبْنِيّ على التَّخْفِيف لجوازه مَعَ الْقُدْرَة على الْغسْل بِخِلَاف التَّيَمُّم وَلَو قطر المَاء على رَأسه أَو وضع يَده المبتلة عَلَيْهِ أَو تعرض للمطر وَلم يمسح أَجزَأَهُ وَكَذَا لَو غسله (ثمَّ اغسل وَعم رجليك مَعَ كعبيك) خَامِسهَا غسل رجلَيْهِ مَعَ كعبيه من كل رجل وهما العظمان الناتئان من الْجَانِبَيْنِ عِنْد مفصل السَّاق والقدم قَالَ تَعَالَى {وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ) وقرىء بِالنّصب والجر عطفا على الْوُجُوه لفظا فِي الأول وَمعنى فِي الثَّانِي لجره على الْجوَار وَجعله بَعضهم عطفا على الرَّأْس حملا لَهُ على لابس الْخُف وَدلّ على دخولهما فِي الْغسْل مَا دلّ على دُخُول الْمرْفقين فِيهِ وَيَأْتِي مَا مر فِي الْيَدَيْنِ هُنَا (وَالتَّرْتِيب) سادسها الترتب فِي أَفعاله لفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبين للْوُضُوء الْمَأْمُور بِهِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّته ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذكر ممسوحا بَين مغسولات وتفريق المتجانس لَا ترتكبه الْعَرَب إِلَّا لفائدة وَهِي هُنَا وجوب التَّرْتِيب لاندبه بقرينه الْأَمر فِي الْخَبَر وَلِأَن الْآيَة بَيَان الْوضُوء الْوَاجِب وَلِهَذَا لم يذكر فِيهَا شَيْء من سنَنه فَلَو عكس وَلَو سَاهِيا أَو وضأه أَرْبَعَة دفْعَة حصل الْوَجْه فَقَط إِن نوى عِنْده وَلَو تَوَضَّأ أَربع مَرَّات مُنَكسًا أَجزَأَهُ وَلَو اغْتسل ذُو الْحَدث الْأَصْغَر نِيَّة رفع الْحَدث أَو نَحْوهَا أَو بنية الْجَنَابَة أَو نَحْوهَا غالطا ورتب أَو انغمس أَجزَأَهُ وَإِن لم يمْكث وَلَو أحدث وأجنب أَجزَأَهُ الْغسْل عَنْهُمَا وَلَو اغْتسل ذُو الْحَدث الْأَكْبَر إِلَّا رجلَيْهِ أَو إِلَّا يَدَيْهِ مثلا ثمَّ أحدث وَجب غسلهمَا للجنابة والأعضاء الثَّلَاثَة مرتبَة للْحَدَث وَله تَقْدِيم الرجلَيْن أَو الْيَدَيْنِ (ثمَّ لَهُ) أَي الْوضُوء (شُرُوط خَمْسَة) أَولهَا (طهُور مَا) أَي أَن يعلم أَو يظنّ المتوضىء كَونه مُطلقًا لِأَن مَا عداهُ لَا يرفع الْحَدث وَقَوله طهُور مَا من إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف كجرد قطيفة أَو من إِضَافَة الْأَعَمّ إِلَى الْأَخَص فَإِن التُّرَاب طهُور أَيْضا (و) ثَانِيهَا (كَونه) أَي المتوضىء (مُمَيّزا و) ثَالِثهَا كَونه (مُسلما) لِأَن وضوء غَيرهمَا
(1/44)

غير صَحِيح لعدم صِحَة نِيَّته إِذْ شَرطهَا إِسْلَام الناوى وتمييزه كَمَا مر وَإِنَّمَا صَحَّ غسل الْكِتَابِيَّة والمجنونة من الْحيض وَالنّفاس كَمَا سيأتى لضَرُورَة حق الزَّوْج وَالسَّيِّد وَلِهَذَا تجب إِعَادَته عِنْد الْإِسْلَام والافاقة (و) رَابِعهَا (عدم الْمَانِع) الحسى كدهن جامد وشمع (من وُصُول مَاء إِلَى بشرة المغسول) إِذْ جرى المَاء على الْعُضْو المغسول شَرط لصِحَّة تَطْهِيره وَيُقَاس بالمانع الْحس الْمَانِع الشرعى من حيض أَو نِفَاس (وَيدخل الْوَقْت لدائم الْحَدث) خَامِسهَا دُخُول الْوَقْت فِي وضوء دَائِم الْحَدث كمستحاضة وسلس بَوْل أَو مذى لِأَن طَهَارَته طَهَارَة ضَرُورَة وَلَا ضَرُورَة قبل الْوَقْت وَمن شُرُوطه عدم الصَّارِف ويعبر عَنهُ بدوام النِّيَّة فَلَو قطعهَا فِي أثْنَاء الْوضُوء احْتَاجَ إِلَى نِيَّة جَدِيدَة وَالْعلم بفرضيته وبسنيته فَلَو اعْتقد العامى كل أَفعاله فرضا صَحَّ أَو سنة فَلَا أَو الْبَعْض وَلم يُمَيّز صَحَّ إِن لم يقْصد بِفَرْض نفلا ويجرى هَذَا التَّفْصِيل فِي الصَّلَاة (وعد مِنْهَا الرافعى) بِسُكُون الْيَاء وَصله بنية الْوَقْف (رفع الْخبث) أى عد الرافعى من شُرُوط الْوضُوء رفع الْخبث الَّذِي يَزُول بالغسلة الْوَاحِدَة عَن أَعْضَاء وضوئِهِ إِن كَانَ فَلَا يكفى لَهما غسلة وَاحِدَة لِأَن المَاء يصير مُسْتَعْملا فِي الْخبث فَلَا يسْتَعْمل فِي الْحَدث وَالْمُعْتَمد مَا صَححهُ النَّوَوِيّ من أَنَّهَا تكفى لَهما كَمَا فِي الْحيض والجنابة لِأَن مُقْتَضى الطهرين وَاحِد وَالْمَاء مَا دَامَ مترددا على الْعُضْو لَا يحكم عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ وَسَوَاء أَكَانَت عَيْنِيَّة أم حكمِيَّة وَمَا صورها فِي مَجْمُوعَة فِي الْحكمِيَّة جرى على الْغَالِب ويجرى الْخلاف بِتَصْحِيحِهِ فِي الْحَدث الْأَكْبَر مَعَ الْخبث أما إِذا لم يزل الْخبث بالغسلة الْوَاحِدَة فالحدث أَيْضا بَاقٍ وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَيْضا أَن عضوه لَو تنجس بمغلظ لم يرْتَفع حَدثهُ إِلَّا بِتمَام الغسلات السَّبع (وَالسّنَن السِّوَاك) أَوله لما مر فِي بَابه (ثمَّ بسملا) أى بعده عِنْد غسل الْكَفَّيْنِ كَمَا سيأتى لخَبر (كل أَمر ذى بَال) وَلخَبَر النسائى بِإِسْنَاد جيد كَمَا فِي الْمَجْمُوع عَن أنس قَالَ طلب بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وضُوءًا فَلم يَجدوا فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (هَل مَعَ أحد مِنْكُم مَاء فَأتى بِمَاء فَوضع يَده فِي الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ المَاء ثمَّ قَالَ توضئوا باسم الله) فَرَأَيْت المَاء يفور من بَين أَصَابِعه حَتَّى توضأوا وَكَانُوا نَحْو سبعين رجلا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسم الله أى قائلين ذَلِك (وأقلها بِسم الله وأكملها بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم زَاد الغزالى بعْدهَا فِي بداية الْهِدَايَة رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون وَحكى الْمُحب الطبرى عَن بَعضهم التَّعَوُّذ قبلهَا وَيسن أَن يَقُول بعْدهَا الْحَمد لله الذى جعل المَاء طهُورا فَإِن ترك الْبَسْمَلَة أَوله اسْتحبَّ أَن يَقُول فِي أَثْنَائِهِ بِسم الله أَوله وَآخره وَقَوله بسملا بِفَتْح الْمِيم بِصِيغَة الماضى وفاعله المتوضىء وألفه للإطلاق أَو بِكَسْرِهَا بِصِيغَة الْأَمر وَهُوَ الْأَنْسَب بِمَا بعده ففاعله الْمُخَاطب وألفه بدل من نون التوكيد الْخَفِيفَة (واغسل يَديك قبا ان تدخلا إِنَّا) أى يسن غسل كفيه ثَلَاثًا قبل الْمَضْمَضَة وَإِن تَيَقّن طهرهما أَو لم يرد غمسهما لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ ثمَّ إِن شكّ فِي طهرهما سنّ غسلهمَا قبل أَن يدخلهما إِنَاء فِيهِ مَاء قَلِيل أَو مَائِع بل يكره غمسهما فِيهِ قبل غسلهمَا ثَلَاثًا وَهَذَا محمل كَلَام النَّاظِم فَإِن تَيَقّن طهرهما بإستنادلغ بإستناد لغسل ثَلَاثًا لم يكره غمسهما فِيهِ قبل غسلهمَا بل وَلَا يسن غسلهمَا قبله وَقَوله بتَشْديد الْخَاء ثمَّ إِن بنى للْمَفْعُول فألفه ضمير تَثْنِيَة عَائِد على الْيَدَيْنِ أَو للْفَاعِل فألفه للإطلاق وَإِنَّا بِالْقصرِ للوزن (ومضمض وانتشق) أى يسن أَوله الْمَضْمَضَة ثمَّ الِاسْتِنْشَاق للأتباع ويحصلان بوصول المَاء إِلَى الْفَم وَالْأنف وَإِن ابتلعه أَو لم يدره وَتَقْدِيم الْمَضْمَضَة على الِاسْتِنْشَاق مُسْتَحقّ لَا مُسْتَحبّ فَلَو قدم الِاسْتِنْشَاق عَلَيْهَا حسب وفاتت وَتسن الْمُبَالغَة فيهمَا للمفطر وَالْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة أَن يبلغ المَاء إِلَى أقْصَى الحنك واللثات وَيسن إمرار أُصْبُعه الْيُسْرَى عَلَيْهَا وَمَج المَاء وَفِي الِاسْتِنْشَاق أَن يصعد المَاء بِالنَّفسِ إِلَى الخيشوم وَيسن الاستنثار
(1/45)

بِأَن يخرج بعد الِاسْتِنْشَاق مَا فى أَنفه من مَاء وأذى وَيسن كَونه بِيَدِهِ الْيُسْرَى أما الصَّائِم وَلَو نفلا فتكره لَهُ الْمُبَالغَة وَالْأَفْضَل جَمعهمَا وَأَن يكون بِثَلَاث غرف يتمضمض من كل ثمَّ يستنشق فَيحصل أصل السّنة بفعلهما بست غرفات أَو بغرفتين يتمضمض من وَاحِدَة ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا أَو يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق مرّة ثمَّ كَذَلِك ثَانِيَة وثالثة (وعمم الرَّأْس) ندبا بِالْمَسْحِ للأتباع رَوَاهُ السيخان وخروجا من خلاف من أوجبه وَالْحكم عَلَيْهِ بالسنية لَا ينافى وُقُوعه فرضا على قَول وَلَكِن الْأَصَح أَن قدر الْوَاجِب يَقع فرضا وَمَا زَاد يَقع نفلا (وأبدأه من الْمُقدم) أى يسن أَن يبْدَأ بِالْمَسْحِ من مقدمه بِأَن يضع يَدَيْهِ على الْمُقدم ويلصق مسبحته بِالْأُخْرَى وإبهاميه على صدغيه ثمَّ يذهب بهما إِلَى قَفاهُ ثمَّ يردهما إِلَى المبدإ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَهَذَا لمن لَهُ شعر يَنْقَلِب بالذهاب وَالرَّدّ ليصل البلل إِلَى جَمِيعه وَذَلِكَ مرّة وَاحِدَة فَإِن لم يكن لَهُ شعر يَنْقَلِب لم يسن لَهُ الرَّد لعدم فَائِدَته فَإِن رد لم يحْسب ثَانِيَة ذَا المَاء صَار مُسْتَعْملا لعدم الْحَاجة لَهُ لكَونه تافها هُنَا لم ينظر لفَوَات مَالِيَّته وَبِه فَارق مالو أحدث منغمس فِي مَاء قَلِيل حَيْثُ كَانَ لَهُ رفع حَدثهُ المتجدد بِهِ حفظا لماليته الَّتِى لَهَا وَقع بِالنِّسْبَةِ لماء الْمسْح (و) سنّ (مسح أذن) بعد مسح الرَّأْس (بَاطِنا وظاهرا) بِمَا غير بَلل الرَّأْس (وللصماخين) أى مسح خرقيهما بِمَاء آخرا أى جَدِيد غير الماءين للأتباع رَوَاهُ فِي مسح الْأُذُنَيْنِ وصماخيهما أَبُو دَاوُود بِإِسْنَاد حسن أَو صَحِيح وَفِي كَونه بِغَيْر مَاء الرَّأْس البهيقي بِإِسْنَاد جيد وَلِأَن الصماخ من الْأذن كَا لفم وَالْأنف من الْوَجْه والأحب فِي كَيْفيَّة مسح ذَلِك كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ أَن يدْخل مسبحتيه فِي صماخيه ويديرهما على المعاطف ويمر إبهاميه على ظهورهما ثمَّ يلصق كَيْفيَّة مبلولتين بالأذنين أستظهارا ونقلها فِي الْمَجْمُوع عَن الْأَمَام وَالْغَزالِيّ وجماعات ثمَّ نقل عَن آخَرين أَنه يمسح بالإبهامين ظَاهر الْأُذُنَيْنِ وبالمسبحتين باطنهما ويمر رُءُوس الْأَصَابِع فِي المعاطف وَيدخل الْخِنْصر فِي صماخيه وَكَلَامه فِي نكت التَّنْبِيه يقتضى اخْتِيَار هَذِه الْكَيْفِيَّة وَالْمرَاد من الأول أَن يمسح بِرَأْس مسبحتيه صماخيه وبباطن أنمليتهما بَاطِن الْأُذُنَيْنِ ومعاطفهما فَانْدفع مَا قيل إِنَّهَا لَا تناسب سنية مسح الصماخين بِمَاء جَدِيد وَأفهم كَلَام النَّاظِم عدم سنّ مسح الْعُنُق وَهُوَ كَذَلِك خلافًا للرافعي بل هُوَ بِدعَة وَألف آخر للأطلاق (وخللن أَصَابِع الْيَدَيْنِ) إِذْ هُوَ من سنَن الْوضُوء وَيحصل بالتشبيك بَينهمَا (واللحية الكثة) بِالْمُثَلثَةِ أَي الكثيفة فَيسنّ للرجل تخليلها مَا مَا لم يكن محرما لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَذَلِكَ بِأَن يخللها بالأصابع لم يكن محرما لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَذَلِكَ بِأَن يخللها بالأصابع من أَسْفَلهَا وَمثل اللِّحْيَة كل شعر كثيف لَا يجب إِيصَال المَاء إِلَى منبته (وَالرّجلَيْنِ يسن تخلليهما لِلْأَمْرِ بِكُل من الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فِي خبر التِّرْمِذِيّ وَغَيره والأحب أَن يخللهما بخنصر الْيُسْرَى من أَسْفَل الْأَصَابِع يبْدَأ بخنصر الرجل الْيُمْنَى وَيخْتم بخنصر الْيُسْرَى وَقيل يخلل بخنصر الْيُمْنَى وَقيل هما سَوَاء فَلَو ألتفت أَصَابِعه فَلم يصل المَاء إِلَيْهَا إِلَّا بالتخليل وَجب لَا لذاته وَلَو التحمت وَخَافَ من فتقها ضَرَرا حرم (واستكمل الثَّلَاث بِالْيَقِينِ) أى يسن للمتوضىء تثليث أَفعَال الْوضُوء من غسل وَمسح وتخليل وَغَيرهَا فَالْأولى وَاجِبَة والثنتان سنتَانِ لخَبر مُسلم عَن عُثْمَان أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَخبر أَبى دَاوُد بِإِسْنَاد حسن كَمَا فِي الْمَجْمُوع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمسح رَأسه ثَلَاثًا وَلخَبَر البهيقى بِإِسْنَاد جيد كَمَا فِي الْمَجْمُوع عَن عُثْمَان أَنه تَوَضَّأ فخلل بَين أَصَابِع قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا وَقَالَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل كَمَا فعلت وروى البُخَارِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ مرّة مرّة وَتَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ وَتَنَاول كَلَام المُصَنّف القَوْل كالتسمية وَالتَّشَهُّد فَيسنّ تثليثه وَصرح الرويانى فِي التَّشَهُّد آخِره وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه فَلَو شكّ فِي الْعدَد أَخذ بِالْأَقَلِّ عملا بِالْيَقِينِ كالشك فِي عدد الرَّكْعَات
(1/46)

وَالزِّيَادَة على الثَّلَاث إِنَّمَا تكون بِدعَة إِذا علم بزيادتها وَلَو تَوَضَّأ مرّة ثمَّ مرّة ثمَّ مرّة لم تحصل فَضِيلَة التَّثْلِيث بِخِلَاف نَظِيره فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق لِأَن الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ متباعدان فَيَنْبَغِي الْفَرَاغ من احدهما ثمَّ الِانْتِقَال إِلَى الآخر والفم وَالْأنف كعضو فَجَاز تطهيرهما مَعًا كاليدين كَذَا نَقله فِي الْمَجْمُوع عَن الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد الجوينى وَأقرهُ وَبِه أفتى البارزى وَهُوَ الْمُعْتَمد خلافًا للرويانى والفورانى وَغَيرهمَا وَقد يجب الِاقْتِصَار على مرّة فَقَط لضيق وَقت أَو احْتِيَاج لنَحْو عَطش لَا تتأتى إِزَالَته إِلَّا بِفعل الْوضُوء مرّة مرّة (وابدا بيمناك) أى ينْدب للمتوضىء الْبدَاءَة بيمناه لخَبر (إِذا توضأتم فابدءوا بميامنكم رَوَاهُ ابْنا خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحه وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُعجبهُ التَّيَامُن فِي تنعله وَترَجله أى أى تَسْرِيح شعره وَطهُوره وَفِي شَأْنه كُله أى مِمَّا هُوَ من بَاب التكريم كاكتحال ونتف إبط وَحلق رَأس واليسرى بضد ذَلِك كامتخاض وَدخُول خلاء وَنزع ملبوس لما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع إِنَّه صَحِيح كَانَت يَد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْيُمْنَى لطهوره وَطَعَامه واليسرى لخلائه وَمَا كَانَ من أَذَى (سوى الْأُذُنَيْنِ أَي أَن العضوين إِذا سهل إمرار المَاء عَلَيْهِمَا مَعًا كالأذنين والخدين وَالْكَفَّيْنِ سنّ عسلها مَعًا وَمحله فِي غير الأقطع أما هُوَ فَيقدم الْيُمْنَى مُطلقًا (واستصحب النِّيَّة من بَدْء إِلَى آخِره) أى ينْدب للمتوضىء اسْتِصْحَاب النِّيَّة ذكرا من ابتداءسنن الْوضُوء ليحصل ثَوَابهَا إِلَى آخِره كَالصَّلَاةِ وَلِئَلَّا يَخْلُو جُزْء مِنْهُ عَنْهَا حَقِيقَة فينوى مَعَ التَّسْوِيَة عِنْد غسل الْكَفَّيْنِ كَمَا صرح بِهِ أبن الفركاح بِأَن يقرنها بهَا عِنْد أول غسلهمَا كَمَا يقرنها بتكبيرة الْإِحْرَام فَانْدفع مَا قيل إِن قرنها بهَا مُسْتَحِيل لِأَنَّهُ يسن التَّلَفُّظ بِالنِّيَّةِ وَلَا يعقل التَّلَفُّظ مَعَه بِالتَّسْمِيَةِ وَمِمَّنْ صرح بِأَنَّهُ ينوى عِنْد غسل الْكَفَّيْنِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد والقاضى أَبُو الطّيب وَابْن الصّباغ فَالْمُرَاد بِتَقْدِيم التَّسْمِيَة على غسل الْكَفَّيْنِ تَقْدِيمهَا على الْفَرَاغ مِنْهُ (ودلك عُضْو) أى ينْدب دلك كل عُضْو مغسول من أَعْضَاء الْوضُوء بِأَن يمر يَده عَلَيْهِ بعد إفَاضَة المَاء احْتِيَاطًا وتحصيلا للنظافة وخروجا من خلاف من أوجبة (والولا) بَين أَعْضَاء وضوئِهِ ندبا فِي وضوء الرَّفَاهِيَة بِأَن يغسل الْعُضْو الثَّانِي قبل أَن يجِف الأول مَعَ أعتدال الْهَوَاء وَالزَّمَان والمزاج للأتباع وخروجا من خلاف من أوجبة وَإِذا غسل ثَلَاثًا فَالْعِبْرَة بالأخيرة وَيقدر الْمَمْسُوح مغسولا وَإِذا ترك الْوَلَاء وَقد عزبت النِّيَّة لم يجب تجديدها فِي الْأَثْنَاء والتفريق الطَّوِيل مَكْرُوه (وللوضو) بِسُكُون الْوَاو وصلَة بنية الْوَقْف (مد) أى يسن أَن يتَوَضَّأ بِمد تَقْرِيبًا وَزنه رَطْل وَثلث بغدادى (وللتغسيل صَاع) أى ويغتسل بِصَاع كَذَلِك وَهُوَ أَرْبَعَة أَمْدَاد وَلَو تَوَضَّأ أَو أَغْتَسِل بِأَقَلّ من ذَلِك كفى فقد قَالَ الشافعى رضى الله عَنهُ قد يرفق الْفَقِيه بِالْقَلِيلِ فيكفى ويخرق الآخر بالكثير فَلَا يكفى وَهَذَا فِيمَن حجمه كحجم النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَّا فَيعْتَبر بِالنِّسْبَةِ لَهُ زِيَادَة ونقصا (وَطول الغر) بِحَذْف التَّاء ترخيما وَيجوز فِي الرَّاء الْفَتْح وَالْكَسْر (والتحجيل) أى من سنَن الْوضُوء إطالة الْغرَّة بِغسْل زَائِد على الْوَاجِب من الْوَجْه من جَمِيع جوانبه وإطالة التحجيل بِغسْل زَائِد على الْوَاجِب من الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ من جَمِيع الجوانب لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (إِن أمتى يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل) وَخبر مُسلم (أَنْتُم الغر المجلون يَوْم الْقِيَامَة من إسباغ الْوضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم فليطل غرته وتحجيله وَغَايَة الْغرَّة غسل مُقَدمَات الرَّأْس وصفحة الْعُنُق وَغَايَة التحجيل إِلَى الْمنْكب وَالركبَة (ثمَّ الْوضُوء سنة للْجنب) أى يسن للْجنب الْوضُوء مَعَ غسله الْفرج قبله (لنومه أَو إِن يطَأ) أى لوطئه (أَو يشرب) بِكَسْر الْبَاء للوزن أى لشربه أَو أكله لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا كَانَ جنبا فَأَرَادَ أَن يَأْكُل أوينام
(1/47)

تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة وَقيس بِالْأَكْلِ الشّرْب وَقَالَ (إِذا أَتَى أحدكُم أَهله ثمَّ أَرَادَ أَن يعود فَليَتَوَضَّأ بَينهمَا وضُوءًا) رَوَاهُمَا مُسلم وَزَاد البيهقى فِي الثَّانِي (فَإِنَّهُ أنشط للعود وَالْحكمَة فِي ذَلِك تَخْفيف الْحَدث غَالِبا والتنظيف وَدفع الْأَذَى وَقيل لَعَلَّه ينشط للْغسْل وَيزِيد الْجِمَاع فَإِن ذَلِك أنشط لَهُ كَمَا مر فِي الْخَبَر فَلَو فعل شَيْئا من هَذِه الْأُمُور من غير وضوء كره وَمثل الْجنب فِي ذَلِك الْحَائِض وَالنُّفَسَاء إِذا انْقَطع دمهما وَلَيْسَ الْأَمر منحصرا فِيمَا ذكره إِذْ يسن الْوضُوء فِي نَحْو أَرْبَعِينَ موضعا (كَذَاك تَجْدِيد الوضو إِن صلى فَرِيضَة أَو سنة أَو نفلا) أى يسن تَجْدِيد الْوضُوء إِذا صلى بِهِ فَرِيضَة أَو سنة أَو نفلا مُطلقًا أى بِخِلَاف الْغسْل وَالتَّيَمُّم لِأَن مُوجب الْوضُوء أغلب وقوعا وَاحْتِمَال عدم الشُّعُور بِهِ أقرب فَيكون الِاحْتِيَاط بِهِ أهم ولخير أبي دَاوُد وَغَيره (من تَوَضَّأ على طهر كتب لَهُ عشر حَسَنَات) وَالظَّاهِر كَمَا قَالَ بَعضهم إِلْحَاق الطّواف بِالصَّلَاةِ فرضا أَو نفلا إِذْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمى الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة قَالَ وَلم أر أحدا ذكره (وركعتان للْوُضُوء) أى يسن للْوُضُوء رَكْعَتَانِ بِأَن يُصَلِّيهمَا عقبَة ينوى بهما سنته لخَبر مُسلم عَن عُثْمَان قَالَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ (من تَوَضَّأ نَحْو وضوئى هَذَا ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث فيهمَا نَفسه إِلَّا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) وَيقْرَأ بعد الْفَاتِحَة فِي الأولى {وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم} إِلَى قَوْله تَعَالَى {رحِيما} وَفِي الثَّانِيَة {وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه} إِلَى قَوْله {رحِيما} ويحصلان بِفَرْض أَو نفل آخر رَكْعَتَيْنِ أَو اكثر كَمَا فِي رَكْعَتي التَّحِيَّة وَالْإِحْرَام وَالطّواف والاستخارة (وَالدُّعَاء من بعده) أى يسن الدُّعَاء بعد الْوضُوء بِأَن يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لاشريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله اللَّهُمَّ اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا انت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك لخَبر مُسلم (من تَوَضَّأ فَقَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ واشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهمَا شَاءَ) وَزَاد الترمذى عَلَيْهِ (اللَّهُمَّ أجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين) وروى الْحَاكِم الباقى بِسَنَد صَحِيح بِلَفْظ (من تَوَضَّأ فَقَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِلَى آخر مَا تقدم كتب فِي رق ثمَّ طبع بِطَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) أى لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إبِْطَال وَيسن أَن يَقُول ذَلِك مُتَوَجها إِلَى الْقبْلَة وَأَن يَقُول مَعَه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد (فِي أى وَقت وَقعا) فألف وَقعا ضمير تثنيه عَائِد على ركعتى الْوضُوء أى لَا فرق فِي اسْتِحْبَاب ركعتيه بَين وقوعهما وَقت كَرَاهَة الصَّلَاة أَو لِأَن لَهما سَببا وَهُوَ الْوضُوء ثمَّ شرع النَّاظِم يتَكَلَّم على بعض آدَاب الْوضُوء وَتبع فِي كَونه أدبا جمَاعَة نظرا إِلَى أَن السّنة مَا تَأَكد أمره وَالْأَدب دونه وَلَكِن الْمَعْرُوف أَن مَا طلب طلبا غير جازم يعبر عَنهُ بِالسنةِ وَتارَة وبالأدب أُخْرَى فَقَالَ (آدابه اسْتِقْبَال قبله) أى ينْدب للمتوضىء اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي وضوئِهِ لِأَنَّهَا أشرف الْجِهَات وَقيل إِن استقبالها ينور الْبَصَر (كَمَا يجلس حَيْثُ لم ينله رش مَا) أى ينْدب لَهُ الْجُلُوس على مَكَان مُرْتَفع بِحَيْثُ لَا يَنَالهُ رشاش مَاء الْوضُوء تَحَرُّزًا عَنهُ وَوضع إِنَاء المَاء عَن يَمِينه إِن كَانَ يعْتَرف مِنْهُ وَعَن يسَاره إِن كَانَ يصب مِنْهُ على يَده لِأَن ذَلِك أمكن فيهمَا وَعدم استعانة بِأحد ووقوف الْمعِين لَهُ بالصب على الْيَسَار إِن اسْتَعَانَ لِأَنَّهُ أعون وَأمكن وَأحسن أدبا (ويبتدى الْيَدَيْنِ بالكفين وبأصابع من الرجلَيْن) أى ينْدب لَهُ أَن يبتدىء فِي غسل وَجهه بأعلاه لِأَنَّهُ أشرف لكَونه مَحل السُّجُود وَفِي غسل الْيَدَيْنِ بالكفين وَفِي غسل الرجلَيْن بأصابعهما إِن صب على نَفسه أَو صب عَلَيْهِ غَيره كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَاخْتَارَهُ فِي التَّحْقِيق وَفِي الْمُهِمَّات أَن الْفَتْوَى عَلَيْهِ
(1/48)

لَكِن فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا تبعا للصيمري وَالْمَاوَرْدِيّ أَنه يبْدَأ حِينَئِذٍ بالمرفق والكعب (مكروهه فِي المَاء حَيْثُ أسرفا وَلَو من الْبَحْر الْكَبِير اغترفا) أَي مِمَّا يكره إِسْرَاف المتوضىء أَي والمغتسل فِي مَائه وَإِن اغترف من الْبَحْر الْكَبِير الْملح أَو العذب لخَبر التِّرْمِذِيّ عَن أبي بن كَعْب إِن للْوُضُوء شَيْطَانا يُقَال لَهُ الولهان وَخبر ابْن ماجة عَن ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بِسَعْد وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرف فَقَالَ أَفِي الْوضُوء سرف قَالَ نعم وَإِن كنت على نهر وَقيل إِنَّه حرَام وَمحل ذَلِك إِذا كَانَ فِي مَمْلُوك لَهُ أَو مُبَاح وَإِلَّا فَهُوَ حرَام مَا لم يَأْذَن فِيهِ مَالِكه أَو يعلم إِذْنه وَالْألف فِي قَوْله أسرفا واغترفا للإطلاق (أَو قدم الْيُسْرَى على الْيَمين) أَي يكره لَهُ تَقْدِيم الْيُسْرَى على الْيَمين للنَّهْي عَنهُ فِي صَحِيح ابْن حبَان (أَو جَاوز الثَّلَاث بِالْيَقِينِ) أَي تكره الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَالنَّقْص عَنْهَا لخَبر أبي دَاوُد وَغَيره وَهُوَ صَحِيح كَمَا فِي الْمَجْمُوع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَكَذَا الْوضُوء فَمن زَاد على هَذَا أَو نقص فقد أَسَاءَ وظلم أَي فِي كل من الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَقيل أَسَاءَ فِي النَّقْص وظلم أَي فِي الزِّيَادَة وَقيل عَكسه وَمحل الْكَرَاهَة إِذا علم زيادتها فَإِن شكّ أَخذ بِالْأَقَلِّ لِأَنَّهُ الْيَقِين وَلَا يُقَال ترك سنة أسهل من ارْتِكَاب بِدعَة لأَنا نقُول إِنَّمَا تكون بِدعَة إِذا علم أَنَّهَا رَابِعَة وَيكرهُ أَيْضا الْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق للصَّائِم والاستعانة بِمن يطهر أعضاءه من غير عذر وَأما غسل الرَّأْس بدل الْمسْح فَغير مَكْرُوه وَلما كَانَ المتوضىء مُخَيّرا بَين غسل الرجلَيْن وَبَين مسح الْخُفَّيْنِ ذكره المُصَنّف عقب بَاب الْوضُوء فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هُوَ أولى من تَعْبِير كثير بِالْمَسْحِ على الْخُف وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الْجِنْس إِذْ لَو أَرَادَ أَن يغسل رجلا أَو يتَيَمَّم عَنْهَا لعلتها وَيمْسَح على الْأُخْرَى امْتنع فَلَو لم يكن لَهُ سوى رجل وَاحِدَة جَازَ لَهُ اللّبْس عَلَيْهَا وَالْمسح نعم إِن بقى من مَحل الْفَرْض بَقِيَّة لم يجز الْمسْح حَتَّى يوارى الْبَاقِي بِمَا يَجْزِي الْمسْح فَوْقه وَيمْسَح عَلَيْهِ (رخص) أَي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ بَدَلا عَن غسل الرجلَيْن (فِي وضوء كل) شخص (حَاضر) رخصَة لَا عَزِيمَة حَتَّى لَو كَانَ عَاصِيا بِسَفَرِهِ لم يمسح إِلَّا مسح مُقيم (يَوْمًا وَلَيْلَة وللمسافر فِي سفر الْقصر إِلَى ثَلَاث) أَي من الْأَيَّام (مَعَ لياليها من الإحداث) بِكَسْر الْهمزَة أَي الْحَدث الْوَاقِع بعد اللّبْس فَمَا دَامَ بطهر الْغسْل لم يحْسب عَلَيْهِ شَيْء من مدَّته وَالْعبْرَة لأوّل الْحَدث إِن كَانَ قِطْعَة بِاخْتِيَارِهِ كاللمس وَإِلَّا فبآخره كالبول وَإِنَّمَا اعْتبر ذَلِك لِأَنَّهُ لَا معنى لوقت الْعِبَادَة غير الزَّمن الَّذِي يجوز فعلهَا فِيهِ كوقت الصَّلَاة وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر ابْني خُزَيْمَة وحبان أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا وَخبر مُسلم عَن شُرَيْح بن هنيء قَالَ سَأَلت عَليّ بن أبي طَالب عَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فَقَالَ جعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم وَأفَاد قَوْله رخص أَن الأَصْل جَوَازه مَعَ كَون غسل الرجلَيْن أفضل مِنْهُ وَقد ينْدب كَأَن تَركه رَغْبَة عَن السّنة أَو شكا فِي جَوَازه لنَحْو دَلِيل وَقد يكون وَاجِبا كَأَن خَافَ فَوت عَرَفَة أَو إنقاذ مُحْتَرم مشرف على الْهَلَاك إِن لم يمسح أَو كَانَ لابس الْخُف بِشَرْطِهِ فأحدث وَمَعَهُ مَاء يَكْفِيهِ لَو مسح عَلَيْهِمَا بِخِلَاف مَا لَو لم يكن لابسهما فَإِنَّهُ لَا يجب
(1/49)

عَلَيْهِ لبسهما ليمسح عَلَيْهِمَا حِينَئِذٍ وَخرج بقوله فِي وضوء التَّيَمُّم الْمَحْض لفقد المَاء وَإِزَالَة النَّجَاسَة فَلَا يجوز الْمسْح فيهمَا وَالْغسْل فَيمْتَنع الْمسْح فِيهِ وَاجِبا كَانَ أَو مَنْدُوبًا وسوغ حذف تَاء ثَلَاثَة حذف معدودها وَمُرَاد النَّاظِم بلياليها ثَلَاث لَيَال مُتَّصِلَة بهَا سَوَاء أسبق الْيَوْم الاول ليلته بِأَن أحدث وَقت الْغُرُوب أم لَا كَأَن أحدث وَقت الْفجْر وَلَو أحدث فِي أثْنَاء اللَّيْل أَو النَّهَار اعْتبر قدر الْمَاضِي مِنْهُ من اللَّيْلَة الرَّابِعَة أَو الْيَوْم الرَّابِع وعَلى قِيَاس ذَلِك يُقَال فِي مُدَّة الْمُقِيم وَمَا ذكره النَّاظِم من كَون الْمُقِيم يمسح يَوْمًا وَلَيْلَة وَالْمُسَافر ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها مَحَله إِذا مسح خفيه فِي السّفر وَإِن أحدث فِي الْحَضَر أَو خرج وَقت الْفَرِيضَة فِيهِ فَلَو مسح حضرا وَلَو أحد خفيه أتم مسح مُقيم وَلَو مسح سفرا ثمَّ أَقَامَ لم يسْتَوْف مُدَّة سفر وَمحله أَيْضا فِي غير دَائِم الْحَدث والمتيمم لَا لفقد المَاء فَأَما دَائِم الْحَدث كمستحاضة فَأَنَّهُ إِذا أحدث بعد لبس خفيه غير حَدثهُ الدَّائِم وَقبل أَن يُصَلِّي بِهِ فرضا جَازَ لَهُ الْمسْح على خفيه واستباح بِهِ مَا كَانَ يستبيحه بطهره الَّذِي لبس خفه عَلَيْهِ وَهُوَ فرض ونوافل فَلَو صلى بطهره فرضا قبل أَن يحدث استباح بِهَذَا الْمسْح النَّوَافِل فَقَط والمتيمم لغير فقد المَاء كَمَرَض أَو جِرَاحَة يمسح على خفيه لفرض ونوافل فَقَط إِن أحدث قبل أَن يُصَلِّي بطهره فرضا وَإِلَّا استباح النَّوَافِل فَقَط سَوَاء أَكَانَ تيَمّمه مكملا لوضوءه أَو غسل أَو مُسْتقِلّا وَأفهم كَلَامه أَنه لَو تَوَضَّأ بعد حَدثهُ وَغسل رجلَيْهِ فِي الْخُف ثمَّ أحدث كَانَ ابْتِدَاء مدَّته من حَدثهُ الأول وَبِه صرح الشَّيْخ أَبُو عَليّ فِي شرح الْفُرُوع (فَإِن يشك فِي انْقِضَاء غسلا) أَي إِذا شكّ فِي انْقِضَاء مُدَّة الْمُقِيم بِأَن كَانَ غير مُسَافر سفر قصر سَوَاء أَشك فِي الِابْتِدَاء كَمَا إِذا شكّ هَل أحدث وَقت الظّهْر أَو الْعَصْر أَو لم يشك كَأَن تردد هَل مسح حَاضرا أَو مُسَافِرًا غسل رجلَيْهِ وجوبا لِأَن الْمسْح رخصَة بِشُرُوط مِنْهَا الْمدَّة فَإِذا شكّ فِيهَا رَجَعَ إِلَى الأَصْل وَهُوَ الْغسْل فَلَو شكّ مُسَافر هَل مسح سفرا أَو حضرا اقْتصر على مُدَّة الْحَضَر فَلَو خَالف وَصلى فِي الْيَوْم الثَّانِي بِالْمَسْحِ ثمَّ تبين لَهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث أَنه ابْتَدَأَ الْمسْح فِي السّفر جَازَ لَهُ الْمسْح وَالصَّلَاة فِي الْيَوْم الثَّالِث وَيُعِيد مَسحه وَصلَاته فِي الْيَوْم الثَّانِي لوقوعهما مَعَ التَّرَدُّد (وَشَرطه اللّبْس بطهر كملا) أَي شَرط الْمسْح على الْخُفَّيْنِ أَن يَلْبسهُمَا على طهر كَامِل من الحدثين لخَبر الصَّحِيحَيْنِ دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين فَلَو لبسهما قبل غسل رجلَيْهِ لم يجز الْمسْح إِلَّا أَن ينزعهما من مَوضِع الْقدَم ثمَّ يدخلهما فِيهِ وَلَو أَدخل إِحْدَاهمَا بعد غسلهمَا ثمَّ غسل الْأُخْرَى وأدخلها لم يجز الْمسْح إِلَّا أَن ينْزع الأولى من مَوضِع الْقدَم ثمَّ يدخلهَا فِيهِ وَلَو غسلهمَا فِي سَاق الْخُف ثمَّ أدخلهما فِي مَوضِع الْقدَم جَازَ الْمسْح وَلَو ابْتَدَأَ اللّبْس بعد غسلهمَا ثمَّ أحدث قبل دخولهما إِلَى مَوضِع الْقدَم لم يجز الْمسْح وَلَو أخرجهُمَا بعد اللّبْس من مقرهما وَمحل الْفَرْض مَسْتُور والخف معتدل لم يضر وَفَارَقت مَا قبلهَا بِالْعَمَلِ بِالْأَصْلِ فيهمَا وَبِأَن الدَّوَام أقوى من الِابْتِدَاء كالإحرام وَالْعدة يمنعان ابْتِدَاء النِّكَاح دون دوامة وَيُؤْخَذ من قَوْله بطهر كملا اشْتِرَاط كَون الْخُفَّيْنِ طاهرين فَلَا يجزيء الْمسْح على نجس وَلَا مُتَنَجّس لعدم صِحَة الصَّلَاة فِيهِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من الْمسْح وَمَا عَداهَا من مس الْمُصحف وَنَحْوه كالتابع لَهَا وَلِأَن الْخُف بدل عَن الرجل وَهِي لَا تغسل عَن الْوضُوء مَا لم تزل نجاستها فَكَذَا بدلهَا نعم لَو كَانَ بِأَسْفَل الْخُف نَجَاسَة مَعْفُو عَنْهَا مسح مِنْهُ مَا لَا نَجَاسَة عَلَيْهِ وَالْألف فِي قَوْله غسلا وكملا للإطلاق (يُمكن مشي حَاجَة عَلَيْهِمَا) أَي يعْتَبر كَونهمَا بِحَيْثُ يُمكن مُتَابعَة الْمَشْي عَلَيْهِمَا لتردد مُسَافر لحاجاته عِنْد الْحَط والترحال وَغَيرهمَا مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة وَإِن كَانَ لابسه مقْعدا بِخِلَاف مَا لَا يُمكن فِيهِ ذَلِك لغلظة كالخشبة الْعَظِيمَة أَو ورقته كجورب الصُّوفِيَّة أَو الْمُتَّخذ من جلد ضَعِيف أَو لسعته أَو ضيقه فَلَا يَكْفِي الْمسْح عَلَيْهِ إِلَّا أَن يكون ضيقا يَتَّسِع بِالْمَشْيِ فِيهِ عَن قرب وَيعْتَبر فِيهِ هَذِه الْقُوَّة من غير مداس تَحْتَهُ لمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة ومسافر ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها عِنْد حَاجته الْوَاقِعَة فِي ذَلِك عَادَة وَشَمل كَلَامه مَا لَو كَانَ الْخُف مشقوقا قدم شدّ بالعرى لحُصُول السّتْر والإرتفاق بِهِ وَمَا
(1/50)

لَو كَانَ غير حَلَال كمسروق ومغصوب فَيَكْفِي الْمسْح عَلَيْهِ كَالْوضُوءِ بِمَاء مَغْصُوب بِخِلَاف محرم مسح على خف فَلَا يجزأه كَمَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم وَمَا لَو كَانَ خفا فَوق خف قوبين وَمسح أسفلهما أَو الْأَعْلَى وَوصل البلل إِلَى الْأَسْفَل لَا بِقصد الْأَعْلَى فَقَط وَكَذَا لَو كَانَ الْأَعْلَى غير صَالح للمسح وَيُؤْخَذ من كَلَامه أَنه يشْتَرط كَونهمَا يمنعان نُفُوذ مَاء الْغسْل لَو صب عَلَيْهِمَا من غير مَحل الخرز لِأَن مَا لَا يمنعهُ خلاف الْغَالِب من الْخفاف المنصرف إِلَيْهَا نُصُوص الْمسْح فَلَو تخرقت ظهارة الْخُف أَو بطانته أَو هما وَلم يتحاذيا وَالْبَاقِي فِي الثَّلَاثَة صفيق أَجزَأَهُ وَإِن نفذ المَاء مِنْهُ إِلَى مَحل الْفَرْض لَو صب عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَة بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن الْبَاقِي صفيقا أَو تحاذى الخرقان (والستر وللرجلين مَعَ كعبيهما) أَي يعْتَبر كَون الْخُفَّيْنِ ساترين للرجلين مَعَ كعبيهما من كل الجوانب وَهُوَ مَحل الْفَرْض لَا من الْأَعْلَى فَلَو رُؤِيَ مِنْهُ بِأَن يكون وَاسع الرَّأْس لم يضر عكس ستر الْعَوْرَة لِأَن اللّبْس هُنَا من أَسْفَل وَهُنَاكَ من أَعلَى وَالْمرَاد بالساتر الْحَائِل لَا مَانع الرُّؤْيَة فَيَكْفِي الشفاف كالزجاج عكس سَاتِر الْعَوْرَة لِأَن الْقَصْد هُنَا منع نُفُوذ المَاء وَثمّ منع الرُّؤْيَة (وَالْفَرْض مسح بعض علو) أَي إِن الْفَرْض مسح بعض علو كل خف لتعرض النُّصُوص الْمُطلقَة كَمَا فِي مسح الرَّأْس فِي مَحل الْفَرْض لِأَنَّهُ بدل عَن الْغسْل وَخرج بعلوه بِضَم أَوله وكسره أَسْفَله كَذَلِك وباطنه الَّذِي يَلِي الرجل وحرفه وعقبه لِأَن اعْتِمَاد الرُّخْصَة الإتباع وَلم يرد الِاقْتِصَار على غير علوه (وَندب للخف مسح السّفل مِنْهُ والعقب) أَي يسن مسح أَسْفَل الْخُف أَي مَعَ أَعْلَاهُ وعقبه وَهُوَ مُؤخر الرجل قِيَاسا على أَسْفَله بل أولى لِأَنَّهُ بارز يرى والأسفل لَا يرى غَالِبا (وَعدم استيعابه) أَي يسن عدم اسْتِيعَاب الْخُف بِالْمَسْحِ بِأَن يمسحه خُطُوطًا لما رَوَاهُ ابْن ماجة وَغَيره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسح على خفيه خُطُوطًا من المَاء وَالْأولَى فِي كيفيته أَن يضع كَفه الْيُسْرَى تَحت عقبه واليمنى على ظهر أَصَابِعه ويمر الْيُسْرَى إِلَى أَطْرَاف أَصَابِعه من أَسْفَل واليمنى إِلَى السَّاق مفرجا بَين أَصَابِع يَدَيْهِ لأثر عَن ابْن عمر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَلِأَنَّهُ أسهل وأليق باليمنى واليسرى (وَيكرهُ الْغسْل للخف) لِأَنَّهُ يعِيبهُ من غير فَائِدَة) وَمسح كَرَّرَه) لِأَنَّهُ يعرضه للتعييب وَلِأَنَّهُ بدل كالتيمم بِخِلَاف مسح الرَّأْس وَيُؤْخَذ من الْعلَّة الأولى أَنه لَو كَانَ من نَحْو خشب وتوفرت فِيهِ الشُّرُوط لم يكره غسله وَلَا تكْرَار مَسحه (يُبطلهُ خلع) أَي يبطل الْمسْح خلع الْخُفَّيْنِ أَو أَحدهمَا وَهُوَ بطهر الْمسْح وَمثله طهُور رجله أَو الْخرق الَّذِي تَحْتَهُ أَو بعض الرجل أَو الْخرق (وَمُدَّة الْكَمَال فقدميك اغسل) أَي تَنْتَهِي مُدَّة الْمسْح بِانْقِضَاء الْمدَّة فَيجب غسل الْقَدَمَيْنِ لبُطْلَان طهرهما بِالْخلْعِ أَو لانْتِهَاء وَخرج بطهر الْمسْح طهر الْغسْل بِأَن لم يحدث بعد الْغسْل أَو أحدث لَكِن تَوَضَّأ وَغسل رجلَيْهِ فِي الْخُف فَصَارَت ظهارته كَامِلَة وَلَا يلْزمه شَيْء وَله أَن يسْتَأْنف لبس الْخُف فِي الثَّانِيَة بِهَذِهِ الطَّهَارَة ذكره فِي الْمَجْمُوع قَالَ فِي الْمُهِمَّات وَأَشَارَ بقوله وَله أَن يسْتَأْنف إِلَى وجوب النزع إِذا أَرَادَ الْمسْح حَتَّى لَو كَانَ المقلوع وَاحِدَة فَقَط فَلَا بُد من نزع الْأُخْرَى وَهُوَ كَذَلِك وَالْألف وَاللَّام فِي قَوْله وَمُدَّة الْكَمَال للْعهد أَي بِمَعْنى الضَّمِير على رأى أَي مُدَّة كَمَاله أَي الْمسْح (وَمُوجب اغتسال) أَي مُوجب اغتسال من جَنَابَة وحيض ونفاس وولادة جَاف يُوجب نزع الْخُف وتجديد لبسه إِن أَرَادَ الْمسْح بِأَن يَنْزعهُ ويتطهر ثمَّ يلْبسهُ واللبس الأول انْقَطَعت مُدَّة الْمسْح فِيهِ بالجنابة وَنَحْوهَا لأمر الشَّارِع بِنَزْع الْخُف من أجلهَا فِي خبر صَفْوَان بن عَسَّال وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره دلّ الْأَمر بالنزع على عدم جَوَاز الْمسْح فِي الْغسْل وَالْوُضُوء لأجل الْجَنَابَة فَهِيَ مَانِعَة من الْمسْح فِي الْغسْل قَاطِعَة لمدته حَتَّى لَو اغْتسل لابسا لَا يمسح بقيتها كَمَا هُوَ مقتضي كَلَام الشَّيْخَيْنِ وَغَيرهمَا وَقيس للجنابة مَا فِي مَعْنَاهَا وَلِأَن ذَاك لَا يتَكَرَّر تكَرر الْحَدث الْأَصْغَر فَلَا يشق النزع وَخرج بِكَلَامِهِ اغتسال طرق
(1/51)

النَّجَاسَة فَلَا يُوجب نَزعه إِن أمكن إِزَالَتهَا فِيهِ فَلهُ تَمام الْمدَّة لعدم الْأَمر بالنزع لَهَا بِخِلَاف الْجَنَابَة وَلَيْسَت فِي مَعْنَاهَا فَإِن لم يُمكن إِزَالَتهَا فِيهِ وَجب النزع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الِاسْتِنْجَاء) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَي وآداب قَاضِي الْحَاجة وَهُوَ والاستطابة يعمان المَاء وَالْحجر وَهُوَ من نجوت الشَّجَرَة إِذا قطعتها لِأَن المستنجي قطع الْأَذَى عَن نَفسه والإستجمار خَاص بِالْحجرِ (تلويث فرج مُوجب استنجاء) أَي يُوجب الِاسْتِنْجَاء بِمَاء أَو حجر كَمَا يَأْتِي مَا خرج من الْقبل والدبر وَهُوَ ملوث إِزَالَة النَّجَاسَة لَا على الْفَوْر بِدَلِيل جَوَاز تَأْخِيره عَن وضوء الرَّفَاهِيَة بِخِلَاف التَّيَمُّم وَسَوَاء فِي الملوث أَكَانَ مُعْتَادا كالبول أم نَادرا كَالدَّمِ والقيح والمذى والودى فَلَا يجب الِاسْتِنْجَاء بِخُرُوج ريح وَلَا نَحْو بعر جَاف لفَوَات مَقْصُوده من إِزَالَة النَّجَاسَة أَو تخفيها (وَسن بالأحجار ثمَّ المَاء بِأَن يجمع بَينهمَا مقدما الْأَحْجَار لإِزَالَة الْعين وَالْمَاء يزِيل الْأَثر من غير مخامرة لعين النَّجَاسَة وَلَا فرق كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامه فِي اسْتِحْبَاب الْجمع بَين الْبَوْل وَالْغَائِط وَلَا بُد لكَمَال السّنة من طَهَارَة الْأَحْجَار وَجَمعهَا أما بِالنِّسْبَةِ لأصلها فَتحصل بِدُونِ ذَلِك فَإِن أَرَادَ الِاقْتِصَار على إحدهما فالماء أفضل (ويجزىء) فِي الِاسْتِنْجَاء (مَاء) على الأَصْل فِي إِزَالَة النَّجَاسَة (أَو ثَلَاث أَحْجَار) لِأَن الشَّارِع جوز الِاسْتِنْجَاء بهَا حَيْثُ فعله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأمر بِفِعْلِهِ بقوله فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي وَغَيره (ليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار) الْمُوَافق لما رَوَاهُ مُسلم وَغَيره من نَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الِاسْتِنْجَاء بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار (يَنْفِي بهَا) أَفَادَ بِهِ أَن الشَّرْط أَمر أَن ثَلَاثَة أَحْجَار وإنقاء الْمحل بهَا فَلَا يَكْفِي الانقاء بِدُونِهَا وَإِلَّا لم يكن لاشتراطها معنى فَإِن لم يحصل الإنقاء بهَا وَجَبت الزِّيَادَة إِلَى حُصُوله وَشَمل كَلَامه أَحْجَار الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحرم والجواهر وإجزاء الْأَحْجَار فِي دم حَائِض أَو نفسَاء وَلَو ثَيِّبًا وَهُوَ كَذَلِك وَفَائِدَته فِيمَن انْقَطع دَمهَا وعجزت عَن اسْتِعْمَال المَاء لسفر أَو مرض أَو نَحوه فاستنجت بالأحجار ثمَّ تيممت فَإِنَّهَا تصلي بِلَا إِعَادَة وَالأَصَح تعين المَاء لاستنجاء قبلى الْمُشكل وثقبة منفتحة ينْقض الْخَارِج مِنْهَا وَبَوْل ثيب تحققت وُصُوله لمدخل الذّكر وَلَا يجزيء الْحجر فِي بَوْل الأقلف إِذا وصل الْبَوْل إِلَى الْجلْدَة كَمَا هُوَ الْغَالِب (عينا) أَي يجب إنقاء الْمحل بالأحجار من عين النَّجَاسَة بِحَيْثُ لَا يبْقى إِلَّا أثر لَا يُزِيلهُ إِلَّا المَاء أَو صغَار الخزف (وَسن الايتار) بِالْمُثَنَّاةِ فِي الِاسْتِنْجَاء بعد الانقاء الْمَذْكُور إِن لم يحصل بِوتْر كَأَن حصل برابع فيأتى بخامس قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا استجمر أحدكُم فليوتر مُتَّفق عَلَيْهِ (وَلَو بأطراف ثَلَاثَة) من حجر وَاحِد حَيْثُ حصل الانقاء لِأَن الْمَقْصُود عدد المسحات بِخِلَاف رمى الْجمار (حصل بِكُل) بِالتَّنْوِينِ (مَسحه) بإضافته لضمير كل وَرَفعه على أَنا فَاعل حصل أَو بِإِضَافَة كل لمسحة بتاء التَّأْنِيث (لسَائِر الْمحل) أَي يجزىء ثَلَاثَة أَحْجَار أَو ثَلَاثَة أَطْرَاف حجر ينقى بهَا عين النَّجَاسَة حصل بِكُل مِنْهَا مسح سَائِر الْمحل وَيسن فِي تَعْمِيم الْمحل بِكُل مسحة أَن يبْدَأ بِأول من مقدم الصفحة الْيُمْنَى ويديره قَلِيلا قَلِيلا إِلَى أَن يصل إِلَى مَوضِع ابْتِدَائه وَبِالثَّانِي من مقدم الصفحة الْيُسْرَى ويديره إِلَى أَن يصل إِلَى مَوضِع ابْتِدَائه ويمر بالثالث على الصفحتين والمسربة جَمِيعًا وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَقيل وَاحِد لليمنى وَآخر لليسرى وَالثَّالِث للوسط وَقيل وَاحِد للوسط مُقبلا وَآخر لَهُ مُدبرا ويحلق بالثالث وَالْخلاف فِي الْأَفْضَل لَا فِي الْوُجُوب وَلَا بُد فِي كل قَول من تعمم الْمحل بِكُل مسحة ليصدق أَنه مَسحه
(1/52)

ثَلَاث مسحات كَمَا علم من كَلَام النَّاظِم وَقَول ابْن المقرى فِي تمشيته وَالأَصَح أَنه لَا يشْتَرط أَن يعم بالمسحة الْوَاحِدَة الْمحل وَإِن كَانَ أولى بل تكفى مسحة لصفحة وَأُخْرَى لِلْأُخْرَى وَالثَّالِثَة للمسربة مَرْدُود وَالْوَجْه الثَّانِي الَّذِي أَخذ مِنْهُ ذَلِك غلط الْأَصْحَاب كَمَا فِي الْمَجْمُوع قَائِله من حَيْثُ الِاكْتِفَاء بِمَا لَا يعم الْمحل بِكُل حجر لَا من حَيْثُ الْكَيْفِيَّة 1 هـ قَالَ الْمُتَوَلِي فَإِن احْتَاجَ إِلَى رَابِع وخامس فصفة اسْتِعْمَاله كصفة الثَّالِث (وَالشّرط لَا يجِف خَارج) فَإِن جف تعين المَاء (وَلَا يطْرَأ غَيره) عَلَيْهِ فَإِن طَرَأَ عَلَيْهِ غَيره وَلَو بللا بِالْحجرِ تعين المَاء نعم لَو جف بَوْله ثمَّ بَال ثَانِيًا فوصل بَوْله إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ بَوْله الأول كفى فِيهِ الْحجر صرح بِهِ القَاضِي والقفال قَالَ وَمثله الْغَائِط أَي إِذا كَانَ مَائِعا (وَلنْ ينتقلا) أَي عَن الْموضع الَّذِي أَصَابَهُ عِنْد الْخُرُوج وَاسْتقر فِيهِ فَإِن انْتقل تعين المَاء وَعلم من كَلَامه جَزَاء الْحجر فِي النَّادِر وَفِي الْخَارِج الْمُنْتَشِر حول الْمخْرج فَوق عَادَة النَّاس إِن اتَّصل وَلم يُجَاوز الْحَشَفَة فِي الْبَوْل والصفحتين فِي الْغَائِط وَهُوَ كَذَلِك فَإِن تقطع تعين المَاء فِي الْمُنْفَصِل عَن الْمخْرج وأجزأ الْحجر فِي غَيره أَو جَاوز مُتَّصِلا تعين المَاء فِي الْجَمِيع أَو مُنْقَطِعًا أَجْزَأَ الْحجر فِيمَا اتَّصل بالمخرج وَينْدب للمستنجى بِالْمَاءِ البدء بقبله وبالحجر بدبره وَأَن يعْتَمد فِي الدبر على إصبعه الْوُسْطَى وَلَا يتَعَرَّض للباطن وَيسن بعد الِاسْتِنْجَاء أَن يدلك يَده بِالْأَرْضِ أَو نَحْوهَا وَأَن ينضح فرجه وَإِزَاره من دَاخله دفعا للوسواس وَيَكْفِي الْمَرْأَة فِي استنجائها غسل مَا ظهر مِنْهَا بجلوسها على قدميها وَالْألف فِي قَوْله ينتقلا للإطلاق (وَالنَّدْب فِي الْبناء لَا مُسْتَقْبلا أَو مُدبرا) أَي السّنة لقَاضِي الْحَاجة فِي الْبناء أَن لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها إِكْرَاما لَهَا (وحرموه) أَي الْأَئِمَّة (فِي الفلا) وحملوا عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الدَّالَّة على التَّحْرِيم والدالة على الْجَوَاز على مَا قَالَه وَالْمرَاد بِالْبِنَاءِ أَن يكون بَينه وَبَين الْقبْلَة سَاتِر مُرْتَفع ثُلثي ذِرَاع فَأكْثر بَينه وَبَينه ثَلَاثَة أَذْرع فَأَقل سَوَاء كَانَ فِي بِنَاء أم لَا وبالفلا أَن يكون كَذَلِك فالإعتبار بالساتر وَعَدَمه لَا بِالْبِنَاءِ والفلا على الْأَصَح فَيحرم الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الْبناء إِذا لم يسْتَتر على الْوَجْه الْمَذْكُور إِلَّا أَن يكون فِي بِنَاء مُهَيَّأ لقَضَاء الْحَاجة ذكر ذَلِك فِي الْمَجْمُوع وَغَيره وَلَو هبت الرّيح عَن يَمِين الْقبْلَة وشمالها جَازَ ذَلِك قَالَه الْقفال فِي فَتَاوِيهِ (وَلَا بِمَاء راكد) أَي من آدَاب قَضَاء الْحَاجة أَن لَا يَقْضِيهَا سَوَاء أَكَانَت بولا أم غائطا بِمَاء راكد أَي فِيهِ قَلِيلا كَانَ أم كثير لخَبر مُسلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يبال فِي المَاء الراكد وَالنَّهْي فِيهِ للكراهة وَهِي فِي الْقَلِيل وبالليل أَشد لتنجيسه الْقَلِيل وَلما قيل أَن المَاء بِاللَّيْلِ مأوى الْجِنّ أما الْجَارِي فبكره فِي الْقَلِيل مِنْهُ لَا الْكثير وَمَا بَحثه فِي الْمَجْمُوع من انه يَنْبَغِي حُرْمَة الْبَوْل فِي الْقَلِيل مُطلقًا لإتلافه أُجِيب عَنهُ بِإِمْكَان طهره بالمكاثرة أما الْكثير من الْجَارِي فَالْأولى اجتنابه وَجزم فِي الْكِفَايَة بِالْكَرَاهَةِ فِي اللَّيْل لما مر قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَيكرهُ الْبَوْل بِقرب الْقَبْر وَيحرم عَلَيْهِ وعَلى مَا يمْتَنع الِاسْتِنْجَاء بِهِ لِحُرْمَتِهِ كعظم وَمثله التغوط بل أولى قَالَ وَيكرهُ الْبَوْل والتغوط بِقرب المَاء (وَلَا مهب) أَي لَا يَقْضِيهَا فِي مهب الرّيح فَيكْرَه أَن يستقبلها بالبول بِأَن تكون هابة لِئَلَّا يترشش مِنْهُ وَمِنْه المراحيض الْمُشْتَركَة (وَتَحْت) شجر (مثمر) مَأْكُولا أَو مشموما وَلَو مُبَاحا وَفِي غير وَقت الثَّمَرَة صِيَانة لَهَا عَن التلويث عِنْد الْوُقُوع فتعافها الْأَنْفس وَفعله مَكْرُوه وَلم يحرموه لِأَن تنجيس الثَّمَرَة غير مُتَيَقن نعم لَو علم طهر الْمحل قبل مجيئها بِنَحْوِ سيل أَو نيل لم يكره (وثقب) بِفَتْح الْمُثَلَّثَة أفْصح من ضمهَا فَلَا يَقْضِيهَا فِيهِ وَهُوَ مااستدار للنَّهْي عَنهُ فِي خبر أبي دَاوُد وَغَيره وَمثله الْجُحر فَإِنَّهُ رُبمَا يكون مسكن حَيَوَان قوي فيثب عَلَيْهِ أَو ضَعِيف فَيَتَأَذَّى بِهِ أَو يكون مسكنا للجن (وسرب) بِفَتْح السِّين وَالرَّاء وَهُوَ مااستطال وَيُقَال لَهُ الشق إِلْحَاقًا
(1/53)

لَهُ بالثقب وَالنَّهْي فيهمَا للكراهة (والظل) أَي من الْآدَاب أَن لَا يقْضِي حَاجته فِي الظل وَهُوَ مَوضِع اجْتِمَاع النَّاس فِي الصَّيف وَمثله الشَّمْس وَهُوَ مَوضِع اجْتِمَاعهم فِي الشتَاء (وَالطَّرِيق) لخَبر مُسلم اتَّقوا اللعانين قَالُوا وَمَا اللعانان قَالَ الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق النَّاس أَو فِي ظلهم تسببا بذلك فِي لعن النَّاس لَهما كثيرا عَادَة فنسب إِلَيْهِمَا بِصِيغَة الْمُبَالغَة وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد اللاعنين وَالْمعْنَى إحذروا سَبَب اللَّعْن الْمَذْكُور وَالْحق بِظِل النَّاس فِي الصَّيف مَوضِع اجْتِمَاعهم فِي الشتَاء وَالنَّهْي فيهمَا للكراهة وَكَلَام النَّاظِم شَامِل للبول وَالْغَائِط وَهُوَ كَذَلِك وَإِن نقل النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا عَن صَاحب الْعدة أَنه حرَام وَمثل الطَّرِيق المتحدث وطرق المَاء (وليبعد) عِنْد إِرَادَة قَضَائهَا عَن النَّاس إِلَى حَيْثُ لَا يسمع للْخَارِج مِنْهُ صَوت وَلَا يشم لَهُ ريح للإتباع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا يحمل ذكر الله) تَعَالَى أَي مَكْتُوب ذكره (أَو من أرسلا) ببنائه للْفَاعِل أَو الْمَفْعُول أَي وَلَا اسْم نَبِي قَالَ فِي الْكِفَايَة تبعا للْإِمَام وكل اسْم مُعظم إِكْرَاما لذَلِك وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء نزع خَاتمه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححوه وَكَانَ نقش خَاتمه ثَلَاثَة أسطر مُحَمَّد سطر وَرَسُول سطر وَالله سطر رَوَاهُ ابْن حبَان عَن أنس وَالْحمل الْمَذْكُور مَكْرُوه وَشَمل كَلَامهم حمل الْقُرْآن لَا مَعَ الْحَدث (وَمن سَهَا) عَن ذَلِك أَي تَركه وَلَو عمدا حَتَّى قعد لقَضَاء الْحَاجة (ضم عَلَيْهِ بِالْيَدِ) أَو وَضعه فِي عمَامَته أَو غَيرهَا (ويستعيذ) بِاللَّه بِأَن يَقُول عِنْد دُخُوله اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث للإتباع رَوَاهُ الشَّيْخَانِ زَاد القَاضِي اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث الشَّيْطَان الرَّجِيم وَينْدب أَن يَقُول قبله باسم الله للإتباع رَوَاهُ ابْن السكن وَغَيره وَفَارق تعوذ الْقِرَاءَة حَيْثُ قدموه على الْبَسْمَلَة بِأَنَّهُ هُنَاكَ لقِرَاءَة الْقُرْآن والبسملة مِنْهُ فَقدم عَلَيْهَا بِخِلَافِهِ هُنَا والخبث بِضَم الْخَاء مَعَ ضم الْبَاء وإسكانها جمع خَبِيث والخبائث جمع خبيثة وَالْمرَاد بذلك ذكران الشَّيَاطِين وإنائهم (وبعكس الْمَسْجِد فَقدم الْيُمْنَى خُرُوجًا) أَي أَو بدلهَا خُرُوجًا من الْخَلَاء وَيقدم الْيُسْرَى أَي أَو بدلهَا عِنْد دُخُوله وَفِي معنى مَحل قَضَاء الْحَاجة فِيمَا ذكر من تَقْدِيم الْيُمْنَى أَو بدلهَا خُرُوجًا واليسرى أَو بدلهَا دُخُولا عِنْد دُخُوله كل مَكَان خسيس كمكان أَخذ المكوس والصاغة وَذَلِكَ لِأَن الْيُسْرَى للأذى واليمنى لغيره وَهَذَا بعكس الْمَسْجِد إِذْ السّنة تَقْدِيم الْيُمْنَى عِنْد دُخُوله واليسرى عِنْد خُرُوجه مِنْهُ (واسأل مغْفرَة وَأحمد باليسرى أَدخل) أَي ينْدب لَهُ أَن يَقُول عِنْد خُرُوجه غفرانك الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنى الْأَذَى وعافاني للإتباع رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَالتَّعْبِير بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج جرى على الْغَالِب فَلَا يخْتَص الحكم بِالْبِنَاءِ وَقَول النَّاظِم واسأل وَأحمد وَأدْخل بِلَفْظ الْأَمر (وَاعْتمد الْيُسْرَى) أَي ينْدب لَهُ أَن يعْتَمد على يسَاره حَال جُلُوسه لقضائها دون يمناه فينصبها لِأَن ذَلِك أسهل لخُرُوج الْخَارِج وَلَو بَال قَائِما فرج بَينهمَا واعتمدهما (وثوبا أحسرا) وَالْألف فِيهِ للإطلاق وَفِي بعض النّسخ أحسرا بِلَفْظ الْأَمر فألفه بدل من نون التوكيد (شَيْئا فَشَيْئًا) بِأَن يكشفه أدبا شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى يدنو من الأَرْض فَإِن خَافَ تنجيسه كشفه بِقدر حَاجته فَإِذا فرغ أسبله قبل انتصابه تَحَرُّزًا من الْكَشْف بِقدر الْإِمْكَان فَلَو رفع ثَوْبه دفْعَة وَاحِدَة لم يحرم بِلَا خلاف كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَمَا فِي نكت التَّنْبِيه والكفاية وَشرح الْمُحب الطَّبَرِيّ من تَخْرِيجه على كشف الْعَوْرَة فِي الْخلْوَة فَيكون محرما رد بِأَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي كشفها بِلَا حَاجَة إِذْ أطبقوا على جَوَاز الِاغْتِسَال عَارِيا مَعَ إِمْكَان السّتْر ومراعاة رفع الثَّوْب شَيْئا فَشَيْئًا أَشد حرجا من السّتْر عِنْد الِاغْتِسَال (ساكتا) عَن الْكَلَام من ذكر وَغَيره إِذْ يكره الْكَلَام إِلَّا لضَرُورَة كَأَن رأى أعمى يَقع فِي بِئْر أَو
(1/54)

حَيَّة أَو عقربا تقصد حَيَوَانا مُحْتَرما فَلَا يكره بل قد يجب فَإِن عطس حمد الله بِقَلْبِه وَلَا يُحَرك لِسَانه وَقد روى ابْن حبَان وَغَيره النَّهْي عَن التحدث على الْغَائِط وَأفهم كَلَامه جَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن حَال قَضَاء الْحَاجة وَهُوَ كَذَلِك خلافًا لِابْنِ كج نعم تكره كَسَائِر أَنْوَاع الْكَلَام (مستترا) عَن الْعُيُون لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خبر أبي دَاوُد وَغَيره وَيحصل بمرتفع ثُلثي ذِرَاع فَأكْثر بَينه وَبَينه ثَلَاثَة أَذْرع فَأَقل إِن كَانَ بِقَضَاء أَو بِنَاء لَا يُمكن تسقيفه فغن كَانَ بِبِنَاء مسقف أَو يُمكن تسقيفه حصل السّتْر بذلك وَإِن تبَاعد عَن جِدَاره أَكثر من ثَلَاثَة أَذْرع وَإِن لم يحصل بذلك السّتْر عَن الْقبْلَة وَمحل عد السّتْر من الْآدَاب إِذا لم يؤد عَدمه إِلَى أَن ينظر عَوْرَته من يحرم نظره إِلَيْهَا وَإِلَّا فَيجب (وَمن بقايا الْبَوْل يستبري عِنْد انْقِطَاعه أدبا لِئَلَّا يقطر عَلَيْهِ وَيحصل بالتنحنح ونتر الذّكر ثَلَاثًا بِأَن يمسح بيسراه من دبره إِلَى رَأس ذكره وبنتره بلطف فَيخرج مَا بقى إِن كَانَ قَالَ ابْن الصّباغ وَغَيره يكون ذَلِك بالإبهام والمسبحة لِأَنَّهُ يتَمَكَّن بهما من الْإِحَاطَة بِالذكر وتضع الْمَرْأَة أَطْرَاف أَصَابِع يَدهَا الْيُسْرَى على عانتها وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف النَّاس وَالْقَصْد أَن يظنّ أَنه لم يبْق بمجرى الْبَوْل شَيْء يخَاف خُرُوجه وَمَا ذهب إِلَيْهِ القَاضِي والبغوى جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم من وجوب الِاسْتِبْرَاء لصِحَّة التحذير من عدم التَّنَزُّه من الْبَوْل مَحْمُول على مَا إِذا غلب على ظَنّه خُرُوج شَيْء مِنْهُ بعد استنجائه إِن لم يستبر (وَلَا يسْتَنْج بِالْمَاءِ على مَا نزلا) أَي نزل مِنْهُ من بَوْل أَو غَائِط بل ينْتَقل عَنهُ لِئَلَّا يترشش بِهِ (لَا مَاله بني) أَي وَهَذَا فِي غير الأخلية المتخذة لذَلِك لانْتِفَاء الْعلَّة فِيهَا وَلِأَن فِي انْتِقَاله إِلَى غَيرهَا مشقة وَمثلهَا الْمَكَان الْمُرْتَفع وَنَحْوه مِمَّا يُؤمن فِيهِ عود الرشاش وَخرج بِالْمَاءِ الْحجر لانْتِفَاء الْعلَّة فِيهِ بل قد يكون انْتِقَاله عَنهُ مَانِعا من الِاسْتِجْمَار لانتقال الْخَارِج حِينَئِذٍ وَالْألف فِي قَوْله نزلا للإطلاق وَلَا يتَعَيَّن المَاء بل إِمَّا بِهِ أَو (بجامد) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (طهر) فَلَا يَكْفِي الْمَائِع غير المَاء وَالنَّجس والمتنجس (لَا قصب) أَي يعْتَبر كَونه قالعا فَخرج غَيره كالقصب الأملس والزجاج (وَذي احترام كالثمر) وكل مطعوم مُخْتَصّ بِنَا أَو غَالب أَو مسَاوٍ وَمِنْه الْعظم وَجلد المذكي مَا لم يدبغ بِخِلَاف الْمُخْتَص بالبهائم أَو الْغَالِب فِيهَا وَمثل ذَلِك مَا كتب عَلَيْهِ علم مُحْتَرم وَجلد وحيوان وجزؤه الْمُتَّصِل بِهِ فَلَا يَجْزِي الِاسْتِنْجَاء بِوَاحِد مِمَّا ذكر ويعصي بِهِ فِي الْمُحْتَرَم وَعلم مِمَّا تقرر أَن التَّنْصِيص على الْحجر فِي الْخَبَر جرى على الْغَالِب لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن الِاسْتِنْجَاء بالروث والرمة أَي الْعظم وَعلل منع الِاسْتِنْجَاء بِكَوْنِهَا غير حجر وَإِنَّمَا تعين الْحجر فِي رمي الْجمار وَالتُّرَاب فِي التَّيَمُّم لِأَن الرَّمْي لَا يعقل مَعْنَاهُ بِخِلَاف الِاسْتِنْجَاء وَالتُّرَاب فِيهِ الطاهرية والطهورية وَلَا يوجدان فِي غَيره بِخِلَاف الإنقاء يُوجد فِي غير الْحجر وتمثيل النَّاظِم للمحترم بالثمر للْإِشَارَة إِلَى عدم الانحصار فِيهِ وَقد قَالَه النَّوَوِيّ نقلا عَن الْمَاوَرْدِيّ وَاسْتَحْسنهُ وَأما الثِّمَار والفواكه فَمِنْهَا مَا يُؤْكَل رطبا لَا يَابسا كاليقطين فَلَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بِهِ رطبا وَيجوز بِهِ يَابسا إِذا كَانَ مزيلا وَمِنْهَا مَا يُؤْكَل رطبا ويابسا وَهُوَ أَقسَام أَحدهَا مَأْكُول الظَّاهِر وَالْبَاطِن كالتين والتفاح والسفرجل فَلَا يجوز برطبه وَلَا بيابسه وَالثَّانِي مَا يُؤْكَل ظَاهره دون بَاطِنه كالخوخ والمشمش وكل ذِي نوى فَلَا يجوز بِظَاهِرِهِ وَيجوز بنواه الْمُنْفَصِل وَالثَّالِث مَا لَهُ قشر ومأكوله فِي جَوْفه فَلَا يجوز بلبه وَأما قشره فَإِن كَانَ لَا يُؤْكَل رطبا وَلَا يَابسا كالرمان جَازَ الِاسْتِنْجَاء بِهِ سَوَاء أَكَانَ فِيهِ الْحبّ أم لَا وَإِن أكل رطبا ويابسا كالبطيخ لم يجز فِي الْحَالَتَيْنِ وَإِن أكل رطبا فَقَط كاللوز والباقلا جَازَ يَابسا لَا رطبا انْتهى وَإِنَّمَا جَازَ بِالْمَاءِ مَعَ أَنه مطعوم لِأَنَّهُ يدْفع عَن نَفسه النَّجس بِخِلَاف غَيره وَقَوله بجامد مُتَعَلق بقوله مَسحه أَو بِسَائِر من قَوْله فِيمَا مر بِكُل مَسحه لسَائِر الْمحل
(1/55)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْغسْل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هُوَ بِفَتْح الْغَيْن مصدر غسل الشىء وَبِمَعْنى الِاغْتِسَال كَقَوْلِه غسل الْجُمُعَة سنة وَبِضَمِّهَا مُشْتَرك بَينهمَا وَبَين المَاء الذى يغْتَسل بِهِ فَفِيهِ على الأول لُغَتَانِ وَهُوَ أفْصح وَأشهر لُغَة وَالضَّم وَهُوَ مَا يَسْتَعْمِلهُ الْفُقَهَاء أَو أَكْثَرهم وَأم بِالْكَسْرِ فاسم لما يغسل بِهِ من سدر وَنَحْوه وَهُوَ بالمعنيين الْأَوليين لُغَة سيلان المَاء على شىء وَشرعا سيلانه على جَمِيع الْبدن بنية (مُوجبَة المنى حِين يخرج) أى يُوجب الْغسْل خُرُوج منى الشَّخْص نَفسه أول مرّة رجل أَو امْرَأَة وَلَو بعد أَن بَال ثمَّ اغْتسل من الْجَنَابَة لخَبر مُسلم (إِنَّمَا المَاء من المَاء) وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ عَن أم سَلمَة قَالَت جَاءَت أم سليم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت (إِن الله لَا يستحى من الْحق هَل على الْمَرْأَة من غسل إِذا هى احْتَلَمت قَالَ نعم إِذا رَأَتْ المَاء) سَوَاء أخرج من مَحَله الْمُعْتَاد أم من صلب الرجل أم أَسْفَل مِنْهُ أم من بَين ترائب الْمَرْأَة مَعَ انسداد الأصلى فيهمَا فَإِن لم يستحكم بِأَن خرج لمَرض لم يجب الْغسْل بِلَا خلاف وَالْمرَاد بِخُرُوج المنى فِي حق الرجل وَالْبكْر بروزة عَن الْفرج إِلَى الظَّاهِر وَفِي حق الثّيّب وُصُوله إِلَى مَا يجب غسله فى الأستنجاء أما لَو خرج مِنْهُ منى غَيره بعد غسله عَلَيْهِ فَلَا غسل عَلَيْهِ (وَالْمَوْت) يُوجِبهُ أَيْضا فِي حق الْمُسلم غير الشَّهِيد والسقط إِذا ظهر فِيهِ مبدأ خلق آدمى يجب غسله وَإِن لم تظهر فِيهِ أَمارَة الْحَيَاة (والكمرة) بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْمِيم الْحَشَفَة (حَيْثُ تولج) ببنائه للْمَفْعُول أَو قدرهَا من فاقدها (فرجا) وَلَو دبرا وَلَو بِلَا قصد وَإِن كَانَ الذّكر أشل أَو غير منتشر أَو ملفوفا عَلَيْهِ خرقَة وَلَو غَلِيظَة وَسَوَاء أَكَانَ كل من الذّكر والفرج من آدمى أم من غَيره صَغِيرا أَو كَبِيرا لقَوْله تَعَالَى {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ وَإِذا التقى الختانان فقد وَجب الْغسْل وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَإِن لم ينزل وَذكر الْخِتَان جرى على الْغَالِب بِدَلِيل إِيجَاب الْغسْل بإيلاج ذكر لَا حَشَفَة لَهُ لِأَنَّهُ جماع فِي فرج فَكَانَ فِي معنى الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَيْسَ المُرَاد يالتقاء الختانين انضمامهما لعدم إِيجَابه الْغسْل باللإجماع بل تحاذيهما يُقَال التقى الفارسان إِذا لم تحاذيا وَإِن لم ينضما وَذَلِكَ إِنَّمَا يحصل بتغييب الْحَشَفَة فِي الْفرج إِذْ الْخِتَان مَحل الْقطع وختان الْمَرْأَة فَوق مخرج الْبَوْل ومخرج الْبَوْل فَوق مدْخل الذّكر (وَلَو مَيتا) بِسُكُون الْيَاء أى وَاو وَلَو كَانَ صَاحب الكمرة أَو الْفرج مَيتا بِأَن استدخل الْحَيّ حشفته أَو اولج فِي فرجه فَإِنَّهُ يُوجب الْغسْل على الْحَيّ (بِلَا إِعَادَة) لغسل الْمَيِّت لانْقِطَاع تَكْلِيفه وَإِنَّمَا غسله بِالْمَوْتِ تنظيفا وإكراما لَهُ وَأفهم كَلَامه وجوب الْغسْل على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِيمَا عدا الْمَيِّت أَي والبهيمة وَهُوَ كَذَلِك (وَالْحيض) لآيَة {فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض} أى الْحيض وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لفاطمة بنت أَبى حُبَيْش إِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة وَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فاغتسلي وَصلي (وَالنّفاس) لِأَنَّهُ دم حيض مُجْتَمع وَيعْتَبر فِي إِيجَاب الْغسْل بِخُرُوج مَا ذكر أنقطاعه وَالْقِيَام إِلَى الصَّلَاة أَو نَحْوهَا كَمَا مر (والولادة) وَإِن كَانَ الْوَلَد جافا لِأَنَّهُ منى مُنْعَقد وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن بَلل وَأَن خفى وتفطر بهَا الْمَرْأَة على الْأَصَح وَيلْحق بِالْولادَةِ القاء الْعلقَة اَوْ المضغة وَأفَاد كَلَامه ان مَا عدا هَذِه الْأُمُور من جُنُون وإغماء واستدخال منى وتغييب بعض الْحَشَفَة وَخُرُوج بعض الْوَلَد كَيده وَغَيرهَا لَا يُوجب الْغسْل وَهُوَ كَذَلِك وَاعْترض على الْحصْر فِي الْمَذْكُورَات يتنجيس جَمِيع الْبدن أَو بعضه مَعَ الِاشْتِبَاه وَأجِيب عَنهُ بِأَن ذَلِك لَيْسَ مُوجبا للْغسْل بل لإِزَالَة النَّجَاسَة حَتَّى لَو فرض كشط جلده حصل الْفَرْض وَبِأَن الْكَلَام فِي الْغسْل عَن الْأَحْدَاث فَإِن أُرِيد الْغسْل عَنْهَا وَعَن النَّجَاسَة وَجب عد ذَلِك كَمَا صنع
(1/56)

الشَّيْخ أَبُو حَامِد والمحاملي وَغَيرهمَا ثمَّ شرع فِي بَيَان مَا يعرف بِهِ المنى فَقَالَ (وَيعرف المنى باللذة) بِالْمُعْجَمَةِ (حِين خُرُوجه) أَي خواصه بِثَلَاث كل وَاحِدَة مِنْهَا كَافِيَة فِي مَعْرفَته أَحدهَا وجود اللَّذَّة حِين خُرُوجه وَإِن لم يتدفق لقلته مَعَ فتور الذّكر عقب ذَلِك (و) ثَانِيهَا (ريح طلع أَو عجين) رطبا وَبَيَاض بيض جافا وَثَالِثهَا (تدفقه بِأَن يخرج على دفعات قَالَ تَعَالَى {من مَاء دافق} وَلَا عِبْرَة فِي منى الرجل بِكَوْنِهِ ابيض ثخينا وَلَا منى الْمَرْأَة بِكَوْنِهِ اصفر رَقِيقا وَإِن كَانَت من صِفَاته لِأَنَّهَا لَيست من خواصه لوُجُود الثخن فِي الودى وَهُوَ مَاء أَبيض ثخين كدر لَا ريح لَهُ يخرج عقب الْبَوْل إِذا استمسكت الطبيعة أَو عِنْد حمل شىء ثقيل والرقة فِي المذى وَهُوَ مَاء رَقِيق لزج يخرج عِنْد الشَّهْوَة بِلَا شَهْوَة وَقد لَا يحس بِخُرُوجِهِ وَلَا يضر فقدها فقد يحمر منى الرجل بِكَثْرَة الْجِمَاع وَرُبمَا خرج دَمًا عبيطا أَو يرق أَو يصفر لمَرض ويبيض منى الْمَرْأَة لفضل قوتها وَمُقْتَضى كَلَامه اشْتِرَاك الْخَواص بَين الرجل وَالْمَرْأَة قَالَ الشَّيْخَانِ وَهُوَ مَا ذكره الْأَكْثَرُونَ وعضده الأسنوى وَنَقله الماوردى عَن النَّص لَكِن قَالَ الإِمَام والغزالى لَا يعرف منى الْمَرْأَة إِلَّا باللذة وَأنكر ابْن الصّلاح التدفق فِي منيها وَاقْتصر على اللَّذَّة وَالرِّيح وَبِه جزم النووى فِي شرح مُسلم واقتضاه كَلَامه فِي الْمَجْمُوع وَرجحه جمَاعَة كالسبكى والأذرعى وَابْن النَّقِيب (وَمن يشك هَل منى ظهرا أَو هُوَ مذى بَين ذين خيرا) أى من يشك فِي الْخَارِج مِنْهُ هَل هُوَ منى أَو مذى لَا شتباههما عَلَيْهِ خير بَينهمَا فَيَجْعَلهُ منيا ويغتسل مِنْهُ أَو مذيا وَيتَوَضَّأ مِنْهُ مُرَتبا وَيغسل مَا أَصَابَهُ لِأَنَّهُ إِذا أَتَى بِمُقْتَضى أَحدهمَا برىء مِنْهُ يَقِينا وَالْأَصْل بَرَاءَته من الآخر وَلَا معَارض لَهُ بِخِلَاف من نسى صَلَاة من صَلَاتَيْنِ حَيْثُ يلْزمه فعلهمَا لاشتغال ذمَّته بهما جَمِيعًا وَالْأَصْل بَقَاء كل مِنْهُمَا وَإِنَّمَا أوجبوا الِاحْتِيَاط بتزكية الْأَكْثَر ذَهَبا وَفِضة فِي الْإِنَاء الْمُخْتَلط لِأَن الْيَقِين هُنَاكَ مُمكن بسبكه بِخِلَافِهِ هُنَا وَألف ظهرا وَخيرا ببنائه للْمَفْعُول للإطلاق (وَالْفَرْض تَعْمِيم لجسم ظهرا) الْألف للاطلاق (شعرًا وظفرا منبتا وبشرا) أى أَن الْفَرْض فِي الْغسْل من جَنَابَة اَوْ حيض أَو نِفَاس أَو ولادَة تَعْمِيم ظَاهر الْبدن شعرًا وان كثف وظفرا ومنبتا بَين شعر وبشرة وَمِنْه تَعْمِيم صماخ وشق وَمَا ظهر من أنف مجدوع وَمن ثيب قعدت لقَضَاء حَاجَتهَا وَمَوْضِع شعره لم يغسلهَا ثمَّ نتفها وَمَا تَحت قلفة غير المختون لِأَنَّهَا مُسْتَحقَّة الْإِزَالَة وَلِهَذَا لَو أزالها إِنْسَان لم يضمنهَا وَالْأَصْل فِي ذَلِك فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبين للتطهير الْمَأْمُور بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} وَإِنَّمَا وَجب غسل منبت الكثيف هُنَا دون الْوضُوء لقلَّة الْمَشَقَّة هُنَا وَكَثْرَتهَا فِي الْوضُوء لتكرره كل يَوْم وَيُؤْخَذ من كَلَامه عدم وجوب غسل بَاطِن عين وفم وأنف وَشعر نبت فِيهَا هُوَ كَذَلِك وَلَا يجب نقض الضفائر إِلَّا أَن لَا يصل المَاء إِلَى بَاطِنهَا إِلَّا بِهِ ويسامح بباطن العقد الَّتِى على الشعرات على الْأَصَح (وَنِيَّة بِالِابْتِدَاءِ اقترنت) أى إِن الْفَرْض فِي الْغسْل نِيَّة مقترنة بِأول مغسول من الْبدن فَلَو نوى بعد غسل جُزْء مِنْهُ وَجب إِعَادَة غسله (كالحيض) بِأَن تنوي الْحَائِض رفع حكم الْحيض أَو النُّفَسَاء رفع حكم النّفاس (أَو جَنَابَة تعيّنت) أى فِيمَا قدمه من حُصُولهَا بِخُرُوج المنى أَو تغييب الخشفة بِأَن ينوى الْجنب رفع حكم الْجَنَابَة أَو ينوى كل رفع الْحَدث عَن جَمِيع الْبدن أَو رفع الْحَدث مُطلقًا أَو اسْتِبَاحَة الصَّلَاة أَو غَيرهَا مِمَّا يتَوَقَّف على الْغسْل أَو فرض الْغسْل أَو لغسل الْمَفْرُوض أَو الْوَاجِب أَو أَدَاء الْغسْل وَلَو نوى غير مَا عَلَيْهِ مُطلقًا وَإِن لم يتَصَوَّر مِنْهُ فِيمَا يظْهر صَحَّ دون مَا إِذا تعمد نعم لَو نوى رفع النّفاس عَن الْحيض وَعَكسه وَلَو عمدا صَحَّ لِأَن النّفاس دم حيض مُجْتَمع وَلِأَنَّهُ من أَسمَاء الْحيض وَلَو نوى ذُو الْحَدث الْأَكْبَر رفع الْحَدث الاصغر مُتَعَمدا لم يَصح أَو غالطا لم
(1/57)

يرْتَفع عَن غير أَعْضَاء الْوضُوء لِأَنَّهُ لم يُنَوّه ويرتفع عَنْهَا إِلَّا الرَّأْس لِأَن غسلهَا وَاجِب فِي الحدثين وَقد غسلهَا بنية وَإِنَّمَا لم يرْتَفع عَن الرَّأْس لِأَن غسله وَقع بَدَلا عَن مَسحه الَّذِي فَرْضه فِي الأَصْل وَهُوَ إِنَّمَا نوى الْمسْح وَهُوَ لايغني عَن الْغسْل وَإِنَّمَا ارْتَفع عَن بَاطِن لحية الرجل الكثيفة لإتيانه بِالْغسْلِ الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي غسل الْوَجْه (وَالشّرط رفع نجس قد علما) أَي إِن الشَّرْط فِي الْغسْل رفع نجس أَي إِزَالَته إِذا كَانَ لَا يَزُول بالغسلة الْوَاحِدَة قد علم وجوده عَن بدنه إِن كَانَ أما إِذا كَانَ النَّجس يَزُول بالغسلة الْوَاحِدَة فَلَا يكفى لَهما غسلة وَاحِدَة كَمَا صَححهُ الرَّافِعِيّ وَصحح النووى الِاكْتِفَاء بهَا لَهما وَقد مر إيضاحه فِي الْوضُوء وَعطف على قَوْله رفع نجس قَوْله (وكل شَرط فِي الْوضُوء قدما) أى الشَّرْط فِي الْغسْل أَيْضا كل شَرط تقدم ذكره فِي الْوضُوء كاسلام المغتسل إِلَّا فِي كِتَابِيَّة اغْتَسَلت من حيض أَو نِفَاس لتحل لحليلها للضَّرُورَة وَلِهَذَا يجب إِعَادَته أسلمت وتمييزه إِلَّا فِي إغتسال مَجْنُونَة من حيض أَو نِفَاس ليحل وَطْؤُهَا للضَّرُورَة وَلِهَذَا يجب إِعَادَته إِذا هِيَ أفاقت وَعدم الْمَانِع الْحسي وَالْمَانِع الشَّرْعِيّ وَألف علما وقدما للإطلاق وَلما أنهى الْكَلَام على معتبرات الْغسْل شرع فِي سنَنه فَقَالَ (وَسن باسم الله) أى من سنَنه التَّسْمِيَة بِأَن يَقُولهَا أَوله غير قَاصد بهَا قُرْآنًا لما مر فِي الْوضُوء (وارفع قذرا بِالْمُعْجَمَةِ أى الطَّاهِر كمنى وبصاق قبل الْغسْل استظهارا أما النَّجس فقد تقدم حكمه (ثمَّ الوضو) بِسُكُون آخِره لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَإِنَّمَا لم يجب لِأَن الله تَعَالَى أَمر بالتطهير من غير ذكر الْوضُوء ولللأخبار الصَّحِيحَة الدَّالَّة على عدم وُجُوبه كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأم سَلمَة (يَكْفِيك أَن تفيضي عَلَيْك المَاء) وَقَوله لأبي ذَر فَإِذا وجدت المَاء فأمسه جِلْدك) (وَالرجل لن تؤخرا) يعْنى أَن الْأَفْضَل تَقْدِيم الْوضُوء كَامِلا فقد قَالَ فِي الْمَجْمُوع نقلا عَن الْأَصْحَاب وَسَوَاء أقدم الْوضُوء كُله أم بعضه أم أَخّرهُ أم فعله فِي أثْنَاء الْغسْل فَهُوَ مُحَصل للسّنة لَكِن الْأَفْضَل تَقْدِيمه وَألف تؤخرا للإطلاق أَو بدل من نون التوكيد الْخَفِيفَة بِنَاء على جَوَاز دُخُولهَا على الْمُضَارع حِينَئِذٍ ويجرى هَذَا فِي نَظَائِره السَّابِقَة واللاحقة (وَإِن نوى) المغتسل بِغسْلِهِ (فرضا) كالجنابة وَالْحيض (ونفلا) كَالْجُمُعَةِ والعيد (حصلا) عملا بنيته وَلَا يضر التَّشْرِيك بِخِلَاف نَحْو الظّهْر مَعَ سنته إِذْ مبْنى الطَّهَارَة على التَّدَاخُل دون الصَّلَاة أما إِذا نوى الْفَرْض لم يحصل النَّفْل كَعَكْسِهِ كَمَا أفهمهُ كَلَامه عملا بِمَا نَوَاه وَإِنَّمَا لم ينْدَرج النَّفْل فِي الْفَرْض لِأَنَّهُ مَقْصُود فَأشبه سنة الظّهْر مَعَ فَرْضه وَفَارق مَا لَو نوى بِصَلَاتِهِ الْفَرْض حَيْثُ تحصل بِهِ التَّحِيَّة وَإِن لم ينوها بِأَن الْقَصْد هُنَاكَ شغل الْبقْعَة بِالصَّلَاةِ وَقد حصل وَلَيْسَ الْقَصْد هُنَا النَّظَافَة فَقَط بِدَلِيل أَنه يتَيَمَّم عِنْد عَجزه عَن المَاء (أَو فبكل مثله تحصلا) أى يحصل بِكُل من الْفَرْض وَالنَّفْل مثله فِي الْفَرْضِيَّة أَو النفيلة فِيمَا إِذا نوى فرضا أَو نفلا فَيحصل بنية الْجَنَابَة مثلا كل غسل مَفْرُوض وبنية الْجُمُعَة مثلا كل غسل مسنون وَألف تحصلا للإطلاق (وَسنة الْغسْل نوى لأكبرا جرد عَن ضد) أى ينوى لحَدث اكبر جرد عَن ضِدّه وَهُوَ الْحَدث الْأَصْغَر كَأَن أنزل بِنَظَر اَوْ فكر أَو احْتَلَمَ قَاعِدا مُتَمَكنًا بوضوئه سنة الْغسْل (وَإِلَّا) بِأَن اجْتمع عَلَيْهِ الْحدثَان ينوى (الْأَصْغَر) أى رفع الْحَدث الْأَصْغَر خُرُوجًا من الْخلاف وَسنة الْغسْل فِي كَلَامه مفعول مقدم لنوى ولأكبرا مُتَعَلق بنوى وجرد عَن ضد جملَة وَقعت صفة لأكبر ونائب فَاعل جرد ضمير عَائِد عَلَيْهِ وَلَا يَصح جعل قَوْله لأكبرا إِلَى آخِره جملَة
(1/58)

حَالية من الْغسْل وَألف لأكبرا والأصغرا للإطلاق ثمَّ شرع يَأْمر المغتسل بِشَيْء من سنَن الْغسْل فَقَالَ (وشعرا) أى يسن لَهُ تعهد شعر رَأسه ولحيته بِأَن يخلله بِالْمَاءِ قبل إفاضته عَلَيْهِ ليَكُون أبعد عَن الأسراف فِي المَاء (ومعطفا تعهد) أى ويتعهد معاطف بدنه أى أمكنه الالتواء بِالْغسْلِ خوفًا من عدم وُصُول المَاء إِلَيْهَا فَيَأْخُذ كفا من المَاء وَيَضَع الْأذن بِرِفْق عَلَيْهِ ليصل إِلَى معاطفتها (وادلك) أَي ويدلك من بدنه مَا تصل إِلَيْهِ يَده خُرُوجًا من خلاف من أوجبه (وَثلث) غسل جَمِيع الْبدن كَالْوضُوءِ فَيغسل رَأسه ثَلَاثًا ثمَّ شقَّه الْأَيْمن ثَلَاثًا ثمَّ الْأَيْسَر ثَلَاثًا فَإِن اغْتسل فِي مَاء جَار حصل التَّثْلِيث بجريان المَاء عَلَيْهِ ثَلَاث جريات أَو فِي مَاء راكد حصل بإنغماسه فِيهِ ثَلَاثًا بِأَن يرفع راسه وينقل قَدَمَيْهِ أَو يَتَحَرَّك فِيهِ ثَلَاثًا (وبيمناك ابتدى) للْخَبَر الْمُتَّفق عَلَيْهِ فيبتدىء بشق رَأسه الْأَيْمن قبل الْأَيْسَر ثمَّ بشق بدنه الْأَيْمن قبل الْأَيْسَر (وتتبع) الْمَرْأَة وَلَو بكرا وخلية (الْحيض) أَي أَثَره وَمثله النّفاس) (بمسك) بعد غسلهَا بِأَن تَجْعَلهُ على قطنة أَو نَحْوهَا وتدخله فِي قبلهَا إِلَى الْمحل الَّذِي يجب غسله تطييبا للمحل ولللأمر بِمَا يُؤَدِّي ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة وتفسيرها قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسائلته عَن الْغسْل من الْحيض (خذي فرْصَة من مسك فتطهري بهَا) بقولِهَا لَهَا تتبعي بهَا أثر الدَّم والمسك اولى من غَيره فَإِن لم تفعل فطيبا فَإِن لم تفعل فطينا فَإِن لم تفعل فالماء كَاف عَن رفع الْحَدث وَهَذِه سنة مُؤَكدَة يكره تَركهَا من غير عذر وتستثنى الْمُحرمَة فَلَا تسْتَعْمل شَيْئا من الطّيب لقصر زمن الْإِحْرَام غَالِبا والمحدة لَا تطيب الْمحل إِلَّا بِقَلِيل قسط أَو أظفار لقطع الرَّائِحَة الكريهة (والولا) أَي يسن الْوَلَاء بَين أَفعاله كَمَا فِي الْوضُوء خُرُوجًا من خلاف من أوجبه وَمن سنَنه التَّرْتِيب بِأَن يرفع الاذى ثمَّ يتَوَضَّأ ثمَّ يتعهد ثمَّ يغسل أَعْضَاء الْوضُوء ثمَّ الرَّأْس ثمَّ الْبدن مبتدئا بأعلاه وبالأيمن وَيجوز لَهُ الْغسْل مَكْشُوف الْعَوْرَة خَالِيا وبحضرة من يجوز لَهُ نظره إِلَيْهَا والستر أفضل أما غسله مكشوفها بِحَضْرَة من يحرم نظرة إِلَيْهَا فَحَرَام كَمَا يحرم كشفها فِي الْخلْوَة من غير حَاجَة ثمَّ ذكر جملَة من الأغسال المسنونة فَقَالَ (مسنونة حُضُور جُمُعَة) أَي يسن الْغسْل لمريد حُضُورهَا وَإِن لم تلْزمهُ كامرأة ومسافر لما سَيَأْتِي فِي بَاب الْجُمُعَة من الْأَمر بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَصَرفه عَن الْوُجُوب خبر (من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فِيهَا ونعمت وَمن أَغْتَسِل فالغسل أفضل) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَحسنه الترمذى وَصَححهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَيدخل وقته بِالْفَجْرِ وتقريبه من ذَهَابه أفضل أما من لم يرد حُضُورهَا فَلَا يسن لَهُ الْغسْل وَيُؤْخَذ من بداءته بِهِ أَنه آكِد الأغسال المسنونة وَهُوَ كَذَلِك على الْأَصَح ثمَّ غسل غاسل ميت (كلا عيدين) أَي يسن لكل أحد غسل لعيد الْفطر وَغسل لللأضحى وَإِن لم يحضر صلاتهما لِاجْتِمَاع النَّاس لَهما كَالْجُمُعَةِ وَيدخل وَقت غسلهمَا بِنصْف اللَّيْل لِأَن أهل الْقرى الَّذين يسمعُونَ النداء يبكرون لصلاتهما من قراهم فَلَو لم يجز الْغسْل قبل الْفجْر لشق عَلَيْهِم وَالْفرق بَينهمَا وَبَين الْجُمُعَة تَأْخِير صلَاتهَا وَتَقْدِيم صلاتهما وَيبقى إِلَى آخر يَوْم الْعِيد لِأَنَّهُ يَوْم سرُور وكلا فِي قَوْله كلا عيدين إسم مَقْصُور للإضافته إِلَى ظَاهر (والإفاقة) أَي يسن الْغسْل لَهَا من جُنُون أَو إِغْمَاء للإتباع فِي اللإغماء رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقيس بِهِ الْجُنُون وَقَالَ الشَّافِعِي قَلما جن إِنْسَان إِلَّا وَأنزل (الْإِسْلَام) أَي يسن الْغسْل للْكَافِرِ إِذا أسلم لأَمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْغسْلِ قيس بن عَاصِم وثمامة بن أَثَال لما أسلما رَوَاهُمَا ابْنا خُزَيْمَة وحبان وَغَيرهمَا وَهُوَ أَمر ندب لِأَن جمَاعَة اسلموا وَلم يَأْمُرهُم بِالْغسْلِ من جَنَابَة وَهَذَا حَيْثُ لم يعرض لَهُ فِي الْكفْر مَا يُوجب الْغسْل من جَنَابَة اَوْ حيض أَو نِفَاس أَو ولادَة فَإِن عرض لَهُ ذَلِك وَجب عَلَيْهِ الْغسْل بعد إِسْلَامه وَلَا عِبْرَة بِغسْل مضى فِي كفره وَفَارق عدم لُزُوم إِخْرَاج مَا أَدَّاهُ من كفاره حَال كفره بِأَن مصرفها مُتَعَلق بالآدمى فَأشبه الدّين (والخسف) أَي يسن الْغسْل لصَلَاة خُسُوف الشَّمْس أَو الْقَمَر لِاجْتِمَاع النَّاس لَهما كَالْجُمُعَةِ وَيدخل وَقت غسله بأوله و (الاسْتِسْقَاء) أَي يسن الْغسْل لصلاته لما مر قَالَ فِي الرَّوْضَة قَالَ أَصْحَابنَا يسن الْغسْل لكل اجْتِمَاع وَفِي كل حَال يُغير رَائِحَة الْبدن (وَالْإِحْرَام) أَي يسن الْغسْل لَهُ
(1/59)

للإتباع رَوَاهُ الترمذى وَحسنه وَسَوَاء فِي ذَلِك الْإِحْرَام بِحَجّ أم بِعُمْرَة أم بهما وَلَا فرق بَين الدكر والانثى وَالْخُنْثَى وَالْحر وَالرَّقِيق وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء (وَدخُول مَكَّة) أَي يسن الْغسْل لدُخُول مَكَّة لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ سَوَاء أَكَانَ محرما بِحَجّ أم بِعُمْرَة أم بهما وَيسن للْحَلَال أَيْضا وَهُوَ دَاخل فِي كَلَامه وَيسن لدُخُول الْحرم أَيْضا ولدخول الْمَدِينَة وَلَو أحرم من مَكَان قريب من مَكَّة كالتنعيم واغتسل لم ينْدب لَهُ الْغسْل لدُخُول مَكَّة كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ (ووقوف عرفه) أَي يسن الْغسْل للوقوف بهَا وَيدخل وقته بِالْفَجْرِ (وَالرَّمْي) أَي يسن الْغسْل للرمي فِي أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة وَلَا يسن الْغسْل لرمي جَمْرَة الْعقبَة لقربها من غسل الْعِيد (وَالْمَبِيت بِالْمُزْدَلِفَةِ) أَي يسن الْغسْل لَهَا لِأَنَّهَا مَوَاطِن تَجْتَمِع لَهَا النَّاس فسن الْغسْل لَهَا قطعا للروائح الكريهة وَمَا ذكره من اسْتِحْبَابه لَهَا وَتَبعهُ عَلَيْهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي شَرحه رأى مَرْجُوح وَالأَصَح عَدمه نعم يُمكن حمل كَلَامه على أَن مُرَاده بالمبيت بهَا الْوُقُوف بهَا غَدَاة النَّحْر بالمشعر الْحَرَام وَهُوَ مُسْتَحبّ حِينَئِذٍ وَلَعَلَّ الشَّارِع أَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله غَدَاة النَّحْر (وَغسل من غسل مَيتا) أَي يسن لَهُ ذَلِك سَوَاء أَكَانَ الْمَيِّت مُسلما أم كَافِرًا لخَبر (من غسل مَيتا فليغتسل) رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَحسنه الترمذى وَصَححهُ ابْن حبَان والصارف لِلْأَمْرِ عَن الْوُجُوب خبر (لَيْسَ عَلَيْكُم فِي غسل ميتكم غسل إِذا غسلتموه) صَححهُ الْحَاكِم على شَرط البُخَارِيّ (كَمَا لداخل الْحمام) أَي كَمَا يسن الْغسْل لداخل الْحمام عِنْد إِرَادَة خُرُوجه سَوَاء تنور أم لَا (أَو من حجما) أَي كَمَا يسن الْغسْل لمن حجم بِضَم الْحَاء وَكسر الْجِيم لما روى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ (كُنَّا نغتسل من خمس من الْحجامَة وَالْحمام ونتف الْإِبِط وَمن الْجَنَابَة وَيَوْم الْجُمُعَة) وحكمته كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي أَن ذَلِك يُغير الْجَسَد ويضعفه وَالْغسْل يشده وينعشه وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه يسن الْغسْل للفصد وَنَحْوه من الأغسال المسنونة الْغسْل للإعتكاف كَمَا فِي لطيف ابْن خيران عَن النَّص وَلكُل لَيْلَة من رَمَضَان كَمَا قَالَه الحليمى وَقَيده الاذرعي بِمن يحضر الْجَمَاعَة ولحلق الْعَانَة كَمَا فِي رونق الشَّيْخ أبي حَامِد ولباب الْمحَامِلِي ولبلوغ الصَّبِي بِالسِّنِّ كَمَا فِي الرونق وَالْغسْل فِي الْوَادي عِنْد سيلانه وَألف حجما للإطلاق 0 وَالْغسْل فِي الْحمام جَازَ للذّكر) أَي يُبَاح لَهُ (مَعَ ستر عَورَة) لَهُ عَمَّن يحرم نظره إِلَيْهَا إِذْ كشفها حِينَئِذٍ حرَام فَيجب تَركه وَعدم مَسهَا من يحرم مَسّه لَهَا (وغض لِلْبَصَرِ) عَن عَورَة من يحرم نظره إِلَيْهَا وَعدم مَسّه لَهَا لِأَن كلا من الْكَشْف وَالنَّظَر والمس الْمَذْكُورَات حرَام فَيجب تَركه وَيجب عَلَيْهِ أَن ينْهَى من ارْتكب شَيْئا من ذَلِك وَإِن ظن أَنه لَا ينتهى (وَيكرهُ الدُّخُول فِيهِ للنسا) والخناثي (إِلَّا لعذر مرض أَو نفسا) أَي كَمَرَض أَو حيض أَو نِفَاس أَو خوف ضَرَر فَيُبَاح لَهُنَّ حِينَئِذٍ مَعَ ستر عورتهن عَمَّن يحرم نظره إِلَيْهَا وَعدم مَسهَا مِمَّن يحرم مَسّه لَهَا وغض بصرهن عَن عَورَة يحرم نظرهن إِلَيْهَا وَعدم مسهن إِيَّاهَا وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر أبي دَاوُد وَغَيره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (ستفتح عَلَيْكُم أَرض الْعَجم وستجدون فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الحمامات فَلَا يدخلنها الرِّجَال الابازار وامنعوها النِّسَاء إِلَّا الْمَرِيضَة أَو نفسَاء) وَخبر الترمذى وَحسنه مَا من امْرَأَة تخلع ثِيَابهَا فِي غير بَيتهَا إِلَّا هتكت مَا بَينهَا وَبَين الله تَعَالَى) وَخبر النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَائِشَة (الْحمام حرَام على نسَاء أمتى وَلِأَن أمرهن مبْنى على الْمُبَالغَة فِي السّتْر لما فِي خروجهن واجتماعهن من الْفِتْنَة وَالشَّر ثمَّ ذكر أول آدَاب دَاخل الْحمام فَقَالَ (وَقبل أَن يدْخل يعْطى أجرته) لِأَن مَا يَسْتَوْفِيه مَجْهُول وَكَذَا مَا ينتظره الحمامي فإعطاء الْأُجْرَة حِينَئِذٍ دفع للْجَهَالَة من أحد الْعِوَضَيْنِ
(1/60)

وتطييب لنَفسِهِ وَمن ذَلِك أَيْضا قصد التنظف والتطهير وَالتَّسْمِيَة لدُخُوله ثمَّ التَّعَوُّذ كَأَن يَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أعوذ بِاللَّه من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث وَتَقْدِيم يسَاره لدُخُوله وَيَمِينه لِخُرُوجِهِ وتذكر الْجنَّة وَالنَّار بحرارته ورجوعه إِذا رأى عُريَانا فِيهِ وَأَن لَا يعجل بِدُخُول الْبَيْت الْحَار حَتَّى يعرق وان لَا يكثر الْكَلَام وَأَن يدْخل وَقت الْخلْوَة أَو بتكلف إخلاء الْحمام فَإِنَّهُ وان لم يكن فِيهِ إِلَّا أهل الدّين فالنظر إِلَى الْأَبدَان مكشوفة فِيهِ شوب من قلَّة الْحيَاء وَهُوَ مُذَكّر للفكر فِي العورات ثمَّ لَا يَخْلُو النَّاس فِي الحركات عَن إنكشاف العورات فَيَقَع الْبَصَر واستغفاره عِنْد خُرُوجه وَصلَاته رَكْعَتَيْنِ وَيكرهُ دُخُوله قبيل الْمغرب وَبَين العشاءين ودخوله للصَّائِم وصب المَاء الْبَارِد على الرَّأْس وشربه عِنْد الْخُرُوج وَلَا بَأْس بذلك غَيره إِلَّا عَورَة أَو مَظَنَّة شَهْوَة وَلَا بقوله لغيره عافاك الله وَلَا بالمصافحة (وَلم يُجَاوز فِي اغتسال حَاجته) أَي يجب على المغتسل فِيهِ أَن يقْتَصر فِي صب المَاء على قدر حَاجته فَلَا يجوز لَهُ أَن يزِيد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ الْمَأْذُون فِيهِ بِقَرِينَة الْحَال وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ لَو علمهَا الحمامي لكرهها لاسيما المَاء الْحَار فَلهُ مُؤنَة وَفِيه تَعب وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَن يُقيم فِيهِ أَكثر مِمَّا جرت الْعَادة بِهِ لعدم الْإِذْن اللَّفْظِيّ والعرفي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب التَّيَمُّم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ لُغَة الْقَصْد وَشرعا إِيصَال التُّرَاب إِلَى الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بشرائط مَخْصُوصَة وَهُوَ من خَصَائِص هَذِه الْأمة وَهُوَ رخصَة وَقيل عَزِيمَة وَقيل إِن كَانَ لفقد المَاء فعزيمة أَو لعذر فرخصة وَالْأَصْل فِيهِ قبل الأجماع قَوْله تَعَالَى {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر} الْآيَة وَخبر مُسلم (جعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا وتربتها طهُورا) وَغَيره من الْأَخْبَار الأتي بَعْضهَا فِي الْبَاب (تيَمّم الْمُحدث أَو من أجنبا) أَي تيَمّم الْمُحدث حَدثا أَصْغَر أَو أكبر من حيض أَو نِفَاس أَو ولادَة وَالْجنب أما الْمُحدث فبالاجماع وَأما الْجنب فَلَمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عمار بن يَاسر وَغَيره فَقَوله أَو من أجنبا من عطف الْخَاص على الْعَام وَاقْتصر على الْمُحدث وَالْجنب لِأَنَّهُمَا الأَصْل وَمحل النَّص وَإِلَّا فالمأمور بِغسْل مسنون يتَيَمَّم لَهُ ايضا وَالْقِيَاس كَمَا قَالَه جمع من الْمُتَأَخِّرين أَن الْوضُوء الْمسنون كَذَلِك ويمم الْمَيِّت أَيْضا وَخرج بِمَا ذكره الْمُتَنَجس فَلَا تيَمّم للنَّجَاسَة لِأَن التَّيَمُّم رخصَة فَلَا تتجاوز مَحل وُرُودهَا (يُبَاح فِي حَال وَحَال وجبا) أَي تيَمّم من ذكر يُبَاح فِي حَال وَهُوَ وجود عذر يسوغه مَعَ قدرَة الْمُتَيَمم على أستعمال المَاء كقادر على شِرَاء المَاء وَحده يُبَاع بِأَكْثَرَ من ثمن مثله وَكَمن تيَمّم أول الْوَقْت وَقد علم أَو ظن وجود المَاء آخِره وَيجب فِي حَال وَهُوَ عجز الْمُتَيَمم عَن اسْتِعْمَال المَاء وَتيَمّم فِي كَلَامه مُبْتَدأ خَبره يُبَاح إِلَى آخِره وَألف أجننبا ووجبا للإطلاق (وَشَرطه) أَي تيَمّم (خوف من اسْتِعْمَال مَا) كَمَرَض أَو شدَّة برد أَو تلف نفس أَو عُضْو أَو مَنْفَعَة مَرضا مخوفا أَو زِيَادَة التألم وَإِن لم تزد الْمدَّة أَو بطء برْء وَإِن لم يزدْ الْأَلَم أَو شدَّة الضنى أَو بَقَاء شنن فَاحش فِي عُضْو ظَاهر لقَوْله تَعَالَى فِي الْمَرَض {وَإِن كُنْتُم مرضى} الْآيَة أَي حَيْثُ خِفْتُمْ من أستعمال المَاء مَا ذكر والشين الْأَثر المستكره من تغير لون أَو نحول أَو استحشاف وثغرة تبقى ولحمة تزيد وَالظَّاهِر مَا يَبْدُو عِنْد المهنة غَالِبا كالوجه وَالْيَدَيْنِ وَيعْتَبر فِيمَا ذكره أَن يُخبرهُ بِهِ طَبِيب مُسلم بَالغ عدل عَارِف أَو يعلم ذَلِك بِنَفسِهِ وَإِلَّا فَلَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم وَخرج بِمَا ذكر مَا لَو خَافَ شَيْئا يَسِيرا أَو قبيحا فِي عُضْو بَاطِل أَو تألم فِي الْحَال أَو مَرضا يَسِيرا كالصداع فَإِنَّهُ لَا يتَيَمَّم لوُجُود المَاء وَعدم الضَّرَر الشَّديد (أَو فقد مَاء فَاضل عَن الظما) أَي وَشرط التَّيَمُّم أَيْضا فقد مَاء فَاضل عَن الظمأ حسا أَو شرعا بِأَن يتوهمه فَوق حد الْغَوْث أَو يتيقنه فَوق
(1/61)

حد الْقرب أَو يخَاف من طلبه فَوت نفس أَو عُضْو أَو منفعَته أَو مَال أَو وَقت أَو أنقطاعا عَن رفْقَة أَو وجد مَاء مسبلا للشُّرْب أَو يُبَاع بِأَكْثَرَ من ثمن مثله فِي ذَلِك الزَّمَان وَالْمَكَان أَو بِثمن مثله وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ لشراء ستْرَة اَوْ لدين أَو مُؤنَة سفر أَو حَيَوَان مُحْتَرم أَو ملكه وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى ثمنه لذَلِك أَو إِلَيْهِ لعطش حَيَوَان مُحْتَرم من نَفسه وَغَيره حَالا أَو مَآلًا وَخرج بالمحترم وَغَيره كمرتد وكلب عقور (دُخُول وَقت) أَي وَشَرطه دُخُول وَقت مَا يتمم لَهُ سَوَاء كَانَ فرضا وَلَو نذرا أَو نفلا لِأَن التَّيَمُّم طَهَارَة ضَرُورَة وَلَا ضَرُورَة قبل الْوَقْت فَلَو نقل التُّرَاب قبله وَمسح بِهِ الْوَجْه بعده لم يَصح وَكَذَا لوشك هَل نقل قبله أَو فِيهِ وَإِن تبين أَنه نقل فِيهِ فَيصح التَّيَمُّم للثَّانِيَة فِي جمع التَّقْدِيم وَقت الأولى عقب فعلهَا فَلَو دخل وَقت الثَّانِيَة قبل أَن يُصليهَا بَطل التَّيَمُّم بِخِلَاف مَا لَو تيَمّم لفائتة قبل وَقت الْحَاضِرَة فَإِنَّهَا تُبَاح بِهِ لِأَنَّهُ استباح انوى فاستباح غَيره بَدَلا وَهنا لم يستبح مَا نوى بِالصّفةِ الَّتِي نوى فَلم يستبح غَيره وَيتَيَمَّم للأولى فِي جمعع التَّأْخِير فِي وَقتهَا أَو فِي وَقت الثَّانِيَة وَيتَيَمَّم للفائتة بعد تذكرها وَيصِح التَّيَمُّم فِي وَقت الْكَرَاهَة للمؤقتة وَذَات السَّبَب أَيْضا لَا للنافلة الْمُطلقَة وَلَا يبطل تيممها بِدُخُول وَقت الْكَرَاهَة (وسؤال ظَاهر لفاقد المَاء) أَي شَرطه فقد المَاء [بِأَن يَطْلُبهُ فِي الْوَقْت بِنَفسِهِ أَو مأذونه إِذا لم يتَيَقَّن عَدمه لقَوْله تَعَالَى {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} وَلَا يُقَال لم يجد إِلَّا بعد الطّلب أما إِذا تَيَقّن عَدمه فَلَا طلب لِأَنَّهُ عَبث فَإِن جوز وجوده فِي شَيْء وَجب عَلَيْهِ طلبه مِنْهُ كَأَن يفتش رَحْله وَينظر موَالِيه يَمِينا وَشمَالًا وأماما وخلفا ويتأمل مَوضِع الخضرة وَالطير إِن كَانَ بمستو وَإِلَّا تردد إِلَى حد الْغَوْث وَهُوَ مَا يلْحقهُ فِيهِ غوث الرفاق مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من التشاغل بِأَشْغَالِهِمْ والتفاوض فِي أَقْوَالهم وَعبر عَنهُ فِي الشَّرْح الصَّغِير بغلوة سهم وَيعْتَبر فِي سُؤَاله كَونه ظَاهرا بِأَن يُنَادى فِي رفْقَة منزله الْمَنْسُوب إِلَيْهِ نِدَاء يعمهم إِلَّا أَن يضيق وَقت الصَّلَاة من مَعَه مَاء أَو من يجود بِالْمَاءِ أَو من يَبِيع المَاء وَلَا يجب أَن يطْلب من كل وَاحِد بِعَيْنِه وَلَو أذن الرّفْقَة لثقة يطْلب لَهُم كفى وَإِن تيقنه لزمَه طلبه إِن كَانَ بِحَدّ الْقرب وَهُوَ مَا يَقْصِدهُ الرّفْقَة للاحتطاب وَنَحْوه وَإِلَّا فَلَا وَلَو تيقنه آخر الْوَقْت وَلَو فِي منزله فانتظاره أفضل أَو جوز وجوده فتعجيل التَّيَمُّم أفضل كمريض ينْتَظر الْقُدْرَة وعار ينْتَظر الستْرَة واما الْمُقِيم فَعَلَيهِ أَن يسْعَى وَإِن خرج الْوَقْت وَلَا تيَمّم وَلَا ينْتَظر مُزَاحم على بِئْر أَو ثوب أَو مقَام نوبَة علم أَنَّهَا لَا تصل إِلَيْهِ بعد الْوَقْت بل يصلى فِيهِ بِتَيَمُّم أَو عَارِيا أَو قَاعِدا وَلَا إِعَادَة وَلَو كَانَ مَعَه ثوب مُتَنَجّس وَلَو اشْتغل بِغسْلِهِ لخرج الْوَقْت لزمَه غسله وَالصَّلَاة بعد الْوَقْت وَلَا يُصَلِّي عَارِيا وَلَو وجد مَاء لَا يَكْفِيهِ وَجب اسْتِعْمَاله ثمَّ تيَمّم للْبَاقِي ويراعى الْمُحدث التَّرْتِيب لَاذَ وَالْحَدَث الْأَكْبَر وأعضاء الْوضُوء أولى وَلَو لم يجد إِلَّا ثلجا أَو برد لَا يقدر على أذابته لم يلْزمه اسْتِعْمَاله وَلَو لم يجد إِلَّا تُرَابا لَا يَكْفِيهِ وَجب اسْتِعْمَاله وَلَو لم يجد إلاثمن بعض المَاء لزمَه شِرَاؤُهُ وَمن وجد مَاء يغسل بعض نجاسات بِهِ وَجب عَلَيْهِ غسله وَلَو وجد من عَلَيْهِ حدث ونجاسة مَاء يكفى أَحدهمَا تعين للنَّجَاسَة وَوَجَب غسلهَا قبل التَّيَمُّم وَأما إِذا تيَمّم لمَرض أَو نَحوه فَلَا طلب (وترب طَاهِر) أَي شَرط التَّيَمُّم كَونه بِتُرَاب طَاهِر لقَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} أَي تُرَابا طَاهِرا كَمَا فسره ابْن عَبَّاس وَغَيره والطاهر هُنَا بِمَعْنى الطّهُور لما سيأتى من أَنه لَا يَصح التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ الْمُسْتَعْمل وَسَوَاء فِي التُّرَاب الأعفر والأصفر وَالْأسود والأحمر والسبخ وَهُوَ الَّذِي لَا ينْبت وَمَا يداوي بِهِ كالطين الإرمنى بِكَسْر الْهمزَة (وَلَو) كَانَ التُّرَاب (غُبَار الرمل) لِأَنَّهُ من طَبَقَات الأَرْض وَالتُّرَاب جنس لَهُ وَخرج بِالتُّرَابِ غَيره كمعدن وسحاقة خزف وَلَو قَلِيل مختلطا بِالتُّرَابِ وبالطاهر الْمُتَنَجس بِأَن أَصَابَهُ مَائِع نجس فَلَا يَصح التَّيَمُّم بِشَيْء مِنْهَا لما مر (لَا مُسْتَعْملا) أَي لَا إِن كَانَ التُّرَاب مُسْتَعْملا
(1/62)

(مُتَّصِلا بالعضو) الْمَمْسُوح (أَو مُنْفَصِلا) عَنهُ بعد إِصَابَته فَلَا يَصح التَّيَمُّم بِهِ كَالْمَاءِ لِأَنَّهُ قد تأدى بِهِ فرض فانتقل إِلَيْهِ الْمَنْع بِخِلَاف مَا انْفَصل وَلم يصب الْعُضْو وَيُؤْخَذ من حصر الْمُسْتَعْمل فِيمَا ذكره جَوَاز تيَمّم الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة من تُرَاب يسير مَرَّات كَثِيرَة وَلَا مَانع مِنْهُ وَمن شُرُوطه إِسْلَام الْمُتَيَمم لَا فِي كِتَابِيَّة انْقَطع حَيْضهَا أَو نفَاسهَا ليحل وَطْؤُهَا وتمييزه لَا فِي مَجْنُونَة لتحل لواطىء وَعدم الْحيض وَالنّفاس لَا فِي تيَمّم مسنون لَا حرَام وَنَحْوه وَعدم مَا يمْنَع وُصُول التُّرَاب إِلَى الْبشرَة وَتَقْدِيم الِاسْتِنْجَاء وَإِزَالَة النَّجَاسَة عَن بدنه وَلَو فِي غير أَعْضَاء التَّيَمُّم وَتَقْدِيم الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة على رَأْي مَرْجُوح (وفرضه) أَي التَّيَمُّم فَهُوَ مُفْرد مُضَاف لمعْرِفَة فَيعم أَي فروضه سِتَّة كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَغَيره وَزَاد فِي أصل الرَّوْضَة كالوجيز التُّرَاب وَجعل فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ الْقَصْد شرطا قَالَ الرَّافِعِيّ وحذفهما جمَاعَة وَهُوَ أولى إِذْ لَو حسن عد التُّرَاب ركنا لحسن عد المَاء ركنا فِي الطُّهْر بِهِ وَأما الْقَصْد فداخل فِي النَّقْل الْوَاجِب قرب النِّيَّة بِهِ أهم أَولهَا (نقل التُّرَاب) بِنَفسِهِ أَو مأذونه وَلَو بِلَا عذر حَيْثُ كَانَ لَهُ غُبَار إِلَى عُضْو تيَمّمه لقَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} أَي اقصدوه بِأَن تنقلوه إِلَى الْعُضْو فَلَو كَانَ بعضوه تُرَاب فردده عَلَيْهِ لم يكف وَإِن قصد بوقوفه فِي مهب الرّيح التَّيَمُّم لانْتِفَاء الْقَصْد بِانْتِفَاء النَّقْل الْمُحَقق لَهُ وَلَو أحدث بَين نَقله وَالْمسح بَطل وَعَلِيهِ النَّقْل ثَانِيًا بِخِلَاف نَظِيره فِي الْوضُوء وَفِيمَا لَو نقل مَا دونه لعدم وجوب نقل المَاء فِي الأولى وَعدم وجوب الْقَصْد الْحَقِيقِيّ مِنْهُ فِي الثَّانِيَة فَصَارَ فِيهَا كَمَا لَو أكتراه ليحج عَنهُ ثمَّ جَامع فِي زمن إِحْرَام الْأَجِير لَا يفْسد حجه ذكره القَاضِي و (لَو نقل) التُّرَاب (من وَجهه لليد) بِأَن حدث عَلَيْهِ بعد مَسحه أَي الْوَجْه (أَو بِالْعَكْسِ) أَي نَقله من يَده إِلَى وَجهه (حل) أَي جَازَ وَصَحَّ كَمَا لَو نَقله من غير عُضْو التَّيَمُّم وَكَذَا لَو أَخذه من الْعُضْو ثمَّ رده إِلَيْهِ أَو نَقله من إِحْدَى يَدَيْهِ إِلَى الْأُخْرَى يكفى فِي الْأَصَح (و) ثَانِيهَا (قَصده) أَي الْمُتَيَمم التُّرَاب لما مر وَثَالِثهَا (نِيَّة استباح فرض) من صَلَاة وَطواف (أَو) اسْتِبَاحَة (الصَّلَاة) المسنونة أَو غَيرهَا مِمَّا يفْتَقر إِلَى التَّيَمُّم كمس مصحف بِخِلَاف مَا لَو نوى رفع الْحَدث أَو فرض التَّيَمُّم ثمَّ إِن نوى بِهِ فرضا أَو نفلا أَو فروضا استباح الْفَرْض وَالنَّفْل قبل الْفَرْض وَبعده فِي الْوَقْت وَبعده والفائتة والحاضرة والمعينة وَغَيرهَا فَإِن عين وَأَخْطَأ كمن نوى فَائِتَة وَلَا شَيْء عَلَيْهِ أَو ظهرا وَعَلِيهِ عصر لم يَصح وَإِن نوى نفلا أَو الصَّلَاة استباح النَّفْل لَا الْفَرْض على الْمَذْهَب وَلَو نوى نَافِلَة مُعينَة أَو صَلَاة جَنَازَة جَازَ لَهُ فعل غَيرهَا من النَّوَافِل مَعهَا وَله نِيَّة النَّفْل صَلَاة الْجِنَازَة فِي الْأَصَح وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر وَمَسّ الْمُصحف وَحمله لِأَن النَّفْل آكِد مِنْهَا وَلَو نوى اسْتِبَاحَة مس الْمُصحف أَو حمله وَلَو بدار كفر أَو مفازة وضطر إِلَى حمله أَو سُجُوده تِلَاوَة أَو شكر أَو مُنْقَطِعَة حيض أَو نِفَاس اسْتِبَاحَة الْوَطْء أَو ذُو الْحَدث الْأَكْبَر اسْتِبَاحَة الأعتكاف أَو قِرَاءَة الْقُرْآن استباح مَا نوى لَا نَحْو اسْتِبَاحَة فرض أَو نفل وَوقت النِّيَّة أول الْأَركان وَهُوَ نقل التُّرَاب وَالْمرَاد بِهِ الضَّرْب كَمَا فِي الْمَجْمُوع والكفاية ووجودها أَيْضا عِنْد مسح شَيْء من الْوَجْه وَإِن غربت بَينهمَا وَهُوَ مُرَاد من عبر باستدامها إِلَيْهِ لِأَن اول الْأَركان فِي التَّيَمُّم مَقْصُود بِغَيْرِهِ بِخِلَافِهِ فِي الْوضُوء (و) رَابِعهَا (انمساح الْوَجْه) أَي وَجه الْمُتَيَمم وَظَاهر لحيته وَإِن خرج عَن حد الْوَجْه وَلَو بِغَيْر يَده بِأَن يستوعبه بِالْمَسْحِ حَتَّى مَا يقبل من أَنفه على شفته لقَوْله تَعَالَى {فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ} لَا المنبت للشعر وَإِن خف أَو نزر فَلَا يجب إِيصَال التُّرَاب إِلَيْهِ وَلَا ينْدب لما فِي فِيهِ من الْمَشَقَّة (و) خَامِسهَا انمساح (الْيَدَيْنِ مَعَ مرفق) أَي مرفقيه لآيَة التَّيَمُّم وَقد صَحَّ عَنهُ صلى
(1/63)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه مسح وَجهه وذراعيه قَالَ الشَّافِعِي هَذَا الْخَبَر هُوَ الَّذِي منعنَا أَن نَأْخُذ بِرِوَايَة عمار فِي الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ (و) سادسها أَن الْمُتَيَمم (رتب المسحين) أَي مسحى الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَلَو فِي التمعك) كَمَا فِي الْوضُوء وَإِن كَانَ حَدثهُ أكبر وَخرج بالمسحين النقلان فَلَا يجب التَّرْتِيب بَينهمَا إِذْ الْمسْح أصل وَالنَّقْل وَسِيلَة وَلَو ضرب بيدَيْهِ على التَّرْتِيب وَمسح بِالثَّانِيَةِ وَجهه وبالأولى يَده جَازَ وَلما أنهى الْكَلَام على معتبرات التَّيَمُّم شرع فِي ذكر بعض مسنوناته فَقَالَ (وَسن) للمتيمم (تفريج) لأصابعه وَفِي بعض النّسخ تَفْرِيق أول كل ضَرْبَة لِأَنَّهُ أبلغ فِي إثارة الْغُبَار فَلَا يحْتَاج إِلَى الزِّيَادَة على الضربتين وَالْغُبَار الْحَاصِل فِي الأولى بَين الْأَصَابِع لَا يمْنَع صِحَة التَّيَمُّم وَإِن منع وُصُول الْغُبَار فِي الثَّانِيَة إِذْ لَو اقْتصر على التَّفْرِيج فِي الأولى أَجزَأَهُ فحصول التُّرَاب الثَّانِي إِن لم يزدْ الأول قُوَّة لم ينقصهُ وَأَيْضًا الْغُبَار على الْمحل لَا يمْنَع الْمسْح بِدَلِيل أَن من غشيه غُبَار السّفر لَا يُكَلف نفضه للتيمم كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ وَقَول الْبَغَوِيّ يُكَلف نفض التُّرَاب مَحْمُول على تُرَاب يمْنَع وُصُول التُّرَاب إِلَى الْمحل (و) سنّ لَهُ (أَن يبسملا) أول التَّيَمُّم وَلَو جنبا اَوْ حَائِضًا أَو نفسَاء كَمَا فِي الْوضُوء والف يبسملا للاطلاق (وَقدم الْيُمْنَى) أَي وَسن لَهُ تَقْدِيم الْيُمْنَى على الْيَسَار وَأَعْلَى وَجهه على أَسْفَله كَمَا فِي الْوضُوء وَيسن إِذا مسح الْيُمْنَى أَن يضع أَصَابِع الْيُسْرَى سوى الْإِبْهَام على ظُهُور أَصَابِع الْيُمْنَى سوى الْإِبْهَام بِحَيْثُ لَا يخرج أنامل الْيُمْنَى عَن مسبحه الْيُسْرَى وَلَا تجازو مسبحة الْيُمْنَى أَطْرَاف أنامل الْيُسْرَى ويمرها على ظهر الْكَفّ الْيُمْنَى فَإِذا بلغ الْكُوع ضم أَطْرَاف أَصَابِعه على حرف الذِّرَاع ويمرها إِلَى الْمرْفق ثمَّ يُدِير بطن كَفه إِلَى بطن الذِّرَاع ثمَّ يمرها عَلَيْهِ وإبهامه مَرْفُوعَة فَإِذا بلغ الْكُوع أَمر إِبْهَام الْيُسْرَى على إِبْهَام الْيُمْنَى ثمَّ يفعل باليسرى كَذَلِك ثمَّ يمسح إِحْدَى الراحتين بِالْأُخْرَى ندبا لَا وجوبا لتادى فرضهما بضربهما بعد مسح الْوَجْه وَإِنَّمَا جَازَ مسح الذراعين بترابهما لعدم اتِّصَاله وللحاجة إِذْ لَا يُمكن مسح الذِّرَاع بكفها فَصَارَ كنقل المَاء من بعض الْعُضْو إِلَى بعضه ذكر فِي الْمَجْمُوع وَمرَاده بِنَقْل المَاء تقاذفه الَّذِي يغلب كَمَا عبر بِهِ الرَّافِعِيّ حَيْثُ قَالَ وَإِنَّمَا يثبت للمتناثر حكم الِاسْتِعْمَال إِذا انْفَصل بِالْكُلِّيَّةِ وَأعْرض الْمُتَيَمم عَنهُ لعسر إيصاله إِلَى الْعُضْو فيعذر فِي رفع الْيَدَيْنِ وردهما كَمَا فِي رد المتقاذف الَّذِي يغلب فِي المَاء (وخلل) أَي وَيسن لَهُ أَن يخلل بَين أَصَابِع يَدَيْهِ بالتشبيك كَمَا فِي الْوضُوء وَيجوز فِي كل من قدم وخلل أَن يكون مَاضِيا وفاعله الْمُتَيَمم وَأَن يكون أمرا (والولا) أَي وَيسن لَهُ الْوَلَاء بَين المسحتين كَمَا فِي الْوضُوء بِتَقْدِير التُّرَاب مَاء وَبَين التَّيَمُّم وَالصَّلَاة خُرُوجًا من خلاف من أوجبه وَيجب الْوَلَاء فِي تيَمّم دَائِم الْحَدث ووضوئه (وَنزع خَاتم لأولى يضْرب) أَي يسن ذَلِك ليَكُون مسح جَمِيع الْوَجْه بِجَمِيعِ الْيَد اتبَاعا للسّنة وَيجوز فِي يضْرب كَونه مَبْنِيا للْفَاعِل أَي يضْرب بهَا الْمُتَيَمم فَيكون بمثناة تحتية وَهُوَ أنسب بآخر الْبَيْت وَكَونه مَبْنِيا للْمَفْعُول ونائب الْفَاعِل ضمير يعود على الأولى فَيكون بمثناة فوقية (أما لثاني ضَرْبَة فَيجب أَي أما نَزعه فِي الضَّرْبَة الثَّانِيَة فَيجب ليصل التُّرَاب إِلَى مَحَله وَلَا يكفى تحريكه بِخِلَافِهِ فِي الْوضُوء لِأَن التُّرَاب لَا يدْخل تَحْتَهُ بِخِلَاف المَاء فايجاب النزع إِنَّمَا هم عِنْد الْمسْح لَا عِنْد الضَّرْب كَمَا نبه عَلَيْهِ السُّبْكِيّ وَاللَّام فِي الثَّانِي ضَرْبَة يَصح كَونه للتَّعْلِيل وَبِمَعْنى فِي وَعند وَبعد أَي بعد الضَّرْبَة الثَّانِيَة عِنْد الْمسْح فَيكون موفيا بِمَا نبه عَلَيْهِ السبكى وَمن سنَنه تَخْفيف التُّرَاب وَعدم الزِّيَادَة على ضربتين وإدامة يَده على الْعُضْو حَتَّى يفرغ من مَسحه وإمرار التُّرَاب على الْعَضُد تَطْوِيلًا للتحجيل وإتيانه بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ مَا بعدهمَا كَمَا فِي الْوضُوء وَالْغسْل (آدابه) هُوَ من إِطْلَاق الْجمع على الْوَاحِد مجَازًا (الْقبْلَة أَن يستقبلا) أَي الْمُتَيَمم لشرفها كَالْوضُوءِ (مكروهه) أَي التَّيَمُّم (الترب الْكثير اسْتِعْمَالا) لِأَنَّهُ
(1/64)

يشوه الْخلقَة إِذْ السّنة تَخْفيف الْغُبَار بِأَن ينفضه إِن كَانَ كثيرا أَو ينفخه بِحَيْثُ لَا يبْقى إِلَّا قدر الْحَاجة وَأَن لَا يُكَرر الْمسْح وَيكرهُ لَهُ الزِّيَادَة على مَسحه وَاحِدَة للْوَجْه وَوَاحِدَة لِلْيَدَيْنِ وَألف يستقبلا واستعملا للإطلاق وَيصِح بِنَاء كل مِنْهُمَا للْفَاعِل وَهُوَ الْمُتَيَمم وللمفعول وَهُوَ الْقبْلَة فِي الأول فَيكون بمثناة فوقية والترب فِي الثَّانِي والترب لُغَة فِي التُّرَاب (حرَامه) أَي التَّيَمُّم (تُرَاب مَسْجِد) وَهُوَ الدَّاخِل فِي وَقفه تَعْظِيمًا لَهُ لَا لمجتمع فِيهِ من ريح وَنَحْوه (وَمَا فِي الشَّرْع الِاسْتِعْمَال مِنْهُ حرما) كمغصوب ومسروق لما فِيهِ من اسْتِعْمَال ملك غَيره بِغَيْر إِذْنه وَيُؤْخَذ من كَلَامه صِحَة التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ الْمَذْكُور وَإِن حرم اسْتِعْمَاله لِإِضَافَتِهِ حرَام لضمير التَّيَمُّم وَهُوَ كَذَلِك وَحِينَئِذٍ فَقَوله وَمَا فِي الشَّرْع إِلَى آخِره من عطف الْعَام على الْخَاص فَإِن تُرَاب الْمَسْجِد مِمَّا حرم الشَّارِع اسْتِعْمَاله وَألف حرما للإطلاق وَيصِح بِنَاؤُه للْفَاعِل وللمفعول ثمَّ شرع فِي ذكره مَا يبطل التَّيَمُّم فَقَالَ (مبطله مَا ابطل الْوضُوء) من الْأَسْبَاب السَّابِقَة وَيزِيد على ذَلِك أَنه يبطل (مَعَ توهم المَاء) بِأَن وَقع فِي وهم الْمُتَيَمم أَي ذهنه وجوده بِأَن جوزه وَإِن زَالَ سَرِيعا أَو لم يكفه المَاء كَأَن سمع قَائِلا يَقُول عِنْدِي مَاء أَو دعنيه فلَان أَو مَاء نجس أَو مَاء ورد بِخِلَاف مَا لَو قَالَ عِنْدِي لفُلَان مَاء وَهُوَ يعلم غيبته وَقَول الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى أوضاق الْوَقْت ظَاهِرَة إِن ضيق الْوَقْت كَاف فِي بطلَان التَّيَمُّم بالتوهم مَعَ أَنه إِنَّمَا يبطل بِهِ إِذا اتَّسع الْوَقْت وَلَا بُد أَن يكون ذَلِك (بِلَا شَيْء منع) أَي بِلَا مَانع حسي أَو شَرْعِي وَأَن يكون (قبل ابتدا) بِالْقصرِ للوزن (الصَّلَاة) بِأَن لم يفرغ من تَكْبِيرَة الْإِحْرَام لوُجُوب الطّلب حِينَئِذٍ وَلِأَنَّهُ لم يشرع فِي الْمَقْصُود فَصَارَ كَمَا لَو توهمه فِي أثْنَاء تيَمّمه وَهَذَا بِخِلَاف توهمه الستْرَة لعدم وجوب طلبَهَا وَفهم من كَلَامه بطلَان التَّيَمُّم بتيقن المَاء وبالأولى وَخرج بقوله بِلَا شَيْء منع مَا لَو اقْترن بمانع من اسْتِعْمَاله كعطش وَسبع يحول بَينه وَبَينه وَسَمَاع من يَقُول أودعني فلَان وَهُوَ يعلم غيبته فَلَا يبطل التَّيَمُّم حِينَئِذٍ وَبِقَوْلِهِ قبل ابْتِدَاء الصَّلَاة مَا لَو شرع فِيهَا فَلَا يبطل تيَمّمه بتوهم وَلَا شكّ وَلَا ظن وَقد ذكر حكم الْيَقِين فِي قَوْله (أما فِيهَا) يَعْنِي إِن تَيَقّن الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال المَاء فِي الصَّلَاة فرضا كَانَت أَو نفلا بِأَن تَيَقّن وجوده إِن تيَمّم لفقده أَو حصل الشِّفَاء إِن تيَمّم لمَرض أَو نَحوه يبطل التَّيَمُّم إِن وَجب عَلَيْهِ قَضَاء فَرضهَا كَمَا أَفَادَهُ بقوله (فَمن عَلَيْهِ وَاجِب يَقْضِيهَا أبطل) بِأَن تيَمّم الأول بِموضع ينْدر فِيهِ فقد المَاء كالحضر وَالثَّانِي لبرد أَو كَانَ بجرحه دم كثير أَو وضع السَّاتِر على حدث أَو عُضْو تيَمّم كَمَا يَأْتِي أَو نَحْو ذَلِك إِذْ لَا فَائِدَة فِي استمراره فِيهَا حِينَئِذٍ وأبطل يَصح كَونه مَاضِيا مَبْنِيا للْفَاعِل وَهُوَ ضمير يعود على التيقن الَّذِي قدرته ومفعوله ضمير يعود على التَّيَمُّم أَي أبطل تَيَقّن الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال المَاء تيَمّم الْمُتَيَقن أَو مُبينًا للْمَفْعُول وَهُوَ التَّيَمُّم وَيصير التَّقْدِير إِمَّا تيَمّم مُتَيَقن الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال المَاء فِيهَا إِلَى قَوْله أبطل أَي التَّيَمُّم أَو أَمر اي إِمَّا تيَمّم الْمُتَيَقن الْمَذْكُور فأبطله أَنْت (وَإِلَّا لَا) بِأَن لم يجب عَلَيْهِ قَضَاء فَرضهَا بِأَن تيَمّم الأول بِموضع يكثر فِيهِ فقد المَاء كالسفر وَالثَّانِي لغير ذَلِك فَلَا يبطل تيَمّمه لتلبسه بِالْمَقْصُودِ بِلَا مَانع من استمراره فِيهِ كوجود الْمُكَفّر الرَّقَبَة فِي الصَّوْم وَلِأَن إحباط الصَّلَاة أَشد ضَرَرا عَلَيْهِ من تَكْلِيفه شِرَاء المَاء بِزِيَادَة يسيرَة وَيبْطل تيَمّمه بسلامه من صلَاته وَإِن علم تلفه قبله لِأَنَّهُ ضعف بِوُجُود المَاء وَكَانَ مُقْتَضَاهُ بطلَان الصَّلَاة الَّتِي هُوَ فِيهَا وَلَكِن بَقَاؤُهَا لحرمتها وَاعْلَم أَنه لَا يتَوَهَّم أَن النَّاظِم توسع بِحَذْف الْفَاء من قَوْله وَإِلَّا لَا إِذْ الْإِتْيَان فِيهِ بِالْفَاءِ جَائِز لَا وَاجِب (وَلَكِن أفضل إِبْطَالهَا كي بِالْوضُوءِ تفعل) أَي الْأَفْضَل قطعهَا ليتوضأ وَيُصلي بدلهَا لإتمامها فرضا كَانَت أَو نفلا
(1/65)

كوجود الْمُكَفّر الرَّقَبَة فِي أثْنَاء الصَّوْم وللخروج من خلاف من حرم إِتْمَامهَا وَيحرم قطع فَرِيضَة ضَاقَ وَقتهَا لِئَلَّا يُخرجهَا أَو بَعْضهَا عَنهُ مَعَ إِمْكَان أَدَائِهَا فِيهِ وَلَا يشكل عدم الْبطلَان فِيمَا ذكر ببطلانها فِيمَا لَو قلد الْأَعْمَى غَيره فِي الْقبْلَة ثمَّ أبْصر فِي الصَّلَاة مَعَ زَوَال الضَّرُورَة فيهمَا لِأَنَّهُ هُنَا قد فرغ من الْبَدَل وَهُوَ التَّيَمُّم بِخِلَافِهِ هُنَاكَ فَإِنَّهُ مَا دَامَ فِي الصَّلَاة فَهُوَ مقلد وَلم يمم ميت وَصلى عَلَيْهِ ثمَّ وجد المَاء وَجب غسله وَالصَّلَاة عَلَيْهِ سَوَاء أَكَانَ فِي أثْنَاء الصَّلَاة أم بعْدهَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ ثمَّ قَالَ وَيحْتَمل أَن لَا يجب وَمَا قَالَه فِي الْحَضَر أما فِي السّفر فَلَا يجب شَيْء من ذَلِك كالحي جزم بِهِ ابْن سراقَة فِي تلقينه لكنه فرصه فِي الوجدان بعد الصَّلَاة فَعلم أَن صَلَاة الْجِنَازَة كَغَيْرِهَا وَأَن تيَمّم الْمَيِّت كتيمم الْحَيّ وَمن نوى شَيْئا أئمنه وَإِن لم ينْو اقْتصر وجوبا على رَكْعَتَيْنِ فَإِن رَآهُ فِي ثالثه مثلا اتمها وَلَو رَأَتْ حَائِض المَاء وَهُوَ يُجَامِعهَا وَجب النزع لَا إِن رَآهُ هُوَ وَلَو رأه مُسَافر قَاصِر فَنوى الأقامة أَو الْإِتْمَام بطلت صلَاته وَعلم مِمَّا قَرَّرْنَاهُ عدم صِحَة حمل قَول النَّاظِم أما فِيهَا على توهم المَاء كَمَا سبق إِلَى بعض الأوهام من ظَاهِرَة وَيدل لتقريرنا تَقْيِيده بطلَان التَّيَمُّم بتوهم المَاء بِمَا قبل ابْتِدَاء الصَّلَاة (وردة تبطل) التَّيَمُّم (لَا التوضى) وَالْغسْل فَلَا تبطلهما لِأَن التَّيَمُّم للْإِبَاحَة وَلَا إِبَاحَة مَعَ الرِّدَّة وَالْوُضُوء وَالْغسْل يرفعان الْحَدث (جدد) أَنْت وجوبا (تيمما لكل فرض) صَلَاة أَو طَوافا أَو نذرا لقَوْله تَعَالَى {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} إِلَى قَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا} فَاقْتضى وجوب الطُّهْر لكل صَلَاة خرج الْوضُوء بِالسنةِ فبقى التَّيَمُّم على مُقْتَضَاهُ لما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عمر أَنه قَالَ تيَمّم لكل صَلَاة وَإِن لم يحدث وَلِأَنَّهُ طَهَارَة ضَرُورَة فيتقدر بِقَدرِهَا أما تَمْكِين الْحَائِض مرَارًا وجمعة مَعَ فرض آخر بِتَيَمُّم فَإِنَّهُمَا جائزان وَخرج بِفَرْض النَّفْل فيستبيح مَعَه بِالتَّيَمُّمِ مَا شَاءَ وَصَلَاة الْجَنَائِز كالنفل وَأَن تعيّنت وَله جمع الطّواف الْوَاجِب مَعَ ركعتيه بِتَيَمُّم لَا الْجُمُعَة وخطبتيها وَلَو صلى بِتَيَمُّم فرضا وأعادة بِهِ وَلَو وجوبا جَازَ فِي الْأَصَح (يمسح ذُو جبيرَة بِالْمَاءِ مَعَ تيَمّم) أَي أَن صَاحب الْجَبِيرَة يمسحها جَمِيعهَا بِالْمَاءِ إِذا كَانَت أَعْضَاء الطُّهْر وَمثلهَا اللصوق حِين يغسل الْمُحدث حَدثا أَصْغَر العليل فَلَا ينْتَقل عَن عُضْو حَتَّى يكمله غسلا ومسحا وتيمما عَنهُ ويمسحها ذُو الْحَدث الْأَكْبَر مَتى شَاءَ مَعَ تيَمّمه أما مسحها فَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مشجوج احْتَلَمَ واغتسل فَدخل المَاء شجته وَمَات (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصب رَأسه بِخرقَة ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَأما تعميمها بِهِ فَلِأَنَّهُ يمسح للضَّرُورَة كالتيمم وَفهم من تَقْيِيده بِالْمَاءِ أَنَّهَا لَو كَانَت فِي عُضْو التَّيَمُّم لم يجب مسحها بِالتُّرَابِ لِأَنَّهُ ضَعِيف فَلَا يُؤثر من فَوق حَائِل بِخِلَاف المَاء فَإِن تَأْثِيره فَوْقه مَعْهُود فِي الْخُف لكنه يسن خُرُوجًا من الْخلاف وَالتَّيَمُّم بدل غسل العليل وَمسح السَّاتِر لَهُ بدل عَن غسل مَا تَحت أَطْرَافه من الصَّحِيح كَمَا فِي التَّحْقِيق وَغَيره وَعَلِيهِ يحمل قَول الرَّافِعِيّ إِنَّه بدل عَمَّا تَحت الْجَبِيرَة وَقَضِيَّة ذَلِك أَنه لَو كَانَ السَّاتِر بِقدر الْعلَّة فَقَط أَو بأزيد غسل الزَّائِد كُله لَا يجب الْمسْح وَهُوَ ظَاهر فإطلاقهم وجوب الْمسْح جرى على الْغَالِب من أَن السَّاتِر يَأْخُذ زِيَادَة على مَحل الْعلَّة وَمَعْلُوم أَنه يجب غسل الصَّحِيح من أَعْضَاء الطُّهْر وَلَو مَا تَحت أَطْرَاف السَّاتِر من صَحِيح وَلَو بأجره فاضله عَمَّا مر فِي نَظِيره فِي الْوضُوء لِأَن عِلّة بعض الْعُضْو لَا تزيد على فَقده وَلَو فقد وَجب غسل الْبَاقِي (وَلم يعده إِن وضع على طَهَارَة) أَي أَن غسل الصَّحِيح وَمسح السَّاتِر وَصلى لَا يُعِيد مَا صلاه بذلك إِن وضع السَّاتِر على طهر كَامِل وَلم يَأْخُذ من الصَّحِيح إِلَّا مَا لَا بُد مِنْهُ للإستمساك وَخرج بذلك مَا لَو وَضعه على حدث فَيجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة لوُجُوب نَزعه عَلَيْهِ إِن لم يخف ضَرَرا ليتطهر فيضعه على طهر (وَلَكِن من على عُضْو تيَمّم لصوقا جعلا) أَي أَن من وضع الْجَبِيرَة أَو اللصوق على عُضْو تيَمّم ومسحه وَغسل الصَّحِيح وَتيَمّم كَمَا
(1/66)

مر وَصلى يجب عَلَيْهِ إِعَادَة مَا صلاه لنُقْصَان الْبَدَل والمبدل والجبيرة أَلْوَاح تهَيَّأ للكسر أَو الانخلاع واللصوق بِفَتْح اللَّام مَا كَانَ على جرح من قطنه أَو خرقَة أَو نَحْوهمَا (وجنبا خَيره) أى أَن العليل إِذا لم يكن عَلَيْهِ سَاتِر فَالْوَاجِب حِينَئِذٍ أَمْرَانِ غسل الصَّحِيح وَالتَّيَمُّم ثمَّ إِن كَانَ حَدثهُ أكبر خَيره بَين (أَن يقدما الْغسْل) على التَّيَمُّم (أَو يقدم التيمما) وَالْألف فيهمَا للإطلاق إِذْ لَا تَرْتِيب بَينهمَا لِأَن بدنه كعضو وَاحِد (وليتيم مُحدث إِذْ غسلاه عليله ثمَّ الْوضُوء كملا) أى أَنه إِن كَانَ حَدثهُ أَصْغَر وَجب عَلَيْهِ التَّيَمُّم وَقت غسل العليل رِعَايَة لترتيب الْوضُوء ثمَّ يكمل الْوضُوء وَالْأولَى فِي الْقسمَيْنِ تَقْدِيم التَّيَمُّم ليزيل المَاء أثر التُّرَاب وَأفهم كَلَامه أَنه لَو كَانَت الْعلَّة على أَكثر من عُضْو فِي الْوضُوء وَجب لكل عُضْو عليل تيَمّم وَقت غسله وَهُوَ كَذَلِك نعم اليدان كعضو وَالرجلَانِ كَذَلِك لانْتِفَاء وجوب التَّرْتِيب بَينهمَا وَيسن تعدد التَّيَمُّم لذَلِك قَالَ فِي الْمَجْمُوع فَإِن قيل إِذا كَانَت الْعلَّة فِي وَجهه وَيَديه وَغسل صَحِيح الْوَجْه أَولا جَازَ توالى تيممهما فَلم لَا يَكْفِيهِ تيَمّم وَاحِد كمن عَمت الْعلَّة أعضاءه فَالْجَوَاب أَن التَّيَمُّم هُنَا فِي طهر تحتم فِيهِ التَّرْتِيب فَلَو كَفاهُ تيَمّم وَاحِد حصل تَطْهِير الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ فى حَالَة وَاحِدَة وَهُوَ مُمْتَنع بِخِلَاف التَّيَمُّم عَن الْأَعْضَاء كلهَا لسُقُوط التَّرْتِيب بِسُقُوط الْغسْل اهو مَا قيل من أَن هَذَا الْجَواب لَا يُفِيد لِأَن حكم التَّرْتِيب بَاقٍ فِيمَا يُمكن غسله سَاقِط فِي غَيره فيكفيه تيَمّم وَاحِد عَن الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ رد بِأَن الطُّهْر فِي الْعُضْو الْوَاحِد لَا يتَجَزَّأ ترتيبا وَعَدَمه وَمن ثمَّ لَو عَمت الرَّأْس دون الثَّلَاثَة وَجب أَربع تيممات (وَإِن يرد من بعده فرضا وَمَا أحدث فَليصل إِن تيمما عَن حدث أَو عَن جَنَابَة) أى إِن يرد من غسل الصَّحِيح وَتيَمّم كَمَا مر وَصلى بِهِ فَرِيضَة فرضا آخر وَلم يحدث صَلَاة إِن أعَاد التَّيَمُّم وَحده وَمَا قيل إِنَّه لَو تعدد كَأَن تيَمّم فِي الأول أَربع تيممات أَعَادَهَا مُفَرع على مَرْجُوح وَلَا يُعِيد غسل الصَّحِيح سَوَاء كَانَ حَدثهُ أَصْغَر أم أكبر لِأَن الْوضُوء الْكَامِل لَا يُعَاد فَكَذَا بعضه وَلِأَن مَا غسله ارْتَفع حَدثهُ وناب التَّيَمُّم عَن غَيره فتم طهره وَإِنَّمَا أُعِيد التَّيَمُّم لضَعْفه عَن أَدَاء الْفَرْض لَا لبطلانه وَإِلَّا لم ينْتَقل بِهِ وَاللَّازِم بَاطِل بِخِلَاف إغفال اللمْعَة وَخرج بِالْفَرْضِ النَّفْل فَلَا يُعِيد لَهُ شَيْئا وَبِقَوْلِهِ وَمَا أحدث مَا إِذا أحدث فانه يُعِيد الطُّهْر كُله وَلَو غسل ذُو الْحَدث الْأَكْبَر الصَّحِيح وَتيَمّم عَن عِلّة فى غير أَعْضَاء الْوضُوء ثمَّ أحدث قبل أَن يصلى فرضا لزمَه الْوضُوء لَا التَّيَمُّم لِأَن تيَمّمه عَن غير أَعْضَاء الْوضُوء فَلَا يُؤثر فِيهِ الْحَدث وَلَو صلى فرضا ثمَّ أحدث تَوَضَّأ للنفل وَلَا يتَيَمَّم وَألف تيمما للاطلاق (وَقيل يُعِيد مُحدث لما بعد العليل) على مَا رَجحه الرافعى فانه لما وَجب إِعَادَة تَطْهِير عُضْو خرج ذَلِك الْعُضْو عَن كَونه تَامّ الطُّهْر فاذا أتمه وَجب إِعَادَة مَا بعده كَمَا لَو أغفل لمْعَة من وَجهه مثلا بِخِلَاف الْغسْل إِذْ لَا تَرْتِيب فِيهِ (وَمن لماء وتراب فقدا) كَأَن حبس بِمحل لم يجد فِيهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَو وجد التُّرَاب ندبا وَلم يقدر على تجفيفه بِنَار وَنَحْوهَا (الْفَرْض صلى) وجوبا لحُرْمَة الْوَقْت حَيْثُ لم يرج وجود أَحدهمَا قبل خُرُوج وقته ولاستطاعة فعله كالعاجز عَن الستْرَة وَإِزَالَة النَّجَاسَة والاستقبال وَتَكون صلَاته صَحِيحَة وَلِهَذَا تبطل وَلَو بسبق الْحَدث وَكَذَا بِرُؤْيَة أحد الطهُورَيْنِ فى أَثْنَائِهَا وَخرج بِفَرْض الْوَقْت الْمشَار إِلَيْهِ بِآلَة التَّعْرِيف الْفَائِتَة والنافلة وَمَسّ الْمُصحف وَحمله وَمكث ذى الْحَدث الْأَكْبَر فِي الْمَسْجِد وقراءته الْقُرْآن فِي غير الصَّلَاة وقراءته فِيهَا غير الْفَاتِحَة وَوَطْء مُنْقَطِعَة حيض أَو نِفَاس فانها تحرم وَلَا يعرف من يُبَاح لَهُ فرض دون نفل إلامن عدم المَاء وَالتُّرَاب أَو عَلَيْهِ نَجَاسَة عجز عَن إِزَالَتهَا (ثمَّ مهما وجدا
(1/67)

من ذين) أى المَاء وَالتُّرَاب (فَردا) أى وَاحِدًا مِنْهُمَا (حَيْثُ يسْقط الْقَضَاء بِهِ) أى بِالتَّيَمُّمِ (فتجديد) أى إِعَادَة (عَلَيْهِ فرضا) بِخِلَاف مَا إِذا وجد التُّرَاب بِمحل لَا يسْقط بِهِ الْقَضَاء فَلَا تجوز لَهُ الْإِعَادَة وَألف فقدا ووجدا وفرضا للإطلاق وَيجوز بِنَاؤُه للْفَاعِل وَهُوَ الله تَعَالَى وللمفعول وَهُوَ التَّجْدِيد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْحيض - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أَي وَالنّفاس والاستحاضة وَترْجم الْبَاب بِالْحيضِ لِأَن أَحْكَامه أغلب وَهُوَ لُغَة السيلان وَشرعا دم جبلة يخرج من أقْصَى رحم الْمَرْأَة فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة والاستحاضة دم عِلّة يخرج من عرق فَمه فِي أدنى الرَّحِم يُسمى بالعاذل بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَحكى ابْن سَيّده إهمالها والجوهري بدل اللَّام رَاء وَسَوَاء أخرج اثر الْحيض أم لَا وَالنّفاس الدَّم الْخَارِج بعد فرَاغ رحم الْمَرْأَة من الْحمل وَلَو سقطا (إِمْكَانه من بعد تسع) قمرية تَقْرِيبًا للاستقراء لِأَن مَالا ضَابِط لَهُ فى الشَّرْع وَلَا فى اللُّغَة يرجع فِيهِ للوجود وَقد قَالَ الشافعى رضى الله عَنهُ أعجل من سَمِعت من النِّسَاء يحضن نسَاء تهامه يحضن لتسْع سِنِين فَلَو رَأَتْ الدَّم قبل استكمال التسع بِمَا لَا يسع حيضا وطهرا كَانَ حيضا وَمَا دَامَت الْمَرْأَة حَيَّة فحيضها مُمكن كَمَا قَالَه الماوردى وَقَالَ المحاملى آخِره سِتُّونَ سنة (والأقل يَوْم وَلَيْلَة) أى قدر ذَلِك مُتَّصِلا وَهُوَ أَربع وَعِشْرُونَ سَاعَة وَلَا يشْتَرط انسحاب الدَّم بل يكفى أَن تدخل الْمَرْأَة القطنة فرجهَا فَتخرج ملوثه (وَأكْثر الْأَجَل خمس إِلَى عشرَة) أَي أَكْثَره خَمْسَة عشر يَوْمًا بلياليها وَإِن تقطع (وَالْغَالِب سِتّ وَإِلَّا سَبْعَة تقَارب) للإستقراء فِيهَا وَحذف المُصَنّف التَّاء من خمس وست لكَون الْمَعْدُود محذوفا إِذْ هُوَ سَائِغ حِينَئِذٍ لَا للنَّظَر إِلَى اللَّيَالِي وَإِلَّا لحذفها أَيْضا من عشرَة وَسَبْعَة وحذفه الْفَاء من سَبْعَة جَائِز على ندور كَمَا فِي خبر البُخَارِيّ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا استمتع بهَا (أدنى النّفاس لَحْظَة) أَي أَقَله لَحْظَة وَعبر فِي التَّحْقِيق والتنبيه وَغَيرهمَا بدلهَا بالمجة أَي الدفعة وَفِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا بِأَنَّهُ لَاحَدَّ لأقله أَي لَا يتَقَدَّر بل مَا وجد مِنْهُ وَإِن قل يكون نفاسا وَلَا يُوجد أقل من مجة ويعبر عَن زمانها باللحظة فَالْمُرَاد من الْعبارَات وَاحِد وَأَكْثَره (ستونا) يَوْمًا أَي (أقصاه وَالْغَالِب أربعونا) يَوْمًا للاستقراء وَألف ستونا وأربعونا للإطلاق (إِن عبر الْأَكْثَر) وَهُوَ خَمْسَة عشر يَوْمًا (واستداما) أَي جاوزها أَو جَاوز أَكثر النّفاس (فمستحاضة حوت أَحْكَامهَا) كَثِيرَة مِنْهَا أَنه حدث دَائِم تصلى مَعَه وتصوم وتوطأ وَالدَّم يجْرِي وتغسل فرجهَا أَو تسْتَعْمل الْأَحْجَار وتحشوه بِنَحْوِ قطنة إِن كَانَت مفطرة وَلم تتأذ بِهِ فَإِن احْتَاجَت إِلَى الشد فعلته إِن لم تتأذ بِهِ فتتوضأ فِي الْوَقْت وتستبيح فرضا ونوافل كالمتيمم وتجدد الِاحْتِيَاط لكل فرض وَلَو لم تزل الْعِصَابَة كَمَا لَو انْتقض طهرهَا وتبادر بِالصَّلَاةِ نعم إِن أخرت لمصْلحَة الصَّلَاة كستر وانتظار جمَاعَة لم يضر وَلَو خرج الدَّم من غير تَقْصِير لم يضر والسلس يحْتَاط مثلهَا فَإِن أخرت لغَيْرهَا بَطل وضوءها وَيبْطل بالشفاء وبانقطاع يسع الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَمِنْهَا أَنَّهَا تَنْقَسِم إِلَى مُبتَدأَة مُمَيزَة وَهِي ذَات قوى وَضَعِيف فالقوى حيض إِن لم ينقص عَن أَقَله وَلم يُجَاوز أَكْثَره وَلم ينقص الضَّعِيف عَن خَمْسَة عشر يَوْمًا مُتَّصِلَة وَالْقُوَّة سَواد ثمَّ حمرَة ثمَّ شقرة ثمَّ صفرَة والثخانة وَالنَّتن فَإِذا اسْتَويَا فَالسَّابِق وَغير
(1/68)

مُمَيزَة لفقد شَرط أَو اتِّحَاد وصف فَإِن لم تعرف ابتداءه فكمتحيرة وَإِن عَرفته فحيضها يَوْم وَلَيْلَة من أَوله وطهرها تسع وَعِشْرُونَ وَإِلَى مُعْتَادَة مُمَيزَة فَيقدم التَّمْيِيز على الْعَادة فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا عمل بهما وَغير مُمَيزَة فَترد إِلَيْهَا قدرا ووقتا وَتثبت بِمرَّة وَأما الْعَادة الْمُخْتَلفَة فبمرتين ثمَّ إِن اتسقت وَعلمت اتساقها عملت بِهِ وَإِلَّا اغْتَسَلت آخر كل نوبَة واحتاطت إِلَى أَكثر النوب وَإِلَى متحيرة بِأَن لم تعلم قدر عَادَتهَا وَلَا وَقتهَا فيلزمها مَا يلْزم الطَّاهِر وَيحرم عَلَيْهَا مَا يحرم على الْحَائِض إِلَّا الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة وَلها صَلَاة النَّافِلَة وصومها وطوافها وَيجب أَن تَغْتَسِل لكل فرض فِي وقته وَلَا يبطل الْغسْل بِتَأْخِير وتصوم رَمَضَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَيبقى عَلَيْهَا يَوْمَانِ وَإِن نقص لَا إِن علمت أَنه كَانَ يَنْقَطِع لَيْلًا وَالضَّابِط أَن من عَلَيْهَا سَبْعَة أَيَّام فَمَا دونهَا تصومها بِزِيَادَة يَوْم مُتَفَرِّقَة فِي خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ تعيد صَوْم كل يَوْم غير الزِّيَادَة يَوْم سَابِع عشرَة وَلها تَأْخِيره إِلَى خَامِس عشر ثَانِيَة وَمن عَلَيْهَا أَرْبَعَة عشر فَمَا دونهَا تصومه وَلَاء مرَّتَيْنِ وَالثَّانيَِة من السَّابِع عشر وتزيد يَوْمَيْنِ بَينهمَا فَإِن حفظت الْوَقْت فَهِيَ حَائِض حِين لَا يحْتَمل الطُّهْر وطاهر حِين لَا يحْتَمل الْحيض وَإِن احتملهما احتاطت وَلَا يلْزمهَا الْغسْل إِلَّا لاحْتِمَال الإنقطاع وَإِن حفظت قدر عَادَتهَا فَلَا يُخرجهَا عَن التحير الْمُطلق إِلَّا إِن حفظت مَعَه قدر الدّور وابتداءه وَترد المبتدأة فِي النّفاس إِلَى التَّمْيِيز بِشَرْط أَن لَا يزِيد القوى على سِتِّينَ يَوْمًا وَلَا ضبط فِي الضَّعِيف وَغير المميزة إِلَى اللحظة فِي الْأَظْهر والمعتادة المميزة إِلَى التَّمْيِيز لَا الْعَادة وَغير المميزة الحافظة إِلَى الْعَادة وَتثبت بِمرَّة وتحتاط الْمُتَحَيِّرَة وَألف استداما للإطلاق (لم ينْحَصر أَكثر وَقت الطُّهْر) أَي لَاحَدَّ لأكْثر الطُّهْر بِالْإِجْمَاع لِأَن الْمَرْأَة قد لَا تحيض أصلا أَو تحيض فِي عمرها مرّة (أما أَقَله فَنصف الشَّهْر) أَي أقل المطهر الْمَعْهُود وَهُوَ الَّذِي بَين الحيضتين خَمْسَة عشر يَوْمًا وَهِي نصف الشَّهْر الْكَامِل لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أَكثر الْحيض خَمْسَة عشر يَوْمًا لزم أَن يكون أقل الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا وَالْمرَاد بالشهر فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثُونَ يَوْمًا واحترزوا بقَوْلهمْ بَين الحيضتين عَن الطُّهْر بَين حيض ونفاس فَيجوز أَن يكون دون خَمْسَة عشر يَوْمًا سَوَاء تقدم الْحيض على النّفاس بِنَاء على الْأَظْهر أَن الْحَامِل تحيض بل لَو اتَّصَلت وِلَادَتهَا بِالدَّمِ كَانَ حيضا أَيْضا أم تَأَخّر بِأَن رَأَتْ أَكثر النّفاس ثمَّ انْقَطع الدَّم ثمَّ عَاد قبل خَمْسَة عشر يَوْمًا وغالب الطُّهْر بَاقِي الشَّهْر بعد غَالب الْحيض ثمَّ شرع يبين أَحْوَال الْحمل بقوله (ثمَّ أقل الْحمل سِتّ أشهر) لِأَن عُثْمَان أَتَى بِامْرَأَة قد ولدت لسِتَّة أشهر فَشَاور الْقَوْم فِي رَجمهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس أنزل الله تَعَالَى {وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا} وَأنزل {وفصاله فِي عَاميْنِ} فالفصل فِي عَاميْنِ وَالْحمل فِي سِتَّة أشهر فَرَجَعُوا إِلَى قَوْله فَصَارَ إِجْمَاعًا وَسكت النَّاظِم عَن لَحْظَة الْعلُوق ولحظة الْوَضع للْعلم بهما (وَأَرْبع الأعوام أقْصَى الْأَكْثَر) للاستقراء فقد قَالَ مَالك هَذِه جارتنا امْرَأَة مُحَمَّد بن عجلَان امْرَأَة صدق وَزوجهَا أَيْضا رجل صدق وحملت ثَلَاثَة أبطن فِي اثْنَتَيْ عشرَة سنة كل بطن أَربع سِنِين (وَثلث عَام غَايَة التَّصَوُّر) أَي غَايَة تصور الْجَنِين أَي نهايته أَرْبَعَة أشهر أَي مائَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ إِن أحدكُم يجمع خلقه فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَأما مَا رَوَاهُ مُسلم من أَنه إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها الحَدِيث فَأجَاب عَنهُ ابْن الْأُسْتَاذ وَغَيره بِأَن بَعثه الْملك فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة للتصوير وَخلق السّمع وَالْبَصَر وَالْجَلد وَاللَّحم وَالْعِظَام والتمييز بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَبَعثه بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة لنفخ الرّوح وَقد حصلت الْمُغَايرَة بَين البعثين اه وَالْحَدِيثَانِ كالصريحين فِي هَذَا الْجمع وَيُمكن حمل كَلَام النَّاظِم عَلَيْهِ بِمَعْنى أَن غَايَة تصور الْجَنِين نفخ الرّوح فِيهِ (وغالب) مُدَّة حمل الْوَلَد (الْكَامِل تسع أشهر) للاستقراء وَحذف التَّاء من سِتّ وتسع للنَّظَر لليالي
(1/69)

أَو الْوَزْن (بِالْحَدَثِ الصَّلَاة) أَي حرمهَا بِهِ للْإِجْمَاع سَوَاء أَكَانَت فرضا أم نفلا وَصَلَاة الْجِنَازَة وخطبة الْجُمُعَة وَمَا ألحق بذلك من سَجْدَة تِلَاوَة أَو شكر وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ لَا يقبل الله صَلَاة أحدكُم إِذا أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ قَالَ النَّوَوِيّ وَأما سُجُود عوام الْفُقَرَاء بَين يَدي الْمَشَايِخ فَحَرَام بِالْإِجْمَاع وَلَو بِالطُّهْرِ وَقَالَ ابْن الصّلاح ويخشى أَن يكون كفرا وَقَوله تَعَالَى وخروا لَهُ سجدا مَنْسُوخ أَو مؤول وَقَوله الصَّلَاة مفعول مقدم لفعل الْأَمر وَهُوَ حرَام وَظَاهر أَن التَّحْرِيم الْمُرَتّب على الْحَدث الْأَصْغَر والأكبر يرْتَفع بِطَهَارَة دَائِم الْحَدث وبالتيمم وَإِن فَاقِد الطهُورَيْنِ يجب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي الْفَرِيضَة المؤداة (مَعَ تَطوف) حرم أَي حرم بِهِ الطّواف بِالْبَيْتِ بأنواعه لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ لَهُ وَقَالَ لِتَأْخُذُوا عني مَنَاسِككُم رَوَاهُ مُسلم وَلخَبَر الطّواف بِمَنْزِلَة الصَّلَاة إِلَّا أَن الله قد أحل فِيهِ النُّطْق فَمن نطق فَلَا ينْطق إِلَّا بِخَير رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط مُسلم (وللبالغ حمل الْمُصحف ومسه) أَي عَلَيْهِ مَنْصُوب وَمَا بعده إِلَى ولبث مَسْجِد بحرم وَالْكَافِر فِي ذَلِك كَالْمُسلمِ أما مَسّه وَلَو للبياض المتخلل والحواشي وَمن وَرَاء حَائِل وَبِغير أَعْضَاء الْوضُوء فَلقَوْله تَعَالَى {لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ} بِمَعْنى المتطهرين وَهُوَ خبر بِمَعْنى النَّهْي كَقَوْلِه تَعَالَى {لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا} على قِرَاءَة الرّفْع وَلَو كَانَ بَاقِيا على أَصله لزم الْخلف فِي كَلَامه تَعَالَى لِأَن غير المتطهر يمسهُ وَأما حمله فَلِأَنَّهُ أبلغ من مَسّه وَخرج بِالْحملِ والمس قلب أوراقه بِعُود أَو نَحوه فَإِنَّهُ يجوز كَمَا صَححهُ النَّوَوِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحمْل وَلَا فِي مَعْنَاهُ خلافًا للرافعي وَمثل الْمُصحف فِي التَّحْرِيم جلده وَإِن انْفَصل عَنهُ وظرفه المعدله إِذا كَانَ فِيهِ وَمَا كتب لدرس كاللوح وَخرج بالبالغ الصَّبِي الْمُمَيز وَلَو جنبا فَلَا يمْنَع من ذَلِك لحَاجَة تعلمه ومشقة استمراره متطهرا وبالمصحف الحَدِيث وَالْفِقْه وَنَحْوهمَا وَالتَّفْسِير إِذا كَانَ قرانه أقل مِنْهُ فَلَا يحرم حملهَا ومسها وَيجوز حمل الْمُصحف فِي مَتَاع إِذا لم يكن هُوَ الْمَقْصُود وَحده بِالْحملِ وَيجب على الْعَاجِز عَن الطَّهَارَة أَخذ مصحف خَافَ عَلَيْهِ تنجسا أَو كَافِرًا أَو تلفا بِنَحْوِ غرق أَو حرق للضَّرُورَة وَيجوز لَهُ أَخذه إِن خَافَ عَلَيْهِ ضيَاعًا (وَمَعَ ذِي الْأَرْبَعَة للْجنب اقتراء بعض آيَة قصدا) أَي يحرم على الْجنب قِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن وَلَو بعض آيَة كحرف قَاصِدا أَي فِي حَال كَونه قَاصِدا الْقِرَاءَة للإخلال بالتعظيم وَلخَبَر التِّرْمِذِيّ وَغَيره لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن وَيقْرَأ روى بِكَسْر الْهمزَة على النَّهْي وَبِضَمِّهَا على الْخَبَر المُرَاد بِهِ النَّهْي ذكره فِي الْمَجْمُوع وَلَا فرق بَين أَن يقْصد مَعَ ذَلِك غَيرهَا أم لَا فَإِن لم يقصدها بِأَن قصد غَيرهَا أَو لم يقْصد شَيْئا فَلَا يحرم لعدم الْإِخْلَال لِأَنَّهُ لَا يكون قُرْآنًا إِلَّا بِالْقَصْدِ كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ وَغَيره وَظَاهره أَن ذَلِك جَار فِيمَا يُوجد نظمه فِي غير الْقُرْآن كالبسملة والحمدلة وَمَا لَا يُوجد نظمه إِلَّا فِيهِ كسورة الْإِخْلَاص وَآيَة الْكُرْسِيّ وَهُوَ كَذَلِك خلافًا لبَعْضهِم فِي الشق الثَّانِي وَخرج بِمَا ذكر إِجْرَاء الْقُرْآن على قلبه وَلَو بنظره فِي الْمُصحف وتحريك لِسَانه وهمسه بِحَيْثُ لَا يسمع نَفسه وَقِرَاءَة مَا نسخت تِلَاوَته فَلَا تحرم لِأَنَّهَا لَيست قُرْآنًا بِخِلَاف إِشَارَة الْأَخْرَس بهَا وَمر أَن فَاقِد الطهُورَيْنِ الْجنب يقْرَأ الْفَاتِحَة فَقَط فِي الصَّلَاة (ولبث مَسْجِد) الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى فِي (للْمُسلمِ) اللَّام فِيهِ وَفِي الْجنب والبالغ بِمَعْنى على وَلَو بالتردد فِيهِ لقَوْله تَعَالَى {لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى} الْآيَة أَي موَاضعهَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى {لهدمت صوامع وَبيع وصلوات} وَلخَبَر إِنِّي لَا أحل الْمَسْجِد لحائض وَلَا جنب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَحسنه ابْن الْقطَّان وَخرج باللبث العبور فَإِنَّهُ جَائِز لِلْآيَةِ وَلِأَنَّهُ لَا قربَة فِيهِ وَفِي اللّّبْث قربَة الِاعْتِكَاف وَمَعَ جَوَازه لَا كَرَاهَة فِيهِ لَكِن الأولى أَن لَا يعبر إِلَّا الْحَاجة قَالَه فِي الْمَجْمُوع ثمَّ نقل كَرَاهَته بِلَا حَاجَة عَن الْمُتَوَلِي والرافعي وَبِه جزم فِي الرَّوْضَة قيل وَهُوَ الْمُوَافق لما نَقله فِي الْمَجْمُوع عَن النَّص من كَرَاهَة عبور الْحَائِض فِي الْمَسْجِد انْتهى وَالْفرق بَينهمَا وَاضح
(1/70)

وَخرج بِالْمَسْجِدِ غَيره كمصلى الْعِيد والمدرسة والرباط فَلَا يحرم لبثه فِيهَا وَمحل حُرْمَة اللّّبْث حَيْثُ لَا ضَرُورَة أما مَعهَا فَلَا يحرم كَمَا لَو احْتَلَمَ وَلم يُمكنهُ الْخُرُوج لخوف أَو غلق بَاب أَو نَحوه وَيتَيَمَّم وجوبا إِن وجد غير تُرَاب الْمَسْجِد أما ترابه وَهُوَ الدَّاخِل فِي وَقفه فَلَا يتَيَمَّم بِهِ كَمَا لَو لم يجد إِلَّا تُرَابا مَمْلُوكا لغيره وَقد مر فِي كَلَام النَّاظِم فِي بَاب التَّيَمُّم تَحْرِيم التَّيَمُّم بِهِ وَخرج بِالْمُسلمِ الْكَافِر فَلَا يمْنَع من اللّّبْث بِالْمَسْجِدِ وَإِن كَانَ مُكَلّفا بِفُرُوع الشَّرِيعَة إِذْ لَا يعْتَقد حرمته بِخِلَاف الْمُسلم كالحربي لَا يضمن مَا أتْلفه لِأَنَّهُ لم يلْتَزم الضَّمَان بِخِلَاف الْمُسلم وَالذِّمِّيّ والمعاهد وَالْمُؤمن وَالْمُرْتَدّ إِذا أتلفوا لَكِن يمْتَنع على الْكَافِر وَلَو غير جنب دُخُول الْمَسْجِد إِلَّا لحَاجَة كإسلام وَسَمَاع قُرْآن لَا كَأَكْل وَشرب وَأَن يَأْذَن لَهُ مُسلم فِي دُخُوله إِلَّا أَن يكون لَهُ خُصُومَة وَجلسَ الْحَاكِم فِيهِ للْحكم وَلَا يجوز تَعْلِيم الْقُرْآن لكَافِر معاند وَيمْنَع من تعلمه أما غير المعاند فَيجوز إِن رجى إِسْلَامه وَإِلَّا فَلَا (وبالمحيض وَالنّفاس حرم السِّت) الْمُتَقَدّمَة (مَعَ تمتّع بِرُؤْيَة والمس بَين سرة ركبة) يَصح أَن يكون مجرورا عطفا على رُؤْيَة وَأَن يكون مَنْصُوبًا بِفعل الْأَمر وَهُوَ حرَام أَي يحرم بِالْحيضِ وَالنّفاس هَذِه الْأُمُور الَّتِي تقدّمت مَعَ زِيَادَة تَحْرِيم تمتّع بِوَطْء أَو غَيره كلمس بِلَا حَائِل بَين سرة وركبة لآيَة {فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض} وَلخَبَر أبي دَاوُد بِإِسْنَاد حسن كَمَا فِي الْمَجْمُوع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَمَّا يحل للرجل من امْرَأَته وَهِي حَائِض فَقَالَ مَا فَوق الْإِزَار وَخص بمفهومه عُمُوم خبر مُسلم اصنعوا كل شَيْء إِلَّا النِّكَاح وَلِأَن الْمُبَاشرَة بِمَا تَحت الْإِزَار تَدْعُو إِلَى الْجِمَاع فَحرمت إِذْ من حام حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ أما التَّمَتُّع بِمَا عدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَلَو بِوَطْء فيهمَا بِلَا حَائِل أَو بِمَا بَينهمَا بِحَائِل بِغَيْر وَطْء فِي الْفرج فَجَائِز فتعبيره بالتمتع تبعا للشرحين وَالْمُحَرر وَالرَّوْضَة والكفاية وَهُوَ يَشْمَل الرُّؤْيَة بِشَهْوَة كَمَا صرح بذلك إِنَّمَا يتمشى على القَوْل بتحريمها وَالأَصَح خِلَافه إِذْ مُرَاد الْكتب الْمَذْكُورَة بالتمتع الْمُبَاشرَة وَهِي التقاء الْبشرَة بِشَهْوَة وَلِهَذَا عبر بهَا النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه وتحقيقه (إِلَى اغتسال أَو بديل) عَنهُ وَهُوَ التَّيَمُّم أَي يسْتَمر تَحْرِيم مَا مر بالجنابة وَالْحيض وَالنّفاس إِلَى الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ أَو التَّيَمُّم عِنْد الْعَجز عَنهُ أما فِي غير التَّمَتُّع فَلِأَن تَحْرِيمه للْحَدَث وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الطُّهْر وَأما فِيهِ فلآية {وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن} يمْتَنع الصَّوْم وَالطَّلَاق حَتَّى يَنْقَطِع أَي يمْتَنع الصَّوْم للْإِجْمَاع على مَنعه وَعدم صِحَّته وَيجب قَضَاؤُهُ بِخِلَاف الصَّلَاة وَيمْتَنع بهما أَيْضا الطَّلَاق من الزَّوْج لقَوْله تَعَالَى {إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن} أَي فِي الْوَقْت الَّذِي يشرعن فِيهِ فِي الْعدة وَبَقِيَّة الْحيض وَالنّفاس لَا تحسب من الْعدة وَالْمعْنَى فِيهِ تضررها بطول مُدَّة التَّرَبُّص وَيسْتَمر الْمَنْع من الصَّوْم وَالطَّلَاق حَتَّى يَنْقَطِع الدَّم لِأَن الْمَنْع من الصَّوْم للْحيض وَالنّفاس وَمن الطَّلَاق لتطويل الْعدة وَقد زَالَ ذَلِك بالانقطاع وَبَقَاء الْغسْل لَا يمْنَع ذَلِك كالجنابة = (كتاب الصَّلَاة) =
هِيَ لُغَة الدُّعَاء بِخَير قَالَ تَعَالَى {وصل عَلَيْهِم} أَي ادْع لَهُم وَشرعا أَقْوَال وأفعال مفتتحة بِالتَّكْبِيرِ مختتمة بِالتَّسْلِيمِ غَالِبا والمفروض مِنْهَا كل يَوْم وَلَيْلَة خمس وَهِي أحد أَرْكَان الْإِسْلَام من جحد وُجُوبهَا فقد كفر وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع آيَات كَقَوْلِه تَعَالَى {وَأقِيمُوا الصَّلَاة} أَي حَافظُوا عَلَيْهَا دَائِما بإكمال واجباتها وسننها وَقَوله تَعَالَى {إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا} أَي محتمة مُؤَقَّتَة وأخبار فِي الصَّحِيحَيْنِ كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض الله على أمتِي لَيْلَة الْإِسْرَاء خمسين صَلَاة فَلم أزل أراجعه وأسأله التَّخْفِيف حَتَّى جعلهَا خمْسا فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وَقَوله للأعرابي
(1/71)

خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة قَالَ الْأَعرَابِي هَل على غَيرهَا قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع (فرض على مُكَلّف) بَالغ عَاقل (قد أسلما وَعَن مَحِيض ونفاس سلما) أَي وَقد سلم عَن حيض ونفاس وَإِن لم يغْتَسل الْإِجْمَاع وَمثل الْمُكَلف من زَالَ عقله بِسَبَب محرم كشرب دَوَاء مزيل لِلْعَقْلِ بِلَا حَاجَة أَو مُسكر وَقد علم حَالهَا فَخرج بالمكلف الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا تجب عَلَيْهِمَا لعدم تكليفهما وَلخَبَر رفع الْقَلَم عَن الصَّبِي حَتَّى يبلغ وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق وبمن قد أسلم الْكَافِر الْأَصْلِيّ فَلَا تجب عَلَيْهِ وجوب مُطَالبَة بهَا فِي الدُّنْيَا لعدم صِحَّتهَا مِنْهُ وَلَكِن تجب عَلَيْهِ وجوب عِقَاب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة لتمكنه من فعلهَا بِالْإِسْلَامِ بِأَن يسلم ثمَّ يَأْتِي بهَا بِنَاء على أَن الْكَافِر مُخَاطب بالفروع وَهُوَ الْأَصَح وَلقَوْله وَعَن مَحِيض ونفاس سلما الْحَائِض وَالنُّفَسَاء فَلَا تجب عَلَيْهِمَا وَلَو فِي زمن الرِّدَّة وَالسكر لعدم صحتهما مِنْهُمَا وإسقاطها عَنْهُمَا عَزِيمَة وَشَمل قَوْله قد أسلما الْمُرْتَد فَتجب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ التزمها بِالْإِسْلَامِ فَلَا تسْقط عَنهُ بِالرّدَّةِ كحق الْآدَمِيّ فَيلْزمهُ قَضَاؤُهَا بعد إِسْلَامه تَغْلِيظًا عَلَيْهِ فتعبيره بِهِ أحسن من تَعْبِير غَيره بِمُسلم وَقَوله فرض خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف عَائِد على الصَّلَاة وَألف أسلما وسلما للإطلاق (وواجب على الْوَلِيّ الشَّرْعِيّ) أَبَا كَانَ أَو جدا أَو وَصِيّا أَو قيمًا قَالَ فِي الْمُهِمَّات وَفِي مَعْنَاهُ الْمُلْتَقط وَمَالك الرَّقِيق وَكَذَا الْمُودع وَالْمُسْتَعِير وَنَحْوهمَا فِيمَا يظْهر (أَن يَأْمر الطِّفْل) ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى (بهَا) أَي الصَّلَاة (لسبع) سِنِين أَي لتمامها بِشَرْط تَمْيِيزه بِأَن يصير بِحَيْثُ يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده ويستنجي وَحده قَالَ الطَّبَرِيّ وَلَا يقْتَصر فِي الْأَمر على مُجَرّد صِيغَة بل لَا بُد مَعَه من التهديد 1 هـ (وَالضَّرْب فِي الْعشْر) من السنين وَلَو عقب استكمال التسع لخَبر أبي دَاوُد بِإِسْنَاد حسن مروا أَوْلَادكُم بِالصَّلَاةِ وهم أَبنَاء سبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وهم أَبنَاء عشر وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَكَذَا التِّرْمِذِيّ بِدُونِ وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع وَحِكْمَة اخْتِصَاص الضَّرْب بالعشر أَنه مَظَنَّة احْتِمَال الْبلُوغ بالاحتلام وَأَنه حِينَئِذٍ يحْتَمل الضَّرْب وَعدل النَّاظِم عَن تَعْبِير غَيره لعشر لِئَلَّا يتَوَهَّم استكمالها وَيجب على الْوَلِيّ أَيْضا نَهْيه عَن الْمُحرمَات وتعليمه الْوَاجِبَات كالطهارة وأجره تَعْلِيم الْفَرَائِض من مَاله ثمَّ على الْأَب ثمَّ على الْأُم وَالأَصَح أَن للْوَلِيّ أَن يصرف من مَال الطِّفْل أُجْرَة مَا سوى الْفَرْض كالقرآن والْحَدِيث وَالْأَدب لِأَنَّهُ يسْتَمر مَعَه وَينْتَفع بِهِ (وفيهَا إِن بلغ) بِالسِّنِّ (أجزت) وَلَو عَن الْجُمُعَة وَإِن أمكنه إِدْرَاكهَا لِأَنَّهُ صلاهَا بشرائطها فَلَزِمَهُ إِتْمَامهَا وأجزأته وَقد يجب إتْمَام الْعِبَادَة وَإِن كَانَ أَولهَا تَطَوّعا كحج تَطَوّعا وَصَوْم مَرِيض فِي رَمَضَان وشفى فِي أثناءه وَحذف المُصَنّف همزَة أَجْزَأت تَخْفِيفًا (وَلم تعد إِذا مِنْهَا فرغ) أَي لَو بلغ بعد فَرَاغه من الصَّلَاة بِالسِّنِّ أَو الِاحْتِلَام أَو الْحيض أَجْزَأته وَلَو عَن الْجُمُعَة وَلَا تجب إِعَادَتهَا لِأَنَّهُ أَدَّاهَا صَحِيحَة مَعَ مُرَاعَاة معتبراتها كأمة صلت مكشوفة الرَّأْس ثمَّ عتقت فِي الْوَقْت بِخِلَاف نَظِيره من الْحَج لِأَنَّهُ لَا يتَكَرَّر فَاعْتبر وُقُوعه حَال الْكَمَال وتستحب لَهُ الْإِعَادَة فِي الصُّورَتَيْنِ ليؤديها حَال الْكَمَال (لَا عذر فِي تَأْخِيرهَا) أَي الصَّلَاة لأحد من أهل فَرضهَا عَن وَقتهَا لِئَلَّا تفوت فَائِدَة التَّأْقِيت (إِلَّا لساه) أَي نَاس لخَبر ابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ تجَاوز الله عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (أَو نوم) استغرق الْوَقْت بِهِ أَو عَلَيْهِ أَو ظن تيقظه قبل خُرُوج وَقتهَا بِزَمن يَسعهَا لخَبر مُسلم عَن أبي قَتَادَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط إِنَّمَا التَّفْرِيط على من لم يصل الصَّلَاة حَتَّى يَجِيء وَقت الْأُخْرَى أما نَومه بعد دُخُول وَقتهَا وَقد ظن عدم تيقظه فِيهِ
(1/72)

أَو قبل خُرُوجه بِزَمن لَا يَسعهَا أوشك فِيهِ فَحَرَام (أَو للْجمع) بِالسَّفرِ بِأَن أخر الظّهْر بنية جمعهَا مَعَ الْعَصْر أَو الْمغرب بنية جمعهَا مَعَ الْعشَاء لما سَيَأْتِي فِي بَابه وَأما تَأْخِيرهَا للْجمع بالمطر أَو بالنسك فَحَرَام على الْأَصَح (أَو للإكراه) على تَأْخِيرهَا للْخَبَر الْمَار وَاسْتشْكل تَصْوِيره إِذْ من أكره على ترك الْأَفْعَال الظَّاهِرَة يُمكنهُ إجراؤها على قلبه وَحمله فِي الْمَجْمُوع على الْإِكْرَاه على التَّلَبُّس بِمَا يُنَافِي الصَّلَاة ويفسدها وَحمله بَعضهم على الْإِكْرَاه على أَن يَأْتِي بهَا على غير الْوَجْه المجزىء من الطَّهَارَة وَنَحْوهَا وَقد يمْنَع الْمُحدث عَن الْوضُوء وَالتَّيَمُّم وَقَالَ التَّاج السُّبْكِيّ الْمُكْره قد يدهش حَتَّى بِالْإِيمَاءِ بالطرف وَيكون مُؤَخرا مَعْذُورًا كالمكره على الطَّلَاق وَلَا تلْزمهُ التورية إِذا اندهش قطعا وَكَذَا إِن لم يندهش على الْأَصَح وَأما قَوْلهم لَا يتْرك الصَّلَاة مَا دَامَ عقله ثَابتا فَإِن الدهشة مَانِعَة من ثُبُوت عقله فِي تِلْكَ الْحَالة ويعذر فِي تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا أَيْضا للْجَهْل بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ من غير تَفْرِيط فِي التَّعَلُّم كمن أسلم فِي دَار الْحَرْب وتعذرت هجرته أَو نَشأ مُنْفَردا ببادية وَنَحْوهَا ولخوف فَوَات الْوُقُوف بِعَرَفَة على الْأَصَح بل يجب عَلَيْهِ وللاشتغال بإنقاذ غريق وَدفع صائل عَن نفس أَو مَال أَو بِالصَّلَاةِ على ميت خيف انفجاره كَمَا أفتى بِهِ القَاضِي صدر الدّين موهوب الْجَزرِي وَقَول النَّاظِم أَو للْجمع بدرج الْهمزَة للوزن ثمَّ شرع فِي بَيَان أَوْقَات الصَّلَاة لِأَنَّهَا تجب بِدُخُولِهَا وتفوت بخروجها فَقَالَ (وَوقت ظهر) وَبَدَأَ بهَا لِأَنَّهَا أول صَلَاة ظَهرت وتأسيا بإمامة جِبْرِيل الْآتِيَة (من زَوَالهَا) أَي الشَّمْس وَأعَاد الضَّمِير إِلَيْهَا وَإِن لم يتَقَدَّم لَهَا ذكر للْعلم بهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب} إِلَى أَن زَاد عَن مثل أَي زَاد ظلّ الشَّيْء عَن ظله حَالَة الاسْتوَاء مثله (لشَيْء ظللا) وَهُوَ جرى على الْغَالِب من وجود ظلّ عِنْد الاسْتوَاء وظللا أَي صَار ذَا ظلّ عِنْد الاسْتوَاء فَاعْتبر ذَلِك بقامتك أَو شاخص تُقِيمهُ فِي أَرض مستوية من عصى أَو نَحْوهَا قَالَ الْعلمَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وقامة الْإِنْسَان سِتَّة أَقْدَام وَنصف بقدمه وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى {فسبحان الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ وَله الْحَمد فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تظْهرُونَ} قَالَ ابْن عَبَّاس أَرَادَ بِحِين تمسون صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء وبحين تُصبحُونَ صَلَاة الصُّبْح وبعشيا صَلَاة الْعَصْر وبحين تظْهرُونَ صَلَاة الظّهْر وَخبر أمنى جِبْرِيل عِنْد الْبَيْت مرَّتَيْنِ فصلى بِي الظّهْر حِين زَالَت الشَّمْس وَكَانَ الْفَيْء قدر الشرَاك وَالْعصر حِين صَار ظلّ الشَّيْء مثله وَالْمغْرب حِين أفطر الصَّائِم أَي دخل وَقت إفطاره وَالْعشَاء حِين غَابَ الشَّفق وَالْفَجْر حِين حرم الطَّعَام وَالشرَاب على الصَّائِم فَلَمَّا كَانَ الْغَد صلى بِي الظّهْر حِين كَانَ ظله أَي الشَّيْء مثله وَالْعصر حِين كَانَ ظله مثلَيْهِ وَالْمغْرب حِين أفطر الصَّائِم وَالْعشَاء إِلَى ثلث اللَّيْل وَالْفَجْر فأسفر وَقَالَ هَذَا وَقت الْأَنْبِيَاء من قبلك وَالْوَقْت مَا بَين هذَيْن الْوَقْتَيْنِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَصَححهُ الْحَاكِم وَغَيره وَقَوله صلى الله عيه وَسلم صل بِي الظّهْر حِين كَانَ ظلّ كل شَيْء مثله أَي فرغ مِنْهَا حِينَئِذٍ كَمَا شرع فِي الْعَصْر فِي الْيَوْم الأول حِينَئِذٍ قَالَه الشَّافِعِي نافيا بِهِ اشتراكهما فِي وَقت وَاحِد وَيدل لَهُ خبر مُسلم وَقت الظّهْر إِذا زَالَت الشَّمْس مَا لم تحضر الْعَصْر والزوال ميل الشَّمْس عَن وسط السَّمَاء الْمُسَمّى بُلُوغهَا إِلَيْهِ بِحَالَة الاسْتوَاء إِلَى جِهَة الْمغرب لَا فِي الْوَاقِع بل فِي الظَّاهِر لِأَن التَّكْلِيف إِنَّمَا يتَعَلَّق بِهِ وَذَلِكَ بِزِيَادَة ظلّ الشَّيْء عَن ظله حَالَة الاسْتوَاء أَو حُدُوثه إِن لم يبْق عِنْده ظلّ كَمَا فِي بعض الْبِلَاد الَّتِي على خطّ الإستواء وَقد يتَصَوَّر فِي غَيرهَا كمكة وَذَلِكَ فِي سِتَّة وَعشْرين يَوْمًا قبل انْتِهَاء طول النَّهَار وَمثلهَا بعده أَو فِي يَوْم وَاحِد وَهُوَ أطول أَيَّام السّنة نقلهما فِي الْمَجْمُوع وَبِالثَّانِي جزم فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا وَالْيَوْم الَّذِي يَنْتَهِي فِيهِ الطول هُوَ سَابِع عشر حزيران وَالْألف فِي ظللا للإطلاق (ثمَّ بِهِ) أَي بمصير ظلّ الشَّيْء مثله بعد ظلّ الاسْتوَاء إِن كَانَ (يدْخل (10 غَايَة الْبَيَان)
(1/73)

وَقت الْعَصْر) وَهِي الْوُسْطَى (واختير مثلى ظلّ ذَلِك الْقدر) أَي وَوقت اخْتِيَارهَا إِلَى مصير ظلّ الشَّيْء مثلَيْهِ بعد ظلّ الاسْتوَاء (جَازَ إِلَى غُرُوبهَا أَن تفعلا) أَي يبْقى وَقت جَوَازهَا إِلَى غرُوب جَمِيع الشَّمْس لخَبر جِبْرِيل مَعَ خبر الصَّحِيحَيْنِ من أدْرك رَكْعَة من الصُّبْح قبل أَن تطلع الشَّمْس فقد أدْرك الصُّبْح وَمن أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر قبل أَن تغرب الشَّمْس فقد أدْرك الْعَصْر وَخبر ابْن أبي شيبَة وَقت الْعَصْر مَا لم تغرب الشَّمْس وَإِسْنَاده فِي مُسلم وَخبر مُسلم لَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط إِنَّمَا التَّفْرِيط على من لم يصل الصَّلَاة حَتَّى يَجِيء وَقت الْأُخْرَى ظَاهره يقتضى امتداد وَقت كل صَلَاة إِلَى دُخُول وَقت الْأُخْرَى من الْخمس أَي فِي غير وَقت صَلَاة الصُّبْح لما سَيَأْتِي فِي وَقتهَا وَقَوله فِي خبر جِبْرِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَإِلَى الْعشَاء وَالصُّبْح وَالْوَقْت مَا بَين هذَيْن مَحْمُول على وَقت الِاخْتِيَار جمعا بَين الْأَدِلَّة قَالَ فِي الْمَجْمُوع وللعصر خَمْسَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة من أول الْوَقْت إِلَى أَن يصير ظلّ الشَّيْء مثله وَنصف مثله وَوقت اخْتِيَار إِلَى أَن يصير مثلَيْهِ وَوقت جَوَاز بِلَا كَرَاهَة إِلَى اصفرار الشَّمْس وَوقت جَوَاز بِكَرَاهَة إِلَى الْغُرُوب وَوقت عذر وَقت الظّهْر لمن يجمع (وَوقت مغرب بِهَذَا) أَي بغروب الشَّمْس أَي بتكامله (دخلا) وَإِن بقى الشعاع وَيعرف فِي الْعمرَان بِزَوَال الشعاع وإقبال الظلام من الْمشرق وَالْألف فِي تفعلا ودخلا للإطلاق (وَالْوَقْت) أَي وَقت الْمغرب (يبْقى فِي) القَوْل (الْقَدِيم الْأَظْهر إِلَى) دُخُول وَقت (الْعشَاء بمغيب) الشَّفق (الْأَحْمَر) قَالَ فِي الْمَجْمُوع بل هُوَ الْجَدِيد أَيْضا لِأَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ علق القَوْل بِهِ فِي الْإِمْلَاء وَهُوَ من الْكتب الجديدة على ثُبُوت الحَدِيث فِيهِ وَقد ثَبت فِيهِ أَحَادِيث فِي مُسلم مِنْهَا حَدِيث وَقت الْمغرب مَا لم يغب الشَّفق وَمِنْهَا حَدِيث لَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط وَأما حَدِيث صَلَاة جِبْرِيل إِنَّه صلاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقت وَاحِد فَمَحْمُول على وَقت الِاخْتِيَار وَأَيْضًا أَحَادِيث مُسلم مُقَدّمَة عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَة بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَقَدم بِمَكَّة وَلِأَنَّهَا أَكثر رُوَاة وَأَصَح إِسْنَادًا وَلِهَذَا أخرجهَا مُسلم فِي صَحِيحه دونه وَقَالَ وعَلى هَذَا للمغرب ثَلَاثَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة وَاخْتِيَار أول الْوَقْت وَوقت جَوَاز مَا لم يغب الشَّفق وَوقت عذر وَوقت الْعشَاء لمن يجمع وَمُقَابل الْأَظْهر أَن وَقتهَا يَمْتَد بِقدر تطهر وَستر وسد جوع وَخمْس رَكْعَات وأذان وَإِقَامَة وَالِاعْتِبَار فِيهَا بالوسط المعتدل (وَغَايَة الْعشَاء فجر يصدق معترض يضيء مِنْهُ الْأُفق) أَي يدْخل وَقت الْعشَاء بمغيب الشَّفق الْأَحْمَر وغايته الْفجْر الصَّادِق وَالِاخْتِيَار إِلَى ثلث اللَّيْل وَالْجَوَاز إِلَى الْفجْر الصَّادِق وَهُوَ معترض أَي منتشر يضيء مِنْهُ الْأُفق أَي نواحي السَّمَاء لخَبر جِبْرِيل مَعَ خبر لَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط وَخرج بالأحمر مَا بعده من الْأَصْفَر والأبيض وبالصادق الْكَاذِب وَهُوَ مَا يطلع مستطيلا يعلوه ضوء كذنب السرحان وَهُوَ الذِّئْب ثمَّ يذهب ويعقبه ظلمَة ثمَّ يطلع الْفجْر الصَّادِق وَفِي بِلَاد الْمشرق نواح تقصر لياليهم فَلَا يغيب الشَّفق عِنْدهم فَأول وَقت الْعشَاء فِي حَقهم أَن يمضى بعد غرُوب الشَّمْس قدر مَا يغيب الشَّفق فِي مثله فِي أقرب الْبِلَاد إِلَيْهِم (واختير للثلث وَجوزهُ إِلَى صَادِق فجر) قَالَ فِي الْمَجْمُوع وللعشاء أَرْبَعَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة أول الْوَقْت وَوقت اخْتِيَار إِلَى ثلث اللَّيْل على الْأَصَح وَوقت جَوَاز إِلَى طُلُوع الْفجْر الصَّادِق وَوقت عذر وَقت الْمغرب لمن يجمع (وَبِه) أَي بِالْفَجْرِ الصَّادِق (قد دخلا الصُّبْح واختير إِلَى الْإِسْفَار بِكَسْر الْهمزَة أَي الإضاءة (جَوَازه يبْقى إِلَى الإدبار) بِأول طُلُوع الشَّمْس لما مر مَعَ خبر مُسلم وَقت صَلَاة الصُّبْح
(1/74)

من طُلُوع الْفجْر مَا لم تطلع الشَّمْس وَله أَرْبَعَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة أول الْوَقْت وَوقت اخْتِيَار إِلَى الْإِسْفَار وَوقت جَوَاز بِلَا كَرَاهَة إِلَى الْحمرَة الَّتِى قبل طُلُوع الشَّمْس وَوقت جَوَاز بِكَرَاهَة إِلَى الطُّلُوع وهى نهارية (ينْدب تَعْجِيل الصَّلَاة) وَلَو عشَاء (فِي الأول) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو جمع أول بِاعْتِبَار الْأَوْقَات الْخَمْسَة أى أول وَقتهَا (إِذْ أول الْوَقْت بالأسباب اشْتغل) وَأول مَنْصُوب باشتغل وبالأسباب بِنَقْل حركه همزتها إِلَى السَّاكِن قبلهَا مُتَعَلق بِهِ أَيْضا وَإِذ فِي كَلَامه ظرفية أَو تعليلية أَي اشْتغل بأسبابها أول وَقتهَا كالطهارة والستر وَالْأَذَان لقَوْله تَعَالَى {حَافظُوا على الصَّلَوَات} وَمن الْمُحَافظَة عَلَيْهَا تَعْجِيلهَا وَقَوله تَعَالَى {فاستبقوا الْخيرَات} وَلخَبَر ابْن مَسْعُود سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي الْأَعْمَال أفضل فَقَالَ الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره وصححوه وَلخَبَر كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الْعشَاء لسُقُوط الْقَمَر لثالثة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَو لم يحْتَج إِلَى أَسبَابهَا وَأخر بِقَدرِهَا حصلت الْفَضِيلَة وَلَا يُكَلف عجلة زَائِدَة على الْعَادة وَلَا يضر التَّأْخِير لأكل لقم وَكَلَام قصير وَتَحْقِيق الْوَقْت وَتَحْصِيل المَاء وَإِخْرَاج خبث يدافعه وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يعد متوانيا وَلَا مقصرا وَقد علم أَن الصَّلَاة تجب بِأول وَقتهَا وجوبا موسعا فَلَا يَأْثَم بتأخيرها إِن عزم على فعلهَا فِيهِ وَلَو مَاتَ قبل فَوَاتهَا حَيْثُ بقى من وَقتهَا مَا يسع جَمِيعهَا وَمَا تقرر من سنّ تَعْجِيلهَا أول وَقتهَا مَحَله مَا لم يُعَارضهُ مَا هُوَ أرجح مِنْهُ فَإِن عَارضه سنّ تَأْخِيرهَا وَذَلِكَ فِي مسَائِل كَثِيرَة ذكر النَّاظِم مِنْهَا هُنَا مسئلة الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ فَقَالَ (وَسن الْإِبْرَاد) بِنَقْل حركته للساكن قبلهَا (بِفعل الظّهْر) أَي وَسن لمريد الصَّلَاة الْإِبْرَاد بِفعل الظّهْر أَي تَأْخِيره (لشدَّة الْحر) إِلَى أَن يصير للحيطان ظلّ يمشي فِيهِ قَاصد الْجَمَاعَة وَلَا يُجَاوز بِهِ نصف الْوَقْت وَاللَّام فِي لشدَّة الْحر تعليلية أَو بِمَعْنى فِي أَو عِنْد (بقطر الْحر) فَلَا يسن فِي غير شدَّة الْحر وَلَو بقطر حَار وَلَا فِي قطر بَارِد أَو معتدل وَإِن اتّفق فِيهِ شدَّة الْحر (لطَالب الْجمع) أَي الْجَمَاعَة إِمَّا مَا كَانَ أَو مَأْمُوما خرج بِهِ من يُصَلِّي مُنْفَردا وَجَمَاعَة بِبَيْت (بِمَسْجِد) أَو نَحوه من أمكنة الْجَمَاعَة (أَتَى إِلَيْهِ من بعد) لِكَثْرَة النَّاس فِيهِ أَو فقه إِمَامه أَو نَحوه وَلَا يجد كُنَّا يمشي فِيهِ وَخرج بِهِ مَا لَو كَانَ بِمَسْجِد حَضَره جمَاعَة لَا يَأْتِيهم غَيرهم أَو يَأْتِيهم غَيرهم من قرب أَو من بعد لَكِن يجد كُنَّا يمشي فِيهِ إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك كثير مشقة وَالْأَصْل فِيهِ خبر الصَّحِيحَيْنِ إِذا اشْتَدَّ الْحر فأبردوا بِالصَّلَاةِ وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ بِالظّهْرِ فَإِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم أَي هيجانها وَلِأَن فِي التَّعْجِيل فِي شدَّة الْحر مشقة تسلب الْخُشُوع أَو كَمَاله وَمَا ورد مِمَّا يُخَالف ذَلِك فمنسوخ وَيسن الْإِبْرَاد أَيْضا لمنفرد يُرِيد فعل الظّهْر فِي الْمَسْجِد كَمَا أشعر بِهِ كَلَام الرَّافِعِيّ وَنبهَ عَلَيْهِ الأسنوي وَيُؤْخَذ مِمَّا تقرر أَن المُرَاد بالبعد مَا يذهب مَعَه الْخُشُوع أَو كَمَاله (خلاف الْجُمُعَة) بِإِسْكَان الْمِيم فَلَا يسن الْإِبْرَاد بهَا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن سَلمَة كُنَّا نجمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا زَالَت الشَّمْس ولشدة الْخطر فِي فَوَاتهَا الْمُؤَدى إِلَيْهِ تَأْخِيرهَا بالتكاسل لكَون الْجَمَاعَة شرطا فِي صِحَّتهَا وَقد لَا يُدْرِكهَا بَعضهم وَلِأَن النَّاس مأمورون بالتبكير إِلَيْهَا فَلَا يتأذون بِالْحرِّ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يبرد بهَا بَيَان للْجُوَاز فِيهَا جمعا بَين الْأَخْبَار وَخرج بقوله بِفعل الظّهْر أذانها فَلَا يسن الْإِبْرَاد بِهِ (صَلَاة مَا لَا سَبَب) مُتَقَدم وَلَا مُقَارن (لَهَا امنعا) أَي يحرم وَلَا تَنْعَقِد بعد فعلين وَفِي ثَلَاثَة أَوْقَات وَصَلَاة مَا لَا سَبَب لَهَا مفعول مقدم لَا منعا وألفه بدل من نون التوكيد (بعد) فعل (صَلَاة الصُّبْح) أَدَاء (حَتَّى تطلعا) أَي الشَّمْس وَألف تطلعا للإطلاق وَأعَاد الضمائر فِيهَا وغربت وتطلعا
(1/75)

وَارْتَفَعت على الشَّمْس وَإِن لم يتَقَدَّم لَهَا ذكر للْعلم بهَا (وَبعد فعل الْعَصْر) أَدَاء وَلَو فِي وَقت الظّهْر لجمع التَّقْدِيم (حَتَّى غربت) الشَّمْس للنَّهْي عَن الصَّلَاة فيهمَا فِي خبر الصَّحِيحَيْنِ وَخرج بِفَرْض الصُّبْح وَالْعصر سنتهما فَلَا تحرم الصَّلَاة بعد فعلهَا (وَعند مَا تطلع) الشَّمْس (حَتَّى ارْتَفَعت) قدر رمح تَقْرِيبًا فِي رأى الْعين وَإِلَّا فالمسافة طَوِيلَة جدا (و) عِنْد (الاسْتوَاء) وقصره للوزن بِأَن تصير فِي وسط السَّمَاء إِلَى الزَّوَال للنَّهْي عَنهُ وَهُوَ وَقت لطيف جدا لَا يسع الصَّلَاة إِلَى أَن التَّحَرُّم بهَا قد يَقع فِيهِ فَلَا تَنْعَقِد لَا جُمُعَة إِلَى الزَّوَال و) عِنْد (الاصفرار) لغروب الشَّمْس (بغروب ذِي كَمَال) أَي لكَمَال غُرُوبهَا للنَّهْي عَنْهَا فِي خبر مُسلم وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الرمْح وَيسْتَثْنى من تَحْرِيم الصَّلَاة عِنْد الاسْتوَاء يَوْم الْجُمُعَة فَلَا تحرم الصَّلَاة فِيهِ على أحد وَإِن لم يحضر الْجُمُعَة لاستثنائه فِي خبر أبي دَاوُد وَغَيره وَفِيه إِن جَهَنَّم لَا تسجر يَوْم الْجُمُعَة أَي لَا توقد وَلَا يضر كَونه مُرْسلا لاعتضاده بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتحبَّ التبكير إِلَيْهَا ثمَّ رغب فِي الصَّلَاة إِلَى خُرُوج الإِمَام من غير اسْتثِْنَاء (أما) الصَّلَاة (الَّتِي لسَبَب مقدم) أَي أَو مُقَارن (كالنذر والفائت) وَلَو نفلا اتَّخذهُ وردا (لم تحرم) أَي لَا تحرم (وركعتا طواف) وَالْوُضُوء (والتحية) أَي بِأَن دخل الْمَسْجِد بنية غَيرهَا كاعتكاف أَو بنيتهما أَو بِلَا نِيَّة شَيْء أما الدَّاخِل بنيتهما فَقَط فَتحرم مِنْهُ كَمَا لَو أخر الْفَائِتَة ليقضيها فِي تِلْكَ الْأَوْقَات وَسجْدَة التِّلَاوَة (وَالشُّكْر و) صَلَاة (الْكُسُوف) للشمس أَو للقمر (و) صَلَاة (الْجِنَازَة) أما التَّحِيَّة فلخبر الصَّحِيحَيْنِ إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَأما الْفَائِتَة فلخبر فليصلها إِذا ذكرهَا وَخبر الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بعد صَلَاة الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ هما اللَّتَان بعد الظّهْر وَأما الْجِنَازَة فقد نقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على أَنَّهَا تفعل بعد الصُّبْح وَالْعصر وَأما غير الْفَائِتَة فقياسا عَلَيْهَا وَلِأَن الْأَدِلَّة الطالبة لهَذِهِ الصَّلَوَات عَامَّة فِي الْأَوْقَات خَاصَّة بِتِلْكَ الصَّلَوَات وَأَحَادِيث النَّهْي بِالْعَكْسِ ورجحت الأولى بِأَنَّهَا لم يدخلهَا تَخْصِيص وَأَحَادِيث النهى دَخلهَا التَّخْصِيص بالفائتة للْحَدِيث وبصلاة الْجِنَازَة للْإِجْمَاع أَيْضا كَمَا مر (وَحرم الْكَعْبَة) أَي الْحرم الْمَكِّيّ لَا تحرم الصَّلَاة فِيهِ بِحَال لخَبر يَا بني عبد منَاف لَا تمنعوا أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت وَصلى أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَلما فِيهِ من زِيَادَة فضل الصَّلَاة نعم هِيَ خلاف الأولى كَمَا فِي مقنع الْمحَامِلِي خُرُوجًا من خلاف مَالك وَأبي حنيفَة وَخرج بحرم مَكَّة حرم الْمَدِينَة فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِي ذَلِك (لَا الْإِحْرَام) أَي الصَّلَاة الَّتِي سَببهَا مُتَأَخّر كركعتي الْإِحْرَام أَو الاستخارة فَتحرم فِيهَا وَالْمرَاد بالمتقدم قسيميه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَإِلَى الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة كَمَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَالْأول مِنْهُمَا أظهر كَمَا قَالَه الأسنوي وَغَيره وَعَلِيهِ جرى ابْن الرّفْعَة فَعَلَيهِ صَلَاة الْجِنَازَة سَببهَا مُتَقَدم وعَلى الثَّانِي قد يكون مُتَقَدما وَقد يكون مُقَارنًا بِحَسب وُقُوعه فِي الْوَقْت أَو قبله (وَتكره الصَّلَاة) تَنْزِيها (فِي الْحمام مَعَ مسلخ) لَهُ (وعطن) لِلْإِبِلِ أَي الْموضع الَّذِي تنحى إِلَيْهِ الْإِبِل الشاربة ليشْرب غَيرهَا كَمَا قَالَه الشَّافِعِي وَغَيره أَو لتشرب هِيَ عللا بعد نهل كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره (ومقبرة) بِتَثْلِيث حَرَكَة الْبَاء (مَا نبشت وطرق) أَي فِي الْبُنيان دون الْبَريَّة (مجزره) بِفَتْح الزَّاي أَي مَوضِع جزر الْحَيَوَان أَي ذبحه للنَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْمَذْكُورَات رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَألْحق بالحمام
(1/76)

مَوَاضِع المكس وَالْخمر والحانة وَالْكَنَائِس وَالْبيع والحشوش وَنَحْوهَا وَالْمعْنَى فِي الْكَرَاهَة فِيهَا أَنَّهَا مأوى الشَّيَاطِين وَفِي عطن الْإِبِل نفارها السالب للخشوع وَالْحق بِهِ مأواها لَيْلًا للمعنى الْمَذْكُور فِيهِ بِخِلَاف عطن الْغنم ومراحها أَي مأواها لَيْلًا وَالْبَقر كالغنم كَمَا قَالَه ابْن الْمُنْذر وَغَيره وَفِي الْمقْبرَة والمجزرة وَنَحْوهمَا كالمزبلة نجاستها فِيمَا يحاذى الْمصلى وَمن هُنَا يعلم أَنَّهَا لَا تكره فِي مَقَابِر الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وَفِي الطّرق اشْتِغَال الْقلب بمرور النَّاس فِيهَا وَقطع الْخُشُوع وَمحل كَرَاهَة الصَّلَاة فِيمَا مر إِذا اتَّسع وَقت الصَّلَاة وَإِلَّا فَلَا تكرم وَخرج بِمَا ذكر الصَّلَاة على سطح الْحمام والحش وَنَحْوهمَا فَلَا تكره وَبِقَوْلِهِ مَا نبشت المنبوشة فَلَا تصح الصَّلَاة فِيهَا مَا لم يحل طَاهِر والمشكوك فِي نبشها كَالَّتِي مَا نبشت (مَعَ صِحَة) أَي وَتَصِح الصَّلَاة فِي الْأَمْكِنَة الْمَكْرُوهَة لخَبر الصَّحِيحَيْنِ وَجعل لي الأَرْض مَسْجِدا بِخِلَافِهَا فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَالْفرق أَن تعلقهَا بِالْوَقْتِ أَشد من تعلقهَا بِالْمَكَانِ لتوقفها على أَوْقَات مَخْصُوصَة دون أمكنة مَخْصُوصَة فَكَانَ الْحَال فِي الْوَقْت أعظم وَلِهَذَا صحت فِي الْمَكَان الْمَغْصُوب (كحاقن) بالنُّون أَي مدافع للبول فَإِن صلَاته تكره كَرَاهَة تَنْزِيه مَعَ صِحَّتهَا (وحازق) بالزاي وَهُوَ المدافع للريح وَقيل هُوَ الحازق خفه على رجلَيْهِ لضيقه وَفِي مَعْنَاهُ الحاقب بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ المدافع للغائط وَكَرَاهَة الصَّلَاة مَعَ مَا ذكر لإذهاب الْخُشُوع فَينْدب أَن يفرغ نَفسه من هَذِه الْأَشْيَاء ثمَّ يُصَلِّي وَإِن فَاتَتْهُ الْجَمَاعَة وَأما تَحْرِيم هَذِه الْأَشْيَاء عِنْد غَلَبَة الظَّن بِحُصُول الضَّرَر بهَا فلأمر خَارج عَن الصَّلَاة (وَعند مَأْكُول صَلَاة التائق) بِالْمُثَنَّاةِ أَي المشتاق إِلَى الْمَأْكُول أَو المشروب وَقد حَضَره أَو قرب حُضُوره لخَبر مُسلم لَا صَلَاة بِحَضْرَة طَعَام وَلَا وَهُوَ يدافعه الأخبثان وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ إِذا وضع عشَاء أحدكُم وأقيمت الصَّلَاة فابدؤوا بالعشاء وَلَا يعجلن حَتَّى يفرغ مِنْهُ وَمحل الْكَرَاهَة عِنْد اتساع الْوَقْت فَإِن ضَاقَ الْوَقْت وَجب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي مدافعا وجائعا وعطشانا لحُرْمَة الْوَقْت وَلَا كَرَاهَة ثمَّ شرع فِي بَيَان الصَّلَاة المسنونة فَقَالَ (مسنونها) الْمسنون وَالنَّفْل والتطوع وَالْمَنْدُوب وَالْمُسْتَحب والمرغب فِيهِ مَا عدا الْفَرْض وَأفضل عبادات الْبدن بعد الْإِسْلَام الصَّلَاة ونفلها أفضل النَّوَافِل وَهُوَ قِسْمَانِ قسم تسن الْجَمَاعَة فِيهِ وَهُوَ أفضل من الْقسم الآخر لِأَن مَشْرُوعِيَّة الْجَمَاعَة فِيهِ تدل على تَأَكد أمره ومشابهته للفرائض لَكِن الْأَصَح تَفْضِيل الرَّاتِبَة على التَّرَاوِيح وَأفضل الْقسم الأول (العيدان) أَي صَلَاة عيد الْفطر وَصَلَاة عيد الْأَضْحَى لشبههما بِالْفَرْضِ فِي الْجَمَاعَة وَتَعْيِين الْوَقْت وللخلاف فِي أَنَّهُمَا فرض كِفَايَة وَأما خبر مُسلم أفضل الصَّلَاة بعد الْفَرِيضَة صَلَاة اللَّيْل فَمَحْمُول على النَّفْل الْمُطلق وَجرى ابْن المقرى فِي شرح إرشاده على تَسَاوِي الْعِيدَيْنِ فِي الْفَضِيلَة وَعَن ابْن عبد السَّلَام أَن عيد الْفطر أفضل وَكَأَنَّهُ أَخذه من تَفْضِيلهمْ تكبيره على تَكْبِير الْأَضْحَى لِأَنَّهُ مَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَكِن الْأَرْجَح فِي النّظر كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ تَرْجِيح عيد الْأَضْحَى لِأَنَّهُ فِي شهر حرَام وَفِيه نسكان الْحَج وَالْأُضْحِيَّة وَقيل إِن عشره أفضل من الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان انْتهى وَبِه جزم ابْن رَجَب الْحَنْبَلِيّ يدل لَهُ خبر أبي دَاوُد عَن عبد الله بن قرط أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن أعظم الْأَيَّام عِنْد الله يَوْم النَّحْر لَكِن أفتى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بِأَن عشر رَمَضَان أفضل من عشر ذِي الْحجَّة لِأَنَّهُ سيد الشُّهُور (والكسوف) أَي ثمَّ صَلَاة كسوف الشَّمْس (كَذَاك الاسْتِسْقَاء والخسوف) أَي ثمَّ صَلَاة خُسُوف الْقَمَر لخوف فوتهما بالانجلاء كالمؤقت بِالزَّمَانِ لدلَالَة الْقُرْآن عَلَيْهِمَا قَالَ الله تَعَالَى {لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر} الْآيَة وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتْرك الصَّلَاة لَهما بِخِلَاف الاسْتِسْقَاء فَأَنَّهُ تَركه أَحْيَانًا وَأما تَقْدِيم الْكُسُوف على الخسوف فلتقديم الشَّمْس على الْقَمَر فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار وَلِأَن الِانْتِفَاع بهَا أَكثر من الِانْتِفَاع بِهِ وَقد قيل إِن نوره مستمد من نورها وَقد اشْتهر اخْتِصَاص الْكُسُوف بالشمس والخسوف بالقمر فأطلقهما المُصَنّف بِنَاء على مَا اشْتهر من الِاخْتِصَاص وعَلى قَول الْجَوْهَرِي إِنَّه الأجود وَإِن كَانَ
(1/77)

الْأَصَح عِنْد الْجُمْهُور انهما بِمَعْنى وَاحِد ثمَّ صَلَاة الاسْتِسْقَاء لطلب الْجَمَاعَة فِيهَا كالفريضة ثمَّ شرع فِي بَيَان الْقسم الَّذِي لَا تسن الْجَمَاعَة فِيهِ فَقَالَ (وَالْوتر رَكْعَة) هُوَ بدل من الْوتر أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ بِكَسْر الْوَاو وَفتحهَا أَي هُوَ رَكْعَة (لإحدى عشر) أَي ثمَّ الْأَفْضَل بَعْدَمَا مر صَلَاة الْوتر لخَبر أوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَلخَبَر الْوتر حق على كل مُسلم فَمن أحب أَن يُوتر بِخمْس فَلْيفْعَل أَو بِثَلَاث فَلْيفْعَل أَو بِوَاحِدَة فَلْيفْعَل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح وَصَححهُ الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ والصارف لَهُ عَن الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى {وَالصَّلَاة الْوُسْطَى} إِذْ لَو وَجب لم يكن للصلوات وسطى وَخبر إِن الله افْترض عَلَيْكُم خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَخبر هَل على غَيرهَا قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع فَإِن شَاءَ أوتر بِوَاحِدَة والاقتصار عَلَيْهَا خلاف الأولى أَو بِثَلَاث وَهِي أدنى الْكَمَال أَو بِخمْس أَو بِسبع أَو بتسع أَو بِإِحْدَى عشرَة وَهِي الْأَكْثَر للْأَخْبَار الصَّحِيحَة كَخَبَر الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة مَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يزِيد فِي رَمَضَان وَلَا فِي غَيره على إِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَوَقته (بَين) فعل (صَلَاة للعشا) بِالْقصرِ للوزن وَإِن جمعهَا تَقْدِيمًا أَو لم يصل بعْدهَا نَافِلَة (و) طُلُوع (الْفجْر) للْإِجْمَاع وَلخَبَر إِن الله قد أمدكم بِصَلَاة هِيَ خيرا لكم من حمر النعم وَهِي الْوتر فَجَعلهَا لكم من الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ الْحَاكِم وَابْن السكن وَلمن صلى الْوتر أَكثر من رَكْعَة الْفَصْل بِأَن يسلم من كل رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ الْأَفْضَل لِأَنَّهُ أَكثر أَخْبَارًا وَعَملا وَظَاهر أَن الْعدَد الْكثير الْمَوْصُول أفضل من الْعدَد الْقَلِيل المفصول لزِيَادَة الْعِبَادَة والوصل بتشهد أَو بتشهدين فِي الْأَخِيرَتَيْنِ للإتباع رَوَاهُ مُسلم فَيمْتَنع تشهده فِي غير الْأَخِيرَتَيْنِ وزيادته على تشهدين لِأَنَّهُ خلاف الْمَنْقُول وَأَصَح الْأَوْجه أَن التَّشَهُّد أفضل من التشهدين وَتَأْخِير الْوتر أفضل لمن كَانَ لَهُ تهجد ووثق بيقظته لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (اجعلوا آخر صَلَاتكُمْ من اللَّيْل وترا) وَلخَبَر مُسلم بَادرُوا الصُّبْح بالوتر وَمن خَافَ أَن لَا يقوم آخر اللَّيْل فليوتر أَوله وَمن طمع أَن يقوم آخِره ليوتر آخر اللَّيْل فَإِن صَلَاة آخر اللَّيْل مَشْهُودَة وَذَلِكَ أفضل فَإِن لم يكن لَهُ تهجد وَلم يَثِق بيقظنه فتقديم الْوتر أفضل مر وَإِمَّا خبر أبي هُرَيْرَة أَوْصَانِي خليلي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِثَلَاث صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وركعتي الضُّحَى وَإِن أوتر قبل أَن أَنَام فَإِنَّهُ مَحْمُول على من لم يَثِق بِالْقيامِ آخر اللَّيْل جمعا بَين الْأَخْبَار وَلَو أوتر ثمَّ تهجد لم يعده لخَبر لَا وتران فِي لَيْلَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه ثِنْتَانِ قبل الصُّبْح أَي رواتب الْفَرَائِض الْمُؤَكّدَة عشر رَكْعَات رَكْعَتَانِ قبل فرض الصُّبْح وهما أفضلهَا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة لم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على شَيْء من النَّوَافِل أَشد تعاهدا مِنْهُ على رَكْعَتي الْفجْر وَخبر مُسلم رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (وَالظّهْر كَذَا وَبعده) أَي رَكْعَتَانِ قبل فرض الظّهْر وركعتان بعده (و) رَكْعَتَانِ بعد فرض (مغرب ثمَّ) رَكْعَتَانِ بعد فرض (الْعشَاء) للإتباع رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَثمّ فِي كَلَامه للتَّرْتِيب الذكرى لَا الْمَعْنَوِيّ إِذْ الثمان رَكْعَات فِي مرتبَة وَاحِدَة (وَسن رَكْعَتَانِ قبل الظّهْر تزاد) أَي وركعتان بعده لخَبر من حَافظ على أَربع رَكْعَات قبل الظّهْر وَأَرْبع بعْدهَا حرمه الله على النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وصححوه وَالْجُمُعَة كالظهر (كالأربع قبل الْعَصْر) أَي وَأَرْبع قبل الْعَصْر لخَبر رحم الله امْرأ صلى قبل الْعَصْر أَرْبعا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان وَصَححهُ وَيسن أَيْضا رَكْعَتَانِ خفيفتان قبل الْمغرب كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامه وركعتان قبل الْعشَاء ثمَّ التَّرَاوِيح أَي ثمَّ الْأَفْضَل بعد الرَّوَاتِب التَّرَاوِيح لسنة الْجَمَاعَة فِيهَا (فندبا تفعل) تأكدا وَهِي عشرُون رَكْعَة بِعشر تسليمات وَذَلِكَ خمس ترويحات كل ترويحة أَربع رَكْعَات بتسليمتين وَالْأَصْل فِيهَا خبر الصَّحِيحَيْنِ عَن
(1/78)

عَائِشَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلاهَا ليَالِي فصلوها مَعَه ثمَّ تَأَخّر وَصلى فِي بَيته بَاقِي الشَّهْر وَقَالَ خشيت أَن تفرض عَلَيْكُم فتعجزوا عَنْهَا وَلِأَن عمر جمع النَّاس على قيام شهر رَمَضَان الرِّجَال على أبي بن كَعْب وَالنِّسَاء على سلمَان بن أبي خَيْثَمَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأما خبر مَا كَانَ يزِيد فِي رَمَضَان وَلَا غَيره على أحدى عشرَة رَكْعَة فَمَحْمُول على الْوتر قَالَ الحليمى والسر فِي كَونهَا عشْرين أَن الرَّوَاتِب الْمُؤَكّدَة فِي غير رَمَضَان عشر رَكْعَات فضوعفت فِيهِ بِأَن وَقت جد وتشمير وَلَو صلاهَا أَرْبعا أَرْبعا بِتَسْلِيمَة لم تصح لشبهها بالفرائض فِي طلب الْجَمَاعَة فَلَا تغير عَمَّا ورد بِخِلَاف الرَّوَاتِب وَالضُّحَى وَلأَهل الْمَدِينَة فعلهَا سِتا وَثَلَاثِينَ رَكْعَة لِأَن الْعشْرين خمس ترويحات وَكَانَ أهل مَكَّة يطوفون بَين كل ترويحتين سَبْعَة أَشْوَاط فَجعل لأهل الْمَدِينَة بدل كل أُسْبُوع ترويحة وَلَا يجوز ذَلِك لغَيرهم لِأَن لأهل الْمَدِينَة شرفا بهجرته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومدفنه ووقتها بَين فعل فرض الْعشَاء وطلوع الْفجْر (ثمَّ) الْأَفْضَل بعد التَّرَاوِيح (الضُّحَى) لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَة بِزَمَان (وَهِي ثَمَان افضل) أَي وأكثرها ثنتا عشرَة رَكْعَة على مَا فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا وَالْأَكْثَرُونَ كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَصَححهُ فِي التَّحْقِيق أَن أَكْثَرهَا ثَمَان وَهُوَ الْمُعْتَمد لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أم هَانِيء أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلاهَا ثَمَان رَكْعَات وعنها أَيْضا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْفَتْح صلى سبْحَة الضُّحَى ثَمَان رَكْعَات سلم من كل رَكْعَتَيْنِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح وَمَا قيل من أَن هَذَا لَا يدل على أَن أَكْثَرهَا ثَمَان رد بإن الأَصْل فِي الْعِبَادَات التَّوْقِيف وَلم تصح الزِّيَادَة عَن ذَلِك (تنتان أدناها) أَي أقلهَا لخَبر أبي هُرَيْرَة السَّابِق وَلخَبَر مُسلم يصبح على كل سلامي من أحدكُم صَدَقَة ويجزىء من ذَلِك رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهمَا من الضُّحَى وَأدنى الْكَمَال أَربع وأكمل مِنْهُ سِتّ وَيسن أَن يسلم من كل رَكْعَتَيْنِ (ووقتها) الْمُخْتَار (هوا من ارْتِفَاع الشَّمْس حَتَّى الاستوا أى إِلَى استوائها كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَفِي الْمَجْمُوع وَالتَّحْقِيق إِلَى الزَّوَال ووقتها الْمُخْتَار ربع النَّهَار وَألف هوا للإطلاق (وَالنَّفْل فِي اللَّيْل من الْمُؤَكّد) أَي النَّفْل الْمُطلق وَهُوَ غير الْمُؤَقت وَذي السَّبَب فِي اللَّيْل من الْمسنون الْمُؤَكّد فَهُوَ أفضل من النَّفْل الْمُطلق فِي النَّهَار لخَبر مُسلم (أفضل الصَّلَاة بعد الْفَرِيضَة صَلَاة اللَّيْل) وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي ذَر الصَّلَاة خير مَوْضُوع استكثر مِنْهَا أوأقل رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْأَفْضَل أَن يسلم من كل رَكْعَتَيْنِ لخَبر صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى صَححهُ البُخَارِيّ والخطابي وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم وَإِذا زَاد على رَكْعَة فَلهُ أَن يتَشَهَّد فِي كل رَكْعَتَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَكثر لِأَن ذَلِك مَعْهُود فِي الْفَرَائِض فِي الْجُمْلَة وَلَيْسَ لَهُ أَن يتَشَهَّد فِي كل رَكْعَة وَإِن جَازَ لَهُ أَن يتَنَفَّل بِرَكْعَة مُفْردَة لِأَنَّهُ اختراع صُورَة فِي الصَّلَاة لم تعهد (وندبوا تَحِيَّة الْمَسْجِد) أَي غير الْمَسْجِد حرَام أَي لداخله وَإِن لم يرد الْجُلُوس وَمن ذكره جرى على الْغَالِب لِأَن الْأَمر بذلك مُعَلّق على مُطلق الدُّخُول تَعْظِيمًا للبقعة وَإِقَامَة للشعار كَمَا يسن لداخل مَكَّة الْإِحْرَام وَإِن لم يرد الْإِقَامَة بهَا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَيكْرَه لَهُ أَن يجلس من غير تَحِيَّة بِلَا عذر (ثِنْتَانِ فِي تَسْلِيمَة) أَي هِيَ ثِنْتَانِ فَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف (لَا أكثرا) أَي لَا يزِيد على تَسْلِيمَة وَاحِدَة فَلهُ أَن يُصليهَا مائَة رَكْعَة فَأكْثر بِتَسْلِيمَة وَتَكون كلهَا تَحِيَّة لاشتمالها على الرَّكْعَتَيْنِ فَإِن سلم من رَكْعَتَيْنِ وَزَاد عَلَيْهِمَا بنيتهما فِي وَقت الْكَرَاهَة لم تصح أَو سلم فِي غير ذَلِك فَكَذَلِك إِن علم امْتِنَاعه وَإِلَّا انْعَقَدت نَافِلَة مُطلقَة مُطلقَة (تحصل بِالْفَرْضِ) وَلَو قَضَاء أَو نذرا (وَنفل آخرا) سَوَاء نَوَاهَا مَعَ ذَلِك أم أطلق لِأَن الْقَصْد بهَا أَن لَا تنتهك حُرْمَة الْمَسْجِد بِلَا صَلَاة وَكَلَامهم كَالصَّرِيحِ أَو صَرِيح فِي حُصُول فَضلهَا وَإِن لم تنو
(1/79)

لما مر وان بحث بعض الْمُتَأَخِّرين كالأذرعى عدم حُصُوله حِينَئِذٍ وَألف أكثرا وآخرا للإطلاق (لَا فَرد رَكْعَة وَلَا) صَلَاة (جَنَازَة وَسجْدَة للشكر أَو تِلَاوَة) للْخَبَر الْمَار وَتحصل بِرَكْعَتَيْنِ وَلَو من جُلُوس فيهمَا (كرر بتكرير دُخُول يقرب) أَي ويكرر التَّحِيَّة بِتَكَرُّر الدُّخُول وَأَن قرب كَمَا تكَرر عِنْد بعده لتجدد السَّبَب كتكرر سَجْدَة التِّلَاوَة بِتَكَرُّر آيتها وَلَو قربت وتفوت بجلوسه قبل فعلهَا وَإِن قصر الْفَصْل إِلَّا بجلوس قصير سَهوا أَو جهلا وَتكره تَحِيَّة الْمَسْجِد فِي صور كَأَن دخل وَالْإِمَام فِي مَكْتُوبَة أَو فِي إِقَامَة أَو وَقد قربت بِحَيْثُ تفوته تَكْبِيرَة الْإِحْرَام لَو اشْتغل بهَا اَوْ دخل الْمَسْجِد الْحَرَام بل يطوف وَالأَصَح عدم ندبها للخطيب عِنْد صُعُوده الْمِنْبَر (وركعتان إِثْر شمس تغرب) أَي تسن رَكْعَتَانِ قبل الْمغرب لخَبر الصَّحِيحَيْنِ بَين كل أذانين صَلَاة وَالْمرَاد الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَلخَبَر البُخَارِيّ صلوا قبل صَلَاة الْمغرب أَي رَكْعَتَيْنِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيسن تخفيفهما فِي الْمِنْهَاج قَالَ فِي الْمَجْمُوع واستحبابهما قبل شُرُوع الْمُؤَذّن فِي الْإِقَامَة فَإِن شرع فِيهَا كره الشُّرُوع فِي غير الْمَكْتُوبَة (وفائت النَّفْل الْمُؤَقت اندب) أَنْت (قَضَاءَهُ) مُطلقًا من غير تَقْيِيد بِوَقْت كقضاء الْفَرَائِض جَامع التَّأْقِيت وَإِن لم تشرع لَهُ جمَاعَة كنفل أتحذه وردا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ من نَام عَن صَلَاة أونسيها فليصلها إِذا ذكرهَا وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى بعد الشَّمْس ركعتى الْفجْر وَبعد الْعَصْر الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بعد الظّهْر وَلخَبَر أبي دَاوُد بِإِسْنَاد حسن من نَام عَن وتره أونسيه فليصله إِذا دكره (لَا فائتا ذَا سَبَب) ككسوف واستسقاء واستخارة وتحية فَلَا تقضى إِذْ فعله لعَارض وَقد زَالَ وَكَذَلِكَ النَّفْل الْمُطلق لَا يقْضى كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامه نعم إِن شرع فِيهِ ثمَّ أفْسدهُ قَضَاهُ كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي صَوْم التَّطَوُّع وَالْقَضَاء فِيهِ بِمَعْنَاهُ اللّغَوِيّ (والفور) أولى فِي قَضَاء مَا فَاتَهُ من الصَّلَوَات بِعُذْر كنوم ونسيان تعجيلا لبراءة ذمَّته وتداركا لما فَاتَهُ من الْخلَل فَإِن أَخّرهُ جَازَ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاتَتْهُ صَلَاة الصُّبْح فِي الْوَادي فَلم يقضها حَتَّى خرج مِنْهُ أما مَا فَاتَهُ بِغَيْر عذر فالفور فِي قَضَائِهِ وَاجِب لِأَن توسعة الْوَقْت فِي الْقَضَاء رخصَة والرخص لَا تناط بِالْمَعَاصِي وَلِأَنَّهُ مفرط فِي تَأْخِيره بِغَيْر عذر (وَالتَّرْتِيب فِيمَا فاتا) أَي فَاتَهُ من الصَّلَوَات (أولى) لترتيبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فوائت الخَنْدَق حِين أخر الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء إِلَى هوى اللَّيْل وللخروج من خلاف من أوجبه وَإِنَّمَا لم يجب ترتيبها لِأَنَّهَا عبادات مُسْتَقلَّة وترتيبها من تَوَابِع الْوَقْت وضروراته فَلَا يعْتَبر فِي الْقَضَاء كصيام أَيَّام رَمَضَان وَلِأَنَّهَا دُيُون عَلَيْهِ فَلَا يجب ترتيبها إِلَّا بِدَلِيل وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُجَرّد إِنَّمَا يدل على الِاسْتِحْبَاب (لمن لم يختش الفواتا) أَي أَن أَوْلَوِيَّة فورية قَضَاء مَا فَاتَهُ وأولوية ترتيبه كِلَاهُمَا لمن لم يخف فَوَات الصَّلَاة الْحَاضِرَة بِأَن اتَّسع وَقتهَا فَإِن خَافَ فَوتهَا قدمهَا على الْفَائِتَة وجوبا لِئَلَّا تصير فَائِتَة فَإِن الشَّرْع فِي الْفَائِتَة ثمَّ بَان ضيق وَقت الْحَاضِرَة وَجب عَلَيْهِ قطعهَا وَلَو تذكر الْفَائِتَة فِي أثْنَاء الْحَاضِرَة لم يقطعهَا ضَاقَ وَقتهَا أم اتَّسع وَشَمل تَعْبِيره بالفوات كالرافعي فِي كتبه وَالنَّوَوِيّ فِي منهاجه مَا لَو كَانَ قدم الْفَائِتَة أدْرك رَكْعَة من الْحَاضِرَة فِي وَقتهَا وَهُوَ كَذَلِك بِنَاء على أَنَّهَا كلهَا أَدَاء وَإِن اقْتضى تَعْبِير الرَّوْضَة بالضيق خِلَافه وَلَو خَافَ فَوَات جمَاعَة الْحَاضِرَة مَعَ اتساع وَقتهَا فَالْأَفْضَل عِنْد النَّوَوِيّ تَقْدِيم الْفَائِتَة مُنْفَردا ثمَّ إِن اِدَّرَكَ مَعَ الْجَمَاعَة شَيْئا من الْحَاضِرَة فعله والإ صلاهَا مُنْفَردا لِأَن التَّرْتِيب مُخْتَلف فِي وُجُوبه وَالْقَضَاء خلف الْأَدَاء مُخْتَلف فِي جَوَازه ورد الأسنوي لذَلِك مَرْدُود بِأَن النَّوَوِيّ لم ينْفَرد بِهِ بل سبقه إِلَيْهِ جمَاعَة وَبِأَن الْخلاف فِي التَّرْتِيب خلاف فِي الصِّحَّة فرعايته أولى من الْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ من التكميلات وَشَمل إِطْلَاقهم أَوْلَوِيَّة تَرْتِيب الْفَوَائِت مَا زَاد
(1/80)

على صلوَات يَوْم وَلَيْلَة خُرُوجًا من خلاف أَحْمد وَإِن قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة لَا يجب التَّرْتِيب فِيمَا زَاد على صلوَات يَوْم وَلَيْلَة وَمَا إِذا فَاتَت كلهَا بِعُذْر أَو بِغَيْرِهِ أَو بَعْضهَا بِعُذْر وَبَعضهَا بِغَيْرِهِ وَإِن تَأَخّر وَهُوَ كَذَلِك وَإِن اسْتشْكل بعض الْمُتَأَخِّرين الْقسم الْأَخير مِنْهَا وَألف فاتا والفواتا للإطلاق (وَجَاز تَأْخِير مقدم أدا) أى جَازَ تَأْخِير راتب مقدم على الْفَرْض عَن فعله حَال كَونه أَدَاء لامتداد وقته بامتداد وَقت فَرْضه وَإِن خرج وقته الْمُخْتَار بِفِعْلِهِ وَقد يُؤمر بِتَأْخِيرِهِ عَنهُ كمن حضر والامام فِيهِ لخَبر إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة (وَلم يجز لما يُؤَخر ابتدا) أَي لَا يجوز الِابْتِدَاء بالراتب الْمُؤخر عَن الْفَرْض قبل فعله لِأَن وقته إِنَّمَا يدْخل بِفِعْلِهِ (وَيخرج النوعان) أَي الرَّاتِب الْمُقدم والراتب الْمُؤخر (جمعا) أَي جمعيا (بِانْقِضَاء مَا وَقت الشَّرْع لما قد فرضا) أَي بِانْقِضَاء وَقت الْفَرْض الْمُقدر لَهُ شرعا لِأَنَّهُمَا تابعان لَهُ وَألف فرضا للإطلاق (ثمَّ الْقعُود جَائِز فِي) صَلَاة (النَّفْل) وَلَو كَانَت عيدين أَو كسوفين أَو استسقاء (لغير عذر) أَي من قَادر على الْقيام فِيهَا من غير مشقة شَدِيدَة (وَهُوَ أَي فضل فعله قَاعِدا (نصف الْفضل) أَي نصف فَضله قَائِما كَمَا أَن فضل فعله مُضْطَجعا نصف فَضله قَاعِدا لخَبر البُخَارِيّ من صلى قَائِما فَهُوَ أفضل وَمن صلى قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم وَمن صلى نَائِما أَي مُضْطَجعا فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد وَهُوَ وَارِد فِيمَن صلى النَّفْل كَذَلِك مَعَ قدرته على الْقيام أَو الْقعُود وَهَذَا فِي حَقنا أما فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فثواب نفله قَاعِدا مَعَ قدرته على الْقيام كثوابه قَائِما وَهُوَ من خَصَائِصه وَخرج بقوله لغير عذرا مَا إِذا فعله قَاعِدا أَو مُضْطَجعا لعذر فَإِنَّهُ لَا ينقص أجره كالفرض بل أولى وَلَو صلى مَعَ الْقُدْرَة عشرَة من قيام وَعشْرين من قعُود اتجه تَفْصِيل الْعشْرَة لِأَنَّهَا أشق وَإِن كَانَ ظَاهر الحَدِيث التَّسَاوِي وَلَا يجوز قعُود الصَّبِي الْقَادِر فِي الْمَكْتُوبَة وَلَا الْقعُود فِي الْفَرِيضَة الْمُعَادَة على الْأَصَح فيهمَا وَلما كَانَت الصَّلَاة تشْتَمل على فروض وَتسَمى أركانا وعَلى سنَن تَنْقَسِم إِلَى أبعاض وهيئات بَدَأَ بِذكر أَرْكَانهَا فَقَالَ (أَرْكَانهَا) وَمن الْمَعْلُوم اشْتِرَاط الرُّكْن وَالشّرط فِي أَنه لَا بُد مِنْهُمَا وَلَكِن الْفرق بَينهمَا أَن الشَّرْط مَا اعْتبر فِي الصَّلَاة بِحَيْثُ يقارن كل مُعْتَبر سواهُ كالطهر والستر واستقبال الْقبْلَة فَإِنَّهُمَا تعْتَبر مقارنتها للرُّكُوع وَغَيره والركن مَا اعْتبر فِيهَا لَا بِهَذَا الْوَجْه كالقيام وَالرُّكُوع وَغَيرهمَا فأركانها (ثَلَاث عشر) كَمَا فِي الْمِنْهَاج وَأَصله بِجعْل الطُّمَأْنِينَة فِي محالها الْأَرْبَعَة من الرُّكُوع وَمَا بعده كالهيئة التابعة وَجعلهَا فِي الرَّوْضَة وَالتَّحْقِيق سَبْعَة عشر بِجعْل الطُّمَأْنِينَة فِي محالها الْأَرْبَعَة أركانا وَيُؤَيّد الأول كَلَامهم فِي التَّقَدُّم والتأخر بِرُكْن أَو أَكثر وَبِه يشْعر خبر إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة وَالْمعْنَى لَا يخْتَلف الأول 0 النِّيَّة) لِأَنَّهَا وَاجِبَة فِي بعض الصَّلَاة وَهُوَ أَولهَا فَكَانَت ركنا كالتكبير وَقد مر الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الْمُقدمَة (فِي الْفَرْض) أَي أوجب أَنْت فِي الْفَرْض وَلَو كِفَايَة أَو نذرا 0 قصد الْفِعْل) أَي فعل الصَّلَاة لتمتاز عَن بَقِيَّة الْأَفْعَال وَهِي هُنَا مَا عدا النِّيَّة لِأَنَّهَا لَا تنوى فَلَا يَكْفِي إحضارها فِي الذِّهْن مَعَ الْغَفْلَة عَن الْفِعْل لِأَنَّهُ الْمَطْلُوب (والفرضية) أَي إِن كَانَ الْمصلى بَالغا تمييزا لَهَا عَن صَلَاة الصَّبِي (أوجب مَعَ التَّعْيِين) لَهُ من كَونه ظهرا أَو عصرا أَو جُمُعَة مثلا فَلَا تصح الْجُمُعَة بنية الظّهْر كَعَكْسِهِ وَلَا تكفى نِيَّة فرض الْوَقْت لصدقه بالفائدة الَّتِي تذكرها وَصوب فِي الْمَجْمُوع عدم وجوب نِيَّة الْفَرْضِيَّة فِي صَلَاة الصَّبِي وَصَححهُ فِي التَّحْقِيق إِذْ كَيفَ يَنْوِي فرض مَا لَا يَقع فرضا وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَإِن سوى فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا بَين الْبَالِغ وَالصَّبِيّ (أما) النَّفْل 0 ذُو سَبَب كالكسوف وَالِاسْتِسْقَاء
(1/81)

(وَالْوَقْت) كالعيدين والرواتب (فالقصد) أَي قصد فعله (تعْيين) لَهُ (وَجب) وَلَا تجب نِيَّة النفلية لِأَنَّهَا مُلَازمَة للنفل (كالوتر) وَإِن زَاد على رَكْعَة وفصله فينوى فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَإِن كَانَتَا شفعا الْوتر كَمَا ينوى فِي جَمِيع رَكْعَات التَّرَاوِيح وَله أَن ينوى فِيمَا سوى الْأَخِيرَة مِنْهُ إِذا فَصله صَلَاة اللَّيْل اَوْ مُقَدّمَة الْوتر أَو سنته وَهِي أولى وَأفَاد بقوله كالوتر عدم إِضَافَته للعشاء لِأَنَّهُ سنة مُسْتَقلَّة ويميز عيد الْفطر عَن الْأَضْحَى أَو سنة الظّهْر الَّتِي قبلهَا عَن الَّتِي بعْدهَا وَإِن لم يؤخرها وَلَا يجب التَّعْيِين فِي تَحِيَّة الْمَسْجِد وركعتي الْوضُوء وَالطّواف وَالْإِحْرَام والاستخارة وَنَحْوهَا 0 أما مُطلق من نفلها) وَهُوَ مَا لَا وَقت لَهُ وَلَا سَبَب (فَفِيهِ تَكْفِي نِيَّة لفعلها) لِأَنَّهُ أدنى دَرَجَات الصَّلَاة فَإِذا نَوَاهَا وَجب أَن يحصل لَهُ (دون إِضَافَة لذِي الْجلَال) فَلَا تجب لِأَن الْعِبَادَة لَا تكون إِلَّا لَهُ تَعَالَى (وَعدد الرَّكْعَات) لَكِن لَو عين وَأَخْطَأ لم تَنْعَقِد لِأَنَّهُ قد نوى غير الْوَاقِع وَلِأَن مَا يجب التَّعَرُّض لَهُ جملَة أَو تَفْصِيلًا يضر الْخَطَأ فِيهِ (واستقبال) للْقبْلَة فَلَا يجب إِذْ التَّعَرُّض للشّرط غير وَاجِب وَلَا كَونهَا أَدَاء وَقَضَاء وَلَو ظن خُرُوج الْوَقْت فَصلاهَا قَضَاء فَبَان قَضَاؤُهُ أَو ظن بَقَاءَهُ فَصلاهَا أَدَاء فَبَان خُرُوجه أَجْزَأته لِأَن كلا من الْأَدَاء وَالْقَضَاء يَأْتِي بِمَعْنى الآخر مَعَ كَونه مَعْذُورًا بِخِلَاف الْمُتَعَمد لتلاعبه (ثَان) من الْأَركان (قيام قَادر الْقيام) فِي الْفَرْض وَإِن كَانَ معاد أَو الْفَاعِل لَهُ صَبيا لخَبر البُخَارِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ كَانَت بِي بواسير فَسَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الصَّلَاة فَقَالَ صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا فَإِن لم تستطع فعلى جنب زَاد النَّسَائِيّ فَإِن لم تستطع فمستلقيا لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا وَخرج بِالْفَرْضِ النَّفْل وَقد مر وبالقادر الْعَاجِز وسيأتى وَشَرطه نصب فقار الظّهْر فَلَو اسْتندَ إِلَى شَيْء أَجْزَأَ وَلَو تحامل عَلَيْهِ وَإِن كَانَ بِحَيْثُ يرفع قَدَمَيْهِ أَو انحنى قَرِيبا من حد الرُّكُوع أَو مائلا على أحد جَنْبَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُسمى قَائِما لم يَصح وَلَو قدر الْعَاجِز عَن الْقيام مُسْتقِلّا على الْقيام مُتكئا على شَيْء أَو قدر على الْقيام على رُكْبَتَيْهِ أَو قدر على النهوض بِمعين وَلَو بِأُجْرَة مثل وجدهَا فاضلة عَن مُؤْنَته وَمؤنَة ممون يَوْمه وَلَيْلَته لزمَه ذَلِك (وثالث) من الْأَركان (تَكْبِيرَة الْإِحْرَام) فِي الْقيام أَو بدله لخَبر الْمُسِيء صلَاته (إِذا قُمْت إِلَى صَلَاة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تعدل قَائِما ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ (ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تسوى قَائِما ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا وَفِي صَحِيح ابْن حبَان بدل قَوْله حَتَّى تعتدل قَائِما حَتَّى تطمئِن قَائِما (وَلَو مُعَرفا عَن التنكير) أَي كَيْفيَّة التَّكْبِير الله أكبر وَالله أكبر مُنْكرا ومعرفا وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن الزِّيَادَة الَّتِي لَا تمنع الِاسْم لَا تضر كالله الْجَلِيل أكبر وَالله عز وَجل أكبر بِخِلَاف مَا إِذا طَال بِهِ الْفَصْل كالله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أكبر كَمَا فِي التَّحْقِيق خلافًا للماوردي وَأولى مِنْهُ بِالْبُطْلَانِ زِيَادَة شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الَّذِي بعد الْجَلالَة وَلَو تخَلّل غير النعوت كالله ضرّ يَا أكبر مُطلقًا كَمَا قَالَه ابْن الرّفْعَة وَغَيره وَمثله الله يارحمن أكبر وَنَحْوه فِيمَا يظْهر لإيهامه الاعراض عَن التَّكْبِير إِلَى الدُّعَاء وَعلم أَنه لَو فَاتَ أفعل كالله كَبِير أَو عكس فَقَالَ أكبر الله أَو الْأَكْبَر الله لم تَنْعَقِد لِأَنَّهُ لَا يُسمى تَكْبِيرا بِخِلَاف عَلَيْكُم السَّلَام وَأَنه لَو طَال سُكُوته بَين كلمتي التَّكْبِير أَو زَاد حرفا فِيهِ حَتَّى تغير الْمَعْنى كمد همزَة الله أَو ألفا بعد الْبَاء أَو واوا سَاكِنة اَوْ متحركة بَينهمَا لم تَنْعَقِد أَيْضا وَيجب أَن يكبر قَائِما حَيْثُ يلْزمه الْقيام وَأَن يسمع نَفسه إِن كَانَ صَحِيح السّمع لَا عَارض عِنْده من لغط أَو غَيره وَأَن يكبر بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن عجز عَنْهَا وَهُوَ نَاطِق ترْجم عَنْهَا بِأَيّ لُغَة شَاءَ وَلَا يعدل إِلَى غَيره من الْأَذْكَار وَوَجَب التَّعَلُّم إِن قدر
(1/82)

عَلَيْهِ وَلَو بِالسَّفرِ إِلَى بلد آخر وَبعد التَّعَلُّم لَا يلْزمه قَضَاء مَا صلاه بالترجمة قبله إِلَّا إِن كَانَ اخره مَعَ التَّمَكُّن مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا بُد من صلَاته بالترجمة عِنْد ضيق الْوَقْت لِحُرْمَتِهِ وَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء لتَفْرِيطه بِالتَّأْخِيرِ وَيجب على الْأَخْرَس تَحْرِيك لِسَانه وشفتيه ولهاته بِالتَّكْبِيرِ قدر أمكانه قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَهَكَذَا حكم تشهده وَسَلَامه وَسَائِر أذكاره (وقارن النِّيَّة بِالتَّكْبِيرِ فِي كُله حتما أَي وجوبا لِأَنَّهُ أول الْأَركان بِأَن يستحضر جَمِيع مَا أوحببناه عِنْد أَوله وَيسْتَمر ذَاكِرًا لَهُ إِلَى آخِره بِحَيْثُ يقارن كل حرف مِنْهُ كَمَا يجب حُضُور شُهُود النِّكَاح إِلَى الْفَرَاغ مِنْهُ (ومختار الإِمَام) أَي إِمَام الْحَرَمَيْنِ (وَالنَّوَوِيّ بِسُكُون الْيَاء إِجْرَاء للوصل مجْرى الْوَقْف (وَحجَّة الْإِسْلَام) الْغَزالِيّ الِاكْتِفَاء بالمقارنة الْعُرْفِيَّة عِنْد الْعَوام وَهِي أَنه (يكفى بِأَن يكون قلب الْفَاعِل مستحضر النِّيَّة) للصَّلَاة عرفا (غير غافل) عَنْهَا اقْتِدَاء بالأولين فِي تسامحهم بذلك وَقَالَ ابْن الرّفْعَة إِنَّه الْحق والسبكي إِنَّه الصَّوَاب وَالْمُعْتَمد الأول 0 ثمَّ انحنى لعَجزه أَن ينْتَصب) أَي ثمَّ انحنى مصلى الْفَرْض وَلَو كانحناء الرَّاكِع لعَجزه عَن أَن ينْتَصب قَائِما لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْقيام وَيزِيد انحناءه لركوعه إِن قدر ليتميز الركنان وَلَو أمكنه الْقيام والاضطجاع دون الْقعُود أَتَى بِهِ قَائِما لِأَنَّهُ قعُود وَزِيَادَة فيومىء بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود قدر امكانه ويتشهد قَائِما وَلَا يضطجع (من لم يطق) الْقيام فِي الْفَرْض بَان يشق عَلَيْهِ مشقة شَدِيدَة كخوف هَلَاك أَو زِيَادَة مرض أَو غرق أَو دوران رَأس فِي ذَلِك (يقْعد كَيْفَمَا يجب) لَكِن افتراشه أفضل من تربعه وَغَيره لِأَنَّهُ قعُود لِلْعِبَادَةِ فَكَانَ أولى من قعُود الْعَادة وَلِأَنَّهُ قعُود لَا يعقبه سَلام كالقعود للتَّشَهُّد الأول وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن تربع الْمَرْأَة أفضل لِأَنَّهُ أستر لَهَا لَكِن قَالَ فِي الْمَجْمُوع لم أره لغيره وَإِطْلَاق الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب يُخَالِفهُ وَمن صلى قَاعِدا انحنى لركوعه بِحَيْثُ يحادي جَبهته مَا قُدَّام رُكْبَتَيْهِ والأكمل أَن تحادى مَوضِع سُجُوده وَلَو جلس الْغُزَاة أَو رقيبهم فِي مكمن وَلَو قَامُوا لرآهم الْعَدو أَو فسد التَّدْبِير صلوا قعُودا وأعادوا لندرة الْعذر وَلَو صلوا قعُود لخوف قصد الْعَدو فَلَا إِعَادَة كَمَا فِي الرَّوْضَة قَالَ فِي زيادتها الَّذِي اخْتَارَهُ الإِمَام فِي ضبط الْعَجز أَن تلْحقهُ مشقة شَدِيدَة تذْهب خشوعه وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع إِنَّه لَا بُد من مشقة ظَاهِرَة قَالَ المُصَنّف وَقد كنت أخذت بقول الإِمَام فِي النّظم فَقلت ... وَمن خشوعه إِذا قَامَ ذهب ... صلى وجوبا قَاعِدا كَمَا أحب ...
ثمَّ لما رَأَيْت الْجَمَاعَة خالفوه عدلت عَنهُ انْتهى (وعاجز عَن الْقعُود) فِي الْفَرْض بِمَا مر فِي الْعَجز عَن الْقيام (صلى لجنبه) أَي عَلَيْهِ مُتَوَجها بمقدمة الْبدن الْقبْلَة لخَبر عمرَان السَّابِق (بِالْيَمِينِ) أَي وَالصَّلَاة على الْجنب الْيَمين (أولى) لينال فَضِيلَة التَّيَامُن بل تكره على الْيَسَار بِلَا عذر كَمَا فِي الْمَجْمُوع (ثمَّ يصلى) الْفَرْض (عَاجز) عَن الِاضْطِجَاع (على قَفاهُ) للْخَبَر الْمَار وَيجْعَل رجلَيْهِ إِلَى الْقبْلَة وَيرْفَع رَأسه قَلِيلا (وبالركوع وَالسُّجُود أَو ماه بِالرَّأْسِ أَي أَوْمَأ المضطجع والمستلقي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود إِن عجز عَن إِتْمَامهمَا بِأَن يقرب جَبهته من الأَرْض مَا أمكنه وَيكون سُجُوده أَخفض من رُكُوعه تمييزا بَينهمَا وَلَو قدر الْقَاعِد على أقل رُكُوع الْقَاعِد أَو أكمله من غير زِيَادَة أَتَى بالممكن
(1/83)

مرّة عَن الرُّكُوع وَمرَّة عَن السُّجُود وَلَا يضر استواؤهما وَلَو قدر على زِيَادَة على اكمل الرُّكُوع تعيّنت للسُّجُود وَلَو عجز أَن يسْجد إِلَّا بِمقدم رَأسه أَو صُدْغه وَكَانَ بذلك أقرب إِلَى الأَرْض وَجب (إِن يعجز) بِكَسْر الْجِيم وَيجوز فتحهَا عَن الْإِيمَاء بِالرَّأْسِ 0 فبالأجفان) يومىء (للعجز) عَن الْإِيمَاء بهَا (اجرى الْقلب) وجوبا (بالأركان) بِأَن يمثل نَفسه قَائِما ثمَّ رَاكِعا وَهَكَذَا لِأَنَّهُ الْمُمكن فَإِن اعتقل لِسَانه اجرى الْقُرْآن والأذكار على قلبه وَأما إِجْرَاء سننها على قلبه فسنه (وَلَا يجوز تَركهَا) أَي الصَّلَاة (لمن عقل) أَي مَا دَامَ عقله بَاقِيا كالإيمان وَإِنَّمَا عبر النَّاظِم بأركانها دون أفعالها الشاملة لسننها لِأَن كَلَامه فيمايجب على الْمصلى فعله وَالْبَاء فِي بالأركان بِمَعْنى على أَو فِي وَهُوَ بِمَعْنى قَول غَيره أجْرى أَرْكَانهَا على قلبه فَإِن معنى إِجْرَاء الْقلب على أَرْكَانهَا أَو فِيهَا استحضارها فَلَا حَاجَة إِلَى ادِّعَاء كَونه مقلوبا (وَبعد عجز إِن يطق شَيْئا فعل) أَي أَن الْمصلى على هَيْئَة من الهيئات السَّابِقَة إِذا أطَاق شَيْئا فعله وجوبا وَبنى على صلَاته وَلَا يلْزمه استئنافها فَإِذا قدر فِي أثْنَاء الْقِرَاءَة على الْقيام أَو الْقعُود أَتَى بالمقدور وَكَذَلِكَ لَو عجز عَنهُ وَبنى على قِرَاءَته وَلَا تجزىء فِي نهوضه لقدرته على الْقِرَاءَة فِيمَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ وَتجب فِي هوى الْعَاجِز لِأَنَّهُ أكمل مِمَّا بعده وَإِن قدر بعْدهَا وَجب قِيَامه ليركع وَلَا تجب الطُّمَأْنِينَة فِي هَذَا الْقيام لِأَنَّهُ غير مَقْصُود لنَفسِهِ أَو فِي الرُّكُوع قبل الطُّمَأْنِينَة ارْتَفع لَهَا إِلَى حد الرُّكُوع فَإِن انتصب بطلت صلَاته أَو فِي الِاعْتِدَال قبل الطُّمَأْنِينَة قَامَ وَاطْمَأَنَّ وَكَذَا بعد أَن أَرَادَ قنوتا وَإِلَّا فَلَا فان قنت قَاعِدا بطلت صلَاته (وَالْحَمْد) أَي ركنها الرَّابِع الْحَمد أَي قِرَاءَة سُورَة الْفَاتِحَة فِي الْقيام أَو بدله للمنفرد وَغَيره فِي السّريَّة والجهرية فرضا كَانَت أَو نفلا حفظا أَو تلقينا أَو نظرا فِي مصحف أَو نَحوه لخَبر الصَّحِيحَيْنِ وَلَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب) وخبرا بنى خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحَيْهِمَا (لَا تجزىء صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِفَاتِحَة الْكتاب) (أَي فِي كل رَكْعَة لما فِي خبر المسىء صلَاته وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان وَغَيره (ثمَّ اقْرَأ بِأم الْقُرْآن إِلَى أَن قَالَ ثمَّ أصنع ذَلِك فِي كل رَكْعَة) وَأما قَوْله تَعَالَى {فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ} فوارد فِي قيام اللَّيْل لَا فِي قدر الْقِرَاءَة أَو مَحْمُول مَعَ خبر (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) على الْفَاتِحَة أَو على الْعَاجِز عَنْهَا جمعا بَين الْأَدِلَّة وَهِي ركن فِي كل رَكْعَة كَمَا مر (لَا فِي رَكْعَة لمن سبق) بهَا بِأَن لم يدْرك بعد تحرمه مَعَ الإِمَام زَمنا يَسعهَا فَلَيْسَتْ ركنا فِيهَا لِأَنَّهُ يُدْرِكهَا بإدراكه رُكُوع الإِمَام وَلَيْسَ المُرَاد أَنَّهَا لَا تجب عَلَيْهِ أصلا بل تجب عَلَيْهِ ويتحملها الإِمَام عَنهُ على الْأَصَح وَلِهَذَا لَا تحسب ركعته إِذا كَانَ إِمَامه مُحدثا أَو فِي رَكْعَة زَائِدَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ أَهلا للتحمل وَفِي معنى الْمَسْبُوق كل من تخلف عَن الإِمَام بِعُذْر بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة أَرْكَان طَوِيلَة وَزَالَ عَنهُ عذره وَالْإِمَام رَاكِع كَمَا لَو كَانَ بطىء الْقِرَاءَة أَو نسى كَونه فِي الصَّلَاة أَو امْتنع عَن السُّجُود بِسَبَب رَحْمَة اَوْ شكّ بعد رُكُوع إِمَامه فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة فَتخلف (بِبسْم) أَي الْبَسْمَلَة آيَة كَامِلَة من الْفَاتِحَة فَيجب النُّطْق بهَا لعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاهَا آيَة مِنْهَا صَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَهِي آيَة من أول كل سُورَة سوى بَرَاءَة لخَبر مُسلم عَن أنس بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم بَين أظهرنَا إِذْ أغفى إعفاءه ثمَّ رفع رَأسه مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أضْحكك يابنى الله قَالَ أنزلت على آنِفا سُورَة فَقَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر إِلَى آخرهَا ولاجماع الصَّحَابَة على إِثْبَاتهَا فِي الْمُصحف بِخَطِّهِ أَوَائِل السُّور سوى بَرَاءَة دون الأعشار وتراجم السُّور والتعوذ فَلَو لم تكن قُرْآنًا لما أَجَازُوا ذَلِك لِأَنَّهُ يحمل على اعْتِقَاد مَا لَيْسَ بقرآن قُرْآنًا وَالْقَوْل بِأَن إِثْبَاتهَا للفصل يلْزم عَلَيْهِ مَا ذكر وَأَن تكْتب أول بَرَاءَة وَأَن لَا تكْتب أول الْفَاتِحَة والفصل كَانَ مُمكنا بتراجم السُّور كأول بَرَاءَة والتواتر إِنَّمَا يشْتَرط فِيمَا ثَبت قُرْآنًا قطعا أما مَا ثَبت قُرْآنًا حكما فيكفى فِيهِ الظَّن كَمَا يكفى فِي كل ظنى وَأما قَول أنس كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/84)

وَأَبُو بكر وَعمر يفتتحون الصَّلَاة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَمَعْنَاه كَانُوا يفتتحون بِسُورَة الْحَمد يُبينهُ مَا صَحَّ عَنهُ كَمَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ أَنه كَانَ يجْهر بالبسملة وَقَالَ لَا آلو أَن أقتدي بِصَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأما قَوْله صليت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كَمَا رَوَاهُ مُسلم فَقَالَ أَئِمَّتنَا إِنَّه رِوَايَة اللَّفْظ الأول بِالْمَعْنَى الَّذِي عبر عَنهُ الرَّاوِي بِمَا ذكر بِحَسب فهمه وَلَو بلغ الْخَبَر بِلَفْظِهِ كَمَا فِي البُخَارِيّ لأصاب وَاللَّفْظ الأول هُوَ الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الْحفاظ (والحروف) أَي يجب النُّطْق بحروفها وَهِي مائَة وَأحد وَأَرْبَعُونَ حرفا بِقِرَاءَة ملك بِلَا ألف (والشد نطق) أَي بالتشديدات وَهِي أَربع عشرَة شدَّة لِأَن الْفَاتِحَة جملَة الْكَلِمَات الْمَنْظُومَة وَالْجُمْلَة تنتفى بِانْتِفَاء جزئها كَمَا تَنْتفِي بِانْتِفَاء كلهَا فَلَو خفف حرفا مشددا من الْفَاتِحَة بطلت قِرَاءَته لإخلاله بِحرف إِذْ المشدد حرفان وَلَو شدد المخفف أَسَاءَ وأجزأه وَقَوله بِبسْم مُتَعَلق بنطق مُبينًا للْفَاعِل أَو للْمَفْعُول وَهُوَ أنسب بقوله سبق لِأَنَّهُ مَبْنِيّ للْمَفْعُول (لَو أبدل الْحَرْف بِحرف أبطلا) الْألف فِيهِ للإطلاق أَي لَو أبدل مَعَ سَلامَة لِسَانه حرفا من الْفَاتِحَة أَو بدلهَا بِحرف كابدال ضاد الضَّالّين بالظاء وذال الَّذين الْمُعْجَمَة بِالْمُهْمَلَةِ أبطل قِرَاءَته لتِلْك الْكَلِمَة لتغيره النّظم وَلَو نطق بِالْقَافِ مترددة بَينهمَا وَبَين الْكَاف كَمَا تنطق بهَا الْعَرَب صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَة كَمَا قَالَه نصر الْمَقْدِسِي وَالرُّويَانِيّ وَغَيرهمَا وَجزم بِهِ فِي الْكِفَايَة وَإِن نظر فِيهِ فِي الْمَجْمُوع فَإِن لحن وَلم يُغير معنى كره فَإِن تعمد حرم وَصحت صلَاته وَإِن غَيره كضم تَاء أَنْعَمت أَو كسرهَا لم تصح قِرَاءَته وَتبطل صلَاته إِن تعمد وَتجوز الْقِرَاءَة بالسبع دون الشواذ فَإِذا قَرَأَ شاذا صحت صلَاته إِن لم يُغير معنى وَلَا زَاد حرفا وَلَا نقص انْتهى فالشاذ مَا وَرَاء السَّبْعَة خلافًا لِلْبَغوِيِّ أَنه مَا وَرَاء الْعشْرَة وَإِن تبعه السُّبْكِيّ وَصَححهُ وَلَده الشَّيْخ تَاج الدّين قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَإِذا قَرَأَ بِقِرَاءَة كمل بهَا ندبا وَيجوز التنويع إِن لم يرتبط الثَّانِي بِالْأولِ (وواجب ترتيبها) أَي الْفَاتِحَة بِأَن يأتى بهَا على نظمها الْمَعْرُوف لِأَن النّظم وَالتَّرْتِيب منَاط البلاغة والإعجاز فَلَو عكس بنى إِن سَهَا وَلم يطلّ الْفَصْل والإ اسْتَأْنف إِن لم يخل بِالْمَعْنَى وَإِلَّا بطلت صلَاته إِن تعمد واستشكال وجوب الِاسْتِئْنَاف عِنْد الْعمد بِالْوضُوءِ وَالْأَذَان وَالطّواف والسعى أُجِيب عَنهُ بِأَن التَّرْتِيب هُنَا لما كَانَ منَاط الاعجاز كَمَا مر كَانَ الاعتناء بِهِ أَكثر فَجعل قصد التَّكْمِيل بالمرتب صارفا عَن صِحَة الْبناء بِخِلَاف تِلْكَ الصُّور 0 مَعَ الولا) بَين كَلِمَات الْفَاتِحَة لِلِاتِّبَاعِ (وبالسكوت) عمدا فِي أَثْنَائِهَا وَلَو لعائق غير مَا يأتى (انْقَطَعت) قرَاءَتهَا (إِن كثرا) أَلفه للاطلاق أَي طَال سُكُوته عرفا وَإِن لم يقْصد قطعهَا أَو أَتَى بِذكر لَا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ كحمده عِنْد العطاس وَإِن كَانَ مَنْدُوبًا فِي الصَّلَاة أَيْضا لإشعاره بالاعراض عَنْهَا (أَو قل) سُكُوته (مَعَ قصد) مِنْهُ (لقطع مَا قرا) بِهِ لاقتران الْفِعْل بنية الْقطع كنقل الْوَدِيعَة بِقصد التَّعَدِّي فَإِن لم يقْصد الْقطع وَلم يطلّ السُّكُوت لم يُؤثر كنقل الْوَدِيعَة بِلَا قصد تعد وَلِأَن ذَلِك قد يكون لتنفس أَو سعال وَكَذَا لَو ترك الْوَلَاء نَاسِيا كتركه إِيَّاه فِي الصَّلَاة بِأَن طول ركنا قَصِيرا نَاسِيا أَو طَال سُكُوته لتذكر آيَة نَسِيَهَا أَو للإعياء وَعلم بذلك أَن قصد الْقطع بِلَا سكُوت لَا يُؤثر لِأَن الْقِرَاءَة بِاللِّسَانِ وَلم يقطعهَا بِخِلَاف مَا لَو قصد قطع الصَّلَاة لِأَن النِّيَّة ركن فِيهَا تجب إدامتها حكما وَلَا يُمكن ذَلِك مَعَ نِيَّة الْقطع وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة لَا تفْتَقر إِلَى نِيَّة خَاصَّة فَلَا تتأثر بنية الْقطع (لَا) بسجوده لتلاوة (وتأمين) مِنْهُ (وَلَا سُؤَاله) الرَّحْمَة (لما إِمَامه تَلا) فِي الصُّور الثَّلَاث فَلَا يَنْقَطِع بِهِ الْوَلَاء لكَونه مَطْلُوبا فِي الصَّلَاة لمصلحتها أما إِذا فعل شَيْئا من ذَلِك لما تلاه غير إِمَامه فَيَنْقَطِع بِهِ الْوَلَاء بل تبطل
(1/85)

بسجوده إِن تعمد وَلَو سَأَلَ الرَّحْمَة لما تلاه هُوَ لم يَنْقَطِع الْوَلَاء والبيتان الأخيران ساقطان من بعض النّسخ (ثمَّ) إِن عجز عَن الْفَاتِحَة الَّتِي هِيَ ركن فالركن بدلهَا (من الْآيَات سبع) من غَيرهَا وَلَو مُتَفَرِّقَة مَعَ حفظه مُتَوَالِيَة كَمَا فِي قَضَاء رَمَضَان (والولا فِي الْآيَات (أولى من التَّفْرِيق) لِأَنَّهَا أشبه بِالْفَاتِحَةِ وللخروج من الْخلاف وَلَو قَرَأَ الْعَاجِز عَنْهَا سبع آيَات مُتَفَرِّقَة لَا تفِيد معنى منظوما كثم نظر لم يكف عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأقرهُ فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا لَكِن اخْتَار فِي الْمَجْمُوع والتنقيح الِاكْتِفَاء بهَا كَمَا أطلقهُ الْجُمْهُور وَمن يحسن بعض الْفَاتِحَة يأتى بِهِ ويبدل الْبَاقِي إِن أحْسنه والإ كرر فِي الْأَصَح وَكَذَا من يحسن بعض بدلهَا من الْقُرْآن وَيجب التَّرْتِيب بَين الأَصْل وَالْبدل (ثمَّ) إِن عجز عَن الْقِرَاءَة فالركن (الذّكر) لخَبر الترمذى وَحسنه إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَتَوَضَّأ كَمَا أَمرك الله ثمَّ تشهد وأقم فَإِن مَعَك قُرْآن فاقرأ والإ فاحمد الله وَهَلله وَكبره قَالَ الْبَغَوِيّ يجب سَبْعَة أَنْوَاع من الذّكر ليَكُون كل نوع مَكَان آيَة وَقَالَ الإِمَام لَا يجب قَالَ الشَّيْخَانِ وَالْأول أقرب تشبها لمقاطع الْأَنْوَاع بغايات الْآي قَالَ الإِمَام وَالْأَشْبَه إِجْزَاء دُعَاء يتَعَلَّق بِالآخِرَة دون الدُّنْيَا وَرجحه فِي الْمَجْمُوع فَإِن لم يعرف غير مَا يتَعَلَّق بالدنيا آتى بِهِ وأجزأه قَالَ فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا وَيشْتَرط أَن لَا يقْصد بِالذكر المأتى بِهِ غير الْبَدَلِيَّة كمن استفتح أَو تعوذ لَا بِقصد سنيتها لَكِن لَا يشْتَرط قصد الْبَدَلِيَّة فيهمَا وَلَا فِي غَيرهمَا من الْأَذْكَار على الْأَصَح (لَا ينقص عَن حروفها) أَي لَا يجوز نقص حُرُوف الْبَدَل من قُرْآن أَو غَيره عَن حُرُوف الْفَاتِحَة وَهِي مائَة وَسِتَّة وَخَمْسُونَ حرفا بِقِرَاءَة مَالك بِالْألف كالمبدل بِخِلَاف صَوْم يَوْم قصير عَن يَوْم طَوِيل لعسر مُرَاعَاة السَّاعَات وَأفهم كَلَامه أَنه لَا تضر زِيَادَة الْبَدَل وَلَا التَّفَاوُت بَين حُرُوف الْآيَات والأنواع وَهُوَ كَذَلِك (ثمَّ) إِن عجز عَن الذّكر بترجمة وَغَيرهَا (وقف وجوبا (بِقَدرِهَا) أَي الْفَاتِحَة فِي ظَنّه لِأَنَّهُ الْمَقْدُور وَهُوَ مَقْصُود وَلَا يترجم عَنْهَا بِخِلَاف الذّكر لفَوَات الاعجاز فِيهَا وَيتَّجه وُقُوفه ندبا بعد ذَلِك بِقدر سُورَة حَيْثُ سنت لَهُ لَو كَانَ قَارنا (واركع) هَذَا الرُّكْن الْخَامِس وَهُوَ الرُّكُوع لقَوْله تَعَالَى {ارْكَعُوا} وَلخَبَر (إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة) وَأقله فِي حق الْقَائِم (بِأَن تنَال كف) لركبة يعْنى راحتيه رُكْبَتَيْهِ لَو أَرَادَ ذَلِك عِنْد اعْتِدَال الْخلقَة وسلامة الْيَدَيْنِ والركبتين (بالانحنا) بظهره لَا بالانخناس وَلَا بهما أما رُكُوع الْقَاعِد فَتقدم (والاعتدال) وَهُوَ الرُّكْن السَّادِس وَلَو فِي نفل لخَبر إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة وَهُوَ (عود) هـ (إِلَى مَا كَانَ) عَلَيْهِ (قبله فَزَالَ) عَنهُ بِالرُّكُوعِ من قيام أَو غَيره وَيشْتَرط فِيهِ وَفِي سَائِر الْأَركان عدم صرفه إِلَى غَيره حَتَّى لَو رفع من رُكُوعه فَزعًا من شَيْء لم يكف بل يعود للرُّكُوع ثمَّ يعتدل مِنْهُ (وَالسَّابِع) من الْأَركان (السُّجُود مرَّتَيْنِ) فِي كل رَكْعَة لخَبر (إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة) (مَعَ شَيْء من الْجَبْهَة مكشوفا يضع) على مَسْجده لخَبر إِذا سجدت فمكن جبهتك وَلَا تنقرا نقر رَوَاهُ ابْن حبَان عَن ابْن عمر وَصَححهُ وَخبر لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ الْوضُوء إِلَى أَن قَالَ وَيسْجد فَيمكن جَبهته من الأَرْض وَخبر خباب بن الْأَرَت شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حر الرمضاء فِي حباهنا وأكفنا فَلم يشكنا أَي لم يزل شكوانا) رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه لَو لم يجب كشف الْجَبْهَة لأرشدهم إِلَى سترهَا وَاعْتبر كشفها دون بَقِيَّة الْأَعْضَاء لسهولته فِيهَا دون الْبَقِيَّة نعم إِن سترهَا لعذركجراحة وشق عَلَيْهِ إِزَالَة السَّاتِر كفى السُّجُود عَلَيْهِ بِلَا إِعَادَة ويجزىء السُّجُود على شعر بجبهته وَإِن لم يستوعبها وَيجب أَن يتحامل على مَسْجده فِي جَبهته بثقل رَأسه وعنقه بِحَيْثُ لَو سجد على قطن أَو نَحوه لَا ندرك وَأَن لَا يسْجد على مَا يَتَحَرَّك بحركته من ملبوسه لقِيَامه وقعوده وَإِن صلى قَاعِدا وَلم يَتَحَرَّك وَكَانَ
(1/86)

لَو صلى قَائِما لتحرك بحركته كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ كالجزء مِنْهُ فَإِن سجد عَلَيْهِ عَامِدًا عَالما بِتَحْرِيمِهِ بطلت صلَاته أَو نَاسِيا أَو جَاهِلا فَلَا يجب إِعَادَة السُّجُود وَأما خبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس كُنَّا نصلي مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي شدَّة الْحر فَإِذا لم يسْتَطع أَحَدنَا أَن يُمكن جَبهته من الأَرْض بسط ثَوْبه فَسجدَ عَلَيْهِ فَمَحْمُول على ثوب مُنْفَصِل فَإِن لم يَتَحَرَّك بحركته كطرف عمَامَته أَو لم يكن من ملبوسه كعود أَو منديل فِي يَده كفى السُّجُود عَلَيْهِ وَلَو سجد على خرقَة بِالْأَرْضِ فالتصقت بجبهته وَرفع وَهِي ملتصقة فَإِن أزالها وَسجد الثَّانِيَة أَجزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا وَأَن يضع فِيهِ يَدَيْهِ وركبتيه وقدميه لخَبر الصَّحِيحَيْنِ أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة أعظم الْجَبْهَة وَالْيَدَيْنِ والركبتين وأطراف الْقَدَمَيْنِ وَإِنَّمَا لم يجب الْإِيمَاء بهَا عِنْد الْعَجز كالجبهة لِأَن مُعظم السُّجُود وغايته الخضوع بالجبهة دونهَا ويكفى وضع جُزْء من كل وَاحِد مِنْهَا وَالِاعْتِبَار فِي الْيَدَيْنِ بباطن الْكَفَّيْنِ سَوَاء الْأَصَابِع والراحة وَفِي الرجلَيْن ببطون الْأَصَابِع ونما لم يجب وضع الْأنف لوُرُود الْأَمر بِهِ وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من مُنَافَاة الْجُمْلَة للتفصيل وَهُوَ سَبْعَة أعظم فَيحمل على النّدب نعم لَو كَانَ لَهُ رأسان وَأَرْبَعَة أيد وأرجل فَإِن علم الْأَصْلِيّ من الزَّائِد فَالْعِبْرَة بالأصلي دون الزَّائِد وَأَن الْتبس فَلَا بُد من وضع جُزْء من كل مِنْهَا وَإِن علمت أَصَالَة الْجَمِيع كفى وضع سَبْعَة اعضاء مِنْهَا وَلَا بُد أَن ترْتَفع أسافله على أعاليه فِيهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ ابْن حبَان وَصَححهُ مَعَ خبر (صلوا كَمَا رايتموني أصلى) فَلَا يكفى أَن ترفع أعاليه على أسافله وَلَا تساويهما لعدم اسْم السُّجُود كَمَا لَو أكب وَمد رجلَيْهِ فَلَو تمكن الْعَاجِز من التنكيس وضع وسَادَة وَجب وَإِلَّا فَلَا وَالثَّامِن من الْأَركان الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ كَمَا أَشَارَ لذَلِك بقوله (وقعدة بَينهمَا) أى بَين السَّجْدَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة (للفصل) بَينهمَا وَلَو فِي النَّفْل لخَبر ((إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة)) وَأَشَارَ بقوله للفصل أَنه ركن قصير كالاعتدال فَيجب أَن لَا يطوله وَلَا الِاعْتِدَال (ويطمئن) وجوبا (لَحْظَة فِي الْكل) أى فِي الرُّكُوع والاعتدال وَالسُّجُود مرَّتَيْنِ وَالْجُلُوس بَينهمَا للْخَبَر الْمَذْكُور والطمأنينة سُكُون بعد حَرَكَة فَفِي الرُّكُوع مثلا يكون بِحَيْثُ ينْفَصل رَفعه عَن هويه بِأَن تَسْتَقِر أعضاؤه قبل رَفعه ثمَّ ذكر الرُّكْن التَّاسِع والعاشر والحادى عشر وهى التَّشَهُّد الْأَخير وَالْقعُود فِيهِ وَفِي الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي وَفِي التسليمة الأولى وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ فَقَالَ (ثمَّ التَّشَهُّد الْأَخير فَاقْعُدْ فِيهِ مُصَليا على مُحَمَّد) أَي ثمَّ التَّشَهُّد الْأَخير يعْنى الَّذِي فِي آخر الصَّلَاة كتشهد الصُّبْح وَالْجُمُعَة والمقصورة فَاقْعُدْ فِيهِ فِي حَال كونك مُصَليا عقبه على مُحَمَّد أما التَّشَهُّد فلخبر الدارقطنى وَالْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن مَسْعُود قَالَ كُنَّا نقُول قبل أَن يفْرض علينا التَّشَهُّد السَّلَام على الله قبل عباده السَّلَام على جِبْرِيل السَّلَام على مِيكَائِيل السَّلَام على فلَان فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَقولُوا السَّلَام على الله فَإِن الله هُوَ السَّلَام وَلَكِن قُولُوا التَّحِيَّات لله إِلَى آخِره وَالْمرَاد فَرْضه آخر الصَّلَاة لخَبر الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ من رَكْعَتَيْنِ من الظّهْر وَلم يجلس فَلَمَّا قضى صلَاته كبر وَهُوَ جَالس فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ قبل السَّلَام ثمَّ سلم دلّ عدم تَدَارُكه على عدم وُجُوبه وَلِأَن مَحَله لَا يتَمَيَّز كَونه عبَادَة عَن الْعَادة فَيُوجب فِيهِ ذكرا ليتميز كَمَا فِي الْقِرَاءَة بِخِلَاف الرُّكُوع وَالسُّجُود وسمى التَّشَهُّد تشهدا لما فِيهِ من الشَّهَادَتَيْنِ من بَاب تَسْمِيَة الْكل باسم الْجُزْء مجَازًا وَأقله التَّحِيَّات لله سَلام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته سَلام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأما الْقعُود فَلِأَن من أوجب التَّشَهُّد أوجب الْقعُود فِيهِ وَأما الصَّلَاة على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلقَوْله تَعَالَى {صلوا عَلَيْهِ} قَالَ أَئِمَّتنَا أجمع الْعلمَاء على أَنَّهَا لَا تحب فِي غير الصَّلَاة نتعين وُجُوبهَا فِيهَا وَالْقَائِل بِوُجُوبِهَا مرّة فِي غَيرهَا محجوج بِإِجْمَاع من قبله وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن كَعْب بن عجهة خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/87)

فَقُلْنَا قد عرفنَا كَيفَ نسلم عَلَيْك فَكيف نصلى عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد خرج الزَّائِد على الصَّلَاة عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع كَمَا فِي الْمُهَذّب فَبَقيَ وُجُوبهَا عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة صححها ابْن حبَان وَغَيره كَيفَ نصلي عَلَيْك إِذا نَحن صلينَا عَلَيْك فِي صَلَاتنَا قَالَ قُولُوا إِلَى آخِره وَأولى الْمحَال بهَا خَاتِمَة الْأَمر وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أصلى وَأما عدم ذكرهَا فِي خبر إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَمَحْمُول على أَنَّهَا كَانَت مَعْلُومَة لَهُ وَلِهَذَا لم يذكر لَهُ النِّيَّة وَالتَّشَهُّد وَالْجُلُوس لَهُ وَالسَّلَام وأقلها اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد أَو صلى الله على مُحَمَّد أَو على رَسُول الله أَو على النَّبِي دون أَحْمد أَو عَلَيْهِ على الصَّحِيح ذكره فِي التَّحْقِيق وَغَيره وأكملها اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد ذكره فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَفِي الْأَذْكَار وَغَيره الْأَفْضَل أَن يَقُول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آل مُحَمَّد وأزواجه وَذريته كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم وَبَارك على مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آل مُحَمَّد وأزواجه وَذريته كَمَا باركت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم فِي الْعَالمين إِنَّك حميد مجيد وأكمل التَّشَهُّد التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات لله السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله رَوَاهُ مُسلم من خبر ابْن عَبَّاس وَجَاء فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود بِلَفْظ التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات السَّلَام عَلَيْك إِلَى آخِره إِلَّا أَنه قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَفِيه أَخْبَار أخر بِنَحْوِ ذَلِك قَالَ النَّوَوِيّ وَكلهَا مجزئة يتَأَدَّى بهَا الْكَمَال وأصحها خبر ابْن مَسْعُود ثمَّ خبر ابْن عَبَّاس لَكِن الْأَفْضَل تشهد ابْن عَبَّاس لزِيَادَة لفظ المباركات فِيهِ ولموافقته قَوْله تَعَالَى {تَحِيَّة من عِنْد الله مباركة طيبَة} ولتأخره عَن تشهد ابْن مَسْعُود وَلقَوْله كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن وَإِنَّمَا كَانَ أَقَله مَا مر لِأَن مَا بعد التَّحِيَّات من الْكَلِمَات الثَّلَاث تَوَابِع لَهَا بل سقط أولاها فِي خبر غير ابْن عَبَّاس قَالَ النَّوَوِيّ وَإِثْبَات أل فِي السَّلَام أفضل من تَركهَا لكثرته فِي الْأَخْبَار وَكَلَام الشَّافِعِي وَمُقْتَضى كَلَام الرَّافِعِيّ أَنه لَا يكفى وَأَن مُحَمَّدًا رَسُوله وَصرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه وَغَيره لَكِن فِي الرَّوْضَة أَنه يَكْفِي وَرجحه السُّبْكِيّ وَغَيره وَهُوَ الْمُعْتَمد (ثمَّ السَّلَام أَولا لَا الثَّانِي) الرُّكْن الثَّانِي عشر السَّلَام أَي التَّسْلِيم الأول لَا التَّسْلِيم الثَّانِي فَإِنَّهُ سنة كَمَا سيأتى لخَبر تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم وَأقله السَّلَام عَلَيْكُم أَو عَلَيْكُم السَّلَام لكنه يكره وَلَا يكفى سَلام عَلَيْكُم وَلَا عَلَيْهِم وَلَا السَّلَام عَلَيْكُمَا وَلَا عَلَيْك وَلَا سَلام الله عَلَيْكُم وَلَا السّلم عَلَيْكُم بِكَسْر السِّين وَسُكُون اللَّام بل تعمد ذَلِك مُبْطل إِلَّا فِي السَّلَام عَلَيْهِم فَإِنَّهُ دُعَاء لَا خطاب فِيهِ واما أكمله فسيأتى (وَالْآخر) وَهُوَ الثَّالِث عشر (التَّرْتِيب فِي الْأَركان) أَي بَينهمَا كَمَا مر فِي عدهَا الْمُشْتَمل على وجوب قرن النِّيَّة بِالتَّكْبِيرِ وجعلهما مَعَ الْقِرَاءَة فِي الْقيام وَالتَّشَهُّد وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والتسليمة الأولى فِي الْقعُود وَأما تَقْدِيم الاتتصاب على ابْتِدَاء تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَشرط للتكبير لَا ركن لِخُرُوجِهِ عَن الْمَاهِيّة فالترتيب المُرَاد فِيمَا عدا ذَلِك وَدَلِيل وُجُوبه الإتباع فِي الْأَخْبَار الصَّحِيحَة مَعَ خبر صلوا كَمَا رأيتمونى أُصَلِّي وعد النَّاظِم التَّرْتِيب من الْأَركان بِمَعْنى الْفُرُوض صَحِيح وَبِمَعْنى الْإِجْزَاء فِيهِ تَغْلِيب وَقَضِيَّة كَلَامه وجوب التَّرْتِيب بَين التَّشَهُّد وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُمَا ركنان وَهُوَ كَذَلِك فَلَو تعمد تَركه فِي الفعلى بطلت صلَاته كَبَقِيَّة الْأَركان فَإِن كَانَ سَاهِيا لم يعْتد بِمَا فعله حَتَّى يأتى بِمَا تَركه فَإِن تذكره قبل بُلُوغ مثله فعله أَو بعده تمت بِهِ ركعته ولغا مَا بَينهمَا هَذَا إِن علم عينه ومكانه وَإِلَّا أَخذ بالأسوأ وَبنى وَفِي الْأَحْوَال كلهَا يسْجد للسَّهْو إِلَّا إِذا وَجب الاستئناق بِأَن ترك ركنا وَجوز أَن يكون النِّيَّة أَو تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَإِلَّا إِذا كَانَ الْمَتْرُوك هُوَ السَّلَام فَإِنَّهُ إِذا تذكر سلم وَلم يسْجد للسَّهْو أما الرُّكْن
(1/88)

القولي غير السَّلَام فتقديمه غير مُبْطل وَخرج بقول النَّاظِم فِي الْأَركان تَرْتِيب السّنَن بَعْضهَا على بعض كالافتتاح والتعوذ أَو ترتيبها على الْفَرَائِض كالسورة والفاتحة فَإِنَّهُ شَرط للأعتداد بهَا سنة لَا فِي صِحَة الصَّلَاة وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف لعد الْمُوَالَاة وَعدم الصَّارِف ركنين لِأَن الْأَصَح انهما شَرْطَانِ وَلما فرغ من أَرْكَان الصَّلَاة شرع فِي ذكر سننها وَهِي أبعاض وهيئات وَبَدَأَ بِالْأولِ فَقَالَ (ابعاضها) سِتَّة (تشهد إِذْ يبتديه ثمَّ الْقعُود) للْأَخْبَار الصَّحِيحَة فيهمَا وصرفها عَن وجوبهما أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ من رَكْعَتَيْنِ من الظّهْر وَلم يجلس فَلَمَّا قضى صلَاته كبر وَهُوَ جَالس فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ قبل السَّلَام ثمَّ سلم رَوَاهُ الشَّيْخَانِ دلّ عدم تداركهما على عدم وجوبهما وَيكرهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوع أَن يزِيد فِي التَّشَهُّد الأول على لَفظه وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن فعله لم يسْجد للسَّهْو (وَصَلَاة الله فِيهِ) أَي التَّشَهُّد (على النَّبِي و) الصَّلَاة على (آله فِي) التَّشَهُّد (الآخر) للْأَخْبَار الصَّحِيحَة فيهمَا (ثمَّ الْقُنُوت) فِي الصُّبْح وَفِي وتر النّصْف الْأَخير من رَمَضَان (وَقيام الْقَادِر فِي الأعتدال الثان من صبح وَفِي وتر لشهر الصَّوْم إِذْ ينتصف) لِلِاتِّبَاعِ فيهمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الأولى وَالْبَيْهَقِيّ فِي الثَّانِيَة وَقَالَ الْحسن بن عَليّ علمنى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلِمَات أقولهن فِي الْوتر اللَّهُمَّ اهدني إِلَى آخِره رَوَاهُ الترمذى وَحسنه الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعلمهُمْ هَذِه الْكَلِمَات ليقنتوا بهَا فِي الصُّبْح وَالْوتر قَالَ وَقد صَحَّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قنت قبل الرُّكُوع أَيْضا لَكِن رُوَاة الْقُنُوت بعده أَكثر وأحفظ فَهُوَ أولى وعَلى هَذَا درج الْخُلَفَاء الراشدون فِي أشهر الرِّوَايَات عَنْهُم وأكثرها فَلَو قنت قبله لم يجزه وَيسْجد للسَّهْو إِن قنت بنيته لِأَنَّهُ عمل من أَعمال الصَّلَاة أوقعه فِي غير مَحَله كَمَا لَو قَرَأَ فِي غير محلهَا وَلَا يشكل بِدُعَاء الِافْتِتَاح وَالتَّسْبِيح وَالدُّعَاء فِي غير محلهَا حَيْثُ لَا يسْجد للسَّهْو فِيهَا لِأَن الأبعاض آكِد من بَاقِي السّنَن وَقِرَاءَة غير الْفَاتِحَة فِي غير محلهَا كالفاتحة وَيُوجه بتأكيدها وَشبههَا بِالْفَاتِحَةِ والأبعاض الْمَذْكُورَة يُجِيز تَركهَا عمدا أَو سَهوا بِالسُّجُود وَسميت أبعاضا لتأكد شَأْنهَا بالجبر تشبيهها بِالْبَعْضِ حَقِيقَة وَفِي بعض النّسخ بدل هَذَا الْبَيْت ... فِي الصُّبْح ثَانِي رَكْعَة وَالْوتر ... فِي نصف شهر ومضان الآخر ...
وقنوت الصُّبْح مَشْهُور وَالْإِمَام يأتى فِيهِ بِلَفْظ الْجمع فِي ضمير الْمُتَكَلّم وَتكره إطالة الْقُنُوت كالتشهد الأول وَيسن لمنفرد وَإِمَام مَحْصُورين رَضوا بالتطويل الْجمع فِي قنوت الْوتر بَين قنوت الصُّبْح وقنوت عمر وَهُوَ اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عَلَيْك ونثنى عَلَيْك الْخَيْر كُله نشكرك وَلَا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللَّهُمَّ إياك نعْبد لَك نصلي ونسجد وَإِلَيْك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إِن عذابك الْجد بالكفار مُلْحق اللَّهُمَّ عذب الْكَفَرَة وَالْمُشْرِكين الَّذين يصدون عَن سَبِيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك اللَّهُمَّ أَغفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَالْمُسْلِمين وَالْمُسلمَات وَأصْلح ذَات بَينهم وَألف بَين قُلُوبهم وَاجعَل فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وَالْحكمَة وثبتهم على مِلَّة رَسُولك وأوزعهم أَن يوفوا بعهدك الَّذِي عاهدتهم عَلَيْهِ ونصرهم على عَدوك وعدوهم إِلَه الْحق واجعلنا مِنْهَا وَالْأولَى تَأْخِيره عَن قنوت الصُّبْح الْوَارِد عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فان اقْتصر على أَحدهمَا فَالْأول أفضل وَيسن رفع يَدَيْهِ فِي الْقُنُوت وَكَذَا فِي كل دُعَاء وَجعل ظهرهما إِلَى السَّمَاء إِن دَعَا بِرَفْع بلَاء وَعَكسه إِن دَعَا لتَحْصِيل شَيْء وَلَا ينْدب مسح وَجهه وَالْأولَى أَن لَا يَفْعَله فِي الصَّلَاة وَأما مسح غَيره كالصدر وَغَيره فمكروه ويجهر الإِمَام بِالْقُنُوتِ دون الْمُنْفَرد وَإِن كَانَت الصَّلَاة سَرِيَّة وَليكن جهره بِهِ دون جهره بِالْقِرَاءَةِ ويؤمن الْمَأْمُوم
(1/89)

للدُّعَاء وَمِنْه الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَو جمع بَين مُوَافَقَته وَالدُّعَاء فَحسن وَيَقُول الثَّنَاء فَإِن لم يسمعهُ أَو سمع صَوتا لم يفهمهُ قنت وَينْدب الْقُنُوت فِي سَائِر المكتوبات غير الْمَنْذُور للنازية كوباء وقحط وجراد وعدو لَا مُطلقًا على الْمَشْهُور (سننها) أَي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة (من قبلهَا الْأَذَان مَعَ إِقَامَة) فهما سنتا كِفَايَة فِي الْمَكْتُوبَة وَلَو فَائِتَة دون النَّافِلَة وَالْأَصْل فِي مشروعيتهما قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} وَقَوله تَعَالَى {وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة} وأخبار كَثِيره كَخَبَر الصَّحِيحَيْنِ إِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن لكم أحدكُم وليؤمكم أكبركم وَخبر عبد الله بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ قَالَ لما أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالناقوس يعْمل ليضْرب بِهِ النَّاس لجمع الصَّلَاة طَاف بِي وَأَنا نَائِم رجل يحمل ناقوسا فِي يَده فَقلت يَا عبد الله أتبيع هَذَا الناقوس فَقَالَ وَمَا تصنع بِهِ فَقلت نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاة قَالَ أَولا أدلك على مَا هُوَ خير من ذَلِك فَقلت بلَى قَالَ تَقول الله أكبر الله أكبر الله اكبر الله أكبر إِلَى آخِره الفاظ الْأَذَان ثمَّ اسْتَأْخَرَ عَنى غير بعيد قَالَ وَتقول إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة الله أكبر الله أكبر إِلَى آخر الفاظ الْإِقَامَة فَلَمَّا أَصبَحت اتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرته بِمَا رَأَيْت فَقَالَ إِنَّهَا رُؤْيا حق إِن شَاءَ الله تَعَالَى قُم مَعَ بِلَال فألق عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فليؤذن بِهِ فَأَنَّهُ أندى صَوتا مِنْك فَقُمْت مَعَ بِلَال فَجعلت ألقيه عَلَيْهِ وَهُوَ يُؤذن بِهِ فَسمع ذَلِك عمر بن الْخطاب وَهُوَ فِي بَيته فَخرج يجر رِدَاءَهُ وَهُوَ يَقُول وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا يَا رَسُول الله لقد رَأَيْت مثل مَا راى فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَللَّه الْحَمد وَإِنَّمَا لم يجبا وَإِن كَانَا من شَعَائِر الْإِسْلَام الظَّاهِرَة لِأَنَّهُمَا إِعْلَام بِالصَّلَاةِ وَدُعَاء إِلَيْهَا كَقَوْلِه الصَّلَاة جَامِعَة حَيْثُ يسن فِي نفل تشرع فِيهِ الْجَمَاعَة وَلِأَنَّهُ لم يُؤمر بهما فِي خبر الْمُسِيء صلَاته كَمَا ذكر فِيهِ الْوضُوء والاستقبال وأركان الصَّلَاة وَلِأَنَّهُ ترك الْأَذَان فِي ثَانِيَة الْجمع وَلَو كَانَ وَاجِبا لما ترك للْجمع الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِب وَأَقل مَا تحصل بِهِ السّنة أَن ينتشر الْأَذَان فِي جَمِيع أهل ذَلِك الْمَكَان حَتَّى إِذا كبر أذن فِي كل جَانب وَاحِد لينتشر فِي جَمِيعهم فَإِن أذن وَاحِد فَقَط حصلت السّنة فِي جَانب السامعية دون غَيرهم وكما أَن الْأَذَان وَالْإِقَامَة سنتَانِ للْجَمَاعَة فيهمَا سنتَانِ للمنفرد (وَلَو (كَانَ (بصحراءيقع) ذَلِك مِنْهُ أَو بلغه أَذَان غَيره على الْأَصَح خلافًا لما فِي شرح مُسلم أَنه لَا يُؤذن إِذا سمع أَذَان غَيره على الْأَصَح ويكفى فِي أَذَانه إسماع نَفسه بِخِلَاف أَذَان الْإِعْلَام وَيسن رفع صَوته بِهِ لخَبر البُخَارِيّ عَن عبد الله ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ لَهُ أَنِّي أَرَاك تحب الْغنم والبادية فَإِذا كنت فِي غنمك أَو باديتك فَأَذنت للصَّلَاة فارفع صَوْتك بالنداء فَأَنَّهُ لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس وَلَا شَيْء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي سَمِعت مَا قلت لَك بخطاب لي كَمَا فهمه الْمَاوَرْدِيّ وإلامام وَالْغَزالِيّ وأوردوه بِاللَّفْظِ الدَّال على ذَلِك ليظْهر الِاسْتِدْلَال بِهِ على أَذَان الْمُنْفَرد وَرفع صَوته بِهِ نعم يسْتَثْنى من رفع صَوته بِهِ مَا إِذا أذن فِي مَكَان وَقعت فِيهِ جمَاعَة وَأَن لم ينصرفوا وَقَول الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَانْصَرفُوا مِثَال لَا قيد لِأَنَّهُ إِن كَانَ بعد طول الْفَصْل أوهمهم دُخُول وَقت صَلَاة أُخْرَى أَو قبل طوله أوهمهم كَون الْأَذَان الأول لم يَقع فِي الْوَقْت (شَرطهمَا) أَي الْأَذَان وَالْإِقَامَة (الولا) بَين كلماتها (وترتيب) لَهما (ظهرا) لمجيئهما كَذَلِك فِي خبر مُسلم وَغَيره وَلِأَن ترك كل مِنْهُمَا يُوهم اللّعب ويخل بالإعلام فَلَو ترك التَّرْتِيب لم يَصح وَيَبْنِي على المنتظم والاستئناف أولى إِذْ الْوَلَاء لم يَصح وَلَا يضر سكُوت يسير لوُقُوع مثله للتنفس والاستراحة وَلَا كَلَام يسير إِذْ لَا يخل بالغرض وَلَا يسر نوم وإغماء لَكِن ينْدب الِاسْتِئْنَاف فيهمَا وَأَن لَا يتَكَلَّم وَلَو لمصْلحَة فَلَو عطس حمد الله فِي نَفسه وَبني وَلَا يرد السَّلَام فَلَو رد أَو شمت الْعَاطِس أَو تكلم لمصْلحَة لم يكره لكنه ترك سنة وَلَو خَافَ وُقُوع أعمى فِي بِئْر أَو لدغ حَيَّة أَو عقرب لغافل أَو نَحْوهمَا وَجب إنذاره وَشرط كل مِنْهُمَا أَيْضا عدم صدوره من شَخْصَيْنِ فَلَا يَصح بِنَاء غَيره
(1/90)

على مَا أَتَى بِهِ وَإِن قصر الْفَصْل واشتبها صَوتا (وَفِي مُؤذن مُمَيّز) بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي وَالشّرط فِي مُؤذن مُمَيّز أَي تَمْيِيز من اطلاق اسْم الْفَاعِل على الْمصدر فَلَا يَصح أَذَان غير مُمَيّز من صبي وَمَجْنُون وطافح السكر لعدم أَهْلِيَّته لِلْعِبَادَةِ (ذكر) أَي وَلَو عبدا أَو صَبيا فَلَا يَصح أَذَان أُنْثَى وَلَا خُنْثَى للرِّجَال والخناثي كَمَا لَا تصح إمامتهما لَهما أما أذانهما لغير الرِّجَال والخناثي فَلَا يسن فَلَو أَذِنت امْرَأَة لنَفسهَا اَوْ للنِّسَاء سرا لم يكره وَكَانَ ذكرا لله تَعَالَى لَا أذانا اَوْ جَهرا بِأَن رفعت صَوتهَا فَوق مَا تسمع صواحبها حرم وَإِن لم يكن ثمَّ إِلَّا محرم لَهَا وَلَا يلْحق بذلك رفع صوتهما بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ جَائِز مُطلقًا (أسلم) فَلَا يَصح أَذَان كَافِر لعدم أَهْلِيَّته لِلْعِبَادَةِ وَلِأَنَّهُ لَا يعْتَقد مضمونه وَلَا الصَّلَاة الَّتِي هُوَ دُعَاء إِلَيْهَا فإتيانه بِهِ ضرب من الِاسْتِهْزَاء فَلَو أذن حكم بِإِسْلَامِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَي إِن لم يكن عيسويا ويعتد بأذانه إِن أَعَادَهُ أما العيسوى فَلَا يحكم بِإِسْلَامِهِ بهما بل لَا بُد أَن يتبرأ مَعَهُمَا من كل دين يُخَالف دين الْإِسْلَام أَو يعْتَرف بِأَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَبْعُوث إِلَى كَافَّة الْخلق وَلَا يعْتد بأذانه وَإِن أَعَادَهُ والعيسوية فرقة من الْيَهُود تنْسب إِلَى أبي عِيسَى إِسْحَاق بن يَعْقُوب الْأَصْبَهَانِيّ كَانَ فِي خلَافَة الْمَنْصُور يعْتَقد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل إِلَى الْعَرَب خَاصَّة والتمييز وَالْإِسْلَام شَرْطَانِ للإقامة أَيْضا (والمؤذن الْمُرَتّب معرفَة الْأَوْقَات) بِالرَّفْع خبر لذَلِك الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف أَي وَالشّرط فِي الْمُؤَذّن والمرتب معرفَة الْأَوْقَات وَيصِح كَونهَا مَرْفُوعَة على حذف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه أَي وَشرط الْمُؤَذّن الْمُرَتّب معرفَة الْأَوْقَات وَقد يجوز جرها على حذف الْمُضَاف وإبقاء الْمُضَاف إِلَيْهِ على جَرّه وَالْحَاصِل أَن شَرط جَوَاز نصب مُؤذن راتب مَعْرفَته بالمواقيت (لَا الْمُحْتَسب) بِالْجَرِّ عطفا على مُؤذن فَلَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك بل إِذا علم دُخُول الْوَقْت صَحَّ أَذَانه وَلَو أذن جَاهِلا بِدُخُول الْوَقْت فصادفه اعْتد بِهِ على الْأَصَح وَفَارق التَّيَمُّم وَالصَّلَاة بِاشْتِرَاط النِّيَّة فيهمَا وَقد علم أَن شَرط الْأَذَان الْوَقْت فَيحرم قبله وَلَا يَصح إِلَّا الصُّبْح فَيدْخل من نصف اللَّيْل وَيسن لَهُ مؤذنان وَاحِد قبل الْفجْر وَآخر بعده (وَسنة ترتيله) أَي الْأَذَان وَهُوَ التأني فِيهِ بِأَن يَأْتِي بكلماته مبينَة بِلَا تمطط لخَبر إِذا أَذِنت فرتل فِي أذانك وَإِذا أَقمت فاحذر أَي بمهملات وَمَعْنَاهُ أسْرع رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَلِأَن الْأَذَان للغائبين فالترتيل فِيهِ أبلغ وَالْإِقَامَة للحاضرين فالإدراج فِيهَا أشبه وَيسن أَن يقف على كَلِمَات الْأَذَان إِلَّا التَّكْبِير فعلى كل كَلِمَتَيْنِ (بعج) أَي مَعَ رفع صَوت الْمُؤَذّن مَا أمكنه بِلَا ضَرَر لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خبر أبي سعيد الْمَار (والخفض فِي إِقَامَة بدرج) أَي مَعَ إسراع من الْمُقِيم بكلماتها لما مر وَلَو أسر الْمُؤَذّن لجَماعَة بِشَيْء غير الترجيع الْآتِي لم يجزه لانْتِفَاء الاعلام فَيجب الإسماع وَلَو لوَاحِد وإسماع النَّفس يجزىء الْمُؤَذّن لنَفسِهِ لِأَن الْغَرَض مِنْهُ الذّكر لَا الْإِعْلَام وعَلى هَذَا حمل مَا نقل عَن النَّص من أَنه لَو أسر بِبَعْضِه أَجزَأَهُ وَلَا يجزىء إسماع النَّفس الْمُقِيم للْجَمَاعَة كَمَا فِي الْأَذَان وَإِن كَانَ الرّفْع بهَا أَخفض مِنْهُ كَمَا مر (و) سنّ (الِالْتِفَات فيهمَا) أَي الْأَذَان وَالْإِقَامَة (إِذْ حيعلا) الْألف فِيهِ للإطلاق أَي وَقت حيعلتيه يَمِينا فِي الأولى وَشمَالًا فِي الثَّانِيَة بعمقه وَلَا يحول صَدره عَن الْقبْلَة وقدميه عَن مكانهما بِأَن يلْتَفت عَن يَمِينه فَيَقُول حَيّ على الصَّلَاة مرَّتَيْنِ ثمَّ يسَاره فَيَقُول حَيّ على الْفَلاح مرَّتَيْنِ ويلتفت الْمُقِيم عَن يَمِينه فَيَقُول حَيّ على الصَّلَاة ثمَّ يلْتَفت عَن يسَاره فَيَقُول حَيّ على الْفَلاح وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي جُحَيْفَة رَأَيْت بِلَالًا يُؤذن فَجعلت أتتبع فَاه هَا هُنَا وَهَا هُنَا فَيَقُول يَمِينا وَشمَالًا حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد بِإِسْنَاد جيد صَحِيح فَلَمَّا بلغ حَيّ على الصَّلَاة حَيّ
(1/91)

على الْفَلاح لوى عُنُقه يَمِينا وَشمَالًا وَلم يستدر وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي صححها وأصبعاه فِي أُذُنه وَلَا يلْتَفت فِي غَيرهمَا لِأَنَّهُ ذكر الله وهما خطاب الْآدَمِيّ كالسلام يلْتَفت فِيهِ دون غَيره من الْأَذْكَار وَفَارق كَرَاهَة الِالْتِفَات فِي الْخطْبَة بِأَن الْمُؤَذّن دَاع للغائبين والالتفات أبلغ فِي إعلامهم وَالْقَصْد من الْإِقَامَة أَيْضا الْإِعْلَام والخطيب واعظ للحاضرين فالأدب أَن لَا يعرض عَنْهُم وَلَا يلْتَفت فِي قَوْله الصلاه خير من النّوم كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامهم (و) السّنة فِي الْمُؤَذّن (أَن يكون طَاهِرا) من الْحَدث وَلَو أَصْغَر وَمن الْخبث لخَبر (كرهت أَن أذكر الله إِلَّا على طهر) أَو قَالَ على طَهَارَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع إِنَّه صَحِيح وَلِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة فَلْيَكُن بِصفة من يُمكنهُ فعلهَا وَإِلَّا فَهُوَ واعظ غير متعظ فَيكْرَه أَذَان الْمُحدث غير الْمُتَيَمم وأذان الْجنب أَشد كَرَاهَة وَكَرَاهَة الْإِقَامَة من كل مِنْهُمَا أَشد من كَرَاهَة الْأَذَان مِنْهُ ويجزىء أَذَان الْجنب وإقامته وَإِن كَانَ فِي الْمَسْجِد ومكشوف الْعَوْرَة لحُصُول الْإِعْلَام وَالتَّحْرِيم لِمَعْنى آخر فَإِن أحدث وَلَو حَدثا أكبر فِي أَذَانه اسْتحبَّ إِتْمَامه وَلَا يقطعهُ ليتوضأ فَإِن تَوَضَّأ وَلم يطلّ بني وَأَن يكون مُسْتَقْبلا للْقبْلَة لِأَنَّهُ الْمَنْقُول سلفا وخلفا وَلِأَنَّهَا أشرف الْجِهَات وَأَن يكون (عدلا أَمينا) ليقبل خَبره عَن الْأَوْقَات ويؤمن نظره إِلَى العورات فَيكْرَه أَذَان الصَّبِي وَالْفَاسِق لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يُؤذن فِي غير الْوَقْت وَلَا أَن ينظر إِلَى العورات لَكِن تحصل السّنة بأذانه وَإِن لم يقبل خَبره فِي الْوَقْت وَقَوله أَمينا بدل من وَقَوله عدلا أَفَادَ بِهِ أَن أصل السّنة يحصل بِعدْل الرِّوَايَة أما كمالها فَلَا يحصل إِلَّا بِعدْل الشَّهَادَة وَيسن كَونه حرا أَيْضا لِأَنَّهُ أكمل من غَيره وَأَن يكون صيتًا أَي عالي الصَّوْت لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خبر عبد الله بن زيد بن عبد ربه ألقه على بِلَال فَإِنَّهُ أندى صَوتا مِنْك أَي أبعد مدى وَقيل أحسن صَوتا وَلِهَذَا يسن كَونه حسن الصَّوْت وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتَار أَبَا مَحْذُورَة لحسن صَوته وَلِأَنَّهُ أرق لسماعيه فَيكون ميلهم إِلَى الْإِجَابَة أَكثر ولزيادة الإبلاغ وَأَن يكون (مثوبا) بِالْمُثَلثَةِ (لفجره اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل أَو بِمَعْنى فِي بِأَن يَقُول بعد الحيعلات فِي أَذَانه الصَّلَاة خير من النّوم مرَّتَيْنِ لوروده فِي خبر أبي دَاوُد وَغَيره بِإِسْنَاد جيد كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَهُوَ من ثاب أَي رَجَعَ لِأَن الْمُؤَذّن دَعَا إِلَى الصَّلَاة بالحيعلتين ثمَّ عَاد فَدَعَا إِلَيْهَا بذلك وَخص بالصبح لما يعرض للنائم من التكاسل بِسَبَب النّوم وَشَمل إِطْلَاقه كالغزالي وَغَيره أذاني الصُّبْح فيثوب فيهمَا وَصَححهُ فِي التَّحْقِيق قَالَ فِي الْمَجْمُوع إِنَّه ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب وَفِي التَّهْذِيب إِن ثوب فِي الأول لَا يثوب فِي الثَّانِي وَأقرهُ فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَاقْتصر على نَقله فِي الشَّرْح الصَّغِير ويثوب فِي أَذَان الْفَائِتَة أَيْضا كَمَا صرح بِهِ ابْن عجيل اليمني نظرا إِلَى أَصله وَيكرهُ التثويب فِي غير الصُّبْح لخَبر الصَّحِيحَيْنِ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد وَأَن يكون مرجعا فِي أَذَانه بِأَن يخْفض صَوته بِكَلِمَات الشَّهَادَتَيْنِ وَهن أَربع بِأَن يسمع من بِقُرْبِهِ أَو أهل الْمَسْجِد إِن كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهِم وَكَانَ الْمَسْجِد يقتصد الخطة قبل رَفعه بهما كَمَا رَوَاهُ مُسلم عَن أبي مَحْذُورَة وسمى ترجيعا لِأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الرّفْع بعد أَن تَركه أَو إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ بعد ذكرهمَا وحكمته تدبر كلمتي الشَّهَادَتَيْنِ وَالْإِخْلَاص فيهمَا لِكَوْنِهِمَا المنجيتين من الْكفْر المدخلتين فِي الْإِسْلَام وتذكر خفائهما فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ ظهورهما وَظَاهر كَلَام الرَّوْضَة وَأَصلهَا إِنَّه اسْم للمجموع لَكِن صرح النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه وتحقيقه ودقائقه وتحريره بِأَنَّهُ اسْم للْأولِ وَصَوَّبَهُ بَعضهم وَفِي شرح مُسلم كحاوي الْمَاوَرْدِيّ بِأَنَّهُ اسْم للثَّانِي فكلمات الْأَذَان بالترجيع تع عشرَة كلمة وكلمات الْإِقَامَة إِحْدَى عشر وَأَن يكون (محتسبا) بأذانه أجرا عِنْد الله تَعَالَى بِأَن لَا يَأْخُذ عَلَيْهِ أجرا لخَبر التِّرْمِذِيّ وَغَيره من أذن سبع سِنِين محتسبا كتب الله لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَلقَوْل عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ آخر مَا عهد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اتخذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَلكُل أحد الرزق عَلَيْهِ من مَاله وَللْإِمَام
(1/92)

عِنْد فقد محتسب الرزق عَلَيْهِ من مَال الْمصَالح عِنْد الْحَاجة بِقَدرِهَا قَالَ فِي الْمَجْمُوع قَالَ أَصْحَابنَا وَلَا يجوز أَن يرْزق مُؤذنًا وَهُوَ يجد مُتَبَرعا عدلا كَمَا نَص عَلَيْهِ لِأَن الإِمَام فِي بَيت المَال كالوصي فِي مَال الْيَتِيم لَو وجد مُتَبَرعا لم يجز لَهُ أَن يسْتَأْجر عَلَيْهِ من مَال الْيَتِيم فكذاالإمام فَلَو احتسب فَاسق فَلهُ رزق أَمِين أَو أَمِين فَلهُ رزق من هُوَ أحسن مِنْهُ صَوتا إِن رَآهُ مصلحَة وَيجوز الِاسْتِئْجَار عَلَيْهِ ثمَّ إِن كَانَ من بَيت المَال لم يشْتَرط بَيَان الْمدَّة بل يَكْفِي كل شهر بِكَذَا كالجزية وَالْخَرَاج أَو من مَال الإِمَام أَو كَانَ الْمُسْتَأْجر أحد الرّعية اشْترط بَيَانهَا والرزق أَن يُعْطِيهِ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَاله وَالْأُجْرَة مَا يَقع بِهِ التَّرَاضِي وَأَن يكون (مرتفعا) على شَيْء عَال كمنارة وسطح لزِيَادَة الْإِعْلَام بِخِلَاف الْإِقَامَة لَا نسن على عَال إِلَّا فِي مَسْجِد كَبِير يحْتَاج فِيهِ إِلَى علو للإعلام بهَا (كَقَوْلِه لَهُ أَجَابَهُ) ندبا (مستمع) أَي وسامع بِأَن يُجيب كل كلمة عَقبهَا (وَلَو مَعَ الْجَنَابَة) أَو الْحيض أَو النّفاس (لكنه يُبدل لفظ الحيعلة إِذا حكى أَذَانه) أَو إِقَامَته (بالحوقله) أَي بِلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَرْبعا فِي إِجَابَة الْمُؤَذّن ومرتين فِي إِجَابَة الْمُقِيم وَالْمعْنَى لَا حول لي عَن الْمعْصِيَة وَلَا قُوَّة لي على مَا دعوتني إِلَيْهِ إِلَّا بك وَيَقُول فِي كلمتي الْإِقَامَة أَقَامَهَا الله وأدامها وَجَعَلَنِي من صالحي أَهلهَا وَيَقُول فِي التثويب صدقت وبررت وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر إِذا قَالَ الْمُؤَذّن الله أكبر الله أكبر قَالَ أحدكُم الله أكبر الله أكبر ثمَّ قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ثمَّ قَالَ حَيّ على الصَّلَاة قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ قَالَ الله أكبر الله أكبر قَالَ الله أكبر الله أكبر ثمَّ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله من قلبه دخل الْجنَّة رَوَاهُ مُسلم وَهُوَ مُبين لخبره الآخر إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول وَلِأَن إجَابَته تدل على رِضَاهُ بِهِ وموافقته فِي ذَلِك وَإِنَّمَا يسن للْجنب وَنَحْوه ذَلِك لِأَنَّهُ ذكروهم من أَهله وَأفهم كَلَامه كَغَيْرِهِ أَنه لَو علم أَذَانه وَلم يسمعهُ لصمم أَو نَحوه لَا تسن لَهُ إجَابَته وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع إِنَّه الظَّاهِر لِأَنَّهَا معلقَة بِالسَّمَاعِ فِي خبر إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن وكما فِي نَظِيره من تشميت الْعَاطِس وَلَو تَركهَا بِغَيْر عذر حَتَّى فرغ الْمُؤَذّن فَالظَّاهِر تَدَارُكه إِن قصر الْفَصْل وَإِذا لم يسمع الترجيع سنّ لَهُ الْإِجَابَة فِيهِ خلافًا لما أفتى بِهِ الْبَارِزِيّ وَإِذا سمع مُؤذنًا بعد آخر فالمختار كَمَا فِي الْمَجْمُوع أَن أصل الْفَضِيلَة فِي الْإِجَابَة شَامِل للْجَمِيع إِلَّا أَن الأول متأكد يكره تَركه وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام إِجَابَة الأول أفضل إِلَّا أذاني الصُّبْح فَلَا أَفضَلِيَّة فيهمَا لتأكد الأول وَوُقُوع الثَّانِي فِي الْوَقْت وَإِلَّا أذاني الْجُمُعَة لتقدم الأول ومشروعية الثَّانِي فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتهى وَشَمل كَلَامه القارىء فَيقطع قِرَاءَته ويجيب بِخِلَاف الْمصلى وَلَو نفلا يكره لَهُ الْإِجَابَة فِي صلَاته بل تبطل بإتيانه بِشَيْء من الحيعلتين أَو بِالصَّلَاةِ خير من النّوم أَو بصدقت وبررت لِأَنَّهُ كَلَام آدَمِيّ نعم تندب لَهُ الْإِجَابَة عقب فَرَاغه مِنْهَا إِن لم يطلّ الْفَصْل وَمثله المجامع وقاضي الْحَاجة وَيسن لكل من الْمُؤَذّن وَالسَّامِع أَن يُصَلِّي وَيسلم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد الْأَذَان ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ رب هَذَا الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة آتٍ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة والفضيلة وابعثه مقَاما مَحْمُودًا الَّذِي وعدته وَأَن يَقُول عقب الْفَرَاغ من أَذَان الْمغرب اللَّهُمَّ هَذَا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فَاغْفِر لي وَمن أَذَان الصُّبْح اللَّهُمَّ هَذَا إقبال نهارك وإدبار ليلك إِلَى آخِره وَأَن يَقُول الْمُؤَذّن بعد فَرَاغه فِي لَيْلَة مطيرة أَو ريح أَو ظلمَة أَلا صلوا فِي رحالكُمْ فَإِن قَالَه بعد الحيعلتين فَلَا بَأْس قَالَه فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا ويجيب السَّامع بِلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قِيَاسا على الحيعلتين قَالَه فِي الْمُهِمَّات وَألف حيعلا للإطلاق وَتَعْبِيره كالأزهري بالحوقلة بِأخذ الْحَاء وَالْوَاو من حول وَالْقَاف من قُوَّة وَاللَّام من اسْم الله تَعَالَى قَالَ بَعضهم إِنَّه حسن لتَضَمّنه جَمِيع الْأَلْفَاظ وَيجوز التَّعْبِير فِيهِ بالحوقلة كَمَا عبر بِهِ الْجَوْهَرِي بتركيبه من حاء حول وقاف قُوَّة وَمَا قيل
(1/93)

من أَن الصَّوَاب إِدْخَال الْبَاء بعد لفظ الْإِبْدَال على الْمَتْرُوك لَا الْمَأْخُوذ كَمَا عبر بِهِ المُصَنّف كَغَيْرِهِ مَرْدُود (وَالرَّفْع لِلْيَدَيْنِ للْإِحْرَام سنّ بِحَيْثُ) يكون (إِبْهَام حذا شَحم الْأذن) مُسْتَقْبلا بكفيه لخَبر ابْن عمر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة يرفع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه مُتَّفق عَلَيْهِ وَمعنى حَذْو مَنْكِبَيْه أَن تحاذى أَطْرَاف أَصَابِعه أَعلَى أُذُنَيْهِ وإبهاماه شحمتى أُذُنَيْهِ وراحتاه مَنْكِبَيْه وذال حَذْو وَمَا تصرف مِنْهُ مُعْجمَة فَلَو قطعت يَده من الْكُوع رفع الساعد أَو من الْمرْفق رفع الْعَضُد لِأَن الميسور لَا يسْقط بالمعسور فَإِن عجز عَن رفع يَدَيْهِ أَو إِحْدَاهمَا إِلَى هَذَا الْحَد وَأمكنهُ الزِّيَادَة أَو النَّقْص فعل الْمُمكن أَو أمكناه فَالزِّيَادَة أولى (مكشوفة) أَي يسن كشف الْكَفَّيْنِ عِنْد الرّفْع أَي حَال كَون كل من كفيه مكشوفة (وَفرق الأصابعا) تفريقا وسطا (ويبتدى التَّكْبِير) ندبا (حِين رفعا) أَي يَدَيْهِ بِأَن يبتدئه مَعَ ابْتِدَاء تحرمه وبنهيه مَعَ انتهائه كَمَا صَححهُ فِي التَّحْقِيق وشرحى الْمُهَذّب والوسيط وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِن صحّح فِي الرَّوْضَة أَنه لَا اسْتِحْبَاب فِي الِانْتِهَاء (ولركوع) أَي يسن رفع يَدَيْهِ للرُّكُوع بِأَن يبتدىء الرّفْع مَعَ ابْتِدَاء التَّكْبِير فَإِذا حَاذَى كَفاهُ مَنْكِبَيْه انحنى (واعتدال بالفقار) أَي بنصبه بِأَن يبتدىء الرّفْع مَعَ ابْتِدَاء رفع رَأسه من الرُّكُوع فَإِذا اسْتَوَى أرسلهما إرْسَالًا خَفِيفا إِلَى تَحت صَدره فَقَط فَلَو ترك الرّفْع سَهوا أَو عمدا تَدَارُكه فِي أثْنَاء التَّكْبِير أَو التسميع وَإِن أتمه لم يرفع قَالَ فِي الْأُم وَلَو تَركه فِي جَمِيع مَا أَمرته بِهِ أَو فعله حَيْثُ لم آمره بِهِ كرهت لَهُ ذَلِك وَأفهم كَلَام النَّاظِم عدم سنّ الرّفْع للسُّجُود وَالْقِيَام من جُلُوس الاسْتِرَاحَة وَالتَّشَهُّد الأول وَهُوَ كَذَلِك فِيمَا عدا الْأَخير فقد قَالَ النَّوَوِيّ إِن سنّ الرّفْع فِيهِ هُوَ الصَّحِيح أَو الصَّوَاب وَثَبت فِي البُخَارِيّ وَغَيره وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي والفقار بِفَتْح الْفَاء عِظَام الظّهْر جمع فقرة بِفَتْح الْفَاء وَكسرهَا وَسُكُون الْقَاف (وَوضع يمناه) أَي يسن للمصلى فِي الْقيام أَو بدله وضع يمناه (على كوع الْيَسَار) وَبَعض ساعده ورسغه باسطا أصابعها فِي عرض الْمفصل (أَسْفَل صدر) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رفع يَدَيْهِ حِين دخل فِي الصَّلَاة ثمَّ وضع يَده الْيُمْنَى على يَده الْيُسْرَى وَالْقَصْد من وضع الْيُمْنَى على الْيُسْرَى تسكين يَدَيْهِ فَإِن أرسلهما بِلَا عَبث فَلَا بَأْس وَالْحكمَة فِي جَعلهمَا تَحت الصَّدْر أَن تَكُونَا فَوق أشرف الْأَعْضَاء وَهُوَ الْقلب فَإِنَّهُ تَحت الصَّدْر والكوع والكاع الْعظم الَّذِي يَلِي إِبْهَام الْيَد كَمَا أَن البوع الْعظم الَّذِي يَلِي إِبْهَام الرجل وَأما الَّذِي يَلِي الْخِنْصر فكرسوع بِضَم الْكَاف والرسغ بِالسِّين الْمُهْملَة أفْصح من الصَّاد هُوَ الْمفصل بَين الْكَفّ والساعد وَالْيَد مُؤَنّثَة وَلِهَذَا تُوصَف باليمنى واليسرى (نَاظرا محلا سُجُوده) أَي يسن إدامة نظره فِي جَمِيع صلَاته إِلَى مَحل سُجُوده أَي حَال كَونه نَاظرا إِلَخ وَلَو فِي ظلمَة لِأَن جمع النّظر فِي مَكَان وَاحِد أقرب إِلَى الْخُشُوع وَمَكَان سُجُوده أشرف من غَيره إِلَّا فِي التَّشَهُّد فَالسنة أَن لَا يُجَاوز بَصَره مسبحته وَشَمل ذَلِك الْمصلى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْكَعْبَة والمصلى على جَنَازَة وَهُوَ كَذَلِك (وجهت وَجْهي الكلا) أَي يسن للمصلى بعد تحرمه وَلَو بالنفل وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا مُسلما وَمَا أَنا من الْمُشْركين إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا من الْمُسلمين وَلَا فرق فِي التَّعْبِير بذلك بَين الرجل وَالْمَرْأَة وَالْخُنْثَى على إِرَادَة الشَّخْص وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لفاطمة قومِي واشهدي أضحيتك وَقَوْلِي إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي إِلَى قَوْله وَأَنا من الْمُسلمين وَفِي الرَّوْضَة وَيزِيد الْمُنْفَرد وَإِمَام مَحْصُورين علم رضاهم بالتطويل اللَّهُمَّ أَنْت الْمَالِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ ونحمدك أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت
(1/94)

بذنبي فَاغْفِر لي ذُنُوبِي جَمِيعهَا إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت واهدني لأحسن الْأَخْلَاق لَا يهدي لأحسنها إِلَّا أَنْت واصرف عني سيئها لَا يصرف عني سيئها إِلَّا أَنْت لبيْك وَسَعْديك وَالْخَيْر كُله فِي يَديك وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك إنابك وَإِلَيْك تَبَارَكت وَتَعَالَيْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك وَقد صَحَّ فِي دُعَاء الِافْتِتَاح أَخْبَار أخر مِنْهَا مَا ذكر وَمِنْهَا اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب اللَّهُمَّ نقني من خطاياي كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس اللَّهُمَّ اغسلني من خطاياي بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد وَمِنْهَا الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ وَمِنْهَا الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا قَالَ النَّوَوِيّ وبأيها افْتتح حصل أصل السّنة لَكِن أفضلهَا الأول فَلَو ترك الِافْتِتَاح حَتَّى تعوذ لم يَأْتِ بِهِ لفَوَات مَحَله ويأتى بِهِ الْمَسْبُوق بعد تأمينه مَعَ الإِمَام لقصره لَا بعد جُلُوسه أَو سُجُوده مَعَه لطوله وَلَا مَا إِذا خشى عدم إكماله الْفَاتِحَة وَلَا الْمصلى على جَنَازَة وَلَو غَائِبا أَو على قبر وَالْألف فِي قَوْله الأصابعا ورفعا ومحلا والكلا للإطلاق (وكل) يَصح رَفعه ونصبه (رَكْعَة تعوذ) أَي يسن بعد الِافْتِتَاح تعوذ فِي كل رَكْعَة لقَوْله تَعَالَى {فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم} أَي إِذا أردْت قِرَاءَته ولحصول الْفَصْل بَين الْقِرَاءَتَيْن بِالرُّكُوعِ وَغَيره لكنه فِي الأولى آكِد لِأَن افْتِتَاح قِرَاءَته فِي الصَّلَاة إِنَّمَا يكون فِيهَا وَيحصل بِكُل مَا اشْتَمَل على التَّعَوُّذ من الشَّيْطَان وأفضله أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَيسْتَثْنى الْمَأْمُوم إِذا خَافَ عدم كَمَال الْفَاتِحَة كَمَا مر وَمُقْتَضى كَلَام الشَّيْخَيْنِ اسْتِحْبَاب التَّعَوُّذ لمن أَتَى بِالذكر لعَجزه عَن الْقِرَاءَة وَإِن قَالَ فِي الْمُهِمَّات إِن الْمُتَّجه خِلَافه وَخرج بقول النَّاظِم كل رَكْعَة مَا لَو فصل بَين الْقِرَاءَتَيْن بسجود التِّلَاوَة فَإِنَّهُ لَا يسن إِعَادَة التَّعَوُّذ (يسر) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي يسن الْإِسْرَار فِي التَّعَوُّذ وَلَو فِي الجهرية كالافتتاح بِجَامِع تقدمهما على الْفَاتِحَة بِخِلَاف خَارج الصَّلَاة فَإِنَّهُ يجْهر بِهِ قلعا ويكفيه تعوذ وَاحِد مَا لم يقطع قِرَاءَته بِكَلَام أَو سكُوت طَوِيل (وَمَعَ إِمَامه بآمين) بالمدمع التَّخْفِيف وَهُوَ الْأَشْهر وَبِه مَعَ الإمالة وَبِه مَعَ التَّشْدِيد وَهِي شَاذَّة وَهُوَ على غير الثَّالِثَة اسْم فعل بِمَعْنى اسْتحبَّ وعَلى الثَّالِثَة بِمَعْنى قَاصِدين ذَلِك قَالَ النَّوَوِيّ هِيَ شَاذَّة لَكِن لَا تبطل بهَا الصَّلَاة لِأَن الْقَصْد بهَا الدُّعَاء (جهر) بهَا فِي الصَّلَاة الجهرية مُوَافقَة لَهُ أما ندب التَّأْمِين فلخبر الصَّحِيحَيْنِ إِذا أَمن الإِمَام فَأمنُوا فَإِنَّهُ من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَفِيهِمَا أَيْضا إِذا قَالَ أحدكُم آمين وَقَالَت الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء آمين فَوَافَقت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه زَاد مُسلم إِذا قَالَ أحدكُم فِي الصَّلَاة آمين على أَن ندب التَّأْمِين لَا يخْتَص بِالصَّلَاةِ لكنه فِيهَا آكِد وَأما ندب الْجَهْر فَلَا تبَاع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَصَححهُ ابْن حبَان وَغَيره مَعَ خبر صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَأما ندب الْمَعِيَّة فللخبرين الْأَوَّلين فَإِن ظاهرهما الْأَمر بهَا بِأَن يَقع تَأْمِين الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمَلَائِكَة دفْعَة وَاحِدَة وَلِأَن الْمَأْمُوم لَا يُؤمن لتأمين إِمَامه بل لقرَاءَته وَقد فرغت فَإِن لم تتفق مُوَافَقَته للْإِمَام أَمن عقبه فَإِن لم يعلم تأمينه أَو أَخّرهُ عَن وقته الْمَنْدُوب أَمن قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَلَو قَرَأَ مَعَه وفرغا مَعًا كفى تَأْمِين وَاحِد أَو فرغ قبله قَالَ الْبَغَوِيّ ينتظره وَالْمُخْتَار أَو الصَّوَاب أَنه يُؤمن لنَفسِهِ ثمَّ للمتابعة قَالَ وَلَو قَالَ آمين رب الْعَالمين وَغَيره من ذكر الله كَانَ حسنا وَمَتى اشْتغل بِغَيْرِهِ فَاتَ وَإِن قصر الْفَصْل وجهر الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى بِهِ كجهرهما بِالْقِرَاءَةِ وَسَيَأْتِي فِي بَاب التَّأْمِين والجهر بِهِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُنْفَرد وَغَيره إِلَّا الْمَأْمُوم فيسر بِهِ لقِرَاءَة نَفسه (و) يسن بعد الْفَاتِحَة (سُورَة) غَيرهَا أَي لغير فَاقِد الطهُورَيْنِ ذِي الْحَدث الْأَكْبَر ومأموم سمع قِرَاءَة إِمَامه فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين دون غَيرهمَا وَمن سبق بالأخيرتين قراها فيهمَا حَيْثُ يتداركهما لِئَلَّا تَخْلُو صلَاته عَن سُورَة ويتأدى أصل السّنة بِقِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن لَكِن السُّورَة أفضل حَتَّى أَن السُّورَة القصيرة أولى من قدرهَا من طَوِيلَة وَهَذَا فِي غير التَّرَاوِيح أما فِيهَا فقراءة بعض الطَّوِيلَة أفضل كَمَا أفتى بِهِ ابْن عبد السَّلَام وَعلله بِأَن السّنة فِيهَا الْقيام بِجَمِيعِ الْقُرْآن وَيسن لمنفرد وَإِمَام مَحْصُورين رَضوا بالتطويل
(1/95)

للصبح طوال الْمفصل وللظهر قريب مِنْهَا وللعصر وَالْعشَاء أوساطه وللمغرب قصاره ولصبح الْجُمُعَة الم تَنْزِيل السَّجْدَة وَهل أَتَى بكمالهما فان ضَاقَ الْوَقْت أَتَى مِنْهُمَا بِقدر مَا أمكنه وَفِي الْمفصل عشرَة اقوال أَصَحهَا من الحجرات إِلَى عَم طواله وَمِنْهَا إِلَى الضُّحَى أوساطه وَمِنْهَا إِلَى آخر لِلْقُرْآنِ قصاره وَالْمرَاد بذلك بِالنِّسْبَةِ للمجموع وَيسن أَن يقْرَأ على تَرْتِيب الْمُصحف فَلَو خَالف فخلاف الأولى والمتنقل بِأَكْثَرَ من رَكْعَتَيْنِ إِن اقْتصر على تشهد لَهُ يسن لَهُ السُّورَة فِي كل رَكْعَة وَإِن أَتَى بتشهدين فَفِيهِ خلاف الْأَخِيرَتَيْنِ فِي الْفَرْض (والجهر) أَي يسن الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ (أَو سر) فِيهَا حَيْثُ (أثر) ببنائه للْمَفْعُول أى نقل عَن السّنة فَيسنّ الْجَهْر بهَا فِي الصُّبْح وَالْجُمُعَة وأولي الْمغرب وَالْعشَاء وَفِي المقضية يعْتَبر فِيهَا وَقت الْقَضَاء وَفِي الْعِيدَيْنِ وخسوف الْقَمَر وَالِاسْتِسْقَاء والتراويح وَالْوتر بعْدهَا وركعتي الطّواف وَقت الْجَهْر وَيسن الْإِسْرَار بهَا للْمَأْمُوم مُطلقًا وَلغيره فِي الظّهْر وَالْعصر وأخيرتى الْعشَاء وأخيرة الْمغرب والمقضية فِي وَقت الْإِسْرَار والجنازة وَفِي الرَّاتِبَة وَلَو ليلية ويتوسط فِي بَقِيَّة نوافل اللَّيْل بَين الْجَهْر والإسرار وَيعرف بالمقايسة بهما كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا وابتغ بَين ذَلِك سَبِيلا} قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَالْأَحْسَن فِي تَفْسِيره مَا قَالَه بعض الْأَشْيَاخ أَن يجْهر تَارَة ويخفي أُخْرَى كَمَا ورد فِي فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صَلَاة اللَّيْل وَلَا يَسْتَقِيم تَفْسِيره بِغَيْر ذَلِك لعدم تعقل الْوَاسِطَة بَينهمَا إِذْ حد الْجَهْر أَن يسمع من يَلِيهِ والأسرار أَن يسمع نَفسه فَإِن كَانَ بِهِ صمم وَثمّ شاغل حرك لِسَانه وشفتيه بِحَيْثُ لَو خلا عَن ذَلِك لسمع (وَعند أَجْنَبِي بهَا الْأُنْثَى تسر) أَي تسر الْمَرْأَة عِنْد الْأَجْنَبِيّ رجلا كَانَ أَو خُنْثَى لِأَن صَوتهَا وَإِن لم يكن عَورَة على الْأَصَح يخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَة فَلَو جهرت لم تبطل صلَاتهَا وَيكرهُ وتجهر فِيمَا عداهُ وَالْخُنْثَى كالأنثى قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ وَحَيْثُ قُلْنَا الْمَرْأَة تجْهر فَلْيَكُن جهرها دون جهر الرجل 1 هـ وَمثلهَا الْخُنْثَى (وكبرن لسَائِر انْتِقَال) أَي يسن التَّكْبِير لسَائِر انتقالات الصَّلَاة للإتباع رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعَ قَوْله صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ويجهر بِهِ الإِمَام والمبلغ (لكنما التسميع لاعتدال) من الرُّكُوع بِأَن يَقُول سمع الله لمن حَمده مَعَ رفع رَأسه ثمَّ إِن كَانَ إِمَامًا أَو مبلغا جهر بِهِ وَإِلَّا أسر وَمعنى سمع الله لمن حَمده تقبله مِنْهُ فَإِذا اعتدل سنّ لَهُ أَن يَقُول سرار بِنَا وَلَك الْحَمد أَو رَبنَا لَك الْحَمد ملْء السَّمَوَات وملء الأَرْض وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد وَيسن لمنفرد وَإِمَام مَحْصُورين رَضوا بالتطويل زِيَادَة أهل الثَّنَاء وَالْمجد أَحَق مَا قَالَ العَبْد وكلنَا لَك عبد لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطى لما منعت وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد وَإِن لم يرْضوا كره لَهُ ذَلِك وَإِنَّمَا ندب التسميع للْمَأْمُوم للإتباع كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ قَوْله صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلِأَنَّهُ ذكر يسن للْإِمَام فَيسنّ لغيره كذكر الرُّكُوع وَغَيره وَأما خبر إِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقَالُوا رَبنَا لَك الْحَمد فَمَعْنَاه قُولُوا ذَلِك مَعَ مَا علمتوه من سمع الله لمن حَمده لعلمهم بقوله صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي مَعَ قَاعِدَة التأسي بِهِ مُطلقًا وَإِنَّمَا خص رَبنَا لَك الْحَمد بِالذكر لأَنهم كَانُوا لَا يسمعونه غَالِبا ويسمعون سمع الله لمن حَمده وَيسْتَحب مد التَّكْبِير إِلَى آخر الرُّكُوع وَكَذَا فِي سَائِر الِانْتِقَالَات فيمتد التَّكْبِير من الْفِعْل الْمُنْتَقل عَنهُ إِلَى الْحُصُول فِي الْمُنْتَقل إِلَيْهِ وَلَو فصل بَينهمَا بجلسة الاسْتِرَاحَة حَتَّى لَا يَخْلُو فعل من الصَّلَاة عَن ذكر (وَالرجل) أَي الذّكر (الرَّاكِع جافى) ندبا (مرفقه) وبطنه عَن فَخذيهِ للإتباع رَوَاهُ مُسلم وكا يفعل ذَلِك فِي رُكُوعه يَفْعَله فِي سُجُوده كَمَا سَيَأْتِي للإتباع رَوَاهُ مُسلم فَإِن ترك ذَلِك كره نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم أما الْمَرْأَة وَالْخُنْثَى فَيسنّ لَهما ضم بعضهما إِلَى بعض وإلصاق بطنيهما بفخذيهما لِأَنَّهُ أستر لَهَا وأحوط لَهُ (كَمَا يسوى) الرَّاكِع (ظَهره وعنقه) ندبا بِحَيْثُ يصيران كالصفيحة للإتباع رَوَاهُ مُسلم فَإِن ترك ذَلِك كره نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم وَيسن لَهُ جعل كفيه على رُكْبَتَيْهِ ويأخذهما بهما منصوبتي السَّاقَيْن والفخذين وتفرقة أَصَابِعه تفريقا وسطا للْقبْلَة رَوَاهُ ابْن حبَان
(1/96)

فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَلِأَن ذَلِك أعون للْمُصَلِّي فَلَو عجز عَن جعل كفيه على رُكْبَتَيْهِ كَمَا ذكر أَتَى بالممكن أَو عَن وضعهما عَلَيْهِمَا أصلا أرسلهما وَلَو قطع من الزندين لَا يبلغ بهما الرُّكْبَتَيْنِ إِذْ بِهِ يفوت اسْتِوَاء الظّهْر بِخِلَاف نَظِيره من رفع الْيَدَيْنِ للتحرم وَغَيره ذكره فِي الْمَجْمُوع (والوضع لِلْيَدَيْنِ بعد الرّكْبَة) أَي يسن للْمُصَلِّي إِذا هوى لسجوده أَن يضع رُكْبَتَيْهِ أَولا ثمَّ يضع يَدَيْهِ أَي كفيه على الأَرْض فِي سُجُوده حَذْو مَنْكِبَيْه لخَبر وَائِل بن حجر كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا سجد وضع رُكْبَتَيْهِ قبل يَدَيْهِ وَإِذا نَهَضَ رفع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وابنا خُزَيْمَة وحبان وصححاه ثمَّ يسن لَهُ أَيْضا أَن يضع جَبهته وَأَنْفه للإتباع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ويضعهما دفْعَة وَاحِدَة وَجزم بِهِ فِي الْمُحَرر وَنَقله فِي الْمَجْمُوع عَن الْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيره وَفِي مَوضِع آخر مِنْهُ عَن الشَّيْخ أبي حَامِد يقدم أَيهمَا شَاءَ وَإِنَّمَا لم يجب وضع الْأنف كالجبهة وحملنا الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الدَّالَّة على وَضعه على النّدب مَعَ أَن زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة لِئَلَّا ينافى جملَة القَوْل تَفْصِيله وَهُوَ أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة أعظم (منشورة) أَي يسن لَهُ فِي سُجُوده أَن تكون أَصَابِعه منشورة لَا مَقْبُوضَة (مَضْمُومَة) لَا مُتَفَرِّقَة (للكعبة) أَي الْقبْلَة للإتباع فيهمَا وَحَيْثُ اسْتحبَّ نشر الْأَصَابِع فَالسنة فِيهَا التَّفْرِيج المقتصد إِلَّا فِي السُّجُود فَإِنَّهَا تضم وَلَا تفرق لِأَن التَّفْرِيق عدُول عَن الْقبْلَة وَيسن أَن تكون مكشوفة وَإِنَّمَا لم يجب كشفها كالجبهة لِأَنَّهَا إِنَّمَا تكشف للْحَاجة فَكَانَت كالقدم (وَرفع بطن سَاجِدا عَن فَخذيهِ) أَي يسن للذّكر الساجد رفع بَطْنه عَن فَخذيهِ ومرفقيه عَن جَنْبَيْهِ لما مر (مفرقا كالشبر بَين قَدَمَيْهِ) أَي يسن للْمُصَلِّي أَن يفرق بَين قَدَمَيْهِ فِي قِيَامه وركوعه واعتداله وَسُجُوده تفريقا وسطا بِأَن يكون بَينهمَا قدر شبر فَيكون تَفْرِيق رُكْبَتَيْهِ فِي سُجُوده بِقدر شبر (وجلسة الرَّاحَة خففتها) أَي ينْدب تَخْفيف جلْسَة الاسْتِرَاحَة بِأَن تكون بِقدر الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ وَيكرهُ تطويلها بِأَن يزِيد على ذَلِك فَلَا تبطل بِهِ الصَّلَاة وَاجعَل ذَلِك (فِي كل رَكْعَة تقوم عَنْهَا) للْخَبَر الصَّحِيح وَشَمل كَلَامه مَا لَو صلى أَربع رَكْعَات بتشهد فَإِنَّهُ يجلس للاستراحة فِي كل رَكْعَة يقوم عَنْهَا لِأَنَّهَا ثبتَتْ فِي الأوتار فَمحل التَّشَهُّد أولى وَلَو فعلهَا الْمَأْمُوم دون إِمَامه أَو عَكسه لم يضر تخلفه لِأَنَّهُ يسير بِخِلَاف التَّشَهُّد الأول وَلَا تسن بعد سَجْدَة التِّلَاوَة فِي الصَّلَاة وَلَا للْمُصَلِّي قَاعِدا وَهِي فاصلة بَين الرَّكْعَتَيْنِ كالتشهد الأول وجلوسه (وَسبح إِن) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السَّاكِن قبلهَا (ركعت أَو إِن تسْجد) أَي ينْدب للْمُصَلِّي التَّسْبِيح فِي رُكُوعه وَسُجُوده بِأَن يَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم وَفِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى للإتباع ويسبح فِي كل مِنْهُمَا ثَلَاثًا وَيحصل أصل السّنة فِي كل مِنْهُمَا بِوَاحِدَة وَالثَّلَاث أدنى الْكَمَال وأكمله لمنفرد وَإِمَام مَحْصُورين رَضوا بالتطويل إِحْدَى عشرَة وَينْدب أَن يضيف إِلَيْهِ وَبِحَمْدِهِ كَمَا جزم بِهِ فِي التَّحْقِيق وَيزِيد مُنْفَرد وَإِمَام مَحْصُورين راضين فِي الرُّكُوع اللَّهُمَّ لَك ركعت وَبِك آمَنت وَلَك أسلمت خشع لَك سَمْعِي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وَمَا اسْتَقَلت بِهِ قدمي لله رب الْعَالمين وَفِي السُّجُود اللَّهُمَّ لَك سجدت وَبِك آمَنت وَلَك أسلمت سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره بحوله وقوته تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ رَوَاهُ مُسلم (وضع) ندبا (على الفخذين فِي التَّشَهُّد يَديك) قَرِيبا من رُكْبَتَيْهِ الْيُمْنَى على الْيُمْنَى واليسرى على الْيُسْرَى (واضمم ناشرا) أَصَابِع (يسراكا) ليتوجه جَمِيعهَا للْقبْلَة لَا مُتَفَرِّقَة (واقبض سوى سبابة) وَهِي الَّتِي تلى الْإِبْهَام (يمناكا) وَذَلِكَ
(1/97)

بِأَن تقبض من يمناك الْخِنْصر والبنصر وَالْوُسْطَى وَترسل السبابَة وتضع الْإِبْهَام على حرف رَاحَته وَالْألف فِي يسراكا ويمناكا للإطلاق (وَعند إِلَّا الله) أَي عِنْد بُلُوغ همزَة إِلَّا الله (فالمهللة) أَي المسبحة (ارْفَعْ لتوحيد الَّذِي صليت لَهُ) لِتجمع فِي توحيده بَين القَوْل وَالْفِعْل والاعتقاد وَتَكون منحنية قَلِيلا لِأَنَّهُ أبلغ فِي الخضوع وخصت المسبحة بذلك لِأَن لَهَا اتِّصَال بنياط الْقلب فَكَأَنَّهَا سَبَب لحضوره وَلَا يسن تحريكها بل يكره وَمَا ورد من تحريكها مَحْمُول على بَيَان الْجَوَاز لِأَنَّهُ فعل خَفِيف وَينْدب كَون رَفعهَا للْقبْلَة وَأَن يَنْوِي بِهِ الْإِخْلَاص بِالتَّوْحِيدِ وَأَن يقيمها وَلَا يَضَعهَا وَيكرهُ رفع مسبحة الْيُسْرَى لفَوَات سنة بسطها وَلِهَذَا لم يرفعها وَلَا غَيرهَا لَو قطعت الْيُمْنَى وَسميت سبابة لِأَنَّهُ يشار بهَا عِنْد الْمُخَاصمَة والسب وَتسَمى أَيْضا بالمسبحة لِأَنَّهُ يشار بهَا إِلَى التَّوْحِيد والتنزيه إِذْ التَّسْبِيح التَّنْزِيه (والثان) بِحَذْف الْيَاء للتَّخْفِيف (من تَسْلِيمه) أَي تسن للْأَخْبَار بذلك وَأما أَخْبَار التسليمة الْوَاحِدَة فضعيفة أَو مَحْمُولَة على بَيَان الْجَوَاز وَأَيْضًا فأخبار الثِّنْتَيْنِ زِيَادَة ثِقَة فَيجب قبُولهَا وَقد يجب الِاقْتِصَار على وَاحِدَة إِذا عرض لَهُ عَقبهَا منافي الصَّلَاة كَأَن خرج وَقت الْجُمُعَة بعد الأولى أَو انْقَضتْ مُدَّة الْمسْح أَو شكّ فِيهَا أَو تخرق الْخُف أَو نوى الْقَاصِر الْإِقَامَة أَو انكشفت عَوْرَته أَو علم خطأ اجْتِهَاده وَلَا تسن زِيَادَة وَبَرَكَاته على الصَّحِيح والتسليمة الثَّانِيَة من تَوَابِع الصَّلَاة لَا أَنَّهَا مِنْهَا وَإِلَّا بطلت بِوُجُود منافيها قبلهَا (التفاته) أَي يسن الْتِفَات الْمُصَلِّي فِي تسديمتيه فِي الأولى حَتَّى يرى خَدّه الْأَيْمن وَفِي الثَّانِيَة الْأَيْسَر للإتباع وَيسن أَن يبتدىء بالتسليمة مُسْتَقْبل الْقبْلَة ثمَّ يلْتَفت بِحَيْثُ يكون انقضاؤها مَعَ تَمام الِالْتِفَات والابتداء بِالْيَمِينِ مُسْتَحبّ (و) يسن لكل مصل (نِيَّة الْخُرُوج من صلَاته) بالتسليمة الأولى مُقَارنَة لَهَا كتكبيرة التَّحَرُّم خُرُوجًا من خلاف من أوجبهَا كنية التَّحَرُّم لِأَن السَّلَام ذكر وَاجِب فِي أحد طرفِي الصَّلَاة كالتكبير وَأجَاب من لم يُوجِبهَا بِالْقِيَاسِ على سَائِر الْعِبَادَات حَيْثُ لَا يجب فِيهَا نِيَّة الْخُرُوج لِأَن النِّيَّة تلِيق بالإقدام دون التّرْك وَلِأَن السَّلَام جُزْء من أَجزَاء الصَّلَاة غير أَولهَا فَلم يفْتَقر إِلَى نِيَّة تخصه كَسَائِر الْأَجْزَاء وَلِهَذَا لايضر الْخَطَأ فِي تعْيين غير مَا هُوَ فِي كَمَا لَو دخل فِي ظهر وظنها فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة عصرا ثمَّ تذكر فِي الثَّالِثَة صحت صلَاته وَيسن للْمَأْمُوم أَن يسلم بعد تسليمتي إِمَامه وَلَو قَارن سَلَامه سَلام إِمَامه جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة (يَنْوِي الإِمَام) ندبا (حاضريه بِالسَّلَامِ) على من الْتفت إِلَيْهِ من مَلَائِكَة ومسلمي إنس وجن بِأَن ينويه بِمرَّة الْيَمين على من عَن يَمِينه وبمره الْيَسَار على من عَن يسَاره وبأيتهما شَاءَ على من خَلفه وبالأولى أفضل وكالإمام فِي ذَلِك الْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرد (وهم) أَي المأمومون (نووا) ندبا (ردا على هَذَا الإِمَام) فينويه مِنْهُم من على يَمِينه بالتسليمة الثَّنية وَمن على يسَاره بِالْأولَى وَمن خَلفه بأيتهما شَاءُوا وبالأولى أفضل وَينْدب أَن يَنْوِي بعض الْمَأْمُومين الرَّد على بعض وَينْدب درج السَّلَام فَلَا يمده مدا وَلما فرغ من سننها ذكر شُرُوطهَا فَقَالَ (شُرُوطهَا) الشُّرُوط جمع شَرط وَهُوَ لُغَة الْعَلامَة واصطلاحها مَا يلْزم من عَدمه الْعَدَم وَلَا يلْزم من وجوده وجود وَلَا عدم وَهِي اثْنَا عشر على مَا ذكره المُصَنّف أَولهَا (الْإِسْلَام) فَلَا تصح من كَافِر كَغَيْرِهَا من الْعِبَادَات (و) ثَانِيهَا التَّمْيِيز للسبع من السنيه (فِي الْغَالِب) فَلَا تصح من غيرمميز كمجنون لعدم أَهْلِيَّته لِلْعِبَادَةِ (و) ثَالِثهَا (التَّمْيِيز) وَفِي هَذَا الْبَيْت من أَنْوَاع البديع الجناس التَّام المماثل وَهُوَ أَن يتَّفق اللفظان من نوع وَاحِد فِي أَنْوَاع الْحُرُوف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَيَوْم تقوم السَّاعَة يقسم المجرمون مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} للْفَرض من نفل لمن يشْتَغل
(1/98)

بالفقه وَهُوَ غير الْعَاميّ فَلَو اعْتقد أَن جَمِيع أفعالها سنة أَو بَعْضهَا فرض وَبَعضهَا سنة وَلم يُمَيّز لم تصح صلَاته قطعا (وَالْفَرْض لَا ينوى بِهِ التَّنَفُّل) اي من الْعَاميّ الَّذِي لَا يُمَيّز فَرَائض الصَّلَاة من سننها بِأَن يعْتَقد أَن جَمِيع افعالها فرض أَو بَعْضهَا فرض وَبَعضهَا سنة وَلم يقْصد التَّنَفُّل بِمَا هُوَ فرض فقد قَالَ الْغَزالِيّ فِي فَتَاوِيهِ الْعَاميّ الَّذِي لَا يُمَيّز فَرَائض صلَاته من سننها تصح صلَاته بِشَرْط أَن لَا يقْصد التَّنَفُّل بِمَا هُوَ فرض فَإِن نوى النَّفْل بِفَرْض لم يحْتَسب بِهِ فَلَو غفل عَن التَّفْصِيل فنيه الْجُمْلَة فِي الِابْتِدَاء كَافِيَة حَكَاهُ عَنهُ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا وَقَالَ وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهرا أَحْوَال الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ وَلم ينْقل انه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ألزم الْأَعْرَاب ذَلِك وَلَا أَمر بِإِعَادَة صَلَاة من لم يعلم ذَلِك (و) رَابِعهَا (طهر مالم يعف عَنهُ من خبث) أَي نجس مغلظا كَانَ أَو متوسطا أَو مخففا (ثوبا) أَي فِي ثوب الْمُصَلِّي (مَكَانا) أَي مَكَانَهُ (بدنا) أَي بدنه لقَوْله تَعَالَى {وثيابك فطهر} وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ إِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة وَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي وَلخَبَر (تنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب القبرمنه) ثَبت الْأَمر باجتناب الْخبث وَهُوَ لَا يجب فِي غير الصَّلَاة فَيجب فِيهَا وَالْأَمر بالشَّيْء نهى عَن ضِدّه وَالْأَصْل فِي النَّهْي الْفساد على أَنه صحّح فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا تَحْرِيم التضمخ بالخبث فِي الْبدن وَالثَّوْب بِلَا حَاجَة فِي غير الصَّلَاة أَيْضا وَصحح فِي التَّحْقِيق تَحْرِيمه بِهِ فِي الْبدن دون غَيره وَمرَاده بِالْبدنِ مَا يعم ملاب من الثَّوْب ليُوَافق مَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا فَلَو تنجس ثَوْبه بِمَا لَا يُعْفَى عَنهُ وَلم يجد مَا يغسلهُ بِهِ وَجب قطع مَوضِع النَّجَاسَة إِن لم تنقص قِيمَته أَكثر من أجرته وَأَن جهل مَكَانهَا فِي جَمِيع الْبدن أَو الثَّوْب وَجب غسل جَمِيعه لِأَن الأَصْل بَقَاء النَّجَاسَة مَا بَقِي مِنْهُ جُزْء بِغَيْر غسل وَمن مس بعضه رطبا لم يَتَنَجَّس وَلَو شقّ الثَّوْب نِصْفَيْنِ لم يجز التَّحَرِّي وَلَو غسل نصفه أَو نصف ثوب مُتَنَجّس بالصب عَلَيْهِ فِي غير إِنَاء ثمَّ غسل النّصْف الْبَاقِي مَعَ مَا جاوره طهر كُله وَلَو اقْتصر عَلَيْهِ دون المجاور فالمنتصف بَاقٍ على تنجسه فَإِن غسله فِي أناء لم يطهر إِلَّا بِغسْلِهِ دفْعَة وَاحِدَة كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَلَو وَقعت نَجَاسَة فِي مَوضِع ضيق كبساط أَو بَيت وأشكل وَجب غسله كُله أَو وَاسع كالصحراء اجْتهد وَلَو تنجس أحد كمي الثَّوْب أَو أحدى يَدَيْهِ وأشكل فَغسل أَحدهمَا بِالِاجْتِهَادِ وَصلى لم تصح صلَاته إِلَّا إِن فصل اُحْدُ الكمين قبل الِاجْتِهَاد وَإِن اشْتبهَ ثَوْبَان فَغسل أَحدهمَا بِالِاجْتِهَادِ فَلهُ الصَّلَاة فيهمَا وَلَو جَمعهمَا عَلَيْهِ فَإِن تحير أجتنبهما فَلَو لم يجد غَيرهمَا وَلَا مَاء يغسلهما بِهِ صلى عَارِيا واعاد وَتبطل صَلَاة من لاقي ثَوْبه أَو بدنه أَو مَحْمُولَة نجسا وَإِن لم يَتَحَرَّك بحركته كمن قبض على حَبل مُتَّصِل بميته أَو مشدود بكلب أَو بساجوره أَو بِدَابَّة حاملة نجسا أَو بسفينة فِيهَا نجس إِن انجرت بجره وَأَن لَا تبطل كَمَا لَو جعل الْحَبل تَحت رجله (وخامسها الطَّهَارَة (من حدث) أكبر أَو أَصْغَر فَتبْطل بِغَيْر الْحَدث الدَّائِم وَإِن سبقه بِلَا اخْتِيَار كمن تنجس ثَوْبه أَو تخرق خفه أَو أبعدت الرّيح ثَوْبه بِلَا تَقْصِير فَإِن نحى النَّجَاسَة أَو رد الثَّوْب فَور لم يضر وَإِن نحاها بكمه بطلت وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر مُسلم (لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور) وَلخَبَر إِذا فسى أحدكُم فِي صلَاته فلينصرف وليتوضأ وليعد) صلَاته فَلَو صلى بِلَا طَهَارَة نَاسِيا أثيب على قَصده دون فعله إِلَّا الْقِرَاءَة وَالذكر وَنَحْوهمَا مِمَّا لَا يتَوَقَّف على الطُّهْر فَإِنَّهُ يُثَاب على فعله وَنظر ابْن عبد السَّلَام فِي أثابة الْجنب النَّاسِي على الْقِرَاءَة سادسها ستر الْعَوْرَة كَمَا قَالَ (وَغير حرَّة) من رجل حرا كَانَ أَو رَقِيقا بَالغا أَو صَبيا وَأمة ومبعضة وَخُنْثَى إِذا كَانَ رَقِيقا (عَلَيْهَا) وجوبا (الستره لعورة) وَلَو كَانَ الْمصلى فِي خلْوَة وظلمة وَيجب سترهَا خَارج الصَّلَاة أَيْضا بَين النَّاس وَكَذَا فِي خلْوَة وظلمه لِأَن الله أَحَق أَن يستحيى مِنْهُ وَلَا يجب فِي غير الصَّلَاة ستر عَوْرَته عَن نَفسه بل نظره اليها مَكْرُوه وَيُبَاح كشفها لغسل وَنَحْوه خَالِيا وَهِي 0 من ركبة لسره)
(1/99)

أما الرجل فلخبر عَورَة الْمُؤمن مَا بَين سرته الى ركبته وَإِن كَانَ فِي سَنَده رجل مُخْتَلف فِيهِ فَلهُ شَوَاهِد تجبره وَقيس بِالرجلِ الْأمة بِجَامِع أَن رَأس كل مِنْهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَة وروى إِذا زوج احدكم أمته عَبده أَو أجيره فَلَا تنطر الْأمة إِلَى مَا دون السُّرَّة وَفَوق الرّكْبَة ويوخذ من كَلَامه أَن الرّكْبَة والسرة ليستا من الْعَوْرَة لَكِن يجب ستر بعضهما ليحصل سترهَا (وحرة) وَلَو صَغِيرَة عَلَيْهَا ستر جَمِيع بدنهَا وجوبا (لَا الْوَجْه والكف ظهرا وبطنا إِلَى الكوعين لقَوْله تَعَالَى {وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا} قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره وَجههَا وكفيها وَلخَبَر لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض أَي بَالِغَة إِلَّا بخمار وَيُؤْخَذ مِنْهُ وَمن قَوْله تَعَالَى {خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد} يَعْنِي الثِّيَاب فِي الصَّلَاة كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس اشْتِرَاط ستر الْعَوْرَة وَإِنَّمَا لم يكن الْوَجْه والكفان عَورَة لِأَن الْحَاجة قد تَدْعُو إِلَى إبرازهما أما الْخُنْثَى الْحر فكالحرة حَتَّى لَو اقْتصر على ستر عَورَة الرجل لم تصح صلَاته على الْأَصَح فِي زَوَائِد الرَّوْضَة وَفِي الْمَجْمُوع هُنَا أَنه الأفقه للشَّكّ فِي السّتْر سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي الِابْتِدَاء أَو طَرَأَ فِي الْأَثْنَاء وَإِن صحّح فِي التَّحْقِيق صِحَّتهَا وَنقل فِي الْمَجْمُوع فِي نواقص الْوضُوء عَن الْبَغَوِيّ وَكثير الْقطع بِهِ للشَّكّ فِي عَوْرَته (بِمَا لَا يصف اللَّوْن) للبشرة للرائى بِمَجْلِس التخاطب وَإِن وصف الحجم (وَلَو) كَانَ (كدرة مَا) لحُصُول السّتْر بذلك وَصورته فِي المَاء فِيمَن يُمكنهُ الرُّكُوع وَالسُّجُود وَفِي صَلَاة الْجِنَازَة فَلَو قدر أَن يصلى فِي المَاء وَيسْجد على الشط لم يلْزمه للْمَشَقَّة أما مَالا يمْنَع وصف اللَّوْن كزجاج فَلَا يكفى وَشرط السَّاتِر أَن يَشْمَل المستور لبسا وَنَحْوه كالتطيين فَلَا تكفى الْخَيْمَة الضيقة وَنَحْوهَا ويكفى الْجب الضّيق الرَّأْس كَثوب وَاسع الذيل والحفرة إِذا لم يرد عَلَيْهَا ترابها كحب وَاسع الرَّأْس وَلَا تكفى الظلمَة وَإِن منعت وصف اللَّوْن وَكَذَا الاصباغ الَّتِي لَا جرم لَهَا من حمرَة وصفرة وَغَيرهمَا بِخِلَاف مَا لَهُ جرم وَخرج بالكدر الصافي فَلَا يَكْفِي إِلَّا إِذا غلبت خضرته وَيَكْفِي السّتْر بلحاف التحف بِهِ امْرَأَتَانِ وبازارا تزر بِهِ رجلَانِ وَلَو فقد الثَّوْب وَنَحْوه لزمَه التطين وَيجب السّتْر من الْأَعْلَى والجوانب لَا من الْأَسْفَل فَلَو صلى على طرف سطح فِي قَمِيص متسع الذيل يرى الْوَاقِف تَحْتَهُ عَوْرَته مِنْهُ صحت صلَاته وَلَو كَانَت عَوْرَته بِحَيْثُ ترى من طوقه فِي رُكُوع أَو غَيره لم تصح فليزره أَو يشد وَسطه وَلَو ستر بلحيته أَو ستر خرق ثَوْبه بكفه كفى وَلَو عدم الستْرَة أَو وجدهَا متنجسة وَلَا مَاء يغسلهَا أَو حبس على نَجَاسَة وَاحْتَاجَ فرش ستْرَة عَلَيْهَا صلى عَارِيا وَأتم الْأَركان وَلَا إِعَادَة وَلَو وجد بعض ستْرَة لزمَه الْبدَاءَة بالسوأتين الْقبل والدبر فَإِن وجد أَحدهمَا تعين الْقبل وَالْخُنْثَى يبْدَأ بِمَا شَاءَ من قبليه وَالْأولَى أَن يستر ذكره عِنْد النِّسَاء وفرجه عِنْد الرِّجَال وَلَو أَمر بِدفع ستْرَة لأولى النَّاس قدمت الْمَرْأَة الْخُنْثَى أما مَالك الستْرَة الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فَلَا يُؤثر بهَا غَيره فَإِن آثره وَصلى عَارِيا لم تصح صلَاته وسابعها مَا ذكره بقوله (وَعلم اوظن) بِحَذْف الْهمزَة للوزن (لوقت دخلا) ليَصِح تَحْرِيمه بِصَلَاة ذَلِك الْوَقْت فَلَو صلاهَا بِدُونِ ذَلِك لم تصح وَإِن وَقعت فِي وَقتهَا 0 واستقبلن) أَي وثامنها اسْتِقْبَال الْكَعْبَة الْقَادِر عَلَيْهِ فَلَا تصح صلَاته بِدُونِهِ إِجْمَاعًا لقَوْله تَعَالَى {فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره} اي جِهَته والاستقبال لَا يجب فِي غير الصَّلَاة فَتعين أَن يكون فِيهَا وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة وَعبد وخبرهما ط أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى رَكْعَتَيْنِ قبل الْكَعْبَة وَقَالَ هَذِه الْقبْلَة مَعَ خبر صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي اصلي وَقيل بِضَم الْقَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَيجوز أسكانها وَأما خبر التِّرْمِذِيّ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبله فَمَحْمُول على أهل الْمَدِينَة وَمن داناهم أما الْعَاجِز عَنهُ كمريض لم يجد من يوجهه ومربوط على خَشَبَة فَيصَلي على حسب حَاله وَيُعِيد وَالْمُعْتَبر الِاسْتِقْبَال بالصدر لَا بِالْوَجْهِ أَيْضا لِأَن الِالْتِفَات بِهِ غير مُبْطل للصَّلَاة وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوه (لَا فِي قتال حللا) أَي أُبِيح فِي شدَّة الْخَوْف كقتال الْمُسلمين للْكفَّار وَأهل الْعدْل للبغاة والرفقة لقطاع الطَّرِيق فَلَا يشْتَرط الِاسْتِقْبَال فِيهِ فِي الْفَرْض وَلَا فِي النَّفْل للضَّرُورَة كَمَا يأتى فِي صَلَاة الْخَوْف وَألف
(1/100)

دخلا وحلالا لإِطْلَاق 0 اَوْ نافلات سفر) مُبَاح (وَإِن قصر) وَلَو عيدا واستسقاء فَلَا يشْتَرط الِاسْتِقْبَال فِيهَا فَلهُ أَن يُصليهَا صوب مقصدة الْمعِين رَاكِبًا أَو مَاشِيا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته فِي السّفر حَيْثُمَا تَوَجَّهت بِهِ أَي فِي جِهَة مقْصده رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَفِي رِوَايَة لَهما غير أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَة وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ط فَإِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة نزل فَاسْتقْبل وَقيس بالراكب الْمَاشِي وَالسّفر الْقصير قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَغَيره مثل أَن يخرج إِلَى ضيعه مسيرتها ميل أَو نَحوه وَالْقَاضِي وَالْبَغوِيّ أَن يخرج إِلَى مَكَان لَا يلْزمه فِيهِ الْجُمُعَة لعدم سَمَاعه النداء وهما متقاربان نعم رَاكب نَحْو سَفِينِهِ أَو هودج يجب عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَال وإتمام الْأَركان لتمكنه مِنْهُمَا وَيسْتَثْنى مِنْهُ ملاح السيفينة الَّذِي يخْتل سَيرهَا بِدُونِهِ فَلَا يشْتَرط استقباله وَمن ركب على سرج أَو نَحوه لَا يلْزمه الِاسْتِقْبَال إِلَّا عِنْد إِحْرَامه إِن سهل عَلَيْهِ كَأَن كَانَت دَابَّته سهلة غير مقطورة أَو يَسْتَطِيع الانحراف بِنَفسِهِ بِخِلَاف مَا أذا عسر عَلَيْهِ كَأَن كَانَت عسرة أَو مقطورة أَو لَا يَسْتَطِيع الانحراف فَلَا يلْزمه الِاسْتِقْبَال فِي أحرامه أَيْضا للْمَشَقَّة واختلال امْر السّير عَلَيْهِ قَالَ ابْن الصّباغ وَالْقِيَاس أَنه مَا دَامَ وَاقِفًا لَا يُصَلِّي إِلَّا إِلَى الْقبْلَة قَالَ فِي الْمُهِمَّات وَهُوَ مُتَعَيّن وَفِي الْكِفَايَة أَنه لَو وقف لاستراحة أَو انْتِظَار رفْقَة لزمَه الِاسْتِقْبَال مَا دَامَ وَاقِفًا فَإِن سَار أتم صلَاته إِلَى جِهَة سَفَره إِن كَانَ سَفَره لأجل سير الرّفْقَة ة وَإِن كَانَ مُخْتَارًا لَهُ بِلَا ضَرُورَة لم يجز أَن يسير حَتَّى تنتهى صلَاته لِأَنَّهُ بِالْوُقُوفِ لزمَه فرض التَّوَجُّه وَفِي الْمَجْمُوع عَن الْحَاوِي نَحوه اهأما الْمَاشِي فيستقبل فِي إِحْرَامه وركوعه وَسُجُوده وجلوسه بَين السَّجْدَتَيْنِ وَيلْزمهُ أتمامها وَله الْمَشْي فِي الْقيام وَالتَّشَهُّد والاعتدال وَلَو أنحرف عَن مقْصده إِلَى الْقبْلَة وَأَن كَانَت خلف ظَهره لم يضر اَوْ إِلَى غَيره عمدا وَلَو قهرا بطلت صلَاته وَكَذَا النسْيَان أَو خطأ أَو جماح إِن طَال زَمَنه وَإِلَّا فَلَا تبطل وَلكنه يسْجد للسَّهْو وَلَو توجه إِلَى مقْصده فِي غير الطَّرِيق لم يضر وَمن لَا مقصد لَهُ معِين كالهائم أَو لَهُ مقصد معِين غير مُبَاح كالآبق والناشزة لَا رخصَة لَهُ فَإِن بلغ الْمُسَافِر الْمَكَان الَّذِي يَنْقَطِع بِهِ السّير أَو بُنيان بلد الْإِقَامَة لزمَه أَن ينزل عَن دَابَّته إِن لم يسْتَقرّ فِي نَحْو هودج وَلم يُمكنهُ أَن يُتمهَا مُسْتَقْبلا وَهِي واقفة لَا الْمَار وَلَو بقرية لَهُ فِيهَا أهل وَله الركض لحَاجَة فَلَو أجْرى الدَّابَّة أوعدا الْمَاشِي بِلَا حَاجَة بطلت وَلَو أَوْطَأَهَا نَجَاسَة لم يضر لَا أَن وَطئهَا الحاشي نَاسِيا وَهِي رطبَة لَا يُعْفَى عَمَّا تعلق بِهِ مِنْهَا أَو عَامِدًا وَلَو يابسة وَإِن لم يجد عَنْهَا مصرفا وَيشْتَرط فِي صِحَة صَلَاة الْفَرْض الِاسْتِقْرَار والاستقبال وإتمام الْأَركان فَلَو صلاهَا فِي هودج على دَابَّة واقفة وسرير يحملهُ رجال وَإِن مَشوا بِهِ أَو فِي الأرجوحة أَو فِي الزورق الْجَارِي صحت (وَتَركه عمدا كلَاما للبشر) تاسعها الْإِمْسَاك عَن الْكَلَام عَامِدًا بِمَا يصلح لخطاب الْبشر وَإِن لم يقْصد خطابهم أَو تعلق بمصلحة الصَّلَاة كَقَوْلِه للْإِمَام لم تصل إِلَّا ثَلَاثًا بطلت صلَاته وَالْأَصْل فِيهِ مَا رَوَاهُ مُسلم عَن زيد بن ارقم (كُنَّا نتكلم فِي الصَّلَاة حَتَّى نزلت وَقومُوا لله قَانِتِينَ فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا عَن الْكَلَام) وَعَن مُعَاوِيَة بن الحكم (بَيْنَمَا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ عطس رجل من الْقَوْم فَقلت يَرْحَمك الله فَرَمَانِي الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ فَقلت واثكل أُمَّاهُ مَا شَأْنكُمْ تنْظرُون إِلَى مجعلوا يضْربُونَ بِأَيْدِيهِم على أَفْخَاذهم فَلَمَّا رَأَيْتهمْ يصمتونني سكت فَلَمَّا صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس) وَخرج بالعمد مَا لَو سبق لِسَانه إِلَيْهِ فَلَا تبطل بقليله وَتبطل بكثيره وَمَا لَو كَانَ جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ لقرب عَهده بِالْإِسْلَامِ أَو نشئته بَعيدا عَن الْعلمَاء اَوْ جهل تَحْرِيم مَا أَتَى بِهِ مَعَ علمه بِتَحْرِيم الْكَلَام أَو جهل كَون التنحنح مُبْطلًا على الْأَصَح نَفَاهُ حكمه على الْعَوام وَخرج بقوله كَلَام للبشر الذّكر وَالدُّعَاء فَلَا تبطل بهما إِذا لم يكن فِيهِ خطاب على مَا يأتى وَيرجع فِي الْقلَّة وَالْكَثْرَة للْعُرْف وَلَو سلم إِمَامه فَسلم مَعَه ثمَّ سلم الإِمَام ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُوم قد سلمت قبل هَذَا فَقَالَ لَهُ كنت نَاسِيا لم تبطل صلَاته لِأَن اسلامة الأول سهوة وَلَا صَلَاة للْمَأْمُوم لِأَنَّهُ لم يخرج مِنْهَا بسلامه الأول وتكليمه الإِمَام سَهْو لِأَنَّهُ يظنّ أَنه تحلل فَيسلم ثَانِيًا وَينْدب لَهُ سُجُود السَّهْو لِأَنَّهُ تكلم
(1/101)

سَهوا بعد انْقِطَاع الْقدْوَة وَفِي نُسْخَة وَتَركه عمدا كلَاما للبشر وَهِي لَا يُنَاسِبهَا مَا بعْدهَا من جِهَة الْأَعْرَاب ثمَّ بَين المُصَنّف كَلَام الْبشر بقوله (حرفين) فَأكْثر وَلَو بِغَيْر إفهام لِأَن ذَلِك من جنس كَلَامهم وَالْكَلَام يَقع على الْمُفْهم وَغَيره مِمَّا هُوَ حرفان فَأكْثر وتخصيصه بالمفهم اصْطِلَاح للنحاة (أَو حرف بِمد صوتكا) وَإِن لم يفهم نَحْو آو الْمَدّ ألف أَو وَاو أَو يَاء وَهِي حُرُوف مَخْصُوصَة فَضمهَا إِلَى الْحَرْف كضم حرف آخر إِلَيْهِ والف صوتكا لإِطْلَاق (أَو) حرف (مفهم) نحوق من الْوِقَايَة ونحوع من الوعي لِأَنَّهُ كَلَام تَامّ لُغَة وَعرفا وَإِن أَخطَأ بِحَذْف هَاء السكت بِخِلَاف غير الْمُفْهم فَاعْتبر فِيهِ أقل مَا بيني عَلَيْهِ الْكَلَام وَهُوَ حرفان وَلَا تبطل الصَّلَاة بإجابة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّلَاة اذا دَعَا فِي عصره مُصَليا قولا اَوْ فعلا وَلَا بِالنذرِ لِأَنَّهُ مُنَاجَاة فَهُوَ من جنس الدُّعَاء حَيْثُ خلا عَن خطاب آدمى أَو تَعْلِيق وَتبطل بإنذار مشرف على الْهَلَاك إِذا لم يُمكن إِلَّا بِهِ مَعَ وُجُوبه على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة خلافًا لما فِي التَّحْقِيق وَإِن اقْتَضَاهُ كَلَام الْمَجْمُوع 0 وَلَو بكره) فَتبْطل بِهِ لِأَنَّهُ نَادِر كَمَا لَو أكره على الصَّلَاة بِلَا طَهَارَة أوقاعدا فَإِن الْإِعَادَة تجب وَهَذَا بِخِلَاف النسْيَان وَإِنَّمَا لم تبطل الصَّلَاة بِغَصب ثوب الْمُصَلِّي لِأَن للْغَاصِب فِيهِ غَرضا وَفِي بعض النّسخ وَلَو بضحك (اَوْ بكا) أَي تبطل بِكُل مَا ذكر وَلَو كَانَ ببكاء وَلَو من خشيَة الله أَو ضحك أَو تنحنح أَو نفخ أَو انين وَلَو من الْأنف (أَو ذكر أَو قِرَاءَة 9 لشَيْء لم ينْسَخ لَفظه وَإِن نسخ حكمه فِي غير مَحَله أَو فِيهِ وَثمّ قرينه صارفة (تجردا للفهم) عَن غَيره بِأَن قصد الْمُصَلِّي بِهِ تفهيم الْغَيْر فَقَط (اَوْ لم ينْو) بِهِ (شَيْئا أبدا) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ من كَلَام الْبشر كَقَوْلِه لعاطس يَرْحَمك الله اَوْ لبشارة الْحَمد لله أَو لتنبيه إِمَامه سُبْحَانَ الله أَو لتبليغ الِانْتِقَال وَلَو من إِمَام اَوْ مبلغ الله أكبر وَكَقَوْلِه لجَماعَة يستأذنون أدخلوها بِسَلام آمِنين) بِخِلَاف مَا إِذا قصد الذّكر اَوْ الْقِرَاءَة فَقَط أَو قصد إحدهما مَعَ التفهيم وَشَمل قَوْله أَو قِرَاءَة الْقُرْآن لِلْفَتْحِ على إِمَامه فَفِيهِ التَّفْصِيل خلافًا لبَعْضهِم قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَلَو أَتَى بِكَلِمَات من الْقُرْآن من مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة كَقَوْلِه يَا ابراهيم سَلام كن بطلت فَلَو اتى بهَا مُتَفَرِّقَة لم تبطل ان قَصدهَا بهَا الْقِرَاءَة اه وَقَضيته انه لَو قصد بهَا الْقِرَاءَة فِي الشق الأول بطلت صلَاته أَي إِذا لم يقْصد الْقِرَاءَة بِكُل كلمة على أنفرادها وَمثل الذّكر وَالْقِرَاءَة فِيمَا ذكر الدُّعَاء وَألف تجردا يَصح كَونهَا للتثنية أَو للإطلاق (أَو خَاطب) الْمُصَلِّي (الْعَاطِس بالترحم) كَقَوْلِه لَهُ يَرْحَمك الله (أَو رد تَسْلِيمًا على الْمُسلم بقوله عَلَيْك السَّلَام فَتبْطل بِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ من كَلَام الْبشر بِخِلَاف قَوْله يرحمه الله اَوْ عَلَيْهِ السَّلَام مِمَّا لَا خطاب فِيهِ وَخرج بِمَا ذكر خطاب الله وَرَسُوله فَإِنَّهُ لَا تبطل الصَّلَاة بِهِ لوروده فَلَا فِي التَّشَهُّد (لَا بسعال أَو تنحنح) أَو ضحك أَو بكاء أَو نفخ أَو أَنِين أَو عطاس (غلب) فَلم يسْتَطع رده فَلَا تبطل بِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُور إِلَّا أَن يكثر عرفا فَتبْطل بِهِ حِينَئِذٍ كَمَا قَالَ الشَّيْخَانِ فِي الضحك والسعال وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُمَا وَمَا بَحثه جمع متأخرين كالأسنوى من عدم بُطْلَانهَا مَعَ الْكَثْرَة يُمكن حمله على من صَار ذَلِك عَادَة مزمنه لَهُ وَالْأول على خِلَافه بِأَن كَانَ يُوجد وقتا دون آخر مَعَ تمكنه من فعلهَا زمن خلْوَة عَنْهَا 0 أَو دون ذين لم يطق ذكرا وَجب) أَي لَا تبطل صَلَاة من لم يطق ذكرا وَاجِبا أَي اتيانه بِهِ كالفاتحة أَو بدلهَا من قُرْآن أَو ذكر أَو تشهد أخير أَو الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ بِدُونِ السعال والتنحنح وَخرج بذلك مَا لَو لم يطق الْجَهْر بِهِ وَلَو مبلغا أَو النُّطْق بِالذكر الْمَنْدُوب كالسورة والقنوت بِدُونِ التنحنح والسعال فَأتى بِهِ وَخرج مِنْهُ حرفان فَإِن صلَاته تبطل بِهِ كَمَا علم مِمَّا مر أَيْضا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْر إِذْ هُوَ سنة بِخِلَاف الْوَاجِب
(1/102)

الَّذِي لَا تصح الصَّلَاة إِلَّا بِهِ (وَإِن تنحنح الإِمَام) فِي صلَاته (فَبَدَا) مِنْهُ (حرفان) فَأكْثر (فَالْأولى) للْمَأْمُوم (دَوَاء الاقتدا) بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاة لَا مُفَارقَته إِذْ الأَصْل بَقَاء الْعِبَادَة على صِحَّتهَا وَعدم الْمُبْطل حَتَّى يتَحَقَّق وَالظَّاهِر أَنه مَعْذُور (و) عَاشرهَا ترك (فعله الْكثير 9 الَّذِي لَيْسَ من جنس الصَّلَاة (وَلَو بسهو مثل مُوالَاة ثَلَاث خطو) وَلَو بِقدر خطْوَة وَاحِدَة أَو ثَلَاث ضربات مُتَوَالِيَة سَوَاء كَانَت الفعلات من جنس وَاحِد كَمَا مر أم جِنْسَيْنِ أم أَجنَاس كَضَرْبَة وخطوة وخلع نعل فَإِن لم يتْرك الْمُصَلِّي ذَلِك بطلت صلَاته لاشعاره بِالْإِعْرَاضِ عَن الصَّلَاة والسهو لَا يُؤثر فِي خطاب الْوَضع ويعفي عَن الْأَفْعَال الْكَثِيرَة فِي صَلَاة شدَّة الْخَوْف وَاحْترز بقوله الْكثير عَن الْفِعْل الْقَلِيل عرفا غير مَا مر كإشارة برد سَلام وخلع نعل وَلبس ثوب خَفِيف ونزعه وفعلتين كضربتين فَلَا تبطل وَلَو عمدا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل الْقَلِيل وَأذن فِيهِ فَأخذ بأذن ابْن عَبَّاس وَهُوَ فِي الصَّلَاة فأداره عَن يسَاره إِلَى يَمِينه وَسلم عَلَيْهِ نفر من الْأَنْصَار فَرد عَلَيْهِم بِالْإِشَارَةِ وخلع نَعْلَيْه فِي الصَّلَاة وَوَضعهمَا عَن يسَاره وَصلى وَهُوَ حَامِل أَمَامه بنت أبي الْعَاصِ من ابْنَته زَيْنَب فَإِذا سجد وَضعهَا وَإِذا قَامَ حملهَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ زَاد مُسلم وَهُوَ يؤم النَّاس فِي الْمَسْجِد وَأذن فِي تَسْوِيَة الْحَصَا وَأمر بقتل الأسودين الْحَيَّة وَالْعَقْرَب فِي الصَّلَاة وَفَارق الْفِعْل القَوْل حَيْثُ يستوى قَلِيله وَكَثِيره فِي الْإِبْطَال بِأَن الْفِعْل يتَعَذَّر أَو يتعسر الِاحْتِرَاز مِنْهُ فيعفى عَن الْقدر الَّذِي لَا يخل بِالصَّلَاةِ بِخِلَاف القَوْل وَاحْترز بقوله مُوالَاة عَن الْأَفْعَال المتفرقة فَلَا تُؤثر كَمَا لَو خطا خطْوَة ثمَّ بعد زمَان خطا أُخْرَى وهلم جرا لما مر فِي خبر أَمَامه وحد التَّفْرِيق أَن يعد الثَّانِي مُنْقَطِعًا عَن الأول عرفا وَلَو نوى فعلات مُتَوَالِيَات وَفعل وَاحِدَة بطلت صلَاته وَخرج بقوله مثل مُوالَاة إِلَى آخِره الحركات الْخَفِيفَة كتحريك أجفانه أَو أَصَابِعه فِي سبحه أَو حك أَو عد وَالْيَد قارة فِي مَحل وَاحِد فَلَا تُؤثر لِأَنَّهَا لَا تخل بنظم الصَّلَاة بِخِلَاف مَا إِذا حرك الْيَد ثَلَاثًا فَتبْطل بِهِ إِلَّا أَن يكون بِهِ حكة لَا يُمكنهُ الصَّبْر عَنْهَا ومراليد وجذبها مرّة وَاحِدَة وَكَذَا رَفعهَا عَن الصَّدْر ووضعها على مَحل الحك أما إِذا فعل فِي صلَاته غَيرهَا من جِنْسهَا كزيادة رُكُوع لَا للمتابعة فَإِن لم كَانَ عَامِدًا بطلت أَو نَاسِيا فَلَا وخطو مصدر خطا يخطو (و) ترك (وثبة تفحش) بل لَا تكون إِلَّا فَاحِشَة أَي أَو تصدر للعب وَلَو غير وثبة فَإِن لم يتْرك ذَلِك بطلت صلَاته لمنافاة كل مِنْهُمَا للصَّلَاة (و 9 حادي عشرهَا (الْمُفطر) للصَّائِم وَإِن قل أَي تَركه فَتبْطل بالمفطر كبلع ذوب سكرة لإشعاره بالاعراض عَنْهَا إِلَّا أَن يكون نَاسِيا أَو جَاهِلا تَحْرِيمه فَلَا تبطل بِهِ إِلَّا أَن يكثر عرفا فَتبْطل بِهِ وَفَارق نَظِيره فِي الصَّوْم بِأَن الْمُصَلِّي متلبس بهيئه يبعد مَعهَا النسْيَان بِخِلَاف الصَّائِم وَأَن الصَّلَاة ذَات أَفعَال منظومة وَالْفِعْل الْكثير يقطع نظمها بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ كف (و) ثَانِي عشرهَا (نِيَّة الصَّلَاة إِذْ تغير) فَتبْطل بتغييره لَهَا فَإِن لم يتْرك ذَلِك كَأَن نوى الْخُرُوج مِنْهَا وَلَو فِي رَكْعَة أُخْرَى بطلت لمنافاة نِيَّته قَصده بِخِلَاف مَا لَو نوى فِي الأولى أَن يفعل فِي الثَّانِيَة منافيا للصَّلَاة كَأَكْل فَلَا تبطل وَالْفرق أَنه غير جازم بِالنِّيَّةِ وناوي الْفِعْل فِي الثَّانِيَة جازم وَالْحرَام فعل منافي وَلم يُوجد وحاصلة أَن منافي النِّيَّة يُؤثر فِي الْحَال ومنافي الصَّلَاة إِنَّمَا يُؤثر عِنْد وجوده بِأَن يشرع فِيهِ فَلَو نوى فعلات مُتَوَالِيَة وَفعل وَاحِد بطلت صلَاته وَكَأن تردد فِي قطعهَا أَو علقه بِشَيْء وَإِن لم يعلم وجوده لمنافاته الْجَزْم كتعلق قطع الْإِيمَان وَلَا عبر ة بِمَا يجرى فِي الْفِكر أَنه لَو تردد كَيفَ يكون الْحَال فَإِن الموسوس قد يَبْتَلِي بِهِ وَقد يَقع فِي الْإِيمَان فَلَا عِبْرَة بِهِ وَكَأن نقل النِّيَّة من فرض إِلَى فرض آخر أَو من فرض إِلَى نفل بِلَا مسوغ أَو من نفل إِلَى نفل آخر وخالفت الصَّلَاة فِيمَا تقرر الصَّوْم وَالِاعْتِكَاف فَلَا يبطلان بِشَيْء مِنْهُ لِأَن الصَّلَاة يتَعَلَّق تحرمها وتحللها بِالِاخْتِيَارِ فَيكون تأثرها بِضعْف النِّيَّة فَوق تأثر الصَّوْم وَلِأَنَّهَا اأفعال وَهِي أحْوج
(1/103)

إِلَى النِّيَّة من التّرْك وَالْحق الِاعْتِكَاف بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ أشبه بِهِ وَمثلهمَا الْحَج وَالْعمْرَة وَلما كَانَ الْفِعْل الْقَلِيل قد ينْدب فِي الصَّلَاة ذكره بقوله (ندبا لما ينوبه يسبح الذّكر كتنبيه امامه وَأذنه لداخل وانذاره أعمى (وَهِي) أَي الْأُنْثَى وَمثلهَا الْخُنْثَى (بِظهْر كفها تصفح) أَي تصفق لذَلِك ندبا بِضَرْب ظهر كفها الْيُمْنَى على بطن الْيُسْرَى أَو ظهر كفها الْيُسْرَى على بطن الْيُمْنَى أَو ظهرهَا اَوْ بِضَرْب بطن كفها الْيُمْنَى على ظهر الْيُسْرَى أَو عَكسه كحبر الصَّحِيحَيْنِ (من نابه شَيْء فِي صلَاته فليسبح فَإِنَّهُ إِذا سبح الْتفت إِلَيْهِ أَو انما التصفيق للنِّسَاء فَلَو صفق الرجل وَسبح غَيره جَازَ مَعَ مخالفتهما السّنة وَمحل التَّسْبِيح أخذا مِمَّا مر إِذا قصد الذّكر وَلَو مَعَ الْإِعْلَام وَإِلَّا ر وَالتَّسْبِيح والتصفيق مندوبان لمندوب وواجبان لواجب وجائزان لجائز وَلَا يَنْبَغِي للْأُنْثَى ضرب بطن كفها على بطن كفها الْأُخْرَى فَإِن فعلت ذَلِك عمدا مَعَ الْعلم بِتَحْرِيمِهِ على وَجه اللّعب بطلت الصَّلَاة وَلَو بِمرَّة وَاحِدَة كَمَا علم مِمَّا مر وَينْدب أَن يُصَلِّي الشَّخْص إِلَى ستْرَة كجدار أَو سَارِيَة أَو عَصا مغرورة ويميلها عَن وَجهه فَإِن لم يجد افترش مصلى فَإِن لم يجد خطّ خطا وَيعْتَبر فِي الستْرَة أَن يكون بَينه وَبَينهَا ثَلَاثَة أَذْرع فَأَقل وَكَون أرتفاع الشاخص ثُلثي ذِرَاع فَأكْثر قَالَ فِي الْمُهِمَّات وَالْقِيَاس ان بَين الْمُصَلِّي والخط كَقدْر الستْرَة وَحِينَئِذٍ فَيحرم الْمُرُور بَين الْمُصَلِّي وسترته وَإِن لم يجد الْمَار سَبِيلا وللمصلي وَغَيره حِينَئِذٍ الدّفع بل ينْدب وَإِن أدّى إِلَى قَتله بالتدريج نعم لَو رأى فرجه أَمَامه خرق الصُّفُوف ليصلها وَلَا تبطل صلَاته بمرور شَيْء بَين يَدَيْهِ وَمحل تَحْرِيم الْمُرُور إِذا لم يقصر الْمُصَلِّي فَإِن قصر كَأَن وقف بقارعة الطَّرِيق فَلَا تَحْرِيم بل وَلَا كَرَاهَة كَمَا قَالَه فِي الْكِفَايَة أخذا من كَلَامهم وَحِينَئِذٍ فَلَا دفع فَإِن لم يصل إِلَى ستْرَة أَو تباعدا عَنْهَا فَوق ثَلَاثَة أَذْرع أَو كَانَت دون ثُلثي ذِرَاع لم تحصل السّنة وَلم يحرم مُرُور وَلم يكن لَهُ الدّفع (وَيبْطل االصلاة ترك الرُّكْن من اركانها كالاعتدال وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ وَلَو فِي النَّافِلَة لِأَن الْمَاهِيّة تَنْتفِي بِنَفْي جُزْء من أَجْزَائِهَا (أَو فَوَات شَرط من شُرُوط قد مضوا) أَي ويبطلها أَيْضا فَوَات شَرط من شُرُوط لَهَا قد مَضَت كاستقبال الْقبْلَة لِاسْتِحَالَة حُصُول الْمَشْرُوط بِدُونِ شَرط من شُرُوطه وَلما فرغ من ذكر شُرُوطهَا ذكر مكروهاتها فَقَالَ (مكروهها بكف ثوب أَو شعر) بدرج الْهمزَة للوزن لخَبر (أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة أعظم وَلَا أكف ثوبا وَلَا شعرًا) وَالْمعْنَى فِي النَّهْي عَن كَفه أَنه يسْجد مَعَه وَالنَّهْي لكل من صلى كَذَلِك سَوَاء أتعمده للصَّلَاة أم كَانَ قبلهَا لِمَعْنى وَصلى على حَاله وَمن ذَلِك أَن يُصَلِّي وشعره معقوص أَو مَرْدُود تَحت عمَامَته أَو كمه مشمر (وَرَفعه) وَمَا عطف عَلَيْهِ إِلَى آخِره يجوز جَرّه عطفا على الْمَجْرُور بِالْبَاء وَرَفعه عطفا على الْجَار وَالْمَجْرُور فَإِنَّهُ فِي مَحل رفع خبر قَوْله مكروهها (إِلَى السَّمَاء بالبصر) لخَبر (مَا بَال أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي صلَاتهم لينتهن عَن ذَلِك أَو لتحفظن أَبْصَارهم وَلخَبَر الْحَاكِم (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا صلى رفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَنزلت {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون} فطأطأ رَأسه) وَوَضعه يدا على خاصرته لخَبر 0 نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان يُصَلِّي الرجل مُخْتَصرا وَالْمَرْأَة فِي ذَلِك كَالرّجلِ وَلخَبَر ط الأختصار فِي الصَّلَاة رَاحَة اهل النَّار يعْنى فعل الْيَهُود وَالنَّصَارَى وهم أهل النَّار لِأَنَّهُ فعل المتكبرين وَيُقَال ان إِبْلِيس أهبط من الْجنَّة كَذَلِك ويستثني مَا إِذا وَضعهَا لحَاجَة كعلة بجنبه (وَمسح ترب وحصا عَن جَبهته) لخَبر (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الرجل يسوى التُّرَاب حَيْثُ يسْجد أَن كنت فَاعِلا فَوَاحِدَة (وحطه) أَي الْمُصَلِّي (الْيَدَيْنِ فِي الأكمام) أَي وضع يَدَيْهِ فِي كميه أَو غَيرهمَا (فِي حَالَة السُّجُود وَالْإِحْرَام) لِأَن كشفهما أنشط
(1/104)

لِلْعِبَادَةِ وَأبْعد عَن التكبر وَظَاهر إِطْلَاقهم أَنه لَا فرق بَين الْبرد وَالْحر وَغَيرهمَا قَالَ فِي الْأُم أحب أَن يُبَاشر براحتيه الأَرْض فِي الْحر وَالْبرد (والنقر فِي السُّجُود كالغراب أَي كَمَا ينقر بمنقاره فِيمَا يُرِيد الْتِقَاطه وَالْمرَاد كَرَاهَة تَخْفيف الْمصلى سُجُوده بِحَيْثُ لَا يمْكث فِيهِ إِلَّا قدر وضع الْغُرَاب منفاره على الأَرْض لخَبر نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن نقر الفراب وافتراش السَّبع (وجلسه الاقعاء كالكلاب) فِي جَمِيع جلسات الصَّلَاة بِحَيْثُ (تكون ألتياه مَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ لَكِن ناصبا سَاقيه) للنَّهْي عَنهُ وَمَا ذكره فِي تَعْبِيره من وضع يَدَيْهِ على الأَرْض تبع فِيهِ أَبَاهُ عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَظَاهر كَلَام الشَّيْخَيْنِ وَغَيرهمَا أَن كَرَاهَته لَا تتقيد بذلك وَمَعْنَاهُ أَن يلصق ألييه بِالْأَرْضِ وَينصب فَخذيهِ وساقيه كَهَيئَةِ المستو فزووجه النَّهْي عَنهُ مَا فِيهِ من التَّشْبِيه بالكلاب والقردة كَمَا وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي بعض الرِّوَايَات (والالتفات) يَمِينا أَو شمالا من غير تَحْويل صَدره عَن الْقبْلَة لخَبر البُخَارِيّ عَن عَائِشَة قَالَت سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الألتفات فِي الصَّلَاة فَقَالَ هُوَ اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من صَلَاة العَبْد وَلخَبَر أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَوْصَانِي خليلي بِثَلَاث ونهاني عَن ثَلَاث نهاني عَن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الْكَلْب والتفات كالتفات الثَّعْلَب لَا لحَاجَة لَهُ) أَي الِالْتِفَات فَلَا يكره لخَبر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَا فِي سفر فارسل فَارِسًا إِلَى شعب من اجل الحرس فَجعل يُصَلِّي وَهُوَ يلْتَفت إِلَى الشّعب (والبصق للْيَمِين أَو للْقبْلَة) لخَبر إِذا كَانَ احدكم فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يناجى ربه فَلَا يبصقن بَين يَدَيْهِ وَلَا عَن يَمِينه وَلَكِن عَن يسَاره أَو تَحت قدمه ثمَّ ان كَانَ فِي الْمَسْجِد بَصق فِي ثَوْبه وفركه أَو حك بعضه بِبَعْض أَو فِي غَيره بَصق فِي ثَوْبه أَو تَحت قدمه والاول أولى والبصاق فِي الْمَسْجِد حرَام يجب الْإِنْكَار على فَاعله وعَلى من دلكها بِأَسْفَل نَعله الْمُتَنَجس أَو مس بِهِ قذرا لِأَنَّهُ ينجس الْمَسْجِد أَو بقذرة وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين أَن يشتثني من كَرَاهَة البصاق عَن يَمِينه مَا إِذا كَانَ فِي مَسْجده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن بصاقه عَن يَمِينه أولى لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن يسَاره وَمِمَّا يكره أَيْضا وضع يَده على فَمه بِلَا حَاجَة وَالْقِيَام على رجل من غير حَاجَة وَالْمُبَالغَة فِي خفض الرَّأْس فِي رُكُوعه وَالْإِشَارَة بِمَا يفهم لَا لحَاجَة كرد سَلام وَنَحْوه والجهر فِي غير مَوْضِعه والإسرار فِي غير مَوْضِعه والجهر خلف الإِمَام - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب سُجُود السَّهْو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
(قبيل تَسْلِيم) من الصَّلَاة وَلَو نَافِلَة (تسن سَجْدَة تاه) لخَبر إِذا شكّ أحدكُم فَلم يدر أصلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا فليلق الشَّك وليبن على الْيَقِين وليسجد سَجْدَتَيْنِ قبل السَّلَام فَإِن كَانَت صلَاته تَامَّة كَانَت الرَّكْعَة والسجدتان نافله لَهُ وَإِن كَانَت نَاقِصَة كَانَت الرَّكْعَة تَمامًا للصَّلَاة والسجدتان ترغمان أنف الشَّيْطَان ط رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح وَمُسلم بِمَعْنَاهُ ثَبت بِهِ سنية السُّجُود وَأَنه سَجْدَتَانِ وَأَنه قبل السَّلَام أَي بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّل بَينهمَا شَيْء من الصَّلَاة كَمَا افاده تَصْغِير النَّاظِم لقبل وَإِنَّمَا لم يجب السُّجُود كجبر الْحَج لِأَنَّهُ لم يشرع لترك وَاجِب بِخِلَاف جبر الْحَج وَيدل لكَون قبل السَّلَام أَيْضا أَخْبَار أخر كَخَبَر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بهم الظّهْر فَقَامَ من الْأَوليين وَلم يجلس فَقَامَ النَّاس مَعَه حَتَّى إِذا قضى الصَّلَاة وانتظر النَّاس تَسْلِيمه كبر وَهُوَ جَالس فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم ثمَّ سلم وَقَالَ الزُّهْرِيّ إِنَّه آخر الْأَمريْنِ من فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلِأَنَّهُ سُجُود وَقع سَببه فِي الصَّلَاة فَكَانَ فِيهَا كسجود
(1/105)

التِّلَاوَة وَلِأَنَّهُ لمصْلحَة الصَّلَاة فَكَانَ قبل السَّلَام كَمَا لَو نسي سَجْدَة مِنْهَا وَلَا فرق فِي كَونه قبل السَّلَام بَين كَونه لنَقص أَو زِيَادَة أَولهمَا وَأما خبر الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر خمْسا وَسجد للسَّهْو بعد السَّلَام فَأجَاب عَنهُ أَئِمَّتنَا بِأَنَّهُ تدارك للمتروك قبل السَّلَام سَهوا لما فِي خبر أبي سعيد الْآمِر بِالسُّجُود قبل السَّلَام من التَّعَرُّض للزِّيَادَة وسجدتا السَّهْو كسجدتى الصَّلَاة فِي واجباتهما ومندوباتهما وَحكى بَعضهم أَنه يَقُول فيهمَا سُبْحَانَ من لَا ينَام وَلَا يسهو وَهُوَ لَائِق بِالْحَال فَإِن تَركهمَا وَسلم فَإِن كَانَ عَامِدًا لم يعد إِلَيْهِمَا وَكَذَا إِن كَانَ سَاهِيا وَطَالَ الْفَصْل وَإِن تذكر عَن قرب فَلهُ الْعود ثمَّ يسلم لخَبر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر خمْسا فَلَمَّا انْتقل قيل لَهُ ذَلِك فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم وَإِذا سجد بَان أَن السَّلَام لم يكن محللالا كتذكرة ترك ركن بعد السَّلَام حَتَّى لَو أحدث أَو تكلم عمدا قبل السَّلَام بطلت صلَاته وَلَو نوى الْإِقَامَة لزمَه الْإِتْمَام وَلَو خرج وَقت الْجُمُعَة كملها ظهرا لَكِن يحرم الْعود اليه إِن ضَاقَ الْوَقْت لإخراجه بعض الصَّلَاة عَن وَقتهَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي قتاويه فِي الْمجمع والقاصر وَبِمَا تقرر علم أَنه تبين بعوده إِلَى السُّجُود أَنه لم يخرج من الصَّلَاة لِاسْتِحَالَة الْخُرُوج مِنْهَا ثمَّ الْعود إِلَيْهَا بِلَا تحرم وَبِه صرح الإِمَام وَغَيره وَإِنَّمَا يسن السُّجُود لأحد أَمريْن أَولهمَا (لسهو مَا يبطل عمده الصَّلَاة) دون سَهْوه كزيادة رُكُوع أَو سُجُود بِخِلَاف مَا يُبْطِلهَا سَهْوه أَيْضا ككلام كثير لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاة وَبِخِلَاف سَهْو مَا لَا يُبْطِلهَا عُمْدَة كالتفات وخطوتين لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل الْفِعْل الْقَلِيل فِيهَا وَرخّص فِيهِ كَمَا مر وَلم يسْجد وَلَا أَمر بِهِ وَشَمل كَلَامه مَا أفتى بِهِ الْقفال من أَنه لَو قعد للتَّشَهُّد الأول يظنّ أَنه الثَّانِي فَقَالَ نَاسِيا السَّلَام أَي نَاوِيا بِهِ الْخُرُوج من الصَّلَاة فَقبل أَن يَقُول عَلَيْكُم تنبه فَقَامَ فَإِنَّهُ يسْجد للسَّهْو فَإِن لم ينوى بِهِ الْخُرُوج من الصَّلَاة لم يسْجد للسَّهْو وَهُوَ محمل مَا أفتى بِهِ الْبَغَوِيّ وَعلله بِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ خطاب وَالسَّلَام اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى فَلَا يبطل عُمْدَة الصلاه وَيسْتَثْنى من مَنْطُوق كَلَامه انحراف المتنفل فِي السّفر عَن مقْصده إِلَى غير الْقبْلَة نَاسِيا مَعَ عوده على الْفَوْر فَلَا يسْجد لَهُ على مَا فِي الرَّوْضَة وَالْمَجْمُوع وَالتَّحْقِيق مَعَ أَن عمده مُبْطل لَكِن صحّح فِي الشَّرْح الصَّغِير السُّجُود قَالَ الأسنوى وَغَيره إِنَّه الْقيَاس وَقَالَ فِي الْبَهْجَة فِي الِاسْتِقْبَال إِنَّه الْأَصَح وَمن مَفْهُومه مَا سيأتى فِي كَلَامه من نقل الرُّكْن القولى وَمَا لَو قنت قبل الرُّكُوع بنية الْقُنُوت وَمَا لَو فرقهم فِي الْخَوْف أَربع فرق وَصلى بِكُل فرقة رَكْعَة أَو فرْقَتَيْن وَصلى بفرقه رَكْعَة وبأخرى ثَلَاثًا 0 وَترك بعض) أَي ثَانِيهمَا أَنه يسْجد لترك بعض من أبعاض الصَّلَاة الْمُتَقَدّمَة (عمدا أَو لذهل) بِالْمُعْجَمَةِ ودرج الْهمزَة للوزن أَي لذهول وَهُوَ السَّهْو أما التَّشَهُّد الأول فَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَركه نَاسِيا وَسجد قبل أَن يسلم رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقيس بِالنِّسْيَانِ الْعمد بِجَامِع الْخلَل بل خلل الْعمد أَكثر فَكَانَ للجبر أحْوج وَالْمرَاد بالتشهد الأول اللَّفْظ الْوَاجِب فِي الْأَخير اما مَا هُوَ سنة فِيهِ فَلَا سُجُود لَهُ وَقِيَاس مَا يأتى فِي الْقُنُوت إِلْحَاق ترك بعضه بترك كُله وَشَمل كَلَامه الْفَرْض وَالنَّفْل فَلَو صلى نفلا أَرْبعا بتشهد سجد للسَّهْو لترك التَّشَهُّد الأول إِن كَانَ على عزم الْإِتْيَان بِهِ وَتَركه وَإِلَّا فَلَا كَمَا أفتى بِهِ الْبَغَوِيّ وَإِن جرى فِي الذَّخَائِر على خِلَافه وَنَقله ابْن الرّفْعَة عَن الإِمَام وَأما قعُود التَّشَهُّد الأول فَلِأَن السُّجُود إِذا شرع لترك التَّشَهُّد شرع لترك قعوده لِأَنَّهُ مَقْصُود لَهُ وَأما الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ فَلِأَنَّهَا ذكر يجب الاتيان بِهِ فِي الْجُلُوس الْأَخير فَيسْجد لتَركه فِي الأول وَأما الصَّلَاة على آله فِي جُلُوس التَّشَهُّد الاخير فكالصلاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن تَيَقّن ترك إِمَامه لَهَا بعد أَن سلم إِمَامه وَقبل ان يسلم هُوَ أَو بعد سلم وَقصر الْفَصْل واما الْقُنُوت وقيامه فِي أعتدال الثَّانِيَة من الصُّبْح والرك الْأَخِيرَة من وتر نصف رمضات الثَّانِي فقياسا لَهما على مَا مر وَترك بعض الْقُنُوت كَتَرْكِ كمله وَلَا يلْزم من ذَلِك القَوْل بتعين كَلِمَاته إِذْ مَحَله مَا لم يشرع فِي قنوت وَإِلَّا تعين لأَدَاء السّنة مَا لم يعدل إِلَى بدله
(1/106)

وَشَمل كَلَامهم سنّ السُّجُود لترك إِمَامه الْحَنَفِيّ لَهُ وَهُوَ كَذَلِك اعلى الْأَصَح من ان الْعبْرَة بعقيدة الْمَأْمُوم وَصُورَة السُّجُود لترك قعُود التَّشَهُّد الأول فَقَط وَقيام الْقُنُوت فَقَط أَن يحسنهما فَإِنَّهُ يسن لَهُ أَن يقْعد أَو يقوم بِقَدرِهِ فَإِذا لم يفعل سجد للسَّهْو وَخرج بِمَا ذكر قنوت النَّازِلَة فَلَا يسْجد لَهُ لعدم تَأَكد أمره لِأَنَّهُ سنة فِي الصَّلَاة لَا مِنْهَا أَي لَا بَعْضهَا وَالْكَلَام فِيمَا هُوَ بعض مِنْهَا وَلَو شكّ فِي ترك بعض سجد أَو ارْتِكَاب منهى فَلَا (لَا سنة) أَي لَا يسن السُّجُود لترك سنة من سنَن الصَّلَاة غير أبعاضها عمدا أَو سَهوا لِأَن سُجُود السَّهْو زِيَادَة فِي الصَّلَاة فَلَا يجوز إِلَّا بتوقيف وَلم يرد إِلَّا فِي بعض الإبعاض وقسنا بَاقِيهَا عَلَيْهِ لتكافئها وبقى مَا عَداهَا على الأَصْل فَلَو فعله ظَانّا جَوَازه بطلت صلَاته إِلَّا إِن قرب عَهده بِالْإِسْلَامِ أَو نَشأ فِي بادية بعيدَة عَن الْعلمَاء لِأَنَّهُ قد يعرف مَشْرُوعِيَّة سُجُود السَّهْو وَلَا يعرف مقتضيه (بل نقل ركن قولي) أَي بل يسن السُّجُود لنقل ركن قولي لَا يبطل عمد نَقله الصَّلَاة عَن مَحَله كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة أَو التَّشَهُّد أَو بعضهما فِي غير مَحلهمَا من ركن طَوِيل أَو قصير لم يبطل بذلك وَسَوَاء اكان عمدا أم سَهوا لتَركه التحفظ الْمَأْمُور بِهِ فِي الصَّلَاة مؤكدا كَتَرْكِ التَّشَهُّد الأول أما مَا يُبْطِلهَا تعمد نَقله كالسلام فداخل فِي قَوْله مَا يبطل عمده الصَّلَاة وَخرج بِنَقْل الرُّكْن نقل غَيره كتسبيح رُكُوع أَو سُجُود أَو سُورَة نعم يسن السُّجُود لنقل الْقُنُوت كَمَا مر (وكل ركن قد تركت) إيها الْمُصَلِّي (سَاهِيا مَا بعده لَغْو) لوُقُوعه فِي غير مَحَله (إِلَى أَن تأتيا بِمثلِهِ) من رَكْعَة أُخْرَى وتأتى بِمُجَرَّد التَّذَكُّر بِمَا تركته وَأَن لم تتذكر حَتَّى فعلت مثله مِمَّا شملته نِيَّة الصَّلَاة وَألف تأتيا للإطلاق (فَهُوَ يَنُوب عَنهُ) أَي الْمَتْرُوك لوُقُوعه فِي مَحَله (وَلَو بِقصد النَّقْل تفعلنه) كَأَن جَلَست للتَّشَهُّد الْأَخير وَأَنت تظنه الأول ثمَّ تذكرت عقبَة فَإِنَّهُ يجزىء عَن الْفَرْض هَذَا إِذا عرف عين الرُّكْن وموضعه فَإِن لم يعرف أَخذ بِالْيَقِينِ وأتى بِالْبَاقِي على التَّرْتِيب وَسجد للسَّهْو وَإِن كَانَ الْمَتْرُوك النِّيَّة أَو تَكْبِيرَة الْإِحْرَام أَو جوز أَن يكون أَحدهمَا اسْتَأْنف الصَّلَاة وَالشَّكّ فِي ترك الرُّكْن قبل السَّلَام كتيقن تَركه فَلَو تَيَقّن ترك سَجْدَة من الرَّكْعَة الْأَخِيرَة سجدها وَأعَاد تشهده أَو من غَيرهَا اَوْ شكّ فيهمَا لزمَه رَكْعَة وَلَو علم فِي قيام ثَانِيَة ترك سَجْدَة فَإِن كَانَ جلس بعد سجدته وَاو للاستراحة سجدوا وَإِلَّا فليجلس مطمئنا ثمَّ يسجدوا وَلَو علم فِي آخر ربَاعِية ترك سَجْدَتَيْنِ اَوْ ثَلَاث جهل موضعهَا لزمَه رَكْعَتَانِ اَوْ ارْبَعْ لزمَه سَجْدَة ثمَّ رَكْعَتَانِ اَوْ خمس أَو سِتّ لزمَه ثَلَاث أَو سبع لزمَه سَجْدَة ثمَّ ثَلَاث أَو ثَمَان لزمَه سَجْدَتَانِ ثمَّ ثَلَاث وتذكر الْمَتْرُوك بعد السَّلَام إِذا لم يطلّ الْفَصْل عرفا وَلم يطَأ نَجَاسَة كَهُوَ قبله وَشَمل تعبيرهم بترك السجدات التّرْك الْحسي والشرعي (وَمن نسي بِسُكُون الْيَاء وصلَة بنية الْوَقْف (التَّشَهُّد المقدما) مَعَ جُلُوسه أَو دونه (وَعَاد) لَهُ 0 بعد الانتصاب) قَائِما (حرما) فَلَا يعود لَهُ لتلبسه بِفَرْض فَلَا يقطعهُ لسنة فَإِن عَاد لَهُ عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ حرم عوده لزِيَادَة قعوده وَالْألف فِي المقدما وحرما للإطلاق (وجاهل التَّحْرِيم أَو نَاس) لَهُ (فَلَا يبطل عوده) عوده الصَّلَاة اما النَّاسِي فلرفع الْقَلَم عَنهُ وَأما الْجَاهِل فَلِأَنَّهُ مِمَّا يخفى على الْعَوام (وَإِلَّا) بِأَن كَانَ عَالما بِالتَّحْرِيمِ عَامِدًا (أبطلا) عوده الصَّلَاة لما مر وعَلى الْجَاهِل أَن يقوم عِنْد تعلمه وَالنَّاسِي عِنْد تذكره هَذَا إِن كَانَ الْمُصَلِّي إِمَامًا اَوْ مُنْفَردا أَو مَأْمُوما وَقد انتصب
(1/107)

هُوَ وإمامه وَإِن عَاد إِمَامه وَالْأولَى أَن يَنْوِي مُفَارقَته حِينَئِذٍ وَلَو انتظره قَائِما جَازَ لاحْتِمَال كَونه مَعْذُورًا (لَكِن على الْمَأْمُوم حتما يرجع إِلَى الْجُلُوس للْإِمَام يتبع) أَي لِأَن مُتَابَعَته فرض آكِد من التَّلَبُّس بِالْفَرْضِ وَلِهَذَا سقط بهَا الْقيام وَالْقِرَاءَة عَن الْمَسْبُوق إِذا أدْرك الإِمَام رَاكِعا فَإِن لم يعد بطلت صلَاته لمُخَالفَته الْوَاجِب فَلَو لم يعلم حَتَّى قَامَ إِمَامه لم يعد وَلم تحسب قِرَاءَته كمسبوق سمع حسا ظَنّه سَلام إِمَامه فَقَامَ وأتى بِمَا فَاتَهُ ثمَّ بَان أَنه لم يسلم لَا يحْسب لَهُ مَا أَتَى بِهِ قبل سَلام إِمَامه أما لَو انتصب الْمَأْمُوم عَامِدًا فعوده لمتابعة إِمَامه مَنْدُوب وَفرق بَين حالتيه بِأَن الْعَامِد انْتقل إِلَى وَاجِب وَهُوَ الْقيام فَيُخَير بَين الْعود وَعَدَمه لِأَنَّهُ تَخْيِير بَين واجبين بِخِلَاف النَّاسِي فَإِن فعله غير مُعْتَد بِهِ لِأَنَّهُ لما كَانَ مَعْذُورًا كَانَ قِيَامه كَالْعدمِ فَتلْزمهُ الْمُتَابَعَة كَمَا لَو لم يقم ليعظم أجره والعامد كالمفوت لتِلْك السّنة بتعمده فَلَا يلْزمه الْعود إِلَيْهَا وَاسْتشْكل مَا تقرر بِمَا قَالُوهُ فِي صَلَاة الْجَمَاعَة من أَنه إِذا تقدم على إِمَامه بِرُكْن لَا يجب الْعود بل ينْدب فِي الْعمد وَيتَخَيَّر فِي السَّهْو وَفرق بفحش التَّقَدُّم هُنَا (وعائد قبل انتصاب ينْدب سُجُوده) للسَّهْو (إِذْ للْقِيَام يقرب) يَعْنِي أَن الْمُصَلِّي إِذا نسي التَّشَهُّد الأول وَذكره قبل انتصابه عَاد لَهُ لِأَنَّهُ لم يتلبس بِفَرْض فَإِن عَاد وَهُوَ إِلَى الْقيام أقرب مِنْهُ إِلَى الْقعُود سجد للسَّهْو لِأَنَّهُ لَو فعل ذَلِك عَامِدًا بطلت صلَاته أما إِذا كَانَ إِلَى الْقعُود أقرب أَو كَانَت نسبته إِلَيْهِمَا على السوَاء فَلَا يسْجد لقلَّة مَا فعله حِينَئِذٍ حَتَّى لَو فعله عَامِدًا لم تبطل صلَاته كَذَا رجحاه فِي الشرحين وَالرَّوْضَة وجزما بِهِ فِي الْمُحَرر والمنهاج وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِن كَانَ صدر كَلَام الرَّوْضَة يَقْتَضِي أَن الرَّاجِح عِنْد الْأَصْحَاب أَنه لَا يسْجد مُطلقًا وَلأَجل ذَلِك جعل فِي التَّحْقِيق هَذَا التَّفْصِيل وَجها ضَعِيفا وَجعل الْأَظْهر أَنه لَا يسْجد وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع إِنَّه الْأَصَح عِنْد جُمْهُور الْأَصْحَاب وَصَححهُ فِي تَصْحِيح التَّنْبِيه قَالَ الأسنوي وَبِه الْفَتْوَى وَلَو تخلف الْمَأْمُوم عَن إِمَامه للتَّشَهُّد بطلت صلَاته للمخالفة الْفَاحِشَة وَفَارق مَا لَو قَامَ وَحده كَمَا مر بِأَنَّهُ فِي تِلْكَ اشْتغل بِفَرْض وَفِي هَذِه بِسنة مَا لَو ترك إِمَامه الْقُنُوت فَلهُ أَن يتَخَلَّف ليقنت بل ينْدب لَهُ ذَلِك إِن علم لُحُوقه فِي السَّجْدَة الأولى بِأَنَّهُ فِي تِلْكَ لم يحدث فِي تخلفه قيَاما وَهنا أحدث فِيهِ جُلُوسًا وَلَو صلى قَاعِدا فَافْتتحَ الْقِرَاءَة بعد الرَّكْعَتَيْنِ فَإِن كَانَ على ظن أَنه فرغ من التَّشَهُّد وَإِن وَقت الثَّالِثَة قد حضر لم يعد إِلَى قِرَاءَة التَّشَهُّد وَإِن علم عدم تشهده وَلَكِن سبق لِسَانه للْقِرَاءَة فَلهُ الْعود إِلَى التَّشَهُّد لِأَن تعمد الْقِرَاءَة كتعمد الْقيام وَسبق اللِّسَان بهَا غير مُعْتَد بِهِ وَترك الْقُنُوت يُقَاس بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي التَّشَهُّد فَإِن نَسيَه وَعَاد لَهُ قبل وضع أَعْضَاء سُجُوده على مُصَلَّاهُ جَازَ أَو بعده فَلَا وَيسْجد للسَّهْو إِن بلغ حد الرَّاكِع وَإِلَّا فَلَا (ومقتد لسَهْوه) حَال قدوته (لن يسجدا) لتحمل إِمَامه عَنهُ ذَلِك كَمَا يتَحَمَّل عَنهُ الْقُنُوت والجهر وَالسورَة وَغَيرهَا وَلِأَن مُعَاوِيَة شمت الْعَاطِس خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا مر وَلم يسْجد وَلَا أمره بِالسُّجُود وَلخَبَر الإِمَام ضَامِن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن حبَان فَلَو ظن سَلام إِمَامه فَسلم فَبَان خِلَافه سلم مَعَه وَلَا سُجُود لِأَن سَهْوه فِي حَال قدوته وَلَو ذكر فِي تشهده ترك ركن غير النِّيَّة وَالتَّكْبِير قَامَ بعد سَلام إِمَامه وأتى بِرَكْعَة وَلَا يسْجد لما مر وَشَمل كَلَامه مَا لَو سَهَا حَال تخلفه عَن إِمَامه بِعُذْر كزحام فَإِنَّهُ لَا يسْجد لسَهْوه لبَقَاء حكم الْقدْوَة وَخرج بقوله مقتد بسهوه بعد سَلام إِمَامه كَأَن سلم الْمَسْبُوق بِسَلام إِمَامه سَاهِيا أَو قبل اقتدائه بِهِ فَإِنَّهُ يسْجد لَهُ لعدم اقتدائه بِهِ حَال بسهوه وَإِنَّمَا لم يتحمله الإِمَام فِي الْأَخِيرَة كَمَا أَنه يلْحقهُ سَهْو إِمَامه الْوَاقِع قبل اقتدائه لِأَنَّهُ قد عهد تعدى الْخلَل من صَلَاة الإِمَام إِلَى صَلَاة الْمَأْمُوم دون عَكسه وَلَو شكّ الْمَسْبُوق فِي إِدْرَاك الرُّكُوع مَعَ إِمَامه لم يحْسب لَهُ وَيسْجد للسَّهْو كَمَا لَو شكّ أصلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا وَلَا يُقَال يتحمله الإِمَام لِأَنَّهُ بعد سَلام الإِمَام شَاك فِي عدد ركعاته وَألف يسجدا للإطلاق
(1/108)

(لَكِن لسهو من بِهِ قد اقْتدى) أَي أَن الْمَأْمُوم يلْحقهُ سَهْو إِمَامه كَمَا يحمل الإِمَام سَهْوه فَإِن سجد إِمَامه لزمَه مُتَابَعَته فَإِن تَركهَا عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ بطلت صلَاته وَيسْتَثْنى مَا لَو تبين لَهُ حدث إِمَامه فَلَا يلْحقهُ سَهْوه وَلَا يتَحَمَّل الإِمَام سَهْوه وَمَا لَو تَيَقّن غلط الإِمَام فِي ظَنّه وجود مُقْتَض للسُّجُود فَلَا يُتَابِعه فِيهِ فَلَو لم يتَيَقَّن تَابعه بِخِلَاف مَا لَو قَامَ إِلَى خَامِسَة لَا يُتَابِعه حملا على تَركه ركنا لِأَنَّهُ وَإِن تحقق تَركه ركنا لم تجز مُتَابَعَته لإتمامه الصَّلَاة يَقِينا بل لَو كَانَ على الْمَأْمُوم رَكْعَة لم يتبعهُ فِيهَا وَشَمل كَلَامه مَا لَو سَهَا قبل اقتدائه بِهِ فَإِنَّهُ يسْجد مَعَه مُتَابعَة ثمَّ يسْجد آخر صلَاته إِذْ هُوَ مَحل سُجُود السَّهْو وَمَا لَو اقْتدى بِهِ بعد انْفِرَاده مَسْبُوق آخر وَبِهَذَا ثَالِث فَكل يسْجد للمتابعة ثمَّ فِي آخر صلَاته وَمَا لَو ترك الإِمَام السُّجُود لسَهْوه أَو وَاحِدَة من سجدتيه فَيسْجد الْمَأْمُوم فِي الأول ويكمل فِي الثَّانِي لتطرق الْخلَل لصلاته بِخِلَاف تَركه التَّشَهُّد الأول وَسجْدَة التِّلَاوَة لَا يَأْتِي الْمَأْمُوم بهما لِأَنَّهُمَا يفْعَلَانِ خلال الصَّلَاة فَلَو انْفَرد بهما لخالف الإِمَام وَمَا لَو تَركه الإِمَام لرأيه كحنفي لَا يرى السُّجُود لتَركه الْقُنُوت فَيسْجد الْمَأْمُوم اعْتِبَارا بعقيدته وَحِينَئِذٍ فَلَا فرق بَين أَن يُوَافقهُ الْمَأْمُوم فِي تَركه وَأَن يَأْتِي بِهِ (وشكه) أَي الْمصلى (قبل السَّلَام فِي عدد) من ركعاته أَو سجداته (لم يعْتَمد فِيهِ) أَي لم يجز لَهُ ذَلِك (على قَول أحد) وَإِن كَانَ جمعا كثيرا وراقبوه ولتردده فِي فعله كالحاكم النَّاسِي لحكمه (لَكِن) يعْتَمد (على يقينه وَهُوَ الْأَقَل وليأت بِالْبَاقِي وَيسْجد) ندبا سُجُود السَّهْو (للخلل) وَهُوَ أَن المأتى بِهِ إِن كَانَ زَائِدا فَذَاك وَإِلَّا فالمتردد فِي أصالته يضعف النِّيَّة ويحوج إِلَى الْجَبْر وَمَا اعْترض بِهِ الإِمَام من أَنه لَو شكّ فِي قَضَاء الْفَائِتَة أَعَادَهَا أُجِيب عَنهُ بِأَن النِّيَّة فِيهَا لم تَتَرَدَّد فِي بَاطِل بِخِلَاف هَذَا وَمحل مَا تقرر مَا لم يُخبرهُ عدد التَّوَاتُر بِشَيْء وَإِلَّا عمل بِهِ لإفادته الْيَقِين وَلَا يكون فعلهم كَقَوْلِهِم لِأَن الْفِعْل لَا يدل بِوَضْعِهِ وَلَو شكّ فِي رَكْعَة ثَالِثَة هِيَ أم رَابِعَة فَزَالَ شكه فِيهَا لم يسْجد لَان مَا فعله حَال الشَّك أصلى بِكُل تَقْدِير فَلَا تردد فِي أصالته وَفِيمَا بعْدهَا سجد لفعله حَال الشَّك زَائِدا بِتَقْدِير وَلَو شكّ فِي تشهد أهوَ الأول أم الْأَخير فَإِن زَالَ شكه بعد تشهده سجد لفعله زَائِدا بِتَقْدِير أَو فِيهِ فَلَا وَخرج بقوله قبل السَّلَام شكه فِي ترك فرض بعد السَّلَام فَإِنَّهُ لَا يُؤثر وَإِن قصر الْفَصْل لِأَن الظَّاهِر وُقُوع السَّلَام عَن تَمام وَلِأَنَّهُ لَو أثر لعسر الْأَمر على النَّاس خُصُوصا على ذَوي الوسواس وَمُقْتَضَاهُ أَن الشَّك فِي الشُّرُوط وَلَو طَهَارَة لَا يُؤثر وَهُوَ كَذَلِك وَكَذَلِكَ الْأَركان إِلَّا فِي النِّيَّة وَتَكْبِيرَة الْإِحْرَام نعم لَو شكّ فِي نِيَّة الطَّهَارَة بعد فراغها أثر بِالنِّسْبَةِ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب صَلَاة الْجَمَاعَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أقلهَا فِي غير الْجُمُعَة إِمَام ومأموم وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة} الْآيَة أَمر بهَا فِي الْخَوْف فَفِي الْأَمْن أولى ولمواظبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مَعْلُوم بعد الْهِجْرَة ولأخبار كَخَبَر الصَّحِيحَيْنِ صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة وَفِي رِوَايَة بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَلَا مُنَافَاة لِأَن الْقَلِيل لَا يَنْفِي الْكثير أَو أَنه أخبر أَولا بِالْقَلِيلِ ثمَّ أعلمهُ الله تَعَالَى بِزِيَادَة الْفضل فَأخْبر بهَا أَو أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال الْمُصَلِّين وَالصَّلَاة وَقَالَ فِيهِ فِي بَاب هَيْئَة الْجُمُعَة إِن من صلى فِي عشرَة آلَاف لَهُ سبع وَعِشْرُونَ دَرَجَة وَمن صلى مَعَ اثْنَيْنِ لَهُ ذَلِك لَكِن دَرَجَات الأول أكمل (تسن فِي مَكْتُوبَة) بِالْأَصَالَةِ وَهِي الصَّلَوَات الْخمس (لَا جمعه) لِأَنَّهَا فِيهَا فرض عين كَمَا يَأْتِي فِي بَابهَا وَأَقل الْجَمَاعَة فِيمَا عَداهَا إِمَام ومأموم وَخرج بِقَوْلِي بِالْأَصَالَةِ
(1/109)

الْمَنْذُورَة فَلَا تسن فِيهَا الْجَمَاعَة وَالْمرَاد بالمكتوبة المؤداة والمقضية خلف مقضية من نوعها كَأَن يفوت الإِمَام وَالْمَأْمُوم ظهر أَو عصر فتسن فِيهَا الْجَمَاعَة لخَبر الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْح جمَاعَة حِين فَاتَتْهُمْ بالوادي أما المؤداة خلف المقضية وَعَكسه والمقضية خلف مقضية أُخْرَى فَلَا تسن الْجَمَاعَة فِيهَا بل الِانْفِرَاد فِيهَا أفضل للْخلاف فِي صِحَة الِاقْتِدَاء وَلَا يتَأَكَّد النّدب للنِّسَاء تأكده للرِّجَال لمزيدهم عَلَيْهِنَّ لقَوْله تَعَالَى {وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة} فَيكْرَه تَركهَا للرِّجَال دون النِّسَاء وَمَا ذكره من كَونهَا سنة تبع فِيهِ الرَّافِعِيّ لَكِن الْأَصَح الْمَنْصُوص كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ انها فرض كِفَايَة لخَبر مَا من ثَلَاثَة فِي قَرْيَة أَو بَدو لَا تُقَام فيهم الْجَمَاعَة إِلَّا استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان أَي غلب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَصَححهُ ابْن حبَان وَغَيره وَلَيْسَت فرض عين لخَبر صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ فَإِن المفاضلة تَقْتَضِي جَوَاز الِانْفِرَاد وَأما خبر أثقل الصَّلَاة على الْمُنَافِقين صَلَاة الْعشَاء وَصَلَاة الْفجْر وَلَو يعلمُونَ مَا فيهمَا لأتوهما وَلَو حبوا وَلَقَد هَمَمْت أَن آمُر بِالصَّلَاةِ فتقام ثمَّ آمُر رجلا فَيصَلي بِالنَّاسِ ثمَّ انْطلق معي بِرِجَال مَعَهم حزم من حطب إِلَى قوم لَا يشْهدُونَ الصَّلَاة فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم بالنَّار فوارد فِي قوم منافقين يتخلفون عَن الْجَمَاعَة وَلَا يصلونَ فُرَادَى والسياق يُؤَيّدهُ وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يحرقهم وَإِنَّمَا هم بتحريقهم لَكِن لَعَلَّه بِاجْتِهَاد ثمَّ نزل الْوَحْي بِالْمَنْعِ أَو كَانَ قبل تَحْرِيم الْمثلَة وَلَو تَركهَا أهل بلد أَو قَرْيَة قَاتلهم الإِمَام على كَونهَا فرض كِفَايَة وَلَا يسْقط عَنْهُم الْحَرج إِلَّا بإقامتهم لَهَا بِحَيْثُ يظْهر شعارها فِيمَا بَينهم فَفِي الْقرْيَة الصَّغِيرَة يَكْفِي إِقَامَتهَا بِموضع وَاحِد وَفِي الْكَبِيرَة تجب إِقَامَتهَا بمواضع وَلَو بطَائفَة يسيرَة بِحَيْثُ يظْهر الشعار فِي الْمحَال وَغَيرهَا فَلَا تَكْفِي إِقَامَتهَا فِي الْبيُوت وَإِن ظَهرت فِي الْأَسْوَاق وَحِينَئِذٍ فالمدار على ظُهُورهَا والشعار بهَا لَا على ظُهُورهَا فَقَط وَمحل كَونهَا فرض كِفَايَة فِي حق المؤداة للرِّجَال الْمُكَلّفين الْأَحْرَار المقيمين المستورين فَلَا تجب فِي مقضية وَلَا على أُنْثَى وَلَا على خُنْثَى وَلَا عبد وَلَا مُسَافر وَلَا عَار بل صحّح النَّوَوِيّ أَنَّهَا فِي حق العراة مُسَاوِيَة للانفراد وَقَالَ لَو كَانُوا عميا أَو فِي ظلمَة استجبت لَهُم بِلَا خلاف وآكد الْجَمَاعَات بعد الْجُمُعَة صبحها ثمَّ صبح غَيرهَا ثمَّ الْعشَاء ثمَّ الْعَصْر ثمَّ الظّهْر فِي أوجه احْتِمَالَيْنِ وَأما الْجَمَاعَة فِي الظّهْر وَالْمغْرب قَالَ الزَّرْكَشِيّ يحْتَمل التَّسْوِيَة بَينهمَا وَيحْتَمل تَفْضِيل الظّهْر لاختصاصها بِبَدَل وَهُوَ الْجُمُعَة وبالإبراد ثمَّ الْمغرب (و) تسن الْجَمَاعَة (فِي التَّرَاوِيح) للإتباع فِيهَا كَمَا مر (وَفِي الْوتر مَعَه) أَي مَعَ فعل التَّرَاوِيح جمَاعَة أَو فُرَادَى فعله عَقبهَا أم لَا إِلَّا إِذا كَانَ لَهُ تهجد فَالسنة تَأْخِير الْوتر عَنهُ كَمَا مر وَمُقْتَضى كَلَامه أَنه لَو صلاه بِدُونِ التَّرَاوِيح لَا تسن فِيهِ لَكِن مُقْتَضى كَلَام الرَّافِعِيّ سنّهَا فِيهِ أَيْضا وَهُوَ الْمُعْتَمد (كَأَن يُعِيد الْفَرْض) الْمُؤَدى وَلَو فِي جمَاعَة مرّة وَاحِدَة فِي الْوَقْت وَلَو كَانَ إمامها مفضولا وَالْوَقْت وَقت كَرَاهَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الصُّبْح فَرَأى رجلَيْنِ لم يصليا مَعَه فَقَالَ مَا منعكما أَن تصليا مَعنا قَالَا صلينَا فِي رحالنا فَقَالَ إِذا صليتما فِي رحالكما ثمَّ أتيتما مَسْجِد جمَاعَة فصلياها مَعَهم فَإِنَّهَا لَكمَا نَافِلَة رَوَاهُ دَاوُد وَغَيره وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَوله صليتما يصدق بالانفراد وَالْجَمَاعَة وَسَوَاء اسْتَوَت الجماعتان أم زَادَت الثَّانِيَة بفضيلة ككون الإِمَام أعلم أَو أورع أَو الْجمع أَكثر أَو الْمَكَان أشرف أم زَادَت الأولى بهَا وَقد علم من كَلَام النَّاظِم سنّ إِعَادَة الْفَرْض مَعَ الْمُصَلِّي مُنْفَردا لصدق إِعَادَته بِجَمَاعَة وَقد أَخذ من خبر من يتَصَدَّق على هَذَا فَيصَلي مَعَه اسْتِحْبَاب إِعَادَة الصَّلَاة فِي جمَاعَة لمن صلاهَا جمَاعَة وَإِن كَانَت الثَّانِيَة أقل من الأولى وَأَنه يسْتَحبّ الشَّفَاعَة إِلَى من يُصَلِّي مَعَ الْحَاضِر مِمَّن لَهُ عذر فِي عدم الصَّلَاة مَعَه وَأَن الْجَمَاعَة تحصل بِإِمَام ومأموم وَأَن الْمَسْجِد المطروق لَا تكره فِيهِ جمَاعَة بعد جمَاعَة قَالَ الْأَذْرَعِيّ إِنَّمَا تسن الْإِعَادَة بِغَيْر من الِانْفِرَاد لَهُ أفضل كالعاري وَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا تسْتَحب الْإِعَادَة إِذا كَانَ الإِمَام مِمَّن لَا يكره الِاقْتِدَاء بِهِ وَأَن الْإِعَادَة إِنَّمَا تسْتَحب لمن لَو اقْتصر عَلَيْهَا أَجْزَأته
(1/110)

أما لَو كَانَت لَا تغني عَن الْقَضَاء كمقيم تيَمّم لفقد مَاء أَو لبرد فَلَا 1 هـ وَخرج بِالْفَرْضِ النَّفْل لسكن الْقيَاس فِي الْمُهِمَّات أَن مَا تسن فِيهِ الْجَمَاعَة من النَّفْل كالفرض فِي سنّ الْإِعَادَة وَيسْتَثْنى من سنّ الْإِعَادَة صَلَاة الْجِنَازَة إِذْ لَا يتَنَفَّل بهَا وَصَلَاة الْجُمُعَة إِذْ لَا تُقَام بعد أُخْرَى فَإِن فرض الْجَوَاز لعسر الِاجْتِمَاع فَالْقِيَاس كَمَا فِي الْمُهِمَّات أَنَّهَا كَغَيْرِهَا (يَنْوِي نِيَّته مَعَ الْجَمَاعَة) أَي يَنْوِي المعيد بالمعادة الْفَرْض لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَعَادَهَا لينال ثَوَاب الْجَمَاعَة فِي فرض وقته وَإِنَّمَا ينَال ذَلِك إِذا نوى الْفَرْض وَهَذَا مَا صَححهُ الْأَكْثَرُونَ وَالنَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج تبعا لأصله وَهُوَ الْمُعْتَمد وَالْمرَاد بِهِ مَا هُوَ فرض على الْمُكَلف لَا مَا هُوَ فرض عَلَيْهِ كَمَا فِي صَلَاة الصَّبِي قَالَه الرَّازِيّ وَلَو تذكر خللا فِي الأولى قبل شُرُوعه فِي الْإِعَادَة أَجْزَأته الثَّانِيَة وَإِلَّا فَلَا (أعتقد نفليته) أَي أَن الْمُعَادَة تقع نفلا للْخَبَر الْمَار ولسقوط الْخطاب بِالْأولَى وَعلم مِمَّا مر أَنه إِنَّمَا يكون فَرْضه الأولى إِذا أغنت عَن الْقَضَاء وَإِلَّا ففرضه الثَّانِيَة الْمُغنيَة لَهُ على الْمَذْهَب وَالْجَمَاعَة للرِّجَال أفضل مِنْهَا للنِّسَاء وَلَهُم فِي الْمَسَاجِد أفضل مِنْهَا خَارِجهَا وَإِن كَانَ أَكثر جمَاعَة لاشتمالها على الشّرف وَإِظْهَار الشعار وَكَثْرَة الْجَمَاعَة وَأما النِّسَاء فالجماعة لَهُنَّ فِي بُيُوتهنَّ أفضل مِنْهَا فِي الْمَسَاجِد وَغَيرهَا بل يكره حُضُور الشَّابَّة والكبيرة المشتهاة وَيكرهُ للزَّوْج وَالْوَلِيّ تمكينها مِنْهُ وَإِذا أَرَادَت الْمَرْأَة حُضُورهَا كره لَهَا الطّيب وفاخر الثِّيَاب فَإِن لم يكن لَهَا زوج وَلَا سيد وَوجدت شُرُوط الْحُضُور حرم الْمَنْع وإمامة رجل لَهُنَّ بِغَيْر خلْوَة مُحرمَة أفضل من إِمَامَة امْرَأَة (وَكَثْرَة الْجمع استحبت) على قلته لخَبر صَلَاة الرجل أزكى من صلَاته وَحده وَصلَاته مَعَ الرجلَيْن أزكى من صلَاته مَعَ الرجل وَمَا كَانَ أَكثر فَهُوَ أحب إِلَى الله تَعَالَى (حَيْثُ لَا بِالْقربِ مِنْهُ مَسْجِد تعطلا) بِسَبَب غيبته لكَونه إِمَامًا أَو يحضر النَّاس بِحُضُورِهِ وَالْألف فِي تعطلا للإطلاق (أَو فسق الإِمَام ذُو بِدعَة) كرافضي أَو كَانَ مُخَالفا فِي بعض الْأَركان أَو الشُّرُوط فَإِن الْجَمَاعَة فِي الْجمع الْقَلِيل فِي الْمَسْجِد الْقَرِيب أَو الْخَالِي أَمَامه عَمَّا ذكر أفضل لتكثير الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد فِي الأول وليأمن الْخِيَانَة فِي الثَّانِي وَفِي معنى الْفَاسِق كل من يكره الِاقْتِدَاء بِهِ كَوَلَد الزِّنَا والتمتام واللاحن لحنا لَا يُغير الْمَعْنى فَإِن لم تحصل الْجَمَاعَة إِلَّا بفاسق أَو نَحوه فَالصَّلَاة مَعَه أفضل كَمَا ذكره الدَّمِيرِيّ وَقَالَ السُّبْكِيّ إِن كَلَامهم يشْعر بِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِن نقل فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي أَن صلَاته مُنْفَردا أفضل لَكِن فِي مسئلة الْحَنَفِيّ فَقَط وَمثلهَا الْبَقِيَّة بل أولى فقد نَقله نقل الْأَوْجه الضعيفة وَالْجمع الْقَلِيل فِي أحد الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة أفضل من الْجمع الْكثير فِي غَيرهَا بل الِانْفِرَاد فِيهَا أفضل كَمَا قَالَه الْمُتَوَلِي وَلَو كَانَ لَو صلى مُنْفَردا خشع فِي بعض صلَاته وَلَو صلى فِي جمَاعَة لم يخشع فالجماعة أفضل خلافًا لما أفتى بِهِ الْغَزالِيّ قَالَ فِي الْبَحْر وَلَو تَسَاوَت جمَاعَة مَسْجِدي الْجوَار قدم مَا يسمع نداءه ثمَّ الْأَقْرَب ثمَّ يتَخَيَّر 1 هـ وَهَذَا جرى على الْغَالِب فَلَو فرض أَنه يسمع نِدَاء الْأَبْعَد دون الْأَقْرَب لحيلولة مَا يمْنَع السَّمَاء أَو نَحْوهَا قدم الْأَقْرَب (وجمعة يُدْرِكهَا) مَعَ الإِمَام (بِرَكْعَة) لَا بِمَا دونهَا لخَبر من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة فَليصل إِلَيْهَا أُخْرَى وعَلى هَذَا لَو أدْرك رُكُوع الثَّانِيَة المحسوب للْإِمَام وَاطْمَأَنَّ مَعَه قبل ان يرفع الإِمَام رَأسه عَن أقل الرُّكُوع أدْرك الْجُمُعَة فَيصَلي رَكْعَة أُخْرَى جَهرا وَإِن أدْرك الإِمَام بعد ركوعها نوى الْجُمُعَة تبعا للْإِمَام وأتمها ظهرا وَخرج بِالْجمعَةِ غَيرهَا فتدرك الْجَمَاعَة فِيهَا يجزىء مِنْهَا وَإِن قل مَا لم يشرع الإِمَام فِي السَّلَام لَكِن فضيلتها دون فَضِيلَة من يُدْرِكهَا من أَولهَا إِذْ لَو لم تحصل بذلك لمنع من الِاقْتِدَاء لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون زِيَادَة بِلَا فَائِدَة وَمَتى فَارق الإِمَام فَاتَتْهُ فَضِيلَة الْجَمَاعَة إِلَّا إِذا فَارقه بِعُذْر (وَالْفضل فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام) يحصل (بالاشتغال) بالتحرم (عقب) تحرم (الإِمَام)
(1/111)

بِشَرْط حُضُوره تَكْبِيرَة الإِمَام إِذْ الْغَائِب عَن تحرمه وَالشَّاهِد لَهُ من غير تعقب إِحْرَامه لَهُ لَا يسميان مدركين لَهُ وَالْأَصْل فِيهِ خبر إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ فَإِذا كبر فكبروا وَقيد ذَلِك فِي الْمَجْمُوع بِأَن يكون بِغَيْر وَسْوَسَة ظَاهِرَة وَإِلَّا فَلَا يدْرك الْفضل وَلَا يسْرع السَّاعِي إِلَى الْجَمَاعَة وَإِن خَافَ فَوت فَضِيلَة التَّحَرُّم بل وَلَو خَافَ فَوَات الْجَمَاعَة كَمَا نَقله فِي الْمَجْمُوع عَن الْأَصْحَاب نعم لَو خَافَ فَوت الْجُمُعَة أَو الْوَقْت إِلَّا بالإسراع أسْرع وَينْدب للْإِمَام انْتِظَار من أحس بِهِ فِي الرُّكُوع غير الثَّانِي من الْكُسُوف أَو التَّشَهُّد الأخيران كَأَن قد دخل مَحل الصَّلَاة وَلم يُبَالغ فِي الِانْتِظَار وَلم يُمَيّز بَين الداخلين لملازمة أَو دين أَو صداقة أَو استمالة وَأَن يقْصد بِهِ التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى للإعانة على إِدْرَاك الرُّكُوع فِي الأولى وَفضل الْجَمَاعَة فِي الثَّانِيَة فَإِن فقد شَرط مِنْهَا كره الِانْتِظَار وَلم تبطل الصَّلَاة وَالْمُبَالغَة فِي الِانْتِظَار أَن يشق بِهِ على الْحَاضِرين بِحَيْثُ لَو وزع على كل الصَّلَاة لظهر بِهِ أثر محسوس قَالَ فِي الْمَجْمُوع إِذا لم يدْخل الإِمَام فِي الصَّلَاة وَقد جَاءَ وَقت الدُّخُول وَقد حضر بعض الْمَأْمُومين ورجوا زِيَادَة ندب لَهُ أَن يعجل وَلَا ينتظرهم لِأَن الصَّلَاة أول الْوَقْت بِجَمَاعَة قَليلَة أفضل مِنْهَا آخِره بِجَمَاعَة كَثِيرَة وَإِدْرَاك الصَّفّ الأول أولى من إِدْرَاك غير الرَّكْعَة الْأَخِيرَة (وَعذر تَركهَا) أَي الْجَمَاعَة (و) ترك (جُمُعَة مطر) بِشَرْط الْمَشَقَّة بِهِ بِحَيْثُ يبل الثِّيَاب لَيْلًا أَو نَهَارا فَإِن كَانَ خَفِيفا أَو وجد كُنَّا يمشي فِيهِ لم يعْذر والثلج عذر إِن بل الثِّيَاب وَإِلَّا فَلَا (ووحل) بِفَتْح الْحَاء لَيْلًا أَو نَهَارا لِأَنَّهُ أشق من الْمَطَر وَترك المُصَنّف التَّقْيِيد بالشديد كالمجموع وَالتَّحْقِيق وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا فرق بَينه وَبَين الْخَفِيف قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَهُوَ الصَّحِيح وَالْأَحَادِيث دَالَّة عَلَيْهِ (وَشدَّة الْبرد وَالْحر) لَيْلًا أَو نَهَارا للْمَشَقَّة بِخِلَاف الْخَفِيف مِنْهُمَا (وَمرض) مشقته كمشقة الْمَطَر لم يبلغ حدا يسْقط الْقيام فِي الْفَرِيضَة للْحَرج بِخِلَاف مَا لَو كَانَ خَفِيفا كوجع ضرس وصداع يسير وَحمى خَفِيفَة فَلَيْسَ بِعُذْر (وعطش وجوع قد ظهرا) لخَبر لَا صَلَاة بِحَضْرَة طَعَام قَالَ ابْن الرّفْعَة تبعا لِابْنِ يُونُس أَو لم يحضر الطَّعَام أَي وَقرب حُضُوره وَإِذا أكل من بِهِ جوع فَليَأْكُل لقيمات يكسر بِهن سُورَة الْجُوع إِلَّا أَن يكون الطَّعَام مِمَّا يُؤْتى عَلَيْهِ مرّة وَاحِدَة كالسويق وَاللَّبن وَصوب فِي شرح مُسلم إِكْمَال حَاجته من الْأكل (أَو غلب الهجوع) وَهُوَ النّوم وَفِي مَعْنَاهُ غَلَبَة النعاس وَإِنَّمَا يعْذر الْمُكَلف فِي تَأْخِير الصَّلَاة (مَعَ اتساع وَقتهَا) فَإِن ضَاقَ عَنْهَا بَدَأَ بهَا لِأَن إِخْرَاج بَعْضهَا عَنهُ حرَام (وعرى) بِأَن لَا يجد ثوبا يَلِيق بِهِ كَأَن وجد الْفَقِيه قبَاء أَو لم يجد مَا يستر بِهِ رَأسه وَإِن وجد سَاتِر الْعَوْرَة وَكَذَا لَو لم يجد مَا يلْبسهُ فِي رجله وَلم يكن الحفاء عَادَته للْمَشَقَّة فَإِن اعْتَادَ سترهَا فَقَط كبعض أَطْرَاف الحجار والسودان واليمن فَلَيْسَ بِعُذْر (وَأكل ذِي الرّيح الكريه) الرَّائِحَة كثوم وبصل وفجل وَهُوَ (ني إِن لم يزل فِي بَيته فليقعد) أَي حَيْثُ لم يُمكنهُ زَوَاله بِغسْل ومعالجة فليقعد فِي بَيته حِينَئِذٍ لخَبر من أكل بصلا أَو ثوما أَو كراثا فَلَا يقربن مَسْجِدنَا وَفِي رِوَايَة الْمَسَاجِد فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِنْهُ بَنو آدم زَاد البُخَارِيّ قَالَ جَابر مَا أرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نيئه وَزَاد الطَّبَرَانِيّ أَو فجلا قَالَ فِي الْمُهِمَّات وَيُؤْخَذ مِنْهُ سُقُوطهَا بالبخر والصنان المستحكم بطرِيق الأولى وَخرج بالنيء الْمَطْبُوخ لزوَال رِيحه ونيء بِالْمدِّ والهمز لَكِن الْأَنْسَب هُنَا قصره وإبدال همزته يَاء وإدغامها فِيمَا قبلهَا وَمن الْأَعْذَار رَجَاء من عَلَيْهِ عُقُوبَة تقبل الْعَفو بتغييبه كقصاص وحد قذف وَالْخَوْف على النَّفس أَو مَال وَخَوف مُعسر من غَرِيمه إِن عسر عَلَيْهِ إِثْبَات إِعْسَاره وَالْخَوْف من الِانْقِطَاع عَن رفقته واشتغاله بالتمريض وَهُوَ تعهد الْمَرِيض الَّذِي لَا متعهد لَهُ أَو اشْتغل متعهده بشرَاء الْأَدْوِيَة وَنَحْوهَا قَرِيبا كَانَ أَو أَجْنَبِيّا وَحُضُور نَحْو قريب محتضر أَو يأنس بِهِ وَالرِّيح الشَّدِيدَة
(1/112)

بِاللَّيْلِ دون النَّهَار ونشد ضَالَّة برجوها واسترداد مَال مَغْصُوب وزلزلة وَسمن مفرط وجذام وبرص قَالَ الأسنوي وَإِنَّمَا يتَّجه جعل هَذِه الْأُمُور أعذارا لمن لَا يتأنى لَهُ إِقَامَة الْجَمَاعَة فِي الْبَيْت وَإِلَّا لم يسْقط عَنهُ طلبَهَا لكَرَاهَة الِانْفِرَاد للرجل وَإِن قُلْنَا إِنَّهَا سنة قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَمعنى كَونهَا أعذارا سُقُوط الْإِثْم على قَول الْفَرْض وَالْكَرَاهَة على قَول السّنة لَا حُصُول فَضلهَا لخَبر الْأَعْمَى وَهُوَ كَمَا قَالَ السُّبْكِيّ ظَاهر فِيمَن لم يكن يلازمها وَإِلَّا فَيحصل لَهُ فَضلهَا لخَبر إِذا مرض العَبْد أَو سَافر كتب الله لَهُ مَا كَانَ يعْمل صَحِيحا مُقيما وَقَيده جمع بِمَا إِذا كَانَ نَاوِيا الْجَمَاعَة لَوْلَا الْعذر وَحمل بَعضهم كَلَام الْمَجْمُوع على متعاطي السَّبَب كَأَكْل بصل وثوم وَكَون خبزه فِي الفرن وَكَلَام هَؤُلَاءِ على غَيره كمطر وَمرض وَجعل حُصُولهَا لَهُ كحصولها لمن حضرها لَا من كل وَجه بل فِي أَصْلهَا لِئَلَّا يُنَافِيهِ خبر الْأَعْمَى (وَلَا تصح قدوة بمقتدى) حَال اقتدائه وَلَا بِمن شكّ فِي كَونه مقتديا كَأَن رأى رجلَيْنِ يصليان جمَاعَة وَشك أَيهمَا الإِمَام إِذْ لَا يجْتَمع وَصفا الِاسْتِقْلَال والتبعية وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من أَن النَّاس اقتدوا بِأبي بكر خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَحْمُول على أَنهم كَانُوا مقتدين بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر يسمعهم التَّكْبِير كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا وَلَو ظن كل من الْمُصَلِّين أَنه مَأْمُوم لم تصح لِأَن كلا مقتد بِمن يقْصد الِاقْتِدَاء بِهِ أَو إِمَام صحت أَو شكا فَلَا أَو أَحدهمَا صحت للظان أَنه إِمَام دون غَيره وَهَذَا من الْمَوَاضِع الَّتِي فرق الْفُقَهَاء فِيهَا بَين الظَّن وَالشَّكّ قَالَ فِي الْكِفَايَة والبطلان بِمُجَرَّد الشَّك بِنَاء على طَرِيق الْعِرَاقِيّين أما على طَرِيق المراوزة فَفِيهِ التَّفْصِيل فِي الشَّك فِي أصل النِّيَّة (وَلَا بِمن تلْزمهُ إِعَادَة) أَي لَا تصح قدوة بِمن تلْزمهُ إِعَادَة لصلاته وَإِن كَانَت صَحِيحَة صلَاته كفاقد الطهُورَيْنِ والمتيمم للبرد والمقيم الْمُتَيَمم لفقد المَاء وَلَو كَانَ المقتدى مثله إِذْ هِيَ لحق الْوَقْت لَا للاعتداء بهَا (وَلَا) تصح قدوة (بِمن قَامَ إِلَى زِيَادَة) على صلَاته كخامسة من عَالم بسهوه بِأَن يُتَابِعه فِيهَا لتلاعبه فَلَو قَامَ إِمَامه إِلَيْهَا فَارقه أَو انتظره على الْمُعْتَمد أما إِذا اقْتدى بِهِ وَتَابعه فِيهَا جَاهِلا بهَا فتحسب لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَة إِن بَقِي عَلَيْهِ شَيْء لعذره وَإِن لم تحسب للْإِمَام فَإِذا سلم الإِمَام تدارك بَاقِي صلَاته حَتَّى فِي الْجُمُعَة فيضيف إِلَيْهَا أُخْرَى كَمَا لَو بَان إِمَامه مُحدثا بل أولى (وَالشّرط) أَي شَرط الْقدْوَة (علمه) أَي الْمَأْمُوم (بِأَفْعَال الإِمَام) ليتَمَكَّن من مُتَابَعَته وَالْمرَاد بِالْعلمِ مَا يَشْمَل الظَّن وَيحصل علمه (بِرُؤْيَة) لَهُ من أَمَامه أَو من عَن يَمِينه أَو عَن يسَاره أَو للصف الَّذِي خَلفه أَو لأحد الصُّفُوف المقتدين بِهِ أَو لبَعض صف (أَو سمع) صَوت الإِمَام أَو صَوت (تَابع الإِمَام) وَهُوَ الْمبلغ الثِّقَة خَلفه وَإِن لم يكن مُصَليا أَو بهداية ثِقَة بِجنب أعمى أَصمّ أَو بَصِير أَصمّ فِي ظلمَة أَو نَحْوهَا ثمَّ لِاجْتِمَاع الْمَأْمُوم مَعَ الإِمَام أَحْوَال لِأَنَّهُمَا إِمَّا أَن يَكُونَا بِغَيْر مَسْجِد فِي فضاء أَو فِي بِنَاء أَو بِمَسْجِد أَو يكون أَحدهمَا بِمَسْجِد وَالْآخر بِغَيْرِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وليقترب مِنْهُ بِغَيْر مَسْجِد وَدون حَائِل إِذا لم يزدْ على ثلثمِائة من الذِّرَاع) فَإِن كَانَا بِغَيْر مَسْجِد اشْترط فِي الفضاء وَلَو محوطا أَو مسقفا مَمْلُوكا أَو مواتا أَو وَقفا أَو مُخْتَلفا فِيهَا أَن لَا يزِيد مَا بَين الإِمَام وَمن خَلفه أَو من على أحد جانبيه وَلَا بَين كل صفّين أَو شَخْصَيْنِ مِمَّن يصلى خَلفه أَو بجانبه على ثلثمِائة ذِرَاع الْآدَمِيّ وَهُوَ شبران تَقْرِيبًا فَلَا تضر زِيَادَة أَذْرع يسيرَة كثلاثة وَنَحْوهَا وَلَا بُلُوغ مَا بَين الإِمَام والأخير من صف أَو شخص فراسخ وَهَذَا التَّقْدِير مَأْخُوذ من الْعرف وَيشْتَرط مَعَ ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَا فِي بناءين أَو أَحدهمَا فِي بِنَاء وَالْآخر فِي فضاء وَلَو كَانَ أَحدهمَا فِي علو وَالْآخر فِي سفل أَو كَانَ الْبناء مدرسة (15 غَايَة الْبَيَان)
(1/113)

أَو رِبَاطًا أَن لَا يحول بَينهمَا حَائِل يمْنَع الاستطراق أَو الْمُشَاهدَة للْإِمَام أَو لمن خَلفه كشباك أَو بَاب مَرْدُود أَو جِدَار صفة شرقية أَو غربية لمدرسة إِذا كَانَ الْوَاقِف فِيهَا لَا يرى الإِمَام وَلَا من خَلفه إِذْ الْحَيْلُولَة بذلك تمنع الِاجْتِمَاع بِخِلَاف حيلولة النَّهر والشارع كَمَا سَيَأْتِي وَكَذَا إِذا كَانَ أَحدهمَا خَارج الْمَسْجِد وَالْآخر دَاخله وَبَينهمَا منفذ أَو كَانَا فِي بَيْتَيْنِ من غير الْمَسْجِد وَبَينهمَا منفذ اشْترط مَعَ مَا مر لصِحَّة اقْتِدَاء من لَيْسَ فِي بِنَاء الإِمَام وَلم يُشَاهِدهُ وَلَا من يُصَلِّي مَعَه فِي بنائِهِ أَن يقف وَاحِد من الْمَأْمُومين مُقَابل المنفذ يُشَاهد الإِمَام أَو من مَعَه فِي بنائِهِ فَتَصِح صَلَاة من فِي الْمَكَان الآخر تبعا لَهُ وَلَا يضر الْحَائِل بَينهم وَبَين الإِمَام وَيصير الْمشَاهد فِي حَقهم كَالْإِمَامِ فَلَا يحرمُونَ قبله لَكِن لَو فارقهم أَو زَالَ عَن موقفه لم يضر إِذْ يغْتَفر فِي الدَّوَام مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء (وَلم يحل نهر وطرق وتلاع) أَي لم يحل بَين الإِمَام وَالْمَأْمُوم نهر وَإِن احْتَاجَ عابره إِلَى سباحة وطرق وَإِن كثر طروقها وتلاع لِأَنَّهَا لم تعد للْحَيْلُولَة قَالَ فِي الصِّحَاح التلعة مَا ارْتَفع من الأَرْض وَمَا انهبط أَيْضا وَهُوَ من الأضداد والتلاع مجاري أَعلَى الأَرْض إِلَى بطُون الأودية واحدتها تلعة وَإِن كَانَا فِي مَسْجِد صَحَّ الِاقْتِدَاء وَإِن بَعدت مسافته وَاخْتلفت أبنيته كبئر وسطح ومنارة بِشَرْط تنافذ أَبْوَابهَا وَإِن أغلقت لانه كُله مبْنى للصَّلَاة فالمجتمعون فِيهِ مجتمعون لإِقَامَة الْجَمَاعَة مؤدون لشعارها أما إِذا لم تنفذ أَبْوَابهَا إِلَيْهِ فَلَا يعد الْجَامِع لَهَا مَسْجِدا وَاحِدًا والمساجد المتلاصقة المتنافذة كالمسجد الْوَاحِد ورحبة الْمَسْجِد مِنْهُ وَمن شُرُوط الْقدْوَة أَن لَا يتَقَدَّم الْمَأْمُوم على إِمَامه فِي الْموقف وَالِاعْتِبَار بالعقب للقائم وبالألية للقاعد وبالجنب للمضطجع وللمستلقي بِالرَّأْسِ وَينْدب للذّكر أَن يقف عَن يَمِين الإِمَام وَأَن يتَأَخَّر عَنهُ قَلِيلا فَإِن جَاءَ آخر أحرم عَن يسَاره ثمَّ يتَقَدَّم الإِمَام أَو يتَأَخَّر أَن حَالَة الْقيام وَهُوَ أفضل إِن أمكن وَأَن يصطف الذّكر إِن خَلفه وَإِن أم امْرَأَة وقفت خَلفه وَكَذَا النِّسَاء أَو رجلا وَامْرَأَة وقف الرجل عَن يَمِينه وَالْمَرْأَة خلف الرجل أَو رجلَيْنِ وَامْرَأَة وَقفا خَلفه وَهِي خلفهمَا أَو رجلا وَامْرَأَة وَخُنْثَى وقف الذّكر عَن يَمِينه وَالْخُنْثَى خلفهمَا وَالْمَرْأَة خلف الْخُنْثَى فَإِن كَثُرُوا فالرجال ثمَّ الصّبيان ثمَّ الخناثى ثمَّ النِّسَاء وَمن شُرُوطهَا أَيْضا توَافق نظم الصَّلَاتَيْنِ فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَلَا تصح الْمَكْتُوبَة خلف جَنَازَة أَو كسوف وَلَا عَكسه وَتَصِح نَحْو ظهر خلف صبح أَو مغرب وَله مُفَارقَته عِنْد الْقُنُوت وَالتَّشَهُّد وَتَصِح الصُّبْح خلف نَحْو الظّهْر وانتظاره ليسلم مَعَه أفضل نعم لَو صلى مغربا خلف نَحْو ظهر لزمَه مُفَارقَته عِنْد قِيَامه للرابعة ويتشهد وَيسلم وَتَصِح الْعشَاء خلف التَّرَاوِيح وَالْأولَى إِتْمَامهَا مُنْفَردا فَإِن اقْتدى بِهِ ثَانِيًا جَازَ وَمن شُرُوطهَا الْمُوَافقَة فَإِن ترك إِمَامه فرضا لم يُتَابِعه أَو سنة أَتَى بهَا إِن لم يفحش تخلفه لَهَا كجلسة الاسْتِرَاحَة وقنوت يدْرك مَعَه السَّجْدَة الأولى وَمِنْهَا الْمُتَابَعَة فِي أَفعَال الصَّلَاة فَيَنْبَغِي أَن لَا يسْبقهُ بِالْفِعْلِ وَلَا يقارنه فِيهِ وَلَا يتَأَخَّر إِلَى فَرَاغه مِنْهُ فَإِن قارنه لم تبطل وَكره وَفَاته فضل الْجَمَاعَة إِلَّا فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَإِنَّهُ إِن قارنه فِيهَا أَو فِي بَعْضهَا أَو شكّ فِي أَثْنَائِهَا أَو بعْدهَا وَلم يتَذَكَّر عَن قريب هَل قارنه فِيهَا أَولا أَو ظن التَّأْخِير فبأن الْخلَافَة لم تَنْعَقِد صلَاته وَلَو تخلف عَن الْمُتَابَعَة بِلَا عذر كاشتغال بالسورة أَو التسبيحات بركنين فعلين وَإِن لم يَكُونَا طويلين بطلت لَا بِأَقَلّ مِنْهُمَا والتخلف بركنين أَن يتمهما الإِمَام وَالْمَأْمُوم فِيمَا قبلهمَا كَمَا لَو ركع واعتدل ثمَّ هوى إِلَى السُّجُود وَالْمَأْمُوم قَائِم فَإِن كَانَ لعذر كإبطاء قِرَاءَة لعجز لَا لوسوسة واشتغال باستفتاح لزمَه إتْمَام الْفَاتِحَة وَيسْعَى خلف الإِمَام على نظم صَلَاة نَفسه مَا لم يسْبقهُ بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة أَرْكَان مَقْصُودَة وَهِي الطَّوِيلَة فَإِن سبقه بِهِ وَافقه فِيمَا هُوَ فِيهِ وَفعل مَا فَاتَهُ بعد سَلام إِمَامه هَذَا كُله فِي الْمُوَافق أما مَسْبُوق ركع الإِمَام فِي فاتحته فَالْأَصَحّ أَنه إِن لم يشْتَغل بافتتاح وتعوذ تَابعه وأجزأه فَإِن تخلف لإتمامه وَفَاته الرُّكُوع فَاتَتْهُ الرَّكْعَة وَإِن اشْتغل بافتتاح أَو تعوذ لزمَه قِرَاءَة بِقَدرِهِ حَيْثُ غلب على ظَنّه أَنه يدْرك الإِمَام فِي الرُّكُوع فَإِن لم يُدْرِكهُ فَاتَتْهُ الرَّكْعَة وَلَا يرْكَع بل يُتَابِعه وَإِن سبقه بِرُكْن لم تبطل أَو بركنين بِأَن فرغ مِنْهُمَا وَالْإِمَام فِيمَا قبلهمَا بطلت صلَاته إِن كَانَ عَامِدًا
(1/114)

عَالما بِالتَّحْرِيمِ وَإِلَّا فركعته وَسَيَأْتِي فِي كَلَام النَّاظِم الْإِشَارَة الى هَذَا الشَّرْط وبية الإقتداء أَو الائتمام أَو الْجَمَاعَة (يؤم عبد) حرا وَإِن لم يَأْذَن لَهُ سَيّده (وَصبي يعقل) أَي مُمَيّز بَالغا (وفاسق) عدلا للاعتداد بصلاتهم لخَبر أَن عَائِشَة كَانَ يؤمها عَبدهَا ذكْوَان وَأَن عَمْرو بن سَلمَة بِكَسْر اللَّام كَانَ يؤم قومه فِي عَهده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن سِتّ أَو سبع سِنِين وَلخَبَر البُخَارِيّ أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي خلف الْحجَّاج قَالَ الشَّافِعِي وَكفى بِهِ فَاسِقًا وَلخَبَر صلوا خلف كل بر وَفَاجِر وفى تَارِيخ البُخَارِيّ عَن عبد الْكَرِيم الْبكاء قَالَ أدْركْت عشرَة من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كلهم يصلونَ خلف أَئِمَّة الْجور (لَكِن سواهُم أفضل) أَي فالحر أولى من العَبْد والبالغ أولى من الصَّبِي الْمُمَيز وَالْعدْل أولى من الْفَاسِق وَإِن اخْتصَّ الصَّبِي وَالْفَاسِق بِكَوْنِهِ أفقه وأقرأ لَكمَا لَهُم وخروجا من خلاف من منع اقْتِدَاء بِالصَّبِيِّ وَالْفَاسِق وَلخَبَر إِن سركم أَن تقبل صَلَاتكُمْ فليؤمكم خياركم فانهم وفدكم فِيمَا بَيْنكُم وَبَين ربكُم وَلَو اجْتمع عبد فَقِيه وحر بضده فهما سَوَاء وَفَارق نَظِيره فِي صَلَاة الْجِنَازَة حَيْثُ جعلُوا الْحر أولى بِأَن الْقَصْد مِنْهَا الدُّعَاء والشفاعة وَالْحر أولى بهما والمبيض أولى من كَامِل الرّقّ وَيقدم فِي الامانة الْأَعْظَم ثمَّ بَقِيَّة من لَهُ الْولَايَة الْأَعْلَى فالأعلى ثمَّ إِمَام الْمَسْجِد الرَّاتِب ثمَّ السَّاكِن بِحَق لَا الْمُسْتَعِير فَيقدم عَلَيْهِ الْمُعير وَإِلَّا العَبْد غير الْمكَاتب والمبعض فَيقدم عَلَيْهِ سَيّده ثمَّ لكل من هَؤُلَاءِ أَن يقدم غَيره ثمَّ الأفقه الأقرأ ثمَّ الأفقه ثمَّ الأقرأ ثمَّ الأورع ثمَّ من لَهُ هِجْرَة أَو سبق بهَا ثمَّ الأسن فِي الأسلام ثمَّ النسيب ثمَّ احسنهم ذكرا ثمَّ أنظفهم ثوبا وبدنا ثمَّ أطيبهم صَنْعَة ثمَّ احسنهم صَوتا ثمَّ صُورَة ثمَّ يقرع والمقيم أولى من الْمُسَافِر إِلَّا إِن كَانَ السُّلْطَان ومعروف النّسَب أولى من غَيره وَلَا بُد من إِذن الشَّرِيكَيْنِ وَإِذن أَحدهمَا لصَاحبه أما الْمُقِيم بِالصِّفَاتِ فَلَا حق لَهُ فِي تَقْدِيم غَيره (لَا مرأة بِذكر 9 أَي لَا تؤم امْرَأَة وَلَا خُنْثَى ذكرا اَوْ صَبيا وَلَا خُنْثَى لخَبر (لن يفلح قوم ولوا أَمرهم امراة) مَعَ خبر ابْن مَاجَه (لَا يُؤمن امْرَأَة رجلا) فَقَوله رجلا شَامِل للصَّبِيّ لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الْمَرْأَة والحتمال أنوثة الْخُنْثَى وَلَا تتبين الصِّحَّة إِلَّا إِذا بَان الإِمَام ذكرا وَالْمَأْمُوم امْرَأَة وَيصِح الأقتداء كل من الرجل وَالْخُنْثَى وَالْمَرْأَة بِالرجلِ وَالْمَرْأَة الْخُنْثَى بِالْمَرْأَةِ (وَلَا الْمحل بالحرف من فَاتِحَة بالمكتمل) أَي لَا يؤم المي وَهُوَ من لَا يحسن الْفَاتِحَة أَو بَعْضهَا وَلَو حرفا أَو شدَّة كأرت يدغم فِي غير مَوضِع الادغام وألثغ حرفا بِحرف بِمن يحسنها أَو مَا جَهله إِمَامه مِنْهَا وَلَو فِي السّريَّة لِأَن الإِمَام بصددتحمل الْقِرَاءَة وَهَذَا لَا يصلح للتحمل وَكَذَا من يُصَلِّي بِسبع آيَات غير الْفَاتِحَة لَا يَقْتَدِي بِمن يُصَلِّي بِالذكر فَلَو عجز إِمَامه فِي أثْنَاء الصَّلَاة إِن الْقِرَاءَة لخرس فَارقه بِخِلَاف عَجزه عَن الْقيام لصِحَّة اقْتِدَاء الْقَائِم بالقارىء بالأخرس قَالَه الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ يُقَال وَلَو لم يعلم بحدوث الخرس حَتَّى فرغ من الصَّلَاة أعَاد لِأَن حُدُوث الخرس ونادر وَخرج بقوله بالمكتمل غَيره فَيصح اقْتِدَاء أُمِّي بِمثلِهِ إِن اتفقَا عَجزا لِاسْتِوَائِهِمَا نُقْصَانا كالأرثين وَلَا يشكل بِمَنْع اقْتِدَاء فَاقِد الطهُورَيْنِ وَنَحْوه بِمثلِهِ لوُجُوب الْقَضَاء هُنَاكَ بِخِلَافِهِ هُنَا وَلَا يَصح اقْتِدَاء قَارِئ أول الْفَاتِحَة دون آخرهَا بقارئ آخرهَا دون اولها وَإِن كثر وَلَا عَكسه وَلَا ألثغ بأرت وَلَا عَكسه وَلَا الثغ الرَّاء بألثغ السِّين وَلَا عَكسه امالو كَانَت اللثغة يسيرَة لَا تمنع إِتْيَانه بالحرف على مَعْنَاهُ فَهِيَ غير مُؤثرَة فِي صِحَة الْقدْوَة (وَإِن تَأَخّر 9 الْمَأْمُوم (عَنهُ) أَي غمامه (اَوْ نقدما) عَلَيْهِ (بركنى الْفِعْلَيْنِ ثمَّ علما) بِأَن فرغ إِمَامه مِنْهُمَا وَهُوَ فِيمَا قبلهمَا وَعَكسه نَاسِيا اَوْ جَاهِلا ثمَّ تذكر أَو علم فَإِن صلَاته لَا تبطل وَلَكِن لَا يحْسب للْمَأْمُوم الركنان اللَّذَان سبق إِمَامه بهما وَخرج بقوله ثمَّ علما مَا إِذا تَأَخّر عَن إِمَامه بركنين فعلين وَإِن لم يَكُونَا طويلين بِغَيْر عذر اَوْ تقدم عَلَيْهِ بهما عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ فَإِن صلَاته تبطل الْفُحْش
(1/115)

الْمُخَالفَة كَمَا مر وَتقدم الْمَأْمُوم فِي الْفِعْل بِلَا عذر وَإِن تبطل كَانَ تقدم بِرُكْن أَو بعضه وتقدمه بِالسَّلَامِ يبطل إِلَّا أَن ينوى الْمُفَارقَة فَفِيهِ الْخلاف فِيمَن نَوَاهَا وَمَا وَقع لِابْنِ الرّفْعَة وَمن تبعه من أَنه لَا يبطل خلاف الْمَنْقُول وَألف تقدما وعلما للإطلاق (وَأَرْبع تمت من الطوَال للْعُذْر) اي وَإِن تَأَخّر الْمَأْمُوم عَن إِمَامه بأَرْبعَة من الْأَركان تَامَّة طَوِيلَة للْعُذْر لم تبطل صلَاته لعذره (والأقوال كالأفعال) يعْنى أَن القَوْل كالفاتحة مَعْدُود من الْأَرْبَعَة بِأَن يسْبقهُ الإِمَام بِالْفَاتِحَةِ وَالرُّكُوع والسجدتين فَيجب عَلَيْهِ مُتَابعَة إِمَامه بعْدهَا فِيمَا هُوَ ثمَّ ياتى بِرَكْعَة بعد سَلَامه والعذر (كشكه) أَي الْمَأْمُوم فِي قرائته الْوَاجِبَة قبل رُكُوعه 0 والبطء 9 مِنْهُ دون إِمَامه (فِي أم الْقرَان) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الرَّاء أَو بدلهَا فيختلف لقرَاءَته بعد رُكُوع إِمَامه (وزحم وضع جبهة) للْمَأْمُوم بِأَن منعته الزحمة من سُجُود على الأَرْض أَو ظهر إِنْسَان أَو قدمه أَو نَحْوهَا وَذكر الزحمة هُنَا إِشَارَة إِلَى عدم اختصاصها بِالْجمعَةِ وَإِنَّمَا ذكرهَا كثير فِيهَا لِكَثْرَة الزحام فِيهَا غَالِبا وَلَا ختصاصها بِأُمُور أخر كالتردد فِي حُصُولهَا بالركعة الملفقة والقدوة الحكيمة وَفِي بِنَاء الظّهْر عَلَيْهَا عِنْد تعذر إِتْمَامهَا (ونسيان) من الْمَأْمُوم بِأَن ينسى كَونه فِي الصَّلَاة فَتخلف وَلَو انْتظر سكته إِمَامه ليقْرَأ الْفَاتِحَة فَرَكَعَ عَقبهَا فَهُوَ كالناسي خلافًا لبَعض المتنأخرين فِي قَوْله بِسُقُوط للفاتحة وَهَذِه الأبيات الثَّلَاثَة سَاقِطَة من بعض النّسخ ثمَّ اشار إِلَى السَّابِع من شُرُوط الْقدْوَة فَقَالَ (وَنِيَّة الْمَأْمُوم) الِاقْتِدَاء اَوْ الائتمام أَو الْجَمَاعَة بِالْإِمَامِ وَلَو فِي الْجُمُعَة لِأَن التبيعة عمل فافتقرت إِلَى نِيَّة إِذْ لَيْسَ للمرء إِلَّا مَا نوى (أَولا يجب) أَي إِن أَرَادَ الِاقْتِدَاء بِهِ ابْتِدَاء بِأَن يقرنها بتكبيرة الْإِحْرَام كَسَائِر مَا ينويه من صِفَات الصَّلَاة وَاو أحرم مُنْفَردا ثمَّ نوى الْقدْوَة فِي خلال صلَاته جَازَ فَإِن لم ينْو ذَلِك انْعَقَدت صلَاته مُنْفَردا إِلَّا أَن فِي الْجُمُعَة فَلَا تَنْعَقِد أصلا إِذْ تكون فُرَادَى فَإِن تَابعه من غير نِيَّة أَو وَهُوَ شَاك فِيهَا بطلت صلَاته إِذا أنْتَظر طَويلا ليفعل مثله لِأَنَّهُ ربط صلَاته بِمن لَيْسَ بامام لَهُ فَأشبه الارتباط بِغَيْر الْمُصَلِّي حَتَّى لَو عرض لَهُ الشطك فِي تشهده الْخَيْر لم يجز لَهُ أَن يقف سَلَامه فَإِن تَابعه اتِّفَاقًا أَو بعد انْتِظَار يسير عرفا لم يضر شكه فِيمَا ذكر بعد السَّلَام كَمَا فِي التَّحْقِيق وَغَيره بِخِلَاف الشَّك فِي أصل النِّيَّة لِأَنَّهُ شكّ فِي الِانْعِقَاد بِخِلَافِهِ هُنَا وَلَا يشْتَرط تعْيين الإِمَام فَلَو نوى الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ الْحَاضِر صحت صلَاته لِأَن مَقْصُود الْجَمَاعَة لَا يخْتَلف بتعيينه وَعَدَمه بل قَالَ الامام وَغَيره الأولى ان لَا يُعينهُ لِأَنَّهُ رُبمَا أخطا فَإِن عينه وَأَخْطَأ لم تصح صلَاته لِأَنَّهُ ربطها بِمن لم ينْو الِاقْتِدَاء بِهِ كمن عين الْمَيِّت فِي صلَاته عَلَيْهِ أَو نوى الْعتْق عَن كَفَّارَة ظِهَار فَأَخْطَأَ فيهمَا وَلَو علق الْقدْوَة بشخصه سَوَاء عبر عَنهُ بِمن فِي الْمِحْرَاب أم يزِيد هَذَا أم بِهَذَا الْحَاضِر أم بِهَذَا أم بالحاضر فَظَنهُ زيدا فَبَان عمرا اصحت صلَاته لِأَن الخطا لم يَقع فِي الشَّخْص لعدم تَأتيه فِيهِ بل فِي الظَّن وَلَا عِبْرَة فِي بِالظَّنِّ البن خَطؤُهُ بِخِلَاف مَا لَو نوى الِاقْتِدَاء بالحاضر وَلم يعلقها بشخصه لِأَن الْحَاضِر صفة لزيد الَّذِي عينه وَأَخْطَأ فِيهِ وَالْخَطَأ فِي الْمَوْصُوف يسْتَلْزم الْخَطَأ فِي الصّفة فَبَان أَنه اقْتدى بِغَيْر الْحَاضِر وَفهم من كَلَام المُصَنّف جَوَاز اقْتِدَاء الْمُؤَدى بِالْقَاضِي والمفترض بالمتنفل وَبِالْعَكْسِ وَهُوَ كَذَلِك إِذْ لَا يتَغَيَّر نظم الصَّلَاة باخْتلَاف النِّيَّة (وَللْإِمَام غير جُمُعَة ندب) لَهُ نِيَّة الأمامه اَوْ الْجَمَاعَة وَلَا تجب لِأَن أَفعاله غير مربوطة بِغَيْرِهِ بِخِلَاف أَفعَال الْمَأْمُوم فَإِنَّهُ إِذا لم يربطها بِصَلَاة إِمَامه كَانَ موقفا صلَاته على صَلَاة من لَيْسَ إِمَامًا لَهُ لَكِن لَو تَركهَا لم يجز فضيله الْجَمَاعَة وَأَن اقْتدى بِهِ جمع وَلم يعلم بهم ونالوها بِسَبَبِهِ إِذْ لَيْسَ للمرء من عمله إِلَّا مَا نوى فتستحب لَهُ ليجوز الْفَضِيلَة وَتَصِح نِيَّته لَهَا مَعَ تحرمه وَإِن لكم يكن إِمَامًا فِي الْحَال لِأَنَّهُ سيصير إِمَامًا وبصحتها صرح الجوينى وَقَالَ الاذرعي إِنَّه الْوَجْه وَإِذا نَوَاهَا
(1/116)

فِي أثْنَاء صلَاته حَاز الْفَضِيلَة من حِين نِيَّته وَلم تنعطف على مَا قبلهَا واما الْجُمُعَة فَتجب نِيَّته فِيهَا فَلَو تَركهَا لم تصح جمعته لعدم استقلاله فِيهَا سَوَاء كَانَ من الْأَرْبَعين ام زَائِدا عَلَيْهِم نعم إِن لم يكن من اهل وُجُوبهَا وَنوى الْجُمُعَة صحت صلَاته فَإِن نَوَاهَا فِي غَيرهَا وَعين الْمُؤْتَم بِهِ فاخطأ لم يضر لِأَن خطأه فِي النِّيَّة لَا يزِيد على تَركهَا وَأَن نوى فِيهَا كَذَلِك فَأَخْطَأَ ضرّ لِأَن مَا يجب التَّعَرُّض لَهُ يضر الخطا فِيهِ وَلَو أدْرك الإِمَام رَاكِعا كبر للْإِحْرَام ثمَّ للهوى فَإِن اقْتصر على تَكْبِيرَة وَنوى بهَا الْإِحْرَام فَقَط وأتمها قيل هوية انْعَقَدت صلَاته والافلا وَتكره مُفَارقَة الإِمَام من غير عذر ويعذر ب بِمَا يعْذر بِهِ فِي الْجَمَاعَة وبترك الإِمَام سنة مَقْصُودَة وبتطويله وبالماموم ضعف أَوله شغل وتدرك الرَّكْعَة بادراك رُكُوع مَحْسُوب للْإِمَام حَيْثُ اطمان قبل رفع الإِمَام رَأسه عَن أقل الرُّكُوع وَلَو شكّ فِي أَدْرَاك حد الْإِجْزَاء لم يُدْرِكهَا كمن أدْركهُ بعد الرُّكُوع وَعَلِيهِ مُتَابَعَته فِي الْفِعْل الَّذِي أدْركهُ فِيهِ وَيكبر إِن كَانَ محسوبا للْمَأْمُوم أَو وَافقه فِي التَّكْبِير وتستحب مُوَافَقَته فِي التَّشَهُّد والتسبيحات وَمَا أدْركهُ الْمَسْبُوق مَعَ الإِمَام فَهُوَ أول صلَاته وَمَا يأتى بِهِ بعد سَلامَة فَهُوَ آخرهَا فَيُعِيد فِيهِ الْقُنُوت وَسُجُود السَّهْو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب صَلَاة الْمُسَافِر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَي كيفيتها شرعت تَخْفِيفًا لما يلْحقهُ من تَعب السّفر وَهِي نَوْعَانِ الْقصر وَالْجمع وَذكر فِيهِ الْجمع بالمطر للمقيم وأهمها الْقصر وَلِهَذَا بَدَأَ المُصَنّف بِهِ كَغَيْرِهِ فَقَالَ (رخص قصر) صَلَاة ذَات (أَربع) من الرَّكْعَات (فرض 1) من الصَّلَوَات الْخمس (إدا) أَي مؤدي وَلَو بادراك رَكْعَة مِنْهُ فِي وقته (وفائت فِي سفر) سواهُ قَضَاهُ فِي ذَلِك السّفر أم فِي سفر آخر إِلَى رَكْعَتَيْنِ بالاجماع وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض} الْآيَة وَعلم من كَلَامه أَنه لَو أتم جَازَ وَهُوَ كَذَلِك وَأما خبر فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ ط أَي فِي السّفر فَمَعْنَاه لمن أَرَادَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا جمعا بَين الْأَخْبَار لَكِن الْقصر أفضل من الْإِتْمَام إِذا بلغ السّفر ثَلَاث مراحل للإتباع وللخروج من خلاف من يُوجب الْقصر حِينَئِذٍ كأبى حنيفَة إِلَّا الملاح يُسَافر فِي الْبَحْر وَمَعَهُ أَهله وَأَوْلَاده وَمن لَا وَطن لَهُ وعادته السّير أبدا فالافضل لَهما الأتمام فَإِن لم يبلغهَا فالاتمام أفضل لِأَنَّهُ الأَصْل إِلَّا فِي صَلَاة الْخَوْف فالقصر افضل وَكَذَا فِي حق من وجد نَفسه كَرَاهَة الْقصر بل يكره لَهُ الاتمام إِلَى أَن تَزُول الْكَرَاهَة وَكَذَا القَوْل فِي سَائِر الرُّخص وَخرج بِمَا ذكر الثنائية والثلاثية والنافلة والمنذورة فَلَا تقصر اجماعا وفائتة لحضر فَلَا تقصر فِي السّفر كالحضر ولاستقرار الْأَرْبَع فِي ذمَّته وَمَا شكّ فِي أَنه فَائِتَة سفر أَو حضر فَلَا تقصر احْتِيَاطًا لِأَن الأَصْل الاتمام وَأما خبر مُسلم فرضت الصَّلَاة فِي الْحَضَر أَرْبعا وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْف رَكْعَة فَمَحْمُول على أَن المُرَاد رَكْعَة مَعَ الإِمَام ويفرد بِالْأُخْرَى (أَن قصد سِتَّة عشر فرسخا اي لَا يترخص بقصر وَنَحْوه إِلَّا بِمَا ذكر يَقِينا أَو ظنا وَلَو بِاجْتِهَاد وَهِي اربعة برد كل بريد أَرْبَعَة فراسخ وكل فَرسَخ ثَلَاثَة أَمْيَال فَهِيَ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا هاشمية نِسْبَة لبني هَاشم وَقت خلافتهم لَا هشم نَفسه والميل اربعة الأف خطْوَة والخطوة ثَلَاثَة أَقْدَام فَهُوَ اثْنَا عشر ألف قدم وبالذراع سِتَّة ألآف ذِرَاع والذراع أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ أصبعا معترضات والأصبع سِتّ شعيرات معتدلات معترضات والشعيرة سِتّ شَعرَات من شعر البرذون فمسافة الْقصر بالبرد أَرْبَعَة برد وبالفراسخ سِتَّة عشر فرسخا وبالأميال ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا وبالأقدام خَمْسمِائَة ألف وَسِتَّة وَسَبْعُونَ ألفا وبالأذرع مِائَتَا ألف وَثَمَانِية وَثَمَانُونَ ألفا وبالأصبع سِتَّة الآف ألف وَتِسْعمِائَة ألف وأثنتا عشر ألفا بالشعيرات إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ ألف
(1/117)

ألف وَأَرْبَعمِائَة ألف وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ ألفا وبالشعرات مِائَتَا ألف ألف وَثَمَانِية وأ ربعون ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ألفا والزمن يَوْم وَلَيْلَة مَعَ الْمُعْتَاد من نزُول واستراحة وَأكل وَصَلَاة وَنَحْوهَا وَذَلِكَ مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الْأَقْدَام وضبطها بِمَا ذكر تَحْدِيد وَالْبَحْر كالبر فِي ذَلِك حَتَّى لَو قطع الأميال فِيهِ فِي لَحْظَة لشدَّة جري السَّفِينَة بالهواء قصر فِيهَا كَمَا يقصر لَو قطعهَا فِي الْبر فِي يَوْم بالسعي وَشرط التَّرَخُّص بِالْقصرِ وَنَحْوه قصد مَوضِع معِين أول سَفَره فَلَا ترخص لهائم وَهُوَ الَّذِي لَا يدْرِي أَيْن يتَوَجَّه وَإِن سلك طَرِيقا سَوَاء أَطَالَ سَفَره أم لَا وَهُوَ عَاص لِأَن إتعاب النَّفس بِلَا غَرَض حرَام وَمثله رَاكب التعاسيف بل أولى وَخرج بقوله إِن قصد سِتَّة عشر فرسخا مَا لَو قصد دونهَا فَلَا يترخص مَا لَو شكّ فِي بُلُوغ سَفَره لَهَا كرقيق وَزَوْجَة وجندي تبعوا متبوعهم وَلم يعرفوا مقْصده فَلَا ترخص لَهُم فَلَو نووا مَسَافَة الْقصر قصر الجندي دونهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ تَحت قهر الْأَمِير بخلافهما فنيتهما كَالْعدمِ وَلَا يُخَالِفهُ فِي الجندي قَول الشَّيْخَيْنِ لَو نوى العَبْد أَو الزَّوْجَة أَو الْجَيْش إِقَامَة أَرْبَعَة أَيَّام وَلم ينْو السَّيِّد وَلَا الزَّوْج وَلَا الْأَمِير فأقوى الْوَجْهَيْنِ أَن لَهُم الْقصر لأَنهم لَا يستقلون فنيتهم كَالْعدمِ لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم حجر الْأَمِير على الأجناد عَدمه على الْجَيْش لعظم الْفساد بمخالفة الْجَيْش دون الجندي فَلَو سَارُوا مرحلَتَيْنِ قصروا ذكره فِي الْمَجْمُوع أخذا من مسئلة النَّص الْمَذْكُور فِي الرَّوْضَة وَهِي لَو أسر الْكفَّار رجلا فَسَارُوا بِهِ وَلم يعلم أَيْن يذهبون بِهِ لم يقصر وَإِن سَار مَعَهم يَوْمَيْنِ قصر بعد ذَلِك وَيُؤْخَذ مِمَّا مر أَنهم لَو عرفُوا أَن سفرة مرحلتان قصروا كَمَا لَو عرفُوا أَن مقْصده مرحلتان (ذَهَابًا) أَي إِنَّمَا تعْتَبر الْمسَافَة ذَهَابًا فَلَو قصد مَكَانا على مرحلة بعزم الْعود من غير إِقَامَة لم يترخص وَإِن نالته مشقة سفر مرحلَتَيْنِ ثمَّ إِن سَافر من بلد لَهَا سور فِي جِهَة مقْصده فابتداء سَفَره مجاوزته وَإِن تعدد كَمَا قَالَه الإِمَام وَإِن كَانَ دَاخله مزارع وحراب لِأَن ذَلِك مَعْدُود من الْبَلَد فَإِن كَانَ وَرَاءه عمَارَة لم تشْتَرط مجاوزتها لِأَنَّهَا لَا تعد من الْبَلَد وَلَو جمع سور قرى متفاصلة لم تشْتَرط مجاوزته وَكَذَا لَو قدر ذَلِك فِي بلدتين متقاربتين وَإِن لم يكن لَهَا سور أَو لم يكن فِي صوب مقْصده فمجاوزة الْعمرَان وَإِن تخلله خراب أَو نهر أَو ميدان ليفارق مَوضِع الْإِقَامَة وَلَو خرب طرف الْبَلَد فَإِن لم يبْق لَهُ بقايا أَو اتخذوه مزارع أَو هجروه بالتحويط عَلَيْهِ لم تشْتَرط مجاوزته وَإِلَّا اشْترطت وَلَا يشْتَرط مُجَاوزَة الْبَسَاتِين والمزارع الْمُتَّصِلَة بِالْبَلَدِ وَلَو محوطة وَإِن كَانَ فِيهَا دور أَو قُصُور تسكن فِي بعض فُصُول السّنة كَمَا فِي الْمَجْمُوع لِأَن ذَلِك لَا يَجْعَلهَا من الْبَلَد والقريتان المتصلتان تشْتَرط مجاوزتهما دون المنفصلتين أَو من صحراء فمجاوزة بقْعَة رحْلَة أم من خيام فمجاوزة حلته وضابطها أَن يجْتَمع أَهلهَا للسمر فِي نَاد وَاحِد ويستعير بَعضهم من بعض وَإِن تَفَرَّقت مَنَازِلهمْ وَمِنْهَا مرافقها كمطرح رماد وملعب صبيان وناد وعطن وَمَاء ومحتطب إِلَّا أَن يتسعا بِحَيْثُ لَا يختصان بالنازلين والحلتان كالقريتين أَو من وَاد وسافر فِي عرضه فمجاوزة الْعرض إِلَّا أَن تفرط سعته فَيشْتَرط مُجَاوزَة مَا بعد من منزله أَو من حلّه هُوَ فِيهَا كَمَا لَو سَافر فِي طوله أَو من ربوة فَإِن يهْبط أَو وهده فَإِن يصعد إِن اعتدلتا وَإِلَّا فَمَا بعد من منزله أَو من حلَّة هُوَ فِيهَا وَألف قصد للإطلاق (فِي السّفر) أَي إِنَّمَا يترخص الْمُسَافِر فِي السّفر (الْمُبَاح) أَي الْجَائِز وَإِن عَصا فِيهِ وَاجِبا كَانَ كحجة الْإِسْلَام وَالْجهَاد أَو مَنْدُوبًا كزيارة قَبره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مُبَاحا كالتجارة أَو مَكْرُوها كسفر من تلْزمهُ الْجُمُعَة لَيْلَتهَا أَو خلاف الأولى فَلَا يترخص العَاصِي بِسَفَرِهِ كرقيق هرب من سَيّده وَزَوْجَة من زَوجهَا وغريم مُوسر من غَرِيمه أَو سَافر يسرق أَو يَزْنِي أَو يقتل بريا أَو يَأْخُذ المكوس بقصر وَلَا جمع وَلَا إفطار وَلَا تنفل على راحله وَلَا مسح على الْخُف ثَلَاثًا وَلَا سُقُوط جُمُعَة وَلَا أكل ميتَة وَنَحْوهَا لما فِيهِ من الْإِعَانَة على الْمعْصِيَة (حَتَّى آبا) بِأَلف الْإِطْلَاق أَي بترخص بِالْقصرِ وَنَحْوه حَتَّى يرجع إِلَى مَكَان شَرط مجاوزته ابْتِدَاء من سور أَو عمرَان أَو غير ذَلِك فَيَنْقَطِع ترخصه بعودة إِلَى وَطنه وَإِن نوى أَنه إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ خرج حَالا وبوصوله لموْضِع عزم
(1/118)

على إِقَامَته بِهِ مُدَّة تمنع الترخيص وبنيته إِقَامَة أَرْبَعَة أَيَّام صِحَاح وَإِن لم يصلح لَهَا وَلَا يحْسب مِنْهَا يَوْمًا دُخُوله وَخُرُوجه لَو أَقَامَ بمَكَان بنية أَن يرحل إِذا حصلت حَاجَة يتوقعها كل وَقت ترخص ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا صحاحا (وَشَرطه) أَي الْقصر (النِّيَّة فِي الْإِحْرَام) لِئَلَّا تَنْعَقِد صلَاته على الأَصْل وَهُوَ الْإِتْمَام (وَترك مَا خَالف) حكم نِيَّة الْقصر (فِي الدَّوَام) للصَّلَاة كنية الْإِتْمَام أَو الإقتداء بِمن صلَاته تَامَّة وَلَو لَحْظَة فَلَو نوى الْإِتْمَام أَو لم ينْو قصرا وَلَا إتماما أَو تردد فِي أَنه يقصر أَو يتم وَلَو فِي بعض الصَّلَاة لزمَه الْإِتْمَام لِأَنَّهُ الْمَنوِي فِي الأولى وَالْأَصْل فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَيشْتَرط أَيْضا علمه بِجَوَازِهِ فَلَو قصر جَاهِلا بِهِ لم تصح صلَاته لتلاعبه إِذْ هُوَ عابث فِي اعْتِقَاده غير مصل (وَجَاز) أَي وَيجوز للْمُسَافِر سفرا طَويلا مُبَاحا (أَن يجمع بَين العصرين) تَثْنِيَة الظّهْر وَالْعصر تَغْلِيبًا وغلبت الْعَصْر لخفة لَفظهَا وشرفها (فِي وَقت إِحْدَى ذين) تَقْدِيمًا أَو تَأْخِيرا (كالعشاءين) تَثْنِيَة الْمغرب وَالْعشَاء وغلبت الْعشَاء لما مر تَقْدِيمًا أَو تَأْخِيرا وَخرج بِمَا ذكره الصُّبْح مَعَ غَيرهَا وَالْعصر مَعَ الْمغرب فَلَا يجمعان لِأَنَّهُ لم يرد وَيجوز جمع الْجُمُعَة وَالْعصر بِالسَّفرِ تَقْدِيمًا كَمَا اعْتَمدهُ الزَّرْكَشِيّ وَيسْتَثْنى من جمع التَّقْدِيم الْمُتَحَيِّرَة (كَمَا يجوز الْجمع) بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء (للمقيم لمطر) وَلَو ضَعِيفا إِن بل ثِيَابه (لَكِن مَعَ التَّقْدِيم) أَي جمع تَقْدِيم لَا تَأْخِير إِذْ استدامته لَيست إِلَيْهِ بِخِلَاف السّفر وَمثل الْمَطَر الشفان وَكَذَا الثَّلج وَالْبرد إِذا ذابا لتضمنهما الْقدر الْمُبِيح من بل الثَّوْب (إِن أمْطرت) أَي شَرط الْجمع بالمطر تَقْدِيمًا وجوده (عِنْد ابْتِدَاء الْبَادِيَة) أَي الَّتِي بَدَأَ بهَا (و) عِنْد (خَتمهَا) أَي سلامها الْمحَال مِنْهَا (وَفِي ابْتِدَاء الثَّانِيَة) أما اشْتِرَاط وجوده عِنْد التحرمين فليقارن الْجمع الْعذر وَأما عِنْد تحلل الأولى فليتحقق اتِّصَال آخرهَا بِأول الثَّانِيَة مَقْرُونا بالعذر وَعلم أَنه لَا يضر انْقِطَاعه فِي أثْنَاء الأولى أَو الثَّانِيَة أَو بعْدهَا وَإِنَّمَا يجوز الْجمع بالمطر تَقْدِيمًا (لمن يُصَلِّي مَعَ جمَاعَة إِذا جا) بِالْقصرِ للوزن (من بعيد مَسْجِدا) بِخِلَاف من يُصَلِّي مُنْفَردا أَو مَعَ جمَاعَة بَيته أَو بِمَسْجِد قريب فَلَا يجمع لانْتِفَاء الْمَشَقَّة كَغَيْرِهِ عَنهُ (نَالَ الْأَذَى) بالمطر فِي طَرِيقه وَأما جمعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَن بيُوت أَزوَاجه كَانَت بِجنب الْمَسْجِد فَأُجِيب عَنهُ بِأَن بُيُوتهنَّ كَانَت مُخْتَلفَة وأكثرها كَانَت بعيدَة فَلَعَلَّهُ حِين جمع لم يكن بالقريب وَبِأَن للْإِمَام أَن يجمع بالمأمومين وَإِن لم يتأذ بالمطر كَمَا صرح بِهِ ابْن أبي هُرَيْرَة وَغَيره قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ وَلمن خرج إِلَى الْمَسْجِد قبل وجود الْمَطَر فاتفق وجوده وَهُوَ فِي الْمَسْجِد أَن يجمع لِأَنَّهُ لَو لم يجمع لاحتاج إِلَى صَلَاة الْعَصْر أَيْضا فِي جمَاعَة وَفِيه مشقة فِي رُجُوعه إِلَى بَيته ثمَّ عوده أَو فِي إِقَامَته بِالْمَسْجِدِ انْتهى وَذكر الْمَسْجِد جرى على الْغَالِب إِذْ مثله فِي ذَلِك الرِّبَاط وَنَحْوه من أمكنه الْجَمَاعَة (وَشَرطه) أَي الْجمع بِالسَّفرِ أَو الْمَطَر تَقْدِيمًا (النِّيَّة) للْجمع (فِي) الصَّلَاة (الأولى) تمييزا للتقديم الْمَشْرُوع عَن التَّقْدِيم سَهوا أَو عَبَثا سَوَاء أنواه عِنْد التَّحَرُّم أم التَّحَلُّل أم بَينهمَا لِأَن الْجمع ضم الثَّانِيَة إِلَى الأولى فَيَكْفِي سبق النِّيَّة حَالَة الْجمع وَيُفَارق الْقصر بِأَنَّهُ لَو تَأَخَّرت نِيَّته لتأدى جُزْء على التَّمام فَيمْتَنع الْقصر وَشَمل كَلَامه مَا لَو نوا ثمَّ نوى تَركه ثمَّ نَوَاه وَمَا لَو شرع فِي الْبَلَد فسارت السَّفِينَة فَنوى الْجمع (وَمَا رتب) أَي يشْتَرط فِي ذَلِك التَّرْتِيب بَين الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ تَقْدِيم الظّهْر على الْعَصْر وَالْمغْرب على الْعشَاء لِأَنَّهُ الْمَأْثُور عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلِأَن الْوَقْت لَهَا وَالثَّانيَِة تبع فَلَو صلى الثَّانِيَة قبل الأولى لم تصح أَو الأولى
(1/119)

قبل الثَّانِيَة وَبَان فَسَادهَا فَسدتْ الثَّانِيَة أَيْضا لانْتِفَاء التَّرْتِيب (والولا) بَينهمَا بِالْقصرِ للوزن أَي يشْتَرط لذَلِك أَيْضا الْمُوَالَاة بَينهمَا لِأَن الْجمع يجعلهما كَصَلَاة وَاحِدَة فَوَجَبَ الْوَلَاء كركعات الصَّلَاة وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ بنمرة وَإِلَى بَينهمَا وَترك الرَّوَاتِب وَأقَام الصَّلَاة بَينهمَا وَلَوْلَا اشْتِرَاط الْوَلَاء لما ترك الرَّوَاتِب (وَإِن تيمما) أَي لَا يمْنَع الْوَلَاء تيَمّمه للثَّانِيَة أَو أَقَامَ لَهَا أَو صلاهَا بعد أَن طلب من المَاء وَلم يطلّ الْفَصْل عرفا فَالْولَاء حَاصِل أما الْإِقَامَة فللخبر الْمَار وَأما التَّيَمُّم والطلب فَلِأَن كلا مِنْهُمَا فصل يسير لمصْلحَة الصَّلَاة كالإقامة بل أولى لِأَنَّهُ شَرط دونهَا بِخِلَاف مَا إِذا طَال الْفَصْل وَلَو بِعُذْر كسهو وإغماء وَلَو جمع تَأْخِيرا لم تجب نِيَّة الْجمع وَالتَّرْتِيب وَالْوَلَاء لَكِن تسْتَحب وَيجب كَون التَّأْخِير بنية الْجمع قبل خُرُوج وَقت الأولى بِزَمن لَو ابتدئت فِيهِ كَانَت أَدَاء وَإِلَّا فيعصى وَتَكون قَضَاء نَقله فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا عَن الْأَصْحَاب وَفِي الْمَجْمُوع وَشرح مُسلم عَنْهُم بِزَمن يَسعهَا أَو أَكثر وَهُوَ مُبين أَن المُرَاد بِالْأَدَاءِ فِي الرَّوْضَة الْأَدَاء الْحَقِيقِيّ بِأَن يُؤْتى بِجَمِيعِ الصَّلَاة قبل خُرُوج وَقتهَا بِخِلَاف الْإِتْيَان بِرَكْعَة مِنْهَا فِي الْوَقْت وَالْبَاقِي بعده فتسميته أَدَاء بتبعية مَا بعد الْوَقْت لما مر فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد وَإِن جرى جمع متأخرون على مَا اقْتَضَاهُ كَلَام الرَّوْضَة وَأَصلهَا من الِاكْتِفَاء بِقدر رَكْعَة وَلَو جمع تَقْدِيمًا فَصَارَ قبل الشُّرُوع فِي الثَّانِيَة مُقيما بَطل الْجمع أَو فِي الثَّانِيَة أَو بعْدهَا فَلَا لانعقادها أَو تَمامهَا قبل زَوَال الْعذر أَو تَأْخِيرا فَأَقَامَ بعد فراغها لم يضر وَقَبله يَجْعَل الأولى قَضَاء لِأَنَّهَا تَابِعَة للثَّانِيَة فِي الْأَدَاء للْعُذْر وَقد زَالَ قبل تَمامهَا قَالَ صَاحب التعليقة وَإِنَّمَا اكْتفى فِي جمع التَّقْدِيم بدوام السّفر إِلَى عقد الثَّانِيَة وَلم يكتف بِهِ فِي جمع التَّأْخِير بل شَرط دَوَامه إِلَى تَمامهَا لِأَن وَقت الظّهْر لَيْسَ وَقت الْعَصْر إِلَّا فِي السّفر وَقد وجد عِنْد عقد الثَّانِيَة فَيحصل الْجمع وَأما وَقت الْعَصْر فَيجوز فِيهِ الظّهْر بِعُذْر السّفر وَغَيره فَلَا ينْصَرف فِيهِ الظّهْر إِلَى السّفر إِلَّا إِذا وجد الْعذر فِي كل مِنْهُمَا وَإِلَّا جَازَ أَن ينْصَرف إِلَيْهِ لوُقُوع بَعْضهَا فِيهِ وَأَن ينْصَرف إِلَى غَيره لوُقُوع بَعْضهَا فِي غَيره الَّذِي هُوَ الأَصْل وَألف تيمما للإطلاق (وَالْجمع) الْفَاضِل (بالتقديم وَالتَّأْخِير) كئن (بِحَسب الأرفق للمعذور) أَي الْمُسَافِر فَإِن كَانَ سائرا وَقت الأولى فتأخيرها أفضل وَإِن لم يكن سائرا وَقت الأولى فتقديمها أفضل فَإِن كَانَ سائرا فيهمَا أَو نازلا فيهمَا فَجمع التَّأْخِير أفضل كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام كثير لظَاهِر الْأَخْبَار ولانتفاء سهولة جمع التَّقْدِيم مَعَ الْخُرُوج من خلاف من مَنعه (فِي مرض قَول) إِنَّه يجوز الْجمع بِهِ تَقْدِيمًا وتأخيرا (جلى وقوى) لما فِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمع بِالْمَدِينَةِ من غير خوف وَلَا مطر وَفِي رِوَايَة من غير خوف وَلَا سفر (اخْتَارَهُ حمد) الْخطابِيّ (وَيحيى النَّوَوِيّ) وَالْمَاوَرْدِيّ فِي الْإِقْنَاع وَعَلِيهِ فَينْدب أَن يُرَاعى الأرفق للْمَرِيض والأسهل عَلَيْهِ فِي مَرضه كالمسافر فَإِن كَانَ يحم فِي وَقت الثَّانِيَة قدمهَا إِلَى الأولى بِالشُّرُوطِ الْمَارَّة وَإِن كَانَ يحم فِي وَقت الأولى أَخّرهَا إِلَى الثَّانِيَة فَإِن اسْتَوَى فِي حَقه الْأَمْرَانِ فالتأخير أولى لِأَنَّهُ أَخذ بِالِاحْتِيَاطِ وَخُرُوج من الْخلاف وَلَكِن الْمَشْهُور أَنه لَا يجمع بِمَرَض وَلَا ريح وَلَا ظلمَة وَلَا خوف وَلَا وَحل وَلَا نَحْوهَا لِأَنَّهُ لم ينْقل وَلخَبَر الْمَوَاقِيت فَلَا يُخَالف إِلَّا بِصَرِيح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب صَلَاة الْخَوْف) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَي كيفيتها من حَيْثُ أَنه يحْتَمل فِي الْفَرَائِض فِيهِ فِي الْجَمَاعَة وَغَيرهَا مَا لَا يحْتَمل فِي غَيره على مَا يَأْتِي بَيَانه وَقد وَردت فِي الْأَخْبَار على سِتَّة عشر نوعا اخْتَار الشَّافِعِي مِنْهَا أَرْبَعَة أَنْوَاع ترجع إِلَى الثَّلَاثَة
(1/120)

الْآتِيَة وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى {وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة} الْآيَة والاخبار الْآتِيَة مَعَ خبر صلوا كَمَا رأيتوني اصلي واستمرت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على فعلهَا بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَدَعوى الْمُزنِيّ نسخهَا لتَركه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهَا يَوْم الخَنْدَق أُجِيب عَنهُ بتأخر نُزُولهَا عَنهُ لِأَنَّهَا نزلت سنة سِتّ وَالْخَنْدَق سنة أَربع وَقيل خمس وَتجوز فِي الْحَضَر خلافًا لمَالِك (أَنْوَاعهَا ثَلَاثَة فَإِن لم يكن عدونا فِي غير قبله) أَي فِي غير وجهتها أَو فِيهَا وَحَال دونهم حَائِل يمْنَع رُؤْيَتهمْ (فسن تحرس) بِتَقْدِير أَن فِي مَحل رفع نَائِب فَاعل سنّ أَي سنّ حراسة (فرقة وَصلى من يؤم بالفرقة الرَّكْعَة الأولى) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السَّاكِن قبلهَا (وتتم وحرست) أَي يسن أَن يُفَرِّقهُمْ الإِمَام فرْقَتَيْن تقف فرقة فِي وَجه الْعَدو وتحرس وينحاز بالفرقة الْأُخْرَى بِحَيْثُ لَا يبلغهم سِهَام الْعَدو فَيصَلي بهم الرَّكْعَة الأولى فَإِذا قَامَ للثَّانِيَة فارقته بنية الْمُفَارقَة وأتمت لنَفسهَا وَذَهَبت إِلَى وَجه الْعَدو لتحرس وَلَو فارقته عِنْد رفع لرأسه من السَّجْدَة الثانيه جَازَ (ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَة بالفرقة الْأُخْرَى وَلَو فِي جُمُعَة ثمَّ أتمت وبهم يسلم) أَي تأتى الْفرْقَة الْأُخْرَى الَّتِي كَانَت فِي وَجه الْعَدو فاقتدوا بِهِ فِي الثَّانِيَة ويطيل الْقِرَاءَة ليلحقوا وَيُصلي بهم الثَّانِيَة فَإِذا جلس للتَّشَهُّد قَامُوا واتمموا ثانيتهم فَإِذا لحقوه سلم بهم فتحوز الْفرْقَة الأولى فَضِيلَة التَّحَرُّم مَعَ الإِمَام وَالثَّانيَِة فضيله التَّسْلِيم مَعَه وَيقْرَأ الإِمَام فِي أنتظاره الْفرْقَة الثانيه فِي الْقيام ويتشهد فِي أنتظارها فِي الْجُلُوس لِأَنَّهُ لَو لم يقْرَأ وَلم يتَشَهَّد فإمَّا أَن يسكت أَو يأتى بِغَيْر الْقِرَاءَة وَالتَّشَهُّد وكل ذَلِك خلاف السّنة وَينْدب لَهُم تَخْفيف ثانيتهم لِئَلَّا يطول الِانْتِظَار وَهَذِه صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِذَات الرّقاع رَوَاهَا الشَّيْخَانِ وَلَو لم تُفَارِقهُ الأولى بل ذهبت إِلَى الْعَدو وَجَاءَت الْأُخْرَى إِلَى مَحل الصَّلَاة وأتمت وَذَهَبت إِلَى الْعَدو وَجَاءَت الأولى وأتمت صحت على الْمَشْهُور وَهَذِه رِوَايَة ابْن عمر وَالْأولَى رِوَايَة سهل بن ابي خَيْثَمَة واختارها الشافعى لِأَنَّهَا أوفق لِلْقُرْآنِ ولإشعار {ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم يصلوا فليصلوا مَعَك} بِصَلَاة الأولى وَلِأَنَّهَا أليق بِالصَّلَاةِ لقلَّة الْأَفْعَال وَلِأَنَّهَا أحوط للحرب فَإِنَّهَا أخف على الطَّائِفَتَيْنِ وأنما صحت الصَّلَاة على رِوَايَة ابْن عمر مَعَ كَثْرَة الْأَفْعَال فِيهَا من غير غَرَض لصِحَّة الْخَبَر بهَا مَعَ انْتِفَاء الْمُعَارضَة إِذْ إِحْدَى الرواتين كَانَت فِي يَوْم وَالْأُخْرَى فِي آخر وَدَعوى النّسخ غير صَحِيحَة لاحتياجه لمعْرِفَة التَّارِيخ وَتعذر الْجمع وَلَيْسَ هُنَا وَاحِد مِنْهُمَا وَأما صَلَاة ذَات الرّقاع لَو كَانَت فِي جمعه بِأَن يكون الْخَوْف بِبَلَدِهِ فَإِنَّهَا تجوز بِشَرْط أَن يخْطب بجميعهم ثمَّ يُفَرِّقهُمْ فرْقَتَيْن لَا تنقص كل مِنْهُمَا عَن اربعين أَو بفرقة ثمَّ بِجعْل مِنْهَا مَعَ كل فرقة أَرْبَعِينَ فَلَو خطب بفرقة وَصلى بِأُخْرَى أَو نقص الْعدَد فيهمَا أَو فِي الأولى وَلم تَنْعَقِد الْجُمُعَة أَو الثانيه لم يضر وَلَو أُقِيمَت الْجُمُعَة بعسفان صحت أَيْضا لَا بِبَطن نخل إِذْ لَا تُقَام جمعه بعد أُخْرَى فَإِن صلى مغربا فبفرقة رَكْعَتَيْنِ وبالثانية رَكْعَة وَهُوَ الْأَفْضَل من عَكسه الْجَائِز لَهُ أَيْضا لِأَن السَّابِقَة أَحَق بالتفصيل ولسلامته من التَّطْوِيل فِي عَكسه بِزِيَادَة التَّشَهُّد فِي أولى الثَّانِيَة وينتظر فِي جُلُوس تشهده أَو قيام الثالثه وَهُوَ أفضل لِأَنَّهُ مَحل للتطويل بِخِلَاف جُلُوس التَّشَهُّد الأول أَو ربَاعِية فبكل رَكْعَتَيْنِ وَلَو صلى بِكُل فرقة رَكْعَة صحت صَلَاة الْجَمِيع وَتجوز فِي هَذِه الْحَالة صَلَاة بطن نخل وَهِي أَن يَجْعَل الإِمَام النَّاس فرْقَتَيْن فرقة فِي وَجه الْعَدو وَفرْقَة ينحاز بهَا بِحَيْثُ لَا تبلغها سِهَام الْعَدو وَيُصلي بهَا جَمِيع الصَّلَاة سَوَاء أَكَانَت رَكْعَتَيْنِ أم ثَلَاثَة أم أَرْبعا فَإِذا سلم بهَا ذهبت إِلَى وَجه الْعَدو وَجَاءَت الْأُخْرَى فيصلى بهم مرّة ثَانِيه وَهَذِه الصَّلَاة وَإِن جَازَت فِي غير الْخَوْف ندب إِلَيْهَا فِيهِ عِنْد كَثْرَة الْمُسلمين وَقلة عدوهم وَخَوف هجومهم عَلَيْهِم فِي الصَّلَاة لَكِن صَلَاة ذَات الرّقاع افضل مِنْهَا لسلامتها من اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل الْمُخْتَلف فِيهِ وَلِأَنَّهَا اخف وَأَعْدل بَين
(1/121)

الْفَرِيقَيْنِ (وَإِن يكن) عدونا (فِي قبْلَة) أَي فِي جِهَتهَا وَلَا حَائِل دونهم وَفِي الْمُسلمين كَثْرَة (صفهم) الإِمَام (صفّين ثمَّ بِالْجَمِيعِ أحرما) وَيقْرَأ ويركع ويعتدل بهم وَألف أحرما للإطلاق (وَمَعَهُ يسْجد صف مِنْهُمَا وحرس) الصَّفّ (الآخر ثمَّ حَيْثُ قَامَ فليسجد الثَّانِي وَيلْحق الإِمَام) فيقرا ويركع ويعتدل بهم فَإِذا سجد سَجْدَة مَعَه صف سجدتيه وحرس الصَّفّ الآخر فَإِذا قَامُوا سجد من حرس ولحقوه وَقَرَأَ واعتدل بِالْجَمِيعِ فَإِذا سجد سجد مَعَه من حرس أَولا وحرس الْآخرُونَ فَإِذا جلس سجد من حرس وَتشهد بِالْجَمِيعِ وَسلم وَهَذِه صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعسفان رَوَاهَا مُسلم ذَاكِرًا فِيهَا سُجُود الصَّفّ الأول فِي الرَّكْعَة الأولى وَالثَّانِي فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَعبارَة المُصَنّف ككثير صَادِقَة بذلك وبعكسه وَهُوَ جَائِز أَيْضا وَيجوز فِيهِ أَيْضا أَن يتَقَدَّم فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة الصَّفّ الثَّانِي وبتاخر الأول إِذا لم تكْثر أفعالهم بِأَن يكون كل من التَّقَدُّم والتأخر بخطوتين ينفذ كل وَاحِد فِي التَّقَدُّم بَين اثْنَيْنِ وَهل هَذَا التَّقَدُّم والتأخر افضل اَوْ مُلَازمَة كل وَاحِد مِنْهُمَا مَكَانَهُ أفضل وَجْهَان وَالْأول مُوَافق للوارد فِي الْعَكْس فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَيجوز أَن يُزَاد على صفّين ويحرس صفان وَلَو حرس فِي الرَّكْعَتَيْنِ فرقتا صف على المناوبة وَقَامَ غَيرهمَا على الْمُتَابَعَة جَازَ وَكَذَا فرقة فِي الْأَصَح وَيسن حمل السِّلَاح فِي هَذِه الْأَنْوَاع حَيْثُ كَانَ طَاهِرا وَلم يمْنَع ركنا وَلم يتأذ بِهِ اُحْدُ وَظَهَرت السَّلامَة مَعَ احْتِمَال الْخطر أحتياطا وخروجا من خلاف من أوجبه وَإِنَّمَا لم يجب لِأَن وَضعه لَا يفْسد الصَّلَاة فَلم يجب حمله كَسَائِر مَا لَا يفْسد تَركه وَقِيَاسًا على صَلَاة الْأَمْن وحملوا الْآيَة على الِاسْتِحْبَاب وَخرج بِمَا ذكر السِّلَاح الْمُتَنَجس وَالْمَانِع من الرُّكْن كالحديد الْمَانِع من الرُّكُوع والبيضة الْمَانِعَة من مُبَاشرَة الْجَبْهَة فَيحرم حملهَا وَالسِّلَاح المؤذى كالرمح وسط الْقَوْم فَيكْرَه حمله فَإِن غلب على ظَنّه إِيذَاء الْغَيْر بِهِ حرم وَخرج بِظُهُور السَّلامَة إِذا ظهر الْهَلَاك فَيجب حمله وَإِلَّا فَهُوَ استسلام للْكفَّار وَوضع السِّلَاح بَين يَدَيْهِ كحمله إِن سهل تنَاوله كالمحمول بل يتَعَيَّن وَضعه إِذا منع حمله الصِّحَّة (وَفِي التحام الْحَرْب) أَي إِذا انْتهى الْخَوْف إِلَى حَيْثُ لَا يتَمَكَّن أحد من ترك الْقِتَال بِأَن التحم الْقِتَال والعدو كثير أَو اشْتَدَّ الْخَوْف وَلم يُؤمن هجومه وَلَو انقسمنا (صلو مهما امكنهم ركبانا وَمُشَاة (أَو بالايما) بِحَذْف الْهمزَة للوزن وَلَا تُؤخر الصَّلَاة عَن الْوَقْت وَلَو ترك الْقبْلَة عِنْد الْعَجز بِسَبَب الْعَدو فَإِن كَانَ لجماح دَابَّة وَطَالَ بطلت قَالَ تَعَالَى {فَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا} قَالَ ابْن عمر مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها قَالَ نَافِع لَا أرَاهُ إِلَّا مَرْفُوعا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَيجوز اقْتِدَاء بَعضهم بِبَعْض مَعَ أختلاف الْجِهَة وَهُوَ أفضل من الأنفراد فَإِن عجزوا عَن رُكُوع وَسُجُود أَو مأوا وَالسُّجُود أَخفض ويعذر فِي الْأَعْمَال الكثيره لحاجه لَا فِي صياح ويلقى السِّلَاح إِذا ادمى فَإِن احتاجه أمْسكهُ وَقضى خلافًا للأمام وَيُصلي عيد وكسوف فِي شدَّة الْخَوْف لَا الاسْتِسْقَاء وَتجوز صَلَاة شدَّة الْخَوْف فِي كل قتال وهزيمة مباحين وهرب من سبع أَو سيل أَو حريق لَا معدل عَنْهَا وَكَذَا غَرِيم عِنْد إِعْسَاره وَخَوف حَبسه وَمن عَلَيْهِ قصاص يَرْجُو الْعَفو عَنهُ لَو تغيب وَدفع من قصد نفسا أَو حريما أَو مَالا وَلَو غير حَيَوَان وَلَا يُصليهَا محرم خَافَ فَوت الْحَج بل يؤخرها وجوبا وَيدْرك الْحَج (وحرموا) اي الْعلمَاء (على الرِّجَال) وَمثلهمْ الخناثي (العسجدا) أَي اسْتِعْمَال حلي الذَّهَب واتخاذه ليستعمله لخَبر ط أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ فِي يَمِينه قِطْعَة حَرِير وَفِي شِمَاله قِطْعَة ذهب وَقَالَ هَذَانِ حرَام على ذُكُور امتى حل لإناثهم وَعلة تَحْرِيمه الْعين بِشَرْط الْخُيَلَاء وَاسْتثنى مِنْهُ أتخاذ الْأنف لمن قطع أَنفه وَإِن أمكن أتخاذه من فضَّة لن
(1/122)

عرْفجَة بن سعد قطع أَنفه يَوْم الْكلاب بِضَم الْكَاف اسْم لماء كَانَت الْوَقْعَة عِنْده فِي الْجَاهِلِيَّة فأتخذ أنفًا من ورق فَأَنْتن عَلَيْهِ فَأمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاتخذ أنفًا من ذهب وَالسّن وَإِن تعدّدت والأنملة وَلَو كَانَ لكل أصْبع قِيَاسا على الْأنف وَقد شدّ عُثْمَان وَغَيره أسنانهم بِهِ وَلم يُنكره أحد وَجَاز ذَلِك بِالذَّهَب وَأَن أمكن بِالْفِضَّةِ الْجَائِزَة لذَلِك بِالْأولَى لِأَنَّهُ لَا يصدأ وَلَا يفْسد المنبت وَلَا يجوز لَهُ تعويض كف وأصبع وأنملتين من أصْبع وأنملة سفلى من ذهب وَلَا فضَّة لِأَنَّهُ لَا تعْمل فَتكون مُجَرّد الزِّينَة بِخِلَاف السن والأنملة وَألف العسجد للأطلاق (بالنسج) أَي وحرموا على الرِّجَال لبس المنسوج بِالذَّهَب اي أَو بِالْفِضَّةِ (والتمويه) أَي المطلى بِوَاحِد مِنْهُمَا إِن حصل مِنْهُ شَيْء بِالْعرضِ على النَّار لما فِيهِ من الْخُيَلَاء وَكسر قُلُوب الْفُقَرَاء فَإِن لم يحصل مِنْهُ شَيْء حل وَخرج بِالذَّهَب وَالْفِضَّة فَيحل للرجل مِنْهَا لبس الْخَاتم وتحلية آله الْحَرْب كسيف ورمح وَتحرم تحلية السرج واللجام والركاب وقلادة الدَّابَّة والسكين والكتب والدواة وسرير الصُّحُف وَنَحْوهَا وَبِالرجلِ الْمَرْأَة فَيحل لَهَا اسْتِعْمَال حلى الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَو تاجا لم يعتدنه وَلبس مَا نسج بهما إِلَّا أَن تسرف كخلخال زينته مِائَتَا مِثْقَال والا تحلية آلَة الْحَرْب وَيجوز تحلية الْمُصحف بِفِضَّة وَكَذَا للْمَرْأَة بِذَهَب وَالْخُنْثَى فِي كل من حلى الرجل وَالْمَرْأَة كالآخر فَيحرم عَلَيْهِ مَا يحرم على كل مِنْهُمَا احْتِيَاطًا (لَا حَال الصدا) أَي أَن صدى بِحَيْثُ لَا يظْهر لون الذَّهَب أَو الْفضة لغَلَبَة الصدأ عَلَيْهِ جَازَ اسْتِعْمَاله لَا يُقَال الذَّهَب لَا يصدأ لنا نقُول مَحَله إِذا كَانَ مُنْفَردا أما إِذا كَانَ مشوبا بِغَيْرِهِ فيصدأ (و) يحرم على الرجل وَالْخُنْثَى اسْتِعْمَال 0 خَالص القز أَو الْحَرِير) من عطف الْعَام على الْخَاص فأو بِمَعْنى الْوَاو إِذا كَانَ خَالِصا (أَو غَالِبا) أَي مِمَّا غالبه من القز وَالْحَرِير لخَبر (لَا تلبسوا الْحَرِير والديباج) بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ غَيره أَكثر أَو اسْتَويَا وزنا فَلَا يحرم لِأَنَّهُ لَا يُسمى ثوب حَرِير وَالْأَصْل الْحل وَيجوز لبسه لضَرُورَة كفجأة حَرْب إِذا لم يجد غَيره ولحاجة كحكة وقمل (إِلَّا على الصَّغِير) أَي وَيحل للْوَلِيّ إلباس الصَّبِي وَلَو مُمَيّزا الْحَرِير والمزعفر وتزيينه بحلى الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَو فِي غير يَوْم الْعِيد إِذْ لَيْسَ لَهُ شهامة تنافى خنوثة ذَلِك وَلِأَنَّهُ غير مُكَلّف ألحق بِهِ الغزالى فِي الْإِحْيَاء الْمَجْنُون - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِضَم الْمِيم وإسكانها وَفتحهَا وَحكى كسرهَا وَهِي كَغَيْرِهَا من الْخمس فِي الْأَركان والشروط وتختص بِاشْتِرَاط أُمُور فِي لُزُومهَا وامور فِي صِحَّتهَا وَالْبَاب مَعْقُود لذَلِك مَعَ آدَاب تشرع فِيهَا وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} أَي فِيهِ {فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع} وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجُمُعَات اَوْ ليختمن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن من الْمُنَافِقين) وَخبر رواح الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم وَقَالَ الْجُمُعَة حق وَاجِب على كل مُسلم إِلَّا أَرْبَعَة عبد مَمْلُوك أَو أمْرَأَة أَو صبي أَو مَرِيض وَقَالَ (من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَعَلَيهِ الْجُمُعَة الإ امْرَأَة أَو مُسَافر أَو عبد أَو مَرِيض (وركعتان) أَي وَالْجُمُعَة رَكْعَتَانِ (فَرضهَا) فرض عين (لمُؤْمِن) أَي على كل مُؤمن (كلف) أَي بَالغ عَاقل (حر ذكر مستوطن) أَي مُقيم اقامة تمنع حكم السّفر بِمحل الْجُمُعَة وَإِن لم يتوطن بهَا أَو حَيْثُ يبلغ نداؤها وَعبر بمستوطن لِأَنَّهُ أحَال عَلَيْهِ فِيمَا سيأتى اختصارا والا فَالشَّرْط هُنَا
(1/123)

الْإِقَامَة كَمَا حملنَا عَلَيْهِ كَلَامه (ذى صِحَة) فَلَا جُمُعَة على كَافِر وَلَا صبي وَمَجْنُون كَغَيْرِهَا من الصَّلَوَات والمغمى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ بِخِلَاف السَّكْرَان فَإِنَّهُ يلْزمه قَضَاؤُهَا ظهرا كَغَيْرِهَا وَلَا على رَقِيق وَلَو مكَاتبا أَو مبعضا وَإِن كَانَ ثمَّ مُهَايَأَة وَوَقع زَمَنهَا فِي نوبَته وَلَا على امْرَأَة وَخُنْثَى ومسافر سفرا مُبَاحا وَلَو قَصِيرا ومريض أَي ومعذور بِمَرَض فِي ترك الْجَمَاعَة وَيسن لمسافر وَعبد وَصبي حُضُورهَا عِنْد تمكنهم مِنْهَا وَلَهُم الأنصراف وَصَلَاة الظّهْر وَكَذَا النِّسَاء إِلَّا الْمَرِيض اَوْ نَحوه فَيحرم انْصِرَافه ان حضر فِي الْوَقْت وَلم يزدْ ضَرَره بانتظار وَالْفرق ان مَانع الْمَرِيض وَنَحْوه من وجوب حُضُور الْجُمُعَة الْمَشَقَّة وَقد حضر متحملها وتعب الْعود لَا بُد مِنْهُ ومانع غَيرهم صِفَات قَائِمَة بهم لَا تَزُول بالحضور نعم يمْتَنع على المعذورين الِانْصِرَاف بعد إِقَامَة الصَّلَاة فَإِن أحرم بهَا الْمَرِيض وَالْمُسَافر وَنَحْوهمَا وَكَذَا الْمَرْأَة وَالْخُنْثَى وَالْعَبْد أجزأتهم وَحرم الْخُرُوج مِنْهَا وَتلْزم شَيخا هرما وزمنا وجدا مركبا وَلم يشق الرّكُوب وأعمى وجد قَائِد واهل الْقرْيَة إِن كَانَ فيهم جمع تصح فِيهِ الْجُمُعَة لزمتهم فِيهَا فَإِن صلوها فِي مصر سقط الْفَرْض وَأَتمُّوا وَإِلَّا فَإِن بَلغهُمْ صَوت عَال فِي هدو من طرف يليهم لبلد الْجُمُعَة والمستمع مصغ معتدل السّمع لزمتهم وَإِلَّا فَلَا وَلَو سمعُوا من بلدين تخَيرُوا بَينهمَا وَيشْتَرط اسْتِوَاء الأَرْض فَلَو سمعُوا لكَوْنهم فِي علو لم تجب أولم يسمعوا لكَوْنهم فِي وهدة وَجَبت وَلَو لَازم أهل الْخيام موضعا فَإِن سمعُوا النداء لزمتهم وَإِلَّا فَلَا والعذر الطَّارِئ بعد الزَّوَال يُبِيح تَركهَا إِلَّا السّفر فَيحرم إنشاؤه إِلَّا أَن تمكنه الْجُمُعَة فِي طَرِيقه أَو يتَضَرَّر بتخلفه عَن الرّفْقَة وَقبل الزَّوَال كعبده وَأَن كَانَ السّفر طَاعَة وَمَتى حلرم فسافر لم يترخص حَتَّى تفوت الْجُمُعَة فَمِنْهُ ابْتِدَاء سَفَره وَينْدب لمن أمكن زَوَال عذره تَأْخِير ظَهره إِلَى الياس مِنْهَا بِرَفْع الإِمَام رَأسه من الرُّكُوع الثَّانِي وَلغيره كزمن وَامْرَأَة تَعْجِيلهَا وَتسن الْجَمَاعَة فِي ظهْرهمْ وإخفاؤها وَإِن خفى عذرهمْ وَلَو زَالَ الْعذر بعد فَرَاغه من الظّهْر وأمكنته الْجُمُعَة لم تلْزمهُ إِلَّا الْخُنْثَى وَغير الْمَعْذُور لَا يَصح ظَهره قبل الْيَأْس مِنْهَا وَذَلِكَ بِسَلام الإِمَام (وَشَرطهَا) أَي الْجُمُعَة كَونهَا (فِي أبنية) من خطة أوطان المجتمعين سَوَاء اكانت من حجر أم طين أم خشب أم قصب أم سعف أَو غَيرهَا وَسَوَاء فِي ذَلِك الْمَسْجِد والفضاء وَالدَّار بِخِلَاف خَارج الخطة الَّذِي يترخص مِنْهُ الْمُسَافِر قبل وُصُوله لِأَنَّهَا لم تقم فِي عصره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن بعده إِلَّا فِي دَار الْإِقَامَة بِخِلَاف الْخيام وَإِن استوطنها أَهلهَا دَائِما وَلَو انْهَدَمت الابنية أَو احترقت فَأَقَامَ أَهلهَا على عمارتها لزمتهم الْجُمُعَة فِيهَا بِخِلَاف مَا لَو أَرَادوا إنْشَاء أبنية جَدِيدَة حَادِثَة وَسَوَاء أكانوا فِي مظال أم لَا وَلَا تَنْعَقِد فِي غير بِنَاء إِلَّا فِي هَذِه (جمَاعَة) أَي وَشَرطهَا كَونهَا فِي جمَاعَة لِأَنَّهَا لم تفعل فِي عصره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخُلَفَاء وَمن بعدهمْ إِلَّا كَذَلِك وَشَرطهَا فِيهَا كشرطها فِي غَيرهَا كنية الِاقْتِدَاء وَالْعلم بانتقالات الإِمَام وَعدم التَّقَدُّم عَلَيْهِ وَغير ذَلِك مِمَّا مر زِيَادَة أَن تُقَام (بِأَرْبَعِينَ) رجلا وَلَو بالأمام فِي كل من الْخطْبَة وَالْجُمُعَة لخَبر كَعْب بن مَالك قَالَ أول من جمع بِنَا فِي الْمَدِينَة اِسْعَدْ بن زُرَارَة قبل مقدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة فِي بَقِيع الْخضمات وَكُنَّا أَرْبَعِينَ وَاعْلَم أَنه لَا يلْزم من اشْتِرَاط الْعدَد اشْتِرَاط الْجَمَاعَة وَلَا الْعَكْس لانفكاك كل مِنْهُمَا عَن الاخر أما الْعدَد فَلِأَنَّهُ قد يحضر أَرْبَعُونَ من غير جمَاعَة وَأما الْجَمَاعَة فَإِنَّهَا للأرتباط الْحَاصِل بَين صَلَاتي الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَهُوَ لَا يستدعى عدد الْأَرْبَعين (وهيه) بهاء السكت أَي الْجَمَاعَة الْأَرْبَعُونَ (بِصفة الْوُجُوب) بِأَن يكون كل مِنْهُم مُسلما مُكَلّفا حراد ذكرا مستوطنا بِمحل الْجُمُعَة أَي لَا يظعن عَنهُ شتاء وَلَا صيفا إِلَّا لحَاجَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يجمع بِحجَّة الْوَدَاع مَعَ عزمه على الْإِقَامَة أَيَّامًا لعدم الاستيطان وَكَانَ يَوْم عَرَفَة فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة وَلَكِن الصَّحِيح انْعِقَادهَا بالمرضى لكمالهم وَإِنَّمَا لم تجب عَلَيْهِم تَخْفِيفًا وَلَا يشْتَرط تقدم إِحْرَام الكاملين على إِحْرَام الناقصين وَأعلم أَن النَّاس فِي الْجُمُعَة سِتَّة أَقسَام الأول من تلْزمهُ وتنعقد بِهِ وَتَصِح مِنْهُ وَهُوَ من اجْتمعت فِيهِ هَذِه الصِّفَات الْمُعْتَبرَة وَلَا عذر لَهُ والثانى من لَا تلْزمهُ وَلَا
(1/124)

تَنْعَقِد بِهِ وَلَا تصح مِنْهُ وَهُوَ من بِهِ جُنُون أَو اغفاء أَو كفر اصلى أَو سكر وَإِن لزم الْأَخير الْقَضَاء وَالثَّالِث من لَا تلْزمهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَتَصِح مِنْهُ وَهُوَ العَبْد والمبعض وَالْمُسَافر والمقيم خَارج الْبَلَد إِذا لم يسمع النداء وَالصَّبِيّ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَالرَّابِع من لَا تلْزمهُ وتنعقد بِهِ وَهُوَ من لَهُ عذر من أعذارها غير السّفر وَالْخَامِس من تلْزمهُ وَلَا تصح مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَد وَالسَّادِس من تلْزمهُ وَتَصِح مِنْهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَهُوَ الْمُقِيم غير المتوطن والمتوطن خَارج بَلَدهَا إِذا سمع نداءها (وَشَرطهَا (الْوَقْت) اي وَقت الظّهْر بِأَن تفعل مَعَ خطبتها كلهَا فِيهِ لخَبر (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَة حِين تميل الشَّمْس) (فَإِن يخرج) وَقتهَا (يصلوا الظّهْر بالبنا) وَلَو شرعوا فِيهِ وَوَقع بعض الصَّلَاة وَلَو بِتَسْلِيمَة الْمَسْبُوق خَارجه صلوا الظّهْر وجوبا لِأَنَّهَا عبَادَة لَا يجوز الِابْتِدَاء بهَا بعده فتنقطع بِخُرُوجِهِ كَالْحَجِّ وإلحاقا للدوام بِالِابْتِدَاءِ كدار الْإِقَامَة بِنَاء على مَا فعل مِنْهَا فيسر الْقِرَاءَة من حِينَئِذٍ لِأَنَّهُمَا صلاتان فِي وَقت وَاحِد فَجَاز بِنَاء أطولهما على أقصرهما كالأتمام وَالْقصر وَلَو شكّ فِي أَثْنَائِهَا فِي خُرُوجه أتمهَا جُمُعَة لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهُ (وَمن شُرُوطهَا تَقْدِيم خطبتين) و (يجب أَن يقْعد بَين تين) أَي بَينهمَا مطمئنا لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَن خطْبَة الْجُمُعَة شَرط وَالشّرط مقدم على الْمَشْرُوط وَلِأَن الْجُمُعَة إِنَّمَا تُؤَدّى جمَاعَة فأخرت ليدركها الْمُتَأَخر وللتميز بَين الْفَرْض وَالنَّفْل وَلَو خطب قَاعِدا لعَجزه عَن الْقيام لم يضطجع بَينهمَا للفصل بل يفصل بَينهمَا بسكته قدر الطُّمَأْنِينَة للجلوس وَعلم من قَوْله وَمن عدم استفاء الشُّرُوط إِذْ مِنْهَا أَن لَا يسبقها وَلَا يقارنها جُمُعَة فِي بلدتها إِلَّا إِذا كَبرت وعسر اجْتِمَاعهم فِيهَا فِي مَوضِع وَاحِد فَيجوز التَّعَدُّد بِحَسب الْحَاجة وَحَيْثُ منع التَّعَدُّد فسبقت جمعه فَهِيَ الصَّحِيحَة وَإِن كَانَ السُّلْطَان مَعَ الثَّانِيَة وَالْعبْرَة فِي السَّبق بالراء من اكبر فَإِن أخبروا فِيهَا بكونهم مسبوقين سنّ استئنافها ظهرا وَلَهُم أتمام الْجُمُعَة ظهرا وَأَن وقعتا مَعًا أَو شكّ بطلتا واستؤنف جمعه وَإِن سبقت إِحْدَاهمَا وَلم تتَعَيَّن أَو تعيّنت ونسيت صلوا ظهرا ثمَّ شرع فِي ذكر أَرْكَان الْخطْبَتَيْنِ وعد عشرَة أَشْيَاء وَمرَاده بذلك مَا لَا بُد مِنْهُ وَإِلَّا فأركانهما خَمْسَة وَهِي حمد الله وَالصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْوَصِيَّة بالتقوى وَقِرَاءَة آيَة فِي أحداهما وَالدُّعَاء للْمُؤْمِنين فِي الثَّانِيَة وَمَا عَداهَا من شروطهما فَقَالَ (ركنهما الْقيام فيهمَا للقادر لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ ذكر يخْتَص بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ من شَرطه الْقعُود فَيشْتَرط فِيهِ الْقيام كالقراءة وَالتَّكْبِيرَة فَإِن عجز عَنهُ خطب قَاعِدا فَإِن عجز فمضطجعا كَالصَّلَاةِ وَالْأولَى أَن يَسْتَنِيب وَيجوز الِاقْتِدَاء بِهِ سَوَاء قَالَ لَا أَسْتَطِيع الْقيام أم سكت لِأَن الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا ترك الْقيام لعَجزه فَإِن بَان أَنه كَانَ قَادِرًا فَهُوَ كَمَا لَو بَان مُحدثا وَالْحكمَة فِي جعل الْقيام وَالْقعُود شرطين لَهما وركنين للصَّلَاة أَن الْخطْبَة لَيست إِلَّا الذّكر والوعظ وَلَا شكّ أَن الْقيام وَالْقعُود ليسَا بجزأين لَهَا بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهَا جملَة أَعمال وَهِي كَمَا تكون أذكارا تكون غير أذكار (وَالله احْمَد) كالحمد لله أَو احْمَد الله أَو نحمد الله أَو حمدا لله اَوْ لله الْحَمد أَو حمدت الله أَو أَنا حَامِد لله وَخرج بِلَفْظ الْحَمد نَحْو لفظ التَّكْبِير وَالثنَاء وبلفظ الله نَحوه لفظ الرَّحْمَن الرَّحِيم (وَبعده صلى على مُحَمَّد) فيهمَا كأصلى أَو نصلي على الرَّسُول أَو مُحَمَّد أَو الماحي أَو العاقب أَو الحاشر أَو البشير أَو النذير لِأَن كل عبَادَة افْتَقَرت إِلَى ذكر الله افْتَقَرت إِلَى ذكر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كالأذان وَالصَّلَاة وَخرج بِلَفْظ الصَّلَاة نَحْو لفظ الرَّحْمَة وبالصلاة عَلَيْهِ الْإِتْيَان فِيهَا بِلَفْظ الضَّمِير وَإِن تقدم اسْمه عَلَيْهِ وَالصَّلَاة على غَيره (وليوص بالتقوى) فيهمَا لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَن مُعظم مَقْصُود الْخطْبَة الْوَصِيَّة وَذَلِكَ إِمَّا بلفظها (أَو الْمَعْنى كَمَا نَحْو أطِيعُوا الله) أَو امتثلوا أمره وَاجْتَنبُوا نَهْيه لِأَن غرضها الْوَعْظ وَهُوَ حَاصِل بِغَيْر لَفظهَا فَلَا يكفى التحذير من الاغترار بالدنيا وزخرفها فقد يتواصى بِهِ مُنكر والمعاد بل لَا بُد من الْحَث على طَاعَة الله وَاجْتنَاب مَعَاصيه (فِي كلتيهما أَي يجب الْقيام وَحمد الله
(1/125)

وَالصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْوَصِيَّة بالتقوى فِي كل وَاحِد من الْخطْبَتَيْنِ (والستر للعورة فِي الْخطْبَتَيْنِ كَالصَّلَاةِ كَمَا جرى عَلَيْهِ السّلف وَالْخلف فِي الْجُمُعَة (وَالْوَلَاء بَين تين) اي الْخطْبَتَيْنِ وكلماتهما (وَبَين مَا صلى) أَي بَينهمَا وَبَين الصَّلَاة كَمَا جرى عَلَيْهِ السّلف وَالْخلف وَلِأَن لَهُ اثرا طَاهِرا فِي استمالة الْقُلُوب وَالصَّلَاة وَالْخطْبَة شبهتا بصلاتي الْجمع (وبالطهرين) فِي الْخطْبَتَيْنِ أَي طهر الْحَدث الْأَصْغَر والأكبر وطهر الْخبث فِي الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان كَمَا جرى عَلَيْهِ السّلف وَالْخلف فَلَو تطهر وَعَاد وَجب اسْتِئْنَاف الْخطْبَة وَإِن لم يطلّ الْفَصْل كَالصَّلَاةِ (ويطمئن قَاعِدا بَينهمَا) أَي بَين الْخطْبَتَيْنِ كَمَا فِي الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ كَمَا جرى عَلَيْهِ السّلف وَالْخلف (ويقرا الْآيَة فِي إِحْدَاهمَا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَسَوَاء فِي الْآيَة الْوَعْد والوعيد وَالْحكم والقصة فِي إِحْدَى الْخطْبَتَيْنِ لَا بِعَينهَا لِأَن الْمَنْقُول الْقِرَاءَة فِي الْخطْبَة دون تعْيين وَيعْتَبر فِيهَا كَونهَا مفهمة فَلَا يَكْفِي ثمَّ نظر وَإِن عد آيَة وَلَو قَرَأَ شطر آيَة طَوِيلَة جَازَ وَلَا تجزىء آيَة موعظة بِقصد إيقاعها عَن الْوَعْظ وَالْقِرَاءَة بل عَن الْقِرَاءَة فَقَط وَلَا آيَات شَامِلَة للأركان لانها لَا تسمى خطْبَة وَلَو اتى بِبَعْضِهَا فِي ضمن آيَة جَازَ (وَاسم الدعا) بِالْقصرِ للوزن أَي مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم دُعَاء 0 ثَانِيَة) أَي فِي الثَّانِيَة (للْمُؤْمِنين) وَالْمُؤْمِنَات إِذْ المُرَاد بهم الْجِنْس لِأَن الدُّعَاء يَلِيق بالخواتيم وَلَا بُد من كَونه مُتَعَلقا بِأُمُور الْآخِرَة غير مقتصر على أوطار الدُّنْيَا (وَحسن تَخْصِيصه بالسامعين) كَأَن يَقُول رحمكم الله أما الدُّعَاء للسُّلْطَان بِخُصُوصِهِ فَلَا يسْتَحبّ وَفِي شرح الْمُهَذّب اتّفق أَصْحَابنَا على أَنه لَا يجب وَلَا يسْتَحبّ وَالْمُخْتَار انه لَا بَأْس بِهِ إِذا لم يكن فِيهِ مجازفة فِي وَصفه وَنَحْوهَا وَيسْتَحب بالِاتِّفَاقِ الدُّعَاء لأئمة الْمُسلمين وولاة أُمُورهم بالصلاح والإعانة على الْحق وَالْقِيَام بِالْعَدْلِ وَنَحْو ذَلِك ولجيوش الْإِسْلَام وَمن شُرُوطهَا كَونهَا عَرَبِيَّة فَإِن لم يكن من يحسن الْعَرَبيَّة خطب أحدهم بِلِسَانِهِ وَيجب على كل مِنْهُم تعلم الْعَرَبيَّة فَإِن مَضَت مُدَّة إِمْكَان التَّعَلُّم وَلم يتَعَلَّم أحد مِنْهُم عصوا كلهم بِهِ وَلَا جُمُعَة بل يصلونَ الظّهْر وَفَائِدَة الْخطْبَة بِالْعَرَبِيَّةِ إِذا لم يعرفهَا الْقَوْم الْعلم بِأَنَّهُ يَعِظهُمْ فِي الْجُمْلَة وَيدل لذَلِك مَا فِي الرَّوْضَة أَنهم لَو سمعُوا الْخطْبَة وَلم يفهموا مَعْنَاهَا صحت وَلَا بُد من إسماع الْعدَد الَّذِي تَنْعَقِد بِهِ الْجُمُعَة بِالْقُوَّةِ أَرْكَان الْخطْبَتَيْنِ لِأَن مقصودها الْوَعْظ وَهُوَ لَا يحصل إِلَّا بالإبلاغ فَلَا يكفى الاسرار كالأذان فَلَو كَانُوا كلهم أَو بَعضهم صمًّا لم تصح كبعدهم عَنهُ وكشهود النِّكَاح وَعلم من ذَلِك انه يجب عَلَيْهِم السماع فَيشْتَرط الاسماع وَالسَّمَاع وَبِه صرح الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا سننها اى الْجُمُعَة (الْغسْل) لمن أَرَادَ حُضُورهَا وَإِن لم تجب عَلَيْهِ بل يكره تَركه لخَبر (من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فِيهَا ونعمت وَمن اغْتسل فالغسل أفضل) وَهُوَ صَارف للأحاديث الدَّالَّة على الْوُجُوب وَوَقته من الْفجْر وتقريبه من ذَهَابه أفضل لِأَنَّهُ أفْضى إِلَى الْغَرَض من انْتِفَاء الرَّائِحَة الكريهة حَال الِاجْتِمَاع فَإِن عجز عَن الْغسْل حسا أَو شرعا يتَيَمَّم بنية الْغسْل وَجَاز الْفَضِيلَة كَسَائِر الأغسال المسنونة (وتنظيف الْجَسَد) بِإِزَالَة الشّعْر وَالظفر والروائح الكريهة كالصنان لِأَنَّهُ يتَأَذَّى بِهِ فيزال بِالْمَاءِ وَنَحْوه (وَلبس أَبيض) بصرفه للوزن لخَبر ألبسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهَا خِيَار ثيابكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم فَإِن لبس مصبوغا فَمَا صبغ غزله ثمَّ نسج كَالْبردِ لاعكسه وَيسْتَحب أَن يزِيد الإِمَام فِي حسن الْهَيْئَة والتعمم ويرتدى لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ مَنْظُور إِلَيْهِ (وَطيب) أى تطيب (إِن وجد) لخَبر من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَلبس من أحسن ثِيَابه وَمَسّ من طيب إِن كَانَ عِنْده ثمَّ أَتَى الْجُمُعَة فَلم يتخط أَعْنَاق النَّاس ثمَّ صلى مَا كتب الله لَهُ ثمَّ أنصت إِذا خرج إِمَامه حَتَّى يفرغ من صلَاته كَانَت كَفَّارَة لما بَينهَا وَبَين جمعته الَّتِى قبلهَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط
(1/126)

مُسلم وَأحب طيب الرِّجَال مَا ظهر رِيحه وخفى لَونه وَطيب النِّسَاء مَا ظهر لَونه وخفى رِيحه قَالَ إمامنا رضى الله عَنهُ من نظف ثَوْبه قل همه وَمن طَابَ رِيحه زَاد عقله وَلَا بَأْس بِحُضُور الْعَجُوز بِإِذن زَوجهَا أَو سَيِّدهَا بِلَا طيب وتزين (وَبكر) أَي يسن التبكير إِلَيْهَا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ على كل بَاب من أَبْوَاب الْمَسْجِد مَلَائِكَة يَكْتُبُونَ الأول فَالْأول وَمن اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسل الْجَنَابَة أَي كغسلها ثمَّ رَاح أَي فِي السَّاعَة الأولى فَكَأَنَّمَا قرب بدنه اي وَاحِدًا من الْإِبِل وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قرب بقرة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأَنَّمَا قرب كَبْشًا أقرن وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأَنَّمَا قرب بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر وروى النَّسَائِيّ فِي الْخَامِسَة كَالَّذي يهدى عصفورا وَفِي السَّادِسَة بَيْضَة والساعات من طُلُوع الْفجْر كَمَا جرى عَلَيْهِ المُصَنّف لَا الشَّمْس وَلَا الزَّوَال على الْأَصَح لِأَنَّهُ أول الْيَوْم شرعا وَبِه يتَعَلَّق جَوَاز غسل الْجُمُعَة قَالَ فِي الرَّوْضَة وَلَيْسَ المُرَاد السَّاعَات الفلكية وَإِلَّا لاختلف الْأَمر بِالْيَوْمِ الشاتى والصائف وَفِي خبر أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح يَوْم الْجُمُعَة ثنتا عشرَة سَاعَة وَهُوَ شَامِل لجَمِيع أَيَّامه بل المُرَاد تَرْتِيب الدَّرَجَات وَفضل السَّابِق على من يَلِيهِ لِئَلَّا يَسْتَوِي فِي الْفَضِيلَة رجلَانِ جَاءَا فِي طرفِي سَاعَة وَقَالَ فِي شرحى الْمُهَذّب وَمُسلم بل المُرَاد الفلكية لَكِن بَدَنَة الأول أكمل من بدنه الآخر وبدنه الْمُتَوَسّط متوسطة وعَلى هَذَا الْقيَاس كَمَا فِي دَرَجَات الْجمع الْكثير والقليل ثمَّ مَحل ندب التَّكْبِير فِي الْمَأْمُوم أما الإِمَام فَينْدب لَهُ التَّأْخِير إِلَى وَقت الْخطْبَة اتبَاعا لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخلفائه (وَالْمَشْي لَهَا من فجر) أَي يسن الْمَشْي لَهَا بل ولغيرها من الْعِبَادَات كعيادة الْمَرِيض فَلَا يركب إِلَّا لعذر للحث على ذَلِك وَمَعَ غَيره فِي خبر رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ (وازداد من قِرَاءَة وَذكر) أَي يكثر من ذَلِك فِي اي وَالصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي طَرِيقه وحضوره قبل الْخطْبَة وَيسن ان يكثر من الصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي يَوْمهَا وليلتها وَأَن يقرا سُورَة الْكَهْف فيهمَا (وَسنة الْخطْبَة بالإنصات) لقَوْله تَعَالَى {وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا} فسره كَثِيرُونَ بِالْخطْبَةِ وَسميت قُرْآنًا لاشتمالها عَلَيْهِ والإنصات السُّكُوت وَالِاسْتِمَاع شغل السّمع بِالسَّمَاعِ وَصرف الْأَمر عَن الْوُجُوب خبر إِن رجلا دخل وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ مَتى السَّاعَة فَأَوْمأ النَّاس إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ فَلم يقبل وَأعَاد الْكَلَام فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الثَّالِثَة مَاذَا أَعدَدْت لَهَا قَالَ حب الله وَرَسُوله قَالَ إِنَّك مَعَ من أَحْبَبْت وَجه الدّلَالَة عدم إِنْكَار الْكَلَام عَلَيْهِ وَلم يبن لَهُ وجوب السُّكُوت وَأما خبر مُسلم إِذا قلت لصاحبك أنصت يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فقد لغوت فَمَعْنَاه تركت الْأَدَب وَندب الْإِنْصَات لَا ينافى فِي مَا مر من وجوب السماع ويستوى فِي ندب الْإِنْصَات سامع الْخطْبَة وَغَيره كَمَا فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا ثمَّ نقلا عَن الْأَكْثَرين أَن غير السَّامع بِالْخِيَارِ بَين الْإِنْصَات والأشتغال بِالذكر والتلاوة وَكَلَام الْمَجْمُوع يقتضى أَوْلَوِيَّة الثَّانِي (والخف فِي تَحِيَّة الصَّلَاة) لداخل الْمَسْجِد حَال الْخطْبَة ليتفرغ لسماعها قَالَ فِي الْأَمَام وَأرى لإِمَام أَن يَأْمر بهَا فَإِن لم يفعل كرهت لَهُ ذَلِك فَإِن لم يكن صلى الرَّاتِبَة صلاهَا وحصلت التَّحِيَّة أما غير التَّحِيَّة من الصَّلَوَات فَيحرم ابْتِدَاؤُهَا إِذا جلس الْخَطِيب على الْمِنْبَر وَإِن لم يسمع الْخطْبَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَي عيد الْفطر وَعِيد الْأَضْحَى وَالْأَصْل فيهمَا قبل الاجماع قَوْله تَعَالَى {فصل لِرَبِّك وانحر} 6 أَي صل صَلَاة الْعِيد وَالْمَشْهُور فِي التَّفْسِير أَن المُرَاد بِهِ صَلَاة الْأَضْحَى وَأول عيد صَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عيد الْفطر فِي السّنة
(1/127)

الثَّانِيَة من الْهِجْرَة (تسن رَكْعَتَانِ) مؤكدتان لما مر ولمواظبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا وَإِنَّمَا لم تجب لخَبر على غَيرهَا قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع (وَتسن جمَاعَة لغير الْحَاج بمنى أما هُوَ فتسن لَهُ فُرَادَى وَفِي الْمَسْجِد ان اتَّسع (لَو مُنْفَردا) أَي يستوى فِي ندبها الْمُنْفَرد وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْمُسَافر كَسَائِر النَّوَافِل وَالْمُنْفَرد لَا يخْطب ويخطب أَمَام الْمُسَافِرين (بَين طُلُوع) أَي الشَّمْس (وزوالها أد) لِأَن مبْنى الْمَوَاقِيت على أَنه إِذا خرج وَقت صَلَاة دخل وَقت غَيرهَا وَبِالْعَكْسِ إِلَّا أَنه يسن تَأْخِيرهَا إِلَى أَن ترْتَفع الشَّمْس كرمح (تَكْبِير سبع أول) الرَّكْعَة (الأولى يسن وَالْخمس فِي ثَانِيَة من بعد أَن كبر فِي إِحْرَامه) فِي الأولى (وقومته) فِي الثَّانِيَة قبل الْقِرَاءَة وَينْدب وُقُوفه بَين كل ثِنْتَيْنِ كآية معتدلة يهلل وَيكبر ويمجد وَيحسن فِي ذَلِك سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَهِي الْبَاقِيَات الصَّالِحَات فِي قَول ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة وَيسن أَن يقْرَأ بعد الْفَاتِحَة فِي الأولى ق أَو سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى وَفِي الثَّانِيَة اقْتَرَبت السَّاعَة أوهل أَتَاك حَدِيث الغاشية بكمالها جَهرا (وخطبتان بعْدهَا) أَي الصَّلَاة (كجمعته) فِي أركانهما فَلَو قدمت على الصَّلَاة لم يعْتد بهَا كالسنة الرَّاتِبَة البعدية لَو قدمت أما الشُّرُوط فَيعْتَبر مِنْهَا لأَدَاء السّنة الإسماع وَالسَّمَاع وَكَون الْخطْبَة عَرَبِيَّة وَينْدب لَهُ تعليمهم أَحْكَام زَكَاة الْفطر فِي عيد الْفطر وَأَحْكَام الْأُضْحِية فِي الْأَضْحَى (كبر فِي الأولى) بِنَقْل الْهمزَة إِلَى السَّاكِن قبلهَا (مِنْهُمَا تسعا وَلَا والسبع فِي ثَانِيَة أَي أَولا) أَي أول الْخطْبَة الأولى وَأول الثَّانِيَة وَلَو فصل بَينهمَا بِالْحَمْد والتهليل وَالثنَاء جَازَ قَالَ فِي الرَّوْضَة وَنَصّ الشَّافِعِي وكثيرون من الْأَصْحَاب على أَنَّهَا لَيست من الْخطْبَة وَإِنَّمَا هِيَ مُقَدّمَة لَهَا وَمن قَالَ من الْأَصْحَاب يفْتَتح الْخطْبَة بهَا يحمل على ذَلِك لِأَن افْتِتَاح الشَّيْء قد يكون بِبَعْض مقدماته الَّتِي لَيست من نَفسه (وَسن من قبل صَلَاة الْفطر فطر كَذَا الْإِمْسَاك حَتَّى النَّحْر) لِلِاتِّبَاعِ وَالْحكمَة امتياز يَوْم الْعِيد عَمَّا قبله بالمبادرة بِالْأَكْلِ أَو تَأْخِيره (وَبكر الْخُرُوج) أَي يسن التبكير فِي الْخُرُوج لصَلَاة الْعِيد بعد صَلَاة الصُّبْح ليأخذوا مجَالِسهمْ (إِلَّا الْخَطِيب) فَيتَأَخَّر إِلَى وَقت الصَّلَاة لِلِاتِّبَاعِ (وَالْمَشْي) فِي الذّهاب لصَلَاة الْعِيد بسكينة فَلَا يركب إِلَّا لعذر سَوَاء كَانَ إِمَامًا أَو مَأْمُوما أما الإياب فَيتَخَيَّر فِيهِ بَين الْمَشْي وَالرُّكُوب مَا لم يتأذ بِهِ أحد وَيسن لكل مِنْهُمَا الذّهاب فِي طَرِيق الرُّجُوع فِي أُخْرَى لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يذهب فِي أطول الطَّرِيقَيْنِ تكثيرا لِلْأجرِ وَيرجع فِي أقصرهما وَمثل الْعِيد فِي ذَلِك الْجُمُعَة وَغَيرهَا كَمَا ذكره النَّوَوِيّ فِي رياضه (والتزيين) بِالْغسْلِ وَيدخل وقته بِنصْف اللَّيْل وَيبقى إِلَى آخر الْيَوْم وَيخرج بالغروب وَلبس أحسن ثِيَابه وَإِزَالَة شعره وظفره ورائحته الكريهة (والتطيب) باجود مَا عِنْده من الطّيب كَالْجُمُعَةِ وَسَوَاء فِي الْغسْل وَمَا بعده الْقَاعِد فِي بَيته وَالْخَارِج للصَّلَاة لِأَنَّهُ يَوْم زِينَة وسرور وَأحسن الثِّيَاب هُنَا أولى من الْأَبْيَض الأدون فَإِن لم يجد سوى ثوب ندب لَهُ غسله للْجُمُعَة والعيد هَذَا حكم الرِّجَال أما النِّسَاء فَيكْرَه لذوات الْجمال والهيئة الْحُضُور وَينْدب للعجائز ويتنظفن بِالْمَاءِ بِلَا تطيب وفاخر ثِيَاب بل يجرجن من فِي ثِيَاب بذلتهن 0 وَكَبرُوا ليلتى الْعِيد) فطرا أَو نحرا من غرُوب الشَّمْس فِي الْمنَازل والطرق والمساجد والأسواق لَيْلًا وَنَهَارًا (إِلَى تحرم بهَا) أَي لصَلَاة الْعِيدَيْنِ وَينْدب للذّكر رفع صَوته بِهِ وَيُسمى هَذَا التَّكْبِير مُرْسلا ومطلقا لِأَنَّهُ لَا يتَقَيَّد بِحَال وَلَا يكبر
(1/128)

الْحَاج لَيْلَة الْأَضْحَى بل يلبى وَأما التَّكْبِير الْمُقَيد فَيسنّ عقب الصَّلَوَات وَلَو فَائِتَة أَو نَافِلَة أَو جَنَازَة أَو منذورة لكل أحد حَاج أَو غَيره مُقيم أَو مُسَافر ذكر أَو غير منفر أَو غَيره وَلَا يسن لَيْلَة الْفطر عقب الصَّلَوَات لعدم وُرُوده (كَذَا لما تَلا الصَّلَوَات بعد صبح التَّاسِع إِلَى انْتِهَاء عصر يَوْم الرَّابِع) أَي غير الْحَاج يكبر من صبح يَوْم عرفه إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق واما الْحَاج فيكبر من ظهر يَوْم النَّحْر لِأَنَّهَا اول صلَاته بعد انْتِهَاء وَقت التَّلْبِيَة وَيخْتم بصبح آخر ايام التَّشْرِيق لِأَنَّهَا آخر صلَاته بمنى فجمله الصَّلَوَات الَّتِي يكبر خلفهَا غير الْحَاج ثَلَاث وَعِشْرُونَ وَلَو خَالف اعْتِقَاد الامام الْمَأْمُوم عمل باعتقاد نَفسه بِخِلَاف تَكْبِير الصَّلَاة لانْقِطَاع الْقدْوَة بِالسَّلَامِ وَلَا يكبر عقب فَائِتَة هَذِه الْأَيَّام إِذا قَضَاهَا فِي غَيرهَا لِأَن التَّكْبِير شعارها وَقد فَاتَ وَجَمِيع مَا ذكر هُوَ فِي التَّكْبِير الَّذِي يرفع بِهِ صَوته ويجعله شعارا أما لَو استغرق عمره بِالتَّكْبِيرِ فِي نَفسه فَلَا منع مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب صَلَاة الخسوف) للقمر (والكسوف) للشمس - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا هُوَ الْأَشْهر وَقد اسْتَعْملهُ المُصَنّف أَيْضا فِيمَا يأتى وَيُقَال فيهمَا أَيْضا خسوفان وكسوفان وَفِي الأول كسوف وَفِي الثَّانِي خُسُوف (ذى رَكْعَتَانِ) أى هَذِه الصَّلَاة رَكْعَتَانِ فأقلها كَسنة الظّهْر وَلَا ينافى هَذَا مَا يأتى من أَنه يمْتَنع نقص رُكُوع مِنْهَا لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لمن قصد فعلهَا بالركوعين وَأدنى الْكَمَال مَا تضمنه قَوْله (وكلا هَاتين حوت ركوعين وقومتين) فيأتى فِي كل رَكْعَة بقيامين وركوعين وسجودين لِلِاتِّبَاعِ فَهِيَ سنة مُؤَكدَة يحرم بنية صَلَاة الْكُسُوف وَيقْرَأ الْفَاتِحَة ثمَّ يرْكَع ثمَّ يرفع ثمَّ يقْرَأ الْفَاتِحَة ثمَّ يرْكَع ثمَّ يعتدل ثمَّ يسْجد السَّجْدَتَيْنِ ويأتى بالطمأنينة فِي محالها فَهَذِهِ رَكْعَة ثمَّ يُصَلِّي ثَانِيَة كَذَلِك وَلَا يجوز زِيَادَة رُكُوع لتمادى الْكُسُوف وَلَا نَقصه للانجلاء وَلَا أعادة الصَّلَاة إِذا تَأَخّر الانجلاء وَمن أدْرك الإِمَام فِي الرُّكُوع الأول من الرَّكْعَة أدْركهَا وَإِلَّا فَلَا وَلَو صلاهَا وَوجد جمَاعَة تفعلها أَعَادَهَا مَعَهم ندبا وتفوت صَلَاة كسوف الشَّمْس بالأنجلاء لِأَنَّهُ الْمَقْصُود بهَا وَقد حصل وَلَو أنجلى بَعْضهَا فَلهُ الشُّرُوع فِيهَا كَمَا لَو لم ينكسف إِلَّا ذَلِك الْبَعْض وَلَو حَال سَحَاب وَشك فِي الانجلاء صلى لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهُ وَلَو كَانَت تَحت غمام وَظن الْكُسُوف لم يصل إِلَّا إِن تيقنه بغروبها كاسفة لعدم الِانْتِفَاع بهَا بعد غُرُوبهَا وتفوت صَلَاة خُسُوف الْقَمَر بانجلائه كَمَا مر وبطلوع الشَّمْس لعدم الِانْتِفَاع بِهِ بعد طُلُوعهَا وَلَا تفوت الْفجْر لبَقَاء الِانْتِفَاع بِهِ والأكمل أَنه 0 يسن تَطْوِيلًا اقترا) بِالْقصرِ للوزن أَي قِرَاءَة (القومات وسبحة) أَي تَسْبِيح (الرَّكْعَات والسجدات) فَيقْرَأ فِي الْقيام الأول بعد الْفَاتِحَة وَمَا يتقدمها من دُعَاء الِافْتِتَاح والتعوذ الْبَقَرَة أَو قدرهَا إِن لم يحسنها وَفِي الثَّانِي كمائتي آيَة مِنْهَا وَالثَّالِث مائَة وَخمسين مِنْهَا وَالرَّابِع مائَة مِنْهَا تَقْرِيبًا وَفِي نَص آخر فِي الثانى آل عمرَان أَو قدرهَا وَفِي الثَّالِث النِّسَاء أَو قدرهَا وَفِي الرَّابِع الْمَائِدَة أَو قدرهَا وهما متقاربان وَالْأَكْثَرُونَ على الأول ويسبح فِي كل من الرُّكُوع وَالسُّجُود الأول قدر مائَة آيَة من الْبَقَرَة وَالثَّانِي ثَمَانِينَ وَالثَّالِث سبعين وَالرَّابِع خمسين تَقْرِيبًا وَيَقُول فِي الرّفْع من كل رُكُوع سمع الله لمن حَمده رَبنَا وَلَك الْحَمد لِلِاتِّبَاعِ فِي كل ذَلِك وَخُرُوج بِمَا ذكر الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ والاعتدال من
(1/129)

الرُّكُوع الثَّانِي فَلَا يطولهما وَتسن الْجَمَاعَة فِيهَا وتندب للمنفرد وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْمُسَافر (والجهر فِي قراء الخسوف لقمر لِأَنَّهَا صَلَاة ليلية (والسر فِي الْكُسُوف) للشمس لِأَنَّهَا صَلَاة نهارية لَهَا مثل من صَلَاة اللَّيْل (و) يسن (خطبتان بعْدهَا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ كَالْجُمُعَةِ اى كخطبتها فِي اركانهما وَفِي الإسماع وَالسَّمَاع وَكَون الْخطْبَة عَرَبِيَّة وَينْدب لَهُ حث النَّاس على التَّوْبَة وَالْخَيْر وتحريضهم على الأعتاق وَالصَّدَََقَة وتحذيرهم الْغَفْلَة والأغترار ويخطب أَمَام الْمُسَافِرين وَلَا يخْطب الْمُنْفَرد وَلَا إِمَامَة النِّسَاء وَلَو قَامَت وَاحِدَة ووعظتهن فَلَا بَأْس وَأفهم كَلَامه كَغَيْرِهِ عدم إِجْزَاء خطْبَة وَاحِدَة وَهُوَ كَذَلِك (قدم على الْفَرْض بِوَقْت وَسعه) أَي لَو اجْتمع كسوف وَفرض عينى من جُمُعَة أَو غَيرهَا واتسع وقته لفعله قدم أَنْت عَلَيْهِ الْكُسُوف ندبا لخوف فَوته بالانجلاء وَلِأَنَّهُ لَا يقْضِي قَالَ الشافعى فِي الْأُم وَإِذا بَدَأَ بالكسوف قبل الْجُمُعَة خففها وَقَرَأَ بِالْفَاتِحَةِ وَقل هُوَ الله أحد وَمَا أشبههَا ثمَّ يخْطب للْجُمُعَة متعرضا للكسوف وَلَا يحْتَاج إِلَى أَربع خطب ويقصد بالخطبتين الْجُمُعَة فَقَط وَلَا يجوز قصد الْجُمُعَة والكسوف مَعًا لِأَنَّهُ تشريك بَين فرض وَنقل بِخِلَاف الْعِيد والكسوف فَإِنَّهُ يقصدهما لانهما سنتَانِ وتنظير الْمَجْمُوع بِأَن السنتين إِذا لم تتداخلا لَا تصح نيتهما بِفعل وَاحِد كَسنة الصُّبْح والضمى بِخِلَاف سنة الصُّبْح والتحية قَالَ السُّبْكِيّ كَأَنَّهُمْ اغتفروا ذَلِك فِي الْخطْبَة لحُصُول الْقَصْد بهَا بِخِلَافِهِ فِي الصَّلَاة وَخرج بقوله بِوَقْت وسعة مَا لَو خيف فَوت الْفَرْض فَإِنَّهُ يقدمهُ وجوبا لتعينه ولضيق وقته فَفِي الْجُمُعَة يخْطب لَهَا ثمَّ يُصليهَا ثمَّ يُصَلِّي الْكُسُوف ثمَّ يخْطب لَهَا وَلَو اجْتمع عيد أَو كسوف وجنازة قدمت صَلَاة الْجِنَازَة وَإِن خيفت فَوت غَيرهَا لما يخْشَى من تغير الْمَيِّت بتأخيرها وَلِأَنَّهَا فرض كِفَايَة وَلِأَن فِيهَا حق الله تَعَالَى وَحقّ الآدمى وَإِن اجْتمع فرض وجنازة وَلم يضق وقته قدمت الْجِنَازَة وَإِن ضَاقَ قدم أَو خُسُوف ووتر قدم الخسوف وَإِن خيف فَوَات الْوتر لِأَنَّهَا آكِد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب صَلَاة الاسْتِسْقَاء - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ لُغَة طلب السقيا وَشرعا طلب سقيا الْعباد من الله تَعَالَى عِنْد حَاجتهم إِلَيْهَا وَالْأَصْل فِي الْبَاب قبل الاجماع الِاتِّبَاع رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَالِاسْتِسْقَاء ثَلَاثَة أَنْوَاع ثَابِتَة بالأخبار الصَّحِيحَة أدناها بِالدُّعَاءِ خَالِيا عَمَّا يأتى وأوسطها بِالدُّعَاءِ بعد صَلَاة أَو فِي خطْبَة جُمُعَة أَو نَحْوهَا وأفضلها بِصَلَاة وخطبة وَقد ذكر النَّاظِم هَذَا النَّوْع فَقَالَ (صلى) أَي الْمُحْتَاج ندبا (كعيد بعد أَمر الْحَاكِم بتوبة وَالرَّدّ للمظالم) أَي ينْدب للْإِمَام أَمر النَّاس بِالتَّوْبَةِ من الْمعاصِي وَالرَّدّ للمظالم من دم أَو عرض أَو مَال لِأَنَّهُ أقرب للإجابة قَالَ تَعَالَى {فَقلت اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا} وَمَعْلُوم أَن التَّوْبَة وَاجِبَة أَمر بهَا الإِمَام أَولا وَذكر الرَّد للمظالم اهتماما بِشَأْنِهِ وَإِلَّا فَهُوَ دَاخل فِي التَّوْبَة (وَالْبر) وَهُوَ أسم جَامع لكل خير (والاعتاق وَالصِّيَام) ولكونهما أَرْجَى للإجابة صرح بهما وبالاعتاق للرقاب لِأَن الْمعاصِي سَبَب للجذب والطاعات سَبَب للبركات كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض} وَالصِّيَام (ثَلَاثَة ورابع الْأَيَّام) وَهُوَ يَوْم خُرُوجهمْ لِأَنَّهُ معِين على رياضة النَّفس وخشوع الْقلب وَقد ورد ثَلَاثَة لَا ترد دعوتهم الصَّائِم حَتَّى يفْطر والامام الْعَادِل والمظلوم وَيصير الصَّوْم لَازِما امتثالا لأمر الْأَمَام
(1/130)

فَيجب فِيهِ التبييت وَيَتَعَدَّى إِلَى كل مَا يَأْمُرهُم بِهِ من صَدَقَة وَغَيرهَا كَمَا مَال إِلَيْهِ الرافعى وَلَو فَاتَ لم يقْض وَلَو صَامَ عَن قَضَاء أَو نذر كفى (فليخرجوا ببذله التخشع) أَي يخرجُون إِلَى الصَّحرَاء فِي الرَّابِع صياما فِي ثيات بذله وتخشع فِي مشيهم وجلوسهم وَغَيرهمَا وَثيَاب البذلة هى الَّتِي تلبس حَال الشّغل ومباشرة الْخدمَة وَتصرف الأنسان فِي بَيته فَعلم أَنهم لَا يتزينون وَلَا يتطيبون بل يتنظفون بِالْمَاءِ والسواك وَقطع الروائح الكريهة وَفَارق الْعِيد بِأَنَّهُ يَوْم زِينَة وَهَذَا يَوْم مسئلة واستكانة (مَعَ رضع ورتع وَركع) لِأَن دعاءهم أقرب إِلَى الاجابة إِذْ الشَّيْخ أرق قلبا والطفل لَا ذَنْب لَهُ لخَبر لَوْلَا عباد الله ركع وصبية رضع وبهائم رتع لصب عَلَيْكُم الْعَذَاب صبا وَلخَبَر هَل ترزقون وتنصرون إِلَّا بضعفافكم وَلما روى أَن نبى الله سُلَيْمَان صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج يستسقى فَإِذا هُوَ بنملة رَافِعَة بعض قَوَائِمهَا إِلَى السَّمَاء فَقَالَت اللَّهُمَّ أَنْت خلقتنا فَإِن رزقتنا وَإِلَّا فأهلكنا وروى أَنَّهَا قَالَت اللَّهُمَّ أَنا خلق من خلقك لَا غنى بِنَا عَن رزقك فَلَا تُهْلِكنَا بذنوب بنى آدم فَقَالَ ارْجعُوا فقد اسْتُجِيبَ لكم من أجل شَأْن النملة وَخرج بِمَا ذكره النَّاظِم أهل الذِّمَّة فَلَا يسْتَحبّ خُرُوجهمْ لَكِن لَا يمْنَعُونَ مِنْهُ لَا فِي يَوْمنَا وَلَا فِي غَيره لأَنهم مسترزقون وَفضل الله وَاسع وَقد يُجِيبهُمْ استدراجا لَهُم قَالَ تَعَالَى {سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ} وَلَا يختلطون بِنَا لأَنهم قد يحل بهم عَذَاب بِسَبَب كفرهم المتقرب بِهِ فِي اعْتِقَادهم فَإِن خالطونا كره وَصَلَاة الاسْتِسْقَاء سنة وَهِي رَكْعَتَانِ عِنْد الْحَاجة لانْقِطَاع مَاء الزَّرْع أَو قلته بِحَيْثُ لَا يكفى أَو صَيْرُورَته مالحا اَوْ نَحْوهَا بِخِلَاف انْقِطَاع مَاء لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَو انْقَطع عَن طَائِفَة من الْمُسلمين واحتاجت سنّ لغَيرهم أَن يصلوا ويستسقوا لَهُم ويسألو الزِّيَادَة لأَنْفُسِهِمْ حَيْثُ لم يَكُونُوا أهل بِدعَة وضلالة لِأَن الْمُؤمنِينَ كالعضو الْوَاحِد حَتَّى يسقوا إِذا اشْتَكَى بعضه اشْتَكَى كُله وَسَوَاء فِي مِنْهَا أهل الْأَمْصَار والقرى والبوادى والمسافرون لِاسْتِوَاء الْكل فِي الْحَاجة وَلَو تَركهَا الْأَمَام فعلهَا النَّاس وتعاد ثَانِيًا وثالثا وَأكْثر لِأَن الله يحب الملحين فِي الدُّعَاء فَإِن تأهبوا للصَّلَاة فسقوا قبلهَا اجْتَمعُوا للشكر وَالدُّعَاء وَيصلونَ شكرا وَمثله لَو أَرَادوا الصَّلَاة للإستزادة وَأَشَارَ بقوله كعيد أَي كَصَلَاة فيكبر فِي أول الرَّكْعَة الأولى سبعا وَأول الثَّانِيَة خمس وَيرْفَع يَدَيْهِ وَيقف بَين كل تكبيرتين مسبحا حامدا مهللا مكبرا اَوْ يجْهر بالقرأة وَيقْرَأ فِي الأولى ق وَفِي الثَّانِيَة اقْتَرَبت لَكِن لَا تخْتَص بِوَقْت بل جَمِيع اللَّيْل وَالنَّهَار وَقت لَهما كَمَا لَا تخص بِيَوْم (واخطب كَمَا فِي الْعِيد) خطبتين كخطبتي الْعِيد فِي الْأَركان وَغَيرهَا (باستدبار) بهما للْقبْلَة لِلِاتِّبَاعِ وَلَو قدم الْخطْبَة على الصَّلَاة جَازَ كَمَا أَفَادَهُ تَعْبِير النَّاظِم بِالْوَاو فِي قَوْله واخطب (وأبدل) أَنْت فِي خطبتك للاستسقاء (التَّكْبِير) الْمَشْرُوع فِي خطبتى الْعِيد (باستغفار) فَيَقُول أسْتَغْفر الله الْعَظِيم الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أليق بِالْحَال وَيكثر فيهمَا من الأستغفار وَمن قَوْله {اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا} وَمن دُعَاء الكرب وَهُوَ لَا إِلَه إِلَّا الله الْعَظِيم الْحَلِيم لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات الأَرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم ويبذل أَيْضا مَا يتَعَلَّق بِالْفطرِ وَالْأُضْحِيَّة بِمَا يتَعَلَّق بالاستسقاء وَيَدْعُو فِي الْخطْبَة الأولى اللَّهُمَّ اسقنا غيثا مغيثا هَنِيئًا مريئا غدقا مجللا سَحا طبقًا دَائِما اللَّهُمَّ اسقنا الْغَيْث وَلَا تجعلنا من القانتين اللَّهُمَّ أَنا نستغفرك إِنَّك كنت غفارًا فَأرْسل السَّمَاء علينا مدرارا وَيسْتَقْبل الْقبْلَة بعد صدر الْخطْبَة الثَّانِيَة وَهُوَ نَحْو ثلثهَا ويبالغ حِينَئِذٍ فِي الدُّعَاء سرا وجهرا فَإِذا أسر دَعَا النَّاس سرا اذا وجهر أمنُوا ويرفعون كلهم أَيْديهم فِي الدُّعَاء مشيرين بِظُهُور أكفهم إِلَى السَّمَاء وَالْحكمَة فِيهِ أَن الْقَصْد دفع الْبلَاء بِخِلَاف قَاصد حُصُول شَيْء فَيجْعَل بطن كفيه إِلَى السَّمَاء ويحول رِدَاءَهُ عِنْد استقباله فَيجْعَل يَمِينه ويساره وَعَكسه وينكسه فَيجْعَل أَعْلَاهُ أَسْفَله وَعَكسه وَيحصل التَّحْوِيل والتنكيس بِجعْل الطّرف الْأَسْفَل الَّذِي على شقَّه الْأَيْسَر على عَاتِقه الْأَيْمن والطرف الْأَسْفَل الَّذِي على شقَّه الْأَيْمن على عَاتِقه الْأَيْسَر وَيفْعل النَّاس مثله وَلَو تضرروا بِكَثْرَة الْمَطَر سنّ لَهُم أَن
(1/131)

يَقُولُوا اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا وَلَا يُصَلِّي لذَلِك وَينْدب البروز لأوّل مطر السّنة ويكشف غير عَوْرَته ليصيبه وَأَن يغْتَسل فِي السَّيْل أَو يتَوَضَّأ وَأَن يسبح للرعد والبرق بقوله سُبْحَانَ الَّذِي {ويسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته} وَنقل عَن مُجَاهِد أَن الرَّعْد ملك والبرق أجنحته وَلَا يتبع بَصَره الْبَرْق وَيَقُول اللَّهُمَّ صيبا نَافِعًا وَيكرهُ سبّ الرّيح فَإِن ذكرهَا قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك خَيرهَا وَخير مَا فِيهَا وَخير مَا أرْسلت بِهِ وَأَعُوذ بك من شَرها وَشر مَا فِيهَا وَشر مَا أرْسلت بِهِ وَينْدب الدُّعَاء عِنْد نزُول الْمَطَر ويشكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَيَقُول بعده مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته وَيكرهُ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا فَإِن اعْتقد كَون النوء فَاعِلا كفره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْجَنَائِز) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْفَتْح جمع جَنَازَة بِالْفَتْح وَالْكَسْر اسْم للْمَيت فِي النعش وَقيل بِالْفَتْح اسْم لذَلِك وبالكسر اسْم للنعش وَعَلِيهِ الْمَيِّت وَقيل عَكسه فَإِن لم يكن عَلَيْهِ ميت فَهُوَ سَرِير ونعش وَهِي من جنزه إِذا ستره وَذكرهَا هُنَا دون الْفَرَائِض لاشتمالها على الصَّلَاة (الْغسْل) للْمَيت (والتكفين) لَهُ (وَالصَّلَاة عَلَيْهِ ثمَّ الدّفن مفروضات كِفَايَة) بِالنّصب والجر فِي حق الْمَيِّت الْمُسلم بِالْإِجْمَاع أما الْكَافِر حَرْبِيّا أَو ذِمِّيا أَو معاهدا أَو مُؤمنا أَو مُرْتَدا فَتحرم الصَّلَاة عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} وَلَا يجب غسله علينا وَلَا على غَيرنَا ذِمِّيا كَانَ أَو حَرْبِيّا نعم يجوز وَيجب تكفين الذِّمِّيّ وَدَفنه وَأَشَارَ بثم إِلَى وجوب تَقْدِيم الصَّلَاة على الدّفن لَكِن لَو دفن قبلهَا لم ينبش بل يصلى على قَبره وَيسْقط الْفَرْض بهَا وَتَصِح بعده وَالأَصَح تَخْصِيص الصِّحَّة بِمن كَانَ من أهل فَرضهَا وَقت الْمَوْت أَو بعده وَتمكن من فعلهَا قبل الدّفن وَلَا يصلى على قُبُور الْأَنْبِيَاء بِحَال وَيشْتَرط لصِحَّة الصَّلَاة على الْمَيِّت تقدم غسله أَو تيَمّمه فَلَو مَاتَ بهدم وَنَحْوه وَتعذر إِخْرَاجه وغسله لم يصل عَلَيْهِ وَيشْتَرط أَن لَا يتَقَدَّم على الْجِنَازَة الْحَاضِرَة وَلَا الْقَبْر وَأَقل الْغسْل تَعْمِيم بدنه بِالْمَاءِ مرّة وَلَا يجب على الْغَاسِل نِيَّة فيكفى غسل الْكَافِر وَنَحْوه والمخاطب بِهَذِهِ الْأُمُور كل من علم بِمَوْتِهِ قَرِيبا كَانَ أَو أَجْنَبِيّا وَينْدب الْمُبَادرَة بهَا إِذا علم مَوته بِظُهُور أماراته مَعَ وجود الْعلَّة كَأَن تسترخي قدماه فَلَا ينتصبا أَو يمِيل أَنفه أَو ينخسف صدغاه أَو تمتد جلدَة وَجهه أَو تنخلع كَفاهُ من ذِرَاعَيْهِ أَو تتقلص خصيتاه مَعَ تدلي الْجلْدَة فَإِن شكّ فِي مَوته بِأَن احْتمل عرُوض سكتة أَو ظَهرت أَمَارَات فزع أَو غَيره وَجب التَّأْخِير إِلَى الْعلم بِمَوْتِهِ بتغيير الرَّائِحَة أَو غَيره (وَمن شَهِيد يقتل فِي معرك الْكفَّار) أَي قتال الْحَرْبِيين بِسَبَب من أَسبَابه وَلَو امْرَأَة أَو رَقِيقا أَو صَبيا أَو مَجْنُونا كَأَن قَتله كَافِر أَو أَصَابَهُ سلَاح مُسلم خطأ أَو عَاد إِلَيْهِ سلاحه أَو تردى فِي حَملته فِي وهدة أَو سقط عَن فرسه أَو رمحته دَابَّته فَمَاتَ فِيهِ أَو بعده إِذا انْقَضى وَلم تبْق فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة أَو وجد قَتِيلا عِنْد انكشاف الْحَرْب وَلَا يعلم سَبَب مَوته وَإِن لم يكن عَلَيْهِ أثر دم لِأَن الظَّاهِر أَن مَوته بِسَبَبِهِ (لَا يغسل وَلَا يصلى) عَلَيْهِ أَي يحرمان وَإِن كَانَ جنبا أَو حَائِضًا أَو نفسَاء لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر فِي قَتْلَى أحد بدفنهم بدمائهم وَلم يغسلهم وَلم يصل عَلَيْهِم وَفِي لفظ وَلم يغسلوا وَلم يصل عَلَيْهِم بِفَتْح اللَّام وَلخَبَر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تغسلوهم فَإِن كل جرح أَو كلم أَو دم يفوح مسكا يَوْم الْقِيَامَة وَلم يصل عَلَيْهِم وَحِكْمَة ذَلِك إبْقَاء أثر الشَّهَادَة عَلَيْهِم وتعظيمهم باستغنائهم عَن دُعَاء الْقَوْم لَهُم مَعَ التَّخْفِيف عَلَيْهِم وَإِنَّمَا سقط غسل الْجنب وَنَحْوه بِالشَّهَادَةِ لِأَن حَنْظَلَة بن الراهب قتل يَوْم أحد وَهُوَ جنب وَلم يغسلهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسله
(1/132)

فَلَو كَانَ وَاجِبا لم يسْقط إِلَّا بفعلنا وَلِأَنَّهُ طهر عَن حدث فَسقط بِالشَّهَادَةِ كَغسْل الْمَيِّت وَخرج بِمَا ذكر من انْقَضى الْقِتَال وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة وَإِن قطع بِمَوْتِهِ بذلك فَإِنَّهُ يغسل وَيصلى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَاشَ بعده فَأشبه مَا لَو مَاتَ بِغَيْرِهِ وَمن قَتله كَافِر وَلَو فِي غير الْقِتَال وَلَو فِي أسره وَمن قتل فِي قتال أهل الذِّمَّة أَو الْبُغَاة أَو قطاع الطَّرِيق فهم كغيرهم كَمَا أَشَارَ لذَلِك بقوله (بل على الغريق وَالْهدم) أَي المهدوم (والمبطون والحريق) والمطعون وَالْمَيِّت عشقا وَقد عف وكتم أَو فِي غربَة أَو فِي دَار الْحَرْب وَالْميتَة طلقا أَو نَحْو ذَلِك فَيجب غسلهم وَالصَّلَاة عَلَيْهِم لِأَن الأَصْل وجوبهما وَإِنَّمَا خالفناه فِي شَهِيد المعركة تَعْظِيمًا لأَمره وترغيبا فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ فالشهداء ثَلَاثَة أَقسَام شَهِيد فِي أَحْكَام الدُّنْيَا بِمَعْنى أَنه لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَفِي حكم الْآخِرَة بِمَعْنى أَن لَهُ ثَوابًا خَاصّا وَهُوَ من قتل فِي قتال الْحَرْبِيين بِسَبَبِهِ وَقد قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وشهيد فِي الْآخِرَة دون الدُّنْيَا وَهُوَ من قتل ظلما بِغَيْر ذَلِك من نَحْو غرق أَو هدم أَو حرق أَو بطن وشهيد فِي الدُّنْيَا دون الْآخِرَة وَهُوَ من قتل فِي قتال أهل الْحَرْب بِسَبَبِهِ وَقد غل من الْغَنِيمَة أَو قتل مُدبرا أَو قَاتل رِيَاء أَو نَحوه (وكفن السقط) بِتَثْلِيث السِّين وَالْكَسْر أفْصح وَهُوَ الْوَلَد النَّازِل قبل تَمام أشهره (بِكُل حَال) من أَحْوَاله فَإِن لم يظْهر فِيهِ مبدأ خلق آدَمِيّ سنّ مواراته بِخرقَة وَدَفنه (وَبعد نفخ الرّوح باغتسال) أَي ظُهُور خلق آدَمِيّ يجب مَعَ تكفينه غسله وَدَفنه وَلَا يصلى عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أوسع بَابا من الصَّلَاة بِدَلِيل أَن الذِّمِّيّ يغسل ويكفن ويدفن وَلَا يصلى عَلَيْهِ (وَإِن) تيقنت حَيَاته بِأَن (يَصح) أَو بَكَى أَو ظَهرت أماراتها كاختلاج أَو تحرّك (فكالكبير يَجْعَل) فَيجب غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَدَفنه لتيقن حَيَاته وَمَوته بعْدهَا أَو لظهورها بالأمارة (وَسن ستره) أَي الْأَكْمَل فِي غسل الْمَيِّت وَضعه بِموضع خَال من النَّاس مَسْتُور عَنْهُم لَا يدْخلهُ إِلَّا الْغَاسِل ومعينه وَالْوَلِيّ لِأَنَّهُ كَانَ يسْتَتر عِنْد الِاغْتِسَال فَيسْتر بعد مَوته وَلِأَنَّهُ قد يكون بِبَعْض بدنه مَا يكره ظُهُوره وَقد تولى غسله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على وَالْفضل ابْن الْعَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد يناول المَاء وَالْعَبَّاس وَاقِف ثمَّ رَوَاهُ ابْن ماجة وَغَيره على لوح أَو سَرِير على قَفاهُ وأخمصاه إِلَى الْقبْلَة وَمَوْضِع الرَّأْس أَعلَى وَيغسل فِي قَمِيص بَال أَو سخيف فَإِن كَانَ وَاسِعًا أَدخل يَده فِي كمه أَو ضيقا فتق رَأس التخاريص وأدخلها وَإِن لم يُوجد أَو لم يتأت ستر مَا بَين سرته وركبته وَحرم النّظر إِلَيْهِ وَيكرهُ للغاسل النّظر لما لَا حَاجَة لَهُ فِي نظره وَلَا ينظر الْمعِين إِلَّا لضَرُورَة والبارد أولى من المسخن إِلَّا لحَاجَة وَيكون إِنَاء المَاء كَبِيرا وَيَنْبَغِي إبعاده بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ رشاش ويعد الْغَاسِل خرقتين نظيفتين ويجلسه على المغتسل بِرِفْق مائلا إِلَى وَرَائه وَيَضَع يَمِينه على كتفه وإبهامه فِي نفرة قَفاهُ ويسند ظَهره إِلَى ركبته الْيُمْنَى ويمر يسراه على بَطْنه إمرارا بليغا ليخرج مَا فِيهِ وَيكون عِنْده مجمرة متقدة بالطيب وَيكثر الْمعِين من صب المَاء لِئَلَّا تظهر رَائِحَة مَا يخرج ثمَّ يضجعه مُسْتَلْقِيا وَيغسل بيساره وَعَلَيْهَا خرقَة سوأتيه وعانته ثمَّ يلقيها وَيغسل يَده بِمَاء وأشنان إِن تلوثت ثمَّ يتعهد مَا على بدنه من قذر وَنَحْوه ثمَّ يلف أُخْرَى وَيدخل أُصْبُعه فَمه بِمَاء ويمرها على أَسْنَانه وَلَا يفتحها وَكَذَلِكَ مَنْخرَيْهِ ليزيل مَا فيهمَا ثمَّ يوضئه كالحي بِتَثْلِيث وَكَذَا مضمضة واستنشاق ويميل فيهمَا رَأسه ثمَّ يغسل رَأسه ثمَّ لحيته بسدر أَو خطمى ويسرحهما بِمشْط وَاسع الْأَسْنَان إِن تلبدا بِرِفْق وَيرد المنتتف إِلَيْهِ ثمَّ يغسل شقَّه الْأَيْمن الْمقبل من عُنُقه إِلَى قَدَمَيْهِ ثمَّ الْأَيْسَر كَذَلِك ثمَّ يحوله إِلَى جنبه الْأَيْسَر فَيغسل شقَّه الْأَيْمن مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظّهْر ثمَّ يحوله إِلَى جنبه الْأَيْمن فَيغسل الْأَيْسَر كَذَلِك وَيجب الِاحْتِرَاز عَن كَبه على وَجهه وَهَذِه غسلة وَيسن التَّثْلِيث فَإِن لم ينق وَجب الإنقاء (ووترا) أَي يسن الإيتار (يغسل بالسدر فِي الأولى) أَي وَيسن أَن
(1/133)

يستعان فِي الأولى بسدر أَو خطمي ثمَّ يصب عَلَيْهِ مَاء قراحا من فرقه إِلَى قَدَمَيْهِ بعد زَوَال السدر وَالأَصَح أَنه لَا يسْقط الْغَرَض بالغسلة المتغيرة بسدر وَلَا بتاليتها فَيغسل بعد زَوَال السدر بِالْمَاءِ الْخَالِص ثَلَاثًا (وبالكافور الصلب) اي يسن أَن يَجْعَل فِي المَاء القراح كافورا لَا يفحش التَّغَيُّر بِهِ صلبا (والآكد فِي الْأَخير) ويتعهد مسح بَطْنه فِي كل مرّة بأرفق مِمَّا قبلهَا ثمَّ ينشفه تنشيفا بليغا وَلَو خرج آخر غسلة أَو بعْدهَا نجس وَجَبت إِزَالَته فَقَط وَلَا يقرب الْمحرم طيبا بِخِلَاف الْمُعْتَدَّة (وَذكر كفن) المُرَاد أَنه يُكفن بِمَالِه لبسه حَيا فَيجوز تكفين الْمَرْأَة بالحرير والمزعفر بِخِلَاف الرجل الْخُنْثَى وَيعْتَبر حَال الْمَيِّت سَعَة وتوسطا وضيقا وَتكره المغالاة فِيهِ والمغسول والقطن أولى من غَيرهمَا وَأقله ثوب يستر جَمِيع بدنه إِلَّا رَأس الْمحرم وَوجه الْمُحرمَة وَمن جرى على أَن الْوَاجِب ستر الْعَوْرَة فَقَط فَهُوَ مَحْمُول على مَحْض حَقه تَعَالَى وَأما ستر بَاقِي الْبدن فَفِيهِ حقان حق لَهُ تَعَالَى وَحقّ للْمَيت فَلم يملك إِسْقَاطه بِالْوَصِيَّةِ لعدم تمحض حَقه فِيهِ (فِي عراض لفائف) بصرفه للوزن (ثَلَاثَة بَيَاض) لخَبر عَائِشَة قَالَت كفن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ثَلَاث أَثوَاب يَمَانِية بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة) وَيجوز رَابِع وخامس بِلَا كراهه وَالْأَفْضَل للْمَرْأَة وَالْخُنْثَى خَمْسَة رِعَايَة لزِيَادَة السّتْر فيهمَا وَالزِّيَادَة على الْخَمْسَة مَكْرُوهَة فِي الذّكر وَغَيره (لَهَا لفافتان والإزار ثمَّ الْقَمِيص الْبيض والخمار) فالإزار والمئزر وَمَا تستر بِهِ الْعَوْرَة والخمار مَا يغطى بِهِ الرَّأْس وتبسط أحسن اللفائف وأوسعها وَالثَّانيَِة فَوْقهَا وَالثَّالِثَة فَوق الثَّانِيَة ويذر على كل وَاحِدَة حنوط وكافور ويذر على الأول قبل وضع الثَّانِيَة وعَلى الثَّانِيَة قبل وضع الثَّالِثَة وَيُوضَع الْمَيِّت فَوْقهَا مُسْتَلْقِيا على ظَهره وَعَلِيهِ حنوط وكافور ينْدب تبخير الْكَفَن بِعُود أَولا ويدس بَين أليتيه قطن عَلَيْهِ حنوط وكافور ثمَّ يشدان بِخرقَة وَيجْعَل على منافذ بدنه من المنخرين والأذنين والعينين قطن عَلَيْهِ حنوط وكافور وَتلف عَلَيْهِ اللفائف بِأَن يثنى كل مِنْهَا من طرف شقَّه الْأَيْسَر على الْأَيْمن ثمَّ من طرف شقَّه الْأَيْمن على الْأَيْسَر كَمَا يفعل الْحَيّ بالقباء وَيجمع الْفَاضِل عِنْد رَأسه وَرجلَيْهِ وَيكون الَّذِي عِنْد رَأسه أَكثر ويشد بشداد خوف الانتشار عِنْد الْحمل فَإِذا وضع فِي قَبره نزع الشداد وَلَا يلبس الْمحرم الذّكر مخيطا وَمر أَنه لَا يستر رَأسه وَلَا وَجه الْمُحرمَة وَلَو أوصى أَن يُكفن فِي ثوب وَاحِد نفذت وَصيته ويقتصر على ثوب إِذا طلب غرماؤه المستغرقون أَو كَفنه من تلْزمهُ نَفَقَته أَو من بَيت المَال حَيْثُ وَجب فِيهِ أَو مِمَّا وقف على الأكفان ويكفن فِي ثَلَاث من تركته فِيمَا سوى ذَلِك وَإِن اتّفق الْوَرَثَة على خِلَافه (وَالْفَرْض للصَّلَاة كبر) تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَثَلَاث التَّكْبِيرَات بعْدهَا (نَاوِيا) كَغَيْرِهَا لخَبر {إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ} ويعنى مُطلق الْفَرْض عَن الْفَرْض الْكِفَايَة وَلَا يجب تعْيين الْمَيِّت وَلَا مَعْرفَته بل لَو نوى على من صلى عَلَيْهِ الإِمَام جَازَ وَلَو عينه وَأَخْطَأ لم يَصح إِلَّا مَعَ الْإِشَارَة وَلَو نوى أَحدهمَا غَائِبا وَالْآخر حَاضرا صَحَّ إِذْ توَافق النيات لَيْسَ بِشَرْط كَمَا مر (ثمَّ اقْرَأ الْحَمد وَكبر ثَانِيًا) أَي الْفَاتِحَة كَغَيْرِهَا من الصَّلَوَات وَلخَبَر البُخَارِيّ أَن ابْن عَبَّاس قَرَأَهَا فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَقَالَ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة وَهَذَا بِاعْتِبَار الْأَكْمَل وَإِلَّا فتجزىء بعد غير الأولى وَحِينَئِذٍ فيستفاد من ذَلِك جَوَاز خلاء التَّكْبِيرَة الأولى عَن ذكر وَجَوَاز جمع ركنين فِي تَكْبِيرَة وَعدم التَّرْتِيب بَين الْفَاتِحَة وَغَيرهَا (وَبعدهَا صل على المقفى) بِكَسْر الْفَاء الْمُشَدّدَة أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عقب التَّكْبِيرَة الثَّانِيَة لخَبر لَا يقبل الله صَلَاة إِلَّا بِطهُور وَالصَّلَاة على رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وضعفوه لَكِن بِهِ مَا يعضده وأقلها اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك أَو نَحوه (وثالثا تَدْعُو لمن توفى) أَي الدُّعَاء بعد الثَّالِثَة للْمَيت بِخُصُوصِهِ
(1/134)