Advertisement

غاية البيان شرح زبد ابن رسلان 003



الكتاب: غاية البيان شرح زبد ابن رسلان
المؤلف: شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي (المتوفى: 1004هـ)
الناشر: دار المعرفة - بيروت
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] يكفر كَمَا يَأْتِي وَالْكَفَّارَة وَجَبت بالظهار وَالْعود وَخرج بِمَا تقرر مَا لَو قطع النِّكَاح عقب الظِّهَار بِطَلَاق وَلَو رَجْعِيًا أَو بِمَوْت أَو فسخ أَو انْفِسَاخ أَو شِرَاء بِأَن تكون رقيقَة أَو تعذر قطعه بجنون أَو نَحوه وَمَا لَو لم يعرف وجود الْمُعَلق بِهِ فَهُوَ عود فيهمَا وَمَا لَو علق بِفعل نَفسه حَتَّى لَو علق بِهِ فَفعل عَالما ثمَّ نسى عقبه الظِّهَار كَانَ عَائِدًا إِذْ نسيانه الظِّهَار عقب فعله عَالما بِهِ يعد نَادرا أما لَو فعل نَاسِيا للظهار فَلَا ظِهَار كَمَا فِي الطَّلَاق وَإِذا اشْتغل بِالْقطعِ لم يضر طول الْفَصْل فَلَو قَالَ يَا فُلَانَة بنت فلَان أَنْت طَالِق كَانَ كَقَوْلِه طَلقتك فِي منع الْعود وَلَو قَالَ أَنْت زَانِيَة أَنْت طَالِق كَانَ عَائِدًا لاشتغاله بِالْقَذْفِ قبل الطَّلَاق لَا إِن قَالَ يَا زَانِيَة أَنْت طَالِق كَمَا لَو قَالَ يَا زَيْنَب أَنْت طَالِق وَأما الرَّجْعِيَّة فَإِنَّمَا يصير عَائِدًا برجعتها سَوَاء أظاهر بعد طَلاقهَا رَجْعِيًا أم قبله أمْسكهَا بعد ذَلِك أم لَا لِأَنَّهَا قبل رَجعتهَا صائرة إِلَى الْبَيْنُونَة بِخِلَاف مَا لَو ارْتَدَّ عقب الظِّهَار ثمَّ أسلم فِي الْعدة لَا يكون عَائِدًا بِالْإِسْلَامِ بل بالإمساك بعده لِأَن الرّجْعَة إمْسَاك فِي ذَلِك النِّكَاح وَالْإِسْلَام بعد الرِّدَّة تَبْدِيل للدّين الْبَاطِل بِالْحَقِّ والحل تَابع لَهُ فَلَا يحصل بِهِ إمْسَاك وَأما الظِّهَار الْمُؤَقت فَلَا يحصل الْعود فِيهِ بإمساك بل بِوَطْء فِي الْمدَّة لحُصُول الْمُخَالفَة لما قَالَه بِهِ دون الْإِمْسَاك لاحْتِمَال أَنه ينْتَظر بِهِ الْحل بعد الْمدَّة وَيجب النزع بمغيب الْحَشَفَة لحُرْمَة الْوَطْء قبل التَّكْفِير أَو انْقِضَاء الْمدَّة واستمرار الْوَطْء وَطْء على رَأْي مَرْجُوح وَالْوَطْء الأول جَائِز وَلَو لم يطَأ أصلا حَتَّى مَضَت الْمدَّة فَلَا شَيْء وبعوده بالإمساك أَو بالرجعة أَو بِالْوَطْءِ فِي الْمدَّة (يجْتَنب) وجوبا (الْوَطْء كالحائض) فَتحرم مباشرتها فِيمَا بَين سرتها وركبتها دون مَا عدا ذَلِك (حَتَّى كفرا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا بعده أَي اسْتمرّ التَّحْرِيم حَتَّى يكفر وَمرَاده لُزُوم الخفارة مَعَ توقف الْحل عَلَيْهَا وتتعدد الْكَفَّارَة بِتَعَدُّد الزَّوْجَات وَإِن اتَّحد اللَّفْظ كَقَوْلِه لأَرْبَع أَنْت على كَظهر أُمِّي فَإِذا عَاد لزمَه أَربع كَفَّارَات أَو بِعَدَد اللَّفْظ وَإِن اتَّحد الْمحل كَقَوْلِه لامْرَأَته أَنْت على كَظهر أُمِّي وكرره وَفصل أَو وصل وَقصد الِاسْتِئْنَاف فَإِن وصل وَقصد التَّأْكِيد أَو أطلق فَلَا تعدد وَالْكَفَّارَة مرتبَة فيكفر أَولا (بِالْعِتْقِ ينوى الْفَرْض) أَي لُزُوما (عَمَّا ظَاهرا) وَلَو بِصَوْم أَو إطْعَام أَو بنية الْكَفَّارَة فَلَا تكفى نِيَّة الْعتْق الْوَاجِب لِأَنَّهُ قد يكون عَن نذر وَكَذَا يُقَال فِي الصَّوْم وَالْإِطْعَام فَيشْتَرط نِيَّتهَا لَا تعيينهما بِأَن يُقيد بالظهار أَو غَيره حَتَّى لَو كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَة ظِهَار وجماع وَصَوْم رَمَضَان فَأعتق عبدا بنية الْكَفَّارَة وَقع محسوبا عَن وَاحِدَة مِنْهُمَا وَكَذَا الحكم فِي الصَّوْم وَالْإِطْعَام وَإِنَّمَا لم يشْتَرط تَعْيِينهَا بِخِلَاف الصَّلَاة لِأَنَّهَا فِي مُعظم خصالها نازعة إِلَى الغرامات فَاكْتفى فِيهَا بِأَصْل النِّيَّة فَإِن عين وَأَخْطَأ لم تُجزئه عَمَّا عَلَيْهِ وَيشْتَرط فِي إِعْتَاق الذِّمِّيّ وإطعامه النِّيَّة وَحَيْثُ لزمَه الْعتْق اشْترط أَن يعْتق (رَقَبَة مُؤمنَة بِاللَّه) عز و (جلّ) حملا للمطلق على الْمُقَيد فَلَا تجزئة كَافِرَة (سليمَة عَمَّا يضر) يخل (بِالْعَمَلِ) وَإِن كَانَ بهَا عيب مَبِيع ليقوم بكفايته فيتفرغ للعبادات ووظائف الْأَحْرَار فَيَأْتِي بهَا تكميلا لحاله وَهُوَ مَقْصُود الْعتْق وَالْعَاجِز عَن الْعَمَل وَالْكَسْب لَا يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِك فَلَا يحصل بِعِتْقِهِ مَقْصُود الْعتْق فَلَا يجزىء وَعلم من ذَلِك إِجْزَاء صَغِير وأقرع وأعرج يُمكنهُ تتَابع مشي بِأَن يكون عرجه غير شَدِيد وأعور لم يضعف عوره نظر السليمة وأصم وأخرس لَهُ إِشَارَة مفهمة وأخشم وفاقد أَنفه وفاقد أُذُنَيْهِ وفاقد أَصَابِع رجلَيْهِ وفاقد خنصر من يَده وبنصر من أُخْرَى وفاقد أُنْمُلَة من غير إِبْهَام أَو أنامله الْعليا من أَصَابِعه الْأَرْبَع لِأَن كلا مِمَّا ذكر لَا يخل بِالْعَمَلِ وَالْكَسْب وَأَنه لَا يجزىء زمن وَلَا هرم وَلَا فَاقِد رجل أَو يَد أَو أصابعها وَلَا فَاقِد إِصْبَع من الْإِبْهَام والسبابة وَالْوُسْطَى أَو خنصر وبنصر من يَد أَو أنملتين من غَيرهمَا أَو أُنْمُلَة إِبْهَام لَا خلال كل من الصِّفَات الْمَذْكُورَة بِالْعَمَلِ وَالْكَسْب وَأَنه لَا يجزىء الْجَنِين وَإِن انْفَصل لدوّنَ سِتَّة أشهر من الْإِعْتَاق لِأَنَّهُ لَا يعْطى حكم الْحَيّ وَلَا مَرِيض لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وزمن وَإِن مَاتَ بعد إِعْتَاقه فَإِن برىء بعده بِأَن الْإِجْزَاء وَلَا يجوز شِرَاء من يعْتق عَلَيْهِ بنية
(1/269)

كَفَّارَة وَلَا إِعْتَاق أم ولد وَلَا مكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة ويجزىء مُدبر ومعلق عتقه بِصفة ينجز عتقهما بنية الْكَفَّارَة وَلَو علق عتق الْكَفَّارَة بِصفة كَانَ دخلت الدَّار فَأَنت حر عَن كفارتي جَازَ وَعتق عَنْهَا بِالدُّخُولِ وَله إِعْتَاق عبديه عَن كفارتيه عَن كل نصف ذَا وَنصف ذَا وَيَقَع كَمَا أوقعه وَلَو أعتق مُعسر نصفي عبديه عَن كَفَّارَته أَجْزَأَ إِن كَانَ باقيهما أَو بَاقِي أَحدهمَا حرا وَلَو أعتق عبدا عَن كَفَّارَة بعوض لم يجز عَنْهَا (وَإِن لم يجد) رَقَبَة بِأَن لم يملكهَا وَلَا ثمنهَا فَاضلا عَن كِفَايَة نَفسه وَعِيَاله نَفَقَة وَكِسْوَة وسكنى وأثاثا لَا بُد مِنْهُ وَقت الْأَدَاء كَأَن يقدر عَلَيْهَا بِبيع ضَيْعَة وَرَأس مَال لَا يفضل دخلهما عَن كِفَايَته أَو بِبيع عبد ومسكن نفيسين ألفهما أَو ملكهمَا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى خدمته لمَرض أَو كبر أَو ضخامة مَانِعَة من خدمته نَفسه أَو منصب يَأْبَى أَن يخْدم نَفسه وتقدر الْمدَّة بالعمر الْغَالِب كَالزَّكَاةِ على الرَّاجِح (يَصُوم شَهْرَيْن على تتَابع) أَي مُتَتَابعين بنية كَفَّارَة لكل يَوْم فِي ليلته فَيجب الِاسْتِئْنَاف بفوت يَوْم وَلَو الْيَوْم الْأَخير أَو الْيَوْم الَّذِي مرض فِيهِ أَو نسي النِّيَّة لَهُ (إِلَّا لعذر حصلا) كجنون أَو إِغْمَاء أَو حيض أَو نِفَاس وَحَيْثُ وَجب الِاسْتِئْنَاف انْقَلب مَا مضى نفلا وَلَا تشْتَرط نِيَّة التَّتَابُع فَإِن بَدَأَ بِالصَّوْمِ فِي أثْنَاء شهر حسب الشَّهْر بعده بالهلال وتمم الأول من الثَّالِث ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَالرَّقِيق يكفر بِالصَّوْمِ فَقَط وَلَيْسَ لسَيِّده مَنعه من صَوْم الظِّهَار لضَرَر اسْتِمْرَار التَّحْرِيم عَلَيْهِ بِخِلَاف صَوْم كَفَّارَة الْيَمين على تَفْصِيل فِيهِ (وعاجز) عَن الاعتاق ثمَّ الصّيام بهرم أَو مرض يَدُوم شَهْرَيْن وَلَو ظنا بقول الْأَطِبَّاء أَو لُحُوقه بِهِ مشقة شَدِيدَة أَو لخوفه زِيَادَة مَرضه بِهِ أَو بِشدَّة الشبق يكفر بإطعام (سِتِّينَ مدا ملكا سِتِّينَ مِسْكينا) أَو فَقِيرا وَذَلِكَ بدل عَن سِتِّينَ يَوْمًا فَلَا يكفى دفع ذَلِك لأكْثر من سِتِّينَ وَلَا لأَقل مِنْهُم وَلَو فِي سِتِّينَ دفْعَة وَلَو وضع سِتِّينَ مدا بَين يَدي سِتِّينَ مِسْكينا وَقَالَ لَهُم ملكتكم هَذَا وَأطلق أَو قَالَ بِالسَّوِيَّةِ فقبلوه كفى وَظَاهر أَنه لَا يشْتَرط لفظ التَّمْلِيك حَتَّى لَو قَالَ خذوه وَنوى بِهِ الْكَفَّارَة وأخذوه بِالسَّوِيَّةِ كفى وبالتفاوت فَمن علم أَنه أَخذ مدا أَجزَأَهُ وَمن لزمَه تَمْلِيكه لَهُ نعم لَو أَخَذُوهُ مُشْتَركا ثمَّ اقتسموه فقد ملكوه قبل الْقِسْمَة وَهُوَ كَاف (كفطرة حكى) بِأَن يكون من حب وَنَحْوه من غَالب قوت بلد الْمُكَفّر مِمَّا يجزىء فِي الْفطْرَة والمكفى بِنَفَقَة قريب وَزوج لَيْسَ فَقِيرا وَلَا مِسْكينا وَلَا يعْطى من الْكَفَّارَة كَافِر وَلَا هاشمي ومطلبي ورقيق ومكاتب وَمن تلْزمهُ مُؤْنَته من زَوْجَة وَقَرِيب فَإِن عجز عَن جَمِيع خصالها اسْتَقَرَّتْ فِي ذمَّته فَإِن قدر على خصْلَة فعلهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب اللّعان) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هُوَ لُغَة مصدر لَاعن وَشرعا كَلِمَات مَعْلُومَة جملت حجَّة إِلَى قذف من لطخ فرَاشه وَألْحق الْعَار بِهِ أَو إِلَى نفى ولد كَمَا يَأْتِي وَسميت لعانا لاشتمالها على كلمة اللَّعْن وَلِأَن كلا من من المتلاعنين يبعد عَن الآخر بهَا إِذْ يحرم النِّكَاح حِينَئِذٍ بَينهمَا أبدا واختير لفظ اللّعان على لَفْظِي الشَّهَادَة وَالْغَضَب وَإِن اشْتَمَلت عَلَيْهِمَا الْكَلِمَات أَيْضا لِأَن اللَّعْن كلمة غَرِيبَة فِي قيام الْحجَج من الشَّهَادَات والأيمان وَالشَّيْء قد يشْتَهر بِمَا يَقع فِيهِ من الْغَرِيب وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم} الْآيَات وَسبب نُزُولهَا قصَّة هِلَال بن أُميَّة لما قذف زَوجته بِشريك بن سَحْمَاء فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك فَتَلَاعَنا عِنْده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاللّعان يسْبقهُ قذف صَرِيح كَالزِّنَا وإيلاج الْحَشَفَة فِي الدبر أَو الْفرج مَعَ وصف بِتَحْرِيم وَإِن لحن بتذكير أَو تَأْنِيث لَيْسَ بمؤثر فِيهِ وَكَذَا قَوْله زنى فرجك أَو ذكرك أَو قبلك أَو دبرك أَو أَنْت أزنى من النَّاس إِن قَالَ وَفِيهِمْ زناة أَو أَنْت أزنى من زيد إِن قَالَ وَزيد
(1/270)

زنى أَو ثَبت زِنَاهُ بِإِقْرَارِهِ أَو بِبَيِّنَة وَعلمه الْقَاذِف أَو قَالَ لست ابْن زيد لمن هُوَ لَاحق بزيد أَو كِنَايَة كَقَوْلِه لِابْنِهِ لست ابْني أَو لست مني وَأما نَحْو أما أَنا فلست بزان أَو أُمِّي لَيست بزانية فتعريض لَيْسَ بِقَذْف وَإِن نَوَاه (يَقُول) الزَّوْج (أَرْبعا إِن القَاضِي أَمر) بِهِ لِأَن اللّعان يَمِين وَالْيَمِين لَا يعْتد بهَا قبل أَمر الْحَاكِم بهَا وَإِن غلب فِيهِ معنى الشَّهَادَة فَهِيَ لَا تُؤَدّى إِلَّا عِنْده بِإِذْنِهِ (إِذا) علم (زنا زَوجته) أَو ظَنّه ظنا مؤكدا كَأَن رَآهُ أَو أقرَّت بِهِ أَو أخبر بِهِ عَن عيان من يَثِق بِهِ وَإِن لم يكن من أهل الشَّهَادَة أَو (عَنْهَا اشْتهر) بَين النَّاس أَنَّهَا زنت بفلان مَعَ قرينَة كَأَن رَآهَا فِي خلْوَة أَو تخرج من عِنْده وَلَا يكفى مُجَرّد شيوع إِذْ قد يشيعه نَحْو عَدو وَلَا مُجَرّد الْقَرِينَة لاحْتِمَال دُخُوله عَلَيْهَا لنَحْو خوف أَو سَرقَة (أَو ألحق الطِّفْل بِهِ) حَال كَونه (من الزِّنَا) وَهُوَ يعلم أَنه من الزِّنَا مَعَ احْتِمَال كَونه مِنْهُ بِأَن لم يَطَأهَا أَو وَلدته لدوّنَ سِتَّة أشهر من وَطئه أَو لفوق أَربع سِنِين الَّتِي هِيَ أَكثر مُدَّة الْحمل إِذْ يلْزمه حِينَئِذٍ نَفْيه وَطَرِيق نَفْيه اللّعان الْمَسْبُوق بِالْقَذْفِ فيلزمان أَيْضا فَإِن لم يعلم زنَاهَا وَلَا ظَنّه لم يقذفها لجَوَاز كَون الْوَلَد من وَطْء شُبْهَة وَاللّعان قَول الزَّوْج أَربع مَرَّات (أشهد بِاللَّه لصَادِق أَنا فِيمَا رميتها) أَي زَوْجَتي هَذِه (بِهِ) من الزِّنَا فَإِن غَابَتْ سَمَّاهَا وَرفع نَسَبهَا بِمَا يميزها عَن غَيرهَا (وَأَنا) بِأَلف الْإِطْلَاق (ذَا) أَي الْوَلَد من زنا (لَيْسَ مني) وَيُشِير إِلَيْهِ إِن كَانَ حَاضرا فَلَو اقْتصر على قَوْله من زنا كفى حملا للفظ الزِّنَا على حَقِيقَته وَلَا يكفى لَيْسَ مني لاحْتِمَال أَن يُرِيد لَا يشبهني خلقا أَو خلقا وَلَا بُد من ذكر الْوَلَد فِي الْكَلِمَات الْخمس فَلَو أغفل ذكره فِي بَعْضهَا احْتَاجَ فِي نَفْيه إِلَى إِعَادَة اللّعان فَلَا يحْتَاج الْمَرْأَة إِلَى إِعَادَة لعانها وَحَيْثُ علم كَون الْوَلَد لَيْسَ مِنْهُ وَاحْتمل كَونه من شُبْهَة لم يقذفها بل يَقُول فِي اللّعان لنفيه أشهد بِاللَّه إِنِّي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من إِصَابَة غَيْرِي لَهَا على فِرَاشِي وَأَن هَذَا الْوَلَد من تِلْكَ الْإِصَابَة مَا هُوَ مني إِلَى آخر كَلِمَات اللّعان وَلَا تلاعن الْمَرْأَة إِذْ لَا حد عَلَيْهَا بِهَذَا اللّعان حَتَّى يسْقط بلعانها (خَامِسًا أَن لعنا عَلَيْهِ من خالقه إِن كذبا) أَي يَقُول فِي الْخَامِسَة وَأَن لعنة الله على إِن كنت من الْكَاذِبين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا (يُشِير أَن تحضر لَهَا مُخَاطبا) فَيَقُول هَذِه (أَو سميت) إِن غَابَتْ مثلا كَمَا علم مِمَّا مر (وَهِي تَقول أَرْبعا أشهد بِاللَّه لكذبا ادّعى فِيمَا رمى) أَي أشهد بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا (وخامسا بِالْغَضَبِ إِن صَادِقا فِيمَا رمى) بِهِ (بِالْكَذِبِ) أَي تَقول الزَّوْجَة فِي الْخَامِسَة إِن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا وتأتى بضمير الْمُتَكَلّم فَتَقول غضب الله على إِلَى آخِره وَلَا تحْتَاج إِلَى ذكر الْوَلَد لِأَن لعانها لَا يُؤثر فِيهِ وَلَو بدل لفظ شَهَادَة بِحلف أَو نَحوه كَأَن قَالَ أَحْلف أَو أقسم بِاللَّه إِلَى آخِره أَو لفظ غضب بلعن وَعَكسه أَو ذكرا قبل تَمام الشَّهَادَات لم يَصح اتبَاعا لنظم الْآيَات وَيشْتَرط الْوَلَاء بَين الْكَلِمَات الْخمس فيؤثر الْفَصْل الطَّوِيل وَلَا بُد من تَأَخّر لعانها عَن لِعَانه كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَام النَّاظِم لِأَن لعانها لإِسْقَاط الْحَد الَّذِي وَجب عَلَيْهَا بِلعان الزَّوْج ويلاعن الْأَخْرَس بِإِشَارَة مفهمة أَو كِنَايَة كَالْبيع فَإِن لم يكن لَهُ ذَلِك لم يَصح قذفه وَلَا لِعَانه وَلَا غَيرهمَا لتعذر الْوُقُوف على مَا يُريدهُ وَيصِح بِغَيْر الْعَرَبيَّة وَإِن عرفهَا لِأَن الْمُغَلب فِيهِ معنى الْيَمين أَو الشَّهَادَة وهما باللغات سَوَاء وتراعى تَرْجَمَة الشَّهَادَة واللعن وَالْغَضَب ثمَّ إِن أحْسنهَا الْحَاكِم ندب أَن يحضرهُ أَرْبَعَة مِمَّن يحسنها وَإِن لم يحسنها فَلَا
(1/271)

يَد مِمَّن يترجم ويكفى من جَانب الْمَرْأَة اثْنَان لِأَن لعانها لنفي الزِّنَا كجانب الزَّوْج كَمَا يثبت الْإِقْرَار بِالزِّنَا بِاثْنَيْنِ (وَسن) تَغْلِيظ اللّعان بِالْمَكَانِ (بالجامع عِنْد الْمِنْبَر) ويصعدان عَلَيْهِ فَإِن كَانَت حَائِضًا أَو نفسَاء فبباب الْمَسْجِد لحُرْمَة مكثها فِيهِ وَيخرج القَاضِي إِلَيْهِمَا أَو يبْعَث نَائِبا نعم إِن لم يكن الطّلب حثيثا وَرَأى الْحَاكِم تَأْخِير اللّعان إِلَى زَوَال ذَلِك جَازَ وَمحله فِي الْمُسلم أما الذِّمِّيّ إِذا أُرِيد لِعَانه فِي الْمَسْجِد وَلَو مَعَ الْحيض وَالنّفاس مَعَ أَمن تلويثه أَو الْجَنَابَة فَيمكن مِنْهُ وَإِن كَانَ الْملَاعن بِمَكَّة فَبين الرُّكْن الْأسود وَالْمقَام وَهُوَ الْمُسَمّى بِالْحَطِيمِ أَو بِالْمَدِينَةِ فعلى الْمِنْبَر أَو بِبَيْت الْمُقَدّس فَعِنْدَ الصَّخْرَة ويغلظ بِالزَّمَانِ وَهُوَ بعد عصر جُمُعَة فيؤخر إِلَيْهَا إِن لم يكن لَهُ طلب أكيد وَإِلَّا فَبعد عصر أَي يَوْم كَانَ أما الذِّمِّيّ إِذا غلظ عَلَيْهِ بِالْمَكَانِ فَإِن كَانَ نَصْرَانِيّا فبالبيعة أَو يَهُودِيّا فبالكنيسة أَو مجوسيا فببيت النَّار ويحضره القَاضِي رِعَايَة لاعتقادهم لَا بِبَيْت أصنام وَثني إِذْ اعْتِقَادهم فِيهِ غير مرعي فيلاعن فِي مجْلِس الْحَاكِم وَصورته أَن يدْخل دَارنَا بِأَمَان أَو هدنة (بمجمع عَن أَربع لم ينزر) أَي ينقص أَي وَيسن أَن يغلظ بِحُضُور جمع من أَعْيَان الْبَلَد والصلحاء لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَن فِيهِ ردعا للكاذب وَأقله أَرْبَعَة (وَخَوف الْحَاكِم) أَي يسن للْحَاكِم وعظهما وتخويفهما ويذكرهما بِأَن عَذَاب الدُّنْيَا أَهْون من عَذَاب الْآخِرَة وَيقْرَأ عَلَيْهِمَا {إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا} الْآيَة وَأَن يَقُول لَهما مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمتلاعنين وَهُوَ حسابكما على الله وَالله يعلم أَن أَحَدكُمَا لَكَاذِب هَل مِنْكُمَا من تائب ويبالغ فِي وعظ كل مِنْهُمَا (حِين ينهيه) أَي عِنْد الْخَامِسَة فَيَقُول لَهُ اتَّقِ الله فَإِن قَوْلك على لعنة الله يُوجب اللَّعْنَة إِن كنت كَاذِبًا وَيَقُول لَهَا مثل ذَلِك بِلَفْظ الْغَضَب لعلهما ينزجران ويتركان فَإِن أَبَيَا لقنهما الْخَامِسَة (الْكل) أَي من المتلاعنين (مَعَ وضع يَد) ندبا (من فَوق فِيهِ) فيأتى من وَرَائه وَيَضَع الرجل يَده على فَم الرجل وَالْمَرْأَة يَدهَا على فَم الْمَرْأَة وَينْدب أَن يتلاعنا قَائِمين ليراهما النَّاس ويشتهر أَمرهمَا وتجلس هِيَ وَقت لِعَانه وَهُوَ وَقت لعانها (وبلعانه) أَي الزَّوْج الَّذِي يَصح طَلَاقه فَلَو ارْتَدَّ بعد وَطْء فقذف وَأسلم فِي الْعدة لَاعن لبَقَاء النِّكَاح فلولا عَن ثمَّ أسلم فِيهَا صَحَّ أَو أصر فَلَا وَقد علم أَن لَهُ اللّعان مَعَ إِمْكَان بَيِّنَة بزناها وَأَن لَهُ اللّعان لنفي الْوَلَد وَإِن عفت عَن الْحَد وَزَالَ النِّكَاح ولدفع حد الْقَذْف وَإِن زَالَ النِّكَاح وَلَا ولد ولرفع تَعْزِير الْقَذْف إِن كَانَت الزَّوْجَة غير مُحصنَة كذمية ورقيقة وصغيرة لَا يُوطأ مثلهَا بِخِلَاف تَعْزِير التَّأْدِيب لكذب مَعْلُوم كقذف صَغِيرَة لَا تُوطأ أَو صدق ظَاهر كقذف كَبِيرَة ثَبت زنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ أَو بإقرارها وَالتَّعْزِير فِي ذَلِك يُقَال فِيهِ تَعْزِير تَكْذِيب وَلَو عفت عَن الْحَد أَو سكتت عَن طلبه أَو جنت بعد قذفه أَو أَقَامَ بَيِّنَة بزناها أَو صدقته فِيهِ وَلَا ولد لم يُلَاعن لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ (انْتَفَى عَنهُ النّسَب) أَي بلعانه انْتَفَى النّسَب حَيْثُ كَانَ ثمَّ ولد نَفَاهُ فِيهِ (وَحده) أَي ينتفى عَنهُ بِهِ أَيْضا حد قَذفهَا أَو تعزيره إِن كَانَت غير مُحصنَة وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى نفي مُمكن عَنهُ فَإِن تعذر كَونه مِنْهُ بِأَن وَلدته لدوّنَ سِتَّة أشهر من العقد أَو طلق فِي مَجْلِسه أَو نكح وَهُوَ بالمشرق وَهِي بالمغرب لم يلْحقهُ وَشَمل كَلَامه انْتِفَاء حد قذف الْأَجْنَبِيّ الْمعِين أَو تعزيره الَّذِي قَذفهَا بِهِ حَيْثُ ذكره فِي لِعَانه كَأَن قَالَ فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا بفلان فَإِن لم يذكرهُ لم تسْقط عَنهُ عُقُوبَة قذفه كَمَا فِي الزَّوْجَة لَو ترك ذكرهَا وَطَرِيقه أَن يُعِيد اللّعان ويذكره (لَكِن عَلَيْهَا) الْحَد (قد وَجب) لثُبُوت الْحجَّة عَلَيْهَا (وَحُرْمَة بَينهمَا تأبدت) لخَبر المتلاعنان لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَد وَلذَا سُئِلَ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى عَن الْمُلَاعنَة هَل تعود لزَوجهَا فِي الْجنَّة فَأجَاب بِأَنَّهَا لَا تعود عملا بقوله فِي الْخَبَر أبدا وَهِي فرقة فسخ وَتحصل ظَاهرا وَبَاطنا وَإِن
(1/272)

كَانَت الزَّوْجَة صَادِقَة وَسُقُوط حصانتها فِي حَقه حَتَّى لَو قَذفهَا بعد ذَلِك بِتِلْكَ الزنية أَو أطلق لم يحد (وَشطر الْمهْر) أَي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ تشطر صَدَاقهَا قبل الدُّخُول (وَأُخْت حللت) أَي يحل نِكَاح أُخْتهَا وَنَحْوهَا وَأَرْبع سواهَا فِي عدتهَا لبنونتها (وبلعانها سُقُوط الْحَد عَن الزِّنَا من رَجمهَا أَو جلد) هَا لقَوْله تَعَالَى {ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب} الْآيَة وَانْتِفَاء فسقها فَتقبل شهادتها وَتبقى ولايتها لما تليه بِنَظَر أَو وَصِيَّة أَو حضَانَة وَنَحْوهَا وَلَو أَقَامَ بَيِّنَة بزناها أَو بإقرارها بِهِ لم يُمكنهَا دفع الْحَد باللعنان لِأَنَّهُ حجَّة ضَعِيفَة لَا تقاوم الْبَيِّنَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْعدة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
مَأْخُوذَة من الْعدَد لاشتمالها عَلَيْهِ غَالِبا وَهِي مُدَّة تَتَرَبَّص فِيهَا الْمَرْأَة لمعْرِفَة بَرَاءَة رَحمهَا أَو للتعبد أَو لتفجعها على زوج كَمَا يَأْتِي وَذَلِكَ يحصل بِالْأَقْرَاءِ وبالأشهر وبالولادة وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع الْآيَات وَالْأَخْبَار الْآتِيَة وَالْعدة ضَرْبَان الأول يتَعَلَّق بفرقة وَفَاة وَالثَّانِي يتَعَلَّق بفرقة حَيَاة بِطَلَاق أَو فسخ وَبَدَأَ بِالْأولِ فَقَالَ (لمَوْت زَوجهَا) أَي عدتهَا لمَوْت زَوجهَا (وَلَو من قبل الْوَطْء باستكمال وضع الْحمل يُمكن من ذِي عدَّة) أَي حَيْثُ كَانَ مُمكنا كَونه من ذِي الْعدة لقَوْله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} فَهُوَ مُخَصص لقَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم} الْآيَة وَلِأَن الْقَصْد من الْعدة بَرَاءَة الرَّحِم وَهِي حَاصِلَة بِالْوَضْعِ وَخرج بِوَضْع الْحمل خُرُوج بعضه وَلَو بعد خُرُوج أحد التوأمين بِأَن يكون بَينهمَا دون سِتَّة أشهر فَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة بل حكمه حكم الْجَنِين فِي بَقَاء الْعدة وَالرَّجْعَة ولحوق الطَّلَاق والتوارث بَين أَبَوَيْهِ وَعدم توريثه وسراية عتق الْأُم إِلَيْهِ وَوُجُوب الْغرَّة بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا وَعدم إجزائه عَن الْكَفَّارَة وتبعيته للْأُم فِي إِزَالَة الْملك وَعدم تعلق التَّحْرِيم بارتضاعه وَكَذَا سَائِر أَحْكَام الْجَنِين نعم لَو خرج رَأس جَنِين وَصَاح فحر رجل رقبته وَجب قصاص أَو دِيَة وَاعْلَم أَن قَوْله باستكمال كتعبير غَيره بِتمَام تَأْكِيد وإيضاح لِأَن الْغَرَض مِنْهُ مَفْهُوم من الْوَضع وَخرج بِإِمْكَان كَونه من ذِي الْعدة إِذا لم يُمكن بِأَن كَانَ الزَّوْج صَبيا لَا يُولد لمثله أَو ممسوحا أَو وَلدته لدوّنَ سِتَّة أشهر من العقد أَو لأكْثر وَدون أَربع سِنِين وَكَانَت بَينهمَا مَسَافَة لَا تقطع فِي تِلْكَ الْمدَّة أَو لفوق أَربع سِنِين من الْفرْقَة فَلَا تَنْقَضِي الْعدة بِوَضْعِهِ لَكِن لَو ادَّعَت فِي الْأَخِيرَة أَنه رَاجعهَا أَو وَطئهَا بِشُبْهَة وَأمكن فَهُوَ وَإِن انْتَفَى عَنهُ تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَشَمل كَلَامه المنفى بِلعان وَلِهَذَا لَو اسْتَلْحقهُ لحقه وَمَا إِذا كَانَ الزَّوْج مجبوبا أَو خَصيا وَشَمل الْحَيّ وَالْمَيِّت والمضغة حَيْثُ كَانَ فِيهَا صُورَة خُفْيَة أخبر بهَا القوابل أَي قُلْنَ هِيَ أصل آدَمِيّ وَخرج بِهِ الْعلقَة إِذْ لَا تسمى حملا وَإِنَّمَا وَجَبت عدَّة الْوَفَاة على من لم تُوطأ بِخِلَاف عدَّة الطَّلَاق لِأَن عدَّة الْحَيَاة لحق الزَّوْج صِيَانة لمِائَة وعدة الْوَفَاة لحقه تَعَالَى (فَإِن فقد) الْحمل (فثلث عَام) وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر (قبل عشر) من اللَّيَالِي بأيامها (تستعد من حرَّة) أَي تَعْتَد بهَا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة الناسخة لقَوْله تَعَالَى {مَتَاعا إِلَى الْحول} وَسَوَاء الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة والموطوءة وَغَيرهَا وَذَات الْأَقْرَاء وَغَيرهَا وَزَوْجَة الصَّبِي وَغَيره لإِطْلَاق الْآيَة المحمولة على الْغَالِب من الْحَرَائِر والحائلات وَتعْتَبر الْأَشْهر بِالْأَهِلَّةِ مَا أمكن فَإِن مَاتَ أول الْهلَال فَظَاهر أَو فِي خلال شهر بقى مِنْهُ عشرَة أَيَّام أَو أقل ضمت إِلَى ذَلِك أَرْبَعَة أشهر بِالْأَهِلَّةِ وأكملت بَقِيَّة الْعشْر مِمَّا بعْدهَا أَو أَكثر من
(1/273)

عشرَة ضمت إِلَى ذَلِك ثَلَاثَة أشهر بِالْأَهِلَّةِ وأكملت عَلَيْهِ مِمَّا بعْدهَا بَقِيَّة أَرْبَعِينَ يَوْمًا (وَنِصْفهَا) وَهُوَ شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام بلياليها (من الْأمة) الْحَائِل وَلَو مُكَاتبَة ومبعضة ومدبرة وَأم ولد (و) الْعدة (للطَّلَاق بعد وَطْء تممه) وَلَو بتغييب الْحَشَفَة بِوَضْع حملهَا سَوَاء أَكَانَت حرَّة أم غَيرهَا ذَات أَقراء أم أشهر رَأَتْ الدَّم فِي مُدَّة الْحمل أم لَا وكالوطء استدخال مَاء الزَّوْج الْمُحْتَرَم أما قبل ذَلِك فَلَا عدَّة عَلَيْهَا وكالطلاق الْفَسْخ كلعان ورضاع وَلَو ظهر فِي عدَّة أَقراء أَو أشهر حمل للزَّوْج اعْتدت بِوَضْعِهِ وَلَا اعْتِبَار بِمَا مضى من الإقراء أَو الْأَشْهر لوُجُود الْحمل وَلَو ارتابت فِي الْعدة لثقل وحركة نجدهما لم تنْكح حَتَّى تَزُول الرِّيبَة فَإِن نكحت لم يَصح أَو بعْدهَا وَبعد نِكَاح آخر اسْتمرّ النِّكَاح لانقضاء الْعدة ظَاهرا مَعَ تعلق حق الزَّوْج مَا لم تَلد لدوّنَ سِتَّة أشهر من عقده فيتبين بُطْلَانه وَالْولد للْأولِ بِخِلَاف مَا إِذا ولدت لسِتَّة أشهر فَأكْثر فَالْوَلَد للثَّانِي أَو بعْدهَا قبل نِكَاح سنّ لَهَا أَن تصبر على النِّكَاح لتزول الرِّيبَة فَإِن نكحت قبل زَوَالهَا لم تبطل فِي الْحَال بل تقف فَإِن ولدت لدوّنَ سِتَّة أشهر مِنْهُ تبين بُطْلَانه وَإِلَّا فَلَا (بِالْوَضْعِ إِن يفقد) أَي الْحمل وَهِي مِمَّن لم تَحض أَو يئست (فربع السّنة من حرَّة) وَهِي ثَلَاثَة أشهر هلالية إِن انطبق الطَّلَاق على أول الشَّهْر كَأَن علقه بِهِ أَو بانسلاخ مَا قبله فَإِن طلقت فِي أثْنَاء شهر فبعده هلالان وتكمل المنكسر ثَلَاثِينَ يَوْمًا من الرّبع فَإِن حَاضَت فِيهَا وَجَبت الإقراء (وَنِصْفهَا من أمه) أَو مبعضة (إِن لم تحيضا) أَي الْحرَّة وَالْأمة (أَو إِيَاس حلا) بِأَلف الْإِطْلَاق بِشَهْر وَنصف (لَكِن بِشَهْوَة الْإِمَاء أولى) خُرُوجًا من خلاف من أوجبهما لِأَنَّهُمَا بدل عَن القرءين فِي ذَات الإقراء كَمَا أَن الْأَشْهر الثَّلَاثَة للْحرَّة بدل عَن الإقراء (ثَلَاث أطهار) أَي أَقراء (لحرة تحيض) لقَوْله تَعَالَى {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء} وَالْأمة بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء أَو بِالْجَرِّ عطفا على الْحرَّة وَلَو مبعضة (اثْنَان لفقد التَّبْعِيض) أَي لِأَن الْقُرْء لَا يَتَبَعَّض فكمل وَإِن عتقت فِي عدَّة رَجْعِيَّة كملت عدَّة حرَّة أَو بينونة فأمة فَإِن طلقت الْحرَّة طَاهِرَة وَقد بقى من زمن الطُّهْر شَيْء انْقَضتْ عدتهَا بالطعن فِي حيضه ثَالِثَة أَو حَائِضًا فبالطعن فِي رابعه وَلَا يحْسب طهر من لم تَحض قرءا وعدة مُسْتَحَاضَة غير متحيرة بأقرائها الْمَرْدُودَة إِلَيْهَا حيضا وطهرا ومتحيرة بِثَلَاثَة أشهر فِي الْحَال وَتعْتَبر بِالْأَهِلَّةِ إِن انطبق الطَّلَاق على أول الْهلَال وَإِلَّا فَإِن بقى مِنْهُ أَكثر من خَمْسَة عشر يَوْمًا حسب قرءا وَتعْتَد بعده بشهرين بِالْأَهِلَّةِ وَإِلَّا لم يحْسب قرءا فَتعْتَد بعده بِثَلَاثَة أشهر هلالية وَالْمرَاد بِالْأَكْثَرِ يَوْم وَلَيْلَة فَأكْثر وَمن انْقَطع حَيْضهَا وَلَو لغير عِلّة تصبر حَتَّى تحيض فَتعْتَد بِالْأَقْرَاءِ أَو تيأس فبالأشهر فَلَو حَاضَت بعد الْيَأْس فِي الْأَشْهر وَجَبت الْأَقْرَاء ويحسب مَا مضى من الطُّهْر قرءا أَو بعْدهَا فَكَذَلِك إِن لم تنْكح وَإِلَّا فَلَا شَيْء عَلَيْهَا وَالْمُعْتَبر فِي الْيَأْس يأس كل النِّسَاء بِحَسب مَا يبلغنَا خَبره وَيعرف وأقصاه اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سنة وَلَو لَزِمَهَا عدتا شخص من جنس وَاحِد تداخلتا فَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا حملا وَالْأُخْرَى أَقراء تداخلتا فتنقضيان بِوَضْعِهِ وَيَقَع عَن الْجِهَتَيْنِ وَيُرَاجع قبله إِن كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا وَإِن كَانَ الْحمل من الْوَطْء أَو الشخصين فَلَا تدَاخل فَإِن كَانَ حمل قدمت عدته سَابِقًا إِن كَانَ أَو لاحقا وَإِلَّا قدمت عدَّة الطَّلَاق وَإِن تَأَخّر وَلَو عَاشر مطلقته كَزَوج بِلَا وَطْء فِي عدَّة أَقراء أَو أشهر فَإِن كَانَ بَائِنا انْقَضتْ وَإِلَّا فَلَا وَلَا رَجْعَة بعد الإقراء أَو الْأَشْهر وَإِن لم تنقض بهما الْعدة احْتِيَاطًا ويلحقها الطَّلَاق مَا دَامَ يعاشرها وَهِي كالبائن بعد انْقِضَاء عدتهَا الْأَصْلِيَّة إِلَّا
(1/274)

فِي الطَّلَاق وَلَو نكح مُعْتَدَّة يظنّ الصِّحَّة وَوَطئهَا انْقَضتْ عدتهَا من حِين وطىء وَلَو رَاجع حَائِلا ثمَّ طلق استأنفت وَإِن لم يَطَأهَا بعد الرّجْعَة أَو حَامِلا فبالوضع فَلَو وضعت ثمَّ طلق استأنفت وَإِن لم يَطَأهَا بعد الْوَضع (لحامل وَذَات رَجْعَة مُؤَن) أَي يجب لحامل وَلَو بَائِنا بخلع أَو ثَلَاث بِسَبَب الْحمل ولرجعية مُؤَن النِّكَاح لبَقَاء حق حبس الزَّوْج عَلَيْهَا وسلطنته كَنَفَقَة وَكِسْوَة وَغَيرهمَا إِلَّا مُؤنَة تنظف فَلَا تجب لَهما فَتجب على زوج وَلَو رَقِيقا لَا لحامل عَن شُبْهَة أَو نِكَاح فَاسد وَلَا لمعتدة وَفَاة وَلَو حَامِلا لِأَنَّهَا بَانَتْ وَنَفَقَة الْحمل الْقَرِيب تسْقط بِالْمَوْتِ وَنَفَقَة الْعدة مقدرَة كزمن النِّكَاح وَلَا يجب دَفعهَا قبل ظُهُور حمل فَإِذا ظهر وَجب دَفعهَا يَوْمًا بِيَوْم وَلَو ادَّعَت ظُهُوره وَأنكر فعلَيْهَا الْبَيِّنَة وَيقبل فِيهَا النِّسَاء وَلَو ظنت حَامِلا فأنفق فَبَانَت حَائِلا اسْترْجع مَا دَفعه بعد عدتهَا وَتصدق فِي قدر أقرائها بِيَمِينِهَا إِن كذبهَا وَإِلَّا فَلَا يَمِين وَلَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمن وَخرج بالرجعية الْبَائِن بخلع أَو غَيره إِذا لم تكن حَامِلا فَلَا تجب لَهَا تِلْكَ الْمُؤَن (وَذَات عدَّة) عَن طَلَاق أَو فسخ سَوَاء أَكَانَ بردة أم إِسْلَام أم رضَاع أم عيب مُقَارن أم طارىء أم وَفَاة وَلَو بَائِنا بخلع أَو ثَلَاث حَامِلا كَانَت أم حَائِلا تجب لَهَا السُّكْنَى مَا لم تكن نَاشِزَة فَإِن عَادَتْ للطاعة عَاد لَهَا حق السُّكْنَى وكالناشزة الصَّغِيرَة الَّتِي لَا تحمل الْوَطْء وَالْأمة الَّتِي لم تسلم لَيْلًا وَنَهَارًا و (تلازم) وجوبا (السكن حَيْثُ الْفِرَاق) اللَّائِق بهَا إِلَى انْقِضَاء عدتهَا فَلَا تخرج مِنْهُ وَلَا يُخرجهَا مِنْهُ صَاحب الْعدة حَتَّى لَو اتفقَا على الْخُرُوج مِنْهُ من غير حَاجَة لم يجز وعَلى الْحَاكِم الْمَنْع وكالمعتدة عَمَّا ذكر الْمُعْتَدَّة عَن وَطْء شبهه أَو نِكَاح فَاسد وَإِن لم تسْتَحقّ السُّكْنَى على الواطىء والناكح وَشَمل كَلَامه الرَّجْعِيَّة وَهُوَ الْمُعْتَمد والمسكن الْمَمْلُوك لَهُ وَلَا يَصح بَيْعه إِلَّا فِي عدَّة ذَات أشهر والمستعار وَالْمُسْتَأْجر وَكَذَا الْمَمْلُوك للمعتدة فيلزمها ملازمته وتطلب الْأُجْرَة على مَا فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ لَكِن الْمُعْتَمد كَمَا فِي أصل الرَّوْضَة أَنَّهَا تتخير بَين بقاتها بإعارة أَو إِجَارَة وَبَين طلب النقلَة إِلَى غَيره إِذْ لَا يلْزمهَا بذل منزلهَا بإعارة وَلَا إِجَارَة وَلَو انْتَقَلت إِلَى مسكن مَا أَو بلد بِإِذن الزَّوْج فَوَجَبت الْعدة قبل وصولها إِلَيْهِ اعْتدت فِيهِ وَإِن لم تنقل شَيْئا من أَمتعتهَا لِأَنَّهَا مأمورة بالْمقَام فِيهِ حَتَّى لَو وصلت إِلَيْهِ ثمَّ رجعت إِلَى الأول لنَحْو نقل أَمتعتهَا فحصلت الْفرْقَة اعْتدت فِي الثَّانِي فَإِن انْتَقَلت بِلَا إِذن أَو وَجَبت قبل خُرُوجهَا من الأول اعْتدت فِيهِ مَا لم يَأْذَن لَهَا فِي الْإِقَامَة فِي الثَّانِي فَتعْتَد فِيهِ وَلَو أذن لَهَا فِي سفر نَحْو حج أَو تِجَارَة ثمَّ رجعت فِي الطَّرِيق فلهَا الرُّجُوع والمضي وَهِي مُعْتَدَّة فِي سَيرهَا فَإِن مَضَت أَقَامَت لقَضَاء حَاجَتهَا ثمَّ يلْزمهَا الرُّجُوع وَإِن كَانَت عدتهَا تَنْقَضِي فِي الطَّرِيق وَلَو خرجت من مَسْكَنهَا فَطلق وَقَالَ مَا أَذِنت فِي الْخُرُوج أَو أَذِنت لحَاجَة لَا نَقله صدق بِيَمِينِهِ وَإِن اخْتلفت هِيَ ووراثة فِي كَيْفيَّة الْإِذْن صدقت بِيَمِينِهَا ومنزل بدويه وبيتها من شعر كمنزل حضرية أما إِذا كَانَ الْمسكن نفيسا فَلهُ النَّقْل إِلَى لَائِق بهَا أَو خسيسا فلهَا طلب لَائِق بهَا وَإِن رَجَعَ معير الْمسكن أَو انْقَضتْ إِجَارَته وَلم يرض بأجره نقلت ثمَّ اسْتثْنى المُصَنّف مِمَّا اقْتَضَاهُ وجوب ملازمتها للمسكن من حُرْمَة خُرُوجهَا مِنْهُ مَا ذكره بقوله (لَا لحَاجَة) شِرَاء (الطَّعَام) أَو نَحوه كَشِرَاء قطن وَبيع غزل وَنَحْوه نَهَارا لَا لَيْلًا إِلَّا أَن لَا يُمكن ذَلِك نَهَارا نعم الرَّجْعِيَّة والبائن الْحَامِل تجب مؤنتهما فَلَا يخرجَانِ إِلَّا بِإِذن أَو لضَرُورَة وَمحله إِذا حصل ذَلِك لَهما لَكِن لَهما الْخُرُوج لباقي حوائجهما من شِرَاء قطن وَبيع غزل وَنَحْوهمَا وَكَذَا لَو أعطيتا النَّفَقَة دَرَاهِم واحتاجتا إِلَى الْخُرُوج لشراء الْأدم وَأَشَارَ بقوله لحَاجَة الطَّعَام إِلَّا أَنه إِذا كَانَ لَهَا من يَقْضِيهَا حَاجَتهَا لم يجز خُرُوجهَا لَهَا (وخوفها نفسا ومالا كانهدام) أَي يجوز خُرُوجهَا أَيْضا لخوفها على نَفسهَا أَو مَالهَا من هدم أَو غرق لِأَن الْخُرُوج لذَلِك أَشد من الْخُرُوج للطعام وَنَحْوه وَشَمل قَوْله نفسا ومالا نَفسهَا وَمَا لَهَا وَنَفس غَيرهَا المحترمين كَوَلَد ووديعة عِنْدهَا وَيُؤْخَذ من كَلَامه جَوَاز المهاجرة من دَار الْحَرْب إِلَى
(1/275)

دَار الْإِسْلَام إِذا خَافت على نَفسهَا أَو دينهَا أَو مَالهَا أَو بضعهَا لوُجُوبهَا عَلَيْهَا حِينَئِذٍ وخروجها لإِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا إِن كَانَت بَرزَة وانتقالها مِنْهُ إِذا تأذت بالجيران أَو هم بهَا أَذَى شَدِيد وَوُجُوب تغريبها إِذا زنت فِي الْعدة وَهِي بكر وَلها إِن كَانَت غير رَجْعِيَّة الْخُرُوج لَيْلًا إِلَى دَار جَاره لغزل وَحَدِيث وَنَحْوهمَا للتأنس بهَا بِشَرْط أَن ترجع وتبيت فِي بَيتهَا وَيمْتَنع على صَاحب الْعدة مساكنتها ومداخلتها حَيْثُ فضلت الدَّار عَن سُكْنى مثلهَا لما يَقع فِيهَا من الْخلْوَة الْمُحرمَة بِهِ كالخلوة بالأجنبية فَإِن كَانَ فِي الدَّار محرم لَهَا مُمَيّز ذكر أَو محرم لَهُ مُمَيّز أُنْثَى أَو زَوْجَة أُخْرَى أَو أمة جَازَ مَا ذكر لانْتِفَاء الْمَحْذُور فِيهِ لَكِن يكره لِأَنَّهُ لَا يُؤمن مَعَه النّظر وَلَا عِبْرَة بالمجنون وَالصَّغِير الَّذِي لَا يُمَيّز وَلَو كَانَ فِي الدَّار حجرَة فسكنها أَحدهمَا وَالْآخر الْأُخْرَى فَإِن اتّحدت الْمرَافِق كمطبخ ومستراح ومصعد إِلَى السَّطْح اشْترط محرم حذرا من الْخلْوَة فِيمَا ذكر وَإِلَّا فَلَا يشْتَرط وَيشْتَرط أَن يغلق مَا بَينهمَا من بَاب وَأَن لَا يكون ممر إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى حذرا من الْخلْوَة فِي ذَلِك وسفل وعلو كدار وحجرة فِيمَا ذكر من أَنه إِن اتّحدت الْمرَافِق اشْترط محرم وَإِلَّا لم يشْتَرط محرم (و) يجب (للوفاة) الْإِحْدَاد وَهُوَ (الطّيب والتزيين) أَي تَركهمَا (يحرم) أَي فَيحرم عَلَيْهَا الطّيب فِي الْبدن وَالثَّوْب وَالطَّعَام والكحل الَّذِي لَيْسَ بِمحرم وَالْمرَاد بالتطيب مَا يحرم بِالْإِحْرَامِ نعم إِن احْتَاجَت إِلَيْهِ جَازَ وَيسْتَثْنى حَالَة طهرهَا من الْحيض أما الطّيب الْكَائِن مَعهَا حَالَة شروعها فِي الْعدة فتلزمها إِزَالَته أَيْضا بِخِلَاف الْمحرم وَيحرم عَلَيْهَا التزين بِأحد أُمُور مِنْهَا الْمَصْبُوغ من اللبَاس للتزين من قطن وحرير وَغَيرهمَا وَلَو غليظا قبل النسج كالأحمر والأصفر والوردي والأزرق والأخضر الصافيين والبرود وَخرج بِمَا ذكر مَا لم يصْبغ وَإِن كَانَ نفيسا إِذْ نفاسته من أصل خلقته لَا من زِينَة دخلت عَلَيْهِ وَمَا صبغ لَا للتزيين بل لنَحْو حمل وسخ أَو مُصِيبَة كالأسود والكحلي والأخضر والأزرق المشبعين الكدرين أما الطّراز فَإِن كثر حرم وَإِلَّا فَإِن نسج مَعَ الثَّوْب جَازَ وَإِن ركب عَلَيْهِ حرم لِأَنَّهُ مَحْض زِينَة وَمِنْهَا التحلي بالحب الَّذِي يتزين بِهِ كَاللُّؤْلُؤِ والمصبوغ من ذهب أَو فضَّة أَو غَيرهمَا من خلخال وسوار وَخَاتم وَغَيرهَا حَتَّى لَو تحلت بنحاس وَنَحْوه وموهته بِذَهَب أَو فضَّة أَو مَا يشبههما بِحَيْثُ لَا يظْهر إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ أَو كَانَت مِمَّن يتحلى بِالنُّحَاسِ وَنَحْوه حرم نعم إِن لبست ذَلِك لَيْلًا ونزعته نَهَارا جَازَ فَإِن كَانَ لحَاجَة كإحرازه لم يكره وَإِلَّا كره وَمِنْهَا الخضاب بحناء أَو زعفران أَو غَيرهمَا فِي جَمِيع الْبدن على مَا قَالَه ابْن يُونُس لَكِن حكى الشَّيْخَانِ عَن الرَّوْيَانِيّ إِنَّمَا يحرم فِيمَا يظْهر كالوجه وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ لَا فِيمَا تَحت الثِّيَاب واقتصرا عَلَيْهِ نعم نظر فِيهِ البُلْقِينِيّ وَمِنْهَا الاكتحال بالأثمد وَهُوَ الْكحل الْأسود وَالصَّبْر وَهُوَ الْأَصْفَر وَإِن لم يكن فيهمَا طيب لما فيهمَا من الزِّينَة سَوَاء أَكَانَت بَيْضَاء أم سَوْدَاء إِلَّا لحَاجَة كرمد فتفعله لَيْلًا وتمسحه نَهَارا فَإِن دعت حَاجَتهَا إِلَيْهِ نَهَارا جَازَ أما الْكحل الْأَبْيَض كالتوتياء فَجَائِز إِذْ لَا زِينَة فِيهِ (كالشعر فَلَيْسَ يدهن) أَي يحرم عَلَيْهَا دهن شعر رَأسهَا ولحيتها إِن كَانَت وَإِن لم يكن فِيهِ طيب لما فِيهِ من الزِّينَة أما سَائِر الْبدن فَلَا يحرم دهنه بِمَا لَا طيب فِيهِ كالشيرج وَالسمن لَا بِمَا فِيهِ طيب كدهن البان والبنفسج وَعلم مِمَّا تقرر حُرْمَة تحمير الْوَجْه وتبييضه بالإسفيذاج أَو تصفيره بِمَا لَهُ صفرَة وتسويد الْحَاجِب وتصغيره وتطريف الْأَصَابِع وَنقش الْوَجْه وَجَوَاز التزين بفرش وستور وأثاث الْبَيْت وَغسل الرَّأْس وامتشاطه وَدخُول الْحمام إِن لم يكن فِيهِ خُرُوج محرم وَإِزَالَة الْوَسخ وقلم الإظفار وَأَنه لَا يجب الاحداد على الْمُعْتَدَّة لغير الْوَفَاة لِأَنَّهَا إِن كَانَت مُطلقَة فَهِيَ مجفوة بِالطَّلَاق أَو مفسوخا نِكَاحهَا فالفسخ مِنْهَا أَو لِمَعْنى فِيهَا فَلَا يَلِيق بهَا فيهمَا إِيجَاب التفجع أَو مَوْطُوءَة بِشُبْهَة أَو نِكَاح فَاسد أَو أم ولد لِأَن التفجع لإِظْهَار مَا فَاتَ من عصمَة النِّكَاح وَلم تُوجد نعم ينْدب ذَلِك للمطلقة وَفِي مَعْنَاهَا المفسوخ نِكَاحهَا وَلَو تركت من وَجب عَلَيْهَا الْإِحْدَاد عَصَتْ وَانْقَضَت عدتهَا كَمَا لَو فَارَقت الْمسكن الَّذِي يجب عَلَيْهَا الْإِقَامَة بِهِ وَلَو بلغتهَا الْوَفَاة بعد مُدَّة الْعدة كَانَت منقضية وَتحل للْمَرْأَة الْإِحْدَاد على غير زوج ثَلَاثَة أَيَّام فَأَقل وَتحرم الزِّيَادَة عَلَيْهَا
(1/276)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الإستبراء) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هُوَ التَّرَبُّص بِالْمَرْأَةِ مُدَّة بِسَبَب ملك الْيَمين حدوثا أَو زوالا لمعْرِفَة بَرَاءَة رَحمهَا من الْحمل أَو للتعبد واقتصروا على ذَلِك لِأَنَّهُ الأَصْل وَإِلَّا فقد يجب الِاسْتِبْرَاء بِغَيْرِهِ كَأَن وطىء أمة غَيره ظَانّا أَنَّهَا أمته وَسَيَأْتِي مَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه يجب أَيْضا بِسَبَب حُدُوث حل التَّمَتُّع فِي الْملك كَمَا فِي الْمُكَاتبَة والمرتدة وَغَيرهمَا (إِن يطر) بِحَذْف الْألف (ملك أمة) غير زَوْجَة بشرَاء أَو إِرْث أَو هبة أَو رد بِعَيْب أَو تحالف اَوْ إِقَالَة أَو قبُول وَصِيَّة أَو غَيرهَا (فَيحرم عَلَيْهِ) أَي على سَيِّدهَا (الِاسْتِمْتَاع) بهَا بِوَطْء أَو غَيره إِلَى مُضِيّ الِاسْتِبْرَاء (بل يستخدم) إِذْ لَا مَانع مِنْهُ وَسَوَاء الْبكر وَمن استبرأها البَائِع قبل البيع والمنتقلة من صبي أَو امْرَأَة وَالصَّغِيرَة والآيسة وغيرهن وَطَرِيقه فِي دفع الِاسْتِبْرَاء إِن لم تكن مَوْطُوءَة أَو كَانَ البَائِع استبرأها أَن يعتقها ويتزوجها أَو يُزَوّجهَا غَيره وَخرج بقوله ملك أمة ملك بَعْضهَا فَلَا اسْتِبْرَاء إِذْ لَا اسْتِبَاحَة وَبِغير زَوْجَة مَا لَو ملك زَوجته فَلهُ الِاسْتِمْتَاع بهَا بعد لُزُوم العقد بِلَا اسْتِبْرَاء لعدم تجدّد الْحل نعم ينْدب لَهُ كَمَا يَأْتِي وَفِي معنى حُدُوث الْملك فِي وجوب الِاسْتِبْرَاء رفع الْكِتَابَة الصَّحِيحَة لأمته بفسخها أَو بتعجيزه لَهَا لعود ملك الِاسْتِمْتَاع بعد زَوَاله بِالْكِتَابَةِ بِخِلَاف الْكِتَابَة الْفَاسِدَة وَإِسْلَام الْمُرْتَد من السَّيِّد أَو أمته لما مر وَرفع الزَّوْجِيَّة لأمته بِمَوْت زَوجهَا أَو فِرَاقه وَلَو قبل الدُّخُول نعم إِن كَانَت مُسْتَوْلدَة وفارقها وَانْقَضَت عدتهَا فَلهُ الِاسْتِمْتَاع بهَا بِلَا اسْتِبْرَاء لعودها حِينَئِذٍ فراشا بِلَا اسْتِبْرَاء وَخرج بالمذكورات مَا لَو حرمت عَلَيْهِ أمته بِصَلَاة أَو إِحْرَام أَو حيض أَو نَحْوهَا ثمَّ حلت إِذْ لَا خلل فِي الْملك وَالتَّحْرِيم فِي ذَلِك لعَارض سريع الزَّوَال وَكَذَا لَو حرمت عَلَيْهِ برهن ثمَّ انْفَكَّ لبَقَاء ملك الِاسْتِمْتَاع بِدَلِيل حل الْقبْلَة وَالنَّظَر بِشَهْوَة وَإِنَّمَا حرم الْوَطْء مُرَاعَاة لحق الْمُرْتَهن حَتَّى لَو أذن فِيهِ حل (وَحل غير الْوَطْء من ذِي سبي) أَي من المسبية أما وَطْؤُهَا فَإِنَّهُ حرَام وَفَارَقت المسبية غَيرهَا بِأَن غايتها أَن تكون مُسْتَوْلدَة حربى وَذَلِكَ لَا يمْنَع الْملك كَمَا مر وَإِنَّمَا حرم وَطْؤُهَا صِيَانة لمِائَة لِئَلَّا يخْتَلط بِمَاء حَرْبِيّ لَا لحُرْمَة مَاء الْحَرْبِيّ (أَو هلك السَّيِّد بعد وطي) أمته (قبل زواجها) أَي إِن هلك السَّيِّد بعد وطىء أمته سَوَاء أَكَانَت مُسْتَوْلدَة أم لَا أَي أَو أعْتقهَا وَلَيْسَت فِي نِكَاح وَلَا عدَّة نِكَاح فَيجب استبراؤها قبل زواجها بِخِلَاف البيع لِأَن المُشْتَرِي يقْصد الْوَطْء وَغَيره لِأَنَّهَا كَانَت فراشا وزواله بعد الْوَطْء يُوجب التَّرَبُّص كالعدة للْحرَّة وَشَمل كَلَامه مَا لَو مَضَت مُدَّة الِاسْتِبْرَاء على مستولدته قبل مَوته أَي أَو إِعْتَاقه لِأَنَّهَا تشبه الْمَنْكُوحَة بِخِلَاف غير الْمُسْتَوْلدَة وَلَو أعتق موطوءته فَلهُ نِكَاحهَا فِي الْحَال بِلَا اسْتِبْرَاء كَمَا ينْكح الْمُعْتَدَّة مِنْهُ وَيحرم تَزْوِيج أمة مَوْطُوءَة ومستولدة قبل استبراءها حذرا من اخْتِلَاط الماءين وَلَو أعْتقهَا أَو مَاتَ عَنْهَا وَهِي متزوجة أَو فِي عدَّة نِكَاح فَلَا اسْتِبْرَاء عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَيست فراشا للسَّيِّد (بِوَضْع الْحَامِل لَو) كَانَ ذَلِك (من زنا) لَان الْغَرَض من ذَلِك معرفَة بَرَاءَة الرَّحِم وَهِي حَاصِلَة بذلك بِخِلَاف الْعدة لاختصاصها بالتأكيد بِدَلِيل إشتراط التكرر فِيهَا دون الِاسْتِبْرَاء وَالْحمل الْحَادِث من الزِّنَا كالمقارن كَمَا بَحثه الزَّرْكَشِيّ نعم لَو كَانَت ذَات أشهر وحملت من الزِّنَا حصل الِاسْتِبْرَاء بِمُضِيِّ شهر كَمَا جزموا بِهِ فِي الْعدة لِأَن حمل الزِّنَا كَالْعدمِ (و) بِمُضِيِّ (حيضه) كَامِلَة (للحائل) ذَات الْأَقْرَاء فَلَو ملكهَا فِي الطُّهْر ثمَّ حَاضَت حَيْضَة ارْتَفع التَّحْرِيم وَلَو ملكهَا فِي أثْنَاء حَيْضَتهَا لم يعْتد ببقيتها بل لَا بُد أَن تطهر ثمَّ تحيض حَيْضَة بِخِلَاف بَقِيَّة الطُّهْر فِي الْعدة فَإِنَّهَا تستعقب الْحيض الدَّال على الْبَرَاءَة وَهنا
(1/277)

تستعقب الطُّهْر وَلَا دلَالَة على الْبَرَاءَة وَلَو وَطئهَا فِي حَيْضَتهَا وانقطعت بحبلها فَإِن مضى مِنْهَا قبل وَطئه أقل الْحيض حصل الِاسْتِبْرَاء وَإِلَّا فَلَا يحصل إِلَّا بِالْوَضْعِ كَمَا لَو وَطأهَا فِي الطُّهْر وحبلت مِنْهُ (واستبر) أَنْت أمة (ذَات أشهر) وَهِي الصَّغِيرَة والآيسة (بِشَهْر) لِأَنَّهُ بدل عَن الْقُرْء حيضا وطهرا فِي الْغَالِب وَيعْتَبر فِي الِاسْتِبْرَاء وُقُوعه بعد لُزُوم العقد وَلَو قبل الْقَبْض فَلَا يَكْفِي وُقُوعه فِي زمن الْخِيَار وَإِن قُلْنَا الْملك للْمُشْتَرِي لعدم تَمَامه وَبعد انْقِضَاء عدتهَا بِأَن ملكهَا مُعْتَدَّة عَن زوج أَو وَطْء بِشُبْهَة أَو مُزَوّجَة وَطلقت وَبعد إِسْلَام مَجُوسِيَّة ووثنية ومرتدة وَبعد وَفَاء دين الْمَأْذُون إِذا اشْترى أمة وَتعلق بهَا حق الْغُرَمَاء لِأَن الِاسْتِبْرَاء لحل التَّمَتُّع فَلَا تَعْتَد إِلَّا بِمَا يستعقب حلّه وَمِنْه مَا لَو اشترا مُحرمَة فَحَاضَت ثمَّ تحللت (وأندب لشاري الْعرس) أَي زَوجته بِأَن كَانَت أمة فانفسخ نِكَاحهَا (أَن يستبري) ليتميز ولد النِّكَاح عَن ملك الْيَمين وَلَا تصير أمة فراشا لسَيِّدهَا إِلَّا بِوَطْئِهِ وَيعلم الْوَطْء بِإِقْرَارِهِ بِهِ أَو بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَإِذا ولدت للإمكان من وَطئه لحقه وَإِن لم يعْتَرف بِهِ وَهَذَا فَائِدَة كَونهَا فراشا بِالْوَطْءِ وَلَو أقرّ بِالْوَطْءِ وَنفى الْوَلَد وَادّعى استبراءها بعد الْوَطْء بحيضه وأتى الْوَلَد لسِتَّة أشهر من الِاسْتِبْرَاء لم يلْحقهُ فَإِن أنْكرت الِاسْتِبْرَاء حلف أَن الْوَلَد لَيْسَ مِنْهُ وَلَا يجب تعرضه للاستبراء وَلَو ادَّعَت استيلادا فَأنْكر أصل الْوَطْء وَهُنَاكَ ولد لم يحلف لموافقته للْأَصْل من عدم الْوَطْء وَلَو قَالَ وطِئت وعزلت لحقه لِأَن المَاء قد يسْبق إِلَى الرَّحِم من غير إحساس بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الرَّضَاع) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا اسْم لحُصُول لبن امْرَأَة أَو مَا حصل مِنْهُ فِي جَوف طِفْل كَمَا يَأْتِي وَالْأَصْل فِي تَحْرِيمه قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة} وَخبر الشَّيْخَيْنِ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب وَله أَرْبَعَة أَرْكَان مُرْضِعَة ورضيع وَلبن وحصوله فِي جَوف طِفْل كَمَا يَأْتِي وَيعْتَبر فِي ثُبُوت تَحْرِيم الرَّضَاع الْمحرم كَونه (من) لبن (ابْنه التسع) فَأكْثر فَلَا يثبت بِلَبن رجل وَلَا خُنْثَى مَا لم تظهر أنوثته وَلَا بِلَبن من لم تبلغ التسع سِنِين وَسَوَاء الْبكر والخلية وَغَيرهمَا وَلَا بِلَبن بَهِيمَة حَتَّى لَو شرب مِنْهَا صَغِير إِن لم تثبت بَينهمَا أخوة وَكَونه حلب مِنْهَا فِي حَيَاتهَا وَإِن أوجر بعد مَوتهَا فَلَا يثبت بِلَبن ميتَة (لطفل) أَي وَيعْتَبر وُصُوله إِلَى معدة طِفْل ذكر أَو أُنْثَى حَيّ وَإِن تقايأه فِي الْحَال أَو وصل إِلَى دماغه لِأَنَّهُ مَحل التغذي كالمعدة فَلَا أثر لوصوله إِلَى معدة ميت أَو دماغه لِخُرُوجِهِ عَن التغذي وَلَا لوصوله لجوف غير معدة وَلَا دماغ كالحاصل بصبه فِي جراحه فِي بطنة أَو إحليله أَو أُذُنه وَيعْتَبر حُصُوله فِيمَا ذكر من منفذ وَلَو من معي منخرق بجراحه ببطنه أَو أنف أَو مأمومة فَلَا يحرم حُصُوله فِيهِ بصبه فِي الْعين بِوَاسِطَة المسام وَشَمل قَوْلهم من امْرَأَة مَا حصل مِنْهُ كالزبد والأقط والجبن وَلَو كَانَ الْحَاصِل فِيمَا ذكر مخلوطا بمائع حرم إِن كَانَ غَالِبا وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا لما خلط بِهِ بِأَن زَالَت أَوْصَافه من طعم ولون وريح حسا وتقديرا بالأشد كلبن عجن بِهِ دَقِيق وخبز خرم إِن حصل الْجَمِيع فِيمَا ذكر وَإِلَّا لم يحرم إِلَّا إِذا تحقق حُصُول اللَّبن مِنْهُ كَأَن بقى أقل من قدر اللَّبن فَيحرم كَمَا يحرم مُطلقًا إِذا كَانَ غَالِبا وَيعْتَبر كَون اللَّبن قدرا يُمكن أَن يسقى مِنْهُ خمس رَضعَات لَو انْفَرد (دونا حَوْلَيْنِ) أَي يعْتَبر كَونه قبل بُلُوغ الرَّضِيع حَوْلَيْنِ فَلَو حصل بعدهمَا لم يحرم وَلَو تمّ الحولان فِي الرضعة الْخَامِسَة حرم وَيعْتَبر الحولان بِالْأَهِلَّةِ فَإِن انْكَسَرَ الشَّهْر الأول كمل بِالْعدَدِ من الشَّهْر الْخَامِس وَالْعِشْرين وابتداؤهما من تَمام خُرُوج الْوَلَد وَكَونه (خمس رَضعَات) لخَبر كَانَ فِيمَا أنزل عشر رَضعَات مَعْلُومَات فنسخن بِخمْس رَضعَات مَعْلُومَات (هُنَا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله (مفترقات) وَيرجع فِيهِنَّ إِلَى الْعرف فَلَو قطع إعْرَاضًا تعدد أَو للهو وَعَاد فِي الْحَال أَو تحول من ثدي إِلَى ثدي فَلَا تعدد وَلَو حلب
(1/278)

مِنْهَا دفْعَة أَو أوجرة خمْسا أَو حلب مِنْهَا فِي خمس مَرَّات وأوجره مره فرضعه نظرا إِلَى انْفِصَاله فِي الأولى وإيجاره فِي الثَّانِيَة وَلَو شكّ هَل رضع خمْسا أَو أقل أَو هَل رضع فِي حَوْلَيْنِ أَو بعد فَلَا تَحْرِيم للشَّكّ فِي سَببه (صيرتها أمه) أَي تصير الْمُرضعَة أم الرَّضِيع (وَزوجهَا) صَاحب اللَّبن (أَبَا) لَهُ و (أَخَاهُ عَمه) وَأُخْته عمته وآباءه من نسب أَو رضَاع أجدادا للرضيع وأمهاته من نسب أَو رضَاع جداته فأولاده من نسب أَو رضَاع إخْوَته وآخواته وتسرى الْحُرْمَة إِلَى فروع الرَّضِيع وَأَوْلَاده من نسب أَو رضَاع أحفاد للمرضعة والفحل وَلَو كَانَ لرجل خمس مستولدات أَو أَربع نسْوَة وَأم ولد فرضع طِفْل من كل رضعة صَار ابْنه وَلَا أمومة لَهُنَّ من جِهَة الرَّضَاع وَلَو كَانَ بدل المستولدات بَنَات أَو أَخَوَات فَلَا حُرْمَة بَين الرجل والطفل إِذْ الجدودة والخؤولة فرع الأمومة لَا أمومة هُنَا وآباء الْمُرضعَة من نسب أَو رضَاع أجداد للرضيع فَإِن كَانَ أُنْثَى حرم عَلَيْهِم نِكَاحهَا وأمهاتها من نسب أَو رضَاع جداته فَإِن كَانَ ذكرا حرم عَلَيْهِ نِكَاحهنَّ وَأَوْلَادهَا من نسب أَو رضَاع إخْوَته وأخواته وإخوتها وَأَخَوَاتهَا من نسب أَو رضَاع أَخْوَاله وخالاته فَيحرم التناكح بَينه وَبينهمْ وَكَذَا بَينه وَبَين أَوْلَاد الْأَوْلَاد بِخِلَاف أَوْلَاد الْإِخْوَة والإخوات لأَنهم أَوْلَاد أَخْوَاله وخالاته وَهَذَا معنى قَوْله (تثبت تَحْرِيمًا كماض فِي النِّكَاح و) يُبَاح لَهُ (نظر) إِلَى محرمه (و) كَذَا (خلْوَة بذا) أَي بِالرّضَاعِ (يُبَاح) وسفره مَعهَا وَلَا ينْقض لمسها الْوضُوء و (لَا تتعدى حُرْمَة إِلَى أصُول طِفْل) أَي آبَائِهِ وامهاته (وَلَا تسرى لتَحْرِيم الْفُصُول) فَيجوز لِأَبِيهِ وأخيه أَن ينكحا مرضعته وَيدْفَع الرَّضَاع الطَّارِئ النِّكَاح فَلَو أرضعت من يحرم عَلَيْهِ بنتهَا زَوجته الصَّغِيرَة انْفَسَخ نِكَاحهَا وَلها نصف الْمُسَمّى إِن كَانَ صَحِيحا حِينَئِذٍ وَإِلَّا فَنصف مهر مثلهَا وَله على الْمُرضعَة نصف مهر الْمثل وَلَو رضعت من نَائِمَة فَلَا غرم عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لم تضع شَيْئا وَلَا مهر للمرضعة لِأَن الِانْفِسَاخ حصل بِفِعْلِهَا وَذَلِكَ يسْقط الْمهْر قبل الدُّخُول وَلَو نكحت مطلقته صَغِير وأرضعته بلبنه حرمت على الْمُطلق وَالصَّغِير أبدا لِأَنَّهَا صَارَت زَوْجَة ابْن الْمُطلق وام الصَّغِير وَزَوْجَة أَبِيه وَلَو قَالَ هِنْد بنتى أَو أختى برضاع أَو قَالَت هُوَ ابنى أَو أخى برضاع حرم تناكحهما وَلَو قَالَ زوجان بَيْننَا رضَاع محرم فرق بَينهمَا عملا بقولهمَا وَسقط الْمُسَمّى وَوَجَب مهر مثل إِن وطئ وَإِلَّا فَلَا شئ وَإِن ادّعى رضَاعًا فأنكرته انْفَسَخ النِّكَاح مُؤَاخذَة لَهُ بقوله وَلها الْمُسَمّى إِن وطئ وَإِلَّا فنصفه وَلَا يقبل قَوْله عَلَيْهَا وَله تحليفها قبل الوطئ وَكَذَا بعده إِن كَانَ مهر الْمثل أقل من الْمُسَمّى فَإِن نكلت حلف هُوَ وَلَزِمَه مهر الْمثل بعد الْوَطْء وَلَا شَيْء قبله وَإِن ادَّعَت فَأنْكر صدق بِيَمِينِهِ إِن زوجت بِرِضَاهَا لتضمن رِضَاهَا الْإِقْرَار بحله وَكَذَا لَهَا وَكَذَا لَو زوجت بِغَيْر رِضَاهَا ثمَّ مكنته وَإِن لم تمكنه صدقت بِيَمِينِهَا وَلها مهر الْمثل إِن وطئ وَإِلَّا فَلَا شئ لَهَا وَيحلف مُنكر رضَاع على نفى علمه ومدعيه على بنت رجلا كَانَ أَو امْرَأَة لِأَن الرَّضَاع فعل الْغَيْر وَفعل الْغَيْر يحلف مدعيه على الْبَتّ ومنكره على نفى الْعلم وَيثبت الرَّضَاع بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو أَربع نسْوَة وَالْإِقْرَار لَهُ شَرطه رجلَانِ وَتقبل شَهَادَة الْمُرضعَة وَإِن ذكرت فعلهَا وَلم تطلب أُجْرَة وَلَا يكفى فِي الشَّهَادَة بِهِ بَينهمَا رضَاع محرم لاخْتِلَاف الْمذَاهب فِي شُرُوط التَّحْرِيم بل يجب ذكر وَقت الرَّضَاع وَعدد الرضعات ووصول اللَّبن إِلَى جَوْفه وَيعرف ذَلِك بمشاهدة حلب بِفَتْح اللَّام وإيجاز وازدراد أَو قَرَائِن كالتقام ثدى ومصه وحركه حَلقَة بتجرع وازدراد بعد علمه بِأَنَّهَا لبون فَإِن لم يعلم ذَلِك لم يجز لَهُ أَن يشْهد
(1/279)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب النَّفَقَات) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
جمع نَفَقَة من الْإِنْفَاق وَهُوَ الْإِخْرَاج وَأَسْبَاب وُجُوبهَا ثَلَاثَة ملك النِّكَاح وقرابة البعضية وَملك الْيَمين وَالْأَصْل فِي وُجُوبهَا قبل الْإِجْمَاع مَا يأتى وَبَدَأَ بِنَفَقَة ملك النِّكَاح لِأَنَّهَا أقوى لوُجُوبهَا بطرِيق الْمُعَاوضَة فَقَالَ (مدان) أَي يجب (للزَّوْجَة) كل يَوْم مسلمة أَو ذِمِّيَّة حرَّة أَو أمة (فرض الْمُوسر) أَي عَلَيْهِ (إِن مكنت) أَي إِنَّمَا تجب للزَّوْجَة نَفَقَتهَا وكسوتها بتمكين زَوجهَا مِنْهَا بِأَن تعرض نَفسهَا عَلَيْهِ وَلَو بِأَن تبْعَث إِلَيْهِ إنى مسلمة نفسى إِلَيْك وَالْمُعْتَبر فِي عرض مراهقة ومجنونة عرض الولى نعم لَو سلمت المراهقة نَفسهَا للزَّوْج بِدُونِ إِذن وَليهَا كفى وَكَذَا لَو سلمت الْبَالِغَة الْعَاقِلَة نَفسهَا إِلَى الْمُرَاهق بِدُونِ إِذن وليه فَلَو اخْتلفَا فِي التَّمْكِين صدق بِيَمِينِهِ لِأَن الأَصْل عَدمه وَلَو اتفقَا عَلَيْهِ وَادّعى النُّشُوز أَو أَدَاء مُؤنَة الْمدَّة الْمَاضِيَة صدقت بِيَمِينِهَا لذَلِك وَلَو امْتنعت من التَّمْكِين فِي ابْتِدَاء الْأَمر ليسلمها الْمهْر الْحَال فَقَالَت سلم الْمهْر لأمكن فلهَا النَّفَقَة من حِينَئِذٍ وَشَمل كَلَامه الرتقاء والقرناء والمفضاة والمريضة الَّتِى لَا تحْتَمل الْوَطْء والمجنونة الَّتِى لَا يُؤمن صيالها فَتجب لَهَا الْمُؤْنَة لِأَنَّهَا معذورة فِي ذَلِك وَقد حصل التَّسْلِيم الْمُمكن وَيُمكن التَّمَتُّع بهَا من بعض الْوُجُوه بِخِلَاف الْمَغْصُوبَة لخروجها عَن قَبْضَة الزَّوْج وفوات التَّمَتُّع بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا لَو كَانَ الزَّوْج صَغِيرا لَا يُمكن وَطْؤُهُ وَالزَّوْجَة كَبِيرَة فَتجب مؤنتها إِذْ لَا منع من جِهَتهَا فَأشبه مَا لَو سلمت نَفسهَا إِلَى كَبِير فهرب لَا أَن كَانَت صَغِيرَة لَا تحْتَمل لتعذره لِمَعْنى فِيهَا كالناشزة (وَالْمدّ فرض الْمُعسر مد وَنصف متوسط الْيَد) وَالْعبْرَة بِحَال الزَّوْج لَا الزَّوْجَة وَلَا تعْتَبر كفايتها كَنَفَقَة الْقَرِيب لِأَنَّهَا تستحقها أَيَّام مَرضهَا وشبعها وَالْمدّ رَطْل وَثلث بالبغدادى وَهُوَ مائَة وَأحد وَسَبْعُونَ درهما وَثَلَاثَة أَسْبَاع دِرْهَم بِنَاء على الْأَصَح أَن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم ومسكين الزَّكَاة مُعسر وَمن فَوْقه إِن كَانَ لَو كلف مَدين رَجَعَ مِسْكينا فمتوسط وَإِلَّا فموسر وَيخْتَلف ذَلِك بالرخص والغلاء وَالرَّقِيق وَالْمكَاتب والمبعض وَإِن كثر مَال الْأَخيرينِ لَيْسَ عَلَيْهِم إِلَّا نَفَقَة المعسرين وَيعْتَبر الْيَسَار وَغَيره بِطُلُوع الْفجْر (من حب) أَي الْوَاجِب فِيهَا الْحبّ التَّسْلِيم من الْعَيْب (قوت غَالب فِي الْبَلَد) أَي قوت غَالب أهل الْبَلَد بِحَسب اللآئق بِهِ وَيجب عَلَيْهِ مُؤنَة طحنه وخبزه وَلَو طلب أَحدهمَا بدل الْحبّ من خبز أَو غَيره لم يجْبر الْمُمْتَنع مِنْهُمَا فَلَا يجوز أما الْجَوَاز فِي غَيرهمَا كالدراهم وَالدَّنَانِير وَالثيَاب فَلِأَنَّهُ اعتياض عَن طَعَام مُسْتَقر فِي الذِّمَّة لمُعين كالاعتياض عَن طَعَام مَغْصُوب متْلف وَأما الْمَنْع فِي الدَّقِيق وَالْخبْز فَلِأَنَّهُ رَبًّا وَلَو أكلت مَعَه كالعادة سَقَطت نَفَقَتهَا إِن كَانَت غير مَحْجُور عَلَيْهَا أَو كَانَت وَأذن وَليهَا فِي أكلهَا مَعَه فَإِن كَانَت محجورة وَلم يَأْذَن وَليهَا فِي ذَلِك لم تسْقط عَنهُ (والأدم وَاللَّحم كعادة الْبَلَد) أَي يجب لَهَا أَدَم من أَدَم غَالب الْبَلَد كزيت وَسمن وَجبن وتمر وخل وَيخْتَلف بالفصول فَيجب فِي كل فصل مَا يُنَاسِبه ويقدره قَاض بِاجْتِهَادِهِ ويفاوت فِي قدره بَين مُوسر وَغَيره فَينْظر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمَدّ فيفرضه على الْمُعسر وَضَعفه على الْمُوسر وَمَا بَينهمَا على الْمُتَوَسّط وَاللَّحم كعادة الْبَلَد على مَا يَلِيق بِهِ يسارا إو إعسارا ثمَّ إِن كَانَ الْمَدْفُوع يكفى غداء وعشاء لم يجب فِي ذَلِك الْيَوْم سواهُ وَإِلَّا وَجب وَلَو كَانَت تَأْكُل الْخبز وَحده وَجب الْأدم وَلَا نظر لهادتها لِأَن الله شَرط معاشرتها بِالْمَعْرُوفِ وَلَيْسَ مِنْهُ تكليفها الصَّبْر على الْخبز وَحده (ويخدم الرفيعة الْقدر أحد) يعْنى يجب على الزَّوْج أَن يخْدم
(1/280)

الرفيعة الْقدر بِأَن كَانَت حرَّة لَا يَلِيق بهَا خدمَة نَفسهَا وَاحِدًا وَإِن كَانَ الزَّوْج مُعسرا أَو رَقِيقا وَأَشَارَ برفيعة الْقدر إِلَى أَن الِاعْتِبَار فِي اسْتِحْقَاقهَا الْخدمَة أَن تكون مِمَّن تخْدم فِي بَيت أَهلهَا وَيحصل بحرة أَو أمة أَو محرم أَو مَمْسُوح أوصى غير مراهق أَو مَمْلُوكا لَهَا لَا شيخ وذمية وَلَيْسَ لَهُ أَن يخدمها بِنَفسِهِ وَلَو فِيمَا لَا يستحيا مِنْهُ والإخدام مِمَّن ذكر يكون بِأُجْرَة أَو إِنْفَاق فَإِن أخدم بِأُجْرَة فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيرهَا أَو بإنفاق فَإِن كَانَت الخادمة أمته انفق عَلَيْهَا بِالْملكِ أَو غَيرهَا انفق عَلَيْهَا الْمُعسر والمتوسط مدا والموسر مدا وَثلثا اعْتِبَارا فِيهِ وَفِي الْمُتَوَسّط بثلثى نَفَقَة المخدومة وَاعْتبر فِي الْمُعسر مد وَإِن كَانَ فِيهِ تَسْوِيَة بَين الخادمة والمخدومة لِأَن الْعَيْش لَا يتم بِدُونِهِ غَالِبا وَيكون من جنس أَدَم المخدومة ودونه نوعا كَمَا فِي الْكسْوَة وَقدره بِحَسب الطَّعَام وَيجب اللَّحْم لَهَا أَيْضا وتملك الزَّوْجَة نَفَقَة أمتها الخادمة كَنَفَقَة نَفسهَا وَأما الْحرَّة الخادمة فَيجوز أَن يُقَال تَملكهَا الزَّوْجَة لتدفعها للخادمة وَعَلِيهِ لَهَا أَن تتصرف فِي الْمَأْخُوذ وتكفى مُؤنَة الخادمة وَعلم من قَول النَّاظِم أحد بِمَعْنى وَاحِد أَنه لَا يلْزمه زِيَادَة على خَادِم وَاحِد نعم إِن كَانَ بِالزَّوْجَةِ مرض وَجب إخدامها بِقدر الْحَاجة وَيجب للخادمة بِالنَّفَقَةِ كسْوَة تلِيق بهَا من قَمِيص ومقنعة وخف وَمِلْحَفَة وجبة فِي الشتَاء وَسَرَاويل اعْتِبَارا بعادة زمننا وَمَا نقل عَن الْجُمْهُور من عدم وُجُوبه هُوَ بِاعْتِبَار ذَلِك الزَّمن وَيجب مَا تفرشه وَمَا تتغطى بِهِ كقطعة لبد وَكسَاء فِي الشتَاء وباردية فِي الصَّيف ومخدة وَيكون ذَلِك دون مَا يجب للمخدومة جِنْسا ونوعا لَا آلَة تنظيف لِئَلَّا تمتد إِلَيْهَا الْأَعْين فَإِن كثر وسخ وتأذت بقمل وَجب أَن ترفعه بِمَا يزِيل ذَلِك من مشط ودهن وَغَيرهمَا وَيجب على الزَّوْج فِي أول كل من فصل الشتَاء والصيف كسْوَة زَوجته قَالَ تَعَالَى {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ} على قدر كفايتها ذَلِك بِطُولِهَا وقصرها وهزالها وسمنها وبإختلاف الْبِلَاد فِي الْحر وَالْبرد وَلَا يخْتَلف عدد الْكسْوَة بيسار الزَّوْج وإعساره ولكنهما يؤثران فِي الْجَوْدَة والرداءة فَيجب (لَهَا خمار) للرأس (وقميص ولباس) أَي سَرَاوِيل أَو نَحوه (بِحَسب عَادَة) لَهَا (وَفِي الصَّيف مداس) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا وَهُوَ مَا يُسمى بالسر موزة أَو نَحوه بقى قدمهَا من شدَّة الْحر وَكَذَلِكَ القبقاب فِي الشتَاء إِن اقْتَضَاهُ الْعرف قَالَ الماوردى إِلَّا إِذا كَانَت من نسَاء قَرْيَة اعتدن الْمَشْي فِي بُيُوتهنَّ حُفَاة فَلَا يجب لرجليها شئ (و) يجب (مثله) أَي مثل هَذَا (مَعَ جُبَّة) محشوة بالقطن أَو نَحْوهَا مخيطة فِي (فصل الشتا) لحُصُول الْكِفَايَة بذلك فَإِن لم يكف لشدَّة برد زيد لقدر الْحَاجة و (اعْتبر الْعَادة) للزَّوْج (جِنْسا ثبتا) بِأَلف الاطلاق فِيهِ وَفِيمَا بعده فلزوجة الْمُوسر من لينه والمعسر من غليظه ولزوجة الْمُتَوَسّط مِمَّا بَينهمَا فَإِن جرت عَادَة بلد الزَّوْج لمثله بكتان أَو حَرِير وَجب ويفاوت بَين الْمُوسر وَغَيره فِي مَرَاتِب ذَلِك الْجِنْس (وَحَالَة) أَي الزَّوْج (فِي لينها) أَي الْكسْوَة وخشونتها وغليظ الْقطن والكتان ورفيعها وَيجب مَا تقعد عَلَيْهِ فلزوجة الْمُوسر طنفسة فِي الشتَاء ونطع فِي الصَّيف ولزوجة الْمُتَوَسّط زلية ولزوجة الْمُعسر لبد فِي الشتَاء وحصير فِي الصَّيف وَيُشبه كَمَا قَالَ الشَّيْخَانِ أَن تكون الطنفسة والنطع بعد بسط زلية أَو حَصِير للْعَادَة وَكَذَا فرش للنوم فَتجب مضربة وثيرة أَو قطيفة ومخدة ولحاف أَو نَحوه فِي الشتَاء فِي الْبِلَاد الْبَارِدَة وَذكر الغزالى الملحفة أَي فِي الصَّيف وَسكت غَيره عَنْهَا وَالْحكم فِي جَمِيع ذَلِك مبْنى على الْعَادة نوعا وَكَيْفِيَّة حَتَّى قَالَ الرويانى لَو لم يعتادوا لنومهم فِي الصَّيف غطاء غير لباسهم لم يلْزمه شئ وَليكن مَا يلْزم من ذَلِك لامْرَأَة الْمُوسر من الْمُرْتَفع وَلَا امْرَأَة الْمُعسر من النَّازِل وَلَا امْرَأَة الْمُتَوَسّط مِمَّا بَينهمَا وَيجب لَهَا آلَة تنظيف كمشط ودهن من زَيْت أَو نَحوه ومرتك أَو نَحوه لإزالته صنان إِذا لم يَنْقَطِع بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب لَا كحل وخضاب وَمَا يزين فَإِن أَرَادَ الزِّينَة بِهِ هيأه لَهَا تتزين بِهِ ودواء مرض وَأُجْرَة طَبِيب وحاجم وفاصد وَلها طَعَام أَيَّام الْمَرَض وأدمها وَصرف ذَلِك إِلَى الدَّوَاء وَنَحْوه
(1/281)

وَتجب أُجْرَة حمام على الْعَادة فَإِن لم تَعْتَد دُخُوله فَلَا وَيجب ثمن مَاء غسل جماع ونفاس لَا حيض واحتلام إِذْ الأول من قبل الزَّوْج بِخِلَاف الثانى وَيُقَاس بِهِ من مَاء الْوضُوء وَيجب آلَات أكل وَشرب وطبخ كقدرة وقصعة وكوز وجرة ومغرفة وَنَحْوهَا وَيجب لَهَا عَلَيْهِ تهيئة مسكن لَائِق بهَا عَادَة من دَار أَو حجرَة أَو غَيرهَا وَلَو مُسْتَأْجرًا ومستعارا وَمَا يستهلك من طَعَام وآدَم ودهن تمْلِيك تتصرف فِيهِ بِالْبيعِ وَغَيره فَلَو قترت بِمَا يَضرهَا منعهَا مِنْهُ وَكَذَا مَا دَامَ نَفعه ككسوة وظروف طَعَام ومشط والمسكن وَالْخَادِم إمتناع لَا تمْلِيك وَمر أَنَّهَا تُعْطى كسوتها أول كل سِتَّة أشهر وَمَا يبْقى سنة فَأكْثر كالفراش وجبة الْحَرِير بحدد وَقت تجديده عَادَة وَإِن تلفت فِيهِ وَلَو بِلَا تَقْصِير لم يُبدل وَإِن مَاتَت فِيهِ لم ترد وَلَو لم ينْفق اَوْ لم يكس مُدَّة فدين وَيسْقط مَا يجب للزَّوْجَة بنشوزها وَهُوَ الْخُرُوج عَن طَاعَة زَوجهَا وَلَو بِمَنْع لمس بِلَا عذر فَتسقط نَفَقَة كل يَوْم بالنشوز بِلَا عذر وَلَو فِي بعضه وَكِسْوَة الْفَصْل بالنشور فِيهِ ونشور الْمَجْنُونَة والمراهقة كالبالغة الْعَاقِلَة وخروجهما بِلَا إِذن مِنْهُ نشوز إِلَّا لعذر وسفرها بِإِذْنِهِ مَعَه أَو لِحَاجَتِهِ لَا يسْقط ولحاجتها كحج وَعمرَة يسْقط وَلَو سَافَرت مَعَه بِغَيْر إِذْنه لم تسْقط نعم إِن منعهَا من الْخُرُوج فَخرجت سَقَطت نَفَقَتهَا وَنَحْوهَا فَإِن سَافَرت بِإِذْنِهِ لحاجتهما مَعًا وَحدهَا لم تسْقط وَلَو خرجت فِي غيبته أَي سَفَره لزيارة أَهلهَا أَو نَحْوهَا كعيادة لَهُم لم تسْقط ويمنعها الزَّوْج صَوْم نفل مُطلقًا كالإثنين وَالْخَمِيس وَمن صَوْم مُطلق النّذر وَمن معِين نذرته فِي نِكَاحه بِلَا إِذْنه وَمن قَضَاء موسع وَمن صَوْم الْكَفَّارَة وَله قِطْعَة إِن شرعت فِيهِ فَإِن منعهَا ففعلته فناشزة لامتناعها من التَّمْكِين بِمَا فعلته وَلَيْسَ لَهُ منعهَا من صَوْم عرفه وعاشوراء وَلَا من تَعْجِيل مَكْتُوبَة أول وَقتهَا لحيازة فَضِيلَة أول الْوَقْت وَلَا من فعل سنَن راتبة لتأكدها وَإِن كَانَ لَهُ الْمَنْع من تطويلها (وقررا) بدل من نون التوكيد إِن بنى للْفَاعِل وَإِلَّا فللإطلاق (الْفَسْخ بالقاضى لَهَا أَن أعسرا) أَي الزَّوْج بِأَن ثَبت أعساره عِنْد قَاض أَو بِإِقْرَار أَو بِبَيِّنَة وَلَو بغيبة بمسافة الْقصر أَو بِكَوْنِهِ مُؤَجّلا بِقدر مُدَّة إِحْضَاره مِنْهَا أَو حَالا على مُعسر (عَن قوتها) أَي زَوجته الْوَاجِب على الْمُعسر (أَو كسْوَة) لَهَا كَذَلِك (أَو منزل) يَلِيق بهَا أمهله القاضى (ثَلَاث أَيَّام لأقصى الْمهل) لِأَنَّهَا مُدَّة مغتفرة شرعا يتَوَقَّع فِيهَا الْقُدْرَة بِفَرْض أَو غَيره وَإِن لم يستمهله ليتَحَقَّق عَجزه فَإِنَّهُ قد يعجز لعَارض ثمَّ يَزُول (و) لَهَا (الْفَسْخ قبل وَطئهَا بِالْمهْرِ) أَي بِسَبَبِهِ سَوَاء الْمُسَمّى والمفروض وَمهر الْمثل ثمَّ فِي صَبِيحَة الْيَوْم الرَّابِع يفْسخ القاضى نِكَاحه بطلبها أَو يُمكنهَا من فَسخه قَالَ الإِمَام وَلَا حَاجَة إِلَى إِيقَاعه فِي مجْلِس الحكم لِأَن الَّذِي يتَعَلَّق بِمَجْلِس الحكم إِثْبَات حق الْفَسْخ وَاحْترز بقوله إِن أعْسر عَن الْقَادِر على مَا ذكر وَلَو بِالْكَسْبِ أَو كَأَن يجد بِالْغَدَاةِ غداءها وبالعشى عشاءها حَتَّى لَو امْتنع من أَدَاء الْوَاجِب فَلَا فسخ لتمكنها من وصولها إِلَى حَقّهَا بالحاكم أَو يَدهَا إِن قدرت وَعَما لَو غَابَ مُوسِرًا وَلم يعلم حَاله فَلَا فسخ بل يبْعَث حَاكم بَلَدهَا إِلَى حَاكم بَلَده ليطالبه إِن علم مَوْضِعه وَمَتى ثَبت عَجزه جَازَ الْفَسْخ وَلَا يتَوَقَّف على بعث وَلَا فسخ بعجزه عَن نَفَقَة الموسرين والمتوسطين وكسوتهم لِأَن واجبه الْآن وَاجِب المعسرين وَلَا بعجزه عَن ذَلِك الزَّمن الماضى لتنزيله منزلَة دين أخر لَهُ وَاحْترز بقوله قبل وَطئهَا عَن إِعْسَاره بِالْمهْرِ بعد وَطئهَا فَلَا فسخ بِهِ لتلف المعوض بِخِلَاف مَا قبله وَلَو أعْسر بِبَعْض الْمهْر وَقد قبضت بعضه كَانَ لَهُ الْفَسْخ على الْمُعْتَمد وإعساره عَن الْمَذْكُورَات إِعْسَاره بِالْأدمِ فَلَا فسخ بِهِ لِأَن النَّفس تقوم بِدُونِهِ وَكَذَا إِعْسَاره بمؤن الْخَادِم لِأَنَّهُ غير ضَرُورِيّ وَبِقَوْلِهِ لَهَا عَن وَليهَا وسيدها فَلَا حق لَهما فِي الْفَسْخ نعم للسَّيِّد حق الْفَسْخ بِالْمهْرِ لِأَنَّهُ حَقه وَعلم من قَوْله بالقاضى أَنه لَا بُد مَعَ ثُبُوت إِعْسَاره من الرّفْع للْحَاكِم فَلَو اسْتَقَلت بِهِ لم ينفذ ظَاهرا وَلَا بَاطِنا حَيْثُ كَانَ ثمَّ حَاكم أَو مُحكم وَإِلَّا فَالْوَجْه استقلالها وَلَو عجز عَن الأوانى والفرش فَلَا فسخ أَو عَن بعض الْكسْوَة فَإِن كَانَ المعجوز عَنهُ مِمَّا
(1/282)

لَا بُد مِنْهُ كالقميص والخمار وجبة فِي الشتَاء فلهَا الْفَسْخ أَو مِمَّا مِنْهُ بُد كالسراويل والنعل فَلَا وَلَو سلم الزَّوْج نَفَقَة الْيَوْم الرَّابِع فَلَا فسخ فَلَو سلمهَا لَهَا عَمَّا مضى فَظَاهر كَلَامهم أَن لَهَا الْفَسْخ قَالَ الأذرعى وَهُوَ الْمُتَبَادر وَرجح ابْن الرّفْعَة عَكسه وللرافعى فِي ذَلِك احْتِمَالَانِ وَلَو سلمهَا عَن الرَّابِع وَعجز عَنْهَا فِي الْخَامِس أَو السَّادِس جَازَ الْفَسْخ فِي الْخَامِس أَو السَّادِس وَلَا تسْتَأْنف الْمدَّة لتضررها وَلَو مضى يَوْمَانِ وَأنْفق الثَّالِث وَعجز عَن الرَّابِع بنت على الْيَوْمَيْنِ وفسخت صَبِيحَة الْخَامِس وَلَو عجز فِي يَوْم وَقدر فِي الثانى وَعجز فِي الثَّالِث وَقدر فِي الرَّابِع لفقت أَيَّام الْعَجز فَإِذا تمت مُدَّة المهلة كَانَ لَهَا الْفَسْخ وَلها الْخُرُوج زمن المهلة لتَحْصِيل النَّفَقَة بكسب أَو سُؤال وَلَيْسَ لَهُ منعهَا من ذَلِك الانتقاء الأنفاق الْمُقَابل لحبسها ويلزمها الرُّجُوع لَيْلًا لِأَنَّهُ وَقت الدعة وَلَيْسَ لَهَا مَنعه من التَّمَتُّع بهَا فِي غير زمن التَّحْصِيل وَلها ذَلِك زَمَنه وَلَو رضيت بإعساره الْعَارِض أَو نكحته عَالِمَة بإعساره فلهَا الْفَسْخ بعده لتجدد ضررها بِخِلَاف رِضَاهَا بإعساره بمهرها لعدم تجدده ثمَّ شرع فِي كِفَايَة الْأُصُول وَالْفُرُوع فَقَالَ (وأفرض كِفَايَة على) حر ذى يسر بفاضل عَن مُؤْنَته وَمؤنَة عِيَاله يَوْمه وَلَيْلَة (لأصل أَو فرع) بدرج الْهمزَة وَيجوز جعل ألف صجبا للتثنية عَائِد على الأَصْل وَالْفُرُوع وَلَا بُد فِي الأَصْل وَالْفرع من أَن يَكُونَا من النّسَب (لفقر صحبا) أَي حَيْثُ كَانَ مُحْتَاجا نَفَقَة وأدما وَكِسْوَة وسكنى وَمؤنَة خَادِم احتاجه وَأُجْرَة طَبِيب وَثمن دَوَاء وَغَيرهَا إِذْ الْوَاجِب الْكِفَايَة وهى غير مقدرَة وَيعْتَبر فِي السن وَالرَّغْبَة والزهادة وَيلْزم الكسوب كسبها كَمَا يلْزمه كسب نَفَقَة نَفسه وَيُبَاع فِيهَا مَا يُبَاع فِي الدّين من عقار وَغَيره ويقترض فِي الْعقار أَن يجْتَمع مَا يسهل بيع الْعقار لَهُ فَيُبَاع حِينَئِذٍ (لَا الْفَرْع أَن يبلغ وَلَا مكتسبا) أَي لَا يجب لمَالِك كِفَايَته وَلَا مكتسبها وَتجب لفقير غير مكتسب وَإِن كَانَ زَمنا أَو صَغِيرا أَو مَجْنُونا وَإِلَّا فَتجب لأصل لَا لفرع لعظم حُرْمَة الأَصْل وَخرج بِأَصْلِهِ وفرعه الحرين الرقيقان وَلَو مكاتبين وَإِخْوَته وأخواته وَنَحْوهم فَإِن كَانَا مبعضين لزمَه نفقتهما بِقدر حريتهما أَو هُوَ مبعض لَزِمته نَفَقَة تَامَّة وَتسقط بمضى الزَّمَان وَلَو اسْتغنى فِي بعض الْأَيَّام بضيافة أَو غَيرهَا لم تجب وَلَو تلفت فِي يَده وَجب الْإِبْدَال وَكَذَا لَو أتلفهَا بِنَفسِهِ لَكِن يُؤْخَذ مِنْهُ بدلهَا إِذا أيسر وَتصير دينا بِفَرْض قَاض أَو إِذْنه فِي افتراض لغيبة أَو منع واقترضت وَيلْزم الْأُم إِرْضَاع وَلَدهَا اللبأ بِالْهَمْزَةِ لِأَنَّهُ لَا يعِيش غَالِبا بِدُونِهِ وَهُوَ اللَّبن أول الْولادَة ومدته يسيرَة وَلها أَخذ أُجْرَة عَلَيْهِ ثمَّ بعده أَن لم يُوجد إِلَّا هى أَو أَجْنَبِيَّة وَجب عَلَيْهَا إرضاعه وَإِن وجدت لم تجبر الْأُم سَوَاء أَكَانَت فِي نِكَاح أَبِيه أم لَا فَإِن رغبت فِي الْإِرْضَاع وهى مَنْكُوحَة أَبِيه لم يمْنَعهَا لِأَنَّهَا أشْفق ولبنها لَهُ أصلح وأوفق فَإِن اتفقَا على إرضاعه وَطلب أُجْرَة الْمثل أجيبت أَو فَوْقهَا أَو تبرعت بِهِ أجنبيه أَو رضيت بِأَقَلّ من أُجْرَة مثل لم تجب إِلَى ذَلِك وَمن اسْتَوَى فرعاه فِي الْقرب وَالْإِرْث أَو عدمهما أنفقا بِالسَّوِيَّةِ بَينهمَا وَإِن تَفَاوتا فِي الْيَسَار كابنين أَو بنتين وكابنى ابْن أَو بنت وَإِن اخْتلفَا فِيمَا ذكر كَأَن كَانَ أَحدهمَا أقرب وَالْآخر وَارِثا لَزِمت أقربهما فَإِن اسْتَوَى قربهما لَزِمت الْوَارِث ويوزع على الْوَارِثين الْإِرْث بِحَسب الْإِرْث لإشعار زِيَادَة الْإِرْث بِزِيَادَة قُوَّة الْقَرَابَة وَمن لَهُ أَبَوَانِ فعلى الإب أَو أجداد وجدات لَزِمت الْأَقْرَب مِنْهُم وَإِن لم يدل بَعضهم بِبَعْض وَمن لَهُ أصل وَفرع فعلى الْفَرْع وَإِن بعد أَوله محتاجون وَلم يقدر على كفايتهم قدم زَوجته ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ثمَّ شرع فِي كِفَايَة الْمَمْلُوك وَالرَّقِيق فَقَالَ (لدابة قدر كفاها) أَي يجب على مَالِكهَا كفايتها لعلفها وسقيها لحُرْمَة الرّوح وَيقوم مقَامهَا تخليتها لترعى وَترد المَاء إِن ألفت ذَلِك فَإِن امْتنع أجبر فِي المأكولة على إِزَالَة ملك أَو علف أَو ذبح وَفِي غَيرهَا على إِزَالَة ملك أَو علف صونا عَن التّلف فَإِن لم يفعل ذَلِك نَاب عَنهُ الْحَاكِم فِي ذَلِك على مَا يرَاهُ ويقتضيه الْحَال وَلَا يحلب من لَبنهَا ماضر وَلَدهَا وَهَذَا (كالرقيق) تجب كِفَايَته
(1/283)

على سيدة وَلَو آبقا وزمنا وَأم ولد ومرهونا ومستأجرا ومعارا نَفَقَة وَكِسْوَة وَسَائِر الْمُؤَن بِحَسب الْعرف وَيسْتَثْنى الْمكَاتب وَلَو فَاسد الْكِتَابَة فَلَا تجب نَفَقَته على سَيّده لاستقلاله بِالْكَسْبِ وَكَذَا تستثنى الْأمة الْمُزَوجَة إِذا وَجَبت نَفَقَتهَا على زَوجهَا وَيُؤْخَذ من تَعْبِيره بالكفاية سُقُوطهَا بمضى الزَّمَان كَنَفَقَة الْقَرِيب وَيُحب كِفَايَته من غَالب قوت رَقِيق الْبَلَد وأدمهم وكسوتهم من حِنْطَة وشعير وزيت وَسمن وقطن وكتان وصوف وَغَيرهَا ويراعى حَال السَّيِّد يسارا وإعسارا فَيجب مَا يَلِيق بِحَالهِ من رفيع الْجِنْس وخسيسه فَلَو كَانَ يسْتَعْمل دون اللَّائِق بِهِ الْمُعْتَاد غَالِبا بخلا أَو رياضة أَو فَوْقه تنعما لزمَه رِعَايَة الْغَالِب للرقيق وَلَا يلْزمه ان يسويه بِنَفسِهِ إِذا اخْتلفت عَادَتهمَا وَيسن أَن يناوله مَا يتنعم بِهِ من طَعَام وأدم وَأَن يسوى بَين العبيد فِي الطَّعَام وَالْكِسْوَة وَكَذَا بَين الْإِمَاء وَأَن يفضل الجميلة فَإِن امْتنع من الْإِنْفَاق على على رَقِيقه بَاعَ الْحَاكِم مَاله فِي نَفَقَته فَإِن لم يكن أمره بِبيعِهِ أَو إِجَارَته أَو أعتاقه فَإِن أَبى بَاعه الْحَاكِم أَو أجره بِحَسب الْمصلحَة ويستدين عَلَيْهِ إِلَى أَن يجْتَمع شئ صَالح فَبلغ مَا يفى بِهِ (وَلَا يكلفا) بِحَذْف نون الرّفْع لغير ناصب وَلَا جازم وَهُوَ لُغَة والتثنية رَاجِعَة للدابة وَالرَّقِيق (سوى شئ يُطيق) من الْأَعْمَال وَيجوز تَكْلِيفه الْأَعْمَال الشاقة فِي بعض الْأَوْقَات وَإِذا سَافر لَا يكلفه المشى إِلَّا أَن تكون الْمسَافَة قريبَة وَإِن اسْتَعْملهُ نَهَارا أراحه لَيْلًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ ويريحه فِي الصَّيف بالقيلولة ويستعمله فِي الشتَاء النَّهَار مَعَ طَرفَيْهِ وَيتبع فِي جَمِيع ذَلِك الْعَادة الْغَالِبَة وعَلى الْمَمْلُوك بذل المجهود وَترك الكسل وَيجوز المخارجة برضاهما وهى ضرب خراج مَعْلُوم يُؤَدِّيه كل يَوْم أَو أُسْبُوع من كَسبه وَليكن لَهُ كسب مُبَاح دَائِم يفى بذلك فَاضلا عَن نَفَقَته وَكسوته إِن جَعلهمَا فِي كَسبه فَإِن زَاد كَسبه على ذَلِك فَالزِّيَادَة بر وتوسيع من سَيّده لَهُ وهى جَائِزَة فَلِكُل مِنْهُمَا نقضهَا وَللسَّيِّد إِجْبَار أمته على إِرْضَاع وَلَدهَا مِنْهُ أَو من غَيره لِأَن لَبنهَا ومنافعها لَهُ وَكَذَا غَيره إِن فضل عَنهُ وعَلى فطمه قبل حَوْلَيْنِ إِن لم يضرّهُ وعَلى إرضاعه بعدهمَا إِن لم يَضرهَا فَلَيْسَ لَهَا اسْتِقْلَال بفطام وَلَا إِرْضَاع وَمَا لَا روح لَهُ كدار وقناة لَا تجب عمارتها وَلَا يكره تَركهَا إِلَّا إِذا أدّى إِلَى الخراب فَيكْرَه وَيكرهُ ترك سقى الزَّرْع وَالشَّجر عِنْد الامكان حذرا من إِضَاعَة المَال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْحَضَانَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هِيَ بِفَتْح الْحَاء من الحضن بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْجنب فَإِن الحاضنة ترد إِلَيْهِ الْمَحْضُون وتنتهى بِالْبُلُوغِ وَقيل بالتمييز وَبعده كَفَالَة وهى حفظ من لَا يسْتَقلّ بأموره وتربيته بِمَا يصلحه وَلَا يخْتَص بهَا الْإِنَاث لَكِنَّهَا بِهن أليق لِأَنَّهُنَّ أشْفق وَأهْدى إِلَى التربية وأصبر على الْقيام بهَا وَمؤنَة الْحَضَانَة على من عَلَيْهِ النَّفَقَة وَلها شُرُوط أَخذ فِي بَيَانهَا فَقَالَ (وَشَرطهَا) أَي الْحَضَانَة (حريَّة) فَلَا حضَانَة لمن فِيهِ رق رجلا كَانَ أَو امْرَأَة وَلَو مبعضا لِأَنَّهَا ولَايَة وَلَيْسَ هُوَ من أَهلهَا ولاشتغاله بِخِدْمَة سَيّده فَلَا يتفرغ لَهَا وَلَا يُؤثر رضَا سَيّده وإذنه لَهُ فِيهَا لِأَنَّهُ قد يرجع إِلَيْهَا فيتضرر الْوَلَد وَيسْتَثْنى مالو أسلمت أَو ولد الْكَافِر فَإِن وَلَدهَا يتبعهَا وحضانته لَهَا مَا لم تنْكح وَلَعَلَّ الْمَعْنى فِيهِ فراغها لمنع السَّيِّد من قربانها ووفور شفيقتها (وعقل) فَلَا حضَانَة لمن بِهِ جُنُون وَلَو متقطعا إِلَّا أَن يقل كَيَوْم فِي سنة فَهُوَ كَمَرَض يطْرَأ وَيَزُول وَفِي معنى الْمَجْنُون مَرِيض بُرْؤُهُ كمن بِهِ سل أَو فالج إِن شغله ألمه عَن كفَالَته وتدبيره أمره فَإِن أثر فِي مُجَرّد عسر الْحَرَكَة وَالتَّصَرُّف فَكَذَلِك فِيمَن يُبَاشر بِنَفسِهِ دون من يدبر بنظره وَلَا حضَانَة لأبرص وأجذم بتعهده بِنَفسِهِ وَخيف لُحُوق ضَرَر مِنْهُ (مسلمة حَيْثُ كَذَاك الطِّفْل) أَي يشْتَرط فِي الْحَضَانَة الْإِسْلَام حَيْثُ كَانَ الْمَحْضُون مُسلما فَلَا حضَانَة لكَافِر على مُسلم إذلا ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ بِحَال اما الْمَحْضُون الْكَافِر فللمسلم وَالْكَافِر
(1/284)

حضانته (أمينة) فَلَا حضَانَة لفَاسِق لِأَنَّهُ لَا يلى وَلَا يؤتمن وَكَذَا السَّفِيه وَالصَّبِيّ والمغفل وتكفى الْعَدَالَة الظَّاهِرَة (وترضع الرضيعا) بِأَلف الْإِطْلَاق (أم) إِن كَانَ لَهَا لبن فَإِن امْتنعت مِنْهُ فَلَا حضاته لَهَا فَإِن لم يكن لَهَا لبن بقى حَقّهَا وعَلى من عَلَيْهِ مُؤنَة الرَّضِيع أَن يأتى لَهَا بِمن ترْضِعه عِنْدهَا وَيشْتَرط خلوها من نِكَاح من لَاحق لَهُ فِي حضَانَة الْوَلَد كَمَا يأتى وَلَو كَانَ الْمَحْضُون رَقِيقا فحضانته لسَيِّده أَو مبعضا فَلهُ الْحَضَانَة بنسبه رقة ولقريبه بنسي \ بِهِ حُرِّيَّته فَإِن رضى أَحدهمَا بِالْآخرِ أَو رَضِيا بمهايأة أَو باكتراء حاضن فَذَاك وَإِلَّا أكترى الْحَاكِم حاضنا وَأوجب الْمُؤْنَة عَلَيْهِمَا وَلَا حضَانَة لذى الْوَلَاء ثمَّ إِذا بلغ الْوَلَد عَاقِلا انْقَطَعت عَنهُ الْحَضَانَة وَالْكَفَالَة وَيبقى إسكانه فَإِن كَانَ ذكرا يحسن تَدْبيره لَو يجْبر على أَن يكون عِنْد أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا وَالْأولَى أَن لَا يفارقهما بل يَخْدُمهُمَا ويصلهما اَوْ أُنْثَى مُزَوّجَة فَعِنْدَ زَوجهَا وَإِلَّا فَإِن كَانَت بكرا فَعِنْدَ أَبَوَيْهَا أَو أَحدهمَا وتجبر على ذَلِك فَإِن افْتَرقَا خيرت بَينهمَا وَإِن كَانَت ثَيِّبًا فَالْأولى أَن تكون عِنْدهمَا أَو عِنْد أَحدهمَا وَلَا يجْبر على ذَلِك إِلَّا إِذا لم تكن تُهْمَة وَلَا رِيبَة وَإِلَّا فللإب وَالْجد وَمن يلى تَزْوِيجهَا منعهَا من الإنفراد وَالْمحرم مِنْهُم يضمها إِلَى نَفسه أَن رأى ذَلِك وَغَيره يسكنهَا موضعا لائقا بهَا ويلاحظها وَللْأُمّ ضمهَا إِلَيْهَا عِنْد الرِّيبَة وَلَو فرضت الرِّيبَة فِي حق الْبكر فهى أولى بِالِاحْتِيَاطِ والأمرد إِن خيف عَلَيْهِ من الِانْفِرَاد وانقدحت تُهْمَة منع من مُفَارقَة أَبَوَيْهِ وَالْجد كَالْأَبِ فِي حَقه وَكَذَا الْأَخ وَالْعم وَنَحْوهمَا فَلَو ادّعى الولى رِيبَة وَأنْكرت قبل قَوْله ويحتاط بِلَا بَيِّنَة وَإِذا اجْتمع عدد من مستحقى الْحَضَانَة فَإِن تراضوا بِوَاحِد فَذَاك أَو تدافعوها فحضانته على من عَلَيْهِ نَفَقَته فَيجْبر عَلَيْهَا وَلَو امْتنع الْمُقدم فِي الْحَضَانَة مِنْهَا أَو غَابَ انْتَقَلت لمن يَلِيهِ كَمَا لَو مَاتَ أَو جن وَلَو لم يُوجد أحد من أقَارِب الْوَلَد مِمَّن لَهُ الْحَضَانَة فحضانته على الْمُسلمين والمؤنة من مَاله فَإِن لم يكن لَهُ مَال فَهُوَ من محاويجهم وَإِن طلب حضَانَة الْوَلَد كل من مستحقيها وَهُوَ بِالصّفةِ الْمُعْتَبرَة قدمت أمه لقربها ووفور شفقتها (فأمهاتها) المدليات وباناث (جَمِيعًا قدم) الْأُم الْقُرْبَى فالقربى وَخرج بالمدليات ساقطات الْإِرْث وهى المدلية بِذكر بَين أنثتين كَأُمّ أَبى الْأُم فَلَا حضَانَة لَهَا لادلائها بِمن لَا حق لَهُ فِيهَا فهى كالأجنبية بِخِلَاف أم الْأُم إِذا كَانَت فاسقة أَو مُزَوّجَة لاستحقاقها الْحَضَانَة فِي الْجُمْلَة (فالأب فأمهات الْأَب) وَقدم على أمهاته لادلائهن بِهِ وَقدم عَلَيْهِ الْأُم وأمهاتها لاختصاصهن بِالْولادَةِ المحققة ولانهن اليق بالحضانة مِنْهُ كَمَا مر وَلِأَنَّهُ لَا يسْتَغْنى فِي الْحَضَانَة عَن النِّسَاء غَالِبا وَإِنَّمَا قدمن على أمهاته لتحَقّق ولادتهن ولقربهن من الْإِرْث إِذْ لَا يحجبن بِالْأَبِ بِخِلَاف أمهاته (فالجد) أَبُو الْأَب وَإِن علا (فوالدات جد) المدليات باناث يقدم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من الأجداد والقربى فالقربى من امهاتهم وَيقدم كل جد على أمهاته (فَمَا لِلْأَبَوَيْنِ يُولد) أَي بعد من مر ولد الْأَبَوَيْنِ أَخا كَانَ أَو أُخْتا لَو فَور شفيقه مَعَ زِيَادَة قرَابَته ثمَّ ولد الْأَب اخا أَو اختا ولد الْأُم أَخا أَو أُخْتا لقُوَّة قرَابَته بِالْإِرْثِ (وَبعده الخالات) لِأَبَوَيْنِ ثمَّ لأَب ثمَّ لأم لادلائهن بِالْأُمِّ الَّتِى هى أقوى فِي الْحَضَانَة من الْأَب ثمَّ الْوَلَد لولد لِلْأَبَوَيْنِ) ذكر أَو أُنْثَى (فلأب) أَي ولد الْأَب كَذَلِك لَا ابْن الْأُخْت لِأَبَوَيْنِ أَو أَب كَمَا يُؤْخَذ من قَوْله بعد فولد عَم حَيْثُ إِرْث عَمه (ثمَّ بَنَات ولد) بِضَم الْوَاو وَسُكُون اللَّام فِيهِ وَفِيمَا بعد (أم انتسبت) أَخا أَو أُخْتا لمزيد الشَّفَقَة والقرب وَاحْترز ببنات ولد الْأُم عَن أبنائه لضعف الْقَرَابَة مَعَ بعد الْأَهْلِيَّة للحضانة وَإِنَّمَا تثبت لبِنْت ولد الْأُم وَالْخَالَة وَنَحْوهمَا لانضمام الْأُنُوثَة الَّتِى هى أليق بالحضانة إِلَى الْقَرَابَة (يتلوه فرع الْجد الْأَصْلَيْنِ) أَي ولد الْجد لِلْأَبَوَيْنِ من الْعم والعمة (ثمَّ الْفَرْع) للْجدّ (من أَب) من الْعم والعمة (فعمه لأم) بِخِلَاف الْعم للْأُم لاحضانة
(1/285)

لَهُ لِأَنَّهُ ذكر غير وَارِث (فبنت خَاله فبنت عَمه) لهدايتهما بالأنوثة إِلَى الْحَضَانَة وَإِن لم يكن لَهما محرمية تقدم مِنْهُمَا الَّتِى لِأَبَوَيْنِ ثمَّ الَّتِي لأَب ثمَّ الَّتِي لأم لَكِن أَن كَانَ الْمَحْضُون ذكرا فَإِنَّمَا يكون لَهُنَّ حضانته مَا لم يبلغ حدا يشتهى مثله وَخرج ببناتهم بنوهم فَلَا حضَانَة لَهُم لأَنهم ذُكُور غير وارثين وعد فِي الرَّوْضَة من الحاضنات بنت الْخَال ورد جمع متأخرون لَهُ بِأَنَّهُ غير مُسْتَقِيم مَعَ مَا تقدم لادلائها بِذكر غير وَارِث وَمن كَانَ كَذَلِك فَلَا حضَانَة لَهُ بِخِلَاف بنت الْخَالَة والعمة فَأَنَّهَا تدلى بأنثى وَبِخِلَاف بنت الْعم أَي الْعصبَة فَإِنَّهَا تدلى بِذكر وَارِث أجَاب عَنهُ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بِأَن فِي الْجدّة الساقطة الْحَضَانَة ثَابِتَة لأقوياء النّسَب فانتقلت عَنْهَا الْحَضَانَة وَأما بنت الْخَال فقد ترَاخى فِيهَا النّسَب فَلم يُؤثر فِيهَا عدم إدلائها بوارث (فولد عَم) وَارِث ذكرا كَانَ أوأنثى لوفور شفقته وَخرج بقوله (حَيْثُ إِرْث عَمه) ولد عَم لَا إِرْث لَهُ وَهُوَ ولد الْعم للْأُم فَلَا حضَانَة لَهُ كأبيه (تقدم الْأُنْثَى بِكُل حَال) أَي بِكُل منزلَة على الذّكر بهَا كَمَا قدمت الْأُم على الْأَب فَيقدم كل من الْأَخَوَات الثَّلَاث على اخيها الَّذِي فِي مرتبتها وَكَذَا فِي الباقى لما مر أَن الْحَضَانَة بالإناث أليق وَأَن الذُّكُور لَا يستغنون فِيهَا عَن النِّسَاء غَالِبا وَتقدم بنت أُنْثَى كل مرتبَة على بنت ذكرهَا فَإِن كَانَا فِي مرتبيتين فَالْعِبْرَة بالمرتبة الْمُقدمَة فَتقدم بنت أَخ لِأَبَوَيْنِ على بنت أَخ لأَب كَمَا يقدم أَخ لِأَبَوَيْنِ على أُخْت لأَب لِأَن مرتبته مُقَدّمَة بالمرتبة على مرتبتها وَإِذا اسْتَوَى اثْنَان من كل وَجه كأخوين لِأَبَوَيْنِ وتنازعا قدم بِالْقُرْعَةِ وَلَا يقدم خُنْثَى كل مرتبَة على ذكرهَا للشَّكّ وَلَو أخبر بذكورته وأنوثته عمل بِهِ فِي الاسقاط وَكَذَا فِي الِاسْتِحْقَاق (أخواته أولى من الأخوال) أَي أخواته من أَي وجهة كَانَت لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب أَو لأم أولى من خالاته كَذَلِك لقربهن وإرثهن وَهَذَا قد علم مِمَّا قدمه مَعَ انه يجوز إِطْلَاق الأخوال على الخالات وَلَو كَانَ للمحضون زوج كَبِير أَو زَوْجَة كَبِيرَة ولأحدهما تمتّع بِالْآخرِ قدمت الزَّوْجِيَّة على الْقَرَابَة ولأبنه المعصون الْمَجْنُون حضانته بعد الْأَبَوَيْنِ فهى مُقَدّمَة على الْجدَّات وَلَا حضَانَة لأنثى محرم أدلت بِذكر غير وَارِث كَبِنْت ابْن الْبِنْت وَلَا لذكر غير وَارِث سَوَاء كَانَ محرما كالخال وَالْعم وللام وَابْن الاخت أم غير محرم كابنى الْخَال وَالْخَالَة وَابْن الْعم وَللْأُمّ (ووالد مُسَافر لنقله) أولى بحضانة الْوَلَد من أمه فَيَأْخذهُ مِنْهَا وَإِن قصر سَفَره حفظا للنسب ورعاية لمصْلحَة التَّعْلِيم والتأديب وسهولة الانفاق بِشَرْط أَمن الطَّرِيق والمقصد بِخِلَاف مَا إِذا خيفا أَو أَحدهمَا فَلَا يَأْخُذهُ من أمه وَيلْحق بالخوف السّفر فِي شدَّة حر أَو برد وَفِي الْكِفَايَة عَن تَعْلِيق القاضى وَلَو أَرَادَ النقلَة من بلد إِلَى بادية فالأم أَحَق قَالَ الاذرعى وَلَو أره فِي تَعْلِيقه وَلَا كتب أَتْبَاعه فَإِن رافقته الْأُم فِي سَفَره اسْتمرّ حَقّهَا وَإِن اخْتلفَا مقصدا وَكَذَا إِن لم ترافقه واتحدا مقصدا وَخرج بتعبيره بوالد مَا لَو سَافَرت الْأُم لنقله أَو حَاجَة وبنقله مَا لَو سَافر لحَاجَة أَو نَحْوهَا كتجارة ونزهة فَلَيْسَ للْمُسَافِر أَخذه من الْمُقِيم فيهمَا لخطر السّفر مَعَ توقع الْعود وَلَو سافرا مَعًا للْحَاجة وَاخْتلفَا طَرِيقا ومقصدا دَامَ حَقّهَا وَلَو قَالَ أُرِيد سفر نقلة فَقَالَت بل تِجَارَة صدق بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أعرف بِقَصْدِهِ فَإِن نكل حَلَفت وامسكت الْوَلَد (أَو نكحت لغير حاضن لَهُ) فَلَا حضَانَة لَهَا وَإِن لم يدْخل بهَا الزَّوْج لخَبر أَنْت أَحَق بِهِ مَا لم تنكحى وَلِأَنَّهَا مَشْغُولَة عَنهُ بِحَق الزَّوْج وَلِأَن على الْوَلَد وعصبته عارا فِي مقَامه مَعَ زوج أمه وَسَوَاء أرْضى الزَّوْج بِدُخُول الْوَلَد دَاره أَو لَا نعم لَو رضى الْأَب مَعَه بقى حَقّهَا وَسقط حق الْجدّة وَكَذَا لَو اخْتلعت بالحضانة وَحدهَا أَو مَعَ غَيرهَا مُدَّة مَعْلُومَة فنكحت فِي أَثْنَائِهَا لِأَنَّهَا إِجَارَة لَازِمَة لَكِن لَيْسَ الِاسْتِحْقَاق فِي هَذِه بِالْقَرَابَةِ بل بِالْإِجَارَة أما إِذا نكحت من لَهُ حق فِي حضَانَة الْوَلَد كعمه وَابْن عَمه فَلَا يبطل حَقّهَا كَمَا لَو كَانَت فِي نِكَاح الْأَب وَمحله إِذا رضى من نَكَحَهَا بحضانتها
(1/286)

لِأَن لَهُ الأمتناع فَإِن طلقت مَنْكُوحَة عَاد حَقّهَا لزوَال الْمَانِع كَمَا لَو كملت نَاقِصَة بِأَن عتقت أَو أفاقت أَو تابت أَو اسلمت وَمَا ذكره المُصَنّف فِي سفر الْأَب للنقلة يأتى فِي محارم الْعصبَة كالجد وَالْأَخ وَالْعم فهم فِيهِ أولى من الْأُم بالحضانة حفظا للنسب وَكَذَا ابْن عَم لذكر كَذَلِك أَيْضا وَلَا يعْطى أُنْثَى حذرا من الْخلْوَة بهَا لانْتِفَاء الْمَحْرَمِيَّة بَينهمَا فَإِن رافقته بنته سلمت لَهُ وَبِذَلِك تؤمن الْخلْوَة وَمَا ذكره فِي نِكَاح الْأُم يأتى فِي غَيرهَا من الحاضنات (وَإِن يميزو وأباه اخْتَارَهُ يَأْخُذ أَي مَا مر كُله فِي طِفْل غير مُمَيّز اما الْمُمَيز إِن افترق أَبَوَاهُ من النِّكَاح حضنه من اخْتَارَهُ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير غُلَاما بَين أَبِيه وَأمه فَإِن قَامَ بِأَحَدِهِمَا جُنُون اَوْ كفر أَو فسق أَو رق اَوْ نكحت أَجْنَبِيّا فَالْحق للْآخر فَقَط وَيُخَير بَين أم وجد وَكَذَا أَخ أَو عَم أَو اب مَعَ أُخْت أَو خَالَة فَإِن أخْتَار أحد الْأَبَوَيْنِ أَو من ألحق بهما أخْتَار الآخر حول إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قد يظْهر لَهُ الْأَمر على خلاف ظَنّه اَوْ يتَغَيَّر حَال من اخْتَارَهُ اولا وَلِأَنَّهُ المتبع شَهْوَته وَلَو رَجَعَ عَن اخْتِيَار الثَّانِي إِلَى الأول أُعِيد إِلَيْهِ مَا لم يكثير التَّرَدُّد بِحَيْثُ يظنّ قلَّة تَمْيِيزه فَيتْرك عِنْده مُسْتَحقّ التَّقْدِيم وَيعْتَبر كَمَا قَالَه ابْن الرّفْعَة أَن يكون عَالما بِأَسْبَاب الِاخْتِيَار وَذَلِكَ موكول إِلَى نظر الْحَاكِم (وَالأُم لَهَا الزِّيَادَة) حَيْثُ اخْتَار الْأَب فَلَا يمْنَعهَا مِنْهَا لِئَلَّا يكون قَاطعا للرحم وَلَا يمنعهُ زيارتها لكيلا يكلفها الْخُرُوج لزيارته إِلَّا أَن يكون أُنْثَى فَلهُ منعهَا زيارتها لتألف الصيانة وَعدم البروز وَالأُم أولى مِنْهَا بِالْخرُوجِ لزيارتها والزيارة مرّة على الْعَادة لَا كل يَوْم وَإِذا زارت لَا يمْنَعهَا الدُّخُول لبيته ويخلى لَهَا الْحُجْرَة فَإِن كَانَ الْبَيْت ضيقا فرج وَلَا تطيل الْمكْث فِي بَيته وَلَو مرض الْوَلَد فالأم أولى بتمريضه ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى لِأَنَّهَا أشْفق وَأهْدى فَإِن رضى بِهِ فِي بَيته فَذَاك وَإِلَّا فَفِي بَيتهَا ويعوده وَإِذا مَاتَ لم تمنع من حُضُور غسله وتجهيزه إِلَى الدّفن وَلَو مَرضت الْأُم لم يمْنَع الْوَلَد عيادتها ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى فَإِن أَحْسَنت الْبِنْت التمريض مرضتها وَإِن اخْتَار الذّكر أمه فَعندهَا لَيْلًا وَعند الْأَب نَهَارا يؤدبه بالإمور الدِّينِيَّة والدنيوية ويسلمه لمكتب وَصَاحب حِرْفَة يتَعَلَّم مِنْهُمَا الْكِتَابَة والحرفة وَإِن أختارتها الْأُنْثَى فَعندهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ويزورها الْأَب على الْعَادة وَلَا يطْلب إحضارها عِنْده وَإِن أختارهما الْوَلَد أَقرع بَينهمَا وَيكون عِنْد من خرجت قرعته مِنْهُمَا وَإِن لم يخْتَر وَاحِدًا مِنْهُمَا فالأم أولى لِأَن حضانته لَهَا وَلم يجْبر غَيرهَا = (كتاب الْجِنَايَات) =
جمع جِنَايَة هِيَ أَعم من تَعْبِيره غَيره بالجراح لشُمُوله المثقل وَشَهَادَة الزُّور وَغَيرهمَا وَهِي على ثَلَاثَة أَقسَام عمد وَخطأ وَشبه عمد وَقد أَخذ فِي بَيَانهَا فَقَالَ (فَعمد مَحْض) أَي الْعمد الْمَحْض (هُوَ قصد الضَّارِب) أَي الْجَانِي (شخصا) أَي أنسانا معينا (بِمَا يقْتله فِي الْغَالِب) عُدْوانًا فَقتله سَوَاء كَانَ بجارح كسيف وسكين أَو بمثقل كحجر ودبوس أَو بِغَيْرِهِمَا (وَالْخَطَأ الرَّمْي لشاخص بِلَا قصد) كَأَن زلق فَوَقع على إِنْسَان فَمَاتَ أَو بِلَا قصد لإِنْسَان وَقد (أصَاب بشرا فقتلا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا بعده أَو قصد شخصا فَأصَاب غَيره فَمَاتَ (ومشبه الْعمد بِأَن يرْمى إِلَى شخص بِمَا) أَي بِشَيْء (فِي غَالب لن يقتلا) فَقتل (وَلم يجب قصاص غير الْعمد) أَي إِنَّمَا يجب الْقصاص فِي الْعمد (إِذْ يحصل الإزهاق) للروح (بِالتَّعَدِّي) فَلَا قصاص فِي الْخَطَأ وَشبه الْعمد وَلَا بُد فِي العقد من قصد
(1/287)

الْفِعْل والشخص بِمَا يقتل غَالِبا فَلَو غرز إبرة بمقتل فعمدا وَكَذَا بِغَيْرِهِ إِن تألم حَتَّى مَاتَ فَإِن لم يظْهر أثر وَمَات فِي الْحَال فَشبه عمد وَاعْلَم أَن مُوجب الْعمد الْقود وَالِديهِ بدل عِنْد سُقُوطه بِعَفْو عَلَيْهَا أَو نَحوه لِأَنَّهُ متْلف فَتعين جنسه كَسَائِر الْمُتْلفَات (فَلَو عَفا عَنهُ على أَخذ الدِّيَة من يسْتَحق وَجَبت) وَلَو مَحْجُور سفه أَو فلس وَلَو عَفا كل مِنْهُمَا مجَّانا جَازَ وَشَمل تَعْبِيره بعفا مَا لَو ثَبت لصبي أَو مَجْنُون فيؤخر حَتَّى يبلغ أَو يفِيق نعم إِن كَانَ الْمَجْنُون فَقِيرا فلأبيه أَو جده الْعَفو عَنهُ على المَال بِحَسب الْمصلحَة (كَمَا هيه) بهاء السكت أَي كَمَا فِي الدِّيَة الْمَعْرُوفَة (لَكِن مَعَ التَّغْلِيظ والحلول) بقوله تجب مُغَلّظَة حَالَة فِي مَال الْقَاتِل (وَلَو بسخط قَاتل الْمَقْتُول) وَعدم رِضَاهُ بِالدِّيَةِ وَخرج بقوله على أَخذ الدِّيَة مَا لَو أطلق الْعَفو وَلم يعف عَلَيْهَا على الْفَوْر فَإِنَّهَا لَا تجب لِأَن الْقَتْل لم يُوجِبهَا وَالْعَفو إِسْقَاط ثَابت لَا اثبات مَعْدُوم وَلَو عَفا عَن الدِّيَة فإ ن عَفوه لاغ بِنَاء على أَن الْوَاجِب الْقود الْمَحْض وَله الْعَفو بعده عَلَيْهَا وَمَا لَو عَفا على غير جنس الدِّيَة أَو على أَكثر مِنْهَا كمائتى بعير فان المَال يثبت وَيسْقط الْقصاص إِن قبل الجانى وَإِلَّا لم يثبت وَلم يسْقط الْقصاص وَمَا لَو عَفا على بعض الدِّيَة كنصفها فانه لَا يجب إِلَّا مَا عفى عَلَيْهِ (وَفِي الْخَطَأ وعمده مؤجله) أَي تجب الدِّيَة فِي الْخَطَأ وَعمد الْخَطَأ الْمُسَمّى بشبه الْعمد مؤجله (ثَلَاث أَعْوَام على من عقله) أَي على عاقله الْقَاتِل فِي آخر كل سنة ثلثهَا لِأَنَّهَا دِيَة كَامِلَة فديَة الْمَرْأَة تؤجل فِي سنتَيْن فَفِي أخر الأولى ثلثهَا وفى آخر الثَّانِيَة الباقى ودية الكتابى وَالْمَجُوس وَنَحْوه فِي سنة تُؤْخَذ فِي آخرهَا وَقِيمَة العَبْد كل سنة قدر ثلث دِيَة وَلَو قتل رجلَيْنِ فَفِي ثَلَاث ودية مَا دون النَّفس وَأرش الْجِرَاحَات والحكومات فِي كل سنة قدر ثلث دِيَة أبتداء أجل دِيَة النَّفس من زهوقها وَغَيرهَا من الْجِنَايَة فَإِن سرت إِلَى عُضْو أخر فَمن سُقُوطه وَمحل تحمل الْعَاقِلَة دِيَة الْخَطَأ وَشبه الْعمد إِذا صدقُوا الْقَاتِل أَو قَامَت بِهِ بَينه وهم عصبته إِلَّا الأَصْل وَالْفرع وبقدم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب بِأَن ينظر فِي الْوَاجِب آخر الْحول وَفِي الْأَقْرَبين فَإِن وفوا بِالْوَاجِبِ موزعا عَلَيْهِم لم يشاركهم من بعدهمْ وَإِلَّا شاركهم فِي التَّحَمُّل ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الْمُعْتق ثمَّ عصبته ثمَّ مُعتق مُعتق الْأَب ثمَّ مُعتق الْجد ثمَّ عصبته كَذَلِك وَهَكَذَا فَإِن لم تكن عصبَة أَو فضل عَنهُ شئء من الْوَاجِب فَفِي بَيت المَال إِن كَانَ الجانى مُسلما فَإِن فقد فكله على الجانى بِنَاء على انه يجب عَلَيْهِ ابْتِدَاء ثمَّ تتحملها الْعَاقِلَة وشروط الْعَاقِلَة التَّكْلِيف والذكورة وَالْحريَّة واتفاق الدّين والغنى أَو التَّوَسُّط وعَلى الْغنى فِي آخر كل سنة نصف دِينَار وعَلى الْمُتَوَسّط فِي أخر كل سنة ربع دِينَار ويعتبران آخر الْحول وَمن مَاتَ فِي اثناء الْحول فَلَا شئ عَلَيْهِ (وخففت فِي الْخَطَأ الْمَحْض) وَمن أوجهها الثَّلَاثَة من حَيْثُ كَونهَا مخمسة كَمَا يأتى مُؤَجّلَة وعَلى الْعَاقِلَة ودية شبه الْعمد مُغَلّظَة من وَجه وَهُوَ كَونهَا مُثَلّثَة مُخَفّفَة من وَجْهَيْن كَونهَا مُؤَجّلَة على الْعَاقِلَة وَمثلهَا دِيَة الْخَطَأ الْوَاقِع فِي حرم مَكَّة أَو الْأَشْهر الْحرم ذِي الْقعدَة وَذي الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب أَو كَانَ الْمَقْتُول ذَا رحم محرم من النّسَب (كَمَا قد غلظت فِي الْعمد فِيمَا قدما) بِأَلف الْإِطْلَاق أَي دِيَة الْعمد وَإِن لم توجب الْقود كَقَتل الأَصْل فَرعه مُغَلّظَة من أوجهها كلهَا كَونهَا مُثَلّثَة حَالَة الجانى (يقْتَصّ فِي غير أَب) أَي يقْتَصّ فِي غير قتل الأَصْل فَرعه كَمَا يَأْتِي (من محرم) كَانَ قتل أَصله أَو أَخَاهُ أَو عَمه (أَو فِي الشُّهُور الْحرم أَو فِي الْحرم) المكى لِأَنَّهُ قتل لَو وَقع فِيهِ لم يضمن فَلَا يمْنَع مِنْهُ كَقَتل الْحَيَّة أَو الْعَقْرَب وَسَوَاء التجأ الْقَاتِل إِلَى الْحرم فِرَارًا من الْقَتْل أم لَا نعم لَو التجأ إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام أَو غَيره من الْمَسَاجِد
(1/288)

أخرج مِنْهُ فِي الْأَصَح ثمَّ قتل لِأَنَّهُ تَأْخِير يسير لصيانة الْمَسْجِد وَلَو التجأ إِلَى الْكَعْبَة وَأخرج قطعا (فِي الْحَال) أَي يقْتَصّ على الْفَوْر وَلَو فِي الْحر وَالْبرد وَالْمَرَض وَسَوَاء فِي جَمِيع مَا ذكر قصاص النَّفس والطرف وَغَيرهمَا لِأَن الْقصاص مُوجب الاتلاف كتغريم الْمُتْلفَات وَيثبت الْقصاص لكل وَارِث بِنسَب اَوْ سَبَب كَالْمَالِ وينتظر غائبهم إِلَى حُضُوره وصغيرهم إِلَى بُلُوغه ومجنونهم إِلَى إِفَاقَته فَلَا يجوز للحاضر الْكَامِل اسْتِيفَاؤهُ وَيحبس الْقَاتِل حِينَئِذٍ وَلَا يخلى بكفيل وتحبس الْحَامِل فِي قصاص النَّفس أَو الطّرف حَتَّى ترْضِعه اللبأ ويستغنى بغَيْرهَا وَلَو بَهِيمَة اَوْ فطام لحولين وَلَا يسْتَوْفى قصاص إِلَّا بأذن الإِمَام أَو نَائِبه لِأَن أَمر الدِّمَاء خطر وَلِأَن وُجُوبه يفْتَقر إِلَى الِاجْتِهَاد للِاخْتِلَاف فِي شُرُوط وُجُوبه واستيفائه فَإِن اسْتَقل عزّر لافتيانه على الإِمَام وَيسْتَثْنى من اعْتِبَار الْإِذْن مَا لَو وَجب للسَّيِّد على رقيقَة قصاص وَمَا لَو اضْطر الْمُسْتَحق فَلهُ قَتله قصاص وَأكله مَا لَو قتل فِي الْحِرَابَة فَلِكُل من الإِمَام والمستحق الِانْفِرَاد بقتْله وَمَا لَو انْفَرد بِحَيْثُ لَا يرى وَيَأْذَن الإِمَام للْمُسْتَحقّ إِذا كَانَ أَهلا للاستيفاء فِي نفس لاطرف وَنَحْوه وليتفقوا على مستوف وَإِلَّا فقرعة بَين القادرين فَمن خرجت قرعته اسْتَوْفَاهُ باذن البَاقِينَ وَلَو قَتله أحدهم قبل الْعَفو فَلَا قصاص عَلَيْهِ وللباقين قسط الدِّيَة فِي تَرِكَة الجانى أَو بعد عَفْو غَيره لزمَه الْقصاص مُطلقًا لسُقُوط حَقه من الْقصاص بِالْعَفو وَمن قتل بمحدد أَو نَحْو تجويع اقْتصّ بِهِ رِعَايَة للمماثلة أَو بِسحر أَو خمر أَو لواط فبسيف وَمن عدل إِلَى سيف فَلهُ (وَالْجمع) بِالنّصب أَو بِالرَّفْع (بفرد فَاقْتُلْ) أَي يقتل الْجمع بِوَاحِد إِن كَانَ فعل كل قَاتلا لَو انْفَرد أَو توطأوا لِأَن الْقَتْل عُقُوبَة تجب للْوَاحِد على الْوَاحِد فَتجب للْوَاحِد على الْجَمَاعَة كَحَد الْقَذْف وَلِأَنَّهُ لَو لم يجب الْقود لاتخذ النَّاس الِاشْتِرَاك فِي الْقَتْل ذَرِيعَة إِلَى أنتفاء الْقود وللولى أَخذ حِصَّة بَعضهم من الدِّيَة بِاعْتِبَار الرُّءُوس فِي الْجِرَاحَات وَبِاعْتِبَار عدد الضربات فِي غَيرهَا وَلَا يقتل شريك بخطأ وَشبه عمد بِخِلَاف من سقط عَنهُ الْقود لِمَعْنى قَائِم بِهِ كالأصل فيقتص من شَرِيكه ويقتص من الْوَاحِد وَالْجمع (فِي النَّفس أَو فِي عضوه ذى الْفَصْل) بِفَتْح الْمِيم وَكسر الصَّاد لِأَن الْقود خطر فاختص بِمَا يُؤمن فِيهِ الحيف والتعدى وَذَلِكَ فِي الْأَعْضَاء المنتهية إِلَى المفاصل كالأنامل والكوع والمرفق وَالركبَة والكف وَكَذَا فِي أصل فَخذ ومنكب إِن أمكن بِلَا إخافة وكما يقْتَصّ فِي كل عُضْو يَنْضَبِط بمفصل يقْتَصّ أَيْضا فِي كل طرف بمفصل يَنْضَبِط بحيزه كَالْعَيْنِ وَالْأُذن والجفن والمارن وَاللِّسَان وَالذكر والأنثيين والحشفة والشفرين والأليين وَيجب فِي إبِْطَال الْمَنَافِع كسمع وبصر وشم وذوق وَكَلَام وبطش وَلَا قصاص فِي الْعقل وَلَا يقْتَصّ فِي شئ من الْجِرَاحَات إِلَّا فِي الْمُوَضّحَة وهى الْجراحَة النافذة إِلَى الْعظم (إِن يكن الْقَاتِل ذَا تكلّف) أَي يعْتَبر لقصاص النَّفس وَغَيرهَا أَن يكون الجانى مُكَلّفا بِأَن يكون بَالغا فَلَا قصاص على صبي وَمَجْنُون وَيجب على مُتَعَدٍّ بمزيل عقله كَالْخمرِ لتعدية وَلَو قَالَ كنت عِنْد الْجِنَايَة صَبيا أَو مَجْنُونا صدق بِيَمِينِهِ إِن أمكن الصِّبَا وعهد الْجُنُون قبله لَو قَالَ أَنا صبي الأن فَلَا قصاص وَلَا يحلف أَنه صبي وَأَن يكون الجانى مُلْتَزما للْأَحْكَام فَلَا قصاص على حربى لعدم الْتِزَامه وَيجب على الْمَعْصُوم بِعَهْد أَو غَيره وَالْمُرْتَدّ لالتزام الأول وَبَقَاء علقَة الْإِسْلَام فِي الثانى وَأَن يكون المجنى عَلَيْهِ مَعْصُوما بِإِسْلَام أَو أَمَان فيهدر الحربى وَكَذَا الْمُرْتَد فِي حق مُسلم وذمى وَمن عَلَيْهِ قصاص مَعْصُوم فِي حق غير مُسْتَحقّه والزانى الْمُحصن إِن قَتله ذمِّي قتل بِهِ أَو مُسلم فَلَا (وأصل من يجنى عَلَيْهِ ينتفى عَنهُ الْقصاص) أَي يعْتَبر أَن لَا يكون الجانى أصلا للمجنى عَلَيْهِ فَلَا قصاص على الأَصْل بِجِنَايَتِهِ على فَرعه وَإِن سفل سَوَاء أَكَانَ من جِهَة الْأَب أَو الْأُم وَالْمعْنَى فِيهِ أَن الْوَالِد كَانَ سَببا فِي وجوده فَلَا يكون الْوَلَد سَببا فِي عَدمه وكما لَا قصاص على الأَصْل بِجِنَايَتِهِ على فَرعه
(1/289)

لَا قصاص عَلَيْهِ بِجِنَايَتِهِ على مورث فَرعه كَأَن قتل عتيقه أَو زوجه نَفسه وَله مِنْهَا ابْن لِأَنَّهُ إِذا لم يقْتَصّ مِنْهُ بِجِنَايَتِهِ على مُوَرِثه أولى (كانتفا من نزلا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا بعده (عَنهُ بِكفْر) أَي يعْتَبر أَن لَا يكون الجانى مُسلما والمجنى عَلَيْهِ كَافِرًا فَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَيقتل الذمى بِالْمُسلمِ وبالذمى وَإِن اخْتلفت عقيدتهما فَلَو أسلم الْقَاتِل أَو الْجَارِح لم يسْقط الْقصاص للمكأفاة حَال الْجِنَايَة ويقتص الإِمَام باذن الْوَارِث وَيقتل مُرْتَد بذمى وبمرتد لَا ذمى بمرتد وَقَوله بِكفْر (أَو) بدرج الْهمزَة للوزن (برق حصلا) أَي يعْتَبر أَن لَا يكون الجانى حرا والمجنى عَلَيْهِ رَقِيقا فَلَا يقتل حر بِمن فِيهِ رق لِأَنَّهُ لَا يقطع طرفه فَأولى أَنه لَا يقتل بِهِ لِأَن حُرْمَة النَّفس أعظم من حُرْمَة ة الْأَطْرَاف وَيقتل قن ومدبر مكَاتب وَأم ولد بَعضهم بِبَعْض وَلَا يسْقط الْقود بِعِتْق الْقَاتِل أَو الْجَارِح وَلَا يقْتَصّ من مبعض الْمبعض وَلَا قصاص بَين عبد مُسلم وحر ذمى وَيعْتَبر أَن لَا يكون الجانى سيدا للمجنى عَلَيْهِ فَلَو قتل الْمكَاتب أَبَاهُ وَهُوَ ملكه فَلَا قصاص (واشرط) فِي قصاص الطّرف بالطرف وَالْجرْح بِالْجرْحِ مَعَ مَا شَرط فِي النَّفس (تساوى) بِسُكُون الْيَاء وَتَقْدِير الفتحة عَلَيْهَا كَمَا هى لُغَة (الطَّرفَيْنِ) أَي العضوين (فِي) الأسم و (الْمحل) فَلَا تقطع الْإِبْهَام بالسبابة والخنصر بالبنصر وَلَا عَكسه وَلَا يسَار بيمنى وَلَا شفة سفلى بعليا وَلَا عَكسه وَلَا أُنْمُلَة بِأُخْرَى وَلَا زَائِد بزائد فِي مَحل آخر كزائد بِجنب الْخِنْصر وزائد بِجنب الْإِبْهَام لانْتِفَاء الْمُسَاوَاة فِي الْجَمِيع فِي الْمحل الْمَقْصُود فِي الْقصاص وَلَا يضر تفَاوت كبر وَصغر وَطول وَقصر وَقُوَّة بَطش وَضعف وَلَا بُد فِي قطع الزَّائِد بِالزَّائِدِ أَن لَا تكون زَائِدَة الجانى أتم كأصبع لَهَا ثَلَاثَة مفاصل ولزائدة المجنى عَلَيْهِ مفصلان وَلَو كَانَت أَصَابِع إِحْدَى يَدَيْهِ وكفها أقصر من الْأُخْرَى فَلَا قصاص فِي القصيرة على مستويها بل تجب فِيهَا دِيَة كَامِلَة وَيعْتَبر قدر الْمُوَضّحَة طولا وعرضا وَلَا يضر تفَاوت غلظ لحم وَجلد (لم تَنْقَطِع صَحِيحه بِذِي شلل) أَي لَا تُؤْخَذ صَحِيحَة من يَد أَو رجل بشلاء وَإِن رضى بِهِ الجانى فَلَو فعل بِغَيْر إِذْنه لم يَقع قصاصا بل عَلَيْهِ دِيَتهَا وَله حُكُومَة وَلَو سرى فَعَلَيهِ قصاص النَّفس اَوْ بأذنه فَلَا قصاص فِي النَّفس وَلَا دِيَة فِي الطّرف إِن أطلق الْإِذْن وَيجْعَل مُسْتَوْفيا لحقه وَقيل عَلَيْهِ دِيَتهَا وَله حُكُومَة وَقطع بِهِ البغوى كَذَا فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا وَتُؤْخَذ الشلاء من يَد أَو رجل بالصحيحة إِلَّا أَن يَقُول أهل الْخِبْرَة لَا يَنْقَطِع الدَّم لَو قطعت وَتجب دِيَة الصَّحِيحَة وَتُؤْخَذ شلاء بشلاء مثلهَا أَو أقل شللالإن لم يخف نزف الدَّم والشلل بطلَان الْعَمَل وَيقطع سليم يَد أَو رجل بأعصم أَو أعرج وَلَا أثر لخضرة أظفارها وسوادها وَتُؤْخَذ ذَاهِبَة الْأَظْفَار بسليمتها دون عَكسه وَالذكر صِحَة وشللا كَالْيَدِ فِيمَا مر والأشل منقبض لَا ينبسط أَو عَكسه وَلَا أثر للانتشار وَعَدَمه وَيُؤْخَذ أنف صحيحب أخشم وَأذن سميع بِأَصَمَّ لَا عين صَحِيحَة بحدقة عمياء وَلَا لِسَان نَاطِق بأخرس (ودية) وَاجِبَة (فِي كَامِل النَّفس) وَهُوَ المحقون الدَّم الْمُسلم الْحر الذّكر غير الْجَنِين (مائَة إبل) أَي من الْإِبِل وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم جمع مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هِيَ الْإِبِل أَو مَنْصُوب تمييزا لمِائَة على لُغَة ووقف عَلَيْهِ بلغَة ربيعَة وَإِن كَانَ حَقه ان يُضَاف إِلَيْهِ فَيكون مجرورا وَالْعبْرَة فِي كَونهَا كَامِلَة بِوَقْت الْمَوْت وَإِن كَانَت نَاقِصَة عِنْد الْإِصَابَة أَو بعْدهَا كَأَن جرح ذِمِّيا أَو مُسلما فارتدا ثمَّ أسلما أَو رَقِيقا ثمَّ عتق وماتوا (فَإِن غلطتها) أَي الدِّيَة وَذَلِكَ فِي الْعمد وَشبه الْعمد وَالْخَطَأ فِيمَا مر (فالمجزئة) مِنْهَا (سِتُّونَ بَين جَذَعَة وَحقه وَأَرْبَعُونَ ذَات حمل) وَلَو قبل خمس سِنِين وهى الخلفة (حَقه) هُوَ جناس محرف سَوَاء اكان الْعمد مُوجبا
(1/290)

الْقصاص فعفى على مَال أَو لَا كَقَتل الأَصْل فَرعه وَيثبت حمل الخلفة بعدلين من أهل الْخِبْرَة (وإ تخفف) فِي الْخَطَأ الْمَحْض فِي غير مَا مر (فابنة الْمَخَاض عشرُون كابنة اللَّبُون الماضى وَابْن اللَّبُون قدرهَا وَمثلهَا من حَقه وجذعه إِذْ كلهَا من إبل صَحِيحَة سليمَة من عيبها) أَي الدِّيَة وَهُوَ مَا يرد بِهِ فِي البيع وَإِن كَانَت إبل دَفعهَا مَرِيضَة أَو مَعِيبَة لتعلقها بِالذِّمةِ بِخِلَاف الزَّكَاة لتعلقها بِالْعينِ فَلَا يقبل مَرِيض أَو معيب إِلَّا بِرِضا الْمُسْتَحق بِهِ بَدَلا عَن حَقه فِي الذِّمَّة السَّالِم من الْمَرَض وَالْعَيْب لِأَن لَهُ إِسْقَاط الأَصْل فَكَذَا صفته وَتجب الدِّيَة من غَالب إبل الدَّافِع إِن شَاءَ وَإِن خَالف إبل االبلد وَإِن شَاءَ من غَالب إبل الْبَلَد أَو الْقَبِيلَة لذى الْبَادِيَة وَإِن تفَرقُوا فَإِن لم يكن فِي الْبَلَد أَو الْقَبِيلَة إبل فَمن غَالب أقرب الْبِلَاد إِلَيْهِ وَيلْزمهُ النَّقْل إِن قربت الْمسَافَة (ولانعدام قيمه) أَي تجب قيمهما فعل حسا أَو شرعا من غَالب نقد بلد الأعواز يَوْم وجوب التَّسْلِيم إِن لم يُمْهل الْمُسْتَحق (وَالنّصف) من الدِّيَة (للْأُنْثَى) وَالْخُنْثَى نفسا وجرحا لِأَن زِيَادَته عَلَيْهَا مَشْكُوك فِيهَا (وللكتابى) وَهُوَ لِلْيَهُودِيِّ أَو النصرانى اللَّذَان تحل مناكحتهما (ثلثهَا) أَي ثلث دِيَة الْمُسلم وهى ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَثلث بعير (كشبهة الْكتاب) وَهُوَ التوارة وَالْإِنْجِيل وَفِي كَلَامه جناس تَامّ مماثل والسامرة من الْيَهُود والصابئون من النَّصَارَى إِن لم يكفروهم وَإِلَّا فحكمة حكم الْمَجُوس (و) دِيَة (عَابِد الشَّمْس) وَالْقَمَر (وَذي التمجس وعابد الْأَوْثَان) جمع وثن بِالْمُثَلثَةِ اي ضم (ثلث الْخمس) أَي دِيَة الْمُسلم وَهُوَ سِتَّة أَبْعِرَة وَثلثا بعير ويعبر عَنهُ أَيْضا بِثُلثي عشر دِيَة الْمُسلم وبخمس دِيَة الكتابى وَهُوَ من لَهُ كتاب وَدين كَانَ حَقًا وَتحل ذَبِيحَته ومناكحته ويقر بالجزية وَلَيْسَ للمجوسي من هَذِه الْخَمْسَة لَا الْخَامِس فَكَانَت دِيَته خمس دِيَته وَالْمَرْأَة وَالْخُنْثَى مِنْهُمَا على النّصْف مِمَّا ذكر (قوم رَقِيقا) أَي تجب فِي الرَّقِيق قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت عبدا كَانَ أَو أمة لِأَنَّهُمَا مَال فأشبها سَائِر الْأَمْوَال الملتزمة والمبعض تجب قيمَة جزئه الرَّقِيق ودية جزئه الْحر وَفِي أَطْرَاف الرَّقِيق مَا نقص من قِيمَته إِن لم تتقدر فِي الْحر وَإِلَّا وَجَبت فِيهَا من قِيمَته بِتِلْكَ النِّسْبَة فَفِي قطع يَده نصف قِيمَته وَفِي ذكره وأنثييه قيمتان (وجنين الْحر) وَلَو أُنْثَى أَو خنثي أَو نَاقص الاعضاء أَو مَجْهُول النّسَب يضمن (بغرة) سَوَاء انْفَصل كُله أم بعضه أم ظهر بِلَا أنفصال فَلَو جنى على امْرَأَة فَمَاتَتْ وَلم يظْهر مِنْهُ شئ أَو كَانَ بهَا أنتفاخ أَو حَرَكَة فَزَالَ فَلَا غرم للشَّكّ وَلَو ضرب بطن ميته بِالشَّكِّ فَأَلْقَت جَنِينا لم تجب كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالْبَغوِيّ لِأَن الظَّاهِر مَوته بموتها وَرجحه البلقينى لِأَن الايجاب لَا يكون بِالشَّكِّ أما لَو علمنَا حَيَاة الْجَنِين كَأَن صَاح أَو تنفس فَمَاتَ أَو بقى متألما حَتَّى مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَة وَلَو أَلْقَت مَيتا وَحيا فَمَاتَ فديَة وغرة أَو بدنين وَلَو ملتصقين فغرتان أَو أَربع أيد أَو أرجل ورأسين فغرة لَا مَكَان كَونهَا لجنين وَاحِد بَعْضهَا أصلى وَبَعضهَا زَائِد وَيعْتَبر فِي الْجَنِين كَونه مَعْصُوما حَال الْجِنَايَة وَظُهُور تخطيط بعضه وَلَو للقوابل والغرة رَقِيق مُمَيّز سليم من عيب مَبِيع (ساوت لنصف الْعشْر) أَي عشر دِيَة الْأُم الْمسلمَة لِأَنَّهُ لَا يُمكن تَكْمِيل الدِّيَة فِيهِ لعدم كَمَال حَيَاته وَلَا الإهدار فقدرت بِأَقَلّ دِيَة وَردت وَهُوَ الْخمس فِي الْمُوَضّحَة وَالسّن فَإِن لم تُوجد أَو وجدت بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل وَجب الْخمس من الْإِبِل فَإِن فقد بَعْضهَا أخذت قِيمَته من الْمَوْجُود وَفِي الْجَنِين الْكِتَابِيّ غرَّة كثلث غرَّة الْجَنِين الْمُسلم فَيجب فِيهِ رَقِيق يعدل بعير أَو ثلثين وَفِي الْجَنِين الْمَجُوسِيّ وَنَحْوه غرَّة كثلث خمس غرَّة الْجَنِين
(1/291)

الْمُسلم فَيجب رَقِيق يعدل ثلث بعير (ودية الرَّقِيق عشر غرمه من قيمه الْأُم) أَي يجب فِي الْجَنِين الرَّقِيق عشر قيمَة أمه وَإِن كَانَت حرَّة (لسَيِّد الأمه) وَلَو أَلْقَت الْأمة بالجنياية عَلَيْهَا مَيتا ثمَّ بعد عتقهَا آخر وَجب فِي الأول عشر قيمَة الْأُم وَفِي الثانى غرَّة وَيعْتَبر أقْصَى قيمتهَا من الْجِنَايَة إِلَى الاجهاض وَخرج بالرقيق الْمبعض فالتوزيع فِيهِ بِالْحِصَّةِ وَتحمل عَاقِلَة الجانى الْغرَّة لانْتِفَاء الْعمد فِي الْجِنَايَة على الْجَنِين وَإِن تعمد الْجِنَايَة على أمه 0 فِي الْعقل) أَي إِزَالَته دِيَة كدية نفس صَاحبه لِأَنَّهُ أشرف الْمعَانى وَبِه يتَمَيَّز الانسان عَن الْبَهِيمَة وَالْمرَاد الْعقل الغريزي الَّذِي يناط بِهِ التَّكْلِيف دون المكتسب الَّذِي بِهِ حسن التَّصَرُّف فَفِيهِ الْحُكُومَة وَمحل مَا ذكر إِذا تحقق أهل الْخِبْرَة عدم عودة فَإِن توقعوه انْتظر إِن قدرُوا مُدَّة لَا يظنّ انْقِرَاض الْعُمر قبل فراغها فَإِن مَاتَ قبل الاسْتقَامَة وَجَبت دِيَة ويأتى مَا ذكر فِي سَائِر الْمعَانى وَلَو نقص وَأمكن ضَبطه بالزمن أَو بِغَيْرِهِ وَجب قسطه وَإِلَّا فَحُكُومَة وَلَو ادّعى وليه زَوَال عقله وَأنْكرهُ الجانى فَإِن لم يَنْتَظِم قَوْله وَفعله فِي خلقه فَلهُ دِيَة بِلَا يَمِين وَإِلَّا صدق الجانى (وَاللِّسَان) فِي قطعه أَو إشلاله من نَاطِق دِيَة كدية نفس صَاحبه وَشَمل كَلَامه لِسَان الْأَرَت والألثع والطفل وَإِن لم يبلغ أَو ان نطفه فَإِن بلغه وَلم ينْطق لم تجب إِلَّا الْحُكُومَة كَقطع لِسَان الْأَخْرَس وَشَمل كَلَامه أَيْضا لِسَان من تعذر نطقه لخلل فِي لِسَانه كَكَوْنِهِ ولد أَصمّ فَلم يحسن لِسَانه لِأَنَّهُ لم يسمع شَيْئا فَفِيهِ الدِّيَة كَمَا جزم بِهِ فِي الْأَنْوَار (و) فِي إبِْطَال (التَّكَلُّم) بِالْجِنَايَةِ على اللِّسَان مثلا كدية نفس صَاحبه لِأَنَّهُ عُضْو مَضْمُون بِالدِّيَةِ فَكَذَا منفعَته الْعُظْمَى كَالْيَدِ فَإِن أخذت دِيَته فَعَاد ردَّتْ وَلَو أبطل نطقه بِقطع لِسَانه لزمَه دِيَة وَاحِدَة وَفِي إبِْطَال بعض الْحُرُوف قسطه فَإِن بَقِي لَهُ كَلَام مَفْهُوم وَإِلَّا فَالدِّيَة والموزع عَلَيْهَا فِي لُغَة الْعَرَب ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا وَلَو عجز عَن بَعْضهَا بِغَيْر كِنَايَة كملت الدِّيَة فِي إبِْطَال كَلَامه (وَذكر) أَي فِي قطعه أَو أشلاله دِيَة كدية نفس صَاحبه ويشمل الصَّغِير وَالشَّيْخ والعنين (و) فِي ابطال (الصَّوْت) مَعَ بَقَاء اللِّسَان على اعتداله وتمكنه من التقطيع والتردد كدية نفس صَاحبه لِأَنَّهُ من المافع الْمَقْصُودَة فَلَو أبطل صَوته وحركه لِسَانه فعجز عَن التقطيع والترديد فديتان لِأَنَّهُمَا منفعتان فِي كل مِنْهُمَا دِيَة (و) فِي إبِْطَال (التطعم) وَهُوَ الذَّوْق دِيَة كدية نفس صَاحبه كَغَيْرِهِ من الْحَواس وتدرك بِهِ حلاوة وحموضة ومرارة وملوحة وعذوبة وتوزيع الدِّيَة عَلَيْهَا وَإِن نقص الْإِدْرَاك فَحُكُومَة فَلَو أبطل مَعَ الذَّوْق النُّطْق وَجب ديتان لاخْتِلَاف الْمَنْفَعَة ولاختلاف الْمحل فالذوق فِي طرف الْحُلْقُوم والنطق فِي اللِّسَان كَمَا جزم بِهِ فِي أصل الرَّوْضَة (وكمره) أَي الْحَشَفَة دِيَة (كدية النَّفس) لِأَن مُعظم مَنَافِع الذّكر وهى لَذَّة الْجِمَاع تتَعَلَّق بهَا واحكام الْوَطْء تَدور عَلَيْهَا وهى مَعَ الذّكر كالأصابع مَعَ الْكَفّ وَلَو قطع بَعْضهَا وزعت الدِّيَة عَلَيْهَا لَا على الذّكر كالمارن والحلمة وَتجب الدِّيَة فِي المضغ وَفِي إبِْطَال قُوَّة الْإِمَاء بِكَسْر الصلب أَو بِغَيْرِهِ وَفِي إبِْطَال قُوَّة الاحبال وَفِي إبِْطَال لَذَّة الْجِمَاع لَذَّة الطَّعَام وَفِي أفضاء الْمَرْأَة من الزَّوْج أَو غَيره وَهُوَ رفع الحاجز بَين مدْخل الذّكر والدبر وَلما فرغ من بَيَان مَا بدله كبدل نفس صَاحبه المجنى عَلَيْهِ شرع فِي بَيَان مَا بدله كَنِصْف بدلهَا اللَّازِم مِنْهُ مَا بدله مَعَ مثله كبدلها فَقَالَ (وَفِي أذن) أَي فِي قطعهَا أَو قلعهَا أَو إشلالها نصف الدِّيَة لِأَن فِيهَا مَعَ الْجمال منفعتين جمع الصَّوْت ليتأدى إِلَى مَحل السماع وَدفع الْهَوَام فَإِن صَاحبهَا يحسن بِسَبَب معاطفها بدبيب الْهَوَام فيطردها وَهَذِه هى الْمَنْفَعَة الْمُعْتَبرَة فِي إِيجَاب الدِّيَة وَإِن عللوا قطع الْأذن الصَّحِيحَة بالشلاء بِبَقَاء الْجمال مَنْفَعَة جمع الصَّوْت (أَو استماعها للأحرف) أَي فِي إبِْطَال سَماع أذن وَاحِدَة نصف دِيَة صَاحبهَا لَا لتَعَدد السّمع فَإِنَّهُ وَاحِد وَإِنَّمَا التعد فِي منفذة بِخِلَاف ضوء الْبَصَر إِذْ تِلْكَ الطَّبَقَة مُتعَدِّدَة ومحلها الحدقة بل لِأَن ضبط نقصانه بالمنفذ أقرب
(1/292)

مِنْهُ بِغَيْرِهِ وَفِي إِبْطَاله من الإذنين الدِّيَة وَلَو ازال أُذُنَيْهِ وسَمعه فديتان وَلَو أدعى زَوَاله وانزعج للصياح فِي نوم وغفلة حلف الجانى والإحلف المجنى عَلَيْهِ وَأخذ دِيَة وَإِن نقص فسقطه إِن عرف وَإِلَّا فَحُكُومَة بِاجْتِهَاد قَاض وَإِن نقص من إِذن سدت وَضبط مُنْتَهى سَماع الْأُخْرَى ثمَّ عكس وَوَجَب قسط التَّفَاوُت من الدِّيَة (وَالْيَد) أَي فِي كل يَد نصف دِيَة صَاحبهَا إِن قطعت من كف فَإِن قطعت من فَوْقه فَحُكُومَة أَيْضا (و) فِي إبِْطَال (الْبَطْش) لكل يَد نصف دِيَة صَاحبهَا لِأَنَّهُ من الْمَنَافِع الْمَقْصُودَة (و) فِي إِزَالَة) (شم المنخر) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا مَعَ كسر الْخَاء فيهمَا أَي الْوَاحِد بِالْجِنَايَةِ على الرَّأْس اَوْ غَيره نصف دِيَة صَاحبهَا وَفِي إِزَالَة شم المنخرين دِيَة صَاحبهمَا لِأَنَّهُ من الْحَواس الَّتِي هِيَ طلائع الْبدن فَكَانَ كَغَيْرِهِ مِنْهَا إِن نقص وَعلم قدر الذَّاهِب فِي جب قسطه وَإِلَّا فَحُكُومَة (و) فِي قطع كل (شقة) أَو إشلالها نصف دِيَة صَاحبهَا سَوَاء الْعليا والسفلى وَإِن تفاوتت منفعهما كَمَا فِي الْيَدَيْنِ والأصابع وَلِأَن فيهمَا جمالا وَمَنْفَعَة ظَاهِرَة وَفِي الشفتين الدِّيَة وَحدهَا فِي الْعرض إِلَى الشدقين وَفِي الطول إِلَى مَا يستر لحم الْأَسْنَان (وَالْعين) أَي فِي قلع الْعين الباصرة نصف دِيَة صَاحبهَا وَلَو كَانَت جهراء وَهِي الَّتِي لَا تبصر فِي الشَّمْس وحولاء وَهِي الَّتِي كَأَنَّهَا ترى غير مَا ترَاهُ أَو عمشاء وَهِي ضَعِيفَة الرُّؤْيَة مَعَ سيلان الدمع غَالِبا اَوْ عشياء وَهِي الَّتِي لَا تبصر لَيْلًا أَو خفشاء وَهِي صَغِيرَة ضَعِيفَة الْبَصَر خلقَة يُقَال هِيَ الَّتِي تبصر لَيْلًا فَقَط أَو بهَا بَيَاض لَا ينقص الضَّوْء لِأَن الْمَنْفَعَة بَاقِيَة وَلَا نظر إِلَى مقدارها كمنفعة الْمَشْي أما إِذا نقص الضَّوْء فقسطه إِن انضبط النَّقْص بالأعتبار بالصحيحة الَّتِي لَا بَيَاض فِيهَا فَإِن لم يَنْضَبِط فَحُكُومَة وَسَوَاء أَكَانَ الْبيَاض على الْبيَاض أم السوَاد على السوَاد أم النَّاظر (ثمَّ الْبَصَر) أَي فِي إبِْطَال بصر الْعين نصف دِيَة صَاحبه وَفِي إبِْطَال بصر الْعَينَيْنِ الدِّيَة لِأَنَّهُ من الْمَنَافِع الْمَقْصُودَة سَوَاء الْأَحول وَالْأَعْمَش والأعشى وَغَيرهم فَلَو فَقَأَ الْعين لم تَتَعَدَّد الدِّيَة وَإِن ادّعى زَوَاله وَأنْكرهُ الجانى سُئِلَ أهل الْخِبْرَة فَإِنَّهُم إِذا أوقفوا الشَّخْص فِي مُقَابلَة عين الشَّمْس ونظروا فِي عَيْنَيْهِ عرفُوا أَن الْبَصَر قَائِم أم ذَاهِب ثمَّ يمْتَحن بتقريب عقرب أَو حَيَّة بَغْتَة وَنظر هَل ينزعج أَولا فَإِن انزعج صدق الْجَانِي بِيَمِينِهِ وَإِلَّا فالمجنى عَلَيْهِ وَإِن نقص فكالسمع (و) فِي قطع (الرجل) من الْقدَم نصف دِيَة صَاحبهَا فَإِن قطعت من فَوق فَحُكُومَة أَيْضا وَفِي الرجلَيْن الدِّيَة (أَو مشي لَهَا) من رجل وَاحِدَة نصف دِيَة صَاحبهَا وَفِي إبِْطَال مشيهما الدِّيَة (أَو خصية) بِضَم الْخَاء من كسرهَا وهى الْبَيْضَة نصف دِيَة صَاحبهَا سَوَاء أَكَانَ أقطعها أم أشلها أم دقها بِحَيْثُ زَالَت مَنْفَعَتهَا وَفِي الخصيتين الدِّيَة (وألية) وهى الناتئ من الْبدن عِنْد اسْتِوَاء الظّهْر والفخذ نصف دِيَة صَاحبهَا وَإِن لم يصل الْقطع إِلَى الْعظم وَفِي الآليتين الدِّيَة كالخصيتين سَوَاء فِيهِ الرجل وَالْمَرْأَة وَلَو قطع بعض إِحْدَاهمَا وَجب قسطه إِن عرف قدره وَإِلَّا فَحُكُومَة (واللحى) بِفَتْح اللَّام أفْصح من كسرهَا أَي فِي إِزَالَته (نصف الدِّيَة) لصَاحبه لِأَن فِيهِ جمالا وَمَنْفَعَة وإشلاله كازالته وَفِي اللحيتين وهما منبت الْأَسْنَان السُّفْلى وملتقاهما الذقن الدِّيَة وَلَو كَانَ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَان كَمَا هُوَ الْغَالِب وَجب مَعَ دِيَتهمَا أرش الْأَسْنَان وَلَو فكهما أَو أشلهما لزمَه دِيَتهمَا كَنِصْف الدِّيَة أَي فِي جَمِيع مَا مر من قَوْله وَفِي إِذن وحلمة الْأُنْثَى وَهُوَ رَأس الثدي نصف دِيَتهَا سَوَاء أقطعها أم أشلها لِأَن مَنْفَعَة الارضاع بهَا وَفِي الحلمتين الدِّيَة وَلَو قطع الثدي مَعَ الحلمة لم تجب إِلَّا الدِّيَة وَتدْخل فِيهَا حُكُومَة الثدي كَالْكَفِّ مَعَ الإصابع أما حلمة غَيرهَا فَفِيهَا الْحُكُومَة وَفِي قطع شفرها وإشلاله نصف دِيَتهَا وَفِي الشفرين الدِّيَة كالخصيتين سَوَاء شفر الرتقاء والقرناء وَغَيرهمَا لِأَن النُّقْصَان فيهمَا لَيْسَ فِي الشفر بل دَاخل الْفرج ثمَّ أَخذ فِي بَيَان مَا بدله كثلث دِيَة صَاحبه فَقَالَ (وطبقة من مارن) وَهُوَ مالان من الإنف وَهُوَ ثَلَاث طَبَقَات طرفان ووترة
(1/293)

حاجزة بَينهمَا ثلث دِيَة صَاحبهَا سة اء أقطعها أم أشلها لِأَن فِي كل مِنْهَا جمالا وَمَنْفَعَة وَفِي المارن الدِّيَة وَفِي الْأنف إِذا استؤصل المارن الدِّيَة الْكَامِلَة سَوَاء فِي ذَلِك الأخشم والسليم وَلَا يُزَاد بِقطع القصبة مَعَه شئ وتندرج حكومتها فِي دِيَته (وجائفة ثلثهَا) أَي ثلث دِيَة صَاحبهَا وَهِي جرح ينفذ إِلَى جَوف فِيهِ قُوَّة تحيل الْغذَاء أَو الدَّوَاء كبطن وَصدر وثغرة نحر وجبين وخاصرة وَنَحْوهَا بِخِلَاف الْفَم وَالْأنف واللحى وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا لَيست من الأجواف الْبَاطِنَة بِدَلِيل أَنه لَا يحصل الْفطر بِمَا يصل إِلَيْهَا وَلِأَنَّهُ لَا يعظم فِيهَا الْخطر كتلك وَبِخِلَاف الْعين وممر الْبَوْل من الذّكر وَنَحْوهمَا إِ لَيْسَ فِيهَا قُوَّة تحيل الْغذَاء أَو الدَّوَاء ثمَّ بَين مَا بدله كربع دِيَة صَاحبه فَقَالَ (والجفن ربع) الدِّيَة (السالفة) أَي فِي االجفن الْوَاحِد من الأجفان الْأَرْبَعَة ربع دِيَة صَاحبه وَإِن كَانَ لأعمى سَوَاء أقطعه أم أشله وَفِي الْأَرْبَعَة الدِّيَة لِأَن فِيهَا جمالا وَمَنْفَعَة وَفِي جفنين نصف الدِّيَة لِأَن كل مُتَعَدد من الْأَعْضَاء تجب فِي جنسه الدِّيَة توزع على عدده كاليدين وَالرّجلَيْنِ والأصابع ثمَّ بَين مَا بدله كعشر دِيَة صَاحبه فَقَالَ (لأصبع عشر) أَي لكل أصْبع من أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ عشر دِيَة صَاحبه فَفِي أصْبع الذّكر الْحر الْمُسلم عشرَة أَبْعِرَة (وَمِنْهَا الْأُنْمُلَة ثلث) أَي فِي كل أُنْمُلَة سوى الْإِبْهَام ثلث الْعشْر ثمَّ أَخذ فِي بَيَان مَا بدله كَنِصْف عشر دِيَة صَاحبه فَقَالَ (وَمن بهم) بِفَتْح الْبَاء وهى الْإِبْهَام عشر دِيَة صَاحبهَا لِأَن وَاجِب الْإِبْهَام الَّتِي هِيَ أنملتان عشر الدِّيَة (وَفِي المنقلة وَالسّن أَو مُوضحَة وهاشمه) أَي فِي كل من الْمُوَضّحَة وَهِي الَّتِي توضح الْعظم والهاشمبة وَهِي الت تهشمه والمنقلة وَهِي الَّتِي تنقله مِنْهَا فِي الراس أَو الْوَجْه نصف عشر دِيَة صَاحبهَا وَفِي المنقلة الْمُوَضّحَة والهاشمة خَمْسَة عشر من الْإِبِل وَالْمرَاد هُنَا بِالرَّأْسِ مَا يعم الْعظم الناتيء خلف الْأذن وَيُسمى الخشاء بِضَم الْمُعْجَمَة الأولى وأدغام الثَّانِيَة فِي مثلهَا وَالْمدّ والخششاء بفك الأدغام وبالوجه مَا يعم اللحيين وَلَو من تَحت الْمقبل مِنْهُمَا وَخرج بِعظم الرَّأْس وَالْوَجْه عظم سَائِر الْبدن فَلَا تَقْدِير فِيهِ لِأَن أَدِلَّة ذَلِك لَا تشمله لاخْتِصَاص أَسمَاء الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة بجراحة الرَّأْس وَالْوَجْه وَلَيْسَ غَيرهمَا فِي مَعْنَاهُمَا لزِيَادَة الْخطر والقبح وَفِي السن مِمَّن سَقَطت رواضعه ثمَّ نَبتَت أَو ظهر فَسَاد منبتها بِالْجِنَايَةِ نصف عشر دِيَة صَاحبهَا سَوَاء أكسر الظَّاهِر مِنْهَا دون اصلها الْمُسْتَتر بِاللَّحْمِ أم قلعهَا بِهِ وَسَوَاء أَكَانَت صَغِيرَة أم كَبِيرَة ثَابِتَة أم متحركة نعم إِن بَطل نَفعهَا فَفِيهَا الْحُكُومَة فَلَو قلعهَا كلهَا وعدتها فِي الْغَالِب ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ فبحسابه وَإِن زَاد على ذَلِك كل خَمْسَة أَبْعِرَة وَلَو خلقت قطعتان إِحْدَاهمَا من أَعلَى وَالْأُخْرَى من أَسْفَل لم تزد على دِيَة صَاحبه وَفِي الشاغية أَي الزَّائِدَة الْحُكُومَة (فَنصف عشرهَا بِلَا مخاصمة) أَي فِي كل مِمَّا ذكر نصف عشر دِيَة صَاحبه بِلَا مخاصمة أَي مدافعة فِي ذَلِك (عُضْو بِلَا مَنْفَعَة مَعْلُومَة وَالْجرْح لم يقدر) بِهِ أَي مَالا يتَقَدَّر من الحرفية (الْحُكُومَة) وَهِي جُزْء نسبته إِلَى دِيَة النَّفس نقص الْجِنَايَة من قِيمَته لَو كَانَ رَقِيقا بِصفتِهِ فَمن ذَلِك قطع عُضْو لَا مَنْفَعَة فِيهِ بِأَن كَانَ أشل وَالْجرْح الَّذِي لَا مُقَدّر فِيهِ وَجُمْلَة شُجَاع الرَّأْس وَالْوَجْه عشر حارصة وَهِي مَا شقّ الْجلد قَلِيلا ودامية تدميه من غير سيلان دم وَقيل مَعَه وباضعة تقطع اللَّحْم ومتلاحمة تغوص فِيهِ وسمحاق تبلغ الْجلْدَة الَّتِي بَين اللَّحْم والعظم وموضحه وهاشمه ومنقله وَقد مر بَيَانهَا وَحكمهَا ومأمومة تبلغ خريطة الدِّمَاغ ودامغة تخرقها وَفِي كل مِنْهُمَا ثلث الدِّيَة كَمَا علم من قَوْله وجائفة فَفِي هَذِه الشجاج مَا عدا الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة الْحُكُومَة ثمَّ إِن كَانَت الْحُكُومَة لطرف لَهُ أرش مُقَدّر اشْترط أَن لَا تبلغ مقدره فَإِن بلغته نقص الْحَاكِم شَيْئا بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يكفى حط أقل مُتَمَوّل وَيقوم بعد اندماله فَإِن لم يبْق نقص اعْتبر
(1/294)

أقرب نقص إِلَى الِانْدِمَال فَإِن لم يبْق نقص أوجب الْحَاكِم شَيْئا بِاجْتِهَادِهِ (فِي الْقَتْل تَكْفِير) وَخرج بِالْقَتْلِ الْأَطْرَاف) والجراحات فَلَا كَفَّارَة فِيهَا لِأَن النَّص ورد بهَا فِي الْقَتْل وَلَيْسَ غَيره بِمَعْنَاهُ فَتجب الْكَفَّارَة على الْقَاتِل فَإِن كَانَ صَبيا أَو مَجْنُونا فَتجب فِي مَالهَا فَيعتق الْوَلِيّ مِنْهُ فَإِن أعتق من مَال نَفسه عَنْهُمَا وَكَانَ أَبَا أَو جدا جَازَ أَو عبدا كفر بِالصَّوْمِ أَو ذِمِّيا فتكفيره بِالْعِتْقِ بِأَن يسلم عَبده فيعتقه وَسَوَاء أَكَانَ الْقَتْل عمدا أم خطأ أم شبه عمد مُبَاشرَة أم سَببا وَيشْتَرط لوُجُوبهَا أَن يكون الْمَقْتُول آدَمِيًّا مَعْصُوما بِإِيمَان أَو أَمَان فَتجب بقتل مُسلم وَلَو بدار الْحَرْب وذمي ومعاهد وَمُؤمن وجنين ورقيق نَفسه وَنَفسه وَلَا تجب بقتل حَرْبِيّ وَلَا نسَاء أهل الْحَرْب وصبيانهم وَلَا بقتل صائل دفعا وَلَا بقتل بَاغ عادلا وَعَكسه وَلَا جلاد قتل بِأَمْر الإِمَام ظلما وَهُوَ جَاهِل بِهِ وَلَا على العائن وعَلى كل من الشُّرَكَاء كَفَّارَة لِأَنَّهَا لَا تتجزأ (فَفرض الْبَارِي الْعتْق) ككفارة الظِّهَار فِي أَن من قدر على إِعْتَاق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من عيب يخل بِالْعَمَلِ فاضله عَن كِفَايَته لزمَه (ثمَّ إِن لم) يقدر على الْإِعْتَاق (الصَّوْم) أَي صَوْم شَهْرَيْن مُتَتَابعين (كالظهار) لَكِن لَا إطْعَام فِيهَا اقتصارا على الْوَارِد فِيهَا وَلَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد لِأَن ذَاك فِي الْأَوْصَاف وَمَا هُنَا فِي الْأَشْخَاص - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب دَعْوَى الْقَتْل) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
يعْتَبر فِي دَعْوَى الْقَتْل أَن يفصل مَا يَدعِيهِ من عمد وَخطأ وَشبه عمد وانفراد وَشركَة فَإِن أطلق ندب للْحَاكِم أَن يستفصله وَأَن يعين الْمُدعى عَلَيْهِ فَلَو قَالَ قَتله أحدهم لم تسمع وَأَن لَا يكذبها الْحس فَلَو ذكر جمَاعَة لَا يتَصَوَّر إجتماعهم على الْقَتْل لم تسمع وَأَن لَا تتناقض فَلَو ادّعى انْفِرَاد شخص بِالْقَتْلِ ثمَّ ادّعى على آخر لم تسمع وَأَن يكون كل من الْمُدعى وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ مُكَلّفا (إِن قارنت دَعْوَاهُ لوث سَمِعت) أَي يعْتَبر فِي تَحْلِيف الْمُدعى الْقَتْل كَونه بِمحل لوث (وَهِي قرينَة لظن غلبت) كَأَن وجد قَتِيل فِي مَحَله أَو قَرْيَة صَغِيرَة لاعدائه وَأَن لَا يساكنهم غَيرهم أَو تفرق عَنهُ جمع محصورون وَلَو تقَاتل صفان وانكشفا عَن قَتِيل فَإِن التحم قتال أَو وصل سلَاح أحد الصفين للْآخر فلوث فِي حق الصَّفّ الآخر وَإِلَّا فلوث فِي حق أهل صفه وَشَهَادَة عبيد أَو نسَاء أَو فسقه أَو صبيان أَو كفار لوث بل وَقَول راو كَذَلِك فَإِذا قارنت الدَّعْوَى لوثا (يحلف خمسين يَمِينا مدعى) الْقَتْل للآتباع وَهُوَ مُخَصص لخَبر (الْبَيِّنَة على الْمُدعى) وَلَا تشْتَرط موالاتها فَيجوز تفريقها فِي خمسين يَوْمًا وَلَو تخللها جُنُون أَو أغماء بنى بِخِلَاف مَا إِذا مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا أَو عزل القَاضِي أَو مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا وَلَو كَانَ للقتيل وَرَثَة وزعت الْخَمْسُونَ بِحَسب الارث وجبر الْكسر وَلَو نكل أَحدهمَا أَو غَابَ حلف الآخر خمسين وَأخذ حِصَّته وَله الصَّبْر إِلَى حُضُور الْغَائِب فَيحلف مَعَه مَا يَخُصُّهُ وَلَو حضر الْغَائِب بعد حلفه حلف خمْسا وَعشْرين وَلَو كَانَ الْوَارِث غير حائز حلف خمسين وَيَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ بِلَا لوث والمردودة مِنْهُ على الْمُدعى أَو الْمَرْدُودَة من الْمُدعى على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ مَعَ لوث وَالْيَمِين مَعَ شَاهد خَمْسُونَ (ودية الْعمد) إِذا حلف الْمُدعى واجبه (على جَان دعى) عَلَيْهِ وَلَا قصاص (فَإِن يكن) الْمُدعى (عَن الْيَمين) أَي الْأَيْمَان أَو بَعْضهَا وَلَو يَمِينا وَاحِدَة (امتنعا) بِأَلف الْإِطْلَاق (حَلفهَا الَّذِي عَلَيْهِ يدعى) وَإِذا حلف الْمُدعى فِي الْخَطَأ أَو شبه الْعمد فَالدِّيَة على الْعَاقِلَة مُخَفّفَة فِي الأولى ومغلظة فِي الثَّانِي
(1/295)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْبُغَاة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
جمع بَاغ سموا بذلك لمجاوزتهم الْحَد وَقيل لطلب الاستعلاء وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى {وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا} الْآيَة وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْخُرُوج على الإِمَام لَكِنَّهَا تشمله لعمومها أَو تَقْتَضِيه لِأَنَّهُ إِذا طلب الْقِتَال لبغى طَائِفَة على طَائِفَة فللبغي على الإِمَام أولى وَأجْمع الصَّحَابَة على قِتَالهمْ وَهُوَ وَاجِب فَإِن رجعُوا إِلَى الطَّاعَة قبلت تَوْبَتهمْ وَترك قِتَالهمْ وَأطلق الْأَصْحَاب أَن الْبَغي لَيْسَ بأسم دم وَأَن الْبُغَاة لَيْسُوا فسقة كَمَا أَنهم لَيْسُوا كفرة لكِنهمْ مخطئون فِي تأويلهم وَبَعْضهمْ سماهم عصاة وَقَالَ لَيْسَ كل مَعْصِيّة فسقا وعَلى الأول فالتشديدات فِي مُخَالفَة الإِمَام كَخَبَر من حمل علينا السِّلَاح فَلَيْسَ منا وَخبر من فَارق الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه مَحْمُولَة على الْمُخَالف بِلَا عذر وَلَا تَأْوِيل (مخالفو الإِمَام) الْأَعْظَم بِخُرُوج عَلَيْهِ وَترك الانقياد لَهُ أَو منع حق توجه عَلَيْهِم وَسَوَاء أَكَانَ قصاصا أم حدا أم مَالا كَالزَّكَاةِ كَمَا هُوَ معنى قَوْله الآتى مَعَ الْمَنْع لأشيا لَازمه وَسَوَاء أنصبت لَهَا إِمَامًا أم لَا وَسَوَاء أَكَانَ إمامنا عادلا أم جائرا لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِل بالجور (إِذْ تأولوا شَيْئا) أَي لأجل أَن تأويلوا تَأْوِيلا (يسوغ) تَأْوِيله ويعتقدون بِهِ جَوَاز الْخُرُوج على الإِمَام (وَهُوَ ظن بَاطِل) أَي ظَنِّي الْبطلَان كتأويل الخارجين على على رَضِي الله عَنهُ بِأَنَّهُ يعرف قَتله عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَيقدر عَلَيْهِم وَلَا يقْتَصّ مِنْهُم لمواطأته إيَّاهُم وَتَأْويل بعض مانعي الزَّكَاة عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ بِأَنَّهُم لَا يدْفَعُونَ الزَّكَاة إل لمن صلَاته سكن لَهُم وَهُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخرج بذلك المخالفون بِغَيْر تَأْوِيل كمانعي حق الشَّرْع كَالزَّكَاةِ عنادا أم بِتَأْوِيل بَاطِل قطعا كتأويل الْمُرْتَدين فليسوا كالبغاة وَكَذَا الْخَوَارِج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أَتَى كَبِيرَة ويطعنون بذلك من الْأَئِمَّة وَلَا يحْضرُون مَعَهم فِي الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات وحكمهم أَنهم إِن لم يقاتلوا وَكَانُوا فِي قَبْضَة الإِمَام تركُوا نعم إِن تضررنا بهم تعرضنا لَهُم حَتَّى يَزُول الضَّرَر ثمَّ إِن صَرَّحُوا بِسَبَب الإِمَام أَو وَاحِدًا منا عزروا وَإِن عرضوا بِهِ فَلَا وَإِن قَاتلُوا فهم فسقة وَأَصْحَاب نهب فحكمهم حكم قطاع الطَّرِيق إِن قصدُوا إخافة الطَّرِيق (مَعَ شَوْكَة) لَهُم بِحَيْثُ (يُمكنهَا المقاومة لَهُ) أَي للأمام وَيحْتَاج الإِمَام إِلَى احْتِمَال كلفة من بذل مَال وإعداد رجال وَنصب قتال ليردهم إِلَى الطَّاعَة وَاسْتغْنى المُصَنّف بِالشَّوْكَةِ عَن اشْتِرَاط مُطَاع فيهم لِأَنَّهَا لَا تحصل إِذا لم يكن لَهُم متبوع مُطَاع إِذْ لَا قُوَّة لمن لم يجمع كلمتهم مُطَاع وَخرج بذلك مَا إِذا كَانُوا أَفْرَاد يسهل الظفر بهم فليسوا بغاة وللبغاة حكم أهل الْعدْل فِي قبُول شَهَادَتهم ونفوذ قَضَاء قاضيهم وَالْحكم بِسَمَاع الْبَيِّنَة واستيفائهم حُقُوق الله تَعَالَى والعباد وصرفهم سهم المرتزقة إِلَى جندهم وَعدم ضَمَان مَا أتلفوه بِسَبَب الْقِتَال من نفس أَو مَال وَحكم ذَوي الشَّوْكَة بِلَا تَأْوِيل حكم الْبُغَاة فِي الضَّمَان (مَعَ الْمَنْع لأشيا) بِالْقصرِ للوزن (لَازمه) أَي مَعَ منع حق لَزِمَهُم وعَلى الإِمَام أَن لَا يقاتلهم حَتَّى ينذرهم وَيَنْبَغِي أَن يبْعَث لَهُم أَمينا فطنا ناصحا يسألهم مَا ينقمون فَإِن ذكرُوا مظْلمَة أَو شُبْهَة أزالها فَإِن أصروا بعد الْإِزَالَة وعظهم وَأمرهمْ بِالْعودِ إِلَى الطَّاعَة ثمَّ أعلمهم بِالْقِتَالِ فَإِن اسْتمْهلُوا فِيهِ اجْتهد وَفعل مَا رَآهُ صَوَابا فَإِن ظهر لَهُ أَن استمهالهم للتأويل فِي إِزَالَة الشُّبْهَة أمهلهم أَو لاستلحاق مدد لم يمهلهم وَإِذا قَاتلهم دفعهم بالأخف فالأخف فَإِن أمكن أسر فَلَا قتل أَو أثخان فَلَا تذفيف فَإِن التحم الْحَرْب وَاشْتَدَّ الْخَوْف دفعهم بِمَا يُمكن وَيلْزم الْوَاحِد منا مصابرة اثْنَيْنِ من الْبُغَاة وَلَا يُولى عَنْهُمَا إِلَّا متحرفا الْقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة (وَلم يُقَاتل مُدبر مِنْهُم) للنَّهْي عَنهُ
(1/296)

وَشَمل تَعْبِيره بالمدبر من تحيز إِلَى فِئَة بعيدَة أَو أعرض عَن الْقِتَال أَو بطلت قوته أما من ولي متحرفا لقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة قريبَة فَإِنَّهُ يتبع وَيُقَاتل وَكَذَا لَو ولوا مُجْتَمعين تَحت راية زعيمهم (وَلَا) يقتل (جريحهم وَلَا أَسِير) هم للنَّهْي عَنهُ (حصلا) بِأَلف الْإِطْلَاق أَي حصل فِي قبضتنا وَلَو قتل منا رجل أسيرهم فَلَا قَود للشُّبْهَة (وَعند أَمن الْعود أَي) عودهم لنا (إِذْ تفَرقُوا عِنْد انقضا الْحَرْب الْأَسير) مِنْهُم (يُطلق) حَيْثُ كَانَ صَالحا لِلْقِتَالِ وَإِن لم يكن كَامِلا كمراهق وَعند أَمن عودهم عِنْد انْقِضَاء الْحَرْب أما غير الصَّالح لِلْقِتَالِ كأمرأة وَصبي مراهق فيطلق بعد انْقِضَاء الْحَرْب وَإِن لم تؤمن عائلتهم نعم إِن قَاتَلت النِّسَاء فكالرجال لَا يطلقن إِلَّا بعد أَمن غائلتهم (وَمَا لَهُم) من خيل وَسلَاح وَغَيرهمَا (يرد) عَلَيْهِم (بعد الْحَرْب) أَي نقضائه وَأمن غائلتهم بعودهم إِلَى الطَّاعَة أَو تفرق جمعهم (فِي الْحَال) من غير تَأْخِير (واستعماله كالغصب) فَلَا يجوز اسْتِعْمَاله إِلَّا لضَرُورَة بِأَن لم يجد أَحَدنَا مَا يدْفع بِهِ إِلَّا سِلَاحهمْ أَو مَا يركبه وَقد وَقعت هزيمَة إِلَّا خيلهم وَلَا يُقَاتلُون بِعظم كنار ومنجنيق إِلَّا لضَرُورَة كَأَن قَاتلُوا بِهِ واحتجنا إِلَى الْمُقَاتلَة بِمثلِهِ دفعا أَو احاطوا بِنَا واحتجنا فِي دفعهم إِلَى ذَلِك وَلَا يستعان عَلَيْهِم بِكَافِر وَلَا بِمن يرى قَتلهمْ مُدبرين كالحنفى فَإِن احْتج إِلَى ذَلِك جَازَ إِن كَانَ فيهم جَرَاءَة وَحسن أَقْدَام وَكُنَّا متمكنين من مَنعهم لَو اتَّبَعُوهُمْ وَلَو استعانوا علينا بِأَهْل حَرْب وأمنوهم ليقاتلونا مَعَهم لم ينفذ أمانهم علينا ونغذ عَلَيْهِم نعم إِن قَالُوا ظننا أَن الْحق مَعَهم وَأَن لنا أعانة الْحق أَو ظننا جَوَاز إعانتهم أَو أَنهم استعانوا بِنَا فِي قتال كفار وَأمكن صدقهم فِي ذَلِك قاتلناهم كقتال الْبُغَاة ونبلغهم المأمن وَلَو أعانهم أهل ذمَّة عَالمين بِتَحْرِيم قتالنا مختارين فِيهِ انْتقض عَهدهم أَو مكرهين فَلَا والإمامة فرض كِفَايَة فَإِن لم يصلح لَهَا إِلَّا وَاحِد تعين عَلَيْهِ طلبَهَا مَا لم يَبْتَدِئ وتنعقد ببيعة أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء والرؤساء ووجوه النَّاس الَّذين يعْتَبر حضورهم وشرطهم صفة الشُّهُود وَلَا يشْتَرط عدد حَتَّى لَو تعلق الْحل وَالْعقد بِوَاحِد كفى وباستخلاف الإِمَام قبله فَلَو جعل الْأَمر شُورَى بَين جمع فكاستخلاف فيرتضون أحدهم وباستيلاء جَامع الشُّرُوط وَكَذَا فَاسق وجاهل فَتجب طَاعَته فِيمَا لَا يخلف للشَّرْع وَشَرطه كَونه مُسلما مُكَلّفا حرا ذكرا عدلا قرشيا مُجْتَهدا سميعا بَصيرًا ناطقا كَافِيا سليما من نقص وَيمْنَع اسْتِيفَاء الْحَرَكَة وَسُرْعَة النهوض وَلَا يُؤثر الغشاء وَلَا ضعف الْبَصَر الَّذِي لَا يمْنَع معرفَة الْأَشْخَاص وَلَا فقد الشم والذوق وَلَا قطع الذّكر والأنثيين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب حد الرِّدَّة) أعاذنا الله مِنْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هِيَ لُغَة الرُّجُوع عَن الشئ إِلَى غَيره وَشرعا مَا سيأتى وَهِي أفحش انواع الْكفْر وأغلظها حكما لقَوْله تَعَالَى {وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر} الْآيَة وَلقَوْله تَعَالَى {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} وَلخَبَر البُخَارِيّ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ (كفر الْمُكَلف) الْبَالِغ الْعَاقِل (اخْتِيَارا) خرج الْمُكْره لقَوْله تَعَالَى {إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (ذِي هدى) أَي الْمُسلم بجحود مجمع عَلَيْهِ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ (وَلَو) كَانَ (لفرض من صَلَاة جحدان) أَو حلل محرما بِالْإِجْمَاع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ كَالزِّنَا وَشرب الْخمر أَو حرم حَلَالا بِالْإِجْمَاع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ كَالنِّكَاحِ أَو اعْتقد وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب بِالْإِجْمَاع كَذَلِك كصلة سادسة اَوْ القي مُصحفا بقاذورة
(1/297)

أَو سجد لصنم أَو شمس أَو قذف سيدتنا عَائِشَة بعد نزُول الْقُرْآن أَو ادّعى نبوة بعد نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو صدق مدعيها أَو أستخف باسم الله أَو رَسُوله أَو رضى بالْكفْر أَو أَشَارَ بِهِ وَسَوَاء فِي ذَلِك أَكَانَ بنية كفر أم قَول مكفر أم فعل مكفر سَوَاء فِي القَوْل أَكَانَ استهزاء أم اعتقادا أما عنادا كَأَن تردد فِي الْكفْر أم عزم عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبل أَو اعْتقد قدم الْعَالم أَو حُدُوث الصَّانِع أَو كذب رَسُولا (وَتجب اسْتِتَابَة) للمرتد قبل قَتله لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَرما بِالْإِسْلَامِ وَرُبمَا عرضت لَهُ شُبْهَة فتزال إِذْ لَو مَاتَ على حَاله مَاتَ كَافِرًا بِخِلَاف تَارِك الصَّلَاة فانه لَو مَاتَ مُسلما (لن يمهلا) أَي فِي الْحَال (إِن لم يتب فَوَاجِب أَن يقتلا) لخَبر من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ وَهُوَ شَامِل للْمَرْأَة وَغَيرهَا وَلَا يقتل الْمُرْتَد فِي جُنُونه أَو سكره فَرُبمَا رَجَعَ فَلَو قَتله إِنْسَان قبل الاستتابة أَسَاءَ فيعزر وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَينْدب تَأْخِير تَوْبَة السَّكْرَان إِلَى إِفَاقَته وَلَا يدْفن الْمُرْتَد فِي مَقَابِر الْمُسلمين لِخُرُوجِهِ بِالرّدَّةِ عَنْهُم وَلَا فِي مَقَابِر الْكفَّار لما تقدم لَهُ من حُرْمَة الْإِسْلَام وَمَتى أسلم الْمُرْتَد ذكرا أَو أُنْثَى صَحَّ إِسْلَامه وَلَو زنديقا أَو سَكرَان أَو تَكَرَّرت ردته وَيُعَزر من تَكَرَّرت ردته وَمن كفر بِقَذْف نَبِي صَحَّ إِسْلَامه وَترك كَغَيْرِهِ وَلَا بُد فِي إِسْلَام الْمُرْتَد وَغَيره من الشَّهَادَتَيْنِ وَإِن كَانَ مقرا بِإِحْدَاهُمَا وتكفيان مِمَّن يُنكر الرسَالَة إِلَّا من خصها بالعرب فَلَا بُد مَعَ ذَلِك أَن يَقُول أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِلَى سَائِر الْخلق أَو يبرأ من كل دين مُخَالف لِلْإِسْلَامِ فَلَو كَانَ كفره بجحود فرض أَو إستباحة محرم لم يَصح إِسْلَامه حَتَّى يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ وَيرجع عَمَّا اعتقده وَينْدب أَن يمْتَحن عِنْد إِسْلَامه بِإِقْرَارِهِ بِالْبَعْثِ وَإِذا ترك الْمُسلم الْمُكَلف صَلَاة من الْخمس (من دون جحد عَامِدًا) بِلَا عذر (مَا صلى عَن وَقت جمع) أَي تَركهَا حَتَّى خرج وَقتهَا أَو وَقت مَا تجمع مَعَه (استتبه) أَنْت ندبا فان لم يتب (فالقتلا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله وَيكون (بِالسَّيْفِ) وَيقتل (حدا) لَا كفرا وَقد علم أَنه لَا يقتل بترك الظّهْر حَتَّى تغرب الشَّمْس وَلَا بترك الْمغرب حَتَّى يطلع الْفجْر وَيقتل فِي الصُّبْح بِطُلُوع الشَّمْس وَفِي الْعَصْر بغروبها وبالعشاء بِطُلُوع الْفجْر فَيُطَالب بأدائها إِذا ضَاقَ وَقتهَا ويتوعد بِالْقَتْلِ إِن أخرجهَا عَن الْوَقْت فَإِن أصر وَأخر اسْتوْجبَ الْقَتْل وَمن ترك الصَّلَاة ترك ركن من أَرْكَانهَا أَو شَرط مجمع عَلَيْهِ من شُرُوطهَا وَعلم أَن تَارِك الْجُمُعَة يقتل وَإِن قَالَ أصليها ظهرا (بعد ذَا صَلَاتنَا عَلَيْهِ) أَي بعد أَن يقتل تَارِك الصَّلَاة يغسل ويكفن وَيصلى عَلَيْهِ (ثمَّ الدّفن فِي قبورنا) أَي ثمَّ يدْفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَلَا يطمس قَبره كَسَائِر أَصْحَاب الْكَبَائِر من الْمُسلمين بل أولى لما ذَكرْنَاهُ من سُقُوط الْإِثْم بالحدود - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب حد الزِّنَا) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
وَهُوَ رجم الْمُحصن وَجلد غَيره وتغريبه كَمَا يَأْتِي وَالزِّنَا بِالْقصرِ أفْصح من مده هُوَ الْإِيلَاج الْآتِي بَيَانه وَهُوَ حرَام وَقد أجمع على تَحْرِيمه سَائِر الْملَل وَهُوَ إيلاج مُكَلّف مُخْتَار عَالم بِتَحْرِيمِهِ حَشَفَة ذكره الْأَصْلِيّ الْمُتَّصِل أَو قدرهَا من مقطوعها بفرج أُصَلِّي مُتَّصِل محرم لعَينه خَال عَن الشُّبْهَة مشتهى فَخرج بالإيلاج المفاخذة ومساحقة الْمَرْأَتَيْنِ والإيلاج فِي غير فرج أَو فِي فرج زَائِد أَو مَشْكُوك فِيهِ أَو مبان فَلَا يُوجب الْحَد بل التَّعْزِير وَخرج إيلاج الزَّوْج وَالسَّيِّد الْخَالِي عَن الْحُرْمَة وإيلاج شُبْهَة الْفَاعِل وإيلاج غير الْمُكَلف لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِتَحْرِيم وإيلاج الْمُكْره وَالْجَاهِل بِالتَّحْرِيمِ والإيلاج الْمحرم لعَارض وشبهة الْمحل وَالطَّرِيق وَهِي كل جِهَة أَبَاحَ بهَا عَالم والإيلاج فِي الْبَهِيمَة وَالْميتَة إِذْ لَيْسَ فيهمَا سوى
(1/298)

التَّعْزِير (يرْجم) الزَّانِي الَّذِي هُوَ (حر مُحصن) وَلَو ذِمِّيا رجلا أَو امْرَأَة (بِالْوَطْءِ) بِأَن غيب حشفته (فِي عقد صَحِيح وَهُوَ ذُو تكلّف) وَلَو فِي حيض أَو إِحْرَام وَبِغير إنزاله فَلَا رجم على من فِيهِ رق وَلَا على من زنا وَهُوَ غير مُكَلّف لَكِن اعْتِبَار التَّكْلِيف غير مُخْتَصّ بِالرَّجمِ بل هُوَ شَرط فِي أصل الْحَد وَلَا رجم على من غيب وَهُوَ نَاقص ثمَّ زنا وَهُوَ كَامِل ويرجم من كَانَ كَامِلا فِي الْحَالين وَمُقْتَضى كَلَامه أَن إِحْصَان أحد الزَّوْجَيْنِ لَا يُؤثر فِيهِ نقص الآخر وَهُوَ كَذَلِك وَأفهم قَوْله يرْجم عدم قَتله بِالسَّيْفِ وَنَحْوه لِأَن الْقَصْد التنكيل بِالرَّجمِ بِأَن يَأْمر بِهِ الإِمَام ليحيطوا بِهِ فيرمونه من الجوانب بمدر وحجارة معتدلة لَا بحصيات خَفِيفَة وَلَا بصخرة مذففة وَلَا يحْفر للرجل سَوَاء أثبت زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ وَينْدب للْمَرْأَة إِن ثَبت زنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْإِقْرَارِ وَلَا يُؤَخر لبرد وحر مفرطين وَإِن ثَبت بِالْإِقْرَارِ لِأَن النَّفس مستوفاة بِهِ وَإِنَّمَا يثبت الزِّنَا بأَرْبعَة رجال أَو إِقْرَاره وَيشْتَرط التَّفْسِير فِي كل مِنْهُمَا (وَالْبكْر جلد مائَة للْحرّ وَنفى عَام قدر ظعن الْقصر) أَي إِلَى مَسَافَة الْقصر فَمَا فَوْقهَا للأتباع (وَالرّق) أَي حد الرَّقِيق وَمثله الْمبعض (نصف الْجلد) وَهُوَ خَمْسُونَ جلدَة (و) نصف (التغرب) وَهُوَ نصف سنة وَلَا يَكْفِي نفي الزَّانِي نَفسه لِأَن الْقَصْد التنكيل وَإِنَّمَا يحصل بِنَفْي الإِمَام وَلَو قدم النَّفْي على الْجلد جَازَ وَأول مدَّته ابْتِدَاء السّفر لَا وَقت وُصُوله لما غرب إِلَيْهِ وَتعْتَبر مُوالَاة الْمِائَة وَالْعَام فَلَا يجوز تفريقهما وَلَو فِي حق ضَعِيف الْخلق نعم لَو جلد الزَّانِي فِي يَوْم خمسين مُتَوَالِيَة وَفِي ثَانِيَة خمسين كفى إِذْ الْخَمْسُونَ قدر حق الرَّقِيق وَلَا تغرب امْرَأَة وَحدهَا بل مَعَ زوج أَو محرم أَو نسْوَة ثِقَات مَعَ أَمن الطَّرِيق وَعَلَيْهَا أجرته إِن لم يخرج بِدُونِهَا فَإِن امْتنع لم يجْبر ويغرب الْقَرِيب من بلد الزِّنَا إِلَى غير بَلَده بِحَيْثُ لَا يكون بَينه وَبَين بَلَده دون مَسَافَة قصر وَلَو رَجَعَ الْمغرب رد إِلَى الْموضع الَّذِي غرب إِلَيْهِ واستؤنفت الْمدَّة ويستوفى الْحَد الإِمَام أَو نَائِبه فِيهِ من حر ومبعض ومكاتب وَيسْتَحب حُضُور الإِمَام وشهود الزِّنَا وَيحد الرَّقِيق سَيّده عِنْد الِاسْتِيفَاء رجلا كَانَ أَو امْرَأَة وَالْإِمَام فَإِن تنَازعا فِيمَن يحده فالإمام ويغربه السَّيِّد أَيْضا وللفاسق وَالْمكَاتب وَالْكَافِر حد أرقائهم لإِصْلَاح ملكهم (ودبر العَبْد زنا كَالْأَجْنَبِيِّ) أَي إيلاج الْحَشَفَة أَو قدرهَا فِي دبر عَبده زنا كإيلاجها فِي دبر الْأَجْنَبِيّ ذكرا كَانَ أَو غَيره فيرجم الْفَاعِل إِن كَانَ مُحصنا وَللسَّيِّد تَعْزِير رَقِيقه فِي حُقُوق الله تَعَالَى وَله سَماع الْبَيِّنَة بِمُوجب الْعقُوبَة وَيُؤَخر الْجلد لمَرض يُرْجَى برأة فَإِن لم يرج جلد بعثكال عَلَيْهِ مائَة غُصْن فَإِن كَانَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ ضرب بِهِ مرَّتَيْنِ وتمسه الأغصان أَو ينكبس بَعْضهَا على بعض ليناله بعض الْأَلَم وَلَو برىء بعد أَجزَأَهُ فَإِن انْتَفَى لم يسْقط الْحَد وَيجب تَأْخِير الْجلد لحر وَبرد مفرطين إِلَى إعتدال الْوَقْت لَكِن لَو جلده الإِمَام فيهمَا فَهَلَك لم يضمنهُ (وَمن أَتَى بَهِيمَة أَو دبر زَوجته) أَي بَعْدَمَا مَنعه الْحَاكِم عَنهُ (أَو دون فرج) كمفاخذة ومقدمات وَطْء أَو أَتَى ميتَة عزرا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله أَي عزّر فَاعله وَالْقَاعِدَة الأكثرية فِي ذَلِك أَنه يُعَزّر فِي كل مَعْصِيّة لأحد فِيهَا وَلَا كَفَّارَة كمباشرة أَجْنَبِيَّة بِغَيْر وَطْء وسرقة مَا دون النّصاب وَسَب إِيذَاء بِغَيْر قذف وَشَهَادَة زور أَو ضرب بِغَيْر حق بِمَا يرَاهُ الْحَاكِم من ضرب أَو صفع وَلَا يبلغ بِهِ أدنى حُدُود المعزر أَو حبس أَو نفي وَلَا يبلغ بِهِ سنة للْحرّ وَنِصْفهَا لغيره أَو توبيخ على مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاده من جمع واقتصار على وَاحِد وَعَلِيهِ رِعَايَة التَّرْتِيب والتدريج كدفع الصَّائِل فَلَا يرقى إِلَى مرتبَة وَهُوَ يرى مَا دونهَا كَافِيا وَلَو علم أَن التَّأْدِيب لَا يحصل إِلَّا بِالضَّرْبِ المبرح امْتنع هُوَ وَغَيره وَلَو عفى مُسْتَحقّ حد فَلَا تَعْزِير للْإِمَام أَو مُسْتَحقّ تَعْزِير فللإمام إِقَامَته
(1/299)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب حد الْقَذْف) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
بِالْمُعْجَمَةِ أَي الرَّمْي بِالزِّنَا وَهُوَ كَبِيرَة لقَوْله تَعَالَى {إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات} الْآيَة (أوجب لرام) بِمَعْنى علا كَمَا فِي وللرقيق (باللواط وَالزِّنَا) كَقَوْلِه لغيره لطت أَو زَنَيْت والرامي مُكَلّف مُخْتَار غير أصل (جلد ثَمَانِينَ لحر أحصنا) بِأَلف الْإِطْلَاق (وللرقيق) والمبعض (النّصْف) بِالنّصب عطفا على مفعول أوجب أَو بِرَفْع مُبْتَدأ خَبره للرقيق وَهُوَ أَرْبَعُونَ جلدَة لِأَنَّهُ على النّصْف من الْحر فِيمَا يُمكن تبعيضه فَلَا حد على صبي وَمَجْنُون وَيُعَزر الْمُمَيز من صبي وَمَجْنُون لَهُ نوع تَمْيِيز وَلَا على مكره وأصل بِقَذْف فرع وَإِن سفل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى لِأَنَّهُ لَا يقتل بِهِ نعم يُعَزّر وَسَوَاء أَكَانَ الْقَاذِف مُسلما أم مُرْتَدا أم ذِمِّيا أم معاهدا أم ذكرا أم أُنْثَى (عرف مُحصنا) بِأَن يكون (مُكَلّفا أسلم حرا مَا زنا) وَلم يطَأ وطأ محرما أبدا فَلَو كَانَ الْمَقْذُوف صَبيا أَو مَجْنُونا أَو رَقِيقا أَو غير عفيف عَن الزِّنَا أوالوطء الْمَذْكُور لم يكن مُحصنا فَلَا حد على قَاذفه بل يُعَزّر للإيذاء (وَإِن تقم بَيِّنَة على زِنَاهُ) أَي الْمَقْذُوف وَلَو بعد الْقَذْف (يسْقط) الْحَد بِخِلَاف مَا لَو ارْتَدَّ بعده (كَأَن صدق) الْمَقْذُوف الْقَاذِف (قذفا) على قذفه (أَو عفاه أَي عَفا عَن الْقَذْف فَإِنَّهُ يسْقط وَلَو أَبَاحَ قذفه لغيره كَأَن قَالَ لغيره اقذفني لم يجب الْحَد وَلَو قذف وَاحِدًا بِالزِّنَا مرَّتَيْنِ لزمَه حد وَاحِد وَلَو استوفى الْمَقْذُوف الْحَد بِلَا حَاكم أَو الْحَاكِم بِلَا طلب من مُسْتَحقّه لم يَقع الْموقع وَلَو شهد دون أَرْبَعَة بِالزِّنَا أَو ثَلَاثَة مَعَ زوج الْمَرْأَة بزناها حدوا وَكَذَا لَو شهد أَربع نسْوَة أَو عبيد أَو ثَلَاثَة رجال وَامْرَأَة أَو عبد أَو ذمِّي وَلَو شهد أَرْبَعَة من الفسقة أَو ثَلَاثَة عدُول وفاسق أَو أَرْبَعَة من أعدائه أَو عَدو وَمَعَ ثَلَاثَة فَلَا حد على الشُّهُود وَلَو شهد وَاحِد على إِقْرَاره فَلَا حد عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب حد السّرقَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء وَيجوز إسكانها مَعَ فتح السِّين وَكسر الرَّاء وَيجوز إسكانها مَعَ فتح السِّين وَكسرهَا وَهِي لُغَة أَخذ المَال خُفْيَة وَشرعا أَخذه خُفْيَة من حرز مثله بِشُرُوط تَأتي وَهِي كَبِيرَة مُوجبَة للْقطع وَالْأَصْل فِي الْقطع بهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا} وَغَيره مِمَّا يَأْتِي وَلها أَرْكَان سَارِق ومسروق وسرقة وَقد أَشَارَ إِلَيْهَا مُصَنف بقوله (وواجب بِسَرِقَة لمكلف) أَي يشْتَرط فِي السَّارِق كَونه مُكَلّفا مُخْتَارًا وملتزما الْأَحْكَام وعالما بِالتَّحْرِيمِ سَوَاء أَكَانَ مُسلما أم ذِمِّيا رجلا أم امْرَأَة حرا أم رَقِيقا فَيقطع مُسلم أَو ذمِّي بِمَال مُسلم أَو ذمِّي فَلَا قطع على صبي وَمَجْنُون لانْتِفَاء تكليفهما أَو مكره للشُّبْهَة وحربي ومعاهد وَمُؤمن لانْتِفَاء التزامهم للْأَحْكَام وَلَا مُسلم أَو ذمِّي بِسَرِقَة مَا لَهُم (لغير أَصله وَفرع) أَي يشْتَرط أَيْضا أَن يكون مَمْلُوكا لغير أَصله وفرعه فَلَا قطع بِسَرِقَة مَال أصل وَفرع للسارق لما بَينهم من الِاتِّحَاد وَأَن يكون مَمْلُوكا لغيره فَلَا قطع على من سرق مَال نَفسه من يَد مُرْتَهن أَو مُسْتَأْجر أَو مستعير أَو مُودع أَو عَامل أَو وَكيل (مَا تفي قِيمَته ربع دِينَار) أَي يشْتَرط كَون قيمَة الْمَسْرُوق تجمع ربع دِينَار (ذهب)
(1/300)

وقف عَلَيْهِ بلغَة ربيعَة وَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز أَي ذَهَبا مَضْرُوبا خَالِصا أَو يبلغ قيمَة ذَلِك (وَلَو) كَانَ الذَّهَب (قراضة) أَو تبرا تبلغ قِيمَته ربع دِينَار مَضْرُوب وَالدِّينَار المثقال (بِغَيْر لم يشب) أَي يشْتَرط أَن يبلغ خَالص الْمَغْشُوش ربع دِينَار وَإِلَّا لم يقطع والتقويم يعْتَبر بالمضروب فَلَو سرق شَيْئا يُسَاوِي ربع دِينَار من غير الْمَضْرُوب كسبيكة وحلي وَلَا يبلغ ربعا مَضْرُوبا فَلَا قطع بِهِ وَلَو سرق ربعا سبيكة أَو حليا لَا يُسَاوِي ربعا مَضْرُوبا فَلَا قطع بِهِ نظرا للقيمة فِيمَا هُوَ فِيهِ كالسلعة وَلَو سرق مَا وَزنه دون ربع دِينَار وَقِيمَته بالصنعة ربع دِينَار فَلَا قطع بِهِ نظرا للوزن وَلَو سرق دَنَانِير ظَنّهَا فُلُوسًا لَا تَسَاوِي ربعا قطع وَلَا أثر لظَنّه (من حرز مثله) أَي يشْتَرط كَون الْمَسْرُوق مأخوذا من حرز مثله لَان الْجِنَايَة تعظم بمخاطرة أَخذه من الْحِرْز فحكما بِالْقطعِ زجرا فَلَا قطع بِسَرِقَة مَا لَيْسَ محرزا وَيخْتَلف الْحِرْز باخْتلَاف الْأَمْوَال وَالْأَحْوَال فَيرجع فِيهِ إِلَى الْعرف وَقد يكون الشَّيْء محرزا فِي مَكَان دون مَكَان وَفِيه وَقت دون وَقت فَلَا قطع إِلَّا بِسَرِقَة مَا أحرز فِي مَوضِع يسْتَحق المحرز منفعَته وَلَو بالعارية من السَّارِق أَو غَيره فَلَا قطع بِسَرِقَة من حرز مَغْصُوب وَلَا بِسَرِقَة مَا أحرز مَعَ مغصوبه فَإِن كَانَ بِمَسْجِد أَو نَحوه اشْترط دوَام لحاظ وَلَا يقْدَح فِيهِ الفترات الْعَارِضَة عَادَة أَو بحصن كدار كفى لحاظ معتادو اصطبل مُتَّصِل بالدور حرز دَوَاب وَنَحْوهَا وعرصة دَار وَصفَة حرز آنِية وَثيَاب بذلة لإثياب نفيسة أَو نَحْوهَا وَمَا نَام عَلَيْهِ أَو توسده فمحرز وَيعْتَبر فِي الملاحظ قدرته على منع السَّارِق بِقُوَّة أَو استغاثة وَدَار مُنْفَصِلَة حرز يحافظ فِيهَا يقظان أَو نَائِم مَعَ إغلاقها ومتصلة حرز لَا مَعَ فتحهَا ونومه وَلَو نَهَارا فَإِن لم يكن فَهِيَ حرز نَهَارا مَعَ أَمن وإغلاقها وخيمة بصحراء محرزة بشد أطنابها وحافظ وَمَا فِيهَا لشد أطنابها وإرخاء أذيالها مَعَه (وَلَا شُبْهَة فِيهِ لسارق) أَي يشْتَرط أَن لَا يكون للسارق فِيهِ شُبْهَة (كشركة) فَلَا يقطع مُسلم بِمَال الْمصَالح وَلَا مُسْتَحقّا لِلزَّكَاةِ بمالها وَلَا بِسَرِقَة مَا وهب لَهُ قبل قَبضه وَلَا بِسَرِقَة مَا ظَنّه ملكه أَو ملك بعضه أَو سَيّده (أَو يَدعِيهِ) وَإِن لم يثبت مدعاه وَلَو سرق سيد الْمبعض مَا ملكه بحريَّته لم يقطع على الْأَصَح لِأَن مَا ملكه فِي الْحَقِيقَة لجَمِيع بدنه فَصَارَ شُبْهَة وَلَا شُبْهَة فِي كَون الْمَسْرُوق مُبَاح الأَصْل كحطب وحشيش وَلَا فِي طَعَام عَام المجاعة إِن وجد وَلَو عَزِيزًا بِثمن غال وَلَو ادّعى نقص الْقيمَة لم يقطع مَا لم تقم بَينه بِخِلَافِهِ فَلَو ملك السَّارِق الْمَسْرُوق قبل الرّفْع إِلَى الْحَاكِم فَلَا قطع لتوقفه على طلب الْمَسْرُوق مِنْهُ وَقد تعذر وَلَا قطع على مختلس وَهُوَ من يعْتَمد الْهَرَب ومنتهب وَهُوَ من يعْتَمد الْغَلَبَة وَالْقُوَّة ومودع ومستعير إِذا جَحَدُوا سَوَاء فِي هتك الْحِرْز أَكَانَ بنقب أم كسر بَاب وقلعة وَفتح المغلاق والقفل وتسور الْجِدَار وَلَو أَدخل يَده فِي النقب أَو مخحبنا وَأخرج الْمَتَاع أَو أرسل حبلا من السَّطْح أَو الكوة فِي رَأسه كلاب وَأخرج بِهِ مَتَاعا قطع وَلَو أرسل قردا وَأخرج فَلَا قطع وَلَو حمل أعمى زَمنا وَأدْخلهُ الْحِرْز فدله الزَّمن على المَال فَأَخذه وَخرج بِهِ قطع الْأَعْمَى دون الزَّمن (تقطع يمناه من الْكُوع) أَي يَده الْيُمْنَى وتمد الْيَد مدا عنيفا لتخلع ثمَّ تقطع بحديده مَاضِيَة ويضبط جَالِسا حَتَّى لَا يَتَحَرَّك وَلَا تمنع زِيَادَة أصابعها وَلَو كَانَت شلاء فَإِن قَالَ أهل الْخِبْرَة يَنْقَطِع دَمهَا قطعت وَإِلَّا فكمن لَا يَمِين لَهُ ويكتفي بفاقدة الْأَصَابِع وَلَو سرق مرَارًا كفى قطعهَا وَيجب على السَّارِق رد مَا سَرقه فَإِن تلف لزمَه بدله (فَإِن عَاد لَهَا) أَي سرق بعد قطعهَا أَو كَانَت مفقودة (فرجله الْيَسَار من مفصلها) بِخِلَاف مَا إِذا قطعت بعد السّرقَة بِآفَة أَو جِنَايَة فَلَا قطع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تعلق بِعَينهَا وَقد فَاتَت وَمثله لَو شلت وَتعذر قطعهَا (فَإِن بعد بعد) قطع رجله الْيُسْرَى قطعت (يسرى من يَد فَإِن عَاد فيمناه) أَي رجله الْيُمْنَى (فَإِن
(1/301)

يعد) بعد قطع الْأَرْبَع (فتعزير بِغَيْر قتل) وَالْأَمر بقتْله مَنْسُوخ أَو مؤول بالمستحل (ويغمس الْقطع) أَي مَحَله (بِزَيْت) أَو دهن (مغلي) فَإِن جرت عَادَتهم بالحسم بالنَّار فعل وَلَيْسَ ذَلِك تَتِمَّة للحد بل حق للمقطوع فَلَا يفعل إِلَّا بِإِذْنِهِ وَهُوَ مَنْدُوب ومؤنته عَلَيْهِ كَأُجْرَة الجلاد وَفِي بعض النّسخ بدل هَذَا الْبَيْت ... يعد فتعزير وَقيل قتلا ... ويغمس الْقطع بِزَيْت مغلى ... - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب قَاطع الطَّرِيق) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قطع الطَّرِيق البروز لأخذ مَال أَو لقتل أَو إرعاب مُكَابَرَة اعْتِمَادًا على الشَّوْكَة مَعَ الْبعد عَن الْغَوْث كَمَا يَأْتِي وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله} الْآيَة (وقاطع) بِالنّصب وَيجوز الرّفْع (الطَّرِيق) إِذا لم يقتل وَلم يَأْخُذ مَالا (بالإرعاب) أَي اقْتصر على إرعاب الرّفْقَة أَي خوفهم وَفِي مَعْنَاهُ من أغاثهم وَكثر جمعهم (عزره) أَي عزره الإِمَام بِاجْتِهَادِهِ بِحَبْس أَو تغريب أَو غَيرهمَا وَلَا يحده وحبسهم فِي غير مكانهم أولى وَيعْتَبر فِي قَاطع الطَّرِيق الْتِزَامه للْأَحْكَام وتعبير الشَّيْخَيْنِ بِالْإِسْلَامِ مرادهما أَن جَمِيع أَحْكَام الْبَاب من وجوب غسل وَصَلَاة إِنَّمَا يثبت للْمُسلمِ وَخرج غير الْمُكَلف ومعتمد الْهَرَب وَلَا يشْتَرط شهر السِّلَاح بل القاصدون بالعصا وَالْحِجَارَة قطاع وَلَا يشْتَرط فيهم الذُّكُورَة فالنسوة إِذا كَانَ فيهم فضل قُوَّة قاطعات طَرِيق بل الْوَاحِد إِذا كَانَ كَذَلِك وَتعرض للأنفس وَالْأَمْوَال مجاهرا فَهُوَ قَاطع طَرِيق (وَالْأَخْذ للنصاب) فِي السّرقَة وَهُوَ ربع دِينَار مَضْرُوب خَالص أَو مَا قِيمَته من حرز مثله لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ وَطلب مَالِكه (كف الْيَمين اقْطَعْ وَرجل الْيُسْرَى) كَذَلِك لِلْآيَةِ السَّابِقَة وَإِنَّمَا تقطع من خلاف لِئَلَّا يفوت جنس الْمَنْفَعَة عَلَيْهِ فَإِن فقدت إِحْدَاهمَا وَلَو قبل أَخذ المَال اكْتفى بِالْأُخْرَى ويقطعان على الْوَلَاء (فَإِن يعد) لقطع الطَّرِيق بعد قطعهمَا أَو فقدتا قبل أَخذ المَال فاقطع (كفا وَرجل الْأُخْرَى) أَي يَده الْيُسْرَى وَرجله الْيُمْنَى أما إِذا فقدتا بعده فَيسْقط الْقطع كَمَا فِي السّرقَة (إِن يقتل أَو يجرح) بدرج الْهمزَة للوزن (بعمد ينحتم قتل) أَي إِذا لم يَأْخُذ الْقَاطِع مَالا وَقتل مكافئا لَهُ عمدا أَو جرحه عمدا فسرى إِلَى نَفسه تحتم قَتله لِلْآيَةِ فَلَا يسْقط وَإِن عَفا عَنهُ مُسْتَحقّه بِمَال فَيقْتل حدا حتما وَيسْقط قَتله قصاصا وَيثبت مَا عَفا بِهِ والمغلب فِيهِ معنى الْقصاص فَلَا يقتل بِغَيْر كُفْء وَلَو مَاتَ أَخذ من تركته دِيَة الْحر وَقِيمَة غَيره وَلَو قتل جمعا مَعًا قتل بأحدهم وللباقين ديات أَو مُرَتبا فبالأول وَلَو عَفا وليه بِمَال لم يسْقط قَتله وَلَو قتل بمثقل أَو نَحوه فعل بِهِ مثله وَلَو كَانَ الْقَتْل أَو الْجرْح لغير أَخذ المَال لم يتحتم قَتله وَلَو جرح فاندمل لم يتحتم قصاصه (وبالأخذ) لِلْمَالِ (مَعَ الْقَتْل لزم قتل فصلبه) على خَشَبَة أَو نَحْوهَا بعد غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ (ثَلَاثَة) أَيَّام ليشتهر حَاله وَيتم نكاله نعم إِن خيف تغيره قبلهَا أنزل وَإِنَّمَا لم يصلب قبل الْقَتْل لِأَن فِيهِ تعذيبا فَإِن مَاتَ قبل قَتله سقط الصلب بِسُقُوط متبوعه (وَإِذ يَتُوب) قَاطع الطَّرِيق (قبل ظفر بِهِ) وقدرة عَلَيْهِ (نبذ وجوب حد لَا حُقُوق آدَمِيّ) أَي يسْقط عَنهُ وجوب حَده تَعَالَى وَهُوَ الْقطع وتحتم
(1/302)

الْقَتْل والصلب بِخِلَاف مَا لَو تَابَ بعْدهَا لمَفْهُوم الْآيَة ولتهمة الْخَوْف وَلَا يسْقط بهَا حُقُوق الْآدَمِيّ من قَود وَضَمان مَال فللولي الْقود وَالْعَفو على مَال أَو مجَّانا وَمثل الْحَد فِيمَا ذكر التَّعْزِير وَأفهم كَلَامه أَن التَّوْبَة لَا تسْقط بَاقِي الْحُدُود كَحَد الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْقَذْف فِي حق قَاطع الطَّرِيق وَغَيره إِلَّا قتل تَارِك الصَّلَاة فَأَنَّهُ يسْقط بِالتَّوْبَةِ وَلَو بعد رَفعه إِلَى الْحَاكِم لِأَن مُوجبه الْإِصْرَار على التّرْك لَا التّرْك الْمَاضِي (وَغير قتل فرقن) أَي إِذا اجْتمع على شخص عقوبتان فَأكْثر غير قتل فرقت وجوبا فَلَو اجْتمع عَلَيْهِ حد قذف وَقطع أَو حد قذف لاثْنَيْنِ فرق بَينهمَا حَتَّى يبرأ من الأول لِئَلَّا يهْلك بالموالاة أما الْقَتْل فيوالي بَينه وَبَين غَيره لِأَن النَّفس مستوفاة وَقدم غير الْقَتْل عَلَيْهِ وَإِن تقدم الْقَتْل ليحصل الْجمع بَين الْحَقَّيْنِ فيجلد ثمَّ يقطع ثمَّ يقتل ويبادر بقتْله بعد قطعه لَا قطعه بعد جلده لما مر فَلَو أخر مُسْتَحقّ الْجلد حَقه فعلى الآخرين الصَّبْر إِلَى أَن يسْتَوْفى فَلَا يقطع وَلَا يقتل قبل الْجلد وَلَو أخر مُسْتَحقّ الطّرف حَقه جلد وعَلى مُسْتَحقّ النَّفس الصَّبْر حَتَّى يسْتَوْفى الطّرف حَقه حذرا من فَوَاته فَإِن بَادر بقتْله فلمستحق الطّرف دِيَته لفَوَات اسْتِيفَائه (وَقدم حق الْعباد) أَي إِن كَانَ فِي الْعُقُوبَات حق لله تَعَالَى وَحقّ للعباد وَلم يكن فِيهَا قتل أَو لم يكن فِيهَا إِلَّا الْقَتْل قدم مَا للعباد على مَاله تَعَالَى وَإِن كَانَ مَا لله أخف لبِنَاء حَقهم على المشاحة وَحُقُوق الله على الْمُسَامحَة فَيقدم حد الْقَذْف على حد الشّرْب وَالزِّنَا وَيقدم قتل الْقصاص على قتل الزِّنَا (فالأخف موقعا) أَي إِن تمحضت لله تَعَالَى أَو لِلْعِبَادَةِ قدم الأخف فالأخف موقعا فَمن زنى وَشرب وسرق قدم حد الشّرْب ثمَّ الزِّنَا ثمَّ قطع السّرقَة وَلَا يوالي بَينهمَا كَمَا مر وَمن قذف وَقطع عضوا حد للقذف ثمَّ قطع (فالأسبق الأسبق) أَي إِن اسْتَوَت خفَّة وغلظا قدم الأسبق فالأسبق كَمَا لَو قذف جمَاعَة على التَّرْتِيب فَيحد للْأولِ فَالْأول وكما لَو قتل جمَاعَة مُرَتبا يقتل بِالْأولِ وللباقين الدِّيات (ثمَّ اقرعا) هُوَ فعل أَمر وألفه بدل من نون التوكيد أَو مَاض مَبْنِيّ للْمَفْعُول وألفه للإطلاق أَي إِن لم يكن السَّبق معينا بِأَن وَقعت مَعًا أوشك فِي الْمَعِيَّة أَو علم سبق وَلم يعلم عين السَّابِق أَقرع وجوبا ويستوفى من خرجت لَهُ الْقرعَة وَتجب الدِّيَة للباقين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب حد الْخمر) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأَصْل فِي تَحْرِيم الشّرْب قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر} الْآيَة وَخبر الشَّيْخَيْنِ كل شراب أسكر فَهُوَ حرَام وَخبر مُسلم كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَكَانَت مُبَاحَة فِي صدر الْإِسْلَام وَلَو إِلَى حد يزِيل الْعقل وَكَانَت إباحتها باستصحاب لحلها فِي الْجَاهِلِيَّة أحد وَكَانَ تَحْرِيمهَا فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة بعد وَهِي بِإِجْمَاع المتخذة من عصير الْعِنَب وَأما وُقُوعهَا فِي سَائِر الأنبذة فمجاز بِنَاء على أَن اللُّغَة لَا تثبت بِالْقِيَاسِ (يحد كَامِل) أَي الْبَالِغ الْعَاقِل الْمُخْتَار الْعَالم بِالتَّحْرِيمِ الْمُلْتَزم للْأَحْكَام بِإِسْلَام (لشرب مُسكر) جنسه من خمر أَو غَيره وَإِن لم يسكر الْقدر المشروب مِنْهُ (بِأَرْبَعِينَ جلدَة) أَي بِأَن يضْربهُ الإِمَام أَرْبَعِينَ جلدَة بِسَوْط أَو غَيره وَهَذَا فِي الْحر أما غَيره فعلى النّصْف من ذَلِك وَفِي معنى شربه أكله بِأَن كَانَ ثخينا أَو أكله بِخبْز أَو طبخ بِهِ لَحْمًا وَأكل مرقة فَخرج بذلك أكل اللَّحْم الْمَطْبُوخ بِهِ لذهاب الْعين فِيهِ وَأكل أَو شرب مَا اخْتَلَط بِهِ واستهلك هُوَ فِيهِ وَكَذَا الاحتقان والاستعاط وَخرج الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالْمكْره على تنَاوله وَخرج بالعالم بِالتَّحْرِيمِ الْجَاهِل لقرب عَهده بِالْإِسْلَامِ أَو بنشئه ببادية بعيدَة عَن الْعلمَاء فَلَا حد وبملتزم الْأَحْكَام أَي أَحْكَام الشّرْب وَغَيره الْكَافِر فَلَا يحد بِهِ وَبِمَا يسكر جنسه غَيره كالدواء المجنن فَلَا حد بتناوله وَيحرم
(1/303)

شرب الْمُسكر لدواء أَو عَطش إِذا لم يجد غَيره بِخِلَاف شرب الْبَوْل وَالدَّم لَهما هَذَا إِن لم ينْتَه الْأَمر إِلَى الْهَلَاك وَإِلَّا فَيتَعَيَّن شربه وَلَا حد فِي شربه للتداوي والعطش وَمن غص بلقمة وَجب عَلَيْهِ إساغتها بِخَمْر إِن لم يجد غَيرهَا وَلَا حد وَيعْتَبر فِي السَّوْط اعتداله فَيكون بَين قضيب وعصا وَرطب ويابس وَفِي معنى السَّوْط الْخَشَبَة المعتدلة والنعل وَالْيَد وطرف الثَّوْب وَيفرق الضَّرْب على الْأَعْضَاء وَيَتَّقِي الْوَجْه والمقاتل لَا الرَّأْس وَلَا تجرد ثِيَابه بل يتْرك لَهُ قَمِيص أَو قَمِيصَانِ دون جُبَّة محشوة وفروة ويوالي الضَّرْب عَلَيْهِ بِحَيْثُ يحصل زَجره وتنكيله وَلَا يحد حَال سكره بل يجب تَأْخِيره إِلَى إِفَاقَته (وعزر إِلَى ثَمَانِينَ أجز) أَي إِذا رأى الإِمَام بُلُوغ ضرب الْحر إِلَى ثَمَانِينَ جَازَ وَالزِّيَادَة تعزيرات لجنايات تولدت من الشَّارِب وَإِلَّا لما جَازَ تَركهَا (وَالْعَبْد) وَمن بعضه حر (بِنصفِهِ) وَهُوَ عشرُون جلدَة فَلَو رأى الإِمَام بُلُوغه أَرْبَعِينَ جَازَ (وَإِنَّمَا يحد إِن شهد العدلان) عَلَيْهِ بالشرب (أَو أقرا) بِأَلف الْإِطْلَاق وَلَا يحْتَاج إِلَى تفصيلهما بِأَن يَقُول وَهُوَ مُخْتَار عَالم بِهِ أَو أَنه شرب من إِنَاء شرب مِنْهُ غَيره فَسَكِرَ (لَا نكهة) فَلَا يحد برِيح فَمه (وَإِن تقايا خمرًا) لاحْتِمَال كَونه غالطا أَو مكْرها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب حد الصَّائِل) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي بعض النّسخ الصيال وَهُوَ الاستطالة والوثوب وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم} وَخبر البُخَارِيّ انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما وَنصر الظَّالِم مَنعه من ظلمه وَخبر من قتل دون أَهله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد (وَمن على نفس) أَو مَال سَوَاء أَكَانَ مُسلما أَو كَافِرًا حرا أم قِنَا مُكَلّفا أم غير مُكَلّف وَلَو بَهِيمَة من مَعْصُوم (يصول أَو طرف أَو بضع) أَو غَيرهمَا (دفع) أَنْت (بالأخف فالأخف) فَإِن أمكن بِكَلَام أَو استغاثة حرم الضَّرْب أَو بِضَرْب بيد حرم سَوط أَو بِسَوْط حرم عَصا أَو بِقطع عُضْو حرم قتل فَإِن أمكن الْهَرَب وَجب وَحرم قتل فَإِن دفع بالأثقل من ينْدَفع بِمَا دونه فَهَلَك ضمنه إِلَّا إِذا فقد آلَة الأخف كَأَن كَانَ ينْدَفع بالعصا وَلم يجد إِلَّا سَيْفا فَلهُ الدّفع بِهِ وَلَا ضَمَان وَكَذَا إِذا التحم الْقِتَال بَينهمَا لخُرُوج الْأَمر عَن الضَّبْط وَشَمل اعْتِبَار رِعَايَة التدريج مَا لَو وجده يَزْنِي بأَهْله وَمحل التدريج فِي الْمَعْصُوم أما غَيره كالحربي وَالْمُرْتَدّ فَلهُ الْعُدُول إِلَى قَتله لعدم حرمته وَلَو صال مكْرها على إِتْلَاف مَال غَيره لم يجز دَفعه بل يلْزم الْمَالِك أَن بقى روحه بِمَالِه وَلكُل مِنْهُمَا دفع الْمُكْره وَلَا فرق فِي الدَّافِع بَين المصول عَلَيْهِ وَغَيره وَلَو سَقَطت جرة من علو على إِنْسَان وَلم تنْدَفع عَنهُ إِلَّا بِكَسْرِهَا فَكَسرهَا ضمنهَا إِذْ لَا قصد لَهَا وَلَا اخْتِيَار (وَالدَّفْع أوجب إِن يكن عَن بضع) مُحْتَرم سَوَاء أَكَانَ بضعه أم بضع أَهله أم أَجْنَبِيَّة وَلَو أمة وَمحل ذَلِك إِذا أَمن على نَفسه أَو عضوه أَو منفعَته وَإِلَّا لم يجب وَيجب الدّفع أَيْضا عَن النَّفس المحترمة إِذا قَصدهَا بَهِيمَة أَو كَافِر وَلَو مَعْصُوما بِخِلَاف مَا لَو كَانَ السَّائِل مُسلما وَلَو مَجْنُونا فَلَا يجب دَفعه بل يجوز الاستسلام لَهُ لحُرْمَة الْآدَمِيّ ورضا بِالشَّهَادَةِ وَقَيده الإِمَام وَغَيره بمحقون الدَّم ليخرج غَيره كالزاني الْمُحصن وتارك الصَّلَاة قَالَ الشَّيْخَانِ والقائلون بِجَوَاز الاستسلام مِنْهُم من يزِيد عَلَيْهِ ويصفه بالاستحباب وَهُوَ ظَاهر الْأَخْبَار (لَا المَال) أَي لَا يجب الدّفع عَن مَال لَا روح فِيهِ نعم إِن كَانَ مَال مَحْجُور عَلَيْهِ أَو وقف أَو مودعا وَجب على من بِيَدِهِ الدّفع عَنهُ (وأهدر) بدرج الْهمزَة للوزن (تَالِفا بِالدفع) أَي يهدر الصَّائِل إِذا أتلف بِالدفع
(1/304)

فَلَا يضمن بقود وَلَا دِيَة وَلَا قيمَة وَلَا كَفَّارَة (واضمن) أَنْت (لما تتلفه الْبَهِيمَة فِي اللَّيْل لَا النَّهَار قدر الْقيمَة) أَي إِذا لم يكن صَاحب الْيَد على الْبَهِيمَة مَعهَا ضمن مَا أتلفته من زرع أَو غَيره فِي اللَّيْل بِالْمثلِ فِي المثلى وَالْقيمَة فِي الْمُتَقَوم سَوَاء الْمَالِك وَالْوَكِيل وَالْمُودع وَالْمُسْتَعِير وَالْغَاصِب وَغَيرهم دون النَّهَار لِأَن الْعَادة حفظ الزَّرْع وَنَحْوه نَهَارا وَالدَّابَّة لَيْلًا فَلَو جرت عَادَة بلد بِالْعَكْسِ انعكس الحكم وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَو جرت عَادَة بلد بحفظها لَيْلًا وَنَهَارًا ضمن متلفها مُطلقًا كَمَا بَحثه البُلْقِينِيّ نعم إِن لم يفرط فِي ربطها بِأَن أحكمه وَعرض حلهَا أَو حضر صَاحب الزَّرْع وتهاون فِي دَفعهَا أَو كَانَ الزَّرْع فِي محوط لَهُ بَاب وَتَركه مَفْتُوحًا لم يضمن وَلَو كَانَت المراعى فِي وسط الْمزَارِع أَو فِي حَرِيم السواقي فَلَا يعْتَاد إرسالها بِلَا رَاع فَإِن أرحلها ضمن إتلافها لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَو أرسل دَابَّته فِي الْبَلَد أَو ربطها بطرِيق وَلَو وَاسِعًا فأتلفت شَيْئا ضمنه مُطلقًا أما من كَانَ مَعَ الْبَهِيمَة فَإِنَّهُ يكون ضَامِنا لما أتلفته من نفس أَو مَال فِي ليل أَو نَهَار سَوَاء أَكَانَ مَالِكًا أم أَجِيرا أم مُسْتَأْجرًا أَو مستعيرا أم غَاصبا أم غَيره وَسَوَاء اكان راكبها أم سائقها أم قائدها وَلَو نخس شخصا دَابَّة غَيره بِغَيْر إِذن راكبها فأسقطته أَو رمحت فأتلفت شَيْئا ضمنه الناخس أَو بِإِذْنِهِ ضمنه وَلَو غلبته فَاسْتَقْبلهَا إِنْسَان فَردهَا فأتلفت فِي انصرافها شَيْئا ضمنه الرَّاد وَلَو بَالَتْ أَو راثت فِي طَرِيق فَتلف بِهِ نفس أَو مَال فَلَا ضَمَان ويحترز عَمَّا لَا يعْتَاد كركض شَدِيد فِي وَحل فَإِن خَالف ضمن مَا تولد مِنْهُ وَمن حمل على ظَهره حطبا أَو بَهِيمَة فحك بِنَاء مُحْتَرما فَسقط ضمنه وَإِن دخل سوقا فَتلف بِهِ نفس أَو مَال ضمنه إِن كَانَ زحام أَو تمزق بِهِ ثوب أعمى أَو مَغْصُوب الْعين أَو مستدبر الْبَهِيمَة وَلم يَنْهَهُ وَإِنَّمَا يضمنهُ إِذا لم يقصر صَاحب المَال فَإِن قصر كَأَن وَضعه بطرِيق أَو عرضه للدابة فَلَا وَلَو أرسل طيرا فأتلف شَيْئا لم يضمنهُ وَيضمن متْلف هرته إِن اُعْتِيدَ إتلافها = (كتاب الْجِهَاد) =
المتلقى تَفْصِيله من سير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزَوَاته وَلِهَذَا ترْجم عَنهُ بَعضهم بالسير وَبَعْضهمْ بِقِتَال الْمُشْركين وَالْأَصْل فِيهِ قبل الاجماع آيَات كَقَوْلِه تَعَالَى {كتب عَلَيْكُم الْقِتَال} {وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة} {واقتلوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وأخبار كَخَبَر أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَخبر لغدوة أَو رَوْحَة فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَكَانَ الْجِهَاد قبل الْهِجْرَة محرما ثمَّ أَمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعْدهَا بِقِتَال من قَاتله ثمَّ أُبِيح الِابْتِدَاء بِهِ فِي غير الْأَشْهر الْحرم ثمَّ أَمر بِهِ مُطلقًا وَالْجهَاد قد يكون فرض عين وَقد يكون فرض كِفَايَة لِأَن الْكفَّار إِن دخلُوا بِلَادنَا وأسروا مُسلما يتَوَقَّع خلاصه مِنْهُم فَفرض عين وَإِن كَانُوا ببلادهم فَفرض كِفَايَة وَهُوَ مُهِمّ يقْصد حُصُوله من غير نظر بِالذَّاتِ إِلَى فَاعله فَإِذا فعله من فِيهِ كِفَايَة سقط الْحَرج عَن البَاقِينَ والكفاية إِنَّمَا تحصل بِأحد أَمريْن إِمَّا بِأَن يشحن الإِمَام الثغور بِجَمَاعَة يكافئون من بارزهم من الْكفَّار أَو بِأَن يدْخل الإِمَام أَو نَائِبه دَار الْكفْر غازيا بِنَفسِهِ أَو يبْعَث جَيْشًا يُؤمر عَلَيْهِم من يصلح لذَلِك (فرض) على الْكِفَايَة (مُؤَكد على كل ذكر مُكَلّف مُسلم حر ذى بصر وَصِحَّة يطيقه) أَي الْجِهَاد فَلَا يجب على امْرَأَة وَلَا خُنْثَى وَلَا على صبي وَمَجْنُون وَكَافِر وَمن فِيهِ رق وَلَو مبعضا وأعمى ومريض يتَعَذَّر قِتَاله أَو يشق عَلَيْهِ مشقة شَدِيدَة وَمن لَا يطيقه كذي عرج بَين وَإِن قدر على الرّكُوب وأقطع وأشل وفاقد مُعظم أَصَابِع يَدَيْهِ وَالظَّاهِر كَمَا قَالَه الأزرعى أَن فَاقِد
(1/305)

الْإِبْهَام والمسبحة مَعًا أَو الْوُسْطَى والبنصر كفاقد مُعظم الْأَصَابِع وَلَا على فَاقِد أهبة قتال من سلَاح وَنَفَقَة وراحلة لسفر الْقصر فَاضل جَمِيع ذَلِك عَن مُؤنَة من تلْزمهُ مُؤْنَته وَمَا ذكر مَعهَا فِي الْحَج وكل عذر منع وجوب الْحَج منع وجوب الْجِهَاد إِلَّا خوف طَرِيق وَلَو من لصوص الْمُسلمين وَالدّين الْحَال على مُوسر لم يستنبت من يُوفيه من مَال حَاضر يحرم عَلَيْهِ سفر جِهَاد وَغَيره إِلَّا بِإِذن ربه وَيحرم على الرجل جِهَاد إِلَّا بِإِذن أُصُوله الْمُسلمين أَو من وجد مِنْهُم لَا سفر تعلم فرض وَلَو كِفَايَة وَرُجُوع رب الدّين أَو الأَصْل عَن إِذْنه يُوجب الرُّجُوع مَا لم يحضر الصَّفّ إِلَّا أَن يخَاف على نَفسه أَو مَاله وَيكرهُ غَزْو بِغَيْر إِذن الإِمَام أَو نَائِبه وَيسن للْإِمَام إِذا بعث سَرِيَّة أَن يُؤمر عَلَيْهِم وَيَأْخُذ الْبيعَة عَلَيْهِم بالثياب وَيَأْمُرهُمْ بِطَاعَة الْأَمِير ويوصيه بهم (فَإِن أسر) أحد من أهل الْحَرْب (رق النسا) بِالْقصرِ للوزن أَي والخنائي (وَذَا الْجُنُون والصغر) وَمن فِيهِ رق فيصيرون بِنَفس السَّبي أرقاء لنا فيكونون كَسَائِر أَمْوَال الْغَنِيمَة الْخمس لأهل الْخمس والباقى للغانمين (وَغَيرهم) أَي الرجل الْحر الْعَاقِل (رَأْي) فيهم (الإِمَام الأجودا) الْألف فِيهِ وَفِيمَا بعده للإطلاق (من قتل) لَهُ بِضَرْب الرَّقَبَة (أَوْرَق) لَهُ (وَمن) عَلَيْهِ بتخليه سَبيله (أَو فدا بِمَال أَو اسرى) بدرج الْهمزَة فيهمَا للوزن مُسلمين فَيلْزم الإِمَام ان يجْتَهد وَيفْعل مِنْهَا مَا هُوَ الأحظ للْمُسلمين فَإِن لم تبن لَهُ الْمصلحَة حَبسه حَتَّى تبين لَهُ وَيكون مَال الْفِدَاء ورقابهم إِذا استرقوا كَسَائِر أَمْوَال الْغَنِيمَة وَيجوز فدَاء مُشْرك بِمُسلم أَو مُسلمين أَو مُشْرِكين بِمُسلم وَسَوَاء فِي الأرتقاء الكتاني والوثنى والعربي وَغَيره (وَمَا لَهُ) بَال الرّفْع (اعصما) الْألف فِيهِ بدل من نون التوكيد الْخَفِيفَة (من قبل خيرة الإِمَام أسلما) أَي إِذا أسلم الاسير قبل أَن يخْتَار الإِمَام فِيهِ شَيْئا عصم دَمه وَمَاله وَيبقى الْخِيَار فِي الباقى كَمَا أَن من عجز عَن الْإِعْتَاق فِي كَفَّارَة الْيَمين يبْقى محيرا بَين الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة لَكِن يشْتَرط فِي فدائه حِينَئِذٍ أَن يكون لَهُ عِنْدهم عز أَو عشيرة يسلم بهَا دينه وَنَفسه (وَقبل أسر طِفْل ولد النّسَب وَمَاله) أَي إِذا أسلم قبل أسرة يعْصم دَمه وَمَاله وَولده من النّسَب صَغِيرا أَو مَجْنُونا حَيْثُ كَانَا حُرَّيْنِ وعتيقه من السَّبي رجلا أَو امْرَأَة وَحملهَا كالمنفصل وَلَا يعْصم زَوجته وَأما زَوْجَة الْمُسلم الحربية فصحح فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ عدم جَوَاز إرقاقها مَعَ تَصْحِيحه جَوَازه فِي زَوْجَة من أسلم وَالَّذِي فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا انه يجرى فِيهَا خلاف زوجه من أسلم وَقَضيته جَوَاز إرقاقها تَسْوِيَة بَينهمَا فِي الْجَوَاز كَمَا سوى بَين عَتيق من أسلم وعتيق الْمُسلم فِي عدم الْجَوَاز وَلَو سبيت حرَّة مَنْكُوحَة لمُسلم انْقَطع نِكَاحهَا فِي الْحَال وَإِن كَانَت مَوْطُوءَة لزوَال ملكهَا عَن نَفسهَا فزوال ملك الزَّوْج عَنْهَا أولى وَلَو سبى الزَّوْجَانِ الحران أَو احدهما نقطع نِكَاحهمَا وَمحله فِي سبي الزَّوْج الْكَامِل وَحده إِذا رق وَكَذَا لَو كَانَ إحدهما حرا وَالْآخر رَقِيقا وَمن لزمَه دين قضى مِمَّا غنمناه من مَاله بعد رقّه وَلَا يسْقط إِلَّا أَن كَانَ لحربي وَيبقى دين من رق إِلَّا على حَرْبِيّ وَلَو أسلم أَو أَمن حربيان مَعًا أَو مُرَتبا ولأحدهما على الآخر دين عقد لَا إِتْلَاف لم يسْقط (واحكم باسلام صبي) أَو صبية (أسلم من بعض أُصُوله أحد) وَقت الْعلُوق بِهِ أَو أسلم قبل بُلُوغه وَسَوَاء الْمُمَيز وَغَيره وَالْمَجْنُون الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ كالصغير فِي تبعيته لأحد أُصُوله فِي الْإِسْلَام وَإِن طَرَأَ جُنُونه بعد بُلُوغه وَشَمل كَلَامه أحد الأجداد والجدات الْوَارِث وَغَيره
(1/306)

كَأبي الْأُم وَلَو مَعَ حَيَاة الْأَب وَالأُم فَإِن بلغ وَوصف كفرا فمرتد لسبق الحكم باسلامه فَأشبه من أسلم بِنَفسِهِ ثمَّ ارْتَدَّ (أَو أَن سباه مُسلم حِين انْفَرد عَنْهُم) أَي يحكم باسلام المسبي إِذا سباه مُسلم وَلم يكن مَعَه أحد من أُصُوله لِأَنَّهُ صَار تَحت ولَايَته كالأبوين وَخرج بذلك مَا لَو كَانَ مَعَه أحد أُصُوله فَلَا يحكم باسلامه لِأَن تبعيتة لَهُ أقوى من تبعيته للسابى فَلَو مَاتَ أحد أُصُوله بعد سبيه مَعَه أستمر كفره وَلم يحكم باسلامه إِذْ التّبعِيَّة إِنَّمَا يثبت حكمهَا فِي ابْتِدَاء السَّبي وَالْمرَاد بِكَوْنِهِ مَعَهم أَن يَكُونُوا فِي جَيش وَاحِد وغنيمة وَاحِدَة وَأَن يَكُونُوا فِي ملك رجل وَاحِد وكالصغير فِيمَا ذكر الْمَجْنُون وَخرج بقوله إِن سباه مُسلم مَا لَو سباه ذمى قاطن بِبِلَاد الاسلام فَلَا يحكم باسلامه إِذا دخل بِهِ دَار الاسلام (كَذَا اللَّقِيط مُسلم بِأَن يُوجد حَيْثُ مُسلم بهَا سكن) أَي إِذا وجد صَغِير لَقِيط بدار الاسلام وَلَو كَانَ فِيهَا أهل ذمَّة كدار فتحهَا الْمُسلمُونَ ثمَّ أقروها بيد كفار صلحا أَو بعد ملكهَا يجزية أَو دَار غلبهم عَلَيْهَا الْكفَّار وسكنوها أَو بدار كفر وَقد سكنها مُسلم يُمكن أَن يُولد لَهُ ذَلِك اللَّقِيط تَغْلِيبًا لدار الاسلام وَخرج بقوله حَيْثُ مُسلم بهَا سكن مَا إِذا لم يسكن بهَا اَوْ كَانَ فِيهَا مجتازا فَإِنَّهُ كَافِر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْغَنِيمَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي بعض النّسخ قسم الفئ وَالْغنيمَة أَي بِفَتْح الْقَاف وَالْمَشْهُور تغايرهما كَمَا يعلم مِمَّا يأتى وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى {مَا أَفَاء الله على رَسُوله} وَقَوله تَعَالَى {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه} الْآيَتَيْنِ وَلم تحل الْغَنِيمَة إِلَّا لهَذِهِ الْأمة وَالْغنيمَة كَمَا يُؤْخَذ من كَلَام النَّاظِم الآتى فِي تَعْرِيف الْفَيْء مَا أخذناه من الْحَرْبِيين قهرا كالماخوذ بِقِتَال الرجالة وَفِي السفن أَو التقى الصفان فَانْهَزَمُوا عَنهُ قبل شهر السِّلَاح وَمَا صالحوه عَلَيْهِ عِنْد الْقِتَال وَمَا أهدوه لنا وَالْحَرب قَائِمَة وَمَا أَخذه وَاحِد أَو جَمِيع من دَار الْحَرْب سَرقَة أَو وجده كَهَيئَةِ اللّقطَة وَلم يكن لمُسلم (يخْتَص مِنْهَا) أَي الْغَنِيمَة مُسلم (قَاتل) للحربي الْمقبل على الْقِتَال فِي الْحَرْب (بالسلب) وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا رَقِيقا أَو أُنْثَى أَو صَغِيرا بقيده الآتى سَوَاء أشرطه لَهُ الامام أم لَا وَسَوَاء أَكَانَ قتال الْحَرْبِيّ مَعَه أَو مَعَ غَيره لِأَن ذَلِك مسلوب من يَد الْحَرْبِيّ وطمع الْقَاتِل يَمْتَد إِلَيْهِ غَالِبا وَخرج بِالْمُسلمِ الْكَافِر فَلَا سلب لَهُ وَإِن قَاتل بِإِذن الامام وَمثل الْقَاتِل من ارْتكب غررا كفى بِهِ شَرّ حربى فِي حَال الْحَرْب فَيسْتَحق سلبه كَانَ قطع يَدَيْهِ أَو رجلَيْهِ أَو يدا ورجلا أَو قلع عَيْنَيْهِ أَو أسرة فَلَو قَتله غَيره من أسرة فَلَا سلب لَهُ إِذا كفى بالأسرة شَره بِخِلَاف مَا لَو أمْسكهُ وَاحِد وَمنعه الْهَرَب وَلم يضبطه وَقَتله آخر فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي السَّلب لِأَن كِفَايَة شَره إِنَّمَا حصلت بهما أما إِذا لم يرتكب غررا فِي قَتله كَأَن قَتله نَائِما أَو مَشْغُولًا بِالْأَكْلِ أَو غَيره أَو رَمَاه من حصن أَو صفنا فَلَا سلب لَهُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الْخطر وَهُوَ مُنْتَفٍ فَإِن كَانَ الْمَقْتُول صَبيا أَو أَو مَجْنُونا أَو امراة أَو عبدا لم يُقَاتل لم يسْتَحق سلبه لِأَن قَتله حرَام وَالسَّلب مَا يَصْحَبهُ الْحَرْبِيّ من ثِيَابه الملبوسة وخف وَسَرَاويل وطوق وسوار ومنطقة وهميان أَي كيس ودراهم نَفَقَة وآلات حَرْب كدرع وَسلَاح ومركوب وَإِن كَانَ ماسكا بعنانه وَهُوَ يُقَاتل رجلا وآلاته كسرج ولجام وجنيبة تقاد مَعَه فَلَو كَانَ مَعَه جنائب اسْتحق وَاحِدَة يختارها وَلَا يدْخل فِي السَّلب الْمهْر التَّابِع لمركوبه وَلَا حقيبة مشدودة على الْفرس وَلَا مَا فِيهَا من امتعة ودراهم وَلَا الْغُلَام الَّذِي مَعَه (وَخمْس الباقى) من الْغَنِيمَة بعد السَّلب واخراج مؤنها كَأُجْرَة
(1/307)

الْجمال خَمْسَة أَقسَام مُتَسَاوِيَة وَيكْتب على وَاحِدَة مِنْهَا لله أَو للْمصَالح وعَلى أَربع للغانمين ثمَّ تدرج فِي بَنَادِق مستوية وَيخرج لكل قسم رقْعَة فَمَا خرج عَلَيْهِ سهم الله تَعَالَى أَو الْمصَالح جعله بَين أهل الْخمس يقسم على خمسه فَتكون الْغَنِيمَة من خَمْسَة وَعشْرين وَيقدم عَلَيْهِ قسْمَة مَا للغانمين لحضورهم وانحصارهم وتستحب الْقِسْمَة بدار الْحَرْب بل تَأْخِيرهَا إِلَى دَار الْإِسْلَام بِلَا عذر مَكْرُوه (فَخمس للنَّبِي) ينْفق مِنْهُ على نَفسه وَأَهله ومصالحه بعده يَجْعَل فِي السِّلَاح عدَّة فِي سَبِيل الله وَسَائِر الْمصَالح وإضافته لله للتبرك بِالِابْتِدَاءِ باسمه تَعَالَى وَكَانَ يملكهُ لَكِن جعل نَفسه فِيهِ كَغَيْرِهِ تكرما وَلَا يُورث عَنهُ بل (يصرف) بعده (فِي مصَالح) الْمُسلمين كسد الثغور وَعمارَة الْحُصُون والقناطر والمساجد وارزاق الْقَضَاء وَالْعُلَمَاء والمؤذنين وَيجب تَقْدِيم الأهم فالأهم 0 وَمن نسب من جِهَة الْأَب (لهاشم ولأخيه الْمطلب) دون من نسب لعبد شمس وَنَوْفَل وَإِن كَانَ الْأَرْبَعَة أَوْلَاد عبد منَاف لاقتصاره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقِسْمَة على بنى الْأَوَّلين مَعَ سُؤال بنى الآخرين أما من نسب لَهما من جِهَة الْأُم فَلَا شَيْء لَهُ وَسَوَاء فِي ذَلِك غنيهم وفقيرهم وَكَبِيرهمْ وصغيرهم وقريبهم وبعيدهم والحاضر بِموضع الْفَيْء وَالْغَائِب عَنهُ (لذكر أَضْعَف) أَي يُعْطي للذّكر ضعف مَا للْأُنْثَى لِأَنَّهُ عَطِيَّة من الله فَيسْتَحق بِقرَابَة الْأَب كَالْإِرْثِ قَالَ الإِمَام وَلَو كَانَ الْحَاصِل قدرا أَو وزع عَلَيْهِم لَا يسد مسدا قدم الأحوج فالأحوج وَلَا يستوعب للضَّرُورَة (ولليتامى بِلَا أَب) شَمل ذَلِك ولد الزِّنَا واللقيط الَّذِي لَا يعرف لَهُ أَب (إِن لم ير احتلاما) أَي هُوَ صَغِير ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى أَو خُنْثَى مُعسر وَإِن كَانَ لَهُ جد أَو أم فَلَو اخْتَلَّ شَيْء من ذَلِك لم يُعْط من سهم الْيَتَامَى (والفقراء وَالْمَسَاكِين كَمَا لِابْنِ السَّبِيل فِي الزَّكَاة قدما) ببنائه للْفَاعِل أَو للْمَفْعُول وألفه للإطلاق كَمَا سبق بَيَانهَا فِي قسم الصَّدقَات قَالَ الماوردى وَيجوز للامام أَن يجمع للْمَسَاكِين بَين سهمهم من الزَّكَاة وسهمهم من الْخمس وحقهم من الْكَفَّارَات فَيصير لَهُم ثَلَاثَة أَمْوَال قَالَ وَإِذا اجْتمع فِي وَاحِد يتم ومسكنة أعْطى باليتيم لِأَنَّهُ وصف لَازم والمسكنة زائلة وَلَا يجوز الِاقْتِصَار من كل وصف على ثَلَاثَة بل يعم كَمَا فِي الزَّكَاة إِذا صرفهَا الإِمَام وَلَو فقد بَعضهم وزع سَهْمه على البَاقِينَ وَيجوز التَّفَاوُت بَين آحَاد كل صنف غير الثانى لِأَن استحقاقهم بِالْحَاجةِ وَهِي تَتَفَاوَت بِخِلَاف الثَّانِي لَا تفَاوت فِيهِ بِغَيْر الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة كَمَا مر وَلَا يجوز الصّرْف لكَافِر إِلَّا من سهم الْمصَالح عِنْد الْمصلحَة وَمن ادّعى أَنه فَقير أَو مِسْكين أَو ابْن سَبِيل قبل قَوْله بِلَا بَيِّنَة أَو أَنه قريب أَو يَتِيم فَلَا بُد من بَيِّنَة (وَأَرْبع الخماس) عقارها ومنقولها للغانمين (قسم المَال) يكون (لشاهد الْوَقْعَة فِي الْقِتَال) أَي وَإِن لم يُقَاتل بل حضر فِي اول الْقِتَال أَو أَثْنَائِهِ وَمن شَهِدَهَا لَا لأجل الْقِتَال وَقَاتل كالأجير لحفظ أَمْتعَة والتاجر والمحترف وَمن شَهِدَهَا غير كَامِل وَله الرضخ وَلَا شَيْء لمن حضر بعد انْقِضَاء الْقِتَال وَلَو قبل حِيَازَة المَال وَلَو حضر قبل انْقِضَائِهَا فَلَا حق لَهُ فِيمَا غنم قبل حُضُوره (لراجل سهم كَمَا الثَّلَاثَة لفارس) سَهْمَان للْفرس وَسَهْم لَهُ فَلَا يُزَاد عَلَيْهِ وان حضر بأفراس كَمَا لَا ينقص عَنْهَا فَلَو قَاتل فِي سفينة وَمَعَهُ فرس بِقرب السَّاحِل وَاحْتمل أَن يخرج ويركب أسْهم لَهَا وَإِلَّا فَلَا وَلَو ضَاعَ فرسه فَأَخذه غَيره وَقَاتل عَلَيْهِ فسهمه لمَالِكه فَإِنَّهُ حضر وَقَاتل وَلَا إِخْبَار لَهُ فِي إِزَالَة يَده وَلَو حضر أثنان بفرس مُشْتَرك بَينهمَا أعطيا سَهْمه فَإِن ركباه وَهُوَ يصلح للكر والفر مَعَ ركوبهما أسْهم لَهُ فَلهُ سَهْمَان وَلَهُمَا سَهْمَان وَسَوَاء فِي ذَلِك الْفرس الْعَتِيق وَهُوَ عَرَبِيّ
(1/308)

الْأَبَوَيْنِ والبرذون وَهُوَ عجميهما والهجين وَهُوَ الْعَرَبِيّ أَبوهُ فَقَط والمقرف وَهُوَ الْعَرَبِيّ أمه فَقَط وَيعْتَبر كَونه جذعا أَو ثنيا وَلَا يُسهم لفرس مهزول أَولا نفع فِيهِ لكَونه كسيرا أَو هرما أَو صَغِيرا أَو وضعيفا أَو نَحْوهَا وَلَا لبعير وفيل وبغل وَغَيرهَا نعم يرْضخ لَهَا ورضخ الْفِيل فَوق رضخ الْبَغْل ورضخ الْبَغْل فَوق رضخ الْحمار (إِن مَاتَ للوراثة) أَي إِذا مَاتَ بَعضهم بعد انْقِضَاء الْقِتَال والحيازة فحقه لوراثة أَو فِي الْقِتَال فَلَا شَيْء لَهُ بِخِلَاف موت فرسه حِينَئِذٍ فَإِنَّهُ يسْتَحق سَهْمه لِأَنَّهُ متبوع وَالْفرس تَابع (وَالْعَبْد) بِالْجَرِّ هُوَ وَمَا عطف عَلَيْهِ عطف على لراجل (وَالْأُنْثَى وطفل يغنى) أَي ينفع فِي الْقِتَال (وَكَافِر حضرها) أَي الْوَقْعَة (بِإِذن إمامنا) بِلَا إجرة (سهم اقل مَا بدا) أَي أقل من سهم راجل وَإِن كَانُوا فُرْسَانًا وَهَذَا هُوَ الْمُسَمّى بالرضخ (قدره الإِمَام حَيْثُ أجتهدا) بالف الْإِطْلَاق ويفاوت بَين أَهله بِحَسب نفعهم فيرجح الْمقَاتل وَمن قِتَاله أَكثر على غَيره والفارس على الراجل وَالْمَرْأَة الَّتِي تداوى الْجَرْحى وتسقى العطاش عَن الَّتِي تحفظ الرِّجَال لأَنهم لَيْسُوا من أهل فرض الْجِهَاد وَلَكنهُمْ كَثُرُوا السوَاد فَلَا يحرمُونَ وَأما الْمَجْنُون الَّذِي لم يُمَيّز فيرضخ لَهُ كَالصَّبِيِّ لِأَنَّهُ قد يكون أجرأ وَأَشد قتالا من كثير من الْعُقَلَاء فَإِن لم يإذن الإِمَام للْكَافِرِ فَلَا سهم لَهُ وَإِن أذن لَهُ غَيره من الأجناد لكَونه مُتَّهمًا بموالاة أهل دينه بل يعزره على ذَلِك إِن رَآهُ وَإِن أذن بِأُجْرَة أقتصر عَلَيْهَا والمشكل والزمن والاعمى وَنَحْوهم كالطفل فِي الرضخ وَشَمل تَعْبِير المُصَنّف بالكافر الْمعَاهد وَالْمُؤمن وَالْحَرْبِيّ إِذا حَضَرُوا بِإِذن الإِمَام حَيْثُ تجوز الِاسْتِعَانَة بهم كالذمى وَأما الْمبعض فكالعبد كَمَا بَحثه الزركشى وَلَو زَالَ نقص أهل الرضخ قبل أنقضاء الْحَرْب أسْهم لَهُم بل لَو بَان بعد انْقِضَائِهَا ذكورة الْخُنْثَى أسْهم لَهُ وَلَا سلب وَلَا سهم وَلَا رضخ لمخذل وَلَا مرجف وَلَا خائن (والفى مَا يُؤْخَذ من كفار فِي امنهم) بِلَا قتال وَلَا إِيجَاب خيل وَلَا ركاب من مَنْقُول وعقار (كالعشر من تجار) الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُ والجزية وَمَا أهدوه فِي غير الْحَرْب وَمَال ذمى مَاتَ بِلَا وَارِث أَو فضل عَن وَارثه وَمَال مُرْتَد قتل أَو مَاتَ (فَخمسهُ كالخمس من غنيمَة) كَمَا مر (والباقى) بِحَذْف الْيَاء للوزن (للجند) المرصدين للْجِهَاد (حووا تقسيمه) أَي تقسيمه عَلَيْهِم وَينْدب أَن يضع الإِمَام ذفتر وَينصب لكل قَبيلَة أَو جمَاعَة عريفا ويبحث عَن حَال كل وَاحِد وَعِيَاله وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَيعْطى كل وَاحِد مُؤْنَته ومؤنتهم ويراعى الزَّمَان وَالْمَكَان والرخص والغلاء ومروءة الشَّخْص وضدها وَلَا يثبت فِي الدفتر أعمى وَلَا زَمنا وَلَا صَبيا وَلَا مَجْنُونا وَلَا امْرَأَة وَلَا عبدا وَلَا كَافِر وَلَا جَاهِلا بِالْقِتَالِ وَلَا من يعجز عَنهُ كالأقطع وَإِذا طَرَأَ على بعض الْمُقَاتلَة مرض اَوْ جُنُون يُرْجَى زَوَاله أعْطى وَلم يسْقط من الدفتر وَإِن لم يرج أسقط وَأعْطى وَإِذا مَاتَ أَعْطَيْت زَوجته حَتَّى تنْكح وَأَوْلَاده إِلَى أستقلالهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْجِزْيَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تطلق على العقد وعَلى المَال الْمُلْتَزم وَهِي مَأْخُوذَة من المجازاة لكفنا عَنْهُم والعقود الَّتِي تفِيد الْكَافِر الْأمان ثَلَاثَة أَمَان وهدنة وجزية لِأَن التَّأْمِين أَن تعلق بمحصور فَهُوَ الْأمان أَو بِغَيْر مَحْصُور كَأَهل إقليم أَو بلد فَإِن كَانَ إِلَى
(1/309)

غَايَة فَهُوَ الْهُدْنَة أَو لَا إِلَى غَايَة فالجزية وهما مختصان بِالْإِمَامِ بِخِلَاف الْأمان وتأمين الإِمَام غير مَحْصُورين أَمَان والجزية لمحصورين صَحِيحَة وَإِن اقْتضى كَلَام الْأَكْثَرين خِلَافه لِأَنَّهُ غير مُرَاد وَالْأَصْل فِي الْجِزْيَة قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وباليوم الآخر إِلَى قَوْله تَعَالَى حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون وَقد أَخذ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجِزْيَة من مجوس هجر وَمن أهل نَجْرَان أما الْأمان فَيصح أَمَان حَرْبِيّ مَحْصُور من كل مُسلم مُكَلّف مُخْتَار وَلَو امْرَأَة ورقيقا لكَافِر بِكُل لفظ يُفِيد الْغَرَض كأجرتك أَو أمنتك وتكفى إِشَارَة مفهمة ورسالة وَيشْتَرط قبُول الْكَافِر لَهُ وَأَن لَا تزيد مدَّته على أَرْبَعَة أشهر فَإِن زَاد بَطل فِي الزَّائِد وَبلغ بعْدهَا المأمن وَأَن لَا يَتَرَتَّب على الْمُسلمين بِهِ ضَرَر كجاسوس ومغتال وَلَا يبلغ المأمن وَأَن لَا يكون الْمُؤمن أَسِيرًا مَعَهم وَلَا يتَعَدَّى الْأمان إِلَى أَهله وَمَاله الَّذين لَيْسُوا مَعَه إِلَّا بِشَرْط مِمَّن يعْتد بِشَرْطِهِ وَلَا يجوز نبذ الْأمان حَيْثُ لم يخف خِيَانَة وَالْمُسلم بدار الْحَرْب إِن أمكنه إِظْهَار لَهُ دينه سنّ الْهِجْرَة وَإِلَّا وَجَبت مَعَ الْقُدْرَة والإعذار إِلَى قدرته وَلَو قدر الْأَسير على الْهَرَب لزمَه وَإِن أمكنه إِظْهَار دينه وَلَو أَطْلقُوهُ بِلَا شَرط فَلهُ اغتيالهم أَو على أَنهم فِي أَمَانه حرم فَإِن تبعه قوم دفعهم وَلَو بِقَتْلِهِم وشرطوا أَن لَا يخرج من دَارهم حرم الْوَفَاء بِهِ وَلَو قَالُوا لَا نطلقك حَتَّى تحلف أَن لَا تخرج فَحلف لم يَحْنَث بِالْخرُوجِ وَأما الْهُدْنَة فشرطها أَن يهادن الإِمَام أَو نَائِبه الْعَالم أهل إقليم أَو يهادن وَإِلَى الإقليم أهل بلد وَأَن يكون فِيهَا مصلحَة وَأَن تكون إِلَى أَرْبَعَة أشهر فَأَقل إِن لم يكن بِنَا ضعف وَإِلَّا جَازَت إِلَى عشر سِنِين بِحَسب الْحَاجة وَلَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا نعم إِن انْقَضتْ الْمدَّة وَالْحَاجة بَاقِيَة استؤنف العقد وَيجوز أَن يؤقت الإِمَام الْهُدْنَة وَيشْتَرط انقضاؤها مَتى شَاءَ وَيجوز أَن يَقُول هادنتكم مَا شَاءَ فلَان وَهُوَ مُسلم عدل ذُو رَأْي وَأَن تَخْلُو عَن شُرُوط فَاسِدَة كَشَرط أَن تنْزع أسرى الْمُسلمين مِنْهُم أَو ترد إِلَيْهِم الَّذِي أسروه وأفلت مِنْهُم أَو يقيموا بالحجاز أَو يدخلُوا أَو يظهروا الْخمر فِي دَارنَا أَو نرد إِلَيْهِم النِّسَاء إِذا جئن مسلمات وَإِذا انْقَضتْ أَو نقضت فحكمهم كَمَا قبلهَا وَلَو نقض بَعضهم وَلم يُنكر الْبَاقُونَ بقول وَلَا فعل انْتقض فيهم أَيْضا وَإِن اعتزلوهم أَو أعلمُوا الإِمَام ببقائهم على الْعَهْد فَلَا وَلَو خَافَ خيانتهم فَلهُ نبذ الْعَهْد ويبلغهم المأمن وللجزية خَمْسَة أَرْكَان صِيغَة وعاقد ومعقود لَهُ ومعقود عَلَيْهِ وَمَكَان قَابل للتقرير فِيهِ فالصيغة أَن يَقُول الإِمَام أَو نَائِبه أقررتكم أَو أَذِنت لكم فِي الْإِقَامَة بدار الْإِسْلَام على أَن تبذلوا كَذَا وَكَذَا وتنقادوا لحكم الْإِسْلَام وَلَا بُد من التَّعَرُّض لقدرها لَا لكف اللِّسَان عَن الله وَرَسُوله وَيشْتَرط الْقبُول لفظا كقبلت أَو رضيت بذلك وَلَا يَصح مؤقتا وَإِذا عقد فَاسِدا لم يجب الْوَفَاء بِهِ وَلَا يغتال وَلَو بقى على حكم ذَلِك العقد سنة أَو أَكثر وَجب لكل سنة دِينَار وَلَو دخل دَارنَا وبقى مُدَّة ثمَّ اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ لم يلْزمه شَيْء لما مضى وَيجوز قَتله وإراقة دَمه وَأخذ مَاله والمن عَلَيْهِ وَتَقْرِيره بالجزية وَلَو قَالَ دخلت لرسالة أَو بِأَمَان مُسلم صدق بِيَمِينِهِ وَأما الْعَاقِد فشرطه أَن يكون الإِمَام أَو نَائِبه فَلَو عقدهَا وَاحِد من الرّعية لم تصح وَلَو أَقَامَ سنة فَأكْثر فَلَا شَيْء عَلَيْهِ (وَإِنَّمَا تُؤْخَذ) الْجِزْيَة (من حر) فَلَا تُؤْخَذ مِمَّن فِيهِ رق (ذكر) فَلَا تُؤْخَذ من امْرَأَة وَلَا خُنْثَى (مُكَلّف) فَلَا تُؤْخَذ من صبي وَمَجْنُون لِأَن بذلها لحقن الدَّم وَهُوَ حَاصِل لَهُم فَلَو عقد للخنثى قبل اتضاحه ثمَّ بَانَتْ ذكورته أخذت مِنْهُ جِزْيَة مَا مضى (لَهُ كتاب اشْتهر) أَي يشْتَرط أَن يكون للمكلف الْمَذْكُور كتاب اشْتهر أمره بِأَنَّهُ من الْكتب الْمنزلَة كالتوراه والانجيل وصحف إِبْرَاهِيم وزبور دَاوُد صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم (أَو الْمَجُوس) أَي أَو لَهُ شُبْهَة كتاب وهم الْمَجُوس فانه كَانَ لَهُم كتاب وَرفع وَخرج عَبده الْأَوْثَان وَالْمَلَائِكَة وَالْكَوَاكِب فتعقد للْيَهُود وَالنَّصَارَى أَو نَحْوهمَا مِمَّن يزْعم التَّمَسُّك بِكِتَاب كمن أحد أَبَوَيْهِ كتابي وَالْآخر وثنى وَإِن دخل جده الْأَعْلَى فِي ذَلِك الدّين قبل
(1/310)

نُسْخَة وَلَو بعد تحريفه وَإِن لم يجْتَنب الْمُبدل مِنْهُ وشككنا فِي وقته تَغْلِيبًا لحقن الدَّم (دون من تهودا آباؤه من بعد بعثة الْهدى) أَي لَا يقر بالجزية من تهود بعد بعثة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو تهود أَو تنصر بعد بعثة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى من قبله من الانبياء والصابئة فرقة من النَّصَارَى والسامرة فرقه من الْيَهُود ويقرون بهَا إِن وافقوهم فِي أصل دينهم وَإِلَّا فَلَا وَلَو عقدت لمن زعم التَّمَسُّك بِكِتَاب ثمَّ أسلم اثْنَان من أهل ذَلِك الدّين وَحسن حَالهمَا بِحَيْثُ تقبل شَهَادَتهمَا وشهدا بِخِلَاف مَا زعم اغتيل وَلم يبلغ المأمن لتدليسه والأمان الْفَاسِد إِنَّمَا يمْنَع الاغتيال عِنْد ظن الْكَافِر صِحَّته وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (أقلهَا فِي الْحول دِينَار ذهب) فِي كل سنة لكل وَاحِد مِمَّن ذكر (وَضَعفه من متوسط الرتب) وَهُوَ دِينَارَانِ (وَمن غنى أَربع) دَنَانِير (إِذا قبل) ذَلِك نعم إِن مضى حول وَلم يدْفع الإِمَام عَنْهُم مَا يجب لَهُم بِالْعقدِ من الذب عَنْهُم لم تجب جِزْيَة ذَلِك الْحول وَإِذا عقد بِدِينَار فَلهُ أَن يَأْخُذ عَنْهَا عوضا كَسَائِر الدُّيُون المستقرة بِشَرْط أَن ينقص عَن قدر دِينَار لِأَن الْحق للْمُسلمين وَإِنَّمَا امْتنع عقدهَا بِمَا قِيمَته دِينَار لِأَنَّهَا قد تَنْقَضِي عِنْد آخر الْمدَّة وَيسْتَحب للْإِمَام مماكسة الْعَاقِد لنَفسِهِ أَو لمُوكلِه حَتَّى يزِيد على دِينَار بل إِذا أمكنه أَن يعقدها بِأَكْثَرَ من دِينَار لم يجز أَن يعقدها بِدُونِهِ إِلَّا لمصْلحَة فَإِن امْتَنعُوا من الزِّيَادَة وَجب قبُول الدِّينَار وَالْعبْرَة بالغنى وضده حَالَة الْأَخْذ لَا العقد ثمَّ يحْتَمل أَن يكون ضَابِط الْغنى والمتوسط بِالنَّفَقَةِ وَيحْتَمل الرُّجُوع فِيهِ إِلَى الْعرف وَلَو قَالَ بَعضهم أَنا فَقير أَو متوسط قبل قَوْله مَا لم تقم بَيِّنَة بِخِلَافِهِ وَإِذا عقدت بِأَكْثَرَ ثمَّ علمُوا جَوَاز دِينَار لَزِمَهُم مَا التزموه فَإِن امْتَنعُوا من أَدَاء الزِّيَادَة فهم ناقضون ونبلغهم مأمنهم فَإِن عَادوا وطلبوا العقد بِدِينَار وَجَبت إجابتهم وَمن تقطع جُنُونه قَلِيلا كساعة من شهر لَزِمته أَو كثيرا كَيَوْم وَيَوْم لفقت الْإِفَاقَة فَإِذا بلغت سنة وَجَبت وَلَو أسلم أَو مَاتَ أَو جن فِي أثْنَاء سنة وَجب قسط الْمَاضِي وَلَو اجْتمع دين آدَمِيّ وجزية فِي تَرِكَة سوى بَينهمَا وَتجب على زمن وَشَيخ وهرم وأعمى وراهب وأجير وفقير عجز عَن كسب فَإِذا تمت سنة وَهُوَ مُعسر فَفِي ذمَّته حَتَّى يوسر وَكَذَا حكم السّنة الثَّانِيَة فَمَا بعْدهَا (واشرط) ندبا عَلَيْهِم (ضِيَافَة لمن بهم نزل) أَي لمن يمر بهم من الْمُسلمين بِحَيْثُ أمكن ذَلِك وَقد صولحوا فِي بلدهم زَائِدا على أقل الْجِزْيَة على غنيهم ومتوسطهم لَا فقيرهم (ثَلَاثَة) أَيَّام من الطَّعَام والأدم كخبز وَسمن والعلف كتبن وحشيش وَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر قدره فَإِن ذكر الشّعير بَين قدره وَليكن الْمنزل بِحَيْثُ يدْفع الْحر وَالْبرد وَلَا يخرجُون أهل الْمنَازل مِنْهَا وَتُؤْخَذ الْجِزْيَة بِرِفْق كَسَائِر الدُّيُون وَيَكْفِي فِي الصغار إِجْرَاء الحكم عَلَيْهِم بِمَا لَا يعتقدونه وَمن أَرْكَان الْجِزْيَة الْمَكَان وَهُوَ كَون قراره غير الْحجاز وَهُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة واليمامة والطائف وَوَج الطَّائِف وَمَا يُضَاف إِلَى ذَلِك فَيمْنَع كل كَافِر من الْإِقَامَة بِهِ وَلَو بِطرقِهِ الممتدة وَمَتى صَحَّ العقد لزمنا الْكَفّ عَنْهُم وَضَمان مَا نتلفه عَلَيْهِم نفسا ومالا وَدفع أهل الْحَرْب عَنْهُم إِن لم يستوطنوا دَار الْحَرْب ونمنعهم وحربا إِحْدَاث كَنِيسَة وبيعة بِبَلَد أحدثناه أَو أسلم أَهله عَلَيْهِ أَو فتح عنْوَة أَو صلحا بِشَرْط الأَرْض لنا (ويلبسوا الغيارا) بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة (أَو فَوق ثوب جعلُوا زنارا) بِضَم الزَّاي سَوَاء الرِّجَال وَالنِّسَاء بِدَارِنَا وَإِن لم يشرط ذَلِك عَلَيْهِم للتمييز والغيار أَن يخيطوا على ثِيَابهمْ الظَّاهِرَة مَا يُخَالف لَوْنهَا لَوْنهَا بِموضع لَا تعتاد الْخياطَة عَلَيْهِ وإلقاء منديل وَنَحْوه على الْكَتف كالخياطة ثمَّ الأولى باليهودي العسلى وَهُوَ الْأَصْفَر وبالنصراني الْأَزْرَق أَو الْأَشْهب وَيُسمى الرَّمَادِي وبالمجوسي الْأسود أَو الْأَحْمَر والزنار خيط غليظ يشد بِهِ أوساطهم خَارج الثِّيَاب وَلَيْسَ لَهُم إِبْدَاله بمنطقة
(1/311)

ومنديل وَنَحْوهمَا وَيجْعَل الزنار فَوق إِزَار الْمَرْأَة كَالرّجلِ قَالَه أَبُو حَامِد رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي التَّهْذِيب وَغَيره تَحْتَهُ لِأَنَّهُ أستر لَكِن لَا بُد من ظُهُور شَيْء مِنْهُ وَإِذا خرجت بخف فلتكن إِحْدَاهمَا بلون وَالْأُخْرَى بلون آخر وَإِن لبسوا قلانس ميزوها عَن قلانسنا وَيُسْتَفَاد من تَعْبِير النَّاظِم بِأَو الِاكْتِفَاء بالغيار أَو الزنار فجمعها الْمَنْقُول عَن عمر رَضِي الله عَنهُ تَأْكِيد فَإِن انفردوا بمحلة فَلهم تَركه وَإِذا دخل حَماما فِيهِ مُسلمُونَ متجردون أَو تجرد عَن ثِيَابه فِي حمام بَين مُسلمين جعل فِي عُنُقه خَاتم حَدِيد أَو رصاص أَو طوقا أَو جلجلا من حَدِيد ويلجأ إِلَى أضيق الطّرق عِنْد زحمة الْمُسلمين فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَقع فِي وهدة وَلَا يصدمه جِدَار وَلَا يوقر وَلَا يصدر فِي مجْلِس فِيهِ الْمُسلمُونَ (ويتركوا ركُوب خيل حربنا) أَي يلْزمهُم ترك ركُوب خيل حَرْب الْمُسلمين حَتَّى البراذين النفيسة لِأَن فِي ركوبنا إِيَّاهَا إرهابا للأعداء وَعزا للْمُسلمين نعم إِن انفردوا بِبَلَد أَو قَرْيَة فِي غير دَارنَا لم يمنعوا وَلَو استعنا بهم فِي حَرْب بِحَيْثُ يجوز مكنوا من ركُوبهَا زمن الْقِتَال وَخرج بِالْخَيْلِ الْحمير وَالْبِغَال فَلهم ركُوبهَا با كَاف وركاب خشب لَا حَدِيد أَو نُحَاس أَو نَحوه عرضا تمييزا لَهُ عَنَّا وَيمْنَع من تَقْلِيد السَّيْف وَحمل السِّلَاح وتختم الذَّهَب وَالْفِضَّة وَيمْنَعُونَ من خدمَة الْأُمَرَاء والملوك كَمَا يمْنَعُونَ من ركُوب الْخَيل (وَلَا يساووا الْمُسلمين فِي الْبَنَّا) فَلَا يجوز لَهُم رفع بنائهم على بِنَاء جَار مُسلم وَلَا مساواته وَإِن رضى الْمُسلم بذلك سَوَاء أَكَانَ بِنَاء الْمُسلم معتدلا أم فِي غَايَة الانخفاض نعم لَو كَانَ قَصِيرا لَا يعْتَاد السكن فِيهِ لعدم تَمام بنائِهِ أَو لِأَنَّهُ هَدمه أَو انْهَدم إِلَى أَن صَار قَصِيرا كَذَلِك لم يمْنَع الذِّمِّيّ من بِنَاء جِدَاره على أقل مَا يعْتَاد فِي السُّكْنَى لِئَلَّا يتعطل حَقه الَّذِي عطله الْمُسلم بِاخْتِيَارِهِ أَو تعطل عَلَيْهِ لإعساره قَالَ البُلْقِينِيّ وَخرج بالجار غَيره كَأَن انْفَرد بِمحل بِطرف الْبَلَد مُنْفَصِل عَنَّا فَيجوز رفع الْبناء (وانتقض الْعَهْد) أَي عقد الذِّمَّة (بجزية منع) أَي يمْنَع أَدَاء الْجِزْيَة مَعَ قدرته عَلَيْهِ أما الْعَاجِز إِذا استمهل فَلَا ينْتَقض عَهده بذلك وَتُؤْخَذ من الْمُوسر قهرا وَلَا ينْتَقض عَهده وَيخْتَص قَوْلهم بالمتغلب الْقَاتِل (وَحكم شرع بتمرد دفع) بِهِ حكم الشَّرْع وَهُوَ الِامْتِنَاع من الانقياد لأحكامنا بِالْقُوَّةِ والحدة (لَا هرب) من أَدَاء الْجِزْيَة أَو من الانقياد لحكم الشَّرْع سَوَاء أشرط الانتقاض بذلك أم لَا وَيُؤْخَذ مِنْهُ انْتِقَاض الْعَهْد بِقِتَال الْمُسلمين من بَاب أولى (بالطعن فِي الْإِسْلَام) أَي ينْتَقض الْعَهْد بالطعن فِي الْإِسْلَام أَو الْقُرْآن أَو النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا لَا يَعْتَقِدهُ كنسبته إِلَى الزِّنَا أَو الطعْن فِي نسبه بِخِلَاف مَا لَو وَصفه على وفْق اعْتِقَاده كَقَوْلِه إِنَّه لَيْسَ بِنَبِي أَو أَنه قتل الْيَهُود بِغَيْر حق فَلَا ينْتَقض الْعَهْد بذلك وَإِن شَرط الانتقاض بِهِ (أَو فعل يضر الْمُسلمين) كَأَن زنى بِمسلمَة أَو أَصَابَهَا باسم نِكَاح عَالما بإسلامها أَو لَاطَ بِمُسلم عَالما بِإِسْلَامِهِ أَو دلّ أهل الْحَرْب على عَورَة الْمُسلمين أَو فتن مُسلما عَن دينه أَو دَعَاهُ إِلَى دينه أَو قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق (النَّقْض) مُبْتَدأ مُؤخر خَبره قَوْله بالطعن أَي والنقض حَاصِل أَو يحصل بالطعن (لَو شَرط ترك) ببنائه للْمَفْعُول وإدغام الطَّاء فِي التَّاء وَترك مَرْفُوع بِهِ أَي إِن شَرط ترك الطعْن وَالْفِعْل الْمَذْكُور فِي العقد وَشرط انتقاضه بِفعل أَحدهمَا وَإِلَّا فَلَا ينتفض بِهِ وَخرج بِمَا ذكر إسماعه الْمُسلمين شركا وَقَوْلهمْ فِي الْمَسِيح وعزير وَإِظْهَار الْخمر وَالْخِنْزِير والناقوس والعيد فَلَا ينْتَقض الْعَهْد بهَا وَإِن شَرط (وَالْإِمَام خيرا فِيهِ) أَي من انْتقض عَهده بَين قتل ورق وَمن وَفِدَاء (كَمَا فِي كَامِل قد أسرا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله فَإِن أسلم قبل الِاخْتِيَار امْتنع
(1/312)

= (كتاب الصَّيْد والذبائح) =
جمع ذَبِيحَة وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى {أحل لكم صيد الْبَحْر} وَقَوله تَعَالَى {إِلَّا مَا ذكيتم} وَقَوله تَعَالَى {وَإِذا حللتم فاصطادوا} وَيعْتَبر فِي حل الْحَيَوَان الْمَأْكُول الْبري بالصيد والتذكية أَن يَكُونَا (من مُسلم وَذي كتاب حلا) أَي أَو كتابي تحل مناكحته نعم تحل ذَكَاة أمة كِتَابِيَّة وصيدها وَإِن لم تحل مناكحتها إِذْ لَا أثر للرق فِي الذَّبِيحَة بِخِلَاف المناكحة وَسَوَاء فِي حل ذَكَاة الْكِتَابِيّ مَا اعْتقد حلّه كالبقر وَالْغنم أَو تَحْرِيمه كَالْإِبِلِ (لَا وَثني وَالْمَجُوس أصلا) أَي لَا اعْتِبَار بالصيد والتذكية من الوثني والمجوسي وَنَحْوهمَا فَلَو شَارك مَجُوسِيّ مُسلما فِي ذبح أَو اصطياد قَاتل كَأَن أمرا سكينا على حلق شَاة أَو قتلا صيدا بِسَهْم أَو كلب حرم تَغْلِيبًا لِلْحَرَامِ وَلَو أرسلا سَهْمَيْنِ أَو كلبين فَإِن سبق آلَة الْمُسلم فَقتله أَو أنهاه إِلَى حَرَكَة مَذْبُوح حل أَو انعكس أَو جرحاه مَعًا أَو جهل أَو مُرَتبا وَلم يذفف أَحدهمَا حرم وَيعْتَبر فِي الذَّابِح أَيْضا أَن لَا يكون محرما والمذبوح صيد وَفِي الصَّائِد أَيْضا أَن يكون بَصيرًا فَيحرم صيد الْأَعْمَى برمي وكلب إِذْ لَيْسَ لَهُ قصد صَحِيح وَيحل ذبح أعمى وَصبي وَلَو غير مُمَيّز وَمَجْنُون وسكران لِأَن لَهُم قصدا وَإِرَادَة فِي الْجُمْلَة وَتحل ميتَة السّمك وَالْجَرَاد وَلَو صادهما مَجُوسِيّ وَكَذَا الدُّود الْمُتَوَلد من الطَّعَام كخل وَفَاكِهَة إِذا أكل مَعَه مَيتا وَلَا يقطع بعض سَمَكَة حَيَّة فَإِن فعل ذَلِك أَو بلع سَمَكَة حَيَّة حل (وَالشّرط فِيمَا حللوا) إِي الْعلمَاء (أَن يقدر عَلَيْهِ قطع كل حلق) أَي حلقوم وَهُوَ مجْرى النَّفس (ومري) بِالْمدِّ والهمز وَهُوَ مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب فَلَو ترك شَيْئا من الْحلق أَو المريء وَإِن قل وَمَات الْحَيَوَان حرم (حَيْثُ الْحَيَاة مُسْتَقر الحكم) أَي يشْتَرط كَون الْقطع الْمَذْكُور حَال اسْتِقْرَار الْحَيَاة فِي الْمَقْطُوع إِمَّا قطعا وَإِمَّا ظنا وَيحصل الظَّن بانفجار الدَّم وتدفقه وَشدَّة الْحَرَكَة بعد الْقطع وبعلامات أخر كصوت الْحلق وقوام الدَّم على طَبِيعَته وَيَكْفِي مَا يحصل بِهِ غَلَبَة الظَّن مِنْهَا من شدَّة الْحَرَكَة واعتبرت الْحَيَاة المستقرة ليخرج مَا إِذا فقدت وَكَانَ لفقدها سَبَب من جرح أَو انهدام سقف أَو أكل نَبَات ضار أَو نَحْوهمَا لوُجُود مَا يُحَال عَلَيْهِ الْهَلَاك أما إِذا كَانَ لمَرض فَيحل مَعَ فقدها (بجارح) كحديد ونحاس وَذهب وَفِضة ورصاص وخشب وقصب وَحجر وزجاج (لَا ظفر أَو عظم) للْخَبَر الصَّحِيح وَألْحق بهما بَاقِي الْعِظَام وَمَعْلُوم حل مَا قَتله الْكَلْب أَو نَحوه بظفره أَو نابه (وَغير مَقْدُور عَلَيْهِ) من الْحَيَوَان (صيدا) أَي فِي الِابْتِدَاء حَالَة كَونه صيدا (أَو الْبَعِير ند) أَي ذهب على وَجهه شاردا (أَو تردى) فِي بِئْر أَو نَحْوهَا وَتعذر قطع حلقومه ومريئه فَتَصِير أعضاؤه كلهَا مذبحا فَفِي أَي عُضْو مِنْهُ حصل الْجرْح أَجْزَأَ (الْجرْح إِن يزهق) أَي يعْتَبر فِي الْجرْح كَونه مزهقا للحياة المستقرة (بِغَيْر عظم) وظفر كَمَا علم مِمَّا مر (أَو جرحه) إِن لم يزهق (أَو مَوته بالغم) أَي غم الْجَارِحَة من كلب أَو طير و (إرْسَال كلب جارح أَو غَيره من سبع معلم أَو طيره) ككلب أَو فَهد أَو باز وشاهين وَالْمرَاد بالمعلم أَن
(1/313)

(يُطِيع غير مرّة بِأَن تَتَكَرَّر مِنْهُ الْأُمُور الْآتِيَة بِحَيْثُ يظنّ تأدب الْجَارِحَة وَيرجع فِي ذَلِك لأهل الْخِبْرَة بالجوارح (إِذا أؤتمر) أَي لَا بُد من كَونه يأتمر بِأَمْر صَاحبه بِأَن يهيج بإغرائه (وَدون أكل) أَي بِأَن يمسك الصَّيْد ليأخذه الصَّائِد وَلَا يَأْكُل مِنْهُ و (يَنْتَهِي أَن ينزجر) أَي لَا بُد أَن تنزجر جارحة السبَاع بزجر صَاحبهَا أما جارحة الطير فَلَا مطمع فِي انزجارها بعد طيرانها وَلَو ظهر كَونه معلما ثمَّ أرْسلهُ على صيد فَأكل مِنْهُ عقب إِمْسَاكه أَو صَار يُقَاتل دونه لم يحل ذَلِك الصَّيْد فَيشْتَرط تَعْلِيم جَدِيد وَلَا يَنْعَطِف التَّحْرِيم على مَا مضى وَلَا يحل المتردي بإرسال الْكَلْب أَو نَحوه وَفَارق إرْسَال السهْم بِأَن الْحَدِيد يستباح بِهِ الذّبْح مَعَ الْقُدْرَة بِخِلَاف عقر الْكَلْب (وَإِنَّمَا يحل صيد أدْركهُ مَيتا) بِسَبَب الْجرْح المزهق أَو بغم الْجَارِحَة (أَو الْمَذْبُوح حَال الْحَرَكَة) أَي إِذا أدْركهُ فِي حَال حَرَكَة الْمَذْبُوح أَو أدْركهُ وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة وَتعذر ذبحه بِلَا تَقْصِير مِنْهُ كَأَن سل السكين فَمَاتَ قبل إِمْكَان ذبحه أَو اشْتغل بِطَلَب المذبح أَو بتوجهه للْقبْلَة أَو وَقع مُنَكسًا أَو احْتَاجَ إِلَى قلبه ليقدر على الذّبْح أَو حَال بَينهمَا سبع أَو امْتنع مِنْهُ بقوته وَمَات قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَلَو شكّ فِي التَّمَكُّن من ذَكَاته حل وَإِن مَاتَ لتَقْصِيره كَأَن لم يكن مَعَه سكين أَو غصبت أَو نشبت فِي الغمد حرم (وَسن أَن يقطع) الذَّابِح (الْأَوْدَاج) ينْقل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السَّاكِن قبلهَا جمع ودج بِفَتْح الْوَاو وَالدَّال وَلَيْسَ فِي كل حَيَوَان غير ودجين وهما عرقان فِي صفحتي الْعُنُق يحيطان بالحلقوم فَلَو لم يقطعهما الذَّابِح حل (كَمَا ينْحَر لبة الْبَعِير) ويذبح الْبَقر وَالْغنم للأتباع ولطول عنق الْإِبِل فَيكون أسْرع لخُرُوج روحها وَلَو عكس فَقطع حلقوم الْإِبِل ولبة غَيره لم يكره وَيلْحق بِالْإِبِلِ كل مَا طَال عُنُقه كالنعام والكركى واللبة بِفَتْح اللَّام من أَسْفَل الْعُنُق (قَائِما) أَي ينْدب أَن يكون الْبَعِير قَائِما على ثَلَاث مَعْقُول الرّكْبَة الْيُسْرَى وَإِلَّا فباركا وَأَن تكون الْبَقَرَة وَالشَّاة مضجعة على جنبها الْأَيْسَر وتترك رجلهَا الْيُمْنَى لتستريح بتحريكها وتشد بَاقِي القوائم لِئَلَّا تضطرب حَال الذّبْح فبنزل الذَّابِح (وَوجه الْمَذْبُوح نَحْو الْقبْلَة) لِأَنَّهَا أشرف الْجِهَات (وَقبل أَن تصل) بِحَذْف الْيَاء لعِلَّة الْوَزْن (قل بِسم الله) أَي يسن أَن يَقُول عِنْد الذّبْح بِسم الله وَيُصلي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يجوز أَن يَقُول بِسم الله وَاسم مُحَمَّد لإيهامه التَّشْرِيك وَينْدب أَن يتَوَجَّه الذَّابِح للْقبْلَة أَيْضا (وسم) أَنْت (وَفِي أضْحِية) خَاصَّة عِنْد ذَبحهَا (وكبرا) الْألف فِي ذَلِك وَفِيمَا بعده بدل من نون التوكيد لِأَنَّهَا أَيَّام تَكْبِير (وبالدعاء بِالْقبُولِ) فَيَقُول اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَإِلَيْك فَتقبل وَلَو قَالَ كَمَا تقبلت من إِبْرَاهِيم خَلِيلك وَمُحَمّد عَبدك وَرَسُولك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكره وَلم يسن (فاجهرا) أَي يَقُول ذَلِك جَهرا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْأُضْحِية) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا مَعَ تَخْفيف الْيَاء وتشديدها وَيُقَال ضحية بِفَتْح الضَّاد وَكسرهَا وَيُقَال أضحاة بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وَهِي مَا يذبح من النعم تقربا إِلَى الله تَعَالَى من يَوْم الْعِيد إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَالْأَصْل فِي ذَلِك قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {فصل لِرَبِّك وانحر} أَي صل صَلَاة الْعِيد وانحر النّسك وَخبر مُسلم ضحى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
(1/314)

وَسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بِيَدِهِ وسمى وَكبر وَوضع رجله على صفحتهما وَلَيْسَت الضحية بواجبة وَإِنَّمَا هِيَ سنة كِفَايَة فتتأدى بِفعل وَاحِد من أهل الْبَيْت لَهَا وَيكرهُ تَركهَا وَإِنَّمَا تسن لمُسلم قَادر حر كُله أَو بعضه وَأما الْمكَاتب فيفعلها إِن أذن سَيّده (ووقتها قدر صَلَاة رَكْعَتَيْنِ من الطُّلُوع) أَي طُلُوع الشَّمْس يَوْم الْعِيد (تَنْقَضِي وخطبتين) خفيفات (وَسن من بعد ارتفاعها) أَي وتأخيرها لترتفع كرمح أفضل وَلَا يدخلهَا كَرَاهَة لِأَنَّهَا ذَات وَقت وَسبب (إِلَى ثَلَاثَة التَّشْرِيق أَن تكملا) أَي وَيبقى حَتَّى تغرب الشَّمْس آخر أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة سَوَاء اللَّيْل وَالنَّهَار نعم يكره الذّبْح لَيْلًا لِأَنَّهُ قد يخطىء المذبح وَلِأَن الْفُقَرَاء لَا يحْضرُون فِيهِ حضورهم بِالنَّهَارِ فَلَو ذبح قبل ذَلِك أَو بعده لم تقع أضْحِية نعم إِن لم يذبح الْوَاجِب حَتَّى خرج الْوَقْت ذبحه قَضَاء (عَن وَاحِد ضَأْن) فَإِن كَانَ لَهُ أهل بَيت حصلت السّنة لجميعهم (لَهُ حول كمل) وَطعن فِي الثَّانِيَة أَو أجذع قبلهَا (أَو معز) لَهُ سنتَانِ و (فِي ثَالِث الْحول دخل) سَوَاء الذّكر وَالْأُنْثَى فِي ذَلِك (كبقر) أَي لَا يجزىء مِنْهُ إِلَّا مَا اسْتكْمل سنتَيْن وَشرع فِي الثَّالِثَة (لَكِن عَن السَّبع كفت وإبل خمس سِنِين استكملت) دخلت فِي السَّادِسَة أَن يجزىء الثنى من الْإِبِل وَالْبَقر عَن سَبْعَة من الْأَشْخَاص وَإِن كَانَ لكل وَاحِد مِنْهُم أهل بَيت وَلم يرد التَّضْحِيَة وأفضلها سبع شِيَاه ثمَّ بعير ثمَّ بقرة ثمَّ ضَأْن وشَاة أفضل من مُشَاركَة بِقَدرِهَا فِي بَدَنَة أَو بقرة للانفراد بإراقة الدَّم وَشرط إِجْزَاء الْأُضْحِية سلامتها من عيب ينقص لَحمهَا (وَلم تجز بَيِّنَة الهزال) أَي لَا تجزىء الْأُضْحِية بهَا وَهِي الَّتِي ذهب مخها من شدَّة هزالها (و) بَيِّنَة (مرض و) بَيِّنَة (عرج) بِحَيْثُ تسبقها الْمَاشِيَة إِلَى الْكلأ الطّيب (فِي الْحَال) أَي الْعبْرَة بِالْعَيْبِ الْمَوْجُود عِنْد الذّبْح حَتَّى لَو كَانَت سليمَة فاضطربت عِنْد إضجاعها للذبح فعرجت عرجا بَينا لم تجز وَلَا يضر يسيرها بِخِلَاف يسير الجرب لِأَنَّهُ يفْسد اللَّحْم والودك (وناقص الْجُزْء) وَلَو فلقَة يسيرَة (كبعض أذن أَو ذَنْب كعور فِي الْعين أَو الْعَمى أَو قطع بعض الألية) أَو ضرع أَو غَيرهَا لذهاب جُزْء مَأْكُول مِنْهُ نعم لَا يضر قطع فلقَة لحم يسيرَة من عُضْو كَبِير كفخذ لِأَن ذَلِك لَا يظْهر (وَجَاز نقص قرنها والخصية) وتجزىء المخلوقة بِلَا ضرع أَو ألية كَمَا يجزىء ذكر الْمعز بِخِلَاف المخلوقة بِلَا أذن لِأَن الْأذن عُضْو لَازم والذنب كالألية وَذَات الْقُرُون أفضل من غَيرهَا نعم إِن انْكَسَرَ الْقرن وَأثر فِي اللَّحْم انكساره ضرّ وتجزىء العشواء وَهِي الَّتِي لَا تبصر شَيْئا لَيْلًا والعمشاء وَهِي ضَعِيفَة الْبَصَر مَعَ سيلان الدمع وَذَات كي وَصغر أذن وَالَّتِي ذهب بعض أسنانها (وَالْفَرْض) فِي الْأُضْحِية المندوبة (بعض اللَّحْم لَوْلَا بنزر) أَي التَّصَدُّق بِهِ وَلَو قَلِيلا لِأَنَّهَا شرعت لإرفاق الْمَسَاكِين وَلَا يحصل ذَلِك بِمُجَرَّد إِرَاقَة الدَّم وَالْمرَاد بِهِ تمْلِيك الْفَقِير الْمُسلم الشَّامِل للمسكين وَلَو وَاحِدًا حرا أَو مكَاتبا شَيْئا من لَحمهَا نيئا ليتصرف فِيهِ بِمَا شَاءَ من بيع أَو غَيره فَلَا يكفى جعله طَعَاما وَدُعَاء الْفُقَرَاء إِلَيْهِ لِأَن حَقه فِي تملكه لَا فِي أكله وَلَا تَمْلِيكه مطبوخا وَلَا تَمْلِيكه غير اللَّحْم من جلد وكرش وكبد وطحال وَعظم وَنَحْوهَا فَلَو أكل الْكل ضمن الْقدر الَّذِي كَانَ يلْزمه أَن يتَصَدَّق بِهِ ابْتِدَاء وَمؤنَة الذّبْح على المضحى كمؤنة
(1/315)

الْحَصاد فَلَا يعْطى الجزار مِنْهَا شَيْئا وَله إطْعَام الْأَغْنِيَاء مِنْهُم لَا تمليكهم (وكل من الْمَنْدُوب) فيأكل ثلثا وَيتَصَدَّق بِالْبَاقِي وَالْأَفْضَل التَّصَدُّق بكلها إِلَّا لقما يتبرك بأكلها فَإِنَّهَا مسنونة وَيتَصَدَّق بجلدها أَو ينْتَفع بِهِ فِي أستعماله وَله إعارته لَا بَيْعه وإجارته (دون النّذر) أَي لَا يجوز لَهُ أَن يَأْكُل شَيْئا من الْمَنْذُور يعْنى الْوَاجِب بِنذر أَو غَيره كَمَا فِي الْكَفَّارَة سَوَاء أوجب بِالْتِزَام كالواجب بِالنذرِ أم بِغَيْرِهِ كَدم الْقرَان والتمتع فَلَو أكل مِنْهُ شَيْئا غرم بدله وَقَول الشَّيْخَيْنِ غرم قِيمَته مُفَرع على أَن اللَّحْم مُتَقَوّم وَالأَصَح أَنه مثلى على أَنه تطلق الْقيمَة وَيُرَاد بهَا الْبَدَل فيشتمل المثلى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْعَقِيقَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
من عق بعق الْعين وَضمّهَا وَهِي لُغَة الشّعْر الَّذِي على رَأس الْمَوْلُود وَشرعا مَا يذبح عِنْد حلق رَأسه وهى كالأضحية فِي سنّهَا وجنسها وسنيتها وسلامتها وَالْأَفْضَل مِنْهَا وَالْأكل وَالتَّصَدُّق والإهداء وَامْتِنَاع بيعهَا وتعينها إِذا عينت وَاعْتِبَار النِّيَّة وَغير ذَلِك لَكِن لَا يجب التَّمْلِيك من لَحمهَا نيئا كَمَا يأتى وَينْدب أَن يعْطى للقابلة رجلهَا ووقتها من حِين الْولادَة إِلَى بُلُوغه فَلَا تُجزئ قبلهَا وتأخيرها عَن بُلُوغه يسْقط حكمهَا عَن الْعَاق وَهُوَ مُخَيّر فِي الْعَاق عَنهُ وَلَو مَاتَ الْوَلَد قبل السَّابِع لم يسْقط الطّلب والعاق عَنهُ من تلْزمهُ نَفَقَته بِتَقْدِير عسره وَأما عقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحسن وَالْحُسَيْن فَيحْتَمل أَنه أَمر أباهما بِهِ أَو أَنه أعطَاهُ مَا عق بِهِ عَنْهُمَا أَو أَن أبويهما كَانَا معسرين فيكونا فِي نَفَقَة جدهما وَلَا يعق الْعَاق عَنهُ من مَاله فَإِن كَانَ مُعسرا عِنْد الْولادَة وأيسر فِي السَّبْعَة خُوطِبَ بهَا أَو بعد مُدَّة النّفاس فَلَا أَو بَينهمَا فاحتمالان أقربهما تَرْجِيح مخاطبته بهَا (تسن) الْعَقِيقَة (فِي سابعه) أَي فِي سَابِع وِلَادَته فَهُوَ أفضل من غَيره ويحسب يَوْم وِلَادَته مِنْهَا وَيسن ذَبحهَا فِي صدر النَّهَار عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَأَن يَقُول عِنْد ذَبحهَا بِسم الله الله أكبر اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك اللَّهُمَّ هَذِه عقيقة فلَان (وَاسم حسن) أَي يسن تَسْمِيَته يَوْم سَابِع وِلَادَته وَلَو سقطا أَو مَيتا وَأَن يكون باسم حسن كَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَيكرهُ باسم قَبِيح وَمَا يتطير بنفيه كنافع ويسار وأفلح ونجيح وبركة وست النَّاس أَو الْعلمَاء وَنَحْوه أَشد كَرَاهَة (وَحلق الشّعْر) ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى أَو خُنْثَى وَينْدب كَون الْحلق بعد الذّبْح وَالتَّصَدُّق بزنته ذَهَبا فَإِن لم يَتَيَسَّر ففضة (وَالْأَذَان فِي الْأذن) الْيُمْنَى والأقامة فِي الْيُسْرَى ويحنك بِتَمْر فَإِن لم يكن فبحلو (وَالشَّاة للْأُنْثَى وللغلام شَاتَان) وَالْخُنْثَى كالذكر احْتِيَاطًا وهى أحب من شرك فِي بدنه أَو بقرة فَيُجزئ سبع إِحْدَاهمَا وَيسن طبخها بحلو تفاؤلا بحلاوة أَخْلَاق الْوَلَد وَأَن لَا يتَصَدَّق بِهِ نيئا (دون الْكسر للعظام) أَي ينْدب أَن لَا يكسر عظما من الْعَقِيقَة مَا أمكن تفاؤلا بسلامة أَعْضَاء الْمَوْلُود فَلَو كَسره لم يكره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْأَطْعِمَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أَي حلهَا وتحريمها قَالَ تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ} الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى {وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث} وَقَالَ {يَسْأَلُونَك مَاذَا أحل لَهُم قل أحل لكم الطَّيِّبَات} أَي مَا تستطيه النَّفس وتشتهيه وَلَا يجوز أَن يُرَاد الْحَلَال لأَنهم سَأَلُوا عَمَّا يحل لَهُم فَكيف يَقُول أحل لكم الْحَلَال وَقد أَشَارَ النَّاظِم إِلَى بَيَان شئ
(1/316)

مِنْهَا فَقَالَ (يحل مِنْهَا) أَي من الْأَطْعِمَة طَعَام (طَاهِر لمن ملك) سَوَاء أَكَانَ جمادا أم حَيَوَانا سمكًا أَو حَيَوَان بر مذكى لِأَنَّهُ من الطَّيِّبَات بِخِلَاف غير الطَّعَام كزجاج وَحجر وثوب ومخاط وبصاق وَبِخِلَاف النَّجس كدقيق عجن بِمَاء نجس وخبز نعم دور الْفَاكِهَة والجبن والخل وَنَحْوهَا يحل أكله مَعهَا وَإِن مَاتَ فِيهَا لَا مُنْفَردا وَالطَّعَام الطَّاهِر (كميتة من الْجَرَاد والسمك) وَهُوَ مَا يعِيش فِي الْبَحْر وَإِذا خرج مِنْهُ صَار عيشه عَيْش مَذْبُوح وَإِن كَانَ نَظِيره فِي الْبر محرما ككلب وَيكرهُ ذبح السّمك إِلَّا كَبِيرا يطول بَقَاؤُهُ فَيسنّ ذبحه إراحة لَهُ ومذكى الْبر مَا يستطاب وَلَو ذبح لغير مأكله مَعَ الْجَنِين الَّذِي وجد مَيتا فِي بَطْنه أَو خرج متحركا حَرَكَة مَذْبُوح سَوَاء أشعر أم لَا إِذا ظَهرت صُورَة الْحَيَوَان فِيهِ وَلَو بقى الْوَلَد بعد الذّبْح زَمنا طَويلا يَتَحَرَّك فِي الْبَطن ثمَّ سكن حرم وَلَو خرج رَأسه وَبِه حَيَاة مُسْتَقِرَّة حل وَيحل الْعُضْو الأشل من المذكى وَالَّذِي يحل من حَيَوَان الْبر كضبع وأرنب وفنك ودلق وثعلب وفاقم وَأم حبين وحوصل وزاغ ويربوع ووبر ودلدل وَبنت عرس وقنفذ وضب وكركى وإوز ودجاج وكل ذى طوق كالفاختة والقمري والدبسى واليمام والقطا وكل ذِي لقط حب وَإِن لم يكن ذَا طوق كزرزور وعصفور وصعوة ونغر وعندليب وبط وسمور وسنجاب وظبي ونعام وبقر وَحش وَحِمَاره فَيحل أكلهَا لِأَنَّهَا من الطَّيِّبَات (وَمَا بمخلب) يتقوى بِهِ بِكَسْر الْمِيم من الطير كباز وصقر وشاهين ونسر وعقاب وَنَحْوهَا من جوارح الطير (ونب يقوى) بِهِ (يحرم كالتمساح وَابْن آوى) بِالْمدِّ بعد الْهمزَة وَهُوَ فَوق الْكَلْب طَوِيل المخالب والأظفار فِيهِ شبه من الثَّعْلَب والأسد وَخرج بقوله يقوى بِهِ مانابه ضَعِيف كضبع وثعلب وَيحرم أَيْضا مَاله سم وَإِن لم يكن لَهُ نَاب كحية أَوله إبرة كعقرب وزنبور لضررهما وَمَا أَمر بقتْله كحدأة أَو فَأْرَة وغراب أبقع أَو أسود وَيُسمى بالغداق الْكَبِير وعقعق ووزع أَو نهى عَن قَتله كخطاف وصرد وهدهد وبغاثة وببغاء وبوم ولقلق ونمل سليمانى وَنحل وضفدع (أَو نَص تَحْرِيم بِهِ) من كتاب أَو سنة والمتولد بَين مَأْكُول وَغير حرَام (أَو يقرب مِنْهُ) كالمتولد من الْحمر الْأَهْلِيَّة وَغَيرهَا والمتولد من شئ لَهُ حكمه فِي التَّحْرِيم (كَذَا مَا استخبثته الْعَرَب) بِضَم الْعين وَإِسْكَان الرَّاء أَو بِفَتْحِهَا مِمَّا لَا نَص فِيهِ فِي حَال رفاهية إِذا كَانُوا أهل يسَار وطباع سليمَة وَاحْترز بِحَال الرَّفَاهِيَة عَن حَال الضَّرُورَة وبالطبع السَّلِيم عَن طبع أهل البوادى الَّذين يتناولون مادب وَمَا درج وَالْعبْرَة بالعرب الَّذين كَانُوا فِي عَهده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيرجع فِي كل زمن إِلَى عربه حَيْثُ لم يسْبق فِيهِ كَلَام الْعَرَب الَّذين كَانُوا فِي عَهده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمستخبث لَهُم كالحشرات وهى صغَار دَوَاب الأَرْض كذباب ونمل وَنحل وضفدع وسرطان وسلحفاة وَلَو جهل اسْم حَيَوَان عمل بتسميتهم لَهُ فَإِن سموهُ باسم حَيَوَان حَلَال حل أَو حرَام حرَام فَإِن اخْتلفُوا اتبع الْأَكْثَر فَإِن اسْتَووا فقريش فَإِن اخْتلفُوا وَلَا تَرْجِيح أَو شكوا أَو لم نجدهم وَلَا غَيرهم من الْعَرَب أَو لم يكن لَهُ اسْم عِنْد الْجَمِيع اعْتبر بالأشبه بِهِ صُورَة أَو طعما أَو طبعا فَإِن لم يكن لَهُ شبه أَو تعادل الشبهان حل وَالظَّاهِر الِاكْتِفَاء بِخَبَر عَدْلَيْنِ مِنْهُم كَمَا فِي جَزَاء الصَّيْد (لَا مَا استطابته) الْعَرَب فَيحل (وللمضطر) الْمَعْصُوم (حل من ميتَة) أَي يحل لَهُ تنَاول الْميتَة كلحم خِنْزِير (ماسد) بِالسِّين الْمُهْملَة وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه إِن إعجامها انسب من إهمالها وَالْمرَاد من ذَلِك مَا يحصل مَعَه (قُوَّة الْعَمَل) أَي الْقُوَّة على الْعَمَل إِذا لم يجد حَلَالا يَأْكُلهُ وَخَافَ تلف نَفسه أَو مَرضا مخوفا أَو أجهده الْجُوع وَعيلَ صبره أَو جوز تلف نَفسه وسلامتها على السوَاء أَو نَحْو ذَلِك نعم العَاصِي بِسَفَرِهِ وَلَا يُبَاح لَهُ ذَلِك وَكَذَا المشرف على الْمَوْت لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا ينفع
(1/317)

وَله قتل طِفْل حَرْبِيّ وَمَجْنُون وَكَذَلِكَ ورقيق وَأُنْثَى وَخُنْثَى أهل حَرْب ليأكلهم إِذا لم يجد غَيرهم وَيمْتَنع قَتلهمْ فِي غير حَال الضَّرُورَة لحق الْغَانِمين لَا لعصمتهم وَله قتل حَرْبِيّ ومرتد وتارك صَلَاة وزان مُحصن وَلَو بِغَيْر إِذن الإِمَام وَإِنَّمَا اعْتبر إِذْنه فِي غير حَالَة الضَّرُورَة تأدبا مَعَه فَلَو لم يجد إِلَّا آدَمِيًّا مَعْصُوما مَيتا حل أكله مَا لم يكن الْمَيِّت نَبيا فَلَا يُبَاح وَكَذَا إِذا كَانَ مُسلما والمضطر ذِمِّيا وَحَيْثُ أبحنا ميتَة الآدمى الْمَعْصُوم وَحرم طبخه وشيه وَيتَخَيَّر فِي غَيره وَله قطع بعضه لَا كُله إِن فقد الْميتَة وَنَحْوهَا وَكَانَ الْخَوْف فِي قطعه أقل من الْخَوْف فِي ترك الْأكل وَيحرم قطعه لغيره وقطعه من مَعْصُوم لنَفسِهِ وَلَو وجد طَعَام غَائِب أكل مِنْهُ مَا يسد رمقه وَغرم قِيمَته أَو حَاضر مُضْطَر لم يلْزمه بذله إِن لم يفضل عَنهُ فَإِن آثر مُسلما جَازَ بِخِلَاف الْكَافِر وَإِن كَانَ ذِمِّيا أَو غير مُضْطَر لزمَه إطْعَام مُضْطَر مُسلم أَو ذمى أَو نَحوه فَإِن منع فللمضطر قهره وَأخذ الطَّعَام وَإِن قَتله فَلَا شَيْء فِي قَتله إِلَّا أَن كَانَ مُسلما والمضطر كَافِرًا والمقهور عَلَيْهِ مَا يسد الرمق وَإِنَّمَا يلْزمه بعوض ناجز إِن حضر وَإِلَّا فبنسيئه وَلَا يلْزمه مجَّانا فَلَو أطْعمهُ وَلم يذكر عوضا فَلَا وَلَو وجد مُضْطَر ميتَة وَطَعَام غَائِب أَو محرم ميتَة وصيدا اكلها وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ شِرَاء الطَّعَام بِثمن مثله أَو بِزِيَادَة يتَسَامَح بِمِثْلِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْمُسَابقَة) على الْخَيل والسهام وَنَحْوهمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فالمسابقة تعم المناضلة وهى سنة حَيْثُ قصد بهَا التأهب للْجِهَاد وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة} الاية وَفسّر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُوَّة فِيهَا بالرمى وَلم يسْبق أحد الشافعى رَضِي الله عَنهُ إِلَى التصفيف فِي هَذَا الْبَاب (تصح فِي الدَّوَابّ) من خيل وفيل وإبل وبغل وحمار لَا طير وصراع (و) تصح أَيْضا على (السِّهَام) بأنواعها سَوَاء الْعَرَبيَّة وَهِي النبل والعجمية وهى النشاب والمسلات والإبر ومزاريق ورماح وَرمى بأحجار بيد ومقلاع ومنجنيق وكل نَافِع فِي الْحَرْب غير مَا ذكر لَا على كره صولجان وبندق وسباحة وشطرنج وَخَاتم ووقوف على رجل وَمَعْرِفَة مَا بِيَدِهِ من زوج وفرد لِأَن هَذِه الْأُمُور لَا تَنْفَع فِي الْحَرْب وَتَصِح على مَا ذكر (إِن علمت مَسَافَة المرامى) أَي الرمى بالذراع أَو بِالْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ الْموضع الَّذِي يبتدئان مِنْهُ والغاية الَّتِى ينتهيان إِلَيْهَا وَلَو كَانَ فِيهَا عَادَة غالبة نزل العقد عَلَيْهَا وَقدر الْعرض طولا وعرضا إِلَّا أَن يعْقد بِموضع فِيهِ عوض مَعْلُوم فَيحمل الْمُطلق عَلَيْهِ وَلَا بُد من تساويهما فِي الْموقف والغاية فَلَو شَرط تقدم موقف أَحدهمَا أَو غَايَته لم يَصح وَيعْتَبر إِمْكَان سبق كل مِنْهُمَا وَتَعْيِين المركوبين بِالْمُشَاهَدَةِ أَو الْوَصْف والاستباق عَلَيْهِمَا وَأَن يمكنهما قطع الْمسَافَة (وَصفَة الرمى) فِي الأصابة من قرع وَهُوَ إِصَابَة السن بِلَا خدش لَهُ أَو خزق بِالْمُعْجَمَةِ والزاى وَهُوَ أَن يثقبه وَلَا يثبت فِيهِ أَو خسق وَهُوَ أَن يثبت فِيهِ أَو مرق وَهُوَ أَن ينفذ من الْجَانِب الآخر وَمَتى بَيناهُ اتبع وَإِن أطلقا اقْتضى القرع لِأَنَّهُ الْمُتَعَارف وَلَا يشْتَرط بَيَان صفة المرمى من كَونه مبادرة أَو محاطة وَالْإِطْلَاق مَحْمُول على الْمُبَادرَة وَيشْتَرط بَيَان عدد نوب الرمى وَعدد الأصابة (سَوَاء يظْهر المَال) الْمَعْلُوم جِنْسا وَقدرا وَصفَة (شخص مِنْهُمَا) كَقَوْلِه إِن سبقتنى فلك كَذَا وَإِن سبقتك أحرزت مالى وَلَا شَيْء لى عَلَيْك (أَو آخر) غَيرهمَا كَقَوْل الامام أَو غَيره من سبق مِنْكُمَا فَلهُ فِي بَيت المَال كَذَا أَوله على كَذَا (إِن أخرجَا) أَي أخرج كل وَاحِد مِنْهُمَا مَالا (فَهُوَ قمار) بِكَسْر الْقَاف (مِنْهُمَا) محر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَرَدّد بَين أَن يغنم أَو يغرم وَالْمَقْصُود المَال لَا الركض والفروسة (إِلَّا إِذا مُحَلل) ثَالِث (بَينهمَا)
(1/318)

ويكفى وَاحِد وَلَو بلغُوا مائَة وسمى محللا لِأَنَّهُ حلل المَال بعد أَن كَانَ حَرَامًا وَشرط الْمُحَلّل أَن يكون (مَا تَحْتَهُ) من المركوب (كُفْء لما تحتهما) من المركوبين وَيُمكن أَن يسبقهما (يغنم إِن يسبقهما) فَيَأْخُذ مَالهَا جَاءَا مَعًا أَو مُرَتبا (لن يغرما) بِأَلف الْإِطْلَاق أَي وَإِن سبق لم يغرم شَيْئا وَإِن سبقاه وجاءا مَعًا فَلَا شَيْء لأحد وَإِن جَاءَ مَعَ إحدهما وَتَأَخر الاخر فَمَال هَذَا لنَفسِهِ وَمَال الْمُتَأَخر للمحلل وَالَّذِي مَعَه لِأَنَّهَا سبقاه وَإِن جَاءَ إحدهما ثمَّ الْمُحَلّل ثمَّ الآخر فَمَال الآخر للْأولِ لسبقه الِاثْنَيْنِ فالصور الممكنة ثَمَانِيَة أَن يسبقهما وهما مَعًا أَو مُرَتبا أَو يسبقاه وهما مَعًا أَو مُرَتبا أَو يتوسط بَينهمَا أَو يكون مَعَ أَولهمَا أَو ثَانِيهمَا أَو تجئ الثَّلَاثَة مَعًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْأَيْمَان) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
جمع يَمِين وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} الْآيَة وَقَوله تَعَالَى {إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا} وأخبار كَخَبَر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يحلف لَا ومقلب الْقُلُوب واليمن وَالْحلف وَالْإِيلَاء وَالْقسم أَلْفَاظ مترادفة وَهِي شرعا تَحْقِيق مَا لميجب وُقُوعه مَاضِيا كَانَ اَوْ مُسْتَقْبلا نفيا أَو إِثْبَاتًا مُمكنا كحلفه ل ليدخلن الدَّار أَو مُمْتَنعا كحلفه ليقْتلن زيدا الْمَيِّت صادقه كَانَت الْيَمين أم كَاذِبَة مَعَ الْعلم بِالْحَال أَو الْجَهْل بِهِ والكاذبة مَعَ الْعلم بِالْحَال هى الْيَمين الْغمُوس لِأَنَّهَا تغمس صَاحبهَا فِي الْإِثْم أَو النَّار وهى كَبِيرَة وَخرج بالتحقيق لَغْو الْيَمين وَبِمَا لم يجب الْوَاجِب كوالله لأموتن أَو لَا أصعد السَّمَاء فَلَيْسَ يَمِينا لتحققه فِي نَفسه وَفَارق انْعِقَادهَا بِمَا لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْبر كلأ قتلن الْمَيِّت أَو لأصعدن السَّمَاء بِأَن امْتنَاع الْحِنْث لَا يخل بتعظيم اسْم الله تَعَالَى وَامْتِنَاع الْبر يخل بِهِ فيحوج إِلَى التَّكْفِير وَقد ذكر النَّاظِم شَيْئا مِنْهَا فَقَالَ (وَإِنَّمَا تصح) وتنعقد (باسم الله) وَهُوَ مَا لَا يحْتَمل غَيره وَلِهَذَا لَو قَالَ أردْت بِهِ غير الله تَعَالَى لم يقبل ظَاهرا وَلَا بَاطِنا لِأَن اللَّفْظ لَا يصلح لغيره وَسَوَاء أَكَانَ من اسماءه الْحسنى كالله والرحمن وَرب الْعَالمين وَمَالك يَوْم الدّين أم لَا كَالَّذي أعبده أَو أَسجد لَهُ أَو أصلى لَهُ أم الْغَالِب إِطْلَاقه على الله تَعَالَى بِأَن ينْصَرف إِلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاق كالرحيم والخالق والرب إِلَّا أَن يُرِيد بِهِ غَيره وأماما اسْتعْمل فِيهِ وَفِي غَيره سَوَاء كالشيء وَالْمَوْجُود والعالم والحى والغنى فَلَيْسَ بِيَمِين إِلَّا بنيته لَهُ تَعَالَى (أَو صفة تخْتَص بالإله) تَعَالَى عوظمة الله وعزته وجلاله وكبريائه وَكَلَامه وَعلمه وَقدرته وسَمعه وبقائه ومشيئته وَحقه وَالْقُرْآن والمصحف فتنعقد بِكُل مِنْهَا الْيَمين إِلَّا أَن يُرِيد بِهِ ظُهُور آثارها على الْخلق وبالعلم الْمَعْلُوم وبالقدرة الْمَقْدُور وبالحق الْعِبَادَات وَبِالْقُرْآنِ الْخطْبَة أَو الصَّلَاة وبالمصحف الْوَرق وَالْجَلد وبالكلام الْحُرُوف والأصوات الدَّالَّة عَلَيْهِ وبالسمع المسموع وَخرج بِذكر اسْم الله تَعَالَى وَصفته الْحلف بِغَيْرِهِمَا كالنبي والكعبة فَلَا ينْعَقد بِهِ بل يكره وعقوله الشَّخْص لمن حلف يمينى فِي يَمِينك أَو يلزمنى مثل مَا يلزمك أَو أَن فعلت كَذَا فَأَنا يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو برِئ من الله وَرَسُوله فَلَا كَفَّارَة بِفعل ذَلِك ثمَّ إِن قصد تبعيد نَفسه أَو أطلق لم يكفر وَليقل ندبا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ويستغفر الله وَإِن قصد الرِّضَا بذلك إِذا فعله كفر فِي الْحَال وتنعقد الْيَمين بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّة كَمَا لَو قَالَ الله وَرفع أَو نصب أَو جر لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فيمين إِن نَوَاهَا وَلَو قَالَ أَقْسَمت أَو أقسم أَو حَلَفت أَو أحلفم أَو آلَيْت أَو أولى بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ فيمين إِن نَوَاهَا أَو أطلق وَإِن قصد خَبرا مَا ضيا أَو مُسْتَقْبلا صدق وَلَو قَالَ لغيره أَحْلف أَو حَلَفت أَو أقسم أَو أَقْسَمت أَو أولى أَو آلَيْت عَلَيْك بِاللَّه أَو أَسَالَك أَو سَأَلتك بِاللَّه لتفعلن كَذَا وَأَرَادَ يَمِين نَفسه فيمين يسْتَحبّ للمخاطب إبراره فِيهَا وَإِلَّا لَا يحمل كَلَامه
(1/319)

على الشَّفَاعَة فِي فعله وتنعقد الْيَمين بِمَا مر (أَو الْتزم قربَة أَو نذر) أَو كَفَّارَة يَمِين كَانَ كلمت زيدا أَو أَن لم اكلمه فعلى صَلَاة مثلا أَو نذرا أَو كَفَّارَة يَمِين وهما كنذر اللجاج فَإِذا وجد الْمُعَلق بِهِ لزمَه كَفَّارَة يَمِين أما فِي الثَّالِث فللتصريح بهَا وَأما فِي الْأَوَّلين فلخبر مُسلم كَفَّارَة النّذر كَفَّارَة يَمِين وَلِأَن الْقَصْد مِنْهُمَا الْمَنْع أَو الْحَث فأشبها الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى وَمَا ذكره هُنَا من لُزُوم الْكَفَّارَة فيهمَا هُوَ مَا صَححهُ الرافعى وَصحح النَّوَوِيّ التَّخْيِير وَبَين مَا الْتَزمهُ وَعَلِيهِ بِتَخْيِير فِي قَوْله فعلى نذر بَين كَفَّارَة يَمِين وقربة من الْقرب الَّتِى تلتزم بِالنذرِ وَخرج بِالنذرِ اللجاج نذر التبرر الشَّامِل لنذر المجازات فَيجب فيهمَا الْتِزَامه (لَا اللَّغْو إِذْ سبق اللِّسَان يجْرِي) أَي وَخرج بالتحقيق لَغْو الْيَمين بِأَن سبق لِسَانه إِلَى لَفظهَا بِلَا قصد كَقَوْلِه فِي حَال غضب أَو لجاج أَو أَو صلَة كَلَام لَا وَالله تَارَة وبلى وَالله أُخْرَى وَإِن جمعهَا فى كلمة وَاحِدَة فَلَا تَنْعَقِد وَجعل مِنْهُ صَاحب الكافى مَا إِذا دخل على صَاحبه فَأَرَادَ أَن يقوم لَهُ فَقَالَ لَا وَالله وَهُوَ مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى وفى معنى اللَّغْو مَا لَو حلف على شَيْء فَسبق لِسَانه إِلَى غَيره وَلَو حلف وَقَالَ لم أقصد الْيَمين صدق وَلَا يصدق ظَاهرا فى الطَّلَاق وَالْعتاق لتَعلق حق الْغَيْر بِهِ وَلَو اقْترن بِالْيَمِينِ مَا يدل على الْقَصْد لم يقبل قَوْله فِي الحكم وَلَو حلف لَا يدْخل الدَّار ثمَّ قَالَ أردْت شهرا فَإِن كَانَت بِطَلَاق أَو عتاق لم يقبل فِي الحكم وَيلْحق بهما الْإِيلَاء وَإِن كَانَت بِاللَّه تَعَالَى وَلم تتَعَلَّق بِحَق آدمى قبل ظَاهرا وَبَاطنا (وحالف لَا يفعل الْأَمريْنِ) كَأَن لَا يلبس هذَيْن الثَّوْبَيْنِ أَولا يَأْكُل هذَيْن الرغيفين أَو اللَّحْم وَالْعِنَب اَوْ التَّمْر وَالزَّبِيب أَو لَا يدْخل الدَّاريْنِ (لَا حنث) عَلَيْهِ (بِالْوَاحِدِ من هذَيْن) وَخرج بقوله وحالف لَا يفعل الْأَمريْنِ مَا لَو حلف لَا يفعل كلا مِنْهُمَا بِأَن أعَاد حرف النفى كَقَوْلِه وَالله لَا آكل اللَّحْم وَلَا الْعِنَب أَولا آكل التَّمْر وَلَا الزَّبِيب فَإِنَّهُ يَحْنَث بِأَحَدِهِمَا كَمَا لَو أعَاد الْمَحْلُوف بِهِ كوالله لَا آكل اللَّحْم وَالله لَا آكل الْعِنَب هَذَا كُله إِذا كَانَ الْعَطف بِالْوَاو فَإِن كَانَ بِالْفَاءِ أَو بثم كَأَن حلف على عدم أكل الْعِنَب بعد اللَّحْم أَو الزَّبِيب بعد التَّمْر بِلَا مُهْملَة فِي الْفَاء وبمهملة فِي ثمَّ فَلَا يَحْنَث إِذا أكلهَا مَعًا أَو الْعِنَب قبل اللَّحْم أَو الزَّبِيب قبل التَّمْر أَو بعده بِلَا مُهْملَة فِي الْفَاء أَو بِمُهْملَة فِي ثمَّ (وَلَيْسَ حانثا إِذا مَا وكلا فِي فعل مَا يحلف أَن لَا يفعلا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله فَلَو حلف لَا يَبِيع أَو لَا يشترى أَولا يُزَوّج أَولا يُطلق أَو لَا يعْتق أَو لَا يضْرب فَوكل من فعله لم يَحْنَث لِأَنَّهُ لم يَفْعَله سَوَاء أجرت عَادَته بِالتَّوْكِيلِ فِيهِ أم لَا وَسَوَاء اللَّائِق بِهِ أم لَا نعم أَن نوى أَن لَا يفعل ذَلِك بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ حنث أَولا ينْكح أَو لَا يتَزَوَّج أَو لَا يُرَاجع حنث بِفعل وَكيله لَا بقبوله هُوَ لغيره إِذْ الْوَكِيل فِيهِ سفير مَحْض بِدَلِيل وجوب تَسْمِيَة الْمُوكل وَلَو حلف لَا يَبِيع مَال زيد فَبَاعَهُ بِإِذْنِهِ حنث وَإِلَّا فَلَا أَولا يهب لَهُ فَأوجب لَهُ فَلم يقبل أَو قبل وَلم يقبض لم يَحْنَث وَيحنث بعمرى ورقبى وَصدقَة لَا باعارة وَوَصِيَّة ووقف أَولا يتَصَدَّق لم يَحْنَث بِهِبَة أَو لَا يَأْكُل طَعَاما اشْتَرَاهُ زيد أَو من طَعَام اشْتَرَاهُ لم يَحْنَث بِمَا اشْتَرَاهُ مَعَ غَيره شركَة وَيحنث بِمَا اشْتَرَاهُ سلما وَلَو اخْتَلَط مَا اشْتَرَاهُ بمشترى غَيره لم يَحْنَث بِالْأَكْلِ من الْمُخْتَلط حَتَّى يتَيَقَّن اكله من مَاله بِأَن يَأْكُل كثيرا كَالْكَفِّ وَالْكَفَّيْنِ بِخِلَاف الْقَلِيل كعشر حبات وَعشْرين حَبَّة فَيمكن أَن يكون من مَال الآخر (كَفَّارَة الْيَمين) مخيرة ابْتِدَاء مرتبَة انْتِهَاء إِمَّا (عتق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من معيبه) أَي من عيب يخل بِالْعَمَلِ (أَو) يطعم (عشرَة تمسكنوا قد أدّى) أَي الْحَالِف (من غَالب الأقوات) الَّتِى بِالْبَلَدِ وَيكون لكل وَاحِد مِنْهُم (مدامدا)
(1/320)

فَلَا يجوز أَن يصرفهُ إِلَى دون عشرَة وَلَو فِي عشرَة أَيَّام وَلَا إِلَى عشرَة أَو أَكثر لكل وَاحِد دون مد (أَو كسْوَة مِمَّا يُسمى كسْوَة) فَلَا يجوز أَن يطعم خَمْسَة ويكسو خَمْسَة وَيجوز التَّفَاوُت بَينهم فِي الْكسْوَة وَبَين نوعها بقوله (ثوبا قبَاء أوردا) بِالتَّنْوِينِ (أَو فَرْوَة) أَو أزارا أَو عِمَامَة أَو سَرَاوِيل أَو منديلا أَو مقنعة أَو طيلسان صُوفًا وكتانا وقطنا وشعرا ولبدا اُعْتِيدَ لبسه وَلَو نَادرا أَو حَرِيرًا للذكور وَالْإِنَاث وَإِن لم يكن لَهُم لبسه وَلَو كَانَ ذَلِك عتيقا لم تذْهب قوته أَو ملبوس طِفْل أعطي لكبيرلا يصلح لَهُ لوُقُوع اسْم الْكسْوَة عَلَيْهِ كَمَا يعْطى مَا للْمَرْأَة للرجل وَعَكسه وَلَا يشْتَرط كَونه مخيطا وَلَا سَاتِر الْعَوْرَة بِخِلَاف الْخُف والمنطقة أَو الدرْع من حَدِيد أَو نَحوه من الآت الْحَرْب أَو النَّعْل أَو المداس أَو القبع أَو الْخَاتم أَو التكة أَو الفصادية إِذْ لَا تسمى هَذِه الْأَشْيَاء كسْوَة والمبعض لَا يعْتق وَإِن كَانَ لَهُ مَال (وعاجز) حر (صَامَ ثَلَاثًا كالرقيق) وَلَو مكَاتبا لم يَأْذَن سَيّده لَهُ فِيهِ فَإِن أذن لَهُ فِي غير الأعتاق حَاز أَو فِيهِ فَلَا (وَالْأَفْضَل الولا) بِكَسْر الْوَاو وبالقصر للوزن بَين صَومهَا خُرُوجًا من خلاف من أوجبه (وَجَاز التَّفْرِيق) بَينهَا لإِطْلَاق الْآيَة وَالسَّفِيه يَصُوم كَالْعَبْدِ فلوفك حجره قبل لم يجزه حَيْثُ اعْتبرنَا حَال الْأَدَاء فَإِن كَانَ الرَّقِيق الحانث عبدا أَو أمة وضره الصَّوْم وَوجد إِذن السَّيِّد فِي الْحلف والحنث صَامَ بِلَا إِذن أَو وجدا بِلَا إِذن لم يصم إِلَّا بِإِذن مِنْهُ وَإِن أذن فِي أَحدهمَا اعْتبر الْحِنْث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب النّذر) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ لُغَة الْوَعْد بِخَير أَو شَرّ وَشرعا الْوَعْد بِخَير خَاصَّة أَو الْتِزَام قربَة غير واحبة كَمَا عينا يأتى وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى {وليوفوا نذورهم} وَقَوله {يُوفونَ بِالنذرِ} {يُوفونَ بِالنذرِ} وَخبر البُخَارِيّ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه وَمن نذر أَن يعْصى الله فَلَا يَعْصِهِ وَخبر مُسلم لانذر فِي مَعْصِيّة الله وَلَا فِيمَا لَا يملكهُ ابْن آدم وَهُوَ قِسْمَانِ نذر لجاج وَيُسمى يَمِين لجاج وَيَمِين غضب وضابطه أَن لَا يرغب فِي حُصُوله وَهُوَ مَكْرُوه وَنذر تبرر وَهُوَ مَا يرغب فِي حُصُوله وَهُوَ غير مَكْرُوه وَسَوَاء الْمُعَلق وَغَيره وَقد أَخذ فِي بَيَانهَا فَقَالَ (يلْزم بالتزامه لقربة) أعلم أَن للنذر ثَلَاثَة أَرْكَان ناذر وَيعْتَبر فِيهِ كَونه بَالغا عَاقِلا مُسلما وَلَو رَقِيقا اَوْ سَفِيها اَوْ مُفلسًا على مَا يأتى نعم نذر السَّكْرَان صَحِيح كَمَا فِي تَصَرُّفَاته وَصِيغَة كَقَوْلِه لله على كَذَا أَو على كَذَا بِدُونِ لله إِذْ الْعِبَادَات إِنَّمَا هى لله فالمطلق مِنْهَا كالمقيد بِخِلَاف قَوْله مالى صَدَقَة لعدم الِالْتِزَام وَلَو قَالَ لله على كَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَو أَن شَاءَ زيد لم ينْعَقد وَإِن شَاءَ زيد أَو نذرت لله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِن نوى الْيَمين فيمين وَإِن أطلق فَنَذر كَمَا فِي الْأَنْوَار وَلَو قَالَ نذرت لفُلَان كَذَا لم ينْعَقد (لَا وَاجِب الْعين) أَي لَا ينْعَقد نذر الْوَاجِب بِالْعينِ وَهُوَ الْمَنْذُور الَّذِي هُوَ الرُّكْن الثَّالِث وَهُوَ قربَة غير وَاجِبَة وجوب عين سَوَاء أَكَانَت عبَادَة مَقْصُودَة بِأَن وضعت للتقرب بهَا كَصَلَاة وَصَوْم وَحج واعتكاف وَصدقَة أَو فرض كِفَايَة وَإِن لم يحْتَج فِي أَدَائِهِ إِلَى بذل مَال ومشقة كَصَلَاة الْجِنَازَة أم لَا بِأَن لم تكن كَذَلِك كعيادة مَرِيض وتطييب الْكَعْبَة وكسوتها وتشميت الْعَاطِس وزيارة القادم والقبور وإفشاء السَّلَام على الْمُسلمين وتشييع الْجَنَائِز وَخرج بالقربة الْمعْصِيَة فَلَا يَصح نذرها (وذى الْإِبَاحَة) كَأَكْل ونوم فَلَا يَصح نذرها فَلَو نذر وَخَالف لم تلْزمهُ كَفَّارَة كَمَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَصَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوع وَإِن رجح فِي الْمِنْهَاج لزَوجهَا وَيشْتَرط فِي المَال الْمعِين من صَدَقَة وإعتاق وَغَيرهمَا أَن يكون ملكه وَإِلَّا لم يَصح نَذره إِلَّا أَن علقه بِملكه كَأَن ملكت عبد فلَان فعلى عتقه
(1/321)

فَيصح ثمَّ إِن قصد الشُّكْر على تملكه فَنَذر تبرر أَو الِامْتِنَاع مِنْهُ فَنَذر لجاج (بِاللَّفْظِ) أَي إِنَّمَا ينْعَقد النّذر بِاللَّفْظِ (وَإِن علقه بِنِعْمَة حَادِثَة أَو باندفاع نقمه) أَي وَإِنَّمَا يلْزم النّذر بالتزامه قربَة الخ إِن علقه بِنِعْمَة كَإِن رزقنى الله ولدا أَو شفى الله مريضى فعلى كَذَا (أَو نجز النّذر كالله على) صَوْم أَو (صَدَقَة) أَو عتق فَيلْزمهُ كَمَا لَو قَالَ لله على أَن أضحى أَو أعتكف (نذر المعاصى لَيْسَ بشىء) لخَبر لانذر فِي مَعْصِيّة الله) وَمن يعلق فعل شَيْء بِالْغَضَبِ أَو ترك شَيْء) مِنْهَا (بالتزامه الْقرب) وَيُسمى نذر لجاج وَغَضب (أَن وجد الشَّرْط) أَي الْمَشْرُوط (الزم) فعل أَمر أَو مَاض مَبْنِيّ للْفَاعِل فكفارة مَنْصُوب بِهِ أَو مبْنى للْمَفْعُول فكفارة مَرْفُوعَة بِهِ (من حلف كَفَّارَة الْيَمين مثل مَا سلف كَمَا بِهِ أفنى الإِمَام الشافعى) وَذهب إِلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَهُوَ قَول جمع من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم (وَبَعض أَصْحَاب لَهُ كالرافعى) وَاعْتَمدهُ جمع متأخرين (أما النوواي) رَحِمهم الله تَعَالَى باثبات الْألف وَيجوز حذفهَا (فَقَالَ خيرا) أَي الْحَالِف (مَا بَين تَكْفِير وَمَا قد نذرا وَمُطلق الْقرْبَة نذر لزما) يعْنى أقل وَاجِب فِي الشَّرْع من ذَلِك (نذر الصَّلَاة) أَي لَو نذر الصَّلَاة وَأطلق لزمَه أَن يصلى (رَكْعَتَيْنِ قَائِما) فَلَا يجوز للقادر الْقعُود فيهمَا فَإِن قَالَ اصلى قَاعِدا جَازَ لَهُ الْقعُود كَمَا لَو صرح بِرَكْعَة فتجزئه (و) إِن نذر (الْعتْق) وَأطلق لزمَه (مَا كَفَّارَة قد حصلا) وَهُوَ عتق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من الْعُيُوب حملالها على وَاجِب الشَّرْع هَذَا مُقْتَضى كَلَام الرافعى لَكِن صحّح النووى حمل نَذره على جَائِز الشَّرْع فتجزئ الْكَافِرَة والمعيبة وَهُوَ الْمُعْتَمد (صَدَقَة أقل مَا تمولا) أَي لَو نذر صَدَقَة وَأطلق لزمَه أقل مُتَمَوّل وَلَو نذر عتق كَافِرَة مُعينَة أَجزَأَهُ كَامِلَة فَإِن عين نَاقِصَة تعيّنت لتَعلق النّذر بِالْعينِ = (كتاب الْقَضَاء) =
أَي الحكم وَهُوَ فِي الأَصْل يُقَال لاتمام الشئ وإحكامه وإمضائه وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله} وَقَوله فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ وَقَوله {إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله} وَخبر إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وَأَن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَفِي رِوَايَة فَلهُ عشرَة أجور وَمَا جَاءَ فِي التحذير مِنْهُ كَقَوْلِه من جعل قَاضِيا ذبح بِغَيْر سكين مَحْمُول على عظم الْخطر فِيهِ اَوْ على من يكره لَهُ أَو يحرم وَهُوَ فرض كِفَايَة فِي حق الصَّالح لَهُ فِي النَّاحِيَة فيولى الإِمَام فِيهَا أحدهم ليقوم بِهِ فَإِن تعين لَهُ وَاحِد بِأَن لم يصلح مَعَه غَيره فَإِن كَانَ غَيره أصلح وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ فللمفضول الْقبُول وَيكرهُ طلبه وَينْدب للفاضل الطّلب وَالْقَبُول وَإِن كَانَ الْأَصْلَح لَا يَتَوَلَّاهُ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ وَإِن كَانَ مثله فَلهُ الْقبُول وَينْدب لَهُ الطّلب إِن كَانَ حَامِلا يَرْجُو بِهِ نشر الْعلم أَو كَانَ مُحْتَاجا إِلَى الرزق وَيحصل لَهُ من بَيت
(1/322)

المَال وَإِلَّا فَالْأولى لَهُ تَركه وَيكرهُ لَهُ الطّلب وَالِاعْتِبَار فِي التَّعْيِين وَعَدَمه بالناحية (وَإِنَّمَا يَلِيهِ مُسلم) فَلَا يَتَوَلَّاهُ كَافِر وَلَو على كفار وَمَا جرت بِهِ عَادَة الْوُلَاة من نصب حَاكم لَهُم فَهُوَ تَقْلِيد رئاسة وزعامة لَا تَقْلِيد حكم وَإِنَّمَا يلْزمهُم حكمه بالالتزام لَا بالزامه (ذكر) فَلَا يَصح من امْرَأَة إِذْ لَا يَلِيق بهَا مجالسة الرِّجَال وَرفع صَوتهَا بَينهم وَلَا خُنْثَى (مُكَلّف) فَلَا يَصح من صبى أَو مَجْنُون لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر قَوْله على نَفسه فعلى غَيره أولى (حر) فَلَا يَصح من رَقِيق أَو مبعض لنقصه وَعدم فَرَاغه (سميع) فَلَا يَصح من أَصمّ (ذُو بصر) فَلَا يَصح من أعمى (ذُو يقظة) فَلَا يَصح من مُغفل (عدل) فَلَا يَصح من فَاسق (وناطق) فَلَا يَصح من أخرس وَإِن فهمت إِشَارَته وَلَا جَاهِل أَو مقلد أَو مختل الرَّأْي بكبر أَو مرض لعجزهم عَن تَنْفِيذ الْأَحْكَام وإلزام الْحُقُوق وَالِاجْتِهَاد لُغَة استفراغ الوسع فِي تَحْقِيق مَا يسْتَلْزم الثِّقَة وَاصْطِلَاحا استفراغ الوسع فِي تَحْصِيل ظن بِحكم شرعى (و) شَرطه (أَن يعرف أَحْكَام الْقرَان) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الرَّاء (وَالسّنَن ولغة) الْعَرَب مفرداتها ومركباتها لوُرُود الشَّرِيعَة بهَا لِأَن بهَا يعرف عُمُوم اللَّفْظ وخصوصه (وَالْحلف) بِأَن يعرف أَقْوَال الْعلمَاء من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ إِجْمَاعًا واختلافا لِئَلَّا يخالفهم فِي اجْتِهَاده (مَعَ إِجْمَاع وطرق الِاجْتِهَاد) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى اللَّام (بالأنواع) بِأَن يعرف حَال الروَاة قُوَّة وضعفا وَالْقِيَاس مَعَ الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَات فَمن أَنْوَاع الْقُرْآن الْعَام وَالْخَاص وَالْمُطلق والمقيد والمجمل والمبين وَالنَّص وَالظَّاهِر والناسخ والمنسوخ وَمن أَنْوَاعه السّنة الْمُتَوَاتر والآحاد والمسند والمرسل وَمن أَنْوَاع الْقيَاس الأولى والمساوى والأدون فَيعْمل بهَا كقياس الضَّرْب للْوَالِدين على التأفيف لَهما وَقِيَاس إحراق مَال الْيَتِيم على أكله فِي التَّحْرِيم فيهمَا وَقِيَاس التفاح على الْبر فِي بَاب الرِّبَا بِجَامِع الطّعْم الْمُشْتَمل عَلَيْهِ مَعَ الْقرب والكيل فِي الْبر وَيقدم الْخَاص على الْعَام والمعارض لَهُ والمقيد على الْمُطلق والناسخ والمتصل والقوى قَالَ القَاضِي وَلَا يشْتَرط أَن يكون فِي كل نوع من هَذِه مبرزا حَتَّى يكون فِي النَّحْو كسيبويه وَفِي اللُّغَة كالخليل بل يكون فِي الدرجَة الْوُسْطَى فِي جَمِيع مَا مر قَالَ الشَّيْخَانِ قَالَ الْأَصْحَاب وَأَن يعرف أصُول الِاعْتِقَاد قَالَ الغزالى وعندى أَنه يكفى اعْتِقَاد جازم وَلَا التبحر فِي هَذِه الْعُلُوم بل يكفى معرفَة جمل مِنْهَا وَلَا يشْتَرط حفظهَا عَن ظهر قلب بل يكفى أَن يعرف مظانها فِي ابوابها فيراجعا وَقت الْحَاجة إِلَيْهَا ثمَّ إجتماع هَذِه الْأُمُور إِنَّمَا يشْتَرط فِي الْمُجْتَهد وَالْمُطلق وَيجوز تحرى الِاجْتِهَاد بِأَن يكون الشَّخْص مُجْتَهدا فِي بَاب دون بَاب فيكفيه علم مَا يتَعَلَّق بِالْبَابِ الَّذِي يجْتَهد فِيهِ فَإِن تعذر جمع هَذِه الشُّرُوط كَمَا فِي زمننا فولى سُلْطَان ذُو شَوْكَة فَاسِقًا أَو مُقَلدًا صحت ولَايَته وَنفذ قَضَاؤُهُ للضَّرُورَة لِئَلَّا تتعطل مصَالح النَّاس وَينْدب للْإِمَام إِذا ولى قَاضِيا أَن يَأْذَن لَهُ فِي الِاسْتِخْلَاف إِعَانَة لَهُ فان نَهَاهُ عَنهُ لم يسْتَخْلف ويقتصر على مَا يُمكنهُ إِن كَانَت تَوليته أَكثر مِنْهُ فَإِن اطلق تَوليته فِيمَا لَا يقدر إِلَّا على بعضه اسْتخْلف فِيمَا يعجزه عَنهُ لَا فِيمَا يقدر عَلَيْهِ والقادر على مَا وليه لَا يسْتَخْلف فِيهِ أَيْضا وَلَو أذن لَهُ الإِمَام فِي الِاسْتِخْلَاف فِي الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَغَيره وَمَا ذكر فِي الِاسْتِخْلَاف الْعَام أما الْخَاص كتحليف وَسَمَاع بَيِّنَة فَقطع الْقفال بِجَوَازِهِ وَقَالَ غَيره هُوَ على الْخلاف وَهُوَ مُقْتَضى إِطْلَاق الْأَكْثَرين كَذَا فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا وَشرط الْمُسْتَخْلف كالقاضى إِلَّا أَن يسْتَخْلف فِي أَمر خَاص كسماع بَيِّنَة فيكفى علمه بِمَا يتَعَلَّق بِهِ وَيحكم بِاجْتِهَادِهِ إِن كَانَ مُجْتَهدا أَو اجْتِهَاد مقلده إِن كَانَ مُقَلدًا حَيْثُ ينفذ قَضَاء الْمُقَلّد وَلَا يجوز أَن يشرط عَلَيْهِ خِلَافه فَلَو شَرطه لم يَصح الِاسْتِخْلَاف وَكَذَا لَو شَرطه الإِمَام فِي تَوْلِيَة القاضى لم تصح تَوليته وَلَو حكم خصمان رجلا فِي غير حُدُود الله تَعَالَى جَازَ مُطلقًا بِشَرْط أَهْلِيَّته للْقَضَاء وَلَا ينفذ إِلَّا على رَاض بِهِ فَيشْتَرط رضَا الْعَاقِلَة فِي ضرب االدية عَلَيْهِم وَإِن رَجَعَ أَحدهمَا قبل الحكم ت امْتنع الحكم وَلَا يشْتَرط بِالرِّضَا بعده وَلَو نصب الإِمَام
(1/323)

قاضيين بِبَلَد وَخص كل وَاحِد مِنْهُمَا بمَكَان مِنْهُ أَو زمن أَو نواع كالأموال أَو الدِّمَاء أَو الْفروج جَازَ وَكَذَا إِن لم يخص كالوكيلين والوصيين مَا لم يشرط اجْتِمَاعهمَا على الحكم فَلَا يجوز (وَيسْتَحب كَاتبا) أَي يسْتَحبّ كَون القاضى كَاتبا لِأَنَّهُ قد يكْتب إِلَى غَيره وَيكْتب غَيره لَهُ فَلَا يحْتَاج إِلَى كَاتب وَلَا قَارِئ وَلَا يشْتَرط وَينْدب أَن يكون وافر الْعقل حَلِيمًا متثبتا ذَا فطنة وتيقظ كَامِل الْحَواس والأعضاء عَالما بلغَة من يقْضى بَينهم بَرِيئًا من الشحناء بَعيدا من الطمع صَدُوق اللهجة ذَا رَأْي وسكينة ووقار وَلَا يكون جبارا تهابه الْخُصُوم فَلَا يتمكنون من الْحجَّة وَلَا ضَعِيفا يستخفون بِهِ وَالْأولَى أَن يكون قرشيا ورعاية الْعلم وَالتَّقوى أهم من رِعَايَة النّسَب وَيشْتَرط مَعْرفَته الْحساب لتصحيح الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة بِالنِّسْبَةِ للمفتى وَينْدب للامام أَن يكْتب لمن يوليه الْقَضَاء بِبَلَد كتابا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِيهِ وَيشْهد بِالْكتاب شَاهِدين يخرجَانِ مَعَه إِلَى الْبَلَد بخبران بِالْحَال من التَّوْلِيَة وَغَيرهَا ويكفى إخبارهما بهما من غير كتاب وتكفى الاستفاضة بهَا لَا مُجَرّد كتاب ويبحث عَن عُلَمَاء الْبَلَد وعدوله قبل دُخُوله فَإِن لم يَتَيَسَّر فحين يدْخل (وَيدخل بكرَة الِاثْنَيْنِ) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى اللَّام فَإِن تعسر فالخميس وَإِلَّا فالسبت (ووسطا ينزل) ليتساوى أَهله فِي الْقرب مِنْهُ إِلَّا أَن يكون للقضاة مَحل معدلهم وَينظر أَولا فِي أهل الْحَبْس لِأَنَّهُ عَذَاب حَيْثُ لَا أهم مِنْهُ ويتسلم من الْمَعْزُول المحاضر والسجلات واموال الْأَيْتَام والضوال والأوقاف وَيقدم على ذَلِك مَا كَانَ أهم مِنْهُ كالنظر فِي المحاجير الجائعين الَّذين تَحت نظره وَمَا أشرف على الْهَلَاك من الْحَيَوَان فِي التركات وَغَيرهَا وَمَا أشرف من الْأَوْقَاف وأملاك محاجيره على السُّقُوط بِحَيْثُ يتَعَيَّن الْفَوْر فِي تَدَارُكه وَقبل جُلُوسه للنَّظَر فِي المحبوسين يَأْمر مناديا يُنَادى يَوْمًا أَو أَكثر بِحَسب الْحَاجة أَلا أَن القَاضِي ينظر فِي أَمر المحبوسية يَوْم كَذَا فَمن لَهُ مَحْبُوس فليحضر وَيبْعَث إِلَى الْحَبْس أَمينا أَو أمينين ليكتب اسْم كل مَحْبُوس وَمَا حبس بِهِ وَمن حبس لَهُ فِي ورقة فَإِذا جلس الْيَوْم الْمَوْعُود وَحضر النَّاس صبَّتْ الأوراق بَين يَدَيْهِ وَأخذ وَاحِدَة وَاحِدَة وَنظر فِي الِاسْم الْمُثبت فِيهَا وَسَأَلَ عَن خَصمه فَمن قَالَ أَنا خَصمه بعث مَعَه ثِقَة إِلَى الْحَبْس ليَأْخُذ بِيَدِهِ محبوسة ويحضره فَإِذا حضر عِنْده سَأَلَ الْمَحْبُوس عَن سَبَب حَبسه فَإِذا اعْترف بِالْحَقِّ عمل مَعَه بِمُقْتَضى اعترافه وَإِن قَالَ حبست ظلما فعلى خَصمه حجَّة بِأَنَّهُ حَبسه بِحَق فَإِن لم يقمها صدق الْمَحْبُوس بِيَمِينِهِ ويطلقه إِن ثَبت مدعاه بحلفه أَو بِبَيِّنَة أَو اعْتِرَاف خَصمه أَو بِعلم القَاضِي أَو قَالَ لَا خصم لى نودى عَلَيْهِ بِطَلَب الْخصم ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يحبس مُدَّة النداء وَلَا يخلى بِالْكُلِّيَّةِ بل يراقب فَإِن حضر خَصمه فِي هَذِه والتى قبلهَا وَأقَام حجَّة على الْحق أَو على أَن القاضى حكم عَلَيْهِ بذلك فَذَاك وَإِلَّا أطلقهُ وَيحلف النافى على مَا يَدعِيهِ وَيُطلق من خبس لتعزير إِن رأى إِطْلَاقه والا فان رأى مصلحَة فِي إدامه حَبسه أدامه ثمَّ فِي اوصياء الْأَطْفَال وَنَحْوهم فَمن ادّعى وصاية سَأَلَ عَن حَالهَا وَحَالَة وتصرفه فَمن وجده مُسْتَقِيمًا قَوِيا أقره أَو فَاسِقًا أَخذ المَال مِنْهُ أَو ضَعِيفا عضده بِمعين فان ادّعى الوصى تَفْرِقَة الْقدر الْمُوصى بِهِ وَكَانَ لمعينين لم يتَعَرَّض لَهُ أَو لجِهَة عَامه أَمْضَاهُ إِن كَانَ عدلا فَإِن كَانَ فَاسِقًا ضمنه بتعديه وَغير الوصى لَو فرق لمعينين وَقع الْموقع الأن لَهُم أَخذه بِلَا واسطه أَو لجِهَة عَامَّة ضمن (ومجلس الحكم يكون بارزا) أَي ظَاهرا ليتهدى إِلَيْهِ كل أحد (متسعا) فسيحا حَتَّى لَا يزدحم فِيهِ الْخُصُوم ويتضرر الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز وَنَحْوهمَا (من هج حر) أَو أَذَى برد يكون (حاجزا) أَي مصونا من ذَلِك وريح وغبار ودخان كَأَن يكون فِي الصَّيف فِي مهب الرِّيَاح وَفِي الشتَاء فِي كن هَذَا إِن اتَّحد الْمجْلس فَإِن تعدد وَحصل زحام اتخذ مجَالِس بِعَدَد الْأَجْنَاس فَلَو أجتمع رجال وخناثى وَنسَاء اتخذ ثَلَاثَة مجَالِس وينبغى ارْتِفَاع مَحل جُلُوسه كدكة وَأَن يتَوَجَّه للْقبْلَة غير متكئ وَحسن أَن يوضع لَهُ فرَاش ووسادة ليعرفه النَّاس وَيكون
(1/324)

أهيب للخصوم وأرفق بِهِ فَلَا يمل و (يكره بِالْمَسْجِدِ حَيْثُ قصدا حكم) صونا عَن ارْتِفَاع الْأَصْوَات واللغظ الواقعين بِمَجْلِس الحكم وَقد يحْتَاج لاحضار المجانين وَالصغَار وَالْحيض وَالْكفَّار بِخِلَاف مَا لَو أتخذه مَجْلِسا للْفَتْوَى وَتَعْلِيم الْقُرْآن وَالْعلم فَلَا يكره فَلَو اتّفقت قَضِيَّة أَو قضايا وَقت حُضُوره فِي الْمَسْجِد لصَلَاة أَو غَيرهَا فَلَا بَأْس بفصلها (خلاف مَالك وَاحْمَدْ) حَيْثُ قَالَا لَا يكره الْقَضَاء فِي الْمَسْجِد (و) يكره للقاضى (نصب حَاجِب) يحجب النَّاس عَن الْوُصُول إِلَيْهِ واتخاذ (بواب) يمْنَع النَّاس ويغلق الْبَاب لَا سِيمَا إِن كَانَ يغلقه على الْفُقَرَاء ويفتحه للأغنياء وللرؤساء هَذَا إِن كَانَ (بِلَا عذر) فَإِن كَانَ كزجام أَو لم يجلس للْحكم بِأَن كَانَ وَقت خلوته لم يكره نصيبهما وَإِنَّمَا يكره الْحَاجِب إِذا كَانَ وُصُول الْخصم مَوْقُوفا على إِذْنه وَأما من وظيفته تَرْتِيب الْخُصُوم وإعلامه بمنازل النَّاس وَهُوَ الْمُسَمّى بالنقيب فِي الزَّمن السَّابِق فَلَا بَأْس باتخاذه بل صرح جمع باستحبابه (وَإِلَّا) بِأَن لم يكره (فأمينا) عدلا (عَاقِلا) عفيفا وَينْدب كَونه كهلا كثير السّتْر على النَّاس (وسكمه) أَي القاضى (مَعَ مَا يخل فكره كغضب لحظ نفس يكره و) مثله (مرض) مؤلم (وعطش وجوع) وَحقّ (ونعاس) و (ملل وشبع) و (حر وَبرد) و (فَرح وهم وَالْقَاضِي فِي ذِي نَافِذ للْحكم) وَخرج بقوله لحظ نفس الْغَضَب لله تَعَالَى وَقد اسْتَثْنَاهُ الْبَغَوِيّ وَالْإِمَام وَغَيرهمَا وَاعْتَمدهُ البلقينى لَكِن قَالَ الأذرعى إِنَّه الرَّاجِح من حَيْثُ الْمَعْنى والموافق لاطلاق الْأَحَادِيث وَكَلَام الشافعى وَالْجُمْهُور أَنه لَا فرق لِأَن الْمَحْذُور تشويش الْفِكر وَهُوَ لَا يخْتَلف بذلك وَأفْتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بل رُبمَا يكون الْغَضَب لله تَعَالَى من أهل الْخَيْر أَشد مِنْهُ لحظ نَفسه نعم تنتفى الْكَرَاهَة إِذا دعت الْحَاجة إِلَى الحكم فِي الْحَال وَقد يتَعَيَّن الحكم على الْفَوْر فِي صور كَثِيرَة وَلَو حكم فِي هَذِه الْأَحْوَال نفذ حكمه (تَسْوِيَة الْخَصْمَيْنِ فِي الأكرام فرض) على القَاضِي فِي دُخُول عَلَيْهِ بِأَن يَأْذَن لَهما فِيهِ وَقيام لَهما وَنظر إِلَيْهِمَا واستماع لكلامهما وطلاقة وَجه لَهما وَجَوَاب سَلام مِنْهُمَا ومجلس بِأَن يجلسهما إِن كَانَا شريفين بَين يَدَيْهِ أَو أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره وَكَذَا سَائِر أَنْوَاع الاكرام فَلَا يخص أَحدهمَا بشئ مِنْهَا لِأَن تَخْصِيص أَحدهمَا يكسر قلب الْأُخَر ويمنعه أَن يلحن بحجته فَلَو سلم الخصمان مَعًا أجابهما أَو أَحدهمَا انْتظر سَلام الآخر فيجيبهما مَعًا وَلَا بَأْس أَن يَقُول للْآخر سلم فَإِذا سلم أجابهم وَكَأَنَّهُم أغتفروا ذَلِك لِئَلَّا يبطل معنى التَّسْوِيَة وَإِن كَانَ فِيهِ اشْتِغَال مِنْهُ بِغَيْر الْجَواب وَمثله يقطع الْجَواب عَن الْخطاب (وَجَاز) للقاضى (الرّفْع بِالْإِسْلَامِ) على الْكَافِر بِأَن يجلس الْمُسلم أقرب إِلَيْهِ ويجرى ذَلِك فِي سَائِر وُجُوه الاكرام حَتَّى فِي التَّقْدِيم بِالدَّعْوَى وَيقدم القاضى عِنْد اجْتِمَاع الْخُصُوم وَالْمُسَافر الَّذِي تهَيَّأ للسَّفر وَخَافَ انْقِطَاعه عَن رفقيه إِن تَأَخّر على الْمُقِيم لِئَلَّا يتَضَرَّر ثمَّ الْمَرْأَة إِلَّا أَن يكثر المسافرون أَو النِّسَاء فَيقدم بِالسَّبقِ ثمَّ بِالْقُرْعَةِ وينبغى أَن لَا يفرق بَين كَونهم مدعين ومدعى عَلَيْهِم وتقديمهم مَنْدُوب ثمَّ بعد الْمَرْأَة يقدم وجوبا بالسابق لمجلس الحكم وَالْعبْرَة بسبق الْمُدعى دون الْمُدعى عَلَيْهِ ثمَّ من خرجت لَهُ الْقرعَة فَإِن عسر الاقراع لكثرتهم كتب أَسْمَاءَهُم فِي رقاع وَوضعت بَين يَدَيْهِ ليَأْخُذ وَاحِدَة فَيسمع دَعْوَى من خرج اسْمه وَيقدم السَّابِق والقارع بِدَعْوَى وَاحِدَة وَأما الْمُقدم بِالسَّفرِ فان كَانَت دعاويه قَليلَة أَو خَفِيفَة بِحَيْثُ لَا تضر بالباقين إِضْرَار بَينا قدم بجميعها وَإِلَّا فبواحدة وَالظَّاهِر أَن الْمَرْأَة فِي ذَلِك كالمسافر
(1/325)

وَأَن الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ وَمَا ذكره من جَوَاز رفع الْمُسلم على الْكَافِر جَوَاز بعد منع فَيصدق بِالْوَاجِبِ إِذْ الْمُعْتَمد وُجُوبه (هَدِيَّة الْخصم) أَي من لَهُ الْخُصُومَة (لمن لم يعْتد قبل القضا) ذَلِك (حرم) عَلَيْهِ (قبُول مَا هدى) لخَبر هَدَايَا الْعمَّال سحت وَلِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْميل إِلَيْهِ فَلَا يملكهَا القاضى لَو قبلهَا وَيجب عَلَيْهِ ردهَا إِلَى مَالِكهَا فَإِن تعذر وَضعهَا فِي بَيت المَال كمن لم يعْتد قبل الْقَضَاء الْهَدِيَّة لَهُ وَلَا خُصُومَة لَهُ فَيحرم عَلَيْهِ قبُولهَا فِي مَحل ولَايَته بِخِلَافِهَا فِي غير مَحل ولَايَته فَلَا يحرم قبُولهَا وَإِن كَانَ يهدى لَهُ قبل ولَايَته الْقَضَاء وَلَا خُصُومَة لَهُ جَازَ قبُولهَا إِذا كَانَت بِقدر الْعَادة وَالْأولَى عدم قبُولهَا أَو يثيب عَلَيْهَا أما لَو زَادَت على الْعَادة فَكَمَا لَو لم تعهد مِنْهُ وَقَضيته تَحْرِيم الْجَمِيع وَقَالَ الرويانى نقلا عَن الْمَذْهَب أَن كَانَت الزِّيَارَة من جنس الْهَدِيَّة جَازَ قبُولهَا لدخولها فِي المألوف وَإِلَّا فَلَا والضيافة وَالْهِبَة كالهدية وَأما الرِّشْوَة وهى مَا يُبدل القَاضِي ليحكم بِغَيْر الْحق أَو ليمتنع من الحكم بِالْحَقِّ فَحَرَام مُطلق وَلَا ينفذ حكمه لنَفسِهِ ورقيقه وشريكه فِي الْمُشْتَرك وَأَصله وفرعه ورقيق كل مِنْهُمَا وشريكه فِي الْمُشْتَرك وَيحكم لَهُ ولهؤلاء الامام أَو نَائِبه أَو قَاض آخر وَإِذا أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ اَوْ نكل فَحلف الْمُدعى أَو أَقَامَ بَينه وَسَأَلَ القَاضِي أَن يشْهد على إِ قراره أَو يَمِينه أَو الحكم بِمَا ثَبت الْإِشْهَاد بِهِ لزمَه وَكَذَا إِذا حلف الْمُدعى عَلَيْهِ وَسَأَلَ الاشهاد ليَكُون حجَّة لَهُ فَلَا يُطَالب مرّة أُخْرَى وَإِذا حكم بِاجْتِهَاد ثمَّ بَان خلاف نَص كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس جلى تبين بُطْلَانه بِخِلَاف الْقيَاس الخفى وَالْقَضَاء فِيمَا بَاطِن الامر فِيهِ بِخِلَاف ظَاهره ينفذ ظَاهرا لَا بَاطِنا فَلَو حكم بِشَهَادَة زور بظاهرى الْعَدَالَة لم يحصل بِحكمِهِ الْحل بَاطِنا سَوَاء المَال وَالنِّكَاح وَغَيرهمَا وَمَا بَاطِن الامر فِيهِ كظاهره بِأَن ترَتّب على أصل صَادِق ينفذ الْقَضَاء فِيهِ بَاطِنا أَيْضا قطعا إِن كَانَ فِي مَحل اتِّفَاق الْمُجْتَهدين وعَلى الْأَصَح إِن كَانَ فِي مَحل اخْتلَافهمْ وَإِن كَانَ الْقَضَاء لمن لَا يَعْتَقِدهُ وَلَا يقْضى بِخِلَاف علمه بالاجماع كَأَن علم أَن الْمُدعى أَبْرَأ الْمُدعى عَلَيْهِ مِمَّا ادَّعَاهُ وَأقَام عَلَيْهِ بَيِّنَة بِهِ أَو أَن الْمُدعى قَتله وَقَامَت بَيِّنَة بِأَنَّهُ حى فَلَا يقْضى بِالْبَيِّنَةِ وَيقْضى بِعِلْمِهِ وَلَو فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَلَا ينفذ الحكم بِالْعلمِ إِلَّا مَعَ التَّصْرِيح بَان مُسْتَنده علمه بذلك كَأَن يَقُول قد علمت أَن لَهُ عَلَيْك مَا ادَّعَاهُ وحكمت عَلَيْك بعلمى كَمَا يقْضى بِعِلْمِهِ فِي التَّعْدِيل وَالْجرْح والتقويم وَإِن لم يكن مَعَه مقوم آخر إِلَّا فِي حُدُوده تَعَالَى وتعازيره لندب السّتْر فِي أَسبَابهَا بِخِلَاف عُقُوبَة الآدمى وحقوقه تَعَالَى الْمَالِيَّة (وَلم يجز) للْقَاضِي (تلقين مُدع) كَيفَ يدعى لما فسر من كسر قلب الآخر (وَلَا تعْيين قوم) من الشُّهُود (غَيرهم لن يقبلا) لقَوْله تَعَالَى {وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم} وَلما فِيهِ من الْإِضْرَار بِالنَّاسِ (وَإِنَّمَا يقبل قَاض فِي بلد الْخصم (مَا كتب قَاض إِلَيْهِ حِين مُدع طلب) مِنْهُ ذَلِك وَيكْتب فَإِذا وصل الْكتاب إِلَى القاضى لَا يقبله إِلَّا (بِشَاهِدين) عَدْلَيْنِ (ذكرين شهد ا) على القاضى (بِمَا حواه) كِتَابه حِين أشهدهما على نَفسه وَختم الْكتاب وَذكر فِيهِ نقش خَاتمه الَّذِي ختم بِهِ مَعَ نُسْخَة مَعَ الشَّاهِدين غير مختومة للمراجعة وَيكْتب القاضى اسْم نَفسه وَاسم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ فِي بَاطِن الْكتاب وعَلى العنوان ثمَّ يحضر الْمَكْتُوب إِلَيْهِ الْخصم فَإِن أقرّ استوفى مِنْهُ الْحق وَإِن جحد ذَلِك شهد عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ بِمَا يعلمَانِهِ كَمَا ذكره بقوله (حِين خصم جحدا)
(1/326)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْقِسْمَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هِيَ تَمْيِيز الحصص بَعْضهَا من بعض وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَإِذا حضر الْقِسْمَة} وَالْآيَة وَخبر الشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقسم الْغَنَائِم بَين أَرْبَابهَا وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَيْهَا فقد يتَضَرَّر الشَّرِيك من الْمُشَاركَة ويقصد الاستبداد بِالتَّصَرُّفِ وَاعْلَم أَن الْأَعْيَان الْمُشْتَركَة قِسْمَانِ أَحدهمَا مَا يعظم الضَّرَر فِي قسمته كجوهر وثوب نفيسين وزوجى خف إِن طلب الشُّرَكَاء كلهم قسيمة لم يُحِبهُمْ الْحَاكِم وَلم يمنعهُم إِن قسموا بِأَنْفسِهِم إِن لم تبطل منفعَته كسيف يكسر بِخِلَاف مَا تبطل منفعَته فانه يمنعهُم لِأَنَّهُ سفه أَولا يبطل نَفعه الْمَقْصُود كحمام وطاحونة صغيرين لإِيجَاب طَالب قسمته وَلَا يجْبر عَلَيْهَا الآخر وَمَا لَا يعظم ضَرَره وقسمته أَنْوَاع ثَلَاثَة مَا (يجْبر حَاكم عَلَيْهَا الْمُمْتَنع) وَلَا يعظم ضَرَره وهى (فِي) قسْمَة (متشابهة) فِي الْأَجْزَاء كمثلى من حبوب ودراهم وأدهان وَنَحْوهَا وَدَار متفقه الْأَبْنِيَة وَأَرْض مشتبهة الْأَجْزَاء فتعدل السِّهَام كَيْلا فِي الْمكيل ووزنا فِي الْمَوْزُون وذرعا فِي المذروع بِعَدَد الْأَنْصِبَاء إِن اسْتَوَت بِهِ كالأثلاث وَيكْتب فِي كل رقْعَة اسْم شريك أَو جُزْء مُمَيّز بِحَدّ أَو جِهَة وتدرج فِي بَنَادِق ويخرجها من لم يحضر الْكِتَابَة والادراج ويحترز عَن تَفْرِيق حِصَّة وَاحِد (و) يكون فِي قسْمَة (تَعْدِيل شرع) بِأَن تعدل السِّهَام بِالْقيمَةِ كأرض مُخْتَلفَة الْأَجْزَاء بِحَسب قُوَّة إنبات وَقرب مَاء وَيجْبر الْحَاكِم على الْقِسْمَة الْمُمْتَنع مِنْهَا فِي قسْمَة المتشابهات وَقِسْمَة التَّعْدِيل وَهِي بيع وَالْأولَى إِفْرَاز وَإِنَّمَا يجْبر الْمُمْتَنع فِي التَّعْدِيل (إِن لم يصر طَالبا للْقِسْمَة) فَلَو كَانَ لَهُ عشر دَار لَا يصلح للسُّكْنَى والباقى صَالح لَهَا لآخر وطلبها لم يجْبر الآخر لِأَن طلبه تعنت بِخِلَاف الآخر (و) فِي (قسم رد) أَي يكون فِي قسْمَة الرَّد وهى بيع لَكِن لَا إِجْبَار فِيهَا بل (بِالرِّضَا والقرعة) وَالرِّضَا بِمَا تخرجه كقولهما رَضِينَا بِهَذِهِ الْقِسْمَة أَو بِمَا أخرجته الْقرعَة ثمَّ قد يقسم الشُّرَكَاء أَو منصوبهم ومنصوب الامام (وَينصب الْحَاكِم حرا ذكرا كلف) أَي مُكَلّفا (عدلا فِي الْحساب مهْرا) أَي حاذقا فِيهِ ولألف للإطلاق بِأَن يعلم المساحة والحساب لِأَنَّهُ يلْزم كالحاكم وليوصل إِلَى كل ذى حق حَقه قَالَ الماوردى وَأَن يكون نزها قَلِيل الطمع حَتَّى لَا يُدَلس وَلَا يخون وَلَا يشْتَرط مَعْرفَته التَّقْوِيم وَأما مَنْصُوب الشُّرَكَاء لَا يشْتَرط فِيهِ عَدَالَة وَلَا حريَّة لِأَنَّهُ وكيلهم وَلَا ذكورة ومحكمهم كمنصوب الامام (ويشرط) للْقِسْمَة (اثْنَان إِذْ يقوم) أَي إِذا كَانَ فِيهَا تَقْوِيم لِأَنَّهُمَا شَاهِدَانِ بِالْقيمَةِ نعم إِن جعل الامام الْقَاسِم حَاكما فِي التَّقْوِيم جَازَ فَيعْمل فِيهِ بعدلين وَيقسم بِنَفسِهِ وَله الْقَضَاء بِعِلْمِهِ (وَحَيْثُ لَا تَقْوِيم) فِي الْقِسْمَة (فَرد يقسم) أَي يكفى قَاسم وَاحِد كالحاكم سَوَاء نَصبه الامام أم الشُّرَكَاء وَيجْعَل الامام رزق منصوبه من بَيت المَال فان لم يكن فأجرته على الشُّرَكَاء بِحَسب حصصهم الْمَأْخُوذَة لَا بِعَدَد رؤوسهم
(1/327)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الشَّهَادَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مصدر شهد وهى لُغَة الْخَبَر الْقَاطِع وَشرعا إِخْبَار بِحَق لغير الْمخبر على غَيره على وَجه مَخْصُوص وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} وَقَوله {وَلَا تكتموا الشَّهَادَة} وَخبر لَيْسَ لَك إِلَّا شَاهِدَاك أَو يَمِينه وَسُئِلَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الشَّهَادَة فَقَالَ للسَّائِل ترى الشَّمْس فَقَالَ نعم فَقَالَ على مثلهَا فاشهد أَو دع وتتحقق بِشَاهِد ومشهود لَهُ ومشهود عَلَيْهِ ومشهود بِهِ (وَإِنَّمَا تقبل مِمَّن أسلما) فَلَا تقبل من كَافِر وَلَو على أهل دينه (كلف) فَلَا تقبل من صبي وَلَا مَجْنُون كإقرارهما بل أولى (حرا) فَلَا تقبل من رَقِيق مُدبرا أَو مكَاتبا أَو مبعضا كَسَائِر الولايات إِذْ فِي الشَّهَادَة نُفُوذ على الْغَيْر (ناطقا) فَلَا تقبل من أخرس وَإِن فهمت إِشَارَته وَإِنَّمَا صحت تَصَرُّفَاته بهَا للْحَاجة (قد علما) بِالْعَدَالَةِ وظهورها فَلَا تقبل شَهَادَة من لم تثبت عَدَالَته كالفاسق (عدلا على كَبِيرَة مَا أقدما) بِأَلف الاطلاق فِيهِ وَفِيمَا بعده وَهِي مَا لحق صَاحبهَا وَعِيد شَدِيد بِنَصّ كتاب أَو سنة كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا واللواط وَشرب الْمُسكر وَالسَّرِقَة وَالْغَصْب وَالْقَذْف والنميمة وَشَهَادَة الزُّور وَالْيَمِين الْفَاجِرَة وَقَطِيعَة الرَّحِم والعقوق والفرار وَإِتْلَاف مَال الْيَتِيم والربا وَالسحر وَالْوَطْء فِي الْحيض وخيانة الْكَيْل وَالْوَزْن وَتَقْدِيم الصَّلَاة على وَقتهَا وتأخيرها عَنهُ بِغَيْر عذر وَالْكذب على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَضرب الْمُسلم بِغَيْر حق وَسَب الصَّحَابِيّ وكتمان الشَّهَادَة والرشوة والدياثة والقيادة وَمنع السّعَايَة وَالزَّكَاة واليأس من الرَّحْمَة والأمن من مكر الله وَأكل لحم الْخِنْزِير والميتتة وَالْفطر فِي رَمَضَان بِغَيْر عذر والغلول والمحاربة وَإِنَّمَا تكون كَبِيرَة إِذا قدم عَلَيْهَا (طَوْعًا) بِخِلَاف مَا لَو كَانَ مكْرها فانه بَاقٍ على عَدَالَته (وَلَا) على (صَغِيرَة قد لزما) أَي الْعدْل من لم يلازم على صغيره مَعَ الاصرار عَلَيْهَا وَهِي كل ذَنْب غير كَبِيرَة فان أصر عَلَيْهَا سَوَاء أَكَانَت من نوع أَو أَنْوَاع انْتَفَت بهَا الْعَدَالَة مَا لم تغلب طاعاته على مَعَاصيه فَلَا يضر وَالصَّغِيرَة كالنظر إِلَى مَا لَا يجوز والغيبة فِي حق غير أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن وَالسُّكُوت عَلَيْهَا وَكذب لَا حد فِيهِ وَلَا ضَرَر والإشراف على بيُوت النَّاس وهجر الْمُسلم فَوق ثَلَاث بِلَا عذر وَالْجُلُوس مَعَ الْفُسَّاق إيناسا لَهُم واللعب بالنرد وَاسْتِعْمَال آلَة من شعار شربة الْخمر من طنبور وعود وصنج ومزمار عراقي واستماعها واللعن وَلَو لكَافِر أَو بَهِيمَة وَلبس ذكر مُكَلّف حَرِيرًا وجلوسه عَلَيْهِ وهجو وسفاهة (أَو تَابَ) أَي من أقدم على كَبِيرَة مُخْتَارًا أَولا أصر على صَغِيرَة أَو فعل ذَلِك لكنه تَابَ (مَعَ قَرَائِن ان قد) بصرفه ودرج همزَة إِن للوزن (صلح) فَيشْتَرط فِي تَوْبَته من مَعْصِيّة تَوْلِيَة القَوْل فَيَقُول الْقَاذِف قذفي بَاطِل أَو مَا كنت محقا وَأَنا نادم عَلَيْهِ وَلَا أَعُود إِلَيْهِ وَشَاهد الزُّور شهادتي بَاطِلَة وَأَنا نادم عَلَيْهَا وَلَا أَعُود إِلَيْهَا وَفِي تَوْبَة الْمعْصِيَة الفعلية كَالزِّنَا وَالشرب إقلاع وَنَدم عَلَيْهَا وعزم على أَن لَا يعود إِلَيْهَا ورد ظلامة آدَمِيّ قدر على ردهَا وَإِلَّا كَفاهُ الْعَزْم على أَنه مَتى قدر فعل فَيُؤَدِّي الزَّكَاة لمستحقها والمغضوب الْبَاقِي لمَالِكه وَإِلَّا فبدله وَيُمكن مُسْتَحقّ الْقصاص وَالْقَذْف من الِاسْتِيفَاء وَلَا بُد أَن لَا يصل إِلَى حَال الغرغرة وَلَا أَن تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا (والاختبار سنة على الْأَصَح) أَي يشْتَرط اختباره بعد تَوْبَته مُدَّة يظنّ فِيهَا صدقه وَهِي سنة على الْأَصَح لِأَن لَهَا أثرا فِي تهييج النُّفُوس لاشتمالها على الْفُصُول الْأَرْبَعَة فاذا مَضَت مَعَ السَّلامَة أشعر بِحسن سيرته نعم من قذف بِصُورَة شَهَادَة لم يتم نصابها أَو خفى فسقه وَأقر بِهِ ليحد تقبل شَهَادَته عقب تَوْبَته وَكَذَا من أسلم بعد ردته لإتيانه بضد
(1/328)

الْكفْر فَلم يبْق مَعَه احْتِمَال وَقَيده الْمَاوَرْدِيّ بِمن أسلم مُرْسلا فان أسلم عِنْد تَقْدِيمه للْقَتْل اعْتبر مُضِيّ الْمدَّة وَمُقَابل الْأَصَح أَنَّهَا تقدر بِسِتَّة أشهر وَقيل لَا تتقيد بِمدَّة وَلَا يخْتَلف الظَّن بالأشخاص وأمارات الصدْق وَمَا ذكر فِي التَّوْبَة مَحَله فِي التَّوْبَة فِي الظَّاهِر وَهِي الْمُتَعَلّق بهَا الشَّهَادَة وَالْولَايَة أما التَّوْبَة فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى كَالزِّنَا وَالشرب فان لم يظْهر عَلَيْهِ أحد فَلهُ أَن يظهره ويقربه ليقام عَلَيْهِ الْحَد وَالْأَفْضَل أَن يستر على نَفسه وَإِن ظهر فقد فَاتَ السّتْر فَيَأْتِي الإِمَام ويقر بِهِ ليقيم عَلَيْهِ الْحَد (مُرُوءَة الْمثل لَهُ) وَهِي تخلقه بِخلق أَمْثَاله فِي زَمَانه ومكانه فَمن لَا مُرُوءَة لَهُ لَا حَيَاء لَهُ وَمن لَا حَيَاء لَهُ يَقُول مَا شَاءَ فالأ كل فِي السُّوق وَالشرب فِيهِ لغير سوقي إِلَّا إِذا غَلبه الْجُوع أَو الْعَطش وَالْمَشْي فِيهَا مَكْشُوف الرَّأْس أَو الْبدن غير الْعَوْرَة مِمَّن لَا يَلِيق بِهِ مثله وَقَبله زَوجته أَو أمته بِحَضْرَة النَّاس وإكثار حكايات مضحكة بَينهم وَلبس فَقِيه قبَاء أَو قلنسوة فِي بلد لَا يعْتَاد للفقيه لبسه وإكباب على لعب شطرنج أَو على لعب بحمام بتطيير والمسابقة من غير أَخذ حمام غَيره أَو على غناء أَو اسْتِمَاع أَو إدامة رقص يُسْقِطهَا وَيخْتَلف مسقطها بالأشخاص وَالْأَحْوَال والأماكن فيستقبح من شخص دون آخر وَفِي حَال دون حَال وَفِي بلد دون آخر وحرفة دنيئة كحجامة وكنس ودبغ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ يُسْقِطهَا إِن لم يعتدها وَإِلَّا فَلَا وَلَو ترك خارم الْمُرُوءَة مَا أسقطها اعْتبر لقبُول شَهَادَته مُضِيّ سنة كَمَا فِي التَّنْبِيه (وَلَيْسَ جَار) أَي يشْتَرط لقبُول الشَّهَادَة عدم التُّهْمَة بِأَن لَا يجر (لنَفسِهِ) بهَا (نفعا وَلَا دَافع ضار) أَي وَلَا يدْفع عَنهُ ضَرَرا فَترد شَهَادَته لعَبْدِهِ الْمَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة ولمكاتبه وغريم لَهُ ميت أَو عَلَيْهِ حجر فلس وَبِمَا وكل فِيهِ وبابراء من ضمنه وبجراحة مُوَرِثه قبل اندمالها وَترد شَهَادَة عَاقِلَة بفسق شُهُود قتل يحملونه وغرماء مُفلس بفسق شُهُود دين آخر (أَو أصل أَو فرع) برفعهما أَو جرهما عطفا على الْمَجْرُور على التَّوَهُّم كَقَوْلِهِم لَيْسَ زيد قَائِما وَلَا قَاعِدا بالخفض على توهم دُخُول الْبَاء فِي خبر لَيْسَ وكقول زُهَيْر ... بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابق شَيْئا إِذا كَانَ جائيا ... فَيكون التَّقْدِير هُنَا وَلَيْسَ الشَّاهِد بِأَصْل أَو فرع (لمن يشْهد لَهُ) أَي ترد شَهَادَته لأصله وَإِن علا وفرعه وَإِن سفل وَلَو لأَحَدهمَا على الآخر فَتقبل عَلَيْهِمَا وَمِنْه أَن تَتَضَمَّن شَهَادَته دفع ضَرَر عَنهُ كَأَن شهد للأصيل الَّذِي ضمنه أَصله أَو فَرعه بِالْأَدَاءِ أَو الْإِبْرَاء نعم لَو ادّعى السُّلْطَان على آخر بِمَال لبيت المَال فَشهد لَهُ بِهِ أَصله أَو فَرعه قبل لعُمُوم الْمُدَّعِي بِهِ وَلَو شهد لأصله وفرعه وأجنبي قبلت للْأَجْنَبِيّ وَتقبل لكل من الزَّوْجَيْنِ ولأخ وصديق (كَمَا على عدوه) دينا (لن نقبله) وَإِن قبلت لَهُ للتُّهمَةِ فَترد شَهَادَته بزنا زَوجته وَلَو مَعَ ثَلَاثَة وَتقبل شَهَادَة مُسلم على كَافِر وسني على مُبْتَدع وَعَكسه والعدو من تبْغضهُ بِحَيْثُ تتمنى زَوَال نعْمَته وتحزن بسروره وتفرح بمصيبته وَذَلِكَ قد يكون من الْجَانِبَيْنِ وَقد يكون من أَحدهمَا فَيخْتَص برد شَهَادَته على الآخر وَإِن أفضت الْعَدَاوَة إِلَى الْفسق ردَّتْ مُطلقًا وَمن خَاصم من يُرِيد أَن يشْهد عَلَيْهِ وَبَالغ فَلم يجبهُ ثمَّ شهد عَلَيْهِ قبلت شَهَادَته وَلَو زَالَت الْعَدَاوَة ثمَّ أَعَادَهَا لم تقبل وَلَا تقبل من مُغفل لَا يضْبط وَلَا يُبَادر بهَا قبل أَن يسْأَلهَا إِلَّا فِي شَهَادَة الْحِسْبَة فِي حُقُوقه تَعَالَى كَصَلَاة وَزَكَاة وَصَوْم بِأَن يشْهد بِتَرْكِهَا وَفِيمَا لَهُ فِيهِ حق مُؤَكد كَطَلَاق وَعتق وعفو عَن قصاص وَبَقَاء عدَّة وانقضائها بِأَن يشْهد بِمَا ذكر ليمنع من مُخَالفَة مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ جد لَهُ تَعَالَى بِأَن يشْهد بِمُوجبِه وَالْأَفْضَل فِيهِ السّتْر وَكَذَا النّسَب لِأَن فِي وَصله حَقًا لَهُ تَعَالَى وَصورتهَا أَن تَقول الشُّهُود ابْتِدَاء للْقَاضِي نشْهد على فلَان بِكَذَا فَأحْضرهُ لنشهد عَلَيْهِ فلَان بِكَذَا فَأحْضرهُ لتشهد عَلَيْهِ فَإِن ابتدءوه وَقَالُوا فلَان زنى فهم قذفة وَإِنَّمَا تسمع عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا فَلَو شهد اثْنَان أَن فلَانا أعتق عَبده أَو أَنه أَخُو فُلَانَة من الرَّضَاع لم يكف حَتَّى يَقُولَا وَهُوَ يسترقه أَو يُرِيد نِكَاحهَا وَمَا تقبل فِيهِ تسمع فِيهِ الدَّعْوَى إِلَّا فِي مَحْض حُدُود الله (42 غَايَة الْبَيَان)
(1/329)

تَعَالَى (وَيشْهد الْأَعْمَى ويروي إِن سبق تحمل) مِنْهُ قبل عماه أَي تقبل شَهَادَة الْأَعْمَى وَرِوَايَته إِن سبق تحمله عماه وَكَانَ الْمَشْهُود لَهُ وَعَلِيهِ معروفي النّسَب وَالِاسْم بِخِلَاف مجهوليهما أَو أَحدهمَا (أَو بمقر) فِي أُذُنه بِطَلَاق أَو عتق أَو مَال لآخر مَعْرُوف الِاسْم وَالنّسب (اعتلق) بِهِ حَتَّى يشْهد عَلَيْهِ عِنْد قَاض (و) تقبل شَهَادَته أَيْضا فِيمَا يثبت بالاستفاضة كالبصير (وبتسامع) من جمع يُؤمن تواطؤهم على الْكَذِب لكثرتهم فَيَقَع الْعلم أَو الظَّن الْقوي بخبرهم من أَي مَعَ (نِكَاح وحمام) بِكَسْر الْحَاء أَي موت و (وقف) و (وَلَاء) و (نسب) معطوفات على نِكَاح بِحَذْف العاطف وَعتق وَملك (بِلَا اتهام) أَي معَارض وَبِمَا يثبت بِهِ أَيْضا ولَايَة الْقَضَاء وَنَحْوه وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل والرشد وَالْإِرْث بِأَن يشْهد بِالتَّسَامُعِ أَن فلَانا وَارِث فلَان لَا وَارِث لَهُ غَيره أما إِذا كَانَ هُنَاكَ معَارض كإنكار الْمَنْسُوب إِلَيْهِ نسبه أَو طعن فِيهِ بعض النَّاس أَو مُنَازع لَهُ فِي الْملك الْمَشْهُود بِهِ فَلَا تجوز لَهُ الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ لاختلال الظَّن حِينَئِذٍ وَلَا يكفى فِي التسامع قَول الشَّاهِد أشهد أَنِّي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ كَذَا وَإِن كَانَت شَهَادَته مَبْنِيَّة عَلَيْهِ بل يشْهد أَن هَذِه زَوْجَة فلَان أَو أَن فلَانا مَاتَ أَو أَن هَذَا وقف على كَذَا أَو أَن هَذَا ابْن فلَان لِأَنَّهُ قد يعلم خلاف مَا سَمعه وَلِأَن ذكره يشْعر بِعَدَمِ جزمه بِالشَّهَادَةِ (وللزنا أَرْبَعَة) وَمثله اللواط وَوَطْء الْميتَة والبهيمة من الرِّجَال الموصوفين بِمَا مر للْكتاب الْعَزِيز وَلما فِيهِ وَفِي آثاره من القبائح الشنيعة فغلظت الشَّهَادَة فِيهِ ليَكُون أستر وَلَا بُد من ذكر الْمُزنِيّ بهَا (أَن) بِفَتْح الْهمزَة (أدخلهُ) أَي يشْهدُونَ بِأَنَّهُ أَدخل ذكره أَو حشفته أَو قدرهَا مِنْهُ (فِي فرجهَا) على سَبِيل الزِّنَا فقد يظنون المفاخذة زنا وَقَوله (كمرود فِي مكحلة) لَيْسَ بِشَرْط بل أحوط وَاعْتبر القَاضِي وَابْن الصّلاح وَغَيرهمَا ذكر مَكَان الزِّنَا وزمانه وَرَأى الْمَاوَرْدِيّ أَنه إِن صرح بعض الشُّهُود بذلك وَجب سُؤال البَاقِينَ عَنهُ وَإِلَّا فَلَا (وَغَيره) مِمَّا لَيْسَ مَالا وَلَا مَا يَئُول إِلَيْهِ ويطلع عَلَيْهِ الرِّجَال غَالِبا (اثْنَان) أَي رجلَانِ موصوفان بِمَا مر وَذَلِكَ (كإقرار الزِّنَا) أَو غَيره وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَالْعِتْق وَالْإِسْلَام وَالشَّهَادَة على الشَّهَادَة وَالنِّكَاح وَالْمَوْت والإعسار وَالْعِتْق وانقضاء الْعدة بِالْأَشْهرِ وَالْخلْع من جَانب الْمَرْأَة وَالْولَايَة وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل وَالْكِتَابَة من جِهَة الرَّقِيق وَالتَّدْبِير والايلاد وَالْوكَالَة والوصاية والإحصان وَاللّعان وَالظِّهَار وَالنّسب وَاسْتِيفَاء الْعُقُوبَات وكفالة الْبدن وعقوبة الله تَعَالَى كَحَد شرب وَقطع طَرِيق وَقتل بردة أَو لآدَمِيّ كقصاص نفس أَو طرف وَإِن عفى على مَال (وبهلال الصَّوْم عدل) وَاحِد (بَينا) أَي ظَهرت عَدَالَته وَظَاهر كَلَامه عدم الِاكْتِفَاء بالمستور لَكِن الْأَصَح فِي الْمَجْمُوع الِاكْتِفَاء بِهِ وَمثل هِلَال الصَّوْم مَا لَو نذر صَوْم شهر معِين وَلَو ذَا الْحجَّة فَشهد بِهِ عدل فيكفى (وَرجل وَامْرَأَتَانِ أَو رجل ثمَّ الْيَمين المَال) أَي لِلْمَالِ (أَو مِمَّا يؤل) بِحَذْف الْوَاو للوزن (إِلَيْهِ كالموضحة الَّتِي جهل) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَو الْفَاعِل (تَعْيِينهَا) بِأَن شهدُوا بهَا وعجزوا عَن تعْيين محلهَا فَإِنَّهَا لَا توجب قصاصا وَإِنَّمَا توجب المَال فَقَط والتمثيل بالموضحة صَحِيح فقد صرح الشَّيْخَانِ بِأَن كل جِنَايَة مُوجبَة لِلْمَالِ كَقَتل الْوَالِد وَلَده وَالْحر العَبْد يثبت بِالْحجَّةِ النَّاقِصَة فَمَا قيل من أَن التَّمْثِيل بالموضحة الْمَذْكُورَة مَعْدُود من مُفْرَدَات الْحَاوِي الصَّغِير وَأَن صَرِيح كَلَام الْغَزالِيّ والرافعي وَغَيرهمَا فِي الْجِنَايَات
(1/330)

أَن الْبَيِّنَة النَّاقِصَة لَا تثبت الْأَرْش فِي هَذِه الصُّورَة مَمْنُوع (أَو حق مَال كالأجل) وَالْخيَار وَالشُّفْعَة (وَسبب لِلْمَالِ) مجروران عطف على قَوْله بتسامع (كالإقالة وَالْبيع وَالضَّمان وَالْحوالَة) وَالْإِجَارَة وَالْوَصِيَّة بِالْمَالِ وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ وَفهم من قَوْله رجل وَامْرَأَتَانِ أَنه لَا فرق بَين أَن تتقدم شَهَادَة الرجل على الْمَرْأَتَيْنِ وَبَين أَن تتأخر وَلَا بَين أَن يقدر على رجلَيْنِ وَبَين أَن لَا يقدر وَأَنه لَا يقدر وَأَنه مُخَيّر فِيمَا يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ بَين إثْبَاته بهم وبرجل وَيَمِين وَهُوَ كَذَلِك وَفهم من قَوْله ثمَّ الْيَمين أَنه يشْتَرط أَن يَأْتِي بِيَمِينِهِ بعد شَهَادَة الرجل بِمَا يَدعِيهِ وتزكيته وتعديله وَيجب أَن يذكر فِي حلفه صدق شَاهده فَيَقُول وَالله وَإِن شَاهِدي لصَادِق وَإِنِّي لمستحق لكذا وَلَو قدم ذكر الْحق وَأخر تَصْدِيق الشَّاهِد فَلَا بَأْس وَذكر صدق الشَّاهِد ليحصل الارتباط بَين الْيَمين وَالشَّهَادَة المختلفتي الْجِنْس (وَرجل وَامْرَأَتَانِ) أَو (أَربع نسا) بِالتَّنْوِينِ وَحذف الْهمزَة للوزن أَي نسْوَة (لما الرِّجَال لَا تطلع عَلَيْهِ كالرضاع) من الثدي أَو أَن اللَّبن الَّذِي شرب مِنْهُ من هَذِه الْمَرْأَة (الْولادَة وعيبها) كرتق وَقرن وبرص وَلَو فِي وَجههَا وكفيها (وَالْحيض) والاستحاضة (والبكارة) والثيوبة واستهلال الْوَلَد وَعلم مِمَّا مر أَن مَا لَا يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ لَا يثبت بِرَجُل وَيَمِين وَأَن مَا يثبت بهم يثبت بِرَجُل وَيَمِين إِلَّا عُيُوب النِّسَاء وَنَحْوهَا وَأَنه لَا يثبت شَيْء بامرأتين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الدَّعْوَى) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هِيَ لُغَة الطّلب وَشرعا إِخْبَار بِحَق للمخبر على غَيره وَالْمُدَّعى بِهِ قد يحْتَاج فِي إثْبَاته إِلَى الْبَيِّنَة وَهِي الشُّهُود وَسموا بهَا لِأَن بهم يتَبَيَّن الْحق وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَخْبَار كَخَبَر مُسلم لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لادعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ (إِن تمت الدَّعْوَى بِشَيْء علما سَأَلَ قَاض خَصمه) أَي الْمُدعى عَلَيْهِ فَالْجَوَاب فَيُطَالب العَبْد بِالْجَوَابِ فِيمَا يقبل إِقْرَاره بِهِ كقصاص وحد قذف وَالسَّيِّد فِي غَيره كأرش تعلق بِرَقَبَتِهِ والحرة والمجبر فِي دَعْوَى النِّكَاح وَلَا يتَوَقَّف سُؤَاله على طلب الْمُدعى وتمامها بِأَن يكون الْمُدعى وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ مكلفين ملتزمين للْأَحْكَام إِلَّا مَا اسْتثْنى وَأَن يذكر التلقي إِن أقرّ بالمدعى بِهِ للْمُدَّعى عَلَيْهِ أَو ملكه لَهُ وَأَن لَا يسبقها مَا يناقضها وَكَونهَا ملزمة فَلَو قَالَ غصب مني كَذَا أَو باعنيه لم تسمع حَتَّى يَقُول وَيلْزمهُ التَّسْلِيم إِلَى وفى الدّين لي فِي ذمَّته كَذَا وَهُوَ مُمْتَنع من الْأَدَاء الْوَاجِب عَلَيْهِ وَلَا تسمع بدين مُؤَجل إِلَّا إِن قصد بِهِ تَصْحِيح العقد وَأَن لَا يكون بِحَق الله تَعَالَى إِلَّا أَن يتَعَلَّق بهَا حق آدَمِيّ كقذف فَتسمع وَلَو ادّعى سَرقَة مَال سَمِعت دَعْوَاهُ بِالْمَالِ وَحلف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ فَإِن نكل حلف الْمُدعى وَثَبت المَال وَلَا يقطع لِأَن حُدُود الله تَعَالَى لَا تثبت بِالْيَمِينِ وَعلم من قَوْله بِشَيْء علما وجوب ذكر الْجِنْس وَالنَّوْع وَالْقدر وَالصّفة إِن اخْتلف بهَا الْغَرَض وَمُطلق الدِّرْهَم وَالدِّينَار منصرف للشرعي فَلَا حَاجَة إِلَى بَيَان وَزنه وَفِي الْعين الَّتِي تنضبط بِالصّفةِ كمحبوب وحيوان وَثيَاب ذكر صِفَات السّلم وجوبا فِي المثلى وَينْدب مَعهَا ذكر الْقيمَة وَفِي الْمُتَقَوم ذكر الْقيمَة وَينْدب أَن يذكر مَعهَا صِفَات السّلم وَفِي الْعقار السِّكَّة والناحية والبلد وَالْحُدُود الَّتِي تتَمَيَّز بهَا وَهَذَا إِذا ادّعى بِمعين فَإِن ادّعى ليعين لَهُ القَاضِي صِحَة دَعْوَاهُ مَعَ كَون الْمُدعى بِهِ مَجْهُولا
(1/331)

كالمفوضة تطلب الْفَرْض وَالزَّوْجَة النَّفَقَة وَالْكِسْوَة والمطلقة تطلب الْمُتْعَة وكالغرة والحكومة وَالْوَصِيَّة بِمَجْهُول وَالْإِقْرَار بِهِ وَنَحْو ذَلِك من مسَائِل كَثِيرَة وَفِي النِّكَاح أَنه تزَوجهَا بولِي وشاهدي عدل ورضاها إِن اعْتبر وَفِي نِكَاح الْأمة الْعَجز عَن طول حرَّة وَخَوف الْعَنَت وَفِي دَعْوَى الرَّضَاع أَنه ارتضع مِنْهَا أَو مَعهَا فِي الْحَوْلَيْنِ خمس رَضعَات متفرقات وَوصل اللَّبن إِلَى جَوْفه (وَحكما إِن يعْتَرف خصم) أَي إِن اعْترف الْخصم بعد الدَّعْوَى حكم عَلَيْهِ القَاضِي بِطَلَب الْمُدعى مِنْهُ ذَلِك وَيلْزم الْمقر بِالْخرُوجِ من الْحق الَّذِي عَلَيْهِ وَيثبت الْحق بِالْإِقْرَارِ من غير قَضَاء القَاضِي 0 وَإِن يجْحَد) الْمُدعى عَلَيْهِ يَعْنِي أنكر كَأَن قَالَ لَا يسْتَحق على شَيْئا أَو أصر على السُّكُوت جعل الْمُنكر ناكلا فللقاضي أَن يَقُول للْمُدَّعى أَلَك بَيِّنَة وَإِن سكت (و) كَانَ (ثمَّ) بِفَتْح الْمُثَلَّثَة أَي هُنَاكَ (بَيِّنَة) تشهد (بِحَق مُدع حكم) بهَا بِطَلَب الْمُدعى كَأَن يَقُول حكمت بِكَذَا أَو نفذت الحكم بِهِ أَو ألزمت خَصمه الْحق وَلَا يجوز لَهُ الحكم قبل أَن يسْأَل وَمن قَامَت عَلَيْهِ بَيِّنَة بِحَق لَا يحلف الْمُدعى على اسْتِحْقَاقه فَإِن ادّعى أَدَاء أَو إِبْرَاء أَو شِرَاء عين من مدعيها أَو هبتها أَو إقباضها مِنْهُ حلف خَصمه على نَفْيه وَكَذَا لَو ادّعى علمه بفسق شَاهده أَو كذبه فَإِن استمهل من قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة ليَأْتِي بدافع أمْهل ثَلَاثَة أَيَّام (وَحَيْثُ لَا بَيِّنَة) للْمُدَّعى أَو كَانَت وَطلب الْمُدعى يَمِينه (فالمدعى عَلَيْهِ يحلف حَيْثُ مُدع دَعَا) فَإِن لم يطْلبهَا لم يحلفهُ القَاضِي فَإِن حلفه بِدُونِ طلبه لم يعْتد بِيَمِينِهِ 0 فَإِن أَبى) أَي امْتنع الْمُدعى عَلَيْهِ من الْيَمين كَانَ قَالَ أنانا كل أَو قَالَ لَهُ القَاضِي احْلِف فَقَالَ لَا أَحْلف (ردَّتْ) الْيَمين (على من ادّعى) فَيحلف لتحول الْحلف عَلَيْهِ (وباليمين يسْتَحق الْمُدعى) بِهِ أَي إِذا حلف الْيَمين الْمَرْدُودَة عَلَيْهِ اسْتحق مَا ادَّعَاهُ وَيقْضى لَهُ بِهِ وَلَا يقْضى لَهُ بِنُكُولِهِ وَهِي إِقْرَار حكم فَلَا تسمع من الْمُدعى عَلَيْهِ بعْدهَا بَيِّنَة بأَدَاء أَو إِبْرَاء وَسَوَاء فِي ذَلِك الدّين وَالْعين فَإِن لم يحلف الْمُدعى وَلم يتعلل بِشَيْء سقط حَقه من الْيَمين وَلَيْسَ لَهُ مُطَالبَة الْخصم فِي ذَلِك الْمجْلس وَلَا غَيره وَيصير امْتِنَاعه كحلف الْمُدعى عَلَيْهِ وَإِلَّا لرفع خَصمه كل يَوْم إِلَى القَاضِي والخصم ناكل وَهُوَ لَا يحلف الْيَمين الْمَرْدُودَة وَيطول الْخطب وَله أَن يُقيم الْبَيِّنَة وَإِن تعلل بِإِقَامَة الْبَيِّنَة أَو مُرَاجعَة حِسَاب أمْهل ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن استمهل الْمُدعى عَلَيْهِ حِين اسْتحْلف لينْظر حسابه لم يُمْهل إِلَّا بِرِضا الْمُدعى لِأَنَّهُ مقهور بِطَلَب الْإِقْرَار أَو الْيَمين بِخِلَاف الْمُدعى (وَالْمُدَّعى عينا) ونازعه الآخر فِيهَا وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا (بهَا ينْفَرد أَحدهمَا) بِالْيَدِ عَلَيْهَا (فَهِيَ لمن لَهُ) ثمَّ (الْيَد) بِيَمِينِهِ وعَلى هَذَا فَتسمع دَعْوَى الشَّخْص بِمَا فِي يَده وَيحلف عَلَيْهِ وَكَذَا لَو كَانَت بِيَدِهِ وَأقَام غَيره بهَا بَيِّنَة ثمَّ أَقَامَ هُوَ بهَا بَيِّنَة قدمت بَيِّنَة ذِي الْيَد وَعمل بهَا لَكِن لَا تسمع إِلَّا بعد بَيِّنَة الْخَارِج وَإِن لم تتعدل وَإِن أزيلت يَده بِبَيِّنَة ثمَّ أَقَامَ بَيِّنَة مُسْتَندا إِلَى مَا قبل إِزَالَة يَده وَاعْتذر بغيبة شُهُود سَمِعت وقدمت (وَحَيْثُ كَانَت) الْعين (مَعَهُمَا) أَي فِي يدهما (وَشهِدت بينتان) بِأَن شهِدت كل بَيِّنَة لوَاحِد بِأَنَّهَا لَهُ بقيت كَمَا كَانَت لتساقطهما و (حلفا) أَي كل مِنْهُمَا بِأَنَّهَا ملكه دون غَرِيمه (وَقسمت) بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ وَكَذَا لَو كَانَت فِي يَد ثَالِث وَأقَام كل مِنْهُمَا بَيِّنَة بهَا تساقطتا وَكَأن لَا بَيِّنَة وتقسم بَينهمَا وَمَتى أَقَامَا بينتين متعارضتين رجحت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى بِأَسْبَاب مِنْهَا الْيَد كَمَا مر وَمِنْهَا إِقْرَار صَاحب
(1/332)

الْيَد لأَحَدهمَا وَمِنْهَا قُوَّة الْبَيِّنَة كَمَا لَو أَقَامَ أَحدهمَا شَاهِدين وَالْآخر شَاهدا وَخلف مَعَه رجح الشَّاهِدَانِ إِلَّا إِذا كَانَت الْيَد مَعَ الآخر فيرجح بِالْيَدِ وَمِنْهَا زِيَادَة الْعلم فَلَو قَالَ الْخَارِج هُوَ ملكي اشْتَرَيْته مِنْك وَأقَام بِهِ بَيِّنَة وَأقَام الدَّاخِل بَيِّنَة بِأَنَّهُ ملكه قدمت بَينه الْخَارِج وَمِنْهَا زِيَادَة التَّارِيخ فَلَو أَقَامَ أَحدهمَا بَينه بِأَنَّهَا ملكه من سنة وَالْآخر بَينه بِأَنَّهَا ملكه من سنة وَالْآخر بَينه بِأَنَّهَا ملكه من سنتَيْن قدمت بَينته وَله الْأُجْرَة وَالزِّيَادَة الْحَادِثَة من يَوْمئِذٍ إِلَّا إِذا كَانَ لصَاحب مُتَأَخِّرَة التَّارِيخ يَد فَأَنَّهَا تقدم وَلَو أطلقت بَينه وأرخت فهما سَوَاء وَلَو شهِدت بَينه بِإِقْرَار الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أمس بِالْملكِ للْمُدَّعِي استديم الْإِقْرَار وَإِن لم تصرح الْبَيِّنَة بِالْملكِ فِي الْحَال وَلَو أَقَامَهَا بِملك جَارِيَة أَو شَجَرَة لم يسْتَحق ثَمَرَة مَوْجُودَة وَلَا ولدا مُنْفَصِلا وَيسْتَحق حملهَا وَلَو اشْترى شَيْئا فَأَخذه مِنْهُ بِحجَّة مُطلقَة رَجَعَ على بَائِعه مِنْهُ بِالثّمن وَلَو ادّعى ملكا مُطلقًا فَشَهِدُوا لَهُ مَعَ سَببه لم يضر (وَحلف الْحَاكِم) وجوبا (كل من تَوَجَّهت عَلَيْهِ دَعْوَى) صَحِيحَة كدعوى ضرب أَو شتم أوجبا تعزيزا لَو أقرّ بمطلوبها ألزم بِهِ وَاسْتثنى من ذَلِك صور أَشَارَ إِلَى بَعْضهَا بقوله (فِي سوى حد ثَبت لله) تَعَالَى كَحَد الزِّنَا وَالشرب فَلَا يحلف فِيهَا الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بل لَا تسمع بهَا الدَّعْوَى نعم إِن تعلق بِالْحَدِّ حق آدَمِيّ كَمَا إِذا قذف إنْسَانا فَطلب الْمَقْذُوف حد الْقَذْف فَقَالَ الْقَاذِف حلفوه أَنه مازنى حلف كَمَا مر فِي الْقَذْف (وَالْقَاضِي) فَلَا يخلف على تَركه الظُّلم فِي حكمه (وَلَو) كَانَت الدَّعْوَى عَلَيْهِ حَال كَونه (معزولا) لِأَن منصبه يَأْبَى التَّحْلِيف والابتذال (وَشَاهد) ادّعى عَلَيْهِ أَنه تعمد الْكَذِب فِي شَهَادَته أَو نَحْو ذَلِك فَلَا يحلف (وَالْمُنكر) بِالْجَرِّ عطف على حد (التوكيلا) فَلَا يحلف على نفى علمه بهَا لِأَنَّهُ لَو اعْترف بهَا لم يلْزمه التَّسْلِيم إِلَيْهِ إِذْ لَا يَأْمَن جحد الْمُسْتَحق فَلَا معنى لتحليفه وَلَو قَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ أَنا صبي وَهُوَ مُحْتَمل لم يحلف ووقف الْأَمر إِلَى بُلُوغه لِأَن حلفه يثبت صباه وَالصَّبِيّ لَا يحلف وَإِذا حلف على فعل نَفسه حلف (بتا) أَي قطعا فِي حالتي النَّفْي وَالْإِثْبَات (كَمَا أجَاب دَعْوَى حلفا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله فَإِن ادّعى عَلَيْهِ عشرَة مثلا أَو أَنه أقْرضهُ عشرَة أَو أَنه غصبهَا مِنْهُ فَإِن اقْتصر على الْجَواب الْمُطلق كَأَن قَالَ لَا يسْتَحق على شَيْئا أَو لَا يلْزَمنِي تَسْلِيم مَا ادّعى بِهِ إِلَيْهِ حلف كَذَلِك وَإِن تعرض فِي الْجَواب للجهة كَأَن قَالَ مَا اقترضتها مِنْهُ أَو مَا غصبتها مِنْهُ حلف كَذَلِك فَإِن أَرَادَ أَن يحلف على النَّفْي الْمُطلق لم يُمكن مِنْهُ (وَنفى علم) بِالنّصب (فعل غَيره نفى) أَي يحلف على فعل غَيره بتا فِي الْإِثْبَات وعَلى نفي علمه بِهِ فِي النَّفْي فَإِن حلف فِيهِ على الْبَتّ اعْتد بِهِ وَيجوز لَهُ الْحلف على الْبَتّ بِظَنّ مُؤَكد كَأَن اعْتمد خطه أَو خطّ مُوَرِثه وَيحلف على الْبَتّ فِي نفي جِنَايَة رقيقَة وبهيمته = (كتاب الْعتْق) =
بِمَعْنى الْإِعْتَاق وَهُوَ إِزَالَة الرّقّ عَن الْآدَمِيّ وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {فك رَقَبَة} وأخبار كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيّمَا رجل أعتق امْرأ مُسلما اسْتَنْفَذَ الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار حَتَّى الْفرج بالفرج وَهُوَ قربَة وَله ثَلَاثَة أَرْكَان مُعتق وعتيق وَصِيغَة (يَصح عتق من مُكَلّف) مُطلق التَّصَرُّف وَلَو كَافِرًا فَلَا يَصح إِعْتَاق غير مُكَلّف إِلَّا السَّكْرَان وَلَا غير مُطلق التَّصَرُّف (ملك) فَلَا يَصح إِعْتَاق غير الْمَالِك بِغَيْر إِذن وَلَا إِعْتَاق رَقِيق تعلق بِهِ حَال
(1/333)

الْإِعْتَاق حق لَازم كجناية وَرهن ومالكه مُعسر وَلَا يَصح الاعتاق إِلَّا بِلَفْظ صَرِيح أَو كِنَايَة و (صَرِيحه عتق وتحرير وَفك رَقَبَة) وَالْمرَاد الصِّيَغ الْمُشْتَملَة على المشتقات من هَذِه الْأَلْفَاظ كَأَنْت عَتيق أَو مُعتق أَو أَعتَقتك أَو حر أَو مُحَرر أَو حررتك أَو يَا حر إِذا لم يقْصد مدحه وَلم يقْصد نداءه باسمه الْقَدِيم أَو فكيك الرَّقَبَة أَو فككتها فَلَو قَالَ أَنْت إِعْتَاق أَو تَحْرِير أَو فك رَقَبَة فَهُوَ كِنَايَة وَلَا أثر للخطأ فِي التَّذْكِير والتأنيث (وَصَحَّ بِالْكِنَايَةِ مَعَ نِيَّة مِنْهُ كيا مولايه) بهاء السكت لَا ملك لي عَلَيْك لَا سُلْطَان لَا خدمَة أَنْت سائبة وَيَا حر للمسمى بِهِ فِي الْحَال وألفاظ الطَّلَاق وَالظِّهَار مِمَّا يُمكن مَجِيئه هُنَا وَلَو قَالَ عتقك إِلَيْك أَو خيرتك وَنوى تَفْوِيض الْعتْق إِلَيْهِ فَأعتق نَفسه فِي الْحَال أَي الْمجْلس عتق وَلَو قَالَ أَعتَقتك على ألف فَقبل أَو بِعْتُك نَفسك بِأَلف فَقبل أَو أعتقني على ألف فَأَجَابَهُ عتق فِي الْحَال وَلَزِمَه الْألف وَالْوَلَاء لسَيِّده وَلَو أعتق حَامِلا عتق حملهَا إِن كَانَ لَهُ وَإِن اسْتَثْنَاهُ وَلَو أعْتقهُ وَقد نفخ فِيهِ الرّوح عتق دونهَا وَإِلَّا لغى وَلَو قَالَ مُضْغَة هَذِه حر فَهُوَ إِقْرَار بانعقاد الْوَلَد حرا وَتصير بِهِ أم ولد إِن أقرّ بِوَطْئِهَا فِي ملكه (وَعتق جُزْء) شَائِع كَنِصْف أَو بعض أَو معِين كيد أَو رجل (من رَقِيقه سرى) إِلَى بَاقِيه بعد عتق ذَلِك الْجُزْء مُوسِرًا كَانَ أم مُعسرا لقُوته كَالطَّلَاقِ (أَو شركَة مَعَ غَيره) أَي إِذا ملك حِصَّة من رَقِيق وَبَاقِيه لغيره وَأعْتق مَا يملكهُ عتق مُطلقًا (إِذْ أيسرا فَأعتق عَلَيْهِ) فعل أَمر حذفت همزته للوزن (مَا بقى) بِسُكُون الْيَاء وَصله بنية الْوَقْف (بِقِيمَتِه فِي الْحَال) أَي ويسرى عَلَيْهِ الْعتْق إِلَى حِصَّة غَيره إِن كَانَ مُوسِرًا وَيغرم قيمتهَا لَهُ فِي الْحَال وَإِن أيسر بِقِيمَة بعضه سرى إِلَيْهِ كَذَلِك (والمعسر) يعْتق عَلَيْهِ (قدر حِصَّته) وَالْقَوْل فِي قدر الْقيمَة قَول الْمُعْتق وَلَا فرق فِي السَّرَايَة بَين كَون الْمُعْتق مُسلما أم كَافِرًا واستيلاد أحد الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسر يسرى كَالْعِتْقِ وَعَلِيهِ قيمَة حِصَّة شَرِيكه وقسطها من مهر الْمثل لَا قيمتهَا من الْوَلَد فَإِن كَانَ مُعسرا لم يسر وَلَا يسرى تَدْبِير وَلَا يمْنَع السَّرَايَة دين مُسْتَغْرق (وَمَالك الْأُصُول وَالْفُرُوع) من النّسَب (تعْتق) أَبَا كَانَ أم جدا أم أما أم جدة أم ولد أم ولد ولد وَإِن علا الأَصْل وسفل الْفَرْع (كالميراث وَالْمَبِيع) أَي سَوَاء أملكهم بِالِاخْتِيَارِ أم بالقهر كَالْإِرْثِ وَخرج غَيرهم من الْأَقَارِب كالإخوة فَلَا يعْتق أحد مِنْهُم عَلَيْهِ وَلَا يشترى لطفل أَو نَحوه بعضه وَلَو وهب لَهُ أَو أوصى لَهُ فَإِن كَانَ كاسبا فعلى الْوَلِيّ قبُوله وَيعتق عَلَيْهِ وَينْفق من كَسبه وَإِلَّا فَإِن لم تلْزمهُ نَفَقَته وَجب على الْوَجْه الْقبُول وَنَفَقَته فِي بَيت المَال وَإِن لَزِمته حرم عَلَيْهِ الْقبُول وَلَو ملك فِي مرض مَوته بعضه بِلَا عوض عتق من رَأس المَال (لمعتق حق الْوَلَاء وجبا) على عتيقه وَإِن أعْتقهُ بعوض أَو عتق عَلَيْهِ فيرثه إِن لم يكن لَهُ وَارِث من النّسَب أَو لم يسْتَغْرق فيرث الْفَاضِل (ثمَّ) الْوَلَاء (لمن بِنَفسِهِ تعصبا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله يقدم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَيثبت الْوَلَاء للْمُعْتق (وَلَو مَعَ اخْتِلَاف دين أوجبه) وَإِن لم يتوارثا ولعصباته فِي حَيَاته (وَلَا يَصح بَيْعه) أَي الْوَلَاء (وَلَا الْهِبَة) لِأَنَّهُ معنى يُورث بِهِ فَلَا ينْتَقل بِالْبيعِ وَالْهِبَة كالقرابة
(1/334)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب التَّدْبِير) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
هُوَ لُغَة النّظر فِي عواقب الْأُمُور وَشرعا تَعْلِيق عتق بِالْمَوْتِ وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع خبر الصَّحِيحَيْنِ أَن رجلا دبر غُلَاما لَيْسَ لَهُ مَال غَيره فَبَاعَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فتقريره لَهُ وَعدم إِنْكَاره يدل على جَوَازه وأركانه ثَلَاثَة مَحل وَصِيغَة وَأهل فَلَا يَصح تَدْبِير غير مُكَلّف إِلَّا السَّكْرَان وتدبير مُرْتَد مَوْقُوف إِن أسلم صَحَّ وَإِلَّا فَلَا (كَقَوْلِه) أَي الشَّخْص (لعَبْدِهِ) أَو أمته (دبرتك أَو أَنْت حر) أَو مُدبر (بعد موتى) أَو أَعتَقتك بعد موتى وَينْعَقد بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّة كخليت سَبِيلك بعد موتى ومضافا إِلَى جُزْء كدبرت ربعك وَلَا يسرى كَمَا مر ومقيدا كَإِن مت فِي ذَا الشَّهْر أَو الْمَرَض فَأَنت حر فَإِن مَاتَ على الصّفة الْمَذْكُورَة عتق وَإِلَّا فَلَا أَو إِن قَرَأت الْقُرْآن فَأَنت حر بعد موتى فقرأه جَمِيعه صَار مُدبرا أَو بعضه فَلَا ومعلقا كَانَ دخلت الدَّار فَأَنت حر بعد موتى فَيعتق بعد مَوته إِن دَخلهَا قبله فَإِن قَالَ إِن مت ثمَّ دخلت اشْترط دُخُوله بعد الْمَوْت وَهُوَ على التَّرَاخِي وَلَيْسَ للْوَارِث بَيْعه قبل الدُّخُول وَلَو قَالَ إِذا مت وَمضى شهر فَأَنت حر فللوارث استخدامه فِي الشَّهْر لَا بَيْعه وَلَو قَالَ إِن شِئْت فَأَنت حر أَو مُدبر بعد موتى اشْترطت الْمَشِيئَة فَوْرًا فَلَو قَالَ مَتى شِئْت فللتراخي وتشترط الْمَشِيئَة فِي الصُّورَتَيْنِ قبل موت السَّيِّد (ذلكا) بِأَلف الْإِطْلَاق فِيهِ وَفِيمَا قبله (يعْتق بعده) أَي بعد موت السَّيِّد (من الثُّلُث لمَال) خَلفه بعد الدّين كَالْوَصِيَّةِ فَيعتق كُله إِن خرج من الثُّلُث وَإِلَّا عتق مِنْهُ بِقَدرِهِ وَسَوَاء أوقع فِي الصِّحَّة أم الْمَرَض وَإِن احتملت الصِّحَّة وَالْمَرَض فَوجدت فِي الْمَرَض عتق من رَأس المَال إِن لم تُوجد بِاخْتِيَار السَّيِّد وَإِلَّا فَمن الثُّلُث (وَيبْطل التَّدْبِير حَيْثُ الْملك زَالَ) بِبيع أَو نَحوه وَلَو عَاد ملكه إِلَيْهِ لم يعد التَّدْبِير وَلَا يَصح رُجُوعه عَنهُ بالْقَوْل وَلَو علق عتقه بِصفة صَحَّ وَعتق بالأسبق فَفِي سبق الْمَوْت الْعتْق بِالتَّدْبِيرِ وَله وَطْء مدبرته وَلَا يكون رُجُوعا عَن التَّدْبِير فَإِن أولدها بَطل تَدْبيره وَيتبع الْمُدبرَة حملهَا الْحَاصِل عِنْد التَّدْبِير أَو موت السَّيِّد وَلَو ادّعى رَقِيقه التَّدْبِير فَأنْكر فَلَيْسَ بِرُجُوع بل يحلف أَنه مَا دبره وَلَو وجد مَعَ مُدبر مَال فَقَالَ كسبته بعد موت السَّيِّد وَقَالَ الْوَارِث قبله صدق الْمُدبر بِيَمِينِهِ لِأَن الْيَد لَهُ وَتقدم بَينته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْكِتَابَة) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
بِكَسْر الْكَاف وَقيل بِفَتْحِهَا كالعتاقة وَهِي لُغَة الضَّم وَالْجمع وَشرعا عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمين فَأكْثر وَهِي خَارِجَة عَن قَوَاعِد الْمُعَامَلَات لدورانها بَين السَّيِّد ورقيقه وَلِأَنَّهَا بيع مَاله بِمَالِه وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يَبْتَغُونَ الْكتاب مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا} وَخبر من أعَان غارما أَو غازيا أَو مكَاتبا فِي فك رقبته أظلهُ الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله وَخبر الْمكَاتب قن مَا بقى عَلَيْهِ دِرْهَم وَله أَرْبَعَة أَرْكَان مكَاتب ومكاتب وَعوض وَصِيغَة (إِذا كسوب ذُو أَمَانَة طلبَهَا) وَإِنَّمَا لم تجب حِينَئِذٍ قِيَاسا على التَّدْبِير وَشِرَاء الْقَرِيب وَلَا تكره بِحَال نعم إِن كَانَ الرَّقِيق فَاسِقًا وَعلم سَيّده أَنه لَو كَاتبه مَعَ عَجزه عَن الْكسْب لاكتسب بطرِيق الْفسق حرمت كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ (من غير مَحْجُور عَلَيْهِ يسْتَحبّ) أَي يعْتَبر فِي السَّيِّد أَهْلِيَّة التَّبَرُّع فَلَا تصح من صبي
(1/335)

وَمَجْنُون ومحجور عَلَيْهِ بِسَفَه وأوليائهم ومكروه وَلَا كِتَابَة مَرْهُون ومكرى (وَشَرطهَا مَعْلُوم مَال) أَي شَرط الْكِتَابَة كَونهَا على مَال وَكَونه مَعْلُوما (وَأجل) أَي يعْتَبر كَون مَالهَا مُؤَجّلا وَكَونه (نجمان أَو أَكثر مِنْهَا) بإفراد الضَّمِير بِإِطْلَاق الْجمع على اثْنَيْنِ وَهُوَ صَحِيح (لَا أقل) مِنْهُمَا وَلَا بَأْس بِكَوْن الْمَنْفَعَة فِي الذِّمَّة وَمن ذَلِك أَن يكاتبه على بِنَاء دارين موصوفتين فِي وَقْتَيْنِ معلومين وَشرط الْمَنْفَعَة الَّتِي يُمكن الشُّرُوع فِيهَا فِي الْحَال كالخدمة اتصالها بِالْعقدِ وَلَا بُد من ضميمة مَعهَا كخدمة شَهْرَيْن من الْآن أَو دِينَار بعد يَوْم مِنْهُ بِخِلَاف مَا لَو اقْتصر على خدمَة شَهْرَيْن وَصرح بِأَن كل شهر نجم وَتَصِح كِتَابَة من بَاقِيه حر وَلَو كَاتبه كُله صَحَّ فِي الرّقّ دون غَيره وَلَو كَاتب بعض رَقِيق فَسدتْ مُطلقًا لِأَنَّهُ لَا يسْتَقلّ فِيهَا بالتردد لِاكْتِسَابِ النُّجُوم نعم لَو أوصى بِكِتَابَة رَقِيقه فَلم يخرج من الثُّلُث إِلَّا بعضه وَلم تجز الْوَرَثَة صحت فِي ذَلِك الْبَعْض وَلَو كَاتب فِي مرض مَوته بعض رَقِيقه وَذَلِكَ الْبَعْض ثلث مَاله صَحَّ وصيغتها كاتبتك على كَذَا منجما إِذا أديته فَأَنت حر وَيبين عدد النُّجُوم وَوقت كل منجم وَلَو ترك لفظ التَّعْلِيق ونواه كفى وَيَقُول الْمكَاتب قبلت (وَالْفَسْخ للْعَبد) أَي للرقيق فَهِيَ جَائِزَة من جِهَته لِأَنَّهَا عقدت لحظه (مَتى شَاءَ) وَحَيْثُ فعل ذَلِك (انْفَصل) مِنْهَا وَله ترك الْأَدَاء وَإِن كَانَ مَعَه وَفَاء فَلَا يجْبر على الْأَدَاء (لَا سيد) فَلَيْسَ لَهُ فَسخهَا لِأَنَّهَا لَازِمَة من جِهَته (إِلَّا إِذا عجز) عَن أَدَاء النَّجْم أَو بعضه (حصل) من الْمكَاتب عِنْد مَحَله فللسيد فَسخهَا بِنَفسِهِ وَإِن شَاءَ بالحاكم وَلَيْسَ على الْفَوْر وكعجزه امْتِنَاعه من الْأَدَاء مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ وحلول النَّجْم وَهُوَ غَائِب أَو غيبته بعد حُلُوله بغيرإذن السَّيِّد وَلَو استمهل عِنْد الْحُلُول سنّ إمهاله وَإِن كَانَ مَعَه عرُوض لزم إمهاله إِلَى بيعهَا فَإِن عرض كساد فَلهُ أَن لَا يزِيد على ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن كَانَ مَاله غَائِبا فِي دون مرحلَتَيْنِ أمْهل إِلَى إِحْضَاره وَإِلَّا فَلَا وَلَو غَابَ وَله مَال حَاضر امْتنع على الْحَاكِم الْأَدَاء مِنْهُ بل يُمكن السَّيِّد من الْفَسْخ وَلَا تَنْفَسِخ بجنون الْمكَاتب ويؤدى عَنهُ الْحَاكِم إِن وجد لَهُ مَالا وَرَأى لَهُ مصلحَة فِي الْحُرِّيَّة وَإِن لم يجد لَهُ مَالا مكن سَيّده من الْفَسْخ ثمَّ أَفَاق وَظهر لَهُ مَال دَفعه إِلَى السَّيِّد وَحكم بِعِتْقِهِ وَنقض التَّعْجِيز وَلَا تَنْفَسِخ بجنون السَّيِّد فَإِن دفع المَال إِلَى وليه عتق أَولا فَلَا فَإِن تلف فِي يَده لم يضمنهُ ولوليه تعجيزه وَلَا بإغمائه وَلَا بِالْحجرِ عَلَيْهِ بِسَفَه وَلَا بإغماء الْمكَاتب (أجزله) أَي الْمكَاتب (تَصرفا كَالْحرِّ) فِي مُعظم التَّصَرُّفَات فيبيع ويشترى ويؤجر ويستأجر وَيَأْخُذ بِالشُّفْعَة وَيقبل الْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَالْوَصِيَّة ويصطاد ويحتطب وَلَو آجر نَفسه أَو مَاله مُدَّة فعجزه السَّيِّد فِيهَا انْفَسَخ العقد (لَا تَبَرعا وخطرا إِذْ فعلا) أَي لَا يَصح مِنْهُ تصرف فِيهِ تبرع أَو خطر إِلَّا بِإِذن سَيّده كهبته وإقراضه وقراضه وَتصدق وتبسطه فِي الملابس والمآكل وإنفاقه على الْأَقَارِب وشرائه بالمحاباة وتسليمه الثّمن قبل قبض الْمَبِيع واتهام من يعْتق عَلَيْهِ إِن عجز عَن الْكسْب وَإِلَّا ندب لَهُ قبُوله ويكاتب عَلَيْهِ وَلَا يعْتق وَلَا يطَأ أمته وَإِن أذن لَهُ السَّيِّد (وَحط شَيْء لَازم للْمولى عَنهُ) من نُجُوم الْكِتَابَة وَيقوم مقَامه دَفعه إِلَيْهِ بعد قَبضه وَغَيره من جنسه والحط أولى من الدّفع (وَفِي النَّجْم الْأَخير أولى) لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْعتْق ويكفى مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَلَا يخْتَلف بِكَثْرَة المَال وَقَتله فَإِن اخْتلفَا فِيهِ قدره الْحَاكِم بِاجْتِهَادِهِ وَوقت وُجُوبه قبل الْعتْق وَيجوز من حِين الْكِتَابَة وَبعد الْأَدَاء وَالْعِتْق قَضَاء وَيسْتَحب الرّبع وَإِلَّا فالسبع (وَهُوَ) أَي الْمكَاتب رَقِيق مَا بقى عَلَيْهِ شَيْء) وَإِن قل من مَال الْكِتَابَة (إِلَى أَدَائِهِ إِلَيْهِ) أَو إبرائه مِنْهُ فَإِنَّهُ يعْتق بِهِ كَمَا
(1/336)

يعْتق بِالْأَدَاءِ وَلَو أَتَى الْمكَاتب بِمَال فَقَالَ السَّيِّد هُوَ حرَام صدق الْمكَاتب وَيُقَال للسَّيِّد خُذْهُ أَو أبرئه من قدره فَإِن أَبى قَبضه الْحَاكِم فَإِن كَانَ قدر النَّجْم عتق فَإِن نكل حلف السَّيِّد وَتسمع بَينته وَلَو خرج الْمُؤَدى مُسْتَحقّا رَجَعَ السَّيِّد بِبَدَلِهِ وَهُوَ مُسْتَحقّه فَإِن كَانَ فِي النَّجْم الْأَخير بَان أَن لَا عتق وَإِن قَالَ عِنْد أَخذه أَنْت حر أَو معيبا رده وَأخذ بدله وَله أَن يرضى بِهِ وَمَا تقرر كُله فِي الْكِتَابَة الصَّحِيحَة وَأما غَيرهَا فباطلة أَو فَاسد فالباطلة مَا اخْتَلَّ بعض أَرْكَانهَا كَأَن كَانَ السَّيِّد صَبيا أَو مَجْنُونا أَو مكْرها أَو الرَّقِيق كَذَلِك أَو كَاتب الْوَلِيّ رَفِيق موليه أَو كَانَ عوضهَا غير مَقْصُود كَدم وحشرات أَو لم يجر فِيهَا ذكر عوض فَهِيَ لاغية وَأما الْفَاسِد فَهِيَ مَا اخْتَلَّ بعض شُرُوطهَا كعوض محرم مَقْصُود أَو شَرط فَاسد كَشَرط أَن تبيعه بِكَذَا أَو أجل فَاسِدَة فَهِيَ كالصحيحة فِي أُمُور مِنْهَا استقلاله بِالْكَسْبِ وَأخذ أرش جِنَايَة عَلَيْهِ وَمهر شُبْهَة وعتقه بِالْأَدَاءِ وتبعية كَسبه لَهُ وكالتعليق فِي أُمُور مِنْهَا أَنه لَا يعْتق بإبراء وَلَا بأَدَاء غَيره عَنهُ تَبَرعا وَتبطل بِمَوْت سَيّده قبل الْأَدَاء وَتَصِح الْوَصِيَّة بِرَقَبَتِهِ وَلَا يصرف لَهُ من سهم المكاتبين وتخالفهما فِي أُمُور مِنْهَا أَن للسَّيِّد فَسخهَا بِنَفسِهِ أَو بالحاكم وَأَنه لَا يملك مَا يَأْخُذهُ بل يرجع الْمكَاتب بِهِ أَو قِيمَته إِن كَانَ مُتَقَوّما بِخِلَاف غَيره كَالْخمرِ فَلَا يرجع فِيهِ بِشَيْء فَإِن تلف جمع عَلَيْهِ بِمثلِهِ أَو قِيمَته وَيرجع عَلَيْهِ السَّيِّد بِقِيمَتِه يَوْم عتقه فَإِن كَانَ من جنس وَاحِد من نقد الْبَلَد تقاصا فَيسْقط أحد الدينَيْنِ المتساويين بِالْآخرِ بِلَا رضَا وَيرجع صَاحب الْفضل بِهِ وَتبطل الْفَاسِدَة بجنون السَّيِّد وإغمائه وَالْحجر عَلَيْهِ بِسَفَه لَا بجنون الرَّقِيق وإغمائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الإيلاد) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي نُسْخَة عتق أم الْوَلَد (لَامة لَهُ) وَلَو وثنية أَو مَجُوسِيَّة أَو مرتدة أَو مُحرمَة أَو صَائِمَة (تكون ملكا) لَهُ (أَو بَعْضهَا) بِوَطْء مُبَاح أَو حرَام بِسَبَب نسب أَو رضَاع أَو مصاهرة أَو حيض أَو نِكَاح أَو باستدخال ذكره أَو منيه الْمُحْتَرَم (يُوجب عتق تلكا بِمَوْتِهِ) وَلَو بقتلها لَهُ وَالْولد حر وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَجْمُوع أَحَادِيث عضد بَعْضهَا بَعْضًا كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَارِيَة أم وَلَده أعْتقهَا وَلَدهَا أَي أثبت لَهَا حق الْحُرِّيَّة وَقَوله أَيّمَا أمة ولدت من سَيِّدهَا فَهِيَ حرَّة عَن دبر مِنْهُ وَقَوله أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن وَلَا يوهبن وَلَا يورثن يسْتَمْتع بهَا سَيِّدهَا مَا دَامَ حَيا فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة وَقَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لم يتْرك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دِينَارا وَلَا درهما وَلَا عبدا وَلَا أمة وَكَانَت مَارِيَة من جملَة المخلف عَنهُ فَدلَّ على أَنَّهَا عتقت بِمَوْتِهِ وَسبب عتق أم الْوَلَد انْعِقَاده حرا بِالْإِجْمَاع وَخبر إِن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تَلد الْأمة ربتها وَفِي رِوَايَة رَبهَا أَي سَيِّدهَا وَولد الْمُشْتَركَة ينْعَقد حرا ويسرى الايلاد إِلَى حِصَّة شَرِيكه مِنْهَا إِذا أيسر بِقِيمَتِهَا وعتقت بِمَوْتِهِ وَإِلَّا عتق نصِيبه وكأمته أمة فَرعه الَّتِي لم يستولدها وَأمة مكَاتبه وَمحل مَا ذكره مَا لم يمْنَع من ذَلِك مَانع وَإِلَّا لم ينْعَقد كإيلاد الْمُعسر الْمَرْهُونَة أَو الجانية وَلم يكن فرعا للمولد (ونسلها) أَي أَوْلَاد أم الْوَلَد من زوج أَو زنا (بهَا الْتحق من غَيره) فحكمهم حكمهَا فِي الْحُرِّيَّة فيعتقون بِمَوْت السَّيِّد وَإِن مَاتَت فِي حَيَاته لِأَن الْوَلَد يتبع أمه فِي الرّقّ وَالْحريَّة وَكَذَا فِي بيعهَا (من بعد الايلاد) ينْقل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى اللَّام قبلهَا أَي إِنَّمَا يلحقون بهَا إِذا حدثوا بعد إيلادها أما لَو حدثوا قبله من زوج أَو زنا
(1/337)

فَلَا يعتقون بِمَوْت السَّيِّد وَله بيعهم لحدوثهم قبل ثُبُوت حق الْحُرِّيَّة للْأُم (عتق من رَأس المَال) أَي تعْتق أم الْوَلَد من رَأس مَال سَيِّدهَا (قبل دين) أَي يقدم عتقهَا على دُيُونه ووصاياه لِأَن إلادها بِمَنْزِلَة استهلاكها وكما يثبت الايلاد بانفصال الْوَلَد حَيا أَو مَيتا يثبت حكمه (وَاكْتفى بِوَضْع مَا فِيهِ تصور خفى) من خلقَة الْآدَمِيّين وَلَو لأهل الْخِبْرَة وَخرج بِهِ مَا لَو قَالُوا أَنه أصل آدمى وَلَو بقى لتصور فَلَا يثبت بِهِ إيلاد وَلَا تجب بِهِ غرَّة لِأَنَّهُ لَا يُسمى ولدا (جَازَ الكرا) أَي جَازَ للسَّيِّد كِرَاء الْمُسْتَوْلدَة (وخدمة) أَي أستخدامها (جماع) أَي وَطْؤُهَا إِن لم يمْنَع مِنْهُ مَانع وَأرش جِنَايَة عَلَيْهَا وعَلى أَوْلَادهَا التَّابِعين لَهَا وقيمتهم إِن قتلوا لبَقَاء ملكه عَلَيْهِم وَله تَزْوِيجهَا بِغَيْر إِذْنهَا (لَا هبة) أَي لَا يجوز لَهُ هبتها وَالرَّهْن أَي رَهنهَا وابتياع) أَي وَلَا بيعهَا وَلَو مِمَّن تعْتق عَلَيْهِ لما مر وَلِأَن الْهِبَة وَالْبيع ينْتَقل الْملك للْغَيْر بهما وَالرَّهْن يُسَلط عَلَيْهَا وكما تحرم عَلَيْهِ هَذِه الْأُمُور لَا تصح نعم يَصح بيعهَا من نَفسهَا لِأَنَّهُ عقد عتاقه فِي الْحَقِيقَة (ومولد بالآختيار) بَيَان لكَون الْوَطْء بزنا لَا لكَون ولد الْمُكْره ينْعَقد حرا (جاريه مَمْلُوكَة (لغير مَنْكُوحَة) أَي بِنِكَاح (أَو زَانِيَة) أَي بزنا (فالنسل) أَي وَلَدهَا (قن مَالك) لَهَا أَي مَمْلُوك لَهُ (وَالْفرع) أَي الْوَلَد (حر) حَيْثُ حصل (من وَطئه بِشُبْهَة) كَأَن ظن أَنَّهَا زَوجته الْحرَّة أَو أمته (أَو حَيْثُ غر) كَأَن حصل بِنِكَاح غير بحريتها فِيهِ (أَو بشرَاء فَاسد) ظن صِحَّته عملا بظنه (فان ملك) المولد (ذى) أَي أمه الْغَيْر (بعد) أَن أولدها (لم يعْتق عَلَيْهِ إِن هلك لَكِن عَلَيْهِ قيمَة) الْوَلَد (الْحر ثَبت) وَيعْتَبر وَقت انْفِصَاله لمَالِك أمه لتفويته رقّه بظنه (بِحَمْد رَبِّي زبد الْفِقْه انْتَهَت) قد مضى معنى الْحَمد لُغَة وَعرفا
وَلما كَانَت هَذِه الْمَنْظُومَة مُسَمَّاة بالصفوة الَّتِى اشتق مِنْهَا علم التصوف ناسب أَن لَا تَخْلُو عَن قِطْعَة مِنْهُ ليُوَافق الِاسْم الْمُسَمّى وَكَانَ الْخَتْم بِهِ أولى ليَكُون خَاتمه الْفَقِيه تَطْهِير قلبه وتصفية سَرِيرَته ليلقى الله الْكَرِيم بقلب سليم وَلِهَذَا خَتمهَا النَّاظِم بِهِ فَقَالَ
(خَاتِمَة)
وَفِي بعض النّسخ فِي علم التصوف الْمُصَفّى للقلوب وَهُوَ كَمَا قَالَه الْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ تَجْرِيد الْقلب لله واحتقار مَا سواهُ قَالَ وَحَاصِله يرجع إِلَى عمل الْقلب والجوارح (من نَفسه شريفة أَبِيه) أَي تأبى إِلَّا الْعُلُوّ الأخروي (يربأ) بِالْهَمْزَةِ أَي يرْتَفع (عَن أُمُوره الدنيه) من الْأَخْلَاق المذمومة كالكبر وَالْغَضَب والحقد والحسد وَسُوء الْخلق وَقلة الِاحْتِمَال (وَلم يزل يجنح) بِفَتْح النُّون وَضمّهَا أَي يمِيل (للمعالى) من اموره من الْأَخْلَاق المحمودة كالتواضع وَالصَّبْر وسلامة الْبَاطِن والزهد وَحسن الْخلق وَكَثْرَة الأحتمال (يسهر فى طلابها اللَّيَالِي) كَمَا يُقَال
(1/338)

وَمن طلب الْعلَا سهر اللَّيَالِي وَحَاصِله أَن يتعاطى معالي الْأُمُور فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن ويجتنب رديئها وَالدُّنْيَا الَّتِي قَالَ فِيهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو كَانَت الدُّنْيَا تزن عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقى مِنْهَا كَافِر أشربه مَاء وَقَالَ الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله تَعَالَى وَمَا وَالَاهُ وعالما أَو متعلما وَلَو لم يكن فِي محبَّة الدُّنْيَا من الْمفْسدَة إِلَّا الاشغال بهَا عَن الله تَعَالَى وَقد قَالَ بَعضهم لوَلَده يَا بنى لَا تغبطن أهل الدُّنْيَا على دنياهم فوَاللَّه مَا نالوها رخيصة وَوَاللَّه مَا نالوها حَتَّى فقدوا الله وَمَا ذكره النَّاظِم هُوَ عالي الهمة وسيأتى دنيئها وَهَذَا مَأْخُوذ من حَدِيث أَن الله يحب معالى الْأُمُور وَيكرهُ سفسافها أَي دنيئها فالمعالى والمسفساف كلمتان جامعتان لأسباب السَّعَادَة والشقاوة (وَمن يكون عَارِفًا بربه) أَي بِمَا يعرف بِهِ من صِفَاته (تصور ابتعاده) لعَبْدِهِ باضلاله وَإِرَادَة الشَّرّ بِهِ (من قوبه) لَهُ بهدايته وتوفيقه (فخاف) عِقَابه (وارتجى) ثَوَابه (وَكَانَ صاغيا) بِهِ لما (يكون آمرا) بِهِ (وناهيا) عَنهُ (فَكل مَا أمره) بِهِ يرتكب وَمَا نهى عَن فعله يجْتَنب فَصَارَ محبوبا لخالق الْبشر والمخلوقات بأسرها (لَهُ بِهِ سمع وبطش وبصر) فتترتب على محبَّة الله صِيَانة جوارحه وحواسه فَلَا يسمع إِلَّا لله وَلَا يبصر إِلَّا لَهُ وَلَا يبطش إِلَّا لأَجله كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أحب لله وَأبْغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الايمان وكما كَانَت حَالَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه مَا انتقم لنَفسِهِ فِي شئ يوتى إِلَيْهِ إِلَّا أَن تنتهك حرمات الله فَيكون هُوَ المنتقم لله (وَكَانَ لله وليا) يحْتَمل أَن يكون فعيل بِمَعْنى فَاعل أَي ولي أَمر الله أَو بِمَعْنى مفعول أَي ولى الله أمره (إِن طلب) مِنْهُ (أعطَاهُ) وَإِن استعاذ بِهِ أَعَاذَهُ (ثمَّ زَاده مِمَّا أحب) قَالَ بَعضهم الْعَارِف عِنْد أهل التصوف من عرف الْحق بأسمائه وَصِفَاته ثمَّ صدق الله تَعَالَى فِي جَمِيع معاملاته ثمَّ تنفى عَن أخلاقه المذمومة وآفاته ثمَّ طَال بِالْبَابِ وُقُوفه ودام بِالْقَلْبِ عكوفه فحظى من الله بِجَمِيعِ آماله وَصدق الله تَعَالَى فِي جَمِيع أَعماله وأحواله وانقطعت عَنهُ هواجس نَفسه وَلم يصغ بِقَلْبِه إِلَى خاطر يَدعُوهُ إِلَى غَيره (وقاصر الهمة) أَي دنيئها بِأَن جنح إِلَى سفساف الْأُمُور وَعدل عَن معامليها فَلَا يرفع نَفسه بالمجاهدة لِأَنَّهُ أسرته الشَّهْوَة وميل النَّفس إِلَى الرَّاحَة فَصَارَ (لَا يبالى) هَل قربه الله أَو أبعده فَلَا يتَعَلَّم أمره وَلَا نَهْيه وَلَا يعْمل بِمُقْتَضى وَاحِد مِنْهُمَا لَو علمه وَلَا يبالى بِمَا أكتسبه من المَال هَل هُوَ من حَلَال أَو حرَام وَلَا مَا عمله من الْأَعْمَال هَل يُوَافق الشَّرْع أَولا وَلَا يبالى فِي أَفعاله هَل تسخط الرب أَو ترضيه وَقد أعرض عَن اخراه وانهمك فِي دُنْيَاهُ وَقد قَالَ الْعلمَاء رَضِي الله عَنْهُم الخسيس من بَاعَ دينه بدنياه وأخس الأخساء من بَاعَ دينه بدنيا غَيره وَهُوَ متكل بجهله وغروره على عَفْو الله وَكَرمه بِلَا خوف وَلَا عمل وَحِينَئِذٍ (يجهل فَوق الْجَهْل كالجهال) فالجهل أول دَاء النَّفس ثمَّ حب الْأَشْيَاء ثمَّ قلَّة المبالاة ثمَّ الجرأة ثمَّ قلَّة الْحيَاء ثمَّ المنى بفوز الْآخِرَة وَهَذَا حَال من ركبته النَّفس الأمارة بالسوء وَأول منزل من منَازِل السالك ذبح نَفسه بسكين الرياضة (فدونك) أَيهَا الْمُخَاطب بعد أَن عرفت عالى الهمة ودنيئها وَعلمت أَن الله مطلع على أقوالك وأعمالك وَمَا فِي قَلْبك ومجازيك على سَائِر
(1/339)

أعمالك من ثَوَاب أَو عِقَاب فَخذ لنَفسك وَانْظُر أَيهمَا ترضاه لنَفسك (الصّلاح) الْمُوجب للفوز بالنعيم الْمُقِيم (أَو فَسَادًا) تسْتَحقّ بِهِ الْعَذَاب الْأَلِيم فِي نَار الْجَحِيم أَو رضَا (أَو سخطا أَو تَقْرِيبًا) من الْجنَّة (أَو إبعادا) بِحَذْف الْهمزَة فيهمَا للوزن عَنْهَا أَو سَعَادَة من الله أَو شقاوة ونعيما مِنْهُ أَو جحيما وَأفَاد بذلك الاغراء بِالنِّسْبَةِ للصلاح وَمَا يُنَاسِبه والتحذير بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفساد وَمَا يُنَاسِبه وَنَظِير اعملو اما شِئْتُم إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (وزن) أَنْت (بِحكم الشَّرْع كل خاطر) لَك (فان يكن مأموره) وجوبا اَوْ ندبا (فبادر) إِلَى فعله أَو منهى عَنهُ فبادر إِلَى الْكَفّ عَنهُ فَإنَّك إِن توقفت برد الْأَمر وهبت ريح التكاسل (وَلَا تخف) أَي لَا تتْرك الْمَأْمُور بِهِ من صَلَاة أَو غَيرهَا (وَسْوَسَة الشَّيْطَان) فَإنَّك لَا تقدر على صَلَاة بِلَا وَسْوَسَة فقد اجْتهد الأكابر أَن يصلوا رَكْعَتَيْنِ بِلَا وَسْوَسَة من الشَّيْطَان وَحَدِيث النَّفس بِأُمُور الدُّنْيَا فعجزوا وَلَا مطمع فِيهِ لأمثالنا (فانه أَمر من الرَّحْمَن) رَحِمك بِهِ حَيْثُ أخطره ببالك ثمَّ الخاطر الَّذِي من الرَّحْمَن يَنْقَسِم إِلَى ملكى وإلهامى فالملكى مَا يلقيه الْملك الَّذِي على يَمِين الْقلب فِيهِ والالهامى إِيقَاع شئ فِي الْقلب ينشرح لَهُ الصَّدْر وَالْفرق بَينهمَا أَن إِلْقَاء الْملك قد تعارضه النَّفس والشيطان بالوساوس بِخِلَاف الخواطر الإلهية فانها لَا يردهَا شئ بل تنقاد لَهَا النَّفس والشيطان طَوْعًا اَوْ كرها وَإِذا كَانَ الخاطر مُبَاحا كَأَكْل ونوم وَغَيرهمَا فجدد لَهُ نِيَّة صَالِحَة ليصير مَأْمُورا بِهِ كَأَن تنام وَقت القيلولة لتنشط لِلْعِبَادَةِ فِي اللَّيْل كَمَا مر فِي الْمُقدمَة فِي قَوْله لَكِن إِذا نوى بِأَكْلِهِ القوى الْبَيْت (فان تخف وُقُوعه) أَي الْمَأْمُور بِهِ (مِنْك على منهى وصف مثل إعجاب) أَو رِيَاء (فَلَا) يكون ذَلِك مَانِعا لَك من الْمُبَادرَة إِلَيْهِ بل أتم الْأَمر وَاحْترز عَن المنهى عَنهُ وَخرج بقوله وُقُوعه إِيقَاعه بِأَن أوقعته عَلَيْهِ قَاصِدا لَهُ فَإِن ذَلِك محبط للْعَمَل مُوجب للاثم فَاسْتَغْفر الله وَتب إِلَيْهِ مِنْهُ وَقد قَالَ الفضيل بن عِيَاض الْعَمَل لأجل النَّاس شرك وَترك الْعَمَل لأجل النَّاس رِيَاء والاخلاص أَن يعافيك الله مِنْهُمَا (وَإِن يَك استغفارنا يفْتَقر لمثله) أَي لاستغفار مثله لنقصه بغفلة قُلُوبنَا مَعَه بِخِلَاف اسْتِغْفَار الخلص ورابعه العدوية مِنْهُم وَقد قَالَت استغفارنا يحْتَاج إِلَى اسْتِغْفَار هضما لنَفسهَا لَا يُوجب ترك الأستغفار منا الْمَأْمُور بِهِ بِأَن يكون الصمت خيرا مِنْهُ (فإننا نَسْتَغْفِر) وَإِن احْتَاجَ إِلَى الاسْتِغْفَار لِأَن اللِّسَان إِذا ألف ذكرا أَو شكّ أَن يألفه الْقلب فوافقه فِيهِ (فاعمل وداو الْعجب حَيْثُ يخْطر) لَك بِأَن تعلم ظُهُوره من النَّفس (مُسْتَغْفِرًا) الله مِنْهُ إِذا وَقع قصدا (فَإِنَّهُ يكفر) أَي فَإِن ذَلِك كَفَّارَته وَلَا تدع الْعَمَل رَأْسا فَإِنَّهُ من مكايد الشَّيْطَان (وَإِن يكن) الخاطر (مِمَّا نهيت عَنهُ فَهُوَ من الشَّيْطَان) أَي من وسوسته أَو من دسيسة النَّفس الأمارة بالسوء (فاحذرنه) وَالْفرق بَينهمَا أَن خاطر النَّفس لَا ترجع عَنهُ وخاطر الشَّيْطَان قد يَنْقُلهُ إِلَى غَيره إِن صمم الانسان على عدم فعله لِأَن قَصده الاغراء لَا خُصُوص قَضِيَّة مُعينَة (فان تمل) نَفسك (إِلَيْهِ) أَي إِلَى فعله أَو فعلته (كن مُسْتَغْفِرًا) رَبك جلّ وَعلا أَي تَائِبًا إِلَيْهِ خَائفًا وَقد حذف النَّاظِم الْفَاء
(1/340)

الدَّاخِلَة على الْجَواب من كن للضَّرُورَة عِنْد الْجُمْهُور وَأَجَازَهُ الْمبرد فِي الِاخْتِيَار قَالَ بَعضهم لَا يجوز إِلَّا فِي ضَرُورَة أَو ندور وَيُقَاس بِهَذَا نَظَائِره السَّابِقَة واللاحقة (من ذَنبه) وَلَا تيأس من رَحْمَة الله (عساه أَن يكفرا) بِأَلف الْإِطْلَاق (فَيغْفر الحَدِيث للنَّفس وَمَا هم إِذا لم يعْمل أَو تكلما) بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السَّاكِن قبلهَا وألفه للاطلاق وَمَا يَقع للنَّفس من الْمعْصِيَة لَهُ مَرَاتِب الأولى الهاجس وَهُوَ مَا يلقى فِيهَا وَلَا يُؤْخَذ بِهِ بالاجماع الثَّانِيَة الخاطر وَهُوَ جَرَيَانه فِيهَا وَهُوَ مَرْفُوع أَيْضا الثَّالِثَة حَدِيث النَّفس وَهُوَ ترددها بَين فعل الخاطر الْمَذْكُور وَتَركه وَهُوَ مَرْفُوع أَيْضا الرَّابِعَة الْهم وَهُوَ قصد الْفِعْل وَهُوَ مَرْفُوع أَيْضا لقَوْله تَعَالَى {إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ} الْآيَة إِذْ لَو كَانَت مُؤَاخذَة لم يكن الله وليهما وَلخَبَر من هم بسيئة وَلم يعملها لم تكْتب أَي عَلَيْهِ وَخبر أَن الله تَعَالَى تجَاوز لامتى مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تعْمل أَو تكلم بِهِ وتصنيه أَنه إِذا تكلم كالغيبة أَو عمل كشرب الْخمر انْضَمَّ إِلَى الْمُؤَاخَذَة بذلك مُؤَاخذَة حَدِيث النَّفس والهم بِهِ وَفِي هَذِه الْمرتبَة تفترق الْحَسَنَة والسيئة فَإِن الْحَسَنَة تكْتب لَهُ السَّيئَة لَا تكْتب عَلَيْهِ بِخِلَاف الثَّلَاثَة الأول فانها لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَاقْتصر النَّاظِم على هَاتين المرتبتين لوضوح الْأَمر فِي الْأَوليين الْخَامِسَة الْعَزْم وَهُوَ قُوَّة الْقَصْد والجزم بِهِ وَهُوَ مؤاخذ بِهِ لقَوْله تَعَالَى {وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} فَجَاهد النَّفس أَي الأمارة بالسوء وجوبا إِذا هَمت بمعصيه الله تَعَالَى (بِأَن لَا تفعلا) لحبها بالطبع مَا نهيت عَنهُ لتطيعك فِي الاجتناب كَمَا تُجَاهِد من يقْصد اغتيالك بل أعظم لِأَنَّهَا تقصد لَك الْهَلَاك الأبدي باستدراجها لَك من مَعْصِيّة إِلَى أُخْرَى حَتَّى توقعك فِيمَا يؤديك إِلَى ذَلِك فَإِنَّهَا أكبر أعدائك وَفِي الْخَبَر أعدى عَدوك نَفسك الَّتِى بَين جنبيك ط وَقَالَ بَعضهم معالجة الْمعْصِيَة إِذا خطرت حَتَّى لَا تقع أَهْون من معالجة التَّوْبَة حَتَّى لَا تقبل لِأَن ذَلِك بكف النَّفس وَالتَّوْبَة بالندم والأسف والبكاء ثمَّ لَا يدرى أَقبلت تَوْبَته أم لَا (فان فعلت) الخاطر الْمَذْكُور لغَلَبَة الأمارة عَلَيْك (فتب) على الْفَوْر وجوبا (واقلع) عَن الْمعْصِيَة (عَاجلا) ليرتفع عَنْك إِثْم فعله بِالتَّوْبَةِ الَّتِى وعد الله بقبولها فضلا مِنْهُ وَبِمَا يتَحَقَّق بِهِ الإقلاع كَمَا سيأتى وَقبُول التَّوْبَة من الْكفْر قطعى وَمن الْمعْصِيَة ظنى على الْأَصَح وَالْوَاقِع فِي الْمعْصِيَة إِن كَانَ لاهيا عَن النهى والوعيد فَهُوَ من الَّذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وَإِن ستحضر النهى والوعيد وأقدم عَلَيْهَا تجريا فَهُوَ هَالك أَو تسويفا فمغرور لتَركه مَا وَجب عَلَيْهِ وتعلقه بِمَا لَا يقدر عَلَيْهِ وَهُوَ التَّوْبَة والنفوس ثَلَاثَة الأولى الأمارة وهى أشرهن الثَّانِيَة اللوامة الَّتِى يَقع مِنْهَا الشَّرّ لَكِنَّهَا تساء بِهِ وتلوم عَلَيْهِ وتسر بِالْحَسَنَة الثَّالِثَة المطمئنة الَّتِى أطمأنت إِلَى الطَّاعَة وَلم تواقع الْمعْصِيَة (وَحَيْثُ لَا تقلع) من فعل الخاطر الْمَذْكُور (لاستلذاذ) بِهِ الشَّيْطَان وَبَقَاء حلاوته فِي قَلْبك يَدْعُوك إِلَيْهِ (أوكسل) عَن الْخُرُوج مِنْهُ (يَدْعُوك) إِلَى ترك الْعَمَل وَيكون ذَلِك (باستحواذ) الشَّيْطَان عَلَيْك فالباء سَبَبِيَّة (فاذكر هجوم هاذم اللَّذَّات وفجأة الزَّوَال والفوات) للتَّوْبَة وَغَيرهَا من الطَّاعَات فان تذكر ذَلِك باعث شَدِيد على الإقلاع عَمَّا يستلذ بِهِ أَو مَا يكسل عَن الْخُرُوج مِنْهُ لخَبر أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات فانه مَا ذكره أحد فِي ضيق إِلَّا وَسعه وَلَا ذكره أحد فِي سَعَة إِلَّا ضيقها عَلَيْهِ وهاذم اللَّذَّات ابالذال الْمُعْجَمَة أَي قَاطع (وَأعْرض التَّوْبَة وهى النَّدَم على ارْتِكَاب مَا عَلَيْك يحرم) من حَيْثُ أَنه محرم فالندم على شرب الْخمر
(1/341)

لإضراره بِالْبدنِ لَيْسَ بتوبة (تحقيقها) أَي التَّوْبَة (إقلاعه) عَن الْمعْصِيَة بالندم عَلَيْهَا لِأَنَّهُ روحها الَّذِي تحيا بِهِ وركنها الْأَعْظَم (فِي الْحَال) من غير تَأْخِير (وعزم ترك الْعود فِي أستقبال) كَمَا لَا يعود اللَّبن إِلَى الضَّرع بعد أَن يخرج مِنْهُ هَذِه هى التَّوْبَة النصوح فان قلت إِنَّمَا يمنعنى من التَّوْبَة أَنى أعلم من نَفسِي أَنى أَعُود إِلَى الذَّنب وَلَا أثبت على التَّوْبَة فَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك فَاعْلَم أَن هَذَا كَمَا قَالَ الغزالى من غرور الشَّيْطَان فَمن أَيْن لَك هَذَا الْعلم فَعَسَى أَن تَمُوت تَائِبًا قبل معاودة الذَّنب واما خوف الْعود فَعَلَيْك الْعَزْم والصدق فِي ذَلِك فبذلك تتخلص من ألم الذَّنب وَتَكون بَين إِحْدَى الحسنيين وَالله ولى التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة (وَإِن تعلّقت بِحَق آدمى) وهى أنكل وأصعب من غَيرهَا (لَا بُد) فِيهَا (من تبرئة للذمم) سَوَاء أَكَانَت فِي مَال ام نفس أم عرض أم حُرْمَة أم دين فَمَا كَانَ فِي المَال فَيجب أَن يردهُ إِلَى مَالِكه أَو من يقوم مقَامه من ولى أَو وَصِيّ أَو غَيرهمَا وَمَا كَانَ فِي نفس فَيمكن الْمُسْتَحق من الْقصاص إِن أَرَادَهُ وَإِلَّا فيحلله وَمَا كَانَ فِي عرض كغيبة أَو شتم فحقك أَن تكذب نَفسك بَين يدى من فعلت ذَلِك عِنْده وتستحل من صَاحبه أَن أمكنك إِن لم تخش هيجان فتْنَة وَإِلَّا فالرجوع إِلَى الله تَعَالَى ليرضيه عَنْك وَالِاسْتِغْفَار الْكثير لصَاحبه وَمَا كَانَ فِي حرمه بِأَن خنته فِي اهله أَو وَلَده أَو أمته أَو نَحْوهَا فَلَا وَجه للاستحال والاظهار فانه يُولد فتْنَة وحقدا فِي الْقُلُوب بل تتضرع إِلَى الله تَعَالَى ليرضيه عَنْك وَيجْعَل لَهُ خيرا فِي مُقَابلَته فان أمنت الْفِتْنَة وهيجانها وَهُوَ نَادِر فتستحل مِنْهُ وَمَا كَانَ فِي الدّين بِأَن كفرته أَو بدعته أَو ضللته فِي دينه فَهُوَ أصعب فتحتاج إِلَى تَكْذِيب نَفسك بَين يدى من قلت لَهُ ذَلِك أَو تستحل من صَاحبه أَن أمكنك وَإِلَّا فلابتهال إِلَى الله تَعَالَى ليرضيه عَنْك والندم على فعله (وواجب) عَلَيْك (إِعْلَامه) أَي الْمُسْتَحق بِمَا وَجب لَهُ عَلَيْك (إِن جهلا) بِأَلف الاطلاق أَي اسْتِحْقَاقه بِأَن تعترف عِنْد ولى الدَّم مثلا وتحكمه فِي نَفسك فان شَاءَ عَفا عَنْك وَإِن شَاءَ قَتلك وَلَا يجوز لَك الأخفاء بِخِلَاف مَا لَو زنى أَو شرب أَو بَاشر مَا يجب فِيهِ حد الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يلْزمه أَن يفضح نَفسه بل عَلَيْهِ أَن يَسْتُرهَا (فان يغب) أَي الْمُسْتَحق عَن الْبَلَد فَابْعَثْ إِلَيْهِ أَي ابْعَثْ لَهُ مَا يسْتَحقّهُ فِي ذِمَّتك أَو مَا يحصل بِهِ الْإِبْرَاء (عجلا) بِلَا تَأْخِير فان انْقَطع خَبره رفع أمره إِلَى قَاض مرضى (فان يمت) الْمُسْتَحق (فَهِيَ) أَي الظلامة أَو تبرئة ذِمَّتك (لوَارث ترى) أَي تعلمه بِدفع الْحق أَو إبرائه إياك مِنْهُ (فان لم يكن) لَهُ وَارِث أَو انْقَطع خَبره فادفعه إِلَى قَاض تعرف سيرته وديانته فان تعذر الْحَاكِم المرضي (فأعطها للفقرا) صَدَقَة عَن الْمُسْتَحق وَلَا تخْتَص بِالصَّدَقَةِ كَمَا قَالَه الأسنوي بل هُوَ مُخَيّر بَين دَفعهَا لمصَالح الْمُسلمين وَدفعهَا إِلَى قَاض بِشَرْطِهِ لتصرف فِي الْمصَالح إِن وجده وَبَين التَّصَدُّق بهَا عَن الْمُسْتَحق (مَعَ نِيَّة الْغرم لَهُ) أَي للْمَالِك إِن قدر عَلَيْهِ أَو على وَارثه وَقدر على وفائه فان كَانَ مُعسرا نوى الْغرم (إِذا حضر) أَي قدر على ذَلِك أَو شَيْء مِنْهُ وَإِن لم يُمكن شَيْء من ذَلِك فليكثر من الْحَسَنَات ليَأْخُذ مِنْهَا عوضا عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وَيكثر الرُّجُوع إِلَى الله بالتضرع والابتهال إِلَيْهِ ليرضى خَصمه عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة ويعوضه عَنهُ (ومعسر ينوى الأدا إِذا قدر) كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ (وَإِن يمت) من عَلَيْهِ الظلامة (من قبلهَا) أَي استيفائها (ترجى لَهُ مغْفرَة الله أَن تناله) الْمَغْفِرَة قَالَ النورى ظواهر السّنة الصَّحِيحَة تَقْتَضِي ثُبُوت الْمُطَالبَة بالظلامة وَإِن مَاتَ مُعسرا عَاجِزا
(1/342)

إِذا كَانَ عَاصِيا بالتزامه فَأَما إِذا اسْتَدَانَ فِي مُبَاح وَاسْتمرّ عَجزه عَن وفائه أَو أتلف شَيْئا خطأ وَعجز عَن غرامته فَالظَّاهِر أَن لَا مُطَالبَة عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة إِذْ لَا مَعْصِيّة والمرجو من فَضله تَعَالَى تعويض الْمُسْتَحق (وَأَن تصح تَوْبَة) أَي تعرية عبد من ذَنْب (وانتقضت بالذنب) وَلَو كَبِيرا (لَا يضر صِحَة مَضَت وَتجب التَّوْبَة) لقَوْله تَعَالَى {وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون} من صغيره فِي الْحَال كالوجوب من كبيره ارتكبها (وَلَو على ذَنْب سواهُ قد أصر) أَي تجب التَّوْبَة وَتَصِح عَن ذَنْب مَعَ الاصرار على ذَنْب آخر (لَكِن بهَا يصفو عَن الْقلب الكدر) أَي من كدورات الْمعْصِيَة لَكِن التصفية من سَائِر الْمعاصِي من أَوْصَاف كَمَال التَّوْبَة لَا من شُرُوطهَا (وواجب) على الْمُكَلف (فِي الْفِعْل إِذْ قد تشكك) فِيمَا خطر فِي سره (أمرت أَو نهيت) أَي أهوَ مِمَّا أَمر بِهِ أَو نهى (عَنهُ تمسك) عَن فعله حذرا من الْوُقُوع فِي المنهى عَنهُ إِذا كَانَ الْأَمر أَمر إِبَاحَة وَالنَّهْي نهي تَحْرِيم فان اشتبها غلب التَّحْرِيم (وَالْخَيْر وَالشَّر مَعًا تجديده) أَي وُقُوع كل مِنْهُمَا (بِقدر الله) تَعَالَى (كَمَا يُريدهُ) وَالْمرَاد بِالْقدرِ مَا قدره الله وقضاه وَكتبه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَسبق بِهِ علمه وإرادته فَكل ذَلِك فِي الْأَزَل مَعْلُوم لَهُ تَعَالَى (وَهُوَ) لَا غَيره (الَّذِي أبدع فعل المكتسب وَالْكَسْب) ثَابت (للْعَبد مجَازًا ينتسب) لَهُ أما الْفَاعِل حَقِيقَة فَهُوَ الله تَعَالَى فافعله لنا تنْسب لنا كسبا وَللَّه خلقا قَالَ الله تَعَالَى {وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ} وَقَالَ {هَل من خَالق غير الله} فالخير مِنْهُ وَالشَّر كَذَلِك وَإِن كَانَ لَا ينْسب لَهُ أدبا فَالله تَعَالَى خَالق غير مكتسب وَالْعَبْد مكتسب غير خَالق فيثاب ويعاقب على مَا اكْتَسبهُ الَّذِي يخلقه الله عقب قَصده لَهُ (وَاخْتلفُوا فرجح التَّوَكُّل) وَهُوَ حَقِيقَة الْكَفّ عَن الأكتساب والاعراض عَن الْأَسْبَاب اعْتِمَادًا على الله تَعَالَى (وَآخَرُونَ) قَالُوا (الِاكْتِسَاب أفضل) لَا لجمع المَال واعتقاد أَنه يجلب الرزق وتجر النَّفْع بل لِأَنَّهُ من النَّوَافِل الَّتِي أَمر الله بهَا فِي قَوْله {وابتغوا من فضل الله} وَطلب التعاون بِالْمُسْلِمين والرفق بهم (و) القَوْل (الثَّالِث) وَهُوَ (الْمُخْتَار أَن يفصلا وباختلاف النَّاس أَن ينزل من طَاعَة الله تَعَالَى) على طَاعَة غَيره (آثرا لَا ساخطا إِن رزقه تعسرا) أَي لم يسْخط إِذا تعسر عَلَيْهِ رزقه (وَلم يكن مستشرفا للرزق من أحد) من النَّاس (بل) يَطْلُبهُ (من إِلَه الْخلق) فَلَا ينزل حَاجته إِلَّا بِهِ وَلَا يرفعها إِلَّا إِلَيْهِ (فان ذَا فِي حَقه التَّوَكُّل أولى وَإِلَّا) أَي وَأما من يسْخط عِنْد تعسر رزقه أَو اضْطِرَاب قلبه أَو تشوف لما فِي
(1/343)

أَيدي النَّاس (الِاكْتِسَاب أفضل) أَي فالكسب لَهُ أرجح وَفِي هَذَا جمع بَين اخْتِلَاف الْأَدِلَّة (وطالب التَّجْرِيد) من الْأَسْبَاب الشاغلة عَن الله تَعَالَى (وَهُوَ) قد أَقَامَهُ (فِي السَّبَب) كالحرف والبياعات الَّتِي يصون بهَا وَجهه عَن الايتذال بالسؤال وحفظا لعزة نَفسه عَن منن المخلوقين إِذْ لَا يمن عَلَيْك أحد اشْترى مِنْك أَو استأجرك على عمل شَيْء لَهُ وَفِي الْقيام بالأسباب رَحْمَة للمتجردين عَنْهَا المتوجهين لطاعة رَبهم فلولا قيام أهل الْأَسْبَاب لما صَحَّ لصَاحب الْخلْوَة خلوته ومجاهدته لعبادة ربه فانه تَعَالَى جعل أهل الْأَسْبَاب كالخدمة للمقبلين عَلَيْهِ فَطلب التَّجْرِيد مَعَ قِيَامه فِي السَّبَب (خفى شَهْوَة) أَي من الشَّهْوَة الْخفية الَّتِي (دعت) إِلَى الرَّاحَة (فليجتنب) ذَلِك (وَذُو تجرد) أَي من أَقَامَهُ الله تَعَالَى فِي التَّجْرِيد عَمَّا يشْغلهُ عَن الله تَعَالَى (لأسباب سَأَلَ) أَي طلب الدُّخُول فِيهَا والاهتمام لتحصيلها (فَهُوَ الَّذِي عَن ذرْوَة الْعِزّ) الْعلية (نزل) إِلَى الرُّتْبَة الدنية وَسَوَاء الْأَب مَعَ الله تَعَالَى (وَالْحق) الْأَصْلَح لَك (أَن تمكث حَيْثُ أنزلك) أَي أقامك فِيهِ وارتضاه لَك (حَتَّى يكون الْحق) جلّ وَعلا (عَنهُ نقلك) وَتَوَلَّى إخراجك مِمَّا أَنْت فِيهِ (قصد الْعَدو) اللعين (طرح جَانب الله فِي صُورَة الْأَسْبَاب مِنْك أبداه) فيأتيك فِيمَا أَنْت فِيهِ فيحقره عنْدك فيتشوش قَلْبك ويتكدر وقتك وَذَلِكَ أَنه يَأْتِي للمتسببين فَيَقُول لَهُم لَو تركْتُم الْأَسْبَاب وتجردتم لأشرقت لكم الْأَنْوَار ولصفت مِنْكُم الْقُلُوب والأسرار وَيكون صَلَاحه فِيمَا هُوَ فِيهِ فيتركها فيتزلزل إيمَانه وَيذْهب إيقانه وَيتَوَجَّهُ إِلَى الطّلب من الْخلق والاهتمام للرزق وَكَذَلِكَ يَأْتِي للمتجردين وَيَقُول إِلَى مَتى تتركون الْأَسْبَاب ألم تعلمُوا أَن ذَلِك يطْمع الْقُلُوب فِيمَا بأيدي النَّاس فَلَو دخلت فِي الْأَسْبَاب بَقِي غَيْرك منتظرا لما يفتح عَلَيْهِ مِنْك وَكَانَ خيرا لَك من أَن تكون منتظرا مِمَّا يفتح بِهِ عَلَيْك من غَيْرك فتتكدر عَلَيْهِ أَحْوَاله (أَو لتماهن) وَهُوَ الاحتقار وَالصغَار وَالْعجز أَي وَمن مكايد الْعَدو وتلبيسه أَن يحث الْمقبل على الله تَعَالَى بِالطَّاعَةِ على ترك جَانب الله وَتَركه الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة موهما بتلبيسه أَن هَذَا مقَام التَّوَكُّل على الله وَفتح بَاب الرَّجَاء وَحسن الظَّن بربه وَإِنَّمَا هُوَ عجز ومهانة (مَعَ التكاسل) وَهُوَ طلب الرَّاحَة (أظهره فِي صُورَة التَّوَكُّل) فَيفْسد حَاله (من وفْق الله تَعَالَى يلهم الْبَحْث عَن هذَيْن) الْأَمريْنِ اللَّذين يَأْتِي بهما الشَّيْطَان فِي صُورَة غَيرهمَا كيدا مِنْهُ لَعَلَّه أَن يسلم مِنْهُمَا وَمن تمويهه واغتياله ومكايده أعاذنا الله تَعَالَى مِنْهَا وَالْمُسْلِمين من ذَلِك (ثمَّ يعلم) مَعَ بَحثه عَنْهُمَا (أَن لَا يكون) فِي ملكه تَعَالَى (غير مَا يَشَاء) وَيُرِيد (فَعلمنَا إِن لم يرد هباء) منثور وَيفْعل بعباده مَا يَشَاء وَيحكم بِمَا يُرِيد سَوَاء أَكَانَ أصلح لَهُم أم لم يكن لِأَن الْخلق خلقه وَالْأَمر أمره وَلَا يسئل
(1/344)

عَمَّا يفعل وهم يسئلون (وَالْحَمْد لله) تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ (على الْكَمَال) مِمَّا نَحن بصدده (سَائل توفيق لحسن الْحَال) أَي حَالا ومالا (ثمَّ الصَّلَاة وَالسَّلَام أبدا) تقدم الْكَلَام على ذَلِك أول الْكتاب (على النَّبِي الْهَاشِمِي أحمدا) هُوَ إِنْسَان أوحى إِلَيْهِ بشرع وَإِن لم يُؤمر بتبليغه فان أَمر بِهِ فَرَسُول (والآل) هم الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم وَبني الْمطلب (والصحب) الصَّحَابِيّ من اجْتمع بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُؤمنا (وَمن لَهُم قفا) أَي تبع وهم التابعون (وحسبنا الله تَعَالَى وَكفى) بِحَمْد الله تَعَالَى قد تمّ طبع كتاب غَايَة الْبَيَان شرح زبد الشَّيْخ أَحْمد بن رسْلَان للْعَالم الْفَاضِل شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد الرَّمْلِيّ الْأنْصَارِيّ (الشَّافِعِي الصَّغِير)
(1/345)