Advertisement

غياث الأمم في التياث الظلم 002


مَقَامٍ شَفِيقٍ رَفِيقٍ، قَوَّامٍ عَلَى كَفَالَةِ أَيْتَامٍ: يَنْتَحِي غِبْطَتَهُمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَثْرَتَهُمْ وَسَقْطَتَهُمْ.
484 - وَإِذَا كَانَ يَقُومُ الرَّجُلُ الْفَرْدُ بِالذَّبِّ عَنْ أَخِيهِ، وَبِهِدَايَةِ مَنْ يَسْتَهْدِيهِ، وَنُصْرَةِ مَنْ يَنْدُبُهُ وَيَسْتَدْعِيهِ، فَالْإِسْلَامُ فِي حُكْمِ شَخْصٍ مَائِلٍ يَلْتَمِسُ مَنْ يُقِيمُ أَوَدَهُ، وَيَجْمَعُ شَتَاتَهُ وَبَدَدَهُ، وَيَكُونُ عَضُدَهُ وَمَدَدَهُ، وَوَزَرَهُ وَعُدَدَهُ.
فَلَئِنْ وَجَبَ إِسْعَافُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ بِمُنَاهُ [وَإِجَابَتُهُ] فِي اسْتِنْجَادِهِ وَاسْتِرْفَادِهِ إِلَى مَهْوَاهُ فَالْإِسْلَامُ أَوْلَى بِالذَّبِّ، وَالنَّادِبُ إِلَيْهِ اللَّهُ.
485 - وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ لِآحَادِ النَّاسِ شَهْرُ السِّلَاحِ، وَمُحَاوَلَةُ الْمِرَاسِ فِي رِعَايَةِ الصَّلَاحِ وَالِاسْتِصْلَاحِ (178) لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْرَةِ النُّفُوسِ، وَالْإِبَاءِ وَالنِّفَاسِ، وَالْإِفْضَاءِ إِلَى التَّهَارُشِ وَالشِّمَاسِ.
486 - وَالَّذِي يُزِيلُ أَصْلَ الْإِشْكَالِ وَالْإِلْبَاسِ أَنَا نُجَوِّزُ لِلْمُطَّوَّعَةِ فِي الْجِهَادِ الْإِيغَالَ فِي بِلَادِ أَهْلِ الْعِنَادِ مِنَ الْكُفَّارِ، عَلَى الِاسْتِبْدَادِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَدْرُهُمْ عَنْ رَأْيِ الْإِمَامِ الَّذِي إِلَيْهِ الِاسْتِنَادُ،
(1/335)

فَلَمَّا كَانَ غَايَتَهُمُ الِاسْتِشْهَادُ - وَالشَّهَادَةُ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ - لَمْ يُمْنَعِ الْمُطَّوِّعَةُ مِنَ التَّشْمِيرِ لِلْقِتَالِ.
وَالنِّزَاعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَحْذُورٌ، وَالسَّبَبُ الْمُفْضِي إِلَيْهِ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ. فَإِذَا اسْتَقَلَّ فَرْدُ الزَّمَانِ بِعُدَّةٍ لَا تَصَادُمَ، وَاسْتَطَالَتْ يَدُهُ الطُّولَى، عَلَى الْمَمَالِكِ عَرْضًا وَطُولًا، وَاسْتَتَبَّتِ الطَّاعَةُ، وَأَمْكَنَتِ الِاسْتِطَاعَةُ فَقِيَامُهُ بِمَصَالِحِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، كَقِيَامِ الْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ بِاللِّسَانِ.
وَهَا أَنَا الْآنَ أُنْهِي الْقَوْلَ فِيهِ، إِلَى قُصَارَى الْبَيَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَعَانُ.
487 -[فَالْمُتَّبَعُ] فِي [حَقِّ الْمُتَعَبِّدِينَ] الشَّرِيعَةُ وَمُسْتَنَدُهَا الْقُرْآنُ، ثُمَّ الْإِيضَاحُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْبَيَانُ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْإِيمَانِ.
فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ. وَمَا عَدَاهَا مِنْ مُسْتَمْسِكَاتِ الدِّينِ كَالْفُرُوعِ وَالْأَفْنَانِ.
(1/336)

488 - وَالْإِمَامُ فِي الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ، وَتَطَوُّقِ الْإِسْلَامِ كَوَاحِدٍ مِنْ مُكَلَّفِي الْأَنَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ ذَرِيعَةٌ فِي حَمْلِ النَّاسِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، غَيْرَ أَنَّ الزَّمَانَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى صَالِحَيْنِ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَالِاخْتِيَارُ يَقْطَعُ الشِّجَارَ، وَيَتَضَمَّنُ التَّعْيِينَ وَالِانْحِصَارَ، وَلَا حُكْمَ مَعَ قِيَامِ الْإِمَامِ إِلَّا لِلْمَلِيكِ الْعَلَّامِ.
489 - فَإِذَا لَمْ يَتَّفِقْ مُسْتَجْمِعٌ لِلصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ، وَاسْتَحَالَ تَعْطِيلُ الْمَمَالِكِ وَالرَّعِيَّةِ، وَتَوَحَّدَ شَخْصٌ بِالِاسْتِعْدَادِ بِالْأَنْصَارِ، وَالِاسْتِظْهَارِ بِعَدَدِ الِاقْتِهَارِ وَالِاقْتِسَارِ (179) [وَالِاسْتِيلَاءِ] عَلَى مَرَدَةِ الدِّيَارِ، وَسَاعَدَتْهُ مُوَاتَاةُ الْأَقْدَارِ، وَتَطَامَنَتْ لَهُ أَقَاصِي الْأَقْطَارِ، وَتَكَامَلَتْ أَسْبَابُ الِاقْتِدَارِ.
فَمَا الَّذِي [يُرَخِّصُ] لَهُ فِي الِاسْتِئْخَارِ عَنِ النُّصْرَةِ وَالِانْتِصَارِ؟ وَالْمُمْتَثِلُ أَمْرَ الْمَلِكِ الْقَهَّارِ، كَيْفَ انْقَلَبَ الْأَمْرُ وَاسْتَدَارَ.
490 - فَالْمَعْنَى الَّذِي يُلْزِمُ الْخَلْقَ طَاعَةَ الْإِمَامِ، وَيُلْزِمُ الْإِمَامَ الْقِيَامَ بِمَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، أَنَّهُ أَيْسَرُ مَسْلَكٍ فِي إِمْضَاءِ
(1/337)

الْأَحْكَامِ، وَقَطْعِ النِّزَاعِ وَالْإِلْزَامِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ وُجُودِ مُقْتَدِرٍ عَلَى الْقِيَامِ بِمُهِمَّاتِ الْأَنَامِ، مَعَ شُغُورِ الزَّمَانِ عَنْ إِمَامٍ.
491 - فَقَدْ تَحَقَّقَ مَا أُحَاوِلُهُ قَطْعًا عَلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ شَانُهُ، وَوَضَحَ كَفَلَقِ الصُّبْحِ دَلِيلُهُ وَبُرْهَانُهُ، فَامْضِ يَا صَدْرَ الزَّمَانِ
(1/338)

قُدُمًا وَلَا تُؤَخِّرِ الِانْتِهَاضَ لِمَا رَشَّحَكَ اللَّهُ لَهُ [قُدُمًا] .
وَأُقَدِّرُ الْآنَ أَسْئِلَةً مُخَيَّلَةً وَأَنْوِي بِيُمْنِ أَيَّامِ مَوْلَانَا جَوَابًا عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ يُوَضِّحُ تَحْقِيقَهُ وَتَحْصِيلَهُ، ثُمَّ يَنْتَجِزُ بِانْقِضَاءِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَقْصُودُ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
492 - فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يَسْتَقِيمُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَيَسْتَمِرُّ مَا كَرَّرْتُمُوهُ لَوْ كَانَتِ الْأُمُورُ جَارِيَةً عَلَى سُنَنِ السَّدَادِ وَمَنَاهِجِ الرَّشَادِ، فَأَمَّا وَالْأَيْدِي عَادِيَةٌ، وَوُجُوهُ الْخَبَلِ وَالْفَسَادِ بَادِيَةٌ، وَنُفُوسُ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى الطُّغْيَانِ وَالْعُدْوَانِ مُتَمَادِيَةٌ، وَلَيْسَ لِلْمُلْكِ عِصَامٌ ضَابِطٌ، وَلَا
(1/339)

انْتِظَامٌ رَابِطٌ، وَرِبْقَةُ الْإِيَالَةِ مَحْلُولَةٌ، وَحُدُودُ السِّيَاسَةِ مَفْلُولَةٌ، وَسُيُوفُ الِاعْتِدَاءِ مَسْلُولَةٌ، وَرِبَاطُ الْعَزَائِمِ مُنْحَلَّةٌ، وَرِقَابُ الطَّغَامِ عَنْ جَامِعَةِ الْوُلَاةِ مُنْسَلَّةٌ، وَمَعَالِمُ الْعَدْلِ مُنْدَرِسَةٌ، وَمَنَاظِمُ الْإِنْصَافِ مُنْطَمِسَةٌ.
فَالْبُعْدُ مِنْ هَذِهِ الْفِئَةِ الطَّاغِيَةِ أَسْلَمُ، وَالنَّأْيُ عَنْهُمْ أَحْزَمُ، وَإِذَا اسْتَبْدَلَ الزَّمَانُ عَنِ الرُّشْدِ غَيًّا، فَلَا نَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيًّا.

[دفاع إمام الحرمين عن نظام الملك]
493 - قُلْتُ: هَذَا الْآنُ تَدْلِيسٌ وَإِلْغَازٌ وَتَلْبِيسٌ (180) وَأُجِيبَ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ وَصَوَّرَهُ، فَإِنَّ الطَّاعَةَ مَبْسُوطَةٌ، وَعُرَى الْمُلْكِ بِرَأْيِ سُلْطَانِ الزَّمَانِ مَنُوطَةٌ، وَحَوْزَةُ الْإِسْلَامِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - مَحُوطَةٌ، وَالْأُبَّهَةُ قَائِمَةٌ، وَالْأَرْكَانُ وَارِفَةُ الْأَفْنَانِ، رَحْبَةُ الْأَعْطَانِ.
وَقَاعِدَةُ الْمُلْكِ رَاسِخَةٌ، وَأَطْوَادُ الْهَيْبَةِ شَامِخَةٌ، وَأَوْتَادُ الدَّوْلَةِ بَاذِخَةٌ، وَالسَّلْطَنَةُ بِمَائِهَا، وَالْمَمْلَكَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى عَلَائِهَا،
(1/340)

وَالْعِزَّةُ مُسْتَقِرَّةٌ فِي غُلَوَائِهَا، وَرِوَاقُ الْجِدِّ مَمْدُودٌ، وَلِوَاءُ النَّصْرِ مَعْقُودٌ، مَا نَجَمَ نَاجِمٌ إِلَّا قَصَمَهُ مِنَ الْقَدَرِ الْغَالِبِ قَاصِمٌ، وَمَا هَجَمَ ثَائِرٌ هَاجِمٌ إِلَّا صَدَمَهُ صَادِمٌ.
وَلَوْ ذَهَبْتُ أَبْسُطُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَقَالًا، لَصَادَفْتُ مُضْطَرَبًا رَحْبًا وَمَجَالًا.
[أَمَّا] تَعَدِّي الْأَجْنَادِ بَعْضَ حُدُودِ الِاقْتِصَادِ، فَلَمْ يَخْلُ مِنْهُ زَمَانٌ، وَلَمْ يَعْرَ مِنْهُ أَوَانٌ، وَنِعْمَ الْحُكْمُ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، فَلْنَضْرِبْ عَمَّا يَجْرِي فِي الْأَكْنَافِ وَالْأَطْرَافِ، وَلْنَعْمَلْ عَلَى تَنْكُّبِ الِاعْتِسَافِ، فَنَقُولُ:
494 - مَرْمُوقُ الْخَلَائِقِ عَلَى [تَفَنُّنِ] الْآرَاءِ وَالطَّرَائِقِ الدِّمَاءُ وَالْأَمْوَالُ وَالْحُرَمُ. أَمَّا الدِّمَاءُ فَمَحْقُونَةٌ فِي أُهُبِهَا فِي أَعَمِّ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ فُرِضَتْ فَتْكَةٌ وَاغْتِيَالٌ، وَهَتْكَةٌ وَاحْتِيَالٌ تَدَارَكَهَا الْمُتَرَصِّدُونَ لِهَذِهِ الْأَشْغَالِ.
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَمُعْظَمُ الطَّلَبَاتِ الْخَارِجَةِ عَنِ الضَّبْطِ مَحْسُومَةٌ، [وَأَسْبَابُ] الْمَكَاسِبِ مَنْظُومَةٌ، وَمَطَالِعُ مَطَامِعِ الْمُتَعَدِّينَ
(1/341)

أَطْوَارُهُمْ مَرْدُومَةٌ، وَالتَّوْزِيعَاتُ وَالْقِسَمُ مَرْفُوضَةٌ، وَقَوَاعِدُ الْمُطَالَبَاتِ وَالْمُصَادَرَاتِ مَنْقُوضَةٌ، وَالرِّفَاقُ مِنْ أَقَاصِي الْآفَاقِ عَلَى أَطْرَافِ الطُّرُقِ فِي خَفْضِ الْأَمْنِ وَادِعُونَ، وَأَصْحَابُ الْعَرَامَاتِ مُطْرِقُونَ، تَحْتَ هَيْبَةِ السَّلْطَنَةِ خَاشِعُونَ، وَلَوْ قِيسَ هَذَا (181) الزَّمَانُ اللَّاحِقُ بِالزَّمَانِ السَّابِقِ لَظَهَرَ اخْتِصَاصُهُ بِفُنُونٍ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْأَمَنَةِ، لَا يَصِفُهَا الْوَاصِفُونَ، وَلَا يَقُومُ بِكَشْفِهَا الْكَاشِفُونَ وَأَمَّا الْحُرَمُ فَمَصُونَةٌ، مِنْ جِهَةِ صَدْرِ جُنُودِ الْإِسْلَامِ مَرْعِيَّةٌ مَحْفُوظَةٌ مِنْ نَزَغَاتِهِمْ وَنَزَقَاتُهُمْ مَحْمِيَّةٌ مَلْحُوظَةٌ مِنْ رُعَاةِ الرَّعِيَّةِ.
وَإِنْ فُرِضَتْ لَطْمَةٌ وَبَلِيَّةٌ كَانَتْ فِي حُكْمِ عَثْرَةٍ يُرْخَى عَلَيْهَا السِّتْرُ وَتُقَالُ أَوْ يُلْحَقُ بِمَنْ يَأْتِيهَا الْخِزْيُ وَالنَّكَالُ.
495 - هَذَا حُكْمٌ كُلِّيٌّ عَلَى مَنَاظِمِ الْمَمْلَكَةِ، فَإِنِ انْسَلَّتْ عَنِ الرَّبْطِ بَوَادِرُ وَنَوَادِرُ غَيْرُ مُدْرَكَةٍ، وَفَارَقَتْ مَنْهَجَ الضَّبْطِ وَمَسْلَكَهُ أَوْ هَاجَتْ فِي أَكْنَافِ الْخُطَّةِ فِتْنَةٌ ثَائِرَةٌ، وَنَائِرَةٌ جَرَّتْ مَهْلَكَةً،
(1/342)

فَمَنِ الَّذِي يَضْمَنُ [نَفْضَ] الدُّنْيَا عَنْ بَوَائِقِهَا وَيُرَخِّصُهَا عَنْ دَوَاهِيهَا وَعَوَائِقِهَا هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا دَارَ الْفَلَكُ عَلَى شَكْلِهِ، وَمَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَلَى مِثْلِهِ، دَرَّتْ أَخْلَافُ الدِّينِ فِي زَمَنِهِ ثَرَّةٌ، وَسَاسَ حَوْزَةَ الْإِسْلَامِ بِدِرَّةٍ وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّةً: لَوْ تُرِكَتْ جَرْبَاءُ عَلَى ضَفَّةِ الْفُرَاتِ لَمْ تُطْلَ بِالْهِنَاءِ، فَأَنَا الْمُطَالَبُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ثُمَّ صَادَفَ عِلْجٌ مِنْهُ غِرَّةً، وَقَتَلَهُ قِتْلَةً مُرَّةً، فَلَمْ يَنْفَعْهُ عَزْمُهُ وَحَزْمُهُ، لَمَّا نَفَذَ فِيهِ قَضَاءُ اللَّهِ وَحُكْمُهُ، وَلَمْ نَجِدْ لِقَضَاءِ اللَّهِ مَرَدًّا. وَإِنْ كَانَ سُورًا حَوْلَ الْإِسْلَامِ وَسَدًّا.
وَلَوْ أَرْخَيْتُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَضْلَ عَنَانِي وَأَرْسَلْتُ عَذَبَةَ لِسَانِي وَقَصَصْتُ مِنْ بَدَائِعِ هَذِهِ الْمَعَانِي، لَجَاوَزْتُ الْقَوَاعِدَ مِنْ مَقَاصِدِي فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ وَالْمَبَانِي.
496 - ثُمَّ أَخْتَتِمُ هَذَا الْفَصْلِ بِمَا هُوَ غَايَاتُ الْأَمَانِي، وَأُنْهِيهِ مَبْلَغًا يَعْتَرِفُ بِمَوْضُوعِهِ الْقَاصِي وَالدَّانِي، فَأَقُولُ: مَا تَشَبَّثَ بِهِ الطَّاعِنُونَ
(1/343)

مِنْ هَنَاتٍ وَعَثَرَاتٍ، صَدَرُهَا عَنْ مَعَرَّةِ (182) الْأَجْنَادِ الْمُنْحَرِفِينَ عَنْ سُنَنِ الِاقْتِصَادِ، فِي أَطْرَافِ الْمَمَالِكِ وَالْبِلَادِ.
لَوْ سُلِّمَ لَهُمْ كَمَا يَدَّعُونَ، تُوبِعُوا فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُوَنَ، وَغُضَّ عَنْهُمْ طَرْفُ الِانْتِقَادِ فِيمَا يَبْتَدِعُونَ وَيَخْتَرِعُونَ فَأَنَّى يَقَعُ مَا يَقُولُونَ مِمَّا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْأُمُورِ، وَيَدْرَأُ بِسَبَبِهِمْ مِنْ فُنُونِ الدَّوَاهِيَ عَلَى كُرُورِ الدُّهُورِ؟
أَلَيْسَ بِهِمِ انْحِصَارُ الْكُفَّارِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ؟ وَبِهِمْ تُخْفِقُ بُنُودُ الدِّينِ عَلَى الْخَافِقَيْنِ، وَبِهِمْ أُقِيمَتْ دَعْوَةُ الْحَقِّ فِي الْحَرَمَيْنِ، وَأُثْبِتَتْ كَتَائِبُ الْمِلَّةِ فِي الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ، [وَارْتَدَّتْ] مَنَاظِمُ الْكُفَّارِ مَنْكُوسَةً، وَمَعَالِمُهُمْ مَعْكُوسَةً.
وَبَذَلَ عَظِيمُ الرُّومِ الْجِزْيَةَ وَالدَّنِيَّةَ، وَصَارَتِ الْمُسَالَمَةُ وَالْمُتَارَكَةُ لَهُ قُصَارَى الْأُمْنِيَةِ، وَانْبَسَطَتْ هَيْبَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَصْقَاعِ الْقَصِيَّةِ، وَأَطَلَّتْ عَلَى قِمَمِ الْمَارِدِينَ رَايَتُهُ الْعَلِيَّةُ، وَأَضْحَتْ ثُغَرُ صُدُورِهِمْ لِأَسِنَّةِ عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ دَرِيَّة.
(1/344)

هَذِهِ رَمْزَةٌ إِلَى أَدْنَى الْآثَارِ فِي دِيَارِ الْكُفَّارِ.
497 - فَأَمَّا مَا دَفَعَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَضُرُوبِ الْآرَاءِ فَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهَا نِهَايَاتُ الْأَوْصَافِ وَالْأَنْبَاءِ:
أَلَيْسَ اقْتَلَعُوا قَاعِدَةَ الْقَرَامِطَةِ مِنْ دِيَارِهَا وَاسْتَأْصَلُوا مَا أَعْيَا ذَوِي النَّجْدَةِ وَالْبَاسِ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنْ آثَارِهَا؟ وَأَوْطَئُوا رِقَابَ الزَّنَادِقَةِ، وَكُلَّ فِئَةٍ مَارِقَةٍ سَنَابِكَ الْخَيْلِ.
وَانْتَهَى رُعْبُهُمْ حَيْثُ انْتَهَى اللَّيْلُ، فَلَمْ يَبْقَ فِي خُطَّةِ الْإِسْلَامِ مُتَظَاهِرٌ بِالْبِدْعَةِ، إِلَّا أَضْحَى مَنْكُوبًا مَرْعُوبًا مَكْبُوبًا، فَإِنْ أُلْفِيَ زَائِغٌ مُرَاوِغٌ، يَدُبُّ الضَّرَّاءَ، وَيَمْشِي الْخَمَرَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَعْظَمِ الْغَرَرِ.
فَإِذَا كَانُوا عِصَامًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَوَزَرًا لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي (183) ابْتُعِثَ بِهَا سَيِّدُ الْأَنَامِ فَأَيُّ قَدْرٍ لِلدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدِّينِ؟ وَأَيُّ احْتِفَالٍ بِأَعْرَاضِهَا مَعَ اسْتِمْرَارِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَالْمِنَّةُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
(1/345)

498 - وَلَوْ أَرْخَيْتُ فِي ذَلِكَ الطِّوَلِ لَخِفْتُ انْتِهَاءَ الْكَلَامِ إِلَى الْإِطْنَابِ وَالْمَلَلِ، وَرُبَّمَا كَانَ مَا قَلَّ وَدَلَّ، أَنْجَعَ مِمَّا يَطُولُ فَيُمَلُّ، فَمَنْ لَا يُحِيطُ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ فِي [اسْتِدَادِهَا] فَلْيَتَخَيَّلْ جَرَيَانَ نَقَائِضِهَا وَأَضْدَادِهَا.
وَلَوْ فُرِضَتْ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - فَتْرَةٌ تَجَرَّأَ بِسَبَبِهَا الثُّوَّارُ مِنَ الدِّيَارِ، وَنَبَغَ ذَوُو [الْعَرَامَةِ] الْأَشْرَارُ، وَانْسَلُّوا عَنْ ضَبْطِ بِطَاشٍ فِي الزَّمَانِ ذِي اقْتِدَارٍ، لَافْتَدَى ذَوُو الثَّرْوَةِ وَالْيَسَارِ أَنْفُسَهُمْ وَحُرَمَهُمْ بِأَضْعَافِ مَا هُمُ الْآنَ بَاذِلُونَ فِي دَفْعِ أَدْنَى مَا يَنَالُهُمْ مِنَ الضِّرَارِ.
499 - نَعَمْ. وَلَوْ [تَذَاكَرْنَا] الْوَاقِعَةَ الَّتِي أُرِّخَتْ فِي تَوَارِيخِ الْأَخْبَارِ، لَأَغْنَتْنَا عَنْ إِطَالَةِ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ، لِمَا انْجَرَّ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الرُّومِ وَالْعَسْكَرِ الْجَرَّارِ وَانْسَدَّتِ السُّبُلُ، وَضَاقَتِ الْحِيَلُ، وَغُصَّ الْجَوُّ بِالْخِرْصَانِ، وَجَاشَ جَيْشُ الْكُفْرِ بِالْفُرْسَانِ، وَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّهُمْ يَطْوُونَ مِنَ الْأَرْضِ مَنَاكِبِهَا، وَيَمْلِكُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا.
وَأَضْحَتْ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ وَاجِفَةً، وَأَحْشَاؤُهُمْ رَاجِفَةً، وَآرَاؤُهُمْ
(1/346)

مُتَفَاوِتَةً، وَعُقُولُهُمْ مُتَهَافِتَةً، فَمَالَ مَلِكُ الْإِسْلَامِ، أَلْبْ أَرْسَلَانْ - تَغَمَّدَ اللَّهُ رُوحَهُ بِالرَّوْحِ وَالرِّضْوَانِ - إِلَيْهِمْ وَانْقَضَّ انْقِضَاضَ الصَّقْرِ عَلَيْهِمْ، وَغَضِبَ لِلَّهِ غَضْبَةً تَسْتَجْفِلُ الْآسَادَ عَنْ أَشْبَالِهَا، وَانْغَمَسَ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ فِي غَمْرَةِ الدَّاهِيَةِ، غَيْرَ مُحْتَفِلٍ بِأَهْوَالِهَا.
وَكَانَ الْكُفَّارُ اغْتَرُّوا بِوُفُورِ جَمْعِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مِنْ وَرَاءِ قَمْعِهِمْ، فَرَضِيَ مَلِكُ الْإِسْلَامِ بِمَقْدُورِ الْقَضَاءِ، وَمَدَّ عِلْمَ الْحَقِّ (184) إِلَى الْفَضَاءِ فَأَضَاءَتْهُ مِنْ جُنُودِ الْإِسْلَامِ بُرُوقُ السُّيُوفِ، وَمَطَرَتْ سَحَائِبُ الْحُتُوفِ، وَتَكَشَّرَتْ أَنْيَابُ الْهَيْجَاءِ، وَدَارَتِ الرَّحَا عَلَى الدِّمَاءِ، وَاسْتَمَرَّتِ الْحَرْبُ سَجَالًا، وَنَالَ كُلٌّ مِنْ قِرْنِهِ مَنَالًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْتَقَى الصَّفَّانِ، وَالْتَحَمَ الْفِئَتَانِ، وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ.
(1/347)

فَقَالَ الْمَلِكُ أَلْبْ أَرْسَلَانْ: طَارِدُوهُمْ حَتَّى تُوَافُوا [أَوَانَ] دَعْوَةِ الْخُطَبَاءِ فِي أَقَاصِي الْبُلْدَانِ، فَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ حَتَّى زَالَتْ أَعْلَامُهُمْ، وَزَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ، وَبُلِّغْتُ أَنَّ قَائِدَهُمُ الْمُلَقَّبَ بِقَيْصَرَ لَمَّا نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي مَنَاخِرِهِ، وَعَمِيَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَنْ آخِرِهِ، أَقْدَمَ مُتَابِعًا قَائِدَ غَيِّهِ وَضَلَالِهِ، مُجِيبًا دَاعِيَ جَهْلِهِ وَخَبَالِهِ.
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَبْدَتِ الْحَرْبُ مَقَاتِلَهُ وَأَرْسَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَلَاكِلَهُ، فَحَصَلَ فِي قَبْضَةِ الْأَسْرِ، وَانْبَسَطَتْ عَلَيْهِ يَدُ الْقَسْرِ، وَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَأَذَاقَهُ وَبَالَ أَمْرِهِ، فَبَاتَ مَعَ الْمُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، وَاللَّهُ لِلْبَاغِينَ بِالْمِرْصَادِ.
فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِالْحَقِّ، وَلَمْ يَمِلْ بِهِ مَهْوَى الْهَوَى عَنِ الصِّدْقِ تَبَيَّنَ عَلَى الْبِدَارِ وَالسَّبْقِ أَنَّ خَزَائِنَ الْعَالَمِينَ، وَذَخَائِرَ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ وَكُنُوزَ الْمُنْقَرِضِينَ، لَوْ قُوبِلَتْ بِوَطْأَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَطْرَافِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، لَكَانَتْ مُسْتَحْقَرَةً مُسْتَنْزَرَةً.
فَكَيْفَ لَوْ تَمَلَّكُوا الْبِلَادَ
(1/348)

وَقَتَلُوا الْعِبَادَ، وَقَرَعُوا الْحُصُونَ وَالْأَسْدَادَ، وَخَرَقُوا عَنْ ذَوَاتِ الْخُدُورِ حُجُبَ الرَّشَادِ، وَمَالَ إِلَيْهِمْ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ مِنْ حُثَالَةِ النَّاسِ بِالِارْتِدَادِ، وَتَخَلَّلَ الْحَرَائِرَ الْعُلُوجُ، وَهَتَكَ حِجَالَهُنَّ التَّبَذُّلُ وَالْبُرُوجُ، وَهُدِّمَتِ الْمَسَاجِدُ، وَرُفِعَتِ الشَّعَائِرُ وَالْمَشَاهِدُ، وَانْقَطَعَتِ الْجَمَاعَاتُ وَالْأَذَانُ وَشُهِرَتِ النَّوَاقِيسُ وَالصُّلْبَانُ وَتَفَاقَمَتْ دَوَاعِي الِاجْتِرَاءِ (185) وَالِافْتِضَاحِ، وَصَارَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ بَحْرًا طَافِحًا بِالْكُفْرِ الصُّرَاحِ؟ فَمَا الْقَوْلُ فِي أَقْوَامٍ بَذَلُوا فِي الذَّبِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ حُشَاشَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَرَكِبُوا نِهَايَاتِ الْغَرَرِ مُتَجَرِّدِينَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْكِفَاحِ، وَوَاصَلُوا الْمَسَاءَ بِالصَّبَاحِ، وَالْغُدُوَّ بِالرَّوَاحِ، وَرَكِبُوا إِلَى الْمَوْتِ أَجْنِحَةَ الرِّيَاحِ، مُتَشَوِّفِينَ إِلَى مَنْهَلِ الْمَنَايَا عَلَى هِزَّةٍ وَارْتِيَاحٍ؟ حَتَّى وَافَوْا بَحْرًا مِنْ جَمْعِ الْكُفَّارِ لَا يَنْزِفُهُ إِدْمَانُ الِانْتِزَاحِ، فَرَكَنُوا لِلْمَوْتِ.
وَتَنَادَوْا لَا بَرَاحَ، وَأَلَمُّوا بِهِمْ إِلْمَامَ الْقَدْرِ الْمُتَاحِ، وَمَا وَهَنُوا
(1/349)

وَمَا اسْتَكَانُوا وَإِنْ عَضَّهُمُ السِّلَاحُ، وَفَشَا فِيهِمِ الْجِرَاحُ حَتَّى أَهَبَّ اللَّهُ رِيَاحَ النَّصْرِ مِنْ مَهَابِّهَا، وَرَدَّ شَعَائِرَ الْحَقِّ إِلَى نِصَابِهَا، وَقَيَّضَ مِنْ أَلْطَافِهِ بَدَائِعَ أَسْبَابِهَا.
أَيَثْقُلُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِنَزْرٍ مِنَ الْحُطَامِ؟ وَهُمُ الْقِوَامُ وَالنِّظَامُ.
فَهَذِهِ نُبْذَةٌ كَفَفْتُ فِيهَا غَرْبَ الْكَلَامِ، وَدَلَلْتُ بِالْمَرَامِزِ عَلَى نِهَايَاتِ الْمَرَامِ.
500 - وَالْآنَ آخُذُ فِي فَنٍّ [آخَرَ] وَأَنْتَحِي فِيهِ فَنَّ الِاسْتِقْصَاءَ وَالْإِتْمَامَ، فَأَقُولُ:
لَوْ سَلَّمْتُ لِلطَّاعِنِينَ غَايَةَ مَا حَاوَلُوهُ جَدَلًا، وَلَمْ أُنَازِعْهُمْ مَثَلًا، وَضَرَبْتُ عَنْ مُحَاقَّتِهِمْ حَوْلًا، فَهَلْ هُمْ مُنْصِفِيَّ فِي خُطَّةٍ أُسَائِلُهُمْ
(1/350)

عَنْ سِرِّهَا وَأُبَاحِثُهُمْ فِي خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَنَفْعِهَا وَضُرِّهَا وَحُلُوِهَا وَمُرِّهَا، فَأَقُولُ:
لَوْ فَرَضْنَا خُلُوَّ الزَّمَانِ عَمَّنْ تَشْكُونَ مِنَ الْأَقْوَامِ وَتَعَرَّى الْخَوَاصُّ وَالْعَوَّامُّ، عَنْ مُسَيْطِرٍ بَطَّاشٍ قَوَّامٍ.
أَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى السَّدَادِ وَالِانْتِظَامِ، أَمْ قِيَامُهُمْ عَلَى الثُّوَّارِ وَالطَّغَامِ، مَعَ امْتِدَادِ الْأَيْدِي إِلَى نَزْرٍ مِمَّا جَمَعُوهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ، مَعَ اسْتِمْسَاكِهِمْ مِنَ الدِّينِ الْحَقِّ بِأَقْوَى عِصَامٍ، وَوُقُوفِهِمْ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ، كَأَنَّهُمْ أُسُودٌ آجَامٌ؟
فَالْوَجْهُ رُؤْيَةُ (186) أَنْعُمِ اللَّهِ فِي مَثَارِهَا، وَالِابْتِهَالُ إِلَيْهِ فِي دَفْعِ غَوَائِلِ الطَّوَارِقِ وَمَضَارِّهَا، وَمَنْ طَلَبَ زَمَانًا صَافِيًا عَنِ الْأَقْذَاءِ وَالْأَكْدَارِ، فَقَدْ حَاوَلَ مَا يَنِدُّ عَنِ الْإِمْكَانِ وَالْأَقْدَارِ:
وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ.
وَقَدْ حَانَ الْآنَ أَنْ نَضْرِبَ فِي مَعْنًى آخَرَ مُسْتَجَدٍّ مُسْتَجَادٍ، وَنُمْعِنَ
(1/351)

فِي مَنْهَجٍ حَدِيثٍ مُسْتَفَادٍ، فَنَقُولُ:
501 - لَوْ قَدَّرْنَا مَنْ تَشْكُونَهُمْ عَلَى مَا تُقَدِّرُونَهُمْ، فَهَلْ تُسَلِّمُونَ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ مِنْ شَرِّهِمْ، وَيَدْرَأُ مَنْ [ضُرِّهِمْ] ، بِسَبَبِ مَنْ هُوَ سَيِّدُ الْأُمَّةِ وَمَلَاذُهَا، وَسَنَدُهَا وَمَعَاذُهَا؟ وَهَلْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَوْلَا هَيْبَتُهُ الْقَاهِرَةُ، وَسَطْوَتُهُ الْقَاسِرَةُ، لَانْسَلَّ عَنْ لُجُمِ الضَّبْطِ الْعُتَاةُ، وَاسْتَرْسَلَتْ عَلَى [انْهِتَاكِ] الْحُرُمَاتِ، وَاقْتِحَامِ الْمُنْكَرَاتِ - الطُّغَاةُ؟ وَلَبَلَغَ الْأَمْرُ مَبْلَغًا لَا تَأْتِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ؟ .
502 - فَإِنْ أَبْدَى الطَّاعِنُونَ صَفْحَةَ الْخِلَافِ، وَجَانَبُوا وَجْهَ الْإِنْصَافِ كَانُوا فِي حُكْمِ مَنْ يُعَانِدُ الْمَحْسُوسَاتِ، وَيُجَاحِدُ الْبَدَائِهِ وَالضَّرُورَاتِ.
وَإِنْ أَذْعَنُوا لِلْحَقِّ، وَبَاحُوا بِالصِّدْقِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ ظَاهِرٌ لَا سُبُلَ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَمَنْ جَحَدَهُ، شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَدَائِعُ آثَارِهِ. فَنَقُولُ:
(1/352)

503 - إِذَا جَلَّ قَدْرُ مَنْ يَدْرَأُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْبَلِيَّاتِ، وَضُرُوبِ الْمُعْضِلَاتِ، فَالْقِيَامُ بِدَفْعِهَا تَصَدٍّ لِكِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ مَتَاوِيَ وَمَعَاطِبَ، وَفُنُونًا مِنَ الدَّوَاهِي، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِقْلَالِ بِدَفْعِ مُهِمَّاتٍ إِمْكَانُ دَفْعِ سَائِرِهَا.
وَمَنْ رَأَى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ، وَصَادَفَ مَالَهُ مُتَعَرِّضًا لِلضَّيَاعِ، وَاسْتَمْكَنَ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِنْقَاذِ مَالِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الدَّفْعُ (187) عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ عَسُرَ تَخْلِيصُ مَالِهِ.
فَالَّذِي نَاطَ اللَّهُ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ تَعَالَى بِمَنْصِبِ صَدْرِ الزَّمَانِ، مِنْ دَفْعِ طَوَارِقِ الْحَدَثَانِ، لَا يَأْتِي عَلَى أَدْنَاهُ غَايَاتُ الْبَيَانِ، وَالَّذِي يَعْسُرُ دَفْعُهُ، وَرَدُّهُ وَمَنْعُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ دِرَاءِ مَا يَسْهُلُ دَرْؤُهُ.
504 - – وَأَنَا أَسْتَوْضِحُ مَرَامِيَّ بِضَرْبِ مَثَلٍ، فَأَقُولُ: إِنْ بُلِيَ الْمُسْلِمُونَ [بِجَدْبٍ] فِي بَعْضِ سِنِي الْأَزْمِ، وَأَلَمَّ بِالنَّاسِ مَوْتَانِ، فَالْآفَاتُ السَّمَاوِيَّةُ لَا يَدْخُلُ دَفْعُهَا تَحْتَ الْإِيثَارِ وَالْأَقْدَارِ، وَلَكِنْ مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَيَرْتَبِطُ بِالْإِيثَارِ وَالِاخْتِيَارِ مَنْعُهُ، مِنْ هَرْجٍ
(1/353)

أَوْ ثَوَرَانِ مُتَلَصِّصٍ، أَوِ اسْتِجْمَاعِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ، أَوْ وَطْءِ طَوَائِفَ مِنَ الْكُفَّارِ أَطْرَافَ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَتَعَيَّنُ الْقِيَامُ بِالدَّفْعِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ يَغْشَى الْخَلَائِقَ مِنْ ضُرُوبِ الْبَوَائِقِ، مَا لَا اسْتِمْكَانَ فِي دَرْئِهِ، فَمَا يَصْدُرُ مِنَ الْأَجْنَادِ، مِمَّا يَتَعَذَّرُ تَقْدِيرُ دَفْعِهِ كَآفَاتٍ سَمَاوِيَّةٍ.
وَمَا تَيَسَّرَ دَفْعُهُ يَتَعَيَّنُ التَّشْمِيرَ، وَاجْتِنَابَ التَّقْصِيرِ فِي دَفْعِهِ. فَقَدْ بَلَغَ الْكَلَامُ فِي فَنِّهِ نِهَايَةَ الْإِيضَاحِ وَلَاحَ كَفَلَقِ الصَّبَاحِ وَقَدِ انْتَهَى مِقْدَارُ الْغَرَضِ فِي الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالٍ وَاحِدٍ أَنَا الْآنَ آخُذُ فِي ضَرْبٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ عَنْهُ.

[حُكْمُ تَخَلِّي الْإِمَامِ عَنْ مَنْصِبِهِ]
505 - فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يُرَخِّصُ الشَّارِعُ لِلْمُسْتَقِلِّ بِالْمَنْصِبِ الَّذِي وَصَفْتُمُوهُ النُّزُولَ عَنْهُ، وَالتَّخَلِّيَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِيثَارَ الِامْتِيَازِ
(1/354)

وَالِانْحِجَازِ عَنْ مَظَانِّ الْغَرَرِ، وَمَوَاقِعِ الْخَطَرِ، وَتَفْوِيضِ أَمْرِ الْعِبَادِ إِلَى خَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ؟
قُلْنَا: لَا يَحِلُّ لِلْقَائِمِ بِالْأَمْرِ الِانْسِلَالُ وَالِانْخِزَالُ عَمَّا تَصَدَّى لَهُ مِنْ كِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ عَظَائِمَ الْأَشْغَالِ، إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْلُفُهُ مَنْ يَسُدُّ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَسَدَّهُ، وَيَرُدُّ بَوَادِرَ الظَّلَمَةِ رَدَّهُ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ يَتَشَوَّفُ إِلَى (188) الِاسْتِقْلَالِ بِالْأَشْغَالِ، لَا يَبُوءُ بِالْأَعْبَاءِ وَالْأَثْقَالِ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى حِشْمَةٍ وَأُبَّهَةٍ رَادِعَةٍ، وَرَأْيٍ مُطَاعٍ، وَاسْتِبْدَادٍ بِمُتَابَعَةِ أَشْيَاعٍ، وَمُشَايَعَةِ أَتْبَاعٍ، وَتَوَفُّرٍ مِنْ هِمَمِ الْخَلْقِ وَدَوَاعٍ فِي الْإِذْعَانِ وَالْأَتْبَاعِ، وَإِصْفَاقٍ وَإِطْبَاقٍ مِنْ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ فِي الْآفَاقِ.
عَلَى الثِّقَةِ بِأَقْوَالِهِ، وَالرُّكُونِ إِلَى مُتَصَرِّفَاتِ أَحْوَالِهِ، وَاعْتِقَادٌ مُصَمِّمٌ مِنْ كَافَّةِ الْوَرَى، مَنْ يَرَى وَمَنْ لَا يَرَى، أَنَّهُ إِذَا تَعَطَّفَ [وَتَرَأَّفَ] فَكَأُمِّكَ
(1/355)

شَفِيقٌ، وَنَاصِحٌ رَفِيقٌ، وَإِنِ اسْتَجَارَ مَلْهُوفٌ بِذُرَاهُ فَرُكْنٌ وَثِيقٌ، وَإِنْ تَغَشَّتْ سَخْطَتُهُ جَبَابِرَةَ الْأَرْضِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ فِي الْحَنَاجِرِ رِيقٌ.
يَعُمُّ أَهْلَ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ نُصْحُهُ وَإِشْفَاقُهُ، وَيُطَبِّقُ طَبَقَاتِ الْخَلَائِقِ مَبَارُّهُ وَإِرْفَاقُهُ، وَيَسْتَنِيمُ إِلَى مَأْمَنِ إِنْصَافِهِ كُلُّ خَتَّارٍ غَادِرٍ، وَيَسْتَكِينُ لِهَيْبَتِهِ كُلُّ جَبَّارٍ قَاسِرٍ، قَدِ اسْتَطَالَ عَلَى الرِّقَابِ الْغُلْظِ فُرْسَانُهُ، وَاسْتَمَالَ حَبَّاتِ الْقُلُوبِ إِحْسَانُهُ.
506 - فَإِلَى مَتَى أُطِيلُ طِوَلَ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَنَاهَى الْوُضُوحُ وَالْكُنَى وَالْحَالُ يُصَرِّحُ وَيَبُوحُ، وَمَنْ تُسْتَجْمَعُ لَهُ هَذِهِ الْخِلَالُ، إِلَّا فَرْدُ الدَّهْرِ وَمَرْمُوقُ الْعَصْرِ؟ وَمَنْ يَتَصَدَّى فِي مُتَّسَعِ الْأَرْضِ - إِذَا تَأَمَّلَ الْبَاحِثُ عَنْهَا الطُّولَ مِنْهَا وَالْعَرْضَ - لِأَدْنَى مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ؟
وَمَنْ يَرْقَى إِلَى أَقْرَبِ دَرَجَةٍ مِنْ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، لَمْ يَأْتِ وَاللَّهِ [بِمِثْلِهِ] مَكْرُ الْأَدْوَارِ، وَلَمْ يَحْتَوِ عَلَى شَكْلِهِ مُحَدَّبُ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِنَظِيرِهِ مُنْقَلَبُ [الْأَيَّامِ] وَالْأَقْدَارِ، وَمُضْطَرَبُ الدُّهُورِ وَالْأَعْصَارِ وَمَنْ قَدَّرَ لَهُ
(1/356)

فِي الْعَالَمِينَ ضَرِيبًا، اسْتَطَالَتْ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ تَفْنِيدًا وَتَكْذِيبًا.
507 - وَلَوْ فَرَضَ فَارِضٌ مُسْتَظْهِرًا بِالْعُدَدِ بَطَّاشًا بِأَنْصَارٍ، مِنْ غَيْرِ (189) رُجُوعٍ إِلَى اعْتِزَامٍ وَافْتِكَارٍ، وَنَظَرٍ فِي مُهِمَّاتِ الرَّعَايَا وَاعْتِبَارٍ، لَصَارَتِ الْخُطَّةُ فِرَاشًا لِكُلِّ [عَارٍ] ، وَفَرَاشًا لِكُلِّ نَارٍ.
ثُمَّ مَنْ يَنْتَهِضُ لِدِينِ اللَّهِ بِالذَّبِّ وَالِانْتِصَارِ؟ وَمَنْ يَتَعَطَّفُ عَاطِفَتَهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْأَقْطَارِ؟ وَمَنْ يَكْلَأُ بِالْعَيْنِ السَّاهِرَةِ شِعَارَ الدِّينِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ وَالْأَمْصَارِ؟ وَمَنْ يَحْسِمُ غَوَائِلَ الْبِدَعِ بِالرَّأْيِ الثَّاقِبِ مِنْ غَيْرِ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ وَإِظْهَارِ ضِرَارٍ؟ .
وَمَنْ يُدَارِي بِلُطْفِ الْخُلُقِ مَا يَكِلُّ عَنْهُ غِرَارُ الْحُسَامِ الْبَتَّارِ؟ وَمَنْ يَهْتَمُّ بِالْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْمَجَالِسِ وَالْمَدَارِسِ فِي الْأَمْصَارِ، وَمِنَ الَّذِي يَحِنُّ إِلَى سُدَّتِهِ زُمَرُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَخْيَارِ، حَنِينَ الطَّيْرِ إِلَى الْأَوْكَارِ؟ وَمَنِ الَّذِي يَسْتَوْظِفُ مُعْظَمَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْإِصَاخَةِ إِلَى كَلَامِ الْمَلْهُوفِينَ مِنْ غَيْرِ تَبَرُّمٍ وَاسْتِكْبَارٍ؟ .
فَإِذَا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مَقَامَهُ فِي أَدْنَى هَذِهِ الْآثَارِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَطْعًا عَلَى اللَّهِ
(1/357)

الْعَظِيمِ شَأْنُهُ الثُّبُوتُ وَالِاصْطِبَارُ، وَالِانْتِدَابُ لِلَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَآرِبِ وَالْأَوْطَارِ.
508 - – وَأَنَا الْآنَ أَذْكُرُ فُصُولًا مَجْمُوعَةً، أَنْتَحِي فِيهَا مَنْشَأَ الْحَقِّ وَيَنْبُوعَهُ، وَأَسْتَرْسِلُ فِي الْعِبَارَاتِ الْقَرِيبَةِ الْمَطْبُوعَةِ، فَإِنَّ نِهَايَاتِ الْمَعَانِي، لَا تَحْوِيهَا الْأَلْفَاظُ الْمَصْنُوعَةُ، وَالْكَلِمُ الْمُرَصَّعَةُ الْمَسْجُوعَةُ.
فَأَقُولُ مُعَوِّلًا عَلَى التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ وَالتَّوْفِيقِ: لَيْسَ يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالتَّحْقِيقِ، أَنَّ الْقِيَامَ بِالذَّبِّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَحِفْظِ الْحَوْزَةِ مَفْرُوضٌ، وَذَوُو التَّمَكُّنِ وَالِاقْتِدَارِ مُخَاطَبُونَ بِهِ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ بِهِ كُفَاةٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَقَاعَدُوا وَتَجَادَلُوا وَتَقَاعَسُوا وَتَوَاكَلُوا، عَمَّ كَافَّةَ الْمُقْتَدِرِينَ الْحَرَجُ عَلَى تَفَاوُتِ الْمَنَاصِبِ وَالدَّرَجِ (190) .

[مَنْزِلَةُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ]
509 - ثُمَّ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْقِيَامَ بِمَا هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ أَحْرَى بِإِحْرَازِ الدَّرَجَاتِ، وَأَعْلَى [فِي] فُنُونِ الْقُرُبَاتِ مِنْ فَرَائِضِ
(1/358)

الْأَعْيَانِ فَإِنَّ مَا تَعَيَّنَ عَلَى الْمُتَعَبِّدِ الْمُكَلَّفِ، لَوْ تَرَكَهُ، وَلَمْ يُقَابِلْ أَمْرَ الشَّارِعِ فِيهِ بِالِارْتِسَامِ، اخْتَصَّ الْمَأْثَمُ بِهِ، وَلَوْ أَقَامَهُ، فَهُوَ الْمُثَابُ.
وَلَوْ فُرِضَ تَعْطِيلُ فَرْضٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ لَعَمَّ الْمَأْثَمُ عَلَى الْكَافَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرُّتَبِ وَالدَّرَجَاتِ، فَالْقَائِمُ بِهِ كَافٍ نَفْسَهُ وَكَافَّةَ الْمُخَاطَبِينَ الْحَرَجَ وَالْعِقَابَ، وَآمِلٌ أَفْضَلَ الثَّوَابِ، وَلَا يَهُونُ قَدْرُ مَنْ يَحُلُّ مَحَلَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ فِي الْقِيَامِ لِمُهِمٍّ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ.
510 - ثُمَّ مَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، قَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ رَفِيقُهُ فِي طَرِيقِهِ، وَلَمْ يَحْضُرْ مَوْتَهُ غَيْرُهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِغَسْلِهِ وَدَفْنِهِ وَتَكْفِينِهِ.
وَمَنْ عَثَرَ عَلَى بَعْضِ الْمُضْطَرِّينَ وَانْتَهَى إِلَى ذِي مَخْمَصَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَمْكَنَ مِنْ سَدِّ جَوْعَتِهِ، وَكِفَايَةِ حَاجَتِهِ وَلَوْ
(1/359)

تَعَدَّاهُ، وَوَكَلَهُ إِلَى مَنْ عَدَاهُ، لَأَوْشَكَ أَنْ يَهْلِكَ فِي ضَيْعَتِهِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَاثِرِ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِ.
511 - وَأَقْرَبُ مِثَالٍ إِلَى مَا نُحَاوِلُ الْخَوْضَ فِيهِ - الْجِهَادُ، فَهُوَ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ مَعَ اسْتِقْرَارِ الْكُفَّارِ فِي الدِّيَارِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَلَوْ فُرِضَ مَنْ [هُوَ مِنْ] أَهْلِ الْقِتَالِ فِي الصَّفِّ، وَعَدَدُ الْكُفَّارِ غَيْرُ زَائِدٍ عَلَى الضِّعْفِ، ثُمَّ آثَرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لِلْمُنَاجَزَةِ الْمُحَاجَزَةَ وَالِانْصِرَافَ مِنْ غَيْرِ تَحَرُّفٍ لِقِتَالٍ، أَوْ تَحَيُّزٍ إِلَى فِئَةٍ، فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، فَيَصِيرُ مَا كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ مُتَعَيِّنًا بِالْمُلَابَسَةِ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى صَوْبِ الْجِهَادِ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ، دُونَ إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ، وَلَوْ خَرَجَ (191) دُونَهُمَا كَانَ عَاقًّا، مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ مُشَاقًّا، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَانْغَمَسَ فِي الْقِتَالِ، لَمَا الْتَقَى الصَّفَّانِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ الْآنَ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ اسْتِئْذَانٌ، وَكَانَ خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوقِ وَالْعِصْيَانِ. .
(1/360)

وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْقِنُّ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجِهَادِ دُونَ إِذْنِ مَوْلَاهُ، فَلَوِ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ وَخَرَجَ، كَانَ شَارِدًا آبِقًا مُتَمَرِّدًا عَلَى مَالِكِ رِقِّهِ، تَارِكًا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّهِ.
وَهُوَ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَتَرَدُّدَاتِهِ فِي جَمِيعِ تَارَاتِهِ، وَحَالَاتِهِ مُعَرَّضٌ لِسُخْطِ اللَّهِ، وَسُوءِ عِقَابِهِ، ثُمَّ لَوْ تَمَادَى عَلَى إِبَاقِهِ وَشِرَادِهِ، وَوَقَفَ فِي الصَّفِّ عَلَى اسْتِبْدَادِهِ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الْمُصَابَرَةُ، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.
فَهَذِهِ جُمَلٌ قَدَّمْنَا تِذْكَارَهَا، وَأَنَا أُوَضِّحُ الْآنَ مَوَاقِعَهَا وَآثَارَهَا، فَأَقُولُ: 512 - قَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ صَدْرَ الْوَرَى، وَكَهْفَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، احْتَمَلَ أَعْبَاءَ الْمِلَّةِ وَأَثْقَالَهَا، وَتَقَلَّدَ أَشْغَالَهَا، وَجَرَّدَتْ إِلَيْهِ الْخَلِيقَةُ آمَالَهَا، جَرَّرَتْ إِلَيْهِ الْأَمَانِي أَذْيَالَهَا، وَرَبَطَتْ مُلُوكُ الْأَرْضِ بِعَالِي رَأْيِهِ [سِلْمَهَا] وَقِتَالَهَا، وَوِفَاقَهَا وَجِدَالَهَا، وَوَاصَلَتِ الْبَرِّيَّةُ فِي اللِّيَاذِ بِهِ غَدُوَّهَا وَآصَالَهَا.
وَلَوْ آثَرَ الْإِيدَاعَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً لَبُدِّلَتِ الِاسْتِقَامَةُ أَحْوَالَهَا وَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَبْدَتْ غَوَائِلُ الدَّهْرِ
(1/361)

أَهْوَالَهَا، وَبَلَغَ الْأَمْرُ مَبْلَغًا يَعْسُرُ فِيهِ التَّدَارُكُ، وَلَا يُرْجَى مَعَهُ التَّمَاسُكُ.
513 - فَإِذَا كَانَ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ إِذَا لَابَسَ الْقِتَالَ وَوَقَفَ فِي صَفِّ الْأَبْطَالِ أَنْ يُصَابِرَ، وَيَسْتَقِرَّ وَيُثَابِرَ، لِأَنَّهُ لَوِ انْصَرَفَ لَأَفْضَى انْصِرَافُهُ، وَانْعِطَافُهُ إِلَى إِهْلَاكِ الْجُنْدِ، وَانْحِلَالِ الْعُقَدِ.
514 - ثُمَّ إِذَا كَثُرَ الْجَمْعُ فِي صَفِّ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ يَقِلُّ أَثَرٌ وَاحِدٌ يَنْسَلُّ وَيَنْفَكُّ، وَرُبَّمَا (192) لَا يَسْتَبِينُ لَهُ وَقْعٌ، وَلَا يَظْهَرُ لِوُقُوفِهِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ نَفْعٌ وَلَا دَفْعٌ، إِذَا كَانَتْ بُنُودُ الْإِسْلَامِ نَحْوَ مِائَةِ أَلْفٍ مَثَلًا، أَوْ يَزِيدُونَ، وَلَكِنْ حَسَمَ الشَّرْعُ سَبِيلَ الِانْصِرَافِ وَالِانْكِفَافِ، فَإِنَّ تَسْوِيغَ الِانْفِلَالِ لِلْوَاحِدِ يُؤَدِّي إِلَى تَسْوِيغِهِ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا يَتَدَاعَى إِلَى خُرُوجِ الْأَمْرِ عَنِ الضَّبْطِ، إِذِ النُّفُوسُ تَتَشَوَّفُ إِلَى الْفِرَارِ مِنْ مُوَاطِنِ الرَّدَى، وَتَتَنَكَّبُ أَسْبَابَ الْتَّوَى.
515 - فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ فَمَنْ وَقَفَ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِمُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَةِ الدِّينِ، مَوْقِفَ مَنْ هُوَ فِي الزَّمَانِ
(1/362)

صَدْرُ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ فُرِضَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَقَاعُدُهُ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْإِسْلَامِ، لَانْقَطَعَ قَطْعًا سِلْكُ النِّظَامِ، فَلَأَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْمُصَابَرَةُ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَسُدُّ أَحَدٌ فِي عَالَمِ اللَّهِ مَسَدَّهُ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَضْحَى لِلدِّينِ وَزَرًا، وَعُدَّةً وَانْتُدِبَ لِلسُّنَّةِ، وَالْإِسْلَامِ جُنَّةً وَحْدَهُ - أَوْلَى. .
516 - فَخَرَجَ مِنْ تَرْدِيدِ الْمَقَالِ فِي هَذَا الْمَجَالِ، وَالِاسْتِشْهَادِ بِالْأَمْثَالِ قَوْلٌ مَبْتُوتٌ، لَا مِرَاءَ فِيهِ، وَلَا جِدَالَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى صَدْرِ الدِّينِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ - الِاسْتِثْبَاتُ عَلَى مَا يُلَابِسُهُ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَأَنَا أَتَحَدَّى عُلَمَاءَ الدَّهْرِ فِيمَا أَوْضَحْتُ فِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِدْلَالِ، فَمَنْ أَبْدَى مُخَالَفَةً فَدُونَهُ وَالنِّزَالُ فِي مَوَاقِفِ الرِّجَالِ.
وَهُوَ قَوْلٌ أَضْمَنُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِ فِي الْيَوْمِ الْجَمِّ الْأَهْوَالِ، إِذَا حَقَّتِ الْمُحَاقَّةُ فِي السُّؤَالِ، مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، ذِي الْجَلَالِ
(1/363)

ثُمَّ قُرُبَاتُ الْعَالَمِينَ، وَتَطَوُّعَاتُ الْمُتَقَرِّبِينَ، لَا تُوَازِي وَقْفَةً مِنْ وَقَفَاتِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي الذَّبِّ عَنِ الدِّينِ.

[حُكْمُ خُرُوجِ نِظَامِ الْمُلْكِ لِلْحَجِّ]
517 - وَمِمَّا يَتَعَيَّنُ الْآنَ إِيضَاحُهُ قَضِيَّةٌ نَاجِزَةٌ، يَئُولُ أَثَرُ ضُرِّهَا، وَخَيْرِهَا، إِلَى الْخَلَائِقِ، عَلَى تَفَاوُتِ مَنَاصِبِهَا، وَيَظْهَرُ (193) وَقْعُهَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
وَهِيَ أَنَّهُ شَاعَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ [تَشَوُّفُ] صَدْرِ الْأَنَامِ، إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَقَدْ طَوَّقَ اللَّهُ هَذَا الدَّاعِيَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إِيضَاحَ الْكَلَامِ، فِي هَذَا الْمَرَامِ، وَكَشْفَ أَسْبَابِ الِاسْتِبْهَامِ وَالِاسْتِعْجَامِ، فَأَقُولُ وَبِفَضْلِ اللَّهِ الِاعْتِصَامُ:
إِنْ كَانَ مَا صَمَّمَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ الرَّأْيَ وَالِاعْتِزَامَ، مِنَ ابْتِغَاءِ تِيكَ الْمَشَاعِرِ الْعِظَامِ، مُتَضَمِّنًا قَطْعَ نَظَرِهِ عَنِ الْخَلِيقَةِ، فَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
518 - – وَأَنَا أُوَضِّحُ الْمَسْلَكَ فِي ذَلِكَ، وَأُبَيِّنُ طَرِيقَهُ، فَلَيْسَتِ
(1/364)

الْأَعْمَالُ قُرُبًا لِأَعْيَانِهَا، وَذَوَاتِهَا، وَلَيْسَتْ عِبَادَاتٍ لِمَا هِيَ عَلَيْهَا مِنْ خَصَائِصِ صِفَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ طَاعَةً مِنْ حَيْثُ تُوَافِقُ قَضَايَا أَمْرِ اللَّهِ فِي أَوْقَاتِهَا.
فَالصَّلَاةُ الْمُوَظَّفَةُ عَلَى الْعَبْدِ لَوْ أَتَى بِهَا عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ فِي الْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُشُوعِ، قَبْلَ أَوَانِهَا، لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَ الِاعْتِدَادِ، وَالصَّلَاةُ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَلَوْ أَقْدَمَ عَلَيْهَا مُحْدِثٌ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ.
519 - فَالْحَجُّ إِحْرَامٌ وَوُقُوفٌ، وَإِفَاضَةٌ وَطَوَافٌ بِبَيْتٍ [مَشِيدٍ] مِنْ أَحْجَارٍ سُودٍ، وَتَرَدُّدٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، عَلَى طَوْرَيِ الْمَشْيِ وَالسَّعْيِ، وَحِلَاقٌ إِلَى هَيْآتٍ وَآدَابٍ، وَإِنَّمَا تَقَعُ هَذِهِ الْأَفْعَالُ قُرُبًا مِنْ حَيْثُ تُوَافِقُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إِفْضَاءُ خُرُوجِهِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى تَعَرُّضِهِ أَوْ تَعَرُّضِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْغَرَرِ وَالْخَطَرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ وَبِذَوِيهِ، وَمَنْ يَتَّصِلُ
(1/365)

بِهِ وَيَلِيهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ مَا يَنْتَحِيهِ، إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ تَمَامُ الِاسْتِمْكَانِ فِيهِ.
وَهَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ وَمَنْ يَخْتَصُّ أَمْرُهُ بِهِ، وَبِأَخَصِّهِ.
520 - فَأَمَّا مَنْ نَاطَ اللَّهُ بِهِ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَبَطَ بِنَظَرِهِ مَعَاقِدَ (194) الدِّينِ، وَظَلَّ لِلْإِسْلَامِ كَافِلًا وَمَلَاذًا، وَكَهْفًا وَمُعَاذًا، وَلَوْ قَطَعَ عَنِ اسْتِصْلَاحِ الْعَالَمِينَ، وَمَنْعِ الْغَاشِمِينَ، وَدَفْعِ الظَّالِمِينَ، وَقَمْعِ النَّاجِمِينَ - نَظَرَهُ، لَارْتَبَكَ الْعِبَادُ، وَالرَّعَايَا وَالْأَجْنَادُ، فِي مَهَاوِي الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ، وَاسْتَطَالَ الْمُبْتَدِعَةُ الرَّاتِعُونَ، وَثَارَ فِي أَطْرَافِ الْخُطَّةِ النَّابِغُونَ، وَزَالَتْ نَضَارَةُ السُّنَّةِ وَبَهْجَتُهَا، وَدَرَسَتْ أَعْلَامُهَا وَمَحَجَّتُهَا.
521 - فَكَيْفَ يَحِلُّ لِمَنْ يَحُلُّ فِي دِينِ اللَّهِ هَذَا الْمَحَلَّ، وَقَدْ أَحَالَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعَقْدَ وَالْحَلَّ، وَأَنَاطَ بِإِقْبَالِهِ وَإِعْرَاضِهِ الْعِزَّ وَالذُّلَّ، وَعَلَّقَ بِمَنْحِهِ وَمَنْعِهِ الْكُثْرِ وَالْقِلَّ، وَرَبَطَ بِلِحَاظِهِ وَتَوْقِيعَاتِهِ وَأَلْفَاظِهِ الرَّفْعَ وَالْخَفْضَ، وَالْإِبْرَامَ وَالنَّقْضَ، وَالْبَسْطَ وَالْقَبْضَ - أَنْ يُقَدِّمَ نُسُكًا يَخُصُّهُ، عَلَى الْقِيَامِ بِمَنَاظِمِ الْإِسْلَامِ،
(1/366)

وَمَصَالِحِ الْأَنَامِ وَأَيَّةُ حُجَّةٍ تَعْدِلُ هَذِهِ الْخُطُوبَ الْجِسَامَ، وَالْأُمُورَ الْعِظَامَ بِحَجِّهِ؟
522 - فَإِنِ اعْتَرَضَ مُتَكَلِّفٌ فِي أَدْرَاجِ الْكَلَامِ، وَقَالَ: مَنْ جَرَّدَ الِاعْتِصَامَ بِطَوْلِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ، وَوَصَلَ حَبْلَ أَمَلِهِ بِحَبْلِهِ، كَفَاهُ مُلَاحَظَةَ الْأَغْيَارِ، وَوَقَاهُ مَا يُحَاذِرُ وَيَجْتَنِبُ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ أَنْ يَحْفَظَ مِنَ الدِّينِ نِظَامَهُ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَالِاسْتِمْسَاكُ بِكِفَايَةِ رَبِّ الْأَرْبَابِ أَوْلَى مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى الْأَسْبَابِ.
قُلْتُ: هَذَا مِنَ الطَّوَامِّ الَّتِي لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهَا طَائِلٌ، وَلَا يَعْثُرُ الْبَاحِثُ عَنْهَا عَلَى حَاصِلٍ، كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، وَلَوْ حَكَّمْنَا مَسَاقَ هَذِهِ الطَّامَّاتِ لَجَرَّتْنَا إِلَى تَعْطِيلِ الْقُرُبَاتِ، وَحَسْمِ أَسْبَابِ الْخَيْرَاتِ، وَلَاسْتَوَتْ عَلَى حُكْمِهَا الطَّاعَاتُ وَالْمُنْكَرَاتُ، وَبَطَلَتْ قَوَاعِدُ الشَّرَائِعِ، وَاتَّجَهَتْ إِلَيْهَا ضُرُوبُ الْوَقَائِعِ وَأَضْحَى مَا شَبَّبَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ فِي التَّعْطِيلِ مِنْ أَقْوَى الذَّرَائِعِ.
(195) فَمَضْمُونُ
(1/367)

مَا بَلَغَهُ الْمُرْسَلُونَ أَسْبَابُ الْخَيْرِ وَاجْتِنَابُ دَوَاعِي الضَّيْرِ، ثُمَّ الْأَكْلُ سَبَبُ الشِّبَعِ، وَالشُّرْبُ سَبَبُ الرِّيِّ، وَهَلُمَّ جَرَّا، إِلَى كُلِّ مَسْخُوطٍ وَمَرَضِيٍّ.
523 - وَيَجِبُ مِنْ مَسَاقِ ذَلِكَ رَدُّ أَمْرِ الْخَلْقِ إِلَى خَالِقِهِمْ، وَالِانْكِفَافُ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالِانْصِرَافُ عَنْ إِغَاثَةِ كُلِّ مَلْهُوفٍ.
وَبِهَذِهِ التُّرَّهَاتِ يُعَطَّلُ طَوَائِفُ مِنْ نَاشِئَةِ الزَّمَانِ، وَاغْتَرُّوا بِالتَّخَاوُضِ وَالتَّفَاوُضِ بِهَذَا الْهَذَيَانِ.
فَالْأُمُورُ كُلُّهَا مَوْكُولَةٌ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَيْسَتْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ مُوجِبَةً وَلَا عِلَّةً.
وَلَكِنَّ الْمُوَفَّقَ لِمَدْرَكِ الرَّشَادِ، وَمَسْلَكِ السَّدَادِ، مَنْ يَقُومُ بِمَا كَلَّفَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ يَرَى فَوْزَهُ وَنَجَاتَهُ بِحُكْمِ رَبِّ الْأَرْبَابِ.
524 - فَإِذَا وَضَحَ أَنَّ قِيَامَ صَدْرِ الدَّهْرِ، وَسَيِّدِ الْعَصْرِ، بِمُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَحَاجَاتِ الْوَرَى - سَبَبٌ أَقَامَهُ اللَّهُ مَطْمَحًا لِأَعْيُنِ الْعَالَمِينَ، وَشَوْقًا لِلْآمِلِينَ، فَلَا تَبْدِيلَ لِمَا وَضَعَ، وَلَا وَاضِعَ لِمَنْ رَفَعَ فَلْنَضْرِبْ عَنْ هَذِهِ الْفُنُونِ إِضْرَابَ مَنْ لَا يَسْتَبْدِلُ عَنْ مَدَارِكِ الْيَقِينِ مَسَالِكَ الظُّنُونِ.
(1/368)

اللَّهُمَّ يَسِّرْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ مَنْهَجَ الصَّوَابِ، وَجَنِّبْنِي غَوَائِلَ التَّعَمُّقِ وَالْإِطْنَابِ.
وَبَعْدُ:
525 - فَالَّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْقِفِ الْعَلِيِّ، وَالْمَنْصِبِ السَّنِيِّ فِي أَمْرِ الْحَجِّ، مَا أَنَا وَاصِفُهُ، وَمُوَضِّحُهُ وَكَاشِفُهُ، فَأَقُولُ: إِنِ ارْجَحَنَّ رَأْيُ مَوْلَانَا إِلَى تَوْطِئَةِ الطُّرُقِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْمُعَظَّمِ، وَحِمَاهُ الْمُحَرَّمِ، وَمَالَ اعْتِزَامُهُ إِلَى تَقْرِيبِ الْمَسَالِكِ وَتَمْهِيدِهَا، وَتَذْلِيلِهَا وَتَعْبِيدِهَا، وَنَفْضِهَا عَنِ السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَقَاطِعِي الطُّرُقِ عَلَى الْعِبَادِ.
وَمَا أَهْوَنَ تَحْصِيلَ هَذَا الْمُرَادِ، عَنْ مَنِ اسْتَمَرَّ تَحْتَ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ كُلُّ مُتَوَّجٍ صَعْبِ (196) الْقِيَادِ، كَيْفَ وَقَدْ أَطَافَتْ بِأَكْنَافِ الْبَرِّيَّةِ خُطَّةُ الْمَمْلَكَةِ فِي الْأَغْوَارِ وَالْأَنْجَادِ، وَاسْتَدَارَتْ عَلَى أَطْرَافِهَا مِنْ رُقْعَةِ الْمُلْكِ الْقُرَى وَالْبِلَادُ.
526 - أَمَّا الْكُوفَةُ، فَإِنَّهَا بِنَجْدَةِ الدَّوْلَةِ مَكْنُوفَةٌ، وَبِرِجَالِ الْبَأْسِ مَحْفُوفَةٌ.
وَأَمَّا بِلَادُ الشَّامِ، فَقَدِ احْتَوَى عَلَيْهَا أَقْوَامٌ مُنْتَفَضُونَ عَنْ حَوَاشِي الْجُنْدِ الْمَعْقُودِ، مَعَ [الْإِقْرَانِ] لِمَلِكِ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِكَانَةِ وَالِاسْتِسْلَامِ.
(1/369)

وَأَمَّا الْحَرَمُ، فَقَدِ اسْتَمَرَّ فِيهِ الْوِفَاقُ وَاسْتَتَمَّ.
وَعُرْبَانُ الْبَرِّيَّةِ مِنْ أَضْعَفِ الْخَلِيقَةِ وَالْبَرِيَّةِ، وَلَا حَاجَةَ فِي اسْتِئْصَالِ شَأْفَتِهِمْ وَاقْتِلَاعِ كَافَّتِهِمْ إِلَى صَدَمَاتٍ مُبِيرَةٍ، وَكَتَائِبَ هَجَّامَةٍ مُغِيرَةٍ، بَلْ يَكْفِيهِمْ أَنْ يَقْطَعَ عَنْهُمْ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ الْمِيرَةَ، وَلَيْسَتْ كِفَايَةُ غَوَائِلِهِمْ بِالْعَسِيرَةِ.
وَلَوْلَا حِذَارُ الْإِطَالَةِ لَبَسَطْتُ فِي ذَلِكَ الْمَقَالَةَ، وَمَوْلَانَا أَخْبَرُ بِطُرُقِ الْإِيَالَةِ لَا مَحَالَةَ، وَتَمْهِيدُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ هَيِّنٌ عَلَى مُسْتَخْدِمٍ مِنْ ذَلِكَ الْجَنَابِ مُسْتَنَابٍ، وَلَكِنْ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ خَبَرَهُمْ دَهْرًا، وَعَاشَرَهُمْ عَصْرًا، وَعَرَفَ مَدَاخِلَهُمْ وَمَخَارِجَهُمْ، وَمَسَالِكَهُمْ وَمَدَارِجَهُمْ.

[مَتَى يَجُوزُ لِنِظَامِ الْمُلْكِ الْحَجُّ]
527 - ثُمَّ إِذَا تَمَهَّدَتِ السُّبُلُ، وَانْزَاحَتِ الْعَوَائِقُ وَالْعِلَلُ، وَأَظَلَّتْ مِنَ الْأَمَنَةِ عَلَى الطَّارِقِينَ الظُّلَلُ، [وَآضَتْ] عَلَى الْبَخَاتِيِّ الْمَجْنَحَاتُ
(1/370)

وَالْكِلَلُ، وَسَفَرَتِ الْحِيَاضُ، وَحُمِيَتْ عَلَى الْحَجِيجِ الرِّيَاضُ وَالْغِيَاضُ، وَعُمِرَتِ الْأَمْيَالُ، وَأُقِيمَتْ عَلَى الْمَتَاعَاتِ الصُّوَى، وَالْأَطْلَالُ، وَتُفُقِّدَتِ الْآبَارُ، وَتُعُهِّدَتِ الْأَعْلَامُ وَالْآثَارُ، وَرُتِّبَ عَلَى الْمِيَاهِ الْعِدَّةِ، ذَوُو النَّجْدَةِ وَالْعُدَّةِ.
وَتَمَادَتْ عَلَى اطِّرَادِ الْمَأْمَنِ الْمُدَّةُ [فَإِذْ] ذَاكَ يَنْتَهِضُ صَدْرُ الزَّمَانِ، مَحْفُوفًا بِحِفْظِ اللَّهِ وَرِعَايَتِهِ، مَكْفُوفًا بِأَنْعُمِهِ وَكِلَاءَتِهِ، وَالسَّعَادَةُ خَدِينُهُ، وَالْيُمْنُ قَرِينُهُ، فِي كَتِيبَةٍ بَاسِلَةٍ، تَرْتَجُّ لَهَا الْأَدَانِي وَالْأَقَاصِي، وَيَتَطَامَنُ لِوَقْعِ سَنَابِكِهَا الصَّيَاصِي، وَيَسْتَكِينُ لِنَجْدَتِهَا النَّوَاصِي.
تَخْفِقُ عَلَيْهَا رَايَتُهُ الْعَلِيَّةُ، [وَيَسْطَعُ] لَأْلَاءُ الْعُلَا مِنْ غُرَّتِهِ الْبَهِيَّةِ، يَجْنُبُهُ النَّجَاحُ، وَيَحْتَوِشُ مَوْكِبَهُ الْفَلَاحُ، وَالْبَرِّيَّةُ يَطْوِي مَنَازِلَهَا، وَيُقَرِّبُ مَنَاهِلَهَا، فَيُوَافِي الْمِيقَاتَ
(1/371)

الْمَشْرِقِيَّ بِذَاتِ عِرْقٍ، وَأَمْرُهُ السَّامِي مُنْسَحِبٌ عَلَى أَقْصَى بِلَادِ الشَّرْقِ.
هَذِهِ النَّهْضَةُ هِيَ الَّتِي تَلِيقُ بِسُدَّتِهِ الْمُنِيفَةِ، وَسَاحَتِهِ السَّامِيَةِ الشَّرِيفَةِ.
528 - فَأَمَّا مُبَادَرَةُ الْمَنَاسِكِ، وَمُسَارَعَةُ الْمَدَارِكِ، قَبْلَ اسْتِمْرَارِ الْمَسَالِكِ، فَمَحْذُورٌ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ، وَمِنْ جَلَّ فِي الدِّينِ خَطَرُهُ، دَقَّ فِي مَرَاتِبِ الدِّيَانَاتِ نَظَرُهُ.
529 - فَهَذِهِ تَرَاجِمُ مُنَبِّهَةٌ عَلَى مَنَاظِمِ الْمَقَاصِدِ، لَا يَجْحَدُهَا جَاحِدٌ وَلَا يَأْبَاهَا إِلَّا مُعَانِدٌ، لَمْ أُورِدْهَا تَشَدُّقًا، وَلَمْ أَتَكَلَّفْهَا تَعَمُّقًا، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ إِيضَاحَهَا فِي دِينِ اللَّهِ مَحْتُومًا، وَكَشْفَهَا فَرْضًا مُتَعَيِّنًا مَجْزُومًا.
فَإِنْ تَعَدَّيْتُ مَرَاسِمَ الْأَدَبِ، فَالصِّدْقَ قَصَدْتُ، وَالْحَقَّ أَرَدْتُ وَقَدْ - وَاللَّهِ - أَوْضَحْتُ وَأَبْلَغْتُ وَأَنْهَيْتُ حُكْمَ اللَّهِ وَبَلَّغْتُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
530 - وَقَدْ حَانَ أَنَّ أَكُفَّ غَرْبِي، وَأَسْتَوْقِفَ فِي هَذَا الْفَنِّ سِرْبِي، وَأَسْتَفْتِحُ فَنًّا لَا يَثْقُلُ عَلَى الرَّأْيِ السَّامِي وَقْعُهُ، وَيَتَخَلَّدُ عَلَى مُعْتَقَبِ الْجَدِيدَيْنِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - نَفْعُهُ.
(1/372)

531 - فَأَقُولُ: مَا قَدَّمْتُهُ مَرَامِزُ إِلَى مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ صَدْرَ الْعَالَمِ مِنَ الْمَنْصِبِ الْأَسْمَى، فِي الِاقْتِدَارِ وَالْإِمْكَانِ، وَالِاحْتِكَامِ عَلَى بَنِي الزَّمَانِ، وَالِاسْتِمْكَانِ مِنْ رَدْعِ الْمُتَشَوِّفِينَ إِلَى الْعُدْوَانِ.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَطْمَعُ اللَّبِيبُ فِي اسْتِيعَابِ ذِكْرِهَا وَمُحَاوَلَةِ (198) إِحْصَائِهَا وَحَصْرِهَا، وَالْإِحَاطَةِ بِمَبْلَغْ قَدْرِهَا، وَلَوْ حَاوَلَ الْأَرْذَلُونَ وَالْأَدْنَوْنَ حُظُوظًا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ أَنْ يَعُدُّوهَا، لَمْ يَسْتَقْصُوهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.

[وَاجِبَاتُ الْإِمَامِ]
[يُقَدِّمُهَا (لِنِظَامِ الْمُلْكِ) ]
532 - وَأَذْكُرُ الْآنَ مَا عَلَى صَدْرِ الزَّمَانِ مِنْ أَحْكَامِ الْمَلِيكِ الدَّيَّانِ، بَعْدَ أَنْ أُوَضِّحَ مَا إِلَيْهِ مِنْ مَقَالِيدِ أُمُورِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَأَقُولُ:
قَدْ قَدَّمْتُ فِي الْأَبْوَابِ الْمُقَدَّمَةِ مَا يَتَوَلَّاهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ أُمُورِ الْإِمَامَةِ، وَأَوْرَدْتُهُ عَلَى صِيَغِ التَّقَاسِيمِ، وَبَلَغْتُ الْكَلَامَ فِيهِ قُصَارَى الْكَشْفِ وَالتَّتْمِيمِ، وَلَمْ أُغَادِرْ لِبَاحِثٍ مُنْقَلَبًا، وَلِمُسْتَفْصِلٍ مُضْطَرَبًا.
وَأَنَا الْآنَ أَقُولُ:
(1/373)

533 - كُلُّ مَا نِيطَ بِالْأَئِمَّةِ مِمَّا مَضَى مُوَضَّحًا مُحَصَّلًا، مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا، فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ صَدْرِ الدِّينِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ إِنَّمَا تَوَلَّوْا أُمُورَهُمْ، لِيَكُونُوا ذَرَائِعَ إِلَى إِقَامَةِ أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ، فَإِذَا فَقَدْنَا مَنْ يَسْتَجْمِعُ الصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةَ فِي الْمَنْصِبِ الْأَعْلَى، وَوَجَدْنَا مَنْ يَسْتَقِلُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْهَضُ بِأَثْقَالِ الْعَالَمِينَ، وَيَحْمِلُ أَعْبَاءَ الدِّينِ، وَلَوْ تَوَانَى فِيهَا لَانْحَلَّتْ مِنَ الْإِسْلَامِ شَكَائِمُهُ، وَلَمَالَتْ دَعَائِمُهُ.
وَالْغَرَضُ اسْتِصْلَاحُ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَلَى أَقْصَى مَا يُفْرَضُ فِيهِ الْإِمْكَانُ.
وَلَوْ بَغَتْ فِئَةٌ عَلَى الْإِمَامِ الْمُسْتَجْمِعِ لِخِلَالِ الْإِمَامَةِ، وَتَوَلَّوْا بِعُدَّةٍ وَعَتَادٍ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَقْطَارٍ وَبِلَادٍ، وَاسْتَظْهَرُوا بِشَوْكَةٍ وَاسْتِعْدَادٍ، وَاسْتَقَلُّوا بِنَصْبِ قُضَاةٍ وَوُلَاةٍ عَلَى انْفِرَادٍ وَاسْتِدَادٍ، فَيَنْفُذُ مِنْ قَضَاءِ قَاضِيهِمْ مَا يَنْفُذُ مِنْ قَضَاءِ قُضَاةِ الْإِمَامِ الْقَائِمِ بِأُمُورِ الْإِسْلَامِ.
534 - وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ قُطْرِ الْبُغَاةِ مِنَ الْإِمَامِ نَظَرُهُ، إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ اسْتِيلَاؤُهُ وَظَفَرُهُ، فَلَوْ رَدَدْنَا أَقَضِيَتَهُمْ لَتَعَطَّلَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَبَطَلَتْ قَوَاعِدُ مِنَ الدِّينِ.
(1/374)

535 - فَإِذَا كَانَ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْبُغَاةِ مَعَ قِيَامِ الْإِمَامِ، فَلَأَنْ يَنْفُذَ أَحْكَامُ وُزَرَاءِ الْإِسْلَامِ (199) مَعَ شُغُورِ الْأَيَّامِ أَوْلَى.
فَهَذَا بَيَانُ مَا إِلَيْهِ.
536 - فَأَمَّا إِيضَاحُ مَا عَلَيْهِ فَأَذْكُرُ فِيهِ لَفْظًا وَجِيزًا مُحِيطًا بِالْمَعْنَى، حَاوِيًا لِلْغَرَضِ وَالْمَغْزَى، ثُمَّ أَنْدَفِعُ بَعْدَ الْإِيجَازِ وَالضَّبْطِ فِي طُرُقٍ مِنَ الْبَسْطِ، فَأَقُولُ:
قَدْ تَقَدَّمَ مَا إِلَى الْأَئِمَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَوَضَحَ أَنَّ جَمِيعَهَا مَنُوطَ بِرَأْيِ صَدْرِ الْأَيَّامِ وَسَيِّدِ الْأَنَامِ، فَيَأْخُذُ مَا عَلَيْهِ مِمَّا إِلَيْهِ، فَعَلَيْهِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي إِقَامَةِ مَا إِلَيْهِ وَهَذَا عَلَى إِيجَازِهِ مُشِيرٌ إِلَى النِّهَايَاتِ مُشْعِرٌ بِالْغَايَاتِ.
وَلَكِنِّي أَعْرِضُ عَلَى الرَّأْيِ الْأَسْمَى كُلَّ أَمْرِ تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَأُوَضِّحُ مَسْلَكَهُ وَمِنْهَاجَهُ، وَأَنْتَدِبُ فِي بَعْضِ مَجَارِي الْكَلَامِ
(1/375)

مُحَرِّرًا مُقَدِّرًا، وَأُشِيرَ إِلَى الْمَغْزَى وَالْمَرَامِ مُذَكِّرًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَكْرَمِينَ: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} .
نَعَمْ. وَالتَّذْكِيرُ يَنْزِعُ صِمَامَ الصَّمَمِ عَنْ صِمَاخِ اللُّبِّ، وَيَقْشَعُ غَمَامَ الْغَمَمِ عَنْ سَمَاءِ الْقَلْبِ.

[وَاجِبَاتُ نِظَامِ الْمُلْكِ وَمَا عَلَيْهِ]
فَأَقُولُ:
537 - حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبِيدِهِ عَلَى قَدْرِ النِّعَمِ، وَالْهُمُومُ بِقَدْرِ الْهِمَمِ، وَأَنْعُمُ اللَّهِ إِذَا لَمْ تُشْكَرْ نِقَمٌ، وَالْمُوَفَّقُ مَنْ تَنَبَّهَ لِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ تَزِلَّ بِهِ الْقَدَمُ، وَحُظُوظُ الدُّنْيَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ، لَا تَبْقَى عَلَى مَكَرِّ الزَّمَنِ، وَالْمُسَدَّدُ مَنْ نَظَرَ فِي أُولَاهُ لِعَاقِبَتِهِ، وَتَزَوَّدَ مِنْ مُكْنَتِهِ فِي دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ.
(1/376)

[أ - الْإِحَاطَةُ بِالْأَخْبَارِ وَالْأَحْوَالِ] 538 - فَمِمَّا أَعْرِضُهُ عَلَى الْجَنَابِ الْعَالِي أَمْرٌ يَعْظُمُ وَقْعُهُ عَلَى [اعْتِقَابِ] الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، وَهُوَ الِاهْتِمَامُ بِمَجَارِي الْأَخْبَارِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ فَإِنَّ النَّظَرَ فِي أُمُورِ الرَّعَايَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَوَامِضِ وَالْخَفَايَا، وَإِذَا انْتَشَرَتْ مِنْ خُطَّةِ الْمَمْلَكَةِ الْأَطْرَافُ، وَأَسْبَلَتِ الْعَمَايَةُ دُونَ مَعْرِفَتِهَا أَسَدَادَ الْأَعْرَافِ، وَلَمْ تَطْلُعْ شَمْسُ رَأْيِ رَاعِي الرَّعِيَّةِ عَلَى صِفَةِ الْإِشْرَاقِ وَالْإِشْرَافِ.
امْتَدَّتْ أَيْدِي الظَّلَمَةِ (200) إِلَى الضَّعَفَةِ بِالْإِهْلَاكِ وَالْإِتْلَافِ [وَالثُّلَّةُ] إِذَا نَامَ عَنْهَا رَاعِيهَا عَاشَتْ طُلْسُ الذِّئَابِ فِيهَا، وَعَسُرَ تَدَارَكُهَا وَتَلَافِيهَا، وَالتَّيَقُّظُ وَالْخِبْرَةُ أُسُّ الْإِيَالَةِ، وَقَاعِدَةُ الْإِمْرَةِ، وَإِذَا عَمَّى الْمُعْتَدُونَ أَخْبَارَهُمْ، أَنْشَبُوا فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ أَظْفَارَهُمْ، وَاسْتَجْرَؤُوا [ثَمَّ] عَلَى الِاعْتِدَاءِ.
ثُمَّ طَمَسُوا عَنْ مَالِكِ الْأَمْرِ آثَارَهُمْ وَيَخُونُ حِينَئِذٍ الْمُؤْتَمَنُ، وَيَغُشُّ النَّاصِحُ، وَتَشِيعُ الْمَخَازِي وَالْفَضَائِحُ، وَتَبْدُو
(1/377)

فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ دَوَاعِي الِاخْتِزَالِ وَالِاسْتِزْلَالِ وَالْغُلُولِ، وَيَمْحَقُ فِي أَدْرَاجِ خَمْلِ الْخُمُولِ، وَقَدْ يُفْضِي الْأَمْرُ إِلَى ثَوَرَانِ الثُّوَّارِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ، وَاسْتِمْرَارِ تَطَايُرِ شِرَارِ الْأَشْرَارِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَزْمِ الثِّقَةُ بِمُوَاتَاةِ الْأَقْدَارِ وَالِاسْتِنَامَةُ إِلَى مَدَارِ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ، فَقَدْ يَثُورُ الْمَخْدُورُ مِنْ مَكْمَنِهِ، وَيُؤْتَى الْوَادِعُ الْآمِنُ مِنْ مَأْمَنِهِ، ثُمَّ مَا أَهْوَنَ الْبَحْثَ وَالتَّنْقِيرَ عَلَى مَنْ إِلَيْهِ مَقَالِيدُ التَّدْبِيرِ.
539 - عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَطْبَ الْخَطِيرَ قَرِيبُ الْمَدْرَكِ يَسِيرٌ، فَلَوِ اصْطَنَعَ صَدْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ زُمَرًا مِنَ الثِّقَاتِ عَلَى مَا يَرَى، وَرَسَمَ لَهُمْ أَنْ يُنْهُوا إِلَيْهِ تَفَاصِيلَ مَا جَرَى، فَلَا يُغَادِرُوا نَفْعًا وَلَا ضُرًّا إِلَّا بَلَغُوهُ اخْتِفَاءً وَسِرًّا، لَتَوَافَتْ دَقَائِقُ الْأَخْبَارِ وَحَقَائِقُ الْأَسْرَارِ عَلَى مُخَيَّمِ الْعِزِّ غَضَّةً طَرِيَّةً، وَتَرَاءَتْ لِلْحَضْرَةِ
(1/378)

الْعَلِيَّةِ مَجَارِي الْأَحْوَالِ فِي الْأَعْمَالِ الْقَصِيَّةِ.
فَإِذَا اسْتَشْعَرَ أَهْلُ الْخَبَلِ وَالْفَسَادِ أَنَّهُمْ مِنْ صَاحِبِ الْأَمْرِ بِالْمِرْصَادِ، آثَرُوا الْمَيْلَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، إِلَى مَسَالِكِ الرَّشَادِ، وَانْتَظَمَتْ أُمُورُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
وَمَا ذَكَرْتُهُ - لَوْ قَدَّرَ اللَّهُ - نَتِيجَةُ خَطْرَةٍ وَفِكْرَةٍ، وَمُوجَبُ الْتِفَاتَةٍ مِنَ الرَّأْيِ السَّامِي وَنَظْرَةٍ.
وَهَذَا (201) الَّذِي رَمَزْتُ إِلَيْهِ عَلَى قُرْبِ مَدْرَكِهِ وَيُسْرِهِ [مَدْرَأَةٌ] لِغَائِلَةِ كُلِّ أَمْرٍ وَعُسْرِهِ، مِنْ غَيْرِ بَذْلِ مُؤْنَةٍ، وَاسْتِمْدَادِ مَعُونَةٍ.

[ب - وُجُوبُ مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ]
540 - وَمِمَّا أُلْقِيهِ إِلَى الْمَجْلِسِ السَّامِي: وُجُوبُ مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَأْتِي وَيَذَرُ، فَإِنَّهُمْ قُدْوَةُ الْأَحْكَامِ وَأَعْلَامُ الْإِسْلَامِ، وَوَرَثَةُ النُّبُوَّةِ، وَقَادَةُ الْأُمَّةِ، وِسَادَةُ الْمِلَّةِ، وَمَفَاتِيحُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، وَهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَصْحَابُ الْأَمْرِ اسْتِحْقَاقًا،.
[وَذَوُو]
(1/379)

النَّجْدَةِ مَأْمُورُونَ بِارْتِسَامِ مَرَاسِمِهِمْ، وَاقْتِصَاصِ أَوَامِرِهِمْ وَالِانْكِفَافِ عَنْ مَزَاجِرِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ صَاحِبُ الْأَمْرِ مُجْتَهِدًا، فَهُوَ الْمَتْبُوعُ، الَّذِي يَسْتَتْبِعُ الْكَافَّةَ فِي اجْتِهَادِهِ وَلَا يَتْبَعُ.
541 - فَأَمَّا إِذَا كَانَ سُلْطَانُ الزَّمَانِ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ فَالْمَتْبُوعُونَ الْعُلَمَاءُ، وَالسُّلْطَانُ نَجَدَتُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ، وَقُوَّتُهُمْ وَبَذْرَقَتُهُمْ، فَعَالِمُ الزَّمَانِ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي نُحَاوِلُهُ، وَالْغَرَضِ الَّذِي نُزَاوِلُهُ كَنَبِيِّ الزَّمَانِ، وَالسُّلْطَانُ مَعَ الْعَالِمِ كَمَلِكٍ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ، مَأْمُورٌ بِالِانْتِهَاءِ إِلَى مَا يُنْهِيهِ إِلَيْهِ النَّبِيُّ.
542 - وَالْقَوْلُ الْكَاشِفُ لِلْغِطَاءِ، الْمُزِيلُ لِلْخَفَاءِ، أَنَّ الْأَمْرَ لِلَّهِ وَالنَّبِيُّ مُنْهِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَصْرِ نَبِيٌّ، فَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الشَّرِيعَةِ، وَالْقَائِمُونَ فِي إِنْهَائِهَا مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ بَدِيعِ الْقَوْلِ فِي مَنَاصِبِهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ يُتَوَقَّعُ فِي دَهْرِهِمْ تَبْدِيلُ الْأَحْكَامِ بِالنَّسْخِ، وَطَوَارِئُ الظُّنُونِ عَلَى فِكْرِ الْمُفْتِينَ، وَتُغَايِرُ اجْتِهَادَاتِهِمْ يُغَيِّرُ أَحْكَامَ اللَّهِ عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ، فَتَصِيرُ خَوَاطِرُهُمْ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَّةً مَحَلَّ مَا يَتَبَدَّلُ مِنْ قَضَايَا أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّسْخِ.
(1/380)

وَهَذِهِ مَرَامِزُ تُومِئُ إِلَى أُمُورٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أُطْنِبْ فِيهَا ; مَخَافَةَ الِانْتِهَاءِ إِلَى الْإِطْرَاءِ، وَالْإِفْرَاطِ فِي الثَّنَاءِ. .

[جـ - التَّيَقُّظُ لِلْفِتْنَةِ]
543 - وَمِمَّا أُنْهِيهِ إِلَى صَدْرِ الْعَالَمِ بَعْدَ تَمْهِيدِ الْاطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْبِقَاعِ وَالْأَصْقَاعِ فِتْنَةٌ هَاجِمَةٌ فِي الدِّينِ، وَلَوْ لَمْ تُتَدَارَكْ، لَتَقَاذَفَتْ إِلَى مُعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَتَفَاقَمَتْ غَائِلَتُهَا، وَأَعْضَلَتْ وَاقِعَتُهَا وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَامِّ عَلَى الْعَوَامِّ.
وَحَقٌّ عَلَى مَنْ أَقَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى ظَهْرًا لِلْإِسْلَامِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ فِي [رَحْضِ] الْمِلَّةِ عَنْهَا اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ وَأَقْصَى اقْتِدَارِي فِيهِ إِنْهَاؤُهَا كَمَا نَبَغَ ابْتِدَاؤُهَا، وَعَلَى مَنْ مَلَّكَهُ اللَّهُ أَعِنَّةَ الْمُلْكِ التَّشْمِيرُ لِإِبْعَادِ الْخَلْقِ عَنْ أَسْبَابِ الْهَلْكِ.
544 - وَقَدْ نَشَأَ - حَرَسَ اللَّهُ أَيَّامَ مَوْلَانَا - نَاشِئَةٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ
(1/381)

وَالْمُعَطِّلَةِ، وَانْبَثُّوا فِي الْمَخَالِيفِ وَالْبِلَادِ، وَشَمَّرُوا لِدَعْوَةِ الْعِبَادِ، إِلَى الِانْسِلَاخِ عَنْ مَنَاهِجِ الرَّشَادِ، وَاسْتَنَدُوا إِلَى طَوَائِفَ مِنَ الْمَرْمُوقِينَ الْمُغْتَرِّينَ، وَأَضْحَى أُولَئِكَ عَنْهُمْ ذَابِّينَ، وَلَهُمْ مُنْتَصِرِينَ.
وَصَارَ الْمُغْتَرُّونَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَتُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ، يَتَّخِذُونَ فُكَاهَةَ مَجَالِسِهِمْ، وَهُزْوَ مَقَاعِدِهِمْ - الِاسْتِهَانَةَ بِالدِّينِ، وَالتَّرَامُزَ وَالتَّغَامُزَ بِشَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَدَّى أَثَرُ مَا يُلَابِسُونَهُ إِلَى أَتْبَاعِهِمْ، وَأَشْيَاعِهِمْ مِنَ الرِّعَاعِ الْمُقَلِّدِينَ، وَفَشَا فِي عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ شَبَهُ الْمُلْحِدِينَ، وَغَوَائِلُ الْجَاحِدِينَ، وَكَثُرَ التَّخَاوُضُ وَالتَّفَاوُضُ فِي مَطَاعِنِ الدِّينِ.
545 - وَمِنْ أَعْظَمِ الْمِحَنِ، وَأَطَمِّ الْفِتَنِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، انْحِلَالُ عِصَامِ التَّقْوَى عَنِ الْوَرَى، وَاتِّبَاعُهُمْ نَزَعَاتِ الْهَوَى، وَتَشَوُّفُهُمْ إِلَى الِاسْتِمْسَاكِ بِحُطَامِ الْمُنَى، وَعُرُّوُهُمْ عَنِ الثِّقَةِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي الْعُقْبَى، وَاعْتِلَاقُهُمْ بِالِاعْتِيَادِ الْمَحْضِ فِي مَرَاسِمِ الشَّرِيعَةِ تُسْمَعُ وَتُرْوَى، حَتَّى كَأَنَّهَا عِنْدَهُمْ أَسْمَارٌ تُحْكَى وَتُطْوَى، وَهُمْ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ مِنَ الرَّدَى.
فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى مَا هُمْ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَلْوَى، دَعْوَةُ
(1/382)

الْمُعَطِّلَةِ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، خِيفَ مِنَ انْسِلَالِ مُعْظَمِ الْعَوَامِّ عَنْ دِينِ الْمُصْطَفَى، وَلَوْ لَمْ تُتَدَارَكْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ الثَّائِرَةُ، أَحْوَجَتِ الْإِيَالَةَ إِلَى إِعْمَالِ بَطْشَةٍ قَاهِرَةٍ، وَوَطْأَةٍ غَامِرَةٍ.

[تَرْكُ الْبَاقِي مِنَ الْوَاجِبَاتِ لِنَظَرِ (نِظَامِ الْمُلْكِ) ]
546 - وَقَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَى الرَّأْيِ السَّامِي مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا أُمُورًا، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَجْمَعَ أَطْرَافَ الْكَلَامِ. وَمَوْلَانَا أَمْتَعَ اللَّهُ بِبَقَائِهِ أَهْلَ الْإِسْلَامِ أَخْبَرُ بِمَبَالِغِ الْإِمْكَانِ، فِي هَذَا الزَّمَانِ.
547 - وَقَدْ لَاحَ بِمَضْمُونِ مَا رَدَّدْتُهُ مِنَ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ، مَا إِلَى مَوْلَانَا عَلَيْهِ، فِي حُكْمِ الْإِيمَانِ، فَإِنْ رَأَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلِيكِ الدَّيَّانِ بُلُوغَهُ فِيمَا تَطَوَّقَهُ غَايَةَ الِاسْتِمْكَانِ، فَلَيْسَ فَوْقَ ذَلِكَ مَنْصِبٌ مُرْتَقَبٌ، مِنَ الْقُرُبَاتِ وَمَكَانٌ، وَإِنْ فَاتَ مَبْلَغَ الْإِيثَارِ وَالِاقْتِدَارِ حَالَةٌ، لَا يَرَى دَفْعَهَا، فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَمَوْلَانَا بِالنَّظَرِ فِي مَغَبَّاتِ الْعَوَاقِبِ أَحْرَى.
548 - وَقَدْ قَالَ الْمُصْطَفَى فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ: " «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» " وَقَدْ عَظُمَ وَاللَّهِ الْخَطَرُ لِمَقَامٍ مُسْتَقِلٍّ فِي الْإِسْلَامِ، مَنْ حُكْمُهُ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْأَنَامِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَلَى
(1/383)

ضِفَّةِ الْفُرَاتِ مَضْرُورٌ، أَوْ ضَاعَ عَلَى شَاطِئِ الْجَيْحُونِ مَقْرُورٌ، أَوْ تُصُوِّرَ فِي أَطْرَافِ خُطَّةِ الْإِسْلَامِ مَكْرُوبٌ مَغْمُومٌ.
أَوْ تَلَوَّى فِي مُنْقَطِعِ الْمَمْلَكَةِ مُضْطَهَدٌ مَهْمُومٌ أَوْ جَأَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَظْلُومٌ، أَوْ بَاتَ تَحْتَ الضُّرِّ خَاوٍ، أَوْ مَاتَ عَلَى الْجُوعِ وَالضَّيَاعِ طَاوٍ، فَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهَا، وَالْمُطَالِبُ بِهَا فِي مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، " {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} . {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ".
549 - وَفِي الْجُمْلَةِ فَفَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَوْلَانَا عَمِيمٌ، وَالْخَطَرُ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِالشُّكْرِ عَظِيمٌ، وَالرَّبُّ تَعَالَى رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
550 - وَمَعَ هَذَا فَمَنْ سَوَّغَ لِمَوْلَانَا الْإِحْجَامَ عَنْ مُطَالَعَةِ مَصَالِحِ الْأَنَامِ فَقَدْ غَشَّهُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَفَارَقَ مَأْخَذَ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ مَضَى هَذَا مُقَرَّرًا عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ.
وَقَدْ نَجَزَ مُنْتَهَى الْغَرَضِ مِنْ هَذَا الْمَرَامِ، وَبِعَوْنِ اللَّهِ آخُذُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ.
(1/384)

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي شُغُورِ الدَّهْرِ عَنْ وَالٍ بِنَفْسِهِ أَوْ مُتَوَلٍّ بِغَيْرِهِ]
الْبَابُ الثَّالِثُ
فِي شُغُورِ الدَّهْرِ عَنْ وَالٍ بِنَفْسِهِ أَوْ مُتَوَلٍّ بِغَيْرِهِ
فَأَقُولُ:
551 - قَدْ تَقَرَّرَ الْفَرَاغُ عَنِ الْقَوْلِ فِي اسْتِيلَاءِ مُسْتَجْمِعٍ لِشَرَائِطِ الْإِمَامَةِ، ثُمَّ فِي اسْتِعْلَاءِ ذِي نَجْدَةٍ وَشَهَامَةٍ، وَقَدْ حَانَ الْآنَ أَنْ أَفْرِضَ خُلُوَّ الزَّمَانِ عَنِ الْكُفَاةِ ذَوِي الصَّرَامَةِ، خُلُوَّهُ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ، وَالتَّصْوِيرُ فِي هَذَا عَسِرٌ ; فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عُرُوُّ الدَّهْرِ عَنْ عَارِفٍ بِمَسَالِكِ السِّيَاسَةِ، وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ انْتِهَاءَ الْكَافِي إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، بَلْ كَفَى أَنْ يَكُونَ ذَا حَصَاةٍ وَأَنَاةٍ، وَدِرَايَةٍ وَهِدَايَةٍ، وَاسْتِقْلَالٍ بِعَظَائِمِ الْخُطُوبِ، وَإِنْ دَهَتْهُ مُعْضِلَةٌ اسْتَضَاءَ فِيهَا بِرَأْيِ ذَوِي الْأَحْلَامِ، ثُمَّ انْتَهَضَ مُبَادِرًا وَجْهَ الصَّوَابِ بَعْدَ إِبْرَامِ الِاعْتِزَامِ، وَلَا يَكَادُ تَخْلُو الْأَوْقَاتُ عَنْ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
552 - وَلَكِنْ قَدْ يَسْهُلُ [تَقْدِيرُ] مَا نَبْغِيهِ، بِأَنْ يُفْرَضَ
(1/385)

ذُو الْكِفَايَةِ [وَالدِّرَايَةِ] مُضْطَهَدًا مَهْضُومًا، مَنْكُوبًا بِعُسْرِ الزَّمَانِ مَصْدُومًا، مُحَلَّأً عَنْ وِرْدِ النَّيْلِ مَحْرُومًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَ اعْتِضَادٍ بِعُدَّةٍ وَاسْتِعْدَادٍ بِشَوْكَةٍ وَنَجْدَةٍ، فَكَذَلِكَ الْكِفَايَةُ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غَيْرِ اقْتِدَارٍ وَاسْتِمْكَانٍ لَا أَثَرَ لَهَا فِي إِقَامَةِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ ; فَإِذَا شَغَرَ الزَّمَانُ عَنْ كَافٍ مُسْتَقِلٍّ بِقُوَّةٍ وَمُنَّةٍ، فَكَيْفَ تَجْرِي قَضَايَا الْوِلَايَاتِ، وَقَدْ بَلَغَ تَعَذُّرُهَا مُنْتَهَى الْغَايَاتِ. فَنَقُولُ:
553 - أَمَّا مَا يَسُوغُ اسْتِقْلَالُ النَّاسِ [فِيهِ] بِأَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّ الْأَدَبَ يَقْتَضِي فِيهِ مُطَالَعَةَ ذَوِي الْأَمْرِ، وَمُرَاجَعَةَ مَرْمُوقِ الْعَصْرِ، كَعَقْدِ الْجُمَعِ، وَجَرِّ الْعَسَاكِرِ إِلَى الْجِهَادِ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَالطَّرْفِ، فَيَتَوَلَّاهُ النَّاسُ عِنْدَ خُلُوِّ الدَّهْرِ.
وَلَوْ سَعَى عِنْدَ شُغُورِ الزَّمَانِ طَوَائِفُ مِنْ ذَوِي النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ فِي نَفْضِ الطُّرُقِ عَنِ السُّعَاةِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، [فَهُوَ] مِنْ أَهَمِّ أَبْوَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
(1/386)

554 - وَإِنَّمَا يَنْهَى آحَادُ النَّاسِ عَنْ شَهْرِ الْأَسْلِحَةِ اسْتِبْدَادًا إِذَا كَانَ فِي الزَّمَانِ [وَزَرٌ] قَوَّامٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ، وَجَبَ الْبِدَارُ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ إِلَى دَرْءِ الْبَوَائِقِ عَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
وَنَهْيُنَا الرَّعَايَا عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالْأَنْفُسِ مِنْ قَبِيلِ [الِاسْتِحْثَاثِ] عَلَى مَا هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّلَاحِ، وَالْأَدْنَى إِلَى النَّجَاحِ، فَإِنَّ مَا يَتَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ مِنْ أُمُورِ السِّيَاسَةِ أَوْقَعُ وَأَنْجَعُ، وَأَدْفَعُ لِلتَّنَافُسِ، وَأَجْمَعُ لِشَتَاتِ الرَّأْيِ فِي تَمْلِيكِ الرَّعَايَا أُمُورَ الدِّمَاءِ، وَشَهْرَ الْأَسْلِحَةِ، وَجُوهٌ مِنَ الْخَبَلِ لَا [يُنْكِرُهَا] ذَوُو الْعَقْلِ.
وَإِذَا لَمْ يُصَادِفِ النَّاسُ قَوَّامًا بِأُمُورِهِمْ يَلُوذُونَ بِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالْقُعُودِ عَمَّا يَقْتَدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ دَفْعِ الْفَسَادِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ تَقَاعَدُوا عَنِ الْمُمْكِنِ، عَمَّ الْفَسَادُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.
وَإِذَا أُمِرُوا بِالتَّقَاعُدِ فِي قِيَامِ السُّلْطَانِ، كَفَاهُمْ ذُو الْأَمْرِ الْمُهِمَّاتِ، وَأَتَاهَا عَلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ.
555 - وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ فَحَقٌّ عَلَى قُطَّانِ كُلِّ بَلْدَةٍ، وَسُكَّانِ كُلِّ قَرْيَةٍ، أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ ذَوِي
(1/387)

الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، وَذَوِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا مَنْ يَلْتَزِمُونَ امْتِثَالَ إِشَارَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنْ مَنَاهِيهِ وَمَزَاجِرِهِ ; فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، تَرَدَّدُوا عِنْدَ إِلْمَامِ الْمُهِمَّاتِ، وَتَبَلَّدُوا عِنْدَ إِظْلَالِ الْوَاقِعَاتِ.
556 - وَلَوِ انْتُدِبَ جَمَاعَةٌ فِي قِيَامِ الْإِمَامِ لِلْغَزَوَاتِ، وَأَوْغَلُوا فِي مُوَاطِنِ الْمَخَافَاتِ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَصِّبُوا مَنْ يَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ إِذْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَهَوَوْا فِي وَرَطَاتِ الْمَخَافَاتِ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَالَاتِ (206) .
557 - وَمِمَّا يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ أُمُورُ الْوِلَايَاتِ الَّتِي كَانَتْ مَنُوطَةً بِالْوُلَاةِ كَتَزْوِيجِ الْأَيَامَى، وَالْقِيَامِ بِأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، فَأَقُولُ:
ذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ إِلَى أَنَّ [مِمَّا] يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ تَزْوِيجَ الْأَيَامَى، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَطَوَائِفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُرَّةَ الْبَالِغَةَ الْعَاقِلَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ زَوَّجَهَا، وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ، وَشَغَرَ الزَّمَانُ عَلَى السُّلْطَانِ، فَنَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ حَسْمَ بَابِ النِّكَاحِ مُحَالٌ
(1/387)

فِي الشَّرِيعَةِ، وَمَنْ أَبْدَى فِي ذَلِكَ تَشَكُّكًا، فَلَيْسَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِوَضْعِ الشَّرْعِ، وَالْمَصِيرِ إِلَى سَدِّ بَابِ الْمَنَاكِحِ يُضَاهِي الذَّهَابَ إِلَى تَحْرِيمِ الِاكْتِسَابِ، كَمَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي الرُّكْنِ الْأَخِيرِ فِي الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ لَا مِرَاءَ فِيهِ، فَلْيَقَعِ النَّظَرُ وَرَاءَ ذَلِكَ فِي تَفْصِيلِ التَّزْوِيجِ، فَأَقُولُ:
558 - إِنْ كَانَ فِي الزَّمَانِ عَالِمٌ يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي تَفَاصِيلِ النَّقْضِ وَالْإِبْرَامِ وَمَآخِذِ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْمَنَاكِحَ الَّتِي كَانَ يَتَوَلَّاهَا السُّلْطَانُ إِذْ كَانَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَنَّ مَنْ حَكَمَ مُجْتَهِدًا فِي زَمَانِ قِيَامِ الْإِمَامِ بِأَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهَلْ يَنْفُذُ مَا حَكَمَ بِهِ الْمُحَكَّمُ؟ فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي الَّذِي يَتَوَلَّى مَنْصِبَهُ مِنْ تَوْلِيَةِ الْإِمَامِ.
وَهَذَا قَوْلٌ مُتَّجَهٌ فِي الْقِيَاسِ، لَسْتُ أَرَى الْإِطَالَةَ بِذِكْرِ تَوْجِيهِهِ.
(1/389)

وَغَرَضِي مِنْهُ [أَنَّهُ] إِذَا انْقَدَحَ الْمَصِيرُ إِلَى تَنْفِيذِ أَمْرٍ مُحَكَّمٍ مِنَ الْمُفْتِينَ فِي اسْتِمْرَارِ الْإِمَامَةِ، وَاطِّرَادِ الْوِلَايَةِ وَالزَّعَامَةِ، مَعَ تَرَدُّدٍ وَتَحَرٍّ وَاجْتِهَادٍ وَتَأَخٍّ.
فَإِذَا خَلَا الزَّمَانُ وَتَحَقَّقَ مِنْ مُوجَبِ الشَّرْعِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ اسْتِحَالَةُ تَعْطِيلِ الْمَنَاكِحِ، فَالَّذِي كَانَ نُفُوذُهُ (207) مِنْ أَمْرِ الْمُحَكَّمِ مُجْتَهِدًا فِيهِ فِي قِيَامِ الْإِمَامِ يَصِيرُ مَقْطُوعًا بِهِ فِي شُغُورِ الْأَيَّامِ، وَهَذَا إِذَا صَادَفْنَا عَالِمًا يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى عِلْمِهِ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُ حُكْمِهِ.
559 - فَإِنْ عَرِيَ الزَّمَانُ عَنِ الْعُلَمَاءِ عُرُوَّهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ ذَوِي الْأَمْرِ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يَقَعُ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ الْغَرَضُ الْأَعْظَمُ، وَسَنُوَضِّحُ مَقْصِدَنَا فِيهِ عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ، وَنَأْتِي بِالْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ، وَنُبْدِي مِنْ سِرِّ الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَجْرِ فِي مَجَارِي الْخَطَرَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
560 - ثُمَّ كُلُّ أَمْرٍ يَتَعَاطَاهُ الْإِمَامُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُفَوَّضَةِ إِلَى الْأَئِمَّةِ،
(1/390)

فَإِذَا شَغَرَ الزَّمَانُ عَنِ الْإِمَامِ وَخَلَا عَنْ سُلْطَانٍ ذِي نَجْدَةٍ وَكِفَايَةٍ وَدِرَايَةٍ، فَالْأُمُورُ مَوْكُولَةٌ إِلَى الْعُلَمَاءِ، وَحَقٌّ عَلَى الْخَلَائِقِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى عُلَمَائِهِمْ، وَيُصْدِرُوا فِي جَمِيعِ قَضَايَا الْوِلَايَاتِ عَنْ رَأْيِهِمْ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَقَدْ هُدُوا إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَصَارَ عُلَمَاءُ الْبِلَادِ وُلَاةَ الْعِبَادِ.
561 - فَإِنْ عَسُرَ جَمْعُهُمْ عَلَى وَاحِدٍ اسْتَبَدَّ أَهْلُ كُلِّ صُقْعٍ وَنَاحِيَةٍ بِاتِّبَاعِ عَالِمِهِمْ.
وَإِنْ كَثُرَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّاحِيَةِ، فَالْمُتَّبَعُ أَعْلَمُهُمْ، وَإِنْ فُرِضَ اسْتِوَاؤُهُمْ، فَفَرْضُهُمْ نَادِرٌ لَا يَكَادُ يَقَعُ، فَإِنِ اتَّفَقَ فَإِصْدَارُ الرَّأْيِ عَنْ جَمِيعِهِمْ مَعَ تَنَاقُضِ الْمَطَالِبِ وَالْمَذَاهِبِ مُحَالٌ فَالْوَجْهُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَقْدِيمِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
فَإِنْ تَنَازَعُوا وَتَمَانَعُوا، وَأَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى شِجَارٍ وَخِصَامٍ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي قَطْعِ النِّزَاعِ الْإِقْرَاعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، قُدِّمَ.
562 - وَالْقَوْلُ الْمُقْنِعُ فِي هَذِهِ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ [الْمُسْتَجْمِعِينَ]
(1/391)

لِخِصَالِ الْمَنْصَبِ الْأَعْلَى لَيْسَ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِنْهَاءُ أَوَامِرِ اللَّهِ، وَإِيصَالُهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (208) إِلَى مَقَارِّهَا، ثُمَّ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي اسْتِصْلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا رَبْطُ الْإِيَالَاتِ بِمَتْبُوعٍ وَاحِدٍ إِنْ تَأَتَّى ذَلِكَ.
فَإِنْ عَسُرَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ، تَعَلَّقَ إِنْهَاءُ أَحْكَامِ اللَّهِ [تَعَالَى] إِلَى الْمُتَعَبِّدِينَ بِهَا بِمَرْمُوقِينَ فِي الْأَقْطَارِ وَالدِّيَارِ.
563 - وَمِنَ الْأَسْرَارِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الزَّمَانِ كَافٍ ذُو شَهَامَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعِلْمِ عَلَى مَرْتَبَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وَقَدِ اسْتَظْهَرَ بِالْعُدَدِ وَالْأَنْصَارِ، وَعَاضَدَتْهُ مُوَاتَاةُ الْأَقْدَارِ، فَهُوَ الْوَالِي وَإِلَيْهِ أُمُورُ الْأَمْوَالِ وَالْأَجْنَادِ وَالْوِلَايَاتِ، لَكِنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَلَّا يَبُتَّ أَمْرًا دُونَ مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ.
564 - فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَزَمْتَ الْقَوْلَ بِأَنَّ عَالِمَ الزَّمَانِ هُوَ الْوَالِي [وَ] حَقٌّ عَلَى ذِي النَّجْدَةِ [وَالْبَاسِ] اتِّبَاعُهُ، وَالْإِذْعَانُ لِحُكْمِهِ، وَالْإِقْرَارُ لِمَنْصِبِ عِلْمِهِ.
قُلْنَا: إِنْ كَانَ الْعَالِمُ ذَا كِفَايَةٍ وَهِدَايَةٍ إِلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ، فَحَقٌّ
(1/392)

عَلَى ذِي الْكِفَايَةِ الْعَرِيِّ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَتْبَعَهُ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَالِمُ ذَا دِرَايَةٍ وَاسْتِقْلَالٍ بِعَظَائِمِ الْأَشْغَالِ، فَذُو الْكِفَايَةِ الْوَالِي قَطْعًا، وَعَلَيْهِ الْمُرَاجَعَةُ وَالِاسْتِعْلَامُ فِي مَوَاقِعِ الِاسْتِبْهَامِ، وَمَوَاضِعِ الِاسْتِعْجَامِ.
565 - ثُمَّ إِذَا كَانَتِ الْوِلَايَةُ مَنُوطَةً بِذِي الْكِفَايَةِ وَالْهِدَايَةِ، فَالْأَمْوَالُ مَرْبُوطَةٌ بِكِلَاءَتِهِ، وَجَمْعِهِ وَتَفْرِيقِهِ وَرِعَايَتِهِ ; فَإِنَّ عِمَادَ الدَّوْلَةِ الرِّجَالُ، وَقِوَامُهُمُ الْأَمْوَالُ. فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ.
566 - وَقَدِ انْتَهَى الْقَوْلُ إِلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يُطْبِقُ طَبَقَ الْأَرْضِ فَائِدَتُهُ، وَتَسْتَفِيضُ عَلَى طَبَقَاتِ الْخَلْقِ عَائِدَتُهُ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.
(1/393)

[الرُّكْنُ الثَّالِثُ] [مقدمة الركن وخطته]
[الرُّكْنُ الثَّالِثُ] (الْكِتَابُ الثَّالِثُ) فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفِيهِ مَرَاتِبُ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى (الْبَابُ الْأَوَّلُ) : فِي اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِينَ الْمُجْتَهِدِينَ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ (الْبَابُ الثَّانِي) : فِيمَا إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَبَقِيَ نَقَلَةُ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ (الْبَابُ الثَّالِثُ) : فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ. الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ (الْبَابُ الرَّابِعُ) : فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
(1/395)

الْقَوْلُ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ.
[الْكِتَابُ الثَّالِثُ] .
[مُقَدِّمَةُ الرُّكْنِ] .
567 - مَضْمُونُ هَذَا الرُّكْنِ يَسْتَدْعِي نَخْلَ الشَّرِيعَةِ مِنْ مَطْلَعِهَا إِلَى مَقْطَعِهَا، وَتَتَبُّعَ مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا (209) وَاخْتِصَاصَ مَعَاقِدِهَا وَقَوَاعِدِهَا، وَإِنْعَامَ النَّظَرِ فِي أُصُولِهَا وَفُصُولِهَا، وَمَعْرِفَةَ فُرُوعِهَا وَيَنْبُوعِهَا، وَالِاحْتِوَاءَ عَلَى مَدَارِكِهَا وَمَسَالِكِهَا، وَاسْتِبَانَةَ كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا، وَالْاطِّلَاعَ عَلَى مَعَالِمِهَا وَمَنَاظِمِهَا، وَالْإِحَاطَةَ بِمَبْدَئِهَا وَمَنْشَئِهَا، وَطُرُقِ تَشَعُّبِهَا وَتَرَتُّبِهَا، وَمَسَاقِهَا وَمَذَاقِهَا، وَسَبَبِ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِطْبَاقِهَا، وَعِلَّةِ اخْتِلَافِهَا وَافْتِرَاقِهَا.
وَلَوْ ضَمَّنْتُ هَذَا الْمَجْمُوعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَنَصَصْتُ عَلَيْهِ لَمْ يَقْصُرْ عَنْ أَسْفَارٍ ثُمَّ لَا يَحْوِي مُنْتَهَى الْأَوْطَارِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لِيَعْتَقِدَ النَّاظِرُ فِي هَذَا الْفَنِّ أَنَّهُ نَتِيجَةُ بُحُورٍ مِنَ الْعُلُومِ، لَا [يَعْبُرُهَا] الْعَوَامُّ وَلَا تَفِي بِبَدَائِعِهَا الْأَيَّامُ وَالْأَعْوَامُ، وَقَلَّمَا تَسْمَحُ بِجَمْعِهَا لِطَالِبٍ وَاحِدٍ الْأَقْدَارُ وَالْأَقْسَامُ وَلَوْلَا حَذَارُ انْتِهَاءِ
(1/397)

الْأَمْرِ إِلَى حَدِّ التَّصَلُّفِ وَالْإِعْجَابِ، لَآثَرْتُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى [عُلُوِّ] قَدْرِ هَذَا الرُّكْنِ التَّنَاهِيَ فِي الْإِطْنَابِ.
568 - وَالْآنَ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ، أُرَتِّبُ الْقَوْلَ فِي هَذَا الرُّكْنِ عَلَى مَرَاتِبَ، وَأُوَضِّحُ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ التَّحْقِيقِ.
فَنَذْكُرُ أَوَّلًا اشْتِمَالَ الزَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِينَ.
ثُمَّ نَذْكُرُ خُلُوَّ الدَّهْرِ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُسْتَقِلِّينَ بِمَنْصَبِ الِاجْتِهَادِ، مَعَ انْطِوَاءِ الزَّمَانِ عَلَى نَقَلَةِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ.
ثُمَّ نَذْكُرُ شُغُورَ الْعَصْرِ عَنِ الْأَثْبَاتِ وَالثِّقَاتِ، رُوَاةِ الْآرَاءِ وَالْمَذَاهِبِ، مَعَ بَقَاءِ مَجَامِعِ الشَّرْعِ وَشُيُوعِ أَرْكَانِ الدِّينِ عَلَى الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ نَذْكُرُ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي دُرُوسِ الشَّرِيعَةِ، وَانْطِمَاسِ قَوَاعِدِهَا، وَحُكْمِ التَّكْلِيفِ - لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ - عَلَى الْعُقَلَاءِ.
فَالْمَرَاتِبُ الَّتِي نَرُومُهَا فِي غَرَضِ هَذَا الْبَابِ أَرْبَعُ.
(1/398)

[الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِينَ الْمُجْتَهِدِينَ]
569 - فَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْأَوْلَى، فَنَقُولُ فِيهَا مُسْتَعِينِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى: حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ، وَالْمُسْتَقِلُّونَ (210) بِهَا هُمُ الْمَفْتُونَ الْمُسْتَجْمِعُونَ لِشَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْعُلُومِ، [وَالضَّامُّونَ] إِلَيْهَا التَّقْوَى وَالسَّدَادَ.
570 - وَإِنْ دُفِعْنَا إِلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِقْلَالُ فِي ذِكْرِ الْخِصَالِ الْمَرْعِيَّةِ فِي الِاجْتِهَادِ، مَعَ إِيضَاحِ مَا عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ مِنْ تَخَيُّرِ الْمُفْتِينَ، فَنَقُولُ:
قَدْ ذَكَرْنَا فِي مُصَنَّفَاتٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ اسْتِيعَابَ الْقَوْلِ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ، وَآدَابِ الْمُسْتَفْتِينَ، وَتَفَاصِيلِ حَالَاتِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْآنَ مِنْهَا جُمَلًا مُقْنِعَةً يَفْهَمُهَا الشَّادِي الْمُبْتَدِئُ، وَيُحِيطُ بِفَوَائِدِهَا الْمُنْتَهِي مَعَ الْإِضْرَابِ عَنِ الْإِطْنَابِ، وَتَوَقِّي الْإِسْهَابِ.
فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ بِأَوْصَافِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْوَجْهُ أَنْ أَجْمَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ.
(1/399)

[صِفَاتُ الْمُفْتِي]
571 - إِنَّ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْمُفْتِي سِتٌّ:
أَحَدُهَا - الِاسْتِقْلَالُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ; فَإِنَّ شَرِيعَةَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَلَقَّاهَا وَمُسْتَقَاهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَنُ، وَآثَارُ الصَّحَابَةِ وَوَقَائِعُهُمْ، وَأَقْضِيَتُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَكُلُّهَا بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ وَأَشْرَفِ الْعِبَارَاتِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الِارْتِوَاءِ [مِنَ] الْعَرَبِيَّةِ، فَهِيَ الذَّرِيعَةُ إِلَى مَدَارِكِ الشَّرِيعَةِ.
572 - وَالثَّانِيَةُ - مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ [مِنْ] آيَاتِ الْكِتَابِ، وَالْإِحَاطَةُ بِنَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا، عَامِّهَا وَخَاصِّهَا، وَتَفْسِيرُ مُجْمَلَاتِهَا ; فَإِنَّ مَرْجِعَ الشَّرْعِ وَقُطْبَهُ الْكِتَابُ.
573 - وَالثَّالِثَةُ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ، فَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْكُبْرَى ; فَإِنَّ مُعْظَمَ أُصُولِ التَّكَالِيفِ مُتَلَقًّى مِنْ أَقْوَالِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفْعَالِهِ وَفُنُونِ أَحْوَالِهِ، وَمُعْظَمُ آيِ الْكِتَابِ لَا يَسْتَقِلُّ دُونَ بَيَانِ الرَّسُولِ.
(1/400)

ثُمَّ لَا يَتَقَرَّرُ الِاسْتِقْلَالُ بِالسُّنَنِ إِلَّا بِالتَّبَحُّرِ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ، وَالْعِلْمِ بِالصَّحِيحِ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالسَّقِيمِ، وَأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَمَا عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ فِي صِفَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنَ الرُّوَاةِ وَالثِّقَاتِ، وَالْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ، وَالتَّوَارِيخِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِبَانَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
وَإِنَّمَا يَجِبُ مَا وَصَفْنَاهُ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَقَضَايَا التَّكْلِيفِ، دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالْأَقَاصِيصِ وَالْمَوَاعِظِ.
574 - وَالرَّابِعَةُ - مَعْرِفَةُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمَاضِينَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِيَةِ، وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِمَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَرُبَّمَا يَهْجُمُ فِيمَا يُجَرِّئُهُ عَلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَالِانْسِلَالِ عَنْ رِبْقَةِ الْوِفَاقِ.
575 - وَالْخَامِسَةُ - الْإِحَاطَةُ بِطُرُقِ الْقِيَاسِ وَمَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ ; فَإِنَّ الْمَنْصُوصَاتِ مُتَنَاهِيَةٌ مَضْبُوطَةٌ، وَالْوَقَائِعَ الْمُتَوَقَّعَةَ لَا نِهَايَةَ لَهَا.
576 - وَالسَّادِسَةُ - الْوَرَعُ وَالتَّقْوَى، فَإِنَّ الْفَاسِقَ لَا يُوثَقُ بِأَقْوَالِهِ، وَلَا يُعْتَمَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ.
(1/401)

577 - وَقَدْ جَمَعَ الْإِمَامُ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي كَلِمَةٍ وَجِيزَةٍ، فَقَالَ:
" مَنْ عَرَفَ كِتَابَ اللَّهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ ". .
578 - وَالتَّفَاصِيلُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمِ ; فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْكِتَابِ تَسْتَدْعِي لَا مَحَالَةَ الْعِلْمَ بِاللُّغَةِ ; فَإِنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى اتِّبَاعِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ وَتَحَفُّظِهَا كَانَ مُقَلِّدًا وَلَمْ يَكُنْ عَارِفًا.
وَالشَّافِعِيُّ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] اعْتَبَرَ الْمَعْرِفَةَ وَالِاسْتِقْلَالَ بِالْأَخْبَارِ الشَّرْعِيَّةِ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ الْمُنْقَرِضِينَ، وَالِاسْتِنْبَاطُ الَّذِي [ذَكَرَهُ] مُشْعِرٌ بِالْقِيَاسِ وَمَعْرِفَةِ تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ.
ثُمَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَرَعِ، فَإِنْ قَالَ: اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ.
وَالْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ; فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ اسْتَمْسَكَ بِالْوَرَعِ وَالتَّقْوَى وَاحْتَرَزَ (212) عَنِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى لَمَّا قَالَ: اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ.
(1/402)

579 - فَهَذَا مَا رَأَيْنَا نَقْلَهُ مِنْ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
580 - فَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ دَرْكِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ عَلَى يَسِيرٍ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةِ [تَعَلُّمٍ] . وَهَذِهِ الصِّفَةُ تَسْتَدْعِي ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ الْعُلُومِ:
581 - أَحَدُهَا - اللُّغَةُ وَالْعَرَبِيَّةُ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَمُّقُ، وَالتَّبَحُّرُ فِيهَا حَتَّى يَصِيرَ الرَّجُلُ عَلَّامَةَ الْعَرَبِ، وَلَا يَقَعُ الِاكْتِفَاءُ [بِالِاسْتِطْرَافِ] وَتَحْصِيلِ الْمَبَادِئِ وَالْأَطْرَافِ، بَلِ الْقَوْلُ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحَصِّلَ مِنَ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، مَا يَتَرَقَّى بِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْمُقَلِّدِينَ فِي مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي مَنْصِبًا وَسَطًا فِي عِلْمِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ.
582 - وَالصِّنْفُ الثَّانِي - مِنَ الْعُلُومِ الْفَنُّ الْمُتَرْجَمُ بِالْفِقْهِ،
(1/403)

وَلَا بُدَّ مِنَ التَّبَحُّرِ فِيهِ، وَالِاحْتِوَاءِ عَلَى قَوَاعِدِهِ، وَمَآخِذِهِ وَمَعَانِيهِ.
ثُمَّ هَذَا الْفَنُّ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ نَقْلِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ وَيَنْطَوِي عَلَى ذِكْرِ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَحْتَوِي عَلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْكَامِ التَّكَالِيفِ مَعَ الِاعْتِنَاءِ. بِذِكْرِ الرُّوَاةِ وَالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
فَإِنِ اقْتَضَتِ الْحَالَةُ مَزِيدَ نَظَرٍ فِي خَبَرٍ، فَالْكُتُبُ الْحَاوِيَةُ عَلَى ذِكْرِ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ عَتِيدَةٌ، وَمُرَاجَعَتُهَا مَعَ الِارْتِوَاءِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ يَسِيرَةٌ غَيْرُ عَسِيرَةٍ، وَأَهَمُّ الْمَطَالِبِ فِي الْفِقْهِ التَّدَرُّبُ فِي مَآخِذِ الظُّنُونِ فِي مَجَالِ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا [هُوَ] الَّذِي يُسَمَّى فِقْهَ النَّفْسِ، وَهُوَ أَنْفَسُ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ.
583 - وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنَ الْعُلُومِ - الْعِلْمُ الْمَشْهُورُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، وَمِنْهُ يُسْتَبَانُ مَرَاتِبُ (213) الْأَدِلَّةِ وَمَا يُقَدَّمُ مِنْهَا وَمَا يُؤَخَّرُ، وَلَا يَرْقَى الْمَرْءُ إِلَى مَنْصِبِ الِاسْتِقْلَالِ.
دُونَ الْإِحَاطَةِ بِهَذَا الْفَنِّ.
فَمَنِ اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الْفُنُونَ فَقَدْ عَلَا إِلَى رُتْبَةِ الْمُفْتِينَ.
584 - وَالْوَرَعُ لَيْسَ شَرْطًا فِي حُصُولِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مَنْ رَسَخَ فِي الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَاجْتِهَادُهُ يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَقْتَضِيَ فِيمَا
(1/404)

يَخُصُّهُ مِنَ الْأَحْكَامِ مُوجَبَ النَّظَرِ. وَلَكِنَّ الْغَيْرَ لَا يَثِقُ بِقَوْلِهِ لِفِسْقِهِ.
585 - وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الِاكْتِفَاءِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخِصَالِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمَصِيرِ إِلَى مَبْلَغٍ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى طَلَبٍ وَتَفَكُّرٍ فِي الْوَقَائِعِ مُحَالٌ، إِذِ الْوَقَائِعُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَالْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ لَا تَفِي بِتَحْصِيلِ كُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ، سِيَّمَا مَعَ قِصَرِ الْأَعْمَارِ ; فَيَكْفِي الِاقْتِدَارُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْغَرَضِ عَلَى يَسِيرٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى مُعَانَاةِ تَعَلُّمٍ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي اسْتِعْدَادًا وَاسْتِمْدَادًا مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَا مَحَالَةَ.
586 - وَالثَّانِي - أَنَّا سَبَرْنَا أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ مِنْ صَحْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَكْرَمِينَ، فَأَلْفَيْنَاهُمْ مُقْتَدِرِينَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ، وَمَسَالِكِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَقِلِّينَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، وَمَا كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِنْ فَحْوَى خِطَابِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَافِيَةٌ، وَقَدْ عَاصَرُوا صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ، وَعَلِمُوا أَنَّ مُعْظَمَ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَنَاطُ الشَّرْعِ، وَاعْتَنَوْا عَلَى اهْتِمَامٍ
(1/405)

صَادِقٍ بِمُرَاجَعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا كَانَ يَسْنَحُ لَهُمْ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ تَدَرُّبِ الْفَقِيهِ مِنَّا فِي مَسَالِكِ الْفِقْهِ.
587 - وَأَمَّا الْفَنُّ الْمُتَرْجَمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، فَحَاصِلُهُ نَظْمُ مَا وَجَدْنَا مِنْ [سِيَرِهِمْ] وَضَمُّ مَا بَلَغَنَا مِنْ خَبَرِهِمْ، وَجَمْعُ مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ نَظَرِهِمْ، وَتَتَبُّعُ مَا سَمِعْنَا مِنْ [عِبَرِهِمْ] ، وَلَوْ كَانُوا عَكَسُوا التَّرْتِيبَ، لَاتَّبَعْنَاهُمْ.
نَعَمْ. مَا كَانَ يَعْتَنِي الْكَثِيرُ مِنْهُمْ بِجَمْعِ مَا بَلَغَ الْكَافَّةَ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ كَانَتِ الْوَاقِعَةُ تَقَعُ، فَيَبْحَثُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَكَانَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ لَا يَسْتَقِلُّ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوهَا اعْتَبَرُوا، وَنَظَرُوا، وَقَاسُوا.
588 - فَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُفْتِيَ مِنْهُمْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لِإِمْكَانِ الطَّلَبِ عَارِفًا بِمَسَالِكِ النَّظَرِ مُقْتَدِرًا عَلَى مَأْخَذِ الْحُكْمِ مَهْمَا عَنَّتْ وَاقِعَةٌ.
(1/406)

589 - فَقَدْ تَحَقَّقَ لِمَنْ أَنْصَفَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
590 - وَإِنَّمَا بَلَائِي كُلُّهُ حَرَسَ اللَّهُ مَوْلَانَا مِنْ نَاشِئَةٍ فِي الزَّمَانِ شَدَوْا طَرَفًا مِنْ مَقَالَاتِ الْأَوَّلِينَ، رَكَنُوا إِلَى التَّقْلِيدِ الْمَحْضِ، وَلَمْ يَتَشَوَّفُوا إِلَى انْتِحَاءِ دَرْكِ الْيَقِينِ، وَابْتِغَاءِ ثَلْجِ الصُّدُورِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُشَمِّرُوا لِلطَّلَبِ، ثُمَّ يَنْجَحُوا أَوْ يُحَقِّقُوا.
ثُمَّ إِذَا رَأَوْا مَنْ لَا يَرَى التَّعْرِيجَ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَيَشْرَئِبُّ إِلَى مَدَارِكِ الْعُلُومِ، وَيُحَاوِلُ الِانْتِفَاضَ مَنْ [وَضَرِ] الْجَهْلِ، نَفَرُوا نِفَارَ الْأَوَابِدِ، وَنَخَرُوا نَخِيرَ الْحُمُرِ الْمُسْتَنْفِرَةِ، وَأَضْرَبُوا عَنْ إِجَالَةِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ، وَارْجَحَنُّوا إِلَى الْمَطَاعِنِ عَلَى مَنْ يُحَاوِلُ الْحَقَائِقَ وَيُلَابِسُ الْمَضَايِقَ وَقَنَعُوا مِنْ مَنْصِبِ الْعُلَمَاءِ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَبْغِي الْعِلْمَ وَالتَّرَقِّي عَنِ الْجَهَالَاتِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَقَائِقِ الْمَقَالَاتِ.
591 - وَلَمْ أَجْمَعْ فُصُولَ هَذَا الْكِتَابِ مُضَمَّنَةً بِمَبَاحِثِي وَاخْتِيَارَاتِي، إِلَّا وَمُعَوَّلِي ثَقَابَةُ رَأْيِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا، كَهْفِ الْوَرَى،
(1/407)

وَسَيِّدِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَاتِّقَادِ قَرِيحَتِهِ الْمُتَطَلِّعَةِ عَلَى حُجُبِ الْمُغْمَضَاتِ، وَمَسْتُورِ الْمُعْوِصَاتِ (215) فَهَذَا مَبْلَغٌ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ مُقْنِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
592 - وَلَا يَتِمُّ الْمَقْصِدُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، مَا لَمْ أُمَهِّدْ فِي أَحْكَامِ الْفَتْوَى قَاعِدَةً يَتَعَيَّنُ الِاعْتِنَاءُ بِفَهْمِهَا وَالِاهْتِمَامُ بِعِلْمِهَا وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ضَرْبٌ مِنَ النَّظَرِ فِي تَعْيِينِ الْمُفْتِي الَّذِي يُقَلِّدُهُ وَيَعْتَمِدُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَ فِي مَسَائِلِهِ كُلَّ مُتَلَقِّبٍ بِالْعِلْمِ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ (النِّظَامِيِّ) وَلَسْتُ أُعِيدَ مَا ذَكَرْتُهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَلَكِنِّي آخُذُ فِي فَنٍّ آخَرَ لَائِقٍ بِهَذَا الْكِتَابِ، فَأَقُولُ:
593 - اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْأُصُولِيِّينَ فِيمَا عَلَى الْمُسْتَفْتِي مِنَ النَّظَرِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَمْتَحِنَ مَنْ يُرِيدُ تَقْلِيدَهُ، وَسَبِيلُ امْتِحَانِهِ أَنْ يَتَلَقَّنَ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً تَلِيقُ بِالْعُلُومِ الَّتِي يُشْتَرَطُ اسْتِجْمَاعُ الْمُفْتِي
(1/408)

لَهَا وَيُرَاجِعُهُ فِيهَا، فَإِنْ أَصَابَ فِيهَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا وَيُقَلِّدُهُ حِينَئِذٍ.
وَإِنْ تَعَثَّرَ فِيهَا تَعَثُّرًا مُشْعِرًا بِخُلُوِّهِ عَنْ قَوَاعِدِهَا، لَمْ يَتَّخِذْهُ قُدْوَتَهُ وَأُسْوَتَهُ.
594 - وَذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَجِبُ وَلَكِنْ يَكْفِي أَنْ يَشْتَهِرَ فِي النَّاسِ اسْتِجْمَاعُ الرَّجُلِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَيَشِيعُ ذَلِكَ شُيُوعًا مُغَلِّبًا عَلَى الظَّنِّ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي اعْتِمَادُ قَوْلِ الْمُفْتِي، فَإِنَّ وَصْفَهُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِطْرَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَقَوْلُ الْمَرْءِ فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِ نَفْسِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
595 - وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَتَحَتَّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَرْفَعُونَ وَقَائِعَهُمْ، وَيُنْهُونَ مَسَائِلَهُمْ إِلَى أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ كَانُوا لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى اسْتِفْتَائِهِمْ إِلْقَاءَ الْمَسَائِلِ، وَالِامْتِحَانَ بِهَا، وَكَانَ (216) عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ لَا يَأْمُرُونَ عَوَامَّهُمْ وَمُسْتَفْتِيهِمْ بِأَنْ يُقَدِّمُوا امْتِحَانَ الْمُقَلَّدِينَ.
596 - وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ مَنْ ظَهَرَ وَرَعُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَبَعُدَ عَنْ مَظَانِّ
(1/409)

التُّهَمِ، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَفْتِينَ اعْتِمَادُ قَوْلِهِ إِذَا ذُكِرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى، فَنَعْلَمُ أَنَّ الْغَرِيبَ كَانَ يَرِدُ وَيَسْأَلُ مَنْ يَرَاهُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُشْتَهَرًا مُسْتَفِيضًا مِنْ دَأْبِ الْوَافِدِينَ وَالْوَارِدِينَ، وَلَمْ يَبْدُ نَكِيرٌ مِنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ وَكُبَرَائِهِمْ.
فَإِذَا كَانَ الْغَرَضُ حُصُولَ غَلَبَةِ ظَنِّ الْمُسْتَفْتِي، فَهِيَ تَحْصُلُ بِاعْتِمَادِ قَوْلِ مَنْ ظَهَرَ وَرَعُهُ، كَمَا تَحْصُلُ بِاسْتِفَاضَةِ الْأَخْبَارِ عَنْهُ.
وَلَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي سَبِيلٌ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِحَقِيقَةِ رُتْبَةِ الْمُفْتِي مَعَ عُرُّوِهِ عَنْ مَوَادِّ الْعُلُومِ، سِيَّمَا إِذَا فُرِضَ الْقَوْلُ فِي غَبِيٍّ عَرِيٍ عَنْ مَبَادِئِ الْعُلُومِ، وَالِاسْتِئْنَاسِ بِأَطْرَافِهَا.
597 - وَمِمَّا يَتَعَيَّنُ ذِكْرُهُ أَنَّ مَنْ وَجَدَ فِي زَمَانٍ مُفْتِيًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْقَى إِلَى مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي وَاقِعَةٍ، وَفَتْوَى مُفْتِي الزَّمَانِ خَالَفَتْ مَذْهَبَهُ فَلَيْسَ لِلْعَامِّيِّ
(1/410)

الْمُقَلِّدِ أَنْ يُؤْثِرَ تَقْدِيمَ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ] مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِي عَقْدِهِ أَفْضَلُ الْخَلِيفَةِ بَعْدَ الْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَإِنْ كَانُوا صُدُورَ الدِّينِ، وَأَعْلَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَفَاتِيحَ الْهُدَى وَمَصَابِيحَ الدُّجَى، فَمَا كَانُوا يُقَدِّمُونَ تَمْهِيدَ الْأَبْوَابِ، وَتَقْدِيمَ الْأَسْبَابِ لِلْوَقَائِعِ قَبْلَ وُقُوعِهَا وَقَدْ كَفَانَا الْبَحْثُ عَنْ مَذَاهِبِهِمُ الْبَاحِثُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمُعْتَنُونَ بِنَخْلِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ وُجُوبُ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ (217) لَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةِ نُقِلَ مَذْهَبُهُ فِيهَا، ثُمَّ مَذْهَبُ عُمَرَ، ثُمَّ هَكَذَا عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي الْمَنَاقِبِ وَالْمَرَاتِبِ.
598 - فَإِذَا وَضَحَ ذَلِكَ، بَنَيْنَا عَلَيْهِ مُعْضِلَةً مِنْ أَحْكَامِ الْفَتْوَى، وَقُلْنَا: مَنْ نَظَرَ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ نَظَرًا يَلِيقُ بِهِ - كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ - فَأَدَّاهُ نَظَرُهُ إِلَى تَقْلِيدِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ الشَّافِعِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ;
(1/411)

وَلَكِنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ مُفْتٍ مُسْتَجْمِعٌ لِلشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ، وَكَانَتْ فَتْوَاهُ قَدْ تُخَالِفُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ، فَالْمُسْتَفْتِي الَّذِي اعْتَقَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ اتِّبَاعَ الشَّافِعِيِّ (رَحِمَهُ اللَّهُ) يُقَلِّدُ مُفْتِيَ زَمَانِهِ، أَمْ يَتَّبِعُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وَيَتَلَقَّفُهُ عَلَى حَسَبِ مَسِيسِ الْحَاجَةِ مِنْ نَاقِلِيهِ؟ .
599 - فَنَقُولُ: أَوَّلًا مَنْ تَرَقَّى إِلَى رُتْبَةِ الْفَتْوَىِ وَاسْتَقَلَّ بِمَنْصِبِ الِاسْتِبْدَادِ فِي الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي مُطَّرِدِ الِاعْتِيَادِ انْطِبَاقُ فَتَاوِيهِ وَاخْتِيَارَاتِهِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ; فَإِنَّ مَسَالِكَ الِاجْتِهَادِ وَأَسَالِيبَ الظُّنُونِ كَثِيرَةٌ، وَجِهَاتُ النَّظَرِ لَا يَحْوِيهَا حَصْرٌ.
600 - نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْثِرَ مُفْتٍ قَوَاعِدَ الشَّافِعِيِّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] مَثَلًا فِي وَضْعِ الْأَدِلَّةِ وَالْمَآخِذِ الْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنِ اخْتِلَافٍ فِي تَفَاصِيلِ النَّظَرِ.
فَالْمُسْتَفْتِي إِذًا يَعْتَمِدُ مَذْهَبَ الْحَبْرِ الَّذِي اعْتَقَدَ تَقَدُّمَهُ عَلَى مَنْ عَدَاهُ، أَمْ يَرْجِعُ إِلَى مُفْتِي زَمَانِهِ؟ .
(1/412)

601 - فَقَدْ يَتَّجِهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مُفْتِي دَهْرِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمَاضِيَ، وَإِنْ عَظُمَ قَدْرُهُ وَعَلَا مَنْصِبُهُ، فَهُوَ مِنْ حَيْثُ تَقَدَّمَ وَسَبَقَ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ هَذَا الْمُسْتَفْتِي يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ [أَئِمَّةِ] الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَتَتَبَّعَ مَذَاهِبَ الصَّحَابَةِ (218) وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْلَى بِالْبَحْثِ عَنْ مَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ. كَذَلِكَ مُفْتِي الزَّمَانِ فِي تَفَاصِيلِ الْمَسَائِلِ أَحَقُّ بِالْبَحْثِ مِنَ الْمُسْتَفْتِي.
602 - وَلَئِنْ كَانَ يَنْقَدِحُ لِلْمُسْتَفْتِي وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ فِي تَقْدِيمِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَهُوَ نَظَرٌ كُلِّيٌّ لَا يَلُوحُ فِي تَفَاصِيلِ الْمَسَائِلِ، وَنَظَرُ الْمُفْتِي فِي الْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ، وَتَعْيِينُ جِهَاتِ النَّظَرِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ أَصَحُّ وَأَوْثَقُ مِنْ ظَنٍّ عَلَى الْجُمْلَةِ لِمُسْتَفْتٍ، لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالتَّفْصِيلِ. فَهَذَا وَجْهٌ.
603 - وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ لَا تَنْقَطِعُ
(1/413)

بِمَوْتِهِمْ، فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وَإِنِ انْقَلَبَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيٌّ ذَابٌّ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَلَوْ فَرَضْنَا مُعَاصَرَةَ هَذَا الْمُسْتَفْتِي الشَّافِعِيَّ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْمُفْتِي الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ فِي الزَّمَانِ، لَكَانَ الْمُسْتَفْتِي يَتَتَبَّعُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لَا مَحَالَةَ.
604 - وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَاهُ خَارِمًا لِمَا مَهَّدْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ لَا يَتَّبِعُ مَذْهَبَ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَا كَانُوا يَضَعُونَ الْمَسَائِلَ لِتَمْهِيدِ الْقَوَاعِدِ، وَتَبْوِيبِ الْأَبْوَابِ، وَالْمُسْتَفْتِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَسَالِكِ الْبَاحِثِينَ الْفَاحِصِينَ عَنْ أَقَاصِيصِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَطُرُقِ الْمَاضِينَ.
605 - وَالشَّافِعِيُّ مِنَ الْمُتَنَاهِينَ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَطَالِبِ، وَنَخْلِ الْمَذَاهِبِ، وَالِاهْتِمَامِ بِالنَّظَرِ فِي الْمَنَاصِبِ وَالْمَرَاتِبِ، وَنَظَرُهُ فِي التَّأْصِيلِ وَالتَّفْصِيلِ، وَالتَّنْوِيعِ وَالتَّفْرِيعِ - أَغْوَصُ مِنْ نَظَرِ عُلَمَاءِ الزَّمَانِ، وَمُجَرَّدُ تَارِيخِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ - مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَزُولُ بِزَوَالِ مُنْتَحِلِيهَا - لَا أَثَرَ لَهُ.
فَهَذَانِ وَجْهَانِ مُتَعَارِضَانِ وَاحْتِمَالَانِ مُتَقَابِلَانِ، وَلَا يَبْلُغُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَبْلَغَ الْقَطْعِ.
606 - وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي أَنْ يُقَلِّدَ الْمُسْتَفْتِي مُفْتِيَ زَمَانِهِ. ثُمَّ تَحْقِيقُ
(1/414)

الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: حَقٌّ [عَلَى] الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَسْتَفْتِيَ (219) مُفْتِيَ زَمَانِهِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي فِيهَا مَخَاضُنَا الْآنَ ;فَإِنَّهَا مَسْأَلَةٌ لَا يَتَّضِحُ فِيهَا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَنْصِيصٌ عَلَى مَذْهَبٍ، فَلْيَقُلْ لِمُفْتِي الزَّمَانِ: مُعْتَقَدِي تَقْدِيمُ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ خَالَفَ مَذْهَبُكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي دُفِعْتُ إِلَى السُّؤَالِ عَنْهَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] فَمَا تَرَى لِي فِي طَرِيقِ الِاسْتِفْتَاءِ؟ أَأَنْزِلُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؟ أَمْ أَتَّبِعُكَ فِي فَتْوَاكَ؟ ! .
607 - فَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُ الْمُفْتِي إِلَى تَكْلِيفِهِ اتِّبَاعَهُ، اتَّبَعَهُ وَقَلَّدَهُ، وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى تَكْلِيفِهِ تَقْلِيدَ إِمَامِهِ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ لَهُ مَذْهَبَ إِمَامِهِ.
وَهَذَا مِنَ الْأَسْرَارِ فَلْيَتَأَمَّلْهُ الْمُنْتَهِي إِلَيْهِ.
608 - وَهَذَا فِيهِ إِذَا كَانَ لِلْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ مَذْهَبٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَصِحَّ [لَهُ] مَذْهَبٌ فَلَيْسَ إِلَّا تَقْلِيدَ مُفْتِي الزَّمَانِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(1/415)

609 - وَلَوْ أَخَذْتُ فِي تَفَاصِيلِ أَحْكَامِ الْفَتْوَى، لَأَطَلْتُ أَنْفَاسِي، وَفِيهَا مَجْمُوعَاتٌ مُعَلَّقَةٌ عَنِّي، وَمُصَنَّفَةٌ لِي، فَلْيَطْلُبْهَا مَنْ تَتَشَوَّفُ هِمَّتُهُ إِلَيْهَا.
610 - وَغَرَضِي مِنْ هَذَا الْمَجْمُوعِ اسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ طَرَفًا مِنْ صِفَاتِ الْمُفْتِينَ وَأَحْكَامِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ لِلنَّاظِرِ خُلُوُّ الدَّهْرِ عَنِ الْمُفْتِينَ عِنْدَ خَوْضِنَا فِيهِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ، وَهُوَ بِإِسْعَافِ رَاجِيهِ حَقِيقٌ.
وَقَدْ نَجَزَ مَقْصِدُنَا فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى.
(1/416)

[الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ]
َ وَبَقِيَ نَقَلَةُ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ] 611 - فَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ فِيهِ إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُفْتِينَ الْبَالِغِينَ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْرَ الدَّهْرُ عَنْ نَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَتَكَادُ هَذِهِ الصُّورَةُ تُوَافِقُ هَذَا الزَّمَانَ وَأَهْلَهُ. وَالْوَجْهُ تَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاقِلِ وَصِفَتِهِ ثُمَّ الْخَوْضُ فِي ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُسْتَفْتُونَ فَأَقُولُ:
612 - لَا يَسْتَقِلُّ بِنَقْلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَنْ يَعْتَمِدُ الْحِفْظَ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى كَيْسٍ وَفِطْنَةٍ وَفِقْهٍ (220) طَبْعٌ ; فَإِنَّ [تَصْوِيرَ] مَسَائِلِهَا أَوَّلًا، وَإِيرَادَ صُوَرِهَا عَلَى وُجُوهِهَا لَا يَقُومُ بِهَا إِلَّا فَقِيهٌ.
ثُمَّ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ بَعْدَ اسْتِتْمَامِ التَّصْوِيرِ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنْ مَرْمُوقٍ فِي الْفِقْهِ خَبِيرٍ، فَلَا يَنْزِلُ نَقْلُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَنْزِلَةَ نَقْلِ الْأَخْبَارِ وَالْأَقَاصِيصِ وَالْآثَارِ.
وَإِنْ فُرِضَ النَّقْلُ فِي الْجَلِيَّاتِ [مِنْ وَاثِقٍ بِحِفْظِهِ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي أَمَانَتِهِ، لَمْ يُمْكِنْ فَرْضُ نَقْلِ الْخَفِيَّاتِ] مِنْ غَيْرِ اسْتِقْلَالٍ بِالدِّرَايَةِ.
613 - فَإِذَا وَضَحَ مَا حَاوَلْنَاهُ مِنْ صِفَةِ النَّاقِلِ، فَالْقَوْلُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ.
(1/417)

فَإِذَا وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُصَادِفَ النَّقَلَةُ فِيهَا جَوَابًا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَجِدُوا فِيهَا بِعَيْنِهَا جَوَابًا.
فَإِنْ وَجَدُوا فِيهَا مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، نَقَلُوهُ وَاتَّبَعَهُ الْمُسْتَفْتُونَ. وَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ اسْتِبْهَامٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
614 - فَإِذَا نَقَلَ النَّاقِلُونَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَقَلُوا مَذَاهِبَ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ عَصْرِهِ، [فَالْمُسْتَفْتِي] يَتَّبِعُ أَيَّ الْمَذَاهِبِ؟ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ مَنْ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُوَازِيهِ، وَلَا يُدَانِيهِ؟ .
615 - هَذَا يَنْبَنِي عَلَى مَا أَجْرَيْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الرُّكْنِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ عَاصَرَ مُفْتِيًا، وَصَادَفَ مَذْهَبَهُ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ الْبَاحِثِينَ وَالْمُمَهِّدِينَ لِأَبْوَابِ الْأَحْكَامِ قَبْلَ وُقُوعِ الْوَقَائِعِ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ مَذْهَبَ الْمُفْتِي أَوْ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ الْمُتَقَادِمِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ تَرَدَّدٌ، وَوَضَحَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ اتِّبَاعُ مُفْتِي الزَّمَانِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِتَأَخُّرِهِ سَبَرَ مَذْهَبَ مَنْ كَانَ
(1/418)

قَبْلَهُ، وَنَظَرُهُ فِي التَّفَاصِيلِ [أَسَدُّ] مِنْ نَظَرِ الْمُقَلِّدَ عَلَى الْجُمْلَةِ.
616 - فَإِذَا تَجَدَّدَ الْعَهْدُ بِهَذَا، فَقَدْ يَظُنُّ الظَّانُّ عَلَى مُوجَبِ ذَلِكَ (221) أَنَّ اتِّبَاعَ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى وَإِنْ فَاقَهُمُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَضْلًا، فَإِنَّهُمْ بِاسْتِئْخَارِهِمُ اخْتَصُّوا بِمَزِيدِ بَحْثٍ وَسَبْرٍ.
617 - وَالَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْقَطْعُ بِاتِّبَاعِ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ، وَالْإِضْرَابُ عَنْ مَذَاهِبِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ قَدْرًا وَعَصْرًا.
وَإِنْ كُنْتُ أَرَى تَقْلِيدَ مُفْتِي الزَّمَانِ لَوْ صُودِفَ ; لَأَنَّ الَّذِي يُوجَدُ لَا يَعْسُرُ تَقْلِيدُهُ، وَتَطْوِيقُهُ أَحْكَامَ الْوَقَائِعِ.
فَأَمَّا تَكْلِيفُ الْمُسْتَفْتِينَ الْإِحَاطَةَ بِمَرَاتِبِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الشَّافِعِيِّ - مَثَلًا - عَلَى كَثْرَتِهِمْ، وَتَفَاوُتِ مَنَاصِبِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، فَعُسْرٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ إِلَّا مَنْ وَفَرَتْ حُظُوظُهُ مِنْ عُلُومٍ.
618 - وَإِنَّمَا رَأَيْتُ هَذَا مَقْطُوعًا بِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُقَلِّدِينَ الْمُسْتَفْتِينَ عَلَى مَذَاهِبِ مَنْ دُونَ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُفْتِيًا، جَزَمَ فَتْوَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَ
(1/419)

مَنْ سِوَاهُ، وَمَنْ قَدَّرَ نَفْسَهُ نَاقِلًا، أَحَالَ الْمُرَاجِعِينَ عَلَى مَذَاهِبِ الْحَبْرِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَهَذَا لَائِحٌ لَا يَجْحَدُهُ مُحَصِّلٌ.
فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاقِعَةَ إِذَا نَقَلَ فِيهَا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مَذْهَبَ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ [قَدْ] ظَهَرَ لِلْمُسْتَفْتِي بِمَا كُلِّفَهُ مِنَ النَّظَرِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ الْبَاحِثِينَ، فَالْمُسْتَفْتِي يَتَّبِعُ مَا صَحَّ النَّقْلُ فِيهِ.
619 - وَإِنْ وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ لَمْ يُصَادِفِ النَّقَلَةُ فِيهَا مَذْهَبًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِلْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ، وَقَدْ عَرِيَ الزَّمَانُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَهَذَا مَقَامٌ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الِاهْتِمَامِ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْمَغْزَى مِنْهُ وَالْمَرَامِ، وَهُوَ سِرُّ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ. فَأَقُولُ:
620 - قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَقْلَ الْفِقْهِ يَسْتَدْعِي كَيْسًا وَفَطِنَةً وَحُظْوَةً بَالِغَةً فِي الْفِقْهِ.
ثُمَّ الْفَقِيهُ النَّاقِلُ يُفْرَضُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
(1/420)

أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَبْلَغٍ يَتَأَتَّى مِنْهُ بِسَبَبِهِ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ فِي الْجَلِيَّاتِ (222) وَالْخَفَايَا تَصْوِيرًا، وَتَحْرِيرًا، وَتَقْرِيرًا، وَلَا يَكُونُ فِي فَنِّ الْفِقْهِ بِحَيْثُ يَسْتَدُّ لَهُ قِيَاسُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، اعْتُمِدَ فِيمَا نَقَلَ.
621 - وَإِنْ وَقَعَتْ وَاقِعَاتٌ لَا نُصُوصَ لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ فِي أَعْيَانِهَا، فَمَا تَعَرَّى عَنِ النَّصِّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي دَرْكِ ذَلِكَ إِلَى فَضْلِ نَظَرٍ، وَسَبْرِ عِبَرٍ، وَإِنْعَامِ فِكْرٍ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ يَخْلُوَ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِمَدَارِكِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِنَقْلِ الْفِقْهِ، فَلْيَلْحَقْ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
622 - وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّارِعِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ صَاحِبِهِ» " فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلَكِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْأَمَةَ الْمُشْتَرِكَةَ فِي مَعْنَى الْعَبْدِ الَّذِي اتَّفَقَ النَّصُّ عَلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَحْصِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْ مَبَاحِثِ الْأَقْيِسَةِ.
(1/421)

فَإِذَا جَرَى لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَمْ يَشُكَّ الْمُسْتَقِلُّ بِنَقْلِ مَذْهَبِهِ فِي هَذَا الضَّرْبِ فِي إِلْحَاقِ مَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
623 - وَإِذَا احْتَوَى الْفَقِيهُ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ حِفْظًا وَدِرَايَةً، وَاسْتَبَانَ أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورِ مُلْتَحِقٌ بِالْمَذْكُورِ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى اسْتِثَارَةِ مَعَانٍ، وَاسْتِنْبَاطِ عِلَلٍ، فَلَا يَكَادُ يَشِذُّ عَنْ مَحْفُوظِ هَذَا النَّاقِلِ حُكْمُ وَاقِعَةٍ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَاتِ.
وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ لَا تَخْلُو فِي كُلِّ كِتَابٍ، بَلْ فِي كُلِّ بَابٍ عَنْ جَوَامِعَ وَضَوَابِطَ، وَتَقَاسِيمَ، تَحْوِي طَرَائِقَ الْكَلَامِ فِي الْمُمْكِنَاتِ، مَا وَقَعَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ أَوْضَحْتُ مَا أُحَاوِلُهُ بِضَرْبِ الْأَمْثِلَةِ لَاحْتَجْتُ إِلَى ذِكْرِ (223) صَدْرٍ صَالِحٍ مِنْ فَنِّ الْفِقْهِ، مِنْ غَيْرِ مَسِيسِ الْحَاجَةِ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الَّذِي أَفْضَى الْكَلَامُ إِلَيْهِ طَائِفَتَانِ: فُقَهَاءُ نَاقِلُونَ مُعْتَمَدُونَ فِيمَا يَنْقُلُونَ، وَمُسْتَفْتُونَ رَاجِعُونَ إِلَى الْمُسْتَقِلِّينَ بِنَقْلِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ.
(1/422)

624 - فَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مَضْمُونُ مَا ذَكَرْتُهُ قَطْعًا، وَأَمَّا الْمُسْتَفْتُونَ، فَلَا يُحِيطُونَ بِسِرِّ الْغَرَضِ فِيهِ، وَإِنْ بُسِطَ لَهُمُ الْمَقَالُ، وَأُكْثِرَتْ لَهُمُ الْأَمْثَالُ فَتُصِيبُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ مُرَاجَعَةُ الْفُقَهَاءِ، وَالنُّزُولُ عَلَى مَا يُنْهُونَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ فَهِمَ عَنَّا مَنْ نَاجَيْنَاهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَا أَرَدْنَاهُ، وَاتَّضَحَ الْمَقْصِدُ فِيمَا أَوْرَدْنَاهُ.
625 - ثُمَّ لَسْنَا نَضْمَنُ مَعَ مَا قَرَّبْنَاهُ اشْتِمَالَ الْحِفْظِ عَلَى قَضَايَا جَمِيعِ مَا يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ مِنَ الْوَقَائِعِ. فَإِنْ فُرِضَتْ وَاقِعَةٌ لَا يَحْوِيهَا نُصُوصٌ، وَلَا تَضْبُطُهَا حُدُودٌ رَوَابِطُ، وَجَوَامِعُ ضَوَابِطُ. وَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى مَا انْطَوَتِ النُّصُوصُ عَلَيْهِ. فَالْقَوْلُ فِيهَا يَلْتَحِقُ بِالْكَلَامِ [فِيمَا] إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنْ نَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنَ الرُّكْنِ الثَّالِثِ، وَمَا عَدَاهَا كَالْمُقَّدِمَاتِ وَالتَّسْبِيبِ.
(1/423)

626 - وَمَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ نَاقِلُ الْمَذَاهِبِ بِحَيْثُ يَقْوَى عَلَى مَسَالِكِ الْأَقْيِسَةِ، وَيَسْتَمْكِنُ مِنَ الِاسْتِدَادِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي.
627 - فَأَمَّا مَنْ كَانَ فَقِيهَ النَّفْسِ، مُتَوَقِّدَ الْقَرِيحَةِ، بَصِيرًا بِأَسَالِيبِ الظُّنُونِ، خَبِيرًا بِطُرُقِ الْمَعَانِي فِي هَذِهِ الْفُنُونِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، لِقُصُورِهِ عَنِ الْمَبْلَغِ الْمَقْصُودِ فِي الْآدَابِ أَوْ لِعَدَمِ تَبَحُّرِهِ فِي الْفَنِّ الْمُتَرْجَمِ بِأُصُولِ الْفِقْهِ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ الْفَقِيهُ الْمَرْمُوقُ وَالْفَطِنُ فِي أَدْرَاجِ الْفِقْهِ - وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَظْمِ أَبْوَابِهِ، وَتَهْذِيبِ أَسْبَابِهِ، فَمِثْلُ هَذَا الْفَقِيهِ إِذَا أَحَاطَ بِمَذْهَبِ (224) إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَذَلِكَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي ظَهَرَ فِي ظَنِّ الْمُسْتَفْتِينَ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمُقَدَّمِينَ الْبَاحِثِينَ، [فَمَا] يَجِدُهُ مَنْصُوصًا مِنْ مَذْهَبِهِ يُنْهِيهِ وَيُؤَدِّيهِ، وَيَلْحَقُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مَا فِي مَعْنَاهُ، كَمَا سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ.
(1/424)

628 - وَإِذَا عَنَّتْ وَاقِعَةٌ لَا بُدَّ مِنْ إِعْمَالِ الْقِيَاسِ فِيهَا [فَقَدْ] خَبَرَ الْفَقِيهُ الْمُسْتَقِلُّ بِمَذْهَبِ إِمَامِهِ مَسَالِكَ أَقْيِسَتِهِ وَطُرُقَ تَصَرُّفَاتِهِ فِي إِلْحَاقَاتِهِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِلشَّارِعِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ قِيَاسَ مَذْهَبِ إِمَامِهِ.
629 - ثُمَّ الَّذِي أَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي اتِّبَاعُ اجْتِهَادِ مِثْلِ هَذَا الْفَقِيهِ فِي إِلْحَاقِهِ - بِطُرُقِ الْقِيَاسِ الَّتِي أَلِفَهَا وَعَرَفَهَا -[مَا] لَا نَصَّ فِيهِ لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ بِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْبَالِغَ مَبْلَغَ أَئِمَّةِ الدِّينِ صِفَتُهُ أَنَّهُ أَنِسَ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَاحْتَوَى عَلَى الْفُنُونِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الْإِحَاطَةِ بِأُصُولِ الْمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِمْكَانِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا.
[فَإِذَا] اسْتَجْمَعَهَا الْعَالِمُ كَانَ عَلَى ظَنٍّ غَالِبٍ فِي إِصَابَةِ مَا كُلِّفَ فِي مَسَالِكِ الِاجْتِهَادِ.
630 - فَالَّذِي أَحَاطَ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا، وَتَدَرَّبَ فِي مَقَايِيسِهِ، وَتَهَذَّبَ فِي أَنْحَاءِ نَظَرِهِ وَسَبِيلِ تَصَرُّفَاتِهِ يَنْزِلُ فِي
(1/425)

الْإِلْحَاقِ بِمَنْصُوصَاتِ الشَّافِعِيِّ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِطُرُقِ الظُّنُونِ إِلْحَاقَ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ بِمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ.
631 - وَلَعَلَّ الْفَقِيهَ الْمُسْتَقِلَّ بِمَذْهَبِ إِمَامٍ أَقْدَرُ عَلَى الْإِلْحَاقِ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ الَّذِي حَوَاهُ - مِنَ الْمُجْتَهِدِ فِي مُحَاوَلَتِهِ الْإِلْحَاقَ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ ; فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمُقَلِّدَ الْمُقَدَّمَ بَذَلَ كُنْهَ مَجْهُودِهِ فِي الضَّبْطِ، وَوَضَعَ الْكِتَابَ بِتَبْوِيبِ الْأَبْوَابِ (225) وَتَمْهِيدِ مَسَالِكِ الْقِيَاسِ وَالْأَسْبَابِ، وَالْمُجْتَهِدَ الَّذِي يَبْغِي رَدَّ الْأَمْرِ إِلَى أَصْلِ الشَّرْعِ لَا يُصَادِفُ فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالتَّقْعِيدِ مَا يَجِدُهُ نَاقِلُ الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَذْهَبِ الْمُهَذَّبِ [الْمُفَرَّعِ] الْمُرَتَّبِ.
632 - وَالَّذِي يُحَقِّقُ الْغَرَضَ فِي ذَلِكَ إِذَا عَدِمْنَا مُجْتَهِدًا، وَوَجَدْنَا فَقِيهًا دَرِبًا قَيَّاسًا، وَحَصَلْنَا عَلَى ظَنٍّ غَالِبٍ فِي الْتِحَاقِ مَا لَا نَصَّ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي يَنْتَحِلُهُ بِالْمَنْصُوصَاتِ، فَإِحَالَةُ الْمُسْتَفْتِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيَةِ وَقَائِعَ عَنِ التَّكَالِيفِ، وَإِحَالَةِ الْمُسْتَرْشِدِينَ
(1/426)

عَلَى عَمَايَاتٍ وَأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُنَا عَلَيْهِ فِي الْمَرْتَبَةِ التَّالِيَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ -.
وَهَذَا فَتْحٌ عَظِيمٌ فِي الشَّرْعِ لَائِقٌ بِحَاجَاتِ أَهْلِ الزَّمَانِ، وَقَدْ وَفَّقَ اللَّهُ شَرْحَهُ.
633 - وَتَنَخَّلَ مِنْ مُحَصَّلِ الْكَلَامِ أَنَّ الْفَقِيهَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ يَحُلُّ فِي حَقِّ الْمُسْتَفْتِي مَحَلَّ الْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ الرَّاقِي إِلَى الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا فِي الْخِلَالِ الْمَرْعِيَّةِ نَاقِلًا، وَمُلْحِقًا وَقَايِسًا. ثُمَّ يُقَلِّدُ الْمُسْتَفْتِي ذَلِكَ الْإِمَامَ الْمُقَدَّمَ الْمُنْقَلِبَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ [تَعَالَى] وَرِضْوَانِهِ، لَا الْفَقِيهَ النَّاقِلَ الْقَيَّاسَ.
634 - فَإِنَ فَرَضَ فَارِضٌ مِنْ مَثَلِ الْفَقِيهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَرَدُّدًا وَتَبَلُّدًا فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ عَلَى نُدُورٍ، فَقَدْ يُتَصَوَّرُ [تَوَقَّفُ] الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ.
(1/427)

635 - وَبِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَذْكُرُ فِي آخِرِ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي آحَادِ الْوَقَائِعِ، إِذَا تَوَقَّفَ فِيهَا الْمُفْتُونُ، أَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا النَّاقِلُونَ، وَنُوَضِّحُ مَا عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَطْلُوبِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ.
(1/428)

[الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ الْبَابُ الثَّالِثُ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ]
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ
(الْبَابُ الثَّالِثُ)
[فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ]
636 - مَضْمُونُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ذِكْرُ [مُتَعَلِّقِ] التَّكَالِيفِ إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُفْتِينَ وَعَنْ نَقَلَةٍ [لِمَذَاهِبِ] الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، فَمَاذَا يَكُونُ مَرْجِعُ الْمُسْتَرْشِدِينَ الْمُسْتَفْتِينَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ؟ .
637 - وَمِلَاكُ الْأَمْرِ فِي تَصْوِيرِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ لَا يَخْلُوَ الدَّهْرُ عَنِ الْمَرَاسِمِ (226) الْكُلِّيَّةِ، وَلَا تَعْرَى الصُّدُورُ عَنْ حِفْظِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَعْتَاصُ التَّفَاصِيلُ وَالتَّقَاسِيمُ وَالتَّفْرِيغُ. وَلَا يَجِدُ الْمُسْتَفْتِي مَنْ يَقْضِي عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ عَلَى التَّعْيِينِ.
638 - فَإِذَا لَاحَ لِلنَّاظِرِ تَصْوِيرُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، فَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ نُقَدِّمُ عَلَى الْخَوْضِ فِي مَقْصُودِهَا الْخَاصِّ أَمْرًا كُلِّيًّا فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، يَقْضِي اللَّبِيبُ مِنْ حُسْنِهِ الْعَجَبَ، وَيَتَهَذَّبُ بِهِ الْكَلَامُ
(1/429)

فِي غَرَضِ الْمَرْتَبَةِ وَيَتَرَتَّبُ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْأُسِّ وَالْقَاعِدَةِ، وَالْمَلَاذِ الْمَتْبُوعِ، الَّذِي إِلَيْهِ الرُّجُوعُ. فَنَقُولُ:
639 - لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ شَدَا طَرَفًا مِنَ التَّحْقِيقِ أَنَّ مَآخِذَ الشَّرِيعَةِ مَضْبُوطَةٌ مَحْصُورَةٌ، وَقَوَاعِدَهَا مَعْدُودَةٌ مَحْدُودَةٌ ; فَإِنَّ مَرْجِعَهَا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْآيُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْأَحْكَامِ، وَبَيَانِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَعْلُومَةٌ، وَالْأَخْبَارُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّكَالِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ مُتَنَاهِيَةٌ.
640 - وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْأَحْلَامِ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يَسْتَصْوِبُونَ فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ تَقْضِي الْعُقُولُ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ فِي حُكْمِ الْإِيَالَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَالشَّرْعُ وَارِدٌ بِتَحْرِيمِهِ.
[وَلَسْنَا] نُنْكِرُ تَعَلُّقَ مَسَائِلِ الشَّرْعِ بِوُجُوهٍ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَلَكِنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْأُصُولِ الْمَحْصُورَةِ، وَلَيْسَتْ ثَابِتَةً عَلَى الِاسْتِرْسَالِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الِاسْتِصْلَاحِ، وَمَسَالِكِ الِاسْتِصْوَابِ.
ثُمَّ نَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ.
(1/430)

641 - وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ تَقْدِيرُ وَاقِعَةٍ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا وَزَعَمَ إِنَّهَا إِذَا اتَّفَقَتْ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الْعِبَادِ فِيهَا. وَهَذَا زَلَلٌ ظَاهِرٌ.
642 - وَالْمُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ وُقُوعُ وَاقِعَةٍ مَعَ بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَمَلَتِهَا إِلَّا وَفِي الشَّرِيعَةِ (227) مُسْتَمْسِكٌ بِحُكْمِ اللَّهِ فِيهَا.
643 - وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ] ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ - اسْتَفْتَحُوا النَّظَرَ فِي الْوَقَائِعِ وَالْفَتَاوَى وَالْأَقْضِيَةِ فَكَانُوا يَعْرِضُونَهَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ [تَعَالَى] ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا مُتَعَلَّقًا، رَاجَعُوا سُنَنَ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا شِفَاءً، اشْتَوَرُوا، وَاجْتَهَدُوا، وَعَلَى ذَلِكَ دَرَجُوا فِي تَمَادِي دَهْرِهِمْ، إِلَى انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ بِسُنَّتِهِمْ، فَلَمْ [تَتَّفِقْ] فِي مَكَرِّ الْأَعْصَارِ، وَمَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاقِعَةٌ نَقْضِي بِعُرُّوِهَا عَنْ مُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِ التَّكْلِيفِ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ
(1/431)

مُمْكِنًا لَكَانَ يَتَّفِقُ وُقُوعُهُ عَلَى تَمَادِي الْآمَادِ، مَعَ التَّطَاوُلِ وَالِامْتِدَادِ. فَإِذَا لَمْ يَقَعُ عَلِمْنَا اضْطِرَارًا [مِنْ] مُطَّرَدِ الِاعْتِيَادِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تَشْتَمِلُ كُلَّ وَاقِعَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَلَمَّا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] : " بِمَ تَحْكُمُ يَا مُعَاذُ؟ " فَقَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ "؟ قَالَ: أَجْتَهِدْ رَأْيِي» .
فَقَرَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ]- وَصَوَّبَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ قَصَرَ عَنْكَ اجْتِهَادُكَ، فَمَاذَا تَصْنَعُ؟ . فَكَانَ ذَلِكَ نَصًّا عَلَى أَنَّ الْوَقَائِعَ تَشْمَلُهَا الْقَوَاعِدُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُعَاذٌ.
644 - فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا يَتَوَقَّعُ وُقُوعَهُ مِنَ الْوَقَائِعِ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَمَآخِذُ الْأَحْكَامِ مُتَنَاهِيَةٌ، فَكَيْفَ يَشْتَمِلُ مَا يَتَنَاهَى عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَهَذَا إِعْضَالٌ لَا يَبُوءُ بِحَمْلِهِ إِلَّا مُوَفَّقٌ رَيَّانُ مِنْ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ.
(1/432)

645 - فَنَقُولُ: [لِلشَّرْعِ] مَبْنًى بَدِيعٌ، وَأُسُّ هُوَ مَنْشَأُ كُلِّ تَفْصِيلٍ وَتَفْرِيعٍ، وَهُوَ مُعْتَمَدُ الْمُفْتِي فِي الْهِدَايَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالدِّرَايَةِ وَهُوَ الْمُشِيرُ إِلَى اسْتِرْسَالِ أَحْكَامِ اللَّهِ عَلَى الْوَقَائِعِ مَعَ نَفْيِ النِّهَايَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ مُتَقَابِلَةٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِطْلَاقِ (228) وَالْحَجْرِ، وَالْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ، وَلَا يَتَقَابَلُ قَطُّ أَصْلَانِ إِلَّا وَيَتَطَرَّقُ الضَّبْطُ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَتَنْتَفِي النِّهَايَةُ عَنْ مُقَابِلِهِ وَمُنَاقِضِهِ.
646 - وَنَحْنُ نُوَضِّحُ ذَلِكَ بِضَرْبِ أَمْثَالٍ، ثُمَّ نَسْتَصْحِبُ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الشَّرِيفَةِ فِي تَفَاصِيلِ الْأَغْرَاضِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فِي كُلٍّ حِينٍ وَأَوَانٍ، فَنَقُولُ:
647 - قَدْ حَكَمَ الشَّرْعُ [بِتَنْجِيسِ] أَعْيَانٍ، وَمَعْنَى النَّجَاسَةِ التَّعَبُّدُ بِاجْتِنَابِ مَا نَجَسَّهُ الشَّرْعُ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَلَى تَفَاصِيلَ يَعْرِفُهَا حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ فِي الْحَالَاتِ، ثُمَّ مَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِنَجَاسَتِهِ يَنْحَصِرُ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا، وَمَا لَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِنَجَاسَتِهِ
(1/433)

لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي ضَبْطِنَا، فَسَبِيلُ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَطْلُبَ مَا يُسْأَلُ عَنْ نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ [مِنَ] الْقِسْمِ الْمُنْحَصِرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ مَنْصُوصًا فِيهِ، وَلَا مُلْتَحِقًا بِهِ، [بِالْمَسْلَكِ] الْمَضْبُوطِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِهِ، أَلْحَقَهُ بِمَقَابِلِ الْقِسْمِ وَمُنَاقِضِهِ، وَحَكَمَ بِطَهَارَتِهِ.
648 - فَاسْتَبَانَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ خُلُوُّ وَاقِعَةٍ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ [تَعَالَى] فِيهَا.
ثُمَّ هَذَا الْمَسْلَكُ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْهُ يَنْبَسِطُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
649 - وَهَذَا السِّرُّ فِي قَضَايَا التَّكَالِيفِ لَا يُوَازِنُهُ مَطْلُوبٌ مِنْ هَذَا الْفَنِّ عُلُوًّا وَشَرَفًا، وَسَيَزْدَادُ الْمُطَّلِعُ عَلَيْهِ كُلَّمَا نَهَجَ فِي النَّظَرِ مِنْهَاجًا، ثُمَّ يَزْدَادُ اهْتِزَازًا وَابْتِهَاجًا. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا نَقُولُ:
650 - الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ نَذْكُرَ فِي كُلِّ أَصْلٍ مِنْ
(1/434)

أُصُولِ الشَّرِيعَةِ قَاعِدَةً تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، وَالْأُسِّ مِنَ الْمَبْنَى، وَنُوَضِّحُ أَنَّهَا مَنْشَأُ التَّفَارِيعِ وَإِلَيْهِ انْصِرَافُ الْجَمِيعِ.
وَالْمَسَائِلُ النَّاشِئَةُ مِنْهَا تَنْعَطِفُ عَلَيْهَا انْعِطَافَ بَنِي الْمُهُودِ مِنَ الْحَاضِنَةِ إِلَى حِجْرِهَا، وَتَأْزِرُ إِلَيْهَا كَمَا تَأَزِرُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا.
651 - وَلَوْ أَرَدْتُ (229) أَنْ أَصِفَ مَضْمُونَ هَذَا الرُّكْنِ بِالتَّرَاجِمِ وَالْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجَوَامِعِ وَالْجُمَلِ، انْعَقَدَ الْكَلَامُ، وَلَمْ يُحِطْ بِهِ فَهْمُ الْمُنْتَهِي إِلَيْهِ.
652 - وَإِذَا فَصَّلْتُ مَا أَبْتَغِيهِ فَصْلًا فَصْلًا، وَذَكَرْتُ مَا أُحَاوِلُهُ أَصْلًا أَصْلًا، تَبَيَّنَ الْغَرَضُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَعَلَى فَضْلِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ التَّعْوِيلُ. فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ.
(1/435)

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [فصل في المياه]
[فَصْلٌ]
فَنَقُولُ: فِي حُكْمِ الْمِيَاهِ:
653 - قَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} .
وَالطَّهُورُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ.
وَيَطْرَأُ عَلَى الْمَاءِ الطَّهُورِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا - النَّجَاسَةُ.
وَالثَّانِي - الْأَشْيَاءُ الطَّاهِرَةُ.
وَالثَّالِثُ الِاسْتِعْمَالُ.
654 - فَأَمَّا النَّجَاسَةُ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَاسْتَمْسَكَ فِي إِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ بِمَا رُوِيَ
(1/436)

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» ".
655 - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ، فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، تَنَجَّسَ، تَغَيَّرَ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
656 - وَاضْطَرَبَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَسْتُ لِاسْتِقْصَاءِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ ; فَإِنَّ غَرَضِي وَرَاءَ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ.
657 - فَإِنْ فُرِضَ عَصْرٌ خَالٍ عَنْ مَوْثُوقٍ فِي نَقْلِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ، وَالْتَبَسَ عَلَى النَّاسِ هَذِهِ التَّفَاصِيلُ، الَّتِي رَمَزْتُ إِلَيْهَا، وَقَدْ تَحَقَّقُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ مُجْتَنَبَةٌ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ أَنَّ النَّجَاسَاتِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمِيَاهِ الْعَظِيمَةِ، كَالْبِحَارِ وَالْأَوْدِيَةِ
(1/437)

الْغَزِيرَةِ كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمِيَاهِ فِي [الطَّهَارَاتِ] وَالْأَطْعِمَةِ وَبِهِ قِوَامُ ذَوِي (230) الْأَرْوَاحِ.
658 - وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْحَالَةُ أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ نَجَاسَةً اجْتَنَبَهَا، وَمَنِ اسْتَيْقَنَ [خُلُوَّ مَاءٍ] عَنِ النَّجَاسَةِ، لَمْ يَسْتَرِبْ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ شَكَّ، فَلَمْ يَدْرِ أَخَذَ بِالطَّهَارَةِ.
فَإِنَّ تَكْلِيفَ مَاءٍ [مُسْتَيْقَنِ] الطَّهَارَةِ، بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِمْكَانُ النَّجَاسَةِ عَسِرُ الْكَوْنِ، مُعْوِزُ الْوُجُودِ، وَفِي جِهَاتِ الْإِمْكَانِ مُتَّسَعٌ، وَلَوْ كُلِّفَ الْخَلْقُ طَلَبَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَاءِ، لَضَاقَتْ مَعَايِشُهُمْ، وَانْقَطَعُوا عَنْ مُضْطَرَبِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَصِلُوا آخِرًا إِلَى مَا يَبْغُونَ.
659 - فَهَذِهِ قَوَاعِدُ كُلِّيَّةٌ تُخَامِرُ الْعُقُولَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ لَا تَكَادُ تَخْفَى، وَإِنْ دَرَسَتْ تَفَاصِيلُ الْمَذَاهِبِ.
660 - وَإِنِ اسْتَيْقَنَ الْمَرْءُ وُقُوعَ نَجَاسَةٍ فِيمَا يُقَدِّرُهُ كَثِيرًا، وَقَدْ تَنَاسَى النَّاسُ الْقُلَّتَيْنِ، وَمَذْهَبُ الصَّائِرِ إِلَى اعْتِبَارِهِمَا، فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْحَالَةُ أَنَّ الْمُغْتَرِفَ مِنَ الْمَاءِ إِنِ اسْتَيْقَنَ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَدِ
(1/438)

انْتَشَرَتْ إِلَى هَذَا الْمُغْتَرَفِ وَفِي اسْتِعْمَالِهِ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَةِ فَلَا يَسْتَعْمِلْهُ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَنْتَهِ إِلَى هَذَا الْمُغْتَرَفِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَإِنَّ شَكَّ أَخَذَ بِالطَّهَارَةِ ; فَإِنَّ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ بِيَقِينِ طَهَارَةِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهَا يَقِينُ النَّجَاسَةِ.
661 - وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآنَ.
662 - وَلَوْ تَرَدَّدَ الْإِنْسَانُ فِي نَجَاسَةِ شَيْءٍ وَطَهَارَتِهِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ بِنَجَاسَتِهِ أَوْ طَهَارَتِهِ، مُفْتِيًا أَوْ نَاقِلًا، فَمُقْتَضَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْأَخْذُ بِالطَّهَارَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي طَهَارَةِ ثَوْبٍ أَوْ نَجَاسَتِهِ فَلَهُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ.
663 - فَإِذَا عَسِرَ دَرْكُ الطَّهَارَةِ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَخَلَا الزَّمَانُ عَنْ مُسْتَقِلٍّ بِمَذْهَبِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، فَالْوَجْهُ رَدُّ الْأَمْرِ مَا ظَهَرَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرْعِ أَنَّهُ الْأَغْلَبُ.
664 - وَقَدْ قَدَّمْنَا: أَنَّ الْأَصْلَ (231) طَهَارَةُ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّ الْمَحْكُومَ بِنَجَاسَتِهِ مَعْدُودٌ مَحْدُودٌ. وَلَوْ وَجَدْنَا فِي تَوَافُرِ الْعُلَمَاءِ عَيْنًا،
(1/439)

وَجَوَّزْنَا أَنَّهَا دَمٌ، وَلَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ صَبِيغًا مُضَاهِيًا لِلدَّمِ فِي لَوْنِهِ وَقَوَامِهِ، وَاسْتَوَى الْجَائِزَانِ فِيهِ عِنْدَنَا، فَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
665 - فَالْتِبَاسُ الْمَذَاهِبِ، وَتَعَذُّرُ ذِكْرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَصْرِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْتِبَاسِ الْأَحْوَالِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ مَعَ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ.
666 - فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ اخْتِرَاعُ مَذْهَبٍ لَمْ يَصِرْ إِلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَالَّذِينَ أَوْضَحُوا [مَذَاهِبَهُمْ] لَمْ يُخَصِّصُوهَا بِبَعْضِ الْأَعْصَارِ، بَلْ أَرْسَلُوهَا مُنْبَسِطَةً عَلَى الْأَزْمَانِ كُلِّهَا.
667 - قُلْنَا: هَذَا الْفَنُّ مِنَ الْكَلَامِ يَتَقَبَّلُهُ رَاكِنٌ إِلَى التَّقْلِيدِ، مُضْرِبٌ عَنِ الْمَبَاحِثِ كُلِّهَا، أَوْ مُتَبَحِّرٌ فِي تَيَّارِ بِحَارِ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ بَالِغٌ فِي كُلِّ [غَمْرَةٍ] إِلَى مَقَرِّهَا، صَالٍ بِحَرِّهَا، صَابِرٌ عَلَى سَبْرِهَا، بَصِيرٌ بِمَآخِذِ الْأَقْيِسَةِ فِي مُعْضِلَاتِهَا، غَوَّاصٌ
(1/440)

عَلَى مَغَاصَاتِهَا، وَافِرُ الْحَظِّ فِي بَدَائِعِهَا، وَيُنْكِرُهَا الشَّادُونَ الْمُسْتَطْرِقُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَشَوَّفُوا بِهِمَمِهِمْ إِلَى دَرْكِ الْحَقَائِقِ، وَلَمْ يُضْطَرُّوا إِلَى الْمَآزِقِ وَالْمَضَايِقِ.
668 - وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْرِيرِ الِانْفِصَالِ عَنِ السُّؤَالِ قَبْلَ الِانْدِفَاعِ فِي مَجَالِ الْمَقَالِ.
فَنَقُولُ: لَوْ عُرِضَتِ الْكُتُبُ الَّتِي صَنَعَهَا الْقَيَّاسُونَ فِي الْفِقْهِ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُرَتَّبَةِ، وَالْأَبْوَابِ الْمُبَوَّبَةِ، وَالصُّوَرِ الْمَفْرُوضَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَبَدَائِعِ الْأَجْوِبَةِ فِيهَا، وَالْعِبَارَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ مِنْ مُسْتَمَسَكَاتِهِمْ فِيهَا اسْتِدْلَالًا، وَسُؤَالًا وَانْفِصَالًا، كَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ، وَالنَّقْضِ وَالْمَنْعِ، وَالْقَلْبِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ، وَالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، وَنَحْوِهَا، لَتَعِبَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ]- فِي فَهْمِهَا إِذْ لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ بِهَا، وَمَنْ فَاجَأَهُ شَيْءٌ
(1/441)

لَمْ يَعْهَدْهُ، احْتَاجَ إِلَى رَدِّ (232) الْفِكْرِ إِلَيْهِ، لِيَأْنَسَ بِهِ، ثُمَّ يَسْتَمِرَّ عَلَى أَمْثَالِهِ.
وَمُعْظَمُ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَضَعُوهَا لَمْ يُلْفُوهَا بِأَعْيَانِهَا مَنْصُوصًا عَلَيْهَا، وَلَكِنَّهُمْ قَدَّرُوهَا عَلَى مُقَارَبَةٍ وَمُنَاسَبَةٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
669 - فَتَقْدِيرُ [إِعْوَاصِ] الْمَذَاهِبِ وَالْتِبَاسِ الْآرَاءِ وَالْمَطَالِبِ إِذَا جَرَّ إِشْكَالًا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ - وَاقِعَةٌ مَفْرُوضَةٌ، وَرَأَيْتُ فِيهَا قِيَاسَ الشَّكِّ فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي أَنْتَجَهُ الْتِبَاسُ الْمَذَاهِبِ، عَلَى شَكٍّ يُنْتِجُهُ إِشْكَالٌ فِي الْأَحْوَالِ مَعَ بَقَاءِ الْمَذَاهِبِ.
670 - فَقُصَارَى الْقَوْلِ فِيهِ اعْتِبَارُ شَكٍّ بِشَكٍّ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى تَغْلِيبِ مَا قَضَى الشَّرْعُ بِتَغْلِيبِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ.
671 - وَالَّذِي يَكْشِفُ الْغِطَاءَ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ مَا ذَكَرْتُهُ قِيلَ: لَهُ: لَوْ قُدِّرَ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِتَفَاصِيلِ هَذَا الشَّأْنِ، وَأَشْكَلَ عَلَى صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ مِمَّا
(1/442)

كَانَ يَعْفُو الْعُلَمَاءُ عَنْهُ، أَمْ لَا؟ وَلَا مَاءَ غَيْرَهُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَيُّهَا الْمُعْتَرِضُ الْمُنْكِرُ؟ أَتَقُولُ: يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، فَهَذَا إِنْ قُلْتَهُ، فَهُوَ مَذْهَبٌ مُخَالِفٌ مَذَاهِبَ الْأَوَّلِينَ. ثُمَّ يُعَارِضُهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
فَهُمَا إِذًا مَسْلَكَانِ [وَالتَّجْوِيزُ] أَقْرَبُ مَآخِذِ الشَّرِيعَةِ فِي مَوَاقِعَ الشَّكِّ فِي النَّجَاسَاتِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
672 - وَإِنْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَا حُكْمَ لِلَّهِ فِي هَذَا الْمَاءِ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي عَنِ الْعُلَمَاءِ، رُوجِعَ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ عَنَيْتُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ فِيهِ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ أَوْ أَضْرَبَ، فَهَذَا عَلَى التَّحْقِيقِ تَسْوِيغُ الِاسْتِعْمَالِ لِمَكَانِ الْإِشْكَالِ.
673 - وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمْثَلُ، فَإِنَّ تَبْقِيَةَ رَبْطِ الشَّرْعِ عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ، نَظَرًا إِلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، أَصْوَبُ مِنْ حَلِّ رِبَاطِ التَّكَالِيفِ لِمَكَانِ اسْتِبْهَامِ التَّفَاصِيلِ.
وَلَا يَخْفَى مَدْرَكُ الْحَقِّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى الْفَطِنِ. وَأَمَّا الْفَدْمُ
(1/443)

الْبَلِيدُ، فَلَا احْتِفَالَ بِهِ، وَمَنْ أَبَى مَسْلَكَنَا فَهُوَ (233) عَنُودٌ جَحُودٌ، أَوْ غَبِيٌّ بَلِيدٌ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ.
674 - فَإِذَا وَضَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَنَعُودُ إِلَى [سَيْرِ] الْكَلَامِ، [وَنَسْتَتِمُّ] غَرَضَنَا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مِنَ الْكَلَامِ، وَنَقُولُ رُبَّ نَجَاسَةٍ مُسْتَيْقَنَةٍ [يَقْضِي] الشَّرْعُ بِالْعَفْوِ عَنْهَا ثُمَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَا يُتَصَوَّرُ [التَّحَرُّزُ] عَنْهُ أَصْلًا، وَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ الِاسْتِقْلَالُ بِاجْتِنَابِهِ، وَهُوَ كَالْغُبَارِ الثَّائِرِ مِنْ قَوَارِعِ الطُّرُقِ الَّتِي تَطْرُقُهَا الْبَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ وَالْكِلَابُ، وَعَلَى الْقَطْعِ نَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا، وَالنَّاسُ فِي تَرَدُّدَاتِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ يَعْرَقُونَ، وَالرِّيَاحُ تُثِيرُ الْغُبَارَ ; فَتَنَالُ الْأَبْدَانَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ لَا يَخْلُو عَمَّا ذَكَرْنَاهُ الْبُيُوتُ وَالدُّورُ وَالْأَكْنَانُ. .
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ [التَّحَرُّزَ] مِنْ هَذَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الِاسْتِطَاعَةِ، ثُمَّ الْأَنْهَارُ يَنْتَشِرُ إِلَيْهَا الْغُبَارُ الْمُثَارُ قَطْعًا، فَكَيْفَ يُفْرَضُ غَسْلُ هَذَا النَّوْعِ، وَالْمَاءُ يَتَغَشَّاهُ مِنْهُ مَا يَتَغَشَّى غَيْرَهُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَالْبِقَاعِ فَلَا خَفَاءَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْطُوطًا عَنِ الْمُكَلَّفِينَ أَجْمَعِينَ.
(1/444)

675 - وَمِنْ ضُرُوبِ النَّجَاسَاتِ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِمْكَانِ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا عَلَى عُسْرٍ، وَإِذَا اتَّصَلَتْ بِالْبَدَنِ وَالثَّوْبِ أَمْكَنَ غَسْلُهَا، وَلَكِنْ يَلْقَى الْمُكَلَّفُونَ فِيهِ مَشَقَّةً لَوْ كُلِّفُوا الِاجْتِنَابَ وَالْإِزَالَةَ.
وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَقْدَارِ وَالتَّفَاصِيلِ، وَمِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ – دِمَاءُ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَثَرَاتِ إِذَا قَلَّتْ.
وَلِلْأَئِمَّةِ فِي تَفْصِيلِ هَذَا الْفَنِّ مَذَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ، لَيْسَ نَقْلُهَا مِنْ غَرَضِنَا الْآنَ.
676 - وَنَحْنُ نَقُولُ وَرَاءَ ذَلِكَ: لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ الَّذِي لَمْ تُدْرَسْ فِيهِ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا الْتَبَسَتْ تَفَاصِيلُهَا أَنَّا غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالتَّوَقِّي مِمَّا لَا يَتَأَتَّى التَّوَقِّي عَنْهُ، وَلَا يَخْلُو مِثْلُ هَذَا الزَّمَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِأَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ (234) التَّصَوُّنُ عَنْهُ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ مُتَصَوَّرًا عَلَى الْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى الْمَعْفُوُّ عَنْهُ قَدْرًا وَجِنْسًا، وَلَا يَكُونُ فِي الزَّمَانِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِتَحْصِيلِهِ وَتَفْصِيلِهِ.
677 - فَالْوَجْهُ عِنْدِي فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ التَّشَاغُلُ مِمَّا يُضَيِّقُ
(1/445)

[مُتَنَفَّسَ] الرَّجُلِ وَمُضْطَرَبَهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّتِي يُجْرِيهَا فِي عَادَاتِهِ، وَيُجْهِدُهُ وَيَكُدُّهُ مَعَ اعْتِدَالِ حَالِهِ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ، فَإِنَّ مِمَّا اسْتَفَاضَ وَتَوَاتَرَ مِنْ شِيَمِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - التَّسَاهُلُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، حَتَّى ظَنَّ طَوَائِفُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ أَنَّ مُعْظَمَ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ طَاهِرَةٌ، لِمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ مِنْ تَسَاهُلِ الْمَاضِينَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ.
678 - وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّصَوُّنُ عَنْهَا مِمَّا يَجُرُّ مَشَقَّةً بَيِّنَةً مُذْهِلَةً عَنْ مُهِمَّاتِ الْأَشْغَالِ، فَيَجِبُ إِزَالَتُهَا.
679 - هَذَا مِمَّا يَقْضِي بِهِ كُلِّيُّ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ فَرْضِ دُرُوسِ الْمَذَاهِبِ فِي التَّفَاصِيلِ.
680 - فَهَذَا مَسْلَكٌ لِلْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ، وَلَوْ أَكْثَرْتُ فِي التَّفَاصِيلِ، لَكُنْتُ هَادِمًا مَبْنَى الْكِتَابِ، فَإِنَّ أَصْلَ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ عَلَى مُوجَبِ الْقَوَاعِدِ، مَعَ تَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَلَوْ فَصَّلْنَا وَفَرَّعْنَا، لَكَانَ نَقْلُ تَفَاصِيلِ الْمَذَاهِبِ، الْمَضْبُوطَةِ أَوْلَى مِمَّا تَقَرَّرَ كَوْنُهُ عِنْدَ دُرُوسِهَا.
(1/446)

فَلْيَفْهَمْ هَذِهِ الْمَرَامِزَ مُطَالِعُهَا، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ.
681 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْبَابِ أَنَّ الْمَاءَ تَطْرَأُ عَلَيْهِ النَّجَاسَاتُ وَالْأَشْيَاءُ الطَّاهِرَةُ، وَالِاسْتِعْمَالُ. وَقَدْ نَجَزَ مِقْدَارُ غَرَضِنَا فِي أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ.
682 - فَأَمَّا طَرَيَانُ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ عَلَى الْمَاءِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخْفَى مَعَ ظُهُورِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فِي الزَّمَانِ أَنَّ مَا يَرِدُ عَلَى الْمَاءِ مِنَ الطَّاهِرَاتِ وَلَا يُغَيِّرُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، (235) فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي سَلْبِ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَتَطْهِيرِهِ.
وَإِنْ غَيَّرَهُ مُجَاوِرًا أَوْ مُخَالِطًا فَهَذَا مَوْضِعُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِ.
وَلَكِنْ أَذْكُرُ مَا يَلِيقُ بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، فَأَقُولُ:
683 - تَخْصِيصُ الطَّهَارَاتِ بِالْمَاءِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ تَعَبُّدًا غَيْرَ مُسْتَدْرَكِ الْمَعْنَى، فَالْوَجْهُ فِيهِ اتِّبَاعُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ شَرْعًا، فَلْنَتَّبِعِ اسْمَ الْمَاءِ ; فَكُلُّ تَغَيُّرٍ لَا يَسْلُبُ هَذَا الِاسْمَ لَا يُسْقِطُ التَّطْهِيرَ.
(1/447)



الكتاب: الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم
المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)
المحقق: عبد العظيم الديب
الناشر: مكتبة إمام الحرمين
الطبعة: الثانية، 1401هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ كُلِّيًّا فِي تَقْدِيرِ دُرُوسِ تَفَاصِيلِ الْمَذَاهِبِ، هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي تَوْجِيهِ الْمَذْهَبِ الْمُرْتَضَى مِنْ بَيْنِ الْمَسَالِكِ الْمُخْتَلِفَةِ؟ .
684 - وَأَمَّا طَرَيَانُ الِاسْتِعْمَالِ، فَالْمَذَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.
وَالَّذِي يُوجِبُهُ الْأَصْلُ لَوْ نُسِيَتْ هَذِهِ الْمَذَاهِبُ فَتَنْزِيلُهُ عَلَى اسْمِ الْمَاءِ وَإِطْلَاقِهِ، [وَ] لَيْسَ يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ الْمُسْتَعْمَلِ مَاءً مُطْلَقًا.
فَيُسَوَّغُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ التَّوَضُّؤُ بِهِ، تَمَسُّكًا بِالطَّهَارَةِ وَالِانْدِرَاجِ تَحْتَ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمِيَاهِ عَلَى مَقْصِدِنَا فِي هَذَا الرُّكْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ فِي الْأَوَانِي]
فَصْلٌ
فِي الْأَوَانِي
685 - الدِّبَاغُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ نَقَلَةُ الْمَذَاهِبِ، وَفِيهِ
(1/448)

أَخْبَارٌ مُتَعَارِضَةٌ، وَأَصَحُّهَا وَأَظْهَرُهَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ الدِّبَاغَ يُفِيدُ طَهَارَةَ جُلُودِ الْمَيْتَاتِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهَا بِالْمَوْتِ.
686 - وَلَكِنْ لَوْ نُسِيَتِ الْمَذَاهِبُ وَالْأَصَحُّ مِنْهَا، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ أَنَّ مَا نَجَّسَهُ الْمَوْتُ لَا يَطْهُرُ بِنَشَفِ فُضُولٍ وَتَطْيِيبِ رَائِحَةٍ، وَالدِّبَاغُ الْآنَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ فِي حُكْمِ رُخْصَةٍ غَيْرِ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَإِذَا دَرَسَ السَّبِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَيْهِ، فَالْمُكَلَّفُونَ يَتَعَبَّدُونَ بِلُزُومِ مُوجَبِ (236) الْأَصْلِ.
وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الرُّخَصِ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ مَشْرُوحًا.
687 - وَأَمَّا الشُّعُورُ وَالْأَوْبَارُ وَالْعِظَامُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي نَجَاسَتِهَا، فَإِذَا انْحَسَمَ مَسْلَكُ نَقْلِ الْمَذَاهِبِ فِيهَا، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا، الْتَحَقَ الْقَوْلُ مِنْهَا بِمَا يُشَكُّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ مَا يُشَكُّ فِي نَجَاسَتِهِ فَحُكْمُ الْأَصْلِ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ.

[فَصْلٌ فِي الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ]
688 - مُوجِبَاتُ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ مَحْدُودَةٌ، وَالَّذِي لَا يَنْقُصُ
(1/449)

الْوُضُوءَ وَالْغَسْلَ لَا نِهَايَةَ لَهُ، كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ فِي النَّجَاسَاتِ.
وَمُوجَبُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي زَمَانِ دُرُوسِ التَّفَاصِيلِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ كُلَّ مَا أَشْكَلَ عَلَى أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ كَوْنُهُ حَدَثًا، فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِاسْتِصْحَابِ الطَّهَارَةِ مَعَ طَرَيَانِهِ، بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، لَمْ يَقْضِ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الْمُسْتَيْقَنَةِ أَوَّلًا بِسَبَبِ طَرَيَانِ الْحَدَثِ. فَهَذَا أَحَدُ مَا أَرَدْنَاهُ.
689 - وَالثَّانِي - أَنَّ بَنِي الزَّمَانِ لَوْ تَذَكَّرُوا أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأَحْدَاثِ فِيهَا خِلَافٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مَذْهَبَ إِمَامِهِ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ قُدْوَتَهُ وَأُسْوَتَهُ فَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِاسْتِبْقَاءِ الطَّهَارَةِ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُمَهَّدَةِ.

[فَصْلٌ فِي الْغَسْلِ وَالْوُضُوءِ]
690 - أَصْلُ طَهَارَةِ الْحَدَثِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ آلَتُهَا
(1/450)

وَمَحَلُّهَا وَانْقِسَامُهَا إِلَى الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ، فَلَيْسَ لَهَا فِي الشَّرْعِ قَاعِدَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ نَعْتَمِدُهَا، وَإِنَّمَا مَرْجِعُهَا إِلَى التَّوْقِيفِ.
691 - وَقَدِ اشْتَمَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ عَلَى بَيَانٍ بَالِغٍ فِيهِ، فَلْيَتَّخِذْهَا أَهْلُ الزَّمَانِ مَرْجِعَهُمْ، فِي أَصْلِ الْبَابِ، وَسَيُتْلَى الْقُرْآنُ إِلَى فَجْرِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَقْتَضِي الزَّمَانُ الْخَالِي عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَنَاقِلِي الْمَذَاهِبِ (237) أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ إِذْ لَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي الْكِتَابِ، وَلَمْ يُنْقَلِ الْوُضُوءُ نَقْلَ الْقُرَبِ الَّتِي شُرِعَتْ مَقْصُودَةً لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] ، بَلْ نُقِلَتْ نَقْلَ
(1/451)

الذَّرَائِعِ وَالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا غَيْرُهَا، فَلَيْسَ فِي نَقْلِهِ الْمُطْلَقِ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ وَالتَّوَاتُرِ إِشْعَارٌ بِالنِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَتَضَمَّنُهَا.
692 - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي التَّيَمُّمِ ; فَإِنْ قِيلَ: التَّيَمُّمُ هُوَ الْقَصْدُ، فَهَلَّا أَشْعَرَ لَفْظُهُ بِالنِّيَّةِ؟ قُلْنَا: هُوَ بِمَعْنَى: الْقَصْدِ، وَلَكِنَّهُ مَرْبُوطٌ بِالصَّعِيدِ فَيَجِبُ، مِنْ مُقْتَضَاهُ الْقَصْدُ إِلَى التُّرَابِ.
فَهَذَا حُكْمُ النِّيَّةِ فِي الزَّمَانِ الْعَارِي عَنْ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ.
693 - وَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ بِحُكْمِ الْآيَةِ غَسْلُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَجْهِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُوجِبُ غَسْلَ الْمَرْفِقَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ: إِلَى الْمَرَافِقِ، فَلَئِنْ لَمْ يَقْتَضِ إِلَى تَحْدِيدًا [وَمُوجَبُهُ] إِخْرَاجُ الْحَدِّ عَنِ الْمَحْدُودِ فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي جَمْعًا وَضَمًّا، أَيْضًا، فَلَيْسَ فِيهَا اقْتِضَاءُ غَسْلِ الْمَرْفِقَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ [زُفَرُ] .
694 - وَكُلُّ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَأَصْلُهُ التَّوْقِيفُ، فَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى لَفْظِ الشَّارِعِ فَمَا اقْتَضَى اللَّفْظُ وُجُوبَهُ الْتُزِمَ، وَمَالَا يَقْتَضِي
(1/452)

اللَّفْظُ وُجُوبَهُ، فَلَا وُجُوبَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّكَالِيفَ إِنَّمَا تَثْبُتُ إِذَا تَحَقَّقَ وُرُودُ أَمْرِ الْمُكَلَّفِ. .
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ؟ قُلْنَا: لَمْ يَتَأَسَّسْ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ مَا شُكَّ فِي وُجُوبِهِ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِوُجُوبِهِ نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مَأْخَذُ الِاحْتِيَاطِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ.
695 - فَأَمَّا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، فَأَخْذُهُ مِنْ فَحْوَى الْخِطَابِ مُعْوِصٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَرْجُلَكُمْ) بِالْكَسْرِ وَالنَّصْبِ. وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى بَقَاءِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ مِنَ الْأَذْكَارِ، وَدُرُوسِ تَفَاصِيلِ الْمَذَاهِبِ، وَنَقْلُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَنِ الرَّسُولِ، وَصَحْبِهِ مُتَوَاتِرٌ وَنِسْبَةُ الْمَصِيرِ إِلَى الْمَسْحِ إِلَى الشِّيعَةِ مُسْتَفِيضٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ انْدِرَاسُهُ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْقَوَاعِدِ.
فَإِنْ فُرِضَ زَوَالُ الْقَوَاعِدِ عَنِ الذِّكْرِ، وَقَعَ الْكَلَامُ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ
(1/453)

عَلَى مَا سَيَأْتِي مَشْرُوحًا. إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] .
696 - فَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ يُتَّبَعُ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَذْكَارِ، وَيُسْتَمْسَكُ بِآيَةِ الْوُضُوءِ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ وُجُوبُهُ، وَلَمْ يُشْعِرْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ، فَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنْ أَهْلِ الزَّمَانِ ; فَإِنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِتَوَجُّهِهِ.
697 - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ غَلَبَاتُ الظُّنُونِ مَنَاطُ [مُعْظَمِ] الْأَحْكَامِ؟ فَهَلَّا قُلْتُمْ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْتَرْشِدِ - فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْفُقَهَاءِ - وُجُوبُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِوُجُوبِهِ؟ .
قُلْنَا: هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقْنَعُ بِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي التَّوَصُّلُ إِلَى الْحَقَائِقِ، فَلْيَعْلَمِ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّا نَعْلَمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمُوجَبِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسُ فِي مَرْتَبَتِهِ عَلَى شَرْطِهِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي مُقْتَضَى الْعُقُولِ أَنْ يُفِيدَ ظَنٌّ عِلْمًا، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِمُوجَبِ الْخَبَرِ الَّذِي نَقَلَهُ مُتَعَرِّضُونَ لِلْخَطَأِ مَعْلُومٌ، وَالْخَبَرُ فِي نَفْسِهِ مَظْنُونٌ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْقِيَاسِ.
(1/454)

698 - فَالْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلَى عَيْنِ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، وَلَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، فَالَّذِي اقْتَضَى الْعِلْمَ بِالْعَمَلِ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى الْعَمَلِ بِهِمَا، كَمَا يُسْتَقْصَى فِي فَنِّ الْأُصُولِ.
فَالْخَبَرُ وَالْقِيَاسُ يُعْمَلُ عِنْدَهُمَا، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي وُجُوبَ الْعَمَلِ عِنْدَ ثُبُوتِهِمَا.
699 - فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ وَالْمُكَلَّفُ فِي الزَّمَانِ الْعَرِيِّ عَنْ جُمْلَةِ التَّفَاصِيلِ مُوجِبًا، [فَكَيْفَ] يَعْلَمُ وُجُوبًا؟ وَظَنُّهُ الَّذِي لَا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنْ تَحْقِيقِ مَا (239) انْتَصَبَ فِي الشَّرْعِ عَلَمًا انْتِصَابَ ظُنُونِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَسَالِيبِ الْأَقْيِسَةِ، وَمُعْظَمُ أَصْنَافِ الظُّنُونِ مُطْرَحَةٌ، لَا احْتِفَالَ بِهَا.
700 - فَقَدْ تَقَرَّرَ مَا حَاوَلْنَاهُ لِكُلِّ فَطِنٍ، وَوَضَحَ أَنَّ تَعَذُّرَ الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ بِمَا كَانَ وَاجِبًا فِي الْعُصُورِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ تَعَذُّرِ وُقُوعِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ بِالْعَجْزِ عَنْهُ.
(1/455)

[فَصْلٌ فِي التَّيَمُّمِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
701 - التَّيَمُّمُ رُخْصَةٌ لَا تَحْتَمِلُ مَعْنًى مُسْتَدْرَكًا، وَإِنَّمَا الْمُتَّبَعُ فِيهَا مَوَارِدُ التَّوْقِيفِ، فَمَا ظَهَرَ فِي الْعَصْرِ مِنَ التَّيَمُّمِ عَلَى تَحْقِيقٍ وَثَبَتٍ اتُّبِعَ. وَمَا لَمْ يَظْهَرْ مُقْتَضِيهِ لَمْ تَثْبُتِ الرُّخْصَةُ بِظُنُونِ الْعَوَامِّ، وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي الرُّخَصِ كُلِّهَا.
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآنَ أَنَّ ظَنَّ الْعَامِّيِّ لَا يُبَالَى بِهِ فِيمَا يَجُولُ فِي مِثْلِهِ قِيَاسُ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ، وَالْأَقْيِسَةُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا جَرَيَانَ لَهَا فِي مُعْظَمِ أَبْوَابِ الرُّخَصِ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ الرُّخَصُ بِظُنُونٍ لَا أَصْلَ لَهَا؟ .
702 - وَالَّذِي يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا فَعَلَ عِنْدَ إِعْوَازِ الْمَاءِ مَا عَلِمَهُ، وَقَدْ وَضَحَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَهُ، فَإِذَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ الْعِلْمِ وَالْإِمْكَانِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ مِمَّا تُقْضَى عِنْدَ زَوَالِ الْأَعْذَارِ أَمْ لَا، فَالَّذِي يَقْتَضِي الْأَصْلَ الْكُلِّيَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، لِأَنَّهُ أَدَّى مَا كُلِّفَ، وَقَامَ بِمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ.
(1/456)

703 - وَقَدْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ. وَيُعْزَى ذَلِكَ إِلَى الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ خَارِجٌ عَلَى حُكْمِ الْقَاعِدَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يُوجِبُهُ الْأَمْرُ بِالْأَدَاءِ ; إِذِ الْأَمْرُ بِالْأَدَاءِ لَا يُشْعِرُ إِلَّا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَّفِقِ امْتِثَالُهُ فِي الْوَقْتِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، كَانَ مُوجَبُ الْأَمْرِ مُقْتَضِيًا فَوَاتَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَيْسَ فِي صِيغَتِهِ التَّعَرُّضُ لِلْقَضَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ، فَإِذَا أَدَّى الْمُكَلَّفُ مَا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَمْرًا بِالْقَضَاءِ، وَلَمْ يُشْعِرْ بِهِ الْأَصْلُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ، لَا وَجْهَ لَهُ لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
704 - وَمِمَّا نَذْكُرُهُ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فَتَرَ الزَّمَانُ وَشَغَرَ، كَمَا فَرَضْنَاهُ، وَقَامَ الْمُكَلَّفُونَ عَلَى مَبْلَغِ عِلْمِهِمْ بِمَا عَرَفُوهُ، [ثُمَّ] قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى نَاشِئَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَحْيَا بِهِمْ مَا دَثَرَ مِنَ الْعُلُومِ، فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ عَلَى الَّذِينَ أَقَامُوا فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ [مَا]
(1/457)

تَمَكَّنُوا مِنْهُ، فَإِنَّ مِمَّا تَمَهَّدَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ تَطَرَّقَ الْخَلَلُ إِلَى صَلَاتِهِ بِسَبَبِ عُذْرٍ نَادِرٍ دَائِمٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِنَّ الِاسْتِحَاضَةَ تَنْدُرُ، وَإِذَا وَقَعَتْ دَامَتْ وَامْتَدَّتْ فِي الْغَالِبِ، فَلَوْ شُفِيَتْ لَمْ [يَلْزَمْهَا] قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَقَامَتْهَا مَعَ اسْتِمْرَارِ الِاسْتِحَاضَةِ.
وَتَقْدِيرُ خُلُوِّ الدَّهْرِ عَنْ حَمْلَةٍ لِلشَّرِيعَةِ اجْتِهَادًا وَنَقْلًا نَادِرٌ فِي التَّصْوِيرِ وَالْوُقُوعِ جِدًّا، وَلَوْ فُرِضَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ كَانَ تَقْدِيرُ عَوْدِ الْعُلَمَاءِ أَبْدَعَ مِنْ كُلِّ بَدِيعٍ فَلْيُلْحَقْ ذَلِكَ بِالنَّادِرِ الدَّائِمِ. فَهَذَا مُنْتَهَى غَرَضِنَا فِي هَذَا الْفَنِّ.
705 - وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الرُّخَصِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الرُّخَصِ كُلِّهَا أَصْلًا مُمَهَّدًا فَلْيُتَّبَعْ فِي جَمِيعِهَا ذَلِكَ الْأَصْلُ.

[فَصْلٌ فِي الْحَيْضِ]
706 - الْحَيْضُ حَالَةٌ تُبْتَلَى بِهَا بَنَاتُ آدَمَ مِنْ حَيْثُ الْفِطْرَةُ
(1/458)

وَالْجِبِلَّةُ، ابْتِلَاءً مُعْتَادًا عَلَى تَكَرُّرِ الْأَدْوَارِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ الْأُصُولِ الَّتِي تَمَسُّ الْحَاجَةُ فِيهِ إِلَيْهَا.
هَذَا حُكْمُ اطِّرَادِ الِاعْتِيَادِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الزَّمَانُ عَنِ الْعِلْمِ بِأَقَلِّ الْحَيْضِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَأَكْثَرِهِ، مَا دَامَ النَّاسُ مُهْتَمِّينَ بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ.
فَإِنْ فُرِضَ انْطِمَاسُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتِمْرَارُ الْفَتْرَةِ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ (241) فَاسْتِقْصَاءُ ذَلِكَ يَقَعُ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ.
فَإِذًا لَا يَكَادُ يَخْفَى مَعَ تَصْوِيرِ بَقَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا، وَطَهُرَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا مَثَلًا إِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، وَيَجْتَنِبُهَا زَوْجُهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} .
وَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ لَا تُنْسَى مَا ذُكِرَتْ وَظَائِفُ الصَّلَوَاتِ.
707 - فَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَهَذَا مَوْقِعُ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَبْلُغُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَ طَوَائِفَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.
(1/459)

فَإِنْ زَادَ الْحَيْضُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَقَدْ فُرِضَ دُرُوسُ التَّفَاصِيلِ فَقَدْ يَخْفَى كَوْنُهُ حَيْضًا عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ.
وَمِمَّا يُقْضَى بِبَقَائِهِ فِي الِادِّكَارِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ بِالصَّلَاةِ فِي إِطْبَاقِ الِاسْتِحَاضَةِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يُنْسَى مَعَ ذِكْرِ الْأُصُولِ قَطْعًا.
فَالدَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ مَثَلًا، يَتَرَدَّدُ فِي ظَنِّ أَهْلِ الزَّمَانِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، وَهَذَا الْآنَ فَنٌّ بَدِيعٌ فَلْيَتَأَمَّلْهُ الْمُوَفَّقُ، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ.
708 - فَأَقُولُ: قَدْ يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا شَكَّتْ فِي أَنَّ مَا تَرَاهُ حَيْضٌ أَمْ لَا؟ فَلَيْسَتْ عَلَى عِلْمٍ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يُعْلَمُ دُونَ الْعِلْمِ بِالْمُوجِبِ، فَقَدْ يُنْتِجُ هَذَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ مَعَ الشَّكِّ.
709 - وَلَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا أَصْلٌ آخَرُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى النِّسَاءِ لَا يُسْقِطُهُ عَنْهُنَّ إِلَّا يَقِينُ الْحَيْضِ.
وَالِاسْتِحَاضَةُ لَا تُنَافِي الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ، فَالْأَمْرُ إِذًا بِالصَّلَاةِ مُسْتَيْقَنٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَسُقُوطُهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَحُكْمُ الْأُصُولِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ عَلَى الْجُمْلَةِ وُجُوبًا، ثُمَّ
(1/460)

يُعَارِضُ ظَنَّاهُ فِي سُقُوطِهِ، أَخَذَ بِاسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ (242) الثَّابِتِ وَعَلَى هَذَا بَنَى عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ مَسَائِلَ الْحَيْضِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالِاسْتِحَاضَةِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ.
710 - وَالَّذِي يُعَضِّدُ وَيُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الزَّمَانِ الْعَارِي عَنِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَعْلُومِ لَيْسَ لَهُ ضَبْطٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَيُوقَفُ عِنْدَهُ وَقَدْ تَحَقَّقَ [أَنَّ] دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ، فَلَوْ تَعَدَّتِ الْمَرْأَةُ مَبْلَغَ الْيَقِينِ فَأَيْنَ تَقِفُ؟ وَمَتَى تَعُودُ إِلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ؟ فَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَسْتُ أَنْفِي مَعَ ظُهُورِ هَذَا أَنْ يَخْطُرَ لِعَاقِلٍ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ تَجِبُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً عَلَى اعْتِقَابِ وَظَائِفِ الْأَوْقَاتِ، وَلَيْسَتْ فِي حُكْمِ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ نَاجِزًا فِي الْحَالِ، وَشُكَّ فِي سُقُوطِهِ.
فَالصَّلَوَاتُ الَّتِي تَدْخُلُ مَوَاقِيتُهَا فِي الْحَادِيَ عَشَرَ مَا سَبَقَ وَجُوبُهَا فِي الْعَاشِرِ، وَوُجُوبُهَا فِي الْحَادِيَ عَشَرَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَقَدْ يُعَارِضُ اعْتِقَاَدَ الْوُجُوبِ اعْتِقَادُ تَحْرِيمِ الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الطَّاهِرَةِ، مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْحَائِضِ.
(1/461)

711 - وَالَّذِي قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ مِنْ مَسَالِكِ الظُّنُونِ وَالتَّرْجِيحَاتِ الَّتِي يَتَمَسَّكُ بِهِمَا الْمُجْتَهِدُونَ. وَظُنُونُ الْعَوَامِّ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهَا، وَسَبِيلُ الْعِلْمِ مُنْحَسِمٌ قَطْعًا، وَلَيْسَ فِي الزَّمَانِ مُقَلِّدَ وَلَا نَاقِلٌ عَنْ مُقَلِّدٍ.
فَمَا الْوَجْهُ إِذًا؟ [وَإِنَّمَا] قَدَّمْنَا وُجُوهَ الْكَلَامِ تَنْبِيهًا عَلَى تَقَابُلِ الظُّنُونِ، وَتَحْقِيقًا لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ السُّبُلِ بِذَوِي الِاجْتِهَادِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَأَقُولُ:
712 - الْجَمْعُ بَيْنَ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَإِيجَابِ أَدَائِهَا مُحَالٌ، وَالْعِلْمُ لَا يَتَطَرَّقُ فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ إِلَى دَرْكِ التَّحْرِيمِ، وَلَا إِلَى دَرْكِ الْوُجُوبِ، وَلَا مَرْجِعَ لَهُ يَلُوذُ بِهِ، وَلَا حُكْمَ لِظَنِّهِ وَتَرَجُّحِهِ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ (243) عَنْهُ فِي هَذَا الْفَنِّ ; وَالْتِحَاقُهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الْخُصُوصِ بِمَنْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فُرِضَتْ صُورَةُ الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمُ [الْوُجُوبِ] ، وَلَا الْإِجْزَاءِ، وَلَا التَّحْرِيمِ، إِذْ شَرْطُ التَّكْلِيفِ إِمْكَانُ تَوَصُّلِ الْمُكَلَّفِ إِلَى دَرْكِ مَا كُلِّفَ، وَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
(1/462)

وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُ الْمَجْنُونِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ فَهْمُ الْخِطَابِ وَدَرْكُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَقَّقٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْخَاصِّ، فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ الْمَخْصُوصِ، وَإِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ مُرْتَبِطًا بِهِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَلَوِ اسْتَحَاضَتِ الْمَرْأَةُ، وَالْتَبَسَ [حَيْضُهَا] بِاسْتِحَاضَتِهَا، فَأَحْكَامُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ أَغْمَضِ مَا خَاضَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ.
713 - وَمِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَهْمَا غَمُضَ عَلَيْهَا أَنَّهَا فِي حَيْضٍ أَوِ اسْتِحَاضَةٍ، وَقَدْ خَلَا الزَّمَانُ عَنْ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي تَفْصِيلِ الْمُسْتَحَاضَاتِ، وَقَدْ عَلِمَتْ مِنْ أَصْلِ الشَّرْعِ أَنَّ الْحَيْضَ يُنَافِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَيُحَرِّمُ إِقَامَتَهَا فِيهِ بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَيَتَصَدَّى لَهَا تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ وَإِيجَابُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ عَنْهَا - فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ - فِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً مَا اطَّرَدَ اللَّبْسُ عَلَيْهَا.
وَهَذَا لَا يَغُوصُ عَلَى سِرِّهِ إِلَّا مُرْتَاضٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ.
714 - وَهَذَا الْمَجْمُوعُ يَحْوِي أُمُورًا يَشْتَرِكُ فِي اسْتِفَادَتِهَا الْمُبْتَدِئُونَ وَالْمُنْتَهُونَ، وَأُمُورٌ يَخْتَصُّ بِاسْتِدْرَاكِهَا أَخَصُّ الْخَوَاصِّ.
(1/463)

715 - وَقَدْ يَظُنُّ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ فِيمَا ذَكَرْتُهُ يَخْتَصُّ بِخُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ ; وَلَا يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي زَمَنِ تَوَافُرِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ بِحَمْلِ الشَّرِيعَةِ.
وَأَنَا أُصَوِّرُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ مَعَ اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، فِي صُورَةٍ يَحَارُ الْفَطِنُ اللَّبِيبُ فِيهَا، فَأَقُولُ:
716 - لَوْ فُرِضَ بَيْتٌ مَشْحُونٌ بِالْمَرْضَى الْمُدْنَفِينَ (244) وَكَانَ [رَجُلٌ] يَخْطُو عَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ وَلَا ظُلْمٍ، فَانْهَارَ السَّقْفُ، وَخَرَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مَرِيضٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ مَكَثَ عَلَيْهِ لَمَاتَ، وَلَوْ تَحَوَّلَ عَنْهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ تَوَطُّئِ مَرِيضٍ آخَرَ، وَلَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، لَمَاتَ مَنْ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ التَّفَصِّي عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِهْلَاكِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى أَمْرِهِ بِالْمُكْثِ، وَلَا إِلَى أَمْرِهِ بِالِانْتِقَالِ، وَأَمْرُهُ بِالزَّوَالِ [عَمَّا] ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ إِلَى [قَتْلٍ] تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ عِنْدَنَا.
(1/464)

717 - فَإِذًا هَذِهِ الصُّورَةُ وَإِنِ اتُّفِقَ وُقُوعُهَا، فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ، وَلَا طَلِبَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ بِمُكْثٍ، وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمُكْثِ وَالزَّوَالِ ; فَإِنَّ الْخِيَرَةَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ.
718 - وَالَّذِي اعْتَاصَ قَضِيَّةً فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا سَبِيلُهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا دُفِعَ إِلَيْهِ، كَسَبِيلِ بَهِيمَةٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا خِطَابٌ.
719 - وَقَدْ يَتَّفِقُ لِآحَادِ النَّاسِ فِي [بَقَاءِ] تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ فِي الِادِّكَارِ حَالَةٌ يُقَرِّبُ مَأْخَذَ الْقَوْلِ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي دُرُوسِ [الْفُرُوعِ] .
فَإِذَا عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ يَحْرُمُ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي زَمَانِ الْحَيْضِ ثُمَّ ابْتُلِيَتْ بِالِاسْتِحَاضَةِ، وَصَارَتْ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ،
(1/465)

فِي بُقْعَةٍ خَالِيَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَصَدَّى لَهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمُهَا كَمَا قَدَّمْنَا تَصْوِيرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَتَوَقَّفُ، وَلَا تُمْضِي أَمْرًا إِلَى أَنْ تَخْبُرَ، وَتَسْأَلَ مَنْ يَعْلَمُ.
720 - فَقَدْ تَمَهَّدَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَصْلٌ عَظِيمٌ، سَيَنْعَطِفُ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَيْهِ، [وَهُوَ] يَتَهَذَّبُ لِسُؤَالٍ وَجَوَابٍ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَسْنَا نَعْلَمُ الْآنَ تَقَابُلَ الْأَمْرَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَنُغَلِّبُ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ، فَنَأْمُرُهَا بِإِقَامَةِ جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَهَلَّا (245) غَلَّبَتِ الْمَرْأَةُ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى تَحْرِيمِ إِقَامَتِهَا فِي وَقْتِ الْفَتْرَةِ؟ .
721 - قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ [حَمَلَتِهَا] أَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَغْلَبُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى تَحْرِيمِ إِقَامَتِهَا، وَنَحْنُ فَرَضْنَا خُلُوَّ الزَّمَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ، وَاسْتِوَاءَ الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فِي اعْتِقَادِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ فِي الزَّمَانِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَسْقُطُ وُجُوبُهَا إِلَّا بِيَقِينٍ، فَهَذَا يَتَّبِعُ الْأَصْلَ بِمُوجِبِهِ.
(1/466)

722 - فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ أَحْكَامَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى بَقَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنَ الْأُصُولِ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ دَهْرَهَا، فَلِمَ فَرَضْتُمْ ذَهَابَ هَذَا الْأَصْلِ عَنِ الْأَذْهَانِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُتَحَيِّرَةَ لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: الِاطِّلَاعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِنْ غَوَامِضِ الْفِقْهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي عَنَيْنَاهَا، فَإِنَّ أَهْلَ الدَّهْرِ لَوْ أَحَاطُوا بِجَمِيعِ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ، هَانَ عَلَيْهِمْ إِلْحَاقُ الْفُرُوعِ بِهَا، فَالْأُصُولُ الَّتِي قَدَّرْنَا بَقَاءَهَا كُلِّيَّاتٌ مُسْتَرْسَلَةٌ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْغَوَامِضِ.
فَهَذَا تَمَامُ مَا أَرَدْنَا أَنَّ نُوَضِّحَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّأْيِيدِ وَالتَّوْفِيقِ، بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ.

[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
723 - هَذَا كِتَابٌ عَظِيمُ الْمَوْقِعِ فِي الشَّرْعِ، لَمْ يَتَشَعَّبْ أَصْلٌ فِي التَّكَالِيفِ تَشَعُّبَهُ، وَلَمْ يَتَهَذَّبْ بِالْمَبَاحِثِ قُطْبٌ مِنْ أَقْطَابِ الدِّينِ تَهَذُّبَهُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاسُ عَلَى
(1/467)

تَارَاتِهِمْ وَتَبَايُنِ طَبَقَاتِهِمْ مُوَاظِبُونَ عَلَى إِقَامَةِ وَظَائِفِ الصَّلَوَاتِ، مُثَابِرُونَ عَلَى رِعَايَةِ الْأَوْقَاتِ، بَاحِثُونَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْهَيْئَاتِ.
فَهِيَ لِذَلِكَ لَا تَنْدَرِسُ عَلَى مَمَرِّ الدُّهُورِ، وَلَا يُمْحَقُ ذِكْرُ أُصُولِهَا عَنِ الصُّدُورِ.
وَلَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ (246) ذِكْرُ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا وَمَسَائِلِهَا، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مُغْمَضَاتِهَا وَغَوَائِلِهَا فَإِنَّهَا مُسْتَقْصَاةٌ فِي فَنِّ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَنِّ مِنَ الْكَلَامِ فَصْلٌ وَاحِدٌ جَامِعٌ، يَحْوِي جَمِيعَ الْغَرَضِ.
وَنَحْنُ نَسْتَاقُهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - مُفَرَّعًا مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. فَنَقُولُ:
724 - مَا اسْتَمَرَّ فِي النَّاسِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِهِ فَإِنَّهُمْ يُقِيمُونَهُ، وَمَا ذَهَبَ عَنْ ذِكْرِ أَهْلِ الدَّهْرِ جُمْلَةً، فَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَسُقُوطُ مَا عَسِرَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ فِي الزَّمَانِ لَا يُسْقِطُ الْمُمْكِنَ ; فَإِنَّ مِنَ الْأُصُولِ
(1/468)

الشَّائِعَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُنْسَى، مَا أُقِيمَتْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ.
725 - وَإِنِ اعْتَرَضَ فِي هَذَا الدَّهْرِ شَيْءٌ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهِ، كَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلِمَ بَنُو الزَّمَانِ الِاخْتِلَافَ، وَلَمْ يُحِيطُوا بِأَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، أَوْ أَحَاطُوا بِهِمْ، وَلَكِنْ كَانَ دَرَسَ تَحْقِيقُ صِفَاتِهِمْ، وَتَعَذَّرَ عَلَى الْمُسْتَرْشِدِينَ النَّظَرُ فِي أَعْيَانِ الْمُقَلِّدِينَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاسْتِطَاعَتِهِمْ فِي تَخَيُّرِ الْأَئِمَّةِ.
فَمَا يَقَعُ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَعَارَضَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ فِيهِ [وَنَفْيُ] الْوُجُوبِ فَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ يَظُنُّ الْفَطِنُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ [الْأَخْذُ] بِالْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى الظُّهْرَ [أَمْ] أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالثَّلَاثِ الْمُسْتَيْقَنَةِ، وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى، وَيَكُونُ الشَّكُّ فِي رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ كَالشَّكِّ فِي إِقَامَةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَلْيَكُنْ هَذَا رَأْيَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
726 - وَلَيْسَ هَذَا الْمَسْلَكُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ.
(1/469)

وَالنَّظَرُ فِي هَذَا مِنْ دَقِيقِ الْقَوْلِ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ، فَإِذَا كَانَ بِنَاءُ الْكَلَامِ عَلَى شُغُورِ الزَّمَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ، فَلَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الزَّمَانِ تَأْسِيسُ الْكَلَامِ عَلَى (247) مَظْنُونٍ فِيهِ فِي دَقِيقِ الْفِقْهِ، فَإِنَّ ظَنَّ الْعَامِّيِّ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ سَبِيلُ تَأْسِيسِ التَّقْلِيدِ، وَتَخَيُّرِ الْمُفْتِي، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِسُقُوطِ وُجُوبِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَهْلُ الزَّمَانِ وُجُوبَهُ.
وَإِنِ اعْتَرَضَتْ صُورَةٌ تَعَارَضَ فِيهَا إِمْكَانُ التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ وَلَمْ يَتَأَتَّ الْوُصُولُ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِأَحَدِهِمَا، فَهَذَا مِمَّا يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ فِيهِ رَأْسًا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ الْمُخْتَلِطِ بِالِاسْتِحَاضَةِ. فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الزَّمَانِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ.
727 - وَمِمَّا نُجْرِيهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا جَرَى فِي الصَّلَاةِ مَا أَشْكَلَ أَنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا، فَقَدْ يَخْطُرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ بَقَاءُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهَا.
وَلَكِنَّ الَّذِي يَجِبُ الْجَرَيَانُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الزَّمَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ مَعَ التَّعَرِّي عَنِ التَّفَاصِيلِ الْجُزْئِيَّةِ أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ ;
(1/470)

فَإِنَّ التَّفَاصِيلَ إِذَا دَرَسَتْ، لَمْ يَأْمَنْ مُصَلٍّ عَنْ جَرَيَانِ مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُفْسِدَاتِ فِي صَلَاتِهِ وَلَكِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِهَذَا [شَدِيدَةٌ] ثُمَّ لَا يَأْمَنُ قَاضٍ فِي عَيْنِ قَضَائِهِ عَنْ قَرِيبٍ مِمَّا وَقَعَ لَهُ فِي الْأَدَاءِ، وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ قَاضِيَةٌ بِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ فِيمَا هَذَا سَبِيلُهُ.
وَنَحْنُ نَجِدُ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً مَعَ الِاحْتِوَاءِ عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَتَفَاصِيلِهَا فَإِنَّ مَنِ ارْتَابَ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي مَضَتْ هَلْ كَانَتْ عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ؟ وَهَلِ اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطَ الصِّحَّةِ؟ وَهَلِ اتَّفَقَ الْإِتْيَانُ بِأَرْكَانِهَا فِي إِبَّانِهَا؟ فَلَا مُبَالَاةَ بِهَذِهِ الْخَطِرَاتِ إِذْ لَا يَخْلُو مِنْ أَمْثَالِهَا مُكَلَّفٌ، وَإِنْ بَذَلَ كُنْهَ جُهْدِهِ، وَتَنَاهَى فِي اسْتِفْرَاغِ جَدِّهِ.
ثُمَّ لَا يَسْلَمُ الْقَضَاءُ مِنَ الِارْتِيَابِ الَّذِي فُرِضَ وُقُوعُهُ فِي الْأَدَاءِ.
728 - فَالَّذِي يَنْبَنِي الْأَمْرُ فِي عُرُوِّ الزَّمَانِ عَنْ ذِكْرِ التَّفَاصِيلِ أَنْ لَا يُؤَاخَذَ (248) أَهْلُ الزَّمَانِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ وُجُوبَهُ جُمْلَةً بَاتَّةً.
729 - وَمِمَّا يُهَذَّبُ بِهِ غَرَضُنَا فِي هَذَا الْفَنِّ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَى الصَّلَاةِ مَا يَعْلَمُ الْمُصَلِّي أَنَّهُ يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ وَلَوِ اسْتَرَابَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي السُّجُودَ، وَكَانَ مَحْفُوظًا فِي الزَّمَانِ أَنَّ
(1/471)

تَرْكَ سُجُودِ السَّهْوِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالسُّجُودُ الزَّائِدُ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ مُقْتَضٍ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الْأَصْلُ أَنْ لَا يَسْجُدَ الْمُسْتَرِيبُ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَصْلُ مَنْسِيًّا فِي الزَّمَانِ، فَسَجَدَ الْمُسْتَرِيبُ، لَمْ نَقْضِ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ سُجُودًا عَامِدًا.
وَهَذَا يَلْتَحِقُ بِأَطْرَافِ الْكَلَامِ فِيمَا يَطْرَأُ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَدْرِي الْمُصَلِّي أَنَّهُ مُفْسِدٌ لَهَا.
وَلَوْ فُرِضَ مِثْلُ هَذَا فِي الزَّمَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ، وَكَانَ [سَجَدَ] رَجُلٌ ظَانًّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسُّجُودِ، فَفَتْوَى مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. فَهَذَا مُنْتَهَى غَرَضِنَا مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
730 - الْقَوْلُ فِيهَا مَعَ فَرْضِ دُرُوسِ التَّفَاصِيلِ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ مَا اسْتَيْقَنَ أَهْلُ الزَّمَانِ وُجُوبَهُ أَخْرَجُوهُ، وَأَوْصَلُوهُ
(1/472)

إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَمَا تَرَدَّدُوا فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالْمُوجَبِ، وَمِنْ غَيْرِ اسْتِكْمَانِ مَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ مُحَالٌ، وَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ خَالِيًا عَنْ حَمَلَةِ الْعُلُومِ بِالتَّفَارِيعِ، فَأَهْلُ الدَّهْرِ غَيْرُ مُسْتَمْكِنِينَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ.
وَقَدْ وَقَعَ الِاحْتِرَازُ بِتَقْيِيدِ الْكَلَامِ عَمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي تَوَافُرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِيهِ، فَإِنَّهُ مُسْتَمْكِنٌ مِنَ الْبَحْثِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ بِمَسَائِلِ أُولِي الْعِلْمِ. فَهَذَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ.
731 - وَالثَّانِي - أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ ضَرَرُ الْمُحْتَاجِينَ وَاعْتَاصَ مِقْدَارُ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُوسِرِينَ الْمُثْرِينَ، فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ كُلِّيٍّ فِي إِنْقَاذِ الْمُشْرِفِينَ عَلَى الضَّيَاعِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ بِبَيَانٍ شَافٍ عَلَى الْإِشْبَاعِ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ (249) وَجَلَّ.

[كِتَابُ الصَّوْمِ]
732 - فَأَمَّا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ [فَإِنَّهُ] عَلَى مُوجَبِ اطِّرَادِ
(1/473)

الْعُرْفِ لَا يُنْسَى مَا ذُكِرَتْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَالْمَرْعِيُّ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، فَمَا يُسْتَيْقَنُ فِي الزَّمَانِ وُجُوبُهُ، أَقَامَهُ الْمُكَلَّفُونَ، وَمَا شُكَّ فِي وُجُوبِهِ لَا يَجِبُ.
733 - وَلَوْ فُرِضَتْ صُورَةٌ يَتَعَارَضُ فِيهَا أَمْرَانِ مُتَنَاقِضَانِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَقْرِيرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا - أَوْلَى بِالتَّخَيُّلِ وَالْحُسْبَانِ مِنَ الثَّانِي، فَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ فِيهِ أَصْلًا، مِثْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ إِمْكَانُ تَحْرِيمِ شَيْءٍ وَإِيجَابِهِ، كَمَا تَكَرَّرَ وَتَقَرَّرَ مِرَارًا فِيمَا تَقَدَّمَ.
734 - وَالْقَوْلُ فِي الْحَجِّ يَقْرُبُ مِنَ الْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
735 - وَسَبِيلُنَا أَنْ نَذْكُرَ الْآنَ بَابًا جَامِعًا، يَحْوِي أُمُورًا كُلِّيَّةً تَكْثُرُ فَائِدَتُهَا، وَتَظْهَرُ عَائِدَتُهَا، فِي تَقْدِيرِ خُلُوِّ الزَّمَانِ، وَلَا يَسْتَغْنِي بَنُو زَمَانِنَا عَنْهَا. وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِعَانَةِ بِفَضْلِهِ وَطَوْلِهِ.
(1/474)

[بَابٌ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ وَالْقَضَايَا التَّكْلِيفِيَّةِ]
736 - فَنَقُولُ: لَا غَنَاءَ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِالْمَكَاسِبِ، فَإِنَّ فِيهَا قِوَامَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. فَنَذْكُرُ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِالْأَغْرَاضِ الْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ نَذْكُرُ قَوَاعِدَ فِي الْمُنَاكَحَاتِ، ثُمَّ نَخْتِمُ الْكَلَامَ بِذِكْرِ فُصُولٍ فِي الزَّوَاجِرِ، وَالْإِيَالَاتِ، وَنَسْتَفْتِحُ الْقَوْلَ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ -.
737 - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْمَكَاسِبِ فَنُقَدِّمُ عَلَى مَقْصُودِنَا فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ فَصْلًا نَفِيسًا، وَنَتَّخِذُهُ تَأْصِيلًا لِغَرَضِنَا وَتَأْسِيسًا، وَهَذَا الْفَصْلُ لَا يُوَازِيهِ فِي أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ فَصْلٌ، وَلَا يُضَاهِيهِ فِي الشَّرَفِ أَصْلٌ، وَقَدْ حَارَ فِي مَضْمُونِهِ عُقُولُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ، وَلَمْ يَحُمْ عَلَى الْمَدْرَكِ السَّدِيدِ فِيهِ أَحَدُ الْأَصْحَابِ.
وَلَسْتُ أَنْتَقِصُ أَئِمَّةَ الدِّينِ، وَعُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَعْزِيهِمْ إِلَى الْفُتُورِ وَالْقُصُورِ عَنْ مَسَالِكِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلِينَ - رَضِيَ اللَّهُ
(1/475)

عَنْهُمْ - مَا دَفَعُوا مَقْصُودَ هَذَا الْفَصْلِ، وَلَمْ تَتَغَشَّهُمْ (250) هَوَاجِمُ الْمِحَنِ وَالْفِتَنِ، وَكَانُوا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ لَا يَضَعُونَ الْمَسَائِلَ قَبْلَ وُقُوعِهَا، فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمَبَاحِثِ الَّتِي سَأَخُوضُ فِيهَا، وَلَمْ يَعْتَنُوا بِمَعَانِيهَا، وَهَا أَنَا أَذْكُرُ نُتَفًا، أَعْتَدُّهَا تُحَفًا عِنْدَ الْمُدَرَّعِينَ مَدَارِعَ الْوَرَعِ، وَأَتَّخِذُهَا يَدًا عِنْدَ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ جُمَعَ.
738 - فَأَفْرِضُ أَوَّلًا حَالَةً وَأُجْرِي فِيهَا مَقَاصِدَ، ثُمَّ أَبْتَنِي عَلَيْهَا قَوَاعِدَ، وَأَضْبُطُهَا بِرَوَابِطَ وَمَعَاقِدَ، وَأُمَهِّدُهَا أُصُولًا تَهْدِي إِلَى مَرَاشِدَ. فَأَقُولُ:
لَوْ فَسَدَتِ الْمَكَاسِبُ كُلُّهَا، وَطَبَّقَ طَبَقَ الْأَرْضِ الْحَرَامُ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَمَا تَحْوِيهِ الْأَيْدِي - وَلَيْسَ حُكْمُ زَمَانِنَا بِبَعِيدٍ مِنْ هَذَا - فَلَوِ اتَّفَقَ مَا وَصَفْنَاهُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِ الْخَلْقِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَى الِانْكِفَافِ عَنِ الْأَقْوَاتِ، وَالتَّعَرِّي عَنِ الْبِزَّةِ.
739 - وَأَقْرَبُ مَسَالِكَ تَمْتَدُّ إِلَيْهَا بَصِيرَةُ الْفَطِنِ فِي ذَلِكَ تَلَقِّي الْأَمْرِ مِنْ إِبَاحَةِ الْمَيْتَاتِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَالضَّرُورَاتِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَا تَحِلُّ الْمَيْتَةُ إِلَّا لِمُضْطَرٍّ، يَخَافُ عَلَى مُهْجَتِهِ وَحُشَاشَتِهِ، لَوْ لَمْ يَسُدَّ جَوْعَتَهُ. .
ثُمَّ اضْطَرَبَتْ مَذَاهِبُهُمْ فِي أَنَّهُ إِذَا اضْطُرَّ الْمَرْءُ، فَإِلَى أَيِّ حَدٍّ
(1/476)

يَسْتَبِيحُ مِنَ الْمِيتَةِ: فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ رَمَقِهِ، وَلَا يَتَعَدَّاهُ، وَصَارَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَسُدُّ جَوْعَتَهُ مِنَ الْمَيْتَةِ.
وَلَوْ خُضْتُ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ، لَطَالَ الْبَابُ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَقْصُودِ الْكِتَابِ.
وَإِنَّ هَذَا فَصْلٌ يَقِلُّ فِي الزَّمَانِ مَنْ يُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، فَمَنْ أَرَادَهُ، فَلْيَطْلُبْهُ مِنْ تَعْلِيقَاتِ الْمُعْتَمِدِينَ عَنَّا، إِلَى أَنْ يُتِيحَ اللَّهُ لَنَا مَجْمُوعًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
740 - وَمِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ حُكْمَ الْأَنَامِ إِذَا عَمَّهُمُ الْحَرَامُ حُكْمُ الْمُضْطَرِّ فِي تَعَاطِي الْمَيْتَةِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوِ ارْتَقَبُوا فِيمَا يَطْعَمُونَ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ، وَفِي الِانْتِهَاءِ إِلَيْهَا (251) سُقُوطُ الْقُوَى، وَانْتِكَاثُ الْمِرَرِ، وَانْتِقَاضُ الْبِنْيَةِ، سِيَّمَا إِذَا تَكَرَّرَ اعْتِيَادُ الْمَصِيرِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَفِي ذَلِكَ انْقِطَاعُ الْمُحْتَرِفِينَ عَنْ حِرَفِهِمْ وَصِنَاعَاتِهِمْ، وَفِيهِ الْإِفْضَاءُ إِلَى ارْتِفَاعِ الزَّرْعِ وَالْحِرَاثَةِ، وَطَرَائِقِ الِاكْتِسَابِ،
(1/477)

وَإِصْلَاحِ الْمَعَايِشِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْخَلْقِ قَاطِبَةً وَقُصَارَاهُ هَلَاكُ النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَمِنْهُمْ ذُو النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ، وَحَفَظَةُ الثُّغُورِ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا وَهَوْا وَوَهَنُوا، وَضَعُفُوا وَاسْتَكَانُوا، اسْتَجْرَأَ الْكُفَّارُ، وَتَخَلَّلُوا دِيَارَ الْإِسْلَامِ، وَانْقَطَعَ السِّلْكُ [وَتَبَتَّرَ] النِّظَامُ.
741 - وَنَحْنُ عَلَى اضْطِرَارٍ مِنْ عُقُولِنَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى بَوَارِ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَتْبَعُهَا انْدِرَاسُ الدِّينِ، وَإِنْ شَرَطْنَا فِي حَقِّ آحَادٍ مِنَ النَّاسِ فِي وَقَائِعَ نَادِرَةٍ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى الضَّرُورَةِ، فَلَيْسَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ مَا يَجُرُّ فَسَادًا فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ ضَعْفَ الْآحَادِ بِطَوَارِئَ نَادِرَةٍ، إِنْ جَرَّتْ أَمْرَاضًا وَأَعْرَاضًا، فَالدُّنْيَا قَائِمَةٌ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا بِقِوَامِهَا وَرِجَالِهَا، وَنَحْنُ مَعَ بَقَاءِ الْمَوَادِّ مِنْهَا نَرْجُو لِلْمَنْكُوبِينَ أَنْ يَسْلَمُوا وَيَسْتَبِلُّوا عَمَّا بُلُوا بِهِ.
742 - فَالْقَوْلُ الْمُجْمَلُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ نُفَصِّلَهُ: أَنَّ الْحَرَامَ إِذَا طَبَّقَ الزَّمَانَ وَأَهْلَهُ، وَلَمْ يَجِدُوا إِلَى طَلَبِ الْحَلَّالِ سَبِيلًا، فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ قَدَرَ الْحَاجَةِ، وَلَا تُشْتَرَطُ الضَّرُورَةُ الَّتِي نَرْعَاهَا فِي إِحْلَالِ الْمَيْتَةِ فِي حُقُوقِ آحَادِ النَّاسِ، بَلِ الْحَاجَةُ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً
(1/478)

تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ، فِي حَقِّ الْوَاحِدِ الْمُضْطَرِّ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ الْمُضْطَرَّ لَوْ صَابَرَ ضَرُورَتَهُ، وَلَمْ يَتَعَاطَ الْمَيْتَةَ، لَهَلَكَ. وَلَوْ صَابَرَ النَّاسُ حَاجَاتِهِمْ، وَتَعَدَّوْهَا إِلَى الضَّرُورَةِ، لَهَلَكَ النَّاسُ قَاطِبَةً، فَفِي تَعَدِّي الْكَافَّةِ الْحَاجَةَ مِنْ خَوْفِ الْهَلَاكِ، مَا فِي تَعَدِّي الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الْآحَادِ. فَافْهَمُوا، تَرْشُدُوا. .
743 - بَلْ لَوْ هَلَكَ وَاحِدٌ، لَمْ يُؤَدِّ (252) هَلَاكُهُ إِلَى خَرْمِ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَلَوْ تَعَدَّى النَّاسُ الْحَاجَةَ، لَهَلَكُوا بِالْمَسْلَكِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
وَمَا عِنْدِي أَنَّهُ يَخْفَى مَدْرَكُ الْحَقِّ الْآنَ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ عَلَى مُسْتَرْشِدٍ.
744 - فَإِذَا تَقَرَّرَ قَطْعًا أَنَّ الْمَرْعِيَّ الْحَاجَةُ، فَالْحَاجَةُ لَفْظَةٌ مُبْهَمَةٌ لَا يُضْبَطُ فِيهَا قَوْلٌ، وَالْمِقْدَارُ الَّذِي بَانَ أَنَّ الضَّرُورَةَ وَخَوْفَ الرُّوحِ لَيْسَ مَشْرُوطًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ فِي الْآحَادِ فِي إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ، وَطَعَامِ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ نَأْتِيَ بِعِبَارَةٍ عَنِ الْحَاجَةِ نَضْبُطُهَا ضَبْطَ التَّخْصِيصِ
(1/479)

وَالتَّمْيِيزِ حَتَّى تَتَمَيَّزَ تَمَيُّزَ الْمُسَمَّيَاتِ وَالْمُتَلَقَّبَاتِ، بِذِكْرِ أَسْمَائِهَا وَأَلْقَابِهَا، وَلَكِنَّ أَقْصَى الْإِمْكَانِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَيَانِ تَقْرِيبٌ وَحُسْنُ تَرْتِيبٍ، يُنَبِّهُ عَلَى الْغَرَضِ، فَنَقُولُ:
745 - لَسْنَا نَعْنِي بِالْحَاجَةِ تَشَوُّفَ النَّاسِ إِلَى الطَّعَامِ، وَتَشَوُّقَهَا إِلَيْهِ، فَرُبَّ [مُشْتَهٍ] لِشَيْءٍ لَا يَضُرُّهُ الِانْعِكَافُ عَنْهُ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّشَهِّي وَالتَّشَوُّفِ، فَالْمَرْعِيُّ إِذًا دَفْعُ الضِّرَارِ، وَاسْتِمْرَارُ النَّاسِ عَلَى مَا يُقِيمُ قُوَاهُمْ، وَرُبَّمَا يُسْتَبَانُ الشَّيْءُ بِذِكْرِ نَقِيضِهِ.
وَمِمَّا يُضْطَرُّ مُحَاوِلُ الْبَيَانِ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى مَا يَبْغِيهِ بِعِبَارَةٍ رَشِيقَةٍ، تُشْعِرُ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْحَدِّ الَّذِي يُمَيِّزُ الْمَحْدُودَ عَمَّا عَدَاهُ، وَرُبَّمَا لَا يُصَادِفُ عِبَارَةً نَاصَّةً، فَتَقْتَضِي الْحَالَةُ أَنْ يَقْتَطِعَ عَمَّا يُرِيدُ تَمْيِيزَهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ، نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَلَا يَزَالُ يَلْقُطُ أَطْرَافَ الْكَلَامِ وَيَطْوِيهَا حَتَّى يُفْضِيَ بِالتَّفْصِيلِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ.
وَهَذَا سَبِيلُنَا فِيمَا دُفِعْنَا إِلَيْهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَاجَةَ، وَهِيَ مُبْهَمَةٌ فَاقْتَطَعْنَا مِنَ الْإِبْهَامِ التَّشَوُّفَ وَالتَّشَهِّيَ الْمَحْضَ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ ضِرَارٍ
(1/480)

مِنَ الِانْكِفَافِ، وَمِمَّا نَقْطَعُهُ أَنَّ الِانْكِفَافَ عَنِ الطَّعَامِ قَدْ لَا يَسْتَعْقِبُ ضَعْفًا وَوَهْنًا حَاجِزًا عَنِ التَّقَلُّبِ فِي الْحَالِ، وَلَكِنْ إِذَا (253) تَكَرَّرَ الصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ مِنَ الْجُوعِ، أَوْرَثَ ضَعْفًا، فَلَا نُكَلِّفُ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الِامْتِنَاعِ.
746 - وَيَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا نَفَيْنَا وَأَثْبَتْنَا أَنَّ النَّاسَ يَأْخُذُونَ مَا لَوْ تَرَكُوهُ لَتَضَرَّرُوا فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ، وَالضِّرَارُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَدْرَاجِ الْكَلَامِ عَنَيْنَا بِهِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ فَسَادُ الْبِنْيَةِ، أَوْ ضَعْفٌ يَصُدُّ عَنِ التَّصَرُّفِ وَالتَّقَلُّبِ فِي أُمُورِ الْمَعَاشِ.
747 - فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَعَلْتُمُ الْمُعْتَبَرَ فِي الْفَصْلِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَنَاوِلُ؟
قُلْنَا: هَذَا سُؤَالُ [عَمٍ] عَنْ مَسَالِكِ الْمَرَاشِدِ، فَإِنَّا إِنْ أَقَمْنَا الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً مَقَامَ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ فِي اسْتِبَاحَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ فَرْضِ الِاخْتِيَارِ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُسَوِّغَ الِازْدِيَادُ مِنَ الْحَرَامِ، انْتِفَاعًا، وَتَرَفُّهًا، وَتَنَعُّمًا.
فَهَذَا مُنْتَهَى الْبَيَانِ فِي هَذَا الشَّأْنِ.
(1/481)

وَيَتَّصِلُ الْآنَ بِذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَجْنَاسِ الْمَطْعُومَاتِ، ثُمَّ إِذَا انْدَفَعْنَا فِي الْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ، وَمَا فِي مَعَانِيهَا، فَنَقُولُ:
الْأَقْوَاتُ بِجُمْلَتِهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ضَبْطِ الْمُقَدَّمِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا اللُّحُومُ.
749 - فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اكْتَفَى النَّاسُ بِالْخُبْزِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي ابْتِلَائِهِمْ بِمُلَابَسَةِ الْحَرَامِ؟
قُلْنَا: مَنْ أَحَاطَ بِمَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ، هَانَ عَلَيْهِ مَدْرَكُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّا اعْتَمَدْنَا الضِّرَارَ وَتَوَقُّعَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي انْقِطَاعِ النَّاسِ عَنِ اللُّحُومِ ضِرَارًا عَظِيمًا، يُؤَدِّي إِلَى إِنْهَاكِ الْأَنْفُسِ، وَحَلِّ الْقُوَى.
ثُمَّ إِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَلَا تَعْيِينَ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ، مَعَ فَرْضِ الْقَوْلِ فِي أَنَّ جَمِيعَهَا مُحَرَّمٌ.
فَلْيَقَعِ الْوُقُوفُ عَلَى الْمُنْتَهِي الَّذِي اعْتَبَرْنَاهُ فِي مُحَاوَلَةِ دَرْءِ الضِّرَارِ.
750 - وَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ وَالْعَقَاقِيرُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ، [فَمَنْعُ] اسْتِعْمَالِهَا مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا يَجُرُّ ضِرَارًا. وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ.
751 - فَإِنْ قِيلَ: مَا تَرَوْنَ فِي الْفَوَاكِهِ الَّتِي لَيْسَتْ (254) أَقْوَاتًا وَلَا أَدْوِيَةً؟
(1/482)

752 - قُلْنَا: مَا مِنْ صِنْفٍ مِنْهَا إِلَّا يَسُدُّ مَسَدًّا، فَلْيُعْتَبَرْ فِيهَا دَرْءُ الضِّرَارِ بِهَا، فَمَا يَدْرَأُ اسْتِعْمَالُهُ ضِرَارًا، فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْأَجْنَاسِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي صُنُوفِ الْأَطْعِمَةِ.
753 - فَأَمَّا الْمَلَابِسُ، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - مَا فِي اسْتِعْمَالِهِ دَرْءُ الضِّرَارِ، فَسَبِيلُ إِبَاحَتِهِ كَسَبِيلِ الْأَطْعِمَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي - مَا لَا يَدْرَأُ ضِرَارًا، وَلَكِنْ يَتَعَلَّقُ لُبْسُهُ بِسَتْرِ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ، أَوْ بِرِعَايَةِ الْمُرُوءَةِ.
754 - فَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِمَا يَدْفَعُ اسْتِعْمَالُهُ الضِّرَارَ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ، فَإِنَّ تَكْلِيفَ التَّعَرِّي عَظِيمُ الْوَقْعِ، وَهُوَ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنْ ضَرَرِ الْجُوعِ وَالضَّعْفِ، وَوُضُوحُ هَذَا يُغْنِي عَنِ الْإِطْنَابِ فِيهِ.
وَنَحْنُ عَلَى قَطْعٍ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ تَكْلِيفُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ التَّعَرِّي، مَعَ إِمْكَانِ السَّتْرِ.
(1/483)

755 - وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُرُوءَةِ مِنَ اللَّبْسِ، فَأَذْكُرُ قَبْلَهُ مُعْتَبِرًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِلْأَئِمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
قَالُوا: مَنْ أَفْلَسَ وَأَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ وَاقْتَضَى رَأْيُ الْقَاضِي ضَرْبَ حَجْرٍ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ غُرَمَائِهِ، فَنُبْقِي لَهُ دَسْتَ ثَوْبٍ، وَلَا نَتْرُكُهُ بِإِزَارٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ.
فَإِذَا أَبْقَوْا لَهُ إِقَامَةً لِمُرُوءَتِهِ [أَثْوَابًا] ، وَإِنْ كَانَ قَضَاءُ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ مَحْتُومًا، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَسُوغَ فِي شُمُولِ التَّحْرِيمِ لُبْسُ مَا يَتَضَمَّنُ تَرْكُ لُبْسِهِ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ. ثُمَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَنَاصِبِ وَالْمَرَاتِبِ. وَلَا يَتَبَيَّنُ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ إِلَّا بِمَزِيدِ كَشْفٍ.
756 - فَنَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ إِلَّا وَهُوَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ طَوْرَيْنِ فِي الْمِحْنَةِ وَالْمُعَافَاةِ، ثُمَّ بَيْنَ طَرَفَيْ حَالَيْهِ أَحْوَالٌ مُتَوَسِّطَةٌ، ثُمَّ لَهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ حَالَاتِهِ الَّتِي يُلَابِسُهَا اقْتِصَادٌ، وَتَوَسُّطٌ، وَاقْتِصَارٌ عَلَى الْأَقَلِّ، وَتَنَاهٍ فِي التَّحَمُّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ، لَمْ يَعُدْ خَارِمًا لِمَنْصِبِهِ، وَإِنْ طَلَبَ النِّهَايَةَ، لَمْ يَعُدْ مُسْرِفًا، وَإِنِ اقْتَصَرَ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِقْلَالِ
(1/484)

وَالْكَمَالِ، ثُمَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ الْمُفْلِسُ، يَتْرُكُ عَلَيْهِ دَسْتَ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ، وَيَكْتَفِي بِأَقَلِّ الْمَنَازِلِ مَعَ رِعَايَةِ مَنْصِبِهِ.
فَالْوَجْهُ أَنْ نَقُولَ: إِذَا عَمَّ التَّحْرِيمُ، اكْتَفَى كُلٌّ بِمَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ.
757 - فَإِنْ قِيلَ: لَوْ عَرِيَ رَجُلٌ، وَوَجَدَ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَالِكُهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًا، وَلَا يَلْبَسُ مَا لَيْسَ لَهُ.
قُلْنَا: لِأَنَّ الْمَرْعِيَّ فِي حَقِّ الْآحَادِ حَقِيقَةُ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُرْعَى فِيمَا يَعُمُّ الْكَافَّةَ الضَّرُورَةَ، بَلْ يُكْتَفَى بِحَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ.
وَالْمِقْدَارُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اللُّبْسِ فِي حُكْمِ الْحَاجَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حُكْمِ الْمُفْلِسِ.
ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي لُبْسِ الْمُرُوءَةِ مَعَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ ظَاهِرٌ فِي مَسَالِكِ الظُّنُونِ، وَلَا يَبْلُغُ الْقَوْلُ فِيهِ عِنْدِي مَبْلَغَ الْقَطْعِ.
وَالَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي الْمَطَاعِمِ مَقْطُوعٌ بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ ; فَإِنَّ النَّاسَ يَنْقَطِعُونَ بِسَبَبِ التَّعَرِّي عَنِ التَّقَلُّبِ وَالتَّصَرُّفِ، كَمَا يَمْتَنِعُونَ بِضَعْفِ الْأَبْدَانِ، وَوَهْنِ الْأَرْكَانِ عَنِ الْمَكَاسِبِ.
758 - فَهَذِهِ جُمَلٌ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ كَامِلَةٌ أَتَيْنَا فِيهَا
(1/485)

بِالْبَدَائِعِ وَالْآيَاتِ، مُقَيَّدَةً بِالْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا مُتَعَمِّقٌ فِي الْعُلُومِ مُوَفَّقٌ.
759 - فَأَمَّا الْمَسَاكِنُ، فَإِنِّي أَرَى مَسْكَنَ الرَّجُلِ مِنْ أَظْهَرِ مَا تَمَسُّ إِلَيْهِ حَاجَتُهُ، [وَالَكِنُّ] الَّذِي يُؤْوِيهِ وَعَيْلَتَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، مِمَّا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهُ.
وَهَذَا الْفَصْلُ مَفْرُوضٌ فِيهِ إِذَا عَمَّ التَّحْرِيمُ، وَلَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْأَصْقَاعِ وَالْبِقَاعِ مُتَحَوَّلًا عَنْ دِيَارِهِمْ إِلَى مَوَاضِعَ مُبَاحَةٍ، وَلِمَ يَسْتَمْكِنُوا مِنْ إِحْيَاءِ مَوَاتٍ (256) وَإِنْشَاءِ مَسَاكِنَ سِوَى مَا هُمْ سَاكِنُوهَا.
760 - فَإِنْ قِيلَ: مَا اتَّخَذْتُمُوهُ مُعْتَبَرَكُمْ فِي الْمَلَابِسِ الْمُفْلِسُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يُتْرَكُ عَلَى الْمُفْلِسِ مَسْكَنُهُ.
قُلْنَا: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ نَجِدُ كِنًّا بِأُجْرَةٍ نَزِرَةٍ، فَلْيَكْتَفِ بِذَلِكَ.
وَالَّذِي دُفِعْنَا إِلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ، فَإِنَّ الْمُجْتَنَبَ عِنْدَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ مُلَابَسَةُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَطَّرِدُ فِي الْبِقَاعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَغَيْرِهَا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ الْتِحَاقُ الْمَسَاكِنِ بِالْحَاجَاتِ، وَبَطَلَ النَّظَرُ إِلَى
(1/486)

الْمَمْلُوكِ وَالْمُسْتَأْجَرِ [لِعُمُومِ] التَّحْرِيمِ، وَلَا طَرِيقَ إِلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ.
761 - ثُمَّ يَتَعَيَّنُ الِاكْتِفَاءُ بِمِقْدَارِ الْحَاجَةِ، وَيَحْرُمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ.
فَهَذَا مَبْلَغٌ كَافٍ فِيمَا أَرَدْنَاهُ، فَإِنْ شَذَّتْ عَنَّا صُوَرٌ فِي الْفَصْلِ الْمَفْرُوضِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهَا، فَفِيمَا مَهَّدْنَاهُ بَيَانُ مَا تَرَكْنَاهُ.
762 - وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَتِمَّةِ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ إِذَا عَمَّتِ الْمُحَرَّمَاتُ، وَانْحَسَمَتِ الطُّرُقُ إِلَى الْحَلَالِ فَأَمَّا إِذَا تَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ تَحْصِيلِ مَا يَحِلُّ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَاحْتِمَالُ الْكُلِّ فِي كَسْبِ مَا يَحِلُّ، وَهَذَا فِيهِ إِذَا كَانَ مَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ مُغَنِّيًا كَافِيًا دَارِئًا لِلضَّرُورَاتِ، سَادًّا لِلْحَاجَةِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ لَا يَسُدُّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مَأْخَذًا، وَيَسُدُّ مَسَدًّا، فَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِتَحْصِيلِهِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْحَاجَةِ تُتَدَارَكُ بِمَا لَا يَحِلُّ، عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُقَدَّمِ.
763 - فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِيهِ إِذَا طَبَّقَتِ الْمُحَرَّمَاتُ طَبَقَ الْأَرْضِ، وَاسْتَوْعَبَ الْحَرَامُ طَبَقَاتِ الْأَنَامِ. فَمَا الْقَوْلُ فِيهِ إِذَا اخْتَصَّ ذَلِكَ بِنَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي؟ .
(1/487)

قُلْنَا: إِنَّ تَمَكُّنَ أَهْلِهَا مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى مَوَاضِعَ، يَقْتَدِرُونَ فِيهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْحَلَالِ، تَعَيَّنَ ذَلِكَ.
764 - فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ جَمٌّ غَفِيرٌ، وَعَدَدٌ كَبِيرٌ (257) وَلَوِ اقْتَصَرُوا عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، وَانْتَظَرُوا انْقِضَاءَ أَوْقَاتِ الضَّرُورَاتِ، لَانْقَطَعُوا عَنْ مَطَالِبِهِمْ، فَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي النَّاسِ كَافَّةً، فَلْيَأْخُذُوا أَقْدَارَ حَاجَتِهِمْ كَمَا فَصَّلْنَاهَا. فَهَذَا نِهَايَةُ الْمَطْلَبِ فِي دَارِيَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْعَظِيمَةِ.
765 - فَإِنْ قِيلَ: أَطْلَقْتُمْ تَصْوِيرَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ، فَأَبِينُوا مَا أَبْهَمْتُمُوهُ، وَأَوْضِحُوا مَا أَجْمَلْتُمُوهُ.
قُلْنَا: إِذَا اسْتَوْلَى الظَّلَمَةُ، وَتَهَجَّمَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ الْغَاشِمُونَ، وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمُ اعْتِدَاءً إِلَى أَمْلَاكِهِمْ، ثُمَّ فَرَّقُوهَا فِي الْخَلْقِ وَبَثُّوهَا، وَفَسَدَتْ مَعَ ذَلِكَ السَّاعَاتُ، وَحَادَتْ عَنْ سُنَنِ الشَّرْعِ الْمُعَامَلَاتُ، وَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى نُدُورُ الْأَقْوَاتِ، وَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ الْأَوْقَاتُ، وَامْتَدَّتِ الْفَتَرَاتُ، وَلَا خَفَاءَ بِتَصْوِيرِ مَا نُحَاوِلُهُ.
(1/488)

ثُمَّ إِذَا ظَهَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الشُّبُهَاتُ، فَإِذَا جَازَ أَخْذُ الْكِفَايَةِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، لَمْ يَخْفَ جَوَازُهُ فِي مَظَانِّ الشُّبُهَاتِ.
766 - ثُمَّ تَخْتَصُّ هَذِهِ الْحَالَةُ بِحُكْمٍ: وَهُوَ أَنَّ مَنْ صَادَفَ شَيْئًا فِي يَدِ إِنْسَانٍ، وَهُوَ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ مِلْكًا، وَمَا عَمَّ التَّحْرِيمُ فِي الزَّمَانِ، فَيَجُوزُ لِلنَّاظِرِ إِلَى مَا فِي يَدِهِ الْأَخْذُ بِكَوْنِهِ مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَحْرِيمُهُ، وَكَيْفَ لَا وَالْقَاضِي يُجْرِيهِ عَلَى مِلْكِهِ عِنْدَ فَرْضِ النِّزَاعِ، حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ لِمَنْ يَدَّعِيهِ، وَيَزْعُمُ كَوْنَ صَاحِبِ الْيَدِ مُبْطِلًا فِيهِ، وَهَذَا حُكْمُ الْجَوَازِ.
وَلَا يَخْفَى مَأْخَذُ الْوَرَعِ عَلَى مَنْ يَنْتَحِيهِ.
فَهَذَا الْفَصْلُ [الْعَظِيمُ] الْقَدْرِ الَّذِي رَأَيْنَا تَقْدِيمَهُ عَلَى الْخَوْضِ فِي غَرَضِنَا مِنَ الْعَصْرِ الَّذِي يَدْرُسُ فِيهِ الْعِلْمُ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ عَادَ بِنَا الْكَلَامُ إِلَيْهِ.
767 - فَنَقُولُ: إِذَا عَسِرَ مَدْرَكُ التَّفَاصِيلِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، فَنَتَكَلَّمُ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْأَجْنَاسِ، ثُمَّ نَتَكَلَّمُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْأَمْلَاكِ (258) ، وَحُقُوقِ النَّاسِ.
(1/489)

768 - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِيمَا يَحْرُمُ وَيَحِلُّ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ - مَا بَقِيَتْ أُصُولُ الْأَحْكَامِ - أَنَّ مَرْجِعَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كُلِّهَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَبْيَنُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، قَوْلُ اللَّهِ الْعَزِيزِ: ( {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} ) .
وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمُحْكَمَاتِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَعَارُضُ الِاحْتِمَالَاتِ ; وَطُرُقُ التَّأْوِيلَاتِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ عَلَى الْمُصْطَفَى، وَقَدِ انْطَبَقَ مَذْهَبُ مَالِكٍ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلَوْ قُلْتُ: هَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مُعْضِلَةً عَلَيَّ [فِي] مُحَاوَلَةِ الذَّبِّ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَكُنْتُ مُظْهِرًا مَا لَا أُضْمِرُهُ.
769 - فَإِذَا نُسِيَتِ الْمَذَاهِبُ فَمَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ تَحْرِيمٌ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْحِلِّ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلَّهِ حُكْمٌ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِذَا انْتَفَى دَلِيلُ التَّحْرِيمِ ثَمَّ اسْتَحَالَ الْحُكْمُ بِهِ.
(1/490)

فَإِنْ قِيلَ: كَمَا انْتَفَى الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ، انْتَفَى الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْلِيلِ.
قُلْنَا: إِذَا انْحَسَمَتْ مَسَالِكُ الْأَدِلَّةِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَمُوجَبُ انْتِفَائِهَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، وَإِذَا انْتَفَى الْحُكْمُ، الْتَحَقَ الْمُكَلَّفُونَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي تَحَقَّقَ انْتِفَاؤُهُ بِالْعُقَلَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ، لَمَا كَانَ عَلَى النَّاسِ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَجْرٌ وَحَرَجٌ، ثُمَّ إِقْدَامُهُمْ وَإِحْجَامُهُمْ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَجْرِ عَنْهُمْ يَسْتَوِيَانِ، وَمَقْصُودُ الْإِبَاحَةِ فِي الشَّرْعِ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَاسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ بِمَثَابَةِ انْتِفَاءِ الْأَحْكَامِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ.
770 - فَإِنْ قِيلَ مِنَ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَعْيَانَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلْتَبْقَ عَلَى الْحَظْرِ إِلَى أَنْ يَرِدَ مِنْ مَالِكِ الْأَعْيَانِ (259) إِطْلَاقٌ.
قُلْنَا: هَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى الْمَصِيرَ إِلَى الْحَظْرِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَى مُنْتَحِلِيهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، فَلْيَطْلُبْهُ مَنْ يُحَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ.
(1/491)

771 - وَإِنْ زَعَمَ السَّائِلُ أَنَّ مِنْ أُصُولِ شَرِيعَتِنَا أَلَّا تُنْسَى، وَإِنْ نُسِيَتِ التَّفَاصِيلُ، تَغَلَّظَ الْحَظْرُ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَذَاهِبَ فِي ذَلِكَ مُتَعَارِضَةٌ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ إِجْرَاءُ الْأَعْيَانِ عَلَى الْحَظْرِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ دِلَالَةٌ فِي الْحِلِّ.
772 - وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى التَّحْلِيلِ إِلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ.
773 - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَصْرُ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} ) الْآيَةَ.
774 - فَكَيْفَ يَكُونُ مَا قَدَّرَهُ السَّائِلُ أَصْلًا مَعَ تَعَارُضِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ؟ وَالْأَصْلُ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الْمَقْطُوعُ بِهِ؟ .
775 - فَإِذَا دَرَسَتِ الْمَذَاهِبُ، فَلَيْسَ ادِّعَاءُ الْحَظْرِ أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ
(1/492)

الْإِبَاحَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ الظُّنُونُ، انْتَفَى الْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْعِبَادَاتِ أَنَّ مَا انْتَفَى دَلِيلُ وُجُوبِهِ، لَمْ نُوجِبْهُ، وَالتَّحْرِيمُ إِذَا انْتَفَى دَلِيلُهُ كَالْوُجُوبِ إِذَا عُدِمَ دَلِيلُهُ.
776 - وَالْآنَ بَعْدَ نِجَازِ هَذَا أَقُولُ: فَاضِلُ هَذَا الزَّمَانِ مَنْ يَفْهَمُ مَدَاخِلَ هَذِهِ الْفُصُولِ وَمَخَارِجَهَا، وَيَسْتَبِينُ مَسَالِكَهَا وَمَنَاهِجَهَا، وَالْمَرْمُوقُ وَالَّذِي تُثْنِي عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ فِي الدَّهْرِ مَنْ يُحِيطُ بِشَرَفِ هَذَا الْكَلَامِ، وَيُمَيِّزُهُ عَنْ كَلَامِ بَنِي الزَّمَانِ.
وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَكَلُّفِ التَّصَلُّفِ فِي مُصَاوَلَةِ الْعُلَمَاءِ، وَمُطَاوَلَتِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا كَفَانِيهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنِّي قَدْ أَرَى فِي أَثْنَاءِ مَا أُجْرِيهِ التَّنْبِيهَ عَلَى عُلُوِّ قَدْرِ مَا يَجْرِي، حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مُطَالِعُهُ الْمُطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ فَتَنْفَلِتُ (260) عَنْهُ مَزَايَا الْفَوَائِدِ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ.
فَهَذَا بَيَانُ مَا أَرَدْنَاهُ فِي تَحْلِيلِ الْأَجْنَاسِ وَتَحْرِيمِهَا.
777 - فَأَمَّا تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي الْأَمْلَاكِ: فَالْأَمْلَاكُ مُحْتَرَمَةٌ
(1/493)

كَحُرْمَةِ مُلَّاكِهَا، وَالْقَوْلُ فِيهَا فِي مَقْصُودِ هَذَا الْكِتَابِ يَتَعَلَّقُ بِفَصْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا - فِي الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا الْمُلَّاكُ.
وَالثَّانِي - فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَمْلَاكِ.
778 - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ: فَالْأَصْلُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِيهَا اتِّبَاعُ تَرَاضِي الْمُلَّاكِ، وَالشَّاهِدُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ) .
فَالْقَاعِدَةُ الْمُعْتَبَرَةُ أَنَّ الْمُلَّاكَ مُخْتَصُّونَ بِأَمْلَاكِهِمْ، لَا يُزَاحِمُ أَحَدٌ مَالِكًا فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ، ثُمَّ الضَّرُورَةُ تُحْوِجُ مُلَّاكَ الْأَمْوَالِ التَّبَادُلَ فِيهَا ; فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَطْعِمَةِ قَدْ يَحْتَاجُونَ إِلَى النُّقُودِ، وَأَصْحَابُ النُّقُودِ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَطْعِمَةِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي سَائِرِ صُنُوفِ الْمَالِ.
779 - فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ تَحْرِيمُ التَّسَالُبِ وَالتَّغَالُبِ، وَمَدُّ الْأَيْدِي إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَإِذَا تَرَاضَوْا بِالتَّبَادُلِ فَالشَّرْعُ قَدْ يَضْرِبُ عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ ضُرُوبًا مِنَ الْحَجْرِ فِي كَيْفِيَّةِ
(1/494)

الْمُعَامَلَاتِ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ، وَطَلَبًا لِمَا هُوَ الْأَحْوَطُ وَالْأَغْبَطُ، ثُمَّ قَدْ يُعْقَلُ مَعَانِي بَعْضِهَا، وَقَدْ لَا يُعْقَلُ عِلَلُ بَعْضِهَا، وَاللَّهُ الْخَبِيرُ بِخَفَايَا لُطْفِهِ فِيهَا.
780 - ثُمَّ لَوْ تَرَاضَى الْمُلَّاكُ عَلَى تَعَدِّي الْحُدُودِ فِي الْعَقْدِ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ مَعَ التَّوَاطِي وَالتَّرَاضِي إِذَا بَقِيَتْ تَفَاصِيلُ الشَّرِيعَةِ.
فَإِذَا دَرَسَتْ [وَقَدْ] عَرَفَ بَنُو الزَّمَانِ أَنَّهُ كَانَ فِي الشَّرْعِ تَعَبُّدَاتٌ مَرْعِيَّةٌ فِي الْعُقُودِ، وَقَدْ فَاتَتْهُمْ بِانْقِرَاضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمْ لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يُوقِعُوا الْعُقُودَ مَعَ الْإِخْلَالِ بِحُدُودِ الشَّرْعِ وَتَعَبُّدَاتِهِ، عَلَى وُجُوهٍ لَوْ أَدْرَكَهَا الْمَفْتُونُ لَعَلِمُوا بِفَسَادِهَا. وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْعُقُودِ بُدٌّ. وَوُضُوحُ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ بَسْطٍ فِيهَا، فَلْيُصْدِرُوا الْعُقُودَ عَنِ التَّرَاضِي، فَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي لَا يُغْمَضُ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّرْعِ أَصْلٌ، وَلْيُجْرُوا الْعُقُودَ عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ.
781 - وَفِي تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ مَا يُعَضِّدُ هَذَا، فَإِنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ تَبَايَعَا، ثُمَّ تَنَازَعَا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا جَرَيَانَ شَرْطٍ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، فَأَنْكَرَهُ الثَّانِي، فَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ
(1/495)

أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي الْمُفْسِدَ، وَالْعَقْدُ مَحْمُولٌ عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ.
وَهَذَا مَا ذَكَرْتُهُ إِينَاسًا وَتَوْطِئَةً لِمَسَاقِ الْكَلَامِ.
وَإِلَّا فَلَا [مُعْتَضَدَ] فِي مِثْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَهْلِ زَمَانٍ دَرَسَتْ فِيهِ تَفَاصِيلُ الشَّرِيعَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ يَجُرُّ الْكَلَامَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّمَانِ الْعَرِيِّ عَنِ التَّفَاصِيلِ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَإِنَّ الْخَلْقَ مُضْطَرُّونَ إِلَى التَّعَامُلِ لَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْهُ بُدًّا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَرَامَ إِذَا طَبَّقَ طَبَقَ الْأَرْضِ، أَخَذَ النَّاسُ مِنْهُ أَقْدَارَ حَاجَاتِهِمْ، لِمَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ نُزُولِ الْحَاجَةِ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الْآحَادِ.
وَهَذَا مَعَ بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ بِتَمَامِهَا وَجُمْلَتِهَا، فَكَيْفَ إِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى [التَّعَامُلِ] ، وَلَمْ يَجِدِ الْخَلْقُ مَرْجِعًا فِي الشَّرْعِ يَلُوذُونَ بِهِ؟
782 - ثُمَّ إِذَا سَاغَتِ الْمُعَامَلَاتُ، فَلَا تَخْصِيصَ بِالْجَوَازِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ وَصِيلَةٌ إِلَى الْأَقْوَاتِ وَالْمَلَابِسِ وَنَحْوِهَا، وَمِنْهَا مَا هُوَ تَجَائِرُ، وَمَكَاسِبُ لَا سَبِيلَ إِلَى حَسْمِهَا،
783 - وَالْقَوْلُ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ تَحْرِيمُهُ مِنَ
(1/496)

الْمُعَامَلَاتِ، فَلَا حَجْرَ فِيهِ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ عِلْمِ التَّفَاصِيلِ وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي إِبَاحَةِ الْأَجْنَاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُوَضَّحًا مُفَصَّلًا.
وَهَذَا بَيَانُ الْعُقُودِ الصَّادِرَةِ عَنِ التَّرَاضِي. فَأَمَّا التَّغَالُبُ، فَلَا يَخْفَى تَحْرِيمُهُ، مَا بَقِيَتْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ.
784 - وَقَدْ (262) تَقَعُ صُورَةٌ عَوِيصَةٌ، لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِعِلْمِ التَّفْصِيلِ، مِثْلَ أَنْ يَغْصِبَ رَجُلٌ سَاجَةً، فَيُدْرِجَهَا فِي أَثْنَاءِ بِنَاءٍ لَهُ وَلَوِ انْتُزِعَ لَتَهَدَّمَ الْبِنَاءُ.
فَقَدْ يَخْطُرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّ السَّاجَةَ تُنْتَزَعُ وَتُرَدُّ إِلَى مَالِكِهَا، لِأَنَّهُ ظَالِمٌ لَمَّا غَصَبَ مِنْهُ مَلِكَهُ، وَقَدْ يَخْطُرُ لِلْآخَرِينَ أَنَّ فِي هَدْمِ بِنَاءِ الْغَاصِبِ تَخْسِيرَهُ، وَإِحْبَاطَ مِلْكِهِ، وَذُو السَّاجَةِ يَجِدُ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا، فَيَتَعَارَضُ فِي مِثْلِ هَذَا إِمْكَانُ النَّزْعِ وَتَحْرِيمُهُ، وَلَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الزَّمَانِ إِلَى الْحُكْمِ بِالظَّنِّ. وَتَرْكُ الْخُصُومَةِ نَاشِبَةً بَيْنَهُمَا، يَجُرُّ ضِرَارًا عَظِيمًا.
(1/497)

وَلَوْ قُلْنَا: يَتَوَقَّفُ فِي الْوَاقِعَةِ، فَفِي التَّوَقُّفِ اتِّبَاعُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ مَالِكِ السَّاجَةِ [وَبَيْنَهَا] وَهُوَ تَنْجِيزُ مُرَادِ الْغَاصِبِ الْبَانِي.
785 - فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحَالَةُ أَنْ يَغْرَمَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ لِصَاحِبِ السَّاجَةِ قِيمَتَهَا، فَإِنَّ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ عَلَى ظَنٍّ أَنَّ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مُحَالٌ، مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِ الْعِوَضِ، وَرَدُّ عَيْنِ السَّاجَةِ مَظْنُونٌ، وَ [لَا] سَبِيلَ إِلَى بِنَاءِ الْأَمْرِ عَلَى الظُّنُونِ مَعَ عَدَمِ الْمُفْتِينَ، وَانْحِسَامِ الطُّرُقِ إِلَى دَرْكِ مَذَاهِبِهِمْ.
فَلْيَتَّخِذِ الْفَطِنُ مَا ذَكَرْنَاهُ مُعْتَبَرًا فِي أَمْثَالِ مَا نَصَصْنَا عَلَيْهِ.
786 - وَإِنْ أَشْكَلَتْ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ أَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مُحَرَّمٌ أَمْ لَا؟ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَخْذَ الْحَاجَةِ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ إِذَا عَمَّتْ سَائِغٌ مَعَ اسْتِقْلَالِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ، فَمَا الظَّنُّ وَالزَّمَانُ خَالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّفَاصِيلِ؟ .
787 - وَيَجُوزُ الِازْدِيَادُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُشْتَبِهَاتِ ; فَإِنَّ أَهْلَ الزَّمَانِ لَمْ يَسْتَيْقِنُوا تَحْرِيمًا فِي الزَّائِدِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ تَمَهَّدَ أَنَّ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ، فَلَا حَرَجَ
(1/498)

فِيهِ فِي الزَّمَانِ الشَّاغِرِ عَنْ حَمَلَةِ الْعُلُومِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ (263) فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَقْصِدِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ.
788 - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْوَالِ، فَالْمَسْلَكُ الْوَجِيزُ فِيهِ أَنَّ الْحُقُوقَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُفْرَضُ لِمُسْتَحِقِّينَ مُخْتَصِّينَ، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ:
فَأَمَّا مَا يُقَدَّرُ لِأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، كَالنَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا، فَمَا عُلِمَ فِي الزَّمَانِ وُجُوبُهُ حُكِمَ بِهِ، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ بَنُو الزَّمَانِ لُزُومَهُ، فَالْأَمْرُ يَجْرِي فِيهِ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
789 - وَأَنَا الْآنَ أَضْرِبُ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرْعِ مَثَلَيْنِ يَقْضِي الْفَطِنُ الْعَجَبَ مِنْهُمَا، وَغَرَضِي بِإِيرَادِهِمَا تَنْبِيهُ الْقَرَائِحِ لِدَرْكِ الْمَسْلَكِ الَّذِي مَهَّدْتُهُ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي، وَلَسْتُ أَقْصِدُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا، فَإِنَّ الزَّمَانَ إِذَا فُرِضَ خَالِيًا عَنِ التَّفَارِيعِ وَالتَّفَاصِيلِ، لَمْ يَسْتَنِدْ أَهْلُ الزَّمَانِ إِلَّا إِلَى مَقْطُوعٍ بِهِ، فَالَّذِي أَذْكُرُهُ مِنْ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ فِي تَفَاصِيلِ الظُّنُونِ.
فَالْمَثَلَانِ: أَحَدُهُمَا - فِي الْإِبَاحَةِ، وَالثَّانِي - فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
790 - فَأَمَّا مَا أَضْرِبُهُ فِي الْمُبَاحَاتِ مَثَلًا، فَأَقُولُ:
(1/499)

الصُّيُودُ مُبَاحَةٌ، وَلَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ، فَلَوِ اخْتَلَطَ بِهَا صُيُودٌ مَمْلُوكَةٌ، وَالْتَبَسَ الْأَمْرُ، فَمَا مِنْ صَيْدٍ يَقْتَنِصُهُ الْمَرْءُ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ يَدُهُ الصَّيْدَ الْمَمْلُوكَ.
ثُمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاصْطِيَادَ لَا يَحْرُمُ، لِأَنَّ مَا حَلَّ مِنَ الصُّيُودِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَالْمُخْتَلِطُ بِهِ مَحْصُورٌ مُتَنَاهٍ.
791 - وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ، وَلَا حَجْرَ لَا يَتَنَاهَى، وَإِنَّمَا الْمَعْدُودُ الْمَحْدُودُ مَا يَحْرُمُ، فَإِذَا الْتَبَسَ عَلَى بَنِي الزَّمَانِ أَعْيَانُ الْمُحَرَّمَاتِ وَهِيَ مَضْبُوطَةٌ [لَمْ يَحْرُمْ] عَلَيْهِمْ مَالَا يَتَنَاهَى.
792 -[وَأَمَّا] الَّذِي أَضْرِبُهُ مَثَلًا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَأَقُولُ: لَوْ عَلِمَ رَجُلٌ أَنَّ لِإِنْسَانٍ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَالْتَبَسَ عَيْنُ ذَلِكِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ الْتِبَاسًا لَا يُتَوَقَّعُ ارْتِفَاعُهُ، فَمَنِ ادَّعَى مِنْ آحَادِ النَّاسِ مَعَ اطِّرَادِ الِالْتِبَاسِ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى (264) عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ شَيْءٌ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بَارَّةً، إِذْ لَوْ مَنَعْنَاهُ مِنَ الْيَمِينِ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى النُّكُولِ وَغَرَّمْنَاهُ الْمُدَّعَى، فَقَدْ يَدَّعِي عَلَيْهِ آخَرُ ذَلِكَ الدَّيْنَ.
قَائِلًا: إِنَّ الْأَوَّلَ كَانَ مُبْطِلًا، وَأَنَا
(1/500)

ذُو الْحَقِّ، ثُمَّ يَطَّرِدُ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَالِاسْتِمْسَاكُ بِالْبَرَاءَةِ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا لَا يَنْحَصِرُونَ، فَتَغْلِيبُ مَا [انْتَفَتِ] النِّهَايَةُ عَنْهُ أَحْرَى.
793 - وَالَّذِي يُعَضِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أُخْتٌ مُحَرَّمَةٌ مِنَ الرِّضَاعِ مَثَلًا، وَقَدِ اخْتَلَطَتْ بِنِسْوَةٍ لَا يَنْحَصِرُونَ عِنْدَهَا، فَلِلرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ مِنْهُنَّ مَنْ شَاءَ.
وَهَذَا أَبْدَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّحْرِيمَ مُغَلَّبٌ فِي الْأَبْضَاعِ.
794 - وَإِذَا تَقَابَلَ فِي امْرَأَةٍ سَبَبَا تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى الثَّانِي، فَالْحُرْمَةُ مُغَلَّبَةٌ فِي الْبُضْعِ عَلَى وَضْعِ الشَّرْعِ، وَمَعَ هَذَا [أَبَحْنَا لِلَّذِي] خَفِيَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ، وَاخْتَلَطَتْ بِنِسْوَةٍ غَيْرِ مُنْحَصِرَاتٍ عِنْدَنَا أَنْ يَنْكِحَ مِنْهُنَّ مَنْ يَشَاءُ، عَلَى شَرْطِ الشَّرْعِ.
فَوَجَبَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مُوجَبَ تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ النَّظَرُ إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ يَخْتَلِطَ بِهِ مَا يَتَنَاهَى.
(1/501)

795 - وَمِمَّا يَسْتَتِمُّ بِهِ هَذَا الْكَلَامُ إِذْ لَابَسْنَاهُ، أَنَّهُ إِذَا انْتَقَلَتْ حَمَامَاتُ بَلْدَةٍ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى، وَاخْتَلَطَتْ بِحَمَامٍ [مُبَاحٍ] فَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِاصْطِيَادُ بِسَبَبِ هَذَا الِاخْتِلَاطِ.
796 - وَإِنْ فُرِضَ اخْتِلَاطُ مَا لَا يَتَنَاهَى عِنْدَنَا بِمَا لَا يَتَنَاهَى، فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتُهُ مَحْفُوظًا عِنْدَ أَهْلِ الزَّمَانِ بَنَوْا عَلَيْهِ مَا سَبَقَ مِنْ حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، عِنْدَ تَخَيُّلِ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِيقَانٍ، وَكَذَلِكَ يَنْبَنِي الْأَمْرُ عَلَى الْحَلِّ وَرَفْعِ الْحَرَجِ، فِيمَا لَا يُسْتَيْقَنُ فِيهِ تَحْرِيمٌ.
797 - وَإِنْ عَرِيَ الزَّمَانُ عَنِ الْإِحَاطَةِ (265) بِمَا ذَكَرْتُهُ فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ نَفْيُ الْوُجُوبِ، فِيمَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ [عَلَى وُجُوبِهِ، وَارْتِفَاعُ الْحَرَجِ فِيمَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ حَظْرٌ] فَإِذًا هَذَا مُسْتَبِينٌ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ [نُسِيَ] مَا قَدَّمْتُهُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ [فِي] الِاخْتِلَاطِ.
798 - فَهَذَا آخِرُ مَا حَاوَلْنَاهُ الْآنَ فِي تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ لِمُعَيَّنِينَ بِأَمْوَالِ النَّاسِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
(1/502)

799 - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَقَدْ أَحَلْنَا عَلَى هَذَا طَرَفًا مِنَ الْكَلَامِ فِي الزَّكَاةِ، فَنَقُولُ فِيهِ:
إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ مَفْرُوضَةً فِي بَقَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي الْأَذْكَارِ فَالْجِهَاتُ الْعَامَّةُ يَبْقَى الْعِلْمُ بِأَصْلِهَا شَائِعًا مُسْتَفِيضًا [ذَائِعًا] ، وَإِنْ فُرِضَ دُرُوسُ الذِّكْرِ فِيهِ، فَتَكُونُ سَائِرُ الْأُصُولِ دَارِسَةً عَنِ الْأَذْكَارِ، وَالْأَفْكَارِ أَيْضًا، وَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ حِينَئِذٍ فِيمَا لَا يُتَصَوَّرُ دُرُوسُهُ. وَالْكَلَامُ فِي بَقَاءِ الْأُصُولِ.
800 - فَالْوَاجِبُ إِنْقَاذُ الْمُشْرِفِينَ عَلَى الرَّدَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا فُرِضَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُسْلِمِينَ مَضْرُورٌ فِي مَخْمَصَةٍ، أَوْ جِهَةٍ أُخْرَى مِنْ جِهَاتِ الضَّرُورَةِ، وَاسْتَمْكَنَ الْمُثْرُونَ الْمُوسِرُونَ مِنْ إِنْقَاذِهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَى الْجُمْلَةِ.
801 - ثُمَّ يُدْرَكُ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ وَرَاءَ ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ، فَقَدْ أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنِ الْبَاقِينَ. وَالثَّانِي - أَنَّ الْمُوسِرِينَ بِأَجْمَعِهِمْ لَوْ تَوَاكَلُوا وَتَخَاذَلُوا [وَأَحَالَ]
(1/503)

الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ، حَتَّى هَلَكَ الْمُضْطَرُّ، حَرِجُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ; إِذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِالِانْتِسَابِ إِلَى التَّضْيِيعِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ عَمَّهُمُ الْعِلْمُ، وَالتَّمَكُّنُ مِنَ الْكِفَايَةِ.
وَهَذَا الَّذِي فَصَّلْنَاهُ مَعْنَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ.
802 - فَإِذَا هَذَا النَّوْعُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْوَالِ عَلَى حُكْمِ الْكِفَايَةِ، [فَكُلُّ مَا] عُلِمَ فِي الزَّمَانِ الْمَفْرُوضِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - نُحِيَ بِهِ نَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكُلُّ مَا أَشْكَلَ وُجُوبُهُ (266) فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي حُقُوقِ الْأَشْخَاصِ الْمُعَيَّنِينَ.
803 - فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَقْصُودِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْلَاكِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَالْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.
وَأَذْكُرُ الْآنَ فَصْلًا فِي الْمَوَارِيثِ حَتَّى يَتِمَّ الْكَلَامُ فِي فَنِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

[فَصْلٌ في المواريث]
[فَصْلٌ]
804 - نَقَلَ النَّقَلَةُ فِي مَأْثُورِ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنَّهَا تُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ
(1/504)

يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» " وَالْعِلْمُ بِالْفَرَائِضِ فِي هَذَا الزَّمَانِ غَضٌّ طَرِيٌّ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفَحْوَى الْحَدِيثِ مُبَشِّرَةٌ بِبَقَاءِ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ فِي عَصْرِنَا فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي.
805 - فَلَوْ أَعْضَلَتْ تَفَاصِيلُ الْفَرَائِضِ، وَهَذَا [يَعْسُرُ] مَعَ بَقَاءِ الذِّكْرِ فِي الْأُصُولِ، فَإِنْ [فُرِضَ] دُرُوسٌ فِي التَّفَاصِيلِ، فَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَسَاقِ الْكَلَامِ الَّذِي نُجْرِيهِ صِنْفَانِ:
806 - أَحَدُهُمَا - فِيهِ إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ مُخْتَصِّينَ بِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ وَرَثَةٌ، وَلَكِنْ أَشْكَلَ مِقْدَارُ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ، فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ، أَنَّهُمُ إِذَا اصْطَلَحُوا وَتَرَاضَوْا عَلَى أَمْرٍ، نَفَذَ مَا تَرَاضَوْا بِهِ.
وَإِنْ أَبَوْا وَتَمَانَعُوا، فَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُمْ مَعَ الْتِبَاسِ الْحَالِ مُتَسَاوُونَ، وَلَا مَطْمَعَ فِي ارْتِفَاعِ اللَّبْسِ مَعَ انْقِرَاضِ الْعُلَمَاءِ
(1/505)

وَلَا وَجْهَ لِتَبْقِيَةِ النِّزَاعِ بَيْنَهُمْ، مَعَ مَسِيسِ حَاجَتِهِمْ فَاقْتَضَى مَجْمُوعُ ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ.
وَنَحْنُ نَضْرِبُ لِذَلِكَ مَثَلًا مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ لِلْإِينَاسِ وَالتَّشْبِيهِ بِحَالِ الِالْتِبَاسِ، فَنَقُولُ:
807 - لَوْ أَبْهَمَ الرَّجُلُ طَلْقَةً مُبِينَةً بَيْنَ نِسْوَةٍ لَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَإِنَّا نَقِفُ لَهُنَّ مِيرَاثَ زَوْجَةٍ ثُمَّ سَبِيلُهُنَّ فِيمَا وَقَفَ لَهُنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنَ الِاصْطِلَاحِ أَوِ التَّسْوِيَةِ (267) وَهَذَا يُنَاظِرُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ.
808 - وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَخَلَّفَ طَائِفَةً مِنَ الْأَقَارِبِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَحْجُوبُونَ، وَقَدَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَاسْتَوَوْا فِي هَذَا التَّرَدُّدِ، وَتَحَقَّقُوا أَنَّهُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ، أَوْ فِيهِمُ الْمُسْتَحِقُّونَ، فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الِاصْطِلَاحُ، أَوِ التَّسْوِيَةُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. فَهَذَا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ.
809 - وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ
(1/506)

مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَفِيهِمْ مَنْ نَشُكُّ فِي أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَمْ لَا فَمَنْ لَا يَعْلَمُ قَطْعًا لِنَفْسِهِ اسْتِحْقَاقًا لَا نُثْبِتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَقْتَضِيهِ.
فَالَّذِي نَعْلَمُ كَوْنَهُ مُسْتَحِقًّا إِنْ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ أَمْ يَسْتَحِقُّ الرَّجُلُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ؟ فَالَّذِي نَسْتَيْقِنُ اسْتِحْقَاقَهُ يَأْخُذُهُ هُوَ وَصَاحِبُهُ فِي الْبَاقِي مُتَسَاوِيَانِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَا يَعْدُوهُمَا، فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَلَوْ لَمْ يَدْرِ مَنْ يَعْلَمُ أَصْلَ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُسْتَيْقَنَ كَمْ ; فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ الْقَلِيلِ، وَجُوِّزَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَكَانَ قَدْ دَرَسَتِ الْفَرَائِضُ وَالْمُقَدَّرَاتُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، إِذْ لَا مِقْدَارَ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَيْقِنُ أَقَلَّ مِنْهُ فَجَمِيعُ الْمَالِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ الْمُقَدَّمِ فِيهِ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِجَمِيعِ التَّرِكَةِ.
810 - وَلَوْ خَلَّفَ قَرِيبًا، وَجَوَّزَ أَهْلُ الزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا مُسْتَغْرِقًا، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مَصْرُوفًا إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ،
(1/507)

فَهَذِهِ الْجِهَةُ مَعَ الْوَارِثِ بِمَثَابَةِ قَرِيبَيْنِ الْتَبَسَ الْوَارِثُ مِنْهُمَا، فَلْتَجْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلُ عَلَى (268) قَاعِدَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا - طَلَبُ الِاسْتِيقَانِ. وَالْأُخْرَى -[أَنَّ] الِاسْتِحْقَاقَ إِذَا دَارَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَوْ أَشْخَاصٍ وَكَانَ لَا يَعْدُوهُمْ الِاسْتِحْقَاقُ، وَاسْتَوَوْا فِي جِهَاتِ الْإِمْكَانِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْبَيَانِ الْمُقَدَّمِ.
811 - وَنَحْنُ نَخْتِمُ هَذَا الْفَصْلَ الْآنَ بِمُشْكِلَةٍ عَجِيبَةٍ، وَمُعْضِلَةٍ غَرِيبَةٍ، نُورِدُهَا فِي مَعْرِضِ السُّؤَالِ، وَنُبَيِّنُ الْغَرَضَ [مِنْهَا] فِي مَعْرِضِ الِانْفِصَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ بَنَيْتُمْ فُصُولَ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى مُسْتَنَدَاتٍ مُسْتَيْقَنَةٍ، وَكَرَّرْتُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الظُّنُونَ لَا يَرْتَبِطُ فِي خُلُوِّ الدَّهْرِ عَنْ حَمْلَةِ الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ، فَإِنَّ ظُنُونَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَحْزَابِ الْعُلَمَاءِ لَا وَقْعَ لَهَا، وَصِرْتُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ إِلَّا بِقَطْعٍ، وَقَدْ نَاقَضْتُمُ الْآنَ مَا هُوَ قُطْبُ الْكَلَامِ، وَقَاعِدَةُ الْمَرَامِ، إِذْ قُلْتُمْ إِذَا دَارَتِ التَّرِكَةُ الْمُخَلَّفَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَجُوِّزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا مُسْتَغْرِقًا وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا مَزْحُومًا مَحْرُومًا، فَالتَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ
(1/508)

وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى اسْتِيقَانٍ فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
812 - فَهَلَّا قُلْتُمْ بِنَاءً عَلَى الْيَقِينِ: لَا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ؟ مِنْ حَيْثُ لَا يَرْكَنُ إِلَى قَطْعٍ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى اسْتِوَائِهِمَا، وَإِشْعَارُ ذَلِكَ بِتَوْزِيعِ التَّرِكَةِ عَلَيْهِمَا مِنْ أَدَقِّ مَسَالِكِ الظُّنُونِ، وَأَغْمَضِ فُنُونِ الْمُجْتَهَدَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ إِلَّا فَطِنٌ رَيَّانُ مِنْ عُلُومِ التَّفَاصِيلِ فِي التَّكَالِيفِ.
وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ مَبْنَاهَا عَلَى دُرُوسِ الْعِلْمِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَفُصُولِهَا مَعَ بَقَاءِ قَوَاعِدِهَا وَأُصُولِهَا؟ فَهَذَا هُوَ السُّؤَالُ.
813 - وَسَبِيلُ الِانْفِصَالِ عَنْهُ أَنْ نَعْتَرِفَ أَوَّلًا بِانْتِفَاءِ الْيَقِينِ كَمَا أَوْضَحَهُ السَّائِلُ، ثُمَّ نَعْتَرِفُ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنَ الرَّجُلَيْنِ غَيْرُ مُسْتَيْقِنٍ اسْتِحْقَاقَ (269) نَفْسِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ:
814 - مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي آلَ إِلَيْهِ مَجَامِعُ الْكَلَامِ أَنَّهُ: إِذَا لَمْ يُسْتَيْقَنْ حَجْرٌ وَحَظْرٌ مِنَ الشَّارِعِ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ تَحْرِيمٌ فِي
(1/509)

خُلُوِّ الزَّمَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اسْتِحْقَاقًا، فَلَيْسَ نَعْلَمُ أَيْضًا حَجْرًا عَلَيْهِ فِيمَا يَأْخُذُهُ، وَقَدْ تَحَقَّقْنَا أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَعْدُوهُمَا، فَعَدَمُ الِاسْتِيقَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ يُعَارِضُهُ انْتِفَاءُ الدَّلِيلِ فِي الْحَظْرِ، وَمُوجَبُ ذَلِكَ رَفْعُ الْحَجْرِ وَالْحَرَجِ.
فَإِنِ اقْتَسَمَا عَلَى اصْطِلَاحٍ وَتَرَاضٍ، فَلَا إِشْكَالَ فِي انْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنْهُمَا، وَإِنْ تَنَازَعَا وَالنِّزَاعُ مَقْطُوعٌ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ - فَلَا مَسْلَكَ قَطْعًا فِي قَطْعِهِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَلْيُنْعِمِ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمُنْتَهَى نَظَرَهُ، فَفِيهِ بَيَانُ بَقَايَا تَرَكْتُهَا لِكُلِّ غَوَّاصِ مُنْتَهٍ، وَنَتَائِجُ الْقَرَائِحِ لَا تَنْتَهِي.
815 - فَإِنْ قِيلَ: لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى هَذِهِ الدَّقَائِقِ إِلَّا مُدَرَّبٌ فِي مَأْخَذِ الْحَقَائِقِ، فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ بَنُو الزَّمَانِ الشَّاغِرِ عَنْ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ؟
قُلْنَا: إِنْ ثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُسْتَنَدُهُ الْقَطْعُ، فَعَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي دَرْكِهِ، فَإِذَا فَرَضْنَا بَقَاءَ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ،
(1/510)

فَمِنْ أَجْلَاهَا عِلْمُ بَنِي الزَّمَانِ بِأَنَّ مَا يُتَصَوَّرُ الْوُصُولُ إِلَى الِاسْتِيقَانِ فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَتَعَيَّنُ التَّوَصُّلُ إِلَيْهِ.
816 - وَرُبَّ شَيْءٍ مَدْرَكُهُ الْقَطْعُ، وَفِي دَرْكِهِ عُسْرٌ وَعَنَاءٌ، وَهَذَا كَالْقَوْلِ فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، فَإِنَّا إِذَا أَوْجَبْنَا الْعِلْمَ بِهَا فَقَدْ يَدِقُّ مَدْرَكُهَا، وَيَتَوَعَّرُ مَسْلَكُهَا، وَلَكِنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُسْتَدْرَكَةً بِأَسَالِيبِ الْعُقُولِ تَعَيَّنَ السَّعْيُ فِي إِدْرَاكِهَا.
817 - فَهَذَا نِهَايَةُ الْمَقْصُودِ فِي الْمَكَاسِبِ. وَمَنْ أَحَاطَ بِهَا، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَسْلَكٌ يُطَالِعُ بِهِ، وَيُرَاجِعُ فِيهِ فِي جِهَاتِ الْمُطَالِبِ، وَفُنُونِ الْمَكَاسِبِ.

[الْقَوْلُ فِي الْمُنَاكَحَاتِ]
فَأَمَّا: الْقَوْلُ فِي الْمُنَاكَحَاتِ
818 - فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْأَقْوَاتِ، فَإِنَّ بِهَا بَقَاءَ النَّوْعِ، كَمَا بِالْأَقْوَاتِ (270) بَقَاءُ النُّفُوسِ.
وَالنِّكَاحُ هُوَ الْمُغْنِي عَنِ السِّفَاحِ، وَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ - مَعَ بَقَاءِ الْعِلْمِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ إِلَى الْمُنْتَهَى الَّذِي يُبَاحُ فِي مِثْلِهِ الْمَيْتَاتُ فِي أَمْرِ الْوِقَاعِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى ذَوِي الْمَكِنَةِ وَالْيَسَارِ،
(1/511)

وَأَصْحَابِ الِاقْتِدَارِ، أَنْ يُعِفُّوا الْفُقَرَاءَ الْمُتَعَزِّبِينَ، وَإِنِ اشْتَدَّتْ غُلْمَتُهُمْ، [وَظَهَرَ] تَوَقَانُهُمْ.
وَلَكِنْ مَعَ هَذَا التَّنْبِيهِ، الْمَنَاكِحُ فِي حَقِّ النَّاسِ عَامَّةً فِي حُكْمِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُمُومَ الْحَاجَةِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ كَافَّةً، كَالضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ. فَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ رَأَيْنَا تَقْدِيمَهَا.
819 - وَأَوَّلُ مَا نَفْتَتِحُهُ بِنَاءً عَلَيْهَا، أَنَّهُ إِذَا أَشْكَلَ فِي الزَّمَانِ الشَّرَائِطُ الْمَرْعِيَّةُ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَأْمَنْ كُلُّ مَنْ يُحَاوِلُ نِكَاحًا أَنَّهُ يُخِلُّ بِشَرْطٍ مُعْتَبَرٍ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، فَلَا تَحْرُمُ الْمَنَاكِحُ بِتَوَقُّعِ ذَلِكَ ; فَإِنَّا لَوْ حَرَّمْنَاهَا، لَحَسَمْنَاهَا، وَلَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، لَتَسَبَّبْنَا إِلَى قَطْعِ النَّسْلِ، وَإِفْنَاءِ النَّوْعِ، ثُمَّ لَا تَعِفُّ النُّفُوسُ عَمُومًا، فَتَسْتَرْسِلُ فِي السِّفَاحِ، إِذَا صُدَّتْ عَنِ النِّكَاحِ.
وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِ إِذَا عَمَّتِ الشُّبُهَاتُ، أَوْ طَبَّقَتِ الْمُحَرَّمَاتُ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ.
820 - وَلَكِنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ التَّرَاضِي،
(1/512)

وَالْمَنْعُ مِنَ التَّغَالُبِ وَالتَّسَالُبُ، فَلَئِنْ قَامَتْ تَعَبُّدَاتٌ فِي تَفَاصِيلِ الْمُعَامَلَاتِ، فَاعْتِبَارُ التَّرَاضِي مَعْلُومٌ، لَا يُنْكَرُ مَا بَقِيَتِ الْأُصُولُ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْآنَ الْأَصْلَ الْمُعْتَبَرَ فِي النِّكَاحِ، فَنَقُولُ:
821 - لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي التَّمْيِيزِ أَنَّ الرِّضَا الْمُجَرَّدَ لَا يَقَعُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ وَلَوْ أَقْنَعَ الرِّضَا لَكَانَ كُلُّ سِفَاحٍ بَيْنَ مُقْدِمٍ عَلَيْهِ، وَمُمَكِّنَةٍ مُطَاوِعَةٍ نِكَاحًا مُبَاحًا.
فَمِمَّا لَا يَكَادُ يَخْفَى اعْتِبَارُهُ صُورَةُ الْعَقْدِ وَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (271) ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ، فَمِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَصْلِهِ وَتَفْصِيلِهِ.
فَمَا غَمُضَ أَمْرُهُ [عَلَى] أَهْلِ الزَّمَانِ، وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَكِنَّهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ لَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يَكُونُوا مُخِلِّينَ بِشَرْطِ الْعَقْدِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَرْكِهِ، فَهَذَا الظَّنُّ غَيْرُ ضَائِرٍ.
822 - وَإِنْ تَعَيَّنَ لَهُمْ شَيْءٌ، وَتَرَدَّدُوا فِي اشْتِرَاطِهِ، كَالْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ، فَقَدْ تَعَارَضَ هَاهُنَا ظَنَّانِ:
(1/513)

أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ شَرْطٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ.
وَالثَّانِي - أَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْأَبْضَاعِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا بِثَبْتٍ وَتَحْقِيقٍ.
823 - وَلَكِنْ لَا مُعَوِّلَ عَلَى الظَّنِّ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّا نَرَى الْآنَ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ اسْتِبَاحَةَ الْأَنْكِحَةِ فِي مَجَالِ الظُّنُونِ وَالِاجْتِهَادِ.
وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا التَّعَارُضَ لَا يَثْبُتُ عِلْمًا، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ عِلْمٌ بِاشْتِرَاطِ شَيْءٍ لَمْ يُشْتَرَطْ. وَهَذَا لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ تَصْحِيحُ النِّكَاحِ، لَمْ نَحْكُمْ بِهِ، فَإِنَّا لَوْ شَرَطْنَا فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ الْعِلْمَ بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ، وَاشْتِمَالَهُ عَلَى الشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ، وَعُرُوَّهُ عَنِ الْمُفْسِدَاتِ، لَمَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ [نِكَاحٍ] أَصْلًا مَعَ دُرُوسِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ.
824 - وَمِمَّا لَا تَخْفَى رِعَايَتُهُ فِي النِّكَاحِ خُلُوُّ الْمَرْأَةِ عَنْ نِكَاحِ الْغَيْرِ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الرَّحِمِ عَلَى مَاءٍ مُحْتَرَمٍ، فَإِنَّ الْغَرَضَ الْأَظْهَرَ
(1/514)

فِي إِحْلَالِ النِّكَاحِ، وَتَحْرِيمِ السَّفَّاحِ أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ بَعْلٍ بِزَوْجَتِهِ وَلَا يَزْدَحِمَ نَاكِحَانِ عَلَى امْرَأَةٍ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ.
825 - وَأَمَّا أَمْرُ الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فِي الْعَصْرِ - وَهُوَ الْغَالِبُ مَا بَقِيَتِ الْأُصُولُ - فَيُرَاعَى فِي النِّكَاحِ الْخُلُوُّ عَنِ الْعِدَّةِ.
وَإِنِ اشْتَبَهَ عَلَى بَنِي الزَّمَانِ تَفَاصِيلُ الْعِدَدِ فَلَا يَكَادُ يَخْفَى اعْتِبَارُ ظُهُورِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ عَنِ النَّاكِحِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بِحَيْضِهِ ; وَلَمْ يَعْلَمْ بَنُو الدَّهْرِ اعْتِبَارَ الْعِدَدِ فِي الْأَقْرَاءِ، أَوْ مُضِيَّ زَمَنٍ لَوْ كَانَ حَمْلٌ لَظَهَرَ مَخَايِلُهُ، وَحَسِبَ النَّاسُ أَنَّ النِّكَاحَ (272) يَحِلُّ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا تَحْرِيمَهُ، فَهَذَا يَلْتَحِقُ بِإِيرَادِهِمْ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَدَّدُونَ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ، مِنْ جِهَةِ مُفْسِدٍ مُقْتَرِنٍ أَوْ إِخْلَالٍ بِشَرْطٍ فَالْوَجْهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ.
826 - فَأَمَّا إِذَا طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ طَارِئٌ، وَكَانَ حُكْمُهُ مَحْفُوظًا، فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ غَمُضَ، فَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ قَاطِعٌ لِلنِّكَاحِ أَمْ لَا، فَالَّذِي
(1/515)

يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ إِلَى اسْتِيقَانِ ارْتِفَاعِهِ، وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ حُكْمٌ مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ، أَنَّ مَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَطَلَّقَ أَمْ لَا، [أَوِ] اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا أَمْ لَا، فَالنِّكَاحُ مُسْتَدَامٌ مُسْتَصْحِبٌ وِفَاقًا.
827 - وَلَسْتُ أَسْتَدِلُّ بِهَذَا ; فَإِنَّ الْقَوْلَ مُصَوَّرٌ لِي فِي غُمُوضِ التَّفَاصِيلِ، فَلَا يَبْقَى شَاهِدٌ مِنَ التَّفَارِيعِ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي عَنْ ذِكْرِهَا.
وَلَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَالْأَمْرُ يَجْرِي عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ.
وَقَدْ كَرَّرْتُ هَذَا مِرَارًا مُحَاوِلًا الْإِينَاسَ بِهِ. وَالْكَلَامُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا ذُكِرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَدْ يَتَعَدَّاهُ النَّاظِرُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ عَلَى تَدَبُّرِهِ، فَتَفُوتُهُ الْفَائِدَةُ، وَإِذَا تَكَرَّرَ اسْتَبَانَ اعْتِنَاءُ مُكَرِّرِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى اتِّئَادٍ فِي الْبَحْثِ عَنْ مَغْزَاهُ وَمُقْتَضَاهُ.
فَهَذَا آخِرُ الْمَقْصُودِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَنْكِحَةِ وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا.

[قول جامع في الزواجر والسياسات]
وَقَدْ بَقِيَ مِنْ [تَمَامِ] الْكَلَامِ قَوْلٌ جَامِعٌ كُلِّيٌّ فِي الزَّوَاجِرِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيَالَةِ، فَنَقُولُ:
(1/516)

لَا يَكَادُ يَخْفَى جَوَازُ دَفْعِ الظَّلَمَةِ، وَإِنِ انْتَهَى الدَّفْعُ إِلَى شَهْرِ الْأَسْلِحَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَجْلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، دَفْعُ الْمُعْتَدِينَ بِأَقْصَى الْإِمْكَانِ عَنْ الِاعْتِدَاءِ وَلَوْ ثَارَتْ فِيهِ زَائِغَةٌ عَنِ الرَّشَادِ، وَآثَرُوا السَّعْيَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا قَهْرًا، وَلَمْ يَدْفَعُوا قَسْرًا، لَاسْتَجْرَأَ الظَّلَمَةُ، وَلَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ. وَهَذَا يُغْنِي ظُهُورُهُ عَنِ الْإِمْعَانِ فِي الْبَيَانِ.
829 - فَأَمَّا إِذَا اعْتَدَى الْمُعْتَدُونَ، وَظَفِرْنَا بِهِمْ، فَأُصُولُ الْحُدُودِ لَا تَخْفَى مَا بَقِيَتْ شَرِيعَةُ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَالْكَلَامُ الضَّابِطُ فِيهَا أَنَّ كُلَّ حَدٍّ اسْتَيْقَنَهُ أَهْلُ الْعَصْرِ أَقَامَهُ وُلَاةُ الْأَمْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ الْقَوْلُ الشَّافِي الْبَالِغُ فِي أَحْكَامِ الْوُلَاةِ.
فَإِذَا شَكَّ بَنُو الزَّمَانِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، لَمْ يُقِيمُوهُ أَصْلًا، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَهُوَ إِذَنْ مَظْنُونٌ وَكَانَ فِي مَحَلِّ التَّحَرِّي، إِذَا كَانَتِ التَّفَاصِيلُ مَذْكُورَةً مَحْفُوظَةً.
فَإِذَا عَدِمَ أَهْلُ الزَّمَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُقَلِّدُونَ مِنْ تَقْدِيمِ إِمَامٍ عَلَى
(1/517)

إِمَامٍ، فَقَدِ اسْتَوَى عِنْدَهُمُ الظَّنَّانِ، وَتَعَارَضَ الْمَذْهَبَانِ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى ظُنُونِ الْعَوَامِّ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْهُجُومِ عَلَى إِقَامَةِ الْعُقُوبَاتِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ مَعَ التَّرَدُّدِ.
830 - وَلَوْ وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ فِي حَدٍّ مَعَ بَقَاءِ الْفُرُوعِ، وَاسْتَوَى فِي ظَنِّ الْمُفْتِي إِيجَابُ الْحَدِّ وَنَفْيُهُ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الظَّنَّيْنِ عَلَى الثَّانِي، فَلَا يُفْتَى بِالْحَدِّ أَصْلًا، فَحُكْمُ أَهْلِ الزَّمَانِ الْخَالِي عَنْ عِلْمِ التَّفَاصِيلِ يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى.
831 - وَمِمَّا يَلِيقُ بِذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا زَنَى رَجُلٌ، وَعُلِمَ أَنَّهُ اسْتَوْجَبَ الْحَدَّ، وَلَكِنْ لَمْ يُدْرَ أَمُحْصَنٌ هُوَ فَيُرْجَمُ؟ أَوْ بِكْرٌ فَيُجْلَدُ؟ فَلَا سَبِيلَ مَعَ الْإِشْكَالِ إِلَى رَجْمِهِ. فَأَمَّا الْجَلْدُ فَلَا يَجُوزُ جَلْدُ الْمُحْصَنِ كَمَا لَا يَجُوزُ رَجْمُ الْبِكْرِ، إِذْ لَا تَبَادُلَ فِي الْحُدُودِ.
فَالْوَجْهُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ أَنْ لَا يُحَدَّ أَصْلًا ; فَإِنَّا شَكَكْنَا فِي أَنَّ الْجَلْدَ هَلْ يَسُوغُ إِقَامَتُهُ أَمْ لَا، وَالْعُقُوبَةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا لَا تُقَامُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي دُفِعْنَا إِلَى الْكَلَامِ فِيهِ.
(1/518)

832 - فَإِنْ قِيلَ: لَوْ زَنَى مُحْصَنٌ وَاسْتَوْجَبَ الرَّجْمَ، وَالشَّرِيعَةُ بِمَائِهَا (274) وَالْعُلَمَاءُ مُتَوَافِرُونَ وَحَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ مُسْتَقِلُّونَ بِضَبْطِ التَّفَاصِيلِ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْصَنَ بِالسِّيَاطِ، وَيُحِلَّهَا مَحَلَّ الْأَحْجَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجَوَّزَ ذَلِكَ.
وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ، فَلْيُجْلَدْ مَنِ اعْتَاصَ الْأَمْرُ فِي رَجْمِهِ وَجَلْدِهِ.
فَإِنْ كَانَ مَرْجُومًا، فَقَدِ اقْتُصِرَ عَلَى بَعْضِ مَا يَسْتَحِقُّ، وَإِنْ كَانَ مَجْلُودًا فَقَدْ أُقِيمُ عَلَيْهِ [حَقُّهُ] كَمَلًا.
833 - قُلْنَا: لَسْنَا نَرَى أَوَّلًا إِقَامَةَ السِّيَاطِ مَقَامَ الْأَحْجَارِ، فَإِنَّ الْحُدُودَ لَا يَتَغَيَّرُ كَيْفِيَّاتُهَا وَلَا تُبَدَّلُ آلَاتُهَا.
ثُمَّ إِنِ انْتَهَى مُجْتَهِدٌ إِلَى تَجْوِيزِ مَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ، فَهُوَ مِنْ دَقِيقِ الْقَوْلِ فِي أَسَالِيبِ الظُّنُونِ، فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ أَهْلُ الزَّمَانِ الشَّاغِرِ عَنْ عُلَمَاءِ التَّفَاصِيلِ؟ .
834 - نَجَزَ الْكَلَامُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، وَقَدْ قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا أُمُورًا بَدِيعَةً، لَا يُدْرِكُ عُلُوَّ قَدْرِهَا إِلَّا الْفَطِنُ الْغَوَّاصُ
(1/519)

وَ [مَنْ] هُوَ مِنْ أَخَصِّ الْخَوَاصِّ، وَكُنْتُ قَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَذْكُرَ فِي كُلِّ كِتَابٍ وَبَابٍ فُصُولًا، وَأُمَهِّدَ أُصُولًا، ثُمَّ رَأَيْتُ الِاكْتِفَاءَ بِهَذِهِ اللُّمَعِ ; إِذْ وَجَدْتُهَا تُرْشِدُ إِلَى مَسَالِكِ الْكَلَامِ فِي الْأُصُولِ [جُمَعَ] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَسُرُّ الطَّالِبَ إِلَّا التَّنْبِيهَ عَلَى الْأُصُولِ، لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا.
835 - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ بَنَيْتُمْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ عَلَى خُلُوِّ أَهْلِ الزَّمَانِ عَنْ ذِكْرِ التَّفَاصِيلِ، وَالَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مِمَّا يَغْمُضُ عَلَى مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ فِي الدَّهْرِ، فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ أَهْلُ زَمَانٍ فَاتَتْهُمْ تَفْرِيعَاتُ الشَّرِيعَةِ وَتَفَاصِيلُهَا؟ فَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَنْ، وَالشَّرِيعَةُ مَحْفُوظَةٌ، فَإِذَا دَرَسَتْ فُرُوعُهَا، وَلَمْ يَسْتَقِلَّ النَّاسُ بِهَا، لَمْ يَفْهَمْهَا الْعَوَامُّ، فَهَذَا الْكَلَامُ إِذَنْ لَا يُجْدِي وَلَا يُفِيدُ عَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فِي الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ؟
836 - قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَيْسَ خَالِيًا عَنْ فَوَائِدَ جَمَّةٍ مَعَ بَقَاءِ الْعُلُومِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَفِيهَا (275) التَّنْبِيهُ عَلَى مَأْخَذِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَمَنْ أَحْكَمَهُ تَفَتَّحَتْ قَرِيحَتُهُ فِي مَبَاحِثِ الْمَعَانِي، وَعَرَفَ الْقَوَاعِدَ
(1/520)

وَالْمَبَانِيَ، وَرَقَى إِلَى مَرْقًى عَظِيمٍ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ لَا يُدْرِكُهُ الْمُتَقَاعِدُ الْوَانِي، [وَطُرُقُ] الْمَبَاحِثِ لَا تَتَهَذَّبُ إِلَّا بِفَرْضِ التَّقْدِيرَاتِ قَبْلَ وُقُوعِهَا وَالِاحْتِوَاءِ عَلَى جُمَلِهَا، وَمَجْمُوعِهَا.
فَهَذَا جَوَابٌ. وَلَسْتُ أَرْتَضِيهِ ; فَإِنِّي لَمْ أَجْمَعْ هَذَا الْكَلَامَ لِهَذَا الْغَرَضِ.
837 - فَالْجَوَابُ السَّدِيدُ أَنِّي وَضَعْتُ [هَذَا] الْكِتَابَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَإِنِّي تَخَيَّلْتُ انْحِلَالَ الشَّرِيعَةِ، وَانْقِرَاضَ حَمَلَتِهَا، وَرَغْبَةَ النَّاسِ عَنْ طَلَبِهَا، وَإِضْرَابَ الْخَلْقِ عَنِ الِاهْتِمَامِ بِهَا، وَعَايَنْتُ فِي عَهْدِي الْأَئِمَّةَ يَنْقَرِضُونَ وَلَا يُخْلَفُونَ، وَالْمُتَّسِمُونَ بِالطَّلَبِ يَرْضَوْنَ بِالِاسْتِطْرَافِ، وَيَقْنَعُونَ بِالْأَطْرَافِ وَغَايَةُ مَطْلَبِهِمْ مَسَائِلُ خِلَافِيَّةٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، أَوْ فُصُولٌ مُلَفَّقَةٌ، وَكَلِمٌ مُرْتَقَةٌ فِي الْمَوَاعِظِ يَسْتَعْطِفُونَ بِهَا قُلُوبَ الْعَوَامِّ وَالْهَمَجِ الطَّغَامِ.
فَعَلِمْتُ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ تَمَادَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَانْقَرَضَ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ عَلَى قُرْبٍ وَكَثَبٍ، وَلَا تَخْلُفُهُمْ إِلَّا التَّصَانِيفُ وَالْكُتُبُ. ثُمَّ لَا يَسْتَقِلُّ بِكُتُبِ
(1/521)

الشَّرِيعَةِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَاخْتِلَافِهَا مُسْتَقِلٌّ بِالْمُطَالَعَةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةٍ مَعَ مُرْشِدٍ، وَسُؤَالٍ عَنْ عَالِمٍ مُسَدَّدٍ.
فَجَمَعْتُ هَذِهِ الْفُصُولَ، وَأَمَّلْتُ أَنْ يَشِيعَ مِنْهَا نَسْخٌ فِي الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ، فَلَوْ عَثَرَ عَلَيْهَا بَنُو الزَّمَانِ لَأَوْشَكَ أَنْ يُفْهِمُوهَا لِأَنَّهَا قَوَاطِعُ ثُمَّ ارْتَجَيْتُ أَنْ يَتَّخِذُوهَا مَلَاذَهُمْ وَمَعَاذَهُمْ، فَيُحِيطُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَالِيفِ فِي زَمَانِهِمْ وَيَتَحَفَّظُونَهُ لِصِغَرِ حَجْمِهِ وَاتِّسَاقِ نَظْمِهِ.
فَهَذَا مَا قَصَدْتُ. فَإِنَّ تَحْقِيقَ ظَنِّي فَهُوَ الْفَوْزُ الْأَكْبَرُ، وَإِلَّا فَالْخَيْرَ أَرَدْتُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(1/522)

[الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ الْبَابُ الرَّابِعُ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ]
الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ
(الْبَابُ الرَّابِعُ) فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
838 - قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ إِذَا دَرَسَتِ الْعُلُومُ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ (وَبَقِيَتْ أُصُولُهَا فِي الذِّكْرِ، وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تَقْدِيرُ دُرُوسِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنْ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ ; فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تَبْقَى مَحْفُوظَةً عَلَى مَمَرِّ الدُّهُورِ، إِلَى نَفْخَةِ الصُّوَرِ، وَاسْتَمْسَكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ) .
839 - وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ غَيْرُ مَرَضِيَّةٍ، وَالْآيَةُ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ عَنِ التَّحْرِيفِ، وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّصْرِيفِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي انْطِوَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَانْطِمَاسِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَانْدِرَاسِ مَعَالِمِ الْأَحْكَامِ، بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «سَيُقْبَضُ الْعِلْمُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الرَّجُلَانِ فِي فَرِيضَةٍ، وَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَعْرِفُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا» ".
(1/523)

فَالْقَوْلُ الْمُرْتَضَى فِي ذَلِكَ أَنَّ دُرُوسَ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ فِي الْآمَادِ الدَّانِيَةِ، فَإِنِ انْقَرَضَ عُمُرُ الدُّنْيَا فِي مُطَّرِدِ الْعُرْفِ، وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ فِي الْأَعْصَارِ الْقَرِيبَةِ.
فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَنُ، فَلَا يَبْعُدُ فِي مُطَّرَدِ الْعُرْفِ انْمِحَاقُ الشَّرِيعَةِ أَصْلًا أَصْلًا، حَتَّى تَدْرُسَ بِالْكُلِّيَّةِ وَعَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ [تُبْتَدَأُ] الْأُمُورُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ، وَتَزِيدُ حَتَّى تَبْلُغَ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ تَنْحَطُّ وَتَنْدَرِسُ، حَتَّى تَنْقَضِيَ وَتَنْصَرِمَ كَأَنْ لَمْ تُعْهَدْ.
841 - فَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ قَدَّمْنَا عَلَى غَرَضِنَا مِنْ ذَلِكَ صُورَةً. وَهِيَ أَنَّ طَائِفَةً فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْجَزَائِرِ، لَوْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَلَاحَتْ عِنْدَهُمْ دِلَالَةُ النُّبُوَّةِ، فَاعْتَرَفُوا بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَسْتَمْكِنُوا مِنَ [الْمَسِيرِ] إِلَى عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، فَالْعُقُولُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَقِّ لَا تَقْتَضِي (277)
(1/524)

التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا فِي مَدْرَكِ قَضَايَا التَّكْلِيفِ تَعْوِيلٌ.
842 - وَهَذَا الْأَصْلُ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَامِّ وَهُوَ مَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ، وَمَضَلَّةُ مُعْظَمِ الْأَنَامِ، وَلَوْ أَوْغَلْتُ فِيهَا لَأَرْبَى مَفَاتِيحُ الْكَلَامِ فِي حَوَاشِيهَا عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ الْكِتَابِ، فَالْوَجْهُ الِاكْتِفَاءُ بِنَقْلِ [الْمَذَاهِبِ] ، وَإِحَالَةِ مَنْ يُحَاوِلُ الْوُقُوفَ عَلَى [مَضَائِقِ] الْحَقَائِقِ [عَلَى] بَحْرِ الْكَلَامِ.
843 - فَمِقْدَارُ الْغَرَضِ فِيهِ الْآنَ أَنَّ الَّذِينَ فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِيهِمْ لَا يَلْزَمُهُمْ إِلَّا اعْتِقَادٌ بِالتَّوْحِيدِ، وَنُبُوَّةُ النَّبِيِّ الْمُبْتَعَثِ، وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَيْهِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ مَهْمَا صَادَفُوا أَسْبَابَ الْإِمْكَانِ، وَلَسْنَا نُنْكِرُ أَنَّ عُقُولَهُمْ تَسْتَحِثُّهُمْ فِي قَضِيَّاتِ الْجِبِلَّاتِ عَلَى الِانْكِفَافِ [عَنْ] مُقْتَضَيَاتِ الرَّدَى، وَالِانْصِرَافِ عَنْ
(1/525)

مُوجِبَاتِ [الْتَّوَى] وَلَكِنَّا لَا نَقْضِي بِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُوجَبُ عُقُولِهِمْ.
844 - فَنَنْعَطِفُ الْآنَ عَلَى غَرَضِنَا، وَنَقُولُ: إِذَا دَرَسَتْ فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولُهَا، وَلَمْ يَبْقَ مُعْتَصِمٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ، انْقَطَعَتِ التَّكَالِيفُ عَنِ الْعِبَادِ، وَالْتَحَقَتْ أَحْوَالُهُمْ بِأَحْوَالِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ دَعْوَةٌ، وَلَمْ تُنَطْ بِهِمْ شَرِيعَةٌ.
845 - وَإِنَّمَا جَعَلْتُ هَذَا الْفَصْلَ مُنْقَطِعَ الْكَلَامِ، لِأَنِّي افْتَتَحْتُ بِاسْمِ مَوْلَانَا نَضَّرَ اللَّهُ أَيَّامَهُ، وَأَسْبَغَ عَلَى سَاحَتِهِ السَّامِيَةِ أَنْعَامَهُ، كِتَابًا مَضْمُونُهُ ذِكْرُ مَدَارِكِ الْعُقُولِ، سَأَنْخُلُ فِيهَا ثَمَرَاتِ الْأَلْبَابِ، وَأَنْتَزِعُ مِنْ مُلْتَطِمِ الشُّبُهَاتِ صَفْوَةَ اللُّبَابِ، وَأَتْرُكُهُ عِبْرَةً فِي ارْتِبَاكِ الْمُشْكِلَاتِ، وَاشْتِبَاكِ الْمُعْضِلَاتِ، فَصَارَ مَا قَطَعْتُ عَلَيْهِ الْكَلَامَ [مُتَقَاضِيًا] مَا [افْتَتَحْتُهُ] وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِتْمَامِ.
846 - وَقَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى مَا أَرَدْتُ ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَبَلَغْتُ
(1/526)

كُنْهَ مَا اعْتَمَدْتُهُ [مِنْ] تَفْصِيلِ الْأَبْوَابِ، وَعَرَضْتُهُ فِي مَعْرِضِ الْبَرَاعَةِ (278) وَجَلَوْتُهُ فِي حُلَلِ النَّصَاعَةِ، وَرَفَعْتُ مَخْطُوبَةً فِي كَرَمِ الْمَنَاصِبِ [وَالْمَنَاسِبِ] ، إِلَى أَرْفَعِ خَاطِبٍ، فَوَافَقَ شَنٌّ طَبَقَهُ وَصَادَفَ الْإِثْمِدُ الْحَدَقَةَ، وَاحْتَازَ الْفَرِيدُ الْفَرِيدَ، وَأَحْرَزَ ذُو التَّاجِ الْإِقْلِيدَ.
فَأَطَالَ اللَّهُ مَنْ أَعْلَى مَنَازِلَ الْإِيَالَةِ بَقَاهُ، وَأَعْلَى إِلَى أَبْعَدِ غَايَاتِ الْجَلَالَةِ ارْتَقَاهُ، مَا طَلَعَ فَجْرٌ، وَزَخَرَ بَحْرٌ، وَدَارَ فَلَكٌ، وَسَبَّحَ مَلَكٌ، وَاخْتَلَفَ الْجَدِيدَانِ، وَاعْتَقَبَ الْمَلَوَانِ، فَهُوَ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُتَفَضِّلُ بِالِامْتِنَانِ [وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. الْمَبْعُوثِ بِأَفْضَلِ الْأَدْيَانِ] .
(1/527)

نَجَزَ الْكِتَابَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ وَذَلِكَ فِي ثَالِثَ عَشْرَةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ. . . وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ. رَحِمَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا لِكَاتِبِهِ وَلِقَارِئِهِ، وَمَنْ قَالَ آمِينَ.
بَلَغَتْ مُطَالَعَةً وَإِصْلَاحًا مَعَ مُرَاجَعَةِ الْأَصْلِ، فَصَحَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ، كَتَبَهُ خَلِيلُ بْنُ الْعَلَائِيِّ الشَّافِعِيُّ وَفَرَغَ مِنْهُ فِي تَاسِعِ شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعَةٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَمَاهُ اللَّهُ.
(1/528)