Advertisement

الاختيار لتعليل المختار 001



الكتاب: الاختيار لتعليل المختار
المؤلف: عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل الحنفي (المتوفى: 683هـ)
عليها تعليقات: الشيخ محمود أبو دقيقة (من علماء الحنفية ومدرس بكلية أصول الدين سابقا)
الناشر: مطبعة الحلبي - القاهرة (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت، وغيرها)
تاريخ النشر: 1356 هـ - 1937 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«المختار للفتوى» لابن مودود الموصلي بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرحه للمؤلف نفسه [مقدمة المؤلف]
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
[حَدِيثٌ شَرِيفٌ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى جَزِيلِ نَعْمَائِهِ، أَحْمَدُهُ عَلَى جَلِيلِ آلَائِهِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى جَمِيلِ بَلَائِهِ، وَأَشْهَدُ - أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ شَهَادَةً أُعِدُّهَا لِيَوْمِ لِقَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ رُسُلِهِ، وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وَأَصْحَابِهِ وَأَصْفِيَائِهِ - وَأَحْمَدُهُ عَلَى أَنْ جَعَلَنِي مِمَّنْ سَلَكَ سُنَنَ سُنَّتِهِ وَاقْتَفَاهُ، وَوَرَدَ شَرِيعَةَ شَرْعِهِ فَرَوَّاهُ، حَمْدَ مَنْ غَمَرَتْهُ نِعَمُهُ وَعَمَّتْهُ عَطَايَاهُ.
وَبَعْدُ: فَقَدْ رَغِبَ إِلَيَّ مَنْ وَجَبَ جَوَابُهُ عَلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ لَهُ مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَرْضَاهُ - مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِ، مُعْتَمِدًا فِيهِ عَلَى فَتْوَاهُ، فَجَمَعْتُ لَهُ هَذَا الْمُخْتَصَرَ كَمَا طَلَبَهُ وَتَوَخَّاهُ، وَسَمَّيْتُهُ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ لَنَا دِينًا قَوِيمًا، وَهَدَانَا إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا، حَمْدَ مَنْ عَمَّتْهُ رَحْمَتُهُ وَإِفْضَالُهُ، وَغَمَرَتْهُ أَعْطِيَتُهُ وَنَوَالُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً أَسْتَزِيدُ بِهَا وُفُورَ نِعَمِهِ، وَأَسْتَرْفِدُ بِهَا وُفُورَ كَرَمِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي جَمَعَ بِمَبْعَثِهِ شَمْلَ الْحَقِّ بَعْدَ تَفَرُّقِهِ، وَقَمَعَ بِرِسَالَتِهِ حِزْبَ الْبَاطِلِ بَعْدَ تَطَوُّقِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِمُ الَّذِينَ سَلَكُوا سَنَنَ سُنَنِهِ وَصَوَابِهِ.
(1/5)

الْمُخْتَارَ لِلْفَتْوَى لِأَنَّهُ اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَارْتَضَاهُ.
وَلَمَّا حَفِظَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَاشْتَهَرَ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ بَيْنَهُمْ وَانْتَشَرَ، طَلَبَ مِنِّي بَعْضُ أَوْلَادِ بَنِي أَخِي النُّجَبَاءِ أَنْ أَرْمِزَهُ رُمُوزًا يُعْرَفُ بِهَا مَذَاهِبُ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ، لِتَكْثُرَ فَائِدَتُهُ، وَتَعُمَّ عَائِدَتُهُ، فَأَجَبْتُهُ إِلَى طَلَبِهِ، وَبَادَرْتُ إِلَى تَحْصِيلِ بُغْيَتِهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ وَاسْتَخَرْتُهُ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْهِ، وَجَعَلْتُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسَمَاءِ الْفُقَهَاءِ حَرْفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَهِيَ:
لِأَبِي يُوسُفَ (س) وَلِمُحَمَّدٍ (م) وَلَهُمَا (سم) وَلِزُفَرَ (ز) وَلِلشَّافِعِيِّ (ف) وَاللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهِ، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ عِنْدَ اخْتِتَامِهِ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَبَعْدُ: فَكُنْتُ جَمَعْتُ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِي مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ لِبَعْضِ الْمُبْتَدِئِينَ مِنْ أَصْحَابِي. وَسَمَّيْتُهُ بِـ " الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى " اخْتَرْتُ فِيهِ قَوْلَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إِذْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ وَالْأَوْلَى، فَلَمَّا تَدَاوَلَتْهُ أَيْدِي الْعُلَمَاءِ، وَاشْتَغَلَ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ طَلَبُوا مِنِّي أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا أُشِيرُ فِيهِ إِلَى عِلَلِ مَسَائِلِهِ وَمَعَانِيهَا، وَأُبَيِّنُ صُوَرَهَا وَأُنَبِّهُ عَلَى مَبَانِيهَا، وَأَذْكُرُ فُرُوعًا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا وَيُعْتَمَدُ فِي النَّقْلِ عَلَيْهَا، وَأَنْقُلُ فِيهِ مَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْخِلَافِ، وَأُعَلِّلُهُ مُتَوَخِّيًا مُوجِزًا فِيهِ الْإِنْصَافَ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْهِ، وَشَرَعْتُ فِيهِ، مُسْتَعِينًا بِهِ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ، وَسَمَّيْتُهُ:
الِاخْتِيَارَ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ
وَزِدْتُ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَمِنَ الرِّوَايَاتِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْفَتْوَى، يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا الْمُبْتَدِئُ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْمُنْتَهِي.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَسْأَلُهُ أَنْ يُوَفِّقَنِي لِلْإِتْمَامِ وَالْإِصَابَةِ، وَيَرْزُقَنِيَ الْمَغْفِرَةَ وَالْإِنَابَةَ، إِنَّهُ قَدِيرٌ عَلَى ذَلِكَ وَجَدِيرٌ بِالْإِجَابَةِ، وَهُوَ حَسْبِي، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
(1/6)

كِتَابُ الطَّهَارَةِ مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَلْيَتَوَضَّأْ.

فَرَائِضُ الْوُضُوءِ وَفَرْضُهُ: غَسْلُ الْوَجْهِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ (ز) ، وَمَسْحُ رُبُعِ (ف) الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ (ز) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ النَّظَافَةِ، وَفِي الشَّرْعِ: النَّظَافَةُ عَنِ النَّجَاسَاتِ.
وَالْوُضُوءُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْوَضَاءَةِ: وَهُوَ الْحُسْنُ.
وَفِي الشَّرْعِ: الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ، وَفِيهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، لِأَنَّهُ يُحَسِّنُ بِهِ الْأَعْضَاءَ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ، فَالْغَسْلُ: هُوَ الْإِسَالَةُ، وَالْمَسْحُ: الْإِصَابَةُ.
وَسَبَبُ فَرْضِيَّةِ الْوُضُوءِ إِرَادَةُ الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ.

[فَرَائِضُ الْوُضُوءِ]
وَفَرْضُهُ: غَسْلُ الْوَجْهِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ لِمَا تَلَوْنَا، فَالْوَجْهُ: مَا يُوَاجَهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ إِلَى أَسْفَلِ الذَّقْنِ طُولًا، وَمَا بَيْنَ شَحْمَتَيِ الْأُذُنَيْنِ عَرْضًا، وَسَقَطَ غَسْلُ بَاطِنِ الْعَيْنَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَخَوْفِ الضَّرَرِ بِهِمَا، وَبِهِ تَسْقُطُ الطَّهَارَةَ، وَيَجِبُ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَجْهِ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ بَعْدَ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ لِسُقُوطِ غَسْلِ مَا تَحْتَ الْعِذَارِ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ. قُلْنَا سَقَطَ ذَلِكَ لِلْحَائِلِ وَلَا حَائِلَ هُنَا.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلُ الْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ فِي الْغَسْلِ لِأَنَّ إِلَى لِلْغَايَةِ. قُلْنَا: وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] فَتَكُونُ مُجْمَلَةً، وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ مُفَسِّرَةً لَهَا، فَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مَرَافِقِهِ» ، وَرَأَى رَجُلًا تَوَضَّأَ وَلَمْ يُوصِلِ الْمَاءَ إِلَى كَعْبَيْهِ فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» وَأَمَرَهُ بِغَسْلِهِمَا ". وَكَذَا الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، تَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْجَمِيعِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَتَحْتَمِلُ إِرَادَةَ مَا تَنَاوَلَهُ اسْمُ الْمَسْحِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَتَحْتَمِلُ إِرَادَةَ بَعْضِهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُنَا، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» ، فَكَانَ بَيَانًا لِلْآيَةِ وَحُجَّةً عَلَيْهِمَا، وَالْمُخْتَارُ فِي مِقْدَارِ النَّاصِيَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ الرُّبُعُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ بِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غَسْلًا، وَالْمَأْمُورُ بِهِ الْمَسْحُ.
(1/7)

وَسُنَنُ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ ثَلَاثًا قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ لِمَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَائِهِ، وَالسِّوَاكُ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ (ف) ، وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ، وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[سُنَنُ الْوُضُوءِ]
قَالَ: (وَسُنَنُ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ ثَلَاثًا قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ لِمَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ) لِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنْ كَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا يَرْفَعُهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَيَصُبُّ عَلَى الْيُمْنَى، ثُمَّ بِالْيُمْنَى فَيَصُبُّ عَلَى الْيُسْرَى، لِتَقَعَ الْبَدَاءَةُ بِالْيُمْنَى كَمَا هُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا يُدْخِلُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةً دُونَ الْكَفِّ، وَيَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِذَلِكَ، وَلَا يَكْتَفِي بِدُونِ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ.
قَالَ: (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَائِهِ) لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ طَهُورًا لِمَا أَصَابَ الْمَاءُ» .
قَالَ: (وَالسِّوَاكُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ بِالسِّوَاكِ» قَالُوا: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
قَالَ: (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ.
قَالَ: (وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِجَمِيعِ رَأْسِهِ» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، فَيَكُونُ فَرْضًا، وَيَكُونُ مَسْحُ الْجَمِيعِ سُنَّةً. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ.
قَالَ: (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي لِحْيَتِهِ كَأَنَّهَا أَسْنَانُ الْمُشْطِ» وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا ; لِأَنَّ السُّنَّةَ إِكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَبَاطِنُ اللِّحْيَةِ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ.
قَالَ: (وَ) تَخْلِيلُ (الْأَصَابِعِ) لِأَنَّهُ إِكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ، وَلِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ» قَالَ: (وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) فَالْوَاحِدَةُ فَرْضٌ، وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ، وَالثَّالِثَةُ دُونَهَا فِي الْفَضِيلَةِ، وَقِيلَ: الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ، وَالثَّالِثَةُ إِكْمَالُ السُّنَّةِ، وَأَصْلُهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَوَضَّأَ ثَلَاثًا
(1/8)

وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوُضُوءِ النِّيَّةُ (ف) وَالتَّرْتِيبُ وَالتَّيَامُنُ وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ.

فَصْلٌ وَيَنْقُضُهُ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وَمِنْ غَيْرِ (ف) السَّبِيلَيْنِ إِنْ كَانَ نَجِسًا، وَسَالَ عَنْ رَأَسِ الْجُرْحِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» . وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا وَقَالَ: هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوُضُوءِ النِّيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ) لِيَقَعَ قُرْبَةً وَلِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ الْمُوَالَاةُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ بِغَيْرِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَرْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] الْآيَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِهَا، وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ بِحَرْفِ الْوَاوِ، وَإِنَّهَا لِلْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ نَقْلًا عَنِ السِّيرَافِيِّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ لِأَنَّهُ رَاجِحٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا سُنَّتَانِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمَا.
(وَالتَّيَامُنُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ» .
(وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ) قِيلَ: سُنَّةٌ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي وُضُوئِهِ بِغَيْرِهِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِثَوَابِهِ وَأَخْلَصَ لِعِبَادَتِهِ وَيُصَلِّي بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ» .

[فَصْلٌ نَوَاقِضُ الْوُضُوء]
فَصْلٌ (وَيَنْقُضُهُ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وَمِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ إِنْ كَانَ نَجِسًا وَسَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] وَالْغَائِطُ حَقِيقَةً الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَتُهُ مُرَادَةً فَيُجْعَلُ مَجَازًا عَنِ الْأَمْرِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُحْوِجُ إِلَيْهِ لِتُفْعَلَ فِيهِ تَسَتُّرًا عَنِ النَّاسِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ، حَتَّى لَوْ جَاءَ مِنَ الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِجْمَاعًا، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ» الْحَدِيثَ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ» وَعَدَّ مِنْهَا الْقَيْءَ مَلْءَ الْفَمِ، وَالدَّمَ السَّائِلَ، وَالْقَهْقَهَةَ، وَالنَّوْمَ.
وَيُشْتَرَطُ السَّيَلَانُ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ ; لِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ جِلْدَةٍ دَمًا وَرُطُوبَةً، فَمَا لَمْ يَسِلْ يَكُونُ بَادِيًا لَا خَارِجًا بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ ; لِأَنَّهُ مَتَى ظَهَرَ يَكُونُ
(1/9)

وَالْقَيْءُ مِلْءَ (ز) الْفَمِ، وَإِنْ قَاءَ دَمًا أَوْ قَيْحًا نَقَضَ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأِ الْفَمَ (م) ، وَإِذَا اخْتَلَطَ الدَّمُ بِالْبُصَاقِ إِنْ غَلَبَهُ نَقَضَ، وَيَنْقُضُهُ النَّوْمُ مُضْطَجِعًا، وَكَذَلِكَ الْمُتَّكِئُ وَالْمُسْتَنِدُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ، وَالنَّوْمُ قَائِمًا (ف) وَرَاكِعًا (ف) وَسَاجِدًا (ف) وَقَاعِدًا (ف) وَمَسُّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَكَذَا مَسُّ الذَّكَرِ (ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مُنْتَقِلًا فَيَكُونُ خَارِجًا.
قَالَ: (وَالْقَيْءُ مِلْءَ الْفَمِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُهُ إِمْسَاكُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ، وَإِنْ قَاءَ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَلَوْ جَمَعَ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، فَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَغَيْرِهَا، وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ اتِّحَادَ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى اتِّحَادِهِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَنْقُضُ الْقَلِيلُ أَيْضًا كَالْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وَقَدْ مَرَّ جَوَابُهُ، وَلَا يَنْقُضُ إِذَا قَاءَ بَلْغَمًا وَإِنْ مَلَأَ الْفَمَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ مِنَ الْجَوْفِ نَقَضَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ فَأَشْبَهَ الصَّفْرَاءَ، قُلْنَا: الْبَلْغَمُ طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُهُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ النَّازِلُ مِنَ الرَّأْسِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ لِلُزُوجَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ، وَبَقِيَ مَا يُجَاوِرُهُ مِنَ النَّجَاسَةِ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ غَيْرُ نَاقِضٍ بِخِلَافِ الصَّفْرَاءِ فَإِنَّهَا تُمَازِجُهَا.
(وَإِنْ قَاءَ دَمًا أَوْ قَيْحًا نَقَضَ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأِ الْفَمَ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَمْلَأِ الْفَمَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَخْلَاطِ. قُلْنَا: الْمَعِدَةُ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلدَّمِ، وَالْقَيْحُ إِنَّمَا يَسِيلُ إِلَيْهَا مِنْ قُرْحَةٍ أَوْ جُرْحٍ، فَإِذَا خَرَجَ فَقَدْ سَالَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَيَنْقُضُ حَتَّى لَوْ قَاءَ عَلَقًا لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَمْلَأِ الْفَمَ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الْمَعِدَةِ، هَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(وَإِذَا اخْتَلَطَ الدَّمُ بِالْبُصَاقِ إِنْ غَلَبَهُ نَقَضَ) حُكْمًا لِلْغَالِبِ، وَكَذَا إِذَا تَسَاوَيَا احْتِيَاطًا وَإِنْ غَلَبَ الْبُصَاقُ لَا ; لِأَنَّ الْقَلِيلَ مُسْتَهْلَكٌ فِي الْكَثِيرِ فَيَصِيرُ عَدَمًا.
قَالَ: (وَيَنْقُضُهُ النَّوْمُ مُضْطَجِعًا لِمَا رَوَيْنَا، وَكَذَلِكَ الْمُتَّكِئُ وَالْمُسْتَنِدُ) لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ انْحَلَّ الْوِكَاءُ» قَالَ: (وَالْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ) لِأَنَّهُمَا أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الْمَسْكَةِ مِنَ النَّوْمِ ; لِأَنَّ النَّائِمَ يَسْتَيْقِظُ بِالِانْتِبَاهِ، وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا.
قَالَ: (وَالنَّوْمُ قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا وَقَاعِدًا) لَا يَنْقُضُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ قَاعِدًا، إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» .
قَالَ: (وَمَسُّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ، وَالْآيَةُ مُتَعَارِضَةُ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الْمُرَادُ بِاللَّمْسِ الْجِمَاعُ، وَقَدْ تَأَكَّدَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَكَذَا مَسُّ الذَّكَرِ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ: هَلْ فِي مَسِّ
(1/10)

وَالْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ تَنْقُضُ (ف) .

فَصْلٌ فَرْضُ الْغُسْلِ: الْمَضْمَضَةُ (ف) ، وَالِاسْتِنْشَاقُ (ف) ، وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الذَّكَرِ وُضُوءٌ؟ قَالَ: لَا، هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ» نَفَى الْوُضُوءَ، وَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ وَمَا رُوِيَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» طَعَنَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
قَالَ: (وَالْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ تَنْقُضُ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا» ، وَأَنَّهُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ كَامِلَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا لِوُرُودِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ حَتَّى لَوْ ضَحِكَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالْقَهْقَهَةُ أَنْ يَسْمَعَهَا جَارُهُ، وَحُكْمُهَا انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا، وَالضَّحِكُ أَنْ يَسْمَعَهَا هُوَ لَا غَيْرَ، قَالْوا: وَتَبْطُلُ الصَّلَاةَ لَا غَيْرَ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا يَسْمَعُهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ وَلَا حُكْمَ لَهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي نَقْضِ وُضُوئِهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلَ شَكِّهِ أَعَادَهُ ; لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ، وَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ لَهُ كَثِيرًا لَمْ يُعِدْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ.

[فَصْلٌ فَرضُ الْغُسْلِ وَسُنَنُهُ]
فَصْلٌ فَرْضُ الْغُسْلِ: الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْمُوَاجَهَةُ لَا تَقَعُ بِبَاطِنَيِ الْأَنْفِ وَالْفَمِ، وَفِي الْغَسْلِ مَأْمُورٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنَ الْبَدَنِ إِلَّا بَاطِنَ الْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ بِخِلَافِ بَاطِنِ الْأَنْفِ وَالْفَمِ حَيْثُ يُمْكِنُ غَسْلُهُمَا، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ ; فَيَجِبُ وَقَدْ تَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً أَلَا فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» ، وَيَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَأَثْنَائِهِ فِي اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ لِمَا تَقَدَّمَ إِلَّا إِذَا كَانَ ضَفِيرَةً فِي رِوَايَةٍ لِلْحَرَجِ.
(1/11)

وَسُنَنُهُ: أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ، وَيُزِيلَ النَّجَاسَةَ عَنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ ثَلَاثًا.

وَيُوجِبُهُ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَإِنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ (ف) وَالشَّهْوَةِ، وَانْقِطَاعُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَمَنِ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ فِي ثِيَابِهِ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا (س) ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَسُنَنُهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ، وَيُزِيلَ النَّجَاسَةَ عَنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ ثَلَاثًا) هَكَذَا حُكِيَ غُسْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلًا فَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَهُ. ثُمَّ مَالَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ فَدَلَكَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَأَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» .
وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ غَسْلِ رِجْلَيْهِ إِنْ كَانَتَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ لِمَا رَوَيْنَا وَتَحَرُّزًا عَنِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.

[مُوجِبَاتُ الْغُسْلِ]
قَالَ: (وَيُوجِبُهُ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» ، قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ فَاغْتَسَلْنَا "، وَكَذَا فِي الدُّبُرِ ; لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُشْتَهًى مَقْصُودٌ بِالْوَطْءِ كَالْقُبُلِ، وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تُوجِبُونَ فِيهِ الْحَدَّ وَلَا تُوجِبُونَ فِيهِ صَاعًا مِنْ مَاءٍ؟ . وَفِي الزِّيَادَاتِ يَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا.
قَالَ: (وَإِنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْجَنَابَةَ إِجْمَاعًا، فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِالنَّصِّ: «وَسَأَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا أَنَّ زَوْجَهَا يُجَامِعُهَا، قَالَ: عَلَيْهَا الْغُسْلُ إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ» ، وَلَوْ خَرَجَ لَا عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ، كَمَا إِذَا ضُرِبَ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ يَجِبُ الْوُضُوءُ دُونَ الْغُسْلِ كَمَا فِي الْمَذْيِ فَإِنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنِيِّ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَخْرُجْ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ، ثُمَّ الشَّرْطُ انْفِصَالُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ عَنْ شَهْوَةٍ لِأَنَّ بِذَلِكَ يُعْرَفُ كَوْنُهُ مَنِيًّا وَهُوَ الشَّرْطُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خُرُوجُهُ عَنِ الْعُضْوِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْخُرُوجِ فَيُعْتَبَرُ وَقْتَئِذٍ.
قَالَ: (وَانْقِطَاعُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) أَمَّا الْحَيْضُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّشْدِيدِ، مَنَعَ مِنْ قُرْبَانِهِنَّ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ، وَلَوْلَا وُجُوبُهُ لَمَا مَنَعَ. وَأَمَّا النِّفَاسُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا كَمَّلَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا ; لِأَنَّهَا فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ كَالطَّاهِرَاتِ.
قَالَ: (وَمَنِ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ فِي ثِيَابِهِ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ) أَمَّا الْمَنِيُّ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ ذَكَرَ حُلْمًا وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَمَنْ رَأَى بَلَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ حُلْمًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ» . وَأَمَّا الْمَذْيُ
(1/12)

وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ سُنَّةٌ.

وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ مَسُّ الْمُصْحَفِ إِلَّا بِغِلَافِهِ (ف) ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. وَيَجُوزُ لَهُ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ، وَلَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ كَالْجُنُبِ.

فَصْلٌ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ كَالْمَطَرِ وَمَاءِ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ ; لِأَنَّ الْمَذْيَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَمَا فِي حَالَةِ الْيَقَظَةِ. وَلَنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَنِيٌّ قَدْ رَقَّ فَيَجِبُ الْغُسْلُ احْتِيَاطًا، وَالْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَلَمْ تَرَ بَلَلًا إِنِ اسْتَيْقَظَتْ وَهِيَ عَلَى قَفَاهَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهِ ثُمَّ عَوْدِهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الِاحْتِلَامِ الْخُرُوجُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ لِضِيقِ الْمَحَلِّ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَتْ وَهِيَ عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَا يَجِبُ.
قَالَ: (وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ سُنَّةٌ) وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ فَإِنَّهُ يَوْمُ ازْدِحَامٍ، فَيُسْتَحَبُّ لِئَلَّا يَتَأَذَّى الْبَعْضُ بِرَائِحَةِ الْبَعْضِ، وَأَدْنَى مَا يَكْفِي مِنَ الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ صَاعٌ وَفِي الْوُضُوءِ مُدٌّ، وَالصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَالْمُدُّ رَطْلَانِ، لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» . ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلِ الْمُدُّ مِنَ الصَّاعِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ؟ وَهَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ حَتَّى لَوْ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِدُونِ ذَلِكَ جَازَ، وَلَوِ اغْتَسَلَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ جَازَ مَا لَمْ يُسْرِفْ فَهُوَ الْمَكْرُوهُ.

[مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ والجنب والحائض]
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ مَسُّ الْمُصْحَفِ إِلَّا بِغُلَافِهِ) غَيْرِ الْمُشَرَّزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] وَلَا بَأْسَ أَنْ يُمْسِكَهُ بِكُمِّهِ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» ، وَعَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَعْضُ آيَةٍ، وَالْحَدِيثُ لَا يَفْصِلُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنْهُ لَا يُرِيدُ بِهِ الْقُرْآنَ كَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ.
(وَيَجُوزُ لَهُ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ) لِأَنَّ الْمَنْعَ وَرَدَ عَنِ الْقُرْآنِ خَاصَّةً.
(وَلَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِجُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ» فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَدَخَلَ، لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَإِنْ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَجْنَبَ، قِيلَ: لَا يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ حَتَّى يَتَيَمَّمَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ.
(وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ كَالْجُنُبِ) فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ في الْمَاءُ الَّذِي يَجُوزُ التَّطَهيُّرُ بِهِ]
فَصْلٌ (تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ، كَالْمَطَرِ وَمَاءِ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَإِنْ تَغَيَّرَ
(1/13)

بِطُولِ الْمُكْثِ، وَيَجُوزُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْأُشْنَانِ وَمَاءِ الْمَدِّ. وَلَا تَجُوزُ بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَزَالَ عَنْهُ طَبْعَ الْمَاءِ، كَالْأَشْرِبَةِ وَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ.

وَالْمَاءُ الرَّاكِدُ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَرَةَ (ف) أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِطُولِ الْمُكْثِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] . وَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آبَارِ الْمَدِينَةِ وَقَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ» ، وَطُولُ الْمُكْثِ لَا يُنَجِّسُهُ فَيَبْقَى طَاهِرًا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ) وَلَمْ يُزِلْ رِقَّتَهُ.
(كَالزَّعْفَرَانِ وَالْأُشْنَانِ وَمَاءِ الْمَدِّ) وَفِي اللَّبَنِ رِوَايَتَانِ.
(وَلَا تَجُوزُ بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَزَالَ عَنْهُ طَبْعَ الْمَاءِ كَالْأَشْرِبَةِ وَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ) وَطَبْعُ الْمَاءِ كَوْنُهُ سَيَّالًا مُرَطِّبًا مُسَكِّنًا لِلْعَطَشِ.
(وَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي خَالَطَهُ شَيْءٌ مِنَ الطِّينِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إِجْمَاعًا لِبَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَجُوزُ بِالْخَلِّ إِجْمَاعًا لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْهُ، فَكُلُّ مَا غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ وَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِهِ أَلْحَقْنَاهُ بِالْخَلِّ، وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَطَبْعُهُ بَاقٍ أَلْحَقْنَاهُ بِالْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ عَلَى حُكْمِ الْإِطْلَاقِ، وَإِضَافَتُهُ إِلَيْهِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ لَا يَجُوزُ كَالْمَرَقِ إِلَّا مَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ كَالسِّدْرِ وَالْحَرَضِ وَالصَّابُونِ مَا لَمْ يَثْخُنْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ.

[حكم الْمَاءُ الرَّاكِدُ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ]
(وَ) أَمَّا (الْمَاءُ الرَّاكِدُ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ أَوْ يَشْرَبُ» .
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ) ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَالْكَثِيرُ لَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» وَاعْتَبَرْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ مَا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ. فَنَقُولُ: كُلُّ مَا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ لَا يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحَرُّكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَامْتَحَنَ الْمَشَايِخُ الْخُلُوصَ بِالْمِسَاحَةِ فَوَجَدُوهُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَقَدَّرُوهُ بِذَلِكَ تَيْسِيرًا. وَقَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيِّ: إِذَا كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ لَا يَخْلُصُ، أَمَّا عِشْرِينَ فِي عِشْرِينَ لَا أَرَى فِي نَفْسِي شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ طُولٌ وَلَا عَرْضَ لَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ ضُمَّ طُولُهُ إِلَى عَرْضِهِ يَصِيرُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ كَثِيرٌ، وَالْمُخْتَارُ فِي الْعُمْقِ مَا لَا يَنْحَسِرُ أَسْفَلُهُ بِالْغَرْفِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةٌ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ
(1/14)

وَالْمَاءُ الْجَارِي إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ، وَالْأَثَرُ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ.
وَمَا كَانَ مَائِيَّ الْمَوْلِدِ مِنَ الْحَيَوَانِ مَوْتُهُ فِي الْمَاءِ لَا يُفسِدُهُ (ف) وَكَذَا مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالْبَقِّ، وَمَا عَدَاهُمَا يُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ. وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يُطَهِّرُ الْأَحْدَاثَ، وَهُوَ مَا أُزِيلَ (م) بِهِ حَدَثٌ، أَوِ اسْتُعْمِلَ فِي الْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَوْضِعِ الْوُقُوعِ لِلتَّيَقُّنِ بِالنَّجَاسَةِ بِرُؤْيَةِ عَيْنِهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، فَلَوْ تَوَضَّأَ مِنْهُ جَازَ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِالنَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهَا فِي الْحَالِ.
قَالَ: (وَالْمَاءُ الْجَارِي إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ) مِنْ أَيْ مَوْضِعٍ شَاءَ.
(وَالْأَثَرُ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ) لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى مَعَ الْجَرَيَانِ، وَالْجَارِي: مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا هُوَ الْأَصَحُّ، وَلَوْ وَقَعَتْ جِيفَةٌ فِي نَهْرٍ كَبِيرٍ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ الْجِيفَةُ وَيُتَوَضَّأُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ النَّهْرُ صَغِيرًا إِنْ كَانَ يَجْرِي أَكْثَرُ الْمَاءِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ يَجُوزُ، وَالْأَحْوَطُ التَّرْكُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي مَاءِ الْمَطَرِ إِذَا مَرَّ بِالنَّجَاسَةِ وَلَا يُوجَدُ أَثَرُهَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ كَالْجَارِي.
قَالَ: (وَمَا كَانَ مَائِيَّ الْمَوْلِدِ مِنَ الْحَيَوَانِ مَوْتُهُ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ) كَالسَّمَكِ وَالضِّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، فَاسْتَفَدْنَا بِهِ عَدَمَ تَنَجُّسِهِ بِالْمَوْتِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا لَا يَنْجَسُ مَا يُجَاوِرُهُ، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ الْمُنَجِّسُ، إِذِ الدَّمَوِيُّ لَا يَتَوَالَدُ فِي الْمَاءِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ خَارِجَ الْمَاءِ ثُمَّ وَقَعَ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ مَاتَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْمُنْتَفِخُ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الضِّفْدَعِ الْبَرِّيِّ وَالْمَائِيِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لِلْبَرِّيِّ دَمٌ سَائِلٌ أَفْسَدَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ: (وَكَذَا مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالْبَقِّ) إِذَا مَاتَ فِي الْمَائِعِ لَا يُفْسِدُهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ ثُمَّ انْقُلُوهُ» الْحَدِيثَ، وَأَنَّهُ يَمُوتُ بِالْمَقْلِ فِي الطَّعَامِ سِيَّمَا الْحَارُّ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ مَوْتُهُ يُنَجِّسُ الطَّعَامَ لَمَا أُمِرَ بِهِ. قَالَ: (وَمَا عَدَاهُمَا يُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ) لِأَنَّهُ دَمَوِيٌّ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ فَيَنْجَسُ مَا يُجَاوِرُهُ كَالْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ ; لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ بِالْمَوْتِ. وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ الْغُسْلِ فَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ كَافِرًا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَا يُنَجِّسُهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا حُكِمَ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْكَافِرُ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يُطَهِّرُ الْأَحْدَاثَ، وَهُوَ مَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ، أَوِ اسْتُعْمِلَ فِي الْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) كَالْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ.
(وَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا
(1/15)

إِذَا انْفَصَلَ عَنِ الْعُضْوِ.

[جُلُودُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا وَعَظْمُهَا] وَكُلُّ إِهَابٍ (ف) دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ إِلَّا جِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ، وَالْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ، وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِذَا انْفَصَلَ عَنِ الْعُضْوِ) . وَرَوَى النَّسَفِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِي مَكَانٍ، وَالْأَوَّلُ الْمُخْتَارُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ لَا غَيْرَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ قُرْبَةً بِالنِّيَّةِ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِي الْجُنُبِ الْمُنْغَمِسِ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَهُمَا طَاهِرَانِ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي صَيْرُورَةِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا، وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي إِزَالَةِ الْجَنَابَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الرَّجُلُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبِّ، وَالْمَاءُ بِحَالِهِ؛ لِعَدَمِ إِزَالَةِ الْحَدَثِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُمَا نَجِسَانِ: الْمَاءُ لِإِزَالَتِهِ الْجَنَابَةَ عَنِ الْبَعْضِ، وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَاقِي الْأَعْضَاءِ. وَقِيلَ: يَطْهُرُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ: هُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَوَضَّأَ مُحْدِثٌ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، ثُمَّ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَتَبَادَرُونَ إِلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَمْسَحُونَ بِهِ وُجُوهَهُمْ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَنَعَهُمْ كَمَا مَنَعَ الْحَجَّامَ مِنْ شُرْبِ دَمِهِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً لِأَنَّهُ أَزَالَ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَزَالَ الْحَقِيقِيَّةَ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَغْلَظُ حَتَّى لَا يُعْفَى عَنِ الْقَلِيلِ مِنْهَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهِيَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّ نَجَاسَتَهُ خَفِيفَةٌ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ.
وَقَالَ زُفَرُ: إِنْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُحْدِثًا فَهُوَ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَهُوَ طَهُورٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلِ النَّجَاسَةَ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ وَصْفُهُ.

[طهارة جُلُودُ الْمَيْتَةِ]
قَالَ: (وَكُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» .
قَالَ: (إِلَّا جِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ) فَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِهَانَةِ.
(وَ) إِلَّا جِلْدَ. (الْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَذْكُورَاتِ فَيُصْرَفُ إِلَيْهِمْ، وَالْفِيلُ كَالْخِنْزِيرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَهُمَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إِذَا أَصْلَحَ مَصَارِينَ مَيْتَةً أَوْ دَبَغَ الْمَثَانَةَ طَهُرَتْ حَتَّى يَتَّخِذَ مِنْهَا الْأَوْتَارَ، وَمَا طَهُرَ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ ; لِأَنَّهَا تُزِيلُ الرُّطُوبَاتِ كَالدِّبَاغِ، وَالدِّبَاغُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ حَدِّ الْفَسَادِ سَوَاءً كَانَ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالشَّمْسِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
قَالَ: (وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ) لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُحِلُّهُمَا حَتَّى لَا تَتَأَلَّمَ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يَحِلُّهُمَا الْمَوْتُ وَهُوَ الْمُنَجِّسُ، وَكَذَلِكَ الْعَصَبُ وَالْحَافِرُ وَالْخُفُّ وَالظِّلْفُ وَالْقَرْنُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ وَالسِّنُّ وَالْمِنْقَارُ وَالْمِخْلَبُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: 80] امْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ.
(وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ) وَهُوَ الصَّحِيحُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِمَا بَيَّنَّا، أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ نَجِسَةٌ لِمَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ
(1/16)

فَصْلٌ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ فَأُخْرِجَتْ ثُمَّ نُزِحَتْ طَهُرَتْ، وَإِذَا وَقَعَ فِي آبَارِ الْفَلَوَاتِ مِنَ الْبَعْرِ وَالرَّوْثِ وَالْأَخْثَاءِ لَا يُنَجِّسُهَا مَا لَمْ يَسْتَكْثِرْهُ النَّاظِرُ، وَخُرْءُ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ لَا يُفْسِدُهَا (ف) ، وَإِذَا مَاتَ فِي الْبِئْرِ فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا إِلَى ثَلَاثِينَ، وَفِي الْحَمَامَةِ وَالدَّجَاجَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ، وَفِي الْآدَمِيِّ وَالشَّاةِ وَالْكَلْبِ جَمِيعُ الْمَاءِ، وَإِنِ انْتَفَخَ الْحَيَوَانُ أَوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
شَعْرَهُ طَاهِرٌ حَتَّى يَحِلَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْخَرَّازِينَ لِلْحَاجَةِ ضَرُورَةً.

[فصل في حكم وقوع النجاسة في البئر]
فَصْلٌ (إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ فَأُخْرِجَتْ ثُمَّ نُزِحَتْ طَهُرَتْ) وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا تَطْهُرُ، لِأَنَّهُ إِذَا تَنَجَّسَ الْمَاءُ تَنَجَّسَ الطِّينُ، فَإِذَا نَزَحَ الْمَاءَ بَقِيَ الطِّينُ نَجِسًا، فَكُلَّمَا نَبَعَ الْمَاءُ نَجَّسَهُ لَكُنَّا خَالَفْنَا الْقِيَاسَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنَ الْآثَارِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَالُوهُ سَمَاعًا.
(وَإِذَا وَقَعَ فِي آبَارِ الْفَلَوَاتِ مِنَ الْبَعْرِ وَالرَّوْثِ وَالْأَخْثَاءِ لَا يُنَجِّسُهَا مَا لَمْ يَسْتَكْثِرْهُ النَّاظِرُ) لِأَنَّ آبَارَ الْفَلَوَاتِ بِغَيْرِ حَوَاجِزَ، وَالدَّوَابُّ تَبْعَرُ حَوْلَهَا وَالرِّيَاحُ تُلْقِيهَا فِيهَا، فَكَانَ فِي الْقَلِيلِ ضَرُورَةٌ دُونَ الْكَثِيرِ. وَحَدُّهُ أَنْ يَأْخُذَ رُبُعَ وَجْهِ الْمَاءِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: ثُلُثُهُ، وَقِيلَ: أَنْ لَا يَخْلُوَ دَلْوٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَكْثِرَهُ النَّاظِرُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ وَالصَّحِيحُ وَالْمُنْكَسِرُ سَوَاءٌ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَآبَارُ الْأَمْصَارِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الضَّرُورَةِ.
قَالَ: (وَخُرْءُ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ لَا يُفْسِدُهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ فِي الْبِئْرِ فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا إِلَى الثَّلَاثِينَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءٌ، وَعَنْ أَنَسٍ عِشْرُونَ دَلْوًا، وَعَنِ النَّخَعِيِّ عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ، فَالْعِشْرُونَ لِلْإِيجَابِ وَالثَّلَاثُونَ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْفَأْرَتَيْنِ عِشْرُونَ، وَفِي الثَّلَاثِ أَرْبَعُونَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَأْرَةِ عِشْرُونَ إِلَى أَرْبَعٍ، وَفِي الْخَمْسِ أَرْبَعُونَ إِلَى تِسْعٍ، وَفِي الْعَشْرِ جَمِيعُ الْمَاءِ.
قَالَ: (وَفِي الْحَمَامَةِ وَالدَّجَاجَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَلِأَنَّهَا ضِعْفُ الْفَأْرَةِ فَضَعَّفْنَا الْوَاجِبَ.
(وَفِي الْآدَمِيِّ وَالشَّاةِ وَالْكَلْبِ جَمِيعُ الْمَاءِ) هَكَذَا حَكَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ حِينَ مَاتَ فِيهَا الزِّنْجِيُّ، وَلِأَنَّهُ لِثِقَلِهِ يَنْزِلُ إِلَى قَعْرِ الْبِئْرِ فَيُلَاقِي جَمِيعَ الْمَاءِ.
قَالَ: (وَإِنِ انْتَفَخَ الْحَيَوَانُ أَوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ) لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بِلَّةٍ نَجِسَةٍ فَتَشِيعُ فَصَارَ كَمَا إِذَا وَقَعَتِ
(1/17)

وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُ جَمِيعِ الْمَاءِ نُزِحَ مِنْهَا مِائَتَا دَلْوٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ.

فَصْلٌ سُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ابْتِدَاءً، وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ أُخْرِجَ حَيًّا فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا كَالْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُنْزَحْ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَخْرَجِهِ نَجَاسَةٌ نُزِحَ الْجَمِيعُ، وَكَذَلِكَ سِبَاعُ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَلِكَ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مَشْكُوكًا فِيهِ ; لِأَنَّ بَدَنَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ طَاهِرٌ، وَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى لُعَابِهِ أَخَذَ حُكْمَهُ. وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُحْدِثًا نُزِحَ أَرْبَعُونَ دَلْوًا، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَالْجَمِيعُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ نَوَى الْغُسْلَ أَوِ الْوُضُوءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَيَفْسَدُ وَإِلَّا فَلَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْكَافِرِ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو بَدَنُهُ مِنَ النَّجَاسَةِ غَالِبًا.
قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا) لِأَنَّ السَّلَفَ أَطْلَقُوا فَيُنْصَرَفُ إِلَى الْمُعْتَادِ كَمَا فِي النُّقُودِ ; وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالصَّاعِ.
(وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُ جَمِيعِ الْمَاءِ نُزِحَ مِنْهَا مِائَتَا دَلْوٍ إِلَى ثَلَثِمِائَةٍ) لِأَنَّ غَالِبَ مَاءِ الْآبَارِ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا أَيْسَرُ عَلَى النَّاسِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمُ الْمَاءُ وَلَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ شَيْئًا، فَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، فَيُرْجَعُ إِلَى قَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ. وَإِذَا نُزِحَ مَا وَجَبَ نَزْحُهُ وَحُكِمَ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ طُهِّرَ الدَّلْوُ وَالرِّشَا وَالْبَكَرَةُ وَنَوَاحِيهَا وَيَدُ الْمُسْتَقَى، مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

[فصل في حُكْمُ الْأَسْآرِ]
فَصْلٌ (سُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ) الْأَسْآرُ أَرْبَعَةٌ: طَاهِرٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَهُوَ سُؤْرُ الْآدَمِيِّ جُنُبًا كَانَ أَوْ حَائِضًا أَوْ مُشْرِكًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ وَأَعْطَى فَضْلَ سُؤْرِهِ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ فَشَرِبَ، ثُمَّ شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ سُؤْرَ الْأَعْرَابِيِّ، وَأَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَافِحَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: إِنِّي جُنُبٌ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ، قَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، قَالَ: لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّجِسَ مَوْضِعُ الْحَيْضِ، وَلِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ طَاهِرٌ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ كَانَتْ أَبْدَانُهُمْ نَجِسَةً لَمْ يُنْزِلْهُمْ فِيهِ تَنْزِيهًا لَهُ وَكَذَا سُؤْرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ; لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ فَيَكُونُ طَاهِرًا كَاللَّبَنِ إِلَّا الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ وَالْإِبِلَ وَالْبَقَرَ الْجَلَّالَةَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ
(1/18)

وَالثَّانِي مَكْرُوهٌ وَهُوَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ، وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ، وَسِبَاعِ الطَّيْرِ. وَالثَّالِثُ نَجِسٌ وَهُوَ سُؤْرُ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ (ف) . وَالرَّابِعُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَهُوَ سُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ (ف) ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ.

بَابُ التَّيَمُّمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ عَلَى مِنْقَارِهَا وَفَمِهَا، وَكَذَا سُؤْرُ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ لَحْمِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِاحْتِرَامِهِ لَا لِنَجَاسَتِهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَلَحْمِهِ.
(وَالثَّانِي) طَاهِرٌ (مَكْرُوهٌ وَهُوَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ، وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ) كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ ; لِأَنَّ نَجَاسَةَ لَحْمِهَا تُوجِبُ نَجَاسَتَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِكَوْنِهَا مِنَ الطَّوَّافَاتِ عَلَيْنَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّصُّ فَقُلْنَا بِالطَّهَارَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَ) كَذَا سُؤْرُ. (سِبَاعِ الطَّيْرِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمِنْقَارِ إِلَّا أَنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ فَقُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ، وَالْمَاءُ الْمَكْرُوهُ إِذَا تَوَضَّأَ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ كَانَ مَكْرُوهًا، وَعِنْدَ عَدَمِهِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا.
(وَالثَّالِثُ نَجِسٌ، وَهُوَ سُؤْرُ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ) أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ وَلُعَابُهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ لَحْمِهِ. وَأَمَّا الْكَلْبُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا، وَفِي رِوَايَةٍ سَبْعًا، وَلِسَانُهُ يُلَاقِي الْمَاءَ دُونَ الْإِنَاءِ فَكَانَ أَوْلَى بِالنَّجَاسَةِ. وَأَمَّا سِبَاعُ فَلِأَنَّ فِيهِ لُعَابَهَا، وَأَنَّهُ نَجِسٌ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ لَحْمٍ نَجِسٍ كَاللَّبَنِ بِخِلَافِ الْعَرَقِ فَإِنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِعُمُومِ الْبَلْوَى.
(وَالرَّابِعُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَهُوَ سُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ) لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ، وَطَهَارَةُ الْعَرَقِ دَلِيلُ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا فِي حَرِّ الْحِجَازِ وَيُصِيبُ الْعَرَقُ ثَوْبَهُ، وَكَانَ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ. وَمَعْنَى الشَّكِّ التَّوَقُّفُ فِيهِ فَلَا يَنْجَسُ الطَّاهِرُ وَلَا يَطْهُرُ النَّجِسُ.
(وَعِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ) احْتِيَاطًا لِلْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَأَيْهُمَا قَدَّمَ جَازَ ; لِأَنَّ الْمُطَهِّرَ مِنْهُمَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّرْتِيبِ. وَقَالَ زُفَرُ: يَبْدَأُ بِالْوُضُوءِ لِيَصِيرَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَقِيقَةً، وَجَوَابُهُ إِنْ كَانَ طَهُورًا فَالتَّيَمُّمُ ضَائِعٌ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ طَهُورٍ فَالتَّيَمُّمُ مُعْتَبَرٌ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ قِيلَ: الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لِأَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ إِذَا تَوَضَّأَ بِهِ بَعْدَ مَا وَجَدَ الْمَاءَ، وَعَرَقُ كُلِّ دَابَّةٍ مِثْلُ سُؤْرِهَا.

[بَابُ التَّيَمُّمِ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ الْقَصْدِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
(1/19)

مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِبُعْدِهِ مِيلًا أَوْ لِمَرَضٍ (ف) أَوْ بَرْدٍ (ف) أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ عَطَشٍ أَوْ عَدَمِ آلَةٍ، يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالْجِصِّ (فس) وَالْكُحْلِ (فس) ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الطَّهَارَةِ وَالنِّيَّةِ (ز) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَفِي الشَّرْعِ قَصْدُ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ وَاسْتِعْمَالُهُ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ، وَسَبَبُ وُجُوبِهِ مَا هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ، وَشَرْطُ جَوَازِهِ الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ خَلَفُ الْوُضُوءِ، فَلَا يُشْرَعُ مَعَهُ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّيَمُّمُ كَافِيكَ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» . قَالَ: (مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِبُعْدِهِ مِيلًا أَوْ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ عَطَشٍ أَوْ عَدَمِ آلَةٍ) يَسْتَقِي بِهَا، (يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالْجِصِّ وَالْكُحْلِ) أَمَّا بَعْدَ الْمَاءِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ، وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِالْمِيلُ فَلِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْحَرَجِ بِذَهَابِهِ إِلَيْهِ وَإِيَابِهِ، وَالْمِيلُ: ثُلُثُ فَرْسَخٍ، وَأَمَّا الْمَرَضُ فَلِلْآيَةِ، وَسَوَاءٌ خَافَ ازْدِيَادَ الْمَرَضِ أَوْ طُولَهُ، أَوْ خَافَ مِنْ بَرْدِ الْمَاءِ أَوْ مِنَ التَّحْرِيكِ لِلِاسْتِعْمَالِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تُفَصِّلُ، وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ إِذَا خَافَ الْمَرَضَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمِصْرُ وَخَارِجُهُ.
وَقَالَا: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي الْمِصْرِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ قُدْرَتُهُ عَلَى الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَرِيبِ الْفَقِيرِ، عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ فَيَكُونُ عَاجِزًا فَيَتَيَمَّمُ بِالنَّصِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ أَوْ سَبْعٌ لِأَنَّهُ عَادِمٌ حَقِيقَةً، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ وَيَخَافُ الْعَطَشَ لَوِ اسْتَعْمَلَهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، لِأَنَّهُ عَادِمٌ حُكْمًا، إِمَّا لِخَوْفِ الْهَلَاكِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِالْأَهَمِّ فَصَارَ عَادِمًا، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى بِئْرٍ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَسْتَقِي بِهِ لِأَنَّهُ عَادِمٌ أَيْضًا حُكْمًا، وَيَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] وَالصَّعِيدُ: مَا يَصْعَدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لُغَةً، وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ، وَحَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَنْبَتِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ التَّطْهِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] فَكَانَ إِرَادَةُ الطَّاهِرِ أَلْيَقُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي التَّخْصِيصِ بِالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّخْصِيصِ بِالتُّرَابِ لَا غَيْرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادِ بِالطَّيِّبِ الْمَنْبَتُ؛ وَلِأَنَّ الطَّيِّبَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالْمَنْبَتِ وَالْحَلَالِ. وَإِرَادَةُ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا، ثُمَّ كَلُّ مَا لَا يَلِينُ وَلَا يَنْطَبِعُ بِالنَّارِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَكُلُّ مَا يَلِينُ وَيَنْطَبِعُ أَوْ يَحْتَرِقُ فَيَصِيرُ رَمَادًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ مِنْ طَبْعِ الْأَرْضِ أَنْ لَا تَلِينَ بِالنَّارِ.
(وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الطَّهَارَةِ) لِمَا قَدَّمْنَا. (وَ) لَا بُدَّ مِنَ (النِّيَّةِ) وَهِيَ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ كَالْوُضُوءِ. وَلَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ الْقَصْدُ، وَالْقَصْدُ: النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَقَدْ وُجِدَ،
(1/20)

وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ. وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ فَيَنْفُضَهُمَا ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ يَضْرِبَهُمَا كَذَلِكَ، وَيَمْسَحَ بِكُلِّ كَفٍّ ظَهْرَ ذِرَاعِ الْأُخْرَى وَبَاطِنَهَا مَعَ الْمِرْفَقِ (ف) وَالِاسْتِيعَابُ شَرْطٌ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ (ف) وَقَبْلَ طَلَبِ الْمَاءِ (ف) ، - وَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ - ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يُعِدْ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ تَوَضَّأَ (ف) وَاسْتَقْبَلَ، وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ مَا شَاءَ (ف) مِنَ الصَّلَوَاتِ كَالْوُضُوءِ ; وَيُسْتَحَبُّ تَأُخِيرُ الصَّلَاةِ لِمَنْ طَمِعَ فِي الْمَاءِ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ (ف) بِالتَّيَمُّمِ إِذَا خَافَ فَوْتَهَا لَوْ تَوَضَّأَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ثُمَّ التُّرَابُ مُلَوَّثٌ وَمُغَبَّرٌ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا ضَرُورَةَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ فِي نَفْسِهِ فَاسْتَغْنَى فِي وُقُوعِهِ طَهَارَةً عَنِ النِّيَّةِ، لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي وُقُوعِهِ عِبَادَةً وَقُرْبَةً.
قَالَ: (وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ) لِلْآيَةِ «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ أَجْنَبَ فَتَمَعَّكَ بِالتُّرَابِ: " يَكْفِيكَ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» .
(وَالْحَائِضُ) وَالنُّفَسَاءُ كَالْجُنُبِ.
(وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ فَيَنْفُضَهُمَا ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ يَضْرِبَهُمَا كَذَلِكَ، وَيَمْسَحَ بِكُلِّ كَفٍّ ظَهْرَ ذِرَاعِ الْأُخْرَى وَبَاطِنَهَا مَعَ الْمِرْفَقِ) لِحَدِيثِ عَمَّارٍ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» .
(وَالِاسْتِيعَابُ شَرْطٌ) حَتَّى يُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ اعْتِبَارًا بِالْوُضُوءِ. وَرَوَى الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا يَمَّمَ الْأَكْثَرَ جَازَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(وَيَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ) تَمْكِينًا لَهُ مِنَ الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَكَمَا فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفُهُ.
(وَيَجُوزُ قَبْلَ طَلَبِ الْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ حَقِيقَةً، وَالظَّاهِرُ الْعَدَمُ فِي الْمَفَاوِزِ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءً فَلَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُطْلَبْ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ إِخْبَارٌ أَوْ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْمَاءِ وَيَطْلُبُهُ مِقْدَارَ غَلْوَةٍ، وَهِيَ مِقْدَارُ رَمْيَةِ سَهْمٍ وَلَا يَبْلُغُ مِيلًا، وَقِيلَ: مِقْدَارُ مَا لَا يَنْقَطِعُ عَنْ رُفَقَائِهِ.
(وَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ فَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ.
(وَإِنْ وَجَدَهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ تَوَضَّأَ وَاسْتَقْبَلَ) لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخُلْفِ، وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَنْتَقِضُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ فَانْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ فَيَتَوَضَّأُ وَيَسْتَقْبِلُ.
وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ مَا شَاءَ مِنَ الصَّلَوَاتِ كَالْوُضُوءِ) فَرْضًا وَنَفْلَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمُ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ يُحْدِثْ» ، وَلِأَنَّ طَهَارَتَهُ ضَرُورَةُ عَدَمِ الْمَاءِ وَهِيَ قَائِمَةٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِمَنْ طَمِعَ فِي) وُجُودِ (الْمَاءِ) لِيُؤَدِّيَهَا بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ.
(وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بِالتَّيَمُّمِ إِذَا خَافَ فَوْتَهَا لَوْ تَوَضَّأَ) لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ
(1/21)

وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ (ف) ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ، وَلَا لِلْفَرْضِ إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَيَنْقُضُهُ نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالتَّيَمُّمِ وَنَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ لَمْ يُعِدْ (فس) ، وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مِنْ رَفِيقِهِ فَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ، وَيَشْتَرِي الْمَاءَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَتَفُوتُ.
(وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ) لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ وَلَا تُقْضَى وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهَا بِالْوُضُوءِ فَيَتَيَمَّمُ كَالْمَرِيضِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ) لِأَنَّهَا تَفُوتُ إِلَى خَلَفٍ وَهُوَ الظُّهْرُ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الْوَقْتِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَلَا) يَجُوزُ (لِلْفَرْضِ إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ) لِأَنَّهَا تَفُوتُ إِلَى خُلْفٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ.
قَالَ: (وَيَنْقُضُهُ نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ) لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ، وَمَا يَنْقُضُ الْأَصْلَ أَوْلَى أَنْ يَنْقُضَ الْخَلَفَ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَقْوَى.
قَالَ: (وَ) يَنْقُضُهُ (الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ وَاسْتِعْمَالُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» ، وَالْمَاءُ مَوْضُوعٌ فِي الْجُبِّ وَغَيْرِهِ بِالْفَلَاةِ لَا يَنْقُضُهُ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلشُّرْبِ.
قَالَ: (وَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالتَّيَمُّمِ وَنَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ لَمْ يُعِدْ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعِيدُ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ مَعَ الدَّلِيلِ، فَإِنَّ الرَّحْلَ لَا يَخْلُو عَنِ الْمَاءِ عَادَةً، وَصَارَ كَمَا إِذَا صَلَّى عُرْيَانًا وَنَسِيَ الثَّوْبَ، أَوْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ وَنَسِيَ الْمَالَ. وَلَهُمَا أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ مَعَ النِّسْيَانِ، وَعَجْزُهُ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ وَهُوَ النِّسْيَانُ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلَّذِي أَفْطَرَ نَاسِيًا: «إِنَّمَا أَطْعَمَكَ رَبُّكَ وَسَقَاكَ» بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ ; لِأَنَّ الْعَجْزَ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ الشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الثَّوْبِ فَمَمْنُوعَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَئِنْ سَلِمَتْ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُضُوءَ فَاتَ إِلَى خَلَفٍ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ فَاتَ لَا إِلَى خَلَفٍ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكَفَّارَةِ فَالْفَرْقُ أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ الصَّوْمِ عَدَمُ كَوْنِ الْمَاءِ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يُوجَدْ وَشَرْطُ جَوَازِ التَّيَمُّمِ الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَقَدْ وُجِدَ، وَالرَّحْلُ عَادَةً لَا يَخْلُو عَنْ مَاءِ الشُّرْبِ، أَمَّا مَاءُ الْوُضُوءِ فَالْغَالِبُ الْعَدَمُ فِيهِ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ مَاءَهُ قَدْ فَنِيَ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ لَمْ يَجُزْ تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالظَّنِّ.
(وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مِنْ رَفِيقِهِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْطِيَهُ.
(فَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ) لِأَنَّ بِالْمَنْعِ صَارَ عَادِمًا لِلْمَاءِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً فَصَارَ كَالْمَوْجُودِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُعْطِيهِ لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا يَجُوزُ.
(وَيَشْتَرِي الْمَاءَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْبَدَلِ قُدْرَةٌ عَلَى الْمُبْدَلِ. (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ) وَالْكَثِيرُ: مَا فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، وَهُوَ ضِعْفُ ثَمَنِ
(1/22)

وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمِ، فَمَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ غَسَلَ بَدَنَهُ إِلَّا مَوْضِعَهَا، وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا.

بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
وَيَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَا الْغُسْلُ، وَيُشْتَرَطُ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِهِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا قَدَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ لَا يَتَيَمَّمُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ، وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ.
قَالَ: (وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَمَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ) يَضُرُّهَا الْمَاءُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ. (غَسَلَ بَدَنَهُ إِلَّا مَوْضِعَهَا وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا) ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَسَلَ الْبَاقِيَ إِلَّا مَوْضِعَهَا. وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا وَإِنْ كَانَ الْجِرَاحُ أَوِ الْجُدَرِيُّ فِي أَكْثَرِ جَسَدِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْسِلُ بَقِيَّةَ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَسُؤْرِ الْحِمَارِ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَأَدَّى بِأَحَدِهِمَا لَا بِهِمَا، فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا لِمَكَانِ الشَّكِّ. وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ جَرِيحًا وَالنِّصْفُ صَحِيحًا لَا رِوَايَةَ فِيهِ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ التَّيَمُّمَ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ غَسْلَ الصَّحِيحِ وَمَسْحَ الْجَرِيحِ إِذَا لَمْ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَحُكْمِيَّةٌ فَكَانَ أَوْلَى، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ.

[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
الْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ السُّنَّةُ، وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَالْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً» . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: «حَدَّثَنِي سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ» . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا يُشْبِهُ التَّوَاتُرَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِمِثْلِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْلَا أَنَّ الْمَسْحَ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ لَمَا مَسَحْنَا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَا الْغُسْلُ) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لَا عَنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ عَنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ» .
(وَيُشْتَرَطُ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) سَوَاءٌ أُكْمِلَتْ قَبْلَ اللَّبْسِ أَوْ بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَكْمَلَ الطَّهَارَةَ جَازَ الْمَسْحُ. وَكَمَالُ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ عِنْدَ الْحَدَثِ ; لِأَنَّ الْخُفَّ يَمْنَعُ سِرَايَةَ
(1/23)

وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ، وَيَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ، وَفَرْضُهُ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ (ف) أَصَابِعَ مِنَ الْيَدِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ إِلَى السَّاقِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ يُبَيِّنُ مِنْهُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ (ف) أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ الصِّغَارِ، وَتُجْمَعُ خُرُوقُ كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَتِهِ. وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ (ف) فَوْقَ الْخُفِّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْحَدَثِ إِلَى الرِّجْلِ، وَلَا يَرْفَعُهُ فَيَظْهَرُ حُكْمُهُ عِنْدَ الْحَدَثِ فَيُعْتَبَرُ الشَّرْطُ عِنْدَهُ.
قَالَ: (وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِلْحَدِيثِ أَوَّلَهَا.
(عَقِيبَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللَّبْسِ) لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ طَهَارَةُ الْغُسْلِ لَا الْمَسْحِ ; لِأَنَّ الْخُفَّ جُعِلَ مَانِعًا مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَدَثِ لَا قَبْلَهُ.
قَالَ: (وَيَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا) حَتَّى لَوْ مَسَحَ بَاطِنَهُ أَوْ عَقِبَهُ أَوْ سَاقَهُ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ، لَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا» .
(خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ) . قَالَ: (وَفَرْضُهُ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنَ الْيَدِ) ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهَا آلَةُ الْمَسْحِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَلَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الْمَسْحِ مَاءٌ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَشَى فِي حَشِيشٍ مُبْتَلٍّ بِالْمَطَرِ، وَلَوْ كَانَ مُبَتَّلًا بِالطَّلِّ قِيلَ: يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَاءٌ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ نَفَسُ دَابَّةٍ مِنَ الْبَحْرِ يَجْذِبُهُ الْهَوَاءُ إِلَى الْأَرْضِ.
(وَالسُنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ إِلَى السَّاقِ) هَكَذَا نُقِلَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ بَدَأَ مِنَ السَّاقِ إِلَى الْأَصَابِعِ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ يَبِينُ مِنْهُ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ الصِّغَارِ) وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ خِفَافَ النَّاسِ لَا تَخْلُو عَنِ الْقَلِيلِ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَاهُ لَخَرَجُوا، وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ ; وَلِأَنَّ الْكَبِيرَ يَمْنَعُ الْمَشْيَ الْمُعْتَادَ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَاللِّفَافَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْقَلِيلُ، وَالْخَرْقُ الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِجًا يُظْهِرُ مَا تَحْتَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ طُولًا، أَوْ كَانَ الْخُفُّ قَوِيًّا لَا يُبَيِّنُ مَا تَحْتَهُ لَا يَمْنَعُ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الظُّهُورُ حَتَّى يَجِبَ الْغَسْلُ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَا يُؤَثِّرُ وَلَوْ كَانَ الْخَرْقُ تَحْتَ الْقَدَمِ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ الْقَدَمِ مَنَعَ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَمْنَعْ وَإِنْ كَثُرَ، وَاعْتَبَرَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الرِّجْلِ وَالْأَصَابِعُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْقَدَمِ، وَاعْتَبَرْنَا الصِّغَارَ احْتِيَاطًا.
قَالَ: (وَتُجْمَعُ خُرُوقُ كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَتِهِ) وَلَا يَجْمَعُ خُرُوقَ الْخُفَّيْنِ، وَلَوْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي خُفَّيِ الْمُصَلِّي أَوْ ثَوْبَيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ تُجْمَعُ ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَانِعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ لِعَيْنِهَا، وَخَرْقُ الْخُفِّ لَيْسَ مَانِعًا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ تَتَابُعِ الْمَشْيِ، وَذَلِكَ فِي الْوَاحِدِ لَا فِي الْخُفَّيْنِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ فَوْقَ الْخُفِّ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى الْجَرْمُوقَيْنِ» ، وَلِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ، وَمَعْنَاهُمَا إِذَا لَبِسَهُمَا عَلَى الْخُفَّيْنِ قَبْلَ الْحَدَثِ، حَتَّى لَوْ لَبِسَهُمَا بَعْدَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَ
(1/24)

وَيَجُوزُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ (ف) أَوْ مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ.
وَيَنْقُضُهُ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَنَزْعُ الْخُفِّ وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ نَزَعَهُمَا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَخُرُوجُ الْقَدَمِ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ نَزْعٌ، وَلَوْ مَسَحَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ، وَقَبْلَ ذَلِكَ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَ مُدَّةَ الْمُسَافِرِ (ف) .
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْجَبَائِرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا ; لَأَنَّ الْحَدَثَ حَلَّ الْخُفَّ، وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمُكَعَّبِ إِذَا سَتَرَ الْكَعْبَيْنِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ مُقَدِّمَتُهُ مَشْقُوقَةً، إِلَّا أَنَّهَا مَشْدُودَةٌ أَوْ مُزَرَّرَةٌ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُخَرَّزَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ أَوْ مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ» ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوَّلًا يَقُولُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَا مُنَعَّلَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ فِيهِمَا الْمَسَافَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَالَ: (وَيَنْقُضُهُ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الْغُسْلَ فَلِأَنْ يَنْقُضَ الْمَسْحَ أَوْلَى.
قَالَ: (وَنَزْعُ الْخُفِّ) لِأَنَّهُ الْمَانِعُ مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إِلَى الرِّجْلِ، فَإِذَا نَزَعَهُ زَالَ الْمَانِعُ، وَلِأَنَّ الْجَوَازَ دَفْعًا لِحَرَجِ النَّزْعِ، وَلَمْ يَبْقَ فَيَغْسِلُهُمَا كَمَا قَبْلَ اللُّبْسِ، وَكَذَلِكَ نَزْعُ أَحَدِ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا فَيَجِبُ غَسْلُ الْأُخْرَى؛ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ.
قَالَ: (وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ) لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ مُؤَقَّتَةً فَتَزُولُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ كَالْمُسْتَحَاضَةِ.
قَالَ: (فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ نَزَعَهُمَا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَخُرُوجُ الْقَدَمِ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ نَزْعٌ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ كَذَلِكَ وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ خَرَجَ أَكْثَرُ عَقِبِهِ إِلَى السَّاقِ بَطَلَ مَسْحُهُ لِمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَا لَمْ يَخْرُجْ أَكْثَرُ الْقَدَمِ إِلَى السَّاقِ لَا يَبْطُلُ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ بَقِيَ مِنَ الْقَدَمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَبْطُلْ لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْمَسْحِ.
قَالَ: (وَلَوْ مَسَحَ مُسَافِرٌ ثُمَّ قَامَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ) لِأَنَّ الثَّلَاثَ مُدَّةُ السَّفَرِ، وَلَا سَفَرَ فَلَا يَجُوزُ.
(وَقَبْلَ ذَلِكَ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً) لِأَنَّهُ مُقِيمٌ فَلْيَسْتَكْمِلْ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ.
(وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَ مُدَّةَ الْمُسَافِرِ) لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا سَافَرَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ سَرَى إِلَى الرِّجْلِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْغَسْلِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ) وَاللِّفَافَةِ ; لِأَنَّ الْمَسْحَ ثَبَتَ فِي الْخُفَّيْنِ لِلْحَرَجِ، وَلَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ) الْمَسْحُ (عَلَى الْجَبَائِرِ) وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ جَازَ.
وَقَالَا: لَا يَجُوزُ. لَهُمَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَلِيًّا حِينَ كُسِرَتْ زِنْدُهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا» ، وَقِيَاسًا عَلَى الْخُفِّ. وَلَهُ أَنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ عَنِ الْغَسْلِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ لَوْ ظَهَرَ بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الْخُفِّ
(1/25)

وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ.

بَابُ الْحَيْضِ
وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ بَالِغَةً،. وَأَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا (س) ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ (ف) بِلَيَالِيهَا، وَمَا نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ، وَمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ لَا يُوجِبُ الْفَرْضِيَّةَ لِأَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ.
قَالَ: (وَ) يَجُوزُ (إِنَّ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ حَرَجًا، وَلِأَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا سَقَطَ بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الْخُفَّيْنِ.
(فَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) لِأَنَّ الْمَسْحَ لِلْعُذْرِ وَقَدْ زَالَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَقَطَتْ لَا عَنْ بُرْءٍ لَمْ يَبْطُلِ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ بَاقٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْجَبِيرَةُ زَائِدَةً عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ حَلُّ الْخِرْقَةَ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا يَضُرُّهُ مَسَحَ عَلَى الْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ غَسَلَ مَا حَوْلَ الْجِرَاحَةِ وَمَسَحَ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْخِرْقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ دُونَ الْحَلِّ مَسَحَ عَلَى الْخِرْقَةِ الَّتِي عَلَى الْجُرْحِ وَغَسَلَ حَوَالَيْهَا وَمَا تَحْتَ الْخِرْقَةِ الزَّائِدَةِ ; لِأَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ لِلضَّرُورَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَهَذَا التَّفْصِيلُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي عِصَابَةِ الْفِصَادِ وَالْقُرُوحِ وَالْجِرَاحَاتِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَ عَلَى شِقَاقِ رِجْلَيْهِ دَوَاءً لَا يَصِلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ يُجْرِي الْمَاءَ عَلَى ظَاهِرِ الدَّوَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا.

[بَابُ الْحَيْضِ]
ِ الْحَيْضُ فِي اللُّغَةِ: السَّيَلَانُ، يُقَالُ: حَاضَتِ الْأَرْنَبُ: إِذَا سَالَ مِنْهَا الدَّمُ، وَحَاضَتِ الشَّجَرَةُ: إِذَا سَالَ مِنْهَا الصَّمْغُ.
وَفِي الشَّرْعِ: سَيَلَانُ دَمٍ مَخْصُوصٍ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ. وَالدِّمَاءُ ثَلَاثَةٌ: حَيْضٌ.
(وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ بَالِغَةً) بِابْتِدَائِهِ الْمُمْتَدِّ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، قَالَهُ الْكَرْخِيُّ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِحَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» ، أَيْ بَالِغَةٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ: الْحَيْضُ هُوَ الدَّمُ الَّذِي يَنْفُضُهُ رَحِمُ الْمَرْأَةِ السَّلِيمَةِ عَنِ الصِّغَرِ وَالدَّاءِ. وَاسْتِحَاضَةٌ: وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنَ الْفَرْجِ دُونَ الرَّحِمِ. وَنِفَاسٌ: وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ عَقِيبَهُ. قَالَ: (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ بِلَيَالِيهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَأَكْثَرُهُ عشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا» وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَقَلُّهُ يَوْمَانِ، وَأَكْثَرُ الثَّالِثِ إِقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ لِأَنَّهُ تَنْقِيصٌ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ.
قَالَ: (وَمَا نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ وَمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ) اسْتِحَاضَةٌ ; لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْعِ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا وَلَيْسَ بِنِفَاسٍ فَيَكُونُ اسْتِحَاضَةً ; لِأَنَّ الدِّمَاءَ الْخَارِجَةَ مِنَ الرَّحِمِ مُنْحَصِرَةٌ
(1/26)

وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ (ف) اسْتِحَاضَةٌ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الْوَطْءَ، وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَلْوَانِ فِي مُدَّةِ حَيْضِهَا حَيْضٌ حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ الْخَالِصَ، وَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ، وَهُوَ يُسْقِطُ عَنِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ أَصْلًا. وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّوْمَ فَتَقْضِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
قَالَ: (وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ اسْتِحَاضَةٌ) لِأَنَّهَا لَا تَحِيضُ لِأَنَّ بِالْحَمْلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ، وَيَصِيرُ دَمُ الْحَيْضِ غِذَاءً لِلْجَنِينِ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا.
قَالَ: (وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الْوَطْءَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ «تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ قَطْرًا» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ» ، وَلَا يَمْنَعُ كَالرُّعَافِ.
قَالَ: (وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَلْوَانِ فِي مُدَّةِ حَيْضِهَا حَيْضٌ حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ الْخَالِصَ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَعْرِضْنَ الْكَرَاسِفَ عَلَى عَائِشَةَ، فَكَانَتْ إِذَا رَأَتِ الْكُدْرَةَ قَالَتْ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ» ، أَيِ الْبَيَاضَ الْخَالِصَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَكُونُ الْكَدْرَةُ حَيْضًا إِلَّا بَعْدَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْكَدْرَةَ مَا يَتَكَدَّرُ، وَأَوَّلُ الشَّيْءِ لَا يَتَكَدَّرُ. وَلَنَا مَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَلْوَانِ الدَّمِ، فَسَوَاءٌ كَانَتْ أَوَّلًا وَآخِرًا كَغَيْرِهَا مِنَ الْأَلْوَانِ، وَقَوْلُهُ: أَوَّلُ الشَّيْءِ لَا يَتَكَدَّرُ. قُلْنَا: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ هَذَا أَوَّلَهُ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي إِنَاءٍ يَسِيلُ مِنْ أَعْلَاهُ وَهَذَا يَسِيلُ مِنْ أَسْفَلِهِ؟ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْكُدْرَةُ أَوَّلًا كَالْجَرَّةِ يُثْقَبُ أَسْفَلُهَا فَإِنَّهُ يَسِيلُ الْكَدَرُ أَوَّلَا كَذَا هَذَا. وَحُكْمُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الدَّمِ إِلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ فِي مَعْدِنِهِ.
قَالَ: (وَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ) لِأَنَّ الْمُدَّةَ لَا تُسْتَوْعَبُ بِالدَّمِ فَاعْتُبِرَ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا.
قَالَ: (وَهُوَ يُسْقِطُ عَنِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ أَصْلًا، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّوْمَ فَتَقْضِيهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كُنَّ النِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِينَ الصَّوْمَ وَلَا يَقْضِينَ الصَّلَاةَ» ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ
(1/27)

وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَيُسْتَمْتَعُ بِهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ.
وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلِّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ (زف) جَازَ قَبْلَ الْغُسْلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
شَهْرٍ وَكُلِّ يَوْمٍ فَتُحَرَّجُ فِي الْقَضَاءِ، وَالصَّوْمُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَلَا حَرَجَ.
(وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ إِنْ كَانَا طَائِعَيْنِ أَثِمَا، وَيَكْفِيهِمَا الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ، لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا طَائِعًا وَالْآخَرُ مُكْرَهًا أَثِمَ الطَّائِعُ وَحْدَهُ. قَالَ فِي الْفَتَاوَى: وَهَذَا فِي الْحُكْمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ. قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ فَدِينَارٌ، وَفِي آخِرِهِ نِصْفُهُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الدَّمُ أَسْوَدَ فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَنِصْفُهُ، وَبِجَمِيعِ ذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ.
(وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَيُسْتَمْتَعُ بِهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ؟ قَالَ: " مَا فَوَقَ الْإِزَارِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ» . وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ وَلَهُ مَا سِوَاهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ» وَلَهُمَا مَا رُوِّينَا وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " لَهُ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَلَيْسَ لَهُ مَا دُونَهُ " أَيْ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ لَا بِمَا تَحْتَهَا.
وَفِيمَا قَالَ مُحَمَّدٌ: رَتْعٌ حَوْلَ الْحِمَى فَيُمْنَعُ مِنْهُ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ.
(وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ جَازَ قَبْلَ الْغُسْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، فَمَعْنَى التَّخْفِيفِ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَمَعْنَى التَّشْدِيدِ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَا دُونَهَا عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْعَشَرَةِ لَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ دَخَلَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، وَمَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ، لِأَنَّهَا لَوْ رَأَتِ الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا فَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهَا. وَقَالَ زُفَرُ:
(1/28)

وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ.

فصل الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَانْطِلَاقُ الْبَطْنِ، وَانْفِلَاتُ الرِّيحِ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ، وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيُصَلُّونَ بِهِ مَا شَاءُوا (ف) ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ فَيَتَوَضَّئُونَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ وَإِنِ انْقَطَعَ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، عَمَلًا بِقِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا تَوْقِيفًا (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ يَسْتَمِرُّ مُدَّةً كَثِيرَةً فَلَا يَتَقَدَّرُ.

[فصل أَحْكَامُ أَهْلِ الْأَعْذَار]
فَصْلٌ (وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَانْطِلَاقُ الْبَطْنِ وَانْفِلَاتُ الرِّيحِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ، يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَيُصَلُّونَ بِهِ مَا شَاءُوا) لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» . «وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ " تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» ، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْوَقْتُ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ» ، وَيُقَالْ: آتِيكَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ: أَيْ لِوَقْتِهَا.
قَالَ: (فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوؤُهُمْ، فَيَتَوَضَّئُونَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) لِمَا رَوَيْنَا. وَطَهَارَةُ الْمَعْذُورِ تَنْتَقِضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ زُفَرَ بِالدُّخُولِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَيِّهِمَا كَانَ.
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِذَا تَوَضَّأَ لِلصُّبْحِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْعِيدِ أَوْ لِلضُّحَى ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، فَعِنْدَهُمَا يَنْتَقِضُ فِي الْأُولَى لِلْخُرُوجِ، وَلَا يَنْتَقِضُ فِي الثَّانِيَةِ لِعَدَمِهِ، وَعِنْدَ زُفَرَ بِالْعَكْسِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْتَقِضُ فِيهِمَا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مَعَ الْمُنَافِي فَتَتَقَدَّرُ بِالْوَقْتِ، فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَلِزُفَرَ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَبْطُلْ بِالدُّخُولِ لَزَادَتْ عَلَى وَقْتِ صَلَاةٍ وَأَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ. وَلَهُمَا أَنَّهَا تَثْبُتُ لِلْحَاجَةِ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، وَالدُّخُولُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، فَتَعَلُّقُ الِانْتِقَاضِ بِالْخُرُوجِ أَوْلَى. وَقَوْلُ زُفَرَ: يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَوْلُنَا: انْتَقَضَ وُضُوءُهُمْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَهِ، لَكِنْ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الدَّمِ رُخْصَةٌ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ
(1/29)

وَالْمَعْذُورُ هُوَ الَّذِي لَا يَمْضِي عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ مَوْجُودٌ، وَإِذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَهَا عَادَةٌ فَالزَّائِدُ عَلَى عَادَتِهَا اسْتِحَاضَةٌ، وَإِذَا بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضَتُهَا عَشَرَةٌ (ف) مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ.

فَصْلٌ النِّفَاسُ: الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ، وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ الْأَرْبَعِينَ وَلَهَا عَادَةٌ، فَالزَّائِدُ عَلَيْهَا اسْتِحَاضَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ، وَالنِّفَاسُ فِي التَّوْأَمَيْنِ عَقِيبَ الْأَوَّلِ (مز) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا يَرْفَعُ حَدَثًا وُجِدَ بَعْدَهُ.
قَالَ: (وَالْمَعْذُورُ هُوَ الَّذِي لَا يَمْضِي عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ مَوْجُودٌ) حَتَّى لَوِ انْقَطَعَ الدَّمُ وَقْتًا كَامِلًا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عُذْرٍ مِنْ وَقْتِ الِانْقِطَاعِ.
قَالَ: (وَإِذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَهَا عَادَةٌ) مَعْرُوفَةٌ.
(فَالزَّائِدُ عَلَى عَادَتِهَا اسْتِحَاضَةٌ) لِأَنَّ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ عُلِمَ كَوْنُهَا مُسْتَحَاضَةً فَتُرَدُّ إِلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا. «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ثُمَّ تَوَضَّئِي وَصَلِّي» .
قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةٌ فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْحَيْضِ فَلَا تَخْرُجُ بِالشَّكِّ (وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ.

[فصل في أَحْكَامُ النُّفَسَاءِ]
فَصْلٌ (النِّفَاسُ: الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ) لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ بِالدَّمِ أَوْ مِنْ خُرُوجِ النَّفْسِ، وَهُوَ الْوَلَدُ أَوِ الدَّمُ وَالْكُلُّ مَوْجُودٌ.
قَالَ: (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَقْعُدُ النُّفَسَاءُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ تَرَى طُهْرًا قَبْلَ ذَلِكَ» قَدَّرَ الْأَكْثَرَ وَلَمْ يُقَدِّرِ الْأَقَلَّ، وَلَوْ كَانَ لَهُ حَدٌّ لِقَدْرِهِ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْوَلَدِ دَلِيلُ خُرُوجِ الدَّمِ مِنَ الرَّحِمِ فَاسْتَغْنَى عَنِ التَّقْدِيرِ وَلَا دَلِيلَ فِي الْحَيْضِ، فَاحْتَجْنَا إِلَى التَّقْدِيرِ لِيُسْتَدَلَّ بِدَوَامِهِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الرَّحِمِ.
قَالَ: (وَإِذَا جَاوَزَ الدَّمَ الْأَرْبَعِينَ وَلَهَا عَادَةٌ فَالزَّائِدُ عَلَيْهَا اسْتِحَاضَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْحَيْضِ.
قَالَ: (وَالنِّفَاسُ فِي التَّوْءَمَيْنِ عَقِيبَ الْأَوَّلِ) . وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: عَقِيبَ الْأَخِيرِ، فَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْوِلَادَتَيْنِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا نِفَاسَ لَهَا مِنَ الثَّانِي، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: مَا بَيْنَهُمَا اسْتِحَاضَةٌ وَالنِّفَاسُ مِنَ الثَّانِي. لَهُ أَنَّ النِّفَاسَ وَالْحَيْضَ سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ الْمَخْرَجِ، وَالْمَانِعِيَّةُ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْوَطْءِ وَالْحَيْضِ لَا يُوجَدُ مِنَ الْحَامِلِ، فَكَذَا النِّفَاسُ. وَلَهُمَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِّ النِّفَاسِ وَقَدْ وُجِدَ،
(1/30)

وَالسَّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ (ف) خَلْقِهِ وَلَدٌ.

بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا النَّجَاسَةُ غَلِيظَةٌ وَخَفِيفَةٌ، فَالْمَانِعُ مِنَ الْغَلِيظَةِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِسَاحَةً إِنْ كَانَ مَائِعًا، وَوَزْنًا إِنْ كَانَ كَثِيفًا، وَالْمَانِعُ مِنَ الْخَفِيفَةِ أَنْ يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ (ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِخِلَافِ الْحَيْضِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ بِالْحَمْلِ فَلَا تَحِيضُ، وَالْعِدَّةُ تَنْقَضِي بِالْأَخِيرِ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ وَهِيَ حَامِلٌ بَعْدَ الْأَوَّلِ.
قَالَ: (وَالسَّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدٌ) فَتَصِيرُ بِهِ نُفَسَاءَ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَتَصِيرُ الْأَمَةُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَيَنْزِلُ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ بِمَجِيءِ الْوَلَدِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ.

[بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا]
(النَّجَاسَةُ غَلِيظَةٌ وَخَفِيفَةٌ) فَالْغَلِيظَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا وَرَدَ فِي نَجَاسَتِهِ نَصٌّ وَلَمْ يُعَارِضْهُ آخَرُ، وَلَا حَرَجَ فِي اجْتِنَابِهِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ. وَالْمُخَفَّفَةُ مَا تَعَارَضَ نَصَّانِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ، وَعِنْدَهُمَا الْمُغَلَّظَةُ: مَا اتُّفِقَ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَلَا بَلْوَى فِي إِصَابَتِهِ، وَالْمُخَفَّفَةُ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ كَالنَّصِّ.
قَالَ: (فَالْمَانِعُ مِنَ الْغَلِيظَةِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِسَاحَةً إِنْ كَانَ مَائِعًا، وَوَزْنًا إِنْ كَانَ كَثِيفًا) وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عَرْضِ الْكَفِّ، لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ قَدْرَ ظُفْرِي هَذَا لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَظُفْرُهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ كَفِّنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالُ: أَيْ مَا يَكُونُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا، فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمِسَاحَةِ إِنْ كَانَ مَائِعًا، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ عَلَى الْوَزْنِ إِنْ كَانَ مُسْتَجْسِدًا.
قَالَ النَّخَعِيُّ: أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا قَدْرَ الْمَقْعَدَةِ فَكَنَّوْا بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ أَصْحَابُنَا بِالدِّرْهَمِ ; لِأَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ بِالْإِجْمَاعِ كَالَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الْبَصَرُ وَدَمُ الْبَعُوضِ وَالْبَرَاغِيثِ، وَالْكَثِيرُ مُعْتَبَرٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَجَعَلْنَا الْحَدَّ الْفَاصِلَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَخْذًا مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ، فَإِنَّ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ إِنْ كَانَ الْخَارِجُ قَدْ أَصَابَ جَمِيعَ الْمَخْرَجِ يَبْقَى الْأَثَرُ فِي جَمِيعِهِ، وَذَلِكَ يَبْلُغُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ، وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ مَعَهُ إِجْمَاعًا، فَعَلِمْنَا أَنَّ قَدْرَ الدِّرْهَمِ عَفْوٌ شَرْعًا.
(وَالْمَانِعُ مِنَ الْخَفِيفَةِ أَنْ يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ) لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَحَلْقِهِ، ثُمَّ قِيلَ: رُبُعَ جَمِيعِ الثَّوْبِ، وَقِيلَ: رُبُعَ مَا أَصَابَهُ كَالْكُمِّ وَالذَّيْلِ وَالدِّخْرِيصِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ شِبْرٌ
(1/31)

وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّطْهِيرِ فَنَجَاسَتُهُ غَلِيظَةٌ، وَكَذَلِكَ الرَّوْثُ (سم) وَالْأَخْثَاءُ، وَبَوْلُ الْفَأْرَةِ، وَالصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ أَكَلَا أَوْ لَا، وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ (ف) يَجِبُ غَسْلُ رَطْبِهِ، وَيُجْزِئُ الْفَرْكُ فِي يَابِسِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي شِبْرٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ، وَعَنْهُ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْمُخْتَارُ الرُّبُعُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الِاسْتِفْحَاشِ.
(وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّطْهِيرِ فَنَجَاسَتُهُ غَلِيظَةٌ) كَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالصَّدِيدِ وَالْقَيْءِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْمَنِيُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ: «إِنْ كَانَ رَطْبًا فَاغْسِلِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَافْرُكِيهِ» ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ» ، وَلَوْ أَصَابَ الْبَدَنَ وَجَفَّ. رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَعَمُّ، وَالِاكْتِفَاءُ بِالْفَرْكِ لَا يَدَلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقِلُّ بِالْفَرْكِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، حَتَّى إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ يَعُودُ نَجِسًا عِنْدَهُ، خِلَافًا لَهُمَا، ثُمَّ رَأَيْنَا كُلَّ مَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ كَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَدَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ نَجِسًا، فَقُلْنَا بِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَكْبَرَ الطَّهَارَاتِ، وَكَوْنُهُ أَصْلَ الْآدَمِيِّ لَا يُوجِبُ طَهَارَتَهُ كَالْعَلَقَةِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ الرَّوْثُ وَالْأَخْثَاءُ) وَبَوْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الدَّوَابِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا ثَبَتَتْ بِنَصٍّ لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الرَّوْثِ: " إِنَّهُ رِجْسٌ ".
وَالْأَخْثَاءُ مِثْلُهُ، وَعِنْدَهُمَا مُخَفَّفَةٌ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ فِي الطُّرُقَاتِ وَوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ الْأَرْوَاثُ كُلُّهَا طَاهِرَةٌ، وَعِنْدَ زُفَرَ رَوْثُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اسْتَحَالَ إِلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ، وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ حَيَوَانٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَصَارَ كَالْآدَمِيِّ وَالضَّرُورَةُ فِي النِّعَالِ، وَقَدْ قُلْنَا بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحَدِيثِ وَالْمَعْقُولِ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَزُفَرَ.
قَالَ: (وَ) كَذَلِكَ (بَوْلُ الْفَأْرَةِ) وَخَرْؤُهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ» ، وَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ مُمْكِنٌ فِي الْمَاءِ، غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ فَيُعْفَى عَنْهُ فِيهِمَا.
قَالَ: (وَ) كَذَلِكَ بَوْلُ (الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ أَكَلَا أَوْ لَا) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَمَا رُوِيَ مِنْ نَضْحِ بَوْلِ الصَّبِيِّ إِذَا لَمْ يَأْكُلْ، فَالنَّضْحُ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الْغَسْلِ. «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمَذْيِ: " انْضَحْ فَرْجَكَ بِالْمَاءِ» ، أَيِ اغْسِلْهُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا.
قَالَ: (وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُ رَطْبِهِ، وَيُجْزِئُ الْفَرْكُ فِي يَابِسِهِ) وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ.
(1/32)

وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ فَجَفَّ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ (مز) ، وَالرَّطْبُ وَمَا لَا جِرْمَ لَهُ كَالْخَمْرِ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الْغَسْلُ، وَالسَّيْفُ وَالْمِرْآةُ يُكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا (ز) فِيهِمَا، وَإِذَا أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَذَهَبَ أَثَرُهَا جَازَتِ (زف) الصَّلَاةُ عَلَيْهَا دُونَ التَّيَمُّمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَفِي الْفَتَاوَى: مَرَارَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَبَوْلِهِ فِي الْحُكْمِ، وَإِذَا اجْتَرَّ الْبَعِيرُ فَأَصَابَ ثَوْبَ إِنْسَانٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ سِرْقِينِهِ لِوُصُولِهِ إِلَى جَوْفِهِ كَالْمَاءِ إِذَا وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ) وَالْعَذِرَةِ (فَجَفَّ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ، وَالرَّطْبُ وَمَا لَا جِرْمَ لَهُ كَالْخَمْرِ) وَالْبَوْلِ.
(لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الْغَسْلُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِيهِمَا إِلَّا الْبَوْلَ وَالْخَمْرَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إِلَّا الْغَسْلُ كَالثَّوْبِ، وَلِأَبِي يُوسُفَ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا أَصَابَ خُفَّ أَحَدِكُمْ أَوْ نَعْلَهُ أَذًى فَلْيَدْلُكْهُمَا فِي الْأَرْضِ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ طَهُورٌ لَهُمَا» ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْيَابِسِ وَالرَّطْبِ وَالْمُسْتَجِدِّ وَغَيْرِهِ وَلِلضَّرُورَةِ الْعَامَّةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، لِأَبِي حَنِيفَةَ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا أَنَّ الرَّطْبَ إِذَا مُسِحَ بِالْأَرْضِ يَتَلَطَّخُ بِهِ الْخُفُّ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ فَلَا يُطَهِّرُهُ بِخِلَافِ الْيَابِسِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَا يَتَدَاخَلُهُ إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَا كَذَلِكَ الْبَوْلُ وَالْخَمْرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَجْتَذِبُ مِمَّا عَلَى الْخُفِّ فَيَبْقَى عَلَى حَالِهِ، حَتَّى لَوْ لَصَقَ عَلَيْهِ طِينٌ رَطْبٌ فَجَفَّ ثُمَّ دَلَّكَهُ جَازَ كَالَّذِي لَهُ جِرْمٌ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَبِخِلَافِ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ مُتَخَلِّلٌ فَتَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فَلَا تَزُولُ بِالْمَسْحِ فَيَجِبُ الْغَسْلُ.
قَالَ: (وَالسَّيْفُ وَالْمِرْآةُ يُكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا) فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لِصَلَابَتِهِمَا لَا يَتَدَاخَلُهُمَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ فَيَزُولُ بِالْمَسْحِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَذَهَبَ أَثَرُهَا جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا دُونَ التَّيَمُّمِ) ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ. وَقَالَ زُفَرُ:
(1/33)

وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (م) ، وَبَوْلُ الْفَرَسِ، وَدَمُ السَّمَكِ (ف) ، وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَخُرْءُ مَا لَا (سم) يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ نَجَاسَتُهُ مُخَفَّفَةٌ، وَخُرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ طَاهِرٌ (ف)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا أَنَّ الْأَرْضَ تَنْشَفُ وَالْهَوَاءُ يَجْذِبُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: وَالْقَلِيلُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَيَمْنَعُ التَّيَمُّمَ. وَرَوَى ابْنُ كَاسٍ عَنْ أَصْحَابِنَا جَوَازَ التَّيَمُّمِ أَيْضًا لِلْحَدِيثِ ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ اسْتَحَالَتْ إِلَى أَجْزَاءِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْأَرْضِ جَذْبَ الْأَشْيَاءِ إِلَى طَبْعِهَا، وَبِالِاسْتِحَالَةِ تَطْهُرُ كَالْخَمْرِ إِذَا تَخَلَّلَتْ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ، وَإِذَا أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ، إِنْ كَانَتْ رَخْوَةً يَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ فَتَطْهُرُ لِأَنَّهَا تُنَشِّفُ الْمَاءَ فَيَطْهُرُ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهَا ثُمَّ تُكْبَسُ الْحَفِيرَةُ الَّتِي اجْتَمَعَ فِيهَا الْغُسَالَةُ.
قَالَ: (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَبَوْلُ الْفَرَسِ، وَدَمُ السَّمَكِ، وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَخُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ نَجَاسَتُهُ مُخَفَّفَةٌ) أَمَّا بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَطَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ بَوْلُ الْفَرَسِ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَلَهُمَا أَنَّهُ اسْتَحَالَ إِلَى نَتَنٍ وَخَبَثٍ فَيَكُونُ نَجِسًا كَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، إِلَّا أَنَّا قُلْنَا بِتَخْفِيفِهِ لِلتَّعَارُضِ، وَحَدِيثُ الْعَرَنِيِينِ نُسِخَ كَالْمُثْلَةِ، وَدَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ يَبِيضُ بِالشَّمْسِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ نَجِسٌ، فَقُلْنَا بِخِفَّتِهِ لِذَلِكَ، وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ لِتَعَارُضِ النُّصُوصِ، وَخُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، لِأَنَّهَا تَزْرَقُ مِنَ الْهَوَاءِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجَاسَتُهُ غَلِيظَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تُخَالِطُ النَّاسَ فَلَا بَلْوَى، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا.
قَالَ: (وَخُرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ طَاهِرٌ) لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَرْكِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ،
(1/34)

إِلَّا الدَّجَاجَ وَالْبَطَّ الْأَهْلِيَّ فَنَجَاسَتُهُمَا غَلِيظَةٌ، وَإِذَا انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ (ف) .

إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ. وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ كَالْخَلِّ (م زف) وَمَاءِ الْوَرْدِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُهَا، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرٍ يَشُقُّ زَوَالُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَأَخْرَجُوهَا خُصُوصًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قَالَ: (إِلَّا الدَّجَاجَ وَالْبَطَّ الْأَهْلِيَّ فَنَجَاسَتُهُمَا غَلِيظَةٌ) بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَإِذَا انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَفِيهِ حَرَجٌ فَيَنْتَفِي، وَلَيْسَ بَوْلُ الْخَفَافِيشِ وَخُرْؤُهَا وَلَا دَمُ الْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ بِشَيْءٍ لِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَمَا يَبْقَى مِنَ الدَّمِ فِي اللَّحْمِ وَالْعُرُوقِ طَاهِرٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ فِي الْأَكْلِ دُونَ الثِّيَابِ.

[ما يجوز إزالة النجاسة به وما لا يجوز وَيَجُوزُ]
فَصْلٌ:
(وَيَجُوزُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ) وَلَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» .
قَالَ: (وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ) يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ.
(كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ) وَمَا يُعْتَصَرُ مِنَ الشَّجَرِ وَالْوَرَقِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْمَاءِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْبَدَنِ رِوَايَتَانِ لِمُحَمَّدٍ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» . وَلَوْ جَازَ بِغَيْرِ الْمَاءِ لَمَا كَانَ فِي التَّعْيِينِ فَائِدَةٌ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْحُكْمِيَّةِ. وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وَتَطْهِيرُ الثَّوْبِ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ وَقَدْ وُجِدَ فِي الْخَلِّ حَقِيقَةً، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْإِزَالَةُ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ أَزَالَهَا بِالْقَطْعِ جَازَ، وَالْإِزَالَةُ تَتَحَقَّقُ بِمَا ذَكَرْنَا كَمَا فِي الْمَاءِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمُوجِبِ لِلزَّوَالِ مِنْ تَرْقِيقِ النَّجَاسَةِ وَاخْتِلَاطِهَا بِالْمَائِعِ بِالدَّلْكِ وَتَقَاطُرِهَا بِالْعَصْرِ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ تَفْنَى بِالْكُلِّيَّةِ، وَذِكْرُ الْمَاءِ فِي الْحَدِيثِ وَرَدَ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ غَالِبًا لَا لِلتَّقْيِيدِ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْحُكْمِيَّةِ لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ غَيْرِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْمَاءُ، أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَالْمَقْصُودُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَقَدْ زَالَتْ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُهَا) لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالنَّجَاسَةِ بِقِيَامِ عَيْنِهَا فَيَنْعَدِمُ بِزَوَالِهَا، فَلَوْ زَالَتْ بِالْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ طَهُرَتْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُشْتَرَطُ غَسْلُهُ بَعْدَهَا مَرَّتَيْنِ اعْتِبَارًا بِغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ.
قَالَ: (وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرٍ يَشُقُّ زَوَالُهُ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي دَمِ الْحَيْضِ: " اغْسِلِيهِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(1/35)

وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيَّةٍ فَطَهَارَتُهَا أَنْ يَغْسِلَهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ (ف) وَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ أَوْ بِالسَّبْعِ قَطْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّرُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.

وَالِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ مِنْ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ إِلَّا الرِّيحَ، وَيَجُوزُ بِالْحَجَرِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ (ف) يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنْقِيَهُ، وَالْغَسْلُ أَفْضَلُ، وَإِذَا تَعَدَّتِ النَّجَاسَةُ الْمَخْرَجَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا الْغَسْلُ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيَّةٍ فَطَهَارَتُهَا أَنْ يَغْسِلَهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ) لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ دَلِيلٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْيَقِينِ.
قَالَ: (وَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ أَوْ بِالسَّبْعِ قَطْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّرُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ) وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهَا قَبْلَ الثَّلَاثِ لِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ. وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِذَا غَسَلَهُ مَرَّةً سَابِغَةً طَهُرَ، وَمَا لَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ كَالْآجُرِّ وَالْخَزَفِ، وَالْحِنْطَةِ إِذَا تَشَرَّبَتْ فِيهَا النَّجَاسَةُ، وَالْجِلْدِ إِذَا دُبِغَ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ، وَالسِّكِّينِ إِذَا مُوِّهَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ، وَاللَّحْمِ إِذَا طُبِخَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَطْهُرُ أَبَدًا لِعَدَمِ الْعَصْرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: طَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ ثَلَاثًا، وَتُمَوَّهُ السِّكِّينُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثًا، وَتُطْبَخَ الْحِنْطَةُ وَاللَّحْمُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثًا، وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.

[حكم الاستنجاء]
فَصْلٌ (وَالِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ مِنْ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ إِلَّا الرِّيحَ) . اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ. وَاجِبَانِ:
أَحَدُهُمَا غَسْلُ نَجَاسَةِ الْمَخْرَجِ فِي الْغُسْلِ عَنِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَيْ لَا يَشِيعَ فِي بَدَنِهِ.
وَالثَّانِي إِذَا تَجَاوَزَتْ مَخْرَجَهَا يَجِبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ إِذَا تَجَاوَزَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ لِجَوَازِ الِاسْتِجْمَارِ فِيهِ، فَيَبْقَى الْمُعْتَبَرُ مَا وَرَاءَهُ.
وَالثَّالِثُ سُنَّةٌ، وَهُوَ إِذَا لَمْ تَتَجَاوَزِ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا فَغَسْلُهَا سُنَّةٌ.
وَالرَّابِعُ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ إِذَا بَالَ وَلَمْ يَتَغَوَّطْ يَغْسِلُ قُبُلَهُ.
وَالْخَامِسُ بِدْعَةٌ، وَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنَ الرِّيحِ إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْحَدَثُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بِالْحَجَرِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِنْقَاءُ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَ جَازَ.
(وَالْغَسْلُ) بِالْمَاءِ. (أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِنْقَاءِ وَالنَّظَافَةِ.
قَالَ: (وَإِذَا تَعَدَّتِ النَّجَاسَةُ الْمَخْرَجَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا الْغَسْلُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
قَالَ: (وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ
(1/36)

وَلَا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ وَلَا بِطَعَامٍ، وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الْخَلَاءِ.

كتاب الصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ.
(وَلَا بِطَعَامِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، فَإِنِ اسْتَنْجَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَازَ وَيُكْرَهُ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ فَلَا يَمْنَعُ حُصُولَ الطَّهَارَةِ كَالِاسْتِنْجَاءِ بِثَوْبِ الْغَيْرِ وَمَائِهِ.
قَالَ: (وَيُكَرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الْخَلَاءِ) فِي الْبُيُوتِ وَالصَّحَارَى، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الِاسْتِدْبَارِ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَابِلٍ لِلْقِبْلَةِ، وَمَا يَنْحَطُّ مِنْهُ يَنْحَطُّ نَحْوَ الْأَرْضِ، وَلَا يَسْتَعْمِلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَيَسْتَنْجِي بِعَرْضِهَا لَا بِرُءُوسِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ ; وَقِيلَ: تَسْتَنْجِي بِرُءُوسِ أَصَابِعِهَا.

[كتاب الصلاة]
[تعريف الصلاة]
كِتَابُ الصَّلَاةِ الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيِ ادْعُ لَهُمْ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» أَيْ: دَعَتْ لَكُمْ، وَقَالَ الْأَعْشَى:
وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ
أَيْ دَعَا.
وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ أَرْكَانٍ مَخْصُوصَةٍ وَأَذْكَارٍ مَعْلُومَةٍ بِشَرَائِطٍ مَحْصُورَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مُقَدَّرَةٍ. وَهِيَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَلَا يَسَعُ تَرْكُهَا، ثَبَتَتْ فَرَضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] أَيْ فَرْضًا مُوَقَّتًا. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/37)

وَقْتُ الْفَجْرِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي الْمُعْتَرِضُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ (سم ف) سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» ، وَعَلَيْهَا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ. وَسَبَبُ وُجُوبِهَا الْوَقْتُ بِدَلِيلِ إِضَافَتِهَا إِلَيْهِ، وَهِيَ دَلَالَةُ السَّبَبِيَّةِ، كَحَدِّ الزِّنَا، وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَيَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ مُطْلَقٍ لِلْمُكَلَّفِ تَعْيِينُهُ بِالْأَدَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَلِّ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْجُزْءَ لِلْوُجُوبِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَثِمَ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِي مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ.

[أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الخمس]
قَالَ: (وَقْتُ الْفَجْرِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي الْمُعْتَرِضُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) الْفَجْرُ فَجْرَانِ: كَاذِبٌ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو طُولًا ثُمَّ تَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ، فَلَا يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَلَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ عَلَى الصَّائِمِ. وَصَادِقٌ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، فَيَحْرُمُ بِهِ السُّحُورُ، وَيَدْخُلُ بِهِ وَقْتُ الْفَجْرِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» .
قَالَ: (وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ) وَلَا خِلَافَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِهِ، فَالْمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى رِوَايَةَ أَسَدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَيْهِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ. لَهُمَا إِمَامَةُ جِبْرِيلَ، وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ مَرَّتَيْنِ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كَلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينِ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَقَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ» . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَلَا إِبْرَادَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، لِأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ قَبْلَهُ خُصُوصًا فِي الْحِجَازِ، وَكَذَا آخِرُ حَدِيثِ الْإِمَامَةِ حُجَّةٌ لَهُ؛ لِأَنَّ إِمَامَتَهُ الظُّهْرَ حِينَ صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ دَلِيلُ أَنَّهُ وَقْتُ الظُّهْرِ لَا وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَإِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ فِي خُرُوجِهِ لَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ.
(1/38)

وَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى الِاخْتِلَافِ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ، وَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ، وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، وَوَقْتُ الْوِتْرِ وَقْتُ الْعِشَاءِ.

الْإِسْفَارُ (ف) بِالْفَجْرِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى الِاخْتِلَافِ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» ، جَعَلَهَا فَائِتَةً بِالْغُرُوبِ فَدَلَّ أَنَّهُ آخِرُ وَقْتِهَا.
(وَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ) لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَسْقُطُ الشَّمْسُ» ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
(وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ» ، وَالشَّفَقُ: الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الْحُمْرَةِ. وَقَالَا: هُوَ الْحُمْرَةُ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَسَدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ نَقَلَ عَنِ الْخَلِيلِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِذَا اسْوَدَّ الْأُفُقُ» . وَعَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ الْبَيَاضُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعَائِشَةَ وَمُعَاذٍ.
(وَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ) بِلَا خِلَافٍ.
(وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَآخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ» .
(وَوَقْتُ الْوِتْرِ وَقْتُ الْعِشَاءِ) إِلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيمِ الْعِشَاءِ. وَقَالَا: أَوَّلُ وَقْتِ الْوَتْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي صِفَتِهَا، فَعِنْدَهُ هِيَ وَاجِبَةٌ، وَالْوَقْتُ إِذَا جَمَعَ صَلَاتَيْنِ وَاجِبَتَيْنِ فَهُوَ وَقْتُهُمَا، وَإِنْ أُمِرَ بِتَقْدِيمِ إِحْدَاهُمَا كَالْوَقْتِيَّةِ وَالْفَائِتَةِ، وَعِنْدَهُمَا هِيَ سُنَّةٌ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالْفَرَاغِ مِنَ الْفَرْضِ كَسَائِرِ السُّنَنِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَلَا وَهِيَ الْوَتْرُ» .

[الْأَوْقَاتُ الْمُسْتَحَبَّةُ لِلصَّلَاةِ وَيُسْتَحَبُّ]
فَصْلٌ (وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «نَوِّرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يَبْدَأُ بِالتَّغْلِيسِ، وَيَخْتِمُ بِالْإِسْفَارِ
(1/39)

وَالْإِبْرَادُ (ف) بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ، وَتَقْدِيمُهَا فِي الشِّتَاءِ، وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ، وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ، وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ آخِرُ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِانْتِبَاهِ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَوْمَ الْغَيْمِ.

فَصْلٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (ف) وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ (ف) عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا وَغُرُوبِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
جَمْعًا بَيْنَ أَحَادِيثِ التَّغْلِيسِ وَالْإِسْفَارِ.
(وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَتَقْدِيمُهَا فِي الشِّتَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ أَبْرَدَ بِهَا» .
قَالَ: (وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ» . وَرَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى تَأْخِيرِ الْعَصْرِ، وَالتَّبْكِيرِ بِالْمَغْرِبِ، وَالتَّنْوِيرِ بِالْفَجْرِ» ، وَالْمُعْتَبَرُ تَغَيُّرُ الْقُرْصِ لَا الضَّوْءُ الَّذِي عَلَى الْحِيطَانِ.
قَالَ: (وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ) وَفِي الزَّمَانِ كُلِّهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» .
قَالَ: (وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَتَأْخِيرُهَا إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ، وَإِلَى مَا بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُقَلِّلُ الْجَمَاعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ آخِرُ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِانْتِبَاهِ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةُ الْمَلَائِكَةِ» ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ.
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَوْمَ الْغَيْمِ) أَمَّا الْفَجْرُ فَلِمَا رَوَيْنَا، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَلِئَلَّا يَقَعَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلِئَلَّا يَقَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَأَمَّا تَعْجِيلُ الْعَصْرِ فَلِئَلَّا يَقَعَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَلِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ لِمَجِيءِ الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ.

[فصل الْأَوْقَاتُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ]
فَصْلٌ (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا وَغُرُوبِهَا)
(1/40)

إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَلَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ (ف) الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ (ف) ، وَلَا إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ (ف)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا: عَنَدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَنْ نَقْبُرَ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ مِنَ السَّاعَاتِ سَاعَاتٌ أَفْضَلُ مِنَ الْأُخْرَى؟ قَالَ: " جَوْفُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ فَإِنَّهَا مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ انْتَهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَمَا دَامَتْ كَالْحَجَفَةِ فَأَمْسِكْ حَتَّى تُشْرِقَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ وَيَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّهَا مَشْهُودَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى يَقُومَ الْعَمُودُ عَلَى ظِلِّهِ ثُمَّ انْتَهِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ يُسَجَّرُ فِيهَا الْجَحِيمُ ثُمَّ صَلِّ إِذَا زَالَتْ إِلَى الْعَصْرِ ثُمَّ انْتَهِ فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» .
قَالَ: (إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ) لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنَ الْوَقْتِ كَمَا بَيَّنَّا فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» .
وَقَالَ: (وَلَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» : وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَيَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ وَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ شَغْلُ جَمِيعِ الْوَقْتِ بِالْفَرْضِ، إِذْ ثَوَابُ الْفَرْضِ أَعْظَمُ، فَلَا يَظْهَرُ النَّهْيُ فِي حَقِّ فَرْضٍ مِثْلِهِ، وَظَهَرَ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ لِأَنَّهُ دُونَهُ، قَالَ: (وَلَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَفِي الثَّانِي تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
(وَلَا إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» .
قَالَ: (وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] أَيْ مُؤَقَّتًا، وَفِي الْجَمْعِ تَغْيِيرُ الْوَقْتِ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ فِعْلًا لَا وَقْتًا، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/41)

إِلَّا بعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ.

بَابُ الْأَذَانِ وَصِفَتُهُ مَعْرُوفَةٌ وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ، وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ (ف) ، وَيَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ» ، وَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى آخَرِ وَقْتِهَا، وَيُقَدِّمُ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
قَالَ: (إِلَّا بِعَرَفَةَ) بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
(وَالْمُزْدَلِفَةُ) بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَسَيَأْتِيكَ فِي الْمَنَاسِكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[بَابُ الْأَذَان والإقامة]
بَابُ الْأَذَانِ
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الْإِعْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] .
وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَلْفَاظٍ مَعْلُومَةٍ مَأْثُورَةٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُحْكَمَةٌ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْمٍ صَلُّوا فِي الْمِصْرِ بِجَمَاعَةٍ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ: خَالَفُوا السُّنَّةَ وَأَثِمُوا، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ لَقَاتَلْتُهُمْ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْوَاجِبِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ كَالْوَاجِبِ فِي الْإِثْمِ بِتَرْكِهَا، وَإِنَّمَا يُقَاتِلُ عَلَى تَرْكِهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ وَشَعَائِرِهِ.
(وَصِفَتُهُ مَعْرُوفَةٌ) وَهِيَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. هَكَذَا حَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَذَانَ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلِّمْهُ بِلَالًا فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا» وَعَلَّمَهُ فَكَانَ يُؤَذِّنُ بِهِ.
قَالَ: (وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ رَوَوْا أَذَانَ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْأَذَانِ لَمْ يَرْوُوا التَّرْجِيعَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ قَالْوا: ثُمَّ صَبَرَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِيهِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا تَرْجِيعَ فِي الْإِقَامَةِ إِجْمَاعًا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَقَّنَ أَبَا مَحْذُورَةَ الْأَذَانَ وَأَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ» فَإِنَّهُ كَانَ تَعْلِيمًا، وَالتَّعْلِيمُ غَالِبًا يَرْجِعُ فِيهِ لِلْحِفْظِ فَظَنَّهُ مِنَ الْأَذَانِ، وَالتَّرْجِيعُ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ بِهِمَا صَوْتَهُ.
قَالَ: " وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ، وَيَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ
(1/42)

الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ، وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ، يَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ، وَيُرَتِّلُ الْأَذَانَ، وَيَحْدُرُ الْإِقَامَةَ، وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ، وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَذَانَ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ: أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ.
قَالَ: (وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ) ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِمَا فِيهَا، وَلِأَنَّ لَهَا أَوْقَاتًا مَعْلُومَةً، وَتُؤَدَّى فِي الْجَمَاعَاتِ فَتَحْتَاجُ إِلَى الْإِعْلَامِ وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ جَازَ، وَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ. أَمَّا الْجَوَازُ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي دَارِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ وَيَقُولُ: يَجْزِينَا أَذَانُ الْمُقِيمِينَ حَوْلَنَا وَفِعْلُهُ أَفْضَلٌ لِأَنَّهُمَا أَذْكَارٌ تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَذْكَارِ.
قَالَ: (وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ بِلَالًا أَتَى بَابَ حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُعْلِمَهُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ رَاقِدٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا أَحْسَنَ هَذَا، اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ» ، وَتَوَارَثَتْهُ الْأُمَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَا تَثْوِيبَ فِي غَيْرِ أَذَانِ الْفَجْرِ لِقَوْلِ بِلَالٍ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا بِلَالُ ثَوِّبْ بِالْفَجْرِ وَلَا تُثَوِّبْ فِي غَيْرِهَا» ، وَلِأَنَّ الْفَجْرَ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلْأُمَرَاءِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ نَصَبَ مَنْ يُعْلِمُهُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ; قِيلَ: وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَكُلُّ مَنْ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ; وَقِيلَ: فِي زَمَانِنَا يُثَوِّبُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَالتَّثْوِيبُ: زِيَادَةُ الْإِعْلَامِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِمَا يَتَعَارَفُهُ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ.
قَالَ: (وَيُرَتِّلُ الْأَذَانَ وَيَحْدُرُ الْإِقَامَةَ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا.
(وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) لِحَدِيثِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ اسْتَقْبَلَ بِهِمَا الْقِبْلَةَ.
(وَيَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا وَقَالَ: «إِنَّهُ أَنْدَى لِصَوْتِكَ» .
(وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ) وَقَدَمَاهُ مَكَانَهُمَا هَكَذَا نُقِلَ مِنْ فِعْلِ بِلَالٍ، وَلِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلنَّاسِ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَكْبِيرٌ وَتَهْلِيلٌ.
قَالَ: (وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ)
(1/43)

وَيُكْرَهُ التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ، وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَامَ الْإِمَامُ وَالْجَمَاعَةُ، وَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرُوا، وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ غَائِبًا أَوْ هُوَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَحْضُرَ، وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ، وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ عَلَى طَهَارَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَقَالَا: يَجْلِسُ فِي الْمَغْرِبِ جِلْسَةً خَفِيفَةً؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا سُنَّةٌ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي الْمَغْرِبِ بِالْجِلْسَةِ الْخَفِيفَةِ تَحَرُّزًا عَنِ التَّأْخِيرِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْمُبَادَرَةُ وَفِي الْجِلْسَةِ التَّأْخِيرُ، وَالْفَصْلُ يَحْصُلُ بِالسُّكُوتِ بَيْنَهُمَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ يَحْصُلُ بِاخْتِلَافِ الْمَوْقِفِ وَالنَّغَمَةِ. (وَيُكْرَهُ التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ) لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.
(وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَامَ الْإِمَامُ وَالْجَمَاعَةُ) إِجَابَةً لِلدُّعَاءِ.
(وَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرُوا) تَصْدِيقًا لَهُ، إِذْ هُوَ أَمِينُ الشَّرْعِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُكَبِّرُوا حَتَّى يَفْرُغَ لِيُدْرِكَ الْمُؤَذِّنُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ.
(وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ غَائِبًا أَوْ هُوَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَحْضُرَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قُمْتُ مَقَامِي» وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْقِيَامِ.
(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ.
قَالَ: (وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا) لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ وَفِي ذَلِكَ تَضْلِيلٌ، وَإِنْ أَذَّنَ أَعَادَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُعِيدُ فِي الْفَجْرِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِبِلَالٍ: «لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الْفَجْرُ هَكَذَا وَمَدَّ يَدَهُ عَرْضًا» ، وَأَذَانُ بِلَالٍ لَمْ يَكُنْ لِلصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْكَعَ قَائِمُكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَيَتَسَحَّرَ صِائِمُكُمْ» ، وَالْكَلَامُ فِي الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ وَيُغَيِّرُ النَّظْمَ.
(وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ عَلَى طَهَارَةٍ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، فَتُسْتَحَبُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ كَالْقُرْآنِ، فَإِذَا أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَيُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ أَيْضًا; وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُكْرَهُ؛ لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يُعِيدُ، وَيُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ أَذَانِ الْجُنُبِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَرْأَةِ لِيَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ، وَلَا تُعَادُ الْإِقَامَةُ لِأَنَّ تَكْرَارَهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَيُكْرَهُ الْأَذَانُ قَاعِدًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَوَارَثِ، وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ فَاجِرًا، أَوْ يَأْخُذَ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَالِحًا تَقَيًّا عَالِمًا بِالسُنَّةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، مُوَاظِبًا عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/44)

بَابُ مَا يُفْعَلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَهِيَ سِتُّ فَرَائِضَ: طَهَارَةُ الْبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ، وَطَهَارَةُ الْمَكَانِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةُ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إِلَى تَحْتِ رُكْبَتَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ مَا يُفْعَلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ]
ِ (وَهِيَ سِتُّ فَرَائِضَ: طَهَارَةُ الْبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ، وَطَهَارَةُ الْمَكَانِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةُ) أَمَّا طَهَارَةُ الْبَدَنِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ» الْحَدِيثَ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» ، يُوجِبُ الطَّهَارَةَ عَنِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
وَأَمَّا طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . وَأَمَّا الْمَكَانُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] . وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] قَالَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: هُوَ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَعِمَامَةٍ، وَلَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَوَشَّحُ بِهِ جَازَ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟» حِينَ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ» ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ تَسْتُرَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ رَأْسَهَا وَجَمِيعَ بَدَنِهَا. وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي السَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الصَّلَاةُ فِي السَّرَاوِيلِ يُشْبِهُ فِعْلَ أَهَّلِ الْجَفَاءِ، وَفِي الثَّوْبِ يُتَوَشَّحُ بِهِ أَبْعَدُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَفِي قَمِيصٍ وَرِدَاءٍ عَادَةُ النَّاسِ.
قَالَ: (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إِلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ رُكْبَتَيْهِ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الرُّكْبَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ» وَلِأَنَّ الرُّكْبَةَ مُلْتَقَى عَظْمِ السَّاقِ وَالْفَخِذِ، فَقُلْنَا بِكَوْنِهَا عَوْرَةً احْتِيَاطًا.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ) بَلْ أَوْلَى.
(وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ) لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مُشْتَهًى، فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ
(1/45)

وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا ; وَفِي الْقَدَمِ رِوَايَتَانِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِيًا، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِيَامِ، وَمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَ نَائِيًا عَنْهَا يَتَوَجَّهُ إِلَى جِهَتِهَا، وَإِنْ كَانَ خَائِفًا يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالرُّكْبَةِ، وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ.
قَالَ: (وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحُرَّةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ» .
قَالَ: (إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ. وَمِنْ ضَرُورَةِ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ إِبْدَاءُ مَوْضِعِهَا، فَالْكُحْلُ زِينَةُ الْوَجْهِ، وَالْخَاتَمُ زِينَةُ الْكَفِّ، وَلِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى كَشْفِ ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ.
(وَفِي الْقَدَمِ رِوَايَتَانِ) الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَعَوْرَةٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلَوِ انْكَشَفَ ذِرَاعُهَا جَازَتْ صَلَاتُهَا، لِأَنَّهَا مِنَ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَهُوَ السُّوَارُ، وَتَحْتَاجُ إِلَى كَشْفِهِ فِي الْخِدْمَةِ كَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ، وَسَتْرُهُ أَفْضَلُ. وَالْعَوْرَةُ عَوْرَتَانِ: غَلِيظَةٌ وَهِيَ السَّوْءَتَانِ، وَخَفِيفَةٌ وَهِيَ مَا سِوَاهُمَا، فَالْمَانِعُ مِنَ الْغَلِيظَةِ مَا تَبْدُو زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَفِي الْخَفِيفَةِ رُبُعُ الْعُضْوِ كَمَا فِي النَّجَاسَاتِ، وَالذَّكَرُ عُضْوٌ بِانْفِرَادِهِ، وَكَذَلِكَ الْأُنْثَيَانِ.
قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ) لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، فَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ رُبُعَ الثَّوْبِ أَوْ أَكْثَرَ صَلَّى فِيهِ وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا؛ لِأَنَّ الرُّبُعَ قَائِمٌ مَقَامِ الْكُلِّ شَرْعًا عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الرُّبُعِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا وَاحِدًا، وَالْعُرْيَانُ يَتْرُكُ فُرُوضًا. وَقَالَا: يَتَخَيَّرُ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا وَمَعَ النَّجَاسَةِ مَانِعٌ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا فَكَانَ أَوْلَى.
قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِيًا، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُ ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ، إِلَّا أَنَّ الْقُعُودَ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْإِيمَاءَ خَلَفٌ عَنِ الْأَرْكَانِ وَلَا خَلَفَ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْا كَذَلِكَ.
(وَ) أَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] فَكُلُّ.
(مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَ نَائِيًا عَنْهَا يَتَوَجَّهُ إِلَى جِهَتِهَا) لِقِيَامِ الْجِهَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ مَقَامَ عَيْنِهَا ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ خَائِفًا يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] وَيَسْتَوِي فِيهِ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ وَالسَّبُعِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَشَبَةٍ فِي الْبَحْرِ يَخَافُ إِنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ غَرِقَ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ
(1/46)

وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ اجْتَهَدَ وَصَلَّى وَلَا يُعِيدُ (ف) وَإِنْ أَخْطَأَ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ وَبَنَى، وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَأَخْطَأَ أَعَادَ، وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا نِيَّةً مُتَّصِلَةً بِالتَّحْرِيمَةِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ وَلَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِالْعُذْرِ، وَالْقِبْلَةُ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ وَالْهَوَاءُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْبِنَاءِ لِأَنَّهُ يُنْقَلُ، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إِلَى حِجَارَتِهِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ أَعْلَى مِنَ الْكَعْبَةِ جَازَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْبِنَاءِ.
قَالَ: (وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُ اجْتَهَدَ وَصَلَّى، وَلَا يُعِيدُ وَإِنْ أَخْطَأَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الْقِبْلَةُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى جِهَةٍ وَخَطَّ بَيْنَ يَدَيْهِ خَطًّا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَجَدُوا الْخُطُوطَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: تَمَّتْ صَلَاتُكُمْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا إِعَادَةَ عَلَيْكُمْ» ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي إِذِ التَّكْلِيفُ بِقَدْرِ الْوُسْعِ.
قَالَ: (فَإِنْ عَلِمَ بِالْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ وَبَنَى) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمْ نَسَخُ الْقِبْلَةِ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرَ اسْتَدَارُوا إِلَيْهَا» ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِالْقِبْلَةِ صَارَ فَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا فَيَسْتَدِيرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَحْسَنَ فِعْلَ أَهْلِ قُبَاءَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَأَخْطَأَ أَعَادَ) وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ فَلَمْ يَسْأَلْهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبَ الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّحَرِّي وَالسُّؤَالِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَوْ شَرَعَ لَا بِالتَّحَرِّي ثُمَّ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَصَابَ يَسْتَأْنِفُ التَّحْرِيمَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَمْضِي فِيهَا، لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا يَسْتَأْنِفُ إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَلَهُمَا أَنَّ حَالَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ أَقْوَى لِتَيَقُّنِهِ بِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ، وَلِهَذَا قُلْنَا: الْمُومِي إِذَا قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَبْنِي، لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ كَذَا هُنَا، وَمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا فَسَدَتْ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جَائِزَةٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ إِصَابَةُ الْقِبْلَةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا لَزِمَهُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَهُوَ الصَّلَاةُ إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي، فَصَارَ كَمَا إِذَا تَرَكَ النِّيَّةَ وَنَحْوَهَا. وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» ، وَلِأَنَّهُ لَا إِخْلَاصَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْإِخْلَاصِ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] .
قَالَ: (وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا نِيَّةً مُتَّصِلَةً بِالتَّحْرِيمَةِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيُّ صَلَاةٍ هِيَ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ
(1/47)

وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْمُتَابَعَةَ.

بَابُ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ
وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْشَعَ فِي صَلَاتِهِ وَيَكُونَ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَمَلُ الْقَلْبِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ، وَذِكْرُهَا بِاللِّسَانِ سُنَّةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ ; وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلشُّرُوعِ: أَيْ مُخَالِطًا لِلتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْفَرْضَ فِي جَمَاعَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْإِمَامِ كَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى نِيَّتِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا نَوَى، ثُمَّ إِنْ كَانَ يُرِيدُ التَّطَوُّعَ يَكْفِيهِ نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْقَضَاءِ يُعَيِّنُ الْفَرْضَ، وَفِي الْوَقْتِيَّةِ يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ ظَهْرَ الْوَقْتِ.
(وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْمُتَابَعَةَ) أَوْ يَنْوِي الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ.

[بَابُ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ]
ِ قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْشَعَ فِي صَلَاتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى كَانَ لِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ» .
(وَيَكُونُ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ فِي صَلَاتِهِ مَوْضِعَ سُجُودِهِ تَخَشُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى» ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ مِنْ إِرْسَالِ الطَّرْفِ يَمِينًا وَشِمَالًا.
قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ» ، وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِنِ افْتَتَحَ بِلَفْظٍ آخَرَ يَشْتَمِلُ عَلَى الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ كَالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ أَوْ بِاسْمٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ الْأَكْبَرُ، اللَّهُ الْكَبِيرُ، اللَّهُ كَبِيرٌ، إِلَّا أَنْ لَا يُحْسِنُهُ ; لِأَنَّ الْمُتَوَارَثَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَفْعَلُ وَفَعِيلٌ سَوَاءٌ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى. وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] نَزَلَتْ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَقَدِ اعْتَبَرَ مُطْلَقَ الذِّكْرِ، وَتَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ. وَلَوِ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَوِ الرَّحْمَنُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِوُجُودِ الذِّكْرِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ الصِّفَةَ كَقَوْلِهِ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَمَعْنَاهُ: يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ خَلَفٌ عَنِ النِّدَاءِ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْظِيمٍ خَالِصٍ، وَلَوِ افْتَتَحَ الْأَخْرَسُ وَالْأُمِّيُّ بِالنِّيَّةِ جَازَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُكَبِّرَ
(1/48)

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِيُحَاذِيَ إِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ (ف) أُذُنَيْهِ، وَلَا يَرْفَعُهُمَا (ف) فِي تَكْبِيرَةٍ سِوَاهَا، ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْغِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ (ف) وَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ (سف) اللَّهُمَّ إِلَى آخِرِهِ، وَيَتَعَوَّذُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمَأْمُومُ مُقَارِنًا لِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَهُ، وَفِي السَّلَامِ بَعْدَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَالْمُسَارَعَةُ إِلَيْهِ أَفْضَلُ، وَالسَّلَامُ خُرُوجٌ مِنْهَا، فَالْإِبْطَاءُ أَفْضَلُ، وَيَحْذِفُ التَّكْبِيرَ وَهُوَ السُّنَّةُ، وَلِأَنَّ الْمَدَّ فِي أَوَّلِهِ كُفْرٌ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِيُحَاذِي إِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ فَارْفَعْ يَدَيْكَ حِذَاءَ أُذُنَيْكَ» ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَهُمَا مَنْصُوبَتَيْنِ حَتَّى تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَعَ الْكَفِّ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَلَا يُفَرِّجُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَهَكَذَا تَكْبِيرَةُ الْقُنُوتِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ.
(وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي تَكْبِيرَةٍ سِوَاهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» ، وَذَكَرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ، وَأَرْبَعًا فِي الْحَجِّ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْغِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» وَالْمَرْأَةُ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَيَقْبِضُ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى رُسْغَ الْيُسْرَى كُلَّمَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ، وَهَكَذَا فِي تَكْبِيرَةِ الْقُنُوتِ وَالْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ قِيَامٌ مُمْتَدٌّ كَالْقِرَاءَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْإِرْسَالَ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، لِأَنَّهَا قَوْمَةٌ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا كَمَا بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ يُرْسِلُهُمَا لِأَنَّ الْوَضْعَ لَا يُفِيدُ لِتَتَابُعِ التَّكْبِيرَاتِ.
قَالَ: (وَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِلَى آخِرِهِ) وَزَادَ مُحَمَّدٌ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - وَجَّهْتُ وَجْهِيَ - إِلَى آخِرِهِ ; لِأَنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَتْ بِهِمَا فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَلَهُمَا مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَبَّرَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ قَرَأَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ» إِلَى آخِرِهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ التَّوَجُّهِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا شُرِعَ التَّسْبِيحُ نُسِخَ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرُّكُوعِ: «رَكَعَ لَكَ ظَهْرِي» ، وَفِي السُّجُودِ: «سَجَدَ لَكَ وَجْهِي» ، فَلَمَّا نَزَلَ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] " جَعَلُوهُ فِي الرُّكُوعِ وَنَزَلَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] فَجَعَلُوهُ فِي السُّجُودِ وَنُسِخَ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
قَالَ: (وَيَتَعَوَّذُ) إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] أَيْ إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَتَعَوَّذُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَعَوَّذُ ; لِأَنَّ التَّعَوُّذَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ وَهُوَ لِلصَّلَاةُ عِنْدَهُ فَإِنَّ التَّعَوُّذَ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ عَنِ الْخَلَلِ
(1/49)

وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيُخْفِيهَا (ف) ، ثُمَّ إِنْ كَانَ إِمَامًا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَقْرَأُ (ف) ، وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ وَيُخْفِيهَا (ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْوَاقِعِ فِيهَا بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَالصَّلَاةُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَفْعَالِ فَكَانَتْ أَوْلَى. وَعِنْدَهُمَا الِافْتِتَاحُ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصِّ وَلَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ لِلْقَضَاءِ يَتَعَوَّذُ عِنْدَهُمَا لِحَاجَتِهِ إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَعِنْدَهُ لَا لِأَنَّهُ تَعَّوَذَ بَعْدَ الثَّنَاءِ. وَفِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَتَعَوَّذُ الْإِمَامُ عِنْدَهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَهُ، وَيُخْفِي التَّعَوُّذَ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «خَمْسٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ: التَّعَوُّذُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَالتَّأْمِينُ، وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَالتَّشَهُّدُ» .
قَالَ (وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَؤُهَا.
قَالَ: (وَيُخْفِيهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانُوا يُخْفُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَجْهَرُ بِهَا فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ، صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ فَقُلِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] » .
قَالَ: (ثُمَّ إِنْ كَانَ إِمَامًا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَالْأَوَّلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُتَوَارَثُ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَيُخْفِي فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» ، وَلِأَنَّهُ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ.
(وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ جَهَرَ) لِأَنَّهُ إِمَامُ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّى خَلْفَهُ صُفُوفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» .
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَقْرَأُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً حِينِ كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ مَأْمُومًا فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» . وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ» .
(وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ وَيُخْفِيهَا) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ - فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا» . وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِخْفَاءَ، وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ
(1/50)

فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَبَّرَ وَرَكَعَ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ، وَلَا يَرْفَعُ رَأَسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (سم ف) ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قَالَ: (فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَبَّرَ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» .
قَالَ: (وَرَكَعَ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ» ، وَالرُّكُوعُ يَتَحَقَّقُ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ; لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الِانْحِنَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ إِلَى حَالِ الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ إِلَى حَالِ الرُّكُوعُ أَقْرَبَ جَازَ.
قَالَ: (وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «إِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَفَرِّقْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ» ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي أَخْذِ الرُّكْبَةِ.
(وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ إِذَا رَكَعَ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحُ مَاءٍ لَاسْتَقَرَّ» . (وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِنَهْيِهِ عَنْ تَدْبِيحٍ كَتَدْبِيحِ الْحِمَارِ ".
(وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ وَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ» ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ التَّطْوِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْفِيرِ الْجَمَاعَةِ.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أَوِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَبِهِمَا وَرَدَ الْأَثَرُ، وَلَا يَجْمَعُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَا: يَجْمَعُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَارِكًا مَا خَصَّ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لَنَا ذِكْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْمَأْمُومُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» ، قَسَّمَ الذِّكْرَيْنِ بَيْنَهُمَا فَيُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَتَى بِالتَّحْمِيدِ يَتَأَخَّرُ عَنْ قَوْلِ الْمَأْمُومِ فَيَصِيرُ الْإِمَامُ تَبَعًا وَلَا يَجُوزُ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ لَا غَيْرَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ: بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَنْفِ جَازَ وَقَدْ أَسَاءَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَبْهَةِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إِسَاءَةَ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ
(1/51)

وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ (زف) ، وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ، وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَجْلِسُ، فَإِذَا جَلَسَ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَنْهَضُ (ف) قَائِمًا وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَّا الِاسْتِفْتَاحَ وَالتَّعَوُّذَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْوَجْهِ، وَالْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ» ، وَلَهُمَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَكِّنْ جَبْهَتَكَ وَأَنْفَكَ مِنَ الْأَرْضِ» ، وَلَهُ أَنَّ الْأَنْفَ مَحَلُّ السُّجُودِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ السُّجُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُذْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لَمَا جَازَ كَالْخَدِّ وَالذَّقَنِ، فَإِذَا سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ يَكُونُ سَاجِدًا، فَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ السُّجُودِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَلِأَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ عَظْمٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ السُّجُودُ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ يَجُوزُ فَكَذَا الْآخَرُ.
قَالَ: (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) هَكَذَا نُقِلَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَيُبْدِي ضَبُعَيْهِ، وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُجَافِي فِي سُجُودِهِ حَتَّى إِنَّ بَهْمَةً لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ لَمَرَّتْ» .
(وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ) «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ افْتِرَاشِ الثَّعْلَبِ» .
(وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ «لَمَّا نَزَلْ قَوْله تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اجْعَلُوهُ فِي سُجُودِكُمْ» .
(وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهُ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ» . وَقَالَ أَيْضًا: «إِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا» ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى السَّرِيرِ وَالْعِرْزَالِ، جَازَ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْحَشِيشِ وَالْقُطْنِ إِنْ وُجِدَ حَجْمُهُ بِجَبْهَتِهِ كَالطَّنْفَسَةِ وَاللِّبَدِ وَالْحَصِيرِ جَازَ.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَجْلِسُ) وَالْوَاجِبُ مِنَ الرَّفْعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْفَصْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْقُعُودِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا.
(فَإِذَا جَلَسَ كَبَّرَ وَسَجَدَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَسْتَوِيَ جَالِسًا» .
(ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَنْهَضُ قَائِمًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» .
قَالَ: (وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرِفَاعَةَ: " ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» .
قَالَ: (إِلَّا الِاسْتِفْتَاحَ) لِأَنَّ مَحَلَّهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ.
(وَالتَّعَوُّذَ) لِأَنَّهُ لِابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُشْرَعَا إِلَّا مَرَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ لَيْسَ بِفَرْضٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَرْضٌ، وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِتْمَامُ الْقِيَامِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
(1/52)

فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ.
وَالتَّشَهُّدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ (ف) وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (ف) ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَهُ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَعْرَابِيٍّ حِينَ أَخَفَّ صَلَاتَهُ: " أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] . وَالطُّمَأْنِينَةُ دَوَامٌ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ عَلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا حَتَّى يَجِبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا سَاهَيًا; وَقِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ.
قَالَ: (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ) هَكَذَا حَكَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَعَائِشَةُ قُعُودَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ.
(وَالتَّشَهُّدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، وَهُوَ تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لِمَا رُوِيَ: " أَنَّ حَمَّادًا أَخَذَ بِيَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَقَالَ: أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ بِيَدِي وَعَلَّمَنِي، وَأَخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَّمَهُ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِ عَلْقَمَةَ وَعَلَّمَهُ، «وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، فَقَالَ: قُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» ، إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ أَخْذَهُ بِيَدِهِ وَأَمْرَهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ. وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي التَّشَهُّدِ أَحْسَنُ مِنْ إِسْنَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ; وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ وَاوِ الْعَطْفِ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الثَّنَاءِ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَتَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ثَنَاءٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ صِفَةٌ لِبَعْضٍ، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ، وَقِيلَ: هِيَ وَاجِبَةٌ حَتَّى يَجِبَ بِتَرْكِهَا سَاهِيًا سُجُودُ السَّهْوِ، وَقِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ فِيهَا سُنَّةٌ; وَقِيلَ: وَاجِبٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَوْجَبَ سُجُودَ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ، وَلَا يَجِبُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ.
قَالَ: (وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» .
(ثُمَّ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا) لِأَنَّهُ
(1/53)

وَيَقْرَأُ فِيهِمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَيَجْلِسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ.

فَصْلٌ
الْوِتْرُ وَاجِبٌ (سم ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَتَمَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ الشَّفْعُ الثَّانِي فَيَنْتَقِلُ إِلَيْهِ.
(وَيَقْرَأُ فِيهِمَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ) وَهِيَ سُنَّةٌ بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَاجِبَةٌ، وَلَوْ تَرَكَهَا سَاهِيًا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ. وَفِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ لَوْ سَكَتَ فِيهِمَا عَامِدًا كَانَ مُسِيئًا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَا سَهْوَ عَلَيْهِ.
(وَيَجْلِسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ) كَمَا بَيَّنَّا فِي الْأَوَّلِ لِمَا رَوَيْنَا.
(وَيَتَشَهَّدُ) كَمَا قُلْنَا.
(وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهُوَ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلَتْ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» ، عَلَّقَ التَّمَامَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَيَتِمُّ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا خَارِجَ الصَّلَاةِ عَمَلًا بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ بِهَا فِي الْقُرْآنِ فَلَا يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ اخْتَرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَطْيَبَهُ» وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَرْضٌ وَالتَّشَهُّدُ فِيهَا وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ: «إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ آخَرِ سَجْدَةٍ وَقَعَدْتَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْقَعْدَةِ دُونَ التَّشَهُّدِ، وَمِقْدَارُ الْفَرْضِ فِي الْقُعُودِ مِقْدَارُ التَّشَهُّدِ.
قَالَ: (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» وَيَنْوِي بِالْأُولَى مِنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ، وَبِالْأُخْرَى كَذَلِكَ لِأَنَّهُ خِطَابُ الْحَاضِرِينَ، وَيَنْوِي الْإِمَامُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ حِذَاءَهُ يَنْوِيهِ فِيهِمَا، وَقِيلَ فِي الْيَمِينِ، وَالْمُنْفَرِدُ يَنْوِي الْحَفَظَةَ لَا غَيْرَ. وَالْخُرُوجُ بِلَفْظِ السَّلَامِ لَيْسَ بِفَرْضٍ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَّهُ يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ السُّنَّةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.

[بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ]
فَصْلٌ (الْوَتْرُ وَاجِبٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً إِلَى صَلَاتِكُمُ
(1/54)

وَهِيَ ثَلَاثُ (ف) رَكَعَاتٍ كَالْمَغْرِبِ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ، وَيَقْرَأُ فِي جَمِيعِهَا، وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (ف) ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْنُتُ، وَلَا قُنُوتَ فِي غَيْرِهَا (ف) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْخَمْسِ أَلَا وَهِيَ الْوَتْرُ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا» وَالزِّيَادَةُ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، وَقَضِيَّتُهِ الْفَرْضِيَّةُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ فَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هِيَ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ: الْوَتْرُ، وَالضُّحَى، وَالْأَضْحَى» ، قُلْنَا الْكِتَابَةُ هِيَ الْفَرْضُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] أَيْ فَرْضًا مُوَقَّتًا، وَيُقَالُ لِلْفَرَائِضَ الْمَكْتُوبَاتِ، فَكَانَ نَفْيُ الْكِتَابَةِ نَفِيَ الْفَرْضِيَّةِ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْفَرْضِيَّةِ بَلْ بِالْوُجُوبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ» أَيْ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهَا وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَهِيَ عِنْدَهُمَا أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ جَمِيعِ السُّنَنِ حَتَّى لَا تَجُوزَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَا عَلَى رَاحِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَتُقْضَى ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ: (وَهِيَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَالْمَغْرِبِ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» .
قَالَ: (وَيَقْرَأُ فِي جَمِيعِهَا) وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِهَا وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، هَكَذَا نَقَلَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَتْ فِي وُجُوبِهَا وَجَبَتِ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهَا احْتِيَاطًا. قَالَ: (وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَيُكَبِّرُ) لِمَا مَرَّ (ثُمَّ يَقْنُتُ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ» وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ، وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَاللَّهُمَّ اهْدِنَا» ، قَالْوا: وَمَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الدُّعَاءَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مِرَارًا: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201] الْآيَةَ. وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ وُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ.
قَالَ: (وَلَا قُنُوتَ فِي غَيْرِهَا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَّا شَهْرًا لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ» . وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» . وَمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ» ، مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِمَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ، فَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْنُتُ يُتَابِعُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِئَلَّا يُخَالِفَ إِمَامَهُ. وَعِنْدَهُمَا لَا يُتَابِعُهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ،
(1/55)

فَصْلٌ
الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ سُنَّةٌ (ف) فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِمَا أَجْزَأَهُ (ف) ، وَمِقْدَارُ الْفَرْضِ آيَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (سم ف) ، وَالْوَاجِبُ الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ أَوْ ثَلَاثُ آيَاتٍ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَفِي الْمَغْرِبِ قِصَارُهُ، وَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالسَّفَرِ يُقْرَأُ بِقَدْرِ الْحَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَصَارَ كَالتَّكْبِيرَةِ الْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَسْكُتُ قَائِمًا، وَلَوْ سَهَا عَنِ الْقُنُوتِ فَرَكَعَ ثُمَّ ذَكَرَ لَا يَعُودُ، وَعَنْ أْبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْقُنُوتِ ثُمَّ يَرْكَعُ.

[بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ (الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَلَا يُفْتَرَضُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَيَيْنِ قِرَاءَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ» ، أَيْ تَنُوبُ عَنْهَا كَقَوْلِهِمْ: لِسَانُ الْوَزِيرِ لِسَانُ الْأَمِيرِ.
(سُنَّةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِمَا أَجْزَأَهُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
قَالَ: (وَمِقْدَارُ الْفَرْضِ آيَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) وَقَالَا: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ تَعْدِلُهَا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِلْمُعْجِزِ وَلَا مُعْجِزَ دُونَ ذَلِكَ. وَلَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَمَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ، وَلَا يُفْتَرَضُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا يَجُوزُ نَسْخُ إِطْلَاقِ الْكِتَابِ بِهِمَا فَيُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا قُلْنَا.
(وَالْوَاجِبُ الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ أَوْ ثَلَاثُ آيَاتٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ سَاهِيًا.
(وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَفِي الْمَغْرِبِ قِصَارُهُ) هَكَذَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا تَوْقِيفًا، وَقِيلَ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ. وَرَوَى ابْنُ زِيَادٍ: مِنْ سِتِّينَ إِلَى مِائَةٍ بِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَتِ الْآثَارُ; وَقِيلَ: الْمِائَةُ لِلزُّهَّادِ وَالسِتُّونَ فِي الْجَمَاعَاتِ الْمَعْهُودَةِ، وَالْأَرْبَعُونَ فِي مَسَاجِدِ الشَّوَارِعِ، وَفِي الظُّهْرِ ثَلَاثُونَ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ عِشْرُونَ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِمَامَ يَقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ فِي حَالَةِ الْحَضَرِ الْأَكْثَرَ تَحْصِيلًا لِلثَّوَابِ.
(وَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالسَّفَرِ يَقْرَأُ بِقَدْرِ الْحَالِ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَالسُنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةً تَامَّةً مَعَ الْفَاتِحَةِ، وَيُسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَإِنْ فَعَلَ لَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ سُورَةٌ فِي رَكْعَتَيْنِ.
(1/56)

وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَيُكْرَهُ تَعْيِينُهُ.
فَصْلٌ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ أَقْرَؤُهُمْ، ثُمَّ أَوْرَعُهُمْ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا، وَلَا يُطَوِّلُ بِهِمُ الصَّلَاةَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ.
(وَيُكْرَهُ تَعْيِينُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ هُجْرَانِ الْبَاقِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَيْسَرَ عَلَيْهِ، أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى مِنَ الْفَجْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ إِعَانَةً لِلنَّاسِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ، وَيُكْرَهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، كَذَا نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قُلْنَا: الرَّكْعَتَانِ اسْتَوَتَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْقِرَاءَةِ فَلَا وَجْهَ إِلَى التَّفْضِيلِ بِخِلَافِ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطْوِيلِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ.

[بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]
فَصْلٌ (الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْجَمَاعَةُ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقُ إِلَى قَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» ، وَهَذَا أَمَارَةُ التَّأْكِيدِ، وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَسْعُ تَرْكُهَا إِلَّا لِعُذْرٍ، وَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مِصْرٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا، فَإِنْ قَبِلُوا وَإِلَّا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ: (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) إِذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَيَجْتَنِبُ الْفَوَاحِشَ الظَّاهِرَةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَقْرَؤُهُمْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» ، قُلْنَا: الْحَاجَةُ إِلَى الْعِلْمِ أَكْثَرُ فَكَانَ أَوْلَى وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ فَكَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَعْلَمَهُمْ.
(ثُمَّ أَقْرَؤُهُمْ) لِلْحَدِيثِ.
(ثُمَّ أَوْرَعُهُمْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» .
(ثُمَّ أَسَنُّهُمْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَإِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلِيَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا» .
(ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا) . وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ كَانَ وَصْفُهُ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَمَاعَةِ كَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ كُلَّمَا كَثُرَتْ كَانَ أَفْضَلَ حَتَّى قَالْوا يُكْرَهُ لِمَنْ يُكْثِرُ التَّنَحْنُحَ فِي الْقِرَاءَةِ أَنْ يَؤُمَّ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَقِفُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْوَقْفِ، وَلَا يَقِفُ فِي مَوَاضِعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ: (وَلَا يُطَوِّلُ بِهِمُ الصَّلَاةَ) عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إِلَى التَّنْفِيرِ، بَلْ يُخَفِّفُ تَخْفِيفًا عَنْ تَمَامٍ لِحَدِيثِ
(1/57)

وَيُكْرَهُ إِمَامَةُ الْعَبْدِ (ف) وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْأَعْمَى (ف) وَالْفَاسِقِ وَوَلَدِ الزِّنَا (ف) وَالْمُبْتَدِعِ، وَلَوْ تَقَدَّمُوا وَصَلَّوْا جَازَ، وَلَا تَجُوزُ إِمَامَةُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (ف) لِلرِّجَالِ، وَمَنْ صَلَّى بِوَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنْ صَلَّى بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَفُّ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ، وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا (ف) الْإِمَامُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مُعَاذٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُطَوِّلُ بِهِمُ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ صَلِّ بِالْقَوْمِ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» .
قَالَ: (وَيُكْرَهُ إِمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْأَعْمَى وَالْفَاسِقِ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْمُبْتَدِعِ) لِأَنَّ إِمَامَتَهُمْ تُقَلِّلُ الْجَمَاعَاتِ، لِسُقُوطِ مَنْزِلَةِ الْعَبْدِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ الْجَهْلُ. قَالَ تَعَالَى: {وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] وَالْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ، وَالْأَعْمَى لَا يَجْتَنِبُ النَّجَاسَاتِ، وَوَلَدِ الزِّنَا يُسْتَخَفُّ بِهِ عَادَةً، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ.
(وَلَوْ تَقَدَّمُوا وَصَلَّوْا جَازَ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهِمْ لِمَا ذُكِرَ مِنَ النَّقَائِصِ، وَلَوْ عَدِمَتْ بِأَنْ كَانَ الْعَرَبِيُّ أَفْضَلَ مِنَ الْحَضَرِيِّ، وَالْعَبْدُ مِنَ الْحُرِّ، وَوَلَدُ الزِّنَا مِنْ وَلَدِ الرِّشْدَةِ، وَالْأَعْمَى مِنَ الْبَصِيرِ فَالْحُكْمُ بِالضِّدِّ. وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامُ الْقَوْمِ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَوْ هَوًى. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ إِمَامَةُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِلرِّجَالِ) أَمَّا النِّسَاءُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» ، وَإِنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّقْدِيمِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّ صَلَاتَهُ تَقَعُ نَفْلًا فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي التَّرَاوِيحِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ نَفْلَهُ أَضْعَفُ مِنْ نَفْلِ الْبَالِغِ فَلَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى بِوَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقَفْتُ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِي فأَدَارَنِي إِلَى يَمِينِهِ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ أَوْلَى، وَأَنَّ الْقِيَامَ عَنْ يَسَارِهِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ الْفِعْلَ الْيَسِيرَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ.
قَالَ: (فَإِنْ صَلَّى بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «أَقَامَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ وَرَاءَنَا» ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» . قَالَ: (وَيُصَفُّ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ) أَمَّا الرِّجَالُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِيَلِنِي أُولُو الْأَحْلَامِ مِنْكُمْ» ، وَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَلِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَمَّا الْخَنَاثَى فَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ إِنَاثًا، وَأَمَّا تَقْدِيمُهُمْ عَلَى النِّسَاءِ فَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ ذُكُورًا.
قَالَ: (وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا الْإِمَامُ) وَقَالَ زُفَرُ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالرَّجُلِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مِنْ جِهَتِهَا ضَرَرٌ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ بِأَنْ تَقِفَ فِي جَنْبِهِ
(1/58)

وَإِذَا قَامَتْ إِلَى جَانِبِ رَجُلٍ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ فَسَدَتْ (ف) صَلَاتُهُ، وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ، وَأَنْ يُصَلِّينَ جَمَاعَةً (ف) ، فَإِنْ فَعَلْنَ وَقَفَتِ الْإِمَامُ وَسْطَهُنَّ، وَلَا يَقْتَدِي الطَّاهِرُ بِصَاحِبِ عُذْرٍ (ف) ، وَلَا الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ، وَلَا الْمُكْتَسِي (ف) بِالْعُرْيَانِ، وَلَا مَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ (ف) بِالْمُومِي وَلَا الْمُفْتَرِضُ (ف) بِالْمُتَنَفِّلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَتُفْسِدُ صَلَاتَهُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ ذَلِكَ بِتَرْكِ النِّيَّةِ.
قَالَ: (وَإِذَا قَامَتْ إِلَى جَانِبِ رَجُلٍ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَفْسَدُ كَمَا لَا تَفْسَدُ صَلَاتُهَا. وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمَقَامِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَأْخِيرِهَا وَهُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْأَمْرِ دُونَهَا فَتَفْسُدُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ قَامَتْ فِي الصَّفِّ أَفْسَدَتْ صَلَاةَ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا وَخَلْفَهَا بِحِذَائِهَا، وَالثِّنْتَانِ تُفْسِدَانِ صَلَاةَ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَنْ يَمِينِ إِحْدَاهُمَا وَيَسَارِ الْأُخْرَى وَاثْنَيْنِ خَلْفَهُمَا، وَالثَّلَاثُ يُفْسِدْنَ صَلَاةَ خَمْسَةٍ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: يُفْسِدْنَ صَلَاةَ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ إِلَى آخِرِ الصُّفُوفِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَرْأَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ صَفًّا تَامًّا فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُنَّ مِنَ الصُّفُوفِ وَشَرْطُ الْمُحَاذَاةِ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُشْتَرَكَةٌ وَأَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةٌ، وَالِاسْتِوَاءُ فِي الْبُقْعَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ، وَأَدْنَاهُ مِثْلُ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَهَذَا فِي الشَّوَابِّ بِالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْعَجَائِزُ فَيَخْرُجْنَ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَقَالَ: يَخْرُجْنَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي حَقِّهِنَّ. وَلَهُ أَنَّ الْفُسَّاقَ يَنْتَشِرُونَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ يَشْتَغِلُونَ بِالْعِشَاءِ، وَفِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ يَكُونُونَ نِيَامًا، وَلِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ، وَالْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا أَنْ لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَالتَّظَاهُرِ بِالْفَوَاحِشِ.
قَالَ: (وَأَنْ يُصَلِّينَ جَمَاعَةً) لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ نَقْصٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُنَّ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَتَقَدُّمُ الْإِمَامِ عَلَيْهِنَّ.
(فَإِنْ فَعَلْنَ وَقَفَتِ الْإِمَامُ وَسَطَهُنَّ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
قَالَ: (وَلَا يَقْتَدِي الطَّاهِرُ بِصَاحِبِ عُذْرٍ، وَلَا الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ، وَلَا الْمُكْتَسِي بِالْعُرْيَانِ، وَلَا مَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْمُومِي، وَلَا الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ) وَأَصْلُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي تَنْبَنِي عَلَى صَلَاةِ
(1/59)

وَلَا الْمُفْتَرِضُ بِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ (ف) . وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ (م) بِالْمُتَيَمِّمِ، وَالْغَاسِلِ بِالْمَاسِحِ، وَالْقَائِمِ (م) بِالْقَاعِدِ، وَالْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ إِمَامَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادَ (ف) وَيَجُوزُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إِمَامِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» أَيْ ضَامِنٍ بِصَلَاتِهِ صَلَاةَ الْمُؤْتَمِّ، وَبِنَاءُ النَّاقِصِ عَلَى الْكَامِلِ يَجُوزُ، وَالْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَصْلُحُ أَسَاسًا لِلْقَوِيِّ، لِأَنَّهُ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى الْمَعْدُومِ وَإِنَّهُ مُحَالٌ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: حَالُ الطَّاهِرِ أَقْوَى مِنْ حَالِ صَاحِبِ الْعُذْرِ، وَحَالُ الْقَارِئِ أَقْوَى مِنْ حَالِ الْأُمِّيِّ، وَحَالُ الْمُكْتَسِي أَقْوَى مِنْ حَالِ الْعُرْيَانِ، وَحَالُ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَقْوَى مِنْ حَالِ الْمُومِي، وَحَالُ الْمُفْتَرِضِ أَقْوَى مِنَ الْمُتَنَفِّلِ، فَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُمْ.
قَالَ: (وَلَا الْمُفْتَرِضُ بِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ مُشَارِكٌ لِلْإِمَامِ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاتِّحَادِ، فَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ قَارِئِينَ وَأُمِّيِّينَ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ; وَقَالَا: تَجُوزُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بِحَالِهِ لِاسْتِوَائِهِمْ كَمَا إِذَا انْفَرَدُوا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَمِيعَ قَادِرُونَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ، إِذْ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُمْ بِالْحَدِيثِ، فَقَدْ تَرَكُوا الْقِرَاءَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ، وَعَلَى هَذَا الْعَاجِزُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، قَالْوا: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَؤُمَّ غَيْرَهُ لِمَا بَيَّنَّا وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ ; فَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ إِنْ كَانَ لَا يَجِدُ آيَاتٍ تَخْلُو عَنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ وَجَدَ وَقَرَأَ بِمَا فِيهِ تِلْكَ الْحُرُوفُ قِيلَ: يَجُوزُ كَالْأَخْرَسِ يُصَلِّي وَحْدَهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَالْقَارِئِ إِذَا صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ إِمَامًا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ) .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ كَطَهَارَةِ صَاحِبِ الْعُذْرِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ: «أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَكَانَ اقْتِدَاءَ طَاهِرٍ بِطَاهِرٍ.
قَالَ: (وَالْغَاسِلِ بِالْمَاسِحِ) لِأَنَّ الْخُفَّ يَمْنَعُ وُصُولَ الْحَدَثِ إِلَى الرِّجْلِ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالْمَسْحِ.
قَالَ: (وَالْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ) خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ أَقْوَى حَالًا. وَلَنَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ، وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ.
قَالَ: (وَالْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرَضِ) لِأَنَّهُ أَضْعَفُ حَالًا وَبِنَاءُ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى جَائِزٌ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْمُفْتَرِضَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَإِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَإِنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الْمُتَنَفِّلِ.
قَالَ: (وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ إِمَامَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُتَعَلِّقَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ سَهْوُ الْإِمَامِ، وَيَكْتَفِي بِقِرَاءَتِهِ لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ ; وَإِذَا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِصَلَاتِهِ يَفْسُدُ بِفَسَادِهَا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إِمَامِهِ)
(1/60)

وَإِنْ فَتَحَ عَلَى غَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَمَنْ حُصِرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ جَازَ (سم) ، وَإِنْ قَنَتَ إِمَامُهُ فِي الْفَجْرِ سَكَتَ (سف) .

فَصْلٌ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ،. . أَوْ يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ، أَوْ يَتَخَصَّرَ، أَوْ يَعْقِصَ شَعْرَهُ، أَوْ يُسْدِلَ ثَوْبَهُ، أَوْ يُقْعِيَ أَوْ يَلْتَفِتَ، أَوْ يَتَرَبَّعَ بِغَيْرِ عُذْرٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا اسْتَطْعَمَكَ الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ» ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْتَحَ مِنْ سَاعَتِهِ لَعَلَّ الْإِمَامَ يَتَذَكَّرُ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُ إِلَى الْفَتْحِ، فَإِنْ كَانَ قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ يَرْكَعُ.
قَالَ: (وَإِنْ فَتَحَ عَلَى غَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي إِمَامِهِ إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَا، وَفِيهِ إِصْلَاحُ صَلَاتِهِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَمَنْ حُصِرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ جَازَ) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ ; وَلَهُ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لِعِلَّةِ الْعَجْزِ عَنِ التَّمَامِ وَقَدْ وُجِدَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ نَادِرٌ; وَلَوْ قَرَأَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَنَتَ إِمَامُهُ فِي الْفَجْرِ سَكَتَ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.

[بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي]
فَصْلٌ (يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمُ الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ» ، وَلِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْخُشُوعِ، «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ: " أَمَّا هَذَا لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» .
(أَوْ يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ) لِمَا ذَكَرْنَا وَلِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ.
(أَوْ يَتَخَصَّرَ) لِأَنَّ فِيهِ تَرْكُ الْوَضْعِ الْمَسْنُونِ، وَلِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ.
(أَوْ يَعْقِصَ شَعْرَهُ) وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهُ وَسَطَ رَأْسِهِ أَوْ يَجْعَلَهُ ضَفِيرَتَيْنِ فَيَعْقِدُهُ فِي مُؤَخِّرِ رَأْسِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَرَأَسُهُ مَعْقُوصٌ» .
(أَوْ يَسْدِلَ ثَوْبَهُ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ السَّدْلِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُ أَطْرَافَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
(أَوْ يُقْعِي) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: «نَهَانِي خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ أَنْ أَنْقُرَ نَقْرَ الدِّيكِ، أَوْ أُقْعِيَ إِقْعَاءَ الْكَلْبِ، أَوْ أَفْتَرِشَ افْتِرَاشَ الثَّعْلَبِ» .
وَالْإِقْعَاءُ: أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ فَخِذَيْهِ وَيَضُمَّ رُكْبَتَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ.
(أَوْ يَلْتَفِتَ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ: " تِلْكَ خِلْسَةٌ يَخْتَلِسُهَا الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاتِكُمْ» .
(أَوْ يَتَرَبَّعَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْقُعُودِ الْمَسْنُونِ،
(1/61)

أَوْ يَقْلِبَ الْحَصَى إِلَّا لِضَرُورَةٍ، أَوْ يَرُدَّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ أَوْ بِيَدِهِ (ف) ، أَوْ يَتَمَطَّى، أَوْ يَتَثَاءَبَ، أَوْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ، أَوْ يَعُدَّ التَّسْبِيحَ أَوِ الْآيَاتِ (سم) وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ قَرَأَ مِنَ الْمُصْحَفِ (سم) فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَنَّ أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ بَكَى بِصَوْتٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلِأَنَّهَا جِلْسَةُ الْجَبَابِرَةِ حَتَّى قَالْوا: يُكْرَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَيْضًا.
(أَوْ يَقْلِبَ الْحَصَى) لِأَنَّهُ عَبَثٌ.
(إِلَّا لِضَرُورَةٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ مَرَّةً أَوْ ذَرْ» .
(أَوْ يَرُدَّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ.
(أَوْ بِيَدِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَامِ.
(أَوْ يَتَمَطَّى أَوْ يَتَثَاءَبَ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنِ التَّثَاؤُبِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ غَلَبَهُ كَظَمَ مَا اسْتَطَاعَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ» ، بِذَلِكَ أَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(أَوْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْهُ.
(أَوْ يَعُدَّ التَّسْبِيحَ أَوِ الْآيَاتِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْهُ مِثْلَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِقِرَاءَةِ آيَاتٍ مَعْدُودَاتٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعَدِّ ; وَعَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ سُومِحَ فِيهِ مَا لَا يَتَسَامَحُ فِي الْفَرْضِ ; وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَدَّهُ بِيَدِهِ يُخِلُّ بِالْوَضْعِ الْمَسْنُونِ فَأَشْبَهَ الْعَبَثَ ; وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كَفُّوا أَيْدِيَكُمْ فِي الصَّلَاةِ» ، وَإِنْ عَدَّهُ بِقَلْبِهِ يَشْغَلُهُ عَنِ الْخُشُوعِ فَأَشْبَهَ التَّفَكُّرَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْعَدَدُ الْمَسْنُونُ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَعُدَّهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَيَقْرَأَ فِيهَا، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْعَدَدِ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اقْتُلُوهُمَا وَلَوْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ» .
قَالَ: (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ قَرَأَ مِنَ الْمُصْحَفِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) أَمَّا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فَلِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَيْسَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ مِنَ الْمُصْحَفِ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا تُفْسِدُ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ فَلَا يُفْسِدُهَا إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ تَشَبَّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ. وَلَهُ إِنْ كَانَ يَحْمِلُهُ فَهُوَ عَمَلٌ كَثِيرٌ لِأَنَّهُ حَمْلٌ وَتَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ تَعَلُّمٌ وَإِنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَيُفْسِدُهَا كَمَا لَوْ تَعَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِذَا أَنَّ أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ بَكَى بِصَوْتٍ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ) لِأَنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ الْخُشُوعِ.
(1/62)

وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَوَضَّأَ وَبَنَى (ف) ، وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتَخْلَفَ (ف) ، وَإِنْ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ، وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ (ف) ، وَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ تَمَّتْ (ف) صَلَاتُهُ.

فَصْلٌ
وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ إِذَا ذَكَرَهَا كَمَا فَاتَتْ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[حكم من سبقه الحدث وهو في الصلاة]
فَصْلٌ
(وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَوَضَّأَ وَبَنَى) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فلِيَنْصَرِفْ وَلِيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» ، فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّهَا فِي مَنْزِلِهِ، وَالْمُقْتَدِي وَالْإِمَامُ يَعُودَانِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فَيَتَخَيَّرَانِ. (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) لِخُرُوجِهِ عَنِ الْخِلَافِ، وَلِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بِأَفْعَالٍ لَيْسَتْ مِنْهَا; وَقِيلَ إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُقْتَدِيًا فَالْبِنَاءُ أَوْلَى إِحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتَخْلَفَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا إِمَامٍ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَنْظُرْ رَجُلًا لَمْ يَسْبِقْ بشيءٍ فَلْيُقَدِّمْهُ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ إِذَا فَعَلَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْمَشْيِ وَالِاغْتِرَافِ حَتَّى لَوِ اسْتَقَى أَوْ خَرَزَ دَلْوَهُ، أَوْ وَصَلَ إِلَى نَهْرٍ فَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ.
قَالَ: (وَإِنْ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَادِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلصَّلَاةِ، وَكَذَا إِذَا نَظَرَ فَأَنْزَلَ.
قَالَ: (وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ سِوَى السَّلَامِ.
(وَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْبِنَاءُ لِمَكَانِ التَّعَمُّدِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ; وَلَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ خَارِجٍ أَوْ شُجَّ رَأْسُهُ لَا يَبْنِي. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَبْنِي كَمَا إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ. قُلْنَا هَاهُنَا يَنْصَرِفُ مَعَ قِيَامِ الْوُضُوءِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.

[بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ]
فَصْلٌ (وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ إِذَا ذَكَرَهَا كَمَا فَاتَتْ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:
(1/63)

وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْوَقْتِيَّةِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَهَا، وَيُرَتِّبُ الْفَوَائِتَ فِي الْقَضَاءِ وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيَانِ، وَخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِيَّةِ، وَأَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسٍ (ز) وَإِذَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ لَا يَعُودُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا لَا وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ» ، وَقَوْلُهُ: كَمَا فَاتَتْ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ.
قَالَ: (يُقَدِّمُهَا عَلَى الْوَقْتِيَّةِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَهَا، وَيُرَتِّبَ الْفَوَائِتَ فِي الْقَضَاءِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْوَقْتِيَّةِ وَبَيْنَ الْفَوَائِتِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْأَمَامِ ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ شَرْطًا لَمَا أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ وَقَالَ: " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
قَالَ: (وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيَانِ، وَخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِيَّةِ، وَأَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسٍ) أَمَّا النِّسْيَانُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ وَقْتَ الْفَائِتَةَ وَقْتُ التَّذَكُّرِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا فَهُمَا صَلَاتَانِ لَمْ يَجْمَعْهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَأَمَّا خَوْفُ فَوْتِ الْوَقْتِيَّةِ فَلِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تَقْتَضِي إِضَاعَةَ الْمَوْجُودِ فِي طَلَبِ الْمَفْقُودِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْوَقْتِيَّةِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالتَّرْتِيبُ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ عَمِلَ بِهَا وَإِنْ ضَاقَ فَالْعَمَلُ بِالْكِتَابِ أَوْلَى; وَأَمَّا كَثْرَةُ الْفَوَائِتِ فَحَدُّهُ دُخُولُ وَقْتِ السَّابِعَةِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ بِالتَّكْرَارِ، وَالتَّكْرَارُ بِوُجُوبِ السَّادِسَةِ، وَوُجُوبُهَا بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّكْرَارُ بِدُخُولِ وَقْتِ السَّابِعَةِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا أَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسٍ، لِأَنَّهُ مَتَى زَادَتِ الْفَوَائِتُ عَلَى خَمْسٍ تَكُونُ سِتًّا، وَمَتَى صَارَتْ سِتًّا دَخَلَ وَقْتُ السَّابِعَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا دَخَلَ وَقْتُ السَّادِسَةِ سَقَطَ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ كَثِيرٌ، وَجِنْسُ الصَّلَاةِ خَمْسٌ، وَهَذَا فِي الْفَوَائِتِ الْحَدِيثَةِ، أَمَّا الْقَدِيمَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُضَمُّ إِلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ، وَقِيلَ تُضَمُّ عُقُوبَةً لَهُ.
(وَإِذَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ) بِالْكَثْرَةِ هَلْ يَعُودُ إِذَا قَلَّتْ؟ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ: (لَا يَعُودُ) لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ بِاعْتِبَارِهَا فَلَأَنْ يَسْقُطَ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى. وَصُوَرَتُهُ لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ شَهْرٍ فَقَضَى ثَلَاثِينَ فَجْرًا ثُمَّ ثَلَاثِينَ ظُهْرًا وَهَكَذَا صَحَّ الْجَمِيعُ، وَلَا يَعُودُ التَّرْتِيبُ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ، وَكَذَا لَوْ قَضَى جَمِيعَ الشَّهْرِ إِلَّا صَلَاةَ يَوْمٍ ثُمَّ صَلَّى الْوَقْتِيَّةَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا جَازَ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا تُعَدُّ
(1/64)

وَيَقْضِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْوِتْرَ، وَسُنَّةَ الْفَجْرِ إِذَا فَاتَتْ مَعَهَا، وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ يَقْضِيهَا بَعْدَهَا.

بَابُ النَّوَافِلِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءَ» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْوَتْرُ فِي الْفَوَائِتِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَرَائِضَ، وَلِأَنَّهَا لَوْ عَدَدْنَاهَا كَمَّلَتِ السِّتَّ، وَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ فِي الْكَثْرَةِ.
(وَيَقْضِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَالْوَتْرُ) لِمَا بَيَّنَا مِنْ وُجُوبِهَا، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ أَوْ إِذَا اسْتَيْقَظَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ نَامَ عَنْ وَتْرٍ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ» ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ.
(وَسُنَّةَ الْفَجْرِ إِذَا فَاتَتْ مَعَهَا) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَاهَا مَعَهَا لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ» . وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقْضِيهَا وَإِنْ فَاتَتْ وَحْدَهَا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَاهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ السُّنَنِ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ.
(وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ يَقْضِيهَا بَعْدَهَا) قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذَا فَاتَتْهُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ قَضَاهَا بَعْدَ الظُّهْرِ» ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهِيَ سُنَّةُ الظُّهْرِ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ قَبْلَهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا فَاتَتْ عَنْ مَحَلِّهَا، فَلَا يُفَوِّتُ الثَّانِيَةَ عَنْ مَحَلِّهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ سُنَّةِ الْعَصْرِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا فِي التَّأْكِيدِ، وَلِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ.

[بَابُ النَّوَافِلِ]
ِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ» .
فَهَذِهِ مُؤَكَّدَاتٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا، فَقَدْ «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: " صَلُّوهمَا وَلَوْ أَدْرَكَتْكُمُ الْخَيْلُ» ، وَقَالَ: «هُمَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، رَوَتْهُ عَائِشَةُ حَتَّى كَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ تَرَكَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» .
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا) قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ،
(1/65)

وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتًّا، وَقَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا (س) ، وَيَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا (ف) وَقَضَاءً (ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» .
(وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَكْعَتَيْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتًّا) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بشيءٍ عَدَلْنَ لَهُ عِبَادَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ» ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقِيَامِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَضْلٌ كَثِيرٌ، وَقِيلَ هِيَ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ وَتُسَمَّى صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» .
(وَقَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا) وَقِيلَ: رَكْعَتَيْنِ.
(وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا) وَقِيلَ: رَكْعَتَيْنِ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا ثُمَّ يَضْطَجِعُ» .
(وَيُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا) هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا» أَرْبَعًا، وَقِيلَ: بَعْدَهَا سِتًّا بِتَسْلِيمَتَيْنِ مَرُوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ مَذُهَبُ أَبِي يُوسُفَ، وَكُلُّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا سُنَّةٌ يُكْرَهُ الْقُعُودُ بَعْدَهَا، بَلْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْعُدُ مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى السُّنَّةِ» ، وَلَا يَتَطَوَّعُ مَكَانَ الْفَرْضِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بِسُبْحَتِهِ» ، وَكَذَا يُسُتَحَبُّ لِلْجَمَاعَةِ كَسْرُ الصُّفُوفِ لِئَلَّا يَظُنُّ الدَّاخِلُ أَنَّهُمُ فِي الْفَرْضِ.
قَالَ: (وَيَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا وَقَضَاءً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَقِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ فَيَجِبُ الْمُضِيُّ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْفَصْلِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلصَّائِمِ: «أَجِبْ أَخَاكَ وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» ، «وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَقَدْ أَفْطَرَتَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ: اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تَعُودَا» ، وَيَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(1/66)

فَإِنِ افْتَتَحَهُ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ لِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ (سم) وَيُكْرَهُ. وَصَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَانِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ سِتٌّ (سم ف) أَوْ ثَمَانٍ، وَيُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي النَّهَارِ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٌ (ف) ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْأَرْبَعُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يُصَلِّي قَاعِدًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ آيَاتٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقُعُودِ» ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَرُبَّمَا شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَجَاز لَهُ ذَلِكَ إِحُرَازًا لِلْخَيْرِ، وَهَذَا مِمَّا لَم يُنْقَلُ فِيهِ خِلَافٌ.
قَالَ: (فَإِنِ افْتَتَحَهُ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ لِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ، وَيُكْرَهُ) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالنَّذْرِ. وَلَهُ أَنَّ فَوَاتَ الْقِيَامِ لَا يُبْطِلُ التَّطَوُّعَ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءً، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِيَامَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ فَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ صَرِيحًا كَالتَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ، وَلِهَذَا خَالَفَ النَّذْرَ.
قَالَ: (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَانِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ ثَمَانٍ) وَكُلُّ ذَلِكَ نُقِلَ فِي تَهَجُّدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(وَيُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ كَالثَّمَانِ.
قَالَ: (وَفِي النَّهَارِ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٌ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْأَرْبَعُ) وَقَالَا: الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ الْمَثْنَى اعْتِبَارًا بِالتَّرَاوِيحِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَبَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَسَلِّمْ، وَلَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ أَرْبَعًا لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ» . وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُوَاظِبُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَلِأَنَّهَا أَدْوَمُ تَحْرِيمَةٍ، فَكَانَ أَشَقَّ فَتَكُونُ أَفْضَلَ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا. أَمَّا التَّرَاوِيحُ فَتُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَكَانَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَثْنَى مَثْنَى» مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ عَلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَسَمَّاهُ مَثْنَى لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
(1/67)

وَلَا يَزِيدُ فِي النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ، وَطُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، وَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ.

فَصْلٌ
التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِتَشَهُّدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ: " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشَهُّدِ.
(وَلَا يَزِيدُ فِي النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.
قَالَ: (وَطُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " طُولُ الْقُنُوتِ» ; لِأَنَّهُ أَشَقُّ وَلِأَنَّ فِيهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ. قَالَ: (والْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ) لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ صَلَاةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ سِوَى شَفْعٍ وَاحِدٍ، وَالْقِيَامُ إِلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ حَتَّى قَالْوا يُسْتَحَبُّ الِاسْتِفْتَاحُ فِي الثَّالِثَةِ. وَيَجُوزُ لِلرَّاكِبِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ يُومِئُ إِيمَاءً إِذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ يُومِئُ إِيمَاءً» . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُمَا آكَدُ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ أَيْضًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الرُّكُوبِ فِيهِ أَغْلَبُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْمِصْرُ.

[بَابُ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ]
فَصْلٌ (التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَهَا فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَبَيَّنَ الْعُذْرَ فِي تَرْكِ الْمُوَاظَبَةِ وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا، وَوَاظَبَ عَلَيْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» .
وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ التَّرَاوِيحِ وَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ؟ فَقَالَ: التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَمْ يَتَخَرَّصْهُ عُمَرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبْتَدِعًا، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ إِلَّا عَنْ أَصْلٍ لَدَيْهِ وَعَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَقَدْ سَنَّ عُمَرُ هَذَا وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلَّاهَا جَمَاعَةً وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ:
(1/68)

وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءَ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، كُلُّ تَرْوِيحَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بتَسْلِيمَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ، وَكَذَا بَعْدَ الْخَامِسَةِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ، وَلَا يُصَلَّى الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيُكْرَهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ. وَالسُّنَّةُ خَتْمُ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ مَرَةً وَاحِدَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْعَبَّاسُ وَابْنُهُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمُعَاذٌ وَأُبَيٌّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمُ، بَلْ سَاعَدُوهُ وَوَافَقُوهُ وَأَمَرُوا بِذَلِكَ. وَالسُنَّةُ إِقَامَتُهَا بِجَمَاعَةٍ لَكِنْ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مَسْجِدٍ أَسَاءُوا، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَفْرَادٌ وَصَلَّوْا فِي مَنَازِلِهِمُ لَمْ يَكُونُوا مُسِيئِينَ.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ كُلُّ تَرْوِيحَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ، وَكَذَا بَعْدَ الْخَامِسَةِ ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ) هَكَذَا صَلَّى أُبَيٌّ بِالصَّحَابَةِ، وَهُوَ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ.
(وَلَا يُصَلَّى الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا قَنَتَ فِي الْوَتْرِ لَا يَجْهَرُ، وَيَقْنُتُ الْمُقْتَدِي أَيْضًا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِ الْإِخْفَاءُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجْهَرُ الْإِمَامُ وَيُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ، وَلَا يَقْرَأُ لِشَبَهِهِ بِالْقُرْآنِ، وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَمْ لَا؟ وَالْمُنْفَرِدُ إِنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ خَفَتَ، وَالْمَسْبُوقُ فِي الْوَتْرِ إِذَا قَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَقْنُتُ ثَانِيًا فِيمَا يَقْضِي لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مَعَ الْإِمَامِ مُتَابَعَةً لَهُ فَصَارَ مَوْضِعًا لَهُ، فَلَوْ قَنَتَ ثَانِيًا يَكُونُ تَكْرَارًا لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ فِي التَّرَاوِيحِ عَلَى التَّشَهُّدِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُثْقِلُ عَلَى الْجَمَاعَةِ يَزِيدُ، وَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ وَيَأْتِي بِالثَّنَاءِ عَقِيبَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ هُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ لَا يَجُوزُ، وَبَعْدَ الْوَتْرِ يَجُوزُ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ دُونَ الْوَتَرِ، وَالْأَفْضَلُ اسْتِيعَابُ أَكْثَرَ اللَّيْلِ بِهَا لِأَنَّهَا قِيَامُ اللَّيْلِ، وَيَنْوِي التَّرَاوِيحَ أَوْ سُنَّةَ اللَّيْلِ أَوْ قِيَامَ رَمَضَانَ. (وَيُكْرَهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِزِيَادَةِ تَأَكُّدِهَا.
(وَالسُنَّةُ خَتْمُ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ لِيَقَعَ لَهُ
(1/69)

وَالْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ الْمَنْزِلُ إِلَّا التَّرَاوِيحَ.

فَصْلٌ
صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ كَهَيْئَةِ (ف) النَّافِلَةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَجْهَرُ (ف) وَلَا يَخْطُبُ (ف) ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، وَيَدْعُونَ بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ، وَفِي خُسُوفِ الْقَمَرِ يُصَلِّي كُلٌّ وَحْدَهُ (ف) ، وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَخَوْفِ الْعَدُوِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْخَتْمُ، وَالْأَفْضَلُ فِي زَمَانِنَا مِقْدَارُ مَا لَا يُؤَدِّي إِلَى تَنْفِيرِ الْقَوْمِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَالْأَفْضَلُ تَعْدِيلُ الْقِرَاءَةِ بَيْنَ التَّسْلِيمَاتِ، وَكَذَا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي التَّسْلِيمَةِ.
(وَالْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ الْمَنْزِلُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» .
قَالَ: (إِلَّا التَّرَاوِيحَ) لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي جَمَاعَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.

[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ]
فَصْلٌ
(صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ) لِمَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَمُرَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ كَهَيْئَةِ صَلَاتِنَا وَلَمْ يَجْهَرْ فِيهِمَا» ، وَاعْتِبَارًا لَهَا بِغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ: " إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ» ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُ الْجُمُعَةِ) لِأَنَّهُ اجْتِمَاعٌ فَيُشْتَرَطُ نَائِبُ الْإِمَامِ تَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ كَالْجُمُعَةِ.
(وَلَا يَجْهَرُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَخْطُبُ) لِأَنَّهَا لَمْ تُنْقَلْ، وَيُطَوِّلُ بِهِمُ الْقِرَاءَةَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَامَ فِي الْأُولَى بِقَدْرِ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ آلِ عِمْرَانَ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْفُرَادَى، وَتَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ.
(وَيَدْعُونَ بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ) هَكَذَا فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ فَارْغَبُوا إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ» .
(وَفِي خُسُوفِ الْقَمَرِ يُصَلِّي كُلٌّ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ يَكُونُ لَيْلًا فَيُتَعَذَّرُ الِاجْتِمَاعُ. (وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَخَوْفِ الْعَدُوِّ) لِمَا رَوَيْنَا.
(1/70)

فَصْلٌ لَا صَلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ (ف سم) ، لَكِنِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَإِنْ صَلَّوْا فُرَادَى فَحَسَنٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل لا صَلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ]
ِ، لَكِنِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَإِنْ صَلَّوْا فُرَادَى فَحَسَنٌ) قَالَ تَعَالَى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] عَلَّقَ إِرْسَالَ الْمَطَرِ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: «أَنَّ أَعْرَابَيًّا دَخَلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْكُرَاعُ وَالْمَوَاشِي، وَأَجْدَبَتِ الْأَرْضُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا، قَالَ أَنَسٌ: وَالسَّمَاءُ كَأَنَّهَا زُجَاجَةٌ لَيْسَ بِهَا قَزَعَةٌ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَمَطَرَتْ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ لَتَهُمُّهُ نَفْسُهُ حَتَّى عَادَ إِلَى بَيْتِهِ، وَمُطِرْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ» ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّاهَا مَرَةً وَتَرَكَهَا أُخْرَى فَلَا تَكُونُ سُنَّةً.
(1/71)

وَلَا يَخْرُجُ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ.

بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ وَيَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ (ف) سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَسْقَى بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ، وَقَالَ: لَقَدِ اسْتَسْقَيْتُ لَكُمْ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي يُسْتَنْزَلُ بِهَا الْغَيْثُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ مُتَنَكِّبًا قَوْسًا أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى سَيْفِهِ. وَرَوَى ابْنُ كَاسٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «صَلَّى فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ» .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكَبِّرُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ لَمْ يُكَبِّرْ إِلَّا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ» ، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْأَفْزَاعِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الدُّعَاءِ وَيَقْلِبُ رِدَاءَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَلَبَ رِدَاءَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْعِيَةِ، وَتَقْلِيبُ الرِّدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ جَانِبَ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَدْعُو قَائِمًا وَالنَّاسُ قُعُودٌ مُسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ. وَرُوِيَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَلَا يَخْرُجُ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَهَى عَنْهُ، وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْكُفَّارِ مَظِنَّةُ نُزُولِ اللَّعْنَةِ فَلَا يَخْرُجُونَ عِنْدَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} [الرعد: 14] .

[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ سُجُودُ السَّهْوِ وَاجِبٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ سُنَّةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ شُرِعَ لِنَقْصِ تَمَكُّنٍ فِي الصَّلَاةِ وَرَفْعُهُ وَاجِبٌ فَيَكُونُ وَاجِبًا، وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ دُونَ السُّنَّةِ، وَوَجَبَ نَظَرًا لِلْمَعْذُورِ بِالسَّهْوِ لَا لِلْمُتَعَمِّدِ.
قَالَ: (وَيَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» . وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» ، ثُمَّ قِيلَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ، وَقِيلَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَهُوَ الْأَحْسَنُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا وَيُسَبِّحُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيَفْعَلُ
(1/72)

وَيَجِبُ إِذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا، أَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ أَوْ عَكَسَ (ف) ، وَلَا يَلْزَمُ لِتَرْكِ ذِكْرٍ إِلَّا الْقِرَاءَةَ وَالتَّشَهُّدَيْنِ وَالْقُنُوتَ وَتَكْبِيرَاتِ (ف) الْعِيدَيْنِ، وَإِنْ قَرَأَ فِي الرُّكُوعِ أَوِ الْقُعُودِ سَجَدَ للسَّهْوِ، وَإِنْ تَشَهَّدَ فِي الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ لَا يَسْجُدُ، وَمَنْ سَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ، وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَسَجَدَ سَجَدَ الْمَأْمُومُ وَإِلَا فَلَا (ف) ، وَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَا يَسْجُدَانِ، وَالْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقْضِي، وَمَنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إِلَى الْقُعُودِ أَقْرَبُ عَادَ وَتَشَهَّدَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ذَلِكَ ثَانِيًا، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ ; لِأَنَّ مَوْضِعَ الدُّعَاءِ آخِرُ الصَّلَاةِ، وَهَذَا آخِرُهَا.
قَالَ: (وَيَجِبُ إِذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا) كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَحَلِّهِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَامَ إِلَى الْخَامِسَةِ فَسُبِّحَ بِهِ فَعَادَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ.
قَالَ: (أَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ أَوْ عَكَسَ) لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ وَاجِبٌ فِي مَوْضِعِهمَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مِقْدَارُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ قَلِيلٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
قَالَ: (وَلَا يَلْزَمُ لِتَرْكِ ذِكْرٍ إِلَّا الْقِرَاءَةَ وَالتَّشَهُّدَيْنِ وَالْقُنُوتَ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَذْكَارِ كَالتَّكْبِيرَاتِ وَالتَّسْبِيحِ سُنَّةٌ.
(وَإِنْ قَرَأَ فِي الرُّكُوعِ أَوِ الْقُعُودِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ تَشَهَّدَ فِي الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ لَا يَسْجُدُ) ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقُعُودَ وَالرُّكُوعَ لَيْسَا مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ فَكَانَ تَغْيِيرًا فَيَجِبُ، وَالْقِيَامُ مَحَلُّ الثَّنَاءِ فَلَا تَغْيِيرَ فَلَا يَجِبُ. وَقِيلَ إِنْ بَدَأَ فِي الْقُعُودِ بِالتَّشَهُّدِ ثُمَّ بِالْقِرَاءَةِ فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ سَاهِيًا قَبْلَ التَّمَامِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَمَنْ سَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ يُجْزِيَانِ عَنْ كُلِّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ» قَالَ: (وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَسَجَدَ سَجَدَ الْمَأْمُومُ وَإِلَّا فَلَا) تَحْقِيقًا لِلْمُوَافَقَةِ وَنَفْيًا لِلْمُخَالَفَةِ.
(وَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَا يَسْجُدَانِ) وَلَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ الْمُؤْتَمُّ فَقَدْ خَالَفَ إِمَامَهُ، وَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ الْمَوْضُوعِ وَهُوَ تَبَعِيَّةُ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ.
قَالَ: (وَالْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ) لِلْمُوَافَقَةِ.
(ثُمَّ يَقْضِي) مَا عَلَيْهِ; وَلَوْ سَهَا فِي الْقَضَاءِ يَسْجُدُ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، وَلَوْ سَهَا اللَّاحِقُ فِي الْقَضَاءِ لَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَوْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَيَسْجُدُ إِذَا فَرَغَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ آخِرُ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْبُوقِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ.
قَالَ: (وَمَنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إِلَى الْقُعُودِ أَقْرَبُ عَادَ وَتَشَهَّدَ) لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنَ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ هُوَ
(1/73)

وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَامَ عَادَ مَا لَمْ يَسْجُدْ، فَإِنْ سَجَدَ ضَمَّ إِلَيْهَا سَادِسَةً (ف) وَصَارَتْ نَفْلًا، وَإِنْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَامَ عَادَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ سَجَدَ فِي الْخَامِسَةِ تَمَّ فَرْضُهُ، فَيَضُمُّ إِلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً وَيَسْجُدُ لِلسَّهُوِ وَالرَّكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ. وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى وَهُوَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ (ف) ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (ف) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الصَّحِيحُ كَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ.
(وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ) لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ.
(وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَ كَذَلِكَ.
قَالَ: (وَإِنْ سَهَا عَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَامَ عَادَ مَا لَمْ يَسْجُدْ) لِمَا رُوِّينَا: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَامَ إِلَى الْخَامِسَةِ فَسُبِّحِ بِهِ فَعَادَ» وَلِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ رُكْنٌ وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَيَعُودُ لِيَأْتِيَ بِهِ فِي مَحَلِّهِ لِيَتِمَّ فَرْضُهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِمَا بَيَّنَّا.
(فَإِنْ سَجَدَ ضَمَّ إِلَيْهَا سَادِسَةً وَصَارَتْ نَفْلًا) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى النَّفْلِ بِالسَّجْدَةِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ صَلَاةٌ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ خُرُوجُهُ مِنَ الْفَرْضِ، فَقَدْ خَرَجَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ رُكْنٌ فَبَطَلَ فَرْضُهُ فَيَضُمُّ إِلَيْهِ سَادِسَةً؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالْخَمْسِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَطَلَتِ الصَّلَاةُ أَصْلًا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى بَطَلَتِ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَ أَصْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ فَيَبْطُلُ بِبُطْلَانِهِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَصْفِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِصَلَاةٍ هِيَ فَرْضٌ.
قَالَ: (وَإِنْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَامَ عَادَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّهُ بَقِيَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَيَعُودُ.
(وَإِنْ سَجَدَ فِي الْخَامِسَةِ تَمَّ فَرْضُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَهُ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» . (فَيَضُمُّ إِلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَالرَّكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ) لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي النَّفْلِ بَعْدَ إِتْمَامِ الْفَرْضِ فَيَضُمُّ السَّادِسَةَ لِلنَّهْيِ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ وَقَدْ بَقِيَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْفَرْضِ وَقَدْ أَخَّرَهُ عَنْ مَحَلِّهِ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
قَالَ: (وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى وَهُوَ أَوَّلُ مَا عُرِضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ مُخْتَلِفَةٌ، رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا سَهَا اسْتَقْبَلَ» وَأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّحَرِّيَ عِنْدَ الشَّكِّ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى كَثْرَةِ الشَّكِّ. وَرَوَى ابْنُ عَوْفٍ وَالْخُدْرِيُّ عَنْهُ الْبِنَاءَ عَلَى الْيَقِينِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ كُلِّهَا، ثُمَّ إِذَا بَنَى يَقْعُدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ الصَّلَاةِ تَحَرُّزًا عَنْ تَرْكِ فَرْضِ الْقَعْدَةِ.
(1/74)

بَابُ سُجُودِ التلاوة وَهُوَ وَاجِبٌ (ف) عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ، وَهِيَ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى (ف) فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنَزِيلُ، وَص (ف) ، وَحم السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَالْعَلَقِ. وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَتُقْضَى (ف) ، فَإِنْ تَلَاهَا الْإِمَامُ سَجَدَهَا وَالْمَأْمُومُ، وَإِنْ تَلَاهَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدَاهَا (م) ، وَإِنْ سَمِعَهَا مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا، وَإِنْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ سُجُودِ التلاوة]
(وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ تَلَاهَا، السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» وَعَلَى لِلْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ بَعْضَ السَّجَدَاتِ أَمْرٌ فَيَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَبَعْضُهَا ذَمٌّ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَتَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّالِي كَافِرًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ سَكْرَان؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَفْصِلْ، وَمَنْ لَا يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَهِيَ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنْزِيلُ، وَص، وَحم السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَالْعَلَقِ) هَكَذَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ.
(وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا.
(وَتُقْضَى) لِمَكَانِ الْوُجُوبِ، وَيُكْرَهُ لِلسَّامِعِ إِذَا سَجَدَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ التَّالِي ; لِأَنَّ التَّالِيَ كَالْإِمَامِ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ الْأَمْرُ عَلَى الْقَوْمِ، فَرُبَّمَا رَكَعَ بَعْضُهُمْ; وَلَوْ قَرَأَهَا وَسَجَدَهَا سَجَدَ الْقَوْمُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوهَا حُكْمًا لِلْمُتَابَعَةِ كَمَا يَلْزَمُهُمْ سَهْوُهُ.
قَالَ: (فَإِنْ تَلَاهَا الْإِمَامُ سَجَدَهَا وَالْمَأْمُومُ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَوْ تَلَاهَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدَاهَا) لِمَا بَيَّنَّا فِي السَّهْوِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَهُوَ السَّمَاعُ وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ. قُلْنَا هُوَ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا حُكْمَ لِتَصَرُّفِ الْمَحْجُورِ بِخِلَافِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَإِنَّهُمَا مَنْهِيَّانِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَجْرُ لَا، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا.
قَالَ: (وَإِنْ سَمِعَهَا مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ وَالْحَجْرُ لَا يَعْدُوهُمْ.
قَالَ: (وَإِنْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِمَّنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ)
(1/75)

وَمَنْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا سَقَطَتْ، وَمَنْ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ (ف) وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ.

بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ مُومِيًا إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا (ف) ، أَوْ عَلَى جَنْبِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ، وَإِنْ سَجَدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِهِمْ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَاقِصَةً لِلنَّهْيِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا الْكَامِلُ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي الصَّلَاةَ وَيُعِيدُونَهَا لِمَا بَيَّنَّا وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ تَعَمَّدُوهَا.
قَالَ: (وَمَنْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا سَقَطَتْ) لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَهِيَ أَقْوَى مِنَ الْخَارِجِيَّةِ فَلَا تَتَأَدَّى بِهَا، وَلَوْ تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ رَكَعَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ سَجَدَهَا ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ أَفْضَلُ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْخُضُوعَ فِي السُّجُودِ أَكْمَلُ، وَتَتَأَدَّى بِالسَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ لِأَنَّهَا تُوَافِقُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَنْوِي أَدَاءَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَتَى بِعَيْنِ الْوَاجِبِ، وَلَوْ نَوَاهَا فِي الرُّكُوعِ قِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التِّلَاوَةِ. وَقِيلَ لَا وَتَنُوبُ عَنْهَا السَّجْدَةُ الَّتِي عَقِبَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَهُمَا أَظْهَرُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ: (وَمَنْ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّكْرَارِ لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَفِي تَكْرَارِ الْوُجُوبِ حَرَجٌ بِهِمْ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّبِيُّ يُسْمِعُهَا أَصْحَابَهُ وَلَا يَسْجُدُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
قَالَ: (وَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ) اعْتِبَارًا بِالصَّلَاتِيَّةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ، لِأَنَّهُمَا لِلتَّحْلِيلِ وَلَا تَحْرِيمَ هُنَاكَ.

[بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ]
ِ (إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، أَوْ مُومِيًا إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا) وَقَدَمَاهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.
(أَوْ عَلَى جَنْبِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إِيمَاءً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(1/76)

فَإِنْ رَفَعَ إِلَى رَأْسِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إِنْ خَفَضَ رَأْسَهُ جَازَ وَإِلَا فَلَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْمَأَ قَاعِدًا (ف) ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ (زف) ، وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبِهِ (زف) ، وَلَوْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ كَالْعَجْزِ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَلَوْ شَرَعَ مُومِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَقْبَلَ (زف) وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا (ف) ، وَلَا يَقْضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ» ، وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَالْأَفْضَلُ الِاسْتِلْقَاءُ لِيَقَعَ إِيمَاؤُهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَيَجْعَلُ الْإِيمَاءَ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ اعْتِبَارًا بِهِمَا.
(فَإِنْ رَفَعَ إِلَى رَأْسِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إِنْ خَفَضَ رَأْسَهُ جَازَ) لِحُصُولِ الْإِيمَاءِ.
(وَإِلَّا فَلَا) يَجُوزُ لِعَدَمِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْمَأَ قَاعِدًا) لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الْقِيَامِ لِأَجْلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لِأَنَّ نِهَايَةَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ فِيهِمَا، وَلِهَذَا شُرِعَ السُّجُودُ بِدُونِ الْقِيَامِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالسَّهْوِ وَلَمْ يُشْرَعِ الْقِيَامُ وَحْدَهُ، وَإِذَا سَقَطَ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّةِ الْقِيَامِ سَقَطَ الْقِيَامُ; وَلَوْ صَلَّى قَائِمًا مُومِيًا جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ.
قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ) لِمَا رَوَيْنَا، فَإِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَرِئَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا غَيْرَ نَفْيًا لِلْحَرَجِ كَمَا فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ بِخِلَافِ النَّوْمِ حَيْثُ يَقْضِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَدُّ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ غَالِبًا.
قَالَ: (وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) لِأَنَّ فَرْضَ السُّجُودِ لَا يَتَأَدَّى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَجُوزُ بِهَا الْإِيمَاءُ كَمَا لَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ بِخِلَافِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ السُّجُودِ. وَقَالَ زُفَرُ: يُومِئُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ بَعْضُ الْفَرَائِضِ وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ فَيُؤَدَّى بِهِ الْبَاقِي. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِيمَاءَ بِالْقَلْبِ النِّيَّةُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ الْجَوَارِحِ كَالْحَجِّ.
قَالَ: (وَلَوْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ كَالْعَجْزِ قَبْلَ الشُّرُوعِ) مَعْنَاهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ أَتَمَّهَا قَاعِدًا، وَإِنْ عَجَزَ فَمُسْتَلْقِيًا لِأَنَّهُ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ، وَإِنْ شَرَعَ قَاعِدًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بَنَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ تَجُوزُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ. (وَلَوْ شَرَعَ مُومِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا، وَلَا يَقْضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) نَفْيًا لِلْحَرَجِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْكَثْرَةِ بِالتَّكْرَارِ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَالْخُدْرِيِّ.
مَرِيضٌ مَجْرُوحٌ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ وَكُلَّمَا بُسِطَ تَحْتَهُ شَيْءٌ تَنَجَّسَ مِنْ سَاعَتِهِ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ مُسْتَلْقِيًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ لَا يَتَنَجَّسُ لَكِنَّهُ يَزْدَادُ مَرَضُهُ
(1/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِتَحْرِيكِهِ بِأَنْ بَزَغَ الْمَاءُ مِنْ عَيْنِهِ دَفْعًا لِزِيَادَةِ الْحَرَجِ.
مَرِيضٌ رَاكِبٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْ يُنَزِّلُهُ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ رَاكِبًا بِإِيمَاءٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ لِمَرَضٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ عَدُوٍّ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ فِي مَسِيرٍ فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَمُطِرُوا السماء مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَأَذَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَقَامَ، فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، فَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ سَقَطَ عَنْهُ كَحَالَةِ الْخَوْفِ، وَإِذَا جَازَ لَلصَّلَاةِ رُكْبَانًا، فَفَرْضُهُمُ الْإِيمَاءُ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلِمَا رُوِّينَا، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَجْلِ الطِّينِ صَلَّى قَائِمًا بِإِيمَاءٍ لِلْعَجْزِ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِذَا صَلَّى رَاكِبًا يُوقِفُ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّ فِي السَّيْرِ انْتِقَالًا وَاخْتِلَافًا لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِيقَافُهَا جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَ السَّيْرِ كَمَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ.
وَمَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الشَّطِّ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ أَجْزَأَهُ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُوثَقَةً بِالشَّطِّ صَلَّى قَائِمًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ فِي أَرْضِ السَّفِينَةِ فَيَأْتِي بِالْأَرْكَانِ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً يُصَلِّي قَائِمًا، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ وَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَتْ مَرْبُوطَةً.
وَلَهُ مَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ قَالَ: أَمَّنَا أَنَسٌ فِي نَهْرِ مَعْقِلٍ عَلَى بِسَاطِ السَّفِينَةِ جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ كَمَا فِي السَّفَرِ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ الْمَشَقَّةَ كَانَ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي حَقِّ الرُّخْصَةِ كَذَا هُنَا، بِخِلَافِ الْمَرْبُوطَةِ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ حُكْمَ الْأَرْضِ، فَإِنِ اسْتَدَارَتِ السَّفِينَةُ وَهِيَ سَائِرَةٌ اسْتَدَارَ إِلَى الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَتْ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَسْقُطُ كَالْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يَقْطَعُهُ عَنْ طَرِيقِهِ فَيَسْقُطُ لِلْعُذْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/78)

بَابُ صَلَاةِ الْمسافر وَفَرْضُهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَانِ (ف) ، وَيَصِيرُ مُسَافِرًا إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْمِصْرِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَالُ الرِّيَاحِ، وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ (ف) يَوُمًا فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ صَلَاةِ المسافرِ]
ِ (وَفَرْضُهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَانِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ رَكْعَتَيْنِ، فَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ» وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا. وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» - ". وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيكُمُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ. أَمَّا الْفَجْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْوَتْرُ فَلَا قَصْرَ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ أَتَمَّ الْأَرْبَعَ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: " أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» ، فَإِنْ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ أَجْزَأَهُ اثْنَتَانِ عَنِ الْفَرْضِ، وَقَدْ أَسَاءَ لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَرَكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ لِزِيَادَتِهَا عَلَى الْفَرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ بَطَلَ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ آخِرَ الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَيَصِيرُ مُسَافِرًا إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْمِصْرِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا إِلَّا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ، وَقَدْ قَالَتِ الصَّحَابَةُ لَوْ فَارَقْنَا هَذَا الْخُصَّ لَقَصَرْنَا. وَأَمَّا التَّقْدِيرُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُسَافِرِينَ لِيَكُونَ أَعَمَّ فَائِدَةً، فَيَتَنَاوَلُ كُلُّ مُسَافِرٍ سَفَرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَوْعِبَ الْحُكْمُ الْجَمِيعَ، وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَبَقِيَ مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ لَمْ يُبَيَّنْ حُكْمُهُ، وَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْجِنْسِ فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ كُلُّ مُسَافِرٍ، وَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا.
قَالَ: (بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ) لِأَنَّهُ الْوَسَطُ الْمُعْتَادُ، فَإِنَّ السَّيْرَ فِي الْمَاءِ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ، وَعَلَى الْعَجَلِ فِي غَايَةِ الْإِبْطَاءِ، فَاعْتَبَرْنَا الْوَسَطَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ.
قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَالُ الرِّيَاحِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْوَسَطُ، وَهُوَ أَنْ لَا تَكُونَ الرِّيَاحُ غَالِبَةً وَلَا سَاكِنَةً، فَيَنْظُرُ كَمْ يَسِيرُ فِي مِثْلِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيُجْعَلُ أَصْلًا.
قَالَ: (وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرَهُ أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ) لِأَنَّ السَّفَرَ إِذَا صَحَّ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ إِلَّا بِالْإِقَامَةِ، وَالْإِقَامَةُ
(1/79)

وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُسَافِرٌ وَإِنْ طَالَ مُقَامُهُ. وَمَنْ لَزِمَهُ طَاعَةُ غَيْرِهِ كَالْعَسْكَرِ وَالْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ يَصِيرُ مُسَافِرًا بِسَفَرِهِ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِ، وَالْمُسَافِرُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِالنِّيَّةِ إِلَّا الْعَسْكَرَ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ أَوْ حَاصَرَ مَوْضِعًا، وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ صَحِيحَةٌ، وَلَوْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعَيْنِ لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَبِيتَ بِأَحَدِهِمَا، وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَغَيُّرِ الْفَرْضِ قَصْرًا وَإِتْمَامًا آخِرُ الْوَقْتِ، وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ خَارِجَ الْوَقْتِ، فَإِنِ اقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، فَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمَ سَلَّمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَتَمَّ الْمُقِيمُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِالنِّيَّةِ أَوْ بِدُخُولِ وَطَنِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ تَرْكُ السَّفَرِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِالنِّيَّةِ أَتَمَّ، بِخِلَافِ الْمُقِيمِ حَيْثُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إِنْشَاءُ الْفِعْلِ فَلَا يَصِيرُ فَاعِلًا بِالنِّيَّةِ. وَأَمَّا دُخُولُ وَطَنِهِ فَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلِارْتِفَاقِ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِوَطَنِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَكَذَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَعُودُونَ إِلَى أَوْطَانِهِمْ مُقِيمِينَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَأَمَّا الْمُدَّةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَنْقُولَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا ; وَلِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَخْلُو عَنِ اللُّبْثِ الْقَلِيلِ، فَاعْتَبَرْنَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ كَثِيرًا فَاصِلًا اعْتِبَارًا بِمُدَّةِ الطُّهْرِ، إِذْ لَهَا أَثَرٌ فِي إِيجَابِ الصَّلَاةِ وَإِسْقَاطِهَا.
قَالَ: (وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُسَافِرٌ وَإِنْ طَالَ مُقَامُهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسُّوسِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ.
قَالَ: (وَمَنْ لَزِمَهُ طَاعَةُ غَيْرِهِ كَالْعَسْكَرِ وَالْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ يَصِيرُ مُسَافِرًا بِسَفَرِهِ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَتُهُ. قَالَ: (وَالْمُسَافِرُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِالنِّيَّةِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(إِلَّا الْعَسْكَرَ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ أَوْ حَاصَرَ مَوْضِعًا) لِأَنَّ إِقَامَتَهُمْ لَا تَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَوْ نَوَوُا الْإِقَامَةَ ثُمَّ انْهَزَمُوا انْصَرَفُوا فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُمْ.
(وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ صَحِيحَةٌ) كَالْأَكْرَادِ وَالتُّرْكُمَانِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْكَلَأِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إِقَامَتِهِمْ عَادَةً، فَهُوَ فِي حَقِّهِمْ كَالْأَمْصَارِ وَالْقُرَى لِأَهْلِهَا.
قَالَ: (وَلَوْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعَيْنِ لَا يَصِحُّ) إِذْ لَوْ صَحَّ فِي مَوْضِعَيْنِ لَصَحَّ فِي أَكْثَرَ وَأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ.
(إِلَّا أَنْ يَبِيتَ بِأَحَدِهِمَا) فَتَصِحُّ النِّيَّةُ ; لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ مَوْضِعُ الْبُيُوتَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّوقِيَّ يَكُونُ فِي النَّهَارِ فِي حَانُوتِهِ وَيُعَدُّ سَاكِنًا فِي مَحَلَّةٍ فِيهَا بَيْتُهُ.
قَالَ: (وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَغَيُّرِ الْفَرْضِ قَصْرًا وَإِتْمَامًا آخِرُ الْوَقْتِ) لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ سَافَرَ آخِرَ الْوَقْتِ قَصَرَ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ آخِرَ الْوَقْتِ تَمَّمَ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ خَارِجَ الْوَقْتِ) لِتَقَرُّرِ فَرْضِهِمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(فَإِنِ اقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُتَابَعَتَهُ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ» ، وَصَيْرُورَتُهُ مُتَابِعًا أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا.
(فَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمَ سَلَّمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَمَّ فَرْضُهُ.
(وَأَتَمَّ الْمُقِيمُ) لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ
(1/80)

وَالْعَاصِي (ف) وَالْمُطِيعُ فِي الرُّخَصِ سَوَاءٌ.

بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
صَلَاتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ: (وَالْعَاصِي وَالْمُطِيعُ فِي الرُّخَصِ سَوَاءٌ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 184] . وقَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . وَقَوْلُهُ: {فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي مُبَاحٍ ثُمَّ نَوَى الْمَعْصِيَةَ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} [البقرة: 173] أَيْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ فِي أَكْلِهَا وَلَا مُتَجَاوِزٍ قَدْرَ الضَّرُورَةِ، وَنَحْنُ لَا نَجْعَلُ الْمَعْصِيَةَ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ لُحُوقُ الْمَشَقَّةِ النَّاشِئَةِ مِنْ نَقْلِ الْأَقْدَامِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَحْظُورُ مَا يُجَاوِرُهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، فَكَانَ السَّفَرُ مِنْ حَيْثُ إِفَادَتِهِ الرُّخْصَةَ مُبَاحًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُ الِانْفِصَالَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْطَانَ ثَلَاثَةٌ: أَصْلِيٌّ وَيُسَمَّى أَهْلِيًّا، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِرُّ الْإِنْسَانُ فِيهِ مَعَ أَهْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ بِأَهْلِهِ بِعَزْلِ الْقَرَارِ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ انْتِقَالِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ سَمَّى نَفْسَهُ مُسَافِرًا بِمَكَّةَ حَيْثُ قَالَ: «فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» .
وَالثَّانِي وَطَنُ إِقَامَةٍ، وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُهُ الْمُسَافِرُ فَيَنْوِي أَنْ يُقِيمَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَبْطُلُ بِالْأَصْلِيِّ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ، وَبِالْمُمَائِلِ لِطَرَيَانِهِ عَلَيْهِ، وَبِإِنْشَاءِ السَّفَرِ لِمُنَافَاتِهِ الْإِقَامَةَ. وَالثَّالِثُ وَطَنٌ سَكَنِيٌّ، وَهُوَ أَنْ يُقِيمَ الْإِنْسَانُ فِي مَرْحَلَةٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَبْطُلُ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِأَنَّهُمَا فَوْقَهُ، وَبِمِثْلِهِ لِطَرَيَانِهِ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ ضَعْفِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
ِ اعْلَمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إِلَّا لِعُذْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، فِي عَامِي هَذَا، فِي مَقَامِي هَذَا، فَرِيضَةً وَاجِبَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ: (وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
(1/81)

وَلَا تُقَامُ إِلَّا فِي الْمِصْرِ (ف) أَوْ مُصَلَّاهُ، وَالْمِصْرُ مَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُهُ فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِ لَمْ يَسَعْهُمْ. وَلَا بُدَّ مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ (ف) وَوَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَا تَجُوزُ إِلَّا بِالْخُطْبَةِ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ خَفِيفَةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِلَّا امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَرْبَعَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ: الْعَبْدُ، وَالْمَرِيضُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْمَرْأَةُ» وَلِأَنَّ الْعَبِيدَ مَشْغُولُونَ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى، وَالْمَرْأَةَ بِخِدْمَةِ زَوْجِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا الْعُذْرَ فِي تَرْكِ خُرُوجِهَا إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَلِلْعَجْزِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَعْمَى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَقَالَا: تَجِبُ إِذَا وَجَدَ قَائِدًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى السَّعْيِ فَصَارَ كَالضَّالِّ وَلَهُ أَنَّهُ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ كَالْمَرِيضِ فَلَا يَصِيرُ قَادِرًا بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْقَائِدَ قَدْ يَتْرُكُهُ فِي الطَّرِيقِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» .
قَالَ: (وَلَا تُقَامُ إِلَّا فِي الْمِصْرِ) لِمَا رَوَيْنَا. (أَوْ مُصَلَّاهُ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِهِ.
(وَالْمِصْرُ مَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُهُ فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِ لَمْ يَسَعْهُمْ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ ; وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَعِيشَ كُلُّ صَانِعٍ بِحِرْفَتِهِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: مَا أُقِيمَتْ فِيهِ الْحُدُودُ، وَنُفِّذَتْ فِيهِ الْأَحْكَامُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَيُوجَدُ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي مَعَايِشِهِمْ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ مَصَّرَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ مِصْرٌ، فَلَوْ بَعَثَ إِلَى قَرْيَةٍ نَائِبًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ صَارَ مِصْرًا، فَلَوْ عَزَلَهُ وَدَعَاهُ الْتَحَقَ بِالْقُرَى.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ) لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَاخْتَارَ كُلُّ جَمَاعَةٍ إِمَامًا فَلَا يَتَّفِقُونَ عَلَى وَاحِدٍ فَتَقَعُ بَيْنَهُمُ الْمُنَازَعَةُ، فَرُبَّمَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَا يُصَلُّونَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْفِتْنَةِ، وَمَعَ وُجُودِ السُّلْطَانِ لَا.
(وَوَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كَنَّا نُصْلِي الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ» وَلِأَنَّهَا خَلَفٌ عَنِ الظُّهْرِ وَقَدْ سَقَطَتِ الظُّهْرُ فَتَكُونُ فِي وَقْتِهَا.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ إِلَّا بِالْخُطْبَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ إِلَّا إِلَى الْوَاجِبِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ بِدُونِهَا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا قُصِرَتِ الصَّلَاةُ لِمَكَانِ الْخُطْبَةِ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، هَكَذَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. (يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ) قَائِمًا يَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ.
(يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ خَفِيفَةٍ) هُوَ الْمَأْثُورُ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(1/82)

وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ (ف سم) ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا طَاهِرًا، فَإِنْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا صَلَّاهَا أَجْزَأَتْهُ عَنِ الظُّهْرِ وَإِنْ أَمَّ فِيهَا جَازَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ.
قَالَ: (وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ) وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحَةُ وَنَحْوُهَا، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَأَخْطَأَ السُّنَّةَ. وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ. وَالتَّسْبِيحَةُ وَالتَّحْمِيدَةُ لَا تُسَمَّى خُطْبَةً. وَلَهُ أَنَّ التَّسْبِيحَةَ وَالتَّحْمِيدَةَ خُطْبَةٌ. لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَعَانٍ جَمَّةٍ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي: «وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ: " لَئِنْ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ» سُمِّيَ هَذَا الْقَدْرُ خُطْبَةً، وَالْخُطْبَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَيَتَعَلَّقُ الْجَوَازُ بِالْأَدْنَى، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَهَذَا ذِكْرٌ فَتَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِهِ.
(وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا طَاهِرًا) هُوَ الْمَأْثُورُ.
(فَإِنْ خَطَبَ قَاعِدَا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَسَنَّ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَلِأَنَّ الطِّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ كَالتِّلَاوَةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ، وَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمَاعَةِ) لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَمِّيَّتِهَا.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ سِوَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَالثَّلَاثَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَقَدْ وُجِدَ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ ثَلَاثَةٌ وَمَا دُونَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَتَأَدَّى بِالْمُخْتَلِفِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِصْرَ إِذَا بَعُدَتْ أَطْرَافُهُ شَقَّ عَلَى أَهْلِهِ الْمَشْيُ مِنْ طَرَفٍ إِلَى طَرَفٍ فَيَجُوزُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِالثَّلَاثِ فَلَا حَرَجَ بَعْدَهَا، وَلِهَذَا كَانَ عَلَيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي الْعِيدَ فِي الْجَبَّانَةِ، أَيِ الْمُصَلَّى، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ، وَالْجَبَّانَةُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالْخِلَافُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَاحِدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ الْمُتَوَارَثُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ فِي مَوْضِعَيْنِ لَجَازَ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ كَغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ وَأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ نَهْرٌ فَاصِلٌ كَبَغْدَادَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَمِصْرَيْنَ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَأْمُرُ بِقَطْعِ الْجِسْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةَ لِتَنْقَطِعَ الْوَصْلَةُ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ فَالْجُمُعَةُ لِمَنْ سَبَقَ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا بِشَرَائِطِهَا، وَتَفْسُدُ جُمُعَةُ الْآخَرِينَ وَيَقْضُونَ الظُّهْرَ، فَإِنْ صَلَّى أَهْلُ الْمَسْجِدَيْنِ مَعًا، أَوْ لَا يَدْرِي مَنْ سَبَقَ فَصَلَاةُ الْكُلِّ فَاسِدَةٌ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَلَا يُخْرَجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِالشَّكِّ. قَالَ: (وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) الْجُمُعَةُ، (إِذَا صَلَّاهَا أَجْزَأَتْهُ عَنِ الظُّهْرِ، وَإِنَّ أَمَّ فِيهَا جَازَ) لِأَنَّهَا وُضِعَتْ عَنْهُمْ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً لِمَكَانِ الْعُذْرِ، فَإِذَا حَضَرُوا زَالَ الْعُذْرُ
(1/83)

وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ (ز) وَيُكْرَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ (سم) ، وَيُكْرَهُ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ، وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ وَاسْتَمَعُوا وَأَنْصَتُوا، وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَإِذَا أَذَّنَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ تَوَجَّهُوا إِلَى الْجُمُعَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَتَجُوزُ صَلَاتُهُمْ كَالْمُسَافِرِ إِذَا صَامَ، وَإِذَا حَضَرُوا صَارَتْ صَلَاتُهُمْ فَرْضًا فَتَجُوزُ إِمَامَتُهُمْ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مُسَافِرٌ. قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ وَيُكْرَهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ، وَأَصْلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي فَرْضِ الْوَقْتِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: هُوَ الظُّهْرُ، لَكِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهُ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْفَرْضُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ بِالظُّهْرِ رُخْصَةً. وَعَنْهُ أَنَّ الْفَرْضَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِأَدَائِهِ؛ لِأَنَّ أَيَّهُمَا أَدَّى سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، فَدَلَّ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا.
وَعِنْدَ زُفَرَ هُوَ الْجُمُعَةُ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْجُمُعَةِ مَنْهِيٌّ عَنِ الظُّهْرِ، فَإِذَا فَاتَتِ الْجُمُعَةُ أُمِرَ بِالظُّهْرِ، وَهَذَا آيَةُ الْبَدَلِيَّةِ.
وَلَنَا أَنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ، وَالْعَبْدُ إِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الظُّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَرَائِطَ تَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ أُمِرَ بِقَضَاءِ الظُّهْرِ لَا الْجُمُعَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ الظُّهْرَ، وَيُؤْمَرُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ كَإِنْجَاءِ الْغَرِيقِ آخِرَ الْوَقْتِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
قَالَ: (فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ) وَقَالَا: لَا تَبْطُلُ مَا لَمْ يَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ شَرْطٌ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةِ. وَلَهُ أَنَّ السَّعْيَ مِنْ فَرَائِضِ الْجُمُعَةِ وَخَصَائِصِهَا لِلْأَمْرِ، وَالِاشْتِغَالُ بِفَرَائِضِ الْجُمُعَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا يُبْطِلُ الظُّهْرَ كَالتَّحْرِيمَةِ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ) لِأَنَّ فِيهِ إِخْلَالًا بِالْجُمُعَةِ، فَرُبَّمَا يَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهُمْ، بِخِلَافِ الْقُرَى لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ جَرَى التَّوَارُثُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ بِغَلْقِ الْمَسَاجِدِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ، وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَمَا أَغْلَقُوهَا.
قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ) بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ. (وَاسْتَمَعُوا وَأَنْصَتُوا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] . قَالُوا: نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ.
وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ قِيلَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْكُتُ لِلْأَمْرِ.
(وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ الِاسْتِمَاعُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» .
وَلَوْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ قَبْلَ خُرُوجِهِ سَلَّمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي أَتَمَّهُ، وَلَوْ كَانَ شَرَعَ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا.
قَالَ: (فَإِذَا أَذَّنَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ تَوَجَّهُوا إِلَى الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْعَوْا} [الجمعة: 9] .
(1/84)

وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَذَانَ الثَّانِيَ، فَإِذَا أَتَمَّ الْخُطْبَةَ أَقَامُوا.

بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
وَتَجِبُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِهَا إِلَّا الْخُطْبَةَ.

وَيُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْفِطْرِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَسْتَاكَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَذَانَ الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُثْمَانَ، وَكَثُرَ النَّاسُ وَتَبَاعَدَتِ الْمَنَازِلُ زَادَ مُؤَذِّنًا آخَرَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا جَلَسَ أَذَّنَ الْأَذَانَ الثَّانِي، فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ، فَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَتَرْكِ الْبَيْعِ؟ وَقِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ الْأَوَّلُ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: (30 {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]
(فَإِذَا أَتَمَّ الْخُطْبَةَ أَقَامُوا) .

[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
(وَتَجِبُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ) أَمَّا الْوُجُوبُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} [البقرة: 185] قَالُوا: الْمُرَادُ صَلَاةُ الْعِيدِ، وَلِمُوَاظَبَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَيْهَا وَلِقَضَائِهِ إِيَّاهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ إِنَّهَا سُنَّةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؟ وَقَوْلُهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ: الْأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي فَرِيضَةٌ. مَعْنَاهُ وَجَبَ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يَتْرُكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا دَلِيلَ الْوُجُوبِ. وَقَوْلُهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةِ لِمَا بَيَّنَّا فِيهَا.
قَالَ: (وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِهَا) يَعْنِي السُّلْطَانَ وَالْجَمَاعَةَ وَالْمِصْرَ وَالْوَقْتَ وَغَيْرَ ذَلِكَ لِمَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا جُمْعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» .
قَالَ: (إِلَّا الْخُطْبَةَ) فَإِنَّهُ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَذَا الْمَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ تَرَكَهَا جَازَ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ ; وَكَذَلِكَ إِنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَجُوزُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَعْلِيمُهُمْ وَظِيفَةَ الْيَوْمِ، وَيُكْرَهُ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا أَذَانَ لَهَا وَلَا إِقَامَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.

[فصل ما يستحب في يوم الفطر وفي يوم الأضحى]
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْفِطْرِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْتَسِلَ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ.
(وَيَسْتَاكَ) لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
(وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ جُبَّةُ فَنَكٍ يَلْبَسُهَا فِي الْجُمَعِ
(1/85)

وَيَتَطَيَّبَ وَيَأْكُلَ شَيْئًا حُلْوًا تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ نَحْوَهُ، وَيُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ثُمَّ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَوَقْتُ الصَّلَاةِ مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا. وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَثَلَاثًا (ف) ، بَعْدَهَا ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ، وَيَبْدَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ (ف) ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَأُخْرَى لِلرُّكُوعِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِدِ، وَيَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالْأَعْيَادِ.
(وَيَتَطَيَّبَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَتَطَيَّبُ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَوْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الصَّلَاةِ.
(وَيَأْكُلَ شَيْئًا حُلْوًا تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ نَحْوَهُ) هَكَذَا نُقِلَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِأَنَّهُ يُحَقِّقُ مَعْنَى الِاسْمِ، وَمُبَادَرَةٌ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ. (وَيُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ) فَيَضَعَهَا فِي مَصْرِفِهَا، هَكَذَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ تَفْرِيغُ بَالِ الْفَقِيرِ لِلصَّلَاةِ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَإِنْ أَخَّرَهَا جَازَ. وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ.
(ثُمَّ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُصَلَّى) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ رَاجِلًا، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَكَبِّرُ جَهْرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; وَقَالَا: يُكَبِّرُ اعْتَبَارًا بِالْأَضْحَى. وَلَهُ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَ النَّاسَ يُكَبِّرُونَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَقَالَ لِقَائِدِهِ: أَكَبَّرَ الْإِمَامُ؟ قَالَ لَا، قَالَ: أَفَجُنَّ النَّاسُ؟ وَلِأَنَّ الذِّكْرَ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِخْفَاءِ. وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي الْأَضْحَى فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُتَطَوَّعُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ نَعْهَدْهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟
قَالَ: (وَوَقْتُ الصَّلَاةِ مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى قَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ ; وَلَمَّا شَهِدُوا عِنْدَهُ بِالْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّى الْعِيدَ مِنَ الْغَدِ، وَلَوْ بَقِيَ وَقْتُهَا لَمَا أَخَّرَهَا.
قَالَ: (وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ: يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَثَلَاثًا بَعْدَهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ، وَيَبْدَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَأُخْرَى لِلرُّكُوعِ) وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَبَّرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَرْبَعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَرْبَعٌ كَأَرْبَعِ الْجِنَازَةِ» . وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، وَخَنَسَ إِبْهَامَهُ. فَفِيهِ عَمَلٌ وَقَوْلٌ وَإِشَارَةٌ وَتَأْكِيدٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْكُتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ قَدْرَ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ.
قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِدِ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَيَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ
(1/86)

فَإِنْ شُهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ، وَلَا يُصَلُّوهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى مَا يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ إِلَّا أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْأَكْلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَيُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى جَهْرًا، وَيُصَلِّيهَا كَصَلَاةِ الْفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا الْأُضْحِيَةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوهَا أَوَّلَ يَوْمٍ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ وَبَعْدَهُ، وَالْعُذْرُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ.

وَتَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا كَالْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِأَصْحَابِ الْعِلَلِ فِي الْمِصْرِ، لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ.
قَالَ: (فَإِنْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يُصَلُّوهَا بَعْدَ ذَلِكَ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ الْفِطْرِ فَتَخْتَصُّ بِيَوْمِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْضَى، لَكِنْ خَالَفْنَاهُ بِمَا رُوِّينَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَاهَا مِنَ الْغَدِ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ.
1 -
فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى مَا يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ) مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّطَيُّبِ وَالسِّوَاكِ وَاللِّبْسِ.
(إِلَّا أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْأَكْلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» .
قَالَ: (وَيُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى جَهْرًا) هَكَذَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا وَصَلَ الْمُصَلَّى قَطَعَ ; وَقِيلَ: إِذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَ.
قَالَ: (وَيُصَلِّيهَا كَصَلَاةِ الْفِطْرِ) كَذَا النَّقْلُ.
(ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا الْأُضْحِيَّةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ) لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ.
(فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوهَا أَوَّلَ يَوْمٍ صَلَّوْهَا مِنَ الْغَدِ وَبَعْدِهِ، وَالْعُذْرُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ الْأَضْحَى، فَتَتَقَدَّرُ بِأَيَّامِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ.

[فَصْلُ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ]
فَصْلٌ (وَتَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ)
(1/87)

وَهُوَ وَاجِبٌ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فِي جَمَاعَاتِ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ (سم) مِنْ عَقِيبِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى عَقِيبِ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ.

بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةً أَمَامَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ الْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، لَمَّا أَخَذَ فِي مُقَدَّمَاتِ الذَّبْحِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْفِدَاءِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا خَافَ عَلَيْهِ الْعَجَلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَهُ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِالْفِدَاءِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَ الذَّبِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَصَارَتْ سُّنَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: (وَهُوَ وَاجِبٌ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فِي جَمَاعَاتِ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ) أَمَّا الْوُجُوبُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] . قِيلَ: الْمُرَادُ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا فِطْرَ، وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» . وَالتَّشْرِيقُ: هُوَ التَّكْبِيرُ نَقْلًا عَنِ الْخَلِيلِ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ; وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفَاهُ ثُمَّ أَوْجَبَهُ، وَمِثْلُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ كَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الشَّرَائِطِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَا: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُؤَدِّيهَا ; وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ خِلَافُ الْأَصْلِ، إِذِ الْأَصْلُ الْإِخْفَاءُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، وَالسُّنَّةُ وَرَدَتْ بِالْجَهْرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهَا عَلَى الْأَصْلِ وَيَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ إِذَا اقْتَدَيْنَ بِالرَّجُلِ، وَالْمُسَافِرِ إِذَا اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ تَبَعًا.
قَالَ: (مِنْ عَقِيبِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ) وَقَالَا: إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَمَذْهَبُهُ، وَمَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِخْفَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْمَصِيرُ إِلَى الْأَقَلِّ جَهْرًا أَوْلَى. وَلَهُمَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا الْوُجُوبُ، وَقِيلَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا.

[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]
ِ (وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةً أَمَامَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً:
(1/88)

إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَرَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ مُقِيمًا وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَجِيءُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ فَيُصَلِّي بِهِمْ بَاقِيَ الصَّلَاةِ وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُولَى فَيُتَمِّمُونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيُسَلِّمُونَ وَيَذْهَبُونَ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ وَيُسَلِّمُونَ. وَمَنْ قَاتَلَ أَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا وُحْدَانًا يُومِئُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَاشِيًا، وَخَوْفُ السَّبُعِ كَخَوْفِ الْعَدُوِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِنْ كَانَ مُسَافِرًا) ؛ لِأَنَّهَا شَطْرُ صَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْفَجْرِ.
(وَرَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ مُقِيمًا) لِأَنَّهُمَا الشَّطْرُ.
(وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ) لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّنْصِيفَ فَكَانُوا أَوْلَى لِلسَّبْقِ.
(وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَجِيءُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] .
(فَيُصَلِّي بِهِمْ بَاقِيَ الصَّلَاةِ وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ.
(وَيَذْهَبُونَ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُولَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ، وَيَتَحَرَّوْنَ أَنْ يَقِفُوا مِقْدَارَ مَا وَقَفَ الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُمْ خَلْفَهُ.
(وَيُسَلِّمُونَ وَيَذْهَبُونَ) وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ.
(وَيُسَلِّمُونَ) هَكَذَا رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ أَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ كَالْمُنْفَرِدِ فَلَمْ يَبْقَوْا فِي حُكْمِ الْإِمَامِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَاتَلَ أَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ كَثِيرٌ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شُغِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ حَتَّى قَضَاهَا لَيْلًا، وَقَالَ: «مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمُ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى» وَلَوْ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَ الْقِتَالِ لَمَا أَخَّرَهَا؛ لِأَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَ بَعْدَ شَرْعِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَهِيَ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ لِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِلْأُصُولِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} [النساء: 102] وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْهَا بِطَبَرِسْتَانَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
قَالَ: (فَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا وُحْدَانًا يُومِئُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] وَعَدَمُ التَّوَجُّهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَلَا يَسَعُهُمْ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُمُ الصَّلَاةُ ; وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ لِلرَّاكِبِ إِذَا كَانَ طَالِبًا، وَفِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 239] إِشَارَةً إِلَيْهِ، فَإِنَّ الطَّالِبَ لَا يَخَافُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِجَمَاعَةٍ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَطَرِ فِي بَابِ الْمَرِيضِ، وَالْفَتْوَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُخَالَفَةِ فِي الْمَكَانِ.
(وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَاشِيًا) لِأَنَّ الْمَشْيَ فِعْلٌ كَثِيرٌ.
قَالَ: (وَخَوْفُ السَّبُعِ كَخَوْفِ الْعَدُوِّ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا
(1/89)

بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ
يَجُوزُ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَنَفْلُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَفَوْقَهَا، فَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَتَحَلَّقَ الْمُقْتَدُونَ حَوْلَهَا جَازَ، وَإِنْ كَانُوا مَعَهُ جَازَ، إِلَّا مَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى وَجْهِ الْإِمَامِ، وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَحَلَّقَ النَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ.

بَابُ الْجَنَائِزِ وَمَنِ احْتُضِرَ وُجِّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
صَلَاةَ الْخَوْفِ وَكَانَ إِبِلًا جَازَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُنَافِيَ وُجِدَ فِي صَلَاتِهِمْ خَاصَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ]
(يَجُوزُ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَنَفْلُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَفَوْقَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى دَاخِلَ الْبَيْتِ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطَهَا، فَتَجُوزُ، وَالِاسْتِيعَابُ فِي التَّوَجُّهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ النَّاسِ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا، وَلِأَنَّ الْقِبْلَةَ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ وَالْهَوَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، لَا نَفْسُ الْبِنَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ; وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ لِمَا بَيَّنَّا، وَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ.
قَالَ: (فَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَتَحَلَّقَ الْمُقْتَدُونَ حَوْلَهَا جَازَ) إِذَا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّهُ كَقِيَامِهِ فِي الْمِحْرَابِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانُوا مَعَهُ جَازَ) لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْكَعْبَةِ.
(إِلَّا مَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى وَجْهِ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَى إِمَامِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَحَلَّقَ النَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ) هَكَذَا تَوَارَثَ النَّاسُ الصَّلَاةَ فِيهِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ; وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ مِنَ الْإِمَامِ جَازَتْ صَلَاتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ إِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجَانِبِ، أَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهِ فَلَا.

[بَابُ الْجَنَائِزِ]
ِ (وَمَنِ احْتُضِرَ) أَيْ قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ (وُجِّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) هُوَ السُّنَّةِ وَاعْتِبَارًا
(1/90)

وَلُقِّنَ الشَّهَادَةَ، فَإِنْ مَاتَ شَدُّوا لَحْيَيْهِ وَغَمَّضُوا عَيْنَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ.

وَيَجِبُ غَسْلُهُ وُجُوبَ كِفَايَةٍ، وَيُجَرَّدُ لِلْغُسْلِ وَيُوضَعُ عَلَى سَرِيرٍ مُجَمَّرٍ وِتْرًا، وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ، وَيُوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ إِلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَيُغْلَى الْمَاءُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالْحُرْضِ إِنْ وُجِدَ وَيُغْسَلُ رَأْسُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِحَالَةِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ الِاسْتِلْقَاءَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ.
(وَلُقِّنَ الشَّهَادَةَ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَالْمُرَادُ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا لَكِنْ تُذْكَرُ عِنْدَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ.
قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ شَدُّوا لِحْيَيْهِ وَغَمَّضُوا عَيْنَيْهِ) هَكَذَا فَعَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِأَبِي سَلَمَةَ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَحْسِينَهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَجِّلُوا مَوْتَاكُمْ " فَإِنْ كَانَ خَيْرًا قَدَّمْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ» وَكَرِهَ بَعْضُهُمُ النِّدَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِيهِ إِعْلَامُ النَّاسِ فَيُؤَدُّونَ حَقَّهُ، وَفِيهِ تَكْثِيرُ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ.

[فَصْلٌ غسل الميت]
فَصْلٌ (وَيَجِبُ غُسْلُهُ وُجُوبَ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ " وَعَدَّ مِنْهَا: وَأَنْ يُغَسِّلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» حَتَّى لَوْ تَرَكُوا غُسْلَهُ أَثِمُوا جَمِيعًا، وَلَوْ تَعَيَّنَ وَاحِدٌ لِغُسْلِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ تَغْسِيلُ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالُوا لِوَلَدِهِ: هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ.
قَالَ: (وَيُجَرَّدُ لِلْغُسْلِ) لِيُتَمَكَّنَ مِنْ تَنْظِيفِهِ وَوُصُولِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَاعْتِبَارًا بِغَسْلِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غُسِّلَ فِي ثِيَابِهِ فَذَلِكَ خُصَّ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ.
قَالَ: (وَيُوضَعُ عَلَى سَرِيرٍ مُجَمَّرٍ وِتْرًا) أَمَّا السَّرِيرُ لِيَنْصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا التَّجْمِيرُ فَلِدَفْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ. وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ وِتْرًا» . (وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا كَالْحَيِّ ; وَقِيلَ يُكْتَفَى بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ، وَتُغْسَلُ عَوْرَتُهُ مِنْ تَحْتِ السُّرَّةِ بَعْدَ أَنْ يَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِئَلَّا يَلْمِسَهَا.
قَالَ: (وَيُوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا سُنَّةُ الْغُسْلِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» ،
قَالَ: (إِلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ) لِتَعَذُّرِ إِخْرَاجِ الْمَاءِ وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ مِنَ الْمَيِّتِ.
قَالَ: (وَيُغْلَى الْمَاءُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالْحُرْضِ إِنْ وُجِدَ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ وَهِيَ الْمَقْصُودُ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ الْحَارَّ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الدَّرَنِ.
قَالَ: (وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ
(1/91)

وَلِحْيَتُهُ بِالْخِطْمِيِّ مِنْ غَيْرِ تَسْرِيحٍ، وَيُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ حَتَّى يُعْلَمَ وُصُولُ الْمَاءِ تَحْتَهُ، ثُّمَ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ كَذَلِكَ، ثُّمَ يُجْلِسُهُ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ، وَلَا يُعِيدُ غَسْلَهُ، ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِخِرْقَةٍ، وَيَجْعَلُ الْحَنُوطَ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَالْكَافُورَ عَلَى مَسَاجِدِهِ.

ثُمَّ يُكَفِّنُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ مُجَمَّرَةٍ: قَمِيصٍ، وَإِزَارٍ، وَلِفَافَةٍ، وَهَذَا كَفَنُ السُّنَّةِ.
وَصِفَتُهُ: أَنْ تُبْسَطَ اللِّفَافَةُ ثُمَّ الْإِزَارُ فَوْقَهَا ثُمَّ يُقَمَّصُ، وَهُوَ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى الْقَدَمِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلِحْيَتَهُ بِالْخَطْمِيِّ) تَنْظِيفًا لَهُمَا.
(مِنْ غَيْرِ تَسْرِيحٍ) إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفُرِهِ، وَلَا يُخْتَنُ لِأَنَّهَا لِلزِّينَةِ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: " عَلَامَ تَنْصُونَ مَيِّتَكُمْ؟ " أَيْ تَسْتَقْصُونَ.
قَالَ: (وَيُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ حَتَّى يُعْلَمَ وُصُولُ الْمَاءِ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ كَذَلِكَ) لِأَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْمَيَامِنِ سُنَّةٌ.
(ثُمَّ يُجْلِسُهُ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ) لَعَلَّهُ بَقِيَ فِي بَطْنِهِ شَيْءٌ فَيَخْرُجُ فَتَتَلَوَّثُ بِهِ الأَكْفَانُ. وَرُوِيَ أَنْ عَلِيًّا لَمَّا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْنَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ وَمَسَحَ بَطْنَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
(فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ) إِزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ.
(وَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ) لِأَنَّ الْغُسْلَ عُرِفَ بِالنَّصِّ وَقَدْ حَصَلَ.
(ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِخِرْقَةٍ) لِئَلَّا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ فَيَصِيرَ مُثْلَةً.
(وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) لِأَنَّهُ طِيبُ الْمَوْتَى.
(وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) لِأَنَّ التَّطْيِيبَ سُنَّةٌ، وَتَخْصِيصُ مَوَاضِعِ السُّجُودِ تَشْرِيفًا لَهَا.

[فَصْلٌ صفة الكفن]
فَصْلٌ قَالَ: (ثُمَّ يُكَفِّنُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ مَجْمَّرَةٍ: قَمِيصٍ، وَإِزَارٍ، وَلِفَافَةٍ ; وَهَذَا كَفَنُ السُّنَّةِ) لِمَا «رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْهَا قَمِيصُهُ» . «وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَفَّنَتْ آدَمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ يَا بَنِي آدَمَ» .
(وَصِفَتُهُ أَنْ تُبْسَطَ اللِّفَافَةُ ثُمَّ الْإِزَارُ فَوْقَهَا، ثُمَّ يُقَمَّصُ وَهُوَ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى الْقَدَمِ،
(1/92)

وَيُوضَعُ الْإِزَارُ وَهُوَ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَدَمِ، وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ ثُمَ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ، فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى إِزَارٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى وَاحِدٍ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَيُعْقَدُ الْكَفَنُ إِنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ، وَلَا يُكَفَّنُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لَهُ، وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ، وَتُزَادُ خِمَارًا وَخِرْقَةً تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا، فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ وَخِمَارٍ جَازَ، وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الْقَمِيصِ تَحْتَ اللِّفَافَةِ.

فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَيُوضَعُ الْإِزَارُ وَهُوَ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَدَمِ، وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ ثُمَّ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ، ثُمَّ اللِّفَافَةُ كَذَلِكَ، وَهِيَ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَدَمِ.
قَالَ: (فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى إِزَارٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ؟ وَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ وَكَفَّنُونِي فِيهِمَا، وَهَذَا كَفَنُ الْكِفَايَةِ.
قَالَ: (وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدٍ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتُشْهِدَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: (وَيُعْقَدُ الْكَفَنُ إِنْ خِيفَ انْتِشَارُهُ) تَحَرُّزَا عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ.
(وَلَا يُكَفَّنُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ لِبْسُهُ لَهُ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ.
قَالَ: (وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ وَتُزَادُ خِمَارًا وَخِرْقَةً تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا) تُلْبَسُ الْقَمِيصَ أَوَّلًا ثُمَّ الْخِمَارَ فَوْقَهُ، ثُمَّ تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْقَمِيصِ ثُمَّ الْإِزَارُ ثُمَّ اللِّفَافَةُ اعْتِبَارًا بِلِبْسِهَا حَالَ الْحَيَاةِ وَهُوَ كَفَنُ السُّنَّةِ، لِمَا رَوَتْ أَمُّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَاوَلَهَا فِي كَفَنِ ابْنَتِهِ ثَوْبًا ثَوْبًا حَتَّى نَاوَلَهَا خَمْسَةَ أَثْوَابٍ آخِرُهَا خِرْقَةٌ تَرْبِطُ بِهَا ثَدْيَيْهَا» .
(فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ وَخِمَارٍ جَازَ) وَهُوَ كَفَنُ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مَا تُسْتَرُ بِهِ حَالَ الْحَيَاةِ، وَيُكْرَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَكْفِيهَا إِزَارٌ وَلِفَافَةٌ لِحُصُولِ السِّتْرِ بِهِمَا.
قَالَ: (وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الْقَمِيصِ تَحْتَ اللِّفَافَةِ) مِنَ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ يُجْعَلُ وَرَاءَ ظَهْرِهَا لِلزِّينَةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ رُبَّمَا انْتَشَرَ الْكَفَنُ فَيُجْعَلُ عَلَى صَدْرِهَا لِذَلِكَ، وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ وَغَيْرِ الْمُرَاهِقِ فِي خِرْقَتَيْنِ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَإِذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَلَا كَفَنَ لَهَا فَكَفَنُهَا عَلَى زَوْجِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِكِسْوَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ مِنْ مُؤَنِ النِّكَاحِ وَقَدْ زَالَ.

[فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ]
فَصْلٌ (الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ» .
(1/93)

وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا السُّلْطَانُ، ثُمَّ الْقَاضِي، ثُمَّ إِمَامُ الْحَيِّ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، إِلَّا الْأَبَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ، وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ إِنْ صَلَّى غَيْرُ السُّلْطَانِ أَوِ الْقَاضِي، فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ، وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ صَلَّوْا عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ، وَيَقُومُ الْإِمَامُ حِذَاءَ الصَّدْرِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. وَالصَّلَاةُ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى وَلَا يَرْفَعُ بَعْدَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَلُّوا عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ صَلَّوْا عَلَى آدَمَ وَقَالُوا: هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ.
قَالَ: (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا السُّلْطَانُ) لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ازْدِرَاءً بِهِ. وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهُ الْحَسَنُ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرًا بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا السُّنَّةُ لَمَّا قَدَّمْتُكَ.
(ثُمَّ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
ثُمَّ إِمَامُ الْحَيِّ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِمَامَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ.
(ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، إِلَّا الْأَبَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ) لِأَنَّ لَهُ فَضِيلَةً عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْقُرْبِ فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلِلْأَقْرَبِ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ.
(وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ إِنْ صَلَّى غَيْرُ السُّلْطَانِ أَوِ الْقَاضِي) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ.
قَالَ: (فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ) لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ تَأَدَّى بِالْوَلِيِّ، فَلَوْ صَلَّوْا بَعْدَهُ يَكُونُ نَفْلًا وَلَا يُتَنَفَّلُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ لَأَعَادَهَا النَّاسُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَلَمْ يَفْعَلُوا، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعُمَرَ: «إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ لَا تُعَادُ» .
قَالَ: (وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ صَلَّوْا عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، فَإِذَا تَفَسَّخَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالتُّرْبَةِ وَلَوْ عَلِمُوا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ غَسَّلُوهُ وَأَعَادُوا الصَّلَاةَ، وَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ بَعْدَ الدَّفْنِ لَا يُنْبَشُ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَلَا يُعِيدُهَا. وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: يُخْرِجُونَهُ مَا لَمْ يُهِيلُوا التُّرَابَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَبْشٍ.
قَالَ: (وَيَقُومُ الْإِمَامُ حِذَاءَ الصَّدْرِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) لِمَا «رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ بِحِذَاءِ صَدْرِهَا» ، وَلِأَنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَمَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، فَيَكُونُ الْقِيَامُ بِحِذَائِهِ إِشَارَةً إِلَى الشَّفَاعَةِ لِإِيمَانِهِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقِفُ لِلرَّجُلِ حِذَاءَ الصَّدْرِ، وَلِلْمَرْأَةِ حِذَاءَ وَسَطِهَا؛ لِأَنَّ أَنَسًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَلَ كَذَلِكَ، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ.
قَالَ: (وَالصَّلَاةُ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي صَلَاةِ الْعِيدِ: «أَرْبَعٌ كَأَرْبَعِ الْجَنَائِزِ» .
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى) لِأَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ.
(وَلَا يَرْفَعُ بَعْدَهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(1/94)

يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْأُولَى، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَيُسَلِّمُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَيَقُولُ فِي الصَّبِيِّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَذُخْرًا شَافِعًا مُشَفَّعًا، وَلَا قِرَاءَةَ فِيهَا وَلَا تَشَهُّدَ ; وَمَنِ اسْتَهَلَّ وَهُوَ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ صَوْتٌ سُمِّيَ، وَغُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ.

فَإِذَا حَمَلُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
«لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَلَمْ يَذْكُرْهَا.
(يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْأُولَى) لِأَنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ الْبِدَايَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ.
(وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ ذِكْرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَلِي ذِكْرَ رَبِّهِ تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] قِيلَ: لَا أُذْكَرُ إِلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي.
(وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ، وَقَدْ قُدِّمَ ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ رَسُولِهِ فَيَأْتِي بِالْمَقْصُودِ فَهُوَ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ.
(وَيُسَلِّمُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ هَكَذَا آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى زَمَانِنَا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ دَعَوْتَ بِبَعْضِ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَحَسَنٌ، وَإِنْ دَعَوْتَ بِمَا يَحْضُرُكَ فَحَسَنٌ.
(وَيَقُولُ فِي الصَّبِيِّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَذُخْرًا شَافِعًا مُشَفَّعًا) لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى غَائِبٍ لِأَنَّهُ إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ مَعَ الْغَيْبَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَصَلَّى النَّاسُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ، وَلَوْ صَلَّوْا لَنُقِلَ وَلَمْ يُنْقَلْ. وَأَمَّا صَلَاتُهُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَإِنَّهُ كُشِفَ لَهُ حَتَّى أَبْصَرَ سَرِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ مَاتَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَذَا أَخُوكُمُ النَّجَاشِيُّ قَدْ مَاتَ قُومُوا نُصَلِّي عَلَيْهِ» ، فَصَلَّى وَهُوَ يَرَاهُ وَصَلَّتِ الصَّحَابَةُ بِصَلَاتِهِ.
قَالَ: (وَلَا قِرَاءَةَ فِيهَا وَلَا تَشَهُّدَ) أَمَّا التَّشَهُّدُ فَإِنَّ مَحَلَّهُ الْقُعُودُ وَلَا قُعُودَ فِيهَا. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قِرَاءَةً، لَا فِعْلًا، وَلَا قَوْلًا، كَبِّرْ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ، وَاخْتَرْ مِنْ أَطْيَبِ الْكَلَامِ مَا شِئْتَ، وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ، أَمَّا بِنِيَّةِ التِّلَاوَةِ مَكْرُوهٌ.
قَالَ: (وَمَنِ اسْتَهَلَّ وَهُوَ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ صَوْتٌ سُمِّيَ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنِ اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَوُرِّثَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوَرَّثْ» رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.

[فَصْلٌ حمل الميت والسير به ودفنه]
فَصْلٌ (فَإِذَا حَمَلُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُحْمَلَ
(1/95)

وَأَسْرَعُوا بِهِ دُونَ الْخَبَبِ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى قَبْرِهِ كُرِهَ لَهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ وَيُلْحَدُ، وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُوَجِّهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُسَجَّى قَبْرُ الْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، ثُّمَ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهَا، وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ، وَيُكْرَهُ بِنَاؤُهُ بِالْجِصِّ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْجِنَازَةُ مِنْ جَوَانِبِهَا الْأَرْبَعِ» ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْمَيِّتِ وَصِيَانَتُهُ عَنِ السُّقُوطِ وَتَخْفِيفٌ عَنِ الْحَامِلِينَ. قَالَ: (وَأَسْرَعُوا بِهِ دُونَ الْخَبَبِ) لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «سَأَلْنَا نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَيْرِ الْجِنَازَةِ فَقَالَ: دُونَ الْخَبَبِ، الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا» .
قَالَ: (فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى قَبْرِهِ كُرِهَ لَهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُومُ حَتَّى يُسَوَّى عَلَيْهِ التُّرَابُ وَلِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَوْ عَلِمُوا اسْتِغْنَاءَهُمْ عَنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
(وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ) لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاتِّعَاظِ، وَالْأَحْسَنُ فِي زَمَانِنَا الْمَشْيُ أَمَامَهَا لِمَا يَتْبَعُهَا مِنَ النِّسَاءِ.
قَالَ: (وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ وَيُلْحِدُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» وَلِأَنَّهُ صَنِيعُ الْيَهُودِ وَالسُّنَّةُ مُخَالَفَتُهُمْ.
قَالَ: (وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُوَجِّهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَاتَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، فَشَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: " يَا عَلِيُّ، اسْتَقْبِلْ بِهِ الْقِبْلَةَ اسْتِقْبَالًا وَقُولُوا جَمِيعًا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَضَعُوهُ لِجَنْبِهِ وَلَا تُكِبُّوهُ لِوَجْهِهِ وَلَا تُلْقُوهُ» وَذُو الرَّحِمِ أَوْلَى بِوَضْعِ الْمَرْأَةِ فِي قَبْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْأَجَانِبُ، وَلَا يَدْخُلُ الْقَبْرَ امْرَأَةٌ.
قَالَ: (وَيُسَجَّى قَبْرُ الْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ) وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ حَتَّى اسْتَحْسَنُوا التَّابُوتَ لِلنِّسَاءِ. (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ) كَذَا فُعِلَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ.
(وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ) مُرْتَفِعًا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ أَوْ شِبْرٍ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا، وَلَا يُسَطَّحُ لِأَنَّ التَّسْطِيحَ صَنِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ.
(وَيُكْرَهُ بِنَاؤُهُ بِالْجِصِّ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ) لِأَنَّهَا لِلْبَقَاءِ وَالزِّينَةِ، وَالْقَبْرُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا
(1/96)

تُرَابٌ، وَيُكْرَهُ وَطْءُ الْقَبْرِ وَالْجُلُوسُ وَالنَّوْمُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهُ، وَإِذَا مَاتَ لِلْمُسْلِمِ قَرِيبٌ كَافِرٌ غَسَّلَهُ غَسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ، وَيَلُفُّهُ فِي ثَوْبٍ وَيُلْقِيهِ فِي حَفِيرَةٍ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ إِلَى أَهْلِ دِينِهِ.

بَابُ الشَّهِيدِ
وَهُوَ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ بِالْمَعْرَكَةِ جَرِيحًا، أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مَالٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا طَاهِرًا، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تُرَابٌ) لِيَصِيرَ كَقَبْرَيْنِ.
(وَيُكْرَهُ وَطْءُ الْقَبْرِ وَالْجُلُوسُ وَالنَّوْمُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِهَانَةٌ بِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ لِلْمُسْلِمِ قَرِيبٌ كَافِرٌ غَسَلَهُ غَسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ، وَيَلُفُّهُ فِي ثَوْبٍ وَيُلْقِيهِ فِي حَفِيرَةٍ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصِلَتِهِ وَهَذَا مِنْهُ، وَلِئَلَّا يَتْرُكَهُ طُعْمَةً لِلسِّبَاعِ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ لَهُ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
(وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ إِلَى أَهْلِ دِينِهِ) لِيَفْعَلُوا بِهِ مَا يَفْعَلُونَ بِمَوْتَاهُمْ.

[بَابُ الشَّهِيدِ]
ِ (وَهُوَ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ بِالْمَعْرَكَةِ جَرِيحًا، أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مَالٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا طَاهِرًا، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) وَالْأَصْلُ فِي أَحْكَامِ الشَّهِيدِ شُهَدَاءُ أُحُدٍ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ: «زَمِّلُوهُمُ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» فَكُلُّ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِمْ، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ بِأَنْ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَلَهُ حُكْمُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا، يَدْخُلُ فِيهِ الْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُغَسِّلْ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِصِفِّينَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» .
وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ كَصَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ، حَتَّى «رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَبْعِينَ صَلَاةً» ، وَفِي رِوَايَةٍ «سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً» فَإِنَّهُ كَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُؤْتَى بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ، حَتَّى ظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى حَمْزَةَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا طَاهِرًا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ يُغَسَّلُ الصَّبِيُّ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا اسْتُشْهِدُوا.
وَقَالَا: لَا يُغَسَّلُ الصَّبِيُّ قِيَاسًا عَلَى الْبَالِغِ، وَلَا الْجُنُبُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ، وَمَا يَجِبُ بِالْمَوْتِ مُنْعَدِمٌ فِي حَقِّهِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ عَامِرٍ قُتِلَ جُنُبًا فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ،
(1/97)

وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ، وَيُنْقَصُ وَيُزَادُ مُرَاعَاةً لِكَفَنِ السُّنَّةِ، وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالسِّلَاحُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ، فَإِنْ أَكَلَ (ف) ، أَوْ شَرِبَ (ف) ، أَوْ تَدَاوَى، أَوْ أَوْصَى (ف) بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَوْ بَاعَ، أَوِ اشْتَرَى، أَوْ صَلَّى، أَوْ حُمِلَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا، أَوْ آوَتْهُ خَيْمَةٌ، أَوْ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ يَعْقِلُ غُسِّلَ (ف) ، وَالْمَقْتُولُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ; وَالْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَكَانَ تَعْلِيمًا، وَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْعَامِّ ; وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مِثْلُهُ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَوْتَى بَنِي آدَمَ الْغُسْلُ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِشَهَادَةِ تَكْفِيرِ الذَّنْبِ لِيَبْقَى أَثَرُهَا لِمَا رَوَيْنَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الصَّبِيِّ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ; وَمَنْ قُتِلَ بِالْمُثَقِّلِ يَجِبُ غُسْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا الْقَتْلُ، وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ مَيِّتًا لَا جِرَاحَةَ بِهِ غُسِّلَ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي شَهَادَتِهِ.
قَالَ: (وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ وَيُنْقَصُ وَيُزَادُ مُرَاعَاةً لِكَفَنِ السُّنَّةِ) لِأَنَّ «حَمْزَةَ لَمَّا اسْتُشْهِدَ كَانَ عَلَيْهِ نَمِرَةٌ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ قَدَمَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَتْ قَدَمَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُغَطَّى بِهَا رَأْسُهُ وَأَنْ يُوضَعَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ» . وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهَا.
(وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالسِّلَاحُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَثْوَابِ الْكَفَنِ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِنَزْعِهَا عَنِ الشَّهِيدِ.
قَالَ: (فَإِنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ تَدَاوَى، أَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَوْ بَاعَ، أَوِ اشْتَرَى، أَوْ صَلَّى، أَوْ حُمِلَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا، أَوْ آوَتْهُ خَيْمَةٌ، أَوْ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ يَعْقِلُ غُسِّلَ) لِأَنَّهُ نَالَ مَرَافِقَ الْحَيَاةِ فَخَفَّ عَنْهُ أَثَرُ الظُّلْمِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَإِنَّهُمْ مَاتُوا عِطَاشًا وَالْكَأْسُ يُدَارُ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ نَقْصِ الشَّهَادَةِ ; وَلَوْ حُمِلَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَيْنِ كَيْلَا تَطَأَهَ الْخَيْلُ لَا لِلتَّدَاوِي، لَا يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنَلْ مَرَافِقَ الْحَيَاةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِذَا مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ غُسِّلَ لِأَنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَإِنْ أَوْصَى بِأَمْرٍ دِينِيِّ لَمْ يُغَسَّلْ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَوْصَى الْأَنْصَارَ فَقَالَ: لَا عُذْرَ لَكُمْ إِنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرَفُ، وَمَاتَ وَلَمْ يُغَسَّلْ.
قَالَ: (وَالْمَقْتُولُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ ظُلْمًا فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
قَالَ: (وَالْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا. وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} [المائدة: 33] وَالصَّلَاةُ شَفَاعَةٌ فَلَا يَسْتَحِقُّونَهَا،
(1/98)

كِتَابُ الزَّكَاةِ وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ (ف) الْبَالِغِ (ف) إِذَا مَلَكَ نِصَابًا خَالِيًا عَنِ الدَّيْنِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِلْكًا تَامًّا فِي طَرَفَيِ الْحَوْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا صَلَّى عَلَى الْبُغَاةِ وَهُوَ الْقُدْوَةُ فِي الْبَابِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا.

[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
ِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، يُقَالُ: زَكَا الْمَالُ: إِذَا نَمَا وَازْدَادَ، وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ زَكِيُّ الْعِرْضِ: أَيْ طَاهِرُهُ.
وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ إِيجَابِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَالِ فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ لِمَالِكٍ مَخْصُوصٍ، وَفِيهَا مَعْنَى اللُّغَةِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ طَهَارَةً عَنِ الْآثَامِ. قَالَ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] أَوْ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ فِي الْمَالِ النَّامِي إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا ; وَسَبَبُ وُجُوبِهَا مِلْكُ مَالٍ مُقَدَّرٍ مَوْصُوفٍ لِمَالِكٍ مَوْصُوفٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الْمَالِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالتَّأْخِيرِ وَلَوْ هَلَكَ. وَعَنِ الْكَرْخِيِّ عَلَى الْفَوْرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، وَهِيَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ لَا يَسَعُ تَرْكُهَا، وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا، ثَبَتَتْ فَرْضِيَتُهَا بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَقَوْلُهُ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
قَالَ: (وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ، وَالْكَافِرُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْفُرُوعِ لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ بِالْعِبَادَاتِ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهَا أَحَدُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ وَأَرْكَانِهِ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» . وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ.
قَالَ: (إِذَا مَلَكَ نِصَابًا خَالِيًا عَنِ الدَّيْنِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِلْكًا تَامًّا فِي طَرَفَيِ الْحَوَلِ) أَمَّا الْمِلْكُ فَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ كَاللُّقَطَةِ. وَأَمَّا النِّصَابُ
(1/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدَّرَهُ بِهِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ» وَكَذَا وَرَدَ فِي سَائِرِ النُّصُبِ. وَأَمَّا خُلُوُّهُ عَنِ الدَّيْنِ فَلِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِالدَّيْنِ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَهَمُّ الْحَوَائِجِ، فَصَارَ كَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ نَاقِصٌ لِأَنَّ لِلْغَرِيمِ أَخْذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا وَالزَّكَاةُ وَجَبَتْ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ الْكَامِلَةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مَصْرِفًا لِلزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] وَبَيْنَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَجَوَازِ أَخْذِهَا تَنَافٍ وَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَاضِلٌ عَنِ الدَّيْنِ زَكَّاهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَالْمُرَادُ دَيْنٌ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، وَمَا لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا يَمْنَعُ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ، وَالنَّفَقَةُ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا لَا تَمْنَعُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ، فَإِذَا قُضِيَ بِهَا صَارَتْ دَيْنًا فَمَنَعَتْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دَيْنِ الزَّكَاةِ. قَالَ زُفَرُ: لَا يَمْنَعُ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ لِلْمَالِكِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ الدَّيْنُ فِي الذِّمَّةِ بِأَنِ اسْتَهْلَكَ مَالَ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَبَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَلَكَ مَالًا آخَرَ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يَمْنَعُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ فِي الْعَيْنِ كَمَنْ لَهُ نِصَابٌ فَمَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِجَمِيعِ مَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ خِلَافًا لِزُفَرَ ; وَعِنْدَهُمَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَيَمْنَعُ الدَّيْنُ سَوَاءً كَانَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ كَانَ لِلْإِمَامِ، وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَّضَهُ إِلَى الْمُلَّاكِ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ طَلَبِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاتَهُمْ طَالَبَهُمْ بِهَا، وَلَوْ مرَّ بِهَا عَلَى السَّاعِي كَانَ لَهُ أَخْذُهَا، فَكَانَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَيَمْنَعُ، وَالدَّيْنُ الْمُعْتَرِضِ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ يَمْنَعُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. وَالْمَهْرُ يَمْنَعُ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ مُعَجَّلًا ; وَقِيلَ يَمْنَعُ الْمُعَجَّلُ دُونَ الْمُؤَجَّلِ.
وَقَوْلُهُ: فَائِضًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمَرْءُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَقَدُّمِ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةَ وَهِيَ: دُورُ السُّكْنَى، وَثِيَابُ الْبَدَنِ، وَأَثَاثُ الْمَنْزِلِ، وَسِلَاحُ الِاسْتِعْمَالِ، وَدَوَابُّ الرُّكُوبِ، وَكُتُبُ الْفُقَهَاءِ، وَآلَاتُ الْمُحْتَرِفِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَعَاشِهِ.
وَأَمَّا الْمِلْكُ التَّامُّ فَاحْتِرَازٌ عَنْ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ الْكَامِلَةِ، وَأَنَّهَا نِعْمَةٌ نَاقِصَةٌ، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» وَقَوْلُهُ فِي طَرَفَيِ الْحَوَلِ؛ لِأَنَّ الْحَوَلَ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» .
وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي النِّصَابِ مُدَّةً يَحْصُلُ مِنْهُ النَّمَاءُ، فَقَدَّرْنَاهُ بِالْحَوْلِ
(1/100)

وَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِعَزْلِ الْوَاجِبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ؟ وَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ سَقَطَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا وَلَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ الضِّمَارِ (ز ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْأَسْعَارُ غَالِبًا، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ كَمَالِ النِّصَّابِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ لِلِانْعِقَادِ، وَفِي آخِرِهِ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَمَا بَيْنَهُمَا حَالَةُ الْبَقَاءِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهَا حَرَجًا عَظِيمًا، فَإِنَّ بِالتَّصَرُّفَاتِ فِي النَّفَقَاتِ يَتَنَاقَصُ وَيَزْدَادُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِهَذَا الْحَرَجِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِعَزْلِ الْوَاجِبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ مِنْهَا لِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ.
وَالزَّكَاةُ تُؤَدَّى مُتَفَرِّقًا، فَرُبَّمَا يُحْرَجُ فِي النِّيَّةِ عِنْدَ أَدَاءِ كُلِّ دُفْعَةٍ، فَاكْتَفَيْنَا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْعَزْلِ تَسْهِيلًا وَتَيْسِيرًا.
قَالَ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ سَقَطَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَسْقُطَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءُ النِّصَابِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» .
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفُ مِثْقَالٍ» إِلَى غَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ، وَالرُّكْنُ هُوَ التَّمْلِيكُ عَلَى وَجْهِ الْمَبَرَّةِ، وَقَدْ وُجِدَ لِحُصُولِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى الْكُلَّ فَقَدْ أَدَّى الْجُزْءَ، وَالنِّيَّةُ شُرِطَتْ لِلتَّعْيِينِ، وَالْوَاجِبُ قَدْ تَعَيَّنَ بِإِخْرَاجِ الْكُلِّ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْبَعْضِ سَقَطَتْ زَكَاةُ ذَلِكَ الْبَعْضِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ الضِّمَارِ) وَهُوَ الْمَالُ الضَّائِعُ وَالسَّاقِطُ فِي الْبَحْرِ، وَالْمَدْفُونُ فِي الْمَفَازَةِ إِذَا نَسِيَ الْمَالِكُ مَكَانَهُ، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ وَالْمَغْصُوبُ، وَالدَّيْنُ الْمَجْحُودُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةٌ، وَالْمُودَعُ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْمَدْفُونُ فِي الْبُسْتَانِ وَالْأَرْضِ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ، وَالْمَدْفُونُ بِالْبَيْتِ لَيْسَ بِضِمَارٍ. وَقَالَ زُفَرَ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الضِّمَارِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، وَالسَّبَبُ مُتَحَقِّقٌ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَلَا يَضُرُّهُ زَوَالُ الْيَدِ كَابْنِ السَّبِيلِ. وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «لَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ الضِّمَارِ» وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - لَمَّا رَدَّ الْأَمْوَالَ عَلَى أَصْحَابِهَا - أَفَلَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ زَكَاتَهَا لِمَا مَضَى؟ قَالَ: لَا إِنَّهَا كَانَتْ ضِمَارًا. وَالْعِبَادَاتُ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ فِي إِيجَابِهَا وَإِسْقَاطِهَا فَكَانَ تَوْقِيفًا، وَلِأَنَّهُ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ بِالِاسْتِنْمَاءِ غَالِبًا وَهُوَ عَاجِزٌ، بِخِلَافِ ابْنِ السَّبِيلِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ
(1/101)

وَتَجِبُ فِي الْمُسْتَفَادِ الْمُجَانِسِ وَيُزَكِّيهِ مَعَ الْأَصْلِ وَتَجِبُ فِي النِّصَابِ دُونَ الْعَفْوِ (م ز) ، وَتَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ (ف) ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهُ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ، وَيَجُوزُ فِيهَا دَفْعُ الْقِيمَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِنَائِبِهِ.
قَالَ: (وَتَجِبُ فِي الْمُسْتَفَادِ الْمُجَانِسِ وَيُزَكِّيهِ مَعَ الْأَصْلِ) وَهُوَ مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْهِبَةِ أَوِ الْإِرْثِ أَوِ الْوَصِيَّةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اعْلَمُوا أَنَّ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تُؤَدُّونَ فِيهِ الزَّكَاةَ، فَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَجِيءَ رَأْسُ السَّنَةِ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الْأَصْلِ وَالْحَادِثِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَجِيءُ رَأْسِ السَّنَةِ، وَهَذَا رَاجِحٌ عَلَى مَا يُرْوَى: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» لِأَنَّهُ عَامٌّ، وَمَا رَوَيْنَاهُ خَاصٌّ فِي الْمُسْتَفَادِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ الْمُجَانِسِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ لِكُلِّ مُسْتَفَادٍ مَشَقَّةً وَعَنَاءً، فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَاتِ قَدْ تَكْثُرُ فَيَعْسُرُ عَلَيْهِ مُرَاقَبَةُ ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ وَانْتِهَائِهِ لِكُلِّ مُسْتَفَادٍ وَالْحَوْلُ لِلتَّيْسِيرِ، وَصَارَ كَالْأَوْلَادِ وَالْأَرْبَاحِ ; أَمَّا الْمُسْتَفَادُ الْمُخَالِفُ لَا يُضَمُّ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَتَجِبُ فِي النِّصَابِ دُونَ الْعَفْوِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ فِيهِمَا.
وَصُورَتُهُ لَوْ كَانَ لَهُ ثَمَانُونَ مِنَ الْغَنَمِ فَهَلَكَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ نِصْفُ شَاةٍ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعٌ مِنَ الْإِبِلِ هَلَكَ مِنْهَا أَرْبَعٌ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ. لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ: أَنَّ الْعَفْوَ مَالٌ نَامٍ وَنِعْمَةٌ كَامِلَةٌ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِسَبَبِهِ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ وَالْمَالِ النَّامِي. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ، وَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ عَشْرًا» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي الْعَفْوِ، وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلنِّصَابِ فَيَنْصَرِفُ الْهَلَاكُ إِلَيْهِ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ.
قَالَ: (وَتَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهُ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءُ النِّصَابِ لِمَا مَرَّ، فَكَانَ النِّصَابُ مَحَلًّا لِلزَّكَاةِ ; وَالشَّيْءُ لَا يَبْقَى بَعْدَ مَحَلِّهِ كَالْعَبْدِ الْجَانِي إِذَا مَاتَ وَلَمْ يُوجَدِ الطَّلَبُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِفَقِيرٍ بِعَيْنِهِ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ بَعْدَ طَلَبِ السَّاعِي يُضَمْنُ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَتُضْمَنُ بِالْهَلَاكِ بَعْدَ الطَّلَبِ كَالْوَدِيعَةِ.
وَقَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ: لَا تُضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ إِنْ شَاءَ دَفَعَ الْعَيْنَ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ الْقِيمَةَ مِنَ النَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الدَّفْعَ لِيَحْصُلَ الْعِوَضُ، وَأَمَّا بِالِاسْتِهْلَاكِ فَقَدْ تَعَدَّى فَيُضْمَنُ عُقُوبَةً لَهُ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ فِيهَا دَفْعُ الْقِيمَةِ) وَكَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْعُشُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَأْخُوذِ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ جِنْسٍ يَأْخُذُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ: «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ فَغَضِبَ وَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ أَخْذِ كَرَائِمِ أَمْوَالِ النَّاسِ) ؟ فَقَالَ الْمُصَدِّقُ: إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِبَعِيرَيْنِ فَسَكَتَ» . وَأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ.
«وَقَوْلُ مُعَاذٍ لِأَهْلِ
(1/102)

وَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ وَسَطَ الْمَالِ ; وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا فَعَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ لِسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ لِنُصُبٍ جَازَ (ز) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْيَمَنِ حِينَ بَعَثَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لِمَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ» وَكَانَ يَأْتِي بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذْ مِنَ الْإِبِلِ الْإِبِلَ» الْحَدِيثَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّيْسِيرِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ عَلَى أَصْحَابِهَا أَسْهَلُ، وَأَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَجْنَاسِ ; وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِيصَالُ الرِّزْقِ الْمَوْعُودِ إِلَى الْفَقِيرِ وَقَدْ حَصَلَ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ قُوتَ الْفُقَرَاءِ وَسَمَّاهُ زَكَاةً» وَصَارَ كَالْجِزْيَةِ بِخِلَافِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا؛ لِأَنَّ إِرَاقَةَ الدَّمِ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى.
قَالَ: " وَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ وَسَطَ الْمَالِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذْ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالَهِمْ» أَيِ الْوَسَطِ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْجَيِّدِ إِضْرَارٌ بِرَبِّ الْمَالِ، وَأَخْذَ الرَّدِيءِ إِضْرَارٌ بِالْفُقَرَاءِ، فَقُلْنَا بِالْوَسَطِ تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا، وَلَا يَأْخُذُ الرَّبِيَّ وَلَا الْمَاخِضَ، وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَلَا الْأَكُولَةَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِيَّاكُمْ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عُدَّ عَلَيْهُمُ السَّخْلَةَ وَلَوْ جَاءَ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدَيْهِ، أَلَسْنَا تَرَكْنَا لكم الرَّبِيَّ وَالْأَكُولَةَ وَالْمَاخِضَ وَفَحْلَ الْغَنَمِ؟ .
قَالَ: (وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا فَعَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ لِسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ لِنُصُبٍ جَازَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اسْتَسْلَفَ الْعَبَّاسَ زَكَاةَ عَامَيْنِ» ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ السَّبَبِ وَهُوَ الْمَالُ. وَالْحَوْلُ الْأَوَّلُ وَمَا بَعْدَهُ سَوَاءٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ إِتْمَامِ النِّصَابِ لِأَنَّهُ أَدَّى قَبْلَ السَّبَبِ فَلَا يَجُوزُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّ النَّصَّابَ الْأَوَّلَ سَبَبٌ لِوُجُودِ
(1/103)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الزَّكَاةِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النُّصُبِ، أَلَا يَرَى أَنَّهَا تُضَمُّ إِلَيْهِ فَكَانَتْ تَبَعًا لَهُ. وَقَالَ زُفَرُ: إِذَا أَدَّى عَنْ نُصُبٍ لَا يُجْزِيهِ إِلَّا عَنِ النِّصَابِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَلَنَا مَا بَيَّنَّا، وَلِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ تَبَعُ الْأَصْلِ فِي حَقِّ الْوُجُوبِ، فَيَكُونُ تَبَعًا فِي حُكْمِ الْحَوْلِ أَيْضًا، فَكَأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ عَلَى الْجَمِيعِ.
1 -
فَصْلٌ وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كَرْهًا وَوَضَعَهَا مَوْضِعَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [التوبة: 103] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ» وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ كَانَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إِلَى زَمَانِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَذِهِ النُّصُوصِ، فَفَوَّضَهَا فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ إِلَى أَرْبَابِهَا مَخَافَةَ تَفْتِيشِ الظَّلَمَةِ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَصَارَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ كَالْوُكَلَاءِ عَنِ الْإِمَامِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ طَالَبَهُمْ بِهَا ; وَمَا أَخَذَهُ الْخَوَارِجُ وَالْبُغَاةُ مِنَ الزَّكَاةِ لَا يُثَنَّى عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حِمَايَتِهِمْ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ، وَيُفْتَى أَهْلُهَا بِالْإِعَادَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا بِطَرِيقِ الصَّدَقَةِ وَلَا يَصْرِفُونَهَا مَصَارِفَهَا.
وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَا يَأْخُذُهُ الظَّلَمَةُ مِنَ السَّلَاطِينِ فِي زَمَانِنَا. قَالَ مَشَايِخُ بَلْخَ: يُفْتَوْنَ بِالْإِعَادَةِ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ: يُفْتَوْنَ بِإِعَادَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَلَا يَصْرِفُونَهَا إِلَيْهِمْ، وَلَا يُفْتَوْنَ فِي الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْمُقَاتِلَةِ وَهُمْ مِنْهُمْ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ عَدُوٌّ قَاتَلُوهُ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ إِذَا نَوَوْا عِنْدَ الدَّفْعِ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَكَذَا جَمِيعُ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الرَّجُلِ مِنَ الْجِبَايَاتِ وَالْمُصَادَرَاتِ؛ لِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ أَمْوَالُ النَّاسِ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ التَّبِعَاتِ فَوْقَ مَالِهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَجُوزُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَالِي خُرَاسَانَ. وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أَوْ صَدَقَةُ فِطْرٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الْوَرَثَةُ جَازَ، وَإِنْ أَوْصَى بِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهَا
عِبَادَةٌ، فَلَا تَتَأَدَّى إِلَّا بِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ شُرِعَتْ لِلِابْتِلَاءِ لِيَتَبَيَّنَ الطَّائِعُ مِنَ الْعَاصِي، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَقَصْدِهِ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِيتَاءِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ جَبْرًا، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ وَارِثِهِ عَنْهُ إِلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا، وَقُلْنَا بِسُقُوطِهِ عَنْهُ بِأَدَاءِ الْوَارِثِ، لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ حَيْثُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَوْلَى» .
(1/104)

بَابُ زَكَاةِ السَّوَائِمِ السَّائِمَةُ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرَّعْيِ فِي أَكْثَرَ حَوْلِهَا، فَإِنْ عَلَفَهَا نِصْفَ الْحَوْلِ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ. وَالْإِبِلُ تَتَنَاوَلُ الْبُخْتَ وَالْعِرَابَ. وَالْبَقَرُ يَتَنَاوَلُ الْجَوَامِيسَ أَيْضًا ; وَالْغَنَمُ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ.

فصل لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَفِي الْخَمْسِ شَاةٌ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ زَكَاةِ السَّوَائِمِ]
ِ (السَّائِمَةُ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرَّعْيِ فِي أَكْثَرِ حَوْلِهَا، فَإِنْ عَلَفَهَا نِصْفَ الْحَوْلِ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ) لِأَنَّ أَرْبَابَهَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَلَفِ أَيَّامَ الثَّلْجِ وَالشِّتَاءِ، فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ لِيَكُونَ غَالِبًا؛ لِأَنَّ السَّوْمَ إِنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ لِحُصُولِ النَّمَاءِ وَخِفَّةِ الْمَئُونَةِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَتْ تُسَامُ أَكْثَرَ الْمُدَّةِ ; أَمَّا إِذَا عُلِفَتْ فَالْمَئُونَةُ تَكْثُرُ وَكَثْرَتُهَا تُؤَثِّرُ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ كَالْمَعْلُوفَةِ دَائِمًا فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ، وَهِيَ الَّتِي تُسَامُ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالنَّمَاءِ ; أَمَّا لَوْ سِيمَتْ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِعَدَمِ النَّمَاءِ.
(وَالْإِبِلُ تَتَنَاوَلُ الْبُخْتَ وَالْعِرَابَ) لِأَنَّ الِاسْمَ يَنْتَظِمُهَا لُغَةً.
قَالَ: (وَالْبَقَرُ يَتَنَاوَلُ الْجَوَامِيسَ أَيْضًا) لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهَا (وَالْغَنَمُ: الضَّأْنُ وَالْمَعِزُ) لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِاسْمِ الْغَنَمِ فِيهِمَا وَاللَّفْظُ يَنْتَظِمُهُمَا لُغَةً.

[فَصْلٌ نصاب الإبل]
فَصْلٌ (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ» وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ وَاحِدَةٌ، وَالصِّفَةُ إِذَا قُرِنَتْ بِاسْمِ الْعَلَمِ صَارَ كَالْعِلَّةِ.
قَالَ: (وَفِي الْخَمْسِ شَاةٌ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ
(1/105)

فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إِلَى مَائَةِ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ (ف) كَالْأَوَّلِ إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ، وَبِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ، ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ كَالْأَوَّلِ إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَثَمَانِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ أَرْبَعُ حِقَاقٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ (ف) أَبَدًا كَمَا اسْتُؤْنِفَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهَا اتَّفَقَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ كُتُبِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي كَتَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ: (ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ كَالْأَوَّلِ، إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ ; ثُمَّ فِي الْخَمْسِ شَاةٌ كَالْأَوَّلِ، إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَثَمَانِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ أَرْبَعُ حِقَاقٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ أَبَدًا كَمَا اسْتُؤْنِفَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ) وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهَكَذَا كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «فَإِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ اسْتُؤْنِفَتِ الْفَرِيضَةُ، فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ» وَهَذَا تَقْدِيرٌ لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْفَرِيضَةِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَغْيِيرِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.
(1/106)

فَصْلٌ لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْءٌ، وَفِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَمَا زَادَ بِحِسَابِهِ (ف) إِلَى سِتِّينَ، وَفِي سِتِّينَ تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ، وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ مِنْ تَبِيعٍ إِلَى مُسِنَّةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فَصْلٌ نِصَابُ الْبَقَرِ]
فَصْلٌ (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقْرِ شَيْءٌ، وَفِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذًا وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ.
قَالَ: (وَمَا زَادَ بِحِسَابِهِ إِلَى سِتِّينَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ; وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ: فَفِي الْوَاحِدَةِ رُبُعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثُ عُشْرِ تَبِيعٍ، وَفِي اثْنَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثَا عُشْرِ تَبِيعٍ، وَعَلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ النُّصُبِ بِالرَّأْيِ فَيَجِبُ بِحِسَابِهِ. وَرَوَى ابْنُ زِيَادٍ عَنْهُ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ، فَفِيهَا مُسِنَّةٌ وربع مسنة أَوْ ثُلُثُ تَبِيعٍ لِأَنَّ الْأَوْقَاصَ فِي الْبَقَرِ تَبِيعٌ كَمَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَبَعْدَ السِّتِّينَ، وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عُمَرَ عَنْهُ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِقَوْلِ مُعَاذٍ فِي الْبَقَرِ: «لَا شَيْءَ فِي الْأَوْقَاصِ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
(وَفِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ، وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ، فِي كُلِّ عَشَرَةٍ مِنْ تَبِيعٍ إِلَى مُسِنَّةٍ) وَمِنْ مُسِنَّةٍ إِلَى تَبِيعٍ، عَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَبِهِ وَرَدَتِ الْآثَارُ.
(1/107)

فَصْلٌ لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً صَدَقَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى أَرْبَعِمَائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَأَدْنَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَيُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ الثَّنِيُّ (ف) ، وَهُوَ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ.

فَصْلٌ مَنْ كَانَ لَهُ خَيْلٌ سَائِمَةٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، أَوْ إِنَاثٌ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ فَرَسٍ (سم) دِينَارًا، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (سم) خَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فَصْلٌ نِصَابُ الْغَنَمِ]
فَصْلٌ (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً صَدَقَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةً إِلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا شَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) بِذَلِكَ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
قَالَ: (وَأَدْنَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَيُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ الثَّنِيُّ، وَهُوَ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُجزي فِي الزَّكَاةِ إِلَّا الثَّنِيُّ» وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا الثَّنِيُّ فَصَاعِدًا» .
وَرُوِيَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّنَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، أَمَّا الْمَعْزُ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا الثَّنِيُّ اعْتِبَارًا بِالْأُضْحِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْإِبِلِ إِلَّا الْإِنَاثُ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِنَاثِ بِقَوْلِهِ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِلَفْظِ الْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَأَنَّهُ يَعُمُّهُمَا.

[فَصْلٌ نِصَابُ الْخَيْلِ]
فَصْلٌ (مَنْ كَانَ لَهُ خَيْلٌ سَائِمَةٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، أَوْ إِنَاثٌ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْله تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]
(1/108)

وَلَا زَكَاةَ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَا فِي الْعَوَامِلِ وَالْعَلُوفَةِ، وَلَا فِي الْفُصْلَانِ وَالْحُمْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ (زس) إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كِبَارٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي كُلِّ فَرَسٍ سَائِمَةٍ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ فِي الرَّابِطَةِ شَيْءٌ» رَوَاهُ جَابِرٌ.
وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنْ خُذْ مِنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ السَّوَائِمِ. وَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ فَرَسَ الْغَازِي. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا شَيْءَ فِي الْإِنَاثِ الْخُلَّصِ لِعَدَمِ النَّمَاءِ وَالتَّوَالُدِ، وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِاسْتِعَارَةِ الْفَحْلِ ; وَعَنْهُ فِي الذُّكُورِ رِوَايَتَانِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ لَا نَمَاءَ بِالْوِلَادَةِ وَلَا بِالسِّمَنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا ; وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْوُجُوبِ أَنَّ زَكَاةَ السَّوَائِمِ لَا تَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ; وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّمَاءَ يَحْصُلُ فِيهِمَا بِزِيَادَةِ اللَّحْمِ وَهُوَ مَقْصُودٌ، بِخِلَافِ الْخَيْلِ لِمَا مَرَّ. قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ عَنْهَا، فَقَالَ: «لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيَّ فِيهَا شيء إِلَّا الْآيَةُ الْجَامِعَةُ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] » .
قَالَ: (وَلَا فِي الْعَوَامِلِ وَالْعَلُوفَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اشْتِرَاطِ السَّوْمِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ النَّمَاءَ مُنْعَدِمٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَئُونَةَ تَتَضَاعَفُ بِالْعَلْفِ فَيَنْعَدِمُ النَّمَاءُ مَعْنًى، وَالسَّبَبُ الْمَالُ النَّامِي.
قَالَ: (وَلَا فِي الْفُصْلَانِ وَالْحُمْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِيهَا وَاحِدَةٌ مِنْهَا. وَقَالَ زُفَرُ: فِيهَا مَا فِي الْكِبَارِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَقَوْلَهُ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ فِي إِيجَارِ الْمُسِنَّةِ إِجْحَافًا بِالْمَالِكِ، وَفِي عَدَمِ الْوُجُوبِ أَصْلًا إِضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ، فَيَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا كَالْمَهَازِيلِ. وَلَهُمَا حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " فِي عَهْدِي أَنْ لَا آخُذَ مِنْ رَاضِعِ اللَّبَنِ شَيْئًا» وَلِأَنَّ النُّصُبَ لَا تُنْصَبُ إِلَّا تَوْقِيفًا أَوِ اتِّفَاقًا وَقَدْ عُدِمَا فِي الصِّغَارِ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ أَسْنَانًا مُرَتَّبَةً فِي نُصُبٍ مَرْتَبَةٍ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الصِّغَارِ تِلْكَ الْأَسْنَانُ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كِبَارٌ) وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً لِأَنَّهَا تَسْتَتْبِعُ الصِّغَارَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عُدَّ عَلَيْهِمُ السَّخْلَةَ، وَلَوْ جَاءَ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي أَرْبَعِينَ حَمَلًا حَمَلٌ، وَفِي مِائَةٍ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ اثْنَانِ، وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثَةٌ، وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ وَاحِدَةٌ كَالْكِبَارِ. وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ عِجْلًا عِجْلٌ، فَفِي الثَّلَاثِينَ وَاحِدٌ، وَفِي السِتِّينَ اثْنَانِ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةٌ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَرْبَعَةٌ وَهَكَذَا
(1/109)

وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ نَصِيبُ كُلِّ شَرِيكٍ نِصَابًا وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهُ وَرُدَّ الْفَضْلُ، أَوْ أَدْنَى مِنْهُ وَأُخِذَ الْفَضْلُ.

بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَجِبُ فِي مَضْرُوبِهِمَا وَتِبْرِهِمَا وَحُلِيِّهِمَا وَآنِيَتِهِمَا نَوَى التِّجَارَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نِصَابًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَمَّا الْفُصْلَانُ ; فَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَتَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، ثُمَّ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَدَدًا لَوْ كَانَتْ كِبَارًا يَجِبُ ثِنْتَانِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ فَيَكُونُ فِيهَا فَصِيلَانِ، ثُمَّ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَدَدًا لَوْ كَانَتْ كِبَارًا يَجِبُ فِيهَا ثَلَاثَةٌ وَهِيَ مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ فَيَجِبُ ثَلَاثُ فُصْلَانٍ وَهَكَذَا.
وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْخَمْسِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ شَاةٍ وَمِنْ خُمْسِ فَصِيلٍ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَقَلُّ مِنْ شَاتَيْنِ وَخُمْسِ فَصِيلٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْخَمْسِ خُمْسُ فَصِيلٍ، وَفِي الْعَشْرِ خُمْسَا فَصِيلٍ وَهَكَذَا ; وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ لِرَجُلٍ لَهُ نِصَابٌ مِنَ السَّائِمَةِ مَضَى عَلَيْهَا بَعْضُ السَّنَةِ فَوَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتِ الْأُمَّهَاتُ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْأَولاد، فَعِنْدَهُمَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْحَوْلِ وَالزَّكَاةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ لَا يَنْقَطِعُ.
قَالَ: (وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ نَصِيبُ كَلِّ شَرِيكٍ نِصَابًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا انْتَقَصَ شِيَاهُ الرَّجُلِ مِنْ أَرْبَعِينَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا» وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْغِنَى وَلَا غِنَى إِلَّا بِالْمِلْكِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ غَنِيًّا بِمِلْكِ شَرِيكِهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ شَرِكَةُ الْأَمْلَاكِ وَالْعُقُودِ، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً فَلَا شَيْءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ ثَمَانُونَ شَاةً فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ صَبِيٍّ وَبَالِغٍ فَعَلَى الْبَالِغِ شَاةٌ.
قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهُ وَرُدَّ الْفَضْلُ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ وَأُخِذَ الْفَضْلُ) وَهَذَا يُبْنَى عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الْقِيمَةِ، ثُمَّ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الْمَالِ هُوَ الصَّحِيحُ، إِنْ شَاءَ أَدَّى الْقِيمَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى النَّاقِصَ وَفَضْلَ الْقِيمَةِ أَوِ الزَّائِدَ وَأَخَذَ الْفَضْلَ، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَدَّاهُ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّ التَّيْسِيرَ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ مُرَاعًى.

[بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
ِ (وَتَجِبُ فِي مَضْرُوبِهِمَا وَتِبْرِهِمَا وَحُلِيِّهِمَا وَآنِيَتِهِمَا نَوَى التِّجَارَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نِصَابًا) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] الْآيَةَ. عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِاسْمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَنْزِ عَدَمُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ
(1/110)

وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ (سم) ، وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ، ثُّمَ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ (سم) . وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ فِي كُلِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «كُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، وَمَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنَ الذَّهَبِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هِيَ؟ فَقَالَ: " إِنْ أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَالَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
«وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَتَيْنِ عَلَيْهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: " أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ " قَالَتَا: لَا، قَالَ: " فَأَدِّيَا زَكَاتَهُمَا» أَلْحَقَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِتَرْكِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنَّهُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.
قَالَ: (وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ) لِأَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ وَالزَّكَاةُ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ فَيُضَمُّ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ، بِخِلَافِ السَّوَائِمِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَعَلَّقَتْ بِهَا بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ وَالصُّورَةِ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ ; ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ (بِالْقِيمَةِ) وَعِنْدَهُمَا بِالْأَجْزَاءِ. وَصُورَتُهُ مَنْ لَهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ وَإِنَاءُ فِضَّةٍ أَقَلُّ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِمَا الْقَدْرُ لِأَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْه. وَلَهُ أَنَّ الضَّمَّ بِاعْتِبَارِ الْمُجَانَسَةِ، وَالْمُجَانَسَةُ بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا تَمَّتِ الْقِيمَةُ نِصَابًا مِنْ أَحَدِهِمَا وُجِدَ السَّبَبُ.
قَالَ: (وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَفِيهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَا عَلِيُّ لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَإِذَا بَلَغَ فَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ» .
قَالَ: (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «لَيْسَ فِي الرِّقَةِ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» .
قَالَ: (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ مِنْهُمَا فَالزَّكَاةُ بِحِسَابِهِ، حَتَّى يَجِبَ عِنْدَهُمَا فِي الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِائَتَيْنِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ الْقِيرَاطُ الزَّائِدُ عَلَى الْعِشْرِينَ دِينَارًا، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» رَوَاهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ» وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الِابْتِدَاءَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ نِصَابٌ لَهُ عَفْوٌ فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَذَا فِي الِانْتِهَاءِ كَالسَّائِمَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْحَرَجِ بِحِسَابِ رُبُعُ عُشْرِ الذُّرَةِ وَالْحَبَّةِ وَالدَّانِقِ وَالدِّرْهَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ.
(1/111)

وَتُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْغَلَبَةُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْغِشِّ فَهِيَ عُرُوضٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْفِضَّةِ فَهِيَ فِضَّةُ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدَّرَاهِمِ كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَلَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَتَبْلُغَ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَتُضَمَّ قِيمَتُهَا إِلَيْهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَتُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْغَلَبَةُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْغِشِّ فَهِيَ عُرُوضٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْفِضَّةِ فَهِيَ فِضَّةٌ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْطَبِعُ إِلَّا بِقَلِيلِ الْغِشِّ، فَلَا يَخْلُو مِنْهُ وَيَخْلُو عَنْ كَثِيرِهِ، فَجَعَلْنَا الْفَاصِلَ الْغَلَبَةَ، وَذَلِكَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ، فَيَجِبُ فِي الزُّيُوفِ وَالْنبَهْرَجَةِ لِأَنَّ الْغَالِبَ عليهما الفضة ولا تجب في الستوقة لأن الغالب عَلَيْهَا الْغِشُّ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ مَا فِيهَا مِنَ الْفِضَّةِ نِصَابًا أَوْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَتَبْلُغَ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَتَجِبَ حِينَئِذٍ وَإِنْ تَسَاوَيَا لَا تَجِبْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي السَّبَبِ وَهُوَ النِّصَابُ فَلَا تَجِبُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الصَّرْفِ، وَنَظَرًا لِلْمَالِكِ كَمَا فِي السَّوْمِ، وَسَقْيِ الْأَرَاضِي سَيْحًا وَدَالِيَةً عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدَّرَاهِمِ كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَاعْتَبَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْضَهَا اثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَبَعْضَهَا عَشَرَةَ قَرَارِيطَ، وَبَعْضَهَا عِشْرِينَ قِيرَاطًا، وَكَانَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ، فَشَاوَرَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خُذْ مَنْ كُلِّ نَوْعٍ، فَأَخَذَ مِنْ كَلِّ دِرْهَمٍ ثُلُثَهُ فَبَلَغَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا فَجَعَلَهُ دِرْهَمًا، فَجَاءَتِ الْعَشَرَةُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا، وَذَلِكَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ؛ لِأَنَّ الْمِثْقَالَ عِشْرُونَ قِيرَاطًا.
قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَتَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَتُضَمُّ قِيمَتُهَا إِلَيْهِمَا) لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مَالٍ نَامٍ زَائِدٍ عَلَى الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ. وَالنَّمَاءُ يَكُونُ إِمَّا بِإِعْدَادِ اللَّهِ تَعَالَى كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَعَدَّهُمَا لِلنَّمَاءِ حَيْثُ خَلَقَهُمَا ثَمَنَ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِمَا وَالْمُعَامَلَةِ بِهِمَا إِلَى التَّقْوِيمِ وَالِاسْتِبْدَالِ، وَتَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِعَيْنِهِ كَيْفَ كَانَ أَوْ يَكُونُ مُعَدًّا بِإِعْدَادِ الْعَبْدِ، وَهُوَ إِمَّا الْإِسَامَةُ أَوْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، فَيَتَحَقَّقُ النَّمَاءُ ظَاهِرًا أَوْ غَالِبًا، وَلَيْسَ فِي الْعُرُوضِ نِصَابٌ مُقَدَّرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِذَلِكَ فَيُرْجَعُ إِلَى الْقِيمَةِ، وَإِذَا قُوِّمَتْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ صَارَ الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةَ فَتُضَمُّ إِلَى التَّقْدِيرِ لِمَا مَرَّ وَتُقَوَّمُ بِأَيِّ النَّقْدَيْنِ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، وَالتَّقْوِيمُ يُعَرِّفُ الْمَالِيَّةَ، وَالنَّقْدَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَيُخَيَّرُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقَوِّمُهَا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ نِصَابًا نَظَرًا لَهُمْ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/112)

بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ الْعُشْرُ (سم) قَلَّ أَوْ كَثُرَ، إِلَّا الْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ وَالْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ، وَمَا سُقِيَ بِالدُّولَابِ وَالدَّالِيَةِ فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَلَا شَيْءَ فِي التِّبْنِ وَالسَّعَفِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ]
ِ (مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) وَيَسْتَوِي فِيهِ مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى، وَقَالَا: لَا يَجِبُ الْعُشْرُ إِلَّا فِيمَا يَبْقَى إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا، فَلَا يَجِبُ فِي الْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ، لَهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ فِي الْخُضْرَاوَاتِ عُشْرٌ» وَلِأَنَّهُ صَدَقَةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ نِصَابٌ لِيَتَحَقَّقَ الْغِنَى كَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ، وَلَهُ قَوْله تَعَالَى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] . وَلَا وَاجِبَ فِيهِ إِلَّا الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْعُشْرَ، وَلَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ. وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» وَلِأَنَّ الْعُشْرَ مَئُونَةُ الْأَرْضِ كَالْخَرَاجِ، وَالْخَرَاجُ يَجِبُ بِمُطْلَقِ الْخَارِجِ فَكَذَا الْعُشْرُ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَنْصَرِفُ إِلَيْهَا، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالْأَوْسَاقِ، وَكَانَ قِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، فَيَكُونُ قِيمَةُ الْخَمْسَةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ: أَيْ يَأْخُذُهَا الْعَاشِرُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ يَدْفَعُهَا الْمَالِكُ إِلَى الْفُقَرَاءِ ; وَقَوْلُهُمَا يُشْتَرَطُ النِّصَابُ لِلْغِنَى قُلْنَا لَا اعْتِبَارَ بِالْمَالِكِ حَتَّى يَجِبَ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ وَصْفُهُ ; وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ لِأَنَّهُ لِتُحَقِّقِ النَّمَاءِ وَكُلُّهُ نَمَاءٌ.
قَالَ: (إِلَّا الْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ وَالْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ) لِأَنَّهَا تُنَقَّى مِنَ الْأَرْضِ، حَتَّى لَوِ اتَّخَذَ أَرْضَهُ مَقْصَبَةً أَوْ مَشْجَرَةً لِلْحَطَبِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَالْقُنْبُ كَالْحَشِيشِ.
قَالَ: (وَمَا سُقِيَ بِالدُّولَابِ وَالدَّالِيَةِ فَنِصْفُ الْعُشْرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِغرب أو دالِيَةِ فَنِصْفُ الْعُشْرِ» وَلِأَنَّ الْمَئُونَةَ تَكْثُرُ، وَلَهُ أَثَرٌ فِي التَّخْفِيفِ كَالسَّائِمَةِ وَالْعَلُوفَةِ، وَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ السَّنَةِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ نَظَرًا لِلْمَالِكِ كَالسَّائِمَةِ.
قَالَ: (وَلَا شَيْءَ فِي التِّبْنِ وَالسَّعَفِ)
(1/113)

وَلَا تُحْسَبُ مَؤُونَتُهُ وَالْخَرْجُ عَلَيْهِ. وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ إِذَا اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُمَا لَا يُقْصَدَانِ، وَكَذَلِكَ بَذْرُ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّمَرَةُ دُونَ الْبَذْرِ. قَالَ: (وَلَا تُحْسَبُ مَئُونَتُهُ وَالْخَرْجُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْجَبَ فِيهِ الْعُشْرَ فَيَتَنَاوَلُ عُشْرَ الْجَمِيعِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَفَّفَ الْوَاجِبَ مَرَّةً بِاعْتِبَارِ الْمَئُونَةِ مِنَ الْعُشْرِ إِلَى نِصْفِهِ فَلَا يُخَفَّفُ ثَانِيًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا لَا يُوَسَّقُ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْقُطْنِ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِمَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَصْبِ النِّصَابِ بِالرَّأْيِ، فَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَاعْتَبَرْنَا بِالْأَدْنَى نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا بَلَغَ الْخَارِجُ خَمْسَةَ أَمْثَالِ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ وَجَبَ الْعُشْرُ، فَفِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ، كُلُّ حِمْلٍ ثَلَاثُمِائَةٍ مَنٍّ، وَيُرْوَى ثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ مَنًّا، وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَالسُّكَّرِ خَمْسَةُ أَمْنَانٍ، كَمَا اعْتُبِرَ فِي الْمَنْصُوصِ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ وَهُوَ الْوَسْقُ، فَكَانَ مَعْنًى جَامِعًا فَصَحَّ الْقِيَاسُ.
وَوَقْتُ الْوُجُوبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عِنْدَ الْإِدْرَاكِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إِذَا حَصَلَ فِي الْحَظِيرَةِ ; وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ يُضَمَّنُ الْعُشْرَ وَقَبْلَهُ لَا، وَعِنْدَهُمَا فِي هَذَا وَفِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
قَالَ: (وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ» . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: الْعُشْرُ فِي الْعَسَلِ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ فَفِيهِ رَطْلٌ. وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الزَّكَاةِ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ. وَفَسَّرَهُ الْقُدُورِيُّ بِقِيمَةِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِأَنَّهُ لَا يُكَالُ، فَاعْتَبَرَ الْقِيمَةَ عَلَى أَصْلِهِ ; وَعَنْهُ أَيْضًا عَشْرُ قِرَبٍ، كَذَا أَخَذَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِيَ سَيَّارَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: خَمْسُ قِرَبٍ ; وَفِي رِوَايَةٍ: خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ كَمَا مَرَّ مِنْ أَصْلِهِ ; وَالْفِرْقُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رَطْلًا، وَلَا شَيْءَ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ: (وَالْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ إِذَا اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ: عَلَيْهِ عُشْرَانِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عُشْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَالِكِ كَالْخَرَاجِ. ثُمَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَمَاعَةَ: يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ. وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ السِّيَرِ: مَوْضِعَ الصَّدَقَاتِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا يَجِبُ أَخْذُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ يُضَاعَفُ عَلَى الذِّمِّيِّ كَمَا إِذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ ; وَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ كَالتَّغْلِبِيِّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَرَاضِيَ النَّامِيَةَ لَا تَخْلُو مِنَ الْعُشْرِ أَوِ الْخَراجِ، وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعُشْرِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ،
(1/114)

وَالْخَرَاجِيَّةُ لَا تَصِيرُ عُشْرِيَّةً أَصْلًا، وَلَا شَيْءَ فِيمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ (س) كَالْلُؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ وَالْمَرْجَانِ، وَلَا فِيمَا يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ كَالْجِصِّ وَالنَّوْرَةِ وَالْيَاقُوتِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالزُّمُرُّدِ.

بَابُ الْعَاشِرِ وَهُوَ مَنْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنَ التُّجَّارِ مِمَّا يَمُرُّونَ عَلَيْهِ ; فَيَأْخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وَالْخَرَاجُ أَلْيَقُ بِهِ فَيُوضَعُ عَلَيْهِ ; وَإِنِ اشْتَرَاهَا تَغْلِبِيٌّ فَعَلَيْهِ عُشْرَانِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُمْ صُولِحُوا عَلَى أَنْ يُضَاعَفَ عَلَيْهِمْ جَمِيعُ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ مِنَ النَّصَارَى كَانُوا قَرِيبًا مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَضَعَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ وَضَعْتَ عَلَيْنَا الْجِزْيَةَ لَحِقْنَا بِأَعْدَائِكَ مِنَ الرُّومِ، وَإِنْ أَخَذْتَ مِنَّا مَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَتَضَعُهُ عَلَيْنَا فَافْعَلْ، فَشَاوَرَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ فَأَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ عُمَرُ: هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ.
قَالَ: (وَالْخَرَاجِيَّةُ لَا تَصِيرُ عُشْرِيَّةً أَصْلًا) لِأَنَّهَا وَظِيفَةُ الْأَرْضِ، وَالْكُلُّ أَهْلٌ لِلْخَرَاجِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّغْيِيرِ.
قَالَ: (وَلَا شَيْءَ فِيمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ وَالْمَرْجَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْكُفَّارِ لِيَكُونَ غَنِيمَةً، وَلِهَذَا لَوِ اسْتُخْرِجَ مِنْهُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لَا شَيْءَ فِيهِمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِيهِ الْخُمْسُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْخُمْسَ مِنَ الْعَنْبَرِ. وَاللُّؤْلُؤُ أَشْرَفُ مَا يُوجَدُ فِي الْبَحْرِ، فَيُعْتَبَرُ بِأَشْرَفَ مَا يُوجَدُ فِي الْبَرِّ وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. ثُمَّ قِيلَ اللُّؤْلُؤُ مَطَرُ الرَّبِيعِ يَقَعُ فِي الصَّدَفِ فَيَصِيرُ لُؤْلُؤًا.
وَقِيلَ: الصُّدَفُ حَيَوَانٌ يُخْلَقُ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ. وَأَمَّا الْعَنْبَرُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ حَشِيشُ الْبَحْرِ يَأْكُلُهُ السَّمَكُ ; وَقِيلَ شَجَرَةٌ تَنْكَسِرُ فَيُلْقِيهَا الْمَوْجُ فِي السَّاحِلِ ; وَقِيلَ: خِثْيُ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ وَلَيْسَ فِي الْأَشْجَارِ، وَالْأَخْثَاءُ شَيْءٌ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْعَنْبَرِ ; فَقَالَ: هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ وَلَا خُمْسَ فِيهِ.
قَالَ: (وَلَا فِيمَا يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ كَالْجِصِّ وَالنَّوْرَةِ وَالْيَاقُوتِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالزُّمُرُّدِ) لِأَنَّهُ مِنَ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ وَالْأَحْجَارِ، وَالْفُصُوصُ: أَحْجَارٌ مُضِيئَةٌ.

[بَابُ الْعَاشِرِ]
ِ (وَهُوَ مَنْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنَ التُّجَّارِ مِمَّا يَمُرُّونَ عَلَيْهِ) عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَتَأْمَنُ التُّجَّارُ بِمُقَامِهِ مِنْ شَرِّ اللُّصُوصِ.
(فَيَأْخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِ
(1/115)

رُبُعَ الْعُشْرِ. وَمِنَ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنَ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرَ. فَمَنْ أَنْكَرَ تَمَامَ الْحَوْلِ أَوِ الْفَرَاغَ مِنَ الدَّيْنِ، أَوْ قَالَ: أَدَّيْتُ إِلَى عَاشِرٍ آخَرَ أَوْ إِلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ وَحَلَفَ صُدِّقَ. وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ، وَالْحَرْبِيُّ لَا يُصَدَّقُ إِلَّا فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَيُعَشِّرُ قِيمَةَ الْخَمْرِ دُونَ الْخِنْزِيرِ (س ز) :
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنَ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنَ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرَ) فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَخَذْنَا مِنْهُمْ مِثْلَهُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا نَصَبَ الْعُشَّارَ قَالَ لَهُمْ: خُذُوا مِمَّا يَمُرُّ بِهِ الْمُسْلِمُ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِمَّا يَمُرُّ بِهِ الذِّمِّيُّ نِصْفَ الْعُشْرِ. قَالُوا: فَمِنَ الْحَرْبِيِّ ; قَالَ: مِثْلَ مَا يَأْخُذُونَ مِنَّا، فَإِنْ أَعْيَاكُمْ فَالْعُشْرُ، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنَّا لَمْ نَأْخُذْ مِنْهُمْ لِأَنَّا أَحَقُّ بِالْمُسَامَحَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَإِنْ أَخَذُوا الْكُلَّ أَخَذْنَا إِلَّا قَدْرَ مَا يُوَصِّلُهُ إِلَى مَأْمَنِهِ ; وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُ لِأَنَّهُ غدْرٌ، وَإِنْ أَخَذُوا مِنَّا الْقَلِيلَ أَخْذَنَا مِنْهُمْ كَذَلِكَ. وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الزَّكَاةِ لَا يُؤْخَذُ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ عَفْوٌ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حِمَايَةٍ.
قَالَ: (فَمَنْ أَنْكَرَ تَمَامَ الْحَوَلِ أَوِ الْفَرَاغَ مِنَ الدَّيْنِ، أَوْ قَالَ: أَدَّيْتُ إِلَى عَاشِرٍ آخَرَ أَوْ إِلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ وَحَلَفَ صُدِّقَ) مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ عَاشِرٌ آخَرُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَا يُصَدَّقُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ، وَكَذَا فِي السَّوَائِمِ إِلَّا فِي دَفْعِهِ إِلَى الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْلِفُ كَمَا إِذَا قَالَ: صُمْتُ أَوْ صَلَّيْتُ. قُلْنَا: السَّاعِي هُنَا يُكَذِّبُهُ وَلَا مُكَذِّبَ ثَمَّ، وَكَذَا إِذَا قَالَ هَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِي أَوْ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ وَحَلَفَ صُدِّقَ. وَيُشْتَرَطُ إِخْرَاجُ الْبَرَاءَةِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ لِصِدْقِ دَعْوَاهُ، قُلْنَا الْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَمْ يَكُنْ عَلَامَةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ حُكْمُ السَّائِمَةِ فِي الْأَدَاءِ إِلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَخْذِ إِلَى الْإِمَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا بِنَفْسِهِ، وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ يُخْرِجُهَا بِنَفْسِهِ.
(وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ) لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَهُوَ كَالْمُسْلِمِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَأَحْكَامِهَا.
قَالَ: (وَالْحَرْبِيُّ لَا يُصَدَّقُ إِلَّا فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ) لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ لِلْحِمَايَةِ، وَجَمِيعُ مَا مَعَهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْحَوْلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا نُمَكِّنَهُ مِنَ الْمُقَامِ فِي دَارِنَا سَنَةً ; وَأَمَّا الدَّيْنُ فَلَا مُطَالِبَ لَهُ فِي دَارِنَا، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ، يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِنَّمَا دَخَلَ دَارَنَا بِالْمَالِ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْغُلَامُ يَقُولُ هُوَ وَلَدِي؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا، وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ لِلْأَمَةِ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ وَلِلْوَلَدِ حَقِيقَتُهَا، فَتَنْعَدِمُ الْمَالِيَّةُ فِي حَقِّهِمَا، وَلَوْ عُشِّرَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى لَمْ يُعَشِّرْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ تَحَرُّزًا عَنِ الِاسْتِئْصَالِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَوْ خَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ لِأَنَّهُ أَمَانٌ جَدِيدٌ، وَكَذَا إِذَا حَالَ الْحَوْلُ لِتَجَدُّدِ الْأَمَانِ لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَيُعَشَّرُ قِيمَةُ الْخَمْرِ دُونَ الْخِنْزِيرِ) وَقَالَ زُفَرُ: يُعَشِّرُهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَالِيَّةِ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: كَذَلِكَ إِنْ مُرَّ بِهِمَا جُمْلَةً كَأَنَّهُ جَعَلَ الْخِنْزِيرَ
(1/116)

بَابُ الْمَعْدِنِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَجَدَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ، فَخُمْسُهُ فَيْءٌ وَالْبَاقِي لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي دَارِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ (سم) ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِهِ ; وَإِنْ وَجَدَهُ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فَيْءٌ ; وَمَنْ وَجَدَ كَنْزًا فِيهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَلَامَةُ الشِّرْكِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ غَنِيمَةً فَفِيهِ الْخُمْسُ، وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تَبَعًا لِلْخَمْرِ، وَإِنِ انْفَرَدَا عُشِّرَ الْخَمْرُ دُونَ الْخِنْزِيرِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ الْأَخْذَ بِسَبَبِ الْحِمَايَةِ، وَالْمُسْلِمُ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ خَمْرَهُ لِلتَّخْلِيلِ فَيَحْمِيَ خَمْرَ غَيْرِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ، وَلِأَنَّ الْخِنْزِيرَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ وَحُكْمُ قِيمَتِهِ حُكْمُهُ، وَالْخَمْرُ مِثْلِيٌّ فَلَا يَكُونُ حُكْمُ الْقِيمَةِ حُكْمَهَا.
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا ; وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِي الْخِنْزِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْمَعْدِنِ]
ِ (مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَجَدَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ فَخُمْسُهُ فَيْءٌ وَالْبَاقِي لَهُ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» وَالرِّكَازُ يَتَنَاوَلُ الْكَنْزَ وَالْمَعْدِنَ؛ لِأَنَّ الركاز عِبَارَةٌ عَمَّا يَغِيبُ فِي الْأَرْضِ وَأُخْفِيَ فِيهَا، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْكَنْزِ وَالْمَعْدِنِ، وَلِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ وَقَدْ غَلَبْنَا عَلَيْهَا فَتَكُونُ غَنِيمَةً وَفِيهَا الْخُمْسُ، وَالْوَاجِدُ كَالْغَانِمِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ.
قَالَ: (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي دَارِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ) لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَالْمَعْدِنُ مِنْ أَجْزَائِهَا. (وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي أَرْضِهِ) وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: يَجِبُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الدَّارِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّارَ مَلَكَهَا بِلَا مَئُونَةٍ أَصْلًا وَالْأَرْضُ يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فَلَمْ تَخْلُ عَنِ الْمُؤَنِ فَيَجِبُ فِي الْمَعْدِنِ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجِبُ فِي الدَّارِ وَالْأَرْضِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مِلْكِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ وَجَدَهُ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فَيْءٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الْغَنَائِمِ.
قَالَ: (وَمَنْ وَجَدَ كَنْزًا فِيهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ كَانَ فِيهِ مُصْحَفٌ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ أَوِ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ.
(فَهُوَ لُقَطَةٌ) لِعِلْمِنَا أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكُونُ غَنِيمَةً.
(وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَلَامَةُ الشِّرْكِ) كَالصَّلِيبِ وَالصَّنَمِ وَنَحْوِهِمَا.
(فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ غَنِيمَةً فَفِيهِ الْخُمْسُ وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ) وَمَا لَا عَلَامَةَ فِيهِ قِيلَ هُوَ لُقَطَةٌ لِتَقَادُمِ
(1/117)

وَإِنْ وَجَدَ فِي دَارِ رَجُلٍ مَالًا مَدْفُونًا مِنْ أَمْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ لِمَنْ كَانَتِ الدَّارُ لَهُ (س) ، وَهُوَ الْمُخْتَطُّ الَّذِي خَطَّهَا الْإِمَامُ لَهُ عِنْدَ الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الْمُخْتَطُّ فَلِأَقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ لَهَا.

بَابُ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَهُمُ الْفَقِيرُ وَهُوَ الَّذِي لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْعَهْدِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّا دَفَنَهُ الْكُفَّارُ، وَقِيلَ حُكْمُهُ حُكْمُ أَمْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكُنُوزَ غَالِبًا مِنَ الْكَفَرَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا وَجَدَهُ فِي فَلَاةٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ.
(وَإِنْ وَجَدَ فِي دَارِ رَجُلٍ مَالًا مَدْفُونًا مِنْ أَمْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ لِمَنْ كَانَتِ الدَّارُ لَهُ، وَهُوَ الْمُخْتَطُّ الَّذِي خَطَّهَا الْإِمَامُ لَهُ عِنْدَ الْفَتْحِ) .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ لِلْوَاجِدِ، وَفِيهِ الْخُمْسُ قِيَاسًا عَلَى الْمَوْجُودِ فِي الْمَفَازَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهُ وَحَازَهُ، وَلَمْ يُمَلِّكْهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهُ الْكَنْزَ مَعَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُخْتَطَّ لَهُ مِلْكُ الْأَرْضِ بِالْحِيَازَةِ، فَيَمْلِكُ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَالْمُشْتَرِيَ مَلَكَهَا بِالْعَقْدِ، فَيَمْلِكُ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ، فَبَقِيَ الْكَنْزُ عَلَى صَاحِبِ الْخِطَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا. قُلْنَا: هُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمُخْتَطُّ فَلِوَرَثَتِهِ وَوَرَثَةُ وَرَثَتِهِ هَكَذَا. (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الْمُخْتَطُّ فَلِأَقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ لَهَا) .

[بَابُ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ]
وهم الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ، إِلَّا الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَغْنَى عَنْهُمْ، وَمَنَعَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ: لَا نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، ذَلِكَ شَيْءٌ كَانَ يُعْطِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَلُّفًا لَكُمْ، أَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الدِّينَ، فَإِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَالصَّحَابَةُ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
قَالَ: (وَالْفَقِيرُ وَهُوَ الَّذِي لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ) وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الْفَقِيرُ: الَّذِي لَا يَسْأَلُ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْأَلُ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَكْسَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ بِالْمَسْأَلَةِ يُظْهِرُ افْتِقَارَهُ وَحَاجَتَهُ، وَالْمِسْكِينُ بِهِ زَمَانَةٌ
(1/118)

وَالْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَمُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ وَالْحَاجِّ، وَالْمُكَاتَبُ يُعَانُ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ، وَالْمَدْيُونُ الْفَقِيرُ، وَالْمُنْقَطِعُ عَنْ مَالِهِ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَهُمْ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا يَسْأَلُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْأَوْقَافِ عَلَيْهِمْ وَالْوَصَايَا لَهُمْ دُونَ الزَّكَاةِ.
قَالَ: (وَالْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ) مَا يَسَعُهُ وَأَعْوَانَهُ زَادَ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ نَقَصَ؛ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلْفُقَرَاءِ، فَيَكُونُ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ كَالْمُقَاتِلَةِ وَالْقَاضِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْإِجَارةِ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَيَحِلُّ لِلْغَنِيِّ دُونَ الْهَاشِمِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ شُبْهَةِ الْوَسَخِ، وَالْهَاشِمِيُّ أَوْلَى بِالْكَرَامَةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الْوَسَخِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْغَنِيُّ، وَلَوْ هَلَكَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِ الْعَامِلِ سَقَطَ أَجْرُهُ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيمَا أَخَذَ وَأَجْزَأَتْ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْإِمَامِ وَالْفُقَرَاءِ.
قَالَ: (وَمُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ وَالْحَاجِّ) وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ( {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُمْ فُقَرَاءُ الْغُزَاةِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحَاجَّ، وَلِأَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنِ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَطَاعَتِهِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: (وَالْمُكَاتَبُ يُعَانُ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ( {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] ) هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ، قَالُوا: لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ هَاشِمِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ: لَا يُدْفَعُ إِلَى مُكَاتَبِ غَنِيٍّ، وَإِطْلَاقُ النَّصِّ يَقْتَضِي الْكُلَّ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ: (وَالْمَدْيُونُ الْفَقِيرُ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] وَإِطْلَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَوَازَ الصَّرْفِ إِلَى مُطْلَقِ الْمَدْيُونِ إِلَّا أَنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلًا عَمَّا عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَالْمُنْقَطِعُ عَنْ مَالِهِ) وَهُوَ ابْنُ السَّبِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ فَكَانَ كَالْفَقِيرِ، فَهُوَ فَقِيرٌ حَيْثُ هُوَ غَنِيٌّ حَيْثُ مَالُهُ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ عِنْدَهُ فَلَهَا نَفَقَةُ الْفُقَرَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ حَيْثُ مَالُهُ فَلَهَا نَفَقَةُ الْأَغْنِيَاءِ.
قَالَ: (وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَهُمْ) وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
(وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمْ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْآخِذُ لَهَا. قَالَ تَعَالَى: {وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 104] . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ» الْحَدِيثَ، وَإِضَافَتُهُ إِلَيْهِمْ بِحَرْفِ اللَّامِ لِبَيَانِ أَنَّهُمْ مَصَارِفُ لَا لِبَيَانِ أَنَّهُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا، وَبِعِلَّةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ صَارُوا مَصَارِفَ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ إِغْنَاءُ الْفَقِيرِ، وَسَدُّ خُلَّةِ الْمُحْتَاجِ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ دَفْعُ الْحَاجَةِ، وَهُوَ مَعْنًى يَعُمُّ الْكُلَّ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالدَّفْعِ إِلَى الْبَعْضِ، بِخِلَافِ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ صَدَقَةً بَلْ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ.
(1/119)

وَلَا يَدْفَعُهَا إِلَى ذِمِّيٍّ وَلَا إِلَى غَنِيٍّ، وَلَا إِلَى وَلَدِ غَنِيٍّ صَغِيرٍ، وَلَا مَمْلُوكِ غَنِيٍّ، وَلَا إِلَى مَنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةُ وِلَادٍ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ، وَلَا إِلَى زَوْجَتِهِ، وَلَا إِلَى مُكَاتَبِهِ، وَلَا إِلَى هَاشِمِيٍّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَلَا يَدْفَعُهَا إِلَى ذَمِّيٍّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أُمِرْتُ أَنْ آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ» وَيَدْفَعُ إِلَيْهِ غَيْرَهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ كَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ كَالزَّكَاةِ.
وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ مُطْلَقُ الْفُقَرَاءِ إِلَّا أَنَّهُ خُصَّ فِي الزَّكَاةِ بِالْحَدِيثِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَى الْحَرْبِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ} [الممتحنة: 9] الْآيَةَ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنَ الْعُشْرِ إِلَى الذِّمِّيِّ أَيْضًا كَالزَّكَاةِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
قَالَ: (وَلَا إِلَى غَنِيٍّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» .
قَالَ: (وَلَا إِلَى وَلَدِ غَنِيٍّ صَغِيرٍ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِغِنَى أَبِيهِ عُرْفًا حَتَّى لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ إِلَّا عَلَى الْأَبِ، بِخِلَافِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ غَنِيًّا بِغِنَى أَبِيهِ حَتَّى تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى ابْنِهِ لَا عَلَى أَبِيهِ.
قَالَ: (وَلَا مَمْلُوكِ غَنِيٍّ) لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِمَوْلَاهُ.
قَالَ: (وَلَا إِلَى مَنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةُ وِلَادٍ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ) كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأُمِّ وَالْجَدَّةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ ثَابِتَةٌ بَيْنَهُمَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، وَلَا يَقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، فَلَا يَتِمُّ الْإِيتَاءُ الْمَشْرُوطُ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا بِانْقِطَاعِ مَنْفَعَةِ الْمُؤْتِي عَمَّا أَتَى وَالْمَنَافِعُ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ.
(وَلَا إِلَى زَوْجَتِهِ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ، وَيُعَدُّ غَنِيًّا بِمَالِ زَوْجَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى} [الضحى: 8] " قَالُوا: بِمَالِ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ لَا تَدْفَعُ إِلَى زَوْجِهَا لِأَنَّهَا تُعَدُّ غَنِيَّةً بِاعْتِبَارِ مَا لَهَا عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَلِأَنَّهُمَا أَصْلُ الْوِلَادِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ يَمْنَعُ صَرْفَ الزَّكَاةِ فَكَذَا الْأَصْلُ، وَلِهَذَا يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ كَقَرَابَةِ الْوِلَادِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَدْفَعُ إِلَى زَوْجِهَا، «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِزَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَدْ سَأَلَتْهُ عَنِ التَّصَدُّقِ عَلَى زَوْجِهَا: " لَكِ أَجْرَانِ: أَجْرُ الصَّدَقَةِ، وَأَجْرُ الصِّلَةِ» . قُلْنَا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِمَا بَيَّنَّا مِنِ اتِّصَالِ الْمَنَافِعِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُ.
قَالَ: (وَلَا إِلَى مُكَاتَبِهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْإِيتَاءُ الْمَشْرُوطُ.
قَالَ: (وَلَا إِلَى هَاشِمِيٍّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا بَنِي هَاشِمٍ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَوْسَاخَ النَّاسِ وَعَوَّضَكُمْ عَنْهَا بِخُمْسِ الْخُمْسِ» وَهُمْ: آلُ عَبَّاسٍ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَنَّهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ هم الْمُسْتَحِقُّونَ لِخُمْسِ الْخُمْسِ، وَهُوَ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَقَارِبِ، فَاللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ الصَّدَقَةَ عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَعَوَّضَهُمْ بِخُمْسِ الْخُمْسِ، فَيَخْتَصُّ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ بِهِمْ، وَيَبْقَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْأَقَارِبِ كَالْأَجَانِبِ
(1/120)

وَلَا إِلَى مَوْلَى هَاشِمِيٍّ، وَإِنْ أَعْطَى فَقِيرًا وَاحِدًا نِصَابًا أَوْ أَكْثَرَ جَازَ (ز) وَيُكْرَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَتَحِلُّ لهم الصَّدَقَة، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا سِوَى الزَّكَاةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ الْوَاجِبَاتِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْعُشُورِ وَالنُّذُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ نَفْسَهُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَإِسْقَاطِ الْفَرْضِ، فَيَتَدَنَّسُ الْمُؤَدَّى كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ حَيْثُ تَحِلُّ لِلْهَاشِمِيِّ لِأَنَّهَا لَا تُدَنَّسُ كَالْوُضُوءِ لِلتَّبَرُّدِ.
قَالَ: (وَلَا إِلَى مَوْلًى هَاشِمِيٍّ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَوْلَاهُ أَبِي رَافِعٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» . وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى الْهَاشِمِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ; وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَوْسَاخَ النَّاسِ غَيْرُهُمْ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مِثْلِهِ، فَيَقْتَضِي حُرْمَةَ زَكَاةِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ لَا غَيْرُ. وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي عِصْمَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَفَقِيرُهُمْ فِيهَا كَفَقِيرِ غَيْرِهِمْ، وَوَجْهُهُ أَنْ عِوَضَهَا وَهُوَ خُمْسُ الْخُمْسِ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ لِإِهْمَالِ النَّاسِ أَمْرَ الْغَنَائِمِ وَقِسْمَتَهَا وَإِيصَالَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمُ الْعِوَضُ عَادُوا إِلَى الْمُعَوَّضِ، عَمَلًا بِمُطْلَقِ الْآيَةِ سَالِمًا عَنْ مُعَارَضَةِ أَخْذِ الْعِوَضِ، وَكَمَا فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هَلَكُوا جُوعًا، فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمْلِيكَ شَرْطٌ. قَالَ تَعَالَى: {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَالْإِيتَاءُ: الْإِعْطَاءُ ; وَالْإِعْطَاءُ: التَّمْلِيكُ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ قَبْضِ الْفَقِيرِ أَوْ نَائِبِهِ كَالْوَصِيِّ وَالْأَبِ وَمَنْ يَكُونُ الصَّغِيرُ فِي عِيَالِهِ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ لِلَّقِيطِ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَتِمُّ بِدُونِ الْقَبْضِ وَلَا يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ وَلَا سِقَايَةٌ وَلَا قَنْطَرَةٌ وَلَا رِبَاطٌ، وَلَا يُكَفَّنُ بِهَا مَيِّتٌ، وَلَا يُقْضَى بِهَا دَيْنُ مَيِّتٍ، وَلَا يُشْتَرَى بِهَا رَقَبَةٌ تُعْتَقُ لِعَدَمِ التَّمْلِيكِ ; وَلَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَ فَقِيرٍ جَازَ، وَيَكُونُ الْقَابِضُ كَالْوَكِيلِ عَنِ الْفَقِيرِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَعْطَى فَقِيرًا وَاحِدًا نِصَابًا أَوْ أَكْثَرَ جَازَ وَيُكْرَهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ لِمُقَارَنَةِ الْأَدَاءِ الْغِنَى فَيَمْنَعُ وُقُوعُهُ زَكَاةً. وَلَنَا أَنَّ الْغِنَى يَتَعَقَّبُ الْأَدَاءَ لِحُصُولِهِ بِالْقَبْضِ وَالْقَبْضُ بَعْدَ الْأَدَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ فَيُكْرَهُ كَمَنْ صَلَّى قَرِيبًا مِنَ النَّجَاسَةِ.
وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَوْ قَضَاهُ بَقِيَ مَعَهُ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ، أَوْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ لَوْ فَرَّقَ عَلَيْهِمْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ دُونَ النِّصَابِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ سَهْمًا مِنْ ذَلِكَ.
(1/121)

ويجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صحيحا مكتسبا ولو دفعها إلى من ظنه فقيرا فكان غنيا أو هاشميا أو دفعها في ظلمة فظهر أنه أبوه أو ابنه أجزأه (س) وَإِنْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَيُكْرَهُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ آخَرَ إِلَّا إِلَى قَرَابَتِهِ أَوْ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مَنْ يَمْلِكُ دُونَ النِّصَابِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا) لِأَنَّهُ فَقِيرٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَنِيَّ عَلَى مَرَاتِبَ ثَلَاثَةٍ: غَنِيٌّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَيَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ قُوتَ يَوْمِهِ وَسَتْرَ عَوْرَتِهِ ; وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ سَأَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَإِنَّهُ يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا ظَهْرُ غِنًى؟ قَالَ: (أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِهِ مَا يُغَدِّيهِمْ وَيُعَشِّيهِمْ» وَغَنِيٌّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَالْأَخْذُ وَيُوجَبُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ فَاضِلًا عَنِ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ كَالثِّيَابِ وَالْأَثَاثِ وَالْعَقَارِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ "، قِيلَ: وَمَنِ الْغَنِيُّ؟ قَالَ: " مَنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ» وَغَنِيٌّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَالْأَخْذُ، وَيُوجَبُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةُ، وَيُوجَبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ كَامِلٍ نَامٍ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ.
قَالَ: (وَلَوْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَكَانَ غَنِيًا أَوْ هَاشِمِيًّا) أَوْ حَرْبِيًّا أَوْ ذِمِّيًا.
(أَوْ دَفَعَهَا فِي ظُلْمَةٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَجْزَأَهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ، فَصَارَ كَالْمَاءِ إِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ نَجِسٌ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ إِلَى مَنْ هُوَ فَقِيرٌ فِي اجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مَالٌ لِغَيْرِهِ أَوْ مَغْصُوبٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِذَا أَعْطَاهُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ أَجْزَأَهُ كَمَا إِذَا أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، وَلِحَدِيثِ «مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَفَعَ أَبِي صَدَقَتَهُ إِلَى رَجُلٍ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَأَعْطَانِي، فَلَمَّا عَلِمَ أَبِي أَرَادَ أَخْذَهُ مِنِّي فَلَمْ أُعْطِهِ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " يَا مَعْنُ، لَكَ مَا أَخَذْتَ، وَيَا يَزِيدُ، لَكَ مَا نَوَيْتَ» .
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ لَمْ يُجْزِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ خُرُوجًا صَحِيحًا، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ آخَرَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَلِأَنَّ لِفُقَرَاءِ بَلَدِهِ حُكْمَ الْقُرْبِ وَالْجِوَارِ، وَقَدِ اطَّلَعُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَتَعَلَّقَتْ بِهِمْ أَطْمَاعُهُمْ، فَكَانَ الصَّرْفُ إِلَيْهِمْ أَوْلَى.
قَالَ: (إِلَّا إِلَى قَرَابَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ مَعَ سُقُوطِ الْفَرْضِ.
(أَوْ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْقُلُ الصَّدَقَةَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ فُقَرَاءَ الْمَدِينَةِ أَحْوَجُ وَأَشْرَفُ، وَلَوْ نَقَلَ إِلَى غَيْرِهِمْ جَازَ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ.
(1/122)

بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْمَالِكِ لِمِقْدَارِ النِّصَابِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، عَنْ نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَعَبِيدِهِ لِلْخِدْمَةِ وَمُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَا غَيْرُ، وَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ دَقِيقِهِ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ]
ِ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْمَالِكِ لِمِقْدَارِ النِّصَابِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ) كَمَا بَيَّنَاهُ، وَشَرْطُ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا لِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَالْإِسْلَامُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهَا: «إِنَّهَا طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ الرَّفَثِ» وَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْغِنَى لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَفِي رِوَايَةِ: «إِنَّمَا الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:
«أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» . وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» .
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ» .
قَالَ: (عَنْ نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارَ وَعَبِيدِهِ لِلْخِدْمَةِ وَمُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَا غَيْرُ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهَا رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِهِ فِي الذَّبِّ وَالنُّصْرَةِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَدَّوْا عَمَّنْ تَمُونُونَ» فَيَلْزَمُهُ عَنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَمَمَالِيكِهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ، وَلَا تَجِبُ عَنْ أَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ الْكِبَارِ وَزَوْجَتِهِ وَمُكَاتَبِهِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ، وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ مَجْنُونًا فَقِيرًا يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ لِوُجُودِ الْمَئُونَةِ وَالْوَلَايَةِ، وَلَا تَجِبُ عَنْ حَفَدَتِهِ مَعَ وُجُودِ أَبِيهِمْ، فَإِنْ عَدِمَ فَعَلَيْهِ صَدَقَتُهُمْ وَقِيلَ لَا يَجِبُ أَصْلًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ أَخْرَجَ عَنْ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الْكِبَارِ وَهُمْ فِي عِيَالِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عَادَةً.
قَالَ: (وَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ دَقِيقِهِ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ دَقِيقِهِ، أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ) أَمَّا الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ فَلِمَا رَوَيْنَا، وَأَمَّا الدَّقِيقُ فَلِأَنَّهُ مِثْلَ الْحَبِّ بَلْ أَجْوَدُ، وَكَذَا سَوِيقُهُمَا ; وَأَمَّا الزَّبِيبُ فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الزَّبِيبِ نِصْفُ صَاعٍ؛
(1/123)

أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ، وَالصَّاعُ ثَمَانِيَةُ (س) أَرْطَالٍ بِالْعِرَاقِيِّ، وَتَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، فَإِنْ قَدَّمَهَا جَازَ (ف) ، وَإِنْ أَخَّرَهَا فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا، وَإِنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَدَّى عَنْهُ وَلَيُّهُ وَعَنْ عَبْدِهِ (م) ، وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِعَجَمِهِ فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ.
قَالَ: (أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ) وَقَدْ مَرَّ فِي الزَّكَاةِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: الدَّقِيقُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالدَّرَاهِمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدَّقِيقِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْغَنِيِّ وَأَنْفَعُ لِلْفَقِيرِ، وَالْأَحْوَطُ الْحِنْطَةُ لِيَخْرُجَ عَنِ الْخِلَافِ ; وَلَا يَجُوزُ الْخُبْزُ وَالْأَقِطُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ بِهِمَا.
قَالَ: (وَالصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْعِرَاقِيِّ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رَطْلٍ وَهُوَ صَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، نَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ» . وَلَنَا مَا رَوَى الدَّرَاقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ» وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدَّرَ الصَّاعَ لِإِخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بِثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ أَصْغَرُ مِنَ الْهَاشِمِيِّ.
قَالَ: (وَتَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ) لِأَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَالْفِطْرُ إِنَّمَا يَتَجَدَّدُ بِالْيَوْمِ دُونَ اللَّيْلِ.
(فَإِنْ قَدَّمَهَا جَازَ) لِأَنَّهُ أَدَاهَا بَعْدَ السَّبَبِ وَهُوَ رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجُوزُ. وَرَوَى نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا مَضَى نِصْفُ رَمَضَانَ. وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ: يَجُوزُ فِي رَمَضَانَ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ.
(وَإِنْ أَخَّرَهَا فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا) لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَالِيَّةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى فَلَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ كَالزَّكَاةِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنَّ الْإِرَاقَةَ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى.
(وَإِنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَدَّى عَنْهُ وَلِيُّهُ وَعَنْ عَبْدِهِ) لِأَنَّهَا مَئُونَةٌ كَالْجِنَايَةِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَجِبُ فِي مَالِهِ كَالزَّكَاةِ، وَالْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ.
(وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/124)

كِتَابُ الصَّوْمِ صَوْمُ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ أَدَاءً وَقَضَاءً، وَصَوْمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَاجِبٌ، وَمَا سِوَاهُ نَفْلٌ، وَصَوْمُ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَرَامٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الصَّوْمِ]
ِ الصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ، يُقَالُ: صَامَتِ الشَّمْسُ: إِذَا وَقَفَتْ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَأَمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ سَاعَةَ الزَّوَالِ. وَقَالَ النَّابِغَةُ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ
أَيْ مُمْسِكَاتٌ عَنِ الْعَلَفِ وَغَيْرُ مُمْسِكَاتٍ.
وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ إِمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثِ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهُوَ قَصْدُ التَّقَرُّبِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ، بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ الطَّهَارَةُ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهُوَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَيَفْسُقُ تَارِكُهَا. ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وقَوْله تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] . وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا مَرَّ مِنَ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صُومُوا شَهْرَكُمْ» وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَسَبَبُ وُجُوبِهِ الشَّهْرُ لِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ يُقَالُ: صَوْمُ رَمَضَانَ، وَلِتَكَرُّرِهِ بِتَكْرَارِ الشَّهْرِ، وَكُلُّ يَوْمٍ سَبَبُ وُجُوبِ صَوْمِهِ.
قَالَ: (صَوْمُ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ أَدَاءً وَقَضَاءً) أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ. وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ.
وَأَمَّا " أَدَاءً " فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] . وَأَمَّا " قَضَاءً " فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] أَيْ فَلْيَصُمْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
قَالَ: (وَصَوْمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَاجِبٌ) أَمَّا النَّذْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِ بِنَذْرِكَ» وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَلِمَا يَأْتِي فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَمَا سِوَاهُ نَفْلٌ) لِأَنَّ النَّفْلَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ ; وَفِي الشَّرْعِ: الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ.
قَالَ: (وَصَوْمُ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَرَامٌ) لِرِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي أَيَّامِ مِنًى: «إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ
(1/125)

وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَإِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» وَيَوْمُ الْفِطْرِ مَأْمُورٌ بِإِفْطَارِهِ، وَفِي صَوْمِهِ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَمُخَالَفَةُ الِاسْمِ، وَعَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ.
قَالَ: (وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَإِلَى نِصْفِ النَّهَارِ وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنْيَةِ النَّفْلِ) .
اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّوْمِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ يَصُومُ، وَلَا يَخْلُو مُسْلِمٌ عَنْ هَذَا فِي لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَيْسَتِ النِّيَّةُ بِاللِّسَانِ شَرْطًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ. وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ زُفَرُ: النِّيَّةُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ مُتَعَيِّنٌ لِعَدَمِ الْفَرْضِ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَجُوزَ غَيْرُهُ، فَمَتَى حَصَلَ فِيهِ إِمْسَاكٌ وَقَعَ عَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ لِصَوْمِ مُزَاحَمَةِ غَيْرِهِ، فَصَارَ كَإِعْطَاءِ النِّصَابِ جَمِيعِهِ لِلْفَقِيرِ بَعْدَ الْحَوْلِ. وَلَنَا أَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِمَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ قَدْ يَكُونُ لِلْعَادَةِ أَوْ لِعَدَمِ الِاشْتِهَاءِ أَوْ لِلْمَرَضِ أَوْ لِلرِّيَاضَةِ وَيَكُونُ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ لَهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَدَاءِ الْخُمْسِ إِلَى الْفَقِيرِ، بِخِلَافِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْمَشْرُوعَ فِيهِ لَا يَتَنَوَّعُ.
وَقَوْلُهُ: الزَّمَانُ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِ الْفَرْضِ. قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ إِذَا حَصَلَ الصَّوْمُ فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهُ حَصَلَ ; غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ حَصَلَ الْإِمْسَاكُ وَقَدْ خَرَجَ جَوَابُهُ. وَأَمَّا هِبَةُ النِّصَابِ قُلْنَا: وُجِدَ مِنْهُ مَعْنَى النِّيَّةِ، وَهُوَ الْقُرْبَةُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْمَوْهُوبِ لِلْفَقِيرِ لِحُصُولِ الثَّوَابِ بِهِ، أَمَّا هُنَا حَصَلَ مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ، وَلِهَذَا لَا يَكُونُ صَوْمًا خَارِجَ رَمَضَانَ.
وَرَوَى الْقُدُورِيُّ عَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ زُفَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ شُهُودُ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ فَصَارَ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِكُلِّ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ عَلَى حِدَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَسَدَ صَوْمُ يَوْمٍ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَاقِي، وَكَذَا عَدَمُ الْأَهْلِيَّةِ فِي بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ تَقَرُّرَ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْبَاقِي فَتَجِبُ النِّيَّةُ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ صَوْمِ الْيَوْمِ بِمَجِيءِ اللَّيْلَةِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» وَإِذَا خَرَجَ يَحْتَاجُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَيَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ كَأَوَّلِ الشَّهْرِ.
وَأَمَّا جَوَازُ الصَّوْمِ بِالنِّيَّةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّاسَ أَصْبَحُوا يَوْمَ الشَّكِّ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيٌّ وَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " اللَّهُ أَكْبَرُ، يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدُهُمْ " فَصَامَ، وَأَمَرَ بِالصِّيَامِ،
(1/126)

وَالنَّفْلُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَيَجُوزُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ، وَبَاقِي الصَّوْمِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ إِنْ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ وَقَعَ عَنْهُ (سم ف) وَإِلَّا وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: " أَلَا مَنْ أَكَلَ فَلَا يَأْكُلْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ» أَمَرَ بِالصَّوْمِ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ عَلَى الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَآمِرًا بِهَا، وَلَوْ شُرِطَتِ النِّيَّةُ مِنَ اللَّيْلِ لَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْإِمْسَاكَ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ نَفْيًا لِلِالْتِبَاسِ، وَمَا يُرْوَى مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي نَفْيِ الصَّوْمِ إِلَّا بِالتَّبْيِيتِ مَحْمُولَةٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطِ حَالَةِ الشُّرُوعِ حَتَّى لَوْ نَوَى مِنَ اللَّيْلِ جَازَ، وَإِنَّمَا جَازَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، لَأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَهُوَ مُشْتَبَهٌ لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَلَا يَقِفُونَ عَلَى أَوَّلِ طُلُوعِهِ، وَهُوَ أَيْضًا وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ ; وَالْمُتَهَجِّدُ يُسْتَحَبُّ لَهُ نَوْمُ آخِرِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا جَازَ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ دَفْعًا لِهَذَا الْحَرَجِ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ هَهُنَا؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَيَنْقَطِعُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ عِنْدَ آخِرِ اللَّيْلِ، وَيَنَامُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَذَا يَوْمُ الشَّكِّ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّبْيِيتِ، فَقُلْنَا بِالْجَوَازِ بَعْدَ الْفَجْرِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ أَيْضًا.
بِخِلَافِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لَهَا فَوَجَبَ التَّبْيِيتُ نَفْيًا لِلْمُزَاحَمَةِ، وَيَعْتَبِرُ نِصْفَ النَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، فَيَكُونُ إِلَى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى، فَيَنْوِي قَبْلَهَا لِيَكُونَ الْأَكْثَرُ مَنْوِيًّا فَيَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ حَتَّى لَوْ نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِخُلُوِّ الْأَكْثَرِ عَنِ النِّيَّةِ تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ.
وَأَمَّا جَوَازُهُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنْيَةِ النَّفْلِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِ يَوْمَ الشَّكِّ، وَيَقُولَانِ: لَأَنْ نَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ صَوْمُهُمَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، فَلَوْلَا وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ لَوْ ظَهَرَ الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، لَمَا كَانَ لِاحْتِرَازِهِمَا فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّ الزَّمَانَ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِ الْفَرْضِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِيهِ غَيْرُهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَمَتَى حَصَلَ أَصْلُ النِّيَّةِ كَفَى لِوُقُوعِ الْإِمْسَاكِ قُرْبَةً، فَيَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ، وَالْأَفْضَلُ الصَّوْمُ بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُبَيَّتَةٍ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْخِلَافِ.
قَالَ: (وَالنَّفْلُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَصْبَحَ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، وَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ؟ " فَإِنْ قُلْنَ لَا، قَالَ: " إِنِّي إِذًا لَصَائِمٌ» .
قَالَ: (وَيَجُوزُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ) لِمَا مَرَّ فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَنِيَّةِ النَّفْلِ.
قَالَ: (وَبَاقِي الصَّوْمِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ اللَّيْلِ) لِأَنَّ الْوَقْتَ يَصْلُحُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّعْيِينِ وَالتَّبْيِيتِ قَطْعًا لِلْمُزَاحَمَةِ.
قَالَ: (وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ إِنْ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ وَقَعَ عَنْهُ، وَإِلَّا وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ) وَقَالَا: يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لِاحْتِمَالِ تَضَرُّرِهِ وَعَجْزِهِ، فَإِذَا صَامَ انْتَفَى
(1/127)

وَوَقْتُ الصَّوْمِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرْطِ الطَّهَارَةِ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ; وَيَجِبُ أَنْ يَلْتَمِسَ النَّاسُ الْهِلَالَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَقْتَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا، وَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ أَكْمَلُوهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ذَلِكَ فَصَارَ كَالصَّحِيحِ الْمُقِيمِ. وَلَهُ أَنَّ الشَّارِعَ رَخَّصَ لَهُ لِيَصْرِفَهُ إِلَى مَا هُوَ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ مِنَ الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ، فَصَارَ كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَمَّا نَوَى وَاجِبًا آخَرَ عَلِمْنَا أَنَّهُ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ فَيَقَعُ عَنْهُ، وَقِيلَ: الْأَصَحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا نَوَى وَاجِبًا آخَرَ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْفِطْرِ لِلْعَجْزِ، فَإِذَا قَدَرَ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّفْلِ رِوَايَتَانِ، فَمَنْ قَالَ: يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ فِي الْأَهَمِّ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنِ الْعُهْدَةِ أَهَمُّ مِنَ النَّفْلِ، بِخِلَافِ وَاجِبٍ آخَرَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خُرُوجٌ عَنِ الْعُهْدَةِ. وَمَنْ قَالَ: يَقَعُ نَفْلًا فَلِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى مَا شَاءَ.
قَالَ: (وَوَقْتُ الصَّوْمِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: الصُّبْحُ الصَّادِقُ، أَبَاحَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَحْرُمُ عِنْدَهُ. وَأَمَّا آخِرُهُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ، أَكْلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ» .
قَالَ: (وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرْطِ الطَّهَارَةِ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ لُغَةً، زِدْنَا عَلَيْهِ النِّيَّةَ لِيَقَعَ قُرْبَةً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَالطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لِيَتَحَقَّقَ الْأَدَاءُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَتَمَامُهُ مَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ. وَالنِّيَّةُ: أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ يَصُومُ وَقَدْ مَرَّ.
قَالَ: (وَيَجِبُ أَنْ يَلْتَمِسَ النَّاسُ الْهِلَالَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَقْتَ الْغُرُوبِ) وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَنِ السَّلَفِ.
(فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا، وَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ أَكْمَلُوهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَلِأَنَّ الشَّهْرَ كَانَ ثَابِتًا فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَهُوَ الرُّؤْيَةُ أَوْ إِكْمَالُ الْعِدَّةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَهْرٍ.
(1/128)

وَإِنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةُ غَيْمٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ قُبِلَ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَإِنْ رَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ صَامَ، وَإِنْ لَمْ يَكَنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا شَهَادَةُ جَمْعٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي بَلَدٍ لَزِمَ جَمِيعَ النَّاسِ; وَلَا اعْتِبَارَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةُ غَيْمٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ قُبِلَ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) أَمَّا الْوَاحِدُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ كَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَلِأَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ، فَتُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ كَسَائِرِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إِذَا تَابَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَبِلُوا شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ، وَفِي مَسْتُورِ الْحَالِ خِلَافٌ بَيْنِ الْأَصْحَابِ ; وَيُفْتَرَضُ عَلَى مَنْ رَأَى الْهِلَالَ أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ إِذَا لَمْ يَثْبُتُ دُونَهُ، حَتَّى يَجِبُ عَلَى الْمُخَدَّرَةِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا زَوْجُهَا. فَإِنْ أَكْمَلُوا ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُفْطِرُونَ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرَّمَضَانِيَّةِ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ لَا يَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً كَالْإِرْثِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ بِقَوْلِ الْقَابِلَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا أَتَّهِمُ مُسْلِمًا بِتَعْجِيلِ صَوْمِ يَوْمٍ.
(فَإِنْ رَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ صَامَ) لِأَنَّهُ رَآهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ قَضَى لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ، وَلَا يُفْطِرُ آخِرَ الشَّهْرِ إِلَّا مَعَ النَّاسِ احْتِيَاطًا، وَلَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَمَلًا بِاعْتِقَادِهِ. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا شَهَادَةُ جَمْعٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ) وَهُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَطَالِعَ مُتَّحِدَةٌ، وَالْمَوَانِعَ مُرْتَفِعَةٌ، وَالْأَبْصَارَ صَحِيحَةٌ، وَالْهِمَمَ فِي الرُّؤْيَةِ مُتَقَارِبَةٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِالرُّؤْيَةِ الْبَعْضُ الْقَلِيلُ.
وَرَوَى الْحَسَنُ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ وَشَهِدَ بِهِ تُقْبَلُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ عَلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فِي الْبَلَدِ كَالْمَنَارَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صَفَاءِ الْهَوَاءِ وَكُدُورَتِهِ، وَبِاخْتِلَافِ ارْتِفَاعِ الْمَكَانِ وَهُبُوطِهِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ.
قَالَ: (فَإِذَا ثَبَتَ فِي بَلَدٍ لَزِمَ جَمِيعَ النَّاسِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ) هَكَذَا ذَكَرَهُ قَاضِيخَانُ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيِّ ; وَقِيلَ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ. وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الْحُسَامِيَّةِ: إِذَا صَامَ أَهْلُ مِصْرٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِرُؤْيَةٍ، وَأَهْلُ مِصْرٍ آخَرَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا بِرُؤْيَةٍ فَعَلَيْهِمْ قَضَاءُ يَوْمٍ، إِنْ كَانَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ قُرْبٌ بِحَيْثُ تَتَّحِدُ الْمَطَالِعُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً بِحَيْثُ تَخْتَلِفُ لَا يَلْزَمُ أَحَدَ الْمِصْرَيْنَ حُكْمُ الْآخَرِ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَجِبُ عَلَيْهِمْ
(1/129)

وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ إِلَّا تَطَوُّعًا، وَيُلْتَمَسُ هِلَالُ شَوَّالٍ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَنْ رَآهُ وَحْدَهُ لَا يُفْطِرُ، فَإِنْ أَفْطَرَ قَضَاهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا عِلَةٌ فَجَمْعٌ كَثِيرٌ، وَذُو الْحِجَّةِ كَشَوَّالٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَضَاءُ يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مِثْلِهِ: لَهُمْ مَا لَهُمْ وَلَنَا مَا لَنَا. وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: فِطْرُ كُلِّ بَلْدَةٍ يَوْمَ يُفْطِرُ جَمَاعَتُهُمْ وَأَضْحَى كُلِّ بَلْدَةٍ يَوْمَ يُضَحِّي جَمَاعَتُهُمْ.
قَالَ: (وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ إِلَّا تَطَوُّعًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُصَامُ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا تَطَوُّعًا» وَهُوَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ شَعْبَانَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِالرُّؤْيَةِ وَلَا تَثْبُتُ.
قَالَ: (وَيُلْتَمَسُ هِلَالُ شَوَّالٍ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَنْ رَآهُ وَحْدَهُ لَا يُفْطِرُ) أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ.
(فَإِنْ أَفْطَرَ قَضَاهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(فَإِنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ قُبِلَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ فَصَارَتْ كَالشَّهَادَةِ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِخِلَافِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ، عَلَى أَنَّ مَبْنَى الْكُلِّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ فِيمَا قُلْنَاهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا عِلَّةٌ فَجَمْعٌ كَثِيرٌ) لِمَا بَيَّنَّا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ.
(وَذُو الْحِجَّةِ كَشَوَّالٍ) لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ مِنَ الْأَضَاحِي وَغَيْرِهِ، وَإِذَا رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْآتِيَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ إِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَلِلْمَاضِيَةِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَالْأَوَّلُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا، وَلِأَنَّ الشَّهْرَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَبَعْضُ الْأَهِلَّةِ يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ، فَيَجُوزُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ لِكِبَرِهِ لَا لِكَوْنِهِ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَالثَّابِتُ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: إِنْ غَابَ بَعْدَ الشَّفَقِ فَلِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَقَبْلَهُ لِلرَّاهِنَةِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ هَلْ صَوْمُهُ أَفْضَلُ أَمِ الْفِطْرُ؟ قَالُوا: إِنْ كَانَ صَامَ شَعْبَانَ أَوْ وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ فَصَوْمُهُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ بِنَاءً عَلَى الْحَدِيثِ. وَقَالَ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى: الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُفْتِيَ يَصُومُ هُوَ وَخَاصَّتُهُ، وَيُفْتِي الْعَامَّةَ بِالتَّلَوُّمِ إِلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ لِاحْتِمَالِ ثُبُوتِ الشَّهْرِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا صَوْمَ وَهُوَ يُمْكِنُهُ الصَّوْمُ عَلَى وَجْهٍ يَخْرُجُ مِنَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعَامَّةُ.
(1/130)

فَصْلٌ وَمَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ عَامِدًا، أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَامِدًا غِذَاءً أَوْ دَوَاءً وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مِثْلَ الْمُظَاهِرِ، وَإِنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ بَهِيمَةً، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ فَأَنْزَلَ، أَوِ احْتَقَنَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فَصْلٌ مَنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فِي رَمَضَانَ]
فَصْلٌ (وَمَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ عَامِدًا، أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَامِدًا غِذَاءً أَوْ دَوَاءً وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مِثْلَ الْمُظَاهِرِ) وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ لِلْإِجْمَاعِ. «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا -: أَعْتِقْ رَقَبَةً» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِنْزَالُ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ دُونَهُ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ اعْتِبَارًا بِالْحَدِّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ عَلَى الْكَمَالِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مُطَاوِعَةً لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الثَّانِي. وَلِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَقُومُ بِهِمَا، فَيَجِبُ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَالْغُسْلِ وَالْحَدِّ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا كَمَا فِي النِّسْيَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَوْ أَكْرَهَتْ زَوْجَهَا فَجَامَعَهَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِلْإِكْرَاهِ، وَلَوْ عَلِمَتْ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ دُونَهُ وَكَتَمَتْهُ عَنْهُ حَتَّى جَامَعَهَا فَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا خَاصَّةً. وَأَمَّا وُجُوبُهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ فَلِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَهَذَا قَدْ أَفْطَرَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ: أَنَّ «رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: شَرِبْتُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ وَلَا مَرَضٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ: " أَعْتِقْ رَقَبَةً» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، فَإِنْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ مَرِضَ الرَّجُلُ مَرَضًا يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ سَقَطَتِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ صَوْمُهُ، وَالْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَجِبُ بِإِفْسَادِ صَوْمٍ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّفَرِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِبْطَالِهَا، بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَلَوْ سُوفِرَ بِهِ مُكْرَهًا لَا يَسْقُطُ أَيْضًا. وَقَالَ زُفَرُ: يَسْقُطُ كَالْمَرَضِ وَالْحَيْضِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَا يُجْعَلُ عُذْرًا، بِخِلَافِ الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ.
قَالَ: (وَإِنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ بَهِيمَةً. أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَنْزَلَ، أَوِ احْتَقَنَ،
(1/131)

أَوِ اسْتَعَطَ، أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ، أَوْ دَاوَى جَائِفَةً (سم) أَوْ آمَّةً فَوَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ، أَوِ ابْتَلَعَ الْحَدِيدَ، أَوِ اسْتَقَاءَ (م ز) مِلْءَ فِيهِ، أَوْ تَسَحَّرَ يَظُنُّهُ لَيْلًا وَالْفَجْرُ طَالِعٌ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّهُ لَيْلًا وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَا غَيْرُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوِ اسْتَعَطَ، أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ، أَوْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً فَوَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ، أَوِ ابْتَلَعَ الْحَدِيدَ، أَوِ اسْتَقَاءَ مِلْءَ فِيهِ، أَوْ تَسَحَّرَ يَظُنُّهُ لَيْلًا وَالْفَجْرُ طَالِعٌ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّهُ لَيْلًا وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَا غَيْرُ) أَمَّا الْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ السَّبِيلَيْنِ أَوِ الْبَهِيمَةِ مَعَ الْإِنْزَالِ، وَالْإِنْزَالُ بِاللَّمْسِ، وَالْقُبْلَةُ فَلِقَضَاءِ إِحْدَى الشَّهْوَتَيْنِ، وَأَنَّهُ يُنَافِي الصَّوْمَ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الصَّوْمِ الْإِيجَابُ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً، وَفِي الْكَفَّارَاتِ الدَّرْءُ لِأَنَّهَا مِنَ الْحُدُودِ. وَأَمَّا الِاحْتِقَانُ وَالِاسْتِعَاطُ وَالْإِقْطَارُ فِي الْأُذُنِ، وَدَوَاءُ الْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ، فَلِوُصُولِ الْمُفْطِرِ إِلَى الدَّاخِلِ، وَهُوَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْبَدَنِ مِنَ الْغِذَاءِ أَوِ الدَّوَاءِ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ» وَلَوْ أَقْطَرَ الْمَاءَ فِي أُذُنِهِ لَا يُفْطِرُ لِعَدَمِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، بِخِلَافِ الدُّهْنِ لِوُجُودِهِ مَعْنًى، وَهُوَ إِصْلَاحُ الدِّمَاغِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ فِي الْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُمَا الْوُصُولُ مِنْ مَنْفَذٍ أَصْلِيٍّ، وَلِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِالْوُصُولِ لِاحْتِمَالِ ضِيقِ الْمَنْفَذِ وَانْسِدَادِهِ بِالدَّوَاءِ وَصَارَ كَالْيَابِسِ، وَلَهُ أَنَّ رُطُوبَةَ الدَّوَاءِ إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ رُطُوبَةِ الْجِرَاحَةِ ازْدَادَ سَيَلَانًا إِلَى الْبَاطِنِ فَيَصِلُ، بِخِلَافِ الْيَابِسِ لِأَنَّهُ يُنَشِّفُ الرُّطُوبَةَ فَيَنْسَدُّ فَمُ الْجِرَاحَةِ. قَالَ مَشَايِخُنَا: وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ الْوُصُولُ حَتَّى لَوْ عَلِمَ بِوُصُولِ الْيَابِسِ فَسَدَ، وَلَوْ عَلِمَ بِعَدَمِ وُصُولِ الرَّطِبِ لَا يَفْسُدُ. وَأَمَّا إِذَا ابْتَلَعَ الْحَدِيدَ فَلِصُورَةِ الْإِفْطَارِ، وَلَا كَفَّارَةَ لِانْعِدَامِهِ مَعْنًى.
وَأَمَّا إِذَا اسْتَقَاءَ مِلْءَ فِيهِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ قَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتِقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ يُفْسِدُهُ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأِ الْفَمَ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَالصَّحِيحُ الْفَصْلُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَا دُونُ مِلْءِ الْفَمِ تَبَعٌ لِلرِّيقِ كَمَا لَوْ تَجَشَّأَ وَلَا كَذَلِكَ مِلْءُ الْفَمِ.
وَأَمَّا إِذَا تَسَحَّرَ يَظُنُّهُ لَيْلًا وَالْفَجْرُ طَالِعٌ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّهُ لَيْلًا وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فَإِنَّمَا يُفْطِرُ لِفَوَاتِ الرُّكْنِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَلَا كَفَّارَةَ لِقِيَامِ الْعُذْرِ وَهُوَ عَدَمُ التَّعَمُّدِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْجَانِي وَلَوْ جُومِعَتِ النَّائِمَةُ وَالْمَجْنُونَةُ فَسَدَ صَوْمُهُمَا لِوُجُودِ الْمُفْطِرِ، وَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ التَّعَمُّدِ، وَلَوِ اسْتَمْنَى بِكَفِّهِ أَفْطَرَ لِوُجُودِ
(1/132)

وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا، أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ، أَوْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَأَنْزَلَ أَوِ ادَّهَنَ أَوِ اكْتَحَلَ، أَوْ قَبَّلَ، أَوِ اغْتَابَ، أَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ، أَوْ أَقْطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ (س) ، أَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ ذُبَابٌ، أَوْ أَصْبَحَ جُنُبًا لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنِ ابْتَلَعَ طَعَامًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِثْلَ الْحِمَّصَةِ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْجِمَاعِ مَعْنًى، وَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ الصُّورَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا، أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ، أَوْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَأَنْزَلَ، أَوِ ادَّهَنَ، أَوِ اكْتَحَلَ، أَوْ قَبَّلَ، أَوِ اغْتَابَ، أَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ، أَوْ أَقْطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ، أَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ ذُبَابٌ، أَوْ أَصْبَحَ جُنُبًا لَمْ يُفْطِرْ) أَمَّا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ نَاسِيًا، فَالْقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ لِوُجُودِ الْمُنَافِي، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ «قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلَّذِي أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ: " تِمَّ عَلَى صَوْمِكَ إِنَّمَا أَطْعَمَكَ رَبُّكَ وَسَقَاكَ» وَفِي رِوَايَةٍ أَنْتَ ضَيْفُ اللَّهِ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُهُ فَأَكَلَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ فِي مَوْضِعِ الظَّنِّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فَكَانَ شُبْهَةً. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إِنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ ثُمَّ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ حَيْثُ أَمَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْإِتْمَامِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ.
وَأَمَّا إِذَا نَامَ فَاحْتَلَمَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْقَيْءُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالِاحْتِلَامُ» رَوَاهُ الْخُدْرِيُّ، وَلِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ أَبْلَغَ مِنَ النَّاسِي ; وَالْإِنْزَالُ بِالنَّظَرِ كَالِاحْتِلَامِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الْمُبَاشَرَةِ، فَإِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لَا اتِّصَالَ لَهُ بِغَيْرِهِ. وَأَمَّا الدُّهْنُ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ كَالِاغْتِسَالِ.
وَأَمَّا الْكُحْلُ فَلِمَا «رَوَى أَبُو رَافِعٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَعَا بِمُكْحُلَةِ إِثْمِدٍ فِي رَمَضَانَ فَاكْتَحَلَ وَهُوَ صَائِمٌ» .
وَأَمَّا الْقُبْلَةُ فَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» .
وَأَمَّا الْغِيبَةُ فَلِعَدَمِ وُجُودِ الْمُفْطِرِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُ فَأَكَلَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، بَلَغَهُ الْحَدِيثُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْغِيبَةِ غَيْرُ مُفْطِرَةٍ قَلَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَى أَحَدٍ لِكَوْنِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ لَا تُفْطِرُ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْحَدِيثِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا إِذَا غَلَبَهُ الْقَيْءُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا الْإِقْطَارُ فِي الْإِحْلِيلِ فَعِنْدَهُمَا لَا يُفْطِرُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُفْطِرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَوْفِ مَنْفَذًا بِدَلِيلِ خُرُوجِ الْبَوْلِ، وَالْأَصَحُّ أَنْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَنْفَذٌ، بَلِ الْبَوْلُ يَتَرَشَّحُ إِلَى الْمَثَانَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَمَا يَخْرُجُ رَشْحًا لَا يَعُودُ رَشْحًا فَلَا يَصِلُ، وَالْخِلَافُ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَثَانَةِ، أَمَّا إِذَا وَقَفَ فِي الْقَصَبَةِ لَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا دُخُولُ الْغُبَارِ وَالذُّبَابِ فَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
وَأَمَّا إِذَا أَصْبَحَ جُنُبًا فَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ جَمِيعَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] الْآيَةَ. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ وُقُوعُ الْغُسْلِ بَعْدَ الصُّبْحِ.
قَالَ: (وَإِنِ ابْتَلَعَ طَعَامًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِثْلَ الْحِمِّصَةِ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ لَا يُسْتَطَاعُ
(1/133)

وَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ مَضْغُ الْعِلْكِ وَالذَّوْقُ وَالْقُبْلَةُ إِنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ.

فَصْلٌ وَمَنْ خَافَ الْمَرَضَ أَوْ زِيَادَتَهُ أَفْطَرَ، وَالْمُسَافِرُ صَوْمُهُ أَفْضَلُ، وَلَوْ أَفْطَرَ جَازَ، فَإِنْ مَاتَا عَلَى حَالِهِمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الِامْتِنَاعُ عَنْهُ إِذَا كَانَ قَلِيلًا فَإِنَّهُ تَبَعٌ لِرِيقِهِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ وَهُوَ قَدْرُ الْحِمِّصَةِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مِثْلُ ذَلِكَ عَادَةً فَلَا تَعُّمُ بِهِ الْبَلْوَى فَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ مَضْغُ الْعِلْكِ وَالذَّوْقُ وَالْقُبْلَةُ إِنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ) أَمَّا مَضْغُ الْعِلْكِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ صَوْمِهِ لِلْفَسَادِ، وَهَذَا فِي الْعِلْكِ الْمُلْتَصِقِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُلْتَئِمٍ فَإِنَّهُ يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ إِلَّا بِانْفِصَالِ أَجْزَاءٍ تَنْقَطِعُ مِنْهُ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ. وَأَمَّا الذَّوْقُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى جَوْفِهِ. وَأَمَّا الْقُبْلَةُ لِمَا رُوِيَ: «أَنْ شَابًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَمَنَعَهُ، وَسَأَلَهُ شَيْخٌ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ الشَّابُّ: إِنَّ دِينِي وَدِينَهُ وَاحِدٌ، قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ» ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي الْجِمَاعِ؛ فَيَفْسُدُ صَوْمُهُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَالْمُبَاشَرَةُ كَالْقُبْلَةِ، وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ مَضْغُ الطَّعَامِ لِصَبِيِّهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهَا الْإِفْطَارُ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهَا الْمَضْغُ كَانَ أَوْلَى.

[فَصْلٌ مَا يُبَاحُ بِهِ الْإِفْطَارُ]
فَصْلٌ (وَمَنْ خَافَ الْمَرَضَ أَوْ زِيَادَتَهُ أَفْطَرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] مَعْنَاهُ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ لَا يُوجِبَانِ الْقَضَاءَ.
(وَالْمُسَافِرُ صَوْمُهُ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ وَالْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُسَافِرُ إِذَا أَفْطَرَ رُخْصَةٌ، وَإِنْ صَامَ فَهُوَ أَفْضَلُ» .
(وَلَوْ أَفْطَرَ جَازَ) لِمَا تَلَوْنَا. وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ صَوْمُهُ إِذْ هُوَ مُقِيمٌ فَلَا يُبْطِلُهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَرِضَ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْحَقِّ.
قَالَ: (فَإِنْ مَاتَا عَلَى حَالِهِمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا صِيَامَ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَلَمْ يُدْرِكَاهَا، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ لَمَّا كَانَا عُذْرًا فِي إِسْقَاطِ الْأَدَاءِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، فَلَأَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ عُذْرًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ أَوْلَى.
(1/134)

وَإِنْ صَحَّ وَأَقَامَ ثُمَّ مَاتَا لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ بِقَدْرِهِ، وَيُوصِيَانِ بِالْإِطْعَامِ عَنْهُمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا كَالْفِطْرَةِ ; وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَوْ نَفْسَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا لَا غَيْرُ ; وَالشَّيْخُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ ; وَمَنْ جُنَّ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفَاقَ بَعْضَهُ قَضَى مَا فَاتَهُ ; وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ رَمَضَانَ كُلَّهُ قَضَاهُ، وَيَلْزَمُ صَوْمُ النَّفْلِ بِالشُّرُوعِ (ف) أَدَاءً وَقَضَاءً، وَإِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ، أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ أَمْسَكَ بَقِيَّتَهُ، وَقَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ صَحَّ وَأَقَامَ ثُمَّ مَاتَا لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ بِقَدْرِهِ) لِأَنَّهُمَا بِذَلِكَ الْقَدْرِ أَدْرَكَا عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
قَالَ: (وَيُوصِيَانِ بِالْإِطْعَامِ عَنْهُمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا كَالْفِطْرَةِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِمَا صَوْمُهُ بِإِدْرَاكِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِيَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ الْإِطْعَامُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا تُؤَدَّى إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَإِنْ فَعَلُوا جَازَ وَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَوْ نَفْسَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا لَا غَيْرُ) قِيَاسًا عَلَى الْمَرِيضِ، وَالْجَامِعُ دَفْعُ الْحَرَجِ وَالضَّرَرِ.
(وَالشَّيْخُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ وَلَا يُرْجَى لَهُ الْقَضَاءُ فَانْتَقَلَ فَرْضُهُ إِلَى الْإِطْعَامِ كَالْمَيِّتِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ.
قَالَ: (وَمَنْ جُنَّ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الشَّهْرَ وَهُوَ السَّبَبُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، وَلِهَذَا يَصِيرُ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَفَاقَ بَعْضَهُ قَضَى مَا فَاتَهُ) لِأَنَّهُ شَهِدَ الشَّهْرَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} [البقرة: 185] شُهُودُ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ شُهُودَ كُلِّهِ لَوَقَعَ الصَّوْمُ بَعْدَهُ وَأَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ رَمَضَانَ كُلَّهُ قَضَاهُ) لِأَنَّهُ مَرَضٌ يُضْعِفُ الْقُوَى وَلَا يُزِيلُ الْعَقْلَ، وَلِهَذَا لَا يَصِيرُ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ فَكَانَ مُخَاطَبًا فَيَقْضِيهِ كَالْمَرِيضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ مَعْصُومًا عَنِ الْجُنُونِ، قَالَ تَعَالَى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 2] وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ.
قَالَ: (وَيَلْزَمُ صَوْمُ النَّفْلِ بِالشُّرُوعِ أَدَاءً وَقَضَاءً) وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ: (وَإِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ أَمْسَكَ بَقِيَّتَهُ) وَلَا يَجِبُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ، وَلَوْ صَامُوهُ لَمْ يُجْزِهِمْ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ فِي أَوَّلِهِ، وَالْأَدَاءُ لَا يُجْزِي إِلَّا فِي الْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ وَنَوَى جَازَ صَوْمُهُ لِأَنَّهُ أَهْلٌ فِي أَوَّلِهِ. وَأَمَّا إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ لِئَلَّا يَتَّهِمَهُ النَّاسُ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مَوَاضِعِ التُّهَمِ وَاجِبٌ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ» .
قَالَ: (وَقَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ) لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] لَمْ يُشْرَطْ فِيهِ التَّتَابُعُ وَهُوَ أَفْضَلُ مُسَارَعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الْفَرْضِ.
(1/135)

فَإِنْ جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ صَامَهُ ثُمَّ قَضَى الْأَوَّلَ لَا غَيْرُ، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَيِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَزِمَهُ وَيُفْطِرُ وَيَقْضِي، وَلَوْ صَامَهَا أَجْزَأَهُ.

بَابُ الِاعْتِكَافِ الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(فَإِنْ جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ صَامَهُ) لِأَنَّهُ وَقْتُهُ.
(ثُمَّ قَضَى الْأَوَّلَ لَا غَيْرُ) لِأَنَّ جَمِيعَ السَّنَةِ وَقْتُ الْقَضَاءِ إِلَّا الْأَيَّامَ الْخَمْسَةَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا آخَرَ.
قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَيِ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَزِمَهُ وَيُفْطِرُ وَيَقْضِي) لِأَنَّهُ نَذَرَ بِقُرْبَةٍ وَهُوَ الصَّوْمُ، وَأَضَافَهَا إِلَى وَقْتٍ مَشْرُوعٍ فِيهِ تِلْكَ الْقُرْبَةُ، فَيَلْزَمُ كَالنَّذْرِ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَلَيْسَ النَّذْرُ مَعْصِيَةً، إِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ أَدَاءُ الصَّوْمِ فِيهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلَا لَا تَصُومُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ» نَهَى عَنِ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ غَيْرِ الْمَقْدُورِ قَبِيحٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَلْأَعْمَى لَا تُبْصِرْ، وَلِلْآدَمِيِّ لَا تَطِرْ - قَبِيحٌ لِمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَإِذَا اقْتَضَى النَّهْيُ الْقُدْرَةَ كَانَ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ مَقْدُورًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَيَصِحُّ النّذْرُ إِلَّا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَقُلْنَا: إِنَّهُ يُفْطِرُ فِيهَا تَحَرُّزًا عَنِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ وَيَقْضِي لِيَخْرُجَ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ صَامَهَا أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ، كَمَا إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذِهِ الرَّقَبَةَ وَهِيَ عَمْيَاءُ فَأَعْتَقَهَا خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَإِنْ كَانَ إِعْتَاقُهَا لَا يُجْزِي عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ هَذِهِ السَّنَةَ أَفْطَرَ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا لِمَا بَيَّنَاهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ سَنَةً مُتَتَابِعَةً، وَلَوْ نَذَرَ سَنَةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا يَلْزَمُ صَوْمُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مُتَفَرِّقَةً؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُنَكَّرَةَ اسْمٌ لِأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُضَافًا إِلَى رَمَضَانَ، وَفِي الْمُعَيَّنَةِ إِضَافَةٌ إِلَى كُلِّ شَهْرٍ مِنْهَا، فَلَمْ تَصِحَّ الْإِضَافَةُ إِلَى رَمَضَانَ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الِاعْتِكَافِ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْمَقَامُ وَالِاحْتِبَاسُ، قَالَ تَعَالَى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنِ الْمُقَامِ فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْمَسْجِدُ بِأَوْصَافٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ النِّيَّةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: (الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ. رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى» . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا تَرَكَ الِاعْتِكَافَ حَتَّى قُبِضَ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ إِذَا كَانَ عَنْ إِخْلَاصٍ.
(1/136)

وَلَا يَجُوزُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَهَذَا فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ الْمَنْذُورُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ اللَّبْثُ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ مَعَ الصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ، وَالْمَرْأَةُ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَوِ الْجُمُعَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ عَطَاءٌ: مَثَلُ الْمُعْتَكِفِ كَرَجُلٍ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى عَظِيمٍ فَيَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ، وَيَقُولُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتِي، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَكِفُ يَجْلِسُ فِي بَيْتِ اللَّهِ، وَيَقُولُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى يُغْفَرَ لِي.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ، وَهَذَا فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ الْمَنْذُورُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا) لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ شَرْطِهِ، وَلَا صَوْمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، فَلَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ضَرُورَةً. وَكَذَلِكَ النَّفْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِالصَّوْمِ» رَوَتْهُ عَائِشَةُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَجُوزُ أَكْثَرَ النَّهَارِ اعْتِبَارًا لِلْأَكْثَرِ بِالْكُلِّ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: سَاعَةً؛ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّطَوُّعُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَلَا كَذَلِكَ الْوَاجِبُ.
قَالَ: (وَهُوَ اللُّبْثُ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ مَعَ الصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ) أَمَّا اللُّبْثُ فَلِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] . وَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ إِمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ فَإِنَّهُ يُعْتَكَفُ فِيهِ» . وَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَلِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ تُؤَدَّى فِيهِ الْجَمَاعَةُ، فَكُلَّمَا كَانَ الْمَسْجِدُ أَعْظَمَ فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ أَفْضَلُ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا اعْتَكَفَ إِلَّا صَائِمًا، وَاللَّهُ - تَعَالَى - شَرَعَهُ لِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ، فَكَانَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ بِغَيْرِ صَوْمٍ لَبَيَّنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَلَمْ يُنْقَلْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَعَدَّتْهُ لِلصَّلَاةِ.
(وَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ) لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا كَانَ اعْتِكَافُهُ فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَكَانَتْ صَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلَ كَانَ اعْتِكَافُهَا فِيهِ أَفْضَلَ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي مِخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ حَيِّهَا، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ لَوْ كُنَّ يَعْلَمْنَ» وَلَوِ اعْتَكَفَتْ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ لِوُجُودِ شَرَائِطِهِ، وَيُكْرَهُ لِمَا رَوَيْنَا.
قَالَ: (وَلَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَوِ الْجُمُعَةِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ
(1/137)

فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَاعَةً (سم) فَسَدَ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ، فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَ، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَتْهُ بِلَيَالِيهَا مُتَتَابِعَةً، وَلَوْ نَوَى النَّهَارَ خَاصَّةً صُدِّقَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» ، وَالْحَاجَةُ: بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ أَوْ غُسْلُ جَنَابَةٍ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا وَلَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ مُسْتَثْنًى ضَرُورَةً وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلِأَنَّهَا مِنْ أَهَمِّ الْحَوَائِجِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا.
وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ تَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الْمَعَاصِي، وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ مَعْصِيَةٌ، فَيُنَافِيهِ وَيَخْرُجُ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ أَدَاءَ السُّنَّةِ قَبْلَهَا. وَقِيلَ: قَدْرَ سِتِّ رَكَعَاتٍ، يَعْنِي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَيْضًا، وَيُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا، وَلَوْ أَطَالَ الْمُكْثَ جَازَ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى الْعَوْدُ إِلَى مُعْتَكَفِهِ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ فِيهِ فَلَا يُؤَدِّيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
قَالَ: (فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَاعَةً فَسَدَ) لِوُجُودِ الْمُنَافِي. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَفْسُدُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ النَّهَارِ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَيَكُونُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَزَوَاجُهُ وَرَجْعَتُهُ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الْأَشْغَالِ وَيُمْكِنُ قَضَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ مَأْوًى إِلَّا الْمَسْجِدَ، وَكَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَتَحَدَّثُ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ حَدِيثٌ، لَكِنْ يُكْرَهُ حُضُورُ السِّلَعِ الْمَسْجِدَ لِمَا فِيهِ مِنْ شَغْلِ الْمَسْجِدِ بِهَا.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ) لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَقَدْ نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ. قَالَ: (وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ وَفِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَالْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى.
قَالَ: (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فَكَانَتِ الْمُبَاشَرَةُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ، وَكَذَا دَوَاعِيهِ وَهُوَ اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ كَمَا فِي الْحَجِّ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ رُكْنُهُ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الدَّوَاعِي.
قَالَ: (فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ فَيُفْسِدُهُ كَالْإِحْرَامِ، وَكَذَا إِذَا أَنْزَلَ بِقُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ. وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلِأَنَّ الْحَالَةَ مُذَكِّرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ كَالْحَجِّ بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَتْهُ بِلَيَالِيهَا مُتَتَابِعَةً) لِأَنَّ ذِكْرَ جَمْعٍ مِنَ الْأَيَّامِ يَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنَ اللَّيَالِي كَمَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قَالَ تَعَالَى: {ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} [آل عمران: 41] وَقَالَ: {ثَلاثَ لَيَالٍ} [مريم: 10] وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَيُقَالُ: مَا رَأَيْتُكَ مُنْذُ أَيَّامٍ، وَيُرِيدُ اللَّيَالِيَ أَيْضًا. وَأَمَّا التَّتَابُعُ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ يَصِحُّ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّتَابُعَ كَمَا فِي الْأَيْمَانِ وَالْإِجَارَاتِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ إِذَا الْتَزَمَ أَيَّامًا حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ.
(وَلَوْ نَوَى النَّهَارَ خَاصَّةً صَدَقَ) لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ
(1/138)

وَيَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ.

كِتَابُ الْحَجِّ وَهُوَ فَرِيضَةُ الْعُمْرِ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْيَوْمَ عِبَارَةٌ عَنْ بَيَاضِ النَّهَارِ.
قَالَ: (وَيَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إِلَّا بِالصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَقَدْ بَيَّنَاهُ.

[كِتَابُ الْحَجِّ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ إِلَى الشَّيْءِ الْمُعَظَّمِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
أَيْ يَقْصِدُونَ عِمَامَتَهُ.
وَفِي الشَّرْعِ: قَصْدُ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْبَيْتُ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] . وَالسُّنَّةِ: وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ: «وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ» وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ، وَسَبَبُ وُجُوبِهِ الْبَيْتُ لِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَيَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ مَلَكَ زَادًا يُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ وَيُرِيدُ التَّزَوُّجَ يَبْدَأُ بِالْحَجِّ، وَلِأَنَّ الْمَوْتَ فِي السَّنَةِ غَيْرُ نَادِرٍ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمَوْتَ فِيهِ نَادِرٌ، وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ إِجْمَاعًا.
قَالَ: (وَهُوَ فَرِيضَةُ الْعُمْرِ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] . قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: " لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً» وَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْبَيْتُ وَلَا يَتَكَرَّرُ،
(1/139)

عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ صَحِيحٍ قَادِرٍ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلَى حِينِ يَعُودُ وَيَكُونُ الطَّرِيقُ أَمْنًا، وَلَا تَحُجُّ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ إِذَا كَانَ سَفَرًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَعَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ.
قَالَ: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ صَحِيحٍ قَادِرٍ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلَى حِينِ يَعُودُ، وَيَكُونُ الطَّرِيقُ أَمْنًا) أَمَّا الْإِسْلَامُ، فَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا لِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ» وَلِأَنَّ مَنَافِعَ بَدَنِ الْعَبْدِ لِغَيْرِهِ فَكَانَ عَاجِزًا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ أَعَارَهُ مَنَافِعَ بَدَنِهِ فَلَا يَصِيرُ قَادِرًا بِالْإِعَارَةِ كَالْفَقِيرِ لَا يَصِيرُ قَادِرًا إِذَا أَعَارَهُ غَيْرُهُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ.
وَأَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَلِأَنَّهُمَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وَلِمَا مَرَّ مِنَ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ دُونَهَا، وَالْخِلَافُ فِي الْأَعْمَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ. وَقِيلَ عِنْدَهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ. لِأَنَّ الْبَذْلَ فِي الْقِيَادِ غَالِبٌ فِي الْجُمُعَةِ نَادِرٌ فِي الْحَجِّ. وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ فَلَا اسْتِطَاعَةَ دُونَهَا. «وَسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ، فَقَالَ: " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَهَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالرَّاحِلَةُ: أَنْ يَكْتَرِيَ شِقَّ مِحْمَلٍ أَوْ زَامِلَةٍ دُونَ عُقْبَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَادِرًا إِلَّا بِالْمَشْيِ فَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنِ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَلِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا عَنْ نَفَقَةِ عُمَّالِهِ لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لَهُمْ، وَحُقُوقُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِفَقْرِهِمْ وَغِنَاهُ، وَكَذَا فَاضِلًا عَنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ لِمَا بَيَّنَّا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: وَنَفَقَةُ شَهْرٍ بَعْدَ عَوْدِهِ إِلَى وَطَنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ لَا يَسْكُنُهَا وَعَبْدٌ لَا يَسْتَخْدِمُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُمَا فِي الْحَجِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْمَقْصُودِ دُونَهُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِذَا قَدَرُوا بِغَيْرِ رَاحِلَةٍ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْأَدَاءِ بِدُونِ الْمَشَقَّةِ.
قَالَ: (وَلَا تَحُجُّ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ إِذَا كَانَ سَفَرًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحُجُّ الْمَرْأَةُ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا» وَالْمَحْرَمُ: كُلُّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ لِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ، إِلَّا الْمَجُوسِيَّ الَّذِي يَعْتَقِدُ إِبَاحَةَ
(1/140)

وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا، وَتَحُجُّ مَعَهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إِذَنْ زَوْجِهَا.

وَوَقْتُهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهَا وَيَجُوزُ.

وَالْمَوَاقِيتُ: لِلْعِرَاقِيِّينَ ذَاتُ عِرْقٍ، وَلِلشَّامِيِّينَ الْجُحْفَةُ، وَلِلْمَدَنِيِّينَ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَلِلنَّجْدِيِّينَ قَرْنٌ، وَلِلْيَمَنِيِّينَ يَلَمْلَمُ، وَإِنْ قُدِّمَ الْإِحْرَامُ عَلَيْهَا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَا يَجُوزَ لِلْآفَاقِيِّ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا إِلَّا مُحْرِمًا إِذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
نِكَاحِهَا، وَالْفَاسِقَ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ لِعَجْزِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَنِ الْحِفْظِ.
قَالَ: (وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ لِحَقِّهَا، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا لِأَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ وَلَيْسَ عَلَيْهَا تَحْقِيقُ الشُّرُوطِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَتَحُجُّ مَعَهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ مَعَ الْفَرَائِضِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.

[مواقيت الْحَجِّ الزمانية]
قَالَ: (وَوَقْتُهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ، وَفَسَّرُوهُ كَمَا ذَكَرْنَا.
(وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهَا وَيَجُوزُ) أَمَّا الْكَرَاهِيَةُ فَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعَرُّضِ الْإِحْرَامِ لِلْفَسَادِ بِطُولِ الْمُدَّةِ. وَأَمَّا الْجَوَازُ فَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلدُّخُولِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ عِنْدَنَا، وَتَقَدُّمُ الشَّرْطِ عَلَى الْوَقْتِ يَجُوزُ كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لِاتِّصَالِ الْقِيَامِ بِهَا، وَأَفْعَالُ الْحَجِّ تَتَأَخَّرُ عَنِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَوْ فَعَلَهُ لَا يُجْزِيهِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ فِي رَمَضَانَ فَطَافَ وَسَعَى لَا يُجْزِيهِ عَنِ الطَّوَافِ الْفَرْضِ بِخِلَافِ طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ.

[مواقيت الْحَجِّ المكانية]
قَالَ: (وَالْمَوَاقِيتُ: لِلْعِرَاقِيِّينَ ذَاتُ عِرْقٍ، وَلِلشَّامِيِّينَ الْجُحْفَةُ، وَلِلْمَدَنِيِّينَ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَلِلنَّجْدِيِّينَ قَرْنٌ، وَلِلْيَمَنِيِّينَ يَلَمْلَمُ) وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ، وَقَالَ: «هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ وَلِمَنْ مَرَّ بِهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ» ، رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَوْ أَرَادَ الْمَدَنِيُّ دُخُولَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْعِرَاقِ فَوَقْتُهُ ذَاتُ عِرْقٍ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ، وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ أَحْرَمَ إِذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ.
(وَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] قَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: وَإِتْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ فَكَانَ أَفْضَلَ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِحْرَامُ مِنْ مِصْرِهِ أَفْضَلُ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ فِي إِحْرَامِهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلْآفَاقِيِّ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا إِلَّا مُحْرِمًا إِذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ) سَوَاءً دَخَلَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ تَاجِرًا؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّأْقِيتِ هَذَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَتَجَاوَزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إِلَّا مُحْرِمًا» وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ
(1/141)

فَإِنْ جَاوَزَهَا الْآفَاقِيُّ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، فَإِنْ عَادَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ الدَّمُ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ مُلَبِّيًا سَقَطَ أَيْضًا (سم ز) ، وَلَوْ عَادَ بَعْدَ مَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَشَرَعَ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ لَا يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ الْحِلُّ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ، وَفِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ لِحَوَائِجِهِ فَيَخْرُجُ فِي ذَلِكَ فَصَارَ كَالْمَكِّيِّ إِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا دَخَلَ لِلْحَجِّ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً فَلَا يَخْرُجُ، وَكَذَا لِأَدَاءِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا لِنَفْسِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ جَاوَزَهَا الْآفَاقِيُّ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا مَرَّ مِنَ الْحَدِيثِ.
(فَإِنْ عَادَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ الدَّمُ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ مُلَبِّيًا سَقَطَ أَيْضًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْعَوْدِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَسْقُطُ وَإِنْ لَبَّى؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَقَرَّرَتْ فَلَا تَرْتَفِعُ بِالْعَوْدِ، كَمَا إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ عَادَ بَعْدَهُ. وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَدْرَكَ الْفَائِتَ قَبْلَ تَقَرُّرِ الْجِنَايَةِ بِالشُّرُوعِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَسْقُطُ الدَّمُ، بِخِلَافِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِدَامَةُ الْوُقُوفِ وَلَمْ يَسْتَدْرِكْهُ، ثُمَّ عِنْدَهُمَا أَظْهَرَ حَقَّ الْمِيقَاتِ بِنَفْسِ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى لَوْ مَرَّ بِهِ مُحْرِمًا سَاكِتًا جَازَ، وَعِنْدَهُ أَنَّهُ جَنَى بِالتَّأْخِيرِ عَنِ الْمِيقَاتِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّهِ بِإِنْشَاءِ التَّلْبِيَةِ، فَكَانَ التَّدَارُكُ فِي الْعَوْدِ مُلَبِّيًا.
قَالَ: (وَلَوْ عَادَ بَعْدَ مَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَشَرَعَ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَسْقُطْ) بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ عَلَى حُكْمِ الِابْتِدَاءِ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَادَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ لَا يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ لِتَعْظِيمِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا قَبْلَهَا مِنَ الْقُرَى وَالْبَسَاتِينِ غَيْرُ وَاجِبِ التَّعْظِيمِ، وَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ صَارَ هُوَ وَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ سَوَاءً، فَلَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ الْحِلُّ) الَّذِي بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَبَيْنَ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
(وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ، وَفِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْحَجِّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِعَرَفَةَ وَهِيَ فِي الْحِلِّ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنَ الْحَرَمِ يَقَعُ نَوْعُ سَفَرٍ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخَا عَائِشَةَ أَنْ يَعْتَمِرَ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ فَيَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَقَعَ نَوْعُ سَفَرٍ أَيْضًا، وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنَ الْحِلِّ جَازَ إِلَّا أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَلُ لِمَا رَوَيْنَا.
(1/142)

وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ، وَيَقُصَّ شَارِبَهُ، وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَلْبَسُ إِزَارًا وَرِدَاءً جَدِيدَيْنِ أَبْيَضَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا وَاحِدًا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ جَازَ، وَيَتَطَيَّبُ إِنْ وَجَدَ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، وَإِنْ نَوَى بِقَلْبِهِ أَجْزَأَهُ، ثُمَّ يُلَبِّي عَقِيبَ صَلَاتِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فَصْلٌ ما يستحب فعله لمن أراد أن يحرم]
فَصْلٌ (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ، وَيَقُصَّ شَارِبَهُ، وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ) وَهُوَ الْمُتَوَارَثُ، وَلِأَنَّهُ أَنْظَفُ لِلْبَدَنِ فَكَانَ أَحْسَنَ.
(ثُمَّ يَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ وَهُوَ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّنْظِيفُ، وَالْغُسْلُ أَبْلَغُ، وَلَوِ اكْتَفَى بِالْوُضُوءِ جَازَ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَتَغْتَسِلُ الْحَائِضُ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لِلتَّنْظِيفِ.
(وَيَلْبَسُ إِزَارًا وَرِدَاءً جَدِيدَيْنِ أَبْيَضَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اتَّزَرَ وَارْتَدَى عِنْدَ إِحْرَامِهِ، الْجَدِيدَانِ أَقْرَبُ إِلَى النَّظَافَةِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبِيضُ» .
(وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا وَاحِدًا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ جَازَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَيَتَطَيَّبُ إِنْ وَجَدَ) قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُنْتُ أُطَيِّبُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» . وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَتَطَيَّبُ بِمَا يَبْقَى بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَعْمِلِ لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ. وَجَوَابُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ مِنْ مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثَةٍ مِنْ إِحْرَامِهِ» ، وَالْمَمْنُوعُ التَّطَيُّبُ قَصْدًا، وَهَذَا تَابِعٌ لَا حُكْمَ لَهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ. قَالَ: (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ عِنْدَ إِحْرَامِهِ.
(وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقْبَّلْهُ مِنِّي) لِأَنَّهُ أَفْعَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُشِقَّةٌ يَأْتِي بِهَا فِي أَمَاكِنَ مُتَبَايِنَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَيَسْأَلُ اللَّهَ التَّيْسِيرَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ نَوَى بِقَلْبِهِ أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَالْأَخْرَسُ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، وَلَوْ نَوَى مُطْلَقَ الْحَجِّ يَقَعُ عَنِ الْفَرْضِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَتَحَمَّلُ الْمَشَاقَّ الْعَظِيمَةَ وَإِخْرَاجَ الْأَمْوَالِ إِلَّا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَوَى التَّطَوُّعَ وَقَعَ مُتَطَوِّعًا إِذْ لَا دَلَالَةَ مَعَ التَّصْرِيحِ.
(ثُمَّ يُلَبِّي عَقِيبَ صَلَاتِهِ) وَإِنْ شَاءَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ.
(1/143)

وَالتَّلْبِيَةُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ. فَإِذَا نَوَى وَلَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ، فَلْيَتَّقِ الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ، وَلَا يَلْبَسُ قَمِيصًا وَلَا سَرَاوِيلَ، وَلَا عِمَامَةً، وَلَا قَلَنْسُوَةً، وَلَا قِبَاءً، وَلَا خُفَّيْنِ، وَلَا يَحْلِقُ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا وَنَحْوِهِ، وَلَا يُغَطِّي رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَالتَّلْبِيَةُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ) وَكَسْرُ إِنَّ أَصْوَبُ لِيَقَعَ ابْتِدَاءً، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ» فَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: إِسَالَةُ دَمِ الذَّبَائِحِ، وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِأَنَّهَا مَنْقُولَةٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ، وَإِنْ زَادَ جَازَ بِأَنْ يَقُولَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْخَلْقِ، غَفَّارَ الذُّنُوبِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهِيَ مَرَّةً شَرْطٌ وَالزِّيَادَةُ سُنَّةٌ، وَيَكُونُ بِتَرْكِهَا مُسِيئًا.
قَالَ: (فَإِذَا نَوَى وَلَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ) لِأَنَّهُ أَتَى بِالنِّيَّةِ وَالذِّكْرِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَيَدْخُلُ فِي الْإِحْرَامِ (فَلْيَتَّقِ الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَقْلًا وَإِجْمَاعًا ; فَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ، وَقِيلَ: دَوَاعِيهِ، وَقِيلَ: ذِكْرُ الْجِمَاعِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ، وَقِيلَ: الْكَلَامُ الْقَبِيحُ، وَالْفُسُوقُ: الْمَعَاصِي وَهِيَ حَرَامٌ وَفِي الْإِحْرَامِ أَشَدُّ ; وَالْجِدَالُ: الْمُخَاصَمَةُ مَعَ الرَّفِيقِ وَالْجَمَّالِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ: (وَلَا يَلْبَسُ قَمِيصًا وَلَا سَرَاوِيلَ وَلَا عِمَامَةً وَلَا قَلَنْسُوَةً وَلَا قَبَاءً وَلَا خُفَّيْنِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَتَقَ سَرَاوِيلَهُ فَاتَّزَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ رِدَاءً شَقَّ قَمِيصَهُ فَارْتَدَى بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَخْرُجُ عَنْ لِبْسِ الْمَخِيطِ وَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ فَيَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» وَإِنْ أَلْقَى عَلَى كَتِفَيْهِ قِبَاءً جَازَ، مَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لَا لَابِسٌ.
قَالَ: (وَلَا يَحْلِقُ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وَلِأَنَّ فِيهِ إِزَالَةُ الشَّعَثِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» الشَّعَثُ: الِانْتِشَارُ، وَمُرَادُهُ انْتِشَارُ شَعْرِ الْحَاجِّ فَلَا يَجْمَعُهُ بِالتَّسْرِيحِ وَالدُّهْنِ وَالتَّغْطِيَةِ وَنَحْوِهِ، وَالتَّفْلُ بِالسُّكُونِ: الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ، وَالتَّفِلُ: الَّذِي تَرَكَ اسْتِعْمَالَ الطِّيبِ فَيُكْرَهُ رَائِحَتُهُ، وَالْمُحْرِمُ كَذَلِكَ.
قَالَ: (وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا وَنَحْوَهُ) لِأَنَّهُ طِيبٌ حَتَّى لَوْ كَانَ غَسِيلًا لَا تَفُوحُ رَائِحَتُهُ لَا بَأْسَ (وَلَا يُغَطِّي رَأْسَهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ» .
(وَلَا وَجْهِهِ) بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ وَفِي كَشْفِهِ فِتْنَةٌ كَانَ الرَّجُلُ بِطَرِيقِ
(1/144)

وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَلَا لِحْيَتَهُ بِالْخَطْمِيِّ، وَلَا يَدَّهِنُ، وَلَا يَقْتُلُ صَيْدَ الْبَرِّ، وَلَا يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالذِّئْبِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ إِذَا صَالَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْسِرُ بَيْضَ الصَّيْدِ، وَلَا يَقْطَعُ شَجَرَ الْحَرَمِ، وَيَجُوزُ لَهُ صَيْدُ السَّمَكِ وَيَجُوزُ لَهُ ذَبْحُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ الْأَهْلِيِّ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَدْخُلَ الْحَمَّامَ، وَيَسْتَظِلَّ بِالْبَيْتِ وَالْمِحْمَلِ، وَيَشُدَّ فِي وَسَطِهِ الْهِمْيَانَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْأَوْلَى. قَالَ: (وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَلَا لِحْيَتَهُ بِالْخَطْمِيِّ، وَلَا يَدَّهِنُ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِزَالَةَ الشَّعَثِ.
قَالَ: (وَلَا يَقْتُلُ صَيْدَ الْبَرِّ، وَلَا يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] وَلِمَا رُوِيَ: «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ صَادَ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ حَلَالٌ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِهِ، فَقَالَ: " هَلْ أَشَرْتُمْ، هَلْ دَلَلْتُمْ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: " إِذًا فَكُلُوا» وَلِأَنَّ الْإِشَارَةَ وَالدَّلَالَةَ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ الْأَمْنِ عَنِ الصَّيْدِ فَيَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ كَالرِّدْءِ وَالْمُعِينِ فِي قَتْلِ بَنِي آدَمَ. قَالَ: وَلَا الْقَمْلُ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ الشَّعَثِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالذِّئْبِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ، وَسَائِرِ السِّبَاعِ إِذَا صَالَتْ عَلَيْهِ) أَمَّا الْبَرَاغِيثُ وَالْبَقُّ وَالذُّبَابُ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَيْدٍ وَلَا مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ، فَلَيْسَ قَتْلُهَا إِزَالَةَ الشَّعَثِ، وَتَبْتَدِئُ بِالْأَذَى، وَكَذَلِكَ النَّمْلُ وَالْقُرَادُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالذِّئْبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَمْسٌ مِنَ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ وَالْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زَادَ الْغُرَابَ. وَذُكِرَ فِي رِوَايَةٍ الذِّئْبُ، قَالُوا: وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ إِذْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْغُرَابُ هُوَ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَبْدَأُ بِالْأَذَى.
وَأَمَّا السِّبَاعُ إِذَا صَالَتْ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ الشَّرْعُ فِي قَتْلِ الْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ لِاحْتِمَالِ الْأَذَى، فَلَأَنْ يَأْذَنَ فِي قَتْلِ مَا تَحَقَّقَ مِنْهُ الْأَذَى كَانَ أَوْلَى.
قَالَ: (وَلَا يَكْسِرُ بَيْضَ الصَّيْدِ) لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ.
(وَلَا يَقْطَعُ شَجَرَ الْحَرَمِ) لِلْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَى الْحُلَّالِ فَالْمُحْرِمُ أَوْلَى.
(وَيَجُوزُ لَهُ صَيْدُ السَّمَكِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} [المائدة: 96] الْآيَةَ.
(وَيَجُوزُ لَهُ ذَبْحُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ الْأَهْلِيِّ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ لِإِمْكَانِ أَخْذِهَا مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُتَوَحِّشَةٍ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَدْخُلَ الْحَمَّامَ) لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الِاغْتِسَالِ لِلْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدِ اغْتَسَلَ عُمَرُ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
قَالَ: (وَيَسْتَظِلُّ بِالْبَيْتِ وَالْمِحْمَلِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى رَأْسِهِ فَلَا يَتَغَطَّى، وَقَدْ ضُرِبَ لِعُثْمَانَ الْفُسْطَاطُ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
(وَيَشُدُّ فِي وَسَطِهِ الْهِمْيَانَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلِبْسٍ وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِحِفْظِ النَّفَقَةِ.
(1/145)

وَيُقَاتِلَ عَدُوَّهُ، وَيُكْثِرَ مِنَ التَّلْبِيَةِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ، وَكُلَّمَا عَلَا شَرَفًا أَوْ هَبَطَ وَادِيًا أَوْ لَقِيَ رَكْبًا وَبِالْأَسْحَارِ.

فَصْلٌ وَلَا يَضُرُّهُ لَيْلًا دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ نَهَارًا كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَإِذَا دَخَلَهَا ابْتَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَإِذَا عَايَنَ الْبَيْتَ كَبَّرَ وَهَلَّلَ، وَابْتَدَأَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَقْبَلَهُ وَكَبَّرَ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَالصَّلَاةِ وَيُقَبِّلُهُ إِنِ اسْتَطَاعَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا، أَوْ يَسْتَلِمُهُ أَوْ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِلَامِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَيُقَاتِلُ عَدُوَّهُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُكْثِرُ مِنَ التَّلْبِيَةِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ، وَكُلَّمَا عَلَا شَرَفًا أَوْ هَبَطَ وَادِيًا أَوْ لَقِيَ رَكْبًا أَوْ بِالْأَسْحَارِ) هُوَ الْمَأْثُورُ عَنِ الصَّحَابَةِ.

[فَصْلٌ دُخُولُ مَكَّةَ]
فَصْلٌ (وَلَا يَضُرُّهُ لَيْلًا دَخْلَ مَكَّةَ أَوْ نَهَارًا كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَإِذَا دَخَلَهَا ابْتَدَأَ بِالْمَسْجِدِ) لِأَنَّ الْبَيْتَ فِيهِ، وَالْمَقْصُودُ زِيَارَتُهُ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهَا: اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُكَ وَمَأْمَنُكَ، قُلْتَ - وَقَوْلُكَ الْحَقُّ -: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] اللَّهُمَّ فَحَرِّمْ لَحْمِي وَدَمِي عَلَى النَّارِ، وَقِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ، وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ حَافِيًا إِلَّا أَنْ يَسْتَضِرَّ، وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ الْحَرَامَ. اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَمَغْفِرَتِكَ وَأَدْخِلْنِي فِيهَا، وَأَغْلِقْ عَنِّي مَعَاصِيَكَ وَجَنِّبْنِي الْعَمَلَ بِهَا. (فَإِذَا عَايَنَ الْبَيْتَ كَبَّرَ وَهَلَّلَ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، وَأَدْخِلْنَا دَارَ السَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا تَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَتَعْظِيمًا، اللَّهُمَّ تَقَبَّلَ تَوْبَتِي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ.
(وَابْتَدِأْ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَقْبِلْهُ وَكَبِّرْ) هَكَذَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَالصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مُوَاطِنَ» وَعَدَّ مِنْهَا اسْتِلَامَ الْحَجَرِ.
(وَيُقَبِّلُهُ إِنِ اسْتَطَاعَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أَوْ يَسْتَلِمُهُ) وَهُوَ أَنْ يَلْمِسَهُ بِكَفِّهِ، أَوْ يُلْمِسَهُ شَيْئًا بِيَدِهِ ثُمَّ يُقَبِّلَهُ أَوْ يُحَاذِيهِ.
(أَوْ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِلَامِ) لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ أَذَى الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ، وَالتَّقْبِيلُ وَالِاسْتِلَامُ سُنَّةٌ، وَالْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ أَوْلَى، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَقَالَ لِعُمَرَ: " إِنَّكَ رَجُلٌ أَيِّدٌ - أَيْ قَوِيٌّ - فَلَا تُزَاحِمِ النَّاسَ عَلَى الْحَجَرِ، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتَ فُرْجَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ وَرُوِيَ " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «طَافَ عَلَى
(1/146)

ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِلْآفَاقِيِّ، فَيَبْدَأُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى جِهَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَدِ اضْطَبَعَ رِدَاءَهُ، فَيَطُوفُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَرَاءَ الْحَطِيمِ، يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، ثُمَّ يَمْشِي عَلَى هِينَتِهِ، وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ، وَيَخْتِمُ الطَّوَافَ بِالِاسْتِلَامِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
رَاحِلَتِهِ، وَاسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ بِمِحْجَنِهِ» ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِنَبِيِّكَ ; أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ; آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ.
قَالَ: (ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ) وَيُسَمَّى طَوَافَ التَّحِيَّةِ (وَهُوَ سُنَّةٌ لِلْآفَاقِيِّ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَتَى الْبَيْتَ فَلْيُحَيِّهِ بِالطَّوَافِ» وَلَفْظَةُ التَّحِيَّةِ تُنَافِي الْوُجُوبَ، وَلَا قُدُومَ لِأَهْلِ مَكَّةَ فَلَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ ; وَيَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الطَّوَافِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَعِذْنِي مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(فَيَبْدَأُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى جِهَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَدِ اضْطَبَعَ رِدَاءَهُ) وَالِاضْطِبَاعُ: إِخْرَاجُ طَرَفِ الرِّدَاءِ مِنْ تَحْتِ الْإِبِطِ الْأَيْمَنِ وَإِلْقَاؤُهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.
(فَيَطُوفُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَرَاءَ الْحَطِيمِ، يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، ثُمَّ يَمْشِي عَلَى هِينَتِهِ، وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ، وَيَخْتِمُ الطَّوَافَ بِالِاسْتِلَامِ) هَكَذَا نُقِلَ نُسُكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالْحَطِيمُ: مَوْضِعٌ مَبْنِيٌّ دُونَ الْبَيْتِ مِنَ الرُّكْنِ الْعِرَاقِيِّ إِلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حُطِمَ مِنَ الْبَيْتِ: أَيُّ كُسِرَ، وَفِيهِ نُصِبَ الْمِيزَابُ، وَهُوَ الْحَجَرُ لِأَنَّهُ حُجِرَ مِنَ الْبَيْتِ: أَيْ مُنِعَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فُرْجَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلَوْ دَخَلَ فِيهَا فِي طَوَافِهِ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَطِيمُ مِنَ الْبَيْتِ» فَيُعِيدُ الطَّوَافَ، فَإِنْ أَعَادَهُ عَلَى الْحَطِيمِ وَحْدَهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ تَمَّ طَوَافُهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعِيدَهُ عَلَى الْبَيْتِ أَيْضًا لِيُؤَدِّيَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَحْسَنِ وَالْأَكْمَلِ وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ خِلَافِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.
وَالرَّمَلُ هَزُّ الْكَتِفَيْنِ كَالتَّبَخْتُرِ، وَسَبَبُهُ إِظْهَارُ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ قَالُوا عَنِ الصَّحَابَةِ: أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ جَلَدًا» وَزَالَ السَّبَبُ وَبَقِيَ الْحُكْمُ إِلَى يَوْمِنَا بِهِ التَّوَارُثُ ; وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ أَوَّلُ الطَّوَافِ وَآخِرُهُ سُنَّةٌ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا أَدَبٌ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَا يُقَبِّلُهُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَلَا يُقَبِّلُ بَقِيَّةَ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ لَا غَيْرُ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إِذَا بَلَغَ الرَّكْنَ الْعِرَاقِيَّ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
(1/147)

ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ حَيْثُ تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ، وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا فَيَصْعَدُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُهَلِّلُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو بِحَاجَتِهِ، ثُمَّ يَنْحَطُّ نَحْوَ الْمَرْوَةِ عَلَى هِينَتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْمِيلَ الْأَخْضَرَ سَعَى حَتَى يُجَاوِزَ الْمِيلَ الْآخَرَ، ثُمَّ يَمْشِي إِلَى الْفَرْوَةِ فَيَفْعَلُ كَالصَّفَا وَهَذَا شَوْطٌ، يَسْعَى سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الشِّرْكِ، وَالْكُفْرِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ.
وَعِنْدَ الْمِيزَابِ: اللَّهُمَّ اسْقِنِي بِكَأْسِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ شَرْبَةً لَا أَظْمَأُ بَعْدَهَا.
وَعِنْدَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، بِرَحْمَتِكَ يَا عَزِيزُ يَا غَفُورُ. وَعِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.
قَالَ: (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ أَوْ حَيْثُ تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ) وَهِيَ وَاجِبَةٌ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِيُصَلِّ الطَّائِفُ لِكُلِ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ» ، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] إِنَّهُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَيَقُولُ عَقِيبَهُمَا: اللَّهُمَّ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
(ثُمَّ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَلَمَهُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ.
قَالَ: (وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا) مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ اتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّفَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْيَوْمَ بَابَ الصَّفَا.
(فَيَصْعَدُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُهَلِّلُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو بِحَاجَتِهِ) هَكَذَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ عَقِيبَ الثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ فَيُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ. (ثُمَّ يَنْحَطُّ نَحْوَ الْمَرْوَةَ عَلَى هِينَتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْمِيلَ الْأَخْضَرَ سَعَى حَتَّى يُجَاوِزَ الْمِيلَ الْآخَرَ، ثُمَّ يَمْشِي إِلَى الْمَرْوَةِ فَيَفْعَلُ كَالصَّفَا) هَكَذَا فَعَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(وَهَذَا شَوْطٌ، يَسْعَى سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) كَمَا وَصَفْنَا.
(يَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ) فَالْمَشْيُ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ شَوْطٌ، وَالْعَوْدُ مِنَ الْمَرْوَةِ إِلَى الصَّفَا آخَرُ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْعَوْدَ لَيْسَ بِشَوْطٍ، وَيُشْتَرَطُ الْبَدَاءَةُ فِي كُلِّ شَوْطٍ بِالصَّفَا وَالْخَتْمُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ الْمُتَوَارَثُ، وَلِئَلَّا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ كُلِّ شَوْطَيْنِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ الِاتِّصَالُ كَالطَّوَافِ وَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيُ فَاسْعَوْا» وَأَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ فَلَا يُوجِبُ الرُّكْنِيَّةَ فَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ، وقَوْله تَعَالَى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] يَنْفِي الرُّكْنِيَّةَ أَيْضًا وَالْأَفْضَلُ تَرْكُ السَّعْيِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ عَقِيبَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ لِأَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَطَوَافُ الْقُدُومِ سُنَّةٌ، وَلَا يُجْعَلُ الْوَاجِبُ تَبَعًا لِلسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا رُخِّصَ
(1/148)

ثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ حَرَامًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَا شَاءَ، ثُّمَ يَخْرُجُ غَدَاةَ التَّرْوِيَةِ إِلَى مِنًى فَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُّمَ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَلَ، فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ اشْتِغَالٍ بِالذَّبْحِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِهِ، فَرُبَّمَا لَا يَتَفَرَّغُ لِلسَّعْيِ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الصَّفَا: بِاسْمِ اللَّهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَأَدْخِلْنِي فِيهَا ; وَيَقُولَ عَلَى الصَّفَا: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَهْلُ التَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ. وَيَسْأَلُ حَوَائِجَهُ ; فَإِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا قَالَ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي الْيُسْرَى، وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ; وَيَقُولُ فِي السَّعْيِ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ; وَيَقُولُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ الصَّفَا.
قَالَ: (ثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ حَرَامًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ، وُخُصُوصًا لِلْآفَاقِيِّ، وَيُصَلِّي لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (ثُمَّ يَخْرُجُ غَدَاةَ التَّرْوِيَةِ) وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ.
(إِلَى مِنًى) فَيَنْزِلُ بِقُرْبِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ.
(فَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ) فَيُصَلِّي بِمِنًى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، هَكَذَا فَعَلَ جِبْرِيلُ بِإِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ الْمَنْقُولُ مَنْ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذِهِ الْبَيْتُوتَةُ سُنَّةٌ، وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ وَصَلَّى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ بِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا نُسُكَ بِمِنًى هَذَا الْيَوْمَ، وَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ ; وَيَقُولُ عِنْدَ نُزُولِهِ بِمِنًى: اللَّهُمَّ هَذِهِ مِنًى، وَهِيَ مِمَّا مَنَنْتَ بِهَا عَلَيْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ، فَامْنُنْ عَلَيَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
قَالَ: (ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَرَفَاتٍ) اقْتِدَاءً - بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِ الْوُقُوفِ بِهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَيَنْزِلُ بِهَا حَيْثُ شَاءَ.
(فَإِنْ زَالَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ) لِأَنَّهُ يَوْمُ جَمْعٍ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ، وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ.
(فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى الظَّهْرَ وَالْعَصْرَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ) فَقَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَرَوَى جَابِرٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ لِلظُّهْرِ ثُمَّ يُقِيمَ لِلْعَصْرِ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَيُقِيمَ إِعْلَامًا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِمْ رُبَّمَا ظَنُّوا أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ فَلَا يَشْرَعُونَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِأَنَّ الْعَصْرَ إِنَّمَا قُدِّمَتْ لِيُتَفَرَّغَ
(1/149)

وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا (سم) ، ثُمَّ يَقِفُ رَاكِبًا رَافِعًا يَدَيْهِ بَسْطًا يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَسْأَلُ حَوَائِجَهُ، وَعَرَفَاتُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرْنَةَ، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنَ الْغَدِ، فَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَتَحَلَّلُ مِنَ الْإِحْرَامِ وَيَقْضِي الْحَجَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِلَى الْوُقُوفِ، فَالتَّطَوُّعُ بَيْنَهُمَا يُخِلُّ بِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْمُنْفَرِدُ؛ لِأَنَّ جَوَازَهُ لِيَتَفَرَّغَ لِلْوُقُوفِ وَيَمْتَدُّ وَقْتُهُ وَالْكُلُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْعَصْرِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَدَاءُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، لَكِنْ خَالَفْنَاهُ فِيمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَهُوَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاتَيْنِ، وَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَفِيمَا عَدَاهُ بَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ.
قَالَ: (ثُمَّ يَقِفُ رَاكِبًا رَافِعًا يَدَيْهِ بَسْطًا يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَسْأَلُ حَوَائِجَهُ) وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَوَجَّهَ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَعَ الْإِمَامِ فَيَقِفَ بِالْمَوْقِفِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَرِيبًا مِنْ جَبَلِ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاحَ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى الْمَوْقِفِ وَوَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو بَاسِطًا يَدَيْهِ كَالْمُسْتَطْعِمِ الْمِسْكِينِ، رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَيُقَدِّمُ الثَّنَاءَ وَالْحَمْدَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ وَقَفَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، وَيُلَبِّي فِي الْمَوْقِفِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
قَالَ: (وَعَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرْنَةَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرْنَةَ» .
(وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنَ الْغَدِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» فَمَنْ وَقَفَ بِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ " وَإِنْ وَقَفَ سَاعَةً بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ أَجَزْأَهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ وَقَفَ سَاعَةً بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وَلِأَنَّ الرُّكْنَ أَصْلُ الْوُقُوفِ وَامْتِدَادُهُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «امْكُثُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه» أَمَرَ بِالْمُكْثِ وَأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ.
قَالَ: (فَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ) فِي هَذَا الْوَقْتِ، (فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى، وَيَتَحَلَّلُ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَيَقْضِي الْحَجَّ) لِمَا رَوَيْنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ كَثِيرَةٌ فِي فَضِيلَةِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ فِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَجْتَهِدَ فِيهِ بِالدُّعَاءِ، وَتَدْعُوَ بِكُلِّ دُعَاءٍ تَحْفَظُهُ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْحِفْظِ فَاقْرَأِ الْمَكْتُوبَ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عَقِيبَ صَلَاتِهِ الْفَاتِحَةَ وَالْإِخْلَاصَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَيَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
(1/150)

فإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَفَاضَ مَعَ الْإِمَامِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَيَأْخُذُ الْجِمَارَ مِنَ الطَّرِيقِ سَبْعِينَ حَصَاةً كَالْبَاقِلَّاءِ، وَلَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّيهَا مَعَ الْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، يَا رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ، يَا مُنْزِلَ الْبَرَكَاتِ، يَا فَاطِرَ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ، ضَجَّتْ لَكَ الْأَصْوَاتُ بِصُنُوفِ اللُّغَاتِ، تَسْأَلُكَ الْحَاجَاتِ، وَحَاجَتِي أَنْ تَرْحَمَنِي فِي دَارِ الْبَلَاءِ إِذَا نَسِيَنِي أَهْلُ الدُّنْيَا، أَسْأَلُكَ أَنْ تُوَفِّقَنِي لِمَا افْتَرَضْتَ عَلَيَّ، وَتُعِينَنِي عَلَى طَاعَتِكَ، وَأَدَاءِ حَقِّكَ، وَقَضَاءِ الْمَنَاسِكِ الَّتِي أَرَيْتَهَا خَلِيلَكَ إِبْرَاهِيمَ، وَدَلَلْتَ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا حَبِيبَكَ ; اللَّهُمَّ لِكُلِّ مُتَضَرِّعٍ إِلَيْكَ إِجَابَةٌ، وَلِكُلِّ مِسْكِينٍ لَدَيْكَ رَأْفَةٌ، وَقَدْ جِئْتُكَ مُتَضَرِّعًا إِلَيْكَ، مِسْكِينًا لَدَيْكَ، فَاقْضِ حَاجَتِي، وَاغْفِرْ ذُنُوبِي، وَلَا تَجْعَلْنِي مِنْ أَخْيَبِ وَفْدِكَ، وَقَدْ قُلْتَ - وَأَنْتَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ -: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وَقَدْ دَعَوْتُكَ مُتَضَرِّعًا سَائِلًا، فَأَجِبْ دُعَائِي وَأَعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ، وَلِوَالِدِيَّ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
قَالَ: (فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَفَاضَ مَعَ الْإِمَامِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ إِذَا صَارَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ مِثْلَ عَمَائِمِ الرِّجَالِ، وَأَنَا أَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مُخَالَفَةً لَهُمْ» وَيَمْشِي عَلَى هِينَتِهِ، كَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غُرُوبِهَا قَبْلَ الْإِفَاضَةِ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ بِهَذَا الْمَوْقِفِ، وَارْزُقْنِيهِ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْعَلْنِي الْيَوْمَ مُفْلِحًا مَرْحُومًا مُسْتَجَابًا دُعَائِي، مَغْفُورًا ذُنُوبِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَأَخَّرَ الْإِمَامُ عَنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَيَدْفَعُ النَّاسُ قَبْلَهُ لِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَوْ مَكَثَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَإِفَاضَةِ الْإِمَامِ قَلِيلًا خَوْفَ الزَّحْمَةِ جَازَ، هَكَذَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ ; وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] .
قَالَ: (وَيَأْخُذُ الْجِمَارَ مِنَ الطَّرِيقِ سَبْعِينَ حَصَاةً كَالْبَاقِلَّاءِ وَلَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّيهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) أَمَّا تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ فَلِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، فَنَزَلَ بِالشِّعْبِ وَقَضَى حَاجَتَهُ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ: " الصَّلَاةُ لَيْسَتْ هُنَا الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فَلِرِوَايَةِ جَابِرٍ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كَذَلِكَ " وَلِأَنَّ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِعْلَامِ بِوَقْتِهَا بِخِلَافِ الْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَا يَتَطَّوَعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْجُمَعَ، فَإِنْ تَطَوَّعَ أَوِ اشْتَغَلَ
(1/151)

وَيَبِيتُ بِهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ يَقِفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا وَادِي مُحَسِّرٍ: ; ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَبْتَدِئُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِشَيْءٍ آخَرَ أَعَادَ الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِقَامَةِ الْأُولَى، وَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بِعَرَفَةَ لَمْ يُجْزِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا. وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ، وَيَقْضِيهَا مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ وَقْتُ الْجَمْعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ بِقُرْبِ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمِيقَدَةُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَفَ هُنَاكَ.
(وَيَبِيتُ بِهَا) وَهِيَ سُنَّةٌ.
قَالَ: (ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ) كَذَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِيَتَفَرَّغَ لِلْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ.
(ثُمَّ يَقِفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) وَيَدْعُو وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ كَمَا مَرَّ بِعَرَفَةَ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إِذَا نَزَلَ بِهَا: اللَّهُمَّ هَذِهِ مُزْدَلِفَةُ وَجَمْعٌ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَنِي جَوَامِعَ الْخَيْرِ، وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ وَدَعَاكَ فَأَجَبْتَهُ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، وَآمَنَ بِكَ فَهَدَيْتَهُ ; وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ لَحْمِي وَشَعْرِي وَدَمِي وَعَظْمِي وَجَمِيعَ جَوَارِحِي عَلَى النَّارِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى إِرْضَاءَ الْخُصُومِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ ذَلِكَ لِمَنْ طَلَبَهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَعَ الْإِمَامِ وَيَدْعُو، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ، وَيُهَلِّلَ، وَيُلَبِّيَ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَيْرُ مَطْلُوبٍ، وَخَيْرُ مَرْغُوبٍ إِلَيْهِ، إِلَهِي لِكُلِّ وَفْدٍ جَائِزَةٌ وَقِرًى، فَاجْعَلِ اللَّهُمَّ جَائِزَتِي وَقِرَايَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ تَتَقَبَّلَ تَوْبَتِي، وَتَتَجَاوَزَ عَنْ خَطِيئَتِي، وَتَجْمَعَ عَلَى الْهُدَى أَمْرِي، وَتَجْعَلَ الْيَقِينَ مِنَ الدُّنْيَا هَمِّي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، وَأَجِرْنِي مِنَ النَّارِ، وَأَوْسِعْ عَلَيَّ الرِّزْقَ الْحَلَالَ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ بِهَذَا الْمَوْقِفِ، وَارْزُقْنِيهِ أَبَدًا مَا أَحْيَيْتَنِي بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مُوْقِفٌ إِلَّا وَادِي مُحَسِّرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا وَادِي مُحَسِّرٍ» .
قَالَ: (ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) كَذَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَمْشِي بِالسَّكِينَةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَطْنَ مُحَسِّرٍ أَسْرَعَ مِقْدَارَ رَمْيَةِ حَجَرٍ مَاشِيًا كَانَ أَوْ رَاكِبًا، هَكَذَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(ف) إِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى.
(يَبْتَدِئُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ
(1/152)

وَلَا يَقِفْ عِنْدَهَا وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَذْبَحُ إِنْ شَاءَ، ثُمَّ يُقَصِّرُ أَوْ يَحْلِقُ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءً إِلَّا النِّسَاءَ، ثُمَّ يَمْشِي إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَتَى مِنًى لَمْ يُعَرِّجْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَاهَا، وَكَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ نَحَرَ، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَتَى مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ» وَيَرْمِي مِنْ بَطْنِ الْوَادِي مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، وَيَجْعَلُ مِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَالْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَقِفُ حَيْثُ يَرَى مَوْضِعَ الْحَصَاةِ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ. «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ: " ائْتِنِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ " فَأَتَاهُ بِهِنَّ، فَجَعَلَ يَقَلِّبُهُنَّ وَيَقُولُ: " بِمِثْلِهِنَّ بِمِثْلِهِنَّ لَا تَغْلُوا» وَالْخَذْفُ: أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى رَأْسِ السَّبَّابَةِ، وَيَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَرْمِي بِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهَا، وَالْمُخْتَارُ قَدْرُ الْبَاقِلَّاءِ، وَلَوْ رَمَى بِحَجَرٍ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ جَازَ لِحُصُولِ الرَّمْيِ، وَيَقُولُ عِنْدَ الرَّمْيِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ ; وَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، وَمِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَخَذَهُ جَازَ إِلَّا الْحَصَاةَ الْمَرْمِيَّ بِهَا فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهَا حَصَى مَنْ لَمْ يُقْبَلْ حَجُّهُ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَمَنْ قُبِلَ حَجُّهُ رُفِعَ حَصَاهُ» وَلِأَنَّهُ رَمَى بِهِ مَرَّةً فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ، وَكَيْفَمَا رَمَى جَازَ، وَعَدَدُ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعُونَ: جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ سَبْعَةٌ، وَثَلَاثَةٌ أَيَّامَ مِنًى كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثُ جَمَرَاتٍ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ ; وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ غَسْلَ الْحَصَى لِيَكُونَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ.
قَالَ: (ثُمَّ يَذْبَحُ إِنْ شَاءَ) لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ وَهُوَ مُفْرِدٌ وَلَا وُجُوبَ عَلَيْهِ.
(ثُمَّ يُقَصِّرُ أَوْ يَحْلِقَ وَهُوَ أَفْضَلُ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَرْمِيَ، ثُمَّ نَذْبَحَ، ثُمَّ نَحْلِقَ» وَلِأَنَّ الْحَلْقَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَيُؤَخَّرُ عَنِ الذَّبْحِ.
وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِينَ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ: " يَغْفِرُ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِينَ "، قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " وَلِلْمُقَصِّرِينَ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ أَجْرَى الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ تَشْبِيهًا بِالْحَلْقِ كَالتَّشْبِيهِ بِالصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الصَّوْمِ ; وَالسُّنَّةُ حَلْقُ الْجَمِيعِ فَإِنْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنَ الرُّبُعِ، وَنَظِيرُهُ مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ فِي الِاخْتِلَافِ وَالدَّلَائِلِ، وَالتَّقْصِيرُ: أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رُءُوسِ شَعْرِهِ وَأَقَلُّهُ مِقْدَارُ الْأُنْمُلَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفِنَ الشَّعْرَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25] {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 26] وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْحَلْقِ: اللَّهُمَّ هَذِهِ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، فَاجْعَلْ لِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ: «حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» .
قَالَ: (ثُمَّ يَمْشِي إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ أَوْ بَعْدِهِ، وَهُوَ
(1/153)

رُكْنٌ إِنْ تَرَكَهُ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَطُوفَهَا. وَصِفَتُهُ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ لَا رَمَلَ فِيهَا وَلَا سَعْيَ بَعْدَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ لِلْقُدُومِ رَمَلَ وَسَعَى، وَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَهَا مَعَ النَّاسِ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
رُكْنٌ إِنْ تَرَكَهُ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَطُوفَهَا.
وَصِفَتُهُ: أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ لَا رَمَلَ فِيهَا وَلَا سَعْيَ بَعْدَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ لِلْقُدُومِ رَمَلَ وَسَعَى وَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ) وَيُسَمَّى أَيْضًا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَطُوفَهُ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ذَبَحَ وَحَلَقَ وَمَشَى إِلَى مَكَّةَ، فَطَافَ لِلزِّيَارَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَوَقْتُ الطَّوَافِ أَيَّامَ النَّحْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] ، ثُمَّ قَالَ: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] جَعَلَ وَقْتَهُمَا وَاحِدًا، فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا لَزِمَهُ شَاةٌ، وَكَذَا إِذَا أَخَّرَ الْحَلْقَ عَنْهَا أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهُ ; وَلَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ فْعَلَيْهِ دَمٌ» وَلِأَنَّ مَا هُوَ مُؤَقَّتٌ بِالْمَكَانِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ يَجِبُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ دَمٌ، فَكَذَا مَا هُوَ مُؤَقَّتٌ بِالزَّمَانِ وَهُوَ رُكْنٌ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج: 29] فَكَانَ فَرْضًا، فَإِنْ تَرَكَهُ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَطُوفَهَا. أَمَّا إِذَا تَرَكَهُ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ رُكْنٌ. وَأَمَّا إِذَا تَرَكَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أَصْلًا، وَلَا رَمَلَ فِيهِ وَلَا سَعْيَ بَعْدَهُ إِنْ كَانَ أَتَى بِهِمَا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ لِأَنَّهُمَا شُرِعَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَهُمَا أَتَى بِهِمَا فِي هَذَا الطَّوَافِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا طُفْتُمْ بِالْبَيْتِ حَلَلْنَ لَكُمْ» وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ الَّتِي عَقَدَ لَهَا الْإِحْرَامَ، وَيَطُوفُ عَلَى قَدَمَيْهِ حَتَّى لَوْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ ; وَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَافَ رَاكِبًا» مَحْمُولٌ عَلَى الْعُذْرِ حَالَةَ الْكِبَرِ وَكَذَا التَّيَامُنُ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الطَّوَافِ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ بَابِ الْكَعْبَةِ حَتَّى لَوْ طَافَ مَنْكُوسًا أَوْ أَكْثَرَهُ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ عَادَ إِلَى مِنًى فَبَاتَ بِهَا لَيَالِيهَا، وَالْمَبِيتُ بِهَا سُنَّةٌ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ) وَهُوَ حَادِي عَشَرَ الشَّهْرِ وَيُسَمَّى يَوْمَ الْقَرِّ لِأَنَّهُمْ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى.
(رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ بَعْدَ الزَّوَالِ) يَبْتَدِئُ بِالَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ.
(يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَهَا مَعَ النَّاسِ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ) يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ بَسْطًا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو اللَّهَ بِحَاجَتِهِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ
(1/154)

وَكَذَلِكَ يَرْمِيهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِنْ أَقَامَ، وَإِنْ نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ سَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَإِذَا نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ وَلَوْ سَاعَةً، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَيُقِيمُ بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى أَهْلِهِ طَافَ طَوَافَ الصَّدَرِ، وَهُوَ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ لَا رَمَلَ فِيهَا وَلَا سَعْيَ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْآفَاقِيِّ، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ يَسْتَقِي بِنَفْسِهِ وَيَشْرَبُ إِنْ قَدَرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضْتُ، وَمِنْ عَذَابِكَ أَشْفَقْتُ، وَإِلَيْكَ رَغِبْتُ، وَمِنْكَ رَهِبْتُ، فَاقْبَلْ نُسُكِي وَعَظِّمْ أَجْرِي وَارْحَمْ تَضَرُّعِي وَاقْبَلْ تَوْبَتِي وَاسْتَجِبْ دَعْوَتِي وَأَعْطِنِي سُؤْلِي، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى فَيَفْعَلُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَأْتِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَلَوْ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لِلدُّعَاءِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ يَرْمِيهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ) كَمَا وَصَفْنَا.
(وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِنْ أَقَامَ) وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الرَّمْيِ وَالْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ مَرْوِيٌّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ: (وَإِنْ نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ سَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يَرْمِيَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ لِأَنَّهُ أَتَمَّ لِنُسُكِهِ، فَلَوْ رَمَاهَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ قَبْلَ الزَّوَالِ جَازَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ وَقْتَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ تَرْكُ الرَّمْيِ أَصْلًا فَلَأَنْ يَجُوزَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
قَالَ: (فَإِذَا نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ وَلَوْ سَاعَةً) وَهُوَ الْمُحَصَّبِ وَهُوَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَزَلَ بِهِ قَصَدًا وَهُوَ نُسُكٌ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَيُقِيمُ بِهَا) وَيُكْثِرُ فِيهَا مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ كَالطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجْتَنِبُ إِنْشَادَ الشِّعْرِ وَحَدِيثَ الْفُحْشِ وَمَا لَا يَعْنِيهِ، فَفِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، «أَنَّ الْحَسَنَةَ فِيهِ تُضَاعَفُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَكَذَلِكَ السَّيِّئَةُ» ، وَلِهَذَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُجَاوَرَةَ خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَجُوزُ فَيَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ الْعِقَابُ بِتَضَاعُفِ السَّيِّئَاتِ حَتَّى لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَمْلِكُهَا عَمَّا لَا يَنْبَغِي مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، فَالْمُجَاوَرَةُ أَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (فَإِذَا أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى أَهْلِهِ طَافَ طَوَافَ الصَّدَرِ) وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ الْبَيْتِ وَيُوَدِّعُهُ.
(وَهُوَ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ لَا رَمَلَ فِيهَا وَلَا سَعْيَ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْآفَاقِيِّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافَ» بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَلَا يُوَدِّعُهُ.
(ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ يَسْتَقِي بِنَفْسِهِ وَيَشْرَبُ إِنْ قَدَرَ) فَهُوَ أَفْضَلُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَتَى زَمْزَمَ وَنَزَعَ بِنَفْسِهِ دَلْوًا فَشَرِبَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَاءَ الدَّلْوِ عَلَيْهِ»
(1/155)

ثُمَّ يَأْتِي بَابَ الْكَعْبَةِ وَيُقَبِّلُ الْعَتَبَةَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ، فَيُلْصِقُ بَطْنَهُ بِالْبَيْتِ وَيَضَعُ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ وَيَتَشَبَّثُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَيَبْكِي وَيَرْجِعُ الْقَهْقَرَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ الْمُحْرِمُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إِلَى عَرَفَةَ وَوَقَفَ بِهَا سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَمَنِ اجْتَازَ بِعَرَفَةَ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَجْزَأَهُ عَنِ الْوُقُوفِ. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلَّا أَنَّهَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا دُونَ رَأْسِهَا، وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، وَلَا تَرْمُلُ وَلَا تَسْعَى، وَتُقَصِّرُ وَلَا تَحْلِقُ، وَتَلْبَسُ الْمَخِيطَ وَلَا تَسْتَلِمُ الْحَجَرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الشُّرْبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ; وَيَقُولُ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رِزْقًا وَاسِعًا، وَعِلْمًا نَافِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَسِقَمٍ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ; ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ، وَيَصُبُّ عَلَيْهِ إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ.
(ثُمَّ يَأْتِي بَابَ الْكَعْبَةِ وَيُقَبِّلُ الْعَتَبَةَ) لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّضَرُّعِ.
(ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ) وَهُوَ بَيْنَ الْبَابِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
(فَيُلْصِقُ بَطْنَهُ بِالْبَيْتِ وَيَضَعُ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ وَيَتَشَبَّثُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) كَالْمُتَعَلِّقِ بِطَرَفِ ثَوْبِ مَوْلَاهُ يَسْتَغِيثُهُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ.
(وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ) فَإِنَّهُ مَوْضِعُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ.
(وَيَبْكِي) أَوْ يَتَبَاكَى فَإِنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ.
(وَيَرْجِعُ الْقَهْقَرَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ) لِيَكُونَ نَظَرُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْوَدَاعِ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ الَّذِي جَعَلْتَهُ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالِمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، اللَّهُمَّ فَكَمَا هَدَيْتَنَا لِذَلِكَ، فَتَقَبَّلْهُ مِنَّا، وَلَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَارْزُقْنِي الْعَوْدَ إِلَيْهِ حَتَّى تَرْضَى عَنِّي بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ الْمُحْرِمُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إِلَى عَرَفَةَ وَوَقَفَ بِهَا) عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ. (سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ) لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِسَائِرِ أَفْعَالِهِ عَلَى وَجْهِ التَّرْتِيبِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ.
قَالَ: (وَمَنِ اجْتَازَ بِعَرَفَةَ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَجْزَأَهُ عَنِ الْوُقُوفِ) لِوُجُودِ الرُّكْنِ وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) لِأَنَّ النَّصَّ يَعُمُّهُمَا.
(إِلَّا أَنَّهَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا دُونَ رَأْسِهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» .
(وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ) خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ.
(وَلَا تَرْمُلُ وَلَا تَسْعَى) لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى السَّتْرِ، وَفِي ذَلِكَ احْتِمَالُ الْكَشْفِ.
(وَتُقَصِّرُ وَلَا تَحْلِقُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى النِّسَاءَ عَنِ الْحَلْقِ وَأَمَرَهُنَّ بِالتَّقْصِيرِ.
(وَتَلْبَسُ الْمَخِيطَ) لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ خَوْفُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ.
(وَلَا تَسْتَلِمُ الْحَجَرَ
(1/156)

إِذَا كَانَ هُنَاكَ رِجَالٌ، وَلَوْ حَاضَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ اغْتَسَلَتْ وَأَحْرَمَتْ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ، وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ عَادَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِطَوَافِ الصَّدَرِ.

فَصْلٌ الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ، وَهِيَ: الْإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَتُكْرَهُ يَوْمَيْ عَرَفَةَ وَالنَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِذَا كَانَ هُنَاكَ رِجَالٌ) لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ مُمَاسَّتِهِمْ.
قَالَ: (وَلَوْ حَاضَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ اغْتَسَلَتْ وَأَحْرَمَتْ) لِمَا مَرَّ فِي الرَّجُلِ.
(إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ) لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ.
(وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ عَادَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِطَوَافِ الصَّدَرِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَخَّصَ لِلْحُيَّضِ فِي طَوَافِ الصَّدَرِ.

[فَصْلٌ الْعُمْرَةُ]
ُ سُنَّةٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَقِيبَ الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:
«تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ، وَيَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» وَأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْبَابِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِتْمَامِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ ابْتِدَاءً.
قَالَ: (وَهِيَ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ) لِلتَّحْلِيلِ، هَكَذَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ بِوَقْتٍ.
(وَتُكْرَهُ يَوْمَيْ عَرَفَةَ وَالنَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) مَنْقُولٌ عَنْ عَائِشَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمَاعٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بَاقِيَ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَلَوِ اشْتَغَلَ بِالْعُمْرَةِ رُبَّمَا اشْتَغَلَ عَنْهَا فَتَفُوتُ، وَلَوْ أَدَّاهَا فِيهَا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ الْمَكْرُوهَةِ.
(وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَطَعَهَا لَمَّا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/157)

بَابُ التَّمَتُّعِ
وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ. وَصِفَتُهُ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَطُوفَ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَقَدْ حَلَّ، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَقَبْلَهُ أَفْضَلُ، وَيَفْعَلَ كَالْمُفْرِدِ، وَيَرْمُلَ وَيَسْعَى، وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَوْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْرِمٌ جَازَ، وَسَبْعَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَإِنْ لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا الدَّمُ (ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ التَّمَتُّعِ]
وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ بِإِحْرَامَيْنِ بِتَقْدِيمِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ إِلْمَامًا صَحِيحًا، حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ مَتَمَتِّعًا، وَلَوْ طَافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ أَكْثَرَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَالْإِلْمَامُ الصَّحِيحُ أَنْ يَعُودَ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ حَلَالًا.
(وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمُفْرِدَ يَقَعُ سَفَرُهُ لِلْحَجِّ وَالْمُتَمَتِّعَ لِلْعُمْرَةِ، وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ سَفَرَ الْمُتَمَتِّعِ يَقَعُ لِلْحَجِّ أَيْضًا، وَتَخَلُّلَ الْعُمْرَةِ بَيْنَهُمَا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ لِلْحَجِّ كَتَخَلُّلِ التَّنَفُّلِ بَيْنَ السَّعْيِ وَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَجْمَعُ بَيْنَ نُسُكَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ حَلَالًا، وَيَجِبُ فِيهِ الدَّمُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا كَذَلِكَ الْمُفْرِدُ.
(وَصِفَتُهُ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَطُوفَ وَيَسْعَى) كَمَا بَيَّنَّا.
(وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَقَدْ حَلَّ) فَهَذِهِ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
(ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. وَقَبْلَهُ أَفْضَلُ) يَعْنِي مِنَ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَكِّيِّ.
(وَيَفْعَلُ كَالْمُفْرِدِ) فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ.
(وَيَرْمُلُ وَيَسْعَى) لِأَنَّهُ أَوَّلُ طَوَافٍ أَتَى بِهِ.
(وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] .
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] وَالْمُرَادُ وَقْتُ الْحَجِّ.
(وَلَوْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْرِمٌ جَازَ) لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ الْحَجِّ.
قَالَ: (وَسَبْعَةٌ إِذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ) يَعْنِي بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى:
{إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ إِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَقَدْ صَامَ بَعْدَ السَّبَبِ فَيَجُوزُ. وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ وَبَطَلَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ وَهُوَ التَّحَلُّلُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ صَوْمِ السَّبْعَةِ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ.
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا الدَّمُ) كَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،
(1/158)

وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَسَاقَ وَفَعَلَ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ، فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنَ الْإِحْرَامَيْنِ وَذَبَحَ دَمَ التَّمَتُّعِ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ تَمْتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ، وَإِنْ عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ، وَإِنْ سَاقَ لَمْ يَبْطُلْ (م) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا تُقْضَى لِأَنَّهَا بَدَلٌ وَلَا بَدَلَ لِلْبَدَلِ، وَلِأَنَّ الْأَبْدَالَ لَا تُنْصَبُ قِيَاسًا، وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا أَيَّامَ النَّحْرِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً، فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ، وَإِذَا لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ لَمْ يَصُمِ السَّبْعَةَ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنِ التَّحَلُّلِ، وَقَدْ فَاتَ بِفَوَاتِ الْبَعْضِ فَيَجِبُ الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهَدْيِ تَحَلَّلَ وَعَلَيْهِ دَمَانِ: دَمُ التَّمَتُّعِ، وَدَمٌ لِتَحَلُّلِهِ قَبْلَ الْهَدْيِ.
قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَسَاقَ وَفَعَلَ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَ كَذَلِكَ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ وَزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ، فَإِنْ سَاقَ بَدَنَةً قَلَّدَهَا بِمَزَادَةٍ أَوْ نَعْلٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَلَّدَ هَدَايَاهُ، وَالْإِشْعَارُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَسَنٌ عِنْدَهُمَا. وَصِفَتُهُ: أَنْ يَشُقَّ سَنَامَهَا مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، لَهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَ كَذَلِكَ، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُثْلَةٌ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا لِتَأْخِيرِ الْمُحَرِّمِ ; وَقِيلَ: إِنَّمَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِشْعَارَ إِذَا جَاوَزَ الْحَدَّ فِي الْجُرْحِ، وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَمْتَنِعُونَ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ إِلَّا بِالْإِشْعَارِ، أَمَّا الْيَوْمَ فَلَا.
قَالَ: (وَلَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَمَنْ سَاقَ فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ مَعَنَا» رَوَتْهُ حَفْصَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
قَالَ: (وَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنَ الْإِحْرَامَيْنِ) لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ فَيَتَحَلَّلُ بِهِ عَنْهُمَا.
(وَذَبَحَ دَمَ التَّمَتُّعِ) لِمَا مَرَّ. (وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وَلَوْ خَرَجَ الْمَكِّيُّ إِلَى الْكُوفَةِ وَقَرَنَ صَحَّ وَلَا يَكُونُ لَهُ تَمَتُّعٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَحَلَّلَ مِنَ الْعُمْرَةِ صَارَ مَكِّيًّا، فَيَكُونُ حَجُّهُ مِنْ وَطَنِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ) لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ إِلْمَامًا صَحِيحًا فَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّفَرِ الْأَوَّلِ.
(وَإِنْ سَاقَ لَمْ يَبْطُلْ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَبْطُلُ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَتَى بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي سَفْرَتَيْنِ حَقِيقَةً، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلْمَامُهُ لِبَقَاءِ إِحْرَامِهِ، فَكَانَ حُكْمُ السَّفَرِ الْأَوَّلِ بَاقِيًا، وَصَارَ كَأَنَّهُ بِمَكَّةَ فَقَدْ أَتَى بِهِمَا فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ حُكْمًا.
(1/159)

بَابُ الْقِرَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ (ف) . وَصِفَتُهُ: أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا مِنَ الْمِيقَاتِ ; وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي، فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَى، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَطُوفُ لِلْقُدُومِ، فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ذَبَحَ دَمَ الْقِرَانِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ الْقَارِنُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إِلَى عَرَفَاتٍ بَطَلَ قِرَانُهُ، وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ الْقِرَانِ]
وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَأَنَا بِالْعَقِيقِ، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ رَكْعَتَيْنِ وَقُلْ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَا آلَ مُحَمَّدٍ، أَهِلُّوا بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا» وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ لِكَوْنِهِ أَدْوَمَ إِحْرَامًا وَأَسْرَعَ إِلَى الْعِبَادَةِ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ.
(وَصِفَتُهُ: أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا مِنَ الْمِيقَاتِ) لِأَنَّ الْقِرَانَ يُنْبِئُ عَنِ الْجَمْعِ (وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي) لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا إِذَا أَدْخَلَ حَجَّةً عَلَى عُمْرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لِتَحَقُّقِ الْجَمْعِ.
قَالَ: (فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَى) عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
(ثُمَّ يَشْرَعُ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَطُوفُ لِلْقُدُومِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] جَعَلَ الْحَجَّ نِهَايَةً لِلْعُمْرَةِ، وَالتَّرْتِيبُ إِنْ فَاتَ فِي الْإِحْرَامِ لَمْ يَفُتْ فِي حَقِّ الْأَفْعَالِ، فَيَأْتِي بِأَفْعَالِ الْحَجِّ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْمُفْرِدِ، وَلَا يَحْلِقُ بَعْدَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى إِحْرَامِ الْحَجِّ، وَيَحْلِقُ يَوْمَ النَّحْرِ كَالْمُفْرِدِ.
(فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ذَبَحَ دَمَ الْقِرَانِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ كَالْمُتَمَتِّعِ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ طَافَ الْقَارِنُ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ سُنَّةٌ، وَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا، فَتَقَدُّمُهُ عَلَى السَّعْيِ أَوْلَى، وَتَأْخِيرُ السَّعْيِ بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ آخَرَ لَا يُوجِبُ الدَّمَ، فَكَذَا الِاشْتِغَالُ بِالطَّوَافِ.
قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ الْقَارِنُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إِلَى عَرَفَاتٍ وَوَقَفَ بِهَا بَطَلَ قِرَانُهُ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ تَقْدِيمِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي الْقِرَانِ، وَلَا يَصِيرُ رَافِضًا بِالتَّوَجُّهِ حَتَّى يَقِفَ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِخِلَافِ مُصَلِّي الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَيْثُ تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ السَّعْيِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ ثُمَّ بِالسَّعْيِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَهَهُنَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفَّقْ لِأَدَاءِ
(1/160)