Advertisement

الاختيار لتعليل المختار 002



الكتاب: الاختيار لتعليل المختار
المؤلف: عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل الحنفي (المتوفى: 683هـ)
عليها تعليقات: الشيخ محمود أبو دقيقة (من علماء الحنفية ومدرس بكلية أصول الدين سابقا)
الناشر: مطبعة الحلبي - القاهرة (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت، وغيرها)
تاريخ النشر: 1356 هـ - 1937 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«المختار للفتوى» لابن مودود الموصلي بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرحه للمؤلف نفسه وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِهَا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ.

بَابُ الْجِنَايَاتِ إِذَا طَيَّبَ الْمُحْرِمُ عُضْوًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
النُّسُكَيْنِ. (وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِهَا) لِأَنَّهُ رَفَضَ إِحْرَامَهُ قَبْلَ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْمُتْعَةِ. (وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ) لِشُرُوعِهِ فِيهَا.

[بَابُ الْجِنَايَاتِ]
ِ (إِذَا طَيَّبَ الْمُحْرِمُ عُضْوًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، لَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» وَهُوَ الَّذِي تَرَكَ الطِّيبَ مِنَ التَّفْلِ وَهُوَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ. وَرُوِيَ: «الْمُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ» وَقَدْ «نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ» ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا فَوْقَهُ مِنَ الطِّيبِ؟ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ الْمُعْتَدَّةِ: «الْحِنَّاءُ طِيبٌ» فَإِذَا تَطَيَّبَ فَقَدْ جَنَى عَلَى إِحْرَامِهِ فَتَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا كَالرَّأْسِ وَالسَّاقِ وَنَحْوِهِمَا فَقَدْ حَصَلَ الِارْتِفَاقُ الْكَامِلُ فَتَجِبُ شَاةٌ، وَمَا دُونَ الْعُضْوِ الْجِنَايَةُ قَاصِرَةٌ فَتَجِبُ صَدَقَةٌ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِنِصْفِ صَاعِ بُرٍّ لِأَنَّهُ أَقَلُّ صَدَقَةٍ وَجَبَتْ شَرْعًا كَالْفِدَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَنَحْوِهَا، وَكُلُّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ، فَهُوَ طِيبٌ كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالْحِنَّاءِ وَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعُودِ وَالْغَالِيَةِ وَالْخَيْرِي وَالْبَنَفْسَجِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا الدُّهْنُ الْمُطَيَّبُ، وَهُوَ مَا طُبِخَ فِيهِ الرَّيَاحِينُ كَالْبَنَفْسَجِ وَالْوَرْدِ، وَالْوَسْمَةُ لَيْسَتْ بِطِيبٍ، وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ فَطِيبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِيهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ وَفِيهِمَا إِزَالَةُ الشَّعَثِ، وَعِنْدَهُمَا فِيهِ صَدَقَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِزَالَةَ بَعْضِ الشَّعَثِ فَتَجِبُ صَدَقَةٌ.
قَالَ: (وَإِنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) أَيْضًا لِأَنَّهُمَا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا، فَإِنْ كَانَ يَوْمًا كَامِلًا فَهُوَ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ أَنْ يُلْبَسَ الثَّوْبُ يَوْمًا ثُمَّ يُنْزَعَ فَتَجِبُ شَاةٌ، وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ
(1/161)

وَإِنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَكَذَلِكَ مَوْضِعُ الْمَحَاجِمِ (سم) ، وَفِي حَلْقِ الْإِبِطَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوِ الرَّقَبَةِ أَوِ الْعَانَةِ شَاةٌ، وَلَوْ قَصَّ أَظَافِرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ جُنُبًا أَوْ لِلزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ فَإِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِفَاضَةِ الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ بَعْدَمَا أَفَاضَ الْإِمَامُ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَسْقُطْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ وَقَدْ مَرَّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ أَكْثَرَ الْيَوْمِ إِقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِذَا غَطَّى رُبُعَ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ كَالْحَلْقِ، وَأَنَّهُ مُعْتَادُ بَعْضِ النَّاسِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَكْثَرُ لِمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَإِنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّ فِيهِ إِزَالَةَ الشَّعَثِ وَالتَّفَلِ فَكَانَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ، ثُمَّ الرُّبُعُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُلِّ فِي الرَّأْسِ وَهُوَ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ فَكَانَ ارْتِفَاقًا كَامِلًا فَتَجِبُ شَاةٌ. (وَكَذَلِكَ مَوْضِعُ الْمَحَاجِمِ) لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ، وَفِيهِ إِزَالَةُ الشَّعَثِ فَيَجِبُ الدَّمُ، وَقَالَا: فِيهِ صَدَقَةٌ لِأَنَّهُ حَلَقَ لِغَيْرِهِ وَهِيَ الْحِجَامَةُ وَلَيْسَتْ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ فَكَذَا هَذَا إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِزَالَةَ شَيْءٍ مِنَ الشَّعَثِ فَتَجِبُ صَدَقَةٌ.
قَالَ: (وَفِي حَلْقِ الْإِبِطَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوِ الرَّقَبَةِ أَوِ الْعَانَةِ شَاةٌ) أَيْضًا لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ، وَهُوَ عُضْوٌ كَامِلٌ فَتَجِبُ شَاةٌ.
قَالَ: (وَلَوْ قَصَّ أَظَافِرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) أَمَّا الْجَمِيعُ فَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ تَامٌّ مَقْصُودٌ، وَفِيهِ إِزَالَةُ الشَّعَثِ فَكَانَ مَحْظُورًا إِحْرَامُهُ فَتَجِبُ شَاةٌ، وَكَذَا أَحَدُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي الْكُلِّ دَمٌ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَهَذَا إِذَا قَصَّهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَجَالِسَ يَجِبُ بِكُلِّ عُضْوٍ دَمٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجِبُ فِي الْكُلِّ دَمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ فَتَتَدَاخَلُ. وَلَنَا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا تَتَدَاخَلُ إِلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ.
قَالَ: (وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ جُنُبًا أَوْ لِلزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ فِي الرُّكْنِ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَتَجِبُ الشَّاةُ، وَفِي الطَّوَافَيْنِ وَجَبَتِ الشَّاةُ فِي الْجَنَابَةِ إِظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِالشُّرُوعِ وَاجِبًا، وَلَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا لَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِعَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ ; وَالْحَائِضُ كَالْجُنُبِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، وَلَوْ أَعَادَ هَذِهِ الْأَطْوِفَةَ عَلَى طَهَارَةٍ سَقَطَ الدَّمُ لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَصَارَتْ جِنَايَتُهُ مُتَدَارَكَةً فَسَقَطَ الدَّمُ.
قَالَ: (وَإِنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) إِمَّا لِأَنَّ امْتِدَادَ الْوُقُوفِ إِلَى الْغُرُوبِ وَاجِبٌ لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ وَقَدْ تَرَكَهُمَا فَتَجِبُ شَاةٌ.
(فَإِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِفَاضَةِ الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ) لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهُ.
(وَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ بَعْدَمَا أَفَاضَ الْإِمَامُ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَسْقُطْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْ مَا فَاتَهُ.
(1/162)

وَإِنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا، أَوْ طَوَافَ الصَّدَرِ أَوْ أَرْبَعَةً مِنْهُ، أَوِ السَّعْيَ أَوِ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَعَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةٌ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا أَوْ يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ تَرَكَ أَقَلَّهَا تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ، وَإِنْ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ رَأْسِهِ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعِ بُرٍّ، وَكَذَا إِنْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظَافِرَ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَصَّ خَمْسَةً مُتَفَرِّقَةً (م) ، وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ مُحْدِثًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا، أَوْ طَوَافَ الصَّدَرِ أَوْ أَرْبَعَةً مِنْهُ، أَوِ السَّعْيَ أَوِ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) أَمَّا الثَّلَاثَةُ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَلِأَنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَاقِي فَصَارَ كَالْحَدَثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَنَابَةِ.
(وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَعَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةٌ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» وَإِنْ كَانَ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ. وَأَمَّا تَرْكُ طَوَافِ الصَّدَرِ أَوْ أَرْبَعَةٍ مِنْهُ فَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَيُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَيَسْقُطُ الدَّمُ، وَكَذَا السَّعْيُ وَالْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِأَنَّهُمَا وَاجِبَانِ.
قَالَ: (وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا أَوْ يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَرَكَهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ يَرْمِيهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، لَكِنْ يَجِبُ الدَّمُ لِتَأْخِيرِهَا عِنْدَهُ، خِلَافًا لَهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَتَرْكُ رَمْيِ يَوْمٍ وَاحِدٍ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَكَذَا جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَتَجِبُ شَاةٌ.
(وَإِنْ تَرَكَ أَقَلَّهَا تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ) إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ قِيمَتُهُ شَاةً فَيُنْقِصَهُ مَا شَاءَ.
قَالَ: (وَإِنْ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ رَأْسِهِ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعِ بُرٍّ) لِأَنَّ الرُّبُعَ مَقْصُودٌ مُعْتَادٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ كَالسَّوَادِ وَالْبَادِيَةِ، فَكَانَ ارْتِفَاقًا كَامِلًا، وَمَا دُونَهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ.
(وَكَذَا إِنْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظَافِرَ) لِأَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ بِذَلِكَ الزِّينَةَ بَلْ يُشِينُهُ وَيُؤْذِيهِ إِذَا حَكَّ جَسَدَهُ، وَيَجِبُ فِي كُلِّ ظُفْرٍ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ، إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ قِيمَةَ دَمٍ فَيُنْقِصُ مَا شَاءَ.
(وَكَذَلِكَ إِنْ قَصَّ خَمْسَةً مُتَفَرِّقَةً) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا إِذَا كَانَتْ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ. وَلَنَا أَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَلُ بِالِارْتِفَاقِ الْكَامِلِ وَبِالزِّينَةِ، وَهَذَا الْقَصُّ يُشِينُهُ وَيُؤْذِيهِ كَمَا بَيَّنَّا، وَالْجِنَايَةُ إِذَا نَقَصَتْ تَجِبُ الصَّدَقَةُ.
قَالَ: (وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ مُحْدِثًا فَكَذَلِكَ) إِظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ، وَذَلِكَ بِإِيجَابِ الصَّدَقَةِ، فَكَذَا لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنَ الصَّدَرِ لِنُقْصَانِهِ فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً عَنِ الْكُلِّ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ.
قَالَ: (وَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ،
(1/163)

وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ، وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ لِعُذْرٍ إِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ طَعَامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَيَمْضِي فِي حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ، وَلَا يُفَارِقُ امْرَأَتَهُ إِذَا قَضَى الْحَجَّ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ) لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ جَبْرُ نُقْصَانِ الْحَدَثِ بِالشَّاةِ وَجَبَ جَبْرُ نُقْصَانِ الْجَنَابَةِ بِالْبَدَنَةِ، لِأَنَّهَا أَعْظَمُ فَتَعْظُمُ الْعُقُوبَةُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعِيدَهُ لِيَأْتِيَ بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ أَعَادَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي وَقْتِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ لِعُذْرٍ إِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ طَعَامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] تَقْدِيرُهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ، وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ الصَّدَقَةُ وَالصَّوْمُ يُجْزِئُ فِي أَيِّ مَكَانٍ شَاءَ لِأَنَّهُمَا قُرْبَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ عَلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ.
وَأَمَّا الذَّبْحُ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةً إِلَّا فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ وَكَذَا كُلُّ دَمٍ وَجَبَ فِي الْحَجِّ جِنَايَةً أَوْ نُسُكًا.
قَالَ: (وَمَنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَيَمْضِي فِي حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ) وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ مُحْرِمَةً. أَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ فَلِوُجُودِ الْمُنَافِي، قَالَ تَعَالَى: {فَلا رَفَثَ} [البقرة: 197] وَهُوَ الْجِمَاعُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُحْرِمُ إِذَا جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةُ، وَمِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا تَوْقِيفًا، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ صَادَفَ إِحْرَامًا غَيْرَ مُتَأَكَّدٍ حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ الْفَوَاتُ فَيَفْسُدُ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ الْفَوَاتُ. أَمَّا وُجُوبُ الشَّاةِ وَالْمُضِيِّ وَالْقَضَاءِ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. «وَسُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ؟ قَالَ: " يُرِيقَانِ دَمًا وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا وَيَحُجَّانِ مِنْ قَابِلٍ» .
(وَلَا يُفَارِقُ امْرَأَتَهُ إِذَا قَضَى الْحَجَّ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرِ الْمُفَارَقَةَ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا، وَلَوْ وَجَبَ لَذَكَرَهُ كَغَيْرِهِ تَنْبِيهًا عَلَى الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ، وَلَا مُوجِبَ لِلْمُفَارَقَةِ ; أَمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ جِمَاعُهَا فَلَا مَعْنَى لِلْمُفَارَقَةِ ; وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِأَنَّهُمَا إِذَا ذَكَرَا مَا وَجَدَا مِنَ التَّعَبِ وَزِيَادَةَ النَّفَقَةِ يَحْتَرِزَانِ عَنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي مَوْضِعِ الْجِمَاعِ حَتَّى لَوْ خَافَ الْعَوْدَ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْمُفَارَقَةُ.
قَالَ: (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ وَقَفَ بِعَرْفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
قَالَ: (وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبِ الْقَضَاءُ عَلِمْنَا أَنَّهُ شُرِعَ لِجَبْرِ نَقْصِ تَمَكُّنٍ فِي الْحَجِّ، وَالنُّقْصَانُ فِي الْجِمَاعِ
(1/164)

وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ، وَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ جَامَعَ فِيهَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ لَمْ تَفْسُدْ وَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي سَوَاءٌ.

فَصْلٌ إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَاحِشٌ وَجِنَايَةٌ غَلِيظَةٌ، فَتُغَلَّظُ الْكَفَّارَةُ فَتَجِبُ بَدَنَةٌ، بِخِلَافَ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ لِأَنَّ الْجَابِرَ ثَمَّ هُوَ الْقَضَاءُ، وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الشَّاةُ لِرَفْضِهِ الْإِحْرَامَ قَبْلَ أَوَانِهِ فَافْتَرَقَا، وَإِنْ جَامَعَ ثَانِيًا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَادَفَ إِحْرَامًا مُتَأَكَّدًا مُحْتَرَمًا، وَالثَّانِي صَادَفَ إِحْرَامًا مُنْخَرِمًا مُنْهَتِكًا بِالْوَطْءِ فَخَفَّتِ الْجِنَايَةُ.
قَالَ: (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَسَوَاءٌ أَنَزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ; وَكَذَا إِذَا جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَكَذَا إِذَا جَامَعَ بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ، أَوْ عَبَثَ بِذَكَرِهِ فَأَنْزَلَ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِاللَّمْسِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ وَإِنْ أَنَزَلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ.
قَالَ: (وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ) لِوُجُودِ الْمُنَافِي.
(وَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا) لِأَنَّهَا لَزِمَتْ بِالْإِحْرَامِ كَالْحَجِّ.
(وَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ الِارْتِفَاقُ الْكَامِلُ عَلَى إِحْرَامِهِ.
(وَإِنْ جَامَعَ فِيهَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ لَمْ تَفْسَدْ) لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ.
(وَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهَا سُنَّةٌ. فَتَكُونُ الْجِنَايَةُ أَنْقَصَ، فَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ فِي الْكَفَّارَةِ ; وَلَوْ جَامَعَ الْقَارِنُ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ وَحَجَّتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ شَاتَانِ لِجِنَايَتِهِ عَلَى إِحْرَامَيْنِ ; وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَكْثَرِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ وَفَسَدَ حَجُّهُ لِمَا بَيَّنَا ; وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْلَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ كَمَا لَوِ انْفَرَدَا.
قَالَ: (وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي سَوَاءٌ) لِأَنَّ حَالَاتِ الْإِحْرَامِ مُذَكِّرَةٌ كَحَالَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ، كَذَلِكَ إِذَا جُومِعَتِ النَّائِمَةُ وَالْمُكْرَهَةُ لِوُجُودِ الِارْتِفَاقِ بِالْجِمَاعِ.

[فَصْلٌ الصَّيْدُ حَالَ الْإِحْرَامَ]
فَصْلٌ (إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] وَالصَّيْدُ: هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، الْمُمْتَنِعُ بِجَنَاحَيْهِ أَوْ بِقَوَائِمِهِ، إِلَّا الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ الْمُسْتَثْنَاةَ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهَا تَبْدَأُ بِالْأَذَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ
(1/165)

وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَالنَّاسِي وَالْعَامِدُ سَوَاءٌ. وَالْجَزَاءُ أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ عَدْلَانِ فِي مَكَانِ الصَّيْدِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ ثُمَّ إِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ هَدْيًا فَذَبَحَهُ، وَإِنْ شَاءَ طَعَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، فَإِنْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ يَوْمًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِيهَا، وَصَيْدُ الْبَرِّ مَا كَانَ تَوَالُدُهُ فِي الْبَرِّ. أَمَّا الْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] أَوْجَبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْقَاتِلِ. وَأَمَّا الدَّالُّ فَلِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الصَّيْدِ الْأَمْنَ لِأَنَّ بَقَاءَ حَيَاةِ الصَّيْدِ بِأَمْنِهِ، فَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ إِمَّا بِالْإِحْرَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] أَوْ بِدُخُولِهِ الْحَرَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] فَإِذَا دَلَّ عَلَيْهِ فَقَدْ فَوَّتَ الْأَمْنَ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ كَالْمُبَاشِرِ، وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ. وَالدَّلَالَةُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِهِ، وَيُصَدِّقَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ، أَوْ كَذَّبَهُ وَدَلَّهُ آخَرُ فَصَدَّقَهُ فَالْجَزَاءُ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَعَارَهُ سِكِّينًا لِيَقْتُلَ الصَّيْدَ إِنْ كَانَ مَعَهُ سِكِّينٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَتْلِهِ لَا بِالْإِعَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِكِّينٌ فَعَلَى الْمُعِيرِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ بِإِعَارَتِهِ.
(وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَالنَّاسِي وَالْعَامِدُ سَوَاءٌ) لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمْ وَهُوَ الْمُوجِبُ.
قَالَ: (وَالْجَزَاءُ أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ عَدْلَانِ فِي مَكَانِ الصَّيْدِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ هَدْيًا فَذَبَحَهُ، وَإِنْ شَاءَ طَعَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، فَإِنْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ، إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ يَوْمًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] إِلَى قَوْلِهِ: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] . وَالْأَصْلُ فِي الْمِثْلِ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا صُورَةً وَمَعْنًى، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا اعْتِبَارَ لِلْمِثْلِ صُورَةً؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ خَرَجَ عَنِ الْإِرَادَةِ بِالْإِجْمَاعِ كَالْعُصْفُورِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَبْقَى الْبَاقِي مُرَادًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمِثْلُ مَعْنًى وَهُوَ الْقِيمَةُ كَمَا فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَكَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْجَزَاءِ الْقِيمَةُ يُقَوِّمُ الْعَدْلَانِ اللَّحْمَ لَا الْحَيَوَانَ فِي مَكَانِ الصَّيْدِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ فِيهِ الصُّيُودُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُبَاعُ فِيهِ كَالْبَرِيَّةِ فَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ، ثُمَّ الْخِيَارُ لِلْقَاتِلِ إِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ هَدْيًا، وَهُوَ مَا تَجُوزُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ذَلِكَ، وَيَذْبَحُهُ بِمَكَّةَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَا تَجُوزُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ لَا يَذْبَحْهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ; وَقَالَا: يَذْبَحُهُ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وَلِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ إِذَا وَلَدَتْهُ الْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ مَعَ أُمِّهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى التَّقَرُّبَ بِالْإِرَاقَةِ لِكَوْنِهِ إِيلَامَ الْبَرِيِّ عَلَى مَا عُرِفَ وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي مَوَارِدِ النَّصِّ وَهِيَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْمُتْعَةُ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا هَذَا فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ
(1/166)

وَمَنْ جَرَحَ صَيْدًا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ، أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ نَتَفَ رِيشَ طَائِرٍ، أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَتَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ;
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَحَيْثُ جَازَ إِنَّمَا جَازَ تَبَعًا وَالْكَلَامُ فِي جَوَازِهِ أَصْلًا، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى طَعَامًا فَأَطْعَمَ كَمَا ذَكَرْنَا كَمَا فِي الْفِدَاءِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَمَا فِي الْفِدَاءِ، وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ الْقَاتِلُ لِأَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ رِفْقًا بِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا كَانَ التَّعْيِينُ إِلَيْهِ وَالْخِيَارُ لَهُ، فَإِنْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ أَوْ كَانَ الْوَاجِبُ، إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ لِأَنَّهُ كُلُّ الْوَاجِبِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا لِعَدَمِ تَجَزِّي الصَّوْمِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْوَاجِبُ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْجُثَّةُ، فَفِي الظَّبْيِ وَالضَّبُعِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ عِنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ، وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ كَالْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ تَجِبُ الْقِيمَةُ كَمَا قَالَا، لَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] . وَالْمِثْلِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ مِثْلًا لِلنَّعَمِ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِيجَابُ النَّظِيرِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ، وَعِنْدَهُ الْخِيَارُ إِلَى الْحَكَمَيْنِ، فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ، وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَكَمَا قَالَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} [المائدة: 95] نُصِبَ مَفْعُولُ يَحْكُمُ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ رَفْعُ عَطْفٍ عَلَى الْجَزَاءِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَوْ عَدْلُ} [المائدة: 95] رُفِعَ، وَإِنَّمَا الْحَكَمَانِ يَحْكُمَانِ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ النَّظِيرَ لَمَا احْتَاجَ إِلَى تَقْوِيمِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ إِنَّمَا يَحْكُمَانِ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ الْخِيَارُ إِلَيْهِ رِفْقًا بِهِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَإِنْ قَتَلَ مَا لَا يُؤْكَلُ مِنَ السِّبَاعِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ صَيْدٌ فَيَتَنَاوَلُهُ إِطْلَاقُ النَّصِّ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِقِيمَتِهِ شَاةً؛ لِأَنَّ السَّبُعَ وَإِنْ كَبُرَ لَا يَتَجَاوَزُ قِيمَةُ لَحْمِهِ قِيمَةَ لَحْمِ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٌ بِهِ شَرْعًا.
قَالَ: (وَمَنْ جَرَحَ صَيْدًا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ، أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ.
(وَإِنْ نَتَفَ رِيشَ طَائِرٍ أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) لِأَنَّهُ خَرَجَ بِهِ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَقَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَتَلَهُ، وَكَذَلِكَ كَلُّ فِعْلٍ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ.
(وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَتَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَى بِذَلِكَ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِعَرَضِيَّةِ الْحَيَاةِ وَقَدْ فَوَّتَهَا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ احْتِيَاطًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَا بَيَّنَّا. وَشَجَرُ الْحَرَمِ لَا يَحِلُّ قَطْعُهُ لِمُحْرِمٍ وَلَا حَلَالٍ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» فَصَارَ كَالصَّيْدِ، وَشَجَرُ الْحَرَمِ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إِذَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ أَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَلَا بَأْسَ بِقَطْعِهِ وَقَلْعِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اعْتَادُوا الزِّرَاعَةَ وَالْحَصْدَ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ
(1/167)

وَمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ جَرَادَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ، وَإِنْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَهُوَ مَيْتَةً ; وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا اصْطَادَهُ حَلَالٌ إِذَا لَمْ يُعِنْهُ. وَكُلُّ مَا عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ عَلَى الْقَارِنِ فِيهِ دَمَانِ.

بَابُ الْإِحْصَارِ الْمُحْرِمُ إِذَا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ عَدَمِ مَحْرَمٍ أَوْ ضَيَاعِ نَفَقَةٍ يَبْعَثُ شَاةً تُذْبَحُ عَنْهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ ثَمَنَهَا لِيُشْتَرَى بِهَا ثُمَّ يَتَحَلَّلُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى يَوْمِنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِرَعْيِهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الدَّوَابِّ مُتَعَذِّرٌ، وَجَوَابُهُ الْحَدِيثُ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ بِالْمَشَافِرِ كَالْقَطْعِ بِالْمَنَاجِلِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ جَرَادَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ) قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَلِأَنَّ الْقَمْلَةَ مِنَ التَّفَثِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ قَمْلَةً وَجَدَهَا عَلَى الْأَرْضِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْقَمْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، وَإِنْ كَثُرَ أَطْعَمَ نِصْفَ صَاعٍ لِكَثْرَةِ الِارْتِفَاقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْقَمْلَةِ يَتَصَدَّقُ بِكَفٍّ مِنْ طَعَامٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ بِكِسْرَةٍ مِنْ خُبْزٍ.
قَالَ: (وَإِنْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَهُوَ مَيْتَةٌ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً.
(وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا اصْطَادَهُ حَلَالٌ إِذَا لَمْ يُعِنْهُ) لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ.
(وَكُلُّ مَا عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ عَلَى الْقَارِنِ فِيهِ دَمَانِ) لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى إِحْرَامَيْنِ.

[بَابُ الْإِحْصَارِ]
هُوَ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ، وَمِنْهُ حِصَارُ الْحُصُونِ وَالْمَعَاقِلِ إِذَا مُنِعُوا عَنِ التَّصَرُّفِ فِي مَقَاصِدِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، وَالْحَصُورُ: الْمَمْنُوعُ عَنِ النِّسَاءِ.
وَفِي الشَّرْعِ: الْمَنْعُ عَنِ الْمُضِيِّ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ بِمَوَانِعَ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الْمُحْرِمُ إِذَا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ عَدَمِ مَحْرَمٍ أَوْ ضَيَاعِ نَفَقَةٍ، يَبْعَثُ شَاةً تُذْبَحُ عَنْهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ ثَمَنَهَا لِيُشْتَرَى بِهَا ثُمَّ يَتَحَلَّلُ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُحْصِرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أَحْرَمُوا مُعْتَمِرِينَ فَصَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ، فَصَالَحَهُمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَذَبَحَ الْهَدْيَ وَتَحَلَّلَ ثُمَّ قَضَى الْعُمْرَةَ مِنْ قَابَلٍ. قَالُوا: وَفِيهِمْ نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَكُلُّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ مُنِعَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَوَانِعِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ قَبْلَ أَوَانِهِ إِنَّمَا شُرِعَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ النَّاشِئِ مِنْ بَقَائِهِ مُحْرِمًا، وَهَذَا الْمَعْنَى يَعُمُّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَوَانِعِ، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهَا كَضَلَالِ الرَّاحِلَةِ، وَمَنْعِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ إِذَا وَقَعَ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا ; وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِحْصَارَ يَخْتَصُّ بِالْعَدُوِّ
(1/168)

وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ (سم) . وَالْقَارِنُ يَبْعَثُ شَاتَيْنِ، وَإِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرُ بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَعَلَى الْقَارِنِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ، وَعَلَى الْمُعْتَمِرِ عُمْرَةٌ، فَإِنْ بَعَثَ ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْهَدْيِ وَالْحَجِّ لَمْ يَتَحَلَّلْ وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَحَلَّلَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَهُوَ مَرْدُودٌ بِالْكِتَابِ.
قَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ يُقَالُ مِنْهُ أُحْصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ ; وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسِ عَدُوٍّ أَوْ سَجْنٍ يُقَالُ حُصِرَ فَهُوَ مَحْصُورٌ ; وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى هَذَا، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حُصِرَ بِالْعَدُوِّ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْمُضِيِّ وَالْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ.
وَقَوْلُهُ: (فِي الْحَرَمِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ خَارِجَ الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وَمَحِلُّهُ الْحَرَمُ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ مَا عُرِفَ قُرْبَةً إِلَّا بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، وَالزَّمَانُ قَدِ انْتَفَى فَتَعَيَّنَ الْمَكَانُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَبْحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ لَكَانَ مَحِلُّهُ فَلَا تَبْقَى فَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى يَبْلُغَ} [البقرة: 196] . وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَبَحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أُحْصِرَ بِهَا» ، فَالْحُدَيْبِيَةُ بَعْضُهَا مِنَ الْحَرَمِ، فَيُحْمَلُ ذَبْحُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ تَوْقِيفًا بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) وَقَالَا: لَا كَدَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ دَمُ جِنَايَةٍ لِتَحَلُّلِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ وَالْجِنَايَاتُ لَا تَتَوَقَّفُ بِخِلَافِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُمَا دَمُ نُسُكٍ، وَلِأَنَّ التَّأْقِيتَ بِالزَّمَانِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، فَلَا يَجُوزُ ; وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الذَّبْحِ لَا يَتَحَلَّلُ بِالصَّوْمِ وَيَبْقَى مُحْرِمًا حَتَّى يُذْبَحَ عَنْهُ أَوْ يَزُولَ الْمَانِعُ فَيَأْتِيَ مَكَّةَ وَيَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ صَبَرَ حَتَّى زَالَ الْمَانِعُ وَمَضَى إِلَى مَكَّةَ وَتَحَلَّلَ بِالْأَفْعَالِ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَالْقَارِنُ يَبْعَثُ شَاتَيْنِ) لِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ عَنْ إِحْرَامَيْنِ، وَقَدْ أُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ: (وَإِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرُ بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ الْحَجَّةَ تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا ; وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ، فَيَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَقَدْ عَجَزَ فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا.
(وَعَلَى الْقَارِنِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ) حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَعُمْرَةٌ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا.
(وَعَلَى الْمُعْتَمِرِ عُمْرَةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَصْحَابُهُ لَمَّا أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ عَنِ الْمُضِيِّ فِي الْعُمْرَةِ وَتَحَلَّلُوا قَضَوْهَا حَتَّى سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ.
قَالَ: (فَإِنْ بَعَثَ ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْهَدْيِ وَالْحَجِّ لَمْ يَتَحَلَّلْ وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ) لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ تَمَامِ الْخُلْفِ.
(وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَحَلَّلَ) أَمَّا إِذَا قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ دُونَ الْحَجِّ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْمُضِيِّ ; وَأَمَّا بِالْعَكْسِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَتَحَلَّلَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْأَصْلِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَتَحَلَّلَ وَيَمْضِي وَيَأْتِي بِأَفْعَالِ الْحَجِّ لِيَأْتِيَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، لَكِنِ اسْتَحْسَنُوا وَجَوَّزُوا لَهُ التَّحَلُّلَ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ عَنْ
(1/169)

وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّةَ عَنِ الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ.

بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ وَلَا يَجُوزُ إِلَّا عَنِ الْمَيِّتِ أَوْ عَنِ الْعَاجِزِ بِنَفْسِهِ عَجْزًا مُسْتَمِرًّا إِلَى الْمَوْتِ، وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ يَنْوِي الْحَجَّ عَنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِدْرَاكِ الْهَدْيِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضْمَنُهُ الذَّابِحُ صَارَ كَأَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ فَيَتَحَلَّلُ، وَلِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى الْمَالِ كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَلَوْ خَافَ عَلَى النَّفْسِ تَحَلَّلَ، فَكَذَا عَلَى الْمَالِ.
قَالَ: (وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّةَ عَنِ الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ فَهُوَ مُحْصَرٌ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ) لِأَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْوُقُوفِ فَقَدْ أَمِنَ فَوَاتَ الْحَجِّ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ يَصْبِرُ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ إِحْصَارٌ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أُحْصِرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.

[بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ]
ِ الْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَيُجْزِينِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَمَّا كَانَ يُقْبَلُ مِنْكِ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: " فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَقْبَلَ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إِلَّا عَنِ الْمَيِّتِ، أَوْ عَنِ الْعَاجِزِ بِنَفْسِهِ عَجْزًا مُسْتَمِرًّا إِلَى الْمَوْتِ) وَلَا يَجُوزُ عَنِ الْقَادِرِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَجَبَتْ لِلِابْتِلَاءِ، فَلَا تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِإِتْعَابِ الْبَدَنِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ، فَيَقَعُ الْفِعْلُ عَنِ الْفَاعِلِ إِلَّا أَنَّهُ يُسْقِطُ الْحَجَّ عَنِ الْآمِرِ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْحَجِّ بِالِاتِّفَاقِ، فَأَقَامَ الشَّرْعُ السَّبَبَ مَقَامَ الْمُبَاشَرَةِ فِي حَقِّ الْمَأْيُوسِ نَظَرًا لَهُ كَالْفِدْيَةِ فِي بَابِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي، وَيُشْتَرَطُ دَوَامُ الْعَجْزِ إِلَى الْمَوْتِ كَالْفِدْيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى قَدَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: يَقَعُ عَنِ الْحَاجِّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: يَسْقُطُ عَنِ الْآمِرِ حَجُّهُ وَيَقَعُ عَنِ الْمَأْمُورِ تَطَوُّعًا، وَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وُقُوعُهُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لِمَا رُوِّينَا.
قَالَ: (وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ يَنْوِي الْحَجَّ عَنْهُ) لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ وَهِيَ غَيْرُ مُوَقَّتَةٍ، فَجَازَ أَنْ تَقَعَ عَنْ غَيْرِ مَنْ
(1/170)

وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ عَنْ فُلَانٍ، وَيَجُوزُ حَجُّ الصَّرُورَةِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، وَدَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ وَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَمَا فَضَلَ مِنَ النَّفَقَةِ يَرُدُّهُ إِلَى الْوَصِيِّ أَوِ الْوَرَثَةِ أَوِ الْآمِرِ، وَمَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى الْوَسَطِ وَهُوَ رُكُوبُ الزَّامِلَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَجَبَ عَلَيْهِ فَيَنْوِي عَنْهُ لِيَقَعَ عَنِ الْآمِرِ.
(وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ عَنْ فُلَانٍ) وَلَوْ لَمْ يَنْوِ جَازَ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى السَّرَائِرِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ حَجُّ الصَّرُورَةِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ) لِوُجُودِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالنِّيَّةِ عَنِ الْآمِرِ كَغَيْرِهِمْ، وَالصَّرُورَةُ: الَّذِي لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَوَّزَ حَجَّ الْخَثْعَمِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهَا هَلْ حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَمْ لَا، وَلَوْ كَانَ لَسَأَلَهُ تَعْلِيمًا وَبَيَانًا ; وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ رَجُلًا حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا قَدْ حَجَّ، عَالِمًا بِطَرِيقِ الْحَجِّ وَأَفْعَالِهِ، لِيَقَعَ حَجُّهُ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَيَخْرُجَ بِهِ عَنِ الْخِلَافِ.
قَالَ: (وَدَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْمَأْمُورِ) أَمَّا دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَلِأَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا حَيْثُ وُفِّقَ لِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ ; وَأَمَّا دَمُ الْجِنَايَاتِ فَلِأَنَّهُ هُوَ الْجَانِي.
(وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ) لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَرَّطَهُ فِيهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ خَلَاصُهُ مِنْهُ، وَإِنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ فَفِي مَالِ الْمَيِّتِ. وَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ خَلَاصُهُ فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ عَلَى الْحَاجِّ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِيَتَحَلَّلَ فَيَخْلُصَ عَنْ ضَرَرِ امْتِدَادِ الْإِحْرَامِ. وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِيهِ.
قَالَ: (وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ ضَمِنَ النَّفَقَةِ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحَجِّ الصَّحِيحِ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَقَدْ خَالَفَ الْأَمْرَ.
(وَعَلَيْهِ الدَّمُ) لِأَنَّ الْجِمَاعَ فِعْلُهُ، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ هَرَبِ الْمُكَارِي أَوْ مَاتَتِ الدَّابَّةُ، فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ أَنَّ لَهُ نَفَقَةَ ذَهَابِهِ دُونَ إِيَابِهِ.
وَفِي قَاضِيخَانَ: لَوْ قُطِعَ الطَّرِيقُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَقَدْ أَنْفَقَ بَعْضَ الْمَالِ فَمَضَى فِي الْحَجِّ وَأَنْفَقَ مِنْ مَالَ نَفْسِهِ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ بَقِيَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَأَنْفَقَ مِنْهُ وَقَعَ عَنِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ رَجَعَ وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ لَمْ يَضْمَنْ إِذَا رَجَعَ النَّاسُ.
قَالَ: (وَمَا فَضَلَ مِنَ النَّفَقَةِ يَرُدُّهُ إِلَى الْوَصِيِّ أَوِ الْوَرَثَةِ أَوِ الْآمِرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ لِيَقْضِيَ الْحَجَّ فَمَا فَضَلَ يَرُدُّهُ إِلَى مَالِكِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْهُ عَلَى ذَلِكَ لِيَمْلِكَ الْأُجْرَةَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِيكَ فِي الْإِجَارَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى الْوَسَطِ وَهُوَ رُكُوبُ الزَّامِلَةِ) لِأَنَّهُ أَعْدَلُ الْأُمُورِ ; وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُوصِ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى إِلَّا بِنَفْسِهِ حَقِيقَةً
(1/171)

وَيَحُجُّونَ عَنِ الْمَيِّتِ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَإِنْ لَمْ تُبَلِّغِ النَّفَقَةُ فَمِنْ حَيْثُ تُبَلِّغُ.

بَابُ الْهَدْيِ وَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَلَا يُجْزِئُ مَا دُونَ الثَّنِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ حُكْمًا بِالِاسْتِخْلَافِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ لَوْ حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، إِلَّا أَنَّا قُلْنَا: لَوْ حَجَّ الْوَارِثُ عَنْهُ أَوْ أَحَجَّ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِحْسَانًا لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ. وَلِمَا رُوِيَ «أَنْ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ» .
قَالَ: (وَيَحُجُّونَ عَنِ الْمَيِّتِ مِنْ مَنْزِلِهِ) لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ، وَكَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا فَحَجَّ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ فَأَوْصَى. وَقَالَا: يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْمَأْمُورُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَعِنْدَهُمَا حَيْثُ بَلَغَ. لَهُمَا أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ بَلَدِهِ مُعْتَدٌّ بِهِ غَيْرُ سَاقِطٍ بِالِاعْتِبَارِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] " وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ كُتِبَتْ لَهُ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَإِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ لَمَّا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْخُرُوجِ لَمْ يَبْقَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ عَنْ حَجَّتِهِ، وَإِنْ حَصَلَ الثَّوَابُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
(فَإِنْ لَمْ تُبَلِّغِ النَّفَقَةُ فَمِنْ حَيْثُ تُبَلِّغُ) اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ سُقُوطُ الْفَرْضِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ عَلَى الْكَمَالِ فَبِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَإِذَا بَلَغَتِ الْوَصِيَّةُ أَنْ يَحُجَّ رَاكِبًا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحُجُّوا مُشَاةً، وَإِنْ بَلَغَتْ مَاشِيًا مِنْ بَلَدِهِ وَرَاكِبًا مِنَ الطَّرِيقِ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَحُجُّ رَاكِبًا مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ الْحَجَّ رَاكِبًا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَيُّهُمَا شَاءَ فَعَلَ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُصُورًا مِنْ وَجْهٍ فَيَتَخَيَّرُ، فَإِنْ رَجَعَ الْمَأْمُورُ وَقَالَ: مُنِعْتُ، وَقَدْ أَنْفَقَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَكَذَّبَهُ الْوَرَثَةُ أَوِ الْوَصِيُّ ضَمِنَ، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ لَهُ الظَّاهِرُ بِأَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا، وَإِنِ ادَّعَى الْحَجَّ وَكَذَّبَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ لَمْ تُقْبَلْ، فَإِنْ قَامَتْ عَلَى إِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ قُبِلَتْ وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ غَرِيمٌ فَأَمَرَ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ بِمَالِهِ عَلَيْهِ، فَادَّعَى أَنَّهُ حَجَّ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.

[بَابُ الْهَدْيِ]
وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ وَيُذْبَحُ فِيهِ.
(وَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) اعْتِبَارًا بِالضَّحَايَا " وَسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الْهَدْيِ فَقَالَ: «أَدْنَاهُ شَاةٌ» وَأَهْدَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِائَةَ بَدَنَةٍ، وَالْبَقَرَةُ كَالْبَدَنَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: (وَلَا يُجْزِئُ مَا دُونَ الثَّنِيِّ
(1/172)

إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَلَا يَذْبَحُ هَدْيَ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَيَأْكُلُ مِنْهَا، وَيَذْبَحُ بَقِيَّةَ الْهَدَايَا مَتَى شَاءَ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا، وَلَا يَذْبَحُ الْجَمِيعَ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحَ، وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا، وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْقَصَّابِ مِنْهَا، وَلَا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ، وَلَا الْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تَمْشِي إِلَى الْمَنْسِكِ، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي، وَلَا مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، وَلَا الْعَمْيَاءُ، وَلَا الَّتِي خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنٍ، وَلَا مَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ، وَإِنْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِنْ كَانَ ثُلُثًا فَمَا زَادَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ نَقَصَ عَنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ) لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَيُعْتَبَرُ بِالضَّحَايَا، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ضَحُّوا بِالثَّنَايَا إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ» .
قَالَ: (وَلَا يُذْبَحُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَيَأْكُلُ مِنْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 28] ثُمَّ قَالَ: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] وَذَلِكَ يَكُونُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ذَبَحَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، وَذَبَحَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْبَاقِيَ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ بَضْعَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ فَوُضِعَتْ فِي قِدْرٍ ثُمَّ أَكَلَا مَنْ لَحَمِهَا وَحَسَوْا مِنْ مَرَقِهَا» . وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا. قَالَ: (وَيَذْبَحُ بَقِيَّةَ الْهَدَايَا مَتَى شَاءَ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا) لِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ وَكَفَّارَاتٌ فَلَا تَتَوَقَّفُ بِوَقْتٍ، وَمَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ، وَالْأَوْلَى تَعْجِيلُهَا لِيَنْجَبِرَ مَا حَصَلَ مِنَ النَّقْصِ فِي أَفْعَالِهِ.
قَالَ: (وَلَا يَذْبَحُ الْجَمِيعَ إِلَّا فِي الْحَرَمِ) قَالَ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وَفِي دَمِ الْإِحْصَارِ: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مَا عُرِفَ قُرْبَةً إِلَّا فِي مَكَانٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ الْحَرَمُ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ» .
قَالَ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحَ) لِمَا رُوِّينَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَفْعَلَهَا بِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ لَا يُحْسِنَ فَيُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَهَا إِنْ لَمْ يَذْبَحْهَا بِنَفْسِهِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَاشْهَدِي ضَحِيَّتَكِ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا» .
قَالَ: (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا، وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْقَصَّابِ مِنْهَا) بِذَلِكَ أَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قَالَ: (وَلَا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ وَلَا الْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تَمْشِي إِلَى الْمَنْسَكِ، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا أَرْبَعَةٌ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» أَيْ لَا نِقْيَ لَهَا وَهُوَ الْمُخُّ.
قَالَ: (وَلَا مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، وَلَا الْعَمْيَاءُ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اسْتَشْرِفُوا الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ» أَيْ تَأَمَّلُوا سَلَامَتَهُمَا.
(وَلَا الَّتِي خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنٍ) لِفَوَاتِ عُضْوٍ كَامِلٍ.
(وَلَا مَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِنْ كَانَ ثُلُثًا فَمَا زَادَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ نَقَصَ عَنِ
(1/173)

الثُّلُثِ يَجُوزُ (سم) ، وَتَجُوزُ الْجَمَّاءُ وَالْخَصِيُّ وَالثَّوْلَاءُ وَالْجَرْبَاءُ، وَلَا يَرْكَبُ الْهَدْيَ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإِنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ لَمْ يَحْلِبْهَا. وَإِنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الثُّلُثِ يَجُوزُ) لِأَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ بِالنَّصِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: الرُّبُعُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ. وَفِي النِّصْفِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ الْجَمَّاءُ وَالْخَصِيُّ وَالثَّوْلَاءُ وَالْجَرْبَاءُ) أَمَّا الْجَمَّاءُ فَلِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودٌ ; وَأَمَّا الْخَصِيُّ «فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» ، وَلِأَنَّ لَحْمَهُ يَكُونُ أَطْيَبَ ; وَأَمَّا الثَّوْلَاءُ فَالْمُرَادُ الَّتِي تُعْتَلَفُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ لَا تُعْتَلَفُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ ; وَأَمَّا الْجَرْبَاءُ فَلِأَنَّ الْجَرَبَ فِي الْجِلْدِ ; أَمَّا اللَّحْمُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ لَا نُقْصَانَ فِيهِ حَتَّى لَوْ هَزُلَتْ بِأَنْ وَصَلَ الْجَرَبُ إِلَى اللَّحْمِ لَا يَجُوزُ.
قَالَ: (وَلَا يُرْكَبُ الْهَدْيُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) لِأَنَّ فِي رُكُوبِهَا اسْتِهَانَةً بِهَا، وَتَعْظِيمُهَا وَاجِبٌ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] وَالتَّقْوَى وَاجِبٌ فَيَكُونُ التَّعْظِيمُ وَاجِبًا وَحَالَةُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» قَالُوا: كَانَ مَجْهُودًا فَأَمَرَهُ بِالرُّكُوبِ لِلضَّرُورَةِ.
(فَإِنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ) لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْئِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا نَقَصَتْ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهَا لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ لَمْ يَحْلِبْهَا) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَحِلِّ، وَيُنْضَحُ ضَرْعُهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ لِيَذْهَبَ اللَّبَنُ ; قَالُوا: وَهَذَا إِذَا قَرُبَ مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعِيدًا حَلَبَهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْهَدْيِ، وَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى هَدْيًا فَوَلَدَ عِنْدَهُ ذَبَحَ الْوَلَدَ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأَنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمَ الْأُمِّ عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ: (وَإِنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِتَعَيُّنِهِ بِالنِّيَّةِ وَقَدْ فَاتَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْبَحَهَا وَيَصْبُغَ نَعْلَهَا: أَيْ قِلَادَتَهَا بِدَمِهَا وَيَضْرِبَ بِهِ صَفْحَةَ سَنَامِهَا، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا الْأَغْنِيَاءُ، بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيَّ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ.
(وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَمَّا عَيَّنَهُ عَادَ مِلْكًا لَهُ فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ.
(وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ.
(1/174)

وَيُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ دُونَ غَيْرِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَيُقَلَّدُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ دُونَ غَيْرِهَا) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَلَّدَ هَدَايَاهُ وَكَانَتْ تَطَوُّعًا، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فَيَلِيقُ بِهِ الْإِظْهَارُ، وَالْمُرَادُ بِالْهَدْيِ هُنَا الْبُدْنُ ; أَمَّا الْغَنَمُ فَلَا يُقَلِّدُهَا لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ ; وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْهَدَايَا فَلِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ، وَاللَّائِقُ فِيهَا السِّتْرُ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ وَجَبَ لِلتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ فَكَانَ جِنَايَةً.
1 -
فَصْلٌ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَلَمَّا جَرَى الرَّسْمُ أَنَّ الْحُجَّاجَ إِذَا فَرَغُوا مِنْ مَنَاسِكِهِمْ وَقَفَلُوا عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَصَدُوا الْمَدِينَةَ زَائِرِينَ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ هِيَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، بَلْ تَقْرُبُ مِنْ دَرَجَةِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّضَ عَلَيْهَا، وَبَالَغَ فِي النَّدْبِ إِلَيْهَا فَقَالَ: «مَنْ وَجَدَ سِعَةً وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَرَانِي فِي حَيَاتِي» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَكْثَرَ النَّاسِ غَافِلِينَ عَنْ آدَابِهَا وَمُسْتَحَبَّاتِهَا، جَاهِلِينَ بِفُرُوعِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا، أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَ فِيهَا فَصْلًا عَقِيبَ الْمَنَاسِكِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَذْكُرُ نُبَذًا مِنَ الْآدَابِ فَأَقُولُ:
يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكْثِرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْلُغُهُ وَيَصِلُ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَايَنَ حِيطَانَ الْمَدِينَةِ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُ نَبِيِّكِ، فَاجْعَلْهُ وِقَايَةً لِي مِنَ النَّارِ، وَأَمَانًا مِنَ الْعَذَابِ، وَسُوءِ الْحِسَابِ، وَيَغْتَسِلُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَيَتَطَيَّبُ وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ، وَيَدْخُلُهَا مُتَوَاضِعًا عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ ; ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي عِنْدَ مِنْبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، يَقِفُ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمُودَ الْمِنْبَرِ بِحِذَاءِ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، فَهُوَ مَوْقِفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بَيْنَ قَبْرِهِ وَمِنْبَرِهِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» ثُمَّ يَسْجُدُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا وَفَّقَهُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ ; ثُمَّ يَنْهَضُ فَيَتَوَجَّهُ إِلَى قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، يَدْنُو مِنْهُ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَلَا يَدْنُو مِنْهُ
(1/175)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى جِدَارِ التُّرْبَةِ فَهُوَ أَهَيْبُ وَأَعْظَمُ لِلْحُرْمَةِ، وَيَقِفُ كَمَا يَقِفُ فِي الصَّلَاةِ، وَيُمَثِّلُ صُورَتَهُ الْكَرِيمَةَ الْبَهِيَّةَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنَّهُ نَائِمٌ فِي لَحْدِهِ، عَالِمٌ بِهِ يَسْمَعُ كَلَامَهُ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ» وَفِي الْخَبَرِ: «أَنَّهُ وُكِّلَ بِقَبْرِهِ مَلَكٌ يُبَلِّغُهُ سَلَامَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِهِ» ، وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَفِيَّ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ الرَّحْمَةِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَفِيعَ الْأُمَّةِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُزَّمِّلُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُدَّثِّرُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَحْمَدُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ قَوْمِهِ، وَرَسُولًا عَنْ أُمَّتِهِ ; أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ الْأُمَّةَ، وَأَوْضَحْتَ الْحُجَّةَ، وَجَاهَدْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَاتَلْتَ عَلَى دِينِ اللَّهِ حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رُوحِكَ وَجَسَدِكَ وَقَبْرِكَ صَلَاةً دَائِمَةً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ وَفْدُكَ، وَزُوَّارُ قَبْرِكَ، جِئْنَاكَ مِنْ بِلَادٍ شَاسِعَةٍ، وَنَوَاحٍ بَعِيدَةٍ، قَاصِدِينَ قَضَاءَ حَقِّكَ، وَالنَّظَرَ إِلَى مَآثِرِكَ، وَالتَّيَامُنَ بِزِيَارَتِكَ، وَالِاسْتِشْفَاعَ بِكَ إِلَى رَبِّنَا، فَإِنَّ الْخَطَايَا قَدْ قَصَمَتْ ظُهُورَنَا، وَالْأَوْزَارَ قَدْ أَثْقَلَتْ كَوَاهِلَنَا، وَأَنْتَ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ، الْمَوْعُودُ بِالشَّفَاعَةِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] وَقَدْ جِئْنَاكَ ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا، مُسْتَغْفِرِينَ لِذُنُوبِنَا، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، وَأَسْأَلْهُ أَنْ يُمِيتَنَا عَلَى سُنَّتِكَ، وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَتِكَ، وَأَنْ يُورِدَنَا حَوْضَكَ، وَأَنْ يَسْقِيَنَا كَأْسَكَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَادِمِينَ، الشَّفَاعَةَ الشَّفَاعَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَقُولُهَا ثَلَاثًا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر: 10] الْآيَةَ.
وَيُبَلِّغُهُ سَلَامَ مَنْ أَوْصَاهُ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، يَسْتَشْفِعُ بِكَ إِلَى رَبِّكِ فَاشْفَعْ لَهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ; ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَ وَجْهِهِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ مَا شَاءَ.
وَيَتَحَوَّلُ قَدْرَ ذِرَاعٍ حَتَّى يُحَاذِيَ رَأْسَ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْغَارِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَفِيقَهُ فِي الْأَسْفَارِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِينَهُ عَلَى الْأَسْرَارِ، جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَازَى إِمَامًا عَنْ أُمَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَقَدْ خَلَفْتَهُ بِأَحْسَنِ خَلَفٍ. وَسَلَكْتَ طَرِيقَهُ وَمِنْهَاجَهُ خَيْرَ مَسْلَكٍ، وَقَاتَلْتَ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَالْبِدَعِ، وَمَهَّدْتَ الْإِسْلَامَ، وَوَصَلْتَ الْأَرْحَامَ، وَلَمْ تَزَلْ قَائِلًا الْحَقَّ، نَاصِرًا لِأَهْلِهِ حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ، فَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ; اللَّهُمَّ أَمِتْنَا عَلَى حُبِّهِ، وَلَا تُخَيِّبْ سَعْيَنَا فِي زِيَارَتِهِ
(1/176)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِرَحْمَتِكَ يَا كَرِيمُ. ثُمَّ يَتَحَوَّلُ حَتَّى يُحَاذِيَ قَبْرَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُظْهِرَ الْإِسْلَامِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُكَسِّرَ الْأَصْنَامِ، جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ الْجَزَاءِ، وَرَضِيَ عَمَّنِ اسْتَخْلَفَكَ، فَلَقَدْ نَصَرْتَ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَكَفَلْتَ الْأَيْتَامَ، وَوَصَلْتَ الْأَرْحَامَ، وَقَوِيَ بِكَ الْإِسْلَامُ، وَكُنْتَ لِلْمُسْلِمِينَ إِمَامًا مَرْضِيًّا، وَهَادِيًا مَهْدِيًّا، جَمَعْتَ شَمْلَهُمْ، وَأَغْنَيْتَ فَقِيرَهُمْ، وَجَبَرْتَ كَسْرَهُمْ، فَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
ثُمَّ يَرْجِعُ قَدْرَ نِصْفِ ذِرَاعٍ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمَا يَا ضَجِيعَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَفِيقَيْهِ وَوَزِيرَيْهِ وَمُشِيرَيْهِ وَالْمُعَاوِنَيْنِ لَهُ عَلَى الْقِيَامِ فِي الدِّينِ، وَالْقَائِمَيْنِ بَعْدَهُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، جَزَاكُمَا اللَّهُ أَحْسَنَ جَزَاءٍ، جِئْنَاكُمَا نَتَوَسَّلُ بِكُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لِيَشْفَعَ لَنَا وَيَسْأَلُ رَبَّنَا أَنْ يَقْبَلَ سَعْيَنَا، وَيُحْيِيَنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَيُمِيتَنَا عَلَيْهَا، وَيَحْشُرَنَا فِي زُمْرَتِهِ ; ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَنْ أَوْصَاهُ بِالدُّعَاءِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْأَوَّلِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} [النساء: 64] الْآيَةَ، وَقَدْ جِئْنَاكَ سَامِعِينَ قَوْلَكَ طَائِعِينَ أَمْرَكَ، مُسْتَشْفِعِينَ بِنَبِيِّكَ إِلَيْكَ، رَبَّنَا اغْفَرِ لَنَا وَلِآبَائِنَا وَلِأُمَّهَاتِنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ - الْآيَةَ {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201] الْآيَةَ {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَيَزِيدُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ وَيَنْقُصُ مَا شَاءَ، وَيَدْعُو بِمَا يَحْضُرُهُ مِنَ الدُّعَاءِ وَيُوَفَّقُ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ يِأْتِي أُسْطُوَانَةَ أَبِي لُبَابَةَ الَّتِي رَبَطَ نَفْسَهُ فِيهَا حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهِيَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ ; ثُمَّ يَأْتِي الرَّوْضَةَ وَهِيَ كَالْحَوْضِ الْمُرَبَّعِ، وَفِيهَا يُصَلِّي أَمَامَ الْمَوْضِعِ الْيَوْمَ، فَيُصَلِّي فِيهَا مَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَيَدْعُو وَيُكْثِرُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِغْفَارِ ; ثُمَّ يَأْتِي الْمِنْبَرَ فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الرُّمَّانَةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا إِذَا خَطَبَ لِيَنَالَهُ بَرَكَةُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَسْأَلُ اللَّهَ مَا شَاءَ، وَيَتَعَوَّذُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ سَخَطِهِ وَغَضَبِهِ ; ثُمَّ يَأْتِي الْأُسْطُوَانَةَ الْحَنَّانَةَ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا بَقِيَّةُ الْجِذْعِ الَّذِي حَنَّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تَرَكَهُ وَخَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ يُحْيِيَ لَيْلَهُ مُدَّةَ مَقَامِهِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدُّعَاءِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ وَبَيْنَهُمَا سِرًّا وَجَهْرًا; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ زِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَأْتِيَ الْمَشَاهِدَ وَالْمَزَارَاتِ، خُصُوصًا قَبْرَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَيَزُورَ فِي الْبَقِيعِ قُبَّةَ الْعَبَّاسِ وَفِيهَا مَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَزَيْنُ الْعَابِدِينَ وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ وَابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ، وَفِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَّتُهُ صَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
(1/177)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَيُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِالْبَقِيعِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ شُهَدَاءَ أُحُدٍ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَيَقُولَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبَى الدَّارِ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَيَقْرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ يَوْمَ السَّبْتِ، كَذَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَدْعُوَ: يَا صَرِيخَ الْمُسْتَصْرِخِينَ، يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ، يَا مُفَرِّجَ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، يَا مُجِيبَ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاكْشِفْ كَرْبِي وَحُزْنِي كَمَا كَشَفْتَ عَنْ رَسُولِكَ حُزْنَهُ وَكَرْبَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ، يَا كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ، يَا دَائِمَ الْإِحْسَانِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
تَمَّ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ " الِاخْتِيَارُ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ "
وَيَلِيهِ:
الْجُزْءُ الثَّانِي، وَأَوَّلُهُ: كِتَابُ الْبُيُوعِ
(1/178)

«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
[حَدِيثٌ شَرِيفٌ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْبُيُوعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كتاب البيوع] [ما ينعقد به البيع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْبُيُوعِ الْبَيْعُ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الْمُبَادَلَةِ، وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ، سَوَاءً كَانَتْ فِي مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111] وَقَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} [البقرة: 175] .
وَفِي الشَّرْعِ: مُبَادَلَةُ الْمَالِ الْمُتَقَوِّمِ بِالْمَالِ الْمُتَقَوَّمِ تَمْلِيكًا وَتَمَلُّكًا، فَإِنْ وُجِدَ تَمْلِيكُ الْمَالِ بِالْمَنَافِعِ فَهُوَ إِجَارَةٌ أَوْ نِكَاحٌ، وَإِنْ وُجِدَ مَجَّانًا فَهُوَ هِبَةٌ، وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ. ثَبَتَتْ شَرْعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] وَقَالَ: {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] .
وَأَمَّا السُّنَّةُ «فَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ وَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَاعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاشْتَرَى مُبَاشَرَةً وَتَوْكِيلًا» ، وَعَلَى شَرْعِيَّتِهِ الْإِجْمَاعُ.
وَالْمَعْقُولُ وَهُوَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى شَرْعِيَّتِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْأَعْوَاضِ وَالسِّلَعِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الَّذِي فِي أَيْدِي بَعْضِهِمْ، وَلَا طَرِيقَ لَهُمْ إِلَّا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، فَإِنَّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الطِّبَاعُ مِنَ الشُّحِّ وَالضِّنَةِ وَحُبِّ الْمَالِ يَمْنَعُهُمْ مِنْ إِخْرَاجِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَاحْتَاجُوا إِلَى الْمُعَاوَضَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُشْرَعَ دَفْعًا لِحَاجَتِهِ.
(2/3)

الْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِلَفْظَيِ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ: بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ وَبِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُمَا وَبِالتَّعَاطِي (ف) وَإِذَا أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَالْآخَرُ إِنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، وَأَيُّهُمَا قَامَ قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَ الْإِيجَابُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى الرِّضَا الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ، وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهِمَا. وَشَرَطُهُ: أَهْلِيَّةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ مِنْ غَيْرِ أَهْلٍ.
وَمَحَلُّهُ: الْمَالُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْهُ شَرْعًا. وَحُكْمُهُ: ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، وَالْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ إِذَا كَانَ بَاتًّا، وَعِنْدَ الْإِجَازَةِ إِذَا كَانَ مَوْقُوفًا.
قَالَ: (الْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِلَفْظَيِ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ: بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ) لِأَنَّهُ إِنْشَاءٌ، وَالشَّرْعُ قَدِ اعْتَبَرَ الْإِخْبَارَ إِنْشَاءً فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ فَيَنْعَقِدُ بِهِ، وَلِأَنَّ الْمَاضِيَ إِيجَابٌ وَقَطْعٌ، وَالْمُسْتَقْبَلُ عِدَةٌ أَوْ أَمْرٌ وَتَوْكِيلٌ، فَلِهَذَا انْعَقَدَ بِالْمَاضِي.
قَالَ: (وَبِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُمَا) كَقَوْلِهِ أَعْطَيْتُكَ بِكَذَا، أَوْ خُذْهُ بِكَذَا، أَوْ مَلَّكْتُكَ بِكَذَا، فَقَالَ: أَخَذْتُ، أَوْ قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ، أَوْ أَمْضَيْتُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْقَبُولِ وَالرِّضَى، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ بِكَذَا، فَقَالَ الْبَائِعُ: رَضِيتُ، أَوْ أَمْضَيْتُ، أَوْ أَجَزْتُ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَبِالتَّعَاطِي) فِي الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ وَالنَّفِيسَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا الْمَقْصُودِ مِنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي فِي الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ فِيمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلَا يَنْعَقِدُ فِيمَا لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ؛ وَلَوْ قَالَ بِعْنِي، فَقَالَ بِعْتُ، أَوْ قَالَ اشْتَرِ مِنِّي، فَقَالَ اشْتَرَيْتُ، لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ اشْتَرَيْتُ أَوْ بِعْتُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْنِي وَاشْتَرِ لَيْسَ بِإِيجَابٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ، فَإِذَا قَالَ بِعْتُ أَوِ اشْتَرَيْتُ فَقَدْ وُجِدَ شَطْرُ الْعَقْدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْآخَرِ لِيَتِمَّ.
وَقِيلَ إِذَا نَوَى الْإِيجَابَ فِي الْحَالِ انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى هَذَا أَبِيعُكَ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ أُعْطِيكَهُ، فَيَقُولُ الْآخَرُ أَشْتَرِيهِ أَوْ أَقْبَلُهُ أَوْ آخُذُهُ إِنْ نَوَى الْأَصَحَّ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ: (وَإِذَا أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَالْآخَرُ إِنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ) لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ غَيْرُ مُجْبَرٍ فَيَخْتَارُ أَيُّهُمَا شَاءَ، وَهَذَا خِيَارُ الْقَبُولِ، وَيَمْتَدُّ فِي الْمَجْلِسِ لِلْحَاجَةِ إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّرَوِّي وَالْمَجْلِسُ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ، وَيَبْطُلُ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ خِيَارُ الْمُخَيَّرَةِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَلِلْمُوجِبِ الرُّجُوعَ لِعَدَمِ إِبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْقَبُولُ فِي الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ وَأَنَّهُ ضَرَرٌ بِالْبَائِعِ، فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ ضَمَّ الرَّدِيءِ إِلَى الْجَيِّدِ فِي الْبَيْعِ لِتَرْوِيجِ الرَّدِيءِ، فَلَوْ صَحَّ التَّفْرِيقُ يَزُولُ الْجَيِّدُ عَنْ مِلْكِهِ فَيَبْقَى الرَّدِيءُ فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي يَرْغَبُ فِي الْجَمِيعِ، فَإِذَا فَرَّقَ الْبَائِعُ الصَّفْقَةَ عَلَيْهِ يَتَضَرَّرُ.
(وَأَيُّهُمَا قَامَ قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَ الْإِيجَابُ) لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ وَعَدَمِ الرِّضَا وَلَهُ ذَلِكَ
(2/4)

فَإِذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَهُمَا الْبَيْعُ بِلَا خِيَارِ مَجْلِسٍ (ف) ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ مَعْرِفَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ إِذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَمَنْ أَطْلَقَ الثَّمَنَ فَهُوَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ كَيْلًا وَوَزْنًا وَمُجَازَفَةً؛ وَمَنْ بَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَشَطْرُ الْعَقْدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ الْغَائِبِ كَمَنْ قَالَ: بِعْتُ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ فَبَلَغَهُ فَقَبِلَ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا إِذَا كَانَ بِكِتَابَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ، فَيُعْتَبَرُ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْكِتَابِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَعَلَى هَذَا الْإِجَارَةُ وَالْهِبَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالنِّكَاحُ؛ وَلَوْ تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ أَوْ يَسِيرَانِ إِنْ لَمْ يَفْصِلَا بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا بِسَكْتَةٍ انْعَقَدَ الْبَيْعُ، وَإِنْ فَصَلَا لَمْ يَنْعَقِدْ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ: (فَإِذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَهُمَا الْبَيْعُ بِلَا خِيَارِ مَجْلِسٍ) لِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لِوُجُودِ رُكْنِهِ وَشَرَائِطِهِ، فَخِيَارُ أَحَدِهِمَا الْفَسْخَ إِضْرَارٌ بِالْآخَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ، وَالنَّصُّ يَنْفِيهِ؛ وَمَا رُوِيَ مِنَ الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى خِيَارِ الْقَبُولِ، هَكَذَا قَالَهُ النَّخَعِيُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ " الْمُتَبَايِعَانِ " يَقْتَضِي حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ، وَقَوْلُهُ: " مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " أَيْ بِالْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ مَعْرِفَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ) قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَيَكْتَفِي بِالْمُبَاشَرَةِ، لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلتَّعْرِيفِ قَاطِعَةٌ لِلْمُنَازَعَةِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالْأُنْمُوذَجِ كَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ فَرُؤْيَةُ الْأُنْمُوذَجِ كَرُؤْيَةِ الْجَمِيعِ، إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ فَيَكُونَ لَهُ خِيَارُ الْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَ مَا لَا يُعْرَفُ بِالْأُنْمُوذَجِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ فَيَذْكُرُ لَهُ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ وَيَكُونُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ إِذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ) قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ لِتُعَيِّنَهُ.
(وَمَنْ أَطْلَقَ الثَّمَنَ فَهُوَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ) لِلتَّعَارُفِ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ هَذَا الدَّارَ بِعَشَرَةٍ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ، أَوْ هَذَا الْبِطِّيخَ بِعَشَرَةٍ وَهُوَ فِي بَلَدٍ يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ، انْصَرَفَ فِي الدَّارِ إِلَى الدَّنَانِيرِ، وَفِي الثَّوْبِ إِلَى الدَّرَاهِمِ، وَفِي الْبِطِّيخِ إِلَى الْفُلُوسِ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَامَلُوا بِهَا يَنْصَرِفْ إِلَى الْمُعْتَادِ عِنْدَهُمْ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ كَيْلًا وَوَزْنًا وَمُجَازَفَةً) وَمُرَادُهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» وَلِأَنَّهُ لَا رِبًا إِلَّا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَحَقَّقُ الزِّيَادَةُ إِلَّا فِيهِ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ جُمْلَةُ قُفْزَانِهَا، إِمَّا بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ بِالْكَيْلِ فِي الْمَجْلِسِ. وَقَالَا: يَجُوزُ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ زَوَالَ الْجَهَالَةِ بِيَدِهَا وَلَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ. وَلَهُ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الصَّرْفُ إِلَى الْجَمِيعِ لِلْجَهَالَةِ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ فَيُصْرَفُ إِلَى الْأَقَلِّ.
(2/5)

وَمَنْ بَاعَ قَطِيعَ غَنَمٍ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا (سم ف) ، وَالثِّيَابُ كَالْغَنَمِ، فَإِنْ سَمَّى جُمْلَةَ الْقُفْزَانِ وَالذُّرْعَانِ وَالْغَنَمِ جَازَ فِي الْجَمِيعِ؛ وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَلَ مَفَاتِيحُهَا وَبِنَاؤُهَا فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ صَلَاحِهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَهُوَ الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ. فَإِذَا زَالَتِ الْجَهَالَةُ جَازَ فِي الْجَمِيعِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَإِذَا جَازَ الْبَيْعُ فِي الْوَاحِدِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ قَطِيعَ غَنَمٍ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَالثِّيَابُ) وَالْمَعْدُودُ التَّفَاوُتُ (كَالْغَنَمِ) وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي الْكُلِّ لِمَا مَرَّ. وَلَهُ أَنَّ قَضِيَّةَ مَا ذَكَرْنَا الْجَوَازُ فِي وَاحِدٍ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاحِدَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَتَفَاوَتُ فَيُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فَصَارَ كَالْمَجْهُولِ فَلَا يَجُوزُ.
قَالَ: (فَإِنْ سَمَّى جُمْلَةَ الْقُفْزَانِ وَالذُّرْعَانِ وَالْغَنَمِ جَازَ فِي الْجَمِيعِ) لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ وَزَوَالِ الْمَانِعِ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَلَ مَفَاتِيحُهَا وَبِنَاؤُهَا فِي الْبَيْعِ) لِأَنَّ الْمَفَاتِيحَ تَبَعٌ لِلْأَبْوَابِ، وَالْأَبْوَابُ مُتَّصِلَةٌ بِالْبِنَاءِ لِلْبَقَاءِ، وَالْبِنَاءُ مُتَّصِلٌ بِالْعَرْصَةِ اتِّصَالَ قَرَارٍ، فَصَارَتْ كَالْجُزْءِ مِنْهَا فَتَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ فَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ.
(وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ) لِأَنَّ اتِّصَالَهُ كَاتِّصَالِ الْبِنَاءِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ، لِأَنَّ اتِّصَالَهُمَا لَيْسَ لِلْقَرَارِ فَصَارَ كَالْمَتَاعِ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ: اقْطَعِ الثَّمَرَةَ وَاقْلَعِ الزَّرْعَ وَسَلِّمِ الْمَبِيعَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْبَيْعِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّفْرِيقِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ شَرَطَهُمَا دَخَلَا فِي الْبَيْعِ عَمَلًا بِالشَّرْطِ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنِ اشْتَرَى نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» وَلَوِ اشْتَرَى دَارًا وَذَكَرَ حُدُودَهَا دَخَلَ السُّفْلُ وَالْعُلُوُّ وَالْإِصْطَبْلُ وَالْكَنِيفُ وَالْأَشْجَارُ، لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا؛ وَالْبُسْتَانُ إِذَا كَانَ خَارِجَ الدَّارِ إِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهَا دَخَلَ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّارِ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهَا أَوْ أَكْبَرَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا بِالشَّرْطِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْحُدُودِ؛ وَتَدْخُلُ الظُّلَّةُ عِنْدَهُمَا إِذَا كَانَ مَفْتَحُهَا إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ تُعَدُّ مِنَ الدَّارِ عُرْفًا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَدْخُلُ، لِأَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْهَا عَلَى حَائِطِ الدَّارِ فَيَتْبَعُهَا، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ عَلَى دَارٍ أُخْرَى أَوْ عَلَى أُسْطُوَانَةٍ فَلَا تَتْبَعُهَا، فَلَا تَدْخُلُ بِالشَّكِّ حَتَّى تُذْكَرَ الْحُقُوقُ، وَالظُّلَّةُ: هِيَ الَّتِي عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ وَهُوَ السَّابَاطُ، وَيَدْخُلُ الطَّرِيقُ إِلَى السِّكَّةِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَلَوِ اشْتَرَى مَنْزِلًا فَوْقَهُ مَنْزِلٌ لَا يَدْخُلُ إِلَّا أَنْ تُذْكَرَ الْحُقُوقُ أَوْ كُلُّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، لِأَنَّ الْمَنْزِلَ اسْمٌ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مَرَافِقُ السُّكْنَى. لِأَنَّهُ مِنَ النُّزُولِ وَهُوَ السُّكْنَى، وَالْعُلُوُّ مِثْلُ السُّفْلِ فِي السُّكْنَى مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَيَكُونُ تَبَعًا مِنْ وَجْهٍ أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ ذَكَرَ الْحُقُوقَ دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوِ اشْتَرَى بَيْتًا لَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ وَإِنْ ذَكَرَ الْحُقُوقَ حَتَّى يَنُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْبَيْتَ مَا يُبَاتُ فِيهِ، وَعُلُوُّهُ مِثْلُهُ فِي الْبَيْتُوتَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا بِالشَّرْطِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ صَلَاحِهَا) وَالْمُرَادُ إِذَا كَانَتْ يُنْتَفَعُ
(2/6)

وَيَجِبُ قَطْعُهَا لِلْحَالِ، وَإِنْ شَرَطَ تَرْكَهَا عَلَى الشَّجَرِ فَسَدَ الْبَيْعُ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةً، وَيَسْتَثْنِي مِنْهَا أَرْطَالًا مَعْلُومَةً وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا، وَالْبَاقِلَاءِ فِي قِشْرِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الطَّرِيقِ وَهِبَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَسِيلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِهَا لِلْأَكْلِ أَوِ الْعَلْفِ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ؟ أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُنْتَفَعًا بِهَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوَّمٍ.
(وَيَجِبُ قَطْعُهَا لِلْحَالِ) لِيَتَفَرَّغَ مِلْكُ الْبَائِعِ.
(وَإِنْ شَرَطَ تَرْكَهَا عَلَى الشَّجَرِ فَسَدَ الْبَيْعُ) لِأَنَّهُ إِعَارَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ فِي الْبَيْعِ، فَيَكُونُ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَذَا الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ؛ وَإِنْ تَرَكَهَا بِأَمْرِهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَازَ وَطَابَ الْفَضْلُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ لِحُصُولِهِ بِأَمْرٍ مَحْظُورٍ؟ وَإِنِ اسْتَأْجَرَ الشَّجَرَ طَابَ لَهُ الْفَضْلُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَبَطَلَتِ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ؛ وَكَذَا إِذَا اشْتَرَاهَا بَعْدَمَا تَنَاهَى عِظَمُهَا يَجِبُ الْقَطْعُ لِلْحَالِ لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ تَرَكَهَا طَابَ الْفَضْلُ وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ وَإِنَّمَا هُوَ تَغَيُّرُ وَصْفٍ؛ فَإِنْ شَرَطَ بَقَاءَهَا عَلَى الشَّجَرِ جَازَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا لِلْعُرْفِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعِظَمِ لِأَنَّهُ يَزْدَادُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِ اشْتَرَطَ الْجُزْءَ الْمَعْدُومَ فَلَا يَجُوزُ؛ فَإِنْ خَرَجَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ أَوْ خَرَجَ الْكُلُّ لَكِنَّ بَعْضَهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمُتَقَوَّمِ وَغَيْرِ الْمُتَقَوَّمِ فَتَبْقَى حِصَّةُ الْمَوْجُودِ مَجْهُولَةً؛ وَكَانَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ وَالْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ يُفْتِيَانِ بِجَوَازِهِ فِي الثِّمَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَنَحْوِهِمَا، جَعَلَا الْمَعْدُومَ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ لِلتَّعَامُلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْعَادَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ الْجَوَازُ فِي بَيْعِ الْوَرْدِ لِأَنَّهُ مُتَلَاحِقٌ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إِذْ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنَّهُ يَشْتَرِي أُصُولَهَا أَوْ يَشْتَرِي الْمَوْجُودَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَحِلُّ لَهُ الْبَائِعُ مَا يُحْدِثُ، وَلَوِ اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا وَأَثْمَرَ ثَمَرًا آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ الْبَيْعُ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ أَثْمَرَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ يَشْتَرِكَانِ، وَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَدْرِهِ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ.

[شروط صحة البيع]
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةً وَيَسْتَثْنِيَ مِنْهَا أَرْطَالًا مَعْلُومَةً) لِجَهَالَةِ الْبَاقِي، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِجَوَازِ بَيْعِهِ ابْتِدَاءً؛ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ ابْتِدَاءً يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ كَبَيْعِ صُبْرَةٍ إِلَّا قَفِيزًا، وَقَفِيزٌ مِنْ صُبْرَةِ، بِخِلَافِ الْحَمْلِ وَأَطْرَافِ الْحَيَوَانِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ابْتِدَاءً.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا وَالْبَاقِلَاءِ فِي قِشْرِهِ) وَكَذَا السِّمْسِمُ وَالْأُرْزُ وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ» ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَعَلَى الْبَائِعِ تَخْلِيصُهُ بِالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ، وَكَذَا قُطْنٌ فِي فِرَاشٍ وَعَلَى الْبَائِعِ فَتْقُهُ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ. أَمَّا جُذَاذُ الثَّمَرَةِ، وَقَطْعُ الرَّطْبَةِ، وَقَلْعُ الْجُذُورِ وَالْبَصَلِ وَأَمْثَالِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يَعْمَلُ فِي مِلْكِهِ وَلِلْعُرْفِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الطَّرِيقِ وَهِبَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَسِيلِ) لِأَنَّ الطَّرِيقَ مَوْضِعٌ مِنَ الْأَرْضِ مَعْلُومُ
(2/7)

وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ سَلَّمَهُ أَوَّلًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا؟ وَإِنْ بَاعَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ أَوْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ سُلِّمَا مَعًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ (م) ، وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ (ز) وَالسِّلْعَةِ (ز) وَالْحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ، وَيَلْتَحِقُ (ز) بِأَصْلِ الْعَقْدِ؛ وَمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ ثُمَّ أَجَّلَهُ صَحَّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الطُّولِ وَالْعَرْضِ فَيَجُوزُ؛ وَالْمُسِيلُ: مَوْضِعُ جَرَيَانِ الْمَاءِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لِأَنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ سَلَّمَهُ أَوَّلًا) تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالثَّمَنُ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِالْقَبْضِ، فَلِهَذَا اشْتَرَطَ تَسْلِيمَهُ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِالتَّأْجِيلِ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْآخَرِ.
(وَإِنْ بَاعَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ أَوْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ سُلِّمَا مَعًا) تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» ، وَلِأَنَّهُ عَسَاهُ يَهْلَكُ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فَيَكُونُ غَرَرًا، وَكَذَا كُلُّ مَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ كَبَدَلِ الصُّلْحِ وَالْإِجَارَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَمَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَقِيَاسًا عَلَى الْمَنْقُولِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْعَرْصَةُ، وَهِيَ مَأْمُونَةُ الْهَلَاكِ غَالِبًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عُلْوًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ النَّقْلِيُّ، لِأَنَّ الْقَبْضَ الْحَقِيقِيَّ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ وَعَمَلًا بِدَلَائِلِ الْجَوَازِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَالثَّانِي نَافِذٌ وَإِلَّا فَمَوْقُوفٌ كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَالْإِجَارَةِ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ، وَهَلَاكُهَا غَيْرُ نَادِرٍ بِهَلَاكِ الْبِنَاءِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ) لِقِيَامِ الْمِلْكِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةِ، وَالْحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ وَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ) وَقَالَ زُفَرُ:
هِيَ مُبْتَدَأَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ ثَمَنًا وَمُثَمَّنًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكُهُ عِوَضَ مِلْكِهِ فَجَعَلْنَاهُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً. وَلَنَا أَنَّ بِالزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ غَيَّرَا وَصْفَ الْعَقْدِ مِنَ الرِّبْحِ إِلَى الْخُسْرَانِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَهُمَا يَمْلِكَانِ إِبْطَالَهُ فَيَمْلِكَانِ تَغْيِيرَهُ، وَلَا بُدَّ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَائِمًا قَابِلًا لِلتَّصَرُّفِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا تَصِحَّ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِهِ، وَيَصِحُّ الْحَطُّ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ وَالزِّيَادَةُ إِثْبَاتٌ، وَلَوْ حَطَّ بَعْضَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ الْتَحَقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَإِنْ حَطَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَلْتَحِقْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الثَّمَنَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَيَبْطُلُ الْحَطُّ، وَإِذَا صَحَّتِ الزِّيَادَةُ يَصِيرُ لَهَا حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ فَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ، وَلَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ سَقَطَ حِصَّتُهَا مِنَ الثَّمَنِ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍ ثُمَّ أَجَّلَهُ صَحَّ)
(2/8)

وَمَنْ مَلَكَ جَارِيَةً يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ وَضْعِ حَمْلٍ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالسِّبَاعِ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ حَقُّهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ فَيَمْلِكُ تَأْجِيلَهُ؟ وَكُلُّ دَيْنٍ حَالٍ يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا إِلَّا الْقَرْضَ لِأَنَّهُ صِلَةُ ابْتِدَاءٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ، وَالتَّأْجِيلُ فِي التَّبَرُّعَاتِ غَيْرُ لَازِمٍ كَالْإِعَارَةِ مُعَاوَضَةَ انْتِهَاءٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِيهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعُ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ نَسِيئَةً وَأَنَّهُ حَرَامٌ.
قَالَ: (وَمَنْ مَلَكَ جَارِيَةً يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ وَضْعِ حَمْلٍ) وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «أَلَا لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، وَلَا غَيْرُ الْحَبَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» نَهْيٌ عَنْ وَطْءِ الْمَمْلُوكَاتِ بِالسَّبْيِ إِلَى غَايَةِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ الْمِلْكِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَنَحْوِهَا، وَالشَّهْرُ كَالْحَيْضَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا لِمَا عُرِفَ؛ وَإِنْ حَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ انْتَقَلَ إِلَى الْحَيْضَةِ كَمَا فِي الْعِدَّةِ؛ وَالْمُعْتَبَرُ مَا يُوجَدُ بَعْدَ الْقَبْضِ حَتَّى لَوْ حَاضَتْ أَوْ وَضَعَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ، وَكَمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ يَحْرُمُ دَوَاعِيهِ احْتِرَازًا عَنِ الْوُقُوعِ فِيهِ كَمَا فِي الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِلْأَذَى وَلَا أَذًى فِي الدَّوَاعِي؛ وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يُزَوِّجَهَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَالْأَحْسَنُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا.
وَأَمَّا مُمْتَدَّةُ الطُّهْرِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَتَيَقَّنَ بِعَدَمِ الْحَمْلِ، وَرُوِيَ عَنْهُ سَنَتَانِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَبْقَى أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ. وَعَنْهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشرَةُ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ لِلْحُرَّةِ تَعْرِفُ بِهَا بَرَاءَةَ الرَّحِمِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ لِأَنَّهُ عِدَّةُ الْأَمَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ فِي حَقِّ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعُ سِنِينَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ؛ وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ إِذَا حَدَثَ لَهُ مِلْكُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، سَوَاءٌ وَطِئَهَا الْبَائِعُ أَوْ لَا، أَوْ كَانَ بَائِعُهَا مِمَّنْ لَا يَطَأُ كَالْمَرْأَةِ وَالصَّغِيرِ وَالْأَخِ مِنَ الرِّضَاعِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ بِكْرًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إِذَا حَاضَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِلتَّعَرُّفِ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ ظَاهِرًا. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِبْرَاءِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْوَطْءِ فِي مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَحِكْمَتُهُ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ لَا عَلَى الْحِكْمَةِ؛ وَلَوِ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ فَلَا اسْتِبْرَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ صِيَانَةُ مَائِهِ عَنْ مَائِهِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالسِّبَاعِ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا
(2/9)

وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْبَيْعِ كَالْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَخْرَسِ، وَسَائِرُ عُقُودِهِ بِالْإِشَارَةِ الْمَفْهُومَةِ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ، وَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَيَسْقُطُ خِيَارُهُ بِجَسِّ الْمَبِيعِ أَوْ بِشَمِّهِ أَوْ بِذَوْقِهِ، وَفِي الْعَقَارِ بِوَصْفِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَيَجُوزُ، وَلِهَذَا يَنْتَقِلُ إِلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثِ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالضَّبِّ وَالْقُنْفُذِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ إِمْسَاكِهِ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفِيلِ. وَفِي بَيْعِ الْقِرْدِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ بِيعَ الْحَيِّ مِنَ السَّرَطَانِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالضِّفْدَعِ دُونَ الْمَيِّتِ مِنْهُ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَلَقِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ.
قَالَ: (وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْبَيْعِ كَالْمُسْلِمِينَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا قَبِلُوا الْجِزْيَةَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» .
(وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلَهُمْ بَيْعَهَا. قَالَ:
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَخْرَسِ، وَسَائِرُ عُقُودِهِ بِالْإِشَارَةِ الْمَفْهُومَةِ) وَيُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَهُ، وَلَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ وَلَا يُحَدُّ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ يَكْتُبُ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنَ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُمِرَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَقَدْ بَلَّغَ الْبَعْضُ بِالْكِتَابِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِمَكَانِ الْعَجْزِ، وَالْعَجْزُ فِي الْأَخْرَسِ أَظْهَرُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَنِ اعْتَقَلَ لِسَانَهُ أَوْ صَمَتَ يَوْمًا، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ إِذَا صَارَتْ مَعْهُودَةً وَمَعْلُومَةً، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْرَسِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبَهَاتِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ) لِأَنَّ النَّاسَ تَعَاهَدُوا ذَلِكَ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ عَمِيَ وَكَانَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِي الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَكَانَ أَعْمًى ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ جَازَ لَهُ الْمُبَاشَرَةُ كَالْبَصِيرِ.
(وَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَيَسْقُطُ خِيَارُهُ بِجَسِّ الْمَبِيعِ أَوْ بِشَمِّهِ أَوْ بِذَوْقِهِ، وَفِي الْعَقَارِ بِوَصْفِهِ) وَفِي الثَّوْبِ بِذِكْرِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمُشْتَرَى كَالنَّظَرِ مِنَ الْبَصِيرِ وَبَلْ أَكْثَرُ؛ وَلَوْ وُصِفَ لَهُ الْعَقَارُ ثُمَّ أَبْصَرَ لَا خِيَارَ لَهُ؛ وَلَوِ اشْتَرَى الْبَصِيرُ مَا لَمْ يَرَهُ ثُمَّ عَمِيَ فَهُوَ كَالْأَعْمَى عِنْدَ الْعَقْدِ.
(2/10)

فَصْلٌ [الْإِقَالَةُ] الْإِقَالَةُ جَائِزَةٌ، وَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ، وَهِيَ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (سم) بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ (ز) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل في الإقالة وأحكامها]
فَصْلٌ
(الْإِقَالَةُ جَائِزَةٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِأَنَّ لِلنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهَا كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الْبَيْعِ فَتُشْرَعُ، وَلِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْعَقْدَ فَصَارَتْ كَالطَّلَاقِ مَعَ النِّكَاحِ.
(وَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ) لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَتَصِحُّ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّهَا لَا يَحْضُرُهَا السَّوْمُ غَالِبًا كَالنِّكَاحِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بُدَّ مِنْ لَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ، فَلَوْ تَقَايَلَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَانَ بَيْعًا بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِقَالَةَ تُنْبِئُ عَنِ الرَّفْعِ، وَالْبَيْعَ عَنِ الْإِثْبَاتِ فَتَتَنَافَيَا؛ وَلَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَبْطُلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
قَالَ: (وَهِيَ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ جَعْلُهَا فَسْخًا بَطَلَتْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَفَسْخٌ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَطَلَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فَسْخٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَبَيْعٌ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَطَلَ. وَقَالَ زُفَرُ: فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَصُورَتُهُ: لَوْ تَقَايَلَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَهُوَ فَسْخٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَبْطُلُ شَرْطُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ بَيْعًا إِلَّا فِي الْعَقَارِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَهُ. وَلَوْ تَقَايَلَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَهُوَ فَسْخٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ جِنْسًا وَوَصْفًا وَقَدْرًا، وَيَبْطُلُ مَا شَرَطَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّأْجِيلِ وَالتَّغْيِيرِ، لِأَنَّ الْإِقَالَةَ رَفْعٌ فَيَقْتَضِي رَفْعَ الْمَوْجُودِ، وَالزِّيَادَةُ لَمْ تَكُنْ فَلَا تُرْفَعُ إِلَّا إِذَا حَدَثَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ، فَيَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ النُّقْصَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْبِ، وَلَوْ حَدَثَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ كَالْوَلَدِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ بَطَلَتِ الْإِقَالَةُ عِنْدَهُ لِتَعَذُّرِ الْفَسْخِ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْإِقَالَةُ جَائِزَةٌ بِمَا سَمَّيَا كَالْبَيْعِ الْجَدِيدِ، وَحُدُوثُ الزِّيَادَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إِنْ سَكَتَ أَوْ سَمَّى الثَّمَنَ الْأَوَّلَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ فَهُوَ فَسْخٌ، أَمَّا إِذَا سَمَّى الْأَقَلَّ فَلِأَنَّهُ سُكُوتٌ عَنِ الْبَعْضِ، وَلَوْ سَكَتَ عَنِ الْكُلِّ كَانَ فَسْخًا فَكَذَا عَنِ الْبَعْضِ، وَأَمَّا إِذَا ذَكَرَ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إِذَا دَخَلَهُ عَيْبٌ فَلَمَّا مَرَّ.
وَإِنْ سَمَّيَا أَكْثَرَ أَوْ خِلَافَ الْجِنْسِ أَوْ حَدَثَتِ الزِّيَادَةُ فَهُوَ بَيْعٌ جَدِيدٌ لِتَعَذُّرِ الْفَسْخِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فَسْخٌ بِصِيغَتِهِ، لِأَنَّ الْإِقَالَةَ تُنْبِئُ عَنِ الرَّفْعِ، وَمِنْهُ: أَقِلْنِي عَثْرَتِي بِمَعْنَى الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ، وَفِيهِ مَعْنَى الْبَيْعِ لِكَوْنِهِ مُبَادَلَةَ الْمَالِ بِالْمَالِ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالصِّيغَةِ يَعْمَلُ بِهَا
(2/11)

وَهَلَاكُ الْمَبِيعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقَالَةِ، وَهَلَاكُ بَعْضِهِ يَمْنَعُ بِقَدْرِهِ، وَهَلَاكُ الثَّمَنِ لَا يَمْنَعُ.

بَابُ الْخِيَارَاتِ خِيَارُ الشَّرْطِ جَائِزٌ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَإِلَّا يَعْمَلُ بِالْمَعْنَى، فَإِذَا سَكَتَ أَوْ سَمَّى الثَّمَنَ الْأَوَّلَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ فَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالصِّيغَةِ لِمَا بَيَّنَّا.
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ بِيعٌ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَنْ تَرَاضٍ فَيُعْمَلُ بِهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ فَيُعْمَلُ بِالصِّيغَةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ عِنْدَهُ فِي الْإِقَالَةِ فِي الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِقَالَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْفَسْخِ وَالْإِزَالَةِ لِمَا بَيَّنَّا، فَلَا تَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ نَفْيًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَالْأَصْلُ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ لَا يُجْعَلُ بَيْعًا مُبْتَدَأً لِأَنَّهُ ضِدُّ الرَّفْعِ فَيَبْطُلُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ بَيْعًا فِي حَقٍّ ثَالِثٍ وَهُوَ الشَّفِيعُ، فَصُورَتُهُ: بَاعَ دَارًا فَسَلَّمَ الشَّفِيعَ الشُّفْعَةَ ثُمَّ تَقَايَلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، فَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ خِلَافًا لِزُفَرَ، لِأَنَّ مَا هُوَ فَسْخٌ فِي حَقِّهِمَا فَهُوَ فَسْخٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا كَالرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِقَالَةَ نَقْلُ مِلْكٍ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ وَهُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ، وَهُمَا عَبَّرَا عَنْهُ بِالْإِقَالَةِ لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَلَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا وَقَبَضَهُ فَبَاعَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا، لَيْسَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ وَيَصِيرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ كَالْمُشْتَرِي.
قَالَ: (وَهَلَاكُ الْمَبِيعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقَالَةِ) لِأَنَّ الْفَسْخَ يَقْتَضِي قِيَامَ الْبَيْعِ وَهُوَ بِبَقَاءِ الْمَبِيعِ.
(وَهَلَاكُ بَعْضِهِ يَمْنَعُ بِقَدْرِهِ) لِقِيَامِ الْبَيْعِ فِي الْبَاقِي.
(وَهَلَاكُ الثَّمَنِ لَا يَمْنَعُ) لِقِيَامِ الْبَيْعِ بِدُونِهِ، وَإِنْ تَقَايَضَا فَهَلَاكُ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ الْإِقَالَةَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ، فَيَكُونُ الْبَيْعُ قَائِمًا، وَيَرُدُّ قِيمَةَ الْهَالِكِ أَوْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا انْفَسَخَ فِي الْبَاقِي يَنْفَسِخُ فِي الْهَالِكِ ضَرُورَةً، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ فَيَرُدُّ عِوَضَهُ، وَلَوْ هَلَكَ الْعِوَضَانِ لَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ وَتَصِحُّ لَوْ هَلَكَ الْبَدَلَانِ فِي الصَّرْفِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فِي الْعُرُوضِ دُونَ الْأَثْمَانِ فَكَذَا فِي الْإِقَالَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْخِيَارَاتِ]
ِ (خِيَارُ الشَّرْطِ جَائِزٌ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ، وَلِأَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِحَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَكَانَ يُخْدَعُ فِي الْبِيَاعَاتِ: «إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ، وَلِي الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَقَالَا: يَجُوزُ إِذَا ذَكَرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، لِأَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ نَظَرًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ لِلِاحْتِرَازِ عَنِ الْغَبْنِ وَالظَّلَامَةِ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثِ فَيَكُونُ مُفَوَّضًا إِلَى رَأْيِهِ، وَمَذْهَبُهُمَا مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ
(2/12)

وَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَفْسَخُ إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ (س) ، وَلَهُ أَنْ يُجِيزَ بِحَضْرَتِهِ وَغَيْبَتِهِ.

وَخِيَارُ الشَّرْطِ لَا يُورَثُ؛ وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ فَكَانَ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ؛ وَخِيَارُ الْبَائِعِ لَا يُخْرِجُ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِهِ، وَخِيَارُ الْمُشْتَرِي يُخْرِجُهُ وَلَا يُدْخِلُهُ فِي مِلْكِهِ (سم)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْأَصْلَ يَنْفِي جَوَازَ الشَّرْطِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ كَسَائِرِ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ النَّصُّ يَنْفِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ: «انْهَهُمْ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَبَيْعٍ وَسَلَفٍ» . وَرُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ، إِلَّا أَنَّا عَدَلْنَا عَنْ هَذِهِ الْأُصُولِ وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ حَبَّانَ، وَالْحَاجَةُ إِلَى دَفْعِ الْغَبْنِ تَنْدَفِعُ بِالثَّلَاثِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ وَالْحَاجَةِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَثَبَتَ فِي حَقِّهِمَا؛ وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ وَقْتًا، أَوْ ذَكَرَ وَقْتًا مَجْهُولًا فَأَجَازَ فِي الثَّلَاثِ أَوْ أَسْقَطَهُ، أَوْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ أَوْ بِمَوْتِ الْعَبْدِ، أَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ أَحْدَثَ فِيهِ مَا يُوجِبُ لُزُومَ الْعَقْدِ يَنْقَلِبُ جَائِزًا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُفْسِدَ لَمْ يَتَّصِلْ بِالْعَقْدِ، لِأَنَّ الْفَسَادَ بِالْيَوْمِ الرَّابِعِ، حَتَّى إِنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَفْسَدُ بِمُضِيِّ جُزْءٍ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ مَانِعَةٌ مِنَ انْبِرَامِهِ فَجَازَ أَنْ يَنْبَرِمَ بِإِسْقَاطِهِ كَالْخِيَارِ الصَّحِيحِ، وَشَرْطُ خِيَارِ الْأَبَدِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَفْسَخُ إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ) أَيْ بِعِلْمِهِ.
(وَلَهُ أَنْ يُجِيزَ بِحَضْرَتِهِ وَغَيْبَتِهِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَفْسَخُ بِغَيْبَتِهِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْخِيَارَ أَثْبَتَ لَهُ حَقَّ الْإِجَازَةِ وَالْفَسْخِ، فَكَمَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ مَعَ غَيْبَتِهِ فَكَذَا الْفَسْخُ. وَلَهُمَا أَنَّهُ فَسْخُ عَقْدٍ فَلَا يَصِحُّ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالْإِقَالَةِ، بِخِلَافِ الْإِجَازَةِ لِأَنَّهَا إِبْقَاءُ حَقِّ الْآخَرِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى عِلْمِهِ، وَالْفَسْخُ إِسْقَاطُ حَقِّهِ فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَسَخَ بِغَيْبَتِهِ فَعُلِمَ بِهِ فِي الْمُدَّةِ تَمَّ الْفَسْخُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ تَمَّ الْعَقْدُ.

[خيار الشرط وأحكامه]
قَالَ: (وَخِيَارُ الشَّرْطِ لَا يُورَثُ) لِأَنَّهُ مَشِيئَةٌ وَتَرَوٍّ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِرْثُ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ. أَمَّا خِيَارُ الْعَيْبِ فَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ سَلِيمًا فَيَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِهِ كَذَلِكَ. وَأَمَّا خِيَارُ التَّعْيِينِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ لَهُ ابْتِدَاءً لِاخْتِلَاطِ مِلْكِ الْمُوَرَّثِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ فَكَانَ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ) لِأَنَّ هَذَا وَصْفٌ وَالْأَوْصَافُ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ فَيَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، إِلَّا أَنَّهُ فَاتَهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مُسْتَحِقٌّ بِالْعَقْدِ، فَبِفَوَاتِهِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِدُونِهِ كَوَصْفِ السَّلَامَةِ، وَعَلَى هَذَا اشْتِرَاطُ سَائِرِ الْحِرَفِ.
قَالَ: (وَخِيَارُ الْبَائِعِ لَا يُخْرِجُ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِهِ، وَخِيَارُ الْمُشْتَرِي يُخْرِجُهُ وَلَا يُدْخِلُهُ فِي مِلْكِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ حُكْمِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ حُكْمِهِ عَلَى سُقُوطِ
(2/13)

وَمَنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ جَازَ (ز) وَيَثْبُتُ لَهُمَا، وَأَيُّهُمَا أَجَازَ جَازَ وَأَيُّهُمَا فَسَخَ انْفَسَخَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ بِالْخِيَارِ اسْتُثْنِيَ مُبَاشَرَةُ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَامْتَنَعَ حُكْمُهُ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الْخِيَارُ، ثُمَّ الْخِيَارُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ فَلَا يَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَخْرُجُ بِالْمُرَاضَاةِ، وَلَا رِضًا مَعَ الْخِيَارِ حَتَّى نَفَذَ إِعْتَاقُ الْبَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَهَلَكَ فِي يَدِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفِذِ الْبَيْعَ، وَلَا نَفَاذَ لِلتَّصَرُّفِ بِدُونِ الْمِلْكِ، فَصَارَ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَفِيهِ الْقِيمَةُ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي كَالصَّحِيحِ، وَيَخْرُجُ الثَّمَنُ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي يُخْرِجُ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَزِمَ مِنْ جَانِبِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَدْخُلُ، وَالثَّمَنُ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ مُطَالَبَتَهُ قَبْلَ الثَّلَاثِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا فِي الْخِلَافِيَّاتِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِئَلَّا يَصِيرَ سَائِبَةً بِغَيْرِ مَالِكٍ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ لِلتَّرَوِّي، فَلَوْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ رُبَّمَا فَاتَ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ قَرِيبًا لَهُ فَيُعْتِقُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، فَلَوْ دَخَلَ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِهِ اجْتَمَعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَقَضِيَّةُ الْمُعَاوَضَةِ الْمُسَاوَاةُ، وَدُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ يَنْفِيهَا، وَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي هَلَكَ بِالثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إِنْ دَخَلَهَا عَيْبٌ لِأَنَّ بِالْعَيْبِ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ، وَالْهَلَاكُ لَا يَخْلُو عَنْ مُقَدِّمَةِ عَيْبٍ، فَيَهْلَكُ بَعْدَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ، وَيُعْرَفُ مِنْ هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا لِمَنْ يَتَأَمَّلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى قَرِيبًا لَهُ لَمْ يُعْتَقْ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ خِلَافًا لَهُمَا فِيهِمَا، وَإِنْ وَطِئَهَا لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا بِحُكْمِ النِّكَاحِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًا أَوْ نَقَصَهَا الْوَطْءُ، وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَلَوْ حَاضَتْ عِنْدَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لَا يَجْتَزِئُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَهُ، وَلَوْ رَدَّهَا لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ الِاسْتِبْرَاءُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا فِيهِمَا، وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ يَعْرِفُهَا مَنْ أَتْقَنَ هَذِهِ الْأُصُولَ.
قَالَ: (وَمَنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ جَازَ وَيَثْبُتُ لَهُمَا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّهُ مُوجِبُ الْعَقْدِ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ كَالثَّمَنِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ ابْتِدَاءً ثُمَّ لِلْغَيْرِ نِيَابَةً تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ.
(وَأَيُّهُمَا أَجَازَ جَازَ، وَأَيُّهُمَا فَسَخَ انْفَسَخَ) فَإِنْ أَجَازَ أَحَدَهُمَا وَفَسَخَ الْآخَرَ فَالْحُكْمُ لِلْأَسْبَقِ، وَإِنْ تَكَلَّمَا مَعًا فَالْحُكْمُ لِلْفَسْخِ، لِأَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ لِلْفَسْخِ فَهُوَ تَصَرُّفٌ فِيمَا شُرِعَ
(2/14)

وَيَسْقُطُ الْخِيَارُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَبِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا كَالرُّكُوبِ وَالْوَطْءِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ.

فَصْلٌ وَمَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ جَازَ، وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَجْلِهِ فَكَانَ أَوْلَى، وَقِيلَ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ أَوْلَى كَالْمُوَكِّلِ.
قَالَ: (وَيَسْقُطُ الْخِيَارُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَبِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا كَالرُّكُوبِ وَالْوَطْءِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْخِيَارَ يَسْقُطُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا الْإِسْقَاطُ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ: أَسْقَطَتُ الْخِيَارَ أَوْ أَبْطَلْتُهُ، أَوْ أَجَزْتُ الْبَيْعَ، أَوْ رَضِيتُ بِهِ وَمَا شَابَهَهُ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِالرِّضَى فَيَبْطُلُ الْخِيَارُ.
وَالثَّانِي الْإِسْقَاطُ دَلَالَةً، وَهُوَ كُلُّ فِعْلٍ يُوجَدُ مِمَّنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِ الْمَالِكِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْمِلْكِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْوَطْءِ وَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يَكُونُ رِضًى، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إِلَى سَائِرِ أَعْضَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْمُعَالَجَةِ وَلِيَعْرِفَ لِينَهَا وَخُشُونَتَهَا، وَلَوْ فَعَلَ الْبَائِعُ ذَلِكَ فَهُوَ فَسْخٌ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوبُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمَالِكِ، فَإِنْ رَكِبَهَا لِيَرُدَّهَا أَوْ لِيَسْقِيَهَا أَوْ لِيَشْتَرِيَ لَهَا عَلَفًا فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَكَنَ الدَّارَ أَوْ أَسْكَنَهَا لِدَلِيلِ الرِّضَى، وَلَوْ رَكِبَ أَوْ لَبِسَ أَوِ اسْتَخْدَمَ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ لِلِاخْتِبَارِ، وَلَوْ أَعَادَ ذَلِكَ بَطَلَ خِيَارُهُ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ إِلَّا فِي الْعَبْدِ إِذَا اسْتَخْدَمَهُ فِي حَاجَةٍ أُخْرَى لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ مَعَ الْقَبْضِ وَالرَّهْنِ؛ وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْمِلْكِ.
وَالثَّالِثُ سُقُوطُ الْخِيَارِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ كَمُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ وَمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِنَّ الْخِيَارَ كَانَ لَهُمَا فَمَاتَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْآخَرُ عَلَى خِيَارِهِ، وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ أَوْ نَامَ أَوْ سَكِرَ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْخِيَارُ، وَلَوْ دَاوَى الْعَبْدَ، أَوْ عَالَجَ الدَّابَّةَ، أَوْ عَمَّرَ فِي السَّاحَةِ، أَوْ رَمَّ شَعَثَ الدَّارِ، أَوْ لَقَّحَ النَّخِيلَ، أَوْ حَلَبَ الْبَقَرَةَ بَطَلَ، لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ خَصَائِصِ الْمِلْكِ.

[فَصْلٌ خيار الرؤيا وأحكامه]
فَصْلٌ
(وَمَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ جَازَ، وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) مَعْنَاهُ: إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا وَلَمْ يَرَهُ الْبَائِعُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهُ» وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَلَا تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ لِلِانْعِقَادِ كَالثَّمَنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ يَرُدُّهُ لِعَدَمِ اللُّزُومِ، وَإِذَا جَازَ الْعَقْدُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ قَبْلَهَا لَا يَلْزَمُ
(2/15)

وَمَنْ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَيَسْقُطُ بِرُؤْيَةِ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ كَوَجْهِ الْآدَمِيِّ وَوَجْهِ الدَّابَّةِ وَكَفَلِهَا، وَرُؤْيَةِ الثَّوْبِ مَطْوِيًّا وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَازِمًا، أَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّ بَعْضِهِ، أَوْ مَاتَ بَطَلَ الْخِيَارُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِصَرِيحِ الْإِسْقَاطِ قَبْلَهَا لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَبَتَ شَرْعًا فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِمَا، بِخِلَافِ خِيَارَيِ الشَّرْطِ وَالْعَيْبِ لِأَنَّهُمَا ثَبَتَا بِقَصْدِهِمَا وَشَرْطِهِمَا، وَيَمْلِكُ فَسْخَهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ، وَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ، لَكِنْ يَمْنَعُ اللُّزُومَ حَتَّى لَوْ بَاعَهُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ لَزِمَ الْبَيْعُ، وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ أَوْ عَرَضَهَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَيَلْزَمُ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ لَكِنْ رَضِيَ، وَالرِّضَى قَبْلَ الرُّؤْيَةِ لَا يُسْقِطُ الْخِيَارَ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ) وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَهُ الْخِيَارُ، لِأَنَّ اللُّزُومَ بِالرِّضَى، وَالرِّضَى بِالْعِلْمِ بِأَوْصَافِ الْمَبِيعِ، وَالْعَلَمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا خِيَارَ لَهُ، لِأَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَهُ لِلْمُشْتَرِي خَوْفًا مِنْ تَغَيُّرِ الْمَبِيعِ عَمَّا يَظُنُّهُ وَدَفْعًا لِلْغَبْنِ عَنْهُ، فَلَوْ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ لَثَبَتَ خَوْفًا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَظُنُّهُ مِنَ الْأَوْصَافِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ مَرِيضٌ فَإِذَا هُوَ صَحِيحٌ لَزِمَهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ؟ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَاعَ أَرْضًا بِالْكُوفَةِ مِنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقِيلَ لِعُثْمَانَ: غَبَنْتَ؟ قَالَ: لِي الْخِيَارُ فَإِنِّي بِعْتُ مَا لَمْ أَرَهُ، وَقِيلَ لِطَلْحَةَ: غُبِنْتَ؟ فَقَالَ: لِي الْخِيَارُ لِأَنِّي اشْتَرَيْتُ مَا لَمْ أَرَهُ، فَاحْتَكَمَا إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَحَكَمَ بِالْخِيَارِ لِطَلْحَةَ وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَحَكَمَ جُبَيْرٌ، وَرُجُوعُهُمَا إِلَى حُكْمِهِ وَعَدَمُ وُجُودِ النَّكِيرِ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ.
قَالَ: (وَيَسْقُطُ بِرُؤْيَةِ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ كَوَجْهِ الْآدَمِيِّ وَوَجْهِ الدَّابَّةِ وَكَفَلِهَا، وَرُؤْيَةِ الثَّوْبِ مَطْوِيًّا وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْجَمِيعِ غَيْرُ شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فَاكْتُفِيَ بِرُؤْيَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ. وَالْوَجْهُ فِي الْآدَمِيِّ هُوَ الْمَقْصُودُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَنَ يَزْدَادُ وَيَنْقُصُ بِالْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَلُ فِي الدَّابَّةِ؛ وَأَمَّا الثَّوْبُ فَالْمُرَادُ الثِّيَابُ الَّتِي لَا يُخَالِفُ بَاطِنُهَا الظَّاهِرَ، أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَاطِنِ، وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ؛ وَفِي الدَّارِ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَبْنِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ الظَّاهِرِ؛ وَلَا بُدَّ فِي شَاةِ اللَّحْمِ مِنَ الْجَسِّ وَشَاةِ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الضَّرْعِ مَعَ جَمِيعِ جَسَدِهَا، وَاعْتُبِرَ بِهَذَا جَمِيعُ الْمَبِيعَاتِ.
قَالَ: (فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَازِمًا أَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّ بَعْضِهِ، أَوْ مَاتَ بَطَلَ الْخِيَارُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْبَعْضِ فَرَدُّ الْبَاقِي إِضْرَارٌ بِالْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ رَدُّ الْمَعِيبِ؛ وَأَمَّا الْمَوْتُ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ وَبَقِيَ لَهُ خِيَارُ
(2/16)

وَلَوْ رَأَى بَعْضَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَأَى بَاقِيَهُ، وَمَا يُعْرَضُ بِالْأُنْمُوذَجِ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ كَرُؤْيَةِ كُلِّهِ؛ وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ رَدَّهُ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ وَالْمُتَبَايِعَانِ بِحَالِهِمْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الرُّؤْيَةِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ لَا يُورَثُ.
قَالَ: (وَلَوْ رَأَى بَعْضَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَأَى بِاقِيَهُ) لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ يَكُونُ إِلْزَامًا لِلْبَيْعِ فِيمَا لَمْ يَرَهُ وَأَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ، وَكَذَلِكَ الْإِجَازَةُ فِي الْبَعْضِ لَا تَكُونُ إِجَازَةً فِي الْكُلِّ لِمَا مَرَّ، وَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ فِي الْبَعْضِ وَرَدُّ الْبَاقِي لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَمَا يُعْرَضُ بِالْأُنْمُوذَجِ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ كَرُؤْيَةِ كُلِّهِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ أَشْيَاءَ إِنْ كَانَ مِنَ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالْبِطِّيخِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ وَنَحْوِهِ لَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ إِلَّا بِرُؤْيَةِ الْكُلِّ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا وَهُوَ الَّذِي يُعْرَضُ بِالْأُنْمُوذَجِ أَوْ مَعْدُودًا مُتَقَارِبًا كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ فَرُؤْيَةُ بَعْضِهِ تُبْطِلُ الْخِيَارَ فِي كُلِّهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الصِّفَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ وَعَلَيْهِ التَّعَارُفُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ أَرْدَأَ مِنَ الْأُنْمُوذَجِ فَيَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُغَيَّبًا تَحْتَ الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَالشَّلْجَمِ وَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْفُجْلِ بَعْدَ النَّبَاتِ إِنْ عُلِمَ وُجُودُهُ تَحْتَ الْأَرْضِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، فَإِذَا بَاعَهُ ثُمَّ قَلَعَ مِنْهُ أُنْمُوذَجًا وَرَضِيَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ كَيْلًا كَالْبَصَلِ، أَوْ وَزْنًا كَالثُّومِ وَالْجَزَرِ بَطَلَ خِيَارُهُ عِنْدَهُمَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِلْحَاجَةِ وَجَرَيَانِ التَّعَامُلِ بِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ عَدَدًا كَالْفُجْلِ وَنَحْوِهِ، فَرُؤْيَةُ بَعْضِهِ لَا يُسْقِطُ خِيَارَهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الرُّؤْيَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ؛ وَكَذَلِكَ لَوِ اخْتَلَفَا فِي الْمَرْدُودِ فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعَ، وَكَذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَفِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ فَالْمَالِكُ إِنْ شَاءَ رَدَّهُ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ وَالْمُتَبَايِعَانِ بِحَالِهِمْ) .
اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ مُنْعَقِدَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ لِصُدُورِهَا مِنَ الْأَهْلِ وَهُوَ الْحُرُّ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ، مُضَافَةً إِلَى الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَالِكِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ لَهُ، وَتُحْتَمَلُ الْمَنْفَعَةُ فَيَنْعَقِدُ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِ الْعَاقِدِ الْعَاقِلِ وَتَحْصِيلًا لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَفَعَ دِينَارًا إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى شَاةً ثُمَّ بَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ، وَاشْتَرَى بِأَحَدِ الدِّينَارَيْنِ شَاةً، وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ، فَأَجَازَ صَنِيعَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» ، وَكَانَ فُضُولِيًّا لِأَنَّهُ بَاعَ الشَّاةَ وَاشْتَرَى الْأُخْرَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَكُلُّ عَقْدٍ لَهُ مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، وَمَا لَا فَلَا، حَتَّى إِنَّ طَلَاقَ الْفُضُولِيِّ وَعِتَاقَهُ وَنِكَاحَهُ وَهِبَتَهُ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَيَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْإِجَازَةِ يَصِيرُ الْفُضُولِيُّ كَالْوَكِيلِ حَتَّى
(2/17)

فَصْلٌ [خِيَارُ الْعَيْبِ] مُطْلَقُ الْبَيْعِ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ، وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نُقْصَانَ الثَّمَنِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ فَهُوَ عَيْبٌ، وَإِذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تَرْجِعَ الْحُقُوقُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْوِكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْوِكَالَةِ وَلَا الْمُبَاشَرَةِ؛ وَلِلْفُضُولِيِّ الْفَسْخُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لِئَلَّا تَرْجِعَ الْحُقُوقُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَرْجِعُ فِيهِ إِلَيْهِ لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ سَفِيرٌ فِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمَبِيعِ وَالْمُتَبَايِعَيْنِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ، إِذْ لَا بَقَاءَ لِلْعَقْدِ بِدُونِهِمْ.
وَالْإِجَازَةُ: إِنْفَاذُ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ مُقَايَضَةً يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْعِوَضَيْنِ وَالْمُتَعَاقِدَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا.

[فصل خِيَارُ الْعَيْبِ وأحكامه]
فَصْلٌ (مُطْلَقُ الْبَيْعِ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ السَّلَامَةُ، وَهُوَ وَصْفٌ مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ عَادَةً، وَالْمَطْلُوبُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ نَصًّا.
قَالَ: (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نُقْصَانَ الثَّمَنِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ فَهُوَ عَيْبٌ) لِأَنَّ الضَّرَرَ بِنُقْصَانِ الْمَالِيَّةِ وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْعُيُوبِ وَتَعْدَادِهَا، وَإِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ عِنْدَ الشِّرَاءِ أَوْ عِنْدَ الْقَبْضِ وَسَكَتَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَأَخْذُ النُّقْصَانِ إِلَّا بِرِضَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ بِالْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، فَوَجَدَ بِبَعْضِهِ عَيْبًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ الْجَيِّدَ وَيَرُدَّ الْمَعِيبَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ لِمَا بَيَّنَّا وَيَمْلِكُ بَعْدَهُ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ وَعَدَمُ الْقَبْضِ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ، وَبِالْقَبْضِ تَتِمُّ الصَّفْقَةُ، وَالْمُرَادُ قَبْضُ الْجَمِيعِ حَتَّى لَوْ قَبَضَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا إِمَّا أَنْ يَرُدَّهُمَا أَوْ يُمْسِكَهُمَا؛ وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَمْلِكُ رَدَّ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا بَعْدَهُ، لِأَنَّ تَمْيِيزَ الْمَعِيبِ زِيَادَةٌ فِي الْعَيْبِ، فَكَأَنَّهُ عَيْبٌ حَادِثٌ حَتَّى قِيلَ لَوْ كَانَ فِي وِعَاءَيْنِ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ مِنْهُمَا بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى زَوْجَيْ خُفٍّ أَوْ مِصْرَاعَيْ بَابٍ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ يَرُدُّهُمَا أَوْ يُمْسِكُهُمَا، وَكَذَا كُلُّ مَا فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ، وَمَا لَا ضَرَرَ فِي تَفْرِيقِهِ كَالْعَبْدَيْنِ وَالثَّوْبَيْنِ إِذَا وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا إِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَفْرِيقِهَا، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ، فَجَازِ
(2/18)

وَالْإِبَاقُ وَالسَّرِقَةُ وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَعَيْبٌ فِي الَّذِي يَعْقِلُ، وَيُرَدُّ بِهِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبُلُوغِ وَانْقِطَاعِ الْحَيْضِ عَيْبٌ، وَالِاسْتِحَاضَةُ عَيْبٌ، وَالْبَخَرُ وَالدَّفَرُ وَالزِّنَا عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ دُونَ الْغُلَامِ، وَالشَّيْبُ وَالْكُفْرُ وَالْجُنُونُ عَيْبٌ فِيهِمَا، وَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا وَحَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ آخَرُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ وَلَا يَرُدُّهُ إِلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
رَدُّ الْبَعْضِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنَ اثْنَيْنِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْبَعْضِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ مَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ فَهُوَ عَيْبٌ، وَمَا لَا فَلَا.
قَالَ: (وَالْإِبَاقُ وَالسَّرِقَةُ وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ ضَالٌّ لَا آبِقٌ.
(وَعَيْبٌ فِي الَّذِي يَعْقِلُ) لِأَنَّهُ تَعُدُّهُ التُّجَّارُ عَيْبًا.
(وَيُرَدُّ بِهِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبُلُوغِ) .
اعْلَمْ أَنَّ جَوَازَ الرَّدِّ إِنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحَالِ بِأَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي حَالَةَ الصِّغَرِ أَوْ حَالَةَ الْكِبَرِ، أَمَّا إِذَا فَعَلَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ حَالَةَ الصِّغَرِ، وَعِنْدَ الْمُشْتَرِي حَالَةَ الْكِبَرِ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِ الرَّدِّ اتِّحَادُ سَبَبِ الْعَيْبِ، وَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، لِأَنَّ الْإِبَاقَ وَالسَّرِقَةَ مِنَ الصَّغِيرِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ، وَقُصُورِ عَقْلِهِ، وَمِنَ الْكَبِيرِ لِخُبْثِ طَبِيعَتِهِ، وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ مِنَ الصَّغِيرِ لِضَعْفِ الْمَثَانَةِ، وَمِنَ الْكَبِيرِ لِدَاءٍ فِي بَطْنِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ، فَكَانَ الْعَيْبُ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ حَيْثُ لَهُ الرَّدُّ لَوْ جُنَّ عِنْدَ الْبَائِعِ فِي الصِّغَرِ، وَعِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبُلُوغِ لَأَنَّ السَّبَبَ مُتَّحِدٌ، وَهُوَ آفَةٌ تَحُلُّ الدِّمَاغَ فِي الْحَالَتَيْنِ.
قَالَ: (وَانْقِطَاعُ الْحَيْضِ عَيْبٌ) لِأَنَّهُ مِنْ دَاءٍ، وَمَعْنَاهُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَحِيضُ مِثْلُهَا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَأَدْنَاهُ شَهْرَانِ، وَقِيلَ: لَا يَرُدُّهَا إِلَّا إِذَا ادَّعَتِ ارْتِفَاعَهُ بِالْحَبَلِ، وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا تَحِيضُ وَهِيَ لَا تَحِيضُ لِلْإِيَاسِ فَهُوَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِلْحَبَلِ وَالْآيِسَةُ لَا تَحْبَلُ.
قَالَ: (وَالِاسْتِحَاضَةُ عَيْبٌ) لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الدَّمِ مَرَضٌ، وَعَدَمُ الْخِتَانِ عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ إِذَا كَانَا كَبِيرَيْنِ مُولَدَيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ أَوْ جَلْبَيْنِ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
قَالَ: (وَالْبَخَرُ وَالدَّفَرُ وَالزِّنَا عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ دُونَ الْغُلَامِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهُوَ الِاسْتِفْرَاشُ وَالْوُثُوقُ بِكَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْغُلَامِ الِاسْتِخْدَامُ، وَلَا يُخِلُّ ذَلِكَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ دَاءٍ فَهُوَ عَيْبٌ فِيهِ أَيْضًا، وَكَذَا إِذَا كَانَ كَثِيرَ الزِّنَا يَتْبَعُ الزَّوَانِيَ لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ الْخِدْمَةِ. قَالَ: (وَالشَّيْبُ وَالْكُفْرُ وَالْجُنُونُ عَيْبٌ فِيهِمَا) أَمَّا الشَّيْبُ وَالْجُنُونُ فَلِأَنَّهُمَا يُنْقِصَانِ الْمَالِيَّةَ، وَالْكَافِرُ تَنْفُرُ الطِّبَاعُ مِنَ اسْتِخْدَامِهِ وَيَقِلُّ الْوُثُوقُ بِهِ لِعَدَاوَةِ الدِّينِ، وَلِذَا لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ وَكُلُّ ذَلِكَ عَيْبٌ، وَالنِّكَاحُ وَالدَّيْنُ عَيْبٌ فِيهِمَا لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِيهِمَا، وَالْحَبَلُ عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ دُونَ بَهَائِمَ بِالْعُرْفِ.
قَالَ: (وَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا وَحَدَثَ عِنْدِهِ عَيْبٌ آخَرُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَلَا يَرُدُّهُ إِلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ)
(2/19)

وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ أَوْ خَاطَهُ، أَوْ لَتَّ السَّوِيقَ بِسَمْنٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِنُقْصَانِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ أَعْتَقَهُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، فَإِنْ قَتَلَهُ أَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ (سم) لَمْ يَرْجِعْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الرَّدِّ أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا قَبَضَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْبَائِعِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ وَعَنِ الْوُصُولِ إِلَى رَأْسِ مَالِهِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِبَدَلِ الْفَائِتِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَنُقْصَانُ الْعَيْبِ أَنْ يُقَوَّمَ صَحِيحًا وَيُقَوَّمَ مَعِيبًا، فَمَا نَقَصَ فَهُوَ حِصَّةُ الْعَيْبِ فَيَرْجِعُ بِهَا مِنَ الثَّمَنِ.
قَالَ: (وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ أَوْ خَاطَهُ أَوْ لَتَّ السَّوِيقَ بِسَمْنٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِنُقْصَانِهِ) لِأَنَّ الرَّدَّ قَدْ تَعَذَّرَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْفَسْخُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ فِي الْعَقْدِ فَيَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْمُشْتَرِي، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ الْحَادِثَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَبَعْدَهُ تَمْنَعُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْوَلَدِ وَالْعُقْرِ وَالْأَرْشِ وَالثَّمَرَةِ لِأَنَّهَا مَبِيعَةٌ مُلِكَتْ بِالْبَيْعِ، وَهِيَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِيُقَابِلَهَا الثَّمَنُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهَا فَتَبْقَى سَالِمَةً لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ عِوَضٍ وَأَنَّهُ رِبًا، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ رَدَّهَا بِرِضَا الْبَائِعِ، وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ يَرُدُّ الْأُمَّ، وَلَوِ اسْتَهْلَكَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لَا تُرَدُّ، وَالْكُسْبُ وَالْغَلَّةُ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَكَذَا سَلَامَةُ بَدَلِهَا.
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ أَعْتَقَهُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ) وَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ؛ أَمَّا الْمَوْتُ فَلِأَنَّهُ إِنْهَاءٌ لِلْمِلْكِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ وَأَمَّا الْعِتْقُ فَهُوَ إِنْهَاءٌ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمِلْكَ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْآدَمِيِّ مُوَقَّتًا إِلَى وَقْتِ الْعِتْقِ، وَالْمُنْتَهِي مُتَقَرِّرٌ فَصَارَ كَالْمَوْتِ فَقَدْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرْجِعَ فِي الْعِتْقِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ جِهَتِهِ كَالْقَتْلِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ كَاتَبَهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّ حَبْسَ الْبَدَلِ كَحَبْسِ الْمُبْدَلِ.
قَالَ: (فَإِنْ قَتَلَهُ أَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ لَمْ يَرْجِعْ) أَمَّا الْقَتْلُ فَلِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ عِوَضِهِ مَعْنًى وَهُوَ سُقُوطُ الضَّمَانِ عَنْهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ، لِأَنَّ قَتْلَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ؛ وَأَمَّا الْأَكْلُ فَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ مِنْهُ فَصَارَ كَالْقَتْلِ، وَقَالَا: يَرْجِعُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِالْمَبِيعِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ بِالشِّرَاءِ وَالْمُعْتَادُ فِيهِ فَصَارَ كَالْإِعْتَاقِ.
قُلْنَا: لَا اعْتِبَارَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ مَقْصُودًا، فَإِنَّ الْمَبِيعَ مَقْصُودٌ بِالشِّرَاءِ وَمَعَ ذَلِكَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ حَتَّى تَخَرَّقَ، وَلَوْ أَكَلَ بَعْضَ الطَّعَامِ فَكَذَا الْجَوَابُ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فِي الْجَمِيعِ. وَعَنْهُمَا يَرُدُّ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ مَا أَكَلَ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ وَنَحْوِهِ، فَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ فَبَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ؛ وَمَنِ اشْتَرَى بِطِّيخًا أَوْ خِيَارًا أَوْ بَيْضًا أَوْ نَحْوَهُ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ رَجَعَ بِكُلِّ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ الْفَسَادِ رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الرَّدُّ، لِأَنَّ
(2/20)

وَمَنْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ أَصْلًا، وَإِذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ إِنْ قَبِلَهُ بِقَضَاءٍ رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ قَبِلَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَرُدَّهُ، وَيَسْقُطُ الرَّدُّ بِمَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْكَسْرَ عَيْبٌ حَادِثٌ فَيَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَمَنْ شَرَطَ الْبَرَاءَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ أَصْلًا) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ لَا يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فَيَجُوزُ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ دَخَلَ فِي الْبَرَاءَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَقْتَ الْإِبْرَاءِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ سُقُوطُ حَقِّ الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ، وَذَلِكَ الْبَرَاءَةُ عَنِ الْمَوْجُودِ وَالْحَادِثِ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ غَائِلَةٍ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ السَّرِقَةُ وَالْإِبَاقُ وَالْفُجُورُ دُونَ الْمَرَضِ، لِأَنَّ الْغَائِلَةَ تَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الدَّاءُ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ طِحَالٍ أَوْ كَبِدٍ أَوْ فَسَادِ حَيْضٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يُسَمَّى مَرَضًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ الْمَرَضُ. وَلَوْ قَالَ بَرِئْتُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِعَيْنِهِ فَإِذَا هُوَ أَعْوَرُ، أَوْ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِيَدِهِ فَإِذَا هُوَ أَقْطَعُ لَا يَبْرَأُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ بِالْمَحَلِّ بَلْ هُوَ عَدَمُ الْمَحَلِّ.
قَالَ: (وَإِذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ إِنْ قَبِلَهُ بِقَضَاءٍ رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مِنَ الْأَصْلِ فَجُعِلَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ وَإِنْ أَنْكَرَ فَقَدْ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا.
(وَإِنْ قَبِلَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَرُدَّهُ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ لِوُجُودِ حَدِّهِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ وَالتَّمَلُّكُ، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، رَدَّهُ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ فِيهِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْقَضَاءُ وَعَدَمُهُ.
قَالَ: (وَيَسْقُطُ الرَّدُّ بِمَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ) وَقَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ، وَذُكِرَ الْبَعْضُ هُنَا أَيْضًا.
1 -
فَصْلٌ فِي التَّلْجِئَةِ
وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: مَا أُلْجِئَ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْعَقْدُ إِنَّمَا يُعْقَدُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ سَمَّوْهُ تَلْجِئَةً؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِكْرَاهِ، وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ التَّلْجِئَةُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ، مِثْلَ أَنْ يَخَافَ عَلَى سِلْعَتِهِ ظَالِمًا أَوْ سُلْطَانًا فَيَقُولُ: أَنَا أُظْهِرُ الْبَيْعَ، وَلَيْسَ بِبَيْعٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ تَلْجِئَةٌ، وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبِيعُهَا فِي الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
حَكَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَقْدَ جَائِزٌ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَلَمْ يُحْكَ خِلَافًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُمَا عَقَدَا عَقْدًا صَحِيحًا وَمَا شَرَطَاهُ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِيهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا إِذَا اتَّفَقَا أَنْ يَشْرُطَا شَرْطًا فَاسِدًا ثُمَّ تَبَايَعَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا الْعَقْدَ فَصَارَا كَالْهَازِلَيْنِ فَلَا يَنْعَقِدُ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ فِي الْبَدَلِ بِأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَلْفٍ فِي السِّرِّ وَيَتَبَايَعَا فِي الظَّاهِرِ بِأَلْفَيْنِ. رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الثَّمَنَ ثَمَنُ الْعَلَانِيَةِ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ الثَّمَنَ ثَمَنُ
(2/21)

بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَهُوَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ، وَيُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمَبِيعِ حَالَةَ الْفَسْخِ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ جَازَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
السِّرِّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا الْأَلِفَ الزَّائِدَةَ فَكَأَنَّهُمَا هَزِلَا بِهَا.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْعَقْدِ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ، وَمَا ذَكَرَاهُ سِرًّا لَمْ يَذْكُرَاهُ حَالَةَ الْعَقْدِ فَسَقَطَ حُكْمُهُ.
الثَّالِثَةُ: اتَّفَقَا أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَتَبَايَعَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: الْقِيَاسُ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَصِحَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الثَّمَنَ الْبَاطِنَ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ، وَالْمَذْكُورُ لَمْ يَقْصِدَاهُ فَسَقَطَ فَبَقِيَ بِلَا ثَمَنٍ فَلَا يَصِحُّ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْبَيْعُ الْجَائِزُ لَا الْبَاطِلُ، وَلَا جَائِزَ إِلَّا بِثَمَنِ الْعَلَانِيَةِ كَأَنَّهُمَا أَضْرَبَا عَنِ السِّرِّ وَذَكَرَا الظَّاهِرَ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ سِرًّا مَذْكُورٌ فِي الْعَقْدِ وَزِيَادَةٌ وَتَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ، وَيَثْبُتُ لَهُمَا الْخِيَارُ فِي بَيْعِ التَّلْجِئَةِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا زَوَالَ الْمِلْكِ فَصَارَ كَشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِمَا، وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّلْجِئَةَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِي انْفِسَاخَ الْعَقْدِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ، وَيُسْتَحْلَفُ الْآخَرُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.

[بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وأحكامه]
بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ (وَهُوَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ) بِأَمْرِ الْبَائِعِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً كَمَا إِذَا قَبَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَسَكَتَ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلَّا الِانْتِفَاعَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَأَبَى مَوَالِيهَا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَاشْتَرَتْ وَشَرَطَتِ الْوَلَاءَ لَهُمْ ثُمَّ أَعْتَقَتْهَا، وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَازَ الْعِتْقَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ» فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَجَازَ الْعِتْقَ مَعَ فَسَادِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّ رُكْنَ التَّمْلِيكِ وَهُوَ قَوْلُهُ: بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ هُوَ الْمُكَلَّفُ الْمُخَاطَبُ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ وَهُوَ الْمَالُ عَنْ وِلَايَةٍ، إِذِ الْكَلَامُ فِيهِمَا فَيَنْعَقِدُ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى الْمَصَالِحِ وَالْفَسَادِ لِمَعْنًى يُجَاوِرُهُ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، وَالنَّهْيُ لَا يَنْفِي الِانْعِقَادَ بَلْ يُقَرِّرُهُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَمَّا لَا يُتَصَوَّرُ وَعَنْ غَيْرِ الْمَقْدُورِ قَبِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكًا خَبِيثًا لِمَكَانِ النَّهْيِ.
(وَ) لِهَذَا كَانَ. (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ) إِزَالَةً لِلْخُبْثِ وَرَفْعًا لِلْفَسَادِ.
(وَيُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمَبِيعِ حَالَةَ الْفَسْخِ) لِأَنَّ الْفَسْخَ بِدُونِهِ مُحَالٌ.
(فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ جَازَ) لِمُصَادَفَةِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِلْكَهُ وَمُنِعَ الْفَسْخُ، وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يُفْسَخُ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ يُفْسَخُ كَالْإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا تُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ وَهَذَا عُذْرٌ، وَالرَّهْنُ يَمْنَعُ الْفَسْخَ
(2/22)

وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ إِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَالْبَاطِلُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ وَيَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ (سم) ، وَبَيْعُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحُرِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ (سم) وَمَيْتَةٍ وَذَكِيَّةٍ (سم) بَاطِلٌ، وَبَيْعُ الْمُكَاتَبِ بَاطِلٌ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ فَيَجُوزُ، وَبَيْعُ السَّمَكِ وَالطَّيْرِ قَبْلَ صَيْدِهِمَا، وَالْآبِقِ وَالْحَمْلِ وَالنِّتَاجِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَاللَّحْمِ فِي الشَّاةِ، وَجِذْعٍ فِي سَقْفٍ، وَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ فَاسِدٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَإِنْ عَادَ الرَّهْنُ فَلَهُ الْفَسْخُ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّقْضَ لِرَفْعِ حُكْمِهِ حَقٌّ لِلشَّرْعِ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعَبْدِ وَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ لِمَا عُرِفَ.
(وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ إِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا) لِأَنَّهُ كَالْغَصْبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ قَبْضِهِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْعَقْدُ ضَعِيفًا لِمُجَاوَرَتِهِ الْمُفْسِدَ تُوقَفُ إِفَادَةُ الْمِلْكِ عَلَى الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ.
قَالَ: (وَالْبَاطِلُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ) لِأَنَّ الْبَاطِلَ هُوَ الْخَالِي عَنِ الْعِوَضِ وَالْفَائِدَةِ.
(وَيَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ) يَهْلَكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَهْلَكُ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ مَجَّانًا، وَلَهُ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَأَمَرَهُ بِقَبْضِهِ فَقَدْ رَضِيَ بِقَبْضِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ مَالِيٍّ فَلَا يُضْمَنُ كَالْمُودَعِ.
قَالَ: (وَبَيْعُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحُرِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَمَيْتَةٍ وَذَكِيَّةٍ بَاطِلٌ) أَمَّا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَالْحُرُّ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَالْبَيْعُ وَالتَّمْلِيكُ مَالٌ بِمَالٍ، وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ فِي حَقِّنَا، وَكَذَلِكَ أَمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ لِأَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا الْعِتْقَ بِأَمْرٍ كَائِنٍ لَا مَحَالَةَ فَأَشْبَهَا الْحُرَّ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَمَيْتَةٍ وَذَكِيَّةٍ؛ فَلِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ، وَالْحُرُّ وَالْمَيْتَةُ لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ الْعَقْدِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ، وَمَتَى بَطَلَ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ فِي الْكُلِّ، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ، وَكَذَا الْجَمْعُ بَيْنَ دَنَّيْنِ أَحَدُهُمَا خَلٌّ وَالْآخَرُ خَمْرٌ وَمَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ كَالْمَيْتَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحُرُّ وَالْمَيْتَةُ مَالًا لَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، فَيَبْقَى الْعَبْدُ وَالذَّكِيَّةُ مَجْهُولَةَ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ فِي الْحُرِّ وَالْمَيْتَةِ شَرْطٌ لِلْبَيْعِ فِي الْعَبْدِ وَالذَّكِيَّةِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ سَمَّى لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا جَازَ فِي الْعَبْدِ وَالذَّكِيَّةِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ فِي النِّكَاحِ. قُلْنَا: النِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْبَيْعُ.
قَالَ: (وَبَيْعُ الْمُكَاتَبِ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ جِهَةَ حُرِّيَّةٍ وَهُوَ ثُبُوتُ يَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ. (إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ فَيَجُوزُ) لِأَنَّهُ إِذَا أَجَازَهُ فَكَأَنَّهُ عَجَّزَ نَفْسَهُ فَيَعُودُ قِنًّا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَالَ: (وَبَيْعُ السَّمَكِ وَالطَّيْرِ قَبْلَ صَيْدِهِمَا، وَالْآبِقِ وَالْحَمْلِ وَالنِّتَاجِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَاللَّحْمِ فِي الشَّاةِ، وَجِذْعٍ فِي سَقْفٍ، وَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ فَاسِدٌ) أَمَّا السَّمَكُ وَالطَّيْرُ فَلِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَلَوْ كَانَ السَّمَكُ مُجْتَمِعًا فِي أَجَمَةٍ إِنِ اجْتَمَعَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ،
(2/23)

وَبَيْعُ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ فَاسِدٌ، وَلَوْ بَاعَ عَيْنًا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَبَيْعُ جَارِيَةٍ إِلَّا حَمْلَهَا فَاسِدٌ وَلَوْ بَاعَهُ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يَسْتَوْلِدَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ يَعْتِقَهَا أَوْ يَسْتَخْدِمَهَا الْبَائِعُ أَوْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي دَرَاهِمَ أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ الْبَائِعُ فَهُوَ فَاسِدٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَإِنِ اجْتَمَعَ بِصُنْعِهِ إِنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ اصْطِيَادٍ جَازِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَيَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا بِالِاصْطِيَادِ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الْآبِقُ فَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ حَتَّى لَوْ عَادَ الْآبِقُ جَازَ الْبَيْعُ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ عِنْدَهُ يَجُوزُ كَبَيْعِ الْمَغْصُوبِ مِنَ الْغَاصِبِ وَأَمَّا الْحَمْلُ وَالنِّتَاجُ فَلِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ وَأَمَّا اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ فَلِلْجَهَالَةِ وَاخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ؛ وَأَمَّا الصُّوفُ عَلَى الظَّهْرِ فَلِاخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ، وَلِوُقُوعِ التَّنَازُعِ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ بِخِلَافِ الْقَصِيلِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَلْعُهُ، وَقَدْ «نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، وَعَنْ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ، وَسَمْنٍ فِي لَبَنٍ» .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى شَجَرِ الْخِلَافِ. قُلْنَا شَجَرُ الْخِلَافِ يَنْبُتُ مِنْ أَعْلَاهُ، فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَالصُّوفُ يَنْبُتُ مِنْ أَسْفَلِهِ فَيَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَيَخْتَلِطَانِ؛ وَأَمَّا اللَّحْمُ فِي الشَّاةِ وَالْجِذْعُ فِي السَّقْفِ فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إِلَّا بِضَرَرٍ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ ذِرَاعٌ مِنْ ثَوْبٍ، وَحِلْيَةٌ فِي سَيْفٍ، وَإِنْ قَلَعَهُ وَسَلَّمَهُ قَبْلَ نَقْضِ الْبَيْعِ جَازَ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الِامْتِنَاعُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ ذِرَاعًا مِنْ كِرْبَاسٍ، وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ هَذِهِ النُّقْرَةِ حَيْثُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ؛ وَأَمَّا ثَوْبٌ مِنْ ثَوْبَيْنِ فَلِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ جَازَ لِعَدَمِ الْمُنَازَعَةِ.
قَالَ: (وَبَيْعُ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ فَاسِدٌ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْهُمَا.
وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُهُ كَيْلًا حَزْرًا.
وَالْمُحَاقَلَةُ: بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنَبُلِهَا بِمِثْلِهَا مِنَ الْحِنْطَةِ كَيْلًا حَزْرًا، وَلِأَنَّهُ بَيْعُ الْكَيْلِيِّ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةٌ فَلَا يَجُوزُ.
قَالَ: (وَلَوْ بَاعَ عَيْنًا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فَهُوَ فَاسِدٌ) لِأَنَّ تَأْجِيلَ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّأْجِيلَ شُرِعَ فِي الْأَثْمَانِ تَرَفُّهًا عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَحْصِيلِهِ وَأَنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الْأَعْيَانِ فَكَانَ شَرْطًا فَاسِدًا.
قَالَ: (وَبَيْعُ جَارِيَةٍ إِلَّا حَمْلَهَا فَاسِدٌ) لِأَنَّ الْحَمْلَ بِمَنْزِلَةِ طَرَفِ الْحَيَوَانِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ خِلْقَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ كَسَائِرِ الْأَطْرَافِ.
(وَلَوْ بَاعَهُ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يَسْتَوْلِدَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ يَعْتِقَهَا أَوْ يَسْتَخْدِمَهَا الْبَائِعُ أَوْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي دَرَاهِمَ أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ يَخِيطُهُ الْبَائِعُ فَهُوَ فَاسِدٌ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» .
(2/24)

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إِلَّا مَعَ الْكُوَّارَاتِ (م) ، وَلَا دُودِ الْقَزِّ إِلَّا مَعَ الْقَزِّ (م) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالْجُمْلَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ بِالشَّرْطِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ: الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ، وَهُوَ كُلُّ شَرْطٍ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَيُلَائِمُهُ كَمَا إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا، أَوْ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَأْكُلَهُ أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا؛ وَلَوِ اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنْ يَطَأَهَا فَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ بِهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَقَالَا: لَا يَفْسَدُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا.
وَنَوْعٌ كِلَاهُمَا فَاسِدَانِ، وَهُوَ كُلُّ شَرْطٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا يُلَائِمُهُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ مَا مَرَّ مِنَ الشُّرُوطِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَحْوِهَا، أَوْ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ كَعِتْقِ الْعَبْدِ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ انْقَلَبَ جَائِزًا، فَيَجِبُ الثَّمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ، وَالشَّيْءُ يَتَأَكَّدُ بِانْتِهَائِهِ. وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ الْقِيمَةُ، وَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ بِهِ تَقَرَّرَ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ.
وَنَوْعٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَهُوَ كُلُّ شَرْطٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَفِيهِ مَضَرَّةٌ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَا مَضَرَّةٌ لِأَحَدٍ، أَوْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِغَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْمَبِيعِ كَشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَ الْمَبِيعَ وَلَا يَهَبَهُ، وَلَا يَلْبَسَ الثَّوْبَ، وَلَا يَرْكَبَ الدَّابَّةَ، وَلَا يَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَلَا يَطَأَ الْجَارِيَةَ، أَوْ عَلَى أَنْ يُقْرِضَ أَجْنَبِيًّا دَرَاهِمَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ أَحَدٌ فَيَلْغُو بِخُلُوِّهِ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَيُبْتَنَى عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ تُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إِلَّا مَعَ الْكُوَّارَاتِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ إِذَا كَانَ مَجْمُوعًا لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ وَلَا بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَا يَجُوزُ كَالزَّنَابِيرِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الْعَسَلِ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ؛ أَمَّا إِذَا بَاعَهَا مَعَ الْكُوَّارَاتِ وَفِيهَا عَسَلٌ يَجُوزُ تَبَعًا، هَكَذَا عَلَّلَهُ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ مَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْمَبِيعِ وَأَتْبَاعِهِ، وَالنَّحْلُ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْعَسَلِ وَأَتْبَاعِهِ. وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْكُوَّارَاتِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا فَائِدَةٌ بِدُونِ النَّحْلِ جُعِلَ النَّحْلُ مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِهَا تَجَوُّزًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الشُّرْبِ مَقْصُودًا. وَيَجُوزُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ لِمَا أَنَّهُ لَا انْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ بِدُونِ الشُّرْبِ، وَأَمْثَالُهُ كَثِيرَةٌ.
قَالَ: (وَلَا دُودِ الْقَزِّ إِلَّا مَعَ الْقَزِّ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ مَا مَرَّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ فِي النَّحْلِ، وَقَالَا: يَجُوزُ بَيْعُ بَيْضِهِ، وَالسَّلَمُ فِيهِ كَيْلًا فِي حِينِهِ؛ لِأَنَّهُ بِزْرٌ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَصَارَ كَبِزْرِ الْبِطِّيخِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يُضَمِّنُ مَنْ قَتَلَ دُودَ الْقَزِّ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ، وَلَا يُضَمّنُهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ
(2/25)

وَالْبَيْعُ إِلَى النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ وَصَوْمِ النَّصَارَى وَفِطْرِ الْيَهُودِ إِذَا جَهِلَا ذَلِكَ فَاسِدٌ، وَالْبَيْعُ إِلَى الْحَصَادِ وَالْقِطَافِ وَالدِّيَاسِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ فَاسِدٌ، وَإِنْ أَسْقَطَا الْأَجَلَ قَبْلَهُ جَازَ (ز) ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ أَوْ عَبْدِ الْغَيْرِ جَازَ فِي عَبْدِهِ بِحِصَّتِهِ، وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَكَذَا السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
جَوَازِهِ.
قَالَ: (وَالْبَيْعُ إِلَى النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ وَصَوْمِ النَّصَارَى وَفِطْرِ الْيَهُودِ إِذَا جَهِلَا ذَلِكَ فَاسِدٌ) لِأَنَّ الْجَهَالَةَ مُفْضِيَةٌ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَإِنْ عَلِمَا ذَاكَ جَازَ كَالْأَهِلَّةِ، وَلَوِ اشْتَرَى إِلَى فِطْرِ النَّصَارَى وَقَدْ دَخَلُوا فِي الصَّوْمِ جَازَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ، وَقَبْلَ دُخُولِهِمْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
قَالَ: (وَالْبَيْعُ إِلَى الْحَصَادِ وَالْقِطَافِ وَالدِّيَاسِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ فَاسِدٌ) لِلْجَهَالَةِ لِأَنَّهَا تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ.
(وَإِنْ أَسْقَطَا الْأَجَلَ قَبْلَهُ جَازَ) الْبَيْعُ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَقَدْ مَرَّ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ. وَرَوَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ سَائِرَ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ تَنْقَلِبُ جَائِزَةً بِحَذْفِ الْمُفْسِدِ.
قَالَ: (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ أَوْ عَبْدِ الْغَيْرِ جَازَ فِي عَبْدِهِ بِحِصَّتِهِ) وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْمُدَبَّرِ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَيْرَ لَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ فِي عَبْدِهِ جَازَ، وَكَذَا لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَكَذَا لَوْ رَضِيَ الْمُكَاتَبُ فَصَارَ كَمَا إِذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ كَذَا هَذَا.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] .
(وَكَذَا بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» وَهُوَ أَنْ يَجْلِبَ الْبَادِي السِّلْعَةَ فَيَأْخُذَهَا الْحَاضِرُ لِيَبِيعَهَا بَعْدَ وَقْتٍ بِأَغْلَى مِنَ السِّعْرِ الْمَوْجُودِ وَقْتَ الْجَلَبِ، وَكَرَاهَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِأَهْلِ الْبَلَدِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَضُرَّ لَا بَأْسَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْعِ الْبَادِي مِنْ غَيْرِ تَضَرُّرِ غَيْرِهِ.
(وَكَذَا السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» وَهُوَ أَنْ يَرْضَى الْمُتَعَاقِدَانِ بِالْبَيْعِ وَيَسْتَقِرَّ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْدُ فَيَزِيدُ عَلَيْهِ وَيُبْطِلُ بَيْعَهُ؛ أَمَّا لَوْ زَادَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّرَاضِي يَجُوزُ، وَهُوَ الْمُعْتَادُ بَيْنَ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَالْأَمْصَارِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ حِلْسًا فِي بَيْعِ
(2/26)

وَكَذَا النَّجَشُ، وَتَلَقِّي الْجَلَبِ مَكْرُوهٌ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ؛ وَمَنْ مَلَكَ صَغِيرَيْنِ أَوْ صَغِيرًا وَكَبِيرًا أَحَدُهُمَا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الْآخَرِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُكْرَهُ فِي الْكَبِيرَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَنْ يَزِيدُ» .
(وَكَذَا النَّجَشُ وَتَلَقِّي الْجَلَبِ مَكْرُوهٌ) وَالنَّجَشُ: أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ وَلَا يُرِيدَ شِرَاءَهَا لِيَرْغَبَ غَيْرُهُ فِيهَا، وَتَلَقِّي الْجَلَبِ: أَنْ يَتَلَقَّاهُمْ وَهُمْ غَيْرُ عَالِمِينَ بِالسِّعْرِ، أَوْ يُلَبِّسَ عَلَيْهُمُ السِّعْرَ لِيَشْتَرِيَهُ وَيَبِيعَهُ فِي الْمِصْرِ، فَإِنْ لَمْ يُلَبِّسْ عَلَيْهِمْ أَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ أَهْلَ الْمِصْرِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ «نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَنَاجَشُوا» .
(وَيَجُوزُ الْبَيْعُ) فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْعَقْدِ وَشَرَائِطِهِ بَلْ لِمَعْنًى خَارِجٍ فَيَجُوزُ.
قَالَ: (وَمَنْ مَلَكَ صَغِيرَيْنِ أَوْ صَغِيرًا وَكَبِيرًا أَحَدُهُمَا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الْآخَرِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ فِي الْجَنَّةِ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهُمُ السَّبْيَ وَالتَّفْرِيقَ حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ» وَلِأَنَّ الْكَبِيرَ يُشْفِقُ عَلَى الصَّغِيرِ وَيُرَبِّيهِ، وَالصَّغِيرَانِ يَتَآلَفَانِ فَيَتَضَرَّرَانِ بِالتَّفْرِيقِ «وَوَهَبَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَلِيٍّ أَخَوَيْنِ صَغِيرَيْنِ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: بِعْتُ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " بِعْهُمَا أَوْ رُدَّهُمَا» وَفِي رِوَايَةٍ: " اذْهَبْ فَاسْتَرِدَّهُ ".
(وَلَا يُكْرَهُ فِي الْكَبِيرَيْنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ أَوْ تَحِيضَ الْجَارِيَةُ» «وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَرَّقَ بَيْنَ مَارِيَةَ وَسِيرِينَ وَكَانَتَا أُخْتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ، فَاسْتَوْلَدَ مَارِيَةَ وَوَهَبَ سِيرِينَ» . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ يَجُوزُ كَابْنِ الْعَمِّ، لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَكَذَا إِذَا
(2/27)

بَابُ التَّوْلِيَةِ التَّوْلِيَةُ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَابَحَةُ بِزِيَادَةٍ، وَالْوَضِيعَةُ بِنَقِيصَةٍ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ مِثْلِيًّا أَوْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
كَانَتِ الْمَحْرَمِيَّةُ لِغَيْرِ نَسَبٍ كَالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ، وَكَذَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ بَاعَ الصَّغِيرَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا جَازَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي قَرَابَةِ الْوِلَادِ وَلِزُفَرَ فِي الْإِخْوَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا.
وَوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالرَّدِّ، وَهُوَ دَلِيلُ عَدَمِ الْجَوَازِ. وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَأَى فِي السَّبَايَا امْرَأَةً وَالِهَةً فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: بِيعَ وَلَدُهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالرَّدِّ» وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَكَذَلِكَ تَعْلِيقُهُ الْوَعِيدَ بِالتَّفْرِيقِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ التَّفْرِيقِ. وَلَنَا أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ بَيْعًا جَامِعًا شَرَائِطَ الصِّحَّةِ فَيَجُوزُ، وَالنَّهْيُ لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنِ الْعَقْدِ، وَهُوَ مَا يَلْحَقُ الصَّبِيَّ مِنَ الضَّرَرِ فَلَا يُفْسِدُهُ كَالْبَيْعِ عِنْدَ النِّدَاءِ فَأَوْجَبَ الْكَرَاهَةَ وَالْإِثْمَ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ فِي الدَّيْنِ وَالْجِنَايَةِ، وَيَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، لِأَنَّ التَّفْرِيقَ مَكْرُوهٌ وَإِيفَاءَ الْحُقُوقِ وَاجِبٌ، وَلَا يُكْرَهُ عِتْقُ أَحَدِهِمَا وَلَا كِتَابَتُهُ، لِأَنَّ نَفْعَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ تَضَرُّرِهِ بِالتَّفْرِيقِ فَكَانَ أَوْلَى.

[بَابُ التولية والمرابحة والوضيعة]
بَابُ التَّوْلِيَةِ (التَّوْلِيَةُ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَابَحَةُ بِزِيَادَةٍ، وَالْوَضِيعَةُ بِنَقِيصَةٍ) لِأَنَّ الِاسْمَ يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ وَمَبْنَاهَا عَلَى الْأَمَانَةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْتَمِنُ الْبَائِعَ فِي خَبَرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْلِهِ، فَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ التَّنَزُّهُ عَنِ الْخِيَانَةِ وَالتَّجَنُّبُ عَنِ الْكَذِبِ لِئَلَّا يَقَعَ الْمُشْتَرِي فِي بَخْسٍ وَغُرُورٍ، فَإِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ يَرُدُّ أَوْ يَخْتَارُ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهِيَ عُقُودٌ مَشْرُوعَةٌ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا، وَقَدْ تَعَامَلَهَا النَّاسُ مِنْ لَدُنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدِ اشْتَرَى بَعِيرَيْنِ وَلِّنِي أَحَدَهُمَا» وَلِلنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ الْأَشْيَاءِ فَيَسْتَعِينُ بِمَنْ يَعْرِفُهَا وَيَطِيبُ قَلْبُهُ بِمَا اشْتَرَاهُ وَزِيَادَةٌ، وَلِهَذَا كَانَ مَبْنَاهَا عَلَى الْأَمَانَةِ وَرَأْسُ الْمَالِ فِي الْمُوَاضَعَةِ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يَحُطَّ مِنْهُ.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ مِثْلِيًّا أَوْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي) لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا كَانَ مِثْلِيًّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ وَهُوَ فِي يَدِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَدَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، وَالْقِيَمُ مَجْهُولَةٌ إِنَّمَا تُعْلَمُ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، وَالثَّمَنُ الْأَوَّلُ هُوَ مَا عُقِدَ بِهِ لَا مَا نُقِدَ، فَإِنِ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ فَدَفَعَ بِهَا ثَوْبًا فَالثَّمَنُ
(2/28)

وَيَجُوزُ أَنْ يَضُمَّ إِلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أُجْرَةَ الصَّبْغِ وَالطِّرَازِ وَحَمْلِ الطَّعَامِ وَالسِّمْسَارِ وَسَائِقِ الْغَنَمِ، وَيَقُولُ: قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا وَلَا يَضُمُّ نَفَقَتَهُ وَأُجْرَةَ الرَّاعِي وَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِ وَالرَّايِضِ وَجُعْلَ الْآبِقِ وَكِرَاهُ، فَإِنْ عَلِمَ بِخِيَانَةٍ فِي التَّوْلِيَةِ أَسْقَطَهَا (م) مِنَ الثَّمَنِ؛ وَفِي الْمُرَابَحَةِ إِنْ شَاءَ (س) أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
دَرَاهِمُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ أَوِ الْوَضِيعَةُ مَعْلُومًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْجَهَالَةِ وَالْمُنَازَعَةِ، فَلَوْ بَاعَهُ بِرِبْحٍ " ده يازده " لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالثَّمَنِ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مِثْلِيًّا فَلَهُ بَيْعُ نَصْفِهِ مُرَابَحَةً بِحِصَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَهُ لَا يَبِيعُ جُزْءًا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إِلَّا بِضَرَرٍ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَضُمَّ إِلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أُجْرَةَ الصَّبْغِ وَالطِّرَازِ وَحَمْلِ الطَّعَامِ وَالسِّمْسَارِ وَسَائِقِ الْغَنَمِ وَيَقُولُ: قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَلَا يَضُمُّ نَفَقَتَهُ وَأُجْرَةَ الرَّاعِي وَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِ وَالرَّايِضِ وَجُعْلَ الْآبِقِ وَكِرَاهُ) وَأَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا تَعَارَفَ التُّجَّارُ إِلْحَاقَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ يَلْحَقُ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا؛ وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَمَا تَزْدَادُ بِهِ قِيمَةُ الْمَبِيعِ أَوْ عَيْنُهُ يَلْحَقُ بِهِ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ أَمَّا الصَّبْغُ وَالطِّرَازِ فَظَاهِرٌ؛ وَأَمَّا الْحَمْلُ وَالسُّوقُ فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ تَزْدَادُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْقِسْمُ الثَّانِي.
أَمَّا الرَّاعِي فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ فِيهِ فِعْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ حَافِظٌ فَصَارَ كَالْبَيْتِ، وَجُعْلُ الْآبِقِ نَادِرٌ وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا؛ وَكَذَلِكَ الطَّبِيبُ وَمَا ثَبَتَ بِالْمُعَلِّمِ وَالرَّايِضِ لِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ ذَكَاؤُهُ وَفِطْنَتُهُ وَلَوْ ضَمَّ إِلَى الثَّمَنِ مَا لَا يَجُوزُ ضَمُّهُ فَهُوَ خِيَانَةٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَمْسَكَ جُزْءًا مِنَ الْمَبِيعِ أَوْ بَدَّلَهُ أَوْ كَتَمَ وَصْفَ الثَّمَنِ أَوِ الْأَجَلِ فِيهِ، أَوْ عَيْبًا بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَوْ عَابَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَيْسَ بِخِيَانَةٍ، وَلَوْ كَتَمَ أُجْرَةَ الْمَبِيعِ أَوْ غَلَّتَهُ فَلَيْسَ بِخِيَانَةٍ وَلَوِ اشْتَرَاهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيَّنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَلَوِ اشْتَرَاهُ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ يُبَيَّنُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِدِينِهِ لَمْ يُبَيَّنْ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ فِي الْأَمْلَاكِ فَصَارَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَهُ أَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّحِدَةً فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالتَّسَامُحِ وَالْمُحَابَاةِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَيَجِبُ الْبَيَانُ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ مِنْ عَبْدٍ.
قَالَ: (فَإِنْ عَلِمَ بِخِيَانَةٍ فِي التَّوْلِيَةِ أَسْقَطَهَا مِنَ الثَّمَنِ) وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْوَضِيعَةِ.
(وَفِي الْمُرَابَحَةِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحُطُّ فِيهِمَا، وَحِصَّةُ الْخِيَانَةِ مِنَ الرِّبْحِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُخَيَّرُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ فَاتَهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِي الثَّمَنِ فَيَتَخَيَّرُ كَوَصْفِ السَّلَامَةِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ بَيْعٌ تَعَلَّقَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: وَلَّيْتُكَ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَبِعْتُكَ مُرَابَحَةً أَوْ مُوَاضَعَةً عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَقَدْرُ الْخِيَانَةِ لَمْ يَكُنْ فِي الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَيُحَطُّ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إِثْبَاتَ الزِّيَادَةِ فِي الْمُرَابَحَةِ لَا تُبْطِلُ مَعْنَاهَا، إِلَّا أَنَّهُ فَاتَهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فَيُخَيَّرُ،
(2/29)

بَابُ الرِّبَا وَعِلَّتُهُ عِنْدَنَا الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ (ف) مَعَ الْجِنْسِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَإِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ يُبْطِلُ مَعْنَى التَّوْلِيَةِ، فَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ، وَتُحَطُّ الزِّيَادَةُ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى التَّوْلِيَةِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْوَضِيعَةِ: أَيْ إِذَا خَانَ خِيَانَةً تَنْفِي الْوَضِيعَةَ؛ أَمَّا إِذَا كَانَتْ خِيَانَةً تُوجَدُ الْوَضِيعَةُ مَعَهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَحُطُّ فِيهِمَا، وَمُحَمَّدٌ يُخَيَّرُ فِيهِمَا.

[بَابُ الرِّبَا]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، وَمِنْهُ الرَّبْوَةُ لِلْمَكَانِ الزَّائِدِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الِارْتِفَاعِ.
وَفِي الشَّرْعِ: الزِّيَادَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي الْعَقْدِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ.
وَقِيلَ الرِّبَا فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ بِصِفَةٍ سَوَاءً كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ نَسِيئَةً رِبًا وَلَا زِيَادَةَ فِيهِ. وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ قَوْله تَعَالَى:
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وَقَوْلُهُ: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130] وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، كَيْلًا بِكَيْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، كَيْلًا بِكَيْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، كَيْلًا بِكَيْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، كَيْلًا بِكَيْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا» وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَعَدِّي الْحُكْمِ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَعِلَّتُهُ عِنْدَنَا الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ» رَوَاهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيُّ بَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَبِيعُوا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، وَلَا الصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ» وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَكِيلٍ سَوَاءً كَانَ مَطْعُومًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، إِمَّا إِجْمَاعًا، أَوْ لِأَنَّ التَّسَاوِيَ حَقِيقَةً لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِمَا، وَجَعْلُ الْعِلَّةِ مَا هُوَ مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ إِجْمَاعًا أَوْ مُعَرَّفٌ لِلتَّسَاوِي حَقِيقَةً أَوْلَى مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَا يُعْرَفُ التَّسَاوِي حَقِيقَةً، وَلِأَنَّ التَّسَاوِيَ وَالْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مِثْلًا بِمِثْلٍ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «سَوَاءً بِسَوَاءٍ» أَوْ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ، وَالْمُمَاثَلَةُ بِالصُّورَةِ وَالْمَعْنَى أَتَمُّ وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَاهُ، لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ يُوجِبُ الْمُمَاثِلَةَ صُورَةً، وَالْجِنْسِيَّةُ تُوجِبُهَا مَعْنًى فَكَانَ أَوْلَى.
وَهَذَا أَصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَامَّةُ مَسَائِلِ الرِّبَا، فَنَذْكُرُ بَعْضَهَا تَنْبِيهًا عَلَى الْبَاقِي لِمَنْ يَتَأَمَّلُهَا:
مِنْهَا لَوْ بَاعَ حِفْنَةَ طَعَامٍ بِحِفْنَتَيْنِ، أَوْ تُفَّاحَةً بِتُفَّاحَتَيْنِ يَجُوزُ لِعَدَمِ
(2/30)

فَإِذَا وُجِدَا حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ، وَإِذَا عُدِمَا حَلَّا، وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا خَاصَّةً حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ (ف) ، وَجَيِّدُ مَالِ الرِّبَا وَرَدِيئُهُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهِ سَوَاءٌ، وَمَا وَرَدَ النَّصُّ بِكَيْلِهِ فَهُوَ كَيْلِيٌّ أَبَدًا، وَمَا وَرَدَ بِوَزْنِهِ فَوَزْنِيٌّ أَبَدًا؛ وَعَقْدُ الصَّرْفِ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَبْضُ عِوَضَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الرَّبَوِيَّاتِ يَكْفِي فِيهِ التَّعْيِينُ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ فَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا (م) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ مَا ذَكَرْنَا.
(فَإِذَا وُجِدَا حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ) عَمَلًا بِالْعِلَّةِ.
(وَإِذَا عُدِمَا حَلَّا) لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] .
(وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا خَاصَّةً حَلَّ التَّفَاضُلُ، وَحَرُمَ النَّسَاءُ) أَمَّا إِذَا وُجِدَ الْمِعْيَارُ وَعُدِمَ الْجِنْسُ، كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، وَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ - وَيُرْوَى النَّوْعَانِ - فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» .
وَأَمَّا إِذَا وُجِدَتِ الْجِنْسِيَّةُ وَعُدِمَ الْمِعْيَارُ كَالْهَرَوِيِّ بِالْهَرَوِيِّ، فَإِنَّ الْمُعَجَّلَ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤَجَّلِ وَلَهُ فَضْلٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْفَضْلُ مِنْ حَيْثُ التَّعْجِيلُ رَبًا؛ لِأَنَّهُ فَضْلٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَهُوَ مَشْرُوطٌ فِي الْعَقْدِ فَيَحْرُمُ.
قَالَ: (وَجَيِّدُ مَالِ الرِّبَا وَرَدِيئُهُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهِ سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ فَيَلْغُو.
قَالَ: (وَمَا وَرَدَ النَّصُّ بِكَيْلِهِ فَهُوَ كَيْلِيٌّ أَبَدًا، وَمَا وَرَدَ بِوَزْنِهِ فَوَزْنِيٌّ أَبَدًا، اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ أَيْضًا، لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ عَلَى عَادَتِهِمْ فَتُعْتَبَرُ الْعَادَةُ، وَمَا لَا نَصَّ فِيهِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ لِأَنَّهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَ: (وَعَقْدُ الصَّرْفِ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَبْضُ عِوَضَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ هَاءَ وَهَاءَ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ هَاءَ وَهَاءَ» أَيْ يَدًا بِيَدٍ.
(وَمَا سِوَاهُ مِنَ الرَّبَوِيَّاتِ يَكْفِي فِيهِ التَّعْيِينُ) لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَيَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ كَالثِّيَابِ بِخِلَافِ الصَّرْفِ، لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِيهِ لِلتَّعْيِينِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِدُونِ الْقَبْضِ عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَدًا بِيَدٍ» أَيْ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الصَّامِتِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ فَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ فَصَارَتْ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَكَمَا إِذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا. وَلَهُمَا أَنْ ثَمَنِيَّتَهَا بِالِاصْطِلَاحِ، فَيَبْطُلُ بِهِ أَيْضًا، وَقَدِ اصْطَلَحَا عَلَى إِبْطَالِهَا، إِذْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمَا فِي هَذَا الْبَابِ، بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ ثَمَنًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(2/31)

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَلَا بِالسَّوِيقِ وَلَا بِالنُّخَالَةِ، وَلَا الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ (سم) ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ وَبِالتَّمْرِ (سم) مُتَمَاثِلًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَلَا بِالسَّوِيقِ وَلَا بِالنُّخَالَةِ، وَلَا الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ شُبْهَةَ الرِّبَا، وَشُبْهَةَ الْجِنْسِيَّةِ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي بَابِ الرِّبَا احْتِيَاطًا لِلْحُرْمَةِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ جِنْسٌ وَاحِدٌ نَظَرًا إِلَى الْأَصْلِ، وَالْمُخَلِّصُ هُوَ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ، وَأَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ لِانْكِبَاسِ الدَّقِيقِ فِي الْمِكْيَالِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِذَا عُدِمَ الْمُخَلِّصُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ وَكَذَا لَا تَجُوزُ الْمَقْلِيَّةُ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ، وَلَا بِالسَّوِيقِ وَالدَّقِيقِ، وَلَا الْمَطْبُوخَةُ بِغَيْرِ الْمَطْبُوخَةِ، لِتَعَذُّرِ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا بِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَفِعْلُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي إِسْقَاطِ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَبْلُولَةِ بِمِثْلِهَا وَبِالْيَابِسَةِ، وَالرَّطْبَةِ بِمِثْلِهَا وَبِالْيَابِسَةِ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا بِصُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ؛ وَأَمَّا الْمَبْلُولَةُ فَلِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ خُلِقَتْ نِدِّيَّةً، فَالْبَلُّ يُعِيدُهَا إِلَى مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ كَأَنَّهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فَصَارَتْ كَالسَّلِيمَةِ بِالْمُسَوَّسَةِ وَالْعَلْكَةِ بِالرَّخْوَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ نَظَرًا إِلَى اخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ، وَجَوَابُهُ مَا بَيَّنَّا، وَلِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ التَّغَذِّي وَهُوَ يَشْمَلُهُمَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا لِلتَّسَاوِي؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالدَّقِيقِ وَالْحِنْطَةِ كَيْفَ كَانَ لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ أَوْ وَزْنِيٌّ بِكُلِّيٍّ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَسِيئَةً وَالْآخَرُ نَقْدًا، وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ وَبِالتَّمْرِ مُتَمَاثِلًا) وَكَذَا التَّمْرُ بِالْبُسْرِ وَالرُّطَبُ بِالْبُسْرِ، لِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» وَصَارَ كَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ التَّمْرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَوَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، " قَالَ: لَا إِذًا» وَلِأَنَّ الرُّطَبَ يَنْكَبِسُ أَكْثَرَ مِنَ التَّمْرِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الْعِرَاقَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ يَجُوزُ، لِأَنَّ الرُّطَبَ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ التَّمْرِ جَازَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا جَازَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: 9 «إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» وَرَدَّ مَا رَوَيَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: مَدَارُهُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، حَتَّى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: كَيْفَ يُقَالُ إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَقَدْ عَرِفَ مِثْلَ هَذَا الْإِسْنَادِ؟ وَلِأَنَّهُ بَاعَ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ لِأَنَّ الرُّطَبَ تَمْرٌ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَمَّا أُهْدِيَ لَهُ رُطَبٌ مِنْ خَيْبَرَ: " أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» وَقَوْلُهُ: الرُّطَبُ يَنْكَبِسُ أَكْثَرَ مِنَ التَّمْرِ، قُلْنَا هَذَا التَّفَاوُتُ نَشَأَ مِنَ الصِّفَاتِ الْفِطْرِيَّةِ، وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَنَّا فِيمَا شُرِطَ عَلَيْنَا مِنْ رِعَايَةِ الْمُمَاثَلَةِ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ
(2/32)

وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ (م) ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكِرْبَاسِ بِالْقُطْنِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَلَا السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ إِلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ (س) ، وَيُكْرَهُ السَّفَاتِجُ.

بَابُ السَّلَمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَى مَا مَرَّ آنِفًا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ إِذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ إِلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي فِي الشَّاةِ لِيَكُونَ الْفَاضِلُ بِالسَّقْطِ تَحَرُّزًا عَنِ الرِّبَا، وَهُوَ زِيَادَةُ السَّقْطِ وَصَارَ كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ بَاعَ مَوْزُونًا بِعَدَدِيٍّ، وَلَا يُعْرَفُ مَا فِيهِ مِنَ اللَّحْمِ بِالْوَزْنِ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يُخَفِّفُ نَفْسَهُ فِي الْمِيزَانِ مَرَّةً وَيُثَقِّلُهَا أُخْرَى بِخِلَافِ الزَّيْتِ وَالزَّيْتُونِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكِرْبَاسِ بِالْقُطْنِ) لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ وَالْمِعْيَارِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَالْقُطْنُ بِالْغَزْلِ يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِمَا ذَكَرْنَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِلْمُجَانَسَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَلَا السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ إِلَّا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ) تَحَرُّزًا عَنِ الرِّبَا وَشُبْهَتِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا شَابَهَهُ كَالْعِنَبِ بِدِبْسِهِ وَالْجَوْزِ بِدُهْنِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَاللُّحْمَانُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حَتَّى لَا يُكَمَّلَ نِصَابُ بَعْضِهَا مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّ الْبَقَرَ وَالْجَوَامِيسَ جِنْسٌ، وَالْمَعَزَ وَالضَّأْنَ جِنْسٌ، وَالْبَخْتَ وَالْعِرَابَ جِنْسٌ، وَكَذَلِكَ الْأَلْبَانُ وَالشَّحْمُ وَالْأَلْيَةُ جِنْسَانِ، وَشَحْمُ الْجَنْبِ لَحْمٌ وَيُعْرَفُ تَمَامُهُ فِي الْأَيْمَانِ.
قَالَ: (وَلَا رِبًا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى هَذَا الْقِمَارِ لِأَنَّ الرِّبَا وَالْقِمَارَ حَرَامٌ، وَلَا يَحِلُّ فِي دَارِهِمْ كَالْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا. وَلَهُمَا أَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ، إِلَّا أَنَّهُ بِالْأَمَانِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ تَحَرُّزًا عَنِ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ، فَإِذَا رَضَوْا بِهِ حَلَّ أَخْذُهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ، لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحْظُورًا بِالْأَمَانِ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ السَّفَاتِجُ) وَهُوَ قَرْضٌ اسْتَفَادَ بِهِ الْمُقْرِضُ أَمْنَ الطَّرِيقِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا» وَصُورَتُهُ أَنْ يُقْرِضَهُ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضُهَا فِي بَلَدِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَحْمِيَهُ فِي الطَّرِيقِ.

[بَابُ السَّلَمِ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: التَّقْدِيمُ وَالتَّسْلِيمُ وَكَذَلِكَ السَّلَفُ.
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لِعَقْدٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الثَّمَنِ عَاجِلًا وَفِي الْمُثَمَّنِ آجِلًا، وَسُمِّيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الثَّمَنِ، وَقَالَ
(2/33)

كُلُّ مَا أَمْكَنَ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ جَازَ السَّلَمُ فِيهِ، وَمَا لَا فَلَا، وَشَرَائِطُهُ: تَسْمِيَةُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْوَصْفِ وَالْأَجَلِ وَالْقَدْرِ وَمَكَانِ الْإِيفَاءِ (سم) إِنْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمَؤُونَةٌ، وَقَدْرُ (سم) رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ، وَقَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْقُدُورِيُّ: السَّلَمُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ تَعْجِيلَ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ وَتَأْجِيلَ الْآخَرِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ، لَكِنْ لَمَّا اخْتَصَّ بِحُكْمٍ وَهُوَ تَعْجِيلُ الثَّمَنِ اخْتَصَّ بِاسْمٍ كَالصَّرْفِ لَمَّا اخْتَصَّ بِوُجُوبِ تَعْجِيلِ الْبَدَلَيْنِ اخْتَصَّ بِاسْمٍ، وَهُوَ عَقْدٌ شُرِعَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِ بَيْعَ الْمَعْدُومِ، إِلَّا أَنَّا تَرْكُنَا الْقِيَاسَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَازَ السَّلَمَ وَأَنْزَلَ فِيهِ أَطْوَلَ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ» وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَيُسَمَّى بَيْعَ الْمَفَالِيسِ شُرِعَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَى رَأْسِ الْمَالِ، لِأَنَّ أَغْلَبَ مَنْ يَعْقِدُهُ مَنْ لَا يَكُونُ الْمُسْلَمُ فِيهِ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ يَبِيعُهُ بِأَوْفَرِ الثَّمَنَيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى السَّلَمِ، وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وَبِلَفْظِ السَّلَفِ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَبِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُجَرَّدِ لَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ: (كُلُّ مَا أَمْكَنَ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ جَازَ السَّلَمُ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ.
(وَمَا لَا فَلَا) لِأَنَّهُ يَكُونُ مَجْهُولًا فَيُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ يُبْتَنَى عَلَيْهَا أَكْثَرُ مَسَائِلِ السَّلَمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ بَعْضِهَا لِيُعْرَفَ بَاقِيهَا بِالتَّأَمُّلِ فِيهَا فَنَقُولُ: يَجُوزُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَزْرُوعَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَأَشْبَاهِهِمَا؛ وَلَا فِي الْجَوْهَرِ وَالْخَرَزِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ فِي الطَّسْتِ وَالْقُمْقُمِ وَالْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يَجُوزُ فِي الْخُبْزِ لِتَفَاوُتِهِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا بِالثَّخَانَةِ وَالرِّقَّةِ وَالنُّضْجِ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِتَفَاوُتِهِ عَدَدًا مِنْ حَيْثُ الْخِفَّةُ وَالثِّقَلِ، وَوَزْنًا مِنْ حَيْثُ الصَّنْعَةُ. وَعِنْدِ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَزْنًا لَا عَدَدًا، لِأَنَّ الْوَزْنَ أَعْدَلُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ بِهِمَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِتَعَامُلِ النَّاسِ بِهِ وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ.
قَالَ: (وَشَرَائِطُهُ تَسْمِيَةُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْوَصْفِ وَالْأَجَلِ وَالْقَدْرِ وَمَكَانِ الْإِيفَاءِ إِنْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمَؤُونَةٌ، وَقَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ، وَقَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ) لِأَنَّ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُنْفَى الْجَهَالَةُ وَتُقْطَعُ الْمُنَازَعَةُ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا
(2/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يَكُونُ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَجْهُولًا فَتُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَالْجِنْسُ كَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ، وَالنَّوْعُ كَالْبَرْنِيِّ، وَالْمَكْتُومُ فِي التَّمْرِ وَفِي الْحِنْطَةِ كَسَهْلِيَّةٍ وَجَبَلِيَّةٍ، وَالْوَصْفُ كَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَالْأَجَلُ كَقَوْلِهِ إِلَى شَهْرٍ وَنَحْوِهِ وَهُوَ شَرْطٌ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ شُرِعَ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْجِيلِ لِيَقْدِرَ عَلَى التَّحْصِيلِ وَتَقْدِيرُهُ إِلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ، ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ. وَعَنِ الطَّحَاوِيِّ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، رَوَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا اعْتِبَارًا بِمُدَّةِ الْخِيَارِ. وَرُوِيَ عَنْهُمْ لَوْ شُرِطَ نِصْفُ يَوْمٍ جَازَ لَأَنَّ أَدْنَى مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا تَتَقَدَّرُ فَكَذَلِكَ أَجَلُ السَّلَمِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ شَهْرٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الْآجِلِ وَأَقْصَى الْعَاجِلِ. وَأَمَّا الْقَدْرُ فَقَوْلُهُ كَذَا قَفِيزًا وَكَذَا رِطْلًا، وَهُوَ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ» وَأَمَّا مَكَانُ الْإِيفَاءِ فَقَوْلُنَا فِي مَكَانِ كَذَا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ إِذَا كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمَؤُونَةٌ، وَقَالَا: لَا يَشْتَرِطُ وَيُوَفِّيهِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ مَكَانَ الْعَقْدِ مُتَعَيِّنٌ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَكَمَا فِيمَا لَا حَمْلَ لَهُ. وَلَهُ أَنَّ التَّسْلِيمَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ يَكُونُ عِنْدَ حُلُولِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ مَوْضِعِ الْإِيفَاءِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ فِي الْحَالِ، وَلَا مُنَازَعَةَ فِيمَا لَا حَمْلَ لَهُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْأُجْرَةُ وَالثَّمَنُ إِذَا كَانَ لَهُ حَمْلٌ، وَالْقِسْمَةُ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ شَيْئًا لَهُ حَمْلٌ وَمَؤُونَةٌ، وَإِذَا شَرَطَ مَكَانًا يَتَعَيَّنُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ؛ وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ حَمْلٌ، وَمَؤُونَةٌ كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَنَحْوِهِمَا لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَلْ يَتَعَيَّنُ مَكَانُ الْعَقْدِ؟ عَنْهُ رِوَايَتَانِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ، وَلَوْ شَرَطَ لَهُ مَكَانًا قِيلَ لَا يَتَعَيَّنُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ لِلْفَائِدَةِ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَنْبَرِ فِي الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي السَّوَادِ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْنَ خَطَرِ الطَّرِيقِ.
وَأَمَّا بَيَانُ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِهَا وَصَارَ كَالثَّوْبِ إِذَا كَانَ رَأْسَ الْمَالِ. وَلَهُ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَجِدُ بَعْضَهَا زُيُوفًا وَقَدْ أَنْفَقَ الْبَعْضَ فَيَرُدُّهُ وَلَا يُسْتَبْدَلُ فِي الْمَجْلِسِ، وَفِي الْمِثْلِيَّاتِ يَنْقَسِمُ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فَيَنْتَقِضُ السَّلَمُ بِقَدْرِ مَا رُدَّ، وَلَا يُدْرَى قَدْرُ الْبَاقِي فَيُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَالْمَوْهُومُ فِي هَذَا الْعَقْدِ كَالْمُتَحَقِّقِ لِشَرْعِيَّتِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ أَسْلَمَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ أَحَدِهِمَا. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ الْعَشَرَةَ وَهَذِهِ الدَّنَانِيرَ فِي كَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَكُرِّ شَعِيرٍ، أَوْ فِي ثَوْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَ مِثْلِيٍّ كَالثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قِيمَتُهُ وَذَرْعُهُ، لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى عَدَدِ الذُّرْعَانِ لِتَفَاوُتِهَا فِي الْجَوْدَةِ،
(2/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا عَلَى الْقِيمَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُفِيدُ مَعْرِفَتُهَا فَلَا يُعْتَبَرُ.
وَأَمَّا قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ فَلِأَنَّ السَّلَمَ أَخْذُ عَاجِلٍ بِآجِلٍ عَلَى مَا مَرَّ، فَيَجِبُ قَبْضُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ لِيَتَحَقَّقْ مَعْنَى الِاسْمِ، وَلَا يَجِبُ قَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْحَالِ فَيَجِبُ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَيْنًا يَصِيرُ كَالِئًا بِكَالِئٍ وَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَالْقِيَاسُ أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فَقَدِ افْتَرَقَا عَنْ دَيْنٍ بِعَيْنٍ، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّهُ شَرْطٌ عَمَلًا بِالْخَبَرِ وَمُقْتَضَى لَفْظِ السَّلَمِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ فَيُخِلُّ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضَ رَأْسِ الْمَالِ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ قَبْضَ رَأْسِ الْمَالِ الْمَشْرُوطِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ لِمَا بَيَّنَّا، فَإِنْ قُبِلَ الْإِبْرَاءُ سَقَطَ الْقَبْضُ وَبَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَبْطُلْ لِأَنَّهُ صَحَّ بِتَرَاضِيهِمَا فَلَا يَبْطُلُ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِهِ أَرْدَأَ مِنْهُ وَرَضِيَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ بِهِ جَازَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ وَإِنْ خَالَفَ فِي الصِّفَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْطَى أَجْوَدَ مِنْهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْأَخْذِ خِلَافًا لِزُفَرَ.
لَهُ أَنَّهُ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِالْجَوْدَةِ فَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ. وَلَنَا أَنَّ الْجَوْدَةَ لَا تُخْرِجُهُ عَنِ الْجِنْسِ وَهِيَ غَيْرُ مُنْفَرِدَةٍ عَنِ الْعَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَى إِذَا تَبَرَّعَ بِهَا كَالرُّجْحَانِ فِي الْوَزْنِ.
وَأَمَّا الْمُسْلَمُ فِيهِ فَالْإِبْرَاءُ عَنْهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَا يَجِبُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» وَعَنِ الصَّحَابَةِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا «لَيْسَ لَكَ إِلَّا سَلَمُكُ أَوْ رَأْسُ مَالِكَ» فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنَ الْجِنْسِ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ جَازَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَشَرْطٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ فِي الْبَدَلَيْنِ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا حَتَّى لَا يَجُوزَ إِسْلَامُ الْهَرَوِيِّ فِي الْهَرَوِيِّ وَلَا إِسْلَامُ الْكَيْلِيِّ فِي الْكَيْلِيِّ كَالْحِنْطَةِ فِي الشَّعِيرِ وَلَا الْوَزْنِيِّ فِي الْوَزْنِيِّ كَالْحَدِيدِ فِي الصُّفْرِ أَوْ فِي الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا خَيْرَ فِي نَسِيئَةٍ» وَهَذَا مُطَّرِدٌ إِلَّا فِي الْأَثْمَانِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِسْلَامُهَا فِي الْوَزْنِيَّاتِ ضَرُورَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَلِأَنَّ الْأَثْمَانَ تُخَالِفُ غَيْرَهَا مِنَ الْوَزْنِيَّاتِ فِي صِفَةِ الْوَزْنِ، لِأَنَّهَا تُوزَنُ بِصَنْجَاتِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَغَيْرُهَا يُوزَنُ بِالْأَرْطَالِ وَالْأَمْنَانِ، وَالْأَثْمَانُ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَغَيْرُهَا يَتَعَيَّنُ فَلَمْ يَجْمَعْهُمَا أَحَدُ وَصْفَيِ الْعِلَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَجَازَ إِسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، وَلَوْ أَسْلَمَ مَكِيلًا فِي مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا إِذَا أَسْلَمَ كُرَّ حِنْطَةٍ فِي كُرِّ شَعِيرٍ وَعَشَرَةِ أَرْطَالِ زَيْتٍ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْكُلِّ، وَقَالَا: يَجُوزُ فِي حِصَّةِ الْمَوْزُونِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ مَتَى فَسَدَتْ فِي الْبَعْضِ فَسَدَتْ فِي الْكُلِّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَفْسَدُ بِقَدْرِ الْمُفْسَدِ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْبَعْضِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا مُدَبَّرٌ، وَلَهُ أَنَّهُ فَسَادٌ قَوِيٌّ تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَيَشِيعُ فِي الْكُلِّ كَمَا إِذَا ظَهَرَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ حُرًّا أَوْ أَحَدُ الدَّنَّيْنِ خَمْرًا، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ بَيْعِهِ لَيْسَ مَجْمَعًا عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي مَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ بِهَا يَجُوزُ نَسِيئَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى السَّلَمِ فِيهِمَا، وَهَلْ يَجُوزُ فِي التِّبْرِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَيَجُوزُ
(2/36)

وَلَا يَصِحُّ فِي الْمُنْقَطِعِ وَلَا فِي الْجَوَاهِرِ، وَلَا فِي الْحَيَوَانِ وَلَحْمِهِ (سم) وَأَطْرَافِهِ وَجُلُودِهِ، وَيَصِحُّ فِي السَّمَكِ الْمَالِحِ وَزْنًا، وَلَا يَصِحُّ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ، وَلَا فِي طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي الْحُلِيِّ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ، وَفِي الْفُلُوسِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَقَدْ مَرَّ.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ فِي الْمُنْقَطِعِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الِاكْتِسَابِ فِي الْمُدَّةِ، وَفِي مُدَّةِ انْقِطَاعِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الْعَجْزِ عَنِ التَّسْلِيمِ وَقْتَ الْمَحَلِّ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» وَالِانْقِطَاعُ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي سُوقِهِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يُوجِدُ فِي الْبُيُوتِ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ كَالرُّطَبِ فِي خُرَاسَانَ، وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَقَالِيمِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُنْقَطِعِ، وَلَوْ حَلَّ السَّلَمُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى انْقَطَعَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَبْطُلُ السَّلَمُ، وَقِيلَ إِنْ شَاءَ انْتَظَرَ وُجُودَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ، كَإِبَاقِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ وَتَخَمُّرِ الْعَصِيرِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
قَالَ: (وَلَا فِي الْجَوَاهِرِ) لِتَفَاوُتِ آحَادُهَا تَفَاوُتًا فَاحِشًا حَتَّى لَوْ لَمْ تَتَفَاوَتْ كَصِغَارِ اللُّؤْلُؤِ الَّذِي يُبَاعُ وَزْنًا، قَالُوا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ وَزْنِيٌّ.
قَالَ: (وَلَا فِي الْحَيَوَانِ وَلَحْمِهِ وَأَطْرَافِهِ وَجُلُودِهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ» ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهِ الْبَاطِنَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّفَاوُتَ فِي الْمَالِيَّةِ فَيُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ.
وَأَمَّا اللَّحْمُ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا: إِذَا سَمَّى مِنَ اللَّحْمِ مَوْضِعًا مَعْلُومًا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ وَزْنِيٌّ مَعْلُومُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فَيَجُوزُ. وَلَهُ أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا بِكِبَرِ الْعَظْمِ وَصِغَرِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ فِي مَنْزُوعِ الْعَظْمِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ، وَيَتَفَاوَتُ بِالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَصْلًا وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ شُجَاعٍ، وَلَوِ اسْتَهْلَكَ لَحْمًا ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ بِالْمِثْلِ وَيَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَرْضَ وَالضَّمَانَ يَجِبَانِ حَالًّا فَتَكُونُ صِفَتُهُ مَعْلُومَةً وَلَا كَذَلِكَ السَّلَمُ. وَأَمَّا أَطْرَافُهُ وَجُلُودُهُ فَلِأَنَّهَا عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ تَفَاوُتًا يُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَطْرَافِ الرُّؤُوسُ وَالْأَكَارِعُ.
أَمَّا الشُّحُومُ وَالْأَلْيَةُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا لِأَنَّهَا وَزْنِيٌّ مَعْلُومُ الْقَدْرِ والصِّفَةِ.
قَالَ: (وَيَصِحُّ فِي السَّمَكِ الْمَالِحِ وَزْنًا) لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ، وَكَذَلِكَ الطَّرِيُّ الصِّغَارُ فِي حِينِهِ.
وَفِي الْكِبَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، الْمُخْتَارُ الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ السِّمَنَ وَالْهُزَالَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ عَادَةً. وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي لَحْمِ الْكِبَارِ مِنْهُ.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا هَلَكَ الْمِكْيَالُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيَعْجِزُ عَنِ التَّسْلِيمِ. وَكَذَا ذِرَاعٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ وَزْنُ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مِمَّا لَا يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ كَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ لِيَكُونَ مَعْلُومًا فَلَا يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ. أَمَّا مَا يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ كَالْجِرَابِ وَالزِّنْبِيلِ يَزْدَادُ وَيَنْتَقِصُ فَيُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ.
قَالَ: (وَلَا فِي طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا) لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَسْلَمُ
(2/37)

وَيَجُوزُ فِي الثِّيَابِ إِذَا سَمَّى طُولًا وَعَرْضًا وَرُقْعَةً، وَفِي اللَّبِنِ إِذَا عَيَّنَ الْمِلْبَنَ، وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا فِي رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الْقَبْضِ.

وَإِذَا اسْتَصْنَعَ شَيْئًا جَازَ اسْتِحْسَانًا (ز) ، وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَلِلصَّانِعِ بَيْعُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
طَعَامُهَا إِمَّا بِآفَةٍ أَوْ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَكَذَا ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ صَاحِبِهِ؟» وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَسْلَمَ إِلَى زَيْدِ بْنِ سَعَفَةَ فِي تَمْرٍ فَقَالَ: أَسْلِمْ إِلَيَّ فِي تَمْرِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " أَمَّا فِي تَمْرِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا فَلَا» .
قَالَ: (وَيَجُوزُ فِي الثِّيَابِ إِذَا سَمَّى طُولًا وَعَرْضًا وَرُقْعَةً) لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ مَعَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ فَالتَّفَاوُتُ بَعْدَهُ يَسِيرٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْحَرِيرِ؟ الْأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُ، لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ مُعْتَبَرٌ؛ وَقِيلَ إِنْ كَانَ إِذَا ذُكِرَ الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالرُّقْعَةُ لَا يَتَفَاوَتُ وَزْنُهُ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ الْوَزْنِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، وَإِنْ كَانَ يَخْتَلِفُ وَزْنُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَزْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ، وَإِذَا أَطْلَقَ الذِّرَاعَ فَلَهُ الْوَسَطُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا فَلَهُ الْمُعْتَادُ.
قَالَ: (وَفِي اللَّبِنِ إِذَا عَيَّنَ الْمِلْبَنَ) لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَقَارِبٌ إِذَا بُيِّنَ الْمِلْبَنُ وَكَذَلِكَ الْآجُرُّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ بَاعَ مِائَةَ آجُرَّةٍ مِنْ أَتُّونٍ لَا يَجُوزُ لِلتَّفَاوُتِ فِي النُّضْجِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِأَنَّهُ مَبِيعٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ لِأَنَّهُمَا تَصَرُّفٌ.
(وَلَا فِي رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِأَنَّهُ يَجِبُ قَبْضُهُ لِلْحَالِ لِمَا بَيَّنَّا، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَاتَ الْقَبْضُ فَلَا يَجُوزُ.

[فصل إِذَا اسْتَصْنَعَ شَيْئًا جَازَ اسْتِحْسَانًا]
فَصْلٌ (وَإِذَا اسْتَصْنَعَ شَيْئًا جَازَ اسْتِحْسَانًا) اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى الْجَوَازَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ لَكِنِ اسْتَحْسَنَّا جَوَازَهُ لِلتَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ وَيُخُصُّ الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ، ثُمَّ قِيلَ هِيَ مُوَاعَدَةٌ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مُعَاقَدَةٌ لِأَنَّ فِيهِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَمَا لَا، وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْعُقُودِ، وَيَنْعَقِدُ عَلَى الْعَيْنِ دُونَ الْعَمَلِ حَتَّى لَوْ جَاءَ بِعَيْنٍ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ جَازَ.
(وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ.
(وَلِلصَّانِعِ بَيْعُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْعَقْدُ لَمْ يَقَعْ عَلَى هَذَا بِعَيْنِهِ، فَإِذَا رَآهُ الْمُسْتَصْنِعُ وَرَضِيَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِلصَّانِعِ بَيْعُهُ
(2/38)

وَإِنْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا صَارَ سَلَمًا (سم) .

بَابُ الصَّرْفِ وَهُوَ بَيْعُ جِنْسِ الْأَثْمَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَضْرُوبُهُمَا وَمَصُوغُهُمَا وَتِبْرُهُمَا، فَإِنْ بَاعَ فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ لَمْ يَجُزْ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ، ثُمَّ إِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَوَانِي الصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالزُّجَاجِ وَالْعِيدَانِ وَالْخِفَافِ وَالْقَلَانِسِ وَالْأَوْعِيَةِ مِنَ الْأُدْمِ وَالْمَنَاطِقِ وَجَمِيعِ الْأَسْلِحَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ كَالْجِبَابِ وَنَسْجِ الثِّيَابِ، لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ لَهُ هُوَ التَّعَامُلُ عَلَى مَا مَرَّ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِنْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا صَارَ سَلَمًا) فَيُشْتَرَطُ لَهُ شَرَائِطُ السَّلَمِ، وَقَالَا: لَا يَصِيرُ سَلَمًا لِأَنَّهُ اسْتِصْنَاعُ حَقِيقَةٍ، فَبِضَرْبِ الْأَجَلِ لَا يَصِيرُ سَلَمًا، كَمَا لَا يَصِيرُ السَّلَمُ اسْتِصْنَاعًا بِحَذْفِ الْأَجَلِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى السَّلَمِ فَيَكُونُ سَلَمًا، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي لَا لِلصُّوَرِ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ سَلَمًا فَيُجْعَلُ لِوُرُودِ النَّصِّ بِجَوَازِ السَّلَمِ دُونَ الِاسْتِصْنَاعِ. وَجَوَابُهُمَا أَنَّ حَذْفَ الْأَجَلِ لَيْسَ مِنْ خَوَاصِّ الِاسْتِصْنَاعِ، أَمَّا الْأَجَلُ مِنْ خَوَاصِّ السَّلَمِ، وَيُكْتَفَى فِي الِاسْتِصْنَاعِ بِصِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ تَحْتَمِلُ الْإِدْرَاكَ، وَلَا بُدَّ فِي السَّلَمِ مِنَ اسْتِقْصَاءِ الصِّفَةِ عَلَى وَجْهٍ يُتَيَقَّنُ بِالْإِدْرَاكِ فَافْتَرَقَا.

[بَابُ الصَّرْفِ]
ِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الدَّفْعُ وَالرَّدُّ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ: اصْرِفْ عَنَّا كَيْدَ الْكَائِدِينَ، وَصَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ السُّوءَ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ: بَيْعُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، سُمِّيَ بِهِ لِوُجُوبِ دَفْعِ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ فِي الْمَجْلِسِ.
قَالَ: (وَهُوَ بَيْعُ جِنْسِ الْأَثْمَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَضْرُوبُهُمَا وَمَصُوغُهُمَا وَتِبْرُهُمَا، فَإِنْ بَاعَ فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ لَمْ يَجُزْ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا» وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى وَرَاءِ السَّارِيَةِ فَلَا تُنْظِرْهُ. وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ لِيُخْرَجَ مِنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَيُقْبَضَانِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُبِضَ أَحَدُهُمَا يَجِبُ قَبْضُ الْآخَرِ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ بِالْأَبْدَانِ حَتَّى لَوْ تَصَارَفَا وَسَارَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا كَثِيرًا ثُمَّ تَقَابَضَا جَازَ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، وَكَذَلِكَ مَجْلِسُ عَقْدِ السَّلَمِ، وَلَوْ تَصَارَفَا وَوَكَّلَا بِالْقَبْضِ فَالْمُعْتَبَرُ تَفَرُّقُ الْعَاقِدَيْنِ لَا تَفَرُّقُ الْوَكِيلَيْنِ، وَلَوْ نَامَا جَالِسَيْنِ لَمْ يَكُنْ
(2/39)

وَلَا اعْتِبَارَ بِالصِّيَاغَةِ وَالْجَوْدَةِ، فَإِنْ بَاعَهَا مُجَازَفَةً ثُمَّ عُرِفَ التَّسَاوِي فِي الْمَجْلِسِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَمُجَازَفَةً مُقَابَضَةً، وَيَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَدِرْهَمٍ، وَبَيْعُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةٍ وَدِينَارٍ (ز) ، وَمَنْ بَاعَ سَيْفًا مُحَلًّى بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحِلْيَةِ جَازَ وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ قَدْرِ الْحِلْيَةِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فُرْقَةً، وَلَوْ نَامَا مُضْطَجِعَيْنِ كَانَ فُرْقَةً، وَلَا يَجُوزُ خِيَارُ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ يَنْفِي اسْتِحْقَاقَ الْقَبْضِ وَلَا الْأَجَلِ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْقَبْضَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الصِّحَّةِ، فَإِنْ أَسْقَطَهُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ خِلَافًا لِزُفَرَ وَقَدْ مَرَّ، وَلَوِ اشْتَرَى بِثَمَنِ الصَّرْفِ عَرَضًا قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْقَبْضَ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ، وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ فِي بَدَلِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلَا اعْتِبَارَ بِالصِّيَاغَةِ وَالْجَوْدَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا فِيهِ سَوَاءٌ» .
(فَإِنْ بَاعَهَا مُجَازَفَةً ثُمَّ عَرَفَ التَّسَاوِيَ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا) لِمَا عُرِفَ أَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ كَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَصَارَ كَالْعِلْمِ فِي ابْتِدَائِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، لِأَنَّ الشَّرْطَ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَحْصِيلُهُ، أَمَّا وُجُودُهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَنْبَنِي عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ، وَتُعْتَبَرُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْغَلَبَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَهِيَ كَالْجِيَادِ فِي الصَّرْفِ احْتِيَاطًا لِلْحُرْمَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَمُجَازَفَةً مُقَابَضَةً) . لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:
«إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَلَوِ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَدِرْهَمٍ، وَبَيْعُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةٍ وَدِينَارٍ) وَكَذَا دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارَيْنِ بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ، وَكَذَا كُرَّيْ حِنْطَةٍ، وَكُرِّ شَعِيرٍ بِكُرِّ حِنْطَةٍ، وَكُرَّيْ شَعِيرٍ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عِنْدَنَا يُصْرَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسَيْنِ إِلَى خِلَافِهِ حَمْلًا لِتَصَرُّفِهِمَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ، فَإِنَّهُ يَصْرِفُ الْجِنْسَ إِلَى جِنْسِهِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ. وَلَنَا أَنَّهُمَا قَصَدَا الصِّلَةَ ظَاهِرًا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِقَصْدِهِمَا، وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِمَا؛ وَلَوْ بَاعَ الْجِنْسَ بِمِثْلِهِ، وَأَحَدُهُمَا أَقَلُّ وَمَعَهُ عَرْضٌ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الْعَرْضِ قَدْرَ النُّقْصَانِ جَازَ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ رِبًا.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ سَيْفًا مُحَلًّى بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحِلْيَةِ جَازَ) وَمُرَادُهُ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ الْحِلْيَةِ جَازَ لِتَكُونَ الْحِلْيَةُ بِمِثْلِهَا وَالزِّيَادَةُ بِالنَّصْلِ وَالْحَمَائِلِ وَالْجِفَنِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهَا أَوْ أَقَلَّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ رِبًا، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ جِنْسِهَا جَازَ كَيْفَ كَانَ لِجَوَازِ التَّفَاضُلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
(وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ قَدْرِ الْحِلْيَةِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ) لِأَنَّهُ صَرْفٌ،
(2/40)

وَإِنْ بَاعَ إِنَاءَ فِضَّةٍ، أَوْ قِطْعَةَ نُقْرَةٍ، فَقَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ ثُمَ افْتَرَقَا صَارَ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا، فَإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْإِنَاءِ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْقِطْعَةِ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ وَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ، فَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً عَيَّنَهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً لَمْ يُعَيِّنْهَا، فَإِنْ بَاعَ بِهَا ثُمَّ كَسَدَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ (سم) ؛ وَمَنْ أَعْطَى صَيْرَفِيًّا دِرْهَمًا وَقَالَ: أَعْطِنِي بِهِ فُلُوسًا وَنِصْفًا إِلَّا حَبَّةً جَازَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَوِ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَالْحِلْيَةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَقَبَضَ مِنْهَا عَشْرَةً فَهِيَ حِصَّةُ الْحِلْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا حَمْلًا لِتَصَرُّفِهِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ خُذْهَا مِنْ ثَمَنِهِمَا لِأَنَّ قَصْدَهُ الصِّحَّةُ، وَقَدْ يُرَادُ بِالِاثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وَكَذَا إِنِ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ عَشَرَةٍ نَقْدًا وَعَشَرَةٍ نَسِيئَةً، فَالنَّقْدُ حِصَّةُ الْحِلْيَةِ لِمَا تَقَدَّمَ؛ فَإِنِ افْتَرَقَا لَا عَنْ قَبْضٍ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِمَا إِنْ كَانَتِ الْحِلْيَةُ لَا تَتَخَلَّصُ إِلَّا بِضَرَرٍ كَجِذْعٍ فِي سَقْفٍ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَخَلَّصُ جَازَ فِي السَّيْفِ وَبَطَلَ فِي الْحِلْيَةِ كَالطَّوْقِ فِي عُنُقِ الْجَارِيَةِ، وَقِسْ عَلَى هَذَا جَمِيعَ أَمْثَالِهَا.
(وَإِنْ بَاعَ إِنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ قِطْعَةَ نُقْرَةٍ فَقَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ ثُمَّ افْتَرَقَا صَارَ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا) فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ بِقَدْرِ مَا نَقَدَ مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ، لِأَنَّ الْعَيْبَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْقُدْ جَمِيعَ الثَّمَنِ.
(فَإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْإِنَاءِ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ فِي الْإِنَاءِ.
(وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْقِطْعَةِ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ وَلَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّ التَّشْقِيصَ لَا يَضُرُّ الْقِطْعَةَ فَلَمْ تَكُنِ الشَّرِكَةُ فِيهِ عَيْبًا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ) لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ.
(فَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً عَيَّنَهَا) لِأَنَّهَا عُرُوضٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً لَمْ يُعَيِّنْهَا) لِأَنَّهَا مِنَ الْأَثْمَانِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (فَإِنْ بَاعَ ثُمَّ كَسَدَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ) خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحَّ فَلَا يَفْسُدُ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ بِالْكَسَادِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَى بِشَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَانْقَطَعَ فَتَجِبُ قِيمَتُهَا، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يُوجِبُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَضْمُونٌ بِهِ، وَمُحَمَّدًا: يَوْمَ الْكَسَادِ لِأَنَّ عِنْدَهُ تَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ثَمَنِيَّةَ الْفُلُوسِ بِالِاصْطِلَاحِ فَيَهْلَكُ بِالْكَسَادِ فَيَبْقَى الْمَبِيعُ بِلَا ثَمَنٍ فَيَبْطُلُ، فَيُرَدُّ الْمَبِيعُ أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ هَالِكًا.
قَالَ: (وَمَنْ أَعْطَى صَيْرَفِيًّا دِرْهَمًا، وَقَالَ أَعْطِنِي بِهِ فُلُوْسًا وَنِصْفًا إِلَّا حَبَّةً جَازَ) وَيُصْرَفُ النِّصْفُ إِلَّا حَبَّةً إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الدِّرْهَمِ وَالْبَاقِي إِلَى الْفُلُوسِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ جِنْسُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2/41)

كِتَابُ الشُّفْعَةِ وَلَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْعَقَارِ، وَتَجِبُ فِي الْعَقَارِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُقْسَمُ أَوْ مِمَّا لَا يُقْسَمُ.

وَتَجِبُ إِذَا مَلَكَ الْعَقَارَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الشُّفْعَةِ] [ما تكون فيه الشُّفْعَةِ]
ِ وَهِيَ الضَّمُّ، وَمِنْهُ الشَّفْعُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ ضَمُّ رَكْعَةٍ إِلَى أُخْرَى.
وَالشَّفْعُ: الزَّوْجُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَرْدِ، وَالشَّفِيعُ لِانْضِمَامِ رَأْيِهِ إِلَى رَأْيِ الْمَشْفُوعِ لَهُ فِي طَلَبِ النَّجَاحِ، وَشَفَاعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُذْنِبِينَ لِأَنَّهَا تَضُمُّهُمْ إِلَى الصَّالِحِينَ، وَالشُّفْعَةُ فِي الْعَقَارِ لِأَنَّهَا ضَمُّ مِلْكِ الْبَائِعِ إِلَى مِلْكِ الشَّفِيعِ، وَهِيَ تَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ رَضِيَ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ سَخِطَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا ثُبُوتَهَا بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ» رَوَاهُ جَابِرٌ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ الدَّارِ» وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ يُنْكِرُ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَقُولُ: وُجُوبُ الشُّفْعَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ الْمَقْطُوعِ بِهَا لَا يُقَالُ إِنَّهُ اسْتِحْسَانٌ.
قَالَ: (وَلَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْعَقَارِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ فِي الْعَقَارِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الدَّخِيلِ فِيمَا هُوَ مُتَّصِلٌ عَلَى الدَّوَامِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَنْقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُومُ دَوَامَ الْعَقَارِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ.
(وَتَجِبُ فِي الْعَقَارِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُقْسَمُ) كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْقُرَى.
(أَوْ مِمَّا لَا يُقْسَمُ) كَالْبِئْرِ وَالرَّحَى وَالطَّرِيقِ، لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمُوجِبَةَ لِلشُّفْعَةِ لَا تُفَصَّلُ وَسَبَبُهَا الْمِلْكُ الْمُتَّصِلُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَتْ لَهُ دَفْعُ ضَرَرِ الدَّخِيلِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ فِي النَّوْعَيْنِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» .

[متى تجب الشُّفْعَةِ ومتى تستقر ومتى تملك]
(وَتَجِبُ إِذَا مَلَكَ الْعَقَارَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ) حَتَّى لَوْ مَلَكَهُ بَعُوضٍ لَيْسَ بِمَالٍ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهُ لَا بَعِوَضٍ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِرْثِ، لَأَنَّ الشَّفِيعَ إِنَّمَا يَأْخُذُهَا بِمِثْلِ مَا أَخَذَهَا بِهِ الدَّخِيلُ أَوْ بِقِيمَتِهِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا مِثْلَ لَهَا وَلَا قِيمَةَ، أَمَّا الْخَالِيَةُ عَنِ الْأَعْوَاضِ فَظَاهَرٌ.
وَأَمَّا الْمُقَابَلَةُ بِالْأَعْوَاضِ الْمَذْكُورَةِ، أَمَّا عَدَمُ الْمُمَاثَلَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْقِيمَةُ فَلِأَنَّ قِيمَتَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ حَقِيقَةً، لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُقَوَّمِ فِي الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّمَا تَقَوَّمَتْ فِي النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَلَا يَتَعَدَّاهُمَا، وَتَجِبُ فِي الْمَوْهُوبِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ بَيْعُ انْتِهَاءٍ عَلَى مَا يَأْتِيكَ فِي الْهِبَةِ، وَكَذَا تَجِبُ
(2/42)

وَتَجِبُ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ، وَتُمْلَكُ بِالْأَخْذِ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ سَوَاءٌ، وَتَجِبُ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ثُمَّ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ، ثُمَّ لِلْجَارِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي الصُّلْحِ عَنْ إِقْرَارٍ أَوْ سُكُوتٍ؛ لِأَنَّهُ مُقَابَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الصُّلْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَتَجِبُ بَعْدَ الْبَيْعِ) لِأَنَّ بِالرَّغْبَةِ عَنِ الْمِلْكِ تَجِبُ الشُّفْعَةُ، وَبِالْبَيْعِ يُعْرَفُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ الْمَالِكُ بِالْبَيْعِ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي، وَخِيَارُ الْبَائِعِ يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، وَخِيَارُ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُهُ لِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ لَا يَمْنَعُ. قَالَ: (وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ) لِأَنَّ بِالْإِشْهَادِ يُعْلَمُ طَلَبُهُ إِذْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ عَلَى مَا يَأْتِي، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ، فَإِذَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ اسْتَقَرَّتْ.
قَالَ: (وَتُمْلَكُ بِالْأَخْذِ) إِذَا أَخَذَهَا مِنَ الْمُشْتَرِي أَوْ حَكَمَ لَهُ بِهَا حَاكِمٌ، لِأَنَّ بِالْعَقْدِ تَمَّ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَّا بِرِضَاهُ أَوْ بِقَضَاءٍ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، حَتَّى لَوْ بَاعَ الشَّفِيعُ مَا يَشْفَعُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الطَّلَبِ بَعْدَ الطَّلَبِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَطَلَتْ وَلَا تُورَثُ.
قَالَ: (وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ سَوَاءٌ) لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ وَهُوَ الِاتِّصَالُ، وَالْمَعْنَى يَشْمَلُهُمْ وَهُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ.
قَالَ: (وَتَجِبُ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ، ثُمَّ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ، ثُمَّ لِلْجَارِ) أَمَّا الْخَلِيطُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الشُّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ» وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمَبِيعِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ الدَّارِ وَالْأَرْضِ، وَيُنْتَظَرُ إِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَأَمَّا الْجَارُ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» أَيْ بِسَبَبِ قُرْبِهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سَقَبُهُ؟ قَالَ: شُفْعَتُهُ» وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجَارِ مِنْ حَيْثُ إِيقَادُ النَّارِ، وَإِثَارَةُ الْغُبَارِ، وَإِعْلَاءُ الْجِدَارِ؛ وَتَجِبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّرْتِيبِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنَ الْخَلِيطِ، وَالْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَالْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنَ الْجَارِ» فَالشَّرِيكُ فِي الرَّقَبَةِ، وَالْخَلِيطُ فِي الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّ الشَّرِيكَ أَخَصُّ بِالضَّرَرِ، ثُمَّ الْخَلِيطَ، ثُمَّ الْجَارَ، لِأَنَّ الشَّرِيكَ شَارَكَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَزَادَ، وَكَذَلِكَ الْخَلِيطُ شَارَكَ الْجَارَ وَزَادَ عَلَيْهِ فَيَتَرَجَّحُ لِقُوَّةِ السَّبَبِ، فَإِنْ سَلَّمَ الشَّرِيكُ فِي الرَّقَبَةِ يَصِيرُ كَأَنْ
(2/43)

وَتُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الرُّؤُوسِ، وَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ عَلَى الطَّلَبِ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ بَطَلَتْ، ثُمَّ يُشْهِدُ عَلَى الْبَائِعِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَمْ يَكُنْ فَيَأْخُذُهَا الشَّرِيكُ فِي الْحُقُوقِ، فَإِنْ سَلَّمَ أَخَذَهَا الْجَارُ؛ وَالْمُرَادُ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ وَإِنْ كَانَ بَابُهُ إِلَى سِكَّةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَضِرُّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعَانِي.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا حَقَّ لَهُمَا مَعَ الشَّرِيكِ فِي الرَّقَبَةِ وَإِنْ سَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ حَجَبَهُمَا فَلَا حَقَّ لَهُمَا مَعَهُ كَالْحَجْبِ فِي الْمِيرَاثِ، وَوَجْهُ الظَّاهِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُمُ اسْتَوَوْا فِي السَّبَبِ لَكِنَّهُ تَقَدَّمَ لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِذَا سَلَّمَ عَمِلَ السَّبَبُ فِي حَقِّهِمَا لِزَوَالِ الْمَانِعِ كَالدَّيْنِ بِالرَّهْنِ وَبِغَيْرِ رَهْنٍ إِذَا أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ، وَحُقُّ الْمَبِيعِ الطَّرِيقُ الْخَاصُّ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ نَافِذًا، وَالنَّهْرُ الْخَاصُّ وَهُوَ مَا لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ.
قَالَ: (وَتُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الرُّؤُوسِ) وَصُورَتُهُ دَارَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمُ النِّصْفُ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ، بَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ فَالشُّفْعَةُ لِلْبَاقِينَ عَلَى السَّوَاءِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمْ أَخَذَ الْجَمِيعُ، فَدَلَّ عَلَى اسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ، وَكَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُهُمْ وَهُوَ لُحُوقُ الْأَذَى فَيَسْتَوُونَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُمَا جَارَانِ أَحَدُهُمَا مُلَاصِقٌ مِنْ ثَلَاثِ جَوَانِبَ وَالْآخَرُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، فَهُمَا سَوَاءٌ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي لُحُوقِ الضَّرَرِ وَالسَّبَبِ.
قَالَ: (وَإِذَا عُلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ عَلَى الطَّلَبِ) وَهَذَا طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا الشُّفْعَةُ كَنَشِطَةِ عِقَالٍ، إِنْ قَيَّدْتَهَا ثَبَتَتْ وَإِلَّا ذَهَبَتْ» وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرَوِّي وَالنَّظَرِ فَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ وَالْمُخَيَّرَةِ.
(فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ بَطَلَتْ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ، وَلَا تَبْطُلُ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ أَوْ سَبَّحَهُ أَوْ سَلَّمَ أَوْ شَمَّتَ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ؛ وَكَذَا إِذَا سَأَلَ عَنِ الْمُشْتَرِي وَكَمِّيَّةِ الْثَّمَنِ وَمَاهِيَّتِهِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الطَّلَبِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَوْ قَبْلَ الظُّهْرِ فَأَتَمَّهَا لَمْ تَبْطُلْ، وَلَوْ زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّنَنِ بَطَلَتْ، ثُمَّ هَذَا الطَّلَبُ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا أَخْبَرَهُ بِهِ رَجُلٌ عَدْلٌ، أَوْ رَجُلَانِ مَسْتُورَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَعِنْدَهُمَا يَكْفِي خَبَرُ الْوَاحِدِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ حَقًّا، وَتَمَامُهُ يَأْتِيكَ فِي الْوَكَالَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُعْتَبَرُ الطَّلَبُ دُونَ الْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ لِلْإِثْبَاتِ حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الطَّلَبِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الشُّهُودِ.
قَالَ: (ثُمَّ يَشْهَدُ عَلَى الْبَائِعِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ) وَهَذَا طَلَبٌ التَّقْرِيرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ الْإِشْهَادُ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى هَذَا الطَّلَبِ الثَّانِي لِلْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَمْ يُسَلِّمْهُ، فَإِنْ شَاءَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمُ الْبَائِعُ بِالْيَدِ
(2/44)

وَلَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِذَا طَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِمِلْكِهِ الَّذِي يَشْفَعُ بِهِ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ بِهِ ثَبَتَ مِلْكُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ، وَإِنْ شَاءَ عِنْدَ الْمَبِيعِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ فُلَانًا بَاعَ هَذِهِ الدَّارَ وَيَذْكُرُ حُدُودَهَا الْأَرْبَعَةَ، وَأَنَا شَفِيعُهَا طَلَبْتُ شُفْعَتَهَا وَأَطْلُبُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ سَلَّمَهَا لَا يَجُوزُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ خَصْمًا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ.
(وَلَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِنْ تَرَكَهُ مَجْلِسًا أَوْ مَجْلِسَيْنِ مِنْ مَجَالِسِ الْحُكْمِ بَطَلَ.
وَعَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ. وَقَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِشَهْرٍ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَضَرَّرُ بِالتَّأْخِيرِ لِنَقْضِ تَصَرُّفَاتِهِ، فَقَدَّرَهُ بِالشَّهْرِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْآجِلِ وَأَكْثَرُ الْعَاجِلِ، وَمُرَادُهُمَا إِذَا تُرِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَضَرَرُ الْمُشْتَرِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالْمُرَافَعَةِ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى يُوَقِّتَ لَهُ وَقْتًا يُوَفِّيهِ فِيهِ الثَّمَنَ وَإِلَّا يَبْطُلُ حَقُّهُ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَفِي الشَّفِيعُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْضَارِهِ إِلَى الْقَاضِي فَيَدْفَعُ الضَّرَرَ بِقَوْلِهِمَا.
قَالَ: (وَإِذَا طَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِمِلْكِهِ الَّذِي يَشْفَعُ بِهِ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ بِهِ ثَبَتَ مِلْكُهُ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ أَوَّلًا عَنْ مَوْضِعِ الدَّارِ وَحُدُودِهَا نَفْيًا لِلِاشْتِبَاهِ، ثُمَّ يَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ، فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ وَقَالَ أَنَا شَفِيعُهَا بِدَارٍ لِي تُلَاصِقُهَا صَحَّتْ دَعْوَاهُ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ تَحْدِيدَ دَارِهِ أَيْضًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِمِلْكِهِ الَّذِي يَشْفَعُ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ طَلَبَ مِنَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَكْفِي لِلِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ أَقَامَهَا يَثْبُتُ وَإِلَّا اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلدَّارِ الَّتِي ذَكَرَهَا يَشْفَعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَزِمَهُ، فَإِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ يَحْلِفُ وَيَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْغَيْرِ، فَإِذَا نَكَلَ ثَبَتَ الْمِلْكُ، ثُمَّ يَسْأَلُهُ الْقَاضِي عَنِ الشِّرَاءِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ أَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ ثَبَتَ وَإِلَّا اسْتَحْلَفَ الْمُشْتَرِيَ بِاللَّهِ مَا ابْتَاعَ أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شُفْعَةً مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ، وَيُسْتَحْلَفُ عَلَى الْبَتَاتِ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ، فَإِذَا نَكَلَ قَضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرِ الثَّمَنَ ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ الثَّمَنَ إِنَّمَا يَجِبُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِالْقَضَاءِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْضَارُ قَبْلَهُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْبَيْعِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا لَمْ يُحْضِرِ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُفْلِسًا فَيَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا قَضَى لَهُ وَأَخَذَهَا مِنَ الْمُشْتَرِي يَثْبُتُ لَهُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ مِنْ خِيَارِ رُؤْيَةٍ وَعَيْبٍ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ وَلَا الْأَجَلِ
(2/45)

وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، وَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَفْسَخُ الْبَيْعَ وَيَجْعَلُ الْعُهْدَةَ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرِ الثَّمَنَ، فَإِذَا قُضِيَ لَهُ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ، وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ خَصْمٌ فِي الشُّفْعَةِ حَتَّى يُسَلِّمَ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَعَلَى الشَّفِيعِ مِثْلُ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا قِيمَتُهُ، وَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ سَقَطَ عَنِ الشَّفِيعِ، فَإِنْ حَطَّ النِّصْفَ ثُمَّ النِّصْفَ أَخَذَهَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ، وَإِنْ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ لَا يَلْزَمُ الشَّفِيعَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِعَدَمِ الشَّرْطِ.
قَالَ: (وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ خَصْمٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
(وَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَفْسَخُ الْبَيْعَ وَيَجْعَلُ الْعُهْدَةَ عَلَى الْبَائِعِ) لِأَنَّ الْيَدَ لِلْبَائِعِ وَالْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي وَالْقَاضِي يَقْضِي بِهَا لِلشَّفِيعِ فَيُشْتَرَطُ حُضُورُهُمَا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِذَا أَخَذَهَا مِنَ الْبَائِعِ تَتَحَوَّلُ الصَّفْقَةُ وَيَصِيرُ كَأَنَّ الشَّفِيعَ اشْتَرَاهَا مِنَ الْبَائِعِ، فَلِهَذَا تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخَذَهَا مِنَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَمَّ مِلْكُهُ بِالْقَبْضِ.
قَالَ: (وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرَ الثَّمَنَ، فَإِذَا قُضِيَ لَهُ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
قَالَ: (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ خَصْمٌ فِي الشُّفْعَةِ حَتَّى يُسَلِّمَ إِلَى الْمُوَكِّلِ) لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تُرْجِعُ إِلَى الْوَكِيلِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْوَكَالَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالشُّفْعَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَإِذَا أَسْلَمَهَا إِلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ فَيَصِيرُ الْمُوَكِّلُ خَصْمًا.
قَالَ: (وَعَلَى الشَّفِيعِ مِثْلُ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا قِيمَتُهُ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ.
وَإِنِ اشْتَرَى الذِّمِّيُّ دَارًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَالشَّفِيعُ ذِمِّيٌّ أَخَذَهَا بِمِثْلِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ، وَقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَهَا بِقِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْخَمْرُ فَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِهَا وَتَمَلُّكِهَا فَاسْتَحَالَ الْمِثْلُ فِي حَقِّهِ فَيُصَارُ إِلَى الْقِيمَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ سَقَطَ عَنِ الشَّفِيعِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَطَّ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ.
(فَإِنْ حَطَّ النِّصْفَ ثُمَّ النِّصْفَ أَخَذَهَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ) لِأَنَّهُ لَمَّا حَطَّ النِّصْفَ الْأَوَّلَ الْتَحَقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الثَّمَنِ، فَلَمَّا حَطَّ النِّصْفَ الْآخَرَ كَانَ حَطًّا لِلْجَمِيعِ فَلَا يَسْقُطُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَطَّ الْجَمِيعَ ابْتِدَاءً لَا يَسْقُطُ عَنِ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ بَلْ يَكُونُ هِبَةً فَلَا يَسْقُطُ عَنِ الشَّفِيعِ.
(وَإِنْ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ لَا يَلْزَمُ الشَّفِيعَ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا تَوَاضَعَا عَلَى ذَلِكَ إِضْرَارًا بِالشَّفِيعِ، بِخِلَافِ الْحَطِّ لِأَنَّهُ نَفْعٌ لَهُ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ) لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ عِنْدَ أَدَاءِ
(2/46)

فَصْلٌ وَتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ بِمَوْتِ الشَّفِيعِ وَتَسْلِيمِهِ الْكُلَّ أَوِ الْبَعْضَ، وَبِصُلْحِهِ عَنِ الشُّفْعَةِ بِعِوَضٍ، وَبِبَيْعِ الْمَشْفُوعِ بِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ، وَبِضَمَانِ الدَّرَكِ عَنِ الْبَائِعِ، وَبِمُسَاوَمَتِهِ الْمُشْتَرِيَ بَيْعًا وَإِجَارَةً، وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُشْتَرِي؛ وَلَا شُفْعَةَ لِوَكِيلِ الْبَائِعِ، وَلِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْأَقَلِّ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

[فصل ما يبطل الشفعة]
فَصْلٌ (وَتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ بِمَوْتِ الشَّفِيعِ وَتَسْلِيمِهِ الْكُلَّ أَوِ الْبَعْضَ، وَبِصُلْحِهِ عَنِ الشُّفْعَةِ بِعِوَضٍ. وَبِبَيْعِ الْمَشْفُوعِ بِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ، وَبِضَمَانِ الدَّرَكِ عَنِ الْبَائِعِ، وَبِمُسَاوَمَتِهِ الْمُشْتَرِيَ بَيْعًا وَإِجَارَةً) أَمَّا بُطْلَانُهَا بِالْمَوْتِ فَلِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ بِالْمَوْتِ وَانْتَقَلَ إِلَى الْوَارِثِ، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ لِلْوَارِثِ لَمْ يُوجَدِ الْبَيْعُ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَالْمُرَادُ إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ، أَمَّا إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَزِمَ وَانْتَقَلَتْ إِلَى وَرَثَتِهِ وَلَزِمَهُمُ الثَّمَنُ؛ وَأَمَّا تَسْلِيمُهُ الْكُلَّ فَلِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِسْقَاطِ؛ وَأَمَّا الْبَعْضُ فَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ كَمَا مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُ الْبَعْضَ لِأَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فَلَا يَتَجَزَّأُ إِسْقَاطًا فَيَكُونُ ذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ، وَأَمَّا الصُّلْحُ عَنْهَا لِأَنَّ الشُّفْعَةُ حَقُّ التَّمَلُّكِ وَلَيْسَ حَقًّا مُتَقَرِّرًا، فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَالْعِنِّينِ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي تَرْكَ الْفَسْخِ بِأَلْفٍ، أَوْ قَالَ لِلْمُخَيَّرَةِ: اخْتَارِينِي بِأَلْفٍ فَاخْتَارَتْ سَقَطَ الْفَسْخُ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْعِوَضِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَابِلْهُ حَقٌّ مُتَقَرِّرٌ فَلَا يَكُونُ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ فَلَا يَحِلُّ؛ وَأَمَّا بَيْعُ الْمَشْفُوعِ بِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ لِزَوَالِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَهُوَ نَظِيرُ الْمَوْتِ؛ وَأَمَّا ضَمَانُ الدَّرَكِ عَنِ الْبَائِعِ فَلِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي بَقَاءَهَا عَلَى مِلْكِهِ وَسَلَامَتَهَا لَهُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ؛ وَأَمَّا مُسَاوَمَةُ الْمُشْتَرِي بَيْعًا وَإِجَارَةً فَلِأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ بَيْعًا وَإِجَارَةً، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا طَلَبَهَا مِنْهُ تَوْلِيَةً أَوْ أَخَذَهَا مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالشِّرَاءِ.
قَالَ: (وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُشْتَرِي) لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ وَهُوَ الشَّفِيعُ قَائِمٌ، وَحَقُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي حَتَّى لَا تُنَفَّذَ وَصِيَّتُهُ فِيهِ، وَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ.
قَالَ: (وَلَا شُفْعَةَ لِوَكِيلِ الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ سَعَى فِي نَقْضِ فِعْلِهِ وَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فَأَمْضَاهُ (وَلِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ) لِأَنَّهُ لَا يُنْقِضُ فِعْلَهُ لِأَنَّهُ مِثْلُ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي زَوَالِ مِلْكِ
(2/47)

وَإِذَا قِيلَ لِلشَّفِيعِ: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ فُلَانٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُهُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ إِنَّهَا بِيعَتْ بِأَلْفٍ فَسَلَّمَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ أَوْ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَلَا تُكْرَهُ (م) الْحِيلَةُ فِي إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَمَنْ بَاعَ سَهْمًا ثُمَ بَاعَ الْبَاقِيَ فَالشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الْأَوَّلِ لَا غَيْرُ، وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَالشَّفِيعُ إِنْ شَاءَ أَدَّاهُ حَالًّا، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ الْأَجَلِ ثُمَّ يَأْخُذُ الدَّارَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْبَائِعِ.
قَالَ: (وَإِذَا قِيلَ لِلشَّفِيعِ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ فُلَانٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُهُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ) لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْجِوَارِ. فَقَدْ يَرْضَى بِفُلَانٍ لِخَيْرِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يُوجَدِ التَّسْلِيمُ فِي حَقِّهِ؛ وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَاهَا لِغَيْرِهِ؛ وَلَوْ قِيلَ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ زَيْدٌ، فَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَلَهُ أَخْذُ نَصِيبِ عَمْرٍو.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّهَا بِيعَتْ بِأَلْفٍ فَسَلَّمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ أَوْ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الرِّضَا بِالْأَكْثَرِ لَا يَكُونُ رِضًا بِالْأَقَلِّ؛ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِاحْتِمَالِ تَعَذُّرِ الدَّرَاهِمِ عَلَيْهِ وَتَيَسُّرِ مَا بِيعَ بِهِ مِنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ وَكَذَلِكَ الْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمِثْلُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بِيعَ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَلْفٌ حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ لَأَنَّ الْوَاجِبَ الْقِيمَةُ.
وَلَوْ قِيلَ إِنَّهَا بِيعَتْ بِجَارِيَةٍ فَظَهَرَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِعَبْدٍ أَوْ عَرْضٍ آخَرَ، نَنْظُرُ إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوِ الْعَرْضِ مِثْلَ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ أَوْ أَكْثَرَ بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْقِيمَةُ.
وَلَوْ قِيلَ بِيعَتْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَظَهَرَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ الْكَرْخِيُّ: إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ بَطَلَتْ؛ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَمْ تَبْطُلْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُمَا جُعِلَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الثَّمَنِيَّةِ. وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ إِلَى بَقَاءِ الشُّفْعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ وَلَوْ قِيلَ بِيعَتْ بِأَلْفٍ ثُمَّ حَطَّ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي فَلَهُ الشُّفْعَةُ، لِأَنَّ الْحَطَّ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَهَا بِأَقَلَّ.
قَالَ: (وَلَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ فِي إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَيُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْحِيلَةُ تُنَافِيهِ. وَالْحِيلَةُ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَلَى هَذَا.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ سَهْمًا ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ فَالشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الْأَوَّلِ لَا غَيْرُ) لِأَنَّ الشَّفِيعَ جَارٌ وَالْمُشْتَرِيَ شَرِيكٌ فِي الْمَبِيعِ ثَانِيًا، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَهَذِهِ حِيلَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ الْأَوَّلَ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ وَالْبَاقِيَ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ؛ وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِثَمَنٍ وَدَفَعَ عَنْهُ ثَوْبًا أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمَبِيعَ بِمَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ، وَهَذِهِ أَيْضًا حِيلَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ الْعَقْدَ بِأَلْفٍ مَثَلًا، فَيَدْفَعَ عَنْهَا ثَوْبًا يُسَاوِي مِائَةً.
قَالَ: (وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَالشَّفِيعُ إِنْ شَاءَ أَدَّاهُ حَالًّا، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ الْأَجَلِ ثُمَّ يَأْخُذُ الدَّارَ) لِأَنَّ الرِّضَا بِالتَّأْجِيلِ عَلَى الْمُشْتَرِي
(2/48)

وَإِذَا قُضِيَ لِلشَّفِيعِ وَقَدْ بَنَى الْمُشْتَرِي فِيهَا، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ؛ وَلَوْ بَنَى الشَّفِيعُ ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ لَا غَيْرُ، وَإِذَا خَرِبَتِ الدَّارُ أَوْ جَفَّ الشَّجَرُ فَالشَّفِيعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ السَّاحَةَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا يَكُونُ رِضًا بِالتَّأْجِيلِ عَلَى الشَّفِيعِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْمَلَاءَةِ وَالْإِعْسَارِ، وَالْوَفَاءِ وَالْمَطْلِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الشَّفِيعُ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ، فَإِنْ أَدَّاهُ حَالًّا وَأَخَذَهَا مِنَ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي لِوُصُولِهِ إِلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنَ الْمُشْتَرِي فَالثَّمَنُ عَلَى حَالِهِ مُؤَجَّلٌ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي عَمَلًا بِالشَّرْطِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَاهُ مُؤَجَّلًا وَبَاعَهُ حَالًّا، وَإِنْ أَدَّاهُ بَعْدَ الْأَجَلِ فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَلْتَزِمَ زِيَادَةَ الضَّرَرِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ، فَإِذَا ثَبَتَ أَخَّرَ أَدَاءَ الثَّمَنِ.
قَالَ: (وَإِذَا قُضِيَ لِلشَّفِيعِ، وَقَدْ بَنَى الْمُشْتَرِي فِيهَا، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَ الْمُشْتَرِيَ قَلْعَهُ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ أَنََّهُ يَأْخُذُهَا بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوْ يَتْرُكُ؛ وَالْغَرْسُ مِثْلُ الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِ صَحِيحٌ حَتَّى لَوْ أَجَّرَهُ طَابَ لَهُ الْأَجْرُ، وَالْقَلْعُ مِنْ أَحْكَامِ الْعُدْوَانِ فَلَا يُكَلَّفُهُ كَالزَّرْعِ وَكَالْمَوْهُوبِ لَهُ. وَلَنَا أَنَّهُ تَعَدَّى مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَنَى فِي مِلْكٍ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَيَنْقُصُ صِيَانَةً لِحَقِّهِ، وَضَرَرُ الْقَلْعِ لِحَقِّ الْمُشْتَرِي بِفِعْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّهُ بِسَبَبٍ سَابِقٍ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَنْقُضُهُ كَمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَلِهَذَا تُنْتَقَصُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ، بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ سَلَّطَهُ. وَأَمَّا الزَّرْعُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَقْلَعَهُ، لَكِنِ اسْتَحْسَنُوا أَنْ يَبْقَى فِي الْأَرْضِ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً فَلَا ضَرَرَ فِيهِ كَالْبِنَاءِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ الزَّرْعَ يُتْرَكُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ فَقِيمَتُهُ مَقْلُوعًا وَيُعْرَفُ تَمَامُهُ فِي الْغَصْبِ.
قَالَ: (وَلَوْ بَنَى الشَّفِيعُ ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ لَا غَيْرُ) وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِأَنَّ الْبَائِعَ خَدَعَ الْمُشْتَرِيَ وَضَمِنَ لَهُ التَّمَكُّنَ مِنَ التَّصَرُّفِ كَيْفَ شَاءَ، وَلَمْ يَضْمَنْ لِلشَّفِيعِ ذَلِكَ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْبَائِعِ وَلَا الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ مَغْرُورًا وَلَا يَرْجِعُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتُحِقَّ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا الثَّمَنُ فَإِنَّهُ عِوَضٌ عَنِ الْمَبِيعِ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمِ الْمَبِيعَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ.
قَالَ: (وَإِذَا خَرِبَتِ الدَّارُ أَوْ جَفَّ الشَّجَرُ، فَالشَّفِيعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ السَّاحَةَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) وَكَذَلِكَ لَوِ احْتَرَقَتْ أَوْ غَرِقَتْ، لَأَنَّ الْبِنَاءَ تَبَعٌ وَوَصْفٌ لِلسَّاحَةِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ ذِكْرٍ فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا كَأَطْرَافِ الْعَبْدِ، وَلَوْ بَاعَهُمَا مُرَابَحَةً بَاعَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
(2/49)

وَإِنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ فَالشَّفِيعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنِ اشْتَرَى نَخْلًا عَلَيْهِ ثَمَرٌ فَهُوَ لِلشَّفِيعِ، فَإِذَا جَذَّهُ الْمُشْتَرِي نَقَصَ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَنِ.

كِتَابُ الْإِجَارَةِ وَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ، جُوِّزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ
لِحَاجَةِ النَّاسِ
،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ فَالشَّفِيعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ كَأَطْرَافِ الْعَبْدِ، وَكَذَا إِذَا فَعَلَهُ أَجْنَبِيٌّ، وَكَذَا إِذَا نَزَعَ بَابَ الدَّارِ وَبَاعَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ النَّقْضِ لِأَنَّهُ صَارَ مَفْصُولًا فَلَمْ يَبْقَ تَبَعًا، أَوْ صَارَ نَقْلِيًّا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.
قَالَ: (وَإِنِ اشْتَرَى نَخْلًا عَلَيْهِ ثَمَرٌ فَهُوَ لِلشَّفِيعِ) مَعْنَاهُ إِذَا شَرَطَهُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بِدُونِ الشَّرْطِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبُيُوعِ، فَإِذَا شَرَطَهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ وَاسْتُحِقَّ بِالشُّفْعَةِ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الِاتِّصَالِ صَارَ كَالنَّخْلِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيهِ لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ بِدُونِ الشَّرْطِ. وَإِذَا دَخَلَ فِي الشُّفْعَةِ.
(فَإِذَا جَذَّهُ الْمُشْتَرِي نَقَصَ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالذِّكْرِ فَقَابَلَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ لِأَنَّهَا نَفْلِيَّةٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى النَّخْلِ ثَمَرٌ وَقْتَ الْبَيْعِ فَأَثْمَرَ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالثَّمَرَةِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ سَرَى إِلَيْهِ فَكَانَ تَبَعًا، فَإِذَا جَذَّهَا الْمُشْتَرِي، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النَّخْلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً وَقْتِ الْعَقْدِ فَلَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً، فَلَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ.

[كِتَابُ الْإِجَارَةِ]
ِ (وَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ، جُوِّزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ
لِحَاجَةِ النَّاسِ
) .
اعْلَمْ أَنَّ التَّمْلِيكَ نَوْعَانِ: تَمْلِيكُ عَيْنٍ، وَتَمْلِيكُ مَنَافِعَ.
وَتَمْلِيكُ الْعَيْنِ نَوْعَانِ: بِعِوَضٍ وَهُوَ الْبَيْعُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْوَصِيَّةُ، وَسَيَأْتِيكَ أَبْوَابُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَتَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ نَوْعَانِ: بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهُوَ الْعَارِيَةُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ؛ وَبِعِوَضٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ، وَسُمِّيَتْ بَيْعَ الْمَنَافِعِ لِوُجُودِ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَهُوَ بَذْلُ الْأَعْوَاضِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ، وَبَيْعُ الْمَعْدُومِ لَا يَجُوزُ، إِلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهَا
لِحَاجَةِ النَّاسِ
إِلَيْهَا، وَمَنَعَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذَا وَقَالَ: إِنَّمَا يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ وَالْوُجُودُ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَنَافِعِ، لِأَنَّهَا عَرْضٌ لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِرَاطِ، فَأَقَمْنَا الْعَيْنَ
(2/50)

وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَنَافِعِ وَالْأُجْرَةِ مَعْلُومَةً، وَمَا صَلَحَ ثَمَنًا صَلَحَ أُجْرَةً، وَتَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ، وَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ وَالْعَيْبِ، وَتُقَالُ وَتُفْسَخُ، وَالْمَنَافِعُ تُعْلَمُ بِذِكْرِ الْمُدَّةِ كَسُكْنَى الدَّارِ، وَزَرْعِ الْأَرَضِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ كَصَبْغِ الثَّوْبِ، وَخِيَاطَتِهِ، وَإِجَارَةِ الدَّابَّةِ لِحَمْلِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ أَوْ لِيَرْكَبَهَا مَسَافَةً مَعْلُومَةً، أَوْ بِالْإِشَارَةِ كَحَمْلِ هَذَا الطَّعَامِ؛ وَإِنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ حَانُوتًا فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا وَيُسْكِنَهَا مَنْ شَاءَ وَيَعْمَلَ فِيهَا مَا شَاءَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمُنْتَفَعَ بِهَا مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إِضَافَةِ الْعَقْدِ إِلَيْهَا لِيَتَرَتَّبَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ كَقِيَامِ الذِّمَّةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَقَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ جَوَازِ السَّلَمِ، وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنْفَعَةِ لِيَقْتَرِنَ الِانْعِقَادُ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَيَتَحَقَّقَ بِهَذَا الطَّرِيقِ التَّمَكُّنُ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] وقَوْله تَعَالَى:
{لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32] أَيْ بِالْعَمَلِ بِالْأَجْرِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» . وَبُعِثَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِهَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ، وَالْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ مَنَافِعَ مَعْدُومَةٍ؛ وَيَبْدَأُ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ، لِأَنَّ عَيْنَ الْمَنْفَعَةِ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا، فَأَقَمْنَا التَّمْكِينَ مِنْ الِانْتِفَاعِ مَقَامَهُ.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَنَافِعِ وَالْأُجْرَةِ مَعْلُومَةً) قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ.
قَالَ: (وَمَا صَلَحَ ثَمَنًا صَلَحَ أُجْرَةً) لِأَنَّهَا ثَمَنٌ أَيْضًا؛ فَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْمَزْرُوعُ وَالْمَعْدُودُ وَالْمُتَقَارِبُ يَصْلُحُ أُجْرَةً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصْلُحُ ثَمَنًا، وَالْحَيَوَانُ يَصْلُحُ إِنْ كَانَ عَيْنًا، أَمَّا دَيْنًا فَلَا لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَالْمَنْفَعَةُ تَصْلُحُ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسَاهُمَا، وَلَا تَصْلُحُ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ الثَّمَنَ يُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْمَنْفَعَةُ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
قَالَ: (وَتَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ، وَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ وَالْعَيْبِ، وَتُقَالُ وَتُفْسَخُ) كَمَا فِي الْبَيْعِ.
قَالَ: (وَالْمَنَافِعُ تُعْلَمُ بِذِكْرِ الْمُدَّةِ كَسُكْنَى الدَّارِ وَزَرْعِ الْأَرْضِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً) لِأَنَّ الْمُدَّةَ إِذَا عُلِمَتْ تَصِيرُ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً.
(أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ كَصَبْغِ الثَّوْبِ، وَخِيَاطَتِهِ، وَإِجَارَةِ الدَّابَّةِ لِحَمْلِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ أَوْ لِيَرْكَبَهَا مَسَافَةً مَعْلُومَةً) لِأَنَّهُ إِذَا بُيِّنَ لَوْنُ الصَّبْغِ وَقَدْرُهُ وَجِنْسُ الْخِيَاطَةِ وَقَدْرُ الْمَحْمُولِ وَجِنْسُهُ وَالْمَسَافَةُ تَصِيرُ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً.
(أَوْ بِالْإِشَارَةِ كَحَمْلِ هَذَا الطَّعَامِ) لِأَنَّهُ إِذَا عَرَفَ مَا يَحْمِلُهُ وَالْمَوْضِعَ الَّذِي يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ تَصِيرُ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ حَانُوتًا فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا وَيُسْكِنَهَا مَنْ شَاءَ وَيَعْمَلَ فِيهَا مَا شَاءَ) مِنْ وَضْعِ الْمَتَاعِ، وَرَبْطِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمُتَعَارَفَ مِنَ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ ذَلِكَ، وَمَنَافِعُ
(2/51)

إِلَّا الْقِصَارَةَ وَالْحِدَادَةَ وَالطَّحْنَ؛ وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ بَيَّنَ مَا يُزْرَعُ فِيهَا، أَوْ يَقُولُ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا مَا شَاءَ، وَهَكَذَا رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَلُبْسُ الثَّوْبِ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَبِسَ أَوْ رَكِبَ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ؛ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا فَارِغَةً كَمَا قَبَضَهَا، وَالرَّطْبَةُ كَالشَّجَرِ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ يَغْرَمُ لَهُ الْآجِرُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكُهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ لَا تَنْقُصُ، فَإِنْ شَاءَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْقِيمَةَ وَيَتَمَلَّكَهُ فَلَهُ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبِهِ، أَوْ يَتَرَاضَيَانِ فَتَكُونُ الْأَرْضُ لِهَذَا وَالْبِنَاءُ لِهَذَا، وَإِنْ سَمَّى مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ كَقَفِيزِ حِنْطَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَخَفُّ كَالشَّعِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ أَثْقَلُ كَالْمِلْحِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
السُّكْنَى غَيْرُ مُتَفَاوِتَةٍ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: (إِلَّا الْقِصَارَةَ وَالْحِدَادَةَ وَالطَّحْنَ) لِأَنَّهَا تُوهِنُ الْبِنَاءَ وَفِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ إِلَّا بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ ضَيِّقَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْبُطَ الدَّابَّةَ فِيهَا لِعَدَمِ الْعَادَةِ.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ بَيَّنَ مَا يُزْرَعُ فِيهَا، أَوْ يَقُولُ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا مَا شَاءَ) لِأَنَّ مَنَافِعَ الزِّرَاعَةِ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ تَضَرُّرُ الْأَرْضِ بِالزِّرَاعَةِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْمَزْرُوعَاتِ فَيُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَإِذَا بَيَّنَ مَا يُزْرَعُ، أَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا مَا شَاءَ انْقَطَعَتِ الْمُنَازَعَةُ.
(وَهَكَذَا رُكُوبُ الدَّابَّةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ) وَكُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ فَيُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَإِذَا عَيَّنَ أَوْ أَطْلَقَ فَلَا مُنَازَعَةَ.
(إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَبِسَ أَوْ رَكِبَ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ) فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ أَوْ يُلْبِسَ غَيْرَهُ كَمَا إِذَا عَيَّنَهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَيَدْخُلُ فِي إِجَارَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ الطَّرِيقُ وَالشُّرْبُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَنْفَعَةُ وَلَا مَنْفَعَةَ دُونَهُمَا.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا فَارِغَةً كَمَا قَبَضَهَا) لِيَتَمَكَّنَ مَالِكُهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَيَقْلَعُ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا.
(وَالرَّطْبَةُ كَالشَّجَرِ) لِطُولِ بَقَائِهِ فِي الْأَرْضِ؛ أَمَّا الزَّرْعُ فَلَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَيُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إِلَى نِهَايَتِهِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ.
(فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ يَغْرَمُ لَهُ الْآجِرُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكُهُ) تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ تَبَعٌ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْقَلْعِ، فَتُقَوَّمُ الْأَرْضُ بِدُونِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ، وَتُقَوَّمُ وَبِهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ فَيَضْمَنَ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا.
(وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ لَا تَنْقُصُ، فَإِنْ شَاءَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْقِيمَةَ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَتَمَلَّكُهُ فَلَهُ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبِهِ، أَوْ يَتَرَاضَيَانِ فَتَكُونُ الْأَرْضُ لِهَذَا وَالْبِنَاءُ لِهَذَا) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا.
قَالَ: (وَإِنْ سَمَّى مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ كَقَفِيزِ حِنْطَةٍ فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَخَفُّ كَالشَّعِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ أَثْقَلُ كَالْمِلْحِ،
(2/52)

وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى فَعَطِبَتْ ضَمِنَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ سَمَّى قَدْرًا مِنَ الْقُطْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا، وَإِنِ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَ آخَرَ ضَمِنَ النِّصْفَ، فَإِنْ ضَرَبَهَا فَعَطِبَتْ ضَمِنَهَا (سم) .

فَصْلٌ الْأُجَرَاءُ: مُشْتَرَكٌ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ، وَالْمَالُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى فَعَطِبَتْ ضَمِنَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ سَمَّى قَدْرًا مِنَ الْقُطْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا) وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا خَالَفَ إِلَى مِثْلِ الْمَشْرُوطِ أَوْ أَخْفِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الرِّضَا بِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ رِضًا بِالْأَدْنَى وَبِمِثْلِهِ دَلَالَةً، وَإِنْ خَلَفَ إِلَى مَا هُوَ فَوْقَهُ فِي الضَّرَرِ فَعَطِبَتِ الدَّابَّةُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الْمَشْرُوطِ ضَمِنَ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْجَمِيعِ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ضَمِنَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ وَعَلَيْهِ الْأَجْرُ، لِأَنَّهَا هَلَكَتْ بِفِعْلِ الْمَأْذُونِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ، فَيُقْسَمُ عَلَى قَدْرِهِمَا إِلَّا إِذَا كَانَ قَدْرًا لَا تُطِيقُهُ فَيَضْمَنُ الْكُلَّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ فَلَا يَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ، وَالْحَدِيدُ أَضَرُّ مِنَ الْقُطْنِ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَالْقُطْنُ يَنْبَسِطُ.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَ آخَرَ ضَمِنَ النِّصْفَ) وَهِيَ نَظِيرُ الزِّيَادَةِ مِنَ الْجِنْسِ تَعْلِيلًا وَتَفْصِيلًا.
قَالَ: (فَإِنْ ضَرَبَهَا فَعَطِبَتْ ضَمِنَهَا) وَكَذَلِكَ إِنْ كَبَحَهَا بِلِجَامِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمُعْتَادَ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الضَّرْبِ الْمُعْتَادِ فِي السَّيْرِ، فَكَانَ مَأْذُونًا فِيهِ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ كَالْمَشْرُوطِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السَّيْرَ يُمْكِنُ بِدُونِ ذَلِكَ بِتَحْرِيكِ الرِّجْلِ وَالصَّيْحَةِ، فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلَّا بِصَرِيحِ الْإِذْنِ؛ وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا بِسَرْجٍ فَأَوْكَفَهُ ضَمِنَ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَثْقَلَ مِنَ السَّرْجِ فَيَضْمَنُ قَدْرَ الزِّيَادَةِ، أَوْ يَكُونَ لَا يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ فَيَضْمَنُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ صَارَ هُوَ وَالسَّرْجُ سَوَاءً فَيَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً. وَلَهُ أَنَّ الْإِكَافَ لِلْحَمْلِ وَالسَّرْجَ لِلرُّكُوبِ فَكَانَ خِلَافَ الْجِنْسِ، وَلِأَنَّهُ يَنْبَسِطُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرَ مِنَ السَّرْجِ فَكَانَ أَضَرَّ فَيَضْمَنُ لِلْمُخَالَفَةِ.

[فصل أنواع الأجراء وحكم الأجير المشترك]
فَصْلٌ (الْأُجَرَاءُ: مُشْتَرَكٌ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إِمَّا الْعَمَلُ أَوْ أَثَرُهُ، وَالْمَنْفَعَةُ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْغَيْرِ فَكَانَ مُشْتَرَكًا.
(وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ) لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَالْمَالُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ قَبَضَهُ
(2/53)

إِلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِعَمَلِهِ، كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ، وَزَلَقِ الْحَمَّالِ، وَانْقِطَاعِ الْحَبْلِ مِنْ شَدِّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْآدَمِيَّ إِذَا غَرِقَ فِي السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهِ، أَوْ سَقَطَ مِنَ الدَّابَّةِ بِسَوْقِهِ وَقَوْدِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْفَصَّادِ وَالْبَزَّاغِ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ، وَخَاصٌّ كَالْمُسْتَأْجَرِ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ وَرَعْيِ الْغَنَمِ وَنَحْوِهِ، وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ وَلَا بِعَمَلِهِ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْفَسَادَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَلَا يَضْمَنُهُ.
(إِلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِعَمَلِهِ كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ وَزَلَقِ الْحَمَّالِ وَانْقِطَاعِ الْحَبْلِ مِنْ شَدِّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى فِعْلِهِ وَهُوَ لَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِعَمَلٍ فِيهِ صَلَاحٌ، فَإِذَا أَفْسَدَهُ فَقَدْ خَالَفَ فَيَضْمَنُ.
(إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْآدَمِيَّ إِذَا غَرِقَ فِي السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهِ، أَوْ سَقَطَ مِنَ الدَّابَّةِ بِسَوْقِ وَقَوْدِهِ) لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَضْمَنُ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ، وَلَوْ غَرِقَتْ مِنْ مَوْجٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ صَدْمِ جَبَلٍ أَوْ زُوحِمَ الْحَمَّالُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ تَلَفَ بِفِعْلِ أَجِيرِ الْقَصَّارِ لَا مُتَعَمِّدًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُسْتَاذِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْأَجِيرِ مُضَافٌ إِلَى أُسْتَاذِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ سَوَاءً هَلَكَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، إِلَّا مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالْمَوْتِ وَالْحَرِيقِ وَالْغَرَقِ الْغَالِبِ، وَالْعَدُوِّ الْمُكَابِرِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ عَمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ ضَمِنَ كَمَا إِذَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ ثُمَّ إِنْ شَاءَ ضَمِنَهُ مَعْمُولًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَغَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِأَمْرِ الْمَالِكِ وَصَارَ كَأَجِيرِ الْوَاحِدِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْفَصَّادِ وَالْبَزَّاغِ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ) لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْمُعْتَادَ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنِ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى قُوَّةِ الْمِزَاجِ وَضَعْفِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا يُتَقَيَّدُ بِهِ، بِخِلَافِ دَقِّ الثَّوْبِ لِأَنَّ رِقَّتَهُ وَثَخَانَتَهُ تُعْرَفُ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ فَتُقَيَّدُ بِالصَّلَاحِ؛ وَلَوْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ: إِنْ كَفَانِي هَذَا الثَّوْبُ قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَطْعِ بِشَرْطِ الْكِفَايَةِ؛ وَلَوْ قَالَ لَهُ: هَلْ يَكْفِينِي؛ فَقَالَ نَعَمْ، قَالَ فَاقْطَعْ فَلَمْ يَكْفِهِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْقَطْعِ مُطْلَقًا.
قَالَ: (وَخَاصٌّ كَالْمُسْتَأْجَرِ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ وَرَعْيِ الْغَنَمِ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ مَنَافِعَهُ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْمُسْتَأْجِرِ طُولَ الْمُدَّةِ فَلَا يُمْكِنُهُ صَرْفُهَا إِلَى غَيْرِهِ فَلِهَذَا كَانَ خَاصًّا، وَيُسَمَّى أَجِيرَ الْوَاحِدِ أَيْضًا. (وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ) .
لِأَنَّهَا مُقَابَلَةٌ بِالْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعَمَلَ لِصَرْفِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، وَمَنَافِعُهُ صَارَتْ مُسْتَوْفَاةً بِالتَّسْلِيمِ تَقْدِيرًا حَيْثُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ فَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ.
قَالَ: (وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلَفَ فِي يَدِهِ) لِمَا مَرَّ (وَلَا بِعَمَلِهِ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْفَسَادَ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ سَلِيمَةٌ، وَالْمَعِيبُ الْعَمَلُ الَّذِي هُوَ
(2/54)

وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ.

وَالْأُجْرَةُ تُسْتَحَقُّ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَوْ بِاشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ أَوْ بِتَعْجِيلِهَا، وَإِذَا تَسَلَّمَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، فَإِنْ غُصِبَتْ مِنْهُ سَقَطَ الْأَجْرُ، وَلِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُطَالِبَ بِأُجْرَةِ كُلِّ يَوْمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ إِذَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْعَمَلِ انْتَقَلَ عَمَلُهُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَائِبًا عَنْهُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَمَا تَلَفَ مِنْ عَمَلِهِ ضَمَانُهُ عَلَى أُسْتَاذِهِ لِمَا أَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ.
قَالَ: (وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ) لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ أَشَقُّ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْعَقْدُ إِلَّا بِشَرْطٍ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِدْمَةِ فَعَلَيْهِ خِدْمَتُهُ مِنَ السَّحَرِ إِلَى أَنْ يَنَامَ النَّاسُ بَعْدَ الْعِشَاءِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ فِي الْخِدْمَةِ، وَعَلَيْهِ خِدْمَةُ الْبَيْتِ وَالضَّيْفِ دُونَ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَالْخِيَاطَةِ وَعَلْفِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ آجَرَ عَبْدَهُ سَنَةً ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي خِلَالِهَا جَازَ الْعِتْقُ؛ وَالْعَبْدُ إِنْ شَاءَ مَضَى عَلَى الْإِجَارَةِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَأُجْرَةُ مَا مَضَى لِلسَّيِّدِ وَمَا بَقِيَ لِلْعَبْدِ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ بَدَلُهَا، وَإِذَا أَجَازَ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ قَبْضُ الْأُجْرَةِ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى.

[فصل ما تستحق به الأجرة]
فَصْلٌ (وَالْأُجْرَةُ تُسْتَحَقُّ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَوْ بِاشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ أَوْ بِتَعْجِيلِهَا) لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» وَلَوْ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَمَا جَازَ تَأْخِيرُهُ إِلَّا بِرِضَاهُ، وَالنَّصُّ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، لِأَنَّ الْعَرَقَ إِنَّمَا يُوجَدُ بِالْعَمَلِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا لِذِي الْعَقْدِ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَهِيَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَتَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فَلَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ عَمَلًا بِالْمُسَاوَاةِ، وَإِذَا اشْتَرَطَ التَّعْجِيلَ أَوْ عَجَّلَهَا فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فِي التَّأْجِيلِ فَيَسْقُطُ.
قَالَ: (وَإِذَا تَسَلَّمَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا) لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمَنْفَعَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَأُقِيمَ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ مَقَامَهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ.
قَالَ: (فَإِنْ غُصِبَتْ مِنْهُ سَقَطَ الْأَجْرُ) لِأَنَّهُ زَالَ التَّمَكُّنُ فَبَطَلَتْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَوْ غَصَبَهَا فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُطَالِبَ بِأُجْرَةِ كُلِّ يَوْمٍ) وَكَذَا جَمِيعُ الْعَقَارِ، لِأَنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ صَارَ مُنْتَفَعًا بِهِ مُدَّةً مَقْصُودَةً، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ الْآخَرُ كَذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ؛ وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ سَاعَةً فَسَاعَةً إِلَّا أَنَّ فِيهِ حَرَجًا عَظِيمًا وَضَرَرًا ظَاهِرًا فَقَدَّرْنَاهُ بِالْيَوْمِ تَيْسِيرًا، وَلِأَنَّا لَا نَعْرِفُ
(2/55)

وَالْجَمَّالِ بِأُجْرَةِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ، وَتَمَامُ الْخَبْزِ إِخْرَاجُهُ مِنَ التَّنُّورِ، وَتَمَامُ الطَّبْخِ غَرْفُهُ، وَتَمَامُ ضَرْبِ اللَّبِنِ إِقَامَتُهُ (سم) ، وَمَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالصَّبَّاغِ وَالْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ يَحْبِسُهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأَجْرَ، فَإِنْ حَبَسَهَا فَضَاعَتْ لَا شَيْءَ (سم) وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ كَالْحَمَّالِ وَالْغَسَّالِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، - وَإِذَا شُرِطَ عَلَى الصَّانِعِ الْعَمَلُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
حِصَّةَ كُلِّ سَاعَةٍ.
قَالَ: (وَالْجَمَّالِ بِأُجْرَةِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ) لِمَا بَيَّنَّا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِذَا سَارَ ثُلُثَ الطَّرِيقِ أَوْ نِصْفَهُ لَزِمَهُ التَّسْلِيمُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَانْتَهَى السَّفَرُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَطْعُ هَذِهِ الْمَسَافَةِ أَوْ سُكْنَى هَذِهِ الْمُدَّةِ فَلَا يَنْقَسِمُ الْأَجْرُ عَلَى أَجْزَائِهَا كَالْعَمَلِ، وَكَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَقَامَ الثُّلُثَ أَوِ النِّصْفَ مَقَامَ الْكُلِّ عَلَى أَصْلِهِ، وَجَوَابُهُ مَا بَيَّنَّا، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا.
قَالَ: (وَتَمَامُ الْخَبْزِ إِخْرَاجُهُ مِنَ التَّنُّورِ) وَكَذَلِكَ الْآجُرُّ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَوِ احْتَرَقَ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا أَجْرَ لَهُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ حَيْثُ وَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يَهْلَكْ بِفِعْلِهِ.
قَالَ: (وَتَمَامُ الطَّبْخِ غَرْفُهُ) إِنْ كَانَ فِي وَلِيمَةٍ، وَإِنْ طَبَخَ قِدْرَ طَعَامٍ لِصَاحِبِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْغَرْفُ لِلْعُرْفِ.
قَالَ: (وَتَمَامُ ضَرْبِ اللَّبِنِ إِقَامَتُهُ) وَقَالَا: تَشْرِيجُهُ لِأَنَّ بِالتَّشْرِيجِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِهِ عُرْفًا فَيَلْزَمُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَمَلَ تَمَّ بِالْإِقَامَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَالتَّشْرِيجُ فِعْلٌ آخَرُ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ. فَمَا لَمْ يَشْرُجْهُ وَيُسَلِّمْهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَهُوَ فِي ضَمَانِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالصَّبَّاغِ وَالْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ يَحْبِسُهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأَجْرَ) لِأَنَّ لَهُ حَبْسَ صَبْغِهِ وَغَيْرِهِ بِحَبْسِ الْمَحَلِّ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ كَالْمَبِيعِ.
(فَإِنْ حَبَسَهَا فَضَاعَتْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ.
(وَلَا أَجْرَ لَهُ) وَعِنْدَهُمَا هُوَ مَضْمُونٌ بَعْدَ الْحَبْسِ كَقَبْلِهِ، فَإِنْ ضَمِنَهُ مَعْمُولًا فَلَهُ الْأَجْرُ وَغَيْرَ مَعْمُولٍ لَا أَجْرَ لَهُ.
قَالَ: (وَمَنْ لَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ كَالْحَمَّالِ وَالْغَسَّالِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ يَحْبِسُهَا وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ نَفْسُ الْعَمَلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ حَبْسُهُ، فَإِنْ حَبَسَهُ فَهُوَ غَاصِبٌ، بِخِلَافِ رَدِّ الْآبِقِ حَيْثُ لَهُ حَبْسُهُ عَلَى الْجُعْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ لِأَنَّهُ عُرِفَ نَصًّا، وَلِأَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ وَقَدْ أَحْيَاهُ بِالرَّدِّ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ.
قَالَ: (وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الصَّانِعِ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ) لِأَنَّ الْعَمَلَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصُّنَّاعِ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً، فَكَانَ الشَّرْطُ مُفِيدًا، فَيَتَعَيَّنُ كَمَا تَتَعَيَّنُ الْمَنْفَعَةُ فِي مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ لَهُ الْعَمَلَ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مُطْلَقُ الْعَمَلِ، وَيُمْكِنُهُ إِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ فَافْتَرَقَا.
(2/56)

وَإِنْ قَالَ: إِنْ سَكَنْتَ هَذَا الْحَانُوتَ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَحَدَّادًا بِدِرْهَمَيْنِ جَازَ (سم) ، وَأَيَّ الْعَمَلَيْنِ عَمِلَ اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى لَهُ.

فَصْلٌ وَإِذَا فَسَدَتِ الْإِجَارَةُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: إِنْ سَكَّنْتُ هَذَا الْحَانُوتَ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَحَدَّادًا بِدِرْهَمَيْنِ جَازَ، وَأَيَّ الْعَمَلَيْنِ عَمِلَ اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى لَهُ) وَقَالَا: الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إِنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إِلَى الْحِيرَةِ بِدِرْهَمٍ وَإِلَى الْقَادِسِيَّةِ بِدِرْهَمَيْنِ، أَوْ إِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ شَعِيرٍ فَبِدِرْهَمٍ، وَكُرَّ حِنْطَةٍ بِدِرْهَمَيْنِ. لَهُمَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، وَالْأَجْرُ أَحَدُ الْأَجْرَيْنِ، وَتَجِبُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَأَنَّهُ مَجْهُولٌ، بِخِلَافِ الْخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِالْعَمَلِ، وَبِهِ تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ فَافْتَرَقَا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ صَحِيحَيْنِ، لِأَنَّ سُكْنَى الْعَطَّارِ تُخَالِفُ سُكْنَى الْحَدَّادِ حَتَّى لَا تَدْخُلَ فِي مُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ وَالْإِجَارَةُ تُعْقَدُ لِلْمَنْفَعَةِ، وَعِنْدَهُمَا تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ فَيَصِحُّ كَالْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ، وَإِنْ وَجَبَ الْأَجْرُ بِالتَّسْلِيمِ يَجِبُ أَقَلُّهُمَا لِلتَّيَقُّنِ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ فَارِسِيًّا فَبِدِرْهَمٍ وَرُومِيًّا فَبِدِرْهَمَيْنِ جَازَ، وَأَيَّ الْعَمَلَيْنِ عَمِلَ اسْتَحَقَّ أُجْرَتَهُ، وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ. وَقَالَ زُفَرُ: الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ لِجَهَالَةِ الْبَدَلِ فِي الْحَالِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ.

[فصل بيان ما يجب إذا فسِدَت الْإِجَارَةِ]
فَصْلٌ اعْلَمْ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ كَمَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَكُلُّ جَهَالَةٍ تُفْسِدُ الْبَيْعَ تُفْسِدُ الْإِجَارَةَ مِنْ جَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوِ الْأُجْرَةِ أَوِ الْمُدَّةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْجَهَالَةَ مُفْضِيَةٌ إِلَى الْمُنَازَعَةِ. وَالْأَصْلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» شَرَطَ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً كَمَا شَرَطَهُ فِي الْبَيْعِ؛ وَلَوْ آجَرَ الدَّارَ عَلَى أَنْ يُعَمِّرَهَا أَوْ يُطَيِّنَهَا، أَوْ يَضَعَ فِيهَا جِذْعًا فَهُوَ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ بَعْضَهَا مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعِمَارَةِ، وَيُعْرَفُ غَيْرُهَا مِنَ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ لِمَنْ يَتَأَمَّلُهَا فَتُقَاسُ عَلَيْهَا.
(وَإِذَا فَسَدَتِ الْإِجَارَةُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ. أَمَّا الْفَاسِدَةُ فَتَجِبُ فِيهَا قِيمَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. «وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ مَهْرٍ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ» فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقِيمَةِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
(2/57)

وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى، وَإِذَا اسْتَأْجَرُوا دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ وَفَسَدَ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ شُهُورًا مَعْلُومَةً، فَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقْضُ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ سَكَنَ سَاعَةً فِي الشَّهْرِ الثَّانِي صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ أَوَّلَهُ؛ وَمَنِ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ لَهُ مَحْمَلًا إِلَى مَكَّةَ جَازَ وَلَهُ الْمُعْتَادُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ الزَّادِ فَأَكَلَ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عِوَضَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا قِيمَةَ لَهَا إِلَّا بِعَقْدٍ أَوْ شُبْهَةِ عَقْدٍ ضَرُورَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَقَدْ قَوَّمَاهَا فِي الْعَقْدِ بِمَا سَمَّيَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِسْقَاطًا لِلزِّيَادَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْأَعْيَانَ مُتَقَوِّمَةً بِنَفْسِهَا، فَإِذَا بَطَلَ الْمُسَمَّى يَصِيرُ كَأَنَّهَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ.
(وَفَسَدَ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ) لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ لِلْعُمُومِ وَأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
(إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ شُهُورًا مَعْلُومَةً) فَيَكُونُ صَحِيحًا فِي الْكُلِّ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
قَالَ: (فَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ) فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
(فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقْضُ الْإِجَارَةِ) لِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ.
(فَإِنْ سَكَنَ سَاعَةً فِي الشَّهْرِ الثَّانِي صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ) أَيْضًا.
(وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ أَوَّلَهُ) لِتَمَامِ الْعَقْدِ بِتَرَاضِيهِمَا بِالسُّكْنَى، وَقِيلَ يَبْقَى الْخِيَارُ لَهُمَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فِي الشَّهْرِ وَيَوْمِهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمَا، لِمَا فِيهِ مِنَ اللُّزُومِ بِغَيْرِ الْتِزَامِهِمَا.
قَالَ: (وَمَنِ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ لَهُ مَحْمَلًا إِلَى مَكَّةَ جَازَ وَلَهُ الْمُعْتَادُ مِنْ ذَلِكَ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْمُتَعَارَفِ، وَالْمَقْصُودُ الرَّاكِبُ وَالْمَحْمَلُ تَبَعٌ، وَالْجَهَالَةُ فِيهِ تَرْتَفِعُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمُعْتَادِ فَلَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَإِنْ شَاهَدَ الْجَمَّالُ الْمَحْمَلَ فَهُوَ أَوْلَى قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَى.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ الزَّادِ فَأَكَلَ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عِوَضَهُ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ حَمْلَ قَدْرٍ مَعْلُومٍ طُولَ الطَّرِيقِ، فَيَرُدُّ عِوَضَ مَا أَكَلَ، وَهُوَ مُعْتَادٌ عِنْدَ النَّاسِ إِذَا نَقَصَ عَلَيْهِمْ، وَهَكَذَا غَيْرُ الزَّادِ إِذَا أَكَلَهُ يَرُدُّ مِثْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا؛ وَلَوِ اسْتَأْجَرَ بَعِيرَيْنِ لِيَحْمِلَ عَلَى أَحَدِهِمَا مَحْمَلًا فِيهِ رَجُلَانِ وَمَا لَهُمَا مِنَ الْوِطَاءِ وَالدِّثَارِ وَلَمْ يُعَايِنِ الْمُكَارِي ذَلِكَ، وَعَلَى الْآخَرِ زَامِلَةٌ فِيهِ قَدْرٌ مِنَ الزَّادِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَا يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهُ، وَمَا يَصْلُحُ مِنَ الْقِرْبَةِ وَخَيْطِهَا وَالْمِيضَأَةِ وَالْمِطْهَرَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَزْنَهُ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يَحْمِلَ هَدَايَا مِنْ مَكَّةَ مَا يَحْمِلُهُ النَّاسُ، فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عُرْفًا، وَالْمَعْلُومُ عُرْفَا كَالْمَشْرُوطِ، وَيَحْمِلُ قِرْبَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ.
(2/58)

وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَيَجُوزُ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا (سم) ، وَلَا يَمْنَعُ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا، وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ كَالْحَجِّ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ: يَجُوزُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَإِدَاوَتَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ، وَكَذَلِكَ إِذَا اكْتَرَى عُقْبَةً لِلتَّعَارُفِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَتَعَاقَبَا فِي الرُّكُوبِ يَنْزِلُ أَحَدُهُمَا وَيَرْكَبُ الْآخَرُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ مَا يَرْكَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِجَرَيَانِ التَّعَارُفِ بِذَلِكَ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] وَلِأَنَّ التَّعَامُلَ بِذَلِكَ جَارٍ بَيْنَ النَّاسِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِلْجَهَالَةِ، فَإِنَّ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا مَجْهُولٌ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ قَدْرًا مِنَ الطَّعَامِ كُلَّ يَوْمٍ، وَكِسْوَةَ ثَوْبٍ مَوْصُوفِ الْجِنْسِ وَالطُّولِ وَالْعَرْضِ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْأَظْآرِ وَعَدَمِ الْمُمَاكَسَةِ مَعَهُنَّ، وَإِعْطَائِهِنَّ شَهَوَاتِهِنَّ شَفَقَةً عَلَى الْأَوْلَادِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقِيَامُ بِأَمْرِ الصَّبِيِّ مِمَّا يُصْلِحُهُ مِنْ رَضَاعِهِ، وَغَسْلِ ثِيَابِهِ، وَإِصْلَاحِ طَعَامِهِ، وَمَا يُدَاوَى بِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ مَشْرُوطَةٌ عَلَيْهَا عُرْفًا، وَلَوْ أَرْضَعَتْهُ جَارِيَتُهَا أَوِ اسْتَأْجَرَتْ مَنْ أَرْضَعَتْهُ فَلَهَا الْأَجْرُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تُرْضِعَهُ بِنَفْسِهَا فَأَرْضَعَتْهُ جَارِيَتُهَا فَلَا أَجْرَ لَهَا لِلْمُخَالَفَةِ فِيمَا فِيهِ تَفَاوُتٌ، وَقِيلَ لَهَا الْأَجْرُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْإِرْضَاعِ حَيَاةُ الصَّبِيِّ وَهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ يَسِيرٌ لَا يُعْتَبَرُ؛ وَلَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ غَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ فَلَا أَجْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إِيجَارٌ وَلَيْسَ بِإِرْضَاعٍ.
قَالَ: (وَلَا يَمْنَعُ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا) لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ بِالنِّكَاحِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، وَهُوَ قَائِمٌ بَعْدَهَا، وَلَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ غِشْيَانِهَا فِي مَنْزِلِهِمْ مَخَافَةَ الْحَبَلِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الدُّخُولِ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنْ حَبَلَتْ فَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؛ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الصَّبِيُّ لَا يَرْضَعُ لَبَنَهَا أَوْ يَقْذِفُهُ أَوْ يَتَقَايَأُهُ، أَوْ تَكُونُ سَارِقَةً أَوْ فَاجِرَةً، أَوْ يُرِيدُونَ السَّفَرَ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ أَعْذَارٌ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ يَسْتَضِرُّ بِلَبَنِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا مَرِضَتْ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَوِ الظِّئْرُ انْتَقَضَتِ الْإِجَارَةُ وَلِزَوْجِهَا نَقْضُ الْإِجَارَةِ إِذَا لَمْ يَرْضَ صِيَانَةً لِحَقِّهِ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ كَالْحَجِّ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا يَأْخُذُ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا، وَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ تَقَعُ مِنَ الْعَامِلِ» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ مِنْ غَيْرِهِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى تَعْلِيمِ الصَّنَائِعِ، لِأَنَّ التَّعْلِيمَ لَا يَقُومُ بِالْمُعَلِّمِ بَلْ بِهِ وَبِالْمُتَعَلِّمِ وَهُوَ ذَكَاؤُهُ وَفِطْنَتُهُ فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَهُ، أَوْ نَقُولُ هُمَا شَرِيكَانِ، فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
(وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ: يَجُوزُ
(2/59)

عَلَى التَّعْلِيمِ وَالْإِمَامَةِ فِي زَمَانِنَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَا تَجُوزُ عَلَى الْمَعَاصِي كَالْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا عَلَى عَسْبِ التَّيْسِ، وَتَجُوزُ أُجْرَةُ الْحَجَّامِ وَالْحَمَّامِ؛ وَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا طَعَامًا بِقَفِيزٍ مِنْهُ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَوْ قَالَ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَخِيطَهُ قَبَاءً، وَقَالَ الْخَيَّاطُ قَمِيصًا، فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ وَيُحَلَّفُ، فَإِذَا حَلَفَ فَالْخَيَّاطَ ضَامِنٌ، وَلَوْ قَالَ: خِطْتَهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَى التَّعْلِيمِ وَالْإِمَامَةِ فِي زَمَانِنَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى)
لِحَاجَةِ النَّاسِ
إِلَيْهِ وَظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَكَسَلِ النَّاسِ فِي الِاحْتِسَابِ، فَلَوِ امْتَنَعَ الْجَوَازُ يَضِيعُ حِفْظُ الْقُرْآنِ؛ وَلَوِ اسْتَأْجَرَ مُصْحَفًا أَوْ كِتَابًا لِيَقْرَأَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ وَلَا أَجْرَ لَهُ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ مَنْفَعَةٌ تَحْدُثُ مِنَ الْقَارِئِ لَا مِنَ الْكِتَابِ، فَصَارَ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ لَا يَجُوزُ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ عَلَى الْمَعَاصِي كَالْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَنَحْوِهِمَا) لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ فَلَا تَجُوزُ.
قَالَ: (وَلَا عَلَى عَسْبِ التَّيْسِ) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ التَّيْسَ لِيَنْزُوَ عَلَى غَنَمِهِ، وَيَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ فَحْلٍ كَالْحِصَانِ وَالْحِمَارِ وَغَيْرِهِمَا. أَمَّا النَّزْوُ بِغَيْرِ أَجْرٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ حَرَامٌ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ أُجْرَةُ الْحَجَّامِ) فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ» وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ لِلْإِشْفَاقِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّنَاءَةِ وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: (وَالْحَمَّامِ) لِلتَّعَامُلِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْجَهَالَةِ مَعَ اصْطِلَاحِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: (وَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا طَعَامًا بِقَفِيزٍ مِنْهُ فَهُوَ فَاسِدٌ) لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَجْرَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَصَارَ كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ» ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ ثَوْرًا أَوْ رَحًى لِيَطْحَنَ لَهُ حِنْطَةً بِقَفِيزٍ مِنْهَا. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ تُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ: مِنْهَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَى حَائِكٍ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِالنِّصْفِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ عَجَزَ عَنِ الْأُجْرَةِ وَهُوَ بَعْضُ الْمَنْسُوجِ وَالْمَطْحُونِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْأَجْرِ فَلَا يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ أَمَرْتُكَ أَنْ تَخِيطَهُ قَبَاءً، وَقَالَ الْخَيَّاطُ قَمِيصًا فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ) وَكَذَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي صَبْغِ الثَّوْبِ أَصْفَرُ أَوْ أَحْمَرُ، أَوْ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ بِعُصْفُرٍ؛ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْخَيَّاطَ وَالصَّبَّاغَ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ وَصَاحَبُهُ يُنْكِرُ، وَلِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الثَّوْبِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ.
(وَيُحَلَّفُ) لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَزِمَهُ فَيُحَلَّفُ لِاحْتِمَالِ النُّكُولِ (فَإِذَا حَلَفَ فَالْخَيَّاطُ ضَامِنٌ) مَعْنَاهُ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الثَّوْبَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ، أَوْ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِي رِوَايَةٍ.
(وَلَوْ قَالَ خِطْتَهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ) فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ.
(لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَدَّعِي هِبَةَ الْعَمَلِ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي بَيْعَهُ.
(2/60)

وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ، وَإِذَا خَرِبَتِ الدَّارُ أَوِ انْقَطَعَ شِرْبُ الضَّيْعَةِ أَوْ مَاءُ الرَّحَى انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَدْ عَقَدَهَا لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ، وَإِنْ عَقَدَهَا لِغَيْرِهِ لَمْ تَنْفَسِخْ.

فَصْلٌ وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِالْعُذْرِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْعَمَلِ بِدُونِ الْعَقْدِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ عَنْهُ فِي الْعُيُونِ إِنْ كَانَتِ الْخِيَاطَةُ حِرْفَتَهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَإِلَّا فَلَا أَجْرَ لَهُ وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا لِمَا بَيَّنَّا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أَجْرَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَامَلَةً فَيَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِ اتَّخَذَ حَانُوتًا وَانْتَصَبَ لِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ عُرْفًا، وَالْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَنْقُشَ اسْمَهُ عَلَى فَصِّهِ فَنَقَشَ اسْمَ غَيْرِهِ ضَمَّنَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ غَرَضَهُ وَهُوَ الْخَتْمُ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ؛ وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا بِأَجْرٍ مُسَمًّى وَسَمَّى طُولَهَا وَعَرْضَهَا جَازَ؛ وَفِي الْقُبُورِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ عُرْفًا، فَإِنْ وَجَدَ بَاطِنَ الْأَرْضِ أَشَدَّ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْحَفْرُ فَهُوَ عُذْرٌ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ حَتَّى يَفْرَغَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ وَاحِدٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ التَّمَامِ.
قَالَ: (وَإِذَا خَرِبَتِ الدَّارُ، أَوِ انْقَطَعَ شِرْبُ الضَّيْعَةِ أَوْ مَاءُ الرَّحَى، انْفَسَخَ الْعَقْدُ) لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَصَارَ كَمَوْتِ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ، وَقِيلَ لَا يَنْفَسِخُ لَكِنْ لَهُ الْفَسْخُ. قَالُوا: وَهُوَ الْأَصَحُّ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ نَصًّا: لَوِ انْهَدَمَ الْبَيْتُ الْمُسْتَأْجَرُ فَبَنَاهُ الْآجِرُ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَذَلِكَ لَأَنَّ أَصْلَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَفُوتُ، لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْعَرْصَةِ مُمْكِنٌ بِدُونِ الْبِنَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ نَاقِصٌ فَصَارَ كَالْعَيْبِ فَيَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ، وَلَوْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا يُخِلُّ بِالْمَنَافِعِ كَمَرَضِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَنَدَبِهَا وَانْهِدَامِ بَعْضِ الْبِنَاءِ فَلَهُ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ مَعَ الْعَيْبِ، وَيُلْزِمُهُ جَمِيعَ الْبَدَلِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْعَيْبَ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانَ لَهُ فَسْخُهُ، فَإِنْ زَالَ الْعَيْبُ أَوْ أَزَالَهُ الْمُؤَجِّرُ فَلَا خِيَارَ لَهُ.
(وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَدْ عَقَدَهَا لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ) لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا تَبْقَى بِدُونِ الْعَاقِدِ.
(وَإِنْ عَقَدَهَا لِغَيْرِهِ لَمْ تَنْفَسِخْ) كَالْوَصِيِّ وَالْوَلِيِّ وَقَيِّمِ الْوَقْفِ وَالْوَكِيلِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ فَكَأَنَّهُ مُعَبِّرٌ.

[فصل ما تنفسخ به الإجارة]
فَصْلٌ (وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِالْعُذْرِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ عَجْزُ الْعَاقِدِ عَنِ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِ الْعَقْدِ إِلَّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِهِ يَكُونُ عُذْرًا تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(2/61)

كَمَنِ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا لِيَتَّجِرَ فَأَفْلَسَ، أَوْ آجَرَ شَيْئًا، ثُمَّ لَزِمَهُ دَيْنٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ؛ وَكَذَلِكَ إِنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلسَّفَرِ فَبَدَا لَهُ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ بَدَا لِلْمُكَارِي فَلَيْسَ بِعُذْرٍ.

كِتَابُ الرَّهْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَهَلْ يَشْتَرِطُ الْفَسْخُ قَضَاءَ الْقَاضِي؟ ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ إِنْ كَانَ عُذْرًا فِيهِ شُبْهَةٌ كَالدِّينِ يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا لَا.
وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَنْفَرِدُ الْعَاقِدُ بِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَذَلِكَ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ إِنْسَانًا لِيَقْلَعَ ضِرْسَهُ فَسَكَنَ وَجَعُهُ، أَوْ لِيَقْطَعَ يَدَهُ لِأَكِلَةٍ فَسَقَطَتِ الْآكِلَةُ فَإِنَّهُ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا لَا تُفْسَخُ بِالْعُذْرِ.
وَ (كَمَنِ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا لِيَتَّجِرَ فَأَفْلَسَ، أَوْ آجَرَ شَيْئًا ثُمَّ لَزِمَهُ دَيْنٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ) فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَفْسَخُهَا وَيَبِيعُهُ فِي الدَّيْنِ، لِأَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْفَسْخِ يَلْزَمُهُ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ حَبْسُهُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْإِجَارَةُ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِفْلَاسِ فَيُفْسَخُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(وَكَذَلِكَ إِنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلسَّفَرِ فَبَدَا لَهُ. تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ بِالْمُضِيِّ عَلَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَرَادَ التِّجَارَةَ فَأَفْلَسَ، أَوْ لِطَلَبِ غَرِيمٍ فَحَضَرَ.
(وَإِنْ بَدَا لِلْمُكَارِي فَلَيْسَ بِعُذْرٍ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إِنْفَاذُ الدَّوَابِّ مَعَ أَجِيرِهِ فَلَا يَتَضَرَّرُ.
وَعَنِ الْكَرْخِيِّ: إِنْ مَرِضَ الْمُكَارِي فَهُوَ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ ضَرَرٍ فَيُعْذَرُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ لَا حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَعَلَى رَبِّ الدَّارِ عِمَارَتُهَا وَإِصْلَاحُ مَيَازِيبِهَا وَبِئْرِ الْمَاءِ، وَتَنْظِيفُ الْبَالُوعَةِ الْمُمْتَلِئَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَكُلِّ مَا يَكُونُ مُضِرًّا بِالسُّكْنَى، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَخْرُجَ؛ وَإِنْ رَأَى هَذِهِ الْعُيُوبَ وَقْتَ الْإِجَارَةِ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْعَيْبِ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ رَمْيُ التُّرَابِ وَالرَّمَادِ الْمُجْتَمِعِ فِي الدَّارِ مِنْ كَنْسِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ السُّكْنَى، كَرْيِ نَهْرِ رَحَا الْمَاءِ عَلَى الْآجِرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.

[كِتَابُ الرَّهْنِ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الْحَبْسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] .
وَفِي الشَّرْعِ: الْحَبْسُ بِمَالٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، شُرِعَ وَثِيقَةً لِلِاسْتِيفَاءِ لِيَضْجَرَ الرَّاهِنُ بِحَبْسِ عَيْنِهِ فَيُسَارِعَ إِلَى إِيفَاءِ الدَّيْنِ لِيَفْتِكَهَا فَيَنْتَفِعَ بِهَا وَيَصِلَ الْمُرْتَهِنُ إِلَى حَقِّهِ. ثَبَتَتْ شَرْعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] وَأَنَّهُ أَمْرٌ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ نَقْلًا عَنِ الْمُفَسِّرِينَ، مَعْنَاهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ مُسَافِرِينَ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَارْتَهِنُوا رِهَانًا
(2/62)

وَهُوَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِمَالٍ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ أَوْ بِالتَّخْلِيَةِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَقْبُوضَةً وَثِيقَةً بِأَمْوَالِكُمْ. وَالسُّنَّةُ مَا رُوِيَ " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ بِالْمَدِينَةِ» وَبُعِثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِهِ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
قَالَ: (وَهُوَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ) لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
قَالَ: (بِمَالٍ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ) أَيْ بِمِثْلِهِ.
(يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ) عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةً فَلَا تَكُونُ إِلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ تَمَامُهُ بِالْقَبْضِ كَالْهِبَةِ.
(أَوْ بِالتَّخْلِيَةِ) لِقِيَامِهَا مَقَامَهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ.
(وَقَبْلَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَا) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ تَبَرُّعٌ؟ ثُمَّ الرَّهْنُ لَا يَخْلُو، إِمَّا إِنْ كَانَ بِدَيْنٍ وَهُوَ الْمِثْلِيُّ، أَوْ بِعَيْنٍ وَهُوَ غَيْرُ الْمِثْلِيِّ؛ فَإِنْ كَانَ بِدَيْنٍ جَازَ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِأَيِّ وَجْهٍ ثَبَتَ، سَوَاءً كَانَ مِنَ الْأَثْمَانِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؛ وَإِنْ كَانَ بِعَيْنٍ فَالْأَعْيَانُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مَضْمُونَةٌ، وَغَيْرُ مَضْمُونَةٍ. فَالْمَضْمُونَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مَضْمُونَةٌ بِنَفْسِهَا، وَمَضْمُونَةٌ بِغَيْرِهَا؛ فَالْمَضْمُونُ بِنَفْسِهِ: مَا يَجِبُ عِنْدَ هَلَاكِهِ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَهْرِ، وَبَدَلِ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، فَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ ضَمَانًا صَحِيحًا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ؛ وَالْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهَلَاكِهِ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِنَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ فَصَارَ كَمَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ. وَالْأَعْيَانُ الْغَيْرُ الْمَضْمُونَةِ: وَهِيَ الْأَمَانَاتُ كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَةِ، وَمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُسْتَأْجَرِ وَنَحْوِهَا، لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا، لِأَنَّ الرَّهْنَ مُقْتَضَاهُ الضَّمَانُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الرَّهْنِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْهُ احْتِرَازًا عَنْ هَذَا، وَلَا يَجُوزُ بِالشُّفْعَةِ وَلَا بِالدَّرْكِ وَلَا بِدَيْنٍ سَيَجِبُ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِمَعْدُومٍ، وَلَا بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَيَجُوزُ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ، وَيَكُونُ رَهْنًا بِالْأَرْشِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَلَا يَجُوزُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا بِأُجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَيَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلرَّاهِنِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ فَيُفِيدُ الشَّرْطَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَلَا يُفِيدُ، وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْحُرِّ، وَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهَا فَلَا يَحْصُلُ التَّوَثُّقُ، وَكَذَا جِذْعٌ فِي سَقْفٍ، وَذِرَاعٌ مِنْ ثَوْبٍ، وَأَشْبَاهُهُ لِمَا مَرَّ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ رَهْنُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَيَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ، لِأَنَّ الرَّهْنَ وَالِارْتِهَانَ لِلْوَفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ ذَلِكَ مِنَ الْخَمْرِ وَيَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ، ثُمَّ الرَّهْنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: جَائِزٌ، وَبَاطِلٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا. وَفَاسِدٌ وَهُوَ رَهْنُ الْمَبِيعِ، وَرَهْنُ الْمُشَاعِ وَالْمَشْغُولِ بِحَقِّ الْغَيْرِ، أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ خَلًّا، وَرَهَنَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا ثُمَّ ظَهَرَ
(2/63)

وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا، فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْعَبْدُ حُرًّا، وَالْخَلُّ خَمْرًا، أَوْ قَتَلَ عَبْدًا فَأَعْطَاهُ بِقِيمَتِهِ رَهْنًا ثُمَّ ظَهَرَ حَرًّا.
قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ: يَهْلَكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ، وَالْقَبْضُ لَمْ يَتِمَّ فِي الْمُشَاعِ وَالْمَشْغُولِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْحُرِّ وَالْخَمْرِ كَمَا لَوْ رَهَنَهُ ابْتِدَاءً.
وَنَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ: أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ رَهْنٍ فَاسِدٍ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الدَّيْنِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ انْعَقَدَ لِمُقَابَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ، وَفِي الْبَعْضِ فِي ظَنِّهِمَا، لَكِنَّهُ فَسَدَ لِنُقْصَانٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الرَّهْنِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا، كَالْمَقْبُوضِ فِي الْبَيْعِ الْكَاسِدِ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ فَكَذَا هَذَا، إِلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْهُمَا هُنَا؛ أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَظَاهَرٌ؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا قَبَضَهُ لِيَكُونَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا) فَالْمَحُوزُ الْمَعْلُومُ الَّذِي يُمْكِنُ حِيَازَتُهُ، وَالْمُفْرَغُ الَّذِي لَا يَكُونُ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْغَيْرِ، وَالْمُتَمَيِّزُ الْمَقْسُومُ الَّذِي قَدْ تَمَيَّزَ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْصِبَاءِ، لِأَنَّ قَبْضَ الْجُزْءِ الشَّائِعِ لَا يُتَصَوَّرُ بِانْفِرَادِهِ، وَقَبْضُ الْكُلِّ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَكَذَا كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْغَيْرِ يُخِلُّ بِقَبْضِهِ وَحَبْسِهِ، وَكَذَا الْمَجْهُولُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ، وَمَقْصُودُ الرَّهْنِ وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْحَبْسِ الدَّائِمِ، وَالْحَبْسُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِدُونِهَا.
قَالَ: (فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا لَهُ بِدَيْنٍ فَنَفَقَ. فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُرْتَهِنِ: " ذَهَبَ حَقُّكَ " وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " إِذَا عَمِيَ الرَّهْنُ فَهُوَ بِمَا فِيهِ» قَالُوا: مَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا هَلَكَ فَاشْتَبَهَتْ قِيمَتُهُ؛ وَقَدْ نَقَلَ أَصْحَابُنَا إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ حَبْسَهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ الِاسْتِيفَاءُ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى حَقِّهِ مَخَافَةَ الْجُحُودِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ هَذَا الِاسْتِيفَاءُ بِالْهَلَاكِ، فَلَوْ وَفَّاهُ ثَانِيًا يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَلَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ إِلَّا أَنْ يَنْقُضَ الْقَبْضَ وَالْحَبْسَ وَيَرُدَّهُ إِلَى الرَّاهِنِ، وَأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ فَفَاتَ شَرْطُ الْمُطَالَبَةِ فَبَطَلَتْ؛ وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، وَتَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ، هُوَ لِصَاحِبِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ الرَّهْنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ وَلَا يَحْبِسُهُ بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ، هَذَا مَعْنَاهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بَيْتُ ابْنِ زُهَيْرٍ:
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غُلِقَا
أَيْ مَحْبُوسًا لَا فِكَاكَ لَهُ، وَكَذَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ قَلْعًا لَهُمْ عَنِ الْعَوَائِدِ الْجَاهِلِيَّةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَقَوْلُهُ: «لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» أَيْ إِذَا بِيعَ فَفَضَلَ مِنَ الثَّمَنِ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ، أَوْ لَهُ غُنْمُهُ
(2/64)

وَيَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ حَتَى يُكَفِّنَهُ، وَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا مِنْ مَالِيَّتِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ حُكْمًا وَالْفَاضِلُ أَمَانَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ سَقَطَ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيِمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ، فَإِنْ أَوْدَعَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ ضَمِنَهُ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ، وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ وَأَجْرَةُ الرَّاعِي عَلَى الرَّاهِنِ وَنَمَاؤُهُ لَهُ وَيَصِيرُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِسُقُوطِ الدَّيْنِ عَنْهُ بِهَلَاكِهِ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ، وَهُوَ قَضَاءٌ مَا بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ إِنْ لَمْ يَفِ بِهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مِثْلِهِ، قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ.
قَالَ: (وَيَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ حَتَّى يُكَفِّنَهُ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ حَقِيقَةً، وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى لَوِ اشْتَرَاهُ لَا يَنُوبُ قَبْضُ الرَّهْنِ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ، وَإِذَا كَانَ مِلْكَهُ فَمَاتَ كَانَ عَلَيْهِ كَفَنُهُ.
قَالَ: (وَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا مِنْ مَالِيَّتِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ حُكْمًا، وَالْفَاضِلُ أَمَانَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ سَقَطَ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ) لِأَنَّ الْمَضْمُونَ قَدْرُ مَا يَسْتَوْفِيهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَعِنْدَ زِيَادَةِ قِيمَتِهِ الزِّيَادَةُ أَمَانَةٌ، لِأَنَّهَا فَاضِلَةٌ عَنِ الدَّيْنِ وَقَدْ قَبَضَهَا بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَعِنْدَ النُّقْصَانِ قَدِ اسْتَوْفَى قِيمَتَهُ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَيْهِ كَمَا كَانَ.
قَالَ: (وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ) لِأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ وَفِيهِ يَثْبُتُ الِاسْتِيفَاءُ يَدًا ثُمَّ يَتَقَرَّرُ بِالْهَلَاكِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ، وَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُهَا. قَالَ: (فَإِنْ أَوْدَعَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ ضَمِنَهُ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ) .
وَكَذَا إِذَا تَعَدَّى فِيهِ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ إِذْ هُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَالزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ أَمَانَةٌ، وَالْأَمَانَاتُ تُضَمَّنُ بِالتَّعَدِّي، وَلَا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الرَّهْنِ بِالتَّعَدِّي، وَلِأَنَّهُ مَا رَضِيَ إِلَّا بِحِفْظِهِ وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَكَانَ مُخَالِفًا، بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِينَ فِي عِيَالِهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَحْفَظُ مَالَهُ غَالِبًا بِهَؤُلَاءِ، فَيَكُونُ الرِّضَى بِحِفْظِهِ رِضًى بِحِفْظِهِمْ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُلَازَمَةُ الْبَيْتِ، وَلَا اسْتِصْحَابُ الرَّهْنِ، فَصَارَ الْحِفْظُ بِهَؤُلَاءِ مَعْلُومًا لَهُ فَلَا يُضَمَّنُ؛ وَلُبْسُ الْخَاتَمِ فِي خِنْصِرِهِ تَعَدٍّ، وَفِي غَيْرِهَا حِفْظٌ، وَالتَّقَلُّدُ بِالسَّيْفِ وَالسَّيْفَيْنِ تَعَدٍّ لِلْعَادَةِ وَبِالثَّلَاثِ لَا؛ وَوَضْعُ الْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ عَلَى الرَّأْسِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ تَعَدٍّ، وَوَضْعُهُمَا عَلَى الْعَاتِقِ أَوِ الْكَتِفِ لَا؛ وَالتَّعَمُّمُ بِالْقَمِيصِ لَيْسَ بِتَعَدٍّ؛ وَوَضْعُ الْخَلْخَالِ مَوْضِعَ السُّوَارِ وَبِالْعَكْسِ لَيْسَ بِتَعَدٍّ، وَلُبْسُهُمَا مَوْضِعَهُمَا تَعَدٍّ.
قَالَ: (وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ، وَأُجْرَةُ الرَّاعِي عَلَى الرَّاهِنِ) وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِبَقَاءِ الرَّهْنِ وَمَصْلَحَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَذَلِكَ مَؤُونَةُ الْمِلْكِ، وَالرَّعْيُ مِنَ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ عَلْفُ الْحَيَوَانِ وَالْكِسْوَةُ وَالظِّئْرُ، وَإِصْلَاحُ شَجَرِ الْبُسْتَانِ وَسِقْيُهَا، وَجُذَاذُ الثَّمَرَةِ مِنَ النَّفَقَةِ.
قَالَ: (وَنَمَاؤُهُ لَهُ) لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ وَالثَّمَرَةِ.
(وَيَصِيرُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ) لِأَنَّ الرَّهْنَ حَقٌّ لَازِمٌ
(2/65)

إِلَّا أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ بِقِيَ النَّمَاءُ وَهَلَكَ الْأَصْلُ افْتَكَّهُ بِحِصَّتِهِ، يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفَكَاكِ وَقِيمَةِ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَصْلِ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ (ز) وَلَا تَجُوزُ فِي الدَّيْنِ (س) وَلَا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِهِمَا، وَأُجْرَةُ مَكَانِ الْحِفْظِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهُ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَيَسْرِي إِلَى التَّبَعِ.
(إِلَّا أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ مَقْصُودًا فَلَا يَكُونُ لَهُ قِسْطٌ مِنَ الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَقْبِضْهَا بِجِهَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا الْتَزَمَ ضَمَانَهَا فَلَا يَلْزَمُهُ كَوَلَدِ الْمَبِيعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَبِيعٌ وَلَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِنُقْصَانِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَتِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ رَغَبَاتِ النَّاسِ، أَمَّا الْعَيْنُ فَلَمْ تَتَغَيَّرْ، وَالْقَبْضُ وَرَدَ عَلَى الْعَيْنِ دُونَ الْقِيمَةِ، وَغَلَّةُ الْعَقَارِ وَكَسْبُ الرَّهْنِ لَيْسَ بِرَهْنٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ مِنْهُ وَلَا بَدَلَ عَنْهُ كَكَسْبِ الْمَبِيعِ وَغَلَّتِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ بَقِيَ النَّمَاءُ وَهَلَكَ الْأَصْلُ افْتَكَّهُ بِحِصَّتِهِ) لِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالْقَبْضِ، وَالزِّيَادَةُ مَقْصُودَةٌ بِالْفَكَاكِ، وَمَتَى صَارَ التَّبَعُ مَقْصُودًا قَابَلَهُ شَيْءٌ مِنَ الْبَدَلِ كَوَلَدِ الْمَبِيعِ.
قَالَ: (يُقَسَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفَكَاكِ، وَقِيمَةِ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَصْلِ) لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ وَلَا تَجُوزُ فِي الدَّيْنِ، وَلَا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِهِمَا) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا، لِأَنَّ الدَّيْنَ وَالرَّهْنَ كَالثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ، فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا بِجَامِعِ دَفْعِ الْحَاجَةِ، بِدَلِيلِ إِقْدَامِهِمَا وَصِحَّةِ تَصَرُّفِهِمَا.
وَلَنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرَّهْنِ تُوجِبُ شُيُوعَ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الرَّهْنِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ تُوجِبُ شُيُوعَ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُقَابِلَهُ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ وَشُيُوعُ الرَّهْنِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ فِيهِمَا، أَمَّا فِي الدَّيْنِ فَلِمَا قَالَا، وَأَمَّا فِي الرَّهْنِ فَلِأَنَّهُ جَعَلَهُ رَهْنًا بِبَعْضِ الدَّيْنِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا إِذَا جَعَلَهُ رَهْنًا بِكُلِّهِ، فَإِنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ رَهْنًا بِكُلِّهِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَرُدَّ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ الْأَوَّلَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَلْحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ رَهَنَهُمَا مِنْ الِابْتِدَاءِ.
قَالَ: (وَأُجْرَةُ مَكَانِ الْحِفْظِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) لِأَنَّ الْحِفْظَ عَلَيْهِ لِيَرُدَّهُ إِلَى الرَّاهِنِ لِيُسَلِّمَ لَهُ حَقَّهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ بَدَلُهُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْحَافِظِ، وَجُعْلُ الْآبِقِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ يَدِهِ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَكَانَ مِنْ مَؤُونَةِ الرَّدِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنَ الدَّيْنِ فَعَلَى الرَّاهِنِ قَدْرُ الزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَتَكُونُ يَدُهُ يَدَ الْمَالِكِ فَتَكُونُ الْمَؤُونَةُ عَلَى الْمَالِكِ، وَهَذَا فِي جُعْلِ الْآبِقِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لِأَجْلِ الضَّمَانِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمَضْمُونِ؛ أَمَّا أُجْرَةُ الْبَيْتِ فَالْجَمِيعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الِاحْتِبَاسِ، وَالْحَبْسُ ثَابِتٌ لَهُ فِي الْكُلِّ، وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ مَؤُونَةُ مِلْكِهِ.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهُ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ
(2/66)

فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فَهَلَكَ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ هَلَكَ أَمَانَةً.

وَيَصِحُّ رَهْنُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنْ رُهِنَتْ بِجِنْسِهَا فَهَلَكَتْ سَقَطَ مِثْلُهَا مِنَ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ؛ وَيَصِحُّ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَبَدَلِ الصَّرْفِ، فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ تَمَّ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَصَارَ مُسْتَوْفِيًا، وَإِنَ افْتَرَقَا وَالرَّهْنُ قَائِمٌ بَطَلَا؛ وَيَصِحُّ بِالدَّيْنِ الْمَوْعُودِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ بِمَا سَمَّى وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَ بِالثَّمَنِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَامْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ، وَالْبَائِعُ إِنْ شَاءَ تَرَكَ الرَّهْنَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْبَيْعَ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ حَالًّا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ وِلَايَةُ الْحَبْسِ لَا غَيْرُ.
(فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فَهَلَكَ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ هَلَكَ أَمَانَةً) لِأَنَّهُ عَارِيَةٌ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهَا، وَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ هَلَكَ مَضْمُونًا لِبَقَاءِ يَدِ الرَّاهِنِ، وَكَذَا بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ لِزَوَالِ يَدِ الْعَارِيَةِ وَعَوْدِ الرَّاهِنِ.

[فصل صحة رَهْنُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ]
فَصْلٌ (وَيَصِحُّ رَهْنُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهَا فَكَانَتْ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ.
(فَإِنْ رُهِنَتْ بِجِنْسِهَا فَهَلَكَتْ سَقَطَ مِثْلُهَا مِنَ الدَّيْنِ) لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ، وَلَا فَائِدَةَ فِي تَضْمِينِهِ بِالْمِثْلِ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ ثُمَّ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ قَضَاءً.
(وَكَذَلِكَ كُلُّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ) لِأَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ الْجَوْدَةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبُيُوعِ.
قَالَ: (وَيَصِحُّ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَبَدَلِ الصَّرْفِ) لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيفَاءِ وَالْمُجَانَسَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْمَالِيَّةِ فَلَا يَكُونُ اسْتِبْدَالًا.
(فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ تَمَّ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَصَارَ مُسْتَوْفِيًا) لِتَحَقُّقِ الْقَبْضِ حُكْمًا.
(وَإِنِ افْتَرَقَا وَالرَّهْنُ قَائِمٌ بَطَلَا) لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ لَا عَنْ قَبْضٍ وَأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِمَا عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ: (وَيَصِحُّ بِالدَّيْنِ الْمَوْعُودِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ بِمَا سَمَّى) لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى جِهَةِ الرَّهْنِ، فَيَكُونُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. وَصُورَتُهُ أَنْ يَرْهَنَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ دِرْهَمًا فَيَهْلِكُ قَبْلَ الْقَرْضِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ دِرْهَمًا، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا وَلَمْ يُسَمِّ فَهَلَكَ أَعْطَاهُ مَا شَاءَ وَالْبَيَانُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ بِالْهَلَاكِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْهَلَاكِ: وَجَبَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ بِدَرَاهِمَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ قَالَ أَقْرِضْنِي وَخُذْ هَذَا الرَّهْنَ، وَلَمْ يُسَمِّ فَأَخَذَهُ، وَضَاعَ وَلَمْ يُقْرِضْهُ قَالَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرَّهْنِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَ بِالثَّمَنِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَامْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ.
(وَالْبَائِعُ إِنْ شَاءَ تَرَكَ الرَّهْنَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْبَيْعَ) لِأَنَّهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وَقَدْ فَاتَهُ فَيَتَخَيَّرُ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ حَالًّا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(2/67)

أَوْ يُعْطِيَهُ رَهْنًا مِثْلَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِدَيْنٍ فَقَضَى حِصَّةَ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَاقِيَ الدَّيْنِ، وَإِنْ رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ جَازَ، وَالْمَضْمُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةُ دَيْنِهِ، فَإِنْ أَوْفَى أَحَدُهُمَا فَجَمِيعُهَا رَهْنٌ عِنْدَ الْآخَرِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ وَحَبْسُهُ بِدَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ بَيْعِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(أَوْ يُعْطِيَهُ رَهْنًا مِثْلَ الْأَوَّلِ) لِحُصُولِ الْمَعْنَى، وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيمَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا الْبَيْعُ لِأَنَّهُ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِهِمَا، وَأَنَّهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ لِمَا مَرَّ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ يُلَائِمُ الْعَقْدَ، لِأَنَّ الرَّهْنَ لِلِاسْتِيثَاقِ، وَهُوَ مُلَائِمٌ لِلْوُجُوبِ فَلَا يُفْسِدُهُ.
قَالَ: (وَإِنْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِدَيْنٍ فَقَضَى حِصَّةَ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَاقِيَ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فِي الْكُلِّ لِلِاسْتِيثَاقِ بِالدَّيْنِ، وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَصَارَ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ إِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنَ الدَّيْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ. وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ: لَهُ قَبْضُهُ إِذَا أَدَّى مَا سَمَّى لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِالْقَدْرِ الَّذِي سَمَّاهُ لَهُ، وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ هَلَكَ بِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ عَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَلِهَذَا لَوْ قَبِلَ الْعَقْدَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
قَالَ: (وَإِنْ رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الرَّهْنَ إِلَى جَمِيعِهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ مُحْتَبِسًا بِمَا رَهَنَهَا بِهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَقْبَلُ التَّجَزِّيَ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ تَهَايَآ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ كَالْعَدْلِ.
قَالَ: (وَالْمَضْمُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةُ دَيْنِهِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا حِصَّتَهُ بِالْهَلَاكِ.
(فَإِنْ أَوْفَى أَحَدُهُمَا فَجَمِيعُهَا رَهْنٌ عِنْدَ الْآخَرِ) لِأَنَّ جَمِيعَهَا رَهْنٌ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ لِمَا بَيَّنَّا وَصَارَ كَحَبْسِ الْمَبِيعِ إِذْ أَدَّى أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ حِصَّتَهُ.
قَالَ: (وَلِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ وَحَبْسُهُ بِدَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ) لِبَقَاءِ حَقِّهِ فِي الدَّيْنِ، وَالرَّهْنُ لِلِاسْتِيثَاقِ فَلَا يَمْنَعُ الْمُطَالَبَةَ، فَإِذَا طَالَبَهُ وَمَطَلَهُ فَقَدْ ظَلَمَهُ، فَيَحْبِسُهُ الْقَاضِي جَزَاءً عَلَى الظُّلْمِ.
(وَلَيْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ بَيْعِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ) لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي الْحَبْسِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِبْطَالُهُ بِالْبَيْعِ، إِلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ قَبْضَهُ قَبْضُ اسْتِيفَاءٍ، فَلَوْ قَبَضَ دَيْنَهُ مَعَ ذَلِكَ يَتَكَرَّرُ الِاسْتِيفَاءُ عَلَى تَقْدِيرٍ مُحْتَمَلٍ، وَهُوَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ، وَإِذَا أَحْضَرَهُ قِيلَ لِلرَّاهِنِ سَلِّمِ الدَّيْنَ أَوَّلًا لِيَتَعَيَّنَ وَهُوَ نَظِيرُ بَيْعِ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ.
(2/68)

فَصْلٌ: فَإِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ الرَّهْنَ نَفَذَ عِتْقُهُ، فَيُطَالَبُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ إِنْ كَانْ حَالًّا، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا رَهَنَ قِيمَةَ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالدَّيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل حكم الرهن إذا باعه الراهن]
فَصْلٌ (فَإِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِحَبْسِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيَتَوَقَّفُ إِبْطَالُهُ عَلَى رِضَاهُ أَوْ زَوَالِ حَقِّهِ، فَإِذَا أَجَازَ فَقَدْ رَضِيَ بِزَوَالِ حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ، وَإِذَا قَضَى دَيْنَهُ فَقَدْ زَالَ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ فَعَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلُهُ، وَهُوَ صُدُورِ الرُّكْنِ مِنَ الْأَهْلِ مُضَافًا إِلَى الْمَحَلِّ، ثُمَّ إِذَا أَجَازَ الْبَيْعَ وَنَفَذَ انْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى بَدَلِهِ، لِأَنَّ لَهُ الْحُكْمَ الْمُبْدَلَ كَالْعَبْدِ الْمَدْيُونِ إِذَا بِيعَ بِرِضَا الْغُرَمَاءِ انْتَقَلَ حَقُّهُمْ إِلَى بَدَلِهِ، وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِالِانْتِقَالِ دُونَ السُّقُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ الْبَيْعُ قِيلَ يَنْفَسِخُ كَعَقْدِ الْفُضُولِيِّ حَتَّى لَوِ اسْتَفَكَّهُ الرَّاهِنُ لَا سَبِيلَ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَا يَنْفَسِخُ، قَالُوا: وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ إِنَّمَا كَانَ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنِ الْبُطْلَانِ، وَحَقِّهِ فِي الْحَبْسِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فَيَبْقَى مَوْقُوفًا إِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي صَبَرَ حَتَّى يَسْتَفِكَّهُ الرَّاهِنُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْقَاضِي لِعَجْزِهِ عَنِ التَّسْلِيمِ، وَصَارَ كَإِبَاقِ الْعَبْدِ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَخَيَّرُ كَمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ الرَّهْنَ نَفَذَ عِتْقُهُ) لِصُدُورِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ مِنَ الْأَهْلِ مُضَافًا إِلَى الْمَحَلِّ، وَلَا خَفَاءَ فِيهِمَا عَنْ وِلَايَةٍ، وَهِيَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، فَيُعْتِقُ كَمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْآبِقُ وَالْمَغْصُوبُ. وَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنِ الرَّقَبَةِ بِالْإِعْتَاقِ زَالَ مِلْكُ الْمُرْتَهِنِ فِي الْيَدِ بِنَاءً عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَثَمَّ يَزُولُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فَلِأَنْ يَزُولَ هُنَا مِلْكُ الْيَدِ أَوْلَى، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُوقَفُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلِأَنَّ فِي نَفَاذِ الْعِتْقِ تَحْصِيلَ مَنْفَعَةِ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ فَوَاتِ مَصْلَحَةِ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ يَجِبُ لَهُ إِمَّا سِعَايَةُ الْعَبْدِ، أَوْ رَهْنِيَّةُ قِيمَتِهِ، أَوْ أَدَاءُ الدَّيْنِ حَالًّا، وَلَوْ لَمْ يَنْفُذِ الْعِتْقُ بَطَلَتْ مَصْلَحَةُ الْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ لَا إِلَى جَابِرٍ، فَكَانَ نَفَاذُهُ أَتَمَّ مَصْلَحَةً وَأَعَمَّ فَائِدَةً فَكَانَ أَوْلَى، وَإِذَا نَفَذَ الْعِتْقُ بَطَلَ الرَّهْنُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (فَيُطَالَبُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ إِنْ كَانَ حَالًّا) إِذْ هُوَ الْوَاجِبُ فِي الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِ الْقِيمَةِ فَإِنَّهُ مَتَى قَبَضَهَا وَالدَّيْنُ حَالٌّ وَقَعَتِ الْمَقَاصَّةُ.
(وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا رَهَنَ قِيمَةَ الْعَبْدِ) لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْعَبْدِ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ اقْتَصَّ مِنْهُ بِقَدْرِهِ وَرَدَّ الْفَضْلَ.
(وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالدَّيْنِ)
(2/69)

وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى إِذَا أَيْسَرَ، وَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ أَجْنَبِيٌّ فَالْمُرْتَهِنُ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ هَلَكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ (ف) بِالرَّهْنِ، فَإِنْ أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ فَقَبَضَهُ الرَّاهِنُ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَضَعَاهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَخْذُهُ، وَيَهْلَكُ مِنْ ضْمَانِ الْمُرْتَهِنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتِقِ، فَيُؤْخَذُ مِمَّنْ حَصَلَتْ لَهُ فَائِدَةُ الْعِتْقِ وَهُوَ الْعَبْدُ، لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، وَيَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الدَّيْنَ إِنْ كَانَ أَقَلَّ فَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَهُوَ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ هَذَا الْقَدْرُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ.
(وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى إِذَا أَيْسَرَ) لِأَنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، خِلَافَ الْمُسْتَسْعَى؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِتَكْمِيلِهِ عِنْدَهُمَا، وَهَاهُنَا تَمَّ عِتْقُهُ، وَإِنَّمَا يَسْعَى فِي ضَمَانٍ عَلَى غَيْرِهِ فَيَرْجِعُ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ ; وَلَوْ دَبَّرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا صَحَّ ; أَمَّا التَّدْبِيرُ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا الِاسْتِيلَادُ فَلِأَنَّ حَقَّهُ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْأَبِ فِي جَارِيَةِ الِابْنِ، وَقَدْ صَحَّ ثَمَّ فَهُنَا أَوْلَى، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ مَجْبُورٌ بِالسِّعَايَةِ أَوِ التَّضْمِينِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى مُوسِرًا فَحُكْمُهُ مَا مَرَّ فِي الْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَيَا فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ، لِأَنَّ كَسْبَهُمَا لِلْمَوْلَى وَلِهَذَا لَا يَرْجِعَانِ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَهْلَكَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَهُوَ كَالْعِتْقِ.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ أَجْنَبِيٌّ فَالْمُرْتَهِنُ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ هَلَكَ) فَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي حَبْسِ الْعَيْنِ، فَكَذَا فِي بَدَلِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفًا وَضَمَّنَهُ خَمْسَمِائَةٍ سَقَطَ مِنَ الدَّيْنِ خَمْسُمِائَةٍ كَأَنَّهَا هَلَكَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ الْحَبْسُ الدَّائِمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (فَإِنْ أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ فَقَبَضَهُ الرَّاهِنُ خَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ) لِزَوَالِ الْحَبْسِ الْمَضْمُونِ وَوُصُولِهِ إِلَى يَدِ الرَّاهِنِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّاهِنِ ; وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ رَدِّهِ فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَإِذَا أَخَذَهُ عَادَ الضَّمَانُ بِعَوْدِ الْقَبْضِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَتَعُودُ صِفَتُهُ.
قَالَ: (وَإِنْ وَضَعَاهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ جَازَ) لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الرَّاهِنِ فِي الْحِفْظِ، وَعَنِ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ الْوَاحِدَةُ فِي حُكْمِ يَدَيْنِ وَشَخْصٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ شَخْصَيْنِ، كَمَنْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ كَانَ السَّاعِي كَالْمَالِكِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ النِّصَابُ قَبْلَ الْحَوْلِ أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، وَفِي مَنْزِلَةِ الْفَقِيرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ فِي يَدِهِ سَقَطَتْ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَى الْفَقِيرِ.
(وَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَخْذُهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمَا بِهِ الرَّاهِنُ فِي الْحِفْظِ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا إِبْطَالَ حَقِّ الْآخَرِ.
قَالَ: (وَيَهْلِكُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ) لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ الْمُرْتَهِنِ وَهِيَ مَضْمُونَةٌ فِي حَقِّ
(2/70)

وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُرْتَهِنَ وَغَيْرَهُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ، فَإِنْ شَرَطَهَا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلَا بِعَزْلِهِ ; وَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ بَاعَ وَصِيُّهُ الرَّهْنَ وَقَضَى الدَّيْنَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ نَصَبَ الْقَاضِي مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ; وَمَنِ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمَالِيَّةِ، وَلَوْ دَفَعَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ مُودِعُ الرَّاهِنِ فِي الْعَيْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ فِي الْمَالِيَّةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْآخَرِ فَيَضْمَنُ كَالْمُودِعِ إِذَا دَفَعَهُ إِلَى أَجْنَبِيٍّ، وَالْعَدْلُ يَبِيعُ وَلَدَ الْمَرْهُونَةِ وَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ عِنْدَ طَلَبِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَمَوْتِهِ، وَيَمْلِكُ مُصَارَفَةَ الثَّمَنِ إِذَا خَالَفَ جِنْسَ الدَّيْنِ، وَالْوَكِيلُ الْمُفْرَدُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُرْتَهِنَ وَغَيْرَهُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ) لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّوْكِيلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِبَيْعِ مَالِهِ.
(فَإِنْ شَرَطَهَا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلَا بِعَزْلِهِ) لِأَنَّ الْوِكَالَةَ صَارَتْ وَصْفًا لِلرَّهْنِ بِالشَّرْطِ فَتَبْقَى بِبَقَاءِ أَصْلِهِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ إِبْطَالُهُ وَلَا لِلْوَرَثَةِ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ عَلَى حَقِّهِمْ وَبَقَاءِ الرَّهْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ شَرَطَ الْبَيْعَ بَعْدَ الرَّهْنِ، قَالَ الْكَرْخِيُّ يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ وَالْمَوْتِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الْعَقْدِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ بَاعَ وَصِيُّهُ الرَّهْنَ وَقَضَى الدَّيْنَ) لِأَنَّ الدَّيْنَ حَلَّ بِمَوْتِهِ وَالْوَصِيُّ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ حَيًّا كَانَ لَهُ بَيْعُهُ لِإِيفَاءِ الدَّيْنِ بِأَمْرِ الْمُرْتَهِنِ فَكَذَا هَذَا.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ نَصَبَ الْقَاضِي مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ نَصْبٌ لِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّظَرِ لَهُمْ عِنْدَ عَجْزِهِمْ، وَالنَّظَرِ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدُّيُونِ الْحَائِلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ.
قَالَ: (وَمَنِ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ) لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْعَارِيَةِ مُعْتَبَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَلَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ بِأَيِّ قَدَرٍ شَاءَ وَأَيِّ نَوْعٍ شَاءَ مِمَّنْ شَاءَ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ.
(فَإِنْ عَيَّنَ مَا يَرْهَنُهُ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصَ) أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ الْمُعِيرُ إِلَى فَكَاكِ الرَّهْنِ فَيُؤَدِّي قَدْرَ الدَّيْنِ وَمَا رَضِيَ بِأَدَاءِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا عَيَّنَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ ; وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ يَكُونُ أَمَانَةً، وَمَا رَضِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا كُلُّهُ، فَكَانَ التَّعْيِينُ مُفِيدًا فَيَتَقَيَّدُ بِهِ، وَإِنْ رَهَنَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ ; وَكَذَا لَوْ عَيَّنَ رَجُلًا فَرَهَنَ عِنْدَ غَيْرِهِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْحِفْظِ وَالْمَلَاءَةِ وَالْقَضَاءِ ; وَكَذَلِكَ لَوْ قَيَّدَهُ بِبَلْدَةٍ فَرَهَنَهُ بِأُخْرَى ضَمِنَ، وَالْمُعِيرُ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ لِتَعَدِّيهِ حَيْثُ خَالَفَ، وَإِنْ شَاءَ الْمُرْتَهِنُ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الرَّاهِنُ مَلَكَ الرَّهْنَ فَصَارَ كَأَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَهُ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ رَجَعَ بِدَيْنِهِ وَبِمَا ضَمِنَ عَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَغُرُورِهِ، وَلَوْ رَهَنَهُ بِمَا
(2/71)

كِتَابُ الْقِسْمَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَيَّنَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى الرَّاهِنِ لِلْمُعِيرِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاضِيًا دَيْنَهُ فَيَرْجِعُ بِمِثْلِهِ: وَلَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ نَقَصَ مِنَ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ وَيَضْمَنُهُ لِرَبِّ الْعَارِيَةِ ; وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنَ الدَّيْنِ ضَمِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُعِيرِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاضِيًا مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهَا ; وَلَوْ هَلَكَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَ الْفَكَاكِ لَا يُضَمَّنُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَلَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ مِنْهُ.
وَإِذَا أَعْطَى الْمُعِيرُ الدَّيْنَ لِيَأْخُذَ الرَّهْنَ أُجْبِرَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى دَفْعِهِ إِلَيْهِ، وَرَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ فِي ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ إِلَى خَلَاصِ مِلْكِهِ وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ يُسْتَفَادُ، أَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ إِنْكَارَ الْأَصْلِ؟ فَكَذَا الْوَصْفُ.
1 -
فَصْلٌ جِنَايَةُ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ مَضْمُونَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الْمَالِيَّةِ حَيْثُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ حَبْسًا وَاسْتِيفَاءً، وَجِنَايَةُ الْمُرْتَهِنِ يَسْقُطُ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ لَا بِفِعْلِهِ يَسْقُطُ فَبِفِعْلِهِ أَوْلَى، وَجِنَايَةُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَمَالِهِ هَدْرٌ ; وَالْمُرَادُ جِنَايَةٌ تُوجِبُ الْمَالَ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ الْمَمْلُوكِ عَلَى مَالِكِهِ، وَكَذَلِكَ جِنَايَتُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، لِأَنَّهَا لَوِ اعْتُبِرَتْ كَانَ عَلَيْهِ تَطْهِيرُهُ مِنْهَا لِحُدُوثِهَا فِي ضَمَانِهِ، وَلَا يَجِبُ لَهُ الضَّمَانُ، وَعَلَيْهِ الْخَلَاصُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هِيَ مُعْتَبَرَةٌ لِأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ، وَفِي اعْتِبَارِهَا فَائِدَةٌ وَهِيَ دَفْعُهُ إِلَى الْجِنَايَةِ، وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْمُرْتَهِنُ الْجِنَايَةَ بَقِيَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى مَالِهِ وَقِيمَتِهِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ لَا يُعْتَبَرُ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ الْأَمَانَةِ لِجِنَايَةِ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُسْتَوْدِعِ.

[كِتَابُ الْقِسْمَةِ]
وَهِيَ فِي الْأَصْلِ: رَفْعُ الشُّيُوعِ وَقَطْعُ الشَّرِكَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: 28] أَيْ غَيْرُ شَائِعٍ وَلَا مُشْتَرَكٍ، بَلْ لَهُمْ يَوْمٌ وَلِلنَّاقَةِ يَوْمٌ ; وَمَعْنَى قِسْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَنَائِمَ أَنَّهُ أَفْرَزَهَا وَقَطَعَ الشَّرِكَةَ فِيهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْعِيٌّ فِي التَّبَرُّعِ، إِلَّا أَنَّهُ تَارَةً يَقَعُ إِفْرَزًا وَتَمْيِيزًا لِلْأَنْصِبَاءِ، وَتَارَةً مُبَادَلَةً وَمُعَاوَضَةً عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 41]- الْآيَةَ، بَيْنَ الْأَنْصِبَاءِ وَهُوَ مَعْنَى الْقِسْمَةِ. وَالسُّنَّةِ وَهُوَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ، وَقَسَمَ خَيْبَرَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصَّبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى لِيَقْسِمَ الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ وَيَأْخُذَ عَلَيْهِ الْأَجْرَ، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ قَدْ لَا يُمْكِنُهُمَا الِانْتِفَاعُ بِهِ ;
(2/72)

مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيمَا لَا يَتَفَاوَتُ أَظْهَرُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَمْعَنَى الْمُبَادَلَةِ فِيمَا يَتَفَاوَتُ أَظْهَرُ كَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، إِلَّا أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ إِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ، وَلَا يُجْبَرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَلَوِ اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ جَازَ، وَيَقْسِمُ عَلَى الصَّبِيِّ وَصِيُّهُ أَوْ وَلَيُّهُ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْصِبَ قَاسِمًا عَدْلًا مَأْمُونًا عَالِمًا بِالْقِسْمَةِ يَرْزُقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ يُقَدِّرُ لَهُ أَجْرًا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُتَقَاسِمِينَ، وَهُوَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْقِسْمَةِ لِيَصِلَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الْمَنْفَعَةِ بِمِلْكِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ إِلَّا بِالتَّهَايُؤِ فَيَبْطُلُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، فَكَانَتِ الْقِسْمَةُ مُتَمِّمَةً لِلْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ إِفْرَازًا وَتَكُونُ مُبَادَلَةً فَنَقُولُ:
(مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيمَا لَا يَتَفَاوَتُ أَظْهَرُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ) وَسَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ حَتَّى كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ وَمَعَ غَيْبَتِهِ، وَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ كَانَ لَهُ بَعْضُهُ وَبَعْضُهُ لِشَرِيكِهِ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ وُصُولَ مِثْلِ حَقِّهِ إِلَيْهِ كَوُصُولِ عَيْنِ حَقِّهِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ.
(وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ أَظْهَرُ فِيمَا يَتَفَاوَتُ كَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ) وَكُلِّ مَا لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا أَخْذُ نَصِيبِهِ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ، وَلَوِ اقْتَسَمَا فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً، لِأَنَّ مَا أَخَذَ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِمَا تَرَكَ عَلَى صَاحِبِهِ.
(إِلَّا أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ إِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ) كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ تَتْمِيمًا لِلْمَنْفَعَةِ وَتَكْمِيلًا لِثَمَرَةِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ الطَّالِبَ يَسْأَلُ الْقَاضِيَ أَنْ يَخُصَّهُ بِنَصِيبِهِ وَيَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَيُجِيبُهُ الْقَاضِي إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِلْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَظَالِمِ، وَالْإِجْبَارُ عَلَى الْمُبَادَلَةِ جَائِزٌ إِذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ كَالْمُشْتَرِي مَعَ الشَّفِيعِ، وَالْمَدْيُونُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مِلْكِهِ لِإِيفَاءِ الدَّيْنِ.
(وَلَا يُجْبَرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ) كَالْحَيَوَانِ مَعَ الْعَقَارِ، أَوِ الْبَقَرِ مَعَ الْخَيْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَتَعَذُّرِ الْمُعَادَلَةِ فِيهِ لِلتَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقْصُودِ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إِذَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا، وَالثَّوْبَانِ إِذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا.
(وَلَوِ اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ جَازَ) لِأَنَّهُ بِيعَ وَلَهُمَا ذَلِكَ.
قَالَ: (وَيَقْسِمُ عَلَى الصَّبِيِّ وَصِيُّهُ أَوْ وَلِيُّهُ) كَالْبَيْعِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصَبَ لَهُ الْقَاضِي مَنْ يَقْسِمُ.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْصِبَ قَاسِمًا عَدْلًا مَأْمُونًا عَالِمًا بِالْقِسْمَةِ) لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ إِلَّا بِالْعِلْمِ بِهِ، وَلَا اعْتِمَادَ عَلَى قَوْلِهِ إِلَّا بِالْعَدَالَةِ، وَلَا وُثُوقَ إِلَى فِعْلِهِ إِلَّا بِالْأَمَانَةِ، وَلِأَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ فَأَشْبَهَ الْقَاضِيَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
قَالَ: (يَرْزُقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ فِعْلَهُ يَقْطَعُ الْمُنَازَعَةَ كَالْقَضَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رِزْقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَالْقَاضِي، وَلِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ فَكَانَ أَفْضَلَ، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْعَامَّةِ.
قَالَ: (أَوْ يُقَدِّرُ لَهُ أَجْرًا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُتَقَاسِمِينَ) لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يُقَدِّرُهُ لِئَلَّا يَطْلُبَ زِيَادَةً وَيَشْتَطَّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَجْرِ.
قَالَ: (وَهُوَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ)
(2/73)

وَلَا يُجْبَرُ النَّاسُ عَلَى قَاسِمٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَتْرُكُ الْقُسَّامَ يَشْتَرِكُونَ. جَمَاعَةٌ فِي أَيْدِيهِمْ عَقَارٌ طَلَبُوا مِنَ الْقَاضِي قِسْمَتَهُ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ مِيرَاثٌ لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ (ف) عَلَى (سم) الْوَفَاةِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ حَضَرَ وَارِثَانِ فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَفَاةِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ وَمَعَهُمَا وَارِثٌ غَائِبٌ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَقَالَا: عَلَى الْأَنْصِبَاءِ لِأَنَّهَا مَئُونَةُ الْمِلْكِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، فَصَارَ كَحَافِرِ بِئْرٍ مُشْتَرَكَةٍ وَنَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ الْمُشْتَرَكِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَزَاءُ عَمِلِهِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ وَالْإِفْرَازُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ. بَيَانُهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْأَجْرَ عَلَى الْمِسَاحَةِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْحُدُودِ، حَتَّى لَوِ اسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ بِأَرْبَابِ الْمِلْكِ فَلَهُ الْأَجْرُ إِذَا قَسَّمَ وَمَيَّزَ، وَرُبَّمَا يَكْثُرُ عَمَلُهُ فِي الْقَلِيلِ لِأَنَّ الْحِسَابَ إِنَّمَا يَدِقُّ وَيَصْعُبُ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْأَنْصِبَاءِ لَا عِنْدَ اسْتِوَائِهِمَا، بِخِلَافِ حَفْرِ الْبِئْرِ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ مُقَابَلَةٌ بِالْعَمَلِ وَهُوَ نَقْلُ التُّرَابِ، وَنَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ لِإِبْقَاءِ الْمِلْكِ وَحَاجَةُ صَاحِبِ الْكَثِيرِ أَكْثَرُ، وَبِخِلَافِ الْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ لِأَنَّهُ أَجْرُ عَمَلِهِ، وَلِهَذَا لَوِ اسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ بِأَرْبَابِ الْمِلْكِ لَا أَجْرَ لَهُ، وَكَيْلُ الْكَثِيرِ أَكْثَرُ مِنْ كَيْلِ الْقَلِيلِ قَطْعًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَجْرَ عَلَى الطَّالِبِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ دُونَ الْمُمْتَنِعِ لِتَضَرُّرِهِ بِهِ.
قَالَ: (وَلَا يُجْبَرُ النَّاسُ عَلَى قَاسِمٍ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ إِذَا لَمْ يُقَدَّرُ أَجْرُهُ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى أَجْرَ مِثْلِهِ وَيَتَحَكَّمُ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ وَأَنَّهُ ضَرَرٌ.
قَالَ: (وَلَا يَتْرُكُ الْقُسَّامَ يَشْتَرِكُونَ) لِأَنَّ عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ لَا يَخَافُونَ الْفَوْتَ فَيَتَغَالَوْنَ فِي الْأَجْرِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ يَخَافُ الْفَوْتَ بِسَبْقِ غَيْرِهِ فَيُبَادِرُ إِلَى الْعَمَلِ فَيُرَخِّصُ الْأَجْرَ.
قَالَ: (جَمَاعَةٌ فِي أَيْدِيهِمْ عَقَارٌ طَلَبُوا مِنَ الْقَاضِي قِسْمَتَهُ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ مِيرَاثٌ لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَفَاةِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ) وَقَالَا: يَقْسِمُهُ بِاعْتِرَافِهِمْ، وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَمَهُ بِقَوْلِهِمْ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَالظَّاهِرُ صِدْقُهُمْ وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ كَمَا فِي غَيْرِ الْعَقَارِ ; وَكَمَا إِذَا ادَّعَوْا فِي الْعَقَارِ الشِّرَاءَ أَوْ مُطْلَقَ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْإِجْمَاعِ ; وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كَبِيرٌ غَائِبٌ أَوْ صَغِيرٌ وَالدَّارُ فِي أَيْدِي الْكِبَارِ الْحُضُورِ يَقْسِمُهَا بِقَوْلِهِمْ، وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الصَّغِيرِ وَالْغَائِبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَقَارُ فِي يَدِ الْغَائِبِ أَوِ الصَّبِيِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِمَا لِئَلَّا يَكُونَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ أَنَّهُ قَسَمَهَا بِقَوْلِهِمْ لِئَلَّا يَتَعَدَّاهُمُ الْحُكْمُ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّرِكَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مُبْقَاةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّ الزَّوَائِدَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهُ دُيُونَهُ وَتُنَفَّذَ وَصَايَاهُ، فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَطْعُ حُكْمِ مِلْكِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْحِفْظِ، فَكَانَتْ قِسْمَتُهُ لِلْحِفْظِ وَالْعَقَارُ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ، وَبِخِلَافِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ انْقَطَعَ عَنِ الْمَبِيعِ فَلَمْ تَكُنِ الْقِسْمَةُ قَضَاءً عَلَى الْغَيْرِ، وَكَذَا إِذَا أَطْلَقُوا الْمِلْكَ لِأَنَّهُمْ مَا اعْتَرَفُوا بِهِ لِغَيْرِهِمْ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ شَرْطُ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحِفْظِ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي الْعَقَارِ، وَقِسْمَةُ الْمِلْكِ تَفْتَقِرُ إِلَى ثُبُوتِهِ فَاحْتَاجَ إِلَى الْبَيِّنَةِ.
قَالَ: (فَإِنْ حَضَرَ وَارِثَانِ فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَفَاةِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ وَمَعَهُمَا وَارِثٌ غَائِبٌ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَنْ
(2/74)

يَكُونَ الْعَقَارُ فِي يَدِ الْغَائِبِ، وَفِي الشِّرَاءِ لَا يَقْسِمُهُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ حَضَرَ وَارِثٌ وَاحِدٌ لَمْ يَقْسِمْ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ.

وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ قَسَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَضِرُّونَ لَا يَقْسِمُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ وَالْآخَرُ يَسْتَضِرُّ قَسَمَ بِطَلَبِ الْمُنْتَفِعِ، وَلَا يُقْسَمُ الْجَوْهَرُ وَالرَّقِيقُ (ف سم) وَالْحَمَّامُ وَالْحَائِطُ وَالْبِئْرُ بَيْنَ دَارَيْنِ وَالرَّحَى إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يَكُونَ الْعَقَارُ فِي يَدِ الْغَائِبِ) لِمَا مَرَّ.
(وَفِي الشِّرَاءِ لَا يَقْسِمُهُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْجَمِيعِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ مِلْكُ خِلَافَةٍ حَتَّى يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ خِيَارُ الْعَيْبِ وَالتَّعْيِينِ فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُوَرِّثُ أَوْ بَاعَهُ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا خَصْمًا عَنِ الْمَيِّتِ فِيمَا فِي يَدِهِ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَفِي الشِّرَاءِ مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ حَتَّى لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِ بَائِعِهِ، وَلَا يَصْلُحُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنِ الْغَائِبِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَإِنْ حَضَرَ وَارِثٌ وَاحِدٌ لَمْ يَقْسِمْ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ) لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ خَصْمًا وَمُقَاسِمًا مِنْ جِهَتَيْنِ وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ خَصْمَيْنِ.

[فصل طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ]
فَصْلٌ (وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ قَسَمَ بَيْنَهُمْ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ كَانُوا يَسْتَضِرُّونَ لَا يَقْسِمُ) اعْلَمْ أَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: قِسْمَةٌ يَتَوَلَّاهَا الشُّرَكَاءُ بِأَنْفُسِهِمْ فَتَجُوزُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَرَرٌ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَالْإِنْسَانُ مُخَيَّرٌ فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ وَإِبْطَالِهِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَقِسْمَةٌ يَتَوَلَّاهَا الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ فَتَجُوزُ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَا فِيمَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ وَلَا فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَالْحَائِطِ وَالْبِئْرِ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ لِإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ الضَّرَرِ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا يُفِيدُ مِنْ قَبِيلِ الْهَزْلِ، وَمَنْصِبُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَيْسَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ، فَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ طَلَبَا الْقِسْمَةَ مِنَ الْقَاضِي فِي رِوَايَةٍ لَا يَقْسِمُ لِمَا بَيَّنَّا، وَفِي رِوَايَةٍ يَقْسِمُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مَنْفَعَةٌ لَا تَظْهَرُ لَنَا فَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ وَالْآخَرُ يَسْتَضِرُّ قَسَمَ بِطَلَبِ الْمُنْتَفِعِ) لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُ فَاعْتُبِرَ بِطَلَبِهِ، وَإِنْ طَلَبَ الْآخَرَ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا يُقَسَّمُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَنِّتٌ لَا مُتَظَلِّمٌ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ يُقَسَّمُ أَيُّهُمَا طَلَبَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ إِنَّمَا كَانَ لِلضَّرَرِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلضَّرَرِ مَعَ الرِّضَى كَمَا إِذَا اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا.
قَالَ: (وَلَا يُقْسَمُ الْجَوْهَرُ وَالرَّقِيقُ وَالْحَمَّامُ وَالْحَائِطُ وَالْبِئْرُ بَيْنَ دَارَيْنِ وَالرَّحَى إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ) وَكَذَا كُلُّ مَا فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرٌ كَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَالْبَابِ وَالْخَشَبَةِ وَالْقَمِيصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ وَالرِّوَايَاتِ وَالتَّعْلِيلِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْقِسْمَةِ مِنَ التَّعْدِيلِ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْبَعْضِ كَالْجَوْهَرِ وَالرَّقِيقِ
(2/75)

وَيُقْسَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَاضِي وَالْحَوَانِيتِ وَحْدَهُ، وَتُقْسَمُ الْبُيُوتُ قِسْمَةً وَاحِدَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِتَفَاوُتِهِمَا، وَقَالَا: يُقَسَّمُ الرَّقِيقُ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَكَرَقِيقِ الْمَغْنَمِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِتَفَاوُتِهِمْ فِي الْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْعَقْلِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى تَعْلِيمِ الْحِرَفِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحَيَوَانِ يَقِلُّ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهُمَا جِنْسَانِ فِي بَنِي آدَمَ؟ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ يُعْرَفُ بِالظَّاهِرِ وَالْجَسِّ وَالرُّكُوبِ وَالِاخْتِبَارِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَلْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ بَنُو آدَمَ ; وَأَمَّا رَقِيقُ الْمَغْنَمِ فَإِنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ فِي الْمَالِيَّةِ، وَلِهَذَا جَازَ لِلْإِمَامِ بَيْعُهَا وَقِسْمَةُ ثَمَنِهَا، وَهُنَا الْحَقُّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ وَالْمَالِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَيُقَسَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَاضِي وَالْحَوَانِيتِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ نَظَرًا إِلَى اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ، وَإِنْ كَانَتْ دُورٌ مُشْتَرَكَةً فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ أَوْ أَرْضٍ مُتَفَرِّقَةٍ قُسِّمَ كُلُّ دَارٍ وَأَرْضٍ عَلَى حِدَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يُقَسَّمُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ إِنْ كَانَ أَصْلَحَ؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ صُورَةً وَمَعْنًى نَظَرًا إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ أَصْلُ السُّكْنَى وَالزَّرْعُ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ مَعْنًى؛ نَظَرًا إِلَى وُجُوهِ السُّكْنَى وَاخْتِلَافِ الزَّرْعِ، فَكَانَ مُفَوَّضًا إِلَى نَظَرِ الْقَاضِي يُعْمِلُ مَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ. وَلَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ فِيهَا؛ لِكَوْنِهَا مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْجِوَارِ وَالْقُرْبِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَاءِ وَالشُّرْبِ وَصَلَاحِيَتِهَا لِلزِّرَاعَةِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا، وَلَوْ كَانَتْ دَارَانِ فِي مِصْرٍ قُسِّمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَحْدَهَا بِالْإِجْمَاعِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِالرَّقَّةِ وَالْأُخْرَى بِالْبَصْرَةِ قُسِّمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى.
قَالَ: (وَتُقَسَّمُ الْبُيُوتُ قِسْمَةً وَاحِدَةً) أَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ؛ فَلِأَنَّ قِسْمَةَ كُلِّ بَيْتٍ بِانْفِرَادِهِ ضَرَرٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ مَحَالٍّ فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا يَسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ فِي السُّكْنَى ; وَالْمَنَازِلُ إِنْ كَانَتْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ مُتَلَازِقَةٍ كَالْبُيُوتِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً تُقَسَّمُ كَالدُّورِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي دَارٍ أَوْ مَحَالٍّ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ فِي السُّكْنَى، لَكِنْ دُونُ الدُّورِ فَكَانَ لَهَا شَبَهٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا كَانَتْ مُلْتَزِقَةً أَلْحَقْنَاهَا بِالْبُيُوتِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَبَايِنَةً بِالدُّورِ ; وَإِذَا قَسَّمَ الدَّارَ تُقَسَّمُ الْعَرْصَةُ بِالذِّرَاعِ وَالْبِنَاءِ بِالْقِيمَةِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ تَحْقِيقًا لِلْمُعَادَلَةِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى أَوْ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الصُّورَةِ ; وَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَجْعَلُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ بِذِرَاعٍ مِنَ الْأَرْضِ وَقَالَ الْآخَرُ بِالدَّرَاهِمِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَسِّمُ الْمِيرَاثَ، وَالدَّرَاهِمُ لَيْسَتْ مِنَ الْمِيرَاثِ، إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ بِأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَضْعَافَ قِيمَةِ الْأَرْضِ، أَوْ يَقَعُ لِأَحَدِهِمَا جَمِيعُ الْبِنَاءِ فَيَجْعَلُ الْقِسْمَةَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ تَثْبُتُ لَهُ الْقِسْمَةُ فَيَتَعَدَّى إِلَى مَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِهِ كَالْأَخِ وِلَايَتُهُ عَلَى النِّكَاحِ دُونَ الْمَالِ، وَلَهُ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقْسَمُ الْكُلَّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيلِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ. وَعَنْ
(2/76)

وَيَقْسِمُ سَهْمَيْنِ مِنَ الْعُلُوِّ بِسَهْمٍ مِنَ السُّفْلِ (سم) ، وَلَا تَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تُقَسَّمُ الْأَرْضُ بِالْمِسَاحَةِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْمُسُوحَاتِ، فَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ أَجْوَدَ أَوْ وَقَعَ لَهُ الْبِنَاءُ يَرُدُّ عَلَى الْآخَرِ دَرَاهِمَ حَتَّى يُسَاوِيَهُ فَتَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ ضَرُورَةً كَوِلَايَةِ الْأَخِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ وَأَوْفَقُ لِلْأُصُولِ ; وَلَوِ اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَرْفَعُ طَرِيقًا بَيْنَنَا وَامْتَنَعَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ طَرِيقٌ فِي نَصِيبِهِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ طَرِيقٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِيمُ رُفِعَ بَيْنَهُمْ طَرِيقٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّهُ تَكْمِيلُ الْمَنْفَعَةِ وَتَوْفِيرُهَا، وَيُجْعَلُ الطَّرِيقُ عَلَى عَرْضِ بَابِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِكَةِ، وَطَرِيقُ الْأَرْضِ قَدْرُ مَا تَمُرُّ فِيهِ الْبَقَرُ لِلْحِرَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الزَّرْعِ، وَلَوْ وَقَعَتْ شَجَرَةٌ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، رَوَى ابْنُ رُسْتُمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَطْعِهَا، وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ لَا يُجْبِرُهُ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الشَّجَرَةَ بِأَغْصَانِهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَلِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ فِي نَصِيبِهِ بِئْرًا وَبَالُوعَةً وَتَنُّورًا وَحَمَّامًا وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِحَائِطِ جَارِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسُدَّ كُوَّةَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وَضَرَرُ الْجَارِ حَصَلَ ضِمْنًا فَلَا يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا وَإِنْ تَأَذَّى جَارُهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْكَفُّ عَمَّا يُؤْذِي الْجَارَ أَحْسَنُ.
قَالَ: (وَيَقْسِمُ سَهْمَيْنِ مِنَ الْعُلُوِّ بِسَهْمٍ مِنَ السُّفْلِ) وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ سَهْمٌ بِسَهْمٍ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْقِيمَةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُمَا أَجْنَاسٌ بِالنَّظَرِ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ، فَإِنَّ السُّفْلَ يَصْلُحُ إِصْطَبْلًا وَلِحَفْرِ الْبِئْرِ وَالسِّرْدَابِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعُلُوُّ ; وَكَذَلِكَ تَخْتَلِفُ قِيمَتَاهُمَا بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَزْرُوعِ أَنْ يُقْسَمَ بِالزَّرْعِ، وَالْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ السُّكْنَى، إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ نَظَرًا إِلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ السُّكْنَى، وَهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِيهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ فِي نَصِيبِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِالْآخَرِ، وَالْمَنْفَعَتَانِ مُتَمَاثِلَتَانِ، فَكَمَا أَنَّ لِصَاحِبِ السُّفْلِ حَفْرَ الْبِئْرِ وَالسِّرْدَابِ، لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَ عُلُوِّهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالسُّفْلِ عَلَى أَصْلِهِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْفَعَةَ السُّفْلِ ضَعْفُ مَنْفَعَةِ الْعُلُوِّ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْعُلُوِّ، وَفِي السُّفْلِ مَنْفَعَةُ الْبِنَاءِ وَالسُّكْنَى، وَفِي الْعُلُوِّ السُّكْنَى لَا غَيْرُ، وَلَيْسَ لَهُ التَّعَلِّي إِلَّا بِأَمْرِ صَاحِبِهِ عَلَى أَصْلِهِ، فَيَعْتَبِرُ ذِرَاعَيْنِ بِذِرَاعٍ نَظَرًا إِلَى اخْتِلَافِ الْمَنْفَعَةِ، ثُمَّ قِيلَ: أَبُو حَنِيفَةَ بَنَى عَلَى أَصْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلُوِّهِ إِلَّا بِرِضَى صَاحِبِهِ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ. وَقِيلَ أَجَابَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي اخْتِيَارِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ.
قَالَ: (وَلَا تَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْمُشْتَرَكِ وَلَا شَرِكَةَ فِي الدَّرَاهِمِ، فَإِذَا رَضِيَا جَازَ لِمَا بَيَّنَّا.
(2/77)

فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْقَاسِمِ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى سَهْمٍ أَخَذَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمُ الرُّجُوعُ إِذَا قَسَمَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مَسِيلٌ أَوْ طَرِيقٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يُشْرَطْ، فَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ عَنْهُ صَرَفَهُ وَإِلَّا فُسِخَتِ الْقِسْمَةُ، وَإِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِمْ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ مِنْ نَصِيبِهِ شَيْئًا فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِينَ (م ف) عَلَى ذَلِكَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل ما ينبغي أن يفعله القاسم]
فَصْلٌ (يَنْبَغِي لِلْقَاسِمِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، مِمَّنْ خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى سَهْمٍ أَخَذَهُ) وَذَلِكَ بَعْدَ مَا يُصَوِّرُ مَا يُقَسِّمُهُ وَيَعْدِلُهُ عَلَى سِهَامِ الْقِسْمَةِ، وَيَذْرَعُ السَّاحَةَ وَيُقَوِّمُ الْبِنَاءَ لِحَاجَتِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَيَفْرِزُ كُلَّ نَصِيبٍ بِحُقُوقِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْصِبَاءِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْقِسْمَةِ، وَيُلَقِّبُ الْأَنْصِبَاءَ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْقُرْعَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُقَسِّمُ عَلَى أَقَلِّ الْأَنْصِبَاءِ، فَإِنْ كَانَ سُدُسًا جَعَلَهَا أَسْدَاسًا، أَوْ ثُمُنًا فَأَثْمَانًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ أَقَلُّ الْأَنْصِبَاءِ خَرَجَ الْأَكْثَرُ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَلَوْ عَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نَصِيبًا جَازَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَضَاءِ فَيَصِحُّ إِلْزَامُهُ. أَمَّا الْقُرْعَةُ فَلِتَطْيِيبِ النُّفُوسِ وَنَفْيِ التُّهْمَةِ وَالْمَيْلِ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ الرُّجُوعُ إِذَا قَسَّمَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ) ؛ لِأَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ وِلَايَةٍ تَامَّةٍ فَلَزِمَتْ كَالْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ بَعْضُ السِّهَامِ، فَكَمَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَى إِبَائِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى رُجُوعِهِ بَعْدَهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا حَصَلَ التَّرَاضِي وَبُيِّنَتِ الْحُدُودُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ. وَقِيلَ يَصِحُّ رُجُوعُهُ إِذَا خَرَجَ بَعْضُ السِّهَامِ إِلَّا إِذَا بَقِيَ سَهْمٌ وَاحِدٌ لِتَعَيُّنِهِ لِلْبَاقِي.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مَسِيلٌ أَوْ طَرِيقٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يَشْرُطْ، فَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ عَنْهُ صَرَفَهُ) تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْقِسْمَةِ وَهُوَ قَطْعُ الِاشْتِرَاكِ.
(وَإِلَّا فُسِخَتِ الْقِسْمَةُ) لِاخْتِلَالِهَا، وَتُسْتَأْنَفُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْمِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِالطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ.
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِمْ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ مِنْ نَصِيبِهِ شَيْئًا فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ مُدَّعٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ اسْتُحْلِفَ شُرَكَاؤُهُ، فَمَنْ نَكَلَ جَمَعَ نَصِيبَهُ وَنَصِيبَ الْمُدَّعِي فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِمَا؛ لِأَنَّ النُّكُولَ حُجَّةٌ عَلَى مَا عُرِفَ، وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِلتَّنَاقُضِ.
قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِينَ عَلَى ذَلِكَ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِهِمَا.
وَلَهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ فِعْلُ الْغَيْرِ وَبِهِ تَلْزَمُ الْقِسْمَةُ فَتُقْبَلُ، أَمَّا فِعْلُهُمَا الْإِفْرَازَ وَهُوَ غَيْرُ مُلْزِمٍ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ
(2/78)

وَإِنْ قَالَ: قَبْضَتُهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنِّي فَبَيِّنَتُهُ أَوْ يَمِينُ خَصْمِهِ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِشْهَادِ تَحَالَفَا وَفُسِخَتِ الْقِسْمَةُ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ رَجَعَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِقِسْطِهِ (س) .

فَصْلٌ
الْمُهَايَأَةُ جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَوْلِهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بِأَجْرٍ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى إِيفَاءِ عَمَلٍ اسْتُؤْجِرَا عَلَيْهِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ أُجْرَتَهُمَا وَجَبَتْ بِاتِّفَاقِ الْخُصُومِ عَلَى إِيفَاءِ الْعَمَلِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ فَلَمْ تَجُرَّ لَهُمَا مَغْنَمًا فَلَا تُهْمَةَ.
(وَإِنْ قَالَ قَبْضَتُهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنِّي فَبَيِّنَتُهُ أَوْ يَمِينُ خَصْمِهِ) كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
(وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِشْهَادِ تَحَالَفَا وَفُسِخَتِ الْقِسْمَةُ) وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لَمْ يُسَلَّمْ إِلَى بَعْضِ نَصِيبِي وَهُوَ نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ، وَسَنُبَيِّنُ التَّحَالُفَ وَأَحْكَامَهُ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ رَجَعَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِقِسْطِهِ) كَمَا فِي الْبَيْعِ، هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُفْسَخُ الْقِسْمَةُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي بَعْضٍ شَائِعٍ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، أَمَّا الْمُعَيَّنُ لَا يُفْسَخُ بِالْإِجْمَاعِ ; وَلَوِ اسْتُحِقَّ نَصِيبٌ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ انْفَسَخَتْ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ شَرِيكٌ ثَالِثٌ وَلَا قِسْمَةَ بِدُونِ رِضَاهُ ; وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ يَبْطُلُ مَعْنَى الْقِسْمَةِ، وَهُوَ التَّمْيِيزُ وَالْإِفْرَازُ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِجُزْءٍ شَائِعٍ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ، وَصَارَ كَاسْتِحْقَاقِ الشَّائِعِ فِي الْكُلِّ ; وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَجُوزُ ابْتِدَاءً بِأَنْ يَكُونَ نِصْفَ الدَّارِ الْمُقَدَّمَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ثَالِثٍ، وَالْمُؤَخَّرَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْخُصُوصِ، فَاقْتَسَمَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا نَصِيبَهُمَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَرُبْعَ الْمُؤَخَّرِ، وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمُؤَخَّرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً جَازَ انْتِهَاءً، فَمَعْنَى الْقِسْمَةِ مَوْجُودٌ وَصَارَ كَالْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ، بِخِلَافِ الشَّائِعِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَوْ بَقِيَتْ يَتَفَرَّقُ نَصِيبُ الْمُسْتَحِقِّ فِي الْكُلِّ فَيَتَضَرَّرُ وَلَا ضَرَرَ هُنَا فَافْتَرَقَا.

[فصل المهايأة]
ُ جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهَا؛ لِأَنَّهَا مُبَادَلَةُ الْمَنْفَعَةِ بِجِنْسِهَا نَسِيئَةً لِتَأَخُّرِ حَقِّ أَحَدِهِمَا، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155] وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُسْتَحَقُّ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ كَالْأَعْيَانِ، وَالْقِسْمَةُ تَجُوزُ فِي الْأَعْيَانِ فَتَجُوزُ فِي الْمَنَافِعِ وَهِيَ مُبَادَلَةُ مَعْنَى إِفْرَازِ صُورَةٍ حَتَّى تَجْرِيَ فِي الْأَعْيَانِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالدُّورِ وَالْعَبِيدِ
(2/79)

وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِمَا وَلَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ بَطَلَتْ، وَتَجُوزُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ يَسْكُنَ كُلٌّ مِنْهُمَا طَائِفَةً أَوْ أَحَدُهُمَا عُلْوَهَا وَالْآخَرُ سُفْلَهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِجَارَةُ مَا أَصَابَهُ وَأَخْذُ غَلَّتِهِ، وَتَجُوزُ فِي عَبْدٍ وَاحِدٍ يَخْدُمُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، وَكَذَا فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ، وَفِي عَبْدَيْنِ يَخْدُمُ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، فَإِنْ شَرَطَا طَعَامَ الْعَبْدِ عَلَى مَنْ يَخْدُمُهُ جَازَ، وَفِي الْكُسْوَةِ لَا يَجُوزُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
دُونَ الْمِثْلِيَّاتِ، وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الطَّالِبُ مُتَعَنِّتًا وَلَيْسَتْ كَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُسْتَحَقُّ هُنَا بِالْمِلْكِ، وَمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ تَبَعٌ، وَلِهَذَا لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا الْمَدَّةُ، وَفِي الْإِجَارَةِ بِالْعَقْدِ، وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ إِلَّا بِذِكْرِهَا، وَلَيْسَتْ كَالْعَارِيَةِ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِمَا وَلَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّا نَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَتِهِمَا بِطَلَبِ الْوَارِثِينَ أَوْ أَحَدِهِمَا، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَةِ. قَالَ: (وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ بَطَلَتِ) الْمُهَايَأَةُ، مَعْنَاهُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ أَقْوَى فِي اسْتِعْمَالِ الْمَنْفَعَةِ ; وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَالْآخَرُ الْمُهَايَأَةَ قَسَمَ لِمَا بَيَّنَّا وَبَلْ أَوْلَى.
قَالَ: (وَتَجُوزُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ يَسْكُنَ كُلٌّ مِنْهُمَا طَائِفَةً، أَوْ أَحَدُهُمَا عُلُوَّهَا وَالْآخَرُ سُفْلَهَا) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزَةٌ، فَكَذَا الْمُهَايَأَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ، وَبَيَانُ الْمَكَانِ يَقْطَعُ الْمُنَازَعَةَ، وَهَذِهِ إِفْرَازٌ لِلنَّصِيبِ وَلَيْسَتْ مُبَادَلَةً.
(وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِجَارَةُ مَا أَصَابَهُ وَأَخْذُ غَلَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ وَقَدْ مَلَكَهَا فَلَهُ اسْتِغْلَالُهَا وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي جَوَازِ الِاسْتِغْلَالِ أَنْ يَشْرُطَهُ فِي الْعَقْدِ كَالْعَارِيَةِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ، وَلَوْ تَهَايَآ فِي دَارَيْنِ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ كُلُّ وَاحِدٍ دَارًا جَازَ جَبْرًا وَاخْتِيَارًا، وَهَذَا عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ اعْتِبَارًا بِقِسْمَةِ الْأَصْلِ، أَمَّا عِنْدَهُ قِيلَ لَا يُجْبَرُ كَمَا فِي الْقِسْمَةِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى، بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ بَعْضِ أَحَدِهِمَا بِبَعْضِ الْأُخْرَى وَأَنَّهُ جَائِزٌ ; وَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَنَافِعِ وَيَكُونُ إِفْرَازًا.
قَالَ: (وَتَجُوزُ فِي عَبْدٍ وَاحِدٍ يَخْدِمُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، وَكَذَا فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ) ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ تَكُونُ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ اسْتِيفَاءً لِلْمَنْفَعَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْمَكَانُ فَيَتَعَيَّنُ الزَّمَانُ.
قَالَ: (وَفِي عَبْدَيْنِ يَخْدِمُ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا) وَلَا إِشْكَالَ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الرَّقِيقِ جَبْرًا وَاخْتِيَارًا فَكَذَا مَنْفَعَتُهُمْ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْقِيَاسُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِسْمَةِ يَمْنَعُ الْجَوَازَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْجَوَازُ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي الْخِدْمَةِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْأَعْيَانِ لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (فَإِنْ شَرَطَا طَعَامَ الْعَبْدِ عَلَى مَنْ يَخْدُمُهُ جَازَ، وَفِي الْكُسْوَةِ لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ فِي الطَّعَامِ دُونَ الْكُسْوَةِ، وَلِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي الطَّعَامِ وَكَثْرَتِهَا فِي الْكُسْوَةِ، فَإِنْ وَقَّتَا شَيْئًا مِنَ
(2/80)

وَلَا تَجُوزُ فِي غَلَّةِ عَبْدٍ وَلَا عَبْدَيْنِ (سم) ، وَلَا فِي رُكُوبِ دَابَّةٍ وَلَا دَابَّتَيْنِ، وَلَا فِي ثَمَرَةِ الشَّجَرِ، وَلَا فِي لَبَنِ الْغَنَمِ وَأَوْلَادِهَا، وَتَجُوزُ فِي عَبْدٍ وَدَارٍ عَلَى السُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُخْتَلِفَيِ الْمَنْفَعَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْكُسْوَةِ مَعْرُوفًا جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَصْفِ يَنْعَدِمُ التَّفَاوُتُ أَوْ يَقِلُّ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ فِي غَلَّةِ عَبْدٍ وَلَا عَبْدَيْنِ) وَقَالَا: تَجُوزُ فِي الْعَبْدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَتَجُوزُ كَالْمَنْفَعَةِ؛ وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي اسْتِغْلَالِ الْعَبْدَيْنِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْحِرْفَةِ وَالْمَنْفَعَةِ قَلِيلٌ، وَقِيلَ هَذَا بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقِسْمَةِ، وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ فِي الْوَاحِدِ إِجْمَاعًا. وَلَهُ أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِالْعَمَلِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ لَا أَجْرَ لَهُ فَكَانَ فِيهِ خَطَرٌ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ فَلَا تَقَعُ الْمُعَادَلَةُ، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فَاحِشٌ لِتَفَاوُتِهِمَا فِي الْأَمَانَةِ وَالْحَذَاقَةِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى الْعَمَلِ فَتَكُونُ أُجْرَتُهُ أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ فَلَا تُوجَدُ الْمُعَادَلَةُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ غَلَّةُ الدَّابَّتَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ وَلَا فِي الدَّابَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَتَجُوزُ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ أَحَدَ النَّصِيبَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْآخَرِ فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَالِاعْتِدَالُ ثَابِتٌ وَقْتَ الْمُهَايَأَةِ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ فِي الْعَقَارِ دُونَ الْحَيَوَانِ، لِتَوَالِي أَسْبَابِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِ دُونَ الْعَقَارِ فَتَفُوتُ الْمُعَادَلَةُ فِيهِ.
(وَلَا) تَجُوزُ. (فِي رُكُوبِ دَابَّةٍ وَلَا دَابَّتَيْنِ) لِأَنَّ الرُّكُوبَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ الْحَاذِقَ وَالْجَاهِلَ فَلَا تَحْصُلُ الْمُعَادَلَةُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَخْدِمُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يَتَحَمَّلُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ فِي اسْتِغْلَالِ الدَّوَابِّ أَيْضًا.
قَالَ: (وَلَا) تَجُوزُ. (فِي ثَمَرَةِ الشَّجَرِ، وَلَا فِي لَبَنِ الْغَنَمِ وَأَوْلَادِهَا) لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ، وَفِي هَذَا تُسْتَحَقُّ الْأَعْيَانُ، وَمَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ. وَلَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الْأَعْيَانِ إِلَّا بِالتَّعْدِيلِ؛ وَلِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَنَافِعِ قَبْلَ وُجُودِهَا ضَرُورِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا بَعْدَ الْوُجُودِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأَعْيَانِ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ فِي عَبْدٍ وَدَارٍ عَلَى السُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا يَجُوزُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ أَوْلَى.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ كَلُّ مُخْتَلِفَيِ الْمَنْفَعَةِ) كَسُكْنَى الدَّارِ وَزَرْعِ الْأَرْضِ، وَكَذَا الْحَمَّامُ وَالدَّارُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَنْفَعَتَيْنِ يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهَا بِالْمُهَايَأَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2/81)

كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي
الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ مِنْ أَقْوَى الْفَرَائِضِ وَأَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي]
الْأَدَبُ: هُوَ التَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ وَالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فِي مُعَاشَرَةِ النَّاسِ وَمُعَامَلَتِهِمْ، وَأَدَبُ الْقَاضِي: الْتِزَامُهُ لِمَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ مِنْ بَسْطِ الْعَدْلِ وَرَفْعِ الظُّلْمِ، وَتَرْكِ الْمَيْلِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى حُدُودِ الشَّرْعِ، وَالْجَرْيِ عَلَى سُنَنِ السُّنَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعَانٍ: يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] وَبِمَعْنَى الْإِخْبَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 4] وَبِمَعْنَى الْفَرَاغِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} [الجمعة: 10] وَبِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، يُقَالُ: قَضَى الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ: أَيْ قَدَّرَهَا، وَيُسْتَعْمَلُ فِي إِقَامَةِ شَيْءٍ مَقَامَ غَيْرِهِ، يُقَالُ: قَضَى فُلَانٌ دَيْنَهُ: أَيْ أَقَامَ مَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ مَقَامَ مَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ. وَفِي الشَّرْعِ: قَوْلٌ مُلْزِمٌ يَصْدُرُ عَنْ وِلَايَةٍ عَامَّةٍ، وَفِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ، فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِالْحُكْمِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ، وَفَرَغَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا أَوْ فَرَغَا مِنَ الْخُصُومَةِ، وَقَدَّرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَمَا لَهُ، وَأَقَامَ قَضَاءَهُ مَقَامَ صُلْحِهِمَا وَتَرَاضِيهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ لِلْخُصُومَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ (الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ أَقْوَى الْفَرَائِضِ وَأَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ) وَمَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالْقَضَاءِ، وَأَثْبَتَ لِآدَمَ اسْمَ الْخَلِيفَةِ، وَقَالَ لِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] وَقَالَ لِدَاوُدَ: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26] وَلِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِظْهَارَ الْحَقِّ، وَإِنْصَافَ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، وَإِيصَالَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّرَائِعَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَالْقَضَاءُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: وَاجِبٌ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَيَّنَ لَهُ، وَلَا يُوجَدَ مَنْ يَصِحُّ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ أَدَّى إِلَى تَضْيِيعِ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ قَبُولُهُ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِنْصَافَ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَصْلُحُ لَكِنْ هُوَ أَصْلَحُ وَأَقْوَمُ بِهِ. وَمُخَيَّرٌ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الصَّلَاحِيَةِ وَالْقِيَامِ بِهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ قَبِلَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَا. وَمَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ، لَكِنَّ غَيْرَهُ أَقْوَمُ بِهِ وَأَصْلَحُ. وَحَرَامٌ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْهُ، وَعَدَمَ الْإِنْصَافِ فِيهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ بَاطِنِهِ مِنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى مَا لَا يَعْرِفُونَهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ رِزْقُهُ وَكِفَايَتُهُ وَكِفَايَةُ أَهْلِهِ وَأَعْوَانِهِ وَمَنْ يُمَوِّنُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ لِحَقِّ الْعَامَّةِ، فَلَوْلَا الْكِفَايَةُ رُبَّمَا طَمِعَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ، وَلِهَذَا قَالُوا: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ مَنْ لَهُ ثَرْوَةٌ لِئَلَّا يَطْمَعَ
(2/82)

وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ مَوْثُوقًا بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَإِنْ تَنَزَّهَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ خَرَجَ إِلَى السُّوقِ لِيَكْتَسِبَ ; فَرَدَّهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ، وَكَانَ عِنْدَهُ عَبَاءَةً قَدِ اشْتَرَاهَا مِنْ رِزْقِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَعْطِيهَا عُمَرَ لِيَرُدَّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَى لَا يَأْخُذُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.

[من يولى القضاء]
قَالَ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا) لِأَنَّ الْحَادِثَةَ إِذَا وَقَعَتْ يَجِبُ طَلَبُهَا مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ مِنَ السُّنَّةِ ثُمَّ مِنَ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَعْمَلَ الرَّأْيَ وَالِاجْتِهَادَ، وَيَشْهَدُ لَهُ «حَدِيثُ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ وَوَلَّاهُ الْحُكْمَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: " كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ حُكْمٌ؟ " قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ مَعَ وُجُودِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ مَوْثُوقًا بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي) أَمَّا أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ؛ فَلِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ أَقْوَى وَأَعَمُّ وِلَايَةً، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ، وَمَنْ لَا فَلَا ; وَلَا تَجُوزُ وِلَايَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ، وَلَا الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلِوُجُودِ الِالْتِبَاسِ عَلَيْهِ فِي الصَّوْتِ وَغَيْرِهِ ; وَالْأُطْرُوشُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الْإِقْرَارَ، فَرُبَّمَا يُنْكِرُ إِذَا اسْتَعَادَهُ فَتَضِيعُ حُقُوقُ النَّاسِ ; وَالْفَاسِقُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ كَمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَلِّيَ كَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِشَهَادَتِهِ. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ، وَلَوْ فَسَقَ بَعْدَ الْوِلَايَةِ اسْتَحَقَّ الْعَزْلَ وَلَا يَنْعَزِلُ، وَقِيلَ يَنْعَزِلُ لِأَنَّ الَّذِي وَلَّاهُ مَا رَضِيَ بِهِ إِلَّا عَدْلًا، وَيُشْتَرَطُ دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَدِمَائِهِمْ وَلَا يُوثَقُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. وَأَمَّا الْفَهْمُ فَلْتَفْهَمْ مَعَانِيَ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَايَا وَالدَّعَاوَى وَكُتُبِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ فَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَضَاءِ وَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ يَقْضِي.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَأَنْ يَكُونَ الْقَاضِي وَرِعًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا. وَقَالَ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ يَكْفِي فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ. وَقِيلَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْجَاهِلِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْقَضَاءِ بِالِاسْتِفْتَاءِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا
(2/83)

وَلَا يَطْلُبُ الْوِلَايَةَ، وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهِ لِمَنْ يَخَافُ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ أَدَاءَ فَرْضِهِ، وَمَنْ تَعَيَّنَ لَهُ تُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ، وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ مِنْ وُلَاةِ الْجَوْرِ.

وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ (ف) فِيمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِيهِ.

فَإِذَا قُلِّدَ الْقَضَاءَ يَطْلُبُ دِيوَانَ الْقَاضِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَيَنْظُرُ فِي خَرَائِطِهِ وَسِجِلَّاتِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ قَلَّدَ إِنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَرْجِعُونَ إِلَى فَتْوَاهُ فِي حَوَادِثِهِمْ وَيَقْتَدُونَ بِهِ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى قَوْلِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ ; وَالْفَاسِقُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ; وَقِيلَ يَصْلُحُ لِأَنَّهُ يَتَحَرَّزُ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الْخَطَأِ.
قَالَ: (وَلَا يَطْلُبُ الْوِلَايَةَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الْوِلَايَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ سَأَلْتَهَا وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنَّ أُعْطِيتَهَا أُعِنْتَ عَلَيْهَا» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ طَلَبَ عَمَلًا فَقَدْ غَلَّ» وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا عَدَلَ مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهِ لِمَنْ يَخَافُ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَحْذُورِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ الدُّخُولُ لِمَنْ يَدْخُلُهُ مُخْتَارًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» قِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا طَلَبَ، وَقِيلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ أَدَاءَ فَرْضِهِ) لِأَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تَقَلَّدُوهُ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَّى عَلِيًّا وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمَا وَلَّاهُ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ ; وَقِيلَ الدُّخُولُ فِيهِ رُخْصَةٌ وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(وَمَنْ تَعَيَّنَ لَهُ تَفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَلَوِ امْتَنَعَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ; وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ جَمَاعَةٌ يَصْلُحُونَ وَامْتَنَعُوا وَالسُّلْطَانُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْخُصُومِ لَمْ يَأْثَمُوا، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ أَثِمُوا، وَإِنِ امْتَنَعُوا حَتَّى قَلَّدَ جَاهِلًا أَثِمَ الْكُلُّ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ مِنْ وُلَاةِ الْجَوْرِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَقَلَّدُوهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالتَّابِعُونَ تَقَلَّدُوهُ مِنَ الْحَجَّاجِ مَعَ جَوْرِهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِقَامَةَ الْحَقِّ وَدَفْعَ الظُّلْمِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْوِلَايَةُ مِنْهُ.

[قَضَاءُ الْمَرْأَةِ فِيمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِيهِ]
قَالَ: (وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ فِيمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِيهِ) إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُحَادَثَةِ الرِّجَالِ وَمَبْنَى أَمْرِهِنَّ عَلَى السَّتْرِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُتْرَكُ الْقَاضِي عَلَى الْقَضَاءِ إِلَّا حَوْلًا، لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ يَنْسَى الْعِلْمَ فَيَعْزِلُهُ السُّلْطَانُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَيَسْتَبْدِلُ بِهِ حَتَّى يَشْتَغِلَ بِالدَّرْسِ.

[ما ينبغي للقاضي أن يفعله بعد توليه]
قَالَ: (فَإِذَا قُلِّدَ الْقَضَاءَ) يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُؤْثِرَ طَاعَتَهُ وَيَعْمَلَ لِمَعَادِهِ وَيَقْصِدَ إِلَى الْحَقِّ بِجُهْدِهِ فِيمَا تَقَلَّدَهُ.
وَ (يَطْلُبُ دِيوَانَ الْقَاضِي الَّذِي قَبَلَهُ وَيَنْظُرُ فِي خَرَائِطِهِ وَسِجِلَّاتِهِ)
(2/84)

وَعَمِلَ فِي الْوَدَائِعِ وَارْتِفَاعِ الْوُقُوفِ بِمَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ أَوْ بِاعْتِرَافِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمَعْزُولِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَذِي سَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَيَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فِي الْمَسْجِدِ، وَالْجَامِعِ أَوْلَى، وَيَتَّخِذُ مُتَرْجِمًا وَكَاتِبًا عَدْلًا مُسْلِمًا لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِتَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَتُجْعَلُ فِي يَدِ الْمُتَوَلِّي؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِيَعْمَلَ بِهَا.
قَالَ: (وَعَمِلَ فِي الْوَدَائِعِ وَارْتِفَاعِ الْوُقُوفِ بِمَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ) لِأَنَّهَا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ.
(أَوْ بِاعْتِرَافِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
(وَلَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمَعْزُولِ) لِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَا عَمَلَ بِهَا.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي سَلَّمَهَا إِلَيْهِ) لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِهِ فَيَكُونُ أَمِينًا فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ رَجُلَيْنِ مِنْ ثِقَاتِهِ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي، فَيَقْبِضَانِ مِنَ الْمَعْزُولِ دِيوَانَهُ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخَرَائِطِ وَالسِّجِلَّاتِ، فَيَجْمَعَانِ كُلَّ نَوْعٍ فِي خَرِيطَةٍ حَتَّى لَا يَشْتَبِهَ عَلَى الْقَاضِي، وَيَسْأَلَانِ الْمَعْزُولَ شَيْئًا فَشَيْئًا لِيَنْكَشِفَ مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمَا وَيَخْتِمَانِ عَلَيْهِ، وَهَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ لِلْإِلْزَامِ بَلْ لِيَنْكَشِفَ بِهِ الْحَالُ، فَإِنْ أَبَى الْمَعْزُولُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمَا النُّسَخَ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَيَاضُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنَ الْخُصُومِ لِأَنَّهُمْ وَضَعُوهَا فِي يَدِ الْعَامِلِ بِهَا، أَوْ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ تَدَيُّنًا لَا تَمَوُّلًا، وَيَأْخُذَانِ الْوَدَائِعَ وَأَمْوَالَ الْيَتَامَى وَيَكْتُبَانِ أَسْمَاءَ الْمَحْبُوسِينَ وَيَأْخُذَانِ نُسْخَتَهُمْ مِنَ الْمَعْزُولِ لِيَنْظُرَ الْمَوْلَى فِي أَحْوَالِهِمْ فَمَنِ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أُلْزِمَهُ عَمَلًا بِالْحُجَّةِ، وَإِلَّا نَادَى عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ مَنْ كَانَ يُطَالِبُ فُلَانًا الْمَحْبُوسَ بِحَقٍّ فَلْيَحْضُرْ، فَمَنْ حَضَرَ وَادَّعَى عَلَيْهِ اِبْتَدَأَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ، وَيُنَادِي أَيَّامًا عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَا يُخَلِّيهِ حَتَّى يَسْتَظْهِرَ فِي أَمْرِهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ غَائِبٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَعْزُولِ لَا يَكُونُ عَبَثًا.
قَالَ: (وَيَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فِي الْمَسْجِدِ) لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، وَدَكَّةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ إِلَى الْآنَ مَعْرُوفَةٌ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَلِلْحُكْمِ» وَلِئَلَّا يُشْتَبَهَ عَلَى الْغُرَبَاءِ مَكَانُهُ.
(وَالْجَامِعُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَشْهَرُ، وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءً خَرَجَ الْقَاضِي إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَظَرَ فِي خُصُومَتِهَا أَوْ أَمَرَ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ فِي دَابَّةٍ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِاسْتِمَاعِ الدَّعْوَى وَالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ، وَإِنْ جَلَسَ فِي بَيْتٍ جَازَ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسُ مَعَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَكُونُ الْأَعْوَانُ بِالْبُعْدِ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ لِلْخُصُومَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ قَرِيبًا مِنْهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالدِّيَانَةِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْلِسَ وَحْدَهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْقَضَاءِ.
قَالَ: (وَيَتَّخِذُ مُتَرْجِمًا وَكَاتِبًا عَدْلًا مُسْلِمًا لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا
(2/85)

وَيُسَوِّي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوسِ وَالْإِقْبَالِ وَالنَّظَرِ وَالْإِشَارَةِ، وَلَا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يَضْحَكُ لِأَحَدِهِمَا، وَلَا يُمَازِحُهُمَا، وَلَا أَحَدَهُمَا، وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يُهْدِ لَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً إِلَّا الْعَامَّةَ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ، فَإِنْ حَدَثَ لَهُ هَمٌّ، أَوْ نُعَاسٌ، أَوْ غَضَبٌ، أَوْ جُوعٌ، أَوْ عَطَشٌ، أَوْ حَاجَةٌ حَيَوَانِيَّةٌ كَفَّ عَنِ الْقَضَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكْتُبَ مَا لَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا لَا يَعْرِفُ كَتَبَةَ السِّجِلَّاتِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقَاضِي مِنَ الْأَحْكَامِ، وَيَجْلِسُ نَاحِيَةً عَنْهُ حَيْثُ يَرَاهُ حَتَّى لَا يُخْدَعَ بِالرَّشْوَةِ.
قَالَ: (وَيُسَوِّي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوسِ وَالْإِقْبَالِ وَالنَّظَرِ وَالْإِشَارَةِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ} [النساء: 135] أَيْ بِالْعَدْلِ وَالْعَدْلُ التَّسْوِيَةُ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا ابْتُلِيَ أَحَدُكُمْ بِالْقَضَاءِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ» وَفِي كِتَابِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ وَوَجْهِكَ وَعَدْلِكَ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ فَقَالَ: حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَخَافُ ضَعِيفٌ جَوْرَكَ، وَلِأَنَّهُ إِذَا فَضَّلَ أَحَدَهُمَا يَنْكَسِرُ قَلْبُ الْآخَرِ فَلَا يَنْشَرِحُ لِلدَّعْوَى وَالْجَوَابِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسُوا بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي جُثُوًّا وَلَا يُجْلِسُهُمَا فِي جَانِبٍ، وَلَا أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَإِذَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْخَصْمَانِ إِنْ شَاءَ بَدَأَهُمَا فَقَالَ مَا لَكُمَا، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ حَتَّى يَتَكَلَّمَا، فَإِذَا تَكَلَّمَ أَحَدُهُمَا أَسْكَتَ الْآخَرَ لِيَفْهَمَ دَعْوَاهُ.
قَالَ: (وَلَا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ) لِمَا بَيَّنَّا ; وَلِمَا فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ.
(وَلَا يَضْحَكُ لِأَحَدِهِمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُهُ عَلَى خَصْمِهِ.
(وَلَا يُمَازِحُهُمَا وَلَا أَحَدَهُمَا) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِهَيْبَةِ الْقَضَاءِ.
(وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ) لِمَا بَيَّنَّا، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ.
قَالَ: " وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يُهْدِ لَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا أَهْدَى لَهُ لِلْقَضَاءِ ظَاهِرًا فَكَانَ آكِلًا بِالْقَضَاءِ فَأَشْبَهَ الرَّشْوَةَ، بِخِلَافِ مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِمُهَادَاتِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ حَتَّى لَوْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ أَوْ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُهَا، وَالْقَرِيبُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
قَالَ: (وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً إِلَّا الْعَامَةَ) كَالْعُرْسِ وَالْخِتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهَا وَالْإِجَابَةُ سُنَّةٌ، وَلَا يُجِيبُ الْخَاصَّةَ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالْعَشَرَةُ فَمَا دُونَهَا خَاصَّةٌ وَمَا فَوْقَهَا عَامَّةٌ، وَقِيلَ الْخَاصَّةُ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا لَا يَعْمَلُهَا.
قَالَ: (وَيَعُودُ الْمَرْضَى وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ) لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وَلَا يُطِيلُ مُكْثَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنَ التَّكَلُّمِ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْخُصُومَاتِ.
قَالَ: (فَإِنْ حَدَثَ لَهُ هَمٌّ أَوْ نُعَاسٌ، أَوْ غَضَبٌ أَوْ جُوعٌ، أَوْ عَطَشٌ، أَوْ حَاجَةٌ حَيَوَانِيَّةٌ كَفَّ عَنِ الْقَضَاءِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ
(2/86)

وَلَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فِي الْمَجْلِسِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَخْلِفُ عَلَى الْقَضَاءِ إِلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْضِي عَلَى غَائِبٍ إِلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ مَا يَكُونُ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْحَاضِرِ.

وَإِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ قَضَاءُ قَاضٍ أَمْضَاهُ، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَوِ الْإِجْمَاعَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
غَضْبَانُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَهُوَ شَبْعَانُ» وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْفِكْرِ، وَهَذِهِ الْأَعْرَاضُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِكْرِ فَتُخِلُّ بِالْقَضَاءِ، وَيُكْرَهُ لَهُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ يَوْمَ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنِ الْجُوعِ، وَلَا يُتْعِبُ نَفْسَهُ بِطُولِ الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَجِرَ وَمَلَّ وَيَقْعُدُ طَرَفَيِ النَّهَارِ ; وَإِذَا طَمِعَ فِي رِضَى الْخَصْمَيْنِ رَدَّهُمَا مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ أَنْفَذَ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْمُوجِبِ لِلتَّأْخِيرِ.
قَالَ: (وَلَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فِي الْمَجْلِسِ لِنَفْسِهِ) لِمَا فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ، وَلَا بَأْسَ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُكْرَهُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يَبِيعُ وَيَشْتَرِي مِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يُحَابِيهِ.
قَالَ: (وَلَا يَسْتَخْلِفُ عَلَى الْقَضَاءِ إِلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ عَنِ الْإِمَامِ ; وَالْوَكِيلُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ.
قَالَ: (وَلَا يَقْضِي عَلَى غَائِبٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا عَلِيُّ لَا تَقْضِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ» ؛ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ، وَلَا مُنَازَعَةَ بِدُونِ الْإِنْكَارِ فَلَا وَجْهَ إِلَى الْقَضَاءِ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) إِمَّا بِإِنَابَتِهِ كَالْوَكِيلِ، أَوْ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ كَالْوَصِيِّ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي.
(أَوْ مَا يَكُونُ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْحَاضِرِ) كَمَنِ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْكَرَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبَ يَقْضِي بِهَا عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى شُفْعَةً وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ الشِّرَاءَ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ ذَا الْيَدِ اشْتَرَاهَا مِنَ الْغَائِبِ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا، وَكَذَا إِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ: هُمَا عَبْدَانِ، فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ لَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ مَوْلَاهُمَا أَعْتَقَهُمَا حَكَمَ بِعِتْقِهِمَا فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا.

[فصل إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ قَضَاءُ قَاضٍ]
فَصْلٌ
(وَإِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ قَضَاءُ قَاضٍ أَمْضَاهُ إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَوِ الْإِجْمَاعَ) وَأَصْلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ فَقَضَى بِقَضِيَّةٍ يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنَ الْقُضَاةِ نَقْضُهُ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الثَّانِيَ مِثْلُهُ وَالْأَوَّلَ تَرْجِيحٌ بِالسَّبْقِ لِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى بِقَضَاءٍ خَالَفَ فِيهِ عُمَرَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَلَمْ يَفْسَخَاهُ لِوُقُوعِهِ مِنْ قَاضٍ جَائِزِ الْحُكْمُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَدِّ
(2/87)

وَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ قَلَّدَهُ وَعَلَيْهِ ; وَإِذَا عَلِمَ بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ. وَالْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (سم) فِي الْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ: كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ، وَالْإِرْثُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي، وَلَمْ يَفْسَخِ الْأَوَّلَ ; وَلَا اجْتِهَادَ مَعَ الْكِتَابِ وَلَا مَعَ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، إِذْ لَا اجْتِهَادَ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِهِمَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَلَا مَعَ إِجْمَاعِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ، وَالْمُرَادُ اخْتِلَافُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي تَرِدُ الشَّهَادَةُ لَهُ فِي الْقَضَاءِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمُ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ لِمَنْ قَلَّدَهُ وَعَلَيْهِ) لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا عَنْهُ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا عَلِمَ بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ) لِأَنَّ عِلْمَهُ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَبَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ حَاصِلٌ بِمَا عَلِمَهُ بِالْمُعَايَنَةِ وَالسَّمَاعِ، وَالْحَاصِلُ بِالشَّهَادَةِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ مَقْبُولٌ فِيمَا لَيْسَ خَصْمًا فِيهِ، وَمَتَى قَالَ حَكَمْتُ بِكَذَا نَفَذَ حُكْمُهُ. وَأَمَّا مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ لَا يَقْضِي بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: يَقْضِي كَمَا فِي حَالِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّهَا لِمَا مَرَّ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ وَغَيْرِ وِلَايَتِهِ شَاهِدٌ لَا حَاكِمٌ، وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَا تُقْبَلُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهَا.
وَأَمَّا الْحُدُودُ فَلَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهَا، لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ نَائِبُهُ إِلَّا فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ، وَإِلَّا فِي السُّكْرِ إِذَا وُجِدَ سَكْرَانَ، أَوْ مَنْ بِهِ أَمَارَاتُ السُّكْرِ فَإِنَّهُ يُعَزِّرُهُ.
قَالَ: (وَالْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ، وَالْإِرْثُ) وَقَالَا: لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا.
وَصُورَتُهُ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالزُّورِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ لِرَجُلٍ فَقَضَى بِهَا الْقَاضِي نَفَذَ عِنْدَهُ حَتَّى حَلَّ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا خِلَافًا لَهُمَا ; وَلَوْ شَهِدَا بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَائِنًا فَقَضَى الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا آخَرُ جَازَ ; وَعِنْدَهُمَا إِنْ جَهِلَ الزَّوْجُ الثَّانِي ذَلِكَ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا اتِّبَاعًا لِلظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ عِلْمَ الْبَاطِنِ وَإِنْ عَلِمَ بِأَنْ كَانَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَحِلُّ، وَلَوْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ الْأَوُّلُ كَانَ زَانِيًا وَيُحَدُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْرَثَ شُبْهَةً فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ احْتِيَاطًا، وَلَا يَنْفُذُ فِي مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ وَمَنْكُوحَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُ النِّكَاحِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَفِي الْأَجْنَبِيَّةِ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَيُقَدَّمُ تَصْحِيحًا لَهُ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَيَنْفُذُ بِبَيْعُ الْأَمَةِ عِنْدَهُ حَتَّى يَحِلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا، وَيَنْفُذُ فِي الْهِبَةِ
(2/88)

وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي وَسَأَلَهُ حَبْسَ غَرِيمِهِ لَمْ يَحْبِسْهُ وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالْإِرْثِ حَتَّى يَحِلَّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَكْلُ الْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فِيهِمَا. لَهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمُ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشْرٌ أَقْضِي بِمَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» وَأَنَّهُ عَامٌّ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الْحُقُوقِ وَالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْبَاطِنِ كَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا الظَّاهِرُ فَالْحُكْمُ لَازِمٌ عَلَى مَا أَنْفَذَهُ الْقَاضِي.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَا أَقْضِي بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» وَلَهُ مَا رُوِيَ: أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأَةً وَهُوَ دُونَهَا فِي الْحَسَبِ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، فَادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عِنْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَحُكِمَ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أَتَزَوَّجْهُ وَإِنَّهُمْ شُهُودُ زُورٍ فَزَوِّجْنِي مِنْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ وَأَمْضَى عَلَيْهَا النِّكَاحَ، وَلِأَنَّهُ قَضَى بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فِيمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ فَيُجْعَلُ إِنْشَاءً تَحَرُّزًا عَنِ الْحَرَامِ، وَحَدِيثُهُمَا فِي الْمَالِ صَرِيحٌ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ لَا يَنْفُذُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] وَرُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ إِثْبَاتَ الْمِلْكِ بِدُونِ السَّبَبِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ دَفْعَ مَالِ زَيْدٍ إِلَى عَمْرٍو.
أَمَّا الْعُقُودُ وَالْفُسُوخُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُمَا فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بَيْعَ أَمَةِ زَيْدٍ وَغَيْرِهَا مِنْ عَمْرٍو حَالَ غَيْبَتِهِ وَخَوْفَ الْهَلَاكِ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ لِلْحِفْظِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ وَلَا وَصِيَّ لَهُ، وَيَمْلِكُ إِنْشَاءَ النِّكَاحِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْفُرْقَةَ فِي الْعِنِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْإِنْشَاءِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، فَيُجْعَلُ الْقَضَاءُ إِنْشَاءً احْتِرَازًا عَنِ الْحَرَامِ، وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ بِغَيْرِ أَسْبَابٍ فَتَعَذَّرَ جَعْلُهُ إِنْشَاءً فَبَطَلَ، ثُمَّ نَقُولُ: لَوْ لَمْ يَنْفُذْ بَاطِنًا، فَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ لَبَقِيَتْ حَلَالًا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بَاطِنًا وَلِلثَّانِي ظَاهِرًا ; وَلَوِ ابْتُلِيَ الثَّانِي بِمِثْلِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ الْأَوَّلُ حَلَّتْ لِلثَّالِثِ أَيْضًا، وَهَكَذَا رَابِعٌ وَخَامِسٌ، فَتَحِلُّ لِلْكُلِّ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ مِنَ الْفُحْشِ مَا لَا يَخْفَى ; وَلَوْ قُلْنَا بِنَفَاذِهِ بَاطِنًا لَا تَحِلُّ إِلَّا لِوَاحِدٍ وَلَا فُحْشَ فِيهِ.

[فصل الدليل على وجوب حبس من عليه الدين ومتى يجوز]
فَصْلٌ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْحَبْسِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» وَالْعُقُوبَةُ: الْحَبْسُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السَّلَفِ؛ وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ لِإِيصَالِ الْحُقُوقِ إِلَى أَرْبَابِهَا، فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَطْلُوبُ عَنِ الْأَدَاءِ فَعَلَى الْقَاضِي جَبْرُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُجْبِرُهُ بِالضَّرْبِ إِجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ الْحَبْسُ.
قَالَ: (وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْمُدَّعِي وَسَأَلَهُ حَبْسَ غَرِيمِهِ لَمْ يَحْبِسْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ ظُلْمَهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ ظَهَرَ ظُلْمُهُ وَجُحُودُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ حَبَسَهُ.
قَالَ: (وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ
(2/89)

مَا عَلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ مُعْسِرٌ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: هُوَ مُوسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا مُعْسِرٌ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ يَسَارَهُ، أَوْ كَانَ الدَّيْنُ بَدَلَ مَالٍ كَالثَّمَنِ وَالْقَرْضِ، أَوِ الْتَزَمَهُ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ حَبَسَهُ، وَلَا يَحْبِسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ، إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ لَهُ مَالًا فَيَحْبِسُهُ، فَإِذَا حَبَسَهُ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَظْهَرَهُ، وَسَأَلَ عَنْ حَالِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خَلَّى سَبِيلَهُ ; وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى يَسَارِهِ أَبَّدَ حَبْسَهُ، وَيُحْبَسُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، وَلَا يُحْبَسُ وَالِدٌ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ إِلَّا إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَا عَلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ ظُلْمُهُ، وَهَذَا إِذَا ثَبَتَ حَقُّهُ بِالْإِقْرَارِ، أَمَّا إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حَبَسَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ فَيَكُونُ ظَالِمًا، وَلَا يَسْأَلُهُ الْقَاضِي: أَلَكَ مَالٌ؟ وَلَا مِنَ الْمُدَّعِي إِلَّا أَنْ يَطْلُبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ فَيْسَأَلُهُ.
(فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ مُعْسِرٌ خَلَّى سَبِيلَهُ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْإِنْظَارَ بِالنَّصِّ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْمُلَازَمَةِ.
(وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي هُوَ مُوسِرٌ، وَهُوَ يَقُولُ أَنَا مُعْسِرٌ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ يَسَارَهُ، أَوْ كَانَ الدَّيْنُ بَدَلَ مَالٍ كَالثَّمَنِ وَالْقَرْضِ، أَوِ الْتَزَمَهُ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ حَبَسَهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ مَا حَصَلَ فِي يَدِهِ وَالْتِزَامُهُ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ.
(وَلَا يَحْبِسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَذَلِكَ مِثْلُ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ وَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ.
(إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ لَهُ مَالًا فَيَحْبِسَهُ) لِأَنَّهُ ظَالِمٌ.
(فَإِذَا حَبَسَهُ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَظْهَرَهُ وَسَأَلَ عَنْ حَالِهِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خَلَّى سَبِيلَهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِعْسَارُهُ فَيَسْتَحِقُّ الْإِنْظَارَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِإِعْسَارِهِ، وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ بَعْدَ الْحَبْسِ بِالْإِجْمَاعِ وَقَبْلَهُ لَا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعْدَ الْحَبْسِ قَرِينَةً، وَهُوَ تَحَمُّلُ شِدَّةِ الْحَبْسِ وَمُضَايَقَتِهِ وَذَلِكَ دَلِيلُ إِعْسَارِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَبْسِ، وَقِيلَ تُقْبَلُ فِي الْحَالَتَيْنِ.
(وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى يَسَارِهِ أَبَّدَ حَبْسَهُ) لِظُلْمِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ. قِيلَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِشَهْرٍ، وَبَعْضُهُمْ بِأَرْبَعَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِسِتَّةٍ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ أَوَّلًا، لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي احْتِمَالِ الْحَبْسِ وَيَتَفَاوَتُونَ تَفَاوُتًا كَثِيرًا فَيُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي.
قَالَ: (وَيُحْبَسُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحِقٌّ عَلَيْهِ وَقَدْ مَنَعَهُ فَيُحْبَسُ لِظُلْمِهِ.
(وَلَا يُحْبَسُ وَالِدٌ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ) وَكَذَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُصَاحَبَةً بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ أُمِرَ بِهَا.
(إِلَّا إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ
(2/90)

فَصْلٌ
يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي كُلِّ حَقٍّ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَفِي النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ وَالْغَصْبِ وَالْأَمَانَةِ الْمَجْحُودَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَفِي النَّسَبِ وَفِي الْعَقَارِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْمَنْقُولَاتِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ الْمَنْقُولَاتِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ هَلَاكَهُ، كَمَا لَوْ صَالَ الْأَبُ عَلَى الْوَلَدِ فَلِلْوَلَدِ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ ; وَإِذَا مَرِضَ الْمَحْبُوسُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ فِي الْحَبْسِ لَمْ يُخْرِجْهُ، وَإِلَّا أَخْرَجَهُ لِئَلَّا يَهْلَكَ ; وَإِذَا امْتَنَعَ الْخَصْمُ مِنَ الْحُضُورِ عَزَّرَهُ الْقَاضِي بِمَا يَرَى مِنْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَعْبِيسِ وَجْهٍ عَلَى مَا يَرَاهُ.

[فصل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق لا يسقط بالشبهة]
فَصْلٌ (يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي كُلِّ حَقٍّ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ) لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَالشُّهُودِ، بِخِلَافِ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِشُبْهَةِ الْبَدَلِيَّةِ ; وَالْأَصْلُ فِي الْجَوَازِ أَنَّ الْكِتَابَ يَقُومُ مَقَامَ عِبَارَةِ الْمَكْتُوبِ عَنْهُ وَخِطَابِهِ، بِدَلَالَةِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى رَسُولِهِ قَامَ مَقَامَ خِطَابِهِ لَهُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِمَا ; وَكَذَلِكَ كُتُبُ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَى مَلِكِ الْفُرْسِ وَالرُّومِ وَإِلَى نُوَّابِهِ فِي الْبِلَادِ قَامَتْ مَقَامَ خِطَابِهِ لَهُمْ، حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي كُتُبِهِ كَمَا وَجَبَ بِخِطَابِهِ ; وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي كَخِطَابِهِ لَهُ، وَلَوْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ صَحَّ، فَكَذَلِكَ كِتَابُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ لِهَذَا عَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ كَذَا، فَيَكْتُبُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي الَّذِي الْخَصْمُ فِي بَلَدِهِ، وَهُوَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا يَحْكُمُ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِرَأْيِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى حَاضِرٍ حَكَمَ عَلَيْهِ وَكَتَبَ بِحُكْمِهِ، وَهُوَ السِّجِلُّ.
(وَ) يَكْتُبُ (فِي النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ وَالْغَصْبِ وَالْأَمَانَةِ الْمَجْحُودَةِ وَالْمُضَارَبَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ.
(وَفِي النَّسَبِ) لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِذِكْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْقَبِيلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَفِي الْعَقَارِ) لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْحُدُودِ.
(وَلَا يُقْبَلُ فِي الْمَنْقُولَاتِ) لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الشَّهَادَةِ لِلْإِشَارَةِ.
(وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ الْمَنْقُولَاتِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَيُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ بِأَوْصَافِهِ وَمِقْدَارِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْعَبْدِ دُونَ الْأَمَةِ لِكَثْرَةِ إِبَاقِهِ دُونَهَا. وَعَنْهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِمَا ; وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكْتُبَ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّ عَبْدًا لِفُلَانٍ وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَحِلْيَتَهُ
(2/91)

وَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى مَعْلُومٍ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا، وَيَقْرَأُ الْكِتَابَ عَلَى الشُّهُودِ، وَيُعْلِمُهُمْ بِمَا فِيهِ، وَيَخْتِمُهُ بِحَضْرَتِهِمْ وَيَحْفَظُوا مَا فِيهِ، وَتَكُونُ أَسْمَاؤُهُمْ دَاخِلَ الْكِتَابِ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ ; وَأَبُو يُوسُفَ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمَّا ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ نَظَرَ فِي خَتْمِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي سَلَّمَهُ إِلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ وَفَتَحَهُ وَقَرَأَهُ عَلَى الْخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ مَا فِيهِ وَلَا يَقْبَلُهُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَجِنْسَهُ آبِقٌ مِنْهُ وَقَدْ أَخَذَهُ فُلَانٌ.
قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ لِلْإِلْزَامِ، وَلَا إِلْزَامَ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ، وَلِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَالْبَيِّنَةُ تُعِينُهُ، وَيَكْتُبُ اسْمَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَنْسُبُهُمَا إِلَى الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْفَخِذِ وَالْقَبِيلَةِ، أَوْ إِلَى الصِّنَاعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْجَدَّ لَمْ يَجُزْ إِلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفَخِذِ مِثْلُهُ فِي النَّسَبِ لَمْ يَجُزْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شَيْءٍ يَخُصُّهُ وَيُعَيِّنُهُ حَتَّى يَزُولَ الِالْتِبَاسُ.
(وَلَا بُدَّ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى مَعْلُومٍ) بِأَنْ يَقُولَ مِنْ فُلَانِ ابْنِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ.
(فَإِنْ شَاءَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَلَا) حَتَّى يَصِيرَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ مَعْرُوفًا وَالْبَاقِي يَكُونُ تَبَعًا.
(وَيَقْرَأُ الْكِتَابَ عَلَى الشُّهُودِ وَيُعْلِمَهُمْ بِمَا فِيهِ) لِيَعْلَمُوا بِمَا يَشْهَدُونَ.
(وَيَخْتِمَهُ بِحَضْرَتِهِمْ وَيَحْفَظُوا مَا فِيهِ) حَتَّى لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي وَخَتْمُهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهِ لَا تُقْبَلُ، لَأَنَّ الْخَتْمَ يُشْبِهُ الْخَتْمَ، فَمَتَى كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي يُتَوَهَّمُ التَّبْدِيلُ.
(وَتَكُونُ أَسْمَاؤُهُمْ دَاخِلَ الْكِتَابِ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ) لِنَفْيِ الِالْتِبَاسِ.
(وَأَبُو يُوسُفَ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِمَا ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ) تَسْهِيلًا عَلَى النَّاسِ.
(وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: وَلَوْ كَتَبَ مِنْ فُلَانِ ابْنِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ إِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ أَنْ يَقْبَلَهُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ جَائِزٌ لِقَوْمٍ مَجْهُولِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُعَرِّفْهُمْ، وَكَذَلِكَ أَمَرَنَا وَنَهَانَا وَكُنَّا مَجْهُولِينَ عِنْدَهُ وَصَحَّ خِطَابُهُ وَلَزِمَنَا وَالْقُضَاةُ الْيَوْمَ عَلَيْهِ ; وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْكِتَابِ اسْمُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَعَلَى الْعُنْوَانِ أَيْضًا، فَلَوْ كَانَ عَلَى الْعُنْوَانِ وَحْدَهُ لَمْ تُقْبَلْ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ تَحْتَ الْخَتْمِ مُتَوَهَّمُ التَّبْدِيلِ.
قَالَ: (فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ نُظِرَ فِي خَتْمِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي سَلَّمَهُ إِلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ وَفَتَحَهُ وَقَرَأَهُ عَلَى الْخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ مَا فِيهِ) لِثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَقْبَلُهُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ) لِأَنَّهُ لِلْإِلْزَامِ
(2/92)

فَإِنْ مَاتَ الْكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ، أَوْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ قَبْلَ وُصُولِ كِتَابِهِ بَطَلَ، وَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بَطَلَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ بَعْدَ اسْمِهِ: وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ مَاتَ الْخَصْمُ نَفَّذَ عَلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصْمُ فِي بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَطَلَبَ الطَّالِبُ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ وَيَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَذِي فِيهِ خَصْمُهُ كَتَبَ لَهُ، وَيَكْتُبُ فِي كِتَابِهِ نُسْخَةَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَوْ مَعْنَاهُ.

فَصْلٌ حَكَّمَا رَجُلًا لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا جَازَ (ف) ، وَلَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
كَالشَّهَادَةِ لَا يَسْمَعُهَا إِلَّا بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ، وَلَا يَفْتَحُهُ إِلَّا بِحَضْرَتِهِ. وَقِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُضُورِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ حَالَةَ الْفَتْحِ.
قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ الْكَاتِبُ أَوْ عُزِلَ أَوْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ) بِأَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. (قَبْلَ وُصُولِ كِتَابِهِ بَطَلَ) ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ كَالْخِطَابِ حَالَةَ وُصُولِهِ وَهُوَ بِالْمَوْتِ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ، وَبِالْعَزْلِ وَغَيْرِهِ صَارَ كَغَيْرِهِ مِنَ الرَّعَايَا.
(وَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بَطَلَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ بَعْدَ اسْمِهِ: وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ مَاتَ الْخَصْمُ نَفَذَ عَلَى وَرَثَتِهِ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصْمُ فِي بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَطَلَبَ الطَّالِبُ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ وَيَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ خَصْمُهُ كَتَبَ لَهُ) لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
(وَيَكْتُبُ فِي كِتَابِهِ نُسْخَةَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَوْ مَعْنَاهُ) لِيَكْتُبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ.

[فصل ما يجوز فيه التحكيم وما لا يجوز]
فصل
(حكما رجلا ليحكم بينهما) لأن لهما ولاية على أنفسهما حتى كان كالقاضي في حقهما والمصالح في حق غيرهما؛ لأن غيرهما لم يرض بحكمه، وليس له عليه ولاية بخلاف القاضي.
وصورته: إذا رد المشتري المبيع على البائع بعيب بالتحكيم لا يملك الرد، على بائعه لما ذكرنا، وكذلك إذا حكما في قتل خطأ فحكمه بالدية على العاقلة لا يلزمهم لعدم ولايته عليهم (ولا يجوز التحكيم فيما يسقط بالشبهة) كالحدود والقصاص؛ لأنه لا ولاية لهما على دمهما حتى لا يباح بإباحتهما. وقيل: يجوز في القصاص لأنهما يملكانه فيملكان تفويضه إلى غيرهما، والحدود حق الله تعالى فلا يجوز، ويجوز في تضمين السرقة دون القطع،
(2/93)

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ وَيَقْضِيَ بِالنُّكُولِ وَالْإِقْرَارِ، فَإِذَا حَكَمَ لَزِمَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَإِنْ رُفِعَ حُكْمُهُ إِلَى قَاضٍ أَمْضَاهُ إِنْ وَافَقَ مَذْهَبَهُ، وَأَبْطَلَهُ إِنْ خَالَفَهُ، وَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لُهُ.

كِتَابُ الْحَجْرِ وَأَسْبَابُهُ: الصِّغَرُ وَالْجُنُونُ وَالرِّقُ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَذِي لَا يَعْقِلُ أَصْلًا، وَتَصَرُّفُ الَذِي يَعْقِلُ إِنْ أَجَازَهُ وَلِيُّهُ، أَوْ كَانَ أَذِنَ لَهُ يَجُوزُ، وَالْعَبْدُ كَالصَّبِيِّ الَذِي يَعْقِلُ ; وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَصِحُّ عُقُودُهُمَا وَإِقْرَارُهُمَا وَطَلَاقُهُمَا وَعَتَاقُهُمَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(ويشترط أن يكون من أهل القضاء) لأنه يلزمهما حكمه كالقاضي، وتعتبر أهليته وقت الحكم والتحكيم جميعا (وله أن يسمع البينة ويقضي بالنكول والإقرار) لأنه حكم شرعي (فإذا حكم لزمهما) لولايته عليهما (ولكل واحد منهما الرجوع قبل الحكم) لأنه إنما ولي الحكم عليهما برضاهما، فإذا زال الرضا زالت الولاية كالقاضي مع الإمام (وإن رفع حكمه إلى قاض أمضاه وإن وافق مذهبه) لعدم الفائدة في نقضه (وأبطله إن خالفه) لأنه لا ولاية له عليه، فلا يلزمه إنفاذ حكمه، بخلاف القاضي؛ لأن ولايته عامة (ولا يجوز حكمه لمن لا تقبل شهادته له) للتهمة، والله أعلم.

[كِتَابُ الْحَجْرِ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الْمَنْعِ، وَمِنْهُ حِجْرُ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَسُمِّيَ الْحَرَامُ حَجْرًا؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَفِي الشَّرْعِ: الْمَنْعُ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ بِأَوْصَافٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَأَسْبَابُهُ: الصِّغَرُ وَالْجُنُونُ وَالرِّقُّ) لِأَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا يَهْتَدِيَانِ إِلَى الْمَصَالِحِ وَلَا يِعْرِفَانِهَا فَنَاسَبَ الْحَجْرُ عَلَيْهِمَا، وَالْعَبْدُ تَصَرُّفُهُ نَافِذٌ عَلَى مَوْلَاهُ فَلَا يَنْفُذُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ أَصْلًا) لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ.
(وَتَصَرُّفُ الَّذِي يَعْقِلُ إِنْ أَجَازَهُ وَلِيُّهُ أَوْ كَانَ أَذِنَ لَهُ يَجُوزُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَلِيَّ مَا أَجَازَ ذَلِكَ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ نَظَرًا لَهُ وَإِلَّا لَمَا أَجَازَ.
(وَالْعَبْدُ) مَعَ مَوْلَاهُ. (كَالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ) مَعَ وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمَوْلَى فَإِذَا أَجَازَهُ جَازَ.
قَالَ: (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَصِحُّ عُقُودُهُمَا وَإِقْرَارُهُمَا وَطَلَاقُهُمَا وَعَتَاقُهُمَا) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٍ
(2/94)

وَإِنْ أَتْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا، وَأَقْوَالُ الْعَبْدِ نَافِذَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَزِمَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ أَوْ قَصَاصٍ أَوْ طَلَاقٍ لَزِمَهُ فِي الْحَالِ، وَبُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ أَوِ الْإِحْبَالِ أَوِ الْإِنْزَالِ، أَوِ بُلُوغِ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً (سم) . وَالْجَارِيَةُ بِالِاحْتِلَامِ، أَوِ الْحَيْضِ، أَوِ الْحَبَلِ، أَوْ بُلُوغِ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً (سم) ;
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ» وَالْعِتْقُ تَمَحَّضَ ضَرَرًا؛ وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَا مَنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ لِرُجْحَانِ جَانِبِ الضَّرَرِ نَظَرًا إِلَى سَفَهِهِمَا وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمَا وَعَدَمِ قَصْدِهِمَا الْمَصَالِحِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَتْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا) إِحْيَاءٌ لِحَقِّ الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ، وَالضَّمَانُ يَجِبُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَجِنَايَةِ النَّائِمِ وَالْحَائِطِ الْمَائِلِ؛ وَلِأَنَّ الْإِتْلَافَ مَوْجُودٌ حِسًّا وَهُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ، فَلَا يُرَدُّ إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَيُجْعَلُ عَدَمُ الْقَصْدِ شُبْهَةً، وَيَنْقَلِبُ الْقَتْلُ فِي الْعَمْدِ إِلَى الدِّيَةِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَأَقْوَالُ الْعَبْدِ نَافِذَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لِأَهْلِيَّتِهِ.
(فَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَزِمَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ) لِعَجْزِهِ فِي الْحَالِ وَصَارَ كَالْمُعْسِرِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ طَلَاقٍ لَزِمَهُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الدَّمِ مُبْقٍ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ إِقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَا يُسْتَبَاحُ بِإِبَاحَتِهِ. وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ إِلَّا الطَّلَاقَ» وَلِأَنَّهُ أَهْلٌ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَوْلَى فَيَقَعُ.
قَالَ: (وَبُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ أَوِ الْإِحْبَالِ، أَوِ الْإِنْزَالِ، أَوْ بُلُوغِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَالْجَارِيَةُ بِالِاحْتِلَامِ، أَوِ الْحَيْضِ، أَوِ الْحَبَلِ، أَوْ بُلُوغِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً) لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِنْزَالِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا» أَيْ بَالِغٍ وَبَالِغَةٍ، وَالْحَبَلُ وَالْإِحْبَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهِ، وَالْحَيْضُ عَلَامَةُ الْبُلُوغِ أَيْضًا، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِحَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» أَيْ بَالِغٍ ; وَأَمَّا الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ فَالْمَذْكُورُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: بُلُوغُهُمَا بِتَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ الْغَالِبُ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَأَجَازَنِي» وَلَهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهِيَ أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ، فَأَخَذْنَا بِهِ احْتِيَاطًا، هَذَا أَشُدُّ الصَّبِيِّ، فَأَمَّا أَشُدُّ الرَّجُلِ فَأَرْبَعُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] وَالْأُنْثَى أَسْرَعُ بُلُوغًا فَنَقَصْنَاهَا سَنَةً ; فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُجِيزُ غَيْرَ الْبَالِغِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا عَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ابْنَهُ فَرَدَّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُرَدُّ ابْنِي وَتُجِيزُ رَافِعًا وَابْنِي يَصْرَعُ رَافِعًا؟ فَأَمَرَهُمَا فَاصْطَرَعَا فَصَرَعَهُ فَأَجَازَهُ» . وَأَدْنَى مُدَّةٍ يُصَدَّقُ الْغُلَامُ
(2/95)

وَإِذَا رَاهَقَا، وَقَالَا: بَلَغْنَا، صُدِّقَا، وَلَا يُحْجَرُ عَلَى (سم) الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا يُنْفِقُ مَالَهُ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ. ثُمَّ إِذَا بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِيهَا عَلَى الْبُلُوغِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَالْجَارِيَةُ تِسْعُ سِنِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
(وَإِذَا رَاهَقَا وَقَالَا بَلَغْنَا صُدِّقَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا، فَيُصَدَّقَانِ فِيهِ إِذَا احْتَمَلَ الصِّدْقُ.
قَالَ: (وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا يُنْفِقُ مَالَهُ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ) وَقَالَا: نَحْجُرُ عَلَيْهِ وَيُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ نَظَرًا لَهُ، لِأَنَّا حَجَرْنَا عَلَى الصَّبِيِّ لِاحْتِمَالِ التَّبْذِيرِ، فَلَأَنْ نَحْجُرَ عَلَى السَّفِيهِ مَعَ تَيَقُّنِهِ كَانَ أَوْلَى، وَلِهَذَا يُمْنَعُ عَنْهُ مَالُهُ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ بِدُونِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّبْذِيرُ بِمَا يَعْقِدُهُ مِنَ الْبِيَاعَاتِ الظَّاهِرَةِ الْخُسْرَانُ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَاعَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَقَضَى دُيُونَهُ» وَبَاعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَالَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ لِسَفَهِهِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ: أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ كَانَ يُغَبْنُ فِي الْبِيَاعَاتِ فَطَلَبَ أَوْلِيَاؤُهُ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَفِي الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالرَّشِيدِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ بِالْحَجْرِ فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إِتْلَافِ أَمْوَالِهِ بِتَزْوِيجِ الْأَرْبَعِ وَتَطْلِيقِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَوَقْتٍ، وَلَا مَعْنَى لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَا يَنْدَفِعُ؛ وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِهْدَارٌ لِآدَمِيَّتِهِ وَإِلْحَاقٌ لَهُ بِالْبَهَائِمِ، وَضَرَرُهُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِهِ بِالتَّبْذِيرِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ ذَوُو الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ الْأَبِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ تَحَمُّلُ الضَّرَرِ الْأَعْلَى لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْأَدْنَى حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ دَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ جَازَ كَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ لِعُمُومِ الضَّرَرِ مِنَ الْأَوَّلِ فِي الْأَدْيَانِ، وَمِنَ الثَّانِي فِي الْأَبْدَانِ، وَمِنَ الثَّالِثِ فِي الْأَمْوَالِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ قُلْنَا: إِنَّمَا بَاعَ مَالَهُ بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَكُنْ سَفِيهًا، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ وَقَدِ اخْتَارَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْقَضَاءِ وَفَصْلِ الْحُكْمِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقِيلَ كَانَ يَبِيعُ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ عُقُوبَةً مِنْ مَنْعِ الْمَالِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَمَنْعُ الْمَالِ عَنْهُ مُفِيدٌ؛ لِأَنَّ غَالِبَ السَّفَهِ يَكُونُ فِي الْهِبَاتِ وَالنَّفَقَاتِ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ ; وَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَبْطَلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا قَضَاءَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَلَوْ أَمْضَاهُ الثَّانِي ثُمَّ رُفِعَ إِلَى ثَالِثٍ لَا يَنْقُضُهُ؛ لِأَنَّ الثَّانِي قَضَى فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَلَا يُنْقَضُ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: إِنْ كَانَ مُبَذِّرًا اسْتَحَقَّ الْحَجْرَ فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ مَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي، فَإِذَا صَلَحَ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا بِإِطْلَاقِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَبْذِيرُهُ يَحْجُرُهُ وَإِصْلَاحُهُ يُطْلِقُهُ نَظَرًا إِلَى الْمُوجِبِ وَزَوَالِهِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَضَاءِ لِيَتَرَجَّحَ بِهِ.
(ثُمَّ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. (إِذَا بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ)
(2/96)

فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً سُلِّمَ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ (سم) وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَهُوَ إِينَاسُ الرُّشْدِ بِالنَّصِّ.
(فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً سُلِّمَ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ) وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُؤْنَسَ رُشْدُهُ بِالنَّصِّ، وَلَا يَجُوزَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ السَّفَهُ، فَيَبْقَى بِبَقَائِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6] وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ عَنْهُ إِذَا كَبِرَ، وَقَدَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ إِينَاسُ الرُّشْدِ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَدًّا.
وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: يَنْتَهِي لُبُّ الرَّجُلِ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَفَسَّرَ الْأَشُدَّ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ نَافِذٌ، لِأَنَّ الْمَنْعَ عَنْهُ لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلْحَجْرِ، فَلِهَذَا نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
ثُمَّ نُفَرِّعُ الْمَسَائِلَ عَلَى قَوْلِهِمَا فَنَقُولُ: إِذَا حَجَرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ صَارَ فِي حُكْمِ الصَّبِيِّ، إِلَّا فِي أَشْيَاءٍ فَإِنَّهَا تَصِحُّ مِنْهُ كَالْعَاقِلِ، وَهِيَ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ، الِاسْتِيلَادُ، وَالتَّدْبِيرُ، وَالْوَصِيَّةُ مِثْلُ وَصَايَا النَّاسِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفَاتِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا.
أَمَّا النِّكَاحُ فَهُوَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيُلْزَمُ بِمِثْلِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَا غَبْنَ فِيهِ، وَيَبْطُلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الْمَالِ مَالٌ وَصَارَ كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ سَفِيهَةً فَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ كُفْءٍ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ جَازَ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا يُقَالُ لِلزَّوْجِ: إِمَّا أَنْ تُتِمَّ لَهَا أَوْ تُفَارِقَهَا؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِالنُّقْصَانِ لَمْ يَصِحَّ، وَيُخَيَّرُ الزَّوْجُ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا لَمْ يُخَيَّرْ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّخْيِيرِ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ» ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ النِّكَاحَ وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَالْعِتْقُ لِوُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ، وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ لِمَكَانِ الْحَجْرِ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ بِالْمَالِ، إِلَّا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَقُلْنَا بِنَفَاذِهِ، وَوُجُوبِ السِّعَايَةِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَسْعَى.
وَأَمَّا التَّدْبِيرُ فَلِأَنَّهُ يُوجِبُ حَقَّ الْعِتْقِ، أَوْ هُوَ عِتْقٌ مِنْ وَجْهٍ، فَاعْتُبِرَ بِحَقِيقَةِ الْعِتْقِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَسْعَى إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤْنَسْ رُشْدَهُ سَعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ.
وَأَمَّا الِاسْتِيلَادُ فَإِنْ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ وَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ لِحَاجَتِهِ إِلَى بَقَاءِ النَّسْلِ فَلَا تَسْعَى إِذَا مَاتَ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَمَعَهَا وَلَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ سَعَتْ فِي قِيمَتِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ فَصَارَ كَالْعِتْقِ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَصِحَّ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَهِبَةٌ، لَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مِثْلَ وَصَايَا النَّاسِ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ فَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لَا غَيْرُ وَهُوَ عَاقِلٌ بَالِغٌ فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيمَا لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَيَلْزَمُهُ
(2/97)

وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الْفَاسِقِ، وَلَا عَلَى الْمَدْيُونِ، فَإِنْ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ، حَبَسَهُ حَتَّى يَبِيعَ وَيُوَفِّيَ الدَّيْنَ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَالدَّيْنُ مِثْلُهُ قَضَاهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ، وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ أَوْ بِالْعَكْسِ بَاعَهُ الْقَاضِي فِي الدَّيْنِ، وَلَا يَبِيعُ الْعُرُوضَ وَلَا الْعَقَارَ، وَقَالَا: يَبِيعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحَجِّ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ، وَلَا حَجْرَ عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَتُخْرَجُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي غَيْرِ مَصْرِفِهَا.
وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَمَا لِلصَّوْمِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَيُكَفِّرُهُ بِالصَّوْمِ لَا غَيْرُ كَابْنِ السَّبِيلِ الْمُنْقَطِعِ عَنْ مَالِهِ ; وَلَوْ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارِهِ نَفَذَ الْعِتْقُ وَسَعَى فِي قِيمَتِهِ، وَلَا يَجْزِيهِ عَنِ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ بِبَدَلٍ كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ إِذَا أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ مَاتَ يَسْعَى الْعَبْدُ لِلْغُرَمَاءِ وَلَا يَجْزِيهِ، وَكَذَا سَائِرُ الْكَفَّارَاتِ ; وَلَوْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ ثُمَّ صَلَحَ قَبْلَ تَمَامِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ لِزَوَالِ الْعَجْزِ.
وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُسَلِّمُ النَّفَقَةَ إِلَى ثِقَةٍ فِي الْحَاجِّ يُنْفِقُهَا عَلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ لِوُجُوبِهَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا مِنَ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَأَثْوَبُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَبَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَلَهُ أَنْ يَسُوقَ الْبَدَنَةَ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ، فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَّرَ الْهَدْيَ بِالْبَدَنَةِ، وَيَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعِبَادِ إِذَا تَحَقَّقَتْ أَسْبَابُهَا عَمَلًا بِالسَّبَبِ، وَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَذَوِي أَرْحَامِهِ؛ لِأَنَّ السَّفَهَ لَا يُبْطِلُ حُقُوقَ الْعِبَادِ؛ وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ.
قَالَ: (وَلَا يَحْجُرُ عَلَى الْفَاسِقِ) أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِنْدُهُمَا إِنْ كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6] الْآيَةَ، وَقَدْ أُونِسَ مِنْهُ نَوْعُ رُشْدٍ وَهُوَ إِصْلَاحُ الْمَالِ فَيَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ؛ وَلِأَنَّ الْحَجْرَ لِلْفَسَادِ فِي الْمَالِ لَا فِي الدِّينِ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْكُفْرُ أَعْظَمُ مِنَ الْفِسْقِ.
قَالَ: (وَلَا) يُحْجَرُ. (عَلَى الْمَدْيُونِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ.
(فَإِنْ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ حَبَسَهُ حَتَّى يَبِيعَ وَيُوَفِّيَ الدَّيْنَ) عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
(فَإِنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَالدَّيْنُ مِثْلُهُ قَضَاهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ أَمْرِهِ) لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَالْقَاضِي يُعِينُهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ أَوْ بِالْعَكْسِ بَاعَهُ الْقَاضِي فِي الدَّيْنِ) وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ كَالْعُرُوضِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ نَظَرًا إِلَى الثَّمَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ وَعَدَمِ التَّعْيِينِ، بِخِلَافِ الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّهَا مُبَايِنَةٌ لِلدُّيُونِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْغَرَضُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْعُرُوضِ دُونَ الْأَثْمَانِ فَافْتَرَقَا.
(وَلَا يَبِيعُ الْعُرُوضَ وَلَا الْعَقَارَ) ؛ لِأَنَّهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ وَهُوَ تِجَارَةٌ لَا عَنْ تَرَاضٍ.
(وَقَالَا: يَبِيعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا طَلَبَ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَجَرَ
(2/98)

وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ فَالْحُكْمُ مَا مَرَّ فِي أَدَبِ الْقَاضِي، وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحَبْسِ يُلَازِمُونَهُ، وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ، وَيَأْخُذُونَ فَضْلَ كَسْبِهِ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمُ بِالْحِصَصِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْقَاضِي عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَالْإِقْرَارِ حَتَّى لَا يَضُرَّ بِالْغُرَمَاءِ نَظَرًا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَلْجَأَ مَالَهُ فَيَفُوتُ حَقُّهُمْ ; وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْغُرَمَاءِ، وَيَبِيعُ مَالَهُ إِنِ امْتَنَعَ الْمَدْيُونُ مِنْ بَيْعِهِ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ؛ لِأَنَّ إِيفَاءَ الدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، فَيُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْبَيْعُ لِإِيفَائِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ بَاعَ الْقَاضِي عَلَيْهِ نِيَابَةً كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا مَرَّ ; وَجَوَابُهُمَا أَنَّ التَّلْجِئَةَ مُتَوَهِّمَةٌ فَلَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ مُتَيَقَّنٌ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ تَعْيِينَ الْبَيْعِ لَهُ، بِخِلَافِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَإِنَّمَا يُحْبَسُ لِيُوفِّيَ دَيْنَهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ شَاءَ، ثُمَّ التَّفْرِيعُ عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ النُّقُودُ، ثُمَّ الْعُرُوضُ، ثُمَّ الْعَقَارُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَمُرَاعَاةِ الْمَدْيُونِ، وَيَتْرُكُ لَهُ ثِيَابُ بَدَنِهِ دَسْتٌ أَوْ دِسْتَانِ، وَإِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ الْحَجْرِ بِمَالٍ لَزِمَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْأَوَّلِينَ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ فِي الْحَالِ لَمَا كَانَ فِي الْحَجْرِ فَائِدَةٌ حَتَّى لَوِ اسْتَفَادَ مَالًا بَعْدَ الْحَجْرِ نَفَذَ إِقْرَارُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّهُمْ، وَلَوِ اسْتَهْلَكَ مَالًا لَزِمَهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا رَادَّ لَهُ، وَيُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَذَوِي أَرْحَامِهِ، لِأَنَّهَا مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّهِمْ، وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَهِيَ فِي مَهْرِ مِثْلِهَا أُسْوَةٌ بِالْغُرَمَاءِ.
قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ، فَالْحُكْمُ مَا مَرَّ فِي أَدَبِ الْقَاضِي) إِلَى أَنْ قَالَ خَلَّى سَبِيلَهُ.
قَالَ: (وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحَبْسِ يُلَازِمُونَهُ وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ، وَيَأْخُذُونَ فَضْلَ كَسْبِهِ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدُ وَاللِّسَانُ» أَيِ الْيَدُ بِالْمُلَازَمَةِ، وَاللِّسَانُ بِالِاقْتِضَاءِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا فَلَّسَهُ الْقَاضِي حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ مَالٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَضَاءِ بِالْإِفْلَاسِ فَيَصِحُّ عِنْدَهُمَا فَيَسْتَحِقُّ الْإِنْظَارَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْإِفْلَاسَ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحُ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَهَادَةٌ عَلَى الْعَدَمِ حَقِيقَةً فَلَا تُقْبَلُ؛ وَلِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَتَحَقَّقُونَ بَاطِنَ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأُمُورِهِمْ، فَرُبَّمَا لَهُ مَالٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَدْ أَخْفَاهُ خَوْفًا مِنَ الظَّلَمَةِ وَاللُّصُوصِ وَهُوَ يُظْهِرُ الْفَقْرَ وَالْعُسْرَةُ، فَإِذَا لَازَمُوهُ فَرُبَّمَا أَضْجَرُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، وَالْمُلَازَمَةُ أَنْ يَدُورَ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ، وَيَجْلِسَ عَلَى بَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ امْرَأَةً لَا يُلَازِمُهَا حِذَارًا مِنَ الْفِتْنَةِ وَيَبْعَثُ امْرَأَةً أَمِينَةً تُلَازِمُهَا، وَبَيِّنَةُ الْيَسَارِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ؛ لِأَنَّهَا مُثْبَتَةٌ؛ إِذِ الْأَصْلُ الْإِعْسَارُ.
(2/99)

كتاب المأذون
وَيَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ وَبِالدَّلَالَةِ (ز) كَمَا لَوْ رَآهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، وَيَصِيرُ مَأْذُونًا بِالْإِذْنِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ المأذون]
ِ الْإِذْنُ فِي اللُّغَةِ: الْإِعْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] أَيْ أَعْلِمْ، وَمِنْهُ الْأَذَانُ؛ لِأَنَّهُ إِعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَفِي الشَّرْعِ: فَكُّ الْحَجْرِ وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ لِمَنْ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْهُ شَرْعًا، فَكَأَنَّهُ أَعْلَمَهُ بِفَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ وَإِطْلَاقِ تَصَرُّفِهِ، وَأَعْلَمَ التُّجَّارَ بِذَلِكَ لِيُعَامِلُوهُ، وَفَائِدَتُهُ اهْتِدَاءُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ إِلَى إِصْدَارِ التَّصَرُّفَاتِ وَاكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ وَاسْتِجْلَابِ الْأَرْبَاحِ، وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء: 6] أَيِ اخْتَبِرُوهُمْ بِشَيْءٍ تَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ فَتَنْظُرُوا فِي تَصَرُّفِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ» وَلَا يُجَوِّزُ إِجَابَةَ دَعْوَةَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِذْنِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، ثُمَّ الْعَبْدُ بِالْإِذْنِ يَصِيرُ كَالْأَحْرَارِ فِي التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفَاتِ بِأَهْلِيَّتِهِ بِأَصْلِ الْفِطْرَةِ بِاعْتِبَارِ عَقْلِهِ وَنُطْقِهِ الَّذِي هُوَ مَلَاكُ التَّكْلِيفِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْمَوْلَى لِاحْتِمَالِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِكَسْبِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِلْكُ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِ فَيَتَصَرَّفُ بِاعْتِبَارِ مَالِكِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَاتِ لَا تَتَوَقَّفُ حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا كَانَ مَأْذُونًا مُطْلَقًا مَا لَمْ يَنْهَهُ، وَكَذَلِكَ إِذْنُ الْقَاضِي وَالْوَصِيِّ لِعَبْدِ الْيَتِيمِ، وَكَذَلِكَ لِلصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ، فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ سُوءِ تَصَرُّفِهِ وَعَدَمِ هِدَايَتِهِ لِلْأَصْلَحِ، فَإِذْنُهُمَا لَهُمَا دَلِيلُ صَلَاحِيَةِ التَّصَرُّفِ فَجَازَ تَصَرُّفُهُ.
قَالَ: (وَيَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ وَبِالدَّلَالَةِ كَمَا لَوْ رَآهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا) لِأَنَّ سُكُوتَهُ عِنْدَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ دَلِيلُ رِضَاهُ، كَسُكُوتِ الشَّفِيعِ عِنْدَ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ لِأَنَّ سُكُوتَهُ مُحْتَمَلٌ، وَصَارَ كَالْوَكِيلِ. وَلَنَا أَنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْهُ يَتَصَرَّفُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَالْمَوْلَى سَاكِتٌ يَعْتَقِدُونَ رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَإِلَّا لَمَنَعَهُ فَيُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةَ الْمَأْذُونِ، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ سُكُوتُهُ رِضًى يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ رِضًى دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ.
قَالَ: (وَيَصِيرُ مَأْذُونًا بِالْإِذْنِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ) فَالْعَامُّ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ، وَأَذِنْتُ لَكَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ،
(2/100)

وَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِشِرَاءِ طَعَامِ الْأَكْلِ وَثِيَابِ الْكُسْوَةِ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا، وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيُوَكِّلَ وَيُبْضِعَ وَيُضَارِبَ وَيُعِيرَ وَيَرْهَنَ وَيَسْتَرْهِنَ وَيُؤَجِّرَ وَيَسْتَأْجِرَ وَيُسْلِمَ وَيَقْبَلَ السَّلَمَ وَيُزَارِعَ وَيَشْتَرِيَ طَعَامًا وَيَزْرَعَهُ وَيُشَارِكَ عِنَانًا، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ جَازَ، وَلَا يَتَزَوَّجُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا يُقَيِّدُهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: أَدِّ إِلَيَّ الْغَلَّةَ، أَوْ إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْكَسْبِ وَلَا كَسْبَ إِلَّا بِالتِّجَارَةِ وَيَجُوزُ تَصَرُّفُهُ بِالْغَبْنِ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ غَبْنًا فَاحِشًا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ. وَلَهُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّتِهِ كَالْحُرِّ وَهَذِهِ تِجَارَةٌ فَتَجُوزُ، وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَالْخَاصُّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَذِنْتُ لَكَ فِي الْبَرِّ أَوْ فِي الصَّرْفِ أَوْ فِي الْخِيَاطَةِ أَوْ فِي الصِّيَاغَةِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ وَالْحِرَفِ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَهَاهُ عَنِ التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَخْتَصُّ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ التَّصَرُّفَ بِإِذْنِهِ كَالْوَكِيلِ. وَلَنَا مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ فَكَّ الْحَجْرَ وَرَفَعَ السَّبَبَ الَّذِي كَانَ لِأَجْلِهِ مَحْجُورًا فَبَعْدَهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ كَمَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ، وَفَكُّ الْحَجْرِ يُوجَدُ بِالْإِذْنِ فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَلْحَقُ بِالْمَوْلَى لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ فَيَلْغُو التَّقْيِيدُ وَيَبْقَى قَوْلُهُ اتَّجِرْ، وَلَيْسَ كَالْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِ أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. أَمَّا رَفْعُ الْحَجْرِ إِسْقَاطُهُ، وَالْجَهَالَةُ لَا تُبْطِلُهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِالْعُهْدَةِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ أَذِنْتُ لَكَ صَحَّ، وَفِي التَّوْكِيلِ لَا يَصِحُّ، وَالصَّبِيُّ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ فِي مَالِهِ فَلَا يَكُونُ نَائِبًا.
قَالَ: (وَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِشِرَاءِ طَعَامِ الْأَكْلِ وَثِيَابِ الْكُسْوَةِ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا) لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ وَلَيْسَ بِتِجَارَةٍ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ الرِّبْحُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوِ اعْتَبَرْنَاهُ إِذْنًا أَدَّى إِلَى سَدِّ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ، وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى.
قَالَ: (وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ) لِأَنَّهُ أَصْلُ التِّجَارَةِ.
(وَيُوَكِّلَ) لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
(وَيُبْضِعَ وَيُضَارِبَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ التِّجَارَةِ.
(وَيُعِيرَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ التُّجَّارِ.
وَ (يَرْهَنَ وَيَسْتَرْهِنَ) لِأَنَّهُ وَفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ، وَهُمَا مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ.
(وَيُؤَجِّرَ وَيَسْتَأْجِرَ وَيُسَلِّمَ وَيَقْبَلَ السَّلَمَ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ.
(وَيُزَارِعَ وَيَشْتَرِيَ طَعَامًا وَيَزْرَعَهُ) لِأَنَّهُ تِجَارَةٌ يَقْصِدُ بِهَا الرِّبْحَ.
(وَيُشَارِكَ عِنَانًا) لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ التُّجَّارِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الرِّبْحُ وَالِاكْتِسَابُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
(وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ جَازَ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ مُعَامَلَتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْغَصْبَ مُبَادَلَةٌ.
(وَلَا يَتَزَوَّجُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ، فَلَوْ تَزَوَّجَ أُخِذَ بِالْمَهْرِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ.
(2/101)

وَلَا يُزَوِّجُ مَمَالِيكَهُ (س) ، وَلَا يُكَاتِبُ، وَلَا يَعْتِقُ، وَلَا يُقْرِضُ، وَلَا يَهَبُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ، وَلَا يَتَكَفَّلُ، وَيُهْدِي الْقَلِيلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَيُضِيفُ مُعَامِلِيهِ وَيَأْذَنُ لِرَقِيقِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدُّيُونِ بِسَبَبِ الْإِذْنِ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَفِ بِالدُّيُونِ، فَإِنْ فَدَاهُ الْمَوْلَى بِدُيُونِ الْغُرَمَاءِ انْقَطَعَ حَقُّهُمْ عَنْهُ، وَإِلَّا يُبَاعُ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ لَمْ يَنْحَجِرْ حَتَّى يَعْلَمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَلَا يُزَوِّجُ مَمَالِيكَهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُزَوِّجُ الْأَمَةَ لِأَنَّهُ نَوْعُ تِجَارَةٍ، وَهُوَ وُجُوبُ نَفَقَتِهَا عَلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ تِجَارَةً؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ فِي الْعَبْدِ، وَنَفَقَتُهَا لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ؛ وَلِأَنَّ الزَّوَاجَ عَيْبٌ فِي الْأَمَةِ.
(وَلَا يُكَاتِبُ) لِأَنَّهُ إِطْلَاقٌ وَلَيْسَ بِتِجَارَةٍ.
(وَلَا يُعْتِقُ) بِمَالٍ وَلَا بِغَيْرِ مَالٍ.
(وَلَا يُقْرِضُ وَلَا يَهَبُ) بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ.
(وَلَا يَتَصَدَّقُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، أَوِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَلَيْسَ مِنَ التِّجَارَاتِ.
(وَلَا يَتَكَفَّلُ) بِنَفْسٍ وَلَا بِمَالٍ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.
قَالَ: (وَيُهْدِي الْقَلِيلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَيُضَيِّفُ مُعَامِلِيهِ) لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، وَفِيهِ اسْتِمَالَةُ قُلُوبِ الْمُعَامِلِينَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبِلَ هَدِيَّةَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ وَكَانَ عَبْدًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَصَدَّقُ بِالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يُقَدِّرْ مُحَمَّدٌ الضِّيَافَةَ الْيَسِيرَةَ، وَقِيلَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَالِ التِّجَارَةِ، إِنْ كَانَتْ نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافٍ فَالضِّيَافَةُ بِعَشَرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تِجَارَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَدَانِقٌ كَثِيرٌ، وَلَهُ أَنْ يَحُطَّ مِنَ الثَّمَنِ بِعَيْبٍ كَعَادَةِ التُّجَّارِ؛ وَلَعَلَّهُ أَصْلَحُ مِنَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ، وَلَا يَحُطُّ بِغَيْرِ عَيْبٍ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.
قَالَ: (وَيَأْذَنُ لِرَقِيقِهِ فِي التِّجَارَةِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تِجَارَةٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التِّجَارَةِ يَصِحُّ إِذْنُهُ لِلْعَبْدِ فِيهَا كَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ وَالْمُضَارِبِ وَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْقَاضِي وَشَرِيكَيِ الْمُفَاوَضَةِ وَالْعِنَانِ وَالْوَصِيِّ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأُمِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةُ التِّجَارَةِ.
قَالَ: (وَمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدُّيُونِ بِسَبَبِ الْإِذْنِ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى رَضِيَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ كَانَ تَصَرُّفُهُ نَفْعًا مَحْضًا فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِذْنِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ إِذْنَ الْمَوْلَى لِيَصِيرَ رَاضِيًا بِهَذَا الضَّرَرِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ هَذَا الدَّيْنِ التِّجَارَةُ وَهِيَ بِإِذْنِهِ؛ وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ مِمَّا يَدْعُو إِلَى مُعَامَلَتِهِ وَأَنَّهُ يُصْلِحُ مَقْصُودًا لِلْمَوْلَى فَيَنْعَدِمُ الضَّرَرُ فِي حَقِّهِ إِلَّا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِكَسْبِهِ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ.
(فَإِنْ لَمْ يَفِ بِالدُّيُونِ، فَإِنْ فَدَاهُ الْمَوْلَى بِدُيُونِ الْغُرَمَاءِ انْقَطَعَ حَقُّهُمْ عَنْهُ، وَإِلَّا يُبَاعُ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ كَتَعَلُّقِهَا بِالتَّرِكَةِ.
(فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ) لِأَنَّ الدَّيْنَ ثَبَتَ عَلَيْهِ وَلَمْ تَفِ بِهِ الرَّقَبَةُ، فَيَبْقَى عَلَيْهِ إِلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ.
قَالَ: (وَإِنْ حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ لَمْ يَنْحَجِرْ حَتَّى يَعْلَمَ
(2/102)

أَهْلُ سُوقِهِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ وَلَدَتِ الْمَأْذُونَةُ مِنْ مَوْلَاهَا فَهُوَ حَجْرٌ (ز) ، وَالْإِبَاقُ حَجْرٌ؛ وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى أَوْ جُنَّ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا صَارَ مَحْجُورًا، وَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ (سم) ، وَإِذَا اسْتَغْرَقَتِ الدُّيُونُ مَالَهُ وَرَقَبَتَهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَهْلُ سُوقِهِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا يُبَايِعُونَهُ بِنَاءً عَلَى مَا عَرَفُوهُ مِنَ الْإِذْنِ، فَلَوِ انْحَجَرَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُمْ بِكَسْبِهِ وَبِرَقَبَتِهِ يَتَأَخَّرُ إِلَى مَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ لَا يُعْتَقُ فَيَتَضَرَّرُونَ إِمَّا بِالتَّأْخِيرِ أَوْ بِالْعَدَمِ، وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي السُّوقِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ لَا يَنْحَجِرُ، وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْتِ عِنْدَ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ أَكْثَرِهِمُ انْحَجَرَ، وَالْمُعْتَبَرُ اشْتِهَارُ الْحَجْرِ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ الْإِذْنُ مَشْهُورًا ; أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْإِذْنِ غَيْرُ الْعَبْدِ ثُمَّ عَلِمَ بِالْحَجْرِ انْحَجَرَ، وَلَا يَزَالُ مَأْذُونًا حَتَّى يَعْلَمَ بِالْحَجْرِ كَالْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ لَوِ انْحَجَرَ بِدُونِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدُّيُونِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَأَنَّهُ ضَرَرٌ بِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ وَلَدَتِ الْمَأْذُونَةُ مِنْ مَوْلَاهَا فَهُوَ حَجْرٌ) خِلَافًا لِزُفَرَ. لَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْإِذْنَ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءٌ. وَلَنَا أَنَّهُ يُحَصِّنُهَا عَادَةً فَيَمْنَعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ وَالتَّصَرُّفَاتِ فَكَانَ حَجْرًا دَلَالَةً، بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِذْنِ فَلَا تُعَارِضُهُ الدَّلَالَةُ.
قَالَ: (وَالْإِبَاقُ حَجْرٌ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ كَسْبِهِ وَهُوَ مَا أُذِنَ لَهُ إِلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ مَقْصُودًا.
قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى أَوْ جُنَّ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا صَارَ مَحْجُورًا) لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ وَاللَّحَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى مِلْكِ وَرَثَتِهِ وَهُوَ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَيَزُولُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَبِالْجُنُونِ زَالَتِ الْأَهْلِيَّةُ فَيَبْطُلُ الْإِذْنُ اعْتِبَارًا بِالِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ يُعْتَبَرُ لِدَوَامِهِ الْأَهْلِيَّةُ كَمَا يُعْتَبَرُ لِابْتِدَائِهِ.
قَالَ: (وَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ) سَوَاءٌ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصْبٌ أَوْ أَمَانَةٌ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، وَقَالَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ كَانَ الْإِذْنَ وَقَدْ زَالَ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الرَّقَبَةِ وَصَارَ كَمَا إِذَا بَاعَهُ مِنْ آخَرَ، وَلَهُ أَنَّ الْمُصَحِّحَ الْيَدُ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِيمَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى، وَبُطْلَانُهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ إِقْرَارِهِ، بِخِلَافِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي يَدِهِ، وَمِلْكُ الْمَوْلَى ثَابِتٌ فِيهَا فَلَا يَبْطُلُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَبَدَّلَ فَلَمْ يَبْقَ حُكْمُ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَغْرَقَتِ الدُّيُونُ مَالَهُ وَرَقَبَتَهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ) وَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ لَوْ أَعْتَقَ عَبِيدَهُ لَا يَعْتِقُونَ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ عَلَى السِّنِينَ، وَقَالَا: يَمْلِكُهُ الْمَوْلَى وَيَعْتِقُونَ بِإِعْتَاقِهِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ فِي الْحَالِ. لَهُمَا أَنَّهُ مَلَكَ رَقَبَتَهُ حَتَّى جَازَ عِتْقُهُ فَيَمْلِكُ كَسْبَهُ، وَلِذَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ الْمَأْذُونَةِ، وَتَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ يَمْنَعُ الْمَوْلَى عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَنَقْضُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا فِي إِبْطَالِ مِلْكِهِ. وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ وَاقِعٌ لِلْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ الِاكْتِسَابُ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَوْلَى
(2/103)

وَإِنْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لَلْغُرَمَاءِ وَمَا بَقِيَ فَعَلَى الْعَبْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ الْمَوْلَى بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنَ الْمَوْلَى بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ.

كِتَابُ الْإِكْرَاهِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى إِيقَاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِذَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَالْحَاجَةُ قَائِمَةُ فِي الدَّيْنِ الْمُحِيطِ، وَالْمَأْذُونِ يَمْلِكُهُ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مُكَلَّفًا لَكِنَّ مِلْكًا مُنْتَقِلًا لَا مُسْتَقِرًّا كَمِلْكِ الْمَقْتُولِ الدِّيَةَ وَالْجَنِينِ الْغُرَّةَ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَى وَرَثَتِهِ حَتَّى يَكُونَ مَوْرُوثًا عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّ مَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ الدَّيْنِ سِيَّمَا التُّجَّارُ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَا الْقَلِيلَ مَانِعًا أَدَّى إِلَى سَدِّ بَابِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الْمَوْلَى فَيَمْتَنِعُ عَنِ الْإِذْنِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ) لِبَقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ.
(وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ، وَمَا بَقِيَ فَعَلَى الْعَبْدِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَقَدْ فَوَّتَهَا بِالْعِتْقِ فَيَغْرَمُ لَهُ قِيمَتَهَا، وَمَا فَضَلَ أَخَذُوهُ مِنَ الْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنُوا الْمُعْتَقَ جَمِيعَ دُيُونِهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ فَيَضْمَنُهَا وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِيهِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ الْمَوْلَى بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ) لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَسْبِهِ إِذَا كَانَ مَدْيُونًا كَمَا بَيَّنَّا وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْعَبْدِ بِدُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ سَقَطَ إِنْ كَانَ دَيْنًا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا لَا يَسْقُطُ لِجَوَازِ بَقَاءِ حَقِّهِ فِي الْعَيْنِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنَ الْمَوْلَى بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ) لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَا تُهْمَةَ حَتَّى لَوْ بَاعَهُ بِأَقَلِّ مِنَ الْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ لِلتُّهْمَةِ، وَلَوْ بَاعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَعَيَّبَهُ. فَالْغُرَمَاءُ إِنْ شَاءُوا ضَمَّنُوا الْبَائِعَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَقَّهُمْ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَإِنْ شَاءُوا ضَمَّنُوا الْمُشْتَرِيَ بِالشِّرَاءِ وَالتَّعْيِيبِ، وَإِنْ شَاءُوا أَجَازُوا الْبَيْعَ وَأَخَذُوا الثَّمَنَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ كَالْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ ضَمَّنُوا الْبَائِعَ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِمَا ضَمِنَ وَعَادَ حَقُّهُمْ إِلَى الْعَبْدِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.

[كِتَابُ الْإِكْرَاهِ]
ِ وَهُوَ الْإِلْزَامُ وَالْإِجْبَارُ عَلَى مَا يُكْرَهُ الْإِنْسَانُ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ مَا عَدِمَ الرِّضَا لِيَدْفَعَ عَنْهُ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْهَزْلِ الْمُنَافِي لِلرِّضَا، فَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ كَالطَّلَاقِ وَأَخَوَاتِهِ ; وَقِيلَ: هُوَ مُعْتَبَرٌ بِخِيَارِ الشَّرْطِ الْخَالِي عَنِ الرِّضَا بِمُوجِبِ الْعَقْدِ، فَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ.
قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ فِيهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى إِيقَاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ لَا يَتَحَقَّقُ الْخَوْفُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ،
(2/104)

وَخَوْفُ الْمُكْرَهِ عَاجِلًا، وَامْتِنَاعُهُ مِنَ الْفِعْلِ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ لِحَقِّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ أَوْ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ بِهِ نَفْسًا أَوْ عُضْوًا أَوْ مُوجِبًا غَمًّا يَنْعَدِمُ بِهِ الرِّضَا، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ فَفَعَلَ ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، وَإِنْ قَبَضَ الْعِوَضَ طَوْعًا فَهُوَ إِجَازَةٌ، وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهًا فَلَيْسَ بِإِجَازَةٍ، وَيَرُدُّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مِنْ سُلْطَانٍ، فَاخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ.
(وَ) لَا بُدَّ مِنْ. (خَوْفِ الْمُكْرَهِ عَاجِلًا) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخَفْ فِعْلَهُ يَكُونُ رَاضِيًا فَلَا يَكُونُ مُكْرَهًا ; لَأَنَّ الْإِكْرَاهَ مَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ أَوْ يُفْسِدُ عَلَيْهِ اخْتِيَارَهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْقَصْدِ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا، فَإِذَا فَعَلَ بِرِضَاهُ لَا يَكُونُ مُكْرَهًا.
(وَ) لَا بُدَّ مِنْ (امْتِنَاعِهِ مِنَ الْفِعْلِ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ) لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ الْمُكْرَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ بِفِعْلِهِ فَلَا إِكْرَاهَ وَيَكُونُ الِامْتِنَاعُ. (لِحَقِّهِ) كَبَيْعِ مَالِهِ وَالشِّرَاءِ، وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ) كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَنَحْوِهِ. (أَوْ لِحَقِّ الشَّرْعِ) كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
(وَ) لَا بُدَّ (أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ بِهِ نَفْسًا أَوْ عُضْوًا) كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ. (أَوْ مُوجِبًا غَمًّا يَنْعَدِمُ بِهِ الرِّضَا) كَالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ ; وَأَحْكَامُهُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَتَارَةً يَلْزَمُهُ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَتَارَةً يُبَاحُ لَهُ، وَتَارَةً يُرَخَّصُ، وَتَارَةً يَحْرُمُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ فَفَعَلَ ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ) لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، إِلَّا أَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الْحِلِّ وَهُوَ التَّرَاضِي فَصَارَ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ، حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ كَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ يَنْفُذُ وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ، وَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ لِوُجُودِ التَّرَاضِي بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ لِحَقِّ الشَّرْعِ يَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمَا، وَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ هَاهُنَا وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، لِأَنَّ الْفَسَادَ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي حُقُّ الْعَبْدِ، وَهُنَا أَيْضًا الرَّدُّ حَقُّ الْعَبْدِ، وَهَمَا سَوَاءٌ، وَلَوْ أُكْرِهَ بِضَرْبِ سَوْطٍ، أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ، أَوْ قِيدَ يَوْمٍ لَا يَكُونُ إِكْرَاهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَالَى بِهِ عَادَةً، إِلَّا إِذَا كَانَ ذَا مَنْصِبٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ، فَيَكُونُ إِكْرَاهًا فِي حَقِّهِ لِزَوَالِ الرِّضَى. وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَيْسَ بِسَبَبٍ، لَكِنْ جُعِلَ حُجَّةً لِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ، وَعِنْدَ الْإِكْرَاهِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ.
(وَإِنْ قَبَضَ الْعِوَضَ طَوْعًا فَهُوَ إِجَازَةٌ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا كَالْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ.
(وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهًا فَلَيْسَ بِإِجَازَةٍ، وَيَرُدُّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي
(2/105)

وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرِهَ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ فَفَعَلَ وَقَعَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ. وَفِي الطَّلَاقِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ، إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْمُتْعَةِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ إِتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِالْحَبْسِ أَوِ الضَّرْبِ فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ وَالْمَقْبُوضُ فِيهِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ.
(وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرِهَ) لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ لَهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي فَصَارَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُكْرِهُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ صَارَ كَالْبَائِعِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي نَفَّذَ كُلَّ بَيْعٍ حَصَلَ بَعْدَ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ، وَالْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ عِنْدَنَا عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ: (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ فَفَعَلَ وَقَعَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْهَزْلِ لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا فِي عَدَمِ الرِّضَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَسْلُبُ الْقَصْدَ، فَقَدْ قُصِدَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ عَلَى مَنْكُوحَتِهِ وَعَبْدِهِ فَيَقَعُ.
(وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ آلَةٌ لَهُ فَانْضَافَ إِلَيْهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ.
(وَفِي الطَّلَاقِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْمُتْعَةِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ) لِأَنَّهُ أَكَّدَ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِأَنْ تَجِيءَ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا، فَكَانَ إِتْلَافًا لِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْمَالِ فَيُضَافُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الدُّخُولِ، لِأَنَّ الْمَهْرَ تَأَكَّدَ بِالدُّخُولِ، وَهَكَذَا النَّذْرُ وَالْيَمِينُ وَالظِّهَارُ وَالرَّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ وَالْفَيْءُ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ وَتَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ، وَالْخُلْعُ يَمِينٌ أَوْ طَلَاقٌ وَعَلَيْهَا الْبَدَلُ إِنْ كَانَتْ طَائِعَةً، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا يَطْلُبُهُ فِيهَا، وَالنِّكَاحُ كَالطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ عِوَضُ مَا خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ لِلُزُومِ الزِّيَادَةِ وَقَدْ فَاتَتْ. وَإِنْ أُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ جَازَ وَلَا تَرْجِعُ بِشَيْءٍ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَالزَّوْجُ إِمَّا أَنْ يُتِمَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ يُفَارِقَهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبِلِهَا حَيْثُ لَمْ تَرْضَ بِالْمُسَمَّى، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ مُكْرَهَةٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا حَيْثُ لَمْ تَرْضَ بِالْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَتْ طَائِعَةً فَهُوَ رِضًى بِالْمُسَمَّى، وَيَبْقَى الِاعْتِرَاضُ لِلْأَوْلِيَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ: (فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ إِتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِالْحَبْسِ أَوِ الضَّرْبِ فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَأَكْلَ الْمَيْتَةِ وَمَالَ الْغَيْرِ مُبَاحٌ فِي حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ، وَهُوَ خَوْفُ فَوْتِ النَّفْسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
(2/106)

وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِإِتْلَافِ نَفْسِهِ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَإِنْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَبُحْ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِكْرَاهِ لَا يُبَاحُ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ جَرِيمَةً وَأَشَدُّ حُرْمَةً وَأَقْبَحُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالسَّمْعِ وَحُرْمَةُ الْكُفْرِ بِهِ وَبِالْعَقْلِ.
(وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِإِتْلَافِ نَفْسِهِ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ) أَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ فَلِمَا تَلَوْنَا مِنَ النَّصِّ. وَوَجْهُهُ أَنَّ حَالَةَ الضَّرُورَةِ صَارَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنَ الْحُرْمَةِ، فَكَانَتِ الْمَيْتَةُ وَالْخَمْرُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ كَالْخُبْزِ وَالْمَاءِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْإِبَاحَةِ أَثِمَ كَمَا فِي حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَمَّا زَالَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] صَارَ كَالْمُمْتَنِعِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى مَاتَ فَيَأْثَمُ. وَأَمَّا إِتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ فَكَذَلِكَ يُبَاحُ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ فَزَالَ الْإِثْمُ، وَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ لِمَا مَرَّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَعَّدُوهُ بِضَرْبٍ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ وَلَوْ أُنْمُلَةٍ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَعْضَاءِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَمَا لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَتْلُ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ لَا يُبَاحُ لَهُ قَطْعُ الْعُضْوِ، وَلَوْ خَوَّفُوهُ بِالْجُوعِ لَا يَفْعَلُ حَتَّى يَجُوعَ جُوعًا يَخَافُ مِنْهُ التَّلَفَ فَيَصِيرُ كَالْمُضْطَرِّ. وَأَمَّا الْكُفْرُ فَإِنَّهُ يَسَعُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَكْرَهَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَعْطَاهُمْ بِلِسَانِهِ مَا أَرَادُوا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: " مَا وَرَاءَكَ " ; فَقَالَ: شَرٌّ، نِلْتُ مِنْكَ، فَقَالَ: " كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: " مَا لَكَ، إِنْ عَادُوا فَعُدْ» وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] وَفِيهِ دَلِيلُ الْكِتَابِ ; وَالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ» وَالْأَثَرُ فِعْلُ عَمَّارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(وَإِنْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا) وَهُوَ الْعَزِيمَةُ «فَإِنَّ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ، وَقَالَ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» وَلِأَنَّهُ بَذَلَ مُهْجَتَهُ وَجَادَ بِرُوحِهِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَاءً لِكَلِمَتِهِ لِئَلَّا يَأْتِيَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَكَانَ شَهِيدًا كَمَنْ بَارَزَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ سَبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتَرْكُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَتْ فَرَضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ ; وَلَوْ أُكْرِهَ الذِّمِّيُّ عَلَى الْإِسْلَامِ صَحَّ إِسْلَامُهُ، كَمَا لَوْ قُوتِلَ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] سَمَّى الْمُكْرَهَ عَلَى الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا، فَإِنْ رَجَعَ الذِّمِّيُّ لَا يُقْتَلُ لَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يُسْلِمَ لِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي اعْتِقَادِهِ، فَاحْتَمَلَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَيُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ فَيَكُونُ ذِمِّيًا فَلَا يُقْبَلُ، إِلَّا أَنَّا رَجَّحْنَا جَانِبَ الْوُجُودِ حَالَةَ الْإِسْلَامِ تَصْحِيحًا لِإِسْلَامِهِ
(2/107)

وَلَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى الْقَتْلِ لَمْ يَفْعَلْ وَيَصْبِرُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَإِنْ قَتَلَ أَثِمَ، وَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ (ز س) ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الرِّدَّةِ لَمْ تَبِنِ امْرَأَتُهُ مِنْهُ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ (ز)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِتَرْجِيحِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْكُفْرِ.
قَالَ: (وَلَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى الْقَتْلِ لَمْ يَفْعَلْ وَيَصْبِرْ حَتَّى يُقْتَلَ) وَكَذَا قَطْعُ الْعُضْوِ، وَسَبُّ الْمُسْلِمِ وَأَذَاهُ، وَضَرْبُ الْوَالِدَيْنِ ضَرْبًا مُبَرِّحًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ وَلَا بِوَجْهٍ مَا، وَكَذَا قَتْلُ الْمُسْلِمِ الْبَرِيءِ لَا يُبَاحُ بِوَجْهٍ مَا.
(فَإِنْ قُتِلَ أَثِمَ) لِقِيَامِ الْحُرْمَةِ.
(وَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ) لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ آلَةً وَهُوَ الْقَتْلُ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ آلَةً فِي الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الدِّينِ وَأَنَّهُ حَرَامٌ فَلَا يُبَاحُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهَاتِ وَقَدْ تَحَقَّقَتِ الشُّبْهَةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْمُكْرَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُكْرِهُ فَلِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ. وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ عَلَى الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُوجِبَةٌ لِلْقَتْلِ وَلِهَذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْإِثْمُ، وَلَهُمَا مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ آلَةٌ فِيمَا يَصْلُحُ، وَالْقَتْلُ يَصْلُحُ بِأَنْ يُلْقِيَهُ عَلَيْهِ وَصَارَ كَمَنْ أَكْرَهَ مَجُوسِيًّا عَلَى ذَبْحِ شَاةِ مُسْلِمٍ، فَالْفِعْلُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُكْرَهِ فِي الْإِتْلَافِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَا يَنْتَقِلَ الْحُكْمُ حَتَّى لَا يَحِلَّ أَكْلُهَا.
قَالَ: (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الرِّدَّةِ لَمْ تَبِنِ امْرَأَتُهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ تُبْتَنَى عَلَى الرِّدَّةِ، وَالرِّدَّةُ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ؛ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ ; وَلَوِ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ وَيَأْثَمُ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ صَبَرَ كَانَ مَأْجُورًا كَالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُبَاحُ بِوَجْهٍ مَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ: يُحَدُّ لِأَنَّ انْتِشَارَ الْآلَةِ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ. قُلْنَا: وَقَدْ يَكُونُ طَبْعًا وَالشُّبْهَةُ مَوْجُودَةٌ، وَلَوْ أُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ وَسِعَهَا ذَلِكَ وَلَا تَأْثَمُ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ الرَّجُلَ دُونَهَا؛ لِأَنَّ الْإِيلَاجَ فِعْلُهُ فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الزِّنَا مِنْهَا، لَكِنَّ تَمْكِينَهَا وَسِيلَةٌ إِلَى فِعْلِهِ فَيُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ; وَلَوْ أَمَرَهُ وَلَمْ يُكْرِهْهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إِلَّا أَنَّهُ يَخَافُ الْقَتْلَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُكْرَهِ لِأَنَّ الْإِلْجَاءَ بِاعْتِبَارِ الْخَوْفِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ.
(2/108)

كِتَابُ الدَّعْوَى الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الدَّعْوَى]
الدَّعْوَى مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّعَاءِ وَهُوَ الطَّلَبُ.
وَفِي الشَّرْعِ: قَوْلٌ يَطْلُبُ بِهِ الْإِنْسَانُ إِثْبَاتَ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ لِنَفْيِهِ، وَالْبَيِّنَةُ مِنَ الْبَيَانِ، وَهُوَ الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ؛ وَالْبَيِّنَةُ فِي الشَّرْعِ تُظْهِرُ صِدْقَ الْمُدَّعِي وَتَكْشِفُ الْحَقَّ. وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ تُرِكَ النَّاسُ وَدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ "؛ وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَيُرْوَى «أَنَّ حَضْرَمِيًّا وَكِنْدِيًّا اخْتَصَمَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِي: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، فَقَالَ: " لَكَ يَمِينُهُ لَيْسَ غَيْرُ ذَلِكَ» . فَنَبْدَأُ بِمَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ وَنَبْنِي عَلَيْهِ عَامَّةَ مَسَائِلِهِ.
قَالَ: (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ) ، وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يُضِيفُ إِلَى نَفْسِهِ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِمَا هُوَ ثَابِتٌ بِظَاهِرِ الْيَدِ، فَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا فَادَّعَى الْوَفَاءَ أَوِ الْبَرَاءَةَ صَارَ مُدَّعِيًا لِدَعْوَاهُ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَهُوَ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الشَّغْلِ، وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِحُجَّةٍ كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ؛ وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يُضِيفُ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَا يُضِيفُ مَا عِنْدَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَجَمِيعُ الْعِبَارَاتِ مُتَقَارِبَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَقَّقَ ذَلِكَ وَيُعْرَفَ بِالْمَعْنَى لَا بِالصُّورَةِ، فَإِنَّ الْمُودِعَ إِذَا ادَّعَى إِيصَالَ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ مُدَّعٍ صُورَةً مُنْكِرٌ مَعْنًى حَتَّى لَوْ تَرَكَ لَا يُتْرَكُ، وَالْفَقِيهُ إِذَا أَمْعَنَ النَّظَرَ وَأَنْعَمَ الْفِكْرَ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَلَا يَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ.
اعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى إِذَا صَحَّتْ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْجَبَتْ عَلَى الْخَصْمِ الْحُضُورَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48] ، ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ الْحُضُورِ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْإِجَابَةِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ امْرَأَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْتَعْدِي عَلَى زَوْجِهَا، فَأَعْدَاهَا، فَقَالَتْ: أَبَى أَنْ يَجِيءَ، فَأَعْطَاهَا هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهِ فَجَاءَتْ بِهِ» وَلِأَنَّ الْحُكَّامَ يُحْضِرُونَ النَّاسَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَإِذَا حَضَرَ وَادَّعَى عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِلَا أَوْ بِنِعَمٍ حَتَّى لَوْ سَكَتَ كَانَ إِنْكَارًا فَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ
(2/109)

وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ مَعْلُومِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا ذَكَرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا كُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِحْضَارُهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا ذَكَرَ حُدُودَهُ الْأَرْبَعَةَ، وَأَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْجَدِّ، وَذَكَرَ الْمَحَلَّةَ وَالْبَلَدَ، ثُمَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ، وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ أَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً قَضَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا يُسْتَحْلَفُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمُدَّعِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ

[شروط الدعوى وحكمها]
قَالَ: (وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ مَعْلُومِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ) لِأَنَّ الدَّعْوَى لِلْإِلْزَامِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْمَجْهُولِ لَا تُقْبَلُ.
(فَإِنْ كَانَ دَيْنًا ذَكَرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى إِجْبَارُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى إِيفَاءِ حَقِّ الْمُدَّعِي، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ إِلَّا إِذَا طَالَبَهُ بِهِ فَامْتَنَعَ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَصْفِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ.
(وَإِنْ كَانَ عَيْنًا كَلَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِحْضَارَهَا) لِيُشِيرَ إِلَيْهَا بِالدَّعْوَى وَالشُّهُودِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَالْمُنْكِرُ عِنْدَ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ.
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا) لِأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ فَالْقِيمَةُ تَقُومُ مَقَامَهَا كَمَا فِي الِاسْتِهْلَاكِ، إِذْ هِيَ الْمَقْصُودُ غَالِبًا، وَيَذْكُرُ فِي الْقِيمَةِ شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي قَدْرِهِ وَوَصْفِهِ وَجِنْسِهِ نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَذْكُرُ الذُّكُورَةَ أَوِ الْأُنُوثَةَ.
(وَإِنْ كَانَ عَقَارًا ذَكَرَ حُدُودَهُ الْأَرْبَعَةَ وَأَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْجَدِّ وَذَكَرَ الْمَحَلَّةَ وَالْبَلَدَ) لِأَنَّ الْعَقَارَ لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ فَتَعَذَّرَ تَعْرِيفُهُ بِالْإِشَارَةِ فَيُعَرَّفُ بِالْحُدُودِ وَيَبْدَأُ بِذِكْرِ الْبَلْدَةِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ ثُمَّ بِالْمَحَلَّةِ الَّتِي فِيهَا الْعَقَارُ ثُمَّ يُبَيِّنُ الْحُدُودَ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَقَعُ بِذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَصْحَابِهَا وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، وَفِي ذِكْرِ الْجَدِّ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا لَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ النَّسَبِ لِوُجُودِ التَّعْرِيفِ بِدُونِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ ذِكْرُ الْحُدُودِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ: (ثُمَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَا يَكُونُ خَصْمًا وَالْحَقُّ لَهُ فَلَا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِطَلَبِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي يَدِهِ رَهْنًا أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ، فَإِذَا طَالَبَهُ زَالَ الِاحْتِمَالُ، وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ فِي يَدِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ عِلْمِ الْقَاضِي، وَلَا يَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ لِجَوَازِ أَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ، لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
قَالَ: (وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِيَنْكَشِفَ وَجْهُ الْحُكْمِ وَلِوُجُوبِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ، (فَإِنِ اعْتَرَفَ أَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً قَضَى عَلَيْهِ) ؛ أَمَّا الِاعْتِرَافُ فَلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14] أَيْ شَاهِدٌ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ فَلِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبَيَانِ وَهُوَ الْإِظْهَارُ، فَهِيَ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتَكْشِفُ صِدْقَ الدَّعْوَى فَيَقْضِي بِهَا، وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: (وَإِلَّا يُسْتَحْلَفُ) لِقَوْلِهِ
(2/110)

فَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتِ الْخُصُومَةُ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ نَكَلَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، فَإِنْ قَضَى أَوَّلَ مَا نَكَلَ جَازَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا، وَيَثْبُتُ النُّكُولُ بِقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ، وَبِالسُّكُوتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ خَرَسٌ أَوْ طَرَشٌ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي (ف) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَلَكَ يَمِينُهُ» ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُدَّعِي وَاسْتِحْلَافِهِ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ.
(فَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتِ الْخُصُومَةُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ» فِيمَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ) فَتُقْبَلُ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ أَحَقُّ أَنْ تُرَدَّ مِنَ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ» ، وَلِأَنَّ طَلَبَ الْيَمِينِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا غَائِبَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ فِي الْبَلَدِ وَلَمْ يَحْضُرْهَا؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ عَنِ الْبَيِّنَةِ، وَإِذَا قُدِرَ عَلَى الْأَصْلِ بَطَلَ حُكْمُ الْخُلْفِ.
قَالَ: (وَإِنْ نَكَلَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) لِأَنَّ النُّكُولَ اعْتِرَافٌ وَإِلَّا يَحْلِفُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، فَكَانَ نُكُولُهُ إِقْرَارًا أَوْ بَدَلًا فَيُقْضَى بِهِ.
(فَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ أَوَّلُ مَا نَكَلَ جَازَ) لِأَنَّهُ حُجَّةٌ كَالْإِقْرَارِ.
(وَالْأَوْلَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا) وَيُخْبِرُهُ أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَرُبَّمَا يَخْفَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ، فَإِذَا عَرَضَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَأَبَى قَضَى عَلَيْهِ، هَكَذَا فَعَلَهُ أَبُو يُوسُفَ مَعَ وَكِيلِ الْخَلِيفَةِ وَأَلْزَمَهُ بِالْمَالِ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ النُّكُولِ: أَنَا أَحْلِفُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ حَلَّفَهُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يُحَلِّفْهُ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ أَحْلِفُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ كَذَا هَذَا.
(وَيَثْبُتُ النُّكُولُ بِقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ.
(وَبِالسُّكُوتِ) لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ وَإِلَّا يَحْلِفُ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ خَرَسٌ أَوْ طَرَشٌ) فَيُعْذَرُ.
قَالَ: (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» جَعَلَ جِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَذَلِكَ يَنْفِي رَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي، وَلِأَنَّهُ قَسْمٌ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، فَلَا يَكُونُ لِلْمُدَّعِي يَمِينٌ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا عَدَمُ جَوَازِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَا رَوَيْنَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِي يَمِينٌ مُعْتَبَرَةٌ، فَيَبْقَى الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ فَرْدٍ، وَأَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ "؟ قَالَ: لَا، قَالَ: " لَكَ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ» يَنْفِي الْجَوَازَ أَيْضًا لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ. وَمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» فَمَرْدُودٌ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُدَّعِي بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَنَقَلَهُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا إِلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَالنَّقْلُ إِلَى غَيْرِهِ خِلَافُ الْكِتَابِ، أَوْ نَقُولُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ خِلَافُ الْكِتَابِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَادِثَةٍ عَامَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ بَيْنَ السَّلَفِ، فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، فَلَمَّا لَمْ يَرْتَفِعْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ،
(2/111)

وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ (سم ف) وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا يُلَازِمُهُ مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي النِّكَاحِ (سم) ، وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْحُدُودِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» مَشْهُورٌ قَرِيبٌ مِنَ التَّوَاتُرِ فَلَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْآحَادِ إِذَا وَرَدَ مُعَارِضًا لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يُرَدُّ.
الرَّابِعُ: رَدَّهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ.
الْخَامِسُ: مَا رُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ فَلَا يَبْطُلُ إِلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَاعْتِرَافُهُ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ اعْتِرَافًا بِسُقُوطِ الْيَمِينِ، وَلَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ» ؛ رَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ فَلَا يَجِبُ مَعَ وُجُودِهَا؛ وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ سَقَطَتِ الْيَمِينُ، حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَنَا أَحْلِفُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا مَعَ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْبَيِّنَةِ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِقَامَتِهَا فَقَدِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وَيُجِيبُهُ الْقَاضِي إِلَى ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَغِيبُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَغِيبُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ فَيَكْفُلُهُ مُدَّةَ إِحْضَارِ الشُّهُودِ عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي يُعَدِّيهِ إِحْيَاءً لِلْحُقُوقِ كَذَا هَذَا، وَيَكْتَفِي بِالْكَفِيلِ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِيَحْصُلَ التَّوَثُّقُ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَلِيًّا أَوْ تَاجِرًا، فَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالْمُلَازَمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
(وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا يُلَازِمُهُ مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي) لِأَنَّ مُلَازَمَتَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ تَضُرُّهُ وَتَمْنَعُهُ مِنْ سَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، بِخِلَافِ الْمُقِيمِ إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا إِذَا كَانَ حَقًّا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ؛ أَمَّا الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا، وَقَالَا: يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي السَّرِقَةِ إِنِ ادَّعَى الْمَالَ.
قَالَ: (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْحُدُودِ) ، وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِيهَا إِلَّا الْحُدُودَ وَاللَّعَانَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ عِنْدَهُ، وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِقْرَارٌ عِنْدَهُمَا، وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِيهَا. لَهُمَا أَنَّ النَّاكِلَ مُمْتَنِعٌ عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ ظَاهِرًا، فَيَصِيرُ مُعْتَرِفًا بِالْمُدَّعَى دَلَالَةً، إِلَّا أَنَّهُ إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحُدُودِ.
وَلَهُ أَنَّا
(2/112)

وَيُسْتَحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنْ نَكَلَ اقْتُصَّ مِنْهُ (سم) فِي الْأَطْرَافِ، وَفِي النُّفُوسِ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ (سم) أَوْ يُقِرَّ، وَإِنِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ، وَتُغَلَّظُ بِأَوْصَافِهِ إِنْ شَاءَ الْقَاضِي،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَوِ اعْتَبَرْنَاهُ إِقْرَارًا يَكُونُ كَاذِبًا فِي إِنْكَارِهِ وَالْكَذِبُ حَرَامٌ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ بَذْلًا وَإِبَاحَةً لَا يَكُونُ كَاذِبًا فَيُجْعَلُ بَاذِلًا صِيَانَةً لَهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ لَا يُسْتَحْلَفُ، وَيُسْتَحْلَفُ فِي السَّرِقَةِ إِنِ ادَّعَى الْمَالَ فَيُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَالُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمَّنَهُ الْمَالَ لِثُبُوتِهِ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَدَعْوَى الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَدَّعِيَ الْأَمَةُ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِ سَيِّدِهَا، وَهَذَا ابْنُهَا مِنْهُ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ، أَمَّا لَوِ ادَّعَى الْمَوْلَى لَا يَلْتَفِتُ إِلَى إِنْكَارِهَا؛ لَأَنَّ الِاسْتِيلَادَ وَالنَّسَبَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ.
وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِعُمُومِ الْبَلْوَى، ثُمَّ عِنْدَهُمَا كُلُّ نَسَبٍ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْمَالِ كَالْبُنُوَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ نَسَبٍ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَعْوَى الْمَالِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ لَا يُسْتَحْلَفُ إِلَّا إِذَا ادَّعَى بِسَبَبِهِ مَالًا أَوْ حَقًّا كَدَعْوَى الْإِرْثِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ) بِالْإِجْمَاعِ.
(فَإِنْ نَكَلَ اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْأَطْرَافِ، وَفِي النُّفُوسِ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ) ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا، لِأَنَّ النُّكُولَ إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ، فَيَجِبُ الْمَالُ سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْعَمْدَ وَالْآخَرُ الْخَطَأَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَطْرَافَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ حَتَّى لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا دَلِيلُ الْبَذْلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَطْعُ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ، وَالْبَذْلُ هَنَا مُفِيدٌ لِانْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ، وَلَا كَذَلِكَ النَّفْسُ فَلَا يَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْيَمِينُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ يُحْبَسُ بِهَا كَمَا فِي الْقَسَامَةِ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ) لِأَنَّهُ دَعْوَى مَالٍ.
(فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ) لِمَا مَرَّ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَتِ الصَّدَاقَ فِي النِّكَاحِ يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى مَالٍ، وَيَثْبُتُ الْمَالُ بِالنُّكُولِ دُونَ النِّكَاحِ وَقَدْ مَرَّ.
(وَالْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَرَ» .
(وَتُغَلَّظُ بِأَوْصَافِهِ إِنْ شَاءَ الْقَاضِي) ، وَقِيلَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْحَالِفِ وَصَلَاحِهِ وَخَوْفِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعِظَ الْحَالِفَ قَبْلَ الْحَلِفِ، وَيُعَظِّمَ عِنْدَهُ حُرْمَةَ الْيَمِينِ، وَيَتْلُوَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} [آل عمران: 77] الْآيَةَ، وَيَذْكُرُ لَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
(2/113)

وَيُحْتَاطُ مِنَ التَّكْرَارِ، وَلَا تُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ، وَيُسْتَحْلَفُ الْيَهُودِيُّ بِاللَّهِ الَذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالنَّصْرَانِيُّ بِاللَّهِ الَذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَالْمَجُوسِيُّ بِاللَّهِ الَذِي خَلَقَ النَّارَ، وَالْوَثَنِيُّ بِاللَّهِ، وَلَا يُحَلَّفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَتَغْلِيظُ الْيَمِينِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الْمُدْرِكِ الْمُهْلِكِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرَّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ، الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ مَا يَشَاءُ وَيُنْقِصُ.
(وَيَحْتَاطُ مِنَ التَّكْرَارِ) بِإِدْخَالِ الْحُرُوفِ الْعَاطِفَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.
(وَلَا تُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ) لِأَنَّ تَعْظِيمَ الْمُقْسَمِ بِهِ حَاصِلٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ لِلْحَدِيثِ. وَقِيلَ يَحْلِفُ فِي زَمَانِنَا لِقِلَّةِ مُبَالَاةِ النَّاسِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَكَثْرَةِ إِقْدَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَرَاهَتِهِمُ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ امْتِنَاعُهُمْ عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَجُحُودِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ فِيمَا يُعَظِّمُونَهُ أَكْثَرُ.
قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ الْيَهُودِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالنَّصْرَانِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَالْمَجُوسِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَّفَ ابْنَ صُورِيَّا الْيَهُودِيَّ عَلَى حُكْمِ الزِّنَا فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ لَهُ: " أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى» ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْيَهُودِيِّ فَالنَّصْرَانِيُّ مِثْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ، وَالْمَجُوسِيُّ فِي النَّارِ، لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ يُعَظِّمُ الْإِنْجِيلَ، وَالْمَجُوسِيَّ يُعَظِّمُ النَّارَ كَتَعْظِيمِ الْيَهُودِيِّ التَّوْرَاةَ، فَيُحَلِّفُهُمْ بِمَا يَكُونُ أَعْظَمُ فِي صُدُورِهِمْ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَجُوسِيِّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. أَمَّا عِنْدَهُمَا يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ النَّارِ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمٌ لَهَا، وَلَا يَجُوزُ، إِلَّا أَنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ وَرَدَ فِيهِمَا نَصٌّ خَاصٌّ، وَلِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعَالَى مُعَظَّمَةٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ إِلَّا بِاللَّهِ خَالِصًا.
(وَ) يَحْلِفُ. (الْوَثَنِيُّ بِاللَّهِ) لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْوَثَنَ وَالصَّنَمَ لِمَا مَرَّ، وَلَوِ اقْتَصَرَ فِي الْكُلِّ عَلَى قَوْلِهِ بِاللَّهِ فَهُوَ كَافٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْلِمِ، وَإِنَّمَا يُغَلَّظُ لِيَكُونَ أَعْظَمَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ.
قَالَ: (وَلَا يُحَلَّفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ) لِأَنَّ الْغَرَضَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهَا وَلَا يَجُوزُ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِهَا. وَيُسْتَحْلَفُ الْأَخْرَسُ فَيَقُولُ لَهُ الْقَاضِي: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لِهَذَا عَلَيْكَ هَذَا الْحَقُّ، وَيُشِيرُ الْأَخْرَسُ بِرَأْسِهِ: أَيْ نَعَمْ.
ثُمَّ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى نَوْعَيْنِ: عَلَى الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ؛ فَالْعُقُودُ الشَّرْعِيَّةُ:
(2/114)

فَيُحَلِّفُهُ فِي الْبَيْعِ بِاللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيمَا ذُكِرَ، وَفِي النِّكَاحِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَفِي الطَّلَاقِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْكَ السَّاعَةَ، وَفِي الْوَدِيعَةِ مَا لَهُ هَذَا الَذِي ادَّعَاهُ فِي يَدِكَ وَدِيَعَةٌ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، وَلَا لَهُ قِبَلَكَ حَقٌّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يُحَلِّفُهُ الْقَاضِي عَلَى الْحَاصِلِ بِاللَّهِ مَا لَهُ قِبَلَكَ مَا ادَّعَى مِنَ الْحَقِّ، وَلَا يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ وَهُوَ الْعَقْدُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ رُبَّمَا انْفَسَخَ بِالتَّفَاسُخِ أَوْ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ مُوجِبِهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْإِيفَاءِ فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ حَلَفَ كَذَبَ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا حَلَّفَهُ عَلَى الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مُحِقًّا أَمْكَنَهُ الْحَلِفُ فَلَا يَتَضَرَّرُ، وَقِيلَ إِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّبَبَ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُدَّعِي بِأَنْ يَدَّعِيَ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ أَوْ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَرَاهَا، فَحِينَئِذٍ يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ، لِأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ فَهُوَ يَعْتَقِدُ صِدْقَ يَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ فَيَبْطُلُ حَقُّ الْمُدَّعِي، فَيُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي سَمَّاهَا بِكَذَا، وَفِي الْمَبْتُوتَةِ بِاللَّهِ مَا هِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْكَ، وَمِثْلُهُ إِذَا ادَّعَتِ الْفُرْقَةَ بِمُضِيِّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ يُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا آلَى مِنْهَا فِي وَقْتِ كَذَا وَلَا يُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُحَلِّفُهُ عَلَى الْعَقْدِ إِلَّا إِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَيُحَلِّفُهُ عَلَى الْحَاصِلِ. وَالْأَفْعَالُ الْحِسِّيَّةُ نَوْعَانِ: أَحَدُهَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْحَاصِلِ أَيْضًا كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ. وَالثَّانِي يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَيُحَلِّفُهُ فِي الْبَيْعِ بِاللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيمَا ذَكَرَ، وَفِي النِّكَاحِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ يُطَلِّقُهَا أَوْ يُخَالِعُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَفِي الطَّلَاقِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْكَ السَّاعَةَ، وَفِي الْوَدِيعَةِ مَا لَهُ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ فِي يَدِكَ وَدِيعَةً وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، وَلَا لَهُ قِبَلَكَ حَقٌّ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَرِئَ مِنْ بَعْضِهَا أَوِ اسْتَهْلَكَهَا، وَفِي الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ قَائِمَةً بِاللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ ثُمَّ يُمَلِّكُهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ هَالِكَةً يُسْتَحْلَفُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَقِيلَ يَحْلِفُ عَلَى الثَّوْبِ وَالْقِيمَةِ جَمِيعًا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ وَضَعَ عَلَى حَائِطِهِ خَشَبَةً، أَوْ بَنَى عَلَيْهِ، أَوْ أَجْرَى مِيزَابًا عَلَى سَطْحِهِ أَوْ فِي دَارِهِ، أَوْ رَمَى تُرَابًا فِي أَرْضِهِ، أَوْ شَقَّ فِي أَرْضِهِ نَهْرًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَرْتَفِعُ، وَمِثْلُهُ إِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عَلَى مَوْلَاهُ الْعِتْقَ يَحْلِفُ عَلَى السَّيْبِ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ، وَفِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ الْكَافِرِ يُحَلِّفُهُ عَلَى الْحَاصِلُ، لِأَنَّ الرِّقَّ يَتَكَرَّرُ عَلَى الْأَمَةِ بِالرِّدَّةِ وَاللَّحَاقِ، وَعَلَى الْعَبْدِ الْكَافِرِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَاللَّحَاقِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ، وَيُحَلِّفُهُ فِي الدَّيْنِ بِاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ وَالْقَرْضِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَدَّى الْبَعْضَ
(2/115)

وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ، أَوْ رَهَنَهُ عِنْدِي، أَوْ غَصَبْتُهُ مِنْهُ أَوْ أَعَارَنِي أَوْ آجَرَنِي وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا خُصُومَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَالًا، وَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ أَوْدَعَهُ رَجُلٌ لَا نَعْرِفُهُ لَمْ تَنْدَفِعِ الْخُصُومَةُ.

فَصْلٌ
بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمَنِ افْتَدَى يَمِينَهُ مِنْ خَصْمِهِ بِمَالٍ صَالَحَهُ عَلَيْهِ جَازَ وَسَقَطَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِحْلَافِ أَصْلًا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - افْتَدَى يَمِينَهُ وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُصِيبَ النَّاسَ بَلَاءٌ فَيَقُولُونَ هَذَا بِيَمِينِ عُثْمَانَ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدِي أَوْ غَصَبْتُهُ مِنْهُ أَوْ أَعَارَنِي أَوْ آجَرَنِي وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا خُصُومَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَالًا) وَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ فِي يَدِهِ هُوَ خَصْمٌ ثُمَّ هُوَ بِإِقْرَارِهِ يُرِيدُ دَفْعَ الْخُصُومَةِ عَنْهُ فَلَا تُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَالًا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ فَالْجَوَابُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحِيَلِ لَا يَنْدَفِعُ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ قَدْ يَدْفَعُ مَالَهُ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْغَيْرُ يُودِعُهُ إِيَّاهُ، وَيُسَافِرُ احْتِيَالًا لِدَفْعِ الْحَقِّ، فَإِذَا عَرَفَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَا يَقْبَلُهُ.
(وَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ أَوْدَعَهُ رَجُلٌ لَا نَعْرِفُهُ لَمْ تَنْدَفِعِ الْخُصُومَةُ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ الْمُدَّعِي وَلَوْ قَالُوا نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَلَا نَعْرِفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ انْدَفَعَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَنْدَفِعُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمَجْهُولِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يُمْكِنُهُ اتِّبَاعُهُ فَيَتَضَرَّرُ، وَصَارَ كَالْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَتُوجِبُ الْخُصُومَةَ، فَإِنْ أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَوْنَهُ مُودَعًا انْدَفَعَتِ الْخُصُومَةُ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ بِوَجْهِهِ احْتَمَلَ أَنَّهُ الْمُدَّعِي فَلَا تَنْدَفِعُ، وَإِذَا عَرَفُوهُ بِوَجْهِهِ ثَبَتَ أَنَّهُ مُودَعٌ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي فَانْدَفَعَتِ الْخُصُومَةُ، كَمَا إِذَا عَايَنَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَوْدَعَهُ غَيْرُ الْمُدَّعِي، إِذِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ كَمُعَايَنَةِ الْقَاضِي، فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي أُودِعُهَا ثُمَّ أُوهَبُهَا مِنْكَ وَنَكَرَ يَسْتَحْلِفُهُ الْقَاضِي أَنَّهُ مَا وَهَبَهَا مِنْهُ وَلَا بَاعَهَا لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ صَارَ خَصْمًا، وَلَوِ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ آخَرَ فَهُوَ خَصْمُهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ يَدَهُ يَدُ مِلْكٍ فَكَانَ خَصْمًا، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نِصْفُ الدَّارِ لِي وَنِصْفُهَا وَدِيعَةُ فُلَانٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ انْدَفَعَتِ الْخُصُومَةُ فِي الْكُلِّ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ.

[فصل بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ]
ِ) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ
(2/116)

وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ، وَذُو الْيَدِ عَلَى مِلْكٍ أَسْبَقَ مِنْهُ تَأْرِيخًا فَذُو الْيَدِ أَوْلَى، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ أَوْ عَلَى نَسْجِ ثَوْبٍ لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنَ الْآخَرِ وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا تَهَاتَرَتَا، إِنِ ادَّعَيَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِلْخَارِجِ وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ لَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ بِالْيَدِ، وَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ إِثْبَاتًا كَانَتْ أَقْوَى.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ، وَذُو الْيَدِ عَلَى مِلْكٍ أَسْبَقَ مِنْهُ تَأْرِيخًا فَذُو الْيَدِ أَوْلَى) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ الْمِلْكَ لَهُ وَقْتَ التَّأْرِيخِ، وَالْخَارِجُ لَا يَدَّعِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْهُ؛ إِذِ الْأَصْلُ فِي الثَّابِتِ دَوَامُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ أَوْ عَلَى نَسْجِ ثَوْبٍ لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى) لِأَنَّ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْيَدُ فَتَعَارَضَتَا فَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْيَدِ، وَكَذَا كُلُّ سَبَبٍ لَا يَتَكَرَّرُ كَغَزْلِ الْقُطْنِ وَعَمَلِ الْجُبْنِ وَاللُّبَدِ وَجَزِّ الصُّوفِ وَحَلْبِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجُ، وَإِنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ كَالْبِنَاءِ وَزَرْعِ الْحُبُوبِ وَنَسْجِ الْخَزِّ وَنَحْوِهِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَإِنْ أَشْكَلَ قَضَى لِلْخَارِجِ، وَإِنْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ وَأَرَّخَا سِنَّ الدَّابَّةِ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ أُشْكِلَ فَهِيَ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَإِنْ خَالَفَ سِنَّ الدَّابَّةِ التَّارِيخَيْنِ تَهَاتَرَتَا وَتُرِكَتْ فِي يَدِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنَ الْآخَرِ وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا تَهَاتَرَتَا) . قَالَ مُحَمَّدٌ: يَقْضِي لِلْخَارِجِ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ بَاعَهُ الْخَارِجُ وَقَبَضَ ثُمَّ بَاعَهُ ذُو الْيَدِ وَلَمْ يَقْبِضْ، وَلَا يَنْعَكِسْ لِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ عَقَارًا عِنْدَهُ، وَالْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مِنَ الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ ذَكَرَتِ الْبَيِّنَتَانِ الْقَبْضَ عُمِلَ بِهِمَا وَيَكُونُ لِذِي الْيَدِ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنَ الْخَارِجِ وَقَبَضَهَا الْخَارِجُ، ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ ذِي الْيَدِ وَقَبَضَهَا ذُو الْيَدِ عَمَلًا بِالْبَيِّنَتَيْنِ.
وَلَهُمَا أَنَّ شِرَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِ اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ، فَكَأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَامَتَا عَلَى الِاعْتِرَافَيْنِ وَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلتَّهَاتُرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ بَائِعًا وَمُشْتَرِيًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى السَّبْقِ وَلَا تَرْجِيحَ فَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ أَصْلًا، ثُمَّ هَذَا شَيْءٌ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ اشْتَرَاهُ أَوَّلًا ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِذِي الْيَدِ فَيَكُونُ لِذِي الْيَدِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ وَإِنْ وَقَّتَا، فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَوَّلًا قَضَى بِهِمَا وَيَكُونُ لِذِي الْيَدِ، وَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ أَوَّلًا قَضَى بِهِمَا أَيْضًا وَالْمِلْكُ لِلْخَارِجِ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَيَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ لَمْ يَقْضِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِتَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي النِّكَاحِ
(2/117)

وَإِنْ وَقَّتَا فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنِ ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قُضِيَ بِهَا بَيْنَهُمَا، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشِّرَاءَ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ شَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ نِصْفَ الْعَبْدِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَخْذُ جَمِيعِهِ، وَإِنْ وَقَّتَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا أَوْ كَانَ مَعَهُ قَبْضٌ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شِرَاءً وَالْآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا أَوْ صَدَقَةً وَقَبْضًا وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا فَالشِّرَاءُ أَوْلَى، وَإِنِ ادَّعَى الشِّرَاءَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ وَالتَّارِيخِ، أَوْ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنِ اثْنَيْنِ فَأَوَّلُهُمَا أَوْلَى، وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَيَرْجِعُ إِلَى تَصْدِيقِهَا، فَمَنْ صَدَّقَتْهُ كَانَ زَوْجَهَا، لِأَنَّ النِّكَاحَ يُثْبُتُ بِتَصَادُقِ الزَّوْجَيْنِ.
(وَإِنْ وَقَّتَا فَهِيَ لِلْأَوَّلِ) مِنْهُمَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي وَقْتٍ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ فَتَرَجَّحَتْ عَلَى الثَّانِيَةِ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ.
(وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشِّرَاءَ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ شَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ نِصْفَ الْعَبْدِ) بِنِصْفِ الثَّمَنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ.
(وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِوُجُودِ الْعَيْبِ بِالشَّرِكَةِ.
(فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَخْذُ جَمِيعِهِ) لِأَنَّ بَيْعَ الْكُلِّ انْفَسَخَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالنِّصْفِ حَتَّى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ بَيْعُهُ فِي الْكُلِّ.
(وَإِنْ وَقَّتَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا أَوْ كَانَ مَعَهُ قَبْضٌ فَهُوَ أَوْلَى) أَمَّا الْوَقْتُ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهِ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي مِلْكِ الْآخَرِ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِثْبَاتِ فَلَا تُنْقَضُ الْيَدُ الثَّانِيَةُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ دَلِيلُ تَقَدُّمِ شِرَائِهِ فَكَانَ أَوْلَى.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شِرَاءً، وَالْآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا، أَوْ صَدَقَةً وَقَبْضًا وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا فَالشِّرَاءُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبْضِ فَكَانَ أَسْرَعَ ثُبُوتًا فَكَانَ أَوْلَى، وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا بَيْعًا وَالْآخَرُ رَهْنًا فَالْبَيْعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ، وَالرَّهْنُ إِنَّمَا يُثْبِتُهُ عِنْدَ الْهَلَاكِ تَقْدِيرًا، وَكَذَا الْهِبَةُ بِعِوَضٍ أَوْلَى مِنَ الرَّهْنِ لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنِ ادَّعَى الشِّرَاءَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَهُمَا سَوَاءٌ) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَا مُعَاوَضَةٍ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، ثُمَّ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الشِّرَاءُ أَوْلَى، وَعَلَى الزَّوْجِ الْقِيمَةُ عَمَلًا بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِتَقْدِيمِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ جَائِزٌ، ثُمَّ تُرَدُّ الْقِيمَةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ وَالتَّارِيخِ، أَوْ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنَ اثْنَيْنِ) غَيْرِ ذِي الْيَدِ. (فَأَوَّلُهُمَا أَوْلَى، وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لَهُ) وَقَدْ مَرَّ.
(2/118)

وَإِنْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ فَهُوَ أَوْلَى (ف) وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالْآخَرُ رَدِيفُهُ أَوْ لَابِسَ الْقَمِيصِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ وَالنَّسْجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ مُطْلَقِ الْمِلْكِ، وَالْبَيِّنَةُ بِشَاهِدَيْنِ وَثَلَاثَةٍ (ف) وَأَكْثَرَ سَوَاءٌ.

فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمَبِيعِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ أَظْهَرُ وَأَدَلُّ عَلَى الْمِلْكِ.
(وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالْآخَرُ رَدِيفُهُ، أَوْ لَابِسَ الْقَمِيصِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ كَانَا رَاكِبَيْنِ فِي السَّرْجِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا.
سَفِينَةٌ فِيهَا رَاكِبٌ، وَالْآخَرُ مُتَمَسِّكٌ بِسُكَّانِهَا وَآخَرُ يُجَدِّفُ فِيهَا، وَآخَرُ يَمُدُّهَا، فَهِيَ بَيْنَهُمْ إِلَّا الْمَدَّادَ لَا شَيْءَ لَهُ.
عَبْدٌ لِرَجُلٍ مُوسِرٍ عَلَى عُنُقِهِ بَدْرَةٌ فِيهَا عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي دَارِ رَجُلٍ مُعْسِرٍ لَا شَيْءَ لَهُ، فَادَّعَيَا الْبَدْرَةَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: هِيَ لِلْمُوسِرِ بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: قِطَارُ إِبِلٍ عَلَى الْبَعِيرِ الْأَوَّلِ رَاكِبٌ، وَعَلَى الْوَسَطِ رَاكِبٌ، وَعَلَى آَخِرِهَا رَاكِبٌ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقِطَارَ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ الْبَعِيرُ الَّذِي هُوَ رَاكِبُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَمَا بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَائِدٌ وَالْقِيَادَةُ تَصَرُّفٌ، وَمَا بَيْنَ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ نِصْفَانِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ لِلْأَخِيرِ إِلَّا مَا رَكِبَهُ.
(وَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ وَالنَّسْجِ) أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ مُطْلَقِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ فَلَا تَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْهُ.
قَالَ: (وَالْبَيِّنَةُ بِشَاهِدَيْنِ وَبِثَلَاثٍ وَأَكْثَرَ سَوَاءٌ) لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْكُلَّ سَوَاءً فِي إِثْبَاتِ الْحَقِّ وَإِلْزَامِ الْقَاضِي الْحُكْمَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَيَسْتَوِيَانِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ أَصْلُ الْعَدَالَةِ وَقَدِ اسْتَوَيَا فِيهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا زَادَ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ.

[فصل اخْتِلَافُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي في الثمن أو المبيع]
فَصْلٌ (اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمَبِيعِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ، وَقَدْ تَرَجَّحَتْ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ.
(وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ، فَمَهْمَا
(2/119)

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ يُقَالُ لِلْبَائِعِ: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ؛ وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ؛ وَمَنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
كَانَتْ أَكْثَرَ إِثْبَاتًا كَانَتْ أَقْوَى فَتَتَرَجَّحُ عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْبَيْعِ جَمِيعًا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا، وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا.
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ يُقَالُ لِلْبَائِعِ: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ؛ وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ) لِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يَخْتَارَانِ الْفَسْخَ، فَإِذَا عَلِمَا بِذَلِكَ تَرَاضَيَا، فَتَرْتَفِعُ الْمُنَازَعَةُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
(فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ) وَيُحَلِّفُ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ كَمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ كَمَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَإِذَا تَحَالَفَا قَالَ لَهُمَا الْقَاضِي: مَا تُرِيدَانِ؟ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبَا الْفَسْخَ تَرَكَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ، وَإِنْ طَلَبَا الْفَسْخَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَسَخَ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنِ الثَّمَنُ وَلَا الْمَبِيعُ صَارَ مَجْهُولًا فَيُفْسَخُ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ حَتَّى يَتَفَاسَخَا أَوْ يَفْسَخَ الْقَاضِي.
قَالَ: (وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ» ، وَأَقَلُّ فَائِدَتِهِ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ. وَقَوْلُهُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الْبَائِعَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوَّلًا وَهُوَ يُنْكِرُ، وَهُوَ لَا يُطَالِبُ الْبَائِعَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْحَالِ.
قَالَ: (وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً) أَوْ صَرْفًا. (بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِنْكَارِ؛ وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا يُبْدَأُ بِيَمِينِ مَنْ بَدَأَ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِنْكَارِ فَيَتَرَجَّحُ بِالْبِدَايَةِ وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا يَبْدَأُ الْقَاضِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْعَقْدِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَيْعٌ، وَقَالَ الْآخَرُ هِبَةٌ، أَوْ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ، وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ يَتَحَالَفَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الثَّمَنِ وَجِنْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِجِنْسِهِ وَوَصْفِهِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ بِدُونِهِمَا، وَلَا كَذَلِكَ الْأَجَلُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّهِ، وَقَالَا: لَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ نَصَّ التَّحَالُفِ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِهِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَمَنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ.
قَالَ
(2/120)

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا) لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلُّ بِعَدَمِهِ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلْعَقْدِ بِدُونِهِ.
(وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الشَّرْطَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
(وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَوْ صَارَ بِحَالٍ يَمْنَعُ الْفَسْخَ بِأَنِ ازْدَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا غَيْرَ مَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ وَصَاحِبُهُ يُنْكِرُ فَيَتَحَالَفَانِ كَمَا إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا. وَلَهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةُ الْمُنْكِرِ حَقِيقَةً بِالنَّصِّ وَالْبَائِعُ لَيْسَ بِمُنْكِرٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ بِمُدَّعٍ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ سُلِّمَتْ لَهُ مِلْكًا وَيَدًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ مُنْكِرًا لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ لِفَائِدَةِ الْفَسْخِ، وَلَا فَسْخَ بَعْدَهَا لِعَدَمِ بَقَاءِ الْعَقْدِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَضَى بِهَا، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ، وَإِنْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتِ الْوَرَثَةُ فَلَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَبَايِعَيْنِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمَا النَّصُّ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ) ؛ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيهِ، وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْحَيِّ وَقِيمَةُ الْهَالِكِ وَعَلَى هَذَا إِذَا انْتَقَصَ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ هَلَاكَ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ لِمَا مَرَّ، فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ قَائِمًا يَتَحَالَفَانِ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا يَتَحَالَفَانِ، فَإِذَا هَلَكَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ يُعْطَى كُلُّ نِصْفٍ حُكْمَهُ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ يَصِيرُ الْهَالِكُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَرِدْ إِلَّا عَلَى الْبَاقِي؛ وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي دُونَ الزِّيَادَةِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفٍ مَعَ قَوْلِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُهُمَا بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ، وَإِنْ حَلَفَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ مَا بِعْتُهُمَا بِأَلْفٍ، فَإِنْ حَلَفَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْقَائِمِ وَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْهَالِكِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، وَيُقَسِّمُ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا يَوْمَ الْقَبْضِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ زِيَادَةَ السُّقُوطِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا
(2/121)

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْبَدَلِ أَوْ فِي الْمُبْدَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا وَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ يَتَحَالَفَانِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ، وَالْقَوْلُ فِيمَا مَضَى قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ تَحَالَفَا وَعَادَ الْبَيْعُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَهْرِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَى الثَّمَنِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْبَدَلِ أَوْ فِي الْمُبْدَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ نَظِيرُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأُجْرَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَنْفَعَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ؛ وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ إِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَجْرِ فَبَيِّنَةُ الْآجِرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا قَضَى بِالْبَيِّنَتَيْنِ، كَمَا إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ، وَالْآخَرُ شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةٍ يَقْضِي بِشَهْرَيْنِ بِعَشْرٍ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا) بِالْإِجْمَاعِ.
(وَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ إِنَّمَا يُفْسَخُ فِي الْهَالِكِ فَيَرُدُّ الْقِيمَةَ، وَالْهَالِكُ هُنَا لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالْعَقْدِ، فَلَوْ تَحَالَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَقْدَ فَيَرْجِعُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ يَتَحَالَفَانِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِيهِ بَقِيَ وَالْقَوْلُ فِيهِ مَضَى قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَنَا تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَمَا مَضَى صَارَ كَالْهَالِكِ وَمَا بَقِيَ لَمْ يَنْعَقِدْ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ تَحَالَفَا وَعَادَ الْبَيْعُ) وَمَعْنَاهُ: اخْتَلَفَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ أَمَّا إِذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَا لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ لَا إِشْكَالَ إِنَّمَا الْإِشْكَالُ عَلَى أَنَّهَا فَسْخٌ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ إِنَّمَا أَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوَافِقُهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِمَا نَقَدَ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ، فَكَانَ التَّحَالُفُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَأَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يُسَلِّمُ لِلْمُشْتَرِي، فَلَا يَدَّعِي شَيْئًا فَلَا يَكُونُ الْبَائِعُ مُنْكِرًا.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَهْرِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ
(2/122)

تَحَالَفَا فَأَيُّهُمَا نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَحَالَفَا يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَتْ أَوْ أَكْثَرَ قُضِيَ بِقَوْلِهَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ أَقَلَّ قُضِيَ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا قَالَتْ وَأَكْثَرَ مِمَّا قَالَ قُضِيَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَلِلْمَرْأَةِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَلِلرَّجُلِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ، فَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَلِلْبَاقِي،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تَحَالَفَا، فَأَيُّهُمَا نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ وَإِذَا تَحَالَفَا) لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ أَثَرَ التَّحَالُفِ فِي انْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى مَا عُرِفَ. لَكِنْ
(يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَتْ أَوْ أَكْثَرَ قَضَى بِقَوْلِهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا.
(وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ أَقَلَّ قَضَى بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا قَالَتْ وَأَكْثَرَ مِمَّا قَالَ قَضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتِ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ نَظَرًا إِلَى يَمِينِهِ، وَلَا الْحَطِيطَةَ مِنْهُ نَظَرًا إِلَى يَمِينِهَا، فَإِذَا سَقَطَتِ التَّسْمِيَةُ بِالتَّحَالُفِ اعْتُبِرَ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا إِذَا لَمْ تُوجَدِ التَّسْمِيَةُ حَقِيقَةً، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ؛ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِحُكْمِ مُتْعَةِ مِثْلِهَا وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ مَهْرًا لَهَا، وَقِيلَ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ. وَلَهُمَا أَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ نَظَرًا إِلَى الْمُعْتَادِ وَإِلَى إِنْكَارِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَعْبِيرِهِمْ بِدُونِ ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ فِي الدَّعْوَى قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ فَيُصَارُ إِلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ) كَالْمِقْنَعَةِ وَالدُّولَابِ وَأَشْبَاهِهِ. (فَلِلْمَرْأَةِ) بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ.
(وَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ) كَالْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَنَحْوِهِ. (فَلِلرَّجُلِ) وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالْأَوَانِي وَالْبُسُطِ وَنَحْوِهَا فَلِلرَّجُلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْبَيْتَ فِي يَدِ الرَّجُلِ، فَكَانَتِ الْيَدُ شَاهِدَةً بِالْمِلْكِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْيَدِ لَا أَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِهَا.
(وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَلِلْبَاقِي) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لِلْحَيِّ لَا لِلْمَيِّتِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا يَصْلُحُ لَهُمَا لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا حَالَةَ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْفَعُ إِلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهِّزُ بِهِ مِثْلَهَا وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَأْتِي بِالْجِهَازِ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ الزَّوْجِ فَيُبْطِلُهُ، وَمَا وَرَاءَهُ لَا يُعَارِضُ يَدَ الزَّوْجِ فَيَكُونُ لَهُ، وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ تَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا فَالْكُلُّ لِلْحُرِّ حَالَةَ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ أَقْوَى، وَلِلْحَيِّ بَعْدَ الْمَوْتِ؛
(2/123)

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا.

فَصْلٌ
وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لِيَدِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا فِي الْخُصُومَاتِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا) ، وَقَالَا: يَتَحَالَفَانِ وَتُفْسَخُ الْكِتَابَةُ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَالْمَوْلَى يَدَّعِي بَدَلًا زَائِدًا وَالْمُكَاتِبُ يُنْكِرُ، وَالْمُكَاتِبُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ عِنْدَ أَدَاءِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْقَدْرِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُهُ فَيَتَحَالَفَانِ كَالْبَيْعِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ فِي الْحَالِ بِفَكِّ الْحَجْرِ وَهُوَ سَالِمٌ لِلْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُقَابِلًا لِلْعِتْقِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، فَكَانَ اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ لَا غَيْرُ، فَلَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ.

[فصل بَاعَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ]
فَصْلٌ فِي دَعْوَى النَّسَبِ
اعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى ثَلَاثَةٌ: دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ، وَدَعْوَةُ تَحْرِيرٍ وَهِيَ دَعْوَةُ الْمِلْكِ وَدَعْوَةُ شُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ فَالْأُولَى أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبَ وَلَدٍ عُلِّقَ فِي مِلْكِهِ يَقِينًا كَمَا إِذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَيَصِحُّ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِ الْمِلْكِ كَمَا إِذَا بَاعَهُ، وَيَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ احْتِيَالًا لِثُبُوتِ النَّسَبِ تَصْحِيحًا لِدَعْوَاهُ، وَيُوجِبُ فَسْخَ مَا جَرَى مِنَ الْعُقُودِ كَبَيْعِهِ أُمَّ الْوَلَدِ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَحَلًّا لِلنَّسَبِ، وَيُجْعَلُ مُعْتَرِفًا بِالْوَطْءِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَأُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ لَا تَتْبَعُ النَّسَبَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ثُبُوتُ النَّسَبِ لَا أَمُوَمِيَّةُ الْوَلَدِ وَهُوَ تَبَعٌ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُضَافُ إِلَيْهِ فَيُقَالُ أُمُّ وَلَدِهِ، وَتَسْتَفِيدُ الْعِتْقَ مِنْ جِهَتِهِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَلِهَذَا ثَبَتَتْ لَهُ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ وَلَهَا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبَ وَلَدٍ عَلَقَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَيَصِحُّ فِي الْمِلْكِ خَاصَّةً، وَلَا يَجِبُ فَسْخُ الْعَقْدِ وَيُعْتَقُ إِنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَدَّعِيَ وَلَدَ جَارِيَةِ وَلَدِهِ، فَيَصِحُّ بِنَاءً عَلَى وِلَايَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إِلَى وَقْتِ الدَّعْوَى، شَرْطُ صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى قِيَامُ وِلَايَةِ تَمَلُّكِ الْجَارِيَةِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إِلَى وَقْتِ الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالِاسْتِيلَادِ مُقْتَضًى لِلْوَطْءِ السَّابِقِ، ثُمَّ الْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَالثَّانِيَةُ تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ، وَالثَّانِيَةُ أَوْلَى مِنَ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ مَتَى صَحَّ مِنَ الِابْنِ بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْأَبِ لِلتَّمْلِيكِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
جِئْنَا إِلَى مَسَائِلِ الْكِتَابِ.
1 -
قَالَ: (وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ دَعْوَاهُ
(2/124)

وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَةُ الْمُشْتَرِي مَعَهُ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ ثُمَّ ادَّعَاهُ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فِيهَا، فَإِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ ثُمَّ ادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَيُرَدُّ كُلُّ الثَّمَنِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى سَنَتَيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ النَّسَبُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ، وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَلَا يُعْتَقُ الْوَلَدُ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بَاطِلَةٌ لِوُجُودِ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ دَلِيلُ عُبُودِيَّةِ الْوَلَدِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ يَقِينًا، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الزِّنَا فَيَكُونُ مِنْهُ، وَمَبْنَى الْعُلُوقِ عَلَى الْخَفَاءِ فَلَا تَنَاقُضَ فَصَحَّتْ دَعَوَاهُ، فَيَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَيَفْسَخُ الْبَيْعَ لِمَا بَيَّنَّا وَيَرُدُّ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى فَسْخِ الْبَيْعِ.
(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي مَعَهُ) لِسَبْقِهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَلَا كَذَلِكَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي.
قَالَتْ: (فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ ثُمَّ ادَّعَاهُ) يَعْنِي الْبَائِعَ. لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فِيهَا، فَإِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ ثُمَّ ادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ تَبَعٌ لِلنَّسَبِ.
قَالَ: (وَيَرُدُّ كُلَّ الثَّمَنِ) وَقَالَا: يَرُدُّ حِصَّةَ الْوَلَدِ خَاصَّةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوَّمَةٍ فِي الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا مُتَقَوَّمَةٌ فَيَضْمَنُهَا، وَكَذَا لَوِ ادَّعَاهُ بَعْدَ مَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي لَا يَصِحُّ وَبَعْدَ إِعْتَاقِهَا يَصِحُّ؛ لَأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي الْأُمِّ لَا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي الْوَلَدِ كَوَلَدِ الْمَغْرُورِ الْمُسْتَوْلَدِ بِالنِّكَاحِ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ؛ وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَةُ بَعْدَ إِعْتَاقِهَا ثَبَتَ النَّسَبُ وَفُسِخَ الْعَقْدُ وَرُدَّ الثَّمَنُ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنَّمَا كَانَ إِعْتَاقُ الْوَلَدِ مَانِعًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَحَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ فَاسْتَوَيَا؛ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ مِنَ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةُ الْإِعْتَاقِ، وَالثَّابِتَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الدَّعْوَةِ فِي الْوَلَدِ وَفِي الْأُمِّ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَلَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ، فَعَلَى هَذَا لَوِ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا لَا يَصِحُّ دَعْوَى الْبَائِعِ بَعْدَهُ؛ لَأَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي دَعْوَى تَحْرِيرٍ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَعْتَقَهُ، وَالتَّدْبِيرُ كَالْعِتْقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ.
قَالَ: (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى سَنَتَيْنِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِيَ ثَبَتَ النَّسَبُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا) لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ فَلَمْ يُوجَدِ الْيَقِينُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا صَدَّقَهُ ثَبَتَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَيَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا إِذَا أَمْكَنَ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ كَمَا مَرَّ، وَإِذَا ادَّعَيَاهُ فَدَعْوَةُ الْمُشْتَرِي أَوْلَى لِقِيَامِ مِلْكِهِ وَاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِيهِ.
قَالَ: (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ) لِلتَّيَقُّنِ بِعَدَمِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ، لَكِنْ إِذَا صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ النَّسَبُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِيلَادِ بِالنِّكَاحِ لِتَصَادُقِهِمَا حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاةِ.
(وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَلَا يُعْتَقُ الْوَلَدُ وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ مُدَّةُ الْوِلَادَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي وَقْتِ الْعُلُوقِ وَتَصِحُّ دَعْوَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَلَا حُجَّةَ لِلْبَائِعِ، وَإِنِ ادَّعَيَاهُ لَا تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لِلشَّكِّ، وَالْمُسْلِمُ
(2/125)

وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ وَالْمُكَاتَبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَإِنِ ادَّعَى الْبَائِعُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ وُلِدَ حَيًّا صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوِ اشْتَرَاهَا حُبْلَى ثُمَّ بَاعَهَا لَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ وَطْئِهَا؛ وَإِنْ حَبِلَتْ أَمَةٌ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا وَتَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الْأَوَّلِ فَوَلَدَتْ فِي يَدِهِ وَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَبَطَلَتِ الْبُيُوعُ كُلُّهَا وَتَرَاجَعُوا الْأَثْمَانَ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْحَمْلِ عِنْدَهُ لَمْ تَبْطُلِ الْعُقُودُ.
قَالَ: (وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ) لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِوَلَدَيْنِ وُلِدَا لَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَاسْتَحَالَ انِعِلَاقُ الثَّانِي مِنْ مَاءٍ آخَرَ، فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ، وَيَبْطُلُ مَا جَرَى فِيهِ مِنَ الْعُقُودِ مِنْ بَيْعٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
1 -
فَصْلٌ
كُلُّ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ صَدَرَا مِنَ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَاكِمِ إِنْ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا قُبِلَتِ الدَّعْوَى صِيَانَةً لِكَلَامِهِ عَنِ اللَّغْوِ نَظَرًا إِلَى عَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا لَمْ تُقْبَلْ، كَمَا إِذَا صَدَرَ مِنَ الشُّهُودِ، وَكُلُّ مَا أَثَّرَ فِي قَدْحِ الشَّهَادَةِ أَثَّرَ فِي مَنْعِ اسْتِمَاعِ الدَّعْوَى. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَى هَذَا الْحَقِّ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ بَيِّنَتَهُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ نَسِيَهَا وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي عَلَى فُلَانٍ شَهَادَةٌ ثُمَّ شَهِدَ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ أَيْضًا. وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِذَا قَالَ لَا شَهَادَةَ لِفُلَانٍ عِنْدِي فِي حَقٍّ بِعَيْنِهِ ثُمَّ جَاءَ وَشَهِدَ لَهُ قُبِلَتْ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ نَسِيتُ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ لِي حَقًّا، أَوْ لَا أَعْلَمُ لِي حُجَّةً ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا أَوْ جَاءَ بِحُجَّةٍ قُبِلَتْ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي حَقٌّ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي حُجَّةٌ قُبِلَتْ لِاحْتِمَالِ الْخَفَاءِ فِي الْبَيِّنَةِ دُونَ الْحَقِّ.
وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ لِي ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قَضَى لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ حَقًّا لِأَحَدٍ فَكَانَ سَاقِطًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُلَاعِنَ إِذَا ادَّعَى نَسَبَ الْوَلَدِ صَحَّ لِمَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِهِ بِاللَّعَانِ؟ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ قَالَ لَا حَقَّ لِي بِالرَّيِّ فِي دَارٍ وَلَا أَرْضٍ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ بِالرَّيِّ قُبِلَتْ، وَلَوْ عَيَّنَ فَقَالَ: لَا حَقَّ لِي بِالرَّيِّ فِي رُسْتَاقَ كَذَا فِي يَدِ فُلَانٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: ادْفَعْ إِلَيَّ هَذِهِ الدَّارَ أَسْكُنُهَا، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ أَلْبَسُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَأَبَى ثُمَّ ادَّعَى السَّائِلُ ذَلِكَ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا طَلَبَتُهَا بِطَرِيقِ الْمِلْكِ لَا بِالْعَارِيَةِ.
وَفِي الْفَتَاوَى: بَاعَ عَقَارًا وَابْنُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ حَاضِرَانِ وَتَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ ثُمَّ ادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا أَنَّهُ
(2/126)

كِتَابُ الْإِقْرَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا تُسْمَعُ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَهُوَ تَلْبِيسٌ مَحْضٌ، وَحُضُورُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ إِقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ، وَجُعِلَ سُكُوتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْإِيضَاحِ بِالْإِقْرَارِ قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ لِأَهْلِ الْعَصْرِ فِي الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ، وَلَوْ بَاعَ ضَيْعَةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ وَقْفًا عَلَيْهِ لَا تُسْمَعَ لِلتَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْبَيْعِ إِقْرَارٌ بِالْمِلْكِ، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، قِيلَ: تُقْبَلُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَقْفِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ فَسَادَ الْبَيْعِ وَحَقًّا لِنَفْسِهِ فَلَا تُسْمَعْ لِلتَّنَاقُضِ، وَلَوْ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِعَيْبٍ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ وَأَقَامَ الْبَائِعُ أَنَّهُ قَدْ بَرَأَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَيْبِ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ جُحُودَهُ الْبَيْعَ إِنْكَارٌ لِلْبَرَاءَةِ فَيَكُونُ مُكَذِّبًا شُهُودَهُ، وَلَوْ أَنْكَرَ النِّكَاحَ ثُمَّ ادَّعَاهُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي الْبَيْعِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ بِالْإِنْكَارِ، وَالنِّكَاحُ لَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى تَزْوِيجًا عَلَى أَلْفٍ فَأَنْكَرَتْ فَأَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَلْفَيْنِ قُبِلَتْ، وَلَا يَكُونُ إِنْكَارُهَا تَكْذِيبًا لِلشُّهُودِ؟ وَفِي الْبَيْعِ لَا تُقْبَلُ وَيَكُونُ تَكْذِيبًا لِلشُّهُودِ.

[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]
وَهُوَ فِي الْأَصْلِ: التَّسْكِينُ وَالْإِثْبَاتُ، وَالْقَرَارُ: السُّكُونُ وَالثَّبَاتُ، يُقَالُ: قَرَّ فُلَانٌ بِالْمَنْزِلِ إِذَا سَكَنَ وَثَبَتَ، وَقَرَّرْتُ عِنْدَهُ كَذَا: أَيْ أَثْبَتُّهُ عِنْدَهُ، وَقَرَارُ الْوَادِي: مُطْمَئَنُّهُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْمَاءُ، وَيُقَالُ: اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى كَذَا: أَيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَسُمِّيَتْ أَيَّامُ مِنَى أَيَّامَ الْقَرِّ لِأَنَّهُمْ يَثْبُتُونَ بِهَا وَيَسْكُنُونَ عَنْ سَفَرِهِمْ وَحَرَكَتِهِمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ إِذَا أَعْطَاهُ مَا يَكْفِيهِ فَسَكَنَتْ نَفْسُهُ وَلَا تَطْمَحُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ.
وَفِي الشَّرْعِ: اعْتِرَافٌ صَادِرٌ مِنَ الْمُقِرِّ يَظْهَرُ بِهِ حَقٌّ ثَابِتٌ فَيَسْكُنُ قَلْبَ الْمُقَرِّ لَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْسِ إِقْرَارٌ، فَلَوْلَا أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ لَمَا أُمِرَ بِهِ، وقَوْله تَعَالَى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة: 282] وَأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ. وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاغْدُ أَنْتَ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاعَزًّا وَالْغَامِدِيَّةَ بِالْإِقْرَارِ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ؛ وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ صَدَرَ عَنْ صِدْقٍ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، إِذِ الْمَالُ مَحْبُوبٌ
(2/127)

وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُقِرِّ إِذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا إِذَا أَقَرَّ لِمَعْلُومٍ، وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ وَيُبَيِّنُ الْمَجْهُولَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
طَبْعًا فَلَا يُكَذَّبُ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ حَجَّةٌ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ مُلْزِمَةٌ لِلْحَالِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بَدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَزِمَ الْمَالُ وَبَطَلَ الْخِيَارُ وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْخِيَارِ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ، وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ وَالْفَسْخُ يُرَدُّ عَلَى الْعُقُودِ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَهُ ظُهُورُ الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَشَرْطُهُ كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ مِمَّا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِكَفِّ تُرَابٍ أَوْ حَبَّةِ حِنْطَةٍ لَا يَصِحُّ، وَحُكْمُهُ ظُهُورُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ كَائِنٍ سَابِقٍ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِمَالٍ وَالْمُقَرُّ لَهُ يَعْلَمُ كَذِبَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَمْلِيكًا مُبْتَدَأً كَالْهِبَةِ.
قَالَ: (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُقِرِّ إِذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا) ، وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَجْرِ.
قَالَ: (إِذَا أَقَرَّ لِمَعْلُومٍ) لِأَنَّ فَائِدَةَ الْإِقْرَارِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ لِمَجْهُولٍ.
قَالَ: (وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ وَيُبَيِّنُ الْمَجْهُولَ) أَمَّا الْمَعْلُومُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَا يَدْرِي كَمِّيَّتَهُ كَغَرَامَةِ مُتْلَفٍ لَا يَدْرِي كَمْ قِيمَتُهُ أَوْ أَرْشِ جِرَاحَةٍ أَوْ بَاقِي دَيْنٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ كَانَ يَعْلَمُهُ ثُمَّ أُنْسِيَ، وَالْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَالْبَيَانُ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فَيُبَيِّنُهُ، إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْجَبْرِ مِنَ الْقَاضِي إِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، بِخِلَافِ جَهَالَةِ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَبِخِلَافِ الشُّهُودِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْمُقِرُّ لَهُ حَاجَةٌ لِخَلَاصِ ذِمَّتِهِ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ تُبْتَنَى عَلَى الدَّعْوَى، وَالدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ لَا تُقْبَلُ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْحَقَّ إِلَّا بِانْضِمَامِ الْقَضَاءِ إِلَيْهَا، وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْإِقْرَارُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَا يَعْمَلُ الرُّجُوعَ فِيهِ وَيَعْمَلُ فِي الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهَا.
(2/128)