Advertisement

الاختيار لتعليل المختار 004



الكتاب: الاختيار لتعليل المختار
المؤلف: عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل الحنفي (المتوفى: 683هـ)
عليها تعليقات: الشيخ محمود أبو دقيقة (من علماء الحنفية ومدرس بكلية أصول الدين سابقا)
الناشر: مطبعة الحلبي - القاهرة (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت، وغيرها)
تاريخ النشر: 1356 هـ - 1937 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«المختار للفتوى» لابن مودود الموصلي بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرحه للمؤلف نفسه وَإِنْ نَقَصَتْ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا أَوْ يُتَمِّمَهُ.

[أَقَلُّ الْمَهْرِ وَأَكْثَرُهُ] الْمَهْرُ أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مَالًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي جَانِبِهَا، وَهِيَ إِنَّمَا رَضِيَتْ بِاسْتِفْرَاشِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي غَرَّتْهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَصَالِحِ. وَالْكَفَاءَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ مِنْ جَانِبِهَا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الطَّلَاقِ، وَصَارَ كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالرَّتْقِ.
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] إِلَى أَنْ قَالَ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَبِي هُرَيْرَةَ: «لَوْ كَانَ لِي بِنْتٌ لَزَوَّجْتُكَ» . وَرُوِيَ «أَنَّ بِلَالًا خَطَبَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " قُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي» ، وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ.
وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ حُكْمُ الْآخِرَةِ لَا الدُّنْيَا ; لِأَنَّ التَّقْوَى لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا اللَّهُ وَثَوَابَهَا فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ جَوَابُ الْحَدِيثِ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
قَالَ: (وَإِنْ نَقَصَتْ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا، أَوْ يُتَمِّمَهُ) . وَلَا إِشْكَالَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ رُجُوعِهِ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قَوْلِ الْأَوَّلِ فِيهِ إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.
قَالُوا: صُورَتُهُ إِذَا أَكْرَهَ الْوَلِيُّ الْمَرْأَةَ عَلَى النِّكَاحِ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ، فَأَجَازَتِ النِّكَاحَ فَلِلْأَوْلِيَاءِ الِاعْتِرَاضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

[فصل أَقَلُّ الْمَهْرِ وَأَكْثَرُهُ]
ُ] (الْمَهْرُ أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مَالًا) ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] . عَلَّقَ الْحِلَّ بِشَرْطِ الِابْتِغَاءِ بِالْمَالِ فَلَا يَحِلُّ دُونَهُ، وَسُقُوطُهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ ; لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْفَسْخَ، وَسُقُوطُ الْعِوَضِ عِنْدَ وُجُودِ الْفَسْخِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ سُقُوطَهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ؛ إِذْ لَا يَسْقُطُ إِلَّا مَا ثَبَتَ وَلَزِمَ. وَالتَّنْصِيفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَبَتَ نَصًّا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ مُطْلَقُ الْمَالِ فَكَانَ مُجْمَلًا، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَسَّرَهُ بِالْعَشَرَةِ، فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ جَابِرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . وَلِأَنَّ الْمَهْرَ ثَبَتَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَكُونَ النِّكَاحُ بِدُونِهِ. وَلَوْ نَفَاهُ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، وَأَنَّهُ يَبْتَنِي عَلَى وُجُودِ الْأَصْلِ،
(3/101)

فَإِنْ سَمَّى أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فَلَهَا عَشَرَةٌ (ز) . وَمَنْ سَمَّى مَهْرًا لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ وَالْمَوْتِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَهُ نِصْفُهُ. وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا، أَوْ شَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا - فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ وَالْمَوْتِ، وَالْمُتْعَةُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَلَا تَجِبُ إِلَّا لِهَذِهِ، وَتُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ سِوَاهَا. وَالْمُتْعَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِحَالِهِ، وَلَا تُزَادُ عَلَى قَدْرِ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَمَا ثَبَتَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَدْخُلُهُ التَّقْدِيرُ كَالزَّكَاةِ.
قَالَ: (فَإِنْ سَمَّى أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فَلَهَا عَشَرَةٌ) ، وَقَالَ زُفَرُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا، فَصَارَ كَعَدَمِ التَّسْمِيَةِ. وَلَنَا: أَنَّ الْعَشَرَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ، فَتَسْمِيَتُهُ بَعْضُهُ كَتَسْمِيَتِهِ كُلِّهِ كَالطَّلْقَةِ. وَكَمَا إِذَا تَزَوَّجَ نِصْفَهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَهُ إِظْهَارًا لِخَطَرِ النِّكَاحِ، وَلَا يَظْهَرُ بِأَصْلِ الْمَالِ؛ لِتَنَاوُلِهِ الْحَقِيرَ مِنْهُ. وَمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ تَوَلَّى بَيَانَ مِقْدَارِهِ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهَا حَطَّتْ عَنْهُ مَا تَمْلِكُهُ وَمَا لَا تَمْلِكُهُ، فَيَسْقُطُ مَا تَمْلِكُهُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَلَا يَسْقُطُ مَا لَا تَمْلِكُهُ وَهُوَ تَمَامُ الْعَشَرَةِ، كَمَا إِذَا أَسْقَطَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الدَّيْنَ الْمُشْتَرَكَ يَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً.
قَالَ: (وَمَنْ سَمَّى مَهْرًا لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ وَالْمَوْتِ) ، أَمَّا الدُّخُولُ فَلِأَنَّهُ تَحَقَّقَ بِهِ تَسْلِيمُ الْمُبْدَلِ، وَبِالْمَوْتِ يَتَقَرَّرُ النِّكَاحُ بِانْتِهَائِهِ، فَيَجِبُ الْبَدَلُ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَهُ نِصْفُهُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] .
قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا، أَوْ شَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا - فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ وَالْمَوْتِ، وَالْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحَّ، فَيَجِبُ الْعِوَضُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ. وَالْمَهْرُ وَجَبَ حَقًّا لِلشَّرْعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَالْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ أَعْدَلُ، فَيُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ حَالَةِ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِهِ. فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَقَدْ رَضِيَتْ بِالنُّقْصَانِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَقَدْ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمَهْرُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ» .
وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ الْأَشْجَعِيَّةِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ» ، وَقَدْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] .
قَالَ: (وَلَا تَجِبُ إِلَّا لِهَذِهِ) ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ نِصْفِ الْمَهْرِ، وَهِيَ خَلَفٌ عَنْهُ، فَلَا تَجْتَمِعُ مَعَ الْأَصْلِ فِي حَقِّ غَيْرِهَا. وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَجَبَ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ.
(وَتُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ سِوَاهَا) ، قَالَ: (وَالْمُتْعَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ) ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. (يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِحَالِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] (وَلَا تُزَادُ عَلَى قَدْرِ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي سُمِّيَ فِيهِ أَقْوَى، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي الْأَقْوَى أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ لَا يَجِبُ فِي الْأَضْعَفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(3/102)

وَإِنْ زَادَهَا فِي الْمَهْرِ لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ، وَتَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ (س) . وَإِنْ حَطَّتْ مِنْ مَهْرِهَا صَحَّ الْحَطُّ، وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ كَالدُّخُولِ. وَكَذَلِكَ الْعِنِّينُ وَالْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ (سم) ، وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ مَانِعٌ مِنَ الْوَطْءِ طَبْعًا وَشَرْعًا. فَالْمَرَضُ الْمَانِعُ مِنَ الْوَطْءِ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ جِهَتِهَا مَانِعٌ طَبْعًا، وَكَذَلِكَ الرَّتْقُ وَالْقَرْنُ وَالْحَيْضُ وَالْإِحْرَامُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَصَلَاةُ الْفَرْضِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ زَادَهَا فِي الْمَهْرِ لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ) ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْبُيُوعِ فِي الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، (وَتَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) . وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: تَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْمَفْرُوضَ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْمَفْرُوضِ فِيهِ. وَعِنْدَهُمَا: التَّنْصِيفُ يَخْتَصُّ بِالْمَفْرُوضِ فِيهِ. وَأَصْلُهُ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَهَا، وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى تَسْمِيَةٍ - فَهِيَ لَهَا إِنْ دَخَلَ بِهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا. وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَالْمُتْعَةُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَنَصَّفُ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] . وَلَهُمَا: أَنَّ هَذَا تَعْيِينٌ لِمَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ لَا يَتَنَصَّفُ، فَكَذَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. وَالْفَرْضُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْمَفْرُوضُ فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّصِّ.
قَالَ: (وَإِنْ حَطَّتْ مِنْ مَهْرِهَا صَحَّ الْحَطُّ) ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا بَقَاءً وَاسْتِيفَاءً، فَتَمْلِكُ حَطَّهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
قَالَ: (وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ كَالدُّخُولِ) ؛ لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا - فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ» .
وَرَوَى زُرَارَةُ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّهُ إِذَا أَرْخَى سِتْرًا، أَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ - فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ. وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ: مَا ذَنْبُهُنَّ إِذَا جَاءَ الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِكُمْ. وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، فَيَسْتَقِرُّ بِالتَّخْلِيَةِ كَالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّهَا سَلَّمَتِ الْمُبْدَلَ إِلَيْهِ، فَيَجِبُ لَهَا الْبَدَلُ كَالْبَيْعِ.
(وَكَذَلِكَ الْعِنِّينُ وَالْخَصِيُّ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. (وَ) كَذَلِكَ (الْمَجْبُوبُ) ، وَقَالَا: يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِوُجُودِ الْمَانِعِ قَطْعًا، وَهُوَ أَعْجَزُ مِنَ الْمَرِيضِ. وَلَهُ: أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لَهُ فِي هَذَا الْعَقْدِ إِنَّمَا هُوَ السَّحْقُ، وَقَدْ سَلَّمَتْ إِلَيْهِ ذَلِكَ.
(وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ مَانِعٌ مِنَ الْوَطْءِ طَبْعًا وَشَرْعًا، فَالْمَرَضُ الْمَانِعُ مِنَ الْوَطْءِ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ جِهَتِهَا مَانِعٌ طَبْعًا، وَكَذَلِكَ الرَّتْقُ وَالْقَرْنُ) . وَكَذَا إِذَا كَانَ يَخَافُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ فُتُورٍ. (وَالْحَيْضُ) مَانِعٌ شَرْعًا وَطَبْعًا؛ إِذِ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ تَنْفِرُ مِنْهُ. (وَالْإِحْرَامُ) بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، (وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَصَلَاةُ الْفَرْضِ) مَانِعٌ شَرْعًا.
أَمَّا الْإِحْرَامُ
(3/103)

وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ إِلَّا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِالدُّخُولِ حَقِيقَةً، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى، وَيَثْبُتُ فِيهِ النَّسَبُ.

وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنَ الْخَلِّ (سم) فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ، أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا حُرٌّ، أَوْ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً (س) ، أَوْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ - جَازَ النِّكَاحُ (م) ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَلِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّمِ، وَفِي الصَّوْمِ؛ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِفْطَارُهُ بِعُذْرٍ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ كَالضِّيَافَةِ. وَلَا كَذَلِكَ رَمَضَانُ وَالْمَنْذُورُ وَالْقَضَاءُ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: فِي صَوْمِ يَوْمِ التَّطَوُّعِ رِوَايَتَانِ. وَكَذَلِكَ السُّنَنُ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ؛ لِشِدَّةِ تَأْكِيدِهِمَا بِالْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِمَا.
وَالْمَكَانُ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الْخَلْوَةُ أَنْ يَأْمَنَا فِيهِ اطِّلَاعَ غَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا حَتَّى لَوْ خَلَا بِهَا فِي مَسْجِدٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ لَا حِجَابَ لَهُ فَلَيْسَتْ صَحِيحَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُمَا أَعْمَى أَوْ صَبِيٌّ يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ كَلْبٌ عَقُورٌ أَوْ مَنْكُوحَةٌ لَهُ أُخْرَى أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ. وَفِي الْأَمَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهَا حَقُّ الشَّرْعِ.
قَالَ: (وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ إِلَّا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِالدُّخُولِ حَقِيقَةً) ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ قَائِمَةٌ، وَأَنَّهَا مَانِعَةٌ شَرْعًا، فَلَا يَجِبُ إِلَّا بِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَسَدَ الْمُسَمَّى صِرْنَا إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ إِذْ هُوَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ؛ لِمَا مَرَّ.
(وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالتَّسْمِيَةِ، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا؛ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ زَادَتْ لَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ؛ لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ حَيْثُ تَجِبُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَيَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِقِيمَتِهِ.
(وَيَثْبُتُ فِيهِ النَّسَبُ) ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إِثْبَاتِهِ، وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ وَقْتُ الدُّخُولِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ دَاعٍ إِلَى الْوَطْءِ، فَأُقِيمَ الْعَقْدُ مَقَامَهُ. وَالْفَاسِدُ لَيْسَ بِدَاعٍ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الْحُرْمَةِ، فَلَا يُقَامُ الْعَقْدُ مَقَامَهُ. وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ احْتِيَاطًا وَتَحَرُّزًا عَنِ اشْتِبَاهِ النَّسَبِ، وَأَوَّلُهَا يَوْمُ التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ؛ لِشُبْهَةِ النِّكَاحِ، وَالشُّبْهَةُ إِنَّمَا تَرْتَفِعُ بِالتَّفْرِيقِ.

[فصل مَهْرُ الْمِثْلِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنَ الْخَلِّ فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ، أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ، أَوْ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً، أَوْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ - جَازَ النِّكَاحُ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) . أَمَّا الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَيَلْغُو، وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَإِذَا بَطَلَتِ التَّسْمِيَةُ صَارَتْ كَالْعَدَمِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الدَّنُّ فَكَذَلِكَ
(3/104)

وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً جَازَ وَلَهَا الْخِدْمَةُ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَإِنْ وَفَّى فَلَهَا الْمُسَمَّى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنَ التَّسْمِيَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْخَمْرِ، وَقَالَا: لَهَا مِثْلُ وَزْنِهِ خَلًّا. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا مَرَّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ فِيهِ مِثْلُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ أَطْمَعَهَا فِي مَالٍ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ، فَيَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمُسَمَّى إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَوْجُودٌ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ ذَاتًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ، فَإِذَا هُوَ أَخْضَرُ انْعَقَدَ الْعَقْدُ؛ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ. وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِيهِ لَا ذَاتًا وَلَا صِفَةً؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ؛ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ الْعَبْدُ وَالْحُرُّ جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى حُرٍّ فَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ. أَمَّا الْخَلُّ وَالْخَمْرُ جِنْسَانِ؛ لِتَفَاحُشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، فَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّى، وَهُوَ الْخَلُّ فَيَلْزَمُهُ. وَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً، أَوْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ - فَمَذْهَبُهُمَا وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا قِيمَةُ خِدْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ، إِلَّا أَنَّهُ عَجَزَ عَنِ التَّسْلِيمِ؛ لِلْمُنَاقَضَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ تَجِبُ الْقِيمَةُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْخِدْمَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ ; لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِحَالٍ، فَصَارَ كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَ الْمَنَافِعِ بِالْعَقْدِ. فَإِذَا لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا فِيهِ لَمْ يَظْهَرْ تَقَوُّمُهَا، فَيُصَارُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِمَا بَيَّنَّا. أَوْ نَقُولُ: الْمَشْرُوعُ الِابْتِغَاءُ بِالْمَالِ، وَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ بِمَالٍ وَكَذَا الْمَنَافِعُ؛ لِمَا بَيَّنَّا. أَوْ نَقُولُ: تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَاجِبٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا كَتَعْلِيمِ الشَّهَادَتَيْنِ، بِخِلَافِ خِدْمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ رَقَبَتِهِ، وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الزَّوْجَةِ خِدْمَةَ الزَّوْجِ قَلْبُ الْمَوْضُوعِ ; لِأَنَّ تَوْقِيرَ الزَّوْجِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَفِي اسْتِخْدَامِهِ إِهَانَتُهُ.
قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً جَازَ، وَلَهَا الْخِدْمَةُ) ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَا مُنَاقَضَةَ؛ فَإِنَّهُ يَخْدِمُ الْمَوْلَى مَعْنًى حَيْثُ كَانَ بِأَمْرِهِ. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ، الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ إِذْ لَا مُنَاقَضَةَ. وَتَرْجِعُ بِقِيمَةِ خِدْمَتِهِ عَلَى الزَّوْجِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهَا، أَوْ يَزْرَعَ أَرْضَهَا فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَالْفَرْقُ عَلَى إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا مُنَاقَضَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الزَّوْجِيَّةِ. وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَا هُوَ مَالٌ وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَإِنْ وَفَى الْمَالُ بِالْعَشَرَةِ فَهُوَ لَهَا لَا غَيْرُ. وَإِنْ لَمْ يَفِ فَلَهَا تَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ - فَلَهَا الْعَشَرَةُ، وَلَا يُكْمِلُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَيْبِ عَبْدٍ اشْتَرَاهُ مِنْهَا جَازَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَيْبِ عَشَرَةً فَهُوَ لَهَا، وَإِلَّا يُكْمِلُ عَشَرَةً.
قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَإِنْ وَفَى فَلَهَا الْمُسَمَّى) ؛ لِأَنَّهُ
(3/105)

وَإِلَّا فَمَهْرُ مِثْلِهَا، وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ إِنْ أَقَامَ بِهَا، وَأَلْفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا؛ فَإِنْ أَقَامَ فَلَهَا الْأَلْفُ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَمَهْرُ مِثْلِهَا (سم ز) . وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، أَوْ هَذَا فَلَهَا أَشْبَهُهُمَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ (سم) . وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ بَيْنَهُمَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ (سم) .
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَانٍ، فَإِنْ سَمَّى نَوْعَهُ كَالْفَرَسِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ وَلَهَا الْوَسَطُ؛ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهَا ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ قِيمَتَهُ. وَالثَّوْبُ مِثْلُ الْحَيَوَانِ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ ذَكَرَ وَصْفَهُ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يَصْلُحُ مَهْرًا وَقَدْ تَرَاضَيَا بِهِ.
(وَإِلَّا فَمَهْرُ مِثْلِهَا) ؛ لِأَنَّهَا مَا رَضِيَتْ بِالْأَلْفِ إِلَّا مَعَ مَا ذَكَرَ لَهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ، فَيُكْمِلُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، فَكَأَنَّهُ مَا سَمَّى. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَكَرَامَتِهَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَلْفٍ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَهَا نِصْفُ الْأَلْفِ ; لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ الْمُتْعَةِ.
(وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ إِنْ أَقَامَ بِهَا، وَأَلْفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا - فَإِنْ أَقَامَ فَلَهَا الْأَلْفُ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا، (وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَمَهْرُ مِثْلِهَا) لَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ أَلْفٍ. وَقَالَا: الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ، وَعِنْدَ زُفَرَ فَاسِدَانِ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. وَعَلَى هَذَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا، وَأَلْفَيْنِ إِنْ تَزَوَّجَ. لِزُفَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، فَكَانَ الْمَهْرُ مَجْهُولًا. وَلَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ سَمَّى فِيهِ بَدَلًا مَعْلُومًا، فَصَارَ كَالْخِيَاطَةِ الْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ صَحَّ وَمُوجِبُهُ الْمُسَمَّى؛ لِمَا بَيَّنَّا. وَالشَّرْطُ الثَّانِي يَنْفِي مُوجِبَ الْأَوَّلِ، وَالتَّسْمِيَةُ مَتَى صَحَّتْ لَا يَجُوزُ نَفْيُ مُوجِبِهَا، فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ الثَّانِي.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ كَانَتْ قَبِيحَةً، وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً - صَحَّ الشَّرْطَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا مُخَاطَرَةَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَنَّ الزَّوْجَ يَجْهَلُهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْمُخَاطَرَةُ مَوْجُودَةٌ فِي التَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَنَّ الزَّوْجَ هَلْ يَفِي بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَوْ هَذَا فَلَهَا أَشْبَهُهُمَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ بَيْنَهُمَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) . وَقَالَا: لَهَا الْأَوْكَسُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الْأَوْكَسِ بِالْإِجْمَاعِ.
لَهُمَا أَنَّ الْأَوْكَسَ مُسَمًّى بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ، وَلَا يُصَارُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ مَعَ الْمُسَمَّى. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَصْلَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا يُتْرَكُ عِنْدَ صِحَّةِ الْمُسَمَّى، وَأَنَّهُ مَجْهُولٌ لِدُخُولِ كَلِمَةِ أَوْ فَيَكُونُ فَاسِدًا، إِلَّا أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْأَرْفَعِ فَقَدْ رَضِيَتْ بِالْحَطِّ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَقَدْ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ. وَمَتَى جَهِلَ الْمُسَمَّى تَجِبُ الْمُتْعَةُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، إِلَّا أَنَّ نَصِفَ الْأَوْكَسِ يَزِيدُ عَلَيْهَا عَادَةً فَيَجِبُ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ سَمَّى نَوْعَهُ كَالْفَرَسِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ وَلَهَا الْوَسَطُ؛ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهَا ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ قِيمَتَهُ. وَالثَّوْبُ مِثْلُ الْحَيَوَانِ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ ذَكَرَ وَصْفَهُ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ.
(3/106)

وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ) .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا تَصِحُّ مَعَ جَهَالَةِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَتَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ كَجَهَالَةِ الْوَصْفِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْتَمِلُ ضَرْبًا مِنَ الْجَهَالَةِ ; لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مَعَ جَهَالَتِهِ؛ لِمَا أَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْمُنَازَعَةَ كَذَلِكَ جَهَالَةُ الْوَصْفِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ وَالْمُضَايَقَةِ.
ثُمَّ الْجَهَالَةُ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا جَهَالَةُ النَّوْعِ وَالْوَصْفِ كَقَوْلِهِ: ثَوْبٌ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ دَارٌ - فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ؛ لِتَفَاوُتِهَا تَفَاوُتًا فَاحِشًا فِي الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَكَذَا التَّسْمِيَةُ مَعَ الْخَطَرِ كَقَوْلِهِ عَلَى مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ أَوْ غَنَمِهِ أَوْ مَا يَحْمِلُهُ نَخْلُهُ هَذِهِ السَّنَةَ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُومُ النَّوْعِ مَجْهُولُ الصِّفَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ: عَبْدٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ ثَوْبٌ هَرَوِيٌّ؛ فَإِنَّهُ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ، وَيَجِبُ الْوَسَطُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْلُومَ النَّوْعِ كَانَ لَهُ جَيِّدٌ وَرَدِيءٌ وَوَسَطٌ وَالْوَسَطُ أَعْدَلُ؛ لِأَنَّهُ ذُو حَظٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَعِنْدَ جَهَالَةِ النَّوْعِ لَا وَسَطَ؛ لِاخْتِلَافِ مَعَانِي الْأَنْوَاعِ؛ فَإِنَّ مَعْنَى الْفَرَسِ غَيْرُ مَعْنَى الْجَمَلِ، وَمَعْنَى الشَّاةِ غَيْرُ مَعْنَى الْجَامُوسِ. وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ كَالْأَطْلَسِ وَالْقُطْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْقِيمَةِ، فَكَانَتْ أَصْلًا فِي حَقِّ الْإِيفَاءِ، وَالْعَيْنُ أَصْلٌ مِنْ حَيْثُ التَّسْمِيَةِ، فَيَتَخَيَّرُ وَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْقَبُولِ.
وَقَالَ زُفَرُ: إِذَا كَانَ الْمَهْرُ ثَوْبًا مَوْصُوفًا لَا تُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتِ الثَّوْبَ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلَا تُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ غَيْرِهِ كَمَا فِي السَّلَمِ. وَجَوَابُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا فَهُوَ وَقِيمَتُهُ سَوَاءٌ فِي الْجَهَالَةِ، فَتُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ كَمَا فِي الْحَيَوَانِ. وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ زُفَرَ، وَقَالَ: هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا كَالسَّلَمِ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَيَوَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا فِي السَّلَمِ، فَكَذَا هُنَا.
ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْوَسَطِ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، وَإِنْ سَمَّى أَبْيَضَ فَخَمْسُونَ وَهُوَ قِيمَةُ الْغُرَّةِ، وَالْمَهْرُ بِمَعْنَى الْغُرَّةِ. وَعِنْدَهُمَا عَلَى قَدْرِ الرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ، وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ زَمَانٍ لَا بُرْهَانٍ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُومُ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ، وَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا، فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ كَالنُّقُودِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى كُرِّ حِنْطَةٍ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَصِفْهُ - يُخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْنَ الْوَسَطِ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْكُرِّ. وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ عَلَى أَلْفٍ قُسِّمَتِ الْأَلْفُ عَلَى قَدْرِ مَهْرِ مِثْلَيْهِمَا رُجُوعًا إِلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ إِلَيْهِمَا فَقَدْ أَضَافَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا تَسْتَحِقُّهُ.
وَاسْتِحْقَاقُهُمَا فِي الْأَصْلِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَنْ دَفَعَ إِلَى رَبَّيْ دَيْنٍ أَلْفًا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِهَا عَلَى قَدْرِ دَيْنَيْهِمَا كَذَلِكَ هَذَا. فَإِنْ طَلَّقَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَنِصْفُ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا. فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ إِحْدَاهُمَا
(3/107)

وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ عَشِيرَةِ أَبِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مِثْلُ حَالِهَا فَمِنَ الْأَجَانِبِ، وَيُعْتَبَرُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِثْلُهَا فِي السِّنِّ وَالْحُسْنِ وَالْبَكَارَةِ وَالْبَلَدِ وَالْعَصْرِ وَالْمَالِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَالَّذِي يُوجَدُ مِنْهُ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا، وَأَنْ يُسَافِرَ بِهَا حَتَى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
صَحَّ نِكَاحُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ اخْتَصَّ بِهَا فَلَا يَتَعَدَّاهَا، وَالْأَلْفُ كُلُّهَا لِلَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا.
وَقَالَا: يُقَسَّمُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهِمَا كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِمَا كَهِيَ، فَمَا أَصَابَ الَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا فَهُوَ لَهَا، وَيَسْقُطُ الْبَاقِي. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ إِضَافَةَ النِّكَاحِ إِلَى مَنْ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا لَغْوٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا ضَمَّ إِلَيْهَا أُسْطُوَانَةً أَوْ دَابَّةً.
وَالْبَدَلُ إِنَّمَا يَنْقَسِمُ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ وَالدُّخُولِ فِي الْعَقْدِ، وَلَا مُعَاوَضَةَ فِي الْمُحَرَّمَةِ، وَلَا مُسَاوَاةَ وَلَا دُخُولَ فِي الْعَقْدِ - فَصَارَتْ عَدَمًا. وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى اثْنَيْنِ وَاخْتِصَاصُهُ بِأَحَدِهِمَا جَائِزٌ، قَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] أَضَافَ الرُّسُلَ إِلَيْهِمَا، وَالرُّسُلُ مُخْتَصَّةٌ بِالْإِنْسِ دُونَ الْجِنِّ. فَإِنْ دَخَلَ بِالَّتِي لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ؛ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَعِنْدَهُمَا الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَمِمَّا يَخُصُّهَا.
قَالَ: (وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ عَشِيرَةِ أَبِيهَا) كَأَخَوَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَبَنَاتِ عَمِّهَا دُونَ أُمِّهَا وَخَالَتِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ قَبِيلَةِ أَبِيهَا. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَرْوَعَ حِينَ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ مَهْرٍ، فَقَالَ: «لَهَا مَهْرٌ مِثْلُ نِسَائِهَا» ، وَنِسَاؤُهَا أَقَارِبُ الْأَبِ. وَلِأَنَّ قِيمَةَ الشَّيْءِ تُعْرَفُ بِقِيمَةِ جِنْسِهِ، وَجِنْسُهُ قَوْمُ أَبِيهِ. (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مِثْلُ حَالِهَا فَمِنَ الْأَجَانِبِ) تَحْصِيلًا؛ لِلْمَقْصُودِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ.
قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِثْلُهَا فِي السِّنِّ وَالْحُسْنِ وَالْبَكَارَةِ وَالْبَلَدِ وَالْعَصْرِ وَالْمَالِ) ؛ فَإِنَّ الْمَهْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ؛ لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَخْتَلِفُ بِهَا. (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَالَّذِي يُوجَدُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي امْرَأَتَيْنِ فَيُعْتَبَرُ بِالْمَوْجُودِ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا مِثْلُهَا. وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْجَمَالَ لَا يُعْتَبَرُ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ حَسَبٍ وَشَرَفٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَوْسَطِ؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ حِينَئِذٍ فِي الْجَمَالِ.
قَالَ: (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا، وَأَنْ يُسَافِرَ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ فِي الْمُبْدَلِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَيَّنَ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ كُلُّهُ مُؤَجَّلًا لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا سَلَّمَتْ إِلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ بَعْدَهُ كَالْبَائِعِ إِذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلَهُ أَنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ الْوَطَآتِ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ الْوَطْءُ عَنِ الْعِوَضِ إِظْهَارًا لِخَطَرِ الْبُضْعِ، إِلَّا أَنَّهُ تَأَكَّدَ بِوَطْأَةِ الْأُولَى لِجَهَالَةِ مَا وَرَاءَهَا. وَالْمَجْهُولُ لَا يُزَاحِمُ الْمَعْلُومَ، فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَهُ وَطْءٌ آخَرُ صَارَ مَعْلُومًا، فَتَحَقَّقَتِ الْمُزَاحَمَةُ، فَصَارَ الْمَهْرُ مُقَابَلًا بِالْكُلِّ.
(3/108)

فَإِذَا أَوْفَاهَا مَهْرَهَا نَقَلَهَا إِلَى حَيْثُ شَاءَ، وَقِيلَ: لَا يُسَافِرُ بِهَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.

فَصْلٌ [نِكَاحُ الْعَبْدِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى] وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَيَمْلِكُ إِجْبَارَهُمْ عَلَى النِّكَاحِ. وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَنَظِيرُهُ الْعَبْدُ الْجَانِي إِذَا جَنَى جِنَايَةً يُدْفَعُ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يُدْفَعْ حَتَّى جَنَى أُخْرَى وَأُخْرَى دُفِعَ بِالْكُلِّ.
قَالَ: (فَإِذَا أَوْفَاهَا مَهْرَهَا نَقَلَهَا إِلَى حَيْثُ شَاءَ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} [الطلاق: 6] . (وَقِيلَ: لَا يُسَافِرُ بِهَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) ؛ لِفَسَادِ أَهْلِ الزَّمَانِ، وَالْغَرِيبُ يُؤْذَى. وَقِيلَ: يُسَافِرُ بِهَا إِلَى قُرَى الْمِصْرِ الْقَرِيبَةِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِغُرْبَةٍ.
وَإِذَا ضَمِنَ الْوَلِيُّ الْمَهْرَ صَحَّ ضَمَانُهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطَالِبَ أَيَّهُمَا شَاءَتْ كَسَائِرِ الْكَفَالَاتِ، وَحُكْمُهَا فِي الرُّجُوعِ كَغَيْرِهَا مِنَ الْكَفَالَاتِ. وَلَوْ ضَمِنَ الْمَهْرَ عَنِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ صَحَّ؛ لِمَا قُلْنَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِذَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ صِلَةٌ عُرْفًا. فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، فَأَخَذَ مِنْ تَرَكِتِهِ - رَجَعَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ عَلَى الِابْنِ مِنْ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا عَنْهُ دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَرْجِعُونَ كَمَا إِذَا كَفَلَ عَنِ ابْنِهِ الْكَبِيرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ عَنْ أَجْنَبِيٍّ. قُلْنَا: الْكَفَالَةُ هُنَا بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ حُكْمًا لِوِلَايَةِ الْأَبِ، فَكَانَتْ كَفَالَتُهُ دَلِيلَ الْأَمْرِ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِيَرْجِعَ، بِخِلَافِ الْكَبِيرِ وَالْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا. وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَدَّى حَالَ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَبَرُّعِ الْآبَاءِ بِمَهْرِ الْأَبْنَاءِ.

[فصل نِكَاحُ الْعَبْدِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى]
فَصْلٌ [نِكَاحُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ] (وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى) ، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهَا فَهِيَ عَاهِرَةٌ» ، وَقَوْلُهُ: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ» ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَيْبٌ فِي الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ؛ لِتَعَلُّقِ النَّفَقَةِ بِكَسْبِهِمَا، وَالْمَهْرِ بِرَقَبَتِهِمَا، فَلَا يَمْلِكُ غَيْرُ الْمَوْلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لِلْمَوْلَى فَلَا يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
(وَيَمْلِكُ إِجْبَارَهُمْ عَلَى النِّكَاحِ) صِيَانَةً لِمِلْكِهِ، وَتَحْصِينًا لَهُ عَنِ الزِّنَا الَّذِي هُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ أَوْ نُقْصَانِهِمْ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يُزَوِّجَ الْمُكَاتِبَ وَالْمُكَاتِبَةَ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا؛ لِخُرُوجِهِمَا عَنْ يَدِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي الْمُكَاتِبِ. وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهُمَا إِلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى؛ لِلرِّقِّ الثَّابِتِ فِيهِمَا بِالْحَدِيثِ.
وَيَمْلِكُ الْمُكَاتِبُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الِاكْتِسَابِ، وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ خُسْرَانٌ لَا اكْتِسَابٌ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ بِغَيْرِ مَهْرٍ جَازَ وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ حَقًّا لِلشَّرْعِ، ثُمَّ يَسْقُطُ.
قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ
(3/109)

مَوْلَاهُ فَالْمَهْرُ دَيْنٌ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ، وَالْمُدَبَّرُ يَسْعَى. وَإِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ أَوِ الْمُكَاتَبَةُ وَلَهَا زَوْجُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَوِّئَهَا بَيْتَ الزَّوْجِ لَكِنَّهَا تَخْدُمُ الْمَوْلَى، وَيُقَالُ لَهُ: مَتَى ظَفِرْتَ بِهَا وَطِئْتَهَا. وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى: طَلِّقْهَا - فَلَيْسَ بِإِجَازَةٍ. وَلَوْ قَالَ: طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً - فَهُوَ إِجَازَةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَوْلَاهُ فَالْمَهْرُ دَيْنٌ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ فِي رَقَبَتِهِ بِفِعْلِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى حَيْثُ وَقَعَ بِإِذْنِهِ، فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمَرْأَةِ، كَمَا فِي دُيُونِ الْمَأْذُونِ لِلتِّجَارَةِ. (وَالْمُدَبَّرُ يَسْعَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا.
قَالَ: (وَإِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ أَوِ الْمُكَاتِبَةُ، وَلَهَا زَوْجٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ - فَلَهَا الْخِيَارُ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِبَرِيرَةَ حِينَ أُعْتِقَتْ: «مَلَكْتِ بُضْعَكِ، فَاخْتَارِي» . جَعَلَ الْعِلَّةَ الْمُثْبِتَةَ لِلْخِيَارِ مَعْنًى فِيهَا، وَهُوَ مِلْكُ الْبُضْعِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ؛ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ. عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا، وَهِيَ رَاجِحَةٌ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَلِأَنَّهُ ازْدَادَ الْمِلْكُ عَلَيْهَا فِي الْفَصْلَيْنِ، فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ فِيهِمَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا.
قَالَ: (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَوِّئَهَا بَيْتَ الزَّوْجِ لَكِنَّهَا تَخْدِمُ الْمَوْلَى، وَيُقَالُ لَهُ: مَتَى ظَفِرْتَ بِهَا وَطِئْتَهَا) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الْخِدْمَةِ بَاقٍ، وَالتَّبْوِئَةُ إِبْطَالٌ لَهُ - فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. وَلَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنْ لَا يَسْتَخْدِمَهَا بَطَلَ الشَّرْطُ، فَإِنْ بَوَّأَهَا بَيْتًا مَعَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَتَبْطُلُ التَّبْوِئَةُ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْخِدْمَةِ الْمِلْكُ، وَهُوَ بَاقٍ؛ فَلَا تُبْطِلُهُ التَّبْوِئَةُ.
قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى: طَلِّقْهَا - فَلَيْسَ بِإِجَازَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ هُنَا حَيْثُ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَافْتَاتَ عَلَيْهِ. وَرَدُّ هَذَا الْعَقْدِ يُسَمَّى طَلَاقًا، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: فَارِقْهَا، وَبَلْ أَوْلَى.
(وَلَوْ قَالَ: طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً - فَهُوَ إِجَازَةٌ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ النَّافِذِ. وَلَوْ أَذِنَ الْعَبْدُ فِي النِّكَاحِ يَنْتَظِمُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ. وَقَالَا: هُوَ عَلَى الصَّحِيحِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النِّكَاحِ الْإِعْفَافُ، وَذَلِكَ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ. وَلِأَنَّ الِاسْمَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَقَعُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْيَمِينِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللَّفْظَ يَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ. وَلَئِنْ قَالَ: الْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُفِيدُ بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ كَالْعِتْقِ وَالْمِلْكِ وَغَيْرِهِ - قُلْنَا: وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ أَيْضًا يُفِيدُ بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ كَالنَّسَبِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ. وَمَسْأَلَةُ الْيَمِينِ مَمْنُوعَةٌ، وَلَئِنْ سَلِمَتْ فَالْأَيْمَانُ مَبْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ.
وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا انْتَهَى الْأَمْرُ عِنْدَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى. وَعِنْدَهُمَا: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْأَمْرِ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا امْرَأَةً
(3/110)

وَالْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ لِمَوْلَى الْأَمَةِ (سم) . وَإِذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أُعْتِقَا - نَفَذَ النِّكَاحُ، وَلَا خِيَارَ لِلْأَمَةِ.

فَصْلٌ [نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ] تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا أَوْ عَلَى مَيْتَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ - جَازَ، وَلَا مَهْرَ لَهَا (سم) . وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ، أَوْ فِي عِدَّةِ (سم) كَافِرٍ آخَرَ - جَازَ إِنْ دَانُوهُ، وَلَوْ أَسْلَمَا أُقِرَّا عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضَي التَّكْرَارَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَزَوَّجْ مَا شِئْتَ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ثِنْتَيْنِ.
قَالَ: (وَالْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ لِمَوْلَى الْأَمَةِ) وَقَالَا: إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّهَا، وَالْعَزْلَ تَنْقِيصٌ لَهُ؛ فَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَزْلَ يُخِلُّ بِحَقِّ الْمَوْلَى وَهُوَ حُصُولُ الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ، فَيُشْتَرَطُ رِضَاهُ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ وَالْوَطْءَ حَقُّهَا.
قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أُعْتِقَا - نَفَذَ النِّكَاحُ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ، وَالتَّوَقُّفُ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ. (وَلَا خِيَارَ لِلْأَمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَذَ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ. وَلَوْ تَزَوَّجَتْ، وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى - جَازَ النِّكَاحُ؛ لِمَا بَيَّنَّا، وَالْمَهْرُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مَمْلُوكَةً لِلْمَوْلَى. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ مَهْرٌ آخَرُ، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا وَقُلْنَا: يَجِبُ مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ اسْتَنَدَ إِلَى أَصْلِ الْعَقْدِ. وَلَوْ أَعْتَقَهَا، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا - فَالْمَهْرُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مَمْلُوكَةً لَهَا.

[فصل نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ]
فَصْلٌ [زَوَاجُ الذِّمِّيِّ وَالْمَجُوسِيِّ] (تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا، أَوْ عَلَى مَيْتَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ - جَازَ، وَلَا مَهْرَ لَهَا) . وَقَالَا: لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ مَاتَ عَنْهَا، أَوْ دَخَلَ بِهَا. وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهُمُ الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَصَارَ كَالرِّبَا. وَلَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» ، وَمَا الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا فِيمَا يَعْتَقِدُونَ خِلَافَهُ، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ مَنَعَ إِلْزَامَهُمْ بِالسَّيْفِ. وَالْحُجَّةُ بِخِلَافِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عَقْدِهِمْ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ» ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ، أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ آخَرَ - جَازَ إِنْ دَانُوهُ، وَلَوْ أَسْلَمَا أُقِرَّا عَلَيْهِ) . وَقَالَا: إِذَا تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ فَاسِدٌ. فَإِنْ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمُعْتَدَّةِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَحُرْمَةُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُمُ الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا، وَلَمْ يَلْتَزِمُوهَا بِجَمِيعِ الِاخْتِلَافَاتِ. وَلَهُ: أَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ حَقًّا لِلشَّرْعِ وَلَا لِلْمُطَلِّقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُهَا،
(3/111)

وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا - فَلَهَا ذَلِكَ (سم) إِنْ كَانَا عَيْنَيْنِ، وَإِلَّا فَقِيمَةُ الْخَمْرِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْخِنْزِيرِ. وَإِذَا أَسْلَمَ الْمَجُوسِيُّ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ مَحَارِمِهِ.
وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ. وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا. وَالْكِتَابِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْمَجُوسِيِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِخِلَافِ الْعِدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهَا. وَحَالَةُ الْمُرَافَعَةِ أَوِ الْإِسْلَامِ حَالَةُ الْبَقَاءِ، وَالْعِدَّةُ لَا تُنَافِيهَا كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا حَالَةَ الْبَقَاءِ.
قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا - فَلَهَا ذَلِكَ إِنْ كَانَا عَيْنَيْنِ، وَإِلَّا فَقِيمَةُ الْخَمْرِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْخِنْزِيرِ) . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْحَالَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْقِيمَةُ فِيهِمَا. لَهُمَا: أَنَّ الْمِلْكَ يَتَأَكَّدُ بِالْقَبْضِ، فَأَشْبَهَ الْعَقْدَ. وَالْإِسْلَامُ مَانِعٌ مِنْهُ، فَصَارَا كَمَا إِذَا كَانَا دِينَيْنِ.
وَإِذَا امْتَنَعَ الْقَبْضُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَكَذَا عِنْدَ الْقَبْضِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: صَحَّتِ التَّسْمِيَةُ، وَعَجَزَ عَنِ التَّسْلِيمِ بِالْإِسْلَامِ، فَتَجِبُ الْقِيمَةُ كَمَا إِذَا كَانَ عَبْدًا فَهَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمِلْكَ تَمَّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي الْمُعَيَّنِ حَتَّى جَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَبِالْقَبْضِ يَنْتَقِلُ إِلَى ضَمَانِهَا مِنْ ضَمَانِهِ، وَالْإِسْلَامُ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ ذَلِكَ كَاسْتِرْدَادِ الْخَمْرِ الْمَغْصُوبِ، وَخَمْرِ الْمُكَاتَبِ الذِّمِّيِّ إِذَا عَجَزَ، وَالْمَأْذُونِ إِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ. وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ إِنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ، وَالْإِسْلَامُ مَانِعٌ مِنْهُ. وَإِذَا امْتَنَعَ الْقَبْضُ فَالْخَمْرُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَالْخِنْزِيرُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، فَتَكُونُ الْقِيمَةُ مَقَامَهُ فَلَا يَجِبُ، فَتَعَيَّنَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْخَمْرِ ; لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهَا.
قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الْمَجُوسِيُّ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ مَحَارِمِهِ) ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ إِذَا طَرَأَتْ عَلَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ تُبْطِلُهُ، وَلِأَنَّهَا تُنَافِي بَقَاءَ النِّكَاحِ وَلَا كَذَلِكَ الْعِدَّةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُفَرَّقُ بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} [المائدة: 42] ، وَلِأَنَّ مُرَافَعَةَ أَحَدِهِمَا لَا يُبْطِلُ حَقَّ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اتَّفَقَا حَيْثُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ؛ لِمَا تَلَوْنَا، وَلِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِحُكْمِنَا فَيَلْزَمُهُمَا.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ) بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ مَصَالِحُهُ، وَلَا تُوجَدُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ، وَالْمُرْتَدَّةُ تُحْبَسُ. أَوْ نَقُولُ: لَا مِلَّةَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقَرَّانِ عَلَى مَا انْتَقَلَا إِلَيْهِ.
وَيَجُوزُ نِكَاحُ النَّصْرَانِيِّ الْمَجُوسِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّةَ، وَالْيَهُودِيِّ النَّصْرَانِيَّةَ وَالْمَجُوسِيَّةَ وَالْمَجُوسِيِّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَا كَفَاءَةَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُفْرِ.
قَالَ: (وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا) نَظَرًا لَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا كَانَ مُسْلِمًا. وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، وَلَهُمَا وَلَدٌ صَغِيرٌ - صَارَ مُسْلِمًا. (وَالْكِتَابِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْمَجُوسِيِّ) حَتَّى يَجُوزَ أَكْلُ ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ
(3/112)

وَإِذَا أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ الْكَافِرِ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ؛ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَتَكُونُ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا (س) . وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ؛ فَإِنْ أَسْلَمَتْ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ.
وَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَتَوَقَّفُ الْبَيْنُونَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ قَبْلَ إِسْلَامِ الْآخَرِ، وَإِذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إِلَيْنَا مُسْلِمًا وَقَعَتِ الْبَيْنُونَةُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا إِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ سُبِيَا مَعًا لَمْ تَقَعْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَمُنَاكَحَتُهُ دُونَ الْمَجُوسِيِّ.
قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ الْكَافِرِ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ) تَحْصِيلًا لِمَصَالِحِ النِّكَاحِ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَاتَتْ بِإِسْلَامِهَا. (فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ) كَمَا إِذَا أَسْلَمَا مَعًا، (وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ؛ لِمَا أَنَّهُ طَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ، فَيُجْعَلُ إِبَاؤُهُ سَبَبًا لِفَوَاتِ مَصَالِحِ النِّكَاحِ عُقُوبَةً. (وَتَكُونُ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَكُونُ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الزَّوْجَانِ، فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا كَمَا إِذَا مَلَكَهَا أَوْ مَلَكَتْهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الزَّوْجَ تَرَكَ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَيَنُوبُ عَنْهُ الْقَاضِي فِي التَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ كَقَوْلِ الزَّوْجِ، فَيَكُونُ طَلَاقًا كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ) ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ، فَلَا يَنْتَقِلُ قَوْلُ الْقَاضِي إِلَيْهَا. ثُمَّ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ بِالدُّخُولِ.
(وَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَتَوَقَّفُ الْبَيْنُونَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ قَبْلَ إِسْلَامِ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا، وَلَا قُدْرَةَ عَلَى الْعَرْضِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَجَعَلْنَا ثَلَاثَ حِيَضٍ وَهُوَ شَرْطُ الْفُرْقَةِ مَقَامَ السَّبَبِ وَهُوَ الْعَرْضُ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ إِذَا بَانَتْ بِثَلَاثِ حِيَضٍ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ طَلَاقٌ عِنْدَهُمَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ كَأَبِي يُوسُفَ.
وَلَوْ أَسْلَمَ الْآخَرُ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ فَلَا عَرْضَ وَلَا فُرْقَةَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا ابْتِدَاءً، فَلِأَنْ يَبْقَى أَوْلَى. وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، وَهُمَا صَبِيَّانِ عَاقِلَانِ - عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يُخَاطَبُ بِالْإِسْلَامِ حَقًّا لِلْعِبَادِ حَتَّى إِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ. فَإِنْ أَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا اسْتِحْسَانًا إِيفَاءً لِحَقِّ صَاحِبِهِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ.
قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إِلَيْنَا مُسْلِمًا وَقَعَتِ الْبَيْنُونَةُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا إِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا. وَلَوْ سُبِيَا مَعًا لَمْ تَقَعْ) ، فَسَبَبُ الْبَيْنُونَةِ هُوَ التَّبَايُنُ دُونَ السَّبْيِ؛ لِأَنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ لَا تَحْصُلُ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ مَصَالِحَهُ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاجْتِمَاعِ، وَالتَّبَايُنُ مَانِعٌ مِنْهُ. أَمَّا السَّبْيُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مِلْكَ الرَّقَبَةِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءً.
وَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَقَصْدُهُ الرُّجُوعُ
(3/113)

وَإِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْنَا مُهَاجِرَةً لَا عِدَّةَ (سم) عَلَيْهَا. وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ (م) ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ الزَّوْجَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمَهْرُ، وَقَبْلَهُ لَا شَيْءَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ. وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَ فَالْكُلُّ بَعْدَهُ وَالنِّصْفُ قَبْلَهُ. وَإِنِ ارْتَدَّا مَعًا، ثُمَّ أَسْلَمَا مَعًا - فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَلَمْ يُوجِدْ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ حُكْمًا.
قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْنَا مُهَاجِرَةً لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا) ، وَقَالَا: عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَالْفُرْقَةُ حَصَلَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَهُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ إِظْهَارًا لِخَطَرِ النِّكَاحِ، وَلَا خَطَرَ لِنِكَاحِ الْحَرْبِيِّ. وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا عِدَّةَ عَلَى الْمَسْبِيَّةِ.
قَالَ: (وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ) ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ الزَّوْجَ فَهِيَ طَلَاقٌ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْإِبَاءِ، وَأَبُو يُوسُفَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ أَيْضًا. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي الْمَحَلِّيَّةَ كَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَالطَّلَاقُ رَافِعٌ، فَتَعَذَّرَ أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا، وَلِهَذَا لَا يُحْتَاجُ فِي الْفُرْقَةِ هُنَا إِلَى الْقَضَاءِ. أَمَّا الْإِبَاءُ لَا يُنَافِي الْمَحَلِّيَّةَ وَالنِّكَاحَ، وَلِهَذَا تَتَوَقَّفُ الْفُرْقَةُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا بِالْإِبَاءِ امْتَنَعَ عَنِ التَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ، فَنَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
(ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ الزَّوْجَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمَهْرُ، وَقَبْلَهُ لَا شَيْءَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ) وَقَدْ مَرَّ. (وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ فَالْكُلُّ بَعْدَهُ وَالنِّصْفُ قَبْلَهُ) ، وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى: لَوِ ارْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ قِيلَ: لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ؛ زَجْرًا لَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَفْسُدُ، وَتُجْبَرُ عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ زَجْرًا لَهَا أَيْضًا.
(وَإِنِ ارْتَدَّا مَعًا، ثُمَّ أَسْلَمَا مَعًا - فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا) ؛ لِأَنَّ بَنِي حَنِيفَةَ ارْتَدُّوا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَجْدِيدِ الْأَنْكِحَةِ، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدِهِمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا. فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الرِّدَّةِ فَسَدَ النِّكَاحُ كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ.
وَلَوْ قَبَّلَهَا ابْنُ زَوْجِهَا أَوْ وَطِئَهَا حُرِّمَتْ عَلَى أَبِيهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَسَقَطَ مَهْرُهَا إِذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، فَقَدِ امْتَنَعَتْ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُبْدَلِ، فَتُمْنَعُ الْبَدَلَ كَمَا فِي الْبَيْعِ. وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً لَا يَسْقُطُ. وَفِي الصَّغِيرَةِ لَا يَسْقُطُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ يُجَامَعُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِفِعْلِهَا حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدٌّ وَلَا تَعْزِيرٌ وَلَا غُسْلٌ وَلَا مَأْثَمٌ؛ لِعَدَمِ الْخِطَابِ، فَكَذَا هَذَا.
وَإِنِ ارْتَدَّتِ الصَّغِيرَةُ سَقَطَ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا حُكِمَ بِرِدَّتِهَا بَطَلَتْ مَحَلِّيَّةُ النِّكَاحِ، فَصَارَتْ كَالْكَبِيرَةِ؛ إِذِ الْكَلَامُ فِي الَّتِي تَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَالرِّدَّةَ عَلَى مَا يَأْتِيكَ.
(3/114)

وَإِذَا كَانَ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَيْبٌ فَلَا خِيَارَ لِلْآخَرِ (م) إِلَّا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْخَصْيِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل عيوب الزوجية]
فَصْلٌ (وَإِذَا كَانَ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَيْبٌ فَلَا خِيَارَ لِلْآخَرِ إِلَّا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْخَصْيِ) ، أَمَّا عُيُوبُ الْمَرْأَةِ فَبِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ التَّمْكِينُ، وَإِنَّهُ مَوْجُودٌ. وَالِاسْتِيفَاءُ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَاخْتِلَالُهُ بِالْعُيُوبِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ بِالْمَوْتِ لَا يُوجِبُهُ، فَهَذَا أَوْلَى.
وَأَمَّا عُيُوبُ الرَّجُلِ وَهِيَ الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ فَكَذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِمُ بَيْنَهُمَا الْمَصَالِحُ، فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، بِخِلَافِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ بِالطَّلَاقِ، وَصَارَ كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الْخِيَارَ يُبْطِلُ حَقَّ الزَّوْجِ، فَلَا يَثْبُتُ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ؛ لِإِخْلَالِهِمَا بِالْمَقْصُودِ مِنَ النِّكَاحِ، وَالْعُيُوبُ لَا تُخِلُّ بِهِ.
وَالْعِنِّينُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى النِّسَاءِ، أَوْ يَصِلُ إِلَى الثَّيِّبِ دُونَ الْأَبْكَارِ، أَوْ يَصِلُ إِلَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَلَا يَصِلُ إِلَيْهَا. وَتَكُونُ الْعُنَّةُ لَمَرِضٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ كِبَرِ سِنٍّ، أَوْ مِنْ أَخْذٍ بِسِحْرٍ ; فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا، وَخَاصَمَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ - أَجَّلَهُ الْقَاضِي سَنَةً، فَإِنْ وَصَلَ إِلَيْهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِنْ طَلَبَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِي الْوَطْءِ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَرَضٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ، فَجُعِلَتِ السَّنَةُ مُعَرِّفَةً لِذَلِكَ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِنْ بُرُودَةٍ أَزَالَهُ حَرُّ الصَّيْفِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رُطُوبَةٍ أَزَالُهُ يُبْسُ الْخَرِيفِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَرَارَةٍ أَزَالَهُ بَرْدُ الشِّتَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يُبْسٍ أَزَالَهُ رُطُوبَةُ الرَّبِيعِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا - عُلِمَ أَنَّهُ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ، فَتُخَيَّرُ؛ فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: بَانَتْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا تَبِينُ إِلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ. لَهُمَا: أَنَّ الشَّرْعَ خَيَّرَهَا عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْرِيقِ الْقَاضِي كَمَا إِذَا خَيَّرَهَا الزَّوْجُ. وَلَهُ: أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ لَازِمٌ، وَمِلْكُ الزَّوْجِ فِيهِ مَعْصُومٌ؛ فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِإِزَالَتِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ. لَكِنْ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، وَقَدْ عَجَزَ عَنِ الْأَوَّلِ بِالْعُنَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَاضِيَ النِّيَابَةُ فِيهِ - فَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ لِدَفْعِ الظُّلْمِ، فَلَا تَبِينُ بِدُونِ تَفْرِيقِ الْقَاضِي. فَإِذَا فَرَّقَ يَصِيرُ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً؛ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهَا، وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا بِمِلْكِهَا نَفْسَهَا. وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَقُّهَا.
وَالْمُرَادُ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا سَنَةٌ شَمْسِيَّةٌ، وَتُعْتَبَرُ بِالْأَيَّامِ، وَتَزِيدُ عَلَى الْقَمَرِيَّةِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيُحْسَبُ مِنْهَا أَيَّامُ الْحَيْضِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَخْلُو
(3/115)

فَصْلٌ وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْجَدِيدَةُ وَالْعَتِيقَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ - سَوَاءٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَنْ ذَلِكَ، وَيُحْسَبُ مَرَضُهُ وَمَرَضُهَا إِنْ كَانَ نِصْفَ شَهْرٍ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ عَوَّضَهُ عَنْهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِنْ حَجَّتْ أَوْ هَرَبَتْ أَوْ غَابَتْ لَمْ تُحْتَسَبْ تِلْكَ الْمُدَّةُ مِنَ السَّنَةِ، وَإِنْ حَجَّ هُوَ أَوْ هَرَبَ أَوْ غَابَ احْتُسِبَ عَلَيْهِ مِنَ السَّنَةِ.
وَالتَّأْجِيلُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ دَعْوَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَاضِي؛ فَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا. وَلَوْ خَيَّرَهَا الْقَاضِي، فَقَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ - فَلَا خِيَارَ لَهَا كَالْمُخَيَّرَةِ مِنْ زَوْجِهَا. فَإِنْ طَلَبَ الْعِنِّينُ أَنْ يُؤَجِّلَهُ الْقَاضِي سَنَةً أُخْرَى لَمْ يُؤَجِّلْهُ إِلَّا بِرِضَاهَا؛ فَإِنْ رَضِيَتْ جَازَ، وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ وَتَخْتَارَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ الْأُخْرَى. فَإِذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِالْعُنَّةِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْوُصُولِ إِلَيْهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ حَقَّ التَّفْرِيقِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَالْعَيْبُ عَارِضٌ. فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ حَقُّهَا، وَإِنْ نَكَلَ أُجِّلَ سَنَةً كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَهَا النِّسَاءُ؛ فَإِنْ قُلْنَ: هِيَ بِكْرٌ - أُجِّلَ سَنَةً، وَإِنْ قُلْنَ: هِيَ ثَيِّبٌ - حَلَفَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا.
وَالْمَجْبُوبُ، وَهُوَ الَّذِي قُطِعَ ذَكَرُهُ أَصْلًا - فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْجِيلِ. وَالْخَصِيُّ كَالْعِنِّينِ؛ لِأَنَّ لَهُ آلَةً تَنْتَصِبُ وَيُجَامِعُ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُحْبِلُ، وَهُوَ الَّذِي سُلَّتْ أُنْثَيَاهُ. وَإِذَا أُجِّلَ سَنَةً، وَادَّعَى الْوُصُولَ إِلَيْهَا، وَأَنْكَرَتْ - فَالْحُكْمُ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَا قَبْلَ التَّأْجِيلِ.
وَإِذَا كَانَ زَوْجُ الْأَمَةِ عِنِّينًا فَالْخِيَارُ لِلْمَوْلَى كَالْعَزْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ فَلَا وِلَايَةَ لَهَا فِي الطَّلَبِ؛ إِذْ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَلَوْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عُنَّ، أَوْ جُبَّ - فَلَا طَلَبَ لَهَا، وَلَا خِيَارَ.

[فصل الْعَدْلُ فِي الْقَسْمِ]
فَصْلٌ (وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْبَيْتُوتَةِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " مَنْ «كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا - جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» .
(وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْجَدِيدَةُ وَالْعَتِيقَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ سَوَاءٌ) ؛ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُنَّ فِيهَا. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسَاوِي بَيْنَهُنَّ فِي الْوَطْءِ وَالْمَحَبَّةِ؛ أَمَّا الْوَطْءُ فَلِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى النَّشَاطِ، وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ فَلِأَنَّهَا فِعْلُ الْقَلْبِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» ، يَعْنِي زِيَادَةَ الْمَحَبَّةِ لِبَعْضِهِنَّ. ثُمَّ إِنْ شَاءَ جَعَلَ الدَّوْرَ بَيْنَهُنَّ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ؛
(3/116)

وَلِلْحُرَّةِ ضِعْفُ الْأَمَةِ. وَمَنْ وَهَبَتْ نَصِيبَهَا لِصَاحِبَتِهَا جَازَ، وَلَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ. وَيُسَافِرُ بِمَنْ شَاءَ، وَالْقُرْعَةُ أَوْلَى.

كِتَابُ الرَّضَاعِ وَحُكْمُ الرَّضَاعِ يَثْبُتُ بِقَلِيلِهِ (ف) ، وَكَثِيرِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ.
قَالَ: (وَلِلْحُرَّةِ ضِعْفُ الْأَمَةِ) ؛ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الرِّقَّ مُنْصِفٌ كَمَا فِي الْعِدَّةِ وَغَيْرِهَا. (وَمَنْ وَهَبَتْ نَصِيبَهَا لِصَاحِبَتِهَا جَازَ) ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: " اعْتَدِّي ". فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنْ يُرَاجِعَهَا، وَتَجْعَلَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَأَنْ تُحْشَرَ مَعَ نِسَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَفَعَلَ» . وَلِأَنَّهُ حَقُّهَا، وَقَدْ أَبْطَلَتْهُ بِرِضَاهَا.
(وَلَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا وَهَبَتْ حَقًّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ. وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الْوَاحِدَةِ أَيَّامًا بِإِذْنِ الْأُخْرَى جَازَ مِنْ غَيْرِ مُسَاوَاةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا مَرِضَ اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَأَذِنَّ لَهُ. فَكَانَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى قُبِضَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا، وَيُؤْمَرُ الصَّائِمُ بِالنَّهَارِ وَالْقَائِمُ بِاللَّيْلِ أَنْ يَبِيتَ مَعَهَا إِذَا طَلَبَتْ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجْعَلُ لَهَا يَوْمًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ النَّوَافِلِ أَصْلًا عَلَى مَنْ لَهُ أَرْبَعٌ مِنَ النِّسَاءِ. وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِإِيفَاءِ حَقِّهَا مِنْ نَفْسِهِ أَحْيَانًا، وَيَصُومُ وَيُصَلِّي مَا أَمْكَنَهُ. وَلَوْ أَعْطَتْ زَوْجَهَا مَالًا، أَوْ حَطَّتْهُ؛ لِيَزِيدَ فِي قَسْمِهَا - لَمْ يَجُزْ، وَتَرْجِعُ بِمَا أَعْطَتْهُ. وَكَذَا لَوْ زَادَهَا الزَّوْجُ فِي مَهْرِهَا؛ لِتَجْعَلَ يَوْمَهَا لِغَيْرِهَا، وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَيُسَافِرُ بِمَنْ شَاءَ، وَالْقُرْعَةُ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُنَّ حَالَ السَّفَرِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَصْلًا، وَيُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَمَنْ سَافَرَ بِهَا لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّ الْبَاقِيَاتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَا مُوفِيًا حَقًّا. وَإِنْ ظَلَمَ بَعْضَهُنَّ يُوعَظُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ يُوجَعُ عُقُوبَةً زَجْرًا لَهُ عَنِ الظُّلْمِ.

[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
وَهُوَ وَاجِبٌ إِحْيَاءً لِلْوَلَدِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} [البقرة: 233] أَيْ لِيُرْضِعْنَ.
(وَحُكْمُ الرَّضَاعِ يَثْبُتُ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] مُطْلَقًا، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الرَّضَاعُ مَا يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيَنْشُزُ الْعَظْمَ» ، وَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِالْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مَتَى وَصَلَ إِلَى جَوْفِ الصَّبِيِّ أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ.
(3/117)

إِذَا وُجِدَ فِي مُدَّتِهِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ (سم) شَهْرًا. وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ إِلَّا أُخْتَ ابْنِهِ وَأُمَّ أُخْتِهِ. وَإِذَا أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ صَبِيَّةً حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا وَآبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (إِذَا وُجِدَ فِي مُدَّتِهِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ شَهْرًا. وَقَالَا: سَنَتَانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] ، وَأَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَبَقِيَ لِلْفِصَالِ سَنَتَانِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْحَمْلَ وَالْفِصَالَ، وَضَرَبَ لَهُمَا مُدَّةَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، فَتَكُونُ مُدَّةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا إِذَا بَاعَهُ عَبْدًا وَأَمَةً إِلَى شَهْرٍ، فَإِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ أَجَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا، وَأَجَرَهُ شَيْئًا آخَرَ صَفْقَةً وَاحِدَةً إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ - كَانَتِ الْمُدَّةُ أَجَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثُونَ شَهْرًا أَجَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ. خَرَجَ الْحَمْلُ عَنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ الْفِصَالُ عَلَى مُقْتَضَاهُ. وَالْآيَةُ الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى مُدَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْأُمِّ الْمَبْتُوتَةِ الْمُطَالَبَةُ بِأُجْرَةِ الرَّضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، فَعَمِلْنَا بِالْآيَةِ الْأُولَى فِي نَفْيِ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ فِي الْحُرْمَةِ إِلَى ثَلَاثِينَ شَهْرًا أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا. أَوْ نَقُولُ: الْمُرَادُ الْحَمْلُ عَلَى الْأَكُفِّ فِي الْحِجْرِ حَالَةَ الْإِرْضَاعِ ; لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِثَلَاثِينَ شَهْرًا بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ لَا اعْتِبَارَ بِالرَّضَاعِ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ» . وَالْمُرَادُ حُكْمُهُ. وَهَلْ يُبَاحُ الْإِرْضَاعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَالْمُحَرَّمُ مِنَ الْإِرْضَاعِ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَّةِ، سَوَاءٌ فُطِمَ أَوْ لَمْ يُفْطَمْ. وَقَالَ الْخَصَّافُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنِ اسْتَغْنَى بِالْفِطَامِ عَنِ اللَّبَنِ، ثُمَّ رَضَعَ فِي الْمُدَّةِ - لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ تَثْبُتُ.
قَالَ: (وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) ؛ لِمَا رَوَيْنَا (إِلَّا أُخْتَ ابْنِهِ، وَأُمَّ أُخْتِهِ) فَإِنَّهَا تَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ دُونَ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ فِي النَّسَبِ لَمَّا وَطِئَ أُمَّ ابْنِهِ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بَنَاتُهَا. وَأُمُّ أُخْتِهِ مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الرَّضَاعِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ صَبِيَّةً حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا وَآبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ) ، فَتَكُونُ الْمُرْضِعَةُ أُمَّ الرَّضِيعِ وَأَوْلَادُهَا إِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتُهُ مَنْ تَقَدَّمَ وَمَنْ تَأَخَّرَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ شَيْئًا مِنْ وَلَدِهَا وَوَلَدِ وَلَدِهَا وَإِنْ سَفُلُوا، وَآبَاؤُهَا أَجْدَادُهُ وَأُمَّهَاتُهَا جَدَّاتُهُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ. وَإِخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ. وَيَكُونُ زَوْجُهَا الَّذِي نَزَلَ مِنْهُ اللَّبَنُ أَبَ الْمُرْضِعَةِ، وَأَوْلَادُهُ إِخْوَتَهَا، وَآبَاؤُهُ وَأُمَّهَاتُهُ أَجْدَادَهَا وَجَدَّاتِهَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَإِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ أَعْمَامَهَا وَعَمَّاتِهَا، لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَةُ أَحَدٍ مِنْهُنَّ كَمَا فِي النَّسَبِ، «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ: " لِيَلِجْ عَلَيْكِ أَفْلَحُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ مِنَ الرَّضَاعَةِ» .
وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْ رَجُلٍ، وَأَرْضَعَتْ، ثُمَّ يَبِسَ اللَّبَنُ، ثُمَّ دَرَّ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ صَبِيًّا - يَجُوزُ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِهَا. وَكَذَا لَوْ لَمْ تَلِدْ
(3/118)

وَإِذَا رَضَعَ صَبِيَّانِ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَةٍ فَهُمَا أَخَوَانِ، وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى لَبَنِ شَاةٍ فَلَا رَضَاعَ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا اخْتَلَطَ اللَّبَنُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَالْمَاءِ وَالدُّهْنِ وَالنَّبِيذِ وَالدَّوَاءِ وَلَبَنِ الْبَهَائِمِ فَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، وَكَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَطَ بِجِنْسِهِ بِأَنِ اخْتَلَطَ لَبَنُ امْرَأَتَيْنِ (م ز) . وَإِنِ اخْتَلَطَ بِالطَّعَامِ فَلَا حُكْمَ لَهُ. وَإِنْ غَلَبَ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنْهُ قَطُّ، فَنَزَلَ لَهَا لَبَنٌ. وَكَذَا لَبَنُ الْبِكْرِ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ إِذَا أَرْضَعَتْ بِهِ صَبِيًّا حَرُمَ عَلَيْهَا لَا غَيْرُ.
وَلَوْ أَرْضَعَتْ صَبِيَّةً لَا تَحْرُمُ عَلَى وَلَدِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا يَحِلُّ لِلرَّضِيعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَطِئَهَا زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهَا مَنْكُوحَةُ الْأَبِ، وَلَا لِلزَّوْجِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَطِئَهَا الرَّضِيعُ؛ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ الِابْنِ كَمَا فِي النَّسَبِ.
قَالَ: (وَإِذَا رَضَعَ صَبِيَّانِ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَةٍ فَهُمَا أَخَوَانِ) ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمَا وَاحِدَةٌ. فَلَوْ كَانَا بِنْتَيْنِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ زَوْجَتَانِ، وَلَدَتَا مِنْهُ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَغِيرَةً - صَارَ الرَّضِيعَانِ أَخَوَيْنِ مِنْ أَبٍ.
(وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى لَبَنِ شَاةٍ فَلَا رَضَاعَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتِ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ لِتَنْتَقِلَ إِلَى الْأَخِ؛ إِذْ هِيَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ فِي الْأُمِّ، ثُمَّ تَتَعَدَّى.
رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَلَهَا لَبَنٌ. فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، وَحَبِلَتْ، وَنَزَلَ لَهَا لَبَنٌ - فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مَا لَمْ تَلِدْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ مِنَ الثَّانِي وَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِالْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ مِنْهُمَا مَا لَمْ تَضَعْ، فَإِذَا وَضَعَتْ فَمِنَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَوَّلِ بِيَقِينٍ. وَاحْتُمِلَ كَوْنُهُ مِنَ الثَّانِي فَيُجْعَلُ مِنْهُمَا احْتِيَاطًا لِلْمُحَرَّمَاتِ. وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ، إِلَّا إِذَا عَرَفْنَا أَنَّهُ مِنَ الثَّانِي، فَيُجْعَلُ مِنْهُ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: هُوَ مِنَ الْأَوَّلِ بِيَقِينٍ، وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ مِنَ الثَّانِي، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ. فَإِذَا وَلَدَتْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مِنَ الثَّانِي، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَالْأَغْذِيَةِ.
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَطَ اللَّبَنُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَالْمَاءِ وَالدُّهْنِ وَالنَّبِيذِ وَالدَّوَاءِ وَلَبَنِ الْبَهَائِمِ فَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ) ؛ فَإِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَإِلَّا فَلَا. (وَكَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَطَ بِجِنْسِهِ بِأَنِ اخْتَلَطَ لَبَنُ امْرَأَتَيْنِ) . وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِجِنْسِهِ، بَلْ يَتَقَوَّى بِهِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِإِنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ.
وَلَنَا: أَنَّ مَنْفَعَةَ الْمَغْلُوبِ لَا تَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ؛ فَإِنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ إِذَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ لَا يَبْقَى لِأَجْزَائِهِ مَنْفَعَةٌ؛ لِكَثْرَةِ التَّفَرُّقِ، وَإِذَا فَاتَتِ الْمَنْفَعَةُ بِسَبَبِ الْغَلَبَةِ بَقِيَ حُكْمُ الرَّضَاعِ لِلْكَثِيرِ.
(وَإِنِ اخْتَلَطَ بِالطَّعَامِ فَلَا حُكْمَ لَهُ، وَإِنْ غَلَبَ) ، وَقَالَا: إِنْ غَلَبَ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ. وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَطْبُوخِ. أَمَّا الْمَطْبُوخُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْمَغْلُوبِ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ، فَصَارَ الْحُكْمُ لِلَّبَنِ. وَلَهُ: أَنَّ الطَّعَامَ يَسْلُبُ قُوَّةَ اللَّبَنِ، وَلَا يَكْتَفِي الصَّبِيُّ بِشُرْبِهِ. وَالتَّغَذِّي يَحْصُلُ بِالطَّعَامِ؛ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ، فَكَانَ اللَّبَنُ تَبَعًا، بِخِلَافِ الدَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُقَوِّي اللَّبَنَ وَيَزِيدُ فِي قُوَّتِهِ.
(3/119)

وَتَتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَكَذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِلَبَنِ الْبِكْرِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِلَبَنِ الرَّجُلِ وَلَا بِالِاحْتِقَانِ، وَتَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِعَاطِ وَالْإِيجَارِ.
وَإِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكَبِيرَةُ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ حَرُمَتَا عَلَى الزَّوْجِ، وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ. وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكَبِيرَةِ إِنْ كَانَتْ تَعَمَّدَتِ الْفَسَادَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي التَّعَمُّدِ مَعَ يَمِينِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَتَتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ، وَمَعْنَى الْغِذَاءِ لَا يَزُولُ بِالْمَوْتِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا حَلَبَ مِنْهَا حَالَ حَيَاتِهَا. (وَكَذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِلَبَنِ الْبِكْرِ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَا تَتَعَلَّقُ بِلَبَنِ الرَّجُلِ) لَوْ نَزَلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنٍ حَقِيقَةً ; لَأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِلَادَةُ، كَذَا قَالُوا.
قَالَ: (وَلَا بِالِاحْتِقَانِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ النُّشُوُّ وَالنُّشُوزُ، وَكَذَا إِذَا أَقْطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ جَائِفَةٍ أَوْ آمَّةٍ؛ لِمَا قُلْنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الِاحْتِقَانَ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ قِيَاسًا عَلَى فَسَادِ الصَّوْمِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُفْسِدَ فِي الصَّوْمِ التَّغَذِّي أَوِ التَّدَاوِي، وَأَنَّهُ حَاصِلٌ بِالِاحْتِقَانِ. أَمَّا الرَّضَاعُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِمَعْنَى النُّشُوِّ، وَأَنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الِاحْتِقَانِ.
قَالَ: (وَتَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِعَاطِ وَالْإِيجَارِ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ، فَيَحْصُلُ بِهِ النُّشُوُّ. امْرَأَةٌ أَدْخَلَتْ حَلَمَةَ ثَدْيِهَا فِي فَمِ رَضِيعٍ، وَلَا يُدْرَى أَدَخَلَ اللَّبَنُ فِي حَلْقِهِ أَمْ لَا - لَا يَحْرُمُ النِّكَاحُ. وَكَذَا صَبِيَّةٌ أَرْضَعَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ - يَجُوزُ؛ لِأَنَّ إِبَاحَةَ النِّكَاحِ أَصْلٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَيَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ لَا يُرْضِعْنَ كُلَّ صَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَلْيَحْفَظْنَهُ أَوْ يَكْتُبْنَهُ احْتِيَاطًا.
قَالَ: (وَإِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكَبِيرَةُ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ حَرُمَتَا عَلَى الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُمًّا وَبِنْتًا، وَالرَّضَاعُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْمُقَارَنِ فِي التَّحْرِيمِ كَحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلشَّيْءِ مَعَ الْمُنَافِي. (وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ) ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، (وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ) ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِهَا. وَلَا اعْتِبَارَ بِاخْتِيَارِهَا الْإِرْضَاعَ؛ لِأَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ طَبْعًا.
(وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكَبِيرَةِ إِنْ كَانَتْ تَعَمَّدَتِ الْفَسَادَ) ؛ لِأَنَّهَا مُسَبِّبَةٌ لِلْفُرْقَةِ؛ لِأَنَّ إِلْقَاءَ الثَّدْيِ فِي فَمِهَا سَبَبٌ لِوُصُولِ اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِهَا، وَالتَّسْبِيبُ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدِّي كَحَافِرِ الْبِئْرِ. وَإِنْ لَمْ تَتَعَمَّدِ الْفَسَادَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا مُسَبِّبَةٌ. وَالتَّعَدِّي يَثْبُتُ إِذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَقَصَدَتْ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ بِالنِّكَاحِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَتْ بِالنِّكَاحِ لَكِنْ قَصَدَتْ بِالْإِرْضَاعِ دَفْعَ الْجُوعِ وَالْهَلَاكِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَتْ بِالنِّكَاحِ دُونَ الْفَسَادِ لَا تَكُونُ مُتَعَدِّيَةً.
(وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي التَّعَمُّدِ مَعَ يَمِينِهَا) ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ الضَّمَانَ. وَلَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةُ الْأَبِ امْرَأَةَ ابْنِهِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ
(3/120)

كِتَابُ الطَّلَاقِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحْسَنُ، وَحَسَنٌ، وَبِدْعِيُّ. فَأَحْسَنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ، وَيَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أُخْتَهُ مِنَ الْأَبِ.
تَزَوَّجَ صَغِيرَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبًا حَرُمَتَا عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ؛ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهَا مَجْبُورَةٌ عَلَى الْإِرْضَاعِ بِحُكْمِ الطَّبْعِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ إِنْ تَعَمَّدَتِ الْفَسَادَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا، وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا فَأَرْضَعَتْهُنَّ عَلَى التَّعَاقُبِ حُرِّمَتِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ دُونَ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ أُخْتًا لَهُمَا لَمْ يَبْقَ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا، بِأَنْ أَلْقَتْ ثَدْيَهَا فِي فَمِ اثْنَتَيْنِ وَكَانَتْ حَلَبَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَوْجَرَتِ الثَّالِثَةَ وَاتَّفَقَ وُصُولُ اللَّبَنِ إِلَيْهِنَّ مَعًا حَرُمْنَ جَمِيعًا، وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ جَمِيعُ مَسَائِلِ هَذَا الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: إِزَالَةُ الْقَيْدِ وَالتَّخْلِيَةُ، تَقُولُ: أَطْلَقْتُ إِبِلِي وَأَطْلَقْتُ أَسِيرِي.
وَفِي الشَّرْعِ: إِزَالَةُ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ قَيْدٌ مَعْنًى، وَهُوَ قَضِيَّةٌ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَعْقُولِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] وَقَوْلُهُ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] ، وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَبْغَضُ الْمُبَاحَاتِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَعَلَى وُقُوعِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْبُضْعِ مِلْكُ الزَّوْجِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالْمَالِكُ الصَّحِيحُ الْقَوْلِ يَمْلِكُ إِزَالَةَ مِلْكِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْلَاكِ، وَلِأَنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ قَدْ تَنْقَلِبُ مَفَاسِدَ، وَالتَّوَافُقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَدْ يَصِيرُ تَنَافُرًا، فَالْبَقَاءُ عَلَى النِّكَاحِ حِينَئِذٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مَفَاسِدَ مِنَ التَّبَاغُضِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْمَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَشُرِعَ الطَّلَاقُ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَمَتَى وَقَعَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَهُوَ مُبَاحٌ مَبْغُوضٌ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِلْمَصَالِحِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتِ الْوَاحِدَةُ لِلْحَاجَةِ وَهُوَ الْخَلَاصُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مُبَاحًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ، وَلَا خَلَقَ مُبَاحًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ» .
(وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحْسَنُ، وَحَسَنٌ، وَبِدْعِيٌّ. فَأَحْسَنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ، وَيَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يُطَلِّقُوا لِلسُّنَّةِ إِلَّا وَاحِدَةً، ثُمَّ لَا يُطَلِّقُوا غَيْرَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ ذَلِكَ أَحْسَنَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، وَلِأَنَّهُ إِذَا جَامَعَهَا لَا يُؤْمَنُ الْحَبَلُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ نَدِمَ فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَبْعَدَ مِنَ النَّدَمِ فَكَانَ أَوْلَى.
وَفِي الَّتِي لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ يُطَلِّقُهَا أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ لِعَدَمِ
(3/121)

وَحَسَنُهُ: أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَلَا جِمَاعَ فِيهَا، وَالشَّهْرُ لِلْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ كَالْحَيْضَةِ، وَيَجُوزُ طَلَاقُهُنَّ عَقِيبَ الْجِمَاعِ.
وَالْبِدْعَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي طُهْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ، أَوْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَيَقَعُ وَيَكُونُ عَاصِيًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ.
(وَحَسَنُهُ) طَلَاقُ السُّنَّةِ، وَهُوَ (أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ لَا جِمَاعَ فِيهَا) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: مَا هَكَذَا أَمَرَ رَبُّكَ يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنَّمَا أَمَرَكَ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا فَتُطَلِّقَهَا لِكُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لِعُمَرَ: «أَخْطَأَ ابْنُكَ السُّنَّةَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِنْ طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» .
(وَالشَّهْرُ لِلْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ كَالْحَيْضَةِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهَا فِي الْعِدَّةِ بِنَصِّ الْكِتَابِ.
(وَيَجُوزُ طَلَاقُهُنَّ عَقِيبَ الْجِمَاعِ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْحَامِلُ فَإِنَّهُ زَمَانُ الرَّغْبَةِ فِي الْوَطْءِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعَلَّقٍ، وَيُطَلِّقُهَا ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ تَطْلِيقَتَيْنِ بِشَهْرٍ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُطَلَّقُ لِلسُّنَّةِ إِلَّا وَاحِدَةً، لِأَنَّ الشَّهْرَ إِنَّمَا قَامَ مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ، وَالْحَامِلُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُمَا لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَصَارَتْ كَالْمُمْتَدِّ طُهْرُهَا. وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهْرَ دَلِيلُ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ زَمَانُ تَجَدُّدِ الرَّغْبَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ فَصَارَتْ فِي مَعْنَى الْآيِسَةِ، وَالْإِبَاحَةُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَصَلُحَ الشَّهْرُ دَلِيلًا، بِخِلَافِ الْمُمْتَدِّ طُهْرُهَا، لِأَنَّ دَلِيلَ تَجَدُّدِ الرَّغْبَةِ الطُّهْرُ، وَهُوَ مَرْجُوٌّ فِي حَقِّهَا دُونَ الْحَامِلِ فَافْتَرَقَا. وَطَلَاقُ السُّنَّةِ فِي الْعَدَدِ وَالْوَقْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالسُّنَّةُ فِي الْعَدَدِ يَسْتَوِي فِيهَا الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا وَالصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ، وَالْحَامِلُ وَالْحَائِلُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْحَاجَةِ وَالْكُلُّ فِيهِ سَوَاءٌ، وَالسُّنَّةُ فِي الْوَقْتِ تَخْتَصُّ بِالْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّ طُهْرًا لَا جِمَاعَ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلِأَنَّ الْمَحْظُورَ هُوَ تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ لَوْ وَقَعَ فِي الْحَيْضِ فَإِنَّهَا لَا تُحْتَسَبُ مِنَ الْعِدَّةِ، وَلَا عِدَّةَ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
(وَالْبِدْعَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ فِي طُهْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ، أَوْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَيَقَعُ وَيَكُونُ عَاصِيًا) أَمَّا الثَّلَاثُ وَالثِّنْتَانِ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَالْمَشْرُوعِيَّةِ لِلْحَاجَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ. وَأَمَّا حَالَةُ الْحَيْضِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «قَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ» ، وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعُمَرَ: «مُرِ ابْنَكَ فَلْيُرَاجِعْهَا» ، وَكَانَ طَلَّقَهَا حَالَةَ الْحَيْضِ، وَلَوْلَا الْوُقُوعُ لَمَا رَاجَعَهَا. وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا أَكَانَتْ تَحِلُّ لِي؟ قَالَ: " لَا وَيَكُونُ مَعْصِيَةً» . وَرُوِيَ «أَنَّ بَعْضَ أَبْنَاءِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْفًا، فَذَكَرَ عُبَادَةُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَقَالَ: " بَانَتْ بِثَلَاثٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَتِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ»
(3/122)

وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا حَالَةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ، وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَالَةَ الْحَيْضِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ، وَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةٌ، وَإِنْ نَوَى وُقُوعَهُنَّ السَّاعَةَ وَقَعْنَ (ز) ، وَطَلَاقُ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ، وَالْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالرَّجُلِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ» الْحَدِيثَ. وَأَمَّا كَوْنُهُ عَاصِيًا فَلِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُهُ: (فِي طُهْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ) إِشَارَةٌ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ فَرَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَا يُكْرَهُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَطَهُرَتْ فَطَلَّقَهَا، وَكَذَا لَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَقَعْنَ لِلْحَالِ عِنْدَهُ، لِأَنَّ الْأُولَى وَقَعَتْ فَصَارَ مُرَاجِعًا بِاللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ فَوَقَعَتْ أُخْرَى، ثُمَّ صَارَ مُرَاجِعًا فَوَقَعَتِ الثَّالِثَةُ. وَالشَّهْرُ الْوَاحِدُ فِي حَقِّ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ عَلَى الْخِلَافِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّجْعَةَ فَاصِلَةٌ بَيْنَ الطَّلَاقَيْنِ عِنْدَهُ، وَالنِّكَاحُ فَاصِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
لَهُمَا أَنَّ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِطَلَاقِ السُّنَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ أَوْقَعَهُ قَبْلَ الرَّجْعَةِ يُكْرَهُ. وَلَهُ أَنَّ بِالْمُرَاجَعَةِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِذَا ارْتَفَعَ لَا يَصِيرُ جَامِعًا وَالْكَرَاهَةُ بِاعْتِبَاره، وَلِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَبَانَهَا فِي الطُّهْرِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.
قَالَ: (وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا حَالَةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ) لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَالَةَ الْحَيْضِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا) لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْفِعْلِ الْحَرَامِ بِرَفْعِ أَثَرِهِ (فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةٌ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ لِوَقْتِ السُّنَّةِ، وَوَقْتُهَا طُهْرٌ لَا جِمَاعَ فِيهِ لِمَا مَرَّ، (وَإِنْ نَوَى وُقُوعَهُنَّ السَّاعَةَ وَقَعْنَ) خِلَافًا لَزُفَرَ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِدْعَةٌ فَلَا يَكُونُ سُنَّةً. وَلَنَا أَنَّهُ سُنِّيٌّ وُقُوعًا لَا إِيقَاعًا، لِأَنَّا إِنَّمَا عَرَفْنَا وُقُوعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً بِالسُّنَّةِ فَكَانَ مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ فَيَنْتَظِمُهُ عِنْدَ النِّيَّةِ دُونَ الْإِطْلَاقِ.
قَالَ: (وَطَلَاقُ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ وَالْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالرَّجُلِ فِي عِدَدِ الطَّلَاقِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] أَيْ لِأَطْهَارِ عِدَّتِهِنَّ، فَتَكُونُ الطَّلْقَاتُ عَلَى عَدَدِ الْأَطْهَارِ، وَأَطْهَارُ الْحُرَّةِ فِي الْعِدَّةِ ثَلَاثَةٌ وَالْأَمَةِ ثِنْتَانِ، فَيَكُونُ التَّطْلِيقُ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحُرَّ لَوْ مَلَكَ عَلَى الْأَمَةِ ثَلَاثًا لَمَلَكَ تَفْرِيقَهُنَّ عَلَى أَوْقَاتِ السَّنَةِ وَلَا يَمْلِكُ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» فَمَعْنَاهُ وُجُودُ الطَّلَاقِ أَوْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ، كَمَا أَنَّ الْعِدَّةَ
(3/123)

وَيَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوْجٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُسْتَيْقِظٍ.

وَطَلَاقُ الْمُكْرَهِ (ف) وَاقِعٌ، وَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَاقِعٌ، وَيَقَعُ طَلَاقُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ، وَكَذَلِكَ اللَّاعِبُ بِالطَّلَاقِ وَالْهَازِلُ بِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِالنِّسَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُطَلِّقُ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ» يَعْنِي زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَالدَّلَائِلِ، أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ، فَخَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ نِعْمَةٌ فِي حَقِّهَا، وَالرِّقَّ مُؤَثِّرٌ فِي تَنْصِيفِ النِّعَمِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِرِقِّهَا، وَقَضِيَّتُهُ طَلْقَةٌ وَنِصْفُ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ تَتَنَصَّفُ الطَّلْقَةُ كُمِّلَتَا.
قَالَ: (وَيَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوْجٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُسْتَيْقِظٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٍ إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُمَا عَدِيمَا الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ وَالْأَهْلِيَّةِ بِهِمَا، وَلَوْ طَلَّقَ الصَّبِيُّ أَوِ النَّائِمُ ثُمَّ بَلَغَ أَوِ اسْتَيْقَظَ وَقَالَ: أَجَزْتُ ذَلِكَ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُهُ وَقَعَ.

[حكم طلاق المكره والسكران والأخرس والهازل]
(وَطَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَاقِعٌ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ امْرَأَةً اعْتَقَلَتْ زَوْجَهَا وَجَلَسَتْ عَلَى صَدْرِهِ وَمَعَهَا شَفْرَةٌ وَقَالَتْ: لَتُطَلِّقَنِّي ثَلَاثًا أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ، فَنَاشَدَهَا اللَّهَ أَنْ لَا تَفْعَلَ فَأَبَتْ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ: لَا قَيْلُولَةَ فِي الطَّلَاقِ» . وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الطَّلَاقَ وَلَمْ يَرْضَ بِالْوُقُوعِ فَصَارَ كَالْهَازِلِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَالطَّوْعُ كَالرَّضَاعِ، ثُمَّ عِنْدَنَا كُلُّ مَا صَحَّ فِيهِ شَرْطُ الْخِيَارِ فَالْإِكْرَاهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَا لَا يَصِحُّ فِيهِ الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ: (وَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَاقِعٌ) ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا يَقَعُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ اعْتِبَارًا بِزَوَالِ عَقْلِهِ بِالْبَنْجِ وَالدَّوَاءِ. وَلَنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَيَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَالْقَوْدِ بِالْقَتْلِ، وَطَلَاقُ الْمُكَلَّفِ وَاقِعٌ كَغَيْرِ السَّكْرَانِ، بِخِلَافِ الْمُبَنَّجِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ التَّكْلِيفِ، وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ بِالْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ فَيُجْعَلُ بَاقِيًا زَجْرًا حَتَّى لَوْ شَرِبَ فَصَدَعَ رَأْسُهُ وَزَالَ عَقْلُهُ بِالصُّدَاعِ. نَقُولُ: لَا يَقَعُ، وَالْغَالِبُ فِيمَنْ شَرِبَ الْبَنْجَ وَالدَّوَاءَ التَّدَاوِي لَا الْمَعْصِيَةُ، وَلِذَلِكَ انْتَفَى التَّكْلِيفُ عَنْهُمْ.
(وَيَقَعُ طَلَاقُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ) وَالْمُرَادُ إِذَا كَانَتْ إِشَارَتُهُ مَعْلُومَةً. وَقَدْ عُرِّفَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ اللَّاعِبُ بِالطَّلَاقِ وَالْهَازِلُ بِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالْعَتَاقُ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ طَلَّقَ لَاعِبًا جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ» ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَعِبَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ لَزِمَهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَ: {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231] ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ غَيْرَ الطَّلَاقِ فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَقَعَ، لِأَنَّهُ عَدَمُ الْقَصْدِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ اسْقِنِي الْمَاءَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَعَ. وَيَعُمُّ هَذِهِ الْفُصُولَ كُلَّهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ» الْحَدِيثَ.
(3/124)

وَمَنْ مَلَكَ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهَا أَوْ مَلَكَتْهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا.

وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُكِ. وَالثَّانِي أَنْتِ الطَّلَاقُ، وَأَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، فَالْأَوَّلُ تَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ. وَالثَّانِي تَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَتَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ دُونَ الثِّنْتَيْنِ (ز) وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَبِقَوْلِهِ طَلَاقًا أُخْرَى وَقَعَتَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَمَنْ مَلَكَ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهَا، أَوْ مَلَكَتْهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْمِلْكِيَّةَ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لِمَا سَبَقَ فِي النِّكَاحِ فَتَمْنَعُهُ بَقَاءً كَالْمَحْرَمِيَّةِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ.

[فصل صَرِيحُ الطَّلَاقِ]
فَصْلٌ (وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ) لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ شَرْعًا فَكَانَ حَقِيقَةً، وَالْحَقِيقَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَيُعْقِبُ الرَّجْعَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] وَلَوْ نَوَى الْإِبَانَةَ فَهُوَ رَجْعِيٌّ لِأَنَّهُ نَوَى ضِدَّ مَا وُضِعَ لَهُ شَرْعًا.
(وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُكِ. وَالثَّانِي أَنْتِ الطَّلَاقُ، وَأَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا. فَالْأَوَّلُ تَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَلَا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ) لِأَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ. يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ طَالِقٌ وَلِلثِّنْتَيْنِ طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقٌ، وَنَعْتُ الْفَرْدِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ، وَلَئِنْ قَالَ قَائِلٌ: ذِكْرُ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ حَتَّى صَحَّ ذِكْرُ الْعَدَدِ تَفْسِيرًا لَهُ، وَأَنَّهُ دَلِيلُ الْمَصْدَرِيَّةِ، وَالْمَصْدَرُ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ. قُلْنَا هُوَ ذِكْرٌ لِطَلَاقٍ تَتَّصِفُ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَالْعَدَدُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ وَجِيعًا وَأَعْطَيْتُهُ جَزِيلًا.
(و) النَّوْعُ (الثَّانِي تَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَتَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ دُونَ الثِّنْتَيْنِ) لِأَنَّهُ ذِكْرُ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وَيَحْتَمِلُ الْأَدْنَى، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاحِدَةِ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ، وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ وَقَعْنَ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ لِأَنَّهَا جِنْسُ الطَّلَاقِ لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِيَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً صَحَّتْ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِيَّةِ. وَقَالَ زُفَرُ: تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ لِأَنَّهَا بَعْضُ الثَّلَاثِ. وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا.
(وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَاحِدَةً، وَبِقَوْلِهِ: طَلَاقًا أُخْرَى وَقَعَتَا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ يَحْتَمِلُ الْإِيقَاعَ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَلَاقًا فَإِنَّهُ يَقَعُ ثِنْتَانِ كَذَا هَاهُنَا، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ: عَنَيْتُ بِهِ عَنْ وِثَاقٍ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً، وَلَوْ قَالَ عَنِ
(3/125)

وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى جُمْلَتِهَا أَوْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْجُمْلَةِ كَالرَّقَبَةِ وَالْوَجْهِ وَالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، أَوْ إِلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهَا وَقَعَ، وَنِصْفُ الطَلْقَةِ تَطْلِيقَةٌ، وَكَذَلِكَ الثُّلُثُ، وَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ ثَلَاثٌ، وَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ ثِنْتَانِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْعَمَلِ يَدِينُ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ أَوْ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ وَقَعَ قَضَاءً لَا دِيَانَةً، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا مِنْ هَذَا الْعَمَلِ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ.
قَالَ: (وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى جُمْلَتِهَا أَوْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْجُمْلَةِ كَالرَّقَبَةِ وَالْوَجْهِ وَالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، أَوْ إِلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهَا وَقَعَ) لِأَنَّهَا مَحَلُّ الطَّلَاقِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَقَدْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى مَحَلِّهِ فَيَصِحُّ. وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ الْبَدَنِ. قَالَ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] وَالْمُرَادُ الْجُمْلَةُ. وَيُقَالُ يَا وَجْهَ الْعَرَبِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» ، وَيُقَالُ: أَنَا بِخَيْرٍ مَا سَلَمَ رَأْسُكَ وَمَا بَقِيَتْ رُوحُكَ. وَيُرَادُ الْجَمِيعُ. وَالْجَسَدُ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ الْعُنُقُ. قَالَ تَعَالَى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ} [الشعراء: 4] وَكَذَلِكَ الدَّمُ يُقَالُ: دَمُهُ هَدَرٌ، وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكَفَالَةِ أَنَّهُ لَوْ تَكَفَّلَ بِدَمِهِ يَصِحُّ، وَأَشَارَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ دَمُكَ حُرٌّ لَا يُعْتَقُ. وَفِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ رِوَايَتَانِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ لَا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهَا حَتَّى لَوْ قَالَ: الرَّأْسُ مِنْكِ طَالِقٌ أَوِ الْوَجْهُ، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الرَّأْسِ أَوِ الْعُنُقِ وَقَالَ: هَذَا الْعُضْوُ طَالِقٌ لَا يَقَعُ. وَأَمَّا الْجُزْءُ الشَّائِعُ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَلِأَنَّهُ قَابِلٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ بَيْعًا وَإِجَارَةً وَغَيْرَهُمَا، وَلِهَذَا يَصِحُّ إِضَافَةُ النِّكَاحِ إِلَيْهِ فَكَذَا الطَّلَاقُ، لَكِنْ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ فَيَثْبُتُ فِي الْكُلِّ، وَلَوْ أَضَافَهُ إِلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ لَا يَقَعُ كَالْأُصْبُعِ وَالشَّعَرِ، لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ فَصَارَ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الرِّيقِ وَالظُّفْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ رَفَعَ الْقَيْدَ وَلَا قَيْدَ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِضَافَةُ النِّكَاحِ إِلَيْهَا، بِخِلَافِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ تَعَارَفَ قَوْمٌ أَنَّ الْيَدَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْبَدَنِ عُرْفًا ظَاهِرًا يَقَعُ الطَّلَاقُ.
قَالَ: (وَنِصْفُ الطَّلْقَةِ تَطْلِيقَةٌ وَكَذَلِكَ الثُّلُثُ) فَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ، لِأَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنَ التَّطْلِيقَةِ لِمَا قُلْنَا.
(وَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ ثَلَاثٌ) لِأَنَّ نِصْفَ التَطْلِيقَتَيْنِ وَاحِدَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
(وَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ تَطْلِيقَةٌ وَنِصْفٌ وَأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فَيُكَمَّلُ النِّصْفُ فَيَصِيرُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ يُكَمَّلُ كُلُّ نِصْفٍ فَيَكُونُ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ: نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ كَنِصْفَيْ دِرْهَمٍ يَكُونُ دِرْهَمًا، وَلَوْ قَالَ: نِصْفَيْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَثِنْتَانِ كَنِصْفَيْ دِرْهَمَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ يَقَعُ ثَلَاثٌ. وَلَوْ قَالَ:
(3/126)

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ يَقَعُ ثِنْتَانِ (سم) وَإِلَى ثِنْتَيْنِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ (سم) ، وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةٌ فِي ثِنْتَيْنِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَثِنْتَيْنِ فِي ثِنْتَيْنِ اثْنَتَانِ وَإِنْ نَوَى الْحِسَابَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إِلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا تَقَعُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَوْ نَوَى آَخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ دِيَانَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثُهَا وَسُدُسُهَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَجْزَاءَ إِلَى تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي الْأُولَى أَضَافَ كُلَّ جُزْءٍ إِلَى تَطْلِيقَةٍ مُنَكَّرَةٍ، فَاقْتَضَى كُلُّ جُزْءٍ تَطْلِيقَةً عَلَى حِدَةٍ، فَإِنْ جَاوَزَ الْمَجْمُوعُ الْأَجْزَاءَ كَقَوْلِهِ: نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثُهَا وَرُبُعُهَا. قِيلَ: وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنْ تَطْلِيقَةٍ أُخْرَى، فَكَأَنَّهُ أَوْقَعَ وَاحِدَةً وَبَعْضَ أُخْرَى فَتَتَكَامَلُ.
وَلَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ وَهُنَّ أَرْبَعٌ: بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةٌ، تَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ تَطْلِيقَةٌ، لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ إِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُنَّ أَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ رُبُعُهَا فَتَكْمُلُ، وَكَذَلِكَ ثِنْتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ، لِأَنَّ الثِّنْتَيْنِ إِذَا قُسِّمَتَا بَيْنَهُنَّ أَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ، وَمِنَ الثَّلَاثِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ فَتَكْمُلُ، وَمِنَ الْأَرْبَعِ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٌ، وَلَا يُقَسَّمُ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَحْدَهَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْجِنْسِ الَّذِي لَا يَتَفَاوَتُ يَقَعُ عَلَى جُمْلَتِهِ، وَإِنَّمَا يُقَسَّمُ الْآحَادُ إِذَا كَانَ مُتَفَاوِتًا، فَإِنْ نَوَى قِسْمَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِانْفِرَادِهَا وَقَعَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ: خَمْسٌ، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثِنْتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِلَى ثَمَانِيَةٍ، وَلَوْ قَالَ: تِسْعُ تَطْلِيقَاتٍ، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا لِمَا مَرَّ، وَلَوْ قَالَ: فُلَانَةٌ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَفُلَانَةٌ مَعَهَا، أَوْ قَالَ: أَشْرَكْتُ فُلَانَةً مَعَهَا فِي الطَّلَاقِ طُلِّقَتَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: أَنْتُنَّ طَوَالِقُ ثَلَاثًا طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ يَقَعُ ثِنْتَانِ، وَإِلَى ثِنْتَيْنِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ) وَقَالَا: يَقَعُ فِي الْأُولَى ثَلَاثٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ ثِنْتَانِ وَقَدْ مَرَّتْ فِي الْإِقْرَارِ.
(وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةٌ فِي ثِنْتَيْنِ، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَثِنْتَيْنِ فِي ثِنْتَيْنِ اثْنَتَانِ، وَإِنْ نَوَى الْحِسَابَ) وَقَدْ مَرَّ فِي الْإِقْرَارِ أَيْضًا.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إِلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْهَا وَصْفًا بِقَوْلِهِ: إِلَى الشَّامِ لِأَنَّهَا مَتَى طَلُقَتْ يَقَعُ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ) لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ عَنَى بِهِ إِذَا أَتَيْتُ مَكَّةَ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلَوْ قَالَ: فِي دُخُولِكِ مَكَّةَ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالدُّخُولِ لِأَنَّهُ تَعَذُّرُ الظَّرْفِيَّةِ وَالشَّرْطُ قَرِيبٌ مِنَ الظَّرْفِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا تَقَعُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّالِقِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ، فَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ طَالِقًا فِي جَمِيعِهِ، وَلَا ذَلِكَ إِلَّا بِوُقُوعِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ (وَلَوْ نَوَى آخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ دِيَانَةً) لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً.
(3/127)

وَلَوْ قَالَ: فِي غَدٍ صَحَّتْ قَضَاءً (سم) أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا، أَوْ غَدًا الْيَوْمَ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِهِمَا ذِكْرًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ وَسَكَتَ طَلُقَتْ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ إِذَا لَمْ (سم) أُطَلِّقْكِ، أَوْ إِذَا مَا لَمْ (سم) أُطَلِّقْكِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمُوتَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ هَذِهِ الْوَاحِدَةَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَلَوْ قَالَ: فِي غَدٍ صَحَّتْ قَضَاءً أَيْضًا) لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ لِأَنَّ الظَّرْفَ لَا يُوجِبُ اسْتِيعَابَ الْمَظْرُوفِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ، وَقَالَا: هُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا الظَّرْفِيَّةُ لِأَنَّ نَصْبَ (غَدًا) عَلَى الظَّرْفِيَّةِ فَلَا فَرْقَ. وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: (غَدًا) لِلِاسْتِيعَابِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: لَا أُكَلِّمُكَ شَهْرًا وَفِي الشَّهْرِ، وَدَهْرًا وَفِي الدَّهْرِ، وَإِذَا كَانَ لِلِاسْتِيعَابِ فَإِذَا نَوَى الْبَعْضَ فَقَدْ نَوَى التَّخْصِيصَ كَمَا بَيَّنَّا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي رَمَضَانَ وَنَوَى آخِرَهُ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا، أَوْ غَدًا الْيَوْمَ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِهِمَا ذِكْرًا) ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: الْيَوْمَ تَنْجِيزٌ فَلَا يَتَأَخَّرُ، وَقَوْلَهُ غَدًا إِضَافَةٌ، وَالتَّنْجِيزُ إِبْطَالٌ لِلْإِضَافَةِ فَيَلْغُو.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) وَكَذَا أَمْسِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ، لِأَنَّهُ أَسْنَدَ إِلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَلَا يَقَعُ كَقَوْلِهِ: قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ وَقَعَ السَّاعَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي مِلْكِهِ فَيَقَعُ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ وَسَكَتَ طَلُقَتْ) لِوُجُودِ شَرْطِ الْوُقُوعِ بِالسُّكُوتِ، وَهُوَ زَمَانٌ خَالٍ عَنِ التَّطْلِيقِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِلْوَقْتِ، أَمَّا " مَتَى " و" مَتَى مَا " فَحَقِيقَةٌ فِيهِ، وَأَمَّا " مَا " فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: {مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] أَيْ وَقْتَ الْحَيَاةِ، (وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ إِذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمُوتَ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِلشَّرْطِ فَكَانَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا بِعَدَمِ التَّعْلِيقِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَدَمُ إِلَّا بِالْمَوْتِ، أَمَّا " إِن " فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا " إِذَا " و" إِذَا مَا " فَكَذَلِكَ عِنْدَهُ، وَقَالَا: هُمَا بِمَعْنَى " مَتَى "، قَالَ تَعَالَى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] وَأَمْثَالُهَا وَالْمُرَادُ الْوَقْتُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ أَيْضًا، قَالَ:
وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ
جَزَمَ بِهَا وَهِيَ دَلِيلُ الشَّرْطِيَّةِ.
وَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ إِذَا شِئْتِ، حَيْثُ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ عَنِ الْمَجْلِسِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَهُمَا وَقَدْ مَلَكَهَا فَلَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالشَّكِّ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ هَذِهِ الْوَاحِدَةُ) لِأَنَّهُ وُجِدَ شَرْطُ الْبِرِّ، وَهُوَ عَدَمُ الْوَقْتِ
(3/128)

وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى، وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ أَوْ عَلَيْكِ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ فَثَلَاثٌ، وَبِالْوَاحِدَةِ وَاحِدَةٌ، وَبِالثِّنْتَيْنِ ثِنْتَانِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْمَنْشُورَةُ، وَإِنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا فَالْمُعْتَبَرُ الْمَضْمُومَةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْخَالِي عَنِ التَّطْلِيقِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى، وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ أَوْ عَلَيْكِ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ إِزَالَةُ الْقَيْدِ، وَالْقَيْدُ قَائِمٌ بِالْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، أَوْ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ وَهِيَ الْمَمْلُوكَةُ وَهُوَ الْمَالِكُ، أَمَّا الْإِبَانَةُ فَلِقَطْعِ الْوُصْلَةِ وَالتَّحْرِيمُ لِرَفْعِ الْحِلِّ وَالْوُصْلَةِ، وَالْحِلُّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَصَحَّ إِضَافَتُهُمَا إِلَيْهِمَا دُونَ الطَّلَاقِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ فَثَلَاثٌ، وَبِالْوَاحِدَةِ وَاحِدَةٌ، وَبِالثِّنْتَيْنِ ثِنْتَانِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْمَنْشُورَةٌ) لِأَنَّهَا لِلْإِعْلَامِ بِالْعَدَدِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الشَهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَسَ إِبْهَامَهُ» . وَأَرَادَ فِي النَّوْبَةِ الثَّالِثَةِ التِّسْعَةَ وَعَلَيْهِ الْعُرْفُ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَضْمُومَتَيْنِ أَوِ الْكَفَّ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَإِنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا فَالْمُعْتَبَرُ الْمَضْمُومَةُ) لِأَنَّهُ يُرِيدُ إِعْلَامَ الْعَدَدِ بِقَدْرِ الْمَضْمُومَةِ رُجُوعًا إِلَى الْعَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ هَكَذَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَذْكُرِ الْعَدَدَ بَقِيَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، أَوْ قَالَ: ثِنْتَيْنِ، أَوْ قَالَ: ثَلَاثًا فَمَاتَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ الْعَدَدَ فَالْوَاقِعُ هُوَ الْعَدَدُ، فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ فَاتَ الْمَحَلُّ قَبْلَ الْإِيقَاعِ فَبَطَلَ.
وَفِي الْفَتَاوَى: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَذَا كَذَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِكَذَا كَذَا لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ عَلَى مَا عُرِفَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَحَدَ عَشَرَ، وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا كَذَلِكَ هُنَا.

[فصل وصف الطَّلَاقِ]
فَصْلٌ فِي وَصْفِ الطَّلَاقِ
أَصْلُهُ أَنَّهُ مَتَى وَصَفَ الطَّلَاقَ بِوَصْفٍ لَا يُوصَفُ بِهِ وَلَا يَحْتَمِلُهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَبَطَلَ الْوَصْفُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا لَمْ يَقَعْ، فَإِنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ، وَمَتَى وَقَعَ الطَّلَاقُ لَا يَرْتَفِعُ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَقَعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَمَتَى وَصَفَهُ بِوَصْفٍ يُوصَفُ بِهِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِنْ كَانَ يُنْبِئُ عَنْ زِيَادَةِ شِدَّةٍ وَغِلْظَةٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ رَجْعِيٌّ، وَإِنْ كَانَ يُنْبِئُ فَهُوَ بَائِنٌ، مِثَالُ الْأَوَّلِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَفْضَلُ الطَّلَاقِ أَوْ أَكْمَلُهُ أَوْ أَحْسَنُهُ أَوْ أَعْدَلُهُ أَوْ أَسَنُّهُ أَوْ خَيْرُهُ، فَإِنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، لِأَنَّهُ لَا وَصْفَ لَهَا يُنْبِئُ عَنِ الشِّدَّةِ، وَالْبَيْنُونَةُ وَصْفُ شِدَّةٍ فَلَا يَقَعُ.
(3/129)

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ أَوْ أَخْبَثَهُ أَوْ أَشَدَّهُ أَوْ أَعْظَمَهُ أَوْ أَكْبَرَهُ أَوْ أَشَرَّهُ أَوْ أَسْوَأَهُ أَوْ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ أَوِ الْبِدْعَةِ أَوْ كَالْجَبَلِ أَوْ مِلْءَ الْبَيْتِ، أَوْ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ طَوِيلَةً أَوْ عَرِيضَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(و) مِثَالُ الثَّانِي: (لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ أَوْ أَخْبَثَهُ أَوْ أَشَدَّهُ أَوْ أَعْظَمَهُ أَوْ أَكْبَرَهُ أَوْ أَشَرَّهُ أَوْ أَسْوَأَهُ أَوْ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ أَوِ الْبِدْعَةِ أَوْ كَالْجَبَلِ أَوْ مِلْءَ الْبَيْتِ، أَوْ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ طَوِيلَةً أَوْ عَرِيضَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ تُنْبِئُ عَنِ الشِّدَّةِ، وَالْبَائِنُ: هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى رَجْعَتِهَا، بِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَدِيدٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْلِكَ رَجْعَتَهَا بِدُونِ أَمْرِهَا.
قَالَ: (وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ) لِأَنَّ الشِّدَّةَ وَالْبِدْعَةَ وَطَلَاقَ الشَّيْطَانِ يَتَنَوَّعُ إِلَى نَوْعَيْنِ: شِدَّةٌ ضَعِيفَةٌ وَقَوِيَّةٌ، فَالضَّعِيفَةُ الْوَاحِدَةُ الْبَائِنَةُ، فَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهَا لِلتَّيَقُّنِ، وَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَقَدْ نَوَى أَحَدَ نَوْعَيْهِ فَيُصَدَّقُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَأَلْفٍ لِأَنَّهُ يُشَبِّهُ بِهَا فِي الْقُوَّةِ. قَالَ:
وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَى
وَيُشَبِّهُ بِهَا فِي الْعَدَدِ فَأَيُّهُمَا نَوَى صَحَّ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا يَثْبُتُ الْأَقَلُّ لِمَا مَرَّ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ عَدَدٌ فَالظَّاهِرُ هُوَ التَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ.
ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَتَّى شَبَّهَ الطَّلَاقَ فَهُوَ بَائِنٌ، لِأَنَّ التَّشْبِيهَ يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْوَصْفِ وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ، لِأَنَّ عِنْدَ عَدَمِ التَّشْبِيهِ يَكُونُ رَجْعِيًّا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - إِنْ ذَكَرَ الْعِظَمَ كَانَ بَائِنًا وَإِلَّا فَلَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ عَظِيمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ فِي نَفْسِ التَّوْحِيدِ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعِظَمَ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَةَ. وَعِنْدَ زُفَرَ إِنْ شَبَّهَهُ بِمَا هُوَ عَظِيمٌ فِي نَفْسِهِ كَانَ بَائِنًا وَإِلَّا فَهُوَ رَجْعِيٌّ، وَالْخِلَافُ يَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِثْلَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ، مِثْلَ عِظَمِ رَأْسِ الْإِبْرَةِ، مِثْلَ الْجَبَلِ، مِثْلَ عِظَمِ الْجَبَلِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ بَائِنٌ فِي الْجَمِيعِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ بَائِنٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ، رَجْعِيٌّ فِي الْبَاقِي، وَعِنْدَ زُفَرَ هُوَ بَائِنٌ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، رَجْعِيٌّ فِي الْبَاقِي، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِثْلَ عَدَدِ كَذَا. لِشَيْءٍ لَا عَدَدَ لَهُ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، رَجْعِيَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ قَالَ كَالنُّجُومِ فَوَاحِدَةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَالنُّجُومِ ضِيَاءً إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْعَدَدَ فَثَلَاثٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا قَلِيلَ وَلَا كَثِيرَ، يَقَعُ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ: لَا كَثِيرَ وَلَا قَلِيلَ، تَقَعُ وَاحِدَةٌ، فَيَثْبُتُ ضِدُّ مَا نَفَاهُ أَوَّلًا، لِأَنَّ بِالنَّفْيِ ثَبَتَ ضِدُّهُ فَلَا يَرْتَفِعُ، وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتُهَا بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا يَكُونُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَصِيرُ بَائِنًا لَا ثَلَاثًا لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَتَحْتَمِلُ التَّبْدِيلَ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ بَائِنًا وَلَا ثَلَاثًا لِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ بِصِفَةٍ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَهُ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الْوَاقِعِ لَا يَصِحُّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِبَانَةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَيَمْلِكُ إِثْبَاتَهَا بَعْدَ الْإِيقَاعِ وَيَمْلِكُ إِيقَاعَ الْعَدَدِ فَيَمْلِكُ إِلْحَاقَ الثِّنْتَيْنِ بِالْوَاحِدَةِ وَضَمِّهِمَا إِلَيْهَا.
(3/130)

وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَلَاثًا وَقَعْنَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَالِقٌ، أَوْ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ، أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ: مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ فَثِنْتَانِ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ (سم) ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَلَاثًا وَقَعْنَ) لِأَنَّ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِيقَاعٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا فَيَقَعْنَ جُمْلَةً، وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إِيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَالِقٌ، أَوْ وَاحِدَةُ وَوَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُعَلِّقِ الْكَلَامَ بِشَرْطٍ أَوْ يَذْكُرْ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ صَدْرَهُ كَانَ كُلُّ لَفْظٍ إِيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ، فَيَقَعُ الْأَوَّلُ وَتَبِينُ لَا إِلَى عِدَّةٍ فَتُصَادِفُهَا الثَّانِيَةُ وَهِيَ بَائِنٌ فَلَا تَقَعُ.
وَأَمَّا الْقَبْلِيَّةُ وَالْبَعْدِيَّةُ فَالْأَصْلُ فِيهَا أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ حَرْفَ الظَّرْفِ مَقْرُونًا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ بَيْنَ طَلَاقَيْنِ كَانَ الظَّرْفُ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ آخِرًا، وَإِنْ لَمْ يَقْرِنُهُ بِهَاءِ الْكِنَايَةِ فَهُوَ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِ أَوَّلًا، مِثَالُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَهُ عَمْرٌو، وَجَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، فَالْقَبْلِيَّةُ فِي الْأَوَّلِ صِفَةٌ لِعَمْرٍو، وَفِي الثَّانِي صِفَةٌ لِزَيْدٍ، فَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ، فَالْقَبْلِيَّةُ صِفَةٌ لِلْأُولَى، وَالْإِيقَاعُ فِي الْمَاضِي إِيقَاعٌ لِلْحَالِ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَاتِ إِنْشَاءَاتٌ شَرْعًا فَوَقَعَتِ الْوَاحِدَةُ فَبَانَتْ بِهَا فَلَا يَقَعُ مَا بَعْدَهَا، وَقَوْلُهُ: بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ. فَالْبَعْدِيَّةُ صِفَةٌ لِلْأَخِيرَةِ وَقَدْ حَصَلَتِ الْإِبَانَةُ قَبْلَهَا فَلَا يَقَعُ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ، أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَثِنْتَانِ) لِأَنَّ الْقِبْلِيَّةَ صِفَةٌ لِلْأُخْرَى فَاقْتَضَى إِيقَاعَهَا فِي الْمَاضِي وَإِيقَاعَ الْأُولَى فِي الْحَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إِيقَاعٌ فِي الْحَالِ فَيَقْتَرِنَانِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الْبَعْدِيَّةُ صِفَةٌ لِلْأُولَى فَاقْتَضَى إِيقَاعَ الْوَاحِدَةِ فِي الْحَالِ وَإِيقَاعَ أُخْرَى قَبْلَهَا فَيَقْتَرِنَانِ.
(وَلَوْ قَالَ: مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ فَثِنْتَانِ أَيْضًا) لِأَنَّ كَلِمَةَ (مَعَ) لِلْمُقَارَنَةِ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ) وَقَالَا: ثِنْتَانِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ) بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، وَالْجَمْعُ بِحِرَفِ الْجَمْعِ كَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِذَا أَخَّرَ الْجَزَاءَ
(3/131)

وَكِنَايَاتُ الطَّلَاقِ لَا يَقَعُ بِهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَيَقَعُ بَائِنًا إِلَّا اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ فَيَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِحِرَفِ الْجَمْعِ. وَلَهُ أَنَّ الشَّرْطَ إِذَا تَأَخَّرَ بِغَيْرِ صَدْرِ الْكَلَامِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْكَلَامِ فَتَقَعُ جُمْلَةً، أَمَّا إِذَا تَقَدَّمَ لَا مُغَيِّرَ لَهُ فَلَا يَتَوَقَّفُ، وَالْجَمِيعُ يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ وَيَحْتَمِلُ الْقِرَانَ، فَعَلَى تَقْدِيرِ احْتِمَالِ التَّرْتِيبِ لَا تَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ كَمَا إِذَا صَرَّحَ بِهِ فَلَا يَقَعُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ، وَلَوْ عَطَفَ بِحَرْفِ الْفَاءِ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: تَقَعُ وَاحِدَةٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، قَالُوا: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ بَانَتْ بِالْأُولَى وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِالثَّانِيَةِ، وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِلْحَالِ وَتَتَعَلَّقُ الثَّانِيَةُ بِالدُّخُولِ.

[فصل كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ]
فَصْلٌ (وَكِنَايَاتُ الطَّلَاقِ لَا يَقَعُ بِهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ) لِاحْتِمَالِهَا الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لَهُ فَلَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِالتَّعْيِينِ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الْحَالُ فَتَتَرَجَّحُ إِرَادَتُهُ. قَالَ: (وَيَقَعُ بَائِنًا) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إِيقَاعَ الْبَائِنِ وَأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْبَيْنُونَةِ فَيَمْلِكُهُ كَالثَّلَاثِ وَقَدْ أَوْقَعَهُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَبَنْتُكِ بِطَلْقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ بِصَرِيحِهَا وَمَعْنَاهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ بَائِنٌ صَرِيحٌ. وَبَتَّةٌ وَبَتْلَةٌ يُنْبِئَانِ عَنِ الْقَطْعِ وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيِّ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَلْفَاظِ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَعْنَاهَا.
قَالَ: (إِلَّا اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ فَيَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةُ) لِأَنَّ قَوْلَهُ: اعْتَدِّي يَحْتَمِلُ اعْتَدِّي نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَحْتَمِلُ اعْتَدِّي عِدَّةَ الطَّلَاقِ فَإِذَا نَوَاهَا يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: طَلَّقْتُكِ فَاعْتَدِّي، وَذَلِكَ يُوجِبُ الرَّجْعَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ فَلِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلْعِدَّةِ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَيَحْتَمِلُ اسْتَبْرِئِي لِأُطَلِّقَكِ، فَإِنْ نَوَى الْأَوَّلَ كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَيَكُونُ رَجْعِيًّا لِمَا مَرَّ.
وَقَوْلُهُ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ يَصْلُحُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَيَصْلُحُ وَصْفًا لَهَا بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَهُ، فَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَمِثْلُهُ جَائِزٌ كَقَوْلِهِ: أَعْطَيْتُكَ جَزِيلًا أَيْ عَطَاءً جَزِيلًا، وَإِذَا احْتَمَلَهُ فَإِذَا نَوَاهُ تَعَيَّنَ مُجْمَلًا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ رَجْعِيًّا فَكَذَا هَذَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِذَا أَعْرَبَ الْوَاحِدَةَ بِالرَّفْعِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِشَخْصِهَا، وَإِنْ أَعْرَبَ بِالنَّصْبِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَإِنْ سَكَّنَ يُحْتَاجُ إِلَى نِيَّتِهِ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ قَالُوا: الْكُلُّ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الْعَامَّةَ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ ذَلِكَ فَلَا يُبْنَى حُكْمٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ عَلَيْهِ.
وَلَا يَقَعُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ مُضْمَرٌ فِيهَا أَوْ مُقْتَضًى، وَلَوْ أَظْهَرَ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ لِمَا بَيَّنَّا، كَذَا هَذَا.
(3/132)

وَأَلْفَاظُ الْبَائِنِ قَوْلُهُ: أَنْتِ بَائِنٌ، بَتَّةٌ، بَتْلَةٌ، حَرَامٌ، حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ، سَرَّحْتُكِ، فَارَقْتُكِ، أَمْرُكِ بِيَدِكِ، تَقَنَّعِي، اسْتَتِرِي، أَنْتِ حُرَّةٌ، اغْرُبِي، اخْرُجِي، ابْتَغِي الْأَزْوَاجَ. وَيَصِحُّ فِيهَا نِيَّةُ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ، وَلَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ فَوَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي يَنْوِي الطَّلَاقَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا، وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِالْقِيَامِ، وَبِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَأَلْفَاظُ الْبَائِنِ قَوْلُهُ: أَنْتِ بَائِنٌ، بَتَّةٌ، بَتْلَةٌ، حَرَامٌ، حَبْلُكُ عَلَى غَارِبِكِ، خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ، سَرَّحْتُكِ، فَارَقْتُكِ، أَمْرُكِ بِيَدِكِ، تَقَنَّعِي، اسْتَتِرِي، أَنْتِ حُرَّةٌ، اغْرُبِي، اخْرُجِي، ابْتَغِي الْأَزْوَاجَ. وَيَصِحُّ فِيهَا نِيَّةُ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ) لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ خَفِيفَةٌ وَغَلِيظَةٌ فَأَيُّهُمَا نَوَى صَحَّ، وَإِنْ نَوَى نَفْسَ الطَّلَاقِ فَوَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ الْأَدْنَى.
(وَلَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ فَوَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُمَا عَدَدٌ وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَدِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلَا يَقَعُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَيَقَعُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا يَقَعُ دِيَانَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ أَدْنَى.
ثُمَّ هِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا غَيْرُ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، اخْتَارِي، اعْتَدِّي.
وَمِنْهَا مَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا لَا غَيْرُ، وَهِيَ سَبْعَةٌ: اخْرُجِي، اذْهَبِي، اغْرُبِي، قُومِي، تَقَنَّعِي، اسْتَتِرِي، تَخَمَّرِي.
وَمِنْهَا مَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا وَشَتِيمَةً، وَهِيَ خَمْسَةٌ: خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، بَتَّةٌ، بَائِنٌ، حَرَامٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَلْحَقَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ خَمْسَةً أُخْرَى: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، سَرَّحْتُكِ، لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكِ، لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ.
وَالْأَحْوَالُ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ حَالَةُ الرِّضَا، وَحَالَةُ مُذَاكَرَةِ طَلَاقِهَا، وَحَالَةُ غَضَبٍ.
أَمَّا حَالَةُ الرِّضَا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي عَدَمِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يُطْلِعُ غَيْرَهُ عَلَيْهِ وَالْحَالُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَفِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ يَقَعُ الطَّلَاقُ قَضَاءً وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى عَدَمِهِ إِلَّا فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَهُوَ الْأَدْنَى فَيُصَدَّقُ فِيهِ.
وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ إِلَّا فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا غَيْرُ، لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْغَضَبُ فَيُجْعَلُ طَلَاقًا.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي. يَنْوِي الطَّلَاقَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا) فَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً فَبِسَمَاعِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَبِالْإِخْبَارِ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَةَ لَهَا الْمَجْلِسُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِأَنَّهُ مَلَّكَهَا فِعْلَ الِاخْتِيَارِ، وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا.
(وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِالْقِيَامِ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ (وَبِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ) حَقِيقَةً بِالِانْتِقَالِ إِلَى مَجْلِسٍ آخَرَ، وَمَعْنًى بِتَبَدُّلِ الْأَفْعَالِ، فَمَجْلِسُ الْأَكْلِ غَيْرُ مَجْلِسِ الْقِتَالِ، وَمَجْلِسُ الْقِتَالِ غَيْرُ مَجْلِسِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَيَبْطُلُ بِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا
(3/133)

فَإِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَاهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ - النَّفْسِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
- رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: إِذَا أَخَذَ الزَّوْجُ بِيَدِهَا وَأَقَامَهَا مِنَ الْمَجْلِسِ بَطَلَ خِيَارُهَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَوْ وِتْرٍ فَأَتَمَّتْهَا لَا يَبْطُلُ، وَكَذَا فِي التَّطَوُّعِ إِنْ تَمَّتْ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ قَطْعِهَا، وَإِنْ تَمَّتْ أَرْبَعًا بَطَلَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فِي النَّفْلِ كَالدُّخُولِ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا تُبْطِلُ وَإِنْ أَتَمَّتْهَا أَرْبَعًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَقَعَدَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا لِأَنَّهُ دَلِيلُ التَّرَوِّي، فَإِنَّ الْقُعُودَ أَجْمَعُ لِلرَّأْيِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ، أَوْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ جِلْسَةٍ إِلَى جِلْسَةٍ وَلَيْسَ بِإِعْرَاضٍ، كَمَا إِذَا تَرَبَّعَتْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُحْتَبِيَةً. وَقِيلَ إِذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا لِأَنَّهُ إِظْهَارٌ لِلتَّهَاوُنِ بِالْأَمْرِ فَكَانَ إِعْرَاضًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاضْطَجَعَتْ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ تَسِيرُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ فَوَقَفَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، وَإِنْ سَارَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا، إِلَّا أَنْ تَخْتَارَ مَعَ سُكُوتِ الزَّوْجِ، لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ وَوُقُوفَهَا مُضَافٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا سَارَتْ كَانَ كَمَجْلِسٍ آخَرَ.
(فَإِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَهَا بِهَا دُونَ غَيْرِهَا وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ.
(وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَاهَا) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ.
(وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهَا) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ، أَوْ يَقُولُ لَهَا: اخْتَارِي فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ نَفْسِي لِأَنَّ ذَلِكَ عُرِفَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ الْمُفَسَّرُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُبْهَمَ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْمُبْهَمِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي، فَقَالَتِ اخْتَرْتُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَضْعًا، وَإِنَّمَا جُعِلَ بِالسُّنَّةِ فِيمَا إِذَا كَانَ مُفَسَّرًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ اخْتَارِي، وَقَوْلَهَا اخْتَرْتُ، لَيْسَ لَهُ مُخَصِّصٌ بِهَا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، فَإِذَا ذُكِرَتِ النَّفْسُ تَخَصَّصَ الِاخْتِيَارُ لَهَا فَيَقَعُ.
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ أَوِ التَّطْلِيقَةِ أَوِ الِاخْتِيَارَةِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، أَمَّا ذِكْرُ النَّفْسِ فَلِمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا ذِكْرُ التَّطْلِيقَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الِاخْتِيَارَةُ فَلِأَنَّ الْهَاءَ تُنْبِئُ عَنِ التَّفَرُّدِ، وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّةً وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى، فَصَارَ مُفَسَّرًا مِنْ جَانِبِهِ.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِالتَّخْيِيرِ طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَى، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهَا: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي يَحْتَمِلُ الْوَعْدَ فَلَا يَكُونُ جَوَابًا مَعَ الِاحْتِمَالِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ هَذَا إِيجَابًا وَجَوَابًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [الأحزاب: 28] الْآيَةَ، " بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَقَالَ: إِنِّي أُخْبِرُكِ بِشَيْءٍ، فَمَا عَلَيْكِ أَلَّا تُجِيبِينِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِالْآيَةِ "، فَقَالَتْ: " أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ
(3/134)

وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي، فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ اخْتِيَارَةً، أَوْ قَالَتِ: اخْتَرْتُ الْأُولَى أَوِ الْوُسْطَى أَوِ الْأَخِيرَةَ فَهِيَ ثَلَاثٌ (سم) ، وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِيَ أَوِ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ بِتَطْلِيقَةٍ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ خَيَّرَهَا فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ نَفْسِي لَا بَلْ زَوْجِي لَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَتْ: نَفْسِي أَوْ زَوْجِي لَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَتْ: نَفْسِي وَزَوْجِي طَلُقَتْ، وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ كَالتَّخْيِيرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجْلِسِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَنَوَى الثَّلَاثَ صَحَّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَبَوَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لَا، بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَأَرَادَتْ بِذَلِكَ الِاخْتِيَارَ لِلْحَالِ، وَعَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا وَإِيجَابًا، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ النِّكَاحَ وَلَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي، فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ اخْتِيَارَةً، أَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ الْأُولَى أَوِ الْوُسْطَى أَوِ الْأَخِيرَةَ فَهِيَ ثَلَاثٌ) وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ، لِأَنَّ تَكْرَارَ هَذَا الْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ غَيْرِهِ. أَمَّا قَوْلُهَا اخْتِيَارَةً فَلِأَنَّهَا لِلْمَرَّةِ، وَلَوْ صَرَّحَتْ بِالْمَرَّةِ كَانَتْ ثَلَاثًا فَكَذَا هَذَا، وَلِأَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ، وَالتَّأْكِيدُ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ. وَأَمَّا قَوْلُهَا الْأُولَى أَوِ الْوُسْطَى أَوِ الْأَخِيرَةَ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْأُولَى أَوِ الْوُسْطَى أَوِ الْأَخِيرَةِ إِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ يُفِيدُ الْإِفْرَادَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ. وَلَهُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَتَصَرَّفُ فِيمَا مَلَكَتْهُ، إِذِ الْمُجْتَمِعُ فِي الْمِلْكِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ، فَإِنَّ الْقَوْمَ الْمُجْتَمِعِينَ فِي مَكَانٍ لَا يُقَالُ: هَذَا أَوَّلٌ وَهَذَا آخِرُ، وَيُقَالُ: هَذَا جَاءَ أَوَّلًا وَهَذَا آخِرًا، فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ فِي مَجِيئِهِمَا لَا فِي ذَاتِهِمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَغَا قَوْلُهَا: الْأُولَى أَوِ الْوُسْطَى، فَبَقِيَ قَوْلُهَا: اخْتَرْتُ، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ وَسَكَتَتْ وَقَعَتِ الثَّلَاثُ كَذَا هَذَا.
(وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوِ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ الِانْطَلَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
(وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ بِتَطْلِيقَةٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّ ذِكْرَ الطَّلَاقِ يُعَقِّبُ الرَّجْعَةَ، وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ.
(وَلَوْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي لَا بَلْ زَوْجِي لَا يَقَعُ) لِأَنَّهُ لِلْإِضْرَابِ عَنِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقَعُ.
(وَلَوْ قَالَتْ: نَفْسِي أَوْ زَوْجِي لَا يَقَعُ) لِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ، وَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا لِاشْتِغَالِهَا بِشَيْءٍ آخَرَ.
(وَلَوْ قَالَتْ: نَفْسِي وَزَوْجِي طَلُقَتْ) وَلَا يَصِحُّ الْعَطْفُ (وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ كَالتَّخْيِيرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجْلِسِ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا، (إِلَّا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَنَوَى الثَّلَاثَ صَحَّ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ، وَالِاخْتِيَارُ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ
(3/135)

وَلَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ: اخْتَرْتُ نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ فِي الْمَجْلِسِ وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَهَا الزَّوْجُ وَقَعْنَ، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ (ز) إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَيَصِحُّ، وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً وَقَدْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَا يَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ وَلَوْ قَالَتْ: أَبَنْتُ نَفْسِي طَلُقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ أَنْتَ مِنِّي بَائِنٌ، أَوْ أَنَا عَلَيْكَ حَرَامٌ، أَوْ أَنَا مِنْكَ بَائِنٌ، فَهُوَ جَوَابٌ وَطَلُقَتْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يُنْبِئُ عَنِ التَّمْلِيكِ وَضْعًا، قَالَ تَعَالَى: {وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] وَالِاخْتِيَارُ عُرْفٌ تَمْلِيكًا شَرْعًا لَا وَضْعًا، وَالْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ فِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ لَا غَيْرُ، فَلِهَذَا صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ دُونَ التَّخْيِيرِ.
(وَلَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ: اخْتَرْتُ نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهَا صِفَةُ الِاخْتِيَارَةِ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَةَ تَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِذَلِكَ يَقَعُ الثَّلَاثُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) قِيلَ: لَا يَقَعُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ (يَقَعُ) وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ إِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا كَمَا وَقَعَتْ قَدَمُهَا فِيهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ طَلُقَتْ بَعْدَمَا مَشَتْ خُطْوَتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ فِي الْمَجْلِسِ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ وَكِيلَةً فِي حَقِّ نَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا، (وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ) لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِتَطْلِيقِهَا، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ أَوْ أَحْبَبْتِ أَوْ هَوَيْتِ أَوْ أَرَدْتِ أَوْ رَضِيتِ، لِأَنَّ كُلَّهُ تَعْلِيقٌ بِفِعْلِ الْقَلْبِ فَهُوَ كَالْخِيَارِ.
(وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَهَا الزَّوْجُ وَقَعْنَ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ افْعَلِي الطَّلَاقَ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَتَنَاوَلُ الْأَدْنَى مَعَ الْجَمِيعِ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ وَيَنْصَرِفُ إِلَى الْأَدْنَى عِنْدَ عَدَمِهَا عَلَى مَا مَرَّ (وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ) لِأَنَّهُ عَدَدٌ؛ خِلَافًا لَزُفَرَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، (إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَيَصِحُّ) لِأَنَّهُ الْجِنْسُ فِي حَقِّهَا (وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً وَقَدْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِنْسٍ فِي حَقِّهَا.
(وَلَوْ قَالَتْ: أَبَنْتُ نَفْسِي طَلُقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً) لِأَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، إِلَّا أَنَّهَا زَادَتْ فِيهَا وَصْفَ الْإِبَانَةِ فَيَلْغُو، كَمَا إِذَا قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي بَائِنَةً. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فُوِّضَ إِلَيْهَا، وَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْمُخَيَّرَةِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ أَيْضًا.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ أَنْتَ مِنِّي بَائِنٌ، أَوْ أَنَا عَلَيْكَ حَرَامٌ، أَوْ أَنَا مِنْكَ بَائِنٌ، فَهُوَ جَوَابٌ وَطَلُقَتْ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُفِيدُ الطَّلَاقَ كَمَا إِذَا قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي، وَلَوْ قَالَتْ: أَنْتَ مِنِّي طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ
(3/136)

وَلَوْ قَالَتْ: أَنَا مِنْكَ طَالِقٌ، أَوْ أَنَا طَالِقٌ وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ مَتَى شِئْتِ، أَوْ مَتَى مَا شِئْتِ، أَوْ إِذَا شِئْتِ، أَوْ إِذَا مَا شِئْتِ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، وَلَوْ رَدَّتْهُ لَا يَرْتَدُّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: طَلِّقِ امْرَأَتِي، وَلَوْ قَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ. اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ (ز) ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ كُلَّمَا شِئْتِ فَلَهَا أَنْ تُفَرِّقَ الثَّلَاثَ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَجْمَعَهَا، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
شَيْءٌ.
(وَلَوْ قَالَتْ: أَنَا مِنْكَ طَالِقٌ أَوْ أَنَا طَالِقٌ، وَقَعَ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُوصَفُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الرِّجَالِ، (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ مَتَى شِئْتِ، أَوْ مَتَى مَا شِئْتِ، أَوْ إِذَا شِئْتِ، أَوْ إِذَا مَا شِئْتِ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ) لِأَنَّهَا لِعُمُومِ الْأَوْقَاتِ كَأَنَّهُ قَالَ: فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتِ، وَهَذَا فِي " مَتَى " و" مَتَى مَا " ظَاهِرٌ، وَأَمَّا " إِذَا " و" إِذَا مَا " فَقَدَ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ وَالْعُذْرُ عَنْهُ، (وَلَوْ رَدَّتْهُ لَا يَرْتَدُّ) لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ فَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا قَبْلَ الْمَشِيئَةِ فَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، (وَكَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: طَلِّقِ امْرَأَتِي) لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ، اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ) ، وَقَالَ زُفَرُ: هُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ كَمَا إِذَا سَكَتَ عَنِ الْمَشِيئَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ، وَالْمَالِكُ يَتَصَرَّفُ بِالْمَشِيئَةِ، وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِمَا عُرِفَ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَحْبَبْتِ، فَقَالَتْ: شِئْتُ، وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ فَقَالَتْ أَحْبَبْتُ لَا يَقَعُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ إِرَادَةٌ وَإِيجَابٌ وَفِيهَا مَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَزِيَادَةٌ، فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْأُولَى وَزِيَادَةٌ، وَالْمَحَبَّةُ لَيْسَ فِيهَا إِيجَابٌ فَلَمْ يُوجَدْ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الْمَشِيئَةُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ كُلَّمَا شِئْتِ فَلَهَا أَنْ تُفَرِّقَ الثَّلَاثَ) لِأَنَّ (كُلَّمَا) تَقْتَضِي تَكْرَارَ الْفِعْلِ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَمْلُوكِ مِنَ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْقَائِمِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَعَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لَا تَمْلِكُ التَّطْلِيقَ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَجْمَعَهَا) لِأَنَّهَا تُوجِبُ عُمُومَ الِانْفِرَادِ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَمْلُوكِ فِي النِّكَاحِ حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ كَلِمَةِ (كُلَّمَا) وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا فِيمَا هُوَ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلَاثِ، وَعَلَى هَذَا، الْإِيلَاءُ إِذَا وَقَعَ بِهِ ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ لَا يَعُودُ الْإِيلَاءُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يَعُودُ.
(وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا أَوْقَعَتْ بَعْضَ مَا مَلَكَتْ، (وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا مَلَكَتِ الْوَاحِدَةَ، وَقَدْ أَتَتْ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فَتَلْغُو كَمَا إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ وَيَلْغُو الزَّائِدُ. وَلَهُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ غَيْرُ الثَّلَاثِ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَقَدْ أَتَتْ بِغَيْرِ مَا مَلَّكَهَا فَكَانَ كَلَامًا مُبْتَدَأً فَلَا يَقَعُ، بِخِلَافِ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الثَّلَاثَ
(3/137)

وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً بَائِنَةً، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ رَجْعِيَّةً فَهِيَ بَائِنَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْتِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ لَمْ تَشَأْ، فَإِنْ شَاءَتْ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَشِيئَتُهَا وَإِرَادَتُهُ فَوَاحِدَةٌ (سم) رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا شِئْتِ أَوْ كَمْ شِئْتِ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَتُطَلِّقَ مَا دُونَهَا (سم) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَيَتَصَرَّفُ فِيهَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَالزَّائِدُ عَلَيْهَا لَغْوٌ فَبَطَلَ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهَا أَتَتْ بِالْأَصْلِ فَصَحَّ وَوَقَعَ مَا أَمَرَهَا بِهِ، ثُمَّ أَتَتْ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ فَيَلْغُو إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ.
(وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً بَائِنَةً، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ رَجْعِيَّةً، فَهِيَ بَائِنَةٌ) لِمَا قُلْنَا.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْتِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ لَمْ تَشَأْ، فَإِنْ شَاءَتْ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعَ) لِلِاتِّفَاقِ بَيْنَ إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهَا، (وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَشِيئَتُهَا وَإِرَادَتُهُ فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهَا لَمَّا خَالَفَتْهُ لَغَا تَصَرُّفُهَا فَبَقِيَ أَصْلُ الْإِيقَاعِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ مَا لَمْ تُوقِعِ الْمَرْأَةُ فَتَشَاءُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً وَالْعِتْقُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. لَهُمَا أَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهَا التَّطْلِيقَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَتْ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَشِيئَتِهَا أَصْلُ الطَّلَاقِ حَتَّى تَمْلِكَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَلَوْ وَقَعَ بِمُجَرَّدِ إِيقَاعِهِ لَا يَمْلِكُ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَيْفَ لِلِاسْتِيصَافِ فَتَقْتَضِي ثُبُوتَ أَصْلِ الطَّلَاقِ، وَيَكُونُ التَّفْوِيضُ إِلَيْهَا فِي الصِّفَةِ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ كَلِمَةِ كَيْفَ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا شِئْتِ أَوْ كَمْ شِئْتِ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ) لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلْعَدَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إِلَيْهَا أَيَّ شَيْءٍ شَاءَتْ مِنَ الْعَدَدِ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَتُطَلِّقَ مَا دُونَهَا) وَقَالَا: لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا إِنْ شَاءَتْ، لِأَنَّ (مَا) لِلْعُمُومِ و (مَنْ) تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ فَيُحْمَلُ عَلَى تَمْيِيزِ الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: كُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْتَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ (مِنْ) حَقِيقَةٌ لِلتَّبْعِيضِ، و (مَا) لِلتَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا، فَجَعَلْنَا الْمُفَوَّضَ إِلَيْهَا بَعْضَ الثَّلَاثِ، لَكِنَّ بَعْضًا لَهُ عُمُومٌ وَهُوَ ثِنْتَانِ، وَإِنَّمَا تُرِكَ التَّبْعِيضُ فِي النَّظِيرِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَهُوَ إِظْهَارُ السَّمَاحَةِ وَالْكَرَمِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِذَا شِئْتِ، فَهُمَا مَشِيئَتَانِ: إِحْدَاهُمَا عَلَى الْمَجْلِسِ، وَالثَّانِيَةُ مُطْلَقَةٌ مُعَلَّقَةٌ بِالْوَقْتِ، فَإِنْ قَامَتْ بَطَلَتَا، أَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ فَلِتَوَقُّتِهَا بِالْمَجْلِسِ، وَأَمَّا الْمُطْلَقَةُ فَلِتَعَلُّقِهَا بِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا
(3/138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
شِئْتِ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ: لَا وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَقَالَ: هُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ: لَسْتَ لِي بِزَوْجٍ، فَقَالَ الزَّوْجُ: صَدَقْتِ وَنَوَى الطَّلَاقَ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، أَوْ مَا أَنْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، أَوْ لَسْتُ لَكِ بِزَوْجٍ، أَوْ مَا أَنَا لَكِ بِزَوْجٍ وَنَوَى الطَّلَاقَ يَقَعُ، وَقَالَا: لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ كَذِبٌ فَلَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى. وَلَهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ بِالْإِضْمَارِ تَقْدِيرُهُ: لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ لِأَنِّي طَلَّقْتُكِ، وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ وَنَوَاهُ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ آخَرُ: هَلِ امْرَأَتُكَ إِلَّا طَالِقٌ؟ فَقَالَ الزَّوْجُ: لَا، طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ، لَا تَطْلُقُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: نَعَمْ مَعْنَاهُ نَعَمْ، امْرَأَتِي غَيْرُ طَالِقٍ، وَقَوْلُهُ: لَا، مَعْنَاهُ لَيْسَ امْرَأَتِي إِلَّا طَالِقٌ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: قُولِي أَنَا طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُولَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِنْشَاءِ.
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: قُلْ لِامْرَأَتِي إِنَّهَا طَالِقٌ طَلُقَتْ قَالَ أَوْ لَمْ يَقُلْ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِخْبَارِ وَأَنَّهُ يَسْتَدْعِي سَبْقَ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ آخَرُ: إِنْ لَمْ تَقْضِ حَقِّي الْيَوْمَ فَامْرَأَتُكَ طَالِقٌ، قَالَ: نَعَمْ. وَأَرَادَ جَوَابَهُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يَسْتَدْعِي إِعَادَةَ السُّؤَالِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: نَعَم، امْرَأَتِي طَالِقٌ إِنْ لَمْ أَقْضِ حَقَّكَ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي، وَقَالَ: نَوَيْتُ وَاحِدَةً صُدِّقَ دِيَانَةً وَيَقَعُ ثَلَاثًا فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ قَالَ: عَنَيْتُ بِالثَّانِيَةِ الْعِدَّةَ صُدِّقَ قَضَاءً، وَلَوْ قَالَ: نَوَيْتُ بِالْأُولَى طَلَاقًا وَلَمْ أَنْوِ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ شَيْئًا فَهِيَ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُمَا فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَتَتَعَيَّنُ لَهُ.
وَمِنَ الْكِنَايَاتِ الْكِتَابَةُ، فَإِذَا كَتَبَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ فِي كِتَابٍ أَوْ لَوْحٍ أَوْ عَلَى حَائِطٍ أَوْ أَرْضٍ لَا يَقَعُ إِلَّا بِنِيَّةٍ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ مَفْهُومَةٍ كَالْكَلَامِ، وَكُتُبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَتْ مَقَامَ قَوْلِهِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى وَجَبَ عَلَى كُلِّ ممنْ بَلَغَتْهُ، فَنَقُولُ: إِذَا كَتَبَ مَا لَا يَسْتَبِينُ أَوْ كَتَبَ فِي الْهَوَاءِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَا لَا يَسْتَبِينُ فِي الْكِتَابَةِ كَالْمَجْمَجَةِ وَالْكَلَامِ الْغَيْرِ الْمَفْهُومِ.
وَإِذَا كَتَبَ مَا يَسْتَبِينُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ مِثْلَ أَنْ يَكْتُبَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ. فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْكَلَامِ كَالْكِتَابَةِ مَعَ الصَّرِيحِ، وَإِنْ كَتَبَ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ وَالرِّسَالَةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: يَا فُلَانَةُ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِذَا وَصَلَ إِلَيْكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَعْلِيقٍ وَقَعَ لِلْحَالِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِأَنْ كَتَبَ: إِذَا جَاءَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَقَعُ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْوُقُوعَ بِشَرْطٍ فَلَا يَقَعُ قَبْلَهُ، كَمَا إِذَا عَلَّقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ، فَإِنْ وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى أَبِيهَا فَمَزَّقَهُ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَصَرِّفَ فِي أُمُورِهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ كَالْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُتَصَرِّفَ فِي أُمُورِهَا لَا يَقَعُ وَإِنْ أَخْبَرَهَا
(3/139)

وَأَلْفَاظُ الشَّرْطِ: " إِنْ " و" إِذَا " و" إِذَا مَا " و" مَتَى " و" مَتَى مَا " و" كُلُّ " و" كُلَّمَا "، فَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ وَقَعَ عَقِيبَهُ وَانْحَلَّتِ الْيَمِينُ وَانْتَهَتْ إِلَّا فِي " كُلَّمَا "، وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مَالِكًا كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: إِنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ يُضِيفُهُ إِلَى مِلْكٍ كَقَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ كُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ. وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ، فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي مِلْكٍ انْحَلَّتْ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ انْحَلَّتْ وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمَرْأَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَا لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ.

[تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ]
قَالَ: (وَأَلْفَاظُ الشَّرْطِ: " إِن " و" إِذَا " و" إِذَا مَا " و" مَتَى " و" مَتَى مَا " و" كُلُّ " و" كُلَّمَا ") لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ وَضْعًا. أَمَّا (إِنْ) فَشَرْطٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْوَقْتِ وَمَا وَرَاءَهَا فِيهَا مَعْنَى الْوَقْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَكَلِمَةُ (كُلُّ) لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِأَنَّهَا يَلِيهَا الِاسْمُ، وَالشَّرْطُ مَا يَلِيهِ الْفِعْلُ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَزَاءُ وَهُوَ فِعْلٌ، إِلَّا أَنَّهُ لِتَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ الَّذِي يَلِيهَا أُلْحِقَ بِالشَّرْطِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: كُلُّ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ. قَالَ: (فَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ وَقَعَ عَقِيبَهُ وَانْحَلَّتِ الْيَمِينُ وَانْتَهَتْ) لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا وُجِدَ ثُمَّ الشَّرْطُ فَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ (إِلَّا فِي كُلَّمَا) فَإِنَّهَا لِعُمُومِ الْأَفْعَالِ، قَالَ تَعَالَى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} [النساء: 56] الْآيَةَ، وَإِذَا كَانَتْ لِلْعُمُومِ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ ضَرُورَةً حَتَّى تَقَعَ الثَّلَاثُ الْمَمْلُوكَاتُ فِي النِّكَاحِ الْقَائِمِ، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آَخَرَ وَوُجِدَ الشَّرْطُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ خِلَافًا لَزُفَرَ لِمُقْتَضَى الْعُمُومِ. وَلَنَا أَنَّهُ إِنَّمَا عَلَّقَ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الطَّلْقَاتِ، وَقَدِ انْتَهَى ذَلِكَ وَهُوَ الْجَزَاءُ فَتَنْتَهِي الْيَمِينُ ضَرُورَةً.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مَالِكًا كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: إِنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ يُضِيفُهُ إِلَى مِلْكٍ كَقَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ كُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ ظَاهِرًا لِيَكُونَ مَخُوفًا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْقُوَّةُ عَلَى الْمَنْعِ أَوِ الْحَمْلِ، وَلَا ظُهُورَ لَهُ إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ.
قَالَ: (وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ، (فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي مِلْكٍ انْحَلَّتْ) الْيَمِينُ (وَوَقَعَ الطَّلَاقُ) ، لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلْجَزَاءِ فَيَنْزِلُ وَيَنْتَهِي الْيَمِينُ لِمَا مَرَّ.
(وَإِنْ وُجِدَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ انْحَلَّتْ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحِلِّ، وَفِي (كُلَّمَا) لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ حَتَّى يَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، (وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَمُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْعَدَمُ، (وَالْبَيِّنَةُ لِلْمَرْأَةِ) لِأَنَّهَا مُدَّعِيَةٌ مُثْبِتَةٌ.
(3/140)

وَمَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا، كَقَوْلِهِ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةٌ، فَقَالَتْ حِضْتُ طَلُقَتْ هِيَ خَاصَّةً، وَكَذَا التَّعْلِيقُ بِمَحَبَّتِهَا، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَعَبْدِي حُرٌّ، فَقَالَتْ أُحِبُّ طَلُقَتْ وَلَمْ يَعْتِقِ الْعَبْدُ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْتِ جَارِيَةً فَثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا أَوَّلًا طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَفِي التَّنَزُّهِ ثِنْتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ جَامَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَأَوْلَجَهُ وَلَبِثَ سَاعَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَزَعَهُ ثُمَّ أَوْلَجَهُ فَعَلَيْهِ مَهْرٌ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا تَحْصُلُ الْمُرَاجَعَةُ بِالْإِيلَاجِ الثَّانِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَمَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا، كَقَوْلِهِ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةٌ، فَقَالَتْ حِضْتُ طَلُقَتْ هِيَ خَاصَّةً) ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُطَلَّقَ لِأَنَّهُ شَرْطٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّرُوطِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي ذَلِكَ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا، وَقَدِ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ قَوْلَهَا فِي ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ وَالْوَطْءِ، فَكَذَا هَذَا إِلَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا شَهَادَةٌ وَهِيَ مُتَّهَمَةٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا وَحْدَهَا.
قَالَ: (وَكَذَا التَّعْلِيقُ بِمَحَبَّتِهَا) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةٌ، فَقَالَتْ أُحِبُّكَ طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
(وَلَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، فَقَالَتْ أُحِبُّ طَلُقَتْ وَلَمْ يَعْتِقِ الْعَبْدُ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُتَيَقَّنُ كَذِبُهَا لِأَنَّهَا قَدْ تُؤْثِرُ الْعَذَابَ عَلَى صُحْبَتِهِ لِبُغْضِهَا إِيَّاهُ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينِي بِقَلْبِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ أُحِبُّكَ وَهِيَ كَاذِبَةٌ طَلُقَتْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُطَلَّقُ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا عُلِّقَتْ بِالْقَلْبِ يُرَادُ بِهَا حَقِيقَةُ الْحُبِّ وَلَمْ يُوجَدْ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمَحَبَّةَ فِعْلُ الْقَلْبِ فَيَلْغُو ذِكْرُ الْقَلْبِ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَطْلَقَ، وَلَوْ أَطْلَقَ تَعَلَّقَ بِالْإِخْبَارِ عَنِ الْمَحَبَّةِ كَذَا هَذَا.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ غُلَامًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْتِ جَارِيَةً فَثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا أَوَّلًا طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَفِي التَّنَزُّهِ ثِنْتَيْنِ) لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مُتَيَقَّنَةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ شَكٌّ فَلَا يَقَعُ فِي الْقَضَاءِ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَأْخُذَ بِوُقُوعِ الثِّنْتَيْنِ وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ بِيَقِينٍ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ بِالثَّانِي.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ جَامَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَأَوْلَجَهُ وَلَبِثَ سَاعَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَزَعَهُ ثُمَّ أَوْلَجَهُ فَعَلَيْهِ مَهْرٌ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا تَحْصُلُ الْمُرَاجَعَةُ بِالْإِيلَاجِ الثَّانِي) ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجِبُ الْمَهْرُ بِاللُّبْثِ فِي الثَّلَاثِ وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِهِ فِي الْوَاحِدَةِ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ لِلِاتِّحَادِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجِمَاعَ إِدْخَالُ الْفَرْجِ وَلَا دَوَامَ لِلْإِدْخَالِ. أَمَّا إِذَا أَخْرَجَ ثُمَّ أَدْخَلَ
(3/141)

وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، أَوْ مَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، أَوْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إِنْ وَصَلَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا ثِنْتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ وَبَطُلَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إِلَّا أَرْبَعًا وَقَعَ ثَلَاثٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَقَدْ وُجِدَ الْإِدْخَالُ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَجِبِ الْحَدُّ لِشُبْهَةِ الِاتِّحَادِ مِنْ حَيْثُ الْمَجْلِسِ وَالْمَقْصُودِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ يَجِبُ الْعَقْرُ، لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا.

[فصل الطَّلَاقُ بِالْمَشِيئَةِ]
ِ] (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، أَوْ مَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، أَوْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إِنْ وَصَلَ) ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِهِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ لَا يُعْلَمُ وَجُودُهُ فَلَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، إِذِ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ قَبْلَهُ، وَكَذَا إِذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا تُعْلَمُ مَشِيئَتُهُ مِنَ الْخَلْقِ كَالْمَلَائِكَةِ وَالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ، وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ إِذَا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ أَوِ التَّعْلِيقُ بَعْدَهُ رُجُوعًا عَنْهُ فَلَا يُقْبَلُ، وَلَوْ سَكَتَ قَدْرَ مَا تَنَفَّسَ أَوْ عَطَسَ أَوْ تَجَشَّأَ أَوْ كَانَ بِلِسَانِهِ ثِقَلٌ فَطَالَ تَرَدُّدُهُ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِنْ تَنَفَّسَ بِاخْتِيَارِهِ بَطَلَ، وَلَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ صَحَّ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا. وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَقَعُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَجَرَى لِسَانُهُ أَوْ غَيْرُ طَالِقٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَالَا: هُوَ صَحِيحٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَحُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ وَأَنَّهُ مُتَّصِلٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً أَوْ حُرٌّ لَغْوٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَكَانَ قَاطِعًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ لَغْوٌ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا ثِنْتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً) وَأَصْلُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا لِأَنَّهُ بَيَانُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا تَكَلَّمَ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى.
(وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إِلَّا أَرْبَعًا وَقَعَ ثَلَاثٌ)
(3/142)

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً بَطَلَ الْاسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرَةً إِلَّا تِسْعَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا ثَمَانِيَةً فَثِنْتَانِ.

وَمَنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ وَرِثَتْهُ إِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ تَرِثْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ) لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْكُلَّ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرَةً إِلَّا تِسْعَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا ثَمَانِيَةً فَثِنْتَانِ) وَأَصْلُهُ أَنَّهُ إِذَا أَوْقَعَ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلَاثِ ثُمَّ اسْتَثْنَى وَالْكَلَامُ كُلُّهُ صَحِيحٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَامِلٌ فِي جُمْلَةِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ مُسْتَثْنِيًا مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي يَصِحُّ وُقُوعُهَا، فَيَقَعُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ، وَيَقَعُ مَا بَقِيَ إِنْ كَانَ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَتْبَعُ اللَّفْظَ وَلَا يَتْبَعُ الْحُكْمَ.
وَالْجُمْلَةُ الْمُتَلَفَّظُ بِهَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَدْخُلُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهَا فَيُسْقِطُ مَا تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَتَقَعُ بَقِيَّةُ الْجُمْلَةِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَصِحُّ وُقُوعُهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ اسْتِثْنَاءٍ مِمَّا يَلِيهِ، فَإِذَا اسْتَثْنَيْتَ الْوَاحِدَةَ مِنَ الثَّلَاثَةِ بَقِيَتْ ثِنْتَانِ، وَإِذَا اسْتَثْنَيْتَهُمَا مِنَ الثَّلَاثِ بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْوَاحِدَةَ مِنَ الثِّنْتَيْنِ فَتَبْقَى وَاحِدَةٌ فَيَسْتَثْنِيهَا مِنَ الثَّلَاثِ يَبْقَى ثِنْتَانِ يَسْتَثْنِيهِمَا مِنَ الثَّلَاثِ تَبْقَى وَاحِدَةٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَشْرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً إِلَّا ثَمَانِيَةً إِلَّا سَبْعَةً تَقَعُ ثِنْتَانِ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى السَّبْعَةَ مِنَ الثَّمَانِيَةِ تَبْقَى وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اسْتَثْنَى الْوَاحِدَةَ مِنَ التِّسْعَةِ تَبْقَى ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ اسْتَثْنَى الثَّمَانِيَةَ مِنَ الْعَشْرَةِ تَبْقَى ثِنْتَانِ، وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ هَذَا النَّوْعِ، وَتَقْرِيبُهُ أَنْ تَعْقِدَ الْعَدَدَ الْأَوَّلَ بِيَمِينِكَ وَالثَّانِيَ بِيَسَارِكَ وَالثَّالِثَ بِيَمِينِكَ وَالرَّابِعَ بِيَسَارِكَ، ثُمَّ أَسْقِطْ مَا اجْتَمَعَ فِي يَسَارِكَ مِمَّا اجْتَمَعَ بِيَمِينِكَ فَمَا بَقِيَ فَهُوَ الْمُوقَعُ.

[فصل أبان امرأته في مرضه ثم مات]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ وَرِثَتْهُ إِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ تَرِثْ)
(3/143)

وَإِنْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا، أَوْ جَاءَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْ كَالْمُخَيَّرَةِ، وَالْمُخَيَّرَةُ بِسَبَبِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ، وَلَوْ فَعَلَتْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِيَارَاتِ وَهِيَ مَرِيضَةٌ وَرِثَهَا إِذَا مَاتَتْ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَمَرَضُ الْمَوْتِ هُوَ الْمَرَضُ الَذِي أَضْنَاهُ وَأَعْجَزَهُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَوَائِجِهِ، فَأَمَّا مَنْ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ بِحَوَائِجِهِ وَيُحَمُّ فَلَا، وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِفِعْلِهِ وَفَعَلَهُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ، وَإِنْ عَلَّقَهُ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ فِي الْمَرَضِ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَصْلُهُ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ سَبَبٌ يُفْضِي إِلَى الْإِرْثِ غَالِبًا، فَإِبْطَالُهُ يَكُونُ ضَرَرًا بِصَاحِبِهِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ دَفْعًا لِهَذَا الضَّرَرِ فِي حَقِّ الْإِرْثِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَتَعَذَّرَ إِبْقَاءُ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ وَلَا حُكْمٌ.
قَالَ: (وَإِنْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا، أَوْ جَاءَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرْثِ كَالْمُخَيَّرَةِ، وَالْمُخَيَّرَةُ بِسَبَبِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ) لِأَنَّا إِنَّمَا اعْتَبَرْنَا قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ مَعَ الْمُبْطِلِ نَظَرًا لَهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْمُبْطِلِ لَمْ تَبْقَ مُسْتَحِقَّةً لِلنَّظَرِ فَعَمِلَ الْمُبْطِلُ وَهُوَ الطَّلَاقُ عَمَلُهُ.
(وَلَوْ فَعَلَتْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِيَارَاتِ وَهِيَ مَرِيضَةٌ وَرِثَهَا إِذَا مَاتَتْ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ) لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ فَبَقَّيْنَا النِّكَاحَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ إِلَّا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا لِأَنَّهُ طَلَاقٌ وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى الزَّوْجِ.
(وَمَرَضُ الْمَوْتِ هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي أَضْنَاهُ وَأَعْجَزَهُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَوَائِجِهِ، فَأَمَّا مَنْ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ بِحَوَائِجِهِ وَيُحَمُّ فَلَا) وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِحَوَائِجِهِ فِي الْبَيْتِ وَعَجَزَ عَنْهَا خَارِجَ الْبَيْتِ فَهُوَ مَرِيضٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ مُضْنًى لَا يَقُومُ إِلَّا بِشِدَّةٍ وَتَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ جَالِسًا فَهُوَ مَرِيضٌ، وَالْمَحْصُورُ وَالْوَاقِفُ فِي صَفِّ الْقِتَالِ وَالْمَحْبُوسُ لِلرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ وَرَاكِبُ السَّفِينَةِ وَالنَّازِلُ فِي مَسْبَعَةٍ يَخَافُ الْهَلَاكَ كَالصَّحِيحِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ السَّلَامَةُ، وَمَنْ قُدِّمَ لِلْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ أَوْ بَارَزَ رَجُلًا أَوِ انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ وَبَقِيَ عَلَى لَوْحٍ أَوْ وَقَعَ فِي فَمِ سَبْعٍ كَالْمَرِيضِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ.
أَمَّا الْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ كَالصَّحِيحِ، وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِمَّنْ لَا يَرِثُ الْآخَرَ كَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ مَعَ الْحُرَّةِ، وَالْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ مَعَ الْمُسْلِمِ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ صَارَ فِي حَالٍ يَتَوَارَثَانِ لَوْ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ لَا تَرِثُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهَا بِمَالِهِ حَالَةَ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَكُنْ فَارًّا فَلَا يُتَّهَمُ.
(وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِفِعْلِهِ وَفَعَلَهُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ) سَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ قَصَدَ إِضْرَارَهَا حَيْثُ بَاشَرَ شَرْطَ الْحِنْثِ فِي الْمَرَضِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنَ الْفِعْلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، أَمَّا إِذَا كَانَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَلِأَنَّ لَهُ بُدًّا مِنَ التَّعْلِيقِ فَكَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ.
(وَإِنْ عَلَّقَهُ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ فِي الْمَرَضِ مِثْلَ قَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ
(3/144)

فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ أَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لَمْ تَرِثْ (ز) ، وَإِنْ عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا وَلَهَا مِنْهُ بُدٌّ لَمْ تَرِثْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ كَالصَّلَاةِ وَكَلَامِ الْأَقَارِبِ وَأَكْلِ الطَّعَامِ وَاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَرِثَتْ (م) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ أَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ) لِأَنَّهُ قَصَدَ إِضْرَارَهَا بِمُبَاشَرَةِ التَّعْلِيقِ فِي الْمَرَضِ حَالَ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ.
(وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لَمْ تَرِثْ) خِلَافًا لِزُفَرَ، لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يَنْزِلُ عِنْدَ الشَّرْطِ فَصَارَ كَالْمُنَجَّزِ فِي الْمَرَضِ. وَلَنَا أَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَا قَصْدًا وَلَا ظُلْمًا إِلَّا عِنْدَ الْقَصْدِ.
(وَإِنْ عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا وَلَهَا مِنْهُ بُدٌّ لَمْ تَرِثْ عَلَى كُلِّ حَالٍ) لِأَنَّهَا رَاضِيَةٌ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ كَالصَّلَاةِ وَكَلَامِ الْأَقَارِبِ وَأَكْلِ الطَّعَامِ وَاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَرِثَتْ) ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ لَا تَرِثُ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي إِبْطَالِ الشَّرْطِ فَلَمْ يَقْصِدْ إِبْطَالَ حَقِّهَا. وَلَهُمَا أَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إِلَى الْمُبَاشَرَةِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهَا مِنَ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ وَالضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا، وَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهَا إِلَى الْمُبَاشَرَةِ فَيَنْتَقِلُ فِعْلُهَا إِلَيْهِ وَتَصِيرُ كَالْآلَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِكْرَاهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَرَضُ الْمَوْتِ إِذَا مَاتَ مِنْهُ، أَمَّا لَوْ بَرِئَ ثُمَّ مَاتَ انْقَطَعَ حُكْمُ الْمَرَضِ الْأَوَّلِ.
1 -
فَصْلٌ فِي طَلَاقِ الْمَجْهُولَةِ
أَصْلُهُ أَنَّ إِضَافَةَ الطَّلَاقِ إِلَى مَجْهُولَةٍ لَيْسَ إِلَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ فِي الْمُعَيَّنَةِ بِالْبَيَانِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى مَجْهُولَةٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ بِالْبَيَانِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ فَكَانَ لِلْبَيَانِ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْإِنْشَاءُ لَا يُمْلَكُ إِلَّا بِمِلْكِ الْمَحَلِّ، فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي مُعَيَّنَةٍ مِنْهُمَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ» الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ مَعَ الْخَطَأِ أُجْرَيَا مَجْرًى وَاحِدًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ الْبَيْعَ، ثُمَّ الطَّلَاقُ يَقَعُ مَعَ الْحَظْرِ فَكَذَا مَعَ الْجَهَالَةِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ مَعَ ضَعْفِهِ يَصِحُّ مَعَ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْجَهَالَةِ حَتَّى جَازَ بَيْعُ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَلَأَنْ يَصِحَّ الطَّلَاقُ مَعَهُ أَوْلَى، وَلِلنِّسَاءِ أَنْ يُخَاصِمْنَهُ وَيَسْتَعْدِينَ عَلَيْهِ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى يُبَيِّنَ إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَقًّا فِي اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ، أَوِ التَّوَصُّلِ إِلَى التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ، وَكَانَ عَلَى الزَّوْجِ الْبَيَانُ. وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ الْمُجْمِلُ كَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى مُعَيَّنَةٍ لِتَحْصُلَ الْفَائِدَةُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ حِينِ بَيَّنَ لِمَا تَقَدَّمَ،
(3/145)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ حَتَّى مَاتَتْ إِحْدَاهُمَا طُلِّقَتِ الْبَاقِيَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الطَّلَاقَ غَيْرُهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَرْدَتُ الْمَيِّتَةَ لَمْ يَرِثْهَا وَطُلِّقَتِ الْبَاقِيَةُ، فَيُصَدَّقُ فِي الْمَيِّتَةِ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِسْقَاطِ إِرْثِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى الْبَاقِيَةِ فِي صَرْفِ الطَّلَاقِ عَنْهَا، فَإِنْ مَاتَتَا وَاحِدَةٌ بَعْدَ الْأُخْرَى فَقَالَ: أَرَدْتُ الْأُولَى، لَمْ يَرِثْ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الثَّانِيَةِ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَمِنَ الْأُولَى بِاعْتِرَافِهِ، وَلَوْ مَاتَتَا مَعًا وَرِثَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مِيرَاثٍ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ إِحْدَاهُمَا سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ مِيرَاثِهَا وَيَرِثُ مِنَ الْأُخْرَى نِصْفَ مِيرَاثِهَا لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي زِيَادَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ جَامَعَ إِحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتِ الْأُخْرَى لِلطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْجِمَاعَ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِ الْأُخْرَى لِلطَّلَاقِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَطَأَ الْمُطَلَّقَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَّلَهَا أَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مِنْ خَوَاصِّ الزَّوْجِيَّةِ فَصَارَتْ كَالْجِمَاعِ، وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا وَعَنَى بِهِ الْبَيَانَ صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْبَيَانَ تَعَيَّنَتِ الْأُخْرَى لِلطَّلَاقِ الْأَوَّلِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً لَمْ يَكُنْ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا بَيَانًا لِلْأُخْرَى، وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا الرُّبُعُ أَوِ الثُّمُنُ، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا زَوْجَةٌ قَطْعًا وَلَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنَ الْأُخْرَى.
وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ ثَلَاثًا ثُمَّ اشْتَبَهَتْ وَأَنْكَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُطَلَّقَةَ لَا يَقْرُبُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ لِأَنَّهُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ إِحْدَاهُنَّ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: كُلُّ مَا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهِ وَالْفُرُوجُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَلِهَذَا قَالُوا: إِذَا اخْتَلَطَتِ الْمَيِّتَةُ بِالْمَذْبُوحَةِ إِنَّهُ يَتَحَرَّى لِأَنَّ الْمَيِّتَةَ تُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَإِنِ اسْتَعْدَيْنَ عَلَيْهِ إِلَى الْحَاكِمِ فِي النَّفَقَةِ وَالْجِمَاعِ أَعْدَى عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ حَتَّى يُبَيِّنَ الَّتِي طَلَّقَ مِنْهُنَّ، وَيُلْزِمُهُ نَفَقَتَهُنَّ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِأَحْكَامِ النِّكَاحِ، فَكَانَ عَلَى الْحَاكِمِ إِلْزَامُهُ إِيفَاءً لِلْحَقِّ، وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِنَّ لِأَنَّهَا تَجِبُ لِلْمُعْتَدَّةِ وَلِلزَّوْجَةِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً وَاحِدَةً، فَإِذَا تَزَوَّجْنَ بِغَيْرِهِ جَازَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْنَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِوَاحِدَةٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِالثَّلَاثِ صَحَّ نِكَاحُهُنَّ وَتَعَيَّنَتِ الرَّابِعَةُ لِلطَّلَاقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْكُلِّ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ بِزَوْجٍ آخَرَ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِزَوْجٍ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ الْكُلَّ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ الْكُلِّ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُتَزَوَّجَةِ إِنَّمَا هِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا حَيْثُ أَقْدَمَتْ عَلَى النِّكَاحِ لِلتَّحْلِيلِ، وَلَوِ ادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا يَحْلِفُ الزَّوْجُ فَإِنْ نَكَلَ وَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ الثَّلَاثُ، لِأَنَّهُ بِالنُّكُولِ صَارَ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا لَهَا بِالثَّلَاثِ، وَإِنْ حَلَفَ لَهُنَّ فَالْحُكْمُ كَمَا قُلْنَا قَبْلَ الْيَمِينِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إِذَا حَلَفَ لِإِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ طُلِّقَتِ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لِلْأُولَى طُلِّقَتْ.
وَإِنْ تَشَاحَّا عَلَى الْيَمِينِ حَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ مَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَإِنْ حَلَفَ فَالْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ نَكَلَ طُلِّقَتَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِنْ وَطِئَ
(3/146)

بَابُ الرَّجْعَةِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، وَلِلزَّوْجِ مُرَاجَعَتُهَا فِي الْعِدَّةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ: رَاجَعْتُكِ، وَرَجَعْتُكِ، وَرَدَدْتُكِ وَأَمْسَكْتُكِ، وَبِكُلِّ فِعْلٍ تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِحْدَاهُمَا فَالَّتِي لَمْ يَطَأْهَا مُطَلَّقَةٌ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا حَرَامًا.

[بَابُ الرَّجْعَةِ]
وَهِيَ مَصْدَرُ رَجَعَهُ يُرْجِعُهُ رَجْعًا وَرَجْعَةً: إِذَا أَعَادَهُ وَرَدَّهُ، يُقَالُ: رَجَعْتُ الْأَمْرَ إِلَى أَوَائِلِهِ: إِذَا رَدَدْتَهُ إِلَى ابْتِدَائِهِ. قَالَ:
عَسَى الْأَيَّامُ أَنْ يُرْجِعْ ... نَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا
وَفِي الشَّرْعِ: رَدُّ الزَّوْجَةِ إِلَى زَوْجِهَا وَإِعَادَتُهَا إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا.
قَالَ: (الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ) وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَ الْحُرَّةَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] وَالْبَعْلُ هُنَا الزَّوْجُ، وَلَا زَوْجَ إِلَّا بِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَقِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ يُوجِبُ حَلَّ الْوَطْءِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لِلزَّوْجِ حَقَّ الرَّدِّ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَمْلِكُ رَدَّ الْمَنْكُوحَةِ إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَا يَكُونُ النِّكَاحُ زَائِدًا مَا دَامَتِ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً فَيَحِلُّ الْوَطْءُ.
قَالَ: (وَلِلزَّوْجِ مُرَاجَعَتُهَا فِي الْعِدَّةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا) لِمَا تَلَوْنَا وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] أَيْ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ قَبْلَهُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] وَالْمُرَادُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ، ثُمَّ قَالَ: {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعُمَرَ: «مُرِ ابْنَكَ فَلْيُرَاجِعْهَا» .
قَالَ: (وَتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ: رَاجَعْتُكِ، وَرَجَعْتُكِ، وَرَدَدْتُكِ، وَأَمْسَكْتُكِ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ.
قَالَ: (وَبِكُلِّ فِعْلٍ تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] ، وَالْإِمْسَاكُ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنْهُ بِالْقَوْلِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ وَاسْتِبْقَاؤُهُ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَتِ الرَّجْعَةُ بِابْتِدَاءِ نِكَاحٍ عَلَى مَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَلَا يَجِبُ فِيهَا مَهْرٌ وَلَا عِوَضٌ، لِأَنَّ الْعِوَضَ إِنَّمَا يَجِبُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِ الْبُضْعِ، وَالْبُضْعُ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ كَانَ نِكَاحًا مُبْتَدَأً لَوَجَبَ، وَالْخَلْوَةُ لَيْسَتْ بِرَجْعَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى الرَّجْعَةِ لَا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا.
وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِالشَّرْطِ لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ فَلَا يَصِحُّ بِالتَّعْلِيقِ كَإِسْقَاطِ الْخِيَارِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْتِ أَوْ أَنْتِ امْرَأَتِي
(3/147)

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ، فَإِنْ قَالَ لَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ: كُنْتُ رَاجَعْتُكِ فِي الْعِدَّةِ فَصَدَّقَتْهُ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ لَمْ تَصِحَّ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا (سم) وَإِنْ قَالَ لَهَا: رَاجَعْتُكِ، فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ: انْقَضَتْ عِدَّتِي فَلَا رَجْعَةَ (سم) ، وَإِذَا قَالَ زَوْجُ الْأَمَةِ: رَاجَعْتُهَا فِي الْعِدَّةِ وَصَدَّقَهُ الْمَوْلَى (سم) ، وَكَذَّبَتْهُ الْأَمَةُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَلَا رَجْعَةَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَنَوَى الرَّجْعَةَ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلِمَهَا بِالرَّجْعَةِ لِتَتَخَلَّصَ مِنْ قَيْدِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهَا جَازَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَدَّةِ الْخُرُوجُ مِنْ مَنْزِلِهَا، فَإِذَا رَاجَعَهَا لَمْ تَبْقَ مُعْتَدَّةً فَيَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: 1] .
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ) لِأَنَّ النُّصُوصَ الدَّالَّةَ عَلَى الرَّجْعَةِ خَالِيَةٌ عَنْ قَيْدِ الشَّهَادَةِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَالَةَ الِاسْتِدَامَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَحْبَبْنَاهُ تَحَرُّزًا عَنِ التَّجَاحُدِ، وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْله تَعَالَى عَقِيبَ ذِكْرِ الرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] ، وَهَكَذَا هُوَ مَحْمُولٌ فِي الطَّلَاقِ أَيْضًا تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِ الرَّجْعَةِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ الْخَالِيَةِ عَنْ قَيْدِ الْإِشْهَادِ.
(فَإِنْ قَالَ لَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ: كُنْتُ رَاجَعْتُكِ فِي الْعِدَّةِ فَصَدَّقَتْهُ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ لَمْ تَصِحَّ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ كَذَّبَتْهُ فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِذَا صَدَّقَتْهُ ارْتَفَعَتِ التُّهْمَةُ، (وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي الدَّعْوَى بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: رَاجَعْتُكِ، فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ: انْقَضَتْ عِدَّتِي فَلَا رَجْعَةَ) ، وَقَالَا: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا، فَلَمَّا قَالَ: رَاجَعْتُكِ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ، فَقَالَتْ قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَقَعَ الطَّلَاقُ فَصَارَ كَمَا إِذَا سَكَتَتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَمَّا أَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَالظَّاهِرُ تَقَدُّمُ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، وَأَقْرَبُ أَوْقَاتِ الْمَاضِي وَقْتُ قَوْلِهِ، وَمَسْأَلَةُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ، وَلَئِنْ سَلَمَتْ فَنَقُولُ: الطَّلَاقُ يَقَعُ بِنَاءً عَلَى إِقْرَارِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حُكِمَ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَكَتَتْ سَاعَةً لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الرَّجْعَةَ بِسُكُوتِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ زَوْجُ الْأَمَةِ: رَاجَعْتُهَا فِي الْعِدَّةِ وَصَدَّقَهُ الْمَوْلَى وَكَذَّبَتْهُ الْأَمَةُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَلَا رَجْعَةَ) ، وَقَالَا: إِذَا صَدَّقَهُ الْمَوْلَى صَحَّتِ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي الْعِدَّةِ وَالرَّجْعَةُ تَنْبَنِي عَلَيْهَا، وَأَمَّا إِذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى وَصَدَّقَتْهُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، وَالْفَرْقُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْعِدَّةَ مُنْقَضِيَةٌ فِي الْحَالِ وَصَارَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ لِلْمَوْلَى
(3/148)

وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ أَوْ تَتَيَمَّمَ وَتُصَلِّيَ (م ز) ، وَفِي الْكِتَابِيَّةِ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَإِنِ اغْتَسَلَتْ وَنَسِيَتْ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ، وَإِنْ كَانَ عُضْوًا لَمْ تَنْقَطِعْ، وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ وَقَالَ: لَمْ أُجَامِعْهَا فَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَلَا تَمْلِكُ إِبْطَالَهُ.
قَالَ: (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ) لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، (وَإِنِ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ أَوْ تَتَيَمَّمَ وَتُصَلِّيَ) لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الدَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهَا فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ وَذَلِكَ بِالْغُسْلِ، أَوْ بِمُضِيِّ وَقْتِ صَلَاةٍ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُخَاطَبَةً بِهَا، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ، وَكَذَا إِذَا تَيَمَّمَتْ وَصَلَّتْ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَنْقَطِعَ بِمُجَرَّدِ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ كَالْغُسْلِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا اعْتُبِرَ طَهَارَةً ضَرُورَةً كَيْلَا تَتَضَاعَفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتُ، أَمَّا إِنَّهُ مُطَهِّرٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا بَلْ هُوَ مُلَوِّثٌ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَتَحَقَّقُ إِذَا أَرَادَتِ الصَّلَاةَ لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا كَذَلِكَ الْغُسْلُ، وَلَوْ تَيَمَّمَتْ وَقَرَأَتِ الْقُرْآنَ أَوْ مَسَّتِ الْمُصْحَفَ أَوْ دَخَلَتِ الْمَسْجِدَ. قَالَ: الْكَرْخِيُّ: انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ. وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيِّ: لَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَلَوِ اغْتَسَلَتْ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ انْقَطَعَتْ، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ.
(وَفِي الْكِتَابِيَّةِ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ الدَّمِ) لِأَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا فَصَارَتْ كَالْمُسْلِمَةِ إِذَا اغْتَسَلَتْ.
(فَإِنِ اغْتَسَلَتْ وَنَسِيَتْ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ) لِأَنَّهُ قَلِيلٌ يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْجَفَافُ فَلَمْ نَتَيَقَّنْ بِعَدَمِ غَسْلِهِ، فَقُلْنَا بِانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ وَعَدَمِ حِلِّ التَّزَوُّجِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، (وَإِنْ كَانَ عُضْوًا لَمْ تَنْقَطِعْ) لِأَنَّهُ كَثِيرٌ لَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْجَفَافُ فَافْتَرَقَا، وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ كَالْعُضْوِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْحَدَثَ بَاقٍ فِي عُضْوٍ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي فَرْضِيَّتِهِمَا فَيَنْقَطِعُ حَقُّ الرَّجْعَةِ، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ احْتِيَاطًا.
قَالَ: (وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ، وَقَالَ: لَمْ أُجَامِعْهَا فَلَهُ الرَّجْعَةُ) ، وَكَذَا إِذَا وَلَدَتْ مِنْهُ لِأَنَّ الْحَبَلَ وَالْوِلَادَةَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ حَبَلُهَا مِنْهُ يُجْعَلُ مِنْهُ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، وَإِذَا كَانَ مِنْهُ كَانَ وَاطِئًا، وَالطَّلَاقُ بَعْدَ الْوَطْءِ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ.
(وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ) لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ عَقِيبَ الطَّلَاقِ فِي مِلْكٍ مُتَأَكَّدٍ بِالْوَطْءِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِعَدَمِ الْوَطْءِ فَيَثْبُتُ فِيمَا لَهُ وَالرَّجْعَةُ حَقُّهُ، بِخِلَافِ الْمَهْرِ
(3/149)

وَإِذَا قَالَ لَهَا: إِذَا وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ مِنْ بَطْنٍ أُخْرَى فَهِيَ رَجْعَةٌ، وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشَوَّفُ وَتَتَزَيَّنُ وَيُسْتَحَبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَى يُؤْذِنَهَا، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُطَلَّقَتَهُ الْمُبَانَةَ بِدُونِ الثَّلَاثِ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا، وَالْمُبَانَةُ بِالثَّلَاثِ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا، وَيَدْخُلُ بِهَا ثُمَّ تَبِينُ مِنْهُ، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَا بِوَطْءِ الْمَوْلَى. وَالشَّرْطُ هُوَ الْإِيلَاجُ دُونَ الْإِنْزَالِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِنَاءٌ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُبْدَلِ لَا عَلَى قَبْضِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: إِذَا وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ مِنْ بَطْنٍ أُخْرَى فَهِيَ رَجْعَةٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ، وَالْوَلَدُ الْآخَرُ يَكُونُ مِنْ عُلُوقٍ آخَرَ فِي الْعِدَّةِ حَمْلًا لِحَالِهِمَا عَلَى الصَّلَاحِ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْوَطْءِ لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
قَالَ: (وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشَوَّفُ وَتَتَزَيَّنُ) لِقِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالرَّجْعَةُ مُسْتَحَبَّةُ وَالزِّينَةُ حَامِلَةٌ عَلَيْهَا فَتَجُوزُ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا) إِذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الرَّجْعَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَيْهَا وَهِيَ مُتَجَرِّدَةٌ فَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَطُولُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُطَلَّقَتَهُ الْمُبَانَةَ بِدُونِ الثَّلَاثِ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا) لِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ بَاقٍ إِذْ زَوَالُهُ بِالثَّالِثَةِ وَلَمْ تُوجَدْ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ فِي الْعِدَّةِ تَحَرُّزًا عَنِ اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ.
(وَالْمُبَانَةُ بِالثَّلَاثِ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا وَيَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ تَبِينَ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] يَعْنِي الثَّالِثَةَ، {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] ، وَالنِّكَاحُ الْمُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إِلَى الصَّحِيحِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ بِهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: {حَتَّى تَنْكِحَ} [البقرة: 230] يَقْتَضِي الدُّخُولَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النِّكَاحَ الشَّرْعِيَّ هُوَ الْوَطْءُ، وَلِقَوْلِهِ (زَوْجًا) وَنِكَاحُ الزَّوْجِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْوَطْءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ الْقُرَظِيِّ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهَا رِفَاعَةَ بْنِ وَهْبٍ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» . وَسَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إِحْرَامٍ لِحُصُولِ الدُّخُولِ.
(وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَا بِوَطْءِ الْمَوْلَى) لِأَنَّ الشَّرْطَ نِكَاحُ زَوْجٍ غَيْرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ، (وَالشَّرْطُ هُوَ الْإِيلَاجُ دُونَ الْإِنْزَالِ) لِحُصُولِ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ
(3/150)

وَأَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّلُ يُجَامِعُ مِثْلُهُ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ كَرِهَ (س) وَحَلَّتْ لِلْأَوَّلِ (سم) ، وَالزَّوْجُ الثَّانِي يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ (م ز) ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَحَلَّلْتُ وَانْقَضَتْ عِدَّتِي وَالْمُدَّةُ تَحْتَمِلُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.

بَابُ الْإِيلَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَى غَالِبِ الْحَالِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ فِي الْجِمَاعِ الْإِنْزَالُ أَوْ نَقُولُ الْكِتَابُ عَرِيَ عَنْ ذِكْرِ الْإِنْزَالِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَأَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّلُ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) سَوَاءٌ كَانَ مُرَاهِقًا أَوْ بَالِغًا لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْإِيلَاجُ، وَلَا يَجُوزُ صَغِيرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِيلَاجِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ الْمُرَادِ مِنَ النِّكَاحِ.
قَالَ: (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ كُرِهَ وَحَلَّتْ لِلْأَوَّلِ) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ كَالْمُؤَقَّتِ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ لِفَسَادِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ جَائِزٌ لِشُرُوطِ الْجَوَازِ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ عَجَّلَ مَا أَخَّرَهُ الشَّرْعُ فَيُعَاقَبُ بِالْمَنْعِ كَقَتْلِ الْمُوَرِّثِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» ، وَمُرَادُهُ النِّكَاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ فَيُكْرَهُ لِلْحَدِيثِ، وَتَحِلُّ لِلثَّانِي لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَمَّاهُ مُحَلِّلًا وَهُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ، أَوْ نَقُولُ وُجِدَ الدُّخُولُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ فَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِقَصْدِ التَّحْلِيلِ وَلَمْ يَشْرُطْهُ حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالطَّلْقَتَانِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي الْحُرَّةِ لِمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَالزَّوْجُ الثَّانِي يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ) ، وَصُورَتُهُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ عَادَتْ إِلَيْهِ بِثَلَاثِ طَلْقَاتٍ، وَهَدَمَ الزَّوْجُ الثَّانِي الطَّلْقَةَ وَالطَّلْقَتَيْنِ كَمَا هَدَمَ الثَّلَاثَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: تَعُودُ إِلَى الْأَوَّلِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّلَاثِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ إِنَّمَا يُثْبِتُ الْحِلَّ إِذَا انْتَهَى، وَالْحِلُّ لَمْ يَنْتَهِ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِالْعَقْدِ قَبْلَهُ فَلَا يَكُونُ مُثْبِتًا لَهُ. وَلَنَا أَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ ثَانٍ فَرَفَعَ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالطَّلَاقِ كَمَا فِي الثَّلَاثِ.
قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَحَلَّلْتُ وَانْقَضَتْ عِدَّتِي وَالْمُدَّةُ تَحْتَمِلُهُ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ أَمْرًا دِينِيًّا فَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِ مَقْبُولٌ كَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْقِبْلَةِ وَطَهَارَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُعَامَلَةً فَقَوْلُ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[بَابُ الْإِيلَاءِ]
ِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مُطْلَقُ الْيَمِينِ، قَالَ:
قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلْيَةُ بَرَّتْ
(3/151)

إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ لَا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ قَرَبَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَنِثَ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَبَطَلَ الْإِيلَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَفِي الشَّرْعِ: الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الْمَنْكُوحَةِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً، وَقِيلَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُكْسِبِ لِلطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَالِاسْمُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ.
وَأَلْفَاظُهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ مِثْلُ قَوْلِهِ: لَا أَقْرَبُكِ، لَا أُجَامِعُكِ، لَا أَطَؤُكِ، لَا أَغْتَسِلُ مِنْكِ مِنْ جَنَابَةٍ، لَا أَفْتَضُّكِ، إِنْ كَانَتْ بِكْرًا.
وَالْكِنَايَةُ: لَا أَمَسُّكِ، لَا آتِيكِ، لَا أَدْخُلُ بِكِ، لَا أَغْشَاكِ، لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأْسَكِ شَيْءٌ، لَا أَبِيتُ مَعَكِ عَلَى فِرَاشٍ، لَا أُضَاجِعُكِ، لَا أَقْرَبُ فِرَاشَكِ. وَنَحْوَهُ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَمَسُّ جِلْدِي جِلْدَكِ. لَا يَكُونُ مُولِيًا لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا بِغَيْرِ مُمَاسَّةٍ بِأَنْ يَلُفَّ عَلَى ذَكَرِهِ حَرِيرَةً وَلِأَنَّهُ يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَالْمُولِي مَنْ يَقِفُ حِنْثُهُ عَلَى الْجِمَاعِ خَاصَّةً. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُولِيَ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُ امْرَأَتِهِ إِلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ إِنَّمَا تَنْتَهِي بِالْحِنْثِ، وَالْحِنْثُ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ أَوْ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَلَا يَكُونُ الْإِيلَاءُ إِلَّا بِالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ فَيَتَحَقَّقُ الظُّلْمُ.
قَالَ: (إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ لَا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ) ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] الْآيَةَ، فَتَكُونُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ فَائِدَةٌ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ قَرَبْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ يَقُولُ: فَلِلَّهِ عَلِيَّ صَوْمُ كَذَا، أَوْ يَجْعَلُ الْجَزَاءَ صَدَقَةً، أَوْ عِتْقَ عَبْدٍ، أَوْ طَلَاقَهَا أَوْ طَلَاقَ غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ مَوْجُودَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْطٌ وَجَزَاءٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْحَمْلُ أَوِ الْمَنْعُ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُوجِبُ ذَلِكَ لِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا إِلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَإِذَا وُجِدَتِ الْيَمِينُ فَقَدْ وُجِدَ الْإِيلَاءُ فَدَخَلَ تَحْتَ النَّصِّ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَرَبْتُكِ فَعَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَغْزُوَ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ مُولٍ لِأَنَّهُ يَصِحُّ إِيجَابُهَا بِالنَّذْرِ كَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ فِي حُكْمِ الْيَمِينِ حَتَّى لَا يَحْلِفَ بِهَا عَادَةً فَصَارَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ.
(فَإِنْ قَرَبَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَنِثَ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ، (وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّ الْحِنْثَ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ، (وَبَطَلَ الْإِيلَاءُ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْيَمِينَ تَنْحَلُّ بِالْحِنْثِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ) ، هَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَتَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ} [البقرة: 227] أَيْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ بِالْإِيلَاءِ
(3/152)

فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَدِ انْحَلَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّدَةً فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا عَادَ الْإِيلَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الَذِي بَيَّنَّا، فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ حَنِثَ وَإِلَّا وَقَعَتْ أُخْرَى، فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا فَكَذَلِكَ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ فَلَا إِيلَاءَ، فَإِنْ وَطِئَ كَفَّرَ لِلْحِنْثِ، وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فِي الْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَمُدَّةُ إِيلَاءِ الْأَمَةِ شَهْرَانِ، وَإِنْ آلَى مِنَ الْمُطَلَّقَةِ الرَجْعِيَّةِ فَهُوَ مُولٍ، وَمِنَ الْبَائِنَةِ لَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
السَّابِقِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: عَزْمُ الطَّلَاقِ انْقِضَاءُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ. وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ - أَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ} [البقرة: 226] ثُمَّ قَالَ: {فَإِنْ فَاءُوا} [البقرة: 226] ، {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ} [البقرة: 227] وَهَذه الْفَاءُ لِلتَّقْسِيمِ، فَأَحَدُ الْقِسْمَيْنِ يَكُونُ فِي الْمُدَّةِ وَهُوَ الْفَيْءُ، وَالْآخَرُ بَعْدَهَا وَهُوَ الطَّلَاقُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [البقرة: 231] ، ثُمَّ قَالَ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ} [البقرة: 231] لَمَّا ذَكَرَ الْمُدَّةَ وَجَاءَ بِالْفَاءِ كَانَ لِلتَّقْسِيمِ، وَكَانَ الْإِمْسَاكُ وَهُوَ الرَّجْعَةُ، فِي الْمُدَّةِ وَالتَّسْرِيحُ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ بَعْدَهَا فَكَذَلِكَ هُنَا.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَدِ انْحَلَّتْ) لِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (وَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّدَةً، فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا عَادَ الْإِيلَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا) لِبَقَاءِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْتَهِي إِلَّا بِالْحِنْثِ أَوْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ آخَرُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مُضَافَةٌ إِلَى الْبَيْنُونَةِ لَا إِلَى الْإِيلَاءِ، فَلَمْ يُوجَدِ الْمَنْعُ بِالْيَمِينِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ارْتَفَعَتِ الْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ بِالْبَيْنُونَةِ، وَبَقِيَتْ حُرْمَةُ الْإِيلَاءِ، فَوُجِدَ مَنْعُ الْحَقِّ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ.
(فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ حَنِثَ وَإِلَّا وَقَعَتْ أُخْرَى) لِمَا بَيَّنَّا (فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا فَكَذَلِكَ) لِمَا مَرَّ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آَخَرَ فَلَا إِيلَاءَ) مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِانْتِهَاءِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنَ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ لِعَدَمِ الْحِنْثِ (فَإِنْ وَطِئَ كَفَّرَ لِلْحِنْثِ) .
قَالَ: (وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فِي الْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فَلَوْ آلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لَا إِيلَاءَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلِمَا مَرَّ (وَمُدَّةُ إِيلَاءِ الْأَمَةِ شَهْرَانِ) لِمَا عُرِفَ أَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ، وَأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْبَيْنُونَةِ فَتَتَنَصَّفُ كَالْعِدَّةِ، وَالْآيَةُ تَنَاوَلَتِ الْحَرَائِرَ دُونَ الْإِمَاءِ، لِأَنَّ اسْمَ النِّسَاءِ وَالزَّوْجَاتِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَزْوَاجِ فِي الْإِمَاءِ نَاقِصٌ، لِأَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَلَا يُبَوِّئَهَا بَيْتَ الزَّوْجِ، وَالِاسْمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ، فَإِنْ أعتقت فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ تَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كَمَا فِي الْعِدَّةِ.
قَالَ: (وَإِنْ آلَى مِنَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ فَهُوَ مُولٍ، وَمِنَ الْبَائِنَةِ لَا) لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ
(3/153)

وَإِنْ قَالَ: لَا أَقْرَبُكِ شَهْرَيْنِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ فَهُوَ مُولٍ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَقْرَبُكِ سَنَةً إِلَّا يَوْمًا فَلَيْسَ بِمُولٍ (ز) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَحِلِّ الْوَطْءِ فِي الْأُولَى عَلَى مَا بَيَّنَّا دُونَ الثَّانِيَةِ، فَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ نِسَائِهِمْ دُونَ الثَّانِيَةِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ، أَوْ زَوْجَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً لَا يَصِيرُ مُولِيًا مَا لَمْ يَقْرَبِ الْأَجْنَبِيَّةَ أَوْ أَمَتَهُ، فَإِذَا قَرَبَهَا صَارَ مُولِيًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا بِالْكَفَّارَةِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُمَا: لَا أَقْرَبُ إِحْدَاكُمَا لَا يَكُونُ مُولِيًا كَمَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَإِنْ قَرَبَ إِحْدَاهُمَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ لِلْحِنْثِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُمَا: لَا أَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْكُمَا كَانَ مُولِيًا مِنِ امْرَأَتِهِ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي النَّفْيِ تَعُمُّ، وَلَوْ قَرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ امْرَأَةِ فُلَانٍ، وَقَدْ كَانَ فُلَانٌ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ، فَإِنْ نَوَى الْإِيلَاءَ كَانَ مُولِيًا وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَنَوَى الْيَمِينَ يَكُونُ مُولِيًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَةِ، وَلَوْ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُكِ فِي إِيلَاءِ هَذِهِ، لَا يَصِيرُ مُولِيًا، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ، لِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَكَا فِي الْإِيلَاءِ يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ وَهُوَ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِقُرْبَانِ الْأُولَى وَحْدَهَا، وَإِذَا صَحَّ الِاشْتِرَاكُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ مَا لَمْ يَقْرَبْهُمَا، وَلَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُ الْيَمِينِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا، وَلَا كَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ.
وَعَنِ الْكَرْخِيِّ: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا كَانَ مُولِيًا مِنْهُمَا، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الشَّرِكَةِ هُنَا لَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ الْيَمِينِ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحُرْمَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ كَانَ مُولِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، وَيُلْزِمُهُ بِوَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةً، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا لِأَنَّهُ إِيلَاءٌ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الِاسْمِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِقُرْبَانِهِمَا، وَإِذَا آلَى الْعَبْدُ مِنِ امْرَأَتِهِ فَمَلَكَتْهُ لَا يَبْقَى الْإِيلَاءُ، فَلَوْ بَاعَتْهُ أَوْ أَعْتَقَتْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَادَ الْإِيلَاءُ كَمَا إِذَا حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ إِنْ وَطِئَهَا فَبَاعَهُ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ عَادَ الْإِيلَاءُ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَرَبْتُكِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ حُرٌّ فَهُوَ مُولٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَكُونُ مُولِيًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُلْزِمُهُ بِأَنْ يَقْرَبَهَا وَلَا يَتَمَلَّكُ مَمْلُوكًا أَصْلًا. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ جَمِيعِ أَسْبَابِ التَّمْلِيكَاتِ كَالْإِرْثِ، إِذْ فِي الِامْتِنَاعِ عَنِ الْجَمِيعِ مَشَقَّةٌ وَمَضَرَّةٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَعَلَى هَذَا إِذَا عَلَّقَ وَطْأَهَا بِعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى وَطْئِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ يُلْزِمُهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَطَأَهَا. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْحِنْثِ غَالِبًا أَوْ بِالْبَيْعِ وَأَنَّهُ مَشَقَّةٌ أَيْضًا.
(وَإِنْ قَالَ: لَا أَقْرَبُكِ شَهْرَيْنِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ فَهُوَ مُولٍ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بِحِرَفِ الْجَمْعِ كَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلَوْ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَا يَكُونُ مُولِيًا، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ حِينَ حَلَفَ فَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَقْتٌ لَيْسَ مُولِيًا فِيهِ فَلَمْ تُوجَدْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: لَا أَقْرَبُكِ سَنَةً إِلَّا يَوْمًا فَلَيْسَ بِمُولٍ)
(3/154)

وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ، أَوْ هُوَ مَجْبُوبٌ، أَوْ هِيَ رَتْقَاءُ أَوْ صَغِيرَةٌ، أَوْ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ مَحْبُوسًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، فَقَالَ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ: فِئْتُ إِلَيْهَا. سَقَطَ الْإِيلَاءُ إِنِ اسْتَمَرَّ الْعُذْرُ مِنْ وَقْتِ الْحَلِفِ إِلَى آَخِرِ الْمُدَّةِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ لَزِمَهُ الْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
خِلَافًا لِزُفَرَ، وَهُوَ يَصْرِفُ الْيَوْمَ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ، كَالْإِجَارَةِ فَصَارَ كَمَا إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُهُ قُرْبَانُهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُلْزِمُهُ وَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ يَوْمٌ مُنَكَّرٌ، لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَيَّ يَوْمٍ شَاءَ، فَإِنْ قَرَبَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنَ السَّنَةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ صَارَ مُولِيًا لِسُقُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ تَصْحِيحًا لَهَا لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ التَّنْكِيرِ.

[فصل الْفَيْءُ أَوْ سُقُوطُ الْإِيلَاءِ]
فَصْلٌ (وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ، أَوْ هُوَ مَجْبُوبٌ، أَوْ هِيَ رَتْقَاءُ، أَوْ صَغِيرَةٌ، أَوْ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ مَحْبُوسًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، فَقَالَ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ: فِئْتُ إِلَيْهَا سَقَطَ الْإِيلَاءُ إِنِ اسْتَمَرَّ الْعُذْرُ مِنْ وَقْتِ الْحَلِفِ إِلَى آخِرِ الْمُدَّةِ) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
اعْلَمْ أَنَّ الْفَيْءَ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّجُوعِ، يُقَالُ: فَاءَ الظِّلُّ: إِذَا رَجَعَ، وَلَمَّا قَصَدَ الْمُولِي بِالْيَمِينِ مَنْعَ حَقِّهَا مِنَ الْوَطْءِ سُمِّيَ الرُّجُوعُ عَنْهُ فَيْئًا، قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ فَاءُوا} [البقرة: 226] أَيْ رَجَعُوا عَنْ قَصْدِهِمْ، وَالْفَيْءُ نَوْعَانِ بِالْجِمَاعِ وَالْقَوْلِ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَالْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ يُبْطِلُ الْإِيلَاءَ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ وَالْحِنْثِ جَمِيعًا، وَالْفَيْءُ بِاللِّسَانِ بَدَلٌ عَنِ الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ فِي إِبْطَالِ الطَّلَاقِ دُونَ الْحِنْثِ، حَتَّى لَوْ قَرَبَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ.
وَالْبَدَلُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْعَجْزِ عَنِ الْأَصْلِ فَيُعْتَبَرُ لِعَجْزٍ عَنِ الْجِمَاعِ مُسْتَدَامًا مِنْ وَقْتِ الْإِيلَاجِ إِلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ، حَتَّى لَوْ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ فَفَيْؤُهُ الْجِمَاعُ لَا غَيْرُ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَالتَّقْصِيرُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ عَاجِزًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وَصِفَةُ الْفَيْءِ أَنْ يَقُولَ: فِئْتُ إِلَيْكِ أَوْ رَجَعْتُ إِلَيْكِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقُولُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ فِئْتُ إِلَى امْرَأَتِي وَأَبْطَلْتُ إِيلَاءَهَا، وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ احْتِيَاطًا احْتِرَازًا عَنِ التَّجَاحُدِ لَا شَرْطًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ أَوْحَشَهَا بِالْكَلَامِ بِذِكْرِ الْمَنْعِ فَيُرْضِيهَا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ حَقِيقَةً بِالْوَطْءِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ يُرْضِيهَا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَعْدُ بِاللِّسَانِ فَيَرْتَفِعُ الظُّلْمُ.
(فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ لَزِمَهُ الْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ) لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْحَلِفِ، وَلَوْ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِلَّا أَنَّهُ يَمْنَعُهُ
(3/155)

وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ أَرَادَ الْكَذِبَ صُدِّقَ، وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ، وَإِنْ أَرَادَ الظِّهَارَ فَظِهَارٌ (م) ، وَإِنْ أَرَادَ التَحْرِيمَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فَهُوَ إِيلَاءٌ.

بَابُ الْخَلْعِ
وَهُوَ أَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِمَالٍ لِيَخْلَعَهَا بِهِ، فَإِذَا فَعَلَا لَزِمَهَا الْمَالُ وَوَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
السُّلْطَانُ أَوِ الْعَدُوُّ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْرِمًا وَاسْتَمَرَّ الْإِحْرَامُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَا يَصِحُّ فَيْؤُهُ إِلَّا بِالْجِمَاعِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ زُفَرُ فِي الْإِحْرَامِ: فَيْؤُهُ الْقَوْلُ، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ فَكَانَ عُذْرًا. قُلْنَا: الْحُرْمَةُ حَقُّ الشَّرْعِ، وَالْوَطْءُ حَقُّهَا، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنْ أَرَادَ الْكَذِبَ صُدِّقَ) لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ، وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ يَمِينٌ ظَاهِرًا (وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّهُ مِنَ الْكِنَايَاتِ، (وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ) وَقَدْ مَرَّ، (وَإِنْ أَرَادَ الظِّهَارَ فَظِهَارٌ) لِأَنَّ فِي الظِّهَارِ نَوْعُ حُرْمَةٍ وَقَدْ نَوَاهُ بِالْمُطْلَقِ فَيُصَدَّقُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ ظِهَارًا لِعَدَمِ التَّشْبِيهِ بِالْمُحَرَّمَةِ (وَإِنْ أَرَادَ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فَهُوَ إِيلَاءٌ) لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَمَوْضِعُهُ كِتَابُ الْأَيْمَانِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا صَرَفُوا لَفْظَةَ التَّحْرِيمِ إِلَى الطَّلَاقِ حَتَّى قَالُوا: يَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَأَلْحَقُوهُ بِالصَّرِيحِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ وَالْعُرْفِ.

[بَابُ الْخَلْعِ]
ِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَلْعُ وَالْإِزَالَةُ، قَالَ تَعَالَى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] ، وَمِنْهُ خَلْعُ الْقَمِيصِ: إِذَا أَزَالَهُ عَنْهُ، وَخَلَعَ الْخِلَافَةَ: إِذَا تَرَكَهَا وَأَزَالَ عَنْهُ كُلَفَهَا وَأَحْكَامَهَا.
وَفِي الشَّرْعِ: إِزَالَةُ الزَّوْجِيَّةِ بِمَا تُعْطِيهِ مِنَ الْمَالِ، وَهُوَ فِي إِزَالَةِ الزَّوْجِيَّةِ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَإِزَالَةِ غَيْرِهَا بِفَتْحِهَا، كَمَا اخْتُصَّ إِزَالَةُ قَيْدِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْإِطْلَاقِ.
قَالَ: (وَهُوَ أَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِمَالٍ لِيَخْلَعَهَا بِهِ، فَإِذَا فَعَلَا لَزِمَهَا الْمَالُ وَوَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ) وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] ، وَإِنَّمَا تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ» وَلِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فَيَقَعُ بِهِ بَائِنًا لِمَا مَرَّ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، إِمَّا لِدَلَالَةِ الْحَالِ، أَوْ لِأَنَّهَا مَا رَضِيَتْ بِبَذْلِ الْمَالِ إِلَّا لِتَمْلِكَ نَفْسَهَا وَتَخْرُجَ مِنْ نِكَاحِهِ، وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَالْخُلْعُ مِنْ جَانِبِهِ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِقَبُولِهَا فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهَا، وَلَا يَبْطُلُ بِقِيَامِهِ مِنَ الْمَجْلِسِ
(3/156)

وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إِنْ كَانَ هُوَ النَّاشِزَ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ النَّاشِزَةَ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا حَلَّ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَيَلْزَمُهَا الْمَالُ بِالْتِزَامِهَا، وَمَا صَلُحَ مَهْرًا صَلُحَ بَدَلًا فِي الْخُلْعِ، فَإِذَا بَطَلَ الْبَدَلُ فِي الْخُلْعِ كَانَ بَائِنًا وَفِي الطَّلَاقِ يَكُونُ رَجْعِيًّا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَيَصِحُّ مَعَ غِيبَتِهَا، فَإِذَا بَلَغَهَا كَانَ لَهَا خِيَارُ الْقَبُولِ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا.
وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى الْوَقْتِ كَقَوْلِهِ: إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إِذَا جَاءَ فُلَانٌ فَقَدْ خَالَعْتُكِ عَلَى أَلْفٍ، يَصِحُّ، وَالْقَبُولُ إِلَيْهَا إِذَا قَدُمَ فُلَانٌ أَوْ جَاءَ غَدًا، وَالْخُلْعُ مِنْ جَانِبِهَا تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ فَيَصِحُّ رُجُوعُهَا قَبْلَ قَبُولِهِ وَيَبْطُلُ بِقِيَامِهَا مِنَ الْمَجْلِسِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ حَالَ غَيْبَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيقُ مِنْهَا بِشَرْطٍ وَلَا الْإِضَافَةُ إِلَى وَقْتٍ، وَلَوْ خَالَعَهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ، وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّهَا بِالْخِيَارِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَيَمِينٌ وَلَا خِيَارَ فِيهِمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْخِيَارُ لَهَا صَحِيحٌ، فَإِنْ رَدَّتْهُ فِي الثَّلَاثِ بَطَلَ الْخُلْعُ، لِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ مِنْ جَانِبِهِ تَمْلِيكٌ مِنْ جَانِبِهَا فَيَجُوزُ الْخِيَارُ لَهَا دُونَهُ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إِنْ كَانَ هُوَ النَّاشِزَ) قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ عَمَلًا بِالنَّصِّ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ هِيَ نَهْيُ تَوْبِيخٍ لَا تَحْرِيمٍ، (وَإِنْ كَانَتْ هِيَ النَّاشِزَةَ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وَقِيلَ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَنَا وَلَا هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى ثَابِتٍ، فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُهَا حَدِيقَةً، فَقَالَ لَهَا: " أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَتَمْلِكِينَ أَمْرَكِ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةٌ، قَالَ: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يَا ثَابِتُ خُذْ مِنْهَا مَا أَعْطَيْتَهَا وَلَا تَزْدَدْ وَخَلِّ سَبِيلَهَا. فَفَعَلَ وَأَخَذَ الْحَدِيقَةَ، فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229] إِلَى قَوْلِهِ: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] » .
(وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا حَلَّ لَهُ) بِمُطْلَقِ الْآيَةِ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) لِمَا قُلْنَا، (وَيَلْزَمُهَا الْمَالُ بِالْتِزَامِهَا) وَلِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِالطَّلَاقِ إِلَّا لِيُسَلَّمَ لَهُ الْمَالُ الْمُسَمَّى، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَيَلْزَمُهَا.
قَالَ: (وَمَا صَلُحَ مَهْرًا صَلُحَ بَدَلًا فِي الْخُلْعِ) لِأَنَّ الْبُضْعَ حَالَ الدُّخُولِ مُتَقَوِّمٌ دُونَ حَالِ الْخُرُوجِ، فَإِذَا صَلُحَ بَدَلًا لِلْمُتَقَوِّمِ فَلِأَنْ يَصْلُحَ لِغَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ أَوْلَى.
قَالَ: (فَإِذَا بَطَلَ الْبَدَلُ فِي الْخُلْعِ كَانَ بَائِنًا، وَفِي الطَّلَاقِ يَكُونُ رَجْعِيًّا) وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهِ، أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِقَبُولِهَا وَقَدْ وُجِدَ، وَأَمَّا الْبَيْنُونَةُ فِي الْخُلْعِ فَلِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَالرَّجْعِيُّ فِي الطَّلَاقِ
(3/157)

وَإِنْ قَالَتْ: خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي وَلَيْسَ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَلَوْ قَالَتْ: عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ مَالٍ، أَوْ عَلَى مَا فِي بَيْتِي مِنْ مَتَاعٍ وَلَا شَيْءَ فِي يَدِهَا وَلَا مَتَاعَ فِي بَيْتِهَا رَدَّتْ عَلَيْهِ مَهْرَهَا، وَلَوْ خَلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى مَا لَهَا لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ، وَفِي الْكَبِيرَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا، وَلَوْ ضَمِنَ الْمَالَ لَزِمَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ صَرِيحٌ وَلَا يَجِبُ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا شَيْءٌ، لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَهِيَ مَا سَمَّتْ لَهُ مَالًا فَيَغْتَرُّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْمُسَمَّى لِلْإِسْلَامِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ حَالَةَ الدُّخُولِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسَمَّى شَرْعًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا خَالَعَهَا عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنَ الْخَلِّ فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ لِأَنَّهَا سَمَّتْ لَهُ مَالًا فَاغْتَرَّ بِهِ، وَبِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ عَلَى خَمْرٍ حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُتَقَوِّمٌ وَمَا رَضِيَ بِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا كَذَلِكَ الْبُضْعُ حَالَةَ الْخُرُوجِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ رَجَعَ بِالْمَهْرِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا.
وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ وَلَمْ يُسَمِّ جِنْسَهُ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ فَلَهُ الْمَهْرُ، وَفِي الْعَبْدِ الْوَسَطُ كَمَا فِي الْمَهْرِ، وَكَذَا عَلَى ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ فَطَلَعَ مَرَوِيًّا يَرْجِعُ بِهَرَوِيٍّ وَسَطٍ، وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ فَإِذَا هِيَ سَتُّوقَةٌ رَجَعَ بِالْجِيَادِ، وَلَا يُرَدُّ بَدَلُ الْخُلْعِ إِلَّا بِعَيْبٍ فَاحِشٍ كَمَا فِي الْمَهْرِ، وَلَوْ خَلَعَهَا بِغَيْرِ مَالٍ وَقَالَ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ صُدِّقَ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَلَا يُصَدَّقُ إِذَا كَانَ عَلَى مَالٍ، لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْبَيْنُونَةِ.
(وَإِنْ قَالَتْ: خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي وَلَيْسَ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) وَكَذَا لَوْ قَالَتْ: عَلَى مَا فِي بَيْتِي وَلَا شَيْءَ فِي بَيْتِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُسَمِّ الْمَالَ فلم تَغُرَّهُ.
(وَلَوْ قَالَتْ: عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ مَالٍ، أَوْ عَلَى مَا فِي بَيْتِي مِنْ مَتَاعٍ، وَلَا شَيْءَ فِي يَدِهَا وَلَا مَتَاعَ فِي بَيْتِهَا رَدَّتْ عَلَيْهِ مَهْرَهَا) ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى أَطْمَعَتْهُ فِي مَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ لِفَقْدِهِ وَعَدَمِهِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِالْمَهْرِ لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ حَيْثُ أَطْمَعَتْهُ فِي مَالٍ، وَالْمَغْرُورُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِالْمُبْدَلِ، فَإِذَا فَاتَ الْمَشْرُوطُ الْمُطْمَعُ فِيهِ زَالَ مِلْكُهُ مَجَّانًا فَيَلْزَمُهَا أَدَاءُ الْمُبْدَلِ وَهُوَ مِلْكُ الْبُضْعِ، وَقَدْ عَجَزَتْ عَنْ رَدِّهِ فَيَلْزَمُهَا رَدُّ قِيمَتِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ، وَلَوْ خَالَعَهَا بِمَا لَهَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَهْرِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ لَزِمَهَا رَدُّ الْمَهْرِ، وَإِنْ عَلِمَ الزَّوْجُ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا مَتَاعَ لَهَا فِي الْبَيْتِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَتْ: عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَلَا شَيْءَ فِي يَدِهَا لَزِمَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّهَا سَمَّتِ الدَّرَاهِمَ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ.
قَالَ: (وَلَوْ خَلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى مَا لَهَا لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ) لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهَا فِيهِ، إِذِ الْبَدَلُ مُتَقَوِّمٌ وَالْمُبْدَلُ لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، (وَفِي الْكَبِيرَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا) لِأَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا فَصَارَ كَالْفُضُولِيِّ، (وَلَوْ ضَمِنَ الْمَالَ لَزِمَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) لِأَنَّ شَرْطَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ فَعَلَى الْأَبِ أَوْلَى، وَلَوِ اخْتَلَعَتِ الصَّغِيرَةُ نَفْسَهَا عَلَى صَدَاقِهَا وَقَعَ
(3/158)

وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَعَلَيْهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَلَوْ قَالَتْ عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا (سم) وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَطُلِّقَتْ وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا (سَمٌّ) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِقَبُولِهَا، وَلَا يَسْقُطُ الصَّدَاقُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، وَلَوْ خَلَعَهَا أَبُوهَا عَلَى صَدَاقِهَا لَا يَسْقُطُ، ثُمَّ إِنْ قَبِلَتِ الصَّغِيرَةُ الْخُلْعَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَبِلَ الْأَبُ فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ إِذَا لَمْ يُضِفِ الْبَدَلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْخُلْعَ مَضَرَّةٌ بِهَا فَلَا يَقُومُ قَبُولُهُ مَقَامَ قَبُولِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ يَقَعُ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ بِالْخَلَاصِ عَنْ عُهْدَتِهِ فَصَارَ كَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَلَوْ ضَمِنَ الْأَبُ الصَّدَاقَ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ لِأَنَّهُ مَتَى ضَمِنَ الْبَدَلَ فَالْخُلْعُ يَتِمُّ بِقَبُولِهِ لَا بِقَبُولِهَا لِأَنَّهُ يَجِبُ الْبَدَلُ عَلَيْهِ بِالْتِزَامِهِ مِنْ مِلْكِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ مَعَهُ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَعَلَيْهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَلَوْ قَالَتْ: عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ) ، وَقَالَا: هُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ " عَلَى " كَالْبَاءِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ احْمِلْ هَذَا بِدِرْهَمٍ وَعَلَى دِرْهَمٍ سَوَاءٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ لِلْمُعَاوَضَةِ وَهِيَ تَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَنْقَسِمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُعَوَّضِ، وَإِذَا وَجَبَ الْمَالُ كَانَتْ بَائِنَةً، أَمَّا " عَلَى " فَإِنَّهَا لِلشَّرْطِ قَالَ تَعَالَى: {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: 12] أَيْ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ تَدْخُلِي الدَّارَ كَانَ شَرْطًا، وَالْمَشْرُوطُ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَلْفِ صَارَ مُعَلَّقًا بِالتَّطْلِيقِ ثَلَاثًا فَلَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَدَمٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْمَالُ فَقَدْ طَلَّقَهَا بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ فَكَانَتْ رَجْعِيَّةً.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِالْبَيْنُونَةِ إِلَّا لِيُسَلَّمَ لَهُ جَمِيعُ الْأَلْفِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا لَمَّا رَضِيَتْ بِالْبَيْنُونَةِ بِالْأَلْفِ فَلِأَنْ تَرْضَى بِبَعْضِهَا كَانَ أَوْلَى.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تَقْبَلْ، وَقَالَا: إِنْ قَبِلَتْ فَعَلَيْهَا الْأَلْفُ، وَإِلَّا لَا شَيْءَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُعَاوَضَةِ، يُقَالُ: اعْمَلْ هَذَا وَلَكَ دِرْهَمٌ كَقَوْلِهِ بِدِرْهَمٍ، وَلَهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، إِذِ الْأَصْلُ ذَلِكَ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الِارْتِبَاطِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُوجَدُ بِدُونِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يَنْفَكَّانِ عَنْ وُجُوبِ الْمَالِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْكَ أَلْفٌ فَعَلَى الْخِلَافِ.
وَلَوْ قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ مُجِيبًا لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَانَ كَقَوْلِهِ خَلَعْتُكِ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكِ طَلَاقَكِ بِمَهْرِكِ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي بَانَتْ مِنْهُ بِمَهْرِهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهَا اشْتَرَيْتُ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكِ تَطْلِيقَةً، فَقَالَتِ
(3/159)

وَالْمُبَارَأَةُ كَالْخُلْعِ يُسْقِطَانِ كُلَّ (سَمِّ) حَقٍّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ قَبَضَتِ الْمَهْرَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وَيُعْتَبَرُ خُلْعُ الْمَرِيضَةِ مِنَ الثُّلُثِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
اشْتَرَيْتُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ مَجَّانًا لِأَنَّهُ صَرِيحٌ.
قَالَ: (وَالْمُبَارَأَةُ كَالْخُلْعِ يُسْقِطَانِ كُلَّ حَقٍّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ قَبَضَتِ الْمَهْرَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ) وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ آخَرَ لَزِمَهَا وَسَقَطَ الصَّدَاقُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا إِلَّا مَا سَمَّيَاهُ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي الْخُلْعِ وَمَعَ شَيْخِهِ فِي الْمُبَارَأَةِ. لِمُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي فَجُعِلَا كِنَايَةً عَنِ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ فَلَا يَجِبُ إِلَّا مَا سَمَّيَاهُ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُبَارَأَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ وَقَضِيَّتُهَا الْبَرَاءَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّا اقْتَصَرْنَا عَلَى مَا وَقَعَتِ الْمُبَارَأَةُ لِأَجْلِهِ وَهُوَ حُقُوقُ النِّكَاحِ. أَمَّا الْخُلْعُ فَيَقْتَضِي الِانْخِلَاعَ، وَقَدْ حَصَلَ الِانْخِلَاعُ مِنَ النِّكَاحِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى حُقُوقِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ عِبَارَةٌ عَنِ الِانْخِلَاعِ وَالِانْتِزَاعِ عَلَى مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَالْمُبَارَأَةُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ تَقْتَضِي الِانْخِلَاعَ وَالْبَرَاءَةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَنَفْسُ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ الِانْخِلَاعَ وَالْبَرَاءَةَ، وَحُقُوقُهُ تَقْبَلُ ذَلِكَ فَتَقَعُ الْبَرَاءَةُ عَنْهَا لِيَحْصُلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْخُلْعِ وَهُوَ انْقِطَاعُ الْمُشَاجَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أَوْ نَقُولُ: يُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِمَا فِي النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ وَحُقُوقِهِ بِدَلَالَةِ الْعِوَضِ.
وَلَوْ وَقَعَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوِ اخْتَلَعَا وَلَمْ يَذْكُرَا الْمَهْرَ وَلَا بَدَلًا آخَرَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْقُطُ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَهْرِ وَمَا قَبَضَتْهُ فَهُوَ لَهَا، وَإِنْ ذَكَرَا نَفَقَةَ الْعِدَّةِ سَقَطَتْ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، وَلَا تَقَعُ الْبَرَاءَةُ عَنْ نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَهِيَ مَئُونَةُ الرَّضَاعِ إِلَّا بِالشَّرْطِ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ لَهَا، فَإِنْ شَرَطَا الْبَرَاءَةَ مِنْهَا فِي الْخُلْعِ وَوَقَّتَا بِأَنْ قَالَ: إِلَى سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ سَقَطَتْ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ الرَّضَاعِ إِلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ، وَالْحِيلَةُ لِعَدَمِ الرُّجُوعِ أَنْ يَقُولَ: خَالَعْتُكِ عَلَى كَذَا، أَوْ عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ إِلَى سَنَتَيْنِ، فَإِنْ مَاتَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ فَلَا رُجُوعَ لِي عَلَيْكِ.
قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ خُلْعُ الْمَرِيضَةِ مِنَ الثُّلُثِ) لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْبُضْعِ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَكَانَ كَالْوَصِيَّةِ، وَهَذَا إِذَا مَاتَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَأَمَّا إِذَا مَاتَتْ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَلِلزَّوْجِ الْأَقَلُّ مِنَ الْمِيرَاثِ وَمِنَ الْمَهْرِ إِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ مِيرَاثِهَا وَمِنَ الثُّلُثِ.
فَصْلٌ إِذَا اخْتَلَعَتِ الْمُكَاتَبَةُ لَزِمَهَا الْمَالُ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى أَوْ بِغَيْرِ
(3/160)

بَابُ الظِّهَارِ
وَهُوَ أَنْ يُشَبِّهَ امْرَأَتَهُ أَوْ عُضْوًا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ بَدَنِهَا أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا بِعُضْوٍ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْ أَعْضَاءِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ. وَحُكْمُهُ: حُرْمَةُ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يُكَفِّرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِذْنِهِ؛ لِأَنَّهَا مَحْجُورَةٌ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ، وَلَوِ اخْتَلَعَتِ الْأَمَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لَزِمَهَا لِلْحَالِ، وَإِذَا خَلَعَ الْأَمَةَ مَوْلَاهَا مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ عَلَى رَقَبَتِهَا صَحَّ الْخُلْعُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَلَو كَانَ الزَّوْجُ مكاتَبًا عَبْدًا أَوْ مُدَبَّرًا جَازَ الْخُلْعُ وَصَارَتْ أَمَةً لِلسَّيِّدِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهَا تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لِلْمَوْلَى فَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، وَفِي الْحُرِّ لَوْ صَارَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ بَطَلَ النِّكَاحُ فَيَبْطُلُ الْخُلْعُ.
أَمَتَانِ تَحْتَ حُرٍّ خَلَعَهُمَا الْمَوْلَى عَلَى رَقَبَةِ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا بَطَلَ الْخُلْعُ فِيهَا وَصَحَّ فِي الْأُخْرَى وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى مَهْرِهِمَا، فَمَا أَصَابَ مَهْرَ الَّتِي صَحَّ خُلْعُهَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ مِنْ رَقَبَةِ الْأُخْرَى، وَلَوْ خَلَعَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى رَقَبَةِ الْأُخْرَى وَقَعَ الطَّلَاقَانِ بَائِنَيْنِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ قَارَنَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ وُقُوعَ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهَا فَتَعَذَّرَ إِيجَابُ الْعِوَضِ، وَلَوْ طَلَّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ عَلَى رَقَبَةِ صَاحِبَتِهَا يَقَعُ رَجْعِيًّا.

[بَابُ الظِّهَار]
ِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ لَفْظِ الظَّهْرِ، يُقَالُ: ظَاهَرَ يُظَاهِرُ ظِهَارًا، وَأَصْلُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَإِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ.
(وَهُوَ أَنْ يُشَبِّهَ امْرَأَتَهُ أَوْ عُضْوًا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ بَدَنِهَا) كَالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، (أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا) كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، (بِعُضْوٍ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ) كَالظَّهْرِ وَالْفَخْذِ وَالْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، لِأَنَّ الْكُلَّ فِي مَعْنَى الظَّهْرِ فِي الْحُرْمَةِ (مِنْ أَعْضَاءِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ) كَأُمِّهِ وَبِنْتِهِ وَجَدَّتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَأُخْتِهِ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ، لِأَنَّ الْكُلَّ كَالْأُمِّ فِي تَأْبِيدِ الْحُرْمَةِ.
(وَحُكْمُهُ: حُرْمَةُ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يُكَفِّرَ) تَحَرُّزًا عَنِ الْوُقُوعِ فِيهِ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فَيُحْرِجُ وَلَا كَذَلِكَ الظِّهَارُ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقًا فَجَعَلَهُ الشَّرْعُ مُوجِبًا حُرْمَةً مُتَنَاهِيَةً بِالْكَفَّارَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ «حَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَقِيلَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَكَانَا مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرَادَهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَكَانَ أَوَّلَ ظِهَارٍ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نَدِمَ وَكَانَ الظِّهَارُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: مَا أَظُنُّكِ إِلَّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ بِطَلَاقٍ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِنَّ أَوْسًا تَزَوَّجَنِي وَأَنَا شَابَّةٌ غَنِيَّةٌ ذَاتُ مَالٍ وَأَهْلٍ، حَتَّى
(3/161)

فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَالْعَوْدُ الَذِي تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى وَطْئِهَا، وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ وَتُطَالِبَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهَا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِذَا أَكَلَ مَالِي وَأَفْنَى شَبَابِي وَتَفَرَّقَ أَهْلِي وَكَبُرَتْ سِنِّيِ ظَاهَرَ مِنِّي وَقَدْ نَدِمَ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يَجْمَعُنِي وَإِيَّاهُ تُنْعِشُنِي بِهِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " حَرُمْتِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِذَا قَالَ لَهَا: حَرُمْتِ عَلَيْهِ هَتَفَتْ وَقَالَتْ: أَشْكُو إِلَى اللَّهِ فَاقَتِي وَشِدَّةَ حَالِي، وَإِنَّ لِي صِبْيَةً صِغَارًا إِنْ ضَمَمْتُهُمْ إِلَيْهِ ضَاعُوا، وَإِنْ ضَمَمْتُهُمْ إِلَيَّ جَاعُوا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ فَأَنْزِلْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ، فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَحْيُ كَمَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: يَا خَوْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي أَوْسٍ قُرْآنًا وَتَلَا: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] الْآيَاتِ» ، وَالظِّهَارُ جَائِزٌ مِمَّنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الزَّوْجَةِ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ بَائِنًا لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ.
قَالَ: (فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فَرَأَى خَلْخَالَهَا فِي الْقَمَرِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا مُحَرَّمًا وَالْأَفْعَالُ الْمُحَرَّمَةُ تُوجِبُ الِاسْتِغْفَارَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَبَيَّنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَا يَحِلُّ قُرْبَانُهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَلَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى يُكَفِّرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3] .
قَالَ: (وَالْعَوْدُ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى وَطْئِهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» ، نَهَى عَنِ الْوَطْءِ إِلَى غَايَةِ التَّكْفِيرِ فَتَنْتَهِيَ حُرْمَةُ الْوَطْءِ بِالتَّكْفِيرِ، (وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ حَرَامٌ وَتُطَالِبَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَيَجْبِرَهُ الْقَاضِي عَلَيْهَا) إِيفَاءً لِحَقِّهَا، وَكُلُّ مَا لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي فِيهِ لَا يَسَعُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُصَدِّقَهُ فِيهِ، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ الْإِخْبَارَ عَمَّا مَضَى بِكَذِبٍ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً وَصُدِّقَ دِيَانَةً، وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرٌ، أَوْ ظَاهَرْتُ مِنْكِ يَصِيرُ مُظَاهِرًا لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَلَوْ شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَوْ بِابْنَةِ مَزْنِيَّتِهِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَضَى بِجَوَازِ نِكَاحِهَا يُنَفَّذُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنِ الْمَرْأَةِ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ التَّحْرِيمَ كَالطَّلَاقِ. وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ يَرْتَفِعُ بِالْكَفَّارَةِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ فَصَحَّ أَنْ تُوجِبَهَا عَلَى نَفْسِهَا. وَسُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فَقَالَ: هُمَا شَيْخَا الْفِقْهِ أَخْطَئا، عَلَيْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لِأَنَّ الظِّهَارَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِذَا وَطِئَهَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي)
(3/162)

فَإِنْ أَرَادَ الْكَرَامَةَ صُدِّقَ، وَإِنْ أَرَادَ الظِّهَارَ فَظِهَارٌ، وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهَا مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ.

وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ يُجْزِئُ فِيهَا مُطْلَقُ الرَّقَبَةِ السَّلِيمَةِ، وَلَا يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَهُوَ كِنَايَةٌ يَرْجِعُ إِلَى نِيَّتِهِ (فَإِنْ أَرَادَ الْكَرَامَةَ صُدِّقَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ وَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ النَّاسِ (وَإِنْ أَرَادَ الظِّهَارَ فَظِهَارٌ) لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِجَمِيعِهَا، وَفِي ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالْعُضْوِ الْمُحَرَّمِ فَيَصِحُّ عِنْدَ نِيَّتِهِ، (وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) وَيَصِيرُ تَشْبِيهًا لَهَا فِي الْحُرْمَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهَا إِلَّا بِمُرَجِّحٍ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ ظِهَارٌ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ حَقِيقَةً وَالتَّشْبِيهُ بِالْعُضْوِ ظِهَارٌ، فَالتَّشْبِيهُ بِالْكُلِّ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِنْ كَانَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ فَهُوَ ظِهَارٌ، وَإِنْ عَنَى بِهِ التَّحْرِيمَ فَهُوَ إِيلَاءٌ إِثْبَاتًا لِأَدْنَى الْحُرْمَتَيْنِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ، وَقِيلَ ظِهَارٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنْ نَوَى الْكَذِبَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ: يَدِينُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي وَنَوَى ظِهَارًا فَظِهَارٌ لِلتَّشْبِيهِ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَطَلَاقٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فَظِهَارٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِيلَاءٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ، وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهَا.
(وَلَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِإِضَافَةِ الظِّهَارِ إِلَيْهِنَّ، كَمَا إِذَا قَالَ: أَنْتُنَّ طَوَالِقُ تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِذَا كَانَ مُظَاهِرًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ وَالْكَفَّارَةُ لِإِنْهَاءِ الْحُرْمَةِ فَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْحُرْمَةِ.
(وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهَا مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ) كَمَا فِي تَكْرَارِ الْيَمِينِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مِائَةَ مَرَّةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِائَةُ كَفَّارَةٍ وَهُوَ حَالِفٌ مِائَةَ مَرَّةٍ.

[فصل كفارة الظِّهَار]
فَصْلٌ (وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ) قَبْلَ الْمَسِيسِ لِلنَّصِّ (يُجْزِئُ فِيهَا مُطْلَقُ الرَّقَبَةِ السَّلِيمَةِ) فَيَنْطَلِقُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] ، وَالرَّقَبَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّاتِ الْمَرْقُوقَةُ الْمَمْلُوكَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى السَّلِيمَةِ، فَمَنْ قَيَّدَهَا بِوَصْفٍ زَائِدٍ فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَلَا يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ) لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِمْ نَاقِصٌ لِاسْتِحْقَاقِهِمُ الْعِتْقَ بِجِهَةٍ أُخْرَى
(3/163)

وَالْمُكَاتَبُ الَذِي أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ، وَلَا مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ إِبْهَامَيْهِمَا أَوِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا الْأَعْمَى وَلَا الْأَصَمُّ وَلَا الْأَخْرَسُ وَلَا الْمَجْنُونُ الْمُطْبَقُ وَلَا مُعْتَقُ الْبَعْضِ، وَإِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ يَنْوِي الْكَفَّارَةَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ ثُمَّ جَامَعَهَا ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيَهُ لَمْ يُجْزِهِ (سم) وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْ بَيْنَ الْإِعْتَاقَيْنِ أَجْزَأَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(و) لَا (الْمُكَاتَبُ الَّذِي أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْعِتْقَ بِبَدَلٍ، وَيَجُوزُ الْمُكَاتَبُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا، لِأَنَّ الرِّقَّ قَائِمٌ بِهِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعْنَى فِيمَنْ أَدَّى الْبَعْضَ مُنْتَفٍ، عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ مَنْ أَدَّى الْبَعْضَ أَيْضًا لِأَنَّهُ عَبْدٌ بِالْحَدِيثِ حَتَّى لَوْ فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ عَادَ رَقِيقًا، بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسَخُ أَصْلًا.
قَالَ: (وَلَا مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ إِبْهَامَيْهِمًا أَوِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا الْأَعْمَى وَلَا الْأَصَمُّ وَلَا الْأَخْرَسُ وَلَا الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ) لِأَنَّ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ تَفُوتُ فِي هَؤُلَاءِ، وَهُوَ الْبَطْشُ وَالسَّعْيُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالِانْتِفَاعُ بِالْجَوَارِحِ بِالْعَقْلِ، وَالْمَجْنُونُ فَائِتُ الْمَنْفَعَةِ، وَبَطْشُ الْيَدَيْنِ بِالْإِبْهَامَيْنِ فَبِفَوْتِهِمَا تَفُوتُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ وَأَنَّهُ مَانِعٌ، لِأَنَّ قِيَامَ الرَّقَبَةِ بِقِيَامِ الْمَنْفَعَةِ وَإِذَا فَاتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ صَارَتِ الرَّقَبَةُ هَالِكَةً مِنْ وَجْهٍ فَكَانَتْ نَاقِصَةً فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الِاسْمُ، أَمَّا إِذَا اخْتَلَّتِ الْمَنْفَعَةُ فَلَيْسَ بِمَانِعٍ، لِأَنَّ الْعَيْبَ الْقَلِيلَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَذَلِكَ كَالْأَعْوَرِ وَمَقْطُوعِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ مِنْ خِلَافٍ، وَلَا يَجُوزُ إِذَا قُطِعَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ لِفَوَاتِ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الشَّيْءِ، وَلَا يَجُوزُ الْمَعْتُوهُ وَالْمَفْلُوجُ الْيَابِسُ الشِّقِّ لِمَا بَيَّنَّا، وَثَلَاثَةُ أَصَابِعَ مِنَ الْيَدِ لَهَا حُكْمُ الْكُلِّ، وَيَجُوزُ عِتْقُ الْخَصِيِّ وَالْمَجُبُوبِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ الْقِيمَةَ لَا يُنْقِصُهَا، وَيَجُوزُ مَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَيَجُوزُ مَقْطُوعُ الشَّفَتَيْنِ إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْأَكْلِ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَا) يَجُوزُ (مُعَتَقُ الْبَعْضِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ كَامِلَةٍ.
قَالَ: (وَإِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ يَنْوِي الْكَفَّارَةَ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إِعْتَاقٌ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَنْ يجْزِئ وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» ، أَخْبَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ الِابْنَ قَادِرٌ عَلَى إِعْتَاقِ الْأَبِ فَيَكُونُ قَادِرًا تَصْدِيقًا لَهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْتَاقِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَلَا بَعْدَ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، فَيَكُونُ نَفْسُ الشِّرَاءِ إِعْتَاقًا، فَإِذَا نَوَى بِالشِّرَاءِ الْكَفَّارَةَ يَصِيرُ إِعْتَاقًا عَنِ الْكَفَّارَةِ فَيَصِحُّ وَيُجْزِئُهُ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ ثُمَّ جَامَعَهَا ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيَهُ لَمْ يُجْزِهِ) عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يُجْزِئُهُ بِنَاءً عَلَى تَجْزِيءِ الْإِعْتَاقِ، فَعِنْدَهُمَا لَمَّا أَعْتَقَ نِصْفَهُ كَانَ إِعْتَاقًا لِلْجَمِيعِ، وَعِنْدَهُ لَا، فَقَدْ أَعْتَقَ النِّصْفَ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالنِّصْفَ بَعْدَهُ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا يُجْزِئُهُ فَيَسْتَأْنِفُ عِتْقَ رَقَبَةٍ أُخْرَى.
(وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْ بَيْنَ الْإِعْتَاقَيْنِ أَجْزَأَهُ) بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ،
(3/164)

وَالْعَبْدُ لَا يُجْزِئُهُ فِي الظِّهَارِ إِلَّا الصَّوْمُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَعْتِقُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ جَامَعَهَا فِي الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَقْبَلَ (س) ، فَإِنَّ لَمْ يَسْتَطِعِ الصِّيَامَ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَيُطْعِمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ، فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ جَازَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِكَلَامَيْنِ، وَمَا حَصَلَ فِيهِ مِنَ النَّقْصِ حَصَلَ بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ لِلْكَفَّارَةِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ، كَمَا إِذَا أَصَابَتِ السِّكِّينُ عَيْنَ شَاةِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَدْ أَضْجَعَهَا لِلذَّبْحِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ لَا يُجْزِئُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ، وَعِنْدَهُمَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِالضَّمَانِ وَكَانَ مُعْتِقًا لِلْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّ السِّعَايَةَ وَجَبَتْ لِلشَّرِيكِ فِي نَصِيبِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ عِتْقُ الْجَمِيعِ.
قَالَ: (وَالْعَبْدُ لَا يُجْزِئُهُ فِي الظِّهَارِ إِلَّا الصَّوْمُ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ إِلَّا الطَّلَاقَ» .
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُظَاهِرُ (مَا يَعْتِقُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 4] .
قَالَ: (لَيْسَ فِيهِمَا رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) ، أَمَّا رَمَضَانُ فَلِأَنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْفَرْضِ لِتَعَيُّنِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الصَّوْمِ فَلَا يَقَعُ عَنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْبَاقِي فَلِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهَا حَرَامٌ فَكَانَ نَاقِصًا فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ.
قَالَ: (فَإِنْ جَامَعَهَا فِي الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَقْبَلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 4] وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ جَامَعَ لَيْلًا عَامِدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا لَمْ يَسْتَأْنِفْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ حَتَّى لَا يَفْسَدَ بِهِ الصَّوْمُ. وَجَوَابُهُ أَنَّ النَّصَّ شَرَطَ كَوْنَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَأَنَّهُ يَنْعَدِمُ بِالْمَسِيسِ فَيَسْتَأْنِفُ.
وَلَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي كَفَّارَةِ الصَّوْمِ لَا تَسْتَقْبِلُ، وَإِنْ أَفْطَرَتْ لِمَرَضٍ اسْتَقْبَلَتْ، وَلَوْ حَاضَتْ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ اسْتَقْبَلَتْ، لِأَنَّ الْحَيْضَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَلَا كَذَلِكَ الْمَرَضُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ صَامَتْ شَهْرًا ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ أَيِسَتِ اسْتَقْبَلَتْ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ حَبِلَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي بَنَتْ، وَمَنْ لَهُ دَيْنٌ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، وَلَوْ حَنِثَ مُوسِرًا ثُمَّ أَعْسَرَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْمُعْتَبَرُ حَالَةُ التَّكْفِيرِ، وَلَوْ أَيْسَرَ فِي خِلَالِ الصَّوْمِ أَعْتَقَ كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصِّيَامَ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] .
(وَيُطْعِمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ: «لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» وَلِأَنَّهُ لِحَاجَةِ الْمِسْكِينِ فِي الْيَوْمِ فَاعْتُبِرَتْ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ. قَالَ: (أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ) لِمَا مَرَّ فِي دَفْعِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ. قَالَ: (فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ جَازَ) قَالَ تَعَالَى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] وَهُوَ التَّمْكِينُ
(3/165)

وَلَا بُدَّ مِنْ شِبَعِهِمْ فِي الْأَكْلَتَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِدَامِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ دُونَ الْحِنْطَةِ، وَلَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَنِ الْكُلِّ أَجْزَأَهُ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ جَامَعَهَا فِي خِلَالِ الْإِطْعَامِ لَمْ يَسْتَأْنِفْ، وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ أَوْ صَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَطْعَمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا عَنْ كَفَارَتَيْ ظِهَارٍ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَإِنْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ بُرٍّ عَنْ كَفَارَتَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ (م) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنَ الطَّعْمِ (وَلَا بُدَّ مِنْ شِبَعِهِمْ فِي الْأَكْلَتَيْنِ) اعْتِبِارًا لِلْعَادَةِ (وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِدَامِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ دُونَ الْحِنْطَةِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الشِّبَعِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ دُونَ الْإِدَامِ فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْسَاغُ دُونَهُ، وَلَا كَذَلِكَ خُبْزُ الْحِنْطَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَوْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ خُبْزًا وَإِدَامًا أَوْ خُبْزًا بِغَيْرِ إِدَامٍ أَوْ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا - جَازَ، وَلَوْ غَدَّى سِتِّينَ وَعَشَّى سِتِّينَ غَيْرَهُمْ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا أَنْ يُعِيدَ عَلَى سِتِّينَ مِنْهُمْ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً، وَيَجُوزُ غَدَاءَانِ أَوْ عَشَاءَانِ أَوْ عَشَاءٌ وَسَحُورٌ، وَكَذَا لَوْ غَدَّاهُمْ يَوْمًا وَعَشَّاهُمْ يَوْمًا آخَرَ لِوُجُودِ أَكْلَتَيْنِ مُشْبِعَتَيْنِ، وَلَوْ عَشَّاهُمْ فِي رَمَضَانَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ لَيْلَتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَالْمُسْتَحَبُّ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ، وَلَوْ أَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مُدًّا آخَرَ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهُمْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ شَيْئَانِ: مُرَاعَاةُ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ، وَالْمِقْدَارُ فِي الْوَظِيفَةِ لِكُلِّ الْمَسَاكِينِ.
قَالَ: (وَلَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا) وَاحِدًا (سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ دَفْعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ وَأَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْيَوْمِ، (وَإِنْ أَعْطَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَنِ الْكُلِّ أَجْزَأَهُ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ) لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْإِبَاحَةِ، فَأَمَّا التَّمْلِيكُ مِنْهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي دُفْعَاتٍ، قِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى التَّمْلِيكِ تَتَجَدَّدُ فِي الْيَوْمِ مَرَّاتٍ، وَلَوْ دَفَعَ الْكُلَّ إِلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يَجُوزُ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ.
قَالَ: (فَإِنْ جَامَعَهَا فِي خِلَالِ الْإِطْعَامِ لَمْ يَسْتَأْنِفْ) لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَشْرُطْ فِي الْإِطْعَامِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، إِلَّا أَنَّا أَوْجَبْنَاهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ لِاحْتِمَالِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ أَوِ الصَّوْمِ فَيَقَعَانِ بَعْدَ الْمَسِيسِ، وَالْمَنْعُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ لَا يُنَافِي الْمَشْرُوعِيَّةَ.
قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ، أَوْ صَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، أَوْ أَطْعَمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا عَنْ كَفَارَتَيْ ظِهَارٍ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعْيِينِ. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ عَنْهُمَا انْقَسَمَ كُلُّ إِعْتَاقٍ عَلَيْهِمَا فَيَقَعُ الْعِتْقُ أَشْقَاصًا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَجُوزُ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ. وَلَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ تَكْمِيلُ الْعَدَدِ دُونَ التَّعْيِينِ، إِذِ التَّعْيِينُ لَا يُفِيدُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ عَلَى مَا عُرِفَ، بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ مُفِيدٌ فِيهِ فَيُشْتَرَطُ.
(وَإِنْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ بُرٍّ عَنْ كَفَّارَتَيْنِ لَمْ يُجْزهِ إِلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْهُمَا، وَإِنْ أَطْعَمَ
(3/166)

وَإِنْ أَعْتَقَ وَصَامَ عَنْ كَفَّارَتَيْ ظِهَارٍ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.

بَابُ اللِّعَانِ وَيَجِبُ بِقَذْفِ الزَّوْجَةِ بِالزِّنَا أَوْ بِنَفْيِ الْوَلَدِ إِذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا وَطَالَبَتْهُ بِذَلِكَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ذَلِكَ عَنْ ظِهَارٍ وَإِفْطَارٍ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَيْهِ قِيَاسُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهَذَا لِأَنَّ بِالْمُؤَدَّى وَفَاءً بِهِمَا، وَالْمَصْرُوفُ إِلَيْهِ مَحَلٌّ لَهُمَا فَيَقَعُ عَنْهُمَا وَصَارَ كَمَا إِذَا فَرَّقَ الدَّفْعَ. وَلَهُمَا أَنَّ النِّيَّةَ تُعْتَبَرُ فِي الْجِنْسَيْنِ لَا فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَغَتِ النِّيَّةُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بَقِيَ أَصْلُ النِّيَّةِ فَيُجْزِي عَنِ الْوَاحِدَةِ كَمَا إِذَا قَالَ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ وَصَامَ عَنْ كَفَارَتَيْ ظِهَارٍ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ) لِأَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ.

[بَابُ اللِّعَانِ]
وَهُوَ مَصْدَرُ لَاعَنَ يُلَاعِنُ مُلَاعَنَةً كَقَاتَلَ يُقَاتِلُ مُقَاتَلَةً، وَالْمُلَاعَنَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ اللَّعْنِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْوَزْنُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، إِلَّا مَا شَذَّ كَرَاهَقْتُ الْحُلُمَ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ وَعَاقَبْتُ اللِّصَّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ.
وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِمُلَاعَنَةٍ تَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مُوَثَّقَةٌ بِاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ، وَقَدْ كَانَ مُوجَبُ الْقَذْفِ فِي الْحَدِّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَالزَّوْجَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] الْآيَةَ؛ فَنُسِخَ فِي الزَّوْجَاتِ إِلَى اللِّعَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6] الْآيَةَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ خَوْلَةَ بِشُرَيْكِ ابْنِ سَحْمَاءَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: الْآنَ يُضْرَبُ هِلَالٌ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ، فَجَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6] إِلَى قَوْلِهِ: {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 9] فَلَاعَنَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَيْنَهُمَا، وَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ: آمِينَ، وَقَالَ الْقَوْمُ: آمِينَ» ، قَالَ: (وَيَجِبُ بِقَذْفِ الزَّوْجَةِ بِالزِّنَا) لِمَا تَلَوْنَا (أَوْ بِنَفْيِ الْوَلَدِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. قَالَ: (إِذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا وَطَالَبَتْهُ بِذَلِكَ) لِأَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ الشَّهَادَةُ. قَالَ تَعَالَى:
(3/167)

فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْهُ حُبِسَ حَتَى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فَيُحَدَّ، فَإِذَا لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ، وَتُحْبَسُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ وَيُعَزَّرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور: 6] . وَالشَّهَادَةُ لَا تَكُونُ مُعْتَبَرَةٌ إِلَّا إِذَا صَدَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا، فَوُجُوبُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا اشْتِرَاطُ كَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا، لِأَنَّ اللِّعَانَ فِي حَقِّهَا كَحَدِّ الْقَذْفِ لِمَا أَنَّ اللِّعَانَ عُقُوبَةٌ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا الْتَحَقَ بِهِ كَالْحَدِّ حَتَّى لَا نقْبَلَ شَهَادَتهُ بَعْدَ اللِّعَانِ أَبَدًا، وَهُوَ فِي حَقِّهَا كَحَدِّ الزِّنَا لِأَنَّ الْغَضَبَ فِي حَقِّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عُقُوبَةٌ شَدِيدَةٌ يَلْتَحِقُ بِهَا إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَقَامَ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ اللِّعَانُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَا بِكِتَابِ الْقَاضِي، وَلَا بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ كَالْحُدُودِ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا لَهَا لِأَنَّ الْحَقَّ كَمَا فِي حَدِّ الْقَذْفِ. وَشَرْطُ اللِّعَانِ قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ دُونَ الْفَاسِدِ، لِأَنَّ مُطْلَقَ الزَّوْجِيَّةِ يَنْصَرِفُ إِلَى الصَّحِيحِ.
قَالَ: (فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْهُ حُبِسَ حَتَّى يُلَاعِنَ) لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ فَيُحْبَسُ فِيهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فَيُحَدَّ) لِأَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ سَقَطَ اللِّعَانُ، وَإِذَا سَقَطَ اللِّعَانُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَخْلُو عَنْ مُوجَبٍ، فَإِذَا سَقَطَ اللِّعَانُ صِرْنَا إِلَى حَدِّ الْقَذْفِ، إِذْ هُوَ الْأَصْلُ.
(فَإِذَا لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ) بِالنَّصِّ، (وَتُحْبَسُ حَتَّى تُلَاعِنَ) لِمَا بَيَّنَّا، (أَوْ تُصَدِّقَهُ) فَلَا حَاجَةَ إِلَى اللِّعَانِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْأَقَارِيرُ الْأَرْبَعَةُ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تُحَدُّ لِأَنَّ الزَّانِيَ يُحَدُّ عِنْدَهُ بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَبْتَدِئُ فِي اللِّعَانِ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَدَأَ بِالزَّوْجِ، فَلَمَّا الْتَعنَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنِ الْتَعَنَتِ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الزَّوْجُ أَعَادَتْ لِيَكُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَشْرُوعِ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْإِعَادَةِ جَازَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَلَاعُنُهُمَا وَقَدْ وُجِدَ.
قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) بِأَنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ أَوْ كَافِرًا (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّ اللِّعَانَ امْتَنَعَ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْمُوجَبِ الْأَصْلِيِّ (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا) بِأَنْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ كَافِرَةً أَوْ مَحْدُودَةً فِي قَذْفٍ أَوْ صَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَوْ زَانِيَةٍ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهَا فَصَارَ كَمَا إِذَا صَدَّقَتْهُ، (وَيُعَزَّرُ) لِأَنَّهُ آذَاهَا وَأَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهَا وَلَمْ يَجِبِ الْحَدُّ فَيَجِبُ التَّعْزِيرُ حَسْمًا لِهَذَا الْبَابِ، وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ حُدَّ لِأَنَّ اللِّعَانَ امْتَنَعَ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالْمُسْلِمُ تَحْتَهُ كَافِرَةٌ، وَالْكَافِرُ
(3/168)

وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي بِالزَّوْجِ فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ يَقُولُ: فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ. وَإِنْ كَانَ بِهِمَا يَقُولُ: فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنَا وَمِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ. ثُمَ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَفِي نَفْيِ الْوَلَدِ تَذْكُرُهُ، فَإِذَا الْتَعَنَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً (س) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ "، وَصُورَتُهُ: إِذَا كَانَا كَافِرَيْنِ فَأَسْلَمَتْ فَقَذَفَهَا قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ.
(وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي بِالزَّوْجِ فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكَ بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ يَقُولُ: فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ بِهِمَا يَقُولُ: فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنَا وَمِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ.
(ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَفِي نَفْيِ الْوَلَدِ تَذْكُرُهُ) كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِذَا الْتَعنَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) وَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ حَتَّى لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَرِثَهُ الْآخَرُ. وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِالتَّلَاعُنِ لِوُقُوعِ الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ بَيْنَهُمَا بِالنَّصِّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْفُرْقَةِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَهُمَا قَالَ الزَّوْجُ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا» . قَالَ الرَّاوِي: فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِفِرَاقِهَا، فَأَمْضَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَصَارَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَوْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِتَلَاعُنِهِمَا لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَلَمَا أَمْضَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَبَيَّنَ لَهُ بُطَلَانَ اعْتِقَادِهِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الِاسْتِمْتَاعِ تَثْبُتُ بِاللِّعَانِ، لِأَنَّ اللَّعْنَ وَالْغَضَبَ نَزَلَ بِأَحَدِهِمَا بِيَقِينٍ وَأَثَرُهُ بُطَلَانُ النِّعْمَةِ، وَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ نِعْمَةٌ وَالزَّوْجِيَّةُ نِعْمَةٌ، وَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ أَقَلُّهُمَا فَيَحْرُمُ، وَهَذِهِ الْحُرْمَةُ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهِ لِأَنَّهَا بِسَبَبِ قَذْفِهِ، فَقَدْ فَوَّتَ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا لَمْ يُسَرِّحْهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَانَ ظَالِمًا لَهَا فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ.
(فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً) لِأَنَّهُ كَفِعْلِ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، وَثَمَرَتُهُ إِذَا أَكْذَبَ
(3/169)

فَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي نَسَبَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ، وَإِذَا قَالَ: حَمْلُكِ لَيْسَ مِنِّي فَلَا لِعَانَ (سم) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
نَفْسَهُ حَدَّهُ الْقَاضِي وَعَادَ خَاطِبًا، وَعِنْدَهُ لَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانَ أَبَدًا» ، وَلَنَا أَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَمْ يَصِيرَا مُتَلَاعِنَيْنِ وَلَا يَبْقَى حُكْمُهُ، وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْإِكْذَابِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ وَهِيَ تَبْطُلُ بِتَكْذِيبِ الشَّاهِدِ نَفْسَهُ فَلَمْ يَبْقَيَا مُتَلَاعِنَيْنِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا النَّصُّ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي نَسَبَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَفَى وَلَدَ امْرَأَةِ هِلَالٍ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ.
وَإِذَا قَذَفَ الْأَعْمَى امْرَأَتَهُ الْعَمْيَاءَ أَوِ الْفَاسِقُ امْرَأَتَهُ يَجِبُ اللِّعَانُ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَخْرَسَ لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا أَوِ ارْتَدَّ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ أَوْ قَذَفَ أَحَدُهُمَا إِنْسَانًا فَحُدَّ لِلْقَذْفِ، أَوْ وُطِئَتْ حَرَامًا بَعْدَ اللِّعَانِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ بَطَلَ اللِّعَانُ وَلَا حَدَّ وَلَا تَفْرِيقَ، لِأَنَّ مَا مَنَعَ الْوُجُوبَ مَنَعَ الْإِمْضَاءَ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَقَذَفَهَا زَوْجُهَا لَا لِعَانَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ رَجَعَ وَقَالَ: يَجِبُ اللِّعَانُ وَالْحَدُّ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ فَأَشْبَهَ الزِّنَا وَصَارَ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنِ الْقَاذِفِ.
وَلَوْ قَذَفَهَا ثُمَّ وُطِئَتْ حَرَامًا لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَالْحَاكِمُ الثَّانِي يَسْتَقْبِلُ اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَسْتَقْبِلُ لِأَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ مُقَامَ الْحَدِّ فَصَارَ كَإِقَامَةِ الْحَدِّ حَقِيقَةً، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ عَزْلُ الْحَاكِمِ وَمَوْتُهُ. وَلَهُمَا أَنَّ تَمَامَ الْإِمْضَاءِ فِي التَّفْرِيقِ وَالْإِنْهَاءِ فَلَا يَتَنَاهَى قَبْلَهُ فَيَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْقَذْفِ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، وَلَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لَاعَنَ لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَلَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ بِذَلِكَ الْقَذْفِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَ اللِّعَانِ لِأَنَّهُ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً، وَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَعْدَ وُجُوبِ اللِّعَانِ فَسَقَطَ بِالْبَيْنُونَةِ، وَلَوْ قَذَفَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ لَاعَنَ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَوْ قَذَفَ أَرْبَعَ أَجْنَبِيَّاتٍ حُدَّ لَهُنَّ حَدًّا وَاحِدًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الثَّانِيَةِ الزَّجْرُ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمَقْصُودُ بِاللِّعَانِ دَفْعُ الْعَارِ عَنِ الْمَرْأَةِ وَإِبْطَالُ نِكَاحِهَا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِلِعَانٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: لَيْسَ حَمْلُكِ مِنِّي فَلَا لِعَانَ) وَقَالَا: إِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْقَذْفِ يَجِبُ اللِّعَانُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِقِيَامِ الْحَمْلِ يَوْمَئِذٍ، وَلَهُ أَنَّهُ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِقِيَامِ الْحَمْلِ فَلَمْ يَصِرْ قَاذِفًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا فِي الْحَالِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ بِكِ حَمْلٌ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَذْفِ إِذَا كَانَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَنْتَفِي نَسَبُ الْحَمْلِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَيْهِ وَلَا حُكْمَ عَلَى الْجَنِينِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلَوْ نَفَى وَلَدَ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ فَصَدَّقَتْهُ
(3/170)

وَيَصِحُّ نَفْيُ الْوَلَدِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ وَفِي حَالَةِ التَّهْنِئَةِ وَابْتِيَاعِ آلَةِ الْوِلَادَةِ فَيُلَاعِنُ وَيَنْفِيهِ الْقَاضِي، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيُلَاعِنُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَعَلِمَ فَكَأَنَّهَا وَلَدَتْ حَالَ عِلْمِهِ، وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَاعْتَرَفَ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَلَاعَنَ، وَإِنْ عَكَسَ فَنَفَى الْأَوَّلَ وَاعْتَرَفَ بِالثَّانِي ثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَحُدَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ وَهُوَ ابْنُهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ عَلَى نَفْيِهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ حَقُّ الْوَلَدِ وَالْأُمُّ لَا تَمْلِكُ إِسْقَاطَ حَقِّ وَلَدِهَا فَلَا يَنْتَفِي بِتَصْدِيقِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ لِتَصْدِيقِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَقَدْ قَالَتْ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِذَا تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لَا يَنْتَفِي النَّسَبُ.
قَالَ: (وَيَصِحُّ نَفْيُ الْوَلَدِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ وَفِي حَالَةِ التَّهْنِئَةِ وَابْتِيَاعِ آلَةِ الْوِلَادَةِ فَيُلَاعِنُ وَيَنْفِيهِ الْقَاضِي، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيُلَاعِنُ) وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ أَثَرَ الْوِلَادَةِ وَالتَّهْنِئَةِ فِيهَا اعْتِبَارًا بِالْعَقِيقَةِ، وَقَالَا: يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْوِلَادَةِ، وَلَهُ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ نَفَاهُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ انْتَفَى بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ لَمْ يَنْفِهِ حَتَّى طَالَتِ الْمُدَّةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ فَاصِلٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ بِنَسَبِ وَلَدِهِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَبُولِهِ التَّهْنِئَة وَابْتِيَاعِ مَتَاعِ الْوِلَادَةِ وَقَبُولِ هَدِيَّةِ الْأَصْدِقَاءِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ مَضَى مُدَّةٌ يُفْعَلُ فِيهِ ذَلِكَ عَادَةً وَهُوَ مُمْسِكٌ كَانَ اعْتِرَافًا ظَاهِرًا فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ بَعْدَهُ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَعَلِمَ فَكَأَنَّهَا وَلَدَتْ حَالَ عِلْمِهِ) مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ عِنْدَهُمَا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ بَعْدَ الْعِلْمِ. وَعِنْدَهُ مُدَّةُ التَّهْنِئَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَهُ النَّسَبُ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ فَصَارَ حَالَ عِلْمِهِ كَحَالَةِ الْوِلَادَةِ عَلَى الْأَصْلَيْنِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِنْ عَلِمَ قَبْلَ الْفِصَالِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ وَبَعْدَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ، لِأَنَّ قَبْلَ الْفِصَالِ كَمُدَّةِ النِّفَاسِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ غِذَائِهِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَهُ يَنْتَقِلُ وَيَخْرُجُ عَنْ حَالَةِ الصِّغَرِ فَيَقْبُحُ نَفْيُهُ كَمَا لَوْ بَقِيَ شَيْخًا.
قَالَ: (ومَنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَاعْتَرَفَ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَلَاعَنَ، وَإِنْ عَكَسَ فَنَفَى الْأَوَّلَ وَاعْتَرَفَ بِالثَّانِي ثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَحُدَّ) أَمَّا ثُبُوتُ النَّسَبِ فَلِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، فَمَتَى ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدِهِمَا بِاعْتِرَافِهِ ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ ضَرُورَةً. وَأَمَّا اللِّعَانُ فِي الْأُولَى وَالْحَدُّ فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا نَفْسَهُ فَيُلَاعِنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَمَّا نَفَى الْأَوَّلَ صَارَ مُكَذِّبًا نَفْسَهُ بِاعْتِرَافِهِ الثَّانِي فَيُحَدُّ، وَلَوْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: هُمَا ابْنَايَ لَا يُحَدُّ وَلَا يَكُونُ تَكْذِيبًا لِأَنَّهُ صَادِقٌ لِأَنَّهُمَا لَزِمَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَكَانَ مُخْبِرًا عَمَّا ثَبَتَ بِالْحُكْمِ.
(3/171)

بَابُ الْعِدَّةِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ الَّتِي تَحِيضُ فِي الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ بَعْدَ الدُّخُولِ ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَالصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَعِدَّتُهُنَّ فِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ حَيْضَتَانِ، وَفِي الصِّغَرِ وَالْإِيَاسِ شَهْرٌ وَنِصْفٌ، وَعِدَّتُهَا فِي الْوَفَاةِ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيِّامٍ، وَعِدَّةُ الْكُلِّ فِي الْحَمْلِ وَضْعُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ الْعِدَّةِ]
وَهُوَ مَصْدَرُ عَدَّهُ يَعُدُّهُ، «وَسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: مَتَى تَكُونُ الْقِيَامَةُ؟ قَالَ: إِذَا تَكَامَلَتِ الْعِدَّتَانِ» أَيْ عِدَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَعِدَّةُ أَهْلِ النَّارِ: أَيْ عَدَدُهُمْ، وَسُمِّيَ الزَّمَانُ الَّذِي تَتَرَبَّصُ فِيهِ الْمَرْأَةُ عَقِيبَ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ عِدَّةٌ لِأَنَّهَا تَعُدُّ الْأَيَّامَ الْمَضْرُوبَةَ عَلَيْهَا وَتَنْتَظِرُ أَوَانَ الْفَرَجِ الْمَوْعُودِ لَهَا.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، وقَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] ، وَقَوْلُهُ: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وقَوْله تَعَالَى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1] .
وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْحَيْضُ، وَالشُّهُورُ، وَوَضْعُ الْحَمْلِ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابِ.
وَتَجِبُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِالطَّلَاقِ، وَبِالْوَفَاةِ، وَبِالْوَطْءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (عِدَّةُ الْحُرَّةِ الَّتِي تَحِيضُ فِي الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ بَعْدَ الدُّخُولِ ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَالصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَعِدَّتُهُنَّ فِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ) لِمَا تَلَوْنَا مِنَ الْآيَاتِ، وَالْفُرْقَةُ بِالْفَسْخِ كَالطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَأَنَّهُ يَشْمَلُهُمَا.
(وَعِدَّةُ الْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ حَيْضَتَانِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» ، (وَفِي الصِّغَرِ وَالْإِيَاسِ شَهْرٌ وَنِصْفٌ) لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصَّفٌ إِلَّا أَنَّ الْحَيْضَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَكُمِّلَتِ احْتِيَاطًا، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوِ اسْتَطَعْتُ لَجَعَلْتُهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا. أَمَّا الشَّهْرُ فَيَتَجَزَّأُ فَجَعَلْنَاهُ شَهْرًا وَنِصْفًا، (وَعِدَّتُهَا فِي الْوَفَاةِ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَعِدَّةُ الْكُلِّ فِي الْحَمْلِ وَضْعُهُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَلَا بَرَاءَةَ مَعَ وُجُودِ الْحَمْلِ وَلَا شُغْلَ بَعْدَ وَضْعِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى - يَعْنِي سُورَةَ الطَّلَاقِ قَوْله تَعَالَى: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]- نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي
(3/172)

وَلَا عِدَّةَ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَا عَلَى الذِّمِّيَّةِ فِي طَلَاقِ الذِّمِّيِّ، وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ مَوْتِ سَيِّدِهَا وَالْإِعْتَاقِ ثَلَاثُ حِيَضٍ أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرِ، وَالْعِدَّةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ بِالْحَيْضِ فِي الْمَوْتِ وَالْفُرْقَةِ، وَعِدَّةُ امْرَأَةِ الْفَارِّ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ فِي الْبَائِنِ (سُ) ، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الرَّجْعِيِّ، وَلَوْ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ فِي الْعِدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إِلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ وَفِي الْبَائِنِ لَا، وَلَوِ اعْتَدَّتِ الْآيِسَةُ بِالْأَشْهُرِ ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: يَعْنِي {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ} [البقرة: 234] الْآيَةَ.
وَإِنْ أَسْقَطَتْ سِقْطًا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَبَانَ فَهُوَ وَلَدٌ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَبِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا وَغَيْرَ وَلَدٍ فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالشَّكِّ.
قَالَ: (وَلَا عِدَّةَ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] ، قَالَ: (وَلَا عَلَى الذِّمِّيَّةِ) وَقَدْ مَرَّ فِي النِّكَاحِ، وَلَا عِدَّةَ فِي نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ قَبْلَ الْإِجَازَةِ، لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّ حُكْمِهِ فَلَا يُوَرِّثُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ وَالْحِلِّ، وَالْعِدَّةُ وَجَبَتْ صِيَانَةً لِلْمَاءِ الْمُحْتَرَمِ عَنِ الْخَلْطِ وَاحْتِرَازًا عَنِ اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ.
قَالَ: (وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ مَوْتِ سَيِّدِهَا وَالْإِعْتَاقِ ثَلَاثُ حِيَضٍ أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ أُمَّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اعْتَدَّتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِمَّا أَنَّهَا نَقَلَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ حُجَّةٌ. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الْمَوْلَى ثُمَّ مَاتَ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْفِرَاشَ انْتَقَلَ إِلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِأَنَّ الْفِرَاشَ عَادَ إِلَيْهِ وَقَدْ زَالَ بِالْمَوْتِ.
قَالَ: (وَالْعِدَّةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ بِالْحَيْضِ فِي الْمَوْتِ وَالْفُرْقَةِ) لِأَنَّهُ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَلَا تَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ.
قَالَ: (وَعِدَّةُ امْرَأَةِ الْفَارِّ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ فِي الْبَائِنِ وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الرَّجْعِيِّ) وَهِيَ إِذَا طَلَّقَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ فَوَرِثَتْ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ فِي الْبَائِنِ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْقَطَعَ بِالطَّلَاقِ وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ بِالْحَيْضِ، إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ أَثَرُهُ فِي الْإِرْثِ لِمَا بَيَّنَّا لَا فِي تَغْيِيرِ الْعِدَّةِ، وَبِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَلَهُمَا أَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ فَلَأَنْ يَبْقَى فِي حَقِّ الْعِدَّةِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا فَيَجِبُ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ.
قَالَ: (وَلَوْ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ فِي الْعِدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إِلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ، وَفِي الْبَائِنِ لَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي الرَّجْعِيِّ دُونَ الْبَائِنِ، وَمَوْتُهُ كَالْبَيْنُونَةِ.
قَالَ: (وَلَوِ اعْتَدَّتِ الْآيِسَةُ بِالْأَشْهُرِ ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ
(3/173)

بَعْدَ ذَلِكَ أَوِ الصَّغِيرَةُ ثُمَ رَأَتْهُ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ اسْتَأْنَفَتْ بِالْحَيْضِ، وَلَوِ اعْتَدَّتْ بِحَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ أَيِسَتِ اسْتَأْنَفَتْ بِالشُّهُورِ.
وَابْتِدَاءُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ عَقِيبَهُ وَالْوَفَاةِ عَقِيبَهَا، وَتَنْقَضِي بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بَعْدَ ذَلِكَ أَوِ الصَّغِيرَةُ ثُمَّ رَأَتْهُ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ اسْتَأْنَفَتْ بِالْحَيْضِ) أَمَّا الْآيِسَةُ فَلِأَنَّ بِالْعَوْدِ عَلِمْنَا أَنَّهَا غَيْرُ آيِسَةٍ وَأَنَّ عِدَّتَهَا الْحَيْضُ وَصَارَتْ كَالْمُمْتَدِّ طُهْرُهَا فَتَسْتَأْنِفُ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلِأَنَّ الْجَمْعَ فِي عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالْأَشْهُرِ مُمْتَنِعٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ بَشَرٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ فَتَعَيَّنَ الْحَيْضُ، أَوْ نَقُولُ: الْأَشْهُرُ خَلَفٌ عَنِ الْحَيْضِ وَقَدْ قُدِّرَتْ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخُلْفِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ (وَلَوِ اعْتَدَّتْ بِحَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ أَيِسَتِ اسْتَأْنَفَتْ بِالشُّهُورِ) لِمَا بَيَّنَّا.

[فصل في الأقراء وهي الحيض]
فَصْلٌ
الْأَقْرَاءُ: الْحيضُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءَ وَابْنِ الصَّامِتِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: إِنَّهَا الْأَطْهَارُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اسْمَ الْقُرْءِ يَقَعُ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ جَمِيعًا لُغَةً حَقِيقَةً، يُقَالُ: أَقَرَأَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا حَاضَتْ، وَأَقْرَأَتْ: إِذَا طَهُرَتْ، وَأَصْلُهُ الْوَقْتُ لِمَجِيءِ الشَّيْءِ وَذَهَابِهِ، يُقَالُ: رَجَعَ فُلَانٌ لِقُرْئِهِ: أَيْ لِوَقْتِهِ الَّذِي يَرْجِعُ فِيهِ.
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا الْحيضُ يَقُولُ: لَا تَنْقَضِي إِلَّا بِاسْتِكْمَالِ ثَلَاثِ حِيَضٍ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا الْأَطْهَارُ يَقُولُ: إِذَا شَرَعَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْحيضِ أَوْلَى بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ الْحَيْضِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ» ، وَالْمَعْقُولُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ للْحيضِ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ حِيَضٍ فَيَتَحَقَّقُ الْجَمْعُ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ الْأَطْهَارُ لَا يَتَحَقَّقُ الْجَمْعُ عَلَى قَوْلِهِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَوْ وَقَعَ فِي آخِرِ الطُّهْرِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ بِطُهْرَيْنِ آخَرَيْنِ وَبِالشُّرُوعِ فِي الثَّالِثِ فَلَا يُوجَدُ الْجَمْعُ، وَالْعَمَلُ بِمَا يُوَافِقُ لَفْظَ النَّصِّ أَوْلَى.
قَالَ: (وَابْتِدَاءُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ عَقِيبَهُ وَالْوَفَاةِ عَقِيبهَا وَتَنْقَضِي بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِمَا) لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْوَفَاةَ هُوَ السَّبَبُ فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِنْ وَقْتِ كَذَا فَكَذَّبَتْهُ أَوْ قَالَتْ لَا أَدْرِي وَجَبَتِ الْعِدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ وَيُجْعَلُ هَذَا إِنْشَاءً احْتِيَاطًا، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ فَمِنْ وَقْتِ
(3/174)

وَابْتِدَاءُ عِدَّةٍ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ عَقِيبَ التَّفْرِيقِ أَوْ عَزْمِهِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ (ز) ، وَإِذَا وُطِئَتِ الْمُعْتَدَّةُ بِشُبْهَةٍ فَعَلَيْهَا عِدَّةٌ وَأُخْرَى وَيَتَدَاخَلَانِ، فَإِنْ حَاضَتْ حَيْضَةً ثُمَّ وُطِئَتْ كَمَّلَهَا بِثَلَاثٍ أُخَرَ، وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْعِدَّةِ شَهْرَانِ (سم) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الطَّلَاقِ. وَاخْتِيَارُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ تَحَرُّزًا عَنِ الْمُوَاضَعَةِ وَزَجْرًا لَهُ عَنْ كِتْمَانِ طَلَاقِهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسَبِّبًا لِوُقُوعِهَا فِي الْمُحَرَّمِ وَلَا تَجِبُ لَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ مَهْرًا ثَانِيًا إِنْ وُجِدَ الدُّخُولُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إِلَى وَقْتِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَقَدْ صَدَّقَتْهُ.
قَالَ: (وَابْتِدَاءُ عِدَّةِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ عَقِيبَ التَّفْرِيقِ أَوْ عَزْمِهِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ) ، وَقَالَ زُفَرُ: مِنْ آَخِرِ الْوَطْئَاتِ لِأَنَّ الْوَطْءَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْعِدَّةِ. وَلَنَا أَنَّ التَّمْكِينَ مِنَ الْوَطْءِ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ أُقِيمَ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ لِخَفَائِهِ فَيُجْعَلُ وَاطِئًا حُكْمًا إِلَى حَالَةِ التَّفْرِيقِ أَوْ عَزْمِ التَّرْكِ فَتَجِبُ الْعِدَّةُ مِنْ حِينِ انْقِطَاعِ الْوَطْءِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ.
قَالَ: (وَإِذَا وُطِئَتِ الْمُعْتَدَّةُ بِشُبْهَةٍ فَعَلَيْهَا عِدَّةٌ أُخْرَى) لِوُجُودِ السَّبَبِ (وَيَتَدَاخَلَانِ، فَإِنْ حَاضَتْ حَيْضَةً ثُمَّ وُطِئَتْ كَمَّلَتْهَا بِثَلَاثٍ أُخَرَ) ، وَتُحْسَبُ حَيْضَتَانِ مِنَ الْعِدَّتَيْنِ وَتُكَمَّلُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ تَتِمَّةً لِلثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِدَّةِ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّهُ حَاصِلٌ بِالْعِدَّةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ حِيَضٍ بَعْدَ الْوَطْءِ الثَّانِي وَبِهِ تُتَعَرَّفُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، وَلِلثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْأُولَى لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ، وَلَوْ وُطِئَتِ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَفَاةٍ تَمَّمَتْهَا، وَمَا تَرَاهُ مِنَ الْحَيْضِ فِيهَا يُحْتَسَبُ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنِ اسْتَكْمَلَتْ فِيهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ فَقَدِ انْقَضَتَا مَعًا وَإِلَّا تَمَّمَتِ الثَّانِيَةَ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَيْضِهَا لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْعِدَّةِ شَهْرَانِ) أَيْ مُدَّةٌ تَنْقَضِي فِيهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ. وَقَالَا: أَقَلُّهَا تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَثَلَاثُ سَاعَاتٍ لِأَنَّهُمَا يُعْتَبَرَانِ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ يُقَدَّرُ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ أَوَانِ الْحَيْضِ بِسَاعَةٍ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ حَيْضٌ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ حَيْضٌ، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ حَيْضٌ فَكَمُلَتِ الْعِدَّةُ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخْرِجُهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَعْتَبِرُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ احْتِيَاطًا، فَيَبْدَأُ بِالْحَيْضِ عَشْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، ثُمَّ عَشْرَةٌ حَيْضٌ، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، ثُمَّ عَشْرَةٌ حَيْضٌ فَذَلِكَ سِتُّونَ يَوْمًا، وَهَذِهِ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ، وَالْآخَرُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْوَسَطَ مِنَ الْحَيْضِ وَهُوَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَيَجْعَلُ مَبْدَأَ الطَّلَاقِ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ، فَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرٌ وَخَمْسَةٌ حَيْضٌ، هَكَذَا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ يَكُونُ سِتِّينَ يَوْمًا، وَالْأَمَةُ تُصَدَّقُ عِنْدَهُمَا فِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، سِتَّةُ أَيَّامٍ حَيْضَتَانِ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرٌ بَيْنَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ خَمْسَةٌ وَثَلَاثِينَ.
وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَقَدْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْوِلَادَةِ، فَعَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا، وَعَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ الْحَسَنِ مِائَةُ يَوْمٍ،
(3/175)

وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُخْطَبَ الْمُعْتَدَّةُ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ، وَفِي الْأَمَةِ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ، وَرِوَايَةِ الْحَسَنِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ وَثَلَاثُ سَاعَاتٍ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ لِمَنْ يَتَأَمَّلُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ إِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِلْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَوْتُ غُرَّةَ الشَّهْرِ اعْتَبَرَتِ الشُّهُورَ بِالْأَهِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ نَقُصَ عَدَدُهَا، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ تَعْتَبِرُ بِالْأَيَّامِ فَتَعْتَدُّ فِي الطَّلَاقِ بِتِسْعِينَ يَوْمًا، وَفِي الْوَفَاةِ مِائَةٌ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَرُوِيَ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ: تَعْتَدُّ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ بِالْأَيَّامِ وَتُكَمِّلُهُ مِنَ الشَّهْرِ الرَّابِعِ، وَتَعْتَدُّ بِشَهْرَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمَا بِالْأَهِلَّةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الشُّهُورِ بِالْأَهِلَّةِ إِلَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ فِي الْأَوَّلِ فَيُعْمَلُ فِيهِ بِالْأَيَّامِ لِأَنَّهَا كَالْبَدَلِ عَنِ الْأَهِلَّةِ، وَيُعْمَلُ فِي الْبَاقِي بِالْأَصْلِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُدْخَلُ الشَّهْرُ الثَّانِي وَلَا يُعَدُّ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَا انْقِضَاءَ لِلْأَوَّلِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ فَيُكَمَّلُ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِي، وَهَكَذَا الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ فَتَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْأَهِلَّةِ فِي الْكُلِّ، وَعَلَى هَذَا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ وَالْيَمِينِ إِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا سَنَةً وَالْإِجَارَاتُ وَنَحْوُهَا.
وَإِذَا قَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي صُدِّقَتْ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فَإِنْ كَذَّبَهَا الزَّوْجُ حَلَفَتْ كَالْمُودَعِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَدِّ الْإِيَاسِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْتَبَرُ بِأَقْرَانِهَا مِنْ قَرَابَتِهَا، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ بِتَرْكِيبِهَا لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِسِتِّينَ سَنَةٍ. وَعَنْهُ فِي الرُّومِيَّاتِ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَفِي الْمُوَلَّدَاتِ سِتِّينَ، وَقِيلَ خَمْسِينَ سَنَةً، وَالْفَتْوَى عَلَى خَمْسٍ وَخَمْسِينَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَا بَيْنَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ إِلَى سِتِّينَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ: الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ مُدَّةَ الْحَيْضِ فَهُوَ حَيْضٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ آفَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيُّ: هَذَا إِذَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِيَاسِهَا، فَأَمَّا إِذَا حُكِمَ بِإِيَاسِهَا ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَالْمَرْأَةُ إِذَا لَمْ تَحِضْ أَبَدًا حَتَّى بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا يَحِيضُ فِيهِ أَمْثَالُهَا غَالِبًا حُكِمَ بِإِيَاسِهَا. وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَلَمْ تَحِضْ حُكِمَ بِإِيَاسِهَا.
قَالَ: (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُخْطَبَ الْمُعْتَدَّةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235] الْمُرَادُ بِهِ الْمُعْتَدَّاتُ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى الْجُنَاحَ فِي التَّعْرِيضِ وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى فَيَلْزَمُ كَرَاهَةُ التَّصْرِيحِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ) لِأَنَّهُ تَعَالَى نَفَى الْجُنَاحَ فَإِنَّهُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ. وَرُوِيَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَذَكَرَ مَنْزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُتَحَامِلٌ عَلَى يَدِهِ حَتَّى أَثَّرَ الْحَصِيرُ عَلَى يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ تَحَامُلِهِ عَلَيْهَا» وَأَنَّهُ تَعْرِيضٌ.
وَالتَّعْرِيضُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَأَوَدُّ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ، وَإِنْ تَزَوَّجْتُكِ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكِ، وَمِثْلُكِ مَنْ يُرْغَبُ فِيهِ وَيَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَنَحْوِهِ. وَعَنِ النَّخَعِيِّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَهْدِيَ إِلَيْهَا وَيَقُومَ بِشُغْلِهَا فِي الْعِدَّةِ
(3/176)

وَعَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ عَنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ إِذَا كَانَتْ بَالِغَةً مُسْلِمَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً الْحِدَادُ، وَهُوَ تَرْكُ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَالْكُحْلِ وَالدُّهْنِ وَالْحِنَّاءِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
إِنْ كَانَتْ مِنْ شَأْنِهِ، وَالتَّصْرِيحُ قَوْلُهُ: أَنْكِحُكِ، وَأَتَزَوَّجُ بِكِ وَنَحْوُهُ. وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة: 235] قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «السِّرُّ النِّكَاحُ» ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ فَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ وَلَا التَّلْوِيحُ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا.

[فصل في الحداد]
فَصْلٌ (وَعَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ عَنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ إِذَا كَانَتْ بَالِغَةً مُسْلِمَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً الْحِدَادُ) وَيُقَالُ الْإِحْدَادُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ: «أَنَّ امْرَأَةً مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْتَأْذِنُهُ فِي الِانْتِقَالِ فَقَالَ: كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي أَشَرِّ أَحْلَاسِهَا إِلَى الْحَوْلِ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟» ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَنْ تُقِيمَ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: نَهَى الْمُعْتَدَّةَ أَنْ تَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ وَقَالَ: الْحِنَّاءُ طِيبٌ» ، وَأَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ مُعْتَدَّةٍ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهَا النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ أُمِرَتْ بِتَجَنُّبِ الزِّينَةِ حَتَّى لَا تَكُونَ بِصِفَةِ الْمُلْتَمِسَةِ لِلْأَزْوَاجِ وَأَنَّهُ يَعُمُّ الْفَصْلَيْنِ، وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ إِظْهَارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ مَئُونَتِهَا وَكِفَايَتِهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا.
قَالَ: (وَهُوَ تَرْكُ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَالْكُحْلِ وَالدُّهْنِ وَالْحِنَّاءِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الْحِنَّاءِ، وَقَوْلِهِ: «الْحِنَّاءُ طِيبٌ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ مَحْظُورٌ عَلَيْهَا، وَيَدْخُلُ فِيهِ الثَّوْبُ الْمُطَيَّبُ وَالْمُعَصْفَرُ وَالْمُزَعْفَرُ حَتَّى قَالُوا: لَوْ كَانَ غَسِيلًا لَا يَنْفَضُّ جَازَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ رَائِحَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ مَصْبُوغٌ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ عُذْرٌ، وَلَا تَمْتَشِطُ لِأَنَّهُ زِينَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَالْأَسْنَانُ الْمُنْفَرِجَةُ دُونَ الْمَضْمُومَةِ، وَلَا تَلْبَسُ حُلِيًّا لِأَنَّهُ زِينَةٌ، وَلَا تَلْبَسُ قَصَبًا وَلَا خَزًّا لِأَنَّهُ زِينَةٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِالْقَصَبِ وَالْخَزِّ الْأَحْمَرِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ ذَلِكَ يُلْبَسُ لِلْحَاجَةِ وَيُلْبَسُ لِلزِّينَةِ فَيُعْتَبَرُ الْقَصْدُ فِي لُبْسِهِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَأْذَنْ لِلْمَبْتُوتَةِ فِي الِاكْتِحَالِ» بِخِلَافِ حَالَةِ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ عُذْرٌ،
(3/177)

وَلَا تَخْرُجُ الْمَبْتُوتَةُ مِنْ بَيْتِهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَفَاةٍ تَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ وَتَبِيتُ فِي مَنْزِلَهَا، وَالْأَمَةُ تَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْمَوْلَى فِي الْعِدَّتَيْنِ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا، وَتَعْتَدُّ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ حَالَ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ إِلَّا أَنْ يَنْهَدِمَ أَوْ تُخْرَجَ مِنْهُ أَوْ لَا تَقْدِرَ عَلَى أُجْرَتِهِ فَتَنْتَقِلَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَكَانَ ضَرُورَةً دُونَ التَّزَيُّنِ، وَكَذَا إِذَا خَافَتْ مِنْ تَرْكِ الدُّهْنِ وَالْكُحْلِ حُدُوثَ مَرَضٍ بِأَنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً لِذَلِكَ يُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ.
وَلَا إِحْدَادَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَا مَجْنُونَةٍ لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الْكَافِرَةِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ لِأَنَّهَا أَهْلٌ لِلْعِبَادَاتِ وَلَيْسَ فِيهَا إِبْطَالُ حَقِّ الْمَوْلَى، وَلَيْسَ فِي عِدَّةِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إِحْدَادٌ لِأَنَّهُ لَا يُتَأَسَّفُ عَلَى زَوَالِهِ لِأَنَّهُ وَاجِبُ الزَّوَالِ وَلِأَنَّهُ نِقْمَةٌ فَزَوَالُهُ نِعْمَةٌ.
قَالَ: (وَلَا تَخْرُجُ الْمَبْتُوتَةُ مِنْ بَيْتِهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1] ، وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ فَلَا حَاجَةَ لَهَا إِلَى الْخُرُوجِ كَالزَّوْجَةِ، حَتَّى لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا قِيلَ تَخْرُجُ نَهَارًا لِمَعَاشِهَا، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ إِسْقَاطَ نَفَقَتِهَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إِبْطَالِ حَقِّ الْمُخْتَلِعَةِ عَلَيْهَا عَلَى أَنْ لَا سُكْنَى لَهَا لَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ.
قَالَ: (وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَفَاةٍ تَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ وَتَبِيتُ فِي مَنْزِلِهَا) لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَتَضْطَرُّ إِلَى الْخُرُوجِ لِإِصْلَاحِ مَعَاشِهَا وَرُبَّمَا امْتَدَّ ذَلِكَ إِلَى اللَّيْلِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيتَ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ لِمَا بَيَّنَّا.
(وَالْأَمَةُ تَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْمَوْلَى فِي الْعِدَّتَيْنِ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا) لِمَا فِي الْمَنْعِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى بَوَّأَهَا لَمْ تَخْرُجْ مَا دَامَتْ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا الْمَوْلَى، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ تَخْرُجُ إِلَّا إِذَا مَنَعَهَا الزَّوْجُ لِصِيَانَةِ مَائِهِ، وَالْمَجْنُونَةُ وَالْمَعْتُوهَةُ كَالذِّمِّيَّةِ، وَالصَّبِيَّةُ تَخْرُجُ لِأَنَّهَا لَا يَلْزَمُهَا الْعِبَادَاتُ، وَلَا حَقَّ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ لِحِفْظِ الْوَلَدِ، وَلَا وَلَدَ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، فَلَا تَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ لِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى مَا مَرَّ.
(وَتَعْتَدُّ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ حَالَ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ) لِأَنَّهُ الْبَيْتُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: 1] لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَسْكُنُهُ، «وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلَّتِي قُتِلَ زَوْجُهَا: اسْكُنِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» .
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَنْهَدِمَ أَوْ تَخْرُجَ مِنْهُ أَوْ لَا تَقْدِرَ عَلَى أُجْرَتِهِ فَتَنْتَقِلُ) لِمَا يَلْحَقُهَا مِنَ الضَّرَرِ فِي ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا انْهَدَمَ فَلِأَنَّ السُّكْنَى فِي الْخَرِبَةِ لَا تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا، ثُمَّ قِيلَ تَنْتَقِلُ حَيْثُ شَاءَتْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَبْتُوتَةً فَتَنْتَقِلُ إِلَى حَيْثُ شَاءَ الرَّجُلَ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] وَإِذَا حَوَّلَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ نَقَلَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - نَقَلَتْ أُخْتَهَا لَمَّا قُتِلَ طَلْحَةُ رَضِيَ اللَّهُ
(3/178)

فَصْلٌ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَكْثَرُهَا سَنَتَانِ، وَإِذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا، وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الرَجْعِيَّةِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لَأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بَانَتْ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَانَ رَجْعَةً، وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَنْهُ، وَلَوْ طُلِبَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَلِمَا يَلْحَقُهَا مِنَ الضَّرَرِ، وَصَارَ كَثَمَنِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إِذَا كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَوْ أَبَانَهَا وَالْمَنْزِلٌ وَاحِدٌ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سِتْرَةً، وَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ فِي الْوَفَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلُوا انْتَقَلَتْ تَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمُطَلِّقُ غَائِبًا وَطَلَبَ أَهْلُ الْمَنْزِلِ الْأُجْرَةَ أَعْطَتْهُمْ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَيَصِيرُ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ.

[فصل أَقَلُّ الْحَمْلِ وَأَكْثَرُهُ]
فَصْلٌ (أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهَمَّ عُثْمَانُ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ خَاصَمَتْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ لَخَصِمَتكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] ، وَقَالَ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] فَبَقِيَ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. .
قَالَ: (وَأَكْثَرُهَا سَنَتَانِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَا يَبْقَى الْوَلَدُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِفَرْكَةِ مَغْزِلٍ، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا تَوْقِيفًا إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ، فَكَأَنَّهَا رَوَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهَا بِيَقِينٍ فَصَارَ كَأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِهِ، (و) إِنْ جَاءَتْ بِهِ (لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا) يَثْبُتُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهَا فَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ حَادِثٍ بَعْدَهُ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ.
قَالَ: (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) لِاحْتِمَالِ الْوَطْءِ وَالْعُلُوقِ فِي الْعِدَّةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ، (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بَانَتْ) لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، (وَيَثْبُتُ النَّسَبُ) لِوُجُودِ الْعُلُوقِ فِي النِّكَاحِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ، (وَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْعُلُوقُ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَيُحْتَمَلُ بَعْدَهُ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ.
(وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَانَ رَجْعَةً) لِأَنَّ الْعَلُوقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ حَمْلًا لِحَالِهِمَا عَلَى الْأَحْسَنِ وَالْأَصْلَحِ.
قَالَ: (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحَمْلَ
(3/179)

وَلَا يَثْبُتُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ (ز) ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُعْتَدَّةِ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ (سم) ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ حَبَلٍ ظَاهِرٍ، أَوِ اعْتِرَافِ الزَّوْجِ، أَوْ تَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الصَّغِيرَةِ رَجْعِيَّةً (س) كَانَتْ أَوْ مَبْتُوتَةً (س) إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ بِسَاعَةٍ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ وَلَدْتِ فَأَنَتِ طَالِقٌ فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ لَمْ تَطْلُقْ (سَمِّ) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
كَانَ قَائِمًا وَقْتَ الطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ الْفِرَاشُ زَائِلًا بِيَقِينٍ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ احْتِيَاطًا.
(وَلَا يَثْبُتُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِحُدُوثِ الْحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ وَطِئَهَا بِشُبْهَةِ الْعِدَّةِ. وَقَالَ زُفَرُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ: إِذَا جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَثْبُتُ، لِأَنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ بِانْقِضَائِهَا بِالْأَشْهُرِ فَصَارَ كَإِقْرَارِهَا. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ وَضْعُ الْحَمْلِ، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ فِيهَا لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْبُلُوغِ.
قَالَ: (وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُعْتَدَّةِ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ حَبَلٍ ظَاهِرٍ، أَوِ اعْتِرَافِ الزَّوْجِ، أَوْ تَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ) ، وَقَالَا: يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ لِقِيَامِ الْعِدَّةِ، وَهُوَ مُلْزِمٌ لِلنَّسَبِ كَقِيَامِ النِّكَاحِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، وَالْمُنْقَضِي لَا يَكُونُ حُجَّةً فَيُحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ النَّسَبِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ كَامِلَةٍ. أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الْحَبَلُ أَوِ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ فَالنَّسَبُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَالْحَاجَةِ إِلَى التَّعْيِينِ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا، وَكَذَا إِذَا اعْتَرَفَ بِهِ الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِرْثِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ. وَأَمَّا النَّسَبُ فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ بِاعْتِرَافِهِمْ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ تَبَعًا لِلثُّبُوتِ فِي حَقِّهِمْ.
قَالَ: (وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الصَّغِيرَةِ رَجْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَبْتُوتَةً إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ بِسَاعَةٍ) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْمَبْتُوتَةِ: يَثْبُتُ إِلَى سَنَتَيْنِ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَصَارَتْ كَالْبَالِغَةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ تَعَيَّنَ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْأَشْهُرُ، فَإِذَا مَضَتْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِانْقِضَائِهَا وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْإِقْرَارِ لِاحْتِمَالِ الْخُلْفِ فِي الْإِقْرَارِ دُونَهُ. وَأَمَّا الرَّجْعِيُّ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَثْبُتُ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا لِأَنَّهُ يُجْعَلُ وَاطِئًا فِي آخِرِ الْعِدَّةِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَأْتِي بِهِ لِأَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهِيَ سَنَتَانِ، وَلَوِ ادَّعَتِ الصَّغِيرَةُ الْحَبَلَ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ كَالْكَبِيرَةِ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بُلُوغُهَا بِإِقْرَارِهَا.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ لَمْ تَطْلُقْ) وَقَالَا: تَطْلُقُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:
(3/180)

وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْحَبَلِ تَطْلُقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا (سم) ، وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ وَلَدٌ فَهُوَ مِنِّي فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
«شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ» فَكَانَتْ شَهَادَتُهَا حُجَّةً فِي الْوِلَادَةِ، فَتَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا الْحِنْثَ فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ كَامِلَةٍ، وَشَهَادَتُهَا ضَرُورِيَّةٌ فِي الْوِلَادَةِ فَلَا تَتَعَدَّى إِلَى الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهُ.
قَالَ: (وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْحَبَلِ تَطْلُقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا) ، وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَةٍ تَشْهَدُ بِالْوِلَادَةِ لِأَنَّهَا ادَّعَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ. وَلَهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْحَبَلِ فَيَكُونُ إِقْرَارًا بِالْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِكَوْنِهَا أَمِينَةً فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي رَدِّ الْأَمَانَةِ. قَالَ: (وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ وَلَدٌ فَهُوَ مِنِّي فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْقَابِلَةِ إِجْمَاعًا. .

تَمَّ الْجُزْءُ الثَّالِثُ مِنْ " الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ "
وَيَلِيهِ:
الْجُزْءُ الرَّابِعُ، وَأَوَّلُهُ: بَابُ النَّفَقَةِ
(3/181)

«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [حَدِيثٌ شَرِيفٌ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ النَّفَقَةِ [نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ] وَتَجِبُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا سَلَّمَتْ إِلَيْهِ نَفْسَهَا فِي مَنْزِلِهِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا وَسُكْنَاهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[بَابُ النَّفَقَةِ] [نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ النَّفَقَةِ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَوْله تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6] ، ثُمَّ قَالَ: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7] ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ) وَقِرَاءَتُهُ كَرِوَايَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] ، وَقَالَ تَعَالَى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] ، ثُمَّ قَالَ: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] ، وَرَوَى أَبُو حَمْزَةَ الرَّقَاشِيُّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: «كُنْتُ آخِذٌ بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِذْ وَدَّعَهُ النَّاسُ فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِهِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: «خُذِي مِنْ مَالِ زَوْجِكِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» ، وَلَوْلَا وُجُوبُهَا عَلَيْهِ لَمَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ.
وَسَبَبُ وُجُوبِهَا احْتِبَاسُهَا عِنْدَ الزَّوْجِ إِذَا كَانَ يَتَهَيَّأُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَطْئًا أَوْ دَوَاعِيَهُ أَوِ التَّحْصِينَ لِمَائِهِ بَعْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ مَحْبُوسَةً عِنْدَهُ فِي حَقِّهِ عَجَزَتْ عَنِ الِاكْتِسَابِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهَا، فَلَوْ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ لَمَاتَتْ جُوعًا.
قَالَ: (وَتَجِبُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا سَلَّمَتْ إِلَيْهِ نَفْسَهَا فِي مَنْزِلِهِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا وَسُكْنَاهَا)
(4/3)

تُعْتَبَرُ بِقَدْرِ حَالِهِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِكِفَايَتِهَا بِلَا تَقْتِيرٍ وَلَا إِسْرَافٍ، وَيُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةُ كُلِّ شَهْرٍ وَتُسَلَّمُ إِلَيْهَا، وَالْكِسْوَةُ كُلُّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَيُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةُ خَادِمٍ وَاحِدٍ (س) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِمَا مَرَّ مِنَ الدَّلَائِلِ (تُعْتَبَرُ بِقَدْرِ حَالِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7] كَذَا اخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ، وَاخْتَارَ الْخَصَّافُ الِاعْتِبَارَ بِحَالِهِمَا، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ لَهَا نَفَقَةُ الْمُوسِرِ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَنَفَقَةُ الْمُعْسِرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً وَهُوَ مُعْسِرٌ فَلَهَا فَوْقَ نَفَقَةِ الْمُعْسِرَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَدُونَ نَفَقَةِ الْمُوسِرَةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُفْرِطًا فِي الْيَسَارِ وَالْآخَرُ مُفْرِطًا فِي الْإِعْسَارِ يُقْضَى عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ الْوَسَطِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إِعْسَارِهِ فِي حَقِّ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَتُهَا لِأَنَّهَا مُدَّعِيَةٌ.
قَالَ: (وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِكِفَايَتِهَا بِلَا تَقْتِيرٍ وَلَا إِسْرَافٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ، وَلَيْسَ فِيهَا تَقْدِيرٌ لَازِمٌ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالطِّبَاعِ وَالرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ، وَالْوَسَطُ خُبْزُ الْبُرِّ وَالْإِدَامُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا.
(وَيُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةُ كُلِّ شَهْرٍ وَتُسَلَّمُ إِلَيْهَا) لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ بِهَا كُلَّ سَاعَةٍ، وَيَتَعَذَّرُ لِجَمِيعِ الْمُدَّةِ فَقَدَّرْنَاهُ بِالشَّهْرِ لِأَنَّهُ الْوَسَطُ وَهُوَ أَقْرَبُ الْآجَالِ.
(وَالْكِسْوَةُ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِاخْتِلَافِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَلِيَ الْإِنْفَاقَ بِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَيَفْرِضُ لَهَا كُلَّ شَهْرٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَيُقَدِّرُ النَّفَقَةَ بِقَدْرِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَا يُقَدِّرُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلَوْ صَالَحَتْهُ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَى مَا لَا يَكْفِيهَا كَمَّلَهَا الْقَاضِي إِنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ مَائِدَةٍ لَا يَفْرِضُ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ وَيَفْرِضُ الْكِسْوَةَ.
قَالَ: (وَيُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةُ خَادِمٍ وَاحِدٍ) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ خَدَمِهُ مَنْ يَخْدُمُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُفْرَضُ لِخَادِمَيْنِ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدِهِمَا لِدَاخِلِ الْبَيْتِ وَالْآخَرِ لِخَارِجِهِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْوَاحِدَ يَكْفِي لِذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى اثْنَيْنِ حَتَّى قِيلَ لَوْ كَفَاهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَةُ خَادِمٍ، وَقِيلَ إِنْ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ فَلَهَا نَفَقَةُ خَادِمَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلْخِدْمَةِ وَالْآخَرُ لِلرِّسَالَةِ وَأُمُورِ خَارِجِ الْبَيْتِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا لَا يُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةُ خَادِمٍ أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ لَا يُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةُ خَادِمٍ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ فَقِيرَةً وَتَخْدُمُ نَفْسَهَا، رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكِسْوَةُ الصَّيْفِ قَمِيصٌ وَمُقَنَّعَةٌ وَمِلْحَفَةٌ، وَفِي الشِّتَاءِ مَعَ ذَلِكَ جُبَّةٌ وَسَرَاوِيلُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَعَلَى الْمُوسِرِ دِرْعٌ سَابُورِيٌّ وَخِمَارٌ إِبْرَيْسَمٌ وَمِلْحَفَةٌ كِتَّانٌ، وَتُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً وَلِحَافًا، وَإِنْ طَلَبَتْ فِرَاشًا تَنَامُ عَلَيْهِ لَهَا ذَلِكَ، لِأَنَّ النَّوْمَ عَلَى الْأَرْضِ رُبَّمَا يُؤْذِيهَا وَيُمْرِضُهَا، وَمَا تُغَطَّى بِهِ دَفْعًا لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْعَادَاتِ وَالْبِقَاعِ، وَلِخَادِمِهَا قَمِيصٌ كِرْبَاسٌ وَإِزَارٌ فِي الصَّيْفِ، وَفِي الشِّتَاءِ قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَجُبَّةٌ وَكِسَاءٌ وَخُفَّانِ، فَإِنِ امْتَنَعَتِ الْخَادِمَةُ عَنِ الْخِدْمَةِ لَا نَفَقَةَ لَهَا،
(4/4)

فَإِنْ نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى يُوَفِّيَهَا مَهْرَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَالزَّوْجُ صَغِيرٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَبِالْعَكْسِ لَا، وَلَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَوْ حَجَّتْ أَوْ حُبِسَتْ بِدَيْنٍ أَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ فَذَهَبَ بِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ حَجَّ مَعَهَا فَلَهَا نَفَقَةُ الْحَضَرِ، وَإِنْ مَرِضَتْ فِي مَنْزِلِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهَا مُقَابَلَةٌ بِالْخِدْمَةِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا مُقَابَلَةٌ بِالْحَبْسِ لَا غَيْرُ.
وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الطَّبْخِ وَالْخَبْزِ إِذَا امْتَنَعَتْ، وَيَأْتِيهَا بِمَنْ يَخْبِزُ وَيَطْبُخُ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ، قَالُوا: وَهَذَا إِذَا كَانَتْ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ، وَإِنْ كَانَتْ تَقْدِرُ وَتَخْدُمُ نَفْسَهَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مُتَعَنِّتَةٌ.
قَالَ: (فَإِنْ نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ نَشَزَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا فَنَقَلَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى» ، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلنَّفَقَةِ الِاحْتِبَاسُ وَقَدْ زَالَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا امْتَنَعَتْ مِنَ التَّمْكِينِ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ الِاحْتِبَاسُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَرْهًا، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مَنْزِلِهِ عَادَتِ النَّفَقَةُ لِعَوْدِ الِاحْتِبَاسِ.
(وَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى يُوَفِّيَهَا مَهْرَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِأَنَّ لَهَا الِامْتِنَاعَ لِتَسْتَوْفِيَ حَقَّهَا، فَلَوْ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ تَتَضَرَّرُ، وَالضَّرَرُ يَجِبُ إِلْحَاقُهُ بِالزَّوْجِ الظَّالِمِ الْمُمْتَنِعِ عَنْ إِيفَاءِ حَقِّهَا، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَالْعَدَمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَالَا: إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا سَلَّمَتِ الْمُعَوَّضَ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ لِقَبْضِ الْعِوَضِ كَالْبَائِعِ إِذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا سَلَّمَتْ بَعْضَ الْمُعَوَّضِ لِأَنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ الْوَطْئَاتِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، فَالْبَائِعُ إِذَا سَلَّمَ بَعْضَ الْمَبِيعِ لَهُ حَبْسُ الْبَاقِي، كَذَا هَذَا.
(وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَالزَّوْجُ صَغِيرٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَبِالْعَكْسِ لَا) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا وَالْعَجْزُ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَالْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمَرْأَةُ صَغِيرَةٌ لَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِاحْتِبَاسِ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى الْمَقْصُودِ مِنَ النِّكَاحِ وَأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ بِسَبَبٍ مِنْهَا فَصَارَ كَالْعَدَمِ.
(وَلَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِمَا مَرَّ، وَلَوْ سَكَنَ دَارًا غَصْبًا فَامْتَنَعَتْ أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ فَلَيْسَتْ بِنَاشِزَةٍ لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ بِحَقٍّ، وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةً فِي دَارِهَا فَمَنَعَتْهُ مِنْ دُخُولِهَا وَقَالَتْ: حَوِّلْنِي إِلَى مَنْزِلِكَ أَوِ اكْتَرِ لِي دَارًا فَلَهَا النَّفَقَةُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلَوْ حَجَّتْ أَوْ حُبِسَتْ بِدَيْنٍ أَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ فَذَهَبَ بِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِزَوَالِ الِاحْتِبَاسِ لَا مِنْ جِهَتِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَجَّ الْفَرْضَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ، ذَكَرَهُ فِي الْأَمَالِي لِأَنَّهُ عُذْرٌ، لَكِنْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَضَرِ لِأَنَّهَا الْمُسْتَحِقَّةُ فَيُعْطِيهَا نَفَقَةَ شَهْرٍ وَالْبَاقِي إِذَا رَجَعَتْ.
(وَإِنْ حَجَّ مَعَهَا فَلَهَا نَفَقَةُ الْحَضَرِ) لِأَنَّهَا كَالْمُقِيمَةِ فِي مَنْزِلِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ.
(وَإِنْ مَرِضَتْ فِي مَنْزِلِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ) وَكَذَلِكَ إِذَا جَاءَتْ إِلَيْهِ مَرِيضَةً لِأَنَّ الِاحْتِبَاسَ مَوْجُودٌ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِهَا وَتَحْفَظُ مَتَاعَهُ وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا لَمْسًا وَغَيْرَهُ،
(4/5)

وَلِلْأَمَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ النَّفَقَةُ إِنْ بَوَّأَهَا مَوْلَاهَا بَيْتَ الزَّوْجِ وَإِلَا فَلَا، فَإِنْ بَوَّأَهَا ثُمَّ اسْتَخْدَمَهَا سَقَطَتْ، وَمَنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَتُؤْمَرُ بِالِاسْتِدَانَةِ، وَإِذَا قُضِيَ لَهَا بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ ثُمَّ أَيْسَرَ تَمَّمَ لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِ، وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا سَقَطَتْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُضِيَ بِهَا أَوْ صَالَحَتْهُ عَلَى مِقْدَارِهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَمَنْعُ الْوَطْءِ لِعَارِضٍ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا كَانَ مَرَضًا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ كَالصَّغِيرَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِنْ مَرِضَتْ عِنْدَهُ لَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّهُ صَحَّ التَّسْلِيمُ، وَلَوْ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ مَرِيضَةً لَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مَا صَحَّ، وَقَوْلُهُ: مَرِضَتْ فِي مَنْزِلِهِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ، وَإِذَا طَالَبَتْهُ بِالنَّفَقَةِ قَبْلَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ وَهِيَ بَالِغَةٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ إِذَا لَمْ يُطَالِبْهَا بِالنُّقْلَةِ، لِأَنَّ النُّقْلَةَ حَقُّهُ وَالنَّفَقَةَ حَقُّهَا، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا بِتَرْكِهِ حَقَّهُ، فَإِنْ طَالَبَهَا بِالنُّقْلَةِ فَامْتَنَعَتْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَقٍّ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلِلْأَمَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ النَّفَقَةُ إِنْ بَوَّأَهَا مَوْلَاهَا بَيْتَ الزَّوْجِ) لِوُجُودِ الِاحْتِبَاسِ (وَإِلَّا فَلَا) لِعَدَمِهِ (فَإِنْ بَوَّأَهَا ثُمَّ اسْتَخْدَمَهَا سَقَطَتِ) النَّفَقَةُ لِفَوَاتِ الِاحْتِبَاسِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَتُؤْمَرُ بِالِاسْتِدَانَةِ) لِتُحِيلَ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي التَّفْرِيقِ إِبْطَالَ حَقِّهِ وَفِي الِاسْتِدَانَةِ تَأْخِيرَ حَقِّهَا، وَالْإِبْطَالُ أَضَرُّ فَكَانَ دَفْعُهُ أَوْلَى، فَإِذَا فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي وَأَمَرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الْإِحَالَةِ عَلَيْهِ وَالرُّجُوعِ فِي تَرِكَتِهِ لَوْ مَاتَ، وَلَوِ اسْتَدَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي تَكُونُ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهَا وَلَا يُمْكِنُهَا الْإِحَالَةُ عَلَيْهِ وَلَا تَرْجِعُ فِي تَرِكَتِهِ لِأَنَّهَا لَا وَلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ، فَلِهَذَا قَالَ: تُؤْمَرُ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى الِاسْتِدَانَةِ أَنْ تَشْتَرِيَ بِالدَّيْنِ.
قَالَ: (وَإِذَا قُضِيَ لَهَا بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ ثُمَّ أَيْسَرَ تَمَّمَ لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِ) لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَمَا فُرِضَ تَقْدِيرٌ لِنَفَقَةٍ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، فَإِذَا تَبَدَّلَتْ حَالُهُ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِقَدْرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قُضِيَ بِنَفَقَةِ الْيَسَارِ ثُمَّ أَعْسَرَ فُرِضَ لَهَا نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا سَقَطَتْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُضِيَ بِهَا أَوْ صَالَحَتْهُ عَلَى مِقْدَارِهَا) فَيُقْضَى لَهَا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَجِبْ عِوَضًا عَنِ الْبُضْعِ، لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ عِوَضًا عَنْهُ، وَالْعَقْدُ الْوَاحِدُ لَا يُوجِبُ عِوَضَيْنِ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَا عِوَضًا عَنِ الِاسْتِمْتَاعِ، لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، فَبَقِيَ وُجُوبُهُ جَزَاءً عَنِ الِاحْتِبَاسِ صِلَةً وَرِزْقًا لَا عِوَضًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ رِزْقًا بِقَوْلِهِ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233] ، وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِمَا يُذْكَرُ صِلَةً، وَالصِّلَاتُ لَا تُمْلَكُ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ حَقِيقَةً أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْهِبَةِ أَوْ بِالْتِزَامِهِ بِالتَّرَاضِي، لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَأَنْ يَلْزَمَهُ بِالْتِزَامِهِ كَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ وَلَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَقْوَى.
(4/6)

فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوِ الِاصْطِلَاحِ قَبْلَ الْقَبْضِ سَقَطَتْ، وَإِنْ أَسْلَفَهَا النَّفَقَةَ أَوِ الْكِسْوَةَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ وَإِذَا كَانَ لِلْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ أَوْ دَيْنٌ وَعَلِمَ الْقَاضِي بِهِ وَبِالنِّكَاحِ، أَوِ اعْتَرَفَ بِهِمَا مَنِ الْمَالُ فِي يَدِهِ يُفْرَضُ فِيهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ وَوَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ وَيُحَلِّفُهَا أَنَّهَا مَا أَخَذَتْهَا وَيَأْخُذُ مِنْهَا كَفِيلًا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَأَنْكَرَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ الزَّوْجِيَّةَ أَوِ الْمَالَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهَا عَلَيْهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوِ الِاصْطِلَاحِ قَبْلَ الْقَبْضِ سَقَطَتْ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا صِلَةٌ، وَالصِّلَةُ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَسْلَفَهَا النَّفَقَةَ أَوِ الْكِسْوَةَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحْتَسَبُ لَهَا نَفَقَةُ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهَا اسْتَعْجَلَتْ عِوَضًا عَمَّا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ بِالِاحْتِبَاسِ، وَقَدْ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهَا بِالْمَوْتِ فَيَبْطُلُ مِنَ الْعِوَضِ بِقَدْرِهِ. وَلَهُمَا مَا بَيَّنَّا أَنَّهَا صِلَةٌ، وَقَدِ اتَّصَلَ الْقَبْضُ بِهَا فَيَبْطُلُ الرُّجُوعُ بِالْمَوْتِ كَمَا فِي الْهِبَةِ، أَلَا تَرَى لَوْ هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلَاكٍ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ لِلْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ أَوْ دَيْنٌ عَلِمَ الْقَاضِي بِهِ وَبِالنِّكَاحِ أَوِ اعْتَرَفَ بِهِمَا مِنَ الْمَالِ فِي يَدِهِ يَفْرِضُ فِيهِ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ وَوَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ) لِأَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ الْمَالُ أَوْ عَلَيْهِ لَمَّا أَقَرَّ بِالزَّوْجِيَّةِ فَقَدْ أَقَرَّ بِثُبُوتِ حَقِّهَا فِيهِ، لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا حَقًّا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِقْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَحِيحٌ فَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ، فَيَقَعُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَسْرِي إِلَى الْغَائِبِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَحَدَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّهُ إِنْ جَحَدَ الزَّوْجِيَّةَ لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ جَحَدَ الْمَالَ فَهِيَ لَيْسَتْ خَصْمًا فِي إِثْبَاتِهِ، وَعَلِمَ الْقَاضِي حُجَّةً يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ بِهِ فِي مَحَلِّ وَلَايَتِهِ عَلَى مَا عُرِفَ. وَنَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَقَارِبِ حَيْثُ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا بِالْقَضَاءِ لِمَا أَنَّ وُجُوبَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
قَالَ: (وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ) كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهَا لَا يُفْرَضُ فِيهِ النَّفَقَةُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيْعِهِ وَلَا بَيْعَ عَلَى الْغَائِبِ. أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ عَلَى الْحَاضِرِ فَكَذَا عَلَى الْغَائِبِ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُبَاعُ عَلَى الْحَاضِرِ لِظُهُورِ ظُلْمِهِ بِامْتِنَاعِهِ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْغَائِبِ.
قَالَ: (وَيُحَلِّفُهَا أَنَّهَا مَا أَخَذَتْهَا وَيَأْخُذُ مِنْهَا كَفِيلًا بِهَا) نَظَرًا لِلْغَائِبِ وَاحْتِيَاطًا لَهُ لِاحْتِمَالِ حُضُورِهِ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَفَهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَأَنْكَرَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ الزَّوْجِيَّةَ أَوِ الْمَالَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهَا عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَأَرَادَتْ أَنْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ لِيَفْرِضَ لَهَا
(4/7)

وَعَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا دَارًا مُفْرَدَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ أَهْلَهَا وَوَلَدَهَا مِنْ غَيْرِهِ الدُّخُولَ عَلَيْهَا، وَلَا يَمْنَعُهُمْ كَلَامَهَا وَالنَّظَرَ إِلَيْهَا، وَلَا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا كُلَّ جُمُعَةٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَقَارِبِ كُلَّ سَنَةٍ.

وَلِلْمُطَلَّقَةِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي عِدَّتِهَا بَائِنًا كَانَ أَوْ رَجْعِيًّا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْقَاضِي النَّفَقَةَ وَيَأْمُرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ. وَقَالَ زُفَرُ: تُقْبَلُ وَيَقْضِي بِالنَّفَقَةِ، وَاسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، وَعَلَيْهِ الْقُضَاةُ الْيَوْمَ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَيُنَفَّذُ.
قَالَ: (وَعَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا دَارًا مُفْرَدَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ) ، أَمَّا وُجُوبُ السُّكْنَى فَلِأَنَّهَا مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ مِنَ الْكِفَايَةِ فَتَجِبُ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] ، فَكَانَ وَاجِبًا حَقًّا لَهَا، وَتَكُونُ بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ لِيُعِينُوهَا عَلَى مَصَالِحِ دُنْيَاهَا وَيَمْنَعُوهُ مِنْ ظُلْمِهَا لَوْ أَرَادَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهَا غَيْرَهَا، لِأَنَّهُ قَدْ لَا تَأْمَنُ عَلَى مَتَاعِهَا وَلَا تَتَخَلَّى لِاسْتِمْتَاعِهَا إِلَّا أَنْ تَخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِنَقْصِ حَقِّهَا، وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ بُيُوتٌ وَأَبَتْ أَنْ تَسْكُنَ مَعَ ضَرَّتِهَا أَوْ مَعَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ إِنْ أَخْلَى لَهَا بَيْتًا مِنْهَا وَجَعَلَ لَهُ مَرَافِقَ وَغَلْقًا عَلَى حِدَةٍ - لَيْسَ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ بَيْتًا آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ فَلَهَا ذَلِكَ.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ أَهْلَهَا وَوَلَدَهَا مِنْ غَيْرِهِ الدُّخُولَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْمَنْزِلَ مِلْكُهُ، (وَلَا يَمْنَعُهُمْ كَلَامَهَا وَالنَّظَرَ إِلَيْهَا) أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ إِنَّمَا الضَّرَرُ فِي الْمَقَامِ. وَقِيلَ لَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَقِيلَ يَمْنَعُ (وَلَا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا كُلَّ جُمُعَةٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَقَارِبِ كُلَّ سُنَّةٍ) وَهُوَ الْمُخْتَارُ.

[فصل نَفَقَةُ المطلقة]
فَصْلٌ (وَلِلْمُطَلَّقَةِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي عِدَّتِهَا بَائِنًا كَانَ أَوْ رَجْعِيًّا) أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْوَلَدِ بِحِفْظِ الْمَاءِ عَنِ الِاخْتِلَاطِ، وَالْحَبْسُ لِحَقِّهِ مُوجِبٌ لِلنَّفَقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا حَدِيثُ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا فَلَمْ يَفْرِضْ لِي رَسُولُ اللَّهِ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ» رَدَّهُ عُمَرُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ، قَالَ عُمَرُ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ، حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ: «لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثَ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» ". وَيُرْوَى: «الْمَبْتُوتَةُ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى» ، وَلِأَنَّهُ وَرَدَ مُخَالِفًا قَوْله تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] وَمُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ فِي السُّكْنَى، فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا إِلَى سَنَتَيْنِ مُنْذُ طَلَّقَهَا احْتِيَاطًا لِلْعِدَّةِ، فَإِنْ قَالَتْ: كُنْتُ
(4/8)

وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِمَعْصِيَةٍ كَالرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَلَهَا النَّفَقَةُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَ ارْتَدَّتْ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ مَكَّنَتِ ابْنَ زَوْجِهَا لَمْ تَسْقُطْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَتَوَهَّمُ أَنِّي حَامِلٌ وَلَمْ أَحِضْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، يَعْنِي أَنَّهَا مُمْتَدَّةُ الطُّهْرِ وَطَلَبَتِ النَّفَقَةَ - فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا لَمْ تَدْخُلْ فِي حَدِّ الْإِيَاسِ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي حَدِّ الْإِيَاسِ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ: (وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لِحَقِّ الشَّرْعِ لَا لِلزَّوْجِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْحَيْضُ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَالْحَمْلُ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ، وَلِأَنَّ الْمَالَ انْتَقَلَ إِلَى الْوَرَثَةِ فَلَا تَجِبُ فِي مَالِهِمْ.
قَالَ: (وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِمَعْصِيَةٍ كَالرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ كَانَتِ) الْفُرْقَةُ (مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَلَهَا النَّفَقَةُ بِكُلِّ حَالٍ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ عَلَى مَا مَرَّ، وَبِعِصْيَانِ الزَّوْجِ لَا تُحْرَمُ مِنَ النَّفَقَةِ وَتُحْرَمُ بِعِصْيَانِهَا مُجَازَاةً وَعُقُوبَةً، وَلِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَصَارَتْ كَالنَّاشِزَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا بِحَقٍّ وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِاللِّعَانِ أَوِ الْإِيلَاءِ أَوْ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوِ الْخَلْوَةِ لَهَا النَّفَقَةُ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِذَا طُلِّقَتِ الْأَمَةُ الْمُبَوَّأَةُ لَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، فَإِنِ اسْتَخْدَمَهَا الْمَوْلَى سَقَطَتْ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا يَوْمَ الطَّلَاقِ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَالْأَمَةُ إِذَا لَمْ يُبَوِّئْهَا الْمَوْلَى بَيْتًا إِلَّا النَّاشِزَةَ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ فِي حَقِّهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ إِذَا لَمْ تَطْلُبْ نَفَقَتَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا سَقَطَتْ كَالْمَنْكُوحَةِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ارْتَدَّتْ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مَحْبُوسَةً فِي حَقِّ الشَّرْعِ، وَهَذَا إِذَا خَرَجَتْ مَنْ بَيْتِ الزَّوْجِ لِلْحَبْسِ، وَمَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، (وَإِنْ مَكَّنَتِ ابْنَ زَوْجِهَا لَمْ تَسْقُطْ) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ تَثْبُتُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَلَا أَثَرَ لِلتَّمْكِينِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مَحْبُوسَةٌ فِي حَقِّهِ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا بِالتَّمْكِينِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَلَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ صَالَحَ امْرَأَتَهُ عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ إِنْ كَانَتْ بِالشُّهُورِ جَازَ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْحَيْضِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةُ الْمُدَّةِ فَتَكُونُ النَّفَقَةُ مَجْهُولَةً.
(4/9)

فَصْلٌ وَنَفَقَةُ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ عَلَى الْأَبِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَيْسَ عَلَى الْأُمِّ إِرْضَاعُ الصَّبِيِّ إِلَّا إِذَا تَعَيَّنَتْ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا، وَيَسْتَأْجِرُ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ زَوْجَتَهُ أَوْ مُعْتَدَّتَهُ لِتُرْضِعَ وَلَدَهَا لَمْ يَجُزْ، وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ هِيَ أَوْلَى مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ إِلَّا أَنْ تَطْلُبَ زِيَادَةَ أُجْرَةٍ، وَنَفَقَةُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ عَلَى الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فَصْلٌ: نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ]
فَصْلٌ (وَنَفَقَةُ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ عَلَى الْأَبِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] .
(وَلَيْسَ عَلَى الْأُمِّ إِرْضَاعُ الصَّبِيِّ) لِأَنَّ أُجْرَةَ الْإِرْضَاعِ مِنْ نَفَقَتِهِ وَهِيَ عَلَى الْأَبِ. قَالَ: (إِلَّا إِذَا تَعَيَّنَتْ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا أَوْ لَا يَأْخُذُ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهَا، (فَيَجِبُ عَلَيْهَا) حِينَئِذٍ صِيَانَةً لِلصَّغِيرِ عَنِ الْهَلَاكِ. قَالَ: (وَيَسْتَأْجِرُ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا) لِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ وَالْحَضَانَةَ لَهَا (فَإِنِ اسْتَأْجَرَ زَوْجَتَهُ أَوْ مُعْتَدَّتَهُ لِتُرْضِعَ وَلَدَهَا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْإِرْضَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا بِالْأَصْلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} [البقرة: 233] ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْعَجْزِ فَجَعَلْنَاهُ عُذْرًا، فَإِذَا أَقْدَمَتْ عَلَيْهِ بِالْأَجْرِ عَلِمْنَا قُدْرَتَهَا فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَخَذُ الْأَجْرِ عَلَى فِعْلٍ وَجَبَ عَلَيْهَا، وَلَا خِلَافَ فِي الْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَبْتُوتَةُ فَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ مِنْ وَجْهٍ، وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ بَيْنَهُمَا فَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ وَلَا لِأَبِيهِ مَالٌ أُجْبِرَتِ الْأُمُّ عَلَى الْإِرْضَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهَا ذَاتُ يَسَارٍ فِي اللَّبَنِ، فَإِنْ طَلَبَتْ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لَهَا بِنَفَقَةِ الْإِرْضَاعِ حَتَّى تَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْأَبِ إِذَا أَيْسَرَ فَعَلَ، كَمَا لَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَهِيَ مُوسِرَةٌ تُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّغِيرِ ثُمَّ تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ إِذَا أَيْسَرَ، وَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُفْرَضُ لَهَا نَفَقَةُ الْإِرْضَاعِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ.
قَالَ: (وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ هِيَ أَوْلَى مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ) فَإِنَّهَا أَشْفَقُ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لِلصَّغِيرِ، (إِلَّا أَنْ تَطْلُبَ زِيَادَةَ أُجْرَةٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْأَبِ، وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233] هُوَ أَنْ تَرْضَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهَا: {وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ.
قَالَ: (وَنَفَقَةُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ عَلَى الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ) قَالَ تَعَالَى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] نَهَاهُ عَنِ الْإِضْرَارِ بِهِمَا بِهَذَا الْقَدْرِ وَتَرْكُ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا أَكْثَرُ إِضْرَارًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَقَالَ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ
(4/10)

وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ إِلَّا لِلزَّوْجَةِ وَقَرَابَةِ الْوِلَادِ أَعْلَى وَأَسْفَلُ، وَنَفَقَةُ ذِي الرَّحِمِ سِوَى الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ تَجِبُ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ إِذَا كَانَ فَقِيرًا بِهِ زَمَانَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ، أَوْ تَكُونُ أُنْثَى فَقِيرَةً، وَكَذَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْكَسْبَ لِخُرْقِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنَ الْبُيُوتَاتِ، أَوْ طَالِبَ عِلْمٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ» ، فَإِذَا كَانَ مَالُ الِابْنِ يُضَافُ إِلَى الْأَبِ بِأَنَّهُ كَسْبُهُ صَارَ غَنِيًّا بِهِ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِيهِ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8] أَيْ يُحْسِنُ إِلَيْهِمَا، وَلَيْسَ إِحْسَانًا تَرْكُهُمَا مُحْتَاجَيْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِ حَاجَتِهِمَا، وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] ، وَلَيْسَ مِنَ الْمَعْرُوفِ تَرْكُهُمَا جَائِعَيْنِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِشْبَاعِهِمَا، وَهُوَ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ عَلَى السَّوَاءِ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعِلَّةِ وَالْخِطَابِ، وَقِيلَ عَلَى قَدْرِ الْإِرْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُمْ لِأَنَّ إِيجَابَ نَفَقَةِ الْغَنِيِّ فِي مَالِهِ أَوْلَى.
رَجُلٌ مُعْسِرٌ لَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ مَحَاوِيجُ وَلَهُ ابْنٌ كَبِيرٌ مُوسِرٌ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهِمْ.
قَالَ: (وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ إِلَّا لِلزَّوْجَةِ وَقَرَابَةِ الْوِلَادِ أَعْلَى وَأَسْفَلَ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ كَمَا مَرَّ أَوْ بِالْعَقْدِ كَالْمَهْرِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا، وَأَمَّا قَرَابَةُ الْوِلَادِ فَلِمَكَانِ الْجُزْئِيَّةِ، إِذِ الْجُزْئِيَّةُ فِي مَعْنَى النَّفْسِ، وَنَفَقَةُ النَّفْسِ تَجِبُ مَعَ الْكُفْرِ فَكَذَا الْجُزْءُ، وَهَذَا إِذَا كَانُوا ذِمَّةً، فَإِنْ كَانُوا حَرْبًا لَا تَجِبُ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة: 9] الْآيَةَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، لِأَنَّ الْإِرْثَ مُنْقَطِعٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ بِالنَّصِّ.
قَالَ: (وَنَفَقَةُ ذِي الرَّحِمِ سِوَى الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ تَجِبُ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ) كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، وَلَا تَجِبُ لِرَحِمٍ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ "، فَذِكْرُهُ الْوَارِثَ إِشَارَةٌ إِلَى اعْتِبَارِ قَدْرِ الْمِيرَاثِ وَلِيَكُونَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ.
(وَإِنَّمَا تَجِبُ إِذَا كَانَ فَقِيرًا بِهِ زَمَانَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ) أَمَّا الْفَقْرُ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْعَجْزُ عَنِ الْكَسْبِ فَلِأَنَّهُ يَكُونُ غَنِيًّا بِكَسْبِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَالِدَانِ حَيْثُ تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ لِمَا يَلْحَقُهُمَا فِيهِ مِنَ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ، وَالْوَلَدُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمَا ضَرَرَ الِاكْتِسَابِ وَذَلِكَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا.
قَالَ: (أَوْ تَكُونُ أُنْثَى فَقِيرَةً) لِأَنَّهُ أَمَارَةُ الْحَاجَةِ، (وَكَذَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْكَسْبَ لِخَرْقِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنَ الْبُيُوتَاتِ أَوْ طَالِبَ عِلْمٍ) لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الِاكْتِسَابِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ ثَابِتٌ، لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْكَبِيرِ الْعَجْزُ
(4/11)

وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ، وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ إِنْ كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا أَوْ زَمِنًا، وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى فَقِيرٍ إِلَّا لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْغِنَى الْمُحَرِّمُ لِلصَّدَقَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَنِ الْكَسْبِ حَقِيقَةً كَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَنَحْوِهِمَا، أَوْ مَعْنًى كَمَنَ بِهِ خَرْقٌ وَنَحْوُهُ.
(وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ) رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ إِنْ كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا أَوْ زَمِنًا) لِأَنَّهُ مِنْ كِفَايَةِ الصَّغِيرِ. وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُجْبَرُ الْأَبُ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَةِ الِابْنِ، وَيَجِبُ عَلَى الِابْنِ نَفَقَةُ خَادِمِ الْأَبِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ لِأَنَّ خِدْمَةَ الْأَبِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى الِابْنِ فَكَذَا نَفَقَةُ مَنْ يَخْدُمُهُ، وَلَا كَذَلِكَ زَوْجَةُ الِابْنِ.
قَالَ: (وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى فَقِيرٍ إِلَّا لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7] . وَقَالَ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233] وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُجَازَاةٌ وَذَلِكَ يَجِبُ مَعَ الْفَقْرِ، وَلَا تَجِبُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ الْفَقْرِ لِأَنَّهَا صِلَةٌ، فَلَوْ وَجَبَتْ لِلْفَقِيرِ عَلَى الْفَقِيرِ لَمْ يَكُنْ إِيجَابُهَا عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إِيجَابِهَا لَهُ.
(وَالْمُعْتَبَرُ الْغِنَى الْمُحَرِّمُ لِلصَّدَقَةِ) هُوَ الْمُخْتَارُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالنِّصَابِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ إِذَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ شَهْرٍ لَهُ وَلِعِيَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَيَكْتَسِبُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا يَكْفِيهِ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ الْفَضْلَ عَلَى أَقْرِبَائِهِ، وَمَنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ وَهُوَ مُحْتَاجُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى أَقَارِبِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْكَنِهِ فَضْلٌ يَكْفِيهِ بَعْضُهُ يُؤْمَرُ بِبَيْعِ الْبَعْضِ وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ نَفِيسَةٌ يُؤْمَرُ بِبَيْعِهَا وَيَشْتَرِي الْأَوْكَسَ وَيُنْفِقُ الْفَضْلَ، وَمَنْ كَانَ يَأْكُلُ مِنَ النَّاسِ تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنِ الْقَرِيبِ، وَإِنْ أَعْطَوْهُ قَدْرَ نِصْفِ كِفَايَتِهِ يَسْقُطُ نِصْفُ النَّفَقَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا كَانَ الِابْنُ فَقِيرًا كَسُوبًا وَالْأَبُ زَمِنٌ شَارَكَهُ فِي الْقُوتِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَسْبِ لِلزَّمَانَةِ أَوْ كَانَ مُقْعَدًا يَتَكَفَّفُ النَّاسَ فَنَفَقَتُهُ وَنَفَقَةُ وَلَدِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا وَالْأُمُّ مُوسِرَةً تُؤْمَرُ الْأُمُّ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ ثُمَّ تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ إِذَا أَيْسَرَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْأَبِ الْمُعْسِرِ أَخٌ مُوسِرٌ يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّغِيرِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُعْسِرَةُ إِذَا كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِرًا وَلَهَا ابْنٌ مِنْ غَيْرِهِ مُوسِرٌ أَوْ أَخٌ مُوسِرٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَيُؤْمَرُ الِابْنُ أَوِ الْأَخُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَتَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا أَيْسَرَ، وَيُحْبَسُ الِابْنُ أَوِ الْأَخُ إِذَا امْتَنَعَ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَإِذَا كَانَ لِلْفَقِيرِ أَبٌ غَنِيٌّ وَابْنٌ غَنِيٌّ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الِابْنِ لِأَنَّ شُبْهَتَهُ فِي مَالِ الِابْنِ أَكْثَرُ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَيُعْتَبَرُ فِي نَفَقَةِ قَرَابَةِ الْوِلَادِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ دُونَ الْإِرْثِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ وَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوِلَادِ وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ وَالْبَعْضِيَّةُ بِاعْتِبَارِ التَّوَلُّدِ وَالتَّفَرُّعِ عَنْهُ.
وَفِي نَفَقَةِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ أَهْلَ الْإِرْثِ، وَيَجِبُ بِقَدْرِ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لِأَنَّهُ تَعَالَى
(4/12)

وَإِذَا بَاعَ الْأَبُ مَتَاعَ ابْنِهِ فِي نَفَقَتِهِ جَازَ (سم) ، وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِي يَدِهِ جَازَ، وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي أَمَرَ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى رَقِيقِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ اكْتَسَبُوا وَأَنْفَقُوا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كَسْبٌ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْجَبَهَا بِاسْمِ الْوِرَاثَةِ.
فَقِيرٌ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَأَخٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَى بِنْتِهِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ.
لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ مُوسِرَانِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْبِنْتِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتُ بِنْتٍ وَابْنُ بِنْتٍ وَأَخٌ مُوسِرُونَ فَنَفَقَتُهُ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ دُونَ الْأَخِ لِمَا بَيَّنَّا. فَقِيرٌ لَهُ أَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مِيرَاثِهِمَا، وَلَوْ كَانَ لَهُ أُخْتٌ وَعَمٌّ فَعَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ فَعَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّهَا عَلَى الْجَدِّ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ وَأَخٌ فَالثُّلُثُ عَلَى الْأُمِّ وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ، وَعِنْدَهُمَا الْبَاقِي عَلَى الْأَخِ وَالْجَدِّ نِصْفَانِ. لَهُ عَمٌّ وَخَالٌ النَّفَقَةُ عَلَى الْعَمِّ. لَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ النَّفَقَةُ عَلَى الْخَالِ وَالْمِيرَاثُ لِابْنِ الْعَمِّ، وَفِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ ثُلُثَانِ وَثُلُثٌ.
قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ الْأَبُ مَتَاعَ ابْنِهِ فِي نَفَقَتِهِ جَازَ) ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ، وَفِي الْعَقَارِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِي يَدِهِ جَازَ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ لِمَا بَيَّنَّا وَالْأُمُّ فِي هَذَا كَالْأَبِ. لَهُمَا أَنَّ بِالْبُلُوغِ انْقَطَعَتْ وَلَايَتُهُ عَنْهُ وَعَنْ مَالِهِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ فِي حَضْرَتِهِ وَلَا فِي دَيْنٍ غَيْرِ النَّفَقَةِ وَصَارَ كَالْأُمِّ. وَلَهُ - وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ - أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَحْفَظَ مَالَ ابْنِهِ الْغَائِبِ كَالْوَصِيِّ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَوْفَرُ شَفَقَةً. وَبَيْعُ النَّقْلِيِّ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ، فَإِذَا بَاعَهُ فَالثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَهُوَ نَفَقَتُهُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ حَقَّهُ، وَلَا كَذَلِكَ الْعَقَارُ فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ وَبِخِلَافِ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَقَارِبِ لِأَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لَهُمْ حَالَ صِغَرِهِ، وَلَا وَلَايَةَ الْحِفْظِ حَالَةَ الْغَيْبَةِ مَعَ الْكِبَرِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ) لِأَنَّهَا إِنَّمَا وَجَبَتْ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَقَدِ انْدَفَعَتْ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ إِذَا قُضِيَ لَهَا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مَعَ الْيَسَارِ لَا لِدَفْعِ الْحَاجَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي أَمَرَ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ وَلَايَةَ الْقَاضِي عَامَّةٌ، فَكَأَنَّ الْغَائِبَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَتَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا تَسْقُطُ.
قَالَ: (وَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى رَقِيقِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَقِّهِمْ: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» وَلِأَنَّهُمْ مَشْغُولُونَ بِخِدْمَتِهِمْ مَحْبُوسُونَ فِي مِلْكِهِمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَهْلِكُوا جُوعًا.
(فَإِنِ امْتَنَعَ اكْتَسَبُوا وَأَنْفَقُوا) لِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ: جَانِبُهُ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَجَانِبُهُمْ بِدَفْعِ حَاجَتِهِمْ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كَسْبٌ) كَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَالْجَارِيَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ الَّتِي لَا تُؤَجَّرُ (أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ) لِأَنَّ الرَّقِيقَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَفِي بَيْعِهِمْ إِيفَاءُ حَقِّهِمْ وَإِيفَاءُ حَقِّ الْمَوْلَى بِنَقْلِهِ إِلَى الْخُلْفِ،
(4/13)

وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ يُجْبَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.

فَصْلٌ فِي الْحَضَانَةِ وَإِذَا اخْتَصَمَ الزَّوْجَانِ فِي الْوَلَدِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَالْأُمُّ أَحَقُّ، ثُمَّ أُمُّهَا ثُمَّ أُمُّ الْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْإِعْسَارُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ فَتَتَمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ وَحَبْسِهِ، وَلَا دَيْنَ لِلْعَبْدِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلِأَنَّهُ يُفَوِّتُ مِلْكَهُ فِي النِّكَاحِ لَا إِلَى خُلْفٍ، وَهَاهُنَا يُفَوَّتُ إِلَى الثَّمَنِ، عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ هُنَا يَقَعُ بِاخْتِيَارِهِ وَعَقْدِهِ وَالْفَسْخُ لَا بِفِعْلِهِ.
قَالَ: (وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ يُجْبَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى) لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُمَا، وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ لِيُقْضَى لَهَا بِجَبْرِ الْمَوْلَى عَلَى نَفَقَتِهَا أَوْ بَيْعِهَا.

[فَصْلٌ فِي الْحَضَانَةِ]
ِ وَهِيَ مِنَ الْحِضْنِ، وَهُوَ مَا دُونُ الْإِبِطِ إِلَى الْكَشْحِ، وَحِضْنَا الشَّيْءِ: جَانِبَاهُ، وَحَضَنَ الطَّائِرُ بَيْضَهُ يَحْضُنُهُ: إِذَا ضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ تَحْتَ جَنَاحِهِ، فَكَأَنَّ الْمُرَبِّيَ لِلْوَلَدِ يَتَّخِذُهُ فِي حِضْنِهِ وَإِلَى جَنْبِهِ، وَلَمَّا كَانَ الصَّغِيرُ عَاجِزًا عَنِ النَّظَرِ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إِلَى مَنْ يَلِي عَلَيْهِمْ، فَفَوَّضَ الْوَلَايَةَ فِي الْمَالِ وَالْعُقُودِ إِلَى الرِّجَالِ، لِأَنَّهُمْ بِذَلِكَ أَقْوَمُ وَعَلَيْهِ أَقْدَرُ، وَفَوَّضَ التَّرْبِيَةَ إِلَى النِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ أَشْفَقُ وَأَحْنَى وَأَقْدَرُ عَلَى التَّرْبِيَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَأَقْوَى.
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَصَمَ الزَّوْجَانِ فِي الْوَلَدِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَالْأُمُّ أَحَقُّ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْتَزِعُهُ مِنِّي، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أُمَّ ابْنِهِ عَاصِمٍ، فَتَنَازَعَا وَارْتَفَعَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: " رِيقُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ شَهْدٍ وَعَسَلٍ عِنْدَكَ يَا عُمَرُ "، وَدَفَعَهُ إِلَيْهَا وَالصَّحَابَةُ حَاضِرُونَ مُتَكَاثِرُونَ، وَلِأَنَّهَا أَقْوَمُ بِالتَّرْبِيَةِ وَأَقْدَرُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَبِ فَكَانَ الدَّفْعُ إِلَيْهَا أَنْظَرَ لِلصَّبِيِّ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ حَضَانَةٌ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ الْوَلَدُ مَا لَمْ يَطْلُبْهُ فَعَسَاهُ يَعْجِزُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْأَبِ إِذَا امْتَنَعَ عَنْ أَخْذِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْحَضَانَةِ حَيْثُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ إِذَا امْتَنَعَ، لِأَنَّ الصِّيَانَةَ عَلَيْهِ.
قَالَ: (ثُمَّ أُمُّهَا ثُمَّ أُمُّ الْأَبِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ
(4/14)

ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ الْخَالَاتُ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْعَمَّاتُ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ أَوْلَى مِنْ بَنَاتِ الْأَخِ، وَهُنَّ أَوْلَى مِنَ الْعَمَّاتِ، وَمَنْ لَهَا الْحَضَانَةُ إِذَا تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ سَقَطَ حَقُّهَا، فَإِنْ فَارَقَتْهُ عَادَ حَقُّهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي نَفْيِ الزَّوْجِ، وَيَكُونُ الْغُلَامُ عِنْدَهُنَّ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنِ الْخِدْمَةِ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ حَتَّى تَحِيضَ وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا حَتَّى تَسْتَغْنِيَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ الْخَالَاتُ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْْعَمَّاتُ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ أَوْلَى مِنْ بَنَاتِ الْأَخِ، وَهُنَّ أَوْلَى مِنَ الْعَمَّاتِ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْوَلَايَةَ تُسْتَفَادُ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَكَانَتْ جِهَةُ الْأُمِّ مُقَدَّمَةً عَلَى جِهَةِ الْأَبِ، وَلِأَنَّ الْجَدَّاتِ أَقْرَبُ مِنَ الْأَخَوَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ أَقْرَبُ مِنَ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخَالَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ، لِأَنَّ الْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْخَالَةُ وَالِدَةٌ» ، وَالْخَالَاتُ مُسَاوِيَاتٌ لِلْعَمَّاتِ فِي الْقُرْبِ، وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الْخَالَاتُ لِأَنَّ قَرَابَتَهُنَّ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، وَتُقَدَّمُ مَنْ كَانَتْ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِجِهَتَيْنِ فَتَكُونُ أَوْلَى ثُمَّ مِنَ الْأُمِّ ثُمَّ مِنَ الْأَبِ تَرْجِيحًا لِقَرَابَةِ الْأُمِّ، وَلَا حَقَّ لِمَنْ لَهُنَّ رَحِمٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ كَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ.
قَالَ: (وَمَنْ لَهَا الْحَضَانَةُ إِذَا تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ سَقَطَ حَقُّهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» ، وَفِي رِوَايَةٍ: " مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي "، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: «أُمُّهُ أَوْلَى بِهِ مَا لَمْ يَشُبَّ أَوْ تَتَزَوَّجْ» ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ يَلْحَقُهُ مِنْ زَوْجِ أُمِّهِ جَفَاءٌ فَيَسْقُطُ حَقُّهَا لِلْمَضَرَّةِ، لِأَنَّ حَقَّهَا إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْحَضَانَةِ لِشَفَقَتِهَا نَظَرًا لَهُ، فَإِذَا زَالَتْ زَالَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِذِي رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنَ الصَّبِيِّ حَيْثُ لَا تَسْقُطُ لِشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ بِعَمِّهِ وَالْجَدَّةُ بِالْجَدِّ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ جَفَاءٌ مِنْ جَدِّهِ وَعَمِّهِ.
قَالَ: (فَإِنْ فَارَقَتْهُ عَادَ حَقُّهَا) لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَالَ، (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي نَفْيِ الزَّوْجِ) لِأَنَّهَا تُنْكِرُ بُطْلَانَ حَقِّهَا فِي الْحَضَانَةِ.
قَالَ: (وَيَكُونُ الْغُلَامُ عِنْدَهُنَّ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنِ الْخِدْمَةِ) فَيَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ وَيَلْبَسُ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ، وَقَدَّرَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ بِتِسْعِ سِنِينَ، وَالْخَصَّافُ بِسَبْعٍ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " هِيَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَشُبَّ "، وَلِأَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَى يَحْتَاجُ إِلَى التَّأَدُّبِ بِآدَابِ الرِّجَالِ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآَنِ وَالْعِلْمِ وَالْحِرَفِ، وَالْأَبُ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرُ فَكَانَ أَوْلَى وَأَجْدَرَ.
قَالَ: (وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ حَتَّى تَحِيضَ وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا حَتَّى تَسْتَغْنِيَ) وَقِيلَ حَتَّى تُشْتَهَى، لِأَنَّ الْجَارِيَةَ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ تَحْتَاجُ إِلَى التَّأَدُّبِ بِآدَابِ النِّسَاءِ وَتَعَلُّمِ أَشْغَالِهِنَّ، وَالْأُمُّ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا بَلَغَتِ احْتَاجَتْ إِلَى الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ، وَالْأَبُ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ فَلِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا فَلَا يَحْصُلُ التَّأَدُّبُ، وَلَا كَذَلِكَ الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ إِذَا بَلَغَتْ حَدًّا
(4/15)

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ امْرَأَةٌ أَخَذَهُ الرِّجَالُ، وَأَوْلَاهُمْ أَقْرَبُهُمْ تَعْصِيبًا وَلَا تُدْفَعُ الصَّبِيَّةُ إِلَى غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَا إِلَى مَحْرَمٍ مَاجِنٍ فَاسِقٍ، وَإِذَا اجْتَمَعَ مُسْتَحِقُّو الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَوْرَعُهُمْ أَوْلَى ثُمَّ أَكْبَرُهُمْ، وَلَا حَقَ لِلْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فِي الْحَضَانَةِ، وَالذِّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَخْرُجَ بِوَلَدِهِ مِنْ بَلَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ الِاسْتِغْنَاءِ، وَلَيْسَ لِلْأُمِّ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تُخْرِجَهُ إِلَى وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ وَطَنُهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تُشْتَهَى يَأْخُذُهَا الْأَبُ مِنَ الْأُمِّ لِلْحَاجَةِ إِلَى الْحِفْظِ. وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ: إِذَا اجْتَمَعَ النِّسَاءُ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، قَالَ: يَضَعُهُ الْقَاضِي حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُنَّ كَمَنْ لَا قَرَابَةَ لَهُ. قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ امْرَأَةٌ أَخَذَهُ الرِّجَالُ) صَوْنًا لَهُ، (وَأَوْلَاهُمْ أَقْرَبُهُمْ تَعْصِيبًا) لِأَنَّ الْوَلَايَةَ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَغْنَى عَنِ الْحَضَانَةِ، فَالْأَوْلَى بِالْحِفْظِ أَقْرَبُهُمْ تَعْصِيبًا.
قَالَ: (وَلَا تُدْفَعُ الصَّبِيَّةُ إِلَى غَيْرِ مَحْرَمٍ) كَابْنِ الْعَمِّ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ (وَلَا إِلَى مَحْرَمٍ مَاجِنٍ فَاسِقٍ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِسْقُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا ابْنُ عَمٍّ فَإِنْ شَاءَ الْقَاضِي ضَمَّهَا إِلَيْهِ إِنْ كَانَ أَصْلَحَ، وَإِلَّا وَضَعَهَا عِنْدَ أَمِينِةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَخُ مَخُوفًا عَلَيْهَا يَضَعُهَا الْقَاضِي عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ. الثَّيِّبُ الْمَأْمُونَةُ لَهَا حَقُّ التَّفَرُّدِ بِالسُّكْنَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَأْمُونَةً فَالْأَبُ يَضُمُّهَا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْبِكْرِ حَقُّ التَّفَرُّدِ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي السَّنِّ وَكَانَ لَهَا رَأْيٌ فَلَهَا أَنْ تَنْفَرِدَ.
قَالَ: (وَإِذَا اجْتَمَعَ مُسْتَحِقُّو الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَوْرَعُهُمْ أَوْلَى ثُمَّ أَكْبُرُهُمْ، وَلَا حَقَّ لِلْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فِي الْحَضَانَةِ) لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْوَلَايَةِ وَلَيْسَتَا مِنْ أَهْلِهَا، فَإِذَا أُعْتِقَتَا فَهُمَا كَالْحُرَّةِ (وَالذِّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْكُفْرُ) لِأَنَّ النَّظَرَ لَهُ فِي حَضَانَتِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ عَلَيْهِ فِيهِ الضَّرَرُ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَخْرُجَ بِوَلَدِهِ مِنْ بَلَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ الِاسْتِغْنَاءِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْأُمِّ مِنَ الْحَضَانَةِ، (وَلَيْسَ لِلْأُمِّ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تُخْرِجَهُ إِلَى وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ) لِأَنَّ التَّزَوُّجَ فِيهِ دَلِيلُ الْمُقَامِ فِيهِ ظَاهِرٌ فَقَدِ الْتَزَمَ الْمُقَامَ فِي بَلَدِهَا، وَإِنَّمَا لَزِمَهَا اتِّبَاعَهُ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِذَا زَالَتِ الزَّوْجِيَّةُ جَازَ لَهَا أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ وَطَنُهَا) لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِالصَّبِيِّ لِأَنَّهُ يَتَعَوَّدُ أَخْلَاقَ الْكُفَّارِ وَرُبَّمَا يَأْلَفُهُمْ، وَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُخْرِجَهُ إِلَى بَلَدِهَا وَلَمْ يَقَعِ الْعَقْدُ فِيهِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهَا الْمَقَامَ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ. وَعَنْ شُرَيْحٍ: إِذَا تَفَرَّقَتِ الدَّارُ فَالْعُصْبَةُ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فِي غَيْرِ وَطَنِهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَنْقُلَهُ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ دَارُ غُرْبَةٍ كَالْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الزَّوْجُ،
(4/16)

كتاب العتق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَإِذَا تَسَاوَيَا لَمْ يَجُزْ لَهَا نَقْلُهُ، وَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ وُجِدَ فِيهِ فَيُوجِبُ أَحْكَامَهُ فِيهِ فَلَا بُدَّ فِي النُّقْلَةِ مِنَ الْوَطَنِ وَوُقُوعِ الْعَقْدِ فِيهِ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ مَسَافَةٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَا يُمْكِنُ الْأَبَ الِاطَّلَاعَ عَلَيْهِ وَيَبِيتُ فِي مَنْزِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ، وَصَارَ كَالنُّقْلَةِ مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى أُخْرَى فِي الْمِصْرِ الْمُتَبَاعِدِ الْأَطْرَافِ، وَالْقَرْيَتَانِ كَالْمِصْرَيْنِ، وَكَذَا لَوِ انْتَقَلَتْ مِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى الْمِصْرِ، لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ حَيْثُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْمِصْرِ، وَبِالْعَكْسِ لَا، لِأَنَّ أَخْلَاقَ أَهْلِ السَّوَادِ أَجْفَى فَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالصَّبِيِّ فَلَا يَجُوزُ.

[كتاب العتق]
ِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقُوَّةُ، يُقَالُ: عَتَقَ الطَّائِرُ: إِذَا قَوِيَ عَلَى الطَّيَرَانِ، وَعِتَاقُ الطَّيْرِ: كَوَاسِبُهَا لِقُوَّتِهَا عَلَى الْكَسْبِ، وَعَتَقَتِ الْخَمْرُ: قَوِيَتْ وَاشْتَدَّتْ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلْجَمَالِ، يُقَالُ: فَرَسٌ عَتِيقٌ: أَيْ رَائِعٌ جَمِيلٌ، وَسُمِّيَ الصَّدِيقُ عَتِيقًا لِجَمَالِهِ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلْكَرَمِ، وَمِنْهُ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ: أَيِ الْكَرِيمُ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلسَّعَةِ وَالْجَوْدَةِ، وَمِنْهُ رِزْقٌ عَاتِقٌ: أَيْ جَيِّدٌ وَاسِعٌ.
وَفِي الشَّرْعِ: زَوَالُ الرِّقِّ عَنِ الْمَمْلُوكِ وَفِيهِ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ فَإِنَّهُ بِالْعِتْقِ يَقْوَى عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ قَبْلَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَيُورِثُهُ جَمَالًا وَكَرَامَةً بَيْنَ النَّاسِ وَيَزُولُ عَنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَجْرِ وَالْعُبُودِيَّةِ فَيَتَّسِعُ رِزْقُهُ بِسَبَبِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ. وَالْحُرِّيَّةُ: الْخَلَاصُ، وَالْحُرُّ: الْخَالِصُ، وَمِنْهُ طِينٌ حُرٌّ: خَالِصٌ لَا رَمْلَ فِيهِ، وَأَرْضٌ حُرَّةٌ: خَالِصَةٌ مِنَ الْخَرَاجِ وَالنَّوَائِبِ. وَالتَّحْرِيرُ: إِثْبَاتُ الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ الْخُلُوصُ فِي الذَّاتِ عَنْ شَائِبَةِ الرِّقِّ.
وَالرِّقُّ فِي اللُّغَةِ: الضَّعْفُ، وَمِنْهُ ثَوْبٌ رَقِيقٌ، وَصَوْتٌ رَقِيقٌ: أَيْ ضَعِيفٌ. وَفِي الشَّرْعِ: ضَعْفٌ مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْحُرُّ مِنَ الْوَلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَائِزِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَبِالْإِعْتَاقِ وَالتَّحْرِيرِ تَثْبُتُ لَهُ الْقُوَّةُ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَتُخَلِّصُهُ عَنْ شَوَائِبِ الرِّقِّ وَالْإِذْلَالِ. وَقَالَ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْعِتْقُ إِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنِ الرِّقِّ، وَالْحُقُوقُ تَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ، فَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنِ الرِّقِّ عِتْقٌ، وَعَنِ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ طَلَاقٌ، وَعَنِ الدُّيُونِ بَرَاءَةٌ، فَإِنَّهُ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَحْتَاجُ إِلَى النَّقْلِ فَيَسْقُطُ، وَلَا كَذَلِكَ الْأَعْيَانُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْهَا، لِأَنَّ الْعَيْنَ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ تَبْقَى غَيْرَ مُتَنَقِّلَةً فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ.
وَهُوَ قَضِيَّةٌ مَشْرُوعَةٌ وَقُرْبَةٌ مَنْدُوبَةٌ. أَمَّا شَرْعِيَّتُهَا فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] ، وَقَالَ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] كُلِّفْنَا بِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، وَلَوْلَا شَرْعِيَّتُهُ لَمَا كُلِّفْنَاهُ، إِذْ تَكْلِيفُ
(4/17)

وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ مَالِكٍ قَادِرٍ عَلَى التَّبَرُّعَاتِ وَأَلْفَاظُهُ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ يَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُحَرَّرٌ، أَوْ عَتِيقٌ، أَوْ مُعْتَقٌ، وَأَعْتَقْتُكَ، أَوْ حَرَّرْتُكَ، وَهَذَا مَوْلَايَ، أَوْ يَا مَوْلَايَ، أَوْ هَذِهِ مَوْلَاتِي، وَيَا حُرُّ، وَيَا عَتِيقُ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ فَلَا يَعْتِقُ، وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الْحُرِّيَّةِ إِلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ قَبِيحٌ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَصْحَابُهُ أَعْتَقُوا، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى شَرْعِيَّتِهِ، وَأَمَّا النَّدْبِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13] {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] وَالنَّدْبِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ أَيْضًا. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» «وَسَأَلَ أَعْرَابِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ: لَئِنْ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ عَرَّضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ "، قَالَ: أَلَيْسَا وَاحِدًا، قَالَ: " لَا، عِتْقُ الرَّقَبَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا» .
ثُمَّ الْعِتْقُ قَدْ يَقَعُ قُرْبَةً وَمُبَاحًا وَمَعْصِيَةً، فَإِنْ أَعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَنْ كَفَّارَةٍ فَهُوَ قُرْبَةٌ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَوْ أَعْتَقَهُ لِفُلَانٍ فَهُوَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِالْعِتْقِ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ بِهِ تَوَثُّقًا وَخَوْفًا مِنَ التَّجَاحُدِ.
(وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ مَالِكٍ قَادِرٍ عَلَى التَّبَرُّعَاتِ) ، أَمَّا الْمِلْكُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَضَافَهُ إِلَى مِلْكِهِ كَمَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى التَّبَرُّعَاتِ فَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.
قَالَ: (وَأَلْفَاظُهُ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ يَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ) كَمَا قُلْنَا فِي الطَّلَاقِ، (وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُحَرَّرٌ، أَوْ عَتِيقٌ، أَوْ مُعْتَقٌ) وَإِنْ نَوَى بِهِ الْخُلُوصَ وَالْقِدَمَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ، (وَ) قَوْلُهُ (أَعْتَقْتُكَ، أَوْ حَرَّرْتُكَ) صَرِيحٌ أَيْضًا، (وَ) كَذَلِكَ (هَذَا مَوْلَايَ، أَوْ يَا مَوْلَايَ، أَوْ هَذِهِ مَوْلَاتِي) لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُعْتَقِ وَالْمُعْتِقِ فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ ضَرُورَةً، وَلَوْ نَوَى النُّصْرَةَ وَالْمَحَبَّةَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ عُتِقَ قَضَاءً لِأَنَّهُ مَتَى صَارَ حُرًّا فِي شَيْءٍ صَارَ حُرًّا فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تَتَجَزَّأُ (وَيَا حُرُّ، وَيَا عَتِيقُ) صَرِيحٌ أَيْضًا (إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ فَلَا يَعْتِقُ) إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْإِنْشَاءَ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الْحُرِّيَّةِ إِلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ) وَهُوَ كَالطَّلَاقِ فِي التَّفْصِيلِ وَالْحُكْمِ وَالْخِلَافِ وَالْعِلَّةِ، وَلَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا شَائِعًا كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ عُتِقَ ذَلِكَ الْجُزْءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي الْبَاقِي، وَعِنْدَهُمَا يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَلَوْ قَالَ: بَعْضُكَ حُرٌّ
(4/18)

وَالْكِنَايَاتُ تَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا رِقَّ، وَخَرَجْتَ مِنْ مِلْكِي، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَطْلَقْتُكِ، وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُكِ لَا تَعْتِقُ وَإِنْ نَوَى، وَإِنْ قَالَ: هَذَا ابْنِي أَوْ أَبِي أَوْ أُمِّي عَتَقَ (سم)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ جُزْؤُكَ عُتِقَ كُلُّهُ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ. وَلَوْ قَالَ: دَمُكَ حُرٌّ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: فَرْجُكِ حُرٌّ مِنَ الْجِمَاعِ عُتِقَتْ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: فَرْجُكَ حُرٌّ يُعْتَقُ، وَقِيلَ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ فَرْجَ الْمَرْأَةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ لَا فَرْجَ الرَّجُلِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» وَالْمُرَادُ النِّسَاءُ، وَفِي الِاسْتِ وَالدُّبُرِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ، وَفِي الْعِتْقِ رِوَايَتَانِ. وَمِمَّا يُلْحَقُ بِالصَّرِيحِ قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ: وَهَبْتُ لَكَ نَفْسَكَ، أَوْ بِعْتُكَ نَفْسَكَ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ قَبِلَ الْعَبْدُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي زَوَالَ الْمِلْكِ إِلَى الْعَبْدِ فَيَزُولُ مِلْكُهُ بِإِزَالَتِهِ صَرِيحًا، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي الْعِتْقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لُغَةً، لَكِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالصَّرِيحِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ النَّفْسِيَّةَ دُونَ الْمَالِيَّةِ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَكُونُ إِعْتَاقًا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ: بِعْتُ مِنْكَ نَفْسَكَ بِكَذَا افْتَقَرَ إِلَى الْقَبُولِ لِمَكَانِ الْعِوَضِ.
(وَالْكِنَايَاتُ تَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ) لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ الْعِتْقَ وَغَيْرَهُ فَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا قُلْنَا فِي الطَّلَاقِ، (وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا رِقَّ، وَخَرَجْتَ مِنْ مِلْكِي) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ لِأَنِّي بِعْتُكَ أَوْ وَهَبْتُكَ، وَيَحْتَمِلُ لِأَنِّي أَعْتَقْتُكَ، وَكَذَا سَائِرُهَا فَاحْتَاجَ إِلَى النِّيَّةِ، وَكَذَا خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، لِأَنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ يَكُونُ بِالْبَيْعِ وَيَكُونُ بِالْكِتَابَةِ وَيَكُونُ بِالْعِتْقِ فَلَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، (وَكَذَا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَطْلَقْتُكِ) لِأَنَّهُ بِمَعْنَى خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ.
(وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ لَا تُعْتَقُ وَإِنْ نَوَى) وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَلْفَاظِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتِهِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَمَا يُزِيلُ الْأَقْوَى يُزِيلُ الْأَضْعَفَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَمَّا مَا يَكُونُ مُزِيلًا لِلْأَضْعَفِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُزِيلًا لِلْأَقْوَى، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ إِثْبَاتٌ لِلْقُوَّةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَالطَّلَاقُ رَفْعُ الْقَيْدِ، وَبَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالرَّفْعِ تَضَادٌّ، وَلِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتِهِ مُسْتَعْمَلَةٌ لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ، وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ تُنَافِي النِّكَاحَ وَلَا تُنَافِي الْمَمْلُوكِيَّةَ فَلَا يَقَعُ كِنَايَةً عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ لِعَبْدِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ لَا تُعْتَقُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: لَا حَقَّ لِي عَلَيْكَ يُعْتَقُ إِذَا نَوَى، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لِأَنَّ الْحَقَّ عِبَارَةٌ عَنِ الْمِلْكِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ، أَوْ جَعَلْتُكَ خَالِصًا لِلَّهِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى بِحُكْمِ التَّخْلِيقِ، وَعَنْهُمَا أَنَّهُ يُعْتَقُ لِأَنَّ الْخُلُوصَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْعِتْقِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ هَذَا ابْنِي أَوْ أَبِي أَوْ أُمِّي عُتِقَ) ،
(4/19)

وَلَوْ قَالَ: هَذَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قَالَ: يَا بُنَيَّ أَوْ يَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قَالَ: مَا أَنْتَ إِلَّا حُرٌّ عَتَقَ، وَلَوْ قَالَ: لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: هَذَا عَمِّيَ أَوْ خَالِي، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَصْلُحُ وَالِدًا أَوْ وَلَدًا وَهُوَ مَجْهُولُ النَّسَبِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ أَيْضًا، لِأَنَّ لَهُ وَلَايَةَ الدَّعْوَةِ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إِلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ وَيُعْتَقُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ وَالِدًا فِي قَوْلِهِ هَذَا أَبِي بِأَنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ، وَلَا وَلَدًا فِي قَوْلِهِ: هَذَا ابْنِي بِأَنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ، أَوْ مُقَارَنَةَ - عَتَقَ أَيْضًا عَمَلًا بِمَجَازِ اللَّفْظِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِتَعَذُّرِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يُعْتَقُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَعْتَقْتُكَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ، لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُلَازِمَةٌ لِلْبُنُوَّةِ فِي الْمَمْلُوكِ، وَالْمُلَازَمَةُ مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ تَحَرُّزًا عَنْ إِلْغَاءِ كَلَامِ الْعَاقِلِ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْمَجَازِ فِيهِ فَتَعَيَّنَ الْإِلْغَاءُ، ثُمَّ قِيلَ لَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ الْعَبْدِ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْمَالِكِ عَلَى مَمْلُوكِهِ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِهِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ التَّصْدِيقُ فِيمَا سِوَى دَعْوَةِ الْبُنُوَّةِ، لِأَنَّ غَيْرَ الْبُنُوَّةِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ دَعْوَى عَلَى الْعَبْدِ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَيُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِلتَّعَذُّرِ، وَيُعْتَقُ عَمَلًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَجَازِ.
(وَلَوْ قَالَ: هَذَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْأَخُ فِي الدِّينِ عُرْفًا وَشَرْعًا، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَقُ لِأَنَّ مِلْكَ الْأَخِ مُوجِبٌ لِلْعِتْقِ، وَالْأُخُوَّةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَنْصَرِفُ إِلَى النَّسَبِ.
(وَلَوْ قَالَ: يَا بُنَيَّ أَوْ يَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالنِّدَاءِ إِلَّا بِخَمْسَةِ أَلْفَاظٍ: يَا ابْنِي، يَا بِنْتِي، يَا عَتِيقُ، يَا حُرُّ، يَا مَوْلَايَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِالثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، لِأَنَّ النِّدَاءَ وُضِعَ لِإِعْلَامِ الْمُنَادَى لَا لِتَحْقِيقِ مَعْنَى النِّدَاءِ فِي الْمُنَادَى حَتَّى يُقَالَ لِلْبَصِيرِ يَا أَعْمَى، وَلِلْأَبْيَضِ يَا أَسْوَدُ، إِلَّا فِيمَا تَعَارَفَ النَّاسُ إِثْبَاتُ الْعِتْقِ بِهِ وَهِيَ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ إِعْلَامًا لِأَنَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِاسْمٍ لَهُ وَضْعًا فَجَعَلْنَاهُ لِإِثْبَاتِ مَعْنَى النِّدَاءِ فِي الْمُنَادَى وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنِ الْإِلْغَاءِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذِهِ بِنْتِي، أَوْ لِأَمَتِهِ: هَذَا ابْنِي. عُتِقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَمَلًا بِالْإِشَارَةِ، وَقِيلَ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ وَالتَّسْمِيَةَ اجْتَمَعَا فِي جِنْسَيْنِ فَكَانَتِ الْعِبْرَةُ لِلتَّسْمِيَةِ وَالْمُسَمَّى مَعْدُومٌ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ لَمْ يَعْتِقْ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ الْمُشَارَكَةُ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي عُرْفًا وَقَدْ وُجِدَ فَلَا يُعْتَقُ بِالشَّكِّ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يُعْتَقُ إِذَا نَوَى كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ مِثْلُ امْرَأَةِ فُلَانٍ - وَفُلَانٌ قَدْ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ - إِنْ نَوَى الْإِيلَاءَ يَصِيرُ مُولِيًا.
(وَلَوْ قَالَ: مَا أَنْتَ إِلَّا حُرٌّ عَتَقَ) لِأَنَّ هَذَا إِثْبَاتٌ مِنَ النَّفْيِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّأْكِيدِ كَلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ، (وَلَوْ قَالَ: لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكَ
(4/20)

لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ نَوَى، وَعِتْقُ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَاقِعٌ.

وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَالْمُكَاتَبُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ قَرَابَةُ الْوِلَادِ لَا غَيْرُ (سم) ، وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ عَتَقَ وَكَانَ عَاصِيًا، وَمَنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَمْلُهَا مَعَهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ نَوَى) لِأَنَّ السُّلْطَانَ عِبَارَةٌ عَنِ الْيَدِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَدَ لِي عَلَيْكَ وَنَوَى لَا يَعْتِقُ، لِأَنَّ نَفْيَ الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ بِالْكِتَابَةِ لَا بِالْعِتْقِ، (وَعِتْقُ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَاقِعٌ) لِمَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ.

[فصل من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه]
فَصْلٌ (وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: " عَتَقَ عَلَيْهِ "، فَيَنْتَظِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالْعَاقِلَ وَالْمَجْنُونَ وَالْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ عَمَلًا بِعُمُومِ كَلِمَةِ " مَنْ " وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعِبَادِ وَهُمُ الْأَقْرِبَاءُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ كَالنَّفَقَاتِ وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذِي رَحِمِ مَحْرَمٍ وِلَادٌ وَغَيْرُهُ كَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ، وَذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ كُلُّ شَخْصَيْنِ يُدْلِيَانِ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالْأَخَوَيْنِ. أَوْ أَحَدُهُمَا بِوَاسِطَةٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَالْعَمِّ وَابْنِ الْأَخِ إِلَى الْجَدِّ، وَلَا يَعْتِقُ بِالْمِلْكِ ذُو رَحِمٍ غَيْرُ مَحْرَمٍ، كَبَنِي الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ وَبَنِي الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ، وَلَا مَحْرَمٌ غَيْرُ ذِي رَحِمٍ كَالْمُحَرَّمَاتِ بَالصِّهْرِيَّةِ وَالرَّضَاعِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ بِدُونِ الْإِعْتَاقِ ضَرَرٌ إِلَّا أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ بِالنَّصِّ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى الْأَصْلِ.
قَالَ: (وَالْمُكَاتَبُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ قَرَابَةُ الْوِلَادِ لَا غَيْرُ) ، وَقَالَا: يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ الْأَخُ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُرًّا عَتَقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ مُكَاتَبًا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ كَقَرَابَةِ الْوِلَادِ. وَلَهُ أَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ نَاقِصٌ حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى الْإِعْتَاقِ. وَالْوُجُوبُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَقَرَابَةُ الْوِلَادِ الْعِتْقُ فِيهِمْ مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابَةِ، فَامْتَنَعَ الْبَيْعُ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الْكِتَابَةِ. أَمَّا حُرِّيَّةُ الْأَخِ وَالْعَمِّ لَيْسَتْ مِنْ مَقْصُودِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِيهِمَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ عَتَقَ وَكَانَ عَاصِيًا) لِصُدُورِ الْإِعْتَاقِ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ عَنْ وَلَايَةٍ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتَ حُرٌّ صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ فَيَقَعُ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ وَيَكُونُ عَاصِيًا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْكَفَرَةِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَمْلُهَا مَعَهَا) لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا فَصَارَ كَبَعْضِ أَجْزَائِهَا، وَلَيْسَ الْقَبْضُ وَالتَّسْلِيمُ فِيهِ شَرْطًا فَيَصِحُّ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ
(4/21)

وَإِنْ أَعْتَقَ حَمْلَهَا عَتَقَ خَاصَّةً، وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالتَّدْبِيرِ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا حُرٌّ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَقَبِلَ عَتَقَ وَلَزِمَهُ الْمَالُ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ صَارَ مَأْذُونًا وَيَعْتِقُ بِالتَّخْلِيَةِ (ز) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَلْفِ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْمَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ أَوِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، (وَإِنْ أَعْتَقَ حَمْلَهَا عَتَقَ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا لِتُعْتَقَ أَصَالَةً وَلَا تُعْتَقُ تَبَعًا لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ عَتَقَ وَبَطَلَ الْمَالُ، لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَلْزَمُ الْحَمْلَ لِأَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْأُمَّ لِعَدَمِ الْتِزَامِهَا، ثُمَّ إِنَّمَا يُعْرَفُ قِيَامُ الْحَمْلِ وَقْتَ الْعِتْقِ إِذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعِتْقِ لِمَا عُرِفَ.
قَالَ: (وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالتَّدْبِيرِ) لِأَنَّ جَانِبَ الْأُمِّ رَاجِحٌ اعْتِبَارًا لِلْحَضَانَةِ، (وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا حُرٌّ) لِأَنَّهُ انْخَلَقَ مِنْ مَائِهِ وَقَدِ انْعَلَقَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ.
(وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ) وَهُوَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ، فَأَوْلَادُهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ لِمَوْلَاهَا، عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْرُورُ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ عَبْدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ مَا نُقِلَ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَا يُفَصِّلُ، وَقَالَ: أَوْلَادُهُمْ أَرِقَّاءُ لِحُصُولِهِمْ بَيْنَ رَقِيقَيْنِ فَلَا وَجْهَ إِلَى حُرِّيَّتِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَبِ الْحُرِّ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُ الْوَلَدِ حُرًّا تَبَعًا لِأَبِيهِ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ لَمْ يَرِدْ قَوْلًا بَلْ حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي صُورَةٍ كَانَ الْأَبُ حُرًّا فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُعَيَّرُ بِكَوْنِ وَلَدِهِ عَبْدًا وَالْحُرُّ يُعَيَّرُ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَقَبِلَ عَتَقَ وَلَزِمَهُ الْمَالُ) ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكَ أَلْفًا، أَوْ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا، أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَيَّ أَلْفًا، وَإِنَّمَا شُرِطَ قَبُولُهُ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَمِنْ شَرْطِهَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِقَبُولِ الْعِوَضِ فِي الْحَالِ كَالْبَيْعِ، وَلِهَذَا قُلْنَا يَعْتِقُ إِذَا قَبِلَ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِالْقَبُولِ لَا بِالْأَدَاءِ، وَقَوْلُهُ: لَزِمَهُ الْمَالُ مَعْنَاهُ يَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى تَصِحَّ بِهِ الْكَفَالَةُ، وَاللَّفْظُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْتَظِمُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْمَالِ: النُّقُودِ وَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ كَالنِّكَاحِ وَأَخَوَاتِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِقَبُولِهِ فِي الْمَجْلِسِ إِنْ حَضَرَهُ وَإِنْ غَابَ عَلَى مَجْلِسِ عِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِإِذَا فَهُوَ كَالتَّعْلِيقِ بِمَتَى لَا يَتَوَقَّفُ بِالْمَجْلِسِ وَقَدْ عُرِفَ فِي الطَّلَاقِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ صَارَ مَأْذُونًا وَيَعْتِقُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَلْفِ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْمَالِ) ، أَمَّا صَيْرُورَتُهُ مَأْذُونًا فَلِأَنَّ الْمَوْلَى لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ أَدَاءَ الْمَالِ وَطَرِيقُهُ الِاكْتِسَابُ بِالتِّجَارَةِ غَالِبًا، فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ دَلَالَةً. وَأَمَّا جَوَازُ الْبَيْعِ قَبْلَ أَدَاءِ الْمَالِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ، فَمَا لَمْ يُؤَدِّهِ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ فَلَا يَعْتِقُ وَلَيْسَ بِمُكَاتَبٍ فَلَهُ بَيْعُهُ، وَأَمَّا عِتْقُهُ بِالتَّخْلِيَةِ فَمَذْهَبُنَا. وَقَالَ زُفَرُ:
(4/22)

وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ عَتَقَ وَسَعَى فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَاهُ (سَمِّ) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِالْأَدَاءِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الشَّرْطُ فَلَا يَعْتِقُ قَبْلَهُ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ لَفْظًا مُعَاوَضَةٌ مَقْصُودًا لِأَنَّ الْأَلْفَ يَصْلُحُ عِوَضًا عَنِ الْعِتْقِ حَتَّى لَوْ نَصَّ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ يَصِيرُ عِوَضًا، فَيَنْعَقِدُ مُعَاوَضَةً بَيْنَ الْأَلْفِ وَالْعِتْقِ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِهِ، فَبِاعْتِبَارِ الْمُعَاوَضَةِ يَنْزِلُ الْمَوْلَى قَابِلًا لِلْبَدَلِ مَتَى وَصَلَ إِلَيْهِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْعَبْدُ بِهِ، وَقَدْ رَضِيَ الْمَوْلَى بِنُزُولِ الْعِتْقِ عِنْدَ وُصُولِ الْأَلْفِ إِلَيْهِ، وَبِالتَّخْلِيَةِ قَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ فَجَعَلْنَاهُ تَعْلِيقًا ابْتِدَاءً عَمَلًا بِاللَّفْظِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمَوْلَى لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِهِ وَلَا يَسْرِيَ إِلَى الْوَلَدِ قَبْلَ الْأَدَاءِ مُعَاوَضَةً عِنْدَ الْأَدَاءِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْعَبْدِ حَتَّى يَعْتِقَ بِالْأَدَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَنَظِيرُهُ الْهِبَةُ بِعِوَضٍ: هِبَةٌ ابْتِدَاءً بَيْعٌ انْتِهَاءً، وَلَوْ أَدَّى الْبَعْضَ أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى قَبُولِهِ وَلَا يَعْتِقُ لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ أَدَّى أَلْفًا اكْتَسَبَهَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ عَتَقَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَوْلَى بِمِثْلِهَا لِأَنَّهُ أَدَّاهَا مِنْ مَالِ الْمَوْلَى، وَإِنْ أَدَّاهَا مِنْ مَالٍ اكْتَسَبَهُ بَعْدَ التَّعْلِيقِ عَتَقَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الْأَدَاءِ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا.

[فصل من أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ عَتَقَ وَسَعَى فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَاهُ) ، وَقَالَا: يَعْتِقُ كُلُّهُ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا، فَإِضَافَةُ الْعِتْقِ إِلَى بَعْضِهِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى كُلِّهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَجَزَّأُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَعْتَقَ. لَهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ شَرِيكٌ» ، وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إِثْبَاتُ الْعِتْقِ وَهُوَ قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ وَالْقُوَّةُ لَا تَتَجَزَّأُ، إِذْ لَا يَكُونُ بَعْضُهُ قَوِيًّا وَبَعْضُهُ ضَعِيفًا، أَوْ نَقُولُ: هُوَ إِزَالَةُ الرِّقِّ الَّذِي هُوَ ضَعْفٌ حُكْمِيٌّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ فَصَارَ كَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ. وَلَهُ مَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُ كُلِّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: كُلِّفَ عِتْقَ مَا بَقِيَ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَ مَا بَقِيَ» ، وَلَوْ عَتَقَ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ إِعْتَاقُهُ وَلَمَا كُلِّفَ ذَلِكَ، لِأَنَّ إِعْتَاقَ الْمُعْتَقِ مُحَالٌ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وَأَعْطَى شُرَكَاءَهَ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَةِ، ثُمَّ يَغْرُمُ ثَمَنَهُ، ثُمَّ يَعْتِقُ الْعَبْدُ، وَعَائِشَةُ تَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إِزَالَةُ مِلْكِهِ، وَالْمُتَصَرِّفُ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ وَلَايَتِهِ وَهُوَ إِزَالَةُ مِلْكِهِ فَيَتَقَدَّرُ بِهِ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ التَّصَرُّفَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعِ الْإِضَافَةِ وَالتَّعَدِّي فِي الطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ، أَمَّا الْمِلْكُ فَلِأَنَّهُ مُتَجَزِّئٌ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَيُسَمَّى إِعْتَاقًا مَجَازًا
(4/23)

وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ (سم) ، وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ عَتَقَ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى قِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَاضِلًا عَنْ مَلْبُوسِهِ وَقُوتِ يَوْمِهِ وَعِيَالِهِ، فَشَرِيكُهُ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ دَبَّرَ، وَإِنْ شَاءَ كَاتَبَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُضَمِّنُ (سم) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْعِتْقِ. فَيُحْمَلُ حَدِيثُهُمَا عَلَى ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَتَجِبُ السِّعَايَةُ فِي الْبَاقِي عَلَى الْعَبْدِ، لِأَنَّ مَالِيَّةَ الْبَاقِي صَارَتْ مُحْتَبَسَةً عِنْدَ الْعَبْدِ، وَلِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى مِلْكِهِ، وَوَجَبَ إِخْرَاجُهُ إِلَى الْحُرِّيَّةِ بِمَا رَوَيْنَا، وَلَا يَلْزَمُهُ إِزَالَتُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهُ، وَلَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ لِمَا رَوَيْنَا كَالْمُكَاتَبِ.
قَالَ: (وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ الْمَالِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يَتَزَوَّجُ، وَيُفَارِقُ الْمُكَاتَبَ فِي خَصْلَةٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ فِي الرِّقِّ لَوْ عَجَزَ، لِأَنَّ الَّذِي أَوْجَبَ السِّعَايَةَ وُقُوعُ الْحُرِّيَّةِ فِي بَعْضِهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْعَجْزِ، وَقَالَا: هُوَ حُرٌّ مَدْيُونٌ، لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ فِي جَمِيعِهِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَصْلِ فِي التَّجَزُّؤِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ عِنْدَهُمَا، وَهَذَا كَمَا إِذَا أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ، أَوْ أَعْتَقَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ أَوْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَوِ الْغُرَمَاءُ أَوِ الْمَرِيضُ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ.
أَمَّا الْعَبْدُ الرَّهْنُ إِذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَسَعَى الْعَبْدُ فَهُوَ حُرٌّ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الرَّاهِنِ لَا فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلِهَذَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا سَعَى.
قَالَ: (وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ عَتَقَ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى قِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَاضِلًا عَنْ مَلْبُوِسِهِ وَقُوتِ يَوْمِهِ وَعِيَالِهِ، فَشَرِيكُهُ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ دَبَّرَ، وَإِنْ شَاءَ كَاتَبَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ) ، وَقَالَا: لَيْسَ لَهُ إِلَّا الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ وَالسِّعَايَةُ مَعَ الْإِعْسَارِ. وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا الضَّمَانُ فِي حَالَةِ الْيَسَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْجَبَ الضَّمَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ الْمُوسِرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَصِيبَ السَّاكِتِ حَيْثُ أَعْجَزَهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالتَّمْلِيكِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ، فَإِذَا ضَمَّنَهُ فَالْمُعْتِقُ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ بِالضَّمَانِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَيْهِ بِمَا كَانَ لِشَرِيكِهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَالْوَلَاءُ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ وَيَرْجِعُ بِمَا أَدَّى عَلَى الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى صَارَ كَالشَّرِيكِ السَّاكِتِ، لِلسَّاكِتِ ذَلِكَ بِالسِّعَايَةِ فَكَذَا هَذَا. وَالثَّانِي لِلسَّاكِتِ وَلَايَةُ الْإِعْتَاقِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يَعْتِقَ تَسْوِيَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، فَإِذَا أَعْتَقَ كَانَ وَلَاءُ نَصِيبِهِ لَهُ. وَالثَّالِثُ لِلسَّاكِتِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ
(4/24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّ نَصِيبَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنَ الْعَبْدِ لِمَا بَيَّنَّا، فَإِذَا اسْتَسْعَى فَوَلَاءُ نَصِيبِهِ لَهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالرَّابِعُ لَهُ أَنْ يُدَبِّرَ أَوْ يُكَاتِبَ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ فِيهِ كَانَ قَابِلًا لِلتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ نَوْعُ إِعْتَاقٍ وَالْكِتَابَةَ اسْتِسْعَاءٌ مُنَجَّمٌ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ أَيْضًا، وَفِي حَالَةِ الْإِعْسَارِ إِنْ شَاءَ السَّاكِتُ أَعْتَقَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ كَاتَبَ أَوِ اسْتَسْعَى لِمَا بَيَّنَّا، وَالْوَلَاءُ لَهُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لِأَنَّهَا عِتْقٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْتَنَى عَلَى تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ، فَلَمَّا كَانَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ تَفَرَّعَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ يَتَجَزَّأْ عِنْدَهُمَا عَتَقَ كُلُّهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَتَعَيَّنُ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا تَعَذَّرَ ضَمَانُهُ فَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ مُحْتَبَسَةٌ عِنْدَهُ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهُ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ بِمَا يُؤَدِّي بِإِجْمَاعٍ بَيْنَنَا، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ بِغَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى فَكَانَ ضَمَانًا بِعِوَضٍ حَصَلَ لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَسْعَى لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ لَا لِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَى الْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ لَمْ يَلْحَقْهُ شَيْءٌ. وَلَهُمَا أَيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ إِنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا يَسْعَى الْعَبْدُ» قُسِمَ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ.
وَيُعْتَبَرُ الْإِعْسَارُ وَالْيَسَارُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ، حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَعْسَرَ لَا يَبْطُلُ التَّضْمِينُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَأَيْسَرَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّضْمِينِ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِنَفْسِ الْعِتْقِ فَلَا يَتَغَيَّرُ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ يُحَكَّمُ الْحَالُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَالْعِتْقِ مُدَّةٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا الْأَحْوَالُ، فَالْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ قَائِمًا يُقَوَّمُ لِلْحَالِ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا فَالْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْإِعْتَاقُ سَابِقًا عَلَى الِاخْتِلَافِ فَالْقَوْلُ لَهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ وَوَقْتِ الْإِعْتَاقِ يُحْكَمُ بِالْعِتْقِ لِلْحَالِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لَوِ اخْتَلَفَ الْعَبْدُ وَالسَّاكِتُ فِي الْقِيمَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ السَّاكِتُ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ إِلَّا التَّضْمِينُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالسِّعَايَةَ فَاتَا بِالْمَوْتِ، فَإِذَا ضَمِنَ رَجَعَ الْمُعْتِقُ عَلَى كَسْبِ الْعَبْدِ إِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ.
وَلَوْ كَانَ الْمُعَتَقُ مُعْسِرًا فَلِلسَّاكِتِ أَنْ يَرْجِعَ فِي أَكْسَابِهِ لِأَنَّ السِّعَايَةَ تَجِبُ بِنَفْسِ الْعِتْقِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ يُؤْخَذُ الضَّمَانُ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ الْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَرَضِ فَلَا شَيْءَ فِي تَرِكَتِهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ ضَمَانَ التَّمْلِيكِ لَا يَخْتَلِفُ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَلَوْ مَاتَ السَّاكِتُ فَلِلْوَرَثَةِ أَحَدُ الِاخْتِيَارَاتِ، فَإِنِ اخْتَارَ بَعْضُهُمُ الْعِتْقَ وَبَعْضُهُمُ الضَّمَانَ فَلَهُمْ ذَلِكَ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى أَحَدِهِمَا. أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ وَشَرِيكُهُ عَبْدٌ مَأْذُونٌ إِنْ كَانَ مَدْيُونًا فَلَهُ خِيَارُ التَّضْمِينِ أَوِ السِّعَايَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْيُونًا
(4/25)

وَإِذَا اشْتَرَيَا ابْنَ أَحَدِهِمَا عَتَقَ نَصِيبُ الْأَبِ، وَشَرِيكُهُ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ (سم) وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ مَاتَ عَتَقَ الْآخَرُ، وَكَذَا إِذَا اسْتَوْلَدَ إِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَالْخِيَارُ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ شَرِيكُهُ صَبِيًّا فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ وَصِيٌّ إِنْ شَاءَ ضَمِنَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ أَوْ يُنَصِّبُ لَهُ الْقَاضِي وَلِيًّا، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ يُبْتَنَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَيَا ابْنَ أَحَدِهِمَا عَتَقَ نَصِيبُ الْأَبِ، وَشَرِيكُهُ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) وَكَذَا إِذَا مَلَكَاهُ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَقَالَا: يَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَسْعَى الِابْنُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِ أَبِيهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا اشْتَرَيَاهُ وَقَدْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِهِ إِنِ اشْتَرَى نِصْفَهُ، وَإِنْ مَلَكَاهُ بِالْإِرْثِ فَكَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إِعْتَاقٌ عَلَى أَصْلِنَا، فَقَدْ أَفْسَدَ نَصِيبَ الشَّرِيكِ بِالْإِعْتَاقِ فَصَارَ كَعَبْدٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إِعْتَاقٌ كَمَا قَالَا وَقَدْ شَارَكَهُ فِيهِ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي عِلَّةِ الْإِعْتَاقِ فَيَكُونُ رَاضِيًا بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ فَلَا يُضَمَّنُ، كَمَا إِذَا أَذِنَ لَهُ بِالْقَوْلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ وَهُوَ الشِّرَاءُ، كَمَا إِذَا أَمَرَ رَجُلًا بِأَكْلِ طَعَامٍ مَمْلُوكٍ لِلْآمِرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَلَوِ اشْتَرَى الْأَجْنَبِيُّ نِصْفَهُ أَوَّلًا ثُمَّ اشْتَرَى الْأَبُ النِّصْفَ الْآخَرَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَالْأَجْنَبِيُّ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي نَصِيبِهِ لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّتِهِ عِنْدَهُ، وَقَالَا: يَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ لِمَا عُرِفَ، وَلَوِ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ مِمَّنْ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ لَمْ يَضْمَنْ لِلْبَائِعِ شَيْئًا، وَقَالَا: يَضْمَنُ وَالْأَصْلُ مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ مَاتَ عَتَقَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالْمَوْتِ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْعِتْقِ، وَبِالْبَيْعِ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ، وَبِالْعَرْضِ قَصَدَ الْوُصُولَ إِلَى الثَّمَنِ وَأَنَّهُ يُنَافِي الْحُرِيَّةَ وَذَلِكَ بِالْبَيْعِ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْعِتْقِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَبِالتَّدْبِيرِ قُصِدَ بَقَاءُ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِلَى حِينِ مَوْتِهِ، وَأَنَّهُ يُنَافِي الْعِتْقَ الْمُنَجَّزَ فَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ.
قَالَ: (وَكَذَا إِذَا اسْتَوْلَدَ إِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ) لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ كَالتَّدْبِيرِ فِيمَا ذَكَرْنَا بَلْ أَقْوَى، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَعْتَقْتُكَ، فَإِنْ نَوَى الْبَيَانَ صُدِّقَ دِيَانَةً وَالْآخَرُ عَبْدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ عَتَقَا، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّهُمَا نَوَيْتَ؟ ، فَقَالَ: لَمْ أَعْنِ هَذَا عَتَقَ الْآخَرُ
(4/26)

وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا حُرَّةٌ. ثُمَّ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا لَا تَعْتِقُ الْأُخْرَى (سم) ، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ أَوْ إِحْدَى أَمَتَيْهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ (سم) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ أَعْنِ هَذَا عَتَقَ الْأَوَّلُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ طَلَاقُ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: لِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلِيَّ أَلْفٌ، فَقِيلَ لَهُ: هُوَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، لَا يَجِبُ لِلْآخَرِ شَيْءٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّعْيِينَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ، فَإِذَا نَفَاهُ عَنْ أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ إِقَامَةً لِلْوَاجِبِ، أَمَّا الْإِقْرَارُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ فِيهِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْمَجْهُولِ لَا يَلْزَمُ حَتَّى لَا يُجْبَرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ نَفْيُ أَحَدِهِمَا تَعْيِينًا لِلْآخَرِ، وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ بَيَّنَ فِي الْمَرَضِ يَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّهُ أَنْشَأَ عِتْقًا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ كَالْكَفَّارَةِ. وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَا يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي الْبَيَانِ.
(وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا لَا تُعْتَقُ الْأُخْرَى) وَقَالَا: تُعْتَقُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إِلَّا فِي الْمِلْكِ، وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ فَكَانَ بِالْوَطْءِ مُسْتَبْقِيًا لِلْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ فَتَتَعَيَّنُ الْأُخْرَى كَمَا فِي طَلَاقِ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمُنَكَّرَةِ وَالْوَطْءَ فِي الْمُعَيَّنَةِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ فَلَا يُجْعَلُ بَيَانًا، ثُمَّ قِيلَ: الْعِتْقُ غَيْرُ نَازِلٍ قَبْلَ الْبَيَانِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى كَسْبَهُمَا وَعَقْرَهُمَا وَأَرْشَهُمَا، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهُمَا عِنْدَهُ وَلَا يُفْتَى بِهِ، وَيَنْزِلُ الْعِتْقُ فِي إِحْدَاهُمَا عِنْدَ الْبَيَانِ، وَمَا دَامَ الْخِيَارُ لِلْمَوْلَى فِيهِمَا فَهُمَا كَأَمَتَيْنِ. وَقِيلَ إِنَّهُ نَازِلٌ فِي الْمُنَكَّرَةِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمٍ يَقْبَلُهُ وَالْوَطْءُ يَقَعُ فِي الْمُعَيَّنَةِ فَلَا تَتَعَيَّنُ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنَ النِّكَاحِ الْوَلَدُ، فَبِالْوَطْءِ قَصَدَ الْوَلَدَ، فَدَلَّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمَةِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبْقَاءِ، وَلَوْ وَطِئَ وَطْئًا مُعَلَّقًا فَهُوَ بَيَانٌ، وَلَوِ اسْتَخْدَمَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَا يَكُونُ بَيَانًا بِالْإِجْمَاعِ.
(وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ أَوْ إِحْدَى أَمَتَيْهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ) ، وَقَالَا: تُقْبَلُ وَيُجْبَرُ عَلَى إِيقَاعِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَفِي طَلَاقِ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِهِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ دَعْوَى الْأَمَةِ وَالْمَرْأَةِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى حُرِّيَّتِهَا وَطَلَاقِهَا بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى تَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا الدَّعْوَى كَالْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ، وَلَهُ أَنَّهَا شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ فَيُشْتَرَطُ لَهَا الدَّعْوَى كَسَائِرِ حُقُوقِهِمْ، وَهَذَا لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ مِنَ الْعِتْقِ وَنَفْعِهِ يَقَعُ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ يَتَأَهَّلُ بِهِ لِلْوَلَايَاتِ وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ، وَيَرْتَفِعُ عَنْهُ بِذَلِكَ ذُلُّ الْمِلْكِيَّةِ وَيَصِيرُ مَالِكًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ
(4/27)

بَابُ التَّدْبِيرِ وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ مَعَ مَوْتِي، أَوْ عِنْدَ مَوْتِي، أَوْ فِي مَوْتِي، أَوْ أَوْصَيْتُ لَكَ بِنَفْسِكَ أَوْ بِرَقَبَتِكَ، أَوْ بِثُلُثِ مَالِي، فَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَضَمَّنْ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ لَا يُقْبَلُ بِأَنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ إِحْدَى الْأَمَتَيْنِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَافْتَرَقَا، فَإِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى شَرْطًا لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وَهَذَا الشَّرْطُ لَمْ يُوجَدْ هُنَا لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ مَجْهُولٌ وَالدَّعْوَى مِنَ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا عِنْدَهُمَا قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى التَّعْيِينِ. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ إِحْدَى الْأَمَتَيْنِ فَلِأَنَّ الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي عِتْقِ الْأَمَةِ، فَإِنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْفَرْجِ فَصَارَتْ كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، وَهَذَا إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ، أَمَّا إِذَا شَهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ دَبَّرَهُ وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ فِي مَرَضِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ قُبِلَتِ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ وَالْخَصْمُ مَعْلُومٌ، لِأَنَّ الْعِتْقَ يَشِيعُ بِالْمَوْتِ فِيهِمَا فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَيَّنًا.

[بَابُ التَّدْبِيرِ]
ِ وَهُوَ الْعِتْقُ الْوَاقِعُ عَنْ دُبُرِ الْإِنْسَانِ: أَيْ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْهُ، وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يُعَلِّقَ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ بِمَوْتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ أَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ فَصَارَ كَالْمُعَلَّقِ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَلِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِلْعَبْدِ بِرَقَبَتِهِ فَصَارَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْوَصَايَا، وَهُوَ إِيجَابُ الْعِتْقِ لِلْحَالِ، وَتَأْخِيرُ ثُبُوتِهِ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْتَدْعِي إِعْتَاقًا، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْعَقِدَ التَّدْبِيرُ سَبَبًا لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ لِيُسْتَفَادَ مِنْهُ الْحُرِيَّةُ فِي الْمَآلِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْحُرِّيَّةِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، لِأَنَّ عِتْقَهُ مُعَلَّقٌ بِمَوْتٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ وَأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ قَطْعًا فَتَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ سَبَبًا. أَمَّا الْمَوْتُ الْمُطْلَقُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَكَانَ مُفْضِيًا إِلَى الْمَوْتِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ سَبَبًا لِلْحَالِ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ مَعَ مَوْتِي، أَوْ عِنْدَ مَوْتِي، أَوْ فِي مَوْتِي، أَوْ أَوْصَيْتُ لَكَ بِنَفْسِكَ، أَوْ بِرَقَبَتِكَ، أَوْ بِثُلُثِ مَالِي - فَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا) أَمَّا لَفْظُ التَّدْبِيرِ فَهُوَ صَرِيحٌ فِيهِ كَلَفْظِ الْعِتْقِ فِي الْإِعْتَاقِ، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ بِالْمَوْتِ فَلِأَنَّهُ مَعْنَى التَّدْبِيرِ، وَأَمَّا مَعَ مَوْتِي فَلِأَنَّهَا لِلْقِرَانِ وَالشُّرُوطُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَعْدَ مَوْتِي وَأَنَّهُ تَدْبِيرٌ، وَعِنْدَ مَوْتِي تَعْلِيقُ
(4/28)

وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ، وَإِذَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ مِنْ مَوْلَاهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَسَقَطَ عَنْهَا التَّدْبِيرُ وَلَا تَسْعَى فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَلَهُ اسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَوَطْؤُهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ أَوَّلًا. وَفِي مَوْتِي، لِأَنَّ حَرْفَ الظَّرْفِ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْفِعْلِ جَعَلَهُ شَرْطًا، وَكَذَلِكَ إِذَا ذَكَرَ مَكَانَ الْمَوْتِ الْوَفَاةَ أَوِ الْهَلَاكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ وَنَحْوِهَا فَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ نَفْسِهِ، وَالْوَصِيَّةُ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِ الْمُوصِي وَانْتِقَالَهُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ، وَأَنَّهُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ حُرِّيَّةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: بِعْتُ نَفْسَكَ مِنْكَ، أَوْ وَهَبْتُهَا لَكَ. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ وَنَحْوِهِ فَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي مِلْكَهُ ثُلُثَ جَمِيعِ مَالِهِ وَرَقَبَتِهِ مِنْ مَالِهِ فَيَمْلِكُهَا فَيَعْتِقُ، وَكَذَلِكَ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ السُّدُسِ، وَلَوْ قَالَ: بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ لَا يَكُونُ تَدْبِيرًا، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ جُزْءٍ مُبْهَمٍ وَالتَّعْيِينُ إِلَى الْوَرَثَةِ فَلَا تَكُونُ رَقَبَتُهُ دَاخِلَةً فِي الْوَصِيَّةِ لَا مَحَالَةَ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا قَالَ: إِذَا مِتُّ وَدُفِنْتُ أَوْ غُسِّلْتُ أَوْ كُفِّنْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ لَيْسَ بِتَدْبِيرٍ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِالْمَوْتِ وَبِمَعْنًى آخَرَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُعْتَقَ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهَذَا تَعْلِيقٌ بِالْمَوْتِ وَمَعْنًى آخَرَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إِذَا مِتُّ وَدَخَلْتُ الدَّارَ، لَكِنِ اسْتُحْسِنَ أَنْ يُعْتَقَ مِنَ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِالْمَوْتِ وَبِصِفَةٍ تُوجَدُ عِنْدَ الْمَوْتِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ الْوَرَثَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا عَلَّقَهُ بِالْمَوْتِ بِصِفَةٍ، بِخِلَافِ دُخُولِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَتْ يَمِينًا فَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَفِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ إِذَا قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إِنْ مِتُّ أَوْ قُتِلْتُ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ. وَقَالَ زُفَرُ: هُوَ مُدَبَّرٌ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: إِنْ مِتُّ أَوْ مَاتَ زَيْدٌ، وَإِذَا صَحَّ التَّدْبِيرُ لَا يَجُوزُ لَهُ إِخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ إِلَّا بِالْعِتْقِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُدَبَّرُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَهُوَ حُرٌّ مِنَ الثُّلُثِ» ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَفِي الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ إِبْطَالُهُ فَلَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ حَقًّا فِي الْحُرِّيَّةِ فَيَمْنَعُ الْبَيْعَ كَالْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحُرِّ يَجُوزُ فِي الْمُدَبَّرِ كَالِاسْتِخْدَامِ وَالْإِجَارَةِ وَالْوَطْءِ، لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَجُوزُ فِي الْحُرِّ لَا يَجُوزُ فِي الْمُدَبَّرِ إِلَّا الْكِتَابَةَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ.
أَمَّا الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا الرَّهْنُ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاسْتِيفَاءُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ) لِأَنَّهَا تَعْجِيلُ الْحُرِّيَّةِ الْمُؤَجَّلَةِ، وَلَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ نَجَزَ الْعِتْقُ، (وَإِذَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ مِنْ مَوَلَاهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَسَقَطَ عَنْهَا التَّدْبِيرُ) لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَهَا فَإِنَّهُ زِيَادَةُ وَصْفٍ وَتَأْكِيدٍ، لِأَنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرِّيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْإِجْمَاعِ (وَلَا تَسْعَى فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَلَهُ اسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَوَطْؤُهَا) لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِيهَا فَتَنْفُذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ وَلِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا.
(4/29)

وَكَسْبُهَا وَأَرْشُهَا لِلْمَوْلَى، وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَبِحِسَابِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ سَعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ، وَلَوْ دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَضَمِنَ نِصْفَ شَرِيكِهِ ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ نِصْفُهُ (سم) ، بِالتَّدْبِيرِ وَسَعَى فِي نِصْفِهِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ فِي سَفَرِي هَذَا، أَوْ إِنْ مِتُّ إِلَى عِشْرِينَ سَنَةٍ فَهُوَ تَعْلِيقٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ عَتَقَ.

بَابُ الِاسْتِيلَادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَكَسْبُهَا وَأَرْشُهَا لِلْمَوْلَى) لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّ الْحُرِّيَّةَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَقَبْلَهُ هِيَ كَالْأَمَةِ، وَلِلْمَوْلَى تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِهَا، وَيَمْلِكُ وَطْأَهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْحُرَّةِ أَيْضًا، وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ فِيهَا فَيَتْبَعُهَا فِيهِ كَالْكِتَابَةِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) لِمَا رُوِّينَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالْمَوْتِ فَكَانَ وَصِيَّةً، وَالْوَصِيَّةُ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنَ الثُّلُثِ (فَبِحِسَابِهِ) مَعْنَاهُ: يَحْسِبُ ثُلُثَ مَالِهِ فَيَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِهِ وَيَسْعَى فِي بَاقِيهِ، (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ سَعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالْمُرَادُ دَيْنٌ يُحِيطُ بِالتَّرِكَةِ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ.
قَالَ: (وَلَوْ دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَضَمِنَ نِصْفَ شَرِيكِهِ ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ نِصْفُهُ بِالتَّدْبِيرِ وَسَعَى فِي نِصْفِهِ) لِأَنَّ نِصْفَهُ عَلَى مِلْكِهِ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَدْبِيرٍ، وَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ جَمِيعُهُ بِالتَّدْبِيرِ، لِأَنَّ تَدْبِيرَ بَعْضِهِ تَدْبِيرُ الْجَمِيعِ وَهُوَ فَرْعُ تَجَزِّي الْإِعْتَاقَ (وَإِنْ قَالَ لَهُ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ فِي سَفَرِي هَذَا، أَوْ إِنْ مِتُّ إِلَى عِشْرِينَ سَنَةٍ فَهُوَ تَعْلِيقٌ) ، وَهُوَ التَّدْبِيرُ الْمُقَيَّدُ (يَجُوزُ بَيْعُهُ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْحَالِ فَلَا يَكُونُ الْبَيْعُ وَالتَّصَرُّفَاتُ إِبْطَالًا لِلسَّبَبِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ لَا مَحَالَةَ فَأَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ إِبْطَالًا لِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ فَيَجُوزُ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ، (فَإِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ عَتَقَ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ مِنَ الثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُنْتَقَى: لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ مِتُّ إِلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: هُوَ مُدَبَّرٌ مُطْلَقٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ مُدَّةً لَا يَعِيشُ إِلَيْهَا غَالِبًا فَهُوَ مُدَبَّرٌ مُطْلَقٌ لِأَنَّهُ كَالْكَائِنِ لَا مَحَالَةَ.

[بَابُ الِاسْتِيلَادِ]
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الْوَلَدِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ الِاسْتِفْعَالَ طَلَبُ الْفِعْلِ. وَفِي الشَّرْعِ: طَلَبُ الْوَلَدِ مِنَ الْأَمَةِ، وَكُلُّ مَمْلُوكَةٍ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْ مَالِكٍ لَهَا أَوْ لِبَعْضِهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ
(4/30)

لَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا إِلَّا بِدَعْوَاهُ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِهِ صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، فَإِذَا وَلَدَتْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَبُتَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وَيَنْتَفِي بِمُجَرَدِ نَفْيِهِ بِغَيْرِ لِعَانٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ فَرْعٌ لِثُبُوتِ الْوَلَدِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ ثَبَتَ فَرْعُهُ.
قَالَ: (لَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا إِلَّا بِدَعْوَاهُ) لِأَنَّهُ لَا فِرَاشَ لَهَا، فَإِنَّ غَالِبَ الْمَقْصُودِ مِنْ وَطْءِ الْأَمَةِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ، فَإِنَّ أَشْرَافَ النَّاسِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ تَحَرُّزًا عَنِ الْوَلَدِ لِئَلَّا يُعَيَّرَ وَلَدُهُ بِكَوْنِهِ وَلَدَ أَمَةٍ، فَيُشْتَرَطُ لِثُبُوتِهِ دَعْوَاهُ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِهَذَا جَازَ لَهُ الْعَزْلُ فِي الْأَمَةِ دُونَ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجَةِ طَلَبُ الْوَلَدِ غَالِبًا، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا» إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ شَرْعِيَّةِ النِّكَاحِ التَّوَالُدُ وَالتَّنَاسُلُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ يَطَؤُهَا وَلَا يَعْزِلُ عَنْهَا لَا يَحِلُّ لَهُ نَفْيُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا وَلَمْ يُحَصِّنْهَا جَازَ لَهُ النَّفْيُ لِتَعَارُضِ الظَّاهِرَيْنِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ يَطَؤُهَا وَلَمْ يُحَصِّنْهَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَدَّعِيَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعْتِقَ وَلَدُهَا وَيَسْتَمْتِعَ بِهَا فَإِذَا مَاتَ أَعْتَقَهَا. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فَلَا يَنْفِيهِ بِالشَّكِّ.
وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ الْتِزَامُهُ بِالشَّكِّ. أَمَّا الْعِتْقُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا فَلَا يَسْتَرِقُّهُ بِالشَّكِّ، وَيَسْتَمْتِعُ بِالْأُمِّ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ وَإِنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَإِذَا مَاتَ أَعْتَقَهَا حَتَّى لَا تُسْتَرَقَّ بِالشَّكِّ.
(فَإِذَا اعْتَرَفَ بِهِ صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، فَإِذَا وَلَدَتْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَبَتَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ) لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى الْأَوَّلَ وَثَبَتَ نَسَبُهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَصَدَ الْوَلَدَ فَصَارَتْ فِرَاشًا فَيَثْبُتُ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ كَالْمَنْكُوحَةِ.
(وَيَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ نَفْيِهِ بِغَيْرِ لِعَانٍ) لِأَنَّ فِرَاشَهَا ضَعِيفٌ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى إِبْطَالِهِ بِالتَّزْوِيجِ وَبِالْعِتْقِ فَيَنْفَرِدُ بِنَفْيِهِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ فِرَاشَهُ قَوِيٌّ لَا يَمْلِكُ إِبْطَالَهُ فَلَا يَنْتَفِي وَلَدُهُ إِلَّا بِاللِّعَانِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ حُبْلَى مِنْهُ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَوْ سِقْطًا قَدِ اسْتَبَانَ خَلْقُهُ أَوْ بَعْضُ خَلْقِهِ إِذَا أَقَرَّ بِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكُلِّ لِأَنَّ السِّقْطَ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوِلَادَةِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَأَلْقَتْهُ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً فَادَّعَاهُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَمًا أَوْ لَحْمًا فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ بِالشَّكِّ.
وَلَوْ حَرُمَ وَطْؤُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَطْءِ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ، أَوْ بِوَطْئِهِ أُمِّهَا أَوْ بِنْتِهَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ مَا تَلِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا بِالدَّعْوَةِ لِأَنَّ فِرَاشَهَا انْقَطَعَ، وَإِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ مِنْ رَجُلٍ وَلَدًا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ بِأَنْ زَنَى بِهَا ثُمَّ مَلَكَهَا وَوَلَّدَهَا عَتَقَ الْوَلَدُ وَجَازَ لَهُ بَيْعُ الْأُمِّ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَثْبُتُ لِلْوَلَدِ بِالْوِلَادَةِ فَيَثْبُتُ لِأُمِّهِ الِاسْتِيلَادُ كَالثَّابِتِ النَّسَبِ. وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِيلَادَ يَتْبَعُ النَّسَبَ وَلِهَذَا يُضَافُ إِلَيْهِ،
(4/31)

وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ إِلَّا بِالْعِتْقِ، وَلَهُ وَطْؤُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَكِتَابَتُهَا، وَتَعْتِقُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَا تَسْعَى فِي دُيُونِهِ، وَحُكْمُ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ الِاسْتِيلَادِ حُكْمُهَا، وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ سَعَتْ فِي قِيمَتِهَا وَهِيَ كَالْمُكَاتَبَةِ (ز) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَيُقَالُ: أُمُّ وَلَدِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُثْبِتُ لَهَا الْحُرِّيَّةَ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» ، وَلَمْ يَثْبُتِ النَّسَبَ فَلَا يَثْبُتُ التَّبَعُ. وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ فَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِحُكْمِ الْجُزْئِيَّةِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ بِالْعِتْقِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ إِلَّا بِالْعِتْقِ) فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا هِبَتُهَا وَلَا تَمْلِيكُهَا بِوَجْهٍ مَا.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتَقَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَقَالَ: لَا يُعَرْنَ وَلَا يُبَعْنَ» ، وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُنَادِي عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا إِنَّ بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ حَرَامٌ، وَلَا رِقَّ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ حِينَ وَلَدَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَلَا يَسْعَيْنَ فِي الدَّيْنِ، وَلَا يُجْعَلْنَ مِنَ الثُّلُثِ» . وَرَوَى عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدُ أَنْ يُبَعْنَ فِي الدَّيْنِ، فَقَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي جَمَاعَةٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ فِي الْفُرْقَةِ، قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَّ السَّلْمَانِيَّ لَفَقِيهٌ، وَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَلَهُ وَطْؤُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَكِتَابَتُهَا) لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِيهَا كَالْمُدَبَّرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ، وَالْكِتَابَةُ تَعْجِيلُ الْعِتْقِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُدَبَّرِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُفَارِقْ مَارِيَةَ بَعْدَ مَا وَلَدَتْ.
قَالَ: (وَتُعْتَقُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَا تَسْعَى فِي دُيُونِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، (وَحُكْمُ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ الِاسْتِيلَادِ حُكْمُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُسْتَقِرَّ فِي الْأُمِّ يَسْرِي إِلَى الْوَلَدِ. قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ سَعَتْ فِي قِيمَتِهَا وَهِيَ كَالْمُكَاتَبَةِ) لَا تُعْتَقُ حَتَّى تُؤَدِّيَ. وَقَالَ زُفَرُ: تُعْتَقُ لِلْحَالِ وَالسِّعَايَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا، لِأَنَّ زَوَالَ رِقِّهِ عَنْهَا وَاجِبٌ بِالْإِسْلَامِ إِمَّا بِالْبَيْعِ أَوْ بِالْإِعْتَاقِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْبَيْعُ بِالِاسْتِيلَادِ فَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ. وَلَنَا أَنَّ مَا قُلْنَاهُ نَظَرٌ لَهُمَا، لِأَنَّ ذُلَّ الرِّقِّ يَنْدَفِعُ عَنْهَا بِجَعْلِهَا مُكَاتَبَةً لِأَنَّهَا تَصِيرُ حُرَّةً يَدًا، وَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنِ الذِّمِّيِّ فَتَسْعَى فِي الْأَدَاءِ لِتَنَالَ الْحُرِّيَّةَ، وَلَوْ قُلْنَا بِعِتْقِهَا فِي الْحَالِ وَهِيَ مُعْسِرَةٌ تَتَوَانَى عَنِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَدَاءِ إِلَى الذِّمِّيِّ فَيَتَضَرَّرُ، وَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً فَهِيَ مُحْتَرَمَةٌ وَهُوَ يَكْفِي لِلضَّمَانِ، كَمَا إِذَا عَفَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ عَنِ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْمَالُ لِلْبَاقِينَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَجِبُ
(4/32)

وَلَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا عَتَقَتْ بِلَا سِعَايَةٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ ثُمَّ مَلَكَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ وَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا دُونَ عُقْرِهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَ انْقِطَاعِ وِلَايَتِهِ.
جَارِيَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَدَتْ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَيْهَا إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَأَبَى حَتَّى يَجِبَ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْهَا، أَمَّا إِذَا أَسْلَمَ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ عَلَى حَالِهَا كَمَا قُلْنَا فِي النِّكَاحِ.
(وَلَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا عَتَقَتْ بِلَا سِعَايَةٍ) لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ. قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ ثُمَّ مَلَكَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) ، وَكَذَا لَوِ اسْتَوْلَدَهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ ثُمَّ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ ثَابِتٌ مِنْهُ فَتَثْبُتُ أُمِّيَّةُ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا تَتْبَعُهُ عَلَى مَا مَرَّ، وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ حُرِّيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُثْبِتَ النَّسَبَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ جَازَ أَنْ يُثْبِتَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَلَدَتْ مِنْهُ مِنْ زِنًا عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ وَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا دُونَ عَقْرِهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا) لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالَ ابْنِهِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الْبَقَاءِ لِلْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، فَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ جَارِيَتَهُ لِلْحَاجَةِ إِلَى صِيَانَةِ مَائِهِ وَبَقَاءِ نَسْلِهِ، لِأَنَّ كِفَايَةَ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ لِمَا مَرَّ فِي النَّفَقَاتِ، إِلَّا أَنَّ حَاجَتَهُ إِلَى صِيَانَةِ مَائِهِ وَبَقَاءِ نَسْلِهِ دُونَ حَاجَتِهِ إِلَى بَقَاءِ نَفْسِهِ، فَلِهَذَا قُلْنَا يَتَمَلَّكُ الْجَارِيَةَ بِقِيمَتِهَا، وَالطَّعَامَ بِغَيْرِ قِيِمَةٍ، وَيَثْبُتُ لَهُ هَذَا الْمِلْكُ قُبَيْلَ الِاسْتِيلَادِ لِيَثْبُتَ الِاسْتِيلَادُ، وَلِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلِاسْتِيلَادِ إِمَّا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ أَوْ حَقُّهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِ قَبْلَ الْعُلُوقِ لِيُلَاقِيَ مِلْكَهُ فَيَصِحُّ الِاسْتِيلَادُ، وَإِذَا صَحَّ فِي مِلْكِهِ لَا عَقْرَ عَلَيْهِ وَلَا قِيمَةَ الْوَلَدِ لِمَا أَنَّ الْعُلُوقَ حَدَثَ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَوْ أَنَّ الِابْنَ زَوَّجَهَا مِنَ الْأَبِ فَوَلَدَتْ مِنْهُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لِأَنَّ مَاءَهُ صَارَ مَصُونًا بِالنِّكَاحِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْمِلْكِ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالنِّكَاحِ وَوَلَدُهَا حُرٌّ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ أَخُوهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَاهُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْأَبِ فِيهَا، لِأَنَّ الِابْنَ يَمْلِكُ فِيهَا جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ وَطْئًا وَبَيْعًا وَإِجَارَةً وَعِتْقًا وَكِتَابَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالْأَبُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ دَلِيلُ انْتِفَاءِ مِلْكِ الْأَبِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْأَبِ بِوَطْئِهَا لِلشُّبْهَةِ، وَإِذَا انْتَفَى مِلْكُ الْأَبِ جَازَ نِكَاحُهُ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَ الِابْنُ جَارِيَةَ الْأَبِ.
قَالَ: (وَالْجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَ انْقِطَاعِ وَلَايَتِهِ) لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ وَمَعَ وِلَايَتِهِ لَا وَلَايَةَ لِلْجَدِّ، وَالْوَلَايَةُ تَنْقَطِعُ بِالْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالرِّدَّةِ وَاللَّحَاقِ وَالْمَوْتِ.
قَالَ: (جَارِيَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَدَتْ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ فِي نِصْفِهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكِهِ ثَبَتَ فِي الْبَاقِي لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ، لِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْعُلُوقُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِنَّ الْوَلَدَ الْفَرْدُ لَا يَنْعَلِقُ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.
(4/33)

وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَنِصْفُ عُقْرِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا، وَإِنِ ادَّعَيَاهُ مَعًا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ عُقْرِهَا، وَيَرِثُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَابْنٍ، وَيَرِثَانِ مِنْهُ كَأَبٍ وَاحِدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَهَذَا عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَنَصِيبُهُ يَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ وَيَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلْمِلْكِ فَيُكَمَّلُ لَهُ فَيَصِيرُ الْكُلُّ أُمَّ وَلَدٍ، (وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ، (وَ) عَلَيْهِ (نِصْفُ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً لِأَنَّ الْمِلْكَ يَتَعَقَّبُ الِاسْتِيلَادَ حُكْمًا لَهُ، (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا) لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَلَمْ يَنْعَلِقْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى مِلْكِ شَرِيكِهِ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَيَاهُ مَعًا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا) لِصِحَّةِ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ فِي الْوَلَدِ، وَالِاسْتِيلَادُ يَتْبَعُ الْوَلَدَ (وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: " لَبَّسَا فَلُبِّسَ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ بَيَّنَا لَبُيِّنَ لَهُمَا، هُوَ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا "، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْضًا، وَلِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ. وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْمُدْلِجِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَفَرَحِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قُلْنَا: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِ الْقَائِفِ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَكِنِ الْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ، فَكَانَ قَوْلُ الْقَائِفِ قَاطِعًا لِطَعْنِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلِذَلِكَ فَرِحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا كَوْنُ النَّسَبِ لَا يَتَجَزَّأُ فَتَعَلَّقَ بِهِ أَحْكَامٌ مُتَجَزِّئَةٌ، فَمَا لَا يَتَجَزَّأُ يَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلاً، وَمَا يَقْبَلُهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمَا مُتَجَزِّئًا عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
(وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ عُقْرِهَا) وَيَسْقُطُ قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَى الْآخَرِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي قَبْضِهِ وَإِعْطَائِهِ (وَيَرِثُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَابْنٍ) لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُهُ فَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِمِيرَاثِ ابْنٍ، (وَيَرِثَانِ مِنْهُ كَأَبٍ وَاحِدٍ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا إِذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ بَيْنَ أَبٍ وَابْنٍ فَهُوَ لِلْأَبِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِهِ لِمَا لَهُ مِنَ الْحَقِّ فِي نَصِيبِ الِابْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِ تَرْجِيحًا لِلْإِسْلَامِ. وَقَالَ زُفَرُ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِلْكِ الْمُوجِبِ. قُلْنَا: دَعْوَةُ الْأَبِ رَاجِحَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى نَسَبَ وَلَدِ جَارِيَةِ الِابْنِ يَصِحُّ وَبِالْعَكْسِ لَا، وَالْمُسْلِمُ رَاجِحٌ بِالْإِسْلَامِ وَلِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلصَّغِيرِ.
(4/34)

كِتَابُ الْمُكَاتَبِ وَمَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَقَبِلَ صَارَ مُكَاتَبًا، وَالصَغِيرُ الَذِي يَعْقِلُ كَالْكَبِيرِ، وَسَوَاءٌ شَرَطَهُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ مُنَجَّمًا، وَإِذَا صَحَّتِ الْكِتَابَةُ يَخْرُجُ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى دُونَ مِلْكِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الْمُكَاتَبِ]
ِ الْكِتَابَةُ مُسْتَحَبَّةٌ مَنْدُوبَةٌ، قَالَ تَعَالَى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] وَالْمُرَادُ النَّدْبُ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْجَوَازِ يَلْزَمُ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالشَّرْطِ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ بِدُونِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَوْلُهُ: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ، أَوْ نَقُولُ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ، وَلِمَا فِيهَا مِنَ السَّعْيِ فِي حُصُولِ الْحُرِّيَّةِ وَمَصَالِحِهَا، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِمَا تَلَوْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ كَاتَبَ عَبْدًا عَلَى مِائَةِ أُوقِيَةٍ فَأَدَّاهَا كُلَّهَا إِلَّا عَشَرَةَ أَوَاقٍ فَهُوَ عَبْدُهُ» ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» ، وَعَلَى جَوَازِهَا الْإِجْمَاعُ.
قَالَ: (وَمَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَقَبِلَ صَارَ مُكَاتَبًا) ، أَمَّا الْجَوَازُ فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا شَرْطُ الْقَبُولِ فَلِأَنَّهُ مَالٌ يَلْزَمُهُ فَلَا بُدَّ مِنِ الْتِزَامِهِ وَذَلِكَ بِالْقَبُولِ، وَلَا يَعْتِقُ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْبَدَلِ لِمَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ، فَإِذَا أَدَّاهُ عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الْمَوْلَى إِنْ أَدَّيْتَهُ فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّهُ مُوجَبُ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
(وَالصَّغِيرُ الَّذِي يَعْقِلُ كَالْكَبِيرِ) وَهِيَ ذَرِيعَةُ الْإِذْنِ لِلصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، قَالَ: (وَسَوَاءٌ شَرَطَهُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ مُنَجَّمًا) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، وَقَيْدُ التَّأْجِيلِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ فَيُرَدُّ كَمَا فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، بِخِلَافِ السَّلَمِ لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَهُوَ بَيْعُ الْمَفَالِيسِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي السَّلَمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، أَمَّا هُنَا الْبَدَلُ مَعْقُودٌ بِهِ فَلَا يَشْتَرِطُ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا أَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَرِضَ الْبَدَلَ وَيُوَفِّيَهُ فِي الْحَالِ، أَمَّا الْمُسَلَّمُ فِيهِ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَوِ اقْتَرَضَهُ لَمَا بَاعَهُ بِأَوْكَسِ الثَّمَنَيْنِ وَلَبَاعَهُ فِيمَنْ يَزِيدُ بِقِيمَةِ الْوَقْتِ، وَإِذَا كَاتَبَهُ حَالًّا فَكَمَا امْتَنَعَ مِنَ الْأَدَاءِ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ لِأَنَّهُ عَجَزَ، وَعَجْزُ الْمُكَاتَبِ يُوجِبُ رَدَّهُ إِلَى الرِّقِّ.
قَالَ: (وَإِذَا صَحَّتِ الْكِتَابَةُ يَخْرُجُ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى دُونَ مِلْكِهِ) حَتَّى يَصِيرَ أَحَقَّ بِمَنَافِعِهِ وَأَكْسَابِهِ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْكِتَابَةِ وُصُولُ الْمَوْلَى إِلَى الْبَدَلِ وَوُصُولُ الْعَبْدِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ بِأَدَاءِ بَدَلِهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِفَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ وَثُبُوتِ حُرِّيَّةِ الْيَدِ حَتَّى يَتَّجِرَ وَيَكْتَسِبَ وَيُؤَدِّيَ الْبَدَلَ، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ بِعِتْقِهِ وَخَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى أَيْضًا
(4/35)

وَإِذَا أَتْلَفَ الْمَوْلَى مَالَهُ غَرِمَهُ، وَإِنْ وَطِئَ الْمُكَاتَبَةَ فَعَلَيْهِ عُقْرُهَا، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا لَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى الْمُكَاتَبَ نَفَذَ عِتْقُهُ وَسَقَطَ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ كَالْمَأْذُونِ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ بِمَنْعِ الْمَوْلَى، وَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ وَيُزَوِّجَ الْأَمَةَ وَيُكَاتِبَ عَبْدَهُ، فَإِنْ أَدَّى قَبْلَهُ فَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ: (وَإِذَا أَتْلَفَ الْمَوْلَى مَالَهُ غَرِمَهُ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَكْسَابَهُ لَهُ، فَيَكُونُ الْمَوْلَى فِيهَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَضْمَنْهُ لَتَسَلَّطَ عَلَى إِتْلَافِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ، (وَإِنْ وَطِئَ الْمُكَاتَبَةَ فَعَلَيْهِ عُقْرُهَا) لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا وَهِيَ أَخَصُّ بِهَا تَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ وُصُولُهَا إِلَى الْأَدَاءِ، وَلِهَذَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ جُنِيَ عَلَيْهَا كَانَ عُقَرُهَا وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لَهَا.
قَالَ: (وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا لَزِمَهُ الْأَرْشُ) لِمَا بَيَّنَّا، قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى الْمُكَاتَبَ نَفَذَ عِتْقُهُ) لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ رَقَبَةٌ، (وَسَقَطَ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ وَهُوَ الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَهُ عَنِ الْبَدَلِ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ قَبِلَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الْعِتْقِ وَهُوَ إِبْرَاؤُهُ مِنَ الْبَدَلِ وَإِسْقَاطُهُ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَا أَقْبَلُ عَتَقَ وَبَقِيَ الْبَدَلُ دَيْنًا عَلَيْهِ لِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَالْعِتْقَ لَا.
قَالَ: (وَهُوَ كَالْمَأْذُونِ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ) وَيُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ إِلَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَمَا عُرِفَ ثَمَّ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا إِطْلَاقُ تَصَرُّفِهِ فِي التِّجَارَاتِ لِلِاكْتِسَابِ كَالْمَأْذُونِ (إِلَّا أَنَّهُ لا يَمْتَنِعُ بِمَنْعِ الْمَوْلَى) لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَسْخِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ فَسْخَ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ مِنْ جَانِبِهِ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ فَلَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ وَالرُّجُوعَ عَنْهُ.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ وَالِاكْتِسَابِ، وَإِنْ شَرَطَ الْمَوْلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَلَدِهِ فَلَهُ السَّفَرُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُوجَبَ الْعَقْدِ، وَهُوَ حُرِّيَّةُ الْيَدِ وَالتَّفَرُّدُ بِالتَّصَرُّفِ فَيَبْطُلُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِهِ، وَمِثْلُهُ لَا يُفْسِدُ الْكِتَابَةَ (وَيُزَوَّجَ الْأَمَةَ) لِأَنَّهُ مِنَ الِاكْتِسَابِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ لَهَا النَّفَقَةَ وَالْمَهْرَ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُوجِبُهُمَا فِي رَقَبَتِهِ.
قَالَ: (وَيُكَاتِبُ عَبْدَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاكْتِسَابِ فَصَارَ كَالْبَيْعِ بَلْ هُوَ أَنْفَعُ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إِلَّا بَعْدَ وُصُولِ الْبَدَلِ إِلَيْهِ، وَفِي الْبَيْعِ يَزُولُ الْمِلْكُ بِالْعَقْدِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَآلَهُ إِلَى الْعِتْقِ فَصَارَ كَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا، بِخِلَافِ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّهُ بِالْعِتْقِ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ، وَقَدْ لَا يَصِلُ إِلَى الْبَدَلِ لِإِفْلَاسِ الْعَبْدِ وَعَجْزِهِ عَنِ الِاكْتِسَابِ، وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ لِلْمُعْتَقِ أَكْثَرَ مَا وَجَبَ لَهُ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلثَّانِي مِثْلُ مَا ثَبَتَ لَهُ وَفِيهِ احْتِيَاطٌ.
قَالَ: (فَإِنْ أَدَّى قَبْلَهُ فَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى) ، مَعْنَاهُ: إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ الثَّانِي قَبْلَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ لِلْمَوْلَى فِيهِ نَوْعَ مِلْكٍ فَيَصِحُّ إِضَافَةُ الْإِعْتَاقِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عِنْدَ تَعَذُّرِ إِضَافَتِهَا إِلَى الْمُبَاشِرِ كَالْوَكِيلِ،
(4/36)

وَإِنْ أَدَّى الْأَوَّلُ قَبْلَهُ فَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ مِنْ أَمَتِهِ وَلَدٌ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ وَكَسْبُهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ مَعَهَا وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ ثُمَّ كَاتَبَهُمَا فَوَلَدَتْ دَخَلَ فِي كِتَابَةِ الْأُمِّ، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ مَوْلَاهَا إِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ شَاءَتْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَجَّزَتْ نَفْسَهَا، وَإِنْ كَاتَبَ أُمَّ وَلَدِهِ جَازَ، فَإِذَا مَاتَ سَقَطَ عَنْهَا مَالُ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً جَازَ، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ إِنْ شَاءَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ (سم) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَإِذَا أَدَّى الْأَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَتَقَ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ، لِأَنَّ الْمَوْلَى جُعِلَ مُعْتَقًا بِسَبَبٍ صَحِيحٍ فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ (وَإِنْ أَدَّى الْأَوَّلُ قَبْلَهُ فَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِأَنَّهُ إِذَا أَدَّى الْأَوَّلُ عَتَقَ وَصَارَ أَهْلًا فَيُضَافُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
قَالَ: (وَإِنْ وُلِدَ لَهُ مِنْ أَمَتِهِ وَلَدٌ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ وَكَسْبُهُ لَهُ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُرًّا عَتَقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ مُكَاتَبًا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَإِذَا دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ كَانَ كَسْبُهُ لَهُ، لِأَنَّ كَسْبَ وَلَدِهِ كَسْبُ كَسْبِهِ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ مَعَهَا) لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهَا صِفَةُ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ فَيَسْرِي إِلَى الْوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: (وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ ثُمَّ كَاتَبَهُمَا فَوَلَدَتْ دَخَلَ فِي كِتَابَةِ الْأُمِّ) لِرُجْحَانِ جَانِبِ الْأُمِّ كَمَا مَرَّ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ. قَالَ: (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ مَوْلَاهَا إِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ وَإِنْ شَاءَتْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَجَّزَتْ نَفْسَهَا) لِأَنَّهَا صَارَ لَهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ: عَاجِلٌ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَآجِلٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَهِيَ أُمَيَّةُ الْوَلَدِ فَتَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَتْ، وَوَلَدُهَا ثَابِتُ النَّسَبِ مِنَ الْمَوْلَى لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِي الْأُمِّ وَهُوَ كَافٍ لِلِاسْتِيلَادِ وَهُوَ حُرٌّ، لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ إِعْتَاقَ وَلَدِهَا، فَإِنْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ فَحُكْمُهَا مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ فَلَهَا أَخْذُ الْعُقْرِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ وَتَرَكَتْ مَالًا يُؤَدَّى مِنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ، وَمَا بَقِيَ يَرِثُهُ ابْنُهَا كَمَا عُرِفَ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ حُرٌّ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ لَمْ يَلْزَمِ الْمَوْلَى إِلَّا بِدَعْوَةٍ لِحُرْمَةِ وَطْئِهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ حَتَّى مَاتَتْ مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ سَعَى الْوَلَدُ الثَّانِي لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ تَبَعًا لَهَا، فَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى بَعْدَهَا عَتَقَ وَبَطَلَتْ عَنْهُ السِّعَايَةُ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَاتَبَ أُمَّ وَلَدِهِ جَازَ) لِمَا مَرَّ فِي الِاسْتِيلَادِ (فَإِذَا مَاتَ سَقَطَ عَنْهَا مَالُ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ، وَالْبَدَلُ وَجَبَ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ وَقَدْ حَصَلَ، وَيُسَلِّمُ لَهَا الْأَوْلَادَ وَالْأَكْسَابَ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ أَدَّتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْكِتَابَةِ، (وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً جَازَ) لِمَا مَرَّ فِي التَّدْبِيرِ، (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ إِنْ شَاءَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ
(4/37)

وَإِذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ (س) ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرُدَ إِلَيْهِ عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنْ أَدَّى الْخَمْرَ عَتَقَ (ز) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَالتَّخْيِيرُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ، وَمُحَمَّدٌ وَحْدَهُ خَالَفَ فِي الْمِقْدَارِ، فَخِلَافُهُمْ فِي التَّخْيِيرِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَّا تَجَزَّأَ عِتْقُ ثُلُثِهِ بِالْمَوْتِ وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ فَقَدْ تَوَجَّهَ لَهُ وَجْهَا عِتْقٍ: مُعَجَّلٌ وَهُوَ السِّعَايَةُ بِالتَّدْبِيرِ، وَمُؤَجَّلٌ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ فَيَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَعِنْدَهُمَا عَتَقَ كُلُّهُ لَمَّا عَتَقَ بَعْضُهُ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَيُؤَدِّي أَقَلَّهُمَا لِأَنَّهُ يَخْتَارُ الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ، وَلِمُحَمَّدٍ فِي الْمِقْدَارِ أَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ بِالْكُلِّ، وَقَدْ سُلِّمَ لَهُ الثُّلُثَ بِالتَّدْبِيرِ فَيَسْقُطُ بِقَدْرِهِ، لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْبَدَلَ فِي مُقَابَلَةِ الثُّلُثَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ سَقَطَ عَنْهُ جَمِيعُ الْبَدَلِ، فَإِذَا خَرَجَ ثُلُثُهُ سَقَطَ الثُّلُثُ وَصَارَ كَمَا إِذَا دَبَّرَ مُكَاتَبَهُ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثُلُثَيِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَيِ الْبَدَلِ كَذَا هَذَا. وَلَهُمَا أَنَّهُ قَابَلَ جَمِيعَ الْبَدَلِ بِثُلُثَيْ رَقَبَتِهِ فَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ اسْتَحَقَّ حُرِّيَّةَ الثُّلُثِ ظَاهِرًا، وَالْعَاقِلُ لَا يَلْتَزِمُ الْمَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ حُرِّيَّتِهِ وَصَارَ كَمَا إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ كَانَتِ الْأَلْفُ مُقَابَلَةً بِالْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ لِدَلَالَةِ الْإِرَادَةِ كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا دَبَّرَ مُكَاتَبُهُ لِأَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ بِالْجَمِيعِ إِذْ لَا اسْتِحْقَاقَ لَهُ فِي شَيْءٍ بِالْكِتَابَةِ فَافْتَرَقَا.

[فصل الكِتَابة الفاسدة]
فَصْلٌ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ) لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَيْسَا بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَصْلُحَا بَدَلًا، وَالْقِيمَةُ مَجْهُولَةُ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، فَصَارَ كَالْكِتَابَةِ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ، كَذَا هَذَا. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جَائِزَةٌ وَيُقَسَّمُ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ وَعَلَى قِيمَةِ عَبْدٍ وَسَطٍ فَيَبْطُلُ مِنْهَا حِصَّةُ الْعَبْدِ وَيَصِيرُ مُكَاتَبًا بِالْبَاقِي، لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَبْدٍ صَحَّ وَانْصَرَفَ إِلَى عَبْدٍ وَسَطٍ فَكَذَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولٌ فَيُوجِبُ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصِحُّ مُسْتَثْنًى مِنَ الْأَلْفِ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَثْنَى قِيمَتُهُ، وَالْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ بَدَلًا فَلَا تَصْلُحُ مُسْتَثْنًى.
قَالَ: (فَإِنْ أَدَّى الْخَمْرَ عَتَقَ) بِاعْتِبَارِ التَّعْلِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى التَّعْلِيقِ، لِأَنَّ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ كَالْبَيْعِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْخَمْرِ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ هِيَ الْبَدَلُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَعْتِقُ بِأَدَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْخَمْرُ فَلِأَنَّهُ بَدَلٌ صُورَةً،
(4/38)

وَإِذَا عَتَقَ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ لَا يَنْقُصُ عَنِ الْمُسَمَّى وَيُزَادُ عَلَيْهِ، وَفِيمَا إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ. وَالْكِتَابَةُ عَلَى الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ بَاطِلَةٌ، وَعَلَى الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ كَالنِّكَاحِ وَلَوْ كَاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ جَازَ، وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ فَلِلْمَوْلَى قِيمَةُ الْخَمْرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأَمَّا الْبَدَلُ فَبَدَلٌ مَعْنًى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّمَا يَعْتِقُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ إِذَا قَالَ: إِنْ أَدَّيْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ. لِلتَّنْصِيصِ عَلَى التَّعْلِيقِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُفَصِّلْ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَإِذَا عَتَقَ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ) كَمَا قُلْنَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ، (لَا يَنْقُصُ عَنِ الْمُسَمَّى وَيُزَادُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ كَالْمَبِيعِ فَاسِدًا، وَلِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ خَوْفًا مِنْ بُطَلَانِ الْعِتْقِ فَتَجِبُ الزِّيَادَةُ.
قَالَ: (وَفِيمَا إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْبَدَلُ فَيَعْتِقُ كَالْخَمْرِ، وَأَثَرُ الْجَهَالَةِ فِي الْفَسَادِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ حَيْثُ لَا يَعْتِقُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ لِفُحْشِ الْجَهَالَةِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّ ثَوْبٍ أَرَادَ الْمَوْلَى، وَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِدُونِ إِرَادَتِهِ.
قَالَ: (وَالْكِتَابَةُ عَلَى الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ أَصْلًا وَلَا مُوجِبَ لَهَا، وَلَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِأَدَائِهِمَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ.
قَالَ: (وَ) الْكِتَابَةُ (عَلَى الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ كَالنِّكَاحِ) إِنْ عَيَّنَ النَّوْعَ صَحَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ لَا يَصِحُّ وَتَمَامُهُ عُرِفَ فِي النِّكَاحِ، وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَأَدَّى لَا يَعْتِقُ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ مَوْصُوفٍ فَأَدَّى الْقِيمَةَ أُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهَا كَمَا قُلْنَا فِي الْمَهْرِ.
قَالَ: (وَلَوْ كَاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ جَازَ) إِذَا ذَكَرَ قَدْرًا مَعْلُومًا، وَكَذَلِكَ إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى خِنْزِيرٍ لِأَنَّهُ مَالٌ فِي حَقِّهِمْ (وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ فَلِلْمَوْلَى قِيمَةُ الْخَمْرِ) لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْمُسْلِمَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى فَهُوَ مَمْنُوعٌ مَنْ تَمَلُّكِهَا فَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ، وَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَصْلُحُ بَدَلًا كَالْكِتَابَةِ عَلَى حَيَوَانٍ مَوْصُوفٍ فَيَعْتِقُ بِأَيِّهِمَا كَانَ.
(4/39)

وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْهِ كِتَابَةً وَاحِدَةً إِنْ أَدَّيَا عَتَقَا، وَإِنْ عَجَزَا رُدَّا إِلَى الرِّقِّ، وَلَا يَعْتِقَانِ إِلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ، وَلَا يَعْتِقُ أَحَدُهُمَا بِأَدَاءِ نَصِيبِهِ، فَإِنْ عَجَزَ أَحَدُهَا فَرُدَّ إِلَى الرِّقِّ ثُمَّ أَدَّى الْآخَرُ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ عَتَقَا، وَلَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ فَكَاتَبَاهُمَا كَذَلِكَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبٌ بِحِصَّتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا، وَإِنْ كَاتَبَهُمَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنِ الْآخَرِ جَازَ، فَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَا، وَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا أَدَّى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[فصل كاتب عبديه كتابة واحدة]
فَصْلٌ (وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْهِ كِتَابَةً وَاحِدَةً إِنْ أَدَّيَا عَتَقَا. وَإِنْ عَجَزَا رُدَّا إِلَى الرِّقِّ وَلَا يُعْتَقَانِ إِلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَاحِدَةٌ وَشَرْطُهُ فِيهَا مُعْتَبَرٌ، (وَلَا يَعْتِقُ أَحَدُهُمَا بِأَدَاءِ نَصِيبِهِ) لِمَا قُلْنَا، (فَإِنْ عَجَزَ أَحَدُهُمَا فَرُدَّ إِلَى الرِّقِّ) إِمَّا بِتَصَالُحِهِمَا أَوْ رَدَّهُ الْقَاضِي وَلَمْ يَعْلَمِ الْآخَرُ بِذَلِكَ (ثُمَّ أَدَّى الْآخَرُ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ عَتَقَا) لِأَنَّهُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَا يَعْتِقَانِ إِلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ، فَكَذَا لَا يُرَدَّانِ إِلَّا بِعَجْزِهِمَا، وَلِأَنَّ الْغَائِبَ يَتَضَرَّرُ بِهَذَا الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ تَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنَ الْبَدَلِ وَلَا يَعْتِقُ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ، وَالْحَاضِرُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْهُ فِيمَا يَضُرُّهُ، وَكَذَا لَوْ سَعَى بَعْدَ ذَلِكَ وَأَدَّى نَجْمًا أَوْ نَجْمَيْنِ ثُمَّ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ رَدَّهُ الْأَوَّلَ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ صَارَ كَالْعَدَمِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ لِاحْتِمَالِ قُدْرَةِ الْأَوَّلِ.
قَالَ: (وَلَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ فَكَاتَبَاهُمَا كَذَلِكَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبٌ بِحِصَّتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا اسْتَوْجَبَ الْبَدَلَ عَلَى مَمْلُوكِهِ، وَيُعْتَبَرُ شَرْطُهُ فِي مَمْلُوكِهِ لَا فِي مَمْلُوكِ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ شَرْطَهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِمَا لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَاهُ.
قَالَ: (وَإِنْ كَاتَبَهُمَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنِ الْآخَرِ جَازَ) اسْتِحْسَانًا، وَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصِيلًا فِي وُجُوبِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ عِتْقُهُمَا مُعَلَّقًا بِأَدَائِهِ وَيُجْعَلُ كَفِيلًا بِالْأَلْفِ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمْ لِحَاجَتِهِمْ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الرِّقِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَا) لِوُجُودِ الشَّرْطِ، (وَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا أَدَّى) لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنًا عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ أَوْ رَجَعَ بِالْجَمِيعِ لَا تَحْصُلُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْأَدَاءِ عَتَقَ لِمَا بَيَّنَّا وَسَقَطَتْ حِصَّتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ وَيَبْقَى عَلَى الْآخَرِ النِّصْفُ لِأَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ بِرَقَبَتَيْهِمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا احْتِيالًا لِصِحَّةِ الْكَفَالَةِ وَبِعِتْقِ أَحَدِهِمَا اسْتَغْنَيَا عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ مُقَابَلًا بِالرَّقَبَتَيْنِ تَنَصَّفَ، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي أَيَّهُمَا شَاءَ الْمُعْتَقَ بِالْكَفَالَةِ وَصَاحِبَهُ بِالْأَصَالَةِ، وَلَوْ كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدِهِ جَازَ وَصَارَ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا، وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ كُلُّهُ مُكَاتَبًا بِنَاءً عَلَى تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ وَعَدَمِهِ،
(4/40)

وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَفَاءً أُدِّيَتْ مُكَاتَبَتُهُ وَحُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آَخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَيَعْتِقُ أَوْلَادُهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَتَرَكَ وَلَدًا وُلِدَ فِي الْكِتَابَةِ سَعَى كَالْأَبِ، وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرًى فَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ حَالًّا وَإِلَّا رُدَّ فِي الرِّقِّ (سم) ، وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى أَدَّى الْكِتَابَةَ إِلَى وَرَثَتِهِ عَلَى نُجُومِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ لَمْ يَعْتِقْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَيَصِيرُ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا وَنِصْفُهُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَنِصْفُ أَكْسَابِهِ لَهُ وَنَصِفُهَا لِلْمَوْلَى، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ نِصْفُهُ وَسَعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى فِي أَكْسَابِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ مُسْتَسْعًى وَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى فِي أَكْسَابِ الْمُكَاتَبِ.

[فصل موت المكاتب قبل وفاء ديونه]
فَصْلٌ (وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَفَاءً أُدِّيَتْ مُكَاتَبَتُهُ وَحُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَيَعْتِقُ أَوْلَادُهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِوَرَثَتِهِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمَوْلَى فَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْآخَرِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْبَدَلَ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَبْقَ صَالِحَةً لِذَلِكَ بِالْمَوْتِ، وَلِهَذَا حَلَّ بِهِ الْأَجَلُ فَيَنْتَقِلُ إِلَى التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ فَخَلَتِ الذِّمَّةُ، وَخُلُوُّ الذِّمَّةِ يُوجِبُ الْعِتْقَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالْعِتْقِ حَتَّى يَصِلَ الْمَالُ إِلَى الْمَوْلَى مُرَاعَاةً لِحَقِّهِ، وَلِيَتَحَقَّقَ خُلُوُّ ذِمَّتِهِ لِاحْتِمَالِ هَلَاكِ تَرِكَتِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، فَإِذَا وَصَلَ حُكْمٌ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَيَمُوتُ حُرًّا وَيَعْتِقُ أَوْلَادُهُ تَبَعًا لَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ حُرٌّ وَهُمْ أَحْرَارٌ.
(فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَتَرَكَ وَلَدًا وُلِدَ فِي الْكِتَابَةِ سَعَى كَالْأَبِ) مَعْنَاهُ عَلَى نُجُومِهِ، فَإِذَا أَدَّى حُكِمَ بِعِتْقِ ابْنِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَعَتَقَ الْوَالِدُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ، لِأَنَّهُ وَقْتَ الْعَقْدِ كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَبِ مُتَّصِلًا بِهِ فَوَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ وَكَسْبُهُ كَكَسْبِهِ فَيَخْلُفُهُ فِي الْأَدَاءِ وَصَارَ كَمَا إِذَا تَرَكَ وَفَاءً.
قَالَ: (وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرًى فَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ حَالًا وَإِلَّا رُدَّ فِي الرِّقِّ) ، وَقَالَا: هُوَ كَالْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ تَبَعًا لَهُ فَاسْتَوَيَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُشْتَرَى لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ لِانْفِصَالِهِ عَنِ الْأَبِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَا يَسْرِي إِلَيْهِ حُكْمُهُ، بِخِلَافِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ حَالَةَ الْعَقْدِ فَسَرَى الْعَقْدُ إِلَيْهِ وَدَخَلَ فِي حُكْمِهِ فَسَعَى فِي نُجُومِهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا أَدَّى فِي الْحَالِ يَصِيرُ كَأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ آخِرَ عُمُرِهِ فَيَعْتِقُ وَلَدُهُ تَبَعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى أَدَّى الْكِتَابَةَ إِلَى وَرَثَتِهِ عَلَى نُجُومِهِ) لِأَنَّهُمْ يَخْلُفُونَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ، (وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ لَمْ يَعْتِقْ) لِعَدَمِ الْمِلْكِ
(4/41)

وَإِنْ أَعْتَقُوهُ جَمِيعًا عَتَقَ، وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ نَجْمٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَرْجُو وُصُولَهُ أَنْظَرَهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِهَةٌ عَجَّزَهُ (س) وَعَادَ إِلَى أَحْكَامِ الرِّقِّ.

كِتَابُ الْوَلَاءِ وَهُوَ نَوْعَانِ: وَلَاءُ عَتَاقَةٍ، وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ، وَسَبَبُ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ الْإِعْتَاقُ، وَعِتْقُ الْقَرِيبِ بِالشِّرَاءِ، وَالْمُكَاتَبِ بِالْأَدَاءِ، وَالْمُدَبَّرِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ فَكَذَا بِالْإِرْثِ.
(وَإِنْ أَعْتَقُوهُ جَمِيعًا عَتَقَ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِبْرَاءً عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ الْإِرْثَ يَجْرِي فِي الْبَدَلِ، وَالْإِبْرَاءُ عَنْهُ مُوجِبٌ لِلْعِتْقِ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ الْمَوْلَى إِلَّا أَنَّ إِعْتَاقَ الْبَعْضِ لَا يُوجِبُ إِسْقَاطَ نَصِيبٍ مِنَ الْبَدَلِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ إِبْرَاءً مُقْتَضًى لِلْعِتْقِ وَلَا عِتْقَ، فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ الْبَعْضُ لَا يَعْتِقُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ إِبْرَاءً عَنِ الْكُلِّ لَتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ نَجْمٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَرْجُو وُصُولَهُ أَنْظَرَهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ، وَالثَّلَاثُ مُدَّةٌ تُضْرَبُ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ كَمَا فِي إِمْهَالِ الْمَدْيُونِ لِلْقَضَاءِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِهَةٌ عَجَّزَهُ وَعَادَ إِلَى أَحْكَامِ الرِّقِّ) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُعَجِّزُهُ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ. وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَلَهُمَا أَنَّ الْعَجْزَ سَبَبٌ لِلْفَسْخِ وَقَدْ تَحَقَّقَ، فَإِنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ كَانَ عَنْ نَجْمَيْنِ أَعْجَزَ، وَلِأَنَّهُ فَاتَ مَقْصُودُ الْمَوْلَى وَهُوَ وُصُولُ الْمَالِ إِلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا فَيُفْسَخُ، وَالْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ لَا بُدَّ مِنْهُمَا لِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ وَلَيْسَ بِتَأْخِيرٍ، وَالْأَثَرُ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَجَّزَ مُكَاتَبَةً لَهُ حِينَ عَجَزَتْ عَنْ نَجْمٍ وَاحِدٍ وَرَدَّهَا إِلَى الرِّقِّ فَتَعَارَضَا. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي فَرَدَّهُ مَوْلَاهُ بِرِضَاهُ جَازَ، لِأَنَّ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَبِعُذْرٍ أَوْلَى، وَإِنْ أَبَى الْعَبْدُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَا بُدَّ فِي فَسْخِهِ مِنَ الْقَاضِي أَوِ الرِّضَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَإِذَا فَسَخَهُ عَادَ إِلَى أَحْكَامِ الرِّقِّ، لِأَنَّ بِالْفَسْخِ تَصِيرُ الْكِتَابَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ أَكْسَابِهِ لِمَوْلَاهُ لِأَنَّهَا كَسْبُ عَبْدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْوَلَاءِ]
ِ (وَهُوَ نَوْعَانِ: وَلَاءُ عَتَاقَةٍ) وَيُسَمَّى وَلَاءُ نِعْمَةٍ، (وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ، وَسَبَبُ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ الْإِعْتَاقُ) لِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إِلَى سَبَبِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِبَدَلٍ أَوْ بِغَيْرِ بَدَلٍ أَوْ لِلْكَفَّارَةِ أَوْ لِلْيَمِينِ أَوْ بِالنَّذْرِ، (وَعِتْقُ الْقَرِيبِ بِالشِّرَاءِ، وَالْمُكَاتَبِ بِالْأَدَاءِ، وَالْمُدَبَّرِ
(4/42)

وَأُمِّ الْوَلَدِ بِالْمَوْتِ إِعْتَاقٌ، وَيَثْبُتُ لِلْمُعْتِقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ شَرَطَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ سَائِبَةً وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا، فَإِذَا مَاتَ فَهُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَتِهُ فَيَكُونُ لِابْنِهِ دُونَ أَبِيهِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ فَهُمْ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا وَلَاءُ مَنْ أَعَتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتِقِهِنَّ بِأَنْ زَوَّجَتْ عَبْدَهَا مُعْتَقَةَ الْغَيْرِ فَوَلَدَتْ فَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الزَّوْجَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَأُمِّ الْوَلَدِ بِالْمَوْتِ إِعْتَاقٌ) لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يُضَافُ إِلَيْهِ فَيَكُونُ مِنْ جِهَتِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْوَلَاءِ بِنَوْعَيْهِ التَّنَاصُرُ، وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يَتَنَاصَرُونَ بِأَشْيَاءَ: مِنْهَا الْحِلْفُ وَغَيْرُهُ، فَقَرَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَاصُرَهُمْ بِنَوْعَيِ الْوَلَاءِ فَقَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ، وَقَالَ: «حَلِيفُ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَالْمُرَادُ بِالْحَلِيفِ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا عَقَدُوا عَقْدَ الْوَلَاءِ أَكَّدُوهَا بِالْحَلِفِ.
قَالَ: (وَيَثْبُتُ لِلْمُعْتِقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ شَرَطَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ سَائِبَةً) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا (وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ وَتَأَكَّدَ السَّبَبُ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ، (فَإِذَا مَاتَ فَهُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَتِهِ فَيَكُونُ لِابْنِهِ دُونَ أَبِيهِ إِذَا اجْتَمَعَا) وَفِيهِ اخْتِلَافٌ ذَكَرْتُهُ وَدَلَائِلَهُ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ فَهُمْ سَوَاءٌ) لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْعِلَّةِ وَهِيَ الْقَرَابَةُ وَالْعُصُوبَةُ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتِقِهِنَّ) لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِعَصَبَةٍ، أَوْ لِأَنَّ السَّبَبَ النُّصْرَةُ وَلَسْنَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ، أَوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتِقِهِنَّ أَوْ مُعْتِقِ مُعْتِقِهِنَّ» ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لَهُنَّ إِذَا أَعْتَقْنَ أَوْ كُنَّ سَبَبًا فِي الْإِعْتَاقِ، وَيَنْفِي ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا حَدِيثُ ابْنَةِ حَمْزَةَ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْفَرَائِضِ أَيْضًا، وَلِأَنَّهَا سَاوَتِ الرَّجُلَ فِي السَّبَبِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ، فَإِذَا اسْتَحَقَّتْ مِيرَاثَ مُعْتِقِهَا فَكَذَا مُعْتِقُ مُعْتِقِهَا لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ إِلَى عِتْقِهِ، وَلِأَنَّ مُعْتَقَهُ يُنْسَبُ إِلَيْهَا بِالْوَلَاءِ، وَصُورَةُ جَرِّ وَلَاءِ مُعْتِقِهِنَّ (بِأَنْ زَوَّجَتْ عَبْدَهَا مُعْتَقَةَ الْغَيْرِ فَوَلَدَتْ فَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الزَّوْجَةِ) لِأَنَّ الْأَبَ عَبْدٌ لَا وَلَاءَ لَهُ، فَإِذَا أَعْتَقَ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ إِلَى مَوَالِيهِ، وَصُورَةُ مُعْتِقِ مُعْتَقِهِنَّ إِذَا أَعْتَقَتْ عَبْدًا فَاشْتَرَى عَبْدًا وَزَوَّجَهُ مُعْتَقَةَ الْغَيْرِ فَوَلَدَتْ مِنْهُ فَوَلَاءُ أَوْلَادِهَا لِمَوَالِيهَا لِمَا بَيَّنَّا، فَإِذَا أَعْتَقَ مُعْتِقُ الْمَرْأَةِ الْعَبْدَ جَرَّ وَلَاءَ أَوْلَادِهِ إِلَيْهِ،
(4/43)

وَسَبَبُ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ الْعَقْدُ. وَصُورَتُهُ: إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ عَلَى أَنْ يَرِثَهُ وَيَعْقِلَ عَنْهُ فَقَالَ: أَنْتَ مَوْلَايَ تَرِثُنِي إِذَا مِتُّ، وَتَعْقِلُ عَنِّي إِذَا جَنَيْتُ فَيَقْبَلُ الْآخَرُ فَذَلِكَ صَحِيحٌ، فَإِذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ وَرِثَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَيَكُونُ ذَلِكَ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ، فَذَلِكَ جَرُّ وَلَاءِ مُعْتِقِ مُعْتَقِهَا.
وَلَوْ أَعْتَقَتِ الْأُمُّ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ لَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ مَوَالِيهَا أَبَدًا لِأَنَّ الْعِتْقَ وَرَدَ عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا مُتَّصِلًا بِهَا وَقْتَ الْعِتْقِ فَلَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ كَمَا إِذَا أَعْتَقَهُ قَصْدًا، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ إِذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعِتْقِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَكَذَا إِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ.
وَالْأَصْلُ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» ، وَالنَّسَبُ إِلَى الْآبَاءِ فَكَذَا الْوَلَاءُ، فَإِذَا امْتَنَعَ إِثْبَاتُهُ إِلَى الْأَبِ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْوَلَاءُ إِلَى الْأَبِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ كَوَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ، فَإِذَا أَكْذَبَ الْأَبُ نَفْسَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ. وَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَأَى بِخَيْبَرَ فِتْيَةً لُعْسًا أَعْجَبَهُ ظُرْفُهُمْ، وَأُمُّهُمْ مَوْلَاةٌ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَأَبُوهُمْ عَبْدٌ لِبَعْضِ جُهَيْنَةَ أَوْ لِبَعْضِ أَشْجَعَ فَاشْتَرَى أَبَاهُمْ فَأَعْتَقَهُ وَقَالَ لَهُمُ انْتَسِبُوا إِلَيَّ، فَقَالَ رَافِعٌ: بَلْ هُمْ مَوَالِيَّ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ فَقَضَى بِالْوَلَاءِ لِلزُّبَيْرِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَوْ أَعْتَقَ الْجَدُّ لَا يَجُرُّ الْوَلَاءَ، وَلَا يَكُونُ الصَّغِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجْعَلُوا الصِّغَارَ مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ آدَمَ وَنُوحٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُمَا جَدَّانِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلْجَدِّ، وَيَجُرُّ الْجِدُّ وَلَاءَهُ لِأَنَّ الْجَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ.
قَالَ: (وَسَبَبُ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ الْعَقْدُ) وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ التَّنَاصُرُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شَرَائِطَ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مُعْتِقٌ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ أَقْوَى فَيَمْنَعُ ثُبُوتَ الْأَضْعَفِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ عَرَبِيًّا لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا يُسْتَرَقُّونَ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ فَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ أَوْلَى.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدٍ وَلَا يَكُونَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا «سُئِلَ عَمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ: " هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتُهُ إِنْ وَالَاهُ» أَيْ بِمِيرَاثِهِ لَا بِشَخْصِهِ. وَرُوِيَ «أَنْ رَجُلًا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَوَالَاهُ، فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هُوَ أَخُوكَ وَمَوْلَاكَ تَعْقِلُ عَنْهُ وَتَرِثُهُ» .
(وَصُورَتُهُ: إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ عَلَى أَنْ يَرِثَهُ وَيَعْقِلَ عَنْهُ فَقَالَ: أَنْتَ مَوْلَايَ تَرِثُنِي إِذَا مِتُّ، وَتَعْقِلُ عَنِّي إِذَا جَنَيْتُ فَيَقْبَلُ الْآخَرُ فَذَلِكَ صَحِيحٌ) ، وَكَذَا إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَى غَيْرَهُ صَحَّ، (فَإِذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ وَرِثَهُ) لِمَا رَوَيْنَا، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي الْفَرَائِضِ، وَيَدْخُلُ فِي عَقْدِ الْوَلَاءِ الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ لِلتَّبَعِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ يُولَدُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ
(4/44)

وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْوَلَاءِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ أَوْ عَنْ وَلَدِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ وَوَالَتْ أَوْ أَقَرَّتْ بِالْوَلَاءِ وَفِي يَدِهَا ابْنٌ صَغِيرٌ تَبِعَهَا (سم) فِي الْوَلَاءِ.

كِتَابُ الْأَيْمَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يَتْبَعُونَهُ فِي النَّسَبِ فَكَذَا فِي الْوَلَاءِ، فَإِنْ أَسْلَمَ لَهُ ابْنٌ كَبِيرٌ عَلَى يَدِ آخَرَ وَوَالَاهُ صَحَّ لِانْقِطَاعِ وَلَايَتِهِ عَنْهُ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَالِي عَاقِلًا بَالِغًا حُرًّا حَتَّى لَا يَصِحَّ مُوَالَاةُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمَجْنُونِ، وَلَوْ وَالَى الصَّبِيُّ بِإِذْنِ الْأَبِ أَوِ الْوَصِيِّ جَازَ وَالْوَلَاءُ لِلصَّبِيِّ، وَإِنْ وَالَى الْعَبْدُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ جَازَ وَكَانَ وَكِيلًا عَنْ مَوْلَاهُ، وَيَقَعُ الْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى، لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ وَالْعَبْدَ لَا، لِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَاءِ الْعَقْلُ وَالْإِرْثُ وَالْعَبْدُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ فَيَثْبُتُ الْوَلَاءُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ وَهُوَ الْمَوْلَى.
قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْوَلَاءِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّ الْأَعْلَى مُتَبَرِّعٌ بِالْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِ وَعَقْلِ جِنَايَتَهِ، وَالْأَسْفَلُ مُتَبَرِّعٌ بِجَعْلِهِ خَلِيفَتَهُ فِي مَالِهِ، وَالتَّبَرُّعُ غَيْرُ لَازِمٍ مَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْقَبْضُ أَوِ الْعِوَضُ كَالْهِبَةِ. وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ بِالْقَوْلِ بِحَضْرَةِ الْآخَرِ وَبِالْفِعْلِ مَعَ غَيْبَتِهِ بِأَنْ يُوَالِيَ غَيْرَهُ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ بِالْقَوْلِ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ لِأَنَّهُ عُزِلَ قَصْدًا وَبِالْفِعْلِ لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُ عُزِلَ حُكْمًا.
قَالَ: (فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ أَوْ عَنْ وَلَدِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِحُصُولِ الْعِوَضِ كَالْهِبَةِ، وَكَذَا إِذَا كَبُرَ أَحَدُ أَوْلَادِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ بَعْدَ مَا عَقَلَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ دَخَلَ فِي عَقْدِهِ وَوَلَائِهِ، قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ وَوَالَتْ أَوْ أَقَرَّتْ بِالْوَلَاءِ وَفِي يَدِهَا ابْنٌ صَغِيرٌ تَبِعَهَا فِي الْوَلَاءِ) ، وَقَالَا: لَا يَتْبَعُهَا لِأَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لَهَا عَلَى مَالِهِ فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى، وَلَهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ وَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيَمْلِكُهُ عَلَيْهِ كَقَبْضِ الْهِبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْأَيْمَانِ]
وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ، وَالْيَمِينُ فِي اللُّغَةِ: الْقُوَّةُ، قَالَ تَعَالَى: {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] أَيْ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ مِنَّا، وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} [الصافات: 28] أَيْ تَتَقَوَّوْنَ عَلَيْنَا، وَقَالَ:
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عُرَابَةُ بِالْيَمِينِ
وَهِيَ الْجَارِحَةُ أَيْضًا.
وَهِيَ مُطْلَقُ الْحَلِفِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وقَوْله تَعَالَى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 93] يَحْتَمِلُ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ: أَيْ بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَوْ بِقُوَّتِهِ أَوْ بِحَلِفِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57] .
وَفِي الشَّرْعِ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْقَسَمُ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الْمُقْسَمِ بِهِ، فَلِهَذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» ، وَفِيهَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، لِأَنَّ فِيهَا الْحَلِفَ، وَفِيهَا مَعْنَى الْقُوَّةِ لِأَنَّهُمْ يُقَوُّونَ كَلَامَهُ وَيُوَثِّقُونَهُ بِالْقَسَمِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَكَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا أَوْ تَعَاهَدُوا يَأْخُذُونَ
(4/45)

الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌّ: غَمُوسٌ، وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ أَوْ حَالٍ يَتَعَمَّدُ فِيهَا الْكَذِبَ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَلَغْوٌ: وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ، فَنَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِهَا وَمُنْعَقِدَةٌ: وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِيَفْعَلَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِالْيَمِينِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ.
الثَّانِي: الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ عَلَى وَجْهٍ يُنَزِّلُ الْجَزَاءَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ آتِكَ غَدًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَهَذَا النَّوْعُ ثَبَتَ بِالِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَفِيهِ مَعْنَى الْقُوَّةِ وَالتَّوَثُّقِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْحَمْلِ عَلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ لِلْمَنْعِ عَنْ فِعْلِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ كَوْنَ الْفِعْلِ مَصْلَحَةً وَلَا يَفْعَلُهُ لِنُفُورِ الطَّبْعِ عَنْهُ، وَيَعْلَمُ كَوْنَهُ مَفْسَدَةً وَلَا يُمْنَعُ عَنْهُ لِمَيْلِهِ إِلَيْهِ وَغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ، فَاحْتَاجَ فِي تَأْكِيدِ عَزْمِهِ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَمَا أَنَّ الْيَمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى تَحْمِلُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ لِمَا يُلَازِمُهَا مِنَ الْإِثْمِ بِهَتْكِ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ وَالْكَفَّارَةِ، فَكَذَلِكَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ يَحْمِلُهُ وَيَمْنَعُهُ لِمَا يُلَازِمُهُ مِنْ زَوَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ الْمَنْعُ وَالْحَمْلُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيَمِينَيْنِ فَأَلْحَقْنَاهَا بِهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى.
وَالْيَمِينُ مَشْرُوعَةٌ فِي الْمُعَاهَدَاتِ وَالْخُصُومَاتِ تَوْكِيدًا وَتَوْثِيقًا لِلْقَوْلِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقَلِّلَ الْحَلِفَ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قِيلَ: يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَلْعُونٌ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَحَلَّفَ بِهِ» ، وَقِيلَ إِنْ أُضِيفَ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَا يُكْرَهُ وَإِلَى الْمَاضِي يُكْرَهُ، وَهَذَا حَسَنٌ لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِضَافَةِ إِلَى الْمَاضِي بِالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ مِنْ أَيْمَانِ السَّفَلَةِ.
قَالَ: (الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ: غَمُوسٌ، وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ أَوْ حَالٍ يَتَعَمَّدُ فِيهَا الْكَذِبَ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا. وَلَغْوٌ: وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ، فَنَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِهَا. وَمُنْعَقِدَةٌ: وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِيَفْعَلَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ) فَإِذَا حَنِثَ فِيهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمَاضِي أَوْ عَلَى الْحَالِ أَوْ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَاضِي أَوْ عَلَى الْحَالِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ فِيهَا وَهِيَ الْأُولَى، أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَهِيَ الثَّانِيَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَهِيَ الثَّالِثَةُ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ نَاسِيًا، مُكْرَهًا أَوْ طَائِعًا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا الْغَمُوسُ فَلَيْسَتْ يَمِينًا حَقِيقَةً، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهَذِهِ كَثِيرَةٌ فَلَا تَكُونُ مَشْرُوعَةً، وَتَسْمِيَتُهَا يَمِينًا مَجَازٌ لِوُجُودِ صُورَةِ الْيَمِينِ. كَمَا نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْحُرِّ، سَمَّاهُ بَيْعًا مَجَازًا، قَالُوا: وَسُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلِهَذَا قُلْنَا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَالْيَمِينُ عَلَى
(4/46)

وَهِيَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْبِرُّ كَفِعْلِ الْفَرَائِضِ وَمَنْعِ الْمَعَاصِي، وَنَوْعٌ يَجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ كَفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، وَنَوْعٌ الْحِنْثُ فِيهِ خَيْرٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمَاضِي مِثْلُ قَوْلِهِ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَهُ، أَوْ وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَالْحَالُ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ دَيْنٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْيَمِينُ لَا تَنْعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَمْسٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَبَهْتُ الْمُسْلِمِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ» ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْكَفَّارَةَ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَذَكَرَهَا تَعْلِيمًا، أَوْ نَقُولُ: لَوْ كَانَ لَهَا كَفَّارَةٌ لَمَا دَعَتِ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ اسْمٌ لِمَا يَسْتُرُ الذَّنْبَ فَتَرْفَعُ إِثْمَهُ وَعُقُوبَتَهُ كَغَيْرِهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَلِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ بِالْحَدِيثِ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ لِأَنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِقَوْلِهِ: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] وَالْعَقْدُ مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَاضِي.
وَأَمَّا اللَّغْوُ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ مَا دَخَلْتُ الدَّارَ، أَوْ مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا يَظُنُّهُ كَذَلِكَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ، وَيَكُونُ فِي الْحَالِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ إِنَّ الْمُقْبِلَ لَزَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] . وَحَكَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ قَطْعًا؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَسَّرَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا غَيْرُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجَاءَ عَلَى وَجْهَيْنِ: رَجَاءُ طَمَعٍ، وَرَجَاءُ تَوَاضُعٍ، فَجَازَ أَنَّ مَحَمَّدًا ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ. وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَا يَكُونُ اللَّغْوُ إِلَّا فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ الْكَرْخِيُّ فَقَالَ: مَا كَانَ الْمَحْلُوفُ بِهِ هُوَ الَّذِي يُلْزِمُهُ بِالْحِنْثِ فَلَا لَغْوَ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَغَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ قَوْلُهُ وَاللَّهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَلْغُو الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَيَبْقَى قَوْلُهُ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ أَوْ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَيَلْزَمُهُ.
(وَ) أَمَّا الْمُنْعَقِدَةُ (فَهِيَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْبِرُّ كَفِعْلِ الْفَرَائِضِ وَمَنْعِ الْمَعَاصِي) لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَيَتَأَكَّدُ بِالْيَمِينِ، (وَنَوْعٌ يَجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ كَفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ) ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنَ حَلَفَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» .
(وَنَوْعٌ الْحِنْثُ فِيهِ خَيْرٌ
(4/47)

مِنَ الْبِرِّ كَهِجْرَانِ الْمُسْلِمِ وَنَحْوِهِ، وَنَوْعٌ هُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَحِفْظُ الْيَمِينِ فِيهِ أَوْلَى، وَإِذَا حَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ: إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنَ الْبِرِّ كَهِجْرَانِ الْمُسْلِمِ وَنَحْوِهِ) ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» وَلِأَنَّ الْحِنْثَ يَنْجَبِرُ بِالْكَفَّارَةِ وَلَا جَابِرَ لِلْمَعْصِيَةِ.
(وَنَوْعٌ هُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَحِفْظُ الْيَمِينِ فِيهِ أَوْلَى) ، قَالَ تَعَالَى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89] أَيْ: عَنِ الْحِنْثِ.
قَالَ: (وَإِذَا حَنِثَ) يَعْنِي فِي الْأَيْمَانِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] .
قَالَ: (إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) ، قَالَ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] خُيِّرَ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ أَحَدَهَا، ثُمَّ قَالَ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89] . قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، وَقِرَاءَتُهُ مَشْهُورَةٌ فَكَانَتْ كَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَالْكَلَامُ فِي الرَّقَبَةِ وَالطَّعَامِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي ذَلِكَ مَرَّ فِي الظِّهَارِ.
وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُكْتَسَى بِهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا رَدُّ الْعُرْيِ، وَكُلُّ ثَوْبٍ يَصِيرُ بِهِ مُكْتَسِيًا يُسَمَّى كِسْوَةً وَإِلَّا فَلَا، فَإِذَا اخْتَارَ الْحَانِثُ الْكِسْوَةَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِسْوَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ أَدْنَاهُ مَا يَسْتُرُ عَامَّةَ بَدَنِهِ فَلَا يَجُوزُ السَّرَاوِيلُ لِأَنَّ لَابِسَهُ يُسَمَّى عُرْيَانًا عُرْفًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَدْنَاهُ مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَا يَجُوزُ الْخُفُّ وَلَا الْقَلَنْسُوَةُ لِأَنَّ لَابِسَهُمَا لَا يُسَمَّى مُكْتَسِيًا وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَقِيلَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ وَقَمِيصٌ، وَقِيلَ كِسَاءٌ وَقِيلَ مِلْحَفَةٌ، وَقِيلَ يَجُوزُ الْإِزَارُ إِنْ كَانَ يَتَوَشَّحُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ دُونَ الْبَدَنِ لَا يَجُوزُ كَالسَّرَاوِيلِ. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِمَامَةِ إِنْ كَانَتْ سَابِغَةً قَدْرَ الْإِزَارِ السَّابِغِ أَوْ مَا يُقْطَعُ مِنْهُ قَمِيصٌ يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا، وَمَا لَا يَجْزِيهِ فِي الْكِسْوَةِ يَجْزِيهِ عَنِ الْإِطْعَامِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إِذَا نَوَاهُ.
وَلَا تَتَأَدَّى الْكَفَّارَةُ إِلَّا بِفِعْلٍ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنِ الْعَيْنِ لِيَكُونَ زَاجِرًا وَرَادِعًا لَهُ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّمْلِيكِ، وَلَوْ أَعَارَهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنِ الْعَيْنِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ حَيْثُ يَجُوزُ فِيهِ الْإِبَاحَةُ، لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنِ الطَّعَامِ بِالْإِبَاحَةِ كَمَا يَزُولُ بِالتَّمْلِيكِ، وَلَوْ كَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ جَازَ، وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَجُوزُ كَمَا فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ وَذَلِكَ بِالْإِذْنِ لِيَنْتَقِلَ فِعْلُهُ إِلَيْهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «
(4/48)

وَالْقَاصِدُ وَالْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ.

فَصْلٌ وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ، وَالْوَاوُ، وَالتَاءُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» ، وَرُوِيَ: «ثُمَّ لْيُكَفِّرْهُ يَمِينَهُ» أَمْرٌ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ الْحِنْثِ، أَوْ نَقُولُ: إِذَا حَنِثَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْأَمْرِ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ سَاتِرَةٌ وَالسِّتْرُ يَعْتَمِدُ ذَنْبًا أَوْ جِنَايَةً، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَ الْحِنْثِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ هِيَ الْحِنْثُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْيَمِينُ مَانِعَةٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ سَبَبًا مُفْضِيًا إِلَى الْحِنْثِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَفَّرَ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ زُهُوقِ الرُّوحِ، لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ مُفْضٍ إِلَى الزُّهُوقِ غَالِبًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَدَّى الزَّكَاةَ بَعْدَ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمَالُ.
قَالَ: (وَالْقَاصِدُ وَالْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالْأَيْمَانُ» ، وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَرْبَعَةٌ لَا رِدِّيدَى فِيهِنَّ. وَعَدَّ مِنْهَا الْأَيْمَانَ. وَرُوِيَ: «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ اسْتَحْلَفُوا حُذَيْفَةَ وَأَبَاهُ أَنْ لَا يُعِينَا رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» ، فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْيَمِينِ مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَالْكَلَامُ فِي الْإِكْرَاهِ مَضَى فِي بَابِهِ، وَلِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ هُوَ الْفِعْلُ، وَوُجُودُ الْفِعْلِ حَقِيقَةً لَا يَعْدِمُهُ الْإِكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ، وَلَا يَصِحُّ يَمِينُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ لِمَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ.

[فصل حُرُوفُ الْقَسَمِ وفيما يكون به اليمين]
فَصْلٌ (وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ، وَالْوَاوُ، وَالتَّاءُ) هُوَ الْمَعْهُودُ الْمُتَوَارَثُ، وَقَدْ وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ، قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهِ رَبِّنَا} [الأنعام: 23] ، وَقَالَ: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [النساء: 62] ، وَقَالَ: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا} [النحل: 63] ، وَلِلَّهِ يَمِينٌ أَيْضًا لِأَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ الْبَاءِ، قَالَ تَعَالَى: {آمَنْتُمْ بِهِ} [البقرة: 137] وَ {آمَنْتُمْ لَهُ} [طه: 71] ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ لِلْإِلْصَاقِ وَضْعًا وَالْوَاوُ بَدَلٌ عَنْهُ فَإِنَّهُ لِلْجَمْعِ، وَفِي الْإِلْصَاقِ مَعْنَى الْجَمْعِ، وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَكَقَوْلِهِمْ: تُرَاثٌ، وَتُجَاهٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْبَاءُ أَصْلًا صَلَحَتْ لِلْقَسَمِ فِي اسْمِ اللَّهِ وَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ وَفِي الْكِنَايَةِ كَقَوْلِهِمْ: بِكَ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَكَوْنُ الْوَاوِ بَدَلًا عَنْهَا نَقَصَتْ عَنْهَا فَصَلَحَتْ فِي الْأَسْمَاءِ الصَّرِيحَةِ دُونَ الْكِنَايَةِ، وَكَوْنُ التَّاءِ بَدَلَ الْبَدَلِ اخْتُصَّتْ بِسْمِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَمْ تَصْلُحْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَلَا فِي الْكِنَايَةِ.
(4/49)

وَتُضْمَرُ الْحُرُوفُ فَتَقُولُ: اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، وَالْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِأَسْمَائِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ إِلَّا فِيمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ كَالْحَكِيمِ وَالْعَلِيمِ، وَبِصِفَاتِ ذَاتِهِ كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ، إِلَّا وَعِلْمِ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا، وَكَذَلِكَ وَرَحْمَةِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ وَغَضَبِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَتُضْمَرُ الْحُرُوفُ فَتَقُولُ: اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا) ثُمَّ قَدْ يُنْصَبُ لِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقَدْ يُخْفَضُ دَلَالَةً عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافٌ بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ، «وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَلَّفَ الَّذِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ اللَّهِ مَا أَرَدْتَ بِالْبَتَّةِ إِلَّا وَاحِدَةً» ، وَالْحَذْفُ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ تَخْفِيفًا، وَالْحَلِفُ فِي الْإِثْبَاتِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا، أَوْ وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. مَقْرُونًا بِالتَّأْكِيدِ وَهُوَ اللَّامُ وَالنُّونُ، حَتَّى لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلُ كَذَا الْيَوْمَ فَلَمْ يَفْعَلْهُ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ الْحَلِفَ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لُغَةً، أَمَّا فِي النَّفْيِ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَوْ وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا.
قَالَ: (وَالْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِأَسْمَائِهِ) لِأَنَّهُ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ وَلَا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِهِ أَصْلًا، وَلِأَنَّهُ مُتَعَاهَدٌ مُتَعَارَفٌ، وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ، فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا فَلَا، لِأَنَّ قَصْدَهُمْ وَنِيَّتَهُمْ تَنْصَرِفُ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ كَمَا يَنْصَرِفُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُرْفِ إِلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْعُرْفِيَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ لِسَبْقِ الْفَهْمِ إِلَيْهَا.
قَالَ: (وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ إِلَّا فِيمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ كَالْحَكِيمِ وَالْعَلِيمِ) فَيَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، وَقِيلَ لَا يَحْتَاجُ فِي جَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَيَكُونُ حَالِفًا، لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ يَمِينًا صَحِيحَةً فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ حَالِفًا، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ، يَمِينٌ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ مَعْنَاهُ قَالَ: لَا أَدْرِي. كَأَنَّهُ وَجَدَ الْعَرَبَ يَحْلِفُونَ بِذَلِكَ عَادَةً فَجَعَلَهُ يَمِينًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِيَمِينٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَرَائِضَ، ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ.
قَالَ: (وَبِصِفَاتِ ذَاتِهِ كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ، إِلَّا: وَعِلْمِ اللَّهِ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا، وَكَذَلِكَ: وَرَحْمَةِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ وَغَضَبِهِ) لَيْسَ بِيَمِينٍ.
اعْلَمْ أَنَّ الصِّفَاتِ ضَرْبَانِ: صِفَاتُ الذَّاتِ، وَصِفَاتُ الْفِعْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِضِدِّهِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، كَالْقُدْرَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْعَظَمَةِ، وَكُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ وَبِضِدِّهِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ كَالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالسَّخَطِ وَالْغَضَبِ، فَمَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ إِذَا حَلَفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا وَعِلْمِ اللَّهِ، لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ كَذَاتِهِ، فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ صَارَ مُلْحَقًا بِالِاسْمِ وَالذَّاتِ فَيَكُونُ يَمِينًا وَإِلَّا فَلَا، وَعِلْمُ اللَّهِ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ حَتَّى قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ: لَا يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ نَوَاهُ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَكُونُ يَمِينًا كَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، وَلِأَنَّ صِفَاتِ الذَّاتِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ الذَّاتِ كَانَ ذِكْرُهَا كَذِكْرِ الذَّاتِ فَكَانَ قَوْلُهُ:
(4/50)

وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِيَمِينٍ كَالنَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ وَالْكَعْبَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ يَمِينٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَقُدْرَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ الْقَادِرِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ إِلَّا أَنَّهُ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ الْعِلْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَعْلُومُ، وَمَعْلُومُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُهُ. قَالَ النَّسْفِيُّ: وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّهَا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَالْحَلِفُ بِهَا حَلِفٌ بِاللَّهِ، وَالْفَرْقُ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ: إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يُرَادُ بِهَا غَيْرُ الصِّفَةِ، فَلِهَذَا لَمْ يَصِرْ بِهِ حَالِفًا بِالشَّكِّ، فَالرَّحْمَةُ تُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا الْمَطَرُ وَالنِّعْمَةُ وَيُرَادُ بِهَا الْجَنَّةُ، قَالَ تَعَالَى: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107] . وَالسَّخَطُ وَالْغَضَبُ يُرَادُ بِهِمَا مَا يَقَعُ مِنَ الْعَذَابِ فِي النَّارِ، وَالرِّضَا يُرَادُ بِهِ مَا يَقَعُ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْجَنَّةِ فَصَارَ حَالِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ: (وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِيَمِينٍ كَالنَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ وَالْكَعْبَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ يَمِينٌ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ لِمَا رَوَيْنَا، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمُ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ فَلْيَصْمُتْ» ، وَرُوِيَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» ، وَلِأَنَّ الْحَلِفَ تَعْظِيمُ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْزَمُهُ بِهِ كَفَارَّةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةً مُنِعَ مِنْ هَتْكِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا، أَمَّا النَّبِيُّ وَالْكَعْبَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ الْمَجْمُوعُ الْمَكْتُوبُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُ مِنَ الْقَرْءِ وَهُوَ الْجَمْعُ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الضَّمَّ وَالتَّرْكِيبَ وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَادِثِ فَيَكُونُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرَ صِفَاتِهِ، لِأَنَّ صِفَاتِهِ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ أَزَلِيَّةٌ كَهُوَ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ كَانَ يَمِينًا لِأَنَّ كَلَامَهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ اللُّغَاتِ، لِأَنَّ اللُّغَاتِ كُلَّهَا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ أَوِ اصْطِلَاحِيَّةٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةً، بَلْ هِيَ عِبَارَةً عَنِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَكَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ وَطَاعَةُ اللَّهِ وَشَرَائِعُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَعَرْشُهُ وَحُدُودُهُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْبَيْتُ وَالْكَعْبَةُ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْقَبْرُ وَالْمِنْبَرُ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ وَلَا بِحَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ» قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللَّهِ مُتَجَرِّدًا بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ. وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِنْ ذَلِكَ فَيَمِينٌ كَقَوْلِهِ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنَ الْكَعْبَةِ أَوْ مِنْ هَذِهِ الْقِبْلَةِ أَوْ مِنَ النَّبِيِّ، لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُفْرٌ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِي الْمُصْحَفِ أَوْ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ مِنَ الْحَجِّ، وَأَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ اعْتِقَادُهُ كُفْرًا وَلَا تُحِلُّهُ الشَّرِيعَةُ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ، لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا تَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَصَارَ كَحُرْمَةِ اسْمِهِ، وَمِنْ
(4/51)

وَحَقُّ اللَّهِ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَالْحَقُّ يَمِينٌ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، أَوْ هُوَ زَانٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ يَمِينٌ، وَلَوْ قَالَ: لَعَمْرُ اللَّهِ، أَوْ وَايْمِ اللَّهِ، أَوْ وَعَهْدِ اللَّهِ، أَوْ وَمِيثَاقِهِ، أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ نَذْرُ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ، وَلَوْ قَالَ: أَحْلِفُ، أَوْ أُقْسِمُ، أَوْ أَشْهَدُ، أَوْ زَادَ فِيهَا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ يَمِينٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
هَذَا: أَنَا أَعْبُدُ الصَّلِيبَ أَوْ أَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ الْغَالِبُ: إِنْ فَعَلْتَ كَذَا، فَهُوَ يَمِينٌ لِلْعُرْفِ.
وَلَوْ قَالَ: (وَحَقِّ اللَّهِ، لَيْسَ بِيَمِينٍ) ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَمِينٌ، لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ حَقِيقَةٌ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ الْحَقِّ، وَلِأَنَّ الْحَلِفَ بِهِ مُعْتَادٌ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ، وَلَهُمَا مَا رُوِيَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ وَالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَيْسَ يَمِينًا.
قَالَ: (وَالْحَقِّ يَمِينٌ) لِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ قَالَ حَقًّا لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ تَأْكِيدُ الْكَلَامِ وَتَحْقِيقُ الْوَعْدِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: حَقًّا كَقَوْلِهِ وَاجِبًا عَلَيَّ فَهُوَ يَمِينٌ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ أَوْ هُوَ زَانٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ) ، وَكَذَلِكَ غَضَبُ اللَّهِ وَسَخَطُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فِي الْأَيْمَانِ، (وَلَوْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ يَمِينٌ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ حَلَفَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَهُوَ يَمِينٌ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّرْطَ دَلِيلًا عَلَى الْكُفْرِ فَقَدِ اعْتَقَدَ الشَّرْطَ وَاجِبَ الِامْتِنَاعِ، وَقَدْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ بِجَعْلِهِ يَمِينًا كَمَا قُلْنَا فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ فَهُوَ غَمُوسٌ، ثُمَّ قِيلَ: لَا يُكَفِّرُ اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: يُكَفِّرُ كَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ. إِذِ التَّعْلِيقُ بِالْمَاضِي بَاطِلٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَمِينٌ لَا يُكَفِّرُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْحِنْثِ يُكَفِّرُ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى الْحِنْثِ فَقَدْ رَضِيَ بِالْكُفْرِ، وَعَلَى هَذَا هُوَ مَجُوسِيٌّ أَوْ كَافِرٌ وَنَحْوُهُ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: لَعَمْرُ اللَّهِ، أَوْ وَايْمُ اللَّهِ، أَوْ وَعَهْدِ اللَّهِ، أَوْ وَمِيثَاقِهِ، أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ نَذْرُ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ) ، أَمَّا عَمْرُ اللَّهِ فَهُوَ بَقَاءٌ، وَالْبَقَاءُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهِ فَقَالَ: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] ، وَأَمَّا وَايْمُ اللَّهِ فَمَعْنَاهُ أَيْمَنُ اللَّهِ وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ وَأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ، وَأَمَّا عَهْدُ اللَّهِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] ، ثُمَّ قَالَ: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ} [النحل: 91] سَمَّى الْعَهْدَ يَمِينًا، وَالْمِيثَاقُ هُوَ الْعَهْدُ عُرْفًا وَالنَّذْرُ يَمِينٌ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَسَمَّاهُ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نَذَرَ وَلَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» .
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: أَحْلِفُ، أَوْ أُقْسِمُ، أَوْ أَشْهَدُ، أَوْ زَادَ فِيهَا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ يَمِينٌ) وَكَذَا قَوْلُهُ أَعْزِمُ، أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ، أَوْ عَلَيَّ يَمِينٌ، أَوْ يَمِينُ اللَّهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إِذَا قَالَ أَعْزِمُ
(4/52)

وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَمْلِكُهُ فَإِنِ اسْتَبَاحَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهُمَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ لَا أَعْرِفُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ زُفَرُ: أَحْلِفُ وَأُقْسِمُ وَأَشْهَدُ لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الْحَلِفَ وَالْقَسَمَ بِاللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا بِالشَّكِّ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ} [التوبة: 96] ، وَقَالَ: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] ، ثُمَّ قَالَ: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المجادلة: 16] ، وَقَالَ: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] {وَلا يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 18] ، قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ حَذْفَ بَعْضِ الْكَلَامِ جَائِزٌ عِنْدَ الْعَرَبِ تَخْفِيفًا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ كَالْمَعْلُومِ لِأَنَّ الْحَلِفَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّهِ فَكَأَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ، وَأَمَّا أَعْزِمُ أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ فَالْعَزْمُ هُوَ الْإِيجَابُ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ} [البقرة: 227] ، وَالْإِيجَابُ هُوَ الْيَمِينُ. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ لَا أَعْرِفُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ الْحَسَنُ، وَأَمَّا عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ يَمِينُ اللَّهِ فَلِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِإِيجَابِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّهِ، وَهُوَ مُعْتَادٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، قَالَ: فَقَالَتْ يَمِينُ اللَّهِ مَا لَكَ حِيلَةُ
وَوَجْهِ اللَّهِ يَمِينٌ، رَوَاهُ ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الذَّاتُ، قَالَ تَعَالَى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] ، وَقَالَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 88] . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ لِعَدَمِ الْعُرْفُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَالُ: فَعَلَهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى: أَيْ ثَوَابِهِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا بِالشَّكِّ. وَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا مِنْ أَيْمَانِ السَّفَلَةِ. يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْجَارِحَةَ فَيَكُونُ يَمِينًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: (وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَمْلِكُهُ فَإِنِ اسْتَبَاحَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ) وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: مَالِي عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ ثَوْبِي، أَوْ جَارِيَتِي فُلَانَةٌ، أَوْ رُكُوبُ هَذِهِ الدَّابَّةِ وَنَحْوُهُ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَحْرِيمُ الْحَلْالِ يَمِينٌ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ فَقَدْ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنْهُ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِإِثْبَاتِ مُوجَبِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ أَيْضًا يَمْنَعُهُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ كَذَلِكَ تَحَرُّزًا عَنْ إِلْغَاءِ كَلَامِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ، لِأَنَّ لَهُ نَظِيرًا فِي الشَّرْعِ وَهُوَ أَرْفَقُ، ثُمَّ الْحُرْمَةُ تَتَنَاوَلُ الْكُلَّ جُزْءًا جُزْءًا، فَأَيُّ جُزْءٍ اسْتَبَاحَ مِنْهُ حَنِثَ، كَقَوْلِهِ: لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ، وَلَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقُ بِهِ لَا حَنِثَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ عُرْفًا لَا حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهُمَا) ، وَقَالَ زُفَرُ: يَحْنَثُ كَمَا فَرَغَ لِأَنَّهُ بَاشَرَ فِعْلًا حَلَالًا وَهُوَ التَّنَفُّسُ. وَلَنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْبِرُّ وَلَا يَحْصُلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُمُومِ فَيَسْقُطُ الْعُمُومُ فَيَنْصَرِفُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُتَنَاوَلُ عَادَةً، وَلَوْ نَوَى امْرَأَتَهُ دَخَلَتْ مَعَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَصَارَ مُولِيًا، وَإِنْ نَوَى امْرَأَتَهُ
(4/53)

وَمَنْ حَلَفَ حَالَةَ الْكُفْرِ لَا كَفَّارَةَ فِي حِنْثِهِ، وَمَنْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَخْرَجَهُ حَنِثَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ مُكْرَهًا لَا يَحْنَثُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَحْدَهَا صُدِّقَ وَلَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. قَالَ مَشَايِخُنَا هَذَا فِي عُرْفِهِمْ، أَمَّا فِي عُرْفِنَا يَكُونُ طَلَاقًا عُرْفًا، وَيَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّهُمْ تَعَارَفُوهُ فَصَارَ كَالصَّرِيحِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَوْ قَالَ: مَالُ فُلَانٍ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ أَوْ أَنْفَقَهُ حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِيَ لِأَنَّهُ حَرَامٌ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْتَكِبُ حَرَامًا فَهُوَ عَلَى الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا فَعَلَى الْقُبْلَةِ الْحَرَامِ وَأَشْبَاهِهَا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ حَرَامًا فَوَطِئَ امْرَأَتَهُ حَالَةَ الْحَيْضِ وَالظِّهَارِ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِعَارِضٍ لَا أَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ حَالَةَ الْكُفْرِ لَا كَفَّارَةَ فِي حِنْثِهِ) لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْيَمِينِ لِأَنَّهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَعْظِيمَ مَعَ الْكُفْرِ وَلَيْسَ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ حَتَّى تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَتَبْطُلُ الْيَمِينُ بِالرِّدَّةِ، فَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهَا لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُهَا لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ الْأَعْمَالَ.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الِاتِّصَالِ لِأَنَّ بِالسُّكُوتِ يَتِمُّ الْكَلَامُ فَالِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَهُ يَكُونُ رُجُوعًا وَلَا رُجُوعَ فِي الْيَمِينِ.

[فصل في الْخُرُوجِ]
فَصْلٌ الْخُرُوجُ: هُوَ الِانْفِصَالُ مِنَ الدَّاخِلِ إِلَى الْخَارِجِ، وَالدُّخُولُ: الِانْفِصَالُ مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الدَّاخِلِ، فَعَلَى أَيِّ وَصْفٍ وُجِدَ كَانَ خُرُوجًا، سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا مِنَ الْبَابِ أَوْ مِنَ السَّطْحِ أَوْ مِنْ ثُقْبٍ فِي الْحَائِطِ أَوْ تَسَوَّرَ الْحَائِطَ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ مِنْ بَابِ الدَّارِ، فَلَا يَحْنَثُ إِلَّا بِالْخُرُوجِ مِنَ الْبَابِ.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يَخْرُجُ فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَخْرَجَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ الْفِعْلَ مُضَافٌ إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ كَمَا إِذَا رَكِبَ دَابَّةً فَخَرَجَتْ بِهِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَهُ مُكْرَهًا لَا يَحْنَثُ) لِعَدَمِ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَيْهِ لِعَدَمِ الْأَمْرِ وَهُوَ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ. وَقِيلَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ حَنِثَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْتَنِعْ مَعَ الْقُدْرَةِ صَارَ كَأَنَّهُ فَعَلَ الدُّخُولَ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ حَمَلَهُ بِرِضَاهُ لَا بِأَمْرِهِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ لِلدُّخُولِ، وَالْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى الْفِعْلِ دُونَ الرِّضَا وَالْإِرَادَةُ، أَوْ نَقُولُ: الْفِعْلُ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَيْهِ بِأَمْرِهِ. وَقِيلَ: يَحْنَثُ وَالْحَلِفُ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ.
(4/54)

حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا إِلَى جِنَازَةٍ فَخَرَجَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَتَى حَاجَةً أُخْرَى لَمْ يَحْنَثْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إِلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ يُرِيدُهَا ثُمَّ رَجَعَ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ الذَّهَابُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي الْإِتْيَانِ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَدْخُلَهَا حَلَفَ لَا تَدْخُلُ امْرَأَتُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِذْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ يَكْفِيهِ إِذْنٌ وَاحِدٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا إِلَى جِنَازَةٍ فَخَرَجَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَتَى حَاجَةً أُخْرَى لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْخُرُوجُ لِغَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ إِلَى الْجِنَازَةِ وَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ الْيَمِينِ، وَالْإِتْيَانُ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ بِخُرُوجٍ.
(حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إِلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ يُرِيدُهَا ثُمَّ رَجَعَ حَنِثَ) لِوُجُودِ الْخُرُوجِ قَاصِدًا إِلَيْهَا.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ الذَّهَابُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الِانْتِقَالِ وَالذَّهَابِ مِنْ مَوْضِعِهِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب: 33] أَيْ يُزِيلَهُ عَنْكُمْ فَأَشْبَهَ الْخُرُوجَ، (وَفِي الْإِتْيَانِ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَدْخُلَهَا) لِأَنَّ الْإِتْيَانَ الْوُصُولُ، قَالَ تَعَالَى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ} [الشعراء: 16] وَالْمُرَادُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، وَيُقَالُ فِي الْعُرْفِ: خَرَجْتُ إِلَى بَلَدِ كَذَا وَلَمْ آتِهِ، أَيْ قَصَدْتُهُ بِالْخُرُوجِ وَلَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ، وَالذَّهَابُ كَالْخُرُوجِ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَيْضًا.
حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خَارِجًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ أَوْ عَلَى جَنْبِهِ يَحْنَثُ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ جَسَدِهِ إِقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ دَارِ كَذَا فَهُوَ عَلَى الْخُرُوجِ بِبَدَنِهِ، وَلَوْ قَالَ: مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَهُوَ عَلَى النُّقْلَةِ بِبَدَنِهِ وَأَهْلِهِ، هَذَا هُوَ الْعُرْفُ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ فِي غَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ حَقًّا فِي اسْتِعْمَالِهِمْ دُونَ الْوَاجِبِ كَزِيَارَةِ الْوَالِدَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ وَأَعْرَاسِهِمْ وَعِيَادَتِهِمْ وَنَحْوِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ إِلَّا إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوَاهَا لَا غَيْرُ، فَإِنْ عُدِمَا فَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا وَأُمُّهَا الْمُطَلَّقَةُ أَهْلُهَا، فَإِنْ كَانَ أَبُوهَا مُتَزَوِّجًا بِغَيْرِ أُمِّهَا وَأُمُّهَا كَذَلِكَ فَأَهْلُ مَنْزِلِ أَبِيهَا لَا مَنْزِلِ أُمِّهَا. حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إِلَى بَغْدَادَ فَخَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُجَاوِزِ الْعِمْرَانَ قَاصِدًا بَغْدَادَ، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ إِلَى الْجِنَازَةِ حَيْثُ يَحْنَثُ بِنَفْسِ الْخُرُوجِ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى بَغْدَادَ سَفَرٌ، وَلَا سَفَرَ حَتَّى يُجَاوِزَ الْعُمْرَانَ، وَلَا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ إِلَى الْجِنَازَةِ.
(حَلَفَ لَا تَدْخُلُ امْرَأَتُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِذْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) لِأَنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ عُمُومَ الدَّخَلَاتِ إِلَّا دَخْلَةً مَقْرُونَةً بِإِذْنِهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: إِلَّا رَاكِبَةً، وَإِلَّا مُنْتَقِبَةً فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَذَا هَذَا، وَلَوْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً صُدِّقَ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ الْيَمِينُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَرَدْتِ. فَخَرَجَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ نَهَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَخَرَجَتْ حَنِثَ.
(وَلَوْ قَالَ: إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ يَكْفِيهِ إِذْنٌ وَاحِدٌ) وَكَذَلِكَ حَتَّى آذَنَ لَكِ لِأَنَّهُ جَعَلَ
(4/55)

حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَصَارَتْ صَحْرَاءَ وَدَخَلَهَا حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ: دَارًا لَمْ يَحْنَثْ، وَفِي الْبَيْتِ لَا يَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا لَمْ يَحْنَثْ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَسْجِدِ وَالْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ. حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَقَامَ عَلَى سَطْحِهَا حَنِثَ، وَلَوْ دَخَلَ دِهْلِيزَهَا إِنْ كَانَ لَوْ أُغْلِقَ الْبَابُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْإِذْنَ غَايَةً لِيَمِينِهِ لِأَنَّهَا كَلِمَةُ الْغَايَةِ فَانْتَهَتِ الْيَمِينُ لِوُجُودِ الْغَايَةِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ صَحَّ كَمَا لَوْ كَانَتْ صَمَّاءَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ حُصُولِ الْعِلْمِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ فَدَخَلَتْ حَنِثَ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْإِذْنَ إِطْلَاقٌ وَإِنَّهُ يَتِمُّ الْإِذْنُ كَالرِّضَا. وَلَهُمَا أَنَّ الْإِذْنَ هُوَ الْإِعْلَامُ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِعْلَامُ بِدُونِ الْعِلْمِ وَالْإِفْهَامِ، بِخِلَافِ الرِّضَا فِيمَا إِذَا قَالَ: إِلَّا بِرِضَايَ، ثُمَّ قَالَ: رَضِيتُ وَلَمْ تَسْمَعْ، لِأَنَّ الرِّضَا إِزَالَةُ الْكَرَاهَةِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ السَّمَاعِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْقَلْبِ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا بِأَمْرِي فَأَمَرَهَا وَلَمْ تَسْمَعْ فَدَخَلَتْ حَنِثَ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِلْزَامُ الْمَأْمُورِ فَلَا بُدَّ مِنَ السَّمَاعِ كَأَوَامِرِ الشَّرْعِ.
حَلَفَ لَا تَخْرُجُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَخَرَجَتْ وَهُوَ يَرَاهَا فَلَمْ يَمْنَعْهَا لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهَا فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَخْرُجُ فَكَانَ الْخُرُوجُ بِعِلْمِهِ.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَصَارَتْ صَحْرَاءَ وَدَخَلَهَا حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ دَارًا لَمْ يَحْنَثْ، وَفِي الْبَيْتِ لَا يَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، وَالْبِنَاءُ صِفَةٌ فِيهَا، لِأَنَّ قِوَامَ الْبِنَاءِ بِالْعَرْصَةِ، وَلِهَذَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الدَّارِ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَهَابِ الْبِنَاءِ، وَفِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ فِي نَدْبِهِمُ الدُّورَ الدَّارِسَةَ أَقْوَى شَاهِدٍ، غَيْرَ أَنَّ الْوَصْفَ مُعْتَبَرٌ فِي الْغَائِبِ وَهُوَ مُنْكَرُ لَغْوٌ فِي الْحَاضِرِ لِحُصُولِ التَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَأَمَّا الْبَيْتُ فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ، وَالْعَرْصَةُ إِنَّمَا تَصِيرُ صَالِحَةً لِلْبَيْتُوتَةِ بِالْبِنَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِهِ حَتَّى قَالُوا: لَوْ خَرِبَ السَّقْفُ وَبَقِيَتِ الْحِيطَانُ يَحْنَثُ لِإِمْكَانِ الْبَيْتُوتَةِ فِيهِ، وَلَوْ بُنِيَ الْبَيْتُ بَعْدَ مَا انْهَدَمَ لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِهِ. وَفِي الدَّارِ يَحْنَثُ لِزَوَالِ اسْمِ الْبَيْتِ بَعْدَ الِانْهِدَامِ، وَبَقَاءِ اسْمِ الدَّارِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ جُعِلَتِ الدَّارُ بُسْتَانًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ بَيْتًا فَدَخَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِتَبَدُّلِ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ بِاعْتِرَاضِ اسْمٍ آخَرَ وَصِفَةٍ أُخْرَى، وَكَذَا لَوْ صَارَتْ بَحْرًا أَوْ نَهْرًا، وَكَذَا لَوْ بُنِيَتْ دَارًا أُخْرَى بَعْدَ الْبُسْتَانِ وَالْحَمَّامِ لَا يَحْنَثُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا لَمْ يَحْنَثْ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَسْجِدِ وَالْبَيْعَةِ وَالْكَنِيسَةِ) لِعَدَمِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْبَيْتِ عَلَيْهَا عُرْفًا، وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ وَأُعِدَّ لِلْبَيْتُوتَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيهَا. حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَهُمَا فِي سَفَرٍ عَلَى الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ وَالْقُبَّةِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ، فَإِنْ نَوَى أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَقَامَ عَلَى سَطْحِهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ مِنَ الدَّارِ كَسَطْحِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ إِذَا أُغْلِقَ الْبَابُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ فَهُوَ مِنَ الدَّارِ.
(وَلَوْ دَخَلَ دِهْلِيزَهَا إِنْ كَانَ لَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ
(4/56)

كَانَ دَاخِلًا حَنِثَ وَإِلَا فَلَا، وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقُعُودِ.

فَصْلٌ
حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ فَنَزَعَهُ لِلْحَالِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً حَنِثَ، وَكَذَلِكَ رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَسُكْنَى الدَّارِ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ أَجْمَعَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
كَانَ دَاخِلًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ مِنَ الدَّارِ (وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الدَّارِ، وَلَوْ أَدْخَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ دُونَ الْأُخْرَى إِنِ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ أَوْ كَانَ الْجَانِبُ الْآخَرُ أَسْفَلَ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِبُ الدَّاخِلُ أَسْفَلَ حَنِثَ، لِأَنَّ اعْتِمَادَ جَمِيعِ بَدَنِهِ يَكُونُ عَلَى رِجْلِهِ الدَّاخِلَةِ فَيَكُونُ دَاخِلًا.
(وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقُعُودِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الدُّخُولُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بَعْدَ الْيَمِينِ.
حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ فُلَانٍ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَدَخَلَ بَيْتًا هُوَ سَاكِنُهُ حَنِثَ، سَوَاءٌ كَانَ مِلْكَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ يُضَافُ إِلَيْهِ عُرْفًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَسْتَخْدِمُ عَبْدَهُ حَيْثُ لَا يَحْنَثُ بِالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ عَادَةً. وَلَوْ دَخَلَ دَارًا هِيَ مِلْكُ فُلَانٍ يَسْكُنُهَا غَيْرُهُ فِي رِوَايَةٍ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ بِالسُّكْنَى، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى الْمَالِكِ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَإِلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ، وَكِلَاهُمَا حَقِيقَةٌ.
حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ سَاكِنُهَا لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَزْرَعُ أَرْضَهُ فَزَرَعَ أَرْضًا مُشْتَرَكَةً حَنِثَ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْأَرْضِ أَرْضٌ وَلَيْسَ بَعْضُ الدَّارِ دَارًا تَسْمِيَةً وَعُرْفًا. حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانَةٍ فَدَخَلَ دَارَهَا وَزَوْجُهَا يَسْكُنُهَا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الدَّارَ تُنْسَبُ إِلَى السَّاكِنِ.
حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا وَدَارُ غَلَّةٍ فَدَخَلَ دَارَ الْغَلَّةِ لَا يَحْنَثُ. حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَ بُسْتَانًا فِي تِلْكَ الدَّارِ، إِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهَا حَنِثَ.

[فصل الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ]
فَصْلٌ (حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ فَنَزَعَهُ لِلْحَالِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً حَنِثَ، وَكَذَلِكَ رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَسُكْنَى الدَّارِ) وَقَالَ زُفَرُ: يَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِوُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ. وَلَنَا أَنَّ زَمَانَ تَحَقُّقِ الْبِرِّ مُسْتَثْنًى لِأَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَبِثَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَابِسًا وَرَاكِبًا وَسَاكِنًا فَيَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ فَيَحْنَثُ.
(حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ أَجْمَعَ) لِأَنَّ السُّكْنَى الْكَوْنُ فِي الْمَكَانِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِقْرَارِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ خَانٍ أَوْ بَاتَ فِيهِمَا لَا يُعَدُّ سَاكِنًا، وَالسُّكْنَى عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْرَارِ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَتَاعِ وَالْأَثَاثِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُعَدُّ سَاكِنًا فِي الدَّارِ
(4/57)

قَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَتَغَدَّ عِنْدِي، فَقَالَ: إِنْ تَغَدَيْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَرَجَعَ وَتَغَدَّى فِي بَيْتِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ أَرَادَتِ الْخُرُوجَ فَقَالَ لَهَا: إِنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَجَلَسَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ لَمْ تَطْلُقْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِاعْتِبَارِ أَهْلِهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْكُنُ فِي مَحَلَّةِ كَذَا أَوْ سِكَّةِ كَذَا أَوْ دَارِ كَذَا وَأَكْثَرُ نَهَارِهِ فِي السُّوقِ فَمَهْمَا بَقِيَ فِي الدَّارِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَالسُّكْنَى بَاقِيَةٌ، لِأَنَّ السُّكْنَى تَثْبُتُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فَلَا تَنْتَفِي إِلَّا بِنَفْيِ الْكُلِّ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ بَقِيَ وَتَدٌ حَنِثَ لِمَا قُلْنَا، وَعَنْهُ لَوْ بَقِيَ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ كَالْمِكْنَسَةِ وَالْوَتَدِ لَمْ يَحْنَثْ لِانْتِفَاءِ اسْمِ السُّكْنَى بِذَلِكَ. وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ إِقَامَةً لَهُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ نَقْلُ الْكُلِّ. وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ نَقْلَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْبَيْتِ مِنْ آلَاتِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ مَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَقَدِ اسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ.
وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فَأَخَذَ فِي نَقْلِ الْأَمْتِعَةِ مِنْ حِينِ حَلَفَ حَتَّى بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ شَهْرًا لَمْ يَحْنَثْ. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي طَلَبِ مَسْكَنٍ آخَرَ أَيَّامًا حَتَّى وَجَدَهُ لَمْ يَحْنَثْ إِذَا لَمْ يَتْرُكِ الطَّلَبَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى مَنْزِلٍ آخَرَ بِلَا تَأْخِيرٍ، وَلَوِ انْتَقَلَ إِلَى السِّكَّةِ أَوْ إِلَى الْمَسْجِدِ قِيلَ يَبَرُّ كَمَا فِي مَنْزِلٍ آخَرَ، وَقِيلَ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا آخَرَ بَقِيَ وَطَنُهُ الْأَوَّلُ كَالْمُسَافِرِ إِذَا خَرَجَ بِعِيَالِهِ مِنْ مِصْرِهِ، فَمَا لَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا آخَرَ حَتَّى مَرَّ بِمِصْرِهِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّ وَطَنَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ كَذَا هَذَا. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ: لَوِ انْتَقَلَ إِلَى السِّكَّةِ وَسَلَّمَ الدَّارَ إِلَى صَاحِبِهَا أَوْ آجَرَهَا وَسَلَّمَهَا بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْ دَارًا أُخْرَى لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَاكِنًا.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ فِي هَذَا الْمِصْرِ فَانْتَقَلَ بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَتَاعَهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ أَهْلُهُ فِي مِصْرٍ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي مِصْرٍ آخَرَ، وَالْقَرْيَةُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ.
(قَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَتَغَدَّ عِنْدِي، فَقَالَ: إِنْ تَغَدَّيْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَرَجَعَ وَتَغَدَّى فِي بَيْتِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ أَرَادَتِ الْخُرُوجَ فَقَالَ لَهَا: إِنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَجَلَسَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ لَمْ تَطْلُقْ) ، وَكَذَا لَوْ أَرَادَ ضَرْبَ عَبْدِهِ فَقَالَ لَهُ آَخَرُ: إِنْ ضَرَبْتَهُ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَتَرَكَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ لَمْ يَعْتِقْ، وَهَذِهِ تُسَمَّى يَمِينُ الْفَوْرِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الِامْتِنَاعُ عَنِ الْغَدَاءِ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ وَهُوَ الْغَدَاءُ عِنْدَهُ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يُطَابِقُ السُّؤَالَ، وَكَذَلِكَ قَصْدُهُ مَنْعُهَا عَنِ الْخُرُوجِ الَّذِي هَمَّتْ بِهِ وَالضَّرْبِ الَّذِي هَمَّ وَبِذَلِكَ يَشْهَدُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ قَالَ: إِنْ ضَرَبْتَنِي فَلَمْ أَضْرِبْكَ، أَوْ إِنْ لَقَيْتُكَ فَلَمْ أُسَلِّمْ عَلَيْكَ، أَوْ إِنْ كَلَّمْتَنِي فَلَمْ أُجِبْكَ، أَوْ إِنِ اسْتَعَرْتُ دَابَّتَكَ فَلَمْ تُعِرْنِي، أَوْ إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَلَمْ أَقْعُدْ، أَوْ إِنْ رَكِبْتُ دَابَّتَكَ فَلَمْ أُعْطِكَ دَابَّتِي - فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَظَائِرِهِ.
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ فَلَمْ تُطَاوِعْهُ فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَدْخُلِي مَعِي الْبَيْتَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ بَعْدَ مَا سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ طَلُقَتْ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الدُّخُولُ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَقَدْ فَاتَ فَصَارَ شَرْطُ الْحِنْثِ عَدَمَ
(4/58)

وَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَمْ يَحْنَثْ مَدْيُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَدْيُونٍ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ لَمْ يَحْنَثْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ شَهْرًا فَمِنْ حِينِ حَلَفَ. حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ إِلَّا أَنَّهُ نَائِمٌ حَنِثَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الدُّخُولِ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَقَدْ وُجِدَ.
قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَمْ يَحْنَثْ مَدْيُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَدْيُونٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُسْتَغْرَقًا بِالدُّيُونِ فَلِأَنَّ عِنْدَهُ لَا مِلْكَ لِلْمَوْلَى فِيهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي بَابِهِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرَقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ كَانَ لِلْمَوْلَى فَإِنَّهُ يُضَافُ إِلَى الْعَبْدِ فَلَا يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِاخْتِلَالِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْمَوْلَى. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِذَا نَوَاهُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ بِدُونِ النِّيَّةِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَهُمَا لِلْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا، إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: الْإِضَافَةُ إِلَى الْمَوْلَى اخْتَلَّتْ فَاحْتَاجَ إِلَى النِّيَّةِ.
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ فُلَانٍ فَهُوَ مَالُهُ صَنَعَ فِي اكْتِسَابِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ كَالْقَبُولِ فِي الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَوِ الْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا وَأَخْذِ الْمُبَاحَاتِ. فَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا يَكُونُ كَسْبَهُ. وَلَوْ مَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَانْتَقَلَ كَسْبُهُ إِلَى وَارِثِهِ فَأَكَلَهُ الْحَالِفُ حَنِثَ لِأَنَّهُ كَسَبَهُ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ كَسْبٌ، وَلَوِ انْتَقَلَ إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ صَارَ كَسْبَ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِمَّا تَمْلِكُ أَوْ مِمَّا مَلَكْتَ أَوْ مِنْ مِلْكِكَ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْمِلْكَ إِذَا تَجَدَّدَ عَلَى عَيْنٍ بَطَلَتِ الْإِضَافَةُ الْأُولَى وَصَارَ مِلْكًا لِلثَّانِي، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ مِيرَاثِ فُلَانٍ فَمَاتَ فَأَكَلَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَنِثَ، وَإِنْ مَاتَ وَارِثُهُ فَانْتَقَلَ إِلَى وَارِثِهِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْمِيرَاثَ الْآخَرَ نَسَخَ الْمِيرَاثَ الْأَوَّلَ فَبَطَلَتِ الْإِضَافَةُ إِلَى الْأَوَّلِ.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ، يُقَالُ: مَا تَكَلَّمَ وَإِنَّمَا قَرَأَ أَوْ سَبَّحَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهِمَا لِأَنَّهُ كَلَامٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَا يُنَافِي الْخَرَسَ وَالسُّكُوتَ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا، وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْنَثُ خَارِجَهَا، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ فَلَمْ يُجْعَلْ كَلْامًا ضَرُورَةً، وَلَا ضَرُورَةَ خَارِجِ الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: إِنْ حَلَفَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ حَلَفَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ شَهْرًا فَمِنْ حِينِ حَلَفَ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الشَّهْرَ تَأَبَّدَتِ الْيَمِينُ، فَلَمَّا ذَكَرَ الشَّهْرَ خَرَجَ مَا وَرَاءَهُ عَنِ الْيَمِينِ وَبَقِيَ الشَّهْرُ، وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الشَّهْرَ لَا يَتَأَبَّدُ فَكَانَ التَّعْيِينُ إِلَيْهِ.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ إِلَّا أَنَّهُ نَائِمٌ حَنِثَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ أَصَمَّ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ وَوَصَلَ إِلَى سَمْعِهِ، وَعَدَمُ فَهْمِهِ لِنَوْمِهِ وَصَمَمِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ مُتَغَافِلًا أَوْ مَجْنُونًا. وَفِي رِوَايَةٍ: اشْتَرَطَ أَنْ يُوقِظَهُ،
(4/59)

وَلَوْ كَلَّمَ غَيْرَهُ وَقَصَدَ أَنْ يَسْمَعَ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ حَنِثَ، وَإِنْ نَوَاهُمْ دُونَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ إِذَا أَيْقَظَهُ فَقَدْ أَسْمَعُهُ، وَلَوْ نَادَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ فِي مِثْلِهِ الصَّمْتُ لَا يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ بَعِيدًا لَوْ أَصْغَى إِلَيْهِ لَا يَسْمَعُ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْمُكَالَمَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِمَاعِ إِلَّا أَنَّهُ بَاطِنٌ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الْمُفْضِي إِلَى السَّمَاعِ مَقَامَهُ، وَهُوَ مَا لَوْ أَصْغَى إِلَيْهِ سَمِعَ، وَلَوْ دَخَلَ دَارًا لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا، أَوْ مِنْ أَيْنَ هَذَا، حَنِثَ لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلَوْ قَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مُخَاطِبٌ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ آخَرُ لَا يَحْنَثُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(وَلَوْ كَلَّمَ غَيْرَهُ وَقَصَدَ أَنْ يَسْمَعَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ حَقِيقَةً (وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ حَنِثَ) لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ لِلْجَمِيعِ.
(وَإِنْ نَوَاهُمْ دُونَهُ لَمْ يَحْنَثْ) دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لِلْجَمَاعَةِ، وَالنِّيَّةُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَوْ أَشَارَ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ اسْمٌ لِحُرُوفٍ مَنْظُومَةٍ مَفْهُومَةٍ بِأَصْوَاتٍ مَسْمُوعَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ، وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ إِمَامًا فَسَلَّمَ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَلْفَهُ لَا يَحْنَثُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِكَلَامٍ، وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الْمُؤْتَمَّ فَكَذَلِكَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَارِجًا عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِسَلَامِهِ خِلَافًا لَهُمَا، وَلَوْ سَبَّحَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَخَارِجَ الصَّلَاةِ يَحْنَثُ، وَلَوْ قَرَعَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ الْحَالِفُ: مَنْ هَذَا؟ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ يَحْنَثُ. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: إِنْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ: كيست لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ لَهُ، وَإِنْ قَالَ: كي تو يَحْنَثُ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لَهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَلَوْ قَالَ لَيْلًا: لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا يَوْمًا فَهُوَ مِنْ حِينِ حَلَفَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْغَدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ نَهَارًا: لَا أُكَلِّمُهُ لَيْلَةً فَمِنْ حِينِ حَلَفَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ الْغَدِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِوَقْتٍ مُطْلَقٍ فَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْيَمِينِ كَالْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِمُدَّةٍ لَا عَلَى طَرِيقِ الْقُرْبَةِ اخْتَصَّ بِعَقِيبِ السَّبَبِ كَالْإِجَارَةِ، وَلَوْ حَلَفَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ لَا يُكَلِّمُهُ يَوْمًا فَهُوَ عَلَى بَقِيَّةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ إِلَى مَثَلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ الْغَدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ لَا يُكَلِّمُهُ لَيْلَةً فَمِنْ حِينِ حَلَفَ إِلَى مَثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى يَوْمٍ مُنَكَّرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِهِ، وَذَلِكَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ فَتَدْخُلُ اللَّيْلَةُ ضَرُورَةً تَبَعًا، وَلَوْ قَالَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ: لَا أُكَلِّمُهُ الْيَوْمَ فَعَلَى بَاقِي الْيَوْمِ، وَكَذَا فِي اللَّيْلَةِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى زَمَانٍ مُعَيَّنٍ فَتَعَلَّقَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ، إِذْ هُوَ الْمُرَادُ ظَاهِرًا وَعُرْفًا، لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهُ خَرَجَ
(4/60)

حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ يُعْتَبَرُ مِلْكُهُ يَوْمَ الْحِنْثِ لَا يَوْمَ الْحَلِفِ، وَكَذَا الثَّوْبُ وَالدَّارُ، وَلَوْ قَالَ: عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا، أَوْ دَارَهُ هَذِهِ لَا يَحْنَثُ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَفِي الصَّدِيقِ وَالزَوْجِ وَالزَّوْجَةِ يَحْنَثُ بَعْدَ الْمُعَادَاةِ وَالْفِرَاقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَنِ الْإِرَادَةِ ضَرُورَةً.
قَالَ: (حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ. يُعْتَبَرُ مِلْكُهُ يَوْمَ الْحِنْثِ لَا يَوْمَ الْحَلِفِ، وَكَذَا الثَّوْبُ وَالدَّارُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ عَلَى مِلْكٍ مُضَافٍ إِلَى فُلَانٍ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْإِضَافَةُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْمَنْعِ عَنِ الْحِنْثِ فَيُعْتَبَرُ وَقْتَ الْحِنْثِ (وَلَوْ قَالَ: عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا أَوْ دَارَهُ هَذِهِ لَا يَحْنَثُ بَعْدَ الْبَيْعِ) لِانْقِطَاعِ الْإِضَافَةِ، وَلَا تَعَادِيَ لِذَاتِهَا لِسُقُوطِ عِبْرَتِهَا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَيْنَهَا لِلتَّشَاؤُمِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ.
(وَفِي الصَّدِيقِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ يَحْنَثُ بَعْدَ الْمُعَادَاةِ وَالْفِرَاقِ) لِأَنَّ الزَّوْجَةَ وَالصَّدِيقَ يُقْصَدَانِ بِالْهِجْرَةِ لِأَذًى مِنْ جِهَتِهِمَا، فَكَانَتِ الْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ وَكَانَتِ الْإِشَارَةُ أَوْلَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ فِي الْعَبْدِ أَيْضًا إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا، لِأَنَّ الْمَنْعَ قَدْ يَكُونُ لِعَيْنِهِ وَقَدْ يَكُونُ لِمَالِكِهِ فَيَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِهِمَا، وَإِنْ أَطْلَقَ الْيَمِينَ فِي الزَّوْجَةِ وَالصَّدِيقِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَنِثَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْمَانِعَ أَذًى مِنْ جِهَتِهِمَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ تَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ دُونَ الْهِجْرَانِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ فَلَا يَحْنَثُ، وَيَحْتَمِلُ الْهِجْرَانَ فَيَحْنَثُ، فَلَا يَحْنَثُ بِالشَّكِّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ وَلَا صَدِيقٌ فَاسْتَحْدَثَ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَنِثَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْيَوْمَ شَهْرًا أَوِ الْيَوْمَ سَنَةً، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ الشَّهْرِ وَتِلْكَ السَّنَةِ، لِأَنَّ الْيَوْمَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ شَهْرًا وَلَا سَنَةً، فَعَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَهْرًا أَوْ سَنَةً.
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمَ السَّبْتِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ فَهُوَ عَلَى سَبْتَيْنِ، لِأَنَّ يَوْمَ السَّبْتِ لَا يَدُورُ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا أُكَلِّمُكَ يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَيْنِ كَانَ عَلَى سَبْتَيْنِ لِأَنَّ السَّبْتَ لَا يَكُونُ يَوْمَيْنِ فَكَانَ مُرَادُهُ سَبْتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَتْ كُلُّهَا يَوْمَ السَّبْتِ لِمَا بَيَّنَّا.
حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ بِنْتَ فُلَانٍ فَوُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ أُخْرَى لَمْ يَحْنَثْ بِتَزْوِيجِهَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ انْصَرَفَتْ إِلَى الْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَ: بِنْتًا لِفُلَانٍ، أَوْ بِنْتًا مِنْ بَنَاتِ فُلَانٍ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ.
حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِخْوَةَ فُلَانٍ فَهُوَ عَلَى الْمَوْجُودِينَ وَقْتَ الْيَمِينِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ كَثِيرَةٌ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُكَلِّمْ كُلَّهُمْ، وَلَوْ قَالَ: لَا يُكَلِّمُ عَبِيدَ فُلَانٍ، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَوَابَّ فُلَانٍ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثِيَابَ فُلَانٍ حَنِثَ بِفِعْلِ ثَلَاثَةٍ مِمَّا سَمَّى إِلَّا إِذَا نَوَى الْكُلَّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ إِضَافَةُ تَعْرِيفٍ فَتَعَلَّقَتِ الْيَمِينُ بِأَعْيَانِهِمْ، فَمَا لَمْ يُكَلِّمِ الْكُلَّ لَا يَحْنَثُ، وَفِي الثَّانِيَةِ إِضَافَةُ مِلْكٍ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَدُ بِالْهِجْرَانِ لِكَوْنِهَا جَمَادًا أَوْ لِخِسَّةِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْمَالِكُ فَتَنَاوَلَتِ الْيَمِينُ أَعْيَانًا مَنْسُوبَةً إِلَيْهِ وَقْتَ
(4/61)

فَصْلٌ [الْحِينُ وَالزَّمَانُ]
الْحِيِنُ وَالزَّمَانُ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ فِي التَعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ وَالدَّهْرُ: الْأَبَدُ، وَدَهْرًا، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَالْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ وَالسُّنُونُ عَشَرَةٌ، وَفِي الْمُنَكَّرِ ثَلَاثَةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْحِنْثِ، وَقَدْ ذَكَرَ النِّسْبَةَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ. وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: كُلُّ شَيْءٍ سِوَى بَنِي آدَمَ فَهُوَ عَلَى وَاحِدٍ، وَإِذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بَنِي آدَمَ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةٍ.

[فصل الْحِينُ وَالزَّمَانُ]
ُ] (الْحِينُ وَالزَّمَانُ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ) مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَلِأَنَّهُ الْوَسَطُ مِمَّا فُسِّرَ بِهِ الْحِينُ فَكَانَ أَوْلَى، وَالزَّمَانُ كَالْحِينِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَهُ. يُقَالُ: مَا رَأَيْتُكَ مُنْذُ حِينٍ وَمُنْذُ زَمَانٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ نَوَى شَيْئًا فَعَلَى مَا نَوَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، وَقِيلَ: يُصَدَّقُ فِي الْحِينِ فِي الْوَقْتِ الْيَسِيرِ دُونَ الزَّمَانِ لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي الْحِينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] . وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ، وَلَا عُرْفَ فِي الزَّمَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
قَالَ: (وَالدَّهْرُ: الْأَبَدُ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا صِيَامَ لِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ» يَعْنِي جَمِيعَ الْعُمُرِ.
(وَدَهْرًا، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَدْرِي مَا هُوَ) وَعِنْدَهُمَا هُوَ كَالزَّمَانِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَهُ.
وَلَهُ أَنَّهُ لَا عُرْفَ فِيهِ فَيُتَّبَعُ، وَاللُّغَاتُ لَا تُعْرَفُ قِيَاسًا وَالدَّلَائِلُ فِيهِ مُتَعَارِضَةٌ فَتَوَقَّفَ فِيهِ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ دَهْرًا وَالدَّهْرَ سَوَاءٌ، وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَ مَا نَوَى.
قَالَ: (وَالْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ وَالسُّنُونَ عَشْرَةٌ) وَكَذَا الْأَزْمِنَةُ.
(وَ) الْجَمْعُ (فِي الْمُنَكَّرِ ثَلَاثَةٌ) وَقَالَا فِي الْأَيَّامِ سَبْعَةٌ، وَالشُّهُورِ اثْنَا عَشَرَ وَغَيْرِهِمَا جَمِيعُ الْعُمُرِ، لِأَنَّ اللَّامَ لِلْمَعْهُودِ، وَهِيَ أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ وَشُهُورُ السَّنَةِ، وَلِأَنَّ الْأَيَّامَ تَنْتَهِي بِالسَّبْعَةِ وَالْأَشْهُرَ بِالِاثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ تَعُودُ، وَلَا مَعْهُودَ فِي غَيْرِهِمَا فَتَنَاوَلَتِ الْعُمُرَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَكْثَرُهُ عَشْرَةٌ، وَمَا زَادَ يَتَغَيَّرُ لَفْظُهُ فَلَا يُزَادُ عَلَى الْعَشْرَةِ. أَمَّا الْمُنَكَّرُ يَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ: عَشْرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرْنَا.
حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى كَذَا فَعَلَى مَا نَوَى، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَيَوْمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْعَدَدِ، وَإِنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى الْحَصَادِ فَحَصَدَ أَوَّلُ النَّاسِ بَرَّ، وَكَذَلِكَ إِلَى قُدُومِ الْحَاجِّ فَقَدِمَ وَاحِدٌ انْتَهَتِ الْيَمِينُ.
حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ قَرِيبًا
(4/62)

حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَقْضَمْهَا وَمِنْ هَذَا الدَّقِيقِ يَحْنَثُ بِخُبْزِهِ دُونَ سَفِّهِ، وَالْخُبْزُ مَا اعْتَادَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَالشِّوَاءُ مِنَ اللَّحْمِ، وَالطَّبِيخُ مَا يُطْبَخُ مِنَ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ مَرَقِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الاختيار لتعليل المختار]
مِنْ سِتَّةٍ فَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَيَوْمٍ، وَلَوْ قَالَ: لَا يُكَلِّمُهُ قَرِيبًا فَهُوَ أَقَلُّ مِنْ شَهْرٍ بِيَوْمٍ، وَلَوْ قَالَ إِلَى بَعِيدٍ فَأَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ هُوَ مِثْلُ الْحِينِ، وَآجِلًا أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، وَعَاجِلًا أَقَلُّ مِنْ شَهْرٍ لِأَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى الْأَجَلِ، وَلَوْ قَالَ بِضْعًا فَثَلَاثَةٌ، لِأَنَّ الْبِضْعَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَقَلِّ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ.

[فصل الْحلف على الطعام]
فَصْلٌ
[الْحَلِفُ عَلَى الطَّعَامِ]
(حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَقْضِمْهَا) ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا أَوْ سَوِيقِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَا: يَحْنَثُ بِالْخُبْزِ لِلْعُرْفِ. وَلَهُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فَإِنَّهُ يُقْلَى وَيُسْلَقُ وَيُؤْكَلُ بَعْدَهُ قَضْمًا، وَالْحَقِيقَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْمَجَازِ.
قَالَ: (وَمِنْ هَذَا الدَّقِيقِ يَحْنَثُ بِخُبْزِهِ دُونَ سَفِّهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ فَانْصَرَفَ إِلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ وَهُوَ الْخَبْزُ، وَكَذَا إِنْ أَكَلَ مِنْ عَصِيدَتِهِ أَوِ اتَّخَذَهُ خَبِيصًا أَوْ قَطَايِفَ حَنِثَ، إِلَّا إِذَا نَوَى أَكْلَ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً تَقَعُ الْيَمِينُ عَلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ رَاجِحٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ.
قَالَ: (وَالْخُبْزُ مَا اعْتَادَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعَادَةِ، وَالْمَنْعُ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمُعْتَادِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَأَكَلَ ثَرِيدًا. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: لَا يَحْنَثُ لِلْعُرْفِ. وَالطَّعَامُ حَقِيقَةُ مَا يُطْعَمُ وَيُؤْكَلُ، وَفِي الْعُرْفِ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَدْوِيَةَ لَا تُسَمَّى طَعَامًا، وَإِنْ كَانَتْ تُؤْكَلُ وَيُتَغَذَّى بِهَا كَمَعْجُونِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَالْخَلُّ وَالزَّيْتُ وَالْمِلْحُ طَعَامٌ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَكْلِهِ مَعَ الْخُبْزِ إِدَامًا لَهُ، وَالنَّبِيذُ شَرَابٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ طَعَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَالْفَاكِهَةُ طَعَامٌ.
حَلَفَ لَا يَشْتَرِي طَعَامًا لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِشِرَاءِ الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ اسْتِحْسَانًا لِلْعُرْفِ، وَفِي عُرْفِنَا يَحْنَثُ بِالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَنَحْوِهِمَا أَيْضًا.
قَالَ: (وَالشِّوَاءُ مِنَ اللَّحْمِ) خَاصَّةً لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّوَّاءَ اسْمٌ لِبَائِعِ الْمَشْوِيِّ مِنَ اللَّحْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَصِحُّ قَوْلُهُمْ: لَمْ يَأْكُلِ الشِّوَاءَ وَإِنْ أَكَلَ الْبَاذِنْجَانَ وَالسَّمَكَ الْمَشْوِيَّ وَغَيْرَهُ مَا لَمْ يَأْكُلِ الشِّوَاءَ مِنَ اللَّحْمِ، وَإِنْ نَوَى كُلَّ شَيْءٍ يُشْوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ الشِّوَاءَ مَا يُجْعَلُ فِي النَّارِ لِيَسْهُلَ أَكْلُهُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنَّ الْعُرْفَ اخْتُصَّ بِاللَّحْمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَالطَّبِيخُ مَا يُطْبَخُ مِنَ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ) لِلْعُرْفِ، وَإِنْ نَوَى كُلَّ مَا يُطْبَخُ صُدِّقَ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ، (وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ مَرَقِهِ) لِأَنَّ فِيهِ أَجْزَاءَ اللَّحْمِ، وَفِي النَّوَادِرِ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَبِيخًا فَأَكَلَ قِلِّيَّةً يَابِسَةً لَا مَرَقَ فِيهَا لَا يَحْنَثُ،
(4/63)