Advertisement

فقه العبادات على المذهب المالكي2



الكتاب: فقه العبادات على المذهب المالكي
المؤلف: الحاجّة كوكب عبيد
الناشر: مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
الطبعة: الأولى 1406 هـ - 1986 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] 1- وجود نية الخلطة عند كل واحد من المالكين، أي أن القصد عدم وجود نية التهرب من الزكاة.
(1/275)

2- أن يكون كل منهم حراً مسلماً.
(1/275)

3- أن يكون كل منهم مالكاً للنصاب وخالط به أو ببعضه وحال عليه الحول من يوم ملكه أو زكاه رمن يوم الخلطة. أي إن كان أحدهم مالكاً للنصاب وحال عليه الحول دون الآخرين فتجب [ص:276] عليه زكاة وحده ولا تجب على الآخرين، أما إذا مر الحول على الخلطة وكان كمل نصاب كل شريك فيه أخرجت الزكاة عن المجموع باعتبارها خلطة، وإلا من وقت الملك أو التزكية له إن كان ذلك قبله.
(1/275)

4- أن يتحد لجميع الماشية المخلوطة على السواء المَراحُ (المكان الذي تجتمع فيه نهاراً للاستراحة ثم تساق منه للمبيت) والمُراح (مكان المبيت) والماءُ الذي تشرب منه كالنهر، والراعي سواء كان واحداً أو متعدداً، والفحل الذي يضرب في الجميع سواء كان واحداً أو متعدداً. [ص:277]
الفصل الثاني
زكاة الحرث
الحرث بمعنى المحروث ويقصد به الزروع والثمار، وقد ثبتت فرضية الزكاة في الحرث إضافة لما تقدم من الدليل العام بدليل خاص من الكتاب، قال تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} (1) .
__________
(1) الأنعام: 141.
(1/276)

شروط وجوب زكاة الحرث:
يشترط لوجوب الزكاة فيها بالإضافة إلى شروط وجوب الزكاة العامة ما يلي:
(1/277)

1- الإنبات والغرس من قبل الأشخاص سواء كانت الأرض خراجية (1) أم لا، أما ما نبت من نفسه فليس فيه زكاة.
(1/277)

2- بدو الصلاح: ويكون بالحب بإفراكه (طيب الحب واستغناؤه عن الماء وإن بقي في الأرض) ، وفي الثمر بطيبه (البلح باحمراره أو اصفراره، والعنب بحلاوته) . فإن أخرج الزكاة قبل بدو الصلاح، بأن قدم زكاته من غيره لم تجزئه، أما إذا أخرجها بعد بدو الصلاح وقبل التنقية أجزأت.
وإذا باع المالك الثمر أو الحب بعد بدو الصلاح وجبت عليه الزكاة، أما إذا مات المالك قبل بدو الصلاح فلا زكاة على الوارث (لأنها لم تجب على المورث بعد) ، إلا إذا كان الوارث يملك زرعاً آخر والجميع بلغ النصاب فيصبح عليه الزكاة من نصيبه ومن زرعه لا من التركة.
ويجب على مالك التمر فقط (بلح، عنب) أن يخرص ثمره بعد بدو صلاحه وقبل أن يتصرف فيه سواء كان الثمر مما شأنه الجفاف واليبس أم لا كبلح مصر وعنبها، وذلك لاحتياج مالكه لأكل أو بيع أو إهداء. والخرص هو تقدير ما على الأشجار من البلح والعنب [ص:278] من قبل عدل عارف شجرة شجرة وتحديد كميتها بعد الجفاف، أي حين يصير البلح تمراً والعنب زبيباً. فإذا قدر أن النتاج من كل نوع يبلغ النصاب فأكثر حَسَبَ مقدار الزكاة الواجب إخراجها على المالك، وعندئذ يستطيع المالك التصرف في الثمر كيف يشاء.
ويجب على المالك إخراج الزكاة تمراً أو زبيباً إن كان من شأن بلحه وعنبه الجفاف واليبس، وإلا أخرج الزكاة من الثمن إن باعه، ومن القيمة يوم استحقاق الزكاة إن لم يبعه.
والدليل على الخرص حديث عتاب بن أُسيد رضي اللَّه عنه قال: "أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن نخرص العنب كما نخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً" (2) .
وإذا أصاب الثمر جائحةٌ ما بعد الخرص وحساب الزكاة، أُسقطت الكمية المصابة بالجائحة من تقدير النتاج؛ فإذا كان الباقي يبلغ نصاباً كانت الزكاة بحسبه وإلا سقطت الزكاة، وإذا وجد المالك أن النتاج الحقيقي زادت كميته عما قدره الخاص على الشجر أخرج الزكاة على الأكثر على سبيل الندب أو الوجوب (قولان) .
__________
(1) التي عليها خراج عندما كانت ملكاً لأهل الذمة ثم باعوها للمسلمين فيبقى الخراج عليها.
(2) أبو داود: ج 2/ كتاب الزكاة باب 13/1603.
(1/277)

أنواع الحرث الواجب فيها الزكاة:
تجب الزكاة في عشرين نوعاً وهي:
أولاً- الحبوب: وتشمل:
(1/278)

1- القطاني (1) السبعة: وهي الحمص، الفول، واللوبيا، العدس، الترمس، الجلبان، البسيلة (2) .
(1/278)

2- القمح، والسلت (3) ، والشعير، والعلس (4) ، والذرة، والدخن، والأرز.
(1/278)

3- الحبوب ذوات الزيوت الأربعة وهي: الزيتون والسمسم والقرطم وحب الفجل الأحمر (5) .
__________
(1) القطاني: جمع قطنية وهي ما له غلاف.
(2) البزاليا
(3) نوع من الشعير لا قشر له.
(4) نوع من القمح تكون الحبتان منه في قشرة واحدة وهو غذاء أهل صنعاء باليمن.
(5) يوجد في بلاد الغرب.
(1/278)

ثانياً- الثمار: وهي نوعان التمر والزبيب. [ص:279]
نصاب الحرث:
نصابه خمسة أَوْسق (1) ، وقدَّر النبي صلى اللَّه عليه وسلم الوسق بستين صاعاً بصاع المدينة المنورة في عهده. والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى اللَّه عليه وسلم. ودليله ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى تبلغ خمسة أوسق" (2) .
ويحسب النصاب بعد التنقية من التبن والصنوان (القشر الذي يخزن الحبوب بدونه كقشر الفول الأخضر) والجفاف. وتضم أنواع الجنس الواحد لبعضها في حساب النصاب، فتضم القطاني بعضها إلى بعض، ويضم القمح والشعير والسلت إلى بعضه، أما باقي الأنواع العشرين فلا تضم إلا بعضها، لكن تضم أصناف النوع الواحد إلى بعضها كالتمر الجيد والتمر الرديء، وتخرج الزكاة إذا اجتمع منها نصاب، من كل صنف بقدره.
فإذا اجتمع النصاب من أصناف متساوية، جيد ومتوسط ورديء، أخرج زكاة الجميع من أوسطها، فإن أخرجها من الجيد كان أفضل، ولا يجزئ إخراجها من أدناها.
وتخرج الزكاة مما ضمت أنواعه لبعضها كل بحسبه إذا بلغ المجموع نصاباً، لكن يشترط في الضم، أن يزرع المضموم قبل حصاد المضموم إليه، وإلا فلا يضم وأن يبقى من حب الأول إلى وجوب زكاة الثاني ما يكملان به نصاباً.
__________
(1) أوسق: جمع وَسق، معناه لغة: الجمع، وشرعاً يساوي ستين صاعاً.
(2) مسلم: ج 2/ كتاب الزكاة /5.
(1/278)

مقدار الزكاة:
(1/279)

1- مالا يستقى بآلة كأن يسقى بماء المطر أو السيح (1) ، أو بماء ينفق عليه حتى يوصله إلى أرضه ولكن من غير آلة، فزكاته العشر.
(1/279)

2- ما يسقى بآلة فزكاته نصف العشر، لما روى سالم بن عبد اللَّه عن أبيه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً (2) ، العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" (3) والواجب إخراجه هو: [ص:280]
آ- نصف عشر الزيت فيما له زيت كالزيتون، أو حب الفجل، أو القرطم، أو السمسم، إن بلغ الحب نصاباً ولو لم يبلغ الزيت نصاباً، وإن أخرج الزكاة من حبه أجزأ إلا الزيتون.
ب- نصف عشر الثمن فيما ليس له زيت من نوع ماله زيت كزيتون مصر إن بيع، أو نصف عشر القيمة يوم طيبه إن لم يبع.
جـ- نصف عشر ثمن مالا يجف كعنب مصر ورطبها إن بيع، وإلا نصف عشر القيمة إن لم يبع.
د- نصف عشر الحب أو الثمر فيما يجف ولو أكله أو باعه رطباً.
(1/279)

3- ما يسقى بآلة وبغيرها معاً يُنظر للزمن، فإن تساوت مدة السقيين أو تقاربت أخرج عن النصف العشر وعن النصف الآخر نصف العشر وهكذا كل بحسبه. [ص:281]
__________
(1) الماء الجاري على سطح الأرض.
(2) عثريا: ما سقي بماء السيل.
(3) البخاري: ج 2/ كتاب الزكاة باب 54/1412.
(1/280)

الفصل الثالث
زكاة النقد
شروط وجوب زكاة النقد:
يشترط لجوبها بالإضافة إلى شرائط الوجوب العامة للزكاة ما يلي:
(1/281)

1- حولان الحول: فلا تجب الزكاة إلا إذا ملك النصاب وحال عليه حول وهو مالكه، ودليله الحديث المروي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "أن لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول" (1) .
والمراد بالحول: الحول القمري (2) لا الشمسي، فإذا ملك نصاباً من الذهب أو الفضة في أول الحول ثم نقص في أثنائه ثم ربح فيه ما يكمل النصاب في آخر الحول وجب عليه إخراج الزكاة، لأن حول الربح حول أصله. وكذا لو ملك أقل من نصاب في أول الحول ثم اتجر فيه فربح ما يكمل النصاب في آخر الحول وجبت عليه زكاة الجميع، أما إن لم يتم النصاب إلا بعد انتهاء الحول زكَّاه وقت تمامه وانتقل حوله ليوم تزكيته، ومثال ذلك: من ملك دون النصاب في شهر محرم ثم اتجر به وربح مالاً يكمل رأس المال إلى النصاب قبل مجيء شهر محرم فتجب عليه الزكاة في شهر محرم (حول الربح حول أصله) ، أما إن لم يتم النصاب من الربح إلا بعد انتهاء الحول كشهر ربيع زكَّاه وقت تمام النصاب وهو في شهر ربيع ويكون انتقل حوله ليوم تزكيته.
وحَوْلُ الفائدة يبدأ بعد قبضها سواء كانت عطية (هبة، صدقة، إرث، دية، صداق قبضته من زوجها) أو كانت متجددة من مال غير مزكى كثمن شيء مقتنى عنده [ص:282]
كثياب أو دار) ثم باعه، فحوله يبدأ من قبضه، وإذا كانت الفائدة المقبوضة أقل من النصاب فإنها تضم لفائدة قبضها بعدها ويبدأ حول الجميع بتمام النصاب. أما إن كان ما قبضه لأول مرة نصاباً ثم نقص أثناء الحول ثم ربح فائدة أخرى فحول الجميع حول الفائدة الأولى. وإذا ملك نصاباً وحال عليه الحول ووجبت فيه الزكاة ثم نقص بعد تمام الحول ثم حصل على فائدة تكمل النصاب فيزكي كل مبلغ بعد انتهاء حوله، كأن ملك في محرم عشرين مثقالاً من الذهب وبعد مرور الحول ووجوب الزكاة عليه نقص إلى خمسة عشر مثقالاً ثم ربح خمسة مثاقيل في رجب فصار المجموع كله نصاباً، فيزكي عن الخمسة عشر في محرم وعن الخمسة في رجب.
ويجوز إخراج الزكاة قبل تمام الحول بشهر تقريباً لا أكثر لاحتياج الفقراء إليها مع عدم وجود المانع.
(1/281)

2- فراغ المال من الدَيْن: فمن كان عليه دين يستغرق النصاب أو ينقصه، وليس عنده ما يفي به من غير مال الزكاة مما لا يحتاج إليه في ضرورياته كدار السكنى، فلا تجب عليه الزكاة في المال الذي عنده؛ ولو كان الدين مؤجلاً، أو كان مهراً لزوجة مقدماً أو مؤخراً، أو نفقة لزوجة أو أقارب، أو زكاة ماضية محققة بذمته. أما إن كان دينَ كفارةِ يمين أو ظهار أو صوم أو هدي وجب عليه في الحج أو العمرة، فهذا لا يسقط عنه الزكاة (3) .
__________
(1) الترمذي: ج 3/ كتاب الزكاة باب 10/632.
(2) السنة القمرية (354) يوماً.
(3) الفرق بين دَيْن الزكاة ودَيْن الكفارة: أن دَيْن الزكاة يطالب به الإمام ويلاحقه به، أما دين الكفارة فغير مطالب به.
(1/282)

أنواع النقد:
أنواعه الذهب والفضة سواء كانا مسكوكين أو غير مسكوكين كالسبائك والتبر والأواني والحلي الحرام.
ولا زكاة في النحاس والرصاص وغيرهما من المعادن ولو سُكَّت نقداً.
ولا زكاة في الحلي المباح للمرأة، وقبضة السيف المعد للجهاد، والسنِّ والأنف للرجل، إلا في الحالات التالية فإنه يجب في الحلي زكاة:
(1/282)

1- إذا انكسر الحلي ولا يمكن إصلاحه إلا بسبكة ثانية، ولو كانت لامرأة، وسواء نوى صاحبه إصلاحه أم لا.
(1/282)

2- إذا انكسر وكان يمكن إصلاحه من غير إعادة سبكه، ولكن لم ينو صاحبه إصلاحه.
(1/282)

3- أن يكون معدَّاً لنوائب الدهر وحوادثه، لا للاستعمال.
(1/282)

4- أن يكون معداً لمن سيوجد من زوجته أو ابنته مثلاً.
(1/283)

5- أن يكون معداً لصداق من يريد أن يتزوجها، أو يزوجها لابنه مثلاً.
(1/283)

6- أن يكون معداً للتجارة.
والمعتبر في زكاة الحلي الوزن لا القيمة.
وتجب الزكاة في الأوراق المالية (بنكنوت) ، لأنها حلت محل الذهب والفضة في التعامل، وإن كانت من سندات الدين لأنها يمكن صرفها فضة فوراً. وتعتبر قيمة الذهب بالنسبة للبنكنوت وقت إخراج الزكاة.
نصابها:
نصاب الذهب عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة مائتا درهم، وإذا خلط الذهب أو فضة بمعدن آخر كالنحاس أو النيكل وراج استعمالهما كاستعمال الذهب أو الفضة الخالصين من الشوائب، وجبت زكاتهما كالخالص، وإن لم يروجا في الاستعمال كالخالص زكَّى الخالص إن بلغ نصاباً والا فلا يزكي.
ودليل ذلك ما روى علي رضي اللَّه عنه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليه الحول ففيها نصف دينار" (1) .
وما روى جابر رضي اللَّه عنه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أواق من الورِق صدقة" (2) .
__________
(1) أبو دواد: ج 2 /كتاب الزكاة باب 4/1573.
(2) مسلم: ج 2 /كتاب الزكاة /6، والأوقية تساوي أربعين درهم.
(1/283)

مقدار الزكاة:
مقدار الذهب ربع العشر، وما زاد على النصاب فبحسبانه، وزكاة الفضة ربع العشر وما زاد على النصاب فبحسبانه.
زكاة الأموال المودعة:
تجب الزكاة فيها بعض قبضها عن كل عام مضى وهي في يد أمين.
زكاة الأموال المغتصبة والضائعة:
لا تجب الزكاة فيها إلا عن العام الأخير بعد قبضها ولو مكثت بيد الغاصب أعواماً. [ص:284]
زكاة الدين الذي بيد الغريم:
يزكى بعد قبضه عن سنة واحدة من يوم ملك الأصل أو من يوم تزكيته عندما كان بيده، ولو مكث بيد المدين أعواماً، لكن ضمن شروط:
(1/283)

1- أن يكون أصل الدين نقداً بيد المالك ثم أسلفه للمدين (قرض) ، أو عروض تجارة كانت بيده ثم باعها بثمن لأجل معلوم. أما إن كانت أصل الدين عطية بيد معطيها (كالهبة أو الصداق بيد الزوج أو الخلع بيد الزوجة) فلا زكاة فيه إلا بعد مرور حول من قبضه.
(1/284)

2- أن يقبض الدين من المدين.
(1/284)

3- أن يكون الدين الذي قبضه نقداً لا عرضاً فإذا كان عرضاً فلا يزكيه إلا بعد بيعه.
(1/284)

4- أن يكون ما قبضه نصاباً كاملاً، فإن قبضه على دفعات وكانت كل منها أقل من النصاب فيزكيه عند تمام النصاب. وإن كان ما قبضه أقل من نصاب لكن كُمّل من فائدة تمّ حولها عند قبض الدين فتجب عليه الزكاة، كأن قبض مائة درهم من الدين وكان عنده مائة أخرى قد حال عليها الحول، فإنه تجب عليه زكاة.
(1/284)

5- أن لا يكون أخَّر الدين بيد المدين بقصد التهرب من الزكاة، فإن قصد ذلك زكى عن الأعوام كلها لا عن عام واحد. [ص:285]
الفصل الرابع
زكاة المعدن والركاز
أولاً- زكاة المعدن:
المعدن هو ما خلقه اللَّه تعالى في الأرض من ذهب أو فضة أو غيرهما، وهو ملك للإمام (أي الدولة) في أي أرض وجد، ولو في أرض معينٍ مالكها، إلا إذا وُجد في أرض مُصالحٍ عليها فهو لأصحابه ما داموا كفاراً، فإن أسلموا رجع ملكه للإمام (أي لبيت مال المسلمين لا مُلك لذات الإمام) يقتطعه لمن شاء ليعمل فيه لنفسه مدة من الزمن أو مدة حياة القطع أي يملكه ملك منفعةٍ لا مُلك ذاتٍ.
ولا تجب الزكاة في المعادن إلا في الذهب والفضة فقط.
شروط وجوب الزكاة في المعدن:
(1/284)

1- المُلك (ملك المستخرج) .
(1/285)

2- الإخراج.
(1/285)

3- أن يكون المستخرجَ نصاباً فأكثر.
أما في اشتراط التنقية والتصفية لوجوب الزكاة وعدمه قولان، فعلى القول الأول: لا يدخل في حساب الزكاة ما يتلف أو يضيع قبل التنقية، وعلى القول الثاني: يدخل في الحساب.
وكذا في اشتراط الحرية والإسلام لوجوب الزكاة وعدمه قولان، فعلى القول الأول: لا يدخل في حساب الزكاة ما يتلف أو يضيع قبل التنقية، وعلى القول الثاني: يدخل في الحساب.
وكذا في اشتراط الحرية والإسلام لوجوب الزكاة وعدمه قولان، والمشهور عدم اشتراطهما. ولا يشترط حولان الحول وإنما تجب الزكاة حال استخراجه.
النصاب:
هو نصاب النقد سواء أُخرج دفعة واحدة أو على دفعات ولكن من عرق واحد، أما إذا [ص:286] أخرج في المرة الأولى من عرق وفي الثانية من عرق آخر إلا يضمان لبعضهما، ويضم ما أخرج مرة واحدة من عرقين فأكثر لبعضهما؛ أي إذا ظهر العرق الثاني قبل انقطاع العمل في العرق الأول كان العرقان كالعرق الواحد فمتى بلغ المجموع نصاباً زكَّاه والا فلا، وإن كان ظهور العرق الثاني بعد انقطاع العمل في الأول اعتُبر كلٌّ على حدة، فإذا بلغ ما أخرج من كل منهما نصاباً زكاه والا فلا، ولو كان مجموع الخارج منهما نصاباً.
مقدار الزكاة ومصرفها:
مقدار الزكاة في المعدن كمقدارها في النقد ربع العشر، ومصرفها مصرف الزكاة. باستثناء النُّدْرَة وهي القطعة الخالصة من الذهب أو الفضة التي لا تحتاج إلى تصفية ولا يحتاج إخراجها إلى نفقة عظيمة أو عمل كبير فيجب فيها الخمس، سواء كانت تبلغ النصاب أو لا، ويصرف هذا الخمس في مصارف الغنائم وهو مصالح المسلمين، ولو كان مُخْرِجها عبداً أو كافراً. أما إن احتاج إخراجها إلى نفقة عظيمة أو عمل كبير، فيجب فيها ربع العشر ويصرف في مصارف الزكاة.
أما باقي المعادن كالنحاس والقصدير وغيرهما فلا يجب فيها شيء إلا إذا جعلت عروض تجارة فعندها تُزكَّى تزكية العروض التجارية.
ثانياً- زكاة الركاز:
الركاز هو ما يوجد في الأرض من دِفْن أهل الجاهلية من ذهب أو فضة أو غيرهما، ويعرف ذلك بعلامة عليه. فإذا شك في المدفون هل هو دِفن أهل الجاهلية أم دفن مسلمين أم أهل الذمة لعدم وجود علامة عليه حُمل على أنه دفن أهل الجاهلية.
ويدخل في حكم الركاز أموال أهل الجاهلية التي توجد على ظهر الأرض أو على ساحل البحر.
ما يجب في الركاز:
(1/285)

1- إخراج خُمسه، لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "العُجَماء (1) جُبَارٌ (2) ، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" (3) ، ويكون مصرف هذا الخمس [ص:287] كالغنائم فيصرف في مصالح المسلمين العامة لا في مصارف الزكاة إن لم يحتج إخراجه إلى نفقة عظيمة أو عمل كبير.
(1/286)

2- إخراج ربع العشر (لا الخمس) إن احتاج إخراجه إلى نفقة عظيمة أو عمل كبير، ويصرف في مصارف الزكاة.
ولا يشترط لوجوب الزكاة في الركاز أي شرط من شروط وجوب الزكاة، كما لا يشترط في الحالتين أن يكون الركاز بلغ نصاباً.
والباقي من الركاز بعد إخراج ما يجب فيه لمالك الأرض التي وُجد فيها، ولو كان ما لكها جيشاً افتتحها عنوة، فإن لم يكن جيشاً فللمالك إن كان ملكها بإرث أو بإحياء لها، أما إن ملكها بشراء أو هبة فالباقي من الركاز للمالك الأول وهو البائع أو الواهب، وإن لم تكن الأرض مملوكة لأحد كموات أرض الإسلام وأرض الحرب، فالباقي يكون لواجد الركاز، وإن وُجد في الأرض المصالح عليها فلا يجب فيه شيء لا خمس ولا ربع العشر وكله ملك لأصحاب الأرض، فإذا دخلوا في الإسلام عاد حكمه للإمام كالمعدن.
دفين المسلمين أو أهل الذمة من الكفار:
حكمه حكم اللقطة: يُعّرف عاماً، فإن عُرف المالك أو الوارث كان له والا كان لواجده. وإن قامت القرائن على عدم إمكانية معرفة المالك أو الوارث لتوالي العصور عليه فقيل يملكه واجده وقيل: يوضع في بيت مال المسلمين، ويصرف في المصالح العامة وهو الأظهر.
زكاة ما يلفظه البحر:
ليس فيما يلفظه البحر كالعنبر واللؤلؤ والمرجان زكاة، وهو لواجده. [ص:288]
الفصل الخامس
زكاة عروض التجارة
العروض جمع عرض وهو ما ليس بذهب ولا فضة، والتجاره هي التقليب في المال المملوك بمعاوضة، لغرض الربح، مع نية التجارة.
دليل وجوبها: ما روي عن سمرة بن جندب رضي اللَّه عنه قال: (أما بعد، فإن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع) (1) .
__________
(1) أبو داود: ج 2 /كتاب الزكاة باب 2/1562.
(1/287)

شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة:
تجب الزكاة في عروض التجارة على كل من ملكها، سواء كان تاجراً محتكراً (2) أو مدبراً (3) ، إذا توفرت الشروط التالية:
(1/288)

1- أن تكون العروض مما لا تتعلق الزكاة بعينه كالثياب والكتب ودور السكن، فإن تعلقت الزكاة بعينه كالحرث والماشية فيزكيها زكاة عين إن بلغت نصاباً، وإن لم تبلغ نصاباً أو كانت في غير العام الذي زُكيت عينه فيه فتقوَّم وتزكي زكاة العروض.
(1/288)

2- أن تكون العروض ملكت بمعاوضة مالية (لا مملوكة بإرث أو خلع أو هبة أو غير ذلك) ، فإذا ملك شيئاً بغير معاوضة مالية ثم نوى به التجارة فلا زكاة عليه إلا بعد بيعه حيث يستقبل بثمنه حولاً من يوم قبض الثمن لا من يوم ملكه، وإذا مكث عنده سنين وهو ناوٍ التجارة به إلا أنه لم يبعه فليس عليه أن يقومه ولا يزكيه ولو كان تاجراً مديراً.
(1/288)

3- أن ينوي التجارة بالعروض حال شرائها، أو ينوي التجارة والغلَّة (الاستغلال ومثال ذلك أن يشتري داراً ليؤجره مع نية بيعه إذا وجد من يشتريه بربح) ، أو التجارة والقنية (الاقتناء. [ص
(1/288)

289] ومثال ذلك أن يشتري سيارة ليركبها مع نية بيعها إذا وجد من يشتريها بربح) . أما إذا نوى القنية فقط أو الغلة فقط أو هما معاً أو لم ينو شيئاً فلا تجب عليه زكاة.
(1/288)

4- أن يكون العِوَض الذي دفعه التاجر ثمناً للعروض التجارية نقداً أو عرضاً امتلكه بمعاوضة مالية، سواء كان عرضاً تجارياً أو للقنية، كأن كان عنده دار للسكن ثم باعه لقاء قماش نوى به التجارة، فإن حَوْلَ زكاة تجارة القماش يبدأ من يوم شراء القماش. وأما إذا كان دفع ثمن العروض التجارية عروضاً ملكها بهبة أو إرث مثلاً فلا زكاة فيها، ولا يبدأ حول هذه العروض التجارية إلا من بعد بيعها وقبض ثمنها.
(1/288)

5- أن يبيع العروض التجارية كلها أو بعضها بنقد (ذهب أو فضة) خلال الحول من يوم ملكها، فإن لم يبع منها شيئاً إلا بعد انتهاء الحول قوَّم المدير وزكى وبدأ الحول من حينئذٍ لا من حين ملكها.
(1/288)

6- أن يكون المبيعات بلغت نصاباً إن كان التاجر محتكراً، سواء كانت دفعة واحدة أو على دفعات، أو أن يكون عند التاجر المحتكر من الفوائد ما يكمل ثمن المبيعات إلى النصاب. أما إذا كان التاجر مديراً فلا يشترط أن تكون مبيعاته بلغت نصاباً، بل يكفي مجرد البيع لأنه يقوّم العروض ويزكي قيمتها لا ثمنها.
(1/288)

7- حولان الحول، للحديث المتقدم: "أن لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول"، ويبدأ الحول من يوم ملك المال الذي اشترى بع العروض أو من يوم تزكيته إن كان زكاه قبل الشراء به ولو تأخرت إدارته للتجارة.
كيفية حساب زكاة العروض التجارية:
أولاً- إذا كان التاجر محتكراً:
إذا توفرت شروط وجوب زكاة عروض التجارة للمحتكر فيزكي ما باع به من النقدين كزكاة الدين (أي لسنة واحدة فقط من يوم ملك الأصل، ولو أقامت العروض عنده أعواماً) إذا كان الثمن عيناً نصاباً كمل بنفسه (على دفعات) أو بفائدة عنده تم حولها (هبة، إرث ... ) أو بمعدن ولو لم يتم حوله (لأنه لا يشترط لزكاة المعدن تمام الحول) . والديون التي له من التجارة لا يزكيها إلا بعد قبضها ولعام واحد فقط.
ثانياً- إذا كان التاجر مديراً:
وإذا كان التاجر مديراً فإنه يقَّوم في كل عام:
(1/288)

1- ما عنده من عروض التجارة (باستثناء الأواني التي توضع فيها السلع وآلات العمل وبهيمة الركوب والحرث لبقاء عينها فأشبهت القنية) ولو كسدت سنين.
(1/290)

2- يقوَّم الديون إن كانت عرضاً كالسلع التي لم يستلمها بعد ودفع ثمنها.
(1/290)

3- يقوَّم الديون النقدية المؤجلة التي له من التجارة إن كان مرجواً خلاصها؛ حيث يقدر كم يشتري من العروض فيما لو كانت هذه الديون بيده ثم يقدر بكم يبيعها مالاً، فهذه القيمة هي التي تعتبر في حساب الزكاة للديون المؤجلة. أما الديون غير مرجوة الخلاص كأن كانت لمعدمٍ أو لظالم فلا يقوَّمها ولا تدخل في حساب الزكاة وإنما يخرج زكاتها حال قبضها عن سنة واحدة كالأموال المغصوبة أو الضائعة.
وبعد حساب هذه (قيمة العروض الموجودة، وقيمة العروض التي بيد المدين وقيمة الديون النقدية المؤجلة) يضاف إليها الديون النقدية التي له من التجارة والحال أجلها (أما الديون التي هي سلف فيزكيها لعام واحد) ويضم إليها الأموال المقضية الموجودة لديه، فإذا بلغ مجموع الكل نصاباً زكاه وإلا فلا زكاة عليه ثالثاً -التاجر المحتكر والمدير بأن واحد إذا اجتمع عند شخص واحد إدارة في عروض واحتكار في عروض، فإذا تساوت العروض المدارة مع المحتكرة، أو كان الاحتكار أكثر، زكّى كلاً على حكمه، أما إذا كانت العروض المدارة أكثر من المحتكرة زكَّى زكاة مدير، أي يقوِّم جميع السلع المحتكرة والمدارة في كل عام ويزكيها.
تزكية القراض:
القراض هو المال المدفوع إلى عامل للمتاجرة به تجارة إدارة أو احتكار.
ويجب على ربّ القراض تزكيةُ رأسِ ماله وحصته من الربح تزكية مدير، إذا قام ربُّ القراض والعامل بتجارة إدارة أو قام العامل بإدارته لوحده من ماله الخاص لا من مال القراض لئلا ينقص على العامل، وذلك في كل عام، إذا كان القراض حاضراً في بلد ربه حقيقة أو حكماً (كأن كان المال في غير بلد ربه لكن يعلم ربه بحاله) . أما إذا كان المال في غير بلد ربه ولا يعلم حاله فلا يزكيه ربه ولو غاب عنه سنين حتى يحضر، إلا أن أمر العامل أن يزكيه في حال غيابه في كل عام ويحسب الزكاة على ربه، فإذا لم يزكه العامل في هذه السنين زكاه ربه بعد حضوره عن جميع سنّي الغياب مبتدئاً بسنة الحضور أولاً، فيحسب ما عليه من زكاة في هذه السنة الأخيرة ثم يخرج بمقدارها عن كل من [ص:291] السنين السابقة بعد تنزيل ما يؤخذ من المال زكاة، هذا إذا كان القراض في كل من السنين السابقة مساوياً للسنة الأخيرة أو زائداً عليها، أما إن كان أقل زكاه بقدره بعد تنزيل ما أخذ زكاة.
أما إن كان رب القراض أو العامل أو هما معاً محتكران فيزكيه ربه بعد قبضه بعام واحد ولو قام بعد العامل سنين.
وأما العامل فيزكي حصته من الربح، ولو كانت أقل من النصاب، لسنة واحدة بعد قبضها، ولو أقام القراض بيده سنين وسوء كان العامل ورب القراض مديرين أو محتكرين أو مختلفين، وذلك ضمن شروط هي:
(1/290)

1- بقاء القراض بيد العامل حولاً فأكثر من يوم بَدأ الإتجار به، أما إن كان بقاؤه أقل من ذلك فلا زكاة عليه.
(1/291)

2- أن يكون العامل ورب القراض حرين مسلمين لا دين عليهما.
(1/291)

3- أن يكون الربح الكلي (حصة العامل ورب القراض) نصاباً فأكثر، أو أقل من النصاب ولكن عند رب القراض ما يكمله للنصاب.
(1/291)

الباب الثالث: مصارف الزكاة
(1/292)

تصرف الزكاة للأصناف الثماينة المزكورة في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل اللَّه، وابن السبيل فريضة من اللَّه واللَّه عليم حكيم} (1) ، وهم:
__________
(1) التوبة: 60.
(1/292)

أولاً - الفقير:
وهو من ملك شيئاً لا يكفيه عاماً، ولو بلغ نصاباً ووجبت فيه الزكاة، فتصرف له ولو كان له دار يسكنها تناسبه، ولو كان له خادم. أو من كان له كسب أو راتب لا يكفيه، أو كان هناك من هو ملزم بالنفقة عليه لكن ينفقعليه نفقة لا تكفيه؛ فإن كان الملزم بالنفقة عليه مليئاً ألزم بإكفائه ولا يعطي من الزكاة، إما إن كان الملزم بالنفقة عليه غير مليء، أو كان المنفق ينفق تطوعاً من غير إلزام، فيعطى من الزكاة ما يتم به كفاية عامه.
ثانياً- المسكين:
وهو من لا يملك شيئاً ولا يوجد من ينفق عليه ولا كسب له، فهو أسوأ حالاً من الفقير.
ويشترط في الفقير والمسكين ثلاثة شروط: الحرية، والإسلام، وأن لا يكون كل منهما من نسل هاشم بن عبد مناف إذا أعطوا ما يكفيهم من الزكاة.
ثالثاً- العامل على الزكاة:
ويشتمل كل من استعمله الإمام لجباية الزكاة، من جاب أو حاشر أو قاسم.. إلخ، وتُعطى الزكاة للعامل ولو كان غنياً على سبيل الأجرة. وإن اجتمع للعامل على الزكاة صفة الفقر أخذ بوصفيه بصفته كعامل وبصفته كفقير إن لم يُغْنِهِ ما يأخذه منها بصفته كعامل. [ص:293]
ويشترط في العامل المستحق للزكاة ثلاثة شروط أيضاً: الإسلام والحرية وأن لا يكون من نسل بني هاشم.
أما شروط تولية العامل على الزكاة فهي:
(1/292)

1- العدالة: وليست عدالة الشهادة، وإنما عدالة كل عامل فيما وُلّي فيه؛ فعدالة الجابي في جبايتها، وعدالة الموزع في توزيعها وهكذا.
(1/293)

2- العلم بحكمها: لئلا يأخذ غير حقه، أو يُضيع حقاً، أو يمنع مستحقاً.
فإذا ولي على الزكاة عبد أو هاشمي أو كافر فلا يعطى أجرته من الزكاة، وإنما يعطى أجرة مثله من بيت مال المسلمين.
رابعاً- المؤلفة قلوبهم:
هم كفار يرجى إسلامهم بإعطائهم من الزكاة لتأليف قلوبهم، ولو كانوا من بني هاشم.
وقيل: هم مسلمون حديثو العهد بالإسلام يعطون من الزكاة ليتمكن الإيمان من قلوبهم.
خامساً- الرقاب:
وهو الرقيق المؤمن، يُشترى من الزكاة ويُعتق. ويشترط لإعطائه من الزكاة ثلاثة شروط:
(1/293)

1- أن يكون مسلماً.
(1/293)

2- ألا عقدَ حريةٍ فيه (غير مكاتب ولا مدير) .
(1/293)

3- أن يكون ولاؤه للمسلمين لا للمزكي، ومعناه: إذا مات العتيق وله إرث ولم يكن له ولد يرثه، ورثه بيت مال المسلمين.
سادساً- الغارِم:
وهو المؤمن الذي ليس عنده ما يوفي به دينه، فيعطى من الزكاة، حتى ولو مات يُوفى دينه منها. ويشترط في الغارم:
(1/293)

1- الحرية.
(1/293)

2- الإسلام.
(1/293)

3- ألا يكون هاشمياً.
(1/293)

4- أن يكون الدين مما يحبس فيه إن لم يوفيه، ويخرج بذلك دين الكفارات.
(1/293)

5- أن يكون الدين الذي استدانه لمصلحة شرعية (قوته وقوت عياله) لا لمعصية كشرب خمر مثلاً.
(1/293)

6- أن لا يكون استدان لأخذ الزكاة، كأن كان عنده ما يكفيه ولكن استدان ليوسع على نفسه لأجل أن يأخذ من الزكاة. فلا يعتبر غارماً إلا إن تاب من المعصية أو من القصد الذميم.
سابعاً- سبيل اللَّه:
والمراد به أهل الجهاد المتلبسين به، فيعطى المجاهد من الزكاة إذا كان ممن يجب عليهم الجهاد، ولو كان غنياً عند الجهاد، ليشتري بالزكاة سلاحاً أو خيلاً. ويلحق به الجاسوس (وهو الذي يرسل للاطلاع على عورات العدو ويعلم المسلمين بها) ولو كان كافراً ولكن يشترط فيه الحرية. أما شروط المجاهد الذي يستحق أن يأخذ من الزكاة فهي: الحرية، والإسلام، والذكورة، والبلوغ، والقدرة، وألا يكون هاشمياً. ويمكن أن تدفع الزكاة ثمناً للسلاح.
ثامناً- ابن السبيل:
وهو الغريب المحتاج لما يوصله إلى بلده، فيعطى من الزكاة ولو وجد من يسلفه ما يوصله إلى بلده، إلا إن كان غنياً في بلده ووجد من يسلفه ليصل فلا يعطى من الزكاة.
ويشترط في إعطاء ابن السبيل من الزكاة: الحرية، والإسلام، وأن يكون غير هاشمي، وألا تكون غريبه في معصية كقاطع الطريق مثلاً.
الأشخاص الذين لا يجزئ إعطاء الزكاة لهم:
(1/294)

1- العبد: لأن نفقته على سيده فهو غني به.
(1/294)

2- الكافر، ما لم يكن جاسوساً أو من المؤلفة قلوبهم، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم لمعاذ رضي اللَّه عنه حين بعثه إلى اليمن: "فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" (1) . كما لا يجزئ إعطاء الزكاة لأهل المعاصي إن ظن أنهم يصرفونها فيها، وإلا جاز الإعطاء لهم.
(1/294)

3- بنو هشام (2) : أي كل من كان لهاشم عليه ولادة من ذكر أو أنثى، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "إن هذه الصدقات أنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" (3) ، ويعطون ما يحتاجون إليه من بيت مال المسلمين، فإن لم يُعطوا وأضرَّ بهم الفقر أُعطوا من الزكاة، وإعطائهم حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم.
أما صدقة التطوع فتصح لبني هاشم وغيرهم.
(1/294)

4- الغني: وهو من ملك شيئاً يكفيه لعام، أو كان له كسب أو راتب يكفيه، أو كانت نفقته واجبة على غير وكان الغير مليئاً قادراً على الدفع. لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" (4) .
(1/295)

5- من أُلزم صاحب المال بالنفقة عليه، كالزوجة بالنسبة لزوجها فهو ملزم بالنفقة عليها لذا لا يجزئ إعطاء زكاته لها، إلا إن كان عليها دَيْن فإنه يجوز له أن يعطيها من زكاته لكي توفي دينها. أما الزوجة فيجوز لها أن تعطي زكاتها لزوجها مع الكراهة وهو الأرجح، وقيل بعد الجواز لعودها عليها في النفقة.
__________
(1) مسلم: ج 1 /كتاب الإيمان باب 7/29.
(2) هاشم: أبو جد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فهو أبو عبد المطلب.
(3) مسلم: ج 2 /كتاب الزكاة باب 51/168.
(4) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 23/1633.
(1/295)

ما يجب في إخراج الزكاة لكي تكون مجزئة:
(1/295)

1- النية: تجب النية في أداء ما وجب على المالك في ماله أو مال محجوره من الزكاة، وتكون النية بأن يقصد معنى قوله: "إن هذا المال زكاة مالي" عند التوزيع إن لم ينوي ذلك عند العزل، وإن نواها عند العزل ثم سرقها من يستحقها أجزأت. (أما إن سُرق من المال بقدر الزكاة من قبل مستحقها فلا تجزئ لعدم النية) . والنية الحكمية كافية، كأن عدّ دراهمه وأخرج ما يجب فيها ولم يلاحظ أن هذا المُخْرَجَ زكاة لكن لو سئل لأجاب أنه زكاة، كفاه ذلك.
أما إن تركت النية ولو جهلاً أو نسياناً فلا يُعتد بما أخرجه من الزكاة. وتجزئ نية الإمام عن نية المالك فيما إذا امتنع صاحبها من أدائها وأخذت منه كرهاً.
ولا يلزم إعلام الآخذ أن ما أخذه هو من الزكاة، بل يكره لما في ذلك من كسر قلب الفقير.
(1/295)

2- يجب توزيعها في موضع الوجوب أو قربه (وهو ما دون مسافة القصر) ، ولا تجزئ إن نقلها إلى مسافة القصر فأكثر، إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشدّ حاجة من أهل محل الوجوب فعندها يجب نقل أكثرها إليه ويوزع الباقي في محل الوجوب، فإن خالف في هذه الحالة ووزعها كلّها في موضع الوجوب، أو أن تساوي أهل هذا الموضع مع أهل محل الوجوب بالحاجة ومع ذلك نقلها أو بعضها إليهم، أجزأت في الحالتين مع الإثم.
وموضع الوجوب في الحرث هو: مكان وجود الحرث، وفي الماشية هو مكان وجودها إن كان هنا ساعٍ وإن لم يكن فمحل المالك، وفي النقد والعروض التجارية هو: موضع وجود المالك حيث كان ما لم يسافر ويوكل من يخرج عنه زكاة ماله في بلده.
(1/295)

3- يجب عدم تقديم إخراج زكاة الحرث، والماشية التي لها ساعٍ، والديون وقيمة العروض التجارية للتاجر المحتكر، عن وقت وجوبها، فإن قدمها عن وقت وجوبها ولو بوقت يسير لم تجزئه، لأنه يكون كمن صلى قبل دخول الوقت.
ووقت وجوبها في الحرث هو بدو صلاحه، وفي الماشية التي لها ساعٍ هو مجيء الساعي، وفي الديون والعروض التجارية للتاجر المحتكر هو بعد قبضه.
(1/296)

4- يجب على المالك التزكية على الفور عن ماله الحاضر والغائب، ولا يجوز إبقاء الزكاة عنده وكلما أتاه أحد أعطاه منها. وإن كان مسافراً زكى في البلد التي هو فيها ما حضر لديه من المال فوراً، وما غاب عنه إن لم يوكل من يخرج الزكاة عنه في بلده، ولو كانت ماشية لكن بشرط أن لا يكون له ساع في مكان وجودها، أما إن كان هناك من يخرج عنه زكاة ماله في بلده زكَّى المالك المسافر ما حضر لديه فقط في بلد السفر وإن كان دون النصاب.
(1/296)

5- يجب إعطاء الزكاة لمستحقيها، فإن دفعت لغير مستحق لها فلا تجزئ، وكذا لو اجتهد ودفعها لمستحقيها ثم تبين في الواقع أنه غير مستحق وتعذر ردها منه لم تجزئه، إلا الإمام إذا دفعها لمستحقيها باجتهاده ثم تبين أن آخذها غير مستحق فتجزئ لأن اجتهاده حكم.
إلا أنه لا يجب تعميم الأصناف الثمانية في الإعطاء، بل يجوز دفعها لصنف واحد منهم، لأن اللام في قوله تعالى: {للفقراء} لبيان المصرف عند السادة المالكية وليست لبيان الملك، وإلا لوجب تعميم الأصناف الثمانية إن وجد كما عند السادة الشافعية.
ما يجوز في دفع الزكاة:
(1/296)

1- يجوز دفعها لقادر على الكسب إن كان فقيراً، ولو ترك الكسب اختياراً.
(1/296)

2- يجوز إعطاء الفقير والمسكين ما يكفيهما سنة، ولو كان أكثر من النصاب. ولا يجوز إعطاؤهما أكثر من كفاية سنة ولو كان أقل من النصاب.
(1/296)

3- يجوز إعطاء الزكاة لعتقاء بني هاشم.
(1/296)

4- يجوز دفع الزكاة لمدين معدم ثم أخذها منه لقاء الدين، أما إذا كان هناك تواطؤ على ذلك، بأن يقول له: أدفع لك الزكاة على أن تدفعها لي لقاء الدين، فلا تجزئ، وكذا لا يجزئ حساب الزكاة من دين على مدين معدم، بأن يقول المالك للمدين المعدم: أسقطتُ مبلغ كذا مما لي عليك من دين لقاء زكاة مالي، لأن هذا الدين هالك لا قيمة له.
(1/296)

5- يجوز إخراج الزكاة بالفضة عن الذهب وبالعكس، ولكن لا يجوز إخراج عرض بقيمة الزكاة المتوجبة.
(1/296)

6- يجوز إخراج قيمة زكاة الحرث أو الماشية بالذهب أو الفضة مع الكراهة.
(1/297)

7- يجوز دفع الزكاة لصنف واحد من المستحقين ولو لواحد منهم، إلا العامل على الزكاة، فلا يجوز دفعها كلها إليه إذا كانت زائدة على أجرة عمله.
ما يندب في دفع الزكاة:
(1/297)

1- يندب إيثار المضطر -أي المحتاج- على غيره، بأن يخص بالإعطاء أو يزاد له فيه على غيره. ولا يندب تعميم الأصناف.
(1/297)

2- الاستنابةُ خوفَ قصدِ الثناء عليه أو الرياء، وقد تجب الاستنابة إن علم من نفسه قصد الثناء أو جهل المستحق، وعندها يكره للمستناب تخصيص قريب صاحب المال المزكى إن كان غير ملزم بالنفقة عليه (وإلا لم تجزئ) أو قريبه هو بالزكاة.
ما يكره في دفع الزكاة:
(1/297)

1- يكره إعلام المستحق للزكاة أنها زكاة دفعاً لكسر القلوب.
(1/297)

2- يكره إخراج الزكاة نقداً عن الحرث والماشية، أما إخراج عرض بقيمة الزكاة أو إخراج نوع مما فيه زكاة عن نوع آخر فلا تجزئ.
(1/297)

3- يكره تقديم إخراج الزكاة عن وقت وجوبها بشهر فأقل في زكاة النقد، وقيمة العروض التجارية المدارة، والدين المرجو تحصيله، والماشية التي لا ساعي لها.
(1/297)

الباب الرابع: صدقة الفطر
(1/298)

تعريفها والغرض منها:
زكاة الفطر، ويقال لها أيضاً صدقة الفطر، هي زكاة للأبدان، وتطهير للصائم من الخلل في صومه، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث.." (1) . وقيل سميت زكاة فطر نسبة إلى الفِطرة، وهي الخلقة، لأنها متعلقة بالأبدان، وقيل لوجوبها بالفطر من الصوم.
والمقصود بإخراج زكاة الفطر إغناء الفقراء عن سؤال الناس في يوم العيد، كما أنها سبب لقبول الصيام.
حكمها:
هي واجبة، بدليل حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فُرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين) (2) . وفي حديث آخر عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (فرض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم زكاة الفطر، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) (3) .
وقد فرضت زكاة الفطر في السنة التي فرضت فيها رمضان قبل العيد، أي في السنة الثانية من الهجرة.
__________
(1) أبو داود: ج 2 /كتاب الزكاة باب 17/1609.
(2) شرح الموطأ: ج 3 /ص 385.
(3) البخاري: ج 2 /صدقة الفطر
(1/298)

على من تجب صدقة الفطر:
تجب صدقة الفطر على كل حر مسلم قادر على إخراجها في وقت وجوبها (سواء كانت موجودة عنده أو يمكنه اقتراضها مع رجاء الوفاء) . [ص:299]
ويشترط أن تكون زائدة عن قوت المكلف وقوت جميع من تلزمه نفقتهم في يوم العيد.
ويجب أن يخرجها المكلف عن نفسه، وعن كل مسلم تلزمه نفقته من الأقارب كوالديه الفقيرين، وأولاده الذكور حتى يبلغ الحلم أو العاجزين عن الكسب ولو كانوا بالغين، والإناث حتى يتزوجن، وعن زوجته، وزوجة أبيه الفقير، وعن خادمه وخادم كل من هو ملزم بالنفقة عليه، وعن عبده ولو كان مكاتباً.
ومن كان عاجزاً عنها وقت وجوبها، ثم قدر عليها يوم العيد، فلا يجب عليه إخراجها وإنما يندب.
كما يندب للمسافر الذي وجبت عليه صدقة الفطر أن يخرجها عن نفسه، إذا جرت عادة أهله على إخراجها عنه أثناء سفره؛ لاحتمال نسيانهم، وإلا فيجب عليه إخراجها عن نفسه.
وقت وجوبها:
هناك قولان الأول: تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان بناء على تفسير البعض أن المراد من كلمة الفطر الواردة في الخبر (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان) الفطر الجائز.
ذو القول الثاني: تجب بطلوع فجر أول يوم من شوال بناء على أن المراد من كلمة الفطر السابقة الذكر في الخبر: الفطر الواجب الذي يدخل وقته بطلوع فجر شهر شوال.
فكل من ولد له ولد، أو تزوج، أو اشترى عبداً، قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان، وجب على الأب، أو الزوج، أو السيد، إخراج زكاة فطر ولده، أو زوجته، أو عبده. أما إن حصل ذلك بعد الغروب وقبل طلوع فجر يوم شوال لم تجب بناء على القول الأول، وتجب بناء على القول الثاني.
وقت إخراجها:
يجوز إخراج صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز أكثر من ذلك على المعتمد. ويندب إخراجها بعد فجر يوم العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد، ولكن لا تسقط بمضي ذلك اليوم، بل تبقى في ذمته أبداً حتى يخرجها، طالما كان غنياً وقت وجوبها.
مقدارها:
صدقة الفطر صاع عن كل شخص، والصاع أربعة أمداد، والمد حفنة ملء اليدين المتوسطتين.
وإذا وجبت صدقة الفطر على المكلف ولم يكن مستطيعاً إخراج كامل الصدقة بل بعضها أخرج ذلك البعض وجوباً، لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (وإذا أمرتكم [ص:300] بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) ، فمثلاً إذا وجب عليه إخراج صدقة الفطر عن عدة أشخاص، وكان غير قادر على إخراجها عنهم جميعاً، ولكن يستطيع إخراجها عن بعضهم، فإنه يبدأ بإخرجها عن نفسه أولاً، ثم عن زوجته، ثم عن والديه الفقيرين، ثم عن ولده.
__________
(1) البخاري: ج 6/ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب 3/6858.
(1/298)

ماهيتها:
يخرج المكلف صدقة الفطر من غالب قوت أهل البلد، الذي هو أحد الأصناف التسعة التالية: القمح، الشعير، السلت، الذرة، الدخن، الأرز، التمر، الزبيب، الأقط (لبن يابس أخرج زبده) .
ولا يجزئ إخراجها (1) من غير غالب قوت البلد، إلا إذا كان أفضل كما لو غلب اقتيات الشعير فأخرج قمحاً.
كما لا يجوز إخراجها من غير هذه الأصناف التسعة كالفول والعدس، إلا إذا اقتاته الناس وتركوا الأصناف التسعة المذكورة. وإذا أراد المكلف أن يخرج صدقته من اللحم اعتبر الشبع في الإخراج، فمثلاً إذا كان الصاع من القمح يشبع اثنين لو خُبِزَ، فيجب أن يخرج من اللحم ما يشبع اثنين.
__________
(1) يجوز عند السادة الحنفية إخراج قيمة الصاع نقداً، بل إن ذلك عندهم أفضل، لأنه أكثر نفعاً للفقراء.
(1/300)

مصرفها:
تصرف صدقة الفطر إلى الفقراء والمساكين. لا العاملين عليها ولا المؤلفة قلوبهم ولا غيرهم، إلا إذا كانوا فقراء أو مساكين.
ويشترط فيمن تعطى له صدقة الفطر: الحرية الإسلام وعدم كونه من بني هاشم.
ويجوز دفع آصاع متعددة لمسكين واحد، كما يجوز تجزئة الصاع على عدة مساكين، ولكن الأوْلى إعطاء صاع لكل مسكين.
مندوباتها:
(1/300)

1- يندب إخرجها (1) بعد فجر يوم العيد وقبل الذهاب لصلاة العيد.
(1/300)

2- يندب أن لا تزيد عن صاع عن كل شخص.
(1/300)

3- يندب دفعها للإمام ليوزعها. [ص:301]
__________
(3) ويجوز عند السادة الشافية إخراج الزكاة في أول رمضان، بشرط كون آخذها مستحقاً وقت وجوبها ووقت دفعها، وبشرط وجود آخذها في بلد المزكي وقت الوجوب.
(1/300)

كتاب الصوم -
(1/302)

الباب الأول [ص:303]: تعريف الصوم:
(1/302)

الصوم لغة: الإمساك عن الشيء. بدليل قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم أنسياً} (1) أي صمتاً.
وشرعاً: الإمساك عن المفطرات من شهوتي البطن والفرج، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.
__________
(1) مريم: 26.
(1/303)

أقسام الصوم:
(1/303)

1- الصوم المفروض.
(1/303)

2- الصوم المندوب
(1/303)

3- الصوم المكروه.
(1/303)

4- الصوم المحرم. [ص:304]
أولاً - الصوم المفروض
وهو صوم رمضان أداءً وقضاءً، وصوم الكفارات، والصوم المنذور.
صوم رمضان
صوم رمضان فرض عين بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاُ أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... } (1) .
وما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" (2) .
وقد أجمعت الأمة على فرضية الصوم ولم يخالف أحد من المسلمين، فهو معلوم من الدين بالضرورة ويكفر منكره.
__________
(1) البقرة: 183-185.
(2) مسلم: ج 1 /كتاب الإيمان باب 5/21.
(1/304)

ثبوت شهر رمضان:
يثبت رمضان بأحد الأمور التالية:
(1/304)

1- بكمال شهر شعبان ثلاثين يوماً، لحديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال أبو القاسم صلى اللَّه عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (1)
(1/305)

2- برؤية هلال رمضان من قبل شاهدين عدلين (والعَدْل: ذكر بالغ عاقل غير مرتكب لكبيرة ولا مصرّ على صغيرة) . ويجب الصوم على كل من أخبره العدلان برؤية الهلال أو سمع أنهما يخبران غيره وإن لم يرفعا الشهادة إلى الحاكم. فإن ثبت رمضان برؤيتهما ولم يُرَ هلال شوال بعد الثلاثين يوماً من قبل غيرهما حال كون السماء صحواً ليلة الإحدى والثلاثين كُذٍبا في شهادتهما برؤية رمضان. ووجب تبييت نية الصوم لأنه تبن عدم انتهاء رمضان، أما إذا كانت السماء غائمة فلا يكذبا.
ولا يتحقق صوم رمضان برؤية عدل واحد، أو عدل وامرأة، أو امرأتين، للهلال ولا يجب الصيام بذلك.
(1/305)

3- برؤية جماعة مستفيضة يفيد خبرهم العلم، وإن لم يكونوا عدولاً ولا ذكوراً ولا أحراراً، ولكن يُؤمَن تواطؤهم على الكذب، حال كون كل منهم يدعي أنه رأى الهلال لا أنه سمع برؤيته.
(1/305)

4- برؤية واحد بالنسبة لمن لا اعتناء لهم برؤية الهلال، ولو كان هذا الواحد امرأة أو عبداً لكن بشرط أن يكون غير مشهور بالكذب وتثق النفس بخبره.
(1/305)

5- يجب الصوم وإظهاره على كل من رأى الهلال، ولو لم يؤخذ بشهادته، فإذا أفطر فعليه القضاء والكفارة، ولو تأول على الأرجح أي كأن قال: لعلّي أنا مخطئ برؤيتي إذا لم يره غيري.
__________
(1) البخاري: ج 2/كتاب الصوم باب 11/1810. وقال الإمام مالك: إذا توالى الغيم شهوراً أكملوا عدة الجميع حتى يظهر خلافه، ويقضوا إن تبين لهم خلاف ما هم عليه.
(1/305)

متى يعم الصوم:
(1/305)

1- يعم الصوم سائر البلاد والأقطار إذا نقلت جماعة مستفيضة أو عن عدلين، أو نقل عدلان عن جماعة مستفيضة أو عن عدلين، ثبوت شهر رمضان، ولو لم يقع النقل عن طريق الحاكم.
(1/305)

2- يجب الصوم ويعم إن نقل بحكم حاكم.
(1/305)

3- يجب الصوم ويعم سائر الأقطار إذا ثبت الهلال بقطر منها، لا فرق بين القريب والبعيد من جهة الثبوت، ولا عبرة باختلاف المطالع مطلقاً. [ص:306]
حكم التماس الهلال:
يفترض على المسلمين فرض كفاية التماس الهلال في غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان ورمضان حتى يتبينوا أمر صومهم وإفطارهم. فيجب على كل من رأى الهلال إن كان عدلاً أو عدلين، أو كان مرجوّاً قبول شهادته عند الحاكم، فيحكم عندها الحاكم بثبوت شهر رمضان، وربما يرى الحاكم أن يأخذ بشهادة العدل الواحد ويحكم بثبوت رمضان.
ولا يثبت دخول الشهر بقول المنجمين أي الموقِّتين الذين يعرفون سير القمر لا في حق أنفسهم ولا في حق الآخرين، لأنّ الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال لا بوجوده.
يوم الشك: يوم الشك هو يوم الثلاثين من شهر شعبان إن كانت ليلته غائمة ولم يُرَ هلال رمضان أما إذا كانت السماء صحواً، ولم يُرَ الهلال لم يكن يوم شك وإنما من شعبان حقاً.
حكم صومه:
(1/305)

1- يكره صوم يوم الشك وقيل يحرم إن صامه احتياطاً، بأن يقول: أصومه لعله أن يكون من رمضان أحتسبه وإن لم يكن كان تطوعاً. ففي هذه الحالة لا يجزئه عن رمضان إن تبين أنه منه، وإن وجب عليه الإمساك فيه لحرمة الشهر وعليه القضاء. لقول عمار بن ياسر رضي اللَّه عنهما: (من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أيا القاسم صلى اللَّه عليه وسلم) (1) .
(1/306)

2- يندب إن صامه تطوعاً لأجل عادة كأن كان عادته صيام رجب وشعبان ورمضان أو صوم يومي الاثنين والخميس من كل شهر وصادف يوم الشك أحدهما.
(1/306)

3- يجب صومه إن كان قضاء عن رمضان قبله، أو كفارة يمين، أو نذراً معين صادف يوم الشك (كأن يقول نذرٌ عليّ أن أصوم يوم قدوم زيد، وصادف ذاك اليوم يوم الشك) فإن صامه ثم تبين أنه من رمضان لم يجزئه عن رمضان الحاضر لعدم نيته ولا عن غيره من القضاء أو الكفارة، لأن زمن رمضان لا يقبل صوماً غيره، ويصبح عليه قضاء ذلك اليوم عن رمضان الحاضر وقضاء يوم آخر عن رمضان الفائت أو عن الكفارة أو عن النذر إن لم يكن معيناً أما إن كان النذر معيناً كما في المثال فات وقته وليس عليه قضاؤه.
(1/306)

4- يندب الإمساك يوم الشك ليتحقق الحال، فإذا ثبت رمضان وجب الإمساك لحرمة الشهر وقضاء يوم بعده، فإن لم يمسك بعد ما تبين أنه رمضان وجب عليه القضاء والكفارة لانتهاك [ص:307] حرمة رمضان، بأن أفطر عالماً بالحرمة ووجوب الإمساك. أما إذا لم يكن ممسكاً قبل أن يتبين أنه من رمضان فلا كفارة عليه، وإنما يجب الإمساك والقضاء.
شروط الصوم:
أولاً: شروط الوجوب
يجب صوم رمضان على كل مسلم ذكر أو أنثى، حرٍ أو عبدٍ بالشروط التالية:
(1/306)

1- البلوغ: فلا يجب الصوم على الصبي.
(1/307)

2- العقل: فلا يجب على المجنون ولا المغمي عليه، لما رُوي عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (1) .
(1/307)

3- القدرة على الصوم: فلا يجب على العاجز حقيقة أو حكماً (كمرضع لها قدرة على الصوم لكن خافت على الرضيع هلاكاً أو شدة ضرر) .
(1/307)

4- الإقامة: فلا يجب المسافر سفر قصر.
(1/307)

5- النقاء من الحيض والنفاس، فإن نقيت الحائض أو النفساء قبل الفجر بلحظة أو مع الفجر وجب عليها صوم رمضان أو صوم كفارة أو صوم اعتكاف أو نذر في أيام معينة.
__________
(1) أبو داود: ج 4/ كتاب الحدود باب 16/4403.
(1/307)

ثانياً- شروط صحة الصوم
(1/307)

1- النية: هي شرط لصحة الصوم على الراجح، لأنها قصد الشيء خارج عن ماهيته. (وقيل: هي ركن) .
صيغتها: قصد الصوم جزماً ولو لم تلاحظ نية التقرب إلى اللَّه تعالى ولكن تندب. ولا يصح الصوم سواء كان فرضاً أم نفلاً بغير نية، وتكفي نية واحدة في صوم يجب تتابعه كرمضان، وكفارته (الفطر بالجماع) ، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكالنذر المتتابع كمن نذر صوم شهر أو عشرة أيام متتابعة، ذلك لأن واجب التتابع كالعبادة الواحدة من حيث ارتباط بعضها ببعض وعدم جواز التفريق، فكفت النية الواحدة. أما إذا انقطع ما يجب تتابعه بمرض أو سفر فلا تكفي النية الأولى ولو استمر صائماً بل لا بد من تبييت النية كل ليلة ولو استمر بالصوم رغم السفر أو المرض وهو المعتمد، وقيل: تكفي نية واحدة إذا استمر [ص:308] بالصوم، وأما إذا انقطع الصوم المتتابع بالحيض أو النفاس أو الجنون أو الإغماء (مما يوجب عدم الصحة) فلا تكفي النية بل لا بد من إعادتها ولو حصل المانع بعد الغروب وزال قبل الفجر.
وأما الصوم الذي لا يجب فيه التتابع كقضاء رمضان وكفارة اليمين فلا بد فيه من النية كل ليلة ولا تكفيه نية واحدة في أوله.
والنية الحكمية كافية، فلو تسحر ولم يخطر بباله الصوم وكان بحيث إذا سئل لماذا تتسحر؟ أجاب: لأصوم، كفاه ذلك.
شروط النية
(1/307)

1ً- التبييت من الليل (من غروب الشمس إلى طلوع الفجر) سواء كان الصوم فرضاً أم نفلاً، بدليل ما روته حفصة رضي اللَّه عنها عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "من لم يُبيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (1) .
ولا يضر ما يحدث بعد تبييت النية من أكل أو شرب أو غير ذلك من المفطرات إذا كان ذلك قبل الفجر، بخلاف الإغماء والجنون إذا حصل أحدهما بعد تبييت النية فتبطل ويجب تجديدها إن بقي وقتها بعد الإفاقة، أما إن أفاق بعد طلوع الفجر لم تصح النية، وأما لو نوى الصوم في آخر جزء من الليل بحيث يطلع الفجر عقب النية أو معها صح صومه.
(1/308)

2ً- التعيين: أي تحديد ما قَصدَ من الصوم هل هو نفل أم رمضان أم قضاء أم نذر أم كفارة، فإن جزم بنية الصوم وشك بعد ذلك هل نوى تطوعاً أم نذراً أم قضاءً، انعقد صومه تطوعاً.
(1/308)

2- النقاء من الحيض والنفاس: فلا يصحّ صوم حائض أو نفساء ما لم تنق قبل الفجر ولو بلحظة أو مع الفجر، ويكون النقاء بقَصَّة أو جفوف ولو لمعتادة القصة (أي إذا رأت الجفاف معتادة القصة فلا تنظرها بل يجب عليها الصوم) ، فإن شكّت هل طهرت قبل الفجر أو بعده فعليها صوم ذلك اليوم لاحتمال طهارتها قبل الفجر وعليها القضاء لاحتمال طهارتها بعد الفجر.
(1/308)

3- العقل: فلا يصح من المجنون والمغمي عليه. أما وجوب القضاء ففيه تفصيل:
إذا أغمي على الشخص يوماً كاملاً؛ أو معظم اليوم، أو نصف اليوم، أو أقله وكان أوله عند النية مغمي عليه، ففي كل هذه الحالات يجب القضاء. أما إذا أغمي عليه لمدة [ص:309] نصف اليوم أو أقل وكان ساعة النية مفيقاً فلا قضاء عليه إن نوى قبل الإغماء. والمجنون كالمغمي عليه في تفصيل القضاء.
وأما النائم فلا يجب عليه قضاء ما فاته وهو نائم ولو نام الشهر كله إن بيَّت النية في أول الشهر.
وأما حالة السكر فهي في تفصيل القضاء كحالة المغمي عليه، وقيل لا إنما تلحق بالنوم إذا كان السكر بحلال وتلحق بالإغماء إذا كان السكر بحرام.
(1/308)

4- الإسلام: فلا يصح الصوم من الكافر وإن كان واجباً عليه ويعاقب على تركه زيادة على عقاب الكفر.
(1/309)

5- صلاحية الزمن للصوم: فلا يصح الصوم في الأيام التي يحرم صومها (كيومي العيدين، والثاني والثالث من أيام التشريق لغير الحاج لأن فيه إعراض عن ضيافة اللَّه تعالى) .
__________
(1) النسائي: ج 4 /ص 196.
(1/309)

أركان الصوم:
للصوم ركنان، أولهما النية، وثانيهما: الإمساك عن المفطرات، فمفهوم الصيام لا يتحقق إلا بهما. ورجح بعضهم أن النية شرط لا ركن وهو المعتمد ويبقى للصيام ركن واحد وهو الإمساك عن المفطرات. والمفطرات هي:
(1/309)

1- تغييب حشفة بالغ (إن كان غير بالغ فلا يفسد صوم الواطئ ولا الموطوء) أو قدرها من مقطوعها في فرج مطيق (سواء في القبل أو الدبر) وسواء كان الموطوء نائماً أو مستيقظاً وسواء كان حيّاً أو ميتاً وسواء كان آدمياً أو بهيمة، وإن لم ينزل. واحترز بالإطاقة عما لو كان الإدخال بين الإليتين أو الفخذين أو في فرج صغير لا يطيق، فلا يبطل الصوم ما لم يُخرج منياً أو مذياً.
(1/309)

2- إنزال المني أو المذي بلذة معتادة كمقدمات الجماع ولو نظراً أو تفكراً (فإن فعل وجب القضاء والكفارة) ، أما لو خرج المني أو المذي بنفسه أو بلذة غير معتادة بسبب الاحتلام فلا يفسد الصوم.
(1/309)

3- الاستقياء: فمن استقاء عمداً وجب عليه القضاء إن لم يبتلع شيئاً، فإن ابتلع وجب عليه القضاء والكفارة. أما من درعه الفيء فلا قضاء عليه ما لم يبتلع منه شيئاً، لحديث أبي هريرة [ص:310] رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقضِ" (1) .
(1/309)

4- وصول متحلل (2) من منفذ عالٍ إلى الحلق، وإن لم يصل إلى المعدة، ولو وصل سهواً (شارداً) أو غلبة، فإنه مفسد للصوم (أما الجامد إذا وصل إلى الحلق فلا يفسد الصوم كما يكون بين الأسنان فلا يفطر ولو تعمد بلعه) وسواء كان الوصول عن طريق الفم أو العين أو الآنف أو الأذن أو مسام الرأس، فمن اكتحل نهاراً أو استنشق شيئاً فوصل أثره إلى حلقه أفسد صومه وعليه القضاء، أما من اكتحل ليلاً أو وضع شيئاً في أذنه أو أنفه أو دهن رأسه ليلاً فوصل أثره إلى حلقه نهاراً فلا شيء عليه.
(1/310)

5- وصول مائع إلى المعدة من الأسافل من منفذ متسع كالدبر.
(1/310)

6- وصول غير مائع إلى المعدة من الفم، أما إدخال جامد من منفذ أسفل المعدة فلا يضر ولو كان على شكل تحاميل.
(1/310)

7- وصول بخور، أي الدخان المتصاعد من حرق عود بخور، إلى الحلق. ومثله بُخار القدر ودخان السجائر والنشوق فكلها مفطرة إذا وصلت إلى الحلق، أما إذا وصلت إلى الحلق بغير اختيار أي بدون استنشاق فلا قضاء عليه.
أما دخان الحطب وغبار الطريق فلا يفطر بوصوله إلى الحلق ولو تعمد استنشاقه، وكذا رائحة المسك والعنبر والزبد فلا تفطر ولو استنشقها؛ إلا أنها مكروهة.
(1/310)

8- وصول قيء أو قلس إلى المعدة (الماء الذي يخرج مع التدشئة) إذا أمكن طرحه (فإن لم يمكن طرحه بأن لم يجاوز الحلق فلا شيء فيه مطلقاً) سواء كان القيء لعلة أو لامتلاء معدة، قلّ أو كثُر، تغيّر أم لا، رجع عمداً أم سهواً، فإنه يفطر.
أما البلغم سواء كان من الصدر أو الرأس فالمعتمد أنه لا يفطر مطلقاً ولو وصل إلى طرف اللسان للمشقة وقيل: إن كان بالإمكان طرحه فابتلعه، فإنه يفطر.
(1/310)

9- وصول شيء يغلب سبقه إلى الحلق، من أثر ماء المضمضة أو رطوبة سواك، بأن لم يكن طرحه. فإذا وصل شيء إلى حلقه أو معدته فعليه القضاء في الفرض. أما إذا وصل شيء من ذلك إلى حلقه في صوم النفل فلا يفسده. [ص:311]
__________
(1) الترمذي: ج 3 / كتاب الصوم باب 25/720.
(2) مائع أو ما يتحلل ولو في المعدة.
(1/310)

أشياء لا تفطر:
(1/311)

1- غلبة القيء إن لم يبتلع منه شيئاً ولو كثر.
(1/311)

2- وصول غبار الطريق إلى حلق الصائم، أو دخول ذباب إلى حلقه، أو الدقيق لصانعه، أو غبار كيل (لمثل طحان، وناخل، ومغربل) .
(1/311)

3- إذا طلع عليه الفجر وهو يأكل أو يشرب مثلاً فطرح المأكول ونحوه من فيه بمجرد طلوع الفجر.
(1/311)

4- غلبة المني أو المذي بمجرد النظر أو الفكر.
(1/311)

5- ابتلاع الريق المتجمع في فمه أو ابتلاع ما بين أسنانه من بقايا الطعام، إلا إذا كان كثيراً عرفاً وابتلعه.
(1/311)

6- دهن جرح في بطنه متصلٍ بجوفه (يقال له جائفة) .
(1/311)

7- الاحتلام.
(1/311)

8- أخذ حقنة في الإحليل، لأنه منفذ لا يصل إلى المعدة، وكذا الحقنة من القبل للمرأة. ولكن كره الإمام مالك الحقنة للصائم.
الأعذار المبيحة للفطر في رمضان:
أولاً: المرض:
حكم بسبب المرض:
(1/311)

1ً- يجب الفطر ويحرم الصوم على من غلب على ظنه الهلاك أو الضرر الشديد بسبب الصوم، كذهاب منفعة عضو أو حاسة من الحواس، سواء كان مريضاً أو صحيحاً وخاف من ذلك. لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (1) . وقوله عز وجل: {ولا تقتلوا أنفسكم} (2) .
(1/311)

2ً- يجوز الفطر إذا مرض الصائم أو خاف زيادة المرض بالصوم أو خاف تأخر البرء من المرض أو حصلت له مشقة شديدة بالصوم. قال تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} (3) . [ص:312]
__________
(1) البقرة: 195.
(2) النساء: 29.
(3) البقرة: 184.
(1/311)

ثانياً: الحمل والرضاع:
(1/312)

1- يجب على الحامل والمرضع، ولو كانت المرضع مستأجرة، الفطر إن خافتا بالصوم هلاكاً أو ضرراً شديداً على نفسهما أو على ولديهما.
(1/312)

2- يجوز الفطر للحامل والمرضع إن خافتا بالصوم المرض أو زيادته على نفسهما أو على نفسهما وولدهما، أما إن كان الخوف على الولد فقط فعليها القضاء مع الفدية.
(1/312)

3- يجب الصوم على المرضع ولو خافت على نفسها أو ولدها أو ولدها ونفسها إن كان بإمكانها استئجار مرضع، أما إن لم يمكن لفقدان المرضع أو لعدم قبول الطفل ثدي المرضع أو لعدم توفر أجرة المرضع فيجوز لها الفطر. وإذا استأجرت المرضع كانت الأجرة من مال الولد إن كان له مال موقوف، أو من مال أبيه إن كان له أب لأن نفقته عليه.
ثالثاً: الجوع والعطش الشديدان:
يجوز الفطر لمن يعد قادراً على الصوم مع حصول شدة جوع وعطش، وعليه القضاء فقط.
رابعاً: كبر السن:
يجوز الفطر للشيخ الهرم الذي لا يقدر على الصوم في جميع فصول السنة، ومثله المريض مرضاً لا يرجى برؤه، قال تعالى: {لا يكلف اللَّه نفساً إلا وسعها} (1) . ويستحب لكليهما أن يخرجا فدية عن كل يوم إطعام مسكين.
__________
(1) البقرة: 286.
(1/312)

خامساً: السفر:
يجوز الفطر مع الكراهية في يوم السفر وفي أيام الإقامة في السفر إن كانت أقل من أربعة أيام. قال تعالى: (وأن تصوموا خير لكم) (1) ، وعن عائشة زوج النبي صلى اللَّه عليه وسلم (أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى اللَّه عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر) (2) .
والفطر للمسافر في رمضان وإن كان جائزاً، فإن الصوم أفضل له إن لم يجد مشقة أما إذا خشي التضرر به، كما لو خاف على نفسه من التلف، أو خاف تلف عضو منه، أو تعطيل منفعة فيكون الفطر عندها واجباً ويحرم الصوم، لما روى جابر رضي اللَّه عنه (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خرج [ص:313] عام الفتح إلى مكة فصام حتى بلغ كراع الغميم. فصام الناس- وفي رواية عن جعفر زاد فيها: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدحٍ من ماء بعد العصر (3) - ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب. فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة) (4) .
شروط جواز الفطر في السفر:
(1/312)

1- أن يكون السفر سفر قصر.
(1/313)

2- أن يكون السفر مباحاً.
(1/313)

3- أن يكون شرع في السفر قبل الفجر بحيث يصل إلى المكان الذي يبدأ فيه بقصر الصلاة قبل طلوع الفجر، فإذا شرع في السفر بعد الفجر وكان مبيتاً للصوم يحرم عليه الفطر، وإن أفطر كان عليه القضاء فقط.
(1/313)

4- أن يبيت نية الفطر بحيث يطلع عليه الفجر وقد نوى الفطر.
فمن أفطر في رمضان بسبب السفر -ضمن الشروط المذكورة- فعليه القضاء فقط دون الفدية. قال تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} (5) ، أما إذا اختل شرط من هذه الشروط وأفطر فعليه القضاء والكفارة كما في الحالات التالية:
(1/313)

1- إذا أصبح مفطراً في الحضر وعازماً على السفر ولكن بعد الفجر، فعليه القضاء والكفارة سواء سافر أم لا، وسواء كان متأولاً أم لا.
(1/313)

2- إذا أصبح صائماً في السفر ثم أفطر أثناء النهار، فعليه القضاء والكفارة ولا يعتبر تأويله، لأنه جاز له الفطر فاختار الصوم وترك الرخصة، فإذا صام فليس له أن يخرج منه إلا بعذر، فلما أفطر متعمداً كانت عليه الكفارة لانتهاكه حرمة الدين.
(1/313)

3- إذا بيَّت الصوم في الحضر وعزم على السفر بعد الفجر فأفطر قبل الشروع فيه بلا تأويلٍ، فعليه الكفارة لانتهاك الحرمة عند عدم التأويل، أما إذا أوّل بأن ظن إباحة الفطر فأفطر فلا تلزمه الكفارة.
وهناك خلاف فيمن سافر لأجل الفطر في رمضان هل يعامل بنقيض مقصوده مثلاً وتلزمه الكفارة مع القضاء أم لا. [ص:314]
__________
(1) البقرة: 184.
(2) البخاري: ج 2/ كتاب الصوم باب 33/1841.
(3) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 15/91.
(4) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 15/90.
(5) البقرة: 184.
(1/313)

الأمور المرتبة على الصائم إذا أفطر:
أولاً- القضاء:
يجب القضاء على كل من أفطر في الحالات التالية:
آ- في الصوم المفروض:
يجب القضاء على كل من أفطر مطلقاً سواء كان الفطر لعذر (مرض، حيض،..) أو لاختلال ركن (كرفع نية الصوم، أو صب مائع بالحلق وهو نائم، أو أكله شاكاً في طلوع الفجر أو في الغروب.. وهنا يحرم فطره؛ أما لو أكل معتقداً بقاء الليل أو حصول الغروب ثم طرأ الشك فلا حرمة في ذلك ويجب عليه القضاء فقط) أو كان الفطر واجباً (كمن خاف على نفسه هلاكاً) أو جائزاً (كمن أفطر لشدة ألم أو لخوف حدوث مرض أو زيادته) أو حراماً (أي عمداً لغير سبب) أو سهواً أو غلبة (سبقه شيء إلى حلقه) أو إكراهاً.
ويشمل الصوم المفروض: المفروض المعين كرمضان، والمفروض غير المعين الواجب التتابع فيه ككفارة الظهار والقتل، وغير المعين غير الواجب التتابع فيه ككفارة اليمين وقضاء رمضان وجزاء الصيد وفدية الأذى والنذر غير المعين وصوم المتمتع والقارن الذي لم يجد الهدي.
ويندب لمن عليه شيء من رمضان تعجيل القضاء كما يندب التتابع، لكن إن مات ولم يقض فليس بعاص لأنه لا يجب القضاء على الفور (1) ككل صوم ولا يجب التتابع كصوم كفارة اليمين والتمتع وجزاء الصيد، ففي كلها يندب التتابع ولا يجب.
__________
(1) عند السادة الأحناف: القضاء على الفور، فالفاء عندهم في قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} للتعقيب لذا من مات قبل أن يقضي مات عاصياً.
(1/314)

ب- في الصوم المنذور المعين:
إن أفطر لعذر فلا قضاء عليه، أما إذا بقي شيء منه بعد زوال العذر تعين الصوم فيه، وأما إن أفطر ناسياً فعليه القضاء.
الإفطار في القضاء صوم واجب:
من أفطر متعمداً في يوم من الأيام التي يقضي فيها ما فاته من صوم رمضان أو أي صوم واجب آخر، فليس عليه قضاء الأصل، وذلك على أرجح الأقوال. [ص:315]
جـ- في صوم التطوع:
يحرم الفطر عمداً في صوم التطوع، من غير ضرورة ولا عذر، ولو أفطر لسفر طرأ عليه، أو لحلف أحد عليه بطلاق البتِّ (الثلاث) ، وعليه القضاء، أما إن علم الصائم -في الحالة الأخيرة- تعلق قلب الحالف بمن حلف بطلاقها بحيث لو حنث يخشى عليه أن لا يتركها جاز له في هذه الحالة الفطر لقاء الحلف ولا قضاء عليه.
أما من أفطر ناسياً، أو غلبة، أو مكرهاً، أو لعذر، أو لخوف مرض، أو زيادته، أو شدة جوع أو عطش، أو عمداً طاعة لأحد والديه، إذا أمره بالفطر شفقة عليه من إدامة الصيام، أو طاعة لشيخ صالح أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، وكذا طاعة الشيخ العلم الشرعي، أو طاعة لسيده إذا كان عبداً، ففي كل هذه الحالات إذا أفطر فلا حرمة في فطره ولا قضاء عليه.
ثانياً- الإمساك بقية اليوم عن المفطرات:
الحالات التي يجب فيها الإمساك:
(1/314)

1- من أفطر بغير عذر في صوم فرض معين كصوم رمضان أو نذر معين بوقت، سواء أفطر عمداً أو غلبة أو نسياناً أو كرهاً أو خطأ كمن نذر أن يصوم الخميس فصام الأربعاء طناً منه أنه الخميس فيتم الأربعاء وعليه صوم الخميس.
(1/315)

2- من أفطر سهواً في فرض غير معين ولكن يجب فيه التتابع ككفارة الظهار والقتل، إلا في اليوم الأول فالإمساك فيه مستحب.
(1/315)

3- من أفطر ناسياً في صوم تطوع وكذا من أفطر عمداً على القول المرجوح.
- أما من أفطر عمداً أو سهواً في فرض غير معين ولا يجب التتابع فيه كجزاء الصيد وفدية الأذى وكفارة اليمين ونذر مضمون (أي غير معين بوقت) وقضاء رمضان، فيُخيّر بين الإمساك وعدمه.
- وأما من أفطر بعذر فزال عذره في النهار كمن كان مسافراً فأقام أو كان مجنوناً فأفاق فلا يجب عليه الإمساك ولا يستحب.
ثالثاً- الكفارة الكبرى:
ماهيتها:
(1/315)

1ً- بالنسبة للحر الرشيد: هي على التخيير إما إطعام أو عتق أو صوم، وأفضلها الإطعام فالعتق فالصوم. [ص:316]
آ- الإطعام: يجب تمليك ستين مسكيناً أو فقيراً كلّ واحد منهم مداً بمد النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وهو ملء اليدين المتوسطين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، من غالب طعام أهل البلد من قمح أو غيره. ولا يجزئ عن ذلك أن يطبخ ويدعو ستين مسكيناً على غداء أو عشاء، ولا يجزئ إعطاء الطعام إلى من تلزمه نفقتهم.
ب- العتق: وهو عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المضرة كالعمى والبكم والجنون.
جـ- الصيام: وهو صوم شهرين متتابعين كل شهر ثلاثين يوماً، فإن أفطر في يوم منها ولو بعذر شرعي كالسفر أصبح ما صامه نفلاً ووجب عليه استئناف الصيام لانقطاع التتابع فيه. هذا بالإضافة إلى صوم يوم القضاء.
(1/315)

2ً- بالنسبة للعبد: هي الصوم فقط، فإن أذن له سيده أن يكفر بالإطعام جاز ذلك.
(1/316)

3ً- بالنسبة للأمة: يكفر عنها سيدها بالإطعام أو العتق لا بالصوم إن وطئها ولو أطاعته.
(1/316)

4ً- بالنسبة للسفيه: يأمره وليه بالتكفير بالصوم، فإن امتنع أو كان عاجزاً عن الصوم كفر عنه وليه بأدنى النوعين قيمة إما العتق أو الإطعام.
(1/316)

5ً- بالنسبة للزوجة: يكفر عنها زوجها بالعتق أو الإطعام إن أكرهها على الوطء، أما إن أطاعته كفرت عن نفسها بأحد أنواع الكفارة الثلاثة.
شروط وجوبها:
(1/316)

1- العمد: فلا كفارة على ناسٍ أو مخطئ أو معذور.
(1/316)

2- الاختيار: فلا كفارة على مُكْرَه، أو من أفطر غلبة.
(1/316)

3- العلم بحرمة الفطر في رمضان، أما إن كان جاهلاً بحرمة الفطر فيه كأن كان جديد عهد بالإسلام أو جاهلاً أنه يوم رمضان، كمن أفطر يوم الشك ثم تبين أنه من رمضان فلا كفارة عليه. أما من جهل وجوب الكفارة على الفطر العمد في رمضان مع علمه بالحرمة فلا تسقط الكفارة عنه.
(1/316)

4- أن يكون الفطر في أداء رمضان، فإن كان في غيره كقضاء رمضان أو نذر ... فلا تجب الكفارة.
(1/316)

5- أن يكون منتهكاً لحرمة الشهر بلا تأويل قريب، أي غير مبالٍ بحرمة الشهر. أما إن كان متأولاً تأويلاً قريباً فلا كفارة عليه. والمتأول تأويلاً قريباً هو المستند في فطره إلى أمر موجود. ومن أمثلة التأويل القريب: من أفطر ناسياً أو مكرهاً، فظن أنه لا يجب عليه الإمساك بقية [ص:317] اليوم بعد التذكر، فتناول مفطراً عمداً، فلا كفارة عليه لا ستناده إلى أمر موجود، وهو الفطر أولاً نسياناً أو بإكراه.
أو من سافر مسافة أقل من مسافة القصر، فظن أن الفطر مباح له لظاهر قوله تعالى: {ومن كان مريضاً أو على سفراً فعدة من أيام أخر} (1) فنوى الفطر من الليل وأصبح مفطراً لظاهر فلا كفارة عليه.
أو من رأى الهلال نهار الثلاثين من رمضان، فظن أنه يوم عيد وأن الفطر مباح فأفطر لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" (2) ، فلا كفارة عليه.
وأما المتأول تأويلاً بعيداً فهو المستند في فطره إلى أمر غير موجود، كالمرأة تعتاد الحيض في يوم معين فتبيت نية الفطر لظنها إباحته في ذلك اليوم لمجيء الحيض فيه عادة، فتصبح مفطرة أي تعجل الفطر قبل مجيء الحيض، فعليها الكفارة ولو رأت الحيض في ذلك اليوم حيث نوت الفطر قبل مجيئه. وكذا من رأى هلال رمضان ولكن لم تقبل شهادته أمام الحاكم فظن إباحة الفطر له فأفطر. أو من أفطر لعزمه على السفر في ذاك اليوم فلم يسافر فيه، أما إن سافر فعليه القضاء فقط دون الكفارة.
__________
(1) البقرة: 185.
(2) البخاري: ج 2 /كتاب الصوم باب 11/1810.
(1/316)

موجبات الكفارة الكبرى:
(1/317)

1- تجب على كل من جامع مفسداً للصوم سواء كان فاعلاً أو مفعولاً.
(1/317)

2- إخراج المني عمداً ولو بطريق إدامة الفكر أو النظر (أما إن أنزل بمجرد الفكر والنظر من غير إدامة فلا كفارة عليه وإنما القضاء فقط) إن كانت عادته الإنزال عند استدامة النظر، أما إن لم تكن عادته الإنزال عند استدامة النظر ففي وجوب الكفارة وعدمها قولان. أما إخراج المذي فإنه يوجب القضاء فقط.
(1/317)

3- تعمد رفع نية الصوم نهاراً، كأن يقول: رفعت نية صومي أو رفعت نيتي، ومن باب أوْلى إذا رفعها ليلاً بعد أن كان بيتها وطلع الفجر وهو رافعاً لها، لا إن علق الفطر على شيء ولم يحصل عليه كأن قال: إن وجدت طعاماً أكلت فلم يجده أو وجده ولم يفطر فلا قضاء عليه.
(1/317)

4- تعمد إيصال مفطر إلى المعدة عن طريق الفم فقط بشروط الوجوب المبنية سابقاً، أما وصول المائع إلى الحلق ورده فلا يوجب الكفارة وإنما يلزم القضاء فقط.
(1/317)

5- وصول شيء إلى المعدة نتيجة تعمد الاستياك بالجوزاء (القشر المتخذ من أصول الجوز) نهاراً ولو كان ابتلاعها غلبة.
(1/318)

6- وصول شيء إلى المعدة من القيء المتعمد إخراجه ولو وصل عمداً أو غلبة لا نسياناً.
وكذا تجب الكفارة على من صبّ شيئاً عمداً في حلق شخص آخر وهو نائم ووصل إلى معدته.
تعدادها:
لا تجب الكفارة الكبرى إلا عن كل يوم أفطره عمداً بالموجبات المذكورة وضمن الشروط.
وتتعدد بتعدد الأيام لا بتعدد موجبات الفطر في اليوم الواحد، فلو جامع في نهار رمضان ثم أكل عمداً فلا تجب عليه إلا كفارة كبرى واحدة عن ذاك اليوم.
رابعاً- التأديب:
يجب تأديب من أفطر عمداً في فرض أو نفل بما يراه الحاكم من ضرب أو سجن أو هما معاً، إلا أن يأتي تائباً قبل الظهور عليه فيعفى عنه.
خامساً- الكفارة الصغرى (الفدية) :
الحالات الموجبة للكفارة الصغرى:
(1/318)

1- تجب على كل من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر. ويكون التفريط إن أمكن قضاء ما عليه من رمضان في شهر شعبان ولم يقض حتى حلول رمضان آخر، ويتحقق الإمكان بكون الباقي من شهر شعبان بقدر ما عليه من رمضان وهو صحيح مقيم خال من الأعذار.
أما إن اتصل عذره بقدر الأيام التي عليه إلى تمام شعبان، كمن كان عليه خمسة أيام مثلاً من رمضان وترك قضاءها وأخرها إلى أن بقي من شهر شعبان خمسة أيام، فلما بقي ذلك مرض حتى دخل عليه رمضان آخر، فلا كفارة عليه ولو كان في كل السنة مستطيعاً للقضاء. أما إن كان عليه خمسة أيام وبقي من شهر شعبان خمسة أيام فلم يقض ومرض في اليومين الأخيرين، فليس عليه كفارة إلا عن ثلاثة أيام فقط.
(1/318)

2- تجب الفدية على المرضع إذا أفطرت خوفاً على ولدها فقط.
وتستحب الفدية لمن أفطر لكبر سن أو لمرض لا يرجى برؤه (هناك قول أنه يجب الإطعام) . [ص:319]
ماهية الفدية:
إطعام مدٍّ من غالب قوت البلد، بمد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، لمسكين أو فقير عن كل يوم فرط بقضائه حتى أتى رمضان مثله أو عن كل يوم لم يصمه المكلف بالحالات المذكورة سواء وجب عليه قضاؤه أم لا.
ولا تتكرر الفدية بتكرر المثل (أي لا تتضاعف إذا مر رمضانان دون أن يقضي) فإذا كان عليه يومان من رمضان ومضى على ذلك ثلاثة رمضانات أو أكثر فلا يلزمه إلا مدان عن كل يوم مد.
ولا يجزئ إعطاء مسكين واحد مدين عن يومين ولو كان كلّ مدّ في يومه، إذا كان هذان اليومان يعودان لشهر رمضان واحد. أما إن كان فرط في قضاء يوم في شهر رمضان حتى أتى مثله ثم فرط في قضاء يوم من شهر رمضان حتى أتى مثله، فأصبح عليه فديتان عن يومين كل يوم يعود لعام فهنا يجوز إعطاء مسكين واحد فديتي اليومين.
وقت إخراجها: تُخرج فدية كل يوم مع قضائه ندباً، وإلا تخرج متى وجبت (بمرور رمضان آخر) ولو قبل القضاء، أما قبل فلا يصح إخراجها.
ما يندب في رمضان وما يستحب للصائم:
(1/318)

1- تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب وقبل الصلاة، وأن يكون فطره على رُطَبات (بلح) فإن لم توجد فتمرات، ويكون عددها وتراً. فإن لم يجد تمرات فماء. لما روى سهل بن سعد رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "لا يزال بخير ما عجلوا الفطر" (1) ، وما روى أنس رضي اللَّه عنه قال: "كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يفطر، قبل أن يصلي على رطباتٍ. فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات، حسا حسوات من ماء" (2) .
(1/319)

2- الدعاء عقب الفطر بالدعاء المأثور: "اللَّهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وعليك توكلت، وبك آمنت، ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء اللَّه، يا واسع المغفرة اغفر لي، الحمد للَّه الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت".
(1/319)

3- السحور للتقوي به على الصوم ولو جرعة ماء، لحديث أنس رضي اللَّه عنه عن النبي [ص:320] صلى اللَّه عليه وسلم قال: "تسحروا فإن في السحورْ بركة" (3) . ويدخل وقته بنصف الليل الثاني، وكلما تأخر كان أفضل بشرط أن لا يقع في شك بدخول الفجر.
(1/319)

4- صلاة التراويح في رمضان لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "من قام رمضان إيماناً (4) واحتساباً (5) غفر (6) له ما تقدم من ذنبه" (7) .
(1/320)

5- كف اللسان والجوارح عن فضول الكلام والأفعال التي لا أثم فيها، أما التي فيها إثم كالغيبة والنميمة فيجب الكف عنها في كل وقت ويتأكد في رمضان. لما روى أبو بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "و [؟؟] إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإنه سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم" (8) .
(1/320)

6- الإكثار من الصدقات والإحسان إلى ذوي الأرحام والفقراء والمساكين، لما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: "كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان" (9) .
(1/320)

7- الإكثار من تلاوة القرآن ومن الذكر كلما تيسر له ذلك.
(1/320)

8- الاعتكاف وخاصة في العشر الأواخر من رمضان لتلمس ليلة القدر، لما روت عائشة رضي اللَّه عنها قالت: "كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره" (10) وما روى أبو بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (11) .
(1/320)

9- يندب الصوم في السفر إذا كان رمضان لقوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} (12) ولكن لا يجب ولو علم الوصول إلى الوطن بعد الفجر. [ص:321]
__________
(1) البخاري: ج 2 / كتاب الصوم باب 44/1856.
(2) البخاري: ج 2 / كتاب الصوم باب 10/696.
(3) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 9/45.
(4) تصديقاً بما وعد اللَّه به.
(5) محتسباً ومدخراً أجره عند اللَّه.
(6) غفرت له ذنوبه كلها غير حقوق العباد فإنه متوقف على إبراء ذمته.
(7) البخاري: ج 2 /كتاب صلاة الترويح باب 1/1905.
(8) البخاري: ج 2 /كتاب الصوم باب 9/1805.
(9) البخاري: ج 2 /كتاب الصوم باب 1/1803.
(10) مسلم: ج 2/ كتاب الاعتكاف باب 3/8.
(11) البخاري: ج 2 /كتاب صلاة الترويح باب 2/1910.
(12) البقرة: 184.
(1/320)

ما يكره للصائم:
(1/321)

1- ذوق شيء له طعم كملح، أو عسل، أو خل، ولو لصانعه، مخافة أن يسبق منه لحلقه. فإذا ذاق شيء منه وجب مجه، وإن وصل شيء إلى حلقه غلبة أو عمداً فعليه القضاء، فضلاً عن الكفارة في رمضان في حالة العمد.
(1/321)

2- مضغ علك، أو كل ما يُعلك، كِلبان وتمر ليعطى لطفل، فإن سبق منه شيء إلى حلقه فعليه القضاء، وإن كان ذلك عمداً فالقضاء والكفارة.
(1/321)

3- مداواة حفر الأسنان نهاراً، إلا إن خاف الضرر إذا أخر المداواة إلى الليل فلا تكره نهاراً بل تجب إن خاف هلاكاً أو شديد الأذى.
(1/321)

4- يكره للنساء غزل الكتان الذي له طعم، ما لم تضطر للغزل فلا يكره. وأما الكتان الذي لا طعم له فلا يكره غزله.
(1/321)

5- حصاد الزرع إذا كان يؤدي للفطر، ما لم يضطر الحصّاد لذلك. أما رب الزرع فله الاشتغال به ولو أدى إلى الفطر، لأن رب المال مضطر إلى حفظه.
(1/321)

6- تكره مقدمة الجماع كالقبلة والفكر والنظر إن علمت السلامة من نزول المني أو المذي، فإن علم عدم السلامة أو ظن أو شك حرمت؛ فإذا فعلها ولم يحصل له إمذاء ولا إمناء فالصوم صحيح. وكذا إذا كان القصد من الفكر أو النظر أو القبلة اللذة فتحرم، أما إن كان بدون قصد اللذة كقبلة وداع أو رحمة فلا كراهة، فإذا نزل المذي أو المني في حالة الحرمة فعليه القضاء وتلزمه الكفارة اتفاقاً. أما إن أمنى أو أمذى بدون مقدمة الجماع فليس عليه شيء ويبقى صياماً صحيحاً. وإذا أمذى أو أمنى بسبب مقدمة الجماع في حالة الكراهة، فقيل: لا كفارة عليه إلا إذا تابع حتى أنزل، وقيل: عليه القضاء والكفارة مطلقاً إن تابع أو لم يتابع (وهو قول الإمام مالك) والقول المعتمد هو: أن هناك فرق بين اللمس والقبلة والمباشرة وبين النظر والفكر، فالإنزال بالثلاثة الأول موجب للكفارة مطلقاً وبالأخيرين لا كفارة فيه إلا إن تابع.
(1/321)

7- التطيب نهاراً أو شم الطيب لأنه من جملة شهوة الأنف، والطيب أيضاً محرك لشهوة الفرج. 8- الحجامة والفصد إذا كان مريضاً وشك في سلامة من زيادة المرض التي تؤدي إلى الفطر، فإن علم السلامة من زيادة المرض جاز له ذلك، أو كان صحيحاً ولم تؤذه الحجامة أو الفصد جاز له ذلك، أما إن علم المريض أو السليم أن الحجامة أو الفصد تزيد في مرضه حرم عليه ذلك.
(1/321)

9- الاستياك بعود رطب ويتحلل منه شيء، أما إن كان بشيء لا يتحلل فلا كراهة بالاستياك طوال النهار لأنه مستحب عند المقتضى الشرعي وهو الوضوء.
ما يجوز في الصوم:
(1/322)

1- المضمضة لشدة العطش أو الحر، وتكره لغير موجب.
(1/322)

2- الاستياك طوال النهار.
(1/322)

3- الإصباح بجنابة.
(1/322)

4- صوم الدهر، والحجة في ذلك الإجماع على لزومه لمن نذره ولو كان مكروهاً أو ممنوعاً لما لزمه.
(1/322)

5- صوم يوم الجمعة رغم ورود النهي عن ذلك وهو قوله صلى اللَّه عليه وسلم - فيما رواه أبو هريرة رضي اللَّه عنه - (لا يَصُم أحدكم يوم الجمعة. إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده) (1) فعلة النهي هنا خوفه صلى اللَّه عليه وسلم من فرضه على المسلمين وقد انتفت هذه العلة بوفاته عليه الصلاة والسلام.
__________
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 24/147.
(1/322)

ثانياً- الصوم المندوب
دليله: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل اللَّه إلا باعد اللَّه بذلك اليوم، وجهه عن النار سبعين خريفاً" (1) .
1- صوم يوم عرفة لغير الحاج لما ورد أنه يكفر ذنوب سنتين، ويندب صوم الثمانية أيام قبله. روى أبو قتادة رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال في صيام يوم عرفة: "أحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" (2) ، وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول اللَّه ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ فقال: ولا الجهاد في سبيل اللَّه إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (3) . 2- صوم يوم تاسوعاء وعاشوراء والثمانية أيام قبلهما من شهر محرم وبقية شهر محرم، لحديث أبي قتادة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال في صيام يوم عاشوراء: "أحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي [ص:323] قبله" (4) ، وحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" (5) ، وما روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر اللَّه المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة صلاة الليل" (6) .
(1/322)

3- صوم رجب وشعبان وبقية الأشهر الحرم.
(1/323)

4- صوم الاثنين والخميس، لما روى أسامة رضي اللَّه عنه "أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس" (7) .
(1/323)

5- صوم ثلاثة أيام من كل شهر، لما روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه قال: "أوصاني النبي صلى اللَّه عليه وسلم بثلاث لست بتاركهن في حضر ولا سفر نوم على وتر. وصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى.." (8) والحكمة من ذلك أن الحسنة بعشر أمثالها فلذلك كان الإمام مالك يصوم اليوم الأول من الشهر، والحادي عشر، والحادي والعشرين.
ويكره صيام أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فراراً من تحيد أيام بعينها.
(1/323)

6- صوم يوم النصف من شهر شعبان.
(1/323)

7- صوم ستة من شوال بشرط عدم اعتقاد وجوبها، لما روى أبو أيوب الأنصاري رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "من صام رمضان ثم اتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر" (9) .
أما إذا صامها متتابعة وبعد العيد مباشرة، فإنه يكره لاحتمال اعتقاد الوجوب لأنهم فسروا "من" في قوله صلى اللَّه عليه وسلم "من شوال" للبيان أنها من شوال فلا يشترط فيها التتابع.
__________
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 31/167.
(2) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 36/196.
(3) الترمذي: ج 3 / كتاب الصوم باب 52/757.
(4) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 36/196.
(5) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 20/134.
(6) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 38/202.
(7) الدرامي: ج 2 /ص 20.
(8) مسند الإمام أحمد: ج 2/ صلى اللَّه عليه وسلم 271.
(9) مسلم: ج 2 / كتاب الصيام باب 39/204.
(1/323)

ثالثاً- الصوم المكروه
(1/323)

1- يكره نذر صوم يوم مكرر، أو صوم الدهر، لأن النفس إذا لزمها شيء متكرر أو دائم، أتت [ص:324] به على ثقل وندم فعندها يكون لغير الطاعة أقرب.
(1/323)

2- يكره صوم يوم المولد النبوي الشريف لإلحاقه بالأعياد.
(1/324)

3- يكره صوم ضيف بغير إذن رب المنزل.
(1/324)

4- يكره صوم التطوع قبل صوم واجب غير معين كقضاء رمضان وكفارة ونذر، وإن عُيِّن كنذر يوم معين حُرِّم التطوع فيه.
(1/324)

5- يكره صوم اليوم الثالث من أيام التشريق، إلا للحاج إذا لزمه هدي ولم يجده فإنه يصوم بلا كراهة.
(1/324)

6- يكره تتابع الصوم لمن يضعفه ذلك عن عمل أفضل من الصوم.
(1/324)

7- يكره صوم يوم عرفة (وقبله يوم) للحاج، لأن الفطر يقويه على الوقوف بعرفة.
(1/324)

8- يكره صوم ست من شوال لمن كان يُقتدى به، إن صامها متتابعة ومتصلة بيوم العيد وأظهر صومها لكي لا يعتقد العامة وجوبها، أما إن اختل شرط من هذه الشروط فلا يكره صومها.
رابعاً- الصوم المُحرَّم
(1/324)

1- صوم المرأة نفلاً بغير إذن زوجها، لما روى أبو بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "لا تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه يوماً، من غير شهر رمضان إلا بإذنه" (1) . فإن صامت بغير إذنه فله أن يفطرها بالجماع لا بأكل وشرب ويجب عليها القضاء (أما إن استأذنته فليس له ذلك) إلا إذا لم يكن محتاجاً لها كأن كان مسافراً أو محرماً أو معتكفاً فلها أن تصوم بغير إذنه.
(1/324)

2- صوم يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، لحديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال: "نهى النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر" (2) .
(1/324)

3- صوم اليومين الأولين من أيام التشريق، إلا للحاج المتمتع أو القارن إن لم يجد الهدي وفاته صوم ثلاثة أيام قبل عرفة فيصوم في أيام التشريق، لحديث نُبيشة الهُذَلي قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر للَّه" (3) . [ص:325]
__________
(1) ابن ماجة: ج 1 /كتاب الصيام باب 53/1761.
(2) البخاري: ج 2 /كتاب الصوم باب 65/1890.
(3) مسلم: ج 2 /كتاب الصيام باب 23/144.
(1/324)

الباب الثاني: الاعتكاف
(1/325)

تعريفه:
الاعتكاف لغة: هو مطلق لزوم لشيء (خير أو شر) بدليل قوله تعالى: {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} (1) .
وشرعاً: هو لزوم مسلم مميزٍ مسجداً مباحاً، بصوم كافّاً عن الجماع ومقدماته، يوماً مع ليلته فأكثر، للعبادة بنية.
__________
(1) الأعراف: 138.
(1/325)

دليله:
قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} (1) ، وما روت عائشة رضي اللَّه عنها "أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده" (2) .
__________
(1) البقرة: 187.
(2) مسلم: ج 2 /كتاب الاعتكاف باب 1/5.
(1/325)

حكمه:
مندوب مؤكد على المشهور.
شروط صحة الاعتكاف:
(1/325)

1- الإسلام: فلا يصح من كافر.
(1/325)

2- التمييز: ولا ينضبط التمييز بسن بل يختلف باختلاف الأشخاص.
(1/325)

3- النية، لحديث "إنما الأعمال بالنية" (1) ولأن الاعتكاف عبادة وكل عبادة تفتقر إلى نية.
(1/325)

4- أن يكون في المسجد، لقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} فلا يصح في بيت ولا [ص:326] غيره (2) . ومن فرضت عليه الجمعة ونذر اعتكافاً أو أراد اعتكافاً لا يخلو من جمعة فيتعين عليه الاعتكاف في الجامع، فإن لم يعتكف في الجامع خرج للجمعة وجوباً ويبطل اعتكافه بمجرد خروجه وعليه القضاء وجوباً.
(1/325)

5- أن يكون في مسجد مباح للناس، فلا يصح في مسجد البيوت المحجورة ولو للنساء، ولا في الكعبة ولا في مقام ولي إن كان محجوراً، أما إذا لم يكن محجوراً وجُعل مسجداً كمقام الحسين والشافعي والسيد البدوي رضي اللَّه عنهم فيصح الاعتكاف فيه.
(1/326)

6- الصوم: سواء كان الصوم فرضاً (رمضان، نذر، كفارة) أو نفلاً، فلا يصح بدونه.
(1/326)

7- أن يكفّ عن الجماع ومقدماته.
(1/326)

8- أن يكون لمدة لا تقل عن يوم وليلة باستثناء وقت خروجه لأجل قضاء حاجته من بول أو غائط أو وضوء أو غسل من جنابة. وليلة اليوم هي الليلة السابقة عليه، فإن نذر اعتكاف ليلة لزمه يومها لأن الاعتكاف شرطه الصيام ولا يتحقق الصوم إلا في النهار، وأما لو نذر اعتكاف بعض يوم فلا يلزمه شيء.
(1/326)

9- الاشتغال بالعبادة فقط من ذكر، وصلاة، وتلاوة القرآن (3) .
(1/326)

10- التتابع لمن نذر الاعتكاف مطلقاً دون أن يذكر نية التتابع أو عكسه، فإن قيد بشيء عمل به، أما غير المنذور فليزمه ما ينوي قل أو كثر.
(1/326)

11- الدخول قبل الغروب أو معه ليتحقق له كمال الليلة.
(1/326)

12- الخروج من معتكفه بعد الغروب ليتحقق له كمال النهار.
__________
(1) مسلم: ج 2 /كتاب الإمارة باب 45/155.
(2) عند السادة الحنفية: المرأة تعتكف في بيتها.
(3) عند السادة الحنفية: الاعتكاف هو حبس النفس على طاعة اللَّه تعالى، وأقله لحظة، ويصح أن يشتغل أثنائه بالعلم لأنه من جملة العبادة عندهم.
(1/326)

مبطلات الاعتكاف:
مبطلات الاعتكاف قسمان:
القسم الأول ما يبطل ما فُعل منه ويجب استئنافه. ويشمل:
(1/326)

1- الخروج من المسجد، ولو كان الخروج واجباً لصلاة جمعة مثلاً، وهو معتكف في مسجد لا في جامع، أو لمرض أحد والديه، إذ يجب عليه الخروج لبرِّه بعيادته، أو لحضور جنازة أحد والديه والآخر منهما حي، فإن لم يكن الآخر حياً فلا يجب عليه الخروج. ويبطل الاعتكاف [ص:327] أيضاً إن كان الخروج لغير ضرورة (ومثال الخروج لضرورة: شراء مأكول أو مشروب أو قضاء حاجة) ، ففي كل هذه الحالات يبطل الاعتكاف وعليه القضاء.
(1/326)

2- الإفطار عامداً لا سهواً ولا مكرهاً.
(1/327)

3- شرب مسْكر ليلاً عامداً، وكذا كل مغيّب للعقل. واختلف في فعل الكبائر غير المسكر كالغيبة، والنميمة، والقذف، والسرقة، والعقوق، فقيل يبطل فعلها الاعتكاف وقيل لا.
(1/327)

4- الوطء ولو من غير مطيقة عمداً أو سهواً (بخلاف الحلم) واللمس والقبلة بشهوة، لقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} . وإن وقع مثل ذلك سهواً، لحائض معتكفة نذراً خرجت بسبب حيضها من المسجد، بطل اعتكافها وعليها إعادته من أوله.
القسم الثاني: مالا يبطل ما فُعل إذا لم يأت بمنافٍ للاعتكاف، ويشمل:
(1/327)

1- ما يمنع الصوم فقط كالعيد والمرض الخفيف، فإنه يستطيع المكث في المسجد دون الصوم كمن نذر صوم ذي الحجة أو نواه عند دخوله، فلا يخرج يوم الأضحى وإلا بطل اعتكافه من أصله.
(1/327)

2- ما يمنع المكث في المسجد فقط كسلس بول أو إسالة جرح أو دمل يخشى معه تلوث المسجد، فيخرج منه وجوباً وعليه حرمة الاعتكاف، ولكن عند خروجه لا يقدم على الأفعال الممنوع منها المعتكف من جماع ومقدماته ... (وإلا بطل اعتكافه من أصله) ويبني وجوباً فوراً بمجرد زوال عذره المانع من المكث في المسجد، فيرجع إلى المسجد ويقضي الزمن الذي حصل فيه المانع ويكمل نذره ولو انقضى زمنه، إذا كان معيناً كالعشر الأخير من رمضان، فيقضي ما فاته أيام العذر ويأتي بما أدركه منها ولو بعد العيد. وأما ما نواه متطوعاً فإن كان بقي منه شيء أتى به وإلا انتهى اعتكافه ولا قضاء لما فاته بالعذر. وإن أخّر رجوعه للمسجد ولو لنسيان أو إكراه بطل اعتكافه واستأنفه من أوله، إلا إن أخّره ليلة العيد ويومه فلا يبطل لعدم صحة صومه أو أخره لخوف من الطريق.
ولو اشترط المعتكف لنفسه سقوط القضاء عنه على فرض حصول عذر أو مبطل، فلا ينفعه الاشتراط وشرطه لغو ويجب عليه القضاء.
(1/327)

3- ما يمنع المكث في المسجد والصوم معاً كالحيض والنفاس: كالحالة السابقة، فإذا حاضت المرأة أو نُفِسَت تخرج من المسجد ثم تبني على ما تقدم من اعتكافها بعد زوال عذرها.
الجوار:
تعريفه: هو الاعتكاف إذا أطلق، فمن نذر جواراً في مسجد مباح أو نواه، وأطلق بأن لم [ص:328] يقيده بليل أو نهار ولا فطر، كأن قال للَّه علي مجاورة هذا المسجد، أو نويت الجوار فيه فهو اعتكاف بلفظ جوار، فتجري فيه جميع أحكام الاعتكاف، ويلزمه يوم وليلة في حالة النذر، أما إن لم يكن نذراً فيلزمه في الجوار ما حدده بالنية.
وأما إن قيد بيوم وليلة فأكثر لزمه ما نذر وبالدخول ما نواه، فإن قيد بنهار فقط أو ليل فقط لزمه ما نذر ولا يلزمه ما نواه فله الخروج متى شاء. ولا صوم عليه فيهما إن قيد بالفطر.
وللجوار فضل كبير ولو قيد بزمن قليل ولو ساعة، أو قيده بفطر، فمن دخل المسجد لأمر ما ونوى الجوار فيه أثابه اللَّه على ذلك ما دام ما كثاً فيه، لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه تقول اللَّهم اغفر له اللَّه ارحمه" (1) ، وعنه أيضاً أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة تقول الملائكة اللَّهم اغفر له اللَّهم ارحمه حتى ينصرف أو يحدث" (2) .
__________
(1) مسند الإمام أحمد: ج 2 /ص 486.
(2) مسند الإمام أحمد: ج 2 /ص 415.
(1/327)

ما يندب للمعتكف:
(1/328)

1- يندب للمعتكف المكث ليلة العيد إن اتصل اعتكافه بها ليخرج في الصباح إلى صلاة العيد ويصل عبادة بعبادة.
(1/328)

2- يندب المكث في آخر المسجد لأنه أبعد عن الناس.
(1/328)

3- يندب الاعتكاف في رمضان لأنه من أفضل الشهور وفيه ليلة القدر، ويندب كونه في العشر الأواخر من رمضان لأنه ليلة القدر فيه أرجى، لما روت عائشة رضي اللَّه عنها قالت: "كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره" (1) ,
(1/328)

4- يندب إعداد ثوب آخر غير الذي عليه.
(1/328)

5- يندب اشتغاله حال الاعتكاف بالذكر وتلاوة القرآن والصلاة والاستغفار والصلاة على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ومن الذكر: الفكر القلبي في ملكوت السموات والأرض ودقائق الحكم بل هو أعظم الذكر، لقول أبي الحسن الشاذلي رضي اللَّه عنه: "ذرة من عمل القلوب خير من مثاقيل الجبال من عمل الأبدان"، ولقول بعض العارفين: إن تفجير ينابيع الحكمة من القلب لا يكون إلا بالفكر ولذلك كانت عبادة النبي صلى اللَّه عليه وسلم قبل البعثة الفكر عند أهل التحقيق
(1/328)

6- يندب أن يعتكف محصلاً على ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب وملبس. [ص:329]
__________
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الاعتكاف باب 3/8.
(1/328)

ما يكره للمعتكف:
(1/329)

1- يكره للمعتكف الأكل في فناء المسجد أو رحبته التي ألحقت به لتوسيعه. وإن أكل خارج ذلك بطل اعتكافه.
(1/329)

2- يكره اعتكاف شخص غير مكفي لأنه ذريعة لخروجه إلى شراء ما يحتاج إليه، فإن احتاج إلى شيء جاز له الخروج لذلك بحيث لا يتجاوز أقرب مكان يمكنه الشراء منه، وإلا فسد اعتكافه.
(1/329)

3- يكره للمعتكف إذا خرج لقضاء حاجة، أن يدخل بيتاً فيه أهله (زوجته، أسرته) لئلا يطرأ عليه منهما ما يفسد اعتكافه.
(1/329)

4- يكره الاشتغال بالعلم ولو شرعياً تعليماً أو تعلماً، لأن المقصود من الاعتكاف صفاء القلب بمراقبة الرب، ويحصل هذا غالباً بالذكر وعدم الاشتغال بالناس.
(1/329)

5- يكره الاشتغال بالكتابة، ولو كتابة مصحف، لما فيه الانشغال عن ملاحظة الرب تعالى. وليس المقصود من الاعتكاف كثرة الثواب بل صفاء مرآة القلب الذي به سعادة الدارين. ومحل كراهة الاشتغال بالعلم والكتابة كثرته. كما يكره الاشتغال بأي فعل آخر غير الذكر والصلاة وتلاوة القرآن.
(1/329)

6- يكره للمعتكف عيادة مريض في المسجد إن انتقل إليه المعتكف لا إن كان بقربه، وصلاة جنازة ولو وضعت بجانبه، وصعود منارة المسجد أو سطحه للأذان، أما إن كان الآذان في مكانه أو في صحن المسجد فلا يكره، وتكره إقامته للصلاة، ويكره السلام على الغير إن بَعُد.
(1/329)

7- يكره للمعتكف حلق رأسه إذا خرج من المسجد لغسل جنابة أو جمعة أو عيد.
ما يجوز للمعتكف:
(1/329)

1- السلام على من بقربه.
(1/329)

2- التطيب، وإن كره الطيب للصائم غير المعتكف، لأن الاعتكاف نفسه مانع مما يُخشى منه إفساد الاعتكاف بخلاف الصوم.
(1/329)

3- أن يعقد النكاح لنفسه أو يعقد النكاح لمن له ولاية عليها، إذا لم ينتقل من مجلسه ولم يطل الزمن، وإلا كره.
(1/330)

4- قص الشارب والأظافر وحلق العانة إذا خرج من المسجد لغسل جنابة أو جمعة أو عيد.
(1/330)

5- انتظار جفافا ثوبه إذا لم يكن عنده غيره وخرج لغسله من نجاسة، أما إن كان عنده غيره كره له انتظار جفافه.
(1/330)

كتاب الحج -
(1/332)

الباب الأول [ص:333]: تعريف الحج والعمرة:
(1/332)

الحج لغة: القصد إلى معظَّم.
وشرعاً: قصد مكة المشرفة للنسك.
وحقيقته: حضور المارّ أو الجالس أو المضطجع بعرفة ساعة زمنية ولو كانت بمقدار الجلسة بين السجدتين من ليلة يوم النحر، وطوافٌ بالبيت سبعاً، وسعي بين الصفا والمروة سبعاً بإحرام.
العمرة لغة: الزيارة.
وشرعاً: زيارة البيت الحرام على وجه مخصوص.
حكمهما:
حكم الحج: هو فرض على الفور في العمر مرة إذا توفرت الشروط المطلوبة، فإن أخره المكلف عن أول عام استطاع فيه يكون آثماً بالتأخير.
دليل فرضيته:
القرآن والسنة والإجماع.
فمن القرآن قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن اللَّه غني عن العالمين} (1) .
ومن السنة حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس. شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً عبده ورسوله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وحج البيت. وصوم رمضان" (2) .
ولا يجب الحج بأصل الشرع إلا مرة واحدة، لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه قال: خطبنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: "أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكل عام؟ يا [ص:334] رسول اللَّه! فسكت. حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لو قلت نعم. لوجبت. ولما استطعتم" (3) .
وقد أجتمعت الأمة على أن الحج فرض على كل مستطيع، في العمر مرة واحدة. ولم يحج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة. وقد فرض الحج في السنة السابع للهجرة وقيل: في العاشرة.
__________
(1) آل عمران: 97.
(2) مسلم: ج 1 /كتاب الإيمان باب 5/21.
(3) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 73/412.
(1/333)

حكم العمرة:
سنة مؤكدة في العمر مرة على الفور، لحديث طلحة بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه أنه سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: "الحج جهاد والعمرة تطوع" (1) .
واعتمر صلى اللَّه عليه وسلم أربع عمرات: الأولى عمرة الحديبية التي صده عنها المشركون، والثانية عمرة القضاء في العام المقبل، والثالثة عمرة الجعرانة حينَ قسم غنائم حنين واحرم من الجعرانة، والربعة عمرته مع حجة الوداع. والدليل ما روى عن أنس رضي اللَّه عنه (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم اعتمر أربع عمر. كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية، في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته) (2) .
__________
(1) ابن ماجة: ج 2 /كتاب المناسك باب 44/2989.
(2) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 35/217.
(1/334)

شروط الحج:
أولاً - شروط وجوب الحج:
(1/334)

1- الحرية: فلا يجب الحج (ولا تسن العمرة) على الرقيق ولو بشائبة الحرية.
(1/334)

2- البلوغ: فلا يجب الحج على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى" (1) .
(1/334)

3- العقل: فلا يجب الحج على المجنون كما لا يصح منه.
(1/334)

4- الاستطاعة: فلا يجب الحج على غير المستطيع، لقوله تعالى: {وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} (2) . وتفسير الاستطاعة بما يلي:
آ- إمكان الوصول إلى مكة ومواضع النسك والرجوع إلى الوطن، سواء كان ماشياً أو [ص:335] راكباً براً أو بحراً، إمكاناً عادياً بلا مشقة فادحة. (أما المشقة العادية فلا بد منها في السفر، إذ السفر قطعة من العذاب) .
والمشقة الفادحة المسقطة لوجوب الحج تختلف باختلاف الناس والأزمنة والأمكنة، فإذا قدر الشخص على الوصول إلى مكة. بما يباع على المفلس كالعقار والماشية وثياب الزينة وكتب العلم وآلة الصانع، وجب عليه الحج لأنه مستطع.
وتعتبر الاستطاعة في ذهاباً فقط إذا أمكن الإِقامة بمكة، فإذا لم يمكنه ذلك اعتبرت الاستطاعة في الذهاب والإياب. وإن قدر على الوصول بسؤال الناس إن كان عادته السؤال وظن العطاء وجب عليه الحج. إلا أنه لا يلزمه الحج بدين ولو من ولده إذا لم يرج الوفاء، أو أن يعطيه من هبة أو صدقة أن لم يكن معتاداً لذلك.
ب- الأمن على النفس والمال، فلم لم يأمن فلا يجب عليه الحج.
ويضاعف على ما تقدم بالنسبة لاستطاعة المرأة ما يلي:
(1/334)

1- وجود الزوج أو المحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، ولا يشترط فيه البلوغ وإنما يكتفي بالتمييز. ويكفي لها في حجة الفرض الرفقة المأمونة من رجال أو نساء إن لم يكن معها زوج أو ذو محرم. لحديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم عليها" (3) .
(1/335)

2- أن لا تكون المرأة معتدة من طلاق أو وفاة، فإذا أحرمت وهي معتدة صح حجها مع الإثم، لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} (4) .
(1/335)

3- أن تكون الراحلة متيسرة لها إذا كانت المسافة بعيدة، والبعد لا يحد بمسافة القصر بل بما يشق على المرأة المشي فيه، ويختلف ذلك باختلاف النساء.
__________
(1) البيهقي: ج 5 /ص 179.
(2) آل عمران: 97.
(3) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 74/421.
(4) الطلاق: 1.
(1/335)

أمور لا تعتبر من الاستطاعة:
(1/335)

1- لا يشترط في الاستطاعة القدرة على الزاد لمن لديه صنعة يتكسب منها ولا يزدرى صاحبها، وعلم أو ظن رواجها هناك كبيطرة أو حلاقة أو خياطة أو خدمة بالأجرة.
(1/335)

2- لا يشترط في الاستطاعة القدرة على الراحلة، بل يجب على المكلف الحج إن كان قادراً على المشي منفرداً أو مع جماعة، ولو كان وطنه بعيداً عن مكة بمقدار مسافة القصر أو أكثر، ولو [ص:336] كان المشي غيرَ معتادٍ له، حتى ولو كان القادر على المشي أعمى يهتدي بنفسه أو بقائد ولو بأجرة قدر عليها.
(1/335)

3- لا يمنع الاستطاعة عدم ترك شيء لمن تلزم المكلف نفقتهم كولده، أو الخوف مما يؤول إليه أمره وأمر أولاده في المستقبل من فقر أو احتياج إلى الصدقة من الناس بل يجب عليه الحج، إلا إذا خشي ضياع أولاده ولو لم يصل إلى حد الهلاك فعندها يسقط عند وجوب الحج.
ثانياً- شروط صحة الحج:
شروط صحة الحج هي الإسلام فقط، سواء باشره الشخص بنفسه أو فعله الغير نيابة عنه، ومعنى ذلك أن الحج لا يصح من الكافر ولا عنه سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً.
أما التمييز والعقل: فيشترطان لصحة الإِحرام، فلا يصح الإِحرام ولا أي عمل من أعمال الحج من الصبي غير المميز ولا من المجنون المطبق، ولكن يندب لوليهما أن يقوم بالإِحرام عنهما، فيقول: نويت إدخال هذا الصبي أو المجنون المطبق في حرمات الحج أو العمرة، سواء كان الولي متلبساً بالإِحرام عن نفسه أم لا، وذلك قرب الحرم لا من الميقات ويجردهما من الثياب (فمثلاً القادم من جهة رابغ يؤخر تجريدهما ولا دم لتعديهما الميقات بغير التجريد من الثياب) . لما روى جابر رضي اللَّه عنه قال: (حججنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) (1) .
أما المجنون غير المطبق فلا ينعقد إحرام وليه ما لم يخف عليه الفوات بطلوع فجر يوم النحر، ويعرف ذلك بالعادة أو بإخبار طبيب عارف، فيكون حكمه كالمطبق وعندها يندب لوليه أن يحرم عنه، فإن أفاق في زمن يدرك فيه الحج أحرم لنفسه ولا دم عليه لتعدي الميقات من غير إحرام لعذره.
وأما المغمى عليه فلا يصح الإحرام عنه ولو خيف الفوات لأنه مظنة عدم الطول، فلو أفاق في زمن يدرك فيه الحج أحرم ولا دم عليه كالمجنون لعذره.
والصبي المميز (وهو الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب) يحرم بإذن وليه من الميقات إن ناهز البلوغ، وإلا فبقرب الحرم، فإن أحرم بغير إذن وليه كان لوليه الحق بتحليله بالنية والحلق ولا قضاء عليه إذا بلغ. وكذا السفيه البالغ إن أحرم بغير حجة الإسلام دون إذن وليه، كان لوليه الحق أن يحلله ولا قضاء عليه، بحيث ينوي إخراجه من الحج وتصييره حلاً ثم يحلق له رأسه. وكذا الزوجة [ص:337] إن أحرمت بغير إذن زوجها بغير حجة الفرض فله أن يحللها وعليها قضاؤها بالإضافة إلى حجة الإسلام إذا تأيمت.
أما تتمة أفعال الحج: فيأمر الولي الصبي المميز بأقوال الحج وأفعاله حسب قدرته فيلقنه مثلاً التلبية، فإن لم يقدر على قول أو فعل أو على الجميع، أو لم يكن الصبي مميزاً، أو كان مجنوناً مطبقاً ناب الولي عنه إن كان الفعل المعجوز عنه قابلاً للنيابة، وهذا لا يكون إلا فعلاً كرمي الجمار وذبح الهدي أو الفدية أو المشي في الطواف والسعي، أما إن كان المعجوز عنه مما لا يقبل النيابة، من قول أو فعل كتليبة، فيسقط حيث عجز. وأما حضور المشاهد المطلوبة حضورها شرعاً: عرفة ومزدلفة والمشعر الحرام ومنى فيجب على الولي إحضاره.
__________
(1) ابن ماجة: ج 2 /كتاب المناسك باب 68/3038.
(1/336)

ثالثاً- شروط الإجزاء عن حجة الإسلام:
الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، ونية حجة الفرض.
فإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو عتق العبد، أو أردف على نية حجة النفل نية حجة الفرض بعد الإحرام، كان حجه نفلاً لا فرضاً؛ إذ العبرة حال الإحرام أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مسلماً ناوياً حجة الفرض.
الاستنابة بالحج (1) (الحج عن الغير) :
حكم حجة المُستناب:
(1/337)

1- لا تسقط حجة الإسلام عمن حُج عنه سواء كان حياً أو ميتاً، وسواء أوصى بها قبل موته أو لم يوصِ بها.
(1/337)

2- لا تكتب حجة تطوع لمن حُج عنه سواء كان حياً أو ميتاً، وسواء أوصى بها قبل موته أو لم يوصِ بها.
(1/337)

3- تكتب حجة تطوع للمستناب بأية نية أداها المُستنيب.
(1/337)

4- يكتب لمن حُج عنه ثواب مساعدة المُستناب على الحج ويكسب بركة الدعاء.
__________
(1) تنقسم العبادات إلى ثلاثة أقسام: منها ما لا يقبل النيابة مطلقاً بإجماع الفقهاء وهي العبادات البدنية من صلاة أو صوم، فلا يجوز للمرء أن يستنيب من يصلي عنه أو يصوم، ومنها ما يقبل النيابة بالإجماع وهي العبادات المالية كالزكاة والصدقة فيجوز لمالك المال أن يوكل من يخرج عنه زكاة ماله، وقسم مختلف في العبادات المالية والبدنية كالحج.
(1/337)

حكم الإجارة على الحج:
(1/337)

1- فاسدة ويتعين فسخها إن كانت الإجارة لأداء فريضة الحج عن الحي الصحيح أو المريض [ص:338] مرضاً يرجى برؤه (أما المريض مرضاً لا يُرجى برؤه فتسقط عنه فريضة الحج ولا يُلزَم بالاستئجار لها إن كان مستطيعاً مادياً) ، أما إن أتمها فله أجر المثل.
(1/337)

2- صحيحة إلا أنها مكروهة إن كانت الإجارة لأداء فريضة الحج عن الميت الذي كان مستطيعاً وقادراً على الحج في حياته، أو لأداء حجة نذر أو تطوع عن الحي أو الميت. لما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: أتى رجل النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه. قال: نعم، قال: فاقضِ اللَّه فهو أحق بالقضاء" (1) .
__________
(1) البخاري: ج 6 /كتاب الإيمان والنذور باب 29/6321.
(1/338)

ما يكره للمُستناب:
(1/338)

1- يكره للمستناب المستطيع أن يحج عن غيره قبل حجه عن نفسه، بناء على أنه واجب على التراخي، وعلى القول بأنه واجب على الفور فلا يصح حجه عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، ودليل ذلك ما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: (سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) (1) .
(1/338)

2- يكره للذكر وللأنثى أن يؤجر نفسه في عمل للَّه تعالى حجاً أو غيره كقراءة وإمامة وتعليم علم لقول مالك: "لأن يؤاجر الرجل نفسه في عمل الِلْبن وقطع الحب وسَوْق الإبل أحبُّ إلي من أن يعمل عملاً للَّه تعالى بأجرة". ومحل الكراهة إذا لم تكن الأجرة من الوقف أو من بيت مال المسلمين، وإلا (إن كانت منهما) فلا كراهة. ويستثنى من تعليم العلم علم الحساب فإنه لا كراهة في تعليمه بأجرة، لأنه صنعة يجوز أخذ الأجرة عليها، وكذا تعليم كتاب اللَّه تعالى ومثله الأذان فلا كراهة في أخذ الأجرة عليهما، ولو لم تكن من الوقف أو من بيت مال المسلمين، بدليل الحديث المروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما وفيه: فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "إن أحقَّ مأخذتم عليه أجراً كتاب اللَّه" (2) . [ص:339]
__________
(1) أبو داود: ج 2 /كتاب المناسك باب 26/1811.
(2) البخاري: ج 5/كتاب الطب باب 33/5405.
(1/338)

الباب الثاني: أركان الحج والعمرة
(1/339)

تعريف الركن:
هو ما لا بد فعله ولا يجزئ عنه دم ولا غيره.
أولاً- أركان الحج:
أركان الحج أربعة هي:
(1/339)

1- الإحرام.
(1/339)

2- السعي بين الصفا والمروة.
(1/339)

3- الحضور بعرفة ليلة النحر.
(1/339)

4- طواف الإفاضة.
فمنها ما يفوت الحج بتركه ولا يؤمر بشيء وهو الإحرام، ومنها ما يفوت الحج بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة وبالقضاء في العام المقبل وهو الوقوف بعرفة، ومنها مالا يفوت الحج بفواته ولا يتحلل من الإحرام ولو وصل إلى أقصى المشرق بل لا بد من الرجوع إلى مكة ليفعله وهو طواف الإفاضة والسعي.
الركن الأول- الإحرام
هو نية الدخول في حرمات الحج أو العمرة أو هما معاً مع التلبية والتجرد من المحيط، فلا ينعقد بمجرد النية، والراجح: هو النية فقط، لحديث "إنما الأعمال بالنية" (1) ، وأما التلبية والتجرد فكل منهما واجب يُجبر بدم إذا ترك. [ص:340] وإذا لم يعيِّن النسك بل قال: نويت الإِحرام للَّه تعالى فينعقد النسك ولكن لابد من بيانه قبل البدء بأي عمل، ويندب في هذه الحالة أن يعينه حجاً أو قراناً إن كان أحرم في شهر الحج لأنه أحوط لاشتماله على النسكين، أما إن كان أحرم قبل أشهر الحج فيندب له أن يصرفه إلى عمرة. وإذا نسي ما نوى عند إحرامه صرفه إلى قران (أي اعتبر نفسه أنه ناوياً القران) وينوي الحج وجوباً أي يحدث نية الحج وجوباً ويعمل القارن (اختياطاً) ويهدي له، لأنه إن كان ناوياً في النية الأولى حجاً فتكون نيته الجديدة للحج تكيد للنية الأولى، وإن كانت النية الأولى عمرة فيكون بنيته الجديدة للحج قد أردف الحج على العمرة فيصبح قارناً، وإن كان ناوياً القران لم يضره تجديد نية الحج. وعندئذ تبرأ ذمته من الحج فقط لا من العمرة لاحتمال أن يكون نوى الحج أولاً.
وإذا شك هل نوى عمرة أم حجاً، فإنه ينوي الحج وتبرأ ذمته منه فقط، ثم يأتي بعمرة، لأنه إن كانت نيته الأولى حجاً فالثانية تأكيد للأولى، وإن كانت الأولى عمرة فالنية الثانية للحج أقوى تلغي العمرة.
ولا يصح أن يغير نيته من حج إلى عمرة، ولا من عمرة إلى حج، ولا أن يصير المفرد قارناً (أي لا يصح إدخال العمرة على الحج) لكن المعتمر يمكن أن يصير قارناً (أي إدخال الحج على العمرة) بشرط أن ينوي القران قبل البدء بطواف العمرة.
وإذا تلفظ بالإحرام فخالف لفظه قصده بالنية، فالعبرة بالقصد لا باللفظ، والأَوْلى ترك التلفظ.
وإذا نوى رفض نيته بعد أن أحرم بالنسك فهو باقٍ على إحرامه ولا يضر الرفض، بخلاف الصلاة والصوم فإن نية الرفض فيهما مبطلة للعبادة.
__________
(1) مسلم: ج 1/ كتاب الإمارة باب 45/155.
(1/339)

وقت الإحرام ومكانه:
للإحرام ميقاتان: زماني ومكاني. والميقات هو موضع الإحرام وزمانه.
الميقات الزماني للإحرام بالحج: يبدأ من أول ليلة شوال إلى ما قبل طلوع فجر يوم النحر بمدة تسع الإحرام والوقوف بعرفة ولو لحظة.
ويكره الإحرام بالحج قبل أول شوال ولكنه ينعقد، أما الإحرام بعد فجر يوم النحر فينعقد إحرامه للعام القادم. والدليل قوله عز وجل: {الحج أشهر معلومات} (1) .
الميقات الزماني للإحرام بعمرة: يصح الإحرام بالعمرة في كل أيام السنة بما فيها يوم عرفة وأيام التشريق، أو بعد الانتهاء من رمي الجمرات في اليوم الثالث من أيام التشريق إن لم يتعجل، [ص:341] وبقدر رميها من اليوم الثالث بعد الزوال إن تعجل بالنسبة للمحرم بحج، فإن أحرم بعمرة قبل الانتهاء من أعمال العمرة الأولى أو قبل الانتهاء من رمي جمرات اليوم الثالث فلا ينعقد إحرامه. أما الإحرام بعمرة في الثالث من أيام التشريق قبل الغروب فيصح مع الكراهة لكن أفعال العمرة (الطواف والسعي) لا تصح إلا بعد الغروب، فإن فعلها قبل الغروب لا يعتد بفعله وعليه إعادتها بعد الغروب، وإلا فهو باقٍ على إحرامه أبداً، وإن كان تحلل قبل الغروب أفسد عمرته فيتمها وجوباً ويقضيها ويهدي.
(1/340)

2- الميقات المكاني:
آ- للإحرام بالحج:
(1/341)

1- الميقات المكاني لأهل مكة أو لمن هو مقيم بها أو بمنى أو مزدلفة هو مكة. ويندب للمكي أن يحرم من المسجد الحرام ثم يلبي هناك وهو جالس في مكان مصلاه، كما يندب للآفاقي المقيم بمكة أن يخرج إلى ميقات أهل بلده المكاني ويحرم منه، فإن لم يخرج فلا شيء عليه.
(1/341)

2- لغير أهل مكة (الآفاقي) :
(1/341)

1- ذو الحُلَيفة لأهل المدينة ولمن يأتي عن طريقها.
(1/341)

2- الجُحفة (رابغ اليوم) لأهل مصر والشام والمغرب والسودان، وهي على بعد خمس مراحل من مكة.
(1/341)

3- يَلملم لأهل اليمن والهند.
(1/341)

4- قَرن لأهل نجد.
(1/341)

5- ذات عِرْق لأهل العراق وخراسان ونحوهما كفارس والمشرق.
وكل من مرّ بميقات من هذه المواقيت أو حاذاه وجب عليه الإحرام منه، سواء مرّ عليه بحراً أو جواً، فإن جاوزه بغير إحرام حرم عليه ذلك ولزمه دم، إلا إذا كان الميقات جهته أمامه ويمر عليه فيما بعد، فإنه يندب له الإحرام من أول ميقات.
(1/341)

3- لمن كان مسكنه بين مكة والميقات: أحرم من مسكنه.
ودليل تحديد المواقيت حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: (إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقتّ لأهل المدينة ذا الحُلَيْفَة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل [ص:342] اليمن يَلَمْلَم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) (1) .
وعن عائشة رضي اللَّه عنها (أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق) (2) .
ب- الميقات المكاني للإحرام بعمرة:
(1/341)

1- لأهل مكة ولمن هو مقيم بها: أرض الحِلّ (خارج مكة) ، فإن لم يخرج للحل وطاف وسعى أعاد طوافه وسعيه بعد خروجه للحل لفسادهما، ولا فدية عليه إذا لم يكن حلق فبل خروجه.
وأولى الأمكنة في العمرة أن يحرم المعتمر من الجعرانة، وهي مكان بين مكة والطائف، وإلا فمن التنعيم، وهي مساجد السيدة عائشة رضي اللَّه عنها، وإنما كانت الجعرانة أفضل من التنعيم لأنها أكثر بعداً عن مكة. روى جابر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم في حديث له قال: (فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة) (3) .
(1/342)

2- لغير أهل مكة: هو نفس مقات الحج.
__________
(1) البخاري: ج 2/ كتاب الحج باب 7/1452.
(2) أبو داود: ج 2/ كتاب المناسك باب 9/1739.
(3) البخاري: ج 2/ العمرة باب 6/1693.
(1/342)

حكم الإِحرام لمن اجتاز الميقات:
(1/342)

1- لا يجب الإحرام على من اجتاز الميقات في إحدى الحالات التالية:
آ- إذا مر بالميقات وهو غير قاصد مكة ولو كان ممن يخاطب بالحج.
ب- إذا مر بالميقات وهو قاصد مكة ولكن كان غير مخاطب بالإحرام كالعبد والصبي.
جـ- إذا مر بالميقات وهو قاصد مكة بمقدار التردد، كالمتردد عليها لبيع الفواكه والحطب.
د- إذا عاد إلى مكة بعد أن خرج منها من مكان قريب دون مسافة القصر ولم يمكث فيه كثيراً.
(1/342)

2- يجب الإحرام على من اجتاز الميقات في إحدى الحالات التالية:
آ- إذا كان قاصداً مكة للنسك وكان ممن يخاطب بالإحرام.
ب- إذا كان قاصداً مكة للتجارة أو للزيارة وكان ممن يخاطب بالإحرام.
جـ- إذا كان مكياً سافر مسافة القصر ثم عاد من سفره إلى مكة ولم يكن من المترددين. [ص:343]
ما يترتب على من اجتاز الميقات بغير إحرام لمن هو واجب عليه:
(1/342)

1- إذا تعدى مريد النسك الميقات بغير إحرام وجب عليه الرجوع إلى الميقات للإحرام منه، فإن رجع وأحرم فليس عليه دم، وإن لم يرجع أثم وعليه دم إلا إذا كان معذوراً كخوف فوات الحج أو رفقة أو خوف على نفسه أو ماله أو عدم قدرة على الرجوع لمرض مثلاً، فعندها لا يجب عليه الرجوع إلى الميقات وعليه دم لتعديه بغير إحرام، ولا ينفعه الرجوع بعده فأولى إذا لم يرجع.
(1/343)

2- إذا اجتاز من يريد مكة لا للنسك الميقات بلا إحرام أثم ولا دم عليه، وإن أراد الإحرام بعد اجتياز الميقات أحرم ولم يلزمه الرجوع.
واجبات الإحرام:
(1/343)

1- الإحرام من الميقات (كما سبق ذكره) .
(1/343)

2- التلبية: ويجب وصلها بالإحرام، فمن تركها أو فصل بينها وبين الإحرام بفاصل طويل وجب عليه دم ولو أتى بها بعد الفاصل الطويل. أما الفاصل اليسير فلا يضر لكنه خلاف السنة حيث أنه يسن وصل التلبية بالإحرام حقيقة. لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (أهل النبي صلى اللَّه عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة) (1) .
(1/343)

3- التجرد من لبس محيط، وكشف الرأس، بالنسبة للذكر (سيَرد في محرمات الإحرام) .
__________
(1) البخاري: ج 2/ كتاب الحج باب 28/1477.
(1/343)

سنن الإحرام:
(1/343)

1- الغسل قبل الإحرام، ولو لحائض أو نفساء. ولا تحصل السنة إلا إذا كان الغسل متصلاً بالإحرام، ولا يضر الفاصل اليسير بين الغسل والإحرام بمقدار شد الرحال وإصلاح الحال، أما إن فصل بينهما بفاصل طويل كأن اغتسل بالغدو وأحرم ظهراً فلا يجزئه الغسل، وقيل يحصل على سنة الغسل وتفوته سنة وصل الغسل بالإحرام. والدليل ما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه (أنه رأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل) (1) ، وروى جابر رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس لما ولدت: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي" (2) .
ولا يشرع التيمم بدل الغسل لمن فقد الماء.
(1/343)

2- يسن للرجل لبس إزار (3) ورداء (4) ، ولو لبس غيرهما مما ليس مخيطاً ولا محيطاً كأن يلتحف برداء أو كساء أجزأه وخالف السنة. ونعلين في رجليه، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما: "ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" (5) .
(1/344)

3- يسن تقليد الهدي لمن كان معه (إن كان مما يقلد وهو الإبل والبقر) ثم إشعاره إن كان مما يشعر وهو الإبل وما له سنام من البقر (أما الغنم فلا تقلد ولا تشعر) .
والتقليد هو تعليق قلادة (6) في العنق، والإشعار هو أن يشق من السنام قدر الأنملة أو الأنملتين، ويكون بالجانب الأيسر، ويبدأ به من العنق إلى المؤخر.
والدليل ما روي عن المسور بن مخرمة ومروان قالا: (خرج النبي صلى اللَّه عليه وسلم من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة، قلَّد النبي صلى اللَّه عليه وسلم الهدي وأشعر، وأحرم بالعمرة) (7) .
(1/344)

4- يسن إيقاع الإحرام بعد صلاة ركعتين للإحرام في غير وقت الكراهة. وتجزئ صلاة الفريضة عنهما.
(1/344)

5- يسن وصل التلبية بالإحرام حقيقة أي بدون فاصل يسير.
__________
(1) الترمذي: ج 3 /كتاب الحج باب 16/830.
(2) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 19/147.
(3) ما يستر العورة من السرة إلى الركبة.
(4) ما يلقى على الكتفين.
(5) مسند الإمام أحمد: ج 2 /ص 34.
(6) قلادة: جلادة.
(7) البخاري ج 2 /كتاب الحج باب 105/1608.
(1/344)

مندوبات الإحرام:
(1/344)

1- يندب لمريد الإحرام إزالة شعثه قبل الغسل وذلك بقص الأظافر والشارب، وحلق العانة، ونتف شعر الإبط، وترجيل شعر الرأس أو حلقة لما روى سالم عن أبيه رضي اللَّه عنه قال: "سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يهل ملبداً) (1) .
(1/344)

2- يندب الغسل في المدينة المنورة لمن أراد الإحرام من ذي الحليفة، وذلك استثناء من سنية وصل الغسل بالإحرام، لما ورد أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم اغتسل بالمدينة وتجرد من ثيابه ولبس ثوبي إحرامه ولما وصل لذي الحليفة ركع ركعتي الإحرام وأهل.
(1/344)

3- يندب أن يحرم الراكب إذا استوى على ظهر راحلته، والماشي إذا شرع في المشي، للحديث [ص:345] المتقدم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (أهل النبي صلى اللَّه عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة) (2) .
(1/344)

4- يندب الاقتصار على تلبية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وهي: (لبيك اللَّهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك) (3) .
(1/345)

5- يندب التوسط في رفع الصوت بالتلبية فلا يخفته جداً ولا يرفعه جداً بل بين ذلك.
(1/345)

6- يندب التوسط في التلبية فلا يدأب عليها حتى لا يمل ويضجر.
(1/345)

7- يندب تجديد التلبية عند تغير الحال؛ كقيام وقعود، وصعود وهبوط، واستيقاظ من نوم أو غفلة، وبعد صلاة فرض أو نفل، وعند ملاقاة رفقة، وغير ذلك أي تكوني شعار الحجاج فهي تغني عن التحية.
ويستمر في التلبية حتى يدخل مكة فيقطعها حتى يطوف ويسعى إذا أراد السعي عقب طواف القدوم، ثم يعادوها بعد ذلك حتى زوال الشمس يوم عرفة ووصوله إلى مصلاها فيقطعها عندئذ؛ فإن لم يعادوها كان تاركاًً للواجب وعليه دم. أي غاية التلبية مقيدة بقيدين: الوصول إلى مسجد نَمِرَة، وكونه بعد الزوال من يوم عرفة؛ فإن وصل قبل الزوال لبّى حتى يصلي الظهر والعصر جمع تقديم في يومها، وبعد الصلاة يقطع التلبية ويتوجه بالتضرع مبتهلاً بالدعاء وجلاً خائفاً من اللَّه راجياً القبول.
هذا لمن أحرم بالحج من خارج مكة، أما من أحرم به من مكة فيلبي بالمسجد الحرام في مكانه الذي أحرم منه، ويستمر بالتلبية حتى الرواح إلى مصلى عرفة بعد الزوال. وأما من أحرم من الميقات بعمرة أو حج ولكن فاته بحصر أو مرض فتحلل منه بعمرة، فإنه يلبي حتى إلى الحرم (مكة) ، ويلبي المعتمر (دون الميقات) من الجعرنة أو التنعيم حتى يصل إلى بيوت مكة، لأن المسافة قصيرة.
__________
(1) البخاري: ج 2/ كتاب الحج باب 18 / 1466.
(2) البخاري: ج 2/ الحج باب 28 / 1477.
(3) مسلم: ج 2/ كتاب الحج باب 19 / 147. ومعنى لبيك: أجبتك إجابة بعد إجابة، أي أجبتك الآن كما أجبتك حين أذن إبراهيم بالحج في الناس، وكما أجبتك أولاً حين خاطبت الأرواح بـ (ألست بربكم) . وقيل: معناها أجبتك إجابة بعد إجابة في جميع أمرك وكل خطاباتك.
(1/345)

مُحرمات الإحرام بحج أو عمرة
أولاً- فيما يتعلق باللباس:
آ- بالنسبة للمرأة ولو كانت أمة أو صغيرة يحرم عليها ما يلي:
(1/345)

1- لبس محيط بكف أو إصبع من أصابع اليد كقفاز أو كيس إلا الخاتم فلا مانع، أما لو [ص:346] أدخلت يدها في كمها أو قناعها فلا شيء عليها، لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" (1) .
(1/345)

2- ستر وجهها كله أو بعضه ولو لحر أو برد أو غير ذلك، أما إذا أرادت ستر وجهها كله أو بعضه عن أعين الرجال جاز لها ذلك، وإن علمت أو ظنت الفتنة بها وجب عليها الستر، وفي كلتا الحالتين، إن خشيت الفتنة أم لا، يشترط في الساتر أن يكون بلا غرزٍ بإبرة أو نحوها. ولا ربط لها برأسها كالبرقع، بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها، أو تجعله كاللثام وتلقي طرفيه على رأسها، لما روت عائشة رضي اللَّه عنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم محرمات، فإذا حاذَوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزنا كشفناه) (2) .
فإن لبست المرأة محيطاً بيدها أو إصبعها، أو سترت وجهها كله أو بعضه لغير قصد التستر عن أعين الرجال، أو غرزت أو ربطت ما أسدلته على وجهها، فليذمها الفدية إن طال الزمن أما إن لم يطل فلا شيء عليها.
__________
(1) البخاري: ج 2 /الإحصار وجزاء الصيد باب 24/1741.
(1/346)

ب- بالنسبة للذكر ولو كان صغيراً (يخاطب وليه بمنعه) يحرم عليه ما يلي:
(1/346)

1- لبس محيط بأي عضو من أعضائه، سواء كان محيطاً بخياطة، أو بنسج كدرع الحديد (فإن العرب تسميه نسجاً) أو لبد، أو بصياغة كخاتم أو سوار، أو بعقد، أو بزر.
ويستثنى من لبس المحيط ما يلي:
(1/346)

1- لبس الجورب والخف ونحوهما في حال فقد النعل أو غلاء ثمنه غلاءً فاحشاً زائداً على ثلث قيمته عادة، وفي هذه الحالة ليس عليه فدية بشرط أن يقطع أسفله من الكعب، لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما (أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه الزعفران أو الورس) (3) .
(1/346)

2- الاحترام بثوب أو غيره من حبل أو خيط وبغير عقد لأجل العمل، فإذا فرغ من عمله وجب نزعه وإلا فعليه فدية.
(1/347)

3- شد منطقة (3) لو ضع نفقته أو نفقت عياله (لا لوضع نفقة غيره أو لتجارة) على جلد تحت إزاره. ويكره شد نفقته وهو محرم على عضده أو فخذه.
(1/347)

2- يحرم عليه لبس محيط لبساً معتاداً كالقميص والسراويل والجبة (4) فإن وضع الجبة على أكتافه ولو لم يدخل يديه بالكمين حرم لأنه لبس معتاد، أما لو وضع أسفلها على كتفيه أو لف بها وسطه كالمئزر فلا شيء عليه. والأصل في ذلك الأخبار الصحيحة التي وردت عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كالحديث المتقدم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما.
ويجوز للمحرم إبدال ثوبه الذي أحرم به وبيعه أو غسله لنجاسة.
(1/347)

3- يحرم عليه ستر وجهه ورأسه بأي شيء يعد ساتراً بالعرف، كأن يضع قطناً في أذنيه أو قرطاساً على صدغيه فإن فعل فعليه فدية. لكن يجوز له أن يضع خده على وسادة، ويجوز له أن يستظل ببناء كحائط أو سقيفة أو خيمة أو شجرة أو محارة (محمل) ، ويجوز له أن يتقي مطراً بشيء مرتفع عن رأسه كثوب، أو أن يحمل على رأسه حشيشاً أو قفة لحاجة تتعلق به أو بدابته أو لفقر فيحمل شيئاً لغيره بأجرة لمعاشه. والدليل على جواز ذلك ما روت أم الحصين رضي اللَّه عنها قالت: (حججت مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى اللَّه عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) (5) .
__________
(1) أبو داود: ج 2 / كتاب المناسك باب 34/1833.
(2) البخاري: ج 2 /كتاب الحج باب 20/1468.
(3) حزام يجعل كالكيس.
(4) ويقال لها قباء أيضاً.
(5) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 51/312.
(1/347)

ثانياً- فيما يتعلق بالبدن:
(1/347)

1- يحرم دهن شعر الرأس أو اللحية.
(1/347)

2- يحرم دهن الجسد كله أو بعضه لغير علة ولو بغير طيب، أما إن كان لعلة فحرمة إلا أنه يستوجب الفدية إذا كان الدهن بمطيب، وإذا كان الدهن بغير مطيب فهناك قولان:
الأول: إن كان مكان العلة في باطن الكفين أو القدمين فلا فدية، والثاني: إن كانت العلة في باقي البدن (عدا باطن الكفين والقدمين) ففيه فدية.
(1/347)

3- يجرم إزالة ظفر لغير عذر، أو شعر من ثائر جسده بحلق أو قص أو نتف. أما إن سقط من نفسه بسبب وضوء أو غسل، ولو كانا مندوبين، أو بسبب ركوب فلا شيء عليه. ويجوز للمحرم تقليم ظفر انكسر وكذا الاثنين والثلاثة بشرط أن يقتصر على تقليم ما يزول به الضرر لا لإماطة الأذى فإنه لا يجوز.
(1/348)

4- يحرم إزالة الوسخ من على البدن، إلا إزالة الوسخ من تحت الأظافر أو من على اليدين كغسل يديه بمزيل للوسخ مثل الشنان فلا يحرم.
ويجوز شق دمل وحك وفصد وحجامة إن لم يعصبه، فإن عصبه ولو لضرورة فعليه فدية واحدة ولو تعددت مواقع العصب.
(1/348)

5- يحرم مس طيب كورس وزعفران ومسك وعطر في ثوبه أو بدنه أو بأي عضو من أعضائه ولو ذهب ريحه (ذهاب الريح مسقط للفدية) لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما المتقدم (ولا تلبس من الثياب شيئاً مسّه الزعفران أو الورث) .
وكذا إن وضع الطيب في طعام أو كحل فهو حرام، إلا إذا وضع في الطعام وطبخ حتى استهلك وذهب عينه ولم يبق إلا لونه أو ريحه فلا حرمة فيه ولا فدية. وكذا إن حمل قارورة فيها طيب وقد سدت سداً محكماً فلا مانع. وإذا أصابه الطيب من إلقاء الريح فلا شيء عليه ولو كثر، إلا أنه يجب عليه نزعه أو إلقاء الثوب الذي وقع عليه الطيب أو غسل بدنه الذي أصابه الطيب قل أم كثر، فإن تراخى في نزعه فعليه فدية. وكذا إذا أصابه من خلوق الكعبة الذي يلقى عليها فيخير في نزع يسيره، أما كثيرة فيجب نزعه.
(1/348)

6- يحرم الجماع ومقدماته كالقبلة والمباشرة ولو علم السلامة من نزول المني أو المذي، لقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال (1) في الحج} (2) .
(1/348)

7- يحرم الاستمناء وإن كان بسبب إدامة للنظر أو للفكر، أما إذا أمنى لمجرد النظر أو الفكر فلا حرمة بخلاف الإنزال بغيرهما فلا يشترط فيه الإدامة.
يحرم على المحرم عقد النكاح، ويقع باطلاً إن عقد، لما روي عن عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "لا يَنْكحُ المحرم ولا يُنكح ولا يخطب" (3) .
(1/348)

9- يحرم الخروج من طاعة اللَّه تعالى بأي فعل محرم، وإن كان ذلك محرماً في غير الحج إلا أنه يتأكد فيه.
(1/349)

10- تحرم المخاصمة مع الرفقاء والخدم لقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} .
ثالثاً- فيما يتعلق بالصيد:
__________
(1) الرفث: الجماع ودواعيه، والجدال: المخاصمة.
(2) البقرة: 197.
(3) مسلم: ج 2 /كتاب النكاح باب 5/41.
(1/349)

يحرم التعرض في الحرم (1) للحيوان البري الوحشي كلّه أو بعضه كذنبه أو أذنه أو ريشه أو بيضه، وإن تأنث كالغزال أو الطيور التي تألف البيوت والناس، وسواء كان ممن يؤكل لحمه أم لا كالقرد والخنزير، وسواء بقتل أو بصيد أو ذبح أو إشارة إليه إن كان مرئياًً أو الدلالة عليه إن كان غير مرئي في الحرم مطلقاً، سواء كان مُحْرٍماً أم لا وفي كل السنة. أما خارج الحرم فيحرم إن كان مُحْرِماً فقط. بدليل ما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة ... "إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السماوات والأرض. فهو حرام بحرم اللَّه إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة. لا يًعضد شوكه. ولا ينفر صيده. ولا يلتقط إلى من عرَّفها. ولا يختلى خَلاها" (2) .
ويقصد بالحيوان البري ما كان توالده وتناسله في البر وإن كان يعيش في الماء، ويدخل بذلك الضفدع والسلحفاة البريان وطير الماء.
وإن كان الحيوان البري مملوكاً لأحد زال ملكه عنه بالحرم وبالإحرام، فيرسله وجوباً إن كان معه حال إحرامه أو دخوله الحرم وإذا أرسله زال عنه ملكه حالاً ومآلاً، أما إن كان حين الإحرام ببيت فلا يزول ملكه عنه ولا يرسله ولو أحرم من البيت. ولا يستحب تملك الحيوان البري ولا يجوز قبوله بهبة أو غيرها.
وخرج بقولنا الحيوان البري البحري فلا يحرم لا في الحرم ولا في غيره، سواء كان الشخص [ص:350] محرماً أم لا، بدليل قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} (3) .
ويستثنى من حرمة التعرض له ما يلي:
(1/349)

1- الفأرة ويلحق بها ابن عرس وكل ما يقرض الثياب من الدواب.
(1/350)

2- الحية والعقرب ويلحق بها الزبور.
(1/350)

3- الحدأة والغراب، ولا فرق بين الغراب الأبقع وغيره.
(1/350)

4- الكلب العقور والمراد به: السبع، الأسد، الذئب، النمر، الفهد. بشرط أن يكون كبيراً، أما إن كان صغيراً فيكره قتله، وإن كان قتله فلا جزاء عليه على المشهور. ودليل جواز قتل ما ذكر ما روي عن عائشة رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "خمس من الدواب، كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب الغفور" (4) ، وما روي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (بينما نحن مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم في غار بمنى ... إذا وثنت علينا حية، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم اقتلوها..) (5) .
(1/350)

5- أيُّ طير خيف منه على نفس أو مال، وكان لا يندفع إلا بقتله.
(1/350)

6- الوزغ (أبو بريص) : لا يجوز أن يقتله المحرم في الحرم أما غير المحرم فيجوز. روي عن عائشة رضي اللَّه عنها (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال للوزغ: فويسق ولم أسمعه أمر بقتله) (6) .
(1/350)

7- لا شيء في قتل الجراد إن عمَّ (كثر) واجتهد المحرم في التحفظ من قتله فأصاب منه شيئاً بغير قصد، أما إن لم يتحفظ أو قتله عن قصد ففيه فدية، وهي إطعام بتقدير أهل الخبرة، إذا زاد العدد عن عشر جرادات.
أما الدجاج والإوز فيجوز للمحرم ذبحه في الحرم وأكله، لأنه ليس بصيد، بخلاف الحمام فإنه صيد، لأنه من أصل يطير في الخلاء فلا يجوز للمحرم ذبحه، فإن ذبحه أو أمر بذبحه فميتة، ولو كان متخذاً في البيوت لفراخ.
وكذا حكم لحم من صاده محرم أو من في الحرم بسهمه، أو كلبه، أو صِيدَ له (أي صاده حلال لأجله) ، أو ذبحه محرم حال إحرام إن صاده حلال لنفسه، أو دل المحرم حلالاً عليه [ص:351] فصاده فمات، ففي كل هذه الحالات حكمه ميتة لا يحل لأحد تناوله، وجلده نجس كسائر أجزائه وكبيضه من الطيور (سوى الإوز والدجاج) إذا كسره أو شواه محرم أو أمر حلالاً بذلك فلا يجوز لأحد أكله.
أما ما صاده حِلٌّ لحِلّ (بخلاف ما لو صاده لمحرم) كإدخال الصيد إلى الحرم وذبحه فيه، فإن كان الصائد من ساكنيه يجوز أكله لكل أحد، أما إن كان من غير أهل الحرم فإذا صاده بالحل وأدخله إلى الحرم وذبحه فيه فهو ميتة.
__________
(1) حدود الحرم: من جهة المدينة أربعة أو خمسة أميال مبدؤها من الكعبة وتنتهي بالتنعيم، ومن جهة العراق ثمانية أميال وتنتهي بالمقطع (جبل) ، ومن جهة عرفة تسعة أو ثمانية أميال وتنتهي بعرفة، ومن جهة الجعرانة تسعة أميال وتنتهي إلى موضع يقال له شعب آل عبد اللَّه بن خالد، ومن جهة جدة عشرة أميال تنتهي بالحديبية، ومن جهة اليمن إلى مكان يسمى أضاه.
(2) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 82/445.
(3) المائدة: 96.
(4) البخاري: ج 2 /الإحصار والجزاء الصيد باب 18/1732.
(5) البخاري: ج 2 /الإحصار والجزاء الصيد باب 18/1733.
(6) البخاري: ج 2 /الإحصار والجزاء الصيد باب 18/1734.
(1/350)

رابعاً- ما يتعلق بقطع الشجر والنبات:
يحرم قطع ما ينبت في الأرض بنفسه كالبقل البري إلا الإذخِر (نبات ذو رائحة طيبة) والسنا (نبات معروف للتداوي) والسواك والعصا والشجر للبناء بموضعه أو لإصلاح البساتين فلا يحرم قطعه. وكذا ما يستنبت للأكل كالسلق والكراث والبطيخ والخوخ ونحو ذلك. لما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما في الحديث المتقدم عند مسلم: "ولا يُعضد شوكه. ولا ينفر صيده. ولا يلتقط إلا من عرَّفها. ولا يختلى خَلاها (1) . فقال العباس يا رسول اللَّه الإِذْخِرَ فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال إلا الإِذخر" (2) .
وكل ما حرم قطعه لا جزاء فيه وإنما الإثم فقط.
كما يحرم صيد المدينة والتعرض له ويحرم أكله، كما يحرم قطع شجرها، لما روي عن جابر رضي اللَّه عنه قال: قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة. وإني حرمت المدينة ما بين لا بيتها. لا يقطع عضاها (3) ولا يصاد صيدها" (4) . لكن لا جزاء في الصيد أو قط الشجر، وعدم ترتب الجزاء لا يعني تخفيف الحرمة بل حرمتها أشد ومنهم من أو جب الجزاء في صيد المدينة كصيد مكة.
__________
(1) الخلا: هو الرطب من الكلأ.
(2) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 82/445.
(3) العضاه: كل شجر يعظم وله شوك.
(4) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 85/458.
(1/351)

ما يكره للمحرم:
(1/351)

1- شد نفقته بعضده أو فخذه.
(1/351)

2- كبّ الوجه على الوسادة، أما وضع الخد عليها فجائز.
(1/351)

3- ليس مصبوغ بعصفر أو نحوه، من كل ما لا طيب فيه ولكن يشبه ذا الطيب، لمُقتدى به من إمام أو عالم خوف تطرق الجاهل إلى لبس المحرم.
(1/352)

4- شم الرياحين كالريحان والورد والياسمين، وشم الطيب كمسك وزعفران وكافور.
(1/352)

5- المكث بمكان فيه طيب أو استصحابه. أما المكث في مكان فيه رياحين فلا يكره وكذا لا يكره استصحابه ولا مسه بلا شم.
(1/352)

6- الحجامة بلا عذر، أو غمس الرأس في الماء خيفة قتل الدواب (قمل مثلاً) ، أو تجفيف الرأس بخرقه بشدة.
(1/352)

7- النظر في المرأة خيفة أن يرى شعثاً فيزيله.
الركن الثاني- السعي بين الصفا والمروة
دليله: قوله تعالى: {إن الصفا والمرة من شعائر اللَّه، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} (1) .
وما روت حبيب بنت أبي تجرأة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال وهو يسعى: "اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي" (2) .
__________
(1) البقرة: 158
(2) الدارقطني: ج 2 /ص 255.
(1/352)

شروط صحة السعي بين الصفا والمروة:
(1/352)

1- أن يكون سبعة أشواط، فإن سعى أقل من سبعة أشواط فلا يجزئه، وعليه أن يكمله إلا إذا طال الفصل عرفاً فعندها يستأنفه من أوله.
(1/352)

2- أن يبدأ السعي من الصفا وينتهي بالمروة، لحديث جابر رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "نبدأ بما بدأ اللَّه به فبدأ بالصف وقرأ "إن الصفا والمرة من شعائر اللَّه" (1) ويحسب من الصفا إلى المروة شوط ومن المروة إلى الصفا شوط آخر.
(1/352)

3- الموالاة بين أشواط السعي، فإن فرق بفاصل طويل فعليه أن يستأنفه ويغتفر الفاصل القصير.
(1/352)

4- أن يكون بعد طواف صحيح سواء كان الطواف ركناً أو واجباً أو نفلاً، وإن كان محرماً بعمرة وسعى بعد طوافها غير الصحيح (طاف وهو محدث مثلاً) فإنه يبقى محرماً وعليه أن يرجع من أي مكان كان فيه لكي يعيد الطواف والسعي بعده، فإن كان قد أصاب النساء فقد أفسد [ص:353] عمرته فعليه أن يقضيها من الميقات الذي أحرم منه ويهدي، وعليه لكل صيد أصابه الجزاء وعليه فدية اللبس والطيب.. الخ، وإن كان حلق فعليه فدية الحلق ولا بد من إعادة الحلق بعد إعادة الطواف والسعي لأن الحلق الأول وقع في غير محله. وإن لم يكن حلق أولاً ولم يفعل شيئاً من محرمات الإحرام بعد، فعليه أن يعيد الطواف والسعي ثم يحلق وليس عليه شيء آخر لا من هدي ولا غيره. وإن كان الذي سعى بعد الطواف فاسد قد أحرم بحج بعده، فيكون في هذه الحالة قارناً لأن طوافه وسعيه فاسداً ولم يبق معه إلا مجرد الإحرام وإرداف الحج عليه.
__________
(1) الترمذي: ج 3 /كتاب الحج 38/862.
(1/352)

واجبات السعي:
(1/353)

1- أن يقع بعد طواف ركن (الإفاضة) أو واجب (القدوم) ، فإن سعى بعد طواف لم ينو به شيئاً وقع الطواف نفلاً، أو نوى بطوافه طواف تحية المسجد، فعليه في الحالتين إعادة الطواف بنية طواف القدوم (إن كان ممن يجب عليه طواف القدوم) ومن ثم عليه إعادة السعي بعده ليكون سعيه بعد طواف واجب، إلا إذا خاف فوت عرفة فإنه يترك إعادة الطواف والسعي؛ وبعد طواف الإفاضة يأتي بالسعي، وعليه دم لأن طواف القدوم كان واجباً عليه وتركه.
أما إن لم يكن ممن يجب عليه طواف القدوم فيجب عليه تأخير السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة، فإن قدَّمه على طواف الإفاضة بأن أوقعه بعد طواف نفل، فيجب عليه إعادته بعد طواف الإفاضة ما دام في مكة، فإن تباعد عن مكة فعليه دم لتركه وجوب إيقاع السعي بعد طواف الإفاضة، ولا يجب عليه الرجوع في هذه الحالة لأنه لم يترك ركناً وإنما ترك واجباً.
(1/353)

2- وجوب الموالاة بين السعي والطواف، فإن جعل فاصلاً طويلاً بين السعي وطواف الإفاضة وجب عليه إعادة طواف الإفاضة لإتباعه بالسعي ما دام بمكة، فإن تباعد عن مكة ولم يُعد السعي فعليه دم لتركه وجوب إتباع السعي بطواف الإفاضة دون فاصل.
(1/353)

3- أن يسعى ماشياً إن كان قادراً، فإن سعى راكباً أو محمولاً لزمه دم إن لم يعده وكان خرج من مكة، أما إن لم يخرج من مكة فعليه إعادته ماشياً ولو طال الفصل ولم يجزئه الدم.
سنن السعي:
(1/353)

1- تقبيل الحجر الأسود قبل الخروج للسعي وبعد صلاة ركعتي الطواف.
(1/353)

2- أن يرقى الساعي في كل شوط على كل من الصفا والمروة إن كان رجلاً أما المرأة فتصعد إن خلا المحل من الرجال وإلا فلا. لما روى جابر في صفة حج النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنى من الصفا قرأ: إن الصفا والمرة من شعائر اللَّه أبدأ بما بدأ اللَّه به فبدأ بالصفا. فرقي عليها. حتى رأى البيت فاستقبل القبلة. فوحد اللَّه وكبَره، وقال: لا إله إلا اللَّه [ص:354] وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا اللَّه وحده. أنجز وعده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذه ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة) (1) .
(1/353)

3- إسراع الرجال بين الميلين الأخضرين حال الذهاب إلى المروة، ولا إسراع في العودة على الراجح. لحديث جابر رضي اللَّه عنه في صفة حجة صلى اللَّه عليه وسلم: (.. ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى. حتى أتى المروة) (2) .
(1/354)

4- الدعاء على الصفا والمروة وبينهما بلا حد، كما في الحديث المتقدم.
__________
(1) و (2) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 19/147.
(1/354)

مندوبات السعي:
(1/354)

1- يندب للساعي ما يشترط للصلاة من طهارة حدث وخبث وستر عورة فإن انتقض وضوءه أو تذكر حدثاً استحب له أن يتوضأ ويبني فإن أتم سعيه جاز، لحديث عائشة رضي اللَّه عنها أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لها حين حاضت: "افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (1) .
(1/354)

2- يندب للساعي أن يشرب من ماء زمزم (بعد الطواف وتقبيل الحجر) قبل الخروج إلى السعي، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بشراب من عندها. فقال: اسقني. قال: يا رسول اللَّه، إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني. فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا، فإنكم على عمل صالح) (2) .
(1/354)

3- الخروج للسعي من باب الصفا، لحديث جابر رضي اللَّه عنه المتقدم: (ثم خرج من الباب إلى الصفا) أي من باب بني مخزوم، وهو الذي يسمى باب الصفا.
(1/354)

4- أن يصعد الساعي إلى أعلى الصفا والمروة في الرقي عليهما.
(1/354)

5- يندب القيام أعلى الصفا والمروة والجلوس مكروه أو خلاف الأولى.
__________
(1) البخاري: ج 2 /كتاب الحج باب 80/1567.
(2) البخاري: ج 2 /كتاب الحج باب 74/1554.
(1/354)

الركن الثالث: الحضور بعرفة ليلة النحر
ويقصد به: الحضور بأرض عرفة على أي حال من الأحوال سواء كان يقظانً أو نائماً أو [ص:355] مغمى عليه، وسواء كان قائماً أو قاعداً أو راكباً على دابة، سواء علم أنها عرفة أم لا. ويصح أن يكون ماراً لكن ضمن شرطين: الأول: أن يعلم أنه يمر بأرض عرفة.
الثاني: أن ينوي بمروره أداء ركن الحج وهو الحضور بعرفة فإن مرّ بها ولم يعلم أنها عرفة، أو مرّ بها دون أن ينوي أداء ركن الحج فلا يجزئه المرور.
دليله: ما روي عن عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال: "الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه" (1) .
__________
(1) ابن ماجة: ج 2 /كتاب المناسك باب 57/3015.
(1/354)

شروط صحة الحضور بعرفة:
(1/355)

1- الحضور لحظة من ليلة العاشر من ذي الحجة (وتبدأ الليلة من غروب شمس عرفة إلى أذان يوم النحر) فإذا نفر من عرفة قبل الغروب لم يصح حجه.
ويجزئ الحضور ليلة الحادي عشر من ذي الحجة إن أخطأ أهل الموقف كلهم، بأن لم يروا الهلال لعذر من غيم أو غيره فأتموا ذي القعدة إلى الثلاثين ووقفوا ليلة العاشر من ذي الحجة ثم تبين أن وقوفهم كان ليلة الحادي عشر من ذي الحجة فيجزئهم ذلك.
(1/355)

2- يشترط في الحضور مباشرة أرض عرفة أو ما اتصل بها، فلا يكفي أن يقف في الهواء كأن يمر عليها بالطائرة فلا يجزئه، أما إن كان راكباً على دابة فلا مانع.
واجباته:
(1/355)

1- الطمأنينة في الحضور، بأن يستقر بمقدار الجلسة بين السجدتين، أما المار الذي لم يستقر بمقدار الطمأنينة فعليه دم.
(1/355)

2- الحضور لحظة في أرض عرفة من بعد زوال شمس اليوم التاسع من ذي الحجة إلى الغروب، فإن فاته بغير عذر فعليه دم. ولا يجزئ هذا الحضور عن الحضور ليلة النحر.
سنن الحضور:
(1/355)

1- يسن خطبتان في مسجد نمرة، بعد زوال شمس يوم عرفة، يعلم الإِمام فيهما الناس ما عليهم من مناسك، لما حدث جابر (أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم خطب الناس يوم عرفة وقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام..) (1) .
(1/355)

2- يسن جمع الظهرين (الظهر والعصر) جمع تقديم (ولو لأهل عرفة) وصلاتهما قصراً (لغير أهل عرفة) بأذان وإقامتين من غير تنفل بينهما، لحديث جابر: (ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم [ص:356] أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً) (2) . ومن فته الجمع مع الإِمام جمع في رحله.
__________
(1) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 19/147.
(2) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 19/147.
(1/355)

مندوباته:
(1/356)

1- يندب الوقوف عند الصخرات العظام في أسفل جبل الرحمة شرقي عرفة متجهاً إلى الكعبة (وهي غرب عرفة) ، لما ورد في حديث جابر رضي اللَّه عنه: (ثم ركب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى أتى الموقف. فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة) (1) .
(1/356)

2- يندب الوقوف مع باقي الناس لأن جمعَهم مَزيدُ الرحمة والقبول.
(1/356)

3- يندب الغسل للوقوف والطهارة من الحدث والخبث.
(1/356)

4- يندب المبيت بمنى ليلة التاسع وصلاة الصبح فيها، ثم المسير منها إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع، لحديث جابر رضي اللَّه عنه في صفة حجه صلى اللَّه عليه وسلم: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج. وركب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ولفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس) (2) .
(1/356)

5- يندب النزول بمسجد نمرة بعد زوال شمس اليوم التاسع.
(1/356)

6- يندب الوقوف راكباً وإلا واقفاً على قدميه ولا يجلس لعلة أو تعب، أما النساء فلا يندب لهن القيام، لما روت أم الفضل بنت الحارث رضي اللَّه عنها (أن ناساً اختلفوا عندها، يوم عرفة، في صوم النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه) (3) .
(1/356)

7- يندب التضرع والابتهال إلى اللَّه تعالى والدعاء بما أحب من خير الدنيا والآخرة حتى الغروب، لحديث طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللَّهم أجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً، اللَّهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر. وفتنة القبر اللَّهم إني أعوذ بك من شر يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر) (4) . [ص:357]
__________
(1) و (2) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 19/147.
(3) البخاري: ج 2 /كتاب الحج باب 19/147.
(4) البيهقي: ج 5 /ص 117.
(1/356)

الركن الرابع: طواف الإفاضة
ويقال له أيضاً طواف الركن لأنه فرض في الحج فمن لم يفعله بطل حجه، أو طواف الزيارة لأن الحاج يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، وإنما يبيت في منى.
دليل فرضيته: قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} (1) . وحديث عائشة رضي اللَّه عنها (أن صفية بنت حيي زوج النبي صلى اللَّه عليه وسلم حاضت، فذكرت ذلك لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذاً) (2) .
وقته: يبدأ وقته من طلوع فجر يوم النحر ويستمر إلى آخر شهر ذي الحجة، فإذا أخَّرَه عن ذلك لزم دم. أما الحائض أو النفساء فتحبس الرفقة والولي حتى تطهر وتطوف بشرط أمن الطريق حال الرجوع بعد الطواف، فإذا لم يؤمن الطريق رجعت إلى بلدها وهي على إحرامها، ثم تعود في العام القابل للإتيان بطواف الإفاضة (3) .
وأما من لم يطف طواف الإفاضة من ذكر أو أنثى جهلاً، ثم علم بفرضيته بعد رجوعه إلى وطنه، فإنه ينوي رفض الحج (أما الإحرام فلا يرتفض بل يبقى على إحرامه) ويفعل محرمات الإحرام، ومتى تيسر له الذهاب إلى مكة، مرَّ بميقات بلده بلا إحرام لبقائه على إحرامه الأول وطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم يذبح شاة مجزئة في الأضحية ثم يتحلل من إحرامه. وإن أراد الحج بعد ذلك أحرم من الحرم، أما إن أراد العمرة أحرم من الحل.
__________
(1) الحج: 29، وسمي البيت العتيق لأن اللَّه تعالى أعتقه من يد الجبابرة فلا يصول عليه جبار إلا ويهلكه اللَّه، أو لكونه قديماً قال تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) آل عمران: 96.
(2) البخاري: ج 2 / كتاب الحج باب 144/1670.
(3) يمكنها أن تقلد السادة الأحناف في هذه الحالة: تطوف وهي حائض أو نفساء وتذبح بدنه تتحلل. ومكان الذبح في مكة، فإن لم تستطع الذبح (لعدم إيجاد الثمن) ترجع إلى بلدها ومتى تيسر لها ذلك ترسل إلى مكة من توكله في الذبح عنها.
(1/357)

2- الطهارة من الحدثين والخبث في البدن والثوب والمكان كالصلاة، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم
شروط صحة الطواف:
(1/357)

1- أن يكون سبعة أشواط، فإن ترك شيئاً من السبع وإن قل لا يجزئه، ولا يكفي عنه الدم إذا كان الطواف طواف ركن، لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (قدم النبي صلى اللَّه عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين) (1) . وإن شك في العدد بنى على اليقين، وتمم الأشواط السبعة، ويعمل بقول غيره ولو كان واحداً إذا لم يكن مستنكحاً (أي صار الشك له عادة) فعندها يبني على الأكثر. وإن ذاد على السبعة أشواط فلا يضر لأن الزائد لغو لا اعتداد به.
(1/357)

2- الطهارة من الحدثين والخبث في البدن والثوب والمكان كالصلاة، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير" (2) . فإن شك في الطهارة أثناء الطواف ثم بان الطهر فلا يعيد الطواف، وإن انتقضت طهارته ولو سهواً، أو سقطت عليه نجاسة أثناء الطواف بطل طوافه، أما إن لم يعلم بسقوط النجاسة إن كان الفصل قريباً ولم ينتقض الوضوء؛ أما إن طال الفصل أو انتقض الوضوء فلا إزالة النجاسة إن كان الفصل قريباً ولم ينتفض الوضوء، أما إن طال الفصل أو انتقض الوضوء فلا إعادة عليه. وإن احدث بعد الطواف فلا إعادة وقبل صلاة الركعتين أعاده إلا إذا خرج من مكة وشق عليه الرجوع فيكفيه طوافه ويصلي الركعتين وعليه أن يبعث بهدي.
(1/358)

3- ستر العورة كالصلاة في حق الذكر والأنثى، وإذا بدت أطراف المرأة صح طوافها وندب لها إعادته ماد دامت بمكة، وقيل: لا إعادة عليها.
(1/358)

4- جعل البيت على يساره حال الطواف وهو ماش جهةَ أمامه.
(1/358)

5- خروج جميع البدن عن الشَّاذَرْوان (3) ، فإذا دخل بعض البدن في هواء البيت أعاده، أما إذا كان خرج من مكة وبعد ذلك ذكر أنه أثناء الطواف كان يدخل بعض بدنه في هواء الشَّاذَرْوان، فليس عليه العورة للإعادة ولكن يلزمه هدي. لذا من أراد أن يقبل الحجر الأسود أو يلمس الركن اليماني أثناء الطواف ينصب قامته بعد التقبيل أو اللمس وجوباًُ ثم يطوف، لأنه لو طاف وهو لم يزل مطأطئاً رأسه كان بعض بدنه في البيت فلا يصح ذاك الشوط.
(1/358)

6- خروج جميع البدن عن حجر (4) سيدنا إسماعيل عليه السلام، لأن أصله من البيت لحديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: (كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه. فأخذ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بيدي فأدخلني الحِجر فقال: صلي في الحجر إن أدخل البيت، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه حين بَنَوا الكعبة، فأخرجوه من البيت) (5) .
أن يكون الطواف داخل المسجد، فلا يجزئ خارجه ولا فوق سطحه، وأما من وراء زمزم وكذا [ص:359] بالسقائف فإنه جائز للزحمة، فإن لم يكن هناك زحمة فأن لم يكن هناك زحمة فلا يجزئ وعليه الإعادة.
(1/358)

8- الموالاة بين الأشواط بلا فاصل كبير، فإن طال الفصل ولو لحاجة فعليه الإعادة من أول شوط وبطل ما فعله، أما الفاصل اليسير فلا يضر، وكذا قطع الطواف لعزر كرعاف فإنه يبني - بعد غسل الدم- على ما تقدم من منه لغسل الدم، وأن كان إماماً راتباً ويبنى له أن يبدأ طوافه من الحجر الأسود (ويلغي جزء الشوط) . أما إن قطع الطواف لصلاة الجنازة أو لصلاة نافلة بطل طوافه ولو قصر الفصل.
__________
(1) البخاري: ج 2 / كتاب الحج باب 71 / 1547.
(2) الترمذي: ج 3 / كتاب الحج باب 112 / 960.
(3) وهو بناء لطيف من حجر أصفر يميل إلى البياض، ملصق بحائط الكعبة، محدودب مرتفع على وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، وهو من أصل البيت.
(4) وهو محاط ببناء على شكل قوس تحت ميزاب الرحمة، من الركن العراقي إلى الركن الشامي، طوله. نحو ذراعان.
(5) الترمذي: ج 3 / كتاب الحج باب 48 / 876.
(1/359)

واجبات الطواف:
(1/359)

1- صلاة ركعتين بعد الانتهاء من الطواف، للحديث المتقدم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: (فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين) .
(1/359)

2- ابتداء الطواف من الحجر الأسود، فإن ابتدأه من الركن اليماني مثلاً ألغى ما قبل الحجر وأتم إليه، فإن لم يتم إليه أعاده، وأعاد سعيه بعده ما دام بمكة، وإلا فعليه دم.
(1/359)

3- الطواف ماشياً إن قدر عليه السعي، لحديث أم سلمة رضي اللَّه عنها قالت: (شكوت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) (1) . فإن طاف راكباً أو محمولاً فعليه الإعادة إن لم يخرج من مكة، فإن لم يُعِدْ فعليه دم.
(1/359)

4- أن يقع طواف الإفاضة بعد الرمي.
__________
(1) البخاري ج 2 / كتاب الحج باب 73 / 1552.
(1/359)

سنن الطواف:
(1/359)

1- تقبيل الحجر الأسود بلا صوت ندباً في الشوط الأول (1) ، فإن لم يتمكن من تقبيله لمسه بيده إن استطاع وإن لم يستطع لمسه بعود مثلاً ثم وضع يده أو العود على فمه بعد اللمس، فإن لم يستطع شيئاً من ذلك كبّر فقط عند محاذاته ولا يشير بيده بل يقتصر على التكبير ثم يستمر في طوافه، ودليل ذلك ما روى سالم أن أباه حدثه قال: (قبَّل عمر بن الخطاب الحجر. ثم قال: [ص:360] أم واللَّه! لقد علمت أنك حجر ولولا أني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) (2) . وروى عن نافع قال: ما تركته منذ رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يفعله) (3) .
وروى أبو الطفيل رضي اللَّه عنه قال: (رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن) (4) .
(1/359)

2- استلام الركن الأمامي في الشوط الأول، بأن يضع يده اليمنى عليه ثم يضعها على فمه من غير تقبيل، لما روي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ما تركت استلام هذين الركنين، اليماني والحجر، مذ رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يستلمهما، في شدة ولا رخاء) (5) .
(1/360)

3- يسن الرَّمَل للذكر ولو غير البالغ في الأشواط الثلاثة الأول في طواف القدوم وطواف العمرة لمن كان محرماً لها من الميقات، لما روى جابر رضي اللَّه عنه قال: (.. حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً..) (6) .
(1/360)

4- يسن الدعاء بما يحب من طلب عافية وعلم وتوفيق وسعة رزق بلا حدّ محدود (7) في ذلك بل بما يُفتح عليه، والأوْلى أن يدعو بما ورد في الكتاب والسنة، ومن ذلك ما روي عن عبد اللَّه بن السائب رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول ما بين الركنين: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (8) .
وما روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم إذا تهجد من الليل قال: (اللَّهم ربّنا لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللَّهم لك أسلمت، وبك [ص:316] آمنت، وعليك توكلت، وإليك خاصمت، وبك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وأسررت وأعلنت، وما أنت أعلم به منّي، لا إله إلا أنت) (10) .
__________
(1) وكره الإِمام مالك السجود وتمريغ الوجه عليه.
(2) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 41 / 248.
(3) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 40 / 246.
(4) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 42 / 257، والمحجن: القضيب.
(5) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 40 / 245.
(6) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 19 / 147، والرمل: هو الإسراع في المشي.
(7) ورأى الإِمام مالك رضي اللَّه عنه أن تحديد الدعاء من البدع.
(8) أبو داود: ج 2 / كتاب المناسك باب 52 / 1892.
(9) البخاري: ج 6 / كتاب التوحيد باب 24 / 7004.
(1/360)

مندوبات الطواف:
(1/316)

1- يندب الرمل في الأشواط الثلاثة الأُوَل من طواف الإفاضة ومن طواف العمرة لمن كان محرماً بهما من دون المواقيت كالتنعيم والجعرانة، ومن طواف الإفاضة لمن لم يطف طواف القدوم لعذر أو نسيان وكان محرماً من الميقات.
(1/316)

2- يندب تقبيل الحجر الأسود واستلام الركن اليماني في غير الشوط الأول، لما روي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني ولحجر فيكل طوفة. قال نافع: وكان ابن عمر يفعله) (1) .
(1/316)

3- يندب التكبير مع كل من التقبيل أو وضع اليد أو العود على الفم بعد لمس الحجر الأسود.
(1/316)

4- يندب أن يطوف طواف الإفاضة بثوبي الإحرام وعقب الحلق.
(1/316)

5- يندب الاقتراب من البيت للرجل، أما المرأة فيندب لها الطواف من بعد الرجال كما تصلي خلف الرجال، لما روي عن عطاء قال: (كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم) (2) .
(1/316)

6- يندب أن يصلي ركعتي الطواف في المسجد وخلف المقام، فإن صلاهما خارج المسجد أجزأ وأعادهما في المسجد ما دام على وضوء.
(1/316)

7- يندب أن يقرأ في ركعتي الطواف بعد الفاتحة في الأولى (قل يأيها الكافرون) وفي الثانية (الإخلاص) ، لحديث جابر رضي اللَّه عنه في صفة حجِّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام. فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى فجعل المقام بينه وبين البيت. كان يقرأ في الركعتين قل هو اللَّه أحد، وقل يا أيها الكافرون) (3) .
(1/316)

8- يندب الدعاء بعد صلاة ركعتي الطواف عند الملتزم (4) . كأن يقول: (اللَّهم إن البيت بيتك والعبد عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني [ص:362] في بلادك، وبلغتني بنعمتك، حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عنّي رضاً، وإلا فمُنّ الآن قل أن تنأى عن بيتك داري، ويبعد عنه مزاري، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللَّهم أصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني) . أو يدعو بما أحب من غير تحديد.
(1/316)

9- يندب أن يصلي ركعتي الطواف بعد فريضة المغرب وقبل النافلة لمن طاف بعد العصر.
(1/362)

10- يندب إيقاع طواف الإفاضة بعد الرمي وعقب الحلق.
__________
(1) أبو داود: ج 2 / كتاب المناسك باب 48 / 1876.
(2) البيهقي: ج 5 /ص 78.
(3) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 19 / 147.
(4) وسمي بذلك لأنهم يلزمونه للدعاء، وهو ما بين الركن والباب.
(1/362)

ثانياً - أركان العمرة:
أركان العمرة ثلاثة وهي:
(1/362)

1- الإحرام من الميقات للآفاقي ومن الحل لمن هو بمكة (كما بينا سابقاً في بحث الإحرام) .
(1/362)

2- الطواف.
(1/362)

3- السعي بين الصفا والمروة.
وتؤدى الأركان الثلاثة على النحو السابق الذي بينّاه في أركان الحج.
(1/362)

الباب الثالث: واجبات الحج والعمرة
(1/363)

لم يفرق السادة المالكية بين الواجب والفرض في العبادات إلا في الحج، فإن الفرض فيه هو الركن، وهو ما لا تحصل حقيقة الحج والعمرة إلا به، ولا ينجبر تركه بدم. والواجب ما يحرمه تركه اختياراً بغير ضرورة، ولا يفسد النسك بتركه، وينجبر بدم.
(1/363)

1ً- واجبات الحج:
أولاً: طواف القدوم
شروط وجوبه:
(1/363)

1- أن يكون محرماً يحج أو بحج وعمرة (قارناً) من الحِل لمن كانت داره خارج الحرم، أو كان مقيماً بمكة وخرج للحل لقرانه أو ميقاته.
(1/363)

2- أن لا يخشى فوات عرفة إن اشتغل بطواف القدوم.
(1/363)

3- أن لا يردف الحج على العمرة من الحرم، أي أن لا يكون متمتعاً (لأن المتمتع يحرم للحج من الحرم) .
(1/363)

4- أن يكون ذاكراً له غير ناسٍ، وأن يكون قادراً عليه.
سقوطه:
يسقط طواف القدوم في الحالات التالية:
(1/363)

1- إذا ضاق الوقت وخشي الحاج فوات الحج إذا اشتغل به فهنا يجب تركه.
(1/363)

2- إذا حاضت المرأة أو نفست.
(1/363)

3- المغمى عليه والمجنون إذا استمر عذرهما حتى لا يمكنهما الإتيان به. [ص:364]
شروط صحته:
يشترط لصحته شرط واحد وهو نية الوجوب، فإن طاف بنية النفل أو طاف بلا نية انصرف طوافه نفلاً ولم يجزئه عن طواف القدوم، أو إن اعتقد عدم وجوبه فعليه إعادته، أما إن لم ينو نفلاً واعتقد بوجوبه أجزأه.
ثانياً: النزول بمزدلفة (1)
دليله: ما روى عن جابر رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "وقفت ههنا، وجمع- المزدلفة- كلها موقف" (2) .
__________
(1) سميت بذلك لأخذها من الازدلاف وهو التقريب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات تقربوا بالمضي إليها.
(2) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 20 / 147.
(1/363)

وقته: ليلة النحر بعد النزول من عرفة وهو في طريقه إلى منى إذا لم يكن عنده عذر، وإلا فلا يجب عليه النزول فيها.
مدة النزول: أقلها بقدر الحطِّ والترحال (وإن لم يحطّ بالفعل) وصلاة العشاءين وتناول شيء من أكل أو شرب، فإن لم ينزل الحاج في مزدلفة لزمه دم.
سننه:
(1/364)

1- جمع العشاءين بمزدلفة، بأن يؤخر المغرب إلى ما بعد غياب الشفق الأحمر ويصليها مع العشاء، لحديث جابر رضي اللَّه عنه: "أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين" (1) . هذا إذا وقف الحاج مع الناس في عرفة ودفع معهم، وإن صلاهما قبل وصوله إلى مزدلفة أعادهما ندباً فيها إلا لمعزور (كمن تأخر عن الناس لعذر به أو بمركوبه) فإنه يصليها جمعاً في أي مكان هو فيه إن كان وقف مع الإِمام في عرفة، أما إن كان انفرد بوقوفه عنهم فإنه يصلي كلاً من الفرضين في وقته: المغرب بعد الغروب والعشاء بعد مغيب الشفق قصراً.
(1/364)

2 - يسن قصر العشاء لجميع الحجاج إلا أهل مزدلفة فيتمونها.
(1/364)

3- يسن الوقوف بالمشعر (2) الحرام على القول المعتمد، وقيل يندب أن يستقبل الحاج عند المشعر [ص:365] الحرام البيت جهة المغرب للدعاء بالمغفرة وغيرها والثناء على اللَّه تعالى حتى الإسفار. لما روى جابر رضي اللَّه عنه (أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ركب القصواء. حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس) (3) .
__________
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 19 / 147.
(2) وهو المسجد الذي على يسار الذاهب إلى منى بين جبل مزدلفة وجبل قزح، وسمي مشعراً لما فيه من الشعائر (الطاعات) ومعالم الدين، ومعنى الحرام أنه يحرم فيه الصيد وغيره كقطع الشجر لأنه من الحرم.
(3) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 19 / 147.
(1/364)

مندوباته:
(1/365)

1- يندب المبيت بمزدلفة وارتحاله منها بعد صلاة الصبح بغلس (عتمة) للحديث المتقدم.
(1/365)

2- يندب أن يلتقط من مزدلفة حصيات رمي جمرة العقبة، ولو التقطها من منى كفاه.
ثالثاً: رمي جمرة العقبة يوم النحر
وقته: من طلوع فجر يوم النحر إلى غروب شمسه إذا لم يكن معذوراً، أما إن كان معذوراً فيسقط عنه.
دليله: حديث جابر رضي اللَّه عنه قال: (رمى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى) (1) وحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: (كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى،.. فسأله رجل.. وقال: رميتُ بعدما أمسيت فقال: لا حرج) (2) .
__________
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 53 / 314.
(2) البخاري: ج 2 / كتاب الحج باب 129 / 1648.
(1/365)

واجباته:
(1/365)

1- أن يكون بسبع حصيات، لحديث جابر رضي اللَّه عنه في صفة حجه صلى اللَّه عليه وسلم قال: (ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى. حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات (1) .
(1/365)

2- أن يتقدم الرمي على الحلق والإفاضة، فلو حلق قبل الرمي أو طاف طواف الإفاضة قبله فعليه دم.
__________
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 53 / 147.
(1/365)

مندوباته:
(1/365)

1- الإسراع إلى الرمي حال وصوله إلى منى على أية حال كان عليها؛ فإذا وصل إليها قبل طلوع الشمس وكان ماشياً ذهب إلى الرمي ماشياً ولم ينتظر ليركب، وإن وصل راكباً ذهب راكباً [ص:366] ولم ينتظر لينزل، أما إذا وصل إلى منى قبل طلوع الشمس فيندب له أن ينتظر إلى طلوع الشمس.
(1/365)

2- أن يقع الرمي في الوقت ما بين طلوع الشمس وزوالها، ويكره تأخيره إلى ما بعد الزوال.
(1/366)

3- تقديم الرمي على النحر.
(1/366)

4- التقاط حصيات الرمي من مزدلفة.
رابعاً: المبيت بمنى (1) أيام التشريق
دليله:
ما روي عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: (أفاض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق) (2)
واجباته:
المبيت ثلاث ليالي بمنى: ليلة الثاني والثالث والرابع من أيام التشريق إن لم يتعجل، أما إذا تعجل فيكفيه مبيت ليلتين ويسقط عنه مبيت ليلة اليوم الرابع من أيام التشريق والرمي في ذلك اليوم، هذا إن كان المتعجل من أهل مكّة وأما إن كان من غير أهلها فلا يشترط خروجه قبل الغروب وإنما يكفي فيه التعجيل. والتعجيل جائز لا مكروه ولا خلاف الأولى إلا الإمام فيكره له التعجيل.
فإن ترك الحاج المبيت لمدة أكثر من نصف ليلة فما فوق لزمه دم (يحسب الليل من الغروب إلى الفجر) ، إلا المتعجل فليس عليه دم لتركه مبيت الليلة الثالثة.
__________
(1) بطحاء متسعة ينزل بها الحجاج في الأيام المعدودات، تبدأ من فوق العقبة مما يلي مكة.
(2) أبو داود: ج 2 / كتاب المناسك باب 78 / 1973.
(1/366)

خامسا: ً رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة:
دليله:
حديث عائشة رضي اللَّه عنها المتقدم (فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها) (1) . [ص:367]
__________
(1) أبو داود: ج 2 / كتاب المناسك باب 78/1973.
(1/366)

واجباته:
(1/367)

1- رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق الثلاثة، بسبع حصيات لكل واحدة في كل يوم، لما روي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم، حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيُسْهِلُ، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً فيدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلاً ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يفعله) (1) .
(1/367)

2- ألا يبدأ الرمي إلا بعد الزوال لكل يوم، ويستمر وقته حتى الغروب لحديث جابر رضي اللَّه عنه قال: (رمى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) (2) ، فإذا رمى قبل الزوال فلا يجزئ، فإن لم يعده فعليه دم، وإن أخّره إلى الليل أو إلى اليوم الثاني ووقع الرمي قضاء.
ومن عجز عن الرمي بنفسه فعليه أن يستنيب من يرمي عنه ويلزمه دم، وفائدة الاستنابة أنها تسقط الإثم، فإن لم يستنيب فعليه دم وعليه إثم. وإذا استناب ولكن المستناب أخّر الرمي لعذر فعلى المستنيب دمان: دم لعدم رميه بنفسه ودم لتأخر المستناب بالرمي، أما إذا كان تأخر المستناب عن الرمي لغير عذر فالدم الثاني يقع عليه.
__________
(1) البخاري: ج 2 / كتاب الحج باب 139 / 1664.
(2) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 53 / 314.
(1/367)

شروط صحة الرمي:
(1/367)

1-أن يكون المرمي به حجراً (أي من جنس الحجر سواء كان زلطاً أو صواناً أو رخاماًً) ، فلا يصح بطين ولا بمعدن.
(1/367)

2- أن تكون الحصى بمقدار حصى الخذف، أي قدر الفولة أو النواة ولا يجزئ الصغير جداً كالحمصة، ويكره الحصى الكبير ولو أنه يجزئ، لما روي عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنهما قال: (رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رمى الجمرة، بمثل حصى الخذف) (1) .
(1/367)

3- أنيكون رمياً أي دفعاً باليد، فلا يجزئ الوضع أو الطرح على الجمرة بل لا بد من الدفع باليد مباشرة لا بقوس ولا بغيره، وذلك بأن يأخذ الحصاة بسبّابته وإبهامه، وأن يرمي كل حصاة على انفراد، فلو رمى السبعة معاً لم تعتبر إلا رمية واحدة
(1/367)

4- قصد إصابة المرمى تحقيقاً، وهو البناء وما حوله من موضع الحصى، وإن وقعت الحصاة في المرمى دون أن تصيب البناء أجزأته، أما إذا جاوزت الحصاة المرمى ووقعت خلفه فلا تجزئ.
(1/368)

5- ترتيب رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق، فيبدأ بالصغرى التي تلي مسجد منى، ثم الوسطى ثم العقبة. فإن نكس الترتيب وبدأ بالعقبة فلا يجزئ. والدليل ما روي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم رمى هكذا بالتسلسل المذكور، وقوله صلى اللَّه عليه وسلم فيما رواه عنه جابر رضي اللَّه عنه: "لتأخذوا عني مناسككم" (2) .
ومن ترك رمي بعض منها: حصاة أو أكثر من الجميع أو من بعضهن ولو سهواً، لم يجزئه، فلو رمى الأولى بخمس ثم رمى الثانية والثالثة يعود ويكمل الخمس إلى السبع ولم يجزئ رمي الجمرتين الأخيرتين بل عليه أعادتهما لأن ترتيب الجمار بالرمي واجب.
__________
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 52 / 313.
(2) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 51 / 310.
(1/368)

مندوبات الرمي:
(1/368)

1- يندب المشي إلى الرمي (في غير يوم النحر) .
(1/368)

2- يندب أن يكبر تكبيرة واحدة مع رمي كل حصاة، بأن يقول: اللَّه أكبر.
(1/368)

3- التقاط حصيات الجمرات الثلاث، فيكره أن يكسر حجراً كبيراً ويكره الرمي بمرميٍّ به من قبل (أي يكره التقاط الحصى من المرمى) .
(1/368)

4- الرمي لكل يوم إثر الزوال وقبل صلاة الظهر، وأن يكون الرامي متوضئاً.
(1/368)

5- طهارة الحصيات التي يرمي بها.
(1/368)

6- المكث إثر رم يالجمرتين الأولى والوسطى للدعاء والثناء على اللَّه تعالى بقدر قراءة سورة البقرة، أما جمرة العقبة فيرميها وينصرف، لحديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه) (1) .
(1/368)

7- أن يقف أثناء الدعاء عند الجمرة الوسطى بحيث يجعلها عن يساره ولا يحاذيها بل يتقدم عنها قليلاً، ويجعل الجمرة الأولى خلفه، وأما جمرة العقبة فيرميها من أسفلها من بطن الوادي ويقف بحيث تكون منى عن يمينه ومكّة عن يساره. للحديث المتقدم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: (ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها) .
(1/368)

8- التتابع في رمي الحصيات والتتابع في رمي الجمرات فلا يفصل بينها إلا بمقدار الدعاء.
(1/368)

9- الرمي باليد اليمنى إن كان يحسن الرمي بها.
__________
(1) أبو داود: ج 2 / كتاب المناسك باب 51 / 1888.
(1/368)

سادساً: الحلق والتقصير
الحلق هو أخذ الشعر من قرب أصوله وجذوره، وإن لم يكن له شعر يمرر الموس على رأسه، ويجزئ الحلق ولو بالنورة، ويسن الحلق لمن لبد شعره أو ضفره أو عقصه، والحلق أفضل للرجال من التقصير، فإن قصّر الشعر أجزئه بدليل حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (من لبّد رأسه فليحلق) (1) ، وعنه أيضاً أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: (اللَّهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: اللَّه ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: والمقصرين) (2) ولا يجزئ حلق أو تقصير بعض شعر الرأس بل لا بد من تناول الحلق أو التقصير كل شعر الرأس، ويبدأ بحلق اليمين من رأسه والأفضل أن يكون الحلق أو التقصير في منى.
أما المرأة فيسن لها التقصير نيابة عن الحلق، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (ليس على النساء حلق إنما على النساء تقصير) (3) ، وذلك بأن تأخذ قدر أنمُلة من نهاية شعر رأسها كلّه، فلا يكفيها تقصير بعض الشعر.
ومن ترك الحلق أو التقصير، ولو كان لوجع في رأسه ولا يقدر على أحدهما، فعليه دم.
وقته: بعد رمي جمرة العقبة، لأنه إذا لم يرمها لم يحصل له تحلل فلا يجوز له الحلق ولا غيره من محرّمات الإحرام إلى ما قبل خروجه من مكّة، فإذا خرج منها بعد انتهاء أيام التشريق ولم يحلق بعد، أو عاد إلى بلده دون حلق فعليه دم، أمّا إذا أخّر الحلق إلى ما بعد أيام التشريق ثم حلق بمكّة فليس عليه شيء.
مندوباته:
(1/368)

1- أن يحلق بعد الذبح لما روى أنس رضي اللَّه عنه (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قل للحلاق خذ وأشار إلى جنبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس) (4)
(1/368)

2- أن يحلق قبل الزوال من يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة.
ثانياً- واجبات العمرة:
للعمرة واجب واحد هو الحلق أو التقصير بعد السعي.
تكرار العمرة:
يكره تكرار العمرة في العام الواحد، وإنما يطلب كثرة الطواف، وابتداء العام يعتبر من شهر محرم؛ فمن اعتمر في ذي القعدة، ثم اعتمر في محرم فلا كراهة في عمرته الثانية، لأنه أداها في سنة أخرى.
ويستثنى من كراهة تكرار العمرة من دخل مكّة في غير أشهر الحج، وكان ممن يحرم عليه مجاوزة الميقات حلالاً، فإنه لا يكره له تكرارها، بل يحرم بعمرة حين دخوله، ولو كان قد تقدمت له عمرة في نفس العام. [ص:371]
__________
(1) البيهقي: ج 5 / صلى اللَّه عليه وسلم 135.
(2) البخاري: ج 2 / كتاب الحج باب 126 / 1640.
(3) أبو داود ج 2 / كتاب المناسك باب 79 / 1984.
(4) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 56 / 323.
(1/370)

الباب الرابع: مندوبات الحج
(1/371)

1- النزول بطُوَى (1) لمن وصل مكّة ليلاً، فيبيت فيها ليدخل مكّة نهاراً صحوة، لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (بان النبي صلى اللَّه عليه وسلم بذي طُوَى حتى أصبح، ثمَّ دخل مكّة) (2)
(1/371)

2- دخول مكّة نهاراً من طريق كَداء (3) .
(1/371)

3- يندب الغسل لدخول مكّة لغير الحائض والنفساء، لما روى نافع قال: (كان ابن عمر رضي اللَّه عنهما، إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثمَّ يبيت بذي طُوَى، ثمَّ يصلّي به الصبح ويغتسل، ويحدّث أن نبي اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يفعل ذلك) (4) .
(1/371)

4- دخول المسجد الحرام من باب بني شبية المعروف الآن بباب السلام، لحديث عطاء قال: (يدخل المحرم من حيث شاء قال: ودخل النبي صلى اللَّه عليه وسلم من باب بني شيبة وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا) (5) .
(1/371)

5- الإكثار من شرب ماء زمزم بنيّة حسنة، لأنه مبارك ولحديث جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنهما قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: (ماء زمزم لما شرب له) (6) .
(1/371)

6- يندب للحاج حمل شيء من ماء زمزم معه إلى بلده وأهله للتبرك به.
(1/371)

7- يندب للإمام خطبة بعد ظهر اليوم السابع من ذي الحجة بمكّة يُعلم الناس فيها المناسك.
(1/371)

8- يندب إسراع السير ببطن وادي مُحسِّر للرجل، أما المرأة فلا يندب لها الإسراع إلا إذا كانت راكبة.
(1/371)

9- النزول بالمُحَصَّب (2) إن لم يكن متعجلاً _أي بات ثلاث ليالٍ بمنى ورمى اليوم الثالث من أيام التشريق) ليصلّي فيها أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، لما روي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما (أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح) (3) ، وعن نافع (أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة) (4) . وأما المتعجل (أي الذي نفر النفر الأول) فلا يندب له النزول فيه، وكذا لا يندب النزول بالمحصب إذا كان يوم جمعة لكي يصلّي صلاة الجمعة بالحرم.
(1/371)

10- الإكثار من الطواف ليلاً ونهاراً ما استطاع.
(1/371)

11- الإكثار من الدعاء بعد الطواف.
(1/371)

12- فعل الذبح والحلق قبل زوال الشمس يوم النحر ولو قبل طلوع الشمس.
(1/371)

13- تقديم الرمي على الذبح، وتقديم الذبح على الحلق، وتقديم الحلق على طواف الإفاضة.
(1/371)

14- بندي طواف الوداع لكل خارج من مكّة وإن كان صغيراً، سواء كان من أهل مكّة أو غيرهم من الحجاج، إذا كان قاصداً أحد المواقيت أو محاذياً له أو قاصداً الطائف والأوْلَى إذا كان ذاهباً إلى أبعد من ذلك، وسواء كان خارجاً لحاجة أم لا، وسواء أراد العودة أم لا، لما روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: (كان الناس ينصرفون في كلِّ وجه فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لا ينفرن أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت) (5) . هذا إن لم يكن متردداً عليها لفاكهة ونحوها، أما إذا كان خارجاً لتردد فلا وداع عليه مطلقاً ولو تجاوز الميقات. وكذا خروجه إلى منطقة الحِلّ (التنعيم أو الجعرانة) فلا وداع عليه، إلا إذا كان خروجه للتوطن فيها فعندها يندب له الوداع.
ويجزئ عن طواف الوداع طواف الإفاضة أو طواف العمرة، ويحصل له ثواب طواف الوداع إن نواه بهما.
ويخرج بعد طواف الوداع ماشياً تلقاء وجهه وطهره إلى الكعبة. [ص:373]
وإذا أقام بمكة بعض يوم بال بعد طواف الوداع، فإنه يندب له إعادته، وإن كان طافه مع طواف الإفاضة أو طواف العمرة ذهب ثوابه، إلا أن طوافه مجزئ بالنسبة للإفاضة والعمرة. أما إذا أقام لشغل خفيف بعد الطواف كبيع أو شراء أو قضاء دين فلا مانع. فإذا بطل طواف الوداع أو لم يفعله من أصله ندب له الرجوع لفعله، إن لم يخف فوات رفقة أو نحو ذلك وإلا لم يرجع.
(1/371)

15- زيارة قبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم وحرمه الشريف، وهي من أعظم القربات إلى اللَّه تعالى، لأن تعظيم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من تعظيم اللَّه الذي أرسله، وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قار رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحقّ المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل) (1) . بل الرحلة إلى المدينة المنورة واجبة على المستطيع إليها سبيلاً. وقد ورد في فضل الزيارة أحاديث كثيرة منها ما رواه عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (من حجَّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي) (2) ، وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) (3) ، وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: (ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردَّ اللَّه عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام) (4) .
فإذا نوى المؤمن زيارة القبر الشريف فلينو معه زيارة المسجد النبوي أيضاً، فإنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لحديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام) (5) ، وعنه أيضاً يبلغ به النبي صلى اللَّه عليه وسلم: لا تشد الرحال إلى إلى ثلاثة مساجد. مسجدي هذا، ومسجد الحرام ومسجد الأقصى) (6) .
فإذا توجه الزائر إلى المدينة فليكثر من الصلاة والتسليم عليه صلى اللَّه عليه وسلم في طريقه.
ويستحب أن يغتسل قبل دخوله المدينة المنورة، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه، وأن يجدد التوبة، ويستحضر في قلبه شرف المدينة المنورة. [ص:374]
وعند دخول المسجد النبوي الشريف يأتي الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر، فيصلّي ركعتين تحية المسجد، ثم يأتي القبر الكريم فيستدير القبلة، ويستقبل جدار القبر الشريف، مقترباً منه، مستحضراً في قلبه منزلة من هو بحضرته، ثم يسلم ملتزماً الأدب الظاهري والباطني، ثم يصلّي على النبي صلى اللَّه عليه وسلم. ثم يتأخر جهة يمينه قدر ذراع حتى يقف قبالة سيدنا أبي بكر رض فيسلّم عليه. ثم يتأخر قدر ذراع جهة يمينه فيقف قبالة قبر سيدنا عمر رضي اللَّه عنه ويسلم عليه.
ويستحب له مدة إقامته بالمدينة أن يزور مساجدها، وأن يخرج إلى البقيع، ويزور قبور الشهداء بأحد، كما يستحب أن يأتي مسجد قباء يوم السبت، ويصلّي فيه ركعتين، لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يأتي مسجد قُباءٍ، راكباً وماشياً. فيصلّي فيه ركعتين) (1) . [ص:375]
__________
(1) بطحاء متسعة تكتنفها جبال قرب مكة.
(2) البخاري: ج 2 / كتاب الحج باب 38 / 1499.
(3) وهو طريق بين جبلين يهبط منها إلى مقبرة السيدة خديجة أم المؤمنين رضي اللَّه عنها.
(4) البخاري: ج 2 / كتاب الحج باب 37 / 1498.
(5) البيهقي: ج 5 / صلى اللَّه عليه وسلم 72.
(6) ابن ماجة: ج 2 / كتاب المناسك باب 78 / 3062.
(7) وهو وادٍ بين مزدلفة ومنى، وسمي بدلك لحسر أصحاب الفيل ونزول العذاب عليهم فيه.
(8) وهو اسم لبطحاء خارج مكة، في منتصف الطريق بين مكة منى تقريباً، وأرضه كلها حصى.
(9) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 59 / 337.
(10) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 59 / 338.
(11) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 59 / 339.
(12) مجمع الزوائد: ج 4 / ص 4، والحديث ضعيف.
(13) البيهقي: ج 5 / ص 246.
(14) الدارقطني: ج 1 / ص 280.
(15) أبو داود: ج 2 / كتاب المناسك باب 100 / 3041.
(16) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 94 / 505.
(17) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 95 / 511.
(18) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 97 / 516.
(1/373)

الباب الخامس: الفصل الأول
(1/375)

أوجه تأدية الحج والعمرة
أوجه تأدية الحج والعمرة ثلاثة وهي بحسب ترتيب أفضليتها: الإفراد، فالقران، فالتمتع.
والدليل على جواز هذه الأوجه الثلاثة حديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: (خرجنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومن من أهل بالحج، وأهل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالحج؛ فأما من أهل بالحج، أو جمع الحج والعمرة، لم يحِلّوا حتى كان يوم النحر) (1) .
__________
(1) البخاري: ج 2 /كتاب الحج باب 33/1487.
(1/375)

أولاً: الإفراد:
وهو أن يحرم بالحج أولاً، ثم إذا فرغ منه أحرم بعمرة، وهو أفضل أوجه تأدية الحج، لأنه لا يجب فيه هدي، ولأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم حجَّ مفرداً على الأصحّ.
ثانياً: القِران:
وله صورتان: الأولى: أن يحرم بالعمرة والحج معاً، بأن يقول: نويت العمرة والحج وأحرمت بهما للَّه تعال، ويلاحظ البداءة بنية العمرة ثم الحج.
والثانية: أن يحرم بالعمرة أولاً ثم يردف الحج عليها؛ وذلك بشرطين:
(1/375)

1- أن يكون الإرداف قبل بدء طوافها أو أثناءه، ويكره بعده وقبل صلاة ركعتي الطواف لكن يصح، أما بعد صلاة الركعتين فلا يصح الإرداف. فإن أردف الحج أثناء طواف العمرة أتمّ طوافه وجوباً وصلّى ركعتين، ولا يسعى بعده لوجوب إيقاع السعي بعد طواف واجب، وبالإرداف سقط طواف القدوم وصار طوافه تطوعاً لأنه صار كمن أنشأ الحج وهو بمكة [ص:376] فيؤخر السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة. وفي القران تندرج أفعال العمرة بالحج أي يستغني بطوافه وسعيه وحلقه عن طوافها وسعيها وحلقها.
(1/375)

2-أن لا يكون أفسد العمرة قبل إرداف الحج عليها، فإذا فسدت وجب عليه إتمامها فاسدة ثمَّ يقضيها وعليه دم. ولا يجوز له أن يردف عليه الحج لفسادها.
ويلزم الحاج في حالة القران هَدْي قياساًً على التمتع.
ثالثاً: التمتع:
وهو أن يحرم بالعمرة أولاً ويتم جميع أعمالها (طواف وسعي) أو بعضها في أشهر الحج، ويتحلل منها ويبقى متمتعاً بالتحلل إلى الحج، ثمَّ يحرم بالحج في نفس العام، ويلزمه هدي تمتع لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} (1) . ولو تكرر منه فعل العمرة في أشهر الحج ثمَّ حجّ بعد عامه فيجزئه هدْي واحد، أما إن أحرم بعد انتهاء العمرة في أشهر الحج بقران فعليه هديان: هدي تمتع وهدي قران. ويصحّ إحرامه بالحج بعد سعي العمرة وقبل الحلق لها وعليه هدي لتأخير الحلق لها إلى ما بعد الفراغ من الحج، وإذا حلق لها بعد إحرامه بالحج لم يجزئه وعليه هدي آخر لتأخير حلق العمرة وفدية لحلقه وهو محرم بالحج.
أما إن انتهت أفعال العمرة قبل أشهر الحج ثم أحرم بالحج في أشهره في نفس العام لم يكن متمتعاً، وإنما يعتبر مفرداً وليس عليه هدي.
__________
(1) البقرة: 196.
(1/376)

شروط تحقق الهدي على المتمتع والقارن:
(1/376)

1- عدم إقامة المتمتع أو القارن بمكة أو بما في حكمها (أي بأي منطقة لا تبعد عن مكّة مسافة القصر فأكثر) وقت الإحرام بها، لقوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} (1) ، فمن أتى مكّة محرماً بعمرة في أشهر الحج ثم حج من عامه، أو دخل مكّة قارناً وحج، وجب عليه دم التمتع أو القران، ولو كان ناوياً بدخوله مكّة الإقامة فيها. وكذا من كان أصله مكّيّاً وكان منقطعاً خارجها، ثمّ عاد إليها للإقامة فيها ودخلها في أشهر الحج بعمرة ثم حج من عامه هذا، أو دخلها قارناً، فعليه دم. ويندب دم للتمتع أو القران لمن له أهل بمكّة وأهل خارجها.
(1/376)

2- وأن يحجَّ من عامه، فمن أحرم بعمرة وتحلل منها في أشهر الحج ثمّ لم يحجّ إلا من قابل، أو فات المتمتع أو القارن الحج بفوات عرفة وتحلل بعمرة، فلا دم عليه في الحالتين.
(1/376)

3- ويشترط لتحقق الهدي على المتمتع زيادة على ما تقدّم:
آ- عدم عودة المتمتع بعد أن تحلل من عمرته في أشهر الحج إلى بلده أو إلى بلد مثل بلده في البعد، ولو كان بلده أو مثله في الحجاز كالمدينة المنورة.
ب- أن يكون الحج والعمرة عن شخص واحد، فلو كانا عن اثنين، كأن يعتمر عن نفسه ويحج عن غيره أو بالعكس فلا دم عليه، وقيل: يجب عليه دم وهو الراجح.
__________
(1) البقرة: 196.
(1/377)

الهدي على المتمتع المتوفي:
لو مات المتمتع بعد رمي جمرة العقبة تعين على ورثته أن يُهدوا عنه من رأس ماله. أما إذا مات قبل ذلك، فلا يلزم الورثة الإهداء عنه، لا من رأس ماله، ولا من ثلثه الذي تُنفِّذ فيه الوصايا. [ص:378]
الفصل الثاني
التحلل من الحج والعمرة
(1/377)

1- التحلل من الحج: للحج تحللن أصغر وأكبر.
آ- التحلل الأصغر: ويحصل برمي جمرة العقبة أو فوات وقتها (وهو يوم النحر) ، وبه يحل للحاج كل محرمات الإحرام، إلا النساء والصيد فيحرمان، والطيب يكره.
ب- التحلل الأكبر: ويحصل بطواف الإفاضة إن كان قدّم السعي بعد طواف القدوم، وإلا فلا يتحلل إلا بعد السعي عقب طواف الإفاضة الواقع بعد الحلق ورمي جمرة العقبة أو فوات وقتها. فإذا قرب النساء قبل الحلق وبعد طواف الإفاضة الواقع عقب رمي جمرة العقبة أو فوات وقتها، فعليه دم، أما إن صاد فلا شيء عليه.
ويحل بالتحلل الأكبر المحرمات التي بقيت بعد التحلل الأصغر، فيحل للحاج النساء كما يحل له الصيد والطيب.
(1/378)

2- التحلل من العمرة: ليس للعمرة إلا تحلل واحد، يكون بعد انتهاء أفعالها كلّها. [ص:379]
الفصل الثالث
إفساد الحج والعمرة
أسباب إفساد الحج والعمرة
(1/378)

1- الجماع مطلقاً، سواء أنزل أم لم ينزل، وسواء كان ذاكراً أو ناسياً أو جاهلاً، في قُبل أو دبر آدمي أو غيره، بالغاً كان أم لا، وسواء كان المفعول به مطيقاً للجماع أم لا.
(1/379)

2- أنزل المني بتقبيل أو مباشرة أو بغير ذلك، حتى ولو بنظر أو فكر مستديمين لا بمجردهما.
شروط إفساد الحج:
(1/379)

1- إذا وقع سبب الإفساد بعد الإحرام وقبل الوقوف بعرفة سواء فعل شيئاً بعد إحرامه من طواف قدوم أو سعي أم لا.
(1/379)

2- إذا وقع سبب الإفساد يوم النحر قبل رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة.
شروط إفساد العمرة:
أن يقع المفسد قبل تمام سعي العمرة، أما إذا وقع بعد تمام السعي ولكن قبل الحلق فلا تفسد العمرة ولكن يلزمه هدي. وكذا لو أنزل بمجرد النظر أو الفكر، أو أمذى، أو قبّل بفم وإن لم يمذ، وكان ذلك بعد تمام السعي وقبل الحلق فلا تفسد العمرة ولكن يلزمه هدي.
الحالات التي لا يفسد فيها الحج:
(1/379)

1- وقوع ما يفسد الحج بعد يوم النحر ولو قبل الرمي والطواف.
(1/379)

2- وقوع ما يفسد الحج يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة أو الطواف (أي بعد فعل واحد من اثنين) .
(1/379)

3- وقوع ما يفسد الحج يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة والطواف ولكن قبل الحلق.
(1/379)

4- إنزال المني أو المذي بمجرد النظر أو الفكر من غير استدامة.
(1/379)

5- التقبيل بفم من غير إنزال مني أو مذي (بخلاف القبلة بخد أو غيره فلا يجب عليه شيء لأنها من قبيل الملامسة، إلا إذا أمذى أو كثرت) . [ص:380]
ما يترتب على من أفسد حجه أو عمرته:
(1/379)

1- إتمام النسك المفسد، فإن لم يتمه لظنه أنه خرج من الإِحرام بمجرد الإِفساد فلا يفيده ذلك؛ ويبقى على إحرامه، فإن أحرم مجدداًً في العام القابل كان إحرامه الجديد لغواً وبقي على إحرامه بالحج الذي أفسده، ولا يعتبر حجه قضاء بل إتمام للحج المفسد وعليه غيره وجوباً.
(1/380)

2- قضاء الحج المسد على الفور في العام القابل متى كان قادراً، فإن أخَّر قضاءه أثم، ولو كان المفسد تطوعاً. فإن كان النسك المفسد عمرة فعليه القضاء في أي وقت.
(1/380)

3- نحر هدي في نسك القضاء للإفساد، ولا يتعدد الهدي بتعدد الجماع أو بتعدد النساء في النسك المفسد.
كيفية تأدية القضاء:
(1/380)

1- إن كان المفسد إفراداً يجزئ أن يقضي إفراداً أو تمتعاً وبالعكس، أما إن كان المفسد قارناً فلا يجزئ القضاء إلا أن يكون قارناً، وإن كان المفسَد إفراداً أو تمتعاً فلا يجزئ أن يقضي قارناً.
(1/380)

2- أن يحرم من الميقات الشروع الذي أحرم منه بالمفسَد مثل الجحفة، أما إن كان أحرم بالمفسد من دون المواقيت فلا يجب عليه أن يحرم من نفس المكان في القضاء وإنما من الميقات.
أما بالنسبة لوقت الإِحرام فلا يشترط عليه أن يحرم بنفس الشهر واليوم الذي أحرم فيه بالمفسد، وإنما يجزئ بأي وقت كان.
(1/380)

3- أن يفارق من أفسد معها حجه في العام السابق إلى أن يتحلل خوفة من أن يعود لنفس الذنب، ودليل ذلك أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فقال لهما: "اقضيا نسككما، وأهديا هدياً، ثم ارجعا، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما وأتما نسككما وأهديا" (1) .
__________
(1) البيهقي: ج 5 / ص 167.
(1/380)

حالة اجتماع الفوات مع الإفساد:
يجب على من أفسد حجه بمفسد وفاته الوقوف بعرفة (يفوت الحج بفوات الوقوف بعرفة) ما يلي:
(1/380)

1- التحلل بعمرة.
(1/380)

2- الخروج إلى الحل إن أحرم بالحج الفائت من الحرم أو كان أردف الحج على العمرة من الحرم حال تحلله بالعمرة.
(1/380)

3- القضاء الفوري في العام القادم، لما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "من فاته عرفات فقد فاته الحج فاليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل" (1) .
(1/381)

4- نحر هدي في قضاء للفساد وهدي للفوات، فإذا كان الذي أفسده وفاته قراناً فعليه هدي ثالث لقران القضاء أو التمتع إن كان أحرم أولاً متمتعاً أو مفرداً وقضى متمتعاً. أما هدي القران أو التمتع الفسَد فيسقط لعدم إتمامه. لما روى الأسود قال: (سألت عمر رضي اللَّه عنه عن رجل فاته الحج، فقال: يهل بعمرة، وعليه الحج من قابل ويهريق دماً) (2) . [ص:382]
__________
(1) الدارقطني: ج 2 / ص 241.
(2) البيهقي: ج 5 / ص 175.
(1/381)

الفصل الرابع
موانع إتمام الحج والعمرة (الإحصار)
الإحصار لغة: المنع.
وشرعاً: منع المُحرِم من أداء النسك كله؛ كأن يمنع من دخول مكة كما وقع في عام الحديبية، أو من أداء بعضه؛ كأن يمنع من الطواف أو السعي أو الوقوف بعرفة.
أقسام الحصر:
أولاً: عن البيت وعرفة معاً.
ثانياً: عن البيت الحرام فقط.
ثالثاً: عن عرفة فقط.
أولاً: الحصر عن البيت وعرفة معاً:
أسبابه:
(1/382)

1- منع العدو الكافر من وصول الحاج أو المعتمر إلى الديار المقدسة.
(1/382)

2- حصول فتنة بين المسلمين، وتغلب الفئة الباغية ومنعُها الناس من الدخول إلى الأراضي المقدسة.
(1/382)

3- الحبس بغير حق.
ما يترتب على المُحصَر:
(1/382)

1- يخيرَّ بين التحلل بالنية أو البقاء، والأفضل التحلل (ويكره له البقاء) بأن ينوي الخروج من الإحرام، ومتى نوى ذلك أُحلّ له كلُّ محرمات الإحرام حتى مباشرة النساء والصيد، ويسن له حلق رأسه. لكن لا يباح له التحلل إلا بشروط: [ص:383]
أ- أن لا يكون قد علم حين إحرامه بالمانع أو علم ولكن ظن أنه لا يمنعه فمنعه، أما إن علم بالمانع أو شك أنه لا يمنعه فمنعه فيجب عليه أن يبقى على إحرامه.
ب- أن ييأس من زوال المانع قبل وقت الوقوف بعرفة فيتحلل قبله، فإن علم أو ظن أو شك أنه يزول قبله فلا يتحلل حتى يفوت وقت الوقوف.
جـ- أن يكون الوقت متسعاً لإدراك الحج عند الإحرام به بحيث إذا لم يمنع يتأتى له إدراكه، أما إذا كان الوقت عند الإحرام به لا يمكنه من إدراك الوقوف بعرفة على فرض عدم وجود المانع ثم حصل المنع، فليس له أن يتحلل لأنه دخل بالإحرام من أول الأمر على البقاء للعام القابل.
(1/382)

2- أن ينحر هديه الذي كان ساقه معه عن شيء مضى أو تطوعاً في أي مكان إن لم يتيسر له إرساله إلى مكة، فإن لم يكن ساق هدياً فلا يجب عليه نحر هدي للتحلل، وأما قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) (1) فمحمول على ما إذا كان الهدي مع المحصر من قبل.
(1/383)

3- أن يقضي نسكه إذا كان فرضاً متعلقاً بذمته كحجة الإسلام أو عمرة الإسلام، أو كان نذراً غير معين بوقت؛ فلا يسقط الفرض المتعلق بذمته بالإحصار، وعليه أن يؤديه متى زال الإحصار.
وللإحصار عن البيت وعرفة أسباب أخرى هي الوصاية أو الزوجية أو العبودية، فللولي أن يمنع الصغير أو السفيه ولو من حجة الفرض، وللزوج أن يمنع زوجته من حجة التطوع، وللسيد أن يمنع عبده من الحج، فإذا أحرم كل واحد من هؤلاء: الصغير، أو السفيه، أو الزوجة، أو العبد، بغير إذن الولي، أو الزوج، أو السيد، فلهؤلاء الثلاثة أن يأمروهم بالتحلل، فيتحللوا بالنية ولا قضاء عليهم بالنسبة للصغير والسفيه والعبد، إلا إذا أذن الولي أو السيد بالقضاء أو أعتق العبد، أما الزوجة فعليها القضاء في حال تأيمها أو أذن الزوج لها.
__________
(1) البقرة: 196.
(1/383)

ثانياً: الحصر عن البيت فقط بعد الوقوف بعرفة:
أسبابه:
مرض أو عدو أو حبس ولو بحق. ويعتبر المحصر عن البيت فقط بعد الوقوف بعرفة مدركاً للحج. [ص:384]
ما يترتب على المحصر عن البيت فقط:
(1/383)

1- طواف الإفاضة ولو بعد سنين، واسعي، إلا إن كان قام به عقب طواف القدوم. ويحل له كل شيء مما كان محظوراَ عليه في الإحرام بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر إلا قربان النساء والتعرض للصيد فيحرمان، ومس الطيب فيكره، ولا يتحلل التحلل الأكبر حتى يأتي بالطواف والسعي.
(1/384)

2- إن كان ترك ما بعد عرفة من نزول مزدلفة ورمي جمرة العقبة والمبيت بمنى.. ألخ فعليه هدي واحد عن الكل سواء كان تركه عمداً أو بسبب المانع.
ثالثاً: الحصر عن عرفة فقط:
أسبابه:
(1/384)

1- وجود مانع كعدو أو فتنة يمنعه من الوصول إلى عرفة.
(1/384)

2- الحبس ظلماً أو بحق.
(1/384)

3- المرض المانع.
(1/384)

4- خطأ أهل الموسم بالعدد، كأن يقفوا بعرفة يوم الثامن من ذي الحجة ظناً منهم أنه التاسع وبعد مضي ليلة النحر عرفوا خطأهم.
ما يترتب على من فاته الوقوف بعرفة:
(1/384)

1- يفوته الحج بفوات الوقوف بعرفة، لأن الحاج متى عرفة فقد أدرك الحج فإن ما يبقى عليه بعد الوقوف يصح في أي وقت.
(1/384)

2- يسقط عنه ما بعد عرفة من المناسك كالنزول بمزدلفة والمبيت بمنى ورمي الجمار..الخ.
(1/384)

3- يخير ما بين التحلل من إحرامه وما بين البقاء عليه إلى العام القابل حتى يتم حجه، فإذا أتممه في العام القادم بالوقوف بعرفة مع ما بعد الوقوف من مناسك فليس عليه قضاء. ومحل جواز البقاء على إحرامه إلى العام القابل إذا لم يدخل مكة ولم يكن قريباً منها، وإلا يكره له البقاء بل يتأكد في حقه التحلل لما في البقاء على الإِحرام من مزيد المشقة مع إمكان الخلاص منها، وإن اختار التحلل وتمكن من دخول البيت وجب عليه التحلل بفعل عمرة، أي يطوف ويسعى ويحلق بنية التحلل من غير تجديد الإِحرام، ولا يجزىء طواف القدوم والسعي بعده الواقعان قبل الفوات عن طواف العمرة وسعيها.
ولا يفيد المحرم نية التحلل من الإِحرام بحصول المانع من إتمام الحج، كأن ينوي عند [ص:385]
إحرامه أو يشترط أنه متى حصل له مانع كان متحللاً بل لابد من تجديد نية التحلل في الحصر عن الوقوف والمبيت معاً أو فعل عمرة في الحصر عن الوقوف فقط.
(1/384)

4- يجب عليه قبل فعل أعمال العمرة الخروج إلى الحج، ويلبي منه من غير إنشاء إحرام جديد لجميع بين الحل والحرم، إن كان إحرامه بالحج قبل الفوات مع الحرم كالمقيم بمكّة، أو كان أردف حجه على إحرامه بالعمرة في الحرم كالآفاقي إذا دخل محرماً من الميقات بعمرة وقبل البدء بها أردف عليها الحج في الحرم.
(1/385)

5- يجب إرسال هديه إلى مكّة لذبحه هناك إن أمكنه ذلك، وإلا ذبحه في أي محل كان إذا كان فوات عرفة بسبب الظلم أو الحبس بغير حق، أما إذا كان فوات عرفة بسبب المرض أو الحبس بحق فيندب له أن يحبس هديه الذي كان ساقه معه إلى أن يشفى من مرضه أو ينتهي حبسه ومن ثمَّ يأخذه معه إلى مكّة، ويذبحه بعد تحلله بالعمرة إن لم يخف عليه من العطب قبل انتهاء مرضه أو حبسه، وإلا إن أمكنه إرساله إلى مكّة لكي يذبح هناك، وإن لم يجد من يرسله معه وخاف عليه العطب ذبحه في أي مكان.
ويجب عليه ذبح هديه، في جميع الأحوال، سواء كان ساقه معه تطوعاً أو لواجب عليه، أو كان قلده أو أشعره ولا يجزئ هديه هذا عن هدي الفوات عند القضاء.
(1/385)

6- يجب عليه القضاء ولو كانت الفائتة حجة تطوع في العام القابل إن استطاع إذا كان الفوات لمرض أو خطأ أهل الموسم بالعدد، أو حبس بحق. أما إذا كان الفوات بسبب الحبس ظلماً أو منع عدو أو فتنة فلا يطالب بالقضاء إلا إذا كان الفائت فرضاً في حجة الإسلام أو حجة منذورة غير معينة (أما إذا كانت معينة في العام الذي فات به الوقوف فقد سقط النذر بالفوات) .
(1/385)

7- يجب عليه هدي في حجة القضاء بالفوات ولا يجزئ هديه السابق الذي ساقه في حجة الفوات. [ص:386]
الفصل الخامس
جزاء ارتكاب محرمات الإحرام
أولاً- الفدية:
أسبابها: كل فعل محرّم على المحرم يحصل به ترفه وتنعم له، أو يزال به أذى. ومن هذه الأسباب:
(1/385)

1- تغطية المرأة وجهها بغير عذر، أما إذا كان ذلك بعذر فلا فدية عليها إلا إذا ربطته أو غرزته بإبرة، وكذلك لبسها محيطاً بكفها أو إصبعها.
(1/386)

2- لبس الرجل محيطاً أو مخيطاً لبساً معتاداً بحيث ينتفع به من حرٍ أو بردٍ أما إن لبسه ونزعه فوراً بدون انتفاع به فليس عليه فدية، وكذا لبس خف مع وجود النعل، أو احتزام لغير عمل، أو ستر رأسه أو وجهه.
(1/386)

3- مسُّ طيب كمسك أو عطر أو زعفران، فإنه يوجب الفدية عليه بمجرد المس ولو أزاله فوراً أما بالنسبة لمس الرياحين كالياسمين والورد وسائر أنواع الرياحين فلا يوجب عليه فديةإلا أنه يكره شمّها لا مسّها.
(1/386)

4- قص الظفر أو أكثر لإماطة الأذى، أو قص أكثر من ظفر ترفهاً أو عبساً دفعة واحدة (أي في وقت واحد) ، أما إن قص كل على حدة في أوقات مختلفة ففي كل حفنة من طعام ولا تجب فدية.
(1/386)

5- قص أو حلق شعرة أو فأكثر لإماطة الأذى، أو قص أكثر من عشر شعرات لغير إماطة الأذى وكذا قص الشارب ونتف الإبط. قال تعال: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية} (1) .
(1/386)

6- قتل أكثر من عشر قملات.
(1/387)

7- الغسل في الحمام وإزالة الوسخ عن الجسم ولو بدون ذلك، كأن يجلس في الحمام حتى يعرق ثمّ يصب الماء الحار على جسده، أما إزالة الوسخ من تحت الأظافر فلا شيء فيه.
(1/387)

8- كل شيء يزال به عن النفس أذى إن استعمل لغير ضرورة كحناء وكحل.
(1/387)

9- دهن شعر الرأس أو اللحية أو دهن الجسد لغير علّة موجودة في الكف أو بطن القدم، أما إن كان هناك علّة في الكف أو بطن القدم وكان الدهن غير مطيّب فلا شيء في استعماله.
__________
(1) البقرة: 196.
(1/387)

الحالات التي لا توجب فدية وإنما دونها وهي حفنة طعام:
(1/387)

1- قلم الظفر الواحد ترفهاً أو عبساً، أما قلم الظفر المنكسر لإزالة ما به من ألم فلا شيء فيه.
(1/387)

2- قص أو قطع أو حلق شعرة أو أكثر قليلاً حتى العشر شعرات لإماطة الأذى.
(1/387)

3- تساقط الشعر من لحيته أو رأسه بسبب الوضوء أو الغسل ولو كانا مندوبين.
(1/387)

4- قتل قملة إلى عشر قملات.
(1/387)

5- قتل جرادة إلى عشر جرادات هذا إذا لم يعمّ ولم يتحفّظ من قتل شيء منه، أما إذا عمّ وتحفّظ من قتله عمداً وأصاب منه شيء فلا شيء عليه.
(1/387)

6- قتل الذباب أو الذر أي النمل سواء قلّ أو كثُر أما طرح البعوض والدود والنمل والبرغوث في أر ض دون قتل فلا شيء فيه.
ما هية الحفنة:
الحفنة هي ملء اليد الواحدة بُرّاً، وتعطى للفقير.
أنواع الفدية:
للفدية ثلاثة أنواع على التخيير: إما نسك وإما إطعام وإما صوم، ودليل ذلك قوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من طعام أو صدقة أو نسك} (1) .
(1/387)

1- النسك: وهو ذبح شاة من الضأن أو المعز، ويشترط فيها ما يشترط في الأضحية كالسن والسلامة من العيوب وغير ذلك.
(1/387)

2- الإطعام: وهو إطعام ستة مساكين لكل منهم مدّان (2) بمدّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من غالب قوت البلد الذي أخرجت فيه، ويجزئ عن ذلك غداءان أو عشاءان أو غداء وعشاء إذا كانا بلغا [ص:388]
المُدِّين، أما إن كان مجموع الغداءين أو العشاءين أو الغداء أو العشاء أقل من تمليك الفقير مدّين فلا يجزئ.
(1/387)

3- الصوم: وهو صوم ثلاثة أيام مطلقاً ولو كانت أيام منى.
ولا تختص الفدية بأنواعها الثلاثة في ومن كأيام منى، ولا بمكان كمنى أو مكة، فيجوز تأخيرها إلى بلده بخلاف الهدي.
__________
(1) البقرة: 196.
(2) أي مقدار الإِطعام ثلاثة آصاع، لأن الصاع يساوي أربعة أمداد.
(1/388)

تعدد الفدية في الإحرام:
تتعدد الفدية بتعدد موجباتها إلا في أربعة مواضع لا تتعدد وتكفي فدية واحدة ولو تعددت موجباتها وهي:
(1/388)

1- إن فعل أشياء كثيرة مما توجب الفدية في آن واحد ودون فصل بينها كأن يمس الطيب ويلبس الثوب ويقلّم أظافره ويحلق رأسه في وقت واحد دون تراخٍ. ومثال ذلك ما يفعله من لا قدرة له على إدامة التجرد في إحرامه، فينوي الحج أو العمرة ثمّ يلبس قمصانه وعمامته وسراويله، فإن تراخى بين فعل وآخر تعددت الفدية.
(1/388)

2- إن نوى التكرار عند فعل المحرم الأول ولو تراخى بفعل المحرمات كأن ينوي فعل كل ما يحتاج إليه من موجبات الفدية أو عدد من الموجبات فيفعل بعضها أو كلّها.
(1/388)

3- إن قدّم في الفعل ما نفعه أعم على غيره، كأن يقدّم لبس ثوب على سروال وإن لم يلبسهما فوراً أو لم ينوِ بلبس الأول لبس الآخر؛ وذلك بشرط أن لا يكون أخرج فدية المحرم الأول قبل أن يفعل المحرم الثاني وإلا تعددت الفدية.
(1/388)

4- إن ظنّ إباحة محرمات الإحرام، كأن يظنّ أنه خرج من إحرامه ففعل أشياء كثيرة من المحرمات ثمّ تبين له خلافه أي أنه لم يزل على إحرامه؛ كمن طاف للإفاضة أو العمرة معتقداً فيهما أنه على طهارة ثمَّ تبين أن طوافه فاسد، وكذا من رفض حجه أو عمرته أو أفسدهما بوطء ظانّاً استباحة المحرمات وأن الإحرام سقطت حرمته بالرفض أو الفساد فارتكب أموراً محرمة متعددة كل منها يوجب الفدية فليس عليه في هذه الحالة إلا فدية واحدة فقط.
أما المحرم الجاهل إن ظنّ إباحة أشياء تحرم عليه بالإحرام ففعلها على التراخي فعليه في كل شيء فدية ولا ينفعه فدية. وكذا من علم الحرمة وظنّ أنّ الموجبات تتداخل وأنّ ليس عليه إلا فدية واحدة فقط لموجبات متعددة لم ينفعه ظنّه. [ص:389]
ثانياً - جزاء الصيد
إذا اصطاد المحرم حيواناً في الحرم أو خارجه، أو تسبب في موته، كأن رأى الصيد فدلّ عليه وجب عله جزاء يحكم به عدلان، فلا يكفي فيه الفتوى ولا حكم المجرم لنفسه ولا حكم عدل واحد ولا حكم كافر ولا فاسق ويشترط في الحكمين أن يكونا فقيهين، أي عالمين بأحكام الصيد ويندب كونهما في مجلس واحد لمزيد التثبت والضبط.
أنواع الجزاء في الصيد:
يختلف الجزاء الواجب باختلاف الصيد.
(1/388)

1- الصيد الذي له مثله في النعم:
الجزاء الواجب في قتله ثلاثة أنواع على التخيير وهي:
آ- ذبح مثله من النعم (أي ما يقاربه في الصورة والقدر) ، فإن لم يوجد له مقارب في الصورة يكفي إخراج مقارب له في القدر من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، بشرط أن يجزئ في الأضحية سناً وسلامة.
ومكان ذبحه هو منى أو مكة ولا يجزئ في غيرهما لأنه صار هدياً وله حكم الهدي. والدليل على ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم، هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره، عفا اللَّه عما سلف، ومن عاد فينتقم اللَّه منه، واللَّه عزيز ذو انتقام) (1) .
ففي النعامة ناقة أو جمل للمقاربة في القدر والصورة، وفي الفيل بدنة بسنامين، وفي الحمار الوحشي وبقره: بقرة، وفي الضبع والثعلب شاة. فالصغير والمريض والأنثى من الصيد وغيرها من الكبير والصحيح والذكر في الجزاء. فإذا اختار المثل فلا بد من مثل يجزئ في الأضحية، ولا يجزئ في الصيد المعيب معيبٌ، وفي الصغير صغير وإن كانت القيمة تختلف بالقلة والكثرة ولذا احتيج لحكم العدول.
ب- أو إخراج قيمة الصيد طعاماً، بأن يقوم الصيد بطعام من غالب قوت البلد الذي يخرج فيه. وتعتبر القيمة يوم التلف لا يوم تقويم الحكمين ولا يوم التعدي. وتعطى هذه القيمة لمساكين محل التلف، فإن لم بكن للصيد قيمة بمكان التلف أو لم يكن فيه مساكين لإخراج [ص:390]
الطعام إليهم، فتقدر قيمته بما يساويه بأقرب مكان إليه، ويعطى لمساكين ذاك المكان، كل يأخذ مداً بمد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لا أكثر ولا أقل، ويندب أن يجبر جزء المد إلى المد.
ج- أو صيام أيام بعدد الأمداد التي يقوم بها الصيد من الطعام في أي مكان شاء (مكة أو غيرها) وفي أي زمان شاء (زمن الحج أو بعد رجوعه) . ويصوم يوماً كاملاً عن جزء المد، لأن الصوم لا يتجزء.
وللمحكوم عليه الانتقال منحكم إلى آخر ولو التزمه، أي له أن ينتقل من ذبح المثل إلى اختيار العام أو الصيام أو عكسه، والدليل إلى ذلك الآية السابقة، وإن ظهر الخطأ في الحكم نقض الحكم وجوباً.
(1/389)

2- الجزاء في الحمام واليمام في غير أرض الحرم، وجميع الطيور كالعصافير والكركي والإوز العراقي والهدهد، ولو بالحرم، هو على التخيير:
آ- قيمة الصيد طعاماً.
ب- أو صيام أيام بعدد الأمداد.
(1/390)

3- الجزاء في صيد حمام ويمام الحرم هو شاة تجزئ في الأضحية، ولا يحتاج إلى حكم الحكمين، فإن عجز عن الشاة صام عشرة أيام.
(1/390)

4- الجزاء في إسقاط جنين الصيد (كأن كان الصيد حاملاً وفعل به شيء فأسقط جنينه) وفي كسر بيضة أو شويه هو عشر دية الأم، فإذا كان جزاء صيد الأم عشرة أمداد ففي جنينها أو بيضها مدُّ، وإذا استهل الجنين بعد سقوطه ففيه دية أمه كاملة، أما إذا تحرك فقط فتبقى ديته عشر دية أمه.
__________
(1) المائدة: 95.
(1/390)

ثالثاً- جزاء قطع الشجر والنبات:
لا جزاء فيه إلا أنه يحرم قطعه، وكذا شجر ونبات المدينة.
رابعاً- الهدي:
أقسامه:
آ- الهدي الواجب.
ب- الهدي المنذور: إما أن ينذر عين الهدي للمساكين أو يطلق.
ج- هدي التطوع: وهو ما يتبرع به المحرم. ص [391]
أسباب الهدي الواجب:
(1/390)

1- التمتع بدليل قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} (1) .
(1/390)

2- القران: قياساً على التمتع.
(1/390)

3- ترك واجب من واجبات الحج أو العمرة كترك التلبية أو طواف القدوم أو بمزدلفة أو رمي جمرة العقبة أو المبيت بمنى ليالي الرمي أو الحلق.
(1/390)

4- الجماع المفسد أو غير المفسد.
(1/390)

5- إنزال مذي أو التقبيل بفم.
ما يقوم مقام الهدي الواجب حال فقده:
إذا لم يجد من لزمه هدي هدياً لفقده، أو لعدم تملكه ثمنه. أو لم يجد من يسلفه ثمنه إن كان موسراً في بلده. فعليه صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، بدليل قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} (2) .
وإذا أيسر من لزمه هدي قبل الشروع في الصوم، ولو كان إيساره بسلف (أي وجد من يسلفه وله مال ببلده) ، فلا يجزئه الصوم عن الهدي، أما إذا أيسر بعد الشروع فيه وقبل تمام صوم اليوم الثالث، فيندب له الرجوع للهدي (ويتم اليوم الثالث وجوباً إن شرع فيه) .
ويبتدئ وقت صوم الأيام الثلاثة في الحج من حين إحرامه بالحج ويمتد إلى يوم النحر، فإن فاته صومها قبل يوم النحر صامها وجوباً أيام الثلاثة في الحج من حين إحرمه بالحج ويمتد إلى يوم النحر أكملها في أيام التشريق- ويكره تأخير صومها إلى أيام منى بلا عذر، وإن كان بدأها قبل يوم النحر أكملها في أيام منى، فإن فاتته أيام منى صامها في أي وقت شاء سواء وصلها بالسبعة أيام أو لم يصلها. وذلك إن تقدم الموجب للهدي على الوقوف بعرفة (كتمتع، والقران، وتعدي ميقات، وترك التلبية، وإنزال مذي، وتقبيل بفم) . أما إن كانالواجب بعد الوقوف بعرفة (كترك النزول بمزدلفة أو رمي الجمار أو الحلق أو الجماع بعد رمي جمرة العقبة وقبل طواف الإِفاضة يوم النحر أو قبلهما أو بعده) صامها متى شاء سواء وصلها بالسبعة أيام أو لم يصلها (كهدي العمرة إذا لم يجده صام الثلاثة أيام مع السبعة متى شاء لعدم وجود الوقوف فيها) .
أما السبعة أيام فصومها إذا رجع، أي إذا رجع من منى بعد أن ينتهي من رمي الجمار، سواء أقام في مكة أم لا؛ فالمراد بالرجوع في الآية الكريمة: {وسبعة إذا رجعتم} الفراغ من أعمال [ص:392] الحج، وقيل: المراد إذا رجعتم إلى أهليكم بالفعل، فأهل مكة يصومونها بمكة وغيرهم في بلادهم.
ويندب تأخير صومها للآفاقي حتى يرجع إلى أهله للخروج من الخلاف. أما إذا صام السبعة أيام قبل الفراغ من أعمال الحج (أي بعد الانتهاء من رمي الجمار) فلا يجزئ صومها سواء كان ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعده.
__________
(1) و (2) البقرة: 196
(1/390)

شروط صحة الهدي:
(1/392)

1- الجميع فيه بين الحل والحرم، فلا يجزئ ما اشتراه بمنى أيام النحر وذبحه فيها كما يقع لكثير من العوام بخلاف من اشتراه بعرفة لن عرفة من الحل. فإن اشتراه من الحرم فلا بد من أن يخرج به إلى الحل (عرفة أو غيرها) سواء كان محرماً عندما خرج به أم لا، وسواء كان الهدي واجباً أو تطوعاً، أما الذي يجب ذبحه بمنى فيتحقق الجمع فيه بين الحل والحرم بالوقوف به بعرفة.
(1/392)

2- نحره نهاراً بعد طلوع الفجر ولو قبل نحر الإِمام وقبل طلوع الشمس، ولا يجزئ ما نحر ليلاً.
أما المسوق في إحرام العمرة لنقص فيها أو في حجه أو كان نذراً أو تطوعاً فيذبح بعد تمام سعيها فلا يجزئ قبله، أي أن محله مكة لعدم الوقوف به في عرفة ثم يحلق بعد الذبح ويتحلل من عمرته، وإن قدم الحلق على النحر فلا مانع، ويندب نحره بالمروة.
(1/392)

3- يشترط في سنه وسلامته من العيوب ما يشترط في الأضحية، فمثلاً إن كان من الغنم أن يكون أتم السنة ودخل في الثانية. والمعتمر في السن والسلامة من العيوب يوم تقليده إن كان مما يقلد (إبل، بقر) أو يوم تمييزه عن غيره بكونه هدياً كالغنم، فإذا قُلِّد أو عُين قبل بلوغه السن وبلغ السن قبل نحره فلا يجزئ، وعلى العكس إن قلده أو عينه حال كونه سالماً من العيوب ثم عيب بعد ذلك وقبل النحر فإنه يجزئ.
ما يسن في الهد:
(1/392)

1- تقليد (1) الهدي إن كان من الإِبل أو البقر، أما إن كان من الغنم فلا يقلد ولا يشعر.
(1/392)

2- إشعار (2) الهدي بعد التقليد إن كان من الإِبل فقط أو من البقر ذات السنام.
__________
(1) التقليد: هو جعل قلادة أي حبل من نبات الأرض في عنق الإِبل أو البقر للإِشارة بأنه هدي.
(2) الإِشعار: هو شق سنام الإِبل بسكين من الجانب الأيسر ندباً من جهة رقبته إلى ناحية الذنب قدر أتملتين حتى يسيل الدم ليعلم أنه هدي.
(1/392)

ما يندب في الهدي:
(1/392)

1- أن يكون كثير اللحم، لقوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر اللَّه فإنها من تقوى [ص:393] القلوب} (1) ، ونهو على ترتيب الأفضلية (2) : الإِبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز، لما روى الإِمام أحمد عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: " أهدى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثون بدنة بيده ثم أمر علياً فنحر ما بقي منها" (3) ويؤخذ من فعله صلى اللَّه عليه وسلم أن مباشرة النحر باليد أفضل إلا للضرورة فيستنب من يذبح عنه بشرط أن يكون مسلماً لأن الكافر لا مدخل له في القرب. ويقدم الذكر من كل نوع على الأنثى وإلا يقدم السمين على غيره.
(1/392)

2- يندب الوقوف بالهدي في المشاعر كلها: عرفة والمشعر الحرام ومنى.
(1/393)

3- يندب تجليل (4) الهدي إن كان من الإِبل.
(1/393)

4- يندب شق الجلال عن السنام لظهر الإِشعار.
(1/393)

5- تندب التسمية عند الإِشعار بأن يقول: "بسم اللَّه واللَّه أكبر"
__________
(1) الحج: 32.
(2) على عكس الأضحية فإن الأفضل فيها الضأن.
(3) مسند الإِمام أحمد: ج 1 / ص 260.
(4) أي وضع جلال عليها وهو شيء من الثياب.
(1/393)

مكان ذبح الهدي (الواجب والتطوع) وجزاء الصيد:
آ- يجب ذبح الهدي بمنى إذا توفرت فيه الشروط التالية:
(1/393)

1- أن يكون مَسُوقاً في إحرام الحج لا من الإِبل.
(1/393)

2- أن يقف الحاج أو نائبه بالهدي بعرفة جزءاً من ليلة يوم النحر، أما وقوف التاجر به فلا يجزئ إلا إذا اشتراه الحاج ووكل التاجر الوقوف به.
(1/393)

3- أن يريد نحره في يوم من أيام النحر الثلاثة، وهي أيام العيد الثلاثة. فإذا نحره بمكة رغم توفر هذه الشروط أجزأه مع الإِثم لترك واجب النحر بمنى.
ب- يجب النحر بمكة ولا يجزئ بمنى ولا بغيرها إن انتفت الشروط المذكورة أو بعضها لوجوب الذبح بمنى. وكل نواحي مكة صالحة للذبح لكن الأفضل أن يكون عند المروة.
ما يؤكل مما يذبح في الحج أو العمرة من الهدي وجزاء الصيد والفدية وما يمنع:
تنقسم هذه اللحوم بهذا الخصوص على أربعة أقسام:
(1/393)

1- ما لا يجوز لربه الأكل منه مطلقاً (سواء بلغ محل الذبح المعتاد منى أو مكة سالماً ثم ذبح أو حصل له عطب قبل بلوغه المحل فذبح في الطريق) :
(1/393)

1- النَّذْر المعين المخصص للمساكين باللفظ أو النية، كأن يقول هذه الشاة نذر للَّه عليّ [ص:394] للمساكين أو هذه الشاة نذر للَّه عليّ ونوى بقلبه للمساكين.
(1/393)

2- هدي التطوع إذا جعله للمساكين.
(1/394)

3- فدية الأذى إذا لم ينوِ بها الهدي.
فهذه الثلاثة يحرم على صاحبها الأكل منها مطلقاً، فأكل النذر المعين للمساكين يحرم لأنه بالتعيين لا يلزمه بدله إذا عطب قبل بلوغ محله، وكذا هدي التطوع يحرم لأنه جعله للمساكين، وأما فدية الأذى فإذا لم تجعل هدياً فهي عوض عن الترفه الذي حصل للمحرم بإزالة الشعث ونحوه فلذا يحرم الأكل منها.
(1/394)

2- ما لا يجوز الأكل منه إلا عطب قبل بلوغ المحل:
(1/394)

1- النذر غير المعين إذا جعله للمساكين، كأن يقول للَّه عليّ هدي للمساكين.
(1/394)

2- فدية الأذى إذا نوى بها الهدي.
(1/394)

3- جزاء الصيد.
فهذه الأنواع الثلاثة يجوز لربها أن يأكل منها إذا عطبت في الطريق قبل بلوغ المحل لأن عليه بدلها، أما إذا بلغت سالمة فلا يجوز الأكل منها لأنها حق للمساكين بالنسبة للنذر، وبدل عن الترفه بالنسبة للفدية، وقيمة الصيد بالنسبة للجزاء.
(1/394)

3- ما لا يجوز الأكل منه قبل المحل ويجوز الأكل منه بعد المحل:
لا يجوز الأكل من هدي التطوع والنذر المعين، إذا لم يجعلا للمساكين قبل المحل لأنهما إذا عطبا ليس عليه بدلهما فلو جاز الأكل لاتهم بأنه هو الذي تسبب في عطبهما، وأما بعد المحل فله أن يأكل لأنهما لم يعينا للمساكين.
(1/394)

4- ما يجوز لربه الأكل منه مطلقاً قبل المحل وبعده:
وهو كل ما عدا ما ذكر كالهدي الواجب للقران أو التمتع، أو تعدي الميقات، أو لترك واجب من واجبات الحج كترك طواف القدوم، أو ترك المبيت بمنى، أو ترك النزول بمزدلفة، أو وجب لإِنزال مذي أو نحوه.
وكل ما جاز الأكل منه جاز له أن يتزود منه ويطعم الغني والفقير، لما روى عن جابر رضي اللَّه عنه قال: "كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى. فأرخص لنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا" (1) . أما إذا أكل من الممنوع فإنه يضمن بدل ما أكله منه هدياً كاملاً إلا النذر المعين للمساكين فإنه يضمن قدر ما أكل منه. [ص:395]
__________
(1) مسلم: ج 3 / كتاب الأضحاحي باب 5 / 30.
(1/394)

الباب السادس: الفصل الأول
(1/395)

الأضحية
تعريفها:
الأضحية هي اسم لما يذبح أو ينحر من النَّعم، تقرباً إلى اللَّه تعالى، في أيام النحر.
دليل مشروعيتها:
ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإِجماع.
من كتاب: قوله تعالى: {فضلِّ ربك وانحرْ} (1) . ومن السنة: ما روى مسلم عن أنس رضي اللَّه عنه قال: "ضحى النبي صلى اللَّه عليه وسلم بكبشين أمْلَحَيْن (2) ، أَقْرَنَيْن (3) ذبحهما بيده وسمَّى وكبِّر، ووضع صفاحهما (4) " (5) وغير ذلك من الأحاديث.
وقد شرعت الأضحية في السنة الثانية من الهجرة، وأجمع المسلمون على مشروعيتها. [ص:396]
__________
(1) الكوثر: 2.
(2) الأمله: هو الأبيض الخالص البياض، وقيل: هو الأبيض ويشوبه شيء من السواد.
(3) الأقرن: هو الذي له قرنان حسنان.
(4) صفاحهما: أي صفحة العنق وهي جانبه.
(5) مسلم: ج 3 / كتاب الأضاحي باب 3 / 17
(1/395)

حكمها:
الأضحية سنة مؤكدة عيناً على كل من توفرت فيه الشروط التالية:
(1/396)

1- أن يكون حراً، ولو يتيماً، ذكراً أو أنثى، والمخاطب بفعلها عنه وليه من ماله. وتسن للحر عن نفسه وعن أبويه الفقيرين وعن أولاده الذكور (دون البلوغ) وعن بناته الغير متزوجات (ولا تسن عن زوجته) وعمن ولد يوم النحر وأيام التشريق.
(1/396)

2- أن لا يكون حاجاً (لأن الحاج عليه هدي) .
(1/396)

3- أن لا يكون فقيراً، أي أن لا يحتاج إلى ثمنها في ضرورياته في عامه، وإذا استطاع أن يستدين استدان وقيل: لا يستدين.
ماهيتها:
لا يجزئ الأضحية إلا من بهيمة الأنعام لقوله تعالى: {ليذكرا اسم اللَّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} (1) ، فإما أن يكون جذع ضأن ذي سنة (وعلامته أن يرقد صوف ظهره بعد قيامه) ، وإما ثنية معز دخلت في السنة الثانية دخولاً بيناً (بأن قطعت منها نحو شهر) ، وإما بما بلغ الثالثة من البقر والسنة الخامسة من الإبل.
أفضلها: الضأن مطلقاً، ثم المعز، ثم البقر، ثم الإبل (بخلاف الهدي فالأفضل فيه كثير اللحم) ، والدليل على أفضلية الضأن أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم إنما ضحى بالغنم ولو كانت الإبل أفضل لضحى بها، وروي عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال: "كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين" (2)
ويفضل في الجميع الذكر على الأنثى، والفحل على الخصَّي إلا إذا كان الخصي أسمن فعندها يفضل على الفحل.
شروط صحتها:
(1/396)

1- أن يكون الذبح نهاراً فلا يصح بالليل، ويبدأ النهار بطلوع الفجر في غير اليوم الأول، أما في اليوم الأول فيذبح الإمام أضحيته بعد أن يفرغ من صلاة العيد والخطبة، ويذبح غيره بعد ذبحه؛ ولا يجزئ أن يذبح الضحي قبل إمامه فإذا ذبح قبله أو تعيبت حال الذبح منع البدل لها.
(1/396)

2- أن يكون الذابح مسلماً، فلا يصح ذبح الكافر ولو كان كتابياً وإن جاز أكلها.
(1/396)

3-الانفراد في ثمن الأضحية، فلا يصح الاشتراك فيها، فإن اشتركوا فيها بالثمن أو كانت بينها فذبحوها أضحية عنهم لم تجز عن أي واحد منهم، إلا أن يفصلها واحد منهم لنفسه ويغرم لهم ما عليه من ثمنها ويذبحها عن نفسه. ولكن يجوز أن يشرك المضحي غيره معه في الثواب قبل الذبح لا بعده ولو زاد عددهم عن سبعة أشخاص بشروط ثلاثة:
(1/397)

1- أن يكون الشخص قريباً له، كأبنه وأخيه وابن عمه، ويلحق به الزوجة.
(1/397)

2- أن يكون من نفقته، سواء كانت النفقة واجبة أم غير واجبة.
(1/397)

3- أن يكون مقيماً معه في دار واحد. فحينئذ تسقط الأضحية عن الُمشرك.
وهذه الشروط تشترط إذا أدخل الضحي معهم نفسه، أما إذا ضحى عن جماعة دون أن يدخل نفسه معهم فتصح سواء توفرت هذه الشروط أم لا.
ويصح الاشتراك في الأضحية إذا كانت من الإِبل والبقر بشرط أن يكون نصيب كل واحد لا يقل عن السبع، فإذا كانوا أكثر من سبعة أشخاص فلا يصح الاشتراك، لحديث جابر رضي اللَّه عنه قال: "نحرنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة" (3) .
(1/397)

4- سلامة الأضحية من العيوب البيّنة، لما روى البراء رضي اللَّه عنه قال: "قام فينا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: أربعة لا تجوز في الأضاحي: العوراء بين عورها، والمريضة بين مرضها والعرجاء بين ظلعها، والكسير التي لا تنقى" (4) ، وما روى عن علي رضي اللَّه عنه "أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم نهى أن يضحة بعضباء الأذن والقرن" (5) . فلا تجزئ أن تكون عوراء، أو عمياء ولو كانت صورة العين قائمة، أو مقطوعة اليد أو الرجل أو غيرهما ولو خلقة (أما قطع خصية اليوان فيجوز، لأن في القطع فائدة تعود على اللحم بسمن فيجبر النقص) ، أو بكماء، أو بخراء (منتنة رائحة الفم) ، أو صماء (فاقدة السمع) ، أو صمعاء صغيرة الأذن جداً) أو عجفاء (لا مخ لها في عظامها لهزالها) أو بتراء (مقطوعة الذنب) ، أو مريضة بين مرضها، أو مجنونة جنوناً دائماً أو عرجاء عرجاً بيناً، أو جرباء أو مهزولة هزالاً بيناً أما الخفيف بالجميع فلا يضر.
ولا يصح أن يضحي بيباسة الضرع (التي لا ينزل منها لبن، فأن أرضعت ولو بالجذع [ص:398] أجزأت) ، أو مكثورة القرن المدمي، ولا بذاهبة ثلث الذنب فأكثر (أما ذهاب أقل من ثلث الذنب فتجزئ) ، ولا بفاقدة سنتين فأكثر لغير الصغر والكبر (أما فقد السن الواحد فلا يضر مطلقاً وكذا فقد أكثر من سن بسبب الصغر أو الكبر لا يضر، أما أن كان بسبب الضرب أو المرض فيضر) ، ولا بمشقوقة الأذن إذا كان الشق أكثر من الثلث.
فالسلامة من العيوب في كل ما ذكر شرط صحة، فإذا لم يطلع المضحي على العيب إلا بعد الذبح فالأرش المأخوذ من البائع يجب التصدق به أو بمثله، لأن الأضحية بالذبح أصبحت واجبة؛ إذ تتعين الأضيحة بالذبح ولا تتعين بالنذر ولا بالنية ولا بالتميز لها؛ فأن حصل لها عيب بعد ما ذكر لم تجز أضحية ولم تتعين للذبح فله أن يصنع بها ما شاء، بخلاف ما إذا لم تتعيب فيجب ذبها بالنذر، وقيل: تتعين بالنذر فأن تعيبت بعده تعين ذبحها أضحية.
__________
(1) الحج: 34، وبهيمة الأنعام هي: الإِبل والبقر والجاموس والغنم بنوعيه الضأن والمعز.
(2) البخاري: ج 5 / كتاب الأضاحي باب 7 / 5233.
(3) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 62 / 150.
(4) أبو داود: ج 3 / كتاب الضحايا باب 6 / 2802، ولا تنقى: أي لا نقي لها، وهو المخ.
(5) أبو داود: ج 3 / كتاب الضحايا باب 6 / 2805.
(1/397)

ما يندب في الأضحية:
(1/398)

1- إبرازها للمصلى ليعلم الناس ذبحه.
(1/398)

2- أن تكون الأضحية جيدة من أعلى النّعم.
(1/398)

3- أن تكون سالمة من العيوب التي تجزئ معها؛ كخفيفة المرض، أو مكسورة القرن، أو الخرقاء (التي في أذنها خرق مستدير) ، أو الشرقاء (مشقوقة الأذن) .
(1/398)

4- أن تكون سمينة.
(1/398)

5- أن تكون ذكراً أقرن أبيض فحلاً (إن لم يكن الخصيّ أسمن) .
(1/398)

6- أن تكون من مال طيب.
وقت الذبح:
يدخل وقت الذبح من بعد أن يذبح الإِمام أضحية، ويذبح الإِمام بعد الانتهاء من صلاة العيد وخطبته، أو بعد مرور وقت بقدر ذبح الإِمام أضحية إن لم يذبح الإِمام ويستمر إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام النحر، لما روى البراء رضي اللَّه عنه قال: قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين" (1) ، وما روى جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يوم النحر، فقال: "من ذبح قبل أن يصلي فَلْيُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح" (2) .
ومن فاته وقت الذبح فلا تقضى بعده بخلاف زكاة الفطر فتقضى لأنها واجبة. فإن تراخى [ص:399]
الإِمام عن الذبح بلا عذر انتظر مدة بمقدار الذبح بعد الصلاة، أما أن توانى لعذر فينتظر لقرب الزوال بحيث يبقى للزوال مدة بمقدار الذبح.
ومن لا إمام له ببلده، أو كان من أهل البادية، تحرى في ذبح أضحيته أقرب إِمام له من البلاد المجاورة فيقدر وقت صلاته وخطبته وذبحه، ولا شيء عليه إن تبين سبقه لذلك الإِمام.
وأفضل الأيام لذبح الأضحية يوم العيد إلى غروب الشمس، وأفضل وقت فيه للذبح من أول اليوم إلى الزوال، ويليه في الفضل أول اليوم الثاني إلى الزوال، فأول اليوم الثالث إلى الزوال، فأخر اليوم الثاني، فمن فاته أول اليوم الثاني ندب له أن يؤخر الذبح لأول الثالث، وقيل: أن أخر اليوم الثاني أفضل من أول الثالث.
__________
(1) البخاري: ج 5 / كتاب الأضاحي باب 7 / 5225.
(2) البخاري: ج 5 / كتاب الأضاحي باب 7 / 5242.
(1/398)

ما يندب للمضحي:
(1/399)

1- تأخير حلق الشعر من سائر البدن أو تقليم الأظافر إلى ما بعد عشر ذي الحجة حتى يضحي (سواء كان يضحي فعلاً أو حكماً كالمشرَك بالأجر) ، لما روت أم سلمة رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبدنه شيئاً" (1) .
(1/399)

2- أن يذبح أضحيته بنفسه، سواء كان ذكراً أو أنثى أو صبياً إقتداء بسيد العالمين صلى اللَّه عليه وسلم لما فيه من التواضع، فعن أنس رضي اللَّه عنه "أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم نحر سبع بدناتٍ بيده قياماً" (2) ، وتكره الاستنابة مع القدر على الذبح، وتصح عن الضرورة بشرط إسلام المستناب؛ فيستنيبه بقوله: أستبيك أو وكلتك أو أذبح عني.
(1/399)

3- أن يجمع بين الأكل منها والتصدق والإهداء بلا حدّ في ذلك بثلث أو غيره.
(1/399)

4- أن يذبح ولد الأضحية إذا خرج منها قبل الذبح (وإذا كانت منذورة فلا يجب وإنما على سبيل الندب) ، أما الولد الخارج منها بعد الذبح فهوا جزء منها فحكمه حكمها.
(1/399)

5- يندب للوارث أن ينفذ أضحيته مورثه إن عينها قبل موته ما لم تكن نذراً فعندها يجب التنفيذ.
__________
(1) مسلم: ج 3 / كتاب الأضاحي باب 7 / 39.
(2) أو داود: ج 3 / كتاب الضحايا باب 4 / 2793.
(1/399)

ما يكره للمضحي:
(1/399)

1- جزُّ صوف الأضحية قبل الذبح لما فيه من نقص جمالها، إن لم ينبت مثله لوقت الذبح، أو إن لم ينو جزّها عند شرائها أو تعيينها، فإن كان ناوياً الجز فلا كراهة فيه.
(1/399)

2- بيع الصوف المكروه جرُّه.
(1/399)

3- شرب لبنها ولو نوى ذلك عند شراءها، لأنه خرجت قربة للَّه والعبد لا يعود في قربته.
(1/400)

4- إطعام كافر منها (إن بعث له أما إن كان الكافر في عياله كأجير أو قريب أو زوجه فلا يكره إطعامه) .
(1/400)

5- التغالي فيها زيادة على عادة أهل البلد، وكذا زيادة العدد لما في ذلك من المباهاة، أما إن نوى بزيادة الثمن أو العدد الثواب وكثرة الخير فيندب ذلك.
(1/400)

6- يكره فعلها عن ميت إن لم يكن عيّنها قبل موته.
(1/400)

7- يكره للمضحي أن يقول بعد التسمية: "اللَّهم منك وإليك" لأنه لم يصحبه عمل أهل المدينة.
(1/400)

8- يكره إبدالها بأدنى منها، ولو اضطراراً كاختلاطٍ لها مع غيرها، فيكره للمضحي أن يترك الأفضل لصاحبه إلا بالقرعة؛ فعندها لا يكره ولاكن يندب له في هذه الحالة أن يذبح أخرى أفضل منها. [ص:401]
الفصل الثاني
العقيقة
تعريفها:
العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود.
حكمها: هي مندوبة عن الحر القادر.
ماهيتها: هي كالأضحية من حيث سنها وما يجرئ فيها.
وقت ذبحها: في اليوم السابع للولادة (ولحساب سابع المولود يلغى يوم الولادة إن ولد نهاراً بعد الفجر) من طلوع فجر اليوم السابع إلى غروب شمسه، فإنها تسقط في الغروب وقيل: لا تفوت بفوات الأسبوع الأول بل تفعل يوم الأسبوع الثاني، فأن لم تفعل ففي الأسبوع الثالث ولا تفعل بعده.
ولوقتها ثلاثة أقسام:
آ- مستحب: من الضحى إلى زوال الشمس.
ب- مكروه: من بعد الزوال للغروب، ومن بعد الفجر إلى طلوع الشمس.
ج- وقت ممنوع وهو الليل، فلا تجزئ إذا ذبحت فيه.
عددها: عقيقة واحدة لكل ولد (خلافاً لما قال للذكر اثنتين وللأنثى واحدة) ، لما روى عن نافع (أن عبد اللَّه بن عمر لم يكن يسأله أحد مِن أهله عقيقة، إلا أعطاه إيّاها، وكان يَعُقُّ عن ولده بشاةٍ بشاةٍ، إن الذكور والإناث) (1) .
__________
(1) المؤطأ: ص 336.
(1/400)

ما يندب في اليوم السابع:
(1/401)

1- الذبح بعد طلوع الشمس.
(1/401)

2- حلق رأس المولود، ولو لم يعق عنه، سواء كان ذكراً أم أنثى، أما إن أراد أن يعق عنه فيندب له الحق قبل ذبح العقيقة.
(1/402)

3- التصدق بزنة شعره ذهباً أو فضة.
(1/402)

4- تسميته وخير الأسماء ما عُبِّد أو حُمِّد، لحديث سمرة بن جندب رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "كل غلام رهينة بعقيقته: تذبح عنه يوم سابعه، فيحلق، ويسمى" (1) ، فإن لم يعق عنه سمي في إي يوم شاء، لما روى أبو موسى رضي اللَّه عنه قال: "ولد لي غلام، فأتيت به النبي صلى اللَّه عليه وسلم فسماه إبراهيم، فحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إلي، وكان أكبر ولد أبو موسى" (2) .
المكروهات:
(1/402)

1- يكره عمل العقيقة وليمة، بأن يجمع عليها الناس كوليمة العرس، بل تطبخ ويأكل منها أهل البيت وغيرهم كل في بيته، وبتصدق منها، ويطعم منها الجار في بيته، ويهدي منها، ويأكل كالأضحية.
(1/402)

2- يكره تلطيخ المولود بدها لأنه من فعل الجاهلية، ويجوزكسر عظامها وتلطيخ المولود بخلوق (أي طيب) ، لحديث عبد اللَّه بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة يقول (كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء اللَّه بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران) (3) .
(1/402)

3- يكره ختان المولود في اليوم السابع لأنه من فعل اليهود.
أما حكم الختان: فهو للذكر سنة مؤكدة (4) ، وأما الأنثى فالخفاض مندوب لها، لما روى عن أم عطية الأنصارية رضي اللَّه عنها، أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "لا تُنْهِكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة" (5) ، وقد جاء في رواية أخرى "أشِمِّي ولا تنهكي" (6) .
__________
(1) أبو داود: ج 3 / كتاب الضحايا باب 21 / 2838.
(2) البخاري: ج 5 / كتاب العقيقة باب 1 / 5150.
(3) أبو داود: ج 3 / كتاب الضحايا باب 21 / 2843.
(4) عند الإِمام الشافعي: واجب.
(5) أبو داود: ج 5 / كتاب الأدب باب 179 / 5271.
(6) شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة، وشبه النّهك بالمبالغة فيه. أي اقتطعي بعض النواة ولا تستأصليها.
(1/402)