Advertisement

الفقه على المذاهب الأربعة 005



الكتاب: الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري (المتوفى: 1360هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الثانية، 1424 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
من اللبن تشتمل على أقل من رطلين من السمن. أما إذا كانت تشتمل على رطلين فأكثر فإنه لا يصح البيع، وبديهي أن "ثفل" اللبن هو الزبدة وله قيمة.
والعلة في ذلك ظاهرة وهو أن الأصل فيه زيادة ينتفع بها وهي الثفل، فينبغي أن يعمل حساب هذه الزيادة في مقابلها، فإذا بيع السمسم بمقدار الزيت الذي فيه فقد ضاع ثفله، أما إذا كان الثفل لا ينتفع به أصلاً كثفل عصير العنب فإنه يصح بيعه بعصير العنب بدون أن يكون العصير زائداً على ما في العنب متى علم أن القدر الموجود في العنب يساوي العصير الذي اشتراه به. وإذا أضيف إلى نوع واحد من الزيت فإنه يختلف، كما إذا أضيف إلى زيت السمسم دهن البنفسج، أو الياسمين، أو الورد، أصبح كل واحد منهما جنساً على حدة كما تقدم في مبحث ما يعرف به اتحاد الجنس.
ومثل الزيت الخل، فإنه أجناس مختلفة الأصول المستخرج منها، فخل العنب جنس وخل الدقل بفتح الدال "التمر الرديء" جنس، وخل الخمر جنس، فيصح بيعها ببعضها مفاضلة كما يصح أن يباع بعض كل جنس منها ببعضه مماثلة، أما بيع الخل بالعصير فإنه لا يصح مفاضلة، وذلك لأن العصير يتخلل بعد مدة فكأنه باع الخل بمثله مفاضلة.
لا يصح بيع رطل زيت فيه رائحة عطرية برطل زيت خال منها، لأنه في هذه الحالة يكون قد باع رطلاً من الزيت بمثله مع زيادة الرائحة.
ويجوز بيع اللبن الحلية بمثله كما يجوز بيعه بالجبن مفاضلة لأنهما جنسان مختلفان، أما بيع الحليب بالمخيض "الخض" فإنه إذا كان المخيض أكثر يصح، وإلا فلا، فيصح أن يبيع رطلين من اللبن الخض برطل من الحليب، أما إذا كان العكس فإنه يجوز، لأن الحليب مشتمل على زبدة فينبغي أن تراعى هذه الزيادة.
وإذا كان الماء في البئر أو في النهر فإنه لا يصح بيعه، فما جرت به عادة بعض الناس من بيع ماء البئر بالخبز ونحوه فإنه لا يصح إلا إذا أجر الدلو أو الرشا "الحبل الذي يملأ به، فإنه يصح في هذه الحالة، وإذا أخذ الماء ووضعه في جرة أو نحوها كان أحق به فأصبح مالكاً له فصح له أن يبيعه وسيأتي ما يتعلق بذلك موضحاً في المساقاة.
المالكية - قالوا: يختلف الجنس باختلاف أصله، فالزيت يكون أجناساً مختلفة باختلاف أصوله المستخرج منها، فزيت القرطم والسمسم والسلجم والزيتون وزيت بذر الفجل والخس وبذر الكتان وغير ذلك كلها أجناس ربوية مختلفة لاختلاف الأجناس المستخرجة منها كما تقدم في مبحث ما يعرف به اتحاد الجنس، وكذلك العسل فإنه يختلف باختلاف أصله.
فيصح بيع بعض الجنس الواحد ببعضه مماثلة يداً بيد، كما يصح بيع الجنس بجنس آخر مفاضلة يداً بيد.
(2/242)

مبحث الصرف
هو بيع الذهب بالذهب، والفضلة بالفضة، أو بيع أحداهما بالآخر. وقد علمت أن الصرف من أقسام البيع العام، فما كان ركناً للبيع فهو ركن للصرف، إلا أنه يشترط للصرف شروط زائدة على شروط البيع الخاص:
أحدها: أن يكون البدلان متساويين. سواء كانا مضروبين كالجنيه والريال ونحوهما من العملة المصرية المأخوذة من الذهب والفضة وغيرها، أو كانا مصوغين كالأسورة والخلخال والقرط، والحلق، والقلادة، والكردان، ونحو ذلك، فلا يصح أن يبيع جنيهاً بجنيه مع زيادة قرش فأكثر، كما لا يصح أن يبيع أسورة زنتها عشرون مثقالاً بأسورة زنتها خمسة وعشرون وإن اختلف نقشهما وصياغتهما.
__________
وأما الخل المتخذ من أصناف مختلفة فإنه كله جنس واحد كما تقدم فلا يصح بيع بعضه ببعض متفاضلاً.
ومثل الخل الأنبذة، والمراد بها ماء الزيت والعرقسوس، والتمر، والمشمش، والقراصية ونبيذ التين، وهكذا باقي أنواع "الشرابات" المختلفة المأخوذة من الأصناف التي يدخلها الربا فإنها كلها جنس واحد، فلا يصح بيع بعضها ببعض مفاضلة، وليس منها ماء الخروب لأن الخروب لا يدخله الربا.
والخل من التمر جنسان مختلفان فيصح بيعهما ببعضهما مفاضلة، أما النبيذ فهو مع الخل جنس واحد على المعتمد، فلا يصح بيعهما ببعضهما مفاضلة ويصح مماثلة، وكذلك النبيذ مع التمر جنس واحد ولكن لا يصح بيعهما ببعضهما لا مفاضلة ولا مماثلة.
أما اللبن وما يتولد منه فإنه سبعة أنواع؟ وهي الحليب، والزبدة، والسمن، والمخيض "الخض" الأقط، وهو لبن يحفف حتى يستحجر فيحفظ ليطبخ به عند الحاجة كالخضر المجففة، والجبن، والمضروب "الرائب". فهذه الأنواع يجوز بيع بعض كل واحد منها بمثله، فيجوز أن يبيع رطلاً من الحليب برطلين من الحليب. ورطلاً من الزبد برطلين من الزبد وهكذا. ولا يصح بيع الحليب بالزبد ولا بالسمن ولا بالجبن ولا بالأقط، كما لا يصح بيع الزبد بالسمن أو الجبن أو الأقط، ولا بيع السمن بالجبن ولا بالأقط.
وأما بيع المخيض أو المضروب بالأقط فقيل: لا يصح مطلقاً، لأنه من قبيل بيع الجاف باللبن وهو لا يجوز. وقيل: يصح، والظاهر الأول. وكذلك اختلف في بيع الجبن بالأقط فقيل: بالجواز: وقيل بالمنع
(2/243)

ثانيها: الحلول، فلا يصح أن يبيع ذهباً بذهب، أو فضة بفضة مع تأجيل قبض البدلين أو أحدهما ولو لحظة.
ثالثها: التقابض في المجلس: بأن يقبض البائع ما جعل ثمناً، ويقبض المشتري ما جعل مبيعاً، فإن افترقا بأبدانهما قبل القبض فقد بطل العقد. وأما بيع أحد الجنسين بالجنس الآخر أعني بيع الذهب بالفضة بوالعكس فإنه لا يشترط فيه التساوي، فيجوز أن يشترط الجنيه الذي قيمته مائة قرش فأكثر من الفضة. وإنما يشترط له شرطان:
ثانيهما التقابض في المجلس. ومثل (1) الذهب والفضة في ذلك باقي الأصناف الربوية التي تقدم بيانها.
__________
(1) الحنفية - قالوا: إن باقي الأصناف التي يدخلها الربا كالطعام ليست كالذهب والفضة في شرط التقابض في المجلس، لأن الذهب والفضة لا يتعينان بالتعيين؛ فلا يملك ما بيع من الذهب بعينه ولا الفضة بعينها إلا بالقبض، فإذا باع له هذا الجنيه بخصوصه بخمسين قطعة من ذات القرشين فإن للبائع أن يبدله بعد هذا بجنيه آخر غيره. ومثل ذلك قطعة الذهب التي تباع بمثلها فإنها لا تملك بالتعيين وإنما تملك بالقبض. فلهذا شرط في بيع الذهب والفضة التقابض في المجلس، سواء كان مضروبين أو مصوغين. أما باقي الأصناف فإنها تتعين بالتعيين، فإذا اشترى هذا الإردب من القمح بهذين الإردبين من الشعير فقد تعينا بذلك، فلا يصح للبائع أو المشتري أن يبدله بغيره. فلا يشترط التقابض في المجلس بالنسبة لها. وإنما يشترط فيها ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون المبيع والثمن موجودين في ملك البائع والمشتري.
الثاني: أن يتعين المبيع والثمن، فلو باعه إردباً من الحنطة بإردب من الحنطة بدون أن يعين الإردبين لم يصح.
الثالث: أن ما يجعل مبيعا لا يصح أن يكون ديناً وإنما يصح ذلك في الثمن. فإذا باعه إردباً من هذه الحنطة المعينة بإردب من حنطة جيدة ولكنها غائبة فإنه يصح البيع، وإنما يشترط في هذه الحالة أن يحضر المشتري الثمن وهو الإردب من الحنطة الجيدة ويقبضه البائع في المجلس، لما علمت من أنه يشترط تعيين المبيع والثمن. والدين لا يتعين إلا بالقبض فلا بد من قبضه في المجلس. فإذا قبضه البائع ولم يقبضه المشتري المبيع فإنه لا يضر. أما إذا جعل المبيع ديناً كأن قال: اشتريت منك إردباً من الحنطة الجيدة بهذين الإردبين من الشعير فإنه لا يصح مطلقاً ولو أحضر له الحنطة المبيعة في المجلس، لأنه جعل الدين مبيعاً وهو غير موجود فكأنه اشترى ما ليس عنده، فلا يصح البيع أصلاً
(2/244)

أما القروش وغيرها المأخوذة من معادن أخرى غير الذهب والفضة "كالنيكل والبرونز والنحاس" وتسمى فلوساً، فإن لها أحكاماً في المذاهب (1) .

البيوع المنهي عنها نهياً لا يستلزم بطلانها
البيوع المنهي عنها نهياً لا يستلزم بطلانها كثيرة:
منها: بيع النجش - بفتح النون وسكون الجيم: وهو الزيادة في البيع بأن يزيد الشخص في السلعة على قيمتها من غير أن يكون له حاجة إليها، ولكنه يريد أن يوقع غيره في شرائها.
وهو حرام نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى في الموطأ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع النجش" فإن كان البائع متوطئاً مع الناجش كما يفعل بعض التجار فإن الإثم يكون عليهما معاً، وإلا فإن الإثم يكون على الناجش وحده. أما إذا لم ترد السلعة على قيمتها فإنه لا يكون حراماً.
__________
(1) الشافعية - قالوا: الفلوس لا يدخلها الربا، سواء كانت رائجة يتعامل بها أو لا على المعتمد. فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً إلى أجل، فإذا باع عشرين قرشاً صاغاً من العملة المصرية بخمسين قرشاً من القروش التعريفة يدفعها بعد شهر، فإنه يصح مع وجود زيادة خمسة قروش.
الحنابلة - قالوا: إذا اشترى فلوساً يتعامل بها مأخوذة من غير الذهب والفضة فإنه يجوز شراؤها بالنقد متفاضلة إلى أجل، فيصح أن يشتري ثلاثين قرشاً صاغاً من العملة المصرية "القروش" بريالين يدفعهما بعد شهر، ولكن نقل بعضهم أن الصحيح في المذهب أن التأجيل لا يجوز، وأن شراء الفلوس بالنقدين يصح متفاضلاً ولكن بشرط التقابض في المجلس.
الحنفية - قالوا: الفلوس المأخوذة من غير الذهب والفضة إذا جعلت ثمناً لا تتعين بالتعيين، فهي مثل النقود المأخوذة من الذهب والفضة إلا أنه يصح بيع بعضها ببعض مفاضلة، ولا يشترط فيها التقابض من الجانبينن فإذا اشترى قرشاً "من الصاغ" بقرش من "التعريفة" أكثر منها لأجل فإنه يصح إذا قبض القروش الصاغ وأما إذا افترقا قبل أن يقبض أحدهما فإنه لا يصح.
المالكية - قالوا: الفلوس هي ما اتخذت من النحاس ونحوه وهي كعروض التجارة. فيجوز شراؤها بالذهب والفضة كما يجوز أن يشتري بها حلياً فيه ذهب وفضة، أما شراؤه بالذهب فقط، أو بالفضة فإنه لا يجوز نقداً، سواء كانت الفضة أقل من الذهب أو العكس
(2/245)

وفي حكمه تفصيل المذاهب (1) ...
ولا يجوز أن يضاف (2) في الصرف جنس إلى آخر غير النقد: كأن يبيع جنيهاً وشاة بجنيه، أو شاتين، أو جنيهين وتسمى هذه المسألة مد عجوة ودرهم، بمد عجوة ودرهم، أو درهمين. لأهم يمثلون لها بهذا المثال. وذلك لأن الثمن يقسط على المبيع فيكون الثمن نصف شاة ونصف جنيه يقابل المبيع نصف شاة ونصف جنيه. وهذا فيه احتمال كون نصف الشاة من الثمن أكثر أو أقل من نصف الشاة المبيعة، واحتماع كون الشاة بتمامها قيمتها أكبر من الجنيه.
والاحتياط في ترك الأمور التي يحتمل فيها الربا. أما إذا أضيف جنس إلى جنس من النقد فإنه (3) يصح إذا باع جنيهاً مصرياً قديماً وريالاً بجنيه مصري جديد وريال متساويين في القيمة والوزن، لأن إضافة الجنسين من الذهب والفضة إلى بعضهما في الصرف جائز.
__________
(1) المالكية - قالوا: إذ علم البائع بالناجش ورضي عن فعله فسكت حتى تم البيع كان البيع صحيحاً، ولكن للمشتري الخيار في أن يمسك المبيع أو يرده فإن ضاع المبيع وهو عنده قبل أن يرده للبائع، فإنه يلزمه أن يدفع الأقل من الثمن أو القيمة، وتعتبر القيمة يوم العقد لا يوم القبض، أما إذا لم يكن البائع عالماً فإنه لا خيار للمشتري على أي حال.
الشافعية - قالوا: إذا كان البائع غير متواطئ مع الناجش فلا خيار للمشتري باتفاق. أما إذا كان متواطئاً ففيه خلاف: والأصح أنه لا خيار للمشتري أيضاً لأنه قصر في بحث السلعة بنفسه، واعتمد على من أوقعه وغره فلا حق له.
الحنفية - قالوا: بيع النجش مكروه تحريماً إذا زادت السلعة عن قيمتها.
الحنابلة - قالوا: للمشتري في بيع النجش الخيار، سواء تواطأ الناجش مع البائع؛ أو لم يتواطأ بشرط أن اشترى السلعة بغبن زائد على العادة، فيخير بين رد المبيع وإمساكه، وقال بعضهم: إذا أمسكه يرجع على البائع بفرق الثمن الذي زاد عليه فيأخذه منه. ومثل بيع النجش ما إذا قال البائع للمشتري: قد أعطيت في هذه السلعة كذا فصدقة ثم اتضح أن البائع كاذب، فإن للمشتري الخيار في الرد والإمساك. على أنه يشترط في الحالتين: أن يكون المشتري جاهلاً. أما إن كان عارفاً فلا خيار له، لأنه يكون قد فرط
(2) الحنفية - قالوا: يجوز أن يضاف في الصرف جنس إلى جنس آخر، سواء كان نقداً أو غيره، فإذا باع بإردب قمح وإردب شعير بإردب ونصف قمح وإردب شعير فإنه يصح، وينصرف كل جنس إلى جنسه. وكذلك يصح بيع شاة وجنيه شاة وجنيه أو بشاتين أو جنيهين
(3) المالكية - قالوا: لا يصح أيضاً أن يضاف جنس الذهب إلى جنس الفضة في الصرف، فلا يصح أن يبيع جنيهاً وريالاً بجنيه وريال
(2/246)

ومنها بيع الحاضر للبادي: وهو أن يتولى شخص من سكان الحضر السلعة التي يأتي بها البدوي من البادية بقصد بيعها دفعة واحدة، فيبيعها "السمسار" على مثله تدريجياً فيضيق على الناس ويرفع ثمن السلعة.
وفي حكمه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) المالكية - قالوا: لا يجوز أن يتولى أحد من سكان الحضر بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية بشرطين:
أحدهما: أن يكون البيع لحاضر، فإذا باع لبدوي مثله فإنه يجوز.
ثانيهما: أن يكون ثمن السلعة غير معروف بالحاضرة، فإن كان معروفاً فإنه يصح. وذلك لأن علة النهي هي تركهم يبيعون للناس برخص فينتفع الناس منهم، فإذا كانوا عارفين بالأسعار فإنه لا فرق حينئذ بين أن يبيعوا بأنفسهم وبين أن يبيع لهم السماسرة، وقيل: لا يجوز مطلقاً أما شراء ساكن الحاضرة لأهل البادية فإنه يجوز.
وهل سكان القرى الصغيرة مثل سكان البوادي؟ قولان: أظهرهما أنه يجوز أن يتولى ساكن الحاضرة بيع السلع التي يأتي بها سكان القرى، فإذا تولى أحد من سكان المدن بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية مع وجود الشرطين المذكورين فإن البيع يفسخ ويرد المبيع لبائعه ما لم يكن قد استهلك فإنه ينفذ بالثمن. ويكون كل من البائع والمشتري والسمسار قد ارتكب معصية يؤدب عليها ويعزر فاعلها بالجهل بالتحريم.
الحنابلة - قالوا: بيع الحاضر للبادي حرام ولا يصح أيضاً. وإنما يحرم ولا يصح بخمسة شروط:
أحدها: أن يكون البادي قد حضر بالسلعة ليبيعها، أما إن كان قد حضر بها ليخزنها أو ليأكلها فحضه أحد الحاضرين على بيعها ثم تولى له بيعها فإنه يجوز، لأن في ذلك توسعة لأهل المدينة والمراد بالبادي كل من يحضر إلى المدينة من غير أهلها، سواء كان بدوياً أو لا. ثانيهما: أن يقصد البدوي بيع سلعته بسعر يومها، أما إذا قصد أن يتربص بها ولا يبيعها رخيصة فإن المنع يكون من جهة البائع لا من جهة الحاضر الذي تولى بيعها سمسرة. ثالثها: أن يكون البدوي جاهلاً بالسعر، فإذا كان عالماً به فإنه يصح للحاضر أن يتولى له بيع سلعته لأنه لم يزده علماً. رابعاً: أن يكون المشتري من أهل الحاضرة، أما إن كان بدوياً مثله فإنه يصح للحاضر أن يتولى البيع له لأنه لا أثر للتوسعة في بيع بدوي لمثله خامسها: أن يكون الناس في حاجة إلى سلعته. أما شراء أهل الحاضرة للبادي فجائز.
الشافعية - قالوا: بيع الحاضر للبادي المذكور حرام. وهل هو كبيرة أو صغيرة؟ خلاف: وإثمه على من يعلم أنه حرام، سواء كان الحاضر أو البادي. وبعضهم يقول: إن إثمه على الحاضر أما البادي فلا إثم عليه لأنه وافقه على ما فيه مصلحة له فيعزر في ذلك. والحاضر: ساكن الحاضرة وهي
(2/247)

ومنها تلقي الركبان القادمين بالسلع على تفصيل في المذاهب (1) .
__________
المدن والريف والقرى. والريف: أرضها فيها زرع وخصب ولا بناء بها "وإن كان بها بيوت الأعراب المأخوذة من الشعر". وليس ذلك مراداً هنا. وإنما المراد: الغريب الذي يأتي بالمتاع من خارج البلد ليبيعه فيها بل قال بعضهم: إن التقيد بالغريب ليس بشرط، فلو كان عند واحد من أهل البلد متاع مخزون من قمح ونحوه، ثم أخرجه ليبيعه دفعة واحدة فقال له شخص آخر ليباع تدريجياً فإنه يأثم، سواء كان من أهل البلد أو كان غريباً مثله، وسواء كان هو الذي يتولى بيعه له أو غيره، لأن العلة في النهي متحققة في الحالتين: وهما: التضييق على الناس، وغلاء الأسعار. واعتمد بعضهم أن يكون القادم بالمتاع غريباً. أما القائل بأنه يأثم مطلقاً سواء كان غريباً أو من أهل البلد. فإنما يحرم ذلك بثلاثة شروط: أحدها أن يكون المتاع مما تعم الحاجة إليه في ذاته كالطعام وإن لم يكن جميع أهل البلد في حاجة إليه، بل يكتفي احتياج طائفة ولو كانوا غير مسلمين، فإذا كان الطعام لا تعم الحاجة إليه كالفاكهة ونحوها فإنه لا يحرم فيها ذلك. ثانيها: أن يكون القادم قاصداً لبيع السلعة بسعر يومه، أما إذا كان يريد بيعها على التدريج فقال له شخص: أنا أتولى لك بيعها تدريجاً فإنه لا يأثم، لأن القائل لم يضر بالناس في هذه الحالة، ولا سبيل لمنع صاحب السلعة بيعها تدريجاً لأن المالك يتصرف كما يشاء في حدود الدين.
ثالثها: أن يستشيره صاحب السلعة فيما هو أنفع له، هل البيع تدريجاً أو البيع دفعة واحدة؟ وفي هذا خلاف: والمعتمد أنه يجب عليه أن يشير عليه بما هو الأنفع له. فإذا قال له: بعه تدريجاً، أو أتولى لك بيعه تدريجاً فإنه لا يأثم.
الحنفية - قالوا: المراد بالحاضر السمسار، والبادي البائع القروي، فلا يصح أن يمنع السمسار "ساكن الحضر" البائع القروي من البيع فيقول له: لا تبع أنت فإنني أعلم بذلك منك فيتوكل له ويبيع ما جاء به من سلعة.
وحكم هذا أنه مكروه تحريماً فهو صغيرة من الصغائر، وإنما يكره في حالة ما إذا كان الناس في حالة قحط واحتياج فإن هذا يضر بهم، فيزيد عليهم ثمن السلعة ويضيق عليهم، أما إذا كان الناس في حالة رخاء وسعة فإنه لا يكره
(1) المالكية - قالوا: ينهى عن تلقي السلع التي ترد إلى بلد من البلدان لتباع فيها، فلا يحل لشخص أن يقف خارج البلدة ويتلقى البائعين الذين يحضرون بسلعهم فيشتريها منهم، لأن في ذلك إضرار بأهل البلدة وتضييقاً عليهم، فإذا ابتعد عن البلدة مسافة ستة أميال فإنه يصح له حينئذ أن يشتري من تلك السلع ما يشاء، سواء كان لتجارة أو لقوت، وسواء كانت البلدة الواردة إليها السلع لها سوق أو لا على المعتمد. أما من كان على مسافة أقل من ستة أميال، فإن كان للبلد سوق فإنه لا يجوز له أن يشتري للتجارة. أما للقوت فإنه يجوز. وإن لم يكن لها سوق فإنه يجوز أن يشتري للتجارة وللقوت. فإذا وصلت السلع إلى البلد فإن كان لها سوق فلا يجوز الأخذ منها مطلقاً إلا إذا وصلت السوق، وإن لم يكن لها سوق جاز الأخذ منها مطلقاً للتجارة وللقوت.
(2/248)

ومنها السوم على سوم الغير: وهو أن يتفق المتبايعان على بيع سلعة بثمن ويتراضيا عليه مبدئياً، فيأتي رجل آخر فيساوم المالك بسعر أكثر من السعر الذي رضي به كأن يقول: لا تبعه وأنا أشتريه منك بأكثر من السعر الذي رضيت به. ومثله ما إذا رضي المشتري بالبيع مبدئياً فجاء
__________
وإذا كان صاحب السلعة في البلد والسلعة في بلد آخر، وكان يريد أن يأتي بها ليبيعها في البلدة الموجودة فيها فإنه لا يجوز شراؤها منه بالوصف قبل وصولها أيضاً، وشراء السلعة الممنوع تلقيها صحيح ويضمن المشتري بمجرد العقد. ولكن هل يختص بها المشتري بعد شرائها أو يلزم بعرضها على أهل السوق ليشاركه فيها من يشاء؟ قولان مشهوران:
ويستثنى من هذه السلع: الثمار والخبز، وجمال السقائين.
الحنفية - قالوا: يكره تحريماً تلقي الركبان الذين يأتون بالسلع ليبيعوها في بلد من البلدان لأن المشتري إما أن يتلقى السلع مع حاجة أهل البلد إليها ثم يبيعها لهم بالزيادة فيضر بهم، وإما أن يغرر بالواردين فيشتري منهم بسعر أرخص من سعر السلعة وهم لا يعلمون، فالكراهة تتحقق في الصورتين.
الشافعية - قالوا: إذا تلقى الركبان الذين يحملون متاعاً لبيعه في بلد من البلدان، فاشتراه قبل وصولهم ومعرفتهم بالسعر فإنه يأثم. ويكون لصاحب المتاع الخيار بعد أن يلعم بالثمن بشرطين:
الشرط الأول: أن يشتريه منهم بغير سعر البلد، فإن اشتراه بسعر البلد فلا خيار لهم.
الشرط الثاني: أن لا يكون البائع عالماً بالثمن، فإن كان عالماً بالثمن فإنه لا يكون له الخيار ولو اشتراه منه بأقل من سعر البلد. ومن ثبت له الخيار فهو على الفور، فإذا لم يختر إمضاء البيع أو فسخه بعد علمه بالثمن مباشرة سقط حقه في الخيار. وإذا ادعى أنه يجهل الخيار، أو يجهل كونه فورا فإنه يصدق.
وإذا خرج لغرض آخر لا لتلقي الركبان، كأن خرج متريضاً، أو خرج ليصطاد فاشترى سلعة من القادمين للبيع في البلد، فالأصح أنه يأثم إذا كان عالماً بالحكم، لأن العلة متحققة وهي عين القادمين والتعزير بهم.
وإذا تلقى الركبان القادمين لشراء السلع من البلد فاشترى لهم "كسمسار" فقيل: يجوز وقيل: لا يجوز، والمعتمد عدم الجواز.
الحنابلة - قالوا: في تلقي الركبان وشراء السلع من القادمين بها لبيعها في البلد قولان: قول بالكراهة، وقول بالحرمة، والقول الثاني أولى. والمراد بالركبان: القادمون بالسلع مطلقاً ولو مشاة، ومن اشترى منهم شيئاً أو باعهم شيئاً ثم غبنهم فيه غبناً يخرج عن العادة، فإن لهم الخيار في إمضاء العقد وفسخه عندما يعلمون بحقيقة الثمن.
(2/249)

آخر وقال له: رده وأنا أعطيك أحسن منه. أو أعطيك بثمن أقل. أما المزايدة ابتداء قبل أن يرضى البائع والمشتري ويركنان إلى البيع فإنها جائزة. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السوم بقوله: "لا يسوم الرجل على أخيه" رواه الشيخان، وهو يتضمن النهي عن الفعل وفيحكمه تفصيل المذاهب (1)

مبحث المرابحة والتولية
المرابحة في اللغة مصدر من الربح وهو الزيادة. أما في اصطلاح الفقهاء فهي: بيع السلعة بثمنها التي قامت به مع ربح بشرائط خاصة مفصلة في المذاهب
(2) .
__________
(1) الحنفية - قالوا: السوم على سوم الغير يكره تحريماً إذا اتفق المشتري مع البائع على تعيين الثمن مبدئياً وركن البائع إلى البيع بذلك، أما إذا لم يركن البائع إلى الثمن فإنه يصح الزيادة عليه، بل هو محمود لما فيه من منفعة البائع ورواج السلعة، ومثل البيع خطبة النكاح. فإنه يكره أن يخطب الرجل خطيبة غيره بعد الاتفاق على المهر وإلا فلا يكره. وكذلك الإجارة.
المالكية - قالوا: السوم على سوم الغير إن كان قبل الركون إلى الثمن والاتفاق عليه مبدئياً فإنه يكون خلاف الأولى. أما بعد الركون إلى الثمن فإنه حرامً.
الشافعية - قالوا: السوم على سوم الغير يحرم بعد استقرار الثمن والتراضي به صريحاً، أما إذا سكت البائع أو قال: حتى أستشير فإنه لا يكون رضا بالثمن صريحاً، فلا يحرم السوم في هذه الحالة على الصحيح، وإنما يحرم إذا كان عالماً به، فإذا لم يكن عالماً له فإنه لا يحرم.
الحنابلة - قالوا: يحرم سوم الرجل على سوم أخيه بعد رضا البائع بالثمن صريحاً، ولا تحرم المساومة والمزايدة في حالة المنادة على المبيع بالبيع، كما يفعله كثير من الناس فإنه جائز بلا نزاع
(2) المالكية - قالوا: المرابحة بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به مع زيادة ربح معلوم للبائع والمشتري وهو خلاف الأولى، لأنه يحتاج إلى بيان كثير قد يتعذر على العامة فيقع البيع فاسداً، لأن البائع ملزم بأن يبين المبيع وكل ما أنفقه عليه زيادة على ثمنه. وربما يفضي إلى نزاع. ومثله بيع الاستئمان: وهو أن يشتري السلعة على أمانة البائع بأن يقول له: بعني هذه السلعة كما تبيع للناس لأني لا أعرف ثمنها.
وكذلك بيع المزايدة: وهو أن يتزايد اثنان فأكثر في شراء سلعة قبل أن يستقر ثمنها ويتفق عليه البائع مع أحدهما، وإلا كان ذلك حراماً لأنه سوم على سوم الغير في هذه الحالة كما تقدم.
ثم إن بيع المرابحة على وجهين: الوجه الأول: أن يساومه على أن يعطيه ربحاً عن كل مائة
(2/250)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عشرة مثلاً أو أكثر أو أقل، ويشتمل هذا الوجه على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون للبائع قد اشترى السلعة بثمن معين ولم ينفق عليها شيئاً زيادة عن الثمن. وهذه أمرها ظاهر فإن على المشتري أن يدفع الثمن مضافاً إليه الربح بالحساب الذي يتفقان عليه، والصورة الثانية: أن يكون البائع قد أنفق على السلعة زيادة على ثمنها الذي اشتراها به، وتشمل هذه ثلاثة أمور:
الأولى: أن يكون ما أنفق عليها عيناً ثابتة قائمة بالسلعة، كما إذا اشترى ثوباً أبيض فصبغه، أو اشترى صوفاً منفوشاً ففتله، أو اشترى ثوباً فخاطه أو طرزه، فإن الصبغ والفتل والتطريز والخياطة صفات قائمة بالثوب، وحكم هذا: أنه يكون كالثمن فيضاف إلى الثمن ويحب له الربح بنسبته، وإنما يشترط أن يبينه البائع كما يبين الثمن فيقول: قد اشتريت الثوب بكذا، وصبغته بكذا، أو خطته بكذا، أو طرزته بكذا، فإذا كان قد تولى ذلك بنفسه كأن كان خياطاً فخاط ثوبه، أو صباغاً فصبغه فإنه لا يحتسب له شيء من أجرة وربح. الثاني: أن يكون ما أنفق عليه غير قائم بالبيع ولا يختص به، كأجرة خزنه في داره وحمله، وحكم هذا: أنه لا يحسب من أصل الثمن ولا يحسب له ربح، أما إذا كان اكترى له داراً بخصوصه ليخزنه فيها ولولاه ما احتاج إلى هذه الدار، فإن أجرتها تحسب من الثمن ولا يحسب لها ربح. ومثل ذلك أجرة السمسار إذا كانت العادة تحتم الشراء به. الثالث: أن يكون غير قائم بالمبيع ولكنه يختص به. وهذا إن كان مما يعمله التاجر بنفسه عادة كطي الثوب وشده ولكنه قد استأجر عليه غيره فإنه لا يحسب ما أنفقه لا في الثمن ولا في الربح.
أما إن كان مما لا يتولاه التاجر بنفسه كالنفقة على الحيوان، فإنه يحسب من أصل الثمن ولا يحسب له ربح، ويشترط أن يبينه أيضاً، فإذا اشترط البائع على المشتري أن يعطيه ربحاً على كل ما أنفقه سواء كان له عين قائمة بالمبيع كالصبغ وما ذكر معه، أو ليست له عين ثابتة غير مختصة كأجرة الحمل. أو مختصة ولكن العادة جرت بأن يفعلها البائع بنفسه أو العكس. فإنه يعمل بشرطه إذا سماها جميعها.
ومن هذا يتضح لك أن تسمية الثمن وتسمية ما أنفقه على السلعة سواء كان قائماً بها أو لا شرط على أي حال، فإذا قال له: أبيعك هذه السلعة على أن أربح في المائة عشرة مثلاً، ثم ذكر له الثمن مضافاً إليه ما أنفقه على السلعة ولم يسم له ما يصح إضافته إلى الثمن بربح، وما يصح إضافته بدون ربح، وما لا يصح إضافته إلى الثمن أصلاً. فإن العقد يقع فاسداً لجهل المشتري بالثمن في هذه الحالة.
الوجه الثاني: من وجهي البيع بالمرابحة: أن يبيع السلعة بربح معين على جملة الثمن كأن يقول له: أبيعك هذه السلعة بثمنها مع ربح عشرة أو خمسة ويشترط في هذه الحالة أيضاً: أن يسمى الثمن وما يتبعه مما أنفقه على السلعة، سواء كان قائماً بها كالصبغ ونحوه، أو لا كأجرة خزنها وحملها وهكذا مما لا يضاف إلى الثمن مع ربح، أو يضاف بدون ربح، أو لا يضاف أصلاً وفي هذه الحالة يصح البيع ولكنه يطرح عن المشتري ما أنفقه البائع على السلعة مما لا يضاف إلى الثمن كأجرة الحمل ونحوها إلا أن يشترط حسبانه فإنه يصح. ولا فرق في الثمن بين أن يكون ذهباً أو فضة ونحوهما أو يكون
(2/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قيمياً، فإذا اشترى ثوباً بشاة فإنه يصح أن يبيعه بشاة مماثلة للشاة التي اشتراه بها في صفاتها ويزيده ربحاً معلوماً، ولكن يشترط أن تكون الشاة التي يريد شراءه بها مملوكة له عنده أو ليست عنده ولكنها مضمونة. بحيث يمكن الحصول عليها، أما إذا لم تكن كذلك فإنه لا يصح.
الحنابلة - قالوا: إذا كان الربح معلوماً والثمن كذلك صح بيع المرابحة المذكور بدون كراهة فإذا قال: بعتك هذه الدار بما اشتريتها به وهو مائة جنيه مثلاً مع ربح عشرة فإنه يصح؛ أما إذا قال له: بعتك هذه الدار على أن الربح في كل عشرة من ثمنها جنيهاً ولم يبين الثمن فإنه يصح مع الكراهة؛ وعلى البائع أن يبيع الثمن على حدة وما أنفقه على المبيع على حدة، فإذا اشتراه بعشرة وأنفق عليه عشرة، وجب عليه أن يبينه على هذا الوجه فيقول: اشتريت بعشرة، وصبغته، أو كلته، أو وزنته، أو علفته بكذا، وهكذا.
الشافعية - قالوا: يصح بيع المرابحة سواء قال له: بعتك هذه السلعة بثمنها الذي اشتريتها به وهو مائة مثلاً وربح عشرة. أو قال له: بعتك هذه السلعة بربح كل جنيه عن كل عشرة من ثمنها ثم إن كان المشتري يعلم الثمن ويعلم ما أنفقه البائع على السلعة زيادة على الثمن فإنه يدخل في قوله: بعتك بثمنها وربح كذا وإن لم يبينها، إلا أجرة عمل البائع بنفسه، أو عمل متطوع له بعمل مجاناً فإنه لا يدخل إلا إذا بينه. أما إذا كان المشتري لا يعلم شيئاً من النفقات فإنه لا يدخل شيء منها في العقد إلا إذا بينه البائع، وكذلك الثمن إذا كان عرضاً ولم يعلم به المشتري فإنه يلزم أن يبينه البائع كأن يقوله له: بعتك هذه الثوب بثمنه الذي اشتريته به وهو عرض كذا، وقيمته كذا. أما إذا كان المشتري يعلم به فلا يلزم بيانه. على أنه إن بينه يقع العقد صحيحاً، وإنما البيان لدفع الكذب المحرم. أما إذا كان الثمن نقداً أو مثلياً كالمكيلات ونحوها فإنه لا يلزم بيانه.
الحنفية - قالوا: يصح البيع بالمرابحة أي بالثمن الأول مع ربح بشرطين: الأول: أن يكون المبيع عرضاً فلا يصح بيع النقدين مرابحة، فإذا اشترى جنهين من الذهب بمائتين وعشرين قرشاً فضة، فإنه لا يصح أن يبيعهما بثمنهما المذكور مع ربح خمسة مثلاً، وذلك لأن الجنيهات لا تتعين بالتعيين كما تقدم غير مرة، إذ يصح أن يقول: بعتك هذا الجنيه بكذا ثم يعطيك جنيهاً غيره لأنه لا يملك بالشراء.
وللبائع أن يضم إلى أصل الثمن كل ما أنفقه على السلعة مما جرت به عادة التجار، سواء كان عيناً قائمة بذات المبيع كصبغ الثوب وخياطته وتطريزه وفتل الصوف والقطن "غزلهما" وحفر الأنهار والمساقي. أو كان خارجاً عن المبيع غير قائم به كأجرة حمله وإطعام الحيوان بلا تبذير وأجرة السمسار. وهل يلزم أن يشترط البائع ضم ما أنفقه من ذلك إلى أصل الثمن ويبينه أو لا؟ خلاف: والراجح أن المرجع في ذلك للعرف كما أشرنا إلى ذلك أولاً، فما جرت عادة التجار بضمه إلى الثمن يضم وإلا فلا. الشرط الثاني: أن يكون الثمن مثلياً كالجنيه والريال ونحوهما من العملة، وكذلك المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة. أما المعدودات المتفاوتة فإنها ليست مثلية، فإذا اشترى
(2/252)

أما التولية فهي في اللغة مصدر ولى غيره: جعله والياً. وشرعاً بيع السلعة بثمنها الأول بدون زيادة عليه، وحكمها كحكم المرابحة على التفصيل الممتقدم فيها، ومثلهما الوضعية ويقال لها المحاطة وهي بيع السلعة مع نقصان ثمنها الذي اشتريت به.
فإذا باع شيئاً مرابحة أو وضعية ثم ظهر كذبه في بيان الثمن وما يتعلق به ببرهان أو إقرار أو غيرهما ففيه تفصيل المذاهب
(1) .
__________
بعيراً بعشرة جنيهات فإنه يصح أن يبيعه بثمنه مع ربح معين، وكذلك إذا اشتراه بعشرة "أرادب" من القمح فإنه يصح أن يبيعه بها مع ربح إردب من جنسها. وكذلك إذا اشترى إردباً من القمح بصفيحة من السمن زنتها ثلاثون رطلاً فإنه يصح أن يبيعه بثمنه مع زيادة العينة من السمن وهكذا، فإذا كان الثمن غير مثلي بل كان قيمياً أي يباع بالتقويم لا بالكيل ونحوه كالحيوان والثوب والعقار، فإنه لا يصح البيع به مرابحة إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يكون ذلك الثمن هو بيعنه الذي بيعت به السلعة أولاً، مثال ذلك أن يشتري زيد من عمرو ثوباً بشاة ثم يشتري محمد الثوب من زيد بنفس الشاة التي اشتراه بها بعد أن يملكها من عمرو. الشرط الثاني: أن يكون الربح معلوماً كأن يقول له: اشتريت منك هذا الثوب بالشاة التي اشتريته بها مع ربح عشرة قروش، أو مع ربح كيلة من القمح، أما إذا كان الربح غير معين كأن يقول له: اشتريت منك هذا الثوب بالشاة المذكورة مع ربح خمسة في المائة من ثمنه فإنه لا يصح.
لأن ثمن الثوب غير معين في هذه الحالة
(1) الحنفية - قالوا: إذا ظهر كذبه ببرهان، أو إقرار، أو نكول عن اليمين، فإن للمشتري الحق في أخذ المبيع بكل ثمنه الذي اشتراه به أو رده، وله أن يقتطع من الثمن الذي دفعه ما زيد عليه كذباً في البيع بالتولية فقط. أما المرابحة فليس له فيها إلاخيار رد البيع أو إمساكه بكل الثمن. وبعضهم يقول: إن له أن يقتطع ما زال عليه فيها أيضاً، فإذا باع ثوباً بعشرة مع ربح خمسة واتضح أن ثمنه ثمانية لا عشرة، فللمشتري أن ينقص اثنين من أصل الثمن وما يقابلهما من الربح وهو قرش. وإذا هلك المبيع أو استهلكه المشتري، أو حدث فيه عيب وهو عنده قبل رده، سقط خياره ولزمه بكل الثمن.
المالكية - قالوا: البائع في المرابحة إن لم يكن صادقاً فهو: إما أن يكون غاشاً، أو كاذباً، أو مدلساً.
فأما الغاش: فهو الذي يوهم أن في السلعة صفة موجودة يرغب في وجودها، وإن كان عدمها لا ينقص السلعة، أو العكس بأن يوهم أن السلعة خالية من صفة موجودة فيها لا يرغب في وجودها، وذلك كأن يوهم أن السلعة جديدة واردة من معملها حديثاً وهي قديمة لها زمن طويل عنده، أو يوهم أن هذا الثوب وارد من معمل كذا وهو ليس كذلك. بشرط أن لا يكون ذلك منقصاً لقيمة السلعة، وإن كان عيباً له الحكم المتقدم في خيار العيب. أما حكم الغش المذكور في المرابحة: فهو أن المشتري بالخيار بين أن يمسك المبيع وبين أن يرده. أما الكاذب: فهو الذي يخبر بخلاف الواقع فيزيد في الثمن
(2/253)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كأن يقول: إنه اشترى السلعة بثلاثين مع أنه اشتراها بعشرين، وفي هذه الحالة يكون للمشتري الحق في أن يسقط ما زاده البائع عليه من الثمن وما يقابله من الربح، ولا يلزمه المبيع إلا بذلك، فإن لم يقبل البائع ذلك يكون المشتري مخيراً بين إمساك المبيع ورده.
إذا عرض على السلعة أمر يفوت ردها كنماء، أو نقص، أو نزل عليها السوق. ففي حالة الغش يلزم المشتري بأقل الأمرين من الثمن والقيمة يوم قبضها ولا يقدر للسلعة ربح، وفي حالة الكذب: فإن المشتري يخير بين أن يأخذ السلعة بالثمن الحقيقي مع ربحه، وبين أن يأخذها بقيمتها يوم قبضها إلا إذا زادت قيمتها عن ثمنها المكذوب وربحه، فإنه لا يلزم بدفع الزيادة عند ذلك. لأن البائع رضي بالثمن المكذوب، فارتفاع قيمة السلعة لا يكسبه حقاً خصوصياً وأنه زاد في الثمن كذباً. وأما المدلس: فهو الذي يعلم أن بالسلعة عيباً ويكتمه، وحكم المدلس في المرابحة كحكمه في غيرها. وقد تقدم في مباحث الخيار أن المشتري يكون بالخيار بين الرد ولا شيء عليه، وبين إمساك المبيع ولا شيء له الخ غلا أن بيع المرابحة إذا حصل فيه كذب أو غش أو تدليس فإنه يكون شبيهاً بالعيب الفاسد. فإذا هلك المبيع قبل أن يقبضه المشتري لا يكون ملزماً به بخلاف غيرها من بيع المزايدة أو المساومة فإنه إذا كان فيها كذب أو غش ونحوهما وهلكت قبل قبضها فإن ضمانها يكون على المشتري بمجرد العقد.
الحنابلة - قالوا: إذا باع شيئاً تولية أو مرابحة ثم ظهر أنه كاذب في الثمن، فإن للمشتري الحق في إسقاط ما زاده البائع كذباً في التولية والمرابحة من أصل الثمن، وإسقاط ما يقابله من الربح في المرابحة وينقص الزائد من المواضعة أيضاً. ويلزم البيع الباقي، فلا خيار للمشتري في ذلك.
وإذا قال البائع: إنني غلطت في ذكر الثمن لأنه أزيد مما ذكرت، فالقول قوله مع يمينه بأن يطلب المشتري تحليفه فيحلف أنه لم يعلم وقت البيع أن ثمنها أكثر مما أخبر به، وبعد حلف البائع يخير المشتري بين رد المبيع وبين دفع الزيادة التي ادعاها، فإن نكل عن اليمين فليس له إلا ما وقع عليه العقد. ورجح بعضهم أنه لا يقبض قول البائع بالزيادة غلا ببينة ما لم يكن معروفاً بالصدق على الأظهر.
الشافعية - قالوا: إذا ظهر كذب البائع في المرابحة بأن أخبر أنه اشتراه بمائة فظهر بالبرهان أو بالإقرار أنه اشتراه بأقل، فإن للمشتري الحق في إسقاط الزائد من أصل الثمن وما يقابله من الربح. وإذا زعم البائع أنه ذكر أقل من الثمن الذي اشترى به غلطاً فإنه لا يكون له حق في الزيادة التي ادعاها المشتري، فإذا بين للبائع وجهاً للغلط يحتمل وقوعه كأن قال: رجعت إلى الدفتر فوجدت ثمنه أكثر مما ذكرت أو نحو ذلك سمعت ببينته إن كانت له بينة، فإذا صدقته البينة يكون له "البائع: الخيار ولا تثبت له الزيادة. أما إذا لم يبن وجهاً محتملاً لغلطه فإن بينته لا تسمع مطلقاً، وقيل: لا تسمع بينته على أي حال، سواء بين وجهاً محتملاً أو لم يبين لتناقضه في قوله، والمعتمد الأول. وللبائع أن يحلف المشتري بأنه لا يعرف أن الثمن زائداً عما ذكره البائع له أو لا، فإن أقر المشتري فإن الحكم يكون كما
(2/254)

مبحث البيع بالغبن الفاحش
البيع والشراء مشروع ليربح الناس من بعضهم، فأصل المغابنة لا بد منها، لأن كلاً من البائع والمشتري يرغب في ربح كثير. والشارع لم ينه عن الربح في البيع والشراء ولم يحدد له قدراً، وإنما نهى عن الغش والتدليس، ومدح السلعة بما ليس فيها، وكتم ما بها من عيب ونحو ذلك. فمن فعل بسلعة شيئاً من ذلك، كان لمن أخذها الحق في ردها كما تقدم مفصلاً في مباحث الخيار، وقد شرع الخيار ليكون للبائع والمشتري فرصة في التأمل حتى لا يغبن أحدهما ولا يندم كما تقدم. فمن الممكن أن يحتاط البائع والمشتري حتى لا يغبن واحد منهما غبناً فاحشاً. ولكن إذا وقع ذلك بدون تدليس ولا غش فما هو حكمه وما هو الحد الذي يغتفر منه وما لا يغتفر؟ في ذلك تفصيل المذاهب (1) .
__________
إذا صدقه فيثبت للبائع الخيار لا الزيادة. وإن حلف بأنه لا يعرف مضي العقد على ما هو عليه فلا يكون لواحد منهما خيار، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على البائع، فإن حلف كان للبائع الخيار في أخذ السلعة بالثمن الذي حلف عليه البائع وبين ردها

(1) المالكية - قالوا: المشهور في المذاهب أنه لا يرد المبيع بالغبن في الربح ولو كان كثيراً فوق العادة إلا في أمور:
أحدها: أن يكون البائع والمشتري بالغبن الفاحش وكيلاً أو وصياً، فإذا كان كذلك فإن بيعها وشراءها يرد. فللوكل أو المحجور عليه أنيرد المبيع، فإذا وكل شخص آخر بأن يشتري له سلعة فاشتراها له بغبن فاحش أو محاباة لبائعها، كان للموكل الحق فيرد تلك السلعة إذا كانت قائمة لم تتغير فإن تغيرت فإن له الحق في الرجوع على البائع بالزيادة التي وقع فيها الغبن، فإن تعذر الرجوع على البائع كان له الحق في الرجوع بذلك على المشتري وهو الوكيل.
وكذلك إذا وكله في أن يبيع له سلعة فباعها بنقص فاحش فإن له أن يستردها إذا لم يطرأ عليها ما يمنع الرد، فإذا لم يمكن ردها رجع بالنقص على المشتري، فإن تعذر رجع به على البائع. ومثل الوكيل الوصي. فإن للمحجور عليه أن يفعل في بيعه وشرائه ذلك.
واختلف في حد الغبن الفاحش فقال بعضهم: إذا بيعت السلعة بزيادة الثلث عن قيمتها، أو بنقص الثلث كان غبناً، ولكن المعتمد أن الغبن زيادة السلعة عن قيمتها زيادة بينه أو نقصها نقصاً بيناً فمتى كانت الزيادة أو النقص ظاهرين كان ذلك غبناً فاحشاً.
ثانيها: أن يستسلم المشتري للبائع كأن يقول له: بعني هذه السلعة كما تبيعها للناس، أو يستسلم البائع للمشتري بأن يقول له: اشتر مني كما تشتري من الناس فإنه في هذه الحالة إذا غبن البائع أو المشتري غبناً فاحشاً كان لهما الحق في رد المبيع.
(2/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثالثها: أن يستأمن البائع المشتري أو العكس كأن يقول له: ما تساوي هذه السلعة من الثمن لأشتري به أو أبيعها به؟ فإذا أخبره بنقص أو زيادة كان له الحق في رد السلعة.
وقد أفتى بعض أئمة المالكية بأن المبيع إذا زاد على الثلث أو نقص عنه، فسخ البيع بشرط أن يكون البائع قد باع وهو عالم بالغبن، أو يكون المشتري قد اشترى وهو عالم بذلك واستمر قائماً لم يتغير قبل مجاوزة العام، وقد جرى العمل على ذلك في بعض الجهات الإسلامية.
الحنابلة - قالوا: يرد المبيع بالغبن الفاحش بالزيادة أو النقص في ثلاثة صور:
الصورة الأولى: تلقي الركبان.
الصورة الثانية: بيع النجش. وقد تقدم الكلام عليهما قريباً.
الصورة الثالثة: أن يكون البائع أو المشتري لا معرفة لهما بالأسعار ولا يحسنان المماكسة. ويقبل قوله بيمينه أنه جاهل بقيمة الثمن ما لم تقم قرينة تكذبه في دعوى الجهل. ويرى بعضهم أنه لا يسمع قوله إلا ببينة تشهد بأنه جاهل بقيمة الثمن، أما من يحسن المماكسة وله خبرة بالأسعار، فإنه لا حق له في رد المبيع ولو غبن غبناً فاحشاً. وحد الغبن الفاحش: أن يزيد المبيع أو ينقص عما جرت به العادة.
الحنفية - قالوا: الغبن الفاحش هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، كما إذا اشترى سلعة بعشرة فقومها بعض أهل الخبرة بخمسة، وبعضهم بستة، وبعضهم بسبعة، ولم يقل أحد إنها بعشرة فالثمن الذي اشتريت به لم يدخل تحت تقويم أحد. أما إذا دخل تحت التقويم كأن قال بعضهم: بثمانية، وبعضهم بسبعة وبعضهم بعشرة فإنه لا يكون غبناً، لأن السعر الذي اشتريت به قال به بعضهم فدخل تحت التقويم، وحكم الغبن الفاحش: أن المبيع لا يرد به إلا في حالة الغرر، فإن قال البائع للمشتري: إن هذه "القطنية" مثلاً بلدية فاشتراها بأربعة جنيهات، ثم تبين أنها شامية تساوية جنيهين، فللمشتري الحق في ردها.
وكذا إذا قال المشتري للبائع: إن هذا الخروف يساوي في السوق جنيهاً فصدقه وباعه له، ثم تبين أنه يساوي جنيهين، فإن للبائع الحق في فسخ البيع. وإذا تصرف في بعض المبيع قبل علمه، فإن كان مثلياً فإنه يصح أن يأتي بالمثل الذي تصرف فيه ويرد المبيع كاملاً ويأخذ ما دفعه من الثمن كاملاً. أما إذا كان قيمياً وتصرف فيه أو في بعضه، أو حدث فيه ما يمنع الرد فإنه يسقط خياره حينئذ.
الشافعية - قالوا: الغبن الفاحش لا يوجب رد المبيع متى كان خالياً من التلبيس، سواء كان كثيراً أو قليلاً، على أن من السنة أن لا يشتد البائع أو المشتري حتى يغبن أحدهما صاحبه. وقد عرفت أن من يتلقى الركبان فيشتري منهم بغبن فإن شراءه لا ينفذ، ولهم الحق في الرجوع
(2/256)

مبحث ما يدخل في المبيع تبعاً وإن لم يذكر وما لا يدخل
إذا اشترى داراً فإنه يدخل فيها بناؤها وأبوابها ونحو ذلك مما هو متصل بها وإن لم يشترط ذلك، وكذلك إذا اشترى أرضاً زراعية مغروسة بها أشجار فإن الأشجار تدخل فيها. وفي ذلك تفصيل المذاهب
(1) .
__________
(1) الحنفية - قالوا: ينبني هذا المبحث على ثلاث قواعد: القاعدة الأولى: أن كل ما يشمله اسم المبيع عرفاً يدخل فيه بدون ذكر فإذا اشترى داراً فإنه يدخل فيها كل ما يصدق عليه اسم الدار عرفاً مما يأتي بيانه قريباً.
القاعدة الثانية: أن يكون متصلاً بالمبيع اتصال قرار، فلا يكون موضوعاً بقصد الإزالة والقطع كالشجر المغروس في الأرض بقصد الاستمرار لينتفع بثمره كالنخل، والرمان، والمنجو، والجوافى وغير ذلك من الأشجار الثابتة، فإنها تدخل في المبيع وإن لم ينص على دخولها في العقد، سواء كانت مثمرة أو غير مثمرة، بخلاف الأشجار الجافة فإنها غير مستمر إذ لا ينتفع بها إلا بالقطع، ومثلها الأشجار الخضرة التي لا تثمر إذا كان يقصد قلعها في زمن معين ولو بعد سنة أو سنتين كالأشجار التي تربى لتكون أخشاباً فإنها لا تدخل في المبيع إلا بالشرط، ومثلها أنواع الزرع الذي لا يترك قائماً كالقمح والذرة والشعير والأرز ونحوها فإنها تغرس لا لتبقى. إذ لا ينتفع بها إلا بعد حصادها فلا تدخل في المبيع إلا بالشرط.
القاعدة الثالثة: ما لا يكون من هذين القسمين فلم يجربه عرف، ولم يتصل بالمبيع اتصالاً ثابتاً وهو قسمان:
القسم الأول: أن يكون من مرافق المبيع وحقوقه، وحكمه، أنه يدخل في المبيع بذكر كلمة المرافق والحقوق كأن يقول: اشتريت هذه الأرض بمرافقها وحقوقها، فإذا لم يذكر المرافق أو الحقوق فإنها لا تدخل. والمرافق والحقوق شيء واحد: وهي ما لا بد منه للمبيع ولا يتعلق به غرض إلا من أجله، كالطريق والشرب بالنسبة للأرض، والمراد بالطريق التي لا تدخل إلا بذكر الحقوق أو المرافق: الطريق الخاص الموجود في ملك البائع. أما الطريق المتصلة "بالشارع" العام، أو الطريق المتصلة بزقاق غير نافذ فإنهما يدخلان بدون ذكر.
القسم الثاني: أن لا يكون من مرافق المبيع وحقوقه كالثمر بالنسبة للشجر، فإن الثمر ليس من المرافق، فإذا قال: اشتريت هذه الشجرة فلا يدخل ثمرها إلا بالنص عليه، أو بأن يقول: اشتريتها بجميع ما عليها.
فإذا عرفت ذلك فإنه يمكنك أن تطبق عليه كل ما ذكروه من الأمثلة، فمن ذلك: ما إذا اشترى داراً فإنه يشمل بناءها وعلوها وأبوابها وشبابيكها ودورة مياهها وسلمها ولو كان غير متصل بها "كسلم
(2/257)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الخشب" لأن العرف جاء على أنه يدخل، وكذلك أنابيب الماء "المواسير" وأنابيب النور، أما مصابيح النور "اللامبات" فإن العرف على أنها غير داخلة، وكذلك المفاتيح وغير ذلك مما جرت العادة بأن يكون تابعاً للدور، أما السقيفة فإنها لا تدخل إلا بذكر المرافق أو الحقوق.
وإذا حفر الأرض الخارجة فوجد في بطنها لبناً "طوباً" أو أحجاراً أو رخاماً أو غير ذلك فإن كان مبنياً فإنه يكون في حكم المتصل فيدخل في المبيع ويكون للمشتري، وإن لم يكن مبنياً فإنه يكون للبائع. فإذا قال: إنه ليس له كان حكمه كحكم اللقطة. ومثل ذلك ما إذا اشترى سمكة فوجد في بطنها جوهرة، فإن كانت في صدف فهي للمشتري، وإن لم تكن في الصدف فإن المشتري يردها للبائع وتكون عند البائع لقطة يعرفها حولاً "يعلن عنها" ثم يتصدق بها، أما إذا اشترى دجاجة فوجد في بطنها حبة ذهب فإنها تكون للبائع، وإذا اشترى صدفاً ليأكل ما في داخله "أم الخلول" فوجد في أحدها لؤلؤة فهي للمشتري. ومن ذلك ما إذا اشترى حماماً فإنه يدخل فيه الأحواض المثبتة في الحيطان، وأنابيب المياه، والقدور النحاسية المثبتة في الحيطان، وكل ما كان مثبتاً أو ملصقاً بالأرض ببناء ونحوه فإنه يدخل بدون ذكر.
ومنه ما إذا اشترى شجراً فإنه لا يدخل فيه الثمر إلا بالشرط، وهو من الشروط التي لا تفسد العقد كما تقدم، ومثله الزرع الذي لا يبقى مستمراً على الأرض كما تقدم قريباً ويؤمر البائع بقطعهما وتسليم المبيع من أرض وشجر للبائع عندما يستلم ثمنها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه، أو لا، ولا يجوز للبائع عندما يستلم ثمنها. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه أو لا، ولا يجوز للبائع أن يستأجر الشجرة من المشتري كي يبقى عليها الثمر حتى يستوي إنما يجوز أن يعيره الشجر إعارة، فإذا أبى المشتري أن يعيره الشجر فإنه يخير البائع إن شار قطع الثمر وأمضى البيع، وإن شاء فسخ البيع، وهذا كله في البيع، أما في الرهن فإنه يدخل الشجر، والثمر، والزرع في رهن الأرض تبعاً للمرهون وإن لم ينص عليه، وفي الوقف يدخل البناء والشجر لا الزرع ولا يدخل الزرع في إقالة الأرض، وكل ما دخل تبعاً للمبيع وغيره فإنه لا يقابله شيء من الثمن.
المالكية - قالوا: عقد البيع على شيء يتناول ما يتعلق به بالشرط أو بجريان العرف، فإذا اشترى شجراً أو بناء ولم يذكر الأرض التي بها الشجر أو البناء، فإن العقد يشمل الأرض أيضاً إلا إذا اشترط البائع عدم دخولها، أو كان العرف جارياً على أنها لا تدخل، ومثل البيع الرهن والهبة والوقف والوصية والصدقة فإنها كالبيع في ذلك، فإذا رهن بناء فإن الأرض تدخل تبعاً له على الوجه المتقدم، وكذلك إذا وهبه هبة أو أوصى به.
وإذا اشترى أرضاً زراعية وقد بذر البائع بها حباً من قمح أو برسيم أو ذرة ونحو ذلك فإن كان ذلك الحب لم ينبت فإنه ينبع الأرض في البيع إلا إذا اشترط البائع عدم دخوله، أما إذا نبت فإن العقد لا يتناوله إلا بالشرط أو العرف.
(2/258)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وكذلك لا يتناول العقد خلفة الزرع أي ما ينبت مرة أخرى بعد قطعة كالبرسيم ونحوه، فليس للمشتري إلا الظاهر من الزرع ما لم يشترطه.
وإذا اشترى أرضاً فوجد فيها شيئاً مدفوناً كحجارة، أو رخام، أو لبن "طوب" أو عمد أو نحو ذلك فإنه لا يكون للمشتري. ثم إن ادعاه البائع وكانت حالته تدل على أن البائع يصح أن يملكه بميراث أو غيره فإنه يكون له. أما إذا كان قديماً تدلحالته على أن البائع لا يصح أن يملكه فإنه يكون لقطة يعرفها المشتري حولاً ثم يضعها في بيت المال، ومثل ذلك ما إذا جهل صاحب المدفون فإنه يكون في حكم اللقطة، وإذا وجد المشتري في الأرض جباً أو بئراً كان بالخيار في نقض البيع أو الرجوع بقيمة ما نقص من الأرض بسببهما. وإذا اشترى سمكة فوجد في بطنها لؤلؤة فإن عرف أنها قد ملكت لغيره بأن كانت مثقوبة أو مغشاة بحلية صناعية ونحو ذلك مما يدل على أنها سقطت من شخص فالتقطتها السمكة، فإنها تكون لقطة يعرفها المشتري سنة ثم يودعها في بيت المال "المالية"، وإن لم يكن بها ما يدل على أن الغير قد ملكها واعتقد المشتري أو ظن أو شك أنها غير مملوكة لأحد فإنها تكون له على ما اختاره بعضهم، وصوب بعضهم أنها تكون للبائع، وفصل بعضهم فقال: إن بيعت السمكة وزناً فهي للمشتري، وإن بيعت جزافاً فهي للبائع.
وإذا اشترى داراً فإن العقد يتناول الشيء الثابت فيها بالفعل حين العقد، فلا يتناول غيره وإن كان من شأنه الثبوت، فدخلت الأبواب المركبة والشبابيك والسلالم المثبتة، سواء كانت حجراً أو خشباً، أما السلالم الخشب التي لم تسمر فقيل: يتناولها إن كان لا بد منها في الوصول إلى غرف الدار، وقيل: لا يتناولها إلا بالشرط، وكذلك يتناول السقف والمجاري وغير ذلك من الأشياء المثبتة في حيطانه أو أرضه ببناء أو تسمير، أما المنقولات التي لم تثبت فإنه لا يتناولها. فلو كان بالدار أبواب وشبابيك مهيأة للتركيب ولكنها لم تركب فإن العقد لا يتناولها إلا بالنص عليها، ومثلها الأحجار والبلاط والأسمنت "والمونة" وغير ذلك مما هو لازم لعمارة الدور فإنه لا يدخل في المبيع بدون ذكر ما دام غير مثبت.
وإذا اشترى نخلاً مثمراً فإن كان قد أبر جميعه أو أكثره فإن العقد لا يتناوله. ومعنى تأبير النخل: وضع طلع الذكر "المعروف" عليه، فالثمر في هذه الحالة يكون للبائع، إلا إذا اشترك المشتري أن يكون الموبر له جميعه فإنه يكون له حينئذ، أما إذا اشترط أن يكون بعضه له فقط فإنه لا يصح، لأنه يكون قد قصد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فإن التبعيض يفيد أنه قابل للتجزئة والمشاحة في بيعه، بخلاف ما إذا اشترطه جميعه فإنه يكون داخلاً ضمناً بدون قصد مشاحة فيه بخصوصه.
أما إذا كان النخل المبيع غير مؤبر، أو كان المؤبر منه أقل من نصفه فإن العقد يتناوله فيكون للمشتري، ولا يجوز للبائع أن يشترطه بنفسه على المشهور.
وإذا اشترى شجر مشمش، أو لوز، أو خوخ، أو تين، فإن كان قد برز كل ثمره أو أغلبه عن موضعه بحيث قد أصبح متميزاً عن أصله المتعلق به، فإن العقد لا يتناوله إلا بالشرط، لأن بروز الثمرة
(2/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في مثل هذه الأشجار في حكم تأبير النخل. فإذا لم يبرز شيء من الثمر، أو برز أقل من نصفه، فإن العقد يتناوله بدون شرط.
الشافعية - قالوا: الأصول التي يتبعها غيرها في البيع وإن لم يذكر اسمه ثلاثة: أحدها: الأرض ويعبر عنها بعبارات مختلفة كالدار والقرية والبستان. ثانيها: الشجر. ثالثها: الدابة.
فأما الأرض: فإنه إذا باعها يدخل فيها البناء والشجر الأخضر وإن لم يذكرا بخلاف الشجر الجاف فإنه لا يدخل. أما الزرع والخضر الأخرى فإنه يدخل منها ما يؤخذ مرة بعد مرة أخرى سواء كان نباتاً لا ثمر له كالبرسيم والجيرجير والسلق فإنه يقطع وتبقى أصوله فتنبت مرة أخرى، وتسمى المرة الثانية للبرسيم "ربة" والثالثة "خلفة". أو كان له ثمر كالخيار والقثاء فإنه يؤخذ منه مرة بعد مرة أخرى، فهذا يدخل في المبيع بدون ذكره، لأن هذا الزرع لما كان يؤخذ منه مرة بعد أخرى وتترك جذوره باقية أشبه الدائم الثابت، فلهذا عبروا عنه بأنه زرع بقصد الدوام والثبات ومرادهم بالدوام: طول بقائه بالنسبة لمثله عادة ولو سنة. أما الزرع الذي لا خلفة له بل يؤخذ مرة واحدة كالقمح والشعير والفجل والجزر ونحو ذلك، فإنه لا يدخل في الأرض المبيعة بدون ذكره. فإذا لم يذكر فإن للمشتري الخيار في إمضاء العقد وفسخه إن كان جاهلاً به وقت العقد وتضرر ببقائه على الأرض لكونه لا ينتفع بها مدة وجوده، أما إذا رفع الضر، كأن تركه البائع له. أو قال له: إنني سأخلي الأرض منه سريعاً فلا خيار له، وإذا بقي الزرع على الأرض فإنه يكون بلا أجرة مدة وجوده.
ثم إن النبات والخضر التي تدخل في المبيع بدون ذكر لا يكون للمشتري ما ظهر منها وقت البيع، فإذا اشترى أرضاً بها برسيم نابت فإنه يكون للبائع، وللمشتري جذور تنبت ثانياً "الربة"، ومثل البرسيم كل ما يشبهه من النباتات التي لها جذور تنبت مرة أخرى. وثمار الخضر التي تؤخذ مرة بعد أخرى كالقثاء والعجور الموجود قبل البيع للبائع، وللمشتري الذي ينبت بعد العقد.
ويجب اشتراط قطع ما يخص البائع في النباتات التي تترك جذورها بعد قطعها فتنبت ثانياً، أما الخضر التي لها ثمر يؤخذ مرة بعد أخرى إن كان ما يتجدد منها يختلط بالموجود المستحق للبائع فيحدث النزاع، وإلا فلا يشترط فيها، والذي يشترط هو المبتدئ بالإيجاب، سواء كان المشتري أو البائع، فإن كان المشتري فإنه يقول: بعني أرضك بكذا بشرط أن تقطع ما تستحقه عليها من البرسيم أو القثاء مثلاً فيوافقه البائع على ذلك. وإن كان المبتدئ البائع فإنه يقول: بعتك أرضي بكذا بشرط أن أقطع ما أستحقه عليها من البرسيم أو القثاء ونحو ذلك فيوافقه على ذلك ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزرع الذي يستحقه البائع قد حل موعد قطعه أو لا، وسواء كان قصباً فارسياً"الغاب" المعروف أو لا، ومثله قصب السكر أيضاً فالشرك لا بد منه لصحة العقد. أما تكليف البائع بالقطع فإنه غير شرط، واختلف فيه فقيل: يكلف به إن كان قد ظهر منه ما ينتفع به البائع ولو من بعض الوجوه، سواء كان قصباً فارسياً أو غيره. وقيل: يكلف مطلقاً.
(2/260)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والبذر يتبع نباته، فبذر البرسيم والجرجير والكرفس والقثاء ونحوه من كل ما له خلفة يتبع بيع الأرض وإن لم يذكر، بخلاف بذر القمح والفجل والجزر ونحوه مما لا خلفة له فإنه لا يتبع بيع الأرض، وخير المشتري إن تضرر بوجود ما لا يملكه منه، ولا أجرة له على بقائه في الأرض وإذا باع أرضاً فوجد المشتري بها أشياء مدفونة سواء كانت أحجاراً أو معادن أخرى فإنها لا تدخل في بيع الرض.
وأما الدار فإنه يدخل في بيعها الأرض والبناء والشجر، ومثل الدار الخان والحوش والوكالة والزريبة والربع، فإن بيعها يتناول البناء والأرض والشجر الموجود بها، وإذا باع علواً على سقف فهل يدخل السقف ضمن البيع لأن السقف كالأرض بالنسبة للبناء أو لا يدخل؟ خلاف: فبعضهم يقول: إنه لا يدخل، ولكن المشتري له حق الانتفاع به، فإذا انهدم لا يكلف البائع بإعادته. وقيل: يدخل.
وكذلك يدخل في الدار الأبواب المركبة والشبابيك والأحواض المثبتة، أما إذا لم تركب فإنها لا تدخل، وكذلك يدخل السلم والرف المثبت.
وأما البستان أو القرية فإنه يدخل فيهما الأرض والشجرة والبناء، أما المزارع التي حولهما فإنها لا تدخل.
وأما الدابة فإنه يدخل في بيعها نعلها "حدوتها" إلا أن يكون من فضة كالحلقة التي تجعل في أنفس البعير إذا كان من فضة.
وأما الشجرة فإنها إذا كانت مخضرة فإنه يدخل في بيعها أغصانها الرطبة وورقها ولو يابساً وعروقها ولو يابسة إن لم يشترط قطعها، وإلا فلا تدخل، كما لا تدخل أغصانها اليابسة. ولا تتناول الشجرة موضع غراسها. ولكن للمشتري الحق في الانتفاع به ما دامت الشجرة باقية، فإذا قطعت انقطع حقه في الانتفاع.
وكما أن بيع هذه الأصول المتقدمة يتبعه ما ذكر من الفروع، فكذلك كل ما ينقل الملك من العقود كالهبة والوقف والوصية والخلع ونحو ذلك، أما ما لا ينقل الملك كالرهن والعارية فإنه لا يتناول سوى ما نص عليه فيه، فإذا رهن الرض لا يدخل فيه شجرها ولا زرعها الذي له خلفة أما في رهن البستان، فإنه يتناول أرضه وشجره ولكن لا يتناول البناء به.
الحنابلة - قالوا: الأصول التي يتفرع عنها غيرها ويتبعها في البيع وإن لم يذكر هي: الأرض والدور والبساتين والمعاصر والطواحين ونحوها. فيدخل في بيع الدار الأرض والبناء والسقف والدرج، كما يدخل فناؤها إن كان لها فناء. والمراد بالفناء: المتسع الذي أمامها، ويدخل فيها أيضاً الشجر العريش "تكعيبة العنب ونحوه" وكذلك يدخل فيها السلاليم، جمع سلم "بضم السن وفتح اللازم" وهو: المرقاة المعروف، كما تدخل الرفوف المسمرة "الدواليب" والأبواب المنصوبة ويشمل أيضاً ما كان بالأرض من أحجار طبيعية كالصخر والأحجار المبنية كأساس الحائط المنهدم والآخر المتصل
(2/261)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بالأرض. كما أن بيع الدار يدخل فيه ما ذكر، فكذلك رهنها وهبتها ووقفها والوصية والإقرار بها. ثم إن كان المتصل بالأرض يضربها. كالصخر المخلوق في الأرض المضر بجذور الشجر، فإنه يكون عيباً يجعل للمشتري الحق في الخيار بين رد المبيع وبين إمساكه مع المطالبة بالعوض إذا لم يكن عالماً بالعيب على قياس ما تقدم، فإن كان عالماً به فلا خيار له. وإن كان بالدار أحجار مودعة فيها بقصد أن تنقل منها فهي للبائع. ويلزمه نقلها وتسوية الرض وإصلاح الحفر لأنه ملزم بتسليم المبيع تاماً، وإن كان قلع الحجارة يضر بالأرض كان عيباً فيها كما تقدم آنفاً.
ولا يتناول البيع ما كان مدفوناً بالأرض من كنز ونحوه، لأنه ليس من أجزائها. كما لا يتناول ما كان منفصلاً عن الأرض كالفرش والمنقولات والأخشاب التي لم تسمر أو تغرز في الحائط، أو إن كان للبائع متاع في الدار فإنه يلزم بنقله منها على حسب العادة، فلا يكلف جمع الحمالين أو النقل ليلاً. فإن طال النقل عرفاً "وقيده بعضهم بما زاد على ثلاثة أيام" فإنه يكون عيباً يجعل للمشتري الحق في الخيار إن لم يعلم به قبل الشراء، ولا أجرة على البائع في مدة نقله، فإن أبى النقل فللمشتري الحق في غجباره عليه.
ويدخل في بيع الرض أو البستان البناء والشجرة ولو لم يقل المشتري اشتريتها بحقوقها لأنهما يتبعان الأرض من كل وجه ويتخذان للبقاء فيها.
ولا يدخل الشجر المقطوع والمقلوع، فإذا قال: بعتك هذه الدار وثلث بنائها، أو هذه الأرض وثلث غراسها لم يدخل غلا الجزء الذي سماه، ويدخل ماء الأرض المبيعة تبعاً لها، بمعنى أن المشتري يكون له حق الانتفاع به.
ولا يدخل في بيع القرية مزارعها إلا بذكرها أو بقرينة، كأن يساوم على أرض المزارع، أو يذكر حدودها، أو يبذل ثمناً لا يكون فيها وفي أرض مزارعها، ولكن يدخل في القرية البيوت والحصن والسور الدائر عليها.
وإذا اشترى شجرة فللمشتري أن يبيعها بالأرض وله حق الانتفاع بمكانها، وله حق الدخول بسقيها وتأبيرها، فإذا قلعت الشجرة أو بادت فليس للمشتري إعادة غيرها مكانها.
وإذا كان في الأرض زرع له خلفة فيقطع مرة بعد أخرى كالبرسيم والنعناع والكراث أو كان بها زرع تتكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان، أو زرع يتكرر زهرة كالبنفسج والنرجس والورد والياسمين وشجر البان فإن أصوله تكون للمشتري، أما الموجود منها وقت العقد فإنه للبائع غلا أن يشترط المشتري أنه له وعلى البائع قطع ما يستحقه منه في الحال.
أما الزرع الذي لا خلفة له بل يحصد مرة واحدة كالقمح والشعير والعدس والجزر والفجل والثوم والبصل والدخم والذرة "وقصب السكر فإنه يؤخذ مرة واحدة" وإن كانت جذوره يعاد زرعها مرة أخرى ولكنها تحتاج الي عمل جديد كالبذور، وكذلك القصب الفارسي "الغاب" فكل ذلك لا يدخل في بيع
(2/262)

مبحث بيع الثمار
الثمار بكسر المثلثة اسم جنس جمعي للثمرة، وجمع الثمرة الحقيقي ثمرات، ومفرد الثمار: ثمر، كجبال وجل. وتجمع الثمار على ثمر ككتاب وكتب: ويجمع الثمر بضم المثلثة على أثمار كعنق وأعناق.
ومعناه على أي حال: الحمل الذي تخرجه الشجرة وإن لم يؤكل، فيقال: ثمرة الأراك كما يقال ثمر العنب.
وتنقسم الثمار باعتبار كونها مبيعة إلى قسمين: لأنها إما أن تكون تابعة في البيع لشجرها بحيث يكون المقصود بالبيع الشجرة، وقد عرفت أنها تدخل في المبيع على التفصيل المتقدم.
وإما أن يكون المقصود بالبيع هو الثمار مستقلة، سواء كانت على أشجارها كما هو الحال في بيع ثمار النخيل والكروم والحدائق "الجناين" في زماننا أو كانت منفصلة عن أشجارها، في كل ذلك تفصيل المذاهب

(1) .
__________
الأرض بل يكون من حق البائع ويبقى مستمراً إلى وقت حصاده، أو قلعه بلا أجرة على البائع إن لم يشترط المشتري غير ذلك، سواء كان معلوماً أو مجهولاً لأنه بالشرط يدخل تبعاً للأرض

(1) الشافعية - قالوا: المراد بالثمرة هنا ما يشمل المشموم كالورد، والياسمين، والريحان ويشمل شجرة البقل التي تؤخذ مرة بعد أخرى، والبطيخ والباذنجان والبامية، وحكم الثمر المبيع تبعاً لشجرة أن يكون للبائع أو المشتري بالشرط، فإن سكت عن الشرط لواحد منهما فهو أقسام ثلاثة: الأول: أن يكون المبيع نخلاً عليه بلح وله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون قد ظهر ثمره بتأبره، ومعنى ظهوره بتأبره: أن يتشقق الغلاف الذي داخله الطلع "العناقيد" البيضاء التي يؤخذ منها ويوضع على طلع النخلة فيجيء ثمرها جيداً. وحكم هذا: أن يكون للبائع فلا يتبع الأصل في البيع.
ومعنى التأبير الحقيقي: هو التلقيح، الذي هو وضع طلع الذكر على طلع النخلة بالفعل ولكنه ليس مراداً هنا، بل المراد تشقق الطلع مطلقاً، ولا يلزم ظهور الثمرة بتأبير جميع النخل المبيع، بل يكفي تأبير البعض ولو قليلاً، ولو كان تشقق الطلع في غير أوانه فإن التمر في هذه الحالة يكون للبائع ولا يتبع المبيع.
الحالة الثانية: أن لا يكون ثمره قد ظهر منه شيء وليس بموجود، وفي هذه الحالة يكون ما ظهر منه بعد العقد للمشتري، وليس للبائع الحق فيه مطلقاً ولو اشترطه.
أما إذا كان موجوداً ولكنه غير ظاهر، فإنه في هذه الحالة يكون للبائع.
(2/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القسم الثاني: أن يكون المبيع شجراً غير النخل وله هاتان الحالتان المتقدمتان، إلا أن ظهور ثمره لا يكون بالتأبير، فإن التأبير خاص بالنخل، وإنما يكون ببروزه سواء كان له نور وتناثر كالمشمش. أو لميكن له نور كالتوت. وحكم ما ظهر منه: أن يكون للبائع، وما لم يظهر منه يكون تابعاً للمبيع فهو للمشتري. وهذا بخلاف البلح، فإنك قد عرفت أن غير الظاهر منه متى كان موجوداً يكون للبائع إذا تشقق بعض طلع النخل.
القسم الثالث: أن يكون المبيع شيئين مختلفين وتحته ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون الاختلاف بحسب المكان، وذلك كما إذا اشترى نخلاً موجوداً في بستانين، فإن النخل في أحدهما غير النخل الموجود في الآخر.
الصورة الثانية: أن يكون الاختلاف بحسب العقد، كأن يشتري نخلاً واحداً في عقدين، وحكم هذا القسم بصوره الثلاث: أن يكون الظاهر من ثمره يكون للبائع، وغيره يكون للمشتري.
وبقيت صورة رابعة وهي: أن يشتري شجرة قد تحمل في السنة مرتين كالتين مثلاً، وقد بينت لك حكمه في القسم الثاني، وهو أن ما ظهر منه يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري، بخلاف ما يحمل مرة واحدة كالنخل، فإن الموجود الذي لا يظهر منه يكون للبائع أيضاً على الوجه المتقدم.
وأما حكم بيع الثمر وحده فإنه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه، وفي هذه الحالة يجوز بيعه مطلقاً، سواء كان على شجره أو لا، وسواء شرط قطعه أو بقاؤه أو لا. وظهور الصلاح يعرف بأمور تختلف باختلاف الثمر.
أحدها: اللون: وهو علامة لظهور صلاح بعض الثمار كالبلح والعناب. فمتى تلونا فقد بدا صلاحهما.
ثانيها: الطعم كحلاوة القصب، وحموضة الرمان.
ثالثها: النضج، واللين، كالبطيخ والتين.
رابعها: القوة والاشتداد كالقمح والشعير.
خامسها: الطول والامتلاء كالملوخيا والفاصوليا واللوبيا.
سادسها: كبر الحجم كالقثاء.
سابعها: انشقاق الغلاف كالقطن والجزر.
ثامنها: تفتح الزرع كالورد والياسمين.
(2/264)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا باع شيئاً بدا صلاحه فإن على البائع سقي ما بقي حتى يستكمل نموه ويسلم من التلف والفساد. فإذا اشترط أن يكون ذلك السقي على المشتري بطل البيع، ولو تلف بترك السقي المطلوب من البائع انفسخ البيع.
القسم الثاني: أن لا يكون الثمر قد بدا صلاحه، وفي هذه الحالة لا يجوز بيعه وحده دون أصله إلا بشرط قطعه ما لم يكن الأصل مملوكاً للمشتري، فإنه يصح بيع الثمر له من غير شرط القطع على الصحيح، فإذا اشترى شخص شجرة عليها ثمر ظاهر فإن الثمر يكون للبائع، وقد علمت أنه لا بد من اشتراط قطعه في هذه الحالة، فإذا باعه لنفس من اشترى الشجرة فإنه لا يجب اشتراط القطع لأنها شجرة مملوكة للمشتري والثمر الذي عليها أصبح ملكه فلا يكلف قطعه.
وأما بيع الزرع فإنه يجوز إذا بدا صلاحه مطلقاً، وإن لم يبد صلاحه فلا يجوز بيعه وحده إلا بشرط قطعه أو قلعه. ولا يصح بيع حب مستتر في سنبله كقمح وسمسم وعدس وحمص، سواء كان وحده أو مع أصله. أما إذا بيع الأصل وحده فيصح أن يتبعه هذه الأشياء على المتقدم بيانه. وهذا ولا يصح بيع القمح في "سنبله" بالقمح الخالص من التبن، لأن هذا البيع يسمى بيع "المحاقلة" وهو منهي عنه. وكذلك لا يجوز بيع الرطب على النخيل بالتمر، ويسمى بيع المزابنة وهو منهي عنه أيضاً، على أنه يصح بيع الرطب أو العنب وهو على شجره خرصاً بتمر أو زبيب كيلاً.
ولا يصح بيع الرطب وهو على نخله بالتمر، لأن ذلك هو بيع المزابنة المنهي عنه المذكور، إلا في العرايا فإنه يصح بيع الرطب على النخل بالتمر. والعرية: ما يفردها مالكها للأكل، فإذا كان له بستان "حديقة" وأفرد منه بعض نخله للأكل منه، فإنه يجوز أن يبيع ثمرها الرطب بالتمر اليابس خرصاً - بكسر الخاء - ومعناه: أن يقدر ما عليها من التمر بالتخمين بأن يقدر البائع أو المشتري أو غيرهما بطريق الحدث والتخمين ما على النخلة من الرطب إن كان يساوي إردباً أو أكثر أو أقل، فيأخذه المشتري ويدفع ثمنه تمراً كيلاً مثلاً ما تم عليه التقدير.
ومثل رطب النخل وتمره في ذلك الحكم: العنب والزبيب، فإنه يجوز أن يبيع العنب في كرمه خرصاً بالزبيبن كيلاً، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رخص في التمر والرطب، وقيس عليه الزبيب والعنب، وسبب هذه الرخصة: أن بعض الفقراء الذين لا يملكون مالاً شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يجدون شيئاً يشترون به الرطب سوى التمر، فرخص لهم في شراء ذلك على أن الرخصة أصبحت عامة للفقراء وغيرهم، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
وإذا كان الثمن ثمراً على الشجر بأن اشترى رطباً على شجرة بتمر على شجرة، فإنه يشترط أن يكون الثمن كيلاً بأن يقدر الرطب ويحدد كيل الثمن، فلا يصح تقديره تخميناً.
ويشترط لصحة بيع العرايا تسعة شروط:
(2/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أحدها: أن يكون المبيع أقل من خمسة أوسق في حال جفافه، وإن كان أكثر من ذلك وقت المبيع.
ثانيها: أن لا يتعلق بها حق الزكاة. وإلا فلا يصح بيعه.
ثالثها: أن يكون المبيع عنباً أو رطباً.
رابعها: أن يكون ما على الأرض مكيلاً والآخر مخروصاً.
خامسها: أن يكون ما على الأرض يابساً والآخر رطباً.
سادسها: أن يكون الرطب على الأشجار.
سابعها: أن يتقابضا قبل التفرق بتسليم التمر والزبيب كيلاً، وتخلية الشجر للمشتري ليقطع منه الثمر وإن لم يكن الشجر في مجلس العقد ولكن لا بد من بقائهما في المجلس حتى يمضي زمن الوصول إلى الشجر.
ثامنها: أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه.
تاسعها: أن لا يكون مع المبيع أو الثمن شيء من غير جنسه.
وخرج بالرطب والعنب سائر الثمار كالجوز واللوز والمشمش، فلا يصح بيع رطبها بجافها لكونها متفرقة مستورة بالأوراق فلا يمكن تقديرها.
المالكية - قالوا: المراد بالثمار هنا ما يشمل الفواكه كالبلح، والتين، والرمان، والخضر: كالخس، والكراث، والفجل. والحبوب: كالقمح والشعير، فإذا بيع شيء منها وهو على شجره، أو قائم لم يقطع فإن لذلك البيع حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون قد ظهر صلاح الثمار ومعنى الصلاح يختلف باختلاف تلك الثمار، فيظهر صلاح الفاكهة كالبلح والعناب باصفراره أو احمراره.
واختلف في "القاوون" و"الحرش" والعجور "العبد اللاوي" و"الدميري" و"الشهد" على قولين:
أحدهما: أن ظهور صلاحه يكون باصفراره بالفعل.
ثانيهما: أن يكون يقرب من الاصفرار وإن لم يصفر. أما البطيخ الأخضر فظهور صلاحه يكون بتلون لبه بالاحمرار أو الاصفرار. ويظهر صلاح الزيتون إذا قرب من الاسوداد، ومثله العنب الأسود، ويظهر صلاح باقي أنواع الفاكهة بظهور ألوانها المختلفة وظهور الحلاوة فيها.
والمدار في كل ذلك على إمكان الانتفاع بها ولو بعد قطعها بزمن كالموز مثلاً، فإنه يصح بيعه وهو أخضر لم يستو إذا كان يستوي بعد ذلك يوضعه في تبن أو نخالة أو غير ذلك ومثله المنجو.
ويظهر صلاح الزهر بانفتاح أكمامه وظهور ورقه كالورد والياسمين وغيرهما، ويظهر صلاح البقول "الخضر" كاللفت والجزر والفجل والبصل والبنجر ونحوهما بتمام ورقه والانتفاع به وعدم فساده بقلعه.
(2/266)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويظهر صلاح القمح والحبوب بيبسه وانقطاع شرب الماء عنه بحيث لا ينفعه الماء إذا سقي به وحكم ما ظهر صلاحه: أنه يصح بيعه وهو على شجره جزافاً بدون كيل ولا وزن، كما يصح أن يباع منفرداً أو تابعاً لشجره بلا فرق بين أن يشترط قطعه أو يبقى على شجره. وإنما يشترط أن لا يكون التمر مستتراً في غلافه أو ورقه كالبلح والعنب فإنهما ظاهران. أما إن كان مستتراً كالقمح والشعير المستتر في سنبله، والجوز واللوز المستترين في قشرهما، فإنه لا يجوز بيعه منفرداً بدون قشره جزافاً، فلا يصح أن يشتري القمح الموجود في سنبله "سبله" بدون السنبل كأن يقول للبائع: اشتريت القمح الموجود في هذه المزرعة وحده بدون تبنه جزافاً "حميلة بدون كيل ولا وزن"، إلا إذا كان القمح قد يبس ولم ينفعه الماء إذا سقي به، فإنه في هذه الحالة يجوز شراؤه وهو في سنبله وحده جزافاً.
ومثل القمح في ذلك: الجوز، واللوز، واللوبيا، والفاصوليا ونحو ذلك مما له قشر، فإنه لا يصح شراؤه مجرداً عن قشره جزافاً. أما شراؤها بالكيل أو الوزن فإنه يصح بدون قشره على أي حال.
الحالة الثانية: أن لا يكون قد ظهر صلاح الثمار عكس الحالة الأولى. وحكم هذا: أنه يصح بيعه في ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون مع أصله كالشجرة بالنسبة للثمر، والأرض بالنسبة للزرع، فيصح بيع الثمر مع شجرة قبل بدو صلاحه، كما يصح بيع الزرع مع أرضه كذلك.
الصورة الثانية: أن يبيع الأصل بدون تعرض لذكر الثمر والزرع ثم يلحق به الثمر أو الزرع الذي لم يبد صلاحه كما تقدم.
الصورة الثالثة: أن يبيع الثمر أو الزرع وحده بدون أن يبيع أصله، ولكن يشترط لصحته ثلاثة شروط:
الأول: أن يشترط قطعه حالاً فلا يصح تركه إلا زمناً يسيراً بحيث لا يزيد ولا ينتقل عن طوره إلى طور آخر، فإذا اشترط بقاءه على أصله حتى يتم نضوجه فإنه لا يصح. وكذلك إذا أطلق ولم يشترط قطعه أو بقاءه.
الشرط الثاني: أن يكون مما ينتفع به كحصرم العنب قبل أن يستوي، وإلا فلا يصح بيعه لأنه يكون إضاعه مال وغش وهذا شرط لكل مبيع، سواء كان هذا أو غيره.
الشرط الثالث: أن يكون فيه حاجة إلى شرائه وإن لم تبلغ حد الضرورة، لا فرق بين أن يكون بيعه على هذه الحالة معروفاً عند أهل البلد أو لا.
وإذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط قطعها ثم اشترى أصلها جاز إبقاء الشجرة. أما إذا اشتراها بشرط إبقائها ثم اشترى أصلها فإنه لا يجوز إبقاؤها، لأن بيع الثمرة وقع فاسداً من أول الأمر.
(2/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا فسخ العقد وكانت الثمرة على الشجرة كان ضمانها على البائع. أما إذا قطعها المشتري فإن عليه ردها إن كان تمراً وكان باقياً، فإن تعذر رد مثله إن علم، وإلا رد قيمته. أما إن كانت رطباً فإن عليه أن يرد قيمتها. وهذا كله إذا اشتراها بشرط تبقيتها. أما إذا اشتراها ولم يشترط شيئاً ثم قطعها نفذ البيع بالثمن، ولا شيء على البائع أو المشتري. ولا يشترط في صحة بيع الثمر على شجره أن يظهر صلاحه في جميع الشجر، فإذا كان عنده حديقة "جنينة" بها أشجار مختلفة من نخل ورمان وعنب وتين ومانجو وجوافى وغير ذلك، إذا كانت في حديقة واحدة وظهر صلاح ثمر نوع منها ولو في شجرة واحدة، فإنه يصح أن يبيع باقي ثمار ذلك النوع وإن لم يبد صلاحها، فإذا ظهر صلاح الرمان في شجرة واحدة صح له أن يبيع جميع الرمان وإن لم يبد صلاحه إذا كان لا يفرغ رمان الشجرة التي ظهر صلاحها قبل ظهور صلاح ما يجاورها، أما إذا أثمرت شجرة مبكرة بحيث يستوي ثمرها قبل ظهور صلاح ثمر غيرها فإنه لا يجوز، وهكذا سائر الأجناس.
أما في غير جنسه كما إذا ظهر صلاح العنب ولم يظهر صلاح التين فقيل: يصح بيع التين الذي لم يظهر صلاحه بظهور صلاح العنب الذي هو من غير جنسه. وقيل: لا يصح. وكذلك اختلف فيما إذا ظهر صلاح جنس من الأجناس في حديقة من حدائق البلد ولم يظهر في باقيها فهل يصح بيع باقي الحدائق التي لم يظهر فيها صلاح الثمر قياساً على ما ظهر أو لا؟ خلاف.
ثم إن الزرع الذي له خلفه كالبرسيم والياسمين وثمار الخضر، كالخيار والعجور والقرع والجميز تكون خلفته للمشتري حتى ينقطع ثمره وليس له وقت مؤقت.
وقد علمت مما تقدر في مباحث الربا أنه لا يصح بيع الرطب بالتمر ولكن يستثنى من ذلك العرايا، فيصح فيها الرطب بالتمر اليابس بشرائط خاصة. والعرايا جمع عرية: وهي هبة الثمرة الرطبة كرطب النخل والعنب ونحوهما من الفواكه الرطبة التي تيبس وتجف إذا تركت على أصلها فتستعمل جافة كما تستعمل رطبة كالجوز والعنب والزيتون واللوز والبندق والتين الذي يصلح للتجفيف، بخلاف التين الذي لا يصلح كتين حدائق مصر، فإنه لا يجفف فلا يكون له حكم العرايا. ومثله الموزون فإنه لا ييبس. وكذلك الخوخ والرمان والتفاح وسائر الفواكه التي لو تركت على أصلها لا تجف ولا ينتفع بها يابسة.
ويشترط لصحة بيع العرايا شروط، الأول: أن يكون المشتري هو الذي وهب الثمرة أو من يقوم مقامه، فإذا وهب شخص لآخر رطب نخلة فإنه يصح للواهب أن يشتريها من الموهوب له بنفسه أو من يقوم مقامه، وهو الذي يملك النخلة بإرث أو شراء أو نحو ذلك. أما الثمن الذي يشتري به فيصح أن يكون بالتمر كيلاً بأن يخرص ما عليها من الرطب "يقدر بالحدس والتخمين" فيقال هذا يساوي إردباً مثلاً ثم يدفع له إردباً من التمر بحيث لا يزيد ولا ينقص فإن قطع رطبها ووجده أكثر مما قدر بالتخمين فإن عليه أن يرد الزائد للبائع، وإن كان أقل وثبت كونه أقل فإن للمشتري أن يرده للبائع ويأخذ ما دفعه من الثمن ولا يلزم بشيء زائد، وإن لم يثبت كونه أقل، لزم المشتري أن يرده كاملاً فضمن ما نقص
(2/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
منه. ولا يصح شراء الرطب بالتمر خرصاً في العرية الموهوبة إلا إذا كان المشتري هو الواهب أو من يقوم مقامه كما علمت. ويصح شراؤها بالنقدين وبعروض التجارة على المشهور.
الثاني: أن يقول الواهب "المعري" حين هبة الثمرة: أعريتك هذه الثمرة ونحو ذلك. أما إن قال: وهبتك فلا يجوز، لأن الرخصة خاصة بالعرية.
الثالث: أن يظهر صلاح الثمرة حين شرائها بخرصها لا حال هبتها فإن لم يظهر صلاحها فلا يصح بيعها.
الرابع: أن يكون شراؤها بنوعها إن كان بخرصها، فلا يصح أن يشتري الجوز الرطب مثلاً بالثمر.
الخامس: أن يدفع المشتري للبائع الثمن عند قطع الثمر المعتاد، فإن شرط تعجيل الثمن بطل البيع وإن لم يعجل بالفعل.
السادس: أن يكون الثمن ديناً في ذمة المشتري، فلا يصح تعيين ثمر حديقة خاصة.
السابع: أن لا يزيد المشتري من العرية عن قدر معين وهو خمسة أوسق فأقل وقد تقدم بيانه في الزكاة، وقد ذكر هناك أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق.
الحنفية - قالوا: الثمار لها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن لا تنعقد الثمرة ولا تبرز ولا تتميز عن زهرها، وفي هذه الحالة لا يصح بيعها مطلقاً، لأنها تكون معدومة، وقد عرفت أن المعدوم غير صحيح.
الحالة الثانية: أن تظهر الثمرة وتبرز بحيث يتناثر الزهر عنها إن كان لها زهر كالجوافى والمشمش، وتتميز الثمرة ولو كانت صغيرة، وفي هذه الحالة إما أن يظهر صلاح الثمرة أو لا يظهر، فإن ظهر صلاحها فإن بيعها يصح مطلقاً، ومعنى ظهور صلاحها: هو أن يؤمن عليها من العاهات والفساد؛ فمتى اجتازت الثمرة الأدوار التي تكون فيها عرضة للفساد بسبب الآفات الجوية وغيرها فقد ظهر عند ذلك صلاحها. أما إذا لم يظهر صلاحها فإنها لا يصح بيعها بشرط تركها على الشجر، لأن هذا شرط لا يقتضيه العقد، فإنه يستلزم شغل الشجر المملوك للغير وهو مناف للملك، فإذا لم يشترط ترك الثمرة على الشجر كما لا يشترط قطعها بل سكت عن ذلك؛ فإن ذلك يشمل صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون الثمر على حالة بحيث يمكن الانتفاع به ولو علفاً للدواب، والبيع في هذه الصورة صحيح لأنه إنما يفسد بشرط الترك فقط.
الصورة الثانية: أن يكون على حالة بحيث لا ينتفع به أصلاً، والبيع في هذه الصورة مختلف في صحته، والصحيح أنه يجوز، لأنه مال وإن لم يمكن الانتفاع به في الحال ولكن يمكن الانتفاع به بعد حين، ومن شاء أن يجعل البيع في هذه الصورة جائزاً باتفاق فإنه يصح له أن يحتال على ذلك بشراء أوراق الشجر من الثمرة، فتكون تابعة لأوراق الشجر، وحينئذ يصح البيع باتفاق ما لم يشترط تركهما
(2/269)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
على الشجر. الحالة الثالثة: أن ينعقد بعض الثمر ويبرز دون بعضه، ويشمل هذا أربع صور، الصورة الأولى: أن يبيع الموجود فقط ويؤخر بيع ما لم يوجد حتى يتم وجوده، والبيع في هذه الحالة صحيح، وتجري عليه أحكام ما ظهر صلاحه وما لم يظهر المتقدمة. الصورة الثانية: أن يبيع الموجود فقط بجميع ثمنه وثمن ما سيوجد، ثم يبيح البائع للمشتري أن ينتفع بما يحدث من الثمر وحكم هذه الصورة كسابقتها.
الصورة الثالثة: أن يبيع الموجود بدون ذكر لما لم يوجد وبدون اشتراط القبض ثمرة أو تركها وتشمل هذه الصورة أمرين: الأول أن يقبض المشتري المبيع ثم يثمر بعد القبض ثمرة جديدة، وفي هذه الحالة لا يفسد البيع، ويكون البائع شريكاً للمشتري فيما حدث من الثمرة لاختلاطه بالثمرة التي كانت بارزة وقت البيع، والقول للمشتري في مقدار ما حدث من يمينه، لأنه في يده ومثل الثمرة التي على الشجرة ثمار الخضر التي تحدد بعد قطعها كالباذنجان والبطيخ والعجور. الأمر الثاني: أن يحدث الثمر قبل قبض المبيع، وفي هذه الحالة يفسد البيع، لأنه لا يمكن تسليم المبيع لاختلاط الحادب بالموجود وقت العقد، فأشبه هلاك المبيع قبل التسليم. الصورة الرابعة: أن يبيع الموجود المعدوم وفي هذا خلاف: فقال لعضهم. إن البيع يكون فاسداً لأن بيع المعدوم منهي عنه، وإنما رخص النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيع المعدوم في السلم للضرورة، وهذا القول هو ظاهر الرواية، وقال بعضهم: إن البيع صحيح لتعامل الناس به، وفي نزع الناس عن عاداتهم حرج، وحيث أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم لضرورة الناس ورفع الحرج عنهم فكذلك الحال هنا. ومن هذا يتضح أن الناس الذين يبيعون الحدائق "الجناين" في زماننا يستطيعون أن يتبعوا قواعد دينهم بسهولة فليس فيها حرج عليهم، فإن في الصورة التي وضحناها لهم ما فيه كفايتهم. على أنها كلها ملاحظ فيها رفع النزاع بين البائع والمشتري وقطع جرثومه الخصام، والله الهادي إلى سواء السبيل.
تنبيهان: الأول: إنك قد عرفت في المبحث الذي قبيل هذا أن الثمر الذي على شجرة لا يتبع الشجرة فيبيعه إلا إذا اشترطه المشتري فهو حق للبائع، سواء أبر أو لم يؤبر، والتأبير: التلقيح، وهو أن يتشقق غلاف الطلع فيؤخذ منه ويوضع على طلع المخلة، ويدخل في الثمر الورد والياسمين ونحوهما من المشمومات. أما الزرع فقد اختلف في جواز بيعه قبل أن تناله المناجل بحيث يمكن قطعه بها، فبعضهم قال: يجوز وبعضهم قال: لا. والأوجه جواز بيعه رجاء أن يكبر بعد، فإذا نبت الزرع وكانت له قيمة ثم بيعت الأرض التي هو عليها فإنه لا يدخل إلا بالشرط، أما إذا نبت ولم تكن له قيمة فقيل: يدخل في البيع بدون شرط. وقيل: لا يدخل إلا بالشرط. والأصح أنه يدخل بدون شرط فقيل: يدخل في البيع بدون شرط. وقيل: لا يدخل إلا بالشرط. والأصح أنه يدخل بدون شرط وكذلك إذا لم ينبت "كربة" البرسيم وخلفة الزرع الذي يتجدد بعد قطعه، فقيل: يدخل. وقيل: لا يدخل.
الثاني: قد تقدم في مباحث الربا أنه يجوز بيع الرطب بالتمر، سواء كان في العرايا أو غيرها.
الحنابلة - قالوا: لا يصح بيع الثمار حتى يظهر صلاحها، كما لا يصح بيع الزرع حتى يشتد
(2/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حبه، وظهور الصلاح في التمر: هو أن ينضج ويطيب أكله، وفي الحب هو أن يشتد أو يبيض، على أنه يصح بيع ما لم يظهر صلاحه بشروط. الشرط الأول: أن يشترط قطعه في الحال، ولا يصح له أن يستأجر الشجرة أو يستعيرها لترك الثمرة عليها حتى تنضج. الشرط الثاني: أن يكون منتفعاً به حين القطع. الشرط الثالث: أن لا يكون مشاعاً كأن كان له نصف ثمرة نخل مشاعاً فإنه لا يصح بيعه قبل ظهور صلاحه، لأنه لا يستطيع قطع ما يملكه إلا بقطع ما لا يملكه وليس له ذلك.
الشرط الرابع: أن يبيعه مع الأصل بأن يبيع الثمرة مع الشجر، أو يبيع الزرع مع الأرض. أو يبيع الشجرة أولاً لشخص ثم يبيع له ثمرها بعد ذلك.
ولا تباع ثمار الخضر التي تتجدد "إلا قطفة قطفة"، فليس له أن يبيع غلا الموجود، أما الذي يوجد بعد ذلك فإنه لا يصح بيعه إلا أن يبيعه مع الأرض، وذلك كالقثاء والعجور ولكن يصح بيعه مع أصوله "عروشه التي ينبت منها" لأن الثمار في هذه الحالة تكون تابعة للأصل.
وحكم القطن حكم الزرع، فمتى كان لوزه ضعيفاً رطباً لم يشتد ما فيه لم يصح بيعه، كالزرع الأخضر غلا بشرط القطع في الحال. وإذا اشتد جاز بيعه مطلقاً بشرط بقائه كالزرع إذا اشتد حبه، ومثل القطن الباذنجان.
وإذا ظهر صلاح الثمر أو الزرع جاز بيعه مطلقاً بغير اشتراط قطع أو ترك في محله. وإذا باع نخلاً قد تشقق طلعه - بكسر الطاء - غلاف العنقود الربيض فالثمن للبائع دون العراجين والسعف والليف، ولا يشترط التأبير بالفعل - التلقيح: وهو وضع طلع الفحل في طلع الشجر - وللبائع الحق في إبقاء التمر على النخل إلى وقت استوائه وكمال حلاوته وذلك بشرطين: أحدهما: أن لا يشترط المشتري قطعه في الحال. الثاني: أن لا يحصل ضرر للنخل ببقائه، فإن لم يتحقق الشرطان فإن البائع يجبر على القطع.
ومثل البيع في هذه الأحكام: الرهن، والهبة، والإجارة والخلع، والصداق، فإذا وهب نخلاً أو أجره أو جعله خلعاً أو صداقاً وكان عليه تمر فإن حكمه في التبعية وغيرها كالبيع
(2/271)

مباحث السلم
تعريفه
السلم - بفتح السين واللام - اسم مصدر لأسلم، ومصدره الحقيقي الإسلام ومعناه في اللغة: استعجال رأس المال وتقديمه ويقال للسلم سلف لغة، إلا أن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق. على أن السلف أعم من السلم، لأنه يطلق على القرض. فالسلف يستعمل على وجهين:
أحدهما: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض سوى الثواب من الله تعالى، وعل المقترض رده؛ كما أخذه على ما سيأتي بيانه.
والثاني: هو أن يعطي ذهباً أو فضة في سلعة معلومة إلى امد معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف، وفي هذا منفعة للمسلف. والوجه الثاني: هو الذي يقال له سلم.
والسلف اسم مصدر أسلف ومصدره الحقيقي إسلاف. ويقال أيضاً سلفه ومصدره التسليف.
أما تعريفه اصطلاحاً عند الشرعيين ففيه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) الشافعية - قالوا: السلم بيع شيء موصوف في ذمة بلفظ سلم ك أن يقول: أسلمت غليك عشرين جنيهاً مصرية في عشرين إردباً من القمح الموصوف بكذا على أن أقبضها بعد شهر مثلاً.
أما إن كان بلفظ البيع كأن قال: بعني عشرين إردباً من القمح الموصوف بكذا أقبضها بعد مدة معينة بعشرين جنيهاً ففيه خلاف: فبعضهم يقول: إنه بيع فيصح فيه ما يصح في البيع من تأجيل الثمن، وتأخير قبضه في المجلس، وجواز استبداله بغيره، وشرط الخيار فيه، وبعضهم يقول إنه سلم لأن العقد في معنى السلم ولا نظر للفظ، فلا يصح استبدال ثمنه بغيره، فإذا كان الثمن ذهباً فلا يصح أن يعطيه حنطة كما لا يصح استبدال المثمن - وهو المسلم فيه فإذا أسلم في حنطة فلا يصح أن يدفع بدلها ذرة وكذلك لا يصح تأجيل قبض الثمن عن المجلس، ولا يصح شرط الخيار فيه. ولكن المعتمد أن السلم لا يتحقق إلا إذا ذكر لفظ السلم، فإذا ذكر لفظ البيع كان بيعاً، وهذا أحد أمور ثلاثة تتوقف على لفظ مخصوص وهي: السلم، والنكاح، والكتابة.
الحنفية - قالوا: السلم هو شراء آجل بعاجل. ويسمى صاحب النقدين الذهب والفضة: مسلم
(2/272)

حكم السلم ودليله
وحكم السلم الجواز، فهو رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه. ودليل جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} والدين عام يشمل دين السلم ودين غيره، وقد فسره ابن عباس بدين السلم.
وأما السنة فمنها خبر الصحيحين: "ومن أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم". وقد أجمع أئمة المسلمين على جوازه.

أركان السلم وشروطه
السلم قسم من أقسام البيع كما تقدم؛ فأركان البيع أركان له، وشروطه شروطه، غلا أنه للسلم شروط زائدة على شروط البيع.
__________
- بكسر اللام - كما يسمى رب السلم. ويسمى صاحب السلعة المؤجلة: مسلم إليه وتسمى السلعة كالقمح والزبد: مسلم فيه. ويسمى الثمن: رأس مال السلم، فإذا أراد شخص أن يشتري قمحاً مؤجلاً إلى أجل مسمى بنقد يدفعه فوراً كان ذلك سلماً ويسمى المشتري مسلماً، والبائع مسلماً إليه، والقمح مسلماً فيه، والثمن رأس مال السلم، ولا يشترط فيه أن يكون بلفظ السلم ولا بلفظ السلف، بل ينعقد البيع والشراء بلفظ السلم أيضاً.
المالكية - قالوا: السلم عقد معاوضة يوجب شغل ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين فقوله معاوضة معناه: ذو عوض يدفعه كل واحد من طرفي العقد لصاحبه، خرج به الهبة والصدقة وغيرهما من العقود التي لا معاوضة فيها، بل فيها بذل من جانب واحد فقط، وقوله بغير عين، خرج به بيع سلعة بعين مؤجلة من ذهب أو فضة كما تقدم في تعريف البيع، وقوله ولا منفعة. خرج به كراء الداء ونحوه المضمون فإنه عقد معاوضة بغير عين ولكن أحد عوضيه منفعة، وقوله غير متماثل العوضين، خرج به السلف "القرض" فإن المقترض يرد ما أخذه كما هو.
الحنابلة - قالوا: السلم عقد على شيء يصح بيعه موصوف في الذمة إلى أجل. والذمة هي وصف يصير به المكلف أهلاً للإلزام والالتزام، وهو معنى عام عند غيرهم وقد تقدم. ويصح بلفظ البيع كأن يقول: ابتعت منك قمحاً صفته كذا، وكيله كذا، أقبضه بعد شهر مثلاً، كما يصح بلفظ سلم وسلف. بل يصح بكل ما يصح به البيع، كتملكت واتهبت ونحوه
(2/273)

والغرض منها على وجه الإجمال أن يكون البدلان في السلم وهما رأس المال "ويسمى في البيع ثمناً" والمسلم فيه ويسمى في البيع مبيعاً ومثمناً منضبطين محدودين بحيث لا يكون فيهما جهالة من أي وجه فيقع النزاع بين المتعاقدين، ويثور بينهما الخصام، وذلك ما تأباه الشريعة الإسلامية ولا ترضاه، فيصح السلم فيما يمكن ضبطه كالأشياء التي تباع بالكيل، أو بالوزن، أو بالعد، أو بالذرع لأنها محدودة يمكن ضبطها وإنما يصح لشروط تذكر في العقد: منها: بيان جنس المسلم فيه وجنس رأس المال كأن يقول: أسلمت إليك جنيهاً في تمر أو قمح.
ومنها: بيان النوع كأن يقول: تمر زغلول، أو أسيوطي، وقمح بعلي، أو مسقي. ومنها: بيان الصفة كأن يقول: جيد (1) أو رديء، وبيان العد في المعدود، والذرع في المذروع.
ومنها: بيان قدره بالكيل في المكيال، والوزن في الموزون، والعد في المعدود، والذرع في المذروع. ومنها: أن يكون المسلم فيه مؤجلاً (2) إلي أجل معلوم أقله شهر (3) فلا يصح أن يكون المسلم فيه حالاً، أما رأس المال، وهو الثمن، فإنه يشترط فيه الحلول على تفصيل في المذاهب (4) .
__________
(1) الشافعية - قالوا: ذكر الجودة والرداءة في المسلم فيه ليس بشرط، وإذا أطلق ينصرف الجيد للعرف وينزل على أقل درجاته، ولكن يجوز أن يشترط الجودة والرداءة وإنما الذي يشترط هو أن يكون للمسلم فيه صفات تضبطه وتعينه ويعرف بها، على أن تكون هذه الصفات كثيرة الوجود، فإن كانت نادرة فلا يصح السلم، فمثال ما له صفات كثيرة الوجود: الحبوب. في البلاد الزراعية، والحيوان وغيرهما مما يأتي مفصلاً، ومثال ما له صفات نادرة الوجود: الجواهر الكبيرة التي تستعمل للزينة، فإنها لا يصح فيها السلم، وذلك لأن السلم، يستلزم أن يبين حجمها ووزنها وشكلها وصفاءها واجتماع هذه الصفات نادر فلا يصح السلم. أما الجواهر الصغيرة التي تستعمل للتداوي فإنه يصح فيها السلم إلا العقيق فإنه لا يصح فيه لاختلاف أحجاره. والشرط أن يعرف المتعاقدان الصفات التي يختلف بها الغرض من استعمال المسلم فيه بطريق الإجمال، كأن يعرفا أن القمح منه بعلي، ومنه: مسقي. وأن الغنم منها: "أو سيمي" وصعيدي كمعرفة الأعمى الأوصاف بالسماع ولكن لا بد من وجود عدلين يعرفان الصفات تفصيلاً بالتعيين يرجع إليهما عند التنازع، فلا بد أن يكون لهما خبرة بصفات المبيع
(2) الشافعية - قالوا: لا يشترط في المسلم فيه أن يكون مؤجلاً، بل يصخ أن يكون حالاً
(3) الشافعية - قالوا: أقل الاجب ما يزيد على نصف شهر "خمسة عشر يوماً" ولو زيادة يسيرة
(4) الحنفية - قالوا: يشترط أن يكون رأس مال السلم "الثمن" مقبوضاً في المجلس، سواء كان
(2/274)

ومنها غير ذلك مما هو مفصل في المذاهب
(1)
__________
عيناً "سلعة معينة"، أو كان جنيهات، أو غيرها من العملة،. ولا يشترط قبضه في أول المجلس بل يكفي أن يقبض قبل التفرق ولو طال المجلس، وإذا قاما من المجلس يمشيان ثم قبض المسلم إليه رأس السلم بعد مسافة فإنه يصح إن لم يتفرقا. وكذلك إذا تعاقدا ثم قام رب السلم "المشتري" ليحضر الدراهم من داره فإنه إن لم يغب عن المسلم إليه"، يصح، وإلا فلا.
المالكية - قالوا: إذا تأخر قبض رأس المال وهو المسلم - بفتح اللام - الثمن، عن مجلس العقد فلا يخلو: إما أن يكون ذلك التأخير بشرط كأن يشترط المسلم بكسر اللاز "المشتري" تأخيره فسد السلم اتفاقاً، سواء كان التأخير كثيراً جداً بأن أخره إلى حلول أجل المسلم فيه، أو لم يكن كذلك. وإما أن يكون التأخير بلا شرط وفي هذه قولان: أحدهما: فساده، سواء كان التأخير كثيراً أو قليلاً. ثانيهما: عدم فساده سواء كان التأخير كثيراً أو قليلاً.
الحنابلة - قالوا: يشترط قبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل التفرق، ويقوم مقام القبض ما كان في معناه كما إذا كان عند المسلم إليه أمانة؛ أو عين مغصوبة فإنه يصح أن يجعلها صاحب السلم رأس مال ما دامت ملكاً له، لأن ذلك في معنى القبض.
الشافعية - قالوا: يشترط قبض راس المال في المجلس قبضاً حقيقياً فلا ينفع فيه الحوالة ولو قبضه من المحال عليه في المجلس، لأن المحال عليه ما دفعه عن نفسه إلا إذا قبضه رب السلم وسلمه بنفسه للمسلم إليه. وإذا كان رأس المال منفعة كما إذا قال له: أسلمت إليك داري هذه لتنفع بها في عشرين نعجة آخذها في وقت كذا فإنه يصح، ولكن يشترط أن يسلمها له قبل أن يتفرقا، وهذا وإن لم يكن قبضاً حقيقياً كما هو الشرط، إلا أن تسليمها هو الممكن في قبضها فكان بمنزلة القبض الحقيقي، وليس معنى القبض في المجلس أن يحصل القبض قبل الانتقال من مجلس العقدن بل معناه أن يحصل قبل تفرقهما بأبدانهما، فلو فاما ومشيا مسافة ثم حصل القبض قبل أن يتفرقا فإنه يصح
(1) الحنفية - قالوا: شروط السلم تنقسم إلى قسمين: قسم منها يرجع إلى العقد، وقسم يرجع إلى البدل. فأما الذي يرجع إلى العقد فهو شرط واحد، وهو: أن يكون العقد عارياً عن شرط الخيار للعاقدين، أو لأحدهما. أما إذا كان رأس المال مستحقاً للغير وليس ملكاً لرب السلم فدفعه إليه في المجلس ثم تفرقا، فللمالك الخيار في إجازة العقد أو فسخه، فلو أجازه صح السلم، وأما الذي يردع إلى البدل فهو خمسة عشر شرطاً. منها ستة في رأس المال، وعشرة في المسلم فيه.
فأما الستة التي في رأس المال فهي؛ أولاً: بيان جنسه إن كان من النقدين الجنيهات أو غيرها من أنواع العملة. أو كان عيناً كالقمح أو الشعير أو غير ذلك. ثانياً: بيان نوعه كأن يبين أن هذا الجنيه "مصري أو انكليزي" أو هذا القمح "بعلي أو مسقي". ثالثاً: بيان صفته كأن يقول: هذا جيد، أو رديء، أو متوسط. رابعاً: بيان قدره كأن يقول: خمسة جنيهات، أو عشرة أرادب من القمح أو الشعير. وهل تقوم الإشارة مقام بيان القدر أو لا؟ والجواب أنها تقوم مقامه إذا كان الثمن من المذروعات أو
(2/275)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المعدودات المتفاوتة. فإذا قال له: أسلمت إليك هذا الثوب، أو هذه الكومة من البطيخ، في كذا فإنه يصح وإن لم يبين عدد أذرع الثوب، ولا عدد الكومة من البطيخ. أما إذا كان الثمن من المكيلات أو الموزونات فإن فيه خلافاً: فقيل: الإشارة تكفي، وقيل: لا تكفي؛ ولا بد من بيان القدر. خامساً: أن يكون مقبوضاً في مجلس السلم وقد تقدم. وأما العشرة التي في المسلم فيه فمنها الأربعة الأول التي في رأس المال وهي: بيان الجنس والنوع والوصف والقدر. والخامس: أن يكون مؤجلاً وقد تقدم بيانه. والسادس: أن يكون الصنف موجوداً في الأسواق وسيأتي. السابع: أن يكون مما يتعين بالتعيين وقد تقدم: الثامن: بيان مكان الدفع فيما يحتاج إلى نفقات كالبر ونحوه. التاسع: أن لا يشمل البدلان على علة ربا والفضل وهي القدر والجنس كما تقدم. والعاشر: أن يكون من الأجناس الأربعة المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة والذرعيات. رابعاً: بيان قدره، فلا بد أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أن العد أو الذرع، فأما المكيلات فإنه يصح فيها السلم، سواء كانت حبوباً أو عسلاً أو لبناً أو سمناً أو تمراً.
وهل يصح أن يسلم فيها بالوزن أو لا؟ خلاف: المعتمد أنه يصح، لأن المعول عليه إنما هو الضبط، ولا بد أن يكون قدر المكيال معروفاً بين الناس، فلا يصح أن يقول له: أسلمت إليك جنيهاً في 20 قصعة من القمح إذا لم تكن القصعة مكيالاً معروفاً بين الناس كالكيلة ونحوها. وأما الموزونات فإنه يصح فيها السلم، إلا إذا كانت أثماناً وهي النقدان من الذهب والفضة، فلا يصح أن تقول: أسلمت إليك هذا الثوب في جنيه زنته كذا، آخذه بعد شهر مثلاً لأن الجنيه لا يصح أن يكون مسلماً فيه، لأن شرط السلم أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين، وقد عرفت أن النقدين من الذهب والفضة لا تتعين بالتعيين وهل يعتبر ذلك بيعاً للثوب بأن يجعل الثوب مبيعاً والجنيه ثمناً مؤجلاً أو لا؟ قولان، فقيل: يعتبر ورجحه بعضهم. وقيل: لا، وصححه بعضهم.
وأما المعدودات فإنه يصح السلم في المتقاربة منها كجوز الشام "عين الجمل" فإن آحاده متقاربة حتى إذ استهلك أحد شيئاً منها كان لمالكه الحق في أخذ مثله، أما المتفاوتة إذا استهلكت فإنه يكون لمالكها قيمتها، ومن المتفاوت القرع والرمان، فلا يصح أن يقول: أسلمت إليك جنيهاً في مائة بطيخة، أو مائتي رمانة، لأن آحاده متفاوتة فلا يمكن ضبطها. ومن المتقارب بيض الدجاج، لأنه وإن كان بعضه أكبر من بعض ولكن الكمية التي يحتوي عليها البياض والصفار متقاربة، ومثله بيض النعام إذا كان الغرض من شرائه أكله. أما إذا كان الغرض استعمال قشره زينة فإنه يكون متفاوتاً لأن بعض قشره كبير وبعضه صغير، ومن المعدود المتقارب. الفلوس: "العملة المتخذة من غير الذهب والفضة" كالقروش النيكل والنحاس فيجوز فيها السلم، فيصح أن يسلم إليه جنيهاً في مائة وعشرين قرشاً يأخذها بعد شهر.
ومن المعدود المتقارب اللبن: الطوب النيء. وكذلك الآخر: والطوب المحروق، فيصح أن يقول لأحد العمال: أسلمت إليك جنيهاً في ألفين من الأخضر. ولكن يشترط أن يبين صفة القالب الذي
(2/276)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يضرب به كأن يقول: حجمه كذا طولاً وعرضاً، وكذلك يبين مكان الأرض التي يضرب الطوب عليها كما يبين العدد.
وأما المذروع الذي يباع بالذراع كالقماش والبسط والحصر فإنه يصح فيها السلم أيضاً بشروط:
الأول: أن يبين مقدار طوله وعرضه.
الثاني: أن يبين صفته كأن يقول: ثوب غير مخيط من قطن أو كتان أو صوف أو حرير مركب من نوعين مختلفين.
الثالث: أن يبين محل صنعه كأن يقول: قطنية شامية، أو مصرية. أو يقول: مقطع، سكاروت ياباني، أو هندي، أو ملاءة محلاوي، أو إخميمي ونحو ذلك. وإن كان حريراً فينبغي أن يبين زنته مع عدد الأذرع، لأن الوزن له مدخل في اختلاف الثمن، فإن الديباج وهو نوع من الحرير كلما ثقل وزنه زادت قيمته، وبالعكس غيره من أنواع الحرير.
ويصح السلم في السمك القديد الذي فيه الملح "البكلاه"، ثم إن كان كبيراً فإنه يصح فيه السلم بالعدد، وإن كان صغيراً فإنه يصح فيه وزناً وكيلاً، فيصح أن يسلمه جنيهاً فأكثر على أن يأخذ به عدداً معيناً من سمك البطلاه الموصوف بالأصناف التي تعينه كفرنساوي أو انكليزي إذا كان كبيراً، أما إذا كان صغيراً "كالسردين" المقدد المملوح فإنه يجوز وزناً وكيلاً، وكذلك يصح السلم في السمك الطري "الطازة"، ولكن إن كان لا ينقطع في وقت من الأوقات صح فيه بدون قيد. أما إن كان ينقطع في بعض الأحيان كالجهات التي يتجمد فيها الماء في الشتاء فلا يوجد فيها السمك، فإن الأجل يجب أن يكون ملاحظاً فيه وجود السمك، فلا يصح امتداده إلى الزمن الذي ينقطع فيه.
ولا يصح السلم في الحيوان مطلقاً، وهل يصح في أطرافه بعد ذبحه كالأكارع؟ خلاف: المشهور أنه لا يصح أيضاً كالحيوان، وقال بعضهم: لا بأس به وزناً بعد ذكر النوع وباقي الشروط. وكذلك اللحم فإن فيه خلافاً، والفتوى على أنه يصح فيه السلم. ولا يصح السلم في الحطب بالحزمة كأن يقول له: أسلمتك جنيهاً على أن آخذ به مائة حزمة لعدم ضبط ويصح فيه وزناً. وكذلك لا يصح السلم في الحشائش الخضراء التي ترعاها الدواب كالبرسيم ونحوه بالقت والقتة: الحزمة. وإذا ضبط بما لا يؤدي إلى نزاع فإنه يجوز. ولا يصح السلم في العقيق والبلور ونحوهما لتفاوت آحادهما تفاوتاً كبيراً. وكذا لا يصح في اللآلئ الكبار، أما اللآلئ الصغيرة التي تباع وزناً فإنه يصح فيها السلم، فيجوز أن يقول للصائغ ونحوه: أسلمتك مائة جنيه في لؤلؤة صفتها كذا، وزنتها كذا.
الحنابلة - قالوا: شروط السلم سبعة: أحدها: أن يصف المسلم فيه بما يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً بأن يذكر جنسه ونوعه ولونه وبلده وكونه قديماً أو جديداً.
ثانيها: أن يذكر قدره وقد تقدم، ولا بد أن يكون المكيال معروفاً عند العامة.
ثالثها: أن يشترط أجلاً معلوماً. رابعاً: أن يكون المسلم فيه كثير الوجود في وقته. أما إن كان
(2/277)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
نادراً كالعنب في غير وقته فإنه لا يصح، خامسها: أن يكون رأس المال مقبوضاً في مجلس العقد وقد تقدم. سادسها: أن يكون المسلم فيه ديناً في الذمة فإذا أسلم في دار أو عين موجودة فإنه لا يصح. السابع: أن يكون المسلم إليه من الأمور التي تضبط صفاتها كالمكيلات والموزونات والمعدودات والمذروعات. فأما المكيلات فيصح السلم فيها، سواء كانت حبوباً أو غيرها كالألبان والأدهان والعسل ونحوه. فإن أسلم في حبوب فإنه يشترط أن يصفه بأربعة أمور:
أحدها: ذكر النوع فيقول مثلاً: قمح مواني أو بعلي أو غيره.
ثانيها: ذكر البلد فيقول: قمح بحيري، أو صعيدي، أو هندي، أو استرالي.
ثالثها: ذكر قدر الحب من صغر أو كبر.
رابعها: ذكر القديم والجديد، وكذلك العدس، فإنه يشترط ذكر نوعه كصحيح أو مدشوش وبلده كإسناوي أو غيره، وكونه قديماً أو جديداً، وكون حبه كبيراً أو صغيراً، أو سليماً أو مكسراً، وهكذا سائر أصناف الحبوب.
ولا يصح السلم في القمح إلا إذا فصل من تبنه، ومثله باقي الحبوب.
وإذا أسلم في تمر فإنه يشترط أن يذكره فيقول: تمر، ويذكر نوعه فيقول: زغلول أو سمان، ويذكر قدر حبه صغيراً أو كبيراً، ويذكر لونه فيقول: أحمر أو أصفر، ويذكر بلده فيقول: واحي أو أسيوطي، ويذكر حداثته وقدمه فيقول: جديد أو قديم، ويذكر جودته وردائته فيقول: جيد أو رديء.
ومثل التمر اليابس الرطب، فينبغي وصفه بهذه الأوصاف.
وإذا أسلم في عسل، فينبغي أن يذكر فيه بلده كمصري أو غيره، وأن يذكر زمنه فيقول: ربيعي أو صيفي، ويذكر لونه فيقول: أبيض أو أسود، ويذكر جودته وردائته، وأنه مصفى من الشمع أو لا.
وإذا أسلم في سمن، فينبغي أن يضبطه بالنوع يقول: سمن ضأن، أو معز، أو بقر، أو جاموس وباللون فيقول: أبيض أو أصفر أو أخضر، وبالجودة والرداءة فيقول: جيد أو رديء. وبالمرعى فيقول: بحيري أو صعيدي، لأن قيمة الثمن تختلف باختلاف المرعى، ولا حاجة إلى ذكر القديم والحديث، لأن القدم عيب في السمن يرد به، ويصف الزبد بأوصاف السمن، ويزيد زبد يومه أو أمسه.
وإذا أسلم في لبن، فإنه يضبطه بذكر النوع فيقول: لبن ضأن، أو معز، أو جاموس، أو بقر، ويذكر المرعى ولا يحتاج إلى ذكر اللون ولا إلى ذكر اليوم أو الأمس، لأنه إذا أطلق ينصرف إلى اليوم.
وأما الموزونات فإنه يصح فيها السلم، سواء كانت خبزاً أو فاكهة، أو لحماً نيئاً ولو مع عظمه أو رصاصاً أو نحاساً أو غير ذلك. فإذا أسلم في لحم، فينبغي بيان قدره أولاً، وبيان نوعه من بقر جواميس أو ضأن أو معز، وبيان سنه وبيان ذكورته وأنوثته، وبيان كونه خصيا أو غيره، وبيان كونه رضيعاً أو فطيماً، معلوفاً أو راعية، سميناً أو هزيلاً. فإن كان السلم في لحم طير فإنه لا حاجة فيه إلى ذكر الأنوثة والذكورة إلا إذا كانت تختلف قيمته بهما كلحم الدجاج، فإن لحم الديك أقل من لحم الأنثى فيه،
(2/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولا حاجة إلى أن يبين موضع القطع فيقول: من الفخذ مثلاً، إلا إذا كان الطير كبيراً يؤخذ منه بعضه كلحم النعام فإنه يبين موضع القطع لاختلاف العظم، ولا يصح السلم في اللحم المطبوخ ولا اللحم المشوي.
وإذا أسلم في الخبز، فينبغي أن يذكر كونه خبز بر، أو شعير، أو دخن، أو ذرة ويذكر اليبوسة والرطوبة واللون.
وإذا أسلم في السمك، فينبغي أن يذكر نوعه فيقول: من النهر، أو من البركة، وأن يذكر صنفه فيقول: بوري أو بلطي مثلاً، وأن يذكر كبره أو صغره، وسمنه وهزاله، وأن يذكر كونه طرياً أو مملوحاً "بكلاه".
وإذا أسلم في رصاص أو نحاس أو حديد فإنه يضبطه بذكر نوعه ولونه إن كان يختلف به ثمنه كالنحاس الأصفر والأحمر والأبيض، وذكر نعومته وخشونته، ويزيد في الحديد كونه ذكراً أو أنثى إن كان العرف على أن ثمنه يختلف باختلاف ذلك، ولا يصح السلم في الفلوس وزنا بشيء موزون، فإن كانت الفلوس وزنية فلا يصح أن يسلم فيها شيئاً يباع بالوزن كأن يقول أسلمت إليك ثوباً من الحرير زنته كذا في مائتي قرش من النيكل مثلاً فإنه لا يصح لتحقق علة ربا النسيئة فيهما وهو الوزن، إذ لا يحل بيع موزون بموزون مع التفاضل نسيئة. أما إن كان الفلوس عددية فإنه يصح السلم فيها على الأصح ولو كانت مستعملة لأنها عرض لا ثمن كما تقدم، وقيل لا يصح على أنه يصح في الأثمان الخالصة بشرط أن يكون رأس المال غير سلم، فيصح أن يقول له أسلمتك هذا الثوب في جنيه آخذه بعد شهر. أما إذا قال له: أسلمتك هذا الجنيه في ستة من "الريالات" آخذها بعد شهر مثلاً فإنه لا يجوز لأنه يكون ربا.
وأما المعدود المختلف الذي تتفاوت آحاده فإنه لا يصح السلم فيه إلا في الحيوان لأنه هو الذي يمكن ضبط صفاته، فلا يصح في بيض ولا رمان ولا بطيخ إلى غير ذلك من الأشياء المختلف آحادها التي تباع عداً، وقيل يصح في المتقارب منها كالجوز الشامي وبيض الدجاج. وينضبط الحيوان بذكر سنه وذكورته وأنوثته وسمنه وهزاله. وكونه راعياً معلوفاً، بالغاً أو صغيراً، ولونه إن كان نوعه مختلف اللون كالغنم البيضاء، أو السوداء، أو الحمراء وتضبط الإبل بأربعة أوصاف:
النتاج فيقول: من نتاج بني فلان، والسن فيقول: بنت مخاض مثلاً، واللون فيقول: بيضاء أو حمراء أو زرقاء. والأنوثة فيقول: ذكراً أو أنثى.
وتضبط الخيل بأوصاف الإبل الأربعة المذكورة، ولا بد من ذكر نوعها فيقول في الإبل: بختية، أو عرابية، ويقول في الخيل: عربية أو هجين أو برذون، ويقول في الغنم: ضأن أو معز، إلا البغال والحمير فإنه لا أنواع لها.
ويضبط اللبن "الطوب النيء" بالتراب الذي يضرب منه والثخانة.
(2/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأما المذروع كالثياب، فإنها تنضبط بذكر نوعها فيقول: كتان، أو قطن، أو حرير. أو صوف، وبذكر بلدها فيقال قماش مصري، أو شامي، ويذكر طولها أو عرضها، وصفاقتها ورقتها وغلظها ونعومتها وخشونتها، ولا يذكر زنتها، فإن ذكرها لم يصح السلم.
وبالجملة فإنه ينبغي أن يذكر في كل نوع من هذه الأنواع الصفة التي يترتب على ذكرها وعدمه اختلاف في الثمن اختلافاً ظاهراً.
وإذا أسلم فيما يباع كيلاً بالوزن كأن قال: أسلمتك جنيهاً في قنطارين من القمح فقيل: يصح، وقيل: لا. واختار الأول كثير، لأن الغرض معرفة القدر والمكان وذلك متحقق.
المالكية - قالوا: شروط صحة السلم الزائدة على شروط صة البيع سبعة: الشرط الأول: قبض رأس المال كله وقد تقدم الكلام في جواز تأخيره وعدمه ويجوز شرط الخيار في رأس المال أو في المسلم إليه قبل قبض المال مدة ثلاثة أيام لا أكثر. ولو كان رأس المال داراً على المعتمد. فإن نقد رأس المال فسد العقد بشرط الخيار. وذلك لأنه بعد أن يقبض المسلم إليه، الذي هو في حكم البائع، رأس المال الذي هو في حكم الثمن مع شرط الخيار، كان رأس المال متردداً بين كونه سلفاً يصح أن يأخذه من دفعه، وبين كونه ثمنه فلا ينعقد السلم. وإذا شرط نقد رأس المال مع شرط الخيار بطل العقد أيضاً وإن لم ينعقد بالفعل، لأن المشروط لازم للشرط، حتى ولو نزل عن الشرط فإن العقد لا يرجع صحيحاً، وإذا تطوع رب السلم ونقده رأس المال، فإن كان معيناً كثوب معين أو حيوان معين فإنه يصح. أما إن كان غير معين كالجنيه فإنه لا يصح.
ويصح أن يكون رأس المال منفعة شيء معين كسكنى دار، أو استخدام حيوان، فإذا قال له: أسلمتك سكني داري مدة كذا في عشرين نعجة آخذها بعد شهر مثلاً فإنه يصح. أما جعل المنفعة بدلاً عن الدين، فإن فيها خلافاً، فإذا كان له عند نجار مثلاً ديناً فكلفه بعمل صندوق واحتسب له ذلك الدين. قيل: يصح، وقيل: لا. ولا بد من قبض الدار التي جعلت منفعتها رأس مال قبل تمام أيام ثلاثة. أما الحيوان فيجوز تأخيره أكثر بدون أن يشترط التأخير لأن الحيوان يجوز تأخيره كذلك، سواء جعل هو رأس المال أو جعله منفعة، أما إذا اشترط التأخير فإنه لا يجوز.
الشرط الثاني من شروط السلم: ما اشتمل على نفي خمسة أشياء:
أحدها: أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه طعامين، سواء كانا متحدي الجنس أو لا فلا يصح أن يقول: أسلمتك إردب قمح في إردب قمح، كما لا يصح أن يقول: أسلمتك إردب قمح في إردب فول آخذه بعد شهر مثلاً، لأن في هذا ربا النساء، فإذا قالله: أسلمتك إردب قمح في إردب ونصف قمح آخذه بعد شهر كان فيه ربا فضل ونساء، فإذا وقع بلفظ القرض بدون زيادة جاز كأن يقول له: أقرضتك إردب قمح آخذه بعد شهر.
ثانيها: أن لا يكونا نقدين، فلا يصح أسلمتك جنيهاً في جنيه، كما لا يصح أسلمتك جنيهاً في
(2/280)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
"خمسة ريالات" وإنما لا يصح لعلة الربا المذكورة، والفلوس الجدد في باب السلم مثل النقدين، فلا يجوز سلم بعضها في بعض، فلا يجوز أنيقول: أسلمتك عشرين قرشاً في عشرين قرشاً من النحاس.
ثالثاً: أن لا يكون رأس المال أقل من المسلم فيه إذا كان من جنسه فلا يصح أن يقول: أسلمتك هذا الثوب في ثوبين من جنسه، أو أسلمتك قنطاراً من القطن في قنطارين أو إردباً من الجبس في إردبين. إلا إذا اختلفت المنفعة في أفراد الجنس الواحد بحيث تعادل منفعة الواحد منفعة الاثنين كالحمار السريع المشي، فإنه يصح أن يكون سلماً في حمارين ضعيفين مشيهما بطيء، وكالحصان الذي يسبق غيره أكثر منه غير سابق، وكسيف قاطع جيد في سيفين أقل منه، أما الجنسان المختلفان فإنه يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر، ولو كانت منفعتهما متقاربة كثوب رقيق من القطن وثوب غليظ. فإنه يصح أن يجعل أحدهما رأس مال السلم والآخر مسلماً فيه.
رابعها: أن لا يكون رأس المال رديئاً والمسلم فيه جيداً إذا كانا من جنس واحد، فلا يصح أن يقول له: أسلمت إليك قطنية شامية في قطنية بلدية آخذها بعد شهر. أو يقول له: أسلمتك قنطاراً من الكتان الأسمر في قنطار من الكتاب الأبيض الناصع آذه بعد شهر، إلا إذا اختلفت المنفعة بحيث تكون منفعة الشيء الواحد من الجنس تعادل اثنين كالقطن "السكلاريدس" فإن القنطار الواحد من الثاني يعادل اثنين من الأول، فيصح أن يسلم الواحد في اثنين.
خامسها: أن لا يكون رأس المال جيداً والمسلم فيه رديئاً، فلا يصح أن يسلم إردباً من القمح في إردب من الشعير، ولا ثوبين في ثوب، لأنه يكون من باب الضمان بجعل، وذلك لأن المسلم إليه ضمن لرب السلم الثوب الذي لا يدفعه له في الوقت الذي أجل إليه في نظير الثوب الذي يأخذه الآن وهو ممتنع، أو ضمن له إردب الشعير في نظير المنفعة التي يأخذها زيادة عليه من إردب القمح.
الشرط الثالث: من شروط السلم: أن يكون المسلم فيه مؤجلاً أجلاً معلوماً للمتعاقدين، وأقله خمسة عشر يوماً كما تقدم، إلا إذا أسلم في شيء واشترط تسليمه في بلد العقد بمجرد وصوله لذلك البلد، ولذلك شروط:
الأول: أن يكون على بعد مسافة يومين من بلد العقد على الأقل وإن لم يلفظ بذكر المسافة، فإن كانت أقل فلا بد من التأجيل خمسة عشر يوماً.
الثاني: أن يشترط العاقدان الخروج من بلد العقد، وأن يخرجا فوراً بالفعل منها كي يدفع المسلم إليه لرب السلم المسلم فيه بمجرد وصولهما إلى البلد طبقاً للشرط، فإن لم يشترطا الخروج ولم يخرجا بالفعل فلا بد من التأجيل نصف شهر.
الثالث: تعجيل رأس المال في المجلس أو قريباً منه.
(2/281)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الرابع: أن يكون سفرهما أو وكيلهما في يومين بالبر، أو بباخرة لا تتأثر بالرياح حتى لا يتعطل سيرها.
الخامس: أن يخرجا في نفس اليوم الذي حصل فيه العقد، فإن فقد شرط من هذه الشروط تعين التأجيل لمدة خمسة عشر يوماً.
الشرط الرابع من شروط السلم: أن يضبط المسلم فيه أو رأس السلم بما جرت عادة الناس في الجهة التي وقع فيها العقد أن يضبطوا به من كيل أو وزن أو عد.
فالقمح جرت عادة الناس أن يضبطوه بالكيل، ومنهم من يضبطه بالوزن؛ فيصح السلم فيه كيلاً ووزناً، واللحم جرت عادة الناس أنيضبطوه بالوزن، فيصح السلم فيه وزناً.
والرمان جرت عادة الناس أن يضبطوه بالعد، ومنهم من يضبطه بالوزن، فيصح السلم فيه عداً ووزناً. ولما كان الرمان مما تتفاوت احاده، فيجب أن يقيس طول كل رمانة وعرضها بخيط ونحوه ويحفظ ذلك المقياس ليرجع إليه عند اللزوم، وسواء وضع ذلك المقياس عند أمين أو كتب بيانه في ورقة أمضاها العاقدان، فإن الغرض من التوثيق يحصل فيصح أن يقول: أسلمك جنيهاً في قنطار من الرمان كل رمانة سعة هذا الخيط. أو أسلمك جنيهاً في مائة رمانة، حجم كل رمانة كذا طولاً وكذا عرضاً وعمقاً، ومثل الرمان البيض.
ويصح السلم في الخضر والحشائش كالبرسيم "والدراو" ويضبط بالحمل - بكسر الحاء - كأن يقول له: أسلمتك جنيهاً في مائة حمل برسيم، كل حمل ملء هذا الحبل، ويوضع الحبل تحت يد أمين، أو يقاس طوله وسمكه بمقياس مخصوص ويكتب في ورقة، ومثل ذلك الكراث والكزبرة ولا بد أن تكون آلة الكيل أو الوزن معلومة، فإذا ضبط بشيء مجهول كملء هذه القصعة مثلاً، أو وزن هذا الحجر ولم يكن مقداراً بمعيار مخصوص فإن السلم يفسد.
الشرط الخامس: أن يبين الصفات التي تختلف رغبات الناس من أجلها كالصنف والجودة والرداءة، والتوسط بينهما واللون إذا كان له دخل في اختلاف قيمة المسلم فيه أو رأس المال، فإن رغبة بعض الناس تنبعث إلى لون الغنم البيضاء للانتفاع بأصوافها البيضاء. وبعضهم بالعكس يرغبون في الحمراء أو السوداء فيترتب على ذلك اختلاف في قيمتها. أما إذا لم يترتب عليه اختلاف في القيمة بحسب العرف فلا يشترط ذكره.
فإذا أسلم في قمح فإنه يشترط أن يبين قدره بالكيل أو الوزن إن تعارف الناس على وزنه، ويبين صنفه فيقول: بعلي أو مسقي، ويبين جودته وغيرها، ويبين كونه ملآناً أو ضامراً، ويبين كونه قديماً أو جديداً إن ترتب على ذلك البيان اختلاف الثمن، أما بيان لون القمح فليس شرطاً لأن ذكر الصنف يغني عنه. وكذا لا حاجة إلى بيان كونه خالياً من الطين أو لا "غلت أو نظيف" لأن هذا يحمل على الغالب
(2/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المتعارف، فإن لم يكن فيحمل على المتوسط. ويندب البيان دفعاً للنزاع. ويجب بيان الجهة الوارد منها إذا كان في بلده غير أصناف النابت فيها كالهندس، والأسترالي، والروسي.
وإذا أسلم في حيوان فإنه يشترط أن يبين نوعه، هل هو غنم أو بقر، ضأن أو معز؟ ويبين جودته ورداءته، ويبين لونه إن ترتب عليه اختلاف في الثمن. وكذلك يبين سنه، وكونه ذكراً أو أنثى، وكونه سميناً أو غير سمين.
وإذا أسلم في تمر فإنه يبين نوعه وجودته ورداءته، وكبره وصغره وقدره، والجهة التي ورد منها.
وإذا أسلم في عسل فإنه يبين نوعه، هل هو عسل نحل أو قصب، أو بنجر أو سكر؟ ويبين جودته ورداءته ولونه إن ترتب عليه اختلاف في الثمن. وإن كان عسل نحل فإنه يبين مرعاه، لأنه يختلف بذلك طعماً، فإن الذي يقتطف من زهر الكروم أجود عسلاً من غيره وأغلى ثمناً.
وإذا أسلم في لحم فإنه يشترط أن يبين نوعه في ضأن أو معز إلخ الصفات المذكورة في الحيوان، ويزيد عليها بيانه كونه خصياً أو لا، معلوفاً أو راعياً. ولا يشترط أن يبين المكان الذي يقطع منه اللحم كالفخذ والذراع. إلا إذا اختلفت الأغراض في ذلك فإنه يجب البيان.
وإذا أسلم في سمك فإنه يشترط أن يبين صنفه وجودته، ويبين كونه كبيراً أو صغيراً أو متوسطاً، وبالجملة فينبغي أن يبين في كل نوع ما يضبطه من الصفات التي يترتب عليها اختلاف في الثمن عادة في مكان العقد.
الشرط السادس من شروط السلم: أن يكون المسلم فيه ديناً في ذمة المسلم إليه، فلا يصح أن يكون معيناً، سواء كان حاضراً كأن يقول: أسلمت إليك جنيهاً في هذا الثوب الحاضر، أو غائباً كأن يقول له: أسلمت إليك جنيهاً في الثوب الفلاني المعروف لي، لأن تعيينه يستلزم أن يبيع شيئاً معيناً يتأخر قبضه وهو غير جائز، فإن لم يكن عنده كان بيعاً لشيء غير موجود وهو منهي عنه أيضاً، والذمة وصف اعتباري يحكم به الشرع ويقدر وجوده في الشخص من غير أن يكون له وجود حقيقي قابل للالتزام، كأن يلتزم على نفسه شيئاً كضمان ودين، وقابل للالتزام من الغير كأن يقول له: ألزمك حق فلان.
الشرط السابع: أن يوجد المسلم فيه عند حلول الأجل، فلا يصح أن يسلم في فاكهة مثلاً مؤجلة إلى زمن لا توجد فيه.
الشافعية - قالوا: شرط السلم شروط البيع ما عدا رؤية المبيع، فإنها شرط في صحة البيع كما تقدم، بخلاف رؤية المسلم فيه فإنها ليست بشرط لأنها رخصة مستثناة من منع بيع المعدوم، ويزيد السلم على البيع شروطاً أخرى بعضها يتعلق برأس مال المسلم، وبعضها يتعلق بالمسلم فيه. وكلها شروط لصحة عقد السلم، فلا يصح إذا تخلف شرط منها. فأما التي تتعلق برأس المال فهي شرطان:
الشرط الأول: أن يكون رأس المال مال السلم حالاً غير مؤجل فلا يصح تأجيله.
(2/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الثاني: تسليمه بالمجلس وقد تقدم قريباً، لأنه لو تأخذر يكون بيع دين بدين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون رأس المال عيناً أو منفعة كأن يقول: أسلمت إليك سكنى داري مدة كذا في كذا من الغنم، فلا بد من تسليمها كما تقدم. وأما التي تتعلق بالمسلم فيه فهي:
أولاً: بيان مكان تسليم المسلم فيه إن لم يكن المكان الذي حصل فيه العقد صالحاً للتسليم، سواء كان السلم حالاً أو مؤجلاً. أما إذا كان المكان صالحاً للتسليم، فإن كان نقله يحتاج إلى نفقات وجب البيان في السلم المؤجل دون الحال. وإذا كان نقله لا يحتاج إلى نفقات فلا يجب البيان، سواء كان السلم حالاً أو مؤجلاً. وقد تقدم أن السلم يصح حالاً أو مؤجلاً.
ثانياً: القدرة على تسليم "المسلم فيه" عند حلول الأجل إن كان مؤجلاً، أو بالعقد إن كان حالاً، فإذا أسلم في فاكهة وأجلت إلى أمد لا توجد فيه فلا يصح السلم.
ثالثاً: أن يكون المسلم فيه مقدوراً على تسليمه عند وجوبه بلا مشقة عظيمة، ويجب التسليم في السلم الحال بالعقد، وفي المؤجل بحلول الأجل، وهذا الشرط من شروط البيع أيضاً فليس بزائد عليها، وإنما يترتب عليه شيء آخر زائد على شروط البيع وهو: ما إذا أسلم في شيء يندر وجوده كالجواهر الكبار والياقوت فإنه لا يصح السلم فيها لتعذر وجود الصفات المطلوبة في السلم فيها، إذ لا بد من التعرض للحجم والشكل وصفاء اللون ونحو ذلك، وهذه الصفات يندر اجتماعها، فالشرط أن لا يسلم في شيء يندر وجوده، أو يكثر وجوده ولكنه ينقطع عند حلول الأجل، فلا يصح السلم في الفاكهة ونحوها بعد انقطاعها.
فإذا حصل عقد السلم فيما يندر وجوده، أو فيما ينقطع عند حلول الأجل كان لرب السلم "المشتري" الحق في الخيارين بين أمرين: فإما أن يصبر حتى يوجد المسلم فيه، وإما أن يفسخ العقد وله هذا الحق على التراخي، فله أن يستعمله في أي وقت شاء، ولو أسقط حقه في الفسخ لم يسقط على الأصح.
رابعاً: أن يكون المسلم فيه منضبطاً، فلا يصح السلم فيما تركب من أجزاء مختلفة لا يمكن ضبطها كالكشك، والقمح المخلوط بالشعير الكثير، والأحذية المبطنة. أما غير المبطنة "كالصنادل" والخف غير المبطن فإنه يصح السلم فيه بشرط أن تكون متخذة من الجوخ ونحوه. أما المتخذة من الجلد فإنه لا يصح السلم فيها، لأن الجلد لا يصح فيه السلم. ومن المركب من أجزاء رؤوس الحيوانات المذبوحة فإنه لا يصح السلم فيها ولو بعد تنقيتها من الشعر. ومنه معجون الروائح العطرية الغالية المركبة من نحو مسك وعنبر ودهن فلا يصح السلم فيها.
خامساً أن لا يكون المسلم فيه معيناً بل ديناً لأن السلم موضوع لبيع شيء في الذمة. فإذا قال أسلمت إليك هذا الجنيه في هذا الثوب فإنه لا يصح. وكذلك لا يصح أن يكون جزءاً من معين: كأسلمت إليك هذا الجنيه في إردب قمح من هذا الجرن بخصوصه.
(2/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سادساً: أن يبين جنسه ونوعه، ويذكر الصفات التي يترتب عليها اختلاف الثمن عادة، فإذا أسلم في حيوان فعليه أن يذكر جنسه ونوعه فيقول: غنماً، أو بقراً، أو إبلاً. ثم يذكر سنه ولونه، وهل هو ذكر أو أنثى؟. ويذكر في الطير زيادة على ذلك كونه صغيراً أو كبيراً، أما سنه فلا يلزم ذكره إلا إذا كان معروفاً.
وإذا أسلم في ثياب فعليه أن يذكر عرضها وطولها، ورقتها وثخانتها، ونعومتها وخشونتها، ويبين إن كانت خاماً أو مقصوراً.
وإذا أسلم في سمن أو زبد فعليه أن يبين قدره وزناً أو كيلاً، ويبين الحيوان الذي أخذه منه، فيذكر إن كان سمن بقر، أو غنم، أو جاموس، أو جمال، ويبين كونه جديداً أوقديماً، ومثله الزبد فعليه أن يبين الصفات المذكورة في السمن، ويزيد عليها إن كانت جافة أو رطبة.
وإذا أسلم في جبن فعليه أن يذكر نوعه فيقول: جبن غنم، أو بقر، أو جاموس، ويذكر صنفه إن كان مأخوذاً من الرائب، أو الخض، أو اللبن، ويذكر بلده فيقول: صعيدي، أو بحيري، ومثله القشدة "القشطة" فيصح السلم فيها مع هذه البيانات.
سابعاً: أن يكون المسلم فيه معلوم القدر بأن يكون مما يكال، أو يوزن، أو يعد، أو يذرع، فإذا أسلم في حبوب فإن عليه أن يذكر قدرها، ولا يجوز تعيين مكيال غير معروف القدر ككوز أو قصعة، فلو عينه فسد السلم. ويصح السلم فيما يكال بالوزن وعكسه، بخلاف ما تقدم في الربا، فهنا يصح أن يسلم في الحنطة كيلاً ووزناً إن كان ينضبط بالوزن. ومثل الحبوب: الجوز واللوز والفستق والبن، فيصح السلم في ذلك كيلاً ووزناً. أما المعدود المتفاوت الآحاد فإنه يصح فيه السلم وزناً كالبطيخ والقثاء ونحو ذلك مما هو أكبر من التمر، فإنه لا يصح فيه الكيل، فيصح أن يسلم فيه بالوزن.
ومثل ذلك أيضاً الخضر: كالملوخية والبامية والرجلة فإنه يضح فيها السلم وزناً. وكذلك الخشب والدريس والتبن فإنه يصح فيها السلم وزناً ويصح السلم في النقدين "الذهب والفضة" ولكن بالوزن فقط.
فإذا جمع بين العدد والوزن فيها فإنه يفسد. ومثلها الجمع بين الوزن والعد فيما تفاوتت آحاده كالبطيخ، فلا يصح أن يقول له: أسلمتك هذا الجنيه في مائة بطيخة، زنة كل واحدة منها ثلاثة أرطال، لأنه يحتاج مع ذلك إلى ذكر حجمها فيتعذر وجوده.
ويصح السلم في الطوب بالعد والوزن معاً كأن يقول له: أسلمت إليك جنيهاً في ألف طوبة زنة الواحدة منها رطلان، لأن ذلك ليس بمتعذر، إذ يمكن وضع قالب بهذا الوزن، ومثل الطوب الخشب.
ثامناً: أن يشترط في عقد السلم الخيار لأحد المتعاقدين، أو لهما: لأنه لا يحتمل التأجيل في رأس المال، فكيف يصح معه الخيار الذي يترتب عليه عدم الإلزام بقبض رأس المال؟ ولكن يدخله خيار المجلس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا الشرط متعلق بالعقد لا بالمسلم فيه) .
(2/285)

مباحث الرهن
تعريفه
الرهن في اللغة معناه: الثبوت والدوام يقال ماء راهن: أي راكد. ونعمة راهنة: أي دائمة، وقال بعضهم: إن معناه في اللغة، الحبس لقوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} أي محبوسة بما قدمته، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه" فمعنى مرهونة: محبوسة في قبرها، والمعنى الثاني لازم للمعنى الأول، لأن الحبس يستلزم الثبوت بالمكان وعدم مفارقته، أما في الشرع: فهو جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين بحيث يمكن أخذ الدين، أو أخذ بعضه من تلك العين، ومعنى وثيقة: متوثق بها، من وثق كظرف صار وثيقاً، والوثيق: المحكم، فقد توثق الدين وصار محكماً بهذه العين وخرج بقوله قيمة مالية في نظر الشرع: العين النجسة والمتنجسة لا يمكن إزالتها، فإنها لا تصلح أن تكون وثيقة للدين، ومثل ذلك ما إذا كانت طاهرة ولكنها لا تساوي شيئاً مالياً على قياس ما تقدم في تعريف البيع.

حكمه ودليله
أما حكمه فهو الجواز مثل البيع، لأن كل ما جاز بيعه جاز رهنه إلا ما ستعرفه.
وأما دليله فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقد قال تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة} والرهان جمع رهن، مثل حبل وحبال. ويجمع على رهن بضم الهاء، ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر من يتعاقد مع غيره ولم يجد كاتباً يوثق له فليرهن شيئاً يعطيه لمن له الدين، كي يطمئن الدائن على ماله، ويحفظ المدين بما استدان به خوفاً على ضياع ماله المرهون، فلا يتسامح فيه ويبذر بدون حساب ولا خوف.
وأما السنة: فلما روي في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم: "رهن درعه عند يهودي يقال له أبو الشحم على ثلاثين صاعاً من شعير لأهله".
وفي هذا الحديث دلالة على ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من الانصراف عن مظاهر الحياة الدنيا وزخارفها والزهد فيحطامها، فرسول الله الذي كانت تهتز لذكره عروش القياصرة، وكانت
(2/286)

الأموال تجبى إليه كومات مكدسة، يرهن ردعه من أجل التافه اليسير الذي تقتضيه ضرورة القوت، ما ذاك إلا لأن نفسه الكريمة تأبى أن يكنز شيئاً من المال ولو يسيراً، فيقسم كل ما يأتي إليه بين الناس ولا يأخذ منه لا قليلاً ولا كثيراً. ألا إنه لرسول الله حقاً وصدقاً. وفي الرهن عند اليهودي دلالة على جواز معاملة أهل الكتاب. وأما لإجماع: فقد أجتمع أئمة الدين على جواز الرهن بالشروط الآتية:

أركان الرهن
أما أركانه فهي (1) ثلاثة:
الأول: عاقد ويشمل الطرفين: وهو المالك، والمرتهن وهو صاحب الدين الذي أخذ الرهن في نظير دينه.
الثاني: معقود عليه ويشمل أمرين: العين المرهونة، والدين المرهون به، الثالث: الصيغة.

شروط الرهن
يشترط لصحة عقد الرهن أمور؛ منها: أن يكون الراهن والمرتهن ممن تحققت فيهما أهلية البيع فلا يصح عقد الرهن من مجنون وصبي غير مميز؛ ومنها: غير ذلك على تفصيل مبين في المذاهب
(2)
__________
(1) الحنفية - قالوا: للرهن ركن واحد وهو الإيجاب والقبول لأنه هو حقيقة العقد، وأما غيره فهو خارج عن ماهيته كما تقدم في البيع

(2) المالكية - قالوا: تنقسم شروط الرهن إلى أربعة أقسام: قسم يتعلق بالعاقدين الراهن والمرتهن. وقسم يتعلق بالمرهون وقسم يتعلق بالمرهون به وهو دين الرهن. وقسم يتعلق بالعقد فأما الأول: فهو كل من يقع بيعه صحيحاً فكذلك يقع رهنه. وكل من يقع بيعه لازماً فكذلك يقع رهنه، فيشترط لصحة الرهن أن يكون الراهن مميزاً، فلا يصح من مجنون ولا من صبي غير مميز. أما الصبي المميز والسفيه ونحوهما فإن رهنهم يقع صحيحاً ولكن لا يكون لازماً إلا إذا أجازه الولي، ويشترط أن يذكر ذلك في صلب عقد البيع أو القرض كأن يقول: بعتك هذه السلعة بثمن قدره كذا، مؤجلاً لمدة كذا، برهن كذا، أو أقرضتك مبلغ كذا، إلى أجل كذا برهن كذا على أن هناك فرقاً بين البيع وبين الرهن في حالة المرض، فإن المريض إذا استدان وهو سليم فلا يصح أن يرهن في نظير الدين وهو مريض، بخلاف البيع فإن له أن يقترض مالاً وهو سليم ثم يبيع به عيناً وهو مريض:
(2/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا استدان وهو مريض فله أن يرهن في نظير ذلك الدين وهو مريض، كما أن له بيعه. ويشترط للزوم الرهن التكليف، فلا يلزم من الصبي كما ذكر آنفاً. والرشد، فلا يلزم رهن السفيه إلا بإذن الولي ويتضح من هذا أنه يجوز للولي سواء كان أباً أو وصياً أو قاضياً أن يرهن مال المحجور عليه الذي له عليه ولاية بشرط أن يكون ذلك في مصلحة المحجور عليه. كأن يرهنه لكسوته أو لطعامه، أو لتعليمه إذا لم يجد شيئاً غير ذلك. أما إذا كان الرهن لمصلحة الولي فإنه يقع باطلاً، ولا يلزم الولي ونحوه بيان السبب في الرهن. أما البيع فإنه لا يصح له أن يبيع مال المحجور عليه إلا بعد أن يثبت أن ذلك فيه مصلحة للمحجور عليه عند الحاكم.
وإذا كان للمحجور عليه وصيان فإنه لا يصح لأحدهما أن ينفرد برهن مال المحجور عليه بدون الاتحاد مع الآخر، كما لا يصح له أن ينفرد ببيعه. وأما القسم الثاني وهو ما يتعلق بالمرهون: فهو أن ما يصح بيعه يصح رهنه وبالعكس. فلا يصح رهن النجس كجلد الميتة ولو بعد دبغه، ولا رهن الخنزير ولا الكلب، لأنه لا يجوز بيع ذلك. وكذلك الخمر، سواء كانت ملكاً لمسلم ورهنها عند مسلم أو ذمي، أو كانت ملكاً لذمي ورهنها عند مسلم. فإن رهنها فاسد على أي حال، على أنه يستثنى من قاعدة كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه: الأشياء التي بها غرر كالثمرة التي لم تخلق، والجنين الذي في بطن أمه، والثمر قبل بدو صلاحه ونحو ذلك مما فيه غرر "أي خطر" بمعنى أن وجوده غير متحقق فقد يوجد لا يوجد، فإنه لا يصح بيعه ولكن يصح رهنه.
فأما الذي فيه غرر شديد كالجنين في بطن أمه، والثمرة التي لم توجد ففيه خلاف، فقيل: لا يجوز رهنه كما لا يجوز بيعه، وقيل: يجوز رهنه ولو عدة سنين. ومحل الخلاف ما إذا اشترط الراهن في عقد البيع أو القرض كأن قال له: بعتك هذه السلعة بثمن إلى أجل بشرط أن ترهن لي الجنين الذي في بطن الناقة، أو ثمر حديقتك سنتين قبل أن يخلق. ومثل ذلك ما إذا قال له: أقرضتك كذا الخ، أما إذا لم يشترط الرهن في عقد البيع أو القرض. بل باع لأجل أو أقرضه لأجل ولم يشترط رهن الجنين، فإنه يجوز له أن يرهنه بعد ذلك بلا خلاف.
وأما الذي غرره غير شديد كالثمر قبل ظهور صلاحه فلا خلاف في جواز رهنه، فإذا رهن الثمرة قبل بدو صلاحها فإنه ينتظر بدو صلاحها ثم يبيعها في الدين. وإذا مات الراهن أو أفلس قبل ظهور الصلاح وكان عليه دين لغير المرتهن وعنده مال آخر غير المرهون، فإن للمرتهن أن يتشرك مع الغرماء بجميع دينه في المال الذي تركه غير المرهون، لأن الدين متعلق بالذمة لا بالعين المرهونة وما دامت غير صالحة ووجد ما يفي لغيره من أرباب الديون فإن له الحق أن يسترك معهم في ذلك، حتى إذا ظهر صلاح الثمرة بيعت واختص بثمنها إن وفى دينه ورد ما أخذه أولاً وإن زاد رد الزيادة، وإن نقص استوفى ماله؛ والفرق بين حالة البيع وحالة الرهن: أن المالك له أن يقرض ماله، أو بيعه لأجل بدون أن يرهن شيئاً أصلاً، فيصح له أن يرهن شيئاً محتمل الوجود والعدم لأنه خير من لا شيء على كل حال. ويشترط أن يكون الدين عيناً، فيصح رهن الدين بالدين، سواء كان للمدين نفسه أو لغيره. ويشترط في
(2/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
رهن الدين للمدين: أن يكون أجل الدين الذي جعل رهناً أبعد من أجل الدين الذي هو سبب في الرهن أو مساوياً له. فإن كان أقرب منه فإنه لا يصح. مثاله: أن يشتري شخص من آخر قمحاً مثلاً بمائة جنيه بثمن مؤجل إلى ثلاثة أشهر. أو كان للمشتري على البائع دين اقترضه منه، أو اشترى به سلع ويحل دفعه بعد ثلاثة أشهر أو أربعة، فإنه يصح أن يجعل الدين الذي له رهناً في الدين الذي عليه. أما إن كان الدين له وهو ما جعل رهناً أجله أقرب أو حل فإنه لا يصح جعله رهناً، لأنه بعد حلول أجله يكون بقاؤه عند المدين سلفاً في نظير بيعه القمح، واجتماع بيع وسلف "باطل لما يجر إليه من الربا".
أما رهن الدين بغير المدين وهو ما إذا كان لزيد مائة جنيه على عمرو، وكان لعمرو مائة على خالد، فإنه يصح لعمرو أن يرهن ماله من الدين على خالد لزيد في دينه الذي عليه، وذلك بأن يسلم عمراً وثيقة الدين على خالد حتى يقبضه دينه.
ولا يشترط في صحة الرهن أن يكون المرهون مقبوضاً كما لا يشترط القبض في انعقاده ولزومه، فيصح الرهن وينعقد ويلزم وإن لم يقبض المرتهن المرهون، بل يتحقق الرهن بالإيجاب والقبول، فليس للراهن أن يرجع بعد ذلك، وعلى المرتهن أن يطالب بالقبض.
ولا يشترط أن يكون المرهون غير مشاع، بل يصح رهن المشاع كما تصح هبته وبيعه ووقفه سواء كان عقاراً، أو عروض تجارة، أو حيواناً، فإذا كان لشخص دين على آخر فله أن يرهنه جزءاً مشاعاً من داره مقابل ذلك الدين ولو كانت الدار ملكاً للراهن، كما أن له أن يرهنه نصيبه المشاع في دار له شريك فيها إلا أنه إذا رهن جزءاً شائعاً من دار يملكها جميعها. فإن المرتهن يضع يده عليها كلها، لأن الراهن لو وضع يده معه لكانت يده ممتدة إلى الجزء الشائع أيضاً فيبطل الرهن، لأن من شروط صحته أن لا يكون للراهن عليه يد.
ولا يشترط أن يستأذن الراهن شريكه في رهن نصيبه إنما يندب له ذلك، كما أن لشركيه الحق في أن يقسم ولكن بإذن الراهن، وله أنيبيع بدون إذنه.
ويصح رهن المستعار كأن يستعير شخص من آخر عيناً ليرهنها في دين عليه، فإن وفى المستعير دينه رجعت العين المستعارة لصاحبها، وإلا بيعت في الدين المرهونة بسببه، ورجع صاحبها وهو المعير بقيمة العين على الذي استعارها، وتعتبر القيمة يوم إعارتها، وإذا استعار سلعة على أن يرهنها في ثمن قمح فرهنها في ثمن لحم كان عليه ضمانها لتعديه بمخالفته لما وصفه لصاحبها، وللمعير أن يأخذها من المرتهن وتبطل العارية.
ويصح رهن الشيء المستأجر عنده من استأجره له قبل مضي مدة الإجارة، فإذا استأجر داراً من شخص لمدة سنة ثم رهنها منه قبل مضي تلك المدة فإنه يصح، ووضع يده عليها أولاً يعتبر قبضاً لها.
ويصح رهن المكيل والموزون والمعدود بشرط أن يجعل في مكان مغلق عليه طابع "ختم"
(2/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بحيث لو فتح مكانه يعرف، فإذا لم يطبع عليه لا يصح رهنه خوفاً من أن يجعل الدين الذي أخذه الراهن سلفاً، وأن السلعة التي رهنها هي رهن صوري وإنما هي فائدة للمدين فيكون ربا. وإذا وضع المكيل والموزون عند أمين: لا يشترط طبعه. وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بدين الرهن: فيشترط فيه أن يكون الدين لازماً حالاً أو مالاً، فيصح الرهن في الجعل وهو ما يجعله الإنسان لآخر في نظير عمل، فإذا قال له: ابن لي هذه الدار بمائة فإنه يصح أن يرهنه في نظيرها عيناً لأن المائة وإن لم تكن ديناً لازماً ابتداء ولكن مآلها إلى اللزوم/ وخرج بالدين: الوديعة ونحوها مما ليس بدين، فإنه لا يصح أن يرهن لمودع عنده عيناً للمودع مقابل وديعته، لأن الوديعة ليست ديناً عنده.
ويصح أن يبيع شخص شيئاً لآخر بثمن مؤجل ثم يرهن في نظير ثمنه شيئاً، كما يصح للأجير أن يأخذ رهناً في أجر عمله الذي يشرع فيه لأنه دين لازم مآلاً، كالحداد والنجار والبناء. وكذلك يصح لمن يستأجر على عمل أن يأخذ رهناً من العامل الذي أعطاه أجره حتى يتمه له. ويصح أن يرهنه شيئاً مقابل الوعد بإعطائه قرضاً كأن يقول له: خذ هذا رهناً عندك في نظير ما أقترضه منك، أو ما يقترضه منك فلان، أو في نظير ما تبيعه لي، أو تبيه لفلان، فالرهن صحيح لازم، لأنه ليس من شرط صحة الرهن أن يكون الدين ثابتاً قبل الرهن، ولكن لا يستمر لزومه إلا إذا حصل قرض أو بيع في المستقبل، فإن لم يحصل كان للراهن أخذ رهنه. وأما القسم الرابع وهو ما يتعلق بالعقد: فهو أن يشترط شرطاً منافياً لمقتضى العقد، مثلاً: عقد الرهن يقتضي أن المرهون يقبض من الراهن، وأنه يباع إذا لم يوف الراهن الدين، فإذا شرط الراهن أن لا يقبض منه وأن لا يباع في الدين الذي رهن فيه، كان ذلك الشرط مناقضاً لما يقتضيه عقد الرهن فيبطل.
الحنفية - قالوا: تنقسم شروط الرهن إلى ثلاثة أقسام.
-1 - شرط انعقاد.
-2 - شرط صحة. ويسمى الجواز.
-3 - شرط لزوم. فأما القسم الأول وهو شرط الانعقاد: فهو أن يكون المرهون مالاً، وأن يكون المرهون به المقابل له وهو دين الرهن مضموناً، فمثال ما ليس بمال: الميتة والدم ونحوهما من كل ما لا يعتبره الشرع مالاً، فلا يصح أن يكون شيء منه مرهوناً: ومثال المرهون به غير المضمون: الأمانات. والوديعة. فإذا وضع شخص عند آخر أمانة فلا يصح أن يرهن بها عيناً، فإذا فعل ذلك وقع الرهن باطلاً، لأن الأمانة إذا هلكت عند الأمين بآفة سماوية فلا يضمنها ولا يلزم بشيء لصاحبها، وإذا استهلكت بفعل فاعل لم تكن أمانة وإنما تكون مغصوبة، وعلى كل حال فلا تصلح بعنوان كونها أمانة أن تكون سبباً في الرهن. ومثل الأعيان غير المضمونة: الأعيان الشبيهة بالمضمونة، وتسمى الأعيان المضمونة بغيرها كالمبيع قبل قبضه، فإذا باع شخص لآخر سلعة ولم يقبضها المشتري فإنه لا يجوز للبائع أن يرهن للمشتري سلعة أخرى في مقابلها حتى يسلمها له، فإذا فعل يقع الرهن باطلاً، لأن المبيع إذا هلك في يد البائع لا يكون مضموناً عليه بغير الثمن، بمعنى أنه يرد الثمن على المشتري إن كان قد
(2/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قبضه، فإن لم يكن قد قبضه فإنه يسقط ولا شيء عليه. وبعضهم يقول: إن الرهن جائز وعليه الفتوى، لأن المرهون مال والمبيع متقوم مضمون بالثمن، فيصح أن يكون سبباً في الرهن كالدين.
أما الأعيان المضمونة بأنفسها فإنه يصح أن تكون مرهوناً بها: وهي الأعيان التي لها مثل كالمكيلات والموزونات والمعدودات، والأعيان التي ليس لها مثل ولكن لها قيمة كالحيوان والثوب، لأنها إذا هلكت تكون مضمونة بمثلها إن كان لها مثل، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل.
ومن ذلك تعلم أن الأعيان بالنسبة للضمان وغيره ثلاثة أقسام: مضمونة بأنفسها. وهي: المثلية والقيمية، ومضمونة بغيرها وهي المضمونة بمثنها، وليست مضمونة أصلاً.
فالمضمونة يصح أن تكون سبباً في الرهن بلا خلاف. والشبيهة بالمضمونة فيها الخلاف الذي سمعته، وغير المضمونة لا يصح أن تكون سبباً في الرهن بلا خلاف. ومن المضمونة العين المغصوبة، فإذا باع شخص لآخر عيناً مغصوبة ورهن له شيئاً في نظيرها حتى يستلمها فإن الرهن يصح، لأنها إذا هلكت تكون مضمونة على الغاصب ومثلها العين التي جعلها مهراً أو بدلاً عن خلع، فإنه يصح أن يرهن شيئاً في مقابلها حتى يستلمها صاحبها لأنها مضمونة.
ومن الأعيان غير المضمونة: العين المأخوذة بالشفعة، فإذا اشترى شخص عيناً فطلبها من له حق الشفعة فإنه يجب في هذه الحالة تسليمها، ولا يصح للمشتري أن يرهن بها للشفيع عيناً حتى يسلمها له، وإذا فعل يقع ذلك في الرهن باطلاً، لأن الرهن يكون قد وقع في مقالبل عين غير مضمونة لأن العين المبيعة ليست مضمونة على المشتري، فإذا هلكت في يده قبل أن يستلمها الشفيع فلا شيء عليه.
ومثل ذلك الكفالة بالنفس، كما إذا كان لمحمد دين على خالد فكفل عمرو شخص خالد على أن يحضره لمحمد بعد سنة مثلاً، فإن لم يحضره يكون ملزماً بالدين الذي عليه، فلا يصح لعمرو في هذه الحالة أن يأخذ رهناً من المكفول وهو خالد في نظير هذه الكفالة، لأنه لا يجب على خالد دين حتى يأخذ عمرو في نظيره رهناً. فإذا وقع يكون باطلاً. وذلك لأن سبب الرهن وهو المرهون به إما أن يكون ديناً حقيقة، أو ديناً حكماً.
والدين الحكمي: هو الأعيان المضمونة بأنفسها لأنها هي ليست نفس الدين، وإنما الدين مثلها أو قيمتها، لأنها إذا هلكت كان الواجب المثل في المثلي، أو القيمة في القيمي، فيصح أن تكون الأعيان المضمونة سبباً للرهن كالدين الحقيقي.
ولا يشترط في الدين أن يكون مقدماً على الرهن، بل يصح أن يرهن شيئاً في مقابل دين يعده به، فإذا وعده أن يقرضه ألفاً على أن يرهنه داره فرهنها له على ذلك صح الرهن، فإذا دفع له بعض ما وعده به وامتنع فإنه لا يجبر على دفع الباقي. وإذا هلك هذا الرهن في يد المرتهن كان مضموناً عليه بالدين إذا كان الدين مساوياً للقيمة أو أقل. أما إذا كان الدين أكثر كان مضموناً بالقيمة. وكذلك يشترط
(2/291)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في الدين أن يكون عيناً، فلا يصح رهن الدين ابتداء، أما إذا رهن عيناً فباعها المرتهن بإذنه فإن ثمنها يكون رهناً بدلها، لأن الثمن وإن لم يكن عيناً لكنه يرهنه ابتداء بل هو بدل عن القيمة المرهونة.
هذا ويصح رهن الذهب والفضة. فإن رهن كل منهما بجنسه وهلك هلك بمثله، وإن رهن بغير جنسه، كالذهب بالفضة، أو الحنطة، وهلك هلك بقيمته.
ويصح أن يجعل رأس السلم سبباً في الرهن، كما يصح أن يجعل المسلم فيه كذلك، فإذا أسلم شخص مائة جنيه في مائة إردب من القمح يأخذها بعد سنة ولم يدفع الجنيهات ولكنه رهن في مقابلها داره فإنه يصح، لأن الجنيهات دين حقيقي عند المسلم. وكذلك إذا رهن المسلم إليه للمسلم داره حتى يسلمه القمح فإنه يصح.
وإذا اشترى شخص من آخر داراً ولكنه خشي أن تكون مملوكة لغيره، أو لغيره فيها حق فأخذ منه رهناً على هذا الخوف، فإن الرهن يقع باطلاً ويسمى رهن الدرك، لأن الخوف ليس مالاً حتى أن يكون سبباً للرهن. وأما القسم الثاني وهو شروط الصحة: فهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: يتعلق بالعقد وهو شيئان: الأول: أن يكون معلقاً على شرط لا يقتضيه العقد. الثاني: أن لا يكون مضافاً إلى وقت كأن يقول: رهنتك هذا مدة شهرين أو ثلاثاً.
والنوع الثاني: يتعلق بالمرهون وهو أمور:
الأول: أن يكون المرهون متميزاً، فلا يصح رهن المشاع غير المميز، سواء كان مشاعاً يحتمل القسمة أو لا يحتملها، وسواء رهنه من أجنبي أو من شريكه. فإذا كان لشخص دين على آخر وكان شريكاً له في دار على الشيوع فإنه لا يصح أن يرهن منه نصيبه في الدار نظير دينه.
الثاني: أن يكون المرهون في حياة المرتهن بعد قبضه، فلا يصح رهن الثمر على الشجر بدون الشجر، كما لا يصح رهن الزرع على الأرض بدون الأرض، لأن الشجر المتعلق به الثمر لم يكن في حيازة المرتهن فكذلك الثمر المرهون، ومثله الزرع الذي على الأرض إذ لا يمكن حيازة ثمر بدون شجر. ولا زرع بدون الأرض التي عليها. ومعنى في حيازة المرتهن أن لا يكون مجتمعاً في يده.
الثالث: أن يكون المرهون فارغاً غير مشغول بحق الراهن، فلا يصح رهن الشجر مع شغله بالثمر الذي هو حق الراه، وكذلك لا يكون رهن دار مشغولة بمتاع للراهن ثم استلمها المرتهن قبل إخلائها.
الرابع: أن لا يكون المرهون نجساً، فلا يصح للمسلم أن يرهن الخمر من مسلم أو يرتهنها، كما لا يصح أن يفعل ذلك مع ذمي. وإذا رهن الخمر عند ذمي فأهلكها الذمي فلا ضمان عليه. أما إذا رهنها ذمي عند مسلم فأراقها المسلم أو أضاعها فإن عليه ضمانها للذمي. ومع ذلك فقد قالوا: إن رهنها غير صحيح، ومقتضى القاعدة المتقدمة في بيان الرهن الباطل وهي: أن لا يكون المرهون مالاً يقتضي صحة رهن الذمي الخمر عند مسلم، لأنها مال متقوم عند الذمي، ومضمون على المسلم إذا أضاعه.
(2/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الخامس: أن لا يكون من الأعيان المباحة التي لا يتعلق بها الملك كالأعشاب المباحة للرعي والصيد المباح فإن رهنها فاسد. أما كون الأعيان مملوكة للراهن فليس بشرط في الرهن. فإن للإنسان أن يرهن ملك غيره إذا كانت له عليه ولاية، كما إذا رهن الولي مال المحجور عليه لصغر أو سفه أو نحوهما، سواء كان أباً أو وصياً عليه، فإن الرهن يكون صحيحاً ولو كان ذلك لمصلحة الولي، كأن يرهن الأرب مال ابنه الصغير في دين على الأب فإنه يصح، فإذا هلك الرهن في يد المرتهن قبل أن يفك الأب الرهن ضمنه الأب بالأقل من قيمته ومما رهن به، فإذا كانت قيمة المرهون ثلاثين جنيهاً ورهنه بدين مقداره خمسة وعشرون، ضمنه بخمسة وعشرين وبالعكس.
إذا بلغ المحجور عليه رشده والرهن باق في يد المرتهن فليس له أن يسترد إلا بقضاء الدين، ولكن يؤمر الأب بقضاء الدين ورد المرهون على ولده. ولو قضى الولد دين أبيه وافتك المرهون لم يكن متبرعاً ويرجع بجميع ما قضى على أبيه.
ومثل الأب الوصي، إلا أنه هلك المرهون في حالة ما إذا كان الراهن الوصي فإنه يضمنه بقيمته لا بالأقل للفرق الظاهر بين الأب وغيره، لا لأن الأب له أن ينتفع بمال ابنه.
وكذلك يصح له أن يرهن ملك غير المستعار بإذنه، فإذا استعار شخص عيناً من صديق أو قريب أو غيرهما ليرهنها في دين عليه فإنه يصح متى رضي له صاحبها بذلك، ولا يشترط أن يبين له جنس الرهن ولا قدره ولا أمد أجله، فإذا فعل شيئاً من ذلك وجب عليه أن يتقيد به، فإن خالف فللمعير أن يأخذ ما أعاره ويفسخ الرهن.
وبالجملة: فكل ما يصح بيعه يصح رهنه إلا أمور: أهمها المشاع، والمشغول بحق الراهن؛ والمتصل بغيره؛ كالزرع المتصل بالأرض وقد بينا ذلك.
النوع الثالث يتعلق بالعاقدين: وهو العقل؛ فلا يصح الرهن من المجنون والصبي غير المميز. أما الصبي المميز والسفيه اللذان يعرفان معنى المعاملة فإن تصرفهما في ذلك يكون صحيحاً بإذن الولي، فالبلوغ ليس شرطاً في صحة الرهن، ومثله الحرية.
وحكم الرهن الفاسد: أنه يكون مضموناً بقبضه، بخلاف الرهن الباطل فإنه لا يكون مضموناً.
وأما القسم الثالث: وهو شرط اللزوم: فهو قبض المرهون، فإذا حصل الإيجاب والقبول مع شرط الانعقاد انعقد الرهن صحيحاً ولكنه لا يكون لازماً إلا بالقبض، فللراهن أن يرجع في رهنه قبل أن يسلم المرهون فهو نظير الهبة، فإن للواهب الحق في الرجوع عن هبته قبل أن يقبضها الموهوب له. أما بعد قبضها فإنه ليس له الرجوع إلا برضا الموهوب له أو بالقضاء كما سيأتي في بابها إن شاء الله.
وصحح بعضهم أن القبض شرط في الانعقاد، فإذا لم يقبض المرهون كان العقد باطلاً، ولكن الأول أصح، ومن شروط اللزوم أيضا: الرشد والتكليف.
ويشترط في القبض إذن الراهن صريحاً أو دلالة، فالأول كأن يقول للمرتهن: أذنتك بقبض العين
(2/293)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المرهونة، أو رضيت بقبضها، فيجوز للمرتهن بعد التصريح أن يقبضها في المجلس أو بعد الافتراق، والثاني كأن يقبض المرتهن العين بحضرة الراهن فيسكت ولا ينهاه، وبهذا يكون القبض صحيحاً لأن سكوته يدل على الإذن بالقبض، وإذا قبض المرهون مع الإخلال بشرط من الشروط السابقة كان القبض فاسداً فلا يلزم به العقد، كما إذا كان المرهون مشغولاً بحق الراهن، أو كان مما لا يمكن حيازته وحده كالثمر على الشجر، والزرع على الأرض، أو كان مشاعاً، وكذلك إذا كان القابض غير عاقل فإن قبضه لا يصح، فهذه شروط لصحة القبض أيضاً كما أنها شروط لصحة الرهن.
الشافعية - قالوا: تنقسم شروط الرهن إلى قسمين:
القسم الأول: شرط لزوم وهو قبض المرهون، فإذا رهن داراً ولم يستلمها المرتهن لم يلزم العقد، فيصح للراهن أن يرجع فيه.
وإذا كانت العين المرهونة تحت يد المرتهن قبل العقد، سواء كان ذلك بإجارة، أو إعارة، أو غصب، أو غير ذلك فإنها تكون مقبوضة له بعد العقد إذا مضى زمن يمكن قبضها فيه، ويشترط لصحة القبض إذن الراهن.
القسم الثاني: شروط الصحة وهي أنواع:
النوع الأول، يتعلق بالعقد: وهو أن لا يكون معلقاً على شرط لا يقتضيه العقد عند حلول الدين فإن هذا يبطل الرهن، أما إذا اشترط شرطاً يقتضيه العقد كشرط تقدم المرتهن على غيره من الغرماء في الاختصاص بالعين المرهونة فإنه لا يضر.
النوع الثاني، يتعلق بالعاقدين الراهن والمرتهن: وهو أهلية العاقدين بأن يكون كل منهما بالغاً عاقلاً غير محجور عليه فلا يصح رهن الصبي والمجنون والسفيه مطلقاً ولو بإذن الولي، على أن يجوز للولي أن يتصرف في مال المحجور عليه بالرهن في حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون ضرورة تدعوه إلى الرهن، كاحتياجى المحجور عليه لطعام أو كسوة أو تعليم أو نحو ذلك، بشرط أن لا يجد الولي وسيلة للإنفاق عليه سوى رهن ماله.
الحالة الثانية: أن يكون في الرهن مصلحة مالية تعود على المحجور عليه، كما إذا وجد عيناً تباع وفي شرائها ربح للمحجور عليه ولم يجد مالاً يشتريها به، فيصح له أن يرهن ملكه ليشتري به هذه العين حرصاً على فائدة المحجور عليه.
النوع الثالث: يتعلق بالمرهون وهو أمور:
أولاً: أن يكون للراهن ولاية على المرهون بأن كان ماله محجوراً عليه وهو ليه أو وصيه، أو كان مالاً استعاره من شخص ليرهنه في دينه، ويشترط في الاستعارة لذلك ثلاثة شروط:
أحدها: أن يبين المستعير لمن يريد أن يستعير منه جنس الدين وقدره وصفته كأن يقول له: إن دينه الذي يريد أن يرهنها فيه عشرون جنيهاً مصرية، أو إنكليزية، أو مائة ريال فضة مصرية أو غيرها.
(2/294)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثانيها: أن يبين له أجل الدين إن كان بعيداً أو قريباً.
ثالثها: أن يذكر له المرتهن الذي يريد أن يرهنها عنده. وليس لصاحب العارية أن يرجع فيها بعد أن يقبضها، وإذا تلفت العين المستعارة بعد ذلك فلا ضمان على الراهن ولا على المرتهن وعند حلول الأجل يطلب المرتهن دينه من المالك والراهن معاً. وإذا بيعت العارية كان لصاحبها الثمن الذي بيعت له فقط وإن كان أقل من قيمتها.
ثانياً: أن يكون المرهون عيناً فلا يصح رهن سكنى الدار ونحوها من المنافع التي ليست عيناً وكذلك لا يصح رهن الدين ابتداء، فإذا كان لشخص مائة جنيه ديناً على آخر وكان مديناً لغيره بمائة جنيه فإنه لا يصح أن يرهن المائة التي له في المائة التي عليه لأنها ليست عيناً. نعم يصح رهن الدين دواماً كما إذا رهن شخص عيناً في دين عليه فأتلفها المرتهن وهي عنده، فإنها في هذه الحالة تكون مضمونة على المرتهن إن كانت مثلية، وبقيمتها إن كانت قيمية، ويكون بدلها عنده مرهوناً في مقابل دينه، فيصح رهن الدين في هذه الحالة لأنه ليس ديناً من أول الأمر، بل هو في الأول رهن عين فلذا صح رهنه بعد أن ينقلب ديناً.
ثالثها: أن لا تكون العين سريعة الفساد والدين مؤجل إلى أمد بعيد، بحيث يلحق العين الفساد قبل حلول الأجل، سواء اشترط عدم بيعها أو لم يشترط شيئاً.
أما إذا اشترط بيعها قبل أن يلحقها الفساد، أو كانت لا تفسد قبل حلول الأجل فإنه يصح رهنها ومثال ما لا يصح رهنه: أن يرهن لدائنه ثلجاً في نظير دين يحل موعده بعد شهر وشرط أن لا يبيع الثلج، أو لم يشترط شيئاً فإن الرهن فاسد إلا إذا أمكن حفظ الثلج كل هذه المدة أما إذا رهن له ثلجاً يمكن تجفيفه وحفظه فإنه يصح: وعلى الراهن نفقة تجفيفه.
رابعاً: أن تكون طاهرة، فلا يصح رهن النجس على ما تقدم في البيع.
خامساً: أن يكون منتفعاً به انتفاعاً شرعياً ولو في المستقبل كالحيوان الصغير، فإنه يصح رهنه لكونه ينتفع به مستقبلاً وغير ذلك من الشروط المذكورة في البيع، فكل ما يصح بيعه يصح رهنه إلا المنفعة فإنه يصح بيعها ولا يصح رهنها، فلا يصح أن يرهن منفعة حق المرور ولكن يصح بيعها كما تقدم.
النوع الرابع: يتعلق بالمرهون به "سبب الرهن" وهو أربعة أمور:
الأول: أ، يكون ديناً فلا يصح الرهن بسبب غير الدين كالمغصوب والمستعار ونحوهما. فإذا باع أرضاً مغصوبة فلا يصح أن يرهن داره بسببها. وكذلك إذا استعار دابة فإنه لا يصح أن يرهن ثوباً من أجلها لأنها ليست بدين، لأن فائدة الرهن أن يؤخذ منه في نظير الدين والعين ما دامت موجودة فإن اللازم ردها بنفسها.
الثاني: أن يكون الدين ثابتاً فلا يصح الرهن قبل ثبوته، كما إذا رهنه داره على أن يقرضه مائة
(2/295)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
جنيه، أو يرهن ساعته في الأشياء التي يشتريها من حانوت الزيات ونحوه لأن الثمن لم يثبت قبل أن يأخذها.
أما إذا اشترى بثمن مؤجل ورهن عيناً مقابل الدين الذي لم يحل في عقد البيع فإنه جائز كأن يقول له: بعتك أرض كذا بمائة جنيه، وارتهنت منك دارك في ثمنها فيقول المشتري: اشتريت ورهنت.
الثالث: أن يكون الدين لازماً في الحال أو في المآل، فيصح الرهن بسبب الثمن في مدة الخيار، فإذا باعه داراً بشرط الخيار واستلمها المشتري ولم يقبض البائع الثمن فإن له أن يأخذ رهناً مقابل ثمنها، لأن الثمن وإن لم يكن ديناً لازماً في الحال ولكنه لازم مآلاً.
الشرط الرابع: أن يكون الدين معلوماً عيناً وقدراً وصفة، فلا يصح الرهن مع جهل شيء من ذلك.
الحنابلة - قالوا: تنقسم شروط الرهن إلى قسمين: شروط لزوم، وشروط صحة فأما القسم الأول وهو شروط اللزوم: فهو قبضه المرهون، فإذا قبض المرتهن لزم الرهن في حق الراهن فليس له الرجوع بعد ذلك. أما قبل القبض فإنه لا يلزم ويصح له أن يتصرف فيه كما يشاء، حتى إن له أن يرهنه لشخص آخر ويكون ذلك إبطالاً للرهن الأول. ولو أذن الراهن للمرتهن في قبضه ولكنه لم يقبضه، فإنه يصح له أن يتصرف فيه أيضاً. وكذلك لا يلزم في حق المرتهن مطلقاً فله فسخه متى شاء، لأنه هو الذي ينتفع به في حفظ دينه وحده، فإن شاء أبقاه وإن شاء فسخه. والدليل على أنه لا يلزم إلا بعد القبض وقوله تعالى: {فرهان مقبوضة} ، فالقبض شرط في لزومه.
ويشترط في صحة القبض: أن يأذن له الراهن، فإن قبضه من غير إذنه لم يكن الرهن لازماً وصفة قبضه كصفة قبض البيع، فإن كان منقولاً فيكون قبضه بنقله كالحلي أو تناوله كالنقدين وإن كان مكيلاً فيكون قبضه بكيله، أو موزوناً فبوزنه، أو معدوداً فبعده، أو مذروعاً فبذرعه.
أما إن كان غير منقول كعقار من أرض وبناء وشجر، وثمر على شجر، وزرع على أرض فإن كل ذلك يصح رهنه، ويكون قبضه بالتخلية بينه وبين مرتهنه من غير حائل، واستدامة القبض شرط في اللزوم، فإن ردّ المرتهن المرهون للراهن بإجارة أو إعارة أو إيداع أو نحو ذلك زال لزومه وأصبح كأنه لم يكن مقبوضاً، فإن أعاده الراهن إلى المرتهن ثانياً باختياره عاد لزومه بالعقد السابق.
أما إذا انتزع المرهون من يد المرتهن بغير اختياره كأن اغتصبه الراهن منه، أو سرق منه، فإن العقد يبقى على لزومه.
وأما شروط الصحة فهي أربعة أنواع: نوع يتعلق بالعقد، ونوع يتعلق بالمتعاقدين الراهن والمرتهن، ونوع يتعلق بالمرهون، ونوع يتعلق بالمرهون به.
النوع الأول: ما يتعلق بالعقد وهو: أن لا يكون العقد معلقاً بشرط لا يقتضيه العقد كما تقدم في
(2/296)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
البيع، النوع الثاني: ما يتعلق بالعاقدين وهو: أن تتحقق الشروط السابقة في صحة بيعها فيصح الرهن ممن يصح منه البيع، فلا يصح الرهن من سفيه ولا من مفلس ولا من مجنون غير مميز على التفصيل المتقدم في البيع.
النوع الثالث: ما يتعلق بالمرهون وهو أمور: منها: أن تكون العين مملوكة للراهن بنفسها أو بمنافعها، كأن يستأجر عيناً من شخص ليرهنها في نظير دين عليه فإنه يصح، ومثل ذلك ما إذا استعار من شخص عيناً ليرهنها كذلك. ولا يشترط أن يبين المدين للمؤجر والمعير قدر الدين الذي يرهنهما به. إنما ينبغي بيانه، وبيان المرتهن، ومدة الرهن، وجنس الرهن، فإذا اشترط شيئاً من ذلك وخالفه لم يصح الرهن.
ومنها أن يكون المرهون عيناً فيصح رهن كل عين يجوز بيعها، أما إذا لم يكن عيناً فإنه لا يصح رهنه كما لا يصح بيعه، فلا يصح رهن المنافع، فلو رهنه سكنى داره في نظير دين عليه فإنه لا يصح وكذلك لا يصح رهن العين النجسة وغير ذلك مما تقدم في شرائط البيع، النوع الرابع: ما يتعلق بالمرهون به أعني سبب الرهن، وكل دين واجب أو مآله إلى الوجوب، كالثمن في مدة الخيار، فإذا باع لشخص عيناً على أن يكون لأحدهما الخيار، فإنه يصح للبائع أن يأخذ رهناً بالثمن، لأنه وإن لم يكن واجباً الآن ولكنه يجب بعد مضي مدة الخيار، ومثل ذلك الأعيان المضمونة، فإنه يصح أخذ الرهن عليها كالمغصوب، فإذا باع أرضاً مغصوبة لشخص فإنه يصح أن يرهنه داره ونحوها حتى يستلمها ومثلها العارية. فإذا استعار شخص من آخر شيئاً فإنه يصح أن يرهنه عيناً في نظير عاريته، لأن الرهن بسبب هذه الأعيان يحمل الراهن على أدائها، فإذا تعذر أداؤها يؤخذ بدلها من المرهون فأشبهت الدين الذي في الذمة، ويصح أخذ الرهن على إجارة في الذمة "كما إذا أجر بنائين على بناء دار فإنه يصح أن يأخذ رهناً منهم في نظير عملهم، حتى إذا لم يبنوا الدار فإن للمرتهن الحق في بيع المرهون ويستأجر منه من يعمله، "وقريب من هذا: ما تأخذه المصالح من التأمينات التي يدفعها العمال حتى لا يهملوا في أدار أعمالهم".
ويصح رهن الأشياء التي تفسد بسرعة كالخضر والفواكهة الرطبة ونحو ذلك، فإن كان تجفيفها ممكناً كالبلح والعنب فإن الراهن يلزم بتجفيفها وتبقى حتى يحل أجل الدين، وإن لم يمكن تجفيفها وبقاؤها كالبطيخ والثلج، فإن اشترط المرتهن بيعه فإنه يبيعه ويجعل ثمنه رهناً، وإن لم يشترط بيعه ورضي الراهن ببيعه فذاك، وإن لم يرض أمر الحاكم ببيعه، وإذا شرط عدم بيعه في العقد بطل الشرط.
ويصح رهن المشاع للشريط وللأجنبي، فإذا كان شريكاً لآخر في دار وله عليه دين، فإن له أن يرهنه نصيبه في الدار مقابل دينه، كما يصح أن يرهن نصيبه المشاع للأجنبي، وكذلك يصح أن يرهن بعض نصيبه، ثم إن كان المرهون مما لا ينقل كالعقار فإن قبضه يكون بأن يخلي الراهن بين المرهون وبين المرتهن وإن لم يحضر الشريك، وإن كان مما ينقل فإن اتفق المرتهن وشريكه على أن يبقى في
(2/297)

مبحث الانتفاع بالمرهون
ثمرة المرهون وما ينتج منه سواء كان أرضاً زراعية، أو داراً يمكن استغلالها أو حيواناً، هل تكون للراهن أو للمرتهن؟ في ذلك تفصيل المذاهب
(1) .
__________
يد أحدهما فذاك، وإلا جعله الحاكم في يد أمين، وللحاكم أن يؤجره عليهما إذا كان في ذلك مصلحة ويصح رهن المبيع قبل قبضه إذا كان غير مكيل أو موزون أو معدود أو مذروع؛ فإذا اشترى داراً ولم يستلمها فإن له رهنا لغير البائع، كما يجوز رهنها للبائع ولو في ثمنها. لأن الثمن دين في ذمة المشتري، والمبيع ملك له فيصح أن يرهنه) .

(1) المالكية - قالوا: ثمرة المرهون وما ينتج منه من حقوق الراهن، فهي له ما لم يشترط المرتهن ذلك فإنها تكون له بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الدين بسبب البيع لا بسبب القرض. وذلك كما إذا باع شخص لآخر عقاراً أو عروض تجارة أو غير ذلك بثمن مؤجل ثم ارتهن به عيناً مقابل دينه.
الشرط الثاني: أن يشترط المرتهن أن تكون المنفعة له، فإن تطوع بها الراهن له لا يصح له أخذها.
الشرط الثالث: أن تكون مدة المنفعة التي يشترطها معينة. فإذا كانت مجهولة فإنه لا يصح. فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة صح للمرتهن أن يستولي على منفعة المرهون ويأخذها له، أما إذا كان بسبب القرض فإنه لا يصح له أن يأخذ المنفعة على أي حال، سواء اشترطها أو لم يتشرطها أباحها له الراهن أو لم يبحها، عين مدتها أو لم يعينها، وذلك لأنه يكون قرضاً جر نفعاً للمقرض فيكون ربا حراماً.
ولا يلزم من كون المنفعة للراهن أن يتصرف في المرهون، أو يكون المرهون تحت يده كلاً، فإن الرهن يكون تحت يد المرتهن ولكنه يعطي منفعته للراهن إذا لم يشترطها بالكيفية المتقدمة، فإذا رهن داراً فإن المرتهن هو الذي يؤجرها ولكن يعطي أجرتها للراهن، فإذا أذن المرتهن الراهن في إجارتها بطل الرهن ولو لم يؤجرها بالفعل.
ومثل ذلك ما أذنه بالسكنى. أما إذا كان الرهن يمكن نقله كأدوات الفراش فإن مجرد الإذن بإجارتها لا يبطل الرهن، بل لا بد في بطلانه من تأجيرها بالفعل: وكذلك إذا أذن الراهن المرتهن في بيع الرهن وسلمه له، فإن الرهن يبطل بذلك ويبقى دينه بلا رهن.
الشافعية - قالوا: الراهن هو صاحب الحق في منفعة المرهون، على أن المرهون يكون تحت يد المرتهن ولا ترفع يده عنه إلا عند الانتفاع بالمرهون، فترد العين المرهونة للراهن مدة الانتفاع إن لم
(2/298)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يمكن استثمارها وهي تحت يد المرتهن، ثم إذا لم يأتمن المرتهن الراهن على إعارة المرهون إليه يشهد عليه.
ويجوز للراهن أن ينتفع بكل ما لا ينقص العين المرهونة كسكنى الدار، وركوب الدابة بدون إذن المرتهن، وإلى ذلك يشير الحديث الصحيح "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً".
وليس للراهن أن يبني على الأرض المرهونة أو يغرس فيها أشجاراً فإذا فعل ذلك لم يلزم بهدم البناء ولا بقلع الأشجار قبل حلول الدين. أما بعد حلول الدين فإن كان البناء أو الشجر يضر بثمن الأرض فلا تفي بالدين فإنه يلزم بإزالته وإلا فلا. ولا يدخل الشجر ولا البناء في الرهن لأنه طرأ بعد العقد.
أما التصرف الذي ينقص الذي ينقص قيمة المرهون فإنه لا يصح إلا بإذن المرتهن، فلا يصح للراهن أن يؤجر المرهون بعد قبضه مدة تزيد على مدة الرهن. أما إذا كانت الإجارة تنتهي عند حلول الدين أو قبله فإنه يصح لأن ذلك لا يضر المرتهن. أما إذا أذن المرتهن فإنه يصح، وللمرتهن الرجوع عن الإذن قبل أن يتصرف الراهن. وإذا رجع ولم يعلم الراهن برجوعه وتصرف بطل تصرفه.
وإذا اشترط المرتهن أن تكون منفعة المرهون له في عقد الرهن فإن العقد يفسد على الراهن وقيل: إن الذي يفسد هو الشرط والعقد صحيح، وعلى كل حل فلا يحل للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة إذا اشترطها في العقد. أما إذا أباح الراهن للمرتهن منفعة العين التي يريد رهنها قبل العقد فإنه يحل له الانتفاع بها بعد العقد، كما إذا أعطاه مالاً قبل عقد القرض بدون ذكر للقرض ثم عقد معه قرضاً بعد ذلك فإنه يصح.
ثم إن الزيادة التي تتعلق بالمرهون تنقسم إلى متصلة ومنفصلة، فإن كانت منفصلة فلا تدخل في المرهون كالبيض والتمر والولد المنفصل.
أما إذا رهن له دابة حاملاً ولم تلد عند بيعها لسداد الرهن فإنها تباع بحملها ويكون الولد تابعاً لأنه متصل، وكذلك لو ولدت فإنه يباع تبعاً على الصحيح. أما لو حملت بعد الرهن فإنه لا يكون داخلاً في المرهون على الأظهر. ومثله الزيادة المتصلة كالسمن وكبر الدابة والشجر فإنه يدخل في المرهون تبعاً.
أما إذا أذنه في بيعه ولم يسلمه له وادعى أنه أذنه في بيعه لأن بيعه خير من بقائه، فإنه يحلف على ذلك ويبقى ثمنه رهناً للآجل إن لم يأت الراهن برهن كالأول. وكذلك يبطل الرهن إذا أعار المرتهن الرهن للراهن أو لغير الراهن بإذنه إن لم يشترط رده إليه قبل مضي أجل الدين فإن اشترط ذلك فإن إعارة المرهون لا تبطل الرهن. ومثل الشرط العرف، فغذا كان العرف جارياً على أن المستعير يرد العارية قبل مضي أجل الرهن فإنه لا يبطل بالإعارة.
وكذلك يبطل الرهن بإعادته للراهن باختيار المرتهن، فإذا تصرف فيه الراهن ببيع ونحوه صح
(2/299)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تصرفه. أما إذا لم يتصرف فيه فإن للمرتهن أن يأخذه ثانياً بعد أن يحلف أنه جاهل بأن ذلك نقض للرهن.
هذا، واعلم أن الزيادة المتعلقة بالمرهون إن كانت منفصلة كاللبن والسمن والزبد وعسل النحل والبيض وأجرة الدار ونحوها فهي للراهن، ولا تدخل في المرهون إلا بالشرط. وقد عرفت ما يصح للمرتهن الانتفاع به منها وما لا يصح، وأما الزيادة المتصلة كالجنين في بطن الدابة سواء حملت به وقت الرهن أو بعده، وفسيل النخل "وهو ولد النخلة الملتصق بها" فإنه يندرج في المرهون تبعاً. أما الصوف على ظهر الغنم فإنه إذا كان تاماً فإنه يندرج في المرهون، لأن تركه على ظهرها بعد تمامه من غير جز دليل على أن المقصود رهنه مع الغنم، أما إذا كان ناقصاً لا يمكن جزه فإنه يكون كالزيادة المنفصلة فلا يتبع المرهون، فللراهن جزه بعد تمامه.
الحنفية - قالوا: لا يجوز للراهن أن ينتفع بالمرهون بأي وجه من الوجوه إلا بإذن المرتهن، فلا يصح له أن يستخدم دابة ولا يسكن داراً ولا يؤجرها ولا يلبس ثوباً ولا يعير شيئاً منها ما دامت مرهونة إلا بإذن المرتهن، ولا فرق بين أن يكون استعمال المرهون منقصاً لقيمته أو لا، فإذا أذنه المرتهن فإنه يصح. على أن منافع المرهون وثمرته الناشئة منه من حقوق الراهن، مما يتولد من المرهون كالولد والثمر واللبن والبيض والصوف والوبر ونحو ذلك فهو من حقوق الراهن. فإذا بقي إلى فكاك الدين حسب بقسط من الدين.
أما إذا هلك قبل ذلك فلا يحتسب منه شيء، بل يعتبر كأنه لم يكن. أما ما كان بدلاً عن منفعة كأجرة الدابة المرهونة فإنه ليس من حقوق الراهن. أما المرتهن فإن في جواز انتفاعه بالمرهون بإذن الراهن خلافاً: فبعضهم يقول: لا يحل الانتفاع بالمرهون ولو أذنه الراهن، سواء كان سبب الدين بيعاً أو قرضاً لأنه يستوفي دينه كاملاً. فتبقى له المنفعة زيادة بدون مقابل، وهذا هو عين الربا، ولكن الأكثر على أنه يجوز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا أذنه الراهن بشرط أن لا يشترط ذلك في العقد، لأنه إذا شرطه يكون قرضاً جر نفعاً وهو ربا. ونظير هذا: ما لو اقترض من شخص مالاً ثم أهدى له هدية. فإن كانت الهدية مشروطة فإنها تكون مكروهة أما إذا كانت بدون شرطها فإنها جائزة له وإذا أذنه فليس له الرجوع. فإذا استعمل المرتهن المرهون بإذن الراهن وهلك أثناء استعماله فإنه يهلك أمانة، فلا شيء على المرتهن ويبقى دينه. أما إذا هلك بعد استعماله أو قبله فإنه يهلك بالدين.
وإذا تصرف الراهن في المرهون بالبيع بدون إذن المرتهن فإن بيعه لا ينفذ إلا إذا قضاه دينه. وإذا لم يجز المرتهن البيع فإنه لا يملك فسخ البيع بل يبقى موقوفاً، ويكون للمشتري الخيار بين أن يصبر إلى فكاك الرهن، وبين أن يرفع الأمر للقاضي ليفسخ البيع، وله حق الخيار سواء كان عالماً بأن مرهون قبل أن يشتريه أو لا على الصحيح.
وكذلك إذا باعه المرتهن بدون إذن الراهن، فإن أجازه الراهن نفذ وإلا فلا، وله أن يبطله ويعيده رهناً وهذا هو الصحيح. وبعضهم يقول: ينفذ بيع المرتهن بدون إذن الراهن، فإذا أذن الراهن المرتهن
(2/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في بيع المرهون يبقى ثمنه مرهوناً بدله، سواء قبض الثمن من المشتري أو لا لقيامه مقام العين، والثمن وإن كان لا يصح رهنه ابتداء لأنه دين والدين لا يصح رهنه كما تقدم، ولكنه لا يصح في هذه الحالة، لأنه لم يرهن الدين ابتداء.
وإذا رد المرتهن المرهون للراهن بإعارته له فإن عقد الرهن لا يبطل بذلك، وإنما يبطل ضمان المرتهن لأنه ضامن للمرهون ما دام تحت يده، فإذا رد للراهن وهلك عنده لا يكون المرتهن مسؤولاً عنه، فلا يسقط شيء من دينه بهلاكه.
فإذا أعاده الراهن للمرتهن ثانياً عاد ضمانه عليه، وللمرتهن أن يسترده إلى يده، فإذا مات الراهن قبل رجوع المرهون للمرتهن، كان المرتهن أحق به من سائر أرباب الديون الأخرى، لأن عقد الرهن باقٍ، وتسمية رد المرهون للراهن إعارة فيها تسامح، لأن الإعارة تمليك المنافع بلا عوض، والمرتهن لم يملكها غيره؟
ولكن لم يترتب على رد المرهون للراهن ما يترتب على الإعارة من عدم الضمان، ومن جواز استردادها اشبه الإعارة فسمي إعارة. ومثل العارية في هذه الأحكام، الوديعة، إلا إذا أذن الراهن المرتهن في أن يودع المرهون إنساناً فإنه إذا هلك المرهون عند من أدع عنده فإنه يهلك بالدين، ففيه فرق بين الوديعة والعارية في حالة ما إذا أودع عند أجنبي بإذن. وحاصل هذا المقام: أن جملة ما يقع من التصرفات في المرهون ستة:
أحدها: العارية.
ثانيها: الوديعة وقد عرفت حكمها.
ثالثها: الرهن وهو مبطل للرهن، فغذا أذن الراهن للمرتهن في أن يرهن العين المرهونة لغيره ثانياً بطل عقد الرهن الأول، وكذلك إذن المرتهن للراهن في ذلك.
رابعها: الإجارة ولها حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون المستأجر هو الراهن، كما إذا رهن محمد لخالد فداناً ثم استأجره محمد منه، وحكم هذه الحالة: أن الإجارة تكون باطلة، وأن المرهون يكون كالمستعار أو المودع فلا ضمان بهلاكه، وللمرتهن أن يسترده متى أراد.
الحالة الثانية: أن يكون المستأجر هو المرتهن وجدد استلام المرهون بالإجارة، أو يكون المستأجر أجنبياً عنهما بإذنهما، وفي هذه الحالة يبطل عقد الرهن وتكون الأجرة للراهن ويقبضها من باشر العقد منهما إذا كانت الإجارة منهما لأجنبي، ولا يعود المرهون مرهوناً إلا بعقد جديد.
خامسها: البيع وقد عرفت حكمه.
سادسها: الهبة وهي مثل البيع، فإذا أذن الراهن للمرتهن في أن يهب المرهون بطل الرهن، ولا يبطل بموت الراهن ولا المرتهن ولا بموتهما، ويبقى المرهون عند الورثة على حاله.
(2/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحنابلة - قالوا: المرهون إما أن يكون حيواناً يركب ويحلب، أو يكون غير حيوان، فإن كان محلوباً أو مركوباً فللمرتهن أن ينتفع بركوبه ولبنه بغير إذن الراهن نظير الإنفاق عليه، وعليه أن يتحرى العدل في ذلك.
أما إن كان المرهون غير مركوب ومحلوب فإنه يجوز للمرتهن أن ينتفع بالمرهون بإذن الراهن مجاناً بدون عوض ما لم يكن سبب الرهن قرضاً، فإنه لا يحل للمرتهن الانتفاع به ولو بإذن الراهن.
وكذلك لا يصح للراهن أن يتصرف في المرهون بدون إذن المرتهن، فلا يصح له أن يجعله وقفاً، أو يهبه لأحد، أو يرهنه ثانياً، أو يبيعه. كما لا يصح له أن ينتفع به بالسكنى والإجارة والإعارة وغير ذلك بغير رضا المرتهن. وكذلك لا يملك المرتهن شيئاً من ذلك بغير رضا الراهن فإذا لم يتفقا تعطلت منافع المرهون، فإن كان داراً أغلقت، وإن كان أرضاً تعطلت منفعتها حتى يفك الرهن، فلا يصح أن ينفرد أحدهما بالتصرف.
وما يتولد من المرهون سواء كان متصلاً به أو منفصلاً عنه كاللبن والبيض والصوف، وما يسقط من الليف والسف والعراجين، وما قطع من الشجر من حطب وأنقاض الدار كل ذلك يكون رهناً بيد المرتهن، أو وكيله أو من اتفقا عليه، فيباع مع الأصل إذا بيع، فإن كان مما لا يمكن بقاؤه فإنه يباع ويجعل ثمنه رهناً كما تقدم.
ويصح أن يأذن الراهن في بيع المرهون وهو على ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يأذنه قبل حلول الدين مع اشتراط جعل الثمن رهناً، وفي هذه الحالة يصح البيع والشرط.
والصورة الثانية: أن يأذنه في بيعه بعد حلول جزء من الدين، وفي هذه الحالة يصح البيع ويأخذ من ثمنه قيمة ما حل من الدين ويبقى الباقي رهناً إن شرط ذلك.
الصورة الثالثة: أن يأذنه بالبيع قبل حلول شيء من الدين بدون أن يشترط شيئاً، وفي هذه الحالة يبطل الرهن وينفذ البيع، ويبقى دين المرتهن بلا وثيقة
(2/302)

مباحث القرض
تعريفه
القرض بفتح القاف وقد تكسر، وأصله في اللغة: القطع، فسمي المال الذي تعطيه لغيرك ثم تتقاضاه منه قرضاً لأنه قطعة من مالك. وأما الاستقراض: فهو طلب القرض، يقال: استقرض منه: أي طلب منه القرض فأقرضه. وأما المقارضة والقراض - بكسر القاف - فهما بمعنى واحد وهو أن يعطي شخص لآخر مالاً ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على ما شرطا، وأما معنى القرض في اصطلاح الفقهاء فإن فيه تفصيلاً في المذاهب (1) .
__________
(1) المالكية - قالوا: معنى القرض في الاصطلاح، هو أن يدفع شخص لآخر شيئاً له قيمة مالية بمحض التفضل بحيث لا يقتضي ذلك الدفع جواز عارية لا تحل، على أن يأخذ عوضاً متعلقاً بالذمة أصلاً، بشرط أن لا يكون ذلك العوض مخالفاً لما دفعه. فقوله ما له قيمة مالية، خرج به ما ليس كذلك، كما إذا أعطاه قطعة نار ليوقد بها حطبه ونحو ذلك مما جرت العادة بأن يتبادله الناس من الأمور التافهة فإنه لا يكون قرضاً، لأنه ليس له قيمة مالية: وقوله بمحض التفضل، معناه أن تكون منفعة القرض، عائدة على المقترض فقط، خرج به عقد الربا لأنه قرض في نظير منفعة تعود على المقرض. وخرج بقوله لا يقتضي إمكان عارية، خرج به عقد العارية لأنه يجيز انتفاع المستعير بالعارية وهو لا يسمى قرضاً. وقوله على أن يأخذ عوضه، خرج به الهبة بلا عوض. وخرج بقوله بشرط أن لا يكون العوض مخالفاً لما دفعه، السلم والصرف، فإن عقد السلم يقتضي أن يكون رأس مال السلم مخالفاً للمسلم فيه.
وكذلك الصرف فإن أحد البدلين مخالف للآخر. وقوله آجلاً، خرج به المبادلة المثلية كأن يأخذ منه إردب قمح ويعطيه مثله في الحال، فإن هذا لا يسمى قرضاً بل مبادلة، ويصح القرض في كل ما يصج أن يسلم فيه، سواء كان عرض تجارة أو حيوان أو مثلي.
الحنفية - قالوا: القرض: هو ما تعطيه من مال مثلي لتتقاضى مثله؛ فيشترط في القرض أن يكون مثلياً: وحد المثلي: هو الذي لا تتفاوت آحاده تفاوتاً تختلف به القيمة، وذلك كالمكيلات والمعدودات المتقاربة كالبيض والجوز الشامي "عين الجمل" والموزونات، أما ما ليس مثلياً كالحيوان والحطب والعقار ونحوه مما يقدر بالقيمة فإنه لا يصح قرضه. ومثله المعدودات المتفاوتة تفاوتاً به القيمة كالبطيخ والرمان ونحوهما مما تقدم في السلم فإنه لا يصح قرضه. فإذا اقترض شيئاً من ذلك وقع القرض فاسداً ولكنه يملك بالقبض: مثلاً: إذا اقترض جملاً ثم قبضه فإنه يملكه، ولكن لا يحل له
(2/303)

أحكام تتعلق بالقرض
يتعلق بالقرض أحكام مفصلة في المذاهب
(1) .
__________
أن ينتفع به على أي وجه، فإذا باعه فإن بيعه يقع صحيحاً نظراً للملك ولكنه يأثم بذلك، لأن الفاسد يجب فسخه، والبيع مانع من الفسخ فقد فعل ما ينافي الواجب فيأثم بذلك.
الشافعية - قالوا: القرض يطلق شرعاً بمعنى الشيء المقرض بفتح الراء، فهو اسم مفعول، ومنه قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} فإن القرض هنا معناه القرض الموصوف بكونه حسناً. ويطلق على المصدر بمعنى الإقراض. ويسمى القرض سلفاً. وهو: تمليك الشيء على أن يرد مثله، فما جرت به العادة في زماننا من دفع "النقوط" في الأفراح لصاحب الفرح في يده أو يد من أذنه كأرباب الحرف يكون قرضاً، لأنه تمليك لمال على أن يرد مثله، وقال بعضهم: إنه هبة لا يرد. وبعضهم يقول: ينظر للعادة في ذلك.
الحنابلة - قالوا: القرض: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، وهو نوع من السلف لانتفاع المقترض بالشيء الذي يقترضه، وهو عقد لازم إذا قبضه المقترض، فليس للمقرض الرجوع فيه لكونه أزال ملكه بعوض سيأخذه.
أما المقترض فليس بلازم في حقه. فله أن يعدل عن القرض كما هو ظاهر
(1) الحنفية - قالوا: يتعلق بالقرض أحكام. منها: أنه مضمون بمثله، فإذا اقترض مكيلاً كقمح مثلاً فإنه لا يلزم إلا برد مثل ما أخذه بقطع النظر عن غلائه ورخصه. وكذلك الحال فيما يعد أو يوزن، فإذا اقترض فلوساً "قروشاً رائجة" ثم بطلت المعاملة بها فإنه لا يلزم إلا برد مثلها. وكذلك إذا اقترض عشرين رطلاً من اللحم وكان سعر الرطل خمسة قروش ثم نزل السعر إلى قرشين. فإنه لا يلزم إلا برد العشرين رطلاً، وذلك إذا اقترض خبزاً فإنه لا يلزم إلا برد العدد الذي أخذه أو بوزنه الخبز يصح قرضه عداً ووزناً.
ومنها: أن التوكيل يصح في القرض وفي قبضه كأن يقول شخص لآخر: أقرضني كذا. ثم يوكل عنه من يقبض له. أما الاستقرار وهو: طلب القرض فلا يصح التوكيل فيه، فإذا وكل شخص آخر في أن يذهب إلى فلان ويستقرض له منه شيئاً فإنه لا يكون وكيلاً عنه في ذلك. فإذا استقرض المأمور على الأمر لأنه ليس وكيلاً له. وتصح الرسالة في الاستقراض كأن يرسل رسولاً إلى فلان ليستقرض له منه، فإن ذهب الرسول وقال: فلان يستقرض منك كذا فأقرضه كان المال للآمر المرسل. أما إذا قال: أقرضني كذا وأضاف القرض لنفسه فأعطاه فإن المال يكون له، وله أن يمنعه من المرسل. وقد تقدم شيء من ذلك في مباحث اليمين.
ومنها: أن يكره أن يقرض شخص لآخر شيئاً في نظير منفعة. ولكن محل ذلك إذا كانت المنفعة
(2/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مشترطة في العقد، كأن يقرضه مثلاً عشرين إردباً من القمح "الغلت" على أن يأخذ مثلها نظيفاً. أما إذا أقرضه شيئاً رديئاً فأعطاه جيداً بدون شرط فإنه لا كراهة فيه. ومثل ذلك: ما إذا أقرضه مالاً يشتري منه سلعة بثمن غالٍ. كما إذا كان عنده ثياب من الحرير أو القطن يساوي ثمن الواحد منها عشرة ثم جاءه رجل فاستقرض منه مائتين، فأعطاه ببعض القرض ثياباً ثمن الثوب عشرون وكمل له الباقي نقوداً. فإذا لم يكن ذلك مشروطاً في العقد يجوز. وبعضهم يقول بكراهته. أما اذا كان مشروطاً في العقد فإنه يكون مكروهاً، ولا بأس أن يهدي من عليه القرض لمن اقترض منه. ولكن الأفضل التورع عن ذلك.
ومن ذلك ما إذا طلب شخص من آخر أن يقرضه مالاً فقال له: اشتر مني هذا الثوب بعشرين فاشتراه ثم باعه لشخص غير الذي اشتراه منه بعشرة، وهذا باعه لصاحبه بالعشرة فأخذها وأعطاها للمشتري الأول فأخذها، وبقي عليه دين العشرين، ويسمى هذا بيع العينة بكسر العين، فقال بعضهم: إنه جائز، وقال بعضهم: إنه مكروه.
ومنها: أنه لا يجوز أن يقرض الصبي المحجور عليه. فإذا أقرضه فأضاع الصبي ما أخذه فقد ضاع على صاحبه، أما إذا كان الصبي غير محجور عليه بأن كان مأذوناً بالتصرف فإنه يصح أن يقرضه، لأنه يكون في حكم البالغ وبعضهم يقول: إن الصبي المحجور عليه إذا استهلك ما اقترضه يكون عليه ضمانه، أما إذا هلك بنفسه فلا ضمان عليه اتفاقاً. ومثل الصبي في ذلك المعتوه.
الشافعية - قالوا: يتعلق بالقرض أحكام.
أولاً أركانه كأركان البيع فلا بد من أن يكون الشيء المقترض معلوم القدر وكذلك لا بد فيه من الإيجاب والقبول كالبيع، والإيجاب تارة يكون صريحاً، وتارة يكون كناية فالصريح كأن يقول: أقرضتك هذا الشيء أو سلفتك. ومثله ما إذا قال: ملكت هذا الشيء بمثله. والكناية كأن يقول: خذ هذا الشيء بمثله، أو على أن ترد بدله، أو خذه ورد بدله، أو اصرفه في حوائجك ورد بدله. ولا يلزم الإيجاب والقبول في القرض الحكمي، وذلك كما إذا وجد دابة لقطة فأنفق عليها، فإن الإنفاق عليها له حكم قرض صاحبها، وهذا لا يشترط فيه القبول ولا الإيجاب.
ثانياً: أنه يشترط في المقرض بكسر الراء أن يكون أهلاً للتبرع، فلا يصح للوالي أن يقرض مال المحجور الذي له عليه ولاية بلا ضرورة، كأن يخاف الوالي على مال المحجور عليه من الضياع نهباً ونحو ذلك. ولكن للقاضي أن يقرض مال المحجور عليه بدون ضرورة إن كان المقترض أميناً موسراً. وكذلك يشترط أن يكون المقرض مختاراً، فلا يصح قرض المكره كسائر عقوده، أما المقترض فإنه يشترط فيه أن يكون أهلاً للمعاملة بأن يكون بالغاً عاقلاً غير محجور عليه.
ثالثاً: يشترط في الشيء المقرض أن يكون مما يصح فيه السلم إذا كان موصوفاً في الذمة، كأقرضتك جملي الموصوف بكذا، إنما يشترط أن يقبضه المقترض حالاً، فلا يصح أن يؤخر قبضه زمناً
(2/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
على أنه لا يشترط في المجلس بل يصح ولو تفرقا. أما المعين كهذا الجمل الحاضر فإنه لا يشترط فيه القبض حالاً. لأنه أقوى من الموصوف في الذمة فيصح تأخير قبضه، وقد عرفت في السلم أن المعين لا يصح فيه السلم ولكن يصح قرضه، وخرج بقول مما يصح فيه السلم الخ، الموصوف في الذمة التي لا يصح فيه السلم، نحو الدابة الحامل فإنه لا يصح قرضها، كما لا يصح أن تكون مسلماً فيها. وإنما اشترط في القرض أن يكون الشيء المقرض مما يصح فيه السلم. لأن مالا يصح فيه السلم، لا ينضبط، أو يندر وجوده فيتعذر رد مثله. ويستثنى من ذلك الخبز فإنه لا يجوز السلم فيه، ولكن يجوز إقراضه وزنا لعموم الحاجة إليه. وبعضهم يقول: يجوز إقراضه عداً أو وزناً، وكذلك يستثنى قرض نصف عقار شائع كنصف دار فإنه لا يصح السلم فيه ولكن يصح إقراضه، وذلك لأن المطلوب في القرض أن يكون للشيء المقرض بفتح الراء مثل يمكن رده للمقرض بكسر الراء، ونصف الدار الشائع يقابله النصف الآخر وهو مثله تماماً، فيصح في هذه الحالة أن يرد المقترض من النصف الآخر للمقرض وهو مثل ما أقرضه تماماً. وإنما لم يصح السلم فيه لأنه نادر الوجود وإذ لا يوجد له مثل إلا نصفه الثاني؛ فلو نفذ يتعذر وجود مثل فلا يصح السلم لذلك. أما ثلثا العقار أو كل العقار فلا يصح قرضه، كما لا يصح السلم فيه لعدم وجود المثل حينئذ: ولا يقال: إنه يصح أن يقرض ثلثي العقار أو كل العقار ويدفع بدله من عقار آخر، إذ لا يلزم أن يرد في صورته ومعناه.
بل يكفي في القرض أن يكون نظيره في عقار آخر، لأن ذلك قد يترتب عليه نزاع، فإن المقرض قد لا يرضى إلا برد مثله الصوري. ولا يقبل رد نظيره من عقار آخر، وظاهر هذا أن المقرض إذا رضي بذلك ابتداء فإنه يصح.
ومن ذلك يتضح أنه يجوز قرض ما له مثل، وما له قيمة. فأما المثلي فإن على المقترض أن يرد مثله، سواء كانت نقوداً معدودة أو غيرها، فلو اقترض نقوداً وبطل العمل بها فلا يلزم إلا برد مثلها إذا كانت لها قيمة غير تافهة، أما إذا كانت لها قيمة تافهة فإنه يلزم برد قيمتها باعتبار أقرب وقت بالنسبة لوقت المطالبة بها، ومثلها الفلوس "القروش" من غير الذهب والفضة.
وأما القيمي فإن على المقترض أن يرد مثله صورة كما إذا اقترض جملاً فإن المطلوب أن يرد جملاً مثله، فلا يصح أن يرد فيه بقرة. نعم يصح أن يرده أحسن أو أكبر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض جملاً وهو في السنة السادسة ورد مثله جملاً في السنة السابعة.
رابعاً: يفسد القرض بشرط يجر منفعة للمقرض كرد زيادة في القدر أو الصفة كأن يقترض منه قمحاً غير نظيف بشرط أن يرده له مغربلاً نظيفاً، أو يقترض ورقاً بشرط أن يرد ذهباً، فلو رد زيادة بلا شرط فحسن لما في الحديث السابق. أما إذا شرط أنه لا يقرضه إلا برهن، أو كفيل أو إشهاد فإنه لا يصح، لأن هذا الشرط من مقتضى العقد كما تقدم. وحاصل ذلك: أن الشرط في القرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يجر نفعاً للمقرض، وفي هذه الحالة يكون فاسداً مفسداً للعقد.
(2/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الثاني: أن يجر نفعاً للمقترض كأن يشترط المقترض أن يرد ردئياً وقد أخذ جيداً، وفي هذه الحالة يكون الشرط فاسداً والعقد صحيح.
الثالث: أن يكون للوثوق، كطلب رهن وكفيل وهو صحيح نافذ، ومحل ذلك كله إذا وقع الشرط في صلب العقد أما قبل العقد فلهما أن يشترطا ما يعجبهما ويتفقا عليه من غير ذكر في طلب العقد ولا يكون مفسداً، ويصح أن نذكر هنا حيلة مخلصة من الربا وهي أنه إذا أراد أن يقترض شخص مالاً من آخر، فيصح للمقرض أن يبيعه سلعة بثمن زائد على قيمتها ثم يشتريها منه بأقل مما باعها ويعطيه الثمن، فتحصل له الزيادة التي يريدها ولا تكون ربا. مثال ذلك: أن يبيعه مائة إردب من القمح بسعر الإردب جنيهين وهو يساوي جنيهاً ونصفاً، ثم يشتريها منه بقيمتها الحقيقية فتحصل له الزيادة وينجو من الربا.
المالكية - قالوا: يتعلق بالقرض أحكام:
منها: أن كل ما يقبل جنسه السلم يصح قرضه كالمكيل والموزون والمعدود، فإن جنس كل واحد منها يقبل السلم، فالقمح مثلاً يقبل السلم لكونه مكيلاً، واللحم كذلك وإن كان قد يمتنع فيه السلم أحياناً، ولا يمتنع فيه القرض كما إذا كانت آلة الكيل أو الوزن مجهولة فإنه لا يصح فيه السلم ويصح فيه القرض، مثلاً: إذا أقرضه قمحاً كاله له بصفيحة أو جردل أو قصعة على أن يرد له مثله بالصفيحة أو الجردل أو القصعة فإنه يصح.
أما في السلم فإنه لا يصح إلا بآلة الكيل المعروفة بين الناس، وآلة الوزن المعروفة بين الناس أيضاً "كالكيلة والربع والقدح" والرطل والأوقية المعلومة.
وكذلك يصح قرض الحيوان وعروض التجارة لأنه يصح السلم في جنسهما فيصح قرضهما كما تقدم.
ومنها: أنه يحرم على المقرض أن يأخذ هدية من المقترض إلا إذا كانت له عادة بذلك من قبل أو طرأ ما يدعو للهدية كمصاهرة ونحوها، أما الهدية لأجل الدين فهي تحرم ظاهراً وباطناً فإن كانت لمجرد التواد والتحابب فإنها تحل باطناً ولكن لا يقرها القاضي ظاهراً.
وكذلك يحرم أن يشترط في القرض شرطاً يجر منفعة، كأن يشترط أن يأخذ سليماً ويعطيه ضعيفاً، فلا يصح أن يقرضه بقرة لا تقوى على الحرث ثم يشترط أن يأخذ بدلها بقرة تقدر عليه، أو يقرضه قمحاً غلتا بشرط أن يأخذه نظيفاً.
ومنها: أن القرض يملكه المقترض بمجرد العقد كالصدقة والهبة والعارية، فإذا قبضه المقترض فلا يخلو: إما أن يكون له أجل مضروب أو لا، فإن كان له أجل مضروب فإنه يلزم برده عند حلول الأجل وإن لم ينتفع به انتفاع أمثاله عادة، وإن لم يكن له أجل مضروب فلا يخلو: إما أن تكون العادة أن يرد مثل هذا القرض في وقت مخصوص كما إذا اقترض قمحاً والعادة أن يرد مثله بعد حصاد
(2/307)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القمح. وإما أن لا يكون في ذلك عادة، فإن كانت في ذلك عادة فإنه يعمل بها كما يعمل بانقضاء الأجل. فيلزم بالرد في الوقت الذي جرت به العادة، وإن لم تكن فيه عادة فإنه لا يلزم برده إلا إذا انتفع به الانتفاع الذي جرت به عادة أمثاله.
ويجوز للمقرض أن يرد مثل الذي اقترضه، وأن يرد عينه. سواء كان مثلياً أو غير مثلي بشرط أن لا يتغير بزيادة أو نقص. فإن تغير وجب رد مثله.
أولاً: إنه يصح القرض في كل عين يجوز بيعها من مكيل وموزون ومذروع ومعدود ونحوه، واختلف في قرض المنافع كأن يحصد معه يوماً وهو يحصد معه يوماً آخر، فأجازه بعضهم ومنعه الآخرون.
ثانياً: يشترط في الشيء المقترض "بفتح الراء" أن يكون قدره معروفاً، فإن كان مكيلاً فيلزم أن يعرف بمكيال معلوم بين الناس "كالكيلة والربع" ونحوهما.
وكذلك إن كان موزوناً فينبغي أن تبين آلة الوزن المعروفة كالرطل والأوقية ونحوهما، فلا يصح القرض إذا كانت آلة الكيل أو الوزن مجهولة كالصفيحة والجردل. فإذا أقرضه قمحاً كاله له بجردل أو قصعة فإنه لا يصح كالسلم.
ومثل ذلك آلة الوزن والذرع. فلا بد أن تكون معروفة بين الناس كالمتر والياردة ونحو ذلك.
وكذلك يشترط معرفة وصفه بأن يقرضه جنيهات مصرية أو انكليزية. أو يقرضه قمحاً هندياً أو بلدياً أو نحو ذلك.
ثالثاً: يشترط في المقترض بكسر الراء أن يكون أهلاً للتبرع، فلا يصح قرض الصبي والمجنون ونحوهما.
رابعاً: عقد القرض يلزم بقبضه، سواء كان الشيء المقرض "بفتح الراء" مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو مذروعاً أو غير ذلك وللمقترض أن يشتري بالمال الذي اقترضه من مقرضه. فإذا اقترض محمد من علي مائة جنيه فله أن يشتري بها دارً أو نحوها من علي، ولا يملك رب المال أن يسترده ممن اقترضه بعد قبضه إلا إذا أفلس المقترض وحجر عليه بالفلس قبل أن يأخذ المقترض شيئاً منه بدل القرض، فإنه يصح له أن يسترده في هذه الحالة.
خامساً: إن كان الشيء المقترض مثلياً والمثلي هو: المكيل والموزون الذي لم تتعلق به صناعة مباحة، فإن المقترض يلزم برد مثله. ولا يلزم برد عين ما اقترضه لأنه بالقرض يملكها ملكاً تاماً، بالقبض، فله أن يستهلكها كما يشاء، فإذا رده بعينه فإن المقترض يلزم بقبوله إلا إذا طرأ عليه عيب كما إذا اقترض قمحاً فأقبل أو تعفن أو نحو ذلك فإنه لا يلزم بقبوله حينئذ.
(2/308)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا كان القرض غير مثلي فإن المقترض يلزم برد قيمته، فلو رده بعينه لصاحبه فإنه لا يلزم بقبوله، لأن الذي وجب له بالقرض قيمته فلا يلزم الاعتياض عنها، ويجب رد المثل في المثلي، سواء زادت قيمته عن يوم قرضه أو نقصت، فإذا اقترض قمحاً في وقت كان سعر الإردب فيه جنيهين ثم نزلت قيمته عند حلول الدين فأصبحت جنيهاً واحداً، فإنه لا يكلف إلا رده فقط بدون نظر إلى قيمته.
وإذا اقترض مثلياً مما يكال أو يوزن، ثم تعذر وجوده فإنه يلزم برد قيمته من يوم أن انقطع وجوده. أما ما سوى المكيل والموزون فإنه يلزم برد قيمته، وإذا اقترض خبزاً عدداً بلا شرط زيادة ولا قصد فإنه يجوز.
سادساً: لا يجوز أن يشترط في عقد القرض شرطاً يجر منفعة للمقرض، كأن يشترط المقرض على المقرض أن يسكنه داراً مجاناً أو رخيصاً أو يعطيه خيراً مما أخذه منه، أو يهدي إليه هدية أو نحو ذلك، وكذلك لا يجوز أن يشترط المقترض أن يعطي أقل مما أخذ. أما اشتراط ما به التوثيق كأن يقول: اقرضك بشرط أن ترهنني كذا، أو تأتيني بضمان فإنه يصح وينفذ
(2/309)

مباحث الحجر
الحجر معناه في اللغة: المنع، يقال: حجر عليه حجراً من باب قتل منعه من التصرف، وهو بفتح الحاء وكسرها، ولذا سمي الحكيم حجراً لأنه منع من الكعبة وقطع منها، وسمي العقل حجراً لأنه يحجر صاحبه ويمنعه من فعل القبيح، قال تعالى: {هل في ذلك قسم لذي حجر} أي لذي عقل.
وأما معنا في الشرع، فإن فيه تفصيلاً في المذاهب (1) .
__________
(1) الحنفية - قالوا: الحجر: هو عبارة عن منع مخصوص، متعلق بشخص، عن تصرف مخصوص، أو عن نفاذ ذلك التصرف، فالحجر منع للصغير والمجنون ونحوهما عن التصرف في القول رأساً إن كان ضرراً محضاً، فإذا طلق الصبي زوجه أو أعتق عبده فإن قوله هذا لا ينعقد أصلاً لأنه ضرر محض فلا ينعقد من أصله، ومثله المجنون.
أما إن كان نفعاً محضاً كما إذا وهبه أحد مالاً فقال: قبلت ونحو ذلك مما فيه منفعة محققة له فإن قوله ينعقد صحيحاً نافذاً ولا يتوقف على إذن الولي، فإن كان قوله يحتمل النفع والضرر كبعت واشتريت ونحوهما، فإن كان يعقل معنى البيع والشراء بحيث يدرك أن السلعة يقابلها الثمن، فلا يمكن أن يأخذ السلعة ولا يدفع ثمنها انعقد بيعه وشراؤه موقوفاً على إجازة الولي فللولي أن يجيزه بشرك أن لا يكون فيه غبن فاحش وقد تقدم بيانه. أما إن كان الصبي لا يعقل أصلاً فإن تصرفه في ذلك لا ينعقد من أصله.
أما الحجر في الأفعال فإن الصغر والجنون لا يوجبه، فإذا كان الطفل نائماً فانقلب على زجاجة وكسرها فعليه ضمانها، فإن كان له مال يؤخذ ثمنها من ماله.
وكذلك المجنون إذا أتلف شيئاً فإنه يكون مسؤولاً عنه، إذا كان الفعل متعلقاً بحكم يدرأ بالشبهة كالحدود والقصاص، فإن عدم القصد في الصبي والمجنون يرفع عنهما العقوبة، فإذا زنى الصبي أو قتل فإنه لا يحد، لأن النية مفقودة كما سيأتي، وقد يفسر الحجر بمعنى عدم ثبوت حكم التصرف، وعلى هذا فيكون الصبي والمجنون محجوراً عليهما بالنسبة لذلك، فليس محجوراً عليهما بالنسبة لفعل الزنا والقتل ونحوهما من كل ما يوجب الحد. لأن الفعل لا يمكن منعهما منه خصوصاً بعد وقوعه وإنما هما محجور عليهما بمعنى أن حكم عملهما هذا معدوم فلا يترتب على عملهما حد وعقوبة.
المالكية - قالوا: الحجر: صفة حكمية "يحكم بها الشرع" توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته، كما يوجب منعه من نفوذ تصرفه في تبرعه بزائد على ثلث ماله. فدخل بالأول:
(2/310)

أسباب الحجر
يرجع سبب الحجر في الشريعة الإسلامية على التحقيق إلى شيء واحد، وهو مصلحة النوع الإنساني كما هو الشأن في كل قضية من قضاياها الكريمة، فهي دائماً ترمي في تشريعها إلى ما فيه سعادة الإنسان جماعة وأفراداً. فمن قواعدها العامة وأسسها القويمة أنها قضت بضرورة التعاون بين الناس، فعرضت على القوي أن يعين الضعيف بقدر ما يتاح له، وحتمت على الكبير أن يساعد الصغير الذي يتولى أمره ويخلص له كل الإخلاص حتى لا تضيع عليه فرصة ينتفع بها في دينه ودنياه. فمن ابتلاه الله من الأطفال بفقد من يعطف عليه عطفاً طبيعياً من والد أو أخ أو قريب كان له في غيره عوضاً، فقد كلف الله الحاكم أن يختار له من يقوم يأمر تربيته، والنظر في مصلحته والعمل على تنمية ثروته، كما يقوم بذلك أقرب الناس إليه والصقهم به. وقد أوصى الله تعالى الأولياء والأوصياء على اليتامى والمساكين، وحذرهم عاقبة إهمالهم والطمع في أموالهم، بما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ويخافون بطشه وعقابه. وقال تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} وقال تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم وقال تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم
__________
الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس ونحوهم، فإن هؤلاء يمنعون عن التصرف فيما زاد على قوتهم، فإذا باع أحد منهم شيئاً أو اشتراه أو تبرع به وقع تصرفه هذا موقوفاً، ولا ينفذ إلا بإذن الولي كما تقدم في البيع.
ودخل بالثاني وهو قولنا: كما يوجب منعه في نفوذ تصرفه في تبرعه بزائد على ثلث ماله": الحجر على المريض والزوجه، فإنهما لا يمنعان من التصرف في البيع والشراء، وإنما يمنعان من التبرع بشرط أن يكون زائداً على ثلث مالهما، فيصح للمريض أن يتبرع بثلث ماله لغيره. كما يصح للزوجة ذلك. أما ما زاد على ثلث مالهما فإنه لا يصح لهما التبرع به.
الشافعية - قالوا: الحرج شرعاً: منع التصرف في المال لأسباب مخصوصة، فخرج بقوله منع التصرف في المال: التصرف في غيره فلا حجر فيه. فيصح للسفيه والمفلس والمريض أن يتصرفوا في الأمور الأخرى كالخلع والطلاق والظهار والإقرار بما يوجب العقوبة. وكالعبادة البدنية سواء كانت واجبة أو مندوبة. أما العبادة المالية فإنه لا ينفذ منها إلا الواجبة كالحج. بخلاف المندوبة كصدقة التطوع فإنها لا تنفذ منهم. أما الصبي والمجنون فإنهما لا يصح تصرفهما في شيء مطلقاً.
الحنابلة - قالوا: الحجر هو: منع مالك من تصرفه في ماله، سواء كان المنع من قبل الشرع كمنع الصغير والمجنون والسفيه. أو كان من قبل الحاكم كمنع الحاكم المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي الثمن الحال عليه
(2/311)

أموالهم، ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا، ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} وفي الآية دلالة على أنه يصح للوصي الفقير أن يأخذ أجر عمله من مال القاصر بما هو معروف بين الناس، فانظر كيف حذر الله الأوصياء في الآية الأولى بما هو ممكن قريب الوقوع؟ وكيف رغبهم في حكم معاملة القاصر؟ فإن الوصي الذي له أولاد صغار ضعاف قد يموت ويتركهم، فلينظر على أي وجه يحب أن يعامل الناس أولاده فيعامل به من أقامه الله وصياً عليه، ليعلم أنه إذا اتقى الله تعالى في قوله وفعله كان قدوة حسنة لأبنائه فينقلون عنه الفضيلة، فضلاً عما في ذلك من ترك حسن الذكرى وطيب الأثر ولذلك في قلوب الناس منزلة رفيعة تحبب إليهم مودة ذريته الضعيفة، ويسهل عليهم خدمتهم.
ثم انظر إلى الوعيد الشديد للطامعين في أموال اليتامى الذي يقومون عليهم، وأي زجر أشد من أن شبه الله ما يأكلون من ذلك بالنار التي توقد في البطون، فهم وإن كانوا يجدون في أكله لذة مؤقتة في هذه الحياة الدنيا ولكنهم سيصلون سعيراً يوم القيامة تلتهب في أحشائهم، فيعلمون أنهم إنما كانوا يأكلون ناراً وجحيماً. وفي ذلك منتهى التحذير والتخويف من قربان أموال اليتامى. ولهذا الكلام بقية ذكرناها في حكمة تشريع الحجر في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق.
وكما أن الشريعة الإسلامية حثت الكبير على أن يعين الصغير، كذلك حثت من آتاه الله عقلاً على أن يعين من حرم منه وإن كان كبيراً، لأن من ابتلاه الله بضعف العقل وفقد ادراك فقد جعله كالأطفال في هذه الحياة وإن كان كبير الجسم والسن، فإن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن الحيوان، فإذا ذهب أصبح الإنسان كالأطفال، فلا يصح تركه وشأنه حتى يقضي عليه الأشرار، فالحجر بسبب الصغر والجنون لمصلحتهما أمر متفق عليه بين أئمة المسلمين: أما الحجر على الكبير العاقبل بسبب سوء التصرف، والسفه والتبذير ونحو ذلك مما يأتي فذلك محل خلاف (1) . ولكن جمهور الأئمة وعلماء الإسلام على أنه في حكم المجنون والصغير،
__________
(1) الحنفية - قالوا: الذي قال إن السفه ليس سبباً من أسباب الحجر هو الإمام أبو حنيفة وحده، أما صاحباه فقد قالا كما قال جمهور الأئمة وهو أن السفيه يحجر عليه كالصغير والمجنون ويظهر أن الإمام يميل إلى عدم حبس الأموال، فمن كان أهلاً للتصرف فأحسن استثمار ماله فذاك، ومن لم يكن أهلاً وبذر فيه فجزاؤه أن ينتقل المال من يده إلى أيد متصرفة تنتفع به وتنفع الناس.
ومن أجل ذلك يقول الإمام: إن الوقف لا يلزم إلا بحكم الحاكم كما سيأتي في بابه.
فالحر العاقل لا يحجر عليه، سواء كان فاسقاً أو مبذراً على أنه يقول: إن من أسباب الحجر على العاقل أن يعمل عملاً يتعدى ضرره إلى غيره، كالطبيب الجاهل الذي لا يحسن الطب فيضر الناس.
(2/312)

لأن النتيجة التي شرع من أجلها الحجر متحققة في السفيه، فالسفيه الذي لا يحسن التصرف لا يلبث أن يقضي على ماله كما يقضي عليه الصغير والمجنون تماماً، ومتى كان الحجر لمصلة المحجور عليه كان لزاماً أن يحجر على السفيه لمصلحته أيضاً، بل ولمصلحة الناس، لأنه لا بد أن يعامل الناس فيقضي على أموالهم ومن أجل ذلك قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} ومن أسباب الحجر لمصلحة الناس: الحجر بسبب الدين.
ويتضح من هذا أن أسباب الحجر المعروفة التي عليها العمل غالباً ثلاثة: أحدها: الصغر. ثانيها: الجنون، ومثله العته. ثالثهاً: السفه.
وهناك أسباب أخرى كالرق. فإن الرقيق محجور عليه لكونه ليس أهلاً للملك، فلا يصح له أن يتصرف في ملك غيره إلا بإذنه وغير ذلك.

الحجر على الصغير
الصغير وصف في الإنسان من حين ولادته إلى أن يبلغ الحلم، وسبب الصغر: عدم تكامل قوى الإنسان البشرية. وهو وإن كان لازماً لغالب أفراد الإنسان، إلا أن الإنسان قد يوجد كبيراً فيختلف عنه الصغر، ولكن ذلك نادر كما في آدم وحواء.

ما يعرف به بلوغ الصغير
يعرف بلوغ الصغير تارة بالسن، وتارة بعلامات تدل على أنه قد بلغ وإن لم يبلغ حد السن المقرر، وفي بيان ذلك تفصيل المذاهب
(1) .
__________
ومثله المفتي الجاهل الذي يضلل الناس، أو الماجن الذي يفتيهم بالحيل الباطلة. وكذلك الرجل يحتال على الناس فيأخذ أموالهم، ومثله له بالمكاري المفلس، وهو الذي يكري للناس جمالاً ونحوها ويجحذ أجرتها وليس عنده شيء منها، حتى إذا جاؤوا ليأخذوها هرب منهم وأضاع عليهم أموالهم.
وقد يقال: كيف يقول الإمام بالحجر على هؤلاء الثلاثة مع أنه قرر أنه لا يصح الحجر على الحر العاقل؟ والجواب: أنه لا يريد الحجر عليهم بمعناه الشرعي المتقدم وهو عدم نفاذ تصرفهم، وإنما يريد منعهم بالفعل، فالحاكم لا يبيح للطبيب الجاهل أن يزاول مهنة الطب، ولا يبيح للمفتي الماجن أن يفتي بين الناس وهكذا. أما إذا وقع منهم تصرف صحيح كما إذا أتفى الماجن بحكم صحيح فإنه ينفذ

(1) الحنفية - قالوا: يعرف البلوغ في الذكر: بالاحتلام وإنزال المني وإحبال المرأة، وفي الأنثى: بالحيض والحبل. فإذا لم يعلم شيء من ذلك عنهما فإن بلوغهما يعرف بالسن، فمتى بلغ
(2/313)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سنهما خمس عشرة سنة فقد بلغا على الحلم على المفتى به، وقال أبو حنيفة: إنما يبلغان بالسن إذا أتم الذكر ثماني عشرة سنة، والأنثى سبع عشرة سنة.
ويستمر الحجر على الصغير إلى أن يبلغ إما بالسن، أو بعلامة من العلامات المذكورة، ثم ينظر في أمره بعد البلوغ، فإن ثبت رشده بعد اختباره فإنه يسلم إليه ماله، وإن لم يظهر رشده فإنه لا يسلم غليه. وحد الرشد هو: أن يثبت أنه صالح لإدارة ماله فلا يضيعه إذا سلم إليه. فلو كان فاسقاً بترك الصلاة ونحوها فإنه لا يمنع من تسليم ماله، أما إذا كان فاسقاً بالشهوات التي تذهب بالأموال كالزنا والقمار ونحو ذلك فإنه يحجر عليه لذلك، لأنه لم يكن صالحاً لإدارة ماله في هذه الحالة، ولكن الصاحبين اللذين يقولان بالحجر على السفيه، يحكمان باستمرار الحجر عليه ما دام سفيها. وحتى ولو قضى طول حياته وهو على هذه الحالة. أما الإمام أبو حنيفة الذي يقول بعدم الحجر على السفيه فإنه يقول: إنه لا يسلم إليه ماله أيضاً إلا بعد خمس وعشرين سنة. وذلك لأنه وإن كان حراً عاقلاً وهو ما لا يصح الحجر عليه، إلا أنه لما بلغ هذا السن الذي يكون الإنسان فيه كالجد الذي له أحفاد ولم يتأدب فلا أمل في تأديبه بعد ذلك، ولا معنى لحبس ماله عنه، فليعط ماله يفعل فيه كيف شاء.
المالكية - قالوا: يعرف البلوغ بعلامات:
إحداها: إنزال المني مطلقاً، في اليقظة أو في الحلم.
ثانيها: الحيض والحبل وهو خاص بالمرأة.
ثالثها: إنبات شعر العانة الخشن. أما الشعر الرقيق "الزغب" فإنه ليس بعلامة، وكذلك شعر اللحية والشارب فإنه ليس بعلامة، فقد يبلغ الإنسان قبل أن ينبت له شيء من ذلك بزمن طويل، ومتى نبت شعر العانة الخشن، كان ذلك علامة على التكليف بالنسبة لحقوق الله من صلاة وصوم ونحوهما، وحقوق عباد الله على التحقيق.
رابعاً: نتن الإبط.
خامسها: فرق أرنبة الأنف.
سادسها: غلظ الصوت، فإن لم يظهر شيء من ذلك كان بلوغ الصغير السن وهو أن يتم ثماني عشرة سنة، وقيل: يبلغ بمجرد الدخول في السنة الثامنة عشرة.
وإذا ادعى الصغير البلوغ أو عدمه فإن له حالتين:
الحالة الأولى: أن يشك في صدقه، وفي هذه الحالة ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يدعي البلوغ ليأخذ مالاً أو ليثبت عليه مالاً للغير، فالأول: كأن يدعي البلوغ ليأخذ سهمه في الجهاد. والثاني: كأن يدعي عليه شخص بأنه أتلف مالاً اؤتمن عليه وأنه بالغ، فأقر بذلك وخالفه الولي. وفي هذه الصورة لا تسمع دعواه مع الشك فيها.
(2/314)

مبحث إذا بلغ الصبي غير رشيد
وإذا بلغ الصبي غير رشيد فإنه لا يسلم إليه ماله، بل يحجر عليه بسبب السفه. وفي ذلك تفصيل المذاهب
(1) .
__________
الصورة الثانية: أن يدعي البلوغ ليثبت طلاقه من امرأته، أو يدعي عدم البلوغ ليفر من إثبات طلاقها؛ وفي هذه الصورة تقبل دعواه إثباتاً ونفياً.
الصورة الثالثة: أن يدعي البلوغ ليفر من عقاب جناية ارتكبها؛ وفي هذه الصورة تقبل دعواه مع الشك في صدقه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات. أما إذا ادعى البلوغ ليثبت على نفسه جناية فإنه لا يصدق مع الشك لهذه العلة.
الحالة الثانية: أن لا يشك في صدقه. وفي هذه الحالة تقبل دعواه في الأموال أيضاً إثباتاً ونفياً، فإذا أدعى أنه بلغ ليأخذ سهمه في الجهاد. أو ليأخذ مالاً مشروطاً ببلوغه أو نحو ذلك فإن دعواه تقبل حيث لم يشك في صدقه. وكذلك تقبل في الأمور الدينية المتوقفة على البلوغ كالإمامة وتكملة عدد جماعة الجمعة.
الشافعية - قالوا: يعرف بلوغ الذكر والأنثى بتمام خمس عشرة سنة بالتحديد، ويعرف بعلامات غير ذلك:
منها: الإمناء، ولا يكون علامة على البلوغ إلا إذا أتم الصبي تسع سنين؛ فإذا أمنى قبل ذلك يكون المني ناشئاً عن مرض لا عن بلوغ فلا يعتبر.
ومنها: الحيض في الأنثى، وهو يمكن إذا بلغت تسع سنين تقريباً.
الحنابلة - قالوا: يحصل بلوغ الصغير ذكراً كان أو أنثى بثلاثة أشياء:
أحدها: إنزال المني يقظة أو مناماً، سواء كان باحتلام أو جماع أو غير ذلك.
الثاني: نبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته إلى الموسى. أما الشعر الرقاق "الزغب" فإنه ليس بعلامة.
الثالث: بلوغ سنهما خمس عشرة سنة كاملة وتزيد الأنثى على الذكر بشيئين:
أحدهما: الحيض. ثانيهما: الحمل، ويقد وقت بلوغها بما قبل وضعها بستة أشهر. ويعرف بلوغ الخنثى "المشكل" بأمور: منها: تمام خمس عشرة سنة أيضاً.
ومنها: إنبات شعر العانة. ومنها غير ذلك

(1) الحنفية - قالوا: اتفق الإمام وصاحباه على أنه لا يسلم إليه ماله بمجرد البلوغ، بل لا بد من ثبوت الرشد بعد الاختبار، إلا أن الإمام قال: ينتظر إلى أن يبلغ خمسا وعشرين سنة ثم يسلم له ماله
(2/315)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولو لم يرشد. وإذا تصرف يقع تصرفه صحيحاً ما دام حراً عاقلاً لأنه لا يحجر عليه بالسفه. أما صاحباه فقالا: لا يسلم إليه ماله ولو بقي على ذلك مائة سنة وقد تقدم، وسيأتي تفصيله في مبحث الحجر على السفيه.
الحنابلة - قالوا: إذا بلغ الصبي غير رشيد "والرشد هو: الصلاح في ماله ودينه، وقيل هو الصلاح في ماله فقط" فإن الحجر يستمر عليه ويكون النظر في ماله لوليه قبل البلوغ من أب أو وصي أو الحاكم، وإذا فك عنه الحجر فعاوده السفه أعيد الحجر عليه، وإن فسق في دينه ولكنه لم يبذر في ماله فإنه لا يحجر عليه، خصوصاً على القول الرشد هو الصلاح في المال. ولكن لا يحجر عليهما في هذه الحالة إلا الحاكم، لأن التبذير الذي حصل ثانياً يتفاوت فيحتاج إلى نظر واجتهاد فلا بد في الحاكم حينئذ كالحجر على المفلس، فإنه لا يكون إلا بحكم حاكم ولا ينظر في أموالهما إلا الحاكم، ولا يفك الحجر عنهما ثانياً إلا الحاكم.
وإذا بلغ الصبي وصار رشيداً، أو عقل المجنون رشيداً انفك الحجر عنهما بلا حكم قاضٍ ودفع إليهما مالهما، ويستحب أن يكون الدفع فإذن قاض كما يستحب أن يكون ثبوت الرشد ببينة وأن يكون الدفع ببينة، ولا ينفك الحجر عنهما قبل البلوغ وثبوت الرشد والعقل ولو بقيا على ذلك حتى هرما.
الشافعية - قالوا: فإنه يكون بعدم ارتكابه وإصراره على صغيرة: وأما صلاح المال: فإنه يكون بعدم تبذيره وإنفاقه في الشهوات المحرمة، أو تضييعه بغبن فاحش لا يحتمل في المعاملة كأن يبيع أو يشتري بالغبن.
أما إذا أنفقه في الصدقة ووجوه الخير، والمأكل والملبس اللذين يليقان به فقيل: إنه تبذير وقيل إنه ليس بتبذير وهو الراجح.
ويعرف رشد الصغير قبل بلوغه بالاختيار، وهو يختلف باختلاف مهنة أهل الصغير، فإذا كان أبوه تاجراً فإنه يختبر بالبيع والشراء، وإذا كان أبوه زارعاً فإنه يختبر بما يناسب حال الزراعة فيكلف الإنفاق على المزارعين الذين يقومون بخدمة أرضه ومراقبة الحصادين ونحو ذلك.
وإن كانت صغيرة فإنها تختبر بتدبير المنزل من حفظ طعام وترتيب معيشة وغير ذلك وقيل الاختبار يكون بعد البلوغ، والراجح أنه قبله. فعلى القول الأول تكون تصرفات القاصر التي بها الاختبار تمهيدية، وعندما يتم الانفاق بينه وبين من يريد التعاقد معهم يتولى العقد وليه لأنه ليس بالغاً فلا يصح عقده على الراجح.
وأما على القول الثاني: فإنه هو الذي يتولى العقد لكونه بالغاً، هذا ولا بد من تكرار الاختبار مرتين أو أكثر حتى يغلب على الظن أنه صار رشيداً.
(2/316)

مبحث الولي أو الوصي
ولي الصبي وغيره من المحجور عليهم: أبوه إن كان له أب أهل للولاية كأن لم يكن مجنوناً أو محجوراً عليه، وأما غير الأب ففيه تفصيل في المذاهب
(1) .
__________
ويثبت الحجر عليه ومنعه من التصرف، سواء كان ذكراً أو أنثى بدون قضاء قاض وينفك ببلوغه بلا فك قاض، لأن ما ثبت بلا قاض لا يتوقف زواله على قاض، فينفك الحجر بالأب والجد أما فكه بالقيم والوصي ففيه قولان: وقيل: يتوقف الفك على القضاء، لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد، فإذا بلغ الصبي رشيداً، والرشيد: هو المصلح لماله ودينه، فلا حجر أصلاً. وإن بلغ غير رشيد دام الحجر عليه، لأنه وإن زال الحجر بسبب الصغر لكن خلفه الحجر بسبب السفه والفسق، ويتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل البلوغ.
وإذا فك حجره بعد رشده وسلم إليه ماله ثم بذر فيه فإنه يحجر عليه ثانياً، وهل يعود عليه بدون أحد أو لا؟ خلاف: فبعضهم يقول: لا يعود الحجر عليه إلا بالقاضي. وبعضهم يقول، يعود الحجر عليه بالأب والجد والوصي كما يعود بالقاضي. وبعضهم يقول: يعود الحجر عليه ولو لم يحجر عليه أحد، فإذا لم يبذر في ماله ولكن فسق في دينه فسقاً لا يضيع المال كالشح وعدم إخراج الزكاة وترك الصلاة ونحو ذلك فإنه لا يحجر عليه بسبب ذلك على المعتمد.
أما الفسق الذي يترتب عليه تبذير كالزنا، والمقامرة، والتورط في الشهوات المضيعة للمال، فإنه يوجب الحجر عليه لأنه تبذير للمال.
المالكية - قالوا: إذا بلغ الصبي غير رشيد بأن جن. أو كان غير صالح لحفظ ماله فإنه يستمر الحجر عليه.
أما إذا ثبت أنه قادر على حفظ ماله فإن حجره ينفك بمجرد بلوغه وإن لم يفكه الأب، أما إذا كان الولي قد أوصى به الأب فإن الحجر لا ينفك إلا إذا فكه الوصي، وسيأتي بيان صفة الفك في الحجر على السفيه، والفرق بين الحالتين: أن الولاية تثبت للأب بدون واسطة أحد فخروجه لا يحتاج إلى شيء زائد من تحقق صفة الرشد، أما الولي الذي أوصى به الأب فإن الولاية تثبت له بواسطة الأب، فإخراجه يحتاج إلى أمر زائد على رشدها وهو زوجها والدخول بها، فإذا لم تتزوج ولم يبن بها زوجها فإنها لا تستحق أن يسلم إليها مالها، وسيأتي للكلام بقية في مبحث الحجر على السفيه

(1) الحنفية - قالوا: ولي الصغير في باب الأموال أبوه، ثم من بعد موته يكون الولي من أوصى به الأب، ثم من بعد موت وصي الأب يكون الولي من أوصى به وصي الأب. ثم من بعد هؤلاء الثلاثة يكون الولي الجد لأب وإن علا. ثم وصي الجد، ثم وصي وصي الجد، ثم الوالي وهو الذي يليه تقليد القضاء، ثم القاضي أو وصيه الذي يقيمه، فأيهما يتصرف تصح تصرفاته. وحاصل ذلك: أنه لا
(2/317)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولاية للجد مع وجود وصي الأب، ولا ولاية للوالي أو القاضي مع وجود الجد أو وصيه. وبعدذلك لا ترتيب. فيصح أن يكون الولي: الوالي أو القاضي أو الوصي الذي يقيمه القاضي.
ولا ولاية للأم في باب المال. فإذا أوصت الأم على ولدها الصغير قبل موتها ثم ماتت لا يكون لذلك الولي حق التصرف في تركه الأم مع وجود الأب أو وصيه، أو وصي وصيه، أو الجد، أو وصيه بأي حال، نعم إذا لم يوجد أحد من الأولياء المذكورين، فإن لوصي الأم أن يحفظ تركة الأم ويبيع المنقولات، لأن في بيعها حفظاً لها. ولا يصح أن يتصرف في شيء من مال الصبي غير ذلك، سواء كان وارثاً له عن أمه أو غيرها.
وكذلك لا يكون لأحد من باقي العصبات في باب الأموال ولاية على الصغير، فليس للأخ والعم أو غيرهم أن يتصرفوا في مال الصغير مع وجود أحد الأولياء المذكورين على الترتيب المذكور.
أما الولاية في النكاح فإنها تثبت بأربعة أمور: القرابة، والولاء، والإمامة، والملك، وترتيب الأولياء هكذا: الابن ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب وإن سفلوا، ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم، ثم ابن العم لأب وإن سفلوا، ثم عم الأرب لأب وأم، ثم عم الأب لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب، ثم عم الجد لأب وأم، ثم عم الجد لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب، ثم من يكون أبعد العصبات إلى المرأة وهو ابن عم بعيد، فكل هؤلاء لهم ولاية النكاح على الترتيب المذكور، ولهم إجبار البنت والذكر على الزواج في حال صغرهما لا في حال كبرهما، وعند فقد العصبات تكون الولاية لمن يرث من ذوي الأرحام. وأقرب العصبات: الأم، ثم البنت، ثم بنت الابن، ثم بنت البنت، ثم بنت ابن الابن، ثم بنت بنت البنت، ثم الأخت لأب وأم، ثم الأخت لأب، ثم الأخ والأخت لأم، ثم أولادهم. وبعد أولاد الأخوات: العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام، ثم بنات العمات، وأبو الأم أولى من الأخت عند أبي حنيفة، ثم مولى الموالاة، ثم السلطان، ثم القاضي، ومن يقيمه القاضي.
وولاية الأب والجد على الصغير في نفسهما ومالهما ثابتة لا تزول إلا بثبوت رشد الصبي بعد بلوغه، فإذا بلغ الصبي ثم تبين أنه مجنون أو معتوه استمرت ولاية الأب والجد بدون انقطاع.
الشافعية - قالوا: ولي الصبي أبوه، ثم أبو أبيه وإن علا، فإن اجتمع الأب والجد كان الأب مقدماً على الجد طبعاً إلا إذا لم يكن أهلاً للولاية على الصبي" كأن كان محجوراً عليه، أو كان مجاهراً بالفسق. ويكفي في الأب والجد أن تكون عدالتهما ظاهرة فإذا مات الأب أو لم يكن أهلاً للولاية انتقلت الولاية إلى الجد، ثم من بعد الجد تنتقل الولاية لوصي من يتأخر موته من الأب أو الجد، فإذا مات الجد بعد الأب وكان ولياً انتقلت الولاية لوصي الجد، وإذا مات الأب بعد الجد انتقلت الولاية لمن يوصي به الأب.
ويصح أن يوصي الأب في حال حياة الجد. فإذا أوصى الأب في حال حياة الجد ثم مات الجد
(2/318)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قبل الأب ومات الأب بعد انتقلت الولاية لمن أوصى به الأب في حال حياة الجد، إذ لا يلزم أن تكون الوصاية بعد موت الجد ويشترط في الوصي أن يكون عدلاً ظاهراً وباطناً على المعتمد، ثم من بعد الوصي الذي أوصى به الأب أو الجد تنتقل الولاية للقاضي، وهو إما أن يتولى بنفسه أو يقيم أميناً، فإذا كان الصبي مقيم في بلد لها قاضٍ وماله في بلد لها قاضٍ كان القيم على المال قاضي البلد الذي فيها المال فعليه حفظه وبيعه وإجارته، أما بالنظر لاستثماره فيكون لقاضي بلد الصغير.
وهل للأم ولاية أو لا؟ المعتمد أنها لا ولاية لها إلا إذا أقامها الأب أو الجد أو القاضي، والأولى تقديمها على الأجنبي إذا كانت صالحة، ومثل الأم غيرها من باقي الأقارب والعصبات ولكن العصبة الإنفاق من مال الصبي في تأديبه وتعليمه وإن لم يكن عليه ولاية، لأن مثل ذلك يتسامح فيه عادة.
المالكية - قالوا: الولي الذي له حق الحجر عليه هو الأب، ومن بعده تكون الولاية لمن أوصى به الأب، ثم لمن أوصى به وصي الأب وهكذا، فإن لم تكن الولاية للحاكم، وإن لم يكن حاكم. فالولاية لجماعة المسلمين.
ثم إن الحجر على الصبي مما ذكروا ينقسم إلى قسمين:
الأول: حجر بالنسبة لنفسه.
والثاني: حجر بالنسبة لماله.
فأما الحجر بالنسبة لنفسه فمعناه: تدبير نفس الصبي وصيانته من موارد الهلكة وحفظه من سلوك سبل الضياع، فلا يترك وشأنه فيرتكب ما يقضي على حياته. وأما الحجر بالنسبة إلى ماله فهو: منعه من التصرف على الوجه الذي سيأتي.
وليس لحاضن اليتيم من جد وعم وأم ونحوهم أن يتصرف في ماله بدون إيصاء، فإذا لم يوص أب اليتيم بأحد منهم، أو يوص القاضي فلا يكون لهم الحق في الولاية على أمواله، وإذا كان العرف جارياً على أن يكون الكافل من هؤلاء بمنزلة الوصي وإن لم يقم وصياً عمل به، فيصح أن يتصرف تصرف الوصي. ونقل بعضهم عن الإمام مالك: أن كافل اليتيم كالوصي وإن لم يكن العرف على ذلك، فإذا مات الشخص عن أطفال صغار وكان لهم جد أو عم حاضناً فله أن يتصرف تصرف الولي.
الحنابلة - قالوا: الولاية على الصبي والمجنون سواء كان ذكراً أو أنثى تكون للأب الحر الرشيد العدل ولو كانت عدالته ظاهراً فقط. ويصح أن يكون الكافر ولياً على ولده بشرط أن يكون عدلاً في دينه، ثم من بعد الأب تكون الولاية لمن يوصي به الأب، ويشترط أن يكون عدلاً وتنتقل غليه الولاية ولو كانت بأجر مع وجود من يقوم بها مجاناً، لأنه نائب عن الأب فأشبه وكيله في حال الحياة فإذا لم يكن الأب موجوداً ولم يوص أحداً، أو كان موجوداً ولكن فقد أهلية الولاية كانت الولاية عليهما للحاكم. والجد أبو الأب لا ولاية له، وكذلك الأم لا ولاية لها، ومثلهما سائر العصبات:
(2/319)

هل للولي أن يبيع عقار الصبي أو لا؟
في جواز بيع الولي أو وصيه عقار الصبي من دور وأرض زراعية وغيرها خلاف في المذاهب
(1) .
__________
ولا يجوز للولي أن يتصرف في مالهما إلا بما فيه مصلحتهما، فإن تبرع من مالهما بهبة أو صدقة أو غيرهما فإنه يلزم به إذا باع لهما بنقص
(1) الحنفية - قالوا: يجوز للأب أن يبيع ماله لابنه الصغير ويشتري منه لنفسه. فإذا باع الأب لابنه الصغير أو اشترى منه فإنه لا يشترط لتمام ذلك العقد الإيجاب والقبول على الصحيح فلو قال: بعت هذا العقار ونحوه من ولدي صح وإن لم يقل قبلت شراءه، وإنما يصح هذا البيع والشراء إذا كان بمثل قيمته، أو بغبن يسير يقع عادة بين الناس، فإن كان بغبن فاحش فإنه لا يصح. وينفذ البيع إذا أجازه القاضي. فإن رأى القاضي أن نقض البيع خير للصبي كان له نقضه. والثمن الذي اشترى منه الأب لا يبرأ منه حتى ينصب القاضي وكيلاً عن الصغير فيقبضه من أبيه ثميرده إليه، فيكون وديعة من ابنه في يده.
إذا باع الأب لابنه الصغير داراً وهو فيها ساكن لا يصير الابن قابضاً حتى يخليها الأب ويستلمها أمين القاضي، فإن عاد الأب إليها ثانياً فسكنها هو أو أهله فإنه يكون غاصباً إذا كان موسراً.
وكذلك يجوز للأب أن يبيع مال الصغير للأجنبي، فإذا كان المال عقاراً ثابتاً كالدور والأراضي الزراعية وغيرها فإنه يجوز بشرطين:
الأول: أن يكون بمثل القيمة فأكثر.
الثاني: أن يكون الأب محمود السيرة بين الناس أو مستور الحال، أما إذا كان سيء السيرة فإن البيع لا يجوز ولو كان بمثل القيمة على الصحيح. أما إذا كان المال منقولاً وكان الأب سيء السيرة فإنه يجوز بيعه إذا كان في مصلحة الصغير على الأصح، وإذا باع الأب مال الصغير وقبض بعض الثمن، فإن له الحق في استرداد المبيع وحبسه تحت يده حتى يقبض كل الثمن.
أما الوصي فإنه يجوز أن يبيع ماله للصغير القائم عليه ويشتري من الصغير لنفسه على قول الإمام. وقال صاحباه: لا يجوز. وعلى القول بجوازه فإنه يشترط له أمران: الشرط الأول: أن يكون فيه خير للصغير؛ وفسرت الخيرية بأن تزيد السلعة التي يشتريها الوصي من الصغير الثلث عن مثلها إذا اشتراها من غيره، فلو كان يشتريها بعشرة من غير الصغير، فإنه يلزم أن يشتريها من الصغير بخمسة عشر، فإذا نقص عن ذلك لا يكون في شرائه خيلا فلا يجوز. وكذلك إذا باع للصغير سلعة من ماله، فإذا كان يمكنه أن يبيعها بخمسة عشر فلا يصح بيعها للصغير إلا بعشرة فقط.
(2/320)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الشرط الثاني: أن يشتمل العقد على الإيجاب والقبول بأن يقول: بعت للصغير وقبلت الشراء، بخلاف الأب فإنه لا يشترط فيه القبول كما تقدم.
وأما بيع الوصي مال الصغير من أجنبي فإنه يصح إذا تحقق واحد من أمور ثلاثة:
الأول: أن يبيع بضعف قيمته.
الثاني: أن يكون للصغير حاجة إلى ثمنه.
الثالث: أن يكون على الميت دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع.
وهذا هو الذي عليه الفتوى، وينفذ بيعه إذا أجازه القاضي، وله رده إن كان الرد خيراً كما تقدم في الأب.
وإذا باع الوصي مال اليتيم وأجل قبض الثمن، فإذا كان التأجيل طويلاً بأن لا يباع مثل هذه السلعة بهذا الأجل فإن البيع لا يجوز، وكذلك إذا باعه بأجل قصير يمكنه حصوله في مثل ذلك ولكن يخشى أن ينكر المشتري الثمن أو يضيع عليه فإنه لا يجوز. أما إذا كان الأجل قصيراً والثمن مضموناً فإنه يجوز.
وإذا أراد شخص أن يشتري مال الصغير بألف مثلاً إلى أجل، فجاء آخر وزاد على الأف مائة، فإن كان الأول ذا مال أكثر من الثاني، فإن على الوصي أن يبيع للأول لزيادة الضمان ولا يبالي بزيادة المائة.
وإذا أقام شخص وصياً ثم مات عن أولاد كبار فماذا يكون عمل الوصي في هذه الحالة؟ والجواب أن ذلك يشمل صوراً:
الصورة الأولى: أن تكون تركه الميت خالية من الدين. وأن يكون الأولاد الكبار المذكورين حاضرين، وفي هذه الصورة لا يكون للولي عمل في التركة أصلاً، وإنما يكون له عمل إذا كان للميت دين على الغير، فإن للوصي أن يحصل ذلك الدين ويعطيه لأولاد الميت الوارثين.
الصورة الثانية: أن يكون على الميت دين مستغرقاً لجميع تركته، وفي هذه الصورة يكون للوصي عمل في التركة وهو بيعها جميعها لتسديد ذلك الدين، وكذلك إذا كان الدين مستغرقاً لبعض التركة فإن الوصي يبيع من التركة بقدر الدين إلا إذا قدر الورثة على قضاء الدين فإن الوصي لا يكون له عمل.
الصورة الثالثة: أن يكون الميت قد أوصى بثلث ماله أو أقل، فإن عمل الوصي بيع ما ينفذ به الوصية إلا إذا نفذها الورثة فإنه لا يكون له عمل.
الصورة الرابعة: أن يكون الورثة غائبين في جهة تبعد ثلاثة أيام، فإذا كانت التركة خالية من الديون والوصية، فإن للوصي أن يبيع المنقولات وليس له أن يبيع العقار الثابت ولو خيف عليه الهلاك على الأصح. وكذلك إذا كانت التركة مشغولة بالدين فإن له أن يبيع المنقولات فقط، سواء كانت قدر الدين أو أكثر.
(2/321)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومثل وصي الأب وصي وصيه. ووصي الجد، ووصي القاضي، ووصي وصيه، ووصي القاضي كوصي الأب إلا في شيء واحد وهو: أن القاضي إذا جعل أحداً وصياً في نوع فإنه لا يصح له أن يتعداه، أما الأب فإنه إذا جعل أحداً وصياً في نوع كان وصياً في الأنواع كلها. هذا وليس للقاضي أن يبيع ماله من اليتيم، أو يشتري لنفسه.
المالكية - قالوا: يجوز للأب أن يبيع ماله لولده الصغير ويشتري منه بشرط أن يكون ذلك في مصلحة الصغير، فإن كان لمصلحة الأب فإن البيع يفسخ ويرد المبيع إن كان باقياً على حاله. أما إذا ضاع أو تغير حاله فإن الأب يغرم قيمته، لا فرق في ذلك بين أن يكون الأب موسراً أو معسراً.
وكذلك يجوز للأب أن يبيع مال ولده الصغير "ومثله السفيه" للأجنبي بدون سبب من الأسباب التي سيأتي ذكرها في الوصي، لا فرق أن يكون مال الصغير عقاراً للأجنبي بدون سبب من الأسباب التي سيأتي ذكرها في الوصي، لا فرق أن يكون مال الصغير عقاراً ثابتاً أو غيره بشرط أن يكون ذلك البيع لمنفعة الصغير، وليس له اعتراض عليه بعد رشده إذا كان ذلك. أما إذا باعه لمنفعة نفسه فإنه يفسخ كما تقدم.
ولا يجوز للوصي أن يبيع مال الصغير الذي له عليه ولاية إلا إذا تحقق واحد من أمور:
الأول: أن يكون البيع لحاجة كنفقة أو وفاء دين لا قضاء له إلا من ثمن المبيع.
الثاني: أن يبيعه بزيادة الثلث على ثمن المثل فأكثر، ويشترط أن لا يكون الثمن مالاً حراماً معروفاً أنه حرام. أما المال المجهول أصله فهو في حكم الحلال.
الثالث: أن تكون العين المباعة بدل حكر فأراد الوصي أن يبيعها ليشتري بدلها عيناً خالصة من الحكر، إلا إذا كان ريعها أكثر من غيرها فإنه لا يصح له بيعها في هذه الحالة.
الرابع: أن تكون حصة في دار أو أرض أو نحوهما، فيصح له أن يبيعها ويستدل بها غيرها تخلصاً من ضرر الشركة.
الخامس: أن يكون ريعها قليلاً أو لا ريع لها أصلاً. فتباع ويستبدل بها عيناً فائدتها أكثر.
السادس: أن يكون له منزل يسكنه بين جيران سوء يخشى ضررهم في الدين أو الدنيا، فيباع ويستبدل به منزل بين جيران صالحين.
السابع: أن يكون له شريط في عين ويريد شريكه أن يبيع العين ولا مال له يشتري به حصة الشريك، ولا يمكن قسمة العين فيصح بيعها وإن لم يستبدل بها غيرها.
الثامن: أن يخالف خراب داره ونحوه ولا مال له يعمره به إذا خرب فيبيعه ونحو ذلك.
التاسع: أن يكون له دار يخاف خرابها وله مال يمكن تعميرها به، ولكن بيعه أولى من تعميرها.
العاشر: أن يخشى على العين من ظالم كما إذا كان له أرض بين قوم يقبضونها أو يعتدون على ريعها ولم يستطع ردهم، فلا يجوز للوصي الذي أقامه الأب أن يبيع عقار الصغير القائم عليه إلا لسبب من هذه الأسباب. وهل يصدق بمجرد ذكر السبب بلسانه أو لا يصدق بل لا بد من إقامة البينة على ذلك؟
(2/322)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
خلاف. بخلاف الأب فإنه لا يلزم ببيان السبب بل يحمل فعله على السداد كما تقدم. وليس للوصي أن يهب مال اليتيم بعوض "هبة الثواب". أما الحاكم أو وصيه الذي أقامه فإن له أن يبيع مال اليتيم الذي لم يجعل له أبوه وصياً عنه إذا دعت الضرورة إلى بيعه. بشروط:
أحدها: أن يثبت يقتمه.
ثانيها: أن يكون مهملاً أي لم يعين له أبوه وصياً حال حياته.
ثالثها: أن يثبت ملك اليتيم لما يراد بيعه بأن يشهد شاهدان فكثر بأن هذا العقار مملوك للصغير.
رابعها: أن يرسل القاضي جماعة يعاينون هذا العقار ويبحثونه من الداخل والخارج، ثم يشهدون أمام القاضي أو أمام من يرسله القاضي من طرفه بأن هذا العقار الذي عاينوه هو ما شهد به أمام القاضي أنه مملوك للصغير. وإذا أبانت البينة الأولى حدود العقار ووصفته وصفاً كاملاً يستغنى بها عن بينة المعاينة وتسمى بينة "الحيازة".
خامسها: أن يشهر المبيع وينادي عليه ويعلن عنه.
سادسها: أن لا يوجد مشتر يرغبه بزيادة على الثمن الذي أعطي فيه.
سابعها: أن يكون الثمن المثل فأكثر.
ثامنها: أن يكون عيناً فلا يصح أن يكون عرض تجارة لجواز أن يطرأ عليه رخص فيضر بمصلحة الصغير.
تاسعها: أن يكون حالاً لا مؤجلاً خوفاً من أن يفلس صاحبه فيضيع على الصغير.
عاشرها: على القاضي أن يذكر في السجل الذي فيه الوقائع التي حكم فيها أسماء الشهود بأن يذكر في السجل؛ ثبت عندي بشهادة فلان وفلان يتم هذا الصغير، وبشهادة فلان وفلان أنه مهمل فلم يقم له أبوه وصياً وبشهادة فلان وفلان أنه مالك لمحل كذا الخ.
ومن هذا تعلم أن الحاكم لا يجوز له أن يبيع مال الصغير إلا إذا كان يتيماً لا أب له ويقيم له أبوه وصياً ويعبرون عنه بالمهمل. ويشترط لصحة البيع أن يكون لسبب الحاجة لا غير. أما الأسباب الأخرى التي يبيع من أجلها الوصي فإنه لا يصح للقاضي ولا لوصيه أن يبيع من أجلها.
فيتحصل من ذلك كله أن الأب يبيع بشرط مصلحة الصغير بلا شرط ولا قيد بعد ذلك، والوصي الذي أقامه الأب يبيع لسبب من الأسباب التي ذكرت آنفاً، والحاكم ووصيه لا يبيعان إلا لسبب واحد وهو الحاجة من نفقة أو سداد ولا وفاء له إلا من ثمنه بالشروط التي ذكرت.
هذا وللولي أن يأخذ بالشفعة للقاصر، وله أن يترك ذلك حسب المصلحة.
الشافعية - قالوا: ويجوز للولي أن يبيع العقار المملوك لمن له عليه ولاية كالدور والأراضي الزراعية ونحوها إذا احقق أحد أمرين:
(2/323)

مبحث تصرفات الصبي
في جواز تصرف الصبي في بعض الأمور تفصيل المذاهب
(1) .
__________
الأول: أن تدعو الحاجة إلى بيعه كنفقة وكسوة لم تف غلة ملكه بهما.
الثاني: أن تكون في بيعه مصلحة ظاهرة للمحجور عليه، وذلك بأن تكون صفقة البيع رابحة بأن يبيع بأكثر من ثمن مثله، ويمكن الحصول على مثله ببعض الثمن الذي بيع به فإذا لم يوجد واحد من هذين فلا يجوز للولي أن يبيع العقار المملوك للمحجور عليه، ومتى تحقق ما ذكر فإنه يصح له أن يبيعه بالنقد، وأن يبيعه لأجل ولكن بشرط أن يكون الثمن في حالة البيع لأجل أكثر مما إذا كان البيع نقداً. وعلى الولي أن يعمل ما يحفظ الدين من التوثق فيشهد على البيع ويرتهن به رهناً وافياً، فإذا أهمل ذلك كان عليه ضمان الثمن.
وعلى كل حال فيجب على الولي أن يتصرف بما فيه مصلحة المحجور عليه.
الحنابلة - قالوا: ليس للولي أن يشتري من مال الصغير والمجنون شيئاً لنفسه ولا أن يرهن شيئاً إلا إن كان أباً فإن له أن يفعل ذلك، لأن الأب بطبعه يسعى في مصلحة ابنه، فهو لا يفعل إلا ما فيه حظه بخلاف غيره. ويجوز للولي سواء كان أباً أو غيره أن يبيع عقار المحجور عليه لمصلحة ولو لم يحصل زيادة على ثمن مثله، وأنواع المصلحة كثيرة:
ومنها: الحاجة إلى نفقة أو كسوة أو قضاء دين ونحو ذلك مما لا بد للصغير أو المجنون، بشرط أن لا يكون عند المحجور عليه ما تندفع به الحاجة سوى المبيع.
ومنها: أن يخاف على العقار الهلاك بغرق أو خراب أو نحو ذلك.
ومنها: أن يكون في بيع العقار صفقة رابحة للقاصر كأن يباع بزيادة كثيرة على ثمن مثله ولا تتقيد بالثلث.
ومنها: أن يكون العقار في مكان لا ينتفع به، كأن يكون في حي غير عامر أو قذر فيبيعه ليشتري عيناً في جهة آهلة بالسكان، أو جهة ترتفع فيها الأجرة.
ومنها: أن يرى الولي عيناً تباع بسعررخيص لا يمكن شراؤها إلا ببيع العقار.
ومنها: أن يكون ساكناً في دار بين جيران سوء فيصح بيعها وشراء دار غيرها
(1) الحنفية - قالوا: عرفت مما تقدم في شرح تعريف الحجر أن الصبي إذا كان غير مميز لا ينعقد شيء من تصرفه. أما إذا كان مميزاً فتصرفه على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يتصرف تصرفاً ضاراً بماله ضرراً بيناً كالطلاق والعتاق والقرض والصدقة، وهذا لا ينعقد أصلاً فلا ينفذ ولو أجازه الولي.
الثاني: أن يتصرف تصرفاً نافعاً كقبول الهبة والدخول في الإسلام، وهذا ينعقد وينفذ ولو لم يجزه الولي.
(2/324)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الثالث: أن يتردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء فإن الأصل فيه احتمال كون الصفقة رابحة أو خاسرة، فلا ينافي أنه قد تكون الصفقة بينة الربح، فتكون من القسم الثاني، لأن البيع والشراء في ذاته محتمل للأمرين. وهذا القسم ينعقد موقوفاً على إجازة الولي وليس للولي أن يجيزه إذا كان فيه غبن فاحش، وقد تقدم بيان الغبن الفاحش في مبحثه.
والولي الذي تنفع إجازته هو الولي في باب المال وهو الذي تقدم بيانه. فإذا فقد فالقاضي أو من يقيمه القاضي، فإذا كان الأب موجوداً أو وصيه فامتنع عن الإجازه القاضي نفذ أمر القاضي ويكون هذا حكماً يرفع الحجر عن القاصر فلا يحجر عليه إلا بأمر قاض آخر.
ولا يلزم من ذلك أن يكون القاضي مقدماً في الرتبة على الأب، لأن الأب في حالة امتناعه عن الإذن بما فيه المصلحة كان في حكم العاضل الذي يمنع بنته الزواج، فإن من حق القاضي أن يأذن بزواجها في هذه الحالة، فكذلك ما هنا.
وللقاضي أن يأخذ مال القاصر من الأب المبذر ويضعه في جهة مأمونة، كما أن له أن يستغل ماله بما فيه ربح له، وله أن يقرض ماله من رجل مالي مأمون إذا تعذر استغلاله بما فيه ربح أما الأب فليس له أن يقرض مال ابنه الصغير، وله أن يرهنه في دينه كما تقدم في مباحث الرهن.
وما يقع من الصبي والمجنون والمعتوه من الأعمال الضارة المتعلقة بالغير يكونون مؤاخذين بها مسؤولين عنها، فإذا أتلف واحد منهم مال غيره كان عليه ضمانه في الحال، ويستثنى من هذه القاعدة أمور أربعة:
-1 - إذا أقرض شخص مالاً لواحد من هؤلاء فأكله لا يكون عليه ضمانه.
-2 - إذا أودع شخص عند واحد من هؤلاء شيئاً فاضاعه أو أتلفه فقد ضاع على صاحبه ولا ضمان على المودع عنده، بخلاف ما إذا أودعها عند الأب أو الوصي فأتلفها واحد من هؤلاء المحجور عليهم فإنه يكون ملزماً بها.
-3 - إذا أعار شخص أحد هؤلاء شيئاً فأضاعه فإنه يضيع على صاحبه ولا يكون مسؤولاً عنه.
-4 - إذا باع شخص لواحد من هؤلاء شيئاً فأضاعه فقد ضاع على صاحبه، ولا يكون المحجور عليه مسؤولاً عنه. ومحل كون المحجور عليه لا يضمن في المسائل الأربعة إذا لم يأذن الولي، أما إذا حصلت الوديعة أو القرض أو الإعارة أو البيع بإذن الولي فأهلكه المحجور عليه فإنه يكون ملزماً به وعليه ضمانه.
وإذا أودع هؤلاء شيئاً لا يملكه عند محجور عليه مثله فأهلكه المودع عنده، كان مالكه مخيراً بين أن يلزم به من أودعه أو من أودع عنده مثلاً: إذا أخذ صبي مال زيد بدون علمه وأودعه عند صبي مثله فأهلكه الصبي الثاني، فإن زيداً مخير بين أخذه من الصبي الأول أو من الصبي الثاني. والفرق بين هذه المسألة وبين المسائل الأربع المتقدمة: أن المالك في المسائل الأولى سلط
(2/325)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المحجور على ماله باختياره فكان مفرطاً، أما في المسألة الثانية فإنه لم يسلطه إذ لم يودع عنده، فكان المحجور عليه مضيعاً لمال الرجل بدون علمه.
وإذا جنى المجنون فإن جنايته لا توجب الحد، وكذلك الصبي والمعتوه. فإذا قتل واحد منهم فإنه لا يقتل ولكن تجب الدية على عاقلته، وعاقلته "هم الذين يتناصرون معه، سواء كانوا أهله وعشيرته، أو كانوا من أهل حرفته، أو أهل قبيلته، أو نحو ذلك مما هو مبين في محله".
المالكية - قالوا: إذا تصرف الصبي المميز ببيع وشراء ونحوهما من كل عقد فيه معارضة فإن تصرفه يقع موقوفاً؛ ثم إن كانت المصلحة في إجازته تعين على الولي أن يجيزه؛ وإن كانت المصلحة في رده تعين على الولي أن يرجه، ويلزم القاضي برد الثمن إن كان باقياً، فإن كان قد أنفقه فإنه يؤخذ من ماله الموجود، فإن كان ماله الموجود قد نفذ ثم تجدد له مال فإنه لا يؤخذ منه شيء ويكون الثمن قد ضاع على المشتري، وهناك قولان آخران:
أحدهما: أن البيع يرد على أي حال والثمن يضيع على المشتري لأنه أهمل في أمر الشراء من القاصر وهو ضعيف.
ثانيهما: أن البيع ينفذ على أي حال وهو يعادل القول الأول، وعلى كل حال فيشترط في انعقاد بيع المميز وشرائه وشروط:
الأول: أن يكون البيع والشراء بالقيمة، فإن باع أو اشترى بغبن فإنه يرد بلا خلاف.
الثاني: أن يكون ذلك من أجل نفقته التي لا بد منها، فإذا باع واشترى من أجل شهواته التي يستغني عنها فإنه يرد بلا خلاف ويضيع الثمن على المشتري.
الثالث: أن تكون السلعة التي باعها هي أحق السلع بالبيع من ماله، فإن باع سلعة ينتفع باستغلالها مع وجود سلعة لا تستغل فإن البيع يرد بلا خلاف.
فإذا كان الصبي غير مميز فإن تصرفه لا ينعقد على أي حال. وكذلك لا ينعقد تصرف المميز في العقود التي لا عوض فيها، كما إذا وهب من ماله شيئاً أو تصدق أو نحو ذلك، فإن تصرفه في ذلك يرد على أي حال.
وإذا تصرف الصبي سواء كان مميزاً أو غيره في مال الغير فأضاعه بأن أنفقه على نفسه أو أتلفه، فإنه يكون عليه ضمانه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال كان عليه ديناً في ذمته، حتى إذا وجد له مال أخذ منه. مثلاً: إذا أودع شخص عند آخر وديعة فاستهلكها ابنه الصغير كان ذلك الابن ملزماً بها، فيدفعها من ماله إن كان له مال، وإلا بقيت ديناً في ذمته، وإلا إذا كان الصبي ابن شهر فأقل فإنه لا يضمن شيئاً. لأنه يكون كالعجماء.
أما إذا أمن صاحب المال الصغير فأودع عنده وديعة أو أقرضه مالاً فأتلفه الصغير فإنه لا يضمن، ويضيع على المالك أو المقرض، لأنه هو الذي أهمل في ماله فسلط عليه الصغير إلا إذا صرف الصغير
(2/326)

مبحث الحجر على المجنون
المجنون كالصبي في أحكام الحجر المتقدمة، ولكن يتعلق به بعض أحكام مفصلة في المذاهب
(1) .
__________
ذلك فيما لا بد له منه، فإن في هذه الحالة يؤخذ من ماله بالقدر الذي ينفقه منه، مثلاً: إذا كان من عادته أن يأكل كل يوم بقرش من ماله، فصار ينفق كل يوم قرشين من المال الذي اقترضه في أكله، فإنه يحاسب صاحب القرض على قرش واحد في اليوم ويرد له على ذلك الحساب. أما إذا أنفق من القرش أقل من ذلك فإن صاحبه يحاسبه على ذلك على الأقل.
وتصح وصية الصبي المميز في حال صحته وفي حال مرضه.
الشافعية - قالوا: لا يصح تصرف الصبي سواء كان مميزاً أو غير مميز، فلا تنعقد منه عبارة ولا تصح له ولاية لأنه مسلوب العبارة والولاية. فإذا نطق الصبي الذي أبواه كافران بالإسلام لا ينفع إسلامه، ولو تولى نكاحاً لا ينعقد، إلا أن الصبي المميز تصح عبادته كما يصح إذنه للغير بدخول الدار، بخلاف المجنون فإنه لا تصح منه عبادة ولا غيرها على أنه يصح تملك الصبي والمجنون بالاحتطاب ونحوه، فإذا احتطب فقد ملك الحطب الذي جمعه، فليس لغيره أن يأخذه منه، وكذلك إذا اصطاد فإنه يملك الصيد الذي يظفر به.
إذا أتلف الصبي أو المجنون مال غيره فإن ضمانه في ماله. وإذا وطئ المجنون امرأة فأحبلها ثبت نسب الولد منه بذلك الوطء الذي هو زنا في الصورة.
الحنابلة - قالوا: تصرف الصبي الذي لا يميز باطل مطلقاً. أما الصبي المميز فإنه يصح إذا أذنه الولي، فينفك عنه الحجر فيما أذن له فيه من تجارة وغيرها، ويصح إقراره فيما أذن له فيه.
وللولي أن يدفع مال القاصر إلى أمين يتجر فيه بجزء من الربح، كما أن له أن يبيعه بأجل لرجل مليء وله هبته بعوض، ورهنه عند ثقة لحاجة، وله تعميره بما جرت به عادة أهل البلد

(1) الحنفية - قالوا: المجنون: هو الذي سلب عقله، فلا يعقل شيئاً أصلاً ولا يفيق بحال. أما الذي يعقل بعض الأشياء دون بعض ويكون قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يشتم ولا يضرب يعقل بعض الأشياء دون بعض ويكون قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يشتم ولا يضرب، فإنه يسمى معتوهاً، أما المجنون الذي يفيق أحياناً بحيث يزول ما به بالكلية فإنه في حال إفاقته يكون كالبالغ العاقل فلا يحجر عليه وينفذ تصرفه في هذه الحالة.
حكم المجنون الذي لا يعقل أصلاً هو كحكم الصبي الذي لا يميز في جميع ما تقدم، فكل تصرفاته تقع باطلة، سواء كانت نافعة أو ضارة أو غيرهما، أما المعتوه فإنه كالصبي المميز في تصرفاته، وقد عرفت أنه إن تصرف تصرفاً نافعاً محضاً كقبول هبة من الغير نفذ تصرفه بدون توقف على إجازة الولي، وإن تصرف تصرفاً ضاراً محضاً كطلاقه لامرأته، وإقراضه ماله، أو هبته لغيره لا ينفذ ولو أجازه
(2/327)

مبحث الحجر على السفيه
يحجر على السفيه كما يحجر على الصبي والمجنون، وفي تعريفه وما يتعلق به تفصيل في المذاهب
(1) .
__________
الولي، وإن تصرف في شيء يحتمل النفع والضرر عادة كالبيع والشراء فإنه ينعقد موقوفاً على إجازة الولي، فللولي أن يجيزه وله أن يرده.
المالكية - قالوا: المجنون في أحكام الحجر كالصبي، سواء كان مسلوب العقل أصلاً بحيث لا يفيق غالباً، أو كان مجنوناً بالصرع أو كان مجنوناً بالوسواس وهو الذي يخيل إليه أنه فعل ولم يفعل، ولا فرق بين أن يكون الجنون في الأحوال الثلاثة مطبقاً أو متقطعاً.
ويمتد الحجر على المجنون من حين جنونه إلى أن يفيق رشيداً، ثم إن كان جنونه قبل البلوغ كان الحجر عليه من حقوق أبيه أو وصيه إن كان له أي أو وصي، فإن لم يكن له أب ولا وصي أو كان ولكن طرأ عليه الجنون بعد البلوغ، فإن الحجر عليه حينئذ يكون من حق الحاكم وحده فإن كان جنونه قبل البلوغ ثم أفاق منه قبل البلوغ حجر عليه بسبب الصغر وقد عرفت أن الحجر بسبب الصغر من حقوق الأب والوصي. أما إذا أفاق بعد البلوغ ثم طرأ عليه السفه فإن الحجر عليه يكون من حق الحاكم كما عرفت، لأن السفه الذي يطرأ بعد البلوغ فإن الحجر به يكون للحاكم لا للأب والوصي وما أتلفه المجنون من مال الغير فإنه يكون مضموناً عليه. فيؤخذ من ماله إن كان له مال أو يبقى ديناً في ذمته، فإن اعتدى على أحد في نفسه أو عضو من أعضائه فإن كانت جنايته توجب دية كاملة أو توجب أكثر من ثلث الدية حكم بها على عاقلته، وإن كانت أقل من ثلث الدية فإنها تؤخذ من ماله، فهو كالمميز في ذلك على الراجح، لأن الضمان لا يشترط فيه التكليف.
الشافعية - قالوا: متى جن شخص حجر عليه فلا تنفذ تصرفاته في شيء مطلقاً، ووليه هو ولي الصغير الذي تقدم، وقيل: وليه الحاكم فقط. وإذا أتلف شيئاً كان ضمانه عليه، كما إذا وطئ أجنبية فأحبلها فإن ولدها يثبت نفسه منه، ولا يرفع عنه الحجر إلا إذا زال جنونه تماماً بحيث لم يبق فيه شائبة.
الحنابلة - قالوا: المجنون كالصغير في أحكام الحجر المتقدمة، إلا أن الصبي إذا بلغ وهو مجنون أو سفيه لا يحجر عليه إلا بحكم الحاكم، ولا ينظر في ماله إلا الحاكم وسيأتي بيان ذلك السفيه

(1) الحنفية - قالوا: الحجر على السفيه هو المفتى به في المذاهب وهو المختار كما تقدم، وتعريف السفيه: هو الذي لا يحسن إدارة ماله، فينفقه فيما لا يحل وفي البطالة، ويعمل فيه بالتبذير والإسراف، ومن الإسراف الموجب للحجر: دفع المال إلى المغنين واللعابين وشراء الحمام والديكة ونحوهما بثمن غالٍ "غية" وصرف الأموال في المقامرة وغير ذلك من الأنفاق في غير ما يقتضيه العقل والشرع وكذلك إذا أنفق ماله في عمل من أعمال الخير، كبناء مدرسة أو مسجد أو مصح فإنه يعد
(2/328)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سفيهاً ويحجر عليه، لأن الله تعالى إنما كلف الإنسان بعمل الخير إذا كانت حالته المالية تسمح بذلك، بحيث لا ينفق ماله ويفلس من أجل عمل الخير.
ولا يحجر على السفيه إلا بحكم الحاكم على الراجح، فإذا تصرف قبله فإن تصرفه ينفذ ويقع صحيحاً، فإن رشد فإن رشده لا يثبت إلا بحكم الحاكم، وقال محمد: إن إفساده في ماله يوجب الحجر عليه، وإصلاحه يوجب فكه بقطع النظر عن الحاكم.
وقد عرفت أن الإمام يقول: إنه لا يحجر على الحر العاقل وإن كان سفيهاً، إلا أنه إذا لم يثبت رشده بعد بلوغه فإنه لا يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا تصرف في ماله بعد البلوغ قبل أن يبلغ ذلك السن فإن تصرفه ينفذ، لأنه ليس محجوراً عليه، وإنما هو ممنوع عن ماله تأديباً وزجراً، ولكن هذا غير المفتى به.
وحكم السفيه المحجور عليه كحكم الصبي المميز في التصرفات التي تحتمل الفسخ ويبطلها الهزل كالبيع والشراء، أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل كالنكاح والطلاق والعتق فإنه لا خلاف في أن السفيه البالغ تنفذ تصرفاته فيه.
فإذا تزوج فإن زواجه ينعقد، ثم إذا سمى مهراً كثيراً فإنه لا يلزم إلا بمهر المثل ويبطل ما زاد عليه، وإن طلقها قبل الدخول وجب نصف المسمى، وإذا طلق ينفذ طلاقه، وإذا أعتق ينفذ عتقه، ولكن يلزم العبد بالسعي في قيمته، وكذلك تجب عليه العبادات المالية كالزكاة، وعلى القاضي أن يدفعها إليه ليفرقها، لأنها عبادة لا بد فيها من نية، ولكن يبعث معه أميناً كي لا ينفقها في غير وجهها.
وكذلك الحج فإنه يجب عليه ويصح منه، وكذلك سائر العبادات، أما الصبي فإن العبادات وإن كانت تصح منه ولكنها لا تجب عليه.
ويصح أن يوصي السفيه من ماله بالثلث إن كان له وارث، بشرط أن يوصي بالإنفاق على عمل خيري كالإنفاق على الفقراء والمساكين، أو بناء مصح أو قنطرة أو مسجد أو نحو ذلك؛ أما إذا أوصى بملعب أو ناد أو نحو ذلك فإن وصيته تكون باطلة ولا تنفذ، أما الصبي فإن وصيته لا تنفذ.
وكذلك يعامل بإقراره إذا كسب مالاً جديداً بعد الحجر عليه ولو لم يفك عنه الحجر، فإذا أقر لشخص بدين بعد الحجر عليه ثم كسب مالاً أثناء الحجر. فإن للشخص أن يأخذ دينه من المال الجديد ولو لم يفك حجره.
أما السفيه الذي حجر عليه بسبب السفه فإن إقراره حال الحجر لا يعتبر لا بعد الحجر ولا في أثنائه، في المال الحاضر وقت الحجر أو المال المكتسب بعده.
المالكية - قالوا: السفه هو التبذير وعدم حسن التصرف في المال، فمتى اتصف الشخص بذلك سواء كان ذكراً أو أنثى فإنه يكون مستحقاً للحجر عليه، فإذا عرض له السفه بعد بلوغه بزمن قليل كعام فإن الحجر عليه يكون من حقوق أبيه، لأن ذلك الزمن قريب البلوغ فكان في حكم الصبي، والحجر
(2/329)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
على الصبي من حقوق الأب كما تقدم. أما إذا عرض له السفه بعد البلوغ بزمن أكثر من عام فإن الحجر عليه لا يكون إلا بحكم لحاكم.
فإذا تصرف السفيه الذكر قبل الحجر عليه فإن ذلك يشمل أموراً:
أحدها: أن يكون السفه قد عرض له قبل البلوغ ثم استمر بعده وله أب أو وصي، حكم هذه الصورة قد عرفت مما تقدم، وهو أنه يستمر الحجر عليه من غير احتياج إلى فك وحجر جديدين، ويكون المرجع في تصرفه للولي كما تقدم.
ثانيها: أن يعرض له السفه وهو صغير ثم يبلغ سفيهاً وكان يتيماً لا أب له ولا وصي ولم يقم الحاكم له قيماً ويسمى بالسفيه المهمل. وحكم هذا: أن تصرفه قبل الحجر عليه بعد البلوغ يقع نافذاً على الراجح، لأن العلة في عدم نفاذ التصرف إنما هي الحجر فمتى انتفى الحجر نفذ التصرف، فإذا وضع الحجر عليه فلا يرفع إلا بالحكم بفكه ولو صار رشيداً.
ثالثها: أن يعرض له السفه بعد البلوغ وتصرفه قبل الحجر عليه، وفي هذه الصورة ينفذ تصرفه أيضاً.
أما إذا تصرف وهو صبي يتيم لا أب له ولا وصي قبل أن يقيم الحاكم له وصياً فإن تصرفه يكون باطلاً بلا خلاف.
وإذا تصرفت الأنثى البالغة السفيهة التي لا ولي لها "وتسمى بالمهملة" فقال بعضهم: إن أفعالها تنفذ كالذكر. وقال بعضهم: لا تنفذ ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد، واختلف في تقدير هذه المدة، وقد نقل بعضهم أن الذي كان عليه العمل في تقديرها هو أن يمضي عليها في بيت زوجها نحو السنتين أو الثلاث، فإذا تصرفت قبل هذه المدة فلا ينفذ تصرفها، فإذا لم تتزوج فإن أفعالها لا تنفذ إلا إذا بلغت سناً لم تعد صالحة فيه للزواج واختلف فيه، فقيل: هو حد الأربعين سنة، وقيل: من خمسين إلى ستين.
أما الصغيرة التي لها أب أو وصي فقد عرفت أنها محجورة بهما، ولا ينفك حجرها إلا إذا توفرت فيها الشروط المتقدمة وهي: البلوغ، والرشد - بمعنى حفظ مالها من الضياع - ويزاد على ذلك أن تتزوج ويدخل بها زوجها، ويشهد عدلان فأكثر على حسن تصرفها، فإن لم يدخل بها الزوج فإن الحجر يستمر عليها ولو شهد عدلان برشدها، ومتى تحققت هذه الشروط فإن الحجر يرفع عنها وتنفذ أفعالها على المعتمد. وبعضهم يقول: إن الحجر لا يرفع عنها إلا إذا مضى عليها عام بعد دخولها على زوجها وشهد الشهود بعد العام بصلاحها. وبعضهم يقول غير ذلك.
ولا تحتاج في رفع الحجر عنها بعد تحققه إلى أن يفك الحجر أبوها إذا كان وليها، وإنما تحتاج إلى ذلك إذا كان الولي غير الأب كما تقدم.
(2/330)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وصورة الفك أن يقول الوصي لعدلين أو أكثر: أشهدوا أني فككت الحجر عن فلان ومحجوري وأطلفت له التصرف وملكت له أمره، لما قام عندي من رشده وحفظه لماله.
وللأب أن يفك الحجر عن بنته بعد البلوغ مطلقاً قبل الدخول أو بعده ولو لم يعلم رشدها من الشهود. أما الوصي فإن له أن يفك الحجر بعد الدخول بها ولو لم يعرف رشدها من الشهود وأما الذي أقامه القاضي ويقال له "مقدم القاضي" فالراجح أنه ليس له أن يفك حجرها قبل الدخول مطلقاً، أما بعد الدخول فإن له أن يفكه إذا عرف رشدها من الشهود.
وتصح وصية السفيه كما تصح وصية الصبي المميز. وحكم تصرفه كحكم تصرف الصبي المميز المتقدم.
الشافعية - قالوا: السفيه هو المبذر في ماله، وهو الذي ينفقه فيما لا يعود عليه بمنفعة عاجلة أو آجلة، كأن يقامر به أو ينفقه في اللذات المحرمة الضارة بالبدن والعرض والدين كالزنا وشرب الخمر، أو ينفقه في المكروهات كأن يشرب به الدخان أو يضيعه بسوء تصرفه كأن يبيع ويشتري بالغبن الفاحس إذا كان لا يعلم به، أما إذا تساهل في بيعه وشرائه وهو عالم فإن ذلك لا يعد سفيهاً لأنه يكون من باب الصدقة. وكذلك إذا أنفق ماله في وجوده البر والخير كبناء المساجد والمدارس والمصحات والتصدق على الفقراء والمساكين فإنه لا يكون بذلك سفيهاً. بل لو أنفق ماله في اللذات المباحة كالملبس والمأكل والمشرب ولو توسع في ذلك بما لا يناسب حاله فإنه لا يعد سفيهاً. ومثل ذلك ما إذا أنفقه في التزوج ونحوه من كل متاع حلال فإنه يكون قد أنفقه في مصرفه، لأن المال إنما خلق لينفق في الخير وفي الاستمتاع بما أحله الله.
أما السفيه المبذر فإنه لا يخلو: إما أن يكون السفه قد عرض له وهو صغير ثم بلغ سفيهاً. وفي هذه الحالة يستمر الحجر عليه بدون حكم قاض وتكون تصرفاته غير نافذذة فإذا صار رشيداً فإن الحجر يزول بدون قاض أيضاً. وأما إذا بلغ رشيداً ثم عرض له السفه فإن الحجر عليه يكون من حق القاضي، وإذا تصرف قبل الحجر يكون تصرفه نافذاً لأنه في هذه الحالة يكون مهملاً. فإذا تصرف السفيه المحجور عليه ببيع أو شراء أو إعتاق أو نكاح أو هبة فإن تصرفه يقع باطلاً ولكن يصح طلاقه ومراجعته كما يصح خلعه، ويجب دفع عوض الخلع إلى وليه وغلا فلا يبرأ الدافع إلا إذا خالع بشرط أن يأخذ المال هو لا وليه، فإنه في هذه الحالة يبرأ الدافع إليه لأنه علق الخلع على أخذ المال، فلا يصح إلا إذا نفذ ذلك. وحكمه في العبادات المالية كالزكاة والحج وغيرهما من العبادات كالرشيد، إلا أنه لا يفرق أمثال الزكاة بنفسه ويصح منه النكاح إذا أذنه وليه، فإذا تزوج امرأة بإذن وليه وأمهرها مهر المثل فإن العقد يصح، أما إذا زاد على مهر المثل فالمشهور أن النكاح يصح أيضاً وتلغو الزيادة. وإذا عين الولي له امرأة خاصة فتزوج غيرها فإن العقد لا يصح إلا إذا كانت خيراً منها جمالاً وحسباً ولم تزد عليها مهراً ونفقة، فإن كانت كذلك فإن العقد يصح على المعتمد.
(2/331)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا قال له الولي: إنني أدفع لك مهراً قدره كذا ولم يعين له المرأة التي يتزوجها فإن الإذن يصح، وله أن يتزوج بذلك المهر ما يشاء.
وإذا تزوج السفيه بلا إذن وليه فإن نكاحه يكون باطلاً، ويفرق بينهما ولم يلزمه شيء وإن لم تعلم الزوجة أنه سفيه لأنها فرطت في عدم السؤال عنه.
وإذا اقترض السفيه شيئاً أو اشتراه وقبضه وأتلفه فلا ضمان عليه لا في أثناء الحجر ولا بعد فكه عنه، لأن مالكه أهمل ماله وسلطه عليه وجزاء المهمل الخسارة ولا فرق في ذلك بين أن يكون عالماً بأنه سفيه أو لا، لأنه في حالة عدم العلم يكون مقصراً.
إذا أقر السفيه بأنه استدان من شخص مالاً قبل الحجر عليه أو بعده فإن إقراره لا يقبل وكذلك إذا أقر بأنه أتلف مال شخص، أو قتل دابة ونحو ذلك مما يوجب عوضاً مالياً فإنه لا يقبل على الأظهر، ولا يعمل بإقراره بعد فك الحجر عنه. أما إذا أقر بما يوجب الحد والقصاص فإنه يعمل بإقراره.
ولا يصح إذن الولي في المعاملات سوى النكاح، فإذا أذنه في بيع أو شراء أو تجارة فإنه لا ينفعه إذنه ولا يفيده شيئاً على الراجح. وقيل: ينفع بشرط أن يقدر الولي العوض كأن يقول له: اشتر السلعة بعشرة جنيهات. أما ما لا عوض له كالهبة فإنه لا ينفع فيه إذن بالاتفاق.
الحنابلة - قالوا: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، فإذا كان الشخص البالغ سفيهاً لا يحسن التصرف فإن الحجر عليه يكون من حق الحاكم، فإذا كان السفه صفة له وهو صغير ثم بلغ رشيداً ولكن عاوده السفه بعد البلوغ أعيد الحجر عليه بمعرفة الحاكم. ومثله المجنون كما تقدم ولا يفك الحجر عنه إلا بحكم، لأنه حجر ثبت بحكمه فلا يزال إلا به.
وإذا حجر على السفيه فإن تصرفاته تكون باطلة، وللولي أن يأذنه في بعض التصرفات فتنفذ ومن ذلك الزواج؛ فإن الولي إذا أنذه بأن يتزوج فباشر بنفسه فإنه ينفذ إلا إذا كان السفيه في حاجة إلى الزواج لمتعة أو خدمة فإن له أن يفعل وإن لم يأذنه وليه، وسواء طلب منه ومنعه أو لم يمنعه، ولكن لا ينفذ زواجه إلا بمهر المثل.
ويصح أن يطلق زوجه ويخلعها بمال يأخذه، ويلزم السفيه بحكمه في الحال بدون إذن وليه إلا أن مال الخلع لا يصح دفعه إليه، فإن دفعته المرأة إليه لا تبرأ منه، وإذا أضاعه فقد ضاع عليها.
وكذلك يصح منه الظهار واللعان كما يصح إقراره بنسب كأن يقول: إن هذا الغلام ابني ولدته أمه على فراشي، تلزمه أحكامه من النفقة وغيرها. وكذلك تصح وصيته كما تصح من الرشيد.
وتجب عليه الفرائض الدينية المتعلقة بالأموال كالزكاة، ولكنه لا يباشر صرفها بنفسه بل يفرقها وليه سائر تصرفاته المالية، ويصح منه نذر كل عبادة بدنية كالحج والصيام والصلاة، ولا تصح هبته ولا وقفه، لأن ذلك تبرع بمال وهو ليس أهلاً للتبرع، ولا تصح شركته ولا حوالته ولا الحوالة عليه ولا ضمانه لغيره ولا كفالته.
(2/332)

الحجر بسبب الدين
ويحجر على المدين في تصرفاته المالية حتى لا تضيع على الناس حقوقهم وأموالهم التي استدانها منهم، وفي ذلك تفصيل مبين في المذاهب (1) .
__________
وإذا أقر لغيره فمال فإن إقراره يصح، ولكن لا يلزمه ما أقر به في حال حجره، بل يلزمه بعد فك الحجر عنه، إذا علم الولي صحة إقراره بذلك الدين فإنه يلزمه أن يدفعه.
وعلى الولي أن ينفق عليه من مال بما هو متعارف بين الناس، وكذلك على من تلزمه مؤونته من زوج ونحوها وحكم ولي السفيه كحكم ولي المجنون المتقدم
(1) الحنفية - قالوا: كما أن السفه بالمعنى المتقدم سبب من أسباب الحجر. فكذلك الدين والغفلة، فأما الدين الذي يحجر به فهو: أن يستدين الشخص ديوناً تستغرق أمواله "وتزيد عنها" فيطلب الدائنون الذين لهم هذه الديون من القاضي أنيحجر عليه، كي لا يتصرف في ماله الذي تحت يده فتضيع على الدائنين أموالهم، والحجر لا يكون إلا للقاضي، فمتى وضع عليه الحجر فلا يصح له أن يتصرف في ماله بصدقة أو هبة أو إقرار بمال لمن له عليه دين غير من حجر عليه بطلبهم. ولكنه يعامل بإقراره هذا بعد فك الحجر عنه. ويصح الحجر على المديون ولو كان غائباً ولكن يشترط لعدم نفاذ تصرفه علمه بالحجر "إعلانه" فإذا لم يعلم به وتصرف فإن تصرفه يقع صحيحاً.
وللقاضي أن يبيع مال المحجور عليه بالدين لسداد الدائنين إذا امتنع من بيعه ويقسم بينهم بحسب حصة كل واحد في الدين.
وإذا تزوج المحجور عليه بسبب الدين صح تزوجه، وللمرأة أن تشترك مع الدائنين في مهر المثل، أما ما زاد على المثل فإنه يكون ديناً في ذمته.
وللدائنين أن يلازموا المدين فيذهبوا معه حيث ذهب، ولكن ليس لهم منعه من السفر ولا حبسه بمكان خاص وللقاضي أن يحبس المدين بدينه في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة فإذا حبسه شهرين أو ثلاثة أشهر ولم يظهر له مال في خلال ذلك فإنه يطلق سراحه، وإن أقام البينة على أن لا مال له خلى سبيله لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} وتقبل البينة على الإعسار بعد الحبس فيطلق القاضي سراحه إذا شهد الشهود بأنه معسر.
ولا يضرب المحبوس بالدين، ولا يغل بقيد، ولا يخوف، ولا يجرد؛ ولا يكلف بالوقوف بين يدين صاحب الدين إهانة له، ولا يؤجر، ولكن يقيد إذا خيف هربه، ولا يخرج المدين لجمعة، ولا عيد، ولا حج، ولا لصلاة مكتوبة، ولا لصلاة الجنازة، ولا عيادة مريض ويحبس في موضع وحش لا يبسط له فرش ولا يدخل عليه أخذ ليستأنس به، وكفى بذلك زجراً للناس عن الديون والتورط فيها، لأن شريعتنا السمحة تجعل لصاحب الدين سلطاناً على المدين في هذا الموقف الحرج. وقد عرفت أن هذا هو المختار المفتى به من مذهب الحنفية، أما الإمام فإنه يقول: لا يحجر على الحر البالغ بسبب
(2/333)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الدين وإن استغرق كل ماله وطلب الغرماء الحجر عليه، ويعمل الحجر فيه شيئاً فيصح أن يتصرف في ماله بجميع أنواع التصرف.
ومثل الحجر بسبب الدين: الحجر بسبب الغفلة، والغفلة هي: كون الشخص لا يتهدي إلى التصرفات الرائجة في بيعه وشرائه فيغير فيهما لسلامة قلبه وهي غير السفه، لأن السفيه هو المفسد لماله بالقصد والاختيار لتغلب الشهوات الفاسدة عليه واتباعه الغي والهوى أما ذو الغفلة "المغفل" فهو لا يفسد ماله قصداً ولا ينقاد لشهواته، ولكنه يخدع بسهولة فيستطيع الناس أن يغبنوه في ماله وليس هو المعتوه؛ لأن المعتوه يخلط في كلامه. وقد عرفت أن الإمام لا يرى الحجر على مثل هذا أيضاً.
الشافعية - قالوا: يحجر على المدين بسبب الدين إن كان الدين أكثر من ماله، أما إن كان ماله أكثر أو مساوٍ فإنه لا يصح الحجر عليه، ولا يحجر إلا إذا طلب الغرماء الحجر كلهم أو بعضهم، أو طلب هو الحجر على نفسه "كالمفلس الذي يشهر إفلاسه" ولا يصح الحجر إلا إذا حل الدين، أما إذا كان باقياً عليه مدة فإنه لا يصح.
ومتى طلب الغرماء الحجر فإنه يجب على القاضي أن يحجر على المفلس حالاً. ومتى حجر عليه تعلق حق الغرماء بماله وصار ممنوعاً من التصرف فيه، فيبطل تصرفه من بيع وهبة ونحوهما حتى يقبض دينه.
ويصح للمفلس المحجور عليه أن يتزوج ويبقى المهر ديناً في ذمته لا في المال الذي تحت يده وكذلك يصح خلعه وطلاقه ونحو ذلك، وإذا أقر بدين عليه قبل الحجر فالأظهر أنه يقبل إقراره ويكون صاحب الدين شريكاً لباقي الدائنين، أما إذا قال: إنه استدان بعد الحجر فإن إقراره لا يقبل، وإذا أقر بجناية لها عوض مالي بعد الحجر فإنه يقبل منه ويشارك المجني عليه الدائنين.
وإذا كان المحجور عليه بسبب الدين قد اشترى سلعة قبل الحجر ثم ظهر بها عيب فله أن يردها إن كانت المصلحة في ردها أما إذا كان العيب لا ينقص قيمتها وتساوؤ أكثر من الثمن الذي اشتراها به مع ذلك العيب فلا يجوز ردها.
ويستحب أن يبادر القاضي ببيع مال المفلس، ولا يشترط أن يكون المدين حاضراً وكذلك الدائنون وإنما يسن ذلك، ويجب أن يكون البيع بثمن المثل، وأن يكون الثمن حالاً لا مؤجلاً فإذا لم يكن كذلك، فإنه لا يصح البيع إلا برضاء المدين والدائنين، وإذا لم يوجد مشتر بثمن المثل حالاً فإنه يجب الصبر إذا كان فيه أمل بأن يوجد له مشتر بثمن الحال، وما يتحصل من الثمن بعد البيع يقسم على الدائنين بنسبة ديونهم.
وإذا قسم ماله على الدائنين ثم ظهر غيرهم فإنه يشاركهم فيما أخذوه بنسبة دينه، فيأخذ من كل واحد منهم نصيباً بنسبة ذلك.
المالكية - قالوا: الدين سبب من أسباب الحجر، بشرط أن يستغرق الدين مال المدين ويزيد عليه، واختلف فيما إذا كان مساوياً له فقيل: إنه يكون سبباً في الحجر، وقيل: لا، واستظهر أنه يكون
(2/334)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سبباً لأن الغرض حفظ حق الدائن، فله منع كل ما ينقص دينه فإذا استغرق الدين كل مال المدين فإن لذلك أحوالاً ثلاثة:
الحالة الأولى: أ، الدائنين لم يطلبوا من الحاكم تفليسه "نزع ماله منه وإعطائه للدائنين" وفي هذه الحالة يكون لهم الحق في منعه من التصرف فيما ينقص أموالهم، سواء كان دينهم حالاً أو مؤجلاً، فيمنعونه من التبرع والهبة والصدقة والوقف، ويمنعونه من أن يضمن شخصاً أو يقرض شخصاً معدماً ونحو ذلك مما فيه ضياع أموالهم ولا يحل لأحد أن يقبل من المدين المستغرق هبة أو هدية أو نحو ذلك، وإذا كان لم يعلم ثم علم فإنه يجب عليه أن يرد ما أخذ لأن ذلك مال الغير، وكذلك لهم الحق في منعه من الإقرار بدين لشخص يتهم بأنه إنما أقر له فراراً من الدين كولده وزوجه، أما من لا يتهم معه فإن إقراره يعتبر.
وليس لهم الحق في منعه مما جرت به العادة كالصدقة القليلة للسائل وكنفقة العيدين والأضحية ونفقة ابنه وأبيه بدون إسراف، وكذلك ليس لهم الحق في منعه من البيع والشراء والهبة بعوض ونحو ذلك مما لا يترتب عليه نقص في المال عادة إنما يكون لهم الحق في تفليسه.
الحالة الثانية: أن يحكم الحاكم بتفليسه، أي بنزع ماله منه وإعطائه للدائنين، وهذا لا يكون إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أنيطلب الدائن التفليس، فلا يصح بدون طلبه، فلو طلب المدين تفليس نفس لا يصح، وإذا تعدد الدائنون فإنه يكفي تفليسه أن يطلبه بعضهم، ومتى فلسه الحاكم فإن الجميع يشتركون في ماله، سواء من طلب ومن لم يطلب.
الشرط الثاني: أن يكون الدين حالاً، فلا يصح تفليسه بدين مؤجل.
الشرط الثالث: أن يكون الدين زائداً على ماله، فإن كان مساوياً فإنه لا يصح تفليسه ويترتب على هذه الحال أربعة أمور:
أحدها: منعه من التصرفات المذكورة في الحالة الأولى.
ثانيها: منعه من البيع والشراء والتصرفات المالية.
ثالثها: قسمة ماله بين الدائنين.
رابعها: حلول الدين المؤجل إن كان عليه دين مؤجل. لا يلزم في الحكم بتفليسه أن يكون حاضراً، بل يحكم عليه وإن كان غائباً.
الحالة الثالثة: أن لا يرفع الغرماء الأمر إلى الحاكم، ولكنهم يقومون عليه فيستتر منهم فلا يجدونه فإن لهم أن يحولوا بينه وبين ماله ويمنعوه من التبرعات والتصرفات المالية بالبيع والشراء ونحوهما.
ويقسم مال المفلس المتحصل بالنسبة لمجموع الديون، فيأخذ كل واحد من دينه بتلك النسبة
(2/335)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولا تتوقف قسمة ماله على معرفة أنه ليس له دائنون غائبون، ولا يكلف الدائنون الحاضرون إثبات أنه ليس غيرهم.
ويحلف المدين بأنه لم يكتم من ماله شيئاً، فإذا حلف وانتزع الدائنون أمواله من تحت يده على الوجه المذكور فإن الحجر ينفك عنه ولو بقي عليه دين، فإذا اكتسب مالاً جديداً بميراث أو ربح تجارة أو هبة أو غير ذلك، فإنه يكون مطلق التصرف فيه إلا إذا حجر الحاكم عليه ثانياً. وللدائن أن يمنع المدين من سفره حتى يقتضيه دينه ولو كان الدين غير مستغرق للمال بشروط:
أحدها: أن يكون السفر طويلاً بحيث يحل أجل الدين في غيبة المدين: أما إذا كان أمد الدين بعيداً عن المدين، فليس للدائن منعه من السفر.
الشرط الثاني: أن يكون المدين موسراً، أما إذا ثبت إعساره فإنه ليس له منعه من السفر.
الشرط الثالث: أن لا يوكل المدين عنه من يقوم بسداد الدين، فإذا كان موسراً ووكل عنه من يسدد دينه عند حلوله، أو ضمنه موسر فليس له منعه من السفر.
ويجوز حبس المدين الذي ثبت عليه الدين إلا إذا ثبت أنه معسر، أما إذا ثبت أنه موسر فإنه يحبس حتى يسدد دينه، أو يأتي بكفيل مالي. وإذا جهل حال المدين فإنه يحبس حتى يثبت أنه معسر.
الحنابلة - قالوا: الدين من أسباب الحجر، ولكن بشرط أن يكون الدين أكثر من ماله الموجود، ويسمى المدين الذي يستغرق الدين ماله ويزيد عليه مفلساً، لأنه ماله الذي تحت يده مستحق للغير فهو معدوم في الواقع، فيحجر على المفلس بواسطة الحاكم. ويشترط أن يطلب الدائنون كلهم أو بعضهم الحجر، فإذا لم يطلبوا لم يحجر عليه.
وجميع تصرفات المدين قبل الحجر عليه من البيع والهبة والإقرار وقضاء بعض الدائنين فافذة أما بعد الحجر فإنه لا ينفذ شيء من تصرفه في ماله ببيع أو غيره. وكل ما يتجدد له من مال بعد الحجر فإنه يكون كالموجود حال الحجر، فلا يصح له أن يتصرف فيه أيضاً. وكذلك لا يصح الإقرار بشيء من ماله لغير الدائنين الذين حجروا عليه.
وبعد الحجر يبيع الحاكم ماله ويقسمه بين الغرماء بحسب ديونهم على الفور. ولا يحتاج الحاكم إلى استئذان المفلس في البيع، ولكن يستحب أن يكون حاضراً كما يستحب أن يكون الدائنون حاضرين.
وإذا أقرضه أحد شيئاً بعد الحجر أو باعه شيئاً فليس له المطالبة إلا بعد فك الحجر عنه، وللدائن منع المدين من السفر بشروط.
الشرط الأول: أن يكون السفر طويلاً يحل الدين قبل فراغه.
الشرط الثاني: أن يكون مخوفاً ولو كان قصيراً؛ أما إن كان مأموناً لكنه قصير يحل الدين بعده فليس له منعه.
(2/336)

تم الجزء الثاني - ويليه الجزء الثالث وأوله مباحث المزارعة
__________
الشرط الثالث: أن لا يكون للدين رهن يفي به أو كفيل ذو مال، فإن كان ذلك فليس له منعه.
الشرط الرابع: أن لا يكون السفر لجهاد متعين، فإن كان لذلك فليس له منعه. وللحاكم حبس المدين الموسر الذي يمتنع عن الوفاء، والحبس للدين من الأمور المحدثة. وأول من حبس عليه شريح، وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: لي "مطل" الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته! وقد فسر عرضه بشكواه للحاكم، وعقوبته بحبسه
(2/337)

الجزء الثالث
مقدمة [الجزء الثالث]
-بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى حمداً كثيراً، وأصلي وأسلم على نبيه محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
"وبعد": فإنني لما وفقني الله لصوغ الجزأين الأول والثاني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة "قسمي العبادات والمعاملات" بالعبارة التي ظهرا بها، رأيت من الجمهور إقبالاً عليهما لسهولة وقوفهم على ما يريدونه من أحكام الفقه في مذاهبهم، وجمعهما كثيراً من تلك الأحكام المبعثرة التي يستنفذ الوقوف عليها مجهود أهل العلم الأخصائيين، فضلاً عن غيرهم من عامة المسلمين فبعثني ذلك الإقبال على النهوض بتكملة سائر أبواب الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة "قسم المعاملات، وقسم الأحوال الشخصية". وصوغه بمثل هذه العبارات أو أوضح منها، كي ينشط الناس إلى معرفة أحكام دينهم الحنيف في بيعهم، وشرائهم، وأقضيتهم، وأنكحتهم، وما يتعلق بذلك، واستبان لهم سماحة الإسلام مع دقته في التشريع، وإحاطته بكل صغير وكبير مما يجري في المعاملات بين جميع طوائف البشر مما يتضاءل بإزائه تشريع المشرعين، وتقنين المقننين، من غربيين وشرقيين، فرنسيين ورومانيين، دعتهم عظمته، وحملتهم دقته وسماحته إلى الأخذ به، والتعويل عليه، فيعيشوا عيشة راضية مرضية، إذ ترتفع من بينهم أسباب الشقاق المفضية إلى ضياع الأموال والأنفس، وتوفر عليهم ما ينفقونه من الأموال في المواضع التي نهاهم الله عن الإنفاق فيها، كالإنفاق في الخصومات الباطلة وما إليها. قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} الآية.
ذلك بعض ما ينتجه العلم بأحكام الدين والعمل بها في دار الدنيا، أما في الآخرة فإن الله قد وعد العامل بدينه نعيماً خالداً وملكاً مقيماً علىانني رأيت في أول الأمر أن ذلك العمل خطير بالنسبة لرجل ضعيف مثلي. وقد تطغى عليه مظاهر الحياة وتفتنه شواغلها، ولكن ثقتي بالله الذي هداني إلى إتمام العمل في الجزأين وأعانني عليه، جعلني أقدم على تنفيذ ما فكرت فيه لا أهاب صعوبة ولا أخشى مللاً. لأنني لا أريد غير مرضاة ربي الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع كل شيء، ولا أبتغي إلا أن أكون مقبولاً لديه في يوم لا ينفع فيه مال ولابنون، ومن
(3/3)

استعان بربه وحده فإن الله كفيل بمعونته، وهو نعم المولى ونعم النصير. فهو وحده المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يقيني شر الإفتتان بمظاهر الحياة الدنيا، وأن يحفظني من شر السعي وراء المغانم الدنيوية بوسائل الآخرة، وأن ينفع به المسلمين.
"وبعد": فقد كنت عزمت على أن أذكر حكمة التشريع بإزاء أحكامها، كما أذكر أدلة الأئمة، ولكني أعرضت عن ذلك لأنني رايت في مناقشة الأدلة دقة لا تتناسب مع ما اردته من تسهيل للعبارات، ورايت في ذكر حكم التشريع تطويلاً قد يعوق عن الحصول على الأحكام، فوضعت حكمة التشريع في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق.
أما الأدلة: فقد أفردها كثير من كبار علماء المسلمين بالذكر وكتبوا فيها أسفاراً مطولة ولكن مما لا أشك فيه أن الحاجة ماسة إلى وضع كتاب فيها يبين فيه اختلاف وجهة نظر كل واحد منهم بعبارة سهلة، وترتيب يقرب إدراك معانيها، فلهذا قد عزمت على وضع كتاب في ذلك مستعيناً بالله وحده، وبذلك تتم الفائدة من جميع جهاتها، ويعلم الناس أن أئمة المسلمين قد فهموا الشريعة الإسلامية قد جاءت بما مصلحة الناس جميعاً، وأنها لم تترك صغيرة ولاكبيرة من دقائق التشريع وعجائب الأحكام إلا وقد أشارت إليه، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، فهي خالدة قائمة مدى الدهور والأزمان، لأنها من لدن حكيم عليم.
(3/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله

مباحث المزارعة والمساقاة ونحوهما
-المزارعة، والمساقاة، والمخابرة ونحوها ألفاظها معان اصطلح عليها الفقهاء، تتعلق بها أحكام شرعية من حيث الحل والحرمة، والصحة والبطلان ولها معان لغوية أصل للمعاني الاصطلاحية وسنذكرلك بيان كل واحد منها فيما يلي:

تعريف المزارعة
-هي في اللغة مفاعلة مشتقة من الزرع، والزرع له معنيان: أحدهما: طرح الزرعة - بضم الزاي - وهي البذر، والمراد إلقاء البذر على الأرض. الإنبات، إلا أن المعنى الأول للزرع مجاز، والمعنى الثاني حقيقي، ولهذا ورد النهي عن أن يقول الإنسان زرعت بل يقول حرثت، فقد روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقول أحدكم زرعت وليقل حرثت"، ومعنى هذا أنه لا يصح أن يقول زرعت ويريد المعنى الحقيقي للزرع وهو الإنبات لأن المنبت هو الله تعالى كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: {أفرأيتم ماتحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} فقد نسب سبحانه لعباده الحرث وهو إلقاء البذرة، أما الإنبات فإنهم لا يستطيعون إدعاءه، إذ لو كان من عملهم لكان لازماً، والواقع غير ذلك فقد يلقون البذر ولا ينبت أصلاً، أو ينبت ثم تجتاحه جائحة كما قال تعالى: {لو نشاء لجعلناه حطاماً} .
أما إذا قال: زرعت، وأراد منه المعنى المجازي، أي ألقيت البذر، فإنه جائز، ولهذا روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولادابة ولاشيء إلا كانت له صدقة" فهذا صريح في جواز نسبة الزرع إلى الإنسان، إلا أن الواقع أن عمل الإنسان هو شق الأرض والقاء البذر وتعهدها بالوسائل العادية، أما الإنبات فليس لهو فيه عمل ما.
(3/5)

ومثل ذلك المعنى كما قال تعالى: {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} فخلق الجنين وتكوينه ليس من عمل الإنسان بأي حال.
ثم إن المشهور أن مصدر المفاعلة لا يقع إلا بين اثنين كالمشاركة والمضاربة، فإن الأشتراك وهو المصدر الذي أخذت منه المضاربة واقع من اثنين.
وقد يستعمل مصدر المفاعلة في فعل واحد فيقال إن المفاعلة ليست على بابها فهل الزرع الذي هو مصدر المزارعة مستعمل في فعل العامل الذي يزرع الأرض فقط فتكون المفاعلة ليست على بابها؟
والجواب أنه يصح استعماله في الأمرين، وذلك لأنالزرع مسبب عن شيئين، أحدهما: فعل العامل وهو الحرث والبذر والسقي ونحو ذلك. وثانيهما: فعل المالك وهو تمكين العامل من الأرض والآلات التي يزرع بها فالزرع واقع بسبب الإثنبن، فالمفاعلة على بابها فإذا قطع النظر عن فعل المالك لظهورنسبة الزرع إلى العامل المباشر كانت المفاعلة على غير بابها.
وبعضهم يقول إنه لا يصح قطع النظر عن فعل المالك البتة لأن مصدر المفاعلة يجب أن يكون بين اثنين إلا في أمور مقصورة على السماع كسافر وجاوز وواعد فإن مصدر هذه الأفعال مستعمل في فعل الواحد سماعاً فلا يجوز قياس غيرها عليها، وحينئذ فلا يصح استعمال ضارب زيد عمراً بمعنى ضربه.
ومن هذا يتضح لك أن المزارعة معناها لغة: الشركة في الزرع.
أما معنى المزارعة في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) الحنفية ـ قالوا: المزارعة شرعاً هي عقد على الزرع ببعض الخارخ من الأرض، ومعنى هذا أن المزارعة عبارة عن عقد بين مالك أرض وعامل يعمل في الأرض يشتمل على أن العمل يستأجر الأرض ليزرعها ببعض المتحصل من الزرع، أو أن المالك يستأجر العامل على أن يزرع له أرضه ببعض الخارج المتحصل من الأرض.
وهذا النوع من المعاملة مختلف فيه عند الحنفية فأبو حنيفة يقول إنه لا يجوز. وأبو يوسف ومحمد يقولان بجوازه. وقولهم هو المفتى به في المذاهب لأن فيه توسعة على الناس ومصلحة لهم.
وهذا النوع من المعاملة مختلف فيه عند الحنفية فأبو حنيفة يقول إنه لا يجوز. وأبو يوسف ومحمد يقولان بجوازه. وقولهم هو المفتى به في المذاهب لأن فيه توسعة على الناس ومصلحة لهم.
على أن أبا حنيفة قال بجواز المزارعة إذا كانت آلات الزرع والبذر، ويكون له بعض
(3/6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الخارج، بالتراضي لا في نظير الأجرة، وإنما منع أبو حنيفة المزارعة بالمعنى الأولى لورود النهي عن استئجار العامل ببعضض ما يخرج منعمله كما إذا استأجر إنساناً ليطحن له إردَبّاً من القمح علىأن يأخذ كيلة من الدقيق الذي يطحنه وتسمى هذه المسألة (بقفيز الطحان) .
والمزارعة بالصورة الأولى استئجار للعامل ببعض ما يخرج من عمله على أن الممنوع هو أنيشترط الأخذ من دقيق الغلة التي يطحنها بخصوصها، أما إذا شرط له كيلة من الدقيق مطلقاً فإنه يصح وله أن يأخذها من الدقيق الذي طحنه، ومثل ذلك ما استأجر ثوراً من آخر ليطحن له أو استأجر رجلاً ليجني له هذا القطن على أنيأخذ منه نصف قنطار مثلاً فإنه لا يجوز أما إذا قال له اجن هذا القطن وأعطيك نصف قنطار من القطن الجيد ولم يشر للقطن الذي يجنيه العامل فإنه يصح. وله أن يعطيه منه بعد ذلك.
على أنه لاخلاف عندهم في جواز استئجار الأرض بالطعام سواء كان مماكان تنبته الأرض كالقمح والقطن أو كالعسل فكل ما يصلح ثمناً يصلح أجرة كما سيأتي في الإجارة.
وأما المخابرة (بفتح الباء) فهي مرادفة للمزارعة في المعنى الشرعي، فهي عقد على الزرع ببعض ما يخرج من الأرض، وأما في اللغة فهي مشتقة منالخبار وهو الأرض اللينة.
الحنابلة - قالوا: المزارعة هي أن يدفع صاحب الأرض الصالحة للزراعة أرضه للعامل الذي يقوم بزرعها ويدفع له الحب الذي يبذره أيضاً على أن يكون له جزء مشاع معلوم من المحصول، كالنصف والثلث. فلا يصح أن يعين له إردَبّاً أو إردَبّين أو نحو ذلك. ومثل ذلك ما إذا دفع له أرضاً بها نبت ليقوم بخدمته حتى يتن نموه ويكون له نظير ذلك جزء معين شائع من ثمرته فإن ذلك يسمى مزارعة أيضاً.
فالحنابلة يقولون بجواز المزارعة بالصورة التي يقول بها صاحبا أبي حنيفة إلا أنهم يخصون المالك بدفع الحب.
ومنا هذا تعلم أن الحنابلة يقولن بحل تأجير الأرض المعلومة مدة معينة ببعض ما يخرج منها كثلث غلتها ونصفها سواء كانت غلتها طعاماً كالقمح والشعير أو غير طعام كالقطن والكتان وحكم الإجازة والمخارة كالمزارعة في المعنى الشرعي.
ثم إن الأصل في جوازها هو السنة الصحيحة، فمنها ما روى ابن عمرقال: عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع. متفق عليه.
المالكية - قالوا: المزارعة شرعاً هي الشركة في العقد، وتقع باطلة إذا كانت الأرض منطرف أحد الشريكين وهو المالك والبذر والعمل والآلات من الشريك الثاني كما يقول الحنابلة والصاحبان. فما يفعله ملاك الأراضي الصالحة للزراعة في زماننا من إعطاء أرضهم لمن يزرعها وينفق عليها على أن
(3/7)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يأخذوا نصف المتحصل من غلتها أو يأخذوه ويأخذوا معه نقوداً كأن يسلموا فداناً للعامل ويأخذوا منه ثلاثة جنيهات مثلاً ونصف ما يتحصل من زرع الفدان، فإنه غير جائز عند المالكية؛ لأنه يكون تأجيراً للأرض أو بعضها بما يخرج منها وهو ممنوع عندهم.
فالمزارعة التي تجوز هي أن تجعل للأرض قيمة أجرتها من النقود أو الحيوان أو عروض التجارة، كأن يقال إن أجرة هذا الفدان تساوي أربعة جنيهات: أو تساوي ثلاثة ثيران، أو تساوي ثوباً من القماش. ولا يجوز تقويم الأرض بغلة أو قطن أو عسل إذ لا يصح تأجير الأرض عندهم بالطعام ولا بما تنبته كما يأتي في الإجارة.
فإذا علمت أجرة الأرض فيقوم العمل بأن يجعل له قيمة، وكذلك تقوم آلات الزراعة، فإذا دفع المالك الأرض وكانت قيمة أجرتها خمسة جنيهات فإنه يصح للعامل أن يحسب قيمة عمله وقيمة نفقات الزرع ويجعلها في مقابل أجرة الأرض بما يخرج منها فالبذر يكون على كل واحد من الشريكين أن مناصفة فإذا بينت أجرة الأرض قيمة أجر العمل وآلات الزرع، كان لكل واحد من الشريكين أن يأخذ من الربح بنسبة ما دفعه فإن كانت قيمة الأرض خمسة وقيمة الآلات والعمل خمسة كان لكل واحد منهما نصف الربح، وعلى هذا القياس، فإذا اشترط أحدهما أن يأخذ أكثر مما يخصه فسدت.
هذه صورة المزارعة الجائزة عند المالكية. ومحصل ذلك أن الممنوع عندهم هو أن تشتمل الشركة على أجرة الأرض أو بعضها بما يخرج منها فمتى سلمت من هذا فإنها تحل إذا تساوياً في الربح. وهذا هو المشهور عندهم، وبعضهم يقول إنه يجوز تأجير الأرض بما يخرج منها، ولكنه ضعيف في المذهب. على أن المالكية أجازوا تأجير الأرض، تبعاً للمساقاة فإذا ساقاه على أرض مغروسة نخلاً وصالحة لزراعة غيره فإن له أن يتعاقد معه على زرعها ببعض ما يخرج منها.
الشافعية - قالوا: المزارعة هي معاملة العامل في الأرض ببعض ما يخرج منها على أن يكون البذر من المالك، والمخابرة هي المزارعة إلا أن البذر فيها يكون على العامل، فليس على العامل في المزارعة إلا العمل بخلاف المخابرة، وكلاهما ممنوع عندهم لأنه لا يصح تأجير الأرض بما يخرج منها. وهذا هو المعتمد وأ جازها بعضهم.
وقد قالوا في علة المنع إن العقد فيها على شيء غير معروف لأن العامل يعمل في الأرض بدون أن يدري ما يصيبه ففيه غرر ويمكن تحصيل منفعة الأرض بتأجيرها إن كان مالكها عاجزاً عن زرعها. وفي التأجير حسم للنزاع وبيان لحق كل منهما موضحاً، فلأي شيء يترك التعاقد الواضح مع إمكانه ويعمل بتعاقد فيه غرر، وقد ورد النهي عن الخابرة والمزارعة في السنة لذلك. على أنهم أجازوا المزارعة تبعاً للمساقاة كما يأتي.
(3/8)

حكم المزارعة وركنها وشروطها وما يتعلق بذلك
-للمزارعة بالمعنى المتقدم أركان وشروط وحكم، وكلها مبنية ئفي المذاهب (1)
__________
(1) الحنفية قالوا: ركن المزارعة الذي يتم العقد به هو الأيجاب والقبول بين المالك والعامل، فإذا قال صاحب الأرض للعامل دفعت إليك هذه الأرض لتعمل فيها مزارعة بالنصف أو الثلث، وقال العامل قبلت، فقد تم التعاقد بينهما.
وبديهي أن صيغة الإيجاب والقبول المذكورة تتضمن وجود عمل العامل، والأرض التي يعمل فيها، وآلات الزرع التي يستخدمها، والبذر الذي يلقى على الأرض حتى تنبت، ولذا عد بعضهم أركانها أربعة وهي: الأرض؛ وعمل العامل، والبذر، وآلات الزرع.
وأما شروطها فهي قسمان قسم يشترط لصحة العقد وقسم إذا وجد يفسد العقد، فأما شروط الصحة فأنواع:
النوع الأول: يتعلق بالمتعاقدين وهو العقل، فلا تصح المزارعة من مجنون ولا صبي لا يعقل أما الصبي المميز المأذون من وصية فإن مزارعته تصح؛ ولا تشترط فيها الحرية فتصح أيضاً من العبد المأذون من سيده.
النوع الثاني: يتعلق بالمزروع وهو أن يبين النوع الذي يريد زرعه من قمح أو قطن أو نحوهما، إلا إذا قال له صاحب الأرض ازرع ما شيءت فإنه يجوز له أن يزرعها ما شاء، إلا أنه ليس له أن يغرس فيها شجراً لأن عقد المزارعة خاص بالنبات. فإن لم يبينا جنس البذر من قمح أو شعير مثلاً فإن كان البذر على العامل فسدت المزارعة، وإن كان على المالك فإنها لاتفسد، وذلك لأن عقد المزارعة لا يتأكد في حق من عليه البذر قبل إلقائه على الأرض فيجوز له فسخه قبل ذلك بدون عذر، فإن كان البذر على المالك فلا يلزم ببيان جنس البذر لأنه صاحب الحق في بيان النوع الذي يختار زرعه في أرضه، وحيث كان عليه البذر كان العقد صحيحاً، ويكتفي في إعلام العامل في إلقاء البذر الذي به يتأكد العقد أما إذا كان البذر على العامل فإن العقد يتأكد في حق صاحب الأرض بالإيجاب والقبول، فلا بد من بيان نوع البذر إلا إذا فوض صاحب الأرض للعامل له ازرع ما شيءت من زرع الأرض بعد فساد المزارعة، فإذا تمكن العامل من زرع الأرض بعد فساد العقد ورضي له المالك فإنها تنقلب صحيحة لأن المالك قد رضي بالضرر الذي لحقه من عدم بيان جنس المزروع وخلى بينه وبين زراعة الأرض وتركها في يده حتى ألقى البذر فزال المفسد بذلك.
النوع الثالث: يتعلق بالناتج المتحصل من الزرع وهو ستة:
أحدهما: أن يكون مذكورأ في العقد، فلو سكت عن ذكر المتحصل وكيفية استحقاق الشريكين فيه فسد العقد.
(3/9)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثانيها: أن يكون المتحصل لهما معاً، فإذا اشترطا أن يكون الخارج كله لأحدهما دون الآخر لا يصح عقد المزارعة ثم كان الخارج كله للعامل كان إعارة من المالك، وإذا كان الخارج كله للمالك كان إعانة من العامل.
ثالثهما: أن تنكون حصة كل من الشريكين من نفس الخارج فلو كان شرطاً أن يكون نصيب أحدهما قمحاً مع كون الخارج قطناً لا يصح، وكذلك لو شرطا أن يكون نصيب أحدهما قطاناً من القطن المزروع في أرض أخرى وهكذا.
رابعهما: أن يكون نصيب كل منهما من ذلك الخارج معلوماً كالبصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذكك.
خامسهما: أن يكون جزء شائعاً كا منهما من ذلك كأن يكون نصفاً أو ثلاثاً أو نحو ذلك.
سادسهما: أن لا يشترط لأحدهما وزيادة معلومة كأن يشترط لأحدهما نصف الخارج مع زيادة أردب أو يشترط له قيمة البزر ثم يقسم الباقي نصفين أو ثلاثاً لجواز أن لا تخرج الأرض سوى البذر.
النوع الرابع: يتعلقب الأرض التي يراد زرعها وهو ثلاثة: أحدها: أن تون صالحة للزراعة فلو كانت سبخة نزلاً يجوز العقد، وأما إذا كانت صالحة للزراعة في المدة التي بنيت في العقد ولكن منع من زرعها مانع وقت العقد كعدم الماء فإن العقد يصح.
ثانيهما: أن تكون معلومة كان يبين أنه دفع إليه الأرض المحدودة بكذا ليعمل فيها مزارعة فإذا لم تكن الأرض معلومة فلا تصح المزارعة ولو دفع له أبنية من الأرض وقال له الذي يزرع منها قمحاً يكون كذا والذي يزرع منها ذرة يكون كذا، فلا يصح العقد أيضاً، إذا لا بد من بيان ما يزرع قمحاً بحدوده وما يزرع منها يكون منها ذرة كذلك حتى لا تكون الأرض التى يراد زرعها مجهولة. وكذلك لا يصح العقد إذا قال بعضها يكون ذرة وبعضها يكون قمحاً لوجود الجهالة في مقدار ما يزرع من النوعين فلا بد من بيانه.
ثالثهما: أن تكون الأرض مسلمة إلى العقائد من كل ما يمنع زرعها، وأن يمكن العامل من العمل والتخلية بينه وبين الأرض، ومثل ذلك ما إذا اشترط أن يكون العمل بينهما معاً فإن العقد لا يصح لعدم التخلية التامة وبين الأرض مسغولة بزرع، فإذا كان نباتاً صغيراً فإن العقد يصح على أنه معاملة (مساقاة) لا مزارعة أما إذا كان الزرع كبيراً قد أدرك فإن العقد لا يصح رأساً لا مزارعة ولا مساقاة إذ لا يكون للعامل حينئذ.
النوع الخامس: يتعلق بالمدة وهو شروط ثلاثة:
(3/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أحدهما: أن تكون المدة معينة.
ثانيهما: أن تكون صالحة لوقوع الزرع فيها.
ثالثهما: أن لا تكون ممدة إلى زمن طويل بحيث لا يعيش إليه أحد المتعارفين غلباً.
ويصح عقد المزارعة بدون بيان المدة إذا كان وقت الزرع معروفاً لا يفاوت وقفه وتقع على أول زرع.
النوع السادس: يتعلق بآلة الزرع، وهو أن تكون في العقد تابعة فإذا جُعل للبقر الذي يحرس مقابلاً معيناً من عمل أو بذر أو نحوهما فسد.
ومن شروط الصحة أيضاً بيان من عليه البذر سواء أكان المالك أم العامل لأن البذر إن كان من قبل صاحب الأرض مانت المزارعة استاجاراً للعامل، وإن كان البذر من قبل العامل كانت استأجاراً للأرض فإذا لم يذكر من عليه البذر لم بعلم إم كان العقد إجارةً للأرض أو للعامل فيكون المعقود عليه مجهولاً فلا يصح العقد.
وأما الشروط المفسدة لعقد المزارعة فمنها: اشتراط كون الخارج لواحد منهما. ومنها:
اشتراط العمل على صاحب الأرض فلو اشترط العامل ان يكون العمل على صاحب الأرض فسد الغقد لأن ذلك يمنع تسليم الأرض إلى العامل وهو شرط من شرزط الصحة كما تقدم.
ومنها: شرط كون آلة الزرع من حيوان ونحوه على المالك، أما شرط الحصاد والتذرية ونحو ذلك فقيل يجوز أن يكون ذلك على العامل إذا كان عرف الناس على هذا، وقيل أنه شرط يفسد العقد وذلك هو المفتى به.
والذي ينبغى في ذلك هو أن كل ما يحتاج إليه الزرع قبل إدراكه وجفافه من السقي والحراسة وقلع الحشائش الضارة به وحفر الأنهار ونحو ذلك، فإنه يكون على المزارع العامل.
أما ما يحتاج إليه الزرع بعد جفافه وإدراكه فهو على قسمين:
القسم الأول: ما يحتاج إليه الزرع قبل قسمة الغلة من تخليص الحب من السبل والتبن والتذرية وتنقية الحب ونحو ذلك ونفقات هذا تكون على الشركين بنسبة مالهما من الخارج من النصف أو الثلث وهكذا.
القسم الثاني: ما يحتاج إليه الزرع بعد قسمة حبه من الحمل إلى البيت ونحو ذلك ونفقات هذا تكون على كل واحد في نصيبه بمعنى أن كل واحد ينفق على ما خصه بعد القسمة.
ومن الشروط المفسدة للمزارعة أن يشترط كون التبن لمن لا يدفع البذر لأن هذا الشرط لا يقتضيه العقد فإن العقد يقتضي أن يكون التبن لصاحب البذر، فإذا اشترط كون التبن لصاحب البذر صح الشرط والعقد وكان التبن لصاحب البذر، وإذا لم يتعرض للتبن فلم يشترط كونه لهذا ولا لذاك فبعضهم يقول إنه يكون لصاحب البذر لأن التبن ناتج من الحب فهو من حق صاحب الحب بدون شرط، وبعضهم يقول أنه يكون بينهما على حسب نصيب كل منهما تبعلاً للعرف، على أن العامل إذا
(3/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كان شريكاً بالربع فإن الظاهر عندهمأن لاشيء لهم في التبن، وإذا كان بالثلث فإنه يستحق نصف التبن.
ومنها أن يشترط صاحب الأرض على المزارع أن يحدث بأرض شيءاً يستمر بعد انتهاء زرع المدة المتفق عليها كبناء دار أو مصرف ما أو حفر (ترعة) أو نحو ذلك فإن شرط شيء من ذلك في العقد فقد فسد، وأما كراء الأرض (وهو قلبها للحرث) فلا يخلو إما أن يشترط شيء لمصلحة الزرع أو لمصلحة الأرض بحيث تستمر فائدته بعد انتهاء مدة الزرع المتفق عليها من أول شرط صحيح يقتضيه العقد لأن الزرع لا يصلح إلا بالحرث، والثاني شرط فاسد مفسد للعقد. ومثال ذلك ان يشترط (حرث) الأرض من أجل الزرع وحرثها مرة أخرى بعد حصاد الزرع ليستلمها صاحبها محروثة، فإن المرة الثانية في هذه الصورة لا علاقة لها لالزرع فيفسد العقد، أما إذا اشترط (حرثها) مرتين أثناء مدة الزرع وكانت منفعة المرة الثانية مقصورة على الزرع لا تفيد الأرض بعد انتهاء الزرع فإنه يصح. وإذ قد عرفت معنى المزارعة عند من يجيزها ومن يمنعها وعرفت الشروط المصححة لها والمفسدة فإنه يسهل عليك معرفة الصور الجائزة والممتنعة منها، ولكننا نريد أن نذكر لك هنا ملخص ما ذكره من الصور الجائزة والممتنعة عند الصاحبين بعدما عرفت فيما تقدم الصور الجائزة عند الإمام.
فأما الصور الجائزة عندهما، فمنها: أن تكون الأرض من أحدهما والبذر والعمل وآلات الزرع من الاخر، وشرطا أن يكون لصاحب الأرض شيئاً معلوماً من المتحصل من الزرع كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك لأنه في هذه الحالة يكون العامل مستأجر للأرض بشيء معلوم مما يخرج منها وذلك جائر عندهما كما أن استأجار العامل ببعض الخارج من الأرض جائز كذلك إنما الممتنع هو استأجار غيرهما.
ومنها: أن تكون الأرض والبذر وآلات الزرع على المالك، ويكون العمل وحده على العامل ويكون له نصيب معين في المتحصل من الزرع كالنصف أو الثلث أو الربع، وهذه الصور جائزة أيضاً لأنها استئجار العامل ببعض ما يخرج من الأرض وقد علمت جوازه عندهما.
ومنها: أن تكون الأرض والبذر من أحدهما، والعمل وآلات الزرع على الثاني، وهذه أيضاً جائزة أيضاً لأن صاحب الأرض في هذه الحالة يكون مستأجراً ليعمل في أرضه ببقرة ونحوه من آلات الزرع.
وأما الصور الممتنعة فمنها: أن تكون الأرض وآلات الزرع كالبقر وما في معناه من الآلات التى تستعمل لشق الأرض من أحد الشيكين ويكون البذر والأرض من الشريكين الأخر؛ وإنما كانت هذه الصور فاسدة لأن منفعة الأرض لا تجانس منفعة آلات الحرث حتى تنضم إليها ويقدمها اللمالك في نظير البذر والعمل، وذلك لأن منفعة الأرض إنبات الزرع ومنفعة البقر وما في معناه العمل ولا تجانس
(3/12)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بين المنفعتين حتى يمكن خلطهما، وهذا هو الذي عليه الفتوى، وقيل بجوار هذه الصورة إذا جرى عليها العرف.
ومنها: أن يكون البذر من أحدهما والأرض والعمل وآلات الزرع من الآخر، وهذه الصورة فاسدة لأنها عبارة عن كون صاحب البذر قد استأجر الأرض ببذره. وقد عرفت مما تقدم أن من شروط الصحة أن يتتمكن المستأجرلا على الآخر فكيف يمكنه أن يضع يده عليها وهي في يد العامل.
ومن أجل ذلك لا يصح أن يشترك في المزارعة ثلاثة على أن يكون على أحدهما وعلى الثانى البذر وعلى الثالث البقر وما في معناه من آلات الزراعة. لأنه في هذه الحالة يكون صاحب البذر مستأجراً للأرض وهي في يد الذي عليه العمل فلا يمكن أن يضع المستأجر عليها يده فيفسد العقد.
أما إذا اشترك أربعة على أن يكون البذر على احدهما، والأرض على الثانى؛ والقر على الثالث، والعمل على الرابع، فإن عقد المزارعة يفسد بعلة أخرى وهو أن البقر وحده لا يصح اسئجاره
ببعض الخارج من الأرض وفي هذه الحالة يكون مستأجرا ببعض الخارج، لأنه جعل قسماً مقابلاً. للأقسام الأخرى من البذر والعمل والأرض، ولهذا جعل من شروط الصحة أن لا تكون آلة الزرع مقصودة في العقد ببعض الخارج منها كما يصح استأجار العامل ببعض الخارج من الأرض ولا يصح استئجار غيرهما.
ومنها: ان يكون البذر والبقر من أحدهما؛ والعمل والأرض من الاخر، وهذه الصورة لا تصح لأنك قد عرفت أنه يشترط تجانس منفعة الأمرين المنضمين لبعضهما فيما يدفعه كل واحد من الشريكين، ولا تجانس بين منفعة البذر والبقر، كما تجانس بين منفعة الأرض والعمل.
ومنها: أن تكون الرض على أحدهما والبذر عليهما معاً مناصفة واشترطا أن يكون العمل على غير صاحب الأرض وأن يكون الخارج من الأرض بينهما نصفين؛ وهذه الصورة فاسدة لأنها تتضمن أن العامل يزرع نصف الأرض ببذره على أن يأخذه كله، فتكون مزارعة بجميع الخارج من الأرض بشرط 'عارة نصفها للعامل وذلك باطل.
أما إذا كانت الأرض ملكاً لهما معاً والبذر عليهما وكذلك العمل واشترطا أن يكون الخارج بينهما نصفين فإنه يجوز لأن كل واحد منهما يكون عاملاً في نصف الأرض واشترطا أن يكون الخارج بينهما نصفين فإنه يجوز لأن كل واحد منهما يكون عاملاً في نصف الأرض ببذره، فكانت هذه إعارة نصف الأرض لا بشرط العمل.
وأما حكمها فينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حكم المزارعة الصحيحة وهو ملك منفعة الأرض حالاً والشركة في المتحصل من
(3/13)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الزرع مالاً، وذلك لأن صاحب الأرض ملك العامل منفعة أرضه وهو اللزوم تارة وعدمه تارة أخرى فيكون العقد لازماً على من لابذر عليه سواء كان صاحب الأرض أو العامل، فإذا كان عقد المزارعة مشتملاً على يكون البذر على صاحب الأرض، فإنه لا يلزم بتنفيذه إلا إذا بذر الحب فعلاً، فأما قبل بذره فإن له أن يفسخ العقد بدون عذر خوفاً من ضياع بذره بدون فائدة؛ أما العامل الذي عليه فإنه يكون ملزماً بتنفيذ العقد بمجرد تمامه بالإيجاب والقبول ولا يصح له فسخه بدون عذر فإذا كان العقد مشتملاً على أن البذر على العامل كان الأمر بالعكس فلا يلزم بتنفيذه إلا إذا ألقى البذر فعلاً فإذالا لم يذكر من عليه البذر صحيحاً فإنه يكتفى بذكره ضمناً، كأن يقول له دفعت إليك الأرض لتزرعها لى أو استأجرتك لتعمل في أرضي، فإن في هذه الحالة
يكون البذر على رب الأرض بخلاف ما إذا قال دفعتها لك لتزرعها لنفسك فإن معنى هذا أن البذر يكون على العامل.
القسم الثاني: حكم المزارعة الفاسدة وهو أمور:
أحهما: أن المزارع لا يجب عليه شيء من أعمال المزارعة فلا يلزم بشيء إلا بالعقد الصحيح.
ثانيهما: أن البذر إن كان من قبل رب الأرض كان للعامل عليه أجر المثل وإن كان البذر من العامل لرب الأرض عليه أجر مثل أرضه ثم إن الذي يدفع البذر يكون له كل الخارج من الأرض فإن كان من قبل صاحب الأرض استحق الخارج ومفع للعامل أجر مثله الذي يستحقه على عمله، فالخارج كله حلال له فلا بالبصدق بشيء منه، أما إن كان البذر من قبل العامل واستحق الخارج من الأرض ودفع لرب الأرض أجرة مثل أرضه فالخارج كله لا يطيب له بل الذي يحل له أخه من الخارج هو قدر بذره وقدر أجرة الأرض التى دفعتها ويتصدق بما عن ذلك.
ثالثهما: أن أجر المثل لا يجب في المزارعة الفاسدة مالم يوجد استعمال الأرض. فإذا لم يعمل المزارع في الأرض شيءاً فلا يجب له أجر مثل العمل كما لا يجب عليه أجر مثل الأرض فإذا استعملت الأرض وجب أجر المثل وإن لم تخرج شيئاً.
(وبعد) فإذا فسد عقد المزارعة في موضع من مواضع سواء كان فاسداً بإجماع أئمة المذاهبأو بعضهم وأراد الشريكين أن يطيب لهما الخارج فإنه يمكنهما ذلك بعمل ما يأتى: وهو أن يعزل كل واحد من الشريكين (رب الأرض والمزارع) نصيبه من المتحصل حسبما اتفقا ثم يقول رب الأرض للمزارع: قد وجب لي عليك أجر مثل الأرض ووجب لك علي أجر مثل عملك وعمل ثيرانك وقيمة بذرك فهل صالحتنى هذه الحنطة (مشيراً إلى نصيب المزارع) وعلى ما وجب لك علي مما وجب لى عليك؟ فيقول المزارع: صالحت، ثم يقول المزارع لرب الأرض: قد قد وجب لي عليك أجر مثل عملى وثورى وقيمة بذري ووجب لك علي مثل الأرض صالحتنى على هذه الحنطة؟ (مشيراً إلى نصيب رب الأرض) وعما وجب لك على عما وجب لى عليك؟ فيقول رب الأرض: صالحت.
(3/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وحاصل ذلك أن يقرر كل منهما لصاحبه فب ما وجب له وما وجب عليه ويطلب منه مصالحته على أخذ النصيب المفروز من الغلة وأن يترك ما وجب له نظير ما وجب علبه وبذالك يطيب لكل منهما نصيبه من الغلة لأن الحق بينهما لا يتعداهما إلى غيرهما فمتى تراضيا فقد حل لكل واحد منهما نصيبه وفي ذلك سعة لا تخفى ويسر عظيم.
المالكية - قالوا: ركن المزارعة ما به تنعقد على وجه صحيح وحكمهما الجواز إذا استوفت شرائطها.
أما الزرع في ذاته سواء كان في مشاركة أو لا فهو كفاية لاحيساج الإنسان والحيوان إليه، وهل يلزم عقد الشركة في المزارعة بمجرد الصيغة أو لا يلزم خلاف، فبعضهم يقول: إنه ينعقد لازماً بمجرد الصيغة، وبعضهم يقول: إنها لا تلزم بمجرد ذلك، بل لا بد بعد العقد طرح الحب على الأرض أو شتل الخضر كالبصل والخس أو وضع جذور القلقاس والقصب ونحو ذلك، فالكل واحد من الشيركين بعد العقد أن يفسخه ويرجع عنه مالم يطرح الحب ونحوه انه يلزم بعد ذلك وليس له فسخه وبعضهم يقول: إنها تلزم بالعمل فإذا شقت الأرض بالحرث وسويت لزم العقد وإن لم يطرح الحب، فالأقوال ثلاثة. الأول: أنها تلزم تلزم بالصيغة وحدها. الثانى: أنها تلزم بالصيغة والعمل من حرث الأرض في الأرض من حرث وتسوية. الثالث: أنها إلا إذا طرح البذر.
ويشترط الأول: أن يشتمل العقد على كراء الأرض بشيء ممنوع، وذلك بأن تجعل الأرض في مقابل البذر سواء كان طعاماً كالقمح والذرة أو لا كالقطن وذلك لأنه يمتنع تأجير الأرض بما ينبت بها مطلقاً إلا ما استثنى من الخشب ونحوه كما يأتى في الإجازة وكذلك يمنعون تأجير الأرض بالطعام وإن لم ينبت بها كالعسل، وقد تقدم إيضاح ذلك في تعريف المزارعة قريباً.
الشرط الثاني: أن يتساوى الشريكان في الربح بأن يأخذ كل واحد منهما بنسبة ما دفع من رأس المال، فلا يجوز أن يدفع اصف النفقات الازمة ثم يأخذ الثلث، نعم يصح لكل من الشريكين أن يتبرع لصاحبه بشيءمن حصته ولكن لا يصح ذلك إلا بعد أن يخرج كل واحد منهما ما التزم به كاملاً وبعد أن يبذر البذر ويشترط أن لا يتقدم ذلك وعد ولا عادة.
الشرط الثالث: خلط زريعة كل من الشريكين ببعضها والزريعة بتشديد الراء (التفاوي) سواء كانت حباَ أو غيره كما تقدم.
فإن كانت الزريعة من كلا الشريكين فإن المزارعة لا تصح إلا إذا خلط كل شيء منهما ما يخصه بما يخض صاحبه إما حقيقة بأن يضع كل منهما بذره على بذر الآخر، أو حكماً بأن يخرج كل منهما ما عليه إلى الأرض (الغيظ) ثم يبذر من هذا ومن ذاك بدون تمييز؛ فإذا اختص أحدهما بالبذر من تقاويه في فدان خاص تفسد المزارعة وقال بعضهم: لا يشترط ذلك بل لو اختص كل واحد بفدان ببذره فأخذ الحب ويذره بدون أن يخلطه ببذر صاحبه فإنه يصح والقولان راجحان.
(3/15)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الشرط الرابع، أن يخرج كل واحد من الشريكين بذره مماثلاً لبذر صاحبه في الجنس والنصف فلا يصح أن يخرج أحدهما قمحاً والآخر فولاً فسدت الشركة وكان لكل واحد ما انبته بذره وعليه يقول: إنه لازم، وبعضهم إنه ليس بلازم، فيصح أن يخرج أحدهما قمحاً والآخر فولاً.
فالشرط المتفق على رجحانها اثنان: أن لا يشتمل العقد على تأجير الأرض بممنوع وان يتساوى الشريكان في الربح بحسب رأس المال، وبعضهم يقول بجوار تاجير الأرض مما يخرج منها فتصح المزارعة عنده مطلقة وفي المالكية وفي ذلك سعة.
الصورة الأولى من صور الصحيحة: هي أن يتساوى الشريكان أو الشركاء في الأرض والعمل والبذر وآلة الزرع والثيران وأن يتفقان على ان يأخذ كل واحد من الربح بقدر ما اخرجه وهذه الصورة جائزة بالتفاق وقد تم بيانها وهي جائزة عند الشافعية بلاخلاف.
الصورة الثانية: أن تكون الأرض مملوكة لهما معاً أو أرضاً مباحة ليست ملكاً لأحد ثم يتفقان على زرعها شركة وعلى أحدهما البذر وعاى الثانى العمل، وهذه أيضاً صحيحة وتصح عند الشافعية لو أن صاحب البذر جعل للشريك الآخر بعضاً من البذر شائعاً نظير عمل شريكه له فيما لصاحب البذر من الرض شائعاً.
الصورة الثالثة: أن تكون الأرض مملوكة لأحدهما ويكون عليه البذر أيضاً نظير أن يكون على الآخر العمل باليد والبقر والآلة فقط. فسيأتى وهذه أيضاً جائزة إذا كانت لها قيمة.
الصورة الرابعة: أن تكون مملوكة لأحدهما وعليه بعض البذر وعلى الشريك الاخر العمل وبعض البذر، وهذه الصورة تصح بشرط أن لا ينقص ما يأخذه العامل من الزرع عن نسبة ما دفعه من البذر بل لا بد أن تكون حصة مستوية لما دفعه أو زائدة عليه.
مثال ذلك: أن يخرج رب الأرض ثلثي البذر ويخرج العامل الثث ثم يشترط أن يكون للعامل نصف الربع أو ثلثه، فإذا اشترط النصف فقد أخذ أكثر من نسبة بذره لأنه أخرج الثلث، ولإذا اشترط الثلث فقد أخذ ما يساوى بذره أما إذا اشترط له الربع فإن المزارعة تفسد.
الصورة الخامسة: أن تكون الأرض مملوكة لأحدهما وعليه البذر والبقر والآلة، وعلى هذا الشريك الثانى العمل فقط وهذه الصورة نعروفة بمسألة الخماس، وقد اختلف في صحتها، والراجح أنها تصح إذا كان العقد بلفظ الشركة على أن يكون للعامل جزء من الربح أو الخمس أما إذا كان العقد
(3/16)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بلفظ الإجازة أو لم ينص على الشركة والإجازة فإنه يكون فاسداً الإجازة بجزء مجهول لا تجوز وعدم النص يحمل على الإجازة؛ وبعضهم يقول إنها ولو وقعت بلفظ الشركة.
وأما صور الفساد، فمنها: أن يتفقا على إسقاط الأرض من الحساب ويستويان فيما عدا ذلك من بذر وعمل ونحوهما كما يستويان في الربح. وهذه فاسدة لأن إلغاء الأرض التى لها قيمة توجب التفاوت بين الشريكين فلا يكون أحدهما مساوياً لصاحبه في رأس المال؛ أما إذا كانت الأرض رخيصة لا قيمة لها فإن إلغاءها جائز.
ومنها: أن يكون لأحدهما أرض رخيصة لا قيمة لها وعليه العمل ويكون على الثاني البذر وهذه فاسدة لأن بعض البذر في هذه الحال يكون واقعاً في مقابلة الأرض؛ وقد عرفت أن ذلك ممنوع. وقد يقال إن الأرض الرخيصة يصح إلغاؤها كما ذكر في الصور التى قبلها؛ والجواب أن البذر لم يقع في الصورة الولى مقابل الأرض لأنك قد عرفت أنهما متساويان في البذر وفي كل شيء ما عدا الأرض فإنها أسقطاها من الحساب.
ومنها: أن تكون احدهما الأرض وبعض البذر ويخرج الاخر العمل وبعض البذر ويأخذ العامل الربح أنقص من نسبة بذره كما تقدم في الصورة الرابعة.
ومنها: أن تكون مملوكة لهما معاً وأخرج كل واحد منهما نصيباً من البذر واختص أحدهما بالعمل وهذه الصورة ممنوعة للتفاوت في رأس المال لأن الذي اختص بالعمل وحده يكون زائداً فيما أخرجه عن الآخر فإذا اشترطا التساوى في الربح بعد ذلك كله كان إجحافاً بالذي
عليه العمل وقد علمت بطلانه.
ومنها: أن يتساوى الشريكان في الجمع ولكن أحدهما يسلف الآخر البذر لأن السلف في هذه الحالة يكون في نظير منفعة المقترض بالزرع والسلف الذي يجر نفعاً لا يجوز.
أما أحكام المزارعة الفاسدة فهي على وجهين:
الوجه الأول: أن يعرف الفساد قبل الشروع في العمل وحكم هذا الوجه ان العقد يفسخ وتنتهى المسألة.
الوجه الثاني: أن لا يعرف الفساد الا بعد العمل، ويشتمل هذا الوجه على ست صور:
الصورة الأولى: أن يشترك المتعاقدان معاً في العمل سواء كان عمل كل واحد منهما مساوياً لعمل الآخر أو كان أكثر أو أقل على المعتمد، وأن تكون الأرض من أحدهما والبذر على الاخر وحكم هذه الصورة أن يقسم الزرع بينهما نصفين فيأخذ كل واحد نصفه ثم يرجع كل منهما على صاحبه بنصف ما دفعه من رأس المال فيأخذ صاحب البذر من صاحب الأرض مثل نصف بذره ويأخذ صاحب الأرض من البذر نصف كراء أرضه ولا يخفى أن فساد هذه الصورة إنما جاء من جعل البذر مقابلاً للأرض، وهو ممنوع لأنه لا يجوز تأخير الأرض بالطعام كما تقدم قريباً.
(3/17)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الصورة الثانية: أن يشترك المتعاقدان في العمل ولكن ليس لأحدهما سوى العمل أما البذر والأرض وآلات الزرع فللآخر، هذه مسألة الخماس المتقدمة، وقد عرفت انها لا تكون فاسدة إىلا إذا كان العقد بلفظ الإجارة لا بلفظ الشركة أو أطلق عن ذكر الشركة والإجارة، أما إذا ذكر بلفظ الشركة فإنه يكون صحيحاً على الراجح وحكم هذه الصورة إذا كان العقد فاسداً (بأن ذكر فيه لفظ الإشارة او لم يذكر شيء) أن لا يكون للعامل من الزرع شيء وإنما يكون له اجر مثله في عمله
الصورة الثالثة: أن ينفرد أحد الشريكين بالعمل وأن يكون له مع عمله البذر أما الأرض فتكون للاخر، وحكم هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل وعليه أجر مثل الأرض وإنما فسدت هذه الصورة لأن الأرض وقعت في مقابلة العمل والبذر فيكون جزء من الأرض في مقابل العمل والجزء الآخر في مقابل البذر، وقد عرفت أنه لا يجوز.
الصورة الرابعة: أن ينفرد أحدهما بالعمل وأن يكون له مع عمله الأرض أما البذر فلشريكه، وحكم هذه كسابقتها وهو أن الزرع يكون للعامل وعليه أن يدفع مثل بذر لصاحبه.
وإنما فسدت هذه الصورة لأن البذر جعل في مقابل الأرض والعمل فكان جزء منه للأرض وجزء مقابلاً للعمل وقد علمت أنه لا يجوز.
الصورة الخامسة: أن ينفرد أحدهما بالعمل وتكون الأرض والبذر لهما، وحكم هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل أيضاً وعليه أن يدفع لشريكه مثل بذره ومثل أرضه وفساد هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل أيضاً وعليه أن يدفع لشريكه مثل بذره ومثل كراء أرضه وفساد الصورة أن يكون المساواة لأن الذي ينفرد بالعمل يكون مظلوماً كما تقدم.
الصورة السادسة: أن ينفرد أحدهما بالعمل ولا يكون له شيء سوى عمله كما تقدم، بل تكون الأرض والبذر وآلة الزرع للآخر، وفي هذه الحالة لا يكون للعامل سوى أجرة عمله كما تقدم، وكل ما تقدم من الصور مبنى على المختار المرتضى، وفيه أقوال اخرى لا حاجة بنا إلى إيرادها.
الحنابلة - قالوا: ركن المزارعة الإيجاب والقبول، فأما الإيجاب فإنه لا يصح بكل لفظ يدل على المعنى المقصود كأن يقول به زارعتك على أراضي هذه أو دفعت إليك لتزرعها بنصف ثمرتها أو نحو ذلك.
وتصح المزارعة بلفظ الإجازة، فلو قال استاجرتك على أن تعمل في أرضى بنصف الزرع الذي يخرج منه أو على أن تعمل في بستانى بنصف ثمرته. أو زرعه فإنه يصح أيضاً بما يدل عليه من قول أو فعل فلو استلم الأرض شرع في العمل بدون أن يتكلم فإن يعد قابلاً.
وهو عقد جائز غير لازم فيصح لكل من الطرفين فسخه ولو بعد إلقاء البذر فإن فسخها رب الأرض فإنه يلزمه أن يدفع للعامل أجرة عمله.
ويشترط لصحة العقد أمور أحدها أهلية العاقد فلا يصح من مجنون وصغير ولا يميز كما تقدم في البيع. ثانيها: معرفة جنس البذر وقدره فلا يصح العقد إذا كان البذر مجهولاً. ثالثهما: تعيين الأرض وبيان
(3/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مساحتها رابعها: تعيين النوع الذي يراد زرعه فلو قال رب الأرض للعامل إن زرعتها شعيراً فلك الربع وإن زرعتها حنطة فلك النصف لم يصح لوجود الجهالة، ومثل ذلك ما إذا قال ما زرعته من شعير فلى نصفه وما زرعته من قمح فلى ثلثه ولم يبين مساحة المزروع من كل منها فإنه لا يصح.
ولا يشترط أن يكون البذر من صاحب الأرض على الصحيح إنما الشرط أن يدفع كل واحد منها رأس مال فيصح أن يدفع احدهما الأرض فقط ويكون على الاخر البذر والبقر والعمل، كما يصح أن يكون البذر أو البقر أو هما على صاحب الأرض وعلى الآخر وهكذا.
ويشترط أن يكون نصيب كل منهما شائعاً كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك فإن شرط أحدهما ان يكون له عدد معبن كإرردبين أو ثلاثاً فإنه لا يصح وحكم الفاسدة أن الزرع يكون لصاحب البذر وعليه أجرة العامل.
وإذا كان لشخص فدان أرض فأعطاه لعامل على أن يزرعه بنصف غلته ولكن قال له صاحب الأرض إنني آجرتك نصف آجرتك نصف الفدان بنصف البذر اللازم للفدان ونصف منفعتك ومنفعة دوابك فيكون للعامل نصف الفدان في نظير نصف البذر الذي وضع في النصف الثانى ونصف منفعة العامل اللازمة له فإن ذلك لا يصح لأن المنفعة وجهولة نعم إذا أمكن ضبطها وتقديرها فإنه يصح.
وإذا شرط المزارع أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ثم يقسم الباقى فلا يصح. لأنه بمنزلة اشتراط عدد من الأرادب.
الشافعية - قالوا: المزارعة بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها أو تاجير العامل بما يخرج من الأرض فاسدة، فإذا عمل المزارع في أرض بناء على ذلك العقد الفاسد فإن الخارج من غلتها يكون لمالكها وعليه أجر العامل وقيمة ما أنفقه على الأرض.
وقد عرفت أن المزارعة أن المزارعة بذلك المعنى يصح تبعاً للمساقاة وذلك بأن يدفع أحد الملاك أرضه المغروسة نخلاً أو بها كرم عنب للهامل أن يقوم على تنميتها بسقيها والمحافظة عليها في نظير جزء معين من ثمرتها وهذا هو عقد المساقاة، فإذا كان بتلك الأرض التى عليها النخل والكوم فراغاً صالحاً لزرعه حبوباً ونحوها فإنه يصح تأجيره ببعض الخارج من غلته ولكن بشروط:
الأول: أن يكون عقد المساقاة وعقد المزارعة واحد فلو انفراد كل منهما بعقد فسد المزارعة على المعتمد.
الثاني: أن لا يفصل بين المزارعة والمساقاة فاصل حال العقد كأن يتعاقدا على المساقاة ثم يصبرا زمناً طويلاً يفهم منه أنه قد تم التعاقد بينهما ثم يشرع بعد ذلك في عقد المزارعة
(3/19)

دليل المزارعة
-أما دليل صحة المزارعة فهو مأخوذ من السنة الصحيحة، فمن ذلك ما رواه ابن عمر قال: عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. متفق عليه.
وروى عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن على ثم أهلوها إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع. فقد عمل الخلفاء الراشدون بالمزارعة ولم ينكر عليهم أحد فكان كالإجماع.
__________
الثالث: أن تتقدم المساقاة على المزارعة في العقد كي يعلم أن المساقاة هي المقصودة وان المزارعة تابعة لها.
الرابع: أن يكون عامل المساقاة هو بعينه عامل المزارعة، وزاد بعضهم شرطاً خامساً وهو: أن يتعذر تنفيذ عقد المساواة بدون زرع الأرض وذلك بأن يمكن سقى الشجر أو النخل وحده اما إذا أمكن فإنه يصح تأجير الأرض المتصلة به مزارعة ولكن المعتمد أن هذا الشرط غير لازم.
على أنهم قالوا: إن المزارعة يمكن تحصيلها في صور أخرى ليس فيها تأجير الأرض بما يخرج منها.
منها: أن يخرج المالك الأرض والبذر ثم يعطى الأرض مشاعاً إعارة ويستأجره على العمل في نصف الأرض المشاع الباقي له بنصف البذر العامل في نصف الأرض الذي استعار فإذا عمل العامل في الأرض على هذا التعاقد استحق نصف الخارج منها ولا يكون فيه استاجار الأرض ببعض الخارج. لأن المالك في هذه الحالة يكون قد استأجر بالبذر الذي بذره.
ومنها: أن يشترك المالك والعامل في رأس المال كأن يدفع المالك الأرض ويقوم المزارع بالعمل والدواب اللازمة على أن تكون قيمة اجرة الأرض مساوية لما يقوم به المزارع، وهذه الصورة إنما تصح بثلاثة شروط.
الشرط الأول: أن يكون البذر من منهما وذلك لأن نصيب كل منهما في الغلة يتبع البذر الذي أخرجه.
الشرط الثاني: أن يأخذ كال واحد منهما نصيباً مساوياً لما دفعه فإذا كانت أجرة الأرض تساوي ثلث الخارج فلا يصح أن يشترط أخذ النصف.
الشرط الثالث: أن يقول المالك للعامل قد نصف الأرض بنصف العمل والبقر حتى لا يوجد تاجير الأرض بما يخرج منها.
ومنها: أن يقرض المالك العامل نصف البذر مثلاً ثم يؤجر له نصف الأرض شائعاً بنصف عمله ونصيب منافع دوابه التى تعمل في الزرع، وهذه المنافع وإن كانت مجهولة في ظاهرها إلا انها منضبطة في المادة والعرف.
(3/20)

هذا هو دليل المزارعة المشهور، وهو يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون ذلك مختصاً بالأرض المزروعة نخلاً كما هو الشأن في أرض خيبر.
الثاني: أن يكون ذلك عاماً في كل أرض سواء كانت مغروسة أولا.
وقد اختلفت وجهة نظر المجتهدين على بناء هذا الاحتمال فمن منع المزارعة بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها أو تاجير العامل بما يخرج من الأرض تمسك بالأحاديث الدالة على النهى عن تاجير الأرض بما يخرج منها أو تأجير العامل بما ينتج من عمله لأن ذلك تأجير بمجهول لجواز أن لا تخرج الأرض شيئاً من الزرع فيضيع على العامل عمله.
والشريعة الإسلامية تحث الناس دائماً على أن تكون معاملتهم واضحة جلية حتى ترتفع من بينهم أسباب الشكوى والخصام، وتحث أيضاً على الرفق بالعامل فلا يصح أن تجعل عمله معلقاً في ميزان القدر بل لا بد أن يكون ضامناً لشيجة وجهوده وكده، وبيان ما سيحصل عليه من أجر.
أما ما ورد، في حديث ابن عمر ونحو بأرض خيبر وهي مزروعة نخلاً له ثمر معروف، فكان العامل على تنميتها وسقيها وهو واثق من نتتيجة عمله، وهذه هى المسافاة التى سيأتى بيانها، ولا خلاف في جوازها فلا يصح أن يقاس عليها الأرض التي لا زرع بها أصلاً أو الأرض التي ينبت بها ضعيف.
أما من اجاز المزارعة بالمعنى المذكور وهو تأجير الأرض بما يخرج منها فقد رأى أن الحديث عام وليس فيه ما يدل على الجواز خاص بهذه الأرض بدون غيرها، ولأن العلة وهي كون الأجرة مجهولة موجودة أيضاً في المساقاة، فإنه يجوز أن لا يجوز أن لا يثمر النخل أو يشيص أو تجتاحه آفة فيضيع على العامل عمله.
على أن الذي منع المزارعة بالمعنى النتقدم أجازها تبعاً للمساقاة، وفيها تاجير الأرض بمجهول على أى حال. وحينئذ تكون المزارعة مستثناة من منع التأجير بمجهول كالمساقاة، لما في ذلك من مصلحة الناس وعدم الحرج، فإن بعضهم قد يملك أرضاً وليس له قدرة على زرعها ولا يجد من يستأجرها: وبعضهم لا يملك أرضاً ولكن له قدرة على الزرع ويرغب في زرع الأرض على أن يكون لكل منهما نصيب شائع معلوم مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما ما فيه سعة وليس للشريعة الإسلامية غرض في ذلك إنما غرضها مصلحة الناس وراحتهم والتوسعة عليهم.
هذا بيان وجهة نظر كل من الأئمة المتازعين في جواز المزارعة (أو تأجير الأرض بما
(3/21)

يخرج منها ومنعه) وبديهي أن كل واحد من الفريقين إنما يبحث في تفكيره عن المصلحة التي تنشدها الشريعة الإسلامية ويناضل عن تفكيره عن المصلحة التى تنقضي إلى الحصول على تلك المصلحة والبعد عن الضرر الذي يلحق العامل الضعيف أو يصيب غيره.
وإذا كان الحال على ما ذكر فإنه يمكننا أن نطبق رأي الفريقين على ما هو واقع في زماننا وأن نختار ما هو مناسب لمصالح الناس ومنافعهم.
فمن الناس من ينتهز فرصة حاجة العامل الشديد إلى العمل فلا يعطي له أرضه إذا غبته غباً
فاحشاً وأرهقه إرهاقاً شديداً، فإذا ما دفعته الحاجة إلى العمل مزارعة في تلك الأرض كانت نتيجة عمله للمالك خاصة، فيستولى على غلتها فوق ما يفرضه عليه من مال وعمل؛ وهذا لا يجوز في نظر الشريعة الإسلامية التي توجب مساعدة المضطر ومعونة العامل الضعيف. فلهذا ينبغي تحذير الناس من المزارعة التي يترتب عليها حرمان العامل من كده واستغلال المالك إياه لحاجته. وعند ذلك يفتى برأي المالكية الذين يشترطون المساواة في الربح بنسبة ما قام به كل من الشريكين من عمل أو أرض أو نحوهما، حتى لا يطمع أحدهما في صاحبه.
أما إذا كانت عاطفة الخير متبادلة بين الناس وكل من الشريكين لا يريد إلا أن ينتفع بما يستحقه من أرض أو عمل فلا ينبغي أحدهما على صاحبه ولا يغنيه في أمر، ولا يخونه في عمل، وكانت المصلحة تقتضي العمل في الأرض مزارعة بقسمة ما يخرج من غلتها فإنه في هذه الحالة يفتى برأي من أجاز تأجير الأرض بما يخرج منها، بدون نظر إلى القيود التي ذكرها الفريق الآخر.
(3/22)

مباحث المساقاة
تعريفها وشروطها وأركانها وما يتعلق بها
-المساقاة في اللغة مشتقة من السقي. وهي استعمال شخص في نخيل أو كروم أو غيرها لإصلاحها على سهم معلوم من غلتها ذلك هو المعنى اللغوي وهو مساوٍ للمعنى الشرعي، إلا أن المعنى الشرعي يشتمل على شرائط خاصة يترتب عليها صحة العقد بخلاف المعنى اللغوي فالمغايرة بينهما من هذه الناحية، ثم إن المساقاة مفاعلة والقياس أن يكون مصدرها وهو السقي واقعاً بين اثنين، مع أنه هنا واقع من العامل وحده، وأجيب بأنها على غير بابها أو أنها لوحظ فيها التعاقد وهو أعماله خصوصاً إذا كان بالدلاء من بئر عميق، فإن السقي يكون شاقاً
كل المشقة فلا تكاد الأعمال الأخرى تذكر بجانبه.
أما معنى المساقاة اصطلاحاً فهو عقد على خدمة شجر ونخل وزرع ونحو ذلك يشرائط مخصوصة في المذاهب (1) .
__________
(1) المالكية - قالوا: ما ينبت بالأرض ينقسم إلى خمسة أقسام:
الأول: ان يكون له أصل ثابت وله ثمرة تجنى مع بقاء ذلك الأصل زمناً طويلاً كالنخل وشجر العنب والتين والبرتقال والمانجو ونحو ذلك.
الثاني: أن يكون له أصل ثابت ليس له ثمر يجنى كاللأثل والصنوبر والصفصاف ونحو ذلك.
الثالث: أن يكون له أصل غير ثابت وله ثمر يجنى كالموز والمقشأة (المقات من بطيخ وعجوز وقثاء ونحو ذلك) ، ومن المقثأة القرع ومثلها الباميا وقصب السكر ونحو ذلك.
الرابع: أن يكون له أصل غير ثابت يجنى ولكن له زرع وورق يبتفع به وذلك كالورد والياسمين ونحو ذلك.
الخامس: الخضر الرطبة التي يقصد الأنتفاع لا بثمرها وهي على قسمين: ما يقلع من جذوره ولا خلفة له كالبصل والثوم والفحل ونحوها مما لا ينبت غيره بعد قلعة. وما له خلفة كالكراث والكزبرة
(3/23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والجرجير والبقدونس والبرسيم ونحو ذلك مما يقطع وتبقى أصوله فتنبت ثانية، ولكل قسم من هذه المساقاة عليه شرطان.
الشرط الأول: أن يكون الشجر أو النخل قد غرسه زمن حتى صار بالغاً لأن يثمر في عامه الذي وقع فيع العقد سواء كان ذلك الثمر موجوداً وقت العقد أو لم يكون موجوداً أما إذا كان صغيراً كالنخل الصغير الذي لم (يطرح) في العام الذي حصل فيه التعاقد فإن المساواة لا يصح عليه ويسمون النخل الصغير الذي لم يبلغ فهل يصح العقد على الصغير تبعاً للكبير؟
والجواب: أنه إذا كان عدد الصغير قليلاً بحيث لا يتجاوز الثلث فإنه يصح. أما إذا كان عدد الصغير أكثر من الثلث فإن العقد يكون فاسداً.
الشرط الثاني: أنه إذا كان على النخل أو الشجر ثمر العقد فإنه يشترط أن يكون ذلك الثمر صغيراً لم يظهر صلاحه، وظهور الصلاح في كل شيء بحبسه ففي البلح باحمراره أو اصفراره وفي غيره بظهور الحلاوة به فإذا ظهر صلاحه فإنه لا يصح عقد المساقاة عليه في هذه الحالة لأن الشجر يكون مستغنياً عن الخدمة حينئذ.
وبعض أئمة المالكية يقول بصحة العقد على أنه إجارة لأن الإجارة عنده بلفظ المساقاة فإذا أراد المالك أن يتعاقد مع العامل على خدمة بستان به شجر قد ظهر صلاح ثمره فهل يصح التعاقد؟
والجواب أنه يصح بشرطين:
أحدهما: أن يكون الشجر الذي ظهر صلاحه أقل من الذي لم يظهر بحيث لا يزيد عن ثلثه كما تقدم في الذي قبله.
ثانيهما: أن يكون الشجر أنواعاً مختلفة كنخل ورمان ويكون النوع الذي ظهر صلاحه غير النوع الذي لم يظهر صلاحه فإذا ظهر بعض صلاح البلح مثلاً ولم يظهر بعض صلاح الرمان وكان الذي ظهر صلاحه من البلح أقل مما لم يظهر فإنه يصح.
أما إذا كان الشجر نوعاً واحداً كنخل فقط؛ وظهر بعض صلاح ثمره، فإن جميع النخل في هذه الحالة يحل بيعه، فالذي لم يظهر صلاحه يكون في حكم ما ظهر صلاحه، وكذلك إذا كان الشجر الذي بالبستان نوعين فأكثر ثم ظهر صلاح كل نوع منه سواء كان قليلاً فإنه في هذه الحالة يدل على صلاح الجميع.
(3/24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وحكم ما يدل في العقد تبعاً أن يكون بين المالك والعامل فإذا شرط أن ينفرد به أحدهما بطل العقد.
وهناك شرط ثالث فيما له أصل وله ثمر يجنى؛ وذلك الشرط هو أن يكون الشجر مما لا يخلف والإخلاف له معنيان، معنى في الشجر ومعنى في الزرع، فمعناه في الشجر هو أن ينبت بجانب الثمرة التي استوت قبل قطعتها شجرة أخرى جديدة مثمرة كالموز فإنه بعد أن تثمر شجرة الموز تنبت إلى جانبها شجرة أخرى تثمر قبل قطع الأولى وهكذا، ومعهناه في الزرع هو أن ينبت له خلف بعد قطعة كالبرسيم ونحوه مما تقدم، وحكم الشجر الذي يخلف بعد قطعه أنه لا تصح مساقاته لما فيه من الجهالة وعدم معرفة ما يتفرغ من الشجر الذي يخلف بعد القطع كشجر النبق وغيره (فإن معظم شجره ينبت ثانياً إذا قطع وبقي أصله) فإن المساقاة تصح عليه وحكم الزرع الذي يخلف أنه لا تصح عليه المساقاة كما ستعرفه.
وأما القسم الثاني: وهو ماله أصل ثابت وليس له ثمر يجنى فإن المساقاة لا تصح عليه.
واما القسم الثالث: وهو ماله أصل غير ثابت وله ثمر يجنى كالمقثاة وكذلك القسم الخامس وهو الخضر الرطبة فإنه لا تصح المساقاة عليها إلا بخمسة شروط:
الشرط الأول: أن يكون مما لا يخلف مما لا يخلف بعد قطعة المساقاة في البصل والفحل والخس والجزر (والمقات) فإنها لا تنبت غيره بعد قطعه وكل ما يقلع من أصول ولا يترك أصله حتى ينبت ثانياً كالبرسيم والكراث والكزبرة والبقل ونحوها فإنه لا تصح عليها المساقاة.
الشرط الثاني: أن يعجز صاحبه عن تمام سقيه وخدمته فإن أمكنه أن بخدم مقثأته وبصله وفجله فإنه لا يصح أن يتعاقد مع غيره على أن يتم له خدمته بجزء منه.
الشرط الثالث: أن يخاف موته إذا لم يتعاقد مع غيره على سقيه.
الشرط الرابع: أن يكون قد برز من الأرض ليكون شبيهاً بالشجر.
الشرط الخامس: أن لا يكون صلاحه قد ظهر، فإن لم تتحقق هذه الشروط في ذلك القسم فإنه لا تصح المساقاة عليه.
وأما القسم الرابع: وهو ماله أصل غير ثابت ولكن له زهر وورق ينتفع به كالورد والياسمين فإنه كالشجر فلا يشترط فيه عجز صاحبه عن سقيه وإنما يشترط فيه الشروط التي ذكرت أولاً في الشجر واختلف في القطن الذي يجنى مرة بعد أخرى وكذلك العصفر فقيل إنه يشترط فيه الشروط الخمسة المتعلقة بالزرع وهو الراجح وقيل هو كالشجر فلا يشترط فيه سوى شروط الشجر.
ولا يشترط في المساقاة أن يكون الزرع محتاجاً للسقي فلو فرض وكانت الأرض ندية والشجر يشرب بعروقه منها بدون حاجة إلى سقي فإنه يصح عقد المساقاة لأن الشجر يحتاج إلى خدمة كثيرة غير
(3/25)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
السقي وحراسته وخدمة الأرض التي علها وهذا كاف في صحة العقد، ويسمى
الزرع الذي لا يجتاج إلى الماء بعلاً.
وكذلك لا يشترط في المساقاة أن تكون بجزء الثمرة بل تصح بجزء الثمرة وبجميعها فلو اشترط العامل أن تكون الثمرة كلها في نظير خدمته فإنه يصح وكذلك إذا اشترط ذلك المالك، إنما الذي يشترط من ذلك أن يعين عدد مخصوص أو يعين ثمرة نخلة مخصوصة كأن يقول المالك للعامل ساقيتك على بستاني هذا بشرط أن يكون لي عشرون كيلة من بلحه أو بشرط أن يكون لي بلح نخلة كذا، يصح أن يجعل نصيب أحدهما شائعاً في بعض النخل أو الشجر كما لا يصح أن يكون نصيبه مجهولاً كأن يكتفي في عينيه بالعرف إذا كان الناس لهم عرف في مثل ذلك.
وكذلك يشترط أن يكون الجزء الذي يخص كلاً منهما مستوياً في جميع أشجار البستان، فإذا كان البستان نخل ورمان وعنب واتفقا على خدمته بالثلث فإنه يجب أن يكون الثلث شائعاً في الجميع فلا يصح أن يكون في النخل الثلث وفي غيره الربع مثلاً ويفي هذا الشرط اشتراط شيوع النصيب في جميع الأشجار لأنه إذا كان له الثلث شائعاً فلا بد أن يكون في كل أنواع الشجر بنسبة واحدة ولكن دكرناه لزيادة الإيضاح.
فالشروط المختصة بنصيب كل من المالك والعامل ثلاثة:
أحدهما: ان يكون معيناً كالربع او الثلث أو نحو ذلك سواء كان تعينه بالنص لفظاً أو بعادة أهل البلد.
ثانيهما: أن يكون شائعاَ مستوياً في جميع الأشجار.
ثالثهما: أن لا يعين قدر مخصوص كعشرين كيلة أو يعين ثمن شجر مخصوص.
هذه هي شروط صحة المساقاة.
وأما شروط المفسدة لها، فمنها: أن يشترط المالك إخراج الخدم أو الدواب الموجود في البستان حين التعاقد فإذا لم يشترط ذلك ثم أخرجها بدون شرط فإن العقد لا يفسد. وكذلك إذا أخرجها قبل التعاقد، ولو كان إخراجها بعد العزم على العقد.
ومنها: أن يشترط تجديد شيء في البستان لم يكن موجوداً حين العقد كبناء حائط أو غرس شجر فإذا جدد أحدهما شيئاً من نفسه بدون شرط فإنه لا يضر.
ومنها: أن يشترط أحدهما على الآخر القيام بعمل خارج عن خدمة الشجر كأن يشترط أحدهما على صاحبه خدمة بيته او القيام بطحن غلته او نحو ذلك.
وعلى العامل أن يقوم بجميع ما يحتاج إليه البستان عرفاً ولو بعد انتهاء مدة المساقاة كتلقيح
(3/26)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الشجر وتنقية من الحشائش الضارة وإحضار ما رث من حبال ودلاء لازمة للسقي وهكذا وعلى المالك أن يدفع أجرة الخدم الذين كانوا في البستان حين التعاقد وأن يجدد بدل من يمرض منهم.
واما أركلنها فهي أربعة: الأول: ما يتعلق بالعقد من شجر وعامل ومالك. الثاني: المشروط للعامل. الثالث: العمل. الرابع: ما به تنعقد من الصيغة، وتنعقد بلفظ ساقيت بخصوصه على رأي بعضهم، وتنعقد به زبلفظ عاملت ونحوه على رأي البعض الآخر، وهو الراجح.
الحنفية - قالوا: المساقاة وتسمى المعاملة تصح في كل نبات يبقى في الأرض سنة فأكثر، فتصح في الشجر الكبير كشجر النبق (النخل) ونحوهما، وكذلك تصح في الزرع سواء كان خضراً كالراث والسلق والجرجير ونحو ذلك وتسمى بالبقول. أو كان (مقثأة) كالبطيخ والعجور
والقثاء والشمام ونحو ذلك ومنه القرع ومثله الباذنجان والباميا أو كان شجر كروم كالعنب والرمان والسفرجل ونحو ذلك ويسمى ذلك كله بالرطب جمع رطبة كقصعة وقصاع ولا يشترط في الشجر أن يكون مثمراً فتصح في الصفصاف والجوز والصنوبر والأثل ونحوها بشرط
أن تكون في حاجة إلى السقي والحفظ فإذا لم تحتج لذلك فلا تصح عليها المساقاة. وركنها الإيجاب والقبول وذلك بأن يقول له دفعت إليك هذا البستان مساقاة فيقول العامل قبلت.
ويشترط لها أمور، ومنها: أن يكون العاقدان عاقلين ولو يكونا بالغين.
ومنها: انهما إذا تعاقدا على شجر مثمر يزيد بالعمل فيه، فإذا كان فيه طلع أو فيه ثمر قد احمر أو اخضر أو اصفر ولكنه لم يستو فإنه تصح مساقاته، أما إذا كان قد استوى وأصبح صالحاً للجني ولكن ينقصه أن يكون رطباً فإن مساقاته لا تصح.
ومنها: أن يكون الخارج من الثمر لهما فلا يصح أن يكون لواحد منهما فقط.
ومنها: ان تكون حصة كل واحد منهما معلومة القدر كالثلث أو الربع أو نحوهما.
ومنهما: أن تكون شائعة في جميع الشجر.
ومنها: التسليم للعامل وهو أن يخلى بينه وبين الشجر فلو اشترطا أن يكون العمل عليهما معاً فسد العقد.
ولا يشترط في صحة المساقاة بيان المدة فإذا تعاقدا بدون بيان مدة فإن العقد يصح ويقع على أول ثمرة تخرج بعد العقد فإذا تعاقدا على خدمة كرم وليس لثمرته مدة يعرف فيها ابتداؤه وانتهاؤه فإنه لا يصح اما إذا كانت له مدة تعلم فإنه يصح.
وأما الشروط المفسدة لعقد المساقاة، فمنها: كون الخارج كله لأحدهما. ومنها أن يكون لأحدهما نصيب معلوم العدد أو الكيل العدد أو الكيل كأن يشترط أن يكون كيلة من الثمر ونحو ذلك.
ومنها شرط العمل على صاحب الأرض لأو عليهما معاً لما عرفت.
(3/27)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن يشترط على أحدهما حمل الثمر وحفظه بعد قسمته لأن بعد القسمة يكون كل واحد مسؤولاً عن نصيبه.
ومنها: شرط قطع الثمر أو قطفه على العامل وحده. ومنها: شرط عمل تبقى منفعته بعد انتهاء مدة المساقاة كبناء حائط أو غرس أشجار أو نحو ذلك، ومنها أن يكون نصيب تابعاً للعمل، فلو تعاقدا على أن يخدم العامل ليأخذ ثلث ثمره ويأخذ المالك الثلث الثاني ويأخذ شخص
ثالث لم يعمل الثلث الآخر لم يصح العقد.
ويتعلق بالمساقاة أحكام:
منها: أن ما يحتاج إليه الشجر ونحوه من السقي وإصلاح الترع والحفظ وتلقيح النخل وتنقية الحشائش ونحو ذلك فإنه يلزم به العامل. أما ما يحتاج إليه الشجر من النفقة، وما تحتاج إليه الأرض من تقليب ويسمى "عزقاً" أو سباخ، أو نحو ذلك من النفقات المطلوبة لإصلاح الأرض والشجر لينمو الثمر ويزيد، فإنه يكون عليهما بحسب نصيب كل منهما.
ومنها: أن يقسم الخارج بينهما بحسب الشرط.
ومنها: أنه إذا لم يخرج الشجر شيئاَ فلا شيء لواحد منهما على الأخر.
ومنها: عقد المسا قاة لازم من الجانبين فلا يضح لأحدهما فسخة بعد تمامه من غير رضا صاحبه إلا لعذر كمرض العامل إذا كان يضعه عن العمل، أو تبين للمالك أن العامل سارق معروف با لسرقة، فإن له أن يفسخ التعاقد معه. وتفسخ بموت المتعاقدين أو أحدهما وبانقضاء المدة.
ومنها: أن العامل يجبر على العمل إلا لعذر.
ومنها: جواز الزيادة على الشرط والحط منه.
وأما المساقاة الفاسدة فحكمها أن الخارج يكون كله للمالك وأن للعامل أجر مثله سواء أخرج الشجر ثمراً أولا. وصفة عقد المساقاة أنه لازم كما عرفت.
وبالجملة، فشرائط عقد المزارعة إلا فيما لا يمكن وجوده في المساقاة كبيان نوع البذر. وحكمها، وهو الصحة على المفتى به، خلافاً للإمام الذي يقول بعدم صحة المساقاة كالمزارعة.
ولكن يفرق بين المساقاة والمزارعة بأربعة أمور:
الأول: أن يعقد المساقاة لزم فلا يصح لأحدهما فسخة بعد الإيجاب والقبول بخلاف عقد المزارعة فإنه لا يلزم في جانب صاحب البذر إلا ألقي بالأرض كما تقدم.
الثاني: إذا تعاقدا على مدة معينة في المساقاة ثم انقضت المدة قبل استواء الثمرة فإنه يكون للعامل الحق في أن يقوم على الأشجار ويباشرها حتى تنتهي ثمرتها ولكن لا يكلف العامل يدفع أجرة حصته من الشجرة حتى تستوي الثمرة التي يجنيها، وبيان ذلك أنه انقضاء مدة المساقاة قد يتوهم
(3/28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أن يقول المالك للعامل لا حق لك في بقاء ثمرك على الشجر الذي أملكه بعد بطلان العقد بانقضاء مدته، فإذا شيءت بقاءه إلى أن ينتهي فادفع عليه أجراً. ولكن هذا لا يجوز إذ ليس للمالك مطالبة العامل بأجر على بقاء الثمر لأن الشجر استئجاره.
أما المزارعة فإن العامل وإن كان له الحق في القيام على الزرع بعد انقضاء المدة حتى تنتهي ولكن للمالك الحق في مطالبته بأجر أرضه التي عليها زرعه إلى أن ينتهي، لأن الأرض يصح استئجارها.
الثالث: إذا تعاقد شخص مع آخر على خدمة بستان مساقاة وعمل فيه ثم ظهر أن ذلك البستان حق لشخص آخر غير الذي تعاقد معه، فإن كان به ثمر فإن العامل يرجع على من ثبت أن ذلك له. أما إذا تعاقد معه عقد مزارعة وثبت أن الأرض حق لغير من تعاقد نعه، فإن الزرع كله يكون لمن ثبت له الأرض، ويرجع العامل عليه بقيمة ما يخصه من الزرع.
الر ابع: أن بيان المدة شرط في المزارعة وليست شرطاً في المساقاة، وذلك لأن وقت إدراك الثمر معلوم عادة، فإذا لم يبينا المدة فيقع العقد على أول ثمر في تلك السنة كما تقدم.
الشافعية - قالوا: المساقاة هي أن يعامل شخص يمولك نخلاً أو عنباً شخصاً آخر على أن يباشر ثانيهما النخل أو العنب بالسقي والتربة ونحو ذلك وله في نظير عمله جزء معين من الثمر الذي يخرج منه ولللولي أن ينوب عن المالك القاصر في ذلك.
وأركانها خمسة:
الركن الأول: الصيغة، وهي تارة تكون صريحة وتارة تحتمل أن تكون صريحة وأن تكون كناية، فالصريحة هي ما كانت بلفظ ساقيت وعاملت، فإذا قال له ساقيتك على هذا النخل أو العنب بكذا من ثمره، فإن العقد يقع صريحاً لازماً، اما الألفاظ التي تحتمل الأمرين فهي كأن يقول له سلمت لك هذا النخل أو هذا العنب لتتعهده بكذا من ثمره. أو يقول له تعهد هذا النخل الخ، أو يقول له اعمل فيه. فهذه الألفاظ الثلاثة تحتمل أن تكون صريحة في المساقاة وتحتمل أن تكون كناية لأنه يصح أن يقول قصدت بها الإجارة فيفسد العقد حينئذ لأن الإجارة لا تصح بجزء من الخارج.
ولكن المعتمد أن هذه الألفاظ صريحة في المساقاة لأن عدم ذكر لفظ الإجارة مع جعل العوض جزءاً من الثمر يعين المساقاة.
نعم لو صرح بلفظ الإجارة بأن قال له: أجرتك هذا النخل بجزء من ثمره فإنها تقع إجارة فاسدة نظراً للتصريح باللفظ وإن كانت في معنى المساقاة،
وكذا لو قال له ساقيتك على هذا النخل بعشرين جنيهاً فإن يقع فاسداً لأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمر لا بالنقد ولا يصح أن يكون إجارة نظراً للفظ المساقاة وإن كان في معنى الإجارة من حيث كونه بالنقد.
ويشترط لصحة الصيغة القبول لفظاً فلا يكفي مباشرة من العامل أو تسليم الشجر من
(3/29)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المالك، فإذا كان أخرس فإن إشارته تقوم قوله إلا أن إشارته تون صريحة إذا كانت مفهومة لكل أحد وتكون كناية إذا كانت مفهومة للفطن فقط فإذا كانت كناية لا يلزم بها إذا امنتنع عن تنفيذ العقد إلا إذا قامت قرينة ترجح إرادة العقد.
الركن الثاني: العاقدان، إذ لا تتحقق المساقاة إلا بمالك وعامل يشترط فيهما أن يكون كل واحد منهما أهلاً للتعاقد فلا تصح من مجنون وصبي
الخ ما تقدم في البيع ويجوز للولي أن يتولى ذلك عن القاصر كما عرفت قريباً.
الركن الثالث: مورد العمل وهو النخل أو العنب إذ لا تتحقق المساقاة إلا
بوجودهما.
ومذهب الشافعية المعمول به الآن أن المساقاة لا تصح إلا في النخل والعنب بخصوصه ويعللون هذا بأن غيرهما من الأشجار ينمو بنفسه فلا يحتاج إلى من يباشر العمل فيه بخلاف النخل والعنب وقد يقال إن كثيراً من الأشجار تحتاج إلى تربية وعلاج أكثر كالمانجو وغيرهما أما المذهب القديم عندهم فإنها تصح في جميع الأشجار المثمرة واختاره بعض أئمتهم.
وعلى مذهب المعمول به عندهم إذا ساقى شخص آخر على نخل آخر كنبق أو برتقال أو غيرهما فهل تصح المساقاة عليهما تبعاً للنخل؟ خلاف والأصح الجواز بالشروط المتقدمة في المزارعة التي تصح تبعاً للمساقة. فإذا كان بالبستان شجر لا يثمر كالصنوبر فإنه لا تصح المساقاة عليه تبعاً للنخل كما لاتصح المساقاة منفرداً، ومثله الزرع الذي لا ساق له كالبطيخ والعجور وقصب السكر فإنها المساقاة عليها تبعاً كما لا تصح منفردة وبعضهم يقول بجواز المساقاة عليها تبعاً بالشرائط المذكورة.
ويشترط لصحة المساقاة أن يكون النخل أو العنب والشجر التابع معيناً مرئياً فلا تصح أن يقول له ساقيتك على احد البستانين اللذين أمامنا من غير أن يعين واحداً منهما ولا تصح المساقاة على ان يغرس العامل نخلاً ابتداء على أن يكون له نصفه أو ثلثه أو نحو ذلك لأن الغرس ليس من عمل المساقاة فإذا فعل ذلك فسد العقد وللعامل أجر مثله. إذا ساقاه على نخل مغروس ولكنه صغير لم يبلغ الحد الذي يثمر فيه ويسمى (ودياً. وفسيلاً) بأن يتعهد سقيه وتربيته من ثمره لا منه فإن ذلك يشمل ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يقدرا مدة يثمر فيها النخل أو ظناً وفي هذه الحالة يكون العقد صحيحاً فإذا لم يثمر النخل في تلك المدة فلا يستحق العامل أجراً ويضيع عليه عمله فإذا قدر له مدة خمس سنين مثلاً تبتدئ بعد شهرين ثم أثمر قبل قبل حلول الموعد فإن لا يستحق أجراً. وكذا إذا أثمر قبيل أن تنتهي المدة وتأخر بلوغ الثمر حتى فرغت المدة فإن للعامل حقه
في الثمر وعلى المالك أن يتم المطلوب للنخل.
(3/30)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الصورة الثانية: أن يقدر له مدة لا يثمر فيها غالباً ولا يقيناً وظناً ولا احتمالاً وفي هذه الحالة يقع فاسداً بلا نزاع وللعامل عمله.
الصورة الثالثة: أن يقدر يحتمل أن يثمر فيها ويحتمل أن لا يثمر لجهل حال بلوغ مثل هذه النخل واختلف في هذه الصورة فقبل بفساد وقيل بصحته لأن الثمر مرجو ومن بعدم صحته يقول إن العامل يستحق الأجرة وإن لم يثمر.
الركن الرابع: العمل إذ لا تتحق المساقاة بدون عمل فالعامل مكلف بأن يقوم بكل الأعمال اللازمة لإصلاح الثمر ونمائه من سقي وحفظه وتنقية حشائش ضارة وتنظيف مجاري الماء وقطع الفروع الجافة التي تضر بالشجر (تقليم العنب) وتلقيح النخل ونحو ذلك من الأعمال التي تتكرر كل سنة ولا يشترط ان تبين هذه الأعمال في صيغة العقد بل يلزم بها العامل على أي حال حتى حال لو كلن المتعارف عند بعض الناس أن لا يعمل بعضها لأن ذلك ضروري.
أما الأعمال الداخلة في معنى المساقاة من غير الأعمال فإنه يشترط بيانها تفصيلاً في صيغة العقد إلا إذا كان فيها عرف متبع بين الناس معلوم للعاقدين فإنه في هذه الحالة يصح بدون بيانها تفصيلاً ويتبع فيها عرف أهل الجهة التي فيها النخل والشجر فإذا لم يكون فيها عرف أو كان ولم يعرفه المتعاقدان فسد العقد بدون بيانها واختلف في قطع الثمر وتجفيفه فقيل على العامل وقيل على المالك والأصح أنه على العامل.
أما الأعمال الثابتة التي لاتكرر كل سنة فهي على المالك كحفر الآبار
والمساقي وبناء الأسوار ووضع السقوف ونحو ذلك فإذا اشترط على العامل شيء من ذلك فسد العقد وكذا فإذا اشترط على المالك أن يعمل شيء من ذلك فسد العقد وكذا إذا اشترط على المالك أن يعمل شيئاً من أعمال المساقاة التي يختص بها العامل فسد العقد فإذا اشترط احدهما على الاخر شيئاً لا يختص به خارج العقد كما إذا اشترط المالك على العامل أن يبني سوراً فإن العقد لا يفسد ولا يلزم بتنفيذه.
ويشترط في العمل ثلاثة شروط:
أحدهما: أن يكون مقدراً بمدة كسنة أو أقل أو أكثر اشترطا مدة غير معينة فسد العقد.
الشرط الثاني: أن يكون العامل منفرداً بوضع اليد أيضاً فإن اشترطت المشاركة فسد أيضاً لأنه لا يكون حراً في العمل.
نعم يصح أن يشترط مساعدة العامل بخادم المالك بشرط أن يكون الخادم معروفاً بالرؤية أو الوصف وأن يعمل تحت تدبير العامل.
الركن الرابع: الثمر ويشترط لها شروط.
(3/31)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أحدهما: أن تكون مختصة بالمالك والعامل فلو شرط دخول ثالث معهما في الثمرة فسد العقد.
ثانيهما: أن يكون نصيب كل منهما معيناً كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك فلو قال: ساقيتك بجزء من الثمر فإنه لا يصح لأن الجزء غير معين. نعم لو قال ساقيتك على أن يكون بيننا فإنه يصح ويكون بينهما مناصفة.
ثالثهما: أن تكون الثمرة قد ظهر صلاحها فلا تصح المساقاة على الثمر الذي ظهر صلاحه.
هذا ولا يشترط أن يكون للعامل شيء من الشجر كالجريد ونحوه مما يختص به المالك.
واعلم أن عقد المساقاة لازم لا يصح لأحد الشريكين فسخه فإذا امتنع العامل عن العمل لعذر أو لغيره فللمالك أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليلزمه. وإذا كان النخل أو العنب مملوكاً لاثنين فإنه يجوز لأحدهما مساقاة الآخر عليه يشترط له جزءاً زائداً عما يستحقه بملكه، فإذا كان يملك النصف فلا تصح المساقاة إلا إذا كانت بجزء من النصف الثاني.
الحنابلة - قالوا: المساقاة يشمل أمرين:
أحدهما: أن يدفع المالك أرضاً مغروسة نخلاً أو شجر مأكول بجزء معلوم من ثمرته كنصفها أو ثلثها.
ثانيهما: أن يدفع له أرضاً وشجراً غير مغروسة ويعمل عليه بجزء معلوم منه أو من ثمره، ولكن المعنى الثاني يختص باسم المناصبة والمغارسة لأنه الشجر ليغرسه.
ومن هذا يتضح أن المساقاة أعم لأنها تشمل ما كان الشجر مغروساً لافعل أو غير نغروس أما المناصبة فهي مختصة بغير المغروس.
ويشترط لصحة عقد المساقاة شروط:
أحدهما: ان يكون الشجر له ثمر مأكول كما ذكر تصح على شجر الكافور والحور والصنوبر والصفصاف والسنط ونحو ذلك من الأشجار التي لا ثمرة لا تؤكل ومثل ذلك الورد والياسمين ونحوهما، فإنه لا يصح عقد المساقاة عليه لأنه ليس له ثمر. وبعضهم يقول إن المساقاة تصح على الورد والياسمين ونحوهما من المزروعات التي لها زرع ينتفع به بجزء معلوم من زهره.
ثانيهما: أن يكون الشجر له ساق فلا تصح عقد المساقاة عليه ولإنما يصح عليه عقد المزرارعة.
ثالثهما: أن يكون نصيب كل منهما جزء معيناً بجزء مشاع كالنصف أو الثلث أو الربع أو نحوه ذلك.
حتى لو جعل المالك للعامل جزءاً من ألف جزء جاز لأنه لا يلزم التساوي في الأنصبة أما لو بين
(3/32)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
نصيب واحد منهما بعدد معين كعشر كيلات ومثل ذلك ما إذا جعل دراهم معلومة وكذا لو جعل له جزءاً معلوماً كالخمس وضم إليه جنيهين مثلاً، فإن كل ذلك لا يصح لجواز أن لا يخرج شيء من الثمر يساوي النقد عينه.
رابعها: أن يكون الشجر معلوماً للمالك والعامل بالرؤية أو الصفة التي لا يختلف الشجر معها كالبيع فإذا ساقاه على أحد هذين البستانين ولم يعين واحداً منهما فإنه لا يصح وكذا ساقاه على بستان لم يعرفه ولم يصفه وصفاً يرفع الاشتباه.
خامسهما: أن لا يشترط للعامل ثمر مخصوص من بين الأشجار كما إذا كان في البستان شجر برتقال وتين وتفاح فاختص العامل بشجر التين مثلاً، فإنه لا يصح وكذلك إذا اشترط له ثمر سنة غير السنة التي ساقاه في سنة أربع بثمر سنة خمس مثلاً وكذلك لا تصح إذا ساقاه على بستان بثمر بستان آخر وكذلك إذا ساقاه بجزء من ثمر هذا البستان في هذا العام على أن يعمل فيه في العام الذي بعده، فإن كل ذلك يفسد العقد.
وركن المساقاة الإيجاب والقبول وتنعقد بلفظ المساقاة والمعاملة كاعمل في بستاني أو تعهده، وبالجملة فالمعول عليه في ذلك هو المعنى فمتى حصل بأي لفظ صح. وأنا القبول فإنه يصح بما يدل عليه أيضاً من قول وفعل فشروع العامل في العمل قبول.
وتصح المساقاة بلفظ الإجارة كما تصح المزارعة بذلك لما تقدم من أن الإجارة تصح بجزء مشاع معين من الخارج من الثمر.
وتصح المساقاة على الشجر الصغير الذي لم يبلغ حد الإثمار بجزء من ثمرته بشرط أن تكون مدة المساقاة يثمر فيها الشجر غالباً، وكذلك تصح المساقاة على أن يغرس العامل شجراً ابتداء ويتعهده حتى يثمر وينمو جزء منه وهي المغارسة النتقدم دكرها كما يصح بجزء من ثمره أو بجزء من الشجر وجزء من الثمر بشرط أن تكون الأصول التي يراد
غرسها من مالك الأرض كالبذر فإذا اشتراها العامل وغرسها كان المالك مخيراً بين قلعها ويدفع له قيمة ما نقص منها وبين تركها وعليه قيمتها.
وهو عقد غير لازم كالمزارعة فالكل من العاقدين فسخة في رأي وقت فإذا فسخ العامل بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه عند العقد في هذه الحالة يملك العامل نصيبه من الثمر الظاهر ويلزم بالعمل وفي إلزامه بالعمل وله أن يبيع نصيبه لمن يقوم مقامه بالعمل ويصح أن يشترط على من يبيع له أن يعمل بدله. أما إذا فسخ فإن عليه للعامل أجرة مثل عمله.
ولا يشترط توقيت المساقاة بمدة لأنها عقد غير لازم كما عرفت فلو عينت مدة للمساقاة ولكن الثمر لم يثمر فيها فلا شيء للعامل.
(3/33)

مباحث المضاربة
تعريفها
-هي في اللغة عبارة عن أن يدفع شخص مالاً لآخر ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على ما شرطا والحسارة على صاحب المال.
وهي مشتقة من الضرب بمعنى السفر لأن الاتجار يستلزم السفر غالباً. قال تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} أي سافرتم، وتسمى قراضاً ومقارضة مشتقة من القرض وهو القطع سميت بذلك لأن المالك قطع قطعة من ماله ليعمل فيه بجزء من الربح والعامل قطع لرب المال جزءاً من الربح الحاصل بسعيه؛ فالمفاعلة على بابها.
وأما عند الفقهاء: عقد بين اثنين يتضمن أن يدفع احدهما للآخر مالاً يملكه ليتجر فيه بجزء شائع معلوم من الربح كالنصف أو الثلث أو نحوهما مخصوصة.
وظاهر أن هذا المعنى يطابق المعنى اللغوي إلا أنه مقيد بالشروط التي
تجعل العقد صحيحاً أو فاسداً في نظر الشرع.
ومناسبة المضاربة للمساقاة والمزارعة ظاهرة لأنك قد عرفت أنهما عقدان بين اثنين من جانب أحدهما الأرض أو الشجر، ومن جانب الآخر العمل، ولكل منهما نصيب في الخارج من الثمر، وكذلك المضاربة فإنها عقد يتضمن أن يكون المال منة جانب والعمل من جانب آخر ولكل من الجانبين نصيب في الربح، وتسمى المضاربة قراضاً عند الفقهاء أيضاً ويقال لرب المال مقارض - بكسر الراء - وللعامل مقارض - بفتحها - أما المضاربة فيقال للعامل فيها مضارب - بكسر الراء - وليس للمالك اسم مشتق منها.

أركانها وشروطها وأحكامها
-ولها أركان وشروط وأحكام مفصلة في المذاهب (1)
__________
(1) الحنفية: قالوا: عقد المضاربة بالنظر لغرض المتعاقدين يكون شركة في الربح لأنه دفع من جانب المالك، ويذل عمل من جانب المضارب، بأن يتجر في المال ليشترك مع صاحبه في ربحه
(3/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فالغرض من
ذلك العقد هو الاشتراك في الربح ومن أجل ذلك عرفوه بأنه عقد على الشركة في الربح بمال من أحد الجانبين وعمل من الآخر.
ولكن المضارب له أحوال يختلف معها حكم المضاربة، ولهذا قالوا: إن حكم المضاربة بتنويع إلى أنواع:
أحدهما: أن المضارب عند قبض المال وقبل الشروع في العمل يكون أميناً وحكم الأمين أن يكون المال أمانة في يده يجب عليه حفظه ورده عند طلب المالك وليس عليه الضمان إذا فقد منه.
ثانيهما: أنه عند الشروع في العمل يكون المضارب وكيلا وحكم الوكيل أنه يقوم مقام موكله فيما وكل فيه ويرجع على صاحب المال بما يلحقه من التعهدات المالية المتعلقة بوكالته. ومن أحكامه أنه لا يجبر الوكيل على العمل فيما وكل فيه إلا في دفع الوديعة، كأن قال رجل لآخر: وكلتتك في دفع هذا الثوب المودع عندي لفلان فإنه إذا غاب الموكل على دفع الثوب لصاحبه وعقد الوكالة ليس لازماً فإن لكل منهما أن يتجلى عنه
بدون إذن صاحبه.
ثالثهما: انه عند حصول الربح يكون حكم المضارب كالشريك في شركة تاعقود المالية، وهي أن يكون لكل من الشريكين حصة معينة من الربح الناتج الآتية لأن المفهوم الآتي مشترط فيه أن يدفع كل واحد من الشريكين رأس مال.
رابعهما: إذا فسدت المضاربة يكون حكم المضارب حكم الأجير بمعنى أن الربح جميعه يكون لرب المال والخسارة تكون عليه وللمضارب أجر مثله سواء ربح المال أو خسر خلاف، والصحيح أنه إذا عمل في المضاربة الفاسدة فلا أجر له إذا لم يربح لأنه إذا أخذ أجراً مع عدم الربح الفاسدة
تكون الفاسدة أروج من الصحيحة إذ من الصحيحة إذ ليس له شيء إذا
لم يربح في الصحيحة فكيف يستحق في الفاسدة مع عدم الربح؟
خامسهما: إذا خالف المضارب شرطاً من الشروط يكون غاضباً. وحكم الغاضب أنه يكون آثماً ويجب عليه رد المغصوب شرطاً من الشروط يكون غاصباً. وحكم الغاصب أنه يكون آثماً ويجب عليه رد المغصوب وعليه ضمانه وقد اغترض جعل الوجه الثالث والرابع من أحكام المضاربة وذلك لأن اعتبار المضارب أجيراً للشروط ومتى خالف فقد نقص العقد فكيف يصح جعل الغضب من أحكامها وقد أجيب بأنهما من أحكام الفاسدة؟ ولكن هذا الجواب لا ينفع في مسألة الغصب لأن حكم الإجارة الفاسدة وهو أن يكون للمضارب أجر مثله وليس للغاصب أجر،
على أن الكلام في أحكام المضاربة الصحيحة، فالظاهر أن ذكر هذين الأمرين من الأحكام مبنى على التسامح.
سادسهما: أنه إذا شرط أن يكون الربح كله للمضارب كان قرضاً فإذا قبض المال وعمل فيه على هذا الشرط يكون مسؤولاً عنه وحده فله ربحه وعليه خسارته وإذا فقد منه كان ضامناً له ويجب عليه رده
لصاحبه.
(3/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سابعهما: إذا شرط أن يكون الربح كله للمالك كان حكمه كحكم هقد البضاعة وهو أن يوكله في شراء بضاعة بلا أجر فكل ما يشتريه يكون له وعليه نفقات حمل وليس للمشتري أجر، فهذا هو حكم المضاربة.
واما ركنها: فهو الإيجاب والقبول وذلك يكون بألفاظ تدل على المعنى المقصود كأن يقول له: خذ هذا المال واعمل فيه مضاربة أو مقارضة أو معاملة، أو خذ هذا المال مضاربة على ما رزقنا الله من ربح فهو بيننا نصف أو ثلث، فيقول المضارب: أخذت أو رضيت أو قبلت. ولو قال: خذ هذا المال بالنصف أو على النصف ولم يرد على هذا فإن ذلك يكون مضاربة صحيحة.
وأما شروط صحتها فهي أمور:
منها: أن يكون رأس المال من النقدين الذهب والفضة المسكوكين باتفاق أهل المذهب وتصح بالفلوس الرائحة على المفتى به، والمراد بالفلوس الرائحة ما يتعامل به من غير الذهب والفضة كالقروش الصاغ والتعريفة وغيرهما من النقد المتخذ من النيكل أو النحاس في جواز المضاربة بالذهب والفضة إذا لم تكن مضروبة وقد اختلف في جواز المضاربة بالتبر إذا كان رائحاً كالنقد المضروب فقيل تصح به وقيل لا وكذلك لا تصح المضاربة بعروض التجارة فإذا أعطى رجل لآخر قطنا أو ثياباً ببمائة جنيه مثلاً وقال له: بعضها مضاربة على أن يكون الربح بيننا فهي مضاربة فاسدة فإذا باعها وخسر لا يكون العامل مسؤولاً عن تلك الخسارة حتى لو اصطلح مع رب المال على أن يعطيه كل المال بدون خسارة فإن ذلك الصلح لا يعمل به. وهل للعامل أجر مثله في حال الخسارة أو لا؟ خلاف تقدم قريباً فإذا عمل المضارب في الثمن الذي باع به البضاعة عومل بالشرط الذي تعاقدا عليه لأنه في هذه الحالة يصير مضاربة فالعامل في الأول لم يضمن لأنه أمين بمقتضى الوكالة فلما عمل في الثمن صار مضارباً بعد ذلك فاستحق المشروط.
ومنها: أن يكون رأس المال معلوماً عند العقد كي يقع العاقدان في منازعة.
ومنها: أن يكون رأس المال معيناً حاضراً عند المالك فلا تصح المضاربة
بالدين الذي له عند المضارب فإذا قال له: اعمل قال له: اعمل فيما عندك من مضاربة على أن يكون لك نصف الربح فإنه لا يصح. فإذا اتجر المديون في مال الدين الذي عليه وخسر أو ربح كانت الخسارة عليه والربح له وكان الدين باقياً بحاله وقيل يبرأ المديون من الدين ويكون الربح لصاحب المال والخسارة عليه وللمضارب أجر مثله، أما إذا كان الدين عند شخص آخر غير المضارب فقال له صاحبه لي عند فلان مائة جنيه فاقبضها واعمل مضاربة ففعل فإنه يصح مع الكراهة وكذا إذا قبض بعض المائة وعمل فيه فإنه يصح كذلك أما إذا قال له اقبض ديني من فلان فاعمل مضاربة أو ثم اعمل فيه مضاربة فقبض بعضه وعمل فيه مضاربة فإنه لا يصح لأن الفاء وثم تفيد لا يعمل فيه إلا بعد قبضه جميعه.
(3/36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا أودع رجل عند آخر مالاً وقال له اعمل فيما عندك مضاربة فإنه يصح. وكذا إذا أعطى رجل لآخر مالاً يشتري له بضاعة ثم قال له اعمل فيه مضاربة فإنه لا يصح.
ومنها: أن يكون المال مسلماً للمضارب بحيث يتصرف فيه وحده فإذا شرط أن يعمل رب المال مع غير المضارب فإن العقد يفسد ولا فرق في ذلك بين أن يكون صاحب المال هو الذي تولى صيغة العقد أو غيره
فإذا كان صاحب المال صغيراً وتولى التعاقد وليه شرط أن يعمل الصغير مع المضارب فسدت، وإذا فسدت يكون للمضارب أجر مثله من مال القاصر. وإذا وكل شخص آخر في أن يتعاقد مع شخص في ماله مضاربة فاشترط الوكيل أن يعمل مع ذلك المضارب بجزء من الربح فسد العقد لأن الوكيل يقوم مقام موكله فيما وكل فيه. وقد عرفت أنه لا يصح أن يشترط صاحب المال العمل مع المضارب فكذلك وكيله.
ومنها: أن يكون نصيب المضارب من الربح معلوماً على وجه شائع كالنصف والثلث أو نحوهما أما إذا عين عداً مخصوصاً كأن قال له اعمل هذا المال مضاربة ولك عشرون جنيهاً من الربح فإن العقد يكون فاسداً، وكذلك إذا ضم إلى نصيبه عدداً معيناً كما قال له اعمل مضاربة ولك نصف الربح وعشرون جنيهاً فوق ذلك فإنه لا يصح، وكذا إذا شرط له نصف الربح إلا عشرين جنيهاً أو عشرة أو أقل أو أكثر فإن العقد يفسد، أما إذا شرط أن له ربح نصف المال أو ثلثه بدون تعيين نصف خاص أو ثلث خاص فإنه لا يصح.
وإذا شرط للمضارب أجرة شهرية زيادة عن نصف الربح مثلاً، فإن ذلك الشرط باطل ولكن العقد صحيح فإذا عمل على ذلك الشرط فإنه لا يستحق إلا نصيبه في الربح فقط أما إذا دفع له مالاً ليضارب فيه بشرط أن يعطيه منزله ليسكنه، أو أرضاً ليزرعها، فإن العقد يفسد بذلك.
المالكية - قالوا: المضاربة أو القرض في الشرع عقد توكل صادر من رب المال لغيره على أن يتجر بخصوص النقدين (الذهب والفضة) المضروبين يعامل به ولا بد أن يدفع رب المال للعامل القدر الذي يريد أن يتجر فيه عاجلاً.
فقولهم: توكيل يشمل كل توكيل، وقولهم: على أن يتجر بخصوص النقدين اخرج التوكيل على أن يتجر بعرض تجارة أو حبوب أو حيوان فإنه في هذه الحالة يكون قراضاً فاسداً فإذا قال له رب المال خذ هذا القطن مثلاً وثمنه مائة جنيه فبعه ولك نصف ربحه أو أقل أو أكثر ففعل ذلك فإنه لا يأخذ الجزء الذي سماه من الربه لأن المضاربة فاسدة ولكن للعامل الحق أولاً في أجر مثل بيعه إن كان له أجر وثانياً له جزء في الربح يعادل الجزء الذي يستحقه العامل الذي يضارب في مثل
(3/37)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ذلك المال ويقال له قراض المثل سواء كان ذلك الجزء موافقاً لما سمي أو أقل أو زيد وينتظر في ذلك للعادة فإن لم يربح شيئاً فلا شيء له. وكذلك إذا قال له خذ هذا القطن فبعه واعمل بثمنه مضاربة على أن لك كذا من ربحه فإن حكمه كالأول وبعضهم يقول إن ذلك إنما يكون مضاربة فاسدة إذا كان بيعه محتاجاً لعناء وله شأن أما إذا كان بيعه هنياً فإن المضاربة تكون صحيحة ولكن المعتمد المنع مطلقاً فإذا كانت عروض التجارة تحت رجل آخر يتولى بيعها غير رب المال والعامل ثم قال رب المال للمضارب: خذ ثمن العروض التي يتولى بيعها فلان واعمل فيها مضاربة بكذا فإنه يجوز وهذا كله إذا لم تكن عادة أهل البلد الذي وقع فيه العقد أن يتعاملوا بعروض التجارة فقط أما إذا كانت عادتهم هذه وليس عندهم نقد مضروب فإنه يصح جعل العروض رأس مال المضاربة حينئذ.
وقولهم: مضروب معناه مختوم بختم الحاكم يخرج به التوكل على أن يتجر له بقطع الذهب أو الفضة غير المضروبة ويشمل ذلك صورتين: الصورة الأولى أن يكون عقد المضاربة في بلد لا تتعامل بالمضروب بغير المضروب أصلاً. الصورة الثانية أن يكون في بلد تتعامل بالمضروب وغير المضروب، وفي كلتا الحالتين ينتنع أن يجعل رأس المال من غير المضروب فإذا وقع العقد وعمل المضارب على ذلك فإنه يمضي على عمله ويكون له قراض المثل فقط إذا جعل قطع الذهب أو الفضة أثماناً. أما إذا باعها واتجر بثمنها فإن له مع قراض المثل أجر مثل بيعها إن كان له أجر في العادة. وقد عرفت أن قراض المثل هو أن يكون له جزء في الربح يساوي ما يؤخذ عادة من مثل ذلك المال الذي يعمل فيه مضاربة بقطع النظر على الجزء المسمى عند العقد فإذا لم يربح شيئاً فلا شيء له.
أما إذا كان عقد المضاربة في بلد لا تتعامل إلا بقطع الذهب والفضة ولا تعرف النقد المضروب فإن عقد المضاربة يكون صحيحاً وليس للعامل إلا
الجزء الذي سمي من الربح ومثل قطع الذهب والفضة الفلوس كالقروش المأخوذة من النحاس فإنه لا يصح جعلها رأس المال المضاربة فإن جعلت ووقع العقد عليها كانت قراضاً وعلى العامل ردها عمل فيها فحكم ذلك كالذي قبله وهو أنه إذا باعها بنقدين وضارب في ثمنها كان له أجر مثل بيعها وقراض مثلها وإذا عمل بها هي كان له قراض مثلها فقط.
وقولهم: وأن يدفع له عاجلاً القدر الذي يتجر له فيه خرج ما ليس كذلك وهو يشمل أموراً ثلاثة: الأول: الذين وكذلك بأن يكون لرب المال ديناً على العامل فقال له: اعمل في الدين الذي عليك مضاربة بثلث ربحه أو نحو ذلك، فإن ذلك يكون مضاربة فاسدة، فإذا اتجر العمل في ذلك الدين كان له ربحه وعليه خسارته، والدين باق بحاله وعلى المدين ضمانه.
فإذا وكل رب المال العامل على أن يخلص له ديناً عند آخر ويتجر من ربحه فإن ذلك يكون مضاربة فاسدة أيضاً فإذا مضى فيها العامل فإنه يكون له أجراً مثل تخليص الدين إن كان له أجر عادة وله قراض المثل في ربحه أي يأخذ جزءاً من الربح يساوي الجزء يأخذ المضارب من مثل ذلك المال عادة سواء وافق المسمى أو لا كما تقدم فإذا أحضر المدين
اتلدين وقبضه صاحبه منه ثم
(3/38)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عامله به مضاربة فإنه يصح. وكذلك إذا أحضره ولم يقبضه ولكن يشترط في هذه الحالة أن يشهد المدين رجلين أو رجلاَ وامرأتين على أنه قد أحضر الدين وبرأت ذمته منه، وفي هذه الحالة يصح أن يجعل رأس مال مضاربة.
الأمر الثاني: الرهن بأن يكون تحت يد العامل نقود مضروبة مرهونة عنده في نظير دين له عند رب المال فإنه لا يصح في هذه الحلة أن يقول صاحب المال المرهون للراهن: اعمل فيه مضاربة بنصف ربحه مثلاَ إلا إذا سد الدين الذي له عليه، مثال ذالك ما يفعله الملاّك في زماننا مع المستأجرين فإنهم يأخذون منهم تأميناَ نقدياَ رهناَ على دين إجارتهم فإنه لا يجوز أن يقول صاحب التأمين لمن هو عنده اعمل فيه مضاربة بنصف الربح الذي يخرج منه أما إذا كان المرهون عروض تجارة أو حيوان فأن المنع فيها ظاهر لأنه لا يصح أن تجعل رأس مال المضاربة كما علمت وكذالك إذا كان المرهون في يد أمين فإنه لا يجوز أن يقول صاحب الرهن للأمين: اعمل فيها مضاربة بجزء من الربح قبل أن يسد الدين الذي رهنت تحت يد الأمين من أجله.
الأمر الثالث: أن يكون المال وديعة عند العامل فأذا أودع شخص عند شخص آخر مالاَ فإنه لا يصح أن يقول له أتجر في ذلك المال ولك نصف ربحه أو ثلثه أو نحو ذلك.
فإذا أحضر الوديعة واستلمها صاحبها فإنه يصح أن يعطيها له ليعمل فيها مضاربة بعد ذلك وكذلك إذا احضرها ولم يستلمها صاحبها، ولا حاجة الى الإشهاد في الوديعة وكذلك إذا كانت الوديعة تحت يد شخص غير الشخص الذى أودعت عنده فإنه لاتصح المضاربة عليها فإذا أودع شخص عند أخر نقوداَ ثم خاف عليها الشخص الذى أودعت عنده فأودعها شخصاَ آخر فإنه لا يصح أن تجعل رأس مال المضاربة ابضاً فإذا اتجر فيها من اودعت عنده بإذن صاحبها كان الريح لصاحبها والخسارة عليه للعامل اجرة مثله والرهن فىذلك كالوديعة. اما إذا اتجر فيها من غير إذنه فالربح والخسارة على العامل.
ويؤخذ من بيان التعريف على هذا الوجه بعض الشروط الازمة لصحة عقد المضاربة وجميع شروطه عشرة، احدهما: دفع راس المال للعامل فوراً فإذا كان مؤجلاً فسد العقد، ثانيها: كون راس المال معلوماً وقدره وقت العقد ككونه مائة جنيه مصرية مثلاً فلا يصح ان يضاربه على مبلغ غير معين ثالثها: كون رأس المال غير مضمون فلو شرط رب المال على العامل ان يكون ضامناً لرأس المال إذا فقد منه قهراً عنه فإن المضاربة تكون فاسدة فإذا عمل العامل على هذا الشرط كان له قراض مثل هذا المال في ربحه ولا يضمنه إذا فقد بلا تفريط لأن هذا الشرط باطل فلا يعمل به أما إذا تطوع العامل بالضمان من تلقاء نفسه بدون طلب من رب المال فقيل تصح المضاربة بذلك وقيل لا تصح وإذا سلم رب المال للعامل وطلب منه ضامناً يضمنه فيما تلف من ماله يتعدى العامل فإنه يصح إذا طلب منه ضامناَ يضمنه مطلقاَ فيما تلف بتعديه وغيره فإن المضاربة تفسد ولا يلزم الشرط.
رابعها: كون رأس المال عيناً يتعامل بها اهل البلد سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة.
(3/39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
خامسها: ان يبين الجزء الذي يختص به العامل من الربح كالنصف أو الثلث ونحوهما فإن لم يبينه أصلاً كأن قال له: اعمل فيه ولك نصيب في ربحه أو لك جزء أو نحو ذلك ثم عمل فيه على هذا الإبهام فإن للعامل قراض مثله فإن كان للناس عادة في نحو هذا فإنه يعمل بها حتى إذا كانت العادة بإن العامل يأخذ النصف كان له النصف وإن كانت تقضي بأقل أو أكثر عمل بها.
أما إذا قال هل: اعمل والربح مشترك فإن ذلك معين لإن معناه متساوي
في الربح عرفاً فللعامل في هذه الصورة نصف الربح.
سادسها: أن لا يختص أحدهما بشيء معين سوى الجزء الذي له فلا يصح أن يضاف لأحدهما عشر جنيهات أو خمس مثلاً على ثلث الربح أو
نصفه، نعم للعامل أن يأخذ ما يضطر إلى إنفاقه في سبيل التجارة وما يلزمه من مؤونة السعر ونحوها بقدر الضرورة.
سابعها: أن يكون الجزء المعين في الربح مشاعة كالنصف والثلث ونحو ذلك فلا يصح ان يكون مقدراً بعدد كأن يقول له لك عشرون جنيهاً في الربح كما لا يصح أن يكون مبنياً بحالة معروفة كأن يقول له: اعمل مضاربة ولك في الربح مثل ما أخذ فلان وهل يصح أن يشترط الربح كله للعامل أو لرب المال أو لا؟
والجواب أنه يجوز ولكن لا يكون داخلاً في تعريف المضاربة لأنك قد عرفت أنها عقد على أن يتجر العامل بمال المالك وله جزء من ربحه.
ثامنها: أن يخص العامل بالعامل فلا يصح أن يشترط مشاركة رب المال
أو غيره معه وإلا فسد العقد.
تاسعها: أن لا يحجر على العامل في عمله كأن يقول: لا تتجر إلا في الصيف فقط أو في موسم القطن او القمح او نحو ذلك مما عين فيه زمن العمل فإن العقد في هذه الحالة يقع فاسداً وللعامل أجرة مثله على رب المال الخسارة وله الربح.
عاشرها: ان لا يضرب له أجلاً فإذا ضرب له أجلاً كأن قال له: اعمل فيه سنة أو اعمل به بعد شهرين فإنه يكون مضاربة فاسدة وللعامل في هذا القراض المثل لا أجر المثل لأنه اخف مما قبله فإن الذي قبله فيه حجر شديد على العامل بخلاف ذلك فإن الأمر أمامه كما يجب في المدة التي حددها له.
أما حكمه فهو الجواز، وأما أركانه فهي رأس المال والعمل والربح والعاقدان والصيغة. وحيث أنك قد عرفت انه عقد توكل فلا بد فيه من الللفظ كأن يقول: اعمل في هذا المال ولك كذا من ربحه فيقول قبلت. وذلك لأن التوكل لا بد فيه من اللفظ فلا تكفي فيه المعاطاة كان يسلمه المال فيأخذه العامل ويعمل فيه بدون لفظ وبعضهم يقول أنه عقد إجارة للعامل وعلى هذا لا يشترط فيه اللفظ لأن الإجارة تكفي في المعاطاة كالبيع متى وجدت قرينة تدل عليه.
الحنابلة - قالوا: المضاربة عبارة عن أن يدفع صاحب المال قدراً معيناً من ماله إلى من يتجر فيه
(3/40)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بجزء مشاع معلوم من ربحه ولا بد من ذلك المال من أن يكون نقداً مضروباً ويقوم مقام دفع المال أن يكون قد أودع عند شخص مالا ثم قال له: اعمل في هذا الماللا المودع مضاربة فتصبح المضاربة عندهم بالوديعة.
وحكم المضاربة يختلف باختلاف الأحوال فهي في أول الأمر أمانة ووكالة لأن العامل يتصرف بإن رب المال فهو وكيله في التصرف - والمال تحت يده أمانة - فإذا ربح العامل في المال كان عقد المضاربة شركة لاشتراكهما في الربح وإذا فسدت المضاربة كان إجارة لأن العامل يأخذ أجر مثله.
وإذ خالف العامل ما أمره به صاحب المال تكون غصباً فعليه أن يرد المال وربحه ولا شيء له نظير عمله لأن حكم الغاصب كذلك.
وركنها: الإيجاب والقبول بكل لفظ يؤدي معنى المضاربة أو القراض أو المعاملة أو نحو ذلك لأن المقصود المعنى وهو يحصل بكل ما يدل عليه
وتكفي فيها المعاطاة فإذا أخذ العامل المال وباشر العمل فيه من غير أن يقول: قبلت فإنه يصح فلا يشترط فيها اللفظ كما يشترط في التوكل.
ويشترط لصحة المضاربة شروط:
منها: أن يبين نصيب العامل من نصف أو ثلث أو نحوهما لأنه لا يستحقه إلا بالشروط فإذا لم يبين أصلاً بأن يقال: خذ المال مضاربة ولم يذكر نصيب العامل في الربح أو بينه على وجه العامل على هذا كان الربح لرب المال والخسارة عليه وللعامل أجرة مثله. وإذا شرط المالك أن يكون الربح كله لم تكن مضاربة وإنما تكون إضاعاً له (توكيل على عمل بدون أجر) .
فالربح كله لرب المال ولا شيء للعامل لأنه يكون في هذه الحالة وكيلاً متبرعاً، فلو شرط رب المال أن يكون ضمان ماله على العامل لا ينفذ ذلك الشرط لأن هذا العقد يقتضي كون المال أمانة غير مضمونة ما لم يتعد العامل أو يفرط فإنه يضمن حينئذ.
وإذا شرط أن يكون الربح كله للعامل كان قرضاً ليس للمالك شيء من ربحه ولا شيء عليه من خسارته وعلى العامل ضمانه حتى لة قال صاحبه: لا ضمان عليك لا ينفذ ذلك الشرط لأن عقد القرض يقتضي أن يضمنه المقترض فإذا فقد منه شيء أو فقد كله لزمه.
ومنها: أن يكون رأس المال معلوماً فلا تصح المضاربة بصرة فيها جنيهات من غير عد وبيان لما في ذلك من الغرر المفضي إلى النزاع في الربح لجهله حينئذ.
ومنها أن يكون رأس المال حاضراً فلا تصح بالمال الغائب أو المال الذي في الذمة فإذا كان لشخص مال عند آخر لم يحن موعده فإنه لا يصح أن يضاربه به عليه. نعم إذا قال له: اقبض ديني من فلان أو منك واتجر فيه مضاربة فإنه يصح، وكذا إذا قال له: اقبض وديعتي من فلان أو منك واعمل فيها
(3/41)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مضاربة فإنه يصح، لأنه في هذه الحال يكون قد وكله في قبض الدين أو الوديعة وعلق عقد المضاربة على قبضها وتعلبق المضاربة صحيح.
ومنها: أن يكون رأس المال ذهباً أو فضة مضروبين مختومين بختم الملك فلا تصح إذا كان رأس المال قطع ذهب أو فضة لم تضرب كما لا تصح إذا كان فلوساً (عملة من غير الذهب والفضة) كالنحاس ونحوه سواء كانت رائحة يتعامل بها أو كاسدة. وكذلك لا يصح أن يكون رأس المال عرض تجارة فإذا قال شخص لآخر: خذ هذه الثياب أو هذا البر أو هذه الغم وهي بمائة جنيه مثلاً وبعها مضاربة بجزء معين من الربح فإنه لا تصح إذ ربما ارتفع سعرها فربحت قبل ان يعمل فيها المضارب عملاً فيأخذ نصيباً من ذلك الربح بدون عامل وذلك غبن لصاحب السلعة كذلك لا يصح ان يقول له بعها ولك نصف الربح ما يزيد على قيمتها لأن قيمتها قد ترتفع فتستغرق كل الربح الذي حصل عليه العامل فلا ينال شيء وكل ذلك موجب للنزاع نعم يصح أن يقول له: خذ هذا القطن وبعه
واعمل بثمنه مضاربة لأنه في هذه الحالة يكون قد وكله في بيعه وعلى المضاربة على قبضة للثمن فأشبه الوديعة وتعليق المضاربة جائز اما إذا قال له: ضاربتك على ثمن هذه السلعة قبل بيعها فإنه لا يصح لأن ثمنها معلوم قبل بيعها فلا تصح المضاربة به فعلاً.
ومنها: أن يكون نصيب كل منهما مشاعاً في كل المال بأن يقدر النصف أو الثلث أو نحو ذلك فإذا عين لواحد منهما مخصوص كعشرة جنيهات أو خمسة أو نحو ذلك فسدت. وإذا اشترط أن يكون الربح بينهما فإنه يصح ويكون لكل واحد نصفه.
وإذا فسدت بالمضاربة كان الربح كله لرب المال والخسارة عليه وللعامل أجر مثله خسر المال أو ربح.
وهناك شروط لا تفسد العقد، ولكنها هي باطلة لا يعمل بها، منها: أن يشترط عليه أن يكون نصيبه من الخسارة أكثر من نصيبه في الربح او شرط عليه ان ينتفع بالسلعة التى يشتريها العامل او ان تبقى الشركة بينهما مدة معينة اولا يشترى إلا من فلان، فهذه كلها شروط فاسدة لاتنفذ ولا يعمل بها ولكن العقد لا يفسد بها فيستمر على حاله ويصح ان تؤقت المضاربة بوقت معين كان يقول له: خذ هذه الجنيهات واتجر مضاربة مدة سنة فإذا مضت السنة فلا تيع ولا تشتري فإن ذلك يصح.
الشافعيةـ قالوا: المضاربة او القراض عقد يقتضى أن يدفع شخص لاخر مالاً ليتجر فيه على ان يكون لكل منهما نصيب فى الربح بشروط مخصوصة.
ومن هذا تعلم ان المضاربة قائمة على ستة أركان: مالك المال هو الذى يدفع والعامل الذى يتجر به، والعقد الذى هو الصيغة اعنى الأيجاب والقبول. فلا تتحقق المضاربة إلا الصيغة فإنها ذكرت ضمناً فى قوله عقد لان العقود لابد فيها من
(3/42)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الصيغة والمراد بالركن ما يتوقف على ذكره تحقق العقد فلا يرا أن العمل فى الربح يوجدان العقد فكيف يكونان ركناً له يتوقف وجوده عليهما لان الغرض ان وجوده يتوقف على ذكرهما إذا لم يذكرا في العقد يكون فاسداً وهذا لا ينافى أن وجودهما فى الخارج يكون بعد تحقق صحة العقد وقد عرفت فى اركان البيع أن الركن منقسم إلى قسمين: اصلى وهو ماكان داخلاً فى حقيقة الشيء وذلك هو الإيجاب والقبول، وغير أصلي وهو ما يتوقف وجود الشيء
فمن نظر إلى الأول قال إن ركن المضاربة الاجاب والقبول فقط. ومن نظر إلى الثاني عد أركانها على الوجه الذي ذكره الشافعية، وذلك النظر مطرود في كل العقود منه على ذكر.
أما شروط صحة المضاربة فهي تتعلق بكل ركن من هذه الأركان، فأما العامل والمالك فتشترط فيهما معاً أن يكونا للتصرف كما هو الشأن في سائر العقود فلا يصح عقد المضاربة من أعمى، ولكن يوكل من يقبض عنه.
ويشترط في العامل وحده أن يكون مستقلاً بالعمل منفرداً فلو اشترط أن يعمل معه غيره فسد العقد، ويستثنى من ذلك اشتراط أن يعمل معه غلام المالك فإنه يجوز ولكن بشروط ثلاثة:
أحدهما: أن يكون الغلام معروفاً للعامل بالمشاهدة أو الوصف.
ثانيهما: أن لا يشترط أن يكون بعض المال تحت يد الغلام.
ثالثهما: أن لا يحجر به على العامل أن لا يتصرف العامل إلا إذا رجع رب المال أو لا يتصرف إلا تحت إشراف فلان لأن كل هذا يغل يد العمل فتقوم معذرته في الأعمال والتفريط، والمفروض أنه أمين فتقييده بعد ذلك ضار بالمال وموجب لفتح باب النزاع. وأما العمل فيشترط فيه شرط، الأول: أن يكون عملاً في تجارة من بيع وشراء فلا تصح المضاربة على عمل صناعي، كأن يضارب نساجاً على أن يشتري قطناً ثم ينسخه ويبيعه منسوجاً، او يضارب خبازاً على أن يشتري قمحاً ويطحنه ثم يخبزه ويبيعه قرضاً، وإنما لا تصح المضاربة في ذلك لأنه عمل محدود تصح إجارة العامل عليه فلا داعي حينئذ للمضاربة لأنها إنما أبيحت للضرورة حيث لا تمكن الإجارة وذلك لأن التجارة التي سيقوم بها العامل مجهولة وقد يكون رب المال عاجزاً عن القيام بها فأبيح له أن يفعل ذلك النوع من المعاملة بأن يشرك معه غيره في الربح المجهول في نظير ذلك العمل المجهول. فإذا أمكن ضبط عمل العامل فلا يصح أن يفعل ذلك بل عليه أن يستأجره بأجرة معينة بإزاء ذلك العمل المنضبط.
فإذا تعاقد معه على أن يتجر فاشترى العامل من تلقاء نفسه قمحاً وطحنه وخبزه فإن ذلك لا يفسد العقد ولكن أجرته تكون على العامل ويكون ضامناً له إذا تلف لأن وظيفة العامل في المضاربة إنما هي التجارة ولوازمها فإن كان يتجر فيما يقاس كالثياب فإن كان يتجر فيما يقاس كالثياب فإن عليه أن يقوم بنشرها وطيّها وقياسها بالذراع ونحوه
(3/43)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كلما دعت الحاجة، وإن كان يتجر في مكيل أو موزون كالحنطة والسكر
فإن عليه أن يزن أو بكيل ونحو هذا مما تستلزمه التجارة، أما إنه يخبز أو ينسج فهذه ليست أعمالاً تجارية وإنما هي أعمال صناعية فليست من وظيفته.
الشرط الثاني من الشروط المتعلقة بالعمل: أن يكون العامل حراً في عمله فلا يصح لرب المال أن يضيق عليع والتضييق عليه يكون على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يشترط عليه شراء سلعة معينة كأن يقول له: لا تشتر إلا حللاً هندية. فإن شرط عليه ذلك فسد العقد. نعم له أن يمنعه من شراء سسلعة معينة ويعمل بذلك الشرط
الوجه الثاني: أن يشترط عليه شراء شيء ينذره وجوده كأن يقول له: اشتر فاكهة الشتاء في زمن الصيف أو لا تشتر إلا الخيل المضمرة البلق إلا إذا كان في محل يكثر وجود ذلك أو لا تبع إلا لفلان فإن ذلك يفسد العقد.
أما إذا قال له: لا تشتر من فلان ولا تبع لفلان فإن له ذلك. وإذا شرط أن يشتري من حانوت (دكان) مخصوص فإن العقد يفسد أما إذا اشترط من سوق معين فإنه يصح.
ولا يضر أن يعين المالك جنس التجارة أو نوعها كأن يقول له: اشتري قمحاً هندياً فإن ذلك يصح إذا لم يندر وجوده إذا لم يندر وجوده كما تقدم
الشرط الثالث: أن لا يكون العمل مؤقتاً بمدة معلومة فإذا قال له: قارضتك لمدة سنة فسد العقد سواء صرح بمنعه من التصرف بعد تلك المدة بأن قال: قارضتك سنة ولا تبع بعدها أو لا تشتر بعدها أو لم يصرح بشيء
بل قال له: قارضتك لمدة سنة وسكت فإن العقد فاسد على أي حال لأن التأقيت ينافي الغرض من الربح. نعم إذا قال: قارضتك ولا تشتري بعد سنة فإنه يصح لأنه لم يقيض المقارضة بالمدة ولكن منعه من الشراء فقط بعد سنة وذلك لا يضر إلا إذا لم يمنعه عن بيع ما يكون قد اشتراه ولم يفيده بمدة يحجر عليه فيها يحرمه من الربح على انه إنما يصح إذا كانت المدة واسعة كما ذكر. أما إذا كانت ضيقة لا يأتي فيها شراء شيء لغرض الربح عادة فإنه لا يصح على أي حال وأما الربح فيشترط له أمور:
الأول: أن يكون مختصاً بالعاقدين فلا يصح أن يجعل لغيرهما جزء منه إلا لعبيديهما فما شرط لأحدهما يضم ما شرط لسيده.
الثاني: أن يكون الربح مبيناً بالجزئية والتعيين كالنصف أو الثلث أو نحوهما لو قال له: قارضتك على أن يكون لك نصيب أو جزء من الربح فسد. أما إذا قال له: قارضتك والربح بيننا فإنه يصح
(3/44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويكون لكل واحد منهما النصف وقيل: لا يصح ولكن المعتمد الأول ولا بد من بيان نصيب العمل فلو قال له: قارضتك ولي نصف الربح فسد على الأصح لأنه لم يبين نصيب العامل فيحتمل أن يقول أنه أراد يكون النصف له والنصف الآخر يتصرف فيه كما يحب وليس للعامل شيء.
أما إذا بين نصيب العامل بأن قال: قارضتك ولك نصف الربح فإنه يصح على المعتمد لأن النصف الباقي يكون لصاحب المال من غير شبهة وبعضهم يقول: لإنه لا بد من بيان نصيب المالك أيضاً
الثالث: أن يكون الربح مختصاً بالعاقدين فلا يصح أن يدخل معهما فيه آخر إلا إذا كان مملوكاً لأحدهما فيصح أن يبشترط له شيء من الربح مضاف من ملك سيده إذا اشترط أن يكون الربح كله للعامل فقيل: إن عقد المضاربة يفسد وقيل: لا أما إذا اشترط الربح كله للمالك فقيل: يفسد فللمالك الربح وعليه الخسارة وللعامل أجرة مثله كما هو الشأن في سائر صور المضاربة الفاسدة وقيل يكون إيضاعاً (توكيل بلا جعل) وهو الأصح رضي أن يعمل مجاناً. ولا يصح أن يشترط لأحدهما شيء معدود الربح كعشرة جنيهات والباقي بينهما لأنه قد لا يربح سواهما فيحرم الشريك الآخر من الربح. وكذلك لا يصح أن يخص أحدهما بربح نوع مخصوص.
وأما الصيغة فهي الإيجاب والقبول فإنها تحقق بقوبول المالك ضاربتك وعاملتك ونحوهما فيقول العمل قبلت أو رضيت. وإذا كان الإيجاب بلفظ الماضي كما في ضاربتك وعاملتك المذكورين فلا بد أن يكون القبول رفضاً فلا يصح أن يأخذا العمل المال ويعمل فيه دون تصريح بالقبول أما إذا كانت الصيغة بلفظ الأمر كأن يقول المالك: خذ هذا الألف مثلاً واتجر فيه على أن يكون الربح بيننا نصفين وقيل لا بد فيه من القبول لفظاَ أيضاً كغيره من سائر العقود وقيل يكفي فيه الشروع في العمل فإذا أخذ وعمل فيه بدون قول صح العقد، ومثل ذلك ما إذا قال له: خذه وبع فيه واشتر على أنا يكون الربح بيننا ويشترط لصحة الصيغة أن يذكر فيها الربح نصاً، فإن لم ينص على الربح فسد العقد كما تقدم.
وأما المال فلا يشترط له شروط. وأحدها أن يكون نقداً مضروباً (ذهباً أو فضة مختومين بختم الحاكم ليتعامل بهما) فلا تصح بالتبر (كسارة الذهب والفضة إذا أخذ من معدهما قبل تنقيتهما من ترابهما) ولا بقطع الذهب التي لم تضرب ضرباً يتعامل به كالحلي من أسورة والخلاخل ونحوهما فلو أعطت امرأة حليها لشخص على أن يتجر فيه بجزء من الربح فإنه لا يصح وكذلك لا يصح بعرض التجارة كالنحاس والقطن والقماش ونحو ذلك.
ومن عروض التجارة الفلوس (العملة المأخوذة من غير الذهب والفضة) فلا تصح المضاربة بها
(3/45)

دليل المضاربة وحكمة تشريعها
-دليل المضاربة الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز ذلك النوع من المعاملة ولم يخالف فيه أحد وقد كان معروفاً في الجاهلية فأقره الإسلام لما فيه من المصلحة وذلك شأنه في كل تشريعة فهو دائماً يبحث عن المصلحة ليقرها ويحث على تحصيلها ويحذر من المفسدة والدنو منها.
حتى يعيش المجتمع عيشه راضية يستعين بعض أفراده فيما يعود عليهم جميعاً بالخير والسعادة.
فالمضاربة عقد قد يكون فيه مصلحة ضرورية للناس وعند ذلك يكون داخلاً في القاعدة العامة وهي الحث على عمل فيه المصلحة ويكون له حكم الفائدة المترتبة عليه فكلنا عظمت فائدة المضاربة كلما كان طلبها مؤكداً في نظر الشرع ولهذا قال بعضهم انها سنة ولا حاجة إلى تأويل
قوله هذا بأنها ثبت بالسنة لا أن حكمها السنية لأنها نوع من المعاملة
الاختيارية فهي جائزة لأنه يمكن حمل قول هذا القائل على أنها سنة حقيقة من حيث أنها قد يترتب عليها استثمار المال ومنعه الفقير بل قد يتأكد إذا كانت الحاجة ماسة كما إذا كان فيها تقليل العاطلين وتنشيط حركة التجارة ورواحها بين الأمة فإذا كان مع شخص مال ولمنه عاجز عن تنميته واستثماره وإلى جانبيه شخص لا مال وهو قادر على استثمار المال أفلا يكون من السنة في هذه الحالة أن ينتفع المالك باستثمار ماله وينتفع الفقير العاطل بالجد والعمل وينتفع غيرهما ممن يتداول بينهما النقود وسلع التجارة من بقية أفراد الأمة؟
لا شك في أن ذلك من الأمور التي تحث الشريعة الإسلامية عليها وترغب فيها ولكن بشرط أن تتأكد الأمانة وحسن التصرف والصدق والإخلاص فإن ذلك أساس اطمئنان أرباب
__________
لأنها مأخوزة من النحاس والبرونز وهما من عروض النجارة وبعضهم يقول إن الفلوس يتعامل بها كالنقدين فهي من النقد لا من عروض التجارة فيصبح جعلها رأس مال المضارية.
ثانيها: أن تكون معلومة القدر والجنس كمائة جنيه مصري أو ألف ريال مصرية فلا تصح بالمجهول لما فيه من الغرر المفضي للتنازع.
ثالثها: أن يكون معيناً فلا يصح أن يقول له: ضاربتك على أحدى هاتين الصرتين المتساويتين فإن قال له ذلك ولم يعين إحداهما في مجلس العقد فسد، وإذا قال المالك: قارضتك على مائة جنيه في ذمتي ذم بينهما في مجلس العقد فإنه يصح لأن الواقع في مجلس العقد مثل الواقع في نفس العقد. أما إذاكان له دين في ذمة العامل أو في شخص آخر أجنبي عنهما فإنه لاتصح المضاربة عليه وكذلك لاتصح المضاربة على المنفعة كأن يقول له: خذ هذه الدار وقم على تأجيرها كلما خلت ولك نصف ما زاد على أجر مثلها.
(3/46)

الأموال ونجاح العمال فمن قال إنها سنة فقد فرض أن التشريع إنما هو لجماعة المسلمين والمسلم الصحيح هو الامين الذي لا يخون. الصادق الذي لا يكذب المخلص الذي لا يضمر لصاحبه سوءاً. وذلك الذي يرتاح له صاحب المال معه من حفظ ماله واستثماره. فإذا لم يوجد ذلك المعنى كان منهياً عنه فإن الإنسان لا يصح له أن يعطي ماله لخائن أو منذر أو سيئ التصرف لأن المحافظة على المال واجبة وإضاعته منهي عنها، وبالجملة فغرض الشارع الحث على المصلحة حيث كانت والتحذير من المفسدة أين وجدت ولهذا الكلام بقية في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق.
وأول قراض وقع في الإسلام هو قراض عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وحاصل ما ورد من ذلك أن عبد الله وأخيه
خرجا في جيش العراق وكان أبو موسى الأشعري يومئذ أمير البصرة فنزلا عنده فرحب بهما فرحب وأكرمهما وقال لهما إني أحب أن أعمل لكما عملاً ينفعكما لو أقدر على ذلك ثم قال لهما إن عندي مالاً من قال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فخذاه سلفاً واشتريا به تجارة من العراق تبيعانها بالمدينة ةتدفعان رأس المال إلى أمير المؤمنين وتنتفعان بريحه فرضيا بذلك وفعلا، باعا فربحا فلما دفعا إلى أمير المؤمنين سألهما: هل أسلف أبو موسى كل الجيش أو اختصكما أنتما به؟ فقالا بل اختصنا، فقال إنه قد فعل معكما ذلك لأنكما ابنا أمير المؤمنين يريد أنه قد حاباهما وطلب منهما أن يدفعا رأس المال وربحه إلى بيت المال فسكت عبد الله أما عبيد الله فقال له هذا لا ينبغي لك يا أمير المؤمنين لأن المال كان في ضماننا ولو هلك لألزمتنا به قرض مضمون وليس للمقرض أن يأخذ فائدة من المستقرض فلم يلتفت عمر إلى قوله
وأعاد ما قاله، فطلب منهما تسليم المال وربحه فرد عليه عبيد الله ثانياً فقال رجل من الحاضرين لو جعلته قراضاً يا أمير المؤمنين، أي لبيت المال نصف الربح ولهما نصفه، فقال: أجعله قراضاً وفعل ذلك.

مبحث في بيان ما يختص به كل من رب المال والعامل
-يختص كل منهما بأمور لا يجوز له أن يتعداها وهي مفصلة في المذاهب (1)
__________
(1) الشافعية - قالوا: يختص العامل بما يأتي:
-1 - التصرف في البيع والشراء ولكن ينبغي له أن يتصرف تصرفا حسنا فلا يصح أن يشتري سلعة بالثمن الذي يطن أنها تباع به بل لا بد من أن يترجح عنده أنه سيربح فيها، لأن ذلك هو الغرض من المضاربة. وكذلك لا يصح له أن يبيع السلع بثمن مؤجل غير مقبوض لأنه قد يضيع عند المدين
(3/47)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وفي ذلك ضرر على رب المال فله منعه عن البيع في هذه الحالة، أما إذا منعه من البيع بثمن مقبوض فإن العقد يفسد وللعامل أن يبيع بثمن غير مقبوض بإذن المالك فإذا أذنه المالك فإنه يصح بشرط أن يشهد على البيع أو يكتب الدين فإن لم يفعل ذلك كان ضامناً لما باع به بحيث لو هلك لومه دفعه لرب المال. وله أيضاً أن يشتري سلعة مؤجلة (سلماً) بإذن رب المال كأن يشتري عشرين إردَبّاً من الحنطة ويستلمها في شهر كذا.
-2 - للعامل أن يبيع بعرض تجارة فإذا اشترى عشرين قنطاراً من القطن وأراد بيعها بثياب منسوجة فإنه يصح لأن ذلك وسيلة للربح والعامل مختص بكل ما من شأنه أن يفضي إلى الربح.
-3 - عليه أن يرد السلعة التي اشتراها إذا وجد بها عيناً وكانت المصلحة في ردها وليس للمالك أن يرضي بالعيب ويمنعه من الرد لأن له حقاً في المال بعمله إلا إذا كانت المصلحة تقتضي إمساك السلعة لأن البيع لم ينقص فائدة ربحها.
وفي هذه الحالة لا يكون للعامل الحق في ردها على المعتمد. نعم قد يقال إن العمل كالوكيل المكلف بشراء سلعة فمتى وجد بها عيباً له الحق في ردها مطلقاً فيصح أن يقال ذلك هنا ويكون ييعامل الحق في رد السلعة المعيبة سواء كان عيبها يمنع الربح أولاً، ولكن الصحيح أن هناك فرقاً بين الأمرين لن الغرض في المضاربة إنما هو الربح وحيث كان الربح غير ضار بالربح فلا يحق للعامل ردها خلاف الوكيل في شراء سلعة فإنه مكلف بشراءها خالية من العيوب فله الرد مطلقة.
ومن هذا يتضح لك أن المداتر على المصلحة فإذا كانت الصلحة تقتضي الرد وأراد العامل إمساكها وأراد رب المال ردها نفذت إرادت رد المال فإذا لم تعرف المصلحة بأن كانت الحالة مستوية الرد والإمساك فإن القول للعامل حينئذ لأنه مباشر للعمل.
وليس له أن يعامل رب المال بأن يبيعه شيئاً من تجارة القراض، وليس له ان يشتري بأكثر من رأس المال إلا بإذن صاحب المال فإن زاد بدون إذن كان ذلك على حسابه فلا يحسب من مال القراض وليس للعامل أن يسافر بالنال بدون إذن المالك فإن فعل كان عليه ضمانه وإن إذن له بالسفر فلا يصح له أن يسافر في البحر الملح إلا بنص عليه اتقاء للخطر وليس له الحق في أن ينفق على سفره من رأس المال على الأصح وقيل يصح الإنفاق بقدر ما يزيد على نفقاته كالكراء والباس اللازم للسفر ونحو ذلك مما يقتضيه السفر في العرف ويحسب من الربح فإن لم يحصل الربح فيعتبر خسارة. وهذا القول وإن كان ضعيفاً فإنه أقرب إلى عرف التجار وأسهل في عمل التجارة، فلو شرطت نفقات السفر في العقد وعلى العامل فعل ما يعتاد كطي الثوب ونشره ووزن الأشياء الخفيفة كالمسك والذهب أما الأشياء الثقيلة كالقطن والحبوب ونحوهما فليس عليه وزنها وإنما يستأجر على ذلك بحسب العرف ويدفع الأجرة من مال المضاربة.
أما الذي يفعله بنفسه فإنه لا أجر له عليه وإن استأجر عليه لزمته. أما المالك فقد عرفت ما يختص به مما تقدم ومنه:
(3/48)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
-1 - أن له منع العامل من شراء متاع فإذا أراد أن يشتري بالمال قطناً مثلاً فللمالك منعه ولكن الذي يمنع منه المالك إنما هو أن يشترط على العامل شراء سلعة نعينة كما مرّ.
-2 - للمالك منعه من السفر.
-3 - للمالك منعه من البيع بثمن غير مقبوض.
-4 - للمالك منعه من معاملة شخص معين وليس له أن يشترط عليه معاملة شخص معين.
وإذا فسدت المضاربة فلا تخلو إما أن يكون الفساد بسبب عدم أهلية المالك وفي هذه الحالة لا ينفذ شيء من تصرفات العامل أصلاً. وإما أن يكون الفساد بسبب فوات شرط من الشروط التي تقدمت وفي هذه الحالة ينفذ تصرف العامل لأن المالك قد أذنه بالتصرف ويكون الربح جميعه للمالك وعليه للعامل أجرة المثل وإذا اشترط المالك أن يكون الربح جميعه له وقبل العامل ذلك الشرط فإنه لا يكون له أجرة في هذه الحالة.
وإذا اشترى العمل بغير مال القراض كأن أخذ سلعاً بثمن مؤجل في ذمته بذلك أن يشتري لنفسه كان الربح له للمالك منه ولا أجر عليه.
الحنفية - قالوا: يختص المالك بأمور:
أولاً: له أن يقيد المضاربة بالومان فيصح له أن يشترط أن لا يعمل المضارب إلا في موسم البصل أو القطن أو لا يعمل إلا في الشتاء أو الصيف أو لا يعمل إلا مدة سنة أو نحو ذلك.
ثانياً له أن يقيدها بالمكان فيصح له أن يشترط أن لا يعمل إلا في مصر أو اسكندرية أو نحوهما من البلدان.
ثالثاً: له أن يقيدها بالنوع فيصح له أن يشترط على المضارب أن لا يتجر إلا في نوع القطن أو الحبوب أو الغنم أو نحو ذلك.
رابعاً: له أن يقيدها بالشيء فيصح له أن يشترط على المضارب ألا يعامل إلا شخصاً معيناً فلا يبيع إلا لفلان ولا يشتري إلا من فلان.
وفي هذه الأحوال لا يصح للمضارب أن يخالف مما تقدم قيد به المالك فإن خالف يعتبر غاصباً فإذا اشترى شيئاً بمال المضاربة يكون على حسابه ولا شك لرب المال وعليه ضمان المال ولا أجرة له وإذا خالف شرطاً يمكن فيه الرجوع فيه على المخالفة ثم رجع عادت المضاربة كما كانت. وذلك كما إذا اشترى من بلد غير البلد الذي اشترطه رب المال فإنه إذا عاد واشترى من البلد المشروط عادت المضاربة صحيحة.
وليس للمالك أن يشترط غير مفيد كما إذا نهاه عن البيع بثمن مقبوض فإن ذلك الشرط لا يعمل به لأن فيه إضراراً بالربح والعامل شريك فيه نعم إذا كان بيعه مؤجل مضموناً وفيه زيادة عن الثمن المقبوض فإن للمالك الحق في نهيه عن البيع بالثمن المقبوض الناقص فإن فيه فائدة حينئذ. وإذا
(3/49)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
اشترط عليه شرطاً فائدته يسيره كما إذا شرط عليه أن يعمل في سوق من أسواق مصر كأن قال له: اعمل في سوق روض الفرج مثلاً أو سوق مصر القديمة فإن هذا القيد لا يعمل به إلا إذا نهاه عن العمل في غيره كأن قال له: لا تعمل في سوق كذا لأن المالك له الولاية على ماله فإذا نهى العامل عن شيء لزمه تنفيذ نهيه.
فإذا لم يقيد المالك المضاربة بالزمان والمكان أو غيرهما مما ذكر - وتسمى هذه بالمضاربة المطلقة - فإن تصرفات العامل تنقسم فيها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن له الحق في عمل أشياء في مال المضاربة بجرد العقد من غير توقف على تفويض المالك بأن يقول: اعمل برأيك ولا على إذن
صريح وهي أمور منها:
حق البيع والشراء لكل احد حتى ولو كان مما لا تقبل شهادته بالنسبة له بسبب القرابة أو الزوجية والملك فيجوز أن يبيع لولده وزوجه ووالديه إلا أنه لا يصح أن يبيع بغبن كبير لا لقريب ولا أجنبي فإن فعل ذلك كان مخالفاً حتى لو قال له المالك: اعمل برأيك. وقد عرفت حكم من خالف شرطاً فإنه يعامل معاملة المغصوب أما البيع والشراء بالغبن اليسير الذي يقع عادة منم الناس ولا يمكن الاحتراز عنه وقيل يصح وقيل يمنع أيضاً.
ومنه أن يبيع ما اشتراه من عروض التجارة لرب المال ولكن رب المال في هذه الحالة يكون مخير بين أن يدفع الثمن وتستمر المضاربة وبين أن لا يدفعه ويحسبه من رأس ماله وتنقطع المضاربة أما إذا اشتر عرض تجارة من رب المال بمال المضاربة فإنها تفسد.
ومنها أن يبيع بثمن حال ومؤجل إلى أجل متعارف بين الناس وفي مثل ذلك فإذا باع بأجل طويل فقيل يصح وقيل لا.
ومنها: إذا باع لأحد سلعة فظهر للمشتري أن بها عيباً فإن للمضارب أن يحط عنه من ثمنها ما يقابل مثل ذلك العيب عادة فإذا انقص له من ثمنها نقصاً كثيرة لا يتناسب مع ذلك العيب كان على حساب المضارب نفسه ولا تفسد به المضاربة.
ومنها: له أن يشتري عن مال المضاربة دابة لاستعمالها في شؤون التجارة ةليس له أن يشتري سفينة مثلاً بالإذن.
ومنها أن يستأجر أرضاً ويشتري بذر من مال المضاربة كي يزرعها أو يغرس فيها نخلاً فإذا فعل ذلك فإنه يصح والربح بينهما على حسب الشرط أما إذا اخذ شجراً أو نخلاً لسعمل فيه مساقاتة من مال المضاربة فإنه لا يصح ويضمن المضارب المال الذي أنفقه على ذلك حتى ولو تعرض له المالك.
ومنها أن له أن يسافر من مال المضاربة براً وبحراً وليس له أن يسافر سفراً مخوفا يتحاما الناس عنه على المعتمد.
ومنها أن المضارب أن يوكل عنه غيره في البيع والشراء. ومنها أن له أن يدفع مال المضارب
(3/50)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بضاعة بأن يعطيه لمن يشتري بع عروض التجارة متبرعاً. وإذا أعطى المال لصاحبه بضاعة وعمل فيه بالبيع والشراء فإنه يصح ويعتبر معيناً للمضارب والشرط على حاله لا فرق
في ذلك بين أن يكون المال نقداً أو عروض تجارة، وإذا أخذ رب المال من منزل المضارب بدون إذنه فإن كان نقداً فإن المضاربة تبطل. وإن كان عروض تجارة المضاربة لا تبطل ولكن رأس المال ألفاً وباع رب المال عروض التجارة بالغبن ثم اشترى (رب المال) بالألفين عرضاً يساوي أربعة آلاف فإنه يكون له وعليه للعامل خمسمائة وهي نصف الربح الذي ربحه في بيع العرض الأول. وإذا دفع المضارب المال لمالكه
مضاربة فإن المضاربة الثانية تفسد والمضاربة الأولى باقية على حالها فالربح بينهما على ما شرطاً في المضاربة الأولى.
ومنها أن يدفع أن يودع مال المضارب عند من يجب. ومنها أن له أن يرهن مال المضاربة ويرتهن به.
ومنها أن له قبول الحوالة بالثمن على المعسر لأن كل ذلك من لوازم التجارة وصنيع التجارة.
القسم الثاني: أن له الحق في عمل أشياء بتفويض المالك بأن يقول له:
اعمل برأيك وهي أمور:
منها أن يتعاقد مع غيره مضاربة. ومنها أن يشترك مع شخص آخر.
ومنها أن يخلط مال المضاربة بمال نفسه أو بمال غيره إلا إذا كانت العدة في تلك البلاد أن يخلط المضاربون أموالهم بأموال المضاربة وأرباب الأموال يرضون بذلك فإنه يصح الخلط في الخلط في هذه ولو لم يقل له المالك: اعمل برأيك أما إذا قال ذلك فإنه يصح له أن يعمل كل هذه الأمور.
القسم الثالث: أن له الحق في عمل أمور بإذن المالك الصريح بها. منها أن المضارب ربما يملك أمرين بالإذن الصريح والاستدانة فلا يملكها بمجرد المضاربة كله ثم يشتري غيرها ديناً وليس عنده من مال المضاربة شيء من جنس الثمن الذي به ومثل ذلك ما اشترى تجارة بجميع المال ثم استدان لإصلاحها فإذا اشترى ثياباً بمال المضاربة ثم استدان نصفها أو قتلها أو حملها كان متطوعاً إذا أذنه المالك بذلك.
ومنها الإقراض فلا يصح له أن يقرض مال المضاربة إلا بإذن صريح من المالك.
المالكية - قالوا: الأعمال والشروط التي تصدر من المالك والعامل إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما يفسد العقد وللعامل فيه قراض المثل في الربح إن وجد ربح فإن لم يوجد ربح فلا شيء له. الثاني ما يفسد العقد وللعامل فيه قراض المثل المدكور مضافاً إليه أجر المثل إن كان قد عمل عملاً زائداً على التجارة ولمثل ذلك العمل أجر الثالث: ما يفسد العقد وللعامل أجر المثل
سواء خسر المال أو ربح.
(3/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن لكل من المالك والعمل حدوداً لا يصح له أن يتعداها فإذا خالفها وكانت من القسم الأول أو الثاني فإن المخالفة إذا عرفت أثناء العمل لا يفسخ العقد ولا يوقف العمل بل يستمر العامل في عمله وله قراض مثله مع أجرة عمله في غير التجارة إن كان قد عمل على الوجه المتقدم اما إذا كانت المخالفة من القسم الثالث ثم عرفت أثناء العمل فإن العقد يفسخ ويوقف العقد ويأخذ العامل أجر مثله فيما عمله سواء ربح أو خسر.
فاختصاص العامل الذي ليس للمالك أن ينقصه هو أمور:
منها أن له الحق في الاتجار بدون توقيت العمل بمدة كأن يقول امالك اعمل به سنة أو اعمل به تبتدئ من الآن ولكن لا تعمل إلا بعد شهر فإن
شرط عليه ذلك وعمل فله قراض المثل بخلاف ما إذا حدد له وقت العمل كأن قال: لا تشتر إلا في الصيف أو لا تبع إلا في الشتاء فإن ذلك يفسد والعقد وللعامل أجر مثله وسيأتي.
ومنها أن له الحق في شراء النوع الذي يستمر وجوده في الأسواق فبيس للمالك أن يشترط عليه شراء شيء يوجد تارة ويعدم تارة أخرى فإذا فعل ذلك وعمل المضارب في التجارة فإن العقد يفسد وللعامل قراض المثل في الربح سواء اشتر ما طلبه أو اشترى غيره على المعتمد،
وبعضهم يقول: إذا اشتر ما اشترطه عليه فلا يفسد العقد أما إذا اشترط عليه شراء شيء يقل وجوده ولكنه موجود دائماً فإنه يصح.
ومنها أن للعامل الحق في أن يشتري السلعة التي يتجر فيها من مال القرض بالنقد كما أن له الحق في بيعها كذلك بالنقد فليس لرب المال أن يشترط عليه شراءها أو بيعها بالدين فإذا اشترط عليه ذلك فسد العقد وللعامل قراض المثل في الربح أما الخسارة فإنها على العامل في هذه الحالة فإذا خسر المال أيضاً وليس للعامل أن يبيع السلعة بالدين من غير إذن كما سيأتي من اختصاص رب المال.
ومنها أن للعامل الحق في القيام على بيع السلع التي يشتريها بمال القراضفإذا باع رب المال سلعة منها بدون إذن العامل لا ينفذ بيعها وللعامل رده لأنه هو المباشر لحركة التجارة وهو الذي يقدر الظروف التي يربح فيها منة بيع السلعة ومنها أن للعامل الحق في أخذ اللمال بدون ضامن فإذا شرط المالك ضامناً يضمنه إذا هلك المال بلا تفريط فإن العقد يفسد وللعامل قراض المثل في الربح.
أما إذا طلب ضامناً يضمنه فقد المال بسبب إهماله أو بتعديه فإنه لا يضر كما تقدم.
وإذا تطوع العمل بالضامن فقيل يصح وقيل لا. فهذه الحقوق التي للعامل إذا خولفت يفسد العقد وللعامل قراض المثل فقط. ويزاد عليها ما إذا اختلف العاقدان (المالك والمضارب) في الربح بعد العمل وكانت مسافة الخلف بينهما واسعة كأن قال أحدهما لي الثلثان فقال الآخر بل لك الثمن فإن في هذه الحالة يكون للعامل قراض المثل دفعاً للنزاع وإن كان العقد صحيحاً على حاله. أما إذا
(3/52)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كانت مسافة يبنهما ضيقة بأن ادعى كل واحد منهما زيادة محتملة فإنه يعمل بقول المضارب وإذا ادعى المالك فقط زيادة يعمل بقوله. كما إذا ادعى العامل فقط. أما إذا كان الاختلاف قبل العمل فالقول للمالك على أي حال لأن العامل لم يشرع في العمل بعد والعقد غير لازم فللمالك الحق في تعيين النصيب كما يحب.
أما المسائل التي فيها المثل مع أجر المثل فهي متعلقة برأس المال وقد تقدمت موضحة في مجترزات التعريف قريباً فارجع إليها إن شئت.
وأما الحقوق التي للعامل ويترتب على مخالفتها فساد العقد وفسخه بمعرفتها أثناء العمل ويكون للعامل في هذه الحالة أجر المثل سواء ربح المال أو خسر، فهي أمور:
منها أن يكون العامل منفرداً بالعمل فلا يصح للمالك أن يشترط وضع يده على العامل فإذا اشترط ذلك وعمل العامل كان له أجر المثل وفسخ العقد أثناء العمل، ومثل ذلك ما إذا اشترط العامل على رب المال أن يعمل معه.
ويستثنى من ذلك أن يشترط رب المال أن يعمل مع العامل خادم بنصيب من الربح من غير أن يكون رقيباً على العامل بشرط أن يكون النصيب للخادم لا لسيده وإلا فسد العقد.
ومنها أن يكون له الحق في أن لا يعمل شيئاً لم تجر به العادة كخياطة ثياب التجارة وخرز الجلود المشتراة له ونحو ذلك فإذا وقع ذلك الشرط فسد العقد وللعامل أجر المثل ومثل ذلك ما إذا اشترط عليه أن يزرع بمال القراض لأن الزرع غير التجارة بخلاف ما إذا كلفه أن ينفق المال على الزرع فإنه يصح أما الذي علىى العامل من ذلك فإنه هو ما جرت به العادة من الأشياء الخفيفة التي لا تستلزم عناء كنشر الثياب للمشتري
وطيها، فإذا استأجر العامل على ذلك كانت الأجرة في ماله.
ومنها أن من حق العامل أن لا يشارك معه غيره في مال المضاربة فإذا اشترط عليه المالك مشاركة الغير فسد العقد وللعامل أجر المثل.
ومنها أن من حق العامل أن لا يخلط مال المضاربة بماله فإذا اشترط عليه المالك ذلك فسد العقد وله أجر مثله، أما إذا خلطه العامل بدون شرط فإنه يجوز بشروط: أحدهما أن يكون المال مثلياً لا قيماً وقد يقدم بيانها في مباحث البيع وأن يكون في الخلط مصلحة غير متيقنة وأن يكون الخلط قبل أن يشتغل بأحدهما.
ومنها أن له الحق في الشراء والبيع في مكان أراد فإذا اشترط عليه المالك أن لا يشتري إلا إذا وصل إلى بلد كذا وبعد بلوغه، يكون له التصرف في أي محل، فسد العقد وللعامل أجر مثله.
ومنها أن له الحق في التصرف بدون مشاورة المالك فإذا اشترط عليه ذلك فسد وله أجر المثل.
(3/53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها أن له الحق في الشراء من أي شخص فإذا اشترط المالك عليه أن يشتري من شخص معين كأن قال له: لا تشتر إلا من فلان أولا تبع بفلان فسد العقد وللعامل أجر المثل.
ومنها أن له الحق في بيع ويشتري في أي زمان فإن اشترط على العامل أن لا يسافر بالبحر وأن لا ينزل منخفضاً كترعة وأن لا يسافر ليلاً. فإذا خالف العامل واحداً من هذه الأمور الثلاثة فإن عليه ضمان المال بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون قادراً على التنفيذ فإذا كان في جهة وتعين عليه النزول إلى المنخفض أو للسفر في البحر أو ليلاً مع الركب فإنه لاضمان في هذه الحالة.
الشرط الثاني: أنه يضمن إذا تلف المال بسبب غير النهب والغرق فإذا نهب أو غرق في البحر لا يضمن وكذلك إذا اجتاحته جائحة سماوية. أما إذا تلف بغير ذلك كأن أصابه البلل من البحر فأفسده أو سقط عليه منه نازل من المنخفض فتلف، أو اصطدم بشجرة لم يرها ليلاً فكسر فإن عليه ضمانه في هذه الحالة.
الشرط الثالث: أن يقع ذلك التلف وقت المخالفة فإذا تلف نعد الخروج من البحر أو بعد الصعود من المنخفض أو بعدها انقضاء الليل الذي منع من السفر فإنه لا يضمن وإذا تنازع العامل ورب المال في أن التلف وقع زمن المخالفة أو بعدها فإن القول يكون للعامل فيصدق في ذلك.
ثانياً: له أن يشترط على العامل أن لا يشتري سلعة بعينها لقلة ربحها أو لأنها تخسر وفي هذه الحالة يجب على العامل التنفيذ فإذا خالف كان عليه ضمان المال مطلقاً حتى ولو نهب منه أو غرق في البحر أو اجتاحه جائحة سماوية.
ومنها أن للمالك منعه من السفر بماله قبل أن يشغل فيه فإذا منعه قبل ذلك وسافر عليه ضممان المال.
ومنها أن له الحق في أن يشتري من العامل شيئاً من مال القراض بشرط أن يشتري منه كما يشتري من الربح للمالك حقاً فيه.
ومنها أن الحق في منع العامل عن أن يشارك غيره بمال المضاربة فإذا شارك العامل شخصاً آخر إذن المالك فسد العقد وعلى العامل ضمان المال إذا تلف.
ومنها أن له الحق أن يمنعه عن أن يبيع السلعة بثمن مؤجل فإذا فعل العامل ذلك بدون إذن فسد العقد وعلى العامل ضمان المال وكذلك للمالك الحق في منع العامل من أن يتعاقد مع غيره مضاربة في رأس مال المضاربة فإن فعل ذلك بدون إذن رب المال فسد العقد وله أجر المثل.
ومنها أن للمالك الحق في منع العامل من أن يستعمل مال المضاربة في الإنفاق على زرع بمكان
(3/54)

مبحث إذا ضارب المضارب غيره
-إذا أعطى محمد مالاً لخالد ليتجر فيه مضاربة فأعطاه خالد لشخص ليتجر فيه مضاربة بجزء من الربح فإن في ذلك تفصيلاً في المذاهب (1)
__________
ليست له فيه حرمة ولا جاه أو في الإنفاق على
مساقاة نخل بمكان ليست له فيه حرمة ولا جاه فإذا خالف العامل ذلك بأن اشترى بذراً وآلة حرث وايتأجر أرضاً من مال اللمضاربة وزرعها فسد العقد وإذا فسد العقد وإذا نهب الزرع أو سرق كان على العامل ضمانه.
أما إذا زرع في مكان له فيه جاه فإنه لاضمان عليه إذا سرق الزرع أو نهب ومنها أن للمالك الحق في منع العامل من أخذ مال آخر من غيره مضاربة إن كان يشغله عن العمل في مال له.
هذا ولا يجوز للعامل أن يشتري سلعاً للقراض بثمن مؤجل حتى ولو أذنه رب المال فإن فعل كان ضامناً للمال الذي اشترى به وله ربحه وعليه خسارته ويكره أن يشتري العامل من رب المال عروض تجارة حتى لا يكون ذلك احتيالاً على جعل رأس المال عروض تجارة.
الحنابلة - قالوا: للمضارب الحق في أن يبيع ويشتري بجميع أنواع البيع المتقدمة فيصح له أن يبيع مرابحه ومساومة ونحوهما وله الحق في المطالبة بالدين واقتضاءه بالمخاصمة فيه وأن يحيل من له عليه دين على آخر عنده من المضاربة وأن يقبل إحالة الغير عليه وأن يستأجر عيناً يستغلها من ذلك المال. وله أن يرد السلعة التي اشتراها إذا وجد فيها عيباً وله الإيداع والرهن والارتهان، وله حق السفر مع أمن البلد والطريق فإذا سافر إلى جهة يغلب فيها السلامة ضمن المال إذا كان يعلم بذلك، أما إذا لم يكن لديه علم فإنه لا يضمن. وله أن يقر بالثمن أو ببعضه وبالنفقات اللازمة للتجارة كأجرة الحمالين. وله أن يبيع بثمن مؤجل وإذا ضاع لا ضمان عليه إلا إذا باع لشخص غير موثوق به أو إلى شخص لا يعرفه فإنه في هذه الحالة يكون مفرطاً فعليه ضمان ما ضاع.
وليس له أن يضارب برأس مال المضاربة ولا أن يشارك فيه أحداً وليس كذلك أن يخلط مال المضاربة أو بمال غيره وكذلك ليس له أن يبضع (والإبضاع هو أن يدفع من مال المضاربة جزء إلى شخص يتجر فيه متبرعاً على أن لا يكون لذلك الشخص شيء من الربح بل الربح للمضارب ورب المال) وليس له أن يقرض مال المضاربة ويجب على المضارب أن يفعل ما جرت العادة به كنشر الثياب وطيها وختم النقود ونحو ذلك.
وليس للمضارب أن يأخذ شيئاً من الربح إلا إذا سلم رأس المال لصاحبه، فإذا اشترى سلعتين ربح في إحداهما وخسر في الأخرى ضم الربح إلى الخسارة.
(1) (الحنفية - قالوا: إذا ضارب العامل شخصاً فلا يخلو إما أن يكون ذلك بإذن رب المال أو لا فإذا لم يكن بإذنه فسد العقد ولكن لا يضمن العامل إلا إذا عمل فيه المضارب الثاني ففي المثال المذكور إذا أعطى خالد المال لشخص ليعمل فيه المضاربة فهلك المال في يد ذلك الشخص قبل
(3/55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أن يعمل فيه فإن خالداً لا يضمنه لأن دفع المال إيداع والمضارب يملك إيداع المال فإذا عمل ذلك الشخص بالفعل تأكد كونه مضاربة وليس للعامل أن يضارب غيره بدون المالك.
أما إذا عقد خالد مع غيره مضاربة فإنه لا ضمان عليه إذا هلك المال في يد الشخص الثاني الذي تعاقد نعه وذلك لأن فساد العقد يجعل العامل أجيراً والمضارب يملك من يعمل له في التجارة ويكون لذلك الشخص الثاني على خالد أجرا مثله ولخالد نصيبه المشروط في الربح مع المالك ولو غصب المال من المضارب الثاني كان الضمان على الغاصب وإذا استهلكه الثاني أو وهبه كان الضمان عليه فقط.
أما إذا ضارب بإذن المالك بأن استأذن خالد محمداً في أن يعطي رأس مال المضاربة أو بعضه لشخص على أن يتجر فيه بجزء من الربح فأذن له فإنه يصح ثم إن كان محمد ضارب خالداً بقوله: ان ما رزقنا الله من الربح يكون بيننا بالنصف وضارب خالد الشخص الآخر بالثلث كان لرب المال الذي شرطه وللشخص الثاني الثلث الذي شرطه له خالد ولخالد السدس فقط أما إذا قال له ما رزقك الله بكاف الخطاب فإنه يكون للشخص الثاني الذي تعاقد معه خالد الثلث الذي شرطه والباقي يقسم بين خالد وبين محمد نصفين وبين فيكون لكل منهما الثلث ومثل ذلك ما إذا ما قال له ما ربحت من شيء فهو بيننا أو ما كان لك فيه من ربح فأعطاه لغيره مضاربة فإن المضارب الثاني بأخذ الثلث المشروط وما بقي يقسم بين المضارب الأول وهو خالد ورب المال نصفين فيكون لكل واحد من الثلاثة الثلث وإذا قال يقسم لخالد: ما رزقنا الله من الربح يكون بيننا نصفين فأعطى خالد رأس المال لغيره مضاربة بنصف الربح أخذ المالك النصف والمضارب الثاني النصف ولا شيء لخالد مطلقاً.
الشافعية - قالوا: أعطى العامل رأس مال المضاربة لشخص آخر ليتجر فيه مضاربة فلا يخلو إما أن يكون ذلك بدون المالك أو يكون بإذنه فإن كان بإذن المالك فهو على وجهين أحدهما: أن يكون المضارب الأول قد تعاقد مع الثاني على أن يكون شريكه في العمل والربح وفي ذلك قولان قول بالفساد وهو الأول من الربح بل يأخذه المالك وعليه أجر المثل للعامل الثاني للعامل الثاني لأنه عمل بإذنه أما إذا عملا معاً فللأول من الربح بنسبة ما عمل والباقي للمالك وعلى الأول للثاني أجر المثل فإذا
قصد الثاني إعانة الأول فلا شيء.
ثانيهما أن يكون المضارب الأول تعاقد مع الثاني على أن يعمل الثاني وحده وفي هذه الحالة يكون العقد صحيحاً وينعزل المضارب الأول ولكن يشترط لصحة العقد حينئذ أن يكون رأس المال مستوفياً للشروط التي تصح بها المضاربة كأن يقول: نقداً لا عروض تجارة إلى آخر ما تقدم. أما إذا تعاقد العامل مع شخص آخر مضاربة بدون إذن المالك فإن العقد الثاني يكون فاسداً.
فإذا اشترى الثاني شيئاً بمال المضارية أو باع أو نحو ذلك من العقود التي يتولاها تقع
(3/56)

مبحث قسمة الربح في المضاربة
-إذا ربح العامل في مال المضاربة شيئاً فإن قسمته بينه وبين رب المال تفصيلاً في المذاهب (1) .
__________
باطلة لأنه فضولي لا لأن ثلثها على المال ويضمن ما تصرف فيه لأنه كالغاصب وللعامل الأول نزع المال الذي أعطاه للثاني والعمل فيه بالعقد الأول بينه وبين المالك صحيح.
أما إذا اشترى شيئاً ولم يدفع ثمنه من مال بل بثمن مؤجل في ذمته وكان ذلك الشرط للعامل الأول فإن يكون للعامل الثاني أجر المثل على العامل الأول أما إذا اشترى لنفسه فإن له الربح فإن الربح ولا شيء له على العامل الأول.
المالكية - قالوا: إذا تعاقد مع شخص آخر مضاربة فإن كان ذلك بإذن رب المال فهو صحيح وإن لم يكن بإذنه فهو فاسد فإذا أعطى محمد لخالد مالاً ليتجر فيه بجزء من ربحه فأعطاه خالد لشخص آخر ليعمل فيه مضاربة بدون إذن محمد كان ضامن المال على خالد فإذا هلك المال أو خسر كان عليه أن يرده لصاحبه أما إذا ربح المال فإنه لا شيء لخالد أيضاً وإنما الربح يكون بين العامل الثاني وبين رب المال وإذا تعاقد خالد مع محمد على أن يكون له النصف في الربح ثم تعاقد مع شخص آخر بدون إذن محمد على أن يكون له الثلثان فإن الربح يكون العامل الثاني وبين رب المال مناصفة ويضمن خالد للعامل الثاني ما بقي من الربح الذي اشترطه فعليه أن يكمل له النصف إلا الثلثين حسب الشرط. وإذا تعاقد الشخص مع ذلك الشخص بأقل مما له كأن جعل له الثلث مع أن له النصف لا يستحق خالد شيئاً بل يكون الربح للعامل ورب المال فيأخذ العامل الثاني الذي شرطه له والثلثان يأخذهما رب المال ولا شيء الأول وهو خالد.
فإذا لم يربح المال فلا شيء للعامل الثاني مطلقاً لأن القاعدة أن العامل لا يستحق إلا في الربح فإذا انعدم الربح فلا شيء له.
الحنابلة - قالوا للعامل أن يضارب في المال إذن رب المال فإذا فعل فسد العقد أما أذنه يجوز له أن يضارب به ويقع تصرفه المضارب الثاني صحيحاً) .
(1) (الحنفية - قالوا: لاتصح قسمة الربح قبل أن يقبض صاحب المال رأس ماله فإذا قسم الربح قبل ذلك وقعت القسمة موقوفة فإن قبض المالك رأس المال صحت وإلا بطلت القسمة، فإذا عمل المضارب في رأس المال فربح مائة فأعطى لرب المال خمسين وهو قد أخذ خمسين كانت القسمة موقوفة فإذا قبض رب المال من رأس ماله صحت وإلا كانت القسمة باطلة ويحسب مبلغ الخمسين الذي أخذه رب المال من رأس ماله ويلزم العامل أن يدفع له الخمسين التي أخذ على أنها من رأس المال فإن تصرف فيها وأضاعها فعليه أن يرد مثلها حتى يتم لرب المال رأس ماله والمال الذي
(3/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يبقى في يد المضارب وهو الربح فيقتسمانه وإذا هلك في يد أو نقص المضارب لا يضمن لأنه أمين على الاثنين كما تقدم.
وإذا قسم الربح وبقي رأس المال في يد المضارب ففسخ عقد المضاربة ثم جدد عقد مضاربته آخر فإن الربح الذي قسم تنفذ قسمته ولا يرد بعد ذلك.
وإذا أنكر المضارب رأس المال ثم أقر بعد ذلك بمائة كان عليه ضمان المال وإذا اشترى بعد الإقرار فاقياس أن يكون مشترياً لنفسه والاستحسان أن تكون المضاربة باقية ولا ضمان على العامل.
الشافعية - قالوا: يصح قسمة الربح قبل أن يقبض رأس المال إلا أن الربح إذا قسم قبل بيع جميع السلع وقبل أن يصبح رأس المال (ناضاً) أي يتحول عن عروض تجارة إلى نقد ملك الربح لا يستقر فلو حصل بعد القسمة خسارة في رأس المال جبرت بالربح فيرد الجزء الذي أخذه العامل منه وبحسب الجزء الذي أخذه رب المال من رأس المال وهل العامل يملك حصة من الربح بمجرد أنه يملكها بمجرد ظهور الربح على أنك عرفت أن الماك لا يستقر إلا بعد أن تباع السلع ويتحول رأس المال إلى نقد، ولم تقع خسارة فيه، ولا جبرت الخسارة من الربح فيرد من العامل في هذه الحالة.
وإذا استرد المالك شيئاً من ماله ظهور والخسارة فإنه لا يضر ويبقى رأس المال ما بقي بعد ذلك. أو لو استرد شيئاً بعد ظهور الربح فالمردود يحسب من رأس المال ومن الربح بنسبة ماله فإذا كان المال مائة والربح خمسون له نصفها فاسترد خمسة وسبعين مثلاً وتحسب من رأس المال وخمسة وعشرون نصف الربح الذي يستحقه.
المالكية - قالوا: القاعدة في رأس المال إذا خسر منه شيء بالعمل فيه
أو تلف بآفة سماوية أو سرقة لص فإن الخسارة تجبر من الربح بمعنى أن الباقي بعد التلف أو الخسارة يكمل بالربح ثم إن زاد شيء بعد ذلك يقسم بين المالك والمضارب بحسب الشرط الذي دخلا عليه، فإذا قسم
الربح قبل أن يقبض المالك رأس ماله عمل بهذه القاعدة فيرد الذي دخلا عليه، فإذا قسم الربح قبل أن يقبض المالك رأس ماله عمل بهذه القاعدة فيرد الذي أخذ من الربح، ويكمل به رأس المال في حال الخسارة. أما إذا قبض المالك رأس المال من العامل بعد الخسارة أو التلف ثم أعاده له
ثانياً ليعمل فيه مضاربة فإنه لا يجبر بالربح بعد ذلك لأنه مضاربة جديدة وكذلك إذا تلف المال جميعه فأعطاه المالك مالاً جديداً فربح فإن ربحه الجديد لا يجبر المال التالف لأنه مضاربة أيضاً.
وإذا تلف بعض المال وأراد المالك أن يسد ذلك العجز الذي وقع بإعطاء العامل مبلغاً قدر الذي تلف فإن كان التلف قد وقع بعد العمل فإن العامل يلزمه بقبوله كما يلزم قبول بدل المال إذا تلف كله، أما المالك فلا يجبر سد العجز على أي حال.
الحنابلة - قالوا: لا يستحق المضارب شيئاً من الربح حتى يستلوم رأس المال إلى صاحبه
(3/58)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والخسارة تجبر من الربح فإذا اشترى متاعاً ربح فيه ثم اشترى صفقة أخرى فخسر فيها حل الربح محل الخسارة ولا يحسب شيء من الخسارة على رأس المال فإذا قبض رأس المال ثم رده للعامل مرة أخرى ليعمل فيه مضاربة فربح فيه فإن ذلك لا يجبر خسران ما قبله، لأن هذه مضاربة جديدة ويقوم مقام القبض بالفعل أنة تباع كل السلع ويصير رأس المال نقداً أو فضة وهذا معروف في زماننا (بتصفية التجارة) ويعبر عنه الفقهاء بأن رأس المال صار ناضاً (ومعنى ناضاً في اللغة) تحول المتاع إلى نقد فإذا تحاسبا بعد ذلك واقتسما الربح ولم يقبض رب المال ماله واتفق معه على أن يعمل فيه مضاربة فربح فإن ذلك الربح لا يجبر الخسران السابق) .
(3/59)

مباحث الشركة
تعريفها وأقسامها
-الشركة (بكسر الشين وسكون الراء) وقد تفتح الشين وتكسر الراء، ولكن الأول أفصح حتى قال بعضهم إنه لم يلبث فيها غيره، ومعناها لغة خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يمتازان عن بعضهما. وأما معناها في الاصطلاح فهو يختلف باختلاف أنواعها لأن الشركة تتنوع إلى شركة مفاوضة وعنان وأبدان، ووجوه ذلك وفي ذلك تفصيل المذاهب (1)
__________
(1) الحنفية - قالوا: تنقسم الشركة أولاً إلى قسمين شركة ملك وشركة عقود فأما شركة المالك فهي عبارة عن أن يتملك شخصان فأكثر عيناً من غير عقد الشركة. وأما شركة العقود فهي عبارة عن العقد الواقع عن أن يتملك شخصان فأكثر عيناً من غير عقد الشركة. وأما الشركاء لصاحبه شاركتك في كذا ويقول الآخر: قبلت، وذلك هو المعنى العام الذي يتناول جميع أقسام شركة العقود وسيأتي تعريف كل قسم على انفراده فيما يأتي.
ثم إن شركة الملك تنقسم إلى قسمين شركة جبر وشركة اختيار فشركة الجبر هي أن يجتمع شخصان فأكثر في ملك عين قهراً كما ورثا مالاً أو اختلط مال أحدهما بمال الآخر قهراً بحيث لا يمكن تمييزهما مطلقاً كاختلاط قمح أو يمكن بمشقة وصعوبة كاختلاط شعير بقمح أو أرز بشعير.
وأما شركة الاختيار فهي أن يجتمعا في ملك عين باختيارهما كما إذا خلطا مالهما باللاختيار أو اشتريا عيناً بالاشتراك أو أوصى لهما بمال فقبلاه فإن ذلك كله ملك باختيار الشريكين وركز شركة الملك اجتماع النصيبين فمتى اجتمع نصيب شخص مع نصيب آخر تحققت شركة الملك.
ويتعلق بشركة الملك مسائل (الأولى) إذا اشترك اثنان في ملك أرض زراعية وغاب أحد الشريكين فإن للآخر أن يزرع الأرض كلها بقدر المدة التي انتفع فيها شريكه على المفتى به لأن الشريك الغائب يرضى بما ينفع أرضه عقلاً وإن لم يأذن في الزرع وله الحق في أن ينتفع كما انتفع شريكه.
أما إذا كان الزرع يضر الأرض أو كان تركها بدون زرع أنفع لها لكونه يزيد في قوتها فليس للحاضر أن يزرع فيها زرعها شيئاً أصلاً في هذه الحالة يكون حكمه حكم الغاصب فإذا حضر الغائب أأصلاً فإذا زرعها في هذه الحالة ولم يقر الزرع بل أراد قلعه فإن له أن يقسم ويأخذ الأرض نصيبه منها ويقلع
(3/60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الزرع الذي بها كما يجب وما وقع في نصيب الشريك الذي زرع الذي يترك لشريكه قيمة ما نقصته الأرض بالزرع في نصيب شريكه تعويضاً له لأنه غاصب بالنسبة لذلك النصيب، هذا إذا كان الزرع صغيراً يصح قلعه، أما إذا استوى أو قرب من الاستواء فإنه لا يصح قلعه وعلى الزراع أن يدفع لشريكه قيمة ما نقصته في نصيبه تعويضاً ويأخذ زرعه.
(الثانية) إذا اشترك اثنان في دار للسكنى وغاب أحدهما فإن لشريكه أن يستعمل كل الدار في سكنه إذا كان ذلك الاستعمال ينفعها ولم يخربها الترك أما إذا لم يكن كذلك فإن للحاضر أن يستعمل ما يخصه منها فقط بأن يقسم حجرها أو شققها ويسكن فيما يخصه أو يسكن مدة ويتركها مدة أخرى بنسبة نصيب كل منهما. وبالجملة فكل تصرف يقع من الشريك الحاضر في مصلحة نصيب الغائب فإنه ينفذ وكل ترف يضر به لا ينفذ ويكون الحاضر أن لا يلاحظ ما ينتفع شريكه على أي وجه من الوحوه ثم إذا سكن أحد الشريكين في دار بينهما وخربت بالسكن كان على الساكن تعميرها.
(الثالثة) إذا خلط أحد الشريكين ماله بمال الآخر برضاه كما إذا كان لكل منهما صبرة من القمحب فاتفقا على خلطها أو اختلط مال أحدهما بمال الآخر بدون إرادتهما كما إذا وضع كل منهما قمحه في مخزن ملاصق للآخر فسقط الحاجز فاختلطا فإنه في هذه الحالة لا يصح لكل مهما أن يبيع نصيبه بدون إذن الآخر وذلك لأنه في هذه الحالة يكون منهما مالكاً لكل حبة من حبات قمحه كاملة فلا يصح أن يبيع مشاعاً إلا بعد الفرز والقدرة على تسليمه بخلاف ما إذا ورث اثنان قمحاً فإن كلاً منهما يملك نصيبه في الجميع شائعاً بدون إذن. أما إذا خلط أحدهما قمحه بقمح الآخر بدون عمله فإن للذي خلط أن يبيع الجميع لأنه بالخلط ملك نصيب الآخر وصار ضاكناً له بالمثل لأنه قد تعدى.
(الرابعة) أنه إذا اشترك اثنان في بناء دار مثلاً فلا يخلو إما أن تكون الأرض ملكاً معاً، أو تكون ملكاً لأحدهم دون الآخر، أو تكون ملكاً لأجنبي. فإن كانت ملكاً لهما فإنه لا يصح لأحدهما أن يبيع نصيبه في البناء لأجنبي مطلقاً سواء أذن شريكه أو لم يأذن؛ وذلك لأن للبائع في هذه الحالة أن يطلب من المشتري هدم البناء وإخلاء أرضه منه إذ ليس للمشتري سوى الأنقاض وذلك الهدم يضر بالشريك الآخر، ومثل ذلك ما إذا كان البناء لشخص أن يبيع نصفه لأن المشتري يطالب بالهدم ليأخذ الأنقاض التي اشتراها فيلحق الضرر بالبائع فيكون البيع فاسداً وهل يصح للشريك أن يبيع نصف حصته في البناء لشريكه أو لا خلاف؟ فقيل يجوز وقيل لا لأنه في هذه الحالة يصح للبائع أن يطلب من لأحدهما دون الآخر فإنه لا يصح أحدهما أن يبيع نصيبه من الأجنبي لما في ذلك الذي ذكر وهو أن المشتري هو الذي يملك الأرض أو الذي لا يملكها، وذلك لأن الذي لا يملك ليس له حق البناء ولكن
(3/61)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الذي يملك أباحه إياه وما كان بطريق الإباحة فإنه يصح إزالته فإذا كان البيع لصاحب الأرض فالأمر ظاهر وإذا كان لغيره فإنه يصح له أو للمالك إزالته لأنه عرضة للإزالة.
أما إذا كانت الأرض ملكاً لغيرهما كأن مستعارة أو مستأجرة أو مغصوبة أو موقوفة ثم اشترك اثنان في البناء عليها فإنه لا يجوز لأحدهما بيع بصيبه من أجنبي لأن المشتري هدم البناء ليستولي على الأنقاض التي اشتراها وفي ذلك ضرر بالشريك ويجوز لأحدهما أن يبيع نصيبه لشريكهإذا لم يترتب على ذلك ضرر مثلاً إذا استعان شخصان أرضاً مدة معينة واشتركا في البناء عليها ثم مضت المدة فإن لأحد الشريكين أن يبيع نصيبه للآخر لأنه لا يملك مطالبته بالهدم لأنها ليست أرضه ولا علاقة له بها ومثل ذلك ما إذا كانت مستأجرة لمدة قد انتهت تلك المدة بخلاف ما إذا كانت مدة الإيجارة لم تنته فإنه لا يجوز البيع للشريك أيضاً لأنه يصح للبائع المستأجر أن يطالب بالهدم ليستلم الأرض المؤجرة له إلا إذا أجره نصيبه قبل البيع. أما الأرض المغصوبة فإنه يصح بيع كل واحد نصيبه لصاحبه وللأجنبي لأن البناء الذي عليها عرض للهدم في أي وقت.
وأما الأرض الموقوفة فإنه إذا اشترك اثنان عليها بعد تحريكها مدة طويلة على رأي من يقول بجواز الحكر زمناً طويلاً فإنه يصح لكل منهما أن يبيع نصيبه للأجنبي والشريك لأن المشتري يحل محل البائع في تحكير الأرض وفي نصيبه من البناء فلا ضرر في ذلك على الشريك. وكذا إذا باع نصيبه قبل التحكير ثم حكرت الأرض فإن البيع ينقلب صحيحاً لزوال علة الفساد وهي الضرر الذي يترتب على الهدم.
(الخامسة) إذا اشترط اثنان في شيء لا يمكن قسمته كحمام وسفينة وبئر وآلة لسقي الماء (ماكينة) أو آلة للطحن (وابور) أو غير ذلك مما تضيع منفعته بالقسمة ثم احتاج لتعمير وأراد أحد الشريكين تعميره فامتنع الآخر فإنه لا يصح له أن يعمره قبل أن يرفع الأمر للقضاء لأن يقضي في هذه الحالة يخبر الممتنع عن العمارة فليس من المصلحة أن يتسرع ويستبد بالعمل بدون إذن القاضي ما دام موقناً بأن القاضي سيلزم الشريك بالتعمير فإذا أمر القاضي بالتعمير ولم ينفذ عجزاً أو نعتاً فإن القاضي يأذن من يريد التعمير بالعمل ويمنع الرشيك من الانتفاع بالعين حتى يؤدي قسطه من التعمير على المفتى به وهكذا في كل شيء لا يمكن قسمته فإن القاضي أن يجبر الممتنع مع شريكه فإذا عمل أحدهما بدون إذن صاحبه أو أمر القاضي كان متطوعاً لا يرجع بشيء مما أنفقه.
أما إذا اشتركا في شيء مضطراً في تعميره إلى الشريك الآخر كما إذا اشترك اثنان في بناء على أن لأحدهما (الدور) الأعلى وللثاني الأسفل واحتاج الدور الأعلى إلى ردم، فإنه وإن كان لكل منهما قسم من البناء مستقل به، ولكن أحدهما بالآخر في التعمير.
وحكم هذا القاضي لا يجبر الشريك على التعمير فإذا عجز صاحب العلو من تلقاء نفسه
(3/62)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأنفق على الأسفل ما يحتاج إليه كان له حق الرجوع بما أنفقه على شريكه لأنه مضطر للعمل معه ففي هذه الصورة لا يحتاج إلى القضاء ابتداء ولكن له الحق فيما أنفقه في آخر الأمر.
ومثل ذلك كل ما يقبل القسمة ويكون أحد الرشكين مرتبطاً بالآخر في العمل معه ارتباطاً قهرياً كحائط بين اثنين عليها سقف كا منهما فإذا انهدمت وكانت هذه الحائط تقبل القسمة بأن كان أساسها عريضاً ويمكن قسمته بحيث يأخذ أحد الشريكين نصفه ويترك النصف الآخر أو إذن القاضي فإن له حق الرجوع بما أنفقه لأن الشريك الممتنع لا يجبر على البناء في هذه الحالة لأنه يمكن قسمة الحائط.
ويجبر على القسمة إذا طلبها الشريك على المفتى به فإذا كانت الحائط ضيقة لا تقبل القسمة فإنها تكون القسم الأول وهو ما يجبر فيه القاضي الشريك على التمير فلا يصح له حينئذ أن يرفع الأمر للقاضي.
الوجه الثاني: أن لا يكون أحد الشريكين مضطراً في التعمير إلى الشريك الآخر كما إذا اشتركا في دار يمكن قسمتها وتخربت فإن منهما حق قسمتها فإذا لنفرد أحدهما بتعميرها من غير إذن الآخر كان متطوعاً وضاع عليه ما أنفقه في نصيب شريكه.
واعلم أن القاضي لا يجبر الشريك على التعمير إلا في ثلاثة أمور:
الأول: أن يتعذر قسمة العين المشاركة بينهما كما تقدم.
الثاني: أن يكون الشريكان صغيرين ولكل واحد منهما رصي. فإذا اشترك صغيران في حائط محمول عليها سقف كل منهما ثم اختلت فأراد أحد الوصيين بناءها وامتنع الآخر فإن القاضي يجبر الممتنع عن التعميير سواء كانت الحائط تقبل القسمة أو لا. بخلاف ما إذا كان الممتنع كبيراً كما تقدم فإن القاضي لا يجبره إذا كانت تقبل القسمة لأن الكبير يعرف الضرر ورضي به. أما الصغير فلم يعرفه وأراد الوصي إدخاله عليه فالقاضي يجبره في هذه الحالة. فإذا كانت الشركة بين صغير وكبير وكان الضرر يلحق الكبير فإن وصي الصغير لا يجبر أما إذا كان يلحق الصغير فإنه يجبر.
الثالث: أن يكون الشريكان ناظرين على العمل إما بالمال أو بالأبدان أو بالوجوه وكل واحد من الثلاثة ينقسم إلى قسمين مفاوضة وعناناً فالأقسام ستة:
النوع الأول: الشركة بالمال وهي عبارة عن أن ينفق اثنان فأكثر على أن يدفع كل واحد منهما مبلغاً من المال لاستثماره بالعمل فيه ولكل واحد من الشركاء جزء معين من الربح وتنقسم شركة المال إلى القسمين المذكورين (مفاوضة وعناناً) .
(3/63)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القسم الأول: شركة المفاوضة في المال وهي عبارة عن أن يتعاقد اثنان فأكثر أن يشتركا في عمل بشرط أن يكونا متساويين في مالهما وملتهما ويكون كل واحد منهما كفيلاً عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع كما أنه وكيل عنه فيما له فلا تصح أن يكون مال أحد الشريكين شركة مفاوضة أقل من مال صاحبه ولكن مشروط بأن يكون المال مما تصح الشركة به بأن كان نقداً فلا يصح أن يملك أقل مال صاحبه ولكن ذلك مشروط بأن يكون المال مما تصح الشركة به بأن كان نقداً فلا يصح أن يملك أحدهما ألف جنيه ويملك الآخر خمسمائة مثلاً فإذا تساويا في ملك النقدين ولكن انفرد أحدهما بملك عقار، أو عروض تجارة، أو دور فإنه يصح أن يكون تصرف أحدهما أقل من تصرف صاحبه فلا تصح بين صبي وبالغ ولا بين مسلم وكافر ولا يخفى أن التساوي في التصرف يستلزم التساوي في الدين وإنما ذكر لزيادة الإيضاح. وبعضهم يقول إنه تصح مع الاختلاف في الملة إلا أنها تكره. ولا بد أن يتضمن العقد الكفالة والوكالة كما ذكرنا فلا تصح إن خلت من ذلك.
القسم الثاني: شركة العنان في المال وهي أن يشترك اثنان في نوع واحد من أنواع التجارة كالقمح أو القطن، أو يشترك في جميه أنواع التجارة ولا تذكر فيها فهي تتضمن الوكالة دون الكفالة فتجور بين المسلم والكافر. والصبي والمأذون له في التجارة والبالغ الخ، ولا يشترط تساوي الشركاء في رأس المال كما سيأتي.
فالفرق بين شركاء المفاوضة والعنان هو أن يكون كل واحد من الشريكين في المفاوضة أهلاً للكفالة بأن يكونا بالغين حرين عاقلين متفقين في الملة وأن يكون رأس مالهما على السواء بخلاف شركة العنان فإنه لا يشترط فيها ذلك كما عرفت.
النوع الثاني: شركة الأعمال وهي أن يتفق صانعان فأكثر كنجارين أو حدادين أو أحدهما نجار والآخر حداد على أن يشتركا من غير مال أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما على وحكم هذه الشركة أن يصير كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في تقبل الأعمال جائز سواء كان الوكيل يحسن مباشر العمل أو لا.
وتنقسم شركة الأبدان إلى قسمين أيضاً وعناناً:
فالقسم الأول من شركة الأبدان مفاوضة هو أن يذكر فيها لفظ المفاوضة أو معنى بأن يشترط الصانعان أن يتقبلا الأعمال على التساوي وأن يتساويا في الربح والخسارة وأن يكون كل واحد كفيلاً عن صاحبه فيما يلحقه بسبب الشركة.
والقسم الثاني من شركة الأبدان عناناً: هي أن يشترطا التفاوت في العمل والأجر بأن يقولا إن على أحدهما الثلثين من العمل وعلى الآخر الثلث مثلاً والربح والخسارة بينهما على نسبة ذلك، وكذلك إذا ذكر لفظه عنان:
النوع الثالث: شركة الوجوه، وهي أن يشترك اثنان ليس لهما ولكن لهما وجاهة عند الناس
(3/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
توجب الثقة بهما على أن يشتريا تجارة بثمن مؤجل وما يربحانه بينهما وتنقسم شركة إلى قسمين أيضاً مفاوضة وعناناً.
فالقسم الأول: من شركة الوجوه مفاوضة هي أن يكونا من أهل الكفالة وأن يكون بينهما نصفين وعلى كل واحد منها ثمنه وأن يتساويا في الربح ويتلقطا بالمفاوضة ويذكرا معنى تقصيها فتتحقق وكالة كل واحد منها عن صاحبه فيما له وكفالته فيما عليه.
القسم الثاني: من شركة الوجوه عناناً هي أن يفوت شيء من هذه القيود كأن لا يكونا من أهل الكفالة أو يتفاضلا فيما يشتريانه كأن يشتري أحدهما ربع السلع والآخر باقيها أو لم يذكر شيئاً يدل على المفاوضة.
فهذه هي أقسام الشركة، ولم يعد الحنيفية المضاربة قسماً من أقسام الشركة لأنك قد عرفت أنها إنما تكون شركة إذا حصل ربح أما إذا لم يحصل ربح فتختلف الأحوال التي عرفتها في بابها على المضاربة جاءت على غير القياس فلهذا أفردت بباب وحدها بخلاف غيرها من أقسام الشركة فإنها على القياس وبعض المذاهب عدها قسماً من أقسام الشركة نظراً لكونها شركة في الربح.
المالكية - قالوا: تنقسم الشركة إلى أقسام: شركة الإرث هي اجتماع الورثة في ملك عين بطريق الميراث، وشركة الغنيمة وهي اجتماع الجيش في ملك الغنيمة وشركة المبتاعين شيئاً بينهما، وهي أن يجتمع اثنان فأكثر في شراء دار ونحوه وهذه الأقسام هي التي عبر عنها الحنفية بشركة الملك.
وحكمها عند المالكية لا يجوز لأحد الشريكين أن يتصرف بغير إذن صاحبه فإذا تصرف فقيل يكون كالغاصب وقيل لا فإذا زرع أحد الشركاء
في أرض مملوكة لهم أو بنى فيها فإن ورعه بقلع وبناءه يهدم على القول الأول أما على الثاني فإن زرعه وبناءه يتركان وعليه كراء نصيب شريكه في الأرض وله قيمة بنائه الذي بناه لشبهة الشركة.
ويتعلق بهذه الشركة فروع كثيرة:
منها: أنه إذا اشترك اثنان او اكثر في عقار لا يمكن قسمته كحمام وفرن وبرج، ثم خرب ذلك العقار وأراد أحد الرشكاء تعميره فأبى الاخر فإنه يقضى على من امتنع من التعمير بأن يعمر أو يبيع جميع حصته لشريكه الذي يريد التعمير ولو كان يملك أكثر العقار أو يبيع لمن يعمر وقيل يقضى عليه بأن يبيع بعض حصته التي تكفي التعمير ولكن أول أرجح لتقليل الشركاء.
ولا فرق أن يكون العقار الذي لا ينقسم بعضه ملك وبعضه وقف وأبى الموقوف عليه أو ناظر الوقف التعمير فأنه يقضى بأن يعمره الشريك ويستوفي ما أنفقه على عمارته من إراده ولمن قال أنه يباع منه بقدر الحاجة إلى التعمير لأن الغرض تقليل الشركاء كما ذكر في بيع غير الموقوف نعم لا يقضى ببيع الوقف إلا إذا لم يكن للوقف ريع يعمر منه ولم يوجد من يستأجره بأجرة معجلة سنين تكفي لتعميره فإن وجد ذلك فإن لا يقضى ببيعه.
(3/65)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
هذا ولا يقضى بالبيع في الحالتين إلا بعد الأمر بالعمارة ويقضى بالبيع إذا لم ينفذ الأمر بالتعمير ومنها:
أنه إذا اشترك اثنان مثلاً يملك أحدهما منها الطبقة السفلى (الدور الأسفل ويملك الثاني الطبقة العلية (الدور الأعلى) ثم اختل الدور الأسفل أو ضعفت جدرانه عن احتمال الدور الأعلى فإن الحاكم يأمر صاحب الدور الأسفل بأن يعمر فإن لم يفعل يقضي عليه ببيعه لمن يعمر لا فرق بين أن يكون العقار ملكاً أو وقفاً بالشروط المتقدمة.
وعلى صاحب الدور الأسفل حفظ الدور الأعلى من السقوط حال بناء الدور الأسفل بتعليقه أو عمل دعائم تحفظه من السقوط ونحو ذلك.
وعليه أيضاً السقف لأنه متعلق به عند التنازع وليس على صاحب الأسفل أن يبني سلماً يرقى عليه صاحب الدور العلى وكذلك ليس عليه البلاط الذي يوضع على سقف الدور الأسفل فيقضى عند التنازع بالسقف
لصاحب الأسفل وبالبلاط لصاحب العلى أما (كسح) المرحاض الموجود في الدور الأسفل المشترك بينه وبين الأعلى فيعمل فيه بالعرف فإن لم يوجد عرف فإنه يقوم باشتراك بقدر الاستعمال على الظاهر وكذلك المراحيض الموجودة في البيوت المستأجرة فإنه يعمل في كسحها وتنظيفها بالعرف فإن لم يوجد عرف فقيل على المالك وقيل على المستأجر. واما طين المطر الذي ينزل في الأسواق فليس على أصحاب (الدكاكين) رفعه إلا إذا جمعوه في وسط الطريق فأضر بالمارة فإن عليهم في هذه الحالة كنسه.
ومنها: انه إذا اشترك اثنان في دار على أن يكون لأحدهما الدور الأسفل وللآخر الأعلى ثم أراد صاحب الأعلى أن يبني (دوراً ثالثاً فإنه لا يمكن في ذلك ويقضى عليه بعدم فعله إلا إذا كان البناء لا يضر بالدور الأسفل لا حالاً ولا مآلاً ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة والمعرفة بمثله. ومنها:
أنه إذا اشترك ثلاثة مثلاً في دار ثم تهدم وأراد أحدهم تعميره وامتنع الآخران فإن له أن يعمرها ويستولي على إرادها جميعه حتى يخلص بما أنفقه ثم يقتيمون الإراد بعد ذلك إلا إذا أعطوه ما أنفقه فإنه يصح له الاستيلاء على الإيراد وحده بعد ذلك.
وله الاستلاء على الإيراد في أربه صور:
الأولى: أن يستأذن شريكاه بالعمارة فيمتنعا.
الثانية: أن يستأذنهما فيسكنا ثم يمتنعا أثناء العمارة.
الثالثة: أن يستأذنهما فيمتنعا ثم يسكتا عن رؤية العمارة.
الرابعة: أن يأذنوا له في العمارة ثم يمنعاه من قبل شراء المؤن التي يعمر بها ثم عمر بعد منعهما وفيما عدا ذلك يكون ما أنفقه ديناً في ذمتهم.
ومنها: أنه إذا كان لأحد الجيران حائط متصلة ببيت جاره ويتوقف إصلاحها على دخول عمل جاره فليس لجاره أن يمنعه من الدخول في داره لترميمها وإصلاحها، فإذا امتنع يقطى عليه بتمكينه من غرز خشب ونحوها وبتمكينه من اخذ ثوب سقط عنده أو دابة دخلت أو نحو ذلك.
(3/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وكذا إذا كان خزان مرحاطه في دار جاره فإنه يقضى له بإدخال العمال لكسحه وللجار منعه من إدخال الطين والجص في داره وعليه أن يفتح نافذة في حائط داره لإدخال ما يلزمه من ذلك حتى لا يقذر دار جاره.
ومنها: أنه إذا كان بين جارين حائط يستر أحدهما فأزالها صاحبها وانكشف بسبب ذلك جاره فإنه يقضى على من أزالها لإعادة بنائها إلا إذا كان هدمها لخلل فيها يخشى منها الضرر أو هدمت وحدها فإنه في هذه الحالة لا يقضى على صاحبها بإعادتها ويقال للجار افعل ما يسترك إن شئت.
ومنها: إذا بنى أحد في طريق مشتركة بين الناس فإنه يقضى عليه بهدم ما بناه ولم يضر بالمارة سواء كانت تلك الطريق نافذة أم لا فإن كانت لأحد الناس دار يملكها فهدمت وصارت طريقاً فإن ملكه لا يزول عنها بذلك لا يمنع من البناء فيها إلا إذا مضى زمن طويل (وقدره بعضهم بعشر سنين) فإنه لا يكون له حق فيها حين إذن
ومنها: ألا يمنع الباعة من الجلوس بأفنية الدور ويقضى به وهي ما زاد على مرور الناس في طريق واسعة نافذة إذا كان في جزء من اليوم أما إذا كان في كل النهار فإنه يمنع ولا يقضى به على الرجح ومثله فناء الحانوت (الدكان) ويمتنع الجلوس في أفنية الدور ونحوها لحديث لأن فيها ضياع للوقت وضرر بالمارة.
وإن تنازع اثنان من الباعة في الجلوس بمكان فإنه يقضى للسابق منها ومثل ذلك الجلوس في المسجد إلا إذا كان غير السابق يجلس فيه لتعليم العلم أو الإفتاء فإنه يقدم على غيره استحساناً يعني أن الأفضل للسابق أن يترك ذلك المكان للمدرس.
ومنها: أنه إذا فتح جار نافذة في حائط بيته بينه وبين جاره وكانت تلك النافذة تكشف جاره بان يرى وجوه سكانها فإنه يقضى عليه بسدها وإزالة معالمها بحيث لا يبقى لها أثر يمكن الاحتجاج به.
أما إذا كانت النافذة لا تلرى منها الوجوه أو على المزارع والحيوانات فإنه لا يأمر بسها إذ لا ضرر منها وليس ببجار أن يطلب سد نافذة مضى عليها عشر سنوات وهو ساكت.
ومنها: أن للجيران منع إحاث ما يتصاعد منه دخان يضر بهم وبمساكنهم كبناء حمام بجوارهم أو مطبخ أو فرن أو نحو ذلك وكذلك لهم منع إحداث ما تتصاعد منه رائحة كرية كمدبغة ومسمت ونحوهما.
ومحل ذلك ما إذا حدث شيء من ذلك بعدهم. أما إذا كان موجوداً من قبل ودخلوا عليه فليس لهم منعه.
ومنها: أن للإنسان أن يمنع من إيجاد الجرين (الجرن) عند منزله لأنه يتضرر بالتين الحاصل من التذرية ومثل البيت في ذلك الحانوت (الدكان)
(3/67)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وكذلك يقضى بمنع إحداث ما يضر بجدار البيوت كرحا ومدق وبئر حاض واصطبل وأما الحداد والنحاس والنجار فإنهم لا يمنعون به، ومثل هؤلاء الصباغ الذي يدق القماش.
وكذلك يمنع إحاث مصطبة في مقابل باب المنزل (دكان) للبيع والشراء إذا كان يضر بالسكان ويكشفهم. ولا يمنع مالك من فتح باب طريق نافذ إلى القضاء ولو كان في مقابل باب جاره.
وكذلك لا يمنع من بناء ما يحجب الضوء أو الشمس عن داره وله أن يمنع من إحداث ما يمنع الضوء والشمس المحتاج خشبة فيه لأن ذلك من مكارم الأخلاق.
وأما أقسام الشركة المشهورة غير ما ذكر فهي سنة:
مفاوضة، وعنان، وجبر، وعمل، ومضاربة، ولكل منها تعريف خاص.
وقد عرفها بعضهم تعريفاً تاماً فقال:
هي تقرر ملك متمول بين مالكين فأكثر. فقوله تقرر متمول معناه استقرار ملك شيء له قيمة مالية بين مالكين فأكثر فلكل واحد أن يتصرف فيه تصرف المالك خرج به تقرر شيء غير مالي كتقرر النسب والولاية فإن النسب الثابت بين اثنين ليس شيء مالي فلا يتصرفان في النسب تصرفات الشركات.
وكذلك تقرر الولاية بين اثنين على مملوك فإنه لا يكون شركة وقوله بين مالكين خرج به تقرر شيء مالي بين وصيين أو وكيلين فإن القاصر الموجود في يد تصرفات الشركاء لأن ماله بينهما ليس مملوكاً لهما.
ويدخل في التعريف جميع لأنواع الشركة سواء كانت شركة إرث أو غنيمة أو شركة مال ستعرفه في التعريف، وكذلك يدخل في التعريف شركة الأبدان باعتبار الفائدة المالية التي تترتب لأنها تكون مملوكة بينهما.
وقد عرف بعضهم الشركة المالية التجارية بأنواعها بأنها عبارة عن إذن كل واحد من الشريكين أو الشرطاء للآخر في أن يتصرف في مال يملكه على أن كلاً منهما يتصرف لنفسه وللآخر فكل من الشريكين يعمل في مال الآخر لصاحبه ولنفسه بخلاف الوكيل فإنه يعمل في مال الموكل خاصة. وأما تعريف كل قسم من أقسام الشركة على حدة فإليك
بيانه:
فأما شركة المفاوضة فهي اشتراك اثنين فأكثر في الاتجار بماليين على أن يكون منهما نصيب
(3/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في الربح بقدر رأس المال بدون رأس ماله بدون تفاوت وأن يطلق كل من الشركاء حرية التصرف للآخر في البيع والشراء ولاكتراء وأن يشتري في غيبته وحضوره سواء اتفقا على أن يتجرا في نوع واحد كالقمح أو الشعير أو في جميع الأنواع. وبعضهم يقول إنها إذا كانت في نوع واحد تكون عناناً لا مفاوضة لأن شركة المفاوضة يجب أن تكون عامة في كل الأنواع ولا تفسد شركة العنان عندهم بانفراد أحد الشريكين بمال غير مال الشركة فيصح أن تكون الشركة على ألف كل منها خمسمائة وعلى أحدهما زيادة على الخمسمائة.
وأما شركة العنان فهي أن يشتركا على أن لا يتصرف أحدهما إلا بإذن صاحبه فإن كل واحد مهما آخذ صاحبه يمنعه إذا أراد حتى لو تصرف أحدهما بدون إذن الآخر كان له رده. وإذا اشترطا أن يكون لأحدهما التصرف المطلق دون الآخر فقيل إنها تكون عناناً في المقيد ومفاوضة في المطبق. وقيل تفسد وهو الظاهر.
وأما شركة العمل (وهي المعروفة شركة الأبدان في بعض المذاهب) فهي أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا معاً ويقتسمان أجرة عملها بنسبة العمل بشرط أن تكون الصنعة متحدة كحدادين. أو نجارين أو خياطين أو نساجين فلا يصح اشتراك حداد ونجار ولا اشتراك صانع ونساج نعم يصح اشتراك صانعين تتوقف صنعة أحدهما على صنعة الآخر كأن يشترك الذي يغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ مع صاحب الزورق الذي يحمله ويمسك له. وأن يتساويا في العمل بأن يأخذ كل واحد بقدر عمله من الغلة ويصح أن يزيد أحدهما على الآخر شيئاً يتعارفه الماس ويحصل التعاون بينهما ولو كانا بمجلين مختلفين (كدكاكين) وإذا كان لكل منهما آلة للبرادة أو الحدادة أو النجارة فإنه لا يجوز أن يعمل بها قبل أن يشتري كل منهما نصف ألته بنصف الأخرى حتى يكون لكل منهما نصف إحداهما ملكاً أصلياً والنصف الآخر بالشراء. وقيل يجوز والأول هو المعتمد.
وأما شركة الذمم فهي عبارة على أن يتعاقد اثنان على أن يشتريا شيئاً غير معين بثمن مؤجل في ذمتها بالتضامن بمعنى أن كلاً منهما كفيل لصاحبه ثم يبيعانه وما خرج من الربح فهو بينهما.
وأما شركة الوجوه عند المالكية فهي عبارة عن أن يتفق رجل ذو وجاهة مع رجل خمل لا وجاهة عنده على أن يبيع الوجيه تجارة الخمر لأن وجاهته تحمل الناس على الثقة به والشراء منه وله في نظير ذلك جزء من الربح وهي ممنوعة عندهم أيضاً لأن فيها تغريراً بالناس فإذا وقع ذلك فعلاً كان للوجيه أجر المثل أما المثل من اشترى من الوجيه فله رد السلعة وإمساكها بثمنها وإن كانت نفذت فإنها بالأقل من القيمة.
وأما إذا وقع عقد شركة الذمم فإنه يعمل مع الشريكين بحسب ما اتفقا عليه من الربح.
(3/69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأما شركة الجبر فهي عبارة عن أن يشتري شخص سلعة بحضرة تاجر اعتاد الاتجار في هذه السلعة ولم يخطر بأنه بشتريها لنفسه خاصة ولم يتكلم ذلك التاجر فإنه له الحق في أن يشترك فيها مع من اشتراها ويجبر من اشتراها على الشركة مع ذلك التاجر.
والماكية: يقولون إن عمر رضي الله عنه قضى بهذا بالعرف في ذلك ويشترط فيها ستة شروط ثلاثة في السلعة وثلاثة في الشخص الذي يريد الاشتراك فاما الشروط الخاصة بالسلعة فهي أن تشتري بالسوق الذي تباع فيه عادة، وأن يكون شراؤها للتجارة فإذا اشتراها للاقتناء أو ليجعلها أثاث منزله فإنه لا حق للغير في أن يشاركه فيها وأن يكون الاتجار فيها بها في البلد الذي اشتريت به فإذا اشتراها للسفر بها فإنه لا يجبر على الشركة فيها.
وأما الشركة المتعلقة بالشخص الذي يطلب فهي أن يكون حاضراً في السوق وقت شراء السلعة.
وأن يكون من تجار تلك السلعة التي يبعث بحضرته وأن لا يتكلم وقت الشراء وهناك شرط آخر يتعلق بالمشتري وهو أن لا يقول لهم إنني أشتري ولا أريد أن أشارك أحداً فمن شاء أن يزيد فليفعل فإن قال ذلك فإنه لا يجبر الحاضر على مشاركة المشتري إلا إذا طلب ذلك فقبل.
وأما شركة المضاربة فقد تقدم معناها وأحكامها في بابها فارجع إليها إن شئت.
الحنابلة - قالوا: تقسم الشركة إلى قسمين: شركة في المال. وشركة في العقود فشركة المال هي اجتماع اثنين فأكثر في استحقاق عين بإرث أو شراء أو هبة أو نحو ذلك ولا فرق بين أن يملكا العين بمنافعها أو يملكا رقبتها دون منفعتها أو منفعتها بدون رقبتها. وأما شركة العقود وهي المرادة هنا فهي اجتماع اثنين فأكثر في التصرف وتنقسم شركة العقود إلى خمسة أقسام:
شركة العنان. وشركة الوجوه. وشركة الأبدان. وشركة المفاوضة وشركة المضاربة.
فأما شركة العنان فهي أن يشترك اثنان فأكثر بمالين على أن بعملا معاً في تنميتها والربح بينهما على ماشترطا أو يشترك اثنان فأكثر بماليهما على أن يعمل أحدهما فقط بشرط أن يكون للعامل جزء من الربح أكثر من ربح ماله ليكون ماله الجزء نظير عمله فإن شرط له ربحاً قدر ماله فقط إيضاع لا يصح لأنه عمل في مال الغير بدون أجر.
وأما شركة الوجوه فهي أن يشترك اثنان فأكثر في شراء تجارة بثمن في ذمتهما اعتماداً على وجاهتهما التي توجب الثقة بهما ثم يبيعانه والربح بينهما نصفين أو ثلاثاً أو نحو ذلك وهي في جائزة مطلقاً سواء عينا جنس ما يشتريانه أو قدره أو قيمته أو لم يعنيا شيئاً فلو قال أحدهما لللآخر ما اشتريت من شيء فهو بيننا صح.
وأما شركة الأبدان فهي أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا بأبدانهما وما يروقانه من الأجر فهو
(3/70)

مبحث أركان الشركة
-للشركة العامة أركان: العاقدان، والصيغة، والمحل - وهو شيئان: المال والأعمال (1) .
__________
بينهما على ما اشترطا وهي جائزة مطلقاً سواء اتخذت الصفة أو اختلفت فيجوز اشتراك نجار مع حداد ولكل واحد منهما أن يأخذ وللمستأجر أن يعطيها لأيهما أراد.
ومن شركة الأبدان الاشتراك في تملك المباحثات كالاصطياد ولاحتطاب ونحو ذلك.
وأما شركة المفاوضة فهي الاشتراك في استثمار المال مع تعويض كل واحد لصاحبه في الشراء والبيع والمضاربة والتوكيل والبيع والسعر بالمال والرهن والارتهان والضمان وغير ذلك إلا إنه لا يصح أن يدخلا فيها الكسب النادر كوجدان بقطة أو نحو ذلك.
وأما المضاربة فقد تقدم معناها.
الشافعية - قالوا: الشركة الجائزة نوع واحد وهي شركة العنان (بكسر العين) وهي عبارة عن أن يتعاقد اثنان فأكثر على الاشتراك في مال للاتجار فيه ويكون الربح بينهم على نسبة أموالهم بشرائط مخصوصة سيأتي بيانها.
أما أنواع الشركة المذكورة في المذاهب الأخرى فهي باطلة وهي ثلاثة أقسام:
الأول: شركة الأبدان وهي أن يشترك اثنان فأكثر يحترف واحد منهم حرفة ليعمل كل منهما ببدنه وما يرزقهم الله من أجر يقسمونه وهذه ممنوعة سواء اتحدت الحرفة كحدادين ونجارين أو اختلفت كحداد ونجار، فإذا وقع عقد شركة كهذه فإن حكمه أن كل ما يحصله أحدهم من أجرة عمله وحده يختص به ولا يعطي منه شيئاً لشريكه وما يعملانه معاً يوزع عليهما بنسبة مثل أجرة عمل كل منهما. مثلاً إذا عملا معاً في بناء حائط يأخذ كل مهما أجرة مثل عمله التي يستحقها في اليوم فلو كان أحدهما يستحق في اليوم عشرة قروش وزعت الأجرة عليها بهذه النسبة.
الثاني: من أقسام الشركة الباطلة شركة المفاوضة وهي أن يتعاقد اثنان فأكثر على الاشتراك بأموالهم من غير خلط المالين ببعضها قبل العقد أما إذا خلط المالين ببعضهما قبل العقد فإنها لاتكون شركة مفاوضة بل تكون من شركة العنان الجائز حتى ولو صرحا بالمفاوضة ونويا بها العنان فإنها تصح بعد الخلط قبل العقد وكما تكون المفاوضة بالأموال تكون بالأبدان فقط أو بالأموال والأبدان.
الثالث: شركة الوجوه وهي أن يشترك زجيهان فأكثر في شراء تجارة بثمن مؤجل لوجاهتهما ليبيعونه والربح بينهما أو يشترك وجيه وخمل على أن يشتري الخمل بماله ويبيع الوجيه بوجاهته ويبيع الخمل وكل هذه الأقسام باطلة.
(1) (الحنفية - قالوا: للشركة ركن واحد وهو الإيجاب والقبول لأنه هو الذي يتحقق به العقد وأما غيره من العاقدين والمال فهو عن ماهية العقد كما تقدم في البيع وصفة الإيجاب أن يقول
(3/71)

شرط الشركة وأحكامها
-لشركة العقود شروط: بعضها يتعلق بالعاقدين. وبعضها يتعلق بالصيغة ويعضها يتعلق برأس المال. وبعضها يتعلق بالربح، ولكل نوع من أنواع الشركة شروط تتعلق به من ذلك بخصوصه وكلها مفصلة في المذاهب في أسفل الصحيفة (1) .
__________
أحدهما شاركتك في كذا وكذا ويقول الآخر قبلت ولا فرق في ذلك بين أن يذكر نوعاً خاصاً كأن يقول له شاركتك في القمح أو القطن أو يذكر شيئاً عاماً كأن يقول أنواع التجارة وإذا لم يذكر لفظ الشركة بأن قال أحدهما ما اشتريت اليوم من أصناف التجارة فهو بيني وبينك، فقبل صاحبه فإنه يكون شركة.
ولكن ليس لأحدهما أن يبيع بدون صاحبه لأنهما قد اشتركا في الشراء ولم يشتركا في البيع فلا يصح لأحدهما أن يتصرف بدون إذن الآخر.
ومثل ذلك ما إذا أقته بوقت كأن قال له ما اشتريت اليوم أو هذا الشهر فهو بيني وبينك.
ولا يشترط في الإيجاب والقبول أن يكونا بالفظ فإذا دفع له ألفاً وقال له أخرج مثلها واشترى تجارة والربح سيكون بيننا فأخذها وفعل بدون أن يتكلم انعقدت الشركة وكيفية كتابة الشركة أن يقال:
هذا ما اشترك عليه فلان أو فلان، اشتركا على تقوى الله تعالى وأداء الأمانة، وعلى رأس مال قدره كذا يدفعه فلان ورأس مال قدره كذا يدفعه
صاحبه وذلك كله في أيديهما يشتريان ويبيعان مجتمعين ومنفردين ويعمل كل منهما برأيه ويبيع بالنقد وبالتأجيل فما كان من ربح فهو بينهما على قدر رؤوس أموالهما وما كان من خسر أو تبعة فهو كذلك ثم يكتب التاريخ.
هذا هو النص الكامل لكتابة عقد الشركة، وإن كان بعضه غير لاوم مثل التنصيص على أن كلاً منهما يبيع بالنقد وإلى أجل لأن ذلك يملكه بمجرد العقد نعم بعضهم يقول إنه محتاج إلى إذن ولكنه ضعيف ثم إن اشترط الربح متفاوتاً وصحيح فلا يلزم أن يقول وما كان من ربح فهو بينهما على رأس مالهما إلا صادف ذلك اتفقا ولهما أن يفقا على أن يأخذ أحدهما من الربح أقل من رأس ماله فإن كان ذلك فلينص عليه.
أما الخسارة فإنه يجب أن تكون بنسبة رأس المال فإذا اشترط أن يكون على أحدهما أكبر من نسبة رأس ماله فسد العقد) .

(1) الحنفية - قالوا: الشروط المتعلقة بالشركة تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: يتعلق بجميع أنواع الشركة سواء كانت بالمال أو بغيره.
القسم الثاني: يتعلق بشركة المال سواء كانت معاوضة أو عناناً.
القسم الثالث: يختص بشركة المفاوضة بأنواعها.
القسم الرابع: يختص بشركة العنان كذلك.
(3/72)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فأما الأول: فيشترط للشركة بجميع أنواعها أمران: الأول وهو متعلق بالمعقود عليه أن يكون النعقود عليه قابلاً للوكالة فيه فإذا تعاهد اثنان على أن يشتركا في الاصطياد أو الاحتطاب أو في جميع الحشائش المباحة وبيعها فإن العقد لا يصح لأن هذه الأشياء مباحة فلا ينعقد فيها التوكيل لأن الحصول يثبت لمن يباشرها فمن حطباً أو صاد سمكاً أو غزالاً أو غير ذلك فإنه يملكه بمجرد الحصول عليه لغيره ملك يتصور أن يوكله في التصرف فيما يملكه منه.
ثانيهما: وهو متعلق بالربح أن يكون الربح جزءاً شائعاً معلوماً كالنصف أو الثلث أو نحوهما فإن كان الربح مجهولاً أو معيناً بعدد يفسد فإذا قال أحدهما شاركتك ولك جزء من الربح ولم يعين أو قال ولك عشرون جنيهاً من الربح فإنه لا يصح أما الأول فلأن الجهالة في الربح توجب النزاع وأما الثاني فلأن تعيين عدد من الربح يقطع الشركة إذ ربما لا يربح سوى هذا المبلغ فيأخذه أحد الشريكين المشروط ولا يكون الثاني شريكاً فنتقطع الشركة حينئذ.
أما القسم الثاني: وهو متعلق بشركة المال سواء كانت عناناً أو معاوضة فهو أمور:
أحدهما: أن يكون رأس المال من النقدين كالجنيه والريال فلا يصح العقد في شركة المعاوضة ولا في شركة العنان إذا كان رأس المال تجارة أو حيوان أو من المكيلات كالقمح والعدس أو الموزات كالسمن والعسل فإذا اختلط ما يملكه اثنان من القمح ببعضهما فإن ذلك سيكون شركة ملك كما تقدم والربح بينهما بنسبة ما يملكان والخسارة تكون عليهما بتلك النسبة أما إذا كانا من جنسين مختلفين وشعير فالثمن يكون بينهما على قدر قيمة ما يخصه يوم بيعه ومثل عروض التجارة قطع الذهب والفضة التي لم تضرب (تختم بختم الحاكم) إلا إذا جرت معادة بالتعامل بها فإنه يجوز أن يجعل رأس مال الشركة المالية على الصحيح.
أما المصنوغ من الذهب والفضة كحلي النساء وخلاخلهن فإنه كالنحاس والبرنز فإنه يصح جعلها رأس مال الشركة إذا كان يتعامل بها كما تقدم في المضاربة.
على أنه يصح أن يجعل عروض التجارة رأس مال الشركة بحيلة وهي أن يبيع كل واحد منهما نصف ما يملكه الآخر ثم يخلطان ما يملكانه ببعضهما فيكون شركة ملك بحيث لا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الاخر إلا بإذنه ثم تعاقدان على شركة المفاوضة فيقوض كل منهما لصاحبه أن يتصرف.
ثانيهما: أن يكون رأس المال حاضراً عند العقد أو عند الشراء فلو دفع
دفع مائة جنيه لشخص وقال له ادفع مثلها واشتر بها وبع صح فإن العقد لا يصح.
ثالثها: أن يكون رأس مال الشركة ديناً فإذا كان لشخص دين على آخر وقال شاركني على أن
(3/73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
رأس المال الذي أدفعه هو الدين الذي لي عند أو عندك فإنه لا يصح لأن الدين مال غائب وقد عرفت أن الشرط حضور المال.
وأما الشروط المختصة بشركة المفاوضة فهي أمور:
منها: أن يكون رأس مال الشريكين أو الشركاء على السواء بأن يكون قدر ما يدفعه كل واحد مساوياً لما يدفعه الآخر فلا يصح في المفاوضة أن يدفع أحدهما مائة جنيه والآخر خمسين جنيهاً فإن كان رأس مال أحدهما مخالف لرأس مال صاحبه بأن دفع أحدهما ذهباً والآخر فضة وجب أن يكون كل منهما مساوياً للآخر في القيمة فإنه يجب أن يكون كل منهما مساوياً للآخر في القيمة فإذا دفع أحدهما عشرة جنيهات مصرية مثلاً وجب أن يدفع الآخر خمسين ريالاً من الفضة أو مائة قطعة من ذات العشرة قروش وهكذا.
ومنها: أن لا يكون لأحدهما من المال الذي تنعقد به شركة المفاوضة شيء مدخر بل ينبغي له أن يخرج كل ماله. فإذا كان معه ألف جنيه فلا يصح أن يعقد شركة مفاوضة مع غيره بخمسمائة بل ينبغي أن يعقدها بالألف فإذا عقدها بأقل مما يملك من المال كانت شركة عنان لا مفاوضة ويجوز أن يملك أحدهما عقاراً أو دوراً فسدت وصار عناناً ولو كان لأحدهما وديعة من النقدين عند شخص زائد على رأس مال المفاوضة فسدت المفاوضة وهذا الشرط يتعلق الشرط برأس المال.
ومنها: أن يكون كل من الشريكين أهلاً للكفالة بأن يكونا بالغين حرين عاقلين متفقين في الملة كما تقدم وهذا الشرط متعلق بالعاقدين.
ومنها: أن تكون الشركة عامة في جميع أنواع التجارة فلا يصح تخصيصها بنوع واحد كالقطن أو القمح أو نحو ذلك وهذا الشرط متعلق بالمعقود عليه.
أما الأحكام شركة المفاوضة فهي أن كل شيء يشتريه أحد الشريكين كان على الشركة كإطعام أهله وإدامه وكسوته. وكذلك المتعة والنفقة والاسئجار للسكنى والركوب للحاجة كالحج وغيره فإن كل ما يشتريه أحدهما مما يتعلق بذلك خاصاً به ومع ذلك فإن الآخر يكون كفيلاً عنه حتى أن لصاحب الكسوة والطعام ونحو ذلك ما ذكر أن يطالب الشريك الآخر الذي لم يشتر وعليه أن يؤدي ويرجع على شريكه بما يستحقه فيما دفعه من مال الشركة.
ولا يشرك أحدهما الآخر فيما ورث من ميراث ولا حصل عليه من جائزة سلطانية ولا هبة ولا صدقة ولا هدية.
وإذا كان لأحد الشريكين شيء مملوك قبل عقد الشركة فليس للآخر شيء إذا اشترى أحدهما جملاً بشرط الخيار ثم تعاقد مع صاحبه على شركة المفاوضة ثم أسقط خياره فإن الجمل يكون له وحده وليس لشريكه فيه نصيب.
(3/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا أودع أحدهما وديعة كانت عند الآخر وإذا كان يعمل أحدهما في مال مضاربة ما يخصه من الربح بينه وبين شريكه شركة مفاوضة.
وإذا ثبت في ذمة أحدهما دين بتجارة وشبهها كان الآخر متضامناً فيه ويشبه التجارة الغصب والاستهلاك والوديعة الموجودة أو المستهلكة والعارية لأنه إذا غصب أحدهما شيئاً كان ضامناً له والضمان يفيد له تملك الأصل المغصوب فيكون الشريكان مفاوضة متضامنين في أدائه ومثل الغصب الوديعة فإذا أودع شخص عند أحد أحد الشريكين وأنكره أو استهلكه كان ضامناً كالتجارة ومثل ذلك العارية وكذلك إذا كفل أحدهما شخصاً على مال بإذن صاحبه فإن شريكه يكون ضامناً معه في دفع ذلك المال.
اما إذا كفل أحدهما شخصاً بنفسه بأمر صاحبه أو كفله بدون إذنه فغن الشريك الآخر لا يلزم بذلك.
وخرج ما لزم أحدهما مما لا يشبه التجارة كالدين المهر والخلع والجنابة والصلح عن دم العمد والنفقة فإن كل ذلك لا يضمن فيه الآخر.
هذا ولا تبطل الشركة بالشرط الفاسد عند الحنفية وإنما يبطل الشرط فلو اشتركا في شراء حيوان أو عروض تجارة على أن يبيعه أحدهما دون الآخر لم تفسد الشركة ولا يعمل بالشرط. وكذلك إذا اشتركا على أن يدفع أحدهما المال وحده فإن الشرط يكون فاسداً والعقد صحيح وهكذا كل شرط فاسد فإنه لا يفسد العقد ولا يعمل به.
المالكية - قالوا: الشروط التي تتعلق بالعاقدين ثلاثة وهي: الحرية فلا تصح بين رقيق وحر ولا بين عبدين إلا إذا كان مأذوناً له بالتجارة من سيده فإنه يكون في حكم الحر. والرشد فلا يصح بين سفهين أو سفيه ورشيد. والبلوغ فلا تصح من صبيين ولا من صبي وبالغ فإذا اشترك صبي مع بالغ فلا ضمان على الصبي ومثل ذلك ما إذا اشترك سفيه مع عاقل فإنه لا ضمان على السفيه ومثلها العبد مع الحر. وهذه الشروط هي شروط صحة التوكيل والتوكل فلا يصح لشخص أن يوكل غيره أو يتوكل عن غيره إلا إذا كان حراً بالغاً رشيداً.
وأما الصيغة فشرطها أن تكون بما يدل على الشركة عرفاً سواء كان بالقول أو الفعل ومثال الأول أن يقول كل منهما اشتركنا على كذا أو يقول أحدهما ويسكت الآخر راضياً أو يقول أحدهما شاركني ويرضى الاخر ومثال الثاني أن يخلط كل منهما ماله صاحبه ويتجرا ومتى تحققت الصيغة بالقول أو الفعل لزم عقد الشركة. وإذا أراد أحدهما أن ينفصل عن صاحبه قبل خلط المالين وامتنع الآخر فليس للأول حق الانفصال إلا إذا بيعت السلع التي اشترياها وظهر رأس المال.
(3/75)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأما رأس المال فإنه يصح بأمور ثلاثة، أحدهما النقدان من الذهب والفضة وهذا يشترط فيه ثلاثة أمور:
الأول أن يتحد ما يدفعه أحدهما بما يدفعه الآخر في الجنس بأن يخرج أحدهما ذهباً فقط والآخر فضة فإن فعلا ذلك فلكل منها رأس ماله ويقسمان الربح لكل عشرة واحد.
الثاني: أن يتحد المالان في الصرف والوزن والجودة والرداءة فلا يصح أن يختلف في التصرف كأن يصرف جنيه أحدهما مثلاً بخمسة وتسعين جنيه والآخر بتسعين مع اتحادهما في الوزن لأنهما إن اتفقا على إلغاء الزيادة فقد تفاوتا في رأس المال أحدهما في هذه يدفع أكثر من صاحبه ولم يحسب له ما دفعه والتفاوت مفسد للشركة وإن اتفقا على حساب الزيادة ترتب على عدم اعتبار الوزن في صرف الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة وهو ممنوع.
وكذلك لا يصح أن يختلفا في الوزن لما عرفت. اما اختلافهما في الجودة والرداءة بأن كان أحدهما جيداً والاخر رديئاً فإنه لا يصح لأن قيمة الجيد أزيد من قيمة الرديء طبعاً على إلغاء الوزن وإلغاء الوزن في عيار الذهب والفضة ممنوع.
الأمر الثالث: أن يكون رأس مال الشركة من النقدين حاضراً فإذا اشتركا على مال غائب فإنه. لا يصح اما إذا كان مال أحدهما حاضراً ومال الآخر غائباً فإن كانت غيبته بعيدة بحيث لا يمكن إحضاره في مسافة يوميين فإن الشركة لا تصح.
وإذا كان بعض مال أحدهما غائباً ويعضه حاضراً كأن كان معه ألف منها خمسمائة بيده والباقي مودع في مكان ثم اشتركا على الأفين فإنه ينبغي تأجيل العمل حتى تحضر الخمسمائة في مسافة قريبة فإن عملا قبل ذلك كان لصاحب الخمسمائة نصيبه من الربح ذلك وهو الثلث فقط.
ثانيهما: أن يكون رأس المال عيناً من أحدهما وعروض تجارة من الآخر كأن يدفع أحدهما نقداً من ذهب أو فضة ويدفع الآخر يلعة من قماش أو قطن أو قمح.
ثالثها: أن يكون رأس المال عرض تجارة من الشركين كأن يدفع أحدهما قطناً والآخر ثياباً أو شعيراً أو أرزاً أو يدفع أحدهما قطناً والآخر قطناً كذلك إذ فرق أن يكون رأس المال من العرض متحد الجنس أو مختلفة إلا أنه لا يصح أن يكون رأس المال من كل منهما طعاماً فلا يصح أن يدفع كل واحد قمحاً أو شعيراً وإنما جازت في صورة ما إذا كان أحدهما طعاماً فلا يصح أن يدفع كل واحد قمحاً أو شعيراً وإنما جازت في صورة ما إذا كان مال أحدهما طعاماً والآخر عرض تجارة تغلباً لجانب النقد وعرض التجارة على الطعام.
وعلى كل حال فيشترط في جعل رأس المال عرض تجارة أن يقوم رأس المال وتعتبر الشركة فيه بالقيمة ثم إن كان عروض التجارة معدوداً أو مكيلاً فتعتبر قيمته بعد وقبضه لأنه إنما يدخل
(3/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في ضمان المشتري بالقبض فتعتبر قيمته ومثل ذلك العرض الغائب غيبته قريبة فإن قيمته تعتبر يوم قبضة واما غير ذلك فتعتبر يوم عقد الشركة.
وأما الربح والخسارة فإنه يشترط فيه أن يكون بحسب نسبة المال فلا يصح لأحدهما أن يأخذ أكثر من نسبة رأس ماله الذي دفعه.
ومثل الربح العمل فعلى كل منهما أن يعمل بنسبة رأس ماله فإن اشترطا التفاوت في الربح أو العمل بطلت الشركة فإذا لم يشرعا في العمل وظهر لهم بطلان الشركة بذلك فسخ العقد فإذا عملا في المال واتضح البطلان بعد العمل قسم الربح بينهما على قدر رأس المال الذي دفعه كل منهما.
فإذا كان لأحدهما ثلث المال وللآخر الثلثان واشتريا على أن يكون لصاحب ثلث المال نصف الربح ولصاحب الثلثين النصف الاخر فإن لصاحب الثلث بالسدس الزائد على مقدار رأس ماله ولصاحبه الثلث الرجوع على صاحب الثلثين بأجر عمله الذي يقابل سدس الربح الذي زيد له وهو سدس أجرة العمل كله.
هذا محصل الشروط المعتبرة في شركة العقود عامة. وقد تقدمت الشروط الخاصة بكل نوع على حده عند تعريفه قريباً.
الشافعية - قالوا: قد عرفت مما تقدم أن القسم الصحيح من أقسام الشركة عند الشافعية هو شركة العنان وأما غيرها فهو باطل وقد عرفت حكمته فيما تقدم. وكذلك أن أركانها أربعة: صيغة وشريكان ومال. ويتعلق بكل ركن منها شروط:
فيشترط في الصيغة أن تشتمل على ما يفيد الإذن بالتصرف لمن يتصرف بالبيع والشراء ونحوهما فإن كان التصرف من أحدهما يلوم أن تكون الصيغة مشتملة على إذن الآخر إياه كل منهما لصاحبه جعلنا هذا المال شركة وأذنتك بالتصرف فيه على سبيل التجارة بيعاً وشراء فيقول الاخر قبلت ولا يكفي اشتركنا فقط بل لابد من التصريح بما يدل على الإذن المذكور.
وأما الشريكان فيشترط في كل منهما الرشد والبلوغ والحرية فلا يصح عقد الشركة من سفيه أو مجنون أو صبي أو رقيق غير مأذون له وكذلك لا يصح من مكره أو فضولي. ويصح من أعمى على أن يكون المتصرف ويوكل عنه في القبض بشرط أن يكون أهلاً لأن يكون عنه غيره بان يكون رشيداً بالغاً.
وأما رأس المال فيشترط له أمور (أولاً) أن يكون مثلياً والمراد بالمثل ما يحصره كيل أو وزن ويجوز فيه السلم كالنقدين من الذهب والفضة فإنها يحصران بالوزن وكالحنطة والشعير والأرز ونحوها فإنها تحصر بالكيل أما غير ذلك مما لا يكال ولا يوزن من عرض التجارة فإنه لا يصح أن يجعل رأس مال إلا إذا باع أحدهما بعض تجارة صاحبه بطريق الشيوع ثم يأذن كل واحد منهما
(3/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
صاحبه بالتصرف على سبيل التجارة وبذلك يصح جعل عرض التجارة رأس مال سواء اتحد جنسه أم اختلف.
(ثانياً) اختلاط المالين قبل العقد بحيث لا يتميز أحدهما من الاخر. أما خلطهما بعد وقوع العقد فقيل يصح وقيل يمتنع وعلى الثاني فإنه يلزم إعادة الصيغة.
(ثالثاً) يشترط اتحاد ما يخرجه من المال ببعضه فلا يصح أن يخرج أحدهما ذهباً والاخر فضة وبالعكس. وكذلك لا يصح أن يخرج أحدهما فضة من ذات العشرة وقروش ويخرج الاخر من ذلت الخمسة ونحو ذلك إلا إذا ملكا مختلفاً بطريق الهبة أو طريق الميراث فإنه لا يشترط اتحاده وإنما الشرط أن يأذن كل واحد منهما صاحبه في التصرف بطريق التجارة.
ولا يشترط التساوي في رأس المال ولا في العمل على المعتمد فيصح أن يكون رأس مال صاحبه ويكون عمله الذي يقابل زيادة من المال تبرعاً منه لا يستحق عليه شيئاً، نعم يشترط أن بقسم الربح والخسارة على قدر المالين سواء تساوى الشريكان في العمل أو تفاوتا فإذا دفع أحدهما مائة ودفع الآخر خمسين لزم أن يأخذ الثاني ثلث الربح فإن اشترط أقل من ذلك أو أكثر فسد العقد ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمل مثله في ماله فإذا كانا متساوين في مال صاحبه مقابل عمل الآخر في ماله ويكون ذلك مفاوضة.
الحنابلة - قالوا: تنقسم الشروط في الشركة إلى ثلاثة أقسام:
الأول - شروط صحيحة لا يترتب عليها ضرر ولا يتوقف العقد عليها كما إذا اشترطا أن لا يبيعا إلا بكذا وأن يتجرا في مكان كذا أو أن لا يسافر بالمال ونحو ذلك فهذا كله صحيح لا ضرر فيه.
الثاني - شروط فاسدة لا يقتضيها العقد كاشتراط عدم فسخ الشركة مدة سنة مثلاً أو أن يبيع بها.
القسم الثالث: الشروط التي يتوقف عليها صحة العقد وهي أمور: منها أن يكون المالان معلومين للشريكين. ومنها حضور المالين بمال غائب أو في ذمة كالمضاربة. ومنها أن يشترطا لكل واحد جزءاً من الربح معلوماً مشاعاً كالنصف والثلث ونحوهما. ومنها غير ذلك الشروط التي تقدمت في المضاربة فارجع إليها.
(3/78)

مبحث في تصرفات الشركاء في المال وغيره
-لكل واحد من الشركاء أن يتصرف باختلاف أنواع الشركة فأما تصرفهم في شركة؟؟ المذاهب (1)
__________
(1) الحنفية - قالوا حكم تصرف الشركاء باختلاف أنواع الشركة فأما تصرفهم في شركة المفاوضة فهو على قسمين:
الأول: أن يتصرف كل منهم في مال الشركة.
الثاني: أن يتصرف كل منهم فيما وقع من شريكه من التعاقد مع الغير فأما الأول فهو على وجوه:
أن يكون لكل واحد الحق في أن يبيع بكثير الثمن وقليله إلا إذا كان في بيعه غبن كثير لا يقع بين الناس عادة فإنه لا يجوز أن يشتري إلا بما هو معروف عند الناس عادة وهل يصح له أن يبيع بعرض التجارة أو لابد من البيع بقيمة العرض والنفوذ خلاف.
ومنها: أن لكل منهم أن يبيع لمن لا تقبل شهادته عليه كولد ما دام بغير غبن كثير.
ومنها: أن لكل منهم أن يودع مال الشركة.
ومنها: أن لكل منهم أن يبيع ويشتري بثمن مقبوض ومؤجل منهم أن يتعاقد عقد سلم بأن يشتري سلعة بثمن حال على أن يقبضها بعد مدة معينة أو بيع سلعة كذلك.
ومنها: لكل منهم أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها بثمن أقل حالاً لينتفع بالمال الذي يقبضه. ومنها: لكل منهم أن يرهن مال الشركة مقابل
دين عليه خاصة إلا أنه يضمن لشريكه القدر الذي يستحقه في المال المرهون وإن كانت قيمة المرهون أكثر من الدين الذي عليه فلا يضمن شيئاً وإذا رهن مالاً خاصاً به في مقابل دين على الشركة فإن شريكه يكون ضامناً لنصيبه من الدين فيرجع عليه به.
ومنها أن لكل واحد منهم أن يهدي بالمأكول كالحم والخبز والقاكهة وله أن يولم بشرط أن لا يخرج عن العرف في ذلك أما الإهداء بغير المأكول كالذهب والفضة فإنه لا يجوز.
ومنها: أن لكل منهم أن يسافر بالمال بدون إذن شريكه على الصحيح. ثم إن كان السفر بإذن شريكه كان له الحق في الإنفاق على نفسه في طعامه وإدامه وكرائه من رأس المال إن لم يربح فإن ربحت النفقة من الربح.
ومنها: أن لكل منهم أن يدفع المال مضاربة كأن يعطي شخصاً مائة ليعمل فيها بجزء الربح وما بقي من الربح يكون بين الشركاء وله أن يأخذ مالاً مضاربة ليعمل فيه ولكن ربحه يكون خاصاً به.
(3/79)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن لكل منهم أن يشارك الغير شركة عنان ببعض مال الشركة ويجوز عليه وعلى شركائه سواء كان ذلك بإذنه شريكه أو لا. وليس له أن يشارك الغير مفاوضة إلا بإذن شريكه ولا فرق فس ذلك بين أن يشارك قريباً كأبيه وابنه أو بعيداً.
ومنها: أن لكل منهم أن يوكل وكيلاً ويدفع إليه بعض المال ويأمره أن ينفق على تجارة من مال الشركة فإذا عزل الشريك الآخر ذلك الوكيل فإنه ينعزل إذا كان وكيلاً في بيع أو شراء أو إجارة. اما إذا كان وكيلاً في تخليص دين باع به الشريك الموكل سلعة من تجارة الشركة فليس للشريك الآخر عزل الوكيل لأنه ليس لأحد الشركاء أن يقبض ما باع به واحد منهم أو يخاصم فيه بل الذي يفعل ذلك هو المباشر فقط ليس لغير المباشر أن يعزل الوكيل.
ومنها: أن لكل منهم أن يعير من مال الشركة ولكل واحد من الشركاء أن يمنع صاحبه من عمل شيء من الأوجه التي تقدمت كلها فإذا نهاه عن فعل واحد في نصيب شريكه الذي نهاه عن السفر.
وليس لواحد من الشركاء أن يقرض من مال الشركة بدون إذن صاحبه فإذا فعل ضمن نصيب شريكه ولا بفسد الشركة.
القسم الثاني: تصرف أحد الشركاء فيما يقع من التعاقد مع الغير وهو وجوه أيضاً: منها أنه قال أحدهما في بيع باعه الآخر نفذت إقالته على الشركاء، مثلاً إذا باع أحدهم سلعة بمائة فطلب المشتري إقالته الشريك الذي لم يباشر بيعها نفذت إقالته ومثل السلم.
ومنها أنه إذا باع أحد الشركاء سلعة بثمن مؤجل ثم مات فليس للشريك
أن يطالب بغير ما يخصه فإذا كان له النصف ودفع المدين يرئت ذمته والورثة هم يطالبون بنصيب الميت.
ومنها: أنه إذا باع أحدهم شيئاً ثم ذهب ثمن المشتري أو لأبرأه فإنه يجوز وعليه الضمان. ومنها أنه يجوز لأحد الشركاء أن يؤخر ديناً لهم
عند الغير حل موعده وينفذ تأخيره على الجميع سواء كان المباشر لعقد منهم أن يطالب البائع بثمنها.
ومنها: أنه أقر أحدهم نفذ إقراره على نفسه وعلى شركائه إلا إذا كان متهماً بالنسبة لمن أقر له بأن كان ممن لا تقبل عليه كأبيه وابنه.
وأما الثاني: وهو التصرف في شركة العنان فهو على وجوه أيضاً. منها أن لكل واحد من الشريكين شركة عنان أن يوكل بالبيع والشراء والاستئجار وللآخر أن يعزل الوكيل من ذلك.
(3/80)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا وكله بتقاضي دين فليس للآخر إخراجه كما تقدم في شركة المفاوضة وبعضهم يقول إن ذلك خاص بالمفاوضة. وما عدا ذلك فإن كل التصرفات الثابتة لشريك المفاوضة تثبت لشريك العنان وكل ما يمنع منه شريك العنان إلا أمور، منها أن شريك العنان لا يملك أن يشارك الغير بدون إذن شريكه فإذا اشترك اثنان شركة عنان فاشترك احدهما مع ثالث بدون شريكه الذي لم يشارك شيئاً كان ربحه خاصاً به.
ومنها: أنه ليس لشريك العنان الذي لم يباشر البيع أن يرهن عيناً من مال الشركة رهن بدين على الشركة لم يجز وضمن العين المرهونة.
وإذا ارتهن عيناً بدين لهما على الغير لم يجز لهما على شريكه فإن هلك الرهن في يده وكانت قيمته مساوية للدين فإن حصته تضيع ويرجع عليه ويرجع شريكه بحصته على المدين صاحب العين الموهونة على المرتهن بنصف قيمة الرهن ولشريكه أن يرجع بما يخصه مباشرة.
أما الشريك المباشر للبيع فإنه يجوز له أن يرهن ويرتهن فإذا اشترى أحدهما عيناً بثمن مؤجل ورهن في مقابل الثمن من مال الشركة فإن له ذلك وينفذ على الشريكين.
المالكية - قالوا: لأحد الشريكين (شركة مفاوضة) أن يتصرف فيما يأتي:
أولاً: له أن يتبرع بشيء من مال الشركة ليؤلف الذين يروجون تجارته
ويشبه ذلك ما ينفق على الإعلانلت في زماننا وكذا له أن يتصدق باليسير المعتادة بين الناس كإعارة آلة ونحو ذلك.
ثانياً: له أن يعطي شخصاً مالاً من الشركة ليشتري له به بضاعة من بلد كذا وذلك يسمى إيضاعاً وهذان من حقوق الشريكين شركة عنان أيضاً على الإيضاع لا يصح إلا إذا كان مال الشركة واسعاً وإلا فلا يصح الإيضاع بدون إذن شريكه.
ثالثاً: لأحد المتفاوضين أن يودع مال الشركة عند من يراه أميناً لعذر يقتضي الإيداع فإن أودع لغير عذر ضمن.
رابعاً: له أن يشارك في جزء معين من مال شركة مفاوضة أو شركة عنان بحيث لا يكون للشريك الجديد إلا العمل في الخير الذي عينه فلو عمل في كل مال الشركة بدون إذن الشريك الأول فإنه لا يصح.
خامساً: له أن يعطي بعض المال لشخص مضاربة إذا كان المال متسعاً يحتمل ذلك وإلا فلا يصح بدون إذن شريكه أيضاً.
سادساً: له أن يقبل من سلعة باعها هو أو شريكه إن كان في ذلك فائدة للتجار وإلا فائدة للتجار وإلا لزمه للشريك قدر حصته.
(3/81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سابعاً: له أن يقبل السلعة التي يترتب سواء اشتراه هو أو شريكه بغير إذن شريكه. هكذا وإن لأحد الشريكين أن يفعل كل هذه الأمور من الأول إلى السابع وإن نهى شريكه عنها وامتنع من قبولها.
ثامناً: له أن يقر بدين على الشركة ويؤخذ من مال الشركة ويلزم شريكه أن يدفع ما يخصه ولكن بشروط ثلاثة:
أحدهما: أن يصدقه المقر له على ذلك فإذا كذبه فلا يلزم شريكه شيء.
ثانيهما: أن يكون المقر له ليست بينه وبين المقر علاقة توجب اتهامه في إقراره كأبويه وابنه فإذا أقر فإنه لا يلزم شريكه ويكون مسؤولاً عنه المقر فقط.
ثالثهما: أن يكون الإقرار لمن لا يتهم بالنسبة له حال قيام الشركة فإن أقر بعد فض الشركة وصدقه المقر له لزمه أن يدفع له نصيب الذي يخصه، ثم يعتبر شاهداً بالنسبة لنصيب شريكه ويحلف هو وصاحب الدين الذي أقر له وبعد ذلك يلزم الشريك أن يدفع ما يخصه.
تاسعاً: له أن يبيع بالدين بغير إذن شريكه وليس له أن يشتري بالدين
بغير إذنه فإن فعل خير شريكه بين القبول والرد وفي حالة الرد يكون الثمن على المشتري خاصة ولا فرق في ذلك بين أن تكون السلعة التي اشترها بالدين معينة بينهما بأن قالوا له اشتر السلعة الفلانية أو لم تكن معينة كأن قال له سلعة أعجبتك فاشتراها فإذا أذنه شريكه في شراء سلعة معينة بالدين فإنه يصح، أما يصح، أما أذنه فس شراء أي سلعة بالدين فإنه لا يصح لأنها تكون من باب شركة الذمم وهي ممنوعة عندهم كما تقدم.
عاشراً: لأحد المتفاوضين أن يأخذ مالاً من شخص آخر غير شريكه ليتجر فيه مضاربة ويكون ربحه خاصاً به لا شيء منه لشريكه بشرط أن لا يشغله العمل فيه عن العمل للشركة الأولى وعليه خسارتها بلا دخل لشريكه إلا إذا علم شريكه بذلك ولم يمنعه فإنه يكون متضامناً معه في ربحها وخسارتها.
الشافعية - قالوا: لكل سلعة بشرط الخيار ثم وجد من يرغب فيها بثمن زائد قبل انقضاء مدة الخيار فإنه يتعين عليه فسخ العقد وبيعها لازائد للمصلحة وليس لأحدهم أن يبيع بالدين ولا بنقد غير متداول ببلده أو ينقد أقل سعراً من نقده بلده لأن في ذلك ضراراً لمصلحة شركائه بغير ضرورة مالم يأذن له في ذلك كله شركاؤه فإذا أذنوا فعل ولا ضمان عليه وإلا فعليه الضمان، ثم إن كان قد باع بالدين أو بغير نقد البلد الذي
(3/82)

مبحث إذا ادعى أحد الشركاء تلف المال ونحو ذلك
-الأصل أن الشريك أمين بالمال والأمين ينبغي أن يصدق فيما يدعيه وذلك هو الأساس الأول الذي تحث شريعتنا المطهرة على إعتباره في عقد الشركة فمتى اختل ذلك الأساس فقد انهارت الشركة وفشل الشركاء
في كل ما يقومون به من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً ومن أجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان خرجت من بينهما". رواه أبو داود والحاكم صحيح الإسناد.
ومعنى ذلك أن الله سبحانه لا يزال عوناً للشريكين ما دام كل مهما أميناً على صاحبه لا يخونه في كثير منه ولا قليل فإذا سولت له شهوته الفاسدة أن يخون صاحبه رفع الله تلك المعونة. ومن يكن الإله عوناً له لا بد أن ينجح في عمله ويفوز بأحسن ثمراته إن كان عاجلاً وإن آجلاً أما الذي لا يعينه خالفه فهو خاسر لا محالة ومعرض للهلاك في الدنيا والآخرة فالأمانة هي أس نجاح الشركاء والخيانة أس فشلهم وخسارتهم جميعاً وذلك مشاهد محس لا يحتاج إلى دليل فإنك ترى كثيراً من الشركات لا تلبث أن تنمحي آثارها رغماً من مساعدة الظروف إياها بينما الشركات التي أقل منها مالاً وأتعس حالاً تستمر وتنمو وما ذلك لحرص الشركاء على تفيذ شروطهم كاملة وتمسكهم بالمانة في كل شأن من شؤونهم وبعدهم عن الخيانة في جميع الأحوال.
__________
يتعامل به فيها أو بغبن كثير لا يصح البيع شريكه ويضمنه بالتسليم، أما نصيبه هو فقيل يصح البيع فيه بناء على القول بجواز تجزأة العقد بأن يكون صحيحاً ببعض العين المبيعة وفاسداً في البعض الآخر ويسمى ذلك (تفريق الصفقة) وقيل لا يصح أيداً وكما لا يصح في نصيب الشريك بنلء على القول بعدم جواز ذلك وعلى الأول أن يكون المشتري شريكاً لأنه يملك نصيب الشريك الذي باع له، أما على الثاني فالبيع كله باطل وليس لأحد الشركاء أن يعطي شيئاً من مال الشركة ليشتري به بضاعة بدون أجر (ويسمى ذلك إبضاعاً) إلا بإذن شركائه.
هذا وعقد الشركة جائز لكل من الشريكين فسخه متى شاء فلو فسخه الشريكان جميعاً انعزلا عن العمل.
أما إذا عزل أحدهما صاحبه فإن عزله ينفذ ويبقى هو في العمل حتى يعزله صاحبه أيضاً وتفسخ الشركة بموت أحدهما وجنونه دائماً
الحنابلة - قالوا: يجوز لأحد الشركاء أن يفعل الأمور التي تقدمت في المضاربة ويمتنع عليه ما يمتنع فيها فارجع إليها إن شئت.
(3/83)

وإن ادعى كان كذلك فكل ما يدعيه أحد الشركاء من خسارة وربح ونحو ذلك يصدق فيه على تفصيل في المذاهب (1)
__________
(1) (الحنفية - قالوا: كل ما يدعيه أحد الشركاء في مقدار الربح والخسران وفقد المال والدفع لشريكه فإنه يصدق في قوله بعد أن يحلف اليمين حتى ولو ادعى أنه دفع ما يخص شريكه بعد موته فإن القول بيمينه ألا ترى أن من وكل شخصاً في أن يقبض وديعة له عند آخر ثم مات الموكل فادعى الوكيل أنه قبضها قبل أن يموت الموكل وهلكت في يده قبل أن يعطيها له وهو أمين لا ضمان عليه فإنه يصدق ولو أنكرت الورثة وكذلك إذا قال دفعها إليه فإنه يصدق أما إذا وكله في قبض دين ثم مات الموكل وادعى الوكيل تلك الدعوى فإنه لا يصدق ولا تبرأ ذمة المديون بذلك.
وذلك لأن شاغل الدين لذمة المدين فإذا دفعه لصاحبه فقد شغل ذمته به فثبت للمديون الدائن مثل ما ثبت للدائن في ذمته فتقابل كل مهما بالآخر قصاصاً وهذا هو معنى قولهم إن الديون تقتضي بامثالها. وهي ذلك تضمين للميت وإيجاب الضمان على الغير لا يصدق فيه الوكيل وإنما يصدق في نفي الضمان عن نفسه. ولهذا لا يضمن الوكيل الدين ولا يرجع عليه المديون بشيء وبالجملة فالوكيل إذا ادعى أمراً فيه نفي الضمان عن نفسه صدق أما إذا ادعى ما فيه إيجاب الضمان على الغير فإنه لا يصدق.
ويضمن الشريك بالتعدي لأن الأمين إذا تعدى ضمن كما يضمن بموته من غير أن يبين نصيب شريكه فإذا اشترك اثنان وباع أحدهما تجارة بالدين ولم يبين نصيب شريكه قبل موته فإن على الورثة دفع نصيبه ولو ضاع عند المدين أما إذا بينه فلا ضمان. وإذا نهى أحد الشركاء شريكه عن البيع بالدين فباع نصيب البائع ووقع موقوفاً في حصة شريكه فإن أجاره فالربح بينهما وإن لم يجزه فالبيع في حصته باطل وحكم ما إذا نهاه عن السفر فلم يمتثل حكم المضارب الذي يفعل ذلك وقد تقدم.
الشافعية - قالوا: الشريك أمين مال الشركة فكل ما يدعيه أحد الشريكين
في الربح والخسران ورد بعض المال فإنه يصدق فيه. وأما إذا ادعى
المال ففيه تفصيل وذلك لأنه إذا ادعى تلفه بدون أن يعرف له سبباً
أو بسبب خفي كالسرقة فإنه يصدق بلا يمين.
أما إذا ادعى تلفه بسبب ظاهر كالحريق فإنه لا يصدق إلا أقام البينة على حصول الحريق وأن مال التجارة حرق به.
وأما إذا عرف أحد الشريكين بأنه اشترى هذه الشلعة للشركة وادعى الآخر بأنه اشتراها لنفسه لما فيها من زيادة في الثمن أو العكس صدقمن كان المال في يده. وإذا ادعى من في يده المال انهما اقتسماه وما في يده خاص به وأنكر شريكه فالقول في هذه الحالة للمنكر لأن الأصل عدم القسمة
المالكية - قالوا: إذا ادعى أحد الشركاء التلف لمال الشركة بآفة سماوية أو خسر بالعمل فيه
(3/84)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تجارة وأنكر شريكه عليه ذلك وادعى عليه أنه أخفاه ولم يحصل تلف ولا خسارة فلا يخلو إما أن تقوم القرائن على كذبة على كذبة في دعواه التلف والخسر كأن يكون مع جماعة لا يخفى عليهم التلف ولم يسمعوا عنه. أو تكون السلعة رابحة لا يمكن أن تخسر أو لا تقوم القرائن على ذلك.
وعلى كل حال فالقول للمنكر. ثم إن قامت القرائن على كذب المدعي ضمن المال، وإن لم تقم القرائن حيث لا بينه ولا دليل فإنه يحلف على أنه حصل الخسار والتلف.
وإذا ادعى أحدهما أن له ثلثي المال وادعى الآخر أن لكل واحد نصفه فالقول لمن ادعى النصف فيقسم بينهما نصفين بعد حلفهما وبعضهم يقول إنه يعطي لمدعى الثلثين النصف ولمدعي النصف الثلث ويقسم السدس التنازع بين أكثر من اثنين قسم المال بحسب الرؤوس.
وإذا ادعى أحد الشريكين على شيء رآه بيد شريكه أنه مال الشركة فأنكر الآخر ذلك وقال إنه خاص بي فإن ذلك يحتمل أمرين: الأول أن تقوم بينه على أنهما يتصرفان تصرف شركاء المفاوضة أو لأنهما أقرا بالمفاوضة أو أن الشركة قد وقعت يدهما ولا بينه للمنكر.
الثاني: أن ياتي المنكر بينه تشهد بأن هذا المال قد ورثة المنكر أو وهب له أو نحو ذلك وفي هذه الحالة يكون المال للمنكر خاصة سواء شهدت بانه جاءهه قبل ولم يدخل فيها أو قالت إنها لا تعلم إن كانت المفاوضة قبله أو هو قبلها.
أما إذا قالت إن الشركة قبل المال ولم تشهد بعدم دخوله فيها فإنه يكون للشركة.
الحنابلة - قالوا: الشريك بالنسبة أمين لأنه كالوكيل فالقول في رأس المال وفي قدر الربح أو لم يربح وفيما يدعيه من هلاك إلا إذا كان للآخر بينة تشهد خلاف ذلك وإن ادعى التلف بسبب ظاهر كتلف بينة تشهد به ثم حلف أنه تلف به والقول فيما اشتراه لنفسه أو للشركة ونحو ذلك) .
(3/85)

مباحث الإجارة
تعريفها وأركانها وأقسامها
-الإجارة في اللغة بكسر الهموة وضمنها وفتحها والكسر أشهرها وهي مصدر سماعي لفعل أجر على وزان ضرب وقتل فمضارعها يأجر وأجر بكسر الجيم وضمها ومعناها الجزاء على العمل. وقال: بعضهم إنها ليست مصدراً سماعياً أيضاً لأن المصدر القياسي لفعل أجر كضرب الأجر بمعنى الثواب والجزاء الحسن ولم يسمع أن الإجاوة مصدر له بل هي اسم لما يعطي من الأجرة وأن الذي ينبغي تعريفه فيما ياتي هو الإيجار وهو مصدر آخر بالمد يؤجر وأصله أأجر على وزان أكرم واسم الفاعل منه كمكرم ولكن الصحيح أن الإجارة مصدر سماعي أيضاً لفعل أجر كما ذكر أولاً فكما أن الإيجار مصدر قياسي لآجر كأكرم فكذلك الإجارة مصدر سماعي لأجر كضرب كما أنها اسم للاجرة وهي ما يعطي من كراء الأجير وياتي آجر أن يستعمل في لإجارة الدار ونحوهما مما لا يتصور فيه ذذلك من أن تكون آجرت على وزان أفعل كأكرم ثم إنه في هذه الحالة يتعدى إلى مفعولين تقول آجرت محمداً الدار أما آجر على وزان فاعل فإنه لازم غير متعد ومنه مؤاجرة الأجير تقول آجرت مؤاجرة على أنه إذا قال آجرت الأجير ولم يقل مؤاجرة فإنه يصح أن يحمل الفعل على وزان كأكرم ويتّعين في هذه الحالة أن يكون مصدره الإيجار ويصح أن يحمل على وزان فاعل ويكون مصدره الفعال والمفاعلة فيقال أجره إيجاراً ومؤاجرة. وأما معناها في الشرع ففيه تفصيل في المذاهب (1) .
__________
(1) (الحنفية - قالوا: الإجارة عقد يفيد تكليك منفعة معلومة مقصودة من العين المستأجرة بعوض.
فقولهم عقد معناه إيجاب وقبول ولا يلزم أن يكون لفظاً وذلك كما استأجر شخص داراً من آخر لمدة سنة فلما انقضت المدة طلب منه صاحب الدار إخلاءها وإن لم يفعل عليه اليوم بكذا فشرع في إخلاءها ولم يتمكن من الإخلاء إلا في مسافة فإن عليه أجر المثل في تلك المسافة فالإجارة منعقدة فيها بدون لفظ كما سياتي.
وقولهم يفيد تمليك منفعة خرج به البيع والهبة والصدقة لأن العقد تمليك الذات لا تمليك المنفعة.
(3/86)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما عقد النكاح فقد قال بعضهم إنه يفيد ملك الذات في حق الاستمتاع بمعنى أنه يفيد ملك البضع الذي يستمتع به وقال بعضهم إنه يفيد بالبضع وبسائر أجزاء بدنها بمعنى أن الزوج يختص بالاستمتاع بذلك دون سواه وكلا القولين قريب من الآخر لأن الذي قال إن الزوج يملك الذات لا يملك بذلك أنه يملك الذات ملكاً حقيقياً كملك الإماء وإنما أراد أن
الاستمتاع ويختص به دون غيره ولذا عرفوه بأنه عقد على ملك المتعة أي يفيد ملك المتعة ومعنى الملك الاختصاص ويلزم منه حل الاستمتاع طبعاً وعلى كل حال فعقد النكاح خارج أما على الأول فإنه تمليك للذات ظاهراً.
وأما عقد الإجارة فهو تمليك للمنفعة ظاهراً وباطناً وأما على الثاني فإن عقد النكاح ليس تمليكاً لمنفعة البضع ولإنما هو تمليك لالانتفاع وفرق بين الأمرين لأن الذي يملك المنفعة يملك كل ما يجيء منها وهنا ليس كذلك ألا ترى أن المرأة المتزوجة إذا نكحها آخر بشبهة كأن اعتقد أنها خالية من الأزواج فعقد عليها فإن النكاح يكون فاسداً وعليه مهر المثل.
أما الذي ينكح منكوحة الغير وهو يعلم أنه يعلم فإنه يحد وبلزمه مهر المثل أيضاً ولا يأخذه زوجها بل تملكه هي فلو كان الزوج يملك منافع البضع لاستحق مهرها. وهذا بخلاف ما لو عقد أحد على جارية الآخر فإن مهرها الذي يجب لها عنده يملكه سيدها لأنه يملك بضعها ملكاً حقيقياً كما يملك كل منافعه.
وقولهم (معلومة) خرج به الإجارة الفاسدة بسبب الإبهام الموجب للمنازعة كأن لم تتبين مدة الإجارة أو لم تحدد المنفعة التي تحتاج إلى التحديد فإن المعروف وإنما هو الإجارة الصحيحة التي يتعلق بها غرض الشرع. وقولهم (مقصودة من العين المستأجرة) معناه أن منفعة الإجارة
ينبغي أن تكون منفعة معتبرة في نظر الشرع والعقل خرج به ما إذا استأجر شيئاً لغرض غير صحيح في نظر الشرع والعقل كما استأجر فرساً بضعة أيام ليقال إنه راكبي الخيل أو استأجر ثوباً ليوهم الناس أنه من العظماء يلبسه أو استأجر داراً ولم يسكنها ليقال إنه ثري قادر على دفع الإجارة ونحو ذلك من الأمور الصبيانية التي لا تكون لها قيمة في نظر الرجال وإن كانت مقصودة لصغار العقول فالمراد بقولهم مقصودة إنما هو القصد المعتبر في نظر الشرع والعقل لا مجرد القصد فإذا وقع شيء من ذلك كانت الإجارة فاسد ولا يلوم المستأجر أجرتها وإن استعملها.
أما إذا كانت الإجارة فاسدة بسبب الإبهام وكان الغرض من الاستئجار صحيحاً فإن الأجرة تلزم المستأجر بالاستعمال.
وأما ركن الإجارة فهو الإيجاب والقبول لما عرفت كما تقدم أن المراد بالركن ما كان داخلاً في الماهية العقد هي الصفة التي يتحقق بها وما عدا مما تتوقف عليه كالعاقد والمعقود عليه فإنه شرط لتتحقق الماهية.
(3/87)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وتنعقد الإجارة بلفظ، وبغير لفظ، وهو المعاطاة، فأما الأول فإنه يشترط فيه أن يكون لفظاً ماضياً من العاقدين بأن يقول أحدهما أجرت هذه الدار أو أجرتها بالقصر والمد، كما تقدم فيقول الآخر قبلت أو استأجرت. هذه الدار فقال له الآخر أجرت وكما تنعقد بلفظ إجارة فإنها كذلك تنعقد بلفظ الهبة والصلح كأن يقول أحدهما وهبتك منافع هذه الدار سنة بكذا أو شهراً فيقول الآخر قبلت. وكذا قال له صالحتك على منفعة هذه الدار سنة بكذا وقال قبلت فإن ذلك يكون إجارة وتنعقد أيضاً بلفظ الإعارة لأن العارية بعوض إجارة فلو قال اعرتك منفعة هذه الدار شهراً بجنيهين فإنها تكون إجارة أما إذا قال له أجرتك منافع هذه الدار شهراً بلا عوض فإنها لا تكون إعارة بل إجارة فاسدة فإذا استعملها بعد ذلك يلزم باجرة مثلها. وأما الثاني وهو المعطاة فإن الإجارة تنعقد به في المدة القصيرة والأجور الصغيرة التي تحدث بين الناس عادة من غير كركوب السفينة ودخول الحمام والحلاقة ونحو ذلك فإنه يجوز أن بقع ذلك بدون عقد إجارة صحيحة وأما المدة الطويلة فإن الإجارة تنعقد فيها بالمعاطاة متى كانت الأجرة من سنة لأخرى فقد ترتفع وقد تنخفض وذلك موجب للنزاع.
ومن أمثلة الإجارة التي تنعقد بدون لفظ أن يسكن أحدهما في دار بأجرة معلومة مدة معينة حتى إذا لنتهت المدة استمر ساكناً وسكت صاحبها واستلم منه بعض الأجرة فإن تنعقد بذلك سنة أخرى ويجب الأجر بدون عقد ومنه المثال الذي تقدم في التعريف.
(وأما أقسامها) فإنها تنقسم إلى قسمين: قسم يرد على منافع الأعيان كاستئجار الأراضي والدواب والثياب وما أشبه ذلك فغن عقد الإجارة لهذه الأشياء وارد على منفعتها إذ الغرض من تأجير الأراضي الانتفاع بزرعها ومن تأجير الأواني والثياب الانتفاع باستعمالها فالعقد فيها متعلق بمنفعتها.
وقسم يرد على نفس العمل كاستئجار أرباب المهن على الأعمال التي يقومون به من الأعمال. أما المنافع المترتبة على أعمالهم آخر خارج التعاقد.
المالكية - قالوا: الإجارة والكراء معناها واحد إلا أنهم اصطلحوا على تسمية التعاقد على منفعة الأدمي وبعض المنقولات كالأثاث والثياب والأواني ونحو ذلك إجارة وعلى تسمية البعض الآخر وهي السفن والحيوان خاصة كراء مع كونهما من المنقولات. ومثل السفن والحيوان جميع الأشياء الثابتة كالدور والأراضي وغيرهما فإن العقد على منافعها يسمى كراء على أنهم قد يستعملون الكراء في معنى الإجارة وبالعكس في بعض الأحيان.
وعلى كل حال فهم قد عرفوا الإجارة بانها عقد يفيد تمليك منافع شيء معلومة بعوض غير ناشيء عن المنفعة.
(3/88)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومثلها الكراء فإنهم قد عرفوه بهذا التعريف أيضاً لما عرفت الإجارة والكراء واحد وإنما الاختلاف في التسمية.
فقولهم تمليك يشمل العقود التمليك من إجارة وبيع، وهبة وصدقة، ونكاح، وجعل، ومضاربة، ومساقاة، فإنها تفيد أيضاً تمليك الأمة المحللة وهي المستعارة التي يعقد عليها مستعيرها ليحلل نكاحها.
وقولهم منافع شيء خرج به البيع والهبة والصدقلة بالشيء ما يصح أن تستأجر منفعةته سواء كان آدمياً أو حيواناً أو ثياباً أو أواني أو غيرهما تقدم قريباً.
وكذلك يخرج به عقد النكاح لأنه لا يفيد منفعته البضع وإنما يفيد تمليك الانتفاع ولا يلزم من تمليك الانتفاع تمليك المنافع كما في المنكوحة بشبهة ولها زوج فإن المهر الذي يجب لها تأخذه هي لا الزوج، كما تقدم عند الحنفية.
وقولهم منفعة مباحة خرج به تمليك منفعة الأمة المحللة التي ذكرت فإن العقد عليها لا يسمى إجارة لأن منفعتها المقصودة من العقد - وهي الوطء - غير مباحة. وقولهم معلومة خرج به الجعل كما إذا جعل شخص قدراً من المال الآخر في نظير أن يحضر له خيله الضالة فغن المدة غير معلومة. وقولهم غير ناشيء عن المنفعة فغن العامل يدفع للمالك اجرة أو شجرة من الثمرة كما تقدم.
أما أركانها فهي ثلاثة: العاقد المؤجر والمستاجر، والمعقود عليه وهو الأجر والمنفعة، والصيغة وهي اللفظ الذي يدل على تمليك المنفعة بعوض أو ما يقوم في تلك الدلالة. وأما أقسامها فسيأتي بيانها في الشروط.
الشافعية - قالوا: الإجارة عقد منفعة مقصودة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم. فقولهم عقد معناه الإيجاب والقبول وهو الصيغة والعقد لا بد من عاقد. وقولهم على منفعة هي المعقود عقد كمنفعة الدار التي يستأجرها للسكنى أو الأرض التي يستأجرها ينتفع بزرعها وهكذا.
وقولهم بعوض هو المعقود الذي يدفعه الطرف الثاني وهو بمنزلة الثمن في البيع فقد اشتمل هذا التعريف على اركان الإجارة وهي ثلاثة إجمالاً ستة تفصيلاً: عاقد وتحته أمران أيضاً أجرة ومنفعة وصيغة وتحتها أمر ان إيجاب وقبول. وخرج بقولهم معلومة الجعالة فإن العقد فيها على منفعة مجهولة كما مجققة بل مجهولة، وخرج بقولهم مقصودة المنفعة التافهة التي لا قيمة كاستئجار تفاحة لشمها ونحو ذلك مما ياتي.
(3/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقولهم قابلة للبذل خرج العقد على منفعة غير قابلة للبذل هو عقد على منفعة البضع وهذه المنفعة لا يصح بذلها لغير العاقد على أن عقد النكاح ليس داخلاً في الحقيقة في قولهم عقد منغعة وذلك لأن الذي يستحقه الزوج هو الانتفاع بالبضع أما منفعته فلا يملكها بالعقد والدليلي على ذلك أن المراد إذا وطئت بشبهة وهي متزوجة فإنها تستحق المهر وتأخذه هي لا الزوج فمتة البضع في ذاتها ليست للزوج إنما له أن ينتفع.
وقولهم قابلة للغجارة خرج به غجارة الإماء للوطء فغن منفعتهن وهي الاستمتاع بهن لا تحل بالأجرة. وقولهم بعوض خرج به الإعارة لأن الذي يستعير شيئاً يأخذه عوض.
وقولهم معلوم خرج به المساقاة لأنها بعوض غير معلوم إذ لا يمكن معرفة مقدار ما ينتج وإن كان لا بد من معرفة قدره من الثلث ونحوه. واما أقسامها فسيأتي بيانها في الشروط وهي اثنان عين وإجارة ذمة.
الحنابلة - قالوا: الإجارة عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئاً فشيئاً مدة معلومة بعوض معلوم فالمعقود عليه هو المنفعة لا العين لأن المنفعة هي التي تستوفى والأجر في مقابلها ولهذا تضمن دون العين. وإنما يضاف العقد إلى العين باعتبار أنه محل المنفعة ومنشؤها.
ومما تقدم في المذاهب الأخرى تعرف العقود التي خرجت عن التعريف كالبيع والهبة والصدقة ونحو ذلك مما يكون العقد فيها العين لا على المنفعة، وكذلك العقود على ما لا يباح ونحو ذلك.
وأركانها كأركان البيع: عاقد ومعقود عليه وصيغة ثم إن العاقد يشمل المؤجر والمستأجر والمعقود عليه يشمل الأجر والمنفعة والصيغة تشمل الإيجاب القبول كما هو رأي الشافعية والمالكية في الأركان. وتقدم لك في البيع أن الحنفية يقولون إن الركن هو الصيغة وهو اصطلاح. فاما الصيغة فتنعقد بأي لفظ يعرف بما يوجب الريبة والنزاع لأن الشارع لم يعين ألفاظ العقود ولم يحدها بل جعلها مطلقة ليستعمل الناس منها ما يدل على غرضهم ويحدد المعنى الذي يقصدونه فتنعقد بلفظ الإجارة سواء أضافها إلى العين كما يقول آجرتك هذه الدار أوأضافها إلى المنفعة كما تقول أجرتك منفعة هذه الدار. وتنعقد بلفظ الملك مضافاً للمفعة أيضاً كأن يقول بعتك منفعة هذه الدار أو بعتك سكنى الدار وهي قسمان:
الأول: أن يكون العقد وارداً على منفعة عين معينة كأن يقول شخص لآخر أجرتك هذا البعير أو هذه الدار أو وارداً على منفعة عين موصوفة في الذمة كآجرتك بعيراً صفته كذا.
القسم الثاني: ان يكون العقد وارداً على معلوم كأن يقول سخص لآخر استأجرتك لتبني لي هذه الحائط أو لتعمل لي هذا الصندوق أو نحو ذلك من التعاقد مع أرباب المهن فغن العقد فيها
(3/90)

شروط الإجارة
-للإجارة شروط مفصلة في المذاهب (1) .
__________
وارد على أعمالهم وإن كان المعقود عليه هو العمل والمنفعة تأتي تبعاً كما في عقد المساقاة فإنه يضاف إلى البستان بالثمرة تأتي كما تقدم) .

(1) (الحنفية - قالوا: تنقسم شروط الإجارة إلى أربعة أقسام كشروط البيع:
الأول: شروط الانعقاد فلا تنعقد الإجارة أصلاً إلا إذا تحققت هذه الشروط.
الثاني: شروط الصحة فلا تصح إلا بها وإن كانت تنعقد هذه بدونها.
الثالث: شروط اللزوم فلا تلزم إلا بها.
الرابع: شروط النفاذ فلا تنعقد إلا بها.
فأما شروط الانعقاد فهي أمور: منها العقل فلا تنعقد إجارة المجنون والصبي الذي لا يميز أما الصبي المميز فإن مأذوناً تنعقد موقوفة على إذن الوالي فلا اتنعقد إلا إذا أجازها، فإذا كان مأذوناً أجر الصبي المميز المحجور عليه نفسه وعمل عملاً وسلمه فإنه يستحق أجره لنفسه.
ومثل الصبي المميز في ذلك العبد إلا أن تكون أجرته لسيده وإذا أصاب الصبي ضرراً أثناء عمله الذي استؤجر له فإن المستأجر يكون مسؤولاً عنه وعليه الضمان فإذا قتل الصبي خطاً كأن وقعت عليه حائط يعمل فيها كانت ديته على عائلة المستأجر وعلى المستأجر الأجر الذي استحقه المقتول وإذا أصيب بشيء من الضرر كان على المستأجر التعويض.
وأما شرائط الصيغة فمنها رضا المتعاقدين فلا يصح إجارة المكره والمخطئ والناس وإن كانت تنعقد وتنفذ إلا أنها إجارة فاسدة حكمها أن فيها أجر المثل بعد الاستعمال وهذا الشرط وما قبله متعلق بالعاقد.
ومنها أن يكون الشيء المستأجر مقدوراً على تسليمه فلا يصح إجارة حيوان ضال غير مقدور عليه كما لا تصح إجارة شخص على عمل معصية لأنه كان مقدوراً عليه بالفعل ولكن في حكم غير المقدور عليه من جهة الشرع لأن الممنوع شرعاً في حكم الممتنع حقيقة.
ومها أن لا يكون العمل المستأجر له فرضاً ولا واجباً على الأجير قبل الإجارة فلا تصح الإجارة على الحج.
أما الأجرة على الطاعات الأخرى كالإمامة والأذان فبيننا عليها في مبحث ما يجوز اسئجاره وما لا يجوز.
(3/91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها أن تكون المنفعة لها قيمة مقصودة عند العقلاء كما تقدم. ومنها أن تكون الأجرة معلومة وتنقسم الأجرة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: النقود كالجنيهات والقروش ونحوهما ويشترط في النقود بيان قدرها كعشرة حنيهات مثلاً وبيان صفتها كجيدة أو مخلوط فإذا لم يكن في البلد إلا نقد واحد لا يتعامل إلا به يتصرف التعاقد إليه وإن لم ينص عليه في العقد فإذا لم ينص عليه في العقد فإذا لم يبين القدر والرصف عند اختلاف النقد فسد العقد ولا يشترط في النقد بيان الأجل فيصح تأجيله وتعجيله إذا كان مؤجلاً يكون ديناً كالثمن.
الثاني: المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة في المقدار فإنها تصلح ثمناً في البيع وكل ما صلح أجراً ويشترط فيها أيضاً بيان والصفة والأجل فينص في العقد على أنه استأجر كذا بعشر أرادب من القمح أو السمن البلدي ونحو ذلك - تدفع حالاً ومؤجلاً - ثم كانت الأجرة تحتاج إلى نقل يستلزم نفقات كما إذا استأجر أرضاً زراعية مدة بعشرين إردَبّاً من الفول فإنه يشترط أن يبين الموضع الذي يستلزم فيه المؤجر أجرته وإلا فسدت الإجارة فإذا لم يكن نفقه فلا يشترط ذلك ولمؤجر أن يسلم كيف شاء وبعضهم يقول لا تفسد بعدم بيان الموضع.
الثالث: أن تكون الأجرة حيواناً، إذا استأجر شخص آخر ليخمه سنة بجمل أو بقرق ويشترط في ذلك أن يكون معيناً مشاراً إليه كهذا الجمل أو هذه البقرة فإذا لم يكن كذلك فسد العقد.
الرابع: أن تكون الأجرة عروض تجارة كالثياب من التان الجيد تدفع عاجلاً أو آجلاً فإذا لم يبين ذلك فسد العقد لأن عروض التجارة لا تكون ديناً في الذمة إلا سلماً فيشترط فيها ما يشترط في السلم والإشارة إلى عروض التجارة وإلى المكيلات وما معها تغني عن بيان ذلك.
ولا يشترط في الأجرة أن تدفع آجلاً عند الحنفية على أي حال سواء أكانت عيناً غير دين كهذا الحيوان الحاضر أم كانت ديناً موصوفاً في الذمة وذلك لأن العقد وقع على المنفعة وهي تحصبل شيئاً فشيئاً بدل عن المنفعة مقابلة لها وحيث لم يمكن استيفاء المنفعة حالاً فإن بدلها لم يلزم حالاً وإنما يلزم أذا استوفى المستأجر المنفعة.
نعم تملك بتعجيلها فعلاً فإذا وقع المستأجر عاجلاً (مقدمة) فإن المؤجر يملكها وليس للمستأجر استردادها.
وكذلك تملك بشرط التعجيل في الإجارة المنجزة فإذا استاجر شخص من آخر داراً للسكنى ابتداء من يوم العقد وشروط المؤجر أن تدفع الأجرة عاجلاً مقدماً كما هو الحاصل الآن في عقود الإجارة فإنه يصح وللمؤجر أن يمنعه أن يمنعه من السكنى إذا لم يدفع الأجرة وله أن يفسخ العقد
كذلك وقد يقال إن هذا الشرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة أحد العاقدين دون الآخر فكيف يصح والجواب أن الأجر بمنزلة الثمن والأصل فيه أن يكون والأصل فيه أن يكون معجلاً فإذا أسقط البائع حقه في التعجيل ورضي بتأجيله لزمه ذلك وكذلك
(3/92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حتى خيار العيب في المبيع ثابت فإذا لزمه فما من هذا القبيل فإن من حق المستأجر أن لا يدفع الأجرة إلا بعد أن يستوفي المنفعة فإذا أسقط هذا الحق لزمه.
أما الإجارة غير المنجزة كما إذا استأجر شخص من آخر زراعية أو داراً للسكنى يعد تاريخ العقد بيوم فأكثر فإن شرط تعجيل الجرة لا يستلزم ملكها وللمستأجر أن يمنع عن دفعها وليس للمؤجر أن يمنع عنه العين المؤجرة أو يفسخ العقد إذا حل موعده الإجارة.
أما قبل حلول موعد الإجارة بطل العقد وله فسخ كذلك وذلك لأن الإجارة غير المنجزة (ويعبر عنها بالمضافة للزمن المستقبل) غير لاومة على المفتى به. ومحصل ذلك أن الأجرة تملك بأربعة أمور:
أحدهما الحصول على المنفعة كاملة. ثانيهما دفع الجرة بالفعل. ثالثهما شرط التعجيل إذا كانت الإجارة منجزة لا مضافة. رايعها التمكن من الحصول على المنفعة وإن لم يحصل عليها فعلاً.
فإذا استأجر شخص داراً مدة معينة ولم يستعملها في تلك المدة مع تمكينه من الاستعمال فغن الأجرة تلزمه أما إذا منعه مانع من استعمالها كأن حال بينه وبين سكانها سخص وضع يده عليها غصباً فإنه لا يلزم بأجرتها.
ومثل ذلك ما إذا استأجر أرضاً ليزرعها فأغرقها الماء أو انقطع عنها الماء الذي تسقى به فإنه لا يلزم بأجرتها. وهل تفسخ الإجارة في هذه الحالة أو لا؟ قولان.
وإذا طالب الصانع أو المالك بأجرته قبل استفياء المنفعة بتمامها فإنه يجاب إلى طلبه فيعطي من الأجرة بنسبة ماقام به من العمل أو بنسبة الأيام التي سكنها بشرط أن يسلمه فإذا خاط له بنسبة خاط له بنسبة ما خاطه ومثل ذلك ما يقع من (المنجدين) الذي ينجدونه الفرش في البيوت فإنهم يأخذون بنسبة ما يعملون من أجرهم لأن لالأعيان التي يستعملونها فيها تحت يد مالكها فهي مسلمة له واما إذا كانت في محل الصناع ولم تسلم لأصحابها أنهم لا يستحقون أجراً إلا بعد إتمامها وبعضهم يقول لا يستحقون عليها أجراً مطلقاً بعد تمامها.
ومن شروط صحة الإجارة أن لا تكون الأجرة منفعة من جنس المعقود عليه فلا تصح إجارة سكنى الدار بسكنى دار أخرى ولا خدمة رجل بخدمة رجل آخر.
أما إذا اختلفت المنفعة فإنه يصح كمال استأجر السكنى في زريبة بركوب دابته أو استأجر داراً بخدمة جماله أو نحو ذلك. وذلك لأن اتحاد الجنس لا يصح فيه تأجيل القبض وقد عرفت أن المنفعة تحدث شيئاً فهي مؤجلة طبعاً.
اما اختلاف الجنس فإنه يصح معه تأجيل القبض أعطى لجاره بقرة يحرث عليها وأخذ منه جماره أو فرسه إذا اغطاه ثوره وأخذ منه ثوراً آخر فإنه لا يصح لاتحاد المنفعة فإذا وقع ذلك كان لكل منها أجر مثله بعد استعمال.
(3/93)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: خلو العقد عن الشروط لا يقتضيه ولا يلائمه كسائر العقود.
ومنها: أن تكون المنفعة معلومة علماً يمنع المنازعة والخصام وتعلم المنفعة بأمور:
أولاً: بيان المدة لأنها إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة معلوماً لأن من يؤجر منزلاً للسكنى فيه سنة كانت المنفعة محدودة بتلك السنة وكذلك من يستأجر أرضاً زراعية مدة معينة فغن منفعتها تكون معلومة بتحديد تلك المدة وليس للمدة حد في الملك فللمالك أن يؤجر أرضه مدة طويلة ولو كانا لا يعيشان لمثلهما على المعتمد.
أما في الوقف فلا تصح إجارة الأراضي أكثر من ثلاث سنين والمساكن والحوانيت (الدكاكين) ونحوهما أكثر من سنة إلا إذا كانت المصلحة تقتضي بتأجير الوقف أكثر من ذلك فإن للقاضي في هذه الحالة أن يؤجرها أكثر من ذلك، وليس للناظر أن يفعل ذلك بدون إذن القاضي إلا إذا نص الواقف على جواز تأجيرها أكثر من هذه المدة إذا كان منفعة فإذا قال الواقف مثلاً لا يجوز تاجير هذا المنزل أكثر من سنة إلا إذا كان في تاجيره مصلحة للفقراء الموقوف عليهم فإن لللناظر أن يؤجر أكثر من سنة بناء على هذا الشرط.
ومحل عدم جواز تأجير الرقف أكثر من تلك المدة إذا كان المدة إذا كان المؤجر غير الواقف، أما الواقف فله أن يزيد على هذه المدة كما يحب.
وقد ذكروا لجواز تأجير الواقف أكثر منة هذه المدة حيلة - وهي أن تجعل عقوداً منعددة مترادفة كل عقد سنة في غير الأراضي وثلاث سنين في الأراضي، ثم ينص على أنه استأجر دارا كذا عشر سنين مثلاً لكل سنة عقد. أو أرض كذا تسع سنين من غير أن يكون بعضهما شرطاً في بعض.
والغرض من هذه الحيلة أن يكون العقد الأول هو الازم لأنه منجز.
أما العقد الثاني وما بعده فهي عقود لأنها وقعت قبل حلول موعدها بسنة أو ثلاث سنين، وقد عرفت أن العقد المضاف غير لازم فيصبح للناظر فسخه إذا رأى ما يضر بالوقف لأن الإجارة الطويلة منعت في الوقف خوفاً من ادعاء الملك فيه بوضع اليد فإذا كانت العقود متعددة وكان لكل عقد مدة خاصة كان الازم منها هو الأول والباقي غير لازم فلا خوف على الوقف حينئذ وقد يزيدون على هذا بان تجعل المدة الأولى باجرة مرتفعة ارتفاعاً كثيراً وباقيها بأجرة يسيرة حتى إذا فسخ المستأجر العقد لم يجحف بالوقف. ولكن الصحيح أن إجارة الوقف لا تصح من الناظر أكثر من المدة التي ذكرت سواء أكانت بعقد واحد أم بعقود متعددة وإذا فعلها الناظر أكثر من المدة التي ذكرت سواء أكانت بعقد واحد أم بعقود متعددة وإذا فعلها الناظر وقعت فاسدة وتفسخ في كل المدة لأن العقد إذا فسد في بعضه فسد في كله على الصحيح.
وقد عرفت أنه إذا اقتضت المصلحة الزيادة في مدة إجارة الوقف فإن للقاضي أن يزيد فيها بحسب تلك المصلحة ولا بد من بيان المدة أيضاً في الآدمية المرضعة ويقال لها الظئر على أنه لا
(3/94)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يشترط بيان ما يعمل في المنازل من أوجه الاستعمال إنما يشترط ذلك في إجارة الأرض فلا بد من بيان العمل الذي يريد ان يعمله فيها.
الأمر الثاني: من الأمور التي تعلم بها المنفعة بيان العمل كالصياغة والصبغ والخياطة ونحوها فلا بد أن يعين الثوب الذي يريد صبغه، ولون الصبغ وقدره إذا كان يختلف ثقلاً وخفة وردائه وجودة.
ومثل ذلك في البصياغة فلا بد من بيان الأسورة أو الخاتم وبيان الصناعة التي يريدها بحسب المتعارف في ذلك.
وبالجملة فإنه يجب أن يبين في العقد ما يرفع الجهالة حتى لا يوجد نزاع بين المتعاقدين ومن ذلك ما إذا استأجر دابة فإنه يشترط بيان الغرض الذي استؤجرت له من جمل لأمتة لأو ركوب وبيان المدة وابمكان. فإذا لم يبين ذلك كانت الإجارة فاسدة ويجب أجر المثل بحقيقة الانتفاع.
الأمر الثالث: الإشارة كنقل هذا القمح من مكان ذكا إلى مكان كذا لأنه إذا علم المنقول والمنقول إليه صارت المنفعة معلومة.
ومن شروط صحة الإجارة بيان محل المنفعة فلو كان لأحد داران فقال: أجرتك إحدى هاتين الدارين من غير تعيين للمحل الذي يعينه فإن الإجارة لا تصح.
واعلم أن العقد وإن المقصود منه إلا أن الراجح أنه ينبغي أن لا يضاف العقد إلى المنفعة فلا يقال أجرتك منلفع هذه الدار وهو يتضمن المنفعة لأنه لا معنى للاجرة إلا الانتفاع بالعين أما المنفعة فهي معدودة غير موجودة فالعقد عليها قبل وجودها عقد على معدوم.
نعم قد يقال إن إضافة المنفعة إلى الدار تاتي بهذا الغرض، ولكن الأرجح في العقود أن تكون بعيدة عن التأويل ثم إن المنفعة التي تصح إجارتها هي المنفعة التي لا يترتب عليها استهلاك نفس العين أو استهلاك شيء متولد منها فلا تصح استئجار النقود لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاكها كما لا يصح استئجار الشجرة للانتفاع بثمرتها أو البقر لشرب لأن اللبن والثمر أعيان ولا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها.
وأما شروط اللزوم فمنها أن يكون العقد صحيحاً فلا سيلزم العقد الفاسد وأن لا يكون بالشيء المستأجر عيب مرتباً للمستأجر وأن يكون سليماً عن حدوث عيب يخل بالانتفاع فإذا استأجر جملاً للحمل عليه مدة ثم حدث به فيه مرض يقلل الأنتفاع به فإن العقد لا يكون لازماً وللمستأجر فسخه.
ومنها أن لا يحدث عذر لأحد العاقدين فإذا حدث عذر شرعي فإن العقد لا يكون لازماً. ومنها عدم بلوغ الصبي المستأجر إذا أجره أبوه أو وصيّ أبيه أو جده أو القاضي أو أمين القاضي فإذا بلغ لا يكون العقد لازماً.
(3/95)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها أن يكون المستأجر الشيء الذي استؤجر له فإذا لم يسلمه لم يلزم الأجر. فهذا شرط للزوم العقد وقد عرفت ما يلزم به الآخر قريباً.
وأما شروط النفاذ فمنها الملك والولاية فلا تنعقد إجارة الفضولي لعدم الملك والولاية ولكنها تنعقد موقوفة على أجازة المالك فإذا أجازها نفذت.
ومنها قيام المنفعة وبقاؤها فإذا أجر فضولي منزلاً يملكه شخص غيره مدة واستوفاها المسأجر وخرج من المنزل ثم علم المالك فأجاز الإجارة فإنها لاتنفذ طبعاً لأن المنفعة قد أنتهت إنما الإجارة تنفع إذا كانت المنفعة قائمة يمكن الحصول عليها.
المالكية - قالوا: يشنرط في العاقدين الشروط المتقدمة في البيع وهي قسمان شرط انعقاد وشرط صحة فأما شرط النعقاد فهو التميز فلا تنعقد الإجارة من صبي غير مميز (وغير المميز هو الذي لا يفهم مقاصد العقلاء من الكلام) كما تقدم
وأما شروط اللزوم فهو التكليف فالصبي المميز تنعقد إجارته ولكنها لا تلزم إلا بإذن وليه فإذا أجر نفسه أو شيئاً يملكه انعقدت موقوفة على إذن الوالي ومثله العبد وأما الرشد فإنه شرط للزوم العقد في بعض الصور.
فإذا كان المؤجر سفيهاً غير رشيد فلا بخلو إما أن يؤجر مفسه أو سلعته فإن أجر نفسه في إجارته تنعقد وتنفذ بدون إذن وليه إذا لم يكن مغبوناً أما إن كان مغبوناً فلا تلزم إلا بإجازة الولب أما إذا أجر السفيه سلعته فإن إجارته لاتلزم إلا بإجازة الولي مطلقاً.
ويشترط في الجر أن يكون ظاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه معلوماً. وقد تقدم تفصيل ذلك موضحاً في البيع فارجع إليه إن شئت على أنه يشترط في الأجر في مسائل بحيث لو أخر دفعه فيها لم يصح العقد.
المسألة الأولى: أن يكون الأجر شيئاً معيناً كما استأجر أحد شخصاً
لخدمة سنة في نظير جمل معين يعطيه إياه فإنه يجب أن يسلمه الجمل عاجلاً بحيث لا يجوز له أن يؤخره أكثر من ثلاثة أيام فإن أخره فسد العقد لأن في ذلك غرراً فغن الجمل قابل لتغير فيصح أن تكون قيمة الآن عشرة وأن خدمة الرجل تساويها فإذا قبضه فقد أخذ قيمة أجره كاملة اما إذا تأخر فإنه قد يهزل أو يعرض له عارض آخر تنفض به قيمة وفي ذلك ضرر باعامل أو تعرض له زيادة وفي ذلك ضرر بصاحبه فدفعاً لهذا الضرر يجب تقدم الأجر.
ومثل ذلك كل سلعة معينة كهذا الثوب فإنها قابلة للنقص والزيادة وفي ذلك عذر النزاع فمتى كان الأجر معيناً فإنه يجب تعجيله حتى ولو كان العرف جارياً على التأجيل في مثله فإذا كان العرف جارياً على التأجيل فإنه يجب اشتراط العجيل وإلا فسد العقد.
المسألة الثانية أن يكون الأجر غير معين كمال استأجره على أن يعطيه جملاً ما لا جملاً معيناً أو
(3/96)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثوباً ما. مثاله أن يقول شخص لاخر: استأجرتك لخدمتي سنة وأعطيك جملاً أجرة لك في نظير خدمتي وهذه الحالة تشتمل ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يشترطا دفع الأجرة مقدماً وحكمها أنه يجب الدفع عملاً بالشرط وإلا فسدت.
الصورة الثانية: لم يشترطا التعجيل ولكن العادة بين الناس في مثل ذلك العجيل فيجب التعجيل عملاً بالعادة.
الصورة الثالثة: لم يقع شرط ولم تكن عادة وهذه تشمل صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون عقد الإجارة على منفعة في الذمة لا على منفعة شيء معين كأن يقول له استأجرتك على أن تخيط لي هذا الثوب في ذمتك إن شئت فعلته بنفسك أو بغيرك فإنه في هذه الحالة استأجره على أن يؤدي له منفعة مضمونة في ذمته.
الصورة الثانية: أن يستأجر منفعة شيء كأن يستأجر شخصاً لخدمته أو داراً لسكناه ففي الصورة الأولى يجب تعجيل دفع الأجرة وإلا كان مقابلة دين بدين لأن العامل في هذه الحالة مدين بالمنفعة والمستأجر مدين بالأجر وهذا غير جائز، نعم إذا شرع العامل فغن تعجيل الأجر لا يجب لأن الذي يصنعه العامل يكون مقبوضاً إنما يجب أن يشرع بدون تأجير كأن يكون الليلة أو الغد وإلا فلا يصح فإذا لم يكن الأجر معيناً ولم يشترط تعجيله ولم يجر العرف بتعجيله ولم تكن المنافع المعقود عليها في الذمة فإنه لا يجب التعجيل.
وحكم هذه الحالة يختلف باختلاف حال عقد الإجارة وذلك لأنك قد عرفت أن العقد إما أن يكون على منفعة آدمي وهو ثلاثة أقسام أجير وصانع وخادم والفرق بين الأجير والصانع أن الأجير هو الذي يعمل بدون أن يكون شيء مما فيه في حيازته كالبناء فإنه يبني وينصرف وبترك عمله تحت يد المستأجر ومثله كل صانع يعمل فيما ليس في حياوته الذي يصلح الأبواب أو الشبابيك.
وأما الصانع فهو الذي يعمل فيما هو تحت كالخياط والحداد والصانع ثم الصانع إلى قسمين صانع فقط وصانع بائع فقط هو الذي لا يعمل شيئاً سوى الصنعة بدون زيادة عليها من عنده والصانع البائع هو الذي يزيد على الصنعة شيئاً فلإنه يزيد الصبغة.
وأما الخادم فهو الذي يستأجر لخدمة الغير.
وإما يكون الإجارة على منفعة دار أو عقار أو حيوان أو آنية فإن كان على منفعة آدمي صانع أو أجير فحكمه أنه ليس لهما المطالبة باخذ الأجر إلا بعد الفراغ من عملها ما لم يكن هناك عرف بيقضي بالتعجيل فإنهما يعاملان به فإذا عمل النجار جزءاً من عمله مثلاً وأراد أخذ أجرته وامتنع المستأجر فليس له جبره على الدفع إلا بعد تمام العمل إلا إذا كانت العادة تقديم الدفع فيعمل بها فإذا أراد أن ينفصل عن العمل ولا يتمه فإن له أن يحاسب على ذلك الجزء الذي عمله.
(3/97)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا كان العقد على منفعة دار أو عقار أو راحلة أو آدمي للخدمة أوآنية (كآنية الفراشين) فإنه يصح فيها الاتفاق على تقديم الأجرة وتأخيرها بشرط أن لا يتأخر الشروع في العمل أكثر من عشرة أيام وإلا فلا يصح تعجيل الدفع فإذا لم يحصل اتفاق تدفع الأجرة يوماً بيوم وبذلك تعرف أقسام الإجارة.
أما الركن الرابع وهو المنفعة فهي ما يقابل الذات فلا يمكن أن يشار إليها إشارة حسية استقلالاً وإنما يشار إليها كذلك تبعاً للذات المتعلقة بها على أن لاتكون متعلقة بجزء الذات وأن يكون الحصول عليها ممكناً مثال ذلك السكنى المتعلقة بالدار فإنها لا يمكن الإشارة إليها إشارة حسية استقلالاً بدون إضافة إلى الدار وهي متعلقة بكل الدار أما إذا تعلقت بجزء من عين لا يمكن قسمتها كمنفعة جزء شائع في دابة فإنها لا تكون منفعة معتتبرة كالصفات المعنوية القائمة بالحيوان والإنسان مثل الحياة والقدر فإنه لا يصح استئجاره من اجلها لأنها منافع خاصة به لا يمن أخذها منه.
وأما تاصيغة فيشترط فيها الشروط المتقدمة في البيع وقد ذكرت موضحة فارجع إليها إن شئت.
ويشترط شروط (أحدهما) أن تكون لها قيمة فلا تصح شيء له منفعتها تافهة لا قيمة لها كالإيقاد من النار ونحو ذلك مما سيأتي بيانه فيما يجوز إجازته وما لا يجوز. ثانيهما أن تكون المنفعة مقدوراً على تسليمها حساً أو شرعاً فمثال الأول إجازة أرض للزراعة ولم يصل إليها ماء أو كانت غير صالحة للزراعة فإن المنفعة فيها غير مقدور على تسلميها أما الأرض التي غمرها الماء فإنه يمكن أن ينكشف عنها ولو نادر فإنه يصح إجازتها من غير نقد فإذا انكشف عنها وإلا فلا أما الذي لا أمل في انكشاف الماء عنها فإن إجارتها ليتعدى على آخر بالضرب أو ليعصر الخمر فإن كل ذلك لا يجوز شرعاً. ثالثهما أن يمكن استيفاء المنفعة بدون استهلاك شيء من العين المستاجرة أو من عين أخرى متولدة قصداً.
مثال ذلك ان يستاجر بقرة ليشرب لبنها فإذا قال شخص لآخر استأجرت بقرتك مدة الشتاء بجنيهين لآخذ لبنها وقبل الآخر فإن العقد يفسد وكذا إذا قال له: اشتريت لبن البقرة مدة الشتاء بتكاليفها فغن هذا لا يصح، اما في الأجرة فلأن العقد تضمن استهلاك عين متولدة من العين المستاجرة وهي اللبن المتولد من البقرة فغن المنفعة لا تتحقق إلا باستهلاك اللبن، واما في الشراء فلأنه يلزم عليه شراء اللبن في الضرع وهو ممنوع على أن بيع اللبن في الضرع أواستأجار الحيوان المترتب عليه استهلاك اللبن
ليس بمننوع مطلقاً وإنما هو ممنوع إذا لم تتحقق فيه شروط الجواز وبيان ذلك أن شراء اللبن في الضرع إما ان يكون جزافاً من غير كيل وإنما أن يكون بكيل، فمثال الأول أن يقول سخص لآخر يملك أغناماً كثيرة: إنني اشتري منك لبن عشرة أغنام او خمسة مدة شهر بكذا.
ومثال الثاني: أن يقول له: إنني أشتري منك بمائة رطل من اللبن آخذ منها خمسة أرطال.
(3/98)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويشترط لجواز الأول تسعة شروط:
أن تكون الغنم المشترى لبنها متععدة وأن تكون مملوكة للبائع. وان تكون متساوية في اللبن. وان يكون الشراء في زمن الحلاب المعتاد (كزمن البرسيم) لنه يختلف في غيره كثرة وقلة. وأن يكون المشترك عاؤفاً للقدر الذي تحلبه من اللبن وان يكون الشراء مقدراً بمدة لا ينقص اللبن قبلها. وأن يشرع في أخذ اللبن وان بدفع الثمن معجلاً (مقدماً) فإذا تححقت هذه الشروط فإنه يصح بيع اللبن جزافاً.
أما إذا كان الشراء بالكيل فيشترط له خمسة شروط:
الأول: أن يكون الشراء في زمن الحلاب.
الثاني: أن يكون في مدة لا ينقص اللبن قبلها فإذا كان مدة الحلاب أربعة أشهر فلا يصح أن يشتري خمسة أشهر لأنه ينقص اللبن في الشهر الخامس.
الثالث: أن يشرع المشتري في الأخذ منة يوم العقد أو بعده بأيام.
الرابع: أن يسلم لرب الشياه دون غسيره (أي يتعاقد عقد سلم) فلا يصح أن يتعاقد مع غير المالك.
الخامس: أن يعجل دفع الثمن لأنه عقد سلم كما عرفت لأن العين للمشتراة المعجلة فلا يصح تاجيل الثمن وإى كان مقابلة دين بدين.
الشافعية - قالوا: لكل ركن من أركان الإجارة شروط فاما الركن الأول فيشترط له الشروط المتفقدمة في البيع
ومنها أن تكون مشتملة على الإيجاب والقبول لفظاً وأن لا يفصل بينهما فاصل طويل عرفاً الخ ما تقدم على ان البيع يشترط فيه عدم التأقيت وقت بخلاف الإجارة فإنه بخلاف الإجارة فإنها على العكس منه فيشترط فيها التأقيت.
وتنقسم صيغة الإجارة إلى قسمين صريحة، وكناية.
فالصيغة الصريحة هي ما دلت على معنى الإجارة فلا تحتمل غيره. والكناية ما احتملت الإجارة وغيرها.
ومثال الأول: ان يقول المالك: أجرتك هذه الدار سنة بكذا فيقول المستأجر فوراً: قبلت.
وكذا إذا قال له: أكريتك هذه الدار أو منفعتها أو ملكتك شهراً بكذا فكل هذه صيغ صريحة تنعقد بها الإجارة سواء أضيفت إلى العين أو إلى المنفعة.
وبعضهم يقول: إن لفظ الإجارة وضع مضافاً للعين فلا يصح إضافته إلى المنفعة فإذا قال أجرتك منفعة هذه الدار بطل العقد وهذا ليس هذا بصحيح لأن لفظ الإجارة يقتضي ملك المنفعة فإضافتها للمنفعة تاكيد لا ضرر منه.
(3/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومثال الثانية: أن يقول له: جعلت لك منعفة هذه الدار سنة بكذا أو اسكن داري شهراً بكذا فإن ذلك كناية لأنه يحتمل أن يكون جعل المنفعة على طريق إجارة وغيرها.
وإذا وقع العاقدين على عقد مكتوب كالمتعارف في زماننا فإنه يصح ويقوم التوقيع على المكتوب مقام التلفظ بالصيغة ويكون من باب الكناية.
ومثل ذلك كل عقد مكتوب فالمتابة تقوم مقام الصيغى الفظية على انها من باب الكناية ولا تنعقد في الإجارة بلفظ البيع فإذا قال له:
بعتك داري سنة بكذا لا ينعقد مطلقاً لا إجارة ولا بيعاً وذلك لأن لفظ البيع يقتضي التأبيد ولفظ (سنة) يقتضي التأقيت فيتناقض أول لفظ مع آخرهفلا يكون صريحاً ولا كناية وكذلك لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة.
ثم إن الإجارة تنقسم إلى قسمين: إجارة عين، وإجارة ذمة.
وإجارة العين هي عبارة عن العقد الوارد على منفعة ةتعلقة بشيء معين نعلوم للمستأجر كالمبيع الحاضر المعلوم للمشتري في البيع وذلك كأن يستأجر شخص عقاراً معيناً كأرض زراعية معينة لينتفع بزرعها مدة مخصوصة باجرة معينة أو يستأجر كذلك لينتفع بسكناها او شخص معين ليخدمه سنة.
وأما إجارة الذمة فهي عبارة عن العقد علة منفعة متعلقة بشيء غير معين بل موصوف بالذمة، أو بعبارة أخرى هي كما كانت المنفعة ديناً في الذمة كما في السلم.
وذلك كأن يقول شخص لآخر آجرتك جملاً صفته كذا ليحملك إلى بلد كذا فإن المنفعة في هذا بحمل غير معين بل موصوف في ذمة المؤجر فالمراد بالعين (في قولهم إجارة عين) ما قابل الذمة لا ما قابل المنفعة لأن عقد الإجارة وارد على المنفعة أي على أي حال، لكن تارة تكون المنفعة متعلقة بشيء نعين، كمنفعة العين الوراعية النعلومة، وتارة لا تكون كمنفعة الجمل الموصوف كما بيناه.
وإذا قد عرفت ذلك فعلم انه يشترط في إجاة الذمة أن تكون بصيغة خاصة، فلا تنعقد بغيرها وهي الزمت ذمتك أو أسلمت إليك كذا، فإذا أراد شخص أن يستأجر جملاً غير معين من آخر، فلا بد أن يقول له ألزمت ذمتك كذا من القروش في جمل صفته كذا يحمل لي متاعي إلى جهة كذا أو يقول له: أسلمت إليك كذا من القروش مثل ذلك.
كل عقد يراد به منفعة متعلقة بشيء غير معين كما إذا قال له ألزمت ذمتك بكذا منة الرقوش لخياطة هذا الثوب أو في بناء هذا الحائظ لأن يكون معنى ذلك أن الذي يتعلق به المنفعة غير معين سواء كان هو المخاطب أو غيره ومن هذا يعلم أن إجارة العين لا يجوز معها للأجير أن يأذن لغيره بالعمل، فلو قال له: استأجرتك لبناء هذا الحائط فلم يبنه بنفسه وإذن لغيره بالبناء فيه، فإن ذلك لا يصح. ثم إن العامل الثاني إذا كان يعلم أن التعاقد على أن الذي يباشر العمل هو الأول لا تكون له أجرة على عمله مطلقاً، وإذا كان لا يعلم الحقيقة كانت له أجرة المثل على من أذنه.
(3/100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس كرأس مال السلم، فلا يجوز فيها التاجيل وإلا كان مقالبلة دين بدين، لأن المنفعة في الذمة والأجرة دين في الذمة، وذلك غير جائز وكما لا يجوز تأجيلها لا يجوز الحوالة بها ولا عليها ولا استبدالها ولا البراءة منها فإذا وقع شيء من ذلك بطل العقد عند شرط التأجيل فإذا اشترطا وتفرقا من المجلس قبل القبض فإنه يبطل أيضاً، أما إذا لم يتفرقا قبل العقد فإنه يصح.
وأما إجارة العين فإن كانت الأجرة فيها معينة كاستأجرتك لتخمني سنة بهذا الجمل فإنه لا يصح تأجيلها أيضاً.
أما إذا كانت ديناً في الذمة كاستأجرتك لتخمني سنة بمجمل صفته كذا، فإنه يجوز تأجيلها وتعجيلها. وإذا استأجر شخص من آخر شيئاً معيناً، ولم يشترط أو التأجيل، كما إذا قال له استأجرت منك هذا الجمل بكذا ولم يشترط شيئاً فإن الأجرة في هذه الحالة تكون معجلة.
وأما الركن الثاني وهو العاقد سواء كان مؤجراً أو مستأجراً فيشترط له الشروط التي تقدمت في البيع من كونه مطلقاً ولا مجنون ولا محجور عليه لسفه. كما لا يصح من المكروه بغير حق إلى آخر ما تقدم في البيع الإسلام في بعض الأمور فلا يصح كافر أن يشتري مصحفاً أو رقيقاً مسلماً. وهنا يصح للكافر أن يستأجر مسلماً لخدمته وإن كان يكره.
وكذلك لا يشترط إطلاق التصرف في الإجازة في جميع الصور. فإن السفيه يصح أن يؤجر نفسه في الأمور كلها التي لا يكسب بها عادة ككونه أجيراً في الحج بخلاف المهن التي يكتسب بها كالحدادة والنجارة، فإنه لا يصح أن يؤجر نفسه فيها.
وأما الركن الثالث: وهو المعقود عليه فإنه يشمل أمرين: الأجرة والمنفعة، كما تقدم قريباً.
فأما الأجرة فإنها تارة تكون غير معين، وتارة تكون حاضرة معينة. فيشترط في غير المعينة ما يشترط في الثمن من الشروط المتقدمة في مباحث البيع فلا بد أن تكون معلومة قدراً وجنساً ونوعاً وصفة.
مثال ذلك أن يقول: آجرتك هذه الدار بعشرة جنيهات مصؤية صحيحة. فذكر العشرة بيان للقدر والجنيهات بيان لجنس إذا يحتمل أن تكون عشرة قروش أو عشرة ريالات أو جنيه فلما ذكرت الجنيهات تبين جنس العشرة. ومصرية بيان للنوع لأن الجنيه أنواع متععدة كالإنكيزي والمصري وغيرهما وصحيحة بيان لصفة النقد إذ يحتمل دفعها أنصافاً من الجنيهات وقد لا تكون رائجة كالصحيح.
ومثل ذلك ما إذا استأجر حيواناً يشترط أن يبين جنسه من خيل أو إيل ونوعه كبختي أو روسي جمل أو هجين أو نحو ذلك وذكورته وأنوثته وصفته سيره كأن يذكر سريعة السير واسعة الخطا أو بطيئة السير ونحو ذلك.
(3/101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأما إذا كانت الأجرة معينة فإنه يشترط فيها رؤيتها فإذا قال له: أجرتك له: أجرتك هذه الدار بهذا الجمل فإنه يشترط رؤية الجمل.
والغرض من ذلك رفع اللبس والإبهام حتى لا يقع نزاع بين المتعاقدين ولهذا اشترطوا فيمن استأجر دابة أو راحلة ليركبها بيان قدر السير الذي في الليل والنهار إلا إذا كان للناس في مثل ذلك عرف متبع فإنه يعمل به إلا إذا اشترط أحدهما ما يخالف العرف فإنه يعمل بالشرط. ولا فرق في ذلك بين أن تكون معينة أو غير معينة.
وكذلك يشترطا بيان الشيء الذي يريد أن يحمله على الراحلة أو على الدابة إن كان غائباً ورؤيته أو جسه باليد إن كان حاضراً. وبيان جنسه إن كان مكيلاً.
ومن أجل ذلك قالوا: لاتصح من الجهالة دابة بعلفها ولا إجارة دار مدة معينة بالإنفاق لما في ذلك على عمارتها لما في ذلك من الجهالة. فينبغي في مثل ذلك أن تقدر العمالة أو قيمة الإنفاق على الدابة ويجعل المبلغ أجرة. ثم يأذن المالك لمستأجر في إنفاق هذا المبلغ في علف الدابة بشرط أن يكون هذا الإذن خارج العقد وهذه حيلة يصح العمل بها.
وكذلك قالوا: تأجير العامل بما يحصل من عمله. فلا يصح تأجير الجزار بجلد الشاة التي يسلخها لأن حال الجلد قبل السلخ مجهول. فيجوز أن يكون رقيقاً أو ثخيناً أو به عيب ينقص قيمته. وكذلك لا يصح تأجير الطحان ببعض ما يطحنه من الحبوب كربع أو قدح من الدقيق الناتج من لعد التحليل مجهول بالنسبة لما به من النخالة فيجوز أن تكون النخالة كثيرة ويجوز أن تكون يسيرة والباقي بعد التحليل مجهول أيضاً فإن الأجرة المعينة كالدقيق المأخوذ من هذا القمح يشترط فيه القدرة على التسليم حال العقد. وهنا ليس كذلك لأن القمح لا يمكن تسليمه دقيقاً قبل طحنه. هذا ينافي شرط القدرة على تسليمه. ومثله جلد الشاة فإنه مقدور على تسلينه. وقد يرد على هذا أنهم لأجازوا للشخص أن يستأجر من يحج عنه بالنفقة وهي مجهولة.
والجواب أن أمر الحج ليس من باب الإجارة وإنما هو من باب الجعالة فهو قد جعل له الانفاق عليه مقابل الحج عنه.
وأما المنفعة: فيشترط فيها شروط:
منها: أن تكون لها قيمة فلا تصح الإجارة على منفعة كأن يستأجر أشجاراً ليجفف الثياب أو آنية ليزن بها الدكان أو نحو ذلك كما تقدم.
ومن ذلك ما إذا استأجر شخصاً لنادي له بكلمة تروح سلعته كالدلال إلا إذا تكلم كثيراً وعمل أعمالاً يستحق عليها الأجرة كالانتقال من مكان إلى مكان وعروض السلعة في كل مكان وتكرار النداء على بيعها ونحو ذلك.
أما مجرد كلمة أو كلمتين فإنه لا يستحق عليها أجراً واو كانت الكلمة سبباً في بيع السلع. فما
(3/102)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يأخذه الشخص الذي يستحق عليه الأجر، وإنما يحل له الأجر بنسبة تعبه، وكثره تردده وكلامه، ومع ذلك فلا يستحق عليها إلا أجر المثل والمتعارف بين الناس.
ومنها أن لا تكون عيناً مقصودة بعقد الإجارة كما استأجر بقرة من أجل لبنها فغن العقد يتضمن أن المقصود إنما هو استفياء اللبن واللبن عين لا تملك بعقد الإجارة قصداً لأن الأعيان لا تملك بالإجارة إلا تبعاً.
ومثل ما إذا استأجرت بستاناً من أجل ثمره أو بركة ماء من أجل سمكها ونحو ذلك من كل ما تكون فيه المنفعة عيناً مقصودة من العقد بخلاف ما إذا كانت المنفعة عيناً تابعة كما إذا استأجر امرأة لإرضاع الخياط لأنهما لا يقصدان لذاتهما.
ومها: أن يكون العمل المتعلقة مقدوراً على تسليمه حساً وشرعاً فلا يصح استئجار الحائض على كنس المسجد ولا استئجار زوجة الغير بدون إذن زوجها.
ومنها: أن لا يكون العمل المتعلقة به المنفعة واجباً على الأجير فلا يصح الاستئجار على الصلاة ونحوها من كل العبادات التي لا نيابة فيها أما ما يرصده الواقفون على الأئمة والأذان ونحو ذلك فيؤخذ لا على أنه أجرة وإنما هو جعل أو يؤخذ الأجرة عن الحج عن الغير وغسل الميت وحفر القبر ودفن الموتى وحمل الموتى.
ومنها: أن يكون العمل والمنفعة معلومين فالخياط يعرف في الثوب والمعلم يعرف عمله بالزمن كما سيأتي. وحمل الدواب يعرف بمقدار المحمول وهكذا. وسيأتي تكملة هذا في مبحث ما يجوز اسئجاره.
ومن هذا تعلم أقسام الإجارة اثنان وإجارة ذمة.
الحنابلة - قالوا: يشترط لصحة الإجارة ثلاثة شروط:
الأول: معرفة الأجرة لقوله عليه الصلاة السلام: "من استاجر أجيراً فليعلمه أجره" فلا تصح الإجارة إذا لم تبين الثمن المؤجل فما صح أن يكون ثمناً في الذمة صح أن يكون أجرة كذلك ويصح إجارة بجنس ما يخرج منها. كما أجر أرضاً لشخص يزرعها قمحاً بأردبين قمح. ولكن يشترط أن لا يكون في العقد أجرتها بأردبين مما يخرج مما يخرج منها فإن قال ذلك فإنه لا يصح. ويصح إجازة العامل والمرضعة يطعامهما وكستوهما وعند التنازع في صفة الطعام والكسوة يكون لهما الحق في طعام وكسوة مثل طعام الزوجة وكسوتها. وسيأتي (في مبحث ما تجوز إجازته) تكلمه لذلك.
وإذا أعطى شخص ثوباً لخياط ليخطه أو لصباغ أو نحوهما ولم يعقد إجارة فإنه
(3/103)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يصح ويكون لهما أجر المثل بشرط أن يكون الصابع مختصاً بالعمل أما إذا لم يكن كذلك فإنه يستحق أجر المثل إلا بشرط أو تعريض.
ومثل ذلك ما إذا حمل شخص لآخر متاعاً إلى مكان بدون عقد فإن للحمال (الشيال) أجر المثل
(ومثل ذلك ما جرت العادة باستعماله بدون عقد كدخول الحمام وركوب السفن (المعديه) وحلق الرأس وغسل الثياب وشرب الماء والقهوة وغير ذلك من أنواع المباحات فإنه يصح وفيه أجر المثل.
الشرط الثاني: معرفة المنفعة المعقود عليها فهي كالبيع ينبغي العلم بالمبيع وتعرف المنفعة بأمرين:
الأول: العرف (وهو ما يتعارفه الناس بينهم) فمتى كان الناس عرف فإنه يكتفى به عن تعيين عين المنفعة وصفتها في ذلك كسكنى الدار فإنها معروفه لا تحتاج إلى بيان. نعم لا يجوز للساكن أن يعمل فيها ما يضرها فإذا استأجر داراً للسكنى فلا يصح أن يعملها مصنعاً للحدادة أوللنجارة أو مخزناً للحبوب أو نحو ذلك مما يضر الدار والعرف لا يعتبر هذه الأشياء سكنى.
الأمر الثاني: الوصف فتعرف المنفعة بالوصف كما إذا استأجر حمالاً ليحمل له قطعة حديد فإنه ينبغي له أن يبين زيتها ويبين المكان الذي يريد أن يحملها إليه لأن المنفعة لا يمكن معرفتها إلآ بهذا الببيان وإذا استأجر شخص آخر على أن يحمل متاعاً إلى آخر فذهب فوجد المحمول إليه غائباً فرده ثانياً فإن له أجر حمله ذهاباً وإياباً أما إذا وجد ميتاً فليس له أجر حمله ذهاباً فقط؛ وذلك لأن الموت قهري لا يمكن معه احتياط بخلاف غيره فإنه يمن فيه الاحتياط فعلبيها تحديد الزمان والمكان والوقت قبل أن بذهب الحمال.
ويجوز أن ستأجر الأجنبي الأمة أو الحرة لخدمته ولكن عليه أن يصرف وجهه عن الحرة فلا بنظر إلى شيء منها.
أما الأمة فإنه يصح له أن ينظر ما عدا عورة الصلاة المتقدمة وعليه أن لا يخلو في بيت مع الأمة أو الحرة لأن الخلوة من داعي الفساد.
وتصح إجارة المنفعة بالمنفعة سواء اتحد جنسها كسكنى دار بسكنى دار أخرى أم اختلفت كسكنى الدار في نظير صيغته أو تزويجه لأن كل ما جاز أن يكون ثمناً في البيع جاز أن يكون في الإجارة.
الشرط الثالث: أن تكون المنفعة مباحة لغير ضرورة وأن تكون مقصودة فلا تصح الإجارة على ضرب شخص أو فعل محرم كالنباحة كما لا تصح إجارة الدار لتكون محلاً للباعات أو لبيع الخمر أو للقمار أو نحو ذلك مما لا يحل.
وكذا لا يحل استئجار أواني الذهب والفضة أو الكلب لأنه لا يباح للضرورة وكذلك لا يحل اسئجار الأشياء التي منفعتها ليست مقصوردة كالأشياء التي يزين بها حانوته أو مائدته.
(3/104)

مبحث ما تجوز إجارته وما لا تجوز
-في الأمور التي تجوز إجازتها والتي لا تجوز تفصيل في المذاهب (1) .
__________
أما أركان الإجارة فهي خمسة: العاقدان، والعوضان، والصيغة) .

(1) الحنفية قالوا: الأشياء التي تستأجر:
(ا) منها ما يصح استئجاره باتفاق.
(ب) ومنها ما لا يصح استئجاره كذلك.
(ج) ومنها ما هو مختلف فيه. فأما الذي يصح استئجار فهو خمسة أمور:
الأول: الدكاكين والدور.
الثاني: الأراضي الزراعية والأراضي الفضاء للبناء أو لغرس الأشجار فيها.
والثالث: الحيوانات كاستئجار الجمال والخيل والبغال والحمير والبقر لركوبها أو للحمل عليها أو للحراثة أو نحو ذلك.
الرابع: استجار الآدمي للخدمة أولحمل المتاع أو لصنع شيء كالخياطة والصباغة والحدادة ونحو ذلك. ومن هذا استئجار المراضع لتقوم برضاع الأطفال وتسمى الظئر.
الخامس: إجارة الثياب والخيام والحلي ونحو ذلك.
ويعلق بكل قسم من هذه الأقسام أحكام سترد عليك مفصلة فيما يلي:
القسم الأول استئجار الدكاكين والدور ويتعلق بها أمور:
(أحدهما) : أنها تصح إجارتها بدون بيان ما يعمل فيها كما تقدم لأن المعروف من استئجارها إنما هو السكنى والسكنى لا تتفاوت فلا يلزم بيانها.
ثانيهما: أن للمستأجر أن يسكن بنفسه أو يسكن غيره باجرة ويغير أجرة حتى ولو شرط أن يسكن وحده فهذا الشرط لا يعمل به. ومثل الدكاكين والدور كل شيء لا يختلف استعماله باختلاف المستعمل كالأرض الزراعية والآدمي المستأجر للخدمة فإن المستعمل بالنسبة لهما لا يختلف حاله أما ما يختلف استعماله باختلاف المستعمل كالدواب والثياب والخيمة فإنه لا يصح للمستأجر أن يؤخرها لغيره إذ قد يستأجر الدابة لركوبها شخص نحيف تقوى على حمله فربما يؤجرها لشخص ينصها في مكان بعيد عن الشمس والمطر فلا يضر بها فربما يؤجرها لشخص ينصبها في مكان فيه شمس ومطر فتتأثر به.
ثالثهما: لا يصح للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها لصحابها الذي استأجرها منه فلو استأجر محمد داراً من خالد لمدة سنة فلا يصح لمحمد أن يؤجر تلك الدار لخالد سواء كانت تلك الدار ملكاً لخالد مستأجرها من شخص آخر حتى واو تخلل بينهما ثالث كأن أجر محمد تلك الدار لبكر
(3/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأجرها بكر لخالد منه ابتداء فإنه لا يصح. فلو وقع وأجرت الدار لخالد ثانياً فهل يبطل العقد الأول أو لا يبطل؟ الصحيح أنه لا يبطل العقد الثاني الفاسد الصحيح. وهل يلزم المستأجر وهو محمد بالأجرة أو لا؟ والجواب أنه إذا استلمها فإنه يلوم بأجرتها.
أما إذا كانت في يد خالد ولم يستلمها محمد فلا يلزم بأجرتها.
رابعها: إذا استأجر شخص داراً أو دكاناً بمبلغ معين كجنيه في الشهر فلا يحل له أن يؤخرها لغيره بزيادة.
ومثل الدور والدكاكين في ذلك غيرهما من الأشياء المستأجرة كالأرض الزراعية فإنه لا يصح للمستأجر أن يؤجر (من باطنه) بأجرة زائدة على ما استأجر به وإنما يصح له تأجيرها بالأجرة التي استأجر بها بدون زيادة فإذا فعل فإن عليه أن يتصدق بالزيادة. ويستثنى من ذلك ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يضم إلى الدار المستأجرة ونحو هما شيئاً من ملكه يصلح للتأجير ويؤجره معها فإن فعل ذلك وأجرها بزيادة فإنه يصح.
الأمر الثاني: أن يحدث في العين المستأجرة إصلاحاً كأن يبيض حيطانها ويرم جدرانها إن كانت داراً أو يشق فيها ترعة إن كانت أرضاً. وبعضهم يقول إن شق الترعة لا يكفي وإنما الذي يكفي هو أن يحدث في هذه الحالة بناء على ما زاده من العمل ولا يخفى أن في شق الترعة إصلاحاً فقوله غير صحيح.
الأمر الثالث: أن يؤجرها بغير جنس ماستأجر به كما إذا استأجرها بنقود وأجرها بعرض تجارة قيمتها أكثر فإن الزيادة تحل له. هذا وإذا استأجر بيتين صفقة واحدة وزاده في أحدهما عن الآخر فإن له أن يؤجرها بأكثر.
أما إذا استأجرهما في صفقتين فإن الزبادة لا تحل له.
(خامسها) : للمستأجر الدور والدكاكين أن يعمل فيها كل مالا يضر ببنائها أو بسقوفها فله أن يبني التنور (الفرن) وإن احترق بها شيء لا يضمنه المستأجر إلا إذا بناها بدون احتياط كأن وضعها تحت سقف خشب يتأثر بما يتصاعد من نارها فإنه في هذه الحالة يكون مقصراً فيضمن ما احترق. وللمستأجر أيضاً أن يكسر خشب الوقود. ويستعمل المدق (المطحن) لطحن الملح ونحوه ويستعمل الرحى لطحن الحبوب بشرط أن لا يضر ذلك الاستعمال بالبناء فإنه لا يصح إلا برضا المالك أو باشتراطه في العقد وعلى هذا فلا يصح للمستأجر أن يسكن الدار حداداً أو نجاراً أو نحوهما من أرباب الحرف التي تحتاج إلى دق شديد يضر بالمنزل إلا إذا رضي المالك أو اشترطه المستأجر في العقد، وإذا قال المستأجر: إنني اشترطت عليك أن أفعل في المنزل ذلك الذي يضر وقال المالك لم تشترط فإن القول في هذه الحالة للمالك وإذا أقاما البينة فالذي تسمع بينته المستأجر لأنه يريد إثبات شيء زائد على أصل العقد. وإذا استأجره للنجارة فاستعمله للحدادة فإن له إن اتحد ضررهما.
وإذا استأجر
(3/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
داراً للسكنى فاستعملها للحدادة فأضر ببنائها كان ضامناً للضرر الذي حصل فعليه التعويض وسقط عنه الأجر في هذه الحالة لأن الأجرة لا تجتمع مع الضمان إذ الأصل في المستأجر أن لا يكون ضامناً أما إذا سلمت الدار ولم يضرها الاستعمال فإنه عليه الأجرة لأنه تبين في هذه الحالة أن الاستعمال غير ضار وهذا بخلاف الدابة والخيمة فعلاً والثوب ونحوها فإنه إذا استأجر دابة ليرطبها فأجرها لغيره فإنه يكون غاصباً في هذه الحالة فعليه ضمانها إذا حل لها عطب وتسقط عنه الأجرة مطلقاً سواء عطبت أو سلمت لأن منافع المغصوب غير مضمونة إلا في أمور ستأتي في بابها، وإنما المضمون هو المغصوب.
ومثل ذلك ما إذا استأجر خيمة فأجرها لغيره، أو ثوباً أو نحو ذلك، مما يختلف استعماله باستعمال الأشخاص فإنه لا يصح للمستأجر الأول أن يؤجره فإذا فعل كان غاصباً وعليه الضمان وذلك لأن أحوال الناس تتفاوت في مثل ذلك.
(سادسهما) : يجوز أن يزيد المستأجر في الأجرة أثناء المدة إذا كانت من غير جنس نا استأجر به فإذا استأجر شخص من آخر دكاناً مدة سنة شهرية (جنيهين) وعرض في خلال المدة ما يوجب الزيادة فزاد المستأجر متطوعاً في الأجرة فإنه لا يصح للمؤجر أن يأخذها إلا إذا كانت من غير جنس الجنيهات التي استأجر بها أما بعد انقضاء المدة فإن الزيادة من المستأجر مطلقاً وهل تعتبر الزيادة في أثناء المدة عن الأشهر الباقية، أو توزع على أشهر السنة كلها خلاف وليس للمالك أن يزيد الأجرة على المستأجر مدة عقد الإجارة مطلقاً سواء ارتفعت إجارة العين لعارض أو لا إلا في الوقت وملك اليتيم على التفصيل الآتي في الوجه السابع.
(سابعهما) : إذا أخرجت داراً موقوفة أو ملك فاحش فإن الإجارة تقع فاسدة ومثل الدار في هذا الحكم غيرها من دكان أو أرض زراعية أو غير ذلك مما يصح استئجاره. وقد اختلف في حكم المستأجر فقال بعضهم إنه غاصب، وقال بعضهم: إنه ليس بغاصب وعليه أجر المثل في المدة التي استعمل فيها الدار.
والمراد بالغين الفاحش مالا يدخل تحت تقويم المقومين بمعنى أن أهل الخبرة بعضهم يقوم الدار مثلاً بعشرة وبعضهم يقومها بتسعة وبعضهم يقومها بثمانية وهو يؤرجرها بسبعة فإن ذلك يكون غنبناً فاحشاً لأن السبعة لم بقومها بها أحد ومتى ثبت أنها أجرت بغبن فاحش فإن الناظر يؤجرها بأجر المثل لمن يرغب فيها سواء أكان المستأجر الأول. ولا تكفي مجرد دعوى الناظر أو الأجنبي بأن الأجرة بغبن فاحش لأن الناظر متهم بنزعها من يد المستأجر كي يؤجرها لغيره والأجنبي متهم بأنه يريد استئجارها لنفسه بل لا بد من أن يخير من أن يخبر القاضي رجل خبير بمثل هذه الأمور بأن كانت الأجرة وقت العقد بغبن فاحش. وإذا شهدت بينة بأن الأجرة أجرة المثل وقت العقد واتصل بها القضاء فإنه يعمل بها ولا تنقص بخبر الواحد الخبير إلا إذا كذبها الظاهر. أما إذا لم يتصل بها القضاء فإنها تنقص ويعمل بخبر الواحد ذي الخبرة.
(3/107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بقيت مسألة أخرى وهي ما إذا أجر الناظر بأجر المثل ثم زادت رغبات الناس فيها فزادت أجرة المثل عما كانت عليه فماذا يكون الحكم فماذا يكون الحكم؟ والجواب أن هذه المسألة على وجهين:
الوجه الأول: أن لا تكون العين المستأجرة مشغولة بملك المستأجر كالدار والدكان والأرض التي لا زرع بها فإن هذه الأشياء يمكن إخلاؤها من المنقولات التي بها. وحكم هذا أن الزيادة التي عرضت للعين تعرض على المستأجر بعد ثبوتها فإن قبل فذاك وإن لم يقبل فالناظر يفسخ العقد ويحكم به القاضي ثم يؤجر بالزيادة وليس للمستأجر أن يتمسك بأنه أجرها بأجر المثل وليس للناظر أن يزيده في أثناء المدة على الأصح المفتى به. وبعضهم يقول إن المعتبر في ذلك هو وقت العقد فمتى كانت أجرة المثل وقت العقد فلا ينظر للزيادة التي عرضت بكثرة الرغبات وهذا القول وجيه في ذاته لمل يترتب عليه من احترام العقود وعدم نفرة الناس من تأجير الوقف فإنهم إذا عملوا بأنهم مهدون بفسخ العقد لعارض تقل رغبتهم في التأجير فليس من المصلحة نقضه ما دام مؤجراً بأجر المثل وقت العقد على أن بعضهم قال: إنه لا يفسخ في هذه الحالة إلا إذا بلغت الزيادة نصف الذي أجر به أولاً فإذا كان مؤجراُ بخمسة لا يفسخ إلا إذا زاد إلى عشرة وهذا القول يبرز الفسخ في الجملة لأن مصلحة الوقف في هذه الحالة تكون ظاهرة ولكن المعتمد عندهم أن الفسخ يكون بالزيادة التي لا يتغابن الناس فيها عادة سواء كانت نصفاً أو ربعاً أما الزيادة اليسيرة كالواحدة من العشرة فإنه لا يفسخ العقد من أجلها باتفاق.
الوجه الثاني: أن تكون العين المستأجرة مشغولة بملك بحيث لا يمكن إخلاؤها بدون إتلاف ذلك الملك ويشتمل ذلك الوجه على صورتين:
الصورة الأولى: أن تكون العين مشغولة بالزرع الذي له مدة ينتهي إليها حصاده كالقمح والذرة ونحو ذلك.
وحكم هذه الصورة أن تعرض الزيادة على المستأجر فإن قبلها فإنها تحسب عليه من وقت الزيادة إلى أن يحصد ولو انتهت مدة العقد وإن لم يقبل الزيادة يؤمر بقلع الزرع إن لم يضر بالأرض فإن أضر بها يتملكه الناظر لجهة الوقف بقيمته جبراً على المستأجر.
الصورة الثانية: أن تكون الأرض مشغووولة بالبناء وغرس الأشجار ليس لها مدة يقلع فيها كانخيل والرمان ونحو ذلك وفي هذه الحالة تعرض الزيادة على المستأجر فإن قبلها تحسب عليه من وقتها إلى انتاهء مدة العقد فقط لأن الشجر والبناء ليست لهما مدة معلومة. فإذا كانت مؤجرة مشاهرة فسخها وأجرها لغيره.
أما البناء أو الشجر إن كان قلعة يضر بالوقف فالناظر مخير إما أن يضمه للوقف بقيمته أو يتركه حتى يسقط وحده.
أما إذا لم يضر بالوقف فإنه المستأجر يكلف برفعه وأخذه ومحل هذا كله إذا كان الغرس والبناء بدون إذن الناظر لإغن كان بإذنه فإنه يضم للوقف ويرجع الغارس أو الباني على الناظر بقيمة ما أنفقه.
(3/108)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا كانت زيادة الأجرة بسبب بناء الناظر أو غرسه فإنه لا يطالب بالزيادة باتفاق لأن الذي نشأت معه الزيادة إنما جاء من ملك المستأجر.
وبعضهم يقول: إذا غرس المستأجر في أرض الروقف أشجاراً أو بنى ومضت مدة الإجارة فله أن يبقيها فلا يقطع الأشجار ولا يهدم البناء ويدفع عليها بقائها في الأرض بمثل ما يستأجر به الأرض لذلك عادة. ولا يملك الناظر ولا المسستحقون جبره فلع الشجرة ورفع البناء ولا ضمنها إلأى جهة الوقف إلا إذا أذنه الناظر بأن يبني لجهة الوقف.
أما إذا أذنه بأن يبيني لنفسه وأشهد على ذلك فإنه لا يضم ولا يقلع جبراً وقد أفتى بذلك بعضهم ولكن الصحيح خلافه. وقد بالغ بعضهم في رد هذا القول لأنه يرى فيه إجحافاً بمصلحة الوقف وتضييعاً لأعمال البر على أن الكل فيه مجمعون على أن اللازم الفتوى فيه مصلحة الوقف لأنه عليه يقوم أعمال الخير فكل ما كان فيه مصلحة ينبغي العمل به فإذا كان في ترك الأشجار والبناء بأرض الوقف مصلحة فإنه ينبغي تركها وإلا فلا.
القسم الثاني: من أقسام ما يصلح للتأجير الأراضي ويتعلق بها مسائل: الأولى أنه لا بد في عقد إجارة الأراضي الزراعية من بيان ما يزرع فيها من قمح أو ذرة أو أرز أو قطن أو نحو ذلك حتى ترتفع الجهالة المفضية للنزاع بخلاف إجارة الدور والدكاكين لأن الغرض استعمال الأولى للسكنى والثانية للتجارة وهذا الاستعمال لا يتفاوت وكل ما يطلبه المالك أن لا يفعل المستأجر شيئاً يضر بالبناء أو السقوف وقد عرفت أن المستأجرر ممنوع من فعل كل ما يضر فيصح العقد فيها بدون بيان.
أما الأراضي الزراعية فقد زرع دون زرع بيان ما يراد زرعه أو يستأجرها على أن يزرع فيها فيها ما يشاء ويرضى المالك بذلك فإذا تعاقدا بدون العقد يكون فاسداً فإذا زرعها بعد العقد وعلم المالك وأقر زرعها فإن الإجارة تنقلب صحيحة ويجب دفع الأجرة المسماة.
الثانية: إذا استأجرها مدة تسع أن يزرعها مرتين فإن له أن يزرعها مرّتين.
الثالثة: أن للمستأجر الارتفاع بالمساقي الموجودة في الأرض وسقيها منها وله الانتفاع بالطريق الموصلة إليها المملوكة للمؤجر وإن لم ينص عليها في العقد.
الرابعة: لاتصح إجارة الأرض التي لا تصلح للزراعة كالأرض السبخة أو التي لا يصل إليها الماء كما لا تصح إجارتها في مدة لا يمكن زرعها فيها.
الخامسة: لاتصح إجارة الأرض المشغولة بالزراعة إلا إذا كانت تلك الزراعة بغير حق حتى يصح قلعها وتسليم الأرض لمستأجر. أما إذا كانت بحق كأن كانت مستأجرة لشخص فزرعها وللم تحصد زرعها فإنه لا يصح إجارتها لآخر حتى ولو كانت الإجازة فاسدة لأن الإجارة الفاسدة لا يكون صاحبها غاصباً بل يكون أجر المثل فلا يجبر على قلع زرعه فإذا استأجر أرضاً مشغولة
(3/109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بالزرع فحصد صاحب الزرع زرعه وسلمها اتقلبت صحيحة على أنه يجوز تأجير الأرض المشغولة بالزرع إذا أدرك الزرع وحل موعده حصاده لأن صاحبه يؤمر بحصاده وتسليم الأرض.
وكذلك يصح تأجيرها وهي مشغولة إذا كان العقد مؤجلاً إلى زمن يدرك فيه الزرع.
السادسة: تصح إجارة الأرض للبناء عليها ولغرس الشجر فيها فإذا استأجر شخص من آخر أرضاً فارغة مدة معينة ليني عليها دكاناً فإنه يصح، فإذا مضت المدة يهدم بناءه ويسلمها خالية، وإذا استأجرها لغرس فيها شجراً فأثمر الشجر وانتهت المدة وبقي الثمر، فإن الشجر يبقى على الأرض بأجر المثل، ويصح أن يأخذ المالك الشجر والبناء بقيمته بسبب البناء بمعنى البناء والشجر يدفعا المالك فإن كانت الأرض تنقص قيمتها بهدم البناء أو بقلع الشجر فإن المالك يتملكها بقيمتها جبراً على المستأجر وإلا فالمستأجر مخير في أن يقلع أو يعطيها للمالك بالقيمة المذكورة، ولهما أن بتفقا على أن يبقى الشجر أو البناء على المستأجر وتبقى الأرض على ملك صاحبها بدون إجارة بل تكون عارية وتمون منفعتها شركة بينها فلو أجراها لثالث تقسم الأجرة بينهما على تقدير الأرض بلا بناء وعلى تقدير البناء بلا أرض، فإذا كانت أجرة الأرض فارغة تساوي عشرة وكانت أجرة البناء خمسة أخذ كل منهما نصيبه على ذلك الغرض وقد عرفت حكم البناء والغرس غي أرض الوقف فيما تقدم.
القسم الثالث: مما يصح تأجيره، الحيرانت فبصح أن يستأجر دابة ليركبها أو ليحمل عليها متاعه ونحو ذلك من الأغراض المقصودة للعقلاء كالطحين والحرث، أما أسنئجارها لمجرد الزينة أو لإبهام الناس أنه فرساً أو نحو ذلك فإنه لا يصح كما تقدم.
وتعلق بها أمور، أحدها: أنه يلزم بيان من يركبها فإذا لم يبين فسدت وتنقلب صحيحه بركوبها فعلاً سراء ركبها المستلأجر أو أركبها غيره لأن الراكب تعين عند المؤجر بعد العقد وهذا هو المطلب إذا لا يلزم التعيين ابتداء. وإذا قبدها المستأجر براكب خاص بأن قال: أركبها أنا وفلان فركبها غبره فإنه يكون غاصباً وعليه ضمانها إذا عطبن ولا أجر عليه سواء سلمت أو عطبت كما تقدم لأن منافع المغصوب لاتضمن.
(ثانيها) : وإذا أستأجرها للحمل فسمى نوعاً كا القمح مثلاً فإن له أن يحمل عليها مثله أو أخف كا الذرة أو الشعير ولبس له أن يحمل أثقل كا الملح مثلاً.
(ثالثها) : إذا أردف خلفه شخصاً آخر وكانت الدابة تطبق حمل الاثنين عادة فإن كان كبيراً يمكنه أن يستمسك وحده بدون من يستند إليه وعطبت الدابة يضمن النصف سواء كان الذى أردفه خفيفاً في الوزن أو ثقيلاً إذا لاعبرة بالوزن.
أما إذا كانت الدابة لاتطيق حمل الاثنين فإنه يضمن الكل فإذا أردف صغيراً لا يستمسك بنفسه فإنه بضمن يقدر ثقله.
(3/110)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
(رابعها) : إذا أستأجرها ليحمل عليها مقداراً معيناً فحمل عليه أكثر منه فعطبت كان عليه ضمان ما يقابل الثقل الذي زاده فإذا اتفقا على أن تحكل عشرة فحملها خمس عشرة فعطبت كان عليه قيمة ثلث عطبها وعليه الأجر فأما الضمان في مقابل ما زاد في الثقل الموجب لعطبها وأما الأجر فهو في مقابلة الحمل الذي بين مقداره. فلم يجتمع الضمان والأجر هذا إذا كانت الدابة تطيق الكل لأنه حملها ما لا تطيق. (خامسها) : إذا اتفقا على حمل شيء معين ثم حملها صاحبا بيده أكثر منه فعطبت فلا ضمان على المستأجر لأن صاحبا هو الذي باشر فعل ما به عطبها وحده.
أما إذا اشترك معه المستأجر في وضع الحمل عليها كأن على المستأجر ضمان ربع ما عطيت منها، وذلك لأنه مأذون في النصف الثاني فيه شاركه فيه صاحبه فيكون عليه الربع فإذا اتفقا على أن تحمل ثمان كيلات فحملها ست عشر كيلة فإن وضع الزيادة صاحبها فلا شيء على المستأجر وإن اشترك معه في وضع الزيادة كان علبه الربع وهو ما يقابل أربعة من الزيلدة وعلى صاحبها أربعة تهدر طبعاً.
وإذا كان المحمول كالقمح مثلاً موضوعاً في وعاءين (جوالين) فوضع المستأجر عليها واحداً ومالكها واحداً ثم عطبت فلا ضمان على المستأجر سواء وضع الحمل هو أولاً أو ثانياً لأنه يجعل ما وضعه هو ماكان مستحقاً بالعقد وبعضهم يقول: إذا وضع المستأجر الحمل الثاني يضمن الجميع.
سادساً: إذا وضع عليها شيئاً زائداً على ماسماه وسلمت الدابة فإنه لا يلزم المستأجر بدفع شيء سوى ما سماه وإن كان لا يحل له أن يضع عليها شيئاً زائداً على ما سماه وذلك لأنه في هذه الحالة يكون غاصباً ومنافع الغضب لا تضمن كما تقدم.
سابعاً: إذا ضرب المستأجر الدابة فعطبت بها فإن عليه الضمان إلا إذا استأذن صاحبها فأذنه فضربها في الموضع المعتاد فإنه لا ضمان عليه.
وبعضهم يقول: إنه لا ضمان لضرب الدابة أثناء السير لأنه مستفاد بالعقد وهذا الخلاف وقع في ضرب الولي للصبي والأب فبعض الحنفية يقول لا ضمان عليه.
وبعضهم يقول: يضمنان بالضرب مطلقاً إذا عطب الصبي لأن التأديب لا يتوقف على الضرب إذ يمكن زجره وعرك أذنيه ونحو ذلك وقد اتفقوا على عدم جواز ضرب الإنسان المستأجر للخدمة فإذا ضربه زجره وعطب كان عليه الضمان لأن الإنسان الكبير يؤمر وينهي ويفهم فلا معنى لضربه بخلاف الدابة والصبي والصحيح أن الضرب الخفيف الذي لا يترتب عليه ضرر للحيوان ويحمله على السير فإنه مأذون فيه بشرط سلامة الحيوان فإذا ترتب على الضرب عطب كان ضامناً.
ومثل دابة الغير دابة نفسه فإنه لا يحل ضربها ضرباً يترتب عليه عطبها فإنه فعل فإنه يخاصم
(3/111)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويؤدب على ذلك ويملك مخاصمته كل أحد. وله أن بفعل ما يحتاج إلى التأديب والزجر فقط، ويمنع من ضرب الحيوان على وجهه على أي حال فإن فعل فإنه يخاصم لذلك.
ثامنها: إذا استأجره وعليه سرج فنزعه فعطب كان عليه الضمان وكذلك إذا استأجره بدون سرج فوضع عليه السرج فإن كان مثل هذا الحمار لا يحتمل هذا السرج عادة كان علي الضمان وإلا فلا.
تاسعها: إذا عين عين له المالك طريقاً فسلك غيرها واختلف الطريقان بعداً ووعورة كان عليه الضمان وإذا سلم الحمار فللمالك الأجر المسمى بقطع النظر عن اختلاف الطريق فلا يصح أن يقول له قد سلكت طريقاً شاقاً أو بعيداً لأن المقصود واحد وهو الوصول إلى جهة معينة فمتى سلم الحيوان لا يظهر تفاوت إنما يظهر التفاوت حال هلاكه.
القسم الرابع: إجارة الآدمي وهي نوعان:
الأول: استئجار الصناع وقد عرفت في الشروط أنه لا بد من بيان العمل كالصياغة والصبغ والخياطة فلا بد أن يعين ويبين لونه الذي يريده ونحو ذلك فإذا استأجر صانعاً ليعمل له عملاً في داره كالمنجدين والنجارين والخياطين الذين يدعون إلى المنازل لأداء ما يطلب منهم عن صانعهم فعملوا عملاً وتركوه في يد المستأجر ففسد أو هلك فإن لهم أجورهم.
فإذا استأجر خياطاً ليخيط له ثياباً في داره فقطعها (فصلها) وأعد الخيط الذي يخيطها به ثم تركها في المنزل وانصرف فجاء لص فسرقها فإنه لا يستحق أجر على (التفصيل) لأنه مستأجر على الخياطة وقد سرقت الثياب فلا أجر له وإذا استأجر خبازاً ليخبز له فاحترفق الخبز فاحترق في (الفرن) قبل إخراجه فلا أجر له وإن سرق لص الخبز من الخباز فلا أجر له ولا ضمان وقيل عليه ضمانه.
وإذا استأجر عمالاً لحفر بئر وبائها بالطوف ففعلوا ثم انهارت فلهم أجرهم وإذا انهارت قبل بنائها بالطوف فلهم أجر نما عملوا.
النوع الثاني: استئجار الآدمي للخدمة وهو جائز يالنسبة للرجال بعضعم بعضاً بلا كراهية إنما لا يصح للإنسان أن يستأجر أبويه ولو كافرين وإذا عمل الأب فله أجره، ومثل الأبوين الجد والجدة. وإذا استأجر ابنة أو المرأة ابنها فإنه لا يصح وما عدا ذلك فإن استئجار جائز فتصح إجارة الإخوة وسائر الأقارب.
وبعضهم يقول: لا يصح استئجار العم والأخ الأكبر لما في ذلك من الإذلال الذي لا يليق ولهذا قالوا يكوه أن يؤجر المسلم نفسه لخدمة الكافر وإن كان جائز بخلاف العمل في السقي والزرع والتجارة ونحو ذلك فإنه يصح أن يؤجر له نفسه بلا كراهة لعدم المهانة في نحو ذلك.
ويجوز للمرأة أن تؤجر نفسها لخدمة الرجل التأكل هي وعيالها بشرط أن لا تختلي معه فإن الخلوة الأجنبية حرام ويكره للرجل أن يخلو بها.
ولا يجوز للمرأة أن تؤجر نفسها لخدمة بيت زوجها لأن ذلك مستحق عليها أما إذا أجرها فيما
(3/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ليس من جنس خدمة البيت كزرع حديقة أو رعي ماشية فإنه يجوز. وللمرأة أن تستأجر زوجها للخدمة أو لرعي الغنم وله أن بفسخ إجارتها ولا يخدمها.
النوع الثالث: إجارة المراضع والقياس عدم جوازها وإنما جازت استحساناً وذلك لأنك قد عرفت مما مضى أن الإجارة إنما ترد على استهلاك المنفعة لا على استهلاك العين والإجارة هنا ترد على استهلاك اللبن كمن استأجر بقرة ليشرب لبنها وإنما استثنى المراضع لحاجة الناس إلى هذا ولمصلحة الصغير وتصح أجرتها بطعامها وكسوتها ولها عند النزاع كسوة وطعام الوسط. ولزوجها أن يطأها وهي مرضعة في بيته لا في بيت المستأجر إلا إذا رضي المستأجر بأن يخلو بها في بيته.
وللزوج أن يفسخ إجارتها مطلقاً سواء كان يتعير بتأجيرها أم لا.
وللمستأجر أم يفسخ الإجارة بحيل المرضعة ومرضها وفجورها ظاهراً لا يكفرها لأنه لا يضر بالصبي. وعليها أن تفعل مع الصبي ما جرت به العادة من غسل ودهن وتنظيف ثياب ونحو ذلك ولا يلزمها شيء من نفقات ذلك وأجرتها على الوالد الصبي إن لم يكن له مال وإلا ففي ماله.
القسم الخامس: استئجار الثياب والحلي والأمتعة والخيام ونحو ذلك فللإنسان أن يستأجر ثوباً ليلبسه أياماً معلومة فإن فعل فله أن يستعمله بما قضت به العادة والعرف بالنسبة لحالة الثوب فغن كان قيماً فلا يصح أن يلبسه بالليل ولا أن ينام بل يستعمله قياماً أعد له فإن نلم فيه فتخرق عليه ضمانه وإذا ألبسه لغيره فضاع أو تخرق كان ضامناً له.
أما إذا اشترط أن ينصبها في داره فنصبها في جهة أخرى في البد نفسها فلا ضمان عليه إذا كانت الدار مماثلة لداره. أما كانت مكشوفة تنزل فيها الشمس أو المطر فيضر القماش فإنه يضمن.
وإذا استأجرت المرأة حلياً معلوماً إلى الليل لتلبسه ثم حبسته أكثر من يوم وليلة تكون غاضبة عليها الضمان وهذا إذا طلب منها ولم تدفعه لأصحابه. أما إذا حفظه بأن وضعته في مكان لا يلبس فيه عادة فإنه لا ضمان عليها.
هذا ومما ينبغي التنبه له أن كل عين مستأجرة من حيوان أو متاع أو دار إذا فسدت بحيث لا يمكن الانتفاع بها سقط الأجر عن المستأجر من حين فسادها وعليه أجر مانتفع به مما مضى فإذا كان ساكناً بمنزل ثم تخرب في خلال الشهر فخرج منه عليه أن بدفع أجر الأيام التي قضاها من الشهر وإن اختلفا فيها فقال الساكن: إنها عشرة وقال المالك: إنها عشرون يحكم في ذلك حال المنزل والذي يشهد له من علامات الخراب يعمل بقوله.
وأما الأعيان التي لا يصح استئجارها باتفاق فمنها نزو الذكور من الحيوانات على إناثها فلا يحل
(3/113)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لأحد أن يؤجر ثوره ليحبل بقرة غيره ولا يؤجر حمارة الغير وهكذا لأن إحبال الحيوان غير مقدور عليه فلا يصح تأجيره.
ومنها: الاستئجار على المعاصي مثل الغناء والنوح والملاهي كاستئجار بعض الفارغين من الشبان لبقوموا بأناشيد سخيفة ويتبادلون في مجلس الخمور والمحرمات فإن استئجارهم كبيرة لا يحل لمسلم أن يفعلها وهو الذين يسمونهم (كشكش) ومثل استئجار الأشخاص العاطلين لضرب الناس وإيذائهم بالسبب فإنه كبيرة لا يحل لمسلم أن يفعلها وهي إجارة باطلة لا يستحقون عليها أجراً، وأما إجارة المغنين فإن كان الغناء مما يجوز فإنها تصح وإلا فلا وقد تقدم في باب الوليمة في الجزء الثاني من الكتاب.
أما الإجارة على الطاعات فأصول مذهب الحنفية تقضي أنها غير صحيحة أيضاً لأن كل طاعة يختص بها المسلم لا يصح الاستئجار عليها ولأن كل قرية تقع من العامل إنما تقع عنه لا عن غيره فلو لم يكن أهلاً لأدائها لا تنفع منه فلا يصح له أن يأخذ عليها أجراً من غيره ويستدلون بحديث روي عنه عليه السلام: "اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به" وقد عهد عمر إلى عمرو بن العاص: "وإن اتخذت مؤذناً فلا يأخذ على الأذان أجراً" هذا هو أصل مذهبهم وهو بظاهره عام يشمل كل الطاعات فكان من حقه أن لا بعض الطاعات للضرورة فاجازرا أخذ الأجرة على تعليم القرآن خوفاً من ضياعه ومثله تعليم العلم. والأذان والإمامة والوعظ خوفاً من تعطيلها.
أما قراءة القرآن خصوصاً على المقابر وفي الولائم والمآتم: إنه لا يصح الاستئجار عليها إذ لا ضرورة تدعو إليها. فمن أوصى لقارئ يقرأ على قبره بكذا أوقف له داراً أو أوصى بعتاقة أو نحو ذلك كانت وصيته باطلة لا قيمة لها لأن الأجرة على الطاعات بدعة محرمة كما ذكرنا.
وإنما تنفذ مثل هذه الوصايا أو الوقفيات إذا جعلت صدقات، وقد قال صاحب الطريقة المحمدية رضي الله عنه ما نصه:
الفصل الثالث في أمور مبتدعة باطلة أكب الناس على ظن أنها قرب مقصودة.
ومنها الوصية من الميت بالطعام والضيافة يوم موته أو بعده وبإعطائه دراهم لمن يتلو القرآن لروحه أو يسبح أو يهلل له وكلها بدع منكرات
باطلة والمأخوذة منها حرام للآخذ وهو عاض بالتلاوة والذكر لأجل الدنيا اهـ.
ومحصل هذا كله أن أصل المذاهب منع الإجارة على الطاعات، ولهذا أجمعوا على أن الحج عن الغير من باب الإنابة لا من باب الاستئجار فمن حج عن غيره كان نائباً عنه في أداء هذه الفريضة ينفق على نفسه بقدر ما يؤدي فإن زاده معه شيء من المال الذي أخذه وجب لصاحبه ولو كان إجارة لما رد منه شيئاً.
(3/114)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإما إقتاء المتأخرين بجواز أخذ الأجرة على بعض الطاعات فهو للضرورة خوفاً من تعطليها فأجازوا أخذها على التعليم القرآن ونحوه ولم يجيزوه على قراءة القرآن إذ لا ضرورة في القراءة.
ويرد على هذا ما ثبت من جواز أخذ الأجرة على الرقية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "إن أحل ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" وأجيب بأن الرقية تلاوة فقط بل المقصود منها الطب وأخذ الأجرة على التداوي جائز.
وقد يقال في زماننا أن الناس يتصرفون عن تعليم القرآن إذا لم يجدوا فيه شيئاً يساعدهم على قوتهم فالعلة التي أباحوا من أجلها أخذ الأجرة على التعليم وهي خوف تقليل الحفاظ هي بعينها موجودة في الحفاظ الذين ينفقون الذين ينتفعون من قراءءتهم، وقد يكون للإفتاء بجواز أخذ الأجرة على القراءة من هذه الجهة وجه، ولكن الذي لا يمكن إقراره بحال إنما هو ما اعتاد بعض القراء من فعل ما ينافي التأديب مع كتاب الله تعالى كتلاوته على قارعة الطريق للتسول به وفي الأماكن التي نهىالشرع عنه الجلوس فيها وتلاوته على حالة تنافي الخشية والاتعاظ بآياته الكريمة كما يفعل بعض القراءة من التغني به في مجالس المآتم والولائم التي نهى الشارع عنها لما فيها من المنكرات وتأوه الناس في مجلسه كما يتأوهون في مجالس الغناء والإمعان في هذه الطريقة الممقوتة حتى أن بعض القراء يحرفون كلمه عن مواضعه تبعاً لما يقتضيه نغم وتمشياً مع أهواء الناس وشهواتهم فإن ذلك كله حرام باطل لا يمكن الإقرار عليه بأي حال.
ومن الأشياء التي لا تصح إجازتها الأياء التي تستأجر على خلاف شرائط الإجازة المتقدمة.
ومن ذلك استئجار الشخص بجزء من عمله كأن يستأجر جمالاً لينقل له جرنه ويأخذ باقية في نظير أجره أو يعطي طحاناً إردَبّاً من الحنطة ليطحنه ويأخذ منه كيلة في نظير أجره فإن كل ذلك ممنوع لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ولأن القدرة على تسليم الأجرة شرط في صحة الإجارة وفي هذه الحالة أن يسلم الأجرة لأنه ناطقه بالشيء المعمول فالطحان مثلاً لا يمكنه أن يأخذ أجره إلا من الدقيق الذي ينتج من القمح المطحون وهو لم يوجد بعد فإذا وقعت مثل الإجازة وجب فيها أجر المثل بشرط أن لا تزيد على المسمى بينهما.
والحيلة في جواز مثل ذلك أن يفرز أولاً ويسلمه للمستأجر كأن يخرج الصوف أو القمح الذي يريد أن يدفعه أجراً ثم يسلمه للمستأجر وهذا جائز.
ومن ذلك إجارة ماء الشرب وحده فإنها لا تصح واقعة على استهلاك عين السمك وإجارة المرعى لتأكل غنمه حشيشها فإن كل ذلك فيه استهلاك للعين فلا تنفع إجارته ولكنه يصح أن يستأجر تبعاً لشيء
(3/115)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
آخر فيصح أن يستأجر القناة تجري فيها الماء فتقع الإجارة على الماء تبعاً ويصح أن يستأجر قطعة من أرض المرعى ليجعلها مأوى لمواشيه (حوش) ويبيح له مالكها الرعي من حشيشها.
وأما الأشياء المختلف في جواز استئجارها فمنها إجارة الحمام فإن بعضهم يقول: إن أخذ الحمامي أجرة مكروهة من الرجال والنساء. وبعضهم يقول: إنها مكروهة من النساء دون الرجال والصحيح أنها جائزة بلا كراهة لحاجة الناس إليها وربما كانت حاجة النساء إليها أكثر من لنفاسهن وضعفهن إنما الذي ينبغي النهي عنه هو كشف العورة فيها سواء كان من فيها نساء أم رجال إذ لا يحل للنساء أن ينظرن إلى عورة بعضهن كما لا يحل للرجال على التفصيل المتقدم في مباحث ستر العورة فعلى من يدخل الحمام أن يحتاط في ستر عورته وأن يغض بصره عن النظر إلى عورة غيره وإلا فقد فعل ما لا يحل له فعله سواء أكان ذلك في الحمام أو غيره.
ومنها أجرة الحجام فقد قال بعضهم بكراهية لما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث" والصحيح أنها جائزة بلا كراهة لما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان مكروهاً لم يعطيه والحديث الأول منسوخ بما ورد أن رجلاً "وقال يا رسول الله إن لي عيالاً وغلاماً حجاماً أفاطعم عيالي من كسبه؟ قال: نعم" وأيضاً فإن حديث البخاري مروي عن ابن عباس وحديث النهي رواه في السن عن أبي رافع.
ومما لا شك فيه أن ابن عباس أعلم وأضبط وأفقه فيعمل بحديثه على أنه إذا اشترط الحجام أجراً معيناً كره ذلك فيمكن حمل الكراهة على ذلك.
ومن ذلك أجرة السمسار والدلال. فإن الأصل فيه عدم الجواز لكنهم أجازوا الناس إليه كدخول الحمام على أن الذي يجوز من ذلك إنما هو أجر المثل.
فإذا اتفق شخص مع دلال أو مع سمسار على أن يبيع له أرضاً بمائة جنيه على أن يكون له قرشين في كل جنيه مثلاً فإن ذلك لا ينفذ وإنما الذي ينفذ هو أن يأخذ ذلك الدلال لأجر مثله في هذه الحالة.
هذا وتصح إجارة الماشطة لتزيين العروس بشرط أن يذكر العمل أو مدته في العقد.
وإذا استأجر شخص عاملاً يمكن تعيين عمله كخياط ليخيط له هذا الثوب بكذا أو خباز ليخبز هذه الأرغفة بكذا أو هذا الإردَبّ فإنه لا يصح له أن يجمع مع هذا التعيين الوقت فيقول خطه اليوم أو غداً أو اخبزه اليوم أو بعد ساعتين فإذا تأخر عن هذا الموعد يكون بأجرة أقل وإنما لا يجوز ذلك لأنه يفضي إلى المنازعة بأن يقول العامل المنفعة المعقودة عليها إنما هي العمل وذكر الوقت للحث على العجيل وحيث قد تم العمل في اليوم أو بعده فإنني استحق عليه الأجر كاملاً ويقول المؤجر كلا بل المنفعة المعقود عليها مقدورة بالوقت فالمعقود عليه هو الوقت وحيث لم توجد قيمة المنفعة فلا تستحق الأجرة كاملة فلذا قبل بفساد العقد. نعم إذا قال على أت تفرغ منه أو تخيطه في اليوم فإن العقد
(3/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ألا يفسد ويعتبر العقد على العمل وذكر هذه الكلمة يكون الغرض منه إنجاز العمل والفرقأن قوله في اليوم معناه أن تعمل في اليوم ولا يلزم أن يعمله جميعه في اليوم. وقوله على أن تفرغ منه اليوم يفيد أن ذكر اليوم ليس مقصوداً كالعمل فيكون الغرض من التعاقد إنما هو العمل وأما كونه يفرغ منه اليوم فهو أمر ثانوي معناه اسعجال العمل على أن بعضهم يقول إن الإجارة لا تفسد بذلك مطلقاً ولو قال اليوم بدون في أو على ويقع العقد على العمل ويكون الغرض من ذكر الوقت الحث على التعجيل.
ويجوز أن يقول شخص لآخر إن خطت لي الثوب في هذا اليوم فتكون أجرته درهماً وإن خطته غداً تكون أجرته نصف درهم. وإن سكنت هذه الدار حداداً فبعشرة وإن سكنتها عطاراً فبخمسة. وهكذا في كل ما فيه ترديد الأجرة بالنسبة للزمان والمكان والمسافة.
المالكية - قالوا: الأشياء المستأجرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ممتنع فلا يصح استئجاره، وقسم جائز، وقسم مكروه.
فالقسم الأول: وهو الممتنع فهو ما خالف شرطاً من شروطها وقد تقدم بيان كثير منه وبقيت أمور: أولها كراء الشجر لأخذ ثمره لأن فيه استفياء عين وهو الثمر قصداً لا تبعاً وهو بيع عين قبل وجودها وذلك باطل. أما الشاة لأخذ لبنها فقد مر بيانه في الكلام على المنفعة فارجع إليه.
وإذا استأجر داراً فيها نخلة أو كرمة فإن كان ثمرها قليلاً واشترط المستأجر لأن تكون تابعة للدار في الإجلرة فإنه يغتفر تأجيرها وأخذ ثمرتها بشرط أن لا يزيد ثمن الثمر عن ثلث الأجرة. وذلك بأن تقوم الدار بغير الثمر فإن كانت عشرة وقيمة الثمر بعد إسقاط ما أنفق على الشجر من سقي ونحوه فإنه يصح في هذه الحالة أخذ الثمن لأن الخمسة إذا أضيفت إلى الأجرة وهي عشرة كان المجموع خمسة عشرة والخمسة ثلثها فيصح أخذه حينئذ أما إذا كانت قيمة أكثر من خمسة فإنه لا يصح لأن القاعدة من مذهب مالك أن كل شيء يمكن قليله من كثيره فثلثه والقليل يتسامح فيه ويستثنى من هذه القاعدة أمور ثلاثة:
(1) الآفات التي تصيب الثمرة المبيعة فغن ثلثها ليس من القليل.
(2) مساواة المرأة للرجل في دية الجراحة.
(3) ما تحمله العاقلة من الدبة.
ثانيها: الإجازة على التعليم الغناء فإنها لا تصح والغناء بالمد التطريب بالأهوية المعروفة في علم الموسيقى وقد عرفت في مباحث الوليمة أن المالكية لا يبحون سماع شيء من الغناء إلا إذا كان على وزان:
أتيناكم أتيناكم * فحيونا نحيكم
إلى أخره....
(3/117)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وكل ما لا يباح لا يصح تأجيره أما غيره فلهم فيه تفصيل فما كان منه مباحاً فإنه يصح الأجرة على تعليمه عندهم. ومن ذلك أجرة آلات الطرب كالعود والمزمار فإن استعمالها وسماعها حرام فكذلك ثمنها وإجارتها.
ثالثهما: إجارة النائحة (المعددة) فإنه حرام بلا خلاف.
رابعهما: إجارة الدجالين الذين يزعمون أنهم يخبرون عن المسروق ويردون الضائع فإنها لا تحل ومثله الاستئجار على حل المربوط (العاجز عن إتيان امرأته) فغن اسئجاره لا يحل وقيل يحل إن تكرر نفعه.
خامسها: استئجار الحائض لكنس المسجد فإنه لا يحل.
سادسها: إجارة الدكان ليباع فيه الخمر والحشيش ونحوه مما يفسد العقل أو يضر بالبدن فإنها لا تصح وكذلك إجارة المنازل لتتخذ بيوتاً للدعارة أو محلاً للفسق أو نحو ذلك. وكما لا تصح إجارتها كذلك لا يصح بيعها على ثمنها المعتاد إن باعها بثمن زائد عنه.
سابعها: الإجارة على طاعة مطلوبة من الأجير (طلب عين لا طلب كفاية) إذا كانت لا تقبل النيابة كالصلاة والصيام سواء كان طلبها على سبيل الوجوب أو على الندب. فلا يصح الاستئجار على صلاة ركعتي الفجر والوتر.
أما ما يقبل النيابة كالحج، وقراءة القرآن وأذكار، والتهليل ونحوها ففيها خلاف مبنى على وصول ثوابها للميت. فبعضهم يقول: إنها تصل فالإجارة عليها صحيحة، وبعضهم يقول: إنها لا تصل فالإجارة عليها لا تصح والمنقول عن الإمام مالك أنها لا تصل وأن الإجارة عليها لا تصح، ولكن الظاهر من قول أصحابه الميل إلى الميل إلى أنها تصل عملاُ بحديث رواه النسائي: "من دخل مقبرة وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة وأهدى ثوابها لهم كتب الله له من الحسنات بعدد من دفن فيها" فلو لم يكن ثواب القرآن ينفع الميت ويصل إليه لما حث النبي صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد للأموات.
أما الأعمال المطلوبة من المكلف على سبيل الكفاية كتكفين الميت وتغسيله ودفنه فيجوز الإجارة عليها بلا خلاف فما يأخذه (الحانوتية) على تغسيل الموتى وحملهم ودفنهم من الأجرة (جائز)
ثامنها: تأجير العامل الذي يجني الزيتون أو النبق ونحوهما أو يعصره زيتاً بجزء مما يخرج منه فلو قال له انقض لي هذه الشجرة يختلف في ذلك فمنه ما يسقط من ثمره بالهز كثيره ومنه ما يسقط قليل فيكون القدر الذي ينزل منه مجهول.
وكذا إذا قال له اعصر هذا الزيتون أو الرقطم ولك جزء مما يخرج منه فإنه لا يصح لأن القدر الذي يخرج من الزيت مجهول وصفة الزيت الخارج بالعصر مجهولة إذ يمكن أن يكون جيداً وأن يكون رديئاً ثخيناً أو رقيقاً نقياً أو مشوباً ينقصه.
(3/118)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وبعضهم يقول إذا قال له انفض الثمر الذي على هذا الشجر كله ولك سدسه مثلاً فإنه يجوز فإذا وقع شئ من هذا فإن للعامل أجر مثله وجميع الثمر أو الزيت لصاحبه فإن اقنسما كان ما يأخذه العامل حراماً أما ما يأخذه رب العمل فهو حلالاً لأنه كله ملكه.
ومثل ذلك ما إذا قال له أدريس (هذا الجرن) ولك ثمن ما يخرج من الحب فإنه إجارة فاسدة للجهل بقدر ما يخرج من الحب. أما إذا قال له احصد هذا الغيط ولك سبعه أو ثمنه فإنه يصح لأن الزرع ظاهر مرئي فيمكنه معرفة القدر الذي بخرج منه.
ثامنها: تأجير أرض صابحة للزراعة ليزرعها با الطهام فإنه لا يصح فإذا اسنأجر فداناً ليزرعه بخمسه (أرادب) من القمح أو الذرة أو الشعير أو نحو ذلك مما تنبته الأرض كالعدس والفول وجميع أنواع الطعام فإنه لا يصح أنه يمكنه أن يزرع الأرض من هذا النوع الذى أستأجر به فتؤل المسألة ألى بيع الطعاملأجل منع التفاضل والغرر لأنه يحتمل أن يخرج له من الزرع قدر الأجرة أو أقل أو أكثر.
وكذلك لا يجوز تأجيرها بالطعام الذى لا تنبته كالعسل والجبن واللبن والشاة المذبوحة والشاة التى بها لبن. أما الشاة الحية التى لا لبن بها يجرز أنها ليست بطعام في هذه الحالة ولا يتولد منها طعام كذلك لاتصح بالسمك وطير الماء زعلة ذلك أنه ربما يزرعها طعاماً كا القمح والذرة ونحو ذلك فيكون فيه بيع بطعام مخالف له وهو ممنوع.
كذلك لا يجوز تأجيرها بما ينبت منها من غير الطعام كالقطن والكتان والعصفر والزعفران ونحو ذلك لأنه قد يزرع فيها ذلك النوع الذي أجره بها فيكون فيه بيع الزرع بمثله لأجل فإذا وفع فيه شيء من ذلك كان فاسداً وله كراؤها بالنقود.
ويجوز كراء الأرض بالشجر الذي يمكث فيها زمناً طويلاً واختلف في جواز كرائها بما ينبت وحده لا بما ينبته الناس كالحلف والحشيش والصحيح لأنه يجوز.
وأما كراء الأرض لأجل بناء عليها دكان عليها جرن فيها جائز وكذلك كراء الدور والدكاكين بالطعام فإنه جائز بلا نزاع لانتفاع الشبه التي تقدمت.
تاسعها: يمنع استئجار صانع على عمل بحيث لو لأتمه في يوم يكون له عشرة وإن لأتمه يومبن يكون له ثمانية لأنه في هذه الحالة يكون قد أجر العامل نفسه بما لا يعرف.
فإذا استأجر خياطاً على هذه الحالة وخاط له الثوب فله أجر مثله خاطه في يوم أو يومين فإن اتفق معه على أجرة معينة ثن قال له بعد ذلك عجل وأزيدك كذا فإن كان على يقين من أنه يستطيع الفراغ منه في الموعد الذي حدده فإنه يجوز أما إن كان لا يدري فيكون مكروهاً.
عاشرها: أن يقول لآخر اعمل على دانتي كأن تحتطب عليها أو تحمل عليها الناس تحمل عليها الحبوب أو نحو ذلك أو يقول له اعمل على دابتي ولم يصرح بشيء مما يحمل عليها
(3/119)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولك نصف ما يتحصل من ثمن ما تحتطبه عليه وتبيعه أة نصف ما تكريها به. وتشتمل هذه الصورة على أربعة أوجه: الأول أن يقول اعمل على دابتي فيعمل بنفسه.
الثاني: أن بقول اعمل عليها فيؤجرها لغيره ليعمل عليها.
الثالث: أن يقول له خذ دابتي فاكرها فيأخذها ويعمل عليها بنفسه.
الرابع أن يقول له خذها فاكرها فيأخذها ويكريها لغيره. والإجلرة في جميع هذه الأوجه فاسدة. فإذا وقع ذلك فحكم الأوجه الثلاثة الأول للعامل جميع ما يتحصل وعليه أجرة المثل لمالكها لأنه في هذه الأوجه يكون قد استأجر الدابة إجارة فاسدة فإذا لم يجد عملاً يعمله عليها فبعضهم يقول تلزمه أجرتها مطلقاً وبعضهم يقول لا تلزمه الأجرة إذ عاقه عن العمل عائق معروف.
وحكم الوجه الرابع، وهو أن يقول له خذها فاكرها فيكريها، أن كل ما يتحصل من الكراء للمالك ويكون له أجر المثل فيما عمله فإذا تعاقد مع شخص ليحمله من بلد إلى آخر ومشى خلفه كان له أجر المثل على التعاقد وعلى المشي الذي مشاه وما يتحصل من الأجر للمالك لأن العامل في هذه الحالة يكون قد أجر نفسه إجارة فاسدة. هذا كله بعد الشروع في العمل أما قبله فتعين فسخ العقد، وإنما فسدت الإجارة في هذه الأوجه للجهالة بقدر الأجرة.
أما إذا قال له خذ دابتي الذي واحتطب عليها ولك نصف الذي تجيء به، فإنه يصح بشرطين:
الأول: أن يكون القدر الذي يجيء به من الخطب معروفاً في العرف كأن تجري العادة بأن هذه الدابة تنقل قنطارين في اليوم أو يسترطا ذلك كأن يقولا نقسم كل قنطارين مما تنقله.
الثاني: أن لا يحجر المالك على العامل كأن يقول لا تأخذ نصيبك إلا بعد أن يجتمع الحطب في مكان كذا، فيصح بهذين الشرطين لانتفاع جهالة هنا محققة فإنه لا يدري بكم يبيع الحطب الذي يجيء به فالثمن مجهول تماماً.
وهل السفينة والحمام والربع ونحو ذلك من الأشياء الثانية مثل الدابة في ذلك؟ والجواب أن بعضهم يقول إنها مثلها فإذا قال العمل في سفينتي أو في حمامي أو في داري أو لنا ولك نصف ما يتحصل من ريعها فإن ما يتحصل يكون لمالكها وللعامل أجر مثله.
وبعضهم يقول إن السفينة والدار والحمام ونحو ذلك من الأعيان الثابتة التي لا يتولى العامل مؤنتها يكون لمالكها وللعامل أجرة مثله سواء قال اعمل عليها أو اكرها وسواء عمل عليها بنفسه أو أجرها لغيره. والثاني أصح.
الحادي عشر: أن يبيع شخص لآخر نصف سلعة معين على أن يبيع المشتري النصف الثاني فلا يصح أن يقول شخص لآخر بعتك نصف داري هذه بمائة على أن تتولى بيع نصفها الثاني
(3/120)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإنما تمتنع هذه الصورة إن لم يعين محل البيع أو عين بلداً تبعد عن البلد الذي فيها العقد أكثر من ثلاثة أيام.
أما إذا قال له أن تبيع لي النصف الثاني في هذه البلدة التي حصل العقد أو في بلد قريب منها فإنه يصح وذلك لأنه في الحال الأولى يكون قد اشترى معيناً وهو نصف الدار ولم يتمكن من قبضة إلا بعد بيع النصف الثاني في بلد يبعد عن محل العقد أكثر أيام وذلك ممنوع.
أما في الحالة الثانية وهي إذا كان محل البيع في البلد أو في بلد يصح تأجير القبض إليها بأن كانت مسافتها ثلاثة أيام فأقل فإنه يصح ولكن يشترط في هذه الحالة أن يجعل العاقدان للبيع أجلاً معلوماً بأن يقول على أن تبيع لي النصف الثاني بعد شهر مثلاً حتى في المسألة بيع وإجارة.
أما البيع فلأنه قد باع نصف الدار بثمن معلوم.
وأما الإجارة فلأنه قد اجره على أن يبيع له الثاني في وقت كذا وذلك جائز لأنه يصح أن يجتمع البيع والإجارة في عقد واحد.
أما إذا لم يؤجلا فيجتمع في المسألة بيع وجعالة فكأن قال بعتك النصف بمائة على أن يكون هذا البيع جعلاً لبيع النصف الثاني وهو ممتنع وذلك لأنك التأجيل بعين الإجارة إذ الجعالة يفسدها التأجيل.
وإذا باع شيئاً مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً كأن أعطاه عشرين إردَبّاً من القمح وباع له إردَبّين منها بجنيه وسمسرة على بيع باقيها في خمسة أيام فيكون له نصف أجرة السمسرة فيرد نصف الإردَبّ الذي جعل في مقابل السمسرة ويحتمل أن يبيعها في آخر يوم من العشرة أو بعد العشرة فلا يريد شيئاً فقد ترددت أجرة السمسرة وهي الإردَبّ بين كون بعضه إجارة وبعضه سلفاً يرده غير جائز.
وإذا اشترط المشتري إنه باع النصف الثاني لا يرد شيئاً من الأجرة فإنه يصح. فتحصل من ذلك أنه لا يجوز أن يبيع شخص لآخر سلعة بثمن معين وأجرة سمسرة على بيع النصف الثاني إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يعين محل البيع بأن يكون في بلد لا تبعد عنه أكثر من ثلاثة أيام.
الثاني: أن يجعل لبيع النصف الثاني أجلاً.
الثالث: أن يكون المبيع مثلياً لا يعرف فإذا تحققت هذه الشروط صح لأنه يكون بيع وأجرة وهو جائز وإلا فلا.
(3/121)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأما القسم الثاني وهو الجائز فهو أمور: منها الأجرة على الإملمة مع الأذان فإنها جائزة بخلاف الأجرة على الصلاة وحدها فإنها لا تجوز كما تقدم.
ومنها: الأجرة على تعليم القرآن والعلم والصنعة ونحو ذلك فإنها تجوز بشرط أن يعرف المعلم الشخص الذي يريد أن يتعلم.
ومنها إجارة المراضع: فيصح أن يستأجر شخص مرضعة لابنه وتسمى (ظئراً) بشرط أن يعين الولد الذي يريد إرضاعه فإن كان غائباً فينبغي أن يذكر سنة. أما إذا كان حاضراً فينبغي رؤيته، وإن جربته المرضع لترى قوة رضاعه يكون حسناً.
وإذا استؤجرت المرضع بإذن زوجها فإنه يمنع من وطئها سواء أضر بالصغير أو لم يضر.
وبعضهم يقول: إنه لا يمنع من وطئها إلا إذا أضر بالصغير فإن وطئها على القول الأول يكون لأب الصغير فسخ الإجارة.
وكذلك يمنع الزوج من السفر من بلد أهل الرضيع وإذا سافر الأبوان من بلد الظئر لزمهما دفع الأجرة كالملة وإلا تركا الصبي لترضعه في محل العقد.
أما إذا أجرت نفسها بغير إذن زوجها فله كل ذلك ويفسخ الإجارة.
وليس للمرضعة أن ترضع ولداً آخر بعد التعاقد على إرضاع معين ولو لم يضر بالأول فإن فعلت فسخت الإجارة. وليس عليها أن تحضن الصغير لأن الإرضاع لا يستلزم الحضانة وبالعكس.
وإذا استأجرها لإرضاع صغيرين فمات أحدهما فسخت الإجارة وكذلك تفسخ الإجارة بسبب ظهور حمل المرضع بأن كانت حاملاً وقت العقد ولكن لم يظهر حملها ثم ظهر في أثنائه. وهل تفسخ إن خيف الضرر على الرضيع أو تفسخ مطلقاً؟ خلاف فبعضهم يقول: مجرد ظهور الحمل كاف في جواز الفسخ وبعضهم يقزل: لا بل يفسخ إن خيف وهل يجب على أهل الصغير الفسخ إن خيف الضرر أولا يجب؟ إذا خافوا عليه الموت يجب عليهم الفسخ وإلا فلا يجب وكذلك تفسخ إجارة المرضع إن مرضت مرضاً لا تقدر على إرضاع الصغير وإذا فسخت الإجارة فللمرضع حساب ما أرضعت.
وإذا كان أب الصغير قد أعطاها الأجرة مقدماً فأكلتها فلا تطالب بدفعها. وإذا فسخت الإجارة فلا تلزم المرضع أن تحضر غيرها محلها في إرضاع الصغير.
ومنها: أنه يجوز للمالك أن يستأجر العين الذي أجرها من المستأجر فإذا استأجر محمد داراً من خالد فإنه يصح لخالد أن يستأجر تلك الدار من محمد بنفس القيمة التي أجر بها أو أكثر أو أقل بجنسها أو بغير جنسها فإذا استأجرها فإذا بجنيه ذهب فله أن يؤجر لمالكها بجنيه كذلك أو بجنيه ونصف كما أن له أن يؤجرها له بإردَبّ من القمح أو بثوب من القماش وهكذا، وإنما الممنوع ما يوجب التهمة.
وذلك كما أجر له داره بجنيهين شهرياً وأجل له الأجرة فلا يستلمها إلا بعد سنة، ثم
(3/122)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
استأجرها منه بجنيه واحد على أن يدفع له الأجرة فوراً فإن في هذا شبهة، وهو أنه فعل ذلك لبقرضه بفائدة.
ومثل ذلك ناظر الوقف فإنه لا يجوز له أن يستأجر ما أجره لغيره لأن فيه تهمة أنه فعل ذلك ليستولي على العين وينتفع بها فأجرها بأجرة زهيدة للغير ليأخذها منه بذلك.
ومها: لأنه يجوز أن يستأجر دابة، أو داراً إلى مدة معينة بأجرة معلومة بشرط أنه إن استغنى عنها أثناء هذه المدة سلمها لصاحبها وحاسبه لقدر المدة التي استعملها فيها إن كانت داراً، أو المسافة التي قطعتها بها إن كانت دابة.
هذا وإن كانت المنفعة التي باعها المالك مجهولة فيه لعدم بيان المدة إلا أن الجهالة فيها يسيرة فإن المعتاد أن الذي يستأجر شيئاً من ذلك إنما يعمل حسابه فلا يستغني عنه غالباً، وإن استغنى عنه فإنما يستغني عنه في أخريات المدة فيتغفر تسهيلاً للتعامل. ولكن يشترط أن لا يدفع المستأجر للمالك الأجرة لأنه إن دفعها له يحتمل أن يرجع بعضها إن لم يستوف المدة، ويحتمل أن لا يرجع إن استوفاها. فيكون تارة أجرة، وتارة سلفاً وهو ممنوع.
ومنها: أنه يجوز للمالك أن يؤجر الشيء الذي استأجره مدة تلي مدة الإجارة فإذا أجره داره سنة ولم تنته جاز له أن يؤجرها مدة أخرى تبتدئ بعد نهاية السنة لا فرق في ذلك بين أن يؤجرها للمستأجر الأول أو لغيره.
ومنها: أنه يجوز للمالك أن يبيع أرضاً على أن تبقى نتفعتها أو أكثر أو أقل ويسلمها للمشتري بعد نهاية تلك المدة. فللمشتري في هذه الحالة أن يؤجرها قبل أن يستلمها على أن تبتدي مدة الإجارة عند نهاية مدة المنفعة التي اشترطها البائع. ولكن يشترط لجواز تأجيرها أن يغلب على تأجيرها وما لا يصح تأجيره فلا يصح دفع أجرته مقدماً طبعاً.
أما ما يغلب الظن بقاؤه فإنه يصح دفع الأجرة مقدماً وإذا احتمل الأمران على السواء فقيل يجوز العقد لا النقد وقيل لا يجوز.
وللبائع أن يشترط الانتفاع بسلعته التي باعها عام فأقل إذا كانت داراً ونحوها والانتفاع بها مدة طويلة واو سنين إذا كانت أرضاً أما إذا كانت حيواناً فإنه لا يصح أن يشترط الانتفاع به أكثر من ثلاثة أيام.
ومنها: أنه يجوز أن يستأجر شخص أرضاً على أن يبنيها مسجداً مدة السنين فإذا انقضت المدة ردم البناء وأخذ الثاني انقاضه وتعود الأرض ملكاً لصاحبها ولا يجبر أحدهما على بقاء ما يخصه. ومنها: أنه يجوز الاستئجار على طرح ميتة ونحوها من النجاسات كالمواد البرازية وإن كان فيه مباشرة للنجاسة.
(3/123)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أنه يجوز إجارة المبنية بناء جديدة وأرض مأمونة الري مدة طويلة إلى ثلاثين سنة. وأما الدار القديمة فإنه يصح تأجيرها مدة يظن معها بقاؤها سليمة.
وأما الأرض التي ريها غير مؤمون فإنه يجوز العقد دون دفع الأجرة كما تقدم هذا في الملك وأما في الوقف فإنه لا يصح تأجيره في الدور ونحوها أكثر من سنة سواء كانت موقوفة على معين كفلان وأولاده أو لا كالفقراء. وأما الأرض فإنه لا يصح تأجيرها أكثر من ثلاث سنين سواء كان المؤجر الناظر الأجنبي أو المستحق إن كانت على معين.
أما إذا كانت موقوفة على غير معين كالفقراء، فإنه يصح تأجيرها إلى أربعة سنين دون زيادة. فإن كان المستأجر ممن يؤول الوقف يصح أن يؤجرها له زماً طويلاً كعشر سنين ونحوهما لأن الوقف يرجع إليه.
وإذا وجدت ضرورة تقتضي مد زمن الإجارة أكثر من المدة التي تقدمت، كما إذا تهدم الوقف. وليس له ريع يبنى منه فإنه يصح للناظر أن يؤجر ليبني بها ولو طال الزمن كأربعين عاماً.
ومنها: أنه يجوز أن يبيع شخص لآخر سلعة بمائة مع أنها تساوي مائة وخمسين على أن أن يتجر المشتري في ثمنها فيكون الثمن محموع أمرين: المائة والاتجار، ففيه إجارة وبيع إنما يشترط بصحة ذلك شروط:
أحدهما: أن يكون الثمن معلوماً.
ثانيهما: أن يحضر المشتري الثمن ويشهد عليه لينتقل من دين في ذمته إلى أمانة عنده وإلا كان سلفاً جر نفعاً يتهم بتأخيره ليزيده بربح التجارة.
ثالثها: أن تكون المدة التي يريد له فيها معلومة كسنة مثلاً.
رابعها: أن يعين النوع الذي يتجر فيه لأن التجارة تتفاوت بتفاوت السلع في الصعوبة والسهولة.
خامسها: أن يكون ذلك النوع موجوداً في زمن الأجل.
سادسها: أن يكون العامل مديراً يتصرف في السلع بأن يشتري ويبيع ولا يكون محتكراً بمعنى أنه يجمع السلع ولا يبيعها إلا إذا ارتفعت أثمانها لأن ذلك يؤدي إلى البيع في زمن مجهول فيدخل الجهل في الثمن لأن الثمن مجموع الأمرين كما عرفت: المائة والعمل.
سابعها: أن لا يتجر له في الربح لأن الربح مجهول.
ثامنها: أنه يلزم أن يشترط المشتري الذي يريد أن يتجر في الثمن على البائع أن الثمن إذا تلف منه شيء يدفع البائع غيره حتى لا يكون له وجه في ادعاء أن المشتري لم يتجر في كل الثمن بل اتجر في بعضه فلم يستلم الثمن كاملاً في هذه الحالة، فإذا اشترط ذلك وتلف بعض الثمن ولم ينشأ البائع تكتمله بل رضي أن يتجر له المشتري في الباقي فإنه يصح ولا يلزم بالتكلمة لأن الغرض من الشرط دفع النزاع من البائع ومتى رضي فقد انتهى الأشكال.
(3/124)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أنه يجوز استئجار طريق في دار أو غيرها للمرور فيها. ومنها: أنه يجوز استئجار مجراة تصب فيها مياه المرحاض.
وكذلك استئجار مجراة يصب فيها الماء الذي يسقي الزرع، أما شراء نفس الماء فإنه لا يجوز سواء كانت مدة شرائه قليلة أو طويلة على المعتمد.
ومنها: أنه يجوز إجارة المنقولات كالأواني والدلاء والفؤوس.
وأما القسم الثالث: وهو المكروه فأمور منها: إجارة الحلي فإنها مكروهة سواء كان ذهباً أو فضة وعلة الكراهة أن الله تعالى لم يجعل له زكاته في إعارته فيكره أن يأخذ عليه أجراً.
ومن ذلك تعلم أن الذي تكره إجارته هو الحلي المباح الاستعمال، أما المحرم فإن الزكاة واجبة فيه فتمنع إجارته فإذا استأجر رجل حلياً فإن الإجارة لا تصح وبعضهم يرى كراهة إجارته سواء كان استعماله حلالاً أو ممنوعاً.
ومنها: أنه يكره لمن استأجر دابة ليركبها أن يؤجرها لمثله في الخفة والإهانة ولا ضمان عليه إن ضاعت بلا تفريط أو ماتت أما أجرها ليحمل عليها شيئاً فإنه لا يجوز له أن يؤجرها لغيره عليها مثل ذلك.
ويجوز كراء الدابة بعلقها أو طعام صاحبها أو بهما معاً سواء انضم لذلك نقد أو لا ليركبها أو ليطحن بها زمناً نحو شهر إذا كانت مسافة الركوب أو قدر الطحن معروفين في العادة بأن كان الركوب في البلد وما قاربها الطحن للقمح ونحوه لا الحبوب الصبغة كالترمس.
ومنها: الأجرة على تعليم الفقه والفرائض فإنها الغرض نشر العلم الديني وأخذ الأجرة عليه ومكروه في الجملة فلذا كانت مكروهة.
ومنها: استئجار من يقرأ القرآن بتطريب ونغم لا يخرجانه عن وضعه فإن استئجار مكروه والمراد من يقطع صوته بالأنغام لا من يجود القرآن
بالصوت الحسن أما ما يخرج بالقراءة عن وضعها فإنه يحرم استئجاره وحرم قراءة القرآن بالشاذ وهو ما زاد على العشرة على الرلجح وبعضهم يقول ما زاد على السبعة.
ومنها: أنه يكره للمسلم أن يكري نفسه أو ولده لكافر إلا إذا لم يكن مختصاً به كالخياط الذي يخيط للمسلم والكافر فإنه لا يكره. هذا ولا يحل للمسلم أن يضع نفسه تحت يد الكافر في الخدمة كخدم البيوت والمراضع فإنهم لا يحل لهم وإن فعلوا تفسخ الإجلرة ويكون لهم أجر المثل.
الشافعية - قالوا: الأمور التي يصح استئجارها والتي لا يصح تقدم معظمها في الشروط وبقيت أمور:
منها: أنه لا تصح الإجارة على الطاعات التي تجب لها كالصلاة فرضاً كانت أو نفلاً إلا أنه يصح
(3/125)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الإجارة على الإمامة على أن يكون الأجر في مقابل إتعاب مفسه بالحضور إلى كوضع معين والقيام بها في وقت معين لا على أداء الصلاة.
ومثل ذلك ما يتعلق بالصلاة كالخطبة فإنه لا تصح الإجارة على نفس أدائها وإن كانت تصح على القيود الخاصة التي يتقيد بها الخطيب من الحضور إلى المكان ونحوه وتصح الإجارة على الحج كما تقدم في بابه.
ومنها: أنه لا تصح الإجارة على التدريس إلا إذا عين المسائل التي يريد دراستها وكذا لا تصح الإجارة على زيارة القبور ولو قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء عنده.
ومنها: أنه تصح الإجارة على قراءة القرآن لحي أو ميت ويحصل له الثواب سواء قرأ بحضرته أو أهدى له ثواب القراءة كأن يقول: اللهم اجعل ثواب هذا لفلان وهل يحصل ثواب القراءة للقارئ أيضاً أو لا؟ خلاف: فبعضهم يقول: إنه يثاب يقول: إن كل عبادة كان الحامل عليها أمراً دنيوياً لا ثواب فيها للفاعل.
ومنها: أنه تصح الإجارة على كل مسنون كالأذان والإقامة. وعلى ذكر الله تعالى كالتهاليل (العتاقة) إذا كان فيها كلفة يستحق عليها الأجر ولا يصح الإجارة على أن يرفع صوته بها.
ومنها: أنه تصح الإجارة على تعليم القرآن على المعتمد ويقدر تعليم القرآن بالزمن وبتعيين محل العمل، مثال ذلك اسئجار الدواب مثلاً فإنه يمكن ضبط منافعها بيان محل عملها فأما عملها فهو سيرها أو ركوبها وأما محله فهو المسافة التي يقع فيها ذلك السير والركوب فلك أن تقدر المنفعة بمحل العمل وهو الركوب والسير كأن يستأجرها لتركبها إلى بلد سواء عملت يوماً أو أقل أوأكثر ولك أن تقدر المنفعة كأن تستأجرها يوماً فأكثر.
ومن ذلك ما يفعله الناس في زماننا من تأجير السيارات (الأتومبيلات) بالمسافة أو الساعة فإنه جائز في كل من الحالين.
أما إذا كان لا يمكن ضبط المنفعة بتعيين محل العمل فإنه يجب تقديرها بالزمن فقط كتعليم القرآن فإن عمل المعلم لا يمكن تقدير المسافاة التي يقع فيها فيقدر بالزمن خاصة كأن يستأجيره لعمله شهراً بكذا أو ليعمله سورة خاصة بكذا أما تعيين المنفعة ببيان محل العمل والزمن معاً فإنه لا يصح كما إذا قال له: خط لي هذا الثوب في هذا النهار فإن عمل الخياط غرز الإبرة ومحله نفس الخياطة الحاصلة وهي التي تقدر عليها الأجرة فلا يصح حينئذ تقديره بالزمان لأن الزمان قد لا يفي بالعمل فيوجد النزاع.
نعم إن كان الغرض من ذكر الزمن الإسراع فإنه يصح. واعلم أن الاستئجار لمجرد الخياطة
(3/126)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
باطل لأنها عمل مستقل على قطع لبثياب. أما الاستئجار على الخياطة وقطع القماش وقطع (التفصيل) فإنها صحيحة.
ومنها: أنها تصح الإجارة لإرضاع الصبي ةتقدر بالزمان كأن يستأجرها لترضع ولده مدة كذا بكذا من النقد أو غيره ويشترط تعيين الطفل الذي يريد إرضاعه بالرؤية أو الوصف على المعتمد كما يشترط تعيين مكان الإرضاع سواء كان بيت المستأجر أو المرضعة.
ويصح استئجار المسلمة والكافرة والحرة والأمة كما يصح أن تباشر التعاقد بنفسها أو بواسطة زوجها وعليها أن تعمل ما يزيد في اللبن وأن تمتنع عن كل ما يضر بالصبي فإن كان يضره أن يطأها زوجها فإنها تمنع منه وإلا فلا. فإذا لم تفعل وتغيلا لبنها أو قل ثبت الخيار للمستأجر فإن شاء فسخ العقد وإن شاء أقره.
ومنها: أنه يصح إجارة العين مدة تبقى فيها غالباً فيؤجر الدار ثلاثين سنة والدابة عشر سنين والثوب سنة أو سنتين بحسب حاله وللمستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه، وله أن يتنازل عنها لغيره فإذا استأجر داراً فله أن يؤجرها لغيره بشرط أن يكون مثله في الاستعمال، فلا يصح له أن يسكن حداداً أو نجاراً إذا لم يكن هو كذلك لما في إسكانها من الضرر ما لم يشترط أن يسكن من يشاء. وإذا اشترط المالك أنه لا يجوز للمستأجر إسكان غيره فسد العقد.
وأما المحل المستأجر فإن كان معيناً فإنه لا يصح اسبداله بغيره فإذا استأجر هذه الدار ليسكنها فإنه لا يجوز للمالك أن يسكنه داراً غيرها فإذا شرط استبدالها في العقد فإنه يصح.
هذا واعلم أن كل شيء يمكن الانتفاع به شرعاً مع بقاء عينه مدة الإجارة فإنه يصح تأجيرها فلا تصح إجارة الملاهي كالزمارة والدربكة أما بقية الطبول فيصح استئجارها.
الحنابلة - قالوا: تنقسم الأشياء التي يمكن عليها عقد إجارة إلى ثلاثة أقسام:
مالا يصح لمخالطة شرط من الشروط المتقدمة، وما يصح بدون كراهية وما يصح بكراهية.
القسم الأول: ما يصح بلا كراهة وهو أمور:
منها: أنه استئجار المرضعة بإذن زوجها وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغ ويصح إجارة الوالدة لإرضاع ولدها بأجرة معلومة ولو بطعامها وكسوتها وإن لم يعين الطعام والكسوة وإذا استؤجرت للرضاع فلا تلزمها الحضانة إلا إذا نص عليها. وبشرط لصحة الإجارة للرضاع شروط:
الأول: رؤية الطفل المرتضع ولا يكفي وصفه لأن الرضاع يختلف باختلاف كبره وصغره ونهمته وقناعته.
الثاني: معرفة مدة الرضاع لأنه لا يمكن تقدير الرضاع إلا بالزمن فإن العمل وهو السقي لا يمكن تعيينه.
(3/127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الثالث: معروفة مكان الرضاع هل عند المرضعة أو في منزل المستأجر لأنه يختلف سهولة وصعوبة.
ويجب على المرضعة أن تأكل وتشرب ما بدر لبنها ويصلح لبنها ويصلح به، وللمستأجر أن يطالبها بذلك كما يجب عليها أن تجتنب كل ما يضر بالصبي.
ويجوز للمسلمة أن ترضع الطفل الكتابي بالأجرة، وهل لها أن ترضع المجوسي (الوثني) خلاف.
ومنها: أنه يجوز استئجار الدابة بعلفها أو بأجر معين مع علفها بشرط صاحب الدابة ذلك، مع بيان نوع العلف أو فول أو نحوهما وكقدح وهكذا. وبعضهم يقول يصح مطلقاً من غير بيان.
ومنها: أنه يجوز استئجار الدابة (المولودة) فيجوز لها أن تأخذ الأجرة على ذلك. ولو من غير شرط.
ومنها: أنه يجوز الإجارة على حصد الزرع بجزء مشاع منه كربعه وخمسه وهكذا كما تجوز الإجارة على جني النخل بجزء من ثمره، أما نفض الزيتون (هزه) ببعض ما يتساقط منه فإنه لا يصح لجهل بالباقي وللعامل أجر مثله.
أما جني الزيتون كله بجزءمشاع كسدسسه مثلاً فإنه يصح.
ومنها إجارة الوقف فإنها تصح لأن منافع الوقف مملوكة للوقوف عليه، ثم إن كان المؤجر ناظراً بأصل الاستحقاق بمعنى أن الواقف لم يعين ناظراً بل وقف على شخص، وعلى هذا يكون ذلك الشخص الموقوف عليه نظراً للوقف إذا لم يشترط ناظراً يكون المستحق هو للناظر، فإن كان ذلك، فإن الأجرة تبطل بموته.
وإذا كان المستأجر قد دفع أجرة مقدماً فإنه يأخذها من تركه المؤجر، أما إذا كان المؤجر ناظراً بشرط الواقف، فإن الإجارة لا تفسخ بموته، ويشترط أن تكون مدة الإجارة معلومة في الوقف وفي الملك، كما يشترط أيضاً أن بغلب على الطن بقاء العين سليمة في مدة الإجارة وإن طالت، حتى ولو كان المتعاقدان أو أحدهما مرمان يظن موتهما قبل انقضاء مدة الإجارة ولا فرق في ذلك بين الملك والوقف.
ومنها: أنه يصح تأجير العين مضافة إلى الزمان المستقل، فإذا أجرت أرضاً في سنة أربع تبتدئ سنة خمس فإنه يصح سواء كانت العين مشغولة وقت العقد برهن أو إجارة أو لم تكن مشغولة ما دام يمكن تسليمها وقت زمن الإجارة.
وإذا كانت الأرض مشغولة ببناء أو بغرس شجر للغير ونحو ذلك مما لا يمكن إخلاء الأرض منه فإنه لا يصح تأجيرها إلا بإذن صاحب البناء أو الشجر، فإن كانت مشغولة ببنات لا يدوم أو
(3/128)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بمنقولات يمكن إخلاؤها منها كاجرن أو أثاث المنازل فإنه يصح تأجيرها مطلقاً. هذا والمنافع التي لحدثها المستأجر على العين تكون مملوكة له.
ومنها: أنه يص للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها لغيره لأن المنفعة أصبحت مملوكة له فيجوز أن يستوفيها بنفسه، أو بنائه، بشرط أن يكون مثله أو أقل منه في استعمال تلك العين. فإذا استأجر منزلاً ليسكن فيه فإنه لا يصح له أن يؤجره لحداد (أو صباغ) أو نحو ذلكويصح تأجير العين لمؤجرها بأجرة زائدة أو أقل أو مساوية.
فإذا استأجر زيد من عمرو داراً فلزيد أن يؤجرها لعمرو صاحبها بهذه العشرة أو بأزيد منها، أو بأقل. بشرط أن لا يكون الغرض التحابل على الربا كأن يؤجره منه بعشرة لأجل، ثم ستأجرها منه بخمسة مقبوضة كبيع العينة المتقدم في كتاب البيوع، فإن ذلك لا يصح هنا.
ومنها: أنه يجوز أخذ الأجرة على الحمام، كما تقدم في الشروط وما يأخذه الحمامي يكون أجرة السطل والمئزر والمكان ويدخل الماء تبعاً لأنه لا يصح إجارة الماء استقلالاً، ويحرم على من يدخل الحمام أن يستعمل ماء أكثر من العادة ولا يلزم تعيين الأجرة فيه كغيره من المباحات المتعارفة كركوب السفينة وحلق الرأس ونحو ذلك فإنه لا يلزم فيه تعيين الأجر كما تقدم.
ومنها: إجارة الحلي فإنها بأجرة من جنسه ومن غير جنسه.
القسم الثاني: مالا تصح إجارته وهو ماخالف الشروط المتقدمة، وبقيت أمور:
منها: أن يقول للخياط إن خطت الثوب فلك درهم وإن خطته غداً فلك نصفه لأنه لا جزم بشيء فيوجد التنازع بخلاف ما إذا استأجر سيارة أو دابة على إن ردّه اليوم بخمسة وإن ردّه غداً فبعشرة، فإن ذلك يجوز لأنه عين لكل زمن عرضاً فلا جهالة فيه ولا نزاع.
ومنها: أنه لا يجوز إجارة عين إلا بخمسة شروط:
الأولى: أن يقع التعاقد على نفع العين الذي يمكن اسيفاؤه دون إجزاء تلك العين فلا تصح إجارة الطعام للأكل لأن الانتفاع إنما هو باستهلاك أجزاء الطعام لا بشيء آخر ومثله إجارة الشمع ليوقده لأنه يستهلك نفس العين. وكذا إجارة حيوان يأخذ لبنه أو صوفه أو يره فإنه لا يصح لأن المنفعة لا تقع إلا باستهلاك نفس العين المتولدة من الحيوان وإنما صح تأجير المرضعة لأنها يحصل منها عمل كوضع الثدي في فم المرضع وإمساكه بين يديها واحتمال ما يترتب على إرضاعه من ألم في بعض الأحيان ونحو ذلك فهي مستأجرة لهه المنافع واللبن غير معقود عليه مستقلاً وأيضاً فإنه أجير لحاجة الناس إليه ضرورة وكذا لا يصح استئجار شجرة لأخذ تمرها ونحو ذلك.
الشرط الثاني: معرفة العين المؤجرة بروؤية إن كانت لا تضبط بالصفات كالدار والحمام. فمن أراد أن يستأجر داراً فلا تصح إجارتها إلا بعد معلينتها، ومثلها الحمام.
أما إن كانت العين يمكن ضبطها بالصفات فإنه يصح تأجيرها بدون رؤية كالأراضي الزراعية فإنه
(3/129)

- مبحث ما يضمنه العامل إذا تلف وما لا يضمنه
-وإذا استأجر شخص عاملاً من العمال ليخيط له ثوباً أو يصبغه، أو يبيني له داراً أو يخبز لخ خبزاً أو نحو ذلك فأفسد العامل الثوب أو حرق الخبز أو أخل البناء فهل يلومه الضمان ويدفع تعويض ما أفسده أو لا ذلك تفصيل المذاهب (1) .
__________
يكتفي فيها بوصفها وذكر حدودها ونحو ذلك. وهل يصح إجارة الحمام مطلقاً أو تصح مع الكراهة والجواب أن الكراهة فيه تنزيهية.
الشرط الثالث: القدرة على التسليم فلا تصح إجارة الحمل الشارد كما لا يصح بيعه ولا إجارة مشاع لغير شريكه لأنه لا يقدر على تسليمه إلا أن يؤجر الشريكان معاً أو يؤجر أحدهما بإذن الآخر.
الشرط الرابع: اشتمالها على المنفعة المعقودة عليها، فلا تصح إجارة عين لغرض من الأرغاض وهو غير موجود فيها، فلا تصح إجارة الأخرس ليعلم العلم، وذلك ظاهر.
الشرط الخامس: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونا له فيها كالبيع.
ومن الأشياء التي لا تصح إجارتها ذكور الحيوانات التي تستأجر لإحبال إناثها، فلا يحل استئجار ثور ليحبل بقرة، ولا حملاً ليحبل ناقة، وهكذا لأن المقصود من ذلك إنما هو منيه وهو محرم لا قيمة له فلا يصح الاستئجار عليه فإذا احتاج شخص إلى ذلك ولم يجد من يعطيه فإنه يصح له فإنه يصح له أن بدفع الأجرة ويكون الإثم على من أخذها ولكن لا بأس أن يدفع هدية بعد العمل بدون تعاقد ومنها لأنه لا تصح الإجارة على فعل قربة إلى الله تعالى كالحج والصلاة والآذان والإقامة وتعلين القرآن والفقه والحديث وإنما يصح الأخذ عليه على أنه جعالة لا أجراً كما يجوز أخذه بلا شرط على أنه يصح الوقف على الطاعات التي يتعدى نفعها للغير كالآذان وتعليم القرآن ونحوه والإمامة والقضاء والفتيا فيجوز لمن يقوم بهذه المصالح أن يأخذ الموقوف عليه من ذلك كما يجوز له أن يأخذ مرتباً عليها (رزقا) لا بعنوان كونه أجرا ولا يخرجه أخذ ذلك عن كونه قربة.
ولا يصح أن يصلي أحد عن آخر فرضاً ولا نافلة في حياته وبعد مماته وتصح الإجارة على تعليم الخط والحساب والشعر المباح وشبهة كما تصح الإجارة على خدمة المساجد.
وأما القسم الثالث المكروه فهو إجارة الحجام فإنها وإن كانت صحيحة إلا أنه يكره الأكل من كسبه.

(1) الحنفية - قالوا العامل الأجير ينقسم إلى قسمين: مشترك، وخاص. فالمشترك هو الذي لا يجب عليه أن يختص بواحد سواء عمل لغيره أو لا.
ومثال الأول: الخياط الذي يقبل الثياب لخياطها من أشخاص كثيرين والنجار والحداد الذين يعملون في دكاكينهم.
(3/130)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومثال الثاني: أن يعمل واحد من الصناع في منزل الآخر عملاً غير مؤقت كما استأجر شخص نجاراً ليعمل له شبابيك في داره بدون أن يجعل له أجرة يومية فإن النجار في هذه الحالة لا يجب عليه أن يختص به بل له عملاً لغيره وإن لم يعمل (ويسمى هذا العمل مقاولة)
وأما الخاص (ويسمى أجير وحده - بسكون الحاء وفتحها - مأخوذة من الوحد بمعنى الوحيد) فهو الذي يجب عليه أن لا يعمل لغيره من استأجره وذلك كالأجير اليومي الذي له أدرة يومية فإنه لا يصح أن يشغل وفته بشيء غير العمل المستأجرة فلو استأجر بجاراً شهراً على أن يعمل شبابيك وأبواب لا يصح للنجار أن يقبل عملاً آخر من غيره حلال هذا الشهر سواء شرط عليه أن لا يعمل لغيره أو لم يشترط ولكن الأولى أن ينص على ذلك في العقد فيقول لع اعمل لي خاصة ولا تعمل لغيري.
وحكم الأجير المشترك أن فيما هلك في يده تفصيلاً وذلك لأنه إما أن يهلك بفعله أو بفعل غيره فإن هلك بفعله فإنه يضمنه سواء كان معتدياً أو لا فإذا أعطى شخص ثياباً لخياط كي يخيطها له فاستعملها الخياط لنفسه فاتلفها عمداً أو فصلها فأخطأها في تفصيلها فأفسدها فإنه يلزم بها اتفاقاً ومثل ذلك ما إذا دق الثوب حال الصباغة فأتلفه فالصانع الذي يتلف المصنوع فيه عليه ضمانه لأنه مسؤول عن اتقان صنعته عذراً له.
وإذا هلك بفعل غيره فإن كان يمكن العامل أن يتحرز عن الهلاك ثم قصر فإنه يضمنه كذلك كما إذا كان يمكنه أن يضع الثياب في صندوق فأهملها ووضعها في مكان غير مكان حصين فأصابها زيت فأفسدها أو عبث الصبيان أو سرقت. أما إذا لم يمكنه الاحتراز كما إذا وضعتها في مكان حصين ثم حرقت بالقضاء والقدر أو سرقت فإن ذلك خلافاً. وبعضهم يقول: يضمن مطلقاً سواء كان معروفاً بالصلاح أو لا. وبعضهم يقول: لا يضمن مطلقاً. وبعضهم يقول: إن كلن معروفاً بالصلاح لا يضمن وإن اكن معروفاً بضده ضمن فإن كان مستور الحال فعليه نصف القيمة صلحاً. وبعضهم أفتى بالصلح على نصف القيمة لا فرق بين المعروف بالصلاح وغيره.
هذا ولا يضمن الآدمي فلو استأجر شخص دابة وركبها وأمر صاحبه تسوقها فسقط من عليها أثناء سيرها فأصابه كسر أو رضوض أو غيره فإنه لا شيء على صاحب الدابة وذلك لأنة الآدمي إنما يضمن بالجناية عليه ولا جناية هنا لأنه أذن صاحب الدابة ومثل ذلك ما إذا ركب ركب في سفينة فغرق.
وكذا إذا مات من عمل الطبيب بشرط أن لا يتجاوز المرضع المعتاد وأن يكون قد احتاط لعمله كل الاحتياط المعروف عادة فإن ترك شيئاً من ذلك فأتلف عضواً للمريض أو أماته بسبب ذلك فإن على الاحتياط المقصر الضمان فيلزمه أن يدفع دية العضو الذي أفسده كاملة إذا برئ المريض. ويدفع نصفها إذا هلك وسبب ذلك أنه في الحالة الأولى قد أفسد عضواً كاملاً فعليه ديته كاملة وفي الحالة الثانية أتلف نفساً بسببين:
أحدهما: مأذون فيه وهو إجراء العملية للمريض.
(3/131)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والثاني: غير مأذون فيه وهو تجاوز المحل المعتاد وعدم الحيطة فلهذا كان عليه النصف.
أما حكم الأجير الخاص (وهو ما أجره شخص واحد ليعمل له ولا يعمل لغيره) فإنه لا يضمن هلك في يده بغير صنعته بلا خلاف إلا إذا تعمد الفساد.
وأما ما هلك بعمله هو فإن كان مأذوناً فيه ضمنه فإذا أمر النجار أن يعمل في هذا الشباك فتركه وعمل في باب فأفسده كان عليه ضمانه لأنه غير مأذون فيه وقد يكون الأجير الخاص مستأجراً لاثنين أو أكثر كما استأجر جماعة راعياً ليرعى لهم أغنامهم مدة شهر بحيث لا يعمل لغيرهم فإنه في هذه الحالة يكون أجيراً خاصاً لا أجير (وحده) وهو في هذه الحالة يضمن ما فسد بعمله فإذا ساق الغنم فنطح بعضها بعضاً أو وطئ كبيرها صغيرها فكسره أو قتله كان ضامناً.
ومن هذا تعلم أن لاضمان على المرضعة إذا ضاع الولد من يدها أو سرق ما عليه من الحلي إذا كانت ترضعه في بيت أهله لأنها تكون في هذه الحالة أجير وحد. أما إذا أخذته في بيتها كانت ضامنة له مسؤولة عنه.
ومثلها حارس السوق وحافظ (العمارة) فإنه يضمن ولكن يشترط في عدم ضمانه أن لا يكون مفرطاً فإذا كسر القفل وهو نائم أو ترك الباب مفتوحاً ونام بعيداً منه كان مفرطاً عليه ضمان ما فقد بخلاف ما إذا تسلق اللص الجدار أو نقبه أو نحو ذلك فإن الحارس لا يكون ضامناً في هذه الحالة وإذا بنى المستأجر (كانوناً أو فرناً) في الدار المستأجرة بسببها الجيران
أو المنزل فإنه لا ضمان عليه إلا إذا ثبت أنه تجاوز الحد في إشغال النار أو قد ناراً لا يوقد مثلها عادة.
وإذا انقلبت شاة من راعي الغنم، وخاف أنه إذا تبعها يضيع الباقي فإنه لا يتبعها ولا ضمان عليه في ضياعها.
وها هنا أمور:
أحدهما: إذا تلف المؤجر والمستأجر، كان القول لمن يشهد له الظاهر فلو باع شجراً به ثمر واختلفا في الثمر فالقول قول من يده الثمر مع يمينه.
ومثل ذلك ما إذا استأجر خادماً شهراً، ثم ادعى أنه مرض مدة في أثنائه فلم يؤد الخدمة المطلوبة منه، فإنه إذا وجدت أمارات تدل على ذلك فيصدق وإلا فلا.
ثانيهما: إذا استأجر أرضاً للزراعة، فغرقت قبل أن يزرعها، أو لم يصبها الماء فلا أجر عليه، أما إذا زرعها فأصابت الزرع آفة فأهلكته، فقيل يجب عليه الأجر، وقيل لا، والمعتمد أنه إذا لم يتمكن من زرعها مرة أخرى في مدته، ولو كانت من نوع أقل فإنه يجب عليه الأجر، وإلا فإنه يرفع عنه الأجر من وقت ما أضيب الزرع ويدفع المدة التي قبله.
(3/132)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثالثهما: عمل الأجير يضاف إلى أستاذه، فإذا تلف صبي النجار شيئاً كان المسؤول عنه النجار إلا إذا تعمد الأجير إفساده، فإنه يكون مسؤولاً عنه هو.
المالكية - قالوا: الأصل فيمن استولى على شيء بإجارة أو كراء أن يكون أميناً ولا ضمان على الأمين فيما يتلف أو يضيع منه بشرط أن لا يتعدى على ما بيده أو يهمل في صيانته ويصدق في دعوى التلف أو الضياع سواء كان بيده من الأشياء التي إخفاؤها بسهولة كالجمال والبقر ونحوها. ويعبرون عنها بما لا يعاب عليه أو كان من الأشياء التي يمكن إخفاؤها كالنقود والثياب ونحوهما ويعبرون عنها بما عليه يغاب ويستثنى من هذه القاعدة أمران:
أحدهما: الأكرياء على حمل الطعام والشراب بخصوصه.
ثانيهما: الصناع فأما الأرباء كالحمالين (اليالين والعربجية ونحوهم) فإنهم يضمنون ما تلف منهم أو ضاع من الطعام خاصة كالقمح والأرز والعسل والسمن والفواكه الرطبة والجافة. وغير ذلك من كل ما يؤكل. وكذلك ما يشرب كزجاج (الشربات) ونحوها وذلك لأن الطمع في مثل هذه الأشياء كثير والأيدي تكتد إليها فمن المصلحة أن يضمنها الحمالون صيانة الأموال الناس، إنما يضمنون بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون التلف أو الهلاك حاصلاً بسببهم. كما إذا فعل أحدهم في حفظها بأن ربطها بحبل واهن فانقطع الحبل فانكسرت، أو طرحها بعنف فسقطت فانكسرت أو نحو ذلك.
أما إذا حصل ذلك لأسباب قهرية رجله أو رجل دابته فانكسر الإناء وتلف ما فيه من سمن أو عسل أو غيرهما فإنه لا يضمن إلا إذا ساق دابته بشدة غير معتادة أو سار سيراً غير معتاد فإنه في هذه الحالة يكون متسبباً فعليه الضمان.
الشرط الثاني: أن لا يكون صاحب الطعام المحمول معه أجر حمالاً ليحمل له فاكهة وصاحبه في سيره إلى منزله فتلفت الفاكهة فإنه لا يكون مسؤولاً عنها في هذه الحالة لأنه لم يسلمها للحمال ويتركه وشأنه بل لازمه في سيرها وحفظها. فلا ضمان على الحمال سواء كان حاملاً على سفينة أو دابة أو عربة أو كان حاملاً بنفسه.
وأما الصناع فإنهم يضمنون ما يتعلق بهم فالخياط مثلاً يضمن الثياب التي يخيطها ولا يضمن ما توضع فيه (كالبقجة) . فإذا ضاعت أو تلفت البقجة (وتسمى - بخشة - بضم الباء وسكون الخاء) فإنه لا يضمنها. والحداد يضمن السكين التي يصلحها ولا يضمن قرابها التي توضع فيه. وبعضهم يقول: إنه يضمن هذه الأشياء إذا كانت تلزم للأشياء المصنوعة. مثال ذلك: إذا كان مستأجر لينسخ كتاب فإنه يضمن هذه النسخة التي ينقل منها لأنها لازمة لا بد منها. فإذا كان قراب السيف لازماً للصنعة فإنه يضمنه وهو أحسن من الأول. والنساج يضمن الغزل الذي ينسجه. والنحاس يضمن المحاس الذي يصنعه. والطحان يضمن الحب الذي يطحنه. وصاحب المعصرة يضمن السمسم أو
(3/133)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بذر الخس أو الزيتون الذي يعصره، وهلم جرا. وقد عرفت أن الصناع أجراء وقد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم الضمان عن الأجراء. ولكن العلماء استثنوا الصناع فحكموا بضمانهما اجتهاد لضرورة الناس وفقد العمال. فلو لم يضمنوا لسها عليهم التصرف فيما تحت أيديهم بدعوى أنهم هلك منهم. وفي ذلك ضرر عظبم يعود عليهم وعلى الناس، لأن تبديد سلع الناس يوجب الثقة بهم وانصرف الناس عنهم. فتتعطل مطالع الناس العاطلون من الصياغ. وفي ذلك ضرر عظيم على الأمم. فمصالح الناس وضيانة أموالهم تقضي بتضمين العمال وكثيراً ما يبني مالك مذهبه على المصالح العامة في مثل هذه الأحوال للضرورة.
أما ما نقله بعضهم من أن مالكاً ينظر إلى المصلحة مهما ترتب عليها من ارتكاب المحظور حتى أجلز قتل ثلث الناس لإصلاح الثلثين فهو مكذوب على المالك رضي اله عنه. فإن الشريعة قد جعلت للناس حدوداً يقفون عندها، وجعلت للجناية عقوبات خاصة. فمن سببت عليه جناية ينال جزاءها. وبذلك ينصلح الناس، وتستقيم أحوالهم. أما ذلك القول الهراء، فإنه يفتح باب الشر على مصراعيه، ويجعل للظلمة سبيل على الأبرياء فيسفكون الدماء بحجة أن فيه إصلاح للناس وأي مجتهد يجرئ على تقرير تلك القاعدة الفاسدة، ولذا قال بعض أئمة المالكية لا يصح أن يسطر هذا في الكتب فإنه لا يوافق شيئاً من القواعد الشرعية. ومن ذلك ما قاله من أن الناس إذا كانوا في مركب وسقلت بهم فإنهم يقترعون على من يلقي منهم في البحر بنجات الباقين فإن ذلك ليس بصحيح فإنه لا معنى لإزهاق روح إنسان من أجل حياة مثله فلا يصح أن يرمي آدمي في البحر لنجات الباقين ولو ذمياً.
وإنما يضمن الصانع ما تحت يده بشروط:
الشرط الأول: أن ينصب نفسه للصنعة لعموم الناس، كأن يجعل له محل خاصاً يتقبل فيه مصنوعات الناس - لافرق في ذلك بين أن يعمل في دكان بالسوق أو يعمل في داره - فإن لم ينصب نفسه للصنعة ولم يجعلها سبب معاشه كنجار ترك صنع النجارة واشتغل بالزراعة ثم عمل لشخص بخصوصه أو عمل لجماعة بخصوصهم فإنه لا ضمان عليه فيما تلف أو هلك من صنعته سواء استلم المتاع ليعمل في داره أو عمله بمنزل صاحبه.
الشرط الثاني: أن يستلم المتاع ليعمل في دكانه فإن أفسده أو أضاعه ليكون عليه ضمانه حتى لو كان صاحبه حاضرا معه أما إذا لم يستلم
بل عمله في منزل صاحبه فإنه لا يضمنه.
الشرط الثالث: أن لا تقوم البينة على أن المتاع قد ضاع منه قهراً بدون تفريط ولا تضييع، فإذا قامت البينة على ذلك فإنهم لا يضمنون وقيل عليهم الضمان مطلقاً حتى ولو قامت البينة على أنه ما أضاعوه هم بل ضاع قهراً والأول أصح.
ومثال ذلك الأعمال التي فيها خطورة طبيعية كثقب اللؤلؤ ونقش الفصوص وتقويم السيوف
(3/134)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
واحتراق الخبز عند الفران أو الثوب في قدر الصباغ وما أشبه ذلك فإن الصابع لا يضمنها إلا إذا تعدى أو عمل ما لا يلائم الصنعة غالياً فيضمن حينئذ ومن ذلك البيطار الذي يضع حدوة الدابة أو الفرس أو الخاتن الذي يختن الصبيان فيموتون بسبب ذلك، فإنه لا يضمن إلا إذا أهمل أو عمل خلاف الصنعة. كذلك الطبيب الذي يقوم بعملية الجراحة أو يضف دواء لا يلائم المريض فيترتب على عمله موته فإنه لا يضمن مادام قام بواجبه ولم يخطئ العلاج.
أما إذا أخطأ العلاج فوصف للمريض دواء لا يوصف لهذا المريض فقتله فإن كان من أهل المعرفة فإن دية المقتول تكون على عاقلة ذلك الطبيب وإن لم يكن من اهل المعرفة فإنه يعاقب.
وإذا شرط الصانع نفى الضمان فقال لصاحبه المتاع إنه لاضمان عليه إذا تلف او ضاع فلا ينفعه ذلك وقيل ينفعه ويعامل بذلك الشرط.
الشافعية - قالوا: المستولى على شيء بإجارة إما ان يكون مستاجراً او اجيراً (صانعاً) فأما المستأجر فإن حكمه حكم الأمين على الأصح فلا يضمن الشيء الذي استأجره إذا تلف أو ضاع فمن استأجر دابة فهلكت أو ثوباً فتلف فإنه لا يطالب بتعويض إلا إذا تعدى بأن استعملها استعمالاً غير عادي فلو ضرب الدابة فوق العادة أو كبح لجامها بعنف غير معتاد فترتب على ذلك هلاكها صار ضامناً لها وكذلك إذا أركبها أثقل منه وكذا إذا خملها زيادة على المتفق عليه إلا إذا كان صاحبها معه فإنه يضمن بقدر الزيادة التي زادها في هذه الحالة، وهل يضمن ما تلف من المنافع أولاً؟ الأصح أنه لا يضمن فمن استأجر دكاناً شهر مثلاً فلما انتهى الشهر تركها مفتوحة حتى مضى شهر آخر بدون أن ينتفع بها مالكها لا يطالب المستأجر بأجرة ذلك الشهر إلا إذا أغلقها ولم يخبر صاحبها.
وأما الأجير وهو الصابع فإنه لا يضمن ما هلك في يده بدون تعد إذا لم ينفرد بالمتاع بأن قعد معه صاحبه حتى عمله أو أحضره منزله ليعمل لأن المال غير مسلم إليه في الحقيقة وإنما المالك استعان به في عمله كما يستعين بالوكيل بلا خلاف. أما إذا انفرد بالعمل ففيه أقوال ثلاثة أظهرها أنه لا ضمان عليه أيضاً. وبعضهم يقول: إنه يضمن مطلقاً وبعضهم يقول: إنه يضمن إذا كان أجيراً مشتركاً وهو الذي يلتزم العمل في ذمته. أما الأجير الخاص وهو من أجر نفسه مدة معينة لعمل فإنه يضمن.
وإذا تلف المتاع أو ضاع بتعدي الأجير فإنه يضمنه مطلقاً قطعاً بلا خلاف ومن التعدي أن يزيد الخباز مثلاً في نار الفرن فيحترق الخبز فإنه يكون متعدياً بذلك.
أما إذا أوقدها بحسب المعتاد ولكن احترق الخبز بطبيعة العجين فإنه لا يضمن. ومن التعدي أيضاً أن يضرب المعلم تلميذه ضرباً يفضي به إلى الموت فإنه في هذه الحالة يضمن ومن التعدي أن يؤجر العامل لعمل فيعطيه لغيره ليعمله فيفسده فإنه يكون متعدياً بذلك فيضمن ويصدق يمبنه أنه ما تعدى إذا شهد خبيران بتعديه. ومن هذا يتضح أن الأجير لحفظ حانوت لا يضمن متاعها إذا سرق ومثله الخفراء والحراس.
الحنابلة - قالوا: الأجير ينقسم إلى قسمبن:
خاص ومشترك. فالأجير الخاص هو الذي تقدر
(3/135)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
منفعته بالزمن كأن يستأجره ليبني له حائطاً كل يوم بكذا أو يخيط له أثواباً وله في الشهر كذا وهو الذي يعرف الآن بالأجير (باليومية) أو (بالشهرية) .
والاجير المشترك هو الذى تقدر منفعته بالعمل كان يستاجره على ان يبنى له هذا المنزل وشبابيكه بكذا وهو المعروف فى زمننا بالاجير (بالمقاولة) ولا يختص بواحد بل يتقبل العمال من كثيرين.
وحكم الاجير الخاص انه لا يضمن ما أتلفه من الاشياء التى يعمل فيها إلا إذا تعمد الإتلاف او فرط فإنه يضمن حينئذ. وعليه ان يعمل للمستاجر فى كل الوقت الذى استاجرهفيه سوى زمن فعل الصلوات الخمس فى اوقاتها وصلاة الجمعة والعيدين فإنها لاتدخل فى العقد وإن لم ينص عليها وللمستاجر منعه من صلاة الجماعة إلا إذا اشترط انه لا يمنعه منها وليس للعامل ان ينيب عنه غيره لان الإجارة متعلقة بعينه ويستحق الاجير الخاص الاجرة بمجرد تسليم نفسه للعمل سواء عمل ام لم يعمل فى بيت المستاجر أو في بيت نفسه.
وإذا عمل الاجير الخاص عملاً لغير مستاجره فأضر به فإنه يلزم بقية ما أضاعه عليه من ذلك وإما حكم الاجير المشترك فإنه يضمن ما تلف من عمله ولو خطأ فلو خرق الصباغ الثوب من دقة أو مده او عصره فإن عليه قيمته كما إذا اخطا الخياط ففصل ثوب زيد على عمرو فإنه يضمنه. وكذا إذا عثر حماره فسقط ماعليه فانكسر فإنه يضمنه.
ومثل ذلك من إذا كان مستاجراً لحمل شيء على رأسه فعثرت رجله فأتلفه فإنه يضمنه وكذا إذا اتلف شيئاً بسبب سوق الدابة او إنقطاع الحبل الذى يشد به وغير ذلك.
لا يضمن الأجير المشترك مافقد بغير فعله إذا وضعه فى حرز مثله (فى محل حصين يوضع فيه مثله) فلو وضع الخياط الثياب فى (دولاب أو صندوق) ثم سرقة أو حرقت فلا شيء عليه. ولا اجرة للاجير المشترك فيما عمله وتلف قبل تسليمه سواء عمله فى بيت المستاجر أو فى بيته.
وكذا لا يضمن الطبيب المعروف بالحذق إذا لم يخطئ فى عمله بحسب المتبع عادة فلو عمل الطبيب للمريض عملية جراحية وقام بواجبه من الاحتياط الذى يجب ان يعمل فى مثله ولكن عرض ما ليس فى حسابه فقضى على حياة المريض فإنه لا شيء على الطبيب. ومثله الختان (الذي يطاهر الأولاد) والحجام والبيطري (الذى يعالج الحيوان أو يعمل له حدوة) فإنهم لا يضمنون شيئاً إذا عملوا الاحتياط التام الذى يجب أن يعمل فى مثل هذه الاحوال. فإن الطبيب ونحوه غير معروف بالحذق فى الصناعة مالناس الذين يدعون المعرفة بقطع (الباسور) أو (قطع العرق) أو (إزالة غشاوة العيون) أو نحو ذلك مع أنهم لم يدرسوا شيئاً من قواعد الطب فإنهم يضمنون كل ما بترتب من اعمالهم من الضرر. وإذا عمل الطبيب الحاذق عملية لصغير بدون إذن وليه فاصابه ضرر فإنه يضمن ولو يخطئ فإذا اذنه وليه فاخطا كان الطبيب ضامناً.
(3/136)

مبحث ما يفسخ به عقد الإجارة وما لا يفسخ
-عقد الإجارة اللازمة ولكنه يفسخ بأمور مفصلة في المذاهب (1) .
__________
وكذا لا يضمن الراعي ما يتلف من الماشية إلا إذا تعدى أو فرط في حفظها فإنه يضمن في هذه الحالة فإذا نام عنها فأكلها الذئب أو ضربها مفرطاً فهلكت أوز ضربها من غير حاجة أو عرضها للهلاك في موضع لا يصح أن يمشي بها فيه يضمن في ذلك.
وكذا لا يضمن المستأجر العين التي تلفت في يده بغير تعد ولا تفريط فمن استأجر حمارة فهلكت في يده بدون أن يضربها ضرباً مبرحاً أو يفرط في حفظها فلا ضمان عليه. والقول قوله، في عدم التعدي بيمينه.
وإذا أحرق المستأجر حطباً أو نحوه فاحتملها الريح إلى أرض الغير فأحرقت منها شيئاً فلا ضمان عليه وكذلك المالك.
أما إذا سقى أرضه فأثر ذلك الماء في أرض الغير فأفسده منها شيئاً فإنه يضمن لأنه في هذه الحالة يكون مباشراً لا متسبباً فعليه الضمان.
وإذا اغتصب شخص من آخر داره فقال له: اخل لي داري وإلا فعليك بعشرين جنيهاً في كل شهر أو أكثر أو أقل فإن لم يخلها لزمته بالأجرة المذكورة إلا إذا أنكر الغاصب الملكية فإنه في هذه الحالة لا يكون راضياً بالإجارة فإذا ثبتت الملكية لغير فإنه يلزم بأجر المثل.

(1) (الحنفية - قالوا: يفسخ عند الإجارة بأمور:
أحدهما: أن يكون للمتعاقدين أو لأحدهما خيار الشرط كما تقدم في البيع لأن الإجارة بيع المنافع فهي قسم من أقسام البيع فإذا أستأجر شخص داراً من الأخر على أن له الخيار ثلاثة أيام وهى مدة الخيار فله أن يفسخ العقد قبل مضي هذه المدة بشرط أن يعلم المالك بذلك على الأصح فإن كان الملك غائباً ولم يعلم بالفسخ فإنه لا ينفذ.
ثانيها: خيار الرؤية فلو أستأجر أراضي زراعية مي جهات متعددة ثم رأى بعضها فله أن يفسخ الإجارو في الكل ولا يتوقف الفسخ على رضاء المالك وعلى القضاء في خيار الشرط وخيار الرؤية فمتى فسخ المستأجر العقد وأعلن المالك با لفسخ فإنه ينفذ وليس للمالك الخيار إلا ذا اشترطه.
أما في حال عدم الرؤية فإن العقد يكون لازماً فب حق المالك وإن لم يكن لازماً في حق المستأجر.
ثالثها: خيار العيب فإذا أستأجر شخص داراً أو أرضاً زراعية أو دابة أو غير ذلك وكان بها عيب فإن للمستأجر أن يفسخ العقد ولا ينفسخ العقد بنفسه بل لابد من أن يفسخه الستأجر سواء كان له خيار الشرط أو خيار الرؤية أو خيار العيب فإذا علم بالعيب قبل العقد فإنه لا خيار له لرضائه به.
(3/137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثم أن العيب يكون على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يحدث في العين المستأجرة بدون أن يكون له تأثير في المنفعة مطلقاً مما إذا استاجر داراً فسقطت منها حائط لاتضر بالسكنى ولا تقتل الانتفاع أو أستأجرجملاً ليحمل عليه فذهبت إحدى عينه وحكم هذا العيب أنه لا يثبت به الخيار للمستأجر لأن العقد في الحقيقة وارد على المنفعة دون العين وهي في هذه الحالة لم ينقص منها شيء.
الوجه الثاني: أن يكون له تأثير في المنفعة كلها بحيث لا يمكن لمستأجر أن ينتفع بهذه العين في الرغض الذي ايتأجرها من أجله كما استأجرها من أجله كما إذا استأجر داراً فانهدمت. وحكم هذا أن الأجرة تسقط من سقوط الدار ولكن لا يفسخ العقد إلا إذا فسخه المستأجر لأنه أن ينتفع بالأرض ولا يشترط في الفسخ حضور المالك ولا رضاه.
ومثل ذلك ما استأجر أرضاً زراعية فانقطع الماء الذي تروي به حتو لو كانت تروى بالمطر فانقطع فإنه في هذه الحالة لا أجرة على المستأجر وله فسخ العقد بدون حضور المالك، وإذا وجد ماء يكفي لري بعضها فقط فإنه لا يسقط خيار المستأجر، بل هو مخير في أن يفسخ العقد جميعه أو يأخذ ما روي بحسابه، وإذا انقطع الماء ولكن كان يرجى عودته فإنه لا خيار للمستأجر وكذا إذا قل الماء.
الوجه الثالث: أن يكون للعيب تأثير في بعض المنفعة بحيث يقلل الانتفاع ولا يفوته كما إذا استأجر رجلاً للخدمة فمرض مرضاً ينقص من عمله فالمستأجر بالخيار، إن شاء أمضى العقد، وإن شاء فسخه، فإن لم يفسخ العقد ومضت المدة فإن عليه الأجرة كلها.
فإذا استأجر شيئاً حدث به عيب يمكن إزالته كسد بالوعة دورة المياه ونحوها، وأزاله المالك فلا خيار للمستأجر، فإن أزاله بلا إذن المالك كان متبرعاً ليس له حق في مطالبة المالك به.
فإن انتهت مدة الإجارة كان له قلعه إذا كان بعد القلع ينتفع به، كما إذا بنى حائطاً باللبن المحروق أو الحجارة فإن له نقضها وأخذها لينتفع بها.
وأما إذا كان بعد الهمد لا ينتفع به فليس له قلعة في هذه الحالة سفه غير مفيد وخير للمستأجر أن يترطه للمالك ينتفع به.
هذا ولا يجبر المالك على إصلاح الخلل الذي يحدث في ملكه فإن أبى الإصلاح فالمستأجر بالخيار، إما أن يبقى أو يخرج من الدار إلا إذا كان عالماً بذلك الخلل قبل العقد فإنه ليس له أن يخرج في هذه الحالة لأن علمه به قبل العقد يسقط خياره كما تقدم.
(3/138)