Advertisement

الفقه على المذاهب الأربعة 006



الكتاب: الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري (المتوفى: 1360هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الثانية، 1424 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا كانت الدار وقفاً فإن الناظر يجبر على إزالة الخلل لأن ترك الخلل ضار بملحة الوقف والناظر ملزم بمراعاة مصلحة الوقف.
ومن هذا يتضح أن على المالك إصلاح المنازل المملوكة كإصلاح بالوعة الماء (والخزانات الخاصة بدورات المياه) وعليه تفريغها (كمسحها) حتى لو امتلأت من المستأجر لأن ما يوجد بهذه الأشياء يكون منه قبل تسليمها إلا إذا اقتضى العرف أن يكون تفريغها على المستأجر إخراج الرماد والتراب مطلقاً، سواء في الحمام أو غيره إلا إذا كان التراب موجوداً من قبل، فليس على المستأجر إخراجه وإن اختلفا فيه فالقول للمستأجر.
رابعها: أن يستأجر شخص آخر على عمل قد يترتب على تنفيذ العقد ضرر بسببه في نفس المستأجر، أو ماله. ولذلك أمثلة:
منها: أنة يستأجر طبيباً لبتر عضو من أعضائه لوجود آلام به. ثم عدل عن هذا فإن له العدول سواء سكن الألم أو لم يسكن لأن إزالة العضو في ظاهر الأمر ضرر والشخص أمين على نفسه فربما سكن الألم وسلم العضو فيكون إزالته ضرراً حقيقياً.
ومنها: أن يستأجر طباخاً ليطبخ له وليمة عرسه ثم عدل فليس للطباخ أن يطالبه بتنفيذ عقد الإجارة لأنه قد يترتب على تنفيذ العقد خسارة المواد التي يعمل فيها من اللحم والسمن ونحو ذلك فليس للطباخ أن يطالب بتنفيذ عقد الإجارة، ولا يشترط أن يوجد سبب ظاهر للعدول سوى ذلك كطلاق العروس أو موتها كما لا يشترط زوال الألم في مثال الأول بل مجرد احتمال الخسارة كاف في عدم لزوم عقد الإجارة.
ومنها: أن يستأجر عمالاً لهدم منزل ليجدد بدله ثم عدل عن ذلك فليس لهم المطالبة بتنفيذ العقد لأن الهدم يترتب عليه ضياع مال.
ومنها: أن يستأجر خياطاً ليخيط له أثواباً ثم عدل لأنه قد يترتب على تمزيقها (تفصيلها) وخياطتها خسارة إذ ربما يكون قد استغنى عن لبسها أو لا حاجة له إليها فليس للخياط أن يطالب بتنفيذ العقد.
ومثل ذلك: ما إذا ترتب على تنفيذ العقد استهلاك عين، كما إذا استأجر شخص آخر ليكتب له كتاباً على ورق اشتراه أو يطبعه له فإن له أن يعدل لأن تنفيذ العقد يترتب عليه ضياع الورق.
وذلك نظير ما مر في في المزارعة من أن لصاحب البذر الحق في الفسخ العامل لما يترتب على تنفيذ العقد من خسارة بذره. وإذا ترتب على فسخ العقد ضرر العامل أو صاحب الأرض فإنه يرجع فيه للعرف.
خامسها: أن يوجد للمالك يضطره إلى بيع العين المستأجرة ولذلك أمثلة:
(3/139)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن يكون المالك مديناً ولا مال يسد منه دينه سوى هذه العين فإن له أن يبيعها، ويفسخ الإجارة وثبت الدين بإقرار المالك، كما إذا أقر لشخص بأن عليه ديناً، وحل موعده فإن له أن يفسخ عقد الإجارة أو بعده؟
والجواب: أنه لا يلزم ذلك بل لو أقر لشخص بدين العقد يلزمه وتفسخ به الإجارة، ولا يقال إن الإقرار يتعلق بذمة المقر وحده وليس للغير حق فيه فيعامل به.
وللدائن ملك المدين فتعديه للمستأجر غير مقصود على أنه يشترط أن يكون فسخ العقد بالقضاء، فلا يصح للمالك أن يبيع داره المستأجرة ليسدد دينه المقر به إلا إذا فسخ العقد القاضي على الصحيح ومتى كان الفسخ بالقضاء فإن الإقرار بالدين يكون عذراً واضحاً لا خفاء فيه.
ومن هذا تعلم أن كل عذر خفي لا يصح أن يكون سبباً لفسخ عقد الإجارة إلا إذا فسخ به القاضي.
وأما الأعذار الواضحة فإنه لا يشترط فيها القضاء على الصحيح، وذلك كما إذا كان على المالك دين ثابت بطريق رسمي كالديوان المسجلة المعروفة بين الناس فإن له في هذه الحالة الفسخ بدون قضاء، وإنما يكون لح حق بيع العين لسداد الدين إذا لم يكن قبض أجرة معجلة تستغرق كل ثمنها ولا يزيد منها شيء يسد الدين، فإن كانت الأجرة المعجلة تستغرق كل ثمنها، فلا تفسخ الإجارة، ولا تباع العين.
أما إذا كان ثمنها يزيد على قبضه معجلاً من المستأجر فإن له أن يبيعها وعليه أن يبدأ بسداد دين المستأجر وما فضل فلغيره من الدائنين. بقي ما إذا إذا أجر داراً لرجل ثم أقر هذه الدار ملك للغير فإنه في هذه الحالة لا يفسخ عقد الإجارة بل يقضي بالدار لمن أقر بها انقضاء مدة الإجارة.
ومن الأعذار الصحيحة لفسخ عقد الإجارة عدم القدرة على النفقة على نفسه أو أهله، فمن كانت داراً مستأجراً للغير، ثم أعسر ولم يجد ما ينفقه فإن له أن يفسخ الإجارة ويبيعها وهل القضاء شرطاً أو لا؟ المختار أن القاضي يحتم بنفاذ هذا البيع ويحصل بذلك فسخ عقد المستأجر فإذا باعها بغير إذنه فإن البيع يكون صحيحاً ولكنه لا ينفذ إلا بعد انقضاء مدة الإجارة بيعاً صحيحاً موقوفاً وليس للمستأجر أن يفسخه.
أما المشتري فقيل يملك الفسخ إذا علم مستأجر وقيل لا يملك ويالثاني أخذ المشايخ.
ومثل المؤجر المرهون فإنه لا يصح بيعه فإن بيعه بدون إذن الراهن يقع صحيحاً موقوفاً لا ينفذ حتى يسد الرهن.
(3/140)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومن الأعذار السفر فمن أراد أن يسافر من جهة إلى أخرى فإن له أن بفسخ الإجارة ومن ذلك ما إذا استأجر القروي داراً في المصر ثم أراد أن ينتقل إلى قريته فإن له فسخ العقد.
ومن الأعذار إفلاس المستأجر فإذا استأجر شخص من آخر دكاناً ليتجر فيه ثم أفلس له أن يفسخ عقد الإجارة. وأما إذا كسدت الدكان فليس له أن يفسخ بذلك.
وإذا أراد أن يترك التجارة في النوع الموجود في الدكان ويتجر في نوع آخر كما إذا كان يتجر في القماش فأراد أن يتجر في الطعام فإن له أن ينتقل من هذه الدكان إلى غيرها ويفسخ العقد بشرط أن لا تكون صالحة للعمل الذي يريد أن يعمله وإلا فلا.
ومنا أن يستأجر دابة ليسافر بها إلى جهة ثم بدا له أن لا يسلفر إلى هذه الجهة فإن له أن يفسخ العقد في هذه الحالة ولو في نصف الطريق ولصاحب الدابة الأجرة بنسبة المسافة التي قطعتها. وإذا اشترى دابة بعد استئجار دابة الغير فإن له أن يفسخ العقد أيضاً.
أما إذا استأجر داراً مدة ثم اشترى داراً فليس له أن يفسخ العقد لأنه يمكنه أن ينتفع بتأجير داره التي اشتراها بخلاف الدابة فإنه وإن كان يمكنه تأجيرها إلا أن استعمال الدابة يختلف باختلاف راكبها فقد لا يرغب
صاحبها في أن يركبها غيره أو قد يؤجرها لمن يركبها فيضرها كما تقدم.
وإذا استأجر شخص آخر ليسافر في خدمته يوجب فسخ عقد الإجارة بشرط أن يعقد الإجارة لنفسه لا لغيره. أما إذا عقدها لغيره فإن عقد لا ينفسخ بموته كما إذا وكل المالك شخصاً في تأجير داره التي يملكها ففعل ثم مات الوكيل فإن العقد لا ينفسخ لأن الوكيل وإن كان مباشراً للعقد لم يكن له بل لموكله الذي ينتفع بالأجرة فلا تنفسخ الإجارة إلا إذا مات المالك وكذا إذا وكل شخص آخر في أن يستأجر له منزلاً يسكنه ففعل ثم مات الوكيل فإن العقد لا ينفسخ. والحاصل أن عقد الإجارة لا يبطل بموت الوكيل سواء كان من طرف المؤجر أو المستأجر على الصحيح، وبعضهم
يقول إن موت وكيل المستأجر يوجب فسخ العقد لأن للموكل فهو بمنزلة المالك بمعنى أن الملك يثبت للوكيل بشراء أولاً ثم للمالك ثانياً وسواء صح أو لا فإن ملك الوكيل غير مستقر على أي حال فلا يصح أن يكون مالكاً بموته تبطل بموته الإجارة.
ومثل الوكيل الوصي ومتولي الوقف فإذا استأجر شخص من وصي القاصر أو وليه كالأب والجد أو من القاضي ثم مات القاشي المؤجر فإن الإجارة لا تفسخ مستحق الأجرة وهو القاصر باق موجود والمستحق عليه وهو المستأجر باق فلا تفسخ بموت مباشر العقد حتى ولو كان ناظر الوقف هو المستحق الوحيد الذي يملك كل الغلة فإنه إذا مات لا تفسخ الإجارة لأنه لا يملك العين الموقوفة على الصحيح.
(3/141)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا مات العاقدين الذي عقد لنفسه فإنها تنفسخ بدون حاجة إلى فسخ إلا لضرورة كأن مات المؤجر في موضع ليس به حاكم ولا قاض يرفع إليه. كما إذا استأجر شخص جملاً من آخر ليسافر به في الصحراء ثم مات المؤجر أثناء السير فإن الإجارة في هذه الحالة في هذه الحالة تبقى إلى أن ينتهي السير إلى مكان به قاض أو حاكم يرفع إليه الأمر للمستأجر نفسه أو لغيره حسب المصلحة.
أما إذا مات المستأجر أثناء الطريق فإنه يحسب عليه الأجر بنسبة المسافة التي قطعتها.
وإذا استأجر شخص من آخر داراً ثم مات المؤجر وبقي المستأجر في الدار فإن طالبه الورثة بالأجرة ثم سكن بعد المطالبة فإنه يلزم بها وإن طالبوه بها فإن كان المنزل معداً للاستغلال بأن بناه لذلك أو اشتراه لذلك أو بناه لسكناه م أخبر الناس بأنه أعداه للاستغلال فأنه يلزم بالأجرة وإلا فلا وبعضهم يقول إنه يقول إنه يكون معداً للاستغلال بتأجيره ثلاث سنين متوالية.
ومن هذا تعلم أن الموت لا يبطل الاعداد للاستغلال خلافاً لمن يقول ذلك ولا يفسخ عقد الإجارة بحنون أحد المتعاقدين ولو مطبقاً كما لا تفسخ بما يظهره المستأجر فيها من الفسق كشرب الخمر والزنا واللواط فإن ذلك ليس عذراً يجعل للمالك أو الجيران الحق في الفسخ وإنما لهم نهيه عن الخمر ورفع أمره للحاكم ليغروه حتى يكف عن الشر والفساد وإذا رأى الحاكم أنت يخرجه فإن له ذلك كما يفعله الناس في زماننا من الفساد في بيوتهم المسكونة لهم وسط جيران صالحين فإن لهؤلاء الجيران أن يخرجه أو يؤدبه.
المالكية - قالوا: ينفسخ عقد الإجارة بأمور: أحدها أن تتلف العين المتعلقة بها المنفعة المطلوبة بحيث لا يمكن للمستأجر أن يستوفيها كما إذا استأجر شخص من آخر داراً فانهدم أو اكترى فماتت فإن العقد في هذه الحالة ينفسخ لأن المستأجر لا يمكنه أن يستوفي المنفعة التي عقد أجلها:
ثانيها: أن يستأجر شخص آخر على قلع ضرس فيسكن ألم الضرس قبل أو على عملية جراحية فيزول عملها فإنه هذه الحالة ينفسخ العقد.
أما إذا لم يسكن الألم فإن المستأجر يلزمه دفع الأجرة وإن لم يعمل من غير أن يجبر على قلع ضرسه أو شق دمله مثلاً.
ثالثها: أن تغتصب الدار المستأجرة مثلاً أو تغتصب منفعتها ولا يمكن تخليصها من الغاصب بالحاكم أو بشيء آخر.
رابعها: أن يأمر الحاكم بإغلاق الدكاكين أو هدمها مثلاً فإن الإجارة تنفسخ بذلك.
خامسها: تنفسخ إجارة المرضع بظهور حملها أو حصول مرض لها لا تقدر معه على إرضاع الطفل كما تقدم.
سادسها: تنفسخ بمرض خادم عجز عن فعل ما استؤجر عليه فإن عوفي بعد ذلك قبل انقضاء
(3/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المدة فإن الإجارة تعود ويكمل باقي العمل. إذا استأجر دابة فمرضت ثم صحت أثناء المدة فإن الإجارة لا ترجع لما يلحق المستأجر من الضرر في السفر بالانتظار.
سابعها: تنفسخ الإجارة ببلوغ الصبي وهو رشيد وهذه المسألة على وجهين:
أحدهما: أن يؤجر الوصي نفسه للخدمة.
ثانيهما: أن يؤجر الوصي دار الصبي أو دابته أو نحوهما من الأشياء المملوكة له، فأما في المسألة الأولى فإن القاصر إذا بلغ وهو رشيد غير سفيه فإنه يصح له أن يفسخ الإجارة بشرط أن يؤجر الولي وهو يظن بلوغه في مدة الإجارة أو لا يظن شيئاً وفي هذه الحالة له أن بفسخ العقد متى بلغ رشيداً بقي من مدة الإجارة زمن كثير أو قليل.
أما إذا ظن عدم بلوغه في المدة فبلغ فيها فلا يخلو إما أن يكون الباقي منها بعد بلوفه أكثر من شهر أو شهر فأقل فإن كان الباقي منها أكثر من شهر فإن القاصر يخير في هذه الحالة وإن كان الباقي شهر فأقل فليس له الإجارة بل يازم بإتمام المدة لكونها قليلة لا يترتب عليها شيء من الضرر.
أما المسألة الثانية فإن له أن بفسخ العقد بالشرط الذي يذكر في المسألة الأولى وهو أن يؤجره داراه أو سلعته وهو يظن بلوغه في مدة الإجارة أو لا يظن شيئاً فإذا أجرها وهو يظن عدم بلوغه في تلك المدة فليس للقاصر فسخ العقد بعد بلوغه راشداً بقي من المدة زمن قليل على المعتمد وذلك هو الفرق بين المسألتين. وبعضهم يقول إنه لا فرق بينهما فإن له الفسخ إذا كانت المدة الباقية كثيرة لا يسيرة وقد علمت أن المعتمد الأول لأن الوصي له حق الخيار عند البلوغ. أما إذا ظن بلوغه أثناء المدة ثم أجرها زيادة عن المدة التي يظن بلوغه عندها كان للقاصر الخيار لأن الوصي قد تصرف قيما لا يصح لح أن يتصرف فيه.
أما إذا بلغ الصبي سفيهاً فلا خيار مطلقاً سواء بقي من الإجارة زمن كثير أو قليل.
ولا ينفسخ عقد الإجارة بإقرار المالك للغير بالعين المستأجرة فمن أجر داراً لشخص ثم أقر لآخر بأنه باعها له أو أجرها له قبل عقد الإجارة مع الثاني ولم يوافقه المستأجر الثاني ولا بينة له فإن الإجارة تستمر وليس له فسخها ويعمل لمن أقر بيعها قبل عقد الإجارة لزيد كان المشتري مخيراً بين فسخ البيع الذي أقر به المؤجر فيأخذ الثمن الذي أقر المالك أنه باع وإن كان أكثر من قيمة الدار أو يأخذ منه القيمة يوم البيع إن كانت أكثر من الثمن وإنما كان الخيار لأن المستأجر قد حال بين المبيع "وهي الدار وبين المقر له إذ بأخذ الأجرة التي أجر بها المالك قبل الاقرار أو يأخذ المثل فإذا انقضت مدة الإجارة استلم العين المؤجرة ما لم تتلف فإن أخذ قيمتها من المقر فإن أقر أنه باعها قبل عقد الإجارة وكان ذلك الإقرار بعد انقضاء مدة اٌجارة كان للمقر الحق في أخذ أجرتها التي أجرها المقر أو أخذ أجر المثل ثم يضع يده على العين إن كانت قائمة وإلا فله قيمتها.
(3/143)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا أقر بأنه وهبها فلمن أقر مما أجرها به أو أجرها المثل ثم يضع عليها بعد انقضاء مدة الإجارة وإن تلفت فله قيمتها.
وإذا أقر بأنه أجرها لشخص قبل أن يؤجرها للآخر فللمقر له أن يأخذ الأكثر مما أجرت به وأجر المثل.
ولا تنفسخ بظهور فسق مستأجر كزنا وشرب خمر وينهى عن المنكر فإن انتثل وإلا رفع أمره للحاكم إن حصل لفسقه ضرر للدار أو للجار والحاكم يؤجر الدار لغيره على حسابه في مدة الإجارة إن أمكن فإذا لم يوجد لها ساكن أخرج منها وعليه أجرتها مادامت خالية.
فإذا رشد السفيه فلا يخلو إما أن يكون الولي قد دوره وأرضه ونحوهما أو يكون قد أجرها لنفسه.
فإذا كان الأول للسفيه فسخ هقد الإجارة بعد الرشد مطلقاً سواء بقي كثير لأن الولي قد يتصرف فيما يجوز له التصرف فيه ولا يعتبر ظن رشده في مدة الإجارة ولا عدمه.
وإن كان الثاني وهو ما إذا أجره نفسه فإنه لا يخلو إما أن يكون قد أجرها ليعمل في صناعة أو نحوها ليعيش منها وفي هذه الحالة لا يصح له فسخ الإجارة أيضاً أو يكون قد أجره في عمل لا يترتب عليه معيشته فإن له أن بفسخ الإجارة لأن الولي لا تسلط على نفس السفيه وإنما هو متسلط على ماله فقط ولهذا لو أجر السفيه فلا كلام لوليه إلا في حالة
غبنه.
وكذلك ليس للسفيه أن بفسخ العقد عند رشده إذا أجره نفسه لأن تصرف كتصرف الرشيد.
ثامنها: ينفسخ عقد إجارة الوقف إذا مات مستحقة الذي أجره قبل موته انقضاء تلك المدة.
أما إذا مات المؤجر المالك أو المستأجر فإن العقد لا ينفسخ بموتها أحدهما ويحل الوارث محلها في اسيفاء المنفعة والفرق بين الأمرين أن له التصرف في نقل المنفعة وإنما حال حياته وبعد مماته فلمالك الدار ونحوها أن يملك منفعتها لغيره بعد وفاته. أما الموقوف عليه فليس له أن يتصرف إلا حال حياته، أما بعد وفاته فلا، فإذا مات فسخت الإجارة سواء انتقل الاستحقاق لولده أو لمن في طبقته أو لمن يليه وسواء بقي من مدة الإجارة زمن كثير أو يسير وسواء كان المستحق المؤجر ناظراً
أو غير ناظر فإذا مات الناظر غير المستحق في الوقف فلا تنفسخ الإجارة بموته.
ومثل المستأجر المالك إذا كان فسقه يضر بالجيران فإن الحاكم يبيع الدار قهراً عنه أو يؤجرها بغيره ويخرجه منها، ومن اكترى داراً أو اشتراها وبها سوء كان ذلك عيباً ترد به.
الشافعية - قالوا: ينفسخ عقد الإجارة بأمور.
(3/144)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
(أحدها) تلف العين المستأجرة فإذا استأجر شخص داراً فهدمت تلك الدار أثناء مدة الإجارة فإن العقد ينفسخ في المدة الباقية.
أما المدة التي مضت فإن على المستأجر أن يدفع قسطها من الأجرة باعتبار أجرة مثل هذه الدار بقطع النظر عن الأجرة المسماة. فإذا استأجر دكاناً بثلاثين جنيهاً في السنة وكان يؤجر مثله بتسعين جنيهاً ثم هدم مضى ستة أشهر وكانت أجرة الدكان في المدة الباقية تتضاعف لكثرة المترددين عليها بحيث تساوي ستين جنيهاً وتساوي الستة الأولى ثلاثين جنيهاً فإن عليه أن بدفع ثلث الأجرة كلها وزهو ثلاثون جنيهاً وإن كانت تساوي الأجرة المسماة بتمامها للسنة وإنما يجب عليه دفع الأجرة للماضي إذا قبض العين المستأجرة وهلك المحمول على ظهرها فلا أجرة أجرة لمالكها ومثل هذا ما إذا استأجر سفيه غلافت حمولتها وسلمت هي.
ويشترط للفسخ شروط ثلاثة:
الأول: أن تتلف كما ذكر في أول الكلام. أما إذا حدث بها عيب كما أصاب الدابة عرج يقلل منفعتها فإن للمستأجر في هذه الحالة خيار العيب ولا تنفسخ الإجارة.
الثاني: أن يكون التلف تماماً بحيث لا يمكن الانتفاع بها. أما إذا اتلف بعضها مع إمكان الانتفاع بما بقي منها كما إذا نهدم بعض الدار وبقي منها شيء صالح للسكنى فإن الإجارة لا تنفسخ بذلك ويكون للمستأجر الخيار في هذه الحالة بين أن يسكن أو يخرج.
الثالث: أن تكون الإجارة ذمة فإذا استأجر منه جملاً معين لينقل به جرنه فأحضر له جملاً فأصابه عرج أو مرض قلل منفعته أو هلك الجمل فإن على المالك أن يستحضر جملاً غيره لأنه أجر جملاً في ذمته بدون تعيين فكل جمل يحضره يكون معقوداً على منفعته بخلاف إجارة العين فإن العقد وارد على منفعته بخصوصه فإذا هلك فسخ العقد وإذا أصابه عيب يثبت الخيار للمستأجر وقد عرفت مما مضى أن العقار كادور لا يصح تأجيرها إجارة ذمة بل لا بد من تعيينها.
(ثانيها) حبس العين المؤجرة عن المستأجر فإذا لم يتمكن المستأجر من منفعتها انفسخ عقد الإجارة سواء حبسها المالك ولو لقبض الأجرة بدون عقد جديد لأن المقصود هو المنفعة وهي باقية في جانب المستقبل لم تمس بسوء.
(ثالثها) أن يحدث عيب في العين المستأجرة وفي هذه الحالة يكون للمستأجر الخيار ولا تنفسخ الإجارة بالعذر الطارئ فإذا استأجر حماماً وتعذر عليه الحصول على وقوده أو استأجر داراً ثم أراد السفر لى بلدة أخرى أو اكترى دابة ليسافر ثم عدل عن السفر فإن كل هذا لا ينفسخ به عقد الإجارة ولا يثبت لصاحبه الخيار. ومثل ذلك ما إذا أجر داره ثم حضر أهله المسافرون ودعت الحاجة إلى أن يسكنوا فيها فإن ذلك ولا تنفسخ به الإجارة.
وإذا استأجر أرضاً زراعية فزرعها ثم هلك الزرع بجائحة من شدة حر أو برد أو كثرة مرض أو أكله
(3/145)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الجراد أو الدود فليس له فسخ العقد ولا حط شيء من الأجرة لأن الجائحة لم تؤثر في المنفعة وإنما أثرت في المزاروع وهذا لصاحب فيه بخلاف ما إذا غرقت الأرض فإن منفعتها تتعطل في هذه الحالة فيفسخ به العقد.
وكذا لا تفسخ الإجارة بموت العاقدين أو أحدهما بل تبقى إلى انقضاء المدة ويحل الوارث محل العاقد.
وكذا لا تفسخ الإجارة بموت متولي إدارة الوقف، فإذا أجر ناظر الوقف عيناً لمدة ثم مات أثنائها لا تفسخ الإجارة إلا إذا أجر المستحق الذي له النظر حصته ثم مات وانتقل الوقف إلى مستحق
له النظر بعده فإنه في هذه الحالة تنفسخ على الأصح بشرط أن يكون له النظر مدة حياته. أما إذا كان له النظر على كل الوقف، أو كان الناظر غير المستحق فإن الإجارة لا تنفسخ، وكذا لا تنفسخ ببلوغ الصبي الذي أجره وليه إذا أجره مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ بالاحتلام على الأصح أما إذا أجره مدة يبلغ فيها بالسن فإن الإجارة تنفسخ فيما زاده على خمس
عشرة سنة وصحت فيما دونه، وبعضهم يقول إنها فيما قبل البلوغ وبعده حتى لا تتفرق الصفقة والأول أصح.
وكذا لا تنفسخ باتقطاع ماء الأرض الزراعية إلا إذا تعذر سوق الماء فإذا تعذر فإن الإجارة تنفسخ.
وإذا استأجر أرضاً غريقة بالماء، ثم زال بعضه وانكشف جزء من الأرض انفسخت الإجارة فيما لم يزل عنه الماء وثبت الخيار فوراً في الذي زال عنه.
الحنابلة - قالوا: الإجارة عقد لا ينفسخ إلا بأمور منها خيار المجلس أو خيار الشرط على ما تقدم في مباحث الخيار.
ومنها: أن يجد المستأجر عيباً في العين التي استأجرها لم يعلم به من قبل أو حدث بها عيب بشرط أن يطون ذلك العيب سبباً في نقصان المنفعة التي استأجرها نقصاناً يظهر به التفاوت في الأجرة فإن له في هذه الحالة فسخ العقد إلا إذا كان ذلك العيب خفيفاً بحيث يمكن زواله من غير لحوق ضرر بالمستأجر كعرج الدابة المؤقت.
مثال العيب الذي تنقص بها المنفعة أن تكون الدابة جمرحاً أو بها عرج يتأخر به عن القافلة أو يتعب معه راكبها ونحو ذلك، أو تكون الدار مختلة البناء يخشى من سقوطها، أو بها حائط مهدومة، أو انقطع لومته الأجرة بتمامها، وإذا اختلفا في العيب فقال المستأجر إنه عيب يفسخ به، وقال المؤجر لا، فإنه يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة وما يقررونه به، ويكفي خبيران في ذلك.
ومنها: أن يتصرف المالك في العين المؤجرة قبل تسليمها أو امتنع من التسليم حتى مضت مدة الإجارة فإن العقد في هذه الحالة.
(3/146)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا تصرف فيها بعد التسليم، كأن أجر داراً فسكنها زيد، ثم أجرها مرة أخرى لعمرو، فإن هذا التصرف لا يفسخ العقد، وعلى المستأجر جميع الأجرة، فإذا سكن المالك في جزء منها يعد تأجيرها كلها كان عليه أجرة المثل فيما سكن فيه.
وإذا أجر المالك عيباً مدة معينة ثم امتنع من تسليمها للمستأجر في نصف المدة وسلمها بعد ذلك فإن العقد ينفسخ في المدة التي لم يسلمها فيها فقط وعلى المستأجر أن يدفع أجرة المدة الباقية على حساب الأجرة المسماة بينهما أما إذا سكن المستأجر في الدار بعد المدة ثم منعه المالك من السكن الباقي لا يكون له الحق في الأجرة الماضية تنفسخ سواء كانت قبل القبض أو بعده ولا أجرة عليها فإن تلف في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة أما الماضية فإنه يدفع عنها بحساب الأجرة المسماة. فإذا استأجر داراً فانهدمت في أثناء المدة فإن العقد ينفسخ فيما بقي، وكذا إذا استأجر أرضاً للزرع فانقطع ماؤها مع الحاجة إليه فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة أما إذا استأجر أرضاً زراعية ثم زرعها فغرق الزرع أو اجتاحه آفة أو لم ينبت رأساً فإن الإجارة لا تنفسخ بذلك ولا يلزم المالك بحط شيء من الأجرة.
ولا تنفسخ الإجلرة بموت أحد العاقدين أو موتهما إلا إذا كان المؤجر موقوفاً عليه فأجرها لكون الوقف عليه ولا ناظر له بشرط الواقف فإن الإجارة تنفسخ بموته.
وكذلك لا تفسخ الأعذار كما استأجر دكاناً يبيع فيه بضاعة فاحترقت فإن الإجارة لا تنفسخ بذلك.
ويبث الخيار للمستأجر بغضب العين المؤجرة فإذا استأجر فداناً ليزرعه فاغتصبه شخص فإن كان الفدان غير معين يلزم المالك تسليمه غيره كان مخيراً بين فسخ الإجارة أو الانتظار حتى يرد المغضوب فإن كان لمدة فسخ العقد نهاية المدة أما إذا كان غير معين لمدة فإن للمستأجر الخيار بين فسخ العقد والانتظار حتى ترد العين المغصوبة وإذا فسخ العقد كان الغاصب ملزماً بالإجارة وله حق الفسخ ولو بعد فراغ المدة وعليه أجرة ما مضى قبل الفسخ من المسمى) .
(3/147)

مباحث الوكالة
تعريفها
-هي بكسر الواو وفتحها، ومعناها في اللغة الحفظ والكفاية والضمان، يقال فلان وكيل فلان، بمعنى حافظة أو ضامنة أو كافية: وأما في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) (المالكية - قالوا: الوكالة هي أن ينبت (يقيم) سخص غيره في حق له يتصرف فيه كتصرفه بدون أن يقيد الإنانية بما بعد الموت فيخرج بذلك الوصية فإنها نيابة شخص لآخر بعد موته فلا تسمى الوصية وكالة. وهل تسمى إنابة إمام المسلمين غيره من الولاة والقضاء وأئمة الصلاة وكالة أو لا؟ خلاف، والمشهور أنها لا تسمى وكالة، وعلى هذا ينبغي أن يزاد في التعريف قيد يخرج هذه الإنانية فيقال: هي أن ينيب
شخص لا إمارة له سياسة أو دينية غيره في حق له الخ، أما من قال إنها تسمى وكالة فلا حاجة به إلى هذا القيد.
الحنفية - قالوا: الوكالة هي أن يقيم سخص غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم على أن يكون الموكل (بكسر الكاف) ممن يملك التصرف فقوله في تصرف جائز خرج به ما إذا وكل الصبي غيره في هبة ماله أو طلاق زوجه فإن تصرف الصبي في ذلك غير جائز لما علمت في باب الحجر أنه ممنوع من التصرفات الضارة به سواء كانت قولية أو فعلية، وقولهم: معلوم خرج به التصرف المجهول كما إذا قال له: وكلتك في مال أو أنت وكيلي في كل شيء فإنه لا يثبت له بهذه الصيغة التصرف فيما يملكه الموكل وإنما يثبت لح حق حفظه.
وقوله: على أن يكون الموكل ممن يملك التصرف خرج به ما إذا وكل شخص آخر في شيء لا يملك الموكل (بالكسر) التصرف فيه. ويرد على هذا أن أبا حنيفة يقول: إنه يصح أن يوكل المسلم ذمياً في بيع الخمر والخنزير وأن يوكل المحرم شخصاً غير محرم بالصيد مع أن المسلم ممنوع من الصيد وعلى هذا تكون زيادة قيد ممن يملك التصرف غير صحيحة. فإن التوكيل سصح من الشخص الذي لا يملك التصرف.
والجواب أن المراد ممن يملك التصرف في الأشياء في ذاتها بصرف النظر عن العوارض التي منعته والأصل في الأشياء الإباحة ولولا نهي الشارع عن بيع الخمر والخنزير لما منع شخص من التصرف فيهما.
الشافعية - قالوا: الوكالة هي عبارة عن تعويض شخص شيئاً إلى غيره ليفعله حال حياته إذا كان
(3/148)

- دليلها وأركانها
-الوكالة بالمعنى المتقدم جائزة بإجماع المسلمين فلم ينقل عن أحد القول بمنعها وقد يستدل على جوازها بقوله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم} فإن ذلك توكيل لأحدهم وقد أقره الله تعالى ورسوله إذ لم يرد ناسخ له وشرع من قبلنا لنا ما لم يرد ناسخ ينسخه وقد استدل على جوازها بفعل النبي صلى اللله عليه وسلم فقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم وكلَّ حكيم بن حزام بشراء أضحية ولكن في سنده مجعول وراه الترمزي عن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم ولكن حبيباً لم يسمع من حكيم فإذا كان حبيب ثقة يكون الاحتجاج بالحديث صحيحاً وإلا فلا. وروي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم وكلَّ أبا رافع في تزويج ميمونة. وكلَّ عمر بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة وسواء صح سند هذه الأحاديث أو لا. فإن إجماع المسلمين عليها من غير أن يحالف فيها أحد من أئمتهم دليل على جوازها من غير نزاع. أما أركانها فهي أربعة. موكل بكسر الكاف، وموكل بفتحها وموكل فيه، وصيغة (1) .
__________
للمفوض الحق في فعل ذلك الشيء وكان ذلك الشيء مما يقبل النيابة فقوله أن يفوض لشخص ... الخ معناه أن يرد الشخص الموكل (بكسر الكاف) أمر الشيء الذي له حق التصرف فيه إلى وكيله وذلك الشيء هو الموكل فيه لتصرف الوكيل فيه كتصرف الموكل مدة حياته. ولا بد أن يكون التوكيل بصيغة. وبذلك تعلم أن التعرف قد اشتمل على أركان الوكالة الأربعة وهي: موكل، وصيغة، وموكل فيه. وخرج بقوله حال حياته الوضية فإن الوكيل لا يتصرف فيها بعد موت الموكل فلا تسمى وكالة أما باقي محترزات قيود التعريف فإنها ستتضح فإنها لك في بيان الشروط.
الحنابلة - قالوا: الوكالة هي استنابة شخص جائز التصرف شخصاً مثله جائز التصرف فيما تدخله النيابة من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وسيأتي تفصيلها إن شاء الله) .

(1) (الحنفية - قالوا: الوكالة ركن واحد وهي الصيغة التي تتحقق بها كقوله: وكلتك ببيع هذا الجمل أو شراء هذه البقرة أو نحو ذلك ولا يشترط لتحقق الوكالة أن تكون الصيغة مشتملة على قبول الوكيل. ولكن إذا رد الوكيل الوكالة ترتد فإذا قال له شئت تبيع هذه الناقة بالنيابة عني، فسكت، ولكنه باعها فإنه يجوز.
أما إذا قال له: لا أقبل ثم باعها فإن بيعه لا يصح لأنه رد التوكيل وكذا إذا وكَّل شخصاً في أن يطلق امرأته فأبى ثم طبقها فإن طلاقه لا يقع لأنه رد الوكالة فلا شأن له ولكن إذا سكت ولم يرد ولم يقبل صريحاً فإن التوكيل يكون صحيحاً فإذا طلقها على ذلك يصح طلاقه وبذلك تعلم أن الحنفية يخصون الركن بما كان داخلاً في الماهية.
أما ما كان خارجاً فإنه لا يسمى ركناً عندهم ولو توقفت الماهية عليه.
(3/149)

- شروط الوكالة
-تنقسم الوكالة إلى أقسام منا يرجع إلى الموكل. ومنها يرجع إلى الوكيل. ومنها ما يرجع إلى الموكل فيه. ومنها ما يرجع إلى الصيغة التي تتحقق بها الوكالة وفي ذلك تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) الحنفية - قالوا: شروط الوكالة التي ترجع إلى الموكل هو أن يكون الموكل ممن يملك فعل ما وكل به بنفسه فلا يصح التوكيل من المجنون جنوناً مطبقاً والصبي الذي لا يعقل أصلاً. لأن النجنون لا يملك التصرف في شيء بنفسه مطلقاً، ومثله الذي لا يعقل، أما الصبي الذي يعقل فقد عرفت في مباحث الحجر أن تصرفه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يتصرف تصرفاً ضاراً به لا محالة كالطلاق والهبة والصدقة ونحوها، وفي هذه الحالة لا يصح تصرفه مطلقاً فلا يصح أن يطلق زوجه أو أن يهب غيره من ماله أو أن يتصدق بشيء منه فإن فعل وقع ذلك التصرف باطلاً فهو لا يملك التصرف فلا يملك أن يوكل فيه غيره.
الثاني: أن يتصرف تصرفاً نافعاً له كقبول الهبة والصدقة فإن فيه منفعة محققة له، وفي هذه الحالة يقع تصرفه صحيحاً مطلقاً ولو لم يأذنه وليه فهو يملك ذلك التصرف فيصح له أن يوكل فيه غيره.
الثالث: أن يتصرف تصرفاً يحتمل النفع والضر كالبيع والشراء والإجارة وفي هذه الحالة إن كان وليه قد أذنه بذلك التصرف فإنه يقع صحيحاً فيصح له أن يوكل فيه غيره وإن لم يأذنه يقع موقوتاً على إذنه فإن أجازه إلا فلا ومثله التوكل.
أما المجنون جنوناً متقطعاً بحيث يجن تارة ويفيق أخرى فإنه يصح أن يوكل في حالة صحوه بشرط أن يكون لحوه وقت معلوم حتى تعرف لإفاقته من جنونه وإلا فلا يصح له أن يوكل. وأما المعتوه وهو الغالب عليه اختلاط الأمور فإنه لا يصح توكيله.
أما الإسلام فليس شرطاً في الموكل فيجوز أن يوكل الذمي غيره كالمسلم لأن حقوقههم مضمونة من الضياع كحقوقنا وإذا وكل الذمي المسلم بتقاضي ثمن الخمر فإنه يكوه للمسلم أن يفعل وإذا وكل الذمي المسلم أن يرهن له خمراً في نظير نقود أو يرهن له عيناً في نظير خمر يأخذه فإنه يصح إذا أخبر به على أنه رسول فيقول: أرهن لفلان خمراً. أما إذا أضافه لنفسه بأن قال: ارهن لي خمراً أو أقرضني نقوداً في نظير خمر فإنه لم يكن رهناً وهل النرتد كذلك أو لا؟ خلاف فبعضهم يقول: إذا وكل المرتد شخصاً فإن ذلك التوكيل يقع موقوفاً، فإن أسلم المرتد نفذ ما صدر منه توكيله الغير وإن مات أو خرج من دار الإسلام إلى دار الإسلام إلأى دار الحرب بطل توكيله فإن لحق بدار الحرب ثم عاد إلى الإسلام فإن كان القاضي حكم بلحوقه بدار الحرب فإن التوكيل يبطل وإن لا فإنه ينفذ. وبعضهم يقول: إن للمرتد أن يوكل غيره ويقع توكيله صحيحاً نافذاً. هذا إذا كان المرتد رجلاً. أما المرأة المرتدة فإن توكيلها جائز في قولهم جميعاً لأن ردتها لا تعتبر في حكم ملكها فهي ملكها كالمسلمة في ذلك.
(3/150)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا وكلت قبل ردتها ثم ارتد فغن توكيلها لا يبطل إلا إذا وكلت بتزويجها وهي مرتدة فإنه يكون باطلاً فإن زوجها حال ردتها لا يصح، أما إذا عادت إلى الإسلام فزوجها فإنه لا يصح. أما إذا وكلته بأن يزوجها وهي مسلمة ثم اردت ثم عادت إلى الإسلام فزوجها فإنه لا يصح لأن ردتها أبطلت التوكيل في ذلك.
وأما الشروط التي ترجع إلى الوكيل فهي أمران:
أحدهما: أن يكون عاقلاً فلا يصح لشخص أن يوكل مجنوناً أو صبياً لا يعقل أما البلوغ والحرية فلا يشترطان في الوكيل فيصح أن يكون الوكيل صبياً عاقلاً يدرك ما يترتب على العقود من المتافع والمضار سواء أذنه وليه ومثله العبد في ذلك.
ثانيهما: أن يعلم الوكيل بالوكالة فعلم الوكيل شرط في صحة تصرفه بلا خلاف فإذا وكل شخصاً آخر في بيع متاعه ولم يعلم الوكيل فباع المتاع قبل العلم بكل تصرفه إلا إذا أجازه الموكل وعلم الوكيل بالتوكيل يثبت بالمشافهة أو الكتابة إليه أو بإخيار رجلين أو واحد عدل أو غير عدل وصدقه الوكيل.
أما الإسلام وعدم الردة فلا يشترطان في الوكيل باتفاق وإن كان عدم الردة مختافاً فيه في الموكل فيصح للمسلم أن يوكل الذمي حتى في بيع الخمر والخنزير عند أبي حنيفة الذي يقول إن الموكل إذا كان ذمياً بلا خلاف.
وإذا وكل المسلم حربياً في دار الحرب وكان المسلم في دار الإسلام فغن التوكيل باطلاً في هذه الحالة، وكذلك العكس، وهو ما إذا وكل الحربي مسلماً وهو في دار الحرب والمسلم في دار الإسلام.
وأما الشروط التي ترجع إلى الموكل فيه فمنعها أن لا يكون من الأمور المياحة فلا يصح لشخص أن يوكل غيره في أن يحتطب له أو يسقي له الماء أو يستخرج له شيئاً من المعادن المباحة كالحديد والرصاص والجواهر ونحو ذلك فإذا حصل الوكيل على شيء من ذلك فهو له وليس للموكل منه شيء، ومثل ذلك ما إذا وكله ليشحذ له فإن التوكيل لا يصح وإذا شحذ الوكيل شيئاَ فهو له.
ومنها: أن لا يكون الموكل فيه استقراصاً (طلب قرض من الغير) فإذا وكل شخص آخر في أن يطلب من شخص أن يقرضه مالاً فقال الوكيل: أقرضني كذا كان الرقض للوكيل لا للموكل، فإذا هلك كان المسؤول عنه الوكيل، وللوكيل أن لا يعطيه للموكل، نعم إذا قال: فلان أرسلني إليك لتقرضه فأعطاه فإن القرض يكون للمرسل وهذا يسمى (رسولاً) لا وكيلاً والفرق بين الرسول والوكيل أن الوكيل يكون بألفاظ التوكيل الآتي بيانها في الصيغة بخلاف الرسول فإنه يكون بلفظ الرسالة كأن يقول
(3/151)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
له: كن رسولاً عني في كذا، أو أرسلتك لتأتي بكذا، فلا بد في الرسول أن يضيف العقد إلى المرسل. بخلاف الوكيل فإن له أن ينسب لنفسه وللمرسل إلا في أمور كانكاخ والهبة وسيأتي بيانها.
ومن شورط الموكل فيه أن لا يكون حداً من الحدود التي لا تشترط فيها الدعوى كحد الزنا وحد الشرب، فإن إثباته تكفي فيه شهادته الحسبة بدون دعوى فلا يصح فيه التوكل، لا في إيفائه ولا في استيفائه، والمراد قبضه.
أما الأول فظاهر لأنه لا يصح أن يقول شخص لآخر وكلتك عني في تأدية حد الرب فتسلم طهرك للجلد ولو وقع لأنه لا يصح إلا من الجاني.
وأما الثاني: فلأن هذا الحديث بدون دعوى فلا يصح فيه التوكيل مطلقاً.
وأما الحدود التي تحتاج إلى إقامة الدعوى كحد القذف وحد السرقة في صحة التوكيل فيها خلافاً فأبو حنيفة ومحمد يقولان بأن التوكيل يصح في إثبات الحد فإذا وكب شخص آخر في حد القذف على من قذفه فإنه يصح هذا التوكيل سواء كان الموكل حاضراً أو غائباً أما في الاسيفاء فإنه يجوز التوكيل إذا كان الموكل حاضراً بأن يحضر هو ووكيله حال تنفيذ الحد، وأبو يوسف يقول: لا يصح فيه التوكيل كسابقه، إلا أنه يقول: إن الممنوع إنما هو التوكيل في إثبات الحد، أما التوكيل في إثبات المال المسروق فإنه يونفق عليه أبا حنيفة ومحمداً، ولا يخفى أن حد الزنا وحد الشرب من حقوق الله تعالى، وكذلك حد القذف وحد الشرب، ومعنى كونها من حقوق الله أن الله تعالى قرر لها عقوبة ثابتة ليس للمجني عليه فيها شأن فلا بد من تنفيذها، فالظاهر أن أبا يوسف يقول: إن التوكيل فيها لا معنى له سواء احتاجت لدعوى أو لا.
وأما حقوق العباد فإنها تنقسم إلى قسمين:
نوع لا يجوز اسيفاؤه مع وجود شبهة، ونوع يجوز استيفاؤه مع الشبهة.
مثال الأول: القصاص في القتل أو القود، وهو القصاص في إتلاف عضو أو نحوه مما هو أقل من النفس؛ وهذا النوع يصح التوكيل في إثباته عند أبى حنيفة ومحمد أيضاً، ولا يجوز في إيفائه ولا في استيفائه.
أما الأول: فظاهر، إذا لا يصح أن يوكل شخص آخر في أن يقتل نفسه بدلاً عنه ليدفع عنه حد جنايته أو يقطع عضواً منه لأن ذلك لا يصلح إلا من الجاني نفسه.
ومثال الثاني: وهو ما يجوز استيفاؤه مع الشبهة كالديوان والأعيان وسائر الحقوق غير القصاص، فإنه يصح للوكيل أن يستلمها مه وجود شبهة عفو صاحبها وتركها لمن هي عليه، فهذا النوع يصح التوكيل فيه إيفاء واستيفاء باتفاق.
ويجوز التوكيل في سائر العقود سوى ما ذكر كالبيع والشراء والإجارة والنكاح والطلاق والهبة والصدقة والخلع والصلع والإعارة والاستعارة وقبض الحقوق والخصومات وتقاضي الديون
(3/152)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والرهن والارتهان وطلب الشفعة والرد بالغيب والقسمة والاستيهاب (أي طلب الهبة من الغير) إلا أن بعض هذه العقود لا يصح للوكيل فيها أن يسندها إلى نفسه بل من إسنادها إلى الموكل.
ومنها: النكاح فإن الوكيل لا بد أن يقول: قبلت زواج موكلي، أو زوجت فلانة موكلتي، فإذا قال: قبلت الزواج ولم يصفه، أو قال الزواج فإنه بنعقد له لا لموكله، بخلاف ما إذا كان وطيلاً في الطلاق فإنه إذا أضافه إلى نفسه أن يقول: امرأة فلان طالق. أما إذا قال: امرأتي طالق فإنها تطلق فليس الإضافة إلى نفسه أن يقول: لمراتي بل معناها أن يسند طلاق امرأة موكله إلى نفسه، ولا يشترط أن يقول: ففلان وكلني في أن أطلق امرأته.
ومنها: الهبة فإنه لا بد فيها من الإضافة إلى الموكل فإذا وكل إنسان آخر أن يهب مائة فقال: وهبت ولم يقل موكلي فإن الهبة لا تصح.
ومنها: الصلح عن دم العمد والصلح عن الإنكار فإذا ادعى شخص على آخر مائتين فأنكر المدعي عليه، ثم وكل عنه من يصالح على مائة فإنه لا بد في ذلك من الإضافة، فإذا قال المدعي على مائة صالحت وقبل وكيل المدعي عليه بأن قال: قبلت الصلح لفلان فإنه يصح. أما إذا قال: قبلت ولم يسند القبول لموكله فإنه لا يصح الصلح. وهذا بخلاف الصلح عن إقرار فإنه يصح إضافته إلى الوكيل والموكل.
ومنها: التصدق فإذا وكله أن يتصدق من ماله بكذا فإنه ينبغي أن يضيفها الوكيل إلى الموكل.
وأما الصيغة فإنها تنقسم إلى قسمين: (خاصة وعامة) :
فأما الخاصة فهي اللفظ الذي يدل على التوكل في أمر خاص كقوله: وكلتك في شراء هذا البيت مثلاً. وأما العامة فهي لفظ يدل على العموم كقوله: أنت وكيلي في كل شيء وقوله: ما صنعت من شيء فهو جائز، وجائز أمرك في كل شيء فليس لها لفظ خاص حتى لو قال: أردت أن تقوم مقامي، أو أحببت، أو رغبت فإنه يصح. وهل ينفذ تصرف الوكيل بعد ذلك في كل شيء أو يستثنى بعض الأمور؟
والجواب: أن ذلك يختلف باختلاف العبارات، فإذا قال له: أنت وكيلي في كل شيء يكون وكيلاً له في حفظ المال لا غير على الصحيح.
ومثل ذلك ما لو قال له: أنت وكيلي في كل شيء وقليل، وإذا قال له: أنت وكيلي في كل شيء جائز أمرك يكون وكيلاً في جميع التصرفات المالية كالبيبع، والشراء، والهبة، والصدقة.
(3/153)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
واختلف في الإعتاق، والطلاق، والوقف. فقال بعضهم: إنه لا يكون وكيلاً فيها إلا إذا دل دليل سابق في الكلام وبعضهم يقول: إنه يشملها.
وإذا قال: وكلتك في جميع أموري فقال له: طلقت امرأتك أو قفت جميع فإنه لا يجوز على الأصح.
وإذا قال له: وكلتك في جميع أموري ولأقمتك مقام نفسي لا تكون الوكالة عامة إلا إذا قال: في جميع أموري التي يجوز فيها التوكل فإنها في هذه الحالة تكون عامة تشمل البيع والشراء والأنكحة وغير ذلك.
وأما في الحالة الأولى وهي قوله: وكلتك في جميع أموري، وأقمتك مقام نفسي بدون أن يقول: في أموري التي يجوز فيها التوكيل فإنه ينظر إلى حال الموكل فإن كانت له صناعة خاصة فإنه يكون وكيلاً عنه فيها.
أما إذا لم تكن له صناعة خاصة وكانت له معاملات مختلفة فإن الوكالة تقع باطلة. والحاصل أن الوكيل وكالة عامة يملك كل شيء إلا الطلاق والعتاق والهبة والصدقة على المفتي به، وكذا لا يملك الإبراء والحط عن الديون لأنها تبرع وهو لا يملك التبرع.
وكذا لا يملك الإقراض والهبة بشرط العوض، ويملك ما وراء ذلك فيملك قبض الدين وإيفاءه والدعوى بحقوق على الموكل والأقارير على الموكل بالديون ولا يختص بمجلس القاضي لأن ذلك في الوكيل بالوكالة الخاصة.
على أن هناك صيغاً لا ينعقد بها التوكل أصلاً منها أن يقول له: لا أنهاك عن طلاق زوجتي ومنها أن يقول له: أنت وصيتي.
ومنها: أن يقول لغيره: اشتر لي جملاً بعشرة جنيهات أو جارية بخمسين جنيهاً، فذلك لا يكون توكيلاً وإنما يكون مشورة. أما قال له: اشتر لي جملاً بعشرة جنيهات ولك على شرائك درهم فإنه يكون وكيلاً.
ومنها: أن يقول شخص لآخر مديون له اشتر بمالي عليك جملاً أو عبداً فإنه لا يصح التوكيل، وأما إذا قال له: اشتر لي جمل فلان أو هذه الجارية فإنه يصح.
ومنها: أن يقول لمديونه أسلم مالي عليك في قمح أو سمن مثلاً (يعني استلمه في السلم) فإنه لا يصح التوكيل.
أما إذا عين الشخص الذي يتعاقد معه عقد السلم بأن يقول: أسلم مالي عليك إلى فلان في كذا فإنه يصح.
أما الصيغ الخاصة فإن منهم بأن يقول شخص لآخر: إذا لم تبع جملي هذا تكون امرأتي طالقاً فإذا قال له ذلك وكله في بيع الجمل.
(3/154)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن يقول: سلطتك على بناء هذه الدار مثلاً بمنزلة قوله: وكلتك.
ومنها: أن يقول: فوضت إليك دوابي أو أمر مماليكي وبذلك يملك حفظها ورعيها وعلفها والإنفاق عليها.
ومنها: أن يقول: فوضت إليك امرأتي وبذلك يملك طلاقها في المجلس فقط، أما إذا قال له: ملكتك أمر امرأتي فإنه يملك طلاقها في المجلس وغيره.
الماكية - قالوا: الشروط المتعلقة بالوكيل ثلاثة:
الأول: الحرية فلا تصح بين رقيق وحر ولا بين رقيقين، إلا إذا كان الرقيق مأذوناً له بالتجارة من سيده فإنه حينئذ يكون في حكم الحر.
الثاني: الرشد فلا تصح بين سفيهين ولا بين سفيه ورشيد. على أن هذا الشرط لهم فيه اختلاف فبعضهم يقول: يجوز في بعض الأمور، ولكن ظاهر المذهب يقتضي أن المحجور عليه لا يصح أن يوكل أحداً عنه في الخصومة في تخليص ماله وطلب حقوقه. ويجوز للغير أن يوكله عن نفسه إلا إذا كانت امرأة محجوراً عليها فإن لها أن توكل عنها غيرها فيما يتعلق بأمر عصمتها بل ليس لوليها قيام في ذلك إلا بتوكيل منها.
والحاصل: أن في ذلك طريقين أحدهما: أنه لا يجوز توكيله ولا توكيله مطلقاً وعلى ذلك الشرط الرشد. ثانيهما: أنه يجوز أن يتوكل عن غيره ولا يوكل هو عنه. أما المرأة الذي يضارها زوجها فلا خلاف في صحة توكيل الغير عنها.
الثالث: البلوغ ولا يصح بين صبيين ولا بين صبي وبالغ أما إذا كانت صغيرة متزوجة وأرادت أن تخاصم زوجها أو وليها فإن توكيلها يكون مقبولاً بل لازماً كما عرفت.
فهذه الشروط هي التي تلزم الوكيل والموكل.
أما الإسلام فإنه ليس شرطاً في الموكل بلا نزاع فيجوز للذمي أن يوكل المسلم عنه ويقع توكيله صحيحاً. ولكن هل يصح للمسلم أن يوكل الذمي عنه؟.
والجواب: أنه لا يصح وإنما لم يذكر هذا الشرط في الشروط لأن الذمي أهل للتوكيل والتوكل ما دام حراً بالغاً رشيداً. ولكن المانع من جملة وكيلاً عن المسلم أمر عارض وهو ما عساه أنه يتصرف تصرفاً لا تقره الشريعة.
ولهذا قالوا في الشركة: إنه لا يصح للمسلم أن يشارك الذمي إذا كان بيع الذمي وشراؤه بحضرة المسلم خوفاً من أنه إذا انفرد بذلك يدخل في معاملته ربا أو يشتري خمراً أو خنزيراً وذلك لا تقره الشريعة فإذا تأكد من أنه يتعامل بما تحرمه الشريعة وجب عليه أن يتصدق بالربح الذي
(3/155)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أصابه من شركته فغن شك يستحب له التصدق. أما إذا تأكد من حسن معاملته ومطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية فإنه لا شيء عليه.
ومثل الذمي في ذلك المسلم الذي لا يحافظ على دينه فالمانع من توكيل الذمي هو الخوف من تصرفاً لا يطابق الشريعة الإسلامية وواجب على المسلم أن يحتفظ بدينه فلا يصح له أن يبيح لغيره التصرف باسمه فيما لا يقره الدين ولهذا اعتبر المسلم الذي لا يحافظ على دينه كالذمي.
وأما الشروط المتعلقة بالموكل فيه فإنها ترجع إلى شيء واحد وهو أن يكون من الأمور التي تقبل شرعاً ولا تتعين فيه شراء ولا تتعين فيه مباشرة له بنفسه فيجوز لشخص أن يوكل عنه غيره في عقد بيع وشراء وإجارة، ونكاح وصلح ومضاربة ومساقاة عقد يجوز فسخه كما في المزارعة قبل رمي البذر فإنه يصح لأحد العاقدين فسخه يصح له أن يوكل غيره في الفسخ.
ومثل ذلك البيع الفاسد كما إذا باع صبي مميز شيئاً فللولي أن يوكل من يفسخه ومن ذلك الطلاق حل لقيد النكاح فيجوز لشخص أن يوكل غيره في طلاق زوجه وفي الخلع كما يجوز له أن يوكل شخصاً في إقالة من اشترى منه شيئاً. وكذا له أن يوكل في قضاء دين عليه وقبض حق له على الغير. وكذا يجوز له أن يوكل - في حد أو قصاص أو تأديب - فللزوج أن يوكل عنه أباه مثلاً في تأديب زوجه إذا تركت الصلاة لأن للزوج عن حق عقوبة زوجه إذا تركت الصلاة فله أن يوكل غيره في ذلك.
ولولي الدم أن يوكل عنه على القتل وللشخص أن يوكل عنه في استيفاء الحدود والعقوبات.
وكذا له أن يوكل في الحوالة كأن يكون مديناً لشخص بكذا وله دين عند آخر فله أن يوكل شخصاً في أن يحيل الدائن الذي يطالبه بدينه على المدين الذي له دين. وكذا يصح التوكيل على أن يبرئ شخصاً من حق له عليه حتى ولو كان الحق مجهولاً عند الجميع لأن الإبراء من الحقوق لا يتوقف على علمها.
وليس له أن يوكل غيره في العبادات إلا في المالية منها كأداء الزكاة فإنه يصح التوكيل في أدائها وقد اختلف في الحج فقيل ويصح فيه التوكيل وقيل لا يصح كما تقدم.
وهل يصح لصاحب الوظيفة الدينية أن ينيب عنه كالمؤذنين والإمام والقارئ في مكان خاص؟
والجواب: انه يجوز التوكيل فيها حيث لم يشترط الواقف عدم النيابة فيها.
أما إذا لم يشترط عدم النيابة فيها فإن الأجرة تسقط ولا يستحقها ولا النائب.
أما إذا لم يشترط عدم النيابة فالأجرة تكون للأصل وهما على ما تراضيا عليه معاً كانت النيابة لضرورة أو لغير ضرورة. ويلتحق بالعبادات الشهادة والإيمان فليس له أن يوكل عنه من يؤدي الشهادة بدله ولا يحلف اليمين عنه. ومثل ذلك الإيلاء واللعان فإنه لا يصح له أن يوكل عنه من يولي من امرأته بأن يحلف أن لا يقربها مدة معلومة أو من يلاعن عنه مع امرأته التي يتهمها بالزنا كما هو مبين في محله لأن اللعان شهادات مؤكدة باليمين وذلك لا تصح فيه الوكالة.
(3/156)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولا تصح الوكالة في المعاصي كالسرقة والظهار كأن يقول له: وكلتك في أن تظاهر من امراتي فإن الظهار منكر من القول وزور فإذا قال زوجة موكلي عليه أمه لا يصح الظهار.
وبعضهم يقول: إن هذا كالطلاق إذ لا فرق بين ذلك وبين امرأته موكلي طالق فإن كلاً منهما إنشاء كالبيع والنكاح فيصح التوكيل فيهما. وهل التوكل في طلاق محرم كما إذا قال له: وكلتك في طلاق زوجي وهي حائض مثل الظهار فلو طلقها الوكيل لا يقع به الطلاق أو لا؟ خلاف فبعضهم يقول: إنه لا يقع لأنه توكيل على معصية.
وبعضهم يقول: إنه يقع الطلاق في نفسه ليس بمعصبة وإنما حرمته عارضة بسبب الحيض وهذا الخلاف فيما إذا وكله في أن يطلقها حال الحيض. أما إذا وكله في أن يطلقها مطلقاً فطلقها الوكيل حال الحيض فغن طلاقه يقع على الموكل اتفاقاً لأن أصل التوكيل لم يكن على معصية. وحاصل ما تقدم أن الأفعال التي كلف الشارع بها الناس تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كان لمصلحة تتعلق بخصوص الفاعل بحيث لو باشر الفعل غيره فأتت المصلحة التي شرع من أجلها فهذا تمنع النيابة قطعاً وذلك كالإيمان بالله تعالى فإن الغرض من التصديق بالإله العبودية له وإجلاله وتعظيمه وذلك أمر خاص بالشخص نفسه ومصلحته ترجع إليه بخصوصه فلا يصح أن ينيب فيه غيره.
ومثل ذلك الصلاة والصيام فإنهما ما شرعا إلا لتعظيم الله وإجلاله وإظهار العبودية له تعالى وذلك لا يكون إلا من الشخص نفسه فلا يصح أن ينيب غيره فيه.
وكذا حلف اليمين فإنه ما شرع إلا للدلالة على صدق المدعي وذلك لا يحصل بحلف غيره فلا تصلح النيابة. وكذا النكاح بمعنى الوطء فإن الغرض منه إعفاف النفس عن الفاحشة والمحافظة على الأنساب وذلك لا يحصل بفعل الغير فلا يصح له أن ينيب غيره فيه بخلاف النكاح بمعنى العقد فغن الغرض منه تحقيق سبب إباحة الزوج وهذا السبب بتحقيق مباشرة الشخص بنفسه وبمباشرة وكيله بدون أن تفرت مصلحته الخاصة.
القسم الثاني: ما كانت المصلحة تتعلق بتحقيق الفعل بقطع النظر عن الأشخاص وذلك كرد المغضوب والعارية وقضاء الديون وتفريق الزكاة وإيصال الحقوق لأهلها فإن الشارع طلب من المكلف فعل هذه الأشياء لما فيها من المنافع فمتى وجد الفعل فقد تحققت المصلحة سواء كانت لفعل المكلف أو بفعل وكيله حتى ولو لم يشعر المكلف بفعلها.
القسم الثالث: ماكان مشروعاً لمصلحة تتردد بين الفعل من جهة وبين الفاعل من جهة كالحج فإنه شرع لأمرين:
أحدهما تعظيم الله تعالى وإجلاله والخضوع له وهذه المصلحة متعلقة بالفاعل لا تحصل من سواه.
(3/157)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثانيهما: إنفاق المال الذي ينتفع به الناس ومصلحة الاتفاق تحقق بحصوله من أي شخص فمن نظر إلى الحالة الأولى ملحقاً بالقسم الأول فقال: إن الحج لا تصح فيه الإنابة وبذلك قال مالك: فمن حج عن شخص لا ينفعه في إسقاط الفريضة وإنما له ثواب الإنفاق والدعاء، وقد قطع النظر عن الإنفاق لأنه أمر عارض بدليل أن المكي يحج بلا مال.
وأما من نظر إلى المعنى الثاني وهو الإنفاق - كالإمام الشافعي - فإنه يقول بجواز الحج عن الغير وذلك لأن القربة المالية لا تنفك غالباً عن السفر فلا ينظر إلى المكي الذي يحج بلا نفقه لأن ذلك نادر.
وأما الصيغة فلها اعتبارات ثلاثة وذلك لأنه إما أن ينظر إليها بالنسبة إلى جانب الموكل. أو بانسبة إلى جانب الوكيل. أو بالنسبة إلى جانب الموكل فيه. فإن نظر إليها بالنسبة للموكل فإنه يشترط لها أن تدل على معنى الوكالة عرفاً أو لغة أو عادة فإذا خالفت اللغة العرف يعمل بالعرف ولا ينظر للغة.
ولا يشترط لها أن تكون بلفظ مخصوص فإذا قال له: وكلتك أو أنت وكيل عني فإنه يصح. وكذا إذا قال له: تصرف عني بالفظ تصح بإشارة الأخرس أو الممنوع عن الكلام بسبب من الأسباب. ومثل انعقاد باعادة أن يكون لأخوين دار مملوكة لهما وقد جرت أحدهما أن يؤجرها ويقبض أجرتها فإنه يعتبر وكيلاً عن أخيه ويصدق في دعواه أنه أعطاه من الأجرة ما لم يثبت أنه متعدّ.
أما إن نظر إلى الصيغة بالنسبة للوكيل فإنه يشترط أن يقترن بها من جانب الوكيل ما يدل على قبول التوكيل. وهل قبول الوكيل يجب أن يكون فوراً، أو يصح مع التراخي؟ خلاف. والتحقيق أنه ينظر في ذلك العرف والعادة فإن كانت الصيغة الصادرة من الموكل تستدعي الجواب فوراً في العرف فإنه يجب أن يكون قبول الوكيل فوراً وإلا فلا.
وأما إذا نظر إلى الصيغة بالنسبة للموكل فيه يجب أن يكون معلوماً سواء كانت الوكالة متعلقة بأمر عام كما إذا فوض له التصرف. أو كانت متعلقة بشيء خاص كما إذا وكله في بيع سلعة خاصة أو طلب حق خاص ونحو ذلك.
أما طريق علم الموكل فيه فإنه يكون بلفظ يدل عليه أو لغة وقد عرفت أن العرف مقدم على اللغة إذا خالفها ويقوم مقام اللفظ إشارة الأخرس أو غير القادر بأي سبب فإذا قال له: أنت وكيلي أو كلتك ولم يبين الشيء الذي وكله فيه ولا قرينة تدل عليه ولا عرف بين الناس فيه فإنه لا يكفي في صحة الوكالة وإن كان لفظ وكلتك يدل على الوكالة لغة لأنه اعتبار للغة ما لم يؤيدها العرف فلا بد من بيان الموكل فيه بصيغة عامة أو خاصة.
مثال الأولى: أن يقول له: وكلتك وكالة مفوضة أو وكلتك في جميع أموري أو أقمتك مقامي في أموري أو نحو ذلك مما يدل على التوكيل العام.
ومثال الثانية: أن يقول له: وكلتك في شراء هذه الدار أو المطالبة لي بحقي الذي عند فلان أو
(3/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
نحو ذلك.
ويترتب على الوكالة العامة نفاذ تصرف الوكيل في كل ما لا يضر بالمال للموكل أن يرد تصرفه أو يضمنه (يلزمه) شيئاً أما ما يضر بالمال لا ينفذ فليس للوكيل أن يتصدق من مال موكله ولا يهبه ولا يفعله ما ينقصه. إلا إذا قال له: وكلتك وكالة مفوضة وكل ما يصدرعنك ينفذ ولو كان ضاراً فإن تصرف الوكيل في هذه الحالة ينفذ فيه ضرر بالمال وإن كان يحرم عليه أن يفعل ما يضر بموكله ولو أذنه لأنه أمينة والأمين يجب عليه ألا يضر بمن ائتمنه على أي حال غير أنه لا ينفذ تصرفه إذا كان فيه سفه ويبذير. أما إذا تصرف بمعصية فإن الوكالة تكون من أصلها لما عرفت من انها لا تصح في المعاصي.
ويستثني من الوكالة العامة أمور:
أحدها: طلاق زوجة الموكل فإنه لا يدخل في التوكيل حتى ولو قال له: كل تصرفك نافذ ولو فيه ضرر وذلك لأن طلاق الزوجة لا بد له عرفاً من توكيل خاص بأن يقول له: وكلتك على طلاق زوجتي فلانة أو يشير إليها لأن يقول: وكلتك على طلاق هذه.
ثانيها: تزويج البنت فليس للوكيل أن يزوج بنت موكله إلا بتوكيل خاص بأن يقول وكلتك على زواج بنتي فلانة أو هذه مشيراً إليها.
ثالثها: بيع داره التي يسكنها. فلا بد له من توكيل خاص أيضاً بأن يقول: وكلتك على بيع داري الفلانية أو هذه الدار.
رابعها: بيع عبده القائم بأمور فإنه لا يدخل في الوكالة العامة. فهذه الأمور الأربعة لا تدخل في الوكالة العامة بل لا بد فيها من التوكيل الخاص.
الشافعية - قالوا: يشترط في الموكل أن يكون أهلاً لمباشرة الشيء الذي يزيد أن يوكل فيه غيره بحيث يصح له أن يتصرف فيه بنفسه وبذلك يخرج الصبي والمجنون والمغمى عليه والسكران المتعدي بسكره والفاسق في تزويج من له عليها الولاية لأن الفسق يسلب الولاية والمعتوه والمجور عليه لسفه في مال ونحوه. والمرأة في عقد نكاح فإنها غير أهل لمباشرته بنفسها بدون ولي فلا يصح أن تنوب عن غيرها فيه ومثلها المحرم في ذلك فإنه ليس له أن يباشر عقد النكاح بنفسه مادام محلاماً فلا يصح للغير أن يوكله فيه.
وضابط ذلك أن كل ما جاز للإنسان أن يتصرف بنفسه في شيء جاز له أن يوكل فيه غيره. وكل ما لا يجوز أن يتصرف الإنسان في شيء بنفسه بدون وليه فإنه لا يجوز له أن يوكل فيه غيره ولكن هذا الضابط مبني على الغالب لأنه يستثني من الشق الأول منه مسائل: منها ما إذا ظفر شخص بحق له في دار مغلقة ولا يمكنه الوصول إليه إلا بكسر الباب أو نقب الجدار فإن له أن يباشر ذلك بنفسه وليس له أن يوكل عنه غيره ولو عجز عن العمل ما لم يكن من ذوي الهيئات ولا يليق بحاله أن يباشر ذلك العمل بنفسه فإنه في هذه الحالة يصح أن يوكل غيره فهذا الرجل يجوز له التصرف بنفسه ولا يجوز له أن يوكل غيره.
(3/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: السفيه المجور عليه إذا أذنه بالنكاح فإن له أن يباشر بنفسه وليس له أن يوكل عنه غيره.
ومنها: الوكيل القادر على القيام بالعمل فيما وكل فيه فإن له أن يباشر العمل وليس بوكل عنه غيره إلا إذا كان غير لا ئق به.
وكذلك يستثنى من الشق الثاني مسائل: منها الأعمى فإنه لا يجوز له أن يتصرف في بعض الأعيان التي يتوقف التصرفات فيها على الرؤية ولكنه يجوز له أن يوكل فيها غيره فهذا لا يجوز له التصرف بنفسه ومع ذلك فإنه يجوز له أن يوكل فيه غيره.
ومنها: المحرم بحج أو عمرة فإنه لا يصح له أن يباشر عقد النكاح بنفسه كما تقدم ولكن يصح له أن يوكل عنه غيره ليعقد له عقد النكاح بعد التحلل من الإحرام وسواء نص في التوكل على أن العقد يكون بعد التحلل أو أطلق ولم ينص فإنه يحمل على أن يكون العقد بعد التحلل نعم يجوز لغير المحرم أن يوكل عنه شخصاً يباشر له عقد النكاح لأن المحرم في هذه الحالة يكون سفيراً لا يباشر عقداً.
وكما أن الموكل يشترط فيه أن يكون أهلاً للتصرف في الشيء الذي يريد أن يوكل فيه غيره كذلك يشترط في الوكيل أن يكون أهلاً للتصرف فيما يريد أن يوكل فيه غيره. فكل ما جاز للإنسان أن يتصرف في شيء بنفسه جاز له أن يتوكل فيه غيره. وكل ما لا يجوز له أن يتصرف فيه بنفسه لا يجوز له أن يتوكل فيه عن غيره.
وهذا الضابط أيضاً مبني على الغالب تستثني من الشق منه مسائل:
منها: المرأة فإن لها أنتتوكل في طلاق غيرها. وليس لها أن تباشر طلافها بنفسها فهي لا يجوز لها التصرف في هذه المسألة مع أنه يجوز لها أن تتوكل.
ومنها: السفيه المحجور عليه والعبد فغن لهما أن يتوكلا في قبول النكاح بدون إذن السيد. أما في إيجاب النكاح فإنه لا يجوز منهما مع أنه لا يصح لهما أن يتصرفا في قبول النكاح لأنفسهما بدون إذن الولي والسيد.
ومنها الصبي المأمون الذي لم يجرب عليه الكذب مرة واحدة فإنه يجوز توكيله في إيصال الهدية والإذن في دخول الدار. وتفرقة الزكاة وذبح الأضحية. ومع ذلك فهو ممنوع من التصرف.
فهذه شروط الوكيل والموكل. ويزاد عليها في الوكيل معنياً فلو قال لاثنين: وكلت أحدكما في بيع كذا لم يصح. وأما الموكل فيه فإنه يشترط فيه أمور:
أحدها: ان يكون معلوماً ولو بوجه ما فإذا كان مجهولاً جهالة تامة فغن التوكيل لا يصح، فمثال المجهول أن يقول له: وكلتك في جميع أموري أو في كثير وقليل فهذا التوكيل لا يصح لما في الجهالة من الغرر المفضي للنزاع.
(3/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومثال المعلوم من بعض الوجوه أن يقول له: وكلتك في بيع أموالي أو دوابي أو نحو ذلك ولو لم تكن أمواله معلومة من جميع الوجوه لأنه يكتفي بتميزها عن غيرها من العقود الأخرى.
ثانيها: أن يكون قابلاً لنيابة والشيء الذي يقبل النيابة هو إبرام العقود وفسخها فله أن يوكل عنه في البيع والهبة والضمان والوصية والحوالة وغيرها من العقود. وصورة التوكيل في الضمان أن يقول: جعلت موكلي ضامناً لك كذا وفي الوصية أن يقول جعلت موصباً لك بكذا. وصورة التوكيل في الحوالة أن يقول الوكيل: أحلتك بمالك على موكلي من دين بنظيره مما له على فلان. وكذا فسخ العقود فله أن يوكل في إقالة شخص من شراء سلعة أو في رد سلعة اشتراها لظهور عيب فيها. أو في فسخ عقد له حق فسخه بخيار المجلس أو بشرط من الشروط. وكذلك له أن يوكل غيره في قبض دين أو عين أو يوكله في أن يعطي غيره ديناً عليه.
أما إذا كان عليه عين (كالقمح أو الدواب) فإنه لا يصح أن يوكل غيره في تسليمها بل لا بد من أن يسلمها بنفسه على المعتمد. وكذا يصح له أن يوكل غيره في خصومة من دعوى وفي جواب عن دعوى سواء أرضي الخصم أم لا.
وكذا له أن يوكل في تملك أمر مباح كاصطياد السمك أو الطير. وله أيضاً أن يوكل في استيفاء العقوبة وتوقيعها على الجاني فيجوز التوكيل في حضور توقيع في الحدود ولكن لا يصح التوكيل في إيفائها بمعنى أنه يوكله في أن يتحمل عنه العقوبة، فإن ذلك لاقبل النيابة (راجع مذهب الحنفية) .
ولا يصح التوكيل في العبادات البدنية التي لا بد لها أو لمتعلقها من نية كالصلاة والإمامة فإن الإمامة وإن كانت لا تحتاج إلى نية ولكنها تتعلق بالصلاة والصلاة لا بد من نية ويلحق بهذا اليمين والإيلاء والظهار والشهادة والنذر فإن كل هذا لا يقبل النيابة.
أما العبادات التي تتركب من بدنية ومالية فإنه يصح فيها التوكيل كالحج والعمرة وتجهيز الميت وبنذر في الحج توابعه كركعتي الطواف فإنها وإن كانت صلاة لا تنفع فيها النيابة ولكن تقبل النيابة في هذه الحالة تبعاً.
ومجمل القول أن العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام لا تقبل النيابة والعبادات المالية المحضة أو المركبة من بدنية ومالية فإنها تقبل الإنابة.
ثالثها: أن يكون الموكل فيه مملوكاً فإذا وكله في طلاق امرأة سيزوجها كانت الوكالة باطلة.
أما الصيغة فإنها لفظ يدل على التوكيل من أحدهما (الوكيل أو الموكل) وعدم رد من الآخر فإذا قال الموكل: وكلتك في كذا أو فوضت إليك كذا سواء كان مشافهة أو كتابة أو مراسلة فإنه يصح.
ولا يشترط أن يقول الوكيل: قبلت بل الشرط ألا يرفض التوكيل، وكذلك لا يشترط عمله بالتوكيل فإذا
(3/161)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وكل شخص أخاه في أن يتصرف في شيء قبل أن بعلم بالتوكيل نفذ تصرفه ولا يشترط الفور فلو علم بالتوكيل ولم يشترط العمل فوراً أو لم يرده فوراً فإنه لا يضر على انه يشترط اللفظ من الجانبين في صورتين:
إحداهما: إذا كان لشخص عين مملوكة، ولكنها في يد غيره بإجارة أو إعارة أو نحو ذلك ثم وهبها لشخص آخر فوكل الموهوب له واضع اليد بقبضها فإن ابتوكيل في هذه الحالة لا يصح إلا إذا قبله واضع اليد لفظاً حتى تزول عنه يده، ولا يكتفي بإمساك الأرض، لأن معنى ذلك استدامة إجارتها أو إعارتها.
ثانيهما: الوكالة بجعل، فإذا وكل شخص آخر بأن يشتري له أرضاً معلومة وله على ذلك كذا فإنه لا بد في ذلك من القبول لفظاً لأن في هذه
الحالة تكون إجارة وشروطها أن يكون العمل الذي يقوم به الوكيل مضبوطاً.
الحنابلة - قالوا: يشترط في الموكل أن يكون أهلاً للتصرف في الشيء الذي يريد أن يوكل فيه، لأن من لا يصح أن يتصرف بنفسه فلا يصح أن يتصرف لنائبه بطريق الأولى إلا في أحوال ضرورية
منها: أن يكون الموكل أعمى فإنه ممنوع من التصرف فيما يحتاج لرؤية كعقد البيع وافجارة، ولكنه يجوز أن يوكل غيره عنه في ذلك لأن منعه عن التصرف لعجزه عن العلم بالمبيع لا لنقص فيه.
ومثل الأعمى الغائب فإن له أن يوكل غيره في عقد البيع أو الإجارة وإن كان ممنوعاً من التصرف لعدم الرؤية، فخرج بذلك الصبي والسفيه والمجنون ونحوهم كما تقدم في البيع على أنه يصح توكيل الصبي المميز بإذن وليه في كل تصرف لا يشترط فيه اليلوغ، فلا يصح توكيله في نحو إيجاب النكاح، ولكن يصح توكيله في قبوله. أما الطلاق فإنه يصح توكيله بدون إذن وليه إذا عقله.
وكذلك يشترط في الوكيل أن يكون أهلاً للتصرف فيما يوكل فيه فلا يصح له أن يوكل في شيء ممنوع من التصرف بنفسه إلا في أمور:
أحدها: أن يتوكل الحر الغني القادر على النككاح في زواج أمه لمن يتاح له فإنه ممنوع من تزويجها ولكنه يباح ل له أن يتوكل في تزويجها لغيره.
ثانيها: أن يتوكل الغني عن فقير في قبض الزكاة، فإنه ممنوع عن أخذ الزكاة لنفسه، ولكنه يصح توكيله عن غيره، ومثل ذلك الزكاة والكفارة والنذر.
ثالثها: أن يتوكل في قبول زواج أخته أو عمته لأجنبي فإنه ممنوع من زواجها لنفسه مع جواز توكيله في قبول زواجها لغيره.
ومنها: توكيل المرأة في طلاق نفسها أو طلاق غيرها فإنه صحيح، مع أن المرأة لا تتصرف في الطلاق من غير توكيل. فهذه الصور جارية على الغالب.
وأما الموكل فيه فهو كل ما فيه حق الآدمي من العقود فيصح في البيع والشراء والإجارة
(3/162)

مبحث الوكالة بالبيع والشراء
-الوكالة بالبيع والشراء من الأمور التي يكثر وقوعها بين الناس فلذا أفردنا في مبحث خاص كما فعل بعض المؤلفين ولها أحكام مفصلة في المذاهب (1) .
__________
والمضاربة والقرض والإبراء والطلاق والرجعة والحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمساقاة والصلح والهبة والصدقة والوصية والقسمة وغير ذلك من العقود. وكذلك يصح في تملك المباحات من صيد واحتطاب وإحياء أرض ميتة.
ولا تصح الوكالة في العقود التي لا تقبل النيابة كالظهار واللعان والنذر والإيلاء والقسامة، والقسم بين الزوجين والشهادة والتقاط لقطة أو لقيط، كما لا تصح في المعاصي والرضاع وغير ذلك.
ويصح للرجل أن يوكل غيره في أن يقبل له النكاح بشرط أن يسند الوكيل إليه العقد فيقول ولي الزوجة. زوجت موكلك فلاناً أو زوجت فلاناً فلانة ويقول الوكيل: قبلت النكاح لفلان أو لموكلي فلان فإن لم يذكر ذلك فإن النكاح يفسد وإن نوى موكله.
أما حقوق الله تعالى فمنها لا يقبل النيابة وهي الأعمال البدنية المحضة والصيام والطهارة، فهذه لا يصح التوكل فيها. ومنها النيابة وهي الأعمال المالية المحضة أو المركبة من المالية والبدنية، والأولى كتفرقة الصدقة والزكاة والنذر والكفارة وهذه تصح فيها الوكالة مطلقاً والثانية أعمال الحج والعمرة فإنهما مركبان من أعمال مالية وبدنية ولكن لا تصح النيابة فيهما مطلقاً بل عند العجز عن أدائهما.
ويصح له التوكيل في إثبات الحدود وفي استيفائها ممن وجبت عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فاعترفت فأمر بها فرجمت" فقد وكله في إثبات الحد واستيفائه والأولى أن يكون استيفاء الحد الموكل في الحدود المتعلقة بحقوق العباد لجواز أن يرحمه ويعفو عنه فيسقط الحد.
وأما الصيغة فهي كل لفظ يدل على الإذن في التصرف: كوكلتك أو فوضت إليك في كذا أو نحو ذلك. وتنعقد الوكالة بقول بع هذا الجمل أو اعتق هذا العبد. وتنفذ أيضاً بقول: أفمتك مقامي أو جعلتك نائباً عني، ويصح قبول الوكالة لفظ أو فعل من الوكيل يدل على القبول، ولا يشترط علم الوكيل بالوكالة فلو وكل شخص آخر ولم يعلم ولكنه تصرف بعد التوكيل نفذ تصرفه. ولا يشترط الفور لقبول الوكالة بل يصح قبولها ولو بعد سنة فأكثر.

(1) المالكية - قالوا: يتعلق بالوكالة بالبيع والشراء أمور:
أولاً: إذا وكل شخص آخر على أن يبيع له سلعة معينة ولم يصرح في التوكيل بأنه وكله في قبض
(3/163)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثمن المبيع فإن كان العرف والعادة في مثل ذلك أن الوكيل لا يقبض الثمن فإنه لا يصح له قبضه وإذا قبضه وإذا دفعه له المشتري لا تبرأ وللموكل أن يطالب المشتري بالثمن.
أما إذا كانت العادة جارية على أن الوكيل الذي يتولى البيع قبض الثمن أيضاً فإنه يكفي أن يثبت أنه وكيل على بيع السلعة فقط وثبت ذلك فإن عليه أن يقبض الثمن ولو سلم المبيع ولم يقبض الثمن ضمنه.
أما إذا لم تجر العادة بقبض الثمن ولا بعدمه فإن على الوكيل قبض الثمن أيضاً وإن لم ينص عليه في التوكيل ولكن قبض الثمن من توابع البيع.
وهذا كله إذا وكله على بيع سلعة معينة كما قلنا. أما إذا وكله على بيع السلع فإن له قبض الثمن والمطالبة به على أي حال.
وإذا وكله على أن يشتري له سلعة فاشتراها ولكن الوكيل اشترط على البائع أنه غير ملزم بدفع الثمن والذي يدفع هو الموكل فإن الوكيل في هذه الحالة لا يصح له قبض السلعة التي اشتراها لموكله. أما إذا اشترى السلعة ولم يشترط براءة ذمته دفع الثمن فإن عليه أن يقبض السلعة ويكون هو الملزم بدفع الثمن.
ثانياً: إذا وكل شخص آخر وكالة غير مقبوض على أن يشتري له سلعة غير معينة كأن قال: اشتر لي جملاً فاشتراه له ثم وجد بع عيباً لم يعلم به الوكيل حال شرائه فإنه يجب على الوكيل أن يرده لصاحبه بذلك العيب سواء كان من العيوب الخفية أو من العيوب الظاهرة.
أما إذا كان عالماً به حال الشراء فليس له رده ويكون ملزماً به دون الموكل إلا إذا رضي الموكل به فإذا عين الموكل السلعة كأن قال له: اشتر لي جمل فلان ثم وجد به عيباً فليس له رده وعليه أن يخبر موكله بذلك فإن شاء ده وإن شاء قبله الوكيل مفوضاً له رد السلعة ولو عينها الموكل فيجوز له الرد ويجوز له القبول.
وإذا كان العيب قليلاً يغتفر مثله عادة وكان في الشراء فائدة للموكل كما إذا اشترى له ناقة مقطوعة الذنب ولكن رخيصة فليس له الخيار.
ثالثاً: إذا وكله وكالة غير مفوضة على أن يبيع له سلعة فباعها لآخر ثم ظهر بها عيب فإن المشتري يرجع على الوكيل ما لم يعلم المشتري يرجع على الوكيل ما لم يعلم المشتري بانه وكيل أو يحلف وكيل، وفي هذه الحالة يرجع المشتري على الموكل.
أما إذا كان وكيلاً مفوضاً فإن للمشتري أن يرجع عليه أو على الموكل سواء علم بانه وكيل مفوض أو وكيل فقط أو لم يعلم.
رابعاً: وإذا وكله على شراء سلعة فإنه يجب عليه أن يشتري له سلعة لائقة به، فإذا قال: اشتري لي جبة من الجوخ وجب عليه أن يشتريها من الصنف اللائق بحاله مالم يعين له الثمن كأن
(3/164)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يقول له: اشتر لي جبة يسعر كذا فإذا عين. فبعضهم يقول: يشتري له بالسعر وإن لم يكن لاثقاً به. وبعضهم يقول: لابد من شراء اللائق به.
خامساً: إذا وكله أن يبيع له سلعة فلا يخلو إما أن يعين له الثمن الذي يبيع به أولا يعين فإذا عين له الثمن فباع بأقل منه فإن للموكل الخيار فب إمضاء هذا البيع ورده فإذا أمضى البيع أخذ الثمن الذي باع به وإذا رده أخذ سلعته إن كانت قائمة.
أما إذا فاتت فإن الوكيل يكون ملرماً بدفع نقص الثمن الذي سماه ولافرق في هذه الحالة بين أن يكون فرق الثمن يسيراً أو كثيراً.
أما إذا لم يعين له الثمن الذي يبيع به فباع بأقل من الثمن المثل فإن كان فرق الثمن يسيراً يمكن وقوعه عادة بأن كان يساوي نصف العشر فأقل فإن البيع ينفذ وليس للموكل الخيار.
أما إذا كان الفرق أكثر من نصف العشر فللموكل الخيار بين رد البيع وإمضائه على الوجه المتقدم.
سادساً: إذا وكله على أن يشتري له سلعة فلا يخلو إما أن يعين له الثمن الذي يشترى به أو لا يعين.
فإذا لم يعين له الثمن كانت هذه الصورة كصورة ما إذا وكله بالبيع وهو أنه إذا اشترى له بزيادة عن ثمن المثل فإن كانت الزيادة يسيرة فلا خيار له وإي كانت كثيرة له الخيار.
أما إذا عين الثمن الذي يشتري به فإن له أن يشتري بزيادة يسيرة في هذه الحالة بخلاف حالة البيع فإذا وكله على أن يشتري له فرساً بعشرين جنيهاً مثلاً فاشتراها بزيادة جنيه فليس للموكل الخيار في قبولها أو ردها لأن الجنبه هو نصف عشر العشرين.
أما إذا اشتراها بزيادة جنيهين مثلاً فإن له الخيار في إمضاء الشراء ورده ومعنى رده في هذه الصورة أن الوكيل يكون ملزماً به ما لم يكن مشترطاً الخيار.
ويشترط في إمضاء الشراء ألا يكون قد اشترى سلماً فإن كان الوكيل قد دفع نقداً على أن يأخذ بها قمحاً يعد شهرين مثلاً فليس للموكل أن يرضى بذلك في حالة المخالفة بل عليه أن برفض.
وذلك لأنه بمجرد مخالفة الوكيل أصبح الثمن ديناً في ذمته، فإذا أجار الموكل هذا الشراء فقد برأه من الدين في مقابلة المسلم فيه الذي لم يقبضه وهو دين فيلزم من ذلك فسخ الدين وهو باطل على أنه يلزم في هذه الصورة بيع الطعام قبل قبضه أيضاً، وذلك لأن القمح يلزم الوكيل بمجرد المخالفة، فإذا رضي الموكل بذلك فيكون الوكيل قد باعه إياه قبل قبضه وهو باطل أيضاً.
سابعاً: إذا وكله على أن يشتري له من سوق معين وفي زمان معين فخالفه واشترى من غير ما عينه له فإن كانت أسعار السلع تتفاوت بالنسبة للأسواق أو الأزمنة كان للموكل الخيار في القبول والرد، وإن كانت لا تتفاوت فلا خيار له.
(3/165)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثامناً: إذا وكله أن يبيع له سلعة ربوية بمثلها، كما إذا قال له: بع هذا القمح بفول فخالف في ذلك وباعه بأرز مثلاً كان للموكل الخيار في إجازة البيع ورده بشرطين:
الأول أن يكون المشتري جاهلاً بمخالفة الوكيل بما أمره به موكله فإن كان عالماً بهذه المخالفة فسد العقد ابتداء وذلك لأنه يكون قد أقدم على شراء شيء وهو عالم بأنه يجوز أن يتم له أولا يتم وهذا مفسد للبيع في الأمور الربوية لأنه يكون داخلاً على الخيار في الأمور الربوية وهو مبطل وهذا يقال: إنكم أجزتم للموكل الخيار في اجازة البيع ورده إذا خالف الوكيل في بيع ربوي أو شرائه والجواب أن هذا الخيار ليس مشترطاً في الأصل بل هو خيار حكمي جر إليه الحكم وهو المخالفة أما الذي يبطل فهو الخيار الذي ثبت بالشرط من أول الأمر، كأن يشترط الخيار أو يكون عاماً به كما في الصورة الأولى.
هذا والأمور الربوية هي الأصناف التي يحرم فيها ربا الفضل المذكورة في مباحث الربا وهي كل ما كان طعاماً مدخراً مقتاتاً كالقمح والشعير والأرز ونحوها أو كان ذهباً أو فضة.
الشرط الثاني: الا يلتزم الوكيل أو المشتري ما نقص عن الثمن الذي سماه الموكل في حالة التوكيل بالبيع كما إذا قال له: بع هذه السلعة بعشرين فباعها بخمسة عشر، ثم التزم للموكل بنقص الثمن وهو خمسة، فإنه في هذه الحالة لا يكون للموكل خيار.
ومثل ذلك ما إذا التزم له الوكيل بالزيادة على الثمن في حالة التوكيل يالشراء كما إذا قال له: اشتر لي سلعة بعشرة فإشتراها بخمسة عشر ثم التزم الزيادة وهي الخمسة فإنه لا يكون للموكل خيار في هذه الحالة.
تاسعاً: لا يجوز للوكيل أن يشتري السلعة التي وكل على بيعها ولو عين له الموكل الثمن الذي يبيع به لأنه يحتمل أن يشتريها غيره بثمن أكثر من الذي عينه له، نعم يجوز له شراؤها إذا أذنه موكله بذلك أو انتهت رغبات الناس في هذه السلعة الى ثمن معين، كما إذا عرضها للمبيع في الأسواق التي تباع فيها وانصرف التاس عنها.
وكذلك لا يجوز للوكيل أن يبيع لمن كان له عليه ولاية حجر لصغر أو لسفه أو لجنون أو رق فلا يجوز أن يبيع لإبنه الصغير أو الكبير والمجنون أو نحوهما وذلك لأنه هو الذي يتولى عنهما القبول فكأنه باع لنفسه أما زوجته وولده الرشيد فإنه يجوز أن يبيع لهما بشرط عدم المحاباة فإن حاباهما بأن باع لهما ما يساوي بذلك الثمن ثم ارتفع ثمنها وصار عشرة وعلم الموكل فليس مطالبته بالفرق.
الحنفية - قالوا: يتعلق بالوكالة على البيع والشراء أمور:
أولاً: أنه إذا وكله على شراء شيء أو بيعه، فلا بد أن يكون ذلك الشيء معلوماً ولو بوجه حتى يتمكن الوكيل من تنفيذ أمر الموكل، فإن كان مجهولاً جهالة تامة فإن التوكيل باطلاً إلا إذا كانت الوكالة عامة.
(3/166)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وبيان ذلك أن الوكالة على البيع والشراء إما أن تكون عامة أو خاصة، والموكل على شرائه أو بيعه إما أن يكون معلوماً أو يكون مجهولاً جهالة تامة، أو يكون مجهولاً جهالة يسيرة، فإذا كانت الوكالة عامة - كما قال له -: (وكلتك على أن تشتري لي ما رأيت) أو (أن تبيع من مالي ما رأدت) ، فإنه يصح أن يشتري له ما يشاء من ماله ما يشاء بدون تعيين.
أما إذا كانت الو كالة خاصة والجهالة فاحشة فإن الوكالة لا تصح، وذلك كما إذا قال له: اشتر لي ثوباً أو دابة، فالثوب والدابة مجهولان جهالة تامة، ويعبر الفقهاء عن ذلك بجهالة الجنس، وهو أن يذكر شيئاً يشمل أجناساً ولم يبين واحداً منها (كالدابة والثوب) فإذا قال له: وكلتك على أن تشتري لي دابة لا يصح، لأن الدابة في اللغة اسم لكل ما يدب على الأرض من حيوان وإنسان وقد خصها العرف بالخيل والبغال والحمير، وعلى كل حال فهي تشمل أجناساً كثيرة، فإذا حملت على المعنى العرفي كانت شاملة للخيل والبغال والحمير، فالجنس الذي يريد شراؤه مجهول، إذا يحتمل أنه يريد الخيل أو البغال أو الحمير، (وليس المراد الجنسي المنطقي، وهو المقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة) بل المراد ما يكون تحته أصناف فالخيل مثلاً جنس عند الفقهاء لأن تحتها أصنافاً كثيرة منها عربي ومنها مسكوفي ومنها مضمرة، إلى غير ذلك من أصناف الخيل، وكذا البغال والحمير فإنها أجناس لأنهما تشمل أصنافاً كثيرة.
ومثل الدابة الثوب، فإن فيه جهالة الجنس، لأن الثوب يشمل أجناساً مختلفة، كل جنس تحته أصناف كثيرة فهو يشمل: القماش والحرير والصوف والكتان، والقماش يشمل: (المدارسي والمقصورة والشاش الإسلامبولي والهندي) إلى غير ذلك، والحرير يشمل (القطني والألج والحرير الهندي) وغير ذلك، ومثل ذلك الصوف والكتان فكلها أجناس عند الفقهاء لأن تحتها أصنافاً كثيرة، فإذا لم يبين الجنس الذي يريده الموكل كانت الوكالة باطلة حتى ولو ذكر الثمن.
أما إذا كانت الجهالة يسيرة فإن الوكالة الوكالة تصح، وذلك كما إذا قال له: وكلتك على أن تشتري لي حماراً، أو بغلاً، أو فرساً) فإن الوكالة تكون صحيحة - لأنه وإن لم يكن فيه بيان شاف - ولكن جهالته غير فاحشة، ويعبر الفقهاء عن ذلك بجهالة النوع، وهو أن يذكر عبارة تشمل أصنافاً كصيرة لم يبين واحداً منها، فالمراد بالنوع الصنف، فإذا قال له: وكلتك على شراء فرس فقد وكله شراء نصف مجهول لأن الفرس أصنافاً كثيرة كما ذكرنا آنفاً: فعدم تعيين واحد منها فيه جهالة للنوع (أي الصنف) ولكن هذه الجهالة يسيرة، وذلك لأن الوكيل قادر على تحصيل غرض الموكل وذلك بأن ينظر إلى حاله ويشتري ما يليق به.
وهناك قسك آخر وهو الجهالة المتوسطة وذلك كما إذا قال له: اشتر لي داراً بثمن كذا فإنه وإن لم يبين الجهة التي يشتري فيها ولا عدد حجرها مثلاً، ولكن الثمن يجعلها ملحقة بالمجهول جهالة يسيرة.
(3/167)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا لم يذكر ثمناً ولا صفة كانت ملحقة بجهالة الجنس وبعضهم يقول: إن ذكر الثمن لا يجعل جهالتها يسيرة، بل لابد من ذكر الجهة يترتب عليها اختلاف كثير في الثمن والرغبة.
والحاصل أن جهالة الشيء الموكل على بيعه أو شرائه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: جهالة الجنس، وجهالة النوع والجهالة المتوسطة.
وقد عرفت تعريف كل واحدة منها مع أمثلة. فإذا ذكر الموكل لفظاً بين به جنس الموكل وعليه ونوعه وصفته فإن الوكالة تصح بلا نزاع وذلك كأن يقول: وكلتك على شراء فرس أدهم مسكوفي أو نحو ذلك.
أما إذا لفظاً يدل على أجناس مختلفة فلم يبين جنسه فلا يصح التوكيل قطعاً وذلك كأن يقول: وكلتك على شراء ثوب حتى ولو ذكر الثمن.
أما إذا ذكر لفظاً يدل على انواع مختلفة ولم يبين النوع الذي يريده. وإذا ذكر لفظاً يدل على أنواع مختلفة باختلاف أحوال الناس فتارة مجهولة والمبنية يسيرة - كالدار - فإنها تدل على دور متعددة لأنها تشمل الدار الكبيرة والمبنية بالحجر باللبن المحروق وغيره. والموجودة في بلد كذا أو جهة كذا. أو شارع كذا. إلى غير ذلك فإذا كان في قربة ولا تختلف دورها كثيراً في بنائها واتساعها وموقعها فإن الجهالة تكون يسيرة وتلحق بجهالة النوع إلا أنه لا بد فيها من ذكر الثمن كأن يقول: وكلتك على دار بكذا.
أما إذا كان في مدينة يختلف حال الدور فيها باختلاف الموقع وتفاوت بنيانها اختلافاً كثيراً فإنه لا بد من ذكر الأوصاف المميزة لها وإلا كانت ملحقة بجهالة الجنس فلا تصح الوكالة.
ثانياً: إذا اشترى الوكيل لموكله سلعة ثم ظهر بها عيب ولم يردها الوكيل إلى صاحبها كان ملزماً بها إلا إذا قبلها الموكل على عيبها.
وإذا هلكت في يد الوكيل قبل أن يلزمه الموكل بها هلكت على الموكل، وهل للموكل أن يرد السلعة المعينة قبل أن يستلمها من الوكيل؟
الجواب: ليس له ذلك لأن ردها من حقوق الوكيل ما دامت في يده. فإذا مات ينتقل إلى وراثه فإذا لم يكن له وارث انتقل حق الرد إلى الموكل. أما إذا استلم الموكل السلعة فقد أصبح هو صاحب الحق في ردها بالعيب لأن الوكالة تنتهي السلعة وليس للوكيل حينئذ ردها إلا إذا أمره موكله بذلك فإنه يصح.
وإذا وكله على أن يبيع له سلعة وظهر للمشتري أن عيباً فإن للمشتري أن يردها على الوكيل إلا إذا سلبت عن الوكيل أهلية التصرف كأن جن أو حجر فإنها ترد في هذه الحالة على الموكل.
ثالثاً: إذا وكله على أن يشتري له سلعة ولم يعطيه ثمنها فاشتراها الوكيل له من ماله ودفع ثمنها فإن للوكيل حبس هذه السلعة وعدم تسليمها للموكل إلا إذا دفع ثمنها فإن له حبسها بطريق الأولى
(3/168)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وذلك لأنه في حالة دفع الثمن قد يتوهم أنه بالثمن لموكله فلا يصح له حبس عنه أما في حالة عدم الدفع فلا يتوهم التبرع.
وإذا هلكت السلعة في يد قبل أن يحبسها عن موكله فإنها تهلك من مال الموكل فعليه أن يدفع ثمنها.
ومثل ذلك ما إذا دفع الموكل له ثمن السلعة لشتريها فضاع منه الثمن فإنه يضيع على الموكل لا على الوكيل نعم إذا اشترى سلعة ثم أعطاه الموكل ثمنها ليدفعه إلى البائع فققد منه الثمن قبل يعطيه للبائع فإن الوكيل يكون ملزماً به وكذلك إذا هلكت السلعة في يد الوكيل بعد حبسها عن الموكل فإنها تهلك على الوكيل وليس له أن يطالب الموكل بثمنها سواء كانت قيمة السلعة متساوية مع ثمنها أو لا.
وبعضهم يقول: إن السلعة في هذه الحالة كالمرهون. فإن تهلك بالأقل من ثمنها وقيمتها بمعنى أنها تقوم وقت هلاكها فإن كانت قيمتها تساوي ثمنها بأن كان ثمنها عشرة ولم ينقص عن ذلك ولم يزد عند هلاكها فالأمر ظاهر.
أما إذا زادت قيمتها عن ثمنها خمسة كانت الخمسة حقاً للموكل فيطالب بها الوكيل وإن نقضت خمسة كانت حقاً للوكيل فيطالب بها الموكل. مثلاً إذا وكله بشراء جمل فاشتراه له بخمسة عشر ولم يدفع الموكل الثمن ولم يرض الوكيل بإعطائه الجمل قبل دفع الثمن ثم مات بعد ذلك في يد الوكيل. ففي هذه المسألة رأيان:
أحدهما: أن الجمل هلك بثمنه على الوكيل فلا يطالب الموكل بشيء سواء زادت الجمل أو نقصت.
ثانيهما: أنه ينظر إلى ثمن الجمل وقيمته عن ثمنه بحيث أصبح يساوي عشرة فإن الوكيل يحسب عليه عشرة فقط ويرجع على الموكل بالخمسة.
أما إذا كانت قيمته هلاكه قد ارتفعت إلى عشرين فإنه بخمسة عشر ويرجع الموكل على الوكيل بالخمسة التي زادت.
رابعاً: إذا اشترى الوكيل السلعة بثمن معجل ثم أجله له البائع بعد الشراء فإن للوكيل الحق في مطالبة الموكل بالثمن حالاً.
أما إذا اشتراها بثمن مؤجل من أول الأمر فليس له مطالبة الموكل بالثمن حالاً.
خامساً: إذا أراد شخص أن يتعاقد مع آخر في سلم فإنه يصح له أن يوكل عنه من يدفع للمسلم إليه (البائع) رأس مال السلم (الثمن) ، أما المسلم فإنه لا يجوز له أن يوكل عنه غيره في قبض رأس مال السلم وذلك لأنه مجرد أن يقبض الوكيل رأس المال (الثمن) فإنه يصير المسلم فيه (المبيع) في ذمته
(3/169)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فيكون مسؤولاً عنه مع أن الثمن يعطي إليه ولا يجوز أن يبيع الإنسان ماله بشرط أن الثمن لغيره وبذلك يكون التوكيل باطلاً ويكون الوكيل هو المتعاقد (المسلم إليه) فيكون رأس المال مملوكاً له والمسلم فيه ديناً في ذمته فإذا أعطى رأس المال من وكله كان في ذمته.
وفي الصورة الأولى الجائزة وهي ما إذا وكل رب السلم (المشتري شخصاً ليدفع عنه رأس مال المسلم (الثمن) فإنه لا يصح للوكيل أن يفارق المسلم إليه البائع قبل أن يدفع له رأس المال فإذا فارقه بطل العقد. وإذا كان الموكل حاضراً وفارق المجلس قبل القبض. هل يبطل العقد أو لا؟ رأيان فبعضهم يقول: إن الوكيل نائب فإذا حضر الأصيل فلا يعتبر النائب. وبعضهم يقول: إن الوكيل وإن كان نائباً في أصل العقد ولكنه في التصرف في الحقوق فلا عبرة بحضور الموكل ولا بمفارقته ما دام الوكيل حاضراً.
ومثل السلم الصرف فإنه يجوز لكل من العاقدين أن يوكل عنه من يستلم العين التي يتبادلانها بشرط ألا يفارق الوكيل صاحبه قبل العقد.
سادساً: إذا وكله على أن يشتري له شيئاً بعينه كفرس فلان أو ثوره أو غير ذلك فإنه لا يجوز للوكيل أن يشتري ذلك الشيء عند غيبة موكله.
أما إذا كان موكله حاضراً فإن له أن يشتريه لنفسه لأن له أن يعزل نفسه عن التوكل رأساً بحضرة موكله ويكون حراً. أما في حالة غيبة موكله فإنه لا يجوز له عزل نفسه فلا يصح أن يشتري لنفسه ما أمره موكله بشرائه له وإلا كان مغرراً وذلك لا يجوز. نعم إذا قال له اشتر لي كذا بعشرين فاشتراه لنفسه بخمسة وعشرين أو قال له اشترلي بورق فاشتراه بذهب فإنه يجوز لأن في مخالفة لأن في مخالفة الموكل عزلاً ضمنياً للوكيل.
ومثل ذلك ما إذا وكله على أن يزوجه امرأة بعينها فإن للوكيل أن يزوجها لنفسه وذلك لأن النكاح لا بد من إضافته إلى الموكل فإذا أضافه الوكيل لنفسه فقد عزل نفسه لمخالفته مقتضي التوكيل.
وإذا وكله على أن يشتري شيئاً غير معين كأن قال له اشتر لي ما رأيت فهذه تحتمل ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن ينسب الثمن إلى مال أحدهما أحدهما وفي هذه الحالة تكون السلعة لصاحب المال سواء كان الوكيل أو الموكل.
الصورة الثالثة: أن لا ينسب الثمن إلى مال أحد كالصورة الثانية ولكن الوكيل لم ينو عند الشراء أن تكون السلعة له أو للموكل ووافقه الموكل على ذلك وفي هذه الحالة رأيان:
(3/170)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الرأي الأول: أن تكون السلعة لمشتري (الوكيل) مطلقاً سواء دفع ثمنها من ماله أو من مال الموكل.
الرأي الثاني: أن تكون للذي دفع الثمن من ماله.
سابعاً: إذا ادعى الوكيل أنه اشترى حيواناً كفرس فهذه المسألة تحتمل صوراً:
الصورة الأولى: أن يكون مأثوراً بشراء ذلك الحيوان بعينه والحيوان حي لم يحدث فيه عيب وفي هذه الحالة يكون القول للوكيل سواء أخذ ثمنه أو لا بعد أن يحلف وذلك لأنه أخبر عن شيء يملك فعله في أي وقت ما دام وكيلاً.
الصورة الثانية: أن يكون الحيوان قد هلك أو حدث به عيب. وهذه تحتمل وجهين:
الوجه الثاني: أن لا يكون قد فقد الثمن وفي هذه الحالة يكون القول للموكل.
الصورة الثالثة: أن يكون مأموراً بشراء حيوان غير معين والثمن مفقود وفي هذه الحالة يكون القول للوكيل سواء كان حياً أو ميتاً.
الصورة الرابعة: أن يكون الحيوان غير معين والثمن غير منقود وفي هذه الحالة يكون القول للموكل لما فيها من جهة التهمة للوكيل فإنه يحتمل أن يكون قد اشتراه لنفسه فلما رأى الصفقة خاسرة قال إنه اشتراه للموكل.
ثامناً: إذا قال شخص لآخر بعني هذا الثور لفلان فباعه إياه ثم أنكر المشتري أن فلاناً أمره بالشراء حقيقة.
تاسعاً: إذا وكله على أن يشتري له سلعتين معينتين ولم يسم ثمناً فاشترى له إحداهما بقدر قيمته أو بزيادة يسيرة يتعغابن فيها الناس فإنه يصح، أما إذا اشتراها بزيادة فاحشة فإنه لا يصح وذلك لأن الوكيل على شراء شيء لا يجوز له أن يشتري بغبن فاحش.
وإذا وكله على بيع شيء فخالفه فإن كانت المخالفة في خير فإنها تنفذ كما قال له بع هذا الفرس بعشرين جنيهاً فباعها بخمسة وعشرين بشرط أن يبيع بالنقد أي بحيث لو باعها بورق فإنه لا يصح ولو كانت مصلحة للموكل.
الحادي عشر: لا يجوز لوكيل أن يبيع السلعة الموكل على بيعها لنفسه أو لمن له عليه ولا ية بسبب الحجر لصغر أو جنون أو سفه أو لمن لا تقبل شهادته كابنه الكبير وأبيه فهؤلاء الأنواع الثلاثة
(3/171)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لا يجوز للوكيل أن يبيع سلعة موكله لهم كما أن يبيع سلعة موكله لهم كما لا يجوز ان يشتري له سلعة منهم لتهمة المحاباة فضلاً عن أن البيع والشراء من نفسه أو ممن له عليه ولاية يستلزم أن يكون البائع والمشتري واحداً والمعروف أن عقد البيع لا يكون إلا بين اثنين. فإذا أذنه الموكل أن يبيع لمن لا تقبل شهادته فإنه يصح أن يبيع لهم أو يشتري منهم بثمن المثل كما لا يجوز له أن يبيع لهم بأزيد ويشتري منهم بأنقص بلا خلاف فإن باع أو اشترى منهم بغبن فاحش فإنه لا يصح قولاً واحداً وفي الغبن اليسير خلاف (والغبن الفاحش هو الذي لا يتغابن الناس فيه عادة أي لا يخدع بعضهم فيه بعضاً. وقدره بعضهم في عروض التجارة بما زاد على نصف العشر وفي الحيوان بما زاد على العشر وفي العقار بما زاد على الخمس) فذلك هو الغبن الفاحش وما عداه فهو يسير.
أما إذا أذنه الموكل بأن يبيع لنفسه أو لابنه الصغير ففيه رأيان:
أحدهما: أنه لا يجوز لأن العاقد في هذه الحالة يكون واحداً.
ثانيهما: انه يجوز (ويظهر أن الذي يقول بعدم الجواز لعلة كون العقد واحداً لا يمنع أن يبيع الوكيل السلعة لأجنبي ثم يشتريها منه ثانباً لأنه في هذه الحالة يكون البائع غير المشتري)
الثاني عشر: يجوز للوكيل أن يبيع السلعة الموكل على بيعها بيعاً مطلقاً والكثير فلا يسأل عن الغبن سواء كان فاحشاً أو يسيراُ عند أبي حنيفة. اما صاحباه فيقولان انه يجوز أن يبيع بغير ثمن. المثل وقد رجح بعضهم قول الإمام وبعضهم رجح قول صاحبيه وعليه الفتوى.
أما إذا وكله على أن تشتري له سلعة فإنه لا يجوز لوكيل أن يشتريها بأكثر من ثمن المثل بحسب العرف والعادة بالإجماع فإذا أشترى على خلاف العادة والمعروف أو اشترى بغير النقود نفذ شراؤه على نفسه وكان ملزماً بالثمن الذي أخذه من مال موكله.
واعلم أنهم قسموا الذين ينصرفون في البيع والشراء إلى أقسام.
الأول: الأب والجد والوصي إذا باعوا أو اشتروا مال القاصر أو المحجور عليه وهؤلاء ليس لهم أن يبعوا أو يشتروا بحسب العرف والعادة ويغتفر لهم الغبن اليسير.
الثاني: الوكيل بالبيع المطلق والمضارب وشريكا العنان وهؤلاء يجوز لهم أن يبعوا كما يحبون ونفذ تصرفهم ولو غبنوا غبناً فاحشاً عند أبي حنيفة أما صاحباه فقد عرفت رأيهم في ذلك آنفاً وقد عرفت أن شراء هؤلاء لا ينفذ إذا كان بحسب العرف والعادة باتفاق.
الثالث: المريض مرض الموت إذا كان عليه دين يستغرق جميع ماله وهذا إذا باع منه شيئاً فإنه يجن أن يكون بحسب العرف والعادة ولا ينفذ تصرفه إذا غبن فيه سواء كان الغبن فاحشاء أو يسيراً، والمشتري بالخيارإما أن يرد السلعة لأو يكمل مانقص من ثمنها، فإن مات وترك وصياً وباع وصيه بالمال لسداد دينه فإنه يعفى في بيع الوصي عن الغبن اليسير في هذه الحالة.
أما إذا باع الوصي لمن لاتقبل له شهادته وحاباه ولو يسيراً فإنه لا يصح.
(3/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الرابع (الوصي) وهو لا يجوز له أن يبيع مال اليتيم، أو يشتريه لنفسه إلا إذا كان فيه خير لليتيم، وتقدر الخيرية بزيادة الثلث، فيجوز له إن يشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر، ويبيع له ما يساري خمسة عشر بعشر وإلا فلا.
الخامس: (الكاتب) و (العبد) المأذون بالتجارة؛ وهذان لهما أن يبيعا وأن يشتريا على خلاف العرف والعادة عند أبي حنيفة، فلو باعا ما يساوي عشرة بواحد فإنه يصح، أما صاحباه فيقولان أنه لا يجوز أن يبيعا على خلاف المعروف.
الثالث عشر: إذا وكله أن يبيع له سلعة يتجر فيها فباعها بثمن مؤجل فإنه يصح، أما إذا وكله على أن يبيع له إردَبّاً من القمح ليدفعه في الخراج المطلوب منه فوراً فإنه لا يصح أن يبيعه بثمن مؤجل، وكذا في كل سلعة قامت القرينة على الاحتياج إلى ثمنها على أنه يشترط في البيع بثمن مؤجل ألا تطول مدة الأجل طولاً يخالف العادة في مثل ذلك، وإلا لم ينفذ بيعه.
الشافعية - قالوا: ينعلق بالوكالة بالبيع والشراء أمور:
أولاً: إذا وكله على أن يشتري له شيئاً فعليه أن يبين صنفه. فإذا قال وكلتك على شراء دار فيجب أن يبين جهتها كأن يقول في بلد كذا في حارة كذا أو شارع كذا ما لم يكن الغرض من الشراء التجارة فإنه لا يشترط بيان النوع لأن المقصود للموكل أن يشتري له ما فيه ربح في أي جهة كان وعلى أي صفة وجد فيطفي أن يقول له اشتر ما فيه ربح.
ثانياً: إذا وكله على شراء معين فيجب على الوكيل أن يتبع ما أمره موكله فإذا قال له اشتر لي فلان ناقة بثمن كذا فإنه يتعين ولا يجوز للوكيل الخروج عنه وإذا وكله على أن يبيع له سلعة بثمن مؤجل إلى أجل معين كشهر أو شهرين فإنه يصح، وعلى الوكيل أن يتبع ما أمره به موكله فإن خالف ذلك بأن باع بثمن حال، أو بأجل انقض من الأجل الذي عينه له موكله فإنه يصح بشرطين:
الأول: ألا ينهاه الموكل عن البيع الحال، أو يكون فيه ضرر على الموكل كنقص في الثمن.
الثاني: ألا يعين له المشتري فإن عينه كأن قال له بع لفلان بثمن مؤجل فإنه لا يصح أن يخالفه أما إذا قال له بع بثمن مؤجل ولم يحدد الأجل فإنه على الأجل المتعارف في بيع هذه السلعة فإن لم يكن فيه عرف بين الناس فعلى الوكيل أن يتبع ما فيه مصلحة موكله.
خامساً: لا يصح لوكيل أن يبيع سلعة موكله لنفسه أو لابنه الصغير أو السقيه أو المجنون وذلك لأن عقد البيع يجب أن يكون بين اصنين أحدهما موجب كأن يقول بعت كذا والآخر قابل وهو الذي يقول قبلت (وهنا الشخص واحد) لأنه إما أن يبيع لنفسه أو يبيع لمن هو ولي عنه، وهذا لا يصح. نعم إذا
(3/173)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حدد الموكل الثمن، ووكل عن ابنه الصغير، أو المجنون أو السفيه من يقبل عنه البيع ورضي موكله الأصلي بذلك فإن البيع يصح.
أما البيع لولده الكبير (البالغ الرشيد) ولأبيه وإن علا فإنه يصح في الأصل، وبعضهم يقول: يصح لوجود التهمة، فإن صرح الموكل بالبيع لهما فإنه يصح بلا خلاف.
ثالثاً: إذا قال له وكلتك على أن تبيع هذه السلعة بما شئت أو بما تراه فإن له أن يبيعها بغير نقد البلد (بالعملة المستعملة في البلاد الجنبية) وليس له أن يبيع بغبن فاحش أو بثمن مؤجل.
وإذا قال له بعها بكم شئت فإن له أن يبيع بغبن فاحش وليس له أن يبيع بثمن مؤجل أو بغير نقد البلد، وذلك لأن (كم) للعدد فيشمل القليل والكثير فهو أذنه في أن يبيع بأي ثمن، وليس فيه تصريح له بالبيع إلى أجل أو بغير البلد.
وإذا قال له بعها كيف شئت فله بيعتها بثمن مؤجل وليس له بيعها نغبن فاحش أو نقد البلد وذلك لأن (كيف) للحال فيشمل الثمن الحال والمؤجل فهو المصرح لا بالغبن ولا بمخالفة نقد البلد.
رابعاً: إذا وكله وكالة مطلقة فليس له أن يبيع أو يشتري إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: ألا يتعاقد إلا بثمن فيه مصلحة الموكل فلا يبيع السلعة إلا بثمن المثل أو أكثر ولا يشتري إلا بثمن المثل أو أقل، فإذا غبن في بيعه غبناً فاحشاً فإنه لا يصح.
والغبن الفاحش هو ما لا يغتفر بحسب العرف، أما الغبن اليسير وهو كثيراً بين الناس فإنه لا يضر، وإذا باع السلعة بثمن المثل ووجد لها راغب بثمن أزيد فإذا كان فرق الثمن كثيراً بحيث يقع الغبن الفاحش فإنه يجب أن يبيع السلعة للراغب إذا كان زمن الخيار فإن لم يفعل انفسخ العقد الأول.
الشرط الثاني: أن يبيع بثمن حال لا مؤجل، فإذا باع مؤجل فإن البيع لا يصح.
الشرط الثالث: أن يبيع بالنقود المستعملة في بلد البيع، فلا يصح البيع بالنقود المستعملة في الممالك الأجنبية عنها مالم يأذن به الموكل.
الحنابلة - قالوا: يتعلق بالوكالة بالبيع والشراء أمور:
أولاً: لا يجوز للوكيل أن يبيع سلعة موكله لنفسه لأن العرف في البيع أن يبيع الشخص لغيره والوكالة على العرف، وكذا لا يصح أن يبيع لولده أو زوجه وكذا سائر من لا تقبل شهادته له لأن في ذلك تهمة كالتهمة التي تلحقه إذا باع لنفسه.
ثاباً: لا يجوز للوكيل أن يبيع سلعة موكله بعرض تجارة ولا بثمن مؤجل ولا بنقود غير مستعملة في بلد البيع إلا أذن له موكله، وإذا اختلفا في الإذن فالقول للوكيل، أما إذا اختلفا في التصرف كما إذا قال له أمرتني ببيع السلعة والموكل قال: بل امرتك برهنها فالول للموكل.
ثالثاً: إذا حدد ثمن السلعة لوكيله، فإن عليه أن يتبع أمره، فإذا باع مما عينه له صح
(3/174)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
البيع، ولكن الوكيل ملزماً بدفع الثمن الذي عينه له الموكل. وكذا إذا لم يحدد له ثمناً ولكنه باع بأقل من ثمن المثل فإنه يلزم بدفع ثمن المثل.
ومثل ذلك ما إذا اشترى بأزيد من الثمن الذي عينه له، أما بأزيد من ثمن المثل، فإن البيع والشراء يصح، ولكنه يكون ملزماً بدفع الثمن. فإذا باع بأكثر مما عينه له الموكل صح ويعفى في البيع والشراء عن الغبن اليسير.
أما الغبن الفاحش، وهو ما لا يقع مثله ويقدر بعشرين في المائة، فإنه لا يعفى عنه وبلزم به الوكيل.
رابعاً: إذ قال له الموكل اشتر لي سلعة بثمن حال فاشتراها بثمن مؤجل فإنه يصح، أو بع هذه السلعة بثمن مؤجل فباعها بثمن حال فإنه يصح إذا لم يترتب على ذلك ضرر للموكل لأنه في هذه الحالة قد فعل ما فيه زيادة خير لموكله.
أما إذا ترتب على ذلك ضرر، كما إذا قال له: بع هذه السلعة بثمن مؤجل فباعها بثمن حال فحجز عليه ظالم، أو لم يستطع حفظه في ذلك الوقت فعرضه للضياع فإن الوكيل لا ينفذ تصرفه، وبعضهم يقول: وعليه ضمان الضرر، ومثل ذلك ما إذا قال: اشتر لي سلعة بعشرة فاشتراها بأكثر من ذلك لأجل.
خامساً: إذا اشارى الوكيل سلعة بها عيب معلوم له فإن الشراء يلزم الوكيل فليس له رد السلعة وإذا رضي بها موكله مع عيبها فإنه يصح لأنه مقصود بالشراء.
أما إذا كان العيب غير معلوم للوكيل فإن رد السلعة ما لم يحضر الموكل قبل ردها فإن حضر فليس للوكيل الرد وذلك لأن حق السلعة المعيبة للموكل والوكيل قائم مقامه فقط، فإذا حضر الموكل كان صاحب الشأن وكذلك حق تسليم الثمن وقبض المبيع فإنه للموكل لا لوكيل فإذا حضر الموكل كان هو صاحبه.
سادساً: إذا وكله على أن يبيع له سلعة فإن عليه أن يسلمها لمن اشتراها وليس له قبض الثمن فإن لم يأذنه صريحاً ولكنه أذنه ضمناً بأن قامت قرينة على إذنه بقبض الثمن فإنه يصح، وذلك كما وكله أن يبيع جملاً في سوق عامة بعيدة عنه ولم يعين له المشتري فلا معنى لهذا إلا أنه قد أذنه بقبض الثمن فإن باع الوكيل السلعة وسلمها ولم يقبض ثمنها كان ملزماً به لأنه في هذه الحالة يكون مفرطاً.
سابعاً: إذا وكله على أن يشتري له سلعة فإن على الوكيل أن يسلم ثمن السلعة لو أخر تسليم الثمن بلا عذر ثم فقد كان الوكيل ضامناً له.
ثامناً: إذا وكله أن يشتري شيئاً فلا بد من بيان نوعه وثمنه، فإذا قال له: وكلتك على أن تشتري لي ما تشاء أو تشتري لي عيناً بما تشاء فإنه لا يصح.
(3/175)

مبحث التوكيل بالخصومة
-إذا وكل عنه من يقوم مقامه في الخصومة بأن يدعي عنه دعوى صحيحة أو يجب عن دعوى فإن ذلك جائز ولا يملك هذا الوكيل قبض هذا الدين ولا الصلح بل لا بد من التوكيل على ذلك في عقد الوكالة وفي ذلك تفصيل المذاهب (1) .
__________
تاسعاً: إذا وكله على بيع ماله أو بيع ما شاء منه فإنه يصح على أنه إذا قال: بع من مالي ما شئت فله بيع ماله كله.

(1) (المالكية - قالوا: التوكيل في الخصومة جائز بشروط:
أحدهما: أن يمون وكيل الخصومة واحداً لا أكثر فلا يصح له أن يوكل أكثر من واحد إلا برضا الخصم.
ثانيهما: ألا يكون الوكيل عدو للخصم فإن ثبتت عدواته فإنه يصح ضده، أما إذا لم تثبت عدواته له فإنه توكيله بدونة رضا الخصم.
ثالثهما: لا بد من تعيين في الخصومة فلا يصح أن يقول: وكلتك كل من يخاصم عني حتى لو كان شخصان شريكين في حق عند واحد وقالا: من يحضر منا يخاصم ضده فإنه لا ينتفع لأنه يكون بمنزلة توكيل متعددة بدون تعيين الوكيل فلا بد تعيين من يخاصم منهما.
رابعها: ألا يباشر الموكل نفسه الخصومة أمام الحاكم فإذا باشرها بنفسه وحضر ثلاث جلسات إنه لا يصح له أن يوكل بعد ذلك لما في ذلك من تفاقم الشر واتساع الخصومة وذلك منهي عنه في نظر الشريعة السمحة، نعم يصح له أن يوكل عنه لعذر من مرض أو سفر أو اعتكاف وفي هذه الحالة عليه أن يحلف بأنه ما وكل عنه إلا لسبب من هذه الأسباب فإن امانتع عن الحلف فلا يصح له أن يوكل إلا برضا خصمه. ومن العذر أن يتشاتما أو يضيق الخصم عن احتمال خصمه فيحلف بالله ألا يقف إلى جانبه في الخصومة.
أما إذا حلف لغير سب فإنه لا ينفع حلفه وليس لوكيل الخصومة نفسه بعد أن يحضر ثلاث جلسات إلا لعذر بعد أن يحلف اليمين أنه ما عزل نفسه إلا لهذا العذر وكذلك للموكل عزله. أما قبل حضوره ثلاث جلسات فإن عزل نفسه وللموكل عزل موكله قبل ذلك فلخصمه أن يوكله إلا إذا أصبح عدواً للموكل الأول فإنه لا يصح.
وإذا خاصم الوكيل في قضية، ثم انتهت وأراد الدخول في قضية أخرى فإنه يصح بشرط أن يكون الوكالة غير معينة، ولم تطل مدة انقطاع الخصومة بين القضيتين، فإذا طالت إلى ستة أشهر فإنه لا يصح.
أما إذا كانت متصلة، ولم تنقطع فللوكيل أن يتكلم عن موكله وإن طال المدى كثيراً.
(3/176)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولا يملك وكيل الخصومة الخاصة الإقرار عن موكله إلا إذا نص عليه في عقد التوكيل فإن أقر بشيء لم يلزم الموكل ويكون الوكيل في هذه الحالة كشاهد.
أما الوكيل وكالة مفوضة فإنه يملك الإقرار ويشترط لنفاذ الإقرار على الموكل في الحالتين شروط بحيث لا ينفذ من وكيل الخصومة الخاصة المنصوص فيها عن أن له الإقرار ولا من الوكيل المفوض إلا إذا تحققت هذه الشروط:
الأول: أن يقر بشيء معقول يناسب الدعوى فلا يقر بشيء زائد عن المناسب.
الثاني: أن يقر بما هو من نوع الخصومة كأن يوكله في دين فيقر بأنه قبض بعض أو أبرأه عن بعضه. أما إذا وكله بدين له عند خصمه فأقر له اتلف له وديعة عنده ونحو ذلك فإن الإقرار لا ينفذ.
الثالث: ألا يقرلشخص بينه وبينه ما يوجب التهمة كصديقة أو قريبة أو نحو ذلك.
وإذا قال الموكل لوكيله: أقر عني بألف يكون ذلك إقرار من الموكل، فلا يحتاج لإنشاء الوكيل إقرار وليس للموكل الرجوع بعد، ولا عزل الوكيل عن الإقرار ويكون شاهداً عليه بها.
الحنفية - قالوا: الوكالة في الخصومة جائزة لا فرق بين أن يوكل واحداً أو أكثر ولكن هل تصح بدون رضا الخصم أو لا؟ فبعضهم رجح قول الإمام وهو أن التوكيل في الخصومة لا يجوز إلا برضا الخصم وبعضهم رجح قول صاحبيه وهو أنه يجوز رضا الخصم سواء كان المدعي أو مدعى عليه.
وبعضهم فوض الأمر للقاضي وهو أنه إذا علم من الموكل التعنت والإضرار بالخصم بدون حق فلا يقبل التوكل وإذا علم من أحد الخصمين التعنت في عدم قبول التوكيل الذي يقصد منه بيان الحقيقة لا يصغي له. وهذا حسن في وماننا لأن كثيراً من الناس يعلم حق العلم أنه مبطل وأن قضيته خاسرة ولكن يحمله العناد والإغراق في الخصومة على توكيل محام لا عمل له الإضرار بالخصم بأن يحاول تأخير حقه على نفقات ضائعة نكاية به أو غير ذلك فلو أن الموكل الذي يظهر منه ذلك للقاضي لا يقبل منه لإلا برضا خصومة يكون حسناً.
ومحل ذلك كله ما إذا كان القاضي غير محل التهمة وإلا فالعمل برأي الصالحين أولى وأنفع, وعلى أن الإمام أجاز التوكيل بالخصومة وإن لم يرض الخصم للضرورة كما كان الموكل مريضاً لا يمكنه حضور مجلس القضاء بقدميه فإذا أمكنه الحضور على ظهور دابة فإنه يلزمه الحضور إن لم يترتب على ذلك زيادة مرضه وإلا فلا.
وكذا إذا عزم على سفر مدة بحيث تقوم القرينة على أنه مسافر حقاً خصمه يحلفه القاضي بالله وكذا المحذرة التي تخالط الرجال عادة فإن لها أن توكل بدون رضا الخصم وكذلك إذا كان لا يحسن الدعوى فإن له أن يوكل عنه رضي الخصم أو لم يرض. وهذه الطريقة قد تجعل لمعظم العامة الحق في التوكيل. ولوكيل الخصومة أن يعزل نفسه متى شاء إذا كان متبرعاً ومثله وكيل
(3/177)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القبض ووكيل البيع والشراء وغير ذلك إلا في أمور ثلاثة: فليس للوكيل نفسه أو يعزله موكله.
الأمر الأول: إذا وكله في أن يسلم عيناً لشخص كأن قال له: أعط هذه الثياب أو الكتب أو الحيوانات لفلان، ثم غاب الموكل عن البلدة فإنه يجب على الوكيل في هذه الحالة أن يسلمها ولا يصح له أن يعزل نفسه.
الأمر الثاني: أن يوكله على بيع الرهن كما إذا رهن عيناً في نطير دين ووكل شخصاً على أن يبيع هذه العين لسداد الدين فإنه يجبر على بيعها ولا يصح له أن يعزل نفسه.
الأمر الثالث: أن يوكل شخصاً بالخصومة وهو غائب ليجيب الدعوى بناء الدعوى على طلب المدعي فإنه يجب على الوكيل أن يباشر عمله حيث لا يجد أمامه من يقاضيه.
أما إذا كان المدعي عليه حاضراً فللموكل عزله لأنه يمكنه أن يطلب منه حقه وهو حاضر وكذا 'ذا لم يكن التوكيل بطلب المدعي لأنه لا حق له في الوكالة وسيأتي لذلك مزيد في عزل الوكيل.
والوكيل بالخصومة والمطالبة بالحقوق والمطالبة لا يملك القبض على المفتي به بل لا بد لقبض الدين ونحوه من الحقوق المالية من نص عليه في التوكيل فإذا وكله على قبض الدين ولم يوكله على الخصومة فإن له أن يخاصم عنه الخصومة طريق لأخذ ضد الصلح الموكل عليه ووكيل الخصومة يملك الإقرار بخلاف غيره من الوكلاء فلا يملك الإقرار لا فرق بين وكيل القبض أو وكيل الصلح أو غيرهما وإنما يملك وكيل الخصومة الإقرار بشروط:
الشرط الأول: أن يقر مجلس القضاء فلو أقر خارجه الموكل.
الشرط الثالث: ألا ينص في توكيل الخصومة على ألا يكون للوكيل حق فإذا نص على ذلك الوكيل لا يملك الإقرار. وحاصل هذه المسألة أنه إذا قال له: وكلتك بالخصومة على ألا يكون لك حق الإقرار عني فإنه يصح فلو أقر عليه في مجلس القضاء بعد ذلك فإنه يخرج من الوكالة فلا تسمع خصومته ويكون للوكيل في هذه الحالة حق الإنكار فقط فإذا استثني الإنكار كان له حق الإقرار فإذا وكله بالخصومة على ألا يكون له حق الإقرار ولا حق الإنكار ففي صحة هذا التوكيل خلاف.
الحنابلة - قالوا: التوكيل يالخصومة جائز، وليس الخصومة أن يقبض الحقوق المالية إلا
(3/178)

مبحث هل للوكيل أن يوكل غيره؟
-إذا أذن الموكل وكيله يتوكيل الغير فإنه يصح له أن يوكل، وأما إذا لم يأذنه فإن فيه اختلاف المذاهب (1) .
__________
إذا نص عليها في عهد التوكيل. أما إذا لم ينص فغن الخصومة لا تشمل القبض لا لغة ولا عرفاً لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض. أما الوكيل في القبض فإن له الخصومة لأنه قد لا يتوصل إليه إلا بها ففي التوكيل بالقبض إذن بالخصومة.
الشافعية - قالوا: الوكالة بالخصومة تصح ولكن الخصومة لا يملك الإقرار ولا الصلح ولا الإبراء من الدين. على أن الوكالة بالإقرار لا تصح حتى ولو صرح بها الموكل في توكيله على الأصح فإذا قال شخص لآخر: وكلتك على أن تقر لفلان فقال بكذا فقال الوكيل: أقررت لفلان بكذا فإنه لا يصح لأنه إخبار عن حق فلا يقبل التوكيل كالشهادة وهل الموكل يكون مقراً بذلك أو لا؟
والجواب أن هذا يختلف لاختلاف العبارة. فإذا قال له: وكلتك لتقر عني لفلان بألف له علي، فإنه بذلك يكون مقراً قطعاً. وإذا قال له: وكلتك لتقر عني ولم يقبل علي فقبل يكون مقراً وقيل: لا والأصح أنه يكون مقراً.
أما إذا قال: وكلتك لتقر لفلان بألف علي ولم يذكر عني فإنه لا يكون مقراً على الأصح لأنه لم يصرح بأن الأقرار عنه. أما إذا قال: وكلتك لفلان بألف ولم يقل عني ولا علي فإنه لا يكون مقراُ قطعاً) .

(1) (المالكية - قالوا: إذا لم يأذن الموكل الأصلي وكيله بتوكبل الغير فإنه لا يصح له أن يوكل إلا في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون وكيلاً على أمر لا يليق به أن يتولاه بنفسه كما إذا وكله على بيع دابة بسوق عامة وهو عظيم لا يناسبه أن يباشر بنفسه وذلك البيع فله في هذه الحالة فإذا لم يتحقق هذا الشرط ووكل عنه غيره بدون إذن الموكل الأصلي وضاع المال كان مسؤولاً عنه.
الحالة الثانية: ان يوكل على عمل كثير لا يستطيع أن يتولاه وحده فله في هذه الحالة أن يوكل عنه غير ليساعده في العمل وليس له أن يوكل من يستقل بالعمل وحده.
وإذا وكل الوكيل الوكيل عنه ثم عزل الموكل الأصلي الوكيل الأول فإن الوكيل الثاني لا ينعزل بمعزل الأول فإذا أراد الموكل الأصلي عول الثاني فله عزله استقلالاً وللوكيل الأول عزل الوكيل الثاني، وإذا مات الموكل الأصلي انعزل الوكيلان وأما الوكيل وكالة مفوضة فله الغير توكيل الغير مطلقاً.
الحنفية - قالوا: لا يجوز للوكيل أن يوكل عنه في دفع ما عليه بدون إذن موكله إلا في أمور:
أحدها: أن يوكل شخص آخر في دفع ما عليه من زكاة فللموكل في هذه الحالة أن يوكل عنه غيره
(3/179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بدون إذن موكله ويجوز تصؤفه بدون إذن الموكل الأصلي ما إذا وكل شخص آخر على أن يشتري له أضحية فوكل الوكيل غيره فاشترها فالشراء في هذه الحالة يقع موقوفاً على إجازة الموكل الأصلي فإن أجازه صح وإلا فلا.
ثانيهما: أن يوكل شخص آخر في أن يقبض ديناً فللوكبيل أن يوكل عنه شخصاً ممن يعولهم (أي من ضمن عياله) فإذا وكل عنه من كان في عياله ودفع المديون له الدين فإنه يبرأ لأن يد من كان من ضمن العيال كيد الوكيل. أما إذا وكل شخصاً أجنبياً ليس من ضمن عياله ودفع المديون له الدين ثم وصل ليد صاحبه (الموكل الأصلي) فإن المديون يبرأ من الدين. أما إذا لم يصل الدين إليه وهلك في يد الوكيل الثاني لم يبرأ المدين وعلى الوكيل الثاني ضمان الدين وله الرجوع على الوكيل الأول الذي وكله.
ثالثها: إذا وكل شخصاً على أن يبيع له سلعة ثم طلبه ليقدر له ثمنها الذي يبيعها به فوكل الوكيل عنه من يذهب إلى الموكل ليسمع منه تقدير الثمن فإن التوكيل يصح بدون إذن الموكل الأصلي لأن مقصودة وهو تقدير الثمن حصل بدون ضرر.
ويقوم التفويض إلى رأي الوكيل مقام الإذن بالتوكيل فإذا قال الموكل له: اعمل برأيك أو اصنع ما شئت فله أن يوكل عنه وإذا قال الوكيل الأول للوكيل الثاني: اعمل برأيك أو اصنع ما شئت فليس أن يوكل عنه وكيلا ثالثاً بذلك ويستثنى من ذلك الطلاق والعتاق كما مر فلا يصح أن يوكل عنه غيره.
وإذا وكل الوكيل الول عنه وكيلاً آخر بدون إذن أو تفويض فتصرف الوكيل الثاني فإن تصرفه لا يصح إلا إذا أجازه الوكيل الأول سواء كان حاضراً أو غائباً لأن الغرض هو حصول رأي الوكيل وقد حصل بإجازته للفعل ويسمى الثاني وكيلاً وإن كانت وكالته بدون إذن أو تفويض غير صحيحة لأن إجازة تصرفه وكيلاً حالاً ألا ترى أن الفضولي بعد عمله يصير وكيلاً فالإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.
وإذا وكل الوكيل الأول بأمر الموكل أو بالتفويض يكون الثاني تابعاً للموكل الأصلي فلا ينعزل الوكيل الأول الذي وكله ولا بموته وينعزلان معاً بموت الموكل الأصلي.
الحنابلة - قالوا: لا يجوز للموكل أن يوكل غيره فيما يمكنه أن يباشر عمله بنفسه فإذا كان وكيلاً على شيء لا يصح لمثله أن يتولاه فإنه يصح له أن يوكل غيره فيه وكذا كان وكيلاً على شيء يعجز عن مباشرة عمله بنفسه فإنه يصح له أن يوكل في عمله غيره وإذا أذنه الموكل الأصلي توكيل الغير عنه فإنه يصح وكذا إذا وكله ومالة مفوضة بان يقول له: اصنع ما شئت فإنه في هذه الحالة يصح له أن يوكل عنه غيره.
(3/180)

مبحث عزل الوكيل
-الوكالة من العقود الجائزة لأنها من جهة الموكل إذن ومن جهة الوكيل بذل نفع وكلاهما غير لازم فكل واحد من الموكل فسخ عقد التوكيل فيصح للوكيل كما يصح للموكل أن يعزله على تفصيل في المذاهب (1) .
__________
الشافعية - قالوا: يصح للوكيل أن يوكل عنه فيما يعجز عنه أو لا يليق به مباشرته بدون إذن فلا بد من إذن موكله الأصلي صراحة أو ضمناً) .

(1) (الحنفية - قالوا: الوكالة من العقود الجائزة إلا في ثلاثة مواضع فإنها تكون لازمة بحيث لا يصح عزل الوكيل فيها وذلك لأنها لا تكون مقصودة على الوكيل والموكل بل يتعلق بها حق لغير في هذه المواضع وقد تقدمت في مبحث الوكالة بالخصومة وهي:
(أ) الوكالة بيع الرهن فإذا رهن شخص عند آخر عيناً في نظير دين ثم وكل شخصاً على أن يبيع هذه العين لسداد ذلك الدين فإن الوكالة تصبح لازمة فليس للوكيل عزل نفسه كما أنه ليس للموكل عزله لتعلق حق صاحب بهذه الوكالة لأنه يريد أخذ حقه ببيع العين. ومن ذلك ما إذا وكل آخر بأن يقبض دينه من فلان المديون فإنه لا يجوز له عزله إلا إذا علم المديون لتعلق حق بذلك.
(ب) الوكالة بالخصومة بالتماس الطالب عند غيبة المطلوب مثلاً إذا علم لشخص عند آخر دين ثم أراد المدين السفر إلى بلاد نائبة فطلب صاحب الدين من المدين أن يوكل عنه شخصاً ليخاصمه في طلب الدين حال غيابه فوكل عنه بناء على هذا الطلب فعند ذلك الوكيل غير قابل للعزل لأنه قام مقام المدين الغائب وليس لصاحب الدين من يطالبه بدينه سواه فلو عزل الوكيل ضاع عليه حقه أما إذا كان المدين حاضراً لا غائباً فإن الوكالة تكون جائزة لا لازمة لأنه يمكن أن يخاصم المدين. وكذلك إذا لم يكن تعيين الوكيل بناء على طلبه لأنه في هذه الحالة لا يكون له حق فيه.
(ج) الوكالة على تسليم عين لشخص مع غياب الموكل فإنه يجب على الوكيل أن يسلم هذه العين لصاحبها ولا يجوز له عزل نفسه كما تقدم في مبحث الخصومة فهذه الأمور تصبح فيها الوكالة لازمة وما عداها فإن الوكالة فيها لكل منهما فسخها ولكن يشترط علم كل منهما بالعزل، فإذا عزل الوكيل نفسه فعليه أن يكون بكتاب يصل إليه أو إرسال رسوله إليه بشرط مميزاً سواء كان عدلاً أو غيره أو كبيراً وسواء صدقه أو كذبه أو بمشافهته بالعزل أو نحو ذلك، ومحل ذلك إذا كان الوكيل متبرعاً أما إذاى كان بأجر فإنه يعامل بشرطه ولا يشترط علمه بالعزل في أمور:
أحدهما: إذا وكل شخص آخر ولم يعلم الوكيل بالوكالة فإن للموكل عزله بدون علمه بالعزل.
ثانيهما: الوكالة بالنكاح، والطلاق، والعتق، فإن للموكل عزل نفسه بدون علم موكله.
ثالثها: الوكالة بيع مال الموكل جميعه فإن عزل نفسه بدون علم موكله.
(3/181)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
رابعها: الوكالة بشراء شيء بغير عينه لوكيل أن يعزل نفسه بدون علم موكله. وعلة ذلك كله أن الموكل لا يلحقه ضرر بعزل الوكيل بدون علمه.
مثلاً إذا وكله على أن يبييع ماله وكان سوق البيع رائجاً فإذا عزل نفسه عن البيع بدون علم الموكل وفاته سوق البيع اعتماداً على وكيل في هذه الحالة لا يجوز له عزل نفسه بدون علم موكله، وينعزل الوكيل بلا عزل: أحدهما: نهاية الشيء الموكل فيه كما إذا وكلع على قبض دين قبضه فإن الوكالة تنتهي بالقبض.
ثانيها: موت أحدهما وجنونه جنوناً مطبقاً مدة شهر على المفتى به.
ثالثهما: إذا وكل المرتد شخصاً، ثمو لحق بدار الحرب أو قتل، فإن الوكيل ينعزل بمجرد الحكم بلحاق المرتد بدار الحرب أو قتله. أما إذا أسلم فإن التوكيل ينفذ وتبطل الوكالة اللازمة بالموت وبالجنون في أمرين: الوكالة بالخصومة بناء على طلب الخصم، والوكالة بتسليم عين مع غياب الموكل، أما الوكالة ببيع الرهن فإنها بهذه العوارض.
المالكية - قالوا: الوكالة من العقود فلكل من الوكيل فسخ عقدها كما يشاء في ثلاثة أحوال.
الحالة الأولى: الوكالة بالخصومة، فإنه لا يصح للموكل أن يعزله بعد نفسه كما لا يصح لموكل أن يعزله بعد أن يحضر مع الخصم ثلاث جلسات كما تقدم في منحث الوكالة، ولا فرق في هذه الحالة بالخصومة، ولا فرق في هذه الحالة بين أن يوكله في مقابلة عوض على الإجارة أولا، وهذه الحالة لا خلاف فيها.
الحالة الثانية: أن تقع الوكالة في مقابلة عوض على وجه الإجارة وذلك بأن يوكله على عمل معين بأجرة معلومة أو على غير معين في زمن معين ومثال الأول أن يوكله على أن يبيع له جماله المعروفة وله بعد بيعها خمسة جنيهات بدون أن يحدد له زمناً ومثال الثاني أن يوكله على أن يعرض هذه الجمال في السوق للبيع خمسة أيام وله جنيهات بعد هذه المدة سواء باع هذه الجمال بالفعل أو لا، ولا يصح أن يعين له العمل والعمل والزمان، كأن يقول له: بع هذه السلعة في خمسة أيام بأجر كذا، فإن لم يبيعها لا يستحق شيئاً، لأن تعيين العمل يفسد الإجارة.
الحالة الثالثة: أن تقع الإجارة في مقابلة عوض على وجه الجعالة، وذلك كما إذا وكله على أن يستخلص له ديناً في نظير جعل ياخذه بشرط أن يبين له قدر الدين أو الشخص الذي عنده الدين، ولا يشترط في الجعالة أن يبين له المدين قدر الدين والشخص المدين كانت إجارة لا جعالة. وهاتان الحالتين مختلف فيهما: فبعضهم يقول: إن الوكالة لا تلزم على كل حال، سواء كانت
(3/182)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في مقابلة عوض على وجه الإجارة أو على وجه الجعالة، أو لم تكن، وبعضهم يقول: إنها تلزم ثم إنها إنها كانت على وجه الإجارة تلزم الوكيل والموكل بمجرد العقد.
وإذا كانت على وجه الجغالة تلزم الجاعل (الموكل) بشروع الوكيل في العمل أما المجمول له (الوكيل) فلا تلزمه بل له الفسخ.
وينعزل الوكيل بموت موكله لأن الوكيل نائب عن الموكل في ماله خاصة فإذا مات الموكل انتقل ماله خاصة فإذا مات الموكل انتقل ماله إلى ورثته فلا يملك شيئاً يتصرف فيه نائبه حينئذ وهل ينعزل الوكيل بمجرد موت الموكل وإن لم يعلم به أو لابد من العلم؟ خلاف والراجح أنه لا ينعزل إلا إذا علمه فإذا تصرف قبل العلم ينفذ تصرفه.
وإذا عزل الموكل وكيله فقيل ينعزل بمجرد العزل وقيل لا ينعزل ألا إذا علم فإذا تصرف قبل العزل لا ينفذ تصرفه على الأول وينفذ على الثاني.
الشافعية - قالوا: الوكالة لاتلتزم ولو كانت بجعل إلافي حالتين:
الحالة الأولى: أن يترتب على خروج الوكيل من الوكالة ضياع مال الموكل أو فساده فإن الوكالة في هذه الحالة يكون لازمة ولا يقبل الوكيل العزل.
الحالة الثانية: أن تكون الوكالة بلفظ الإجارة واستكملت شرائطها فإنها تلزم في هذه الحالة، وفيهما عدا ذلك يكون لكل من (الوكيل والموكل) فسخها متى شاء، ولو بعد التصرف. وفسخها بكون بالقرل، كأن يقول: فسختها أو أيطلتها، أو يقول الموكل: عزلت نفسب، أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على الفسخ، كقوله: رددت وكالتك أو رفعتها.
وهل ينعزل الوكيل بمجرد العزل أو لا ينعزل إلا بعد أن يبلغه خبر عزله؟ والجواب: أنه لا ينعزل إلا بعد غلمه بالعزل فلو تصرف قبل عبمه ينفذ تصرفه.
وتنفسخ الوكالة بموت الوكيل أو الموكل أو بجنون أحدهما أو إغمائه.
وكذا تنفسخ بطروء فسق على الوكيل بالنكاح، فإذا وكل شخص آخر في عقد تكاح ففسق الوكيل كأن زنى أو سوق أو ارتكب جريمة توجب فسقة فإن وكالته تسقط لأنه يشترط في الوكيل بلنكاح ان يكون عدلاً، وكذا تنفسخ الوكالة بزوال ملك الموكل عن المحل الذي وكله بالتصرف فيه، فإذا وكله على بيع دار أو حيوان أو طعام، ثم باعه الموكل أو وقفه فإن الوكالة تنفسخ. وكذا تنفسخ إذا وكله على بيع دار ثم أجرها الموكل للغير.
الحنابلة - قالوا: الوكالة من العقود الجائزة فلكل من العقدة فسخها متى شاء ويبطل الوكالة في ذاتها بموت أحد العاقدين أو جنونه جنوناً مطبقاً ويالحجر عليه لسفه لأن الشخص في هذه الأحوال لا يكون أهلاً للتصرف فلا يصح أن يتوكل عن غيره.
وكذا تبطل بطروء فسق على أحدهما فيما يشترط فيه العدالة فإذا وكل شخص آخر على
(3/183)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
إيجاب النكاح كأن قال له وكلتك على أن تزوج بنتي من فلان بأن تقول له زوجتك فلانة ثم ارتكب الموكل بعد ما يجوز فسقه فإن الوكيل ينعزل.
أما إذا وكله على أن يقبل له النكاح كأن يقول له وكلتك على أن تقبل نكاح فلانة فلانة لابني أو لي الوكالة لا تبطل بفسق الموكل.
وكذا تبطل الوكالة بردة الموكل لأنه ممنوع عن الصرف في ماله، ولا تبطل بردة الوكيل إلا فيما ينافي الوكالة.
وإذا وكل شخص آخر على أن يطلق له زوجه ثم ذهب الزوج ووطئها بطلب الوكالة بذلك لأن وطأها دليل على الرغبة فيها.
ويعزل الوكيل بموت موكله وبعزله إياه ولو لم يعلم بالعزل ويكون ما بيده لا يضمن ما تلف منه تصرفه أما ما يتصرف فيه فإنه يضمنه) .
(3/184)

مباحث الحوالة
تعريفها
-الحوالة بالفتح والكسر ولكن الفتح أفصح ومعناها لغة النقل إلى محل والمعنى اللغوي عام يشمل نقل العين كنقل الزجاجة من مكان إلى مكان آخر كما يشمل نقل الدين من ذمة إلى ذمة والحوالة اسم مصدر أحاله إحاله إحاله المصدر هو الإحالة يقال أحلت زيداً على عمرو فأنا محيل وزيد محال ويقال له محتال وعمرو محال عليه أو محتال عليه والمال محال به.
أما معناها في الشرع فهو الدين من ذمة إلى ذمة أخرى بدين مماثل له فتبرأ بذلك النقل الذمة الأولى فإذا كان لزيد مائة جنيه على عمرو ويحل موعد دفعها بعد ثلاثة أشهر مثلاً.
ولعمرو مثل هذه المائة على خالد يحل موعدها في ذلك الوقت فأحال عمرو وزيداً على خالد بالشرائط الآتية فإن ذمة عمر ويبرأ زيد وتشتغل ذمة خالد به عمرو (1) .
__________
(1) (الحنفية - قالوا: في تعريف الحوالة رأيان: أحدهما: أنها نقل المطالبة (فقط) من ذمة المديون إلى ذمة الملتزم فإذا كان لشخص دين عند آخر فأحاله على آخر وقبل المحال عليه ذلك الدين والتزم له فإن مطالبتة الدائن بدينه تنتقل من ذمة المديون الأصلي إلى ذمة المحال عليه الذي التزم بسداده عن المديون. أما الدين فهو باق بذمتة المديون الأصلي.
ثانيهما: أنها نقل المطالبة ونقل الدين معاً بمعنى أن ذمة المديون الأصلي تبرأ بحوالة الدائن إلى الشخص الملتزم بدفع الدين.
وقد استدل من يقول بأنها نقل المطالبة فقط بأمور، منها أن المديون الأصلي: وهو المحيل إذا أراد أن يسدد الدين ينفسه فإن صاحب الدين يجبر على قبول ولو انتقل الدين إلى ذمة المحال عليه لم يجبر صاحب الدين على قبوله منه لأن المديون الأصلي في هذه الحالة يكون متبرعاً بالسداد ولا يجبر شخص على قبول التبرع من غيره.
ومنها: أن صاحب الدين وهو المحال لو برأ المحال عليه بالدين فإنه لا يصح له أن يرد ذلك بخلاف ما إذا وهبه ذلك الدين فإن له أن يرد هذه الهبة ولو كان الدين قد انتقل إلى ذمته لكان له حق رد الإبراء والهبة ولكنه لما لم ينتقل الدين وكان باقياً بذمة المحيل لم يكن من حق المحال عليه رد الإبراء منه بخلاف هبته فإنه صاحب الحق في عدم قبولها. ونظير ما إذا كفل شخص آخر في دين فأبرأ الدائن الكفيل فإنه ليس له أن يرد ذلك الإبراء لأن الدين متعلق بالأول على الصحيح كما سيأتي.
(3/185)

أركان الحوالة وشروطها
-للحوالة أركان وشروط مفصلة في المذاهب (1) .
__________
أما إذا وهبه الدين فإن له أن يرد هبته لأن الهبة مقصورة على الكفيل فهو صاحب الحق أو ردها.
ومنها: أن صاحب الدين وهو المحال إذا برأ المحال عليه فإن ذمة المديون الأصلي لمحال الحق في مطالببته ثانياً. أما إذا وهبه الدين فإن للمحال عليه الحق في أخذ الدين من المديون الأصلي إن لم يكن للمديون الأصلي دين عليه يقع في مقابلة قصاصاً.
ومنها: أنه إذا مات المحال عليه مفلساً أو أنكر الدين ولا بينة عليه فإن صاحب الدين وهو المحال يرجع على المديون الأصلي وهو المحيل فلو لم يكن الدين باقياً بذمته لم يصح له الرجوع عليه ويعبر عن موت المحال عليه مفلساً أو انكاره الدين ولا بينة عليه (بالتوى) وأصل التوى في اللغة هلاك المال ثم خصه أبو حنيفة بهذا المعنىل وزاد عليه صاحباه أن يحكم حاكم بلإفلاس المحال عليه حال حياته فإن هذه الحالة تجعل لصاحب الدين الحق في الرجوع على المحيل.
ومنها: أن صاحب الدين (المحال) إذا وكل المدين الأصلي وهو المحيل على أن يقبض الدين من المحال عليه فإنه لا يصح ولو كان الدين قد انتقل من ذمته لصح توكيله بالقبض لأنه يكون أجنبياً في هذه الحالة.
ومنها: أنه إذا اشترى شخص سلعة ولم يدفع ثمنها وأحال البائع بالثمن على شخص آخر فإن للبائع أن يحبس السلعة عن المشتري ولا يسلمها إياه إلا أعطاه ثمنها فلو كان الدين قد انتقل إلى ذمة المحال عليه صح للبائع حبس السلعة عن المشتري.
وقد استدل من بقول إنها المطالبة والدين معاً بأن صاحب الدين هو المحال إذا أبرأ المحال عليه من الدين أو وهبه إياه فإنه يصح. أما إذا أبرأ المحيل وهو المديون الأصلي أو وهبه فإنه لا يصح فلو كان الدين باقياً بذمة المديون الأصلي وهو المحيل لصح إبراؤه وهبته إياه.
وقد اتفقوا على هذه الأحكام فكيف التوفيق بينها وبين التعريف على القولين؟
والجواب: أن الحوالة تارة تعتبر تأجيلاً للدين فتكون نقلاً كما في الأحكام التي تفيد أنها نقل المطالبة فقط، وتارة تعتبر إبراء للمدين الأصلي فتكون نقلاً للدين والمطالبة كما في مثل هذه المفهومات الاصطلاحية لأنها ليست حدوداً حقيقيقة) .

(1) (الحنفية قالوا: للحوالة ركن واحد وهو الإيجاب والقبول فلإيجاب هو أن يقول المديون
(3/186)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
(المحيل) لرب الدين (المحال) أحلتك على فلان بكذا. والقبول هو أن يقول من رب الدين المحال والمحال عليه قبلت أو رضين أو نحو ذلك مما يدل على القبول والرضى. فالقبول لا بد أن يقع من المحال والمحال عليه أما المحيل وهو المديون فإنه لا يشترط قبوله كما ستعرفه في الشروط وفي هذه الحالة يقع الإيجاب والقبول من المحال عليه فقط.
وأما شروط الحوالة فأربعة أنواع:
النوع الأول: يتعلق بالمحيل (المديون) فيشترط فيه أن يكون عاقلاً تصح الحوالة من مجنون ولا صبي لا يعقل. وأن يكون بالغاً فلا تفذ حوالة غير البالغ إلا بعد أن يجبرها وليه وإن كانت تنعقد حوالة العاقل الذي لم يبلغ - موقوفة على إذن وليه فالبلوغ شرط لنفاذ الحوالة لا لانعقادها.
ولا يشترط لصحة الحوالة أن يكون النحيل سيليماً من الأمراض فتصبح حوالة المريض ولا يشترط في المحيل الديون أن يكون راضياً. فإذا انفق صاحب عليه على أن يعطيه دينه فإن له ذلك وإن لم يرض المحيل فإذا أعطاه الدين صح ولرئت ذمة المديون ولا يشترط الحرية في المحيل.
النوع الثاني: يتعلق برب الدين وهو المحيل لأجله: فيشترط فيه (أن يكون عاقلاً) فلا يصح لرب الدين أن يقنل الحوالة إذا كان مجنوناً أو صبياً لا يعقل لأن القبول لابد له من العقل. (وأن يكون بالغأ) فلا ينفذ قبول الصبي العاقل إلا بإذن وليه فالبلوغ شرط للنفاذ كما تقدم.
ويجوز للأب والوصي أن يقبل الحوالة بمال اليتيم على من كان أكثر مالاً من المديون. أما إن كان مثله ففي قبولها خلاف. (وأن يكون راضياً) فلا يصح قبول الحوالة من مكره (وأن يكون حاضراً في المجلس) فلا يصح قبلول الحوالة إذا كان رب الدين غائباً عن المجلس فلو قبل عنه شخص وبلغه الخبر فأجاز لا يصح على الصحيح.
النوع الثالث: يتعلق بالمحال عليه. فيشترط فيه (أن يكون عاقلً) فلا يصح للمحال عليه أن يقبل الحوالة إذا كان مجنوناً أو صبياً لا يعقل (وأن يكون بالغاً) واليلوغ في المحال عليع شرط للانعقاد والنفاذ فلا يصح للصبي العاقل أن يقبل الحوالة نطلقاً فإذا قبلها لاتنعقد ولو أجلزها وليه.
(وأن يكون راضياً) فلا يصح من المحال عليه قبول الحوالة إذا كان مكرهاً ولا يشترط حضور المحال عليه في المجلس حتى لو كان غائباً ثم علم ورضي فإنه يصح.
النوع الرابع: يتعلق بالمحال وهو الدين فيشترط في المحال به (أن يكون ديناً للمحال على المحيل) فإن لم يكن للمحال دين على المحيل كانت وكالة لاحوالة ولا يشترط أن يكون للمحيل دين على المحال عليه فيجوز أن يحيل على شخص متبرع بماله ويشترط في الدين (أن يكون معلوماً) وأن يكون لازماً فلا يصح للزوجة أن تحتل دائنها بمهرها كلة قبل الدخول بها لأنه غير لازم لجواز أن تطلق قبل الدخول فلا تستحق سوى نصفه وكذا لا يصح لمن له عبد مكاتب على عبده لأن دين الكتابة أن
(3/187)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يحيل دائنة بمال الكتابة غير لازم. وخرج بالدين الأعيان فلا تصح الإحالة بها فإذا كان لشخص عند آخر نصيب في ميراث كمنزل أو فدان أو متحصلات زراعية وكان لشخص نصيب عند آخر مثلها فإنه لا يصح أن يحيله بها وذلك لأن النقل من ذمة الى ذمة نقل شرعي وهو لا يتصورإلا في الدين لأنه وصف شرعي. أما الأعيان فإنه لا يتصور فيها النقل الحسي. ويرد على هذا أنه إذا كان لشخص نقود من ذهب أو فضة عند آخر وديغة. وكان عليه دين للغير فأحال صالحب الدين على المودع عنده فإنه يصح مع أن الوديعة هنا عين لا دين.
والجواب: أن الحوالة هنا نقلت الدين من ذمة المحيل إلى المحال عليه فصار المودع عنده. وديعة مطالباً بالدين فسده من المال المودع عنده. نعم إذا كان للمودع عنده وديغة عند آخر مثل الوديعة التي عنده فأحال رب الوديعة الأول على المودع عنده الثاني فإنه لا يصح لأنها حوالة عين بعين. مثلاً إذا كان لزيد عند عمرو مائة جنيه وديعة وكان لخالد عند زيد مائة جنيه مثلها وديعة فأحال زيد خالداً على عمرو ليأخذ منه المائة عنده وديعته فإنه لا يصح.
بقيت هاهنا مسألة وهي ما إذا كان شخص مستحقاً في وقف وكان فهل له أن يحيل صاحب الدين على ناظر الوقف ليأخذ استحقاقه في دينه أو لا؟
والجواب: نعم، يجوز ذلك سواء أحاله على الناظر بدون أن يذكر نصيبه في الوقف كأن يقول له أحلتك علي أن تأخذ نصيبي أو لا. وذلك لأن المحال به في هذه الصورة دين معلوم مستقر. وقد عرفت أن المحال عليه لا يشترط فيه أن يكون مديناً للمحيل. وهذه بخلاف ما إذا أحال الناظر المستحق ليأخذ نصيبه من مستأجر قبل ظهور غلة الوقف فإن الحوالة لا تصح لأن المستحق ليس له دين عند الناظر في هذه الحالة حتى تصبح الحوالة به كذا بعد ظهور الغلة قبل قسمتها. نعم إن الحق يتأكد بعد ظهور الغلة ولكنه لا يكون ديناً عند الناظر. ولكونه حقاً مؤكداً صح إرثه بعد موت المستحق فإن المستحق في وقت على الذرية إذا مات ظهور غلته يورث تصيبه في استحقاقه بخلاف الاستحقاق الذي لم يتأكد كالنصيب قبل ظهور الغلة فإنه لا يورث. وإذا ضم الناظر الغلة بعد ظهورها كانت أمانة عنده مملوكة للمستحق جميعاً بالاشتراك فإذا طلبها المستحقون وجب عليه تسلميها وإذا هلكت بعد الطلب كان ضامناً لها ولا يصح أن يحيل بعضهم على نصيب الآخر لأن الحوالة تكون بالعين لا بالدين إذ بالدين لكل واحد من المستحقين نصيب مثل نصيب الآخر في العين نعم يجوز ذلك إذا استهلكها أو خلطها بماله فصارت ديناً في ذمته هو.
الشافعية - قالوا: أركان الحوالة ستة محيل، ومحال، ومحال عليه، ودينان دين للمحال على المحيل. ودين للمحيل على المحال عليه. وصيغة وهي الإيجاب والقبول أحلتك على فلان بالدين الذي لك علي أو أحلتك فلان بعشرين جنيهاً ولم يذكر الدين. أو يقول نقلت إلى فلان أو جعلت ما أستحقه على فلان لك أو ملكتك الدين الذي لي بحقك أو نحو ذلك مما
(3/188)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يؤدي معنى الحوالة فلا يشترط أن تكون بلفظ الحوالة. ولا تصح الحوالة بلفظ البيع ولا تدخلها الإقالة.
وأما شروطها فهي ستة: الأول: رضا المحيل الذي عليه الدين فإن لم يرض فلا تصح الحوالة ثم إن أريد بالرضا عدم الإكراه كان عده شرطاً ظاهراً.
أما إذا أريد به الإيجاب وهو أحلتك ونحوه فيكون عده شرطاً تسامحاً لأن الإيجاب جزء من الصيغة وقد أن الصيغة ركن لا شرط.
الثاني: رضا المحال وهو صاحب الدين له أن يستوفيه بنفسه وبغيره، كما إذا وكل عنه من يستوفي دينه فليس للمحال عليه أن يمتنع عن أداء الحق الذي عليه للمحال، وهذا القول هو الأصح، وقيل: يشترط رضا المحال عليه أيضاً.
الثالث: أن يكون الدين المحال به معلوماً قدراً أو صفة، فلو كان الدين مجهولاً عند العاقدين أو أحدهما فإن الحوالة تكون باطلة.
الرابع: أن يكون الدين المحال به لازماً في الحال أو المال. فالدين الازم هو الذي لا يسقط عن المدين في وقت من الأوقات، كصداق المرأة بعد الدخول بها. وثمن المبيع بعد انقضاء مدة أما الدين الذي يؤول إلى اللزوم كصداق المرأة قبل الدخول بها وثمن المبيع قبل انقضاء مدة الخيار فكل ذلك تصح به الحوالة.
وإذا اشترى شخص سلعة بالخيار وقبل أن تمضي مدة الخيار أحال ذلك المشتري بائع والمشتري بالإحالة فقد اتفقا على لزوم البيع فإذا بقي الخيار بطل ما تقضيه الحوالة من اللزوم، وكذا لو باع شخص سلعة بالخيار، ولم يقبض ثمنها، ثم أحال آخر على المشتري ليأخذ منه الثمن فإنه بذلك يبطل خياره.
أما المشتري فإنه لا يبطل خياره إلا إذا رضي لاحوالة فإذا لم يرض بها لم يبطل خياره على المعتمد وتصح الحوالة بدين الكتابة، إذا كانت من العبد، فمن كاتب عبده بمال يدفعه أقساطاً فأحاله العبد المكاتب على شخص ثالث فإنه يصح لأن الكتابة لازمة في حق السيد فلا يصح له الرجوع عنها.
أما إذا أحال السيد شخصاً على العبد، فإن الحوالة لا تصح وذلك لأن دين الكتابة غير لازم بالنسبة للعبد.
الخامس: أن يساوي الدين الذي على المحيل بالدين الذي على المحال عليه في الجنس
(3/189)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والقدر والحلول والتأجيل والصحة والتكسير فلا تصح الحوالة بالجنيهات على القروش والريالات لاختلاف القدر.
نعم، تصح بخمسة من العشرة التي على فلان وكذا لا تصح بدين حل موعده على دين لم يحل موعده وبالعكس، وكذا لا تصح لقروش مكسرة على ريالات صحيحة وعكسه.
ولا يشترط التساوي في التوثيق فإذا كان لزيد دين على عمرو وكان بيد زيد رهن على دينه أو كان له كفيل به وكان لعمرو دين على خالد رهن ولا كفيل، ثم أحال عمرو زيداً على خالد فإن الحوالة تصح وينتقل الدين بدون رهن أو كفيل وينفك الركن الأول ويبرأ الكفيل لأن الحوالة بمنزلة القبض، ألا ترى أنه لو اشترى شخص من آخر سلعة ولم يعطيه ثمنها فلم يسلمها اليائع للمشتري لعدم قبض الثمن فإذا أحاله المشتري بالثمن على آخر ورضي به فإنه لا يكون له حق في منع السلعة لأن الحوالة بمنزلة القبض.
وكذا إذا أحال الزوج بالصداق على آخر ورضيت بذلك، فإنه لا يكون لها حق منع نفسها عنه، وإذا شرط المحال (صاحب الدين) أن ياتي له المحيل برهن أو كفيل لم تصح الحوالة لأن المحيل يبرأ بمجرد الحوالة فلا معنى لا شتراط ما يكفل الدين.
أما إذا اشترط الرهن أو الكفيل على المحال عليه فإن الحوالة تصح ولا يلزم المحال عليه يتنفيذ الشرط.
السادس: أن يكون دين المحيل ودين المحال عليه من الديون التي يصح بيعها واسبدالها بغيرها فلا تصح الحوالة بدين المسلم سواء كان رأس المال أو كان المسلم فيه قال شخص لآخر أسلمت إليك عشرين جنيهاً في عشرين إردَبّاً من القمح فإنه لا يجوز للمسلم وهو صاحب رأس المال أن يحيل المسلم بغيره فإن المحال عليه إذا دفع المبلغ المحال منه رأس مال السلم لا يمكن أن يستبدل بغيره فإن المحال إذا دفع المبلغ المحال فإنما يدفعه عن نفسه وهو غير صاحب رأس مال السلم (المسلم) .
نعم، ويجوز أن يحيل المسلم إليه وهو صاحب السلعة شخصاً له دين يأخذ رأس مال السلم من المسلم في مجلس، لأن السلم في هذه الحالة يدفع رأس مال السلم نفسه.
ومثل ذلك المسلم فيه وهو السلعة لأنه ببعيها واستبدالها، ومثال المسلم مال الزكاة فإنه لا يصح لرب المال أن يحيل الفقير على غيره ليأخذ منه الزكاة لأن الزكاة لا يصح بيعها.
المالكية - قالوا: أركان الحوالة: محيل، ومحال به، وصيغة، ولا تنحصر الحوالة في لفظ مشتق من الإحالة، فتصح بكل ما يدل على نقل الدين كقزله: خذ من فلان وأنا برئ منه، كما تصح بقوله أحلتك على فلان وحولت حقك عليه وأنت محال على فلان، ونحو ذلك، ويكفي الإشارة الدالة على الحوالة من الأخرس لا من الناطق.
(3/190)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويشترط لها شروط:
(أحدها) رضا المحيل والمحال، أما المحال عليه فلا يشترط رضاه على المشهور كما لا يشترط حضوره ولإقراره، نعم إذا ثبت أن بينه وبين المحال عداوة فإن الحوالة لا تصح على المشهورة فإذا طرات العداوة بعد الإحالة فإن المحال يمنع من أخذ الدين من المحال عليه في هذه الحالة حتى لا يفاقم الشر وتزيد الخصومة التي نهى عنها الشارع.
(ثانيها) أن يكون للمحال دين على المحيل وأن يكون للمحيل على دين المحال عليه فإذا لم يطون للمحال دين على المحيل كان وكالة لاحوالة لأنه طلب ممن ليس له دين أن يتقلضي له من المحال عليه عليه ماله عنده وذلك هو معنى الوكالة وإذا لم يكن للمحيل دين على المحال عليه عقد حمالة لأن المحال عليه احتمل سداد الدين عن المحيل للمحال وفي هذه الحالة المحال عليه أو مات كان للمحال وهو رب الدين أن يرجع على المحيل (المديون الأصلي) إلا إذا علم المحال من أول الأمر بأن المحيل ليس له دين عند المحال عليه ثم شرط المحيل براءته من الدين فإنه في هذه الحالة لا يكون للمحال حق الرجوع على المحيل ولو أفلس المحال عليه لأنه ترك حقه باختباره.
وبعضهم يقول: إذا أفلس المحال عليه أو مات فإن للمحال أن يرجع على المحيل حتى المحيل ولو شرط عليه البراءة ثم إذا دفع المحال عليه الدين بالفعل فهل له أن يرجع به على المحيل ليأخذه منه؟ والجواب: أنه إذا مات قامت قرينه على متبرع به لم يكن له حق الرجوع وإلا فله حق الرجوع لجواز أن يكون قد دفعه بطريق قد دفعه بطريق القرض للمحيل.
(ثالثها) أن يكون أحد الدينين حالاً، فإن الدين الذي مؤجلاً والدين الذي على المحال عليه مؤجلاً مثله فإن الحوالة لا تصح لما يتلاتب عليه من بيع الدين الممنوع.
(رابعها) أن يكون الدين لازماً فلا تصح الحوالة بدين غير لازم كما إذا أحال السيد دائنة على عبده المكاتب لأن الدين غير لازم على المكاتب. أما إذا أحال المكاتب سيده على من يقبض له دينه فإنه يصح.
(خامسها) أن يساوي الدين الذي على المحيل الدين الذي على المحال عليه في القدر والصفة ومعنى - التساوي في القدر - أنه لا يجوز أن ياخذ من المحال عليه أكثر مما يستحقه عند المحيل. فإذا كان لشخص دين عند آخر قدره خمسة، فأحاله المديون على شخص له عنده عشرة، فيجب أن يحيله بالخمسة فقط بحيث لا يأخذ أكثر منها، لأنه إذا كان الدين قرضاً كانت الزبادة في الحوالة ربا وإذا كان الدين ثمن سلعة باعها فإنه يصح له باعهل له فإنه كان يصح لأن يعطيه أكثر من ثمنها. ولكنه يكون من باب بيع الدين يالدين الذي لم يرخص فيه. وكذا لا يصح أن يختلف الدينان في الصفة فلا تصح الإحالة بالجنيهات
(3/191)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المتساوية في القدر المختلفة في الجنس مثلاً كاجنيه الإنكليزي والمصري وإذا فرض تساويها في القيمة.
(سادسها) ألا يكون الدينان (دين المحيل ودين المحال عليه) حاصلين من بيع الطعام كالحبوب ونحوها.
فإذا أسلم زيد إلى بكر عشرين في قمح. وأسلم بكر إلى خالد مثلها عشرين جنيهاً في قمح أيضاً فإنه لا يجوز لبكر أن يحيل زيداً على خالد ليأخذ منه القمح المسلم فيه. أما إذا اقترض بكر من زيد عشرين إردَبّاً من القمح. واقترض خالد من بكر عشرين إردَبّاً كذلك فإنه يجوز لبكر أن يحيل زيداً على خالد منه قمحه.
ففي الصورة الأولى كان الدينان من بيع (سلم) . وفي الصورة الثانية كاد الدينان من قرض والأول ممنوع لما يلزم عليه من بيع الطعام قبل قبضه وهو ممنوع في الطعام المستبدل. والثاني جائز فإذا كان أحد الدائنين من بيع والآخر من قرض فإنه يجوز، فإذا أسلم زيد لبكر عشرين إردَبّاً وأقرض بكر خالداً أو أكثر أو أقل فإنه يجوز لبكر زيداً على خالد بأخذه منه حقه من الغلة بشرط أن يكون الدين الذي عند بكر حالاً لا مؤجلاً، ومثل ذلك ما إذا كان الدينان من قرض فإنه يشترط أن يكون الدين المحال حالاً.
وبعضهم يقول: إنه لا يجوز مطلقاً إذا ترتب عليه بيع طعام المقارضة قبل قبضه فلا تجوز الحوالة في صورة ما إذا كان أحدهما دين قرض والآخر دين سلم فليس لبكر أن يحيل زيداً بدين الطعام الذي أسلم فيه ليأخذ دين القرض الذي أقرضه بكر لخالد لأن فيه طعام القرض الذي يستحقه بكر عند خالد لزيد قبل قبضه، نعم يجوز إحالة صاحب دين القرض على دين البيع فإذا أقرض زيد عشرين إردَبّاً لبكر وأسلم بكر لخالد عشرين جنيهاً في عشرين إردَبّاً فإنه يصح لبكر أن يحيل زيداً على خالد لبأخذه منه حقه وذلك لأنه يجوز قضاء القرض بطعام البيع إذ ليس فيه بيع الطعام قبل قبضه فيه سداد للقرض.
فشروط الحوالة ستة. وبعضهم يعد الصيغة شرطاً تسامحاً فتكون شروطها سبعة.
الحنابلة - قالوا: أركان الحوالة ما تتحقق به محيل ومحال ومحال به وعليه وصيغته الخ. ولا يشترط في الصيغة أن تكون بلفظ الحوالة بل تصح بمعناها كما إذا قال شخص لآخر أتبعك بدسنك على زيد.
وشروط الحوالة خمسة:
(أحدها) : أن يتفق المحال به مع دين المحال عليه في الجنس والصفة والحلول والصفة والأجل فيلزم أن يحيل الدين الذي من ذهب على مثله فإذا أحال ذهباً على فضة فإنه لا يصح لاختلاف الجنس. وكذا لا يصح أن يحيل بدين مكسور على دين صحيح لاختلاف الصفة ولا يحيل ديناً حل دفعه على دين مؤجل وبالعكس.
(3/192)

مبحث في براءة ذمة المديون بالحوالة
-إذا كان لشخص دين عند آخر فأحاله بذلك الدين على شخص فهل تبرأ ذمة المديون (المحال) أو لا تبرأ؟ في ذلك تفصيل في المذاهب (1) .
__________
(ثانيها) : أن يكون قدر كل من الدينين (دين المحال به ودين المحال عليه) معلوماً قدره فإذا كان مجهولاً فلا تصح الحوالة.
(ثالثها) : أن يكون الدين المحال به مستقراً فلا تصح أن تحيل المرأة المدينة دائنها على صداقها قبل الدخول لأنه غير مستقر وكذا لا يصح يكاتب عبده أن يحيل دائنه على العبد ليأخذ منه دين الكتابة لأن دين الكتابة غير لازم إذ للعبد أن ينقضه.
(خامسها) : رضا المحيل أما المحال فلا يشترط رضاه إذا كان المحال عليه قادراً على سداد غير مماطل كما تقدم في شرح الحديث وكذلك المحال عليه فإنه لا يشترط رضاه) .

(1) الحنابلة - قالوا: متى توفرت شروط الحوالة فإن المحيل يبرأ من الدين يمجرد الحوالة سواء أفلس المحال عليه أو مات أو أنكر الدين. أما إذا لم تتوفر الشروط فإن الحوالة لم تصح وتكون وكالة حكمها حكم الوكالة. ومثل ذلك ما إذا حال شخصاً لا دين له عليه شخص مدين له فإن ذلك وكالة وإن كان بلفظ الحوالة.
وإذا أحال شخصاً لا دين له على شخص غير مدين له فإن ذلك وإن كان بلفظ الحوالة كان وكالة في اقتراض منه.
المالكية - قالوا: يتحول حق المحال عليه بمجرد الحوالة وتبرأ بذلك ذمة المديون فإذا أفلس المحال عليه أو مات أو أنكر الدين بعد الحوالة لا يكون للمحال الحق في الرجوع على المحيل (المديون له الأصلي) أما إذا أنكر المحال عليه الدين الذي للمحيل عنده قبل الحوالة ولا بينة عليه فإن الحوالة لا تصح لأن من شروط صحتها أن يكون الدين ثابتاً فإذا كان المحال عليه مفلساً قبل الحوالة تكون صحيحة ولكن إذا كان المحال (صاحب الدين) عالماً بلإفلاسه وقبل الحوالة فلا حق له في الرجوع على المحيل سواء كان المديون عالماً بلإفلاس المحال أو لا فإذا لم يعلم اختلفا في العلم فقال المحال إن المحيل يعلم بإفلاس وأنكر فإنه يحلف إن كان يظن فيه الكذب وإلا فلا يحلف وإن تهمه المحال.
(3/193)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحنفية - قالوا: إن المديون يبرأ بإحالة الدائن مؤقتة ومعنى ذلك أن المحال بالدين ليس له حق الرجوع على الحيل إلا في حالة التوى التي تقدم ذكرها وهي أن يفلس المحال عليه أو بموت ففي هذه الحالة يصح للمحال أن يرجع على المديون الأول (المحيل) ويترتب على براءة المحيل أنه إذا مات لا يأخذ المحال الدين من ورثته بل له الحق في المطالبة بكفيل من الورثة يحفظ له حقه من الضياع.
الشافعية - قالوا: يترتب على الحوالة براءة ذمة المحيل (المديون) من دين المحال عليه وبراءة ذمة المحال عليه من دين المحيل ولكن يتحول نظير دين المحيل إلى ذمة المحال عليه للمحال، وليس للمحال الحق في ارجوع إلى المحيل بعد الحوالة على أي حال سواء أفلس المحال عليه أو مات أو أنكر ما عليه من الدين. ومثل ذلك ما إذا أنكر الدين قبل الحوالة سواء المحال بذلك أو لم يعلم وذلك لأن قبول المحال عليه الحوالة إقرار ضمني بالدين فإنكاره لا يضر المحال وكذا إذا كان المحال عليه مفلساً قبل الحوالة فإنه لا حق للمحال في الرجوع.
نعم إذا أنكر الدين قبل الحوالة وحلف ثم أحاله بعد ذلك فللمحال أو يحلف المحيل بأنه لم يكن بعلم ببراءة ذمة المحال عليه بيمينه فإن حلف المحيل فلا حق للمحال في الرجوع وإن لم يحلف حلف المحال وبطلت الحوالة. وكذا لو قامت بينه على أن المحال عليه قد أعطى المحيل دينه.
(3/194)

مباحث الضمان
تعريفه
-الضمان في اللغة التزام في ذمة الغير وهو مشتق من الضمن لأن الذمة من ضمن البدنفي معناه الكفالة يقال كفل فلان بمعنى فلاناً ضمه إليه ومنه قوله تعالى: {وكفلها زكريا} أي ضمها إلى نفسه ليعولها ويقوم بترتيبها. وهي مصدر كفل بفتح الفاء وضمها وكسرها يقال كفل كفلاً وكفولاً ويتعدى بالباء يقال كفلت بالرجل وقد يتعدى بعن إذا تعلق بالمديون فيقال كفلت عن المديون ويتعدى باللام إذا تعلق بالدائن فيقال كفلت للدائن. أما معناه اصطلاحاً ففيه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) (الحنفية - قالوا: في تعريق الكفالة رأيان:
أحدهما: أنها ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة بنفس أو دين أو عين فالأقسام ثلاثة كفالة بالنفس وكفالة بالدين وكفالة بالعين.
ثانيهما: أنها ضم ذمة إلى ذمة في أصل الدين. ولكن التعريف الأول أصح من الثاني وذلك لأنه عام يشمل أقسام الثلاثة. أما الأول فإنه مقصور على الكفالة في الدين وبيان ذلك أنه إذا كان لشخص عند آخر دين فغن له أن يطالبه بكفيل موقوق به عنده ليضمه إلى المديون الأصلي وهنا اختلفت آراء علماء الحنفية فمنهم من يقول: إن ضم الكفيل إلى أصيل يجعل لصاحب الدين الحق في مطالبته بالدين من غير أن تشتغل ذمته بذلك الدين لأن الدين مشغولة به ذمة الأصيل فقط.
وصاحب هذا الرأي يستدل عليه بأنا إذا قلنا إن ضم ذمة الكفيل إلى الأصيل يتلاتب علها شغل ذمة الكفيل لا يكون جامعاً لكا أقسام الكفالة فإن الضمان بالنفس ليس فيه شغل لذمة الكفيل بلا خلاف لصاحب الدين إلا أن يطالبه بإحضار الشخص المديون بذاته. ومثل الكفالة بالأعيان وهي ثلاثة أقسام:
الأول المضمونة بنفسها.
الثاني: العيان المضمونة بغيرها.
الثالث: العيان غير المضمونة.
فأما الأعيان المضمونة بنفسها فهي التي يجب على من أخذها أن يردها بعيمها إن كانت موجودة فإن هلكت كان عليه أن ياتي بمثلها إن كان لها مثل وإلا فعليه وذلك قيمتها كالمغصوب والمبيع بيعاً
(3/195)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فاسداً فإذا غصب شخص من آخر بقرة مثلاً فإنه يجب على الغاصب أن يرد البقرة ما دامت موجودة فإذا ماتت وجب عليه أن يشتري مثلها لصاحبها.
وإذا اغتصب جوهرة ليس لها مثيل وفقدت عليه أن يدفع لصاحبها قيمتها متى ثبت ضياعها بينه أو إقرار. وكذلك إذا اشترى سلعة بعقد فاسد كما ستعرفه موضحاً في مبحث شروط الكفالة.
أما العيان المضمونة بغيرها فهي الأعيان التي يجب تسليمها ما دامت موجودة فإذا هلكت لا يجب تسليم مثلها ولا قيمتها فإنه مضمون بغيره وهو الثمن فإذا اشترى سلعة وأعطاه ثمنها ولم يقبضها وكفلها للمشتري فغن الكفيل لا يلزم برد مثلها ولا قيمتها ومثل ذلك الرهن فإنه مضمون بغيره وهو الدين فإذا كان لشخص عند آخر دين وأعطاه سلعة رهناً عن ذلك الدين ثم كفل السلعة آخر وهلكت السلعة لا يلزم الكفيل بثمنها ولا قيمتها فالأعيان المضمونة بنفسها والمضمونة بغيرها تصح كفالتها ولكن ذمة الكفيل لا تشغل بها اتفاقاً فليس لصاحبها إلا أن يطالب الكفيل بإحضارها في حال وجودها ويدفع قيمتها أو رد مثلها في الأعيان المضمونة بنفسها ولا يطالب بشيء عند هلاك العيان المضمونة بغيرها فمن أجل ذلك قلنا إن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة ليشغل التعريف أقسام الكفالة الثلاثة.
أما الأعيان غير المضمونة لا بنفسها ولا بغيرها فإنها لا يجب تسليمها ولا تصح كفالتها وهي الأمانات كالوديعة، ومال المضاربة والشركة ونحوها. وقد اعترض على التعريف الثاني وهو ضم ذمة إلى ذمة في الدين أن هذا التعريف يستلزم تعدد الدين ومضاعفته فإذا كان لشخص دين عند آخر قدره ألف ثم كفله فيه غيره وشغلت ذمة الكفيل به في ذمة كل منها ألف ولكن هذا الاعتراض ليس بشيء لأن الدين وإن شغلت به ذمة الكفيل إلا أنه ليس لصاحبه أن يأخذ دينه إلا من أحدها فقط ومتى دفعه أحدهما فقد برأت ذمة الآخر منه فلا يلزم من شغل الذمتين به أن يأخذه من اثنين ونظير هذه الغصب من الغاصب فإذا اغتصب زيد سلعة من عمرو واغتصب خالد تلك السلعة من زيد الغاصب فإن كلاً من زيد الغاصب الأول وخالد الغاصب الثاني منه يكون ضامناً لتلك السلعة لا يتعدد حقه بذلك فليس إلا أن يستوفي حقه من أحدهما إلا أنه في مسألة الغاصب تبرأ ذمة أحدهما إذا اختار صاحب السلعة الثاني وضمنه سلعته بخلاف الكفالة في الدين فإنه لا تبرأ الذمة اختيار واحد منهما ليضمن له دينه بل لا تبرأ إلا بالقبض فعلاً.
فوجهة نظر من يقول إن الكفالة هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة فقط هي جعل التعريف عاماً يشمل الأقسام الثلاثة.
أما من قال: إنها ضم في نفس الدين مع المطالبة أيضاً فقد استدل بأدلة منها.
أن صاحب الدين إذا وهبه للكفيل الحق في ان يرجع به على الأصيل فلو لم تكن ذمة الكفيل مشغولة بالدين لما صح أن يهبه له الدائن لأن الدين لا تصح هبته لمن ليس
(3/196)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عليه الدين إلا إذا أمره بقبضه كما يأتي في الهبة فدل ذلك على أن ذمة الكفيل مشغولة بالدين. وأيضا، فإن صاحب الدين إذا اشترى من الكفيل سلعة بدينه فإنه يصح مع شراء بالدين لا يصح إلا ممن عليه الدين، وأيضاً فإن الكفيل إذا مات يؤخذ الدين من تركته ولو ذمته غير مشغولة بالدين فإن المطالبة تسقط عنه بموته.
وهذه المسائل متفق عليها فكيف تقولون إنها ضم في المطالبة فقط؟
والجواب عن ذلك أن من قال إن الكفالة هي الضم في المطالبة لا ينفي أنها قد تكون ضماً في أصل الدين تعريفها بذلك لأنه لا يشمل أقسامها الثلاثة التي ذكرناها وذلك لأن الذي يتصور فيه ضم إلى ذمة إلى ذمة في أصل الدين هو الكفالة في الدين فقط. أما القسمان الآخران فأنه لا يتصور فيهما ذلك اتفاقاً ولا يقال إن من عرفها بأنها ضم ذمة إلى ذمة في نفس لاحظ تعريف قسم واحد فغن ذلك لا يمنع كون التعريف ناقصاً وأن الأصح بما يشمل الأقسام الثلاثة. وعلى هذا يكون الخلاف في التعريف لا ثمرة له.
أما كون ثمرته في اليمين لأن حلف ألا يحنث على القول بأن ذمته مشغولة بالدين ولا يحنث على أن ذمته مشغولة بالمطالبة فهذا مما لا معنى له.
هذا والمراد بالذمة العهد المتعلق بالإنسان فقولهم في ذمته كذا أي في نفسه باعتبار عهدها المتعلق بها فقولهم ضم ذمة إلى ذمة معناه ضم شخص إلى شخص إلى شخص في التعهد بالحق. وبعضهم يقول: إنها وصف شرعي تتحقق به الهلية لوجوب ماله وعليه والأول أو ضح، والكالقة والضمان بمعنى واحد عند الحنفية.
(وبعد) فإن الكفالة لا تصح إلا إذا أمر بها المدين كما سيأتي وإذا كانت الكفالة بالأمر فإنها توجب دينين وثلاث مطالبات.
المالكية - قالوا: الضمان والكفالة والحمالة بمعنى واحد وهو أن يشغل صاحب الحق ذمة الضضامن مع ذمة المضمون سواء كان شغل الذمة متوقفاً على شيء أو لم يكن متوفقاً.
وبيان ذلك أن الضمان عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ضمان المال فإذا ضمن شخص آخر في مال فغن ذمته تشغل بذلك المال كما شغلت به ذمة الأصيل بدون أن يتوقف على أمر آخر.
القسم الثاني: ضمان الوجه وهو التزام الاتيان بالغريم الذي الدين عند الحاجة فهذا الضمان لم يصح في غير المال، ولا تشغل ذمة الضامن بالمال إلا إذا لم يحضر المديون أما إذا أحضره فلا يلزم بالدين. فهذا القسم يتوقف فيه شغل الذمة بالحق على عدم إحضار المضمون.
القسم الثالث: ضمان الطلب وهو أن يلتزم الضامن طلب الغريم والتفتيش عليه. وهذا القسم
(3/197)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يصح فيه ضمان غير المال ولا تشغيل ذمة الضامن بالمال إلا إذا ثبت تفريطه في الإتيان بالمضمون أو في الدلالة علم موضعه وتركه فشغل الضامن في هذا القسم تتوقف على تفريط الضامن أو تهريبه وبذلك يتضح أن شغل الذمة لا يتوقف على شيء في ضمان المال. ويتوقف على عدم الإتيان بالمضمون في ضمان الوجه. ويتوقف على تفريط الضامن في ضمان الطلب. فالطلب على الوجه الذي يشمل أقسام الضمان الثلاثة.
الحنابلة - قالوا: ضمان الديون الثابتة فإذا ضمن شخص آخر في دين فقد شغلت ذمته بذلك الدين كذمة المديون الأصلي فلم الدين فلم ينتقل الدين من ذمة المضمون إلى الضامن بل باق مع شغل الضامن ولصاحب الدين الحق في مطالبة الاثنين فإذا برئت ذمة المضمون الأصلي بقضاء أو حوالة فقد برئت ذمة الضامن لأنه تابع للمضمون.
أما إذا برئت ذمة الضامن فغن المضمون لم تبرأ ذمته. ومثله إذا قضى الحاكم ببراءة ذمة الضامن أو حال الضامن صاحب الدين عنه فإن المديون الأصلي لا تبرأ ذمته بذلك ويكون لصاحب الدين حق مطالبته.
أما إذا قبض دينه من أحدهما فعلاً فإن ذمتها تبرأ من دينه ثم إذا دفع الضامن الرجوع على المضمون صح له أن يرجع. أما إذا لم ينو فليس له حق الرجوع.
القسم الثاني: ضمان ما يؤؤل إلى الوجوب وإن لم يكن واجباً بالفعل وذلك كالعيان المغصوبة والمستعارة، فإن مثل هذه العيان إن لم تكن واجبة في ذمة الغاصب أو المستعير بالفعل ولكنها تؤول إلى الوجوب لأنها ردها إلى صاحبها ما دامت قائمة فغن هلكت كان ملزماً بقيمتها فمعنى ضمان هذه العيان أو ضمان قيمتها عند هلاكها.
ومثل العيان المغصوبة والمستعارة العيان المقبوضة على سوم الشراء ومعنى المقبوضة على سوم الشراء هو أن يساوم شخص آخر في شراء سلعة ولم يتعاقد معه نهائياً سواء قطع معه ثمنها وقبضها ولم يسلمه الثمن أو لم يقطع معه ثمنها، ولكن قبضها ليطلع عليها أهله أو أصحابه فمثل هذه السلعة تكون مضمونة كالعارية والعين المغصوبة بحيث إذا هلكت وجب عليه رد قيمتها وإلا ردها بعينها.
أما إذا أخذ العين بغير مساومة وبغير قطع ثمن فلا تكون مضمونة ولا يصح الضمان فيها ومثل الأعيان التي تؤخذ مساومة العيان غير المضمونة كالوديعة ومال الشركة والعين المستأجرة فإنها لا يصح فيها الضمان وذلك لأنه لا يجب على من وضع عليها يده أن يردها. فكذا لا يجب على ضامنه، نعم لا يصح ضمان التعدي عليها بمعنى أنه تعدى عليها من كانت بيده فإنها تجب عليه فكذا ضامنه.
(3/198)

أركان الضمان وشروطه
-أركانه خمسة: ضامن. ومضمون له وهو صاحب الحق. ومضمون عنه وهو الذي عليه الحق. ومضمون وهو الحق. ويقال مضمون به أي بسببه ولكل ركن من هذه الأركان شروط مفصلة في المذاهب (1) .
__________
القسم الثالث: ضمان الديون التي تجب في المستقبل بأن يضمن ما يلزمه من دين. مثلاً إذا كان شخص يعامل تاجراً فإن له أن يأتي بضامن يضمنه فيما يلزمه من دين التجارة التي يأخذها شيئاً فشيئاً.
الشافعية - قالوا: الضمان في الشرع عقد يقتضي التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار عين مضمونة، أو إحضار بدون من يستحق حضوره.
ومعنى التعريف أن الضمان ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ضمان الدين ومعناه أن الضامن يلتزم في ذمة المديون من حق، بحيث تشتغل به ذمته، كما شغلت ذمة المديون، وإذا دفع أحدهما برئت ذمة الآخر، وهذا معنى قوله: التزام حق ثابت.
القسم الثاني: ضمان رد العين المضمونة كالعين المضمونة والعين المستعارة، فإذا اغتصب زيد من عمرو سلعة فإنه يصح لخالد أن يضمن زيداً الغاصب في رد السلعة المغصوبة ويكون ملزماً بردها ما دامت باقية. أما إذا هلكت فلا شيء عليه ومثل ذلك ما إذا استعار منه عيناً.
القسم الثالث: التزام إحضار شخص ضمنه في ذلك فإذا كان لزيد عند عمرو دين فإنه يصح لخالد إحضار نفس المدين عند الحاجة وهذا الضمان يسمى كفالة فالكفالة نوع من الضمان وهي خاصة بضمان الأبدان) .

(1) (الحنفية - قالوا: للكفالة ركن واحد وهو الإيجاب والقبول. لأنه هو الذي تتحقق به ماهية العقد وأما غير ذلك فإنه شروط كما تقدم.
وعلى ذلك فلا بد من قبول صاحب الدين وهو المكفول له سواء كانت الكفالة بالنفس أو المال فإذا كان لشخص دين عند آخر فأراد أن يكفله فيه ثالث فلا تصح كفالته إلا إذا قبل صاحب الدين في المجلس أو ناب عنه في القبول شخص آخر في المجلس ثم أقر نيابه بعد المجلس وبعضهم يقول لا يلزم في الكفالة قبول صاحب الدين في المجلس فتصح الكفالة بالنفس والمال بدون قبول صاحب الحق لأن الكفيل زيادة في توثيق الدين لا يضر وجود صاحب الحق فلا تتوقف صحة الكفالة على قبوله.
أما صيغة الكفالة فهي كل ما يفيد التعهد والالتزام كقوله: كفلت وضمنت وتحملت وأنا بذلك
(3/199)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المال زعيم وحميل وغريم: دين فلان علي أو والي أو نحو ذلك. وتصح الكفالة بالنفس بكل ما يعبر عنه عن البدن حقيقة كما في الطلاق وذلك كأن يقول: ضمنت إحضار نفسه أو روحه ورأسه ووجهه. ومثل ذلك الجزء الشائع في بدنه كنصفه وثلثه. أما الجزء المعين كاليد والرجل بأن قال: ضمنت يده أو رجله فإنه لا يصح.
المالكية - قالوا: يشترط ككفالة شروط وبعضها يتعلق بالمكفول عنه. وبعضها يتعلق بالكفيل ويعضها يتعلق بالمال المكفول به وبعضها يتعلق فيشترط في المكفول عنه ألا يكون محجوراً عليه بسفه في الشيء الذي يضمن فيه. وذلك تصرف السفيه إلى قسمين:
أحدهما: أن يشتري أو يبيع أو ينفق شيئاً لازماً له لا بد منه في ضروريات أموره.
ثانيهما: أن يتصرف كذلك فيما ليس بلازم بل يمكنه الاستغناء عنه.
فإذا تصرف في شيء لازم فإنه يصح كفالته في ذلك الشيء وإذا دفعه الكفيل فإنه يرجع به على المحجور عليه ويؤخذ من ماله على الراجح أما إذا تصرف في شيء مستغني عنه فإن الكفالة فيه لا تصح ولا يرجع على المحجور عليه.
وهل يلزم الكفيل أن يدفع المال الذي ضمنه لصاحب الدين الدين أو لا؟ في ذلك تفصيل وهو أن الضامن إذا كان يعلم أنه محجور عليه ثم ضمنه بعد ذلك وكان المضمون له لا يعلم فإن على الضامن أن يدفع المال الذي ضمن به اتفاقلَ ويضيع ما دفعه فلا حق له له في ارجوع على المجور عليه.
أما إذا كان العكس وهو أن الضامن لا يعلم بأن المضمون محجور عليه والمضمون له (وهو صاحب المال) يعلم أنه محجور عليه فإن الضامن غفي هذه الحالة لا يلزمه شيء اتفاقاً.
أما إذا كان الاثنان يعلمان محجور عليه أو كانا لا لا يعمان شيئاً فإن في ذلك خلافاً فبعضهم يقول: يلزم الضامن أن يدفع ما ضمن به وبعضهم يقول: لا يلزمه شيء فإذا ضمن صبياً بحق أمر وليه صح الضمان ويرجع الضامن بما دفعه في مال الصبي ومثل ذلك ما إذا كسر الصبي زجاجاً ونحوه أو أتلف شيئاً فدفع أحد قيمته لصاحبه فإن له أن يرجع بما دفعه في مال الصبي إلا إذا كان الصبي صغيراً جداً مثل ابن ستة أشهر لا ينزجر لأن ما يتلفه في هذه الحالة لا يلزم به.
ولا يشترط في المكفول عنه (المديون) أن يكون قادراً على تسليم المكفول به فيصح كفالة المبيت بمعنى حمل الدين عنه لا بمعنى ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الميت لأن ذمة الميت قد انتهت ثم إذا كان الضامن يعلم أنه لامال له ثم طرأ للميت مال لم يكن في الحسبان فليس للضامن أن يأخذ منه لأنه دفع متبرعاً. أما إذا كان يطن أن له مالاً أو يشك ثم ظهر أن له مالاً فإنه يرجع عليه والقول في ذلك للكفيل إلا إذا قامت قرينه على أنه متبرع.
ويشترط في الكفيل أمور:
أولاً: أن يكون بالغاً فلا يصح لللصبي أن يضمن غيره.
(3/200)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثانياً: أن يكون عاقلاً فلا تصح كفالة المجنون.
ثالثاً: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه فلا يصح للسفيه أن يضمن غيره.
رابعاً: أن لا تكون امرأة متزوجة إذا رأت أن تضمن في مقدار يزيد عن ثلث مالها بغير إذن زوجها، فإذا تكفلت المرأة بمقدار يساوي ثلث مالها فإن كفالتها تصح ولو لم يأذن زوجها، ومثل ذلك ما إذا تصدقت أو وهبت أو أعتقت أو نحو ذلك فإن تصرفها ينفذ في مقدار الثلث فقط فغن فعلت أكثر من ذلك بدون إذن زوجها فإن له الحق في رد كل ما تصرفت فيه.
خامساً: ان يكون مريضاً (خطراً) إذا أراد أن يضمن في أكثر من ثلث ماله، فإذا ضمن المريض في أكثر من ثلث بشيء يزيد على الدينار فغن ضمانه لا ينفذ إلا أجازته الورثة.
واعلم أن الشرط الرابع والخامس من شروط النفاذ لا من شروط الصحة فإن الكفالة بدونها تصح بغير إذن سيده فغن ضمانه يصح ولا ينفذ إلا إذا أجازه السيد، وإذا عتق العبد فإن الضمان يلزمه بعد العتق.
سادساً: أن لا يكون الضامن عليه دين يستغرق كل ماله، فمن كان عليه دين يستغرق جميع ماله فإن كفالته لا تصح ولا يكون أهلاً للتبرع.
ويشترط في المال المكفول به أن يكون ديناً، فلا تصح الكفالة في الأمانات - كالعين المستعارة، والعين المودعة - وكذا مال المصاربة والشركة، فإذا استعار سلعة من آخر واتى له بضامن يضمنه في تلك السلعة فإنه لا تصح، وكذا لو أودع عند آخر وديعة أو مالاً يعمل به مضاربة، نعم يصح أن يأتي بضامن يضمن قيمتها له إذا فقدت بسبب تعد أو تفريط في المحافظة عليها، وإذا فرط المستعير في العارية، أو الشريك في مال شريكه، أو اتلفه بتعديه لزم الضامن قيمته ما اتلفه المضمون.
ويشترط في الدين أن يكون لازماً أو يؤول إلى اللزوم، فمثال اللازم الذي يصح ضمانه دين القرض وثمن السلعة المبيعة، فإذا اشترى شخص سلعة من آخر بثمن مؤجل وأتى بضامن ثمنها فإنه يصح ضمانه دين القرض، فإذا اشترى شخص سلعة من آخر بثمن بثمن مؤجل ولأتى بضامن من ثمنها فإنه يصح ويلزم. ومثل ذلك ما إذا استأجر أرضاً بأجرة معلومةن فإنه يصح الضمان ويلزم.
ومثال الدين غير اللازم الذي لا يصح ضمانه دين الصبي بغير إذن وليه والسفيه المحجور عليه على التفصيل المتقدم، ودين الرقيقي بغير إذن سيده، ودين المكاتب، فإذا أتى بضامن فإنه لا يصح لأن دينه لازم. إذ يجوز له أن يبطل عقد الكتابة فهذا الدين لا يصح ضمانه لأنه لا يلزم المدين أن يفي به.
ومثال الدين الذي لا يلزم في الحال ولكن يلزم في المال دين الجعل فإن من جعل لآخر جعلاً على عمل يعمله فإن الجعل يلزم بعد الفراغ من ذلك العمل فيصح ضمانه لأنه وإن لم يلزم في الحال لكن
(3/201)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يلزم في المال. فإذا قال شخص لآخر: إن جئتني بجمالي الضالة فلك عشرة جنيهات وأتى له بضامن يضمنه فيها يصح ولو يشرع في العمل لأنه إن جاء ثبت له المبلغ في ذمة الأصيل فكذلك في ذمة الكفيل وإن لم يأت بها لم يثبت له شيء وهذا هو الراجح، وبعضهم يقول: دين الجعل قبل الشروع في العمل كدين الكتابة لا تصح كفالته.
ويصح ضمان الدين الحال مؤجلاً كما إذا كان لزيد عشرة جنيهات عند عمرو وحل موعد سدادها فإنه يجوز لخالد ان يقول لزيد: أجل أو شهرين أو نحو ذلك وأنا ضامن لك وذلك الدين وإنما يصح ذلك إذا تحقق واحد من أمرين:
أحدهما: أن يكون المدين موسراً وقت الضمان وذلك لأنه يكون التأجيل سلفاً جر منفعة وهو ممنوع وذلك لأن صاحب الدين في الحالة الأولى ضامن لحقه وقادر على أخذه فإذا أجلخ بضامن لا تكون له فائدة من الضامن فرضاؤه بمد الأجل بمنزلة القرص بدون منفعة تعود عليه.
أما إذا كان المديون معسراً فإن صاحب الدين لم يكن قادراً على أخذ دينه فإذا أجل له الدين نظير لنتفاعه بالضامن فإنه يكون قد أسلفه بفائدة.
ثانيهما: ألا يكون المديون موسراً وقت الضمان ولكن ضمنه مدة لا يتصور أن يطرأ عليه فيها يسر بل معسرأ إلى انتهائها وذلك أن صاحب الدين يجب عليه أن ينتظر إلى ميسرته بطبيعته فالضمان لم يفده شيئاً.
ثانيهما: ألا يكون المديون موسراً وقت الضمان ولكن الضامن مدة لا يتصور أن يطرأ عليه فيها انتفاعه بل يظل معسراً إلى انتهائها لأن صاحب الدين يجب عليه أن ينتظر إلى ميسرته بطبيعة الحال لم بفده شيئاً.
أما إذا أيسر في أثناء المدة فإنه لا يجوز، فإذا كان لشخص آخر عشرة حل موعد دفعها اليوم فطلب منه ان يؤجلها له ثلاثة أشهر بضمانة الغير فإن كان للمديون ما يسد به العشرة قبل حلول الأجل عادة فإن الضمان يصح.
أما إذا أيسر بعد شهر أو شهرين كأن كان مستحقاً في وقت ينتظر الحصول على غلته أو موضفاً بوظفيته ينتظر قبض راتبها فإن الضمان لا يصح، وذلك لأن صاحب الدين في هذه الحالة يكون قد أجل دينه في نظير أنه ينتفع يالضامن المدة التي يكون فيها معسراً وقد يقال انتفع في الصورة الأولى بالضامن في مدة الإعسار جميعها بأي فرق.
وكذا يصح ضمان الدين المؤجل حالاً كما إذا كان لشخص دين عند آخر مؤجلاً إلى شهرين مثلاً فقال له المدين إنه تنازل عن الأجل وصار الدين حالاً، ثم جاء له ضامن يضمنه وهذه الصورة غير عملية إذ لا يعقل أن يتنازل المديون عن المدة التي يحل فيها دينه ثم يأتي بضامن خوفاً من الممطالة ولهم في ذلك تفصيل لا فائدة من ذكره.
ولا يشترط في المضمون به أن يكون معيناً فإذا قال شخص لآخر: داين فلاناً وأنا ضامن له فإنه يصح الضمان فيما داينه بينه أو إقراره لا يكون حجة على الضامن، وهل ضمان جميع ما
(3/202)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
استدانه مهما بلغ قدره، أو يلزمه ضمان ما يعامل له مثله فقط؟ قولان. وللضامن في هذه الحالة أن يرجع عن الضمان - قبل المعاملة لا بعدها - فإن عامله في البعض لزم الضمان فيما عامل به فقط.
وأما الصيغة فيشترط فيها أن تدل على الحفظ والحياطة عرفاً مثل: أنا حميل بفلان أو زعيم أو كفيل أو قبيل أو هو لك عندي أو عليّ أو إليّ أو قبلي أو أنا قبيل به أو أذين أو عوين أو صبير أو موين ونحو، ذلك، فهذه كلها ألفاظ ينعقد بها الضمان.
والاستعمال الصيغة ثلاثة أحوال:
(الحالة الأولى) أن تذكر لفظ الضمان مطلقاً غير مقيد بما يدلا على أنه ضمان عن المال أو النفس، كما إذا قال: انا ضامن لفلان، ولم يقل: في المال الذي عليه، أو في إحضاره بنفسه، وفي هذه الحالة خلاف، فبعضهم يقول: إنها تحمل على الضمان بالمال، وبعضهم يقول: بل تحمل على الضمان بالنفس.
(الحالة الثانية) أن يذكر بفظ الضمان مقيداً بما يدل على المضمون لفظاً كأن يقول: أنا ضامن لما على فلان من الدين أو ضامن لنفس فلان، وهذه الحالة لا خلاف في معاملة الضامن بما قيد به الصيغة من ذلك.
(الحالة الثالثة) أن يذكر لفظ الضمان مقيداً بما يدل على المضمون فيه كأن يقول: أنا ضامن لفلان وينوي دينه أو نفسه وحكم هذه الحالة أن الضامن يعامل بما نواه ويصدق في ذلك لأنه متبرع والأصل براءة ذمته.
الحنفية - قالوا: ينقسم شرط الطفالة إلى خمسة أقسام:
(القسم الأول) يرجع إلى الكفيل: فيشترط في الكفيل أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تنعقد كفالتة المجنون ولا كفالة الصبي أصلاً إلا في حالة واحدة يصح للصبي أن يكفل ذلك بالمال لا بالنفس ما إذا كان الصبي يتيماً واستدان وليه سواء كان أباً أو غيره لينفق على الصبي فيما لا بد منه فإنه يجوز للصبي أن يكفل ذلك المال بأمر وليه وتصح كفالته في هذه الحالة ويطلب بالمال كما يطالب بذلك.
أما إذا أمره أن يكفل نفس الولي لصاحب المال بمعنى أن الصبي يحضر الولي عند الحاجة فإن الكفالة لا تصح لأن الصبي في كفالة المال الذي أنفق في ضرورياته ملزم به فكفالته للولي في ذلك المال تزيد في تأكيده بخلاف كفالته في النفس فإنها محض تبرع وهو أهلاً للتبرع.
وكذا يشترط في الكفيل أن يكون حراً وهذا شرط نفاذ لا شرط انعقاد فإن كفالة العبد تصح ولكن لا نتفذ إلا بإذن السيد أو بعد عتقه. فإذا عتق كان ملزماً بما كفل به وهو رقيق وكذا تشترط الصحة فيما زاد عن ثلث المال فلا يصح للمريض أن يكفل لوارث أو عن وارث أصلاً ولو كان الدين
(3/203)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أقل من ثلث ماله. فيشترط في الكفيل البلوغ والعقل وهما شرطا انعقاد. والحرية وهي شرط نفاذ والصحة وهي شرط فيما زاد عن الثلث من ماله.
القسم الثاني: يرجع إلى الأصيل وهو المديون فيشترط فيه أن يكون قادراً على تسليم المكفول به ينفسه أو نائبه فإذا كفل ميتاً مفلساً لا تصح كفالته لأن الميت المفلس عاجز عن تسليم المكفول به بنفسه وبنائبه من الورثة لأنه مفلس، فإذا ترك الميت مالاً فإنه يصح الكفالة عنه بقدر ذلك المال. وهذا القول هو الصحيح.
وكذا يشترط في الأصيل أن يكون معلوماً، فلا تصح كفالة المجهول إذا كانت الكفالة في المستقبل وتسمى مضافة، فإذا قال شخص لآخر كفلت لك ما تبعيه للناس بالدين فإن الكفالة لا تصح. وقد يقع هذا فيما أراد شخص أن يعلم ولده التجارة ويجلب له الناس يشترون منه فيقولون له بع: للناس ولو بالدين وأنا أضمن لك ما تبيعه من ذلك، فهذه الكفالة غير صحيحة لأن الناس كفلهم مجهولون.
ومثل ذلك ما إذا قال له: إن غصب منك أحد شيئاً فأنا كافل له وتسمى هذه كفالة معلقة بالشرط وهي في معنى الكفالة المضافة، فالمراد بالمضافة والمعلقة ما يقع في المستقبل ويقابلها الكفالة المنجرة الواقعة في الحال، وهذه لا يشترط فيها أن يكون الأصيل الذي يراد كفالته معلوماً. ومثال ذلك أن يقول له: كفلت بما ثبت لك على الناس، فهذه صحيحة ويلزمه أن يقوم مما ثبت له في الماضي على الناس الذين يعينهم المكفول له صاحب الدين لأنه بذلك يكون له الحق في تعيين من له عليه الدين.
ولا يشترط في الأصيل المكفول عنه أن يكون حراً بالغاً حراً فتصح كفالة الصبي بالمال والنفس سواء كان مميزاً أو لا وسواء كان مأذوناً له في التجارة أو لا، ثم إن كانت الكفالة بأمر الولي يجبر الصبي على الحضور مع الكفيل في الكفالة بالنفس ويرجع الكفيل بما غرم على مال الصبي.
أما لم تكن الولي فإن كانت الصبي وكان مأذوناً بالتجارة غير محجور عليه فإن الكفيل يرجع بما غرم على مال الصبي في كفالة المال ويجبر الصبي على الحضور معه في كفالة النفس وإلا فلا.
القسم الثالث: يرجع إلى المكفول له صاحب الدين فيشترط أن يكون معلوماً فلا يصح للشخص أن يكفل شخصاً لمن يجهله. وأن يكون عاقلاً فلا تصح الكفالة عند المجنون ومثله الصبي الذي لا يعقل. لأن المكفول له لا تتم الكفالة إلا بقبوله على الصحيح فيجب أن يكون من أهل القبول ولا تصح الكفالة بقبول وليهما عنهما. أما حرية المكفول له فإنها ليست بشرط.
القسم الرابع: يرجع إلى المكفول به سواء كان ديناً أو عيناً فيشترط لصحة الكفالة في الدين شرطان:
(3/204)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الشرط الأول: أن يكون ديناً صحيحاً. والدين هو الذي لا يسقط إلا بأدائه لصاحبه أو بالبراءة بأنه يسامح فيه صاحبه. ويقوم مقام الإبراء منه أن يفعل صاحبه ما يستلزم سقوطه مثال ذلك مهر الزوجة قبل الدخول فإنه يسقط إذا رضيت لابنه البالغ أن يقبلها بشهوة فهو وإن لم تبرئه حقيقة ولكنها بفعلها هذا أبرأته حكماً.
فالدين الصحيح هو الذي لا يسقط إلا بقضائه أو الإبراء منه حقيقة أو حكماً، وهذا هو الدين الذي يصح ضمانه، أما غيره فإنه لا يصح كدين الكتابة فإن للمديون وهو العبد المكاتب أن يفسخ عقد الكتابة متى شاء، ويستثنى من ذلك الدين المشترك بين اثنين فإنه وإن كان صحيحاً ولكن لا يصح لأحد الشريكين أن يضمنه.
مثلاً إذا اشترى شخص من تاجر شريكين بعشرين جنيهاً إلى أجل فإنه لا يصح لأحد الشريكين أن يضمن المشتري في الثمن لأنه إن ضمنه مع بقاء الشركة بأن ضمنه في نصف شائع كان ضامناً لنفسه لأن كل جزء يؤديه الأصلي يكون له فيها نصيب وإن ضمنه في نصف صاحبه بدون شيوع كان ضامناً لنفسه لأن كل جزء يؤديه الأصيل يكون له فيه نصيب وإن ضمنه في نصف صاحبه بدون شيوع كان معناه قسمة الدين قبل قبضة وهي لا تجوز لأن معنى القسمة هي أن يفرز كل مهما نصيبه ويحزه، وذلك لا يتصور في الدين قبل قبضه لأنه شغل ذمة المدين وهو أمر معنوي فإذا كان الضامن أجنبياً فإنه يصح مع بقاء الشركة فمن اشترى سلعة من تاجر وأتى لهما بضامن فإنه يصح ويكون ما يدفعه الضامن بمنزلة ما يدفعه الأصيل، وكذا تستثنى النفقة المقروءة بالقضاء أو بالتراضي فإنها دين غير صحيح لأنها تسقط بالموت أو بالطلاق ومع ذلك فإنه يصح ضمانها ومحل كون النفقة تسقط بالموت أو الطلاق إذا لم تكن مستدانة بأمر القاضي وإلا فهي دين صحيح لا يسقط أصلاً.
الشرط الثاني: أن يكون الدين قائماً ومعنى كونه قائماً أن يكون باقياً غير ساقط. فإذا كان له على ميت مفلس فإنه لا يصح ضمانه لأن الميت المفلس سقط عنه الدين. ولا يشترط أن يكون الدين معلوماً تصح الكفالة بالمجهول.
ومثال الدين الصحيح القرض وثمن المبيع بعقد صحيح فإذا اشترى شخص سلعة من آخر ولم يدفع ثمنها ثم كفله شخص فيها ودفع ثمنها ثم ظهر فساد العقد بعد ذلك كان الكفيل مخيراً بين أن يرجع بما دفعه على البائع أو على المشتري. أما إذا كان عقد البيع صحيحاً وقت الكفالة ثم أضيف إليه شرط أفسده بعد ذلك فإن الكفيل يرجع بما دفعه على المشتري فقط يرجع على البائع والفرق أن البائع قد قبض ما يستحقه لأن العقد كان صحيحاً والكفيل يرجع على المشتري لا على البائع.
ويشترط في كفالة الأعيان أن تكون مضمونة بنفسها أو بغيرها كما ذكرنا في تعريف الكفالة. ومن الأعيان المضمونة بنفسها المبيع على سوم الشراء فإذا ساوم شخص آخر على سلعة سمى له ثمنها ثم استلمها على أن ينظر إليها أهله قبل أن يبت في شرائها فإن كفالتها تصح.
(3/205)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا لم يسلم ثمنها فإنها تكون أمانة ولا تصح بما ليس مضموناً كالوديعة ومال المضاربة والشركة ولكنها أمانة كالعارية والمستأجر في يد وهذه تصح كفالتها. ولكن إذا هلكت الدابة في يد المستأجر فإن الكفيل لا تلزمه قيمتها ثم إن الكفالة وإن كانت لا تصح بنفس الأعيان غير المضمونة كما ذكرنا ولكنها تصح بتسليمها فإذا كفل شخص لآخر تسليم الوديعة التي عند فلان فلان فإنها تصح ومثل ذلك ما إذا كفل له بتسليم العرية التي عنده ويشترط في الكفالة بالنفس أن تكون النفس مقدورة التسليم فلا يصح أن يكفل شخصاً غائباً لا يدري مكانه لأنه يقدر على إحضاره وتسليمه. ومثل ذلك ما إذا اتفق شخص مع آخر على أن يبني له داراً بشرط أن يتولى بناءها بنفسه فإنه لا يصح كفالة الشخص الذي يتولى العمل بنفسه لأنه ليس في قدرة الكفيل أن يرغمه على العمل، نعم تصح كفالته بنفسه بحيث يتولى الكفيل إحضاره عند الحاجة.
ومن الشروط التي ترجع إلى المكفول به أن لا يكون حداً أو قصاصاً فلا تصح الكفالة بهما لأنهما لا يمكن تسليمها وإنما تصح كفالة الشخص الذي وجب علبه حد أو قصاص بمعنى إحضاره عند اللزوم.
القسم الخامس: يرجع إلى الصيغة فيشترط لها أن لا تكون معلقة على شرط غير موافق للكفالة كأن يقول له: أكفل لك مالك على فلان من دين إن نزل المطر أو هبت الريح ونحو ذلك فمثل هذه الصيغة لا تصح بها الكفالة لأنها معلقة على شرط غير محقق الوقوع والغرض من الكفالة التأكيد فهذا الشرط لا يناسبها. أما المعلقة على شرط موافق فهي صحيحة ويكون الرشط موافقاً للكفالة بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: أن يمون الشرط سببباً للزوم الحق كأن يقول له: أكفل لك هذه اليلعة المبيعة إن ظهر أنها ملك لغير بائعها فالشرط هنا وهو ظهور كون المبيع ملكاً للبائع سبباً للزوم الحق المكفول به وهو وجوب الثمن للبائع على المشتري.
ومثل ما إذا قال له: أكفل لك سلعة المودعة عند فلان إن أنكرها وذلك لأن إنكارها سبب لوجوب ثمنها عليه وهكذا. بخلاف ما إذا قال له: امش في طريق كذا وإن أكلك سبع فأنا ضامن فإنه ضمان غير صحيح لأن فعل السبع غير مضمون.
الأمر الثاني: أن يكون سبباً لسهولة تمكن من استيفاء المال من الأصيل كقوله إن قدم زيد فعلي ما عليه من الدين فالشرط في هذا المثال قدوم زيد سبب في تسهيل استيفاء صاحب الدين حقه من القادم الذي عليه الدين هو زيد. ويشترط أن يكون زيد القادم مديناً للمكفول له كما ذكرنا أو مضارباً أو غاصباً أو نحو ذلك، أما إذا كان أجنبياً كأن يقول: ضمنت لك ما على زيد عند
(3/206)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حضور عمرو من سفره فإنه لا يصح لأن عمرو الأجنبي الذي ليس مديناً ولا علاقة له بالدين لا يصح التعلق على حضوره.
الأمر الثالث: أن يكون سبباً لتعذر الاستيفاء نحو إن غاب زيد عن البلد فعلىّ فالشرط وهو غياب زيد سبب لتعذر استيفاء الدين منه فيصح أن يكفله فيه.
ومثل ما إذا قال له: ضمنت لك ما على فلان من الدين إن مات ولم يترك شيئاً ونحو ذلك.
وحاصل هذا المقام أن تعليق الكفالة صحيح إذا لم يترتب على ذلك إخلال بعقد الكفالة وهو توثيق الدين وتأكيده فإذا كان الشرط من الأمور ليست محققة الوقوع فإنه لا يصح.
ومثل ذلك ما إذا أجل الكفالة إلى أجل مجهول جهالة شديدة كما إذا قال له: أكفل لك نفس زيد عند هبوب الريح أو نزول المطر وفي هذه الحالة تثبت الكفالة ويبطل الأجل.
أما إذا أجل إلى أجل مجهول جهالة يسيرة كما إذا قاله: كفلت لك زيداً إلى الحصاد أو إلى موسم النيروز ونحو ذلك فإنه يصح وثبتت الكفالة والأجل.
أما إذا أجل الكفالة إلى وقت معين كما إذا قال له: أكفل لك زيداً أو ما على زيد من هذه الساعة إلى شهر فإنه يكون كفيلاً مدة شهر بلا خلاف.
أما إذا قال له: أكفله لك شهراً بدون أن يذكر (من) وإلى، فإن فيه خلافاً فبعضهم يقول: إنه يكون كفيلاً دائماً وبعضهم يقول: إنه كفيل في المدة التي ذكرها ولا يكون كفيلاً بعد ذلك، أما إذا قال: أكفله إلى شهر فقط (من) فكذلك فيها الخلاف فبعضهم يقول إنها كالأول وبعضهم يقول إنها كالثاني.
والتحقيق في ذلك أن صيغ الكفالة مبنية على العرف جارياً على أن هذه الصيغ لا يقصد منها إلا تأجيل الكفالة بأجل معلوم فإنها تحمل عليه لا فرق بين أن يذكر (من) وإلى، أو لم يذكر منهما، فلو قال: كفلت لك شهراً يكون كفيلاً في هذه المدة فقط ولا يكفله بعد ذلك إلا إذا قامت قرينة على خلاف العرف فيعمل بها.
وكما أن الكفالة نفسها لا تصح إذا علقت على شرط غير ملائم فكذلك البراءة منها لا تصح إذا علقت على شرط غير ملائم فإذا قال صاحب الدين للكفيل: إن جاء الغد فأتت بريء من الدين لا تصح البراءة ويكون لصاحب الدين مطالبة الكفيل كما كانمن قبل، والمراد بالشرط غير الملائم هنا هو كل شرط لا يستنفذ منه صاحب الدين شيئاً كما مثله وكقوله إن دخلت الدار فأتت بريء من الكفالة ونحو ذلك من الشروط التي لم يتعارف الناس. أما الشروط المتعارفة التي يستنفذ منها صاحب الدين فإنه يصح تعليق البراءة عليها كقوله: إن دفعت لي بعض الدين فأتت بريء من الكفالة في الباقي.
الشافعية - قالوا: تنقسم شروط الضمان إلى أربعة أقسام:
(3/207)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القسم الأول: يرجع إلى الضامن فيشترط فيه شروط:
أحدها: أن يكون عاقلاً فلا يصح ضمان المجنون بخلاف الذي غاب عقله بسبب السكر فإن ضمانه يصح.
ثانيها: أن يكون باغاً فلا يصح ضمان الصبي.
ثاثها: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه فلا يصح ضمان المحجور عليه بسبب السفه أما المحجور عليه بسبب الإفلاس فلا ضمانه يصح وكذا يصح ضمان السفيه الذي لم يحجر عليه.
رابعها: أن لا يكون مريضاً مرض الموت وهو لا يصح ضمانه بشرطين:
الأول: أن يكون عليه دين يستغرق كل ماله فإن لم يكن عليه دين مستغرق فإن ضمانه يصح.
الثاني: أن لا يطرأ له مال جديد بعد الموت فلو ظهر أن استحقاقاً في مال بعد موته فإنه يصح الضمان بالنسبة له ويؤخذ المضمون من ذلك المال. أما الذي يبرأ من مرضه فإن ضمانه يصح.
رابعها: أن لا يكون مكروهاً فلا يصح ضمان المكره.
القسم الثاني: يرجع إلى المضمون له وهو صاحب الحق. ويشترط فيه أن يكون معروفاً للضامن بشخصه فلا تكفي معرفة اسمه لتفاوت الناس في المطالبة شدة وليناً. وهل معرفة شخص وكيل المضمون له؟ نعم تكفي على المعتمد.
ولا يشترط رضاء المضمون له لأن الضمان لا يضره إذ التزام يزيد تأكيداً.
وكذا لا يشترط معرفة المضمون عنه وهو الذي عليه الحق ولا رضاه فيجوز للإنسان أن يضمن دين الميت الذي لا يعرفه وهذا في غير ضمان النفس فإنه يشترط فيه رضاء المكفول لأنه لا يلزمه أن يذهب معه للتسليم إلا إذا أذنه بأن يكفله. ومن ضمن بغير إذن متبرعاً فلا رجوع له.
القسم الثالث: يرجع إلى الصيغة فيشترط للصيغة شرطان:
أحدهما: أن تكون لفظاً يشعر بالاتزام كأن يقول: ضمنت دينك الذي لك علي أو تكفلت لك ببدن فلان ونحو ذلك مما يدل على أنه قد التزم بالشيء الذي ضمن به.
أما إذا أتى بصيغة لا تشعر بالالتزام كما إذا قال: أودي المال الذي لك عند فلان أو أحضر الشخص الذي لك عنده كذا فمثل هذه الصيغة لا تكون ضماناً وإنما تكون وعداً إلا إذا نوى بها الضمان فإنها تكون ضماناً. د
ثانيهما: أن لا تكون معلقة أو مؤقتة فإذا قال: إن جاء الغد ضمنتك أو قال: أنا ضامن مال فلان شهراً أو كافل بدنه أسبوعاً لا يصح. نعم إذا كفل دين فلان الحال أن يدفعه مؤجلاً بعد شهر مثلاً فإنه يصح. فإذا كان لشخص عند آخر أجل موع
كفله شخص على أن يدفع ذلك الدين بعد شهر صحت الكفالة ويثبت الأجل للكفيل لا للأصيل حتى لو مات الأضصيل لم يحل الدين على الكفيل.
(3/208)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا كان الدين مؤجلاً ثم منه على أن يدفعه حالاً فإن الضامن لا يلزم بدفعه حالاً لأن الأجل ثابت في حق الأصيل استقلالاً وفي حق الكفيل تبعاً. فلا يطالب أحد منهما قبل حلول الأجل فإذا مات الأصيل حل الدين عليهما معاً.
القسم الرابع: يرجع إلى المضمون به سواء كان ديناً أو عيناً أو نفساً فيشترط في الدين أن يكون لازماً في الحال أو المال. ومثال الدين في الحال الرض وثمن السلعة المبيعة ونحو ذلك.
والدين الذي يؤؤل للزوم ثمن السلعة في مدة الخيار فإنه وإن لم يلزم في الحال ولكنه يلزم مالاً فيصح ضمانه. وكذا يشترط أن يكون الدين معلوماً ضمان المجهول قدراً أو جنساً أو صفة فلا بد من بيان ذلك كأن يقول: ضمنت ما لك على زيد من دين قدره عشرون جنيهاً مصرية أو إنكليزية أو نحو ولم يبين جنسها أو قال: ضمنت لك العشرين جنيهاً ولم صفتها فإنه لا يصح.
ويستثنى من ذلك إبل الدية فإنه يصح ضمانها مع عدم ذكر صفتها لأنها معروفة السن والعدد ويرجع في صفتها إلى غاب أبل البلد فلا حاجة إلى ذكر صفتها.
أما الأعيان فإنها تنقسم إلى قسمين مضمونة كما تقدم في التعريف فيشترط لصحة ضمان الأعيان أن تكون مضمونة يجب ردها إلى مالكها فمعنى ضمانها ضمان ردها إلى مالكها.
أما ضمان قيمتها إذا تلف فإنه لا يصح لأنها لم تتلف وقت الضمان لتثبيت قيمتها في الذمة فإن تلف بافعل فإنه يصح ضمان قيمتها بعد تلفها لثبوته في الذمة حينئذ.
ومثال العين المضمونة العين المغصوبة والمستعارة. ومثال العين غير المضمونة المودعة والموصى بها والمؤجرة فهذه الأعيان لا يصح ضمان ردها لا يجب على واضع اليد وإنما الذي يجب هو أن يخلى بينها وبين مالكها. وأما كفالة النفس فيشترط لصحتها أن يكون على المكفول ببدنه حق لآدمي مالاً كان عقوبة.
الحنابلة - قالوا: يشترط للضمان شروط منها ما يتعلق بالضامن فيشترط فيه أن يكون أهلاً للتصرف فلا يصح المجنون، والصغير، والسفيه ويصح ضمان المفلس لأن الضمان يتعلق بالذمة، وكذا يشترط رضاء الضامن فلا يصح ضمان المكره.
ولا يشترط في الضامن أن يعرف المضمون له وهو صاحب الحق كما لا يشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه وهو عليه الحق فيجوز أن يضمن من لا يعرفه حياً كان أو ميتاً.
ومنها ما يتعلق بالمضمون به وهو الدين أو العين او النفس فيشترط لصحة الضمان باليدن أن يكون الدين لازماً حالاً أو مالاً والأول كالقرض وثمن المبيع الذي لا خيار فيه. والثاني كمن المبيع قبل مضي مدة الخيار فإنه يؤؤل للزوم فلا يصح الضمان بالدين غير اللازم كدين الكتابة فإن للمكاتب أن ينقص العقد عن الأداء فدينه ليس بلازم حالاً ولا مآلاً.
(3/209)

أحكام تتعلق بالكفالة
-تتعلق بالكفالة أحكام مفصلة في المذاهب (1) .
__________
ويشترط لصحة ضمان العين أن تكون مضمونة على من هي في يده كالعين المغصوبة والمستعارة.
ومعنى ضمان هذه العيان ضمان ردها أو قيمتها عند تلفها أما العيان غير المضمونة فإن المضمونة فإنه لا يصح ضمانها كالوديعة والعين المؤجرة ومال الشركة والمضاربة والعين المدفوعة إلى الخياط والصباغ ونحو ذلك. نعم يصح التعدي عليها كما تقدم في التعريف مفصلاً.
ومنها ما يتعلق بالصيغة ويشترط فيها أن تكون بلفظ يفهم منه الضمان عرفاً كقوله: أنا ضمين وكيل وحميل وصبير وزعيم ونحو ذلك ويصح الضمان بلفظ معلق ومنجز كقوله: إن اعطيت فلاناً كذا فأنا ضامنه كقوله: وأنا ضامن لفلان كذلك يصح أن يكون بلفظ مؤقت كأن يقول: إذا جاء رأس فأنا الشهر فأنا ضامن لفلان.
ويصح أن يضمن شخص ديناً حالاً إلى أجل معلوم فإذا كان لزيد عمرو ودين حل موعد دفعه فضمنه خالد على أن يدفعه بعد سنة فإنه يصح ويثبت الأجل في حق الضامن بحيث لو مات المضمون لا يحل موعد دفعه) .

(1) (المالكية - قالوا: تتعلق باكفالة أحكام كثيرة منها: أنه يصح الضمان بدون إذن من عليه الدين وهو المضمون عنه فإذا كان لشخص دين ىخر فضمن الدين بدون إذن المدين صح الضمان ولزم: وبعضهم يقول: لا يصح بدون إذن الموديون وإلا فلا يلزمه الدفع. وكذا يصح لشخص أو يؤدي دين آخر بدون إذنه ويجبر صاحب الدين على قبوله بشرط الغرض من ذلك الشفقة والرفق بالمدين.
أما إذا كان الغرض سداد دينه ليشهر بمطالبته عند الرجوع عليه أو يؤذيه بمداينته إياه لعداوة بينهما فإنه لا يصح وليس لمن يدد غيره بقصد الإضرار به بمطالبة عليه مطلقاً.
ومثل ذلك ما إذا اشترى ما إذا اشترى شخص دين آخر ليغطيه بالمطالبة ويشهر به لعداوة بينهما فإن ذلك الشراء لم يصح وعلى رب الدين أن يرد الثمن الذي باع به الدين للمشتري فإن ضاع منه فإن كان من الأشياء المثلية فعليه للذي اشترى منه الدين أن يطالب المدين بل الذي يتولى مطالبتة الحاكم ليأخذ منه المبلغ ويدفعه للمشتري ولكن لا يجب على البائع أن يرد ثمن الدين الذي قبضه إلا إذا علم أن غرض المشتري هو الإضرار بالمدين والتشهير به.
أما إذا لم يعلم بذلك فإن البيع ينفذ ولا يجب عليه رد الثمن. وفي هذه لا يكون للمشتري
(3/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحق في أن يتولى مطالبة المدين بل يبيع الدين لغيره وبعضهم يقول: يفسخ الدين مطلقاً علم أو لم يعلم والأول أظهر.
(ومنها) أنه إذا ادعى شخص أن ديناً له ديناً على غائب فقال آخر: أنا ضامن لذلك الدين ثم حضر الغائب وأنكر الدين ولم يثبت ونحوها فإن الضمان يسقط. فإذا أقر الغائب بادين وكان موسراُ فإن الضمن يلزم الضمان بلزم. أما إذا كان معسراً فإن الضمان لاحتمال أنه قد تواطأ مع المدعي على أكل مال الضامن.
ومنها: أنه يلزم من براءة المضمون براءة الضامن من براءة الضامن براءة المديون. مثلاً إذا ضمن شخص ديناً في ذمة آخر فتنازل صاحب الدين عن دينه كأن وهبه المديونأو أبرأه أو احاله على دين ثابت لازم فغن ذمة الضامن تبرأ. ومثل ذلك ما إذا مات المديون عن مال وصاحب الدين وراثه فإن ذمته يبرأ الضامن تبعاً بخلاف ما إذا مات المديون مفلساً فإن ذمة الضامن لا تبرأ بموته. فهذه براءة الضامن المضمون.
أما إذا برئ الضامن فغن الضامن المضمون قد لا يبرأ فالأول كما إذا دفع الضامن الدين فإن ذمة كل منهما تبرأ من الدين فلا يكون لصاحبه حق قبلها. والثاني كما غذا وهب صاحب الدين للضامن فغن ذمة الضامن تبرأ ولا تبرأ المضمون بل يكون لصاحب الدين ولا تتم الهبة للضامن إلا إذا قبض الدين قبل أن يحصل لصاحب الدين مانع يمنه من الهبة.
وكذا إذا كان الضمان مؤقتاً بمدة كأن يقول الضامن ضمان دين فلان علي في مدة شهرين مثلاً بحيث إذا مات أو أفلس فيهما كنت ملزماً بدينه. فذمة الضامن تبرأ بعد انقضاء الشهرين وتبرأ ذمة المديون الأصلي.
ومن ذلك تعلم أنه يجوز الضمان مؤقتاً بمدة معينة.
ومنها أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يطالب الضامن إلا في أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون المضمون الأصلي مفلساً.
الحالة الثانية: أن يكون موسراً ولكنه مماطل معروف باللدد في الخصومة والشدة فيها.
الحالة الثالثة: أن يكون المديون الصلي غائباً وليس له مال يمكن سداد الدين منه. أما إذا كان له مال يستطيع صاحب الدين أن ياخذ منه دينه بدون صعوبة ولا مشقة فليس له في هذه الحالة مطالبة الضامن.
وحاصل ذلك أن المضمون غذا كان موسراً حاضراً فليس لصاحب الدين مطالبة الضامن وإذا كان غاباً ولكن له مال يمكن اخذ الدين منه بسهولة فطذلك ليس لصاحب الدين مطالبة الضامن.
الحالة الرابعة: أنة يشترط صاحب الدين أن يأخذ دينه من أيهما جاء فإن له في هذه الحالة أن يطالب الضامن. ومثل ذلك أن يشترط مطالبة الضامن في حالة معينة كعسر المضمون أو موته أو نحو
(3/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ذلك هو الراجح, وبعضهم يقول إن صاحب الدين مخير بين أن يطالب الضامن أو يطالب المضمون على أي حال.
ومنها الدين المؤجل يصح في ثلاثة أحوال.
الحالة الأولى: موت الضامن إذا ترك مالاً يكفي لسداد الدين أو بعضه فإذا ترك كل الدين لصاحب الدين الخيار في أن ياخذ دينه من ترك الضامن أو أن يتبع المضمون الصلي فإذا أخذ دينه من تركه الضامن فليس لورثته مطالبة المضمون إلا بعد حلول أجل الدين ولو كان المضمون حاضراً موسراً لأن الدين في هذه الحالة يعجل بالنسبة للضامن
فقط موسراً فإذا مات الضامن معسراً فلا حق لصاحب الدين في المطالبة إلا عند حلول الأجل وإذا ترك بعض الدين كان له الحق في أخذه ويصبر بالبعض الآخر الأجل.
الحالة الثانية: أن بفلس الضامنى وفي هذه الحالة يكون صاحب الدين مخيراً بين أن أن يدخل مع الدائنين في تصفية مال الضامن ويأخذ الحصة التي يستحقها معهم، وليس للضامن أن يطالب بها إلا بعد أن يحل الأجل.
الحالة الثالثة: أن يموت المديون موسراً وفي هذه الحالة لصاحب الدين أن ياخذ من تركة الميت ولو لم يحل أجل الدين. أما غذا مات معسراً فليس لصاحب الدين الدين أن يطالب الضامن إلا بعد بعد حلول الجل، لنه لا يلزم من حلول الدين على الصيل حلوله على الضامن.
ومنها أن الضامن إذا دفع الدين يرجع به على المضمون بعد أن يثبت أنه دفعه بينه أو إقرار من صاحب الدين بانه استلم دينه
أو نحو ذلك، فإذا لم يثبت ذلك فليس له الحق في الرجوع على المضمون.
ثم إن كان الدين من الأشياء التي تقوم كالثياب، فإن كان الضامن قد دفع الدين ثياباً من جنس الثياب التي أخذها المدين، فإنه يستحق أن يأخذ من المدين ثياباً مثلها.
أما إذا كان قد دفع قيمة الثياب، فإنه يلزم بالقيمة إن كانت القيمة أقل من الياب، فغن كانت أكثر فإن الذي يلزم المضمون بدفعه هو الثياب لا القيمة هذا إذا كان الضامن قد دفع الثياب من عنده أما إذا كان قد اشتراها من الغير بثمن فإن المثل بدون محاباة فإن المديون يلزم به بدون خلاف.
أما إذا كان قد اشتراها بغبن ومحاباة فليس على المديون إلا ثمن فقط، فإذا اشترى ثياباً بعشرة وهي تساوي خمسة كان على المديون خمسة.
الحنفية - قالوا: يتعلق بالكفالة أحكام كثيرة، منها أن الكفالة بدون أمر المديون فإذا كفل شخص آخر بدون أمره كان متبرعاً فليس له أن يرجع بما أراده من الدين ومثل ذلك ما إذا كفله بامره أجنبي فإذا قال زيد لعمرو أضمن خالداً في الدين الذي عليه لبكر، ففعل، فإنه يكون متبرعاً وليس الرجوع لا على المديون ولا على زيد الأجنبي.
(3/212)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا كفل المديون بامره فإنه يرجع عليه بشرطين:
الشرط الأول: أن ينص على أن الحق الذي يضمنه فيه يكون ملزماً به كأن يقول له: اضمن لفلان مائة جنيه على أن ما تضمنه يكون علىّ سداده: فهذه الصيغة تجعل للضامن الحق في الرجوع على المديون بلا خوف، وفي حكم ذلك ما إذا قال له اضمن لفلان مائة جنيه أو عني لأن التصريح بكلمة (على أو عني) معناه الالتزام بالدين يدفعه عنه.
وبعضهم يقول: إن هذه الصيغة مختلف فيها، ولكن التحقيق أنه لا خلاف في أن للضامن حق الرجوع فيها.
أما الصيغة التي فيها الخلاف فهي أن يقول له: اضمن لفلان مائة جنيه، ولم يصرح بكامة (عني) ولا (علي) ولم ينص على انه يكون ملزماً فبعضهم يقول: إن له حق الرجوع مطلقاً وبعضهم يقول ليس له حق الرجوع إلا غذا كان الضامن الذي قال له ذلك خليطة كأن يكون والداً أو زوجة أو أجيراً أو شريكاً شركة عنان أو نحو ذلك.
الشرط الثاني: أن لا يكون الآمر محجوراً عليه أو رقيقاً فإن أمره صبي يضمنه فليس له حق الرجوع في ماله، كما تقدم في مبحث الشروط. أما إذا كان رقيقاًفإنه لا يرجع إذا أعتق.
ومنها: انه إذا دفع الضامن الدين فإن ذمة المديون الأصلي تبرأ، ولا يكون لصاحب الدين حق عنده بل ينتقل الحق للكفيل الذي دفع، ويبرأ الأصيل. وذلك فيما إذا كان للضامن دين عند آخر؛ ثم أحال الضامن صاحب الدين على مديونه، وشرط براءة نفسه فقط، فإن ذمة الضامن تبرأ في هذه الحالة، ولصاحب الدين أن يطالب الأصيل أو المحال، بشرط أن يكون المحال عليه مفلساً أو منكراً للدين ولا بينة عليه.
أما إذا كان المحال عليه مقراً بالدين وكان ذا مال فإن ذمة الأصيل تبرأ أيضاً، ويكون المطالب هو المحال عليه فقط.
وكذا إذا دفع الأصيل الدين فإن الكفيل يبرأ ببراءة ذمة الأصيل. ومثل ما إذا أبرأ صاحب الدين المديون أو مد له في أجل الدين فإن الكفيل يتبعه في ذلك إلا إذا كفله بشرط أن يبرئه، فلو قال الضامن لصاحب الدين أضمن لك دينك بشرط أن تبرئ المديون منه وفعل فإن ذمة المديون تبرأ وتبقى ذمة الضامن مشغولة بالدين وحده لأنها في هذه الحالة تكون حوالة لا كفالة. وإذا مات صاحب الدين وكان المديون وراثه ذمة الضامن تبرأ.
وإذا أبرأ صاحب الدين المديون فلم يقبل منه هذه المنة فإن ذمة المديون لا تبرأ لأنه يشترط قبوله إبراء صاحب الدين، وهل ذمة الكفيل ولا يعود الدين عليه؟ خلاف. أما إذا أبرأ صاحب الدين الضامن فإنه يصح ولو لم يقبل الضامن لأنه ليس مديناً وإنما مطالب ولا يشترط في سقوط المطالبة
(3/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القبول، كما تقدم في تعريف الكفالة، ولا يلزم من إبراء الضامن المديون الأصلي، ولمن ليس للكفيل أن يرجع عليه بالمال الذي كفله به بعد ذلك لصاحب الدين مطالبة المديون الأصلي.
أما إذا تصدق صاحب الدين على الكفيل بالدين فإن للكفيل أن يرجع على المجديون ومثل ذلك إذا وهبه الدين كما تقدم.
ومنها: أن صاحب الدين إذا أجل دينه للكفيل فلا يلزم منه تأجيل للأصيل فإذا حل أجل الدين فمد صاحبه الأجل للضامن شهراً مثلاً فليس له الحق في مطالبته ولكن له الحق في مطالبة المديون الأصلي لأنه إنما أجل مطالبة الكفيل لا مطالبة المديون.
ومنها: أن الضامن بالمال إذا ضمن بألف ثم صاحب الدين على خمسمائة فإنه يرجع بخمسمائة لا بالألف التي ضمنتها.
أما إذا ضمن عيناً جيدة، ثم دفع لصاحبها عيناً رديءة فلإنه يرجع على المضمون له بالعين الجيدة، وذلك لأن حكم الكفالة أن الكفيل يملك بأدائه، فهو محل صاحب الدين الجيد يملك المطالبة به متصفاً بالجودة، فكذلك الكفيل الذي حل محله. ولا يضره أنه دفع الدين رديئاً ورضي به صاحب الدين.
مثلاً إذا استدان شخص من آخر ثاباً من القماش الجيد وضمنه فيها آخر، ثم دفع الضامن لصاحبها ثياباً من القماش الردئ ورضي بها للضامن في أخذ القماش الجيد الذي ضمن فيه لأنه أصبح مالكاً للدين الجيد وتنازل صاحب الحق للضامن عن بعض حقه لا يلزم منه تنازله للمدين الأصلي، ألا ترى أنه يصح لصاحب الدين أن يهدد الكفيل فإذا وهب صاحب الدين دينه للكفيل فإن الكفيل يملكه ويطالب به المديون على أن يدفعه له بعينه.
أما إذا أمر شخص آخر بأن يدفع عنه السلعة الجيدة التي استدانها من فلان فدفع له سلعة رديئة ورضي بها صاحبها، فإنه لا يرجع على المديون الأصلي إلا بالسلعة الرديئة. وذلك لأن المأمور بسداد الدين لا يملك الدين بالأداء كما يملكه الضامن فلا يأخذ إلا ما دفعه.
ومنها: أنه ليس للضامن من الحق في مطالبة المديون الأصلي قبل أن يدفع عنه الدين الذي ضمنه فيه لأنه لا يملك إلا بعد أدائه كما تقدم.
ومثل ذلك ما إذا دفع الدين قبل وجوب دفعه على الأصيل، فإذا استأجر شخص منزلاً بأجرة يدفعها في نهاية الشهر شخص، ثم دفعها الضامن لا يرجع بها، وذلك لأن الأجرة في لا تجب على المستأجر بمجرد العقد ولا تملك بالعقد كما تقدم في الإجارة فالضامن دفع مالاً يملكه صاحب الدين أيضاً.
وإذا دفع المديون الأصلي الدين ولم يعلم الكفيل فدفعه الكفيل لصاحب الدين مرة ثانية فإنه لا يرجع على المديون الأصلي وإنما يرجع على صاحب الدين أخذ حقه مرتين.
(3/214)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وهذا بخلاف ما إذا حل الدين على المديون قبل أحد، ثم أتى بكفيل يضمنه إذا مد له صاحب الدين الأجل، فقيل فإن التأجيل يكون للأصيل والضامن معاً في هذه الحالة.
والفرق بين الحالتين ظاهر لأن الكفالة في الحلة الأولى كانت مقررة من قبل فكان لصاحب الدين الحق في مطالبة الضامن والكفيل ولا يلزم من مد المطالبة ككفيل تأجيل الدين للأصيل.
أما في الحالة الثانية فغن الكفالة لم تكن موجودة وليس لصاحب الدين حق يصح تأجيله إلا نفس الدين ومتى تأجل فقد تأجل بالنسبة للمديون وللضامن.
ومع ذلك فغن صاحب الدين إذا اشترط أن يكون التأجيل خاصاً بالضامن لا بالإصيل، فإنه يعمل بشرطه ويكون له الحق في مطالبة الأصيل بسداد دينه متى شاء. ومثل ذلك ما إذا قال الكفيل أجلني أنا فأضاف الأجل إلى نفسه خاصة.
ومنها: أن الدين المؤجل يحل بموت المديون أو بموت الضامن فغذا مات الضامن وأخذ صاحب الدين حقه من ورثته فليس له الحق في مطالبة المديون إلا عند حلول أجل الدين. وكذلك إذا مات المديون وحل دينه فليس لصاحب الدين مطالبة الضامن إلا عند حلول الأجل، وإذا مات الاثنان معاً كان صاحب الحق مخيراً بين أن يأخذ من تركه أيهما شاء.
ومنها: أنه إذا صالح الكفيل صاحب الدين على نفسه بأن كان دينه ألفاً فرضي بأن يأخذ خمسمائة ويترك الباقي فإن الصلح ينفذ بالنسبة للأصيل والوكيل في ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يشترط الكفيل براءتهما معاً.
الحالة الثانية: أن يشترط براءة الأصيل ويسكت عن نفسه.
الحالة الثالثة: أن يسكت ولم يشترط شيئاً. أما إذا اشترط براءة نفسه فقط فإن ذلك يكون فسخاً للكفالة ويبقى الدين في ذمة الأصيل فيأخذ منه صاحب الدين الدين الخمسمائة الباقية له ويأخذ الكفيل الخمسمائة التي دفعها لصاحب الدين.
ومنها: أن المديون إذا دفع الدين ككفيل قبل أن يدفعه الكفيل لصاحب الدين فإن ذلك يحتمل ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يدفعه تعجيلاً لقضاء الدين كأن يقول له خذ ما علىَّ من الدين الذي ضمنتي فيه قبل أن تؤديه وفي هذه الحالة يصبح ذلك الدين ملكاً للضامن فليس للمديون أن يسترده منه ثانياً، ولو لم يسلمه لصاحبه لأنك قد عفرت في تعريف الكفالة أن الكفالة تقتضي ديناً ومطالبة للضامن في ذمة المديون مؤجلين إلى أن يدفع الدين لصاحبه فإذا عجل المديون دفع الدين للضامن فقد ملكه ملكاً صحيحاً فإذا اتجر فيه وربح كان ربحه حلالاً طيباً وإذا هلك في يده كان ضامناً له ومسؤولاً عنه.
الأمر الثاني: أن يدفعه له وعلى وجه الرسالة كأن يقول له خذ دين فلان الذي ضمنتي فيه وادفعه له فإن الدين يكون أمانة في يده وللمديون أن يسترده منه قبل ثانياً قبل أن يدفعه لصاحبه على التحقيق وإذا
(3/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
اتجر فيه وربح لا يحل أن يأكل ربحه بل عليه أن يتصدق به كالغاصب وإذا هلك الدين في يده بدون تفريط فإنه لا يضمنه ولا يكون مسؤولاً عنه لأنه أمين عليه.
الأمر الثالث: أن يدفعه له بدون أن يذكر أنه على وجه الرسالة أو على وجه تعجيل قضاء الدين وفي هذه الحالة يحمل على وجه القضاء. وعلى أي حال فإذا دفع المديون لصاحبه بعد أن اعطاه للضامن فإنه على الضامن بما أعطاه.
ومنها: أن الكفالة في الضرائب ونحوها جائزة سواء كانت عادلة أو ظالمة فيجوز للشخص أن يضمن في عوائد الأملاك سنوياً وفي الخراج المقرر كذلك ونحو ذلك مما يأخذه الحاكم ليضون به الأمن أو ينشيء به المصالح العامة من شق الأنهار وبناء القناطر وإصلاح الطرق وغير ذلك من المصالح العامة وكذلك يجوز له أن يضمنه في الضرائب الظالمة كالمكوس التي كانت تفعل في الأزمنة الغابرة ونحوها. وبعضهم يقول إن الضرائب الظالمة لا يصح الضمان فيها والرأيان مصححان ولكن الأول هو الأرجح. ويرجح الكفيل بما دفعه على المضمون إن كانت الكفالة بأمره.
ومنها: أن الخبر المبني على غلبة ظن الشخص واجتهاده لا يكون ضماناً ملزماً للمخبر به مثلاً إذا قال شخص لآخر: اسلك هذه الطريق فإنها فسلكها فلقيه لص سلبه ماله فإن المخبر الذي قال له إنها آمن لا يضمن لان عبارته هذه مبنية على ما يظنه وقد يكون مخطئاً أو يكون قد عرض عليها خلل الأمن وهو لا يدري.
نعم إذا أكد هذا القول بأن قال له اسلك هذا الطريق فإن كان مخوفاً ونهب مالك فأنا ضامن ففعل ونهب ماله فقد اختلف فيه فقال بعضهم إنه يضمن ما فقده من المال وبعضهم قال لا يضمن وذلك لأنه يشترط لصحة الضمان أن يكون المضمون معلوماً، وأمن الطريق مجهول، فكيف يصح الضمان؟ وقد أجاب القائلزن بصحة الضمان في مثل هذا مع جهل المكفول عنه بطريقة استثنائية زجراً للناس عنه فإن خطورة هذه الأمور تستدعي احتاطاً خاصاً فإذا عرف الناس عدم المؤاخذة فيما يقولونه من ذلك يقدمون عليه بدون مبالاة فيغررون بالناس ويوقعونهم في الأخطار، وهو وجيه. أما ما أجاب به بعضهم بأن المكفول عنه وإن كان مجهولاً، ولكن الضمان صحيح لأن فيه تعزيراً، والغرر يوجب الرجوع على من غرر إذا كان الشرط فإنه جواب لا يجدي لأن ضمان الغرر هو في الحقيقة ضمان الكفالة فيشترط له ما يشترط لها.
ومنها: أنه إذا قال زيد لعمرو ضمنت لك بما يقتضي لك عليه القاضي ثم غاب خالد المضمون فادعى عمرو المضمون له على زيد الضامن أن له كذا على خالد المضمون الغائب ويربهن على ذلك فإنه لا قبل منه وذلك لأنه لا يمكن القضاء على الغائب إلا إذا ادعى حقاً على الحاضر لا يمكن إثباته إلا على الغائب وليس للمدعي حق على الكفيل لأنه إنما كفله بقضي القاضي به
(3/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
على الغائب فإذا أقام البينة على أن القاضي على المضمون عليه بكذا قبل غيابه وبعد الكفالة فإذا كانت الكفالة بأمر الغائب فإنه يقتضي له على الكفيل وعلى الغائب ضمناً وإن حضر الغائب وأنكر فلا يلتفت لانكاره، أما إذا كانت الكفالة بغير أمره قضى على الكفيل دون الغائب.
الشافعية - قالوا: يتعلق بالضمان أحكام، منها أنه لا يصح الضمان بشرط براءة المضمون الأصلي فإذا قال شخص: ضمنت الدين الذي على فلان بشرط براءة ذمته فإنه لا يصح لأن عقد الكفالة يقتضي شغل ذمة المديون والضامن معاً.
ومثل ذلك الكفالة فإذا كان لشخص كفيل فجاء آخر وقال إنني أكفله بشرط براءة الكفيل الأول فإنه لا يصح.
ومنها: أن لصاحب الدين أو أوراثه مطالبة الضامن والمضمون معاً أو مطالبة أحدهما بكل الدين أو ببعضه فإذا دفع أحدهما برئت ذمة الآخر كما تقدم لأن الذمتين قد شغلتا بدين واحد فالدين بمنزلة فرض الكفالية يتعلق بذمة المتعدد ويسقط بأداء البعض.
ومنها: براءة المديون الأصلي تسلتزم براءة الضامن فإذا برئ الضامن بأن أدى الدين أو أبرأه صاحب الدين أو غير ذلك فإن ذمته تبرأ بذلك.
أما براءة الكفيل بغير الدين فإنها لا تستلزم المديون الأصلي. أما إذا كانت بغير الدفع كأن أبرأه صاحب الدين فإن كانت براءته من الضمان فقط فإنها لا تستلزم براءة ذمة المدين، أما إن كانت من المدين فإنها تستلزم براءة الأصيل إن قصد صاحب إباءة أيضاً وإلا فلا.
ومنها: أن الدين المؤجل يحل بموت المديون أو موت الضامن فإن مات المديون الأصلي فلصاحب الدين أخذ دينه من تركه قبل حلول أجل الدين فإن تأجر عن أخذ دينه فللضامن الذي أمره المديون بأن يضمنه أن يطالبه بأخذه من تركه أو إبرائه من الضمان إذ تبدد التركة فلا يجد ما يرجع عليه إن دفع.
أما الضامن الذي ضمن بدون أمر المديون فليس له أن يحث صاحب الدين على أخذ دينه من التركة لأنه لاحق له في الرجوع كما تقدم في الشروط.
وإذا مات الضامن قبل حلول أجل الدين فإن لصاحب الدين أن يأخذ دينه من ترته حالاً وليس لورثته الحق في مطالبة الأصلي الذي أذن بالضمان قبل حلول الجل.
ومنها أن الكفيل إذا عقد صلحاً مع صاحب الدين بان يأخذ أقل فلا حق له في أن يأخذ أكثر مما صالح عليه فإذا كان ضامناً لمائة فصالح على سبعين منها رجع على المديون بالسبعين فقط.
وكذا لو كان الدين أثواباً جيدة فصالح على أثواب رديئة فإنه لا يستحق إلا الأثواب التي دفعها.
(3/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا كان لصاحب الدين مائة جنيه فياعه الضامن بها أثواباً فإنه يرجع على المديون الأصلي بالمائة التب باع بها لا بقيمة الثوب سواء كانت أقل من المائة أو أكثر.
ومنها أن الحوالة بالدين كآدائه فإذا أحال للضامن صاحب الدين بدينه على آخر فإن كان الضامن مأذوناً بالضمان من المديون كان له حق مطالبته والرجوع عليه وإلا فلا.
ثم إن كان الدين من الأشياء التي تقوم كالثياب، فإن كان الضامن قد دفع الدين ثياباً من جنس الثياب التي أخذها المدين، فإنه يستحق أن يأخذ من المدين ثياباً مثلها.
الحنابلة - قالوا: من الأحكام المتعلقة بالكفالة أنه إذا قال شخص لآخر اضمن عن فلان أو أكفل عنه ففعل كان الضمان والكفالة لازمين لنفس الذي ضمن أو كفل، أما الآمر فإنه لا يلزم بشيء ومنها غير ذلك مما تقدم في تعريف الضمان وشروطه) .
(3/218)

مباحث الوديعة
تعريفها
-معنى الوديعة في اللغة ما وضع عند غير ليحفظه يقال أودعته مالاً أي دفعته إليه ليكون وديعة عنده. ويقال أيضاً مالاً بمعنى قبلت منه ذلك المال ليكون وديعة عندي. فالوديعة من أسماء الأضداد تستعمل في إعطاء المال لحفظه وفي قبول ومصدر أودع - الإيداع - وهو بمعنى الوديعة فالوديعة اسم للإيداع وتطلق على العين المودعة، أما معناها في الشرع ففيه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) (الماكية - قالوا: للوديعة تعريفان:
أحدهما: تعريفها بمعنى المصدر وهو الإيداع، ويلزم من تعريف الشيء المودع.
ثانيهما: تعريفها بمعنى الشيء المودع.
فأما تعريفها بمعنى المصدر فهو على وجهين:
الأول: أنها عبارة عن توكيل على مجرد حفظ المال. فالإيداع نوع خاص من أنواع التوكيل لأنه توكيل على خصوص حفظ المال. فالتوكيل على البيع والشراء، أو الطلاق والنكاح، أو الخصومة، ونحو ذلك لا يسمى إيداعاً.
وكذا خرج غير المال كإيداع الولد والزوجة عند الغير فإنه لا يسمى وديعة.
وكذا خرج ما ليس مقصوراً على الحفظ كالوديعة في أمر من الأمور الأخرى فإن الوكيل فيه ليس مقصوراً على مجرد الحفظ بل التصرف أيضاً.
الوجه الثاني: أنها عبارة عن نقل مجرد حفظ الشيء المملوك الذي يصح نقله إلى المودع (بفتح الدال) ومعنى ذلك أن الشيء المملوك الذي نقله كالحيوان وأثاث المنازل والذهب والفضة يكون حفظه منوطاً بمالكه فإيداعه عند الغير عبارة عن نقل مجرد هذا الحفظ إليه بدون تصرف وبذلك خرج مقل الملك نفسه بالبيع والشراء والهبة والصدقة وغير ذلك من العقود التي ينقل بها الملك من شخص لآخر كالرهن والإجارة وغيرها.
وخرج بقوله الشيء الزوجة والولد فإنهما لا يملكان، وخرج بقوله الذي يصح نقله العقار الثابت كالدور والأراضي فإن حفظها عند الغير لا يسمى وديعة على أن بعضهم يقول إنه يسمى وديعة ولا يصح إخراجها من التعريف عند الغير لا يسمى وديعة على أن بعضهم يقول أن بعضهم يقول إنه يسمى وديعة ولا يصح إخراجها من التعريف، وعلى هذا فلا حاجة قيد يصح نقله.
(3/219)

أركان الوديعة وشروطها
-للوديعة بمعنى الإيداع أربعة أركان: العين المودعة، والصيغة، والمودع - بكسر الدال - والمودع - بفتح الدال - ويقال له وديع وهو الأمين الذي يحفظه الوديعة وسنلتزم التعبير به، ولكل ركن من هذه الأكان شروط مفصلة في المذاهب (1) .
__________
وأما تعريفها بمعنى الشيء المودع فهو عبارة عن شيء مملوك ينقل مجرد حفظه إلى المودع - بفتح الدال - فالشيء المملوك وقوله نقل مجرد حفظه خرج ما قد عرفت أنفاً كما عرفت الخلاف في زيادة قيد يصح نقله.
الحنفية - قالوا: الوديعة بمعنى الإيداع هي عبارة عن أن يسلط شخص غيره على حفظ ماله صريحاً أو دلالة. فالصريح كما إذا قال له خذ هذا المال لتحفظه عندك لي. والدلالة كما إذا وجد شخص سلعة رجل غائب فأخذها فإنها تكون وديعة عنده بحيث إذا تركها مرة أخرى يلزم بها أما إذا أخذها وصاحبها حاضر ثم تركها ففقدت فإنه لا يضمنها.
وأما الوديعة بمعنى الشيء فهي عند الأمين ليحفظها. والوديعة غير الأمانة اسم كل شيء غير مضمون، فيشمل جميه الصور لا ضمان فيها كالعارية والشيء المستأجر ونحوهما، ولا يشترط في الأمانة القبول.
أما الوديعة فهي اسم لخصوص ما سترك عند الأمين بالإيجاب والقبول صريحاً أو دلالة كما ستعرفه.
الشافعية - قالوا: الوديعة بمعنى الإيداع هي العقد المقتضي الشيء المودع. والمراد بالعقد الصيغة المقتضية لطلب الحفظ كقول زيداً لعمرو استحفظك هذا المال فيقول عمرو قبلت. وتطلق شرعاً على العين المودعة، ولكن إطلاقها على العقد معنى شرعي فقط، أما إطلاقها على العين فهو شرعي في الحفظ فيشترط في المودع ما يشترط في الموكل ويشترط في المودع ما يشترط في الوكيل ويعتبر في الوديعة ما يعتبر في الوكالة) .

(1) (الحنفية - قالوا: للوديعة ركن واحد وهو الإيجاب والقبول لأن المراد الإيداع وهو العقد وذلك هو الركن الذي تتحقق به الوديعة، أما غيره فليس داخلاً في الماهية فيكون شرطاً لاركناً.
الشافعية - قالوا: يشترط في الوديعة شروطها منها ما يتعلق بالعين المودعة ويشترط فيها أن تكون شيئاً له قيمة ولو كان نجساً كالكلب الذي ينفع لصيد وحراسة ونحوها، أما إذا لم تكن كالكلب الذي لا منفعة له فإنه لا تصح فيه الوديعة.
(3/220)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: ما يتعلق يالصيغة. وهو إما (صريح أو كناية) فالصريح كقوله: (استودعتك هذا المال) ، أو (أطلب حفظ هذا المال) والكناية كقوله: خذ هذا المال (ناوياً إيداعه عنده) . فالكناية لا بد فيها من النية، ولا يشترط أن يكون اللفظ من جانب المودع، بل يصح أن يكون من جانب الوديع. فإذا قال له أودعني هذا المال، فدفعه إليه ساكتاً فإنه يصح. فالشرط أن يصدر اللفظ من أحدهما: فإذا قال المودع: (استودعتك هذا الحيوان) ، ولم يقل له الوديع: قبلت، ولكنه استلم الحيوان صحت الوديعة.
أما إذا قال له: لا أقبل عنده فضاع فإنه لا يضمن ولا يكفي أن يتركه بين يديه بل لابد من قبضه إياه، فإذا وضع شخص ثوبه أمام آخر وقال له: استودعتك هذا الثوب، فسكت ولم يقبضه لا يكون وديعاً.
وعلى هذا فإن الثياب التي يخلعها صاحبها في الحمام لا يلزم صاحب الحمام بها إلا إذا قال له احفظ ثيابي هذه وسلمها إياه أو أعطاه عليها أجرة؛ فإذا لم يفعل ذلك وضاعت فإن الحمامي لا يضمنها. ومثل الحمام في ذلك الخان (الوكالة) المعروفة المعدة لحفظ الحيوانات ونحوها. فإذا أودع شخص حماره أو فرسه في الوكالة فإن أعطى لصاحبها أجرة أو سلمها له فضاعت فإنه يضمنها إذا قصر في حراستها.
أما إذا قام بواجب الحراسة بما يقتضيه العرف فخرجت الدابة من غير أن يشعر فإنه لا يضمنها ويصدق بيمينه في ذلك.
أما إذا وضع فرسه في الوكالة بدون أجر وبدون أن يسلمها إلى صاحب الوكالة فإنها تضيع على صاحبها بدون ضمان.
الحنفية - قالوا: يشترط للوديعة شروط. منها ما يتعلق بالصيغة؛ وهي الإيجاب والقبول ويشترط في الإيجاب أن يكون بالقول أو بالفعل، والقول إما أن يكون صريحاً أو كناية، فالقول الصريح كأن يقول صاحب لوديعة: أودعتك هذا المال؛ والكناية هي ما قابل الصريح بحيث يكون اللفظ محتملاً لمعنى الإيداع لمعنى الإيداع وغيره. مثاله: أن يقول شخص لآخر: اعطني هذه الدابة مثلاً فيقول أعطيتك؛ فإن كلمة أعطني الهبة، وتحتمل الوديعة؛ والوديعة أقل من الهبة طبعاً، فيكون هو المهنى المتقن الذي يمكن اعتباره.
وأما الإيجاب بالفعل فهو أن يضع شخص ثوباً ونحوه بين يدي رجل آخر ولم يقل له شيئاً فإن لك يكون إيداعاً. وهذا النوع كان كثير الوقوع بين طلبة الأزهر فإن الطالب كان يأتي بمتاعه ويضيعه امام آخر من إخوانه ويذهب لقضاء حاجته. وكان معنى الإيداع متعارفاً بينهم وإن لم يقل له لا أقبل الوديعة أو احفظها عند غيري أو نحو ذلك مما يدل على عدم القبول.
ومن ذلك ما إذا أرسل شخص نعجته 'لى راعي الغنم مع رسول ليودعها عنده فلم يقبلها الراعي (الغنام) وردها مع الرسول فضاعت فإن ظاهر مسألة الثوب تقتضي أن الراعي لا يضمنها لأنه لم يقبلها صريحاً، وهذا رأي بعضهم.
ولكن التحقيق أن الراعي يضمنها في هذه الحالة وذلك لأن عليه أن يقبلها ثم يردها بنفسه
(3/221)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لصاحبها إن شاء، أما كونه بعيدها مع رسول أجنبي منه فإنه تفريط يوجب الضمان. فهذه ليست كمسألة الثوب لأنه لم يقبل إيداعه من صاحبه.
وكذلك القبول من الوديع فإنه تارة يكون صريحاً كقبلت أو دلالة كسكوته عند وضع المتاع بين يديه كما ذكرنا في مسألة الثوب وكما إذا وضع ثيابه في حمام بمرأى حارس الثياب فإن ذلك يكون إيداعاً. ومثل ذلك ما إذا قال صاحب الدابة لرب الخان (الوكالة) أين أربطها؟ فقال له: هناك، فإن ذلك يكون إيداعاً.
وإذا وضع شخص متاعه عند آخر فقال له: لا أقبل إيداعه فتركه صاحبه ومضى فأخذه الآخر الذي لم يقبل إيداعه وأدخله منزله فإنه يعتبر قابلاً بذلك فيلزم أن لا يقصر في حفظه.
وإذا وضع شخص كتابه بين يدي قوم فذهبوا وتركوه فضاع كان عليهم ضمانه وإذا تركوا عنده واحداً منهم فقام وراءهم ضمنه وحده لأنه هو الذي وجب عليه حفظه بعد قيامهم.
وإذا أدخل شخص دابته في منزل آخر فأخرجها فضاعت فإن صاحب المنزل لا يضمنها لأنها تضر بمنزله بخلاف ما إذا أدخلها في مرابط دوابه فإنه إذا أخرجها فضاعت ضمنها لأن وجودها لا يضيره.
ومن الشروط أن يكون المال قابلاً لإثبات اليد فلا يصح أن يودع طيراً في الهواء مثلاً.
ومنها: أن يكون الوديع مكلفاً فلو أودع عند صبي فاستلكها الصبي لم يضمن لأنه لا يجب الحفظ عليه.
المالكية - قالوا: قد عرفت أن للوديعة تعريفين: أحدهما مبني على أنها نوع من أنواع الوكالة وعلى ذلك فيشترط في المودع - بكسر الدال - ما يشترط في الموكل. وشرطه أن يكون بالغاً رشيداً ويشترط في الوديع ما يشترط في الوكيل. فبعضهم يقول: يكفي في الوكيل أن يكون مميزاً ولا يلزم ولا يلزم أن يكون بالغاً؛ مبني أنها ليست نوعاً من أنواع الوكالة لأنها نقل مجرد حفظ الملك إلى الوديع وعلى هذا التعريف فإنه يشترط لها باعتبار جواز فعلها أن يكون المودع محاجاً للإيداع وأن يكون الوديع ممن يظن فيه حفظ الوديعة فمتى وجد هذا الشرط في المودع والوديع فإن الإيداع يكون جائزاً فيصح للصبي أن يودع ما يخاف ضياعه أو تلفه عند من يظن أنه يحفظه له.
ويشترط لها باعتبار ضمانها أي إلزام الوديع بها إذا قصر في حفظها أو تعدى عليها أن يكون كل من المودع والوديع غير محجور عليهما فهذه شروط الوديعة المطلوبة في المودع والوديععلى كلا التعريفين.
وأما الصيغة فإنهم لا يشترطون أن تكون باللفظ بل يقولون: إنه إذا وضع متاعه أمام آخر فسكت كان عليه حفظه لأنه بسكوته أصبح ذلك المتاع وديعة عنده إلا إذا رفض قبوله.
الحنابلة - قالوا: يشترط في الوديعة ما يشترط في الوكالة من البلوغ والرشد والعقل. ويشترط في الشيء المودع أن يكون مالاً معتبراً في نظر الشرع فلا تصح وديعة الخمر والكلب الذي لا يصح اقناؤه. أما الذي يصح اقتناؤه ككلب الصيد فإن وديعته تصح) .
(3/222)

مبحث حكم الوديعة وما تضمن به وما لا تضمن
-الأصل في الوديعة الإباحة فالناس أحرار في حفظ ما يملكونه بأنفسهم أو بواسطة من يأتمنونه على حفظها وقد تكون واجبة، كما إذا خاف صاحب المال هلاك ماله أو تلفه إن بقي معه ووجد أيناً يحفظه له فإنه يجب عليه أن يودعه في هذه الحالة ويجب على الأمين أن يقبله فإن حفظ المال واجب.
وقد وردت نصوص كثيرة صريحة في النهي عن إضاعة المال فمن خاف على ماله من سرقة أو تلف فإنه يجب عليه إيداعه بأي مكان أمين.
وهي عقد جائز من الطرفين كالوكالة فلكل منهما التخلي عنها متى شاء وعلى المودع حفظها كما له. وليس عليه بعد ذاك ضملنها إن فقدت أو تلفت. وإذا اشترط المودع - بالكسر - ضمانها على المودع كان الشرط باطلاً وإنما يضمنها إذا قصر في حفظها أو تعدى عليها وفي ذلك تفصيل في المذاهب (1) .
__________
(1) (الحنفية - قالوا: يضمن الوديعة الوديع إذا ضاعت في أمور:
منها: أن يدفعها لأجنبي عنه ليحفظها عنده فتصح أو تتلف عند ذلك الأجنبي وفي هذه الحالة يلزم الوديع الأول بها إلا إذا فعل ذلك لضرورة كما إذا وقع داره الذي به الوديعة حريق ينقلها إلى داره جاره خوفاً من حرقها فإذا ضاعت في هذه الحالة فإنه لا يضمنها بل يجب عليه في مثل هذه الحالة نقلها حتى لا تحترق فإذا أهملها مع قدرته على النقل حتى احترقت ضمنها. وإذا لم يستردها عقب انتهاء الحريق وتركها فضاعت عند الثاني فقبل: يضمن الأول وقيل لا يضمن.
على أن للوديع أن يحفظ الوديعة عند من يساكنه عادة من عياله وإن لم يكن معه بالفعل أو ينفق عليه فيجوز أن يحفظها عنده ولده وزوجه، كما يجوز له أن يحفظها عند والديه وإن لم يحسبا من عياله لأنه يصح أن يساكنهما فإذا دفع الوديعة لولده ونحوه ممن يساكنه من عياله فهلكت عند الثاني فإن الأول لا يضمن لأنه دفعها لمن يصح أن يحفظ عنده ماله إنما يشترط أن يكون الولد ونحوه قادراً على حفظ الوديعة، وأن يكون معروفاً بالأمانة ويشترط في الولد أن يكون مميزاً.
فإذا اختل شرط من هذه الشروط كان الوديع الأول ملزماً بالوديعة، وإذا نهاه المودع عن دفع الوديعة إلى بعض عياله فدفعها إليه فضاعت فإن الوديع يضمنها بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون لع عيال غير ذلك الذي بهي عن حفظ الوديعة عنده.
فإذا كان له ولدان مثلاً، فنهاه عن الإيداع عند أحدهما فلم ينفذ ذلك الني وأودعها عنده، كان ضامناً لها، إذا كان من الممكن أن يدفعها لولده الثاني.
(3/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا لم يكن له سوى ولد واحد، ولم يكن له بد من دفع الوديعة إليه لحفظها فإنه لا يضمن.
الشرط الثاني: أن تكون الوديعة مما لا يصح حفظه في يد من نهي عن دفعها إليه، مثال ذلك أن يودع شخص عند آخر فرساً وينهاه عن دفعها لزوجه، وليس له من عياله سواها فحفظها عندها فضاعت فإنه في هذه الحالة يضمنها، لأنه وإن كان ليس له عيال سواها، ولكن الفرس لا يصح حفظها في يد المرأة، فإذا ضاعت كان الوديع ضامناً لها على أي حال بخلاف ما إذا أودع عنده عقداً من الجواهر ونهاه عن دفعه لزوجه وليس له أحد من عياله فدفعه إليها لتحفظه، كما يحفظ ماله فإنه لا يضمنه لأنه لا بد له من حفظها سواه فخالف وفقدت فإنه لا يضمن.
أما إذا نهاه عن حفظ عقد الجوهر عنده وليس له غيره فدفعه فإنه يضمن لأن عقد الجوهر لا يصح حفظه عند الخادم.
ويجوز للوديع أن يحفظ الوديعة له ماله من غير عياله، كوكيله وشريكه شركة مفاوضة أو عنان على المفتى به.
وليس على الوديع الثاني ضمان، فإذا أودع شخص عند آخر فرساً مثلاً، فدفعها الوديع لأجنبي ليحفظها عنده، ثم تركها وانصرف فهلكت، كان الوديع الأول ضامناً لها ولا شيء على الثاني.
أما إذا دفعها إليه فهلكت قبل انصرافه، فإنه لا يضمنها أحد لأنها هلكت بحضرة الوديع، وهو أمين فلا شيء عليه، وإذا ادعى صاحب الفرس أنها هلكت عند الثاني وقال الوديع بل ردها إلي وهلكت عندي، فإنه لم يصدق إلا بالبينة، وذلك لأنه اعترف بالضمان بإيداعها عند الأجنبي وادعى البراءة فلا يصدق إلا إذا أقام على دعواه.
ومن الأمور التي توجب على الوديع ضمان الوديعة أن يخلط الوديعة بماله أو بمال غيره بغير إذن مالكها، ويشمل ذلك صوراً أربعاً:
إحداها: أن يخلطها خلط مجاورة كخلط الحنطة بالحنطة.
ثانيها: أن يخلط ممازجة بجنسها أيضاً كخلط ماء الورد أو خلط السمن بالسمن وحكم هاتين الضورتين أن المالك مخيراً بين أمرين:
الأول: أن يعتبر وديعته مستهلكة بذلك فيلزم الوديع بها ولا يكون له عليها سبيل.
الثاني: أن يعتبرها موجودة فيقسم الجميع ويأخذ ما يخصه بالقسمة لأنه وإن لم يكن قد وصل إلى غير حقه في الصورة، ولكنه قد وصل إليه بالقسمة في المعنى، لأن القسمة فبما يكال أو بوزن إفراز.
ثالثها: أن يخلط الوديعة بغير جنسها خلطاً يتعسر معه تمييزها خلط مجاورة كخلط القمح بالشعير فإنه وإن لم يتعذر فرز القمح من الشعير وبكنه يحصل بعسر ومشقة.
(3/224)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وفي هذه الحالة تعتبر الوديعة مستهلكة بالخلط ويضمها الوديع فيلزم بها ومتى ضمنها اصبح مالكاً لها ولكن لا يباح له التصرف قبل قبل أداء الضمان، ولا سبيل للمالك الأصلي عليها في هذه الحالة وإذا أبرأه المالك الأصلي سقط حقه من العين المودعة والدين.
رابعها: أن يخلطها بغير جنسها لا يعتبر معه التمييز، كخلط الجوز بالوز، وفي هذه الحالة تعتبر قائمة كما هي ولا ينقطع صاحبها عنها.
أما إذا خلط الوديعة بماله أو مال غيره بإذن مالكها، فإن ذلك يكون شركة ملك بينهما. وقد انهارت عرفت أحكام شركة الملك في أول مبحث الشركة، ومثل ذلك ما إذا حصل الخلط قهراً كأن انهارت صبرة قمح الوديعة فاختلطت بغيرها.
ومن الأشياء التي توجب الضمان على الوديع أن يموت ولم يبين الوديعة التي عنده فإذا مات الوديع مجهلاً (لم يبين حال الوديعة) صارت الوديعة ديناً في تركته بشرطين:
الأول: ألا تعرف الوديعة بعينها ولم توجد في تركته بعد موته.
الصثاني: أن لا يكون أحد من ورثته عالماً بها فإذا أخبر الوديع الورثة بها، وسئل قبل موته عنها، فقال: إن فلاناً يعرفها، فلا يضمنها وحل الوارث الذي محل الوديع المتوفي.
وإذا أنكر صاحبها علم الوارث بها وقال: إن الوديع مات، ولم يبين الوديعة لأحد كان على الوارث أن يفسر حال الوديعة، فإذا فسرها فإنه يصدق، وإذا قال الوارث إن الوديع ردها في حياته فإنه لا يصدق إلا بالنية.
أما إذا برهن على أن الوديع قال في حياته: إنه ردها يقبل قوله، وإذا قال الوارث: إن الوديعة كانت معلومة وموجودة يوم موته ثم هلكت بعد ذلك، وقال صاحبها: إنها كانت مجهولة فإنه يصدق قوله لا قول الوارث لأن الوديعة صارت تركة في الظاهر فلا يصدق الورثة إلا بالنية.
ومن الأمور الموجبة لضمان الوديعة على الوديع أن يتعدى الوديع عليها بالتصرف فيها واستعمالها فإذا أودعه دابة فركبها فهلكت كان ضامناً لأنه قد تعدى باستعمالها، أما إذا هلكت من غير استعمال فإنه لا يضمن وإذا استعملها مرة ثم ترك استعمالها فإن كان ينوي العودة إلى استعمالها ثانياً فسرقت كان ضامناً لها.
أما إذا لم ينو استعمالها ثانياً فإن التعدي يكون قد زال فلا ضمان عليه، ومثل ذلك ما إذا أودعه ثوباً فلبسه في النهار، ثم خلعه ليللاً فإن كان ينوي لبسه في النهار ثانياً وسرق الثوب ليلاً كان ضامناً لأن التعدي لا يزال قائماً.
أما إذا لم يكن ينوي لبسه بانهار، وعزم على عدم استعماله، فإن التعدي يكون قد زال فلا ضمان عليه، على أنه يضمن ما نقصته الوديعة بالاستعمال على أي حال.
(3/225)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومن هذا تعلم أن تعدي الوديع يزول برجوعه عنه، ويرتفع عنه الضمان بينة عدم العودة إليه، وكذلك الحال في كل أمين، كالوكيل في البيع والإجارة.
فإذا وكل شخصاً على أن يشتري له دابة فاشتراها وركبها، ثم ترك ركوبها، لا يضمنها إذالا هلكت، وكذا إذا وكله على أن يبيع له ثوباً فلبسه لا يضمن، وكذا المضارب فإنه إذا استعمل ما لا يصح له استعماله ثم رجع لا يضمن، والشريك شركة مفاوضة أو عنان على ما تقدم إيضاحه في بابه.
ويستثنى من ذلك المستعير والمستأجر فإن من استعار دابة ليركبها فتوى
أنه لا يردها لصاحبها ثم ندم وهلكت الدابة وهو سائر فإنه يضمنها وندمه لا ينفع.
أما إذا كان واقفاً وترك نية عدم ردها فإنه يعود أميناً ومثله الدابة إذا نوى عدم ردها لصاحبها ثم عدل عن نيته فإن كان سائراً فإن عدوله لا ينفعه.
أما إذا كان واقفاً فإنه ينفعه، وإذا استأجر دابة إلى مكان معين ثم جاوزه ورجع إليه ثانياً لا يبرأ.
ومما يوجب الضمان على الوديع أن ينكر الوديعة فإذا أودع شخص مالاً عند آخر وطلبه منه فأنكره ثم سرق كان الوديع ضامناً له ملزماً به حتى ولو عدل عن إنكاره وأقر به ثانياً. وإنما يجب عليه الضمان بثلاثة شروط:
الأول: أن ينكرها بعد أن يطلبها أما إذا أنكرها قبل أن يطلبها أو سأله صاحبها عن حالها فأنكرها فإنه لا يخرج بذلك الإنكار عن كونه وديعاً فلا يضمنها.
الشرط الثاني: أن ينقلها من مكانها التي هي فيه إن كانت من المنقولات وقت الإنكار فلو لم ينقلها وقته وهلكت فإنه لا يضمن. وبعضهم يقول: إن كانت الوديعة وجحدها بعد طلبها فإنه يضمنها ولو لم ينقلها بالفعل وذلك لأن العقد ينفسخ يطلب صاحبها وبذلك يكون الوديع قد عزل نفسه عن الحفظ وبقي مال الغير في يده بغير إذنه فيكون مضموناً وهو وجيه.
الشرط الثالث: أن لا يحضرها لصاحبها بعد إنكاره فإذا أحضرها لصاحبها ومكنه من استلامها فردها إليه صاحبها ثانياً فهلكت فإنه لا يضمن لأنها تكون وديعة جديدة في هذه الحالة.
ومما يوجب الضمان على الوديعة الضمان على الوديعة أن يسافر بالوديعة. وإنما يضمن بالسفر بها بشروط أن ينهاه صاحبها عن السفر بها فإذا نهاه وخالف فإن سافر بها في البحر فغرقت يضمن بلا نزاع وإن سافر بها في البر كان السفر ضرورياً له وأخذ معه أهله فهلكت لا يضمن. فإذا سافر فإنه لا يضمن أما إذا لم ينهه صاحبها عن السفر فإن سافر بها إلى جهة مخوفة يخشى منها ضياع الوديعة وإلا لم ينهه صاحبها عن السفر فإن سافر بها إلى جهة مخوفة منها على ضياع فإنه يضمن وإلا فلا.
الماكية - قالوا: يضمن الوديع التي عنده بأمور:
منها: أن يسقط على الوديعة شيء من يده فيكسرها أو ينقلها ولو سقط من يده خطأ بدون قصد.
(3/226)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فإذا أودع شخص عند آخر إناء من البلور فأيقط عليه حديدة كان يعبث بها فكسرته فإنه يضمنه ولو لم يكن معتمداً إسقاطها لأن أموال الناس وودائعهم يجب صانتها والاحتياط في أمرها فلا فرق بين إتلافها عمداً أو خطأ.
ومنها: أن ينقلها من مكان إلأى آخر من غير حاجة إلى نقلها فتكسر أو تتلف فإنه يضمنها في هذه الحالة، أما إذا كانت الحاجة ماسة إلى نقلها فكسرت فإنه لا يضمن بشرط أن لا يفرط في الاحتياط بها أن ينقلها كما ينقل مثلها عادة فإن كان مثلها ينقل على حمل فنقلها على حمار أو كانت تحمل على أعناق الرجال كالمرأة مثلاً فنقلها على جمل فكسرت فإنه يضمن لأنه فرط في صيانتها.
ومنها: أن يخلط الوديعة بغيرها فإنه يضمنها بشروط:
أحدهما: أن يتعذر تمييزها أو يعسر كما إذا خلط بدهن أو زيت فإنه تعذر فزرها في الدهن ويتعسر في الزيت الذي لا يجمد إذ من الممكن تخليص السمن منه بعد أن يجمد ولكن مع شائبة لا يمكن تخليصها. ومن المتعسر أن يخلط قمحاً بقوله فإنه وإن كان يمكن فرز القمح من الفول ولكن بصعوبة. ومثل هذا الخلط يوجب الضمان وإن لم تتلف الوديعة وقيل لا يوجبه إلا إذا تلف.
ثانيها: أن لا تكون الوديعة مماثلة لما خلطت به جنساً وصفة، أما إذا كانت مثل ما خلطت به في الجنس والصفة كخلط قمح هندي أو صعيدي (بعلي) بمثله فإنه لا يضمن بشرط أن يكون الخلط للحفظ أو للمصلحة، أما الخلط بدون سبب فإنه يوجب الضمان إذا فقدت الوديعة أو تلف لاحتمال أنها تركت وحدها سلمت. وإذا تلف بعض القمح بعد خلطه يقسم التالف بحسب الأنصباء فإذا كانت الوديعة ثمانية أرادب والقمح المخلوط بها مثلها قسم التالف مناصفة وإذا كانت الوديعة ثلاثة أرادب والمخلوط بها ستة قسم التالف بينهما أثلاثاً وهكذا.
ومنها: أن ينتفع الوديع فإذا أودع شخص عند آخر دابة فاستعملها بالركوب أو الحمل عليها بدون إذن صاحبها فهلكت كان الوديع ضامناً لها وملزماً ومثل ذلك ما إذا أصابها عطب على تفصيل وهو أنه إذا ركبها وقطع بها مسافة كبيرة من شأنها أن تعطب الدواب من قطعها فإنه يضمنها سواء كان عطبها بسبب سماوي أو كان بسبب استعمالها ومثل ذلك ما إذا لم يعمل إن كانت المسافة تعطب من قطعها الدواب غالباً أو لا وكذا إذا استوى الأمران. أما إذا قطع بها مسافة من شأنها أن لا تعطب الدواب بقطعتها عادة فإنه لا يضمن سواء كان عطبها بسبب استعمالها. وبعضهم يقول: إذا كان العطب بسبب الاستعمال فإنه يضمن حتى ولو كان مثله ممن يأخذ أجرة وإلا فلا. وإذا تنازعا فقال المودع: إنها عطبت
بالاستعمال. وقال الوديع كلا، صدق المودع لأن القول قوله في هذه الحالة.
ومن الأشياء الموجبة لضمان الوديعة أن يسافر بها فتتلف منه فإنه يضمنها بشرطين:
(3/227)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أحدهما: أن يقدر على ردها لصاحبها أو يجد أميناً بودعها عنده أما إذا عجز عن ردها لصاحبها لسبب من الأسباب كغايبه ولم يجد أيناً يودعها عتده قبل سفره فإنه لا يضمن.
ثانيهما: أن لا يرجع بها إلى محلها سالمة فإن رجع بها ثم تلف عقب ذلك فإنه لا يضمنها وذلك لأن موجب الضمان هو هلاطها في حال المخالفة لا مجرد السفر بها كما تقدم في مسألة الانتفاع. وإذا ادعى الوديع أنه سافر بها إلى محلها وهي سالمة وتلفت بعد ذلك فإنه يصدق بدون إشهاد عليه.
ومنها: أن ينساها الوديع في موضع إيداعها أو في غيره فتضيع فإنه يضمنه وكذا إذا نسيها في موضع غير المكان الذي أودع فيه أولاً. مثال ذلك أن يعطي شخص مالاً لآخر ليشتري له به بضاعة من بلدة أخرى
فوضعه في جراب فوق دابته ثم نزل ليقضي حاجته فخاف على المال فأخذه معه ولما قضى حاجته نسيه وقام ذكره ونسي المكان الذي وضعه فيه فإنه يضمنه وقيل لا يضمنه.
ومنها: أن يدخل بها الحمام ونحوه فتضيع فإنه يضمنها بشرطين:
الأول: ان لا يجد أميناً يضعها عنده قبل دخوله.
الثاني: أن لا يعلم صاحبها عند الإيداع أن الوديع ذاهب إلى الحمام أو المفلس فإذا كان عاماً بذلك فإن الوديع لا يضمن إلا إذا كانت العادة أن الوديع لا يدخل الحمام أو المغطس قبل أن يودع ما معه أمين فإن كان كذلك فإن الوديع يضمن. ومثل الحمام والمغطس في ذلك السوق.
ومنها: أن يودعها الوديع عند أمين آخر بدون إذن صاحبها فإذا فعل وضاعت أو تلفت كان ضامناً لها بشرطين:
الشرط الأول: أن يودعها عند أجنبي عنه أما إذا أودعها عند زوجة وأمة أو شخص استأجره لخدمته أو ابنه فإنه لا يضمن إذا اعتاد الإبداع عندهم بأن تطول بأن تطول مدة إقامتهم معه ويثق معه ويثق أما إذا كانت الزوجة جديدة أو الأمة أو الأجير كذلك ولم يعرف أمنتهم فإنه يضمن إذا ضاعت الوديعة عندهم كما يضمن بإيداعها عند الأجنبي. وإذا عها عند أجنبي ثم رجعت إليه سالمة وضاعت عنده بعد ذلك فإنه لا يضمن.
الشرط الثاني: أن يودعها عند الأجنبي بغير عذر. أما إذا أودعها لعذر فإنه لا يضمنها فإذا كانت في منزل وقد يقط بعض حيطانه وخاف عليها من السرقة ولم يستطع ردها لصاحبها لغيابه أو لسجنه فأودعها عند أمين غيرهفإنه لا يضمنها إذا ضاعت أو تلف. ومثل ذلك ما إذا وقع حريق في المنزل الذي هي فيه أو أراد الوديع السفر إلى جهة ولم يستطع ردها لصاحبها فإن له إيداعها عند أجنبي ولا ضمان عليه. ولكن لا بد من الشهود على العذر فإذا ادعى الوديع أنه أودعها لسقوط داره أو لسفره بدون أن
(3/228)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تشهد البينة على ذلك فإنه لا يصدق ولا بد أن تكون البينة قد شاهدت نفس العذر فلا يكفي أن يقول للشهود: اشهدوا أنني أودعتها عند فلان لسقوط حيطان المنزل من غير أن يروا ذلك.
فإذا زال العذر وجب عليه أن يسترجعها فإذا لم يسترجعها وذاعت كان عليه ضمانها إلا إذا كان العذر السفر فإنه لا يجب عليه استرجاعها إلا إذا كان ناوياً العودة إلى البلدة التي سافر منها.
أما إذا نوى الارتحال ليقيم في بلدة أخرى ولا يعود ينو شيئاً ثم عاد بعد ذلك فإنه لا يجب عليه استرجاعها وإنما يستحب له ذلك ولا يجب على الوديع الثاني أن يردها إلى الأول إلا في الحالة الأولى وهي حالة ما إذا كان ينوي العودة أما في الحالة الثانية فإنه لا يجب عليه ردها إليه فإذا حصل تنازع في نية العودة فقال الوديع الأول: إنه كان ينوي العودة وقال الثاني: إنه ينوي عدم العودة فإنه ينظر إلى السفر فإن كان الغالب في مثله العودة فيقضي بها للوديع الأول وإن كان الغالب فيه عدم العودة
أو استوى الأمران فيقتضي بها للوديع الثاني ويكون ضمانها على الثاني ويبرأ الأول منها.
ومن الأمور التي توجب ضمان الوديعة أن يرسلها الوديع إلى صاحبها بدون إذنه فتضيع من الرسول أو تتلف فإنه يضمنها. وكذا إذا ذهب الوديع بنفسه بها صاحبها فهلكت في الطريق أو تلفت فإنه يضمنها. ومثل ذلك الوديع في ذلك الوصي على مال فإذا أو صى شخص آخر على ماله ثم مالت صاحب المال فبعث المال للورثة بدون إذنهم أو سافر به إليهم فضاع أو تلف فإنه يكون ضامناً له على الراجح. وبعضهم يقول: لا يضمن وبعضهم يقول: إن سافر بها في وقت مخوف ضمن وإلا فلا.
ومنها: أن تكون الوديعة دابة ونحوها فيطلق عليها الوديع الفحل بقصد إحبالها بدون إذن صاحبها فتموت بسبب وطء الحمل أو تحبل ثم تموت بسبب الولادة فإن الوديع يضمنها. أما إذا أذنه صاحبها بذلك فلا ضمان عليه.
أما الراعي الذي يرعى بقرة ونحوها فإنه إذا طلب فحلاً على أنثى من الحيوانات التي يرعاها لغرض إحبالها فماتت فإنه لا يضمنها وإذا كان المتعارف أن الرعاة يعملون مثل ذلك حتى لا تفوت مدة حمل الحيوان فتضيع ثمرته في هذه الحالة يكون مأذوناً حكماً.
أما إذا كان العرف على خلاف ذلك أو اشترط صاحبها عدم ذلك فإنه يضمن وهذا القول هو الظاهر:
ومنها: أن ينكر الوديعة رأساً كأن يقول لصاحبها: لم تودعني شيئاً هذه المسألة أربع صور:
الصورة الأولى: أن يستمر على إنكاره ولا بينة لصاحبها عليه وفي هذه الحالة لا يضمن الوديع شيئاً.
الصورة الثانية: ان يعترف بها إنكارها ثم يدعي ضياعها ولا بينة له وفي هذه الحالة يضمنها ولا ينفعه إقراره بلا خلاف.
(3/229)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الصورة الثالثة: أن ينكر إيداعها ثم يعتبر به ويدعي أنه ردها لصاحبها ويقيم البينة على ذلك وهذه فيها خلاف فبعضهم يقول: إن بينة الوديع ناقص نفسه يقول تقبل.
الصورة الرابعة: أن ينكر إيداعها فيقيم صاحبها البينة على الإيداع فيدعي الوديع ردها ويقيم البينة على ذلك. وحكم هذه الصورة الثالثة. ورجح القول بعدم سماع بينة الوديع بعد إنكاره في الحالتين.
ومنها: أن يموت الوديع ولم يبين الوديعة ولم توجد في تركته فإن لصاحبها الحق في أن يأخذ مثلها أو قيمتها من تركة الميت. وإن كانت التركة مدينة فإن له أن يدخل مع الدائنين بحصة مناسبة لوديعته وفي هذه المسألة صورتان:
الصورة الأولى: أن يثبت الإيداع بإقرار الوديع قبل موته وفي هذه الحالة لا يكون لصاحبها الحق في المطالبة بها موته إذا مضى على إيداعها زمن طويل بقدر بعشر سنين فإذا مضى عليها ذلك فلا يكون له الحق إذ يجوز أن يكون قد أخذها من الوديع قبل موته.
الصورة الثانية: ان يثبت الإبداع ببينة مقصودة لتوثيق بأن يحضرها المودع عند الإيداع لتأكد المحافظة على وديعته وفي هذه الحالة لا تسقط مهما طال طال عليها الزمن.
هذا لم يبنها الوديع قبل موته ولم توجد في تركته. أما إذا بينها وأوصى بها بأن قال: إن الوديعة التي في مكان كذا هي لفلان فإن الميت يبرأ فإن وجدت في المكان الذي قال عنه اخذها صاحبها وإن لم توجد ضاعت عليه ولا يكون له الحق في المطالبة بشيء لأن الوديع أمين فهو مصدق فيما يقول فحيث قال إنها بمكان كذا دل ذلك على أنه لم يستلفها حال حياته ولم يتصرف فيها وأنها سرقت من ذلك المكان فلا يضمنها.
أما إذا لم يقل فيحمل على أنه تسلفها وتصرف فيها فعليه ضمانها. وإذا ادعى شخص أن له وديعة عند فلان الميت ولم يثبت الإيداع ببينة أو إقرار فإن وجدت الوديعة مكتوباً عليها بخط المتوفى في أنها لفلان فإنها تكون حقاً لصاحبها بشرط أن يثبت بالنية أن الخلط خط المتوفى.
أما إذا كانت الكتابة بخط صاحبها لا بخط المتوفى فقيل يكون فيها أيضاً وقيل لا إذ يحتمل أن يكون قد تواطأ مع أحد الورثة على إخراج شيء إليه كتب عليه اسمه.
ومنها: أن يكون صاحب الوديعة مضطهداً من ظالم يريد أن يصادره في ماله فيحملها الوديع إلى صاحبها حين مصادرة الظالم إياه فإذا استولى عليها الظالم فإن الوديع يضمنها في هذه الحالة لأنه يجب عليه إخفاؤها عن الظالم وحفظها. وإذا خاف الوديع فيصادرها مع ماله فقيل يجوز له حملها إليه وقيل لا.
ومن الأشياء الموجبة لضمان الوديعة هلاكها بيد رسول أرسلت معه وفي هذه المسألة ثلاث صور:
(3/230)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الصورة الأولى: أن يكون ضامناً على رسول فيضمنها الرسول (سواء كان من طرف صاحب الوديعة أو من طرف الوديع) في حالة واحدة وهي أن يحملها فيموت قبل أن يصل إلأى البلد التي بها صاحقب الوديعة ولم توجد في تركته فتؤخذ في هذه الحالة من تركة الرسول ثم إن كان من طرف رب المال فلا يكون الوديع مسؤولاً عنها وإن كان من طرف الوديع كان مسؤولاً عنها فعليه أن يسلمها لربها ويأخذها هو من تركة الرسول.
الصورة الثانية: أن يكون ضمانها على الوديع فيضمنها الوديع إذا أرسلها مع رسول من طرفه فمات الرسول بعد وصوله إلى البلد القاطن الوديعة ولم توجد معه وادعى صاحبها أنها لم تصل إليه كان الوديع ضامناً لها لأنه لا يبرأ إلا بوصول المال أو إلى رسول صاحبه بينة أو إقرار.
الصورة الثالثة: أن تضيع على صاحبها ويبرأ الرسول والوديع وذلك إذا أرسلها مع رسول من طرف صاحب الوديعة فحملها ووصل بها البلد الذي به صاحب الوديعة ثم مات الرسول فإنها في هذه الحالة تضيع على صاحبها لاحتمال أن الرسول أعطاها لصاحبها الذي أرسله بعد وصوله فلا ضمان عليه كما لا ضمان على الوديع لأنه سلم الوديعة لرسول صاحبها ببينة فإذا سلمها إليه بدون بينة ولم يمت الرسول ولكن بينة وبين صاحبها خلف فقال الرسول إنه سلمها وقال المرسل إليه كلا ولا بينة للرسول كان الوديع ضامناً.
أما إذا سلمها الوديع للرسول بينة فإنه يبرأ بذلك ويكون الضمان على الرسول إذا لم تكن له بينة.
ومن الأشياء التي توجب الضمان على الوديع أن يدفع الوديعة لشخص غير صاحبها فيدعي ذلك الشخص أنها ضاعت أو تلفت. ويدعي الوديع لذلك الشخص بناء على أمر صاحبها مباشرة أو بواسطة بأن يقول: أنت أمرتني بدفعها له بنفسك ولا بواسطة بدفع وديعتي لغيري.
فإن لم تكن للوديع بينه على دعواه طلب من صاحب الوديعة أن يحلف فإذا حلف يلزم بها الوديع وإن لم يحلف حلف الوديع وبرئت ذمته.
ثم إن كانت دعوى الوديع أنه دفعها للشخص بأمر صاحبها بنفسه مباشرة فليس له حق الرجوع على ذلك الشخص في حالة ضمانه للوديعة لأنه يكون في دعواه معترفاً بأن صاحبها أمره بدفعها له وقد ظلمه بالإنكار فلا يظلمه الوديع بالرجوع عليه أما إن كانت دعواه بأنه له بأمارة أو كتاب بغير خط صاحبها فغن الرجوع على ذلك الشخص إن كانت الوديعة موجودة في يده أو أتلفت بسببه أما إن كانت قد تلفت بسبب آخر فلا حق في الرجوع عليه على المعتمد.
أما إن كانت للوديع بينه على صاحبها بأنه أمره بدفعها إلى ذلك الشخص فإن ذمته تبرأ ولصاحبها
(3/231)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحق في الرجوع على ذلك قبضها إن ثبت تعديه عليها أو كانت موجودة لم تتلف أما إذا لم يثبت تعديه عليها فلا حق له في الرجوع عليه كما لاحق له في الرجوع على الوديع.
الشافعية - قالوا: الوديع أمين لا ضمان عليه بحسب الأصل وإنما يضمن لعارض من الوارض سواء أكانت الوديعة بأجرة أم بغير أجرة. والصور التي يضمن بها الوديع عشر.
الصورة الأولى: أن ينقل الوديعة من بلدة إلى أخرى أو من دار إلى دار أقل منها صيانة وحفظاً بدون ضرورة فإن ترتب على ذلك ضياع الوديعة او تلفها كان الوديع ضامناً لها ولو لم ينهه المودع إلا إذا كان نقلها خطأ أنها ملكه ولم ينتفع بها أثناء نقلها فإذا نقلها إلى جهة مساوية للجهة التي كانت بها أو احسن من الصيانة والحفظ وضاعت أو تلفت فإنه لا ضمن وكذا إذا نقلها من (دور) إلى دور (دور) منزل واحد أو من حجرة إلى حجرة فإنه لا ضمن ولو كانت أقل حفظاً ما لم ينهه المودع عن نقلها فإنه إذا خالف نهيه يضمن.
الصورة الثانية: أن يدفعها الوديع إلى شخص آخر يحفظها عنده سواه كان ذلك الشخص أجنبياً عن الوديع أو ولد أو زوجة أو خادماً وكذا ليس له إيداعاً عند القاضي إلا بإذن مالكها.
فإذا فعل ذلك وضاعت الوديعة أو تلف كان ضامناً لها وذلك لأن صاحب الوديعة قد اختار لها الوديع بعينه ومعنى ذلك أنه لم يرض بامانة غيره. نعم للوديع وإنما يضمنها الوديع بدفعها إلى غيره بحارس أو خادم يعلفها ويسقيها إن كانت بحسب ما جرت به العادة وإنما يضمنها الوديع بدفعها إلى غيره بشرطين:
الشرط الأول: أن يفعل الوديع ذلك بدون إذن صاحب الوديعة فإنه لا يضمنها إذا ضاعت أو تلف لأن الثاني يكون وديعاً أيضاً.
ولا يخرج الأول عن الإيداع إلا إذا صرح المالك بذلك أو قامت قرينه على انه يريد استقلاق الثاني بالوديعة وإذا صرح صاحبها بأن يكون في حفظ الاثنين تعيين ذلك فعليهما أن يقوما بوضعها في مكان بملكانه أو يستأجرانه أو يستعيرانه على أن يكون لكل منهما مفتاح فإذا انفرد أحدهما نحفظه برضاء الآخر كان كل منهما مسؤولاً عنها.
الشرط الثاني: ان يدفعها لغيره بدون عذر أما إذا دفعها بعذر فإنه لا يضمن ولو لم يأذنه صاحبها.
والعذار التي تبيح للوديع إعطاء الوديعة هي كالسفر أو المرض المخوف أو الحريق الذي يشب في الجهة التي بها الوديعة أو الغرق الذي يهدد مكان الوديعة أو نحو ذلك بشرط أن لا يجدهما كأن كانا غيره ينقلها إليه ويشترط أن يحاول أولاً أن يرد الوديعة إلى صاحبها أو وكيله فإن لم يجدهما كأن كانا مسافرين أو مسجونين فإنه يجب عليه أن يردها للقاضي الأمين وعلى القاضي أخذها بعد ذلك، ولا يلزم تأجيره سفره من أجل الوديعة لما في ذلك من الجرح الذي لا يخفى فإذا لم يتمكن من ردها بأن مات فجأة أو قتل غيله أو سافر بها لعجز عن إيصالها لمن ذكروا فلا ضمان عليه.
الصورة الثالثة: أن يسافر الوديع بها مع القدرة على ردها لصاحبها أو وكيله أو القاضي الأمين فإذا
(3/232)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فعل وضاعت فإنه يضمن لأنه عرضها للضياع ينقلها من مكانها الأمين إلى أقل منه، وكذا يضمنها إذا دفنها بمكان وسافر ولم يعلم بها أميناً براقبها.
الصورة الرابعة: أن ينكرها بعد طلب المالك لها فإذا فعل يصير غير أمين فيضمن الوديعة إلا إذا أنكرها لمصلحة كأن أنكرها ليدفع شر ظالم عن مالكها أو أنكرها إذا طلبها منه أجنبي ولو بحضرة مالكها لأن إنكاره يحمل على شدة حفظها بإخفائها عن غير صاحبها.
الصورة الخامسة: أن يترك الوديع الوصبة بالوديعة عند الإشراف على الموت ومعنى الوصية أن يعلم بها القاضي أو الأمين عند عدم وجود القاضي مع وصفها بما تتميز به إن كانت غائبة أو الإشارة لعينها إن كانت حاضرة مع الأمر بردها إليهما بالفعل أما في حال السفر فإن الوصية لا تغني عن رد الوديعة إليهما بالفعل على المعتمد فإذا ترك الوديع رد الوديعة لصاحبها في حال المرض المخوف كما تقدم أو ترك ردها لأنه عرضها للضياع بوضع يد عليها، ولا يجب عليه الإشهاد على الوصية على المعتمد.
الصورة السادسة: أن يهمل الوديعة فلا يدفع عنها ما يتلفها كترك تهوية ثياب الصوف والسجاد فيجب عليه أن يستعملها الذي يحفظها وكذلك يجب عليه أن يطعمخا ويسقسها إن كانت حيواناً فإن أعطاه المالك علفاً به وإلا طلب منه أو من وكيله علفها فإن لم يجدها طلب من القاضي تقدير علف لها ليرجع به على المالك وله أن يؤجرها بما يعلفها به أو يبيع به منها جزءاً يعلفها منه بحسب ما يستطيع فإن تعذر عليه شيء من ذلك علفها من عنده مع الإشهاد على ما بنفقه ليرجع به المالك فإذا كان الحيوان به تخمة ونهاه مالكه عن إطعامه حتى يبرأ فخالفه وأطعمه فإن كان ذلك عمداً وعلم بالعلة فإنه يضمن وبعضهم يقول مطلقاً أما إذا نهاه عن إطعام الصحيح أو دفع مهلكات الثياب ونحوه فهلكت فإنه لا يضمن وإن أثم طعام الحيوان.
الصورة السابعة: أن يمنع لصاحبها بدون عذر فإذا طلبها فتأجر في دفعها بدون عذر وهلكت ضمنها. أما إذت منع ردها لعذر كصلاة وأكل ونحوهما فإنه لا يضمن والمراد بتأجيرها عن صاحبها، أن لا يخلي بينهما وبين صاحبها إلا أن يحملها إليه أن ذلك لا يلزم الوديع.
الصورة الثامنة: أن يضعها الوديع في مكان غير أمين أو ينساها أو يدل عليها ظالماً بتعيين محلها له أو يسلمها له ولو مكرهاً فإنه يضمنها ويرجع بما عزمه على الظالم أما إذا أخذها الظالم من يده قهراً عنه من غير أن يدله عليها فإنه لا يضمن وكذا لو أخبره بأنها عنده من غير أن يعين له مكانها فإنه وإن كان يحرم عليه ذلك وإذا حلف وجب عليه أن يوري في يمينه إن عرف التوية وأمكنه وإلا كفر عن يمينه إن كان الحلف بالله أما إن كان بالطلاق أو العتق فإنه يحنث.
الصورة التاسعة: أن ينتفع الوديع كأن يلبسها إن كانت ثوباً لا يصلحه اللبس أو يركبها إن كانت دابة لا يصلحها الركوب فإذا كانت جموحاً يصلحا الركوب فلا يضمن بركوبها لذلك
(3/233)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الصورة العاشرة: أن يخالف الوديع صاحب الوديعة فيما يأمره به إلا إذا كان فيه زيادة حفظ فإذا قال لا تحمل هذا الصندوق على دابة فحمله فانكسر ما فيه ضمن وكذا إذا قال له لا تنم عليه ففعل فانكسر ما فيه فإنه يضمن أما إذا نام فلم ينكسر ما فيه وبعد ذلك سرق فإنه لا يضمن لأن المخالفة لم يترتب عليها ضرر.
أما إذا نهاه عن وضع قفلين ففعل فإنه لا يضمن فيه زيادة احتياط.
الحنابلة - قالوا: الوديع لا يضمن الوديعة إلا إذا تعدى عليها بأن فيها أو فرط في حفظها فتلفت أو ضاعت ويحصل ضمانها بأمور: منها أن يضعها الوديع في مكان لا يحفظ فيه مثلها في العرف كما إذا كانت عقد جوهر في صندوق لا قفل له فسرقت فإنه يضمن لتفريط في حفظها فإذا وضعها في مكان يحفظ فيه مثلها (حرز المثل) ثم نقلها إلى مكان آخر يحفظ فيه مثلها أيضاً ولكنه أقل من الأول صيانة وحفظاً لا يضمن لأنه فعل الواجب لوضعها في حرز مثلها.
وإذا عين له صاحبها مكاناً لحفظها وجب عليه أن يضعها فيه أو في مكان مثله أو اعلى منه في الصيانة والحفظ فإذا وضعها في مكان أقل منه فضاعت ضمنها أما إذا وضعها في المكان الذي عينه صاحبها من أول الأمر فإنه يحرم عليه أن يخرجها من ذلك المكان من غير حاجة فإذا فعل وضاعت ضمنها حتى ولو كان المكان الذي نقلها إليه أصون من المكان الأول.
أما إذا أخرجها من مكانها خوفاً عليها من حرق أو غرق أو هدم المكان الذي هي فيه فهلكت لم يضمن بل يجب عليه في هذه الحالة أن يخرجها من المكان بالأخطار وإنما يلزمه أن يضعها في حرز مثلها أو أعلى إن لم يمكن فإنه لا يكلف إلا ما قدر عليه ولا ضمان.
فإذا تركها في المكان الذي عينه له صاحبها في حالة الخطر وهلكت كان الوديع ضمانها سواء هلكت بالأمر المخوف أو لسبب وهلكت فإنه لا يضمن وإذا خالفه فأخرجها فإنه لا يضمن أيضاً لأنه فعل ما فيه الحفظ في الثاني وامتثل أمر صاحبها في الأول.
ومنها: أن يهمل في أمر حفظها فإذا كان الوديعة حيواناً يجب على الوديع أن يصعمه ويسقيه إلا أن ينهاه صاحبه عن ذلك فإن فعل لا يضمن ولكن يأثم بتركه الحيوان من غير إطعام ويطالب الوديع صاحب الحويان أو وكيله بعلفه أو رده إليهما فإن لم يجدهما رفع الأمر إلى الحاكم ليأخذ قيمة علفه من مالهما مال وإلا بما فيه المصلحة من بيع الحيوان أو إجارته أو الاستدانة عليه للإنفاق عليه ويجوز أن يأمر الوديع بالإنفاق عليه من ماله بحسب اجتهاده ويرجع بما أنفقه على صاحب الحيوان.
ومنها: أن يدفع الوديع إلى أجنبي ليحفظها عنده فإذا فعل وضاعت فإذا دفعها إلى من يحفظ ماله كزوجة ولده وخادمه وخازنه ووكيله لم يضمن إن تلفت.
(3/234)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا دفعها إلى شريكه فإنه يضمن صاحبها إذا تلفت. ولصاحبها الحق في مطالبة الوديع الأول ببدل الوديعة لأنه صار ضامناً بدفعا إلى غيره وإعراضه عن حفظها وله مطالبة الوديع الثاني لأنه قبض ما ليس له قبضه فإذا كان عاماً بأنها بأنها وديعة وأنه لا عذر للوديع في دفعها إليه وألزمه المالك ببدل الوديعة فلا رجوع للوديع على الأول وإن كان جاهلاً بأنها كان جاهلاً بأنها وديعة ولزمه مالكها بدفع بدلها فإنه يرجع بما دفعه على الوديع الأول لأنه غيره.
وللوديع أن يساعين بالأجنبي في حمل الوديعة وعلفها وسقيها ونحو ذلك مما جرت به العادة فإذا هلكت في أثناء ذلك فلا يضمن.
ومنها: أن يسافر بها الوديع مع نهي صاحبها عن السفر بها وتلفت ضمنها إلا إذا كان السفر لضرورة كجلاء عن البلد لهجوم عدو أو غرق أو حرق أو نحو ذلك فإن تركها في مكانها ولم في مكانها ولم يسافر بها فتلفت ضمنها.
وإذا أراد الوديع السفر على الوديعة عنده فله ردها لصاحبها إن كان موجوداً فإن لم يوجد فله ردها على من يحفظ مال صاحبها كزوجه وخازنه ووكيله في قبضها إن كان له وكيل وله السفر مع وجود صاحبها إن لم يخف عليها ولم ينهه صاحبها فالوديع في هذه الحالة يكون مخيراً بين اليفر وبين ردها لمن ذكروا.
ومنها: أن يحملها إلى صاحبها وعنده ظالم يريد ماله أو يسعى بها إلى الظالمأو يدل عليها لصاً فيسرقها فإذا فعل كان ضامناً لها.
ومنها أن يموت الوديع ولم يبين الوديعة فإذا مرض مرض الموت رد الوديعة إلى صاحبها أو وكياه فإن لم يجدها دفعها إلى الحاكم المأمون فإن تعذر عليه ذلك أودعها عند ثقة أو دفنها إن لم يضرها الدفن واعلم بها ثقة يسكن الدار التي دفنها بها فإن لم بفعل كان ضامناً ومثل ذلك ما إذا أراد أن يسافر معه على الوديعة.
ومنها أن ينتفع الوديع بها كأن يركبها إن كانت دابة لمصلحته. أما إذا ركبها بأجرة علفها فلا يضمن وكأن يلبس ثوباً مودعاً عنده لا لمصلحة الثوب.
أما إن لبسه لمصلحة الثوب غن خاف عليه من العث (العتة) إن كان صوفاً فإنه لا يضمن.
ومنها: أن ينكر الوديعة ثم يقر بها لأن الإقرار بها بعد إنكارها لا يرفع عنه الخيانة فيضمنها إذا فقدت. ومثل ذلك إذا طلبها صاحبها أو من له حق في طلبها كوكيله فلم يدفعها إليه فإنه يضمنها إذا تلفت بعد المنع.
ومنها: أن يخلط الوديعة بماله أو بمال غيره إذا كانت لا تتميز منه كخلط زيت بزيت أو سمن بمثله بغير إذن صاحبها فإذا فعل الوديع ذلك بطلت الوديعة وضمنها الوديع ووجب عليه الرد فوراً.
(3/235)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا خلطها غير الوديع بدون إذن كان الضمان على الخالط لا على الوديع لأنه هو المعتدي وإذا برئ المالك الوديع بريء.
وإذا خلطها خلطاً لا يتعذر معه كخلط بر بشعير أو عدس فإنه لا يضمن. وإذا وقع خلط الذي يتعذر تمييزه رغم إرادته فإنه لا يضمن ويصيران شريكين) .
(3/236)

مباحث العارية
تعريفها
-العارية مشددة وقد تخفف تطلق في اللغة على معان:
أحدهما: أنها اسم لما يتداوله الناس بينهم يقال للكتاب مستعار. بمعنى متعاور أي متداول بين الناس ومثلها العارة - بفتح الراء مخففة - كناقة والجمع عواري - بتشديد الباء وتخفيفها - وعلى هذا تكون مأخوذة من التعاور التداول، وفعلها اعتور الشيء وتعوره وتعاوره، يقال اعتوروا الشيء الشيء بمعنى تداولوه.
ثانيهما: أنها اسم لما يذهب ويجيء بسرعة يقال أعاره الشيء وأعاره منه إعارة منه كما يقال عاره يعوره بمعنى أخذه وذهب فحقيقة العارية ذهاب الشيء وإيابه، وهو قريب من الأول وعلى هذا تكون العارية مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء سريعاً وهو لا يخرج عن الأول لما فيه من التداول.
ثالثهما: أنها اسم لما يقصده المستعير فهي مأخوذة من عرواً إذ قصده لأن الشيء المستعار مقصود للمستعير وأصل عارية المشتقة من التعور بمعنى التدوال عورية بفتحتين مشدداً على وزان فعليه فالعين الكلمة والواو عين الكلمة لام الكلمة تحركت الواو وانفتح ما قبلها قبلت أفاً فصارت عارية فالألف أصيلة لأنها منقلية عن الواو التي هي عين الكلمة.
ومثلها المأخوذة من عار يعور إذا ذهب وجاء أما المأخوذ من عراه يعروه إذا قصده فإذا كانت العارية مشددة الياء يكون أصلها عاوورة بواوين على وزان فاعولة قلبت الواو ياء لوقوعها متطرفة فصارت عاروية اجتمعت الواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وإذا كانت مخففة يكون أصلها عاروية اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون الخ وعلى كلتا الحالتين تكون الألف زائدة لأن العين فاء الكلمة والراء عينها ويصح أن تكون الألف اصلية إذا دخل الكلمة القلب بأن تؤخر عين الكلمة وهي الراء على لازمها والراء عينها فتحركت الواو التي هي لام الكلمة وانفتح قبلت أفاً فصارت عارية وعلى هذا تكون الألف أصلية لنها منقلبة عن الواو التي هي لام الكلمة.
(3/237)

ذلك هو الصحيح في معنى العارية واشتقاقها وبعضهم يقول إنها منسوبة إلى العار وذلك لأن ردها لصاحبها بعدما منحها للمستعير عار لا ينبغي وقوعه وذلك خطأ من وجهين: أحدهما أن رد العارية ليس بعار ولو كان ذلك لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أنه فعله. ثانيهما إن العار ياتي أما العارية فهي واوي ولذا قالوا إن القوم يعتبرون بمعنى يعير بعضهم بعضاً ولم يقولوا يتعاورون نعم نقل أنهم يتعيرون العواري وهي جمع العواري وهي جمع عارية كما عرفت ولكنه ضعيف وقد تستعمل الياء بدل الواو فما ورد من ذلك لا يكون حقيقة بأصل وضعه.
وأما معناها في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) (المالكية - قالوا: تعرف العارية على أنها مصدر. وتعرف على أنها اسم للشيء المستعار فعلى الأول يقال إنها تمليك منفعته مؤقتة لا بعوض.
فإذا ملك شخص غيره منفعة الدابة ليسافر أياماً معلومة بدون اجر أو جملة لينقل عليه جرته أو محراثه ليحرث له أرضه في زمن معين أو غير ذلك التمليك عارية ولا فرق بين أن يكون الوقت طويلاً أو كثيراً فيدخل في العريف تكليك المنفعة طول حياة المستعير ويقال له (العمري) بضم العين وسكون الميم وكذلك يدخل فيه وهو تمليك منفعته الخادم طول حياة المستعير ولا يدخل فيه حبس منفعة العين (الوقف) إلا على القول بأنه يصح ان يكون مؤقتاً. وعلى أنها اسم للشيء المستعار يقال لها (مال ذو منفعة مؤقتة ملكت بلا عوض) . ولكن يرد على التعريفين أنه يدخل فيهما ما ليس منهما في بعض الأحوال وهو إرث المنفعة ومثاله أن يستأجر شخص أرضاً أو داراً، أو أثاث منزل مدة معينة ثم يموت قبل أن يستوفي منفعتها ففي هذه الحالة تنقل المنفعة إلى الورثة بدون عوض منهم، وهنا ينطبق عليه تعريف العارية لأنه يملك منفعة بدون عوض أو مال بدون عوض مع أنه ليس بعارية.
والجواب أن العارية ليس لها عوض مطلقاً اما هذه الصورة فإن المستأجر المنوفي إنما أجرهم بعوض فهي في الحقيقة تكليك بعوض من المستأجر الأول وإن انقلت إلى الورثة بدون عوض منهم.
الحنفية - قالوا: العارية هي تمليك المنافع مجاناً وبعضهم يقول إنها إباحةلا تمليك وهو مردود من وجهتين:
الأول: أن العارية تنعقد بلفظ التمليك الشيء الذي استعاره لغيره إذا كان ذلك الشيء بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه على المتبرع.
فإن ملك دابة أو كتاباً أو ثياباً أو غيرها مما يحل الانتفاع به وكان أهلاً للتبرع فإنه يصح له
(3/238)

حكم العارية وركنها وشرطها
-العارية في ذاتها من أعمال البر التي تقتضيا الإنسانية لأن الناس لا غنى لهم عن الاستعانة ببعضهم بعضاً فهي منودبة بحسب ذاتها.
وقد يعرض لها الوجوب كما إذا احتاج شخص من آخر مظلة في الصحراء وقت الحر الشديد توقفت عليها حياته أو إنقاذه من مرض فإنه يجب على صاحبها في هذه الحالة أن يعيرها إياه.
وقد يعرض لها الحرمة كما إذا كان عند شخص جارية أو خادمة تشتهى وطلب غعارتها منه شخص يختلي بها أو يتمكن من قضاء إربه منها فإنه في هذه الحالة لا يحل له أن يعيرها إياه.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار فرساً من أبي طلحة فركبه واستعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين فقال له صفوان أغصب يامحمد في هذه الحالة أو عارية فقال له بل عارية مضمونة.
وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها على أنها داخلة في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر التقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} .
إذا لا شك أن سد حاجات الناس بعضاً بعضاً والإحسان إليهم من أنواع البر التي توثق بها الشروط وتنمو بها الألفة وتتأكد وذلك المودة ممدوح في نظر الشريعة الإسلامية كل المدح.
وأركان العارية أربعة: (1) .
__________
أن يعيرها لغيره بان يبيح الانتفاع بها مع بقاء العين ليردها إليه ثانياً سواء حدد لها مدة ويقال لها العارية النقيدة أو ويقال لها المطلقة.
الحنابلة - قالوا: العارية معناها العين المعارة وهي المأخوذة من مالكها سواء حدد لها أو مالكها أو مالك منفعتها للانتفاع بها زمناً أو مطلاقً بلا عوض وتطلق العارية مجازاً، واغعارة هب إباحة نفع العين عوض من المستعير أو غيره.
والإباحة معناها رفع الحرج عن تناول ما ليس مملوكاً له فيصح له أن بنتفع به كما يجب) .

(1) (الحنفية - قالوا: للعارية ركن واحد وهو الإيجاب والقبول فلا بد في العارية من الإيجاب والقبول لأنها تمليك وهو لا يتحقق إلا بذلك ولا يشترط الللفظ بل يكفي التعاطي وهو أن يعطي المعير العارية للمستعير والمعير يأخذها ويكون معروفاً بينهما أنها عارية تصح بلفظ أعرتك وأطعمتك غلة
(3/239)

معير وهو الذي يمنح العارية.
ومستعير وهو الذي يأخذها.
ومعار وهو الذي تمنح.
وصيغة. ولكل ركن من الأركان شروط مفصلة في المذاهب (1) .
__________
أرضي ومنحك هذا الثوب. وحملتك على دابتي هذه. بشرط أن لا يريد بلفظ منحط وحملتك الهبة. وكذا تنعقد بقوله: آجرتك داري شهراً مجاناً. وداري لك سكني عمرى (بسكون الميم وفتح الراء) .
(1) الشافعية - قالوا: يشترط في المعير أن يكون أهلاً للتبرع ما اجتمع فيه أمور:
أحدها: أن يكون بالغاً، فلا تصح العارية من الصبي.
ثانيهما: أن يكون عاقلاً، فلا تصح من مجنون.
ثالثهما: أن يكون غير محجور عليه لسفه فلا تصح من محجور عليه، وهل يجوز لكل من الصبي والمحجور عليه أن يعير بنفسه كأن يخدم شخصاً في عمل من الأعمال مجاناً أو لا؟ الجواب أنه يجوز بشرطين:
الأول: أن لا يكون العمل الذي يعمله مجاناً لا يؤخذ عليه أجر في العادة. أما إذا كان يؤخذ عليه أجر فإنه لا يصح للصبي أو المحجور عليه أن يعير ليعمل ذلك العمل مجاناً.
الثاني: أن لا يكون ذلك العمل متعاقاً بصناعته التي يكسب بها عيشه. كما إذا كان صبي نجار فأعار نفسه لشخص مجاناً ليصلح له صنودقاً مجاناً. أو يصنع له (دولاباً) كذلك، أو كان صبي حداد فأعار نفسه لشخص مجاناً ليصلح له قفلاً أو كان خياط فأعار نفسه لشخص ليخيط له ثياباً وهكذا فإن هذه الإعارة لا تجوز.
ومن هنا يتضح انه إذا قال شخص لولد غيره. اعمل لي كذا فإن كان العمل مما لا يؤخذ عليه أجر في العادة كأن يكلف غلام بإحضار أمر من الأمور، فإنه يصح وإلا فلا.
وأما المحجور عليه لفلس فإنه يجوز له أن يعير نفسه بشرط أن لا يشغله العمل الذي يعمله له عن كسبه كما يصح أن يعير شيئاً من ملكه غير منقول كما إذا أعار جاره داراً يوماً.
رابعها: أن يكون المعير مالكاً للمنفعة التي يريد إعارتها ولا يشترط أن يكون مالكاً للعين لأن الإعارة إنما ترد على المنفعة دون العين.
فتصح إعارة المكتري والموصي له بالمنفعة والموقوف عليه بإذن الناظر لأنهم وإن كانوا لا يملكون العين إلا أنهم يملكون المنفعة وهي التي يباح للمستعير أن ينتفع بها.
أما الذي لا يملك العين ولا يملك كالمساعير فإنه لا تصح إعارته فمن استعار دابة غيره لا يصح أن يعيرها لغيره إلا بإذن مالكها كان كل منهما ضامناً فإن تلفت عند الثاني
(3/240)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كان عليه ضمانها إلا أنه يشترط لضمان الأول أن لا يسمى مستعيراً خاصاً فإن قال له: ائذن لي أن اعيرها فأذن أصبح مستعير بل هو وكيل وبرئ من الضمان.
هذه شروط المعير، أما المستعير فيشترط له أمران:
أحدهما: تعيينه فلا تصح الإعارة لمجهول فإذا فرش لمن يجلس عليه لم يكن عارية بل يكون مجرد إباحة وكذا إذا قال لزيد وعمرو: أعرت أحدكما فرسي ولم يعينه إن كان زيداً أو عمراً.
ثانيها: أن يكون المستعير مطلق التصرف فلا يصح أن يعير فرسه لصبي مجنون إلا إذا تعاقد على ذلك مع وليهما. وأما السفيه جواز فإن الراجح جواز قبوله الإعارة فلا تتوقف على قبول الولي.
وأما (المعار) فيشترط له أمور: أحدها الانتفاع به حالاً أو مالاً ومثال ما ينتفع به مالاً الجحش الصغير فإنه يصح إعارته إعارة مطلقة أو مقيدة بمدة يمكن الانتفاع به فيها أما ما لا يمكن الانتفاع به أصلاً كاحيوان المعقد المريض فإن إعارته. والمراد بالمنفعة ما يسيتفيده المستعير.
وهي قسمان: قسم منفعة محضة ليست بعين كسكنى الدار وركوب الدابة واستظلال بالمظلة ونحو ذلك، وقسم عين من العين المستعارة كلبن الشاة وثمر الشجر فإذا استعار شاة لآخذ لبنها أو نسلها أو شجرة لأخذ ثمرها فإن العارية تصح إن كان اللبن تؤخذ من الشاة المستعارة والثمر عيناً تؤخذ من الشجرة المستاعرة فتصح غعارة الشاة لآخذ لبنها أو نسلها وإعارة الشجر لأخذ ثمرها ونحو ذلك على المعتمد.
وبعضهم يقول: إن اللبن والنسل والثمر لم يستفيدها المستعير بطريق الإعارة وإنما استفادها بطريق إباحتها، وقد استعيرت الشاة والشجر للوصول إلى ما أبيح له وذلك كما اسيتعار شخص قناة في أرض غيره ليوصل منها ماءه إلى أرضه. فالماء المملوك له لا يمكنه الوصول إليه باستعارة القناة، فمنفعة القناة هي الإيصال إلى الاستفادة بالماء ولا فرق في ذلك بين أن تكون بلفظ العارية أو بلفظ الإباحة.
ثانيهما أن يكون المستعير مباحاً فلا تصح إعارة ما يحرم الانتفاع به كإعارة خادمة مشتهاة لمن لا يؤمن عليها إذا كانت الخدمة تتضمن خلوة أو نظراً محرماً فإذا كانت غير مشتهاة لصغر أو قبح منظر أو كانت الخدمة للأولاد الصغار ولا تختلط بها والدهم فإن العارية تصح.
ومن الأشياء التي يحرم الانتفاع بها آلات الهو المحرمة كالمزمار.
أما غير المحرمة كالطبل والشطرنج فإن إعارتها تجوز كما تجوز إجارتها.
ومنها: إعارة السلاح لحربي يستعين به قتال المسلمين فإنه يحرم.
ثالثها: أن ينتفع بالمستعار مع بقاء عينه أما إذا استهلكت العين فإن العارية لا تصح لعدم وجود
(3/241)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حقيقتها إذا العارية هي ما ينتفع مع بقائه ليرد لصاحبه وعلى هذا فلا تصح إعارة المطعومات لاستهلاكها بتناولها.
وأما الصيغة فيشترط فيها أن تكون لفظاً يشعر بالإذن في الانتفاع سواء كان اللفظ صادراً من المستعير. كأن يقول: اعرني كذا أو صادراً من المعير كقوله: اعرتك فلا بد من لفظ أحدهما.
أما الآخر فلا يشترط لفظه بل يكفي فعله كما لا يشترط الفور بل لو قال له: أعرتك دابتي ولم يرد عليه فوراً فإن الإعارة تصح ويقوم مقام اللفظ الصريح الكناية مع النية وكذا إشارة الأخرس المفهمة.
الحنفية - قالوا: يشترط للعارية شروط بعضها يتعلق بالمعير والمستعير فيشترط فيه أن يكون عاقلاً فلا تصح إعارة المجنون وأن يكون مميزاً فلا تصح إعارة الصبي الذي لا يعقل.
أما البلوغ فليس بشرط فتصح إعارة من الصبي المأذون بالتصرف ويعضهما يتعلق بالمعار فيشترط فيه أن يكون الانتفاع به ممكناً بدون استهلاكه. فإذا لم يكن الانتفاع به ممكناً أصلاً كالحيوان المريض فإنه لاتصح غعارته، وكذا إذا كان يمكن الانتفاع به مع الاستهلاكه كالمطعوم والشمع الذي لا ينتفع به بدون حرقه، وكذا يشترط في المعار أن يقبضه المستعير فإذا لم يقبضه لا تصح الإعارة.
وأما الشروط المتعلقة بالصيغة فقد تقدمت في بيان الركن قريباً.
المالكية - قالوا: يشترط للعارية شروط، بعضها يتعلق بالمعير: وبعضها يتعلق بالمستعير وبعضها يتعلق بالمستعار، فيشترط في المعير شروط منها أن يكون مالك المنفعة بسبب ملك الذات المنتفع بها أو استئجاره لها أو استعارته لها فلا يشترط فيه أن يكون مالكاً لذاتها بل الشرط ملك المنفعة سواء كان مالكاً للذات أو فيصح لمن استأجر داراً مثلاً ان يعير لغيره، وكذا من استعارها فإن له أن يعيرها بشرط أن لا يمنعه المالك المعير من الإعارة لغيرها صريحاً أو ضمناً والمنع الضمني: لولا أبوك أو أخوك ما أعرتك، لأن هذا يتضمن قصر الإعارة عليه فلا يصح أن يعيرها لغيره فإذا أعار شخص ما لا يملكه بسبب من الأسباب المذكورة كان فضولياً فلا تنعقد إعارته أصلاً لأنها بغير عوض بأخذه من المستعير ومثلها الهبة والوقف وسائر ما يخرجه الفضولي بغير عوض.
أما ما يخرجه بعوض كما إذا باع شخص ملك غيره بدون إذنه فإن البيع ينعقد موقوفاً على إجازة المالك فإذا أجاز البيع نفذ.
ومنها أن لا يكون المعير محجوزاً عليه لصغر أو سفه فلا تصح إعارة الصبي والسفيه والرقيق ولو كان مأذوناً له في التجارة لأنه مأذون له في التصرف بعوض لا أن يعير بدون عوض. نعم يصح له أن يعير ما به اسئلاف الناس منه تجارته (الزباين) .
ومنها: أن لا يكون المعير مالك الانتفاع فقط وهو من ملك أن ينتفع دون غيره.
والفرق بينه وبين المنفعة أن مالك المنفعة جعل الشارع له الانتفاع بنفسه كما جعل له أن يتنازل عن الانتفاع لغيره كالمالك والمستأجر والمستعير فلكل منهم أن يؤاجر وأن يهب وأن يعير، كما
(3/242)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
له أن ينتفع بنفسه أما مالك الانتفاع فقد قصره الشارع على ان ينتفع بنفسه فقط وذلك مثل الأماكن الموقوفة على المجاورين وأبناء السبيل ونحوهم فإنها إذا استحق السكنى فيها شخص بعنوان كونه مجاوراً مثلاً فإنه لا يملك منها إلا حق الانتفاع فقط فلا يصح ان يعيرها لغيره أو يهبها أو غيره ذلك. نعم يجوز له أن يتنازل عن حقه في الانتفاع بها مجاناً وفي مقابلة دارهم مدة معينة أو دائماً.
وهنا مسألة يعبرون عنها بملك الخلو وهي من قبيل ملك المنفعة. والخلو (هو اسم لما يملكه دافع الجنيهات من المنفعة التي وقعت الجنيهات من مقابلتها) توضيح ذلك ان توجد دار خربه موقوفة على جهة أو أرض فضاء لا بناء عليها موقوفة كذلك وليس للوقف ريع يعمر به فيدفع شخص مبلغاً لجهة الوقف لبناء الذي أنفق عليه ماله، وهذه المنفعة تسمى بالخلو فإذا كانت أجرة الوقف بعد بنائه تساوي عشرة فاتفق الباني على ان يدفع منها ثلاثة حكراً والسبعة الباقية في مقابلة ما أنفق على البناء فإنه يصح ويصير المبلغ الذي أنفقه على البناء مالكاً بذلك المكان فيجوز له ان يعيرها لغيره وأن يهبها له وتورث عنه إذا مات إلى غير ذلك.
وكذلك الخلو المعروف بمصر الان وهو أن يستأجر شخص دكاناً مثلاً بأجرة شهرية ثم يريد إخلاءها لغيره على أن يأخذ منه مبلغاً في نظير الإخلاء فإنه جائز عملاً بعرف الناس ويكون من قبيل ملك المنفعة.
واما المستعير فيشترط فيه ان يكون أهلاً للتبرع عليه بالمستعار فلا يصح أن يعطي الإنسان غعارة لمن ليس أهلاً لها كإعارة المصحف لكافر لأنه لا يصح التبرع عليه به.
وأما المعار فيشترط فيه أن يكون عيناً ذات منفعة، وأن يكون استعمالها مباحاً وإن لم يكن بيعها مباحاً ككلب الصيد وجلد الأضحية فإنه يجوز استعمالها لا بيعها فتصح إعارتهما بناء على ذلك.
زكذا لا تصح إعارة جارية لمن لا يؤمن عليها، وإعطاء مالاً لا يمكن استعماله إلا باستهلاك عينه كالطعام والنقود لا يسمى عارية بل هو قرض وإن وقع بلفظ العارية لأن المقصود من العارية الانتفاع بها مع ردها لصاحبها.
وأما الصيغة فهي كل ما دل على تمليك المنفعة بدون عوض سواء كانت بلفظ كأعرابي وأعرتك أو نعم جواباً لأعرابي أو كانت بإشارة أو غير ذلك.
الحنابلة - قالوا: يشترط في العين المستعارة أن تكون مما ينتفع به مع بقاء عينه كالدور والثاب والدواب ونحوها فلا تصح غعارة ما لا ينتفع به إلا إذا استهلمكت ذاته كالأطعمة والأشربة ونحوها كن إن اعطاها أحد لآخر بلفظ إعارة كان محتملاً لإباحة الانتفاع بها على وجه إتلافها واستهلاكها.
ويشترط في المعير أن يكون اهلاً لأن يتبرع لغيره فلا تصح إعارة المحجور عليه ولا ناظر الوقف ولا ولي يتيم من مال اليتيم.
(3/243)

أقسام العارية وما يتعلق بها من الأحكام
-تنقسم العارية إلى أقسام وتتعلق بها أحكام مفصلة في المذاهب (1) .
__________
ويشترط في المستعير أن يكون اهلاً لقبول الاستعارة فلا تصح غعارة المصحف للكافر لأنه ليس أهلاً لقبوله.
أما الصيغة فلا يشترط فيها أن تكون بلفظ يكفي كل ما دل على الرضا من قول أو فعل لأنها إباحة لا عقد فإذا قال له: أبحتك بكذا كان ذلك عارية كما إذا قال له: أعرتك أو قال: أعرتني فأعطاه أو نحو ذلك.
ومثل ذلك ما إذا دفع إليه الدابة ليركلها عند تعبه فأخذها بدون قول ذلك عارية) .

(1) (الحنفية - قالوا: تنقسم العارية إلى أربعة أقسام:
أحدها: أن تكون مطلقة في الوقت والانتفاع كما إذا قال له: أعرتك داري أو دابتي أن يفيده بزمن أو يبين كيفية الانتفاع.
حكم هذا القسم أن للمستعير الحق في أن ينتفع بالعارية بدون شرط ولا قيد.
وثانيها: ان تكون مقيدة بالوقت والانتفاع كما إذا قال له: أعرتك داري شهراً لتخزن فيها متاعك، وفي هذه الحالة لا يجوز للمستعير أن ينتفع بها أكثر من شهر ولا ينتفع بها بغير خزن متاعه وله أن يستعملها فيما هو أحسن مما أبيح له كما إذا أباح خزن الحديد والأحجار فاستعملها في خزن القماش.
ثالثها: أن تكون مقيدة بالوقت مطلقة كما إذا قال له: اعرتك دابتي ثلاثة أيام ولم يبين له كيف يستعملها.
رابعها: ان تكون مقيدة بالانتفاع مطلقة في الوقت. وفي الحالتين لا يجوز له أن يتعدى ما أمره به صاحبها.
وعلى أي حال فهي غير لازمة فلصاحبها أن يستردها متى شاء إلا إذا ترتب على استردادها ضرر بالمستعير؛ فإن العارية في هذه الحالة تبطل وتبقى العين المستعارة بيد المستعير بأجر المثل مثال ذلك أن يعيره حائطه ليضيع عليه خشب سقفه، فإذا فعل وبنى فليس لصاحب الحائط أن يستردها في هذه الحالة لما يترتب على ذلك من هدم السقف الضار بالمستعير فتبقى الحائط بأجر مثلها إن كان مثلها له أجرة.
ومثل ذلك ما إذا أعاره فرساً ليسافر بها إلى جهة وسافر معه فليس له أن يستردها في مكان لا يقدر فيه المستعير على الركوب بالأجرة او بالشراء فتبقى مع المستعير بأجر المثل.
(3/244)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومثل ذلك ما إذا أعاره أرضاً ليزرعها فليس له أن يستردها حتى يحصد زرعه ولصاحبها أجر المثل. وإذا أعار حائط منزله فوضع عليها السقف ثم باع المنزل فللمشتري أن يسترد الحائط ويرفع اليقف إلا إذا شرط ابائع عليه عدم استردادها وقت البيع فيعمل بالشرط.
ومثل المشتري الوارث - إلا أن الوارث له استرداد العارية على أي حال -
فإذا استعار شخص حائطاً، ووضع عليها خشب سقفه وبنى، ثم مات المعير فإن للوارث استرجاع الحائط على أي حال حتى ولو كان المستعير من ضمن الورثة إلا قسمت التركة وقعت تلك الحائط في نصيب المستعير.
وإذا استعار أرضاً ليقيم عليها بناء أو يغرس فيها شجراً فإنه يصح وللمالك أن يسترد أرضه متى شاء لما تقرر من أن العارية غير لازمة، ثم إن كانت العارية مؤقتة بوقت ورجع المالك قبل حلول الوقت فإن له تكليف المستعير إزالة البناء وقلع الشجر على أن يضمن المالك ما نقص من قيمة البناء والشجر بأن يقوم الشجر وهو مغروس إلى المدة المضروبة للعارية، فإن كان يساوي وقت استردادها أربعة ويساوي وقت انتهاء أجل العارية عشرة كطان المالك أن يدفع الستة التي نقصت، أما إذا رجع المالك بعد حلول الوقت المالك يسترد أرضه من غير أنن يضمن شيئاً فعلى المستعير أن يقلع غرسه ويزيل بناءه إلا إذا كان ذلك يضر بالأرض، فإذا كان المستعير قد زرع أشجاراً للفاكهة ومضت مدة الاستعارة، واسترد المالك أرضه، وكان قلع الشجر يضر بالأرض، فإن المستعير يكلف بترك الأشجار قائمة على الأرض بدون قلع، وله الحق في أخذ قيمتها بحيث لو فرض وقلعت في ذلك الوقت وبيعت احتساباً كانت قيمنتها هي التي يستحقها المستعير ملكاً لصاحب الأرض، ومثل ذلك ما لو بنى على الأرض ومضت مدة العارية وكان الهدم يضر بالأرض فإن المستعير يكلف ترك البناء قائماً بون هدم وله الحق في أخذ قيمته أنقاضاً ويكون ملكاً لصاحب الأرض، وإذا كانت العارية مطلقاً واسترد المالك أرضه، فإن المستعير يخبر في هذه الحالة بين أن قيمة الشجر أو البناء قائمين ويصيران ملكاً لصاحب الأرض بعد أن يدفع قيمتها، وبين أن يقلعها ويأخذهما خشباً وأنقاضاً إلا إذا كان القلع يضر بالأرض، فإن الخيار في هذه الحالة يكون للمالك، فله أن يكلف
المستعير بإزالة ما أحدثه على الأرض من شجر وبناء شيئاً ويحتمل ما لحق أرضه من ضرر، وله أن يستبقي الشجر والبناء ويدفع للمستعير بنسبة ما إذا كانا للمستعير ما إذا كان مقلوعين لا قائمين.
وإذا أعاره ليزرعها لا يصح له أن يستردها قبل حصاد الزرع سواء كانت العارية مؤقتة أو لا؛ ولكن للمالك الحق التي أنفقها المستعير إذا كان الزرع لم ينبت لأن بيع الزرع قبل نباته؛ أما بعد نباته فإنه يجوز على المختار فإذا لم يرض المستعير بأن يدفع أجر المثل وأبى القلع يضمن له صاحب الأرض ما انفقه فقيل ذلك وقيل لا.
الحنابلة - قالوا: تنقسم العارية إلى مطلقة ومؤقتة بوقت أو عمل وهي غير لازمة على حال،
(3/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فللمستعير أن يرد عاريته متى شاء لأن المنافع لم تحصل في يد المستعير دفعة واحدة. حتى يملكها بل هي تستوفي شيئاً فشيئاً؛ فما يستوفيه منها فقد وما لم يستوفيه لم يقبضه؛ فيصح لصاحبه الرجوع فيه كالهبة قبل القبض إلا إذا ترتب على ردها ضرر المستعير؛ كما إذا أعار إذا أعار سفيه لحمل متاعه فليس له أن يستردها في وسط البحر لا يتمكن من غيرها؛ وإنما له استرداد بعد أن ترسو على الشاطئ.
وكذا إذا أعار حائطاً ليضع عليها خشب سقفه فليس لضاحبها مرجوع إذا وضع سقفه وبنى لأن استردادها يترتب عليه الإضرار بالمستعير فإذا سقط السقف من تلقاء نفسه فليس له حق إعادته على الحائط ثاياً إلا بإذن صاحبها أو عند الضرورة بحيث لا يجد وسيلة للسقف إى بإنكار على هذا الحاشئط؛ فإن الإعارة في هذه الحالة تكون لازمة. وكذا إذا أعار أرضاً ليزرعها فليس له الرجوع قبل الحصاد.
وإذا أراد أن يدفع قيمة الزرع ليملكه ويسترد عاريته فإنه لا يجاب إى ذلك إلا إذا رضي المستعير. نعم له أن يأخذ أجرة مثل الأرض إذا كان الزرع يمكن حصاده وقت طلب العارية من حين رجوعه إلى حين الحصاد وليس له أن يأخذ أجراً فيما عدا ذلك من الأمثلة التي ذكرت قبل كأجرة على سفينة أو حائط أو نحوهما.
وإذا أعار أرضاً ليغرس أو بيني فيما حجرة. فإن في ذلك تفصيلاً وهو إما أن يشترط صاحب الأرض على المستعير أن يقلع شجره أو يهدم بناءه في وقت كذا أو متى رجع المالك عن إعارته أو لا يشترط فإن عومل المستعير بهذا الشرط ولصاحب الأرض أن يطالبه بإزالة الشجر وهدم البناء في الوقت المعين أو عند رجوعه حسبما شرط بدون حق للمستعير في المطالبة بما ينقصه شجره بعد القطع أو بناه بعد الهدم لأن المؤمنين عند شروطهم. ويلزم المستعير أن يسوّي الأرض إذا حصل فيها حفرة بقلع الشجر أو هدم البناء إلا إذا شرطه عليه صاحبها قبل أن يعيرها إياه.
أما إذا أعاره الأرض بدون أن يشترط عليه شيئاً فزرع فيها شجراً أو بنى فيها بناءً ثم طلبها فإن المستعير لا يلزم بالقلع ولا بالهدم إلا ضمن له المستعير ما ينقص من قيمة بنائه وشجرة فإذا ضمن البناء أو الشجر فإن المستعير عليه. وأجرة القلع أو الهدم تكون على المستعير ولصاحب الأرض أن يأخذ الشجر أو البناء بقيمته ولو لم يرض المستعير. وليس للمستعير بقيمتها بدون رضا صاحبها متى رضي صاحبها بدفع النقص أو الشراء وإذا أبى صاحب الأرض أن يدفع بيع الأرض النقص أو يأخذ الشجر أو البناء فإنه لا يجبر على ذلك ولكن للمستعير في هذه الحالة أن يطلب بيع الأرض الأرض له ويجبر المعير على البيع دفعاً للنزاع لأنه أبى قبول الزرع أو البناء بقيمته فعليه أن يبيع الأرض بقيمتها فإذا لم يرض المستعير ولم يرض بالشراء ولم يرض المالك النقص يترك الشجر والبناء قائمين يتفقا.
المالكية - قالوا: تنقسم العارية إى ثلاثة أقسام:
الأول: العارية المقيدة بالزمن كأن يقول له: اعرتك هذه الدار شهراً أو سنة أو نحو ذلك.
الثاني: العارية المقيدة بالعمل كأن يقول له: اعرتك ثوري لتطحن عليه إرباً أو لتحرث به فداناً
(3/246)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أو اعرتك جملي لنتقل عليه جرنك أو نحو ذلك فإن العارية في هذه الأمثلة مقيدة بالعمل الذي استعيرت من أجله.
الثالث: العارية المطلقة وهي ما لا تقيد بزمان أو عمل كان يقول له: اعرتك هذه الأرض أو هذه الدابة أو الدار أو هذا الثوب.
وحكم المقيدة بقسمتها اللزوم إلى انتهاء القيد فليس لصاحبها الحق في استرجاعها قبل فراغ الأجل ونهاية العمل فلا يصح له ان بعيره ثوراً ليحرث له فداناً ثم يأخذ منه قبل نهاية حرث الفدان وهكذا.
وحكم المطلقة أن لصاحبها الحق في ردها متى شاء الراجح ما لم يترتب على ردها ضرر بالمستعير فإذا أعار أرضاً مطلقة فله استراجاعها قبل أن يشغلها المستعير بالزرع متى أرد ولو بعد مضي الزمن الذي جرت العادة به مثل ذلك العادة يعمل بها كالشرط. وذلك هو الراجح.
أما التعويض فهو قيمة ما بنى به من مواد وأجرة عمال إن كانت المواد مملومة له أما إن كان قد اشتراها بغبن فاحش أما إذا اشتراها بغبن فاحش فلا يلزم صاحب الأرض إلا يالقيمة. وكذلك يدفع النقات نفسها إن كان جديداً لم يستعمل ولم تتغير حاله أما إذا مضى عليه زمن كويل فإنه يلزم بدفع قيمته وقت استرداده.
فإذا كانت استعارة الأرض مقيدة بزمن أو لم تكن مقيدة بزمن مضى المعتاد بالنسبة لها فإن صاحب الأرض بالخيار بين أن يأمر بهدم البناء وقلع الشجر وتسوية الأرض كما كانت وبين أن يدفع قيمته انقاضاً بعد إسقاط أجرة من يهدم ويستوي الأرض إذا كان المستعير لا يتولى ذلك بنفسه، فإذا تولى المستعير ذلك بنفسه لا تحسب عليه أجرة الهدم.
الشافعية - قالوا: العارية تنقسم قسمين: مطلقة، مؤقتة بوقت معين وهي عقد جائز من الطرفين فيجوز للمستعير أن يرد العارية كما يجوز لصاحبها أن يطلبها متى أراد إلا في أمور فإنها تكون لازمة.
منها: ان يعيره سفينة لينقل عليها متاعه من شاطئ إلى شاطئ فإنه لا يجوز له ان يستردها في وسط البحر والمتاع موجود فيها، وإنما له أن يستردها قبل أن تقوم ولصاحبها في هذه الحالة أجرة المثل من وقت طلب ردها إلى أن تصل إلى الشاطئ.
ومنها: ما إذا أعاره سترة يضعها أمامه في الصلاة فإنه لا يجوز أن يستردها حتى تنتهي الصلاة.
ومنها: ما إذا أعاره أرضاً لزرعها فإنه لا يجوز له أن يسترد العارية قبل الزرع حصاده.
وإذا أعاره أرضاً للبناء عليها أو لغرس الشجر فإن ذلك يكون على وجهين:
الأول: أن يعيره الأرض للغرس عليها أو البناء بشرط أن بقلع ما غرسه أو يهدم ما بناه عندما
(3/247)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يطلب منه العارية. وفي هذه الحالة يلزم المستعير أن يقوم بالشرط أيضاً وإلا فلا، فإذا امتنع المستعير عن قلعه فللمعير أن يقلعه، وإذا احتاج القلع إلى نفقه صرفها بإذن القاضي فإن لم يجد صرفها بية الرجوع وأشهد على الصرف.
الوجه الثاني: أن يعيره الأرض ليبني عليها أو يغرس فيها بدون أن يشترط عليه القلع او الهدم عند استرجاع العارية. وفي هذه الحالة إن أجابه المستعير وقلع غرسه وهدم بناءه باختبار فذاك، وعليه في هذه الحالة تسوية الأرض وإن لم يشترطها عليه صاحبها لأنه فعل باختياره. وإن امتنع من القلع أو الهدم فلا يجبر عليه وخبر بين ثلاث خصال:
أحدهما: ان يشتري ما بناه المستعير أو رغسه بقيمته بعقد مستقل مشتمل على إيجاب وقبول وبذلك يكون البناء أو الشجر ملكاً لصاحب الأرض.
ثانيهما: أن يقلع الشجر أو يزيل البناء. وبشرط أن يدفع ما ينقصه ثمنه عند بيعه أنقاصاً أو خشباً مقلوعاً فإذا كان يساوي ثمن البناء او الشجر قائماً عشرة وإذا قطع أو هدم بيع ثلاثة كان صاحب الأرض ملزماً بدفع سبعة وأجرة القطع والهدم على المستعير. أما أجرة نقل النقاض فهي على المالك قطعاً.
ثالثهما: أن يبقى الشجر قائماً بأجرة على أن تكون الإجارة مؤيدة لجهالة المدة، فإذا اختار الأجر، كان للمستعير الحق في أن يقلع الشجرة ويغرس بدلها في محلها، وسواء من جنسها أو من غير جنسها.
وإن كان مستأجراً لجميع الأرض فإنه يصح له أن يؤجرها ما بين المغروس. ولا بد من عقد إجارة مستقل على المعتمد فإن لم يتعاقدا قدرت أجرة المثل.
فإن امتنع المالك عن أن يختار واحداً من هذه الثلاث وامتنع المستعير عن أن يقلع باختباره تركا حتى يختار واحد منهما ما له الخيار فيه ويبقى قائماً حتى تنتهي، ولكل منهما أن يدخل لملاحظة ما يخصه بشرط أن لا يترتب على دخوله ضرر وليس لصاحب الأرض حق في الأجرة مدة التوقف على الأوجه.
ويشترط لتخيير المالك بين هذه الخصال ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون في قلع الشجر أو هدم البناء نقص في قيمتها، فإن لم يكن تعيين القلع أو الهدم بلا نزاع فإنه لا ضرر على المستعير حينئذ، وللمالك الحق في الاسيلاء على ملكه لا ضرر.
الثاني: أن لا يكون المستعير شريكاً تعيين بقاء الشجر أو البناء باجرة المثل فليس له القلع مع دفع نقص الثمن لأن معنى الأرض، وليس للمالك حق شرائها بدون رضا مالكها.
الثالث: أن لا يكون ذلك قلع الشجر المملوك لغيرك أو المفروض أنه شريك في كل أجزاء الشجر فيه ثمر قد صلاحه، وفي هذه الحالة يجب انتظار المالك حتى يجنى ثمره ثم يكون له بعد ذلك الخيار.
(3/248)

مبحث ما تضمن به العارية وما لاتضمن
-المستعير أمين في نظر الشريعة الإسلامية، لأن العارية التعاون الموجب للتواد ولا معنى لهذا إلا أن يكون كل واحد منهم ذا غيره على مال أخيه، خصوصاً المستعير فإنه ينبغي له أن يبالغ في المحافظة على العارية التي بذلها له أخوه لمجرد المعونة تقديراً لفضله واعترفاً بما له من جميل إذ لا يليق به أن ينسى منه مالك العارية وسماحته فيستهين بماله ويخونه فيما أباحه له من منفعة فيؤديه بذلك، ومن يفعل ذلك يكون ذئباً ضارياً لا يصح أن يكون فرداً من أفراد النوع الانساني الذي لا بد من التعاون والتواد.
من أجل ذلك كان الشأن في المستعير المانة والحرص على العارية فإذا أصابها تلف أو هلاك فإن المستعير لا يكون مسؤولاً عنها يكون بمنزلة صاحبها.
أما إذا خرج عن طبيعته واستهان بها فهلكت أو تلفت كان مسؤولاً عنها، وذلك في أمور مفصلة في المذاهب (1) .
__________
وإذا وقف صاحب الأرض أرضه كان الناظر مخيراً بين هذه الخصال المذكورة بشرط أن لا يختار دفع الثمن إلا إذا كان دفع الثمن إلا إذا كان فيه مصلحة للوقف أما إذا وقف المستعير بناءه أو شجره فإن للمالك الخيار أيضاً، ولا يملكه بالقيمة، فإن الوقف لا يملك نعم شراؤه إذا تبرع به للجهة اللموقوف عليها، ولكل من المعير والمستعير أن يبيع ماله كغيره مما يملك) .

(1) (الحنفية - قالوا: لا تضمن العارية من غير تعد، فإذا أعار شخص دابته لآخر فلم يرهقها ولم يفرط في حفظها ولم يتعد عليها، فماتت فإنها تضيع على صاحبها ولا يلزم المستعير بدفع شيء؛ وإذا أعاره الدابة وشرط عليه ضملنها كان الشرط باطلاً لا يعمل به وإنما تضمن العارية ويلزم بها المستعير في أمور: منها أن تكون مستحقة للغير.
فإذا استولى شخص على دابة مملومة لغيره، ثم أعارها فهلكت عند المستعير كان المستعير ملزماً بها لأن صاحبها الأصلي لم يعره فعليه ان يدفع قيمتها، ولا رجوع له علىالمعير متبرع لم يأخذ شيئاً ولصاحب الدابة أن يلزم لها المعير ولا رجوع على المستعير.
ومنها: أن يؤجرها المستعير أو يرهنها، فإذا أعاره دابة ليقطع مسافة فأجرها المستعير فهلكت عند المستأجر فإن المستعير يلزم بها المستأجر على المعير إذا كان لا يعلم أنها عارية؛ أما إذا كان يعلم ما يدفعه يضيع؛
وكذا رهن الدابة فهلكت في يد المرتهن فإن للمعير أن يلزم بها المستعير
ويلزم بها المرتهن فإذا دفع قيمتها المرتهن ضاعت عليه ولا يرجع على المستعير بشيء سوى دينه الأول الذي من أجله ارتهن الدابة.
(3/249)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن يعير العارية بدون إذن صاحبها إذا كانت من الأشياء التي تختلف باختلاف المستعمل؛ فإذا أعاره دابة ليركبها فليس له أن يعيرها لغيره بدون إذن صاحبها؛ لأن الدابة يختلف حالها باختلاف مستعملها؛ فإن قد يركبها رجل سمين لا تقولاى على حمله؛ ورجل نحيف لا يرهقها السير. وقد يستعملها بعض الأفارد برفق، وبعضهم بقسوة وعنف؛ إلى غير ذلك. فإذا أعار شخص دابته لمن يظن فيه الرفق وحسن الاستعمال؛ فلا يجوز له ان يعيرها لغيره إلا بإذن صاحبها. ومثل الدابة الثوب؛ فإن استعماله يختلف المستعمل، فإذا أعارها لشخص آخر وهلكت كان المستعمر الأول ضامناً أما إذا أذنه صاحبها بإعارتها صراحة قال أعرني
هذه الدابة على أن أركبها وأركب من أشاء أو اعرني هذا الثوب لألبسه أنا وأعيره لغيري هذه الدابة على أن أركبها وأركب من أشاء أو أعني الثوب لألبسه لغيري كما أشاء فإنه في هذه الحالة يجوز له إعارتها وإذا هلكت لا يضمن ومن استعار دابة ونحوها على ان يركبها هو أو يركبها من يشاء بهذا الإطلاق ثم ركبها هو أول مرة فإنه لا يصح له أن يعطيها لغيره ليركبها بعد ذلك وكذا إذا اعطاها لغيره فركبها مرة ثانية فإنه لا يصح أن يستعملها هو فأي الأمرين فعل يعين ابتداء فلا يجوز له العدول عنه إلى غيره.
ومثل ذلك ما إذا استعار ليحمل عليها متاعاً أو ليركبها فإنه متى شاء فعل أحد المرين مرة تعين فلا يجوز العدول عنه إلى الأمر الثاني.
هذا كله إذا كانت العارية تختلف باختلاف المستعمل كما بينا، أما إذا كانت لا تختلف كما إذا أعاره آلة (ميكانيكية) ليحرث بها أرضه، فأعار لجاره مع تساوي الأرضين وضروف العمل من كل وجه لا يضمن.
وإذا قيد المعيرلا يوقت خاص فاستعملها في غير ما قيده فهلكت، فغن كانت مخالفة إلى شر فإنه يضمن وإلا فلا، مثلاً إذا استعارها ليحمل عليها كيساً من الملح، فحمل عليها كيساً من الشعير فماتت فإنه لا يضمن لأن المعلوم أن الشعير أخف من الملح وأهون على الدابة، وكذلك لا يضمن إذا حمل كيساً يساوي وزنه كيس الملح من أي نوع من الأنواع، أما إذا حمل عليها كمية من الحديد يزيد وزنها عن كيس الملح فإنه يضمن.
ومنها: أن تكون العارية مؤقتة بوقت فيمضي وقتها ولا يردها المستعير فتموت وهي تحت يد المستعير فإنه يضمنها وليس له أن يقول إن ربها تركها لأن نفقة الرد على المستعير فيجب عليه ردها عند نهاية الوقت وإلا ضمن بخلاف ما إذا استعار سلعة ليرهنها فإن نفة ردها على صاحبها أن يرجع على المستعير وذلك لأن صاحبها ينتفع برهنها لأنها تصير مضمونة ثم يمسكها المستعير بعد ذلك ثم يردها المستعير يالقيمة ومنها: أن تكون العارية مؤقتة ثم يمسكها المستعير بعد ذلك ثم يردها إلى صاحبها مع آخر فتموت أو تتلف فإن المستعير يضمنها، لأنه تعدى بإمساكها بعد المدة فعليه الضمان، أنا إذا أرسلها قبل مضي المدة فإنه لا يضمن، وذلك لأنه قبل مضي المدة فعليه الضمان، أما إذا أرسلها قبل المدة فإنه لا يضمن، وذلك لأنه قبل المدة يكون باقياً على وصف المستعير يصح له أن يودع على المختار، فإذا أعطاها لأجنبي كانت وديعة عند ذلك
(3/250)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الأجنبي وذلك حق من حقوق المستعير، فإذا هلكت لا يضمن أما بعد مضي المدة فإن المستعير يكون وديعاً وليس للوديع غيره فإذا أعطاها لغيره فهلكت ضمن.
ومن هذا تعلم أنه إذا أرسلها قبل مضي المدة مع الغير فإنه لا يضمن سواء كان ذلك الغير أجنبياً أو خادماً أو غيرهما لأن المستعير له أن يعير في بعض الأحوال فكذلك له الإيداع في باب أولى.
أما بعد انقضاء المدة فإنه يضمن على أي حال سواء أرسلها مع أجنبي أو مع أجيره أو خادمه.
ومنها: أن يستعير قلادة من ذهب ثم يلبسها الصبي لا يحفظ لباسه لعدم تمييزه فإذا سرقت ضمنها لأنه بذلك يكون مفرطاً.
ومنها: أن يضع العارية بين يديه ثم ينام مضطجعاً فتضيع فإنه لتقصيره في حفظها.
أما إذا أخذه النوم وهو جالس فضاعت فإنه لا يضمن لعدم تعمد التفريط في هذه الحالة.
واعلم أن كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى صاحبها فإنه يقبل قوله بيمينه كالوديع إذ ادعى رد الوديعة والمستعير إذا دعى رد العارية وغيرهما.
المالكية - قالوا: العارية إما أن تكون من الأشياء التي يمكن إخفاؤها كالثياب والحلي ونحوهما مما يمكن وضعه في صندوق أو (دولاب) أو نحو ذلك وتسمى (مما لا يغاب عليه) أس مما يمكن إخفاؤه.
وإما أن تكون من الأشياء التي لا يمكن إخفاؤها كالعقار والحيوان ولو صغيراً كاطير فإن هذه الأشياء لا يخفيها الناس (مما لا يغاب عليه) أي وستره عن العين في العادة.
فإن كانت من الأشياء الت يمكن إخفاؤها فإن المستعير يضمنها إذا تلفت أو هلكت إلا قامت البينة على أنها تلفت بغير سببه وأنه ما قصر في حفظها فإذا لم تشهد البينة له بذلك فإنه يلزم بضمان ما ضاع بسرقة أو حرق أو كسر وغيره. أما ما فسد فساداً فإنه يلزم بقيمة النقص الذي وإن كان الفساد كثيراً ضمن الكل.
وإذا شرط المستعير نفي الضمان عن نفسه فهل يصح شرطه أو لا؟ خلاف: والأرجح أن شرطه لا يقبل، عليه ضمان ما ضاع أو فسد ولو شرط براءته من الضمان ابتداء، فيغرم المستعير قيمة العارية يوم ضياعها إن كان ذلك اليوم معروفاً للشهود. فإذا شهد الشهود انهم رأوها عنده منذ خمسة أيام، وكانت تساوي في ذلك التاريخ عشرة يلزم بالعشرة، أما إذا لم يرها أحد ولم يعلم تاريخ فقدها فإنه يلزم بقيمتها يوم إعارتها فإن كانت تساوي يوم إعارتها عشرة وتساوي وقت ادعاء ثمانية يلزم المستعير يالعشرة، وإن كانت وقت إعارتها تساوي عشرة ووقت ادعاء ضياعها تساوي ثمانية يلزم بالأكثر فيغرم العشرة. على أنه إنما يدفع قيمتها كاملة إذا لم يكن استعماله إياها في مدة الاستعارة بما هو
(3/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مأذون فيه غير منقص لقيمتها، أما إذا كان منقصاً لقيمتها بعد إسقاط ذلك النقص لأنه مرخص له فيه فأصبح حقاً من حقوقه.
أما إذا كانت العارية من الأشياء التي لا يمكن غخفاؤها فإن المستعير لا يضمنها وإذا شرط عليه المعير الضمان. ويكون شرطه لغواً لا قيمة له ولكن يكون عليه الضمان إذا استعملها المأذون له فيه من صاحبها أو أقل منه مساوياً له، فإذا أعاره دابة ليحمل عليها أردباً من البر مصر إلى القناطر الخيرية مثلاً فحمل عليها ذلك الإردَبّ بعينه فعطبت فإنه لا يضمن، وكذا إذا حمل عليها إردَبّاً مثله في الثقل كإردَبّ من العدس ومن باب أولى وإذا حمل إردَبّاً أخف منه كإردَبّ من الشعير فإنه في هذه الأحوال لا يضمن.
أما إذا حمل ما هو أثقل من المباح له كأن حمل حجارة أو ملحاً بدل الحنطة فعطبت به فإنه يضمن.
ومثل ذلك ما إذا اكترى دابة لحمل أو ركوب فأكراها لغيره فإن مثل ما اكتراها له فعطبت فإنه لا يضمن، وإن في أثقل فإنه يضمن.
الشافعية - قالوا: لا يضمن المستعير العارية إذا تلفت كلها أو بعضها إلا بعضها إلا إذا استعملها استعمالاً غير مأذون فيه فإذا أعاره دابة فحجمل عليها متاعه وأزعجها بالسير فانطلقت تعدو حتى وقعت في حقفرة فماتت فإنه يضمنها لأن موتها تسبب عن استعمال غير مأذون فيه.
أما إذا ماتت حال الاستعمال المأذون فيه كما إذا حمل عليها القدر الذي أذن له فيه صاحبها أو أقل منه أو مساوياً ولم يزعجها بالضرب ونحوه ولكنها عطبت بسبب ذلك القدر المأذون فهلكت فإنه لا يضمن.
أما إذا هلكت بسبب آخر المأذون باستعماله فإنه يضمن.
كما إذا استعار لاستعماله في ساقيه الثور في الساقية فإنه يضمنه مات بسبب غير الاستعمال فإنه يضمنه لأنه مات بسبب غير الاستعمال المأذوم فيه.
وإذا أعاره ثوباً فذاب من الاستعمال فإنه لا يضمنه.
أما إذا نام به فبلي فإنه يضمنه لأنه لم يأذنه يالنوم فيه.
وإذا اختلفا في كون التلف من الاستعمال المأذون فيه أو لاصدق المستعير بيمينه على المعتمد لأن الأصل براءة ذمته.
ولا يشترط في الضمان أن تكون العارية في يد المستعير بل يضمن ولو كانت في يد صاحبها.
مثال ذلك أن يطلب شخص من آخر أن يحمل متاعه على دابته وهو سائر وليس عليها شيء فيجيبه إلى طلبه ويسيراً معاً. وبذلك تكون الدابة عارية لصاحب المتاع فإذا أزعجها بالسير فعطبت وماتت ضمنها المستعير. أما إذا ماتت بثقل الحمل فإنه لا يضمن.
(3/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا استعار عارية بشرط عدم الضمان يفسد العقد على النعتند.
والضمان بالقيمة لا بالمثل وإن كانت العارية من المثليلت كالخشب والحجر. وبعضهم يقول بل الضمان بالمثل في المثليات. ولكن إليه وقت تلفه حتى لا يكلفه يدفع ما أذهبه بالاستعمال المأذون له فيه في الماضي.
وإذا اكترى شخص دابة من آخر ثم أعارها لغيره فهلكت في يد المستعير فإنه لا يضمن لأنه أعار المنفعة التي يستحقها والرقبة غير مملوكة له.
الحنابلة - قالوا: العارية متى قبضها المستعير في ضمانا كان الشرط فاسداً لا يعمل به.
ويستثنى من ضمان العارية كتب العلم الموقوفة.
فمن استعار كتاباً موقوفاً وتلف بغير تعد ولا تفريط لم يكن ملزماً به لأن المستعير أحد الموقوف عليهم طبعاً. فتلف الكتاب في يده بلا تعد ولا تفريط يرفع عنه الضمان.
وبخلاف ما إذا كان الكتاب مملوكاً أو موقوفاً على معين فإذا تلف عنده ضمنه.
وإذا تلفت العارية بالاستعمال أو بطول الزمن فإنه لا يضمنها لأن الأذن في الاستعمال الائق بالشيء إذن باستهلاكه.
ولا يشترط في العارية تعيين نوع الانتفاع فإذا أعاره عارية مطلقة فله أن يستعملها بما جرت به العادة والعرف.
وإذا استعمله في غير ما جرى به العرف كما إذا أعاره ثوباً فاستعمله في الاستظلال به من الشمس فإنه يضمن ما نقص من قيمته بسبب ذلك الاستعمال.
وليس للمستعير أن يعير غيره أو يؤجر إلا بإذن مالك العارية فإذا فعل وتلفت العارية عند الثاني كان لصاحبها أن يلزم بها من شاء منهما. ولكن الرجوع على الثاني.
وإذا أجر المستعير العارية بإذن صاحبها فالأجرة لصاحبها) .
(3/253)

مباحث الهبة
تعريفها
-كل من شأنه أن يقرب من قلوب الناس فيها المحبة ويؤكد روابط الود مطلوب في نظر الشريعة الإسلامية ويتفاوت طلبه بتفاوت حاجة الناس إليه، فما كان لازماً ضرورياً لحياتهم كان القيام به فرضاً لازماً على كل فرد من الأفراد كزكاة الأموال التي فرضها الله تعالى بقوله: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} لأن لا بد منه في هذه الحياة الدنيا أن يوجد أفراد بين الناس عاجزون عن سلزك سبل الحياة وتحصل الضروري من القوت.
فمن المفروض إنقاظ هؤلاء وإعطائهم ما يدفع غائلة الجوع والعري.
أما ما زاد على ذلك من إنفاق المال وبذله، فهو مندوب، لما فيه من إيجاد التألف والتحاب.
فالهبة مندوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم "تهادوا تحابوا"
فمن تصدق بهيبته التحبب إلى الناس روابط الأخوة الإسلامية التي قال الله تعالى في شأنها {إنما المؤمنون إخوة} وقصد امتثال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يثاب على هبته بقدر نيته.
أما من وهب ماله أو اهاده لغرض خسيس لا يقره ورسوله فإنه يعاقب بقدر نيته. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات"
ومعنى الهبة في اللغة التفضل على الغير ولو مال قال الله تعالى: (فهب لي من لدنك ولياً) .
أما معناها في اصطلاح الفقاء ففيه تفصيل المذاهب (1) .
__________
(1) (الحنفية - قالوا: الهبة تمليك العين بلا شروط العوض في الحال.
ومعنى ذلك ان الشخص الذي يملك عيناً صحيحاً يصح له أن يملكها غيره من غير أن يتوقف ذلك التمليك على عوض يأخذه صاحب العين المرهوب له.
وهذا لا ينافي أن للمالك أن يهب تلك العين بشرط أن بأخذ عوضاً وهي الهبة بشرط العوض.
لأن الغرض نفى كون مشروطاً في صحة الهبة.
(3/254)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما كونها قد لا يفعلها إلا الوض فذلك كما إذا قال له وهبتك هذه الدار بشرط أن تعطني مائة جنيه.
فقوله تمليك جنس يشمل البيع والهبة وغيرهما.
وقوله العين فصل يخرج تمليك المنافع من إجارة وعارية ونحوهما. ولكنه يخرج هبة الدين لغير المدين لأن الدين لا يسمى عيناً.
فإذا كان لشخص مائة جنيه ديناً على آخر فوهبها لشخص آخر وأمره بقبضها فإن الهبة تصح لأن الموهوب له أن بقبض المائة أولاً بالنيابة عن صاحبها ثم يكون قابضاً لها عن نفسه لأنها موهوبة له.
نعم لا تصح الهبة إلا إذا امره بالقبض. ولا تلزم إلا بالقبض فإذا رجع الواهب قبل القبض بطلت الهبة.
الجواب: ان الدين وغن كان لا يسمى عيناً وهو دين إلا أنه يصير مالاً بعد أن يأذنه بالقبض ثم يقبضه بالنيابة فإنه يصير بعد ذلك عيناً لا ديناً فتصح هبته فالمراد ما هو في الحال أو المآل.
أما هبة الدين لمن عليه الدين فإنها ليست هبة حقيقة بل هي مجاز عن إبرائه من الدين فهي إسقاط وإن كانت بلفظ الهبة.
وقوله بلا شرط العوض، فصل أخرج البيع ونحوه مما يشترط فيه العوض، ولكن تدخل فيه الصدقة لأنها تمليك العين بلا عوض.
وأجاب بعضهم بأن التعريف هنا تعريف بالأعم وهو جائز في مثل هذه التعارف وقد يقال إن الصدقة ملاحظ فيها وجه الله تعالى فقط.
أما الهبة فيلاحظ فيها خاطر الموهوب له سواء كان ذلك مع ملاحظة وجه الله أو لا كما يقول المالكية فإذا لوحظ ذلك في التعريف يكون حسناً.
وقوله: في الحال فصل يخرج الوصية لأنها تمليك بلا عوض في المستقل.
المالكية - قالوا: الهبة تمليك لذات بلا عوض لوجه الموهوب له وحده وتسمى هدية.
ومعنى ذلك أن الشخص الذي عيناً ملكاً صحيحاً له أن يملكها غيره بدون مقابل يأخذه مرضاة لذلك الشخص بقطع النظر عن الثواب الأخروي فالتمليك على هذا الوجه يسمى هبة.
فقوله تمليك جنس يشمل الهبة والبيع ونحوهما.
وقوله: لذات فصل يخرج المنافع كالعارية والوقف ونحوهما.
وقوله: بلا عوض فصل يخرج ونحوه مما يشترط فيه العوض.
(3/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقوله: لوجه الموهوب له الخ فصل الصدقة لأنها تمليك لوجه الله تعالى وحده أو تمليك بقصد مرضاة الشخص ومرضاة الله على الراجح.
وقيل الصدقة هي ما قصد بها ما قصد بها وجه الله وحده بدون ملاحظة المعطى (بالفتح) .
الشافعية - قالوا: الهبة تطلق على معنين:
أحدهما: عام يتناول الهدية والصدقة.
ثانيهما: خاص بالهبة ويقال لها ذات الأركان.
فالمعنى تمليك تطوع حال الحياة فالتمليك خرج عنه ما ليس فيه تمليك كالعارية والضيافة والوقف لأنها إباحة وخرج بالتطوع التمليك القهري كالحاصل بالبيع، هل الزكاة والنذر والكفارة كالبيع يقع فيها التمليك قهراً أو هي لا تمليك فيها بل هي من قبيل وفاء الدين؟
والجواب: أن المستحقين في هذه الأشياء ملكهم قبل ان تدفع إليهم فإذا حال الحول على المال أصبح ملك المستحقين للزكاة متقرراً في ذمة المكلف فإعطاؤها للذمة لا تمليك جديد ومثلها النذر والفارة. وقوله الحياة أخرج الوصية.
فالمتطوع بتمليك ماله من غير عوض حال حياة يقال له: مصدق ومهدي وموهب أما المعنى الخاص فهو مقصور على الهبة وهو تمليك تطوع في حياة لا لإكرام ولا ثواب أو احتاج بإيجاب وقبول.
فقوله: لا لأجل ثواب أو احتياج أخرج الصدقة لأن المقصود منها الثواب الأخروي أو سد حاجة الفقير.
وكذلك قوله بإيجاب وقبول فإن الصدقة والهدية لا يشترط فيها الإيجاب والهبة بهذا المعنى هي مقصودة عند الإطلاق.
ومن هذا تعلم أن الصدقة هي تمليك تطوع حال الحياة لأجل الثواب أو الاحتباج، وهذا المعنى يسمى هبة، والهدية تمليك تطوع كذلك لقصد الإكرام الخ. وهذا المعنى يُسمى هبة أيضاً فكل صدقة هبة، وكل هدية هبة.
أما الهبة بالمعنى الخاص فلا تسمى صدقة ولا هدية. فإذا حلف لا يتصدق أو لا يهدي ثم وهب بالمعنى الخص فإنه لا يحنث.
أما إذا حلف لا يهب ثم تصدق أو أهدى فإنه يحنث.
ويمكن اجتماع الثلاثة فيما إذا أعطى له شيئاً إكراماً وقصد ثواب الآخرة تأتى بإيجاب وقبول فهذا يقال له هبة وصدقة وتنفرد فيما إذا يقصد الثواب أو الإكرام ويأتي بالإيجاب والقبول.
(3/256)

مبحث أركان الهبة وشروطها
-أركان الهبة ثلاثة: عاقد وهو الواهب، والموهوب له، وموهب وهو المال، وصيغة. وكل ركن من هذه الأركان له شروط مفصلة في المذاهب (1) .
__________
أما الصدقة والهدية فإنهما لا ينفردان لأن الإعطاء مع الإكرام يسمى هدية وهبة وكذلك الإعطاء مع قصد الثواب.
الحنابلة - قالوا: الهبة تمليك جائز التصرف مالاً معلوماً أو مجهولاً تعذر علمه موجوداً مقدوراً على تسليمه غير واجب في هذه الحياة بلا عوض.
فقوله: تمليك جائز التصرف معناه أن يكون لشخص مال مملوك فيملكه (يعطيه) لغيره بشرط أن يكون صاحب المال أهلاً للتصرف (مكلف رشيد)
وقوله: (مالاً) يشمل العقار الثابت والمنقول فإنه يصح هبته.
وقوله: (معلوماً أو مجهولاً تعذر علمه) معناه أن المال الذي يوهب لا بد أن يكون معلوماً فلا تصح هبة المجهول إلا علمه كما إذا اختلط قمح شخص بقمح جازه فإنه يصح أن يهب أحدهما قمحه لصاحبه.
وقوله: موجوداً خرج المعدوم فلا يصح هبة قبل أن تحمل به.
وقوله: مقدوراً على تسليمه خرج ما ليس كذلك كالطير في الهواء فإن هبته لا تصح.
وقوله: غير واحب خرج به المال الواجب بذله كمال الزكاة والنذر والكفارة فإنه ليس بهبته.
وقوله: بلا عوض خرج به البيع ونحوه.
والهبة والهدية والصدقة والعطيه بمعنى واحد وهو تمليك في الحياة بلا عوض إلا أنها تختلف بالنية.
فإذا أرد بإعطائه ثواب الآخرة فقد كانت صدقة.
وإن قصد إكراماً وتودداً ومكافأة كانت هدية.
وإن لم يقصد شيئاً كانت هبة وعطية) .
(1) (الحنفية قالوا: الهبة ركن واحد وهو الصيغة، وهل هي الإيجاب والقبول معاً أو الركن الإيجاب فقط ليس ركناً، فإذا قال: وهبت داري لفلان صحت الهبة ولو لم يقبل الموهوب له؟ خلاف. فمنهم من يقول: إن الهبة تصح بمجرد الإيجاب والدليل على ذلك أنه لو حلف أن لا يهب شيئاً من ماله، ثم وهب ولم يقبل الموهوب له فغن يحنث فلو لم تصح الهبة بمجرد الإيجاب لما حنث.
(3/257)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنهم من يقول لا بد من القبول قولاً فلا تصح الهبة إلا به، أما حنثه بمجرد الإيجاب المذكور فإنه مبني على أن غرض الحالف بقوله: والله لا أهب عدم إظهار الجود فإذا أظهره فقد حنث وقد أظهر بمجرد الهبة وإن لم تتحق ماهيتها.
والدليل على ذلك أنه ألقى مالاً في الطريق ليكون لمن يرفعه فإنه يصح ويكون هبة. وقد عرفت أنه لا يشترط أن يكون الإيجاب والقبول لفظاً، فلو قال شخص لولديه وهبت هذه الدابة لأحدهما فأيكما أخذها تكون له فأخذها أحدهما صحت الهبة. وتنعقد الهبة بالتعاطي، فإذا كان معروفاً بين اثنين أحدهما قد وهب دابته للآخر فأعطاها المالك فأخذها بدون أن يتلفظا بالإيجاب والقبول فإنه يصح.
الحنفية - قالوا: شروط الهبة انواع:
نوع يتعلق بالركن المذكور، ونوع بالموهوب وهو المال يتعلق بالواهب.
فأما الذي يتعلق بالركن فهو أن لا يكون معلقاً على شيء غير محقق الوقوع كقوله: وهبت لك هذه الدار متى حضر أخوك من السفر، أو إن أمطرت السماء أهب لك هذه الدابة أو نحو ذلك لأن الحضور من السفر ونزول المطر أمر محتمل. وأن لا يكون مضافاً إلى وقت بأن يقول: وهبت لك هذا الشيء غداً أو أول الشهر أو نحو ذلك.
ومن ذلك ما إذا قال له: داري لك رقبي (بضم الراء القاف) وعناه إن مت أنا فهي لك وإن مت أنت فهي لي فهي معلقة بموت صاحبها وهو يحتمل أن يموت قبل الموهوب له وبعده، فهي معلقة على أمر غير محقق، فلذا كانت غير صحيحة، وإذا كانت هبة غير صحيحة فتكون عارية، وسميت رقبى لأن كلاً منهما يرقب موت صاحبه، وقيل تكون هبة ويلغو الشرط، أما الألفاظ التي تنعقد بها الهبة فهي كل لفظ يدل على تمليك الرقبة كقوله: وهبت لك هذه الدار أو نحلت بمعنى أعطيت أو أعطيت أو أطعمتك هذه الغلة، ومثل ذلك ما إذا أضاف إلى جزء يعبر عنه الكل كقوله: وهبت لك رقبة هذه الدابة أما إذا أتى بلفظ يدل على تمليك المنفعة كانت عارية كقوله: أعرتك هذه الدار أو أطعمتك هذه الأرض لأن الأرض لا تطعم وإنما تطعم الغلة فتدل هذه العبارة على إعارة الأرض لا على تمليكها وإذا أتى يحتمل الأمرين ينظر إلى نية القائل مثل أن يقول: حملتك على هذه الدابة أو أعمرتك هذه الدار أي جعلتها لك طول عمرك فإن المحل يحتمل أن يراد به إعارتها مؤقتاً ويحتمل أن يكون دائماً.
وأما قوله: جعلتها لك طول عمرك أو عمري فإنه يحتمل أن يريد جعل له منفعتها أو جعل له رقبتها. فإذا دفعها إليه ونوى الهبة وإلا كانت عارية.
(3/258)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا قال له: ملكتك هذه الدار أو هذا الثوب فإنه لا يكون هبة إلا إذا قامت قرينة على الهبة لأن التمليك يصدق على البيع والهبة والوصية، وبعضهم يقول إنها هبة.
وإذا قال: جعلت هذا البستان باسم ابني، ولم يقل جعلته له، فقيل: يكون هبة وقيل لا يكون والظاهر أنه يكون هبة لأن العرف جار على ذلك.
بل لو قال: غرسته باسم ابني فلان ولم يقل جعلته يكون هبة لأن العرف على انعقاد الهبة بمثل ذلك.
وأما الشروط المتعلقة بالواهب فأمور:
منها: أن يكون حراً فلا تصح هبة الرقيق.
ومنها: أن يكون عاقلاً محجور عليه فلا تصح هبة المجنون والمحجور عليه.
ومنها: أن يكون بالغاً فلا تصح هبة الصغير.
ومنها: أن يكون بالغاً فلا تصح الصغير.
ومنها: أن يكون مالكاً للموهوب، فلا تصح ما ليس بمملوك.
أما الموهوب له فإنه لا يشترط فيه، وذلك الهبة للصغيرة ونحوه.
نعم إن كان الواهب يعول الصبي كالأخ عدم الأب فإن الهبة تتم بالإيجاب وحده.
أما إذا وهب له أجنبي فإن الهبة لا تتم إلا بقبض الولي وهو أربعة:
الأب ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصي الجد.
وعند عدم وجود أحدهم تتم بقبض من يعوله كعمه وامه وأجنبي. فإن كان الصبي مميزاً فإنها تتم بقبضه هو ولو وجود أبيه لأنها من مصلحته.
وأما الشروط التي تتعلق بالموهوب فأمور:
منها: أن يكون موجوداً وقت الهبة، فلا تصح ما ليس بموجود وقت العقد بان وهب له ثمر بستانه في العام المقبل أو ما تلد أغنامه بعد حملها.
ومن ذلك ما يفعله العوام من هبة ما تلده الغنم أو البقر للولي أو للمسجد فإنها هبة باطلة.
ومثل ذلك ما لو وهب له الزبد الذي يخرج من هذا اللبن أو الدهن الذي يخرج من هذا السمسم، أو الدقيق الذي يخرج من هذه الحنطة، فإن هبة كل ذلك لا تصح حتى ولو قال له: سلطتك على قبضها عند وجودها لأن المعدوم لا تصح هبته على أي حال.
أما إذا كان موجوداً فغن هبته تجوز ولو كان متعلقاً بشيء آخر.
كما إذا وهب له الصوف الذي على ظهر الغنم، ثم جزه وسلمه إياه فإنه يصح وتكون الهبة لازمة.
(3/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن يكون الموهوب مالاً فلا تصح هبة ما ليس بمال أصلاً كالميتة والدم والخنزير وصيد الحرم وغير ذلك، كما لا تصح هبة المال الذي لا قيمة له في نظر الشرع كالخمر.
ومنها: أن يكون الموهوب مقبوضاً، وهذا الشرط للزوم الهية وثبوت الملك للموهوب له فلا يثبت له الملك بالقبض.
ومنها: أن يكون الموهوب مشاعاً فيما يقبل القسمة. فإذا وهب له نصف دار غير مقسوم فإن الهبة لاتصح.
فإذا أراد شخص أن يهب للآخر نصف دار فعليه أن يقسمها أولاً، فإن تهسر عليه قسمتها فيمكنه أن يبيعه النصف بثمن معين ثم يبرئه من الثمن.
أما الذي لا يمكن قسمته كالحمام والآلات البخارية ونحوها، فإنه تصح هبة المشاع فيها بشرط أن يكون قدره معلوماً.
وإذا وهب له مشاعاً فيما يقبل القسمة وسلمه له قبل القسمة فإن الموهوب له لا يملكه بالقبض، وإذا تصرف فيه لا ينفذ تصرفه ويكون عليه ضمانه وإنما التصرف للمالك الأصلي
وبعضهم يقول: إنها تملك بالقبض لأنها هبة فاسدة والفاسدة يملك بالقبض.
وعلى كل فقد أجمعوا على أن لصاحبها الرجوع بعد القبض في هذه الحالة.
وإذا مات الواهب كان لوارثه حق الرجوع، على أن الصحيح أن هبة المشاع قبل قسمته لاتفيد الملك بالقبض.
ومنها: أن لا يكون الموهوب مشغورلاً بملك الواهب، فإذا وهب لابيه بستاناً على أن الثمر الذي عليه للمواهب فالهبة لاتصح.
ومثل ذلك ما إذا وهب فيها متاع للواهب. فإنه لا يصح بل عليه أن يفرغها أولاً من متاعه.
ومنها: أن يكون الموهوب مملوكاً للواهب فلا تجوز هبة الأشياء المباحة كالماء والعشب كما لا تجوز هبة ملك الغير بدون إذنه.
المالكية - قالوا: يشترط في الواهب أن يكون أهلاً للتبرع، وهو من اجتمعت فيه أمور:
ثانهيما: أن لا يكون مديناً بدين يستغرق كل ماله وهبته وإن كانت تصح إلا أنها تقع موقوفة على إجازة رب الدين فإن أجازها فإنها تنفذ فهذا لنفاذها.
ثالثهما: أن لا يكون مجنوناً ولا سكراناً. فلا تصح هبتها.
رابعهما: أن لا يكون مرتداً فلا تصح.
خامسهما: أن لا يكون زوجة فيما زاد على ثلث مالها.
(3/260)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فإذا وهبت المرأة من ثلث مالها الهبة موقوفة على إذن زوجها أما إذا وهبت الثلث فأقل فإنه يصح ويفذ بدون إذن الزوج فهذا شرط نفاذ أيضاً.
سادسها: أن لا يكون مريضاً مرض الموت فيما زاد على الثلث فإذا وهب المريض زيادة عن ثلث ماله انعقدت هبته موقوفة على إذن الوارث.
ويشترط في الموهوب شروط:
منها: أن يكون مملوكاً فلا تصح هبة ما لاتصح ملكه كالكلب الذي لم يؤذن في اقنائه، كما لا تصح هبة ملك الغير بدون إذنه.
فإذا وهب شخص ملك غيره لم تنعقد الهبة بخلاف ما إذا باع ملك غيره فإنه يقع صحيحاً موقوفاً على إجازة المالك. وبعضهم يقول: إن هذه الأمور كالبيع فمتى أجازها المالك نفذت لأنها تكون في الحقيقة صادرة منه في هذه الحالة.
ومنها: أن يكون الموهوب من الأشياء القابلة من ملك إلى ملك في نظر الشارع هبة الاستمتاع بالزوجة لأن نقل هذا الاستمتاع ممنوعاً شرعاً ومثل ذلك هبة أم الولد. وتصح هبة جلود الأضاحي لأنها وإن كانت لا يصح بيعها فلا تقبل النقل بالبيع ولكن يصح إهداؤها والتبرع بها فتصح هبتها.
ولا يشترط في الموهوب أن يكون معلوماً فيجوز أن يهب مجهول العين والقدر ولو كان يظن أنه يسير فظهر له أنه كثير وهب من عمه لشخص وكان لا يعرف قدره ويظن أنه يسير فاتضح أنه كثير فإن الهبة تصح.
وكذا إذا وهبه ما في جيبه وهوز يظن أنهاعشرة قروش فيه جنيهاً أو جنيهين فإن الهبة تصح وليس للواهب الرجوع على المشهور.
وأما الصيغة فهي كل ما يدل على التمليك من لفظ أو فعل ولا فرق بين أن تكون دلالة اللفظ صريحة أو لا. مثال اللفظ الصريح ملكت. ومثال اللفظ الذي يدل على التمليك فهماً لا صراحة خذ هذه الدار مثلاً.
ومثال الفعل أن يمنح الأب أو الأم ولدهما حلياً سواء كان الولد أو انثى أو صغيراً فإذا اشترى الأب لأحد أبنائه من ذهب أو خاتماً من الماس أو حلى له مصحفاً بالذهب أو اشترى لبنته حلقاً ذهب أو أساور من الماس أو لبنة من ذهب أو غير ذلك كان مملوكاً للابن بطريق الهبة فإذا مات الأب لا يصح للورثة أن ينازعوه فيه ومثل الأب في ذلك الأم ولا يطالب الولهب بالاشهاد على ذلك لأن الاستعمال الحلي المشتري في حال الوالد أو الوالدة قرينة على التمليك إلا إذا أشهد
(3/261)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الواهب سواء كان أباً أو أماً بأن هذا الحلي ليس نعطى للولد بطريق التمليك بل ليستمتع به فقط فإن في هذه الحالة لا يكون مملوكاً.
وعلى عكس ذلك الزوجة فإن زوجها إذا اشترى لها حلياً ولبسته يحمل على أن الغرض من ذلك تزيينها لاتمليكها إلا إذا أشهد على أنه ملك لها، هذا إذا كانت عنده، أما ما جرت به العادة من إرسال متاع العروس وهي دار ألبها فإن سماه عارية كان كذلك وإن سماه هدية كان هبة وإن لم يسم شيئاً يحما على الهدية.
ومثل الحلي في ذلك ما اشترى لولده دابة ليركبها أو كتب علم يحضر فيها أو سلاحاً يتزين به أو ثياباً فاخرة يلبسها أو نحو ذلك.
وإذا قال بولده ابن هذه الخبرة لتكون داراً وقال: إن هذه الخبرة دار ابني فلان فإن ذلك لا ينعقد به الهبة لأن العرف ينسب ملك الأب للابن وأمره ببنائها لا يقتضي التمليك.
ومثل ذلك ما إذا قالت المرأة لزوجها: ابن هذه التجربة لأنها دارك.
أما إذا قال الأجنبي لغيره ذلك فإنه يحمل على التمليك. فإذا بنى الابن أو الزوج الخبرة من ماله ومات الأب أو الزوجة فإن للباني قيمة بنائة منقوضاً لأنه يكون عارية وقد انقضت بموت الأب أو الزوجة.
هذا وتملك الهبة بلإيجاب والقبول أما قبضها في تمليك الموهوب على المشهور. فإذا قال المالك: وهبت هذه الدار لفلان وقبلها أصبحت الدار مملوكة له بحيث لا يصح للواهب الرجزع فيها بعد ذلك واذا امتنع عن تسليمها ولو برفع الأمر للحاكم.
وبعضهم يقول: يشترط في تمام الهبة القبض والحيازة فإن عدم القبض فإنها لا تلزم وإن كانت صحيحة.
ويجوز تأخير القبول عن الإيجاب فإذا وهب داراً فسكت عن قبولها ثم قبلها بعد ذلك فإن له ذلك.
وليست العمرى هبة وانما هي تمليك المنفعة مدة حياة المعطَى - بالفتح - أو المعطِي (بالكسر) - بلا عوض إنشاء والعمرى يضم العين وسكون الميم معناه مدة العمر وهي عند الإطلاق تحمل على عمر المعطي فإذا قال: عمرتك داري كان معناه أعطيك داري لتنتفع بها طوا عمرك.
والعمرى مندوية لأنها إحسان فإذا كانت في نظير عوض كانت إجارة فاسدة لأن مدة عمره مجهولة فزمن الإجارة مجهولة. وهي من قبيل الوقف على زيد مدة حياته فيخرج بها الوقف المؤبد أو المؤقت بزمن معين.
ولا يشترط فيها لفظ الإعمار بل كل ما يدل على تمليك المنفعة في عقار أو غيره مدة عمر المعطى - بالفتح - يكون عمرى.
(3/262)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كقوله: أعرتك داري أو ضيعتي أو فرسي أو سلاحي. وأعطيت أو أيكنت ونحوه ولكن إذا قال له: أعطيت فإنه لا بد من قرينة تدل على الإعمار، بأن يقول: أعطيتك سكنى داري أو غلة أرضي مدة حياتك. فإن لم يفعل ذلك كانت هبة لا عمرى.
فإذا مات المعطى - بالفتح - رجعت الدار ونحوها ملكاً للمعطي - بكسر - إن كان حياً ولوارثه من بعده إن كان قد مات.
أما الرقبى وهي أن يقول شخص لآخر: داري لك إن مت أنا قبلك تضعها إلى دارك ودارك لي إن مت أنت قبلي أضمها إلى داري، فهي باطلة، فإن وقع ذلك قبل موت أحدهما فسخ العقد وإن علم بعد الموت رجعت الدار للورثة ولا يعبأ بالعقد.
الشافعية - قالوا: يشترط في الواهب شروط: منها أن يكون ملكاً حقيقة أو حكماً والملك الحكمي هو كملك صوف الأضحية الواجبة بالنذر فإنها وإن كانت عن ملكه بالنذر إلا أن اختصاصاً فيصح له أن يهب صوفها.
ومثل ذلك هبة الضرة ليلتها لضرتها فإنها مملوكة لها حكماً. ومنها أن يكون مطلق التصرف في ماله فلا تصح الهبة من المحجور عليه لصغر أو سفه أو جنون. ومنها غير ذلك مما تقدم في البيع. ويشترط في الموهوب له أن يكون أهلاً للتملك. وهل يكفي في ذلك التمييز بحيث لو أهدى رجل بالغ صبياً مميزاً شيئاً وقبله تصح الهبة ويملكه الصغير أو لا؟
والجواب إن الصغير لا يملك بالقبول ولكن لا يحرم الدفع له إلا إذا قامت قرينة بأن الوالي لا يرضيه ذلك خوفاً من تعويد الصبي على التسفل والدناءة كان كذلك فإنه إعطاء الصبي شيئاً بدون رضاء وليه.
وتصح الهبة للمحجور عليه ويقبض له أو الحاكم إن يكن له ولي وعلى الوالي أن يقبل وهب لمحجوره فإن لم يفعل انعزل سواء وصياً أو قيماً.
أما الأب فإنهما لا يعزلان عن الولاية بعدم قبول الهبة. ولابد لملك الهبة من القبض فإذا وهب الجد أو الأب ابنه شيئاً لا يملكه إلا إذا قبضه عنه. وطريق قبضه أن ينقله من مكان إلى مكان.
ولو مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض لا تنفسخ ويقوم الوارث مقام الأصل في ذلك. ويشترط في الصيغة الشروط التي تقدمت في البيع.
ومنها أن يكون مطابقاً للإيجاب على المعتمد فإذت وهب له نعجتين فقال أحدهما: لم تصح الهبة لعدم المطابقة بين الإيجاب والقبول.
ومنها: أن يكون القبول عقب الإيجاب فوراً وأنه الفصل إلا بالأجنبي فإذا قال له: وهبت لك وسلطتك على القبض فقال له: قبلت فإن الفصل بقوله وسلطتك لا يضر لتعلقه بالعقد.
(3/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن لا يعلق العقد فلا يصح أن يقول له: وهبت لك هذه الدار إن قدم فلان أو وهبت لك هذه الدابة أول الشهر وإذا وهبه شيئاً على أن يرجع إذا احتاج إليه فإنه لا يصح.
وتصح الهبة بعمرى ورقبى فالعمرى كأن يقول له: أعرتك هذا المنزل أي جعلته عمرك فإن مت رجع لي والرقبى كأرقبتك هذا أو جعلته لك رقبى على معنى إن مت قبلي عاد وإن مت قبلك كان لك فالهبة في هذا صحيحة والشرط لغو لا قيمة ولا تملك الهبة إلا بالقبض بإذن الواهب، فإذا قبض بغير إذنه بأن وضع يده على الموهوب كان عليه ضمانه ولو أذن له ورجع الإذان قبل أن يقبض بطل الإذن ومثل ذلك ما إذا مات أحدهما قبل القبض.
ولا يطفي في القبض أن يضع الموهوب بين يدي الموهوب له بل لا بد من الإذن.
الحنابلة - قالوا: اشترط في الواهب أن يكون جائز التصرف فلا تصح من سفيه ولا صغير ولا عبد ونحوهم كسائر التبرعات فإذا وهب الصغير أو السفيه فلا تصح هبتهما وإن أجاوها الولي أما العبد فتجوز هبته بإذن سيده.
ويشترط في الموهوب له أن يكون أهلاً للتصرف قبول الهبة من صغير ولو كان مميزاً كما لا يصح قبضه للهبة ومثله المجنون؛ فيقبض ويقبل لهما وليهما.
فالأب العدل ولو ظاهر يقوم مقامهما فإن لم يوجد لهما ولي أو وصي يقبل عنهما الحاكم أو من يقيمونه مقامهم وعند عدم الأوليلء يقبضهما
أو من يليهم من قريب.
ويشترط في الموهوب أن يكون معلوماً فلا تصح هبة المجهول إلا إذا تعذر علمه كما تقدم فلا تصح الحمل في البطن واللبن في الضره والصرف على الظهر وإذا أذن صاحب الشاة في جز الصوف ولبن الشاة كان إباحة ومثل ذلك هبة الدهن في السمسم والزيت في الزيتون فإنه لا يصح هبتهما قبل عصره.
ويشترط في الموهوب أيضاً أن يكون موجوداً فلا تصح هبة المعدوم كهبة الثمر قبل أن يبدو.
وأن يكون مقدوراً على تسليمه فلا تصح هبة ما لا يصح بيعه وبعضهم يقول: تصح هبة الكلب المأذون فيه والنجاسة التي يباح الانتفاع بها.
واما الصيغة فالشرط فيها أن تكون بما يدل على الهبة عرفاً من لفظ كوهبت وملكت ونحوهما أو فعل كتجهيز ابنته هبة بالفعل ويصح تعليقها على شرط مستقبل كقوله: إن جاء رأس الشهر وهبتك.
وإذا علق على الموت كقوله: إن مت وصية.
ولا يصح توقيت الهبة بوقت كقوله: وهبتك هذا الثوب شهراً. ويستثنى من ذلك العمرى والرقبى فإن الهبة بهما جائزة وقد تقدم بيانهما في المذاهب النتقدمة فارجع إليهما. وهل الهبة تصح ويملك
(3/264)

مبحث في هبة الدين
-إذا كان لشخص دين عند آخر له هذا الدين أو وهبه لأجنبي فإنه لا يجوز على تفصيل في المذاهب (1) .
__________
الموهوب بالعقد أو لابد من القبض؟ رأيان الأحسن منهما أنهما لا تملك إلا بالقبض فإذا تصرف الموهوب له قبل القبض لا ينعقد تصرفه) .

(1) (الحنفية - قالوا: هبة الدين جائزة.
فإذا قال له: وهبت لك الدين الذي لي عليك فإنه يصح ولكن هبة حقيقية لأن الهبة يشترط فيها إن يكون عيناً لاديناً فهي مجاز عن إسقاط الدين عنه وإن كانت بلفظ الهبة كما تقدم.
ويتم اسقاط الدبن بمجرد قول الواهب وهبت لك الدين فلا يشترط قبول المدين.
فإذا لم يقبل المدين ورد الهبة فإنها ترتد ويبقى الدين عليه على المختار.
هذا إذا كان كفيلاً فوهب له صاحب الدين دينه الذي كفله فإن الهية تصح بشرط القيول.
واذا رفض هذه المنحة فإن رفضه يصح.
إما إذا أبرأه صاحب الدين من الكفالة فإن إبرأه يتم من غير قبول ولو رد إبراأه لا يقبل رده لأن صالحب الدين قد استغنى عن كفالته فلا يجبر على قبولها.
وإذا أبرأ الأصيل عن الدين أو وهبه له فإن قبل فقد برئ الأصيل والكفيل. وإن لا يقبل لا يبرأ واحد منها.
وإذا كان لشخص دين على آخر فمات الدين لوارثه فإنه يصح ولو رد الزارث الهبة فإنها ترتد ولو وهب الدين لبعض الورثة كانت الهبة للجميع.
أما إذا أبرأ أحد الورثة فإن الإبراء يصح في نصيبه وحده.
هذا كله في هبة الدين لمن عليه الدين.
أما هبة الدين للأجنبي فهي صحيحة: وقد عرفت في تعريف الهبة أنه يشترط في صحة هبة الدين أن يأمر الدائن الموهوب له بالقبض فيقبضه بالنيابة عنه، وبذلك يصير الدين غيناً فيقبضه عن تفسه.
المالكية - قالوا: تصح هبة الدين لمن عليه الدين ولغيره، فإن كانت لمن عليه الدين كانت إبراء، ولإبراء يحتاج الى قبول على الراجع لأنه نقل للملك.
فإذا لم يقبل المدين لاتصح هية الدين له، وبعضهم يقول: إن هبة الدين إيقاط لانقل للملك فلا يحتاج إلى قبول.
(3/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا وهب الدين لغير من عليه الدين فإن الهبة تصح بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يشهد على الهبة ولإشهاد شرط صحة.
الشرط الثاتي: أن يدفع الواهب له سند الدين إن كان له سند.
وهذا الشرط يختلف فيه فبعضهم يقول: إنه شرط صحة وبعضهم يقول: إنه شرط كمال.
الشرط الثالث: أن يجمع بين الموهوب له وبين من عليه الدين إن كان حاضراً أما إن كان غائباً فلا يشترط الجمع، وهل شرط الجمع بينهما إن كان المدين حاضراً شرط صحة أو كمال؟ والراجع أنه شرط كمال.
فإذا كان لشخص مائة جنيه ديناً عند آخر وأراد أن يهبها لأخيه مثلاً فإن الأكمل في ذلك أن يشهد على الهبة، وأن يجمع بين أخيه وبين المدين إن كان حاضراً ويحيله، ويعطي أخاه سند الدين إن كان معه سند.
وبذلك تتم الهبة اتفاقاً فإن تعذر حضور المدين أو لم يكن للدين سند فإنه يكفي لصحة الهبة الإشهاد والقبول.
وهل إذا كان تامدين حاضراً ولم يجمع بينهما أو كان للدين سند ولم يعطه للموهوب له يصح أو لا؟ خلاف ذكلرناه لك أولاً.
إن دفع المدين الدين للواهب بعد علمه بالهبة ضمنه الموهوب له.
ونظير هذه المسألة رهن الدين فإنه لابد فيه من الإشهاد.
وصورة رهن الدين أن يشتري سلعة من محمد بعشرين جنيهاً، وللمشتري دين عند خالد يسوي عشرين جنيهاً أو أكثر أو أقل فرهن دينه عند محمد في نظير سلعته فعليه في هذه الحالة أن يشهد بأنه رهن لمحمد دينه الذي له عند خالد وأن يعطي محمداً سند الدين إن كان له سند وأن يجمع بينه وبين اغلمدين على التفصيل الذي ذكرناه في الهبة.
الشافعية - قالوا: هبة الدين للذي عليه الدين إبراء فلا تحتاج لقبول.
أما هبته لغير من عليه الدين فمختلف فيها:
فبعضهم يقول إنها هبة صحيحة وبعضهم يقول إنها باطلة.
والثاني هو المعتمد لأن الدين غير مقدور على تسليمه وهو متصف بكونه ديناً فإنه إذا قبض لا يكون ديناً بل يكون عيناً، أما بيع الدين، فإن المعتمد صحته.
فإذا كان لشخص دين عند آخر فإنه يصح له أن يبيعه بثمن فيكون الدين في مقابله الثمن.
وذلك التزام لتحصيل المبيع وهو التزام صحيح بخلاف الهبة فإنها لا مقابل لها فالتزام تحصيل الموهوب غير صحيح.
(3/266)

مبحث الرجوع في الهبة
-ليس للواهب أن يرجع في هبته في أمور مفصلة في المذاهب (1) .
__________
الحنابلة - قالوا: هبة الدين صحيحة لمن عليه الدين.
فإذا وهبه له صح، وإذا أبرأه منه صح، وإذا أسقط عنه صحيح، وإذا تركه له صح، وإذا ملكه له صح، وإذاىتصدق به عليه صح.
كل ذلك صحيح سواء كلن الدين معلوماً أو مجهولاً.
أما هبة الدين لغير من هو عليه فإنها لا تصح، لأن الهبة تقتضي وجود معين هنا) .

(1) (الحنفية - قالوا: يصح للواهب أنة يرجع في هبته بعد أن يقبضها الموهوب له، ومن باب أولى له الرجوع قبل القبض لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وإن كان الرجوع في الهبة مكروهاً تحريماً على الراجح أو تنزيهاً، وإذا أسقط الواهب حقه في الرجوع ثم رجع بعد ذلك صح رجوعه لأن حقه في الرجوع لا يسقط بإسقاطه.
ويبطل حق الرجوع في الهبة بسبعة أمور:
الأول: أن يزيد الموهوب له في العين زيادة متصلة بها كما إذا وهب له نعجة غجفاء فعلفها حتى سمنت فليس للواهب أن يرجع في هذه الحالة حتى ولو عادت عجفاء كما كانت، ومثل ذلك ما إذا أهدى له حيواناً صغيراً عنده، أو أهدى رقيقاً جاهلاً فعلمه، أو ثوباً فصبغه أو خاطه.
أما إذا أهداه شاة فجعلت عنده، فإن كان الحبل يزيد في قيمتها فإنه يمنع الرجوع وإلا فله حق في الرجوع.
وإذا أهداه أرضاً فبنى فيها أة غرس أجشاراً فإن كان البناء والغرس يزيد في قيمة الأرض كلها فإنه يمنع الرجوع منها كلها وإن كان يزيد في البقعة التي فيها امتنع الرجوع في تلك البقعة، ثم إذا هدم البناء او قلع الشجر كان له الرجوع في هذه الحالة لأن الزيادة ليست في نفس العين كما في سمن الحيوان وهزاله.
فإذا وهب له عيناً تساوي عشرة ثم زاد سعرها فإن الزيادة لا تمنع الرجوع، وإذا نقلها الموهوب له من مكان إلى مكان فارتفع سعرها بسبب ذلك النقل لم يكن له حق الرجوع لأن الزيادة التي طرأت عليها كانت بعمل الواهب واتفاقه يقول له الرجوع.
أما الزيادة المنفصلة فإنها لا تمنع الرجوع في أصل العين، فإذا أهدى له بقرة فولدت كان له حق الرجوع في البقرة لا في الولد. وهل يرجع في البقرة مع احتياج ولدها للرضاع أو ينتظر؟ قولان.
(3/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومن الزيادة المنفصلة الثمر، فإذا أهدى له بستاناً فأثمر كان له حق الرجوع في هبة البستان أما الثمر فهو من حق الموهوب له.
الأمر الثاني من موانع الهبة: موت أحد العاقدين بعد القبض فإذا وهب شخص داره لأخيه ثم مات الموهوب له فلا حق للواهب في الرجوع وكذا إذا مات الواهب فلا حق لوارثه.
الأمر الثالث: العوض فإذا وهب داراً بشرط عوضاً فإنه يصح وضع الرجوع وسيأتي بيان ذلك في باب الهبة في مقابل العوض.
ويشترط في الخروج عن الملك أن يكون تاماً من كل وجه بقي له به اختصاص فإن الرجوع لا يسقط.
مثال ذلك ما إذا وهب له شاة فضحى بها وصارت لحماً فإن له أن يرجع ويأخذ اللحم فإنه في هذه الحالة لم يخرج من ملكه بالكلية.
الأمر الخامس: الزوجية - فإذا وهب الزوج لزوجته شيئاً فإنه لا يصح له الرجوع فيه، أما إذا وهب لها قبل أن يتزوج بها ثم تزوج فإن له الرجوع.
الأمر السادس: القرابة، فلو وهب لذي رحم منه ولو كان ذمياً أو مستأمناً فإنه لا يصح له الرجوع فإذا وهب لأبيه أو ابنه أو عمه أو غير
ذلك من محارمه بالنسب فإن حقه في الرجوع يسقط. أما إذا وهب لمحارمح من الرضاع أو المصاهرة فإن له حق الرجوع.
الأمر السابع: هلاك العين الموهوبة وذلك ظاهر فإذا ادعى الموهوب له الهلاك صدق بدون حلف.
وإذا قال الواهب إن العين باقية وهي هذه وأنكر الموهوب له حلف المنكر أنها ليست هذه ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما. أو بحكم الحاكم وإذا رجع يالرضا أو القضاء كان ذلك فسخاً لعقد الهبة من الأصل وغعادة لملكه القديم لا هبة للواهب، فلهذا لا يشترط فيه قبض الواهب ولو كان هبة جديدة لاشترط فيه القبض.
المالكية - قالوا: ليس للواهب حق في الرجوع أن الهبة عقد لازم لكن بعضهم يقول: إنها تتم وتلزم بمجرد العقد فلا يشترط في إتمامها القبض وهذا المشهور، وبعضهم يقول: إنها لا تتم إلا بالقبض فالقبض شرط في تمامها فإن عدم لم تلزم وكان للواهب حق الرجوع، إلا الأب والأم فإن لهما حق الرجوع على التفصيل الآتي بعد.
على أنهم أموراً بها الهبة منها أن يتأخر قبضها لثبوت دين على الواهب يستغرق كل ماله سواء كان ذلك الدين سابقاً على عقد الهبة أو طرأ بعده، إلا أن بطلانها في الحالة الأولى نتفق عليه أما بطلانها في الحالة الثانية فهو على المشهور.
ومنها: أن يهب لشخص آخر قبل الأول بشرط أن يقبضها الموهوب له الثاني قبل الأول
(3/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لأنه يرجع على الأول بوضع يده على الموهوب ولا يلزم بدفع تعويض للموهوب له الأول لم يتهاون الأول في طلبها على المشهور.
ومن ذلك هبة الدين فإذا كان لشخص عند آخر دين ثم وهبه من عليه الدين ولم يعمل الأشياء التي تقوم مقام القبض من استلام الدين إن كان.
أما إذا عمل الأول الأشياء تقوم مقام القبض فإن الدين ولا يبرأ الثاني.
ومنها: أن يعد شخص هدية لآخر، ثم بها هو أو رسوله ثم يموت الواهب تبطل في هذه الحالة لأنه لم يقبضها قبل المانع من القبض وهو موت الواهب، وكذلك إذا مات الموهوب له فإنها تبطل لعدم القبول إن لم يسهد بأن الهبة لفلان، فإذا أشهد لا تبطل بموت أحدهما لأن الوارث يقوم مقام المرسل إليه في القبول.
ولا تبطل الهبة ببيع الواهب إياها فإذا وهب له عيناً ولم يعلم له بالهبة ولم يقصر في طلبها ثم باعها فإن الموهوب له بخير في إجازة البيع وأخذ الثمن أو في فسخه وأخذ الهبة.
أما إذا باع الهبة بعد علم الموهوب له بها وتفريطه في وضع يده عليها فإن البيع ينفذ والثمن مختلف في أمره هل يأخذه الواهب الموهوب والراجح أن الثمن للموهوب له.
ومنها: أن يتأخر قبض الهبة حتى يمرض مرضاً يموت به فإن الهبة في هذه الحالة تبطل حتى ولو قبضها حال مرضه لأن الشرط أن يقبضها حال فتبقى الهبة موقوفة حال المرض حتى يتبين الحال فإن بطلت الهبة ولا تؤخذ منى الثلث ولا من غيره لأن المفروض أنه وهبها حال الصحة لا في حال المرض تنفذ من الثلث كالوصية أما إذا برء فإنها لا تبطل.
ومثل ذلك ما إذا جن الواهب فإنه وهب حال الصحة ثم تأخر الهبة توقف حتى يتبين حاله من الإفاقة أو الموت مجنوناً.
ومنها: ومنها: أن يهب الوديعة أو العارية لمن هي بيده وفي ذلك ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يعلم الموهوب له ويقبل الهبة في حياة الواهب، فإذا مات الواهب بعد ذلك تمت الهبة اتفاقاً.
الصورة الثانية: أن يعلم الموهوب له بالهبة وفي هذه الصورة تبطل الهبة باتفاق لعدم تحقق القبول والصحيح القبول لا بد منه.
وإذا قبض الموهوب له الهبة قبل أن يجزم بالقبول بل أخذها ها يقبل أو لا، ثم مات الواهب قبل ذلك وقبل الموهوب له الهبة بعد موته فإنه يصح.
(3/269)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومثل ذلك ما إذا قبل الهبة في حال حياته ثم طلب الهبة وألح في طلبها ولكن الواهب يسوقه حتى مرض ومات الواهب فإن الهبة لا تبطل بذلك.
ومثل ذلك ما إذا باع الموهوب له الهبة أو وهبها قبل قبضها من الواهب ثم مات الواهب فإنها لا تبطل لأن تصرفه فيها بمنزلة قبضها وإن لم يقبضها المشتري أو الموهوب له الثاني، وكذلك إذا وهبه عيناً ولم يعلم الموهوب له بها حتى مات الموهوب له فإنها لا تبطل ويأخذها وارثه.
ومنها: ان يرجع الأب في هبته فإذا هبته بطلت فإذا رجع بطلت وعادت له وذلك للأب وحده دون غيره من الأقارب والأرحام إلا الأم على التفصيل الآتي:
أما الأب فله حق الرجوع في هبته لودله الحر سواء كان ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً غنياً أفقيراً بعد أن يقبضها الولد ويضع عليها يده وصيغة الرجوع أن يقول الأب: رجعت فيما وهبت أو أخذته منه أو اعتصرته (أي أخذته قهراً عنه) وبعضهم يقول: لا بد من أن يقول اعتصرته، والأول أظهر لأن العامة لا تعرف لفظ اعتصرته.
والحديث الوارد في هذا الموضوع لا يشترط هذا اللفظ ولفظ الحديث (لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد) وبكن يشترط لصحة رجوع الأب في هبته شرطان:
الشرط الأول: أن يريد بالهبة الصلة والعطف والحنان على الولد لكونه محتاجاً أو خمىلاً بين الماس أو نحو ذلك فغن أراد ذلك فإن الرجوع.
الشرط الثاني: أن يريد بالهبة مجرد ثواب الآخرة لاذات الولد فإن أراد ذلك كان صدقة بلفظ الهبة فلا يصح له الرجوع. نعم إذا أراد العطف أو الصدقة ولكنه شرط الرجوع في هبته أو صدقته متى شاء فإن له ذلك ويعمل شرطه.
ومنها: ان ترجع الأم في هبتها وللأم حق الرجوع بالشرطين المذكورين في الأب مع زيادة شرط ثالث:
وهو أن لها حق الرجوع بشرط أن يكون ولدها كبيراً أو صغيراً له أب. أما إذا كان الولد يتيماً ووهبت له فليس لها حق الرجوع. ولها حق الرجوع مع وجود الأب سواء كان الأب والابن موسرين أو معسرين حتى ولو كان الأب مجنوناً.
وإذا وهبت لابنها في حياة أبيه ثم مات أبوه بعد ذلك فإن لها حق الرجوع على المختار.
ويمنع رجوع الأب والأم أمور:
احدهما: أن يتصرف الموهوب له في الهبة ببيع أو رهن أو هبة أو يعمل ما يغير صفة الهبة كأن صوغ النقود حلياً ونحو ذلك.
ثانيها: أن يطرأ على ذات الهبة زيادة القيمة كتعليم صنعة أو كبر وسمن هزيل. ومثل ذلك النقص كهزال سمين، فذلك التغير يمنع الرجوع.
(3/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثالثها: أن تكون الهبة سبباً في الثقة بالولد فيعطيه ديناً أو يزوجه بنته أو يزوج الموهوب لها لابنه إن كانت أنثى في هذه الحالة لا يجوز للأب أن يرجع في هبته.
أما إذا وهب له وهو متزوج أو عليه دين فإن له الرجوع لأن الهبة لم تكن في تغرير أحد.
ومنها: أن يمرض الولد فإنه لا يصح للأب الرجزع عليه حال المرض لأنه إذا مات كانت الهبة حقاً لورثته برئ كان لوالده حق الرجوع.
الشافعية - قالوا: كتى تمت الهبة بالقبض بإذن الواهب أو تسليمه للشيء الموهوب فإن الهبة تلزم ولا يصح الرجوع فيها إلا الأب وإن علا فيصح للأب أن يرجع في هبته ومثله الجد وإن علا وكذلك الأم والجدة وهكذا. فللوالد أن يرجع في هبته على ولده سواء كان الولد ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً.
ويشترط للرجوع شروط:
أحدهما: أن يكون الولج حراً فإذا كان رقيقاً فلا يصح الرجوع. لأن الهبة للرقيق هبة لسيده وهو أجنبي لا رجوع عليه.
ثانيهما: أن يكون الموهوب شيئاً عيناً فإن كان ديناً للولد فوهبه الوالد له فإنه لا يصح له الرجوع فيه.
ثالثهما: أن يكون الموهوب في سلطة الولد بحيث يتصؤف فيه فلا رجوع إذا انقطعت سلطة الوالد على الموهوب كما إذا وهب العين الموهوبة له بغيره وقبضها الغير فإنه في هذه الحالة تنقطع سلكته وملكه فليس لوالده الرجوع. ومثل ذلك ما إذا رهن العين النوهوبة وقبضها المرتهن فإنه في هذه الحالة لا حق للوالد في الرجوع. وذلك لأن الولد لا سلطة له عبى العين حينئذ وإن كان ملكه باقياً. أما إذا اغتصب العين الموهونة من الولد فإن سلطته تبقى عليها للولد الرجوع.
رابعها: أن لا يحج على الولد لسفه فإن حجر عليه امتنع الرجوع.
خامسها: أن لا تكون العين اللمرهومة مستهلكة كبيض الدجاج والبذر إذا نبت في الأرض. ولا يمنع الرجوع زراعة الأرض وإجارتها لأن العين ياقية وإذا رجع الوالد لا تفسخ الإجارة بل تبقى على حالها ولا ينتفع بها مدة الإجارة.
سادسها: أن لا يبيع الولد الموهوبة فإن باعها امتنع الرجوع.
ومثل ذلك الوقف ونحوه من كل ما يزيل السلطة فإذا عاد ملكه بعد بيعه لم يعد الرجوع.
ولا يمنع الرجوع الزيادة المتصلة بالعين من سمن ونحوها فللوالد أنة يأخذها مع تلك الزيادة.
أما إذا زادت منفصلة كأن ولدت الدابة الموهوبة أو أثمر البستان فإن زسادة المنفصلة تكون للولد لأنها حدثت وهي في ملكه فللأب الرجوع في الأصل.
وإذا أسقط حق الرجوع فإنه لا يسقط ويحصل الرجوع بقوله: رجعت فيما وهبت أو استرجعته أو رددته إلى ملكي الهبة أو أبطلتها أو فسختها ونحو ذلك، ولا يحصل الرجوع ببيع
(3/271)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الواهب العين التي وهبها ولا بوقفها ولا بهبتها ولا بإعتاقها. ويكره الرجوع من غير سبب أما إذا كان لسببب كرجر الولد الإنفاق في الشهوات الفاسدة والمعاصي فإنه لا يكره، بل إذا كان الرجوع في الهبة وتجريد الولد من المال هو الطريق الوحيد منعه عن المعاصي فإنه يجب على الوالد أن يفعل.
أما إذا كان الودل عاقاً وكان الرجوع يزيد في عقوقه فإنه يكره.
الحنابلة - قالوا: للواهب الرجوع في هبته قبل القبض لأن عقد الهبة لا يتم إلا بالقبض.
وإذا باع الواهب الموهوب أو هبته قبل القبض لأن عقد الهبة لا يتم إلا بالقبض.
وإذا باع الواهب الموهوب أو وهبه قبل بطلت الهبة لأن ذلك يعتبر رجوعاً.
أما بعد القبض فإن الهبة تتم للموهوب له، فلا حق للواهب في الرجوع إلا إذا كان أباً فقط، فإذا فضل الأب أبنائه بهبته فإن له الرجوع فيها، ويجب الرجوع إذا وهب له من غير إذن الباقي؛ لأن التسوية بين الأبناء بحسب حقوقهم الشرعية زاجبة على الأب والأم وغيرهما من الأقارب. وعلى أن الرجوع خاص بالأب المباشر فقط سواء أراد التسوية بين أولاده؛ فليس للأم ولا للجد ولا لغيرهما من الأقربين الرجوع في الهبة بعد تمامها بالقبض.
الأول: أن تكون عيناً لا ديناً ولا منفعة؛ فإذا كان للأب على ابنه فوهبه له حق له في الرجوع في هبته؛ لأن هبة الدين إسقاط لا تمليك حتى يملك إليه.
وكذلك ليس له الرجوع في إباحة منفعة بعد استيفائها فإذا أباح الأب لابنه سكنى دار سنة مثلاً، وسكن الوالد بالفعل كا هذه المدة فليس لوالده أن يرجع في ملك المدة التي سكنها وله الرجوع من الآن.
الثاني: أن تكون باقية في ملك الولد. فإن خرجت عن ملكه بأن باعها الوالد أو وهبها لغيره، أو وقفها ولو على نفسه ثم على غيره من بعده، أو دفعها صداقاً لامرأة، أو عوضاً في صلح أو نحو ذلك بطل حق رجوع الأب فيها. وإن عادت إلى الولد بسبب جديد كأن اشتراها ثانياً أو ورثها أو غير ذلك لم يعد حق الرجوع على الابن.
أما إذا عادت بسبب فسخ البيع بعيب فيها أو لفلس المشتري فلم يقدر على دفع الثمن ونحو ذلك فإن للأب حق الرجوع.
ومثل ذلك ما إذا تلفت العين فلا حق للأب في الرجوع في قيمتها.
الثالث: أن لا تخرج العين عن سلطة كما غذا وهبها وقبضها المرتهن فليس للأب حق الرجوع بعد ذلك.
ومثله ما إذا حجر على الابن لفلس، فإذا فك الرهن ورف الحجر عاد حق الرجوع.
أما إذا لم تزل سلطة الابن وتصرفه في العين، فإن للأب الرجوع كالرهن والهبة قبل القبض والإجارة والمزارعة وجعلها مضاربة.
(3/272)

مبحث في مقابل عوض مالي
-تصح الهبة في مقالبل عوض مالي، كما إذا قال شخص لآخر: وهبت لك داري هذه بشرط أن تعوضني عنها مائة جنيه أو نحو ذلك على تفصيل المذاهب (1) .
__________
وإذا رجع الأب في حال تعاقد على الهبة فإن كان العقد من العقود الازمة لا يملك الأب فسخه كالإجارة، وإن كان من العقود التي لا تلزم كالمضاربة والمزارعة والمشتركة فإن له فسخه.
الرابع: أن لا تزيد العين الموهوبة عند الولد زيادة متصلة ترفع قيمتها كالسمن والكبر والحمل. ومن ذلك ما إذا وهب له حيواناً مريضاً فبرئ عنده.
أما الزيادة المنفصلة كولد وثمر الشجرة ونحوهما فلا تمنع الرجوع على العين وتكون الزيادة ملكاً للولد، أما تلف بعض العين أو نقص قيمتها فإنه لا يمنع الرجوع.
وصفة الرجوع من الأب فيما وهبه لابنه أن يقول: رجعت في الهبة له أو ارتجعتها أو رددتها أو عدت فيها أو أعدتها إلى ملكي وغير ذلك من الألفاظ الدالة على الرجوع.
والأكمل أن بقول: رجعت فيما لك من كذا، ولا يحتاج الرجوع إلى حكم حاكم ولا إلى علم الولد.
وإذا أسقط الأب حقه من الرجوع فإنه لا يسقط. وبعضهم يقول: إنه يسقط) .

(1) (المالكية - قالوا: للواهب أن يشترط العوض المالي على هبته، ويعبر عن العوض بالثواب، ويقال للهبة (هبة الثواب)
وينبغي أن يكون شرط العوض مقارناً لصيغة الهبة كأن يقول وهبتك أو أعطيتك هذا الشيء على أن تعوضني أو تثيبني.
وهل يشترط تعين جنس العوض وقدره أو لا؟
والجواب أنه لا يشترط على الصحيح
ففي ذلك صورتان، الصورة الأولى: أن لا يعين جنس العوض وقدره بأن يقول الواهب: وهبت لك كذا بشرط أن تعوضني فإذا قبل الموهوب له كان الحكم في هذه الصورة أن عقد الهبة بلزم الواهب إذا قبض الموهوب العين الموهوبة.
أما قبل القبض فللواهب الرجوع فإذا قبضها الموهوب له لا يلزمه دفع العوض بالقبض بل له أن يردها على صاحبها أو يدفع له قيمتها على صاحبا قبولها أو قبول قيمتها.
أما قبل القبض فله أن يمتنع عن قبول قيمتها ولو مضاعفة، هذا إذا لم يتصرف فيها الموهوب له
(3/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تصرفاً يزيد في قيمتها فإن زادت عنده بسمن أو كبر أو نقصت بمرضص فإنها تلزم الموهوب له في هذه الحالة وعليه دفع فقيمتها على المعتمد وليس له ردها.
والحاصل أن الواهب يكون مخيراً قبل القبض، أما بعد القبض فإن الواهب يلزم بتنفيذ الهبة ويكون الخيار للموهوب له بين رد العين الموهوبة وبين دفع قيمتها يوم قبضها وهذا إذا لم يتصرف بما يغير حالها من زبادة فإن فعل كان ملزماً بالقيمة.
الصورة الثانية: أن يعين جنس العوض وقدره كأن يقول له وهبت لك هذه الدار بشرط ان تعوضني مائة أو تعوضني البستان الفلاني وحكم هذه الصورة أن العقد يلزم بمجرد القبول سواء قبض الموهوب له بالعوض سواء قبض أو لم يقبض فالعقد منهما برضى الموهوب له فإذا متنع عن دفع العوض يجبر عليه.
والهبة في نظير العوض بيع في الحقيقة فلا تخالف إلا في أمور يسيرة منها أنها تجوز مع جهل العوض بخلاف البيع فإنه يشترط فيه الثمن وأنها تجوز الأجل بخلاف البيع.
ولا يلزم أن يكون القبول فيها فوراً كما في البيع، فهي تحل ما أحله البيع ما حرمه؟؟ فلا تصح هبتة ما لا يصح بيعه كالجنين في بطن أمه وثمر البستان الذي يظهر صلاحه.
ويلاحظ في العوض أن يكون مما يصح دفعه في بيع السلم حتى لا يفضي إلى الربا فإذا وهب له عروض تجارة يجوز أن يعوضه عنها من فضة وذهب أو طعام من قمح وشعير إلى ونحوهما أو عروض تجارة من غير جنس العروض الوهوبة وهب له قماشاً ساغ أن يعوضه عنها أو أصنافاً عطرية ونحو ذلك.
وإذا وهب له فضة فلا يصح أن يعوضه عنها دهباً إذا كان في المجلس قبل تفرقهما أما في المجلس فيجوز لأنه يكون من قبيل الصرف.
وكذلك إذا وهب له ذهباً فإنه لا يجوز أن يعوضه فضة إلا في المجلس له خروفاً مذبوحاً (لحماً) فإنه لا يجوز أو يعوضه خروفاً حياً وبالعكس. وإذا وهب (حبوباً) فإنه يجوز أن يعوضه عنها عروض تجارة ونقوداً ولا حبوباً لئلا يفضي ذلك بيع الطعام لأجل منع الزيادة ولو في الجملة.
وإذا لم يشترط الواهب العوض لفظاً لا مبهماً ولا معيناً ولكنه ادعى أنه قصد العوض عند هبته بعد قبض العين الموهوبة فإنه يصدق مالم تقم قرينة أو يدل عرف عملي يشهد ضده فإذا كان مثل الواهب لا يطلب في هبته عوضاً من مثل الموهوب لن القول للوهوب له قبل القبض فالقول للواهب مطلاقً.
وإذا كانت الهبة لعرس وكان العرف يقتضي معوض عليها فللواهب أن يأخذ قيمة هبته معجلاً ولا ينتظر إلى عرس عنده كما هو المعتاد في بعض الجهات هدايا العرس مثلها إلى مهديها.
(3/274)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا أخذ المهدي قيمتها عاجلاً فإن لصاحب العرس أن يحاسبه على ما أكله عنده وأتباعه من نساء ورجال.
أما إذا كان العرف لا يقضتي الرد فلا حق للواهب في طلبها.
وإذا وهب نقوداً مسكونة ولم يشترط العوض فإنه لاحق له في المطالبة بالعوض بدعوى أنه كان ينوي العوض مطلقاً ومثل التقود المسكوكة السبائك والحلي المكسر فإنه لا عوض فيه إلا بالشرط أما الحلي الصحيح فإن الواهب يصدق فيه.
فإن وهب أحد الزوجين للآخر فإنه لا يصدقْ في دعوى العوض إلا إذا شرطه أو قامت قرينه تدل على نية العوض وهذا في غير النقود المسكوكة، أما هي فلا يصدق فيها إلا بالشرط ولا تكفي القرينة.
وكذا إذا وهب شيئاً لقادم من سفر، ولم يشترط العوض فإنه لا يصدق في دعوى العوض ولو كان فقيراً وتضيع الهبة مجاناً.
الحنفية - قالوا: الهبة بشرط العوض جائزة ويصح عقد الهبة والعوض لازماً للواهب والموهوب له إذا قبض الواهب العوض أما إذا لم يقبضه كان لكل منهما الرجوع ولو قبض الموهوب الهبة كما عرفت.
ويشترط في ذلك أن يذكر الموهوب له لفظاً يعلم الواهب منه لأن العوض بدل عن كل هبته كأن يقول له: خذ هذا المال أو العقار عوض هبتك أو بدلها أو في مقابلها ونحو ذلك. فإذا لم يذكر ذلك كان للواهب حق الرجوع في هبته، وكان للموهوب له حق الرجوع في العوض الذي دفعه.
وبعضهم يقول إنه لا يشترط أن يقول خذ بدل هديتك أو عوضها بل اللازم فعل ما يدل على ذلك بما هو متعارف بين الناس، فإذا دفع إليه المبلغ بقصد العوض وكان معروفاً أنه لا يكون لهما حق الرجوع.
ويشترط في العوض ما يشترط في الهبة فلا يتم إلا بالقبض، ولا بد أن يكون مقروزاً غير شائع الخ ولا فرق فيه بين أن يكون موازياً للهبة أو أكثر أو أقل.
وإذا وهب الأب لابنه الصغير فإنه لا يجوز له أن يأخذ في نظير هبته عوضاً من مال الصغير، وإذا وهب الموهوب. وإذا وهب النصراني للمسلم عيناً فإنه لا يجوز أن يعوضه بدلها خمراً أو خنزيراً.
ويشترط أن لا يكون العوض بعض الموهوب. فإذا وهب له بقرتين فلا يصح أن يعطيه إحداهما عوضاً، فإذا فعل كان للواهب حق الرجوع في الثانية.
وهل يشترط في العرض أن يذكر في عقد الهبة أو يصح بعد تمامها بحيث إذا قبضها الموهوب له وأراد الواهب الرجوع فيها فأعطاه الموهوب له عوضاً يصح ويمنع الرجوع؟ خلاف.
وبعضهم يقول: إنه لا بد من ذكره في عقد الهبة.
(3/275)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وبعضهم يقول: لا بل اللازم هو إضافة للهبة التي تمت كأن يقول: هذا عوض عن هبتك، فإذا قبضه لا يكون له حق الرجوع.
أما إذا لم ينص على أنه عوض عن هبته فإن الوض يكون هبة جديدة، ويكون لكل منهما حق الرجوع.
الشافعية - قالوا: الهبة بشرط العوض ويقال له الثواب صحيحة بشرط أن يكون العوض معلوماً، وفي هذه الحالة تكون بيعاً لها حكم البيع.
أما إذا لم يشترط العوض ولا عدمه فإذا كانت قرينة على طلب العوض وجب دفعه أو رد الموهوب، وإذا لم تقم قرينة فلا عوض، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الواهب أعلى من الموهوب له أو نظيره أو أدنى منه.
وإذا شرط عوضاً غير معين كأن قال: وهبتك على أن تعوضني دابة مثلاً فإن الهبة تبطل، فإذا قبضها كانت معاوضة بالشراء الفاسد؛ فيضمنها ضمان المغصوب.
الحنابلة - قالوا: الهبة بشررط العوض تصح إن كان العوض معلوماً حكم اليبع تثبت فيها الشفعة ونحوها مما يثبت في البيع.
أما إن كان العوض مجهولاً فإن الهبة لم تصح أصلاً؛ ويكون حكمها في هذه الحالة حكم البيع الفاسد؛ فغن قبضها الموهوب له كان عليه ضمانها بمثلها وإن كانت مثلية، وقيمتها إن كانت متقومة، وإن كانت باقية وجب عليه ردها بزيادتها المتصلة والمفصلة.
وإذا لم يشترط الواهب العوض لفظاً، وادعى أنه وهبها للعوض يسمح قوله - ولو قامت القرينة على ذلك أو كان العلاف مؤيدة في دعواه - لأن مدلول لفظ هبة العوض والقرائن لا تساوي اللفظ الصريح فلا يعمل بها) .
(3/276)

مباحث الوصية
تعريفها ودليليها
-الوصية تطلق في اللغة على معان، يقال إلى فلان بمال جعلته له وأوصيته بولده استعطفته عليه، وأوصيته بالصلاة أمرته بها. ويقال وصيت الشيء بالشيء إذا وصلته به وصلته به كأن الموصي لما أوصى بالمال وصل ما بعد الموت بما قبله في نفوذ التصرف.
والاسم الوصاية، بكسر الواو وقد تفتح.
وأما معناها في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب (1)
__________
(1) (الحنفية - قالوا: الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.
فقوله تمليك يشمل العقود التي تنقل ملكيتها كالبيع والهبة وغيرهما.
وقوله مضاف لما بعد الموت يخرج ما عدا الوصية.
وقوله بطريق التبرع يخرج الإقرار بالدين فلو أقر في حياته بدين لآخر ثم مات كان ذلك الإقرار تمليكاً للدين بعد الموت.
وقد يقال إن الإقرار بالدين ليس تمليكاً، وإنما هو إظهار لما في ذمته فهو خارج بتمليكه وعلى هذا فلا حاجة إلى قيد بطريق التبرع.
ولا فرق في الموصى به بين أن يكون عيناً أو منفعة. ولا يشترط أن يضيف الوصية إلى الموت لفظاً فلو قال أوصيت بكذا ولم يقل بعد موتي صح حتى ولو لم يصرح بالوصية بل ذكر على الوصية كقوله لفلان ألف قرش من ثلثي مالي أو ربعه فلا تصح إلا إذا ذكرت الوصية.
المالكية - قالوا: الوصية في عرف الفقهاء عقد يوجب حقاً في ثلث مال عاقده يلزم بنوته، أو يوجب نيابة عنه بعده.
ومعنى التعريف أن عقد الوصية يترتب عليه أحد أمرين:
الأول: ملكية الموصى له ثلث مال العاقد (الموصي) بعد موته بحيث لا يكون العقد لازماً إلا بعد الموت أما قبل الموت فلا يكون العقد لازماً.
الثاني: نيابة عن الموصي في التصرف فالموصي إما أن يوصي بالإقامة نائب عند موته (وصي) وإما أن يوصي بمال.
(3/277)

وأما دليل مشروعيتها فالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية}
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: "وما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"
ومعنى الحديث: ليس من الحزم والرأي السديد أن يمر على الإنسان زمن يملك فيه مالاً يوصي به ولا يكتب وصيته فليس المراد خصوص الليلتين بل الحث على المبادرة بكتابة الوصية.

أركان الوصية وشروطها
-أركانها: موصٍ، وموصى له، وموصى به، وصيغة. وأما شروطها ففيها شروط المذاهب (1) .
__________
وبعض المالكية عرف بالوصية بما عرفها به الحنفية. ولا يخفى أن الأول يشمل الوصية بمعنى إقامة الوصي بخلاف الثاني.
الشافعية - قالوا: الوصية تبرع بحق مضاف إلى بعد الموت، سواء أضافة لفظاً أولا فإذا قال أوصيت لزيد بكذا كان معناه بعد الموت.
الحنابلة - قالوا: الوصية هي المر بالتصرف بعد الموت كأن يوصي شخصاً بان يقوم على أولاده الصغار أو رزوج أو يفرق ثلث ماله ونحو ذلك.
وهذا تعريف الوصية يمعنى الإيصاء أي إقامة وصي. وأما تعريفها بمعنى إعطاء الغير جزءاً من المال فهو أن يقال الوصية "تبرع بالمال بعد الموت") .

(1) (الحنفية - قالوا: إن للوصية ركناً واحداً وهو الإيجاب والقبول كما عرفت في نظائره.
فأما الإيجاب فهو أن يقول أوصيت بكذا لفلان أو أوصيت إلى فلان. أو جعلت إلى فلان ثلث مالي بعد موتي ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الوصية.
وأما القبول فإنه شرط فادة الملك به فلا يملكه الموصى له قبل القبول فلا يشترط القبض في الوصية بخلاف الهبة.
ويشترط في القبول أن يكون بعد الموت فإذا قبل الموصى له في حال حياة الموصي أو ردّ الوصية وقع ذلك باطلاً وله القبول بعد الموت. وذلك لأن الوصية تمليك بعد الموت فهي معلقة على الموت
(3/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حتى لو أروصى له بثلث غنمه الموجودة تحت يده ثم مات بعد أن انقرض نصفها لا يملك إلا ثلث الباقي وهكذا فالإيجاب لا يتحقق ثبوته إلا بعد الموت. فطذلك القبول أو الرد لا ينفع إلا بعد الموت.
أما قبل الموت فلا إيجاب. وبعضهم يقول إن القبول بشرط لأن الوصية من باب الميراث.
والقبول إما أن يكون صريحاً كأن يقول قبلت الوصية. أو يكون دلالة.
ومثاله أن يموت الموصى له من غير قبول سكوته دلالة على القبول ويأخذ وارثه الموصى به. ويقوم الفعل مقام القول، كما إذاى نفذ الموصى له الوصية فعلاً فإن ذلك يعتبر قبولاً.
الحنفية - قالوا: يشترط في الموصي أن يكون أهلاً للتمليك (رأي يفيده غيره الملك) وهو ما اجتمع فيه أمور:
منها: أن يكون بالغاً فلا تصح وصية الصغير واحد بتجهيزه ودفنه، وعلى ذلك يحمل ما ورد عن عمرر رضي الله عنه من إجازته صبي مراهق.
ومنها أن يكون عاقلاً فلا تصح وصية المجنون حال جنونه ولو أفاق ومات بعد إفاقته لن الأهلية كانت معدومة وقت الوصية.
وإذا وصى حال إفاقته ثم جن فإن جنونه مطبقاً واستمر ستة أشهر بطلت الوصية وإلا فلا.
أما إذا وضى وهو سليم ثم طرأ عليه وسواس حتى صار معتوهاً واستمر كذلك حتى بطلت الوصية.
ومنها أن لا يكون مديناً ديناً يستغرق كل ماله فإن كان كذلك فإن الوصية لا تصح. وذلك لأن سداد الدين مقام على تنفيذ الوصية.
ومنها: أن لا يكون هازلاً ولا مخطئاً ولا مكرهاً.
ومنها أن لا يكون وارثاً وقت الموت لا وقت الوصية.
فإذا أوصى شخص لأخ وارث وقت الوصية ثم ولد يمنع الخ من الإرث صحت الوصية وعلى عكس ذلك ما إذا أوصى لأخ لا يرث لوجود ابن للموصي ثم مات الابن قبل موت أبيه وأصبح الأخ وارثاً فإن الوصية تبطل.
وإذا أجازت الورثة للوارث فإنها تنفذ.
ويشترط في المجيز أن يكون عاقلاً بالغاً صحيحاً لا مريضاً فإذا أجاز المريض ومات في مرضه لا نتفذ إجازته إلا إذا أجازتها الورثة فيهم هذه الشروط.
(3/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن لا يكون رقيقاً -ولو مكانياً - إلا إذا علق ما بعد الغتق فإنه يصح، وتجوز وصية ابن السبيل وهو البعيد عن ماله.
ومنها: أن لا يكون الموصي معتقل اللسان طرأ على لسانه مرض منعه من النطق فإن وصيته لا تصح إلا إذا استمر زمناً فصار كالأخرس بحيث يتكلم بالإشارة المعهودة وحينئذ تكون إشارته وكتابته كالنطق فإشارة الأخرس تقوم مقام نطقه لأنها أصبحت معهودة للناس.
ومثله من طرأ على لسانه مرض وصارت له إشارة معهودة يخاطب بها الناس فإنها تقوم مقام نطقه في الوصية والطلاق والنكاح والشراء أما إذا كانم مرضه عارضاً وليست له إشارة معهودة فإن هذه العقود لا تصح منه حتى يبرأ لسانه.
ويشترط في الموصى له أمور:
منها: ان يكون أهلاً للتمليك فلا تصح الوصية لمن لا يملك كما إذا قال أوصيت بهذا التبن لدواب فلان هذه الصيغة تفيد أنه جعل التبن ملكاً للدواب وهذا لا يصح ولو أراد إطعامها به لأن العبرة في مثل هذا اللفظ لا لنقد المتكلم. فإذا قال أوصيت بهذا التبن ليعلف به دواب فلان فإنه يصح، ولا يشترط القبول في مثل هذه الحالة لأن للوصية جهتين إذ هي تارة تشبه الهبة، وفي هذه الحالة يشترط لها القبول فمتى كان القول ممكناً بحيث ينأتى من الموصي له شرطاً لنفاذها، وتارة تشبه الميراث فلا يشترط فيها القبول عند تعذره كالوقف على الفقراء والمساكين.
وكذا تصح الوصية إذا قال أوصيت بكذا لللإنفاق على دابة فلان أو فرسه ويجب تنفيذ الوصية للإنفاق على الدواب ولا يصح بيعها وإذا مات بطلت الوصية. وإذا كان يملك دواب حال حياة الموصي ثم اشترى غيرها بعد موته فإنه ينفق على الذي اشترها بعد موته فقط لأنها هي المقصودة بالوصية.
ومنها: أن يكون حياً وقت الوصية ولو تقديراً فيشمل الوصية للجنين في بطن أمه فإنه حي تقديراً فتصح الوصية للحمل كما تصبح به كقوله: أوصيت بحمل دابتي هذه لفلان أو أوصيت بهذه الدابة للحمل الذي في بطن فلانة، ولا يشترط القبول في هذه الحالة كما عرفت، وإنما تصح الوصية للحمل بشرط أن يكون موجوداً حين الوصية، ويعرف حياً في مدة نقل عن ستة أشهر من تاريخ الوصية إذا كان لها زوج متمكن من قرباتها، فإذا مات الموصي ثم ولدت بعد موته في مدة تقل عن ستة أشهر علم أن الوالد كان موجوداً وقت الوصية.
أما إذا ولدته بعد مضي ستة أشهر كاملة لم يثبت عند الوصية لأن أقل الحمل ستة أشهر فيمكن أن تكون علقت به بعد الوصية فلا يكون موجوداً عندها.
أما إذا كان الزوج ميتاً أو كانت مطلقة بائناً فإن الوصية تصح إذا ولدته لأقل من سنتين من وقت الموت أو الطلاق ولو كان لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية فإذا جاءت به لأقل من سنتين حياً
(3/280)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فإنه يثبت وجوده عند الوصية حكماً بدليل ان النسب ميثبت من الزوج باعتبار أنها به قبل موته أو قبل طلاقها.
وبذلك نكون قد حكمنا بوجود الولد موت الموصي لأن المفروض أن الموصى مات بعد الزوج.
ومتى حكمنا بذلك فقد حكمنا بوجود الولد عند الوصية كما لا يخفى.
وكما تصح الوصية لحمل الإنسان كذلك تصح لحمل الحيوانت ليفق عليها من الموصى به كما عرفت.
ومنها: أن لا يباشر قتل الموصي عمداً أو خطأ، فإذا أوصى شخص لآخر ثم قتله الموصى له بعد الوصية بطلت، وكذا إذا ضربه ضربة قاتلة ثم أوصى له بعد الضربة ومات فغن وصيته تبطل. وإذا أجازت الورثة، وإذا كان القاتل صبياً أو مجنوناً نفذت الوصية ولو لم تجزها الورثة.
ومنها: أن يكون الموصى له معلوماً ويكفي علمه بالوصف كالمساكين والفقراء فتصح الوصية إذا قال: أوصيت للفقراء أو للمساكين.
ولا يشترط في الموصى له أن يكون مسلماً فتصح الوصية من المسلم للذمي إلا ان يكون حربياً في دار الحرب. فإذا خرج من دار الحرب وطلب أخذ الوصية فلا يأخذ الوصية منها شيئاً ولو أجاز الورثة.
أما المرتد فإن الوصية له لا تصح من المسلم، وتصح وصية الذمي المسلم، ويشترط في الموصى به أمور:
منها: أن يكون قابلاً للتملك بعقد سواء كان مالاً أو منفعة فكل ما يصح تمليمه بعقد البيع ونحوه أو بعقد الإجارة كمنافع الدار والدواب ونحوهما فإنه يصح الوصية به. ولا يشترط أن يكون الموصى به موجوداً في الحال فتصصح الوصية بالمعدوم المحتمل وجوده كالوصية بثمر لفلان ما دام حياً.
ومثل ذلك ما إذا أوصى لزيد بثلث ماله ولم يكن له مال وقت الوصية ولكن ربح مالاً قبل موته فإن زيداً يستحق ثلثه بعد موت الموصي.
نعم إذا كان الموصي به معيناً فإنه يشترط موجوداً وقت الوصية.
كما لإذا قالت: أوصيت لفلان بثلث غنمي فإنه يلزم أن تكون الغنم موجودة عند الوصية.
ومثل ذلك ما إذا كان الموصى به شائعاً في بعض ماله.
كما إذا قال: أوصيت لفلان بالمعز من غنمي فإنه تكون المعز موجودة عند الوصية.
أما إذا كان شائعاً في كل المال، كما إذا قال: أوصيت له بمعز من مالى فإنه لا يشترط وجود المعز عند الوصية بل الشرط وجودها عند الموت.
(3/281)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومنها: أن يكون الموصى به ثلث المال فلا تنفذ الوصية فيما زاد على الثلث إلا أن يجيزه الورثة وهو كبار. ولا تنفع إجازتهم في حال حياته بل لا بد من الإجازة بعد موته. فإذا أجازوا حال حياته حال حياته كان لهم الرجوع.
وإذا أوصى بجميع ماله لشخص وليس له وارث نفذت وصيته بدون إجازة بيت المال.
وإذا أوصى الرجل لزوجته ببكل ماله وليس لها وارث سواه فإن الوصية تصح وتاخذ كل المال ومثله ما إذا أوصت المرأة لزوجها. أما غير الزوجين فإنه إذا لم يكن ثمة وارث سواه فإنه يأخذ الكل بدون وصية، إما برد أو رحم بخلاف الزوجين فإنهما لا يأخذان كل المال إلا بالوصية.
المالكية - قالوا: أن يكون حراً فلا تصح وصية الرقيق ولو بشائبه رق.
ثانيهما: أن يكون مميزاً فلا تصح وصية المجنون والصغير والسكران إذا فقدوا التمييز وقت الإيضاح. فالبلوغ غير شرط.
ومثل ذلك السلامة من السفه فإنهما ليست بشرط إذ للسفيه أن يوصي سواء كان له قيم مولى عليه أو لا.
فإذا تداين السفيه ولي ثم مات الولي لا يلزم ورثته سداد ذلك الدين إذا
أوصى به فإنه يسدد من ثلث ماله.
وبعضهم يقول: يلزمه الدين بعد موته وإن لم يوص عليه.
وهل تصح وصايا الصبي مطلقاً أو تصح بشرط أن تكون وصايا بقربة؟ خلاف.
فبعضهم يقول: إذا أوصى الصبي لسلطان مثلاً فإن وصيته باطلة على رأي من يشترط لصحة وصيته أن تكون بقربة لأن الوصية لذي سلطان بقربة.
وتكون صحيحة على رأي من لا يشترط ذلك.
ولا يشترط في الموصي الإسلام فتصح وصية الكافر للمسلم. إلا إذا وصى بما يحرم على المسلم الانتفاع به كالخمر والخنزير.
ويشترط في الموصى له أن يكون ممن يصح أن يملك ما اوصى له به إما حالاً وإما مآلاً فيصح الإيصاء للحمل الموجود أو الذي سيوجد.
فإذا قال: اوصيت بكذا لمن سيوجد فللان من أولاده فإنه يشمل من كان حملاً في بطن أمه ويشمل من لم يكن موجوداً اصلاً فيؤجر الموصى به للحمل إذا لم يكن حمل وللوضع إن كان حمل فإذا وضع الولد واستهل صارخاً استحق الموصى به وإلا فلا، فنزول الولد مستهلاً شرط استحقاقه للموصى به لا لصحة الوصية.
(3/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فإذا ولدت أكثر من واحد وزرع الموصى به عليهم بنسبة واحدة الذكر مثل الأنثى ما لم ينص على غير ذلك فإن نص على تفصيل أحد عمل بنصه.
ولا يشترط في الموصى له أن لا يكون قاتلاً للموصي الوصية للقاتل بشرط أن تقع الضربة وأن يعرف المقتول قاتله فإذا ضرب شخص آخر ضربة قاتلة أو خطأ ثم اوصى له بعد الضربة بشيء من ماله ومات فإن الوصية تصح وتؤخذ الوصية من ثلث التركة وثلث مال الدية في القتل خطأ ومن أصل مال المتوفى في القتل عمداً.
أما إذا أوصى له قبل أن يضربه فأماته فإن الوصية تبطل سواء عرف القاتل ولم يغير الوصية أو لا على الراجح لأن في ذلك شبهة استعجال الوصية كالميراث.
ويشترط في الصيغة أن تكون بما يدل على الوصية من لفظ صريح كأوصيت أو غير صريح ولكن يفهم منه الوصية بالقرينة كاعطوا كذا لفلان بعد موتي ومثل اللفظ والإشارة المفهمة ولو كان الموصي قادراً على النطق.
أما القبول فهو شرط لنفيذ الوصية بعد الوصية بعد الموت ولا بد أن يكون القبول بعد الموت فإذا حصل القبول قبل الموت فإنه لا ينفذ.
ويشترط لصحة القبول أن يكون حاصلاً من الشخص الذي عينه الموصي إذا كان بالغاً رشيداً فإن لم يكن كذلك فإن وليه يقوم مقامه في القبول عنه.
فلو مات الموصى له قبل القبول فإن وارثه يقوم في القبول.
فإذا لم يكن الموصى له معيناً كأن أوصى للفقراء والمساكين فإن الوصية تصح بدون قبول هذه الحالة.
وإذا مات الموصي وتأخر القبول زمناً ارتفعت فيه قيمة الموصى به فهل الزيادة تكون حقاً للموصى له اختلف في ذلك على أقوال ثلاثة:
أحدهما - أنها كلها للموصى له.
ثانيها - أنهما كلها للموصي.
ثالثها - أن للموصى له ثلثها فقط. والقول الثالث هو أعدل الأقوال وأشهرها.
فإذا أوصى له ببستان يساوي ألف جنيه وكان ذلك يعادل ثلث ماله، ثم مات الموصي وتأخر قبول الموصى له حتى أثمر البستان فزاد ثمنه مائتي جنيه فأصبح يساوي ألفاً ومائتي جنيه ثم قبله الموصى له بعد ذلك. فعلى القول الأول يكون له خمسة أسداس فقط وهو ألف لأن السدس الذي زاد فيه قبل قبوله وهو المائتين يكون حقاً لورثة الموصي
وعلى القول الثاني: يكون البستان الذي يساوي ألفاً مع المائتين الزائدتين حقاً للموصى له لأنه ثبت له ملك البستان بوفاة الموصي، فما يحدث فيه يكون حقاً له.
(3/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وعلى القول الثلث يكون للموصى له الأصل وهو يساوي الألف وثلث الثمرة لأنه وغن كانت ثبت له الملك بموت الموصي ولكن المعتبر في تنفيذ الوصية القبول فمتى لم يحصل القبول كانت الزيادة الحادثة تركة يستحق الموصى له ثلثها والثلثين للورثة وذلك أعدل الأقوال وأشهرها فهو يستحق ألفاً وستة وستين وثلثاً. فإذا أخذ الألف فقط نقص عما يستحقه من ثلث مال المتوفى كله لأن المائتين اعتبرت تركة للمتوفى إذا لم تحدث في ملك الورثة.
الشافعية - قالوا: يشترط في الموصي أن بالغاً عاقلاً حراً مختاراً فلا تصح وصية الصبي والمجنون والمعنى عليه.
أما السكران المتعدي بسكره فهو كالمكلف تصح منه سائر العقود وكذا لا يصح وصية الرقيق مكاتباً كان أو غيره كما لا تصح وصية المكره.
ولا يشترط الإسلام فتصح الوصية من الكافر سواء كان حربياً أو لا، وكذا تصح وصية المرتد بشرط أن يعود للإسلام.
أما إذا مات مرتداً فإن وصيته ولا يشترط في الموصي أن يكون محجوراً عليه فتصح وصية المحجور عليه لسفه أو فلس لأن صحيحة وهو في حاجة إلى الثواب.
أما الموصى له فيشترط فيه شروط:
أحدهما: أن يكون ممن يتأتى له الملك بنفسه إن كان مكلفاً أو بوليه إن كان صبياً أو مجنوناً ونحوهما فتصح للعاقل والكبير والصغير حتى الجنين في بطن أمه ولو قبل انفصاله على المعتمد. نعم يصح أن يقول:
أوصيت بكذا لأولاد زيد الموجودين، لمن سيحدث له من الأولاد، فإن الوصية تصح للجميع على أن يكون المعدوم تابعاً للأولاد الموجودين وهذا بخلاف الوقف كما سيأتي لأن الوقف يصح في ذلك نظراً لكون المقصود منه الدوام ولكن يقبل عمن ليس أهلاً كالصغير والمجنون لوليه.
الملك فإن الوصية له لا تصح كالميت فإنه يصح لفلان حال موته
أما الوصية لميت نغسله وتكفينه وتجهيزه فهي جائزة لأنها في الحقيقة وصية لمن يلي أمر تجهيزه أو يقال لجهة بر لا لشخص الميت.
ومن ذلك الوصية على الدابة لأنها أهل للملك إلا إذا كان الغرض صاحبها أو علفها فإن كان الوقف على علف الدابة كان وقفاً على جهة بر إطعام الحيوان والرفق به من جهات البر فيشترط لصحة الوصية أن يقبلها مالك الدابة لأنه بالوصية في هذه الحالة ولكن لا يسلم علفها المالك بل يصرفه الوصي إن كان وصي فإن لم يكن يسلم للقاضي أو نائبه.
(3/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولا يصح الإنفاق على غير الجهة التي عينها الموصي وهو علف الدابة. فإذا باع الدابة لغيره فإن كان ذلك حال حياة الموصي كانت الوصية باقية للبائع.
وإذا باعها بعد موته انتقلت للمشتري على المعتمد على أنه يلزم لصرف به على علف الدابة إذا قامت قرينه أن المقصود مالك الدابة فإنه يملك الموصى به أي حال.
ومن ذلك ما إذا أوصى على من سيحدث لزيد من الأولاد فإنه لا يصح لأن الشرط أن يكون الموصصى له ممن يتأنى له الملك والمعدوم لا يتأنى له الملك.
ثانيها: أن يكون الموصى له معيناً إن كلن غير جهة كزيد فإذا أوصى بثلث ماله لزيد ولم يعينه في العقد فلا تصح الوصية له.
أما إن كان الموصى له جهة بر فإنه لا يشترط تعيينها فإذا قال أوصيت بثلث مالي للفقراء والمساكين فإنه يصح ولا يلزم تعيين فقراء مخصوصين بل لو قال: أوصيت بكذا من مالي ولم يذكر الموصى له أصلاً فإنه يصح لأن الموصى له يكون مذكوراً ضمناً وهو جهة البر.
ثالثها: أن يكون مياحاً قابلاً بالاختيار، فلا تصح الوصية بحد قذف على غير من هو عليه، فإذا قال القاضي مثلاً أوصيت بتنفيذ حد قذف فلانة على زيد، وكان زيد غير قاذف فإن الوصية لا تصح لأن حد القذف لا يقبل النقل ممن وجب عليه إلى غيره أما إذا كان زيد هو القاذف فإن الوصية تصح ومثل ذلك بالشفعة لشخص لا يستحقها.
وتصح الوصية بالحمل لأنه لا يقبل النقل من اختصاص شخص إلى آخر فإذا أوصى شخص لآخر بالحمل الذي في بطن بقرته فإن الوصية تصح، وإذا كان الحمل موجوداً في بطن أمه يشترط أن يكون وجوده معروفاً عند الوصية، وأن ينفصل حياً ويرجع في معرفة مدة حمله إلى أهل الخبرة، وكما تصح للحمل فإذا قال: أوصيت لولد فلان الذي في بطن أمه بكذا فإن الوصية تصح له بشرط أن يكون موجوداً عند الوصية، وأن ينفصل حياً حياة مستقرة. ويعرف وجوده إذا ولدته في مدة تقل عن ستة
أشهر من وقت الوصية إذا كانت المرأة فراشا ينسب الحمل إليه كأن تكون متزوجة. اما إذا لم تكن كذلك فإن لم يكن لها فراش أصلاً فلا تصح الوصية أما إذا كان لها زوج ومات عنها أو طبقها فإن الوصية تكون له إذا ولدته لأكثر من ستة أشهر إلى أقل من أربع سنين وهي أكثر مدة الحمل.
أما إذا كان الحمل معدوماً رأساً فإن الوصية تصح به وله لأنه لا يشترط أن يكون الموصى به موجوداً فتصح الوصية بثمر البستان ويحمل الدابة في هذا العام على الأصح. وكذا لا يشترط في الموصى به أن يكون طاهراً فتصح الوصية بالكلب المباح نفعه وبالزيل الذي ينتفع به أما الذي لا ينتفع به فلا تصح به الوصية.
وأما الصيغة فيشترط لها أن تكون بلفظ يدل على الوصية سواء كان صريحاً أو كتابة فالصريح كقوله أوصيت له بكذا أو أعطوه له أو هو هبة بعد موتي.
(3/285)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والكناية كقوله هواه من مالي بشرط النية في الكناية. أما القبول فهو أن يقول: قبلت وهل يشترط أن يكون لفظاً فلا يكفي فيه الفعل؟ قولان والأوجه أنه لا بد من اللفظ ولا بد أن يكون القبول بعد الموت إذ لا تلزم الوصية إلا بعد الموت.
الحنابلة - قالوا: أن يكون عاقلاً فلا تصح من المجنون مطبقاً.
أما الذي يغمى عليه أو يختنق (يتشمج) أحياناً ثم يقيق وصيته حال إفاقته.
أما ضعيف العقل ضعفاً لا يمنع رشده فإن وصيته في ماله فله أن يوصي بعد موته بثلث ماله كما يصح له أن يقيم وصياً على أولاده من بعد
لأن رشده لم يذهب فله أن يتصرف لنفسه ولأولاده.
فإذا كان ضعيف العقل تمنع رشده ويوجب الحجر عليه فإنه يصح له أن يوصي بماله فقط ولا يصح أن يقيم وصياً على أبنائه لأنه إذا كان لا يحسن التصرف على نفسه فلا يملك اختيار من يتصرف على غيره.
ويلحق بالمجنون السكران فإن وصيته لا تصح.
ومنها: أن يكون مميزاً فلا تصح من طفل فاقد التمييز أما البلوغ فليس بشرط قتصح من الصغير المميز. منها أن يكون قادراً على النطق فإن اعتقل لسانه فلا تصح إشارته ولو كانت مفهومة إلا إذا كان ميؤساً من برئه، فإن إشارته المفهومة تكفي كالأخرس فإن وصيته تصح بإشارته المفهومة فإن لم تفهم إشارته فلا تصح وصيته.
ومنها: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه إذا أراد الإيصال على أولاده فإذا قال المحجور عليه لسفه أوصيت على أولادي فلاناً من بعدي فإن وصيته تبطل لأنه لم يحسن التصرف على نفسه فلا يحسن اختيار من يوصيه على غيره.
أما وصيته بمال فإنها تصح لأن فيها نفعاً كالصلاة والصيام ونحوهما من العبادات، ومثله المحجور عليه لفلس فإن وصيته ولا يشترط في الموصي أن يكون مسلماً فتصح من الكافر كما تصح من الفاسق.
ويشترط في الموصى له أن لا يكون قاتلاً للموصي سواء كان القتل عمداً أو خطأ فإذا أوصى شخص لآخر فقتله بطلت الوصية وإذا ضربه فجرحه ثم أوصى له ومات من الجرح بطلت الوصية أيضاً.
ولا يشترط في الموصى له أن يكون مسلماً فتصح للكافر ولو مرتداً أو حربياً بدار الحرب ما لم يكن مقاتلاً فإن كان فلا تصح الوصية على الصحيح.
وأن يكون موجوداً عند الوصية فتصح الوصية على الحمل بشرط أن يكون موجوداً حال الوصية
(3/286)

مبحث حكم الوصية
-حكم الوصية بالنسبة للوصي يختلف الأحوال.
فتارة تكون الوصية واجبة، وتارة تكون مندوبة، وتارة تكون محرمة وفي ذلك تفصيل المذاهب (1) .
__________
بأن تضعه لأقل من ستة أشهر من حين الوصية وبشرط أن تكون فراشاً لزوج أو سيد أو بائناً فإن لم تكن فراشاً أو كان زوجها في بلد بعيد أو محبوساً فإن الوصية إذا وضعته لأقل من أربع سنين، كما ذكر عند الشافعية.
وتصح الوصية لفرسس زيد ودابته ولو لم يقبل زيد الموصى به ويصرف الموصى به في علفه فغن مات الفرس قبل الإنفاق عليه كان الباقي لورثة الموصى، ويتولى الإنفاق عليه الوصي أو القاضي لا صاحب الفرس.
ويشترط في الموصى به أن يكون في اختصاص الموصى فلا تصح الوصية بملك الغير ولو ملكه بعد الوصية، فإذا قال: أوصيت بمال فلان ثم ملكه بطلت الوصية.
ولا يشترط في الموصى به ان يكون موجوداً فتصح الوصية بالمعدوم كثمر البستان مدة معينة أو دائماً كما تصح الوصية مما تحمل دوابه وأغنامه وبعضهم يقول: لا تصح بمثل ذلك، ولا يشترط فيه أن يكون طاهراً فتصح الوصية بالزيت المتنجس الذي ينتفع به بشرط أن لا يستعمل في مسجد، كما تصح الوصية بكلب الصيد بشرط أن لا يكون أسود بهيماً ونحو ذلك مما فيه نفخ مباح.
وكذا لا يشترط فيه أن يكون مقدرواً على تسليمه فتصح الوصية بالطير في الهواء والحيوان الشارد ونحو لك وعلى الموصى له أن يسعى في الحصول عليه.
أما الصيغة فيها أن تدل على معنى الوصية سواء كان إيجاباً أو قبولاً.
فأما الإيجاب فهو كقوله: وصيت لك بكذا أو أوصيت لزيد بكذا أو أعطوه من مالي بعد موتي كذا أو جعلته له بعد موتي أو هو بعد موتي ونحو ذلك مما يؤدي إلى مما يؤدي إلى معنى الوصية كملكته له بعد موتي.
وأما القبول فيشترط فيه أن يكون بعد الموت ولا عبرة بقبوله أو رده قبل الموت ويحصل القبول باللفظ كقبلت وبالفعل كأخذ الموصى به ونحو ذلك مما يدل على الرضا كبيع الموصى به وهبته.
أما الرد فيحصل بقوله: رددت الوصية أو لا أقبلها ونحو ذلك ويجوز التصرف في الموصى به بعد ثبوت الملك بالقبول ولو لم يقبض.
لا يشترط القبول إذا كان الموصى له جماعة غير محصورين كالمساكين والعلماء ونحوهم) .

(1) (الحنفية - قالوا: ينقسم حكم الوصية بالنسبة للموصي إلى أربعة أقسام: الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهة.
(3/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فأما الوصية الواجبة فهي ما يترتب عليها إيصال الحقوق لأربابها كالوصية برد الودائع والديون المجهولة التي لا مستند لها فإنه بفترض عليه أن يوصصي بردها إلى أربابها لأنه إن لم يوص ببها ومات تضيع على أربابها فيأثم بذلك.
وأما الوصية المستحبة فعي ما كانت بحقوق الله تعالى كالوصية بالكفارات والزكاة وفدية الصيام والصلاة والوصية بحجة الإسلام وغير ذلك من القرب.
وبعضهم يقول: عن الوصية بحقوق الله المفروضة واجبة عليه أن يوصي بالزكاة والكفارات الواجبة ونحو ذلك، والظاهر الأول.
وأما الوصية المكروهة فهي ماكانت لأهل الفسوق والمعاصي كالوصية لإخوان السوء والضلال.
وأما الوصية المباحة فهي ماكانت للأغنياء من اهله وأقاربه أو من غيرهم فليست الوصية للأهل والأقربين مفروضة.
وأما قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك الوصية للوالدين} الآية فهو حكم مؤقت للوالدين بإعطائهم جزءاً من المال قبل نزول آيات المواريث، وتنظيم حقوق الوراثة، وقد انتهى بزول المواريث.
وإذا أوصى بفرض كإخراج الزكاة، وكفارة القتل واليمين، وإخراج فدية الصيام والصلاة فإن كان الثلث يكفي لها جميعها فالأمر ظاهر. وإلا فيقدم حق العبد على حق الله تعالى، فتقدم الزكاة وكفارة القتل ونحوهما على فدية الصيام. ويقدم من حقوق من حقوق الله الفرض على الواجب، والواجب على المستحب.
فإذا اجتمعت فرائض كالحج والزكاة قدم الحج وهما يقدمان على الكفارات، والكفارات تقدم على صدقة الفطر لأنها واجبة لا فرض.
وصدقة الفطر على الأضحية للخلاف في وجوبها، والأضحية مقدمة على النوافل.
وأما حكمها بالنسبة للموصى به فهو كون الموصى به ملكاً جديداً للموصى له.
والمراد بالحكم هنا الأثر المترتب على الشيء. فالأثر المترتب على الوصية كون الموصى به ملكاً جديداً له.
هذا والأفضل لمن له مال قليل أن لا يوصي إذا كانت لهع ورثة.
والأفضل لمن له مال كثير أن لا يوصي بأكثر من الثلث.
الشافعية - قالوا: الوصية باعتبار الأحكام الشرعية إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: الوصية الواجبة وهي الوصية بما عنده من ودائع وديون معلومة فيجب عليه أن يوصي بها ولو لم يكن مريضاً حتى لا تضيع حقوق الناس بموته فجأة.
(3/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القسم الثاني: الوصية المحرمة كما إذا أوصى مشاغب بحيث إذا جعل له حق في التركة أفسدها.
القسم الثالث: الوصية المكروهة وهي ماكانت بأكثر من ثلث المال أو كانت لوارث.
القسم الرابع: الوصية المستحبة استحباباً مؤكداً وهي ما استوفت الشرائط ولم تكن واجبة أو محرمة أو مكروهة كالوصية لغير الوارث المستقيم العقل والوصية للفقراء والمساكين ونحو ذلك.
القسم الخامس: الوصية المباحة كالوصية للأغنياء.
الحنابلة - قالوا: تنقسم الوصية إلى أقسام:
القسم الأول: الواجبة وهي ما يترتب على عدمها ضياع حق الله أو العباد فتفترض الوصية على من كانت عنده ودائع أو عليه دين بدون بينة، كما تفترض على من عليه واجب من زكاة أو حج أو كفارة أو نذر.
القسم الثاني: المستحبة وهي الوصية للقريب الفقير الذي لا يرث بشرط أن يكون الموصى ترك مالاً كثيراً عرفاً. وأن لا تزيد عن خمس المال كي لا يؤذي الورثة.
فالوصية المستحبة هي ما اجتمعت فيها هذه الشروط فإن لم يكن له قريب ففقير فتسحب الوصية للفقراء والمساكين والعلماء ونحوهم.
القسم الثالث: الوصية المكروهة وهي الصادرة لمن لم يترك مالاً كثيراً إذا كان له وارث محتاج والاحتياج يختلف باختلاف باختلاف الناس.
القسم الرابع: الوصية المحرمة وهي ماكانت بأكثر من الثلث فيحرم على من كان له وارث غير أحد الزوجين أن يوصي بأكثر من الثلث. ولكن التحقيق أن هذا مكروه فقط وعلى هذا يدخل في قسم المكروه.
القسم الخامس: الوصية المباحة وهي فيما عدا ذلك.
المالكية - قالوا: تنقسم الوصية إلى خمسة أقسام:
الأول: الواجبة فتجب على من كان عليه دين أو عنده وديعة كي لا تضيع حقوق الناس أو كانت بقربة واجبة.
الثاني: الوصية المندوبة وهي ماكانت بمحرم وواجبة.
الرابع: الوصية المكروهة وهي ما كانت صادرة من شخص له مال قليل وله وارث.
الخامس: الوصية المباحة وهي ما كانت بمباح.
وبعض المالكية يقسمها إلى قسمين: واجبة وهي فيما إذا كان له أو عليه حق، ومستحقة وهي فيما عدا ذلك.
(3/289)

مبحث الوصية بالحج والقراءة ونحوهما وبما يعمل في المآتم وغير ذلك.
-الوصية بالحج والقرآة على القبور وغيرهما، والوصية بالبهاليل (العتاقة) ونحوها، والوصية بما اعتاد الناس عمله في المآتم من أكل وشرب وغيرهما، والوصية بالدفن في مكان خاص وبناء القبر ذلك اختلاف المذاهب (1) .
__________
هذه تفاصيل المذاهب في حكم الوصية وذكرناها كما هي ولا يخفى أن بعضها وإن لم يكن مذكوراً في بعض المذاهب ولكن قواعدهم لا تأباه) .

(1) (الحنفية - قالوا: الوصية بقراءة القرآن على القبور أو المنازل باطلة فإذا أوصى بجزء من ماله للقراءة على قبره لا تنفذ وصيته، وإذا عين بوصيته شخصاً مخصوصاً كأن قال: أوصيت لمحمد بكذا من مالي ليقرأ به القرآن على قبري: إن الوصية تصح على أن يأخذ مال الموصى به بطريق البر والصلة لا بطريق الأجرة على القراءة، وقيل: تبطل على أي حال وهذا مبني على كراهة أخذ الأجرة على الطاعات، وبعضهم يجيزها فيجيز الوصية بها.
ومثل ذلك الوصية بالبهاليل (للعتاقة) ونحوها مما اعتاده كثير من الناس فإن الوصية به باطلة فإذا عين شخصاً مخصوصاً جرى فيها الخلاف المتقدم.
أما الوصية بالعبادات فإنها مستحبة كما عرفت فيستحب لمن عليه حج أن يوصي به وبعضهم يرى وجوب ذلك فإذا أوصى بأن عنه حجة الفريضة فإذا كانت يكفي للإنفاق على رجل يسافر من بلده راكباً وجب عنه من بلده يبدأ السفر منها.
أما إذا كان المال لا يكفي فينفق على من يحج عنه من الجهة التي يكفي منها المال، مثلاً أوصى رجل من أسوان أن يحج عنه فإن كان المبلغ الذي أوصى به يكفي للسفر من أسوان وجب أن يكون الحج مبدئاً منها، فإن كان المبلغ يكفي لأن يحج عنه من السويس وعلى هذا القياس، ولا يصح أن يحج عنه ماشياً ولو كان المبلغ للحج عنه ماشياً لأن الحج لا يجب إلا على من له قدرة على الركوب فيثبت في حق الغائب على هذا الوجه.
وإذا مات حاج في طريقه وأوصى بأن يحج عنه فهل يبدأ عنه من المكان الذي مات فيه أو من بلده؟ خلاف فقيل عنه من بلده شخص راكياً لاماشياً وهو المعتمد. وقيل يحج من المكان الذي فيه، فإن لم يكف المبلغ من بلده يحج عنه من المكان الذي يكفي فيه المبلغ.
وإذا أوصى بأن يحمل من الموضع الذي مات به إلى موضع آخر ليدفن فيه كأن أوصى بأن ينقل من جهة كذا إلى جهة كذا فإن الوصية تكون باطلة. وإذا نقله الوصي وأنفق عليه ملزماً بما أنفقه من ماله لا من التركة إلا إذا أجازه الورثة.
(3/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا أوصى بأن يفرش تحته في قبرره مرتبة ونحوها فقيل: تصح لأن ذلك يشبه الزيادة في الكفن فلا بأس به، وقيل لأنه ضياع مال من غير جدوى.
وإذا اوصى بعمارة قبره على وجه الزخرف والزينة والبناء المعروف في زماننا فالوصية به باطلة، أما إذا كان متهدماً محتاجاً للعمارة فالوصية به صحيحة.
وإذا أوصى بأن تبنى على قبره قبة ونحوها كانت الوصية باطلة لأن هذا ممنوع باتفاق.
أما إذا أوصى بأن يطلى قبره بالين (والجس) ونحوهما ففيه خلاف. فبعضهم يقول: إن كان لحاجة كتقوية بناء القبر كي لا تسطو عليه الوحوش أو الإخفاء الرائحة أو نحو ذلك فإنه يجوز بلا خلاف، وإذا فلا.
وإذا أوصى بأن يدفن في داره فالوصية باطلة إلا أن يجعل داره مقبرة للمسلمين فتصح الوصية.
وإذا أوصى بمبلغ كبير يشترى كفنه فإنه لا يعمل به ويكفل بطفن المثل بأن ينظر إلى ثيابه حال حياته لخرروج الجمعة أو العيدين أو الوليمة ويشترى له كفن من نوعها.
وإذا اوصى بثلث ماله في اتخاذ مقابر لفقراء المسلمين أو في أكفانهم فإنها تصح بخلاف ما إذا لم يذكر الفقراء بل قال: في مقابر المسلمين فإن الوصية لا تصح.
وإذا أوصى باتخاذ طعام في المآنم فإنه يصح بشرط أن يأكل منه المسافرون والبعيدون عن جهة المتوفى. أما الذي مسافته قريبة ومدة
إقامته فإنه لا يجوز له الأكل منه ولا بأس بحمل الطعام إلى أهل الميت في أول يوم لاشتغالهم بالمصيبة أما اليوم الثالث فإنه يكوه لأن أهل الميت لا يشغلون بعد ذلك إلا بالنياحة بحمل الطعام إعانة على المعصية.
وإذا اوصى بمصاحف توقف في المسجد يقرأ فإن الوصية باطلة عند الإمام وصحيحة عند محمد. وكذا إذا أوصى بان يجعل أرضه هذه مقبرة للمسلمين فإن الوصية تكون باطلة عند أبي حنفية أما إذا اوصى بان يجعل أرضه هذه مسجداً فالوصية صحيحة باتفاق.
وإذا أوصى بأن ينفق ثلث ماله على المسجد فإنه يجوز ويصرف على عمارته والأدوات الازمة له وإنارته ونحو ذلك. وإذا أوصى بثلث ماله لبيت المقدس جاز وتنفق على عمارته وما يلزم لإقامة شعائره.
المالكية - قالوا: الوصية لمن يقرأ على قبره تنفذ كالوصية بالحج عنه سواء عين الشخص الموصى له أو لم يعين. أما الوصية لمن يصلي عنه أو يصرم عنه فإنها باطلة، ومثل ذلك ما إذا أوصى بما فيه ضياع للأموال بدون جدوى كالوصية بقنديل من فضة يعلقه على قبر ولي نبي أو بمقصورة أو ثوب يوضع على المقصورة أو نحو ذلك مما لم بأمر الشارع به وللورثة أن يفعلوا به ما شاؤوا.
ومثل ذلك الوصية بالنياحة عليه أو ضرب قبة على قبره مباهاة فكل ذلك تبطل الوصية به ولا تنفذ.
(3/291)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومن ذلك أيضاً الوصية بالمال الذي بنفق في الموالد تقام عبى الوجه الذي يقع في هذه الأزمنة من اختلاط النساء بالرجال وسريان الفساد والعمل بما لم يأمر به الششرع ونحو ذلك من المنكرات فإن الوصية بكل هذا باطلة ولا تنفذ. وتصح الوصية بالكفن والحمل والدفن والغسل ونحو ذلك مما تصح الأجرة عليه. أما الأشياء المتمضحة للعباد كالصلاة عليه فإن الوصية بها لا تجوز. وتجوز الوصية لأي مسجد من المساجد وإن كان المسجد لا يتصور تملكه لأن الغرض بالوصية له الوصية بالإنفاق على مصالحه كوقوده وعمارته وذلك معروف للناس فلا يقصدون من الوصية للمسجد إلا هذا فإذا كان الغرض معنى آخر حملت الوصية عليه للجامع الأزهري فإن الغرض المعروف للناس من الوصية عليه الإنفاق على طلبته. وبالجملة فإن النظر في مثل للعرف فيعمل بما هو متعارف.
ولا تصح الوصية ببناء مسجد أو مدرسة على أرض موقوفة على دفن الأموات كقرانة مصر فإنها لخصوص الدفن فلا يصح عمله شيء آخر عليها. ولا تصح الوصية بما لا يصح عمله في المآتم كالنياحة وإقامة السرادق في الطرق ونحو ذلك من المعاصي التي عنها الشرع لأن الوصية يالمعاصي باطلة. اما الأشياءء التي تجوز على الوجه المتقدم في ملاحث الجنائز فغن الوصية جائزة. وتستحب الوصية بالطاعات كما تقدم فإذا أوصى بأشياء متععدة من الطاعات من الطاعات كالزكاة وفدية الصيام وفك الأسير المسلم ونحو ذلك فإن كان الثلث يكفي لنفيذها ولم تجزها الورثة فإن بعضها يقدم على بعض بترتيب خاص على الوجه الآتي:
أولاً: تقدم الوصية بصداق امرأة تزوجها ودخل عليها وهو مريض مرضاً مخوفاً ومات بهذا المرض وفي هذه الحالة يلزمه إما صداق مثلها إن كان أقل من الصداق الذي سماه لها أو الصداق المسمى غن كان من صداق المثل فالذي تستحقه في هذه الحالة هو الأقل من الصداق المسمى أو صداق المثل.
ثانياً: فك الأسير المسلم وقيل يقدم فك الأسير على الجميع ثم المدبر ثم صداق المريض ثم الزكاة التي فرط فيها في حال صحته وأصبحت ديناً عليه فتخرج من الثلث إذا اوصى بها من غير أن يعترف بحلولها في ذمته.
أما إذا اعترف بحلولها فإنها تصبح ديناً يجب إخراجها من رأس المال سواء أوصى أو لم يوص.
ومثل ذلك زكاة الماشية إذا حل الماشية إذا حل موعد إخراج زكاتها ومات عند ذلك فإن زكاتها من رأس المال سواء أوصى بإخراجها أو لم يوص.
ومثل ذلك زكاة الماشية إذا حل موعد إخراج زكاتها ومات عند ذلك فإن ذلك فإن زكاتها تجب من رأس المال سواء أوصى بإخراجها أو لم يوص.
ومثلها زكاة الزرع إذا أفرك حبه (صار فريكاً) والبستان إذا تلون ثمره فإذا وقع ذلك عند موته فإن زكاته تجب زن رأس المال سواء أوصى بها أو لم يوص.
ثالثاً: زكاة الفطر إن كانت عليه زكاة فائتة، أما زكاة فطر رمضان الذي مات بعد وجوبها عليه
(3/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مباشرة ولم يخرجها فإن إخراجها يجب من رأس المال إذا اوصى بها فإن لم يوص بها فإن الورثة يؤمرون بإخراجها (فإن امتنعوا) فلا يجبرون.
رابعاً: عتق كفارة ظهار وعتق كفارة قتل ورتبتهما واحدة.
خامساً: كفارة يمين باسم الله تعالى أو بصفته من صفاته.
سادساً: كفارة فطر رمضان متعمداً ثم كفارة التفريط في كفارة رمضان حتى دخل رمضان الثاني.
سابعاً: وفاء النذر سواء كان في صحة أو مرض وساء كان معلوماً عند الناس من جهة الوصي فقط.
ثامناً: المنجز عتقه في المرض.
تاسعاً: الرقيق الموصى بعتقه إذا كان معيناً عند الموصي كعبدي فلان أو معيناً عند غيره كسعيد عند زيد أو غير ذلك.
عاشراً: المكاتب.
حادي عشر: المعتق لسنة ويقدم المعتق لأكثر منها.
ثاني عشر: عتق غير معين كأن قال: اعتقوا رقبة.
ثالث عشر: حج عن الموصي بأجرة إلا إذا كانت حجة الفرض إلا إذا كانت حجة الفرض فإنها تكون في مرتبة العتق الغير المعين.
ومثلهما الوصية بجزء من مال فإنها في مرتبة العتق المطلق وحج الفريضة فيأخذ كل واحد منها حصة حال اجتماعهما.
الشافعية - قالوا: تصح الوصية بقراءة القرآن لأن ثواب القراءة يصل إلى الميت إذا وجد واحد من ثلاثة أمور: ان يقرأ قبره فإن لم يكن فليدع له عقب القراءة. فإذا لم يفعل فلينو حصول الثواب له فإذا وجد واحد من هذه الأمور فإن الثواب يصل إلى الميت.
وبعضهم يقول: لا بد من الجمع بين الدعاء والنية.
وإذا أسقط أجر القارئ دنيوية فإن أجر الميت لا يسقط كما تقدم في الإجارة وقيل: لا يصل ثواب القرآن إلى الميت وهو ضعيف.
وتصح الوصية بالحج سواء كان فرضاً أو نفلاً وينفق من يحج ميقاته بالإحرام سواء قيد بذلك بأن قال: يحج عن محل ميقاتي أو أطلق يحمل على المعهود شرعاً والنعهود شرعاً هو أن يبدأ الحج من محل الميقات.
أما إذا قيد بمكان أبعد من محل الميقات فيعمل ببما قيد به. ومحل ذلك ما إذا كان ثلث المال يسع الحج من الأمكنة المذكورة فإن لم يكف فإنه يحج عنه عن محل الميقات إذا أمكن فإن لم يمكن
(3/293)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فيحج عنه من فوق الميقات ولو من مكة ولا تبطل الوصية. وإذا لم يكف الثلث لشيءء من ذلك فإنه يكمل من رأس المال. بمعنى أن يشترك الحج وغيره من الموصى لهم في الثل فإذا ضاق الثلث عنهما كمل رأس المال ولهم في بيان ذلك طريق خاص. وهو أنه إذا فرض وأوصى زيد بمائة جنيه من ماله لعمرو وأوصى بأن يحج عنه حجة الفريضة وكانت قيمة نفقاتها مائة جنيه وكانت التركة كلها ثلاثمائة جنيه والورثة لم يجيزوا الوصية إلا من الثلث وهو المائة وهي لاتكفي للوصيتبن كما هو ظاهر فيكمل للحج من رأس المال ولا يمكن معرفة الجزء الذي يكمل به إلا بعد معرفة ثلث الباقي بعد التكملة.
ومعرفة ثلث الباقي تتوقف على معرفة الجزء الذي به التكملة فتتوقف معرفة كل منهما على الآخر. وهذا يسمى دوراً. وكيفية حل هذا الدور أن يقرض الجزء الذي به التكملة شيئاً مجهولاً بأن يقال: التركة ثلاثمائة جنيه إلا شيئاً ويقسم الباقي أثلاثاً شيء ويقسم الثلث بين عمرو الموصى له وبين الحج فيخص كل واحد خمسين جنيهاً إلا سدس الشيء ثم يضاف الشيء الذي اقتطعناه من المبلغ إلى نصيب الحج خمسين جنيهاً وهمسة أسداس لأن المفروض أنه اختص بخمسين إلا سدساً ضم إليها واحد كامل أعني ستة أسداس فصار نصيبه خمسين وخمسة أسداس. وتكون المسألة من ستة على طريق حساب الفرائض قيضرب الخمسسون فيكون المجموع 300 تقسم على خمسة أسداس فيكون الخارج 60 وذلك هو الشيءء المجهول الذي أخذ من أصل التركة ليكمل به الحج فإذا طرح 60 من أصل التركة 300 كان الباقي 240 ثلثه 80 يقسم بين زيد وبين الحج فيخص زيداً 40 والحج 40 فإذا ضم إليها الستون وجد المائة المطلوبة للحج.
هذا في الحج المفروض، أما إذا أوصى بالنقل ولم يكن الثلث للحج من الميقات فقيل: تبطل الوصية به وقيل لا تبطل.
وتصح الوصية بعمارة المسجد ومصالحه بشرط أن يقبل الناظر فإذا قال الموصي: أرت أن يكون الموصى به ملكاً للمسجد فإنه يصح بشؤط أن يقول أوصيت بهذا للمسجد أما إذا قال: هذا على المسجد فإنه يكون وقفاً عليه.
هذا وما عدا ذلك من الأمور المذكورة فإن ما جاز عمله بدون حرمة أو كراهة تجوز الوصية به وإلا فلا.
الحنابلة - قالوا: تصح الوصية بكتابة العلم والقرآن قربة نافعة وتصح الوصية للمسجد على أن تصرف في مصالحه.
وإذا أوصى بالحج عنه فإن لم يعين المبلغ الذي يحج به دفع إلى من يحج عنه قدر نفقة المثل فقط فإن ضاع المال في الطريق لا يضمنه الحاج وكذا إذا مرض أو منع من الحج. أما إذا توهم المرض أو خاف منه فإن عليه ما أنفقه أما إذا عين المبلغ كأن قال: حجوا عني بألف فعلى الوارث أن يصرف المبلغ من الثل إن كان الثلث يسعه ولكن ينفقه على قد ما ينفق على الحج فيحج به مرة بعد
(3/294)

مبحث الوصية لقوم مخصوصين كالجيران والآقارب ونحوهم
-إذا قال أوصيت لجيراني ولأقاربي أو نحو ذلك فإنه يصح، ولكن بيان الجيران أو الأقارب فيه تفصيل في المذاهب (1) .
__________
أخرى وهكذا. ويصح ان يبدأ بالحج عنه من الميقات أما ما قطع قبل الميقات من المسافة فليس من الحج وإذا عين الموصي من يحج لزمه تنفيذه للوارث فلا يصح أن يحج عنه وكذا إذا أطلق ولم يعين أحداً فإذا قال: يحج عني الوارث فإنه يصح.
والوصية بالصدقة أفضل من وصبة بحج التطوع ولا تصح الوصية بما نهى عنه مما يعمل على القبور من بناء غير مأذون فيه وهوما زاد على شير محل القبر وغير ذلك مما تقدم النهي عنه في الجنائز) .

(1) (الحنفية - قالوا: إذا أوصيت لجيراني بكذا فإن الوصية تكون لجيرانه الملاصقين له فكل دار ملزمة به من يمين أو شمال أو خلف فالوصية تعطى لأهلها من سكانها بالسوية بينهم سواء كانوا مسلمين أو ذميين نساء أو رجالاً، قربت الأبواب أو بعدت ما داموا ملازقين للدار، على أن من كان يملك داراً وليس فيها لا يأخذ من الوصية شيئاً، وذلك رأي الإمام، اما صاحباه فيقولان: الجار يشمل أهل المحلة جميعاً، وهم الذين يضمهم مسجد وتحد وجماعة واحدة ودعوة واحدة لأن العرف يطلق الجار على هذا.
وإذا قال: أوصيت لأصهاري بكذا، استحق الوصية كل ذي محرم من زوجة فيأخذ من الوصية آباء الزوجة وأعمامها وأخواتها، وكذا تكون لكل ذي محرم من امرأة أبيه وعمه وخاله وكل ذي محرم منه لأن الجميع أصهار له، ومع ذلك فالعبرة مثل هذا للعرف؛ فإذا كان العرف يقصر الصهر على الآباء فإنما يعمل ببه وإنما يدخل الوصية من كان صهراً له عند موته بحيث تكون المرأة التي أوجبت المصاهرة باقية على ذمته.
أما إذا طلقها طلاقاً بائناً قبل موته فإن أقاربها لا يدخلون في الوصية لأنهم لا يكونوا أصهاراً له في هذه الحالة وإذا طلقها ثم مات وهي عدته فإنه كان الطلاق رعياً كان أقاربها أصهاراً له يستحقون الوصية، اما إذا كان الطلاق بائناً فإنهم لا يكونون له أصهاراً.
وإذا قال: أوصيت لأختاني بكذا، استحق زوج بنته، وأخته وعمته، وخالته. وزوج كل ذات رحم محرم منه كزوج بنت أخته وبنت بنته، وابنه. والعبرة في ذلك للعرف، فإذا كان العرف يطلق الختن على كل ذي رحم محرم لأزواج هؤلاء فإن الوصية تشمله. مثلاً زوج البنت ختن، وزوج العمة ختن، وزوج الخالة ختن. فإذا كان لهؤلاء الأزواج أرحاماً، فإن كان العرف يطلق الختن على أرحام الأزواج أيضاً فيعمل به. وكذا كان العرف يخص الختن بزوج البنت فقط فإنه يعمل به، وهكذا.
(3/295)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا قال: أوصيت بكذا لأهلي، فأبو حنبفة يخص الأهل بالزوجة، وصاحباه يقولان: يشمل كل من في نفقته ما عدا خدمه، ويستدل أبو حنيفة بأن الأهل حقيقة في الزوجة. قال تعالى: {وسار بأهله} ، {وقال لأهله: امكثوا} . والعرف ينطبق على اللغة ولذا يقولان: تأهل من جهة كذا فإذا قال الشخص: أرصيت لأهلي بهذا الإطلاق ينصرف إلى الحنفية المستعملة. والصاحبان يقولان: إن اللغة تستعمل الأهل في أقارب الرجل وعشيرته: قال تعالى: {فنجيناه وأهله إلا امرأته} . والجواب: أن أبا حنيفة لم يمنع استعمال الأهل في العموم. ولكنه يقول: إن معناه الحقيقي الزوجة، فإذا قامت قرينة على العموم كالاستثناء الموجود في الآية. فإنه يحصل عليه على أننا إذا قلنا إن المعول في مثل ذلك على العرف كان العرف مقياساً للجميع.
وإذا قال: أوصيت بكذا لآل بيتي شمل قبيلته لأن الآل هو القبيلة التي يلسب إليها ويدخل فيها كل آبائه الذين لا يرثون إلى أقصى أب له في الإسلام إلا الأب الأول الذي ينسب إليه الجميع إذ يقال له: إنه من اهل بيته ولا يدخل فيه أولاد البنات ولا اولاد الأخوات ولا أحد من قرابة أمه لأن الولد إنما ينسب لأبيه لا لأمه.
وإذا قال: أوصيت بكذا لأهل جنسي شمل أهل بيت أبيه لأن المراد بالجنس في مثل ذلك النسب والنسب إلى الآباء وكذا أهل بيته نسبه فولد المرأة ليس من جنسها لأنه لا ينسب إليها.
وعلى هذا فلا يعتبر الشرف من الأم فقط عند الحنفية، وإن كان له مزية في الجملة، وعلى هذا فلا يعامل الأشرغ فيحل له أن يأخذ الصدقات ولا يكون كفؤاً للشريفة من الأب ولا يأخذ من الوقف على الأشراف إلا بنص خاص ونحو ذلك.
وإذا قال أوصيت بكذا لأقاربي أو لأرحامي ونحوهما فإن في مثل هذه الصيغة خلافاً بين الإمام وصاحبيه فهو يقول إن هذه اليصغة تشمل الأقربب من أرحام الموصي المحارم. ولا تصح إلا إذا توفرت فيها شروط أربعة:
أحدها: ان يكون المستحق مثنى (اثنين) فأكثر فإذا كان القريب واحداً يأخذ نصف الوصية فقط.
ثانيها: أن يكون المستحق أقرب إلى الموصي بحيث لا يوجد من يحجبه من الميراث فإذا وجد من يحجبه من الوصية أيضاً.
ثالثها: أن يكون ذا رحم وارثاً من الموصي، ولا يدخل الوالدان والوالد تحت هذه الصيغة لأنهما لا يقال لهما أقارب لشدة التصاقهما بالموصي. أما ولد الوالد والجد فإنهما يدخلان ويستوي فيه الكافر والمسلم والصغير والكبير.
أما الصاحبان فإنهما يوقلان: إن هذه الصيغة تشمل كل من ينسب إلى الموصي من قبل الأم أو من قبل الأب ويستوي فيه الأقرب والأبعد والواحد والجماعة والمسلم والكافر.
(3/296)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا أوصى لأقاربه ومات عن عمين وخالين ريرثانه لوجود ابن وارث مثلاً فسمت الوصية بين العمين نناصفة على رأي الإمام لتحقق الشروط فإنهما اثنان ورحمان مجرمان ولم من يحجنهما من الوصية وليسا بوارثين.
وأما عند الصاحبين فإن الوصية تقسم بين العمين والخالين بلتساوي فيأخذ كل زاحد ربعها لإن لفظ الأقارب لشمل كل من ينسب إلى الوصي.
أما إذا ترك عماً واحداً وخالين أخذ العم نصف الوصية وأخذ الخالان النصف الآخر عند الإمام لأن العم الذي انطبقت عليه الشروط ولم يحجبه من الوصية أحد كان واحداً فله النصف لأنك عرفت أن الوصية لاتنفذ بتمامها إلا إذا كان المستحق اثنين وأن الواحد له النصف فبقي النصف الآخر لمن لامانع يمنعه وهم الخالان.
أما عند الصاحبين فتقسم الوصية بين العم الواحد والخالين أثلاثاً لأن لفظ الأقارب يشنلهم جميعاً ينسبة واحدة.
وإذا مات وترك عماً واحداً فله نصف الوصية والنصف الآخر يرد للوارث عتد الإمام، وعند صاحبيه يأخذ قريبه ولو لم يكن محوماً.
وإذا ترك عماً وعمة قسمت الوصية بينهما مناصفة بالتساوي لأن درجتهما في القرابة واحدة.
وليس المراد تقسم الوصية كتقسم الميراث لأنه لو كان كذلك لستقل العم بالوصية دون العمة بل المراد أنه إذا اجتمع ذو القراية قدم الأقري فالأقري.
وإذا قال: أوصيت لذي قرابتي أو لذوي قرابتي أو رحمي ووجد عم واحد له استحق الوصية كلها لأنه فب هذه الحالة لا يشترط فيه أن يكون نثنى، وكذا لم كان له عم وخالان فإن العم ينفرد بالوصية عند الإمام أما صاحباه فيقولان بالقسمة بين الجميع بالتساوي كما عرفت.
وإذا قال: أوصيت لبني عثمانأو لبني سعد أو نحو ذلك، فإن هذه الصيغة تشمل صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون محمد أو عثمان أو سعد أباً عاماً لجماعة كثيرين أو يكون أباً خاصاً أي ليس أباً لجماعة كثيرين.
فإن كان أباً عاماً كبني تميم، وتميم أبو قبيلة، فإن الوصية تكون لأولاده وأولاده وكل من يشمله لفظ البنوة لبني آدم ذكوراً بالسوية بينهم بشرط أن يحصى عددهم، وضابط ذلك أن يعرف عددهم بدون كتاب أو حساب. وقيل: إذا بلغ عددهم مائة فأكثر كان مما لا يحصى وقيل ذلك مفوض لرأي القاضي، فإذا كان عددهم كثيراً لا يحصى بطلت الوصية. زكذلك إذا كن إناثاً فقط أو ذكوراً فقط فإنهم يدخلون في الوصية إذا كان عددهم مما يحصى.
ويتناول الأب العام: أبا الشعب، وأبا القبيلة، وأبا العمارة، وأبا البطن، وأبا الفخذ، وأبا
(3/297)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الفصيلة. فكل أب من هذه أعلى من الآخر على هذا الترتيب، وتوضح ذلك في القبائل. مثلاً أن بقال: مضر أبو الشعب فإذا قال: أوصيت لبني مضر، شمل ذلك جميع القبائل القريشية. وإذا قال: أوصيت لبني كنانة خرج أبناء مضر، لأن كنانة أنو القبيلة. ولإذا قال: أوصيت لأبناء قريش، خرج ابنه كنانة وأبناء مضر. لأن قريشاً عمارة. وإذا قال: أوصيت لأبناء قصي خرج أبناء قريش وما فوقهم لأن قصياً أنو بطن. وإذا قال: أوصيت لأبناء هاشم خرج أبناء قصي فما فوقهم لأن هاشماً أبو فخذ وإذا قال: أوصيت لبني العباس، خرج أبناء هاشم فما فوقهم، لأن العباس أبو فصيلة
ومن ذلك تعلم أن أول الأسماء شعب يليه قبيلة فعمارة فبطن ففخذ ففصيلة، فنضر شعب وكنانة قبيلة، وقريش عمارة وقصي وبطن، وهاشم فخذ والعباس وأبو طالب فصيلة؛ وبعضهم يقدم.
القببلة: أول أسماء العشائر شعب، ثم قبيلة ثم فصيلة، ثم بطن، فالأب العام يتناول أنا الشعب ومن يليه، والأب الخاص ما ليس كذلك، وقد عرفت حكم الوصية لأبناء الأب العام.
الصورة الثانية: أن يكون أباً خاصاً، فإذا قال: أوصيت لبني فلان وكان أباً خاصاً فإذا كان أبناؤه كلهم ذكوراً فإن الوصية تكون لهم.
وإذا كان أبناؤه كلهن إناثاً فلا شيء لهن في الوصية، أما إذا كان بعضهم ذكراً وبعضهم أنثى ففيه خلاف؛ فأبو حنيفة وأبو يوسف يقولان: الوصية للذكور منهم دون الإناث، فإذا لم يكن له أولاد لصلبه؛ وكان له أولاد أولاد. فإن كن بنات فإنهن لا يدخلن في الوصية، وإن كانوا ذكوراً ذكوراً يدخلون. هذا إذا قال: أوصيت لبني فلان؛ فإن كان أباً خاصاً فإن أولاده لصلبه يدخلون في الوصية سواء كانوا ذكوراً فقط، أو ذكوراً وإناثاً، لأن الولد يشمل الذكر والأنثى؛ ويدخل الحمل في بطن أمه إذا ولدته حياً لأقل من ستة لأشهر الخ.
أما الولد فإنه في هذه الوصية أما إذا كان أباً عاماً فإن الوصية تشمل ولد مع وجود الولد الصلب فإذا كان للأب ولد واحد فإنه يأخذ الوصية كلها وهذا بخلاف ما إذا قال: أوصيت لأولاد فلان فإنه إذا كان له ولد واحد يأخذ نصفها فقط وإذا قال لأولاد فلان فلان وليس لفلان أولاد لصلبه فإن يدخل فيها أولاد أبنائه لا لأولد الإناث قولاً واحداً. أما أولاد الذكور ففيهم خلاف.
وإذا قال: أوصيت لبنات فلان وكان له بنات لصلبه وبنون لا يدخل البنون بلا نزاع فإذا كان له بنون لصلبه وبنات بنين دخل بنات ففي دخولهن خلاف كما تقدم فإذا ذكر شيئاً يعلم منه أنه أراد بنات فإنه يعمل به باتفاق.
وإذا قال: أوصيت لورثة زيد مثلاً كانت الوصية لهم حسب الميراث الشرعي للذكر مثل حظ الأنثيين ويشترط لصحة هذه الوصية أن يموت زيد الموصي قبل لورثته قبل موت الموصى لهم لأنهم لا يكونون ورثته إلا إذا مات الموصي قبل زيد لا يتحقق فيهم وصف الوراثة لزيد فتبطل الوصية. ومثل ذلك ما إذا قال: أوصيت لعقب زيد.
(3/298)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا قال: أوصيت لأيتام بكذا دخل في الوصية اليتيم الذي مات أباه قبل بلوغ الحلم شواء كان غنياً أو فقيراً ذكراً أو أنثى بشرط أن يحصى عددهم كما تقدم.
فإذا قال لم يمكن إحصاء عددهم خصت الوصية بالفقراء منهم، ومثل ذلك ما إذا أوصى لأرامل بني فلان أو عميانهم أو مرضاهم.
وإذا قال: أوصيت للعلويين فإن الوصية لا تصح لأن العلويين لا يمكن حصرهم وليس فيه ما يشعر بالحاجة وذلك لأن اللفظ العام الذي يدل على عدد لا يحصى إن كان فيه ما يشعر بالحاجة كأيتام بني فلان أو زمانهم أو أراملهم فإن الوصية تصح وتقصر على الفقراء لأن اللفظ يدل على أن غرض الموصى بوصيته دفع حاجة هذه الفئة.
أما إذا لم يكن فيه ما يشعر الحاجة وكان عاماً يدل على عدد لا يحصى فإن الوصية به تكون باطلة.
ومثل ذلك ما إذا قال: أوصيت للفقهاء أو للفقراء بدون قيد إلا إذا قال: لفقرائهم. وكذا لو أوصى لطلبه العلم على الإطلاق فإنه لا يصح بخلاف ما إذا أوصى لفقرائهم أو أوصى لطلبة جهة معينة.
وإذا قال: أوصيت بكذا للمساكين فله صرفه إلى مسكين واحد. وبعضهم
يقول: لا بد من الصرف لاثنين. فإذا ذكر مساكين بالتعيين فلا بد من الصرف إليهم. ولو أوصى لفقراء بلدة كذا جاز أن يصرف لفقراء غيرهم، وقيل لا، ولكن الأول هو المفتى به.
وإذا أوصى وصية مطلقة (غير مقيدة بفقير) فإنها تصح ولكن لا يجوز للغني أن يأخذ منها إذ لا يمكن جعلها هبة له بعد موت الموصي بخلاف الصدقة حالاً فإنها تجعل هبة له ولذا قالوا: الصدقة على الغني هبة والهبة للفقير صدقة.
أما إذا أوصى وصية عامة وهي التي يذكر فيها أنها لغني أو فقير أو خصت بالغني فإنها تحل للأغنياء.
وإذا قال: أوصيت لإخوتي الثلاثة المتفرقين بأن كان أحدهم أخاً لأب وأم،
وكان الثاني أخا لأب فقط وكان فقط وكان الثالث أخا لأم فقط وكان له ابن يرثه فإن الوصية تصح ويأخذونها اثلاثاً فإن كان له بنت بطلت الوصية بالنسبة للأخ لأب وأم لأنه يرث مع البنت. أما الأخوان الآخران فإن الوصية تكون صحيحة بالنسبة لهما لأنهما لا يرثان.
وإذا لم يكن له ابن ولا بنت كانت الوصية لأب فقط وبطلت بالنسبة للأخ الشقيق والأخ لأم لأنهما يرثانه دون الأخ لأب. وإذا أوصت المرأة بنصف مالها لأجنبي ثم ماتت وتركت زوجاً اخذ الرجل الأججنبي ثلث المال من التركة أولاً ثم أخذ الزوج ونصف الباقي فرضاً وهو ثلث المال كله ويبقى كله ويبقى الثلث يعود منه على الأجنبي السدس كي يكمل وصيته لأنها وصت له نصف مالها ويأخذ بيت المال السدس
(3/299)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الآخر تركت ثلاثمائة جنيه وأوصت لشخص منها بمائة وخمسين بدئ منها بإخراج الوصية وهي مائة ثلث الجميع ويبقى مائتان يأخذ الزوج نصفها فرضاً وهو مائة وتبقى مائة يأخذ الموصى له نصفها وهو سدس الجميع ويضمها إلى المائة فيكمل له النصف الموصى له والخمسون الباقية تكون لبيت المال.
أما إذا أوصت المرأة لقاتلها بنصف المال وماتت فإن الوزج يأخذ النصف أولاً لأن الميراث مقدم على الوصية للقاتل.
المالكية - قالوا: إذا أوصيت لجيراني بكذا شملت الوصية جيرانه الملاصيقين له من أي جهة من الجهات (خلف وأمام ويمين وعلو وأسفل) وكذلك الجيران المقاتلين له إذا كان بينهما شارع صغير.
أما إذا كان بينهما سوق كبير أو نهر فإنهما لا يكونا جيراناً في الوصية وتدخل الزوجة مع زوجها في الاستحقاق في الوصية. أما زوجة الموصي نفسه إذا كان بها مانع من الإرث فإنها لا تدخل في الجار إذا كانت بجوار الموصي لأنها تسمى جارة عرفاً ولا يدخل الخادم مع سيده إلا إذا كان للخادم بيت خاص مجاور للموصي فإنه يدخل في الوصية حينئذ. وهل يدخل الصغير مع أبيه والبنت البكر مع أبيها في الوصية للجيران أولا؟ قلان ولكن بعضهم استظهر أن الولد الصغير والبت البكر إذا كانا يتفقان من مالهما لا من مال أبيهما دخلا في الوصية اتفاقاً ومثلها الثيب بنكاح والولد الكبير فإنهما يدخلان في الوصية قطعاً لأن نفقتهما لا تجب على أبيهما، والجار الذي يستحق الوصية هو الذي جاراً وقت الشيء الموصى به فإذا خرج الجار من المنزل بعد كتابة الوصية وحل غيره عند إعطائها استحقها الجار الجديد وهكذا.
وإذا قال: أوصيت للمساكين فإن الفقراء يدخلون فيهم وكذا إذا قال: أوصيت للفقراء فإن المساكين يدخولن فيهم عملاً بالعرف وإن كان في الأصل أحدهما غير الآخر لأن المسكين هو الذي لا يملك شيئاً لا يكفيه قوت عامله.
ومحل ذلك ما لم ينص الموصي على شيء معين فإذا قال: أوصيت للمساكين الفقراء الوصية بالمساكين وبالعكس.
وإذا قال: أوصيت لأقاربي أو لأهلي أو لذوي رحمي فإن كان له أقارب من جهة الأب لا يرثون كانت الوصية لهم وحدهم دون أقاربه من جهة الأم.
أما إذا كان أقاربه من جهة الأب يرثون الوصية تكون لأقارب الأم لا يرثون.
أما إذا قال: أوصيت لأقارب فلان أو لأهله أو لذوي رحمه فإن كان لفلان أقارب من جهة الأب كانت الوصية لهم وحدهم سواء كانوا لفلان أولا لأن الممنوع من الوصية ورثة الموصي لا ورثة غيره. وإن لم يكن له أقارب من جهة الأب كانت الوصية لأقاربه من جهة الأم.
(3/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويزاد في نصيب المحتاج سواء اسنحق الوصية أقارب الأب فإن استووا
في الحاجة سوي بينهم في الإعطاء فإن فيهم محتاج وأحوج يزاد في نصيب الأحوج سواء كان قريباً أو بعيداً ما لم ينص الموصي على حالة معينة فإنها تتبع كما إذا قال: أعطوا الأقرب أو أعطوا فلاناً ثم فلاناً فإن الأقرب يقدم على غيره بحسب نص الموصي بأن يميز في نصيبه لا أنه ياخذ الكل وإلا بطلت الوصية التي نص فيها على أنها للأقارب.
وإذا أوصى لخدمة المسلمين وله خدم مسلمون وغيرهم يعتبر المسلم من كان مسلماً وقت الوصية فلو أسلم بعدها لا يستحق ولو في يومها.
وإذا أوصى بأولاد غنمه لزيد أو بما تلد أو بما ولدت فإنه يدخل في تلك الحمل في بطن أمه. وإذا قال: اوصيت لبني تميم أو بني زهرة وأوصيت
للغزاة أو لأهل الأزهر أو المرسة ونحو ذلك من غير ذلك من غير المعين فعلى من يتولى قسمة الوصية أن يقسمها بحسب اجتهاده على من يجده منهم فلا يلزم بالتعميم كما لا يلزم أن يسوي بينهم في الأنصبة بل يعطي كل واحد حسب ما يراه لائقاً به.
ومثل ذلك ما إذا أوصى للقراء والمساكين فإنه لا يجب عليه تعميم الوصية لكل الفقراء والمساكين كما لا يجب أن يسوى بينهم في القسمة.
أما إذا كان الموصى لهم معينين كما إذا قال: أوصيت لفلان وفلان وفلان من بني تميم أو من بني محمد أو نحو ذلك فإنه يجب أن تقسم الوصية بينهم بالسوية بلا خلاف، ومن مات قبل القسمة تنتقل حصته لوارثة ومن ولد فلا يدخل بخلاف غير المعين كبني تميم فإن مات منهم قبل القسمة لا يستحق ومن ولد وقتها يستحق.
وإذا كان الموصى لهم يمكن حصرهم ولكن الموصي؟؟ فيه خلاف فبعضهم يقول: إن حكمهم كحكم غير المعينين فيقسم على من وجد منهم ولا تلزم التسوية فى القسمة عليهم ومن مات منهم لا ينتقل نصيبه لورثته. وبعضهم يقول: إنهم كالمعينين وهو الظاهر فتقسم الوصية بينهم كما تقسم على المعينين.
وإذا قال: اوصيت لرجال بني فلان أو نسائهم شملت الوصية الصغير والكبير من النوعين.
الشافعية - قالوا: إذا اوصى لجيرانه بشيء شملت الوصية أربعين داراً من كل جانب من جوانب داره الأربعة فتكون مائة وستين داراً في الغالب فإذا لم يقبل بعض الجيران يعود نصيبه على الباقين منهم، وتنقسم الوصية على عدد الدور بحيث تأخذ أقل ما يمكن من المال فذاك وإلا فتعطى الدار على عدد السكان فإذا وسعت الوصية عدد الدور بحيث تأخذ أقل ما يمكن من المال فذاك وإلا فتعطى الدار الأقرب فالأقرب. وهل المراد الجار المالك أو الجار الساكن؟ قولان. والعبرة بالجوار حال الموت فإذا مات الموصي والجار ساكن أو مالك استحق الوصية ولو تغير الحال بعد الموت بأن انتفع أو باع فلا.
(3/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا اوصى للعلماء فتصوف الوصية لعلماء الشوع من تفسير وحديث وفقه وتوحيد عملاً بالعرف ويكفى لتنفيذ الوصية ان تصرف لثلاثة من اهل كل علم فإذا اعطيت لمحدث ومفسر وفقيه فقد نفذت. والعالم بالتفسير هو الذى يعوف كتاب الله تعالى وما قصد بها نقلاً واستنباطاً فالمسائل التوقيفية التي تتوقف معرفتها على نقل يجب على المفسر ان يكون عالماً بها وبادلتها من النقل. وكذا المسائل العقلية التى يتوقف إدراكها من اللفظ على علوم أخرى فإن لم يكن قادراً على استنباطها لا يكون مفسراً.
أما العالم بالحديث فهو الذى يعرف حال الرواة وحال المروى من صحيح وسقيم وعليل وغير ذلك وليس من علمائه من اقتصر على مجرد السماع. أما الفقيه فهو الذى يعرف من كل باب طرفاً نافعاً يهتدى به إلى معرفة باقي الباب وإن لم يكن مجتهداً.
وأما المتكلم فهو العالم بالله وصفاته وما يستحيل عليه وبأدلة ذلك وهو من أجل العلوم الدينية. أما المذموم منه فهو الخوض فيما نهى عنه.
وإذا أوصى لعلماء بلد كذا وليس بها علماء وقت الوصية فإن كان فى تلك البلدة علماء بعلوم أخرى غير العلوم الشرعيه المذكورة كانت الوصية لهم وإلا بطلت الوصية ونظير ذلك ما إذا أوصى بغنم وليست عنده وقت الوصيه ولكن عنده ظباء فإن الوصيه تحمل على الظباء.
وإذا أوصى للفقراء دخل المساكين وبالعكس وتختص بمساكين المسلمين وفقرائهم. أما إذا جمعهم في الوصية بأن قال: أوصيت للفقراء والمساكين فإنه يقسم مناصفة بين الطائفتين المسكين وهم الذين لا يملكون شيئاً، والفقراء وهم الذين يملكون مالاً يكفيهم قوت عامهم.
ويكفي لتنفيذ الوصية أن تقسم بين ثلاثة منهم لأنها أقل الحمع كما تقدم في الوصية للعماء ولمن يتولى قسمة الوصية أن يميز أحدهم عن الآخر سواء قسم بين ثلاثة أو أكثر.
وإذا عين فقراء بلد كذا ولم يكن بها فقراء عند الوصية بطلت. وإذا أوصى لزيد والفقراء صحت الوصية ويأخذ زيد كأحدهم ولا يصح حرمانه بل لا بد من إعطائه بخلاف غيره من الفقراء فإن المتولي القسمة أن يحرمه ويعطي غيره.
وإذا أوصى لجمع معين منحصر كما إذا قال: أوصيت للعلوين وهم أولاد
علىّ كرم الله وجهه فإن الوصية تصح وتنفذ بقسمة الموصى به على ثلاثة منهم فأكثر كالوصية على الفقراء والمساكين.
وإذا أوصى بشيء لأقارب زيد شملت الوصية كل قريب لزيد من أولاد أقرب جد ينسب إليه زيد من جهة أبيه أو من جهة أمه مسلماً كان أو كافر فقيراً أو غنياً وارثاً أو غير وارث ويعد الجد قبيلة بحيث
(3/302)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لا يدخل أولاد جد فوقه ولا أولاد جد في درجته مثلاً إذا أوصى لأولد العباس لا يدخلون أولاد عبد المطلب في الوصية ولا يدخلون أولاد أبي طالب.
وكذا إذا أوصى لأقارب زيد الحسني (ابن الحسين) فإنه لا يدخل فيهم أولاد الحسين وعلى هذا القياس. ولا يدخل زيد في الوصية إلا إذا ذكره بصفة أنص ولا يدخل في الأقارب الوالد والولد لنهما لا يقال لهما أقارب عرفاً ولكن يدخل أولاد الأولاد.
ويجب أن يشترك الأقارب جميعاً في الوصية كما تجب التسوية بينهم وإن كثروا وشق استيعابهم فإذا لم يكن لهم إلا قريب واحد صرف له كل الوصية.
وإذا أوصى لأقرب أقارب زيد فالوصية لذريته ولو من أبناء البنات على أن يقدم الأقرب فالأقرب فيقدم ولد الولد على ولد ولد الولد ويدخل في هذه الصيغة الوالد والولد وإن كانا لا يدخلان في صيغة الوصية للأقارب لأن العرف لا يطلق الأقارب على الوالد والولد ولكن أقرب الناس إلى المرء والده وولده فيدخلان في هذه الصيغة دون تلك فيقدم الأولاد ثم أولادهم ثم أولاد أولادهم وإن نزلوا ذكوراً وإناثاً ثم من بعدهم الأب والأم ثم من بعدهم الإخوة ويقدم الأخ الشقيق من بعده الأخ لأب والأخ لأم وهما في مرتبة واحدة وهذا أحد المواضع التي يقدم فيها الأخ للأم على الجد والموضع الثاني في الوقف على الأقرب والموضع الثالث الوقف الذي لم يعرف له مصرف معين أو انقطع الأقرب والموضع الثالث الوقف الذي لم يعرف له مصرف معين أو انقطع مصرفه كما سيأتي في بابه.
أما الأخ لأبوين أو لأب فإنهما لا يقدمان على الجد إلا في هذا الموضع وفي مسألة الولاء ثم يعد من بعد الإخوة أبناء الإخوة ثم من بعد أبناء الإخوة الجد من جهة الأب أو من جهة الأم الأقرب ثم العمومة والخوؤلة وهما في مرتبة واحد ثم أبائهما. ويستوي في كل الطبقات الإناث والذكور فلا فرق بين أب وأم وابن وبنت وأخ وأخت لاستوائهم في القرب وإذا اجتمع ولد بنت مع ابن ابن ابن قدم ولد البنت لأنه أقرب.
وإذا قال الموصي: أوصيت لأقاربي كان حكمه حكم أقارب زيد إلا أنه لا يدخل في أقاربه الوارث، لأن الوصية لوارث لا تصح للوارث كما، كما عرفت فتخص الوصية بالباقين.
الحنابلة - قالوا: إذا أوصى لجيرانه فإن الوصية تشمل أربعين داراً من كل جانب ويقسم المال الموصى به على عدد الدور ثم تقسم حصة كل جار على سكانها. وإذا قال: أوصين لجار المسجد شملت الوصية من يسمع الأذان.
وإذا قال: أوصيت لأهل سكني (بكسر السين) استحق الوصية أهل زقاقه، والزقاق الدرب، والجمع أزقة، وإذا قال: أوصيت لأهلي خطي (بكسر الخاء) والمعروف ضمها استحق الوصية أهل دربه وما قاربه من الشارع الذي يكون به طبقاً للعرف.
(3/303)

مبحث الوصية لمتعدد بالثلث أو أكثر أو أقل
-في الوصية لأشخاص أو أكثر أو أقل تفصيل في المذاهب (1) .
__________
ولا يدخل في الوصية إلا من كان موجوداً عندها فمن يتجدد من الجيران بين الوصية والموت لا يدخل فيها، كذلك من يتجدد عند عطاء الوصية فإنه لا يستحق.
وإذا أوصى للفقراء والمساكين، أو اوصى لهم معاً، أو أوصى لأصناف الثمانية الذين يستحقون الزكاة دفعة واحدة فإن الوصية تصح، ويعطي جميع الأصناف، بخلاف الزكاة فإنه يكتفي بإعطاء صنف الزكاة فإذا أوصى للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فإنه ينبغي أن تقسم الوصية أثلاثاً على الأصناف الثلاثة، وهكذا إلى الثمانية. ويكفي من كل صنف شخص واحد لتعذر استيعاب الجميع، بخلاف ما إذا عين أسماء فقراء مخصوصين فإنهم يستحقون بأشخاصهم بالتساوي.
ويستحب أن يعطي عدد كثير منهم متى أمكن، وأن يكون الدفع لهم بحسب الحاجة، فيميز كل من كان أحوج منهم عن غيره، كما يستحب تقديم أقارب الموصي إذا كانوا فقراء، ولا يصح نقل الوصية إلى غير الموصي كالزكاة.
وإذا اوصى في سبيل الله انصرفت الوصية إلى الغزاة وحجاج بيت الله، وإذا أوصى لأهل العلم شملت الوصية من انتصف به، وأهل حفظته.
وإذا أوصى لأقرب قرابة زيد لا يعطى مال الوصية للأبعد مع وجود الأقرب، فيقدم الأب والابن وهما في مرتبة واحدة لأن نسبتها إلى يد ةسواء إذ كل واحد منهما ينسب إلى زيد بنفسه بدون واسطة، ثم من بعدها الأخ الشقيق، ثم من بعده الأخ لأب، لأن من له قرابتان أقرب ممن قرابة من جهة واحدة.
وكل طبقة متقدمة يتقدم أبناؤها موضحاً في مباحث الوقف إن شاء الله) .

(1) (الحنفية - قالوا: إذا أوصى شخص بثلث ماله لزيد وأوصى بثلث ماله لعمرو ولم تجز الورثة الوصية بأكثر من الثلث اشترك زيد وعمرو في الثلث على أن يقسم بينهما مناصفة لكل منهما سدس باتفاق.
وإذا أوصى بثلث ماله لزيد وأوصى وللآخر بالثلث أو أقل أو أكثر ولم تجز الورثة ففي قسمة الثلث بين الموصى لهما خلاف بين الإمام وصاحبيه.
(3/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وضابط ذلك أن الوصية إذا كانت بالثلث فما دونه وكانت لمتعدد ولم تجز الورثة الوصية بأكثر من الثلث قسم الثلث بينهما بسبة نصيب كل منهما، أما إن أجازتها الورثة أخذ كل منهما حصته من كل المال باتفاق.
وإذا اوصى لأحدهما بأكثر من الثلث، ولم تجز الورثة فأبو حنيفة يقول: إن الزيادة تقع باطلة، ويبطل ما قصده الموصي من تفصيل من أوصى بالزيادة فيقسم الثلث بينه وبين الآخر بدون تفاصيل. أما الصاحبان فيقولان: إن الزيادة عن الثلث وإن بطلت لعدم إجازتها من الوارث فلا يكون له حق فيها ولكن تفصيله على الآخر لا يبطل، فيقسم الثلث على أن يفصل الذي ميزه الموصي في وصيته.
بيان ذلك إذا فرض أو أوصى شخص لزيد بجميع ماله وأوصى عمرو بثلث ماله ولم تجز الورثة الوصية فالإمام يقول: يقسم الثلث بينهما مناصفة ومن ميزه الموصي في وصية له بالكل يميز فيأخذ ثلا ثة أرباع الثلث ولآخر يأخذ ربعه وطريق القسمة على اصطلاح علماء الفرائض أن يقال: إن أصل المسألة من ثلاثة لاحتياجنا إلى الثلث الذي بينهما ومخرج الثلث ثلاثة فأن التركة كلها ثلاثة يطلب الموصى له بكل المال، والثلث سهم واحد يطلبه الموصى له بالثل فنجعل الثلاثة أربعة، وبذلك يزيد عدد السهام واحداً وتنقص قيمتها فتكون أربعة يأخذ صاحب الثلث سهماً واحداً ويأخذ صاحب الكل أربعة أسهم، وهذا هو معنى قولهم: يضرب صاحب الكل ثلاثة أجزاء من الثلث وهي ثلاثة أباع الثلث ويبقى ربع الثلث للآخر.
هذا لم تجزه فإذا فرض وأوصى لرجل بكل ماله وأوصى لآخر بثلث ماله ولم يكن وارث أو وارث أجاز. فكيف تكون القسمة بينهما؟
والجواب: أن القياس فيها على رأي الإمام أن يقال: يقسم بينهما بطريق المنازعة، ومعنى ذلك أن بعض المال متفق عليه الاثنين وهو الثلثان لأن الموصى له بالثلث لا ينازع الموصى له بالكل في الثلثين، فيعطى الثلثان
لصاحب الكل بدون نزاع، ويبقى الثلث ينازع فيه له بالثلث السدس ويصيب صاحب الكل السدس الثاني، وبإضافته الثلثين يكون مجموع ما أخذه الموصى له بالكل خمسة أسداس والموصى له بالثلث سدساً واحداً.
وهذه الطريقة سهلة، ولكن بعضهم اعترض عليها بأن نصف الثلث يأخذه الموصى له بالثلث عند الإمام في حال ما إذا لم تجز الورثة فأي فرق بين الحالتين حالة الإجازة وعدمها، فينبغي قسمتها بطريق المنازعة على أن يستحق صاحب الثلث ربع المال وسدسه.
وبيان ذلك أن يقسم الثلث أولاً لعدم توقفه على إجازة وارث فيأخذ كل منهما نصفه منازعة ثم يقسم الثلثان فيكون أصل المسألة من ثلاثة لحاجتنا فيها إلى الثلث ومخرج الثلث ثلاثة فكأن كل المال ثلاثة والثلث سهم واحد استوت منازعتها فيه فيستحق ككل منهما نصف سهم وهو فتنكسر المسألة بالنصف وذلك يستلزم ضرب منخرج النصف في أصل المسألة وهي ثلاثة فيكون الحاصل ستة
(3/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أسهم اثنان بينهما يقسم بينهما فيستحق كل واحد منهما سهماً منه الباقي أربعة، ثلاثة منها لا نزاع فيها لصاحب الثلث لأنه إنما ينازع في سهم واحد يضمه إلى ما أخذه ليكمل له الثلث وصاحب الكل ينازع في هذا السهم أيضاً ليكمل فيقسم ذلك السهم بينهما نصفين فتنكسر المسألة بالنصف أيضاً ومخرجه اثنان كما عرفت فتضرب في ستة فيكون الحاصل اثني عشر فيضاعف لكل واحد ما أخذه أولاً فصاحب الثلث قد أخذ من الستة أسهم الأولى سهماً ونصفاً فيعطى له من الستة الثانية سهماً ونصفاً أيضاً فيكون المجموع ثلاثة وصاحب الكل قد أخذ أربعة أسهم ونصف سهم وصاحب الكل أخذ ثلاثة أرباعه وهو تسعة وبذلك يتضح الفرق عند الإمام بين حالة إجازة الورثة وعدمها ففي حالة عدم الإجازة نصف الثلث وفي حالة عدمها يأخذ ربع الجميع.
ونتيجة هذه الطريقة يوافق عليها الصاحبان فلا يكون فرق بينهما وبين الإمام في المعنى لأنهما يقولان إن الموصى له بالكل يأخذ ثلاثة أرباع الكل والموصى له بالثلث بأخذ الربع غير أنهما يقسمان بطريق العول لا طريق المنازعة.
أصل المسألة من ثلاثة:
مخرج الثلث لحاجتنا إلى الثلثين فكأن كل التركة ثلاثة فصاحب الجميع يدعي الثلاثة وصاحب الثلاثة وصاحب الثلث يدعي سهماً واحداً وهو الثلث فيضم إلى أصل المسألة واحد فتعول إلى أربعة أي تزيد إلى أربعة بعد أن كانت ثلاثة وتنقسم على هذا فيأخذ صاحب الكل ثلاثة أربعة وهي ثلاثة أرباع وصاحب الكل يأخذ سهماً واحداً من أربعة وهو الربع.
ولكن عدم وجود فرق بين حالة إجازة الورثة وعدمها للموصى له بالثلث لا يترتب عليها هذا التغير في التقسيم وإلا فإن الصاحبين أيضاً يقولان: إن الموصى له بالثلث يأخذ الربع على أي حال سواء أجاز الوارث أو لم يجز، نعم إن هذه الطريقة يترتب عليها الوفاق بين الإمام وصاحبيه وهو خير لا نص فيها عن الإمام.
وإذا أوصى لرجل بربع ماله وأوصى لآخر بنصف ماله فإن لم يكن وارث أو اجازت الورثة أخذ كل واحد منهما ما أوصى له به وإلا نفذت الوصية من الثل على أن يأخذ كل منهما بقدر ما أوصى له به من الثلث فالأول له نصف الكل والثاني له ربعه فأبو حنيفة يقول: إن الموصى له بالنصف لا يجوز أن يأخذ من الوصية أكثر من الثلث.
أما الموصى له بالربع فإنه يأخذ الربع وحينئذ يجنمع في المسألة ربع وثلث ومخرج الربع من أربة ومخرج الثلث من ثلاثة والثلاثة والأربعة فتضرب أربعة ثلاثة ليكون الحاصل اثنا عشر ثلثها أربعة وربعها ثلاثة فيستحق الموصى له بالثلث أربعة أسهم والموصى له بالربع ثلاثة أسهم فيكون المجموع سبعة أسهم فتجعل هذه السبعة ثلث الوصية فإذا ضربت في ثلاثة كان المجموع أحداً وعشرين سهماً فالتركة كلها وعشرون ثلثها سبعة للوصية وثلثا سبعة للوصية وثلثاها عشر للورثة.
(3/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
هذا عند الإمام أما الصاحبان فيقولان: الموصى له بالنصف بأخذ من الثلث بقدر ما اوصى له به من الكل. والموصى له بالربع يأخذ بقدره ويخرج النصف اثنان والربع سهم فيحمل الثلث بينهما ثلاثة أسهم يأخذ صاحب الربع سهماً واحداً، ويأخذ صاحب النصف سهمين وعلى هذا القياس. إلا أن الإمام يوافق الصاحبين في ثلاث صور فييبيح قببيح لمن أوصي له بأكثر من الثلث أن يأخذ بقدر ما أوصى له به. والصورة الأولى: تعرف بالمحاباة وذلك كأن يكون عند شخص فرسان أو عبدان وأوصى منهما يساوي ستين جنيهاً، والثاني ثلاثين فاوصى بأن يباع ما يساوي ستين لزيد بعشرين؛ وأوصى بأن يباع ما يساوي ثلاثين لعمرو بعشرة فإذا مات الموصي وليس عنده مال سواهما اعتبر المبلغ الذي حاباهما به في البيع وهو أربعون للأول وعشرون للثاني موص به لهما وهو أكثر من ثلث تركته كما لا يخفى لأن ثلث ماله ثلاثون، وقد أوصى لأحدهما بأربعين أكثر من الثلث فعلى قاعدة الإمام ينبغي أن يشترك الاثنان في الثل بالتساوي على صاحب العشرة ولكنه في هذه المسألة أقر الوصية على حالها فكل منهما يأخذ الفرس بالثمن الذي حدده الموصي لأنه في الحقيقة لم يقدر الوصي بالمال ويموت الموصي خرج الفرسان عن ملك الورثة بيعها للموصي لهما فلا تتوقف على إجازة الورثة.
الصورة الثانية: مسألة الدراهم المرسلة غير المقيدة بثلث أو نصف أو نحوهما وصورتها أن يوصي لزيد ريالاً. ويوصي لعمرو بستين، وماله كله تسعون ولم تجز الورثة فكل منهما يأخذ ما أوصى له به. وذلك لأنه لم يقدر الوصية بثلث أو أكثر أو أقل وهذا المبلغ بحتمل أن يزيد بأن يظهر له مال بعد موته بطريق الميراث أو غيره.
الصورة الثالثة مسألة العتق وتسمى بالسعاية وهو موضحة في محلها فارجع إليها إن شئت.
وإذا قال شخص: أوصيت لزيد (بمثل) نصيب ابني صحت الوصية سواء كان للموصي ابن أو لا، ثم إن كان له ابن واحد كان للموص له النصف وللابن النصف وإنما يستحق الموصى له النصف إذا اجاز الوارث وإلا فله الثلث أما إذا كان اثنان كان له الثلث. ومثل البنين البنات فإذا أوصى له بمثل نصيب بنته وله بنت واحدة كان له النصف إن أجازت الورثة وإلا كان له الثلث وإذا كان له بنتان كان للموصى له الثلث وإذا كان مع ثلاثة بنات وقد أوصى له بنصيب بنت واحدة كان له الربع وإن كان فرض الثلاثة مجتمعات الثلثين لنه اوصى له بنصيب واحدة ونصيبها الربع.
وإذا قال: أوصيت لزيد بنصيب ابني ولم يقل بمثل ابني فإن كان له ابن موجود لم تصح الوصية لأن نصيب ابنه ثابت بكتاب الله فلا يصح تغيير ما فرضه الله؛ أما إذا لم يكن ابن فإن الوصية تصح ويكون له النصف يأخذه إذا اجازه الوارث ومثل ما إذا قال: اوصيت بنصيب ابن لو كان؛
أما إذا كان موقوفاً على إجازة الوارث وبعضهم يقول: بل من اول الأمر لأنه اوصى له بمثل نصيب معدوم فيقدر ذلك النصيب المعدم سهماً واحداً من ثلاثة وبذلك يستحق الثلث.
وإذا قال: أوصيت لزيد بجزء من مالي أو بسهم أو بعض أو حظ أو شيء أو نحو ذلك فإن الوصية
(3/307)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تصح ويوكل أمر للورثة فيقال: أعطوه ما شئتم وبعضهم يقول: إذا أوصى له بسهم يعطى السدس وبعضهم يقول: يعطى السدس وبعضهم يقول: يعطى مثل نصيب أحد الورثة بشرط أن لا يزيد على الثلث فإن زاد توقف على إجازة الوارث.
وإذا قال: أوصيت بسدس مالي لزيد ثم قال: أوصيت بسدس مالي لزيد مرة أخرى في مجلس واحد أو فى مجلسين فإنه لا يستحق إلا السدس وذلك لان السدس وقع معرفاً بالإضافة إلى مال والمعرفة إذا أعيدت معرفة تكون عين الأول.
وإذا قال: أوصيت له بسدس مالي ثم قال: أوصيت بثلث مالي فإن له الثلث حتى ولو أجاز الورثة لأن الثلث داخل في السدس فالوصية تحتمل أنه أراد ضم سدس إلى السدس الأول ليكمل له الثلث وتحتمل أنه إذا أراد ضم الثلث إلى السدس فيعمل بالأمر المتيقين الذي لاشك فيه وهو الثلث لأن السدس داخل في الثلث ومع هذا فالقرينة تؤيد ذلك وهي حمل الكلام على ما يملكه الموصي وهو يملك الوصية بالثلث من غير نزاع.
ولكن قد يقال إن محل لم يرض الوارث أما إذا رضي السدس إلى الثلث فلماذا لم ينفذ والظاهر أنه لامعنى للمنع في هذه الحالة.
والمالكية - قالوا: إذا عدد الوصية فأوصى لزيد بشيء معين ثم أوصى به لعمور قال أوصيت بفرسي هذه ثم قال: أوصيت بهذه الفرس عينها لعمرو صحت الوصية بالنسبة للاثنين ويشتركان فيها مناصفة ولا تبطل الوصية بها لزيد، نعم لو قال: الفرس أوصيت بها لزيد هي لعمرو كان معنى ذلك أنه رجع عن الوصية بها فإذا لم يقبل عمرو فلا يكون لزيد شيء.
وإذا أوصى لشخص بوصية بعد أخرى فهذه المسألة تحتمل ثلاث صور:
الصورة الأولى أن تكون الوصيتان من نوع واحد بأمر متساويين كما إذا أوصى له بعشر جنيعات مصرية ثم أوصى له وصية أخرى بعشرة جنيهات مثلها مساوية لها.
الصورة الثانية: أن تكون الوصيتان من نوعين مختلفين متساويين أو نتفاوتين كما إذا أوصى له بعشرة أرادب من القمح. ثم أوصى له بعشرة قناطير من القطن. واوصى له بعشرة جنيهات وخمسة أثواب ونحو ذلك.
وحكم هاتين الصورتين أن الوصيتين صحيحتان والموصى له يأخذ الموصى به في الوصيتين.
الصورة الثالثة: أن تكون الوصيتان من نوع واحد ولكنهما متفاوتتان قلة وكثرة إذا أوصى له بعشرة ثم اوصى بخمسة جنيهات جنيهات وبالعكس.
وحكم هذه الصورة أن للموصى له أكثر الوصيتين سواء تقدم الإيصاء به أو تأخر فإذا قال: اوصيت له بعشرة ثم قال: أوصيت له بخمسة استحق العشرة عملاً بالأحوط فلا تبطل الوصية بالخمسة بعدها وهكذا، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الوصيتان بكتاب واحد أو بكتابين على الراجح.
(3/308)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا أوصى لزيد بثلاثمائة جنيه مثلاً معه لطلبه العلم بخمسة قروش كل ليلة فإن الوصية تصح وتكون وصية لمعلوم وهو نصيب زيد ومجهول وهو حاصل الخمسة قروش فإن أجازت الورثة فالأمر ظاهر وإلا نفذت الوصية من الثلث وطريق قسمته أن يفرض الثلث كله لطلبة العلم ثم يضاف إليه المعلوم فتزيد سهام الثلث بمثلها لأن الأصل المعلوم ثلاثمائة جنيه اختص به طلبة العلم واحتج لمثلها للموصى له فزادت المسألة فيقسم الثلث بينهما نصفين وعلى هذا القياس، وإذا أوصى لزيد بنصف ماله بثلث ولعمرو بثلث ماله فإن الوصية تبطل فيما زاد على ثلث ماله ولو أجازها الورثة على المشهور فيشترك الاثنان في الثلث، ولكن إذا أجاز الورثة أكثر من الثلث كان عطاء جديداً منهم لا نتفيذاً لوصية الميت على المشهور فيشترط فيه أن يكون الوارث المجيز أهلاً للتبرع ولا بد فيه من القبول وعلى هذا فللمجيز وهو الوارث أن يميز أحدهما بما يشاء مما زاد على الثلث وإذا قال: اوصيت لزيد بنصيب ابني وليس له سوى ابن واحد فإن جميع المال يكون للموصى له أجازة الابن وإن لم يجزه فله الثلث، وإن كان له ثلاثة كأن كان للموصي له ابنان كان للموصي له نصف المال والنصف الآخر للاثنين له الثلث ولهم الباقي وإن كانوا أربعة كان له الربع وإن كانوا خمسة كان له الخمس.
وإذا أوصى له بنصيب احد ورثته استحق جزءاً بنسبة عدد رؤوسهم فإن كان عددرؤوس الورثة ثلاثة استحق الثلث وإن كانوا اربعة استحق الربع وإن كانوا خمسة استحقوا الخمس وهكذا ثم يقسم الباقى بين الورثة بحسب الفريضة.
الشافعية - قالوا: إذا اوصى لمتعدد باكثر من الثلث ولم تجز الورثة اشتركوا فى الثلث بطريق المزاحمة وقد تقدم بيان ذلك فى مبحث الوصية بالقراءة والحج فإرجع إليه.
الحنابلة - قالوا: إذا أوصى بجميع ماله لشخص وأوصى بنصفه لشخص آخر فإن أجاز الورثة ذلك قسم بينهما المال أثلاثاً يأخذ الموصى له بالنصف ثلثه والباقي يأخذه الموصى له بالكل اما إذا لم تجز الورثة فيقسم الثلث بينهما على هذه النسبة ايضاً.
وإذا أوصى لزيد بجزء أوقسط أو حظ أو نصيب أو نحو ذلك أعطاه الوارث ما شاء من المال. وإذا اوصى لشخص بسهم من ماله فله سدس بمنزلة سدس مفروض.
وإذا أوصى بمثل نصيب ابني لفظ وكان له مثل نصيب ولد نصيب ولد وكان له ثلاثة أبناء كان له الربع وإن قال: أوصيت له بمثل نصيب ولدي وكان له بنت وولد استحق مثل نصيب البنت لأنه المتيقين.
وإذا أوصى لشخص بمثل نصيب من لا يستحل في التركة شيئاً لا يكون للموصى له شيء) .
(3/309)

مبحث الوصي المختار
-الوصي المختار هو من يختاره المرء نائباً عنه بعد موته ليتصرف في أمواله ويقوم على مصالح المستضعفين من ورثته (غير الراشدين) يقال أوصى إلى فلان التصرف في ماله بعد موته. والاسم الوصايا بالكسر والفتح وقد ذكرنا في مباحث الحجر كثيراً من أحكامه وبقيت أمور أخرى نذكر بعضها هنا على تفصيل المذاهب (1)
__________
(1) (الحنفية - قالوا: يتعلق بالوصي المختار وهو الذي يختاره الشخص في حياته ليتصرف في ماله بعد مماته أمور منها شروطه فيشترط فيه شروط.
أحدها: البلوغ فإذا أوصى لصبي بعد موته كان على القاضي أن يستبدله بغيره ويعزله عن الوصاية فهذا شرط لاستمراره وصياً لصحة الوصاية لأنها تقع صحيحة ولو تصرف الصبي قبل أن يخرجه القاضي كان تصرفه صحيحياً؛ وكذا إذا بلغ قبل أن يخرجه فإنه يستمر على وصايته.
ثايها: أن يكون مسلماً فإذا أوصى لكافر كان على القاضي أن يستبدله بمسلم ولكن الوصية صحيحة فلو تصرف قبل إخراجه أو أسلم صح كما تقدم في الصبي.
ثالثها: أن يكون عدلاً فلو أوصى فاسقاً كان حكمه كحكم الصبي والكافر إلا أنه يشترط في إخراج الفاسق وعزله عن الوصية أن يكون متهماً على المال، أما إذا كان فاسقاً بجارحة ولكنه مأمون على المال فإنه لا يصح إخراجه.
رابعها: أن يكون أميناً فلو ثبتت خيانته وجب عزله عن الوصية.
خامسها: أن يكون قادراً على القيام بما أوصى إليه به فلو ثبتت عجزه في بعض الأمور دون بعض ضم إليه القاضي قادراً اما إذا ثبتت له عجزه أصلاً فإنه يعزل ويستبدله بغيره، ولا بد في الزل ضم من ثبوت العزل فلا يكفي مجرد الإخبار والشكوى لأن الميت قد اختاره وصياً حال حياته ووثق به فلا يرفع هذه الثقة مجرد الشكوى فإذا اجتمعت هذه الشروط في الوصي بأن كان بالغاً مسلماً عدلاً أميناً قادراً على القيام بتنفيذ الوصية فلا يجوز للقاضي عزله وإذا عزله لا ينعزل على الراجح لأنه وصي مختار فهو قائم مقام صاحب المال ولم يثبت عليه خيانة ولا عجز فعزله في هذه الحالة خروج على إرادة الموصي بدون موجب.
ومنها أنه إذا عين وصيين فإن في تصرفهما قولين: أحدهما انه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف دون صاحبه فإذا تصرف أحدهما لا ينفذ تصرفه إلا إذا أجازه صاحبه فإنه ينفذ دون حاجة إلى يجديد عقد. ولا فرق بين أن يكون الإيصاء لهما معاً أو كان متعاقباً بأن اوصى لأحدهما لولاً ثم اوصى للآخر عقبه. وهذا القول صححه كثير من العلماء؛ ومثل ذلك ما إذا عين ناظرين على وقف فإنه لا يصح لأحدهما أن يتصرف بدون إذن صاحبه، ثانيهما أنه يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف وهذا القول صححه بعض العلماء أيضاً وهذا الخلاف فيما إذا كان معينين من قبل الوصي نفسه أو الواقف أو قاض واحد، أما إذا كان معيين من قبل قاضيين فإنه يجوز لأحدهما ان ينفرد بالتصرف بلا نزاع لأن كل منهما نائب عن قاض فيجوز له أن يتصرف عمن أنابه، ويجوز لكل من القاضيين أن يعزل الوصي الذي
(3/310)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولاه الآخر إذا رأى المصلحة في ذلك.
وهناك أمور يصح لكل من الوصيين ام ينفرد بها بلا خلاف. منها تجهيز الموصي بعد موته، والخصومة في الحقوق، وشراء حاجة الطفل، ورد الوديعة، وتنفيذ الوصية، وبيع ما يخاف عليه التلف؛ وجمع أموال ضائعة وغير ذلك.
وإذا مات أحد الوصيين وأوصى قبل موته للوصي الحي فإنه يصح وينفرد بالتصرف وذلك لأنه يجوز له ان ينفرد بالتصرف بإذنه حال حياته فكذلك بعد مماته.
أما إذا أوصى إلى رجل آخر أجنبي فإنه لا يجوز له أن يفرد بالتصرف بدون إذن الحي وإذا مات ولم يوص لزميله ولا لأجنبي أقام القاضي وصياً آخر.
المالكية - قالوا: يتعلق بالوصي أمور منها شروطه وهي أربعة: التكليف فلا يصح الإيصاء لشخص غير مكلف، والإسلام فلا يصح الإيصاء للكافر، والعدالة والمراد بالعدالة الأمانة وحفظ مال الصبي بحسن التصرف، فلا يصح الإيصاء إلى من لم يكن كذلك، والقدرة على القيام بتدبير الموصى عليه.
وإذا كان في أول الأمر متصفاً بصفة من هذه الصفات ثم عرض عليه ضدها فإنه يعزل فإذا كان مسلماً ثم ارتد عزل أو كان يمكنه التصرف ثم عجز عزل وهكذا.
ومنها أنه إذا أوصى لاثنين فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف بدون توكيل من الآخر إلا إذا نص في الوصية على جواز انفراد أحدهما أو قامت قرينة على ذلك.
وإن مات أحدهما فإن الحاكم ينظر فيما هو الأصلح للقاصر من الاكتفاء بالحي أو ضم آخر إليه.
وكذا إذا اختلفا في تدبير شؤونه.
الشافعية - قالوا: يشترط في الوصي عند الموت أن يكون عدلاً ظاهراً وباطناً والمراد بالعدالة الظاهرة ان يكون ممن تقبل شهادتهم والباطنة ان يثبت عند القاضي عدالته بقول المزكين، وأن يكون كفؤاً للتصرف في الموصى به وان يكون حراً وأن يكون مسلماً إذا كان وصياً على المسلمين؟ وأن لا يكون عدواً لمن يتولى أمره، وأن لا يكون مجهول الحال؛ وكذا يشترط فيه ان يكون مكلفاً عاقلاً فمن فقد شرطاً من هذه الشروط فلا يصح لإقامته وصياً. ويصح لإقامة وصي أعمى وأخرس تفهم إشارته، وإذا أوصى الاثنين دفعة واحدة أو بالتعاقب فإنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد في التصرف إلا بإذن صاحبه.
الحنابلة - قالوا: يشترط في الوصي ان يكون مسلماً فلا يصح للمسلم أن يوصي كافراً على أبنائه وأن يكون مكلفاً فلا يصح الإيصاء إلى صبي ولا مجنون ولا أبله وأن يكون رشيداً فلا يصح الإيصاء إلى سفيه، وان يكون عدلاً ولا مسوراً أو أعمى أو امرأة.
ولا يشترط لصحة الإيصاء القدرة على العمل فيصح الإيصاء إلى ضعيف ويضم القاضي إليه قوياً اميناً يعينه ويكون الوصي هو الول والثاني يكون معيناً له.
وإذا أوصى إلى الاثنين فإنه لا يجوز لأحدهما ان ينفرد بالتصرف دون الآخر إلا أن ينص الموصي على ذلك. والله أعلم) .
(3/311)

الجزء الرابع
مقدمة [الجزء الرابع]
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى حمداً كثيراً، وأصلي وأسلم على نبيه محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد وفقني الله عز وجل إلى تأليف الجزء الرابع من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية، وقد توخيت فيه سهولة العبارة، وحسن الترتيب بقدر المستطاع. وما قصدت بهذا إلا أن أخرج للناس كتاباً فيما لهم وما عليهم من حقوق الأسرة وواجباتها. على نمط الأجزاء التي أخرجتها في الفقه الإسلامي من قبل، بل يزيد إيضاحاً وسهولة لينتفع به جمهور المسلمين في معرفة هذه الحقوق ويؤدوها كاملة مرضاة لله عز وجل كي تنقطع من بينهم الخصومات التي يترتب عليها تمزيق الأسرة، وتقطيع صلات الأرحام، واستبدال المودة والرحمة بين الزوجة والأقرباء بالعداوة والبغضاء، فضلاً عما في العمل بهذه الحقوق من دفع غوائل الشهوات الضارة، والوقوف بها عند الحد الذي قدره الله تعالى، وأمرنا بالوقوف عنده في قوله تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} .
ومما لا ريب فيه أن صلاح الأسرة هو أساس المجتمع، وعليه تنبني سعادة الأمة، وتقوم عليه دعائم العمران. فإن كنت قد وفقت إلى ما قصدت في ذلك فهذا من فضل الله وحده الذي تمتد منه جميع الموجودات في وجودها وبقائها وحركتها وسكونها، وإن كانت الأخرى فما أنا إلا عبد ضعيف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.
وقد كنت أظن أنه يمكنني أن أبلغ النهاية من جميع أبواب الفقه في أربعة أجزاء فحسب، ولكن رأيت أن يستلزم أمرين: الإيجاز في كثير من المواطن، وحذف بعض مباحث الفقه، وهذا يتنافى مع غرضي من الإيضاح والبيان من جهة، ويجعل الكتاب ناقصاً في مجموعه من جهة أخرى. فلم أجد بداً من أن أترك المسألة على طبيعتها، فاضطررت إلى وضع جزء خامس يشتمل على ما بقي من مباحث الفقه، وقد بقي من مباحثه الهامة: الحدود والوقف، والقضاء، والجهاد، إلى غير ذلك، مما ستطلع عليه فيه، وسأشرع في طبعه عقب الفراغ من طبع الجزء الرابع إن شاء الله تعالى.
المؤلف
(4/5)

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب النكاح
تعريفه
-للنكاح معان ثلاثة: الأول المعنى اللغوي وهو الوطء والضم، يقال: تناكحت الأشجار إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض، ويطلق على العقد مجازاً لأنه سبب في الوطء، الثاني المعنى الأصولي ويقال له: الشرعي، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حقيقة قي الوطء، مجاز في العقد كالمعنى اللغوي من كل وجه، فمتى ورد النكاح في الكتاب والسنة بدون قرينة يكون معناه الوطء كقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} فإن معناه في هذه الآية الوطء إذ النهي إنما يتصور عنه لا عن العقد في ذاته لأن مجرد العقد لا يترتب عليه غيره تنقطع بها صلات المودة والاحترام، وهذا هو رأي الحنفية على أنهم يقولون: إن النكاح في قوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} معناه العقد لا الوطء لأن إسناده للمرأة قرينة على ذلك، فإن الوطء فعل والمرأة لا تفعل لكن مفهوم الآية يفيد أن مجرد العقد يكفي في التحليل وليس كذلك لأن لسنة صريحة في أن التحليل لا بد فيه من الوطء فهذا المفهوم غير معتبر، يدل على ذلك ما صرح به في حديث العسلية بقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوقي عسليته" الخ.
ثانيها: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء عكس المعنى اللغوي ويدل لذلك كثرة وروده بمعنى العقد في الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} : وذلك هو الأرجح عند الشافعية والمالكية.
ثالثها: أنه مشترك لفظي بين العقد والوطء، وقد يكون هذا أظهر الأقوال الثلاثة لأن الشرع تارة يستعمله في العقد وتارة يستعمله في الوطء بدون أن يلاحظ في الاستعمال هجر المعنى الأول وذلك يدل على أنه حقيقة فيهما. وأما المعنى الثالث للنكاح فهو المعنى الفقهي. وقد اختلفت فيه عبارات الفقهاء ولكنها كلها ترجع إلى معنى واحد وهو أن عقد النكاح وضعه الشارع ليرتب عليه انتفاع الزوج ببضع الزوجة وسائر بدنها من حيث التلذذ، فالزوج يملك بعقد النكاح هذا الانتفاع ويختص به ولا يملك المنفعة، والفرق بين ملك الانتفاع وملك
(4/7)

المنفعة أن ملك المنفعة يستلزم أن ينتفع الزوج بكل ما يترتب على البضع من المنافع وليس كذلك فإن المتزوجة إذا نكحها شخص أخر بشبهة كأن اعتقد أنها زوجته فجامعها خطأ فإنه يكون عليه مهر المثل وهذا المهر تملكه هي لا الزوج فلو كان الزوج يملك المنافع لا ستحق المهر لأنه من منافع البضع، وهذا القدر متفق عليه في المذاهب وإن اختلفت عباراتهم في نص التعريف كما هو موضح في أسفل الصحيفة (1) .
__________
(1) (الحنفية - عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يفيد ملك المتعة قصدا، ومعنى ملك المتعة اختصاص الرجل ببضع المرأة. وسائر بدنها من حيث التلذذ، فليس المراد بالملك الملك الحقيقي، وبعضهم يقول: إنه يفيد ملك الذات في حق الاستمتاع، ومعناه أنه يفيد الاختصاص بالبضع يستمتع به، وبعضهم يقول: إنه يفيد ملك الانتفاع بالبضع وبسائر أجزاء البدن بمعنى أن الزوج يختص بالاستمتاع بذلك دون سواه، وكل هذه العبارات معناها واحد، فالذي يقول: إنه يملك الذات لا يريد الملك الحقيقي طبعاً لأن الحرة لا تملك وإنما يريد أنه يملك الانتفاع. وقولهم: قصداً خرج به ما يفيد تلك المتعة ضمناً كما إذا اشترى جارية فإنه عقد شرائها يفيد حل وطئها ضمناً وهو ليس عقد نكاح كما لا يخفى.
الشافعية - عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يتضمن ملك وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو معناهما والمراد أنه يترتب عليه ملك الانتفاع باللذة المعروفة، وعلى هذا يكون عقد تمليك كما ذكر في أعلى الصحيفة، وبعضهم يقول: إنه يتضمن إباحة الوطء الخ فهو عقد إباحة لا عقد تمليك، وثمرة هذا الخلاف أنه لو حلف أنه لا يملك شيئاً ولا نية له فإنه لا يحنث إذا كان يملك الزوجة فقط على القول بأن العقد لا يفيد الملك، أما على القول الآخر فإنه يحنث والراجح عندهم أنه عقد إباحة.
المالكية - عرفوا النكاح بأنه عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير عالم عاقده حرمتها ان حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على غير المشهور اهـ ابن عرفة، ومعنى هذا أن النكاح عبارة عن عقد على متعة التلذذ المجردة. فقوله: عقد شمل سائر العقود وقوله: على متعة التلذذ خرج به كل عقد على متعة التلذذ؛ كالبيع والشراء، وخرج بكلمة التلذذ العقد على متعة معنوية كالعقد على منصب أو جاه، وخرج بقوله: المجردة عقد شراء أمة للتلذذ بها.
فإن العقد في هذه الحالة لم يكن لمجرد التلذذ بوطئها وإنما هو لملكها قصداً والتلذذ بها ضمناً فهو عقد شراء لا عقد نكاح، وقوله: بآدمية خرج به عقد المتعة بالطعام والشراب، وقوله: غير موجب قيمتها خرج به عقد تحليل الأمة إن وقع ببينة، وذلك كأن يملك شخص منفعة الاستمتاع بأمته فإن هذا لا يقال له عقد نكاح كما لا يقال له إجازة وهو يوجب قيمة الأمة إن وقع، أما عقد النكاح فإنه لا يوجب قيمة العقود عليها، وقوله: غير عالم عاقده حرمتها أي حرمة المعقود عليها بالكتاب أو الإجماع فإن كانت محرمة عليه بالكتاب وعقد عليها وقع العقد باطلاً فلا يسمى نكاحاً من أصله، وإن كانت محرمة بالإجماع سمي نكاحاً فاسداً هذا هو المشهور، وغير المشهور أنه لا يسمى نكاحاً أصلاً سواء كان
(4/8)

هذا والمشهور في المذاهب (1) أن المعقود عليه هو الانتفاع بالمرأة دون الرجل كما ذكر، ولكن ستعرف من مبحث أحكام النكاح أنه يحرم الانصراف عن المرأة إذا ترتب عليه إضرار بها أو إفساد لأخلاقها وعدم إحصانها كما أنه يحرم على الرجل أن تتلذذ به أجنبية عنه فقواعد المذاهب تجعل الرجل مقصوراً على من تحل له كما تجعل المرأة مقصورة عليه، وتحتم على الرجل أن يعفها بقدر ما يستطيع كما تحتم عليها أن تطيعه فيما يأمرها به من استمتاع إلا لعذر صحيح.
وبعد فمن المعلوم أن العقد الذي يفيد الاختصاص بالاستمتاع وحله إنما هو العقد الشرعي الصحيح وهو لابد فيه من أن يكون مستكملاً للشرائط الآتية: كأن يكون على امرأة
__________
التحريم بالكتاب أو الإجماع، فقوله: غير عالم عاقده حرمتها ان حرمها الكتاب معناه أن هذا قيد يخرج به عقد العالم بالتحريم بالكتاب من عقد النكاح أصلاً، وقوله: أو الإجماع على غير المشهور معناه أن هذا قيد يخرج به عقد العالم بالتحريم بالإجماع فلا يسمى نكاحاً ولكن على خلاف المشهور لأنك قد عرفت أن المشهور يسمى نكاحاً فاسداً وقوله: ببينة قبله أي قبل التلذذ وأخرج به ما إذا دخل بها قبل أن يشهد على الدخول فإن العقد لا يكون عقد نكاح، ويرد عليه أنه إذا دخل بها بدون شهود يفسخ بطلقة وهذا فرع ثبوت النكاح، والجواب أن الفسخ حصل بناء على إقرارهما بالعقد ورفع عنهما الحد بشبهة العقد اهـ.
وقد صرح المالكية في أول الإجازة أن عقد النكاح هو عقد تمليك انتفاع بالبضع وسائر بدن الزوجة كما ذكرنا في أعلى الصحيفة السابقة.
الحنابلة - قالوا: هو عقد بلفظ إنكاح أو تزويج على منفعة الاستمتاع وهم يريدون بالمنفعة الانتفاع كغيرهم لأن المرأة التي وطئت بشبهة أو بزنا كرهاً عنها لها مهر مثلها وهي تملكه لا الزوج إن كانت متزوجة لقوله عليه السلام: "فلها بما استحق من فرجها" أي نال منه بالوطء) .
(1) (الشافعية - قالوا: إن الراجح هو أن المعقود عليه بالمرأة أي الانتفاع ببعضها، وقيل: المعقود عليه كل من الزوجين، فعلى القول الأول لا تطالبه بالوطء لأنه حقه ولكن الأولى له أن يحصنها ويعفها، وعلى القول الثاني لها الحق في مطالبته بالوطء كما أن له الحق في مطالبتها لأن العقد على المنفعتين منفعته بها ومنفعتها به، وهذا حشن وإن كان مرجوحاً.
لأن الرجل قد ينصرف عن المرأة فتفسد أخلاقها. وفي هذه الحالة يجب عليه أن يعفها أو يسرحها بالمعروف.
الحنفية - قالوا: إن الحق في التمتع للرجل لا للمرأة بمعنى أن للرجل أن يجبر المرأة على الاستمتاع بها بخلافها فليس لها جبره إلا مرة واحدة، ولكن يجب عليه ديانة أن يحصنها ويعفها كي لا تفسد أخلاقها) .
(4/9)

خالية من الموانع، فلا يصح العقد على الرجل ولا على الخنثى المشكل ولا على الوثنية ولا على محرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة كما لا يصح العقد على ما ليس من جنس الإنسان كإنسانة الماء مثلاً فإنها كالبهائم.
ولابد أيضاً أن يكون العقد بإيجاب وقبول شرعيين وأن يكون بشهود سواء كانت عند العقد أو قبل الدخول على رأي بعض المذاهب، أما العقود المدنية أو الاستئجار لمدة معلومة أو نحو ذلك فإنها زنا يعاقب الشارع الإسلامي عليها.

حكم النكاح
النكاح ترد عليه الأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب: والحرمة، والكراهة والسنية أو الندب والإباحة، أما المواضع التي يجب فيها النكاح الخ ففيها تفصيل المذاهب (1)
__________
(1) (المالكية - قالوا: يفترض النكاح على من له رغبة فيه ويخشى على نفسه الزنا إذا لم يتزوج ولم يستطع كف نفسه بالصيام وليست له قدرة على شراء جارية تغنيه عن زواج الحرة ففي هذه الحالة يفترض عليه الزواج ولو كان عاجزاً عن الكسب من حلال فيفترض النكاح بشروط ثلاثة: الأول: أن يخاف على نفسه الوقوع في الزنا، الثاني: أن يكون عاجزاً عن الصيام الذي يكفه عن الزنا أو يكون قادراً على الصيام ولكن الصيام لا يكفه، الثالث: أن يكون عاجزاً عن اتخاذ أمة تغنيه، فإذا كان قادراً على الزواج وعلى الصيام الذي يمنع شهوته من الطغيان وعلى اتخاذ أمة كان مخيراً بين واحد من الثلاثة ولكن الزواج أولى. وبعضهم يشترط القدرة على الكسب من حلال فإذا خاف على نفسه الزنا وعجز عن الصيام واتخاذ الأمة لا يفترض عليه الزواج إلا إذا كان قادراً على الكسب من حلال لأنه إذا خاف على نفسه الزنا وجب عليه أن يحارب شهوته ولا يتزوج ليسرق وينفق على زوجته إذ لا يليق أن يدفع محرماً بارتكاب محرم آخر، نعم إذا وجدت حالة ضرورة ليست في اختيار الإنسان فإن له أن يزيل الضرورة كالمضطر الذي يباح له أكل الميتة دفعاً للهلاك، أما فيما عدا ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يدفع محرماً بارتكاب محرم آخر بل يجب عليه أن يحارب نفسه ومنعها من ارتكاب المحرم مادام ذلك في طاقته واختياره، " وهذا رأي حسن " هذا في الرجل أما في المرأة فإن الزواج يفترض عليها إن عجزت عن قوتها وكانت عرضة لمطامع المفسدين وتوقف على الزواج سترها وصيانتها.
ويكون النكاح حراماً على ومن لم يخش الزنا وكان عاجزاً عن الإنفاق على المرأة من كسب حلال أو عاجزاً عن وطئها فإذا علمت المرأة بعجزه عن الوطء ورضيت فإنه يجوز، وكذا إذا علمت بعجزه عن النفقة ورضيت فإنه يجوز بشرط أن تكون رشيدة أما إذا علمت بأنه يكتسب من حرام ورضيت فإنه لا يجوز.
(4/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويكون النكاح مندوباً إذا لم يكن للشخص رغبة فيه ولكنه يرجو النسل بشرط أن يكون قادراً على واجباته من كسب حلال وقدرة على الوطء وإلا كان حرماً كما عرفت، ويكره في هذه الحالة إذا عطله عن فعل تطوع. أما إذا كانت له رغبة في النكاح ولكنه لا يخاف على نفسه من الزنا فإنه يندب له الزواج إذا كان قادراً على مؤونته سواء كان له أمل في النسل أولا وسواء عطله الزواج فعل تطوع أولا.
والمرأة في ذلك كالرجل فإن لم تكن لها رغبة في النكاح ندب لها إذا كان لها أمل في النسل وبشرط تكون قادرة على القيام بحقوق الزواج من فعل تطوع وإلا حرم أو كره. أما إذا كانت لها رغبة فيه ولكنها لا تخاف الوقوع في الزنا وكانت قادرة على الإنفاق على نفسها وهي مصونة من غير زواج فإنه يندب لها سواء أكان لها أمل في النسل أم لا وسواء عطلها عن فعل تطوع أولا فإن خافت على نفسها أو لم تكن قادرة على قوتها وتوقف عليه سترها فإنه يجب عليها كما عرفت.
ويكون النكاح مكروهاً للشخص الذي ليست له رغبة في النكاح ولكنه يخش أن لا يقوم ببعض ما يجب عليه أو يعطله عن فعل تطوع سواء كان رجلاً أو امرأة كما عرفت وسواء كان له أمل في النسل أولا.
ويكون مباحاً لمن ليست له رغبة فيه ولم يرج نسلاً وكان قادراً عليه ولم يعطله عن فعل تطوع.
الحنفية - قالوا: يكون الزواج فرضاً بشروط أربعة: الأول أن يتيقن الشخص الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج أما مجرد الخوف من الزنا فإنه لا يكفي في الفرضية كما ستعرف. الثاني أن لا يكون له قدرة على الصيام الذي يكفه عن الوقوع في الزن فإن كانت له قدرة على صيام بمنعه من الزنا فإنه يكون مخيراً بين ذلك الصيام وبين الزواج فلا يفترض عليه الزواج بخصوصه في هذه الحالة. الثالث أن لا يكون قادراً على اتخاذ أمة يستغني بها فإنه يكون مخيراً أيضاً. الرابع أن يكون قادراً على المهر والإنفاق من كسب حلال لا جور فيه فإن لم يكن قادراً لا يفترض عليه الزواج حتى لا يدفع محرماً بمحرم لأن الكسب الحرام فيه اعتداء على أموال الناس بالغش أو السرقة أو الزور أو الغصب أو نحو ذلك، وذلك من الجرائم التي لا يتسامح فيها معنى ذلك أن الشخص إذا عجز عن كسب الحلال فلا يتزوج ويباح له الوقوع في الزنا كلا بل معناه أنه في هذه الحالة يفترض عليه محاربة نفسه وشهوته محاربة شديدة ويزجرها زجراً كبيراً حتى لا يقع في الزواج الذي يترتب عليه أكل أموال الناس وظلمهم عملاً بقوله تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} هذا وإذا كان يمكنه أن يقترض المهر والنفقة الحلال فإنه يفترض عليه أن يتزوج ليفر من الوقوع في المعصية بقدر ما يستطيع.
والنكاح واجباً لا فرضاً إذا كان للشخص رغبة في النكاح واشتياق شديد إليه بحيث يخاف على نفسه الوقوع في الزنا وإنما يجب بالشروط المذكورة في الفرضية وما قيل في الشرط الرابع - وهو القدرة على الإنفاق - يقال هنا.
ويكون سنة مؤكدة إذا كان للشخص رغبة فيه وكان معتدلاً بحيث لم يتيقن الوقوع في الزنا ولم يخف منه فإذا ترك التزوج في هذه الحالة فإنه يأثم اثماً يسيراً أقل من اثم ترك الواجب. وبعضهم يقول إن
(4/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
السنة المؤكدة والواجب بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا في العبارة وعلى هذا يكون واجباً أو سنة مؤكدة في حالتين: حالة الاشتياق الشديد الذي يخاف منه الوقوع في الزنا، وحالة الاعتدال، وعلى كل فيشترط القدرة على الانفاق من حلال على المهر والوطء فإن عجز عن واحد فلا يسن ولا يجب، ويثاب إذا نوى منع نفسه ونفس زوجه عن الحرام فإن لم ينو فلا يثاب إذ لا ثواب إلا بالنية.
ويكون حراماً إذا تقين أنه يترتب عليه الكسب الحرام بجور الناس وظلمهم لأن النكاح إنما شرع لمصلحة تحصين النفس وتحصيل الثواب فإذا ترتب عليه جور الناس يأثم بارتكاب المحرم فتنعدم المصلحة المقصودة بحصول المفسدة.
ويكون مكروهاً تحريماً إذا خاف حصول الظلم والجور ولم يتيقنه.
وكون مباحاً لمن له رغبة فيه ولكن لا يخاف الوقوع في الزنا ولا يتيقنه بل يتزوج لمجرد قضاء الشهوة، أما إذا نوى منع نفسه من الزنا أو نوى النسل فإنه يكون سنة، فالفرق بين كونه سنة وبين كونه مباحاً النية وعدمها.
الشافعية - قالوا: الأصل في النكاح الإباحة فيباح للشخص أن يتزوج بقصد التلذذ والاستمتاع فإذا نوى به العفة أو الحصول على ولد فإنه يستحب. ويجب النكاح إذا تعين لدفع محرم كما إذا خافت المرأة على نفسها من فاجر لا يصده عنها إلا التزوج فإنها يجب عليها أن تتزوج. ويكره إذا خاف الشخص عدم القيام بحقوق الزوجية كالمرأة التي ليست لها رغبة في النكاح وليست له قدرة على المهر والنفقة فإنه يكره له النكاح، فإن كان قادراً على مؤونة النكاح وليست به علة تمنعه من قربان الزوجة - فإن كان متعبداً - كان الأفضل له أن لا يتزوج كي لا يقطعه النكاح عن العبادة التي اعتادها وإن لم يكن متعبداً - كان الأفضل له أن يتزوج احترازاً من أن تدفعه الشهوة إلى الحرام في وقت ما أما إذا كانت له رغبة في النكاح وكان قادراً على مؤونته فإنه يستحب له. هذا والمراد بالنكاح هنا بالنسبة للرجل قبول التزوج فهو الذي يستحب له أو يجب الخ، وبالنسبة للمرأة الإيجاب لأنه هو الذي من طرفها بواسطة الولي.
الحنابلة - قالوا: يفترض النكاح على من يخاف الزنا إذا لم يتزوج ولو ظناً سواءً أكان رجلاً أم امرأة ولا فرق في هذه الحالة بين أن يكون قادراً على الإنفاق أو لا فمتى قدر على أن يتزوج ليصون نفسه عن الحرام فعليه أن يتزوج ويسلك سبيل العمل الحلال الذي يرتزق منه مستعيناً بالله تعالى وعلى الله معونته.
ويحرم النكاح في دار الحرب إلا لضرورة فإذا كان أسيراً فإنه لا يباح له الزواج على أي حال.
ويكون سنة لمن له رغبة فيه ولكنه لا يخاف على نفسه الزنا سواء رجلاً أم امرأة وهو في هذه الحالة يكون أفضل من النوافل لما فيه من تحصين نفسه وتحصين زوجه والحصول على الولد الذي تكثر به الأمة ويكون عضواً عاملاً في بناء المجتمع.
(4/12)

ويتعلق بالنكاح أمور أخرى مندوبة مفصلة في المذاهب (1)
__________
ويكون مباحاً لمن لا رغبة له فيه كالكبير والعنين بشرط أن لا يترتب عليه إضرار بالزوجة أو إفساد لأخلاقها وإلا حرم لهذه العوارض) .
(1) (الحنفية - قالوا: يندب إعلان عقد النكاح بدف "طبل" أو تعليق الرايات الدالة عليه أو بكثرة المصابيح أو نحو ذلك من الأمور التي يعرف بها عقد الزواج، وكذا يندب أن يخطب أحد قبل اجراء العقد ولا يلزم أن تكون الخطبة بألفاظ مخصوصة ولكن إذا خطب بما ورد كان أحسن، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو "الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله لا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله: رقيباً يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً إلى قوله: عظيماً". ويندب أن يكون يوم جمعة. وكذا يندب لا يباشر العقد مع المرأة نفسها بل يتولى العقد عاقل رشيد غير فاسق من عصبتها. وكذا يندب أن يكون الشهود عدولاً. أن لا يحجم عن الزواج لعدم وجود المهر بل يندب له الاستدانة إذا أمكنه لأن المتزوج الذي يريد العفاف يكون الله معيناً له كما ورد في حديث. وكذا يندب أن ينظر إلى زوجه قبل العقد بشرط أن يعلم أنه يجاب في زواجها، أما إذا كان يعلم أنه يرد ولا يقبل فلا يحل له أن ينظر إليها على أي حال. ومعنى هذا أن النظر إلى المخطوبة إنما يكون الإقدام الصحيح على الزواج وتحقق الرغبة من الجانبين ورضا كل منهما بالآخر، أما إذا كان الغرض مجرد الرغبة في الإطلاع على النساء بدون إقدام صحيح على الزواج فإنه يحرم.
ويندب أن تكون المرأة أقل من الرجل سناً لئلا تكبر بسرعة فلا تلد، والغرض الصحيح من الزواج إنما هو التناسل الذي به تكثر الأمة ويعز جانبها. ويندب أن تكون أقل منه في الجاه والعز والرفعة والمال لأن الرجال قوامون على النساء حافظون لهم فإذا لم يكن الرجل أعز جاهاً وأكثر مالاً لا تخضع المرأة له فلا يستطيع صيانتها لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً. ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله فيها وبارك لها فيه". ويندب أن تكون أحسن منه خلقاً وأدباً وورعاً وجمالاً، والأحسن أن تكون بكراً.
ومن آداب الزواج أن يختار أيسر النساء مهراً ونفقة ولا يتزوج من لا تعفه كالطويلة المهزولة والقصيرة الدميمة. ولا يتزوج سيئة الخلق، ولا امرأة لها ولد من غيره، ولا امرأة مسنة. ولا يتزوج أمة مع قدرته على زواج الحرة.
ومن آداب الزواج أن لا يزوج ابنته الصغيرة الشابة شيخاً كبيراً ولا رجلاً دميماً وعليه أن يزوجها كفأً وإن خطبها الكفء فلا يرده.
(4/13)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومن آدابه أن تختار المرأة الزوج المتمسك بدينه فلا تتزوج فاسقاً، وتختار الزوج الموسر صاحب الخلق الحسن والجود فلا تتزوج معسراً لا يستطيع الإنفاق عليها أو موسراً شحيحاً فتقع في الفاقة والبلاء.
ولا يكره زفاف العروس إلى زوجها وهو أن يجتمع النساء ويهدوا الزوج إلى زوجها وذلك هو المعروف في زماننا "بزفة العروس". والمختار أن ضرب الدف والأغاني التي ليس فيها ما ينافي الآداب جائز بلا كراهة ما لم يشتمل كل ذلك على مفاسد كتبرج النساء الأجنبيات في العرس وتهتكهن أمام الرجال والعريس ونحو ذلك وإلا حرم.
المالكية - قالوا: يندب للنكاح أمور: منها أن يتزوج بكراً إلا إذا كانت حاجته إلى الثيب أشد. ومنها النظر إلى وجه المخطوبة وكفيها ليتحقق من كون جمالها يوافقه أو لا، وإنما يندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها ظاهرهما وباطنهما بشروط: أحدهما أن لا يقصد التلذذ بذلك النظر. ثانيها أن يكون متحققاً من رضائها به زوجاً إن كانت رشيدة أو من رضاء وليها إن كانت قاصراً فإن لم يكن متحققاً من ذلك الرضا حرم عليه أن ينظر إن كان النظر يترتب عليه فتنة محرمة فإن لم يترتب عليه فتنة كان مكروهاً. وربما يقال إذا نظر إليها بدون لذة ولم يترتب على نظره فتنة، لا يكون للكراهة وجه لأن النظر إلى الأجنبية مع الأمن من الفتنة بها وعدم قصد التلذذ جائز. والجواب أن النظر إلى المخطوبة مع علمه بأنها لا ترضى به بعلاً فيه شبهة قصد التلذذ لأنه في هذه الحالة لا معنى للنظر إليها فيكره لهذه العلة. ثالثها أن تكون عالمة فلا يحل له أن ينظر إليها بغير علمها. ومنها الخطبة وهي كل كلام مشتمل على حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وآية من القرآن الكريم. والخطبة مندوبة من أربعة الأول الزواج أو وكيله عند التماس الزواج، فيندب للمزوج أو لوكيله أن يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله عليكم رقيباً. اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً} أما بعد فإني أو فإن موكلي فلاناً رغب فيكم ويريد الانضمام إليكم والدخول في زمرتكم وفرض لكم من الصداق كذا فزوجوه. الثاني ولي أمر الزوجة أو وكيلها فيندب له أن يرد على الزوج في هذا المقام بخطبة، فيحمد الله ويصلي ويسلم على رسول الله الخ ثم يقول: أما بعد فقد أجبناه لذلك أو يعتذر له.
الثالث ولي المرأة أو وكيلها عند العقد فيندب له أن يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فقد زوجتك بنتي فلانة أو موكلتي بكذا. الرابع الزوج أو وكيله فيندب له أن يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فقد قبلت زواجها لنفسي أو لموكلي بالصداق المذكور. ولا يضر الفصل بين الإيجاب والقبول بالخطبة غنما يندب تقليلها كما هو واضح في الأمثلة المذكورة. ومنها إعلان الزواج فيندب أن يطعم الطعام أو يضرب الدف ويندب تهنئة العروسين والدعاء لهما عند العقد وعند الدخول كأن يقول لهما: بارك الله لكل منكما في صاحبه وجعل منكما الذرية الصالحة وجمع بينكما في خير وسعة رزق، ونحو ذلك.
الحنابلة - قالوا: يندب اختيار المرأة الصالحة التي لها دين حتى يكون آمناً على عرضه وأن
(4/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تكون بكراً ولوداً وأن يكون العقد يوم الجمعة مساء، ويسن أن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود، وهي: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ويسن أن يبارك للزوجين بقول: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية. ويندب أن يقول بعد زفافها: اللهم أني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه.
أما النظر إلى وجه المخطوبة ورقبتها ويدها فمباح بشرط أن يغلب على ظنه أنه مقبول عندها بحيث لا ترد خطبته وأن لا يكونا في خلوة. ولا يشترط أن يستأذنها وليها في النظر بل له أن ينظر إليها وهي غافلة وأن يكرر النظر مرة أخرى لقوله عليه السلام: "إذا خطب أحدكم امرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" رواه أحمد وأبو داود.
الشافعية - قالوا: يندب لمن أراد التزوج بامرأة أن ينظر إلى وجهها وكفيها ظاهراً وباطناً فقط فلا يجوز النظر إلى غيرهما وله النظر إليهما ولو بشهوة أو افتتان بها لأن ذلك من بواعث الرغبة في الاقتران بها وهو المطلوب في هذا المقام، أما المرأة فيسن لها أن تنظر من بدن الرجل ما تقدر على نظره ما عدا عورته لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها، فإن لم يتيسر له النظر إليها أو كان يستحي من طلب ذلك بعث من يتأملها ويصفها له لأن المقصود من التزوج دوام الالفة فكل ما يوصل إليهما كان مطلوباً شرعاً، والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة - وقد خطب امرأة -: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما المودة والألفة" ومعنى يؤدم تطيب به المعيشة كما يطيب الطعام بالإدام رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه.
ويسن أن يخطب بكراً إلا إذا كانت الحاجة تدعوه إلى الثيب كأن يكون عنده أطفال تحتاج إلى تربيتها ممن تعود التربية أو يكون كبير السن فتنصرف عنه البكر فلا تدوم بينهما الالفة.
ويسن أن تكون ذات دين يحملها على القيام بحقوق الزوجية، والمراد بالمتدينة المتصفة بصفة العدالة ويسن أن تكون جميلة لا ينفر الطبع منها فلا تدوم بينهما الالفة، وينبغي أن يراعى في ذلك مقدرة الرجل على صيانة المرأة من التعرض للفساد بقدر المستطاع فلا يجوز لمن لا يقدر على الإنفاق على باهرة الجمال مثلاً أن يتزوجها فيضطرها إلى التبذل وعرض جمالها على من يطمع فيها ويرى بعضهم أن بارعة الجمال تكره لئلا تختال بجمالها فلا يستطيع كبح جماحها.
ويسن أن تكون ولوداً لأن العقيم لا تؤدي وظيفة التناسل المطلوبة للمجتمع الإنساني وأن تكون ذات أصل طيب بأن تكون منسوبة إلى الصالحين والعلماء لأن تربية الأبناء تتأثر بالبيئة فمتى كان منبتها الذي نبتت فيه صالحاً كانت صالحة ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"إياكم وخضراء الدمن، المرأة الحسناء في المنبت السوء".
ويسن للخاطب أن يخطب خطبتين: إحداهما عند طلب المخطوبة، والأخرى قبل العقد كما
(4/15)

مبحث أركان النكاح
-للنكاح ركنان (1) وهما جزآه اللذان لا يتم بدونهما: أحدهما الإيجاب وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه. وثانيهما القبول وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فعقد النكاح هو عبارة عن الإيجاب والقبول وهل هذا هو المعنى الشرعي أو هناك معنى آخر زائد عليهما؟ والجواب أن هناك أمراً آخر زائداً عليهما وهو ارتباط الإيجاب بالقبول.
فالعقد الشرعي يتركب من أمور ثلاثة: اثنان حسيان - وهما الإيجاب والقبول - والثالث معنوي وهو ارتباط الإيجاب بالقبول. فملك المعقود عليه من عين كما في البيع والشراء، أو منفعة كما في النكاح يترتب على هذه الأمور الثلاثة وهو الذي يسمى عقداً أما غيرهما مما يتوقف عليهما صحته في نظر الشرع فهي خارجة عن ماهيته ويقال: لها شروط لا أركان.
__________
يسن للولي أن يخطب عند إجابته. والخطبة كلام مفتتح بحمد مختتم بدعاء ووعظ كأن يقول ما روي: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله: رقيباً، وعند الخطبة الأولى يقول: جئتكم خاطباً كريمتكم أو فتاتكم: وتحصل السنة بالخطية قبل العقد من الولي أو الزوج أو أجنبي عنهما.
فهذه خطب ثلاث اثنتان من الزوج أو من ينوب منابه وواحدة من الولي وهي أن يقول بعد الثناء والصلاة والسلام: لست بمرغوب عنك أو قبلناك صهراً ونحو ذلك وزاد بعضهم خطبة رابعة بين الإيجاب والقبول وهي من الزوج أو من ينوب عنه، فإذا قال الولي: زوجتك فيسن أن يقول بعد الحمد والثناء: على بركة الله تعالى ورجاء معونته ونحو ذلك قبلت: وبعضهم يرى كراهة ذلك لأن الفصل بين الإيجاب والقبول إن طال يفسد العقد فالأحوط ترك ذلك.
(1) المالكية - عدوا أركان النكاح خمسة: أحدها ولي للمرأة بشروطه الآتية فلا ينعقد النكاح عندهم بدون ولي. ثانيها الصداق فلا بد من وجوده ولكن لا يشترط ذكره عند العقد ثالثها زوج. رابعها زوجة خالية من الموانع الشرعية كالإحرام والعدة. خامسه الصيغة.
والمراد بالركن عندهم ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به. فالعقد لا يتصور إلا من عاقدين: وهما الزوج والولي، ومعقود عليه: وهما المرأة والصداق، وعدم ذكر الصداق لا يضر حيث لابد من وجوده، وصيغة: وهي اللفظ الذي يتحقق به العقد شرعاً، وبذلك يندفع ما قيل: إن الزوجين ذانان والعقد معنى فلا يصح كونهما ركنين له. وما قيل ان الصداق ليس ركناً ولا شرطاً لأن العقد يصح بدونه. وما قيل: إن الصيغة والولي شرطان لا ركنان لخروجهما عن ماهية العقد فإن ذلك إنما يرد إذا
(4/16)

مبحث شروط النكاح
-للنكاح شروط عدها بعض المذاهب أركاناً وعد شروطاً غيرها لم يعتبرها بعض المذاهب الأخرى كما تراه مفصلاً في المذاهب (1)
__________
أريد ماهية العقد الحقيقية التي وضع لها اللفظ لغة لأنها تكون مقصورة على الإيجاب والقبول والارتباط بينهما، أما إذا أريد من الركن ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به سواء كان هو عين ماهيتها أو لا فلا إيراد.
الشافعية - قالوا: أركان النكاح خمسة: زوج، زوجة، ولي، شاهدان، صيغة. وقد عد أئمة الشافعية الشاهدين من الشروط لا الأركان وقد عللوا ذلك بأنهما خارجان عن ماهية العقد وهو ظاهر، ولكن غيرهما مثلهما كالزوجين كما ترى فيما تقدم.
والحكمة في عد الشاهدين ركناً واحداً بخلاف الزوج والزوجة أن شروط الشاهدين واحدة، أما شروط الزوج والزوجة فهما مختلفان) .
(1) (الحنفية - قالوا: للنكاح شروط بعضها يتعلق بالصيغة وبعضها يتعلق بالعاقدين وبعضها يتعلق بالشهود، فأما الصيغة - وهي عبارة عن الإيجاب والقبول - فيشترط فيها شروط: أحدها أن تكون بألفاظ مخصوصة، وبيانها أن الألفاظ التي ينعقد بها النكاح إما أن تكون صريحة وإما أن تكون كناية. فالصريحة هي ما كانت بلفظ تزويج وانكاح أي ما اشتق منهما كزوجت وتزوجت وزوجني ابنتك مثلاً أو زوجيني نفسك فتقول: زوجت أو قبلت أو سمعاً وطاعة. ويصح النكاح بلفظ المضارع إذا لم يرد به طلب الوعد، فلو قال: تزوجني بنتك فقال: زوجتك صح، أما إذا نوى الاستيعاد - أي طلب الوعد - فإنه لا يصح، ولو قال: أتزوجك بالمضارع فقالت: زوجت فإنه يصح بدون كلام لأنه لا يطلب من نفسه الوعد. وقوله: زوجني فيه خلاف هل هو توكيل بالزواج - أي وكلتك - بأن تزوجني ابنتك أو هو إيجاب كقول: زوجتك ابنتي؟ والراجح أنه توكيل ضمني لأن الغرض من الأمر طلب التزويج وهو يتضمن التوكيل. وإذا كان توكيلاً ضمناً لا صراحة فلا يأخذ حكم التوكيل من أنه لا يشترط فيه اتحاد المجلس فلو وكله اليوم ثم قبل التوكيل بعد أيام صح بخلاف النكاح فإن القبول يشترط فيه أن يكون في مجلس الإيجاب كما ستعرف بعد.
فلفظ زوجني له جهتان: جهة طلب النكاح وهي المقصودة فتعتبر فيها شروط النكاح، وجهة توكيل - وهي ضمنية - فلا يعتبر فيها شروط التوكيل، ولا يشترط في الألفاظ الصريحة أن يعرف الزوجان أو الشهود معناها وإنما يشترط معرفة أن هذا اللفظ ينعقد به النكاح، مثلاً إذا لقنت امرأة أعجمية لفظ زوجتك نفسي عارفة أن الغرض منه اقترانها بالزوج ولكنها لم تعرف معنى زوجت نفسي فإن النكاح ينعقد، ومثل الزوجة في ذلك الزوج والشهود، وهذا بخلاف البيع فإنه لا يصح إلا إذا عرف البيعان معنى اللفظ فلا يكفي فيه أن ينعقد به البيع أما الخلع فإن المرأة إذا لقنت خالعني على مهري ونفقتي فقالته وهي لا تعرف معناه فإن الصحيح أن الطلاق يقع ولا يسقط مهرها
(4/17)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولا نفقتها. أما الكناية فإن النكاح لا ينعقد بها إلا بشرط أن ينوي بها التزويج وأن تقوم قرينة على هذه النية. وأن يفهم الشهود المراد أو يعلنوا به إن لم تقم قرينة يفهموا منها.
والكنايات التي ينعقد بها النكاح تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول لا خلاف في الانعقاد به عند الحنفية وهو ما كان بلفظ الهبة أو الصدقة أو التمليك أو الجعل، فإذا قالت: وهبت نفسي لك ناوية معنى الزواج وقال: قبلت، انعقد النكاح. وكذا إذا قالت: تصدقت بنفسي عليك أو جعلت نفسي صدقة لك أو قالت: ملكتك نفسي. أو قال: جعلت لك ابنتي بمائة فإن كل ذلك ينعقد به النكاح بلا خلاف.
القسم الثاني: في الانعقاد به خلاف ولكن الصحيح الانعقاد، وهو ما كان بلفظ البيع والشراء فلو قالت: بعت نفسي منك بكذا ناوية الزواج وقبل فإنه يصح ومثل ما إذا قالت: أسلمت إليك نفسي في عشرين إردَبّاً من القمح آخذها بعد شهر تريد به الزواج فإنه يصح وكذا إذا قال: صالحتك على الألف التي علي لابنتي يريد به الزواج فقال: قبلت، فينعقد النكاح على الصحيح بلفظ البيع والشراء والسلم والصلح والفرض.
القسم الثالث: فيه خلاف، والصحيح عدم الانعقاد وهو ما كان بلفظ الإيجارة والوصية، فلو قالت أجرت لك نفسي، أو قال: أوصيت لك بابنتي بعد موتي، أو قال أوصيت لفلان بابنتي ولم يقل: بعد موتي فقال: قبلت فإنه لا ينعقد بها النكاح، وأولى إذا قال: قبلت بعد موته، أما إذا قال له: أوصيت لك ببضع ابنتي الآن أو للحال أو حالاً بألف مثلاً فقال: قبلت فإنه لا يصح وذلك لأنه لا يشترط أن يفيد اللفظ تمليك العين في الحال. والوصية المطلقة والمقيدة بما بعد الموت تفيد الملك مالاً.
القسم الرابع: لا خلاف في عدم الانعقاد به وهو ما كان بألفاظ الإباحة، والإحلال، والإعارة، والرهن، والتمتع، والإقالة، والخلع. فلو قالت: أحللت لك نفسي أو أعرتك أو متعتك بنفسي أو قال له: أقلني من بيع السلعة على ابنتي بنية الزواج فإنه لا يصح.
ثانيها: أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد فإذا قالت: زوجتك نفسي، أو قال: زوجتك ابنتي فقام الآخر من المجلس قبل القبول واشتغل بعمل يفيد انصرافه عن المجلس. ثم قال: قبلت بعد ذلك فإنه ينعقد. وكذا إذا كان أحدهما غائباً. فلو قالت امرأة بحضرة شاهدين: زوجت نفسي من فلان وهو غائب فلما علم قال بحضرة شاهدين: قبلت فإنه لا ينعقد. لأن اتحاد المجلس شرط وهذا بخلاف ما إذا أرسل إليها رسولاً قال لها: أرسلني يطلب منك أن تزوجيه نفسك فقالت: قبلت، فإنه ينعقد لأن الإيجاب والقبول في مجلس واحد وإن كان الزوج غائباً عن المجلس، فإذا لم تقبل المرأة عندما قال لها الرسول، ثم أعاد الرسول الإيجاب في مجلس آخر فقبلت فإنه لا ينعقد لأن رسالته انتهت أولاً. وكذا إذا أرسل إليها كتاباً يخطبها وهو غائب عن البلد فأحضرت الشهود وقرأت عليهم الكتاب وقالت: زوجت نفسي فإنه ينعقد، وذلك لأن الإيجاب والقبول حصلا في مجلس واحد. فإن الكتاب
(4/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في المجلس إيجاب الزوج، وقول المرأة: زوجت أو قبلت هو القبول حتى لو لم تقبل في المجلس. ثم قرأت الكتاب في مجلس آخر وقبلت فإنه ينعقد. لأن كل ما قرأ في الكتاب كان إيجاباً من الزوج ولهذا لو قالت أمام الشهود زوجت نفسي من فلان ولم تقرأ عليهم الكتاب فإنه لا ينعقد لأن سماع الشطرين شرط صحة النكاح، ولا يصح النكاح بالكتابة مع وجود الخاطب ويمكنه من حضور مجلس العقد ويتفرع على اتحاد المجلس أنهما إذا عقدا على دابة تسير أو عقدا وهما يمشيان فإنه لا يصح لعدم الاستقرار في مكان واحد. أما إذا عقدا على ظهر سفينة وهي تسير فإنه يصح لأن السفينة تعتبر مكاناً. وهل السيارة" الاتوموبيل" ونحوه مثل السفينة أو الدابة؟ إنه مثل الدابة فلا يصح العقد عليه عند الحنفية.
هذا ولا يشترط الفور عند الحنفية، فلو قالت: زوجتك فتكلم في المجلس بكلام خارجٍ عن العقد ثم قالت قبلت: فإنه يصح. على أنه لابد في عقد النكاح من اللفظ فلا ينعقد بالتعاطي مثلاً لو قالت له: زوجتك نفسي بألف فأعطاها الألف ولم يقل: قبلت لا ينعقد النكاح وكذا لا ينعقد بالإقرار على المختار بمعنى أن الإقرار إظهار لما هو ثابت، ومعنى كون العقد يثبت بالتصادق أن العقد يكون حاصلاً من قبل والقاضي يحكم بثبوته لا أن الإقرار ينعقد به النكاح أول الأمر لأنه يكون كذباً.
ثالثها: أن لا يخالف القبول الإيجاب، فإذا قال شخص لآخر: زوجتك ابنتي على ألف درهم فقال الزوج: قبلت النكاح ولا أقبل المهر لا ينعقد النكاح، ولو قبل وسكت عن المهر ينعقد أما إذا قالت له: زوجتك نفسي بألف فقبلها بألفين فإنه يصح، وإن كان القبول يخالف الإيجاب لأن غرضها قد تحقق مع زيادة، ولكن لا تلزمه الزيادة إلا إذا قبلت في المجلس. وإذا قال لها زوجيني نفسك بألف فقالت بخمسمائة فإنه يصح ولا يحتاج إلى قبول منه لأن هذا إبراء واسقاط بخلاف الزيادة فإنها لا تلزم إلا القبول
رابعها: أن تكون الصيغة مسموعة للعاقدين فلا بد أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر إما حقيقة كما إذا كانا حاضرين أو حكماً كالكتاب من الغائب لأن قراءته قامت مقام الخطاب هنا، ولا يشترط في الصيغة أن تكون بألفاظ صحيحة، بل تصح بالألفاظ المحرفة على التحقيق فإذا كانت المرأة أو وكيلها من العامة الذين لا يحسنون النطق بقول: زوجت: وقالت: جوزتك نفسي، أو قال: جوزتك ببنتي فإنه يصح. ومثل النكاح الطلاق فإنه يصح بالألفاظ المحرفة.
خامسها: أن لا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت فإذا قال لها زوجيني نفسك شهراً بصداق كذا فقالت: زوجت فإنه يقع باطلاً، وهذا هو نكاح المتعة الآتي.
وأما الشروط المتعلقة بالعاقدين وهما الزوج والزوجة، فمنها العقل - وهو شرط في انعقاد النكاح - فلا ينعقد نكاح المجنون والصبي الذي لا يعقل أصلاً. ومنها البلوغ والحرية وهما شرطان للنفاذ.
فإذا عقد الصبي الذي يعقل والعبد فإن عقدهما ينعقد ولا ينفذ إلا بإجازة الولي والسيد. ومنها أن
(4/19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تكون الزوجة محلاً قابلاً للعقد فلا ينعقد على رجل ولا على خنثى مشكل ولا على معتدة أو متزوجة للغير. ومنها أن يكون الزوج والزوجة معلومين.
فلو زوج ابنته وله بنتان لا يصح إلا إذا كانت إحداهما متزوجة فينصرف إلى الخالية من الأزواج. وإذا كان لرجل بنت لها اسم في صغرها ثم اشتهرت باسم آخر في كبرها تذكر بالاسم المعروفة به، قال في الهندية والأصح أن تذكر بالاسمين رفعاً للابهام، ولو كانت له ابنة واحدة اسمها فاطمة فذكرها باسم عائشة فإنه لا يصح.
ومنها أن يضاف النكاح إلى المرأة أو إلى جزء يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة، فلو قال زوجني يد ابنتك أو رجلها لا ينعقد على الصحيح.
أما الشروط التي تتعلق بالشهادة، فإن الشهادة أولاً في ذاتها شرط لصحة عقد النكاح فلا بد منها.
وأقل نصاب الشهادة في النكاح اثنان فلا تصح بواحد.. ولا يشترط فيهما أن يكون ذكرين بل تصح برجل وامرأتين، على أن النكاح لا يصح بالمرأتين وحدهما، بل لابد من وجود رجل معهما. ولا يشترط فيهما عدم الإحرام فيصح عقد المحرم بالنسك.
ويشترط في الشهود خمسة شروط: العقل، والبلوغ، والحرية، فلا ينعقد بحضرة مجنون أو صبى أو عبد. والرابع الإسلام، فلا ينعقد نكاح المسلمين بشهادة الذميين إلا إذا كانت المرأة ذمية. والرجل مسلماً فإنه ينعقد نكاحها بشهادة ذميين سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين.
وإذا كان العاقدان غير مسلمين فلا يشترط في الشهود أن يكونا مسلمين من باب أولى لا فرق أن يكونا موافقين لهما في الملة أو مخالفين. وينعقد النكاح بشهادة أعميين أو محدودين في قذف أو زنا وإن لم يتوبا، أو فاسقين، كما ينعقد بشهادة الابن الذي لا تقبل شهادته على أبيه وأمه في غير النكاح. فيصح أن يتزوج امرأة بشهادة ابنيه منها أو من غيرها. كما يصح شهادة ابنها من غيره. ومثل الابن الأب فيصح في النكاح شهادة الأصول والفروع. ولكن شهادة هؤلاء وإن كان يعقد بها النكاح إلا أنه لا يثبت بها عند الإنكار، فشهادتهم تنفع في حل الزوجة ديانة لا قضاء، فالنكاح له حالتان. حالة الانعقاد وهذه تصح فيها شهادة الأعمى، والفاسق، والابن والأب. وحالة إثبات عند الإنكار وهذه لا تصح فيها شهاداتهم، بل يشترط في الشاهد على إثبات النكاح ما يشترط في غيره. وعلى هذا إذا وكل رجل آخر على أن يزوج ابنته الصغيرة فزوجها بحضور امرأتين مع وجود الأب الموكل صح النكاح لأن الأب يعتبر شاهداً، والمرأتان شاهد آخر.
بهذا تعلم أن شهادة الولي تنفع في الانعقاد. فإذا زوج الأب ابنته البالغة بحضور رجل واحد وكانت هي حاضرة فإنه يصح، وذلك أنها تجعل في الحالة هي المباشرة للعقد، ويجعل أبوها شاهداً مع الرجل الآخر، وذلك لأنها هي التي أمرت أباها بتزويجها. والقاعدة أن الآمر إذا حضر في
(4/20)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المجلس تنتقل عبارة الوكيل إليه. فكأنه هو المعبر فتكون هي مباشرة، ولا يمكن جعلها شاهدة لأنه لا يتصور كون الشخص شاهداً على نفسه. أما إذا كانت صغيرة وزوجها أبوها بحضرة رجل واحد فإنه لا يصح لأن العقد لا يمكن نقله إليها لصغرها. ومثل ذلك ما إذا وكلت امرأة بالغة رجلاً أجنبياً وكانت حاضرة فزوجها بحضرة آخر فإنه يصح، وتصلح هي شاهداً لإثبات العقد عند الإنكار. إنما ينبغي أن لا يذكر العقد لأنه باشره فلا يصح أن يشهد على نفسه، بل يقول: إنها منكوحة فلان أو زوجة.
الشرط الخامس: من الشروط المتعلقة بالشهود أن يسمعا كلام العاقدين معاً، فلا تصح شهادة النائمين الذين لم يسمعا كلام العاقدين. أما الشهادة على التوكيل بالعقد فإنها ليست شرطاً في صحة النكاح فلو قالت لأبيها: وكلتك في زواجي بدون حضور شاهدين فإنه يصح ولكن إذا أنكرت أنها وكلته لم يكن عليها بينة. ففائدة الشهود في التوكيل الإثبات عند إنكار التوكيل. ويشترط في الشهادة على إثبات التوكيل أن يعرف الشهود المرأة ويسمعوا كلامها. فإذا رآها الشاهدان وسمعا كلامها إن كانت وحدها في المنزل جاز لهما أن يشهدا على إثبات التوكل عند إنكارها. فإن كانت غائبة ولم يسمعوا كلامها بأن عقد لها وكيلها فإن كان الشهود يعرفونها كفى ذكر اسمها إذا علموا أنه أرادها، وإذا كانوا يعرفونها فلا بد من ذكر اسمها واسم أبيها وجدها على أنك قد عرفت أن الشهادة في ذلك يصح بها العقد ولكن لا تنفع عند جحود التوكل، فالأحوط أن يشهد على التوكل اثنان عارفان بالزوجة أنها وكلت بعد سماعها.
وينعقد النكاح بشهادة الأخرس وفاقد النطق إذا كان يسمع ويفهم. ولا يشترط فهم الشهود معنى اللفظ بخصوصه، وإنما يشترط أن يعلموا أن هذا اللفظ ينعقد به النكاح كما تقدم. فإذا تزوج عربي بحضرة أعجمي يصح إذا كانا يعرفان أن لفظ الإيجاب والقبول ينعقد بهما النكاح وإلا فلا. وينعقد بحضرة السكارى إذا كانا يعرفان أن هذا ينعقد به النكاح، ولو لم يدركوه بعد الإفاقة من السكر.
وإذا أرسل شخص جماعة يخطبون له ابنة آخر، فقال أبوها: زوجته ابنتي، وقال أحد الخاطبين قبلت زواجها له فإن النكاح ينعقد على الصحيح.
خاتمة: لا يشترط في النكاح اختيار الزوج والزوجة، فلو أكره الزوج أو الزوجة على النكاح انعقد النكاح. ومثل النكاح الطلاق، والعتق، فإنه لا يشترط فيهما الاختيار والرضا وكذلك لا يشترط الجد في هذه الأمور الثلاثة: النكاح، والطلاق، والعتق، بل تنعقد ولو كان هازلاً.
الشافعية - قالوا: شروط النكاح بعضها يتعلق بالصيغة، وبعضها يتعلق بالولي، وبعضها بالزوجين وبعضها يتعلق بالشهود.
فأما الصيغة فإنه يشترط لصحتها ثلاثة عشر شرطاً، وقد ذكرت مفصلة في الجزء الثاني صحيفة 150 طبعة خامسة في أحكام البيع. ومنها عدم التعليق كأن يقول له: زوجتك ابنتي إن أعطيتني دار كذا، أو إن رضيت بك زوجاً فإنه لا يصح. ومنها التأقيت كأن يقول لها: زوجيني نفسك مدة شهر وهو
(4/21)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
نكاح المتعة وقد ورد النهي عنه في خبر الصحيحين. ويزاد على ما ذكر في البيع هنا أن تكون الصيغة بلفظ مشتق من تزويج أو انكاح كزوجتك ابنتي، أو أنكحتك موكلتي. فلو قال: أزوجك ابنتي بلفظ المضارع، أو أنكحتك إياها فإنه لا يصح لأنه يحتمل الوعد. أما إذا قال: أزوجك ابنتي الآن. أو قال: إني مزوجك ابنتي، ولو لم يقل: الآن فإنه يصح، لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال فلا يحتمل الوعد. ويصح العقد بالألفاظ المحرفة كما إذا قال له: جوزتك موكلتي حتى ولو لم تكن لغته على المعتمد: وكذلك يصح بالألفاظ الأعجمية. ولو كان العاقدان يعرفان العربية بشرط أن يكونا فاهمين معناها. فلو خاطبته بالفرنساوية أو الإنكليزية بقولها: زوجتك نفسي وقبل صح العقد، ويصح بقوله: زوجني ابنتك، فيقول له: زوجتك، كما يصح بقول الولي، تزوج بنتي فيقول له: تزوجت. ولا ينعقد النكاح بغير هذه الصيغ الصريحة، فلا يصح بقوله: أحللت لك ابنتي، أو بعتها لك، أو ملكتك إياها، أو وهبتها لك، أو نحو ذلك من الصيغ التي يصح انعقاده بها عند الحنفية، فلا بد عند الشافعية من لفظ مشتق من انكاح، أو تزويج، ويقول: إن هذا هو المراد من كلمة الله الواردة في حديث" واستحللتم فروجهن بكلمة الله" لأن كلمة الله الواردة في القرآن هي نكاح وتزويج لا غير، ولا يصح أن يقاس عليها غيرها.
وبالجملة فلا يصح النكاح بالكناية لأنها تحتاج إلى نية، والشهود ركن ولابد لهم من الإطلاع على النية ولا يمكن الإطلاع عليها.
وأما القبول فلا بد أن يقول فيه: قبلت فيه زواجها أو نكاحها، أو النكاح، أو التزويج، أو رضيت نكاحها، أو أحببته، أو أردته، فلو قال: قبلت وسكت فإنه لا يصح، ويصح تقديم القبول على الإيجاب.
وأما الشروط المتعلقة فهي أمور:
أحدها: أن يكون مختاراً فلا يصح من مكروه.
ثانيها: أن يكون ذكراً فلا يصح من أنثى، ولا خنثى، لعدم صحة ولا يتهما.
ثالثها: أن يكون محرماً فلا يصح من غير محرم.
رابعها: أن يكون بالغاً فلا يصح من صبي لعدم ولايته.
خامسها: أن يكون عاقلاً فلا يصح من مجنون لعدم ولايته.
سادسها: أن يكون عدلاً فلا يصح من فاسق لعدم ولايته.
سابعها: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه لعدم ولايته.
ثامنها: أن لا يكون مختل النظر.
تاسعها: أن لا يكون مخالفاً في الدين لعدم ولايته.
(4/22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عاشرها: أن لا يكون رقيقاً ولايته.
أما الشروط المتعلقة بالزوج فأمور: أن يكون غير محرم للمرأة فلا يصح أن يكون أخاً لها أو ابناً أو خالاً أو غير ذلك من المحارم سواء كانت من نسب أو مصاهرة أو رضاع وأن يكون مختاراً فلا يصح نكاح المكروه، وأن يكون معيناً فلا يصح نكاح المجهول، وأن لا يكون جاهلاً حل المرأة فلا يجوز له أن يتقدم على نكاحها وهو جاهل لحلها.
وأما الشروط المتعلقة بالزوجة فأمور: أن لا تكون محرماً له، وأن تكون معينة، وأن تكون خالية من الموانع فلا يحل نكاح محرمة، ولا نكاح إحدى المرأتين مثلاً، ولا نكاح المتزوجة أو المعتدة.
وأما الشروط المتعلقة بالشاهدين فهي الشروط المتعلقة بسائر الشهود: فلا تصح شهادة عبدين أو امرأتين أو فاسقين: أو أصمين أو أعسبين أو خنثيين لم تتبين ذكورتهما كما لا تصح شهادة المتعين للولاية فلو انحصرت الولاية في الأب أو الأخ فوكل غيره بمباشرة العقد وحضر هو فإنه لا يصح أن يكون شاهداً وإن اجتمعت فيه شروط الشهادة لأنه في الواقع ولي عاقد فلا يكون شاهداً كالزوج ووكيله فلا تصح شهادته مع وجود وكيله، ودليل الشهادة مع الولي في النكاح ما رواه ابن حبان" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل".
وينعقد النكاح بشهادة ابني الزوجين أو ابني أحدهما ولكن لا يثبت به النكاح كما يقول الحنفية ومثل الابن العدو فإنه يصح شهادته في انعقاد النكاح ولكن لا يثبت به عند الإنكار لعدم صحة شهادته على عدوه.
ويصح النكاح بمستوري العدالة - وهما المعروفان بها ظاهراً لا باطناً - إذ لو اعتبرت العدالة في الواقع لتعذر الحصول على الشهود.
ويسن الاشهاد على رضا غير المجبرة احتياطاً كي لا تنكر وذلك لأن رضاها ليس من نفس النكاح الذي جعل الاشهاد ركناً له وإنما رضاها شرط في النكاح فيسن الاشهاد على وقوعه منها ورضاها قد يحصل بإخبار وليها من غير شهادة.
الحنابلة - قالوا: للنكاح أربعة شروط: الشرط الأول تعيين الزوجين يقول: زوجتك ابنتي فلانة، فإذا قال: زوجتك ابنتي بغير تعيين وكان له غيرها لم يصح إذا قال: قبلت نكاحها لابني وله غيره بل يلزم أن يقول لابني فلان، فلا بد من أن يميز الزوج والزوجة باسمه أو بصفته التي لم يشاركه فيها غيره كقوله: بنتي الكبرى أو الصغرى أو البيضاء أو الحمراء أو ابني الكبير أو الصغير أو نحو ذلك.
وقد عرفت أن صيغة النكاح لا بد أن تكون بلفظ النكاح أو التزويج، وأما القبول فيكفي فيه أن يقول: قبلت أو رضيت فلا يشترط فيه أن يقول: قبلت زواجها أو نكاحها ولا يصح أن يتقدم القبول على الإيجاب. ويشترط الفور فإن تأخر القبول عن الإيجاب حتى تفرقا أو تشاغلا بما يقطعه عرفاً فإنه
(4/23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لا يصح ولا يشترط أن يكون اللفظ عربياً بل يصح بغير العربية من العاجز عن النطق بالعربية بشرط أن يؤدي معنى الإيجاب والقبول بلفظ التزويج أو النكاح بالكتابة ولا بالإشارة إلا من الأخرس، فإنه يصح منه بالإشارة المفهومة.
الشرط الثاني: الاختيار والرضا فلا ينعقد نكاح المكروه إذا كان عاقلاً بالغاً ولو رقيقاً لأن السيد ليس له اكراهه على الزواج لأنه يملك الطلاق فليس لإكراهه على الزواج معنى أما إذا لم يكن عاقلاً بالغاً فإن للأب اكراهه، وكذلك وصي الأب والحاكم أما غيرهم فلا يصح له أن يزوج غير المكلف ولو رضي لأن رضاه غير معتبر. وللأب أن يجبر البكر ولو كانت بالغة كما سيأتي في مبحث الولي.
الشرط الثالث: الولي، ويشترط فيه سبعة شروط الذكورة إذ لا تصلح ولاية المرأة، العقل إذ من لا عقل له لا يمكنه النظر في شؤون نفسه فلا يصلح أن يتولى شؤون غيره - ولا يضر الاغماء - البلوغ لأن الولاية لا
تصلح من الصغير لقصر أمره عن تدبير شؤون غيره. الحرية فلا تصح ولاية العبد لأنه لا ولاية له على نفسه فلا يصح أن يكون له ولاية على
غيره. اتفاق الدين فلا تصح ولاية كافر على مؤمن ولا ولاية مجوسي على نصراني إلا السلطان فإن له الولاية بصرف النظر عن اختلاف الدين. الرشد - وهو أن يكون ذا خبرة بمعرفة الكفء الصالح - ومصالح النكاح.
الشرط الرابع من شروط النكاح: الشهادة فلا يصح إلا بشهادة ذكرين بالغين عاقلين عدلين ولو كانت عدالتهما ظاهراً ولو رقيقين، ويشترط فيهما أن يكونا متكلمين مسلمين سميعين فلا تصح شهادة الأصم والكافر، ويشترط أن يكونا من غير أصل الزوجين وفرعيهما فلا تصح شهادة أب الزوجة أو الزوج أو أبنائهما لأن شهادتهما لا تقبل، وتصح شهادة الأعميين، وشهادة عدوي الزوجين.
الشرط الخامس: خلو الزوجين من الموانع الشرعية.
المالكية - قالوا: لكل ركن من أركان النكاح المتقدمة شروط، فيشترط في الصيغة شروط أحدها: أن تكون بألفاظ مخصوصة وهي أن يقول الولي: أنكحت بنتي أو زوجتها، أو يقول له: زوجني فلانة، ومتى تلفظ الولي أو الزوج بلفظ الانكاح أو التزويج فيكفي أن يجيبه الآخر بما يدل على القبول بأي صيغة كأن يقول: قبلت، أو رضيت، أو نفذت، أو أتممت، ولا يشترط أن يقول: قبلت نكاحها أو زواجها كما هو رأي الشافعية فإذا خلا لفظ الزوج أو الولي عن الانكاح والتزويج فإن النكاح لا ينعقد على المعتمد إلا بلفظ الهبة بشرط أن يكون مقروناً بذكر الصداق بأن يقول الولي: وهبت لك ابنتي بصداق كذا، أو يقول الزوج: هب لي ابنتك بصداق كذا. أما غير ذلك من الألفاظ التي تفيد التمليك كبعت وتصدقت ومنحت، وأعطيت، وملكت، وأحللت، مع ذكر الصداق بأن يقول: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا فإن فيها خلافاً. والراجح عدم انعقاد النكاح بها. أما إذا لم يذكر الصداق فإن النكاح لا ينعقد لها اتفاقاً. فتحصل من هذا أنه يشترط في الصيغة أن تكون بلفظ الانكاح أو التزويج، أو الهبة بشرط ذكر الصداق.
(4/24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثانيها: الفور فيشترط لصحة النكاح أن لا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل كثير يقتضي الاعراض. فإذا قال الولي: زوجتك فلانة قال الزوج: قبلت ذلك الزواج. ولا يضر الفاصل اليسير كما إذا فصل بخطبة قصيرة ونحوها ويستثنى من ذلك الإيصاء بالتزويج فإنه يغتفر فيه الفاصل الطويل فإذا قال: إن مت زوجت ابنتي لفلان فإنه يصح ولا يلزم أن يجيبه الموصى له على الفور بقوله قبلت، بل يصح إذا قبل الزوج بعد موت الموصي سواء كان القبول بعد موته بمدة قريبة أو بعيدة على المعتمد. إنما يشترط لصحة النكاح بالوصية أن تكون الوصية في مرض مات فيه سواء كان مخوفاً أولا، وسواء طال أو قصر. ومثل ذلك ما إذا قال: زوجت ابنتي لفلان إن رضي، فإنه إذا رضي يعقد النكاح. ولا يلزم أن يكون موجوداً في المجلس، بل يصح أن يرضى بعد علمه ولو بزمن طويل. والحاصل أن الفور شرط فيما إذا كان الطرفان حاضرين في مجلس العقد، وفي هذه الحالة لا يغتفر الفصل بين الإيجاب والقبول إلا بالأمر اليسير. وبذلك تعلم أن الإيصاء بالنكاح والتعليق على الرضى ينعقد بهما عند المالكية خلافاً لغيرهم.
ثالثها: أن لا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت كأن يقول للولي: زوجني فلانة شهراً بكذا، أو يقول قبلت زواجها مدة شهر بكذا، وهذا هو نكاح المتعة الآتي.
رابعها: أن لا يكون مشتملاً على الخيار، أو على شرط يناقض العقد، وسيأتي بيان ذلك في مبحث الشروط.
ويشترط في الولي ثمانية شروط: الذكورة، والحرية، والعقل، والبلوغ، وعدم الإحرام وعدم الكفر - إذا كان ولياً لمسلمة - أما ولاية الكافر لمثله فصحيحة، وعدم السفه إذا لم يكن عاقلاً أما إذا كان سفيهاً ولكن ذا رأي وعقل فإن سفهه لا يخرجه عن الولاية فله حق إجبار المرأة، وعدم الفسق.
ويشترط في الصداق أن يكون مما يملك شرعاً فلا يصح الصداق إذا كان خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو كان مما لا يصح بيعه كالكلب أو كان جزء ضحية فإذا وقع العقد على صداق من هذه الأشياء كان فاسداً ويفسخ وجوباً قبل الدخول فإن دخل بها فإن العقد يثبت بصداق المثل كما يأتي في الصداق.
أما الشهادة فقد عرفت أنها ضرورية لا بد منها ولكن لا يلزم أن يحضر الشهود عند العقد بل يندب ذلك فقط فإذا قال الولي: زوجتك فلانة وقال الزوج: قبلت انعقد النكاح وإن لم يحضر أحد ولكن يجب أن يحضر شاهدان عند الدخول بها فإن دخل عليها من غير شاهدين فسخ النكاح بطلقة لأنه عقد صحيح فيكون فسخه طلاقاً بائناً وذلك لأن عدم الإشهاد مطلقاً يفتح الباب على مصراعيه للزناة إذ يمكن كل واحد في خلوة مع امرأة خالية الأزواج أن يدعي العقد عليها. ولا بد أن يشهد شاهدان غير الولي فلا يرفع الفسخ حضور الولي. وإذا عقد الولي من غير شهود ثم تفرقا فلقي الولي شاهدين فقال لهما: أشهدكما بأنني زوجت فلاناً لفلانة ولقي الزوج شاهدين غيرهما فقال لهما: أشهدكما بأنني
(4/25)

خلاصة لأهم المسائل المتقدمة المتفق عليها والمختلف فيها
الصيغة
(1) - اتفق الثلاثة على أن النكاح لا يصح بألفاظ العقود المفيدة لتمليك العين كالبيع والشراء والصدقة والجعل والتمليك، كتصدقت لك بابنتي بمهر كذا أو جعلتها لك أو ملكتك إياها ومثل ذلك عقد الصلح والقرض كقوله اصطلحت معك على الألف التي عليّ بابنتي أو نحو ذلك.
وخالف الحنفية فقالوا يصح، راجع شروط الصيغة عند الحنفية.
واتفق الشافعية والحنابلة على أنه لا يصح إلا بصيغة مشتقة من إنكاح وتزويج فلا يصح بلفظ الهبة إن كانت مقرونة بذكر الصداق كأن يقول الولي: وهبت لك ابنتي بصداق كذا أو يقول الزوج: هب لي ابنتك بصداق كذا.
__________
تزوجت فلانة فإنه يصح، ويقال لهذه الشهادة: شهادة الأبداد - أي المتفرقين - وهي تكفي في النكاح والعتق، فيكون على الزوج شاهدان وعلى الولي شاهدان.
وينبغي أن يكون شاهدا الولي غير شاهدي الزوج فإن كان شاهدا أحدهما عين شاهدي الآخر فلا تكون الشهادة شهادة أبداد ولكن يكفي ذلك في العقد إذ لا يلزم فيه أن يكون الشهود أربعة.
ثم إذا دخل عليها بدون شهادة اثنين واعترف بأنه وطئها أو قامت بينة بأنه وطئها كان عليهما حد الزنا ما لم يشتهر الدخول بها - كزوجة له - بوليمة أو دف أو ايقاد نار أو نحو ذلك مما يعمل عادة عند الدخول بالأزواج، وكذا إذا كان على الدخول أو العقد شاهد واحد.
ثم إن أمكن حضور شاهدي العدل ليشهدا على العقد أو النكاح فإنه لا يشهد غيرهما وإن لا فتصح شهادة المستور بشرط أن لا يكون مشهوراً بالكذب، ويستحسن في هذه الحالة الاستكثار من الشهود.
ويشترط في الزوجين الخلو من الموانع كالإحرام، فلا يصح العقد في حال الإحرام وأن لا تكون المرأة زوجة للغير أو معتدة منه. وأن لا يكونا محرمين بنسب أو رضاع أو مصاهرة) .
(4/26)

(2) - اتفقوا على أن النكاح ينعقد ولو هزلاً، فإذا قال شخص لآخر، زوجتك ابنتي فقال: قبلت، وكانا يضحكان انعقد النكاح. كالطلاق والعتق فإنهما يقعان بالهزل.
واتفق الثلاثة على عدم انعقاده بالإكراه، مثلاً إذا أكره شخص آخر على أن يقول قبلت زواج فلانة لنفسي بوسائل الإكراه المعروفة شرعاً فإنه لا ينعقد. وخالف الحنفية فإنهم قالوا: ان الإكراه بهذه الحالة ينعقد به النكاح، على أن الحنفية قالوا: إذا أكرهته الزوجة على التزويج بها لم يكن لها حق في المهر قبل الدخول ولها مهر المثل بالوطء ولا يخفى أن الإكراه بهذا المعنى غير إكراه الولي المجبر الآتي بيانه عند الثلاثة.
(3) - اتفقوا جميعاً على ضرورة اتحاد مجلس العقد، فلو قال الولي: زوجتك ابنتي وانفض المجلس قبل أن يقول الزوج: قبلت، ثم قال في مجلس آخر أو في مكان آخر، لم يصح. واختلفوا في الفور - يعني النطق بالقبول عقب الإيجاب بدون فاصل - فاتفق الحنابلة والحنفية على أن الفور ليس بشرط مادام المجلس قائماً عرفاً، أما إذا تشاغلا بما يقطع المجلس عرفاً فإنه لا يصح.
واشترط الشافعية والمالكية الفور واغتفروا الفاصل اليسير الذي لا يقطع الفور عرفاً.
(4) - اتفق الثلاثة على أنه يصح تقديم القبول على الإيجاب، فلو قال الزوج للولي: قبلت زواج ابنتك فلانة بصداق كذا فقال له الولي: زوجتك إياها فإنه يصح، وكذا إذا قال له: زوجني ابنتك فقال له: زوجتك ولم يقل: قبلت فإنه يصح لأن معنى زوجني قبلت زواجها، ولكن الحنفية يقولون: إن المتقدم يقال له: إيجاب سواء كان من الزوج أو الزوجة، أما الحنابلة فإنهم خالفوا الثلاثة في ذلك، وقالوا: لابد أن يقول الولي أو من يقوم مقامه أولاً زوجتك أو أنكحتك فلانة ويقول الزوج أو من يقوم مقامه قبلت أو رضيت، فلا يصح النكاح إن تقدم الإيجاب على القبول عندهم.
(5) - اتفق الثلاثة على أنه يكفي في القبول أن يقول قبلت أو رضيت، ثم إن كان الزواج له قال لنفسي، وإن كان لموكله قال لموكلي، وإن كان لابنه قال لابني، وخالف الشافعية في ذلك فقالوا: لابد أن يصرح بلفظ التزويج أو النكاح في القبول حتى لو نواه لا يكفي فلا بد عندهم من أن يقول قبلت زواجها أو نكاحها.
(6) - اتفقوا على أن النكاح المؤقت بوقت باطل. فلو قال للولي، زوجني بنتك أسبوعين أو شهراً بصداق كذا فزوجه على ذلك بطل النكاح ولكنه لو دخل بها لا يحد لأنه فيه شبهة العقد.
(4/27)

الشهود والزوجان
(7) - اتفق الثلاثة على ضرورة وجود الشهود عند العقد فإذا لم يشهد شاهدان عند الإيجاب والقبول بطل. وخالف المالكية فقالوا إن وجود الشاهدين ضروري ولكن لا يلزم أن يحضرا العقد بل يحضران الدخول أما حضورهما عند العقد فهو مندوب فقط.
(8) - اتفق الشافعية والحنابلة على اعتبار العدالة في الشاهدين وعلى أنه يكفي العدالة ظاهراً فإذا عرف الشاهد بالعدالة في الظاهر عند الزوجين صحت شهادته على العقد ولا يكلف الزوجان البحث عن حقيقة أمره لأن ذلك فيه مشقة وحرج. وقال المالكية: إن وجد العدل فلا يعدل عنه إلى غيره وإن لم يوجد فتصح شهادة المستور الذي لم يعرف بالكذب.
واتفق الثلاثة على اشتراط الذكورة في الشاهدين، أما الحنفية فقالوا: العدالة غير شرط في صحة العقد ولكنها شرط في إثباته عند الإنكار، ولا تشترط الذكورة فيصح بشهادة رجل وامرأتين ولكن لا يصح بالمرأتين وحدهما بل لابد من وجود رجل معهما.
(9) - اتفق الثلاثة على أن المحرم بالنسك لا يصح عقده. وخالف المالكية فقالوا: يصح العقد من المحرم فعدم الإحرام ليس شرطاً.
(4/28)

مباحث الولي
تعريف الولي
-الولي في النكاح هو الذي يتوقف عليه صحة العقد فلا يصح بدونه، وهو الأب أو وصيه والقريب العاصب (1) والمعتق والسلطان والمالك (2)
وترتيب الأولياء قي أحقية الولاية مفصل في المذاهب (3)
__________
(1) (الحنفية - قالوا: القريب العاصب ليس بشرط بل هو مقدم فإذا عدم تنتقل الولاية لذوي الأرحام كما سيأتي) .
(2) (المالكية - زادوا: الولاية بالكفالة، فمن كفل امرأة فقدت والدها وغاب عنها أهلها فقام بتربيتها مدة خاصة كان له حق الولاية عليها في زواجها، ويشترط لولايته أمران: أحدهما أن تمكث عنده زمناً يوجب حنانه وشفقته عليها عادة فتخالطه مخالطة الأبناء لآبائهم، فلا يلزم تقدير هذه المدة بزمن معين كأربع سنين أو عشر على الأصح. الثاني أن تكون دنيئة لا شريفة، والشريفة في هذا الباب هي ذات الجمال والمال بحيث يوجدان فيها أو أحدهما فإن كانت ذات مال فقط أو جمال فقط فلا ولاية عليها بل يكون وليها الحاكم، ولكن رجح بعضهم أن ولاية الكافل عامة تشمل الشريفة والدنيئة، فكلا القولين مرجح. وهل إذا كفلتها امرأة تكون لها ولاية؟ الصحيح لا إذ ولاية للنساء، وقيل: تكون لها ولاية ولكن ليس لها مباشرة العقد بل توكل عنها رجلاً يباشره.
وكذلك زاد المالكية في الأولياء الولي بالولاية العامة، والولاية العامة هي ما تكون لكل المسلمين على أن يقوم بها واحد منهم كفرض الكفاية، فإذا وكلت امرأة فرداً من أفراد المسلمين ليباشر عقد زواجها ففعل صح ذلك إذا لم يكن لها أب أو وصية ولكن بشرط أن تكون دنيئة لا شريفة، وهذا معنى ما نقل عن المالكية من أن الدنيئة لا يشترط في صحة عقدها الولي، فإن مرادهم بذلك الولي الخاص أما الولي بالولاية العامة فلا بد منه بحيث لو باشرت عقد زواجها بنفسها لا يصح. وقد خفي ذلك على بعض شراح الحديث فنقلوه عن المالكية مبهماً) .
(3) (الحنفية - قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا. العصبة بالنسب أو بالسبب كالمعتق فإنه عصبة بالسبب، ثم ذوو الأرحام، ثم السلطان ثم القاضي إذا كان ذلك الحق منصوصاً عليه في أمر تعيينه.
(4/29)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وترتيب العصبة هكذا: ابن المرأة إن كان لها ابن ولو من الزنا، ثم ابن ابنه وإن سفل. ثم بعد الابن الأب، ثم أب الأب - وهو الجد - وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ابن الأخ لأب وهكذا وإن سفلوا. ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم، ثم ابن العم لأب وهكذا وإن سفلوا. ثم عم الأب لأب وأم، ثم عم الأب لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب، ثم عم الجد لأب وأم، ثم عم الجد لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب، ثم من بعد هؤلاء ابن عم بعيد، وهو أبعد العصبات إلى المرأة.
فكل هؤلاء لهم ولاية الإجبار على البنت والذكر في حال الصغر، أما في حال الكبر فليس لهم ولاية إلا على من كان مجنوناً من ذكر أو أنثى.
وعند عدم العصبة يملك تزويج الصغير والصغيرة كل قريب يرث من ذوي الأرحام عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد، والأقرب عند أبي حنيفة الأم، ثم البنت، ثم بنت الابن، ثم بنت البنت، ثم بنت ابن الابن، ثم بنت بنت البنت، ثم الأخت لأب وأم، ثم الأخت لأب، ثم الأخ والأخت لأم، ثم أولادهم. وبعد أولاد الأخوات العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام ثم بنات العمات. وأبو الأم أولى من الأخت. ثم مولى الموالاة، ثم السلطان، ثم القاضي ومن يقيمه القاضي اهـ ملخصاً من الهندية.
وقد تقدم هذا في مباحث الحجر جزء ثاني صفحة 310 وما بعدها طبعة خامسة مع الفرق بين الولي في المال والولي في النكاح فارجع إليه إن شئت.
المالكية - قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا: الولي المجبر وهو الأب ووصيه والمالك ثم بعد الولي المجبر يقدم الابن ولو من زنا بأن تزوجت أمه أولاً بنكاح صحيح وأتت به بعد ذلك من الزنا ففي هذه الحالة يكون له حق الولاية عليها مقدماً على الجميع، أما إذا زنت به ابتداء قبل أن تتزوج فحملت به فإن أباها في هذه الحالة يقدم عليه لأنه يكون ولياً مجبراً لها إذ الولي المجبر يجبر البكر والثيب بالزنا كما ستعرفه بعد، ومثلها المجنونة لأن مجبرها أبوها، ومثل الأب وصيه، ثم بعد الابن يقدم ابن الابن، ثم الأب غير المجبر بشرط أن يكون أباً شرعياً جاءت به منه بنكاح صحيح أما إذا كان أباً من زنا فإنه لا قيمة له فلا ولاية له، ثم الأخ على الصحيح، ثم الأخ لأب، وقيل: الأخ الشقيق والأخ لأب في مرتبة واحدة، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب على الصحيح أيضاً، ثم الجد لأب على المشهور، ثم العم الشقيق، ثم ابنه، ثم العم لأخ، ثم ابنه، ثم أبو الجد، ثم عم الأب، ثم تنقل الولاية إلى كافل المرأة المتقدم ذكره، ثم تنتقل الولاية إلى الحاكم بشرط أن لا يكون قد وضع ضريبة مالية على تولي العقد فإن كان كذلك لا تكون له ولاية. والحاكم يزوجها بإذنها ورضاها بعد أن يثبت عنده خلوها من الموانع وأن لا ولي لها أو لها ولي منعها من الزواج أو غاب عنها غيبة بعيدة. ثم إن كانت رشيدة فإن رضاها بالزوج يكفي وإن لم تكن رشيدة فلا بد له أن يتحقق من كفاءة الزوج في الدين
(4/30)

أقسام الولي
-ينقسم الولي إلى قسمين: ولي مجبر له حق تزويج بعض من له عليه الولاية بدون إذنه ورضاه وولي غير مجبر (1) ليس له ذلك بل لا بد منه ولكن لا يصح له أن يزوج بدون إذن من له عليه الولاية ورضاه. وفي تعريف الولي وغيره تفصيل المذاهب (2)
__________
والحرية والسلامة من العيوب ومساواته لها فيما هي عليه من صفات الكمال والمهر، وذلك لأن الرشيدة لها حق اسقاط الكفاءة المذكورة فمتى رضيت صح، أما غيرها فليس لها ذلك.
فإن لم يوجد حكم أو وجد حاكم مفسد تنتقل الولاية لعامة المسلمين كما تقدم.
الشافعية - قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا: الأب، ثم الجد أبو الأب، ثم أبوه فإذا اجتمع جدان كان الحق للأقرب، ثم الأخ الشقيق، ثم ابن الأب لأب، ثم العم الشقيق ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن الأب. والمراد بالعم ما شمل عم المرأة وعم أبيها وعم جدها، ثم تنتقل الولاية بعد ذلك إلى المعتق إن كان ذكراً، ثم عصبته إن وجدت، ثم الحاكم يزوج عند فقد الأولياء من النسب والولاء.
الحنابلة - قالوا: ترتيب الأولياء هكذا: الأب، وصي الأب بعد موته، الحاكم عند الحاجة - وهؤلاء أولياء مجبرون كما ستعرف - ثم تنتقل الولاية إلى الأقرب فالأقرب من العصبات كالإرث وأحق الأولياء الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الابن، ثم ابنه وإن نزل، وعند اجتماع هؤلاء يقدم الأقرب، ثم من بعد الابن يقدم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب. ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم بنوهما وإن نزلوا، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب وإن نزلوا، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم، ثم أعمام أبي الجد، ثم بنوهم كذلك وهكذا، فيقدم أولاد الأقرب على أولاد الأعلى، فالأخ لأب وابنه أولى من العم، والأخ لأب أولى من ابن الأخ لأنه أقرب، وعلى هذا القياس، ثم تنتقل الولاية إلى المولى المتعق، ثم عصبته الأقرب فالأقرب، ثم السلطان الأعظم أو نائبه فإن تعذر وكلت رجلاً عدلاً يتولى عقدها) .

(1) (الحنفية - قالوا: لا ولي إلا المجبر فمعنى الولاية تنفيذ القول على الغير سواء رضي أو لم يرضى فليس عندهم ولي غير مجبر يتوقف عليه العقد. ويختص الولي المجبر بإجبار الصغير والصغيرة مطلقاً والمجنون والمجنونة الكبار على تفصيل يأتي في المبحث الذي بعد هذا) .
(2) (الشافعية - قالوا: الولي المجبر هو الأب، والجد وإن علا، والسيد الولي غير المجبر هو الأب، والجد، ومن يليهم من العصبات المتقدم ذكرهم، وقد عرفت أن الابن ليس ولياً عندهم.
المالكية - قالوا: الولي المجبر هو الأب لا الجد، ووصي الأب بعد موته بشرط أن يقول له: أنت وصيي على زواج بناتي، أو أنت وصيي على تزويج بنتي، أو أنت وصيي على أن تزوج بنتي ممن
(4/31)

مبحث اختصاص الولي المجبر وغيره
-يختص الولي المجبر (1) بتزويج الصغيرة والصغير، والكبيرة والكبير إذا جنا، والكبيرة العاقلة البالغة إذا كانت بكراً حقيقة حكماً فللولي المجبر تزويج هؤلاء بدون استئذان ورضا بشروط، ويختص الولي غير المجبر بتزويج الكبيرة العاقلة البالغة بإذنها ورضاها سواء كانت بكراً أو ثيباً إلا أنه لا يشترط في إذن البكر أن تصرح برضائها فلو سكتت بدون أن يظهر عليها ما يدل على الرفض كان ذلك إذناً، أما الثيب فإنه لا بد في إذنها من التصريح بالرضا لفظاً فلا يصح العقد بدون أن يباشره الولي على التفصيل المتقدم كما لا يصح للولي أن يعقد بدون إذن المعقود عليها ورضاها، وفي كل ذلك تفصيل المذاهب (2)
__________
أحببت، أو أنت وصيي على أن تزوجها من فلان، ففي هذه الحالة يكون للوصي حق الإجبار كالأب ولكن لا من كل وجه بل يشترط أن يزوجها بمهر المثل لرجل غير فاسق أو يزوجها لمن عينه له الأب بخصوصه، أما إذا قال له: أنت وصيي على بناتي أو بنتي ولم يذكر التزويج ففيه خلاف، والراجح أنه لا يكون بذلك ولياً مجبراً. فإذا قال له أنت وصيي فقط، ولم يذكر بنته، أو قال له: أنت وصيي على مالي أو بيع تركتي فإنه لا يكون مجبراً باتفاق.
الثالث المالك فإن له الحق في جبر إمائه على تفصيل مذكور قي غير هذا الكتاب. فالولي المجبر منحصر في الثلاثة المذكورين.
ويستثنى من البكر البالغ، البكر التي رشدها أبوها أو وصيه، ومعنى يرشدها أن يعلنها بأنها رشيدة كأن يقول لها: رشدتك أو أطلقت يدك أو رفعت الحجر عنك فإنها في هذه الحالة تكون كالثيب فلا تزوج إلا برضاها، ويثبت ترشيدها بإقراره أو بالبينة.
وأما الولي غير المجبر فقد تقدم ذكره.
الحنابلة - قالوا: المجبر الأب بخصوصه فلا يجبر الجد كالمالكية، الثاني وصي الأب يقوم مقامه سواء عين له الأب الزوج أو لا خلافاً للمالكية. الثالث الحاكم عند عدم وجود الأب ووصيه بشرط أن تكون هناك حاجة ملحة تبعث على الزوج) .
(1) (الحنفية - قالوا: كل ولي مجبر كما تقدم، ولكن لا ولاية إلا على الصغير والصغيرة والمجنون والمجنونة ولو كباراً إلا أن الولي تارة يكون أباً أو جداً ولهما الولاية على الصغار والكبار إذا كان بهم جنون عند عدم وجود الابن وإلا كان ابن المجنونة وليها على المذهب لا أبوها وتارة يكون غير ذلك كما هو مبين في ترتيب الأولياء المتقدم) .
(2) (الحنفية - قالوا: قالوا يختص الأب والجد وغيرهما من الأولياء عند عدم وجودهما بتزويج الصغير والصغيرة وإن لم يرضيا بذلك سواء كانت الصغيرة بكراً أو ثيباً ولكن إذا زوجهما الأب أو الجد
(4/32)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فلا خيار لهما بعد بلوغهما بشرطين: أن لا يكون معروفاً بسوء الاختيار قبل العقد، ثانيهما أن لا يكون سكران فيقضي عليه سكره بتزويجها بغير مهر المثل أو بفاسق أو غير كفء فإذا لم يكن الأب أو الجد معروفاً بسوء الاختيار قبل العقد ثم زوج الصغيرة من فاسق أو من غير كفء فإنه يصح وليس لها اختيار بعد البلوغ، فإذا زوج بعد ذلك بنتاً أخرى بهذه الصورة فإنه لا يصح وكان لها حق الاختيار عند البلوغ إذ بزواج الأولى عرف بسوء الاختيار، فإذا زوجها المعروف بسوء الاختيار من كفء وبمهر المثل فإنه يصح ولا خيار لها كما إذا زوجها وهو سكران كذلك، أما إذا زوجها غير الأب والجد فإن كان من غير كفء وبغير مهر المثل فإن النكاح لا يصح أصلاً وإن كان من كفء وبمهر المثل فإنه يصح ويكون لهما حق خيار الفسخ بالبلوغ، فبمجرد أن ترى الصغيرة الدم تشهد أنها فسخت العقد واختارت نفسها ثم يفرق القاضي بينهما، هذا إذا كان زوجها كبيراً فإن كان صغيراً فرق القاضي بينهما بحضرة أبيه أو وصيه، فإن لم يوجد له أب ولا وصي نصب القاضي وصياً للمخاصمة عن الصغير ويطلب القاضي منه حجة تبطل دعوى الفرقة من بينة على رضاها بالنكاح بعد البلوغ، أو تأخيرها طلب الفرقة فإن لم توجد البينة حلفها الخصم فإذا حلفت فرق بينهما الحاكم بدون انتظار بلوغ الولي، فإذا بلغت وهي لا تعلم بالزواج ومضى على بلوغها زمن ثم علمت فلها حق الخيار عقب العلم مباشرة ويفرق بينهما على الوجه المتقدم، فإذا ماتت الصغيرة أو الصغير قبل فسخ العقد كان لكل منهما أن يرث صاحبه ويلزم الزوج كل المهر، ثم إن كانت الفرقة من
قبل الزوجة كانت فسخاً لا ينقص عدم الطلاق فلو جدد العقد بعده ملكها بثلاث طلقات، وأما إن كانت من قبلها فطلاق.
ويلحق بالصغير والصغيرة المجنون والمجنونة ولو كانا كبيرين، فإذا زوج المجنونة الكبيرة ابنها وهو وليها ثم أفاقت لا يكون لها حق الخيار إذا كان وليها غير معروف بسوء الاختيار على الوجه المتقدم، أما إذا زوجها غير ابنها أو أبيها عند عدم وجود ابنها فإن لها حق الخيار بمجرد الإفاقة ولا يجوز للولي أن يزوج المجنونة الكبيرة بدون إذنها إلا إذا كان جنونها مطبقاً، أما إذا كان متقطعاً فإنه يجب أن ينتظر وقت إفاقتها ويستأذنها، ومثلها المجنون والمعتوه والمعتوهة.
ويشترط لصحة خيار الصغيرة البكر أن تختار نفسها بمجرد البلوغ كما ذكرناه، فلو رأت دم الحيض مثلاً ثم سكتت بطل خيارها بل ينبغي لها أن تقول فوراً: اخترت نفسي ونقضت النكاح وبذلك لا يبطل حقها بالتأخير، ومثل ذلك ما إذا كانت جاهلة بالنكاح ثم بلغها الخبر فإنه لا يلزمها أن تقول فوراً: لا أرضى أو فسخت النكاح إلا لضرورة كأن أخذها العطاس أو السعال فقالت بعد انتهائه. وإذا بين البلوغ واختيار نفسها بالسؤال عن الزوج أو بالسؤال عن المهر أو سلمت على الشهود الذين استدعتهم ليشهدوا بأنها اختارت نفسها فقيل: يبطل خيارها بذلك، وقيل: لا يبطل، والمحققون على أنه لا يبطل بذلك خصوصاً تسليمها على الشهود فإن السلام عليهم مطلوب قبل الكلام معهم. فإذا كانت الصغيرة ثيباً لا بكراً بأن دخل بها زوجها فبل البلوغ، أو كانت ثيباً قبل أن يعقد عليها فإنه لا يبطل خيارها بالسكوت مهما طال الزمن لأن وقت حقها في الخيار العمر كله، وإنما
(4/33)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يبطل إذا صرحت بأنها رضيت بالزوج أو مكنته من نفسها أو قبلته أو لامسته، فلو ادعت أنها مكنته من ذلك كرهاً صدقت لأن الظاهر يصدقها، ومثل الصغيرة الثيب والغلام الصغير إذا زوجه غير الأب والجد من امرأة ليست بكفء له فلو زوج الأخ مثلاً أخاه من امرأة أدنى منه فإن له خيار الفسخ عند البلوغ كالصغيرة والثيب.
ومن هذا يتضح أن الكفاءة وإن كانت لا تعتبر من جانب الرجل ولكنها تعتبر إذا كان صغيراً.
هذا وإذا رأت الصغيرة الدم في جوف الليل حيث لا يمكنها إحضار الشهود فإن عليها أن تختار نفسها فوراً وتفسخ العقد ثم تشهد بمجرد طلوع النهار ولكنها لا تصرح بأنها رأت الدم ليلاً بل تقول لهم: اشهدوا بأنني بمجرد أن بلغت فسخت العقد، أو تقول اشهدوا بأنني بالغة الآن وقد فسخت العقد بمجرد البلوغ ولا تقول: أنني بلغت ليلاً إذ لو قالت ذلك بطل اختيارها. ولا يخفى أن هذه حالة ضرورة.
هذا وليس للوصي أن يزوج الصغير والصغيرة سواء أوصى له الأب بزواجهما أو لم يوص. وقد عرفت أنه إذا لم يكن لها ولي من العصب أو ذوي الأرحام كان وليها السلطان أو القاضي المأذون بتزويج الصغيرة من السلطان، فإذا زوجت نفسها في جهة بها قاض انعقد العقد موقوفاً على إجازة القاضي، وقيل لا ينعقد ويتوقف على إجازتها بعد بلوغها. أما البالغة سواء كانت بكراً أو ثيباً فلا جبر عليها لأحد ولا يتوقف نكاحها على ولي بل لها أن تزوج نفسها لمن تشاء بشرط أن يكون كفأً وإلا فللولي الاعتراض وفسخ العقد إذا زوجت نفسها من غير كفء. وإلا فللأقرب منهم حق الفسخ، فإذا زوجها الولي فإنه يسن له أن يستأذنها بأن يقول لها: فلان يخطبك ونحو ذلك فإن زوجها بغير استئذان خالف السنة، ويصح العقد موقوفاً على رضاها.
ولا يشترط في البكر أن تصرح بالقبول بل يكفي أن يصدر منها ما يدل على الرضا كأن تسكت أو تبتسم أو تضحك غير مستهزئة أو تبكي بكاء الفرح، أما إذا ظهر منها ما يدل على عدم الرضا كأن تضرب وجهها أو نحو ذلك فإنه لا يكون رضا، هذا إذا زوجها الولي أو وكيله أو رسوله أو زوجها الولي ثم أخبرها رسوله أو أخبرها شخص أجنبي فضولي بشرط أن يكون عدلاً فصدر منها ما يدل على الرضا على الوجه المتقدم فإنه يعتبر إجازة للعقد، أما إذا زوجها غير الولي من غير إذنها ورضاها - وهو نكاح الفضولي - ثم بلغها الخبر بالصورة المتقدمة فإن إجازة العقد لا يكفي فيها سكوتها بل لابد أن يصدر منها ما يدل على الرضا دلالة صريحة من قول أو فعل، ودلالة الفعل هي أن تطلب مهرها أو تقبل التهنئة بالسكوت أو الرد عليها، أو تمكن الزوج من الدخول والوطء أو نحو ذلك. ومثل البكر التي زوجها غير الولي الثيب التي زوجها الولي أو غيره فإنه لابد فيها من التصريح بالقول أو ما في معناه.
والبكر اسم لامرأة لم تجامع أصلاً، ويقال لها: بكر حقيقة فمن زالت بكارتها بوثبة أو حيض قوي أو جراحة أو كبر فإنها بكر حقيقة، ومثلها من تزوجت بعقد صحيح أو فاسد ولكن طلقت أو مات عنها زوجها قبل الدخول والخلوة أو فرق بينهما القاضي بسبب كون زوجها عنيناً أو مجبوباً فإنها بكر
(4/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حقيقة، أما من زالت بكارتها بزنا فإنها بكر حكماً بمعنى أنها تعتبر بكراً وإن زالت بكارتها ومحل ذلك ما إذا لم يتكرر الزنا ولم تحد به وإلا كانت ثيباً، فالثيب هي الموطوءة بنكاح صحيح أو نكاح فاسد أو بشبهة أو زنا حدت به ولو مرة أو زنا تكرر منها وإن لم تحد به.
المالكية - قالوا: يختص الولي المجبر بجبر الصغيرة، والمجنونة بالغة كانت أو لا. إذا كان جنونها مطبقاً بكراً كانت أو ثيباً، أما إذا كانت ثيباً وكان جنونها متقطعاً فلا تزوج إلا في حال إفاقتها بعد استئذانها، يختص أيضاً بجبر الكبيرة البالغة العاقلة إذا كانت بكراً.
وحد البكر هي التي لم تزل بكارتها بوطء في عقد صحيح أو فاسد أو يدرأ عنها الحد، أما إذا زالت بكارتها بزنا ولو تكرر منها على الأرجح، أو عارض آخر كتقدم في السن أو صدمة أو غير ذلك فإنها بكر له عليها الجبر.
ويستثنى من ذلك البكر التي رشدها أبها أو وصيه بأن يعلن لها أنها رشيدة مرفوع عنها الحجر بقوله: رشدتك أو أطلقت يدك أو رفعت الحجر عنك أو نحو ذلك، ويثبت رشدها بإقراره أو ببينة وفي هذه الحالة لا يكون له عليها جبر فهي بمنزلة الثيب التي زالت بكارتها بالنكاح المتقدم. فلا يصح زواجها إلا بإذنها ورضاها، فللأب ومن قام مقامه أن يزوج الصغيرة ثيباً كانت أو بكراً فلو ثيبت الصغيرة قبل البلوغ بنكاح صحيح ثم طلقت وزوجت قبل البلوغ أيضاً كان له عليها الجبر، أما إذا بلغت عنده وهي ثيب، فقيل: له عليها الجبر وقيل: لا وكذلك له أن يجبر المجنونة مطلقاً إذا كانت لا تفيق، ويجبر البكر البالغة العاقلة فيزوجهن لمن يحب سواء كان كفأً أو لا وسواء كان بمهر المثل أو لا إلا أنه يشترط ألا يزوجهن لخصي أو عنين أو مجبوب أو أبرص أو رقيق أو عبد فليس له جبر في هذه الحالة فإن فعل كان للمجبور خيار الفسخ.
وقد عرفت أن الوصي بالتزويج وإن كان له الجبر إلا أنه يزيد على هذا الشرط لا يزوجها لرجل فاسق، وأن لا يكون مهرها دون مهر المثل.
وللولي المجبر من أب ووصي أن يجبر ولده المجنون جنوناً مطبقاً إذا خاف عليه الزنا أو الضرر الشديد أو الهلاك وكان الزواج ضرورياً متعيناً لإنقاذه، فإن لم يكن له أب ولا وصي أب وكان جنونه قبل البلوغ زوجه الحاكم.
وكذلك لهم جبر الذكر الصغير لمصلحة كتزوجه من شريفة أو غنية أو بنت عم وهل لهؤلاء جبر السفيه أو لا؟ الجواب: أنه إذا خيف عليه الزنا لهم الجبر قطعاً، وإن ترتب على تزويجه مفسدة لم يصح قطعاً، أما إذا لم يترتب عليه مفسدة ولم يخف عليه الزنا فخلاف. والأظهر عدم الجبر فإن لم يكن عندهم صداق كان صداقهم على الأب، ولو مات يؤخذ من تركته أما إذا كان عندهم أخذ منهم، ومثل الأب الوصي والحاكم.
(4/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما الولي غير المجبر فليس له تزويج هؤلاء على أي حال على المشهور، فإن فعل يفسخ النكاح مطلقاً ولو دخل وطال الزمن، وقيل: لا يفسخ بعد الدخول وطول الزمن.
يختص الولي غير المجبر بتزويج من له عليها الولاية بإذنها ورضاها إذا كانت كبيرة عاقلة، فليس له أيضاً أن يزوج الصغيرة ومن في حكمها مطلقاً لأنه ليس له حق التزويج إلا إذا استأذن ورضيت، والصغيرة يعتبر إذنها فتبقى بلا زوج حتى تبلغ، على أنهم استثنوا من ذلك اليتيمة الصغيرة التي يخشى عليها الفساد في مالها أو نفسها إذا بلغت المرغوب في نكاحها، وقدره بعضهم بعشر سنين، ولكن الراجح عدم تعيين مدة بل المذار على خوف الفساد وعند ذلك يجبرها وليها على التزويج سواء رضيت أو لم ترض. ولكن يجب عليه أن يشاور القاضي قبل مباشرة العقد فإن لم يشاور القاضي فسخ قبل الدخول أما بعد الدخول فإنه يصح وإن لم يطل الزمن، فإذا زوجها الولي غير المجبر بدون أن يخاف عليها الفساد فإنه يصح إن دخل بها ومكث معها زمناً طويلاً، قدر بثلاث سنين، أما قبل ذلك فإنه يفسخ.
وله أن يزوج الكبيرة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً بإذنها ورضاها كما تقدم، إن كانت بكراً فصمتها رضا، ويندب أن يقول الوالي لها: إن سكوتك عن الإجابة رضاً منك بالزوج والصداق وإن نفرت أو منعت فإنه لا يصح أن يزوجها، أما إذا ضحكت أو بكت فإنه علامة الرضا إلا إذا قامت قرينة على أن البكاء علامة الرفض. أما الثيب فإنها تبين اللفظ عما في نفسها فلا بد من التصريح بأنها رضيت وأنها تأمر الولي بعقد زواجها على من ذكره لها. ويلحق بالثيب البكر التي رشدها الأب أو الوصي فإنه لا بد من لفظها صراحة. والبكر التي منعها أبوها من الزواج فرفعت أمرها إلى الحاكم ليزوجها فإنها في هذه الحالة تعرب عما في نفسها بصريح اللفظ فإن أمر الحاكم أباها بتزويجها فزوجها أبوها فإنه لا يحتاج إلى اذنها لأنه مجبر ولم يضع حقه في ذلك، وكذلك التي زوجها ولي غير مجبر بصداق من عروض التجارة وهي من قوم لا يزوجون به فإنه لا بد من رضاها بالصداق صريحاً سواء كانت عروض التجارة بعض الصداق أو كله، أما الزوج فيكفي صمتها في الرضا به. وكذا إذا زوجت برجل به عيب يجعل لها فيه الخيار، فإنه لا بد في رضائها به من نطقها حتى ولو زوجها الولي المجبر كما تقدم. وكذلك البكر التي زوجها ولي غير مجبر بغير إذنها ثم بلغها الخبر فرضيت فإنه لا بد من لفظها بأنها رضيت. وهذا هو نكاح الفضولي وإنما يصح بشروط:
أحدها: أن يقع العقد بالبلد التي تقطن بها الزوجة. ثانيها: أن يبلغها الخبر عقب العقد. أو قريباً منه فترضى بدون تسويف، وقدر لقرب الزمن ثلاثة أيام على الأكثر فإذا علمت بعد ثلاثة أيام فإنه لا يصح، وكذا إذا بلغها في حينه ولكن لم تعلن رضاها به حتى مضت الثلاثة الأيام ثالثها: أن لا يصرح الولي عند مباشرة العقد بأنه غير مأذون منها، فإن صرح يفسخ اتفاقاً. رابعها: أن لا ترده عند علمها فإن ردته ثم أجازته فإنه لا يصح.
وإذا منع الولي المجبر أو غيره من له عليها الولاية من الكفء الذي رضيت به لا تنتقل الولاية إلى الأبعد بل لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليسأله عن سبب امتناعه فإن أظهر سبباً معقولاً ردها إليه
(4/36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإلا أمره بتزويجها، فإن امتنع عن تزويجها بعد أمر الحاكم وإذا دعت إلى كفء ودعا وليها إلى كفء آخر تعين الكفء الذي دعت إليه هي.
ولكن الولي المجبر يعتبر عاضلاً برد أول كفء سواء كان أباً بالنسبة لبنته الثيب والبكر المرشدة أو كان غير أب بالنسبة للجميع. أما الولي المجبر سواء كان أباً أو وصياً فإنه لا يعتبر عاضلاً ولو رد الكفء رداً متكرراً، وإنما يعتبر عاضلاً إذا ثبت عليه أنه فعل ذلك قصداً للمنع لأن مجرد رد الخاطب لا يدل على العضل بل قد يكون لمصلحة يعلمها الولي وهو أشفق الناس على بنته فإن تحقق قصد الضرر ولو مرة أمره الحاكم بالتزويج.
الشافعية - قالوا: يختص الولي المجبر بتزويج الصغيرة، والمجنون صغيراً أو كبيراً، والبكر البالغة العاقلة بدون استئذان ورضا بشروط سبعة:
الشرط الأول: أن لا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة، أما إذا كانت العداوة غير ظاهرة فإنها لا تسقط حقه.
الشرط الثاني: أن لا يكون بينها وبين الزوج عداوة أبداً ظاهرة معروفة لأهل الحي ولا باطنة فلو زوجها لمن يكرهها أو يريد بها السوء فإنه لا يصح.
الشرط الثالث: أن يكون الزوج كفأً
الشرط الرابع: أن يكون موسراً قادراً على الصداق.
وهذه الشروط الأربعة لا بد منها في صحة العقد، فإن وقع مع فقد شرط منها كان باطلاً إن لم تأذن به الزوجة وترضى به.
الشرط الخامس: أن يزوجها بمهر مثلها.
الشرط السادس: أن يكون المهر من نقد البلد.
الشرط السابع: أن يكون حالاً.
وهذه الشروط الثلاثة شروط لجواز مباشرة الولي للعقد، قلا يجوز له أن يباشر العقد أصلاً إلا إذا تحققت هذه الشروط، فإذا فعل كان آثماً وصح العقد، على أن اشتراط كون الصداق حالاً وكونه من نقد البلد مقيد بما إذا لم تكن العادة جارية بتأجيل الصداق أو بالتزويج بغير نقد البلد كالتزوج بعروض التجارة، فإذا كانت العادة جارية به فإنه يجوز. ومتى تحققت هذه الشروط كان للأب أو الجد إجبار البكر صغيرة كانت أو كبيرة عاقلة أو مجنونة، ولكن يسن استئذانها تطيباً لخاطرها إذا كانت بالغة - ولو كانت سكرى - لأن السكر لا يخرجها عن التكليف فهذا اختصاص الولي المجبر. أما الولي غير المجبر - وهو غير الأب والجد ممن تقدم ذكره من العصبات وذوي الولاء والسلطان - فليس له أن يزوج من له عليها الولاية إلا بإذنها ورضاها فإن كانت بكراً بالغاً فرضاها يعرف بسكوتها عند الاستئذان ما لم تقم قرنية على عدم رضاها كصياح ولطم ونحوه، وهذا بالنسبة للمهر إذا كان مهر المثل أو من غير نقد البلد
(4/37)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فلا بد من رضا به صريحاً، وهذا هو الراجح. وبعضه يقول: إذا كان الولي غير مجبر فإنه لا يكفي سكوت البكر بل لا بد من التصريح برضاها بالزوج والمهر. أما الثيب فإنه لا بد من تصريحها بالرضا سواء كان المزوج أباً مجبراً أو غيره بلا خلاف.
والثيب هي التي زالت بكارتها بوطء حلالاً كان أو حراماً ولو وطئها قرد، أما من زالت بكارتها بعارض آخر كمرض أو جراحة فإنها تكون بكراً، ومثلها من زالت بكارتها بوطء في الدبر، هذا إذا كانت كبيرة عاقلة، أما الصغيرة العاقلة فإنه لا يصح لغير الأب والجد أن يزوجها بحال من الأحوال لأن زواجها يتوقف على إذنها ورضاها. والصغيرة لا يعتبر لها إذن فلا تزوج إلا إذا بلغت، فإن كانت الصغيرة يتيمة لا أب لها وكانت مجنونة انتقلت الولاية عليها في المال والنكاح للحاكم، ولكن لا يصح له أن يزوجها إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن تبلغ لأنها لا تحتاج للزواج قبل البلوغ.
الثاني: أن تكون محتاجة بعد البلوغ إلى النفقة أو الخدمة بحيث لا تندفع حاجتها بغير الزواج.
الحنابلة - قالوا: يختص الولي المجبر بإجبار غير المكلف - وهو الصغير - بكراً كانت أو ثيباً وهي من كانت دون تسع سنين، أما التي لها تسع سنين وكانت ثيباً فليس عليها جبر لأن إذنها معتبر فلا بد من إذنها. ويختص أيضاً بإجبار البكر البالغة عاقلة كانت أو مجنونة، فللأب أن يزوجهن بدون إذنهن ورضاهن لمن يشاء إلا لمن به عيب يجعل لها حق خيار الفسخ، كأن يكون مجبوباً أو عنيناً لا يقدر على الوطء أو به شلل كما سيأتي في العيوب.
أما الثيب البالغة التي لها تسع سنين فإنه لا يصح تزويجها بدون إذنها ورضاها.
والثيب هي التي زالت بكارتها بالوطء في قبلها سواء كان بعقد صحيح أو فاسد أو بزنا. أما من زالت بكارتها بغير ذلك كوطء في الدبر أو عارض آخر من مرض أو كبر أو نحو ذلك فإنها بكر.
وعلامة رضاء البكر سكوتها الدال على الرضاء. أما رضا الثيب فلا يتحقق إلا بكلام.
ويسن للولي المجبر أن يستأذن من يعتبر إذنها كأن كانت بكراً عاقلة بالغة، أو سنها تسع سنين.
أما الولي غير المجبر فليس له أن يزوج من له عليها الولاية إلا بإذنها ورضاها إن كانت كبيرة عاقلة، أو صغيرة لها تسع سنين، أما الصغيرة التي دون تسع والمجنونة المطبقة فليس له زواجهما لأنه موقوف على الإذن وليس لهما إذن معتبر، على أنهم قالوا: إن الحاكم ولي مجبر فله أن يزوجها إذا دعت الحاجة إلى زواجهما.
وعلى الولي غير المجبر أن يذكر عند الاستئذان اسم الزوج بالتعيين بأن يذكر اسمه ولقبه ومنصبه ونسبه لتكون على بصيرة في أمرها، فإذا ذكره لها مبهماً لا يصح العقد، ولا يشترط ذكر المهر) .
(4/38)

مبحث إذا زوج الولي الأبعد مع وجوب الأقرب
-حق الأولياء في مباشرة العقد على ترتيب المتقدم، فإذا زوج الولي الأبعد الذي لم يأت دوره مع وجود الولي صاحب الحق فإنه لا يصح (1)
__________
(1) (المالكية - قالوا: إذا وجد أولياء أقرب وأبعد صح عقد النكاح بالولي الأبعد مع وجود الأقرب، مثلاً إذا وجد أخ مع عم وباشر العم العقد الصحيح. وكذا إذا وجد أب مع ابن وباشر الأب العقد فإنه يصح، ولكن هذا في الولي غير المجبر، أما الولي المجبر فإنه لا يصح أن يباشر العقد غيره مع وجوده سواء كان المجبر أباً أو وصياً أو مالكاً إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون لذلك المجبر أب أو أخ أو ابن أو جد وقد فوض لهم أو لواحد منهم النظر في أموره، وثبت تفويضه له ببينة شهدت بأنه قال له: فوضت إليك جميع أموري، أو أقمتك مقامي في جميع الأمور فإنه يجوز للمفوض إليه في هذه الحالة أن يباشر عقد زواج بنت ذلك الولي المجبر المفوض له بدون إذنه موقوفاً على اجازته عند الإطلاع عليه بشرط أن لا تطول المسافة بين الإجازة والعقد، وقيل: لا يشترط ذلك. فإذا فوض الولي المجبر إلى أجنبي أموره فزوج بنته بدون إذنه فإنه لا يصح ويفسخ ولو أجازه الولي. وكذلك إذا فوض إلى أقاربه المذكورين بإقراره فإنه لا يعتبر بل لا بد أن يكون التفويض بالبينة. وإذا قال له: فوضت إليك قبض أموالي فإنه لا يصح له مباشرة عقد زواج ابنته بدون إذنه، وهل إجازة الولي بعد التفويض ضرورية أو لا؟ الجواب أنه قال له فوضت إليك نكاح ابنتي أو زواجها فإنه لا يتوقف على إجازته باتفاق أما إذا لم يذكر لفظ التزويج أو النكاح فقولان، والمعتمد أنه يتوقف على إجازته.
هذه هي الحالة التي يصح للولي غير المجبر أن يباشر فيها عقد بنت الولي المجبر أو من يقوم مقامه بدون إذنه، فإن لم يكن الولي المجبر حاضراً بل غاب في مكان بعيد خيف علها الفساد لانقطاع النفقة عنها أو لعدم وجود من يصون عرضها للحاكم تزويجها ولا يفسخ العقد، أما إذا غاب في مكان قريب ولم يترتب على غيبته ضرر من له عليها الولاية فإنه لا يصح للحاكم ولا لغيره أن يزوجها ولو زوجت لا يصح حتى لو أجازه الولي وولدت أولاداً.
والمسافة البعيدة هي أن يكون بينهما أربعة أشهر، كأن تكون في المدينة المنورة ووليها في القيروان بتونس. وبعضهم يقدرها بثلاثة أشهر، كمصر والقيروان.
وهذا التقدير إنما هو بحسب صعوبة المواصلات فيما مضى، أما الآن فيصح أن يعمل بمبدأ كون الحاكم يكتب إليه بأن يوكل في تزويجها أو يزوجها عليه إن ترتب على غيبته ضرر ولا ينتظر حتى يحضر.
فإذا فقد الأب ووصيه انتقلت الولاية للحاكم كما إذا كان في غيبة بعيدة. وبعضهم يقول: تنتقل الولاية للولي الأبعد لا للحاكم، ولكن الأول صوبه بعضهم. وإن حبس الولي المجبر أو جن جنوناً
(4/39)

وتنتقل الولاية للأبعد عند غيبة الأقرب أو عضله إياها - أي منعها من الزواج - وغير ذلك على تفصيل في المذاهب (1)
__________
متقطعاً لا تزوج بنته بدون إذنه، فإن كان الجنون مطبقاً سقطت ولايته وتنتقل للولي الأبعد، وكذلك إذا كان الولي المجبر صغيراً أو معتوهاً أو رقيقاً انتقلت ولايته للأبعد. هذا ولا تسقط الولاية بالفسق إنما الأكمل أن يتولى الولي غير الفاسق إذا تساويا في المرتبة.
والحاصل أن الترتيب بين الأولياء غير المجبرين ليس شرطاً، بل هو مندوب، أما الولي المجبر فإنه لا بد منه على التفصيل الذي عرفته.
وقد يقال: إذا كان الترتيب بين الأولياء غير المجبرين ليس شرطاً، ومعلوم أن المالكية يعتبرون ولاية المسلمين العامة، فكل واحد من المسلمين ولي، فعلى هذا يصح للمرأة أن تتزوج بواسطة أي فرد من أفراد المسلمين مع وجود وليها الخاص غير المجبر مع أخ وعم ونحوهما. والجواب أنه يصح للبالغة العاقلة أن تفعل ذلك بشرط أن تكون غير ذات مال أو جمال أو نسب عال، وهي المعبر عنها بالدنيئة، وينفذ العقد مع وجود أوليائها غير المجبرين سواء دخل بها أو لم يدخل، أما إن كانت ذات مال أو جمال أو نسب فإنه لا يصح، فإن فعلت فسخ العقد قبل الدخول ما لم يطل الزمن على العقد، ويقدر الطول بالعرف، وقيل: يفسخ قبل الدخول مطلقاً، أما بعد الدخول فإنه يفسخ إن لم يطل الزمن، ويقدر الطول بثلاث سنين أو بولادة بطنين، فإن أجازه الولي الخاص قيل: يصح - وهو الظاهر - وقيل: لا يصح) .
(1) (الشافعية - قالوا: الترتيب في الأولياء شرط لا بد منه، ولا تنتقل الولاية من الولي الأقرب للأبعد إلا في أحوال: منها الولي القريب الذي له حق مباشرة العقد صغيراً، فإذا بلغ ولم يرتكب جريمة فسق بعد بلوغه ثبت له حقها، ولا يلزم أن تثبت عدالته، ولكنه لا يشهد إلا إذا ثبتت عدالته بانقضاء سنة بعد بلوغه لم يثبت عليه فيها فسق، ففرق بين الشهادة والولاية إذ الشهادة لا بد فيها من ثبوت العدالة بخلاف الولاية فيكفي فيها عدم الفسق.
ومنها: أن يكون الولي الأقرب مجنوناً ولو كان جنونه متقطعاً، ولكن يزوج الولي الأبعد في زمن جنون الأقرب دون زمن إفاقته، إلا إذا كان زمن الجنون قليلاً كيوم في سنة فإنه ينتظر زمن الإفاقة باتفاق.
ومنها: أن يكون الولي فاسقاً، فإذا تاب رجع إليه حقه في الحال. ولا ينتظر زمناً تثبت فيه العدالة لأن المطلوب في عدم الولي عدم الفسق لا العدالة بخلاف الشهود. فإن الشرط فيها العدالة ولهذا لا يصح له أن يشهد إلا بعد مضي سنة من التوبة تظهر فيها عدالته كما علمت.
ومنها: أن يكون محجوراً عليه، فإن كان محجوراً عليه لفسق سلبت عنه الولاية للفسق كما تقدم، وإن كان محجوراً عليه لسفه وتبذير في ماله فبعضهم يرى أنه لا حق له في الولاية على المرأة في
(4/40)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
النكاح لأنه إذا كان لا يصلح لإدارة شؤون نفسه فلا يصلح لإدارة شؤون غيره. بعضهم يرى أن السفه لا يمنع الولاية في النكاح، ورجحه بعضهم وضعفه آخرون، والمرجحون موافقون لغيرهم من المذاهب. أما إذا كان محجوراً عليه لفلس فإن الحجر لا يمنع ولايته بلا خلاف لأن الحجر عليه لا ينقصه.
ومنها: أن يكون نظره في الأمور مختلاً لسبب من الأسباب كمرض ملازم أعجزه عن البحث في أحوال الناس وتعرف أوصافهم، وهوج، وبله.
ومنها أن يكون دينه مخالفاً لدين المرأة، فلا ولاية لكافر على مسلمة ولا ولاية لمسلم على كافرة، أما الكافر فإنه يكون ولياً للكافرة بشرط أن لا يرتكب محظوراً في دينه الذي يدين به ولا عبرة باختلاف دينهما، فلليهودي أن يلي النصرانية وبالعكس.
فهذه الأمور تنقل الولاية من الولي الأقرب له حق مباشرة العقد إلى الولي الأبعد، هذا ولا ينقلها العمى لأن الأعمى يمكنه أن يعرف أحوال الناس وينتقي الكفء بالسماع.. ولا ينقلها الإغماء لأن المغمى عليه ينتظر برؤه. ولا ينقلها الإحرام بالنسك إلى الأقرب.
وينتقل حق مباشرة الزواج للسلطان بالولاية العامة في أمور: منها الإحرام بالنسك، فإذا كان الولي محرماً امتنع من مباشرة العقد وانتقلت الولاية للسلطان. فلا يزوج الولي الأبعد، وإذا وكل المحرم عنه شخصاً يتولى العقد فإنه لا يصح للوكيل أن يباشر العقد وموكله محرم لأن الوكيل قائم مقام الموكل، فلو باشر الوكيل العقد كان العاقد الموكل. فإذا تحلل الموكل كان للوكيل مباشرة العقد لأنه لا ينعزل بالإحرام.
ومنها: أن يغيب الولي مسافة قصر ولم يوكل عنه وكيلاً يزوج في غيبته، وإلا باشر العقد وكيله، فإذا زوج الحاكم ثم حضر الولي وقال: إنني كنت قريباً من البلدة عند العقد، فإن العقد يصح، وإذا حضر وقال: إنني زوجتها قبل الحاكم نفذ فعل الحاكم إن لم تقم بينة على دعوى الولي، ومنها عضل الولي المرأة من الزواج، فإذا طلبت منه أن يزوجها من الكفء، ولو بدون مهر المثل ومنعها فإن لها أن تلجأ إلى الحاكم فيزوجها نيابة عن الولي لأن حق الولي لم يقسط في الولاية بالمنع مرة أو مرتين فيكون الحاكم نائباً عن الولي، فإذا عضلها ثلاث مرات فأكثر فإنه يكون بذلك فاسقاً قد ارتكب محظوراً فيسقط حقه في الولاية وتنتقل للأبعد.
ومنها: أن يكون الولي محبوساً حبساً يمنع من مباشرة العقد فإنه في هذه الحالة يزوج السلطان.
الحنفية - قالوا: الترتيب بين الأولياء ضروري ولكن العقد يقع صحيحاً إذا باشره الأبعد مع وجود الأقرب موقوفاً على إجازته، فإن أجازه نفذ وإلا فلا، وهذا الحق ثابت للولي الأقرب حتى في حالة ما إذا زوجت البكر البالغة العاقلة نفسها من غير كفء، فإن له أن يجيزه فينفذ، وله أن يعترض عليه فيفسخ. وتنتقل الولاية من الأقرب للذي يليه في أحوال:
منها: أن يغيب الأقرب مسافة بحيث لو انتظر حضوره أو استطلاع رأيه فات الكفء الذي حضر
(4/41)

مبحث للولي أن يوكل غيره بالزواج
-كل من يملك حق التصرف في شيء كان له أن يوكل غيره فيه مادام ذلك الأمر يقبل النيابة كما هو موضح في الجزء الثالث في مباحث الوكالة، ولا شك أن عقد النكاح من الأمور التي تصح النيابة في مباشرتها، فيصح لكل من يملك تولي عقد الزواج أن يوكل غيره فيه على تفصيل في المذاهب (1)
__________
لخطبة الصغيرة على الأصح، فلا يلزم تقدير المسافة بمسافة القصر، وفي هذه الحالة تنتقل الولاية للذي يليه ولا يكون له حق الاعتراض بعد ذلك بل ينفذ العقد، فإذا كان الغائب أباها ولها جد وعم انتقلت الولاية للجد لا للعم، ثم إذا زوجها الولي الأقرب في المكان الذي هو غائب فيه لا يصح على الراجح لأن ولايته قد زالت فمتى كان الولي غائباً في مكان يتعذر استطلاع رأيه أو استحضاره فيه قبل فوات فرصة العقد فإنه لا يصح له أن يباشر فيه عقد من له عليها الولاية ما دام لها ولي أبعد منه حاضراً معها، ولا تنتقل الولاية عليها للسلطان ما دام لها ولي أبعد.
ومنها: أن يعضلها الولي الأقرب من الزواج بالكفء فإذا منع الأب بنته الصغيرة التي تصلح للأزواج من الزوج الكفء إذا طلبها بمهر المثل كان عاضلاً، وتنتقل الولاية للذي يليه كالجد إن وجد وإلا فللأخ الشقيق وهكذا.
ومنها: أن يفقد الولي شرطاً من الشروط وهي: الحرية والتكليف، والإسلام إذا كانت مسلمة وأن لا يظهر كون الأب أو الجد سيء الاختيار، فإن فقد شرط من هذه الشروط من ولي انتقلت الولاية منه للذي يليه على الوجه السابق.
الحنابلة - قالوا: الترتيب بين الأولياء لازم لا بد منه ولكن يسقط حقه في أمور:
منها: أن يمنع من له عليها الولاية من الزوج الذي رضيت به وبما قدره لها من مهر يصلح للإمهار إذا بلغت تسع سنين فأكثر، أما من دون ذلك فلا عضل لها، وينتقل الحق من العاضل للحاكم، فهو الذي يباشر زواج التي منعها الولي من الزواج سواء كان مجبراً أو غيره.
ومنها: أن يغيب مسافة فوق مسافة القصر، أو يغيب مسافة مجهولة، أو لا يعرف له مكان أصلاً ولو كان قريباً.
ومنها: أن يكون الولي غير أهل للولاية، بأن كان طفلاً، أو كافراً أو عبداً على أنه إذا غاب الولي الأقرب أو لم تتوفر فيه الشروط انتقلت الولاية لمن يليه، فإذا زوج الولي الأبعد مع وجود الأقرب المستكمل للشروط، أو زوج الحاكم من غير عذر للأقرب لم يصح النكاح، فإذا كان الولي الأقرب لم يعرف أنه عصبة وأن له الحق أو صار أهلاً بعد وقوع العقد يصح مع وجوده في هذه الحالة) .

(1) (الحنفية - قالوا: للمرأة البالغة بكراً كانت أو ثيباً أن توكل غيرها في مباشرة العقد. وكذلك
(4/42)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
للرجل البالغ الرشيد أن يوكل غيره، وعلى الوكيل أن يضيف الزواج إلى موكله أو موكلته بأن يقول: زوجت فلانة موكلتي، ويقول الوكيل: قبلت الزواج لموكلي، فإذا قالت: قبلت الزواج لنفسي فإنه ينعقد له لا لموكله، ويشترط في الوكيل أن يكون أهلاً للتصرف سواء كان ذكراً أو أنثى، فلا تصح وكالة الصبي الذي لا يعقل، والمجنون الذي لا يفيق على التفصيل المذكور في الوكالة في الجزء الثالث، على أن للمرأة العاقلة البالغة أن تباشر عقد زواجها بنفسها ثيباً كانت أو بكراً، فلا يتوقف عقد زواجها على ولي ولا على وكيل يعقل أن يباشر عقد زواجه على امرأة له في زواجها مصلحة، وله أن يوكل عنه في ذلك ما دام يعقل المصلحة، وإنما الذي يناط امره بالولي لا محالة فهو الصغير الذي لا يميز. والمجنون جنوناً مطبقاً صغيراً كان أو كبيراً كما تقدم.
وقد علمت مما مضى أن الولي إذا استأذن البكر هو أو وكيله أو رسوله فسكتت أو ضحكت كان سكوتها توكيلاً له بالزواج حتى لو قالت بعد ذلك: لا أرضى، ولكنه زوجها قبل العلم برضاها صح الزواج لأن الوكيل لا ينعزل إلا إذا علم، وإذا كان لها وليان فاستأذناها فسكتت فزوجاها معاً من رجلين فإنه يصح عقد السابق منهما، أما إذا زوجاها معاً فأجازتهما معاً بطلا، وإن أجازت أحدهما صح لمن أجازته، ولو زوجها فضولي بدون إذنها وعلمها سواء كان قريباً منها أو بعيداً، وكانت بالغة عاقلة وأجازت النكاح فإنه يصح، وكذا إذا زوج رجلاً بدون إذنه وأجاز فإنه يصح ما دام العقد مستوفياً للشرائط الشرعية. فإذا مات الفضولي قبل إجازة العقد ثم أجازته أو أجازه الرجل فإنه يصح، بخلاف البيع، فإنه إذا باع شخص جمل آخر بدون إذنه مثلاً فأجاز صاحب الجمل فإنه لا يصح إلا إذا كان الفضولي حياً وكان الجمل حياً وكان المشتري حياً، وإن كان الثمن عروض تجارة يكون باقياً. فبيع الفضولي لا ينفذ إلا ببقائه حياً مع هذه الأشياء، أما النكاح فيكفي وجود أحد العاقدين.
ولا ينفذ إقرار الوكيل بالنكاح، فلو قال الوكيل: أقر بأنني زوجت موكلتي لفلان وأنكرت ولايته فإنه لا يصح إلا إذا شهد الشهود على النكاح أمام القاضي، ومثل ذلك إقرار ولي الصغير والصغيرة، فإنه لا ينفذ إلا أن ينصب القاضي خصماً عن الصغيرة فينكر وتشهد البينة على النكاح. المالكية - قالوا: يجوز للولي أن يوكل عنه مثله في الشروط المتقدمة من ذكورة فلا يصح له أن يوكل أنثى. وبلوغ فلا يصح أن يوكل صبياً غير بالغ، وحرية، فلا يصح توكيل عبد. وإسلام، فلا يصح توكيل كافر في زواج مسلمة، أما الكافر فيتولى عقد الكافرة، وإن عقد مسلم لكافرة ترك عقده. وعدم إحرام، فلا يصح أن يوكل عنه محرماً بالنسك، أما الزوج فإنه يصح أن يوكل عنه الجميع إلا المحرم والمعتوه، فيصح أن يقبل العقد عنه العبد والمرأة والكافر والصبي بطريق التوكيل.
وإذا قالت المرأة لوليها غير المجبر وكلتك على أن تزوجني ممن تحب وجب عليه أن يعين لها من أحبه قبل العقد فإنه لم يعين لها الحق في الإجازة والرد سواء اطلعت على العقد بعد حصوله بزمن قريب أو بعيد، أما إذا وكل الرجل شخصاً على أن يزوجه ولم يعين له المرأة التي يريدها فزوجه من امرأة لزمته بشرط أن تكون ممن تليق بمثله.
(4/43)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإقرار وكيل المرأة بزواجها إذا أنكرت وادعاه الزوج صحيح بلا يمين، أما إذا لم يدع الزوج ذلك فلا ينفع إقرار الوكيل ولها أن تتزوج من تشاء. وإن أذنت غير المجبرة لوليين فعقدا لها متعاقبين وعلم الأول والثاني كانت للأول بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن لا يتلذذ بها الزوج الثاني، فإن تلذذ بها بأن عمل مقدمات الجماع من قبلة وعناق وتفخيذ ونحو ذلك وهو غير عالم بالعقد الأول كانت للثاني. الشرط الثاني: أن يكون الأول قد تلذذ بها قبله فإن تلذذ الثاني في هذه الحالة لا يفيد، فإن لم يتلذذ بها الثاني أصلاً أو تلذذ بها بعد تلذذ الأول فسخ نكاح الثاني بطلاق على الظاهر لأنه نكاح مختلف فيه ولهذا لو وطئها الثاني عالماً لا يحد، وترد للأول بعد العدة، وقيل: يفسخ بدون طلاق ويرد للأول بعد الاستبراء.
فهذان شرطان، والثالث: أن لا تكون في عدة وفاة من الأول، فإن عقد لها على اثنين متعاقبين، ثم مات أولهما كانت في عدته، فيفسخ نكاح الأول وتنتظر حتى تكمل عدتها منه ولها الحق في ميراثه، أما إذا عقدا في زمن واحد فإن العقدين يفسخان بلا طلاق.
الشافعية - قالوا: للولي أن يوكل عنه غير سواء كان ولياً مجبراً أو غير مجبر، فأما الولي المجبر فإنه يوكل عنه غيره بتزويج من له عليها الولاية بدون إذنها ورضاها سواء عين له الزوج الذي يريده في توكيله أو لم يعين، ولو اختلفت أغراض الأولياء والزوجات في اختيار الأزواج لأن شفقة الولي تدعوه إلى أن لا يوكل عنه إلا من يثق بحسن نظره، وعلى الوكيل في هذه الحالة أن يزوجها من الكفء بمهر المثل، فلو زوجها من غير كفء أو بدون مهر المثل فإنه لا يصح وإذا زوجها بكفء ولها طالب أكفأ منه فإنه لا يصح للوكيل، أما الولي المجبر - وهو الأصيل - فيصح له ذلك لأنه غير متهم في نظره وشفقته. @أما الولي غير المجبر فله أن يوكل غيره. بتزويج من له عليها الولاية وإن لم تأذن في التوكيل ولم يعين الولي زوجاً في التوكل بشروط:
أحدها: أن تأذن للولي في تزويجها قبل التوكيل لأن إذنها شرط في صحة تزويج الولي، فلا يملك تزويجها بدونه، وفي هذه الحالة لا يملك التوكيل.
ثانيها: أن لا تنهاه عن توكيل الغير، فإذا نهته فلا يصح له أن يوكل.
ثالثها: إذا عينت له زوجاً خاصاً كأن قالت له: رضيت أن تزوجني من فلان، فإنه يجب أن يعين من عينته له في التوكيل.
وإذا باشر وكيل الولي العقد يقول للزوج: زوجتك فلانة بنت فلان، فيقول: قبلت فإذا باشر الولي العقد وكان الطرف الثاني وكيل الزوج يقول الولي للوكيل: زوجت بنتي فلاناً، فيقول وكيله: قبلت نكاحها له، فإن له يقل له لم يصح النكاح ولو نواه لأن الشهود لا إطلاع لهم على النية، وعلى الوكيل أن يصرح بالوكالة إذا لم يكن للزوج والشهود علم بها.
هذا ويشترط في الوكيل الشروط المذكورة في مباحث الوكالة فارجع إليها في صحيفة 148 وما بعدها جزء ثالث. ومنها أن لا يكون فاسقاً فإن كان فاسقاً فإنه لا يصح لأن الفسق يسلب الولاية من
(4/44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الأصل فلا يملكها الوكيل حينئذ. ومنها أن لا يكون صبياً، ولا مغمى عليه، ولا مجنوناً، ولا سكران متعدياً بسكره الخ.
وإذا زوج وليان مستوليان امرأة من اثنين بعد إذنها لهما وكانا كفأين. فإذا علم السابق منهما كانت له حتى ولو بها الثاني. أما إذا لم يعلم السابق منهما، فقيل: تصبح معلقة فلا يحل لأحدهما قربانها حتى يطلقها الآخر وتنقضي عدتها، وقيل: هذه حالة ضرورة يفصل فيها الحاكم فيفسخ العقدين رفعاً للضرر. أما إذا زوجها أحدهما لغير كفء والآخر للكفء فإنها تكون للكفء بشرط أن لا تكون الزوجة والأولياء قد أسقطوا الكفاءة برضائها ورضاء الولي فإن كانوا قد أسقطوها عادت المسألة. وكذلك إذا زوجها أحدهما بإذن، والآخر من غير إذن فإنها تكون لمن تزوجها بالإذن، ولو كان الأول سابقاً.
الحنابلة - قالوا: يصح للولي المجبر وغيره أن يوكل عنه في تزويج من له عليها الولاية بدون إذن منها لأن الولي له حق مباشرة العقد، فله أن يوكل عنه غيره في هذا الحق، ويثبت لوكيل الولي ما للولي من إجبار وغيره إلا أنه إذا كانت المرأة غير مجبرة بأن كانت ثيباً بالغة، أو سن تسع سنين بالنسبة للأب ووصيه، أو كانت ثيباً كذلك، أو بكراً بالغة عاقلة بالنسبة لغير الأب والوصي والحاكم فإنه ليس لوكيل الولي أن يزوجها من غير إذنها ورضاها، كما أنه ليس للولي نفسه أن يزوجها بغير إذنها فإذا أذنت لوليها بتوكيل الغير عنه، أو أذنته هو في تزويجها فوكل عنه فإنه لا يصح للوكيل أن يزوجها بدون أن يرجع إليها ويستأذنها فترضى.
ويشترط أن يستأذنها وكيل الولي بعد توكيله لا قبله وإلا فلا يصح.
ويشترط في الوكيل ما يشترط في الولي من ذكورة، وبلوغ، وغيرهما من الشروط المتقدمة لأن التوكيل في الولاية ولاية، فلا يصح أن يباشرها غير أهلها، على أنه يصح توكيل الفاسق في قبول النكاح، فللزوج أن يوكل عنه فاسقاً يقبل له النكاح لأنه هو لو كان فاسقاً صح منه القبول وكذلك له أن يوكل النصراني ليقبل له زواج امرأة كتابية لا مسلمة.
للولي المذكور أن يوكل توكيلاً مطلقاً، كأن يقول له: زوجها من شئت، ويوكل توكيلاً مقيداً فيقول: وكلتك على أن تزوجها من فلان، وفي حالة الإطلاق يجب على الوكيل أن يزوجها بالكفء، ولا يملك الوكيل به أن يزوجها من نفسه، وفي حالة التقييد بمن عينه له: فإذا باشر الولي العقد بنفسه مع وكيل الزوج وجب على الولي أن يقول: زوجت فلاناً فلانة، أو زوجت فلانة لفلان بذكر اسميهما، ويقول الوكيل: قبلت لموكلي فلان، أو قبلته لفلان، فإذا لم يقل: لفلان فإنه يصح اكتفاء بذكره أولاً على الصحيح.
وكذا إذا باشر العقد وكيل الولي مع ولي الزوج فإنه يلزم أن يقول: زوجت فلاناً فلانة بذكر اسميهما على البيان المتقدم.
(4/45)

دليل الولي من الكتاب والسنة
-قد عرفت مما ذكرناه أن الشافعية، والمالكية اصطلحوا على عد الولي ركناً من أركان النكاح لا يتحقق عقد النكاح بدونه، واصطلح الحنابلة والحنفية على عده شرطاً لا ركناً، وقصروا الركن على الإيجاب والقبول، إلا أن الحنفية قالوا: أنه شرط لصحة زواج الصغير والصغيرة، والمجنون والمجنونة ولو كباراً، أما البالغة العاقلة سواء كانت بكراً أو ثيباً فليس لأحد عليها ولاية النكاح، بل لها أن تباشر عقد زواجها ممن تحب بشرط أن يكون كفأً، وإلا كان للولي حق الاعتراض وفسخ العقد.
وقد استدل الجمهور بأحاديث وبآيات قرآنية، فأما الأحاديث فمنها ما رواه الزهري عن عائشة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ومنها ما رواه ابن ماجة، والدارقطني عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها".
وهذان الحديثان أقوى ما استدل به الجمهور على ضرورة الولي، فليس للمرأة حق مباشرة العقد دونه، وقد أجاب الحنفية عن الحديث الأول بأنه مطعون فيه، وذلك لآن الزهري نفسه قد سئل عنه فلم يعرفه، وقد أجيب عن هذا بأن معرفة الزهري لا تضر ما دام راويه - وهو سليمان بن موسى - وهو ثقة، ولا يخفى ضعف هذا الجواب، لأنه ما دام مصدر الحديث المروي عنه لم يعرفه وأنكره، فإن ذلك يضعف الثقة جزماً، على أن الحنفية قالوا: إن كل الأحاديث التي يفيد ظاهرها اشتراط الولي في التزويج فهي خاصة بالصغيرة التي لا يصح لها أن تتصرف، وذلك مؤيد بقواعد الدين العامة، فإن النكاح عقد من العقود كالبيع والشراء، ومعلوم أن للمرأة الحرية المطلقة في بيعها وشرائها متى كانت رشيدة، فكيف يحجر عليها في عقد زواجها وهو أهم العقود التي تتطلب حرية لما يترتب عليه من مهام الأمور، فينبغي أن يقاس عقد النكاح على عقد البيع، وإن ورد ما يخالف هذا القياس وجب تخصيصه به، وهذه قاعدة أصولية. فقوله: "لا تزوج المرأة المرأة" معناه لا تزوج المرأة الكبيرة البنت الصغيرة عند وجود الولي للعصبة المقدم عليها، أو لا تزوج المرأة الصغيرة المرأة الصغيرة، وقوله: "ولا تزوج المرأة نفسها" معناه ولا تزوج الصغيرة نفسها بدون ولي، فالمراد من المرأة الأنثى الصغيرة، وهي وإن كانت عامة تشتمل الصغيرة والكبيرة إلا أنها خصت بالصغيرة لما هو معلوم من أن الكبيرة لها حق التصرف في العقود كالبيع، فيقاس النكاح على البيع، وذلك جائز في الأصول.
(4/46)

أما الجمهور فقالوا بالفرق بين النكاح وبين البيع، وذلك لأن المرأة لا عهد لها بمخالطة الرجال فربما خدعها غير الكفء فتتزوج بمن تتعير به عشيرتها، ويكون شراً ووبالاً على سعادتها الدنيوية، فلذا صح الحجر عليها في عقد النكاح دون غيره من العقود، لأن عقد البيع مثلاً لا يترتب عليه مثلاً هذا الشر مهما قيل فيه، وقد أجاب الحنفية عن هذا بجوابين:
الأول: أنهم قد اشترطوا الكفاءة في الزوجية كما ستعرفه، فلو تزوجت المرأة غير كفء فللأولياء أن يعترضوا هذا الزواج ولا يقروه فيفسخ، فلا تصيبهم معرة الصهر الذي لا يناسبهم، فزمام المسألة بأيديهم.
الثاني: أن المفروض كون المرأة عاقلة حسنة التصرف غير محجور عليها، ولذا كان من حقها أن تتصرف في بيعها وشرائها بدون حجر ما، فإذا قيل: إنها قد تغبن في اختيار الزوج الكفء فكذلك يقال إنها قد تغبن في بيع سلعة هامة غبناً ضاراً بها أكثر من الضرر بعقد زواج على غير الكفء، لأنه إن ثبتت عدم كفاءته فرق القاضي بينهما وينتهي الأمر، أما إذا باعت شيئاً ذا قيمة مالية وغبنت فيه غبناً فاحشاً، وهلك في يد مفلس فإنه يضيع عليها، ولا يسعها أن تتلافى ما ترتب على هذا البيع من الضرر، فتخصيص الحنفية ما ورد في هذه الأحاديث بالصغيرة قياساً لتصرف الكبيرة في النكاح على تصرفها في البيع صحيح لا اعتراض عليه بمثل هذا الذي أورده الجمهور.
أما القرآن الكريم، فمنه قوله تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} ووجه الدلالة في الآية أن الله تعالى يخاطب أولياء النساء فينهاهم عن منعهن من الزواج بمن يرضينه لأنفسهن زوجاً، فلو لم يكن لهؤلاء الأولياء حق المنع لما كان لخطابهم بمثل هذا وجه لأنه كان يكفي أن يقول للنساء: إذا منعتن من الزواج فزوجوا أنفسكن.
وقد نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إن هذه الآية أصرح آية في الدلالة على ضرورة الولي. ولكن الحنفية قد أجابوا عن هذا بجوابين، الجواب الأول منع كون الآية خطاباً للأولياء، بل هي تحتمل أن تكون خطاباً للأزواج الذين يطلقون أزواجهم، وتحتمل أن تكون خطاباً للمؤمنين عامة.
أما الأول فهو الظاهر المتبادل من لفظ الآية الكريمة، فهو سبحانه يقول لمن يطلقون نساءهم: إذا طلقتم النساء فلا تستعملوا معهن الوسائل الظالمة التي يترتب عليها منعهن من الزواج بغيركم كأن تهددوها هي أو من يريد تزوجها بقوتكم أو جاهكم وسلطانكم أو نفوذكم إن كان لكم ذلك، أو تحاولوا تنقيصها والحط من كرامتها فتنفروا منها خطيبها الذي سيكون زوجاً
(4/47)

لها أو تؤثروا عليه أو عليها من أي ناحية من النواحي، كأن تمنعوها من حقوقها المالية إن كان لها عندكم حق أو نحو ذلك.
وأما الثاني فمعناه إذا طلقتم النساء أيها المؤمنون وأصبحن خاليات من الأزواج والعدة فلا يصح أن يقع بينكم عضلهن ومنعهن من الأزواج سواء كان ذلك المنع من قريب أو من ذي جاه ونفوذ عليها، فيفترض عليكم فرض كفاية أن تمنعوا وقوعه فيما بينكم بنهي فاعله والضرب على يده وإلا كنتم مشتركين معه في الإثم لأن عضل المرأة من الزواج منكر حرمه الله تعالى، والنهي عن المنكر فرض على المؤمنين، وإزالته لازمة على كل قادر حكماً كان أو غيره.
ولا تعارض بين هذا الذي ذكرناه وبين ما رواه البخاري من أن الآية نزلت في معقل بن يسار حيث كان قد زوج أخته لرجل فطلقها زوجها ثم أراد الرجوع إليها ثانياً فأبى أخوها معقل أن تعود إليه مع كونها راغبة فيه، فلما نزلت زوجها إياه لأنه يحتمل أن تكون حادثة معقل صادفت نزول الآية، ولكن الآية في ذاتها عامة على الوجه الذي بيناه. ونظير ذلك ما قاله المفسرون في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا} [سورة الحجرات] ، إذ قال الفخر الرازي - وهو شافعي -: إن الآية عامة ولكنها صادفت حادثة الوليد المشهورة، ومع ذلك فإذا سلم أن الآية نزلت في حادثة أخت معقل بخصوصها فإن الخطاب فيها يجب أن يكون عاماً لكل من يعضل النساء سواء كان ولياً أو غيره، فليست مقصورة على الأولياء بلا نزاع.
الجواب الثاني: تسليم أن الآية خطاب لمعقل وغيره من أقارب المرأة بخصوصهم. ولكن ليس في الآية ما يدل على أن لهم حق الولاية على النساء مطلقاً، وإنما تدل على أن من منع منه النساء من التزوج فهو آثم لا حق له في هذا، وهذا المنع لا يلزم أن يكون مترتباً على الولاية بل هو ظاهر في أنه مترتب على ضعف النساء وعدم قدرتهن على استعمال حقهن. وبيان ذلك أن المرأة تستكين عادة لمن يكفلها أو لعاصبها القريب من أب أو أخ فتفنى إرادتها في إرادته خصوصاً في هذا الباب الذي يغلب فيه الحياء على معظم النسوة المتربيات، فلا ترى المرأة لها حقاً مع كافلها أو عاصبها فتتنازل لهما عن استعمال حقها وهي مكرهة، فالآية الكريمة تفيد أنه لا يصلح للرجال أن يستغلوا هذا الضعف فيسلبوا النساء حقوقهن الطبيعية في التزوج بالكفء الذي يرغبن فيه، وهذا يتضمن أن للمرأة الحرية في اختيار الكفء الذي تريده زوجاً لأن النهي عن منعها من الزواج يتضمن إباحة الحرية لها في الاختيار بلا نزاع، على أن قوله تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} فيه دلالة على صحة عقد الزواج إذا باشرته
(4/48)

المرأة، فإنه قال: {أن ينكحن} أي يتزوجن بعبارتهن، ولو كانت عبارة النساء لا تنفع فيعقد الزواج لقال: فلا تعضلوهن أن تنكحوهن أزواجهن.
الحاصل أن الآية إذا كانت خطاباً للأقرباء بخصوصهم يكون معناها لا تنتهزوا أيها الأقرباء فرصة كفالتكم للنساء وضعفهن فتسلبوا منهن حقهن الطبيعي في اختيار الزوج الكفء ومباشرتهن الزواج، فتتحكموا فيهن وتمنعوهن من استعمال ذلك الحق، وليس في هذا المعنى أية دلالة على أن لهم حق الولاية عليها.
وقد يقال: إذا كان اختيار الزوج والعقد عليه حقاً للمرأة فلماذا لم يقل لهن تعالى: زوجن أنفسكن واستعملن حقكن، فخطابه للأقرباء بقوله: {فلا تعضلوهن} دليل على أنهم أصحاب الحق في ذلك لا النساء؟ والجواب أن خطاب الأولياء بهذا يدل على معنى دقيق جليل، وهو ضرورة احترام الرابطة بين النساء وبين أهليهن الكافلين لهن، فإذا تنازلت الواحدة منهن عن حقها في هذا الموضوع احتراماً لرغبة أبيها أو أخيها أو نحوهما خوفاً من حدوث تصدع في رابطة القرابة، فإنه يكون حسناً يقره الله تعالى، وفي هذه الحالة لا يصلح أن يقال للنساء: استعملن حقكن واخرجن عن طاعة أوليائكن فتنقطع بذلك روابط المودة، وإنما كمال البلاغة وجمال الأسلوب أن يقال للأولياء: لا تستغلوا هذه الحالة فتتمادوا في سلب حقوقهن للنهاية، والنتيجة المترتبة على الخطابين واحدة، فإن الغرض أن لا تمنع المرأة من التزوج بمن ترغب فيه متى كان كفأً صالحاً.
ومما لا ريب فيه أن لهذين الرأيين علاقة شديدة بالحالة الاجتماعية في كل زمان ومكان، فالذين يحجرون على المرأة في عقد الزواج يرون أن النساء مهما قيل في تهذيبهن فإن فيهن جهة ضعف طبيعية بارزة، وهي خضوعهن للرجال وتأثرهن بهم، فقد تنسى المرأة عظمتها ومجدها وفضلها وتندفع في ميلها الشهوي وراء من لا يساوي شراك نعلها، وربما تجرها عاطفتها إلى التسليم لخادمها ومن دونه، وبديهي أن هذه الحالة ضررها لا يقتصر على المرأة فحسب، بل يتعداها إلى الأسرة بتمامها لأنهم يتعيرون بإدخال عنصر أجنبي فيهم لا يدانيهم في نسبهم ولا حسبهم، وربما جر ذلك إلى مأساة محزنة، فمن الواجب أن يوكل أمر اختيار الزوج للأولياء الذين يستطيعون أن يختاروا ما فيه خير المرأة وخير الأسرة مع صيانتها واحترامها، ومع هذا فإنه لا بد من رضاء المرأة في بعض الأحوال قبل أن يبرم الولي عقدها، وغير ذلك يكون اندفاعاً مع عاطفة ضعيفة يمكن التأثير عليها بوسائل مختلفة، فيترتب على ذلك شقاء المرأة وتعاسة حظها وهدم الأسرة وانحطاط كرامتها.
أما الحنفية الذين لا يرون الحجر على المرأة العاقلة البالغة فإنهم يقولون: إن قواعد الدين الإسلامي تقتضي أمرين:
(4/49)

الأول إطلاق الحرية لكل عاقل رشيد من ذكر أو أنثى في تصرفه.
رفع ما عساه أن يحدث من أضرار بسبب هذه التصرفات وكلا الأمرين لازم لا بد منه للحياة الاجتماعية، فالحجر على الرشيدة في أمر زواجها ينافي قواعد الإسلام العامة، فلو جعل أمر زواجها منوطاً بالولي كان حجراً بدون موجب، خصوصاً في حالة تزويجها بدون أخذ رأيها مطلقاً وهي بكر رشيدة، فإن ذلك لا يلتقي مع قواعد الدين في شيء وربما كان ضاراً في كثير من الأحيان إذ قد يكون الولي غير أب أو أخ شقيق، ولم تكن علاقته بالمرأة ودية فيتعمد معاكستها والوقوف في سبيلها بحرمانها من الكفء المناسب، وليس من السهل على المرأة إثبات العضل والشكوى للحاكم، بل ربما جر انحيازها للخاطب وشكواها للحاكم إلى عداء الأسرة، ويترتب عليه مأساة لا حد لها، وهذا كثير واقع لا يمكن الإغضاء عنه في التشريع الإسلامي المشهور بدقته وجلاله فيجب أن يناط أمر زواجها بها بشرط أن تتصرف تصرف العقلاء فلا تندفع في سبيل شهوة فاسدة فتقع على غير الكفء. فإنها إن فعلت ذلك كانت جديرة بالحجر عليها. وكان لوليها حق الاعتراض وفسخ العقد. ثم إن لها الحق في أن تكل أمر تزويجها لمن تشاء. فإذا كان لها أب أو أخ أو نحوهما من الأقربين الذين يشفقون عليها ويؤثرون راحتها ويتمنون لها السعادة كان من اللائق المقبول أن تفوض لهم وتترك لهم حقها ليتصرفوا في أمر زواجها كما يحبون. فلا تخرج عن إرادتهم ولا تحاول إحراجهم بما لا ينفعها، بل يضرها بفقد عطفهم عليها.
عندي أن كلا الرأيين لازم للحياة الاجتماعية وأن اختلاف وجهة نظر الأئمة رضوان الله عليهم في فهم الشريعة الإسلامية وتطبيقها يدل على أنها شريعة خالدة حقاً وأنها صالحة لكل زمان ومكان. فلا تقف في سبيلها مظلمة لفرد أو جماعة. ولا يتأذى بها أحد. فإذا ترتب على أحد الرأيين مشقة في وقت من الأوقات أو زمن من الأزمنة وجب المصير إلى الرأي الآخر. فكلا الرأيين حسن والعمل به مقبول معقول، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وبعد فهذا نموذج من البحث في الأدلة الشرعية سنتبعه إن شاء الله ببحث في المسائل العامة. إذ لو جرينا على نمطه في كل مسألة لطال بنا المقال. ونخرج عن موضوعنا كما لا يخفى.

خلاصة مباحث الولي
- (1) اتفق المالكية، والشافعية، والحنابلة على ضرورة وجود الولي في النكاح فكل نكاح يقع بدون ولي أو من ينوب منابه يقع باطلاً، فليس للمرأة أن تباشر عقد زواجها بحال من
(4/50)

الأحوال سواء كانت كبيرة أو صغيرة عاقلة أو مجنونة إلا أنها كانت ثيبة لا يصلح زواجها بدون إذنها ورضاها.
وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إن الولي ضروري للصغيرة والكبيرة المجنونة، أما البالغة العاقلة سواء كانت بكراً أو ثيباً فإنها صاحبة الحق في زواج نفسها ممن تشاء، ثم إن كان كفأً فذاك، وإلا فلوليها الاعتراض وفسخ النكاح.
(2) اتفق القائلون بضرورة الولي على تقسيمه إلى قسمين: ولي مجبر، وولي غير مجبر. واتفق الشافعية، والحنابلة على أن الولي المجبر هو الأب والجد، وخالف المالكية فقالوا: الولي المجبر هو الأب فقط. واتفق المالكية والحنابلة على أن وصي الأب بالتزويج مجبر كالأب. بخلاف الشافعية فإنهم لم يذكروا وصي الأب، وزاد الحنابلة أن الحاكم يكون مجبراً عند الحاجة.
(3) اتفق القائلون بالإجبار على أن الولي المجبر له جبر البكر البالغة بأن يزوجها بدون إذنها ورضاها، ولكن اختلفوا في الشروط التي يصح تزويج المجبرة بها بدون إذنها على الوجه المبين فيما مضى.
اتفقوا أيضاً على أن الثيب - وهي من زالت بكارتها بالنكاح - لا جبر عليها ولكن للولي حق مباشرة العقد، فإذا باشرته بدونه وقع باطلاً، فالولي والمرأة الثيب شريكان في العقد، فحقها أن ترضى بالزواج صراحة، وحقه أن يباشر العقد، هذا إذا كانت كبيرة بالغة، أما إذا كانت ثيباً صغيرة فهي ملحقة بالبكر البالغ فيزوجها الولي المجبر بدون إذنها ورضاها ما لم تبلغ، وخالف الحنابلة فقالوا: إن الثيب الصغيرة التي تجبر هي ما كانت دون تسع سنين، فإن بلغت تسعاً كانت كبيرة لا تجبر.
(5) اتفق المالكية، والشافعية، والحنابلة على أن الولي غير المجبر وإن كان يتوقف عليه العقد ولكن ليس له أن يباشره بدون إذن من له عليها الولاية ورضاها صريحاً إن كانت ثيباً أو ضمناً إن كانت بالغة، هذا في الكبيرة، أما الصغيرة فقد اتفقوا على أنها إذا كانت دون تسع سنين فإنه لا يجوز للولي غير المجبر زواجها بحال من الأحوال.
ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال الملكية: إن بلغت عشر سنين وخيف عليها الفساد إن لم تتزوج فللولي أن يزوجها بإذنها. وهل لا بد من رضاها صراحة أو يكفي صمتها؟ قولان أرجحهما الثاني، ولكن يجب على الولي أن يشاور القاضي.
(4/51)

ورجح بعضهم أنه إذا خيف عليها الفساد فلا يشترط أن تبلغ عشر سنين بل تزوج جبراً وإن لم ترضى كما تقدم.
وقال الشافعية: لا يصح للولي أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ إلا إذا كان أبا أو جداً، فإن فقدا أو تركاها صغيرة فلا يجوز لأحد أن يزوجها بحال من الأحول سواء كانت ثيباً أو بكراً مادامت عاقلة، لأن الولي غير المجبر إنما يزوج الصغيرة بالإذن ولا إذن للصغيرة، أما إذا كانت مجنونة فإنه يجوز للحاكم أن يزوجها إذا بلغت وكانت محتاجة.
وقال الحنابلة: إذا بلغت الصغيرة تسع سنين كانت ملحقة بالكبيرة العاقلة، فللولي غير المجبر أن يزوجها بإذنها ورضاها، فإن كانت دون تسع فللحاكم أن يزوجها عند الحاجة.
(6) اتفق الشافعية، والحنابلة على أن حق الأولياء غير المجبرين الأب، ثم الجد. وخالف المالكية فقالوا: إن أحقهم بالولاية الابن ولو من زنا، بمعنى أن المرأة إذا تزوجت بعقد صحيح صارت ثيباً، ثم زنت وجاءت بولد يكون مقدماً على الأب والجد. أما إذا زني بها قبل أن تتزوج بعقد صحيح وجاءت من هذا الزنا فإنه لا يقدم على الأب في هذه الحالة لأن الزنا عندهم لا يرفع البكارة فيكون الأب ولياً مجبراً، والكلام في غير المجبر، ووافقهم الحنفية على أن أحق الأولياء في النكاح الابن.
وخالف الشافعية، والحنابلة فقالوا: إن أحق الأولياء الأب ثم الجد ولكن الحنابلة قالوا: إن الابن يلي الجد في الولاية. والشافعية قالوا: إنه لا ولاية للابن على أمه مطلقاً.
(7) اتفق الشافعية، والحنابلة والحنفية على أنه لا يصلح للولي الأبعد أو الحاكم أن يباشر عقد الزواج مع وجود الولي الأقرب المستكمل للشروط.
خالف المالكية فقالوا: إن الترتيب بين الأولياء مندوب لا واجب. فإذا كان للمرأة أب وابن فزوجها أبوها صح وإن كانت مرتبته بعد مرتبة الابن. وكذا إذا كان لها أخ شقيق وأخ غير شقيق فزوجها غير الشقيق مع وجود الشقيق فإنه يصح. فإذا لم ترضى المرأة بحضور أحد من أقاربها فزوجها الحاكم فإنه يصح لأنه من الأولياء. وإذا وكلت واحداً من أفراد المسلمين بحكم الولاية العامة مع وجود ولي صح إن كانت دنيئة وإلا فلا، وهذا كله في الولي غير المجبر، أما الولي المجبر فوجوده ضروري عندهم.
(8) اتفق الشافعية والمالكية والحنابلة على أن الولاية في النكاح يشترط لها الذكورة، فلا تصح ولاية المرأة على أي حال.
(4/52)

وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إن المرأة تلي أمر نكاح الصغيرة والصغير ومن في حكمهما من الكبار إذا جنَّا عند عدم وجود الأولياء من الرجال.
ولكن المالكية قالوا: تتصف المرأة بالولاية إذا كانت وصية أو مالكة أو معتقة. وهناك قول في أن الكافلة تكون ولية أيضاً ولكنها لا تباشر العقد، بل توكل عنها رجلاً يباشره.
(9) اتفقوا على أن الفسق يمنع ولاية النكاح، فمن كان فاسقاً انتقلت الولاية عنه إلى غيره.
وخالف الحنفية فقالوا: إن الذي يمنع الولاية هو أن يشتهر الولي بسوء الاختيار فيزوج من غير كفء وبغبن فاحش، وفي هذه الحالة يكون للبنت الصغيرة الحق في رد النكاح بعد أن تكبر ولو كان المزوج أباً، أما إذا كان فاسقاً حسن الاختيار، وزوجها من غير غبن وبمهر المثل وكان أباً أو جداً فإنه يصح ولا حق لها في الفسخ كما تقدم.
(10) اتفقوا على أن العدالة ليست شرطاً في الولي. خالف الحنابلة فقالوا: إن العدالة الظاهرية شرطاً في الولاية إلا في السلطان والسيد.
(11) اتفقوا على أن للولي أن يوكل عنه من ينوب منابه في عقد الزواج.

مبحث الكفاءة في الزواج
-يتعلق بالكفاءة أمور: الأول تعريفها. الثاني: هل هي شرط في صحة العقد أو لا؟ الثالث: هل هي معتبرة في جانب الزوج فقط، فلو تزوج بامرأة دنيئة صح، أو معتبرة في الجانبين؟ الرابع: من له حق الفصل في أمر الكفاءة، وفي كل هذا تفصيل المذاهب (1)
__________
(1) (الحنفية - قالوا: في الجواب عن الأمر الأول: إن الكفاءة هي مساواة الرجل للمرأة في أمور مخصوصة، وهي ست: النسب، والإسلام، والحرفة، والحرية، والديانة، والمال.
ويعرف الأدنى نسباً بأن لا يكون من جنسها أو من قبيلتها، وذلك لأن الناس صنفان: عجم، وعرب، والعرب قسمان: قرشي، وغير قرشي، فإذا كان الزوج قرشياً وهي قرشية صح نسباً ولو اختلفوا في القبائل بأن كانت هاشمية، وهو نوفلي مثلاً. وإن كانت عربية من غير قريش فإن كان عربي يكون كفأً لها من أي قبيلة كانت ولو باهلياً.
ومن هذا تعلم أن العجمي ليس كفأً للقرشية ولا للعربية على أي حال، وأن العربي من غير قريش ليس كفأً للقرشية على أي حال. ولا يعتبر الإسلام بين العرب، فالمرأة التي لها آباء في الإسلام
(4/53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يكون كفأً لها الرجل العربي الذي له أب واحد، والعجمي العالم كفء للعربي الجاهل، أما العجم فإن بعضهم لبعض أكفاء، ولكن التفاوت يقع بالإسلام والحرية، فمن كان أبوه كافراً وهو مسلم فإنه ليس كفأ لمن هي مسلمة وأبواها مسلمين. ومن كان معتقاً لا يكون كفأ للحرة نفسها ولو كان أبوها معتقاً لأن مرتبتها أعلى من مرتبته، وإذا كان أبوها وجدها حرين وأبوه حر دون جده لا يكون كفألها، وكذا إذا كانا مسلمين دون جده فإنه لا يكون كفأ لها، أما إذا كان لها آباء كثيرة في الإسلام أو الحرية وهو له أبوان فقط فإنه كفء من هذه الجهة لتمام النسب بالأب والجد. فهذا هو معنى الكفاءة في النسب، والإسلام، والحرية.
وحاصله أن القرشيين بعضهم لبعض أكفاء بصرف النظر عن كونه أسلم بنفسه دون أبيه، وهي مسلمة وأبوها مسلم. وبصرف النظر عن الرق والحرية، لأن العرب لا يسترقون غالباً، أما العجم فيعتبر في أنسابهم الإسلام والحرية، ولكن ذلك مقصور على الزوجين وعلى أبيه وحده فقط، فمن كان مسلماً دون أبيه لا يكون كفأ للمسلمة هي وأبوها، ومن كان معتقاً دون أبيه لا يكون كفأ للحرة هي وأبوها، ومما لا يصح الخلاف فيه أن العالم العجمي الفقير كفء للعربي الجاهل الغني وكفء للشريفة العلوية، لأن شرف العلم فوق شرف النسب والغنى، وبذلك جزم المحقق ابن الهمام، وصحاب النهر وغيرها. وهو الصواب.
وأما الكفاءة في الحرفة فهي أن تكون حرفة أهل الزوج مكافئة لحرفة أهل الزوجة بحسب العرف والعادة، فإذا كانت حرفة الخياطة مثلاً أرقى من حرفة الحياكة بين الناس لم يكن الحائك كفأ لبنت الخياط وإلا فالعكس. فالمدار على احترام الحرفة بين الناس.
أما الكفاءة من جهة المال فقد اختلفوا فيها، فقال بعضهم: إنه يشترط أن يساويها في الغنى، وقال بعضهم: إنه يكفي أن يكون قادراً على دفع ما تعارفوا على تعجيله من مهر مثلها، فلا يلزم أن يكون قادراً على دفع الكل المعجل والمؤجل، وأن يكون معه نفقة شهر إن لم يكن محترفاً، وإن لا فإن كان يكتسب كل يوم كفايتها فإنه يكون كفأ لها في باب المال، والثاني هو ظاهر الرواية، وهو الصحيح، ولكن ينبغي أن ينظر إلى أن الحنفية لم يشترطوا الولي في المرأة اعتماداً على للولي حق التفريق إذا اختارت المرأة من لا يدانيها، فإذا فرضنا وكانت البيئة تعتبر الذي لا يملك إلا المهر ونفقة شهر ضائعاً لا قيمة له بالنسبة للمرأة الثرية لم لا اعتبار الكفاءة في المال معنى، فينبغي أن ينظر القاضي إلى المصالح الدينية نظراً جدياً وأن يقضي بما يرفع الفساد، وحينئذ لا باس أن يعمل بالرأي الأول مادامت المصلحة متعينة في العمل به، على أننا في زماننا هذا نرى الكفاءة تكاد تكون منحصرة عند الناس في باب المال، فإنه هو الذي يستطيع به الزوج أن يحفظ كرامة المرأة وكرامة أسرتها ويمنعها من التبذل والتعرض لما لا يليق بها.
ويعجبني ما قاله الأستاذ مرعي الحنبلي رحمه الله:
قالوا: الكفاءة ستة، فأجبتهم: * قد كان هذا في الزمان المبهم
(4/54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما بنو هذا الزمان فإنهم * لا يعرفون سوى يسار الدرهم
فالقول الأول وإن لم يصححوه ولكنه ينبغي أن يراعى في زماننا هذا.
وأما الكفاءة في الديانة فإنها تعتبر في العجم والعرب، فإذا كان فاسقاً لا يكون كفأ لصالحة بنت صالح، وإذا كانت صالحة وأبوها فاسق وزوجت نفسها من فاسق فإنه يصح، وليس لأبيها حق الاعتراض لأنه فاسق مثله، وكذا إذا كانت فاسق وأبوها صالح فزوجت نفسها من فاسق فإنه يصح، وليس لأبيها حق الاعتراض أيضاً، لأن العار الذي يلحقه ببنته أكثر من العار الذي يلحقه بصهره.
وإذا زوج الصغيرة لرجل يظنه صالحاً فتبين أنه فاسق وأبوها صالح فإن لها أن تفسخ العقد بعد البلوغ، والمراد بالفاسق المجاهر بالفسق، كالذي يسكر على قارعة الطريق، أو يذهب إلى أماكن البغاء ومواخير الفساد وأندية القمار علناً، أو يجاهر بأنه يفعل ذلك، ومن هؤلاء الشبان الذين يتركون الصلاة ويعلنون أنهم لا يصلون ولا يصومون، فإن هؤلاء ليسوا أكفاء للصالحات وبنات الصالحين، فإذا تزوجت واحداً من هؤلاء كان للولي الاعتراض وفسخ العقد.
وللولي الاعتراض إذا تزوجت بأقل من مهر المثل، ولكن العقد مع ذلك صحيح باتفاق، إنما يقول القاضي: أما أن تكمل لها مهر المثل وإما يفسخ العقد.
أما الجواب عن الثاني فإن الكفاءة شرط لنفاذ العقد ولزومه على الولي، فإذا زوجت المرأة نفسها لمن هو دونها في أمر من الأمور الستة المذكورة كان لوليها حق الاعتراض على العقد، فلا ينفذ حتى يرضى، أو يفسخه القاضي.
وأما الجواب عن الثالث فهو أن الكفاءة في الأمور المذكورة من حق الولي بشرط أن يكون عصبة، ولو كان غير محرم، كأن كان ابن عم يحل له زواجها، أما ذوو الأرحام، والأم، والقاضي فليس لهم حق في الكفاءة، ثم إذا سكت الولي عن الاعتراض حتى ولدت المرأة فإن حقه يسقط في الكفاءة، فإذا لم يعلم بالزواج حتى ولدت فالظاهر أن حقه يسقط، لأن الولادة قد أحدثت بينهما روابط تنسى معها الاعتبارات الأخرى، وأيضاً فإن للولد حقاً في الكرمة، فلا ينبغي أن يسجل عليه عار أبيه، والقواعد دائماً تقضي بمراعاة الولد خوفاً عليه من الضياع، فإذا اعترض الولي وفسخ القاضي النكاح فعادت المرأة وزوجت نفسها من غير الكفء ثانياً عاد حق الولي في الاعتراض وفسخ القاضي النكاح ثانياً، كما إذا زوجها الولي من غير كفء بإذنها فطلقها زوجها ثم زوجت نفسها منه ثانياً كان للولي حق الاعتراض ولا يكون رضاه بالزواج الأول حجة عليه في الثاني الذي لم يرض به، فإذا طلقها زوجها غير الكفء الذي رضي به الولي في الأول طلاقاً رجعياً ثم راجعها في العدة لم يكن للولي حق الاعتراض لأن العقد الأول لم يتجدد.
وبعضهم يقول إن الكفاءة شرط في صحة العقد، فيقع العقد باطلاً من أول الأمر إذا تزوجت
(4/55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بغير كفء وكان لها ولي ولم يرض بالنكاح قبل العقد، فإذا رضي به قبل العقد وامتنع بعده فإنه لا يعتبر، وهذا القول هو المفتى به، وهو أقرب إلى الاحتياط.
وعلى القول الأول إذا مات أحدهما قبل تفرقة القاضي يتوارثان، لأن العقد صحيح لا ينقطع إلا بفعل القاضي، وفعل القاضي في هذه الحالة فسخ لا طلاق، فإن وقعت الفرقة قبل الدخول فلا شيء لها من المهر، وإن وقعت بعده كان لها المسمى لا مهر المثل، وكذا لها المسمى بالخلوة الصحيحة، وعليها العدة، ولها نفقة العدة ولها أن تمكنه من الوطء، ولها أن لا يمكنه وأما على المفتى به فإنه لا يترتب عليه شيء من ذلك، ويحرم على المرأة أن تمكنه من الوطء لأن العقد باطل لا انعقاد له.
وعلى هذا فلو تزوجت امرأة مطلقة ثلاث طلقات بزوج غير كفء من غير رضا الولي، ثم طلقها فإنها لا تحل للزوج الأول لأن العقد وقع باطلاً، فكأنه لم يكن. أما إذا لم يكن لها ولي أو كان ورضي قبل العقد فإنها تحل لزوجها الأول بعد طلاقها من الثاني غير الكفء باتفاق.
وإذا كان لها أولياء متساوون في الدرجة ورضي بعضهم صح سقط حق الباقين في الاعتراض وإن كان الحق للأقرب دون غيره، فإن لم يكن لها أولياء من العصب صح العقد ونفذ على أي حال.
وهل يشترط أن ينطق الولي بالرضاء أو يكفي سكوته؟ الجواب: أن سكوته قبل ولادتها وقبل أن يظهر حملها لا يكون رضاً كما تقدم، فلا يسقط حقه إلا إذا صرح بالرضا، وأيضاً لا بد أن يعلم بعين الزوج، فإذا رضي بزوج مجهول لا يصح إلا إذا أسقط حقه بأن قال لها: رضيت بما تفعلين، أو رضيت بمن تزوجين منه نفسك، أو افعلي ما تحبين، أو نحو ذلك.
هذا في أنواع الكفاءة المذكورة، أما العيوب التي توجد في الزوج ويفسخ بها العقد، كالجذام والجنون، والبرص، والبخر، ونحو ذلك مما سيأتي، فإنها من حق الزوجة وحدها فلها طلب التفريق والفسخ دون الولي.
وهل العقل معتبر في الكفاءة أو لا؟ قالوا: لا نص فيه عن المتقدمين، أما المتأخرون فمختلفون فيه، والصواب أن المجنون لا يكون كفأً للعاقلة، وللولي حق الاعتراض والفسخ، لأن الجنون يترتب عليه من الفساد والشر ما لا يترتب على غيره، بل قد يتعير الناس بالمجنون أكثر مما يتعيرون بالفقير.
أما قبح المنظر فليس بعيب، فإذا كانت جميلة وهو قبيح المنظر فليس لها ولا لوليها حق المطالبة بالفسخ.
وأما الجواب عن الأخير فهو أن الكفاءة معتبرة في جانب الرجل لا في جانب المرأة، فللرجل أن يتزوج من يشاء ولو أمة أو خادمة، لأن الناس لا يتعيرون بافتراش الأمة والمرأة الدنيئة، وقد جرى العرف على ذلك في كل زمان ومكان، نعم يعتبر الكفاءة في المرأة بالنسبة للغلام الصغير إذا زوجه والده ممن هي دونه، فإن له حق الفسخ بعد البلوغ كما تقدم.
المالكية - قالوا: الكفاءة في النكاح المماثلة في أمرين: أحدهما التدين بأن يكون مسلماً غير
(4/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فاسق، ثانيهما السلامة من العيوب التي توجب للمرأة الخيار في الزوج، كالبرص، والجنون، والجذام، والثاني حق المرأة لا الولي.
أما الكفاءة في المال، والحرية. والنسب، والحرفة فهي معتبرة عندهم، فإذا تزوج الدنيء - كالمسلماني - شريفة فإنه يصح، وإذا تزوج الحمال أو الزبال، شريفة أو ذات جاه فإنه يصح، وهل العبد كفء للحرة؟ قولان مرجحان، وبعضهم يفصل فيقول: إن كان الرقيق أبيض يكون كفأً، وإن كان أسود فلا لأنه يتعير به.
ثم إن الكفاءة تعتبر في اليتيمة التي زوجها ولي غير مجبر عند خوف الفساد بالشروط المتقدمة فإن من بين هذه الشروط أن تزوج من كفء، فلا يصح زواجها من فاسق شريب، أو زانٍ، أو نحوهما، ولا من زوج به عيوب منفرة، بل لا بد من أن يكون مساوياً لها في أوصاف الكمال، وأن يكون الصداق مهر مثلها. قالوا: فإذا زوجت من غير مراعاة الكفاءة ونحوها من الشروط فسخ العقد إن لم يدخل بها الزوج، أو دخل بها ولكن لم يطل الزمن، أما إذا دخل وطال الزمن بأن مضى عليها ثلاث سنين أو ولدت ولدين في زمنين مختلفين لا في بطن واحدة فإنه لا يفسخ، وهذا هو المشهور. وقيل: يفسخ مطلقاً.
وكذا إذا زوج الحاكم امرأة غير رشيدة غاب عنها وليها فإنه لا يجوز له أن يزوجها إلا بعد أن يثبت لديه أن الزوج كفء لها في الدين والحرية والحال ومهر المثل على الوجه الذي بيناه، أما الرشيدة المالكة أمر نفسها فإنه يزوجها بدون أن يثبت عنده ذلك لأنها هي صاحبة الحق فيه، فلها إسقاطه متى رضيت بالزوج، على أنهم قالوا: إذا زوج الحاكم غير الرشيدة من غير بحث فإن العقد يصح ما لم يبطله شيء آخر.
ومع هذا فإن للولي وللزوجة ترك الكفاءة في الدين والحال، فتتزوج من فاسق بشرط أن يكون مأموناً عليها. فإن لم يكن مأموناً عليها رده الحاكم وإن رضيت به حفظاً للنفوس، وإذا رضي الولي بغير كفء فطلقها ثم أراد أن يرجع لها ثانياً ورضيت به فليس للولي الامتناع ثانياً.
وإذا أراد الأب أن يزوج ابن أخيه الفقير ابنته الموسرة، فهل لأمها الاعتراض أو لا؟ خلاف في هذه المسألة، وقواعد المذهب تفيد أن ليس لها اعتراض إلا إذا خيف عليها الضرر.
الشافعية - قالوا: الكفاءة أمر يوجب عدمه عاراً. وضابطها مساواة للزوجة في كمال أو خسة ما عدا السلامة من عيوب النكاح، فإن المساواة فيها لا توجب أن يكون كل منهما كفأً لصاحبه فإن كان كل منهما أبرص، أو مجذوماً كان لكل منهما حق طلب الفسخ، ولا يقال: إنهما متساويان في العيب، لأن الإنسان يكره من غيره ما لا يكره من نفسه.
وتعتبر الكفاءة في أنواع أربعة: النسب. والدين. والحرية. والحرفة، فأما النسب صنفان: عربي، وغير عربي - وهو الأعجمي - والعربي قسمان: قرشي، وغير قرشي، فالقرشيون أكفاء
(4/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لبعضهم بعضاً، إلا إذا كانوا من بني هاشم، وعبد المطلب، فإن غيرهم من قريش ليس كفأً لهم، وباقي العرب ليسوا أكفاء لقريش، ولكنهم أكفاء لبعضهم بعضاً، والعجم ليسوا أكفاء للعرب ولو كانت أمهاتهم من العرب.
ثم إن المرأة إذا كانت تنتسب إلى شخص تشرف به وجب أن يكون
الزوج منتسباً إلى مثل هذا الشخص سواء كانا من العجم أو من العرب.
وحاصله أن الكفاءة تعتبر أولاً في النوع بمعنى أن العرب نوع، والعجم نوع، ثم ينقسم العرب إلى قرشيين وغيرهم فالقرشيون أفضلهم، على أن بينهما تفاوتاً أيضاً، وهو أن بني هاشم والمطلب أفضل من الباقين، ومتى تحققت الكفاءة في النوع لزم أن تتحقق أيضاً في شخص الزوجين فإذا كانت الزوجة منتسبة إلى شخص تشرف به وجب أن يكون الزوج كذلك منتسباً إلى مثل من تنسب إليه، والعبرة في النسب للآباء لا للأمهات، إلا في بنات فاطمة رضي الله عنها، فإنهن منسوبات إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهن أرقى الأنواع من عرب وعجم.
وما قيل في العرب يقال في العجم، فيقال: الفرس مثلاً أفضل من النبط، وبنو إسرائيل أفضل من القبط، فإذا كانت المرأة تنتسب إلى عظيم وجب أن يكون الرجل مثلها منتسباً إلى عظيم مكافئ، وقيل: لا يعتبر هذا التفاوت في العجم.
وأما الدين فإنه ينبغي أن يكون الرجل مساوياً للمرأة في العفة والاستقامة، فإن كان فاسقاً بالزنا فإنه لا يكون كفأً للعفيفة حتى ولو تاب وحسنت توبته، لأن التوبة من الزنا لا تمحو عار السمعة السيئة وإن كان فاسقاً بغير الزنا، كالخمر، والزور ثم تاب، فقيل يكون كفأً للمستقيمة وقيل: لا، وبه أفتى بعضهم، أما إذا كانت فاسقة مثله فإنه يكون كفأً، كزانية لزانٍ، فإن زاد فسقه أو اختلف نوعه فإنه لا يكون كفأً لها، وإذا كان محجوراً عليه لسفه فإنه ليس كفأً للرشيدة.
يعتبر في الدين إسلام الآباء، فمن كان أبوها مسلماً لا يكون كفأ لها من أبوه غير مسلم، ومن له أبوان في الإسلام لا يكون كفأ لمن لها ثلاثة آباء، ويستثنى من ذلك الصحابي، فإنه كفء للتابعية وإن كانت لها آباء أكثر لنص الحديث وهو أن الصحابة أفضل من غيرهم.
وأما الحرية فإن كان فيه شائبة رق لا يكون كفأ للسليمة ويعتبر في ذلك الآباء لا الأمهات، فمن ولدته رقيقة ليس كفأ لمن ولدتها عربية.
وأما الحرفة. فإن أرباب الحرف الدنيئة في العرف، كالكناس، والحجام، والحارس، ومكيسي الحمام ويسمى بالبلان ليس كفأ لصاحبة الحرفة الشريفة، كالخياطة أو من أبوها خياط، أو صانع كهرباء، أو نحو ذلك من المهن الشريفة، وصاحب المهنة ليس كفأ لبنت التاجر، وابن التاجر ليس كفأ لبنت العالم أو القاضي نظر للعرف في ذلك.
أما المال فإنه لا يعتبر في الكفاءة، فإذا تزوج الفقير غنية كان كفأ لها، ولا يقابل بعض هذه
(4/58)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الخصال ببعض، مثلاً إذا كانت المرأة حرة فاسقة، والرجل رقيقاً صالحاً فإنه لا يصح أن يقابل الرق بالفسق فيتساقطا، وكذلك إذا كانت عربية فاسقة، والرجل أعجمي صالح فإنه لا تقابل أعجميته بفسقها، وهكذا.
وهي شرط لصحة النكاح حيث لا رضا، وهي من حق المرأة والولي معاً، فإذا لم يرضيا بالزوج الذي لم تتوفر فيه الكفاءة على الوجه المتقدم لا يصح العقد، وقد تقدم أنها شرط لصحة عقد الولي المجبر، فإذا زوج الأب ابنته جبراً اشترط أن يزوجها من كفء، فإذا رضيت صح، وسقط حقها، ولكن الرضا بغير الكفء يشترط فيه النطق والكلام إذا كانت المرأة ثيباً، فإن كانت بكراً، فقيل: يكفي سكوتها مطلقاً، سواء كان مزوجها مجبراً أولا، وقيل: لا يكفي إذا كان غير مجبر، بل لا بد من نطقها وتصريحها بالرضا.
ثم إن الحق للمرأة ولوليها الأقرب لا الأبعد، ويشتركان في الأنواع المتقدمة ما عدا الجب. والعنة، فإن هذا العيب من حق المرأة وحدها، فإذا رضيت بزوج مجنون، أو عنين ولم يرض الولي صح ولا عبرة برضاه، لأن هذا شيء يختص بها دونه، ثم إذا رضيت بزوج وهي تظن أنه كفء فبان أنه رقيق وهي حرة، أو به عيب فإن لها الحق في الخيار، وللولي حق الاعتراض، ولا يضره مباشرة العقد، وإنما يسقط حقهما إذا علما بالغيب ورضيا.
هذا، والكفاءة معتبر من جانب الزوجة، أما الزوج فله أن يتزوج الأمة والخادمة. لأن الناس لا يتعيرون بافتراش من هي أدنى منهم، ويصح أن يزوج الأب غلامه الصغير امرأة لا تكافئه، ولكن يثبت له الخيار بعد البلوغ، على أنه لا يصح له أن يزوجه أمه، أو عجوزاً شرهاء أو عمياء، وإن كان ذلك ليس بعيب يفسخ.
الحنابلة - قالوا: الكفاءة هي المساواة في خمسة أمور: الأول الديانة، فلا يكون الفاجر الفاسق كفأ للصالحة العدل العفيفة، لأنه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيته. والثاني: الصناعة، فلا يكون صاحب الصناعة الدنيئة كفأ لبنت صاحب الصناعة الشريفة، فالحجام والزبال لا يكونان كفأ لبنت التاجر والبزاز الذي يتجر في القماش. الثالث: اليسار بالمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة، فلا يكون المعسر كفأ للموسرة، وضبط بأن لا تتغير حالها عنده عما كانت عليه في بيت أبيها. الرابع: الحرية، فلا يكون العبد والمبعض كفأ للحرة. الخامس: النسب فلا يكون العجمي - وهو ليس من العرب - كفأ للعربية، فإذا زوجها الولي من غير كفء وبغير رضاها كان آثماً، ويفسق به الولي) .
(4/59)

مبحث عد المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن
-قد عرفت مما مضى أن من شرائط النكاح المتفق عليها أن تكون المرأة محلاً صالحاً للعقد عليها، فلا يصح العقد على امرأة حرمت عليه لسبب من الأسباب، وهذه الأسباب تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يجب الحرمة المؤبدة.
الثاني: ما يوجب الحرمة المؤقتة بحيث لو زال السبب عاد الحل.
والأسباب التي توجب الحرمة المؤبدة ثلاثة: القرابة، المصاهرة، الرضاع.
فأما القرابة فيحرم بها على التأبيد ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أصول الشخص وفروعه، فأما أصوله فهن أمهاته فتحرم عليه أمه التي ولدته وجدته من كل جهة سواء كانت لأمه أو لأبيه، وإن علت. وأما فروعه فهي بناته وبنات بناته وبنات أبنائه وإن نزلن.
النوع الثاني: فروع أبويه، وهن أخواته، فتحرم عليه أخته من كل جهة، أي سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، كما يحرم عليه بناتها وبنات أبنائها. وبنات أخيه وإن نزلن.
النوع الثالث: فروع أجداده وجداته، وهن عماته وخالاته سواء كن شقيقات أولا.
وإلى هنا ينتهي التحريم، فلا تحرم عليه بنات عماته ولا بنات خالاته، ولا بنات عمه، ولا بنات خاله، فلا يحرم من فروع الجدات إلا البطن الأولى.
أما المصاهرة فيحرم بها ثلاثة أنواع أيضاً:
النوع الأول: فروع نسائه المدخول بهن، فيحرم عليه أن يتزوج بنت امرأته، وهي ربيبته سواء كانت في كفالته أولا. أما قوله تعالى: {في حجوركم} فإنه بيان للشأن فيها، فكأنه يقول له: إنها كبنتك التي تربت في حجرك وكذا يحرم عليه أن يتزوج بنت ربيبته ولا بنت بنتها وإن نزلت. أما إذا عقد على أمها ولم يدخل بها فإن البنت لا تحرم عليه.
النوع الثاني: أصول نسائه، فيحرم عليه أن يتزوج أم امرأته، وأم أمها وجدتها بمجرد العقد على البنت وإن لم يدخل بها، ولذا قيل: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات.
(4/60)

ولعل السر في ذلك أن البنت في حال صباها وأول حياتها تكون علاقتها بالرجل أشد وغيرتها عليه أعظم، فينبغي أن يكون العقد عليها قاطعاً لمطمع أمها حتى لا يحدث ضغينة وحقداً تنقطع به صلات المودة، بخلاف الأم فإنه يسهل عليها أن تنزل عن رجل لم يباشرها لبنتها التي تحبها حباً جماً فلا تنقطع بينهما علائق المودة.
النوع الثالث: موطوءات الآباء.
وأما الرضاع فإنه يحرم به ما يحرم بالنسب إلا في بعض أمور سيأتي بيانها في مبحثه. فهذه هي موجبات التحريم المؤبد، وأما موجبات التحريم المؤقت فهي أمور: أحدها: زواج المحرم، فلا يحل للشخص أن يجمع بين الأختين، أو بين الأم وبنتها، أو نحو ذلك مما سيأتي.
ثانيها: الملك، فلا يحل للمرأة أن تتزوج عبدها. ولا للرجل أن يتزوج أمته إلا بعد العتق.
ثالثها: الشرك، فلا يحل لمسلم أن يتزوج مشركة غير متدينة بدين سماوي.
رابعها: التطليق ثلاث مرات، فإنه يوجب التحريم إلا إذا تزوجت غيره.
خامسها: تعلق الغير بنكاح أو عدة، فإذا زالت هذه الأسباب عاد له الحل ومن ذلك ما إذا زاد على أربع أو عقد على خامسة قبل أن تنقضي عدة الرابعة.

مبحث فيما تثبت به حرمة المصاهرة
-المصاهرة: وصف شبيه بالقرابة، ويتحقق في أربع: إحداها زوجة الابن، وهي تشبه البنت. ثانيهما: بنت الزوجة، وهي تشبه البنت أيضاً، ثالثها: زوجة الأب، وهي تشبه الأم، رابعها: أم الزوجة، وهي تشبه الأم أيضاً.
ولا خلاف في أن زوجة الابن، وزوجة الأب، وأم الزوجة يحرمن بالعقد الصحيح، فإذا عقد الأب على امرأة حرمت على ابنه وابن ابنه وإن نزل، وإن لم يدخل بها، وإذا عقد الابن على امرأة حرمت على أبيه وجده وإن علا، كما تحرم على ابنه وإن نزل، وإن لم يدخل بها، أما بنت زوجة الأب من غير الأب فإنها لا تحرم على الابن، وبنت زوجة الابن لا تحرم على
(4/61)

الأب، وبنت زوج الأم لا تحرم على ابنه ولا أمه. ولا أم زوجة الأب، ولا أم زوجة الابن. ولا زوجة الربيب، فمن كان متزوجاً بامرأة لها ابن من غيره وله مطلقة فإنها تحل لزوج أمه.
وإذا عقد الشخص على امرأة حرمت عليه أمها وأم أمها وإن علت سواء دخل بها أو لم يدخل. أما بنتها فإنها لا تحرم إلا بالدخول كما عرفت.
فحرمة المصاهرة تثبت بالعقد الصحيح بدون كلام.
أما العقد الفاسد، أو الوطء بشبهة، أو زنا، ففي التحريم به اختلاف - المذاهب (1) .
__________
(1) (الحنفية - قالوا: العقد الفاسد لا يوجب حرمة المصاهرة، فمن عقد على امرأة عقداً فاسداً لا تحرم عليه أمها، وأما الذي يوجب حرمة المصاهرة فهو أربعة أمور:
أحدها: العقد الصحيح. ثانيها: الوطء، سواء كان بعقد صحيح، أو فاسد، أو زنا. ثالثها: المس. رابعها: نظر الرجل إلى داخل فرج المرأة، ونظر المرأة إلى ذكر الرجل.
ويشترط في الوطء ثلاثة أمور: أن تكون الموطوءة حية، فلو وطئ ميتة لا تحرم بنتها. أو تكون مشتهاة، وهي من كان سنها تسع سنين فأكثر، فإذا تزوج صغيرة ووطئها ثم طلقها وتزوجت غيره بعد انقضاء عدتها وجاءت منه ببنت، فإن للزوج الأول أن يتزوج هذه البنت، لأنه وطئ أمها وهي صغيرة، مثل ذلك ما لو زنا بصغيرة من باب أولى، وكذلك تشترط الشهوة في التحريم بوطء الذكر، فإذا وطئ غلام مراهق امرأة أبيه فإنها لا تحرم.
الشرط الثالث: أن يكون الوطء في القبل لا في الدبر. فمن وطئ امرأة في دبرها فإنه لا تحرم عليه أصولها وفروعها، ومن باب أولى ما إذا لاط برجل فإن بنته لا تحرم عليه، ولا يقال: إن الحنفية أوجبوا التحريم بالنظر والمس، وبديهي أن الوطء في دبر المرأة فيه لذة مستكملة فوق المس والنظر، لأنا نقول: إن التحريم بالمس والنظر لكونهما سبيلاً للوطء في القبل الذي توجب التحريم، فحيث يتبين أنهما لا يفضيان إلى ذلك فلا يحرمان، ولذا اشترط في التحريم بهما أن لا ينزل بهما، فإذا أنزل تبين أنهما لم يفضيا إلى الوطء المحرم.
ولا يشترط في الوطء الموجب للتحريم أن يكون جائزاً، بل تثبت حرمة المصاهرة بوطء الحائض والنفساء، وبوطئها وهو محرم بالنسك، أو صائم، أو نحو ذلك.
ويشترط في المس شروط: أحدها أن يكون بدون حائل، أو بحائل خفيف لا يمنع الحرارة ثانيها: أن يكون لغير الشعر المسترسل - وهو النازل - فإذا مسه بشهوة فإنه لا يحرم، أما مس الشعر الملاصق للرأس فإنه يحرم على الراجح. ثالثها: أن يكون المس بشهوة، وحد الشهوة في مس الرجل للمرأة أن تتحرك آلته، أو تزيد حركتها إذا كانت متحركة من قبل مسها وحدها إذا مست المرأة الرجل أن يتحرك قلبها وتشعر باللذة، ومثل المرأة الشيخ الكبير رابعها: أن يغلب على ظن الرجل صدق المرأة
(4/62)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
إذا أخبرته أنها تلذذت بمسه، ويغلب على أب الرجل وابنه صدقه في قوله إنه تلذذ بمسها وإلا فلا تحرم. خامسها: أن تكون اللذة مقارنة للمس، فإذا مسها بدون لذة ثم وجد اللذة بعد فلا تحرم. سادسها: أن لا ينزل بالمس كما عرفت. سابعها: أن لا تكون الممسوسة دون تسع سنين، وأن يكون الماس له شهوة، فإذا كانت صغيرة أو كانت كبيرة والماس مراهقاً، فإنه لا يحرم.
ويشترط في النظر أمور: الأول أن يكون إلى داخل الفرج المدور خاصة على الراجح، وهذا لا يكون إلا إذا كانت متكئة، فلو كانت واقفة، أو جالسة غير مستندة فإنه لا يرى وإذا كانت الناظرة المرأة فالشرط أن تنظر إلى الذكر خاصة، أما النظر إلى باقي بدنها أو بدنه فإنه لا يوجب التحريم. والثاني أن يكون النظر بشهوة مقارنة له كما في اللمس، وحد الشهوة هنا كحدها في اللمس على الراجح. الثالث: أن يرى نفس الفرج لا صورته المنطبعة في مرآة أو ماء، فلو كانت متكئة ورأى صورة فرجها الداخل في المرآة بشهوة فإنها لا تحرم، وكذا لو كانت كذلك على شاطئ ماء، أما إذا كانت موجودة في ماء صاف فرآه وهي في نفس الماء فإن الرؤيا على هذا تحرم لأنه رآه بنفسه لا بصورته. الرابع أن تكون الشهوة مقارنة لنفس النظر. الخامس: أن لا ينزل كما تقدم في اللمس. السادس: أن لا تكون المنظورة صغيرة لا تشتهى، أو ميتة، أو يكون الناظر مراهقاً كما تقدم.
ولا فرق بين اللمس والنظر بشهوة بين عمد ونسيان وإكراه، فالكل تثبت به حرمة المصاهرة. أما الزنا فإنه عبارة عن وطء مكلف في فرج امرأة مشتهاة خال عن الملك وشبهته، وتثبت به حرمة المصاهرة نسباً ورضاعة، فمن زنى بامرأة حرمت على أصوله وفروعه، فلا تحل لأبيه ولا لابنه، ويحرم على الزاني أصولها وفروعها، فلا يحل له أن يتزوج بنتها سواء كانت متولدة من مائه أو من غيره، وبنت بنتها وهكذا، كما يحرم عليه أن يتزوج أمها وجدتها وهكذا، وله أن يتزوج أختها، وتحل أصولها وفروعها لأصول الزاني وفروعه، فيجوز لابنه أن يتزوج بنتها. وبشرط أن لا تكون متولدة من ماء زنا أبيه ولا راضعة من لبنه الناشئ بسببه، فإذا زنى بامرأة فحملت سفاحاً وولدت، ثم أرضعت صبيه بلبنها فإنه لا يحل لهذا الزاني أن يتزوجها لأنها بنته من الرضاع. وكذا لا تحل لأصوله ولا لفروعه. ومثلها بنته المتولدة من الزنا: فإنها تحرم عليه وعلى أصوله وفروعه، وذلك لأنها بنته جزء منه، سواء كانت متولدة من مائه، أو كانت راضعة لبن امرأته منه، ولذا لا تحرم على عمه أو خاله لانتفاء الجزئية فيهما، ولم يثبت نسبها من الزاني حتى تحرم على العم والخال.
هذا وبذلك يتضح أن الدخول بالمرأة المتوقف عليه تحريم ابنتها لا يشترط فيه الوطء، بل يكفي فيه اللمس بشهوة، والنظر بشهوة بالشروط المتقدمة.
الشافعية - قالوا: العقد الفاسد يوجب حرمة المصاهرة فيمن اشترط في تحريمها الوطء، كالأم فإن بنتها، لا تحرم إلا بوطئها، فإذا عقد عليها عقداً فاسداً ثم وطئها بناء على ذلك العقد حرمت بنتها، أما التي تحرم بمجرد العقد فإنه يشترط في تحريمها أن يكون العقد صحيحاً - كالبنت - فإن أمها تحرم
(4/63)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بمجرد العقد عليها بشرط أن يكون صحيحاً، فإذا عقد على البنت عقداً فاسداً ولم يدخل بها لم تحرم أمها نعم إذا وطئها بعد ذلك العقد الفاسد حرمت أمها بالوطء ولو في الدبر.
ومثل ذلك زوجة الأب، فإنها تحرم بمجرد العقد، فيشترط في تحريمها بمجرد العقد أن يكون العقد صحيحاً، أما إذا دخل عليها ووطئها فإنها تحرم بالوطء ولو كان العقد فاسداً وكذا زوجة الابن فإنها تحرم بمجرد العقد، فيشترط أن يكون صحيحاً على الوجه المتقدم.
ومن هذا تعلم أن الذي يقع به التحريم شيئان: إما العقد الصحيح وإما الوطء سواء كان بعقد صحيح أو فاسد، أو كان وطئها بشبهة ولو في دبر المرأة، ومثل الوطء استدخال مائه المحترم، ومعنى هذا أنه إذا جامع امرأة بعقد صحيح ثم أنزل فيها كان ماؤه محترماً، أي لم يكن حاصلاً من زنا، فإذا فرض وساحقت امرأته امرأة أخرى وأنزلت فيها هذا الماء وحملت منه كان ابنه، فإذا أنزلته في زوجة له لم يدخل بها حرمت عليه بنتها لأنه يعتبر دخولاً. أما الزنا فإنه لا يوجب حرمة المصاهرة على أي حال، لأنها نعمة من الله لا يصح زوالها بذلك الفعل المحرم، وكما لا يحرم الزنا لا يحرم المس ولا النظر بشهوة على أي حال.
ومثال الوطء بشبهة أن يجامع امرأة يظنها امرأته وهي ليست كذلك، ويقال لهذه الشبهة: شبهة الفاعل. ولا يوصف الفعل الواقع بها بحل ولا حرمة ويثبت بوطء الشبهة النسب وتلزم به العدة.
هذا، ويجوز للرجل أن يتزوج بنته المخلوقة من مائه زنا، فإذا زنا بامرأة وحملت منه سفاحاً وجاءت ببنت فإنها لا تحرم عليه لأن ماء الزنا لا حرمة له، وكما تحل له تحل لأصوله وفروعه، ولكن يكره له نكاحها بخلاف الأم الزانية فإنها كسائر الأمهات في الحرمة على أبنائهن، لأن نسبه ثابت منها ويتوارثان.
المالكية - قالوا: تثبت حرمة المصاهرة بالعقد الفاسد، والعقد الفاسد نوعان: مجمع على فساده، وغير مجمع على فساده في المذاهب الأخرى، وهذا لا ينشر الحرمة إلا بالوطء ومقدماته، وذلك كنكاح امرأة معتدة، وهو غير عالم، أو نكاح أخته رضاعاً بدون علمه، فإن النكاح فاسد بالإجماع، ويدرأ الحد عن الفاعل لأن فيه شبهة. وهذا العقد لا يحرم إلا بالوطء أو مقدماته أما العقد الذي لم يجمع على فساده بأن قال به بعض العلماء ولو في مذهب غير مذهب المالكية، كنكاح المحرم بالنسك فإنه صحيح عند الحنفية، فاسد عند المالكية، وكذلك نكاح المرأة نفسها بدون ولي ونحوه فإنه ينشر حرمة المصاهرة كالصحيح.
ومن الفاسد النكاح الموقوف على إجازة الغير، فإذا زوج الرجل ابنه العاقل البالغ بغير إذنه وهو غائب فلم يرض الابن بالزواج ورد النكاح كان هذا من القسم الثاني، فيحرم به ما يحرم بالعقد الصحيح، ولا يشترط أن يكون العقد بين كبيرين بل يحرم العقد على الصغيرة للصغير.
أما الزنا فإن المعتمد أنه لا ينشر الحرمة، فمن زنى بامرأة فإن له أن يتزوج بأصولها وفروعها
(4/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولأبيه وابنه أن يتزوجها وفي تحريم البنت المتخلقة من ماء الزنا على الزاني وأصوله وفروعه خلاف، والمعتمد الحرمة، فإذا زنى بامرأة فحملت منه سفاحاً ببنت وجاءت بها فهي محرمة عليه وعلى أصوله وفروعه، ولو رضعت من لبنها بنت كانت محرمة أيضاً لأنه لبنه الذي جاء بسبب وطئه الحرام.
وبعضهم يقول: إن المتخلقة من ماء الزنا لا تحرم - كما يقول الشافعية - لأنها لم تعتبر بنتاً بدليل أنه لا توارث بينهما، ولا يجوز له الخلوة بها، وليس له إجبارها على النكاح باتفاقهم فكيف تعتبر بنتاً محرمة وكيف يكون لبن أمها محرماً؟ وهذا القول وجيه وإن لم يكن معتمداً، ومثل بنت الزنا ابن الزنا، فإذا جاءت منه بولد حرم عليه أصول أبيه وفروعه، وتجوز المخلوقة من ماء زنى الأخ لأخيه، وإذا زنى بها وهي حامل، فقيل: لا تحرم، وقيل: تحرم لأنه سقاها بمائه ولكن المشهور أنها لا تحرم.
هذا، ولا يشترط في الدخول بالأمهات الوطء، بل يكفي التلذذ بها ولو بعد موتها، ويتحقق التلذذ بالنظر إلى داخل جسمها إن وجدت اللذة وإن لم يقصدها، أما إن قصد ولم يجد فلا تلذذ، فمن عقد على امرأة ولو عقداً فاسداً وتلذذ على هذا الوجه حرمت عليه بنتها وبنت بنت بنتها وإن سفلت كما حرمت عليه أصولها.
ولا يحرم النظر إلى وجهها ويديها: وإنما يحرم تقبيل الوجه أو اليد أو الفم أو لمسها بشهوة.
الحنابلة - قالوا: تثبت حرمة المصاهرة بالعقد الفاسد، فإن العقد الفاسد عندهم تثبت به أحكام النكاح ما عدا الحل، والإحصان، والإرث، وتصنيف الصداق بالفرقة قبل المسيس، فلا يترتب على النكاح الفاسد حل وطء المرأة المعقود عليها. ولا إحلالها لمطلقها ثلاثاً. ولا توصف بالإحصان كما لا يوصف الزوج به ولا يتوارثان به، وإذا طلقها قبل الدخول والمسيس لا تستحق نصف الصداق، أما ما عدا ذلك من نشر حرمة المصاهرة وغيرها فإنها تثبت به. وهذا هو ظاهر المذهب. وبعضهم يقول: لا تثبت حرمة المصاهرة.
والمحرمات بالعقد سواء كان صحيحاً أو فاسداً: زوجة الأب وإن علا. وزوجة الابن وإن سفل وأم زوجته من نسب أو رضاع وإن علت كما هو مبين في أسفل صحيفة 61.
وأما الوطء المحرم لغير من ذكرن فيشترط فيه أن يكون وطأً في فرج أصلي، أما فرج الخنثى والفرج غير الأصلي، إن فرض وجود فرجين للمرأة فإنه لا يحرم، أو يكون في دبر سواء كان الموطوء أنثى أو رجلاً أو أمة، فلا تحل للائط والملوط به أم الآخر ولا بنته، فهو ينشر الحرمة كوطء المرأة بلا فرق، وهذا هو المنصوص، ولكن قال في شرح المقنع: الصحيح أن اللواط لا ينشر الحرمة لأن النصوص عليه في آية التحريم إنما هو البنت لا الولد، فتدخل أم الملوط أو اللائط في عموم قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} .
ويشترط أن يكون الفاعل ابن عشر سنين، وأن يغيب حشفة ذكره في الفرج الحقيقي أو الدبر، وأن تكون الموطوءة بنت تسع سنين، فإن كانا أقل من ذلك فلا تثبت به حرمة المصاهرة، فإذا
(4/65)

مبحث المحرمات بالجمع
-يحرم الجمع بين اثنين إذا فرضت كل واحدة منهما ذكراً حرم النكاح بينهما، فيحرم الجمع بين الأختين (1) : لأننا إذا فرضا واحدة منهما رجلاً فإنه لا يجوز له أن يتزوج أخته، وكذلك الجمع بين البنت وعمتها أو خالتها، فإننا لو فرضنا واحدة منهما ذكراً لم يحل له أن ينكح الأخر، فلو فرضنا العمة ذكراً كانت عماً لا يجوز له نكاح بنت أخيه، ولو فرضنا البنت
__________
أدخل غلام سن ثمان سنين حشفته في فرج امرأة كبيرة لا تثبت به حرمة المصاهرة وكذا إذا غيبها كبير في فرج بنت دون تسع، وأن تكون الموطوءة والواطئ حيين، فإن وقع شيء من ذلك حال الموت لا يؤثر.
ولا خلاف في أن الوطء الحلال تثبت به حرمة المصاهرة، أما وطء الشبهة والزنا فإنه تثبت به حرمة المصاهرة على الصحيح من المذاهب، فمن زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها وحرمت على أبيه وابنه كذا إذا جامعها بشبهة كأن ظن أنها امرأته فبانت أنها غيرها، فالموطوءة بهذه الشبهة تحرم على أصول الرجل وفروعه كما تحرم فروعها كذلك.
ويشترط في الدخول على الأمهات الوطء، فلا تحرم الربيبة بالعقد سواء كان صحيحاً أو فاسداً، ولا تحرم بالخلوة ولا بالتلذذ فيما دون الفرج، فلا يحرم النظر بشهوة، ولا اللمس، ولا القبلة ولا مقدمات الجماع كلها، وإنما الذي يحرم نفس الوطء. وقد عرفت أنه يحرم إذا كان وطأً بشبهة أو بعقد صحيح أو فاسد أو زنا على الصحيح) .
(1) (الحنفية - قالوا: إذا جمع بين أختين ونحوهما ممن لا يحل الجمع بينهما، فلا يخلو إما أن يجمع بينهما في عقدين متفرقين، أو يجمع بينهما بعقد واحد، فإن جمع بينهما في عقد واحد يفرق بينهما وبينه، فإن كان قبل الدخول فلا شيء لهما، وإن كان بعد الدخول، فإن كان سمى لكل واحدة منهما مهراً، فإن كان أقل من مهر مثلها أخذته، وإن كان أكثر من مهر المثل أخذت مهر المثل، فبالدخول تستحقان المهر الأقل، فإن كان المسمى أقل أخذتاه، وإن كان مهر المثل أقل أخذتاه، أما إذا جمع بينهما في عقدين فلا يخلو إما أن يكون عالماً بالعقد الأول من العقدين أو لا فإن كان عالماً به صح نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية، فيفترض عليه أن يفارقها، فإن لم يفعل وعلم القاضي وجب عليه أن يفرق بينهما، ثم إن كانت الفرقة قبل الدخول فلا شيء لها، ولا يترتب على العقد حكم، أما إذا كانت بعد الدخول والوطء فإنه يتقرر لها الأقل من مهر المثل والمهر المسمى كما تقدم، وعليها العدة، ويثبت النسب له. وفي حالة وطء الثانية يجب عليه أن لا يطأ الأولى التي وقع عقدها صحيحاً، فإنها تصير محرمة عليه إلى أن تنقضي عدة أختها، أما إذا لم يطأ الثانية فإن له أن يطأ التي صح نكاحها، لأن مجرد العقد الفاسد لا يترتب عليه شيء قبل الوطء.
(4/66)

ذكراً كانت الأخرى عمته، فلا تحل له، ولو فرضنا الخالة ذكراً كان خالاً لا يجوز له نكاح بنت أخته، وإذا فرضنا البنت ذكراً كانت الأخرى خالته لا تحل له وهكذا، وعلى هذا يصح الجمع بين امرأة وبنت زوجها، فإذا كان لشخص زوجة وله بنت من غيرها ثم طلقها أو مات عنها صح لآخر أن يتزوجها هي وبنت ذلك المطلق، لأننا إذا فرضنا المرأة ذكراً كانت البنت أجنبية منه، وله أن يتزوجها، وكذا إذا فرضنا البنت ذكراً. ومثل بنت الزوج أم الزوج، فيجوز الجمع بينها وبين الزوجة لأنهما أجنبيان عن بعضهما بعد الطلاق أو الموت.
وكذلك لا يجوز الجمع بين عمتين لبعضهما، أو خالتين كذلك، وصورة الأولى: أن يتزوج رجلان كل واحد منهما أم الآخر فتلد له بنتاً فتكون كل من البنتين عمة للأخرى لأنها تكون أخت أبيها لأمها، فإذا تزوج زيد أم عمرو وجاءت منه ببنت كانت البنت أختاً لعمرو من أمه، فإذا تزوج عمرو أم زيد وجاءت منه ببنت كانت البنت أختاً لزيد من أمه، فكلتا البنتين أخت لأب الأخرى، فتكون عمة للأخرى، فلا يحل الجمع بينهما.
وصورة الثانية: أن يتزوج كل من الرجلين بنت الآخر، فإذا تزوج زيد زينب بنت عمرو فولدت له هنداً كان عمرو جد هند لأمها، فإذا تزوج عمرو فاطمة بنت زيد فولدت له فريدة خالة هند أخت أمها زينب بنت عمرو، وكانت هنا خالة فريدة أخت أمها فاطمة بنت زيد.
وكذا يحرم الجمع بين العمة والخالة، وصورتهما أن يتزوج الرجل امرأة ويزوج ابنه أمها، وتلد كل واحدة منهما بنتاً، فتكون بنت الابن خالة بنت الأب أخت أمها، وتكون بنت الأب عمة بنت الابن أخت أبيها. وقد قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها، لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى" رواه أبو داود وغيره. وقال الترمذي: حسن صحيح.
فإذا جمع بين اثنتين لا يحل له الجمع بينهما فسخ العقد على تفصيل في المذاهب.
هذا، ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب إلا في أمور سيأتي بيانها في مباحث الرضاع.
__________
فإذا لم يكن عالماً بالعقد الأول بل نسيه ولم يمكنه البيان، فإنه يفترض عليه أن يفارق الاثنتين فإن لم يفعل وعلم القاضي وجب عليه أن يأمر الزوج بالبيان، فإذا لم يبين فرق بينهما، ويكون تفريق القاضي طلاقاً ينقص به عدد الطلقات، ثم إذا أراد أن يتزوج واحدة منهما، فإن كان قبل الدخول فإن له ذلك فوراً، وإن كان بعد الدخول فإنه لا يصح إلا بعد انقضاء عدتهما، وإذا انقضت عدة إحداهما دون الأخرى صح له أن يتزوج التي لم تنقض عدتها، لأنه إذا تزوج التي انقضت عدتها كان جامعاً بين الأختين، لأنه يشترط لصحة العقد على الأخت انقضاء عدة الأخت المطلقة.
(4/67)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما المهر للمعقود عليهما بعقدين لم يعلم السابق منهما فلا يخلو حاله من أن تكون الفرقة قبل الدخول أو بعده، وفي كلتا الحالتين إما أن يكون قد سمى لكل واحدة مهراً أو لا، فإن كانت الفرقة قبل الدخول كان لهما معاً نصف المهر بشرطين:
الشرط الأول: أن يسمي لهما مهراً في العقد.
الشرط الثاني: أن يكون المهر المسمى لكل واحدة منهما مساوياً لمهر الأخرى. فإن لم يسم مهراً أصلاً لا يستحقان مهراً، وإنما يستحقان متعة - وسيأتي بيان المتعة في الصداق - وإن سمى لكل منهما مهراً يخالف مهر الأخرى استحقت كل واحدة منهما ربع مهرها المسمى،
أما بعد الدخول بهما فإن مهرهما صار لازماً مقرراً، ولكن كيف تستحقان المهر؟ إن هذه المسألة تشتمل على نكاح صحيح ونكاح فاسد بلا شك ولكن لا يدري أيتهما صاحبة العقد الصحيح ومعلوم أن العقد الصحيح يستلزم كل المهر المسمى، أو مهر المثل عند عدم التسمية، والعقد الفاسد يستلزم العقر - والعقر هو صداق المرأة إذا نكحت بشبهة -
فالمراد بالعقر ما يترتب على الوطء بشبهة النكاح الفاسد، وهو الأقل من المسمى ومن مهر المثل بمعنى أنها تستحق الأقل من المهرين فإن كان المسمى أقل من مهر المثل، وإن كان مهر المثل أقل استحقته، ولا يمكن في هذه الحالة إعطاء إحداهما المهر الذي يستلزمه الصحيح، والأخرى المهر الذي يستلزمه الفاسد، لعدم معرفة العقد الصحيح من غيره، فبماذا يحكم لكل منهما حينئذ؟ إن المعقول هو أن يؤخذ المتيقن وتقتسمانه بينهما، وتوضيح ذلك أنه إذا سمى لكل منهما مائة جنيه مهراً، وكان مهر مثل كل منهما مائة جنيه كذلك أخذ مائة من المسمى ومائة من مهر المثل واقتسمتاه بينهما لكل منهما مائة وإذا سمى لكل واحدة مائة جنيه، وكان مهر مثل إحداهما ثمانين، من المسمى وهو مائة، وأقل المهرين من مهر المثل، أعني السبعين فيكون المجموع مائة وسبعين فتقتسماه بينهما مناصفة، وإذا سمى لإحداهما مائة وللأخرى ثمانين وكان مهر مثلهما متحداً سبعين مثلاً، فإنه يؤخذ أقل المسميين، وهو ثمانون، وأحد المهرين المتساويين، وهو سبعون وتقتسمانه، وإذا سمى لإحداهما ثمانين وللأخرى سبعين وكان مهر مثلهما مختلفاً أيضاً، بأن كان مهر إحداهما تسعين والأخرى ستين، فإنهما تعطيان أقل المسميين. وهو سبعون وأقل المهرين، وهو ستين، وتقتسمانه أيضاً.
وبعضهم يرى أنه إذا سمى لكل منهما مهراً يساوي مهر الأخرى، وكان مثلهما متساوياً أيضاً وجب أن يأخذا كل المهر المسمى، أما إذا لم يتحد المسمى، أو لم تتحدا في مهر المثل، وجب لكل واحدة منهما الأقل من المسمى ومهر المثل ترجيحاً للنكاح الفاسد، إذ ليست واحدة منهما أولى من صاحبتها باعتبار العقد الصحيح، والظاهر أن التقسيم الأول
أقرب إلى العدل كما لا يخفى.
المالكية - قالوا: إذا جمع بين اثنتين لا يحل له الجمع بينهما في عقدين، بأن عقد على إحداهما أولاً وعلى الأخرى ثانياً، فلا يخلو إما أن يدخل بها أو لا، فإن لم يدخل بها وأقرته على دعواه من أنه عقد عليها بعد الأولى، فسخ عقد الثانية بلا طلاق ولا شيء لها وكذا إذا لم تقره ولكن ثبت
(4/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كونها الثانية ببينة فإنه يفسخ بلا طلاق ولا شيء لها من المهر، أما إذا لم تقره على دعواه أنها الثانية بل قالت: لا علم لي، أو قالت: إنها الأولى ولا بينة، فسخ العقد بطلاق، ولا شيء لها من الصداق بشرط أن يحلف الرجل أنها الثانية، فإن نكل عن اليمين ثبت لها عليه نصف المهر بمجرد النكول إن قالت لا علم لي، أما إن ادعت أنها الأولى لا تستحق نصف الصداق إلا إذا حلفت انها الأولى فإن نكلت فلا تستحق شيئاً أبداً. أما إذا دخل بها فإن العقد يفسخ بطلاق ويكون لها المهر كاملاً ولا يمين عليه، ويبقى على نكاح الأولى بدعواه من غير تجديد عقد.
وكذا إذا جمع بين اثنتين لا يحل له الجمع بينهما كالأختين، أو البنت وعمتها في عقد واحد فإنه يفسخ بلا طلاق أبداً لأنه مجمع على فساده، وتزيد الأم وبنتها تأبيد التحريم، فإذا جمع بين الأم وبنتها كان لذلك ثلاث حالات: الحالة الأولى أن يدخل بهما معاً، وفي هذه الحالة يتأبد تحريمها عليه، فلا تحل له واحدة أبداً، وعليه صداقهما، وإن مات لا إرث لواحدة منهما، لأن العقد مجمع على فساده، وهذه الأحكام تجري أيضاً فيما إذا عقد على إحداهما أولاً ثم مات لا ترثه واحدة منهما، ويفسخ العقد بلا طلاق. الحالة الثانية أن يجمع بينهما في عقد واحد ولم يدخل بواحدة منهما، وفي هذه الحالة يفسخ نكاحهما، ويكون له الحق في تجديد العقد على أيهما شاء، فتحل له الأم بعقد جديد، ومعلوم أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على الأم فلا تحرم بالعقد الصحيح، فمن باب أولى لا تحرم بالعقد الفاسد، فإن جمع بينهما بعقدين مترتبين ولم يدخل بواحدة صح عقد الأولى ويفسخ عقد الثانية بلا خلاف سواء كانت الأم أو البنت ثم إن كانت الأم هي الثانية فهي حرام أبداً، لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، وإن كانت البنت فله أن يطلق أمها قبل الدخول بها ويتزوجها. الحالة الثالثة: أن يجمع بينهما في عقد واحد ويدخل بواحدة منهما، فيفسخ نكاحهما ويتأبد تحريم من لم يدخل بها سواء كانت البنت أو الأم، وتحل له التي دخل بها بعقد جديد بعد الاستبراء، فإذا جمع بينهما في عقدين مترتبين، وكان المعقود عليها أولاً البنت ثم دخل بها هي صح وكانت زوجة له شرعية بصحيح العقد، وتأبد تحريم أمها عليه، وإن كان المعقود عليها الأم، ودخل بها دون البنت صح، وثبت على المشهور، وتأبد تحريم البنت بالدخول على أمها، وقيل: يتأبد تحريم الاثنين، لأن العقد على البنت يحرم الأم وإن كان فاسداً.
أما إذا دخل بالمعقود عليها ثانياً فإن كانت البنت فرق بينه وبينها، ولها صداقها، وله تزويجها بعد الاستبراء، وتأبد عليه تحريم أمها، وإن كانت الأم قد حرمت عليه أبداً، أما تحريم الأم فإن العقد الصحيح على بنتها - وهو الأول - يحرمها باتفاق، وأما البنت فلأن الدخول على الأم يحرم البنت ولو كان العقد فاسداً ولا ميراث.
وإن عقد عليهما عقدين مترتبين ولم يدخل بهما ومات، ولم تعلم السابقة منهما كان لكل واحدة منهما نصف صداقها سواء اختلف الصداقان أو استويا في القدر، ولهما ميراثهما فيه لوجود سببه، وهو العقد الصحيح في إحداهما، وجهل مستحقه، وإنما كان لها نصف الصداق مع أن الصداق
(4/69)