Advertisement

الفقه على المذاهب الأربعة 010



الكتاب: الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري (المتوفى: 1360هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الثانية، 1424 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ومن أتى امرأة بعقد فاسد، كأن تزوجها بغير شهود. أو أتى امرأة وهي نائمة ظناً منه أنها زوجته، وهي ليست كذلك، فإن حد الزنا يسقط عنه بهذه الشبهة، ولكن هل يرفع عنه فعله الاحصان، بحيث لو قذفه شخص بالزنا لا يجلد ثمانين جلدة؟ أو لا يزال محصناً يُحَدُّ قاذفه؟ خلاف بين العلماء.
فبعضهم يرى أن اقدام على هذا الفعل بدون حيطة يرفع الإحصان.
وبعضهم يقول: لا يرفع عن الإحصان إلا الزنا الموجب للحد، فهذا هو حد القذف.
__________
تخصيص عموم الكتاب، بهذا القياس، والعبرة بحال القذف ولو تحرر بعد القذف وقبل إقامة الحد عليه، لأنه كان رقيقاً في حال القذف.
لو قال له: يا فارسي
المالكية قالوا: لو قال لعربي، يا نبطي، أو يا رومي، أو يا بربري أو قال لفارسي: يا رومي، أو قال لرومي: يا فارسي ولم يكن في آبائه من هذه صفته فعليه الحد لأنه قذف في حقفه. ويلحقه به العار، لما فيه من رائحة الطعن في نسبه، وذلك لسد باب الأذى جملة، أو قال له أنا عفيف الفرج.
الحنفية والشافعية، والحنابة رحمهم الله تعالى قالوا: أنه لو قال له هذه الألفاظ فلا يجب عليه الحد، لندرة فهم القذف بالزنا من مثل ذلك اللفظ، والنادر لا حكم له غالباً، ولأنه يراج به التشبيه في الخلاق.
ولو قال لامرأة زنيت بحمار، أو ببعير، أو بثور فلا حد عليه، لأن الزنا ايلاج رجل ذكره في فرج الأنثى وما ذكره لا يعقل، ولو قال لها زنيت بناقة أو بقرة، أو ثوب، أو جرهم فإنه يقام عليه الحد إذا لم يأت بالبينة.
وذلك لأن معناه أنها زنت واخذت البدل، أو الجر من الزاني، ولو قال هذا الرجل فاسق، أو مخنث لا يحد، ولو قال لها: زنيت وأنت صغيرة أو جامعك فلان جماعاً حراماً، لا يجب عليه الحد، لعدم الصراحة في القول، إذ الجماع الحرام يكون بنكاح فاسد، ولا بقوله: أشهد في رجل بأنك زان، لأنه حال لقذف غيره، ومن قال لآخر يا زاني فقالك لاب أنت، فإنهما يحدان أذا طالب كل منهما الآخر، وأثبت ما طالب به عند الحاكم، لزمه حيئذ حق الله تعالى، وهو الحد، فلا يتمكن واحد منهما من إسقاطه فيحد كل واحد منهما، بخلاف ما إذا قا له مثلاً: يا خبيثن فقال له: بل أنت الخبيث تكافآ ولا يعزر كل منهما للآخر، لأن التعزير لحق الآدمي، وقد وجب له عليه ما وجب للآخر، فتساقطا.
ومن قال لمسلم: يا فاسق، أو يا خبيث، أو يا كافر، أو يا سارق، أو يا مخنث أو يا قاتل النفس، أو يا فاجرن أو يا تارك الصلاة، وغير ذلك من قذفه بعيوب غير الزنان فلا يقام عليه الحد في كل هذه
(5/194)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الألفاظ، وإنما يعزره الحاكم، بما يراه تأديباً له وزجراً، من الضرب، والسجن، والتأنيب، وخلافه. لأن هذه اللفاظ لا تلحق من العار والمهانة كما يلحقه من القذف بالزنا، أو بنفي النسب.
الإقرار بالقذف
اتفق الأئمة على أنه لو أقر بالقذف، قبل قوله، ويقام عليه الحد، فإن رجع في إقراره قبل إقامة الحد عليه، فلا يقبل رجوعة، لأن للمقذوف حقاَ فيكذبه في الرجوع، بخلاف ماهو خاص بحق الله تعالى لأنه لا مكذب له فيه، فيقبل رجوعة.
وقيل لا يقبل رجوعه، لأنه ألحق الشين والعار بالغيرن وشوه سمعته، ويريد أن يبطل حق الغير في إقامة الحق ورد شرفه أما المجتمع ورفع العار عنه.
إذا أتى القاذف بالشهود
اتفق العلماء على القاذف إذا أتى بأربعة من الشهود العدول من الرجال العقلاء، يشهدون عليها بمارماها، لا يقام عليه الحدن ولا يعتبر قاذفاً ويثبت الزنا، لأنه صادق في قوله ويقام الحد على الزانيةن إذا تمت الشهادة عليها بشروطها كما سبق ذلك فيعتبر شاهداً.
مبحث كيفية الشهادة
اتفق الأئمة على أن الشهادة على الزنا لا تثبت إلا بأربعة شهداء بقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} وقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} وقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} وبما روي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله أرايت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء. قال: نعم) وإنما اشترطوا أربعة شهود لأنه فعل يغمض الاطلاع عليه، فاحتيط فيه باشتراط الأربعة ولأنه يمس الكرامة والشرف فوجب الاحتياط والقة في إثباته بخلاف الباقي فإذا شهدوا على فعل الزنا أمام القضي يجب عليهم أن يذكروا الزاني ومن زنا بها؟ فأنه قدر يراه على جارية فيظن أنها أجنبية ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت، لأنهم ريما يرون المفاخذة زنا بخلاف ما لو قذف إنساناً فاعترف وقال: زنيت يجب الحد ولا يستفسر عن ذلك، ولو أقر على نفسه بالزنا هل يشترط أن يستفسر؟ فيه وجهان (أحدهما) نعم كالشهود (والثاني) لا يجب كما في الإقرار بالقذف.
الشافعية قالوا: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين، لأن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين، واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتيازن فالآتي بهم متفرقين يكون عاملاً بالنص، فوجب أن يخرج عن العهدة ولأن كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاؤوا مجتمعين يثبت إذا جاؤوا متفرقين كسائر الأحكام، بل هنا أولى لأنهم إذا
(5/195)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
جاؤوا متفرقين كان أبعد عن التهمة، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم ولآنه لا يشترط أن يشهدوا معاً في حالة واحدة، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحداً بعد لآخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم، فكذا إذا اجتمعوا على بابه ثم كان يدخل واحد بعد واحد.
الحنفية قالوا: إذا شهد الشهداء متفرقين فلا تقبل شهادتهم ويجب عليهم حد القذف، لأن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا برابعة شهداء فاجلودهم ثماني جلدة} وأقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأساً، لأن كل قاذف لا يعجزه لقظ الشهادة، فيجعل ذلك وسلة إلى إساقط الحد عن نفسه وحصل مقصوده من قذف الأبرياءء الغافلين.
مبحث إذا قل الشهود عن أربعة
المالكية قالوا: إذا كان الشهداء أقل من أربعة أعتبروا قذفة، ويقام عليهم حد القذف، ويجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة، كما ورد في الآية الكريمة: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} .
الحنفية، والحنابلة، والشافعية في بعض أقوالهم قالوا: إذا كان الشهود أقل من أربعة فلا يعتبرون قذفة، ولا يقم عليهم حد القذف، لآنهم جاؤوا شاهدين، لا قاذفين، فلا ذنب لهم، ويسد باب الشهادة على الزنا.
الشافعية في قولهم الثاني قالوا: لو شهد في مجلس الحالكم دون أربعة من الرجال بزنا أحد الناس يقام عليهم الحد في الأظهر منمن المذهب. وذلك لآن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أقام الحد على الثلاثة الذي شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا رضي الله عنه، كما ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه. ولم يخالفة أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولئلا يتخذ الناس صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعة في اعراض الناس، ولا يقام عليهم الحد، فهو من باب سد الذرائع.
ومحل الخلاف إذا شهدوا في مجلس القاضي، أما لو شهدوا في غير مجلسه فهم قاذفون جزماً وإن كانوا بلفظ الشهادة، لأنه تبين أنهم لا يقصدون أداء الشهادة، بل القذف والتشهير.
مبحث إذا جاء القاذف بشهود فسقة
الحنفية قالوا: إذا قذف رجلاً آخر، فجاء بأربعة فساق شهداء على المقذوف بالزنا فإنه يسقط الحد عن القاذف، ولا يقام الحد على الشهداء، وذلك لقوله تعالى: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} وهذا قد أتى بأربعة شهداء، فلا يلزمه الحد، بالآية. ولأن الفاسق من أهل الشهادة، وقد
(5/196)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وجدت شرائط شهادة الزنا، من اجتماعهم عند القاضي، إلا أنهم لم تقبل شهادتهم لجل التهمة، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه، فكذلك وجب أعبتارها في نفي الحد عنهم.
الشافعية في أحد اقوالهم قالوا: يقام الحد على لاشهود لأنهم غير موصوفين، بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة، فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين، فبقوا محض قاذفين، وقيل في قول آخر: إنه لا يقام عليهم الحد كمذهب الحنفية.
واتفق الأئمة: على أن حد القذف يثبت بإقراره مرة واحدة، وبشهادة رجلين، وقيل: بامرأة مرتين.
واتفقوا: على أن حد القذف لا يبطل بالتقادم والرجوع لتعلق حق العبد به فيكذبه في الرجوع.
صيغة المبالغة
الحنفية قالوا: من قال لرجل يا زانية، بتار التأنيث فلا يعد قاذفاً ولا يقام عليه الحد، لأنه رماه بمايستحيل منه، كما لو قذف مقطوع الذكر، أو اماة رتقاء فإنه لا يحد. ولا يحد في قذف الأخرس لاحتمال أن يصدقه في قوله لو نطق، وفي الولين كذبه ثابت بيقين فانتفى إلحاق الشين إلا بنفسه وكذا لو قال له: أنت أزنى من فلان، أو أنت أزنى الناس، أو أزنى الزناة، لأن أفعل في مثل يستعمل للترجيح في العلم، فكأنه قا: أنت أعلم به، فلا حد عليه لهذه الشبهة. ولو قال لامرأة، يا زاني وجب عليه الحدن لأن الترجيح شائع.
الشافعية قالوا: لو قال لرجل: يا زانية يحد، لأن قذفه على المبالغةن فإن التاء تزاد له، كما في لفظ علامة، ونسابة، ولا يحد إذا قذف المجبوب، أو الرتقاء، أو الخنثى المشكل إلا إذا رماه بأنه أتي من دبرهن فإنه يعد قاذفاً، ويقام عليه الحد، لأنه يلحقه شين مثل الزنا.
المالكية قالوا: لا يحد من رمى مقطوع الذكر، أو العنين، أو التي في فرجها عظم، لأنه ظهر كذبه في الواقع، ولا يلحقهم شين بهذا القول، لاستحالة الزنا من هؤلاءن ويقام الحد عليه إذا رمى واحداً من هؤلاء بأنه أتي في دبره، وكذلك المخنث والمشكل. لآن المالكية قالو: يزاد في شروط المقذوف السابقة المتفق عليها في القذف بالزنا، أربعة:
-1 - البلوغ في الذكر الفاعل.
-2 - والإطاقة في الأنثى، والذكر المفعول به.
-3 - والعقل، والعفة.
-4 - والآلة، ولو قال له: أنا عفيف الفرج فعليه الحد، أما إذا لم يرد (الفرج) فلا حد عليه بل يؤدب، لأن العفة تكون في الفرج وغيره كالمطعم، ولو قال لها: يا محبة، أو يافاجرة، أو ياعاهرة، أو يا صبية، لأنه يدل عرفاً على الزنا فيحد، ولو قال له: يا علق بكسر العين، أو يا مخنث وجب إقامة
(5/197)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحد عليه، لأنهما يدلان على أنه مفعول به، فيحد قائل ذلك، حيث كان المقذوف مطيقاً للجماع، وطالب المقذوف بإقامة حد القذف على قاذفه.
مبحث إذا قذف شخصاً مراراً
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أنه إن قذف شخصاً واحداً مراراً كثيرة، في ملجس واحد، أو في مجالس مختلفة، وسواء كان القذف بكلمة واحدة، أو بكلمات، لواحد أو لجماعة. فلا يتكرر الجلد بتكرر القذف، بل يجب عليه حد واحد، ولو قذف قذفين لواحد فحد واحد أيضاً إلا أن يكرر القذف بعد إقامة الحد فإنه يعاد عليه الحد، ولو لم يصرح باللفظ، بأن قال بعد الحد، والله ما كذبت، أو لقد صدقت فيما قلت أو غير ذلك من الألفاظ التي تدل على الاتهما بجريمة الزنا، لأنه تعتبر حداً جديداً بعد الحد الول.
واتقوا على أنه إن - قذف واحداً، حد، ثم إن قذفه ثانية حد حداً ثانياً، وإن عاد وقذفه ثالثة حد أيضاً مرة ثالثة وهكذا.
مبحث إذا قذف جماعة
الحنفية، والمالكية قالوا: إن قذف جماعة في مجلس، أو مجالس مختلفة، بكلمة أو كلمات، مجتمعين أو متفرقين فعليه حد واحد، فإن قام بأحدهم وضرب له كان ذلك بكل قذف كان عليه ولا حد لمن قام منهم بعد ذلك، فإن الحد يجري في التداخل.
واحتجوا على ذلك بالقرآن الكريم فإن الله تعالى قال: {والذين يرمون المحصنات} والمعنى أن كل واحد يرمي المحصنات وجب عليه الجلد، وذلك يقتضي أن قاذف الجماهة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين جلدة، فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية الكريمة.
وأما السنة، فما روى عكرمة عن أبن عباس رضي الله عنهما: (أن هلال بن امية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم، بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إما البينة أو حد في ظهرك) لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على هلال إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته وقذفه لشريك بن سحماء إلى أن نزلت آية اللعان، فأقيم اللعان على الزوجات مقام الحد في الأجنبيات، وأما القياس،، فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد فيه مراراً لم يجب إلا حد كحد واحد كمن زنى مراراً، أو شرب الخمر مراراً أو سرق مراراً قبل إقامة الحد عليه، فيكفي حد واحد، والمعنى الجامع من إقامة الحد هو دفع الضرر، وقد حصل فإن قام بأحدهم وضرب له كان ذلك بكل قذف كان عليه، ولا حد لمن قام منهم بعد ذلك. ولو قال كلكم زان إلا واحداً يجب عليه الحد لأن القذف فيه موجب للحد، فكان لكل واحد أن يدعي.
الشافعية في أحد آرائهم قالوا: إنه يحد لكل واحد حداً على انفراد لاختلاف المقذوف. ولأن قوله تعالى في الآية الكريمة {والذين} صيغة جمع وقوله: {المحصنات} صيغة الجمع أيضاً،
(5/198)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل (الفرد بالفرد) فيصير المعنى، كل من رمى محصناً واحداً، وجب عليه الحد وتمسك أيضاً بقول تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} فإن الآية تدل على ترتيب الجلد على رمي المحصن من حيث أن هذا المسمى يوجب الجلد، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا قذف واحداً صار ذلك القذف موجباً للجلد، فإذا قذف الثاني وجب أن يكون القذف موجباً للحد أيضاً ثم موجب القذف الثاني لا يجوز أن يكون هو الموجب للحد الأول. لأن ذلك قد وجب بالقذف الول، وإيجاب الواجب محال فوجب أن يكون بالقذف الثاني حداً ثانياً، وأما القياس فإن حد القذف حق الآدمي، بدليل أنه لا حد إلا بمطالبة المقذوف.
وقوق الآدمي لا تتداخل بخلاف حد الزنا، فإنه حق لله تعالى، هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة. أما إذا قذفهم بكلمة على حدة. أما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال: أنتم زناة، أو زنيتم ففيه قولان: (أصحهما) وهو قوله في الجديد يجب لكل واحد حد كالم لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل، ولأنه أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات، وفي القديم لا يجب للكل إلا حد واحد، اعتباراً باللفظ، فإن اللفظ واحد والأول أصح لأنه أوفق لمفهوم الآية فعلى هذا لو قال لرجل: يا أبن الزانيين يكون قذفاً لأبويه بكلو واحدة فيجب عليه حدان.
الحنابلة في أظهر روايتهم قالوا: إن قازفهم بكلمة واحدة يتم عليه حد واحد وإن قذفهم بكلمات فيجعل لكل واحد حد.
والثاني من روايتهم: أنهم قالوا: إن طلبوه متفرقين حد لكل واحد منهم حداً، وإن لم يطلبوه فيجب حد واحد للجميع.
المالكية قالوا: إن قذف شخصاً كان هو المقذوف الأول أو غيره، في اثناء الحد، ألغى ما مضى وابتدأ للمقذوفين حداً حداً، إلا أن يبقى من الأول اليسير وهو ماجون النصف، أو خمسة عشر فيكمل الأول، ثم يستأنف للثاني فيستوي له الحد، فالحد يجري فيه التداخل عندهم.
الحنفية قالوا: إن الحدود تتداخل فلو ضرب القاذف تسعة وسبعين سوطاً ثم قذف قذفاً آخر فلا يضرب إلا ذلك السوط الواحد للتداخلن لأنه اجتمع الحدان، لأن كما الحد الأول بالسوط الذي بقي وحكي أن أبن أبي ليلى سمع من يقول لشخص: يا ابن الزانيين، فحده حدين في المسجد في وقت واحد، فبلغ الإمام أبا حنيفة، فقال: "يا للعجب لقاضي بلدنا، أخطأ في مسألة واحدة في خمسة مواضع. الأول: أخذه بدون طلب المقذوف، والثاني: أنه لو خاصم وجب حد واحد، والثالث: أنه إن كان الواجب عنده حدين ينبغي أن يتربص بينهما يوماً، أو أكثر حتى يخف أثر الضر بالأول عن القاذف، والرابع: ضربه في المسجد، والخامس: ينبغي أن يتعرف أن والديه في الأحياء، أو لا؟ فإن كان حيين فالخصومة لهما، وإلا فالخصومة للابن".
وإذا قذف عبداً حراً فأعتق فقذف آخر فاجتمعا ضرب ثمانين سوطاً، ولو جاء الأول فضرب
(5/199)

إجماع الشرائع على أن القذف اعتداء على الأعراض
-وقد اجمعت الشرائع والعقول، على أن القذف بهذا المعنى اعتداء على الأعراض التي، يقتضي النظام العام صيانتها خصوصاً إذا لوحظ، ما يترتب عليه من شر، وفاسدن لأن قذف المحصنات بالزنا يوجب لا محالة العداوة، والبغضاء بين الأسر، ويولد الضغائن والأحقاد، في نفوس الناس، وربما أفضى إلى الانتقام بقل النفس وذلك شر وبيل، يجب أن توضع له عقوبة تحذر الناس عنه، فلا يطلقون لألسنتهم العنان فيه، حذراً مما يترتب عليه من شر وفساد.
__________
أربعين ثم جاء به الآخر تمم له الثمانين، لأن الرعين وقع لهما، يبقى الباقي أربعين، ولو قذف آخر قبل أن يأتي به الثاني، تكون الثمانون لهما جيمعاً، ولا يضرب ثمانين مسأنفاً لأن ما بقي تمامه حد الأحرار، فجاز أن يدخل فيه الأحرار، وذلك لتداخل حد القذف.
الشافعية قالوا: إن اختلف المقذوف، أو المقذوف به وهو الزنا لا يتداخل لأن الغلب في حد القذف حق العبد عندهم، فإن قذف جماعة بكلمات، أو قذف واحداً مرات بزنا آخر يجب لكل قذف حد.
مبحث إذا قذف الصبي أو المجنون زوجته
إذا قذف الصبي أو المجنون امرأته، أو أجنبياً، فلا حد عليهما ولا لعان، لا في الاحال ولا بعد البلوغ، لسقوط التكليف عنهما لقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث) ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ يسقط عنه التعزير.
قذف الأخرس
الحنفية قالوا: لا يصح قذف الأخرس، ولا لعانه. ولا يقام عليه الحد، لأن إشارته غير مفهومة، وفيها شك وشبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
الشافعية قالوا: إن الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة، أو كتابة معلومة وقذف محصناً أو محصنة بالإشارة، أو بالكتابة لزمه الحد، وكذا يصح لعانه، وهو قول أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة، لأن من كتب، أو أشار إلى القذف وفهم منه ذلك، فقد رمى المحصنة، وألحق العار بها، فوجب اندراجه تحت الظاهر، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام.
قذف الكافر
اتفق الأئمة رحمهم الله على دخول الكافر تحت عموم الآية في قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} لأن الاسم يتناوله ولا مانع، فللمسيحي واليهودي إذا قذف المسلم يجلد ثمانين سوطاً مثل المسلم.
(5/200)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا دخل الحربي دارنا بامان فقذف مسلماً حداً، لأن فيه حق العبدن وقد التزم إيفاء حقوق العباد، ولأنه طمع في أن لا يؤذى، فيكون ملتزماً بالضرورة أن لا يؤذي.
قذف المجوسي بعد إسلامه
الحنفية قالوا: إذا قذف رجل مجوسياً تزوج بأمه، أو أخته، أو بنته، ثم أسلم ففسخ نكاحهما فقذفه مسلم في حال إسلامه يقام عليه الحد، بناء على أن انكحتهم لها حكم الصحة عندهم.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة، رحمهم الله تعالى قالوا: إذا قذف مسلم مجوسياً بعد إسلامه فلا يحد، لأن أنكحتهم ليس لها حكم الصحة عندهم، فلا يكون المجوسي محصناً.
الحكم إذا مات المقذوف
الحنفية قالوا: إن حد القذف لا يورث، بل يسقط بموت المقذوف قبل إقامة الحد على قاذفه، وإذا مات بعد ما اقيم عليه بعض الحد سقط الباقي لأنه حق لله تعالى ولم يثبت جليل من الكتاب والسنة علىلا أن الشرع جعل الوارث له حق المطالبة بحد القذف على الميتم المقذوف أو وصيه ولن حد القذف لو كان مورثاً لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة، ولا ينقلب مالاً عند سقوطه، ولا ستحلف عليه القاذف، ويتصف بالرق.
الشافعية والحنابلة قالوا: إن حد القذف يورث فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد فيقام الباقي، والعفو يثبت للوارث في حد القذف، وكذلك إذا كان الواجب بحقه التعزير فإنه يوؤث عنه، وكذا لو أنشأ القذف بعد المورث ثبت لوارثه طلبه الحد وذلك لأن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفى إلا بطلبه، ويحلف فيه المدعي إذا أنكر، وإذا كان حق الآدمي وجب أن يورث لقوله عليه الصلاة والسلام: (ومن ترك حقاً فلورثته) ولا تبطل الشهادة بالتقادم ويجب على المأمن ولا يصح الرجوع عنه بعد الإقرار به.
وفيمن يرث ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعية:
الأول: وهو الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال لا فرق بين النساء والرجال.
الثاني: يرثه ذوو الأنساب فيخرج منه الزوجان لأن الزوجين يصح افتراقهما أو غبدال كل واحد بغير صاحبة، ولن الزوجية ترتفع بالموت، ولآن المقصود من الحد دفع العار عن النسب، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة، لبعد القرابة بينهما.
الثالث: إنه يرثه العصبات فقط دون النساء، لشدة ارتباط العصبة بعضهم ببعض، فكانوا أشد تعلقاً وارتباطاً بالمقذوف من مطلق الوثة وذلك مرجوح.
المالكية قالوا: للمقذوف حق المطالبة بحق قاذفه، وإن علم المقذوف على أن مارمي به منصف به، لأنه أفسد عليه عرضه، وليس للقاذف تحليف المقذوف على أنه بريء مما رماه به،
(5/201)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وللوارث الحق بالقيام، والمطالبة بحق مورثه المقذوف قبل الموت، أو بعده، لأن المعرة تلحق الواث بقذف مورثهن خصوصاً، إذا كان الميت أوصاه بغقامة الحد فليس للوارث في هذه الحالة العفو، ولا المماطلة، بل يجب على الحاكم تنفيذه، وللأبعد من المورثة كابن الابن القيام بطلب حق مورثه من إقامة حد القذف، فيتقدم الابن، ثم ابنه الخ.. إن سكت الأب وقيل: يجوز للأب القيام بالمطالبة بحد القذف مع وجود الأقرب، وإن لم يسكت الأقرب، لأن المعرة تلحق الجميع لا فرق بين الأقرب، والبعد.
أما الزوجان، فليس لحدهما حق المطالبة بإقامة الحد للآخر، لأن أحدهما ليس ولياً للآخر، ولا تلحقه به معرة بعد موته، ما لم يكن أحدهما قد أوصى الآخر بالمطالبة بحقه في إقامة الحد على القاذف قبل وفاته، في أن يطالب بالحد لأنه يصبح ولياً مثل الوارث.
الحنفية قالوا: لو قال له: يا أبن الزانية، وأمه ميتة، محصنة، فطلب الابن بحده حد القاذف، لأنه قذف محصنة بعد موتها، ولا يصح أن يطالب بحق الميت في حد القذف إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه، ويلحقه العار به، وهو الوالد، وإن علا، والولد وإن سفل، لأن العار يلتصق بهما لمطانة الجزئية، فيكون القذف متناولاً لهم معنى، فلذلك يثبت لهم حق المطالبة.
مبحث من قذف ميتاً
وإذا كان المقذوف محصناً جاز لابنه الكافر، والعبد المطالبة بحد القذف، لأنه عيره بقذف محصن، فيأخذه بالحد، وذلك لأن الإحصان في الذي ينسب إلى الزنا شرط ليقع تعبيراً، عن الكمال.
مطالبة العبد لسيده والولد لوالده
الحنفية، والشافعية، والحنابلة قالوا: ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة التي قذفها في حال موتها، بأن قال السيد لعبده: يا أبن الزانية وأمه ميتة وليس للابن أن يطالب أباه بقذف امه الحرة المسلمة التي قذفها في حال موتها، بأن قال له: با أبن الزانية لأن الب لا يعقاقب بسبب فرعه، ولهذا لا يقاد الوالد بولده، ولا يقطع بسرقته، لقوله تعالى: {فلا تقل لهما أفٍ} وقوله عليه الصلاة والسلام (لا يقاد الوالد بولده، ولا السيد بعبده) وللإجماع على كونه، لا يقاد به، فإن غهدار جنايته على نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق أولى، مع أن القصاص متيقن بسببه، والغالب فيه حق العبد، ولأن المولى لا يعاقب بسبب عبده وذلك، لأن حق عبده حقه، فلا يجوز أن يعاقب بسبب حق نفسه، ولقثول صلوات الله وسلامه عليه (لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده) ولان العبد من أموال السيد وملك له فلا حق له عليه.
المالكية في المشهور من المذهب قالوا: إذا قذف الوالد ابنه فقال له: يا أبن الزانية، بعد موت أمه الحرة المسلمة المحصنة، فإنه يجوز للابن أن يطالب أباه، بقذف أمه، ويقيم عليه الحد القذف كغيره من الجانب، وذلك لإطلاق الآية الكريمة {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
(5/202)

مبحث اعتراض الجهلة على حد القذف.
-إن بعض الناس يتخيل أن عقوبة الجلد شديدة، ولا تناسب المدنية الحاضرة. والجواب عن مثل هذا هو أن يقال: ينبغي لمن يتكلم بهذا أن يدرك اولاً معنى الجريمة، ومعنى ما يترتب عليها من الآثار التي تؤذي المجتمع الإنسانين ثم يقارن بينها وبين
__________
فاجلدوهم ثمانين جلدة} فالآية لم تفرق بين فرد وآخر، ولا بين قريب وبعيد، ولآنه حد هو حق الله تعالى، فلا يمنع من إقامته قرابة الأولاد.
وقال المالكية: إذا حد الب سقطت عدالة الابن لمبائرته سبب عقوبة أبيه، مع قول الله تعالى: {ولا تقل لهم أفٍ، ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً} .
وأجمع الأئمة على أنه إذا كان لزوجته الميتة التي قال لولدها، بعد موتها: يا أبن الزانية ولد آخر من غيره، كان له حق المطالبة، بحد القذف. لأن لكل منهما حق الخصومة، وظهر في حق أحدهما مانع، دون الآخر، فيعمل المقتضى عمله في الآخر، ولذا لو كان جماعة يستحقون المطالبة، فعفا ا؛ دهم، كان للآخر المطالبة به، بخلاف عقو أحد مستحقي القصاص فإنه يمنع استيفاء الآخر، لأن القصاص حق واحد للميت، موروث للوارثين فباسقاط أحدهما بالعفو لا يتصور بقاؤه، لأن القتل الواحد لا يتصور تجزئته، أما هنا فالحق في الحد لله تعالى.
قالوا: ومن قال لغيره: يا زاني، فقال: لا، بل أنت، فإنهما يحدان، لأن معناه، لا بل أنت زان، إذ هي كلمة عطف يستدرك بها الغلط فيصير الخبر المذكور في الأول، مذكوراً في الثاني.
قال لامرأته: يا زانية، فقالت: لا بل أنت، حدت المرأة خاصة، إذا ترافعا، ولا لعان، لنهما قاذفان، وقذف الرجل زوجته يوجب اللعان، وقذفها إياه يوجب الحد عليهما والأصل أن الحدين إذا اجتمعا، وفي تقديم أحدهما اسقاط للآخر، وجب تقديمه احتيالاً للدرء، واللعان قائم مقام الحد فهو في معناه، وبتقديم حد المرأة يبطل اللعان، لأنها تصير محدودة في قذف. واللعان لا يجري بين المحدودة في القذف، وبين زوجها لأنه شهادة، ولا شهادة للمحدود في القذف.
قالوا: ولو كانت قالت في جواب قوله: يا زانية زنيت بك فلا حد، ولا لعان، لوقوع الشك في كل منهما، لأنه يحتمل أنها أرادت الزنا قبل النكاح، فتكون قد صدقت في نسبتها إلى الزنان فيسقط اللعان، وقذفته حيث نسبته إلى الزنا، ولم سصدقها عليه، فيجب الحد دون اللعان، ويحتمل أنها ارادت زناء مان معك بعد النكاح، لآني ما مكنت أحداً غيرك. وهو المراد، في مثل هذن الحالة، وعلى هذا الاعتبار يجب اللعان دون الحد على المرأة، لوجود القذف منه، وعدمه منها، فعلى تقدير يجب الحد دون اللعان، وعلىم تقدير يجب اللعان دون الحد، والحكم بتعين أحد التقديرين فوقع الشك في كل من وجب اللعان والحد، فلا يجب واحد منهما بالشك) .
-
(5/203)

العقوبة، ليعلم أن الغرض من العقوبة إنما هو زجر الناس عن كل فعل، أو قول يضر بالمجتمع، ويؤذي أفراده، وجماعته، فإذا فشت الجرائم بين الناس، وأصبح كل واحد غير آمن على عرضه، أو نفسه، أو ماله، فإنه لا يكون لهذا معنى الإ أن الإنسان الذي ميزه الله تعالى بالعقل مساوٍ للحيوان المفترس، الذي يعتدي فويه على ضعيفة، وذلك هو الهلاك، والفناء للأفراد والجماعات، فلا بد من زاجر يزجر المجرمين، فاسدي الخلاق، ويوقفهم عند الحد الذي يصلح للبقاي، ولا بد أن يكون ذلك الزاجر قاطعاً للدابر الجريمة، كي لا يكون لها أثر بين الناس، فمن مصلحة المجتمع، ومصلحة المجرمين أنفسهم، أن تكون العقوبة زاجرة، بصرف النظر عن تفاوت حال المجرمين في الرقة والخشونة، أو الذكورة والنوثة، فإن ذات الجريمة واحدن، وآثارها الضارة واحدة ولا يليق بعاقل مشرع أن يقول: إن المحرم الذي يهاجم أعراض الناس فيثلمها بلسانه كذباً وافتراء، لا يستحق عقوبة الضرب الموجعة.
بل الواجب أن يقول: إن هذه الجريمة لها اسوأ الأثر بين الأفراد والجماعات، فيجب أن توضع لها عقوبة تقلعها من أساسها، فالعقوبة التي وصفها الله تعالى لازمة ضرورية.
فعلى المؤمنين الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، أن ينزهوا ألسنتهم عن قذف الناس بهذه الفاحشة إن لم يكن خوفاً من العقوبة الدنيوية، فخوفاً من الله الذي وصفهم بأنهم (فاسقون) .
أما المستهترون الذين لا يبالون أمر الله عز وجل، ولا يخشونه، فإن هؤلاء أحط من الأنعام، فلا زاجر لهم إلا بما يؤذيهم، وإلاتمادوا في نهش أعراض الناس بدون حساب (1)

مبحث العفو عن القاذف
-الشافعية، والحنابلة قالوا: إن للمقذوف الحق في أن يقفو عن قاذفه، ويسقط بذلك العفو حد القذف، وفي ذلك سعة، فإذا سبق لسان أحد إلى قذف شخص بهذه الفاحشة، فإنه
__________
(1) (إن لله تعالى في طي كل مصيبة نعمة، وفي كل بلية رحمة، وإن لم يطلع على ذلك صاحبها، ففي إقامة الحدود تأديب للمؤمنين، وتربية لنفوسهم على الخير، والبعد عن مواطن الشر، وتطهير لألسنتهم، والتحفظ بها عن الخوض في أعراض الناس وحفظاً لهم من أن يقعوا في معصية الله تعالى، ويصبحوا من الفاسقين، وفي تشريع الحدود تطهير للمجتمع من الشرور والمفاسد، التي تهلكهم وتفرق بين صفوفهم، وإذا قارنا بين المجتمع الذي نعيش فيه، وبين المجتمع الذي كان في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم أدركنا الفرق الكبير والبون الشاسع بينهما. وذلك لإقامة الحدود في عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده)
-
(5/204)

يصح له أن يسترضيه، ويزيل ذلك الأثر من نفسه، فاذ عقفا عنه، فإن عفوه يصح، سواء كان قبل رفع الأمر للحاكم، أو بعده.
المالكية يوافقون على هذا الرأي إذا كان العفو قبل أن يرف الآمر للحاكم، أما بعد رفع الآمر للحاكم، فإن العفو يصح إذا كان المقذوغ يخاف على نفسه سوء السمعة، أما بعد رفع الأمر للحاكمن فإن العفو يصح إذا كان المقذوف يخاف على نفسه سوء السمعة، أما إذا كان مشهوراً، بالفعة، ولا تؤذيه إذاعة التهمة، فإن العفو لا يصح.
وعلى أي حال، فإن القول بصحة عقو المقذوف معقول، لأنه هو الذي وقع عليه ضرر القذف، ومتى عفا ذهب أثر الجريمة الضار، فإذا قذفه ثانياً بعد العفو، فإنه لا يحد، ولكن يعزر كي لا يعود إلى شتمه.
ويمكنك أن تقول: إن العفو يسقط حد القاذف عند الأئمة الثلاثة خلافاً للحنفية، ومع ذلك فإن الحنفية يقولون: أنه لا يقام إلا إذا رفع المقذوف الأمر للحاكم (1)
__________
(1) (الشافعية والحنابلة في أظهر روايتهم قالوا: إن حد القذف حق للمقذوف، وإن كان فيه حق الشرع، تقديماً لحق العبد باعتبار حاجته، وغنى الشرع، ولأن أكثر الأحكام تبنى عليه، والمعقول يشهد له وهة أن العبد ينتفع بحد القذف على الخصوص، مثل القصاص فلا يستوفى إلا بمطالبته، وله أن يسقطه عن القاذف معفو عنه، وله أن يبرىء منه، وهو يورث عن المذوف، وذلك لأن حق العبد في حد القذف غالب على حق الشرع، وظاهر عليه، لأن فيه صيانة أعراض الناس.
الحنفية قالوا: ليس للمقذول أن يسقط حد القذف عن القاذف، ولا أن يعفو عنه، ولا يمكنه أن يبرىء القاذف منه، لأن الغالب فيه حق الله تعالى، ولا خلاف أن فيه حق للعبد، وحق الشرع، ولأنه شرع لدفع العار عن المقذوف، وهو الذي ينتفع به على الخصوص فمن هذا الوجه حق العبد، وفيه معنى الزجر، ولذلك يسمى حداً، والمراد بالزجر إخلاء المجامتع من الفساد وتطهيره من المنكر، وهذا علامة حق الشرع، إذا لم يختص به إنسان دون غيره، ولأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه فيصير حق العبد شرعياً له، ولا كذلك عكسه، لأنه لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابة، وهذا هو الصل المشهور الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها، كالإرث، لأنه يجري في حقوق العباد، لا في حقوق الشرع، فإن العبد يرث حق العبد بشرط كونه مالاً، والحد ليس شيئاً من أنواع الأموال، فيبل بالموت، إذا لم يثبت دليل سمعي على استخلاف الشرع وإرث جعل له حق المطالبة، أو وصية المطالبة التي جعلها شرطاً لظهور حقه، ومنها العفو، فإنه بعدما ثبت عند الحاكم القذف والاحصان، لو عفا المقذوف عن القاذف لا يصح منه، ويحد، فإن الحد لا يسقط بعد ثبوته عندهم إلا أن يقول المقذوف. لم يقذفني، أو كذب شهودي، وحينئذ يظهر أن القذف لم ينعقد موجباً للحد، بخلاف العفو عن القصاص فإنه يسقط بعد وجوبه، لأن القالب فيه حق العبد، ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عنه،
(5/205)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويجري فيه التداخل، حتى لو قذف شخصاً مرات، أو قذف جماعة كان فيه حد واحد، إذا لم يتخلل حد بين القذفين، ولو ادعى بعضهم فحدن ففي أثناء الحد ادعى آخرون، كما ذلك الحد فقط.
قالوا: وإنما لا يصح عفوه، لأنه عقو عما هو مولى عليه فيه، وهو الإقامة، ولأنه متعنت في العفو، لأنه رضي بالعار الذي لحقه من القذف، والرضا بالعار عار، وذلك هو الأظهر من جهة الدليل، والأشهر عند عامة المشايخ، ومن أصحابهم من قال: إن الغالب في حد القذف حق العبد.
المالكية قالوا: إن حد القذف الغالب فيه حق العبد، فلا يستوفى إلا بمطالبته، وإن له اسقاطه إذا لم يرفع الأمر إلى الحاكم، أما إذا رفع الأمر إلى الحاكم، ووصل إليه، فليس لأحد اسقاطه في هذه الحالة، لأن العلماء اجمعوا على أن الحد إذا رفع إلى الحاكم وجب الحكم بإقامة الحد عليه، وتحريم قبول الشفاعة في أسقاطه، إلا أن يريد بذلك المقذوف الستر على نفسه من كثرة اللغط فيه، وهو المشهور عندهم.
وقالوا: إن حد القذف لا يجوز الاعتياض عنه، وإنه يجري فيه التداخل، فلو قذف
قذفين أو أكثر لواحد، وجب حد واحد، ولو قذف جماعة في مجلس، أو مجالس بكلمة، أو كلمات فعليه حد واحد، ولو قذق جماعة في مجلس، أو مجالس بكلمة، أو كلمات فعليه حد.
واحد للجميع، فإن طالب أحدهم، وضرب له، كان ذلك بكل قذف كان عليه، ولا حد لمن طالب منهم بعد ذلك. فلا يتكرر الجلد بتكرر القذف، ولا بتعدد المقذوف، إلا أن يكرر القذف بعد إقامة الحد، فإنه يعاد عليه، ولو لم يصرح به.
مبحث من نسبه إلى عمه أو خاله
الحنفية قالوا: ومن نسب إنساناً إلى عمه أو خاله، أو إلى زوج أمه، فليس بقاذف لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أباً، فلأول وهو تسمية العم أباً لقول تعالى: {وإله آبائك إبراهيم واسماعيل وإسحاق} وإسماعيل كان عماً ليعقوب عليهم الصلاة والسلام، والثاني لقوله عليه الصلاة والسلام (الخال والد من لا والد له) والثالث للتربية، وقيل في قوله تعالى: {إن ابني من أهلي} أنه كان أبن امرأته، ومن قال لآخر: يازاني، فقال له الآخر: لا بل أنت، فإنهما يحدان إذا طالب كل منهما الآخر لأنهما قاذفان، وإذا طالب كل الآخر، واثبت ما طالب به عند الحاكم لزمه حينئذ حق الله تعالى وهو إقامة الحد، فلا يتمكن واحد منهما من ساقاطه، فيحد كل منهما، بخلاف ما لو قال له مثلا: يا خبيث، فقال له: بل أنت تكافآ، ولا يعزر كل منهما للآخر لأنه حق للآدمي فتساقطا.
مبحث إذا ظهر أن الشهود كفار أو عبيد
الشافعية قالوا: لو الزوج بزنا زوجته كان قاذفاً لها فيحد حد القذف، لأن شهادته بزناها غير مقبول عند القاضي للتهمة، وعلى هذا لو شهد عليها دون أربعة حدوا جميعاً لأنهم قذفة، وكذا لو كان شهد أربع نسوة، أو عبيد، أو كفرة، أو أهل ذمة، أو مستأمنين فإنهم في كل هذه المسائل يحدون حد القذف على المذهب، لأنهم ليسوا من أهل الشهادة. فلم يقصدوا بقوله إلا القذف.
(5/206)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والطريق الثاني في حدهم إننا نزلنا نقص الصفة في هؤلاء الشهداء منزلة نقص العدد فيحدون، ومحل الخلاف إذا كانوا في مظاهر الحال بصفة الشهود، ثم باتوا كفاراً، أو عبيداً، وذلك لأن القاضي إذا علم حالهم من أول الأمر ردهم، ولا يصغي إليهم، فيكون قولهم قذفاً محصناً، قطعاً، من غير شك (لأنه ليس في تعرضه شهادة) ,
قالوا: لو شهد أربعة بالزنا، وردت شهادتهم بفسق، ولو مقطوعاً به كالزنا، وشرب الخمر، لم يحدوا، لعدم تمام شرائط الشهادة، وفارق ما مر في المسائل الأولى في نقص العدد، بأن نقص العدد متيقن، وفسقهم إنما يعرف بالظن والاجتهاد وهو شبهة، والحد يدرأ بالشبهات.
ولو شهد دون اربعة بالزنا فحدوا، وعادوا مع رابع لم تقبل شهادتهم كالفاسق ترد شهادته، ثم يتوب ويعيدها لم تقبل.
ولو شهد بالزنا عبيد فحدوا، ثم عادوا بعد العتق قبلت شهادتهم لعدم اتهمامهم، ولو شهد به خمسة، فرجع واحد منهم عن شهادته، لم يحد هو ولا غيره، لقاء النساب ولو رجع اثنان من الخمسة حدا، لأنهما ألحقا به العار، دون الباقينن لتمام النصاب عند الشهادة، مع عدم تقصيرهم، ولو رجع واحد من أربعة، حد وحده دون الباقين لما ذكر.
مسألة
قالوا: إذا قذف إنسان إنساناً آخر بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل يعينه والرجل غائب عن المجلس، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف، ويخبره بأن فلاناً قذفه، وثبت لك حد القذف عليه، كما لو ثبت له مال على آخر، وهو لا يعلمه، يلزمه إعلامه بذلك وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه، ولم يبعثه الرسول ليبحث عن زناه، ويتحققه.
الشافعي رحمه الله قال: ليس للإمام اذارمي رجل بزنا، أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك. لأن اللع تعالى قال: {ولا تجسسوا} وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً مثل أن قال رجل: الناس يقولون إن فلاناً زنى.
من قذف زوجته برجل
الحنفية، والشافعية، والحنابلة ت قالوا: يجب اللعان بممجرد أن يقذف الرجل زوجته بالزنا إن طالبته بذلك لعموم قول تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم اربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} الخ الآيات ولم تخص الآية في الزنا صفة دون صفة، ويشترط أن يكون الزوج من اهل الشهادة، وأن تكون الزوجة ممن يحد قاذفها، وطالبته بذلك.
المالكية قالوا: لا يجوز اللعان بمجرد القذف، بل لابد أني يدعي رؤية الزنا.
وحجتهم في ذلك، ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: منها قوله في حديث
(5/207)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سعد بن عبادة "أرأيت لو أن رجلاً وحد مع امرأته رجلاً) وحديث أبن عباس رضي الله عنهما وفيه: (فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله يا رسول لقد رأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتد عليه، فنزلت الآية الكريمة: {والذين يرمون أزواجهم} الآية وايضاً فإن الدعوى يجب أن تكون مبينة كالشهادة سواء بسواء.
واتفق الأئمة: على أن من قذف زوجته بالزنا، واجعى الرؤية يجب أن يجرى اللعان بينهما.
مبحث نفي الولد
ومن أقر بولد ثم نفاه، فإنه يلاعن لأن النسب لزمه بإقراره، وبالنفي بعده صار قاذفاً لزوجته، فيلاعن، وغن نفاه ثم أقر به حد، لأنه قد أكذب نفسه وأبطل اللعان الذي كان وجب بنفيه الولد، لأن اللعان حد ضروري صير إليه ضرورة التكاذب بين الزوجين في زنا الزوجة، والأصل في اللعان أنه حد القاذف، لأنه قذفها بلزنا، فإذا بطل الصل، وهو بطلان التطاذب صير إلى الأصل فيحد الرجل. والولد ولده في حالة ما إذا أقر بالولد ثم نفاه، وما إذا نفاه أولاً ثم اقر به، لإقراره به سابقاً، فيثبت ولا ينفى بما بعده، أو لاحقاً فيثبت به بعد النفي.
وإن قال الزوج الذي جاءت زوجته بولد: ليس بابني، ولا بابنك، فلا حد ولا لعان، لأنه إذا أنكر أنه ابنها، أنكر الولاجة، فكما نفى كونه ابنه لنفي ولادتها إياه، وبنفي ولاتها لا يصير قاذفاً لأنه إنكار الزنا منه.
الحنفية قالوا: ومن وطىء وطأ حراماً في غير ملكة لم يحد قاذفه، لفوات شرط العفة في حقه، وهو من شروط الإحصان، ولأن القاذف صادق فيما قاله، فلا يقام عليه الحد لأنه غير قاذف.
الشافعية - قالوا: اذاسب إنسان إنساناً جاز للمسبوب أن يسب الساب بقدر ما سبه لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ولكن لا يجوز أن يسب أباه، وأمه، وإنما يجوز السب بما ليس كذباً، ولا قذفاً، كقوله: يا ظالم، يا أحمق، يا بليد، يا مغفل، لأن أحداً لا يكاد ينفك عن ذلك، وإذا انتصر بسبب خصمه، فقد استوفى ظلامتهن وبرىء الأول من حقه.
مبحث إذا نفى الزوج الحمل
التفق الفهاء على أن الزوج غاذ نفى الحمل ت بأن ادعى أنه استبرأها، ولم يطأها بعد الاستبراء اتفقوا على جواز الحمل وإقامة اللعان.
وأما إن نفى الحمل مطلقاً أختلف العلماء فيه.
المالكية في المشهور عندهم قالوا: إنه لا يجب اللعان بذلك.
الشافعية، والحنابلة قالوا: لا معنى لهذا، لأن المرأة قد تحمل برؤية الدم.
(5/208)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقت نفي الحمل
المالكية - قالوا: اشترطوا أنه إذا لم ينفه وهو حمل، لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة بلعان وحجتهم في ذلك الآثار المتواترة عن حديث أبن عباس، وأبن مسعودن وأنس، وسهيل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم حين حكم باللعان بين المتلاعنين قال: (إن جاءت به على صفة كذا فما أراه إلا قد صدق عليها) . فهذا يدل على أنها كانت حاملاً وقت اللعان.
الشافعية قالوا: إذا علم الزوج بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يتلاعن لم يكن له حق أن ينفيه بعد الولادة.
الحنفية قالوا: لا ينفى الولد حتى تضع الزوجة وحجتهم في ذلك أن الحمل قد ينفش وقد يضمحل، فلا وجه للعان إلا علىلا يقينن ولا يأتي اليقين إلا بعد الوضع.
من قذف الملاعنة
الحنفية قالوا: من قذف امرأة وعنها أولاد لم يعرف لهم أب، أو قذف الملاعنة بولد، والولد حي أو قذفها بعد موت الولد، لا حد عليه لقيام امارة الزنا منها وهي ولادة ولد لا أب له، ففاتت العفة نظراً إليها وهي شرط الإحصان: أما لو قذف ولد الملاعنة نفسه، أو ولد الزنا فإنه يحدن لما رواه اما أحمد في حديث هلال بن أمية من قوله: وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ومن رماها ورمى ولدها فعليه الحد.
ولو قذف امرأة لاعنت بغير ولد فعليه الحد لعدم ثبوت الزنا وثبوت اماراته، ولو أنه بعد اللعان ادعى الولد فحد أو لم يحد حتى مات فثبت نسب الولد منه، فقذفها بعد ذلك قاذف غيره أو هو قبل موته حد، ولا يحد الذي قذفها قبل تكذيب نفسه.
وكذا لو قامت البينة على الزوج أنه ادعاه وهو ينكر، يثبت النسب منه ويحد، ومن قذفها بعد ذلك يحد لأنها خرجت عن صورة الزواني.
الشافعية قالوا: في أحد آرائهم، إن الملاعنة إذا قذفها أجنبي بذلك الزنا الذي لا عنت فيه، لا يحد.
واعترض عليهم: بأن مقتضاه أن لا يحد الزوج لو قذفها أجنبي بعد اللعان، ولكن المنصوص في الأصل أنه يحد، بل الحق أنها لم يسقط إحصانها يوجه وقولهم اللعان قائم مقام حد الزنا في حقها. إنما يقتضي، أن لا يحد قاذفها، ولو كان معناه أنه وجب عليها الحد، وجعل اللعان بدله، وليس كذلك، لأنه لا يجب الحد بمجرد دعوى الزنا عليه، مع العجز إن إثباته يسقط احصانها. وإنما هو ليتبين الصادق منهما.
(5/209)

مبحث مراعاة الشريعة لحال المجرم.
-ومما ينبغي ملا حظته أن إقامة الحد بالجلد يجب أن يراعى فيها حال المجرم، واحتماله للعقوبة، فإذا كان جسمه ضعيفاً لا يحتمل، أو كان مريضاً، فإنه يؤخر إلى أن يقوى على احتمال العقوبة، فإذا كان ضعفه طبيعياً بحيث لا يرجى له قوة، فإنه يجمع له أعواد بقدر العقوبة، ويضرب بها مرة واحدة. وهذا هو رأي جماهير العلماء. ومن هذا كله يتضح لك أن الشدة في العقوبة إنما هي بالنسبة للفجار الأقوياء، الذين يؤذون الناس، بما يوجب حقدهم عليهم، وعدم الصفح عنهم، وهؤلاء شرهم على أنفسهم، وعلى المجتمع شديد، فلا ينبغي لأحد أن يرحمهم في أي زمان ومكان (1)
__________
مبحث إقامة الحد
ولا يستوفي حد القذف إلا بحضرة الإمام، أو نائبه، لاحتياجه إلى النظر، والاجتهاد في شأنه ومن تكرر منه السرقة منه السرقة، أو الزنا، أو الشرب، فحد فهو للكل، وتتداخل الحدود.
أما لو زنى، وسرق، وقذف وشرب، فإنه يحد على كل واحد منها حداً على حدة. لأنه لو ضرب لأحدهما فربما اعتقد أنه لا حد في الباقي، فلا ينزجر عنها. ولا كذلك إذا احدث الجناية.
اجتماع الحدود
وإذا اجتمع حد الزنا، والسرقة والشرب، والقذف، وفقء العين مثلاً يبدأ الحاكم بالفقء أولاً فإذا برىء يحد بالقذف، لما فيه من حق العبد، ويحبس حتى يبرأ لأنه لو جمع عليه بين حدين، ربما تلف، والتلف ليس بواجب على الضارب، فإذا برىء، فللإمام الخيار، إن شاء بدأ بالقطع، وإن شاء بحد الزنا لتساويهما في الثبوت. وآخرها حد الشرب لأنه ثبت بالسنة، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم واجماع الصحابة رضوان الله عليهم.
وإن كان الجاني محصناً بدأ الحاكم بالفقء، ثم حد القذف، ثم الرحم، ويسقط الباقي لأن القتل يأتي على النفس، فيؤدي إلى إسقاط بعض الحدود.
ومن حده الإمام، أو عزره فمات من أثر الجلد، فدمه هدر لأنه مأمور من جهة الشرع بإقامة الحد، فلا يقيد بالسلامة، ولأنه يسوف بحقه الله تعالى بأمره. فكأن الله تعالى أماته بغير سلطان، فلا يجب الضمان.
اتفق الفقهاء: على أن السكران إذا قذف انساناً بالزنا في حالة السكر، فإنه يحاسب على هذا القذف، ويعاقب عليه، ويقام عليه حد القذف بعد صحوه، إذا طلب المقذوف إقامة الحد) .
-
(1) (الحنفية، والشافعية، والحنابلة قالوا: إن حد القذف اخف من جميع الحدوده، لأن سببه
(5/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وهو النسبة إلى الزنا غير مقطوع به، لجواز كونه صادقاً غير أنه عاجز عن البيان، بخلاف حد الزنا، لأن سببه معاين للشهود، أو للفرية، والمعلوم لهما هنا نفس القذفن وإيجابه الحد ليس بذاته بل باعتبار كونه كاذباً حقيقة أو حكماً بعد إقامة البينة قال تعالى: {فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} فالله تعالى منع من النسبة إلى الزنا إلا عند القدرة على الإثبات بالشهداء، لأن قائدة النسبة هناك تحصل، أما عند العجز فانما هو تشنيع، ولقلقة تقابل بمثلها بلا فائدة، ولذلك قالوا: إن القاذف لا يجر من ثيابه عند الجلد، ولا ينزع عنه إلا الفرو، والثياب المحشوة، لأنه يمنع من وصول الألم إليه، فلو كان عليه ثوب ذو بطانة غير محشو فلا ينزع، والظاهر أنه إن كان فوق قميص ينزع لأنه يصير مع القميص إما محشواً، أو قريباً منه، ويمنع إيصال الألم الذي يصلح زاجراً.
المالكية قالوا: إن حد القذف مثل سائر الحدود، فيجب أن يجرد القاذف من ثيابه عند الجلد، ولا يبقى على حسده إلا ما يستر عورته فقط، ويجلد ثمانين جلدة، والعبد يضرب أربعين فقط.
قالوا: ويتعين الضرب بالسوط المصنوع من الجلد، وذلك للسليم القوي، أما نحيف الجسم والمريض فلا يصح ضربه بالسوط، لأنه يؤدي إلى إتلافه وهلاكه، ويفرق الشرب على جميع الأعضاء، لأن جمع الجلدات في عضو واحد ربما يؤدي إلى الإتلاف، وهو غير مستحق، ويتقى في الضرب المقاتل كثمرة التمر، والفرج، والوجه لأنه يجمع المحاسن ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) وروي أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال للجلاد: إياك أن تضرب الرأس والفرج، ويضرب الرجل قائماً، والمرأة جالسة مستورة، وكشف العورة حرام إلا أنه ينزع عنها الحشو، والفرو، ليخلص اللم إليها. فإن كان القاذف شديد الهزال، أو مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه كالمسلول والمجذوم جلد (بعثكل) وبه ثمانون غصناً يضرب به مرة واحدة، ولا يقام الحد في الأيام الشديد ة الحر ولا الشديدة البرد، ولا يقام الحد على النفساء والحامل حتى تضع وتبرأ من مرضها.
مبحث التوبة النصوح
لقد عبر الله تعالى في الأية الكريمة في جانب {الذين يرمون المحصنات} بصيغة المذكر (الذين) وعبر في جانب المرمي بصيغة المؤنث (المحصنات) ولا فرق بين الذكور والإناث عند جميع الفقهاء في الرامي، والمرمي فمن رمى غيره بالزنا، واستوفى شروط الحد وجب على الحاكم حده سواء أكان كل من الرامي والمرمي رجلاً أم امرأة، وإنما اختير هذا التعبير أما في الأول فمن باب تغليب الذكور على الإناث فإنهما متى اجامعا في حكم شرعي عبر بصيغة كالذكور تغليباً لهم عليهن قال تعالى: {وكانت من القانتين} وأيضاً في الغالب، أو المفروض إن الرمي في هذه الفاحشة بعيد لأن ألسنة النساء اللاتي ينبغي أن يحوطهن الحياء والأدب، فلا يكاد يقع منهن هذا البذاء. وأن الغالب في الرمي يكون من جانب الذكور.
(5/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وأما الثاني وهو اختيار صيغة المؤنث في جانب المرمي (المقذوف) فلأن أكثر ما توجه هذه التهمة الشنعية للنساء، فهي لهن آلم، وأوجع، ولا يرمي بها الرامي إلا للنيل من المرمي بآلم ما يستطيع وهذا لا ينافي مساواة الرجال لهن في لحوق العار، وإصابة الشرف، وتنكيس العزة، وضياع الكرامة، وعلى ذلك يكون قيد التأنيث في الآية المستفاد من صيغة الجمع بالألف والتاء لا مفهوم له، بل مثلهن في ذلك الذكور، وليس هذا من باب قياس الرجال على النساء، بل من باب إلغاء الفارق بين الفريقين. على أن الآية وردت في واقعة هي أن هلال بن أمية قد رمى زوجته بالزنا بشريك بن سحماء، فجاء التقييد على وفق سبب النزول، فإنها نزلت قي قصة هلال بن أمية، حثنما شكا للرسول صلى الله عليه وسلم زوجته فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك) .
وقد رتب الشارع على قذف المحصن أو المحصنة ثلاثة أشياء، الجلد ثمانين جلدة، ورد الشهادة، والحكم عليه بالفسق.
وقد أردف جل شأنه ذلك الجزاء باستثناء التائبين فقال تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فإن الله غفور رحيم} .
والتوبة هي الرجوع إلى الله بعد الاعراض عنه تعالى، والإقبال عليه بعد الإدبار، وكفى بالمعصية إعراضاً وإدباراً بل فراراً من حظيرة قدسه، وساحة رحمته.
والتوبة الصادقة النصوح تنتظم في معان ثلاثة تؤدي إلى تطهير القلب، بل والجوارح أيضاً، من أدران الذنوب، وأوساخ الخطايا، وهذه المعاني الثلاثة هي معرفة ما في الذنب من الإضرار بالنفس، والابتعاد عن ساحة الرحمة، ومنزلة الرضوان، وإنه لا يقدم عليه إلا عدو نفسه، الذي غلبت عليه شهوته، فلا تحصل التوبة دون أن يتحقق هذا المعنى تحققاً يقيناً، وعلماً حضورياً يشبه علمك أن في هذا الطعام الذي اشتهيته سماً مهلكاً، قاتلاً يخبرك به الطبيب الثقة، فماذا يكون حالك وقد تورطت فأكلت الطعام اشتهاء أليس يدركك من الندم والحسرة ما ترتبك معه، وتخور له قواك، ألست تشعر حينئذ بحالة اكتئاب وحسرة على ما فرط منك، تغلب عليك لذتك ابتئاساً - وفرحتك حزناً، فهذا هو المعنى الثاني وهو الندم على ما وقع منك، وليس مجرد الندم والحسرة ويقف الشخص مبهوتاً غير مفكر إذا كان من أهل الصيرة كلا بل لا يسمى نادماً حقيقة، ويصدق في دعواه أنه ندم حتى يترتب على ندمه أثره الصحيح، وذلك فعل يتعلق بما مضى، وبما هو حاصل، وبما يستقبل من الزمان، فيقلغ عن الاستمرار في تناول ذلك الطعام الشهي حالاً، ويعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، وعمل على تخليص معدته مما سبق منه إليها في الماضي، حتى يستريح باطنه من هذا السم القاتل، هكذا شأن التوبة من الذنوب والخطايا، ومقياس النندم أن يؤتي هذه الثمار الثلاث وهي:
اولاً الإقلاع فوراً عن الاستمرار في الذنب الحالي، ثانياًـ العزم على أن لا يعود في المستقبل أبداً، ثالثاً المبادرة إلى التخلص مما فرط منه في الماضي.
(5/212)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومن ذلك أن ترد الحقوق إلى اصحابها، وهذه هي التوبة الصحيحة المطهرة، المقبولة حاماً كما وعد الله جل شأنه، ووعده لا يخلف، وهذا معنى قولهم: التوبة تنتظم من علم، وحال، وعمل. والعمل يتعلق بالحال، والاستقبال، والماضي.
والإصلاح هو إزالة الخلل، والفساد الطارىء على الشيء، والمراد هنا في الآية إصلاح دات البين التي أفسدها بينه، وبين من قذفه، وذلك بأن يستسمحه مما فرط منه في حقه حتى يسامحه، وذلك شأن التوبة والتخلص من حقوق العباد.
وقال بعض العلماء: غنه من مضى مدة عليه في حسن الحال تقبل شهادته، وتعود ولايته، ثم قدورا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربعة التي تتغير فيها الحوال والطباع، كما يضرب للعنين أجل سنة. وأما قوله تعالى: {من بعد يذلك} فالتوبة لا تكون إلا بعد الذنب، فإن سره التهويل في المر وتفظيع ما وقع فيه وتكبيره.
مبحث قبول توبة القاذف
الحنفية قالوا: لا تقبل شهادة المحدود في قذف وإن تاب توبة صادقة وحسنت توبته لقوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} ولأن رد شهادته من تمام الحد، لكونه مانعاً فقى بعد التوبة كأصله، بخلاف المردود في غير القذف لأن الرد للفسق، وقد ارتفع بالتوبة.
وأصله: أن الاستثناء إذا تعقب جملاً متعاطفة، هل ينصرف إلى الكل، أو إلى الجملة الأخيرة؟.
فالحنفية قالوا: إن الاستثناء ينصرف إلى الجملة الأخيرة فقط، وقد تقدم في الآية ثلاث جمل هي قوله تعالى: {فاجلدوهم} وقوله {ولاتقبلوا لهم شهادة أبداً} وقوله تعالى {وأولئك هم الفاسقون} والظاهر من عظف، {ولاتقبلوا} أنه داخل في حيز الحد، للعطف مع المناسبة، وقيد التأبيد، أما المناسبة: فإن رد شهادته مؤلم لقلبه، مسبب عن فعل لسانه، كما أن آلم قلب المقذوف بسبب فعل لسانه، وكذا قيد التأبيد لا فائدة له إلا بأبيد الرج، وإلا لقال: ولا تقبلوا لهم شهادة {وأولئك هم الفاسقون} جملة مستأنفة لبيان تعليل عدم القبول، ثم استثنى الذين تابوا، وهذا لأن الرد على ذلك التقدير ليس إلا للفسق، ويرتفع بالتوبة، فلا معنى للتأبيد، على تقدير القبول بالتوبة.
وهو استثناء منقطع، لأن التائبين ليسوا داخلين في الفاسقين، فكأنه قيل: وأولئك هم الفاسقون، لكن الذين تابوا فإن الله غفور رحيم، أي يغفر لهم، ويرحمهم، وإذا كان الرد من تمام الحد، لكونه مانعاص، أي زاجراً يبقى بعد التوبة كأصله، أي كأصل الحد، فإنه لا يسقط بالتوبة فإن من تاب بعد ثبوت الحد عليه، لا يسقط عنه، بل يجب أن يحد مهما حسنت توبته بالإجماع واحتج الحنفية على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه.
(5/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
(أحدها) أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الآخيرة، فكذا في جميع الصور طرداً للباب.
(ثانيها) أن المقتضى لعموم الجمل المتقدمة قائم، والمعارض وهة الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة، وهي الأخيرة، فقط.
(ثالثها) أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد، وهذا باطل بالإجماع، فوجب أن يختص الاستثناء بلجملة الأخيرة.
واحتج الأحناف على مذهبهم في المسألة بوجوه من الأخبار والأحاديث الشريفة.
(أحدها) ما روى أبن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجلد هلال، وتطل شهادته في المسلمين) فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وقوع الجلد به يبطل شهادته عن غير شرط التوبة في قبولها.
(وثانيها) أن قوله عليه السلام (المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف) ولم يشترط فيه وجود التوبة منه.
(وثالثها) ما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة محدود في الإسلام) .
المالكية، والحنابلة، والشافعية - قالوا: تقبل شهادة المحدود في قذف إذا تاب وحسنت توبته، والمراد بتوبته الموجبة لقبول شهادته، أن يكذب نفسه في قذف. وهل يعتبر فيه إصلاح العمل أم لا؟
وقول يتعتبر لقوله تعالى {إلا الذين تابوا} وقيل: لا. لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لابي بكرة: تب أقبل شهادتك.
وقد احتجوا على مذهبهم، بأن شهادة المحدود في قذف مقبولة بوجوه:
(أحدها) قوله عليه الصلاة والسلام: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ومن لا ذنب له مقبول الشهادة، فالتائب يجب أن يكون أيضاً مقبول الشهادة.
(وثانيها) أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر، ويدخل الإيمان، فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب عن القذف، وجب أن تقبل شهادته، لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر فإن قيل: المسلمون لا يألمون بسبب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم، والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر، من الشين والشنأن، وأيضاً فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد.
قلنا: هذا الفرق ملغى بقوله عليه الصلاة والسلام (أنبئهم أن لهم ما للمسلمين، عليهم ما على المسلمين) .
(5/214)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
(وثالثها) أجمعنا على أن التائب عن الكفر، والقتل، والزنا، والشرب، والسرقة، مقبول الشهادة. فكذا التائب عن القذف لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا. (ورابعها) أن ابا حنيفة رحمه الله تعالى يقبل شهادته إذا تاب قبل إقامة الحد عليه، مع أن الحد حق المقذوف، فلا يزول بالتوبة، فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد عليه. وقد حسنت حالته، وزال اسم الفسق عنه كان أولى.
(وخامسها) أن قوله تعالى {إلا الذين تابوا} استثناء مذكور عقيب جمل، فوجب عوده إليها كلها، ويدل عليه أمور.
(أحدها) أجمعنا على أنه لو قال: عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه.
(وثانيها) أن الواو للجمع المطلق فقوله تعالى {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابداً، وأولئك هم الفاسقون} صار الجمع كأنه ذكر معاً لا تقدم للبعض على البعض، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها اولى من رجوعه إلى الباقي، إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى البتة، فوجب رجوعه إلى الكل، ونظيره على قول أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه، بل على مجموع هذه الأمور من حيث أن الواو لاتفيد الترتيب، فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيبن بل دخلت على المجموع.
(وثالثها) أن قوله تعالى: {وأولئك هم الفاسقون} عقيب قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقاً، لات ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً، وكونه فاسقاً يناسب ألا يكون مقبول الشهادة، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقاً، ودل الاستثناء على زوال الفسق، فقد زالت العلمة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة.
(ورابعها) أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحربون الله ورسوله} إلى قوله تعالى: {إلا الذين تابوا} ولا خلاف أن هذا الاستثناء إلى ما تقدم من أول الاية، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعاً.
وكذلك قوله تعالى: {لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى} إلى قوله تعالى: {فم تجدوا ماء فتيمموا} وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء. والله تعالى أعلم.
كيفية التوبة عن القذف
الشافعية - قالوا: إن التوبة عن القذف تكون بإكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه. فقال
(5/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بعضهم: يقول كذبت قيما قلتت فلا أعود لمثله وقال أو إسحاق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية اخرى، وإنما يقول القاذف بالملأ ندمتم على ما قلت، ورجعت عنه ولا أعود إليه وأما قوله تعالى: {فإن الله غفور رحيم} فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيماً يقبل التوبة، وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، إذ لو كان واجباً لما كان في قبول غفوراً رحيماً، لأنه إذا كان واجباً فإنما يقبله خوفاً وقهراً، لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيهاً، ولخرج عن حد الإلهية) .
-
(5/216)

القسم الثاني كتاب القصاص.
-وأما القصاص فهو أن يعاقب الجاني بمثل جنايته على أرواح الناس، أو عضو من أعضائهم فإذا قتل شخص آخر استحق القصاص، هو قتله كما قتل غيره (1)
__________
(1) ("تنبيه"
ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه أن (القصاص) من باب الحدود، فعند ذكر كتاب الحدود - ذكر حد الشرب. ثم حد الزنا، ثم حد السرقة، ثم حد القذف، ثم القصاص، ثم حد التعيزر، وبعد أن انتهى من باب الحد ذكر حكم المفسدين في الرض والخوارج، ثم حكم البغاة وقطاع الطرق وهذا نمط لم يدرج عليه الفقهاء الذين سبقوه في التأليفن فإن علماء السلف الصالح اللذي ألفوا في الفقه على اختلاف مذاهبهم لم يذكروا القصاص في كتاب الحدود على الشرب، والزنا، والسرقةن والقذف، والتعزير.
الحنفية قالوا: في كتاب (الاختيار شرح الممختار) تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي "كتاب الحدود" ثم ذكر حد الزنا والقذف، والشرب، والسرقة، وقطاع الطرق، وفي كتاب السير ذكر حكم المرتد، وحكم الخوارج والبغاة من المسلمين، وبعد ذلك ذكر كتاب الجنايات بفصوله ثم ذكر "كتاب الديات" بفصوله وفروعه. ثم قال في أول كتابه الجناية، كل فعل محظور يتضمن ضرراً ويكون تارة على نفسه، وتارة على غيره، ويقال: جنى على نفسه، وجنى على غيره، فالجناية على غيره تكون على النفس، وعلى الطرفن وعلى العرض، وعلى المال، والجناية على النفس تسمى قتلاً، أو صلباً، أو حرقاً، والجناية على الطرف تسمى قطعاً، أو كسراً، أو شجاً، وهذا الباب لبيان هاتين الجنايتين، وما يجب بهما، والجناية على العرض نوعا قذف وموجبه الحد. وقد بيناه، وغيبة، وموجبها الإثم وهو من أحكام الآخرة، والجناية على المال. تسمى نصباً أو خيانة أو سرقة، وقد بيناها، وموجبها في كتاب السرقة، ثم القصاص مشروع ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى} الآية 178 من سورة البقرة.
وقوله تعالى: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً} آية 33 من الإسراء والسنة، قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتلناه) وقوله عليه الصلاة والسلام (كتاب الله
(5/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القصاص) وعليه الإجماع والعقل، والحكمة تقتضي شرعيته أيضاً. فإن الطباع البشرية، والأنفس الشريرة تميل إلى الطلم والاعتداء، وترغب في استيفاء الزائد علىى الابتداء، سما البوادي، واهل الجهلن العادين عن سنن العقل والعدلن كما نقل عن عاداتهم في الجاهلية، فلو المتشرع الأجزية الزاجرة عن التعدي والقصاص من غير زيادة ولا انتقاص، لتجرأ ذوو الجهل والحمية، والنفس الأبية على القتل والفتك في الابتداء، وإضعاف ما جنى علهم في الاستيفاء، فيؤدي ذلك إلى التفاني، وفيه من الفساد ما لا يخفى، فاقتضت الحكمة شرع العقوبات الزاجرة عن الابتداء في القتل والقصاص المانع من استيفاء الزائد على المثل فورد الشرع ببذلك لهذه الحكمة حسماً عن مادة هذا الباب، قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} .
الشافعية - قالوا: في كتاب (مغنى المحتاج) كتاب البغاة كتاب الرجة، كتاب الزنا، كفارة حد القذف، كتاب قطع السرقة، باب قطع الطريق، كتاب الأشربة، فصل في التعزير. وقبل هذا ذكر كتاب الجراح وفصوله - ثم ذكر كتاب الديات، وفصوله.
وكذلك كتاب (الام) للإمام الشافعي رحمه الله تعالى فذكر أولاً كتاب أهل البغي وأهل الردة. وبعده كتاب الحدود، وصفة النفي ثم ذكر كتاب السرقة، وكتاب الزنا، وكتاب الخمر، وكتاب قاطع الطريقن وكتبا المرتد، وكتاب الأشربة.
وأما كتاب مختصر المزني للإمام الشافعين فقد ذكر في كتاب الحدود، باب حد الزنا، باب حد القذف، كتاب السرقة، باب قطاع الطريق، باب الأشربة، قتال أهل الردة، وقبل ذلك ذكر كتاب القتل، وكتاب القسامة.
المالكية قالوا: في كتاب حاشية الشيخ الصاوي على الشرح الصغير باب في أحكام الجناية على النفس أو على ما دونها، ثم باب (تعريف البغي) ثم بابب تعريف (الردة) باب ذكر حد الزنا، وباب حد القذف، وباب أحكام السرقة، باب ذكر الحزابة، باب حد الشارب ولم يذكر القصاص، في باب الحدود، وذكر أحكام الجنايات أولاً لأنه أوكد الضروريات التي يجب مراعاتها، وأما صاحب كتاب الميزان للشيخ عبد الوهاب الشعراني فذكر كتاب الجنايات، كتاب الجيات. باب القسامة، باب كفارة القتل، كتاب حكم الحر والساحر، كتاب الحدود السبعة المترتبة على الجنايات، باب الردة، باب حكم البغاة، باب الزنا، باب حد القذف، باب السرقة، باب قطاع الطريق، باب حد شرب المكر، باب التعزير.
وكذلك كتاب (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة) . للشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي الشافعي، الشافعين ومراعاة لأمانة العلم سنأسير في الكتاب على حسب ما سر فضيلة المؤلف رحمه الله تعالى وأذكر كتاب القصاص، والجناياتن في باب الحدود، تحقيقاً لرغبته، وإن كانت طريقته تخالف جميع المؤلفين في علم الفقه.
(5/218)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقد أردت التنبيه على ذلك حتى يكون المطلع على علم بسير المؤلف في كتابه، وحتى لا يكون هناك لبس في ذكر الأبواب، وإدخال بعضها في البعض الآخر، وإن كنت أنا أميل الى تنظيم المؤلفين في كتب الفقه، وإخراج القصاص من كتاب الحدود.
مبحث تعريف القصاص
القصاص مأخوذ من قص الأثر، وهو اتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار، والأخبار، وقص الشعر أثره، فكأن القاتلس سلك طريقاً من القتل فقص أثره فيها، ومشى على سبيله في ذلك، ومنه قوله تعالى: {فارتدا على آثارهما قصصاً} .
وقيل: القص القطع، يقال: قصصت ما بينهما، ومنه أخذ القصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه، أو بقتله به، يقال: أقص الحاكم فلاناً من فلان، وأباده به فامتثل بهن أي اقتص منه.
حكم القصاص
والقصاص ثابت في الشرع بالكتاب، والسنة، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ركم ورحمة، فمن أعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} آيتي 178، 179 من سورة البقرة
وقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعينن والأنف بالأنف، والأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} آية 45 من سورة المائدة.
وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد فيه نسخ من الشارع الحكيم، ولم يرد نسخ ذلك وقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلموماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل أنه كان منصوراً} آية 33 من سورة الإسراء أي أتينا لوليه سلطنة القتل.
وقوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} ووجه التمسك به أن الله تعالى ذكر في هذه الآية حكم القتل الخطأ، فتعين أن يكون القصاص واجباً وثابتاً فيما هو ضد الخطأ، وهو العمد، ولم تعين بالعمد لا يعدل عنه لئلا تلزم الزيادة على النص بالرأي، ولأن الله تعالى قال: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ومعناه، فرض، وأثبت، كما قال تعالى: {كتب عليكم الصيام} وقال: {وكتب عليكم القتال} وقال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} ومعناه الفرض الثابت.
وقيل: إن ما (كتب) في الآيات هنا، إخبار عماكتب في اللوح المحفوظ، وسبق به القضاء
(5/219)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أزلا، وصورته أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله تعالى، والانقياد لقصاصه المشروعن وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليهن وترك المعتدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل. وهو معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة، ثلاثة رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل أخذ بذحول الجاهلية) والذحول هو العداوة، والحقد.
قال الشعبي وقتادة وغيرهما، إن اهل الجاهلية كان فيهم بغين وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعه، فقتل لهم عبد قتله عبد قوم آخرين، قالوا: لا نقتل به إلا شريفاًن ويقولون: القتل أوقى للقتل) بالواو والقاف، ويروى (أبقى) بالباء والقاف، ويروى (أنفى) بالنون والقاء، فنهاهم الله عن البغي فقال: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد} الآية {ولكم في القصاص حياة} .
وروى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس رضي الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيه الدية) فقال الله لهذه الأمة {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد، بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء} فالعفو أن يقبل الدية في العمد، {فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} يبتع بالمعروف، ويؤدي بإحسان {ذلك تخفيف من ركم ورحمة} مما كتب على من كان قبلكم {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} أي قتل بعد قبول الدية، هذا لفظ الإمام البخاري: في سبب نزول الآية.
وظاهر الآية الكريمة يوجب القود بالقصاص أينما يوجد القتل، ولا يفصل بين العمد والخطأ، إلا أنه تقيد بوصف العمدية، بالحديث النبوي المشهور، الذي تلقته الأمة بالقبلو، وهو قوله عليه الصلاة ولاسلام (العمد قود) أي موجبة قود. لأن الحديث لو لم يكن يوجب تقييد الآية لم يكن القود موجب العمد فقط، فلا يكون لذكر لفظ العمد فقط، فلا يكون لذكر لفظ العمد فائدة.
قالوا: ولن الجناية بالعمدية تتكامل، وحكمة الزجر عليها تتوفر، والعقوبة المتناهية لا شرع لها دون ذلك.
وأما السنة فقوله صلوات الله وسلامه عليه: (من قتل قتلناه) وقوله لعيه الصلاة والسلام: (كتاب الله القصاص) وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) واتفق عليه.
وروي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل قتل مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال، زان فيرجم، ورجل قتل مسلماً متعمداً فيقتل، وجل يخرج عن الإسلام، فيحارب
(5/220)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الله ورسوله، فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض) رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم، والأحاديث في ذلك كثيرة.
وعليه إجماع الأمة من غير مخالف منه، ويؤيده العقل السليم، لأن المال لا يصلح موجباً في القتل العمد، لعدم المماثلة، لأن الآدمي مالك مبتذل، والمال مملوك مبتذل، فأنا يتماثلان، بخلاف القصاص، فإنه يصلح موجباً للتماثلن وفيه زيادة حكمة وهي مصلحة الحياء زجراً للغير إن وقوعه فيه، وجبرأً للورثة فيتعين، وإنما جب المال في الخطأ أولاً، ضرورة صون الدم عن الهدار فإنه لما لم يكن الاقتصاص فيه، هدر الدم لو لم يجب المان والآدمي مكرم لا يجب إهدار دمه، على أن ذلك ثابت بنص القرآن الكريم.
والقصاص شرع لمعنى النظر للولي على وجه خاص، وهو الانتقام، وتشفي الصدر، فإنه شرع زجراً عما كان عليه أهل الجاهلية من إفناء قبيلة بواحد، لا لأنهم كانوا يأخذون أموالاً كثيرة عند قتل واحدا منهم، بل القاتل وأهله لو بذلوا ما ملكوه وأمثاله، ما رضي به أولياء المقتول، فكان إيجاب المال في مقابلة القتل العمد تضييع حمة القصاص، وإذا ثبت أن الصل هو القصاص لم يجز المصير إلى غيره بغير ضرورة مثل أن يفقد احد الاولياء. فإنه تعذر الاستيفاء حينئذ، أو أن يكون محل القصاص. ناقصاً بأن تكون يد قاطع اليد أقل اصبعاً، وأمثال ذلك.
من يقيم القصاص
لا خلاف بين الأئمة في أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، الذين فرض عليهم النهوض بالقصاصن وإقامة الحدود. وغير ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى خاطب الجميع المؤمنين بالقصاص قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب علكم القصاص في القتلى} ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً، أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا مالسلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود، وليس القصاص بلازم، إنما اللازم إلا يتجاوز القصاص وغيره من الحدودالى الاعتداءن فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية، أو عفو فذلك مباح، فلا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان الذي أعطاه الله هيذه السلطة، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما يكون ذلك للسلطان، أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض.
السلطان يقتص من نفسه
واجمعم العلماء على أن على السطان أن يقتص من نفسه أن تعدى على احد من رعيته ظلماً، غذ هو واحد منهم، وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل، وذلك لا يمنع القصاص منه، وليس بين السلطان وبين العامة فرق في أحكام الله عز وجل، لقوله جل ذكره: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً "أي حاكماً" قطع يده بغير حق: لئن كنت صادقاً لأقيدنك منه.
(5/221)

مبحث عناية الشريعة بدماء الناس
-وقد عنيت الشرعة الإسلامية بالمحافظة على دماء الناس عناية تامة، فددت الجناة الذين يعتدون على دماء الناس تهديداً شديداً (1)
ويكفي في زجر المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيماً} فإن في هذه الآية من الشدة ما تقشعر له جلود العتادة، إن كانوا مسلمين.
__________
وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إذ أكب عليه رجل، فطعنه رسول الله بعرجون كان معه، فصاح الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعال فاستقد) قال: بل عفوت يا رسول الله، وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال: إلا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يأمير المؤمنين، لئن أدب الرجل منا رجلاً من أهل رعيته، لتقصنه منه؟ قال: كيف لا أقصه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه) ؟
ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم فمن فعل ذلك به فليرفعه إلي أقصه منه) وذكر الحديث بمعناه) .
-

(1) (لقد جعل الله عقوبة قتل النفس من أفظع العقوبات، وجعل القضاء بها من أعظم المظالم فيما يرجع إلى العباد، وجعل الحساب عليها أول القضاء يوم القيامة. فعن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ، رواه البخاري ومسلم، أي في الأمر المتعلق بالدماء.
وقتل النفس من الموبقات المهلكات، ومن أكبر الكبائر، فقد روى أبو هريرة الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات: قيل يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسمحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
واعتبر الشارع أن للمسلم لا يزال في سعة منشرح الصدر، فإذا أراق دم امرىء مسلم صار منحصراً ضيقاً لما أوعد الله عليه مالم يوعد على غيره من دينه، فيضيق عليه دينه بسبب الوعيد لقاتل النفس عمداً بغير حق.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دماً حراماً) ، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله) رواه البخاري رحمه الله.
(5/222)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقد ثبت في الشرع النهي عن قتل البهيمة بغير حق، والعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بالمسلم، فكيف بقتل المرء الصالح، عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق) رواه ابن ماجه.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وما أطيب ريحك، ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك: ماله، ودمه) رواه ابن ماجة واللفظ له.
وعن أبي سعيد وابي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) . رواه الترمذي
بل جعل الشارع الذنب على من أعان على قتل مؤمن بمال، أو سلاح، أو ساعده ولو بكلمة، أو بنصف كلمة.
روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله) رواه ابن ماجة.
وقد جعل الله تعالى جناية قتل النفس بعد الشرك والعياذ بالله تعالى وقرنه به حتى تدرك النفوس فظاعة هذه الجريمة، وعظم خطرها، وشدة عقابها يوم القيامة، فقال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهاناً} الآية 19 من سورة الفرقان.
وقال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً} آية 29، 30 من سورة النساء.
وقد جعل الله تعالى وزر من قتل نفساً بغير حق حرمها الله تعالى، مثل من قتل الناس جميعاً، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن حرم قتلها واعتقد ذلك، فكأنما حرم دماء الناس جميعاً، وكأنه أحيا الناس جميعاً، فقد سلم الناس منه بهذا الاعتبارن قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} .
قال قتادة في قوله: {من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً} هذا تعظيم لتعاطي القتل. ثم قال: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها، وقال الحسن البصري، فكأنما قتل الناس جميعاً، قال: وزراً {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} ، قال: أجراً
وقال الله تعالى فيما أوصى به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي ذكر الأمور التي حرمها الله تعالى على عباده في الأرض، {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس
(5/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} آية 151 من الأنعام. فقد نص الله تعالى على النهي عن قتل النفس التي حرمها تأكيداً واهتماماً بشأنها وتعظيماً لحرمتها، وإلا فهو ذكر حرمتها في أول المنهيات. بالنهي عن قتل الأولاد، فهو نهى عن قتل النفس كلها، ثم النهي عن قتل النفس داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فكأن الله تعالى نهى عن قتل النفس التي حرمها في هذه الآية ثلاث مرات متوالية.
روي عن أمير المؤمنين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو محصور في داره بالمدينة. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه، بعد أن هداني الله، ولا قتلت نفساً فبم تقتلونني) رواه الإمام أحمد والترمذي، وابن ماجة.
وقد بين الله تعالى حكم القتل العمد، فذكر تهديداً شديداً، ووعيداً أكيداً لمن أقدم على هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في الآية؟؟ من كتاب الله عز وجل، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثرة جداً، ونكتفي بما ذكرناه سابقاً.
وقد قال الله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالد فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً} آية 93 من النساء.
قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباسن فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية {ومن يقتل مؤمناً، متعمداً فجزاؤه جهنم} هي آخر ما نزل وما نسخها شيء وكذا رواه هو أيضاً ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة به.
قالوا: إن لقاتل العمد أحكاماً في الدنيا، وأحكاماً في الآخرةن فأما في الدنيا فتسلط اولياء المقتول عليه قال تعالى: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لولنه سلطاناً} الآية ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوان أو ياخذوا دية مغلظة أثلاثاً ثلاثون حقه، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وأما في الآخرة فهو العذاب في نار جهنم، والخلود فيها، وغضب الله تعالى عليه، والطرد من رحمته ولعنه، والعذاب العظيم المضاعف، كما ذكرت الآية الشريفة التي معنا.
ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه أن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون ذلك معارض من أعمال صالحة، تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، وبتقدير دخول القاتل النار إن مات ولم يتب، ولم تكن له أعمال صالحة، فعلى قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة له. أي لا يقبل الله توبته، وأما على قول جمهور العلماء، حيث لا عمل له صالحاً ينجو به، فليس بمخلد فيها ابداً، بل المراد بالخلود المذكور في الآية الكريمة، هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن
(5/224)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثال ذرة من إيمان) وأما حديث معاوية (كل ذنب عسى الله أن يغفر إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين انتفى وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل، لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات وهو كافر، فالنص أن الله تعالى لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة، فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بد من رده إليهم، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه، والمقذوف، وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة.
فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تنقل إلى المقتول أو بعضهان ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعض الله المقتول بما شاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها، ونحو ذلك حتى يرضى عن القاتل وقيل: إن الخلود في النار يحمل على أنه جزاء القتل العمد بطريق الاستحلال والعياذ بالله، وهو مستلزم للردة، وقيل يؤول الخلود في الآية على أنه لو عامله بعدله، أو على معنى تطويل المدة مجازاً، فالمراد به المكث الطويل والله أعلم.
توبة القاتل
ذهبت طائفة من علماء السلف إلى أنه لا توبة للقاتل منهم عبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد بن عمير، والحسن البصري، وقتادة، والضحالك بن مزاحم رضي الله عنهم. نقله ابن أبي حاتم.
حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: حدّثنا جرير عن يحيى الجابري، عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ماترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال جزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه، واحد له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تابن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً جاء يوم القيامة أخذه بيمنه أو بشماله، تشجب اوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله، وبيده الأخرى رأسه يقول: يارب سل هذا فيم قتلني، وأيم الذي نفس بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان) .
وفي الباب أحاديث كثرة، منه ما رواه الإمام أحمد حدّثنا صقر بن عيسى، حدّثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) .
وذهب الجمهور من سلف الأمة وخلفها إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل. فإن تاب، وأتاب، وخشع، وخضع، وعمل عملاً صالحاً، بدل الله سيائته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن ظلامته، قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر إلى قوله إلا من تاب
(5/225)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وآمن وعمل عملاً صالحاً} الآية وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، وقال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} الآية. وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب، أي من أي ذلك تاب الله عليهن وقال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك بالله، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية، وفيها لتقوية الرجاء في رحمة الله، والله أعلم.
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالماً هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم ارشده إلى بلد يتعبد الله فيه فهاجر إليه. فمات في الطريق فقبضته ملائكة الرحمة وهذه الأمة أولى بالتوبة من بني إسرائيل.
الكفارة في قتل العمد
الحنفية، والمالكية، والحنابلة في إحدى روايتيهم قالوا: لا تجب الكفارة في قتل العمد، لأن الشارع شدد في أمر القاتل عمداً، بالقتل أو الدية إذا عفا الأولياء عن قتله إلى الدية، فلا يزاد على ذلك حيث ورج به النص، ولن قتل العمد كبيرة محضة، وفي الكفارة معنى العبادة فلا تناط بمثلها، والكبائر لا تكون سبباً لما فيه معنى العبادة، والكفارة فيها ذلك فلا تجب، وموضوعه في أصول الفقه، وهو أن الكفارة لاتناط بماهو كبيرة محضة، ولأن الكفارة من المقادير وتعينها في الشرع لدفع الأدنى، وهو الخطأ، لا يدل لدفع الذنب الأعلى وهو العمد، فكم من شيء يتحمل الأدنى للقدرة عليه، ولا يتحمل الأعلى للعجز عنه.
قال صاحب العناية: فإن قال الشافعي قد دل الدليل على عد صفة العمدية وهو حديث وائلة بن الأسقع، قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاحب لنا قد استوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه رقبة، يتق الله كل عضو منها عضو منه، من النار، وإيجاب النار إنما يكون بالقتل العمد قلنا: لا نسلم لجواز أن يكون استوجب النار بشبه العمد كالقتل بالحجر، أو العصا الكبيرين سلمناه لكنه لا يعارض إشارة قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} فإن الفاء تقتضي أن يكون المذكور كل الجزاء، فلو اوجبنا الكفارة لكان المذكور بعضه وهو خلف. اهـ.
ولأن الله تعالى ذكر الجزاء الدنيوي على القتل العمد وهو القصاص بقول تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وذكر الجزاء الأخروي بقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} الآية. فلو قلنا: بوجوب الكفارة على القاتل عمداً، لزدنا على النص، وهو باطل ولأن القتل العمد أعظم من أن يكفر عنه، مثل الصلاة المتروكة عمداً، فإنهم اتفقوا على وجوب قضائها من غير كفارة.
الشافعية والحنابلة في روايتهم الثانية قالوا: أن الكفارة تجب في قتل العمد لأن العامد أغلظ
(5/226)

مبحث عقاب قاتل النفس ظلماً.
-وقد قال بعض الأئمة المجتهدين: إن قاتل النفس خالد في النار كالكافر، بدون قرف، كما هو ظاهر هذه الآية: {ومن قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} .
وساء صح هذا القول، أو لم يصح، فإنه يكفي أن يمكث القاتل معذباً في نار جهنم زمناً طويلا، ويكفيه غضب الله عليه، ولعنته إياه، ويكفيه أن الله أعد له عذاباً عظيماً، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولا شك أن من كان عنده مثقال ذرة من إيمان وسمع هذه الآية، فانهيفر من العدوان على دماء الناسن كما تفر الشاة من الذئبن فلو فرض، وقتل شخص آخر في جنح الظلام، وأفلت من القصاص في هذه الحياة الدنيا، فإن ذلك شر له، لا خير فيهن لأن العقوبة الأخروية الشديدة تنتظره، وغضب الله عليه، في هذه الحياة الدنيا ينتظرهن أما من اقتص منه في حياته الدنيا، فإنه يكون كفارة له في الآخرة على التحقيق، لأن الله أكرم من أن يعذب مرتينن وقد فعل به ما فعله بغيره جزاء وفاقاً (1)
__________
إثماً ممن كان قتله خطأ، فكانت الكفارة به أليق ممن كان قتله خطأ، وقد اتفقوا على وجوب الكفارة في القتل الخطأ، فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس، الواجبة بانص، قال تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} الآية.
واحتجوا على مذهبهم بما رواه الإمام أحمد عن واثلة بن السقع قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحباً لنا قد اوجبـ يعني النار بالقتل قال: (فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضواً منه من النار) وإيجاب النار غنما يكون بالقتل العمد. فهذا دليل واضح على أن الكفارة تجب في قتل العمد) .
-

(1) (اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أن قاتل النفس المؤمنة متعمداً، يجب عليه ثلاثة أمور، الأول الإثم العظيم، لقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، واعد له عذاباً عظيماً} وقد وردت به أحاديث كثيرةن وانعقد عليه غجماع المة، الثاني يجب عليه القود ت لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} إلا انهتقيد بوسف العمدية لقول صلى الله عليه وسلم (العمد قود) أي موجب له.
الثالث يوجب حرمان القاتل من الميراث، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ميراث لقاتل) ولكن العلماء اشترطوا أموراً في القاتل الذي يقاد منه، وفي المقتول، وفي صفة القتل.
فقالوا: إن القاتل الذي يقتص منه في القتل العمد يشترط فيه أن يكون عاقلاً، فلا قصاص على
(5/227)

مبحث جواز العفو في القصاص
-وقد عرفت أن القصاص يسقط بالعفو أو الصلح، بخلاف الحد فإنه لا يسقط بالعفو، لأنه حق الله تعالى، ولكن هذا هو رأي الحنفية.
أما غيرهم فإنهم يقولون: إن الذي لا يسقط بالعفو هو حد الزنا، وحد السرقة، بعد رفع الأمر إلى الحاكم، وأما حد القذف، فإنه يسقط بالعفو مطلقاً، وإذا كنت على ذكر مما بيناه لك سابقاً، من أن حد الزنا لا يقع إلا إذا شهد بالجريمة اربعة شهود، رأوا بأعينهم الفعل نفسه وذلكمتعذرن لا يمن تحقيقه عملياً، فإن تنفيذه يكون منوطاً بإقرار الجاني وحده.
أما حد الشرب فبعضهم يرى أنه من بابب التعزير.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الحد الذي يتصور وقوعه، ولا يسقط بالعفو هو حد السرقة بعد رفعه إلى الحاكم على الوجه الذي بيناه سابقاً (1)
__________
مجنون، وأن يكون بالغاص، فلا قصاص على صبي وأن يكون مختاراً، فلا قصاص على مكره، وأن يكون مباشراً للقتل، فلا قصاص على من قتل من غير مباشرة الفعل، وأن يكون غير مشارك فيه غيره وأن لا يكون اباً للمقتول، ولا سيداً له، على تفصيل فيما يأتي:
ويشترط في المقتول: أن يكون مكافئاً لدم القاتل والذي تختلف فيه النفوس هو الإسلام، والكفر، والحرية، والعبودية، والذكورة، والأنوثةن والواحد، والكثيرن وأن يكون معصوم الدم.
ويشترط في صفة القتل: أن يكون (عمداً) بلا جناية من القاتل قصاصاً، إلا أن يعفو الأولياء أو يصالحوا لأن الحق لهمن لكن اختلفوا.
الحنفية قالوا: إن القصاص واجب عيناً، وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل، لما ورج في الكتاب والسنة.
الشافعية قالوا: إن للولي حق العدول إلى المال من غير مرضاة القاتل لأنه تعين موقعاً للهلاك فيجوز بدون رضاه.
وفي قول: أن الواجب أحدهما لا بعينه وبتعين باختياره، لأن حق العبد شرع جابراً، وفي كل نو جبر فيتخير) .
-

(1) (اختلف العلماء في هل القصاص يكفر ذنب الجاني أم لا؟
فقال بعضهم: إن إقامة الحد على القاتل، والقصاص منه إذا رضي به وتاب، فإنه يكفر عنه
(5/228)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثم القتل لقول صلى الله عليه وسلم: (الحدود كفارات لأهلها) فعمم ولم يخصص فعلاً عن غيره، ولأن الله تعالى أكرم، وأرحم بعبده أن يعذبه مرتين، مرة في الدنيا بالقود، ومرة في الآخرة بالنار، وهو الراجح.
وقال بعضهم: إن القصاص لا يكفر الذنب، ولا يرفع عنه الإصم في الآخرة، لأن المقتول ظلماً، لا منفعة له في القصاص البتة، وإنما القصاص منفعته للأحياء فقط، لينتهني الناس عن القتل.
قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} ولما روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجيء المقتول متعلقاً بقاتله يوم القيامة، آخذاً رأسه بيده الأخرى، فيقول: يارب سل هذا فيم قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لكتون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال: ويجيء آخر متعلقاً بقاتله، يقول: رب سل هذا فيم قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، بؤ بإثمه، فيهوي في النار سبعين خريفاً) وفي الباب أحاديث كثيرة، وأما الحديث الذي ورد في أن الحدود تكفر الذنوب، فإنه يختص بالحدود التي فيها حق الله تعالى.
المالكية، والحنابلة، والشافعية - قالوا: العمد إما يوجب القصاص جزاماً مثل قتل المرتد مرتداً، فإن الواجب فيه القود جزماً.
وإما أن يوجب الدية جزماً، كما أذا قتل الوالد ولده، أو إذا قتل المسلم الذمي فإن موجبه الدية قطعاً. أو التخيير بين القصاص والدية، فيجوز للولي العفو عن القود، على الدية بغير رضا الجاني، لما روى البيهقي عن مجاهد وغيره (كان في شرع موسى صلى الله عليه وسلم تحتم القصاص جزماً، وفي شرع عيسى صلى الله عليه وسلم الدية فقط، فخفف الله تعالى عن هذه الأمة، وخيرها بين الأمرين) لما في الإلزام بأحدهما من المشقة، ولأن الجاني محكوم عليه فلا يعتبر رضاه كالمحال عليه والمضمون عنه، ولو عفا عن عضو من أعضاء الجاني سقط كلهن كما أن تطليق بعض المرأة تطليق لكلها، ولو عفا بعض المتستحقين سقط أيضاً، وإن لم يرض البعض الآخر وانتقل الأمر إلى الدية، لأن القصاص لا يتجزأ، ويغلب فيه جانب السقوط لحقن الدماء، ولا يؤثر فيه الجهل، فلو قطع عضو رقيق فعفا عنه سيده قبل معرفته بالعضو المعفو عنه، صح العفو لأن العفو مستحب، فقد رغب الشارع فيه وجعا إليه، قال تعالى: {فمن عفا واصلح فأجره على الله أنه لا يحب الظالمين} آية 40 من الشورى وقول الرسول: (من قتل له قتيل فأهله لين خيرتين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا اخذوا الدية) .
وروى البيهقي وغيره عن أنس رضي الله تعالىعنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما رفعاليه قصاص قط إلا أمر فيه بالعفو) .
وعن عدي بن ثابت قال: هشم رجل فم رجل على عهد معاوية، فأعطى دينه، فأبى أن يقبل حتى أعطى ثلاثاً) ، فقال رجل: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من تصدق بدم أو دونه، كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق) رواه أبو يعلى.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من
(5/229)

محاسن التشريع الإسلامي
-وها هنا سؤال معروف وهو أن الشريعقة الإسلامية جعلت عقوبة القتل من باب القصاص الذي يصح سقوطه بالعفو، لكونه من أفظع الجرائم، وأشدها ضرراً بالمجتمع الإنساني، ومقتضى ذلك أن تجعله من باب الحدود التي لا تقبل السقوط بحال من الأحوال. كي يعلم الجاني أنه مقتول لا محالة، فلا يقدم على الجريمة.
والجواب: أن ذلك من محاسن التشريع السلامي وجقتع، وذلك لأن الغرض من العقوبة قد بينه الله تعالى في كتابه العزيز بقول: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألبابن لعلكم تتقون} آية [179 من البقرة] .
__________
رجل يجرح في جسده جراحة، فيتصدق بها إلا كفر الله تبارك وتعالى عنه مثل ما تصدقه) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
ولو أطلق الولي العفو عن القود، ولم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات فالمذهب لا دية عليه، لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول والعفو إسقاط ثابت، لا إثبات معدوم.
وفي قول آخر، إن الدية تجب على القاتل في ماله لقوله تعالى: {فمن عفي له عن أخيه شيء فاتباع بالمعروف} أي اتباع المال وذلك يشعر بوجوبه بالعفو، ولأن الدية بدل عن القود عند سقوطه بعفو، أو غيره كموت الجاني مثلاصن فقد خير الشارع الولي بين أخذ المال، وبين القصاص.
الحنفية، والمالكية في روايتهم الثانية، والشافعية في أرجح روايتهم والحنابلة في القول الآخر: - قالوا: إن الواجب بالقتل العمد معين، وهو القود وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل لما ورد في الكتاب والسنة، ولأن المال لا يصلح موجباً في العمد، لعدم المماصلة والقصاص يصلح للتماصل، وفيه زيادة حكمة وهي ممصلحة الأحياء، زجراً للغير عن وقوعه فيه، وجبراً للورثة فيتعين، وقد شرع القصاص لمعنى النظر للولي على وجه خاص، وهو الانتقام وتشفى الصدورن فإنه شرع في الصل زجراً عما كان عليه أهل الجاهلية من إفناء قبيلة بواحد، لا لأنهم كانوا يأخذون أموالاً كثرة عند قتل واحد منهم، بل إن القاتل وأهله لو بذلوا كل ما ملكوه من الدنيا وأمثال ما رضي به أولياء المقتول، فكان إيجاب المال في مقالبلة القتل العمد تضييع حكمة القصاص، وإذا ثبت أن الأصل في العمد هو القصاص، لم يجز المصير إلى غيره بغير ضرورة، مثل أن يعفو أحد الأولياء، فإنه تعذر الاستيفاء حينئذ أو أن يكون محل القصاص ناقصاً، بأن تكون يد قاطع اليد أقل إصبعاً، أو أن يكون القاتل أباً أو أماً للمقتول فإنه يتعذر القصاص في أمثال هذه الحلات، فيعل عنها إلى الدية صوناً للدم من الهدر اهـ.
الشافعية، والحنفية، والحنابلة رحمهم الله - قالوا: إذا عفت المرأة سقط القصاص عن القاتل.
(5/230)

وإذا كان الغرض من القصاص هو حقن الدماء، والكف عن العدوان على الأرواح، ليعيش الناس آمنين، فإن من الضروري أن ينظر الشرع في كل النواحي التي يترتب عليها حفظ الأرواح وصيانتها، فإذا كانت العقوبة تزجر فاسد الأخلاق الذي تميل نفسه إلى الجريمة فتمنعه عن قتل نفسه، وقتل غيره.
ولكن يجب النظر إلى ما يرفع الأحقاد، والضغائن من نفوس الأسرة، حقناً للدماء ومحافظة على الأرواح.

مبحث سلطان أولياء الدم على القاتل
-ولما كان من البدهي الذي لا ريب فيه أن القتل يحدث عند أولياء الدم حقداً شديداً، ويترك في أنفسهم لوعة لا تنطفىء إلا بالتشفي من القاتل، وتحكمهم فيه، فقد جعل الشارع
__________
المالكية قالوا: لا مدخل للنساء في الدم، مع قولهم في رواية أخرى: إن للنساء مدخلاً في الدم كالرجال إذا لم يكن في درجتهن عصبة، ومعنى أن لهن مدخلاً، أي في درجة الوقد والدية معاً وقيل: في القود جون العفو، وقيل: الاستيفاء للنساء بثلاثة شروط. إن كن وارثات ولم يساوهن عاصب في الدرجة، وكن عصبة لو كن ذكوراً.
الحنفية، والمالكية رحمهم الله تعالى قالوا: إن الولي إذا عفا عن القصاص، عاد إلى الدية بغير رضا الجاني، وليس له العدول إلى المال إلا برضا الجاني، وإن عفا ولم يقيد عفوه بديته، ولا غيرها فيقتضي العفو مجرداً عن الدية.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: إن الولي مخير بين القود والدية والعفو بغير مال فللولي العدول إلى الدية مطلقاً، سواء رضي القاتل أم لم يرض، لأن الدية بدل عن القود، وقيل: إن الدية بدل عن النفس لا عن القود بدليل أن المرأة لو قتلت رجلاً، وجب عليها دية الرجل، فلو كانت بدلاً عن القود وجب عليها دية المرأة، وقال المتولي من علماء الشافعية: الواجب عند العفو دية المقتول لا دية القاتل، وجمع بعضهم بين الطلامين، بأن القود بد عن نفس المجني عليه وبدل البدل بدل.
قالوا: ولو عقا الولي عن القود على غير جنس الدية، الصالح غيره عليه، ثبت ذلك الغير أو المصالح عليه، وإن كان أكثر من الدية، إن قبل الجاني أن المصالح ذلك نسقط عنه القصاص، وإذا لم يقبل الجاني أو المصالح ذلك فلا يثبت لأنه اعتياض فاشترط رضاهما كعوض الخلغ، ولا يسقط عنه القود في الأصح إن امتنع عن دفعها لأنه رضي به على عوض، ولم يحصل له.
قالوا: ولو عفا عن القود على نصف الدية، فإنه يسقط عن القود الدية معاً اهـ.) .
-
(5/231)

لأولياء الدم سلطاناً، على القاتل الذي يثبت عليه القتل، فإن شاؤوا عقوا عنه في نظير مال أو غيرهن وإن شاؤوا اقتصوا منه بالقتل بدون تمثيل أو تعذيب، وفي ذلك سلوى تذهب بها أحقادهم، فلا يمعنون في العدوان، ولا يسرفون في الانتقام بقتل الأبرياء من أسرة القاتل، فتصور ضغائن خصومهم فيقابلونهم بالمثل، ويترتب على ذلك إراقة الدماء البريئة باقبح معانيها.
فإن الحوادث قد جلت على أن كثيراً من جنايات القتل قد نشأت من إثمال رأي ولاة الدم، وحرصهم على أن ينتقموا بأنفسهم من القاتل، فهم يعمدون إلى اتهام غيره من أقاربه الأبرياء، ويكتمون أمره، كي يقتلوه عند سنوح الفرصة بأيديهم تشفياً، وبذلك تسود الفوضى بين الأسر، وتكثر فيهم حوادث القتل، بدون أن يكون للقانون أدنى بأثير على أنفسهم، أما لو كان لولي الدم رأي في القصاص من أول الأمر، فإنه يرى في تسلطه على القاتل، ما يطفىء لوعته ويرفع عنه المهانة، فتهدأ نفسهن فإن عفا عنه فذاك، وإلا اقتص منه وحده، ووقفت الفتنة عند هذا الحد (1)
__________
(1) (قال تعالى: {ومن قتل مظلوماً} بغير سبب يوجب القتل {فقد جعلنا لوليه} أي لمستحق دمه.
المالكية قالوا: الولي يجب أن يكون ذكراً لأنه أفرده بالولاية بلفظ التذكيرن فالآية تدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي، فلا جرم ليس للنساء حق في القصاص لذلك، ولا أثر لعفوها، وليس لها الاستيفاء.
الحنيفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن المراد بالولي في الآية الوارث قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليا بعض} آية [71 سورة التوبة] ، فاقتضى ذلك إثبا القود لسائر الورثة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعلى المقتتلين أن ينجزوا الول فلأول وإن كان امرأة (سلطاناً) أي تسليطاً إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء اخذ الدية) وقال الإمام مالك: السلطان أمر الله تعالى، ابن عباس قال: السلطان، الحجة.
قالوا: وقوله عالى: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً} تفسير لقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} وطاهر الآية أنه لاسبب لحل القتل إلا قتل المظلوم، ولكن الأحاديث تقتضي ضم شيئين آخرين إليه، وهما: الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، ودلت آية اخرى على حصول سبب رابع وهو قطع الطريق، قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا، أو يصلبوا} ودلت الآية على حصول خامس وهو الكفر، قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر} واختلف الفقهاء في أشياء اخرى منها ترك الصلاة واللواط، والقتل بالسحر، {فلا يسرف في القتل} إنه لما حصلت عليه استيفاء القصاص أو
(5/232)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الدية، فلا يقدم على استيفاء القتل. بلك يكتفي بأخذ الدية، أو يميل إلى العفو، أي فلا يصير مسرفاً بسبب إقدامه على القتل.
وصير معنى الآية، والترغيب في العفو، والاكتفاء بالدية، كما قال تعالى: {وإن تعفوا أقرب للتقوى} .
وقيل: الإسراف في القتل هو أن الولي يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك لأن الواحد منهم إذا قتل واحداً من قبيلة شريفة، فأولياء ذلك المقتول كان يقتلون خلقاً من القبيلة الدنيئة، ولا يكتفون بقتل القاتل، فنهى الله تعالى عنه وامر بالاقتصار على قتل القاتل وحده من غير تعد، وقيل الإسراف في القتل، هو أن لا يرضى بقتل القاتل، فإن أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشراف قبيلة القاتل، ثم كانوا يقتلون منهم قوماً معينين، ويتركون القاتل الساقط.
وقيل الإسراف: هوان لا يكتفي بقتل القاتل. بل يمثل به ويقطع أعضاءه، ويمزق جسده، قرأ الأكثرون (فلا يسرف) بالياء، ويكون الضمير للقاتل الظالم ابتداء أي فلا ينبغي أن يسرف ذلك الظالم.
وقال الطبري: هو على معنى الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده أي لا تقتلوا غير القاتل: {أنه كان منصوراً} فيه ثلاثة أوجه.
الأول: كأنه قيل للظالم المبتدىء بذلك القتل على سبيل الظلم، لا تفعل ذلك، فإن ذلك المقتول يكون منصوراً في الدنيا والآخرة. أما نصرته في الدنيا فيقتل قالتله، وأما نصرته في الآخرة، فبكثرة الثواب له، وكثرة العقاب لقالتله.
الثاني: أن هذا الولي يكون منصوراً في قتل ذلك القاتل الظالم، فليكتف بهذا القدر فإنه يكون منصوراً فيه، ولا ينبغي أن يطمع في الزيادة منهن لأن من يكون منصوراً من عند الله يحرم عليه طلب الزيادة وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قلت لعلي كرم الله وجهه، (وايم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان) ، لأن الله تعالى يقول: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلانا لوليه سلطاناً} .
الثالث: أن هذا القاتل الظالم، ينبغي أن يكتفي باستيفاء القصاص، وأن لا يطلب الزيادة عنه.
فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه؟.
قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة، وباستيفائها أخرى وبمجموعها ثالثة، فأيها كان فهو نصر من الله سبحانه وتعالى، فالله نصره بوليه من بعده.
قال الضحاك: هذا اول ما نزل من القرآن في شأن القتل، وهي مكية، اهـ.
ويشترط لوجوب القصاصن أو الدية في نفس القتيل باو بدنه، أن يقصد القتل أو الشخص بما يقتل غالباً، أو قصدهما بما لا يقتل غالباً، أو تسبب فب قتله بفعل منه. ويشترط في القتيل كونه معصوماً، ويشترط في القاتل كونه مكلفاً.)
-
(5/233)

مبحث حق السلطان على القاتل
-ولا يقال: إذا عفا أولياء الدم عن القاتل كان إطلاقه خطراً على الأمن؟ لأنا نقول: إن ولي الدم في الغلب مصر على القصاص، وإذا فرض وعفا عنه ولكن رأي الحاكم أن إطلاقه يهدد الامن العام، له أن يعزره بما شاء، وله أن يجعله تحت المراقبة، التي تحول بينه وبين العدوان حتى يتحقق، من حسن سلوكه.
فإن من محاسن الشريعة الإسلامية ودقتها، انها جعلت عقوبة القتل قصاصاً يقبل فيه الحاكم الصلح، أو العفو عن أولياء الدم بشروط وتفاصيل تطلب في في كتب الفقه، ولا يسعها المقام (1)
__________
(1) (اختلف العلماء في القاتل عمداً إذا عفا عنه أولياء الدم هل يبقى للسلطان فيه حق أو لا؟
المالكية، والحنيفية رحمهم الله قالوا: إن للحاكم حقاً على القاتل إذا عفا عنه اولياء الدم وله أن يجلده مائة جلدة، ويسجنه سنة كاملة، وبه قال أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وروي ذلك عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
الشافعية، والحنابلة رحمهم الله - قالوا: لا يجب على الحاكم شيء من ذلك إلا أن يكون القاتل معروفاً بالشر والأذى، فيجوز للإمام أن يؤدبه على حب ما يرى بالحبس، أو الضرب، أو التأنيب، وحجتهم في ذلك طاهر الشرع.
قالوا: وليس لمحجور فلس عقو عن مال إن أوجبنا أحدهما لا بعينه، لأنه ممنوه من التبرع به، وإن أوجبنا القود عيناً فإن عفا عن الدية ثبتت كثيره، وإن اطلق العقو فلا يدة أيضاً، وإن عفا المحدور أو المفلس على أن لا مال أصلاً، فلا يجب شيء لأن القتل لم يوجب المال.
وقيل: إن المفلس يصح اقتصاصه. وإساطه، واحترز بمحجور عن المفلس قبل الحجر عليه فإنه كموسر، وبمفلس عن المحجور عليه بسلب عبارته كصبي ومجنون فعفوهما لغو المبذر حكمه بعد الحجر عليه بالتبذير في إساقط القود واستيفائه كرشيد، لأن الحجر عليه لحق نفسه لا لغيره فلا تجب الجية في صورتي عفو.
موت القاتل
الحنفية، والمالكية قالوا: من قتل آخر متعمداً، ووجب عليه القصاص ثم مات بعد ذلك بأجله من غير تعد، سقط حق ولي الدم عن القصاص والدية جميعاً، ولا شيء على ورثة القاتل لفوات محل الاستيفاء.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا مات القاتل عمداً بعد جنايتع، لا يسقط الحق عنه بل تبقى الدية
(5/234)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في تركته، وترد إلى ورثة المقتول، ولهم الحق في أخذها أو العفو عنها، وذلك لأن الوجاب احدهما عنهم، فإذا استحال تحقيق القود وجبت الدية، حتى لا يهدر دمه، كالوالد إذا قتل ولده أو عبده، وتعذر الاستيفاء بالقصاص، فإنه ينتقل إلى الدية. في تركته، وترد إلى المقتول، ولهم الحق في أخذها أو العفو عنها، وذلك لأن الواجب احدهما عندهم، فإذا استحال تحقيق القود وجبت الدية، حتى لا يهدر دمه، كالوالد إذا إذا قتل ولده أو عبده، وتعذر الاستيفاء بالقصاص، فإنه ينتقل إلى الدية.
اختلاف ورثة الدم في العفو
اتفق الفقهاء على أن المقتول عمداً، إذا كان مسلماً معصوم الدم، وكان القاتل مكلفاً عاقلاً، ولم يكن أباً ولا جداً للمقتول، وكان له أولاد ذكور كبار عقلاء، وحضروا مجلس القضاء وطالبوا بالقصاص، فإنه يجب على الحاكم تنفيذ الحكم من غير تأخير، إلا إذا كان الجاني امرأة حاملاص، فإنه يؤجل القود، حتى تضع حملها، وترضع مولودها.
وإن تنازلوا عن القصاص، وطلبوا الدية، وجبت لهم الدية، ولو بغير رضا الجاني، أما إذا اختلفوا في العفو فطلب بعضهم القصاص. وعفا البعض الآخر عن الجاني، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية في مال القاتل، وتقسم على الورثة، وإن لم يرض باقي الورثة، لأن القصاص لا يتجزأ، ويغلب فيه جانب السقوط لحقن الدماء، لحرمة دم الآدمي. لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شبهة في إقامة القصاص على القاتل، أما إذا كان الورثة نساء ورجالاً. واختلفوا في العفو، أو إقامة الحد والقصاص، أو أخذ الدية فقد اختلف فيه الأئمة رحمهم الله تعالى.
المالكية رحمهم الله تعالى قالوا: يسقط القصاص إن عفا رجل من المستحقين حيث كان العافي مساوياً في درجة الباقي من الورثة، والاستحقاق، كابنين، أو عمين، أو أخوين، وأولى، إن كان العافي أعلى درجة كعفو ابن مع اخ، فإن كان العافي انزل درجة من الباقين، لم يعتبر عفوه، كعفو أخ مع ابن للمقتول. وكذا، إن كان العافي لم يساو الباقي، في الاستحقاق كإخوة لام، مع إخوة لاب، لان الاستيفاء حق للغاصب الذكر، فلا دخل فيه لزوج ولا لأخ لأم، اوجد لها، ويقدم الأقرب فالأقرب، فيتقدم ابن فاينه، إلا الجد الأدنى، والاخوة فسيان في القتل والعفو، ولا كلام للجد الأعلى مع الإخوة.
أما إذا كان القائم بالدم نساء فقط، وذلك لعدم مساواة عاصب لهن في الدرجة، بأن لم يوجد أصلاً أو وجد، وكان أنزل. فالبنت، وبنت الابن، احق من الخت قي عفو وضده، فمتى طلبت القصاص الثابت ببينة أو اعتراف، أو العفو عن القتل فيها، ولا كلام للأخت، وإن كانت مساوية في الإرث ولا شيء لها من الدية، أما لو احتاج القصاص لقسامة، فليس لهما أن يقسما، لأن النساء لا يقسمن في العمد، بل العصبة فقط، فحيث اقسموا وأرادوا القتل، وعفت البنت فلا عفو لها، والقول للعصبة في القصاص، وإن عفوا، وأرادت القتل، فلا عفو لهم هم، والقول لها في طلب القصاص، فلا عفو بإجماع الجميع، أو بعض البنات، وبعض منهم.
وإن عفت واحدة من البنات، أو بنات ابن أو أخوات ولم يكن عاصب أو كان، ولا كلام،
(5/235)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لكون البنت أعلى درجة منه والقتل ثابت بالبينة أو الإقرار، نظر الحاكم العد في الصواب، من إمضاء لعفو بعض البنات، أو رد لعفوهن لأنه بمنزلة العاصب، إذ يرث الباقي من التركة لبيت المال.
وفي اجتماع رجال ونساء أعلى درجه منهن ولم يحزن الميراث، لم يسقط القصاص إلا بعفو الفريقين، فمن أراد القصاص من الفريقين. فالقول قوله، أو ببعض من كل من الفريقين، ومهما عفا البعض من المستحقين للدمن، مع تساوي درجاتهم، بعد ثبوت الدم مطلقاً ببينة أو غيرها، فإنه يسقط القصاص، وإذا سقط فلمن بقي من الورثة ممن لم يعف، وله التكلم، في نصيبه من دية عمد، وكذا لو عقا جميع من له التكلم مرتباً سقط حقه من الدم، ومن الدية، وما بقي منها يكون لمن بقي ممن له التكلم، ولغيره من بقية الورثة، كالزوج أو الزوجة، أو الاخوة، وما بقي ممن لا تكلم له بأخذ نصيبه من الدية. كولدين، لأنه مال ثبت بعفو الأول، بخلاف لو عفا في فور واحد، فلا شيء لمن تكلم له، كما إذا اكان من له التكلم واحداً، وعفا، كإرثه للدم، كما لو قتل احد ولديه اباه، ثم مات غير القاتل، ولا وارث له سوى القاتل، فقد ورث القاتل دم نفسه كله، وكذا لو ورث القاتل بعض الدم، كما لو كان غير القاتل أكثر من واحد، مات أحدهم عن القاتل وغيره، فقد ورث القاتل بعض الدم، فيسقط القصاص. ولمن بقي من الورثة نصيبه من الدية، هذا إن استقل الباقي بالعفو، أما لو عفا من يستقل بالعفو فلا يسقط القود عمن ورث قسطاً، إلا بعفو الجميع, أو بعض من كل، كما لو قتل شقيق أخاه وترك المقتول بتات ثلاثة اخوة أشقاء غير القاتل فمات أحد الثلاثة، فقد ورث القاتل قسطاً، ولا يسقط القوج إلا بعفو الجميع، أبو بعض من كل.
الأئمة الثلاثة قاولا: كل وارث يعتبر قوله في اسقاط القصاص وغسقاط حقه من الدية، وفي أخذ حقه، والتمسك به.
وقال الشافعي: الغائب منهم والحاضر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى سواء في الاستحقاق ولاية الدم عن المقتول عمداً، لأن الدم كالدية.
عفو المقتول عمداً المقتول عمداً عن دمه قبل موته
المالكية قالوا: إذا قال البالغ، العاقل، المعصوم الدم، لإنسان: إن قتلتني أبرأتك من دمي فقتله، فإنه لا يسقط القود عن قالتله، وكذا لو قال له بعد أن جرحه، ولم ينفذ مقتله: أبرأتك من دمي. فلا يسقط القصاص، لأنه أسقط حقاً قبل وجبوبه، بخلاف ما إذا أبرأه من دمه بعد إنفاذ مقتله، أو قال له: إن مت فقد أبرأتك، فإنه يبرأ، ولو كان قبل إنفاذ مقتله، ولكن لابد من كون البراءة بعد الجمرح، وللولي حق القصاص، أو العفو مجاباً، أو على الدية إن رضي الجاني بها، فإن لم يرض الجاني بالدية، خير الولي بين أن يقتص من القاتل، أو يعفو عنه بغير عوض، وإن عفا عن الجاني ولم يقيد عفوه بدية ولا غيرها، فيقضى بالعفو مجرداً عن الدية، إلا أن تظهر بقرائن الأحوال إرادتها مع الدية
(5/236)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حال العفو، ويقول: إنما عفوت لأخذ المدية، فيصدق يمينه، ويبقى الولي بعد حلفه، على حقه في القصاص إن امتنع الجاني عن دفع الدية. وإلا دفعها، وتم العفو كما طلب الولي.
الشافعية قالوا: إن قال حر مكلف، رشيد، أو سفيه، لوجل آخر: اقطع يدي مثلاً ففعل الآجنبي فهو هدر، لا قصاص فيه ولا دية، للإذن فيه لأنه اسقط حقه باختياره، فإن سرى الجرح للنفس فمان أو قال له ابتداء: اقتلني، فقتله فهو هدر في الأظهر من المذهب للإذن في ذلك الفعل.
وقبل تجب الدية على القاتل، والخلاف مبني على أن الدية ثبتت لميت ابتداء في آخر جزء من حياته ثم يتلقاها الوارث، أو على أن الدية ثبتت للوارث ابتداء عقب هلاك المقتول؟ إن قلنا بالأول وهو الأصح لم تجب الدية في حال السراية، لأنه أذن فيما بملك وإلا وجبت، ففي صورة القطع تجب نصف الدية، لأنه الحادث بالسراية، وفي حالة الأمر بالقتل ابتداء تجب الدية، وعلى القول الأول تسقط الدية ولكن تجب الكفارة، فإن الكفارة تجب على الصح لحق الله تعالى والإذن لا يؤثر فيها، تجب على كل حال، ولو قال له: اقتلني وإلا قتلتك، فقتله، فلا قصاص ولا دية في الأظهر.
ولو قطع عضو من شخص يجب فيه القود، فعفا المقطوع عن قوده وإريه، فإن لم يسر القطع بأن اندمل فلا شيء من قصاص، أو أرش، لاسقاط الحق بعد ثبوته.
وإن سرى القطع للنفس، فلا قصاص في نفس ولا طرف، لأن السراية تولدت من معفو عنه، فصارت شبهة واقعة للقصاص. أما إذا سرى إلى عضو آخر فلا قصاص فيه وإن لم يعف عن الأول. وأما أرش العضو في صورة سراية القطع للنفس، فإن جرى من المقطوع في لفظ العفة عن الجاني، لفظ وصيته، كأن قال بعد عفوه عن القود، اوصيت له بأرش هذه الجناية فوصيته للقاتل، أو جرى لفظ إبراء أو إسقاطن أو جرى عفو عن القود، اوصيت له بأرش هذه الجناية فوصيته للقاتل، أو جرى لفظ إبراء أو إساقط، أو جرى عفو عن الجناية، سقط الأرش قطعاً، وقيل: ما جرى من هذه الثلاثة وصيته، لاعباره من الثاث، وتجب الزيادة على ارش العضو المعفو عنه أن كان إلى تمام الجية للسراية، سواء تعرض في عفوه لما يحدص منها، أم لا، وفي قول: إن تعرض في عفوه عن الجناية لما يحدث منها سقطت تلك الزيادة، والظهر عدم اسقوط، لأن إسقاط الشيء قبل ثبوته غير منتظم، فلمو سرى قطع العضو المعفو عن قوده وارشه كأصبع، إلى عضو آخر، كباقي الكف، فاندمل القطع، ضمن دية السراية فقط، لأنه إنما عفا عن موجب جناية موجودة فلا يتناول غيرها، ومن له قصاص نفس بسراية قطع طرف، كأن قطع يده فمات بسراية، لو عفا وليه عن النفس، فلا قطع له، لأن المستحق القتل، والقطع طريقه، وقد عفا عنه، أو عفا وليه عن الطرف، فله جز الرقبة في الأصح لأن كلاً منهما حقه، والثاني المنع، لأنه استحق القتل بالقطع الساري، وقد عفا عنه.
ولو قطعه الولي ثم عفا عن النفس مجاناً أو بعوض، فإن سرى القطع إلى النفس، ظهر بطلان العفو ووقعت السراية قصاصاً، لأن السبب وجد قبل العفو، وترتب عليه مقتضاه فلم يؤثر فيه العفو، وإن الم يسرق قطع الولي، بل وقت، فيصح عفوه، لأنه أثر في سقوط القصاص، ويستقر العفو المعفو عليه، إذ لم يستوف بالقطع تمام الدية، ولا يلزم الولي بقطع اليد شيء.
(5/237)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولو وكل الولي غيره في استيفاء القصاص ثم عفا، فاقتص الوكيل جاهلاً بذلك، فلا قصاص عليه لعذره والأظهر وجوب الدية، لأنه بأن أنه قتله بغير حق، فتجب على الوكيل دية مغلظة، لورثة الجاني، لا للموكل، والأصح أن الوكيل لا يرجع بالدية على الثاني أمكن الموكل إعلام الوكيل بالعفو أم لا لأنه محسن بالعفو، ولو وجب قصاص عليها فنكحها عليه جاز وسقط، فإن فارق قبل الوطء، رجع بنصف الأرش، اهـ.
الحنفية، والحنابلة رحمهم الله تعالى قالوا: إذا عفا المقتول عن دمهن في القتل العمد جاز ذلك على الأولياء، وسقط القصاص عن القاتل، ولا يجب شيء لورثته من بعده. لأن الحق الذي جعل للولي إنما هو حق المقتول أولاً، فناب فيه الوارث منابه، وأقيم مقامه، فكان المقتول أحق بالخيار من الذي أقيم مقامه بعد موته.
وقد أجمع العلماء على قوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} أن المراذ في الآية الكريمة هة المقتولن يتصدق بدمه، وذلك في حالة إصابته قبل موته، وإنما اختلفوا على من يعود الضمير في قول تعالى: {فهو كفارة له} فقيل: يعود الضمير على القاتل لمن رأى به توبة.
وقيل: يعود الضمير على المقتول الذي تصدق على قالتله بدمه، أو القود من أطرافه في الجراحة، فيكون هذا التصدق كفارة لذنوبه وخطاياه، إذا فعا عن قاتله، أو عن جرحه.
فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فمن تصدق به} يقول: فمن عفا عنه وتصدق عليهن فهو كفارة للمطلوب، وأجر للطالب.
وروي عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} للمجروح، فيهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به وهكذا، وروي عن الشعبي عن رجل من النصار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فمن تصدق به فهو كفارة له} قالك (هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو بجرح في بدنه فيعفو عن ذلك) قال: (فيحط عنه خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث، فثلث خطاياه، وإن كانت الدية، حطت عنه الخطايا كذلك) .
وروى الإمام أحمد قال: حدّثنا وكيع، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: انا سنرضيه، فألح الأنصاري فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أو الدرداء: سمعت رسول الله يقول: (ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط به عنه خطية) فقال الأنصاري. فإني قد عفوت.
وروي عن عدي بن ثابت: أن رجلاً اهتم فمه رجل على عهد معاوية رضي الله عنه، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى فأعطي ثلاثة، فأبى، فحدث رجل من أصحاب
(5/238)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من تصدق بدم فما دونه، فهو كفارة له، من يوم أن ولد، إلى يوم يموت) والأحاديث في ذلك كثيرة.
الحنفية قالوا: من قطع يد رجل عفا المقطوعة يده عن القطع. ثم مات بعد ذلك، فعلى القاطع الدية في ماله، وإن عفا عن القطع وما يحدث منه، ثم مات من ذلك فهو عفو عن النفس، ثم إن كان خطأ فهو من الثلث، وإن كان عمداً فهو من جميع المال.
لأن العفو عن القطع والشجة والجراحة ليس لعفو عما يحدث منه، فإذا وقع شيء من ذلك وعفا المجني عليه عنه بعد الجرح، ثم سرى ومات بسببه، فعلى الجاني الدية في ماله خاصة. لأن سبب الضمان قد تحقق وهو قتل نفس معصومة مقومة، والعفو لم يتناوله بصريحه، لأنه عفا عن القطع، وهو غير القتل لا محالة، وبالسراية تبين أن الواقع قتل، لا قطع وحقه فيه، فما هو حقه لم يفع عنه، وما عفا عنه فليس بحقه، فلا يكون معتبراص، ألا ترى أن الولي لو قال بعد السراية: عفوتك عن اليدن لم يكن عفواً، ولو قال المجني عليه: عفوتك عن القتل، وأقتصد القطع لم يكن عفواً، فكذا إذا عفا عن اليد ثم سرى القطع، وإذا لم يكن معتبراً وجب الضمان.
والقياس يقتضي القصاص لأنه هو الموجب للعمد، إلا أنا تركناه لأن صورة العفو اورثت شبهة، وهي دارئة للقود، فتجب الدية في ماله.
وقال الصاحبان رحمهما الله تعالى: من قطع يد رجل فعفا المقطوعة يده عن القطع، ثم مات من ذلك القطع بسبب السراية، فهو عفو عن النفس أيضاًن فلا شيء على القاطع، لأن العفو عن القطع عفو عن موجبه، لأن الفعل عرض لا يبقى، فلا يتصور العفو عنه، فيكون العفو عنه عفواً عن موجبه، وموجبه أما القطع إذا اقتصر، ولم يسر، وإما القتل، إن سرى القطع ومات بسببه، فكان العفو، عفواً عنهما جميعاص، ولأن اسم القطع يتناول الساري والمقتصر فإن الاذن بالقطع به، وبما حدث منه، حتى إذا قال شخص لآخر: اقطع يدي فقطعه، ثم سرى إلى النفس، فإنه لم يضمن، والعفو إذن انتهاء، فيعتبر بإذن ابتداء، فصار كما إذا عفا عن الجناية، فإنه يتناول الجناية السارية، والمقتصرة.
وقال الإمام: لا نسلم أن الساري نوع من القطع، وإن السراية صفة له، بل السراية قتل من الابتداء، لأن القتل فعل مزهق للروح، ولما انزهق الروح به عرفنا أنه كان قتلاً، ولأن القتل ليس بموجب للقطع من حيث كونه قطعاً، فلا يتناوله العفو، بخلاف العفوعن الجناية لأنه اسم جنس، وبخلاف العفو عن الشجة وما يحدث منها، لأنه صريح في العفو عن السراية والقتل، ولو كان القطع خطاً فقد أجراه مجرى العمد، في العفو عن القطع مطلقاً، والعفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الشجة، والعفو عن الجناية، ولأن العفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الجناية عفو عن الدية بالاتفاق، والعفو عن القطع مطلقاً عفو عن الدية عن القطع مطلقاً عفو عن الدية عندهما إذا كان خطأ، وعند أبي حنيفة يكون عفواً عن أرش اليد لاغير، والعفو عن الشجة عفو عن الدية إذا سرت عندهما، وعنده عن أرش الشجة
(5/239)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لا غير، والقطع إن كان خطأ وجبت الدية من ثلث المال، وإن كان عمداً فهو جميع المال عند أبي حنيفة رحمه الله اهـ.
الصلح في القتل عمداً على مال
اتفق الأئمة على أنه إذا اصطلح القاتل وأولياء القتيل على مال سقط القصاص، ووجب المال، قليلاً كان أو كثيراً، زائداً على مقدار الدية، لقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان} على ماقيل: إن الآية نزلت في الصلح وهو قول ابن عباس والحسن، والضحاك، ومجاهد وهو موافق للام، فإن لفظ (عفا) إذا استعمل باللام كان معناه البدل، أي فمن أعطى من جهة أخيه في الدين المقتول شيئاً من المال، بطريق الصلح، عن مجاملة وحسن معاملة.
ولأن القصاص حق ثابت للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً، فكذا تعويضاً، لاشتماله على إحسان الأولياء، وإحياء القاتل، فيجوز بالتراضي، والقليل والكثيرفيه سواء، لأنه ليس فيه نص مقدر فيفوض إلى اصطلاحهما كالخلع وغيره، وإن لم يذكروا خالاً، ولا مؤجلاً فهو حال، لأنه مال واجب بالعقد، والأصل في أمثاله الحلول، مثل المهر، والثمن، بخلاف الدية، لانها ما وجبت بالعقد.
المالكية قالوا: يجوز صلح الجاني مع ولي الدم في القتل العمد، ومع المجني عليه في الجرح العمد، بأقل من الدية، أو أكثر منها، حالاً ومؤجلاً، بذهب أو فضة أو عرض.
عفو احد الشركاء في الدم
الحنفية قالوا: إذا عفا احد الشركاء في الجم، أو صالح عن حقه على عوض، سقط حق الباقين في القصاصن وكان لهم نصيبهم من الدية، لان الدية متجزئة، لكونها من قبيل الأموال في الجملة، بالاتفاق، فيجب أن يكونا للجميع حتى للزوجين، لأن وجوبهما اولاً للميت، ثم يثبت للورثة. ولا يقع للميت إلا بأن يسند الوجوب إلى سببه وهو الجرح، فكانا كسائر الأموال في ثبوتهما قبل الموت، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله دخلت دينه فهيا، وتعضى منه ديونه، وكان الإمام على رضي الله عنه يقسم الدية على من أحرز الميراثن وكفى به قدوة، وإذا ثبت ذلك، فكل من الورثة يتمكن من الاستيفاء، والعفو، والزوجية تبقى بعد الموت حكماً في حق الإرث، أو يثبت للورثة بعد الموت مستنداً إلى سببه وهو الجرح، وإذا سقط القصاص ينقلب نصيب الباقين مالاً، لأنه امتنع بمعنى راجع إلى القاتل، وليس للعافي شيء من المال، لأنه أسقط حقه بفعله ورضاه.
الشافعية، والمالكية - قالوا: إنه لا حظ للزوجين في القصاص والدية، ولاحق لهما فيهما،
(5/240)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وذلك لأن الوراثة فيما يجب بعد الموت خلافة، وهي فيه بالنسب، لا السبب، لانقطاعه بعد الموت. والزوجية تنقطع بالموت ولأن المالكية يقولون: لاحظ للنساء في القصاص، والدية معاً.
والشافعية يقولون: لاحظ للناء في استيفاء القصاص، ولهن حق العفو فقط اه.
إذا اقتص من الجاني فمات
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لو اقتص المجني عليه من الجاني، بالعطع مثلاً فمات من أثر القصاص، بسبب السراية، من العضو المقطوع، فلا شيء على المجني عليه، لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقيد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، إذ الاحتراس عن السراية ليس في وسعه، فصار كالإمام، والبزاغ، والحجام، والمأمور قطع اليج، ولقوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه}
الحنفية قالوا: إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فسرى القطع إلى الجسد، ومات بسببه تجب الدية للورثة على عاقلة المقتص له، لأنه قتل بغير حق، لأن حقه القطع، وهذا وقط قتلاً، ولهذا لو وقع ظلماً لكان قتلا ووجب فيه القصاص، ولأنه جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة، وهو مسمى القتل، إلا أن القصاص سقط للشبهةن فوجب المال، بخلاف الإمام وغيرهن لأنه ملكف فيها بالفعل إما تقلداً كالإمام، أو عقداً كما في غيره منها. فالقاضي إذا تقلد القضاء يجب عليه أن يحكم، فإذا قطع يد السارق فمات من ذلك فإنه لا شيء عليه، والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمي إلى الحربي، وفيما نحن فيه من الاستيفاء لا وجوب، ولا التزام إذ هو مندوب إلى العفو، فيكون من باب الإطلاق والإباحة، قال تعالى: {وإن تعفوا اقرب للتقوى} ولو رمى صيداً فأصاب إنساناً ضمن، كذا هذا.
مبحث تأخير القصاص للولد الصغير
الحنفية، والمالكية قالوا: من قتل وله أولياء صغار وكبار، فللكبار أن يقتلوا القاتل. ولا ينتظرون حتى يدرك الصغار، لأن القصاص حق لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة يثبت لكل واحد كملاً كالولاية في النكاح. ولثبوت التفرقة بين الصغار، والكبار الغيب من حيث احتمال العفو في الحال وعدمه، فإن العفو من الغائب موهوم حال استيفاء القصاص، لجواز أن يكون الغائب عفا عن حقه في القصاص، والحاضر لا يشعر به، فلو استوفى كان استيفاء مع الشبهة وهو لا يجوز، وأما العفو في الصغير فميئوس منه حال استيفاء القصاص، لأنه ليس من أهل العفو، وإنما يتوهم العفو منه بعد بلوغه سن الرشد، والشبهة في المال لا تعتبر لأن ذلك يؤدي إلى سد باب القصاص، لاحتمال أن يقدم ولي المقتول على قتله، وكذلك إذا كان احد الاولياء مجنوناً يجب على القاضي تعجل القصاص، ولا ينتظر شفاءه من الجنون المطبع، وهو الذي لا يفيق.
(5/241)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الشافعية، والحنابلة في أظهر روايتهم والصاحبان من الحنفية قالوا: إذا كان أولياء الدم فيهم صغار وكبار فليس للكبار تعجيل القصاص بل ينتظر ويحبس القاتل ولا يخلى سبيله بكفيل، حتى يدرك الصغار، ويبرأ المجنون منهم، فيكون له الخيار بين القصاص وأخذ الديةن أو العفو عن الجاني، أو الصلح على مال. ذلك لأن القصاص مشترك بينهم، ولا يمكن استيفاء البعض لعدم التجزي، وفي استيفائهم الكل إبطال حق الصغير والمجنون، فيجب أن يؤخر القصاص إلى ادراكه، أو يفيق المجنون، كما إذا كان بين الكبيرينن وكان أحدهما غائباً، أو كان بين الموليين وليتفقوا على مستوف وإلا فقرعة يدخلها العاجز، وهذا الخلاف إذا لم يكن في الورثة اب للقتيل، أما إذا كان فيهم الب فلهم الاستيفاء بالاتفاق، ولا ينتظرون حتى يدرك الصغار، لأن الأب له الولاية على النفس.
ولو سبق أحدهم فقتله فالأظهر لا قصاص، وللباقين قسط الدية في تركته، وقيل: من المستوفى، وإن بادر بعد عفو غيره لزمه القصاص، وقيل: لا.
استيفاء الأب لولده الصغير
الحنفية، والمالكية قالوا: إذا قتل ولي الصغيرن أو المعتةه، فللأب وهو حد المقتول استيفاء القصاص، من القاتل نيابة عن المعتوه، والصغير، لأنه من الولاية على النفس، لأن القصاص شرع للتشفين وللأب شفقة كاملة، فيعد ضرر الولد ضرر نفسه، فجعل ما يحصل له من التشفي كالحاصل للابن، فالأب يلي القصاص كما يلي الإنكاح، سواء كان شريكه أم لا، وللأب أن يصالح لأنه أنظر في حق المعتوه والصغير، وليس له أن ينقص عن قدر الدية، فإن نقص المال المصالح عليه عن عدر الدية يجب كمال الدية، وليس له أن يعفو عن القاتل بغير مال، لأن فيه إبطال حقهن وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمداً أو يد الصغير، فللأب أن يستوفي القصاص.
قتل الوالد بولده
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لا يقتل الرجل بابنه لقول صلى الله عليه وسلم: (لا يقاد الوالد بولده) وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، فيصلح مخصصاً لعموم الآية الدالة على وجب القصاص في القتلى، وذلك مثل إخراج قتل المولى عبده أو عبد ولده، ولأن عمر قضى بالدية في قاتل ابنه ولم ينكر عليه أحد.
ولأن الأب لإحياء الولد، فمن المحال أن يستحق له إفناؤه، ولهذا لا يجوز له قتله، وإن وجده في صف الأعداء مقاتلاً، أو زانياً وهو محصن، ويجب على الأب الدية للورثة، ويحرم منها.
المالكية قالوا: لا يقاد الأب بالابن إلا أن يضجعه ويذبحه، أو يحبسه حتى يموت، مما لا عذر له فيه ولا شبهة فإن حذفه بالسيف، أو بالعصا، أو بالحجر الكبير غير قاصد لقلته، فلا يقتل فيه، والجد
(5/242)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في ذلك عندهم مثل الأب، وحجتهم في ذلك عموم القصاص بين المسلمين، لا فرق بين الأب وغيره وقاسوه على الرجل إذا زنا بابنته وهو محصن، فإنه يرجم بالاتفاق، ولأن الآية في القصاص عممتن فلا تخصص بخبر الآحاد، فإذا ثبت العمد وجب عليه القصاص، ومن ورث قصاصاً على أبيه سقط لحرمة الأبوة اهـ.
مبحث شبه العمد
الحنفية قالوا: القتل على خمسة اوجه، عمد، وشبه عمد، وخطأ وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب فالعمد، ما تعمد ضربه بسلاح، أو ما أجري مجرى السلاح كالمحدد من الخشب، وليطة القصب، والمروة المحددة، والنار.
وشبه العمد: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح، ولا ما أجري محرى السلاح، سواء كان الهلاك به غالباً كالحجر والعصا الكبيرين، ومدقة القصار، أو لم يكن كالسوط والعصا الصغير، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن قتيل خطأ العمد، قتيل السوط، والعصا) رواه النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، ووجه الاستدلال به، أنه عليه الصلاة والسلام جعل قتيل السوط والعصا مطلقاً شبه عمد، فتخصصه بالصغيرة إبطال للإطلاق، وهو غير جائز.
ولأن العصا الكبيرة، والصغيرة تساويا في كونهما غير موضوعتين للقتل، ولا مستعملتين له غالباً، إذ لا يمكن الاستعمال على غرة من المقصود قتله، وبالاستعمال على غرة يحصل القتل غالباص، وإذا تساويا، والقتل بالعصا الصغيرة شبه عمد بالاتفاق فكذا الكبيرة، فقصرت العمدية نظراً إلى الألة، فكان شبه عمد.
الشافعية، والحنابلة، والصاحبان من الحنفية - قالوا: شبه العمد، هو أن يتعمد الضرب بما لا يحصل الهلاك به غالباً، كالعصا الصغيرة، إذا لم يوال في الضربات، أما إذا والى فيها فهو عمد، وقيل: شبه عمد، وسمي هذا النوع شبه عمد، لاقتصار معنى العمد فيه، وإلا لكان عمداً، واقتصاره إنما يتصور في استعمال آلة لا يقتل بها غالباً كالعصا الصغيرة، فإن القصد باستعمالها غير القتل كالتأديب، ونحوه، فتجب الدية لا القصاص، أما إذا استعمل آلة يقتل بها، كالضرب بحجر عظيم، أو حشبة عظيمة، أو مدق القصار أو نحوه، فإنه لا يقصد باستعمال هذه الأشياء إلا القتل كالحديدة، والسيف، فكان قتلاً عمداً موجباً للقود، قالوا: وقد واققنا أو حنيفة بأن القتل بالعمود الحديد موجب للقود.
وموجب شبه العمد على القولين، الإثم لأنه قتل وهو قاصد الضرب، والكفارة لأنه خطأ نظراً إلى أن الآلة تدخل تحت قوله تعالى {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} الآية، ولأنه شبيه بالخطأ، ويجب فيه الدية مغلظة على العاقلة. وهي مائة من الإبلن اربعون منها في بطونها أولادها، وتجب في
(5/243)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ثلاث سنين لقضية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقد روي عنه أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ووافقه الصحابة من غير نكير من واحد منهم، فكان كالمروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه مما لا يعرف بالرأي، ويتعلق به حرمان الميراث لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في إسقاط القصاص، دون حرمان الميراث، فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد، قتيل السوط، أو العصا، فيه مائة من الإبل منها اربعون في بطونها أولادها) رواه الخمسة.
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولايقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون جماء في غير ضغينة، ولا حمل سلاح) .
المالكية قالوا: إن الضرب بالعصا، والحجر الصغيرين عمد، فإنهم قالوا: إننا لانعرف ماهو قتل شبه العمد، وإنما القتل عندهم نوعان فقط، عمد وخطأ، ما وقع بسبب من السباب أو من غير مكلف. أو غير قاصد للمقتول، أو القتل بما مثله لا يقتل في العادة به، كالسوط. وهذا لا قود فيه، وإنما تجب فيه الدية، وقتل العمد ما سواه: إذ لا واسطة بين العمد، والخطأ في سائر الأفعال، فكذا في هذا الفعل، وشبه الخطأ أن يتعمد القتل، ويخطىء القصد، أو يضربه بسوط لا يقتل مثله غالباً، أو يلكزه بيده، أو يلطمه لطماً بليغاً، فيجب القصاص في كل ذلك، فإن تعمد الجاني الضرب بقضيب أو سوط لا يقتل به غالباً أو مثقل، كحجر، أو خنق، ومنع من طعام حتى ماب، أو منع من شرب محتى مات فالقود أن قصد بذلك موته، فإن قصد مجرد التعذيب فالدية.
الشافعية قالوا: الفعل المزحق ثلاثة: عمد وخطأ، وشبه عمد، ولا قصاص إلا في العمد، وهو قصد مالفعل والشخص بما يقتل غالباً، جارح، أو مثقل.
فالأول وهو الواجب: قتل المرتد إذا لم يتب، والحربي إذا لم يسلم، أو يعط الدية.
والثاني وهو الحرام: قتل المعصوم بغير حق.
والثالث وهو المكروه: قتل الغازي قريبه الكافر إذا لم يسب الله، أو رسول صلى الله عليه وسلم.
والرابع وهو المندوب: قتل الغازي قريبه الكافر إذا حدث منه سب لله، أو الرسول صلى الله عليه وسلم.
والخامس وهو المباح: قتل الإمام الأسير، وهو مخير فيه.
وأما قتل الخطأ، فلا يوصف بحرام ولا حلال، لأنه غير مكلف فيما أخطأ فهو كفعل المجنون والبهيمة، فإن فقد قصد أحدهما بأن وقع عليه فمات، أو رمى شجرة فأصابه فخطأ، وإن قصدهما بما لا يقتل غالباً فشبه عمد، ومنه الضرب بسوط، أو عصا، فلو غرز إبرة بمقتل فعمد، ولو غرز فيما لا يؤلم كجلدة عقب، فلا شيء بحال، ولو حبسه ومنعه الطعان والشراب والطلب حتى مات، فإن
(5/244)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مضت مدة يموت مثله فيها غالباً جوعاً، أو عطشاً فعمد، وإلا فإن لم يكن به جوع، وعطش سابق فشبه عمد، وإن كان به بعض جوع أو عطش، وعلم الحابس الحال، وكانت مدة حبسه بحيث لو أضيفت لمدة جوعه، أو عطشه السابق بلغت المدة القاتلة فعمد، لظهور الإهلاك من الرجل الحابس، وأما إذا لم يبلغ مجموع المدنين ذلك فهو كما لو لم يكن به شيء سابق، وإن لم يعلم الحال فهو شبه العمد.
مبحث القال بمثقل، والإغراق، أو الإحراق بالنار
المالكية قالوا: إن حبس شخص آخر ومنعه الطعام، أو الشراب حتى مات بسبب ذلك أو خنقه بيده، فيجب عليه القود في كل ذلك إن قصد بذلك موتهن أو علم أنه يموت من ذلك.
ومن سقى غيره سماً في طعام، أو شراب فمات فعليه القود، فقد وري عنهم أن منع فضل مائه، مسافراص، عالماً بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم سقه قتل به، وإن لم يل قتله بيده، ومن ضرب غيره بمثقل كحجر، إن نفذ الضارب مقتله، أو لم ينفذه، ممات مغموراً مما ذكر، بأن ضربه فرفع مغموراً من الضربن أو الجرح حتى مات فيقتص منه بلا قسامة، كما لو رفع ميتاً مما ذكر، فإن لم ينقذ له مقتل، وأفاق بعد الضرب أو الجرح، ثم مات لمقتص إلا بالقسامة، وكذلك من طرح معصوماً غمر محسن للعوم في نهرن لعداوة، أو غيرها، أو طرح من يحسن العوم عداوة، فغرق في الحالين يجب القصاص وإلا لم يكن لعداوة، والدية في اللعب.
ومن تسبب في الإتلاف كحفر بئر، بأن حفرها ببينة فوقع فيها المقصود، أو وضع شيئاً مزلقاً، أو اتخذ كلباً عقوراً لمعين، وهلك المقصود بالبئر وما بعده فيجب القود من المتسبب، وإن هلك غير المقصود، أو قصد مطلق الضرر فهلك بها إنسان فتجب الدية في الحر المعصوم، والقيمة في غيره، وإن لم يقصد ضرراً بالحفر وما بعده، فلا شيء عليه، ويكون هدراً، وتقديم مسموم لمعصوم عالماً بأنه مسموم فتناوله غير عالم فمات يجب القصاص، فإن تناوله عالماً بسمه، فهو القاتل لنفسهن وإن لم يعلم المقدم فهو من الخطأ، ومن رمى على غيره حية، وهي حية فمات، وإن لم تلدغه فمات من الخوف فعليه القود، وإن كانت ميتة فتجب الدية، وكذا إن كان شأنها عدم اللدغ لصغرها، فإن كان على وجه اللعب فالديةن وإن كان على وجه العداوة فالقود.
ومن أشار على غيره بسلاح كسيف، ومدفع، وبندقة، وخنجر، فهرب المشار إليه خوفاً منه، وطلبه المشير في هروبه، لعداوة بينهما، فمات بلا سقوط، فيجب القود بلا قسامة، وإن لم يضربه بالقتل، وإن سقط حال هروبه فبقسامة، لا حتمال موته من سقوطه، واشارته فقط بلا عداوة ولا هرب يكون خطأ، فتجب الدية مخمسة على العاقلة، وكذا إن هرب ولا عداوة ومات فدية خطأ.
الشافعية، والحنابلة قالوا: يجب القصاص بالسبب، فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا:
(5/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تعمدنا الكذب فيها، وعلمنا أنه يقتل، أو يقطع بشهادتنا لزمهما حينئذ القصاص، لآنهما تسبببا في إهلاكه، بما قتل غالباً، فأشبه ذلك الإكراه الحسي، إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما، فلا قصاص عليهما.
لأنهما لم يلجأ إلى قتله حساً ولا شرعاً، فصار قولهم شرطاً محصناً، فيجب على الولي القصاص، أما لو قال الولي عرفت كذبهما بعد القتل، فلا يسقط القصاص عنهما.
ولو ضيف بمسموم يقتل غالباً، أو ناوله صبياً غير مميز، أو مجنوناً فأكله فمات منه، وجب القصاص عليه أو ضيف به بالغاً عاقلاً، ولم يعلم الضيف بالسم حال الطعام، فدية ولا قصاص، لأنه تناوله باختياره من غير إلجاء، وقيل: يجب القصاص. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم امر بقتل المرأة اليهودية التي سمت له الشاة بخيبر، فمات منها بشر بن وائل بن معرور، أما إذا علم الضيف حال الطعام، فلا شيء على المضيف قطعاً لأنه المهلك نفسه، ولا يجب على المجني عليه معالجة الجناية بما يدفعها، فلو ترك المجروح علاج جرح مهلك له، فمات منه وجب القصاص، جزمماً على الجارح، لأن البرء غير موثوق به لو عولج، والجراحة في نفسها مهلكة، ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقاً كمنبسط فمكث فيه مضطجعاً حتى هلك فهدر أو ماء مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة، فإن لم يحسنها، أو كان مكتوفاً، أو زمناً تعمد، وإن أمكنه التخلص بسباحة مثلاً، ولكن منع منها عارض، كريح، وموج، فهلك بسبب ذلك، فشبه عمد تجب دينه، وإن أمكنه التخلص بسباحة مثلاً، ولكن منع منها عارض، كريح، وموج، فهلك بسبب ذلك، فشبه عمد تجب دينه، وإن أمكنه التخلص من الغرق فتركها، فلا دية في الأظهر.
وإن ألقاه في نار يمكن معها الخلاص منها فمكث فيها حتى مات ففي الدية قولان، وقيل: تجب الدية في الإلقاء في النار، بخلاف الماء، لأن النار تحرق بأول ملاقاتها، وتؤثر قروحاً قاتلة، بخلاف الماء، ولو حفر بئراً فرداه فيها آخر، والتردية تقتل غالباً، أو ألقاه من شاهق، فتلقاه آخر فقده، فالقصاص على القاتل في الأول، والمردي في الثاني، والقاد في الثالث، ولو ألقاه في ماء مغرف لا يمكنه الخلاص منه كلجة البحر، فالتقمه حوت وجب القصاص في الأظهر، لأنه هلك بسببه، ولا نظر إلى جهة الهلاك، كما لو ألقاه في بئر مهلكة في أسفلها سكين لم يعلم بها الملقي فهلك بها.
قالوا: ومحل الخلاف ما لم يرفع الحوت رأسه ويلقمه، وإلا وجب القصاص قطعاً، ومحله أيضاً إذا كان لا يعلم بالحوت الذي في اللجة، فإن علم به وجب القود قطعاً. كما لو ألقاه على أسد في ريببته، أو أما قطار سريق.
أما إذا ألقاه في ماء غير مغرق، فالتقمه حوت وهو لا يعلم به الملقي فلا قصاً قطعاً، لأنه لم يقصد إهلالكه، ولم يشعر بسبب الإهلاك كما لو دفعه دفعاً خفيفاً، فوقع على سكين فمات ولم يعلم بها الدافع، فتجب في الحالتين دية شبه العمد، وإن شهر المجنون سلاحاً على غيره فقتله ذلك الغير فلا ضمان عليه لانع قتله دفاعاً عن نفسه، وكذلك لو شهر الصبي سلاحاً على غيره فقتله فلا ضمان، لأنه يصير محمولاً على قتله بفعله فأشبه المكره، وكذلك فعل الدابة لو هجمت على لإنسان فقتلها فلا ضمان لأنه دفاع عن النفس.
(5/246)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحنفية قالوا: من شهر على رجل سلاحاً ليلاً أو نهاراً، أو شهر عليه عصاً في المصر ليلاً، أو شهر عليه عصاً نهاراً في طريق غير المصر فتله المشهور عليه عمداً، وكان الشاهر عاقلاً مكلفاً، فلا شيء عليهن لقوله عليه الصلاة والسلام (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أطل دمه) ولأنه يعد في نظر الشرع باغ، فتسقط عصمته ببغيه، ولأنه تعين طريقاً لدفع القتل عن نفسهن فجاز له قتله، لدفع الشر عن نفسه، وجعف الشر مباح أو واجب، ولأن السراح لا يلبث فيحتاج إلى دفعه بالقتل، والعصا الصغيرة، وإن كانت تلبث، وكن في الليل لا يلحقه الغوث، فيضطر إلى جفعه بالقتل، وكذلك في النهار في غير المصرن في طريق لا يلحقه الغوث، وفي الصحراء فإذا قتله كان دمه هدراً، ولا ضمان على قاتله.
وإن شهر المجنون على غيره سلاحاً فقتله المشهور عليه عمداً، فعليه الدية في مالهن لأنه قتل شخصاً معصوماً، أو أتلف مالاً معصوماً حقاً للمالك، وفعل الدابة لا يصلح مسقطاً وكذا فعلهما، وإن كانت عصمتهما حقهما لعدم اختيار صحيح، ولهذا لا يجب القصاص لتحقق الفعل منهما بخلاف البالغ العاقل، لأن له أختياراً صحيحاً، وإنما لا يجب القصاص مع القتل العمد بسلاح، لوجود المبيحن وهو دفع الشر عن نفسه، فتجب الجية حتى لا يهدر دم المسلم المعصوم.
ومن شهر على غيره سلاحاً في المصر، فضربه ثم قتله الآخر، فعلى القاتل القصاص لأنه ضربه فانصرف عنه، لأنه خرج من أن يكون محارباً بالانصراف، فعادت عصمته إليه، ومن دخل عليه غيره ليلاً، واخرج السرقة، فاتبعه صاحب الدار، وقتله ليخلص المتاع فلا شيء عليه، ودمه هدر، لقول صلى الله عليه وسلم: (قاتل دون مالك) ولأنه يباح له القتل دفاعاً للابتداء، فكذا استرداداً في الانتهاء، وذلك إذا كان لا يتمكن من استرداد ماله، إلا بالقتل.
ومن حفر بئراً في طريق المسلمين، أو وضع حجراً فتلف بذلك إنسان، فديته على عاقلته، وإن تلف به بهيمة، فضمانه في مالهن لأنه متعد فيه فيضمن ما يتولد منه، غير أن العاقلة تتحمل النفس دون المال، فكان ضمان البهيمة في ماله خاصة، وإلقاء التراب، واتخاذ الطين في الطريق بمنزلة إلقاء الحجر، والخشبة.
وإذا كنس الطريق أو رشها، فعطب احد بموضع كنسه أو رشه لا ضمان عليه، لأنه ليس بمتعد فإنه ما أحدث شيئاً فيه، وإنما قصد رفع الأذى عن الطريقن حتى لو جمع الكناسة في الطريق، وتعلق بها إنسان فإنه يضمن دينه، لتعديه بشغله الطريق بالكناسة.
ولو وضع حجراً، فنحاه غيره عن موضعه، فعطب به إنسان، فالضمان على لاذي نحاه، لأن حكم فعله قد انتسخ، والبالوعة يحفرها الرجل في الطريق، فإن امره السلطان بذلك، أو آخرجه عليه لم يضمن ما تلف به، لأنه غير متعد حيث فعل ذلك بأمر من له الولاية في حقوق العامة. وإن كان حفر
(5/247)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
البالوعة، أو رفع غطاءها بغير امره فهو متعد، فيضم ما تلف به، إما بالتصرف في حق غيره، أو بالافتيات على رأي الإمام، أو هو مباح مقيد بشرط السلامة، وكذا كل ما فعل في طريق العامة، وإذا فر البئر في ملكه فلا يضمن لأنه غير متعد، وكذا إذا حفرها في فناء جارهن لأن له ذلك لمصلحة داره والفناء في تصرفه، ولو حفرها في الطريق ومات الواقع فيها جوعاً، أو غماً، لا ضمان على الحافر، لأنه مات لمعنى في نفسه، فلا يضاف إلى الحفر، والضمان إنما يجب إذا مات من الوقوع.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إن مات جوعاً فكذلك، وإن ماتغماً فاحافر ضامن له، لأنه لا سبب للغم سوى الوقوع، أما الجوع فلا يختص بالبئر.
وقال محمد: هو ضامن في الوجوه كلها، لأنه إنما حدث بسبب الوقوع إذ لولاه لكان الطعام قريباً منه، وإن استأجر أجراء فحفروها له في غير ملكه، فذلك على المستأجر فقط وإن علموا ذلك، فالضمان على الاجراء، لأنه لا يصح امره بما ليس بمملوك له، ولا غرس.
قالوا: ومن غرق صبياً، أو بالغاً في البحر فلا قصاص عليه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إلا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط، والعصا) وفيه، وفي كل خطأ أرش، ولأن الآلة غير مستعملة في القتل، ولا معدة له لتعذر استعماله، فتمكنت شبهة عدم العمدية، ولأن القصاص ينبىء عن المماثلة، ومنه يقال: اقتص أثره.
أما إذا بالنار حتى مات، فيجب فيه القصاص بالسيف، وكذلك الضرب بحديدة مدببة، أو خشبة محددة: أو حجر محدد، فإنه يجب فيه القصاص بالسيف، لأنه عمد.
قالوا: من شج نفسه، وشجه رجل، وعقره أسد، وأصابته حية، فمات من ذلك كله، فإنه يجب على الجنبي ثاث الدية، لأن فعل الأسد والحية جنس واحد لكونه هدر في الدنيا والآخرة، وفعله بنفسه هدر في الدنيا، معتر في الآخرة حتى يأثم عليه، فعند أبي حنيفة ومحمد يغسل ويصلى عليه، وعند أبي يوسف يغسل، ولا يصلى عليه، لأنه تعدى على نفسه بشجها، وفعل الأجنبي معتبر في الدنيا والآخرة، فصارت ثلاثة أجناس، فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال، فيكون الثالث بفعل كل واحد ثلثه، فيجب عليه ثلث الدية.
مبحث من مات متاثرا بجراحه
اتفق الأئمة: على أن من جرح رجلاً عمداً، فلم يزل صاحب الجرح ملازماً لفراشه حتى مات من أثر الجراح، فإنه يجب عليه القصاص، لوجود السبب، وهو سفك دم محقون على التأبيد عمداً، وعدم وجود ما يبطل حكمه من عفو، أو شبهة تدرأه، فأضيف إليه.
واتفقوا: على أنه إذا تكافأت الدماء، أن ينفذ القصاص في القتل العمد، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، والرجل بالرجل، والذمي بالذمي، والمستأمن بالمستأمن.
(5/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى} فقد جاءت الآية الكريمة مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قبل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينه قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} .
وبينه النبي صلى الله عليه وسلم حين قتل الرجل اليهودي بالمراة، في المدينة، وحين أمر بقتل المرأة اليهودية التي وضعت السم في الطعام في غزوة خيبر فمات بسببه صحابي من أصحابه رضوان الله عليهم.
مبحث قتل المؤمن بالكافر
المالكية قالوا: يقتل الأدنى صفة بالأعلى، كذمي قتل مسلماً، أو كحر كتابي يقتل بعبد مسلم، لأن الإسلام أعلى من الحرية.
ولا يقتل الأعلى بالأدنى، كمسلم بكافر، وكمسلم رقيق، بحر كتابي، ويقتل الذكر بالأنثى، حيث لم يكن القاتل زائداً حرية، أو إسلاماً، ويقتل الصحيح بالمرض، ولو كان مشرفاً على الهلاك أو محتضراً للموت. وقتل كامل الأعضاء والحواس بالناقص عضواص، كيد ورجل، أو الناقص حاسة كسمع وبصر، واحتجوا على مذهبهم بما روي من حديث الإمام على كرم الله وجهه، أنه سأله قيس بن عبادة والأشقر، هل عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً لم يعهده إلى الناس؟ قال: لا. إلا ما في كتابي هذا، وأخرج كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، لو أحدث حدثاً، أو آوى محدثاث فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين) خرجه أبو دادو.
وما روي أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقتل مؤمن بكافر) . وما روي عن أبي جحيفة أنه قال: قلت لعلي رضي الله عنه: (هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا. والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يعطيه الله تعالى رجلاً في القرآن الكريم، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك ألأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري رحمه الله وأخرجه أبو داود، والنسائي. رحمهما الله تعالى.
واحتجوا أيضاً على مذهبهم، بإجماع العلماء على أنه لا يقتل مسلم بالحربي الذي أمن أي اخذ الامان.
قالوا: فلا يقتل المؤمن بالذمي إلا أن يضجعه فيذبحه، أو يقتله غيلة ويأخذ ماله، فلا يشترط فيه الشوط المتقدمة، بل يقتل ولا صلح ولا عفو.
الشافعية والحنابلة قالوا: يشترط عندهم في القاتل مكافأته، ومساواته للقتيل في الصفة بأن لم يفضله بإسلام أو أمان، أو حرية، أو أصلية، أو سيادة، ويعتبر حال الجناية، حينئذ، فلا يقتل مسلم،
(5/249)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولو كان زانياً محصناً، أو تاركاً للصلا' متعمداً، بذمي، ولا كتابي، لخبر البخاري رحمه الله تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقتل مسلم بذمي) .
قال ابن المنذر: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يعارضه. ولأنه لا يقاد المسلم بالكافر فيما دون النفس بالإجماع، كما قال ابن عبد البر، فالنفس بذلك أولى، والحديث المذكور يقتضي عموم الكافر، فلا يجوز تخصص بإضمار (الحربي) ولأنه لو كان لامعنى كما قال الأحناف، لخلا عن الفائدة، لأنه يصير التقديرن لا يقتل المسلم إذا قتل كافراً حربياص، ومعلوم أن قتله عبادة، فكيف يعقل أنه يقتل به؟.
ويقتل ذمي بالمسلم لشرفه، وبالذمي وإن اختلفت ملتهما، كاليهوجي، بالمسيحي، فلو اسلم الذميي القاتل كافراً مكافئاً له، لم سقط القصاص. لتكافئهما حال الجناية. لأن الاعتبار بالعقوبات حال الجناية، ولا نظر لما يحدث بعدها.
قالوا: ويقتل رجل بامرأة وخنثى، كعكسه، وعالم بجاهل، وشريف بخسيس، وشيخ بشاب كعكسهما، لأنه صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن (إن الذكر يقتل بالأنثى) رواه النسائي وقوله صلوات الله وسلامه عليه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) خرجه أبو داود.
ولو جرح ذمي، ذمياً، وأسلم الجارح، ثم مات المجروح بالسراية، فلا يسقط القصاص بالنفس للتطافؤ حالة الجرح المفضي إلى الهلاك، وذا أسلم المقتول عند إشرافه على القتل، أو بعد جرحه لا يقتص له وارثه الكافر، بل إنما يقتص له الحاكم بعد طلب الوارث، وإذا لم يطلب، فليس للإمان أن يقتص.
ولا يقتل حر بمن فيه رق، ويقتل قن، وعبد، ومكاتب، وأم ولد بعضهم ببعض.
لو قتل عبد عبداً، ثم عتق القاتل، أو عتق بعد الجرح، فكحدوث الإسلام، وهو عدم سقوط القصاص في القتل جزماص، ولا قصاص بين عبد مسلم، وحر وذمي لعلو الإسلام وشرفه.
الحنفية قالوا: يقتل المسلم بالذمي، لأن الله تعالى قال: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالانثى} فهو تخصيص بالذكر، وهو لا ينافي ما عده، كما في قوله، (والأنثى بالأنثى) فإنه لا ينافي الذكر بالأنثى، ولا العكس بافجماع، وفائدة التخصيص الرد على من اراد قتل غير القاتل بالمقتول، وذلك أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ري أن قبيلتين من العرب تدعي إحداهما فضلاً عن الأخرى، اقتتلتا فقالت: مدعية الفضل لا نرضى إلا بقتل الذكر منهم بالأنثى منا، والحر منهم بقتل العبد منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة، رداً عليهم فجاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حراً، وحكم العبد إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينة قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس
(5/250)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بالنفس} وقتل المسلم بالذمي نفس بنفس، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، قاله مجاهد.
قالوا: والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاصن وهي حرمة الدم الثابتة على التأييد والمسلم كذل:، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يقق ذلك: أن المسلم تقطع يده بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواتع لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه، وأجمع العلماء على أن العور والأشل إذا قتل رجلاً سالم الأعضاء، أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية، من أجل أنه قتل إذا عينين وهو أعور، وقت ل ذا يدين وهو أشل، فهذا يدل لى أن النفس مكافئة للنفس، ويكافىء الطفل فيها الكبير.
واحتجوا بما روى محمد بن الحسن عن إبراهيم رحمهما الله تعالى (أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (انا أحق من وفى بذمته، ثم أمر به فقتل) .
ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي ثابتة، نظراً إلى التكليف أو الدرا، ولأن المبيح للدم إنما هو كفر المحارب، قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} آية 29 من التوبة.
ولأن قتل الذمي بالذمي، دليل على أن كفر الذمي لا يورث الشبهة، إذ لو أورثها لما جرى القصاص بينهما، كما لا يجري بين الحربيين، ولأن الأسلام أعلى من حرية الذمي والأعلى لا يقتل بالأدنى، ولا يقتل المسلم بالمستأمن، لأنه غير محقون الدم على التأبيد، وكذلك كفره باعث على الحرب لأنه على قصد الرجوع إلى داره، فصار كالحربي، ولا يقتل الذمي بالمستأمن، ويقتل المستأمن بالمستأمن، ويقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والصحيح بالعمى والزمن، وبناقص الطراف وبالمجنون، للآيات الدالة بعمومها على وجوب القصاص، ولأن في اعتبار التفاوت فيما وراء العصمة، امتنعاع القصاص، وظهر التقاتل، والتفاني بين أفراد المجتمع.
مبحث قتل الحر بالعبد
الحنفية قالوا: يقتل الحر بالحر، والحر بالعبدن لعموم الآيات الواردة في القصاص، ولآن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدين، أو بالدار، والعبد والحر يستويان فيهما، فيجري القصاص بينهما، وحقيقة الكفر لا تمنع ممن جريان القصاص، لأنه لو صلح لما جرى بين العبدين، كما لا يجري بين المستأمنين وليس كذلك، ونص الآية فيه تخصيص بالذكر، وهو لا ينفي ما عداه، كما في قوله تعالى {والأنثى بالأنثى} فإنه لا ينفي أن يقتل الأنثى بالذكر، ولا العكس بالإجماع، وفائدة التخصيص الرد على من اراد قتل غير القاتل، أو الاسراف في القصاص، كأن يقتل العشرة بالواحد.
(5/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد العبد قتل القاتل، وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء استحيا، واخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن الإمام علي، والحسن.
واحتجوا على مذهبهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) .
وما روي عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعنا) رواه أحمد والاربعة، وحسنه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري. فالحديث دليل على أن الحر يقاد بالعبد في النفس والكراف، والجدع قطع الأنف، واو الأذن، أو اليد، أو الشفة في القاموس.
ومن طريق المعنى قالوا: ولما كان قتل العبد محرماً كقتل الحر، وجب أن يكون القصاص فيه كالقصاص في الحر، وقال النخعي وجماعة: يقتل الحر بالعبد سواء كان عبد القاتل، أو عبد غير القاتل، واحتجوا، على هذا بعموم قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وهو ضعيف.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لا يقتل حر بعبد، ولأن مبنى القصاص على المساواة، وهي منتفية بين المالك، والمملوك، ولهذا لا يقطع طرف الحر بطرف العبد، بخلاف العبد بالعبد، لأنهما يستويان، وبخلاف العبد حيث يقتل بالحر لأنه تفاوت إلى نقصان، وهم يقتلون الادنى بالأعلى، دون العكس.
قال أبو ثور: لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد، والحرار، فيما دون النفوس، كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض.
وأيضاً: فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ، لم شبهه في العمد.
وأيضاً: فإن العبد سلعة من السلع، يباع ويشترى، ويتصرف في الحر كما يشاء، فلا مساواة بينه، وبين الحر، ولا مقاومة.
واحتجوا بما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالىعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لايقتل مسلم بكافر) .
مبحث قتل الرجل بالمرأة
اتفقت كلمة فقهاء المسلمين على أنه يجوزقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والصحيح بالمريض لعموم الآيات الواردة في وجوب القصاص، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ورد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه امر بقتل الرجل اليهودي الذي اعترف بقتل المرأة المسلمة في المدينة، وبما روي عن على كرم الله وجهه، وعبد الله قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمداً، فهو بهاقود، كما تقتل المرأة
(5/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بالرجل ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف (المسلمون تتكافأ دماؤهم، فالمرأة تكافىء الرجل، وتدخل تحت الحديث، ولات اعتبار التفاوت فميا وراء عصمة الدم، يجعل القصاص ممتنعاً، ويظهر الفتنة، والتفاني بين العباد، وهذا نشر للفساد فلا يصح، وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم (أن الرجل يقتل بالمرأة) .
القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: يجوز القصاص بين الرجال، والنساء فيما دون النفس، فقد اعتبروا الأطراف اخرى، واولى، ولقوله تعالى {والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن} روى على بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، وبقطع الأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه احرار المسلمين فيما بينهما، رجالهم، ونساؤهم، إذا كان عمداً في النفس، وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم، ونساؤهم، إذا كان عمداً في النفس، وما دون النفس رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
الحنابلة في باقي قولهم: أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى اوليائه نصف الدية، لأن ديتها على النصف من دية الرجل.
الحنفية قالوا: لا قصاص بين الرجل والمرأة، فيما دون النفس، ولا بين الحر والعبد، ولا بين العبيد، لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، فينعدم التماثل بالتفاوت في القيمة، والتفاوت معلوم قطعاً بتقويم الشرع، فإن الشرع قوم اليد الواحدة للحر بخمسمائة دينار قطعاً ويقيناً، ولا بتلغ يد العبد إلى ذلك، فإن بلغت كانت بالحرز والطن، فلا تكون مساوية ليد الحر يقيناً، فإذا كان التفاوت معلوماً قطعاً أمكن لنا اعتباره بخلاف التفاوت في البطش، لأنه لا ضابط له فاعتبر أصله.
وقد سلكنا بالأطراف مسلك الأموال، لانها خلقت وقاية للأنفس كالمال، فاواجب أن يعتر التفاوت المالي مانعاً مطلقاً.
والآية الكريمة، وإن كانت عامة في جميع الأطراف من غير تفاوت، لكن قد خص منها الحربي والمستأمن والنص العام إذا خص منه شيء يجوز تخصيصه بخبر الواحد، فخصصوه بما روي عن عمران بن حصين أنه قال: قطع عبد، لقوم فقراء، أذن عبيد لقوم أغنياء، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقض بالقصاص) .
وقيل: إن الآية المذكورة آية القصاص، {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى
(5/253)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحر بالحر، والعبد بالعبد} والقصاص ينبىء عن المماثلة، فالمراد بما في الآية المذكورة، ما يمكن فيه المماثلة، لا غير اهـ.
مبحث قتل المكره
الشافعية قالوا: لو أكره إنسان شخصاً آخر على قتل شخص بغير حق فقتله، فيجب القصاص على المكره بالكسر لأنه أهلكه بما يقصد به الإهلاك غالباً، فأشبه بما لو رماه بسهم فقتله، وكذا يجب القصاص على المكره بفتح الراء في الأظهر لأنه قتله عمداً، عدواناً وظلماً، لا ستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله، بل أولى، لأن المضطر علىم يقين من التلف، إن لم يأكل، بخلاف المكره بالفتح.
وقيل: القصاص على المكره بالكسر، أما المكره بالفتح فلا قصاص عليه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) ولأنه كالآلة في يد المكره، فصار كما لو ضربه به، أو مثل الذي يسقط من علو، أو الذي تحمله الريح من موضع إلى موضع فقتل غيره.
وقيل: لا قصاص على المكره بالكسر، بل القصاص واجب على المكره بالفتح لأنه مباشر للقتل، والمباشرة مققدمة، على غيرها، ولأنه يشبه من جهة المختار في فعله، ومن جهة المضطر المغلوب، وغلإكراه لا يتم إلا بالتخويف بالقتل، أو بإتلاف ما يخاف عليه التلف من الأعضاء، كالقطع والضرب الشديد، وقيل: يحصل الإكراه بما يحصل به الإكراه على الطلاق من أنواع التهديدات.
ولو قال له: اقتل هذا وإلا قتلت ولدك. وكان في مقدوره أن يقتل ولده، فليس بإكراه، وقال الروياني: الصحيح عندي أنه إكراه، لأن ولده كنفسه في الغالب، فما أصابه من الضرر، كأنما أصاب نفسه، بل بعض النفوس عندها، الولد أغلى من النفس، وهذا هو الظاهر.
وقال الشافعية: لا يجوز للمكره بالفتح الإقدام على القتل المحرم لذاته، وإن لم يوجب عليه القصاص، بل عليه الإثم يوم القيامة، إذا قتل نفساً محرمة، كما لا يباح له الزنا بالإكراه، ولكن يباح له شرب الخمر، والقذف، والإفطار في رمضان، على القول بإبطال الصوم، ويباح له الخروج من صلاة الفرض، وإتلاف مال الغير، وضمن المال هو والمكره.
وإذا أكره إنسان على الإتيان بما هو كفر قولاً، أو فعلاً كالسجود لصنم، مع طمأنينة القلب بالإيمان وكراهية الكفر، فقيل: الفضل له الثبات على الإيمان، ولا يلفظ الكفر، والعياذ بالله.
وقيل: يجوز أن يلفظ به صيانة لنفسه أن تزهق، وقيل: إن كان من العلماء المقتدى بهم فالأفضل الثبات على الإيمان، مهما كان التخويف والوعيد، فإن قتل مات شهيداً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون دينه قهو شهيد) وحتى يكون قدوة لغيره من الناس، كما ثبت أصحاب الأخدود، فإن كان المكره بالفتح لم يظن أن الإكراه يبيح له الإقدام على القتل، وجب عليه القصاص، أما إذا كان
(5/254)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يعقد ذلك فلا قود عليه. وكذلك لا قصاص عليه، إذا كان ممن يخفى عليه تحريم الإقدام نعلى القتل بالإكراه، لأن القصاص يسقط بالشبهة، فإن وجبت الدية في حالة العفو عن القصاص وزعت عليهما بالسوية كالشريكين ويجوز للولي أن يقتص من أحدهما ويأخذ نصف الدية من الآخر، هذا إذا كافأه، فإن ساوى المقتول أحدهما فقط، كأن كان المقتول ذمياً، أو عبداً، واحدهما كذلك، والآخر مسلم، أو حر، فالقصاص على المكافىء دون الآخر، بل يجبعليه نصف الدية، أو نصف القيمة لأولياء الدم، لأنهما مشتركان في الفعل، وشريك غير المطافىء يقتص منه، كشريك الأب، ولو أكره بالغ، عاقل، مراهقاً، أو عكسه، على قتل شخص فقتله، فعلى البالغ القصاص، لوجود مقتضيه، وهو القتل المحض والعدوان على الغير، هذا إن قلنا: عمد الصبي عمد، وهو الأظهر في المذهب، فإن قلنا خطأ فلا قصاص، لأنه شريك المخطىء ولا قصاص على الصبي بحال، لعدم تكليفه، حتى ولو كبر.
ولو أكره بالفتح مكلفاً، على رمي شبح علم المكره بالكسر، أنه رجل، وظنه المكره بالفتح صيداً أو حجراً فرماه فقتله، فالأصح وجوب القصاص على المكره بالكسر ت لأنه قتله قاصداً للقتل بما يقتل غالباً.
ولو أكرهه على رمي صيد فأصاب رجلاً، أو غيره فمات، فلا قصاص على اج منهما، ويجب على عاقلة كل منهما نصف الدية، ولو أكرهه على صعود شجرة، أو على نزول بئر، فزلق فمات، فشبه عمدن لأنه لا يقصد به القتل غالباً، وتجب الدية كاملة على عاقلة، المكره بالكسر وقال الغزالي هو عمد، وقيل: وهو خطأ محض، ولو أكره على قتل نفسه، بأن قال له: اقتل نفسك، أو اشرب هذا السم، وإلا قتلتك، فقتلها، فلا قصاص عليه، في الأظهر، لأن هذا ليس بإكراه حقيقة، لاتحاد المأمور به، والمخوف به، فصار كأنه مختار له.
وقيل: يجب القصاص، كما إذا أكرهه على قتل غيره. ويستثنى ما إذا كان المكره بالفتح غير مميز لصغر، أو جنون، فإنه في هذه الحال يجب القصاص على المكره جزماً ولو قال رجل لآخر: اقتلني وإلا قتلتك، فقتله ذلك الشخص، فالمذهب لا قصاص عليه لأن الإذن شبهة دارئة للحد.
وقيل: يجب عليه القصاص، لأن القتل لا يباح بالإذن، فأشبه ما لو أذن له في الزنا، بأمته، والأظهر عدم القصاص، ولو أمر السلطان شخصاً بقتل آخر، ظلماً بغير حق، والمأمور لا يعلم ظن السلطان، ولا خطأه، وجب القود أو الدية، والكفارة على السلطان فقط، ولا شيء على المأمور لأنه آلته، ولابد منه في السياسة، ولأن الظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بحق، ولأن طاعته واجبة، فيما لا يعلم أنه معصية، وإن علم بظنه، أو خطئه وجب القود على المأمور إن لم يخف قهره بالبطش بما يحصل به الإكراه، لأنه لا يجوز طاعته حينئذككما جاء في الحديث الشريف، (طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فصار كما لو قتله بغير إذنه، فلا شيء على السلطان إلا الإثم فيما إذا كان ظالماً، نعم: إن اعتقد وجوب طاعته في المصيبة، فالضمان على الإمام لا عليه.
فإن خاف قهره، وبطشه، فالضمان بالقصاص، وغيره عليهما، وصار كالمكره ولو أمر شخص
(5/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عبده أو عبد غيره المميز بقتل أو إتلاف ظلماً فقتل أثم الآمر، واقتص من العبد البالغ، وتعلق الضمان برقبته، ولو كان للصبي أو المجنون تمييز وهو لا يعقتد وجوب طاعنه في كل أمره، فالضمان عليهما دون الأمر، وما أتلفه غير المميز بلا أمر، خطأ يتعلق بذمته إن كان حراً، وبرقبته.
المالكية، والحنابلة قالوا: إذا أكره رجل آخر فقتله فيجب القصاص على المكره بالكسر لتسببه ويجب القصاص على المكره بالفتح لمباشرته الفعل بنفسه، لأن المأمور لم يعذر بالإكراه، ولا يعذر الآمر لعدو المباشرة، فيجب القصاص عليهما معاً، واحتجوا في قتل المكره على القتل بالقتل، بإجماع الأئمة على أنه من أشرف على الهلاك من مخمصة، لا يجوز له أن يقتل إنساناً ليأكله، وينقذ نفسه من الهلاك، بل يجب عليه الصبر حتى يموت، ولو فعل كان آثماً.
فإنه يجب قتل المسبب مع المباشر، فيقتل السيد الذي يأمر عبده بقتل حر ففعل، ويقتل معه العبد إن كان كبيراً، وكذلك يقتل الأب إذا آمر ولده الصغير بقتل إنسان ففعل، فإن كان الولد كبيراً قتل معه، ويقتل المعلم الذي يعلم الصنعة، أو العلم أو القرآن إذا أمر تلميذه صغيراً غير مميز فيجب على عائلته نصف الدية مع القصاص من الأب أو المعلم، هذا إن لم يكره.
ويقتل شريك الصبي دون الصبي لأنه غير مكلف، إن تمالا معاً على قتل شخص، وعلى عائلة الصبي نصف الدية، لأن عمده كخطئه، فإن لم يتفقا على قتله، وتعمداه، فعليه الدية في ماله، وعلى عائلة الصغير نصفها وإن قتلاه، أو الكبير خطأ، فعلى عاقلة كل نصف الدية، هذا ما لم يدع أولياء المقتول أنه مات من فعل المكلف فانهم يقسمون عليه ويقتلونه، ويسقط نصف الدية عن عائلة الصبي لأن القسامة، إنما بها، ويستحق بها واحد.
وإنما يكون المأمور مكرهاً بالفتح إذا كان لا يمكنه المخالفة، كخوف قتل من الآمر، أو قطع عضو أو قتل ولد، فإن لم يخفف، اقتص منه وحده دون الآمر.
ومن قدم طعاماً مسموماً، وهو عالم بأنه مسموم لعصوم، فتناوله غير عالم به فمات، يجب عليه القصاص لأنه تسبب في قتله، فإن تناوله المعصوم، وهو عالم بسمه فهو القاتل لنفسه، ولا شيء على المقدم له، وإن كان متسبباً، وإن لم يعلم المقدم بكسر الدال ولا الآكل، فهو من قتل الخطأ، فيجب في الدية، على العاقلة، بعد أن يقسم أولياء المقتول عليه. اهـ.
الحنفية قالوا: من أكره إنساناً على قتل آخر وخوفه بالقتل، أو تلف بعض الأعضاء، فخاف منه وفعل القتل، فإنه يجب القصاص على الآمر دون المأمور، خصوصاً إذا كان للآمر سلطان على المأمور فإن المكره بالفتح يشبه من لا اختيار له، كالذي يسقط من ارتفاع، فقد اعتبروا تأثير
(5/256)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الإكراه في إسقاط كثير من الواجبات في الشرع لكون المكره كالآلة، في د المكره بالكسر، ولحديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) .
ولكن يعاقب المكره بالفتح بأن يضرب مائة جلدة، ويحبس سنة كاملة، أو حسب رأي الحاكم.
وإذا أمر العبد المحجور عليه صبياً حراً بقتل رجل فقتله، فعلى عاقلة الصبي الدية، لأنه هو القاتل حقيقة، وعمده وخطؤه سواء، ولا شيء على الآمر.
للضرب للتأديب
المالكية قالوا: من ضرب آخر لقصد التأديب الجائز شرعاً، كالسلطان مثلاً، إذا ضرب إنساناً لارتكاب جريمة لا توجب الحد، أو أراد أن يعزره مثلاً، أو يجله في حد من الحدود، فمات بذلك السبب. أو قطع يد سارق، فسرع القطع إلى جسده فمات. فإن دمه يكون هدراً، ولا ضمان على الحاكم ولا في بيت آلما، لأنه فعل شيئاً آمره به الشرع، ونفذ حكماً طالبه به الإسلام، ولم يقصد بفعله القتل، ولا الانتقام، وكذلك الأب، أو آلم إذا ضرب أحدهما ولده بقصد التأديب، فمات، لا شيء عليهما، والمعلم، صنعة، أو علماً، أو قرآناً، إذا ضرب الذي يتعلم منه بقصد الحمل على التعليم، والاستفادة منه، فمات، بسبب هذا الضرب الذي يتعلم منه بقصد الحمل على ضرب الزوجة بقصد التربية، والنهي عن المنكر، والحث على الاستقامة، فماتت بسبب ضربه، لا شيء عليه، لأن الشرع وضع الزوجة أمانة في عنقه، يربيها، ويهذبها، ويكسوها، ويطعماه، أباح له الضرب إذا خرجت عن طاعته، أو خاف نشوزها قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن} الآية.
الشافعية، والحنابلة قالوا: إن الشرع قد أباح للأبوين أن يضربا أولادهما للتأديب، ولأمرهما بالمعروف، ونهيهما عن المنكر، وكذلك أباح للزوج أن يضرب زوجته، لحفظ عرضها. وللمعلم أن يضرب من يتعلم منه. وللقاضي أن يضرب من ينحرف من المسلمين، أو يخرج عن طاعته، فلو مات شخص بسبب ضرب واحد من المذكورين، وكان ضربه ضرباً لا يهلك عادة، فإنه لا ضمان عليه، لأنه لم يقصد القتل ولم يفعل إلا بقصد المصلحة للمضروب، وأدى ما أمره به الشارع الحكيم.
قالوا: ولو ضرب واحد من هؤلاء مريضاً ضرباً لا يقتل الصحيح، وهو جاهل بالمرض لا يجب عليه القصاص، لأن ما أتى به ليس بمهلك عنده.
وقيل: يجب عليه القصاص، لأن جهله لا يبيح له الضرب القاتل، أما إذا ضربه وكان عالماً بمرضه، فإنه يجب عليه القصاص جزماً من غير خلاف منهم، لأنه تبين أنه يقصد إهلاكه بالضرب.
الحنفية قالوا: أن الواجبات لا تتقيد بوصف السلامة، فإذا ضرب الأب ابنه، أو ضرب المعلم
(5/257)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الصبي بإذن الأب، فمات الصبي فلا قصاص عليه، بل يجب على الأب، أو المعلم الدية في مالهن في حالة القتل، ولا يرث الأب منها لأنه محروم من ميراثه.
مبحث إذا اشترك في القتل من يقام عليه الحد مع غيره.
المالكية قالوا: إذا شارك بالغ عاقل مسلم، صبياً في قتل رجل معصوم الدم على التأبيد فإنه يجب قتل الكبير دون الصبي، إن تمالأ معاً على قتله ويجب على عاقلة الصبي نصف الدية. لأن عمده كخطىء فإن لم يتمالآ على قتله، وتعمداه، أو الكبير فقط، فعليه نصف الدية، وعلى عاقلة الصغير نصفها، هذا ما لم يدع أولياء المقتول أنه مات من فعل المكلف فقط، فانهم يقسمون عليه، ويقتلونه قصاصاً، ويسقط نصف الدية عن عاقلة الصبي، لأن القسامة إنما يقتل بها ويستحق بها واحد، وإن قتلاه، أو الكبير خطأ، فعلى عاقلة كل نصف الدية.
قالوا: ولا يقتل شريك مخطىء ولا شريك مجنون، بل يجب عليه نصف الدية في ماله خاصة، وعلى عاقلة المخطئ أو المجنون نصفها، هذا أن تعمد وإلا فالنصف على عاقلته أيضاً، وإنما كان على عاقلة الصبي نصف الدية في عمده وخطئه، لأن عمده في نظر الشرع كخطئه.
ومن شارك سبعاً في قتل إنسان عمداً، كأن عقره سبع، ثم شجه رجل ومات بسببهما، ومن جرح نفسه جرحاً ينشأ عنه الموت غالباً، ثم طعنة قاتلة، ومات بسببهما معاً ومن شارك حربياً، في قتل رجل، من غير أن يتفق معه على قتله.
قالوا: يجب القصاص على هؤلاء المكلفين الذين شاركوا غير مكلفين، فإن عقر السبع غير معتبر في الدنيا ولا في الآخرة، وكذلك ضرب نفسه، وإن كان غير معتر في الدنيا فهو معتبر في الآخرة. وعليه الإثم، وكذلك الحري غير معتبر في الدنيا والآخرة,
وقيل: لا يقتص مما ذكرن بل إنما عليه نصف الدية، ويضرب مائة جلدة، ويحبس عاماً كاملاً، والقول بالقصاص يكون بقسامة، والقول بنصف الدية يكون بلا قسامة.
وإن تصادم المكلفان أو تجاذبا حبلاً، أو غيره، فسقطا. راكبين، أو ماشيين، أو مختلفين، قصداً، فماتا، فلا قصاص، لفوات محله، وإن مات أحدهما، فحكم القود يجري بينهما، أو حملاً على القصد عند جهل الحال لا على الخطأ، عكس السفينتين إذا تصادمتا، وجهل الحال، فيحملان على عدم القصد، من رؤسائهما، فلا قود ولا ضمان، لأن جريهما بالريح ليس من عمل أربابهما كالعجز الحقيقي، بحيث لا يستطيع كل منهما أن يصرف دابته، أو سفينته عن الآخر، فلا ضمان بل هو هدر.
ولو قاد بصير أعمى فوقع البصير، ووقع الأعمى عليه فقتله، فتجب الدية على عاقلة الرجل الأعمى، ولو طلب غريقاً، فما أخذه ليخرجه، خشي على نفسه الهلاك منه، فتركه في البحر ومات،
(5/258)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فلا شيء عليه، ولو سقط رجل من فوق دابته في الطريق، على رجل جالس فمات الرجل، فديته على عاقلة الساقط.
الشافعية، والحنابلة قالوا: إذا اشترك في قتل النفس عامد ومخطئ، أو مكلف، وغير مكلف، مثل عامد، وصبي، أو عاقل، ومجنون له نوع تمييز، في قتل من يكافئه، فإنه يجب قتل العاقل المكلف، وتجب نصف الدية على عاقلة الصبي والمجنون، وكذلك الحر والعبد إذا قتلا عبداً عمداً، فيجب على العبد القصاص، ويجب على الحر نصف القيمة من ماله، وكذلك الحل في المسلم والذمي، فإنه يقتل الذمي، وعلى المسلم نصف الدية في ماله، فيتحمل كل واحد جنايته على انفراد، وكأنه لم يشاركه آخر، وحجتهم في ذلك النظر إلى المصلحة العامة التي تقتضي التغليظ على القاتل لحرمة الدماء، فطأن كل واحد منهما انفرد بالقتل فله حكم نفسه، فيجب القصاص على من شارك أباً في قتل ولده، ويجب على الأب وإن سفل نصف الدية مغلظة في ماله، ولا يرث منها، وكذلك يجب قتل شريك حربي في قتل مسلم، وشريك قاطع قصاصاً أو قاطع حداً، كأن جرحه بعد القطع المذكور شخص غير القاطع، وات بسبب القطع، والجرح معاً، وكذا يقتل شريك من جرح نفسه، كأن جرح شخص نفسه جرحاً بالغا ثم جرحه آخر فمات بهما، وكذا يقتل شريك دافع الصائل، كأن جرحه شخص بعد دفع الحيوان الصائل، فمات بهما، وكذا يقتل شريك السبع والحية القاتلين غالباً في قتل من يكافئه، وكذا يقتل عبد شارك سيداً في قتل عبده أو عبد ولده، في الأظهر لظهور الزهوق فيما ذكر بفعلين عمدين، وامتناع القصاص على الآخر لمعنى يخصه، فصار كشريك الأب، ولو جرحه شخص خطأ ونهشته حية، وعقره سبع ومات من ذلك لزمه ثلاث الدية كما لو جرحه ثلاثة.
الحنفية قالوا: لا يجب القصاص على من شارك الأب في قتل ولده، ولا على شريك المولى، ولا على شريك الخاطئ، ولا على شريك الصبي، ولا على شريك المجنون، ولك من لا يجب القصاص بقتله، لأن القتل حصل بسببين، أحدهما غير موجب للقود، وهو لا يتجزأ فلا يجب، لأن الأصل في الدماء الحرمة، والنصوص الموجبة للقصاص مختصة بحالة الانفراد، وموضع يمكن القصاص، وهو غير ممكن هنا لعدم التجزيء فلا يتناوله النص، ثم من يجب عليه القصاص لو انفرد، يجب عليه نصف الدية في ماله، لأن فعله عمد، وإنما لم يجب القصاص لتعذر الاستيفاء، والعاقلة لا تعقل العمد، ونصف الدية الآخر على عاقلة الآخر إن كان صبياً أو مجنوناً أو خطأ، لأن الدية يجب فيه بنفس القتل، فإن عمد الصبي والمجنون خطأ قال الإمام على رضي الله عنه، وإن كان الأب فتجب نصف الدية في ماله خاصة ويحرم من ميراثها، ولأن مشاركة من لا يجب عليه القصاص شبهة، فإن القتل لا يتبعض والحدود تدرأ بالشبهات، فيجب الدية.
قالوا: ومن شج نفسه وشجه رجل، وعقره أسد، ونهشته حية، فمات من ذلك كله، فيجب على الرجل الأجنبي ثلث الدية، لأن فعل الأسد والحية فعل واحد، لكونه هدر في الدنيا والآخرة،
(5/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وفعله بنفسه هدر في الدنيا معتبر في الآخرة، حتى يأثم عليه، ويعاقب به يوم القيامة أمام الله تعالى، وعند الإمام أبي حنفية رحمه الله تعالى، والإمام محمد يغسل الميت، ويصلى عليه، وندع أمره إلى الله تعالى يحاسبه، وعند أبي يوسف رحمه الله، يغسل من شج نفسه، ولا تجب الصلاة عليه، لأنه قاتل نفسه.
فالشرع لم يجعل دمه هدراً مطلقاً كالمرتد مثلاً، وجعله جنساً آخر، وفعل الأجنبي معتبر في الدنيا والآخرة، فصارت ثلاثة أجناس، فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال، فيكون التالف بفعل كل واحد ثلثه، فيجب على الرجل الأجنبي ثلث الدية من ماله خاصة، ويسقط الباقي لأنه هدر.
مبحث قتل الجماعة بالواحد
الشافعية رحمهم الله تعالى قالوا: تقتل الجماعة بالواحد. سواء كثرت الجماعة، أم قلت: وسواء باشروا جميعاً القتل أم باشره بعضهم، وساء قتلوه بمحدد أم بغيره، كما لو ألقوه من شاهق جبل، أو في بحر خضم، أو هدموا عليه حائطاً، ولو تفاوتت جراحاتهم في العدد والفحش والأرش، لما روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قتل نفراً خمسة، وقيل: سبعة، برجل قتلوه غيلة أي جعلوه في موضع لا يراه أحد وقال كلمته المشهورة (لو تمالأ علي أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة الحاضرين في عصره، فصار ذلك إجماعاً، ولأن القصاص عقوبة تجب على الواحد، فيجب للواحد على الجماعة، كحد القذف وغيره، ولأنه شرع لحقن الدماء. فلو لم يجب عند الاشتراك لكان كل من أراد أن يقتل شخصاً استعان بآخرين على قتله، واتخذ ذلك ذريعة لسفك الدماء، لأنه صار آمناً من القصاص.
قالوا: وللولي العفو عن بعضهم على حصة من الدية، وعن جميعهم على الدية، ثم إن كان القتل بجراحات وزعت الدية باعتبار عدد الرؤوس، لأن تأثير الجراحات لا ينضبط، وقد تزيد نكاية الجرح الواحد على وزعت الدية باعتبار عدد الرؤوس، لأن تأثير الجراحات لا ينضبط، وقد تزيد نكاية الجرح الواحد على جراحات كثيرة، ولو ضربوه بالسياط مثلاً فقتلوه، وضرب كل واحد منهم لو انفرد يكون غير قاتل ففي القصاص أوجه:
أحدها: يجب على الجميع القصاص، كيلا يصير ذريعة إلى القتل، وسفك الدماء ظلماً.
ثانيها: لا يجب القصاص على واحد منهم، لأن فعل كل واحد شبه عمد، فتجب الدية.
ثالثها: وهو أصحها: يجب عليهم القصاص إن اتفقوا على ضربه تلك الضربات، وكان ضرب كل واحد منهم يؤثر في إزهاق الروح بخلاف ما إذا وقع اجتماعهم اتفاقا من غير تواطؤ، فإنه تجب عليهم الدية.
وإنما يعتد في ذلك بجراحة كل واحد منهم إذا كانت مؤثرة في زهوق الروح، فلا عبرة بخدشة خفيفة، والولي يستحق دم كل شخص بكماله، إذ الروح لا تتجزأن ولو استحق بعض دمه لم يقتل.
(5/260)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقيل: البعض بدليل أنه لو آل المر إلى الدية لم يلزمه شيء بالحصة، ولكن لا يمكن استيفاؤه إلا بالجميع، فاستوفي لتعذره، وأبطل الإمام القياس على الدية بقتل الرجل المرأة فإن دمه مستحق فيها، وديتها على النصف.
ومن اندملت جراحته قبل الموت لزمه مقتضاها دون قصاص النفس، لأن القتل هو الجراحة السارية.
الحنابلة قالوا: لا تقتلوا الجماعة بالواحد، لأن الله تعالى شرط المساواة في القصاص. ولا مساواة بين الجماعة والواحد، قال تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وقال تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} الآية فيجب عليهم الدية حسب الؤوس، أو يقتل واحد منهم والدية على الباقين اهـ.
الحنفية قالوا: تقتل أنفس الجماعة بالنفس الواحدة. ولا يقطع بالطرف إلا طرف واحد، وذلك لأن مفهوم القتل إنما شرع لنفي القتل، فلو لم يقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة. سواء باشروا جميعاً القتل، أو باشره واحد منهم.
فقد روي (أن امرأة بصنعاء غاب زوجها، وترك في حجرها ابناً له من غيرها، غلاماً يقال له أصيل فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلاً، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر، والمراة، وخادمها فقتلوه، ثم قطعوا أعضاءه وجعلوه فيعيبة، وطرحوه في ركية، في ناحية العزبة، ليس فيها ماء) .
وذكر القصة وفيها، فأخذ خليلها فاعترف، ثم اعترف الباقون، فكتب علي وهو يومئذ أمير على اليمن شأنهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فكتب عمر بقتلهم جميعاً، وقال: (والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله، لقتلتهم أجمعين) وفي هذا دليل على أن رأي سيدنا عمر رضي الله عنه قتل الجماعة بالواحد، ووافقه الصحابة رضوان الله عليهم من غير مخالف منهم، وفي ذلك إجماع من الأمة على هذا الحكم.
ولأن القتل بطريق التغالب فساد غالب، وكل فساد غالب يحتاج إلى مزجرة للسفهاء،
فالقتل بطريق التغلب يحتاج إلى حكم زاجر، والحكم الزاجر في القتل العمد هو القصاص، فهو مزجرة للسفهاء، فيجب تحقيقاً لحكمة الأحياء.
قال صحاب النهاية: وهذا جواب الاستحسان، وفي القياس لا يلزمهم القصاص، لأن المعتبر في القصاص إنما هو المساواة، لما في الزيادة من الظلم على المعتدي، وفي النقصان، من البخس بحق المعتدي عليه، ولا مساواة بين العشرة والاحد، هذا شيء يعلم ببداهة العقل، فالواحد من العشرة يكون مثلاً للواحد فكيف تكون العشرة مثلاً للواحد؟ وايد هذا القياس قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وذلك ينفي مقابلة النفوس بنفس، ولكن تركنا هذا المقياس. لما روي أن
(5/261)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، فقضى عمر رضي الله عنه بالقصاص عليهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به اهـ.
المالكية قالوا: يقتل الجمع كثلاثة فأكثر بواحد، إن تعمدوا الضرب له وضربوه، ولم تتميز ضربة كل واحد منهم، وسواء كان الموت ينشأ عن كل واحدة أو عن بعضهها، واذ انفذ احد الضاربين مقاتله، ولم يدر من أي الضربات فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية في أموالهم إذا لم يتمالؤوا على قتله، وكذلك يقتل الجميع إذا تساوت الضربات، وإن تميزت الضربات، كان بعضها أقوى شأنه إزهاق الروح، قدم الأقوى ضرباً في القتل دون غيره إن علم الضارب وإن لم علم الجميعن وإن قصد الجميع قتله وضربه وحضروا، وإن لم يباشره إلا احدهم، بحيث إذا لم يباشره هذا لم يتركه الآخر، سواء حصل القتل بآلة يقتل بها عادة.
والحاصل: أن الاتفاق يوجب قتل الجميع، وإن رقع الضرب من البعض، أو كان الضرب بنحو سوط، وأما تعمد الضربب بلا اتفاق فإنما يوجب قتل الجميع إذا لم تتميز الضربات، اوتميزت وتساوتن أو لم تتساو، ولم يعلم صاحب الأقوى، والأقدام، وعوقب غيره، وهذا الحكم إذا وقع المضروب ميتاً في جميع هذه الحالات، أو وقع منفوذ المقاتل، أو مغموراً فاقد الشعور حتى مات، وإلا فتجب فيه القصامة، ولا يقتل بها إلا واحد فقط، والله أعلم.
مبحث إذا قتل الواحد جماعة
الحنفية، والمالكية قالوا: إذا قتل الرجل الواحد جماعة، من المسلمين الحرار، مرة واحدة أو متعقبين، فليس عليه إلا القود، ولا يجب عليه شيء آخر بعد ذلك وإذا حضر أولياء المقتولين قتل لجماعتهم، ولا شيء لهم غير ذلك، فإن حضر واحد منهم إلى الحاكم قتل له، وسقط حق الباقين، لفوات محل الاستيفاء، ولأن كل واحد منهم قاتل بوصفالكمال في اعتبار الشرع تحقيقاً للمماثلة المعتبرة في القصاص، فجاء التماثل، اصله الفصل الأول، إذ لو لم يكن كذلك لما وجب القصاص، ولأنه وجد من كل واحد منهم جرح نافذ صالح للإزهاق، فيصاف إلى كل واحد منهم، إذ هو لا يتجزأ، والحكم حصل عقب علل لابد من الإضافة إليها، فإما إن يضاف إليها توزيعاً أو كملاً، والأول باطل لعدم التجزي، فتعين الثاني، ولهذا إذا حلف جماعة كل منهم أن لا يقتل فلاناً، فاجتمعوا على قتله حنثوا.
ولأن القصاص شرع مع المنافي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنيان الرب) وتحقيق الاحياء قد حصل بقتل القاتل، فاكتفى به، ولا شيء لهم غير ذلك.
الشافعية قالوا: إن قتل الرجل جماعة من المسلمين المعصومة دماؤهم، قتل بالأول منهم ويجب
(5/262)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
للباقين الديات من الموال، وإن قتلهم في حالة واحدة، كان هدم عليهم حائطاً وهم نيام فتلهم في وقت واحد، يقرع بين أولياء المقتولين، فمن خرجت قرعتع قتل له، وثبت للباقين الديات لا غير.
وقيل: قتل لهم، وقسمتم الديات بينهم، لتعذر القصاص عليهم، كما لو مات الجاني، فإن اتسعت التركة لجميعهم فذاك، وإلا قسمت التركة بين الجميع بحسب استحقاقهم في الديات، وذلك لأن الموجود من الواحد قتلات عدة، والذي تحقق في حقه قتل واحد فلا تماثل فيه، وهو القياس في الفصل الأول، إلا أنه عرف بالشرع، ولأن الدين شرع المماثلة في القصاص، لئلا يلزم الظلم على المعتدي على تقدير الزيادة، ولئلا يلزم البخص لحق المعتدى عليه، على تقدير النقصان، ولا شك أن الظلم والبخس إنما يندفعان بتحقق المماثلة، فلو قتله غير الأول من المستحقين، أو غير من خرجت القرعة له منهم عصى، لأنه قتل نفساً منع من قتلها.
ووجب على الحاكم أن يعذره لإبطال حق غيره، ووقع قتله قصاصاً لأن حقه يتعلق به، بدليل لو عفا الول، فإن الحكم ينتقل إلى من بعده من الولياء، ويجب للباقين الديات لتعذر القصاص عليهم بغير اختيارهم، ولو ضربوه كلهم حتى مات أساؤوا، ووقع القتل موزعاً لعيهم، ورجع كل منهم بالباقي له في الدية فلو كانوا ثلاثة، أخذ كل واحد منهم ثلث حقه وله ثلثا الدية، ولو قتله أجنبي وعفا الوارث على مال أختص بالدية وله القتيل الأول.
ولو طلبوا الاشتراك في القصاص والديات لم يجابوا لذلك، ولو أن ولي القاتل الأول، أو بعض أولياء القتلى، صبياص، أو مجنوناً، أو غائباً، حبس القاتل إلى بلوغة، وغقامته، وقدومه من السفر.
ولو ضربه واحد ضرباً ثقيلاً، كأن ضربه خمسي سوطاً، ثم ضربه الآخر سوطين أو ثلاثة، حال الألم من ضرب الأول، عالماً بضربه، اقتص منهما، لظهورقصد الإهلاك منهما، أو جاهلاً به فلا قصاص على واحد منهما، لأنه لم يظهر قصد الإهلاك من الثاني، والأول شريك، فعلى الأول حصة ضربه من دية العمد، وعلى الثاني حصة ضربه من دية شبه العمد، وإن ضرباه بالعكس فلا قصاص على واحد منهما، لأن ضرب الأول شبه عمد، والثاني شريكه، فيجب على الول حصة ضربه، من دية شبه العمد، والثاني حصة ضربه من دية العمد، ومن قتل جمعاً، أو قطع أطرافهم مثلاً مرتباًن قتل، أو قطع بأولهم، إن لم يعف لسبق حقهن وهذا الحكم سواء أكان القاتل حراً، أو عبداً.
وقيل: إن كان القاتل عبداً قتل بجمعهم، فإن عفا الول، قتل بالثاني، وهكذا والاعتبار في التقديم والتأخير بوقت الموت، لا بوقت الجناية.
الحنابلة قالوا: إذا قتل واحد جماعة، واحد بعد واحد، فحضر الأولياء قتل للأول ولا شيء للباقين، وإن قتلهم جميعاً ولم يعلم الأول منهم، وحضر أولياء المقتولين، وطلبوا من الحاكم القصاص، قتل لجماعتهم، ولا دية عليه.
(5/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وإن طلب بعضهم القصاص، وبعضهم الدية، قتل لمن طلب منهم القصاص، ولو كانوا أكثر من اثنين، ووجبت الدية في ماله لمن طلبها من الباقين.
وإن طلبوا جيمعاً الدية، كان لكل واحد منهم الدية كاملة من ماله خاصة، إذا كان القتل عمداً، ولاشيء على العاقلة، وإذا كانت التركة لا تسعهم جميعاً، قسمت بينهم بالسوية، كما يفعل مع الغرماء، فيأخذ كل منهم حصته من التركة حسب الرؤوس.
مبحث إذا قطع رجلان يد رجل واحد
الحنفية قالوا: إذا قطع رجلان يد رجل واحد عمداً، فلا يجب القصاص على واحد منهما بل يجب عليهما نصف الديةن لأن تعدد الجاني في الطراف ليس كتعدده في النفس عنهدهم فإذا قطعا يداً لرجل، أو امرأة، حر، أو عبداً فلا قصاص اصلاً، لأن كلاً منهما قاطع بعض اليد، سواء كان المحل متحداً، أو متخلفاً، لأن من انقطع يفعل أحدهما، لم ينقطع بفعل الآخر، وقاطع بعض اليد لا يقطع كل يده قصاصاً لانتفاء المماثلة، وهذا لأن المحل متجزىء، فإن قطع بعض، وترك بعض متصور ومعقول، فلا يمكن أن يجعل كل واحد فاعلا فعلا كاملا، بخلاف النفس، فإن الانزهاق لا يتجزأ، وقد مر ذلك في موضعه، ويجب عليهما نصف الدية مناصفة، لأنه دية اليد الواحدة، ثما قطعاها عمداً.
المالكية قالوا: إذا تعدد مباشر على ما دون النفس بلا تمالؤ منهم عليه وتميزت الجراحات، وعلم فعل كل واحد منهم، فيجب أن يقتص من كلو واحد منهم ما فعل حسب المساحة التي قطعها، ولا ينظر لتفاوت العضو بالرقة والغلظ، والطول والقصر.
فإن تمالؤوا اقتص من كل واحد منهم بقدر الجميع، تميزت الجراحات، أم لا، قياساً على قتل النفس، من أن الجميع عند التمالؤ يقتلون بالواحد، وأما إذا لم تتميز الجراحات عند عدم التمالؤ، فهل يلزمهم دية الجميع، ولا قصاص، أو يقتصر من كل بقدر الجميع؟ فإذا كانوا ثلاثة، خلع احدهم عينه، وقطع الثاني يدهن وقطع الثالث رجله، ولم يعلم من الذي فقأ العين، ومن قطع الرجل، ومن الذي قطع اليد، والحال أنه لا تمالؤ بينهم، اقتص من كل بفقء عينه، وقطع يده، ورجله، وفيه نظر إذا لم يقع من كل واحد وإلا ظهر من المذهب هو الأول.
الشافعية، والحنابلةـ قالوا: يشترط لقصاص الطرف والجرح ما شرط للنفس، من كون الجاني مكلفا ملتزماً، وكونه غير أصل للمجني عليه، ومون المجني عليه معصوماً ومكافئاً للجانين ولا يشترط التساوي في البدل، كما لا يشترط في قصاص النفس، فيقطع العبد بالعبد، والمرأة بالرجلن وبالعكس والذمي بالمسلم، والعبد بالحر، ولا عكس، ويشترط كون الجناية عمداً عدواناً، لأنه لا قصاص إلا في العمد، لا في الخطأ وشبه العمد، ومن صور الخطأ في الأطرافن أن يقصد أن يصيب حائطاً بحجر، فيصيب رأس إنسان فيوضحه، ومن صور شبه العمد، أن يضرب رأسه بطلمة، أو بحجر
(5/264)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لا يشج غالباً لصغره، فيتورم الموضه، إلى أن يتضح العظم، وغير ذلك من أنواع الجنايات، وتقطع الأيدي الكثيرة باليد الواحدة، كما لو اشترك جمع في قطع، كأن وضعوا سيفاً على يده، وتحاملوا عليه دفعة واحدة، حتى قطعت اليد، وجب عليهم القصاص، فيقطعوا جميعاً إن تعمدوا القطع، كما في النفس.
فإن قيل: سرق رجلان نصابا واحداً لم يقطعا، فهلا كان هنا كذلك؟
أجيب بأن القطع في السرقة حق الله تعالى والحدود بالمساهلات أحق، بخلاف القصاص الذي هو حق العبد، لقصد الزجر، وحرمة دم الآدمي.
وإذا تميز فعل بعضهم عن بعض، كأن قطع كل منهم من جانب، والتقت الحديدتان، فإنه لا يجب القصاص على واحد منهما، لأن كلاً منهما لم يقطع إلا بعض اليد، فلا يقطع به كل يده، فتجب عليها نصف الدية.
وإذا قطع كل منهم بعض الطرف، أو تعاونوا على قطعه بمنشار مثلاً، جره بعضهم في الذهاب، وبعضهم في العود، قال الجمهور: لا يجب القصاص على أحد منهم، لتعذر المماثلة، لا شتمال المحل على اعصاب ملتفة، وعروق ضارية وساكنة، مع اختلاف وضعها في الأعضاء، فيجب على كل واحد منهم حكومة تليق بجنايته، بحيث يبلغ مجموع الحكومات دية اليد.
مبحث من اعتدى على رجلين
الحنفية قالوا: إذا قطع واحد يميني رجلين فحضرا فلهما أن يقطعا يده، ويأخذا منه نصف الدية بقسمانه نصفينن سواء قطعهما معاً، أو على التعاقب، لانهما استويا في سبب الاستحقاق، فيستويان في حكمه، كالغريمين في التركة، والقصاص ملك الفعل يثبت مع المنافي، فلا يظهر إلا في حق الاستيفاء، أما المحل فخلو عنه فلا يمنع ثبوت الثاني، بخلاف الرهن، لأن الحق ثابت في المحل، فصار كما إذا قطع العبد يمينيهما على العاقب فتستحق رقبو لهما، وإذا حضر واحد منهما فقطع يده، فلآخر عليه نصف الديةن لأن للحاضر أن يستوفي لثبوت حقه، وتردد حق الغائب، وإذا استوفي لم يبق محل الاستيفاء، فيتعين حق الآخر في الديةن لأنه اوفى به حقاً مستحقاً، يقضى فإذا قضى طرفه حقاً مستحقاً عليه، فيقضى للآخر بالأرش.
أما لو قطع يمين أحدهما، ويسار الآخر قطعت يداه، ولا يقال: تنتفي المماثلة حينئذ لأنه ما فوت على كل واحد منهما جنس المنفعة، وهما فوتاه عليه، لأن المعتبرفي حق كل واحد ما استوفاه، وليس في ذلك تفويت جنس المنفعة، ولا زيادة على حقه.
قالوا: وإن طلبا القصاص معاً قطع لهما ولا دية، وإن طلب أحدهما القصاص والثاني الدية قطع لمن طلب القصاص وأخذت الدية للآخر. اهـ.
(5/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المالكية قالوا: من اعتدى على شخصين فعطع يمينيهما معاً أو متعاقبان، فإنه يجب عليه أن تقطع يمينه لهما، ولا دية عليه بعد ذلك، لا ستحالة الاستيفاء منه لانعدام المماثلة.
الشافعية، والحنابلة قالوا: إذا قطع رجل واحد يميني رجلين على التعاقب فإنه يجب عليه أن تقطع يمينه قصاصاً للأول، والدية للثاني، وإذا قطعهما معاُ مقترنين يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قطع به، لأن اليد استحقها الأول، فلا يثبت الاستحقاق فيها للثاني كالرهن بعد الرهن، وفي القرآن، اليد الواحدة لا تفي بالحقين فترجح بالقرعة، ويغرم الدية، للثاني حتى لا يضيع عليه حقه، كما في النفس عمداً، وكذا إذا اشتبه الأمر.
إذا أمسك رجل رجلاً فقتله الآخر
الحنفية قالوا: لو أمسك رجل برجل، فقتله آخر فإنه يجب القصاص على القاتل دون الممسك، لأنه هو الذي باشر القتل، والممسك لم يباشره فلا قصاص عليه، بل يجب عليه التعزير، فيحبسه الإمام في السجن حتى يموت، فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك) رواه الدارقطني. الشافعية قالوا: لو أمسك إنسان رجلاً، وقتله رجل آخر غيره فإنه يجب القصاص على القاتل، لأنه مباشر للفعل، ويعزر الذي أمسك القتيل حسب ما يراه الحاكم في طول المدة وقصرها، لأن الغرض تأديبه، وليس بمقصود استمراره للموت، واشترطوا في المسألة، أن يكون القاتل مكلفاً، فلو أمسكه رجل وعرضه لمجنون، أو سبع ضار فافترسه، فالقصاص على الممسك قطعاً في الصورتين، ولو وضع صغيراً على هدف بعد الرمي لا قبله، فاصابه السهم من الرامي، لأنه المباشر للقتل، ويجب القصاص على من أردى آخر في البئر فمات، دون الحافر لأن حفره لا أثر له مع المباشر.
وقد روي عن الإمام علي كرم الله وجهه (أنه قضى في رجل قتل رجلاً متعمداً، وأمسكه آخر) ، قال: (يقتل القاتل، ويحبس الآخر في السجن حتى يموت) رواه الإمام الشافعي رحمه الله.
المالكية قالوا: إذا أمسك رجلا وكان يقصد قتله، فقتله آخر، ولولا الامساك ما قدر القاتل على قتله، فيجب القود عليهما معاً، الممسك لتسببه، والقاتل لمباشرته القتل بنفسه، وهي أن يمسكه لاجل القتل، وأن يعلم أن الطالب قاصد قتله، وأن يكون لولا إمساكه ما أدركه القاتل، فإن أمسكه لاجل أن يضربه ضرباً معتاداً، أو كان لم يعلم أنه يقصد قتله، أو كان قتله لا يتوقف على امساك له، قتل المباشر وحده، وهو القاتل فعلاً وضرب الممسك مائة سوط، وحبس سنة كاملة، تأديباً له وتعزيراً.
الحنابلة قالوا: في احدى روايتهم: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت في جميع
(5/266)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الأحوال وفي الرواية الأخرى قالوا: إنهما يقتلان جميعاً على الاطلاق القاتل لمباشرته القتل بنفسه، والممسك لأنه السبب في القتل، إذ لولا الامساك لما حصل القتل.
مبحث عفو المقتول خطأ عن الدية
المالكية، والحنفية، والشافعية وجمهور فقهاء الأمصار - قالوا: إن عفو المقتول عن ديته ينفذ في الثلث من الدية فقط، إلا أن يجيز الورثة هذا العفو، فتسقط الدية كلها عن القاتل خطأ لانهم تنازلوا عن حقوقهم في إرث المال وحجتهم في ذلك، أن المقتول واهب مالاً له بعد موته لأن الدية لا تجب إلا بعد ازهاق الروح، فتنقل الو الورثة، فلا يجوز العفو إلا في الثلث وأصله حكم الوصية، وهي لاتنفذ إلا في ثلث المال، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (الثلث، والثلث كثير) .
وقال الحسن وطاوس وجماعة من الفقهاء: يجوز أن يعفو القاتل عن الدية في قتل الخطأ، وتسقط عن القاتل وحجتهم في ذلك أن المقتول إذا كان له أن يعفو عن الدم فهو أحرى أن يعفو عن المال، والدية يستحقها المقتول أولاً، ثم تنتقل من بعده إلى الورثة.
المالكية قالوا: لو حصل عفو من كبير معه صغير فليس للصغير إلا نصيبه من الدية، ولا يسري عقو الكبير عليه، فلو كان للصغير ولي من أب ونحوه كوصي، واستحق الصغير قصاصاً بلا مشارك له فعلى وليه النظر بالمصلحة في القتل وأخذ الدية كاملة، ويخير إن استوت، ولا يجوز له أخذ بعض الدية مع يسر الجاني، فإن صالح على أقل من الدية، رجع الصغير بعد رشده على القاتل، فإن كان الجاني معسراً فله الصلح بأقل، من الدية، رجع الصغير بعد رشده على القاتل، فإن كان الجاني معسراً فله الصلح بأقل، أما لو قتل الصغير، فلا كلام لوليه، لانقطاع نظره بالموت، والكلام للعاصب، فإن قتل شخص عبد الصبي، أو جرحه، فالأولى للولي اخذ القيمة، والأرش دون القصاصن إذا لانفع للصبي ما لم يخش على الصبي من القاتل، وإلا تعين القصاص ومثله السفيه، والحكم كذلك في الأطراف اهـ.
مبحث صفة القصاص في النفس
المالكية رحمهم الله تعالى قالوا: يجب أن يقتل القاتل بما قتل به، ولو كان المقتول به ناراً، لقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا ما عوقبتم به} قال المفسرون: إن هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به، ولا يتعدى قدر الواجب، ويكون القصاص بالنار مستثنى من النهي عن التعذيب بها على المشهور.
قالوا: والمعنى أن الحق في القتل للولي بمثل ما قتل به الجاني، وذلك إذا ثبت القتل بالبينة، أو الاعتراف، أما لو ثبت بقسامة، فإنه يقتل بالسيف، وكذلك لو ثبت أن القتل بخمر فيتعين قتل الجاني بالسيف، وكذا لو أقر بأنه قتله لواطاً فلا يقتل بما قتل به، بأن يجعل له خشبة في دبره حتى
(5/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يموت، بل يجب أن يقتل بالسيف، أما لو ثبت اللواط بأربعة شهود فيكون حده الرجم بالحجارة حتى يموت ولو كان غيرمحصن، وكذلك من قتل بالسحر وثبت عليه ذلك بالبينة أو إقرار، فيتعين قتله بالسيف، ولا يلزم بفعل السحر مع نفسه حتى يموت، لأن الأمر بالمعصية معصية.
قال بعضهم: أنه إذا أقر يؤمر بفعله لنفسه فا مات، وإلا فالسيف، وكذلك القتل بالسم، يقتل بالسيف في ظاهر المذهب، وكذلك إذا قتله بمنعه عن الطعام، أو الماء، أو قتله بكثرة الأكل والشراب، أو نخسه بإبرة حتى مات على الراجح، فلا يفعل بالجاني ذلك، بل يتعين قتله بالسيف.
قالوا: فإن صدر منه القتل بالغرف يفرق، وإن صدر منه القتل بالخنق، يخنق، وإن قتل بحجر، فإنه يقتل بضرب حجر، ويكون الضرب في موضع خطر حتى يموت بسرعة، وإذا قتل آخر بالضرب بعصا، فإنه يضرب عصا حتى يموت.
قالوا: ويمكن متسحق القصاص من السيف، ولو كان الجاني قتل بشيءأخف من السيف، لأن الحق له في القتل بمثل ما قتل به المجني عليه، فإذا طلب القصاص بالسيف فإنه يجاب إلى طلبه، لأن فيه تخفيفاً عن القاتل.
الشافعية، والحنابلة في إحدى روايتهم قالوا: يجب أن يقتص من القاتلن على الصفة التي قتل غيره بها، وبآلة تشبه الآلة التي استعملها في مباشرة القتل، حت يتحقق القصاص ويشعر بالألم الذي شعر به القتيل، إن كان قتله بفعل مشروع فإن مات بهذه الوسيلة التي استعملها، وإلا تحز رقبته بالسيف قتلاً، لأن مبنى القصاص لغة وشرعاً على المساواة، وذلك فيما ذكرنا، لأن فيه مساواة في اصل الوصف، والفعل المقصود به، فمن قتل غيره تغريقاُ، قتل تغريقاً بالماء، ومن قتل بضرب حجر قتل بمثل ذلك، إلا أن يطول تعذيبه بذلك فيكون السيف له أروح، فإن قطع يد رجل فمات بسبب السراية فعل به مثل ذلك، ويمهل تلك المدة التي مكثها المقتول، فإن مات، وإلا تحز رقبته بالسيف، وإن كان القتل بشي غير مسموح به شرعاً، كأن أكرهه على شرب الخمر حتى قتله بها، أو لاط بصغيرن فقتله، أو اعتدى على صغيرة وزنى بها فقتلها، فإنه يجب قتله في هذه الحالة بالسيف، لأن المماثلة ممتنعة لتحريم الفعل.
وحجتهم في ذلك قول تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} آية 126 من النحل وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} آية 194 من البغرة. قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في التماثل في القصاص، فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به، وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللواطة، وإسقاء الخمر. وما روي عن انس بن مالك رضي الله تعالى عنه (أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟ فلان؟ فلان. حتى ذكروا يهودياً، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فأقر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بين حجرين، متفق عليه، واللفظ لمسلم.
(5/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فالحديث دليل على أنه يجب القصاص بالمثقل، كالمحدد، وأنه يقتل الرجل بالمرأة، وأن القاتل يقتل بما قتل به، قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} .
وبما أخرجه البيهقي من حديث البراء رضي اللهتعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غرض غرضنا به، ومن حرق، حرقناه، ومن غرق غرقناه) ومعنى غرض أي اتخذه غرضاً للسهام، ولأن المقصود من القصاص التشفي، وإنما بكمل إذا قتل بمثل ما قتل، وحديث النهي عن المثلة محمول على من وجب قتله، لا على وجه المكافأة.
ويشترط أن تراعى المماثلة في طريق القتل، وتراعى في الكيفية والمقدار، ففي التجويع يحبس مثل تلك المدةن ويمنع عنه الطعام، وفي الإلقاء في الماء، أو النار يلغى في ماء، ونار مثلهما، ويترك تلك المدة، وتشد قوائمه عند الإلقاء في الماء، إن كان يحسن السباحة، وفي الخنق، يخنق بمثل ما خنق، بمثل تلك المدة، وفي الإلقاء من الشاهق يلقى من مثله، وتراعى صلابة الموضع، وفي الضرب بالمثقل يراعى الحجم، وعدد الضربات، وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر، أو النار، أو على عدد الضربات، اخذ باليقين، وقيل: يعدل إلى السيف، هذا إذا عزم على أنه إن لم يمت بذلك قتله، فإن قال ولي الدم فإن لم يمت به عفوت عنه لم يمكنه لما فيه من التعذيب، وفي السحر، يقتل بالسف لأن عموم السحر حرام، لا شيء مباح فيشبهه، ولا ينضبط وفي الخبر (حد الساحر ضربه بالسيف) ولو قتله بمسموم من طعام أو آلة اقتص منه بمثلها إذا لم يكن مهرياً يمنع الغسل، ولو أنهشه حية، فإن كانت تلك الحية موجودة لم يعدل إلى غيرها، ولو كانت غير موجودة جاز العدول إلى حية غيرها لتنهشه، وكذلك لو ألقاه في زريبة أسد فافترسه، فإنه يلقى أمام الأسد ليفترسه كما فعل، ولو رجع شهود الزنا بعد رجم المشهود عليه، اقتص منهم بالرجم، وإن رجعوا بعد موته بالجلد، اقتص منهم وبالجلد، ولو جوع، كتجويعه فملم يمت في المدة الي جوع فيها المقتول، فإنه يزاد في المدة حتى يموت، ليكون قتله بالطريق التي قتل به، ولا يبالي بزيادة الإيلام، والتعذيب، كما لو ضرب رقبة إنسان بضربة واحدة ولم تنحز رقبته إلا بضربتين، لأن المماثلة قد حصلتن ولم يبق إلا تفويت الروح فيجب تفويتها بالأسهل.
ومن عدل من أولياء الدم عما تجوز فيه المماثلة، إلى الضرب بالسيف، فله ذلك، سواء ارضي الجاني، أم لا، فإنه أرحم واسهل، بل هو أولى للخروج من الخلافن أما إذا عدل إلى ذبحه كالبهيمة، لم يجز، لهتكه الحرمة، فإن كان الجاني قتل بالسيف، ويريد ولي المقتول قتل الجاني بغير السيف، فإنه لا يمكن من ذلك.
ولو قطع يدهن فسى قطعه للنفس، فمات، فللولي حز رقبته ابتداء، لأنه أسهل على الجاني من القطع، ثم الحز، وله القطه، للمماثلة، ثم الحز للرقبة حالاً للسراية، ولا يجاب الجاني إذا قال لولي المجني عليه: امهلني عليه بعد جنايتي، لثبوت حق القصاص ناجزاً، وإن شاء الولي
(5/269)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أخر، وانتظر السراية، بعد القطع وليس للجاني أن يقول لولي المقتول ارحني بالقتل أو العفو، بل الخيرة في ذلك إلى المستحق، لأنه صاحب الشأن.
ولو مات بجائفة أو كسر عضو، أو نحو ذلك مما لا قصاص فيه. فللولي حز الرقبة بالسيف لا غير، لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة، بدليل عدم إيجاب القصاص في ذلك عند الاندمال فوجب السيف، فإن قال ولي المقتول: أجيفه، وأقتله أن لم يمت فله ذلك، وإن قال: أجيفه ثم أعفو لم يكن من ذلك.
ولو اقتص معطوع عضو فيه نسف الدية، من قاطعه، ثم مات المقطوع الأول بالسراية، فلوليه حز الرقبة وله عفو بنصف الدية في تركة الجاني، ولو قطعت يداه فاقتص المقطوع، ثم مات سراية فلوليه الحز لرقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه، فإن عفا عن قتله، فلا شيء له، لأنه استوفى ما يقابل الدية، ولو مات الجاني سراية من قطع عضو منه قصاصاً، فنفسه هدر، لقوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} .
وقد روى البعقي عن عمر، وعلي رضي الله عنهما: (من مات في حد، أو قصاص، فلا دية له، والحق قتله) ولأنه مات من قطع يستحق، فلا يتعلق بسرايته ضمان، كقطع يد السارق حداً,
قالوا: يأذن الإمام، أو نائبه لواحد من مستحقي القصاص في استيفائه بنفسه، في النفس إذا طلب ذلك ليكمل له التشفي.
الحنفية قالوا: لا يجوز أن يستوفى القصاص إلا بالسيف خاصة، في جميع الأحوال، سواء كان القتل به أم بغيره، واحتجوا على مذهبهم بما أخرجه البزار، وابن عدي، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا قود إلا بالسيف) وواحتجوا بأن الشارع نهى عن المثلة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) .
فقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا قود إلا بالسيف) نص على نفي استيفاء القصاص بغيره. ويلحق به ما كان سلاحاً من غير السيف، كالمدفع، والبندقة، وغيرهما، ولأن فيما ذهب الأئمة إليه استيفاء لزيادة، فلم يحصل المقصود بمثل ما فعل الجاني، فيجب التحرز عنه، كما في كسر العظم والجائفة، ولأن الآلة في الاغراق، والخنق، وإلاحراق، غير معدة للقتل، ولا مستعملة فيه لتعذر استعمالها، فتمكنت شبهد عد العمدية، ولأن القصاص مبني على المماثلة، ومنه يقال: اقتص أثره، ولا تماثل بين الجرح والدق، لقصور الثاني عن تخريب الطاهر، وكذا لا يتماثلان في حكمة الزجر، لأن القتل بالسيف غالب، وبالمثقل نادر.
وأما ما رواه الشافعية من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه، من قتل عبداً قتلناه) فهو غير مرفع لأنه يلزم على قولهم أنه يجوز التحريق بالتحريق، وهو منهي عنه شرعاً، فقد
(5/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تعذبوا أحداً بعذاب الله) أو أن الحديث محمول على السياسة، حيث اضافه صلى الله عليه وسلم إلى نفسه فقال: (غرقنا) ولم يقل صلوات الله
وسلامه عليه (حرقوه أو غرقوه) وقد استدل الأحناف بهذا الحديث في وجوب القصاص، ولم يعملوا به، في الاستيفاء لقول صلى الله عليه وسلم: (لا قود إلا بالسيف) فهو أقوى من الحديث الثاني عند أهل الحديث وقد ذكر بعده، فنسخ حكمه.
مبحث من قتل ثم لجأ إلى الحرم
الشافعية قالوا: يقتص المستحق على الفور في النفس، وكذلك في الأطراف على المذهب لأن القصاص موجب الاتلاف، فيتعجل كقيم المتلفات، والتأخير لاحتمال العفو.
قالوا: ويقتص في الحرم، لأن الحرم لا يمنع من القصاص، كقتل الحية والعقرب داخل الاحرم، وسواء التجأ إليه أم لا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عامم الفتح وسمع به عبد الله بن خطل التميمي الذي ارتد بعد إسلامه، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم في شعره ويلقنه لجاريتيه المغنيتين، فتتغنيان به، فخاف من الرسول وتعلق بأستار الكعبة ليستجير بها، وعند طواف النبي صلى الله عليه وسلم بها أخبر بحالته، فقال: (اقتلوه) فإن الكعبية لا تعيذ عاصياً، ولا تمنع من إقامة حد واجب فقتل وكذلك الحويرث بن نقيد، فإنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بهجائه، فقتله الإمام على رضي الله تبارك وتعالى عنه بمكة المكرمة.
وكذلك المقيدس بن صبابة الكندي عبد أن ارتد ورجع إلى مكة، فامر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، واهدر دمه، فقتله ابن عمه نميلة بن عبد الله الليثي، وهو متعلق بأستار الكعبة، وقيل: بمحل آخر، ولأن القصاص على القور، فلا يؤخر.
فلو التجأ الجاني إلى الكعبة، أو المسجد الحرام، أو غيره من المساجد، أو إلى ملك إنسان فيخرج منه ثم يقتل صيانة للمسجد، ولأنه يمتنع استعمال ملك الغير بغير غذنه، فإن هذا التأخير يسير، وخوفاً من تلوث المسجد الحرام أو المساجد الأخرى، فيخرج منها، وكذا يقتل لو التجأ الجاني إلى مقابر المسلمين، ولم يمكن قتله إلا بإراقة الدم عليها، وإذا لم يخرج الجاني من الحرم، ومكث فيه جاز إقامة القصاص عليه وقتله فيه، فإن حرمة دم الآدمي أقوى من حرمة البيت.
المالكية قالوا: لو قتل شخص إنساناً في الحل ثم دخل الحرم بعد ارتكاب جنايته فلا يؤخر، بل يجب إخراجه من الحرم، ويقام عليه الحد خارج الحرم، ولو كان الجاني محرماً، ولا ينتظر لإتمامه ولا يجوز إقامة القصاص في الحرم عليه لئلا يؤدي إلى تنجسه بالدماء، وسواء فعل موجب القصاص في داخل الحرم، أم فعله خارجه ثم لجأ إليه، ليهرب من تنفيذ القصاص
وأما قوله تعالى: {ومن دخله كان آمناً} فهو إخبار عما كان عليه الناس في الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ودخل الحرم فيلقاه ابن القتول، فلا يهيجه حتى يخرج.
(5/271)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا أبو يحيى التميمي عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {ومن دخله كان آمناً} قال: (من عاذ بالبيت اعاذه البيت، ولكن لا يؤوى، ولا يطعم، ولا سقى، فإذا خرج أخذ بذنبه) .
وروي في الصحيحين، والفظ لمسلمعن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قال قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته اذناي، ووعاه قلبين وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله، وأثنى عليه ثم قال: (مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك بها دماً، أو يعيضد بها شجراً، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له إن الله أذن لنبيه، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالآمس، فليبلغ الشاهد الغائب) فقيل لأبي شريح ما قاله لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح: إن الحم لا يعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم، ولا فاراً بدم، ولا فاراً بجزية، وقيل: الجملة إنشائية معنى أي آمناً من القتل، والظلم، إلا بموجب شرعي، وهذا هو الإثم الذي ذكره الله تعالى بقوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} . آية 25 من سور الحج.
الحنفية رحمهم الله تعالى قالوا: إذا قتل رجل إنساناً عمداً خارج الحرم، ثم لجأ إليه ليفر من القصاص وأقام بالحرم، أو وجب القتل عليه ردة، أو زنا وهو محصن، أو بسبب خروجه على جماعة المسلمين، ثم لجأ إلى الحرم بمكة المكرمة، فلا يجب قتله ما دام في الحرم، لحرمة القتل في الحرم، لقول تعالى: {ومن دخله كان آمنا} يعنى حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، فمن عاذ بالبيت أعاذه البيت، وورد في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرم الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتل فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها، فقال العباس: يا رسول الله إلا الأذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: (إلا الادخر) وقد ورد في تأمين من دخل الحرم عدة آيات منها قوله تعالى {واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} ومنه قوله تعالى {واذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً} آيتي 125، 126 من سور البقرة، وقال تعالى: {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} آية 4 من سورة قريش فظاهر الآية الكريمة الإخبار عن كون من دخله آمناً، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً فيقع الخلف في الخبر، فودب حمله على الأمر، أي آمنوا من دخل الحرم وترك العمل به في الجنايات التي دون النفس لأن الضرر فيها أخف من قتل النفس، وفيما إذا وجب على الجاني القصاص لجناية ارتكبها داخل الحرم، فإنه يجوز أن يقتل في الحرم في هذه الحالة، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، فلا يحترم دمه، أما إذا ارتكب الجناية خارج الحرم ثم التجأ إليه فلا يستوفي فيه بل يجب أن يضيق عليه، فيمنع من
الطعام والشراب والكلام والمعاملة، حتى يخرج من الحرم
(5/272)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فيستوفى منه القصاص ويقتل أو يموت داخل الحرم بالجوع والصد، وذلك تعظيماً لحرمة البيت الحرام. الحنابلة قالوا: لا يستوفى من الملتجىء إلى الحرم قصاصاً مطلقاً، سواء ارتكب الجناية خارج الحرم والتجأ إليه واحتمى به، أو ارتكب جنايته داخل الحرم واعتصم به، وسواء كان القصاص في النفس أو الأطراف، ولا يضيق عليه، حتى يخرج من الحرم، أو يموت، فإن خرج من الحرم، قتل بذنبه، ونفذ عليه القصاص الواجب عليه، وإلا ترك وشأنه في الحرم. وذلك لنص الآيات الواردة في في تأمين من دخل الحرم قال تعالى: {ومن دخله كان آمناً} تأكيداً لفضيلة الحرم، واحتراماً لقدسيته، لشدة حرمة الحرم في الكتاب والسنة الذي هو حضرة الله تعالى الخالصة، فيحمل هنا على حال الحاكم الذي غلبت عليه هيبة المولى عز وجل. وهيبة بيته الحرام، فانطوت فيها إقامة حدوده حرمة له، فأخر القصاص مدة عن الجاني حتى يخرج من الحرم.
مبحث ما لا يجب عليه القصاص في العمد
الحنفية قالوا: لا يجب القصاص على المسلم إذا قتل المستأمن لأنه غير محقون الدم على التأبيد، لأن كفره باعث على الحراب، لأنه على قصد الرجوع إلى داره، فكان كالحربي،
ولا يقتل الذمي بالمستأمن، لقيام المبيح، وعدم التكافؤ.
ولا يقتل الرجل بابنه، لقوله صلوات الله وسلامه عليه: (لا يقاد الوالد بولده) وهو معلوم بكونه سبباً لإحيائه، فإن المحال أن يتسبب لفنائه، ويلحق بالأب الأم، وكذلك الجد والجدة من قبل الأب، والأم، وإن سفل.
ولا يقتل الرجل بعبده، ولا مدبره، ولا مكاتبه، ولا بعبد ولده، لأنه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص، ولا يستوجب ولده على أبيه، إذا قتل الأب ولده عبده.
ولا يقتل الرجل بقتل عبد ملك بعضه. بهبة، أو ميراث، أو شراء، لأن القصاص لا يتجزأ.
ومن ورث قصاصاً على أبيه، مثل أن يقتل الرجل أم ابنه الكبير مثلاً، سقط القصاص عن الأب، لحرمة الأبوة.
وإن قتل عبد الرهن في يد المرتهن لم يجب القصاص حتى يجتمع الراهن والمرتهن، لأن المرتهن لا ملك له فلا يليه، والراهن لو تولاه لبطل حق المرتهن في الدين فيجب اجتماعهما، ليسقط حق المرتهن برضاه.
والعبد الذي أعتق بعضه إذا مات ولم يترك وفاء، فلا يجب القصاص على قاتله، لأن ملك المولى لا يعود بموته، ولا ينفسخ بالعجر ما عتق منه.
(5/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ومن غرق صبياً، أو بالغاً في البحر فلا قصاص عليه، عن أبي حنيفة، وقال الصاحبان يجب عليه القصاص، ويستوفى منه القصاص بحز رقبته بالسيف.
ومن رمى رجلاً بسهم عمداً، فنفذ منه السهم إلى رجل آخر وأصابه وماتا معاً، فيجب عليه القصاص في الأول، وتجب الدية لورثة الثاني على عائلة الرجل القاتل. لأن الول عمد، والثاني احد فرعي الخطأ، فكأنه رمى صيداً فأصاب آدمياً، والقتل يتعدد بتعدد أثره، ولا قصاص على من قتل لصاً دخل عليه ليلاً وأخرج ماله، أو اعتدى على عرضه، ولا قصاص على صبي ولا مجنون، لانهما غير مكلفين: يجب الدية على العاقلة، ولا قصاص على مسلم قتل مسلماً ظن أنه مشرك عند التقاء الصغين من المسلمين والمشركين ولا قصاص على من قتل رجلاً باغياً، شهر سيفه على المسلمين في طريقهم ليعتدي عليهم.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: يشترط لوجوب القصاص في القتيل إسلامه لخبر مسلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها) ويشترط أمان المقتول، إما بعقد ذمة، وإما بعهد، أو أمان مجرد لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} آية [6: من التوبة] .
فلا يجب القصاص على قاتل الحربي، لأنه مهدر الدم لعموم قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} آية [5: من التوبة] .
فلا قصاص على من قتل المرتد عن الإسلام والعياذ بالله تعالى لقوله صلوات الله وسلامه عليه. (من بدل دينه فاقتلوه) .
ويسقط القصاص عن الصبي والمجنون، لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رفع القلم عن ثلاث) وإنما يسقط القصاص عن المجنون إذا كان جنونه مطبقاً لا يقيف منه، أما الجنون المتقطع فينظر إن كان في زمن إفاقته فهو كالعاقل الذي لا جنون به، وإن كان الحادث وقع في زمن جنونه، فهو كالمجنون الذي لا إفاقة له.
أما السكران، فالظاهر من المذهب وجوب القصاص عليه إن تعدى بسكره لأنه مكلف، ولئلا يؤدي إلى ترك القصاص، لأن من رام القتل لا يعجز أن يسكر حتى لا يقتص منه، وألحق به من تعدى بشراب دواء مزيل للعقل، فإنه يقتص منه.
أما السكران غير المعتدين فهو كالمعتوه فلا قصاص عليه.
ولو قال: كنت يوم القتل صبياً أو مجنوناً، وكذبه لي المقتول، صدق القاتل بيمينه، إن أمكن الصبا وقت القتل وعهد الجنون قبله، لأن الأصل بقؤهما، بخلاف ما إذا لم يمكن صباه، ولم يعهد جنونه فإنه يقتص منه.
ولو قال القاتل: أنا الآن صبي وأمكن فلا قصاص عليه، ولا يحلف أنه صبي لأن التحليف.
(5/274)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لاثبات صباه، ولو ثبت لبطلت يمينه، ففي تحليف إبطال لتحليف، ولا قصاص على حربي قتل حال حرابته، ثم عصم بعد ذلك بإسلام، أو ذمة، لما تواتر من فعله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده. من عدم القصاص ممن أسلم، لأن الإسلام يجب ما قبله، وقد عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عن وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنه، ولا يقتل مسلم ولو كان زانياً محصناً، بقتل ذمي، للحديث الوارد في صحيح البخاري رحمه الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا لا يقتل مسلم بكافر) لأنهم اشترطوا في القاتل مكافأته للقتيل، بأن لم يفضله بإسلام، أو أما، أو جزية، أو أصلية، أو سيادة، ولهذا لا يقتل ذمي بمرتد، ولا يقتل حر بمن فيه رق، ولو قت الحر المسلم شخصاً لا يعلم أنه مسلم أو كافر، ولا أنه حر، أو عبد فلا قصاص للشبهة، ولا يقتل المكاتب إذا قتل عبده ولا قصاص على من بعضه حر وبعضه عبد، إذا قتل مثله، سواء ازدادت، حرية القاتل على حرية المقتول أم لا، لأنه لم يقتل بالبعض الحر البعض الحر، وبالرقيق الرقيق، بل قتله جيمعه بجيمعه حرية ورقا شائعاً، فيلزم قتل جزء حرية بجزء رق وهو ممتنع.
ولا قصاص بين عبد مسلم، وحر ذمي، لأن المسلم لا يقتل باذمي، والحر لا يقتل بالعبد، ولا تجبر فضيلة كل منهما بضعته. ولو قتل ذمي عبداً ثم نقض العهد واسترق لا يجوز قتله، وإن صار كفؤاً له، لأن الاعتبار بوقت الجناية، ولم يكن مكافئاً له. ولا قصاص بقتل ولد للقال، وإن سفل للحديث الوارد في الحاكم، والبيهقي وصححاه. إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقاد للابن من أبيه) ولرعاية حرمته، وكذا لا قصاص على الأم، والأجداد والجدات، وإن علوا من قبل الأم والأب لأن الحكم يتعلق بالولادة، فاستوى فيه من ذكر كالنفقة.
ولا قصاص للولد على الوالد، كأن قتل الرجل زوجة نفسه، وله منها ولد، فصار ولياً لدمها، أو قتل الأب زوجة ابنه، أو لزمه قود فورث بعضه ولده، كأن قتل أبا زوجته، ثم ماتت الزوجة، وله منها ولد فورث الدم عن أمه، لأنه إذا لم يقتل بجنايته على ولده، فلأن لا يقتل بجنايته على من له في قتله حق أولى. ويقتل الولد الحر المسلم، بالوالد الكافر.
ولو تداعيا قتيلاً مجهولاً نسبه فقتله أحدهما، قبل تبين حاله، فلا قصاص في الحال، لأن أحدهما أبوه، وقد اشتبه الأمر، فهو كما لو اشتبه طاهر بنجس لا يستعمل أحدهما بغير اجتهاد بل يعرض الأمر على القائف، فإن ألحقه القائف بالآخر، اقتص الآخر لثبوت أوته، وانقطاع نسبه عن القاتل، وإن لم يلحقه القائف بالآخر، فلا يقتص لعدم ثبوت الأبوة.
ولو أشتركا في قتله، وألحقه الفائف بأحدهما، اقتص من الآخر (الأجنبي) لأنه شريك الأب. ولا قصاص على مسلم إذا رمى مسلماً. ثم ارتد والعياذ بالله تعالى وهو مجروح بالرماية ثم مات بسبب السراية، مرتداً لأنه لو قتل حينئذ مباشرة لم يجب فيه شيء.
المالكية قالوا: يسقط القصاص عن الصبي، وعن المجنون الذي ارتكب الجناية حال جنونه،
(5/275)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا ارتكب الجناية حال إفاقته، فإنه يقتص منه، فإن جن انتظر حتى يفيق، فإن لم يفق فالدية في ماله ولا قصاص، على السكران، وإن كان سكره بحلال، لأنه كالمجنون، فتجب الدية على عاقلته، كالمخطئ وإن كان سكر بحرام فهو مكلف، ولا يقتل الحبي قصاصاً بل يهدر دمه، لأن العصمة تكون بإيمان، أو أمان، ولا يقتل حر بذمي، ولا يقتل مسلم بذمي حر، لأن الإسلام أعلى من حرية الذمي، والأعلى لا يقتل بالأدنى، لأنه يشترط عندهم أن لا يكون القاتل زائداً حرية، أو إسلاماً عن المجني عليه، ولا قصاص علىقاتل الحربي، والمرتد لعدم العصمة عندهما.
مبحث في تغير حال المجروح من الجرح إلى الموت
الشافعية، والحنابلة - قالوا: في شأن تغيير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت بعصمة، أو حرية أو إهدار، أو غيره إذا جرح مسلم، أو ذمي، حربياً، أو مرتداً، أو عبد نفسه، فأسلم الحربي، أو المرتد، أو أمن الحربي، وعتق العبد، ثم مات بسراية الجرح، فلا ضمان بمال، ولا قصاص، لأن الجرح السابق غير مضمون.
وقيل: تجب دية مخففة اعتباراً بحال استقرار الجناية، والمراد دية حر مسلم، لأن كل جرح أوله غير مضمون لا ينقلب مضموناً بتغير الحال في الانتهاء، وإن كان مضموناً في أوله فقط فالنفس هدر، ويجب ضمان تلك الجناية، وإن كان مضموناً في الحالتين اعتبر في قدر الضمان الانتهاء، ويتبر في القصاص المكافأة عن الفعل إلى الانتهاء، وحينئذ فلو رمى مسلم، مرتداً، أو حربياً، أو عبد نفسه، فأسلم الحربي، أو المرتد، أو أمن الحربي، أو عتق العبد، ثم أصابه السهم، فلا قصاص قطعاً، لعدم المكافأة من أول أجزاء الجناية. والمذهب، وجوب دية مسلم اعتباراً بحال الإصابة، لانها حالة اتصال الجناية والرمي كالمقدمة التي تيسبب بها إلى الجناية، كما لو حفر بئراً، وهناك حربي، أو مرتد فأسلم ثم وقع فيها فإنه يضمنه، وإن كان عند السببب مهدراً، وعبد نفسه، اولى بالضمان منهما. لأنه معصوم مضمون بالكفارة.
والأصح في المذهب وجوب الدية مخففة، مضروبة على العاقلة، لانها دية خطأ، كما لو رمى إلى صيد فأصاب آدمياً، وقيل: دية شبه عمد، وقيل: عمد.
وعكس هذا، كما لو جرح حربي مسلماً ثم أسلم الجارح، أو عقدت له ذمة، ثم مات المجروح فلا ضمان على الصحيح، ولو ارتد المسلم المجروح والعياذ بالله ثم مات بالسراية مرتداً، وجارحه غير مرتد، فالنفس هدر، لا قود فيها، ولا دية، ولاكفارة، سواء أكان الجارح الإمام، أم غيره. لأنه لو قتل حينئذ مباشرة، لم يجب فيه شيء فكذا بالسراية، أما إذا كان جارحه مرتداً، فإنه
(5/276)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يجب عليه القصاص، ولكن قصاص الجرح، إن كان مما يوجب القصاص، كالموضحة، وقطع الطرف، في الأظهر، لأن القصاص في الطرف منفرد عن القصاص في النفس فهو كما لو لم يسر.
وقيل: لا قصاص عليه، لأن الجراحة صارت نفساً، وهي مهدرة، فكذا الطرف أما لو قطع يد مسلم ثم ارتد، واندملت يده فله القصاص، وإن مات قبل استيفائه، يستوفيه، قريب المسلم لأن القصاص للتشفي، حتى ولو كان القريب ناقصاً، النظروا كماله ليستوفي حقه.
وقيل: يستوفي الإمام، لأن المرتد لا وارث له فيستوفيه الإمام، كما يستوفي قصاص من لا وارث له، وعلى الأول يجوز أن يعفو قريبه على مال، ياخذه الإمام لبيت المال فإن اقتضى الجرح للمرتد مالا كقطع طرف خطأ، وجب أقل الأمرين، من أرش الجرح، ودية النفس، لأنه المتيقن، فإن كان الأرش أقل كجائفة، لم يزد بالسراية في الردة شيء وإن كانت دية النفس أقل، كأن قطع يديه ورجليه، ثم ارتد ومات، لم يجب أكثر منهما لأنه لو مات مسلماً بالسراية لم يجب أكثر منهما.
وقيل: وجب ارشه بالغاً ما بلغ، ولو زاذ على الدية، ففي قطع يديه، ورجليه ديتان، وقيل: هذا الجرح هدر، فلا ضمان فيه، لأن الجراحة إذا سرت صارت قتلاً، وصارت الأطراف تابعة للنفس، والنفس مهدرة، فكذلك ما يتبعها.
هذا كله إذا طرأت الردة بعد الجرح، فلو طرأت بعد الرمي وقبل الإصابة. فلا ضمان بالاتفاق. أنه حين جنى عليه كان مرتداً.
ولو ارتد المجروح، ثم اسلم فمات بالسراية، فلا قصاص في الصح مطلقاً، لأنه انتهى إلى حالة لو ما فيها لم يجب القصاص، فصار شبهة دارئة للقصاص.
وقيل: إن قصرت الردة، بأن لم يض في الردة زمن يسري فيه الجرح، وجب القصاص، لانها إذا قصرت لم يظهر فيها أثر السراية، فإن طال الزمن، لم يجب القصاص قطعاً، وعلى القول الأول تجب الدية في ماله بكمالها لوقوع الجرح، والموت في حالة العصمة.
وقيل: يجب عليه نصفها، توزيعاً على حالتي العصمة والإهدار.
ولو جرح مسلم ذمياً، فاسلم، أو جرح عبداً لغيره فعتق، ومات بالسراية فلا قصاص على الجارح في الصورتين، لأنه لم يقصد بالجناية من يطافئه، فكان شبهة، وتجب دية حر مسل، لأنه كان مضموناً في الابتداء، وفي الانتهاء حر مسلم، فإن كان العبد كافراً وجب دية حر كافر، فإن اندمل الجرح، وبرئ ثم مات، فإنه يجب عليه ارش الجناية، ويكون الواجب في العبد لسيده، ودية العتيق إن مات بالسراية، ولم يكن لجرحه عليه أرش الجناية الواقعة في ملكه، ولا يتعين حقه فيها، بل للجاني العدول لقيمتها، وإن كانت الدية موجودة، فإذا تسلم الدراهم أجبر السيد على قبولها، فإن زادت دية العبد على قيمته، فالزيادة تكون لورثته، لأنها وجبت بسبب الحرية، ولو كان لجرحه أرش مقدر كأن قطع يد
(5/277)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عبد أو فقأ عينهن فعتق ثم مات بسراية، ووجب كمال الدية، فللسيد الأقل من الدية الواجبة، ومن نصف قيمته، وهو أرش العضو الذي تلف في ملكه لو اندملت الحراحة. لأن السراية لم تحصل في الرق، حتى يعتبر في حق السيدن فإن كانت الدية أقل فلا واحب غيرها، وإن كان نصف القيمة أقل فهو أرش الجناية الواقعة في ملكه.
وقيل: للسيد الأقل من الدية، ومن قيمته، ولو قطع يد العبد شخص فعتق، فجرحه آخران مثلاً كأن قطع أحدهما يده الأخرى والآخر إدى رجليه، ومات بسرايتهم فلا قصاص على الأول إن كان حراً لعدم المكافأة حال الجناية، ويجب على الآخرين قصاص الطرف قطعاً، وقصاص النفس على المذهب اهـ.
الحنفية: من رمى مسلماً، فارتد المرمي إليه والعياذ بالله ثم وقع السهم عليه، فيجب على الرامي الدية عند أبي حنيفة، وقال الصاحبان، لا شيء عليه، لأنه بالارتداد أسقط تقوم نفسه، وذلك ابراء للضامن، لأن من أخرج المتقوم عن التقوم سقط كالمغصوب منه، إذا اعتق المغصوب، فإنه صار مبرئاً للغاصب عن الضمان بإسقاط حقه، وصار به مبرأ، كما إذا أبرأه الرامي عن الجناية، أو حقه بعد الجرح، أي انعقاد سببه، وهو الرمي قبل أن يصيبه السهم.
ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى، أن الضمان يجب بفعله وهو الرمي إذ لافعل منه بعد: وماهو كذلك، فالمعتبر فيه وقت الفعل كالغضب، فيعتبر حالة الرامين والمرمي إليه فيها متقوم. واستوضح اعتبار وقت الرمي، بما إذا رمى صيداً ثم ارتد والعياذ بالله ثم أصاب، فإن ردته بعد الرمي لاتحرم، لأن فعله ذكاة شرعاً، وقد تم موجباً للحل بشرطهن وهو التسمية، وبما إذا كانت الجناية خطأ، فكفر بعد الرمي. قبل الإصابة فإنه صحيح، والفعل وإن كان عمداً، فالقود يسقط بالشبهة الناشئة من اعتبار حالة الإصابة. وجبت الدية في ماله، ولو كانت المسألة بالعكس، فلا شيء في قولهم جميعاً، وكذا إذا رمى حربياً فأسلم، ثم وقع به السهم، لأن الرمي ما انعقد موجباً للضمان لعدم تقوم المحل، فلا ينقلب موجباً لصيرورته متقوماً بعد ذلك.
وإن رمى عبداً فأعتقه مولاه ثم وقع السهم به فعليه قيمته للمولى عند أبي حنيفة وابي يوسف.
وقال محمد: عليه فضل ما بين قيمته مرمياً إلى غير مرمي، حتى لو كانت قيمته قبل الرمي ألف درهم، وبعده ثمانمائة درهم لزمه مائتا درهم، لأن العتق قاطع للسراية لاشتباه من له الحق، لأن المستحق حال ابتداء الجناية المولى، وحال الإصابة العبدن لحريته، فصار العتق بمنزلة البرء، كما إذا قطع يد عبد، أو جرحه، ثم أعتقه المولى، ثم سرى فإن العتق يقطع السراية، حتى لا يجب بعد العتق شيء من الدية والقيمة، وإنما يضمن النقصان، وغا انقطع بقي مجر الرمي وهو جناية ينتقص بها قيمة المرمي إليه، بالإضافة إلى ما قبل الرمي، فيجب ذلك.
ولهما: أنه يصير قتلاً من وقت الرمي لأن فعله الرمي وهو مملوك في تلك الحالة فتجب قيمته،
(5/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بخلاف القطع والجرح، لأنه اتلاف بعض المحل، وأنه يوجب الضمان للمولى. وبعد السراية لو وجب شيء، لوجب للعبد فتصير النهاية مخالفة للبداية.
أما الرمي قبل الإصابة ليس بإتلاف شيء منه، لأنه لا أثر له في المحل، وإنما قلت الرغبات فيه فلا يجب به ضمان، فلا تتخالف البداية والنهاية، فتجب قيمته للمولى، ومن قضي عليه بالرجم فرماه رجل ثم رجع احد الشهود، ثم وقع به الحجرن فلا شيء على الرامي، لأن الممعتبر حالة الرمي وهو مباح الدم فيها اهـ.
المالكية قالوا: من رمى شخصاً مسلماً، فارتد المرمي والعياذ بالله ثم أصابه السهم، فلا شيء على الرامي، بل يكون دمه هدراً، ولا قصاص ولا دية عليه، لأن التلف حصل في محل لا عصمة له، فيكون هدراً، كما لو جرحه ثم ارتد ثم مات، وكما لو أبرأه بعد الجرح عن الجنايةن أو عن حقه، وكما لو أبرأه عن الجناية ثم اصابه السهم، وكما لو اعتق المالك العبد المغصوب يصير مبرئاً للغاصب عن الضمان لأنه يشترط في المجني عليه العصمة من وقت الضرب، أو الرمي بالسهم للموت، ولأنه بالارتداد أسقط تقوم نفسه، فيكون مبرئاً للرامي عن موجبه، كما إذا أبرأه عن حقه بعد القطع وقبل الموتن فإنه يكون هدراً ولا ضمان له، ولأن عدم وجب الضمان باعتبار أن الارتداد قاطع للسراية كالعتق، لا باعتبار أنه صار مبرئاً، وكذا تعتبر العصمة حالة الرمي، فمن رمى غير معصوم، أو أنقص منه برق أو كفر، فأسلم قبل الإصابة، أو عتق الرقيق، لم يقتص من الرامي، وأما من قطع يد معصوم مثلاًفارتد المقطوع، ثم مات من القطع مرتداً، فإنه يثبت القصاص في القطع فقط، لأنه كان معصوماً حال القطع.
مبحث في حكم الفعلين
الحنفية قالوا: ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله عمداً قبل أن تبرأ يده أو قطع يده عمداً ثم قتله خطأ، أو قطع يده خطأ فبرأت يده، ثم قتله خطأ، أو قطع يده عمداً فبرأت، ثم قتله عمداً، فإنه يؤخد بالأمرين جميعاً، فإن الصل فيه: أن الجمع بين الجراحات واجب ما أمكن تتميماً للأول، لأن القتل في الأعم يقع بضربات متعاقبة، وفي اعتبار كل ضربة بنفسها بعض الحرج، إلا أن لا يمكن الجمع فيعطى كل واحد حكم نفسه، وقد تعذر الجمع فيهذه الصور، في الأولين، لاختلاف حكم الفعلين وضعاً موجباً، لأن احد الفعلين خطأ، والثاني عمد، وفي الآخرين متعذر الجمع أيضاً لتخلل البرء، فلا جمع اصلاً، لأن الفعل الأول قد انتهى، فا البرء قاطع للسراية، فيكون القتل بعده ابتداء، فلا بد من اعتبار كل واحد منهما، حتى لو لم يتخلل وقد تجانسا، بأن كانا خطأين، فإنه يجمع بين الأمرين بالإجماع، لإمكان الجمع، واكتفى بدية واحدة، حيث انفى المانع من الجمع، وهو تخلل البرء، والاختلاف.
وإن تجانسا عمداً، بأن كان قطع يده عمداً، ثم قتله عمداً، قبل أن تبرأ يده، فقد اختلف فيه.
(5/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: الولي بالخيار بين أن يقطع ثم يقتل، وبين أن يكتفي بالقتل، وبين أن يكتفي بالقتل.
وقال الصاحبان: يقتل ولا تقطع يده لأن الجمع ممكن لتجانس الفعلين، وعدم تخلل البرء بينهما فيجمع بينهما.
وقال أبو حينفة: أن الجمع متعذر إما للاختلاف بين الفعلين هذين، لأن الموجب القود، وهو يعتمد المساواة في الفعلنوذك بأن يكون القتل بالقتل، والقطع بالقطع، وهو متعذر، أو لأن الحر يقطع إضافة السراية إلى القطع، حتى لو صدر من شخصين يجب الوقد على الحاز، فصار كتخلل البرء، بخلاف ما إذا قطع وسرى لأن الفعل وواحد، وبخلاف ما إذا كانا خطأينن لأن الموجب الدية، وهي بدل النفس، من غير اعتبار المساواة.
قال الإمام أبو حنيفة: ولأن أرش اليد إنما يجب عند استحكام أثر الفعل، وذلك بالحز القاطع للسراية، فيجتمع ضمان الكل، وضمان الجزء في حالة واحدة، وهي حالة الحز، وفي ذلك تكرار دية اليد، لأن ضمان الكل يشملها، والتكرار غير مشروع، فلا يجتمعان، أما القطع والقتل قصاصاَ يجتمعان لأن مبنى القصاص المساواة، وهي إنما تتحقق باجتماعهما، لأن العمد مبناه على التغليظ والتشديد، ولهذا تقتل العشرة بالواحد، وفي مراعاة صورة الفعل معنى التغليظ فيجوز اعتباره فيه، وأما الخطأ فمبناه على التخفيف ألا ترى أن الدية لا تتعدد بتعدد القاتلين، فاعتبار التغليظ فيه لا يكون مناسباً.
ومن ضرب رجلاً مائة سوط فبرأ من تسعين، ومات من عشرة، ففيه دية واحدة، لأنه لما برأ منها لا تبقى معتبرة في حق الأرش، وإن بقيت معتبرة في حق التعزير، فبقي الاعتبار للعشرة أسواط، وكذلك كل جراحة اندملت، ولم يبق لها أثر على أصل أبي حنيفة، وعند أبي يوسف في مثله حكومة عدل، وعن محمد أنه تجب أجرة الطبيب. وإن ضرب رجلا مائة سوط، وجرحته، وبقي له أثر تجب حكومة العدل لبقاء الثر والأرش إنما يجب باعتبار الأثر في النفس، بأن لم يبرأ وليس ذلك بموجود، بل الأثر هو الموجود، فإن لم يجرح في الابتداء فلا يجب شيء باتفاقن وإن جرح واندمل ولم يبق لها أثر فكذلك كما هو رأي أبي حنيفة رحمه الله، لأنه لم يكن إلا مجرد الألم، وهو لا يوجب شيئاً، كما لو ضربه ضرباً مؤلماً.
الشافعية، والحنابلة رحمهم الله - قالوا: إذا قطع الرجل يد شخص، ثم بعد القطع قتل الشخص القاطع، الشخص المقطوعة يده، فإنه يجب أن تقطع يد القاطع اولاً، ثم بعد القطع يجب أن يقتل حداً طلباً للمماثلة، قال تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} .
وإن قطع رجل يد شخص آخر، فمات المقطوعة يده من ذلك القطع بسبب السراية، فقطع يد الرجل القاطع، فإن مات الجاني الذي قطعت يده بسبب السراية فالأمر ظاهر، وهو المطلوب من مراعاة القصاص، وإن لم يمت بقطع يده، قتل لتحقق الممالثلة بالقصاص.
(5/280)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قالوا: ويجوز للولي أن ينتظر للولي أن ينتظر بعد القطع هل يموت سرايةن أم لا؟ فله بعد ذلك المبادرة إلى حز بقبته بالسيف قصاصاً، ويجوز له حزها ابتداء كما في المسألة الولى لا ستحقاقه له.
قالوا: لو جرح إنسان شخصاً جراحة واحدة، وجرحه شخص آخر بعد مائة جراحة، ومات بسبب الواحدة والمائة، وكانت تلك الجراحة الواحدة، والجراحات المائة لو انفردت كل منهما لقتلت، لزم صاحب الجراحة الواحدة، وصاحب المائة جراحة، القصاص مطلقاً سواء تواطآ على قتله معاً، أم لا؟ إذ رب جرح له نكاية في الباطن، اخطر من جروح متعددة، فإن كان فعل كل واحد منهما لا يقتل لو انفرد عن الآخر، لكنه له دخل في القتل. ففيه تفصيل، فإن تواطآ قتلا وإلا فلا يقتلان، وتجب عليهما الدية لأنه شبه عمد. وإن كان جرح أحدهما يقتل لو انفرد وجرح الآخر لا يقتل لو انفرد، لكن له دخل في القتل، فلك حكمه، فصاحب الأول يقتل مطلقاً والثاني يقتل إن كان متفقاً على قتله، وإن لم يكن متفقاً فلا يقتل، وتجب عليه حصته من الدية.
وأما إذا كان ضرب أحدهما خفيفاً، بحيث لا يؤثر في القتل اصلاً، كالضرب بطرف الثوب مثلاً، أو الضرب بسوط صغير، فإنه لا شيء على صاحبه، فلا دخل له في قصاص، ولا دية وموته موافقة قدر.
وأما إذا قطع الجاني الثاني بجنايته، جناية الأول، بأن يقطع الأول من المجني عليه يده، أو رجله مثلاً، ويقطع الثاني رقبته، أو يقده نصفين، فالأول جارحن عليه قصاص اليد أو الرجل، أو ديتها، والثاني قاتل، لأنه قطع جناية الأول، وأزهق روحه فيجب عليه القصاص دون الأول.
قالوا: إذا وجد من شخصين مجتمعين في زمن واحد فعلانن مزهقان للروح، بحيث لو انفرد كل منهما لامكن إحالة الإزهاق عليه، وهما مسرعان للقتل، كحز للرقبة، وقد للجثة، أو غير مسرعين للقتل، كقطع عضوين، وما منهما، فهما قاتلان في هذه الأحوال المذكورةن فيجب عليهما القصاص، وكذلك يجب عليهما الدية إذا وجبت لوجود السبب منهما، وإن لم يوجد الفعلان معاً في وقت واحد: بل ترتبا، بأن أنهاه رجل مثلاً، إلى حركة مذبوح وهي التي لم يبق معها ابصار، ولا نطق اختياري، ولا حركة اختيار، ويقطع بموته بعد يوم أو ايام، وتسمى حالة اليأس، وهي التي اشترط وجودها في حالة إيجاب القصاص وهي التي لا يصح فيها إسلام، ولا ردة، ولا شيء من التصرفات، وينتقل فيها ماله لورثته الحاصلين حينئذ، لا لمن حدث. ولو مات له قريبلم يررثه دون الحياة المستمرة، وهي التي لو ترك معها لعاش، ثم جنى ضخص آخر على المجني عليه، بعد الانتهاء لحركة مذبوح، فالأول منهما قاتل قطعاً، فيجب عليه القصاص أن كان القتل عمداً، والدية أن كان القتل خطأ، لأنه صيره إلى حالة الموت، والثاني يجب تقريره بما يراه الإمام، لهتكه حرمه الموت، كما لو قطع عضواً من شخص بعد موته.
وإن جنى الثاني منهما قبل الانتهاء إلى درجة مذبوح، بأن جرحه، أو قطع عضواً منه، فجاء الثاني بعده وحز رقبته، أو قعطه نصفين، وأزهق روحه، فالثاني قاتل بالاتفاق، ويجب عليه القصاص،
(5/281)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لأن الجرح إنما يقتل بالسراية، وحز الرقبة، وقد الجثة بقعط اثنينن فتعين القتل منه ولا فرق أن يتوقع البرء من الجراحة السابقة، أو يتيقين الهلاك بها بعد يوم أو أيام، أيام، لأنه له في الحال حياة مستقرة، وقد عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يوم إصابته، وهو في هذه الحالة الخطرة، وعمل الصحابة رضوان الله عليهم بعده الذي عاهدهم به، ووصاياه التي أوصاهم بها، ويجب على الجاني الأول قصاص العضو المقطوع، أو مال بحسب الحال من عمد أو غيره، وإن لم يزفف الثاني أيضاً أي لم يصل به إلى الهلاك كأن قطع الأول يده من الكوع مثلاً، والثاني قطعهما من المرفق، ثم مات المجني عليه بسبب سراية القطعين فهما قاتلان بسبب السراية.
ولا يقال: أن أثر القطع الثاني أزال أثر القطع الأول، لأن الموت حدث بهما معاً.
قالوا: ولو قتل مريضاً وهو في حالة النزع الأخير، وعيشه عيش مذبوح، فإنه يجب عليه القصاص بقتله، لأنه يجوز أن يمد الله في أجله ويعيش، فإن موته غير محقق، لأن الآجال لا يعلمها إلا الله تعالى.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ولو انتهى المريض إلى سكرات الموت وبدت مخايله، فلا يحكم له بالموت. وإن كان يظن أنه في حالة المقدود.
وقرقوا بأن انتهاء المريض إلى تلك الحالة غير مقطوع به، وقد يظن موته ثم يشفى، بخلاف المقدود ومن في معناه، ولأن المريض لم يسبق فيه فعل بحال القتلى وأحكامه عليه، حتى يهدر الفعل الثاني.
ولو جرح واحد شخصاً جرحين عمداً وخطأ، ومات بهما لم يجب عليه القصاص، لاختلاف وصف الفعلين، حيث أن أحد الجرحين عمد، والآخر خطأ، فاختلفا، أو جرحه جرحين مضموناً، وغير مضمون. كمن جرح حربياً، أو مرتداً، أو عبد نفسه، أو صائلاً، ثم اسلم المرتد، أو أمن الحربي، أو عتق العبد المجروح، أو رجل الحيوان الصائل، وجرحه الجاني بعد ذلك ثانياً ومات بالجرحين، فلا يجب عليه القصاص، في هذه الصور، أو جرح شخصاً بحق كقصاص، وسرقة، ثم جرحه بعد ذلك مرة ثانية عدواناً، أو جرح حربياً ثم أسلم، ثم جرحه ثانياً فمات بالسراية، لا يجب قتله في مثل هذه الأحوال.
أما في الحالة الأولى عمداً وخطأ فلأن الزهوق لم يحصل بالعمد المحض، فيجب عليه نصف الدية المغلظة في ماله خاصة، ويجب نصف الدية المخففة على عاقلته في الخطأ، وأما في باقي الصور، فلأن الموت حصل بمضمون وغير مضمون فغلب عليه مسقط القصاص، وثبت موجب الجرح الثاني من قصاص وغيره ولو وقعت إحدى الجراحتين بأمره للصبي غير المميز، أو المجنون الذي لا يفيق فلا يجب عليه القصاص، بل تجب نصف الدية على العاقلة، لأن عمد الصبي والمجنون خطأ، ولأن غير المميز يصبح كالآلة.
(5/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولو داوى المجروح جرحه بسم قاتل في الحال، كأن شربه، أو وضعه على الجرح فلا قصاص، ولا دية على جارحه في لنفس، لأن المجروح قتل نفسه، فصار كما لو جرحه إنسان فذبح هو نفسه، أما الجرح الحادث، على الجارح ضمانه، سواء علم المجروح حال السم، أو لا.
وإن قتل غالباً، وعلم المجروح حاله، فشريك جارح نفسه، في أصح الطريقين، ويكون عليه القود في أظهر المذاهب، تنزيلاً لفعل المجروح منزلة العمد.
وقيل: هو شريك مخطئ، لأنه قصد التداوي فأخطأ، فلا قود على شريكه، أما لو قصد قتل نفسه بالسم ليستريح من الألم مثلاً، فهو شريك قاتل نفسه قطعاً، فلا قصاص، ولا دية، وإذا كان المجروح لا يعلم بالسم، فلا قصاص جزماً، لأنه شريك مخطئ، ولو خاط المجروح جرحه في لحم ولو تداويا خياطة تقتل غالباً ففي القصاص الطريقان، بخلاف ما لو خاطه في لحم ميت فإنه لا اثر له ولا للجلد كما فهم بالأولى، لعدم الإيلام المهلك، فعلى الجارح القصاص أو كمال الدية، ولو خاطه غيره بلا أمر منه، اقتص منه ومن الجارحن وإن كان الذي خاط الجرح حكماً لتعديه مع الجارح فإن خاطه الطبيب لصبي أو مجنون لمصلحة فلا قصاص عليه، ولو قصد المجروح أو غيره الخياطة في لحم ميت فوقع في لحم حي، فالجارح وشريك مخطئ، وكذا لو قصد الخياطة في الجلد فوقع في اللحم، والكي فيما ذكر كالخياطة فيه، ولا أثر لدواء لا يضر، ولا نظر للقروح.
المالكية قالوا: إن تعدد مباشر على ما دون النفس بلا اتفاق منهم، وتميزت الجراحات، وعلم فعل كل واحد منهم، فيقتص من كل بقجر ما فعل، ولا ينظر لتفاوت العضو بالرقة والغلظ، وإذا اتفقوا فيجب أن يقتص من كل بقدر الجميع سواء تميزت الجراحات أم لا، قياساً على قتل النفس، فإن الجميع عند الاتفاق يقتلون بالواحد، أما إذا لم تتميز الجراحات عند عدم الاتفاق، فهل يلزمهم دية الجميع ولا قصاص؟ أو يقتص من كل بقدر الجميع، فإذا كانوا ثلاثة قلغ أحدهم عينه، والثاني قطع يده، والثالث قطع رجله، ولم يعلم من الذي فقأ العين، وقطع الرجل، وقطع اليد، والحال أنه لا تمالؤ بينهم، اقتص من كل بفقء عينه وقطع يده، وقطع رجله، وفيه نظر، فالأظهر الأول. إذا لم يقع الفعل من كل واحد.
وتندرج الأطراف في النفس، كقطع يد الطرف، ثم قتله فقط، أما إن كانت فإنه يندرج في النفس، أن تعمد الجاني قطع النفس، بل يجب عليه الدية للطرف، ثم الجناية على الطرف خطأ، فلا تندرج في يد أو رجل، أو فقء عين من شخص، ثم قتله القصاص.
هذا إذا كان الطرف المقطوع من المقتول.
(5/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا كان الطرف لغير المقتول، كقطع يد شخص، وفقء عين آخر، وقتل رجل ثالث عمداً، فتندرج الأطراف في النفس، ولا تقطع يده، ثم يقتل.
قالوا: ومحل اندراج طرف المقتول في النفس إذا لم يقصد الجاني المثلة بالمجني عليه المقتول، فإن قصد المثلة به، فإنه يقتص منه للطرف، ثم يقتل بعد ذلك. وأما طرف غير المقتول، فإنه يندرج في القتل، ولو قصد الجاني المثلة بهم، على الرأي الراجح من المذهب.
قالوا: وكما تندرج الأطراف في النفس تندرج الأصابع إذا قطعت عمداً في قطع اليد عمداً بعدها، ما لم يقصد المثلة به، سواء كانت من يد من قطعت أصابعه، أو يد غيره، فإذا قطع اصابع شخص عمداً، ثم قطع كفه عمداً بعد ذلك، فقطع الجاني من الكوع.
ولو قطع أصابع رجل، ويد رجل آخر من الكوع، ويد ثالث من المرفق، قطع لهم من المرفق، إن لم يقصد المثيل به، فإن قصد المثلة بفعله السابق، لم يندرج في الصورتين بل تقطع أصابعه أولاً، ثم كفه بعد ذلك في الصورة الأولى.
وفي الصورة الثانية، تقطع أصابعه أولاً، ثم تقطع يده من الكوع للجناية الثانية، ثم تقطع يده من المرفق للجناية الثالثة، حتى يشعر بالألم الذي تسبب فيه لغيره، وتحصل المماثلة في القصاص.
قالوا: ويؤخر القصاص فيما دون النفس لعذر، كبرد، أو حر يخاف منه الموت على الجاني، لئلا يموت فيلزم اخذ نفس بدون نفس، وكذا يؤخر الجاني إذا كان مريضاً حتى يبرأ، ويؤخر القصاص فيما دون النفس حتى يبرأ الجروح، لاحتمال أن يموت بسبب السراية، فيكون الواجب القتل بقسامة، كدية الجرح الخطأ، فيؤخر إلى برء المجروح خوف أن يسري على النفس، فتؤخذ الدية كاملة، فإن برىء الجرح على غير شين، فلا دية، ولا أدب، لأنه لا يعتمد في الشرع، وإن برىء الجرح المقطوع على شين، فتجب حكومة عدلين، لهما معرفة بهذه الأشياء، فيقوم على فرض أنه رقيق، سالماً بعشرة مثلاً، ثم معيباً بتسعة مثلاً، فالتفاوت بين القيمتين هو العشر في المثال، فقد نقصت الجناية العشر، فيلزم الجاني بنسبة ذلك من الدية، كمائة دينار، وقيل: يجتهدان بالفكر فيما يستحقه المجني عليه، من الجاني.
مبحث إذا قطعت المرأة يد الرجل فتزوجها على الأرش
الحنفية قالوا: إذا قطعت المرأة يد رجل فتزوجها على أرش يده، فإما أن يقتصر القطع، أو يسرين فإن كان الأول صحت التسمية، ويصير الأرش وهو خمسة آلاف درهم مهراً لها بالإجماع، سواء كان القطع عمداً أم خطأ، وسواء تزوجها على القطع فقط أو عليه وعلى ما يحدث منه، لأنه لما برأ تبين أن موجبها الأرش دون القصاص لأنه لا يجري في الأطراف، بين الرجل، والمراة، والأرش يصلح صداقاً، وإن كان الثاني، ومات الرجل بسبب السراية، فإما أن يكون القطع خطأ، أو عمداً فإن
(5/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كان الأول فله مهر مثلها، والدية على العاقلة، وإن كان الثاني فلها ذلك، والدية في مالها عند أبي حنيفة حمه الله، لأن العفو عن اليد، إذا لم يكن عفواً عما يحدث منه عنده فالتزوج على اليد لا يكون تزوجاً على ما يحدث منه، فيكون ما لها من المهر غير ما عليها مما يحدث منه، ثم القطع إذا كان عمداً كان التزوج تزوجاً على القصاص في الطرف، وهو ليس بمال فلا يصلح مهراً، لا سيما على تقدير سقوط القصاص، فإنه إذا لم يصلح مهراً على تقدير ثبوته، لا يصلح على تقدير سقوطه بطريق الأولى، والقصاص يسقط ها هنا، إما بقبولها التزوج، لأن سقوطه متعلق بالقبول، فلما قبلت سقط، وإما بتعذر الاستيفاء، فإنه لما جعل القصاص مهراً جعل لها ولاية الاستيفاء ولا يمكن استيفاء القصاص عن نفسها، وإذا لم يصح القصاص ولا بدله مهراً، يجب مهر المثل وعليها الدية في مالها، لأن التزوج وإن كان يتضمن العفو، فتجب الدية، وتجب في مالها لأنه عمد، وإذا وجب لها مهر المثل وعليها الدية تقطع المقاصة إن كانا على السواء، وإن كان في الدية زيادة ترده على الورثةن وإن كان في المهر فضل يرده الورثة عليها، وإذا كان القطع خطأ يكون هذا تزوجا على أرش اليد، وإذا سرعى إلى النفس تبين أنه لا أرش لليد، وأن المسمى معدوم فيجب مهر المثل،
كما إذا تزوجها على ما في اليد، ولا شيء فيها، ولا يتقاصان لأن الدية تجب على العاقلة في الخطأ، والمهر حق لها، ولو تزوجها على اليد وما يحدث منها، أو على الجناية ثم مات من ذلك والقطع عمد، فلها مهر مثلها، لأن هذا تزوج على القصاص وهو لا يصلح مهراً. فيجب مهر المثل، وصار كما إذا تزوجها على خمر، أو خنزير، ولا شيء له عليها، لأنه لما جعل القصاص مهراً فقد رشي بسقوطه بجهة المهر، فيسقط أصلاً، وأن كان القتل خطأ يرفع عن العاقلة مهر المثل من جميع المال، لأنه مريض مرض الموت، والتزوج من الحوائح الأصلية، ولا يصح في حق الزيادة على مهر المثل، لأنه محاباة فيكون وصية، فيرفع عن العاقلة، لانهم يتحملون عنها فمن المحال أن ترجع عليهم بموجب جنايتها.
الشافعية رحمهم الله قالوا: لو وجب لرجل قصاص على امرأة، فنكحها على هذا القصاص. بأن جعله صداقاً لها صح النكاح، والصداق، أما النكاح فواضح، لأنه تام بأركانه وشروطه، وأما المهر، فلآنه عوض مقصود، وقيل: لا يصح، ويجب لها مهر مثلها.
وسقط القصاص، لتضمن ذلك العفو، لأنها ملكت قصاص نفسهأ فإن فارقها الرجل قبل الدخول بها، رجع عليها بنصف الأرش لتلك الجناية، لأنه بد ل ما وقع العقد به، كما إذا اصدقها تعليم سورة من القرآن الكريم، فعلمها ثم طلقها قبل الدخول بها، فإنه يرجع بنصف أجرة التعليم.
وفي قول نص عليه في كتاب (الأم) يرجع عليها بنصف مهر مثلها، بناء على القول الثاني. هذا في حالة ما إذا وجب عليها القصاص.
(5/285)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أما إذا اوجبت الجناية مالاً، كالخطأ فنكحها على أرش الجناية التي ارتكبتها، فإن النكاح يصح دون الصداق، للجهل بالدية.
مبحث حكم دم من عليه قصاص
الشافعية، والحنابلة - قالوا: من وجب عليه قصاص فهو معصوم الدم على غير المستحق، كغيره من المسلمين، فإذا اعتدى عليه وقتله غير المستحق اقتص منه، لقوله تعالى في كتابه العزيز {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل} آية [33 من سورة الإسراء] فخص وليه بقتله، فدل على أن غير وليه لا سلطان له عليه، وذلك فيمن لم يتحتم فقله. أما إذا تحتم قتله لقطع طريق، فإن الصحيح أنه يقتل قصاصاً، ولو قتله المستحق لا يقتل له.
والزاني المسلم المحصن، إن قتله ذمي قتل به، لأنه لا تسلطله على المسلم، وإذا كان الذمي يقتل به، فالمرتد والمعاهد والمستأمن بالأولى، وإذا قتله مسلم غير زان محصن، فلا يقتل به في الأصح، لاستيفائه حد الله تعالى.
والرأي الثاني، أنه يجب عليه القصاص، لأن الاستيفاء للإمام، فأشبه ما لو قتل من عليه القصاص غير مستحقه، وعلى الأول لا فرق بين أن يقتله قبل أمر الإمام بقتله أم لا، ولا بين أن يثبت زناه بالبينة أم لا، ولا بين أن يكون قبل رجوعه عن الإقرار أم لا.
أما المسلم الزاني المحصنن إذا قتله فإنه يقتل بهن وتارك الصلاة عمداً بعد امر الحاكم بها، حكمه كالزاني المحصن.
المالكية رحمهم الله قالوا: إذا أتلف مكلف معصوماص، فالقصاص واجب لولي الدم عليه، لا لغير ولي الدم، لأن دم القاتل معصوم بالنسبة لغير ولي الدم، فإذا قتل غير ولي الدم قاتلاً لمعصوم، فإنه يقتص منه، لأن القود ثابت للولي فقط.
وليس للولي: تنفيذ القصاص إلا بإذن الإمام أو نائبه، وإن اقتص ولي الدم من القاتل بغير إذن الحاكم أدب لا فتياته على الإمام.
وقال علماء المالكية أيضاً: يجب على القاتل عمداً، إذا كان بالغاً عاقلاً ولم يقتص منه، لنحو فقو، أو صلح، ذكراً، أو أنثى، حراً، عبداً مسلماً، أو غير مسلم، يجب عليه جلد مائة، وحبس سنة كاملة، من غير تغريب واختلف في المقدم منها، فقيل يقدم الجلد، وقيل: الحبس، ولم يشطروها بالرق لعظم الخطر في القتل.
مبحث فيما يثبت موجب القصاص
الحنفية، والشافعية، والحنابلة رحمهم الله تعالى - قالوا: يثبت موجب القصاص من قتل، أو
(5/286)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
جرح عمد، بإقرار أو شهادة رجلين، قال تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [آية 282] من البقرة. وقال تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} آية [2 من سورة الطلاق] وقال عليه اصلاة والسلام (شاهداك، أو يمينه) ولا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص، قال الزهري: مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهداة النساء في الحدود والقصاص) .
وألحقوا به علو القاضي، ونكول المدعى عليه، وحلف المجعي فإنه يثبت بهما أيضاً، ويثبت موجب المال من قتل، أو جرح خطأ، أو شبه عمد، بغلإرار، وشهادة عدلين، وعلم القاضي، أو برجل وامرأتين أو برجل ويمين، لا بامرأتين، ويمين لقوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} آية [282 من البقرة] .
وإنما يثبت المال برجل وامرأتين إذا اجعى به عيناً، فلوا ادعى القصاص فشهد له رجل، وامرأتان لم يثبت القصا، ولا تثبت الديةن لانها خاصة بالرجالن ولو عفا مستحق القصاص في جناية توجيه عن القصاص ليقبل المال وشهد له رجل وامرأتان، أو رجل ويمين، لم يحكم له بذلك، لأن المال إنما يثبت بعد ثبوت القصاص، ولم يثبت القصاص ليعتبر العفو.
وقيل: يقبل لأن القصد المال، ومحل الخلاف إن أنشأ الرجل الدعوى، والشهادة بعد العفو.
أما لو ادعى العمد، وأقام رجلاً وامرأتين ثم عفا عن القصاص على مال، وقصد الحكم له بتلك الشهادة، لم يحكم له بها قطعاص، لانها غير مقبول حين أقيمت فلم يجز العمل بها، كما لو شهد صبي، أو عبد بشيء، ثم بلغ الصبي، أو عتق العبد.
قالوا: لو شهد رجل وامرأتان بهاشمة قبلها إيضاحها لم يجب أرشها، لأن الهشم المشتمل على الايضاح جناية واحدة، وإذا اشتملت ما يوجب القصاص احتيط لها، فلا يثبت ألا بحجة كاملة، وهي رجلان.
ويجب على الشاهد أن يصرح بالمدعى به (بفتح العين) فلو قال الشاهد: ضرب المجنى عليه بسيف فجرحه فمات، لم يثبت هذا القتل المدعى به، لاحتمال أن يكون ما بسبب لآخر، حتى يقول الشاهد: فمات من جرحه، أو يقول: فقتله أو أنهر دمه، أو نحو ذلك، كضربه فمات مكانه، لينتفي الاحتمال المذكور، ولو قال الشاهد: ضرب الجاني رأس المجنى عليه فأدماه، أو ضرب رأسه مثلاً فأسال الضرب دمه، ثبتت بذلك دامية عملاً بقوله الذي قطعه، بخلاف ما لو قال: فسال دمه لم تثبت لاحتمال حصول السيلان بسبب آخر.
قالوا: ويشترط في الشهادة بالموضحة. أن يقول الشاهد: ضربه فأوضح عظم راسه لأنه لا شيء يحتمل بعده، وقيل: يكفي فأوضح راسه من غير تصريح بإيضاح العظم، ويجب على الشاهد بيان محل الموضحة وقدرها بالمساحة، أو بالإشارة اليها ليمكن فيها القصاص، وذلك إذا كان على
(5/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
رأسه مواضح، فإن لم يكن برأسه إلا موضحة واحدة، وشهد الشاهد بأنه اوضح رأسه لم يثبت القصاص لجواز أنه كان على رأسه موضحة صغيرة، فوسعها غير الجاني.
قالوا: وثبت القتل بالسحر، بالإقرار من الساحر، فإن قال قتلته بسحري وهو يقتل غالباً يكون عمداً وعليه القصاص، وإن قال يقتل نادراً فشبه عمد، وإن قال: أخطأت من اسم غيره إلى اسمه، فيكون خطأ، ويجب في هاتين الصورتين دية في مال الساحر لا على العاقلة، لأن إقراره لا يلزمهم، إلا أن تصدقه العاقلة، فتكون الدية عليهم.
المالكية رحمهم الله قالوا: يثبت الحق في القصاص، والجرح بالإرار، أو بشهادة رجلين عدلين، لأن كل ما ليس بمال، ولا آيل إلى المال لا يكفي فيه إلا عدلان، كالعتق، والعفة عن القصاص، وكشرب خمر، وقذف، وقتل، وجرح، وغير ذلك.
واشترطوا في صحة الشهدة عند الحاكم العدالة - والعدل، هو الحر، المسلم، البالغ، العاقل، بلا فسق، ولا حجر، ولا بدعة، ولا تأول، وأن يكون صاحب مروءة بترك شيء غير لائق من لعب بحمام، وشطرنج، وترك سماع غناء وترك سفاهة من القول، وترك صغيرة، وإن كان أعمى في القول، أو أصم في العقل، وشرط قبول شهادته، أن يكون فطناً، جازماً في شهادته بما أدى، غير متهم فيها.
فانرحع الشاهدان قبل الحكم، بعد الأداء تبطل الشهادة، ولا يعمل بها، ويؤدبان، أما إذا رجعا بعد الحكم، والاستيفاء في القتل فلا تبطل، بل يغرم الشاهدان دفع الدية، للمشهود عليه ويضمنان الدية، والعقل في القصاص في أموالها.
وقال أشهب: يقتص من الشاهدين إذا رجعا بعد الحكم والاستيفاء في القتل العمد لأنهما تسببا في قتل النفس بلا شبهة فيقتلان.
ويحكم بنقض الحكم بنقض الحكم إن ثبت كذبهم بعد الحكم، وقبل الاستيفاء، في القتل، والقطع، والحد، وإن علم الحاكم كذبهما في شهادتهما، وحكم بما شهدا به، من قتل، أو قصاص، اودية، سواء باشر الدم، أو لا، فإنه يقتص من الحاكم في هذه الحالة، ويجب على الحاكم دفع الدية من ماله خاصة، دون العاقلة.
فإن لم علم كذبهما، فلا ضمان عليه، وإن علم بقادح منهما.
قالوا: وسبب القسامة التي توجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ، قتل الحر المسلم، سواء كان بالغاً، أو صبياً، قتل بجرح، أو ضرب، أو سم، بلوث - بفتح اللام، وسكون الواو - الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بأنه قتله، وذلك كوجود شاهدين عدلين على قول حر، مسلم، بالغ: قتلني، أو جرحني، أو ضربني فلان، وذكر اسم القاتل، حراً، أو عبداً، بالغاً، أو صبياً، ذكراً أو أنثى، أو قال: دمي عنده، سواء كان قول المسلم قتلني عمداً، أو خطأ، ففي العمد يستحقون بالقسامة
(5/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
القصاص وفي الخطأ الدية، ولو كان القائل: قتلني فلان، فاسقاً، على اعدل أهل زمانه، واورعهم، فيقسمون ويقتل فيه.
أو ادعى الولد على أبيه أنه ذبحه، أو شق جوفه، أو رماه بحديد قاصداً قتله، فيقسمون ويأخذون الدية مغلظة.
وإن أطلق المقتول، ولم يبين بعمد ولا خطأ، بين أولياؤه أنه عمد، أو خطأ، وأقسموا على ما بينوا، وتبطل القسامة إن قالوا: لانعلم هنل القتل عمد أو خطأ، أو لانعلم من قتله، أو اختلفوا بأن قال بعض الأولياء قتله عمداً، وقال بعضهم: لا نعلم هل قتله عمداً، أو خطأ، فيبطل الدم، لانهم لم يتفقوا على أن وليهم قتل عمداً حتى يستحقوا القود، ولا على من قتله، فيقسمون عليه.
أو شهد عدلان على معاينة الضرب، أو معاينة الجرح خطأ أو عمداً، وتأخر موت المضروب، أما إذا لم يتأخر، فانهم يستحقون الدم، أو الدية بدون قسامة، لكونها شهادة على معاينة القتل، فيقسم أولياؤه لمن ضربه، أو جرحه، من الضرب مات، أو إنما مات منه، أو بشهادة عدل بمعاينة الضرب أو الجرح، عمداً أو خطأ، تأخر الموت أو لم يتأخر، يقسم الأولياء خمسين يميناً: لقد جرحه، أو ضربه، ومات من الجرح، أو الضرب، أو شهد عدل بإقرار المقتول، الحر، المسلم، البالغ العاقل، أن فلاناً جرحنين أو ضربني عمداً أو خطأ فشهادته لوث، يحلف الأولياء خمسين يميناً، لقد قتله أو شهد عدل برؤية المقتول يتحرك في دمه، والشخص المتهم بالقتل قريب منه، وعليه اثر القتل، ككون الآلة بيده ملطخة بدم أخارجاً من مكان المقتول وليس فيه غيره، فتكون شهادة العدل على ماذكر لوثاً، يحلف الأولياء، ويستحقون القود، أو الدية اهـ.
الشافعية - قالوا: لو أقر بعض الورثة لو كان فاسقاً، بعفو بعض منهم عن القصاص، سواء عينه، املا، سقط القصاص لأنه لا يتبعض، ولو أعترف بسقوط حقه منه، فيسقط حق الباقين، بخلاف الدية فإنها لا تسقط، وإن لم يعين العافي، فللورثة كلهم الدية، وإن عينه فأنكر فكذلك ويصدق بيمينه إنه لم يعف وإن أقر بالعفو مجاناً، أو مطلقا سثط حق من الدية، وللباقين حصتهم منها.
ويشترط لا ثبات العفو من بعض الورثة عن القصاص - لا عن حصته من الدية - شاهدان عدلان، لأن القصاص ليس بمال، وما لا يثبت بحدة ناقصة لا يحكم بسقوطه، اما إثبات العفو عن حصته من الدية، فيثبت بالحجة الناقصة أيضاً، من رجل وأمرأتين، أو رجل ويمين، لأن المال يثبت بذلك، فكذا أسقاطه، وخرج بقوله أقر، ما لو شهد، فإنه إن كان فاسقاً، أو لم يعين العافي فكالإقرار، وإن كان عدلاً، وعين العافي وشهد بأنه عفا عن القصاص والدية جميعاً بعد دعوى الجاني قبلت شهادته في الدية، ويحلف الجاني مع الشاهد الن العافي عفا عن الدية لا عنها وعن القصاص، لأن القصاص سقط بالإقرار فيسقط من الدية حصة العافي، وإن شهد بالعفو عن الدية فقط لم يسقط قصاص الشاهد.
ولو اختلف شاهدان في زمان القتل: كأن قال أحدهما قتله في الليل، وقال الآخر: قتله بالنهار، فاو اختلفا في مكان القتل: كأن قال أحدهما: قتله في المسجد، وقال الآخر: قتله في الدار، أو اختلفا.
(5/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
في آلة القتل: كأن قال أحدهما: قتل بالسيف، وقال الآخر: قتله بالرمح، أو اختلفا في هيئة القتل: كأن قال أحدهما: قطع رقبته، وقال الآخر: شقه نصفين، سقطت شهاتهما في هذه الصورن ولا لوث بها، لأن كل واحج ناقض صاحبه.
وقيل: هذه الشهادة - لوث - فيقسم الولي، وتثبت الدية لا تفاقهما على أصل القتل، والاختلاف في الصفة بما يكون غلطاً أو نسياناً.
فإن قيل: لم لم يحلف على الأول مع من وافقه منهما، أو يأخذ البدل كنظيره من السرقة.
أجيب: بأن باب القسامة، أمره أعظم، ولهذا غلظ فيه بتكرير الأيمان.
هذا إذا شهد على الفعل، فلو شهد على الإقرار لم يضر اختلافهما في الزمان ولا في المكان، لأنه لا أختلاف في القتل وصفته: بل الاختلاف في الإقرار.
نعم: إن عينا يوماً، في مكانين متاعدين بحيث لا يصل المسافر من أحدهما إلى الآخر في الزمان الذي عيناه، كأن شهد أحدهما بأنه أقر بالقتل بمكة يوم كذا، والآخر أقر، بأنه قتله بمصر في تاريخ ذلك اليوم، فتلغو الشهادة ولا تقبل.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: من قتل وله ابنان حاضر وغائب، فأقام الحاضر البينة على القتل، ثم قدم الغائب فإنه يجب عليه أن يعيد البينة عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأن استيفاء القصاص حق الوارث عنهده، ولأن القصاص طريق الخلافة دون الوراثة ألا ترى أن ملك القصاص يثبت بعد الموت، والميت ليس من أهله، بخلاف الدين، والدية، لأن الميت من أهل الملك في الأموال، كما إذا نصب شبكة في حياته فتعلق بها صيد بعد ممانه فإنه يملكه، وإذا كان طريقه الإثبات ابتداء لا ينتصب أحدهما خصماً عن الباقين، فيعيد البينة بعد حضوره، احتيالاً للدرء.
وقال الصاحبان: إذا حضر الغائب فلا يعيد إقامة البينة، لأن استيفاء القصاص حق المورث، فإن القصاص طريقه طريق الوارثة، كالدين، وهذا لأنه عوض عن نفسه، فيكون الملك فيه لمن له الملك في المعوض، كما في الدية، ولهذا لو انقلب مالاً يكون للميت، ويسقط بعفوه بعد الجرح قبل الموت، فينتصب احد الورثة خصماً عن الباقين، فلا يعيد البينة بعد حضوره. أما إذا كان القتل خطأ، وحضر الغائب فلا يجب عليه إعادة البينة بالاجماع، فإن أقام القاتل البينة أن القائب قد عفا عن القصاص، فالشاهد من اولياء الدم خصم له، ويسقط القصاص، لأنه ادعى على الحاضر سقوط حقه في القصاص، إلى مال، ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات العفو من الغئب، فينتصب الحاضر خصماً عن الغائب، وكذلك عبد بين رجلين قتل عمداً، واحد الرجلين غائب فهو على هذا، فإن كان الأولياء ثلاثة، فشهد اثنان منهم على الآخر اه قد فقا، فشهادتهما باطلة، وهو عفو منهما، لانهما يجران بشهادتهما إلى أنفسهما مغنماً، وهو انقلاب القود مالاً، فإن صدقهما القاتل فالدية بينهم أثلاثاً، لأنه لما صدقهما وحده، فقد أقر بثلثي الدية لهما، فصح إقراره إلا أنه يدعي سقوط حق المشهود عليه، وهو
(5/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ينكر فلا يصدق، ويغرم نصيبه، وأما إن كذبهما القاتل فلا شيء لهما، وللغائب ثلث الدية، لانهما اقرا على أنفسها بسقوط القصاص فقبل، وادعيا انقلاب يصيبهما مالاً، فلا يقبل إلا بحجة، وينقلب نصيب المشهود عليه مالاً، لأن دعواهما العفو عليه، وهو ينكر بمنزلة ابتداء العفو منهما في حق المشهود عليه، لأن سقوط القود مضاف إليهما، وإن صدقهما المشهود عليه وحده غرم القاتل ثلث الدية للغائب المشهود عليه، لإقراره له ذلك.
قالوا: وإذا شهد الشهود أنه ضربه فلم يزل صاحب فراش حتى مات فيجب عليه القوج إذا كان القتل عمداً، لأن الثابت بالشهادة كالثاب معاينة، وفي ذلك القصاص - إذا شهدوا أنه ضربه بشيء جارح قصداً، - والشهادة على قتل العمد تتحقق على هذا الوجه، لأن الموت بسبب الضرب إنما يعرف إذا صار باضرب صاحب فراش حتى مات.
وإذا اختلف شاههدا القتل في الأيام بأن قال أحجهما: إنه قتله يوم السبت، وقال الآخر بأن القتل كان يوم الخميس.
أو اختلفا في البلد، بأن قال أحدهما: إن القتل كان في مكة، وقال الآخر بأنه ومع في الكوفة، أو اختلفا في الآلة التي كان بها القتل، بأن قال أحدهماك ضربه بسيف، وقال الآخر: ضربه بعصا. فالشهادة باطلة، ولا يعمل بها، لأن القتل لا يعاد ولا يكرر - والقتل في زمان، أو في مكان غير القتل في زمان أو مكان آخر - والقتل بالعصا غير القتل في زمان، أو في مكان غير القتل في زمان أو مكان آخر - والقتل بالعصا غير القتل بالسلاح، لأن الثاني عمد بالاتفاق، والاول شبه عمد، وتختلف أحكامهما، فكان على كل قتل شهادة فرد، وكذا إذا قال أحدهما: فإن المطلق يوجب الدية في ماله، والمقيد بالعصا يوجب الدية على العاقلة.
قالوا: وإن شهدا أنه قتله، وقالا: لا ندري باي شيء قتله، ففيه الدية استحساناً، والقياس أن لا تقبل هذه الشهادة لأن القتل يختلف باختلاف الآلة، فجهل المشهود يسقط الشهادة لأن قولهم: لا ندري بأي شيء قتله، إما صادقون أو كاذبون، لعدم الواسطة بين الصدق والكذب وعلى كلا التقديرين يجب أن لا تقبل شهادتهما، لأنهما إن صجقا امته القضاء بها لاختلاف موجب السيف والعصا، وإن كذبا فكذلك لانهما صرا فسقة.
ووجه الاستحسان، انهم شهدوا بقتل مطلق، والمطلق ليس بمحمل فيجب اقل موجبه وهو الدية، ولأنهم جعلوا عالمين بأنه قتله بالسيف، لكنهم بقولهم: لا ندري، اختاروا حسبة الستر على القتل وأحسنوا إليه بالإحياء، وجعل كذبهم هذا معفواً عند الله لما جاء في الحديث الشريف (ليس كذاباً من يصلح بين اثنين) فبتأويلهم كذبهم بهذا لم يكونوا فسقة، فتقبل شهادتهم، فلا يثبت الاختلاف بالشك، وتجب الدية في مال، لأن الأصل في الفعل العمد، فلا يلزم العاقلة.
وإذا اقر رجلان كل واحد منهما بأنه قتل فلاناً، فقال الولي: قتلتماه جيمعاً، فله أن يقتلهما، وإن
(5/291)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
شهدوا على رجل أنه قتل فلاناً، وشهدوا آخرون على آخر بقتله، وقال الولي: قتلتماه جيمعاً، بطل ذلك كله، والفرق أن الإقرار والشهادة يتناول كل واحد منهما وجوب كل القتل، ووجوب القصاص قد حصل التكذيب فيهما، غير أن تكذيب المقر له في بعض ما أقر به لا يبطل شهادته أصلاً، لأن التكذيب تفسيق، وفسق الشاهد يمنع القبل اهـ.
مبحث شهادة الشهود
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى: على أن الشخص لو شهد لمورثه بجرح قبل الاندمال لم تقبل شهادته للتهمة، لأنه لو ماب مورثه كان الأرش له، فكأنه شهد لنفسه، وهي شهادة غير مقبولة شرعاً، قالوا: إلا أن يكون على المجروح دين يستغرق تركته فتقبل شهادته لأنه لا يجر بذلك لنفسه نفعاً، وفيه نظر لأن الدين لا يمنع الإرث وبما يبرأ منه، ولا حتمال ظهور مال لمورثه، مخفياً.
قال الرافعي: وشهادتهم بتزكية الشهود كشهادتهم بالجرح.
والمراد بالشاهد الوارث غير اصله وفرعه، لأن شهادتهما لا تقبل مطلقاً للبعضية، قالوا: ولو شهد لمورثه بمال في مرض موته تقبل في الأصح موته تقبل في الأصح عند أكثر العلماء.
وقيل: لا تقبل كالجرح، وقد فرق (القارقي) بينهما بأنهما إذا شهدا بالمال لم يحصل لهما نفع حال وجوبه، لأن الملك يحصل للمشهودل له، وينفذ تصرفه فيه، في ملاذه وشهواتهن وإذا شهدا له بالجراحة كان النفع حال الوجوب لهما، لأن الدية قبل الموت لم تجب وبعده تجب لهما.
وفرق غيره، بأن الجرح سبب الموت الناقل للحق، فإذا شهد بالجرح فكأنه شهد بالسبب الذي ثبت به الحق، ههنا بخلافه.
قالوا: ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود قتل، أو قطع طرف خطأ، أو شبه عمد يحملونه وقت الشهادة، لأنهم يدفعون عن أنفسهم الغرم، فإن كانوا لا يحملونها وقت الشهادة نظرت، فإن كانوا من فقراء العاقلة فالنص ردها أيضاً، أو من أباعدهم، وفي الأقربين وفاء بالواجب، فالنيص قبولها، والفرق أن المال غاد ورائح، والغنى غير مستبعد، فتحصل التهمة، وموت الغريب كالمستبعد في الاعتقاد، فلا تحقق التهمة لمثله.
بخلاف ما إذا شهدوا بفسق بينة القتل العمد، وبينة الإقرار بالقتل، فإنها تكون مقبولة في هذه الحالة لعدم التهمة، إذ لاتحمل.
قالوا: ويشترط في الشهادة السلامة من التكاذب، فلو شهد اثنان على اثنين بقتل شخص، فشهد المشهود عليهما مبادرة على الأولين، أو غيرهما بقتله، فإن صدق الولي الأولين حكم بهما، لسلامة شهادتهما عن التهمة وسقطت شهادة الآخرين، لانهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما القتل
(5/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الذي شهد به الأولان، والدافع متهم في شهادته ولو صدق الولي الآخرين، أو صدق الجميع، أو كذب الجميع بطلت الشهادتان في المسائل الثلاثة المذكورة - أما الأول فلآن في تصديق الآخرين تكذيب الأولين، وعداوة الآخرين لهما، وأما في الثانية، فلآن في تصديق كل فريق تذكيباً للآخر، وأما الثالثة فالأمر فيهما ظاهر، حيث كذب الطرفين.
قالوا: ولو أقر بعض الورثة - ول كان فاسقاً - بعفو بعض منهم عن القصاص، سواء عينه أو لا؟ سقط القصاص عن الجاني، لأنه لا يتبعض، ولو اعترف بسوقط حقه منه فيسقط حق الباقي في القصاص، أما الدية فإنها باقية لا تسقط، بل وإن لم يعين العافي، فللورثة كلهم الدية، وإن عينه، فأنكر فكذلك لا تسقط الدية، ويصدق بيمينه أنه لم عف، وإن أقر بالعفو مجاناً، أو مطلقاً سقط حقه من الدية، وثبت للباقين من الورثة حصتهم منها.
ويشترط لإثبات العفو من بعض الورثة عن القصاص، لا عن حصته من الدية شاهدان عدلان من الرجال، لأن القصاص ليس بمال، وما لا يثبت بحجة ناقصة لا يحكم بسقوطه، أما إثبات العفو عن حصته من الدية، فيثبت بالحجة الناقصة أيضاً، من رجل وامرأتين، أو رجل ويمين، لأن المال يثبت بذلك، فكذا إسقاطه.
وإذا شهد بعض الورثة بعفو بعضهم عن القصاص، فإن كان فاسقاً أو لم يعين العافي منهم فهو كالإقرار.
وإن كان عدلاً وعين العافي، وشهد بأنه عفا عن القصاص والدية جميعاً بعد دعوى الجاني قبلت شهادته في العفو عن الديةن ويحلف الجاني مع الشاهد، أن العافي عقا عن الدية لا عنها وعن القصاص، لأن القصاص سقط بالإقرار، فيسقط من الدية حصة العافي، وإن شهد بالعفو عن الدية، فسقط لم يسقط قصاص الشاهد.
قالوا: وإذا رجع شهود القصاص ضمنوا الدية، ولا قصاص عليهم، لأنه لم يوجد منهم القتل مباشرة، والتسبيب لا يوجب القصاص، كحافر البئر، بخلاف الإكراه، لأن المكره فيه مضطر إلى ذلك فإنه يؤثر حياته، وكذلك الولي فإنه مختار، والاختيار يقطع التسبيب، وإذا امتنع القصاص وجبت الدية، لأن القتل بغير حق لا يخلو عن أحد الموجبين، ولو شهدا بالعفو عن القصاص ثم رجعا لم يضمنا، لأن القصاص ليس بمال.
قالوا: وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا، لأن التلف اضيف إليهم، فإنهم الذين ألجؤوا القاضي، إلى الحكم، وإن رجع شهود الأصل، وقالوا: لم نشهد شهود الفرع، لم يضمنوا، لانهم أنكروا التسبيب، وهو الاشهاد والقضاء ماض لأنه خبر محتمل.
ولو قالوا: أشهدناهم وغلطنا، فلا ضمان عليهم، لأن القضاء وقع بما عابثه من الحجة وهي شهادة الفروع فيضاف إليهم اهـ.
-
(5/293)

مبحث الجناية على الأطراف.
-أما الجناية على الأطراف من يد، أو عين، أو سن، فقد جعلت الشريعة الإسلامية، عقوبتها القصاص أيضاً، بمعنى أنه يفعل بالجاني مثل ما فعل جزاء وفاقاً، ولكن يشترط المماثلة بين العضوين، فلا تفقأ عين عوراء، في نظير عين سليمة، ولا يقطع لسان أخرس، في لسان متكلم، ولا تقطع يد عاطلة بيد عاملة، ونحو ذلك مما هومبين في محله (1) وهذا هو العدل المطلق، فإن الذي يعتدي على إتلاف عضو إنسان لا جزاء له إلا أن يتلف منه ذلك العضو، كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} آية [40 من سورة الشورى] .
__________
(1) (اتفق الأئمة الأربعة: على أن من أتلف نفساً فعليه دية كاملة، وفي مارن الأنف وهو ما لأن دون العظم، ويسمى أرنبة الأنف تجب دية كاملة، لأن فيه جمالاً ومنفعة، وهو مشتمل على الطرفين المسمييين بالمنخرين، وعلى الحاجز بينهما، وتندرج حكومة قصبته في ديته فلا يزاد على دية واحدة، لأنه عضو واحد، وفي قطع اللسان الدية لفوات منفعة مقصودة، وهو النطق ولو كان اللسان لألكن، وهو من في لسانه لكنة، أو أعجم، ول لسان أرت، ولو لسان ألثغ - بمثلثة - ولو لسان طفل لم ينطق، ولأن فيه جمالاً ومنفعة يتميز بها الإنسان عن البهائم في البيان والعبارة، عما في الضمير، وفيه ثلاث منافع: الكلام، والذوق، والاعتماد في أكل الطعام، وإدارته في اللهوات حتى يستكمل طحنه بلأضراس، فتجب فيه دية كاملة، وفي إبطال الصوت مع إبقاء اللسان دية كاملة.
وقيل: شرط الدية في قطع لسان الطفل الصغير، ظهور أثر نطق بتحريكه لبكاء، أو مص للثدي، لانها أمارات طاهرة على سلامة اللسان، فإن لم يظهر فحكومة، لأن سلامته غير متيقنة، والأصل براءة الذمة، ولو قطع نصف لسانه فذهبب ربع كلامه أو عكس فنصف الدية، وإن شل اللسان فديتان، وقيل: دية.
وإذا كان اللسان المقطوع عديم الذوق، أو كان أخرساً، تجب فيه حكومة عدل، وتجب الدية كاملة إذا قطع بعض اللسان، ومنع الكلام، لتفويت منفعة مقصودة، وإن كانت الآلة قائمة، ولو قدر على التكلم ببعض الحروف. قيل: تقسم على عدد حروف الهجاء، وقيل على عدد حروف تتعلق باللسان فبقدر ما لا يقدر عليه تجب ديته.
وربما يقال: إن ذلك الجزاء تكثير لرباب العاهات بين أفراد الأمة، فبعد أن كان الناقس، هو المعتدي ناقصاً مثله، وذلك ضار بقوة الأمة وبهيبتها.
وقيل: إن قدر على أداء أكثرها تجب حكومة عدل لحصول الإفهام مع الاختلال، وإن عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية، لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام، وقد روي أن رجلاً قطع طرف
(5/294)

والجواب: أن في هذا القصاص تقليلاً لأرباب العاهات - لا تكثيراً - بل في القصاص قضاء على الجريمة، من أصلها، كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} آية [179 من سورة البقرة] .
لأن الذي يوقن بالجزاء المماثل، ويعلم أنه إذا اعتدى على عضو من أعضاء بدن غيره قطع مثله منه، فإنه يحجم عن ارتكاب الجريمة بتاتاً، وبذلك يرتفع العدوان، فلا يوجد ذو عاهة أصلاً، لا معتد، ولا معتدى عليه.
__________
لسان رجل في زمان الإمام على كرم الله وجهه فأمره أن يقرأ - ا، ب، ت، ث - فكلما قرأ حرفاً أسقط من الدية بقدر ذلك، ومالم يقرأ أوجب من الدية بحسبانه، وحروف اللسان ثمانية عشر حرفاً في لغة العرب، وحروف الحلق وهي ستة، وحروف الحلق وهي ستة، وحروف الشفة وهي أربعة.
وفي قطع الذكر تجب الدية كاملة، وكذلك الحشفة، وهي رأس الذكر إذا قطعها عليه دية كاملة ولو كان الذكر لصغير، وشيخ كبير، وخصي، وعنين، لإطلاق الحديث الوارد في ذلك.
وعند أكثر الفقهاء: أن في ذكر الخصي والعنين حكومة.
والأصل فيه ما روي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال (في النفسن الدية، وفي اللسان الدية، وفي المارن الدية) وهكذا في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم رضي الله عنه (روى أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال: قرأت في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، رواه النسائي) . ولأن ذكر الخصي سليم وهو قادر على الإيلاج، وإنما الفائت الإيلاد، والعنة عيب في غير الذكر، لأن الشهوة في القلب والمني في الصلب، وليس الذكر بمحل لواحد منهما: فكان سليماً من العيب، والحشفة كالذكر، لأن ما عداها من الذكر كالتابع لها، كالكف مع الأصابع، لأن معظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة تتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، من قطع بعضها يجب بقسطه منها، لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها.
وقيل: يجب بقسطه مع كل الذكر، لأنه المقصود بكمال الدية، أما الذكر الأشل ففيه حكومة عدل، وذكر الخنصى ففيه نصف دية، ونصف حكومة.
والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس منفعة على الكمال، أو أزال جمالاً مقصوداً في الآدمي على الكمال، يجب كل الدية، لإتلافهكل النفس من وجه، وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيماً للآدمي، فإن كان جنس المنعفة، أو الكمال قائماً بعضو واحد فعند إتلافه يجب كمال الدية، وإن كان قائماً بعضوين، ففي كل واحد منهما نصف الدية، وإن كان قائماً بأربعة أعضاء ففي كل واحد منها ربع الدية، وإن كان قائماً بعشرة أعضاء، ففي كل واحد منها عشر الدية، وإن كان قائماً بأكثر ففي كل واحد منها نصف عشر الدية، كقطع أنملة إبهام الأصبع مثلاً.
(5/295)

أما الذي يعلم أن نتيجة عدوانه عقوبة بالسجن القليل، فإنه لا يبالي بتكرار فعله مع كثيرين، فيزيد أرباب العاهات والمجرمون معاً، على أن السجن إذا طال أمده فإنه يكون من شر الآفات التي تقضي على حياة المجرم، فإنه يصبح عاطلاً مستهتراً بالجرائم، كما هو مشاهد في كثير من متعودي الإجرام والسجون فمتى أمكن القصاص بالتساوي بين العضوين، كان من العدل أن يقتص من الجاني بمثل جنايته، وإن لم يمكن كان للحاكم أن يعزره بما يراه زاجراً له عن العودة، ورادعاً للأشرار عن ارتكاب الجرائم. على أنك قد عرفت أن القصاص في نظر الشريعة الإسلامية حق المعتدى عليه، فله أن يصطلح مع خصمه على مال أو غيره، أو يعفو عنه.
فإذا رأى الحاكم أن العفو يترتب عليه ضرر بالأمن، فله أن يتخذ الوسائل التي يراها لصيانة الأمن.
__________
وفي قطع الذكر فاتت على الشخص منفعة الوطء، والإيلاد، واستمساك البول، والرمي به عن جسده، وفق الماء، والإيلاج الذي هو طريق الاعلاق عادة، وغير ذلك، وإن شق الذكر طولاً، فأبطل منفعته وجبت فيه دية كاملة، كما لو ضربه على ذكره فأشله، وإن تعذر بضربه الجماع به، لا الانقباض والانبساط فتجب حكومة عد، لأنه ونفعته باقيان والخلل في غيرهما، فلو قطعه قاطع بعد ذلك، فعليه القصاص، أو كمال الدية.
وفي العقل إذا ذهب بالضرب عمداً، أو خطأ دية كاملة، وقد قضى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بذلك، ولفوات منفعة الإدراك إذ به ينتفع بنفسه في معاشه ومعاده، وذلك إذا لم يرج عوده بقول أهل الخبرة في مدة يظن أنه يعيش إليها، كما جاء في خبر عمرو بن حزم.
وقل أبن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على ذلك، لأن العقل أشرف المعاني، والأعضاء، وبه يتميز الإنسان عن البهائم، ويعقله عن الوقوع في الدنايا، والمراد العقل الغريزي الذي به التكليف دون المكتسب الذي به حسن التصرف، ففيه حكومة، فإن رجي عوده في المدة المذكورة انتظر، فإن عاد فلا ضمان، كما في سن من لم ينفر، وفي إزالة بعضه بعض الدية بالقسط إن ضبط بزمان كأن كان يجن يوماً، ويفيق يوماً، أو بغيره، كأن يقابل صواب قوله، وفعله بالمختل منهما، وتعرف النسبة بينهما، فإن لم ينضبط فحكومة يقدرها الحاكم باجتهاده، فإن ما في أثناء المدة المقدر عوده فيها وجبت ديته كاملة، ولا يجب القصاص فيه للاختلاف في محله، فقيل محله - القلب - وقيل: الدماغ وقيل: مشترك بينهما، والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنه الدماغ وتدبيره القلب، ويسمى عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، ولا يراد شيء على دية العقل أن زال بما لا أرش له، كأن ضرب رأسه، أو لطمه لكن يجب تعذيره في الأصح.
فإن زال العقل الغريزي بجرح له أرش مقدر كالموضحة، أو حكومة كالباضعة، وجبت الدية
(5/296)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والأرش، أو الدية والحكومة معاً، ولا يندرج ذلك في دية العقل لأنها جناية أبطلت منفعة غير حالة في محل الجناية، فكانت كما لو أوضحه فذهب سمعه، أو بصره، وكما لو انفردت الجناية عن زوال العقل، وعلى هذا لو قطع يديه وجليه، فزال عقله بذلك لزمه ثلاث ديات.
ولو ادعى ولي المجنون زوال عقل المجني عليه، وأنكره الجاني، ونسبه إلى التجانن، اختبر في عقله، فإن لم ينتظم قوله، وفعله في خلواته فتجب له دية بلا يمين، وهذا في المجنون المطبق، أما المجنون المنقطع فإنه يحلف في زمن إفاقته، فإن انتظم قوله وفعله حلف الجاني، لاحتمال صدور المنتظم اتفاقاً، أو جرياً على العادة، والاختيار لا يقدر بمدة، بل إلى أن يغلب على الظن صدقه، أو كذبه، ولا بد في سماع دعوى الزوال، من كون الجناية تحتمل زوال العقل. وإلا لم تسمع الدعوى، كحصول الموت بصعقة خفيفة وفي إزالة السمع تجب دية كاملة، لخبر البيهقي (في السمع الدية) ونقل أبن المنذر فيه الإجماع ولأنه من اشرف الحواس، فكان كالبصر، بل هو أشرف منه عند أكثر الفقهاء، لأن به يدرك الفهم، ويدرك من الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من جهة المقابلة، وبواسطة من ضياء أو شعاع، وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر عليه، لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات، والبصر يدرك الأجسام والألوان، والهيئات فكان أشرف منه، ولا بد في وجوب الدية من تحقق زوال السمع، فلو قال أهل الخبر: يعدو وقدروا له مدة لا يستبعد أن يعيش إليها انتظرت، فإن استبعد ذلك، أو لم يقدروا مدة أخذت الدية في الحال. وإن قالوا: لطيفة السمع باقية في مقرها، ولكن انسد منفذ السمع، والسمع باق وجبت فيه حكومة.
وقيل: يعتبر في طريق معرفة السمع الدلائل الموصلة إلى ذلك، فإن لم يحصل العلم بذلك يعتبر في الدعوى والإنكار، فطريق معرفة السمع أن يتغافل وينادى عليه، فإن أجاب على أنه يسمع، ولا دية له.
حكى الناطفي عن أبي حازم القاضي أن امرأة تطارشت في مجلس حكمه، فاشتغل بالقضاء عن النظر إليها، ثم قال لها فجأة، غطي عورتك، فاضطربت وتسارعت إلى جمع ثيابها وظهر مكرها، وفي إزالة السمع من أذن واحدة يجب نصف الدية، وفي قطع الأذنين الشاخصتين الدية لأن فيهما تمام الجمال، ولو أزال أذنيه وسمعه فتجب ديتان، لأن محل السمع غير محل القطع فلم يتداخلا، لو ادعى المجني عليه زوال السمع من أذنيه، وكذبه الجاني، وانزعج للصياح في قوم، وغفلة فكاذب، لأن ذلك يدل على التصنع ولا بد من تحليف الجاني، وإن سمعه لباق، لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقاً من غير سمع، وإن لم ينزعج المجني عليه بالصياح ونحوه، فصادق في دعواه، وتجب له الدية كاملة.
وإن نقص سمع المجني عليه فقسط النقص من الدية إن عرف قدر ما ذهب، بأن كان يسمع من مكان كذا فصار يسمع من قدر نصفه مثلاً، وطريق معرفة ذلك أن يحدثه شخص ويتباعد إلى أن يقول: لا أسمع فيعلي الصوت قليلاً، فإن قال: أسمع عرف صدقه، ثم يعمل كذلك من جهة أخرى، فإن اتفقت المسافتان ظهر صدقه، ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرف، ويجب بقدره من
(5/297)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الدية، فإن كان التفاوت نصفاً وجبت الدية، وإن لم يعرف قدره بالنسبة، فتجب فيه حكومة عدل، باجتهاد قاض.
ولو قال المجني عليه: أنا أعرف قدر ما ذهب من سمعي، صدق بيمينه، لأنه لا يعرف إلا من جهته، وإن نقص سمع المجني عليه من أذن واحدة سدت هذه الناقصة، وضبط منتهى سماع الآخرين ثم عكس. ويؤخذ قسط التفاوت من الدية، فإن كان بين مسافة السمعية، والأخرى النصف فله ربع الدية، لأنه أذهب رع سمعه، وإن كان الثالث، فيجب عليه سدس الدية، وهكذا.
فإن لم ينضبط فالواجب حكومة عدل.
وفي ذهاب بصر كل عين، صغيرة، أو كبيرة، حادة، أو كحلة، صحيحة أو عليلة، عمشاء أو حولاء، من شاب، أو شيخ أو طفل، حيث البصر سليم يجب نصف الدية، وفي العينين الدية كاملة لأن البصر من المنافع المقصودة في الحياة، وقد روي أن عمر رضي الله عنه قضي بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر، وإن ادعى المجني عليه زوال بصره، أنكر الجاني، سئل أهل الخبرة بذلك عدلان منهم مطلقاً، أو رجل وامرأتان أن كان خطأ، أو شبه عمد، فانهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينه عرفوا أن الضوء ذاهب أو موجود، بخلاف السمع لا يراجعون فيه، إذ لا طريق لهم إليه، أو يمتحن المجني عليه بتقريب عقرب، أو حديدة محماة، أو نحو ذلك من عينه بغتة، ونظر هل ينزعج أم لا؟ فإن انزعج صدق الجاني بيمينه، وإلا فالمجني عليه بيمينه، وإن نقص ضوء المجني عليه، فحكمه كنقص السمع، فإن عرف قدر النقص بأن كان يرى الشخص من مسافة فصار لا يراه إلا من نصفها مثلاً، فقسطه من الدية، وإلا فحكومة عدل، فإن نقص بعض ضوء عينه عصبت ووفق شخص في موضع يراه، ويؤمر أن يتباعد حتى يقول: لا أراه، فتعرف المسافة ثم تعصب الصحيحة، وتطلق العليلة، ويؤمر الشخص بأن يقرب راجعاً إلى أن يراه، فيضبط ما بين المسافتين، ويجب قسطه من الدية، فإن أبصر بالصحيحة من مائتي ذراع مثلاً، وبالأخرى من مائة فالنسف، نعم لو قال أهل الخبرة، أن المائة الثانية تحتاج إلى مثلي ما تحتاج إليه المائة الأولى لقرب وبعد الثانية، وجب ثلثا دية العليلة، وإن أعشاه لزمه نصف دية، وإن أعمشه، أو أخفشه،، أو أحوله، أو أشخص بصره، فالواجب حكومة، ومن بعينه بياض لا ينقص الضوء ففي قلعها نصف دية.
(حادثة) .
سئل أبن الصلاح عن رجل أرمد أتى امرأة بالبادية تدعي الطب لتداوي عينه، فكحلته فتلفت عينه، فهل يلزمها ضمانها؟ فأجاب: إن ثبت أن ذهاب عينه بتداويها فعلى عاقلتها ضمانها، فإن لم يكن لها عاقلة، فإن تعذر فعليها في مالها، إلا أن يكون الرمد أذن لها في المداواة بهذا الدواء المعين فلا تضمن، ويقاس على هذا حالة المريض مع الأطباء في هذا الزمان.
ومن أزال الشم من المنخرين بجناية على رأسه تجب عليه دية كاملة، كما جاء في خبر عمرو بن
(5/298)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
حزم، لأنه من الحواس النافعة، فتكمل فيه الدية كالسمع، وفي إزالة شم منخر واحد نصف الدية، ولو نقص الشم وجب بقسطه من الدية، إذا أمكن معرفته، وإن لم يمكن فالحكومة.
ولو أنكر الجاني زوال الشم من المجني عليه، امتحن في غفلاته بالروائح الحادة، فإن هش للطيب، وعبس لغيره حلف الجاني لظهور كذب المجني عليه، ولا يستحق ضماناً، وإن لم يهش للطيب، ولم يتأذ من الكريه، حلف المجني عليه لظهور صدقه مع أنه لا يعرف إلا منه، وفي إبطال حاسة الذوق، الذي هو وقوة في اللسان يدرك بها الطعم، تجب دية كاملة، لأنه أحد الحواس الخمس، فأسبه الشم، واختلف في محله هل هو في طرف الحلقوم، أو في اللسان؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى القول الثاني، وقالوا: إنه المشهور وعليه الحكماء، لكنهم يقولون: هو قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان يدرك بها الطعوم بمخالطة اللعابية التي في الفم بالمطعوم ووصولها للعصب، وقال أهل السنة: إن الإدراك المذكور بمشيئة الله تعالى - يعني أن الله تعالى يخلق ما ذكر عند المخالطة المذكورة، وعلى هذا القول فينبغي أن يكون كالنطف مع اللسان، فتجب فيه دية واحدة للسان، لأن الذوق يدرك به حلاوة، وحموضة، ومرارة، وملوحة، وعذوبة، وتوزع الدية على هذه الأنواع الخمسة، فإذا أبطل إدراك واحدة منهن وجب فيها خمس الدية، وهكذا.
وإن نقص الإدراك نقصاً لا تقدر، بأن يحس بمذاق الأنواع الخمس لكن لا يدركها على كمالها فتجب في ذلك النقص حكومة عدل. وتختلف بقوة النقصان وضعفه، وإن عرف قدره فقسطه من الدية.
ولو اختلف الجاني والمجني عليه في ذهاب الذوق امتحن بالأشياء المرة ونحوها كالحامض الحاد. الذي لا يصبر عليه عادة. فإن ادعى النقص صدق بيمينه، وإن تألم وعبس صدق الجاني بيمينه.
قالوا: وتجب الدية في إبطال المضغ كأن يجني على أسنانه فتخدر، وتبطل صلاحيتها، للمضغ، وتفسد اللثة، لأنه المنفعة العظمى للأسنان وفيها الدية، فكذا منفعتها كالبصر مع العين، والبطش مع اليد.
وتجب الدية فإبطال قوة الإمناء بكسر صلب، لقوات المقصود، وهو النسل، بخلاف انقطاع اللبن بالجناية على الثدي، فإن فيه حكومة، لأن الرضاع يطرأ ويزول، وقيل فيه الدية كاملة، واستعداد الطبيعة للإمناء صفة لازمة للفحول، ولأن إبطال قوة الامناء موت للرجل أدبياً ومعنوياً. فتجب الدية.
وتجب الدية في إبطال قوة الحبل من المرأة لقوات النسل، فيكمل فيه ديتها لانقاطع النسل، وتجب الدية في إبطال قوة الحبل من الرجل أيضاً بأن يجني على صلبه، فيصير منيه فاسداً لا يحبل، وتجب الدية في ذهاب جماع من المجني عليه، بجناية على صلبه مع بقاء مائه، وسمة ذكره، فيطل التلذذ بالجماع لأن ذلك من المنافع المقصودة. وقد ورد الأثر فيه عن الخلفاء الراشدين، وإن ضربه
(5/299)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ضربة شديدة على صلبه فأبطل إنعاظه فتجب الدية، ولا تندرج فيه دية الصلب وإن كانت قوة الجميع فيه، فلو كسر صلبه، فأبطل إنعاظه فعليه ديتان، لأن كل جناية غير الأخرى، وفي إفضاء المرأة بجناية عمداً أو شبه عمد، أو خطأ بوطء أو بغيره، من الزوج، أو غيره، تجب ديتها كاملة، لفوات المنفعة الجماع أو اختلالها، لأنه يقطع التناسل منها، ويسبب لها العقم، لأن النطفة لا تستقر في محل العلوق لا متزاجها في البول، فأشبه قطع الذكر، والإقضاء حاجز ما بين مدخل ذكر، ودبر، فيصير سبيل جماعها وغائطها واحداً، إذ به تفوت المنفعة الكلية.
وقيل: الإفضاء: رفع ما بين مدخل ذكر، وجبر، فيصير سبيل جماعها وبولها واحداً، لأن ما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر، وبينهما عظم لا يتأتى كسره.
المالكية - قالوا: يجب في الإفضاء حكومة، بأن يقوم ما عليها عند الأزواج بأن يقال: ما صداقها على أنها غير مفضاة، وما صداقها على أنها مفضاة، فيغرم النقص، ثم إن كان الفعل من الزوج فيلحق بالخطأ. لأذن الشارع في الفعل بالجملة، فإن بلغ الثالث على العاقلة، وإلا ففي ماله خاصة ولا يندرج الإفضاء تحت مهر، بل يغرم الحكومة مع الصداق زوجاً، أو أجنبياً غصبها ووطئها، بخلاف إزالة البكرة من الزوج، أو الغاصب فإنه لا يغرم للبكارة شيئاً زائداً على الصداق الذي دفعه، لأنه لا يمكن الوطء إلا بإزالتها، فهي من لواحق الوطء، بخلاف الإفضاء، فإنه منهي عنه، إلا إذا أزال البكارة بإصبعه، فإن الحكومة فيها لا تندرج في المهر، زوجاً، أو أجنبياً، فيجب على الأجنبي حكومة، ولو لم يطأها، وهي مع المهر إن وطئ، أما الزوج فيلزمه أرش البكارة التي أزالها بالإصبعه مع نصف الصداق، إذا طلقها قبل البناء بها، فإن دخل بها وطلقها بعد البناء فتدرج في المهر، فإن أمسكها فلا شيء عليه، وإزالة البكارة بالإصبع جرم فيؤدب الزوج عليه.
قالوا: وتجب الدية إذا فعل فعلاً أحدث في بدنه جذاماً - وهو داء يأكل الأعضاء، أو احدث تبريصة - وهو نوع من البرص - أو تسويد جسده، بعد أن كان غير اسود، أو أحدث به سواداً وبياضاً وهو نوع من البرص يحث في الجلد، فتجب دية كاملة في كل هذه الصور، لأنه فوت عليه منفعة الجمال والكمال، فإن سود جسمه، وجذمه بسبب ضربة واحدة، وجب عليه ديتان، لأن كلاً منهما منفصل عن الآخر.
قطع الأذنين الظاهرتين.
المالكية - قالوا: لا تجب الدية في قطع الأذنين الشاخصتين، إذا بقي اسمع سليماً، بل تجب حكومة عدل.
الأئمة الثلاثة - قالوا: تجب في الأذنين دية كاملة، وفي قطع إحداهما نصف الدية، لقوات منفعة الجمال، وجمع الهواء للسمع.
(5/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قطع عين الأعور
المالكية، والحنابلة - قالوا: إن عين العور السليمة إذا قلعت، أو ذهب بصرها يجب فيها دية كاملة، لأن بصر الذاهبة انتقل إليها.
والفرق بين عين العور، والعضو الواحد من كل زوج، أن العين تقوم مقام العينين في معظم الغرض وهي من أعظم الجواهر مكانة.
الحنفية والشافعية - قالوا: إذا قلع عين الأعور، تجب نصف الدية، مثل إحدى اليدين والرجلين، وباقي الأعضاء المزدوجة.
ذهاب شعر الرأس واللحية والحاجب
الحنفية - قالوا: قالوا: إن الجناية على اللحية وشعر الرأس إذا حلقت ولم تنبت تجب في كل منهما الدية لأنه يفوت به منفعة الجمال غير أنه لو حلق رأس إنسان بطريقة لا تجعلها تنبت، أو شعر لحيته لا يطالب بدفع الدية حالاً، بل يؤجل سنة لتصور الإنبات فإن مات المجني عليه قبل مضي سنة، ولم ينبت الشعر فلا دية عليه، لاحتمال ظهورها لو عاش حياً، بل تجب حكومة وشعر الرجل، والمرأة، والصغير، والكبير في ذلك سواء، وذلك لأن شعر اللحية جمال بالنسبة للرجال في وقتها، وفي حلقها تفويث لمنعة الجمال والكمال، فقد ورد أن الملائكة تقول (سبحان من زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب) فتجب الدية، وكذلك شعر الرأس بالنسبة للمرأة من أعظم زينتها وتمام جمالها، وبالنسبة للرجال زينة وجمال أيضاً، ألا ترى أن من عدم الشعر حلقه، أو سقط شعر رأسه، أو كان أقرع، فإنه يتأذى من ذلك ويتكلف ستر رأسه، ويستحي من كشفها أمام الناس، ويعتقد أن ذلك نقص في جماله وكماله وخلقه، وبعض رجال العرب يطلقون شعورهم ضفيرة للزينة، وشعر الشارب فيه حكومة إذا حلق لأنه تابع للحية، فصار كبعض أطرافها، وأما لحية العبد فيجب فيها كمال القيمة، لأن المقصود به المنفعة بالاستعمال، دون الجمال، بخلاف الحر.
قالوا: ولحية الكوسج إن كان على ذقنه شعرات معدودة، فلا شيء في حلقه، لأن وجودها يشينه، ولا يزينه، وإن كان أكثر من ذلك، وكان على الخد والذقن جميعاً لكنه غير متصل ففيه حكومة عدل، لأن فيه بعض الجمال، وإن كان الشعر متصلاً ففيه كمال الدية مثل غيره، لأنه ليس بكوسج وفيه معنى الجمال للرجل، هذا كله إذا فسد المنبت، فإن نبتت حتى استوى الشعر كما كان، فلا يجب شيء من الضمانات، لأنه لم يبق أثر الجناية، ويؤدب على ارتكابه ما لا يحل، وإن نبتت بيضاء فعند أبي حنيفة أنه لا يجب عليه شيء في الحر، لأنه يزيده جمالاً، وفي العبد تجب حكومة عل، لأنه ينقص قيمته، وعندهما تجب حكومة عدل لأنه في غير أوانه يشنه، ولا يزينه، ويستوي العمد والخطأ على هذا، فكما تجب الدية في حلق الرأس واللحية خطأ، فكذلك إذا حلقهما عمداً.
(5/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قالوا: وفي الحاجبين الدية، وفي أحدها نصف الدية، لأن بهما يحصل الجمال للإنسان.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: في حلق شعر اللحية، وشعر الرأس تجب فيهما حكومة عدل، لأن ذلك زيادة في الآدمي، ولهذا يحلق شعر الرأس كله، ويحلق شعر اللحية بعضهم في بعض البلاد، وصار كشعر الصدر والساق، ولهذا يجب في شعر العبد نقصان القيمة بالإجماع.
قالوا: وفي إزالة شعر الحاجب تجب حكومة واحداً أو متعدداً، لأن في العشر جمالاً، وسواء كان إزالة العشر عمداً أم خطأ، وكذلك الهدب، وهو الشعر النابت على شفر العين، تجب حكومة إذا لم ينبت، وإلا فإن نبت فف يعمده الأدب والخطأ لا شي فيه.
دية اليدين والرجلين
واتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى: على أن في اليدين تجب الدية كاملة، وفي الرجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الأنثيين في قطعهما، أو سلها، أو رضهما دية كاملة، وفي الواحدة من هذه الأشياء نصف الدية، وفي قطع الأنثيين مع الذكر ديتان، كذا روي في حديث سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن في تفويت الاثنين من هذه الأشياء تفويت جنس المنفعة، أو كمال الجمال، فيجب كل الدية وفي تفويت أحدهما تفويت النصف، فيجب نصف الدية.
قالوا: وفي ثديي المرأة الدية، لما فهي من تفويت جنس المنفعة، وذلك إذا قطعهما من أصلهما سواء أبطل اللبن، أو لا، شابة أو عجوزاً، بخلاف ثديي الرجل حيث تجب حكومة عدل، لأنه ليس فيه تفويت جنس المنفعة، و (الجمال) وفي قطع الحلمتين إن أبطل اللبن دية كاملة، ومثل إبطال اللبن لإفساده، فالدية القطع اللبن، ولفوات جنس منفعة الإرضاع، وإمساك اللبن، وقيل الدية لقطع اللبن فحكومة عدل، فلو قطع حلمتي صغيرة فينتظر بها لزمن الإياس من اللبن، وتمام سنة، فإن أيس فدية كاملة، وإن حصل اللبن في مدة الإياس ففيهما حكومة، وفي قطع إحدى الحلمتين يجب نصف الدية.
مبحث جناية جفن العين والأهداب
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: في قطع كل جفن - بالفتح - من أجفان العين، وهو غطاء العين يجب ربع دية، سواء الأعلى أو الأسفل، ففي الأربعة دبة كاملة، ولو كان لأعمى، وبلا هدب لأن فيها جمالاً ومنفعة، وقد اختصت عن غيرها من الأعضاء بكونها رباعية، وتدخل حكومة الأهداب في دية الأجفان، بخلاف ما إذا انفردت الأهداب ولم تنبت، فإن فيها حكومة إذا فسد منبتها كسائر الشعور، لأن الفائت بقطعها الزينة والجمال، دون المقاصد الأصلية، وإلا فالتعزير، وفي قطع الجفن المستحشف حكومة، وفي أحشاف الجفن الصحيح ربع دية جزماً، وفي بعض الجفن الواحد قسطه من
(5/302)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الربع، فإن قطع بعضه فتقلص باقيه، فلا تكمل الدية، ول قطع الأجفان الأربعة، والعينين لزمه ديتان، لخبر عمرو بن حزم بذلك ولأن العين من أعظم الجوارح نفعاً.
الحنفية - قالوا: إذا قطع الأشفار العينين، عمداً أو خطأ يجب أن يدفع الدية، وفي قطع أحدهما ربع الدية، والأشفار جمع (شفر) بالشم وهي الأهداب مجازاً.
وقالوا: إن الأشفار هي منابت الشعر، وهي حروف العينين، وأطرافهما، وغطاؤهما، والشعور التي عليها تسمى الأهداب، وهذا لأنه يفوت الجمال على الكمال، وجنس المنفعة، وهي منفعة دفع الأذى عليها تسمى الأهداب، وهذا لأنه يفوت الجمال على الكمال، وجنس المنفعة، وهي منفعة دفع الأذى والقذى عن العين إذ هو يندفع بالهدب، وإذا كان الواجب في الكل كل الدية، وهي أربعة، كن في أحدها ربع الدية، وفي ثلاثة منها ثلاثة أرباعها، وإذا كان المراد بالأشفار منبت الشعر فالحكم فيه هكذا. ولو قطع الجفون بأهدابها ففيه دية واحدة، لأن الكل شيء واحد، وصار كالمارق مع القصية.
مبحث قطع أصابع اليدين أو الرجلين
واتفق الفقهاء: على أنه يجب في قطع أصبع من أصابع اليدين، والرجلين خطأ عشر الدية سواء كان إبهاماً، أو خنصراً من أنثى أو ذكر، صغير أو كبير، مسلم أو كافر، والإبل مخمسة، ومربعة، لقوله عليه الصلاة والسلام (في كل اصبع عشر من الإبل) ولأن في قطع الكل تفويت جنس المنعفة، وفيه دية كاملة، وهي مائة من الإبل، فتنقسم الدية عليها، والأصابع كلها سواء، في أصل المنفعة، فلا تعتبر الزيادة فيه كاليمين مع الشمال، وكذا اصابع القدمين حيث يفوت بقطع كلها منفعة المشي، فتجب الدية كاملة، ثم فيهما عشر أصابع فتنقسم الدية عليها أعشاراً، وعشر الدية الواجب بإزاء كل أصبع إنما هو بمقابلة مفاصلها، وفي كل اصبع فيها ثلاثة مفاصل، ففي كل منها ثلث دية الأصبع، وما فيها مفصلان ففي أحدهما نصف دية الأصبع، وهو نظير انقسام دية اليد على الأصابع، ففي كل مفصل من الصبع ثلاثة وثلث بعير من الإبل، إلا في الإبهام من يد أو رجل فتجب في أنملته نصف دية الأصبع، وهو خمس من الإبل أو خمسون ديناراً.
قالوا: وفي كل سن خمس من الإبل، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (وفي كل سن خمس من الإبل) والأسنان والأضراس والأنياب كلها سواء لإطلاق الحديث، لأن السن اسم جنس يدخل تحته اثنان وثلاثون سناً، فإذا ضرب رجل رجلاً حتى سقطت أسنانه كلها. وكان الضرب خطأ، فإنه يجب عليه دية وثلاثة أخماس الدية وهي من الدراهم ستة عشر الضرب عمداً، وجب القصاص على الجاني، حيث يمكن المماثلة، وسواء قلعت السن من أصلها، أو لم يبق إلا المغيب في اللحم، وسواء بعد أن كانت السن بيضاء فصار بالجناية عليها سوداء، لأنه اذهب جمالها، ولها إذا اسودت ثم انقلعت، أو تغيرت بحمرة أو صفرة بعد بياضها إن كانت الحمرة
(5/303)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والصفرة في العرف كالسوداء في إذهاب جمالها، وفي قلع سن المرأة الحرة المسلمة بعيران ونصف، والذمي بعير وثلثان، ولمجوسي ثلث بغير، ولرقيق نصف عشر قيمته وهكذا، ومن ضرب عضواً فأذهب منفعته ففيه دية كالمة، كاليد إذا شلت، والعين إذا ذهب ضوءها، لأن المتعلق توفيت جنس المنفعة، لا فوات الصورة، فإنه إذا قطع اليد الشلاء فإنه تجب عليه حكومة عدل لا الدية، لأن المقصود باليد كمال المنفعة ولما كانت النفعة غير كاملة لم تتكامل الجناية، من حيث تفويت الجمال، فإن كان بها نفع تام فكالسليمة في وجوب القصاص، أو الدية.
ومن ضرب صلب غيره فأحدبه، وقوص ظهره تجب عليه دية كاملة، لأنه فوت جمالاً على الكمال، وهو استواء القامة، فلو زالت الحدوبة، لا شيء عليه، لزوالها لا عن أثر، وفي شفري المرأة، وهما اللحمان المحيطان بالفرج المغطيان العظم، تجب دية كاملة إن بدا العظم من دية المرأة فإن لم يظهر العظم فحكومة، وفي أحد الشفرين إن بدا العظم نصف دية، لأن فيهما جمالاً ومنفعة إذ بهما يقع الالتذاذ بالجماع وبهما تمسك البول والدم، وهما من كمال جمالها.
وقي قطع قضيب الذكر إلى ليس فيه حشفة لقطعها قبل حكومة، وفي قطع الحشفة وهي رأس الذكر دية كاملة، وفي قطع بعضها بحسابها من الحشفة، فتقاس الحشفة لا الذكر، فإن قطع ربع الحشفة فعليه ربع دية، وإن قطع ثلثها فعليه ثلث دية، وإن قطع نصفها فعليه نصف الدية وهكذا.
قالوا: وتتعدد الدية بتعدد الجناية، فإذا قطع يديه، فزال عقله بسببها تجب عليه ديتان، دية اليدين ودية للعقل، ولو زال من ذلك القطع بصره أيضاً، تجب عليه ثلاث ديات، واحدة لليدين، وثانية للعقل، ودية ثالثة للبصر، لأن كل واحدة منهم منفعة مقصودة، وقد زالت، وهكذا وقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قضى بأربع ديات في ضربة واحدة، ذهب بها العقل، والكلام، والسمع، والبصر، مع بقاء الرجل حياً، واخذ أربع ديات، وذلك لعظم حرمة أعضاء الآدمي.
قالوا: وفي كسر عظم اللحيين عليه دية. لأن فيهما جمالاً ومنفعة، فوجب فيهما الدية وفي كسر أحدهما نصف الدية كالأذنين، وهما عظمتان تثبت عليهما السنان السفلى وملتقاهما الذقن، أما العليا فمنبتها عظم الرأس.
وقد استشكل بعض العلماء في إيجاب الدية في اللحيين، بأن لم يرد فيهما خبر عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم: والقياس لا يقتضيه لأنهما من العظام الداخلة، فيشبهان الترقوة، والضلع، وأيضاً فإنه لا دية في عظم الساعد، والعضد، والساق، والفخذ، وهي عظام فيها جمال ومنفعة، فجب فيها حكومة عدل حسب خطورتها.
وأجيب: بأنهما لما كانا من الوجه كانا أشرف من غيرهما، فوجب فيهما الدية.
قالوا: ولا يدخل أرش الأسنان في دية فك اللحيين في الأصح، لأن كلاً منهما مستقل برأسه، وله بدل مقدر، واسم يخصه، فلا يدخل أحدهما في الآخر، كالأسنان واللسان.
(5/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقيل: يدخل أرش الأسنان في دية الفك كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع، ورد عليه، بأن اسم اليد يشمل الكف والأصابع، ولا يشمل اسم اللحيين والأسنان، وبأن اللحيين كاملا الخلق قبل الأسنان، بدليل الطفل، بخلاف الكف مع الأصابع، لأنهما كالعضو الواحد.
الأئمة الثلاثة قالوا: في الأليتين وهما الناتئان عن البدن عن استواء الظهر والفخذ، إذا قطعا خطأ تجب الدية كاملة، لما فيهما من الجمال والمنفعة، في الركوب والعقود، وفي قطع أحدهما نصف الدية، وفي البعض بقسطه إن عرف قدره، وإلا فالحكومة، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، ولا نطر إلى اختلاف البدن الناتئ، واختلاف الناس فيه كاختلافهم في سائر الأعضاء، ولا يشترط في وجوب الدية بلوغ الحديد إلى عظم الفخذ، ولو نبت ما قطع لم تسقط الدية على الطاهر، أما إذا قطعتا عمداً فيجب القصاص فيهما أو في أحدهما.
المالكية - قالوا: في إحدى روايتهم: في أليتي المرأة إذ قطعا خطأ حكومة قياساً على اليتي الرجل وعمداً القصاص.
الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى - قالوا: في سلخ الجلد تجب دية المسلوخ منه، إن لم ينبت إن في الجلد جمالاً ومنفعة ظاهرة، وذلك إن بقيت فيه حياة مستقرة. لأن إيجاب الدية فيه إنما يظهر إن فرضت الحياة المذكورة بعد سلخ المجني عليه، وإن مات بسبب آخر غير السلخ كأن قطع غير السالخ رقبته بعد حودث السلخ، فيجب على الجاني القصاص لأنه أزهق روحه، ويجب على السالخ الدية، ومثل حز غير السالخ ما لو انهدم عليه حائط، أو دهمه قطار، أو نحو ذلك.
فإن مات المجني عليه بسبب سلخ جلده، أو لم يمت لكن حز السالخ رقبته بعد ذلك فالواجب حينئذ دية النفس إن عفا عن القود، وإلا فيجب القصاص.
قالوا: وفي كسر الترقوة. وهو بفتح التاء: العظم المتصل بين المنكب، وثغرة النحر تجب فيه حكومة، كسائر العظام.
وقيل: الواجب فيها جمل لما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قضى بذلك، ووافقت الصحابة عليه، من غير نكير من واحد منهم وحمله الأول على أن الحكومة كانت في الواقعة قدر جمل، ولكل إنسان ترقوتان يميناً، ويساراً.
قالوا: وفي إبطال البطش من يدي المجني عليه بجناية عليهما فشلتا دية، لزوال منفعتهما، وفي إبطال المشي من الرجلين بجناية على صلب تجب فيه دية كاملة، لفوات المنفعة المقصودة منهما، وفي إبطال بطش، أو مس يد، أو رجل، أو إصبع ديتها.
ولا تؤخذ الدية حتى يندمل الجرح فإن انجبر وعولج وعاد بطشه، أو مسه، أو قدرة المشي على الرجلين فلا تجب الدية، وإن بقي شين بعد البرء، فتجب حكومة عدل، وفي نقص كل من البطش والمشي، إن لم ينضبط حكومة، لما فات من المنفعة والجمال، ويختلف بحسب النقص قلة وكثرة،
(5/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وسواء احتاج في مشيه لعصا يتوكأ عليها، أم لا فإن انضبط النقص وجب القسط من الدية، كالسمع، والبصر، والكلام وغيرهما. ولو كسر صلب المجني عليه فذهب مع سلامة الرجل، والذكر، مشيه، وجماعه، أو ذهب عنه مشيه، ومنيه، فتجب له ديتان، واحدة للرجلين والثانية لذهاب منهي، لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، ومنفعة كل منهما مستقلة.
وقيل: تجب دية واحدة لأن الصلب محل المني، ومنه يبتدي المشي، وينشأ الجماع واتحاد المحمل يقتضي اتحاد الدية، ورد الأول بعدم اتحاد المحل. وهو الراجح.
وعلى الرأي الأول، لو ضربه فشلت رجلاه، وكسر صلبه، وانقطع منيه، وجب عليه ثلاث ديات واحدة للرجلين، وثانية للصلب، وثالثة لانقطاع المني، وإن شل ذكره أيضاً، وجب عليه أربع ديات، الثلاثة السابقة، والرابعة لشلل الذكر وعدم القدرة على الجماع.
قالوا: في الشفتين الدية، وفي قطع إحداهما نصف الدية، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم: (وفي الشفتين الدية) ولما فيهما من الجمال والمنفعة، إذ الكلام يتميز بهما، ويمسكان الريق والطعام. ويمنعان الحشرات والأتربة من دخول البطن، والإشلال كالقطع. اهـ.
مبحث القصاص فيما دون النفس.
اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى: على أن من قطع يد غره من المفصل عمداً قطعت يده من المفصل، وإن كانت يده أكبر من اليد المقطوع،، لقوله تعالى: {والجروح قصاص} (آية 45 من سورة المائدة) وهو ينبئ عن المماثلة فكل ما أمكن رعايتها فيه يجب فيه القصاص، وما لا يمكن رعاية المماثلة فيه، فلا يجب فيه القصاص، وقد أمكن رعاية المماثلة في القطع من المفصل، فاعتبر، ولا معتبر بكبر اليد وصغرها لأن منفعة اليد لا تختلف بذلك، وكذلك قطع الرجل، وقطع مارن الأنف، وقطع الأذن الظاهرة، لإمكان رعاية المماثلة، فإن قطع الأصابع ثم قطع الكف هو أو غيره، بعد الاندمال أو قبله وجب حكومة في الكف، وكذلك إن قطع فوق الكف، ومن ضرب عين رجل بحديدة عمداً فقلعها لا قصاص عليه لامتناع المماثلة في القلع، أما إن كانت العين قائمة فذهب ضوءها فعليه القصاص، لإمكان المماثلة، بأن تحمى له المرآة ويجعل على وجهه قطن رطب، وتقابل عينه بالمرآة، فيذهب ضوءها، وهو مأثور عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، ولو كانت عين أحول، أو أعمش أو أعور، أو عين أخفش، أو عين أعشى، لأن المنفعة باقية بأعين من ذكر.
قالوا: وفي السن يجب القصاص لقوله تعالى: {والسن بالسن} (آية 45 من سورة المائدة) وإن كان سن من يقتص منه أكبر من سن الآخر، لأن منفعة السن لا تتفاوت بالصغر والكبر، ولا قصاص في عظم إلا في السن
(5/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وهذا للفظ مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأبن مسعود رضي الله تعالى عنهما وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا قصاص في العظم) والمراد غير السن، لأن اعتبار المماثلة في غير السن متعذر، لاحتمال الزيادة والنقصان، بخلاف السن لأنه يبرد بالمبرد، ولو أقلع من أصله بقلع الثاني فيتماثلان، (وقد روي أن الربيع عمة أنس بن مالك رضي الله عنه كسرت ثنية جارية من الأنصار بلطمة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص) .
قالوا: وليس فيما دون النفس شبه عمد، إنما هو عمد أو خطا، لأن شبه العمد يعود إلى الآلة، والقتل هو الذي يختلف باختلافها دون الأطراف، لأنه لا يختلف إتلافها، باختلاف الآلة فلم يبق إلا العمد والخطأ - ولأن شبه العمد إذا حصل فيما دون النفس وأمكن فيه القصاص جعل عمداً، وإن لم يمكن القصاص جعل خطأ.
قالوا: ومن قطع يد رجل من نصف الساعد، أو جرحه جائفة فبرأ منها، فلا قصاص عليه، لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه، إذ الأول كسر العظم، ولا ضابط فيه، وكذا البرء نادر فيفضي الثاني إلى الهلاك ظاهراً، - ولو قطع اليد من وسط الذراع، أو قطعها من وسط العضد، اقتص منه من الكف، فيقطع من الكوع في الصورة الأولى، لأنه أقرب موضع من محل الكسر، وتجب في الباقي حكومة، وهو جزء مقدر من الدية، لتقدر القصاص فيها، وله أن يعفو في المسألتين، أو يعدل إلى المال، ولو طلب أن يقطع من الكوع في المسألة الثانية يمكن.
مبحث قطع اليد الشلاء بالصحيحة
ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى: أنه إذا كانت يد المقطوع صحيحة، ويد القاطع شلاء، أو ناقصة الأصابع، فالمقطوع بالخيار إن شاء قطع اليد المعيبة، ولا شيء له غيرها وإن شاء أخذ الأرش كاملاً لأن استيفاء الحق كاملاً متعذر، فله أن يتجوز بدون حقه، وله أن يعدل إلى العض، كالمثلي إذا انصرم عن أيدي الناس بعد الإختلاف، ثم إذا استوفاها ناقصاً فقد رضي به، فيسقط حقه كما إذا رضي بالرديء مكان الجيد.
قالوا: ومن شج رجلاً فاستوعبت الشجة ما بين قرني الشاج، فالمشجوج بالخيار، إن شاء اقتص بمقدار شجته، يبتدئ من أي الجانبين شاء، وإن شاء أخذا الرش لأن الشجة موجبة لكونها مشينة فقطن فيزداد الشين بزيادتها، وفي استيفاء ما بين قرني الشاج زيادة على ما فعلن ولا يلحقه من الشين باستيفائه قدر حقه ما يلحق المشجوج، فينتقص، فيخير، كما في الشلاء والصحيحة، وفي عكسه يخير أيضاً، لأنه يتعذر الاستيفاء كاملاً للتعدي إلى غير حقه، وكذا إذا كانت الشجة في طول الرأس، وهي تأخذ من جبهته، إلى قفاه، ولا تبلغ إلى قفا الشاج، فهو بالخيار لأن المعنى لا يختلف.
(5/307)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قالوا: ولا قصاص في اللسان، ولا في الذكر، لأنه ينقبض، وينبسط فلا يمكن اعتبار المساواة، إلا أن تقطع الحشفة، لأن موضع القطع معلوم كالمفصل، ولو قطع بعض الحشفة أو بعض الذكر، فلا قصاص فيه، لأن البعض لا يعلم مقداره. بخلاف الأذن إذا قطع كله، أو بعضه، لأنه ينقبض ولا ينبسط وله حد يعرف، فيمكن اعتبار المساواة، والشفة إذا استقصاءها بالقطع يجب القصاص، لإمكان اعتبار المساواة فيها، بخلاف ما إذا قطع بعضها، لأنه يتعذر اتبار المساواة فيها، لأنها تنقبض وتنبسط.
الشافعية - قالوا: يقتص من الذكر إذا قطع من أصله، واللسان، ومارن الأنف، والأنثيين وشفرتي الفرج، إذا أمكن استيعاب القصاص في هذه الأعضاء، من غير جيف، بأن لا يزيد على اخذ الواجب، وإن لم يكن القصاص إلا بإجافة الجاني فلا قصاص سواء أجافه الجاني أم لا، نعم إن مات المجني عليه بسبب قطع عضو من هذه الأعضاء، قطع الجاني ثم انتظر حتى يموت بسب السراية، وإذا مضت المدة المحددة ولم يمت تحز رأسه قصاصاً.
قالوا: ولا يؤخذ يمين من يد، أو رجل، أو عين، أو منخر، أو أنثيين، أو شفرتين، أو أليتين، بيسار منها، ولا يؤخذ أعلى من جفن، أو أنملة من إصبع يد، أو رجل، أو سن بأسف من المذكورات، والمساواة في جميع ذلك، لاختلاف المنافع باختلاف المحال ولا يؤخذ صحيح كل من الأعضاء بعضو أشل منها، وإن رضي الجانيين لأن العضو الشل مسلوب المنفعة، وهو الذي لا عمل له مثل الحدقة البصيرة، لا تؤخذ بيسار من هذه الأشياء المذكورة بيمين، ولا أسفل بأعلى لانتفاء الاشتراك، والمماثلة، والمساواة في جميع ذلك، لاختلاف المنافع باختلاف المحال ولا يؤخذ المحال ولا يؤخذ صحيح كل من الأعضاء بعضو البصيرة، لا تؤخذ بالعمياء، وغير ذلك ويستثنى من ذلك الأنف، والأذن، فيؤخذ الصحيح منها بالمستحشف لبقاء منفعتها من جمع الصوت والريح، والزينة - وإن قطع ذكره من أصله، وأنثياه يجب للحر فيه ديتان كاملتان. ويجوز أن يقطع الأضعف من الأعضاء بالأقوى منها، فتقطع العمياء بالصحيحة، لأنها دون حقه بشرط انقطاع الدم، فإن لم ينقطع فلا قصاص، لما فيه من استيفاء النفس بالطرف، وهو إجحاف بالجاني، ولا قصاص في كسر عظم، لعدم الوثوق بالمماثلة فيه، لأنه لا ينضبط، مثل عظام الأضلاع، والظهر، والساعد، والساق، والفخذ، والعضد،
قالوا: ويجب القصاص في كل جرح انتهى ووصل إلى عظم من غير كسر، وذلك مثل الموضحة في الوجه والرأس، وهي التي تصل إلى العظم وتضحه بعد حرف الجلد، حيث أنه يتيسر ضبطها، واستيفاء مثلها من جسم الجاني، وكذلك جرح العضد، وجرح لحم الساق، وجرح الفخذ، فهذه الثلاثة يجب القصاص فيما ينتهي من الجرح إلى عظم، وذلك لتيسر استيفائها، وإن خالفت هذه الجروح في سائر البدن الموضحة، في الوجه والرأس، فإنهما فيهما ارش مقدر من الشارع بخمسة أبعرة. وأما في غيرهما ففيهما حكومة عدل مثل غيرها من باقي الجروح - أما العين العمياء، والأذن الصماء، واللسان الأخرس، واليد المشلولة، والرجل المشلولة، والذكر المشلول، والأنثيان المخصيتان، ففي كل هذه حكومة فقط.
(5/308)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مبحث سقوط يد الجاني أو قطعها
الحنفية - قالوا: إذا كانت يد المقطوع صحيحة، ويد القاطع شلاء وخيره الحاكم بين قطع اليد الشلاء، ولا أرش له، وبين أن يأخذ الأرش كاملاً، فسقطت اليد المريضة قبل اختيار المجني عليه، أو قطعت ظلماً، في مدة الاختيار، سقط حقه في هذه الحالة، ولا شيء له عند الجاني، وذلك لأن حقه متعين في القصاص، وإنما ينتقل إلى المال باختياره، فيسقط بفواته بخلاف ما إذا قطعت يده بحق عليه من قصاص، أو سرقة، فإنه يجب عليه الأرش وهو نصف الدية، لأنه أوفى به حقاً مستحقاً، فصارت سالمة له معنى. ولو عولج الجاني وزال الشلل من يده قبل أن يستوفي الأرض لم يكن له إلا القصاص، لأن حقه متعين فيه عندهم.
الشافعية - قالوا: إن الواجب أحد الشيئين، أما القصاص، أو الأرش فإذا تعذر أحدهما، لفوات محله - كما في هذه الصورة - تعين الآخر وهو الأرش.
مبحث في اجتماع ديات في شخص واحد
قال الأئمة الأربعة: إذا اجتمعت ديات كثيرة في شخص واحد بجراحات متعددة، بقطع أطراف، وإبطال منافع مختلفة، وهي كثيرة عده بعضهم إلى عشرين أو أكثر، وقيل: أربعة عشر شيئاً، منها - عقل، سمع، بصر، شم، نطف، صوت، ذوق، مضغ، أمناء، إحبال، جماع، إفضاء بطش، مشي، ذهاب شعر، أو جلد، وغير ذلك وتضاف إليها المواضح، وسائر الشجاج، والجوائف، والحكومات، والكسور فيجتمع شيء كثير من الجنايات على الإنسان. قد لا ينحصر.
فإذا أزال الجاني أطرافاً من المجني عليه تقتضي ديات متعددة، كقطع أذنين، ويدين، ورجلين، وكذلك لطائف تقتضي ديات عدة، كإبطال سمع، وإبطال بصر، وإبطال شم، وإبطال ذوق، وتعطيل، نسل، وغير ذلك. فإذا حصل شيء من هذا ومات المجني عليه بسبب السراية منها، أو من بعضها، ولم يندمل البعض، فتجب على الجاني دية واحد، وتتداخل الديات، ويسقط بدل ما ذكر. لأنها صارت نفساً، أما إذا مات المجني عليه بسراية بعضها، بعد اندمال بعض آخر منها لم يدخل ما اندمل في دية النفس قطعاً، وكذا الحكم له جرحه جرحاً خفيفاً لا مدخل للسراية فيه، ثم أجافة فمات بسراية الجائفة، قبل اندمال ذلك الجرح، فلا يدخل أرشه في دية النفس، أما ما لا يقدر بالدية، فيدخل أيضاً، وكذا لو قطع الجاني عنق المجني عليه قبل اندماله من الجراحة يلزمه دية واحدة للنفس في الأصح، لأن دية النفس وجبت قبل استقرار ما عداها - فيدخل فيها بدله كالسراية.
وقيل: تجب ديات ما تقدم من أنواع الجراحة، لأن السراية قد انقطعت بالقتل فأشبه أنقطاعها بالاندمال، لأن الآدمي مضمون مقدر، ولأن الثابت في ضمانه التقيد.
(5/309)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فإن كان الفعل مختلفاً. كأن حز الرقبة عمداً، والجنايات الحاصلة قبل الحز حصلت خطأ، أو شبه عمد، أو عكسه، كأن حزه خطأ، والجنايات وقعت عمداً، أو شبه عمد، فلا تداخل لشيء مما دون النفس، فيها، في الأصح من المذاهب، بل يجب دية الطرف والنفس لاختلافهما، واختلاف من تجب عليه، فلو قطع يديه، ورجليه خطأ، أو شبه عمد، ثم قطع رقبته عمداً، أو قطع هذه الأطراف عمداً، ثم حز الرقبة خطأ أو شبه عمد، وعفا الأول في العمد على ديته، وجبت في الصورة الأولى دية خطأ، أو شبه عمد، ودية عمد: وفي الصورة الثانية ديتا عمد، ودية خطا، وقيل: تسقط الديات فينهما.
ولو حز الرقبة غير الجاني المتقدم تعددت الديات، لأن فعل الإنسان لا يدخل في فعل غيره، فيلزم كل منهما ما أوجبه، فالذي اعتدى بجناية الجراحات يدفع دياتها، والذي قتله يدفع ديته. اهـ.
مبحث ما تجب فيه الحكومة.
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى: على أن الشيء الذي يوجب مالاً. لا مقدر فيه من الدية، ولم تعرف نسبته من مقدر، مثل الضلع، والصدر، والفخذ، والزند، وغيرها، أما إذا عرفت نسبته منه كأن كان بقرب موضحة، أو جائفة، فيجب أكثر من قسطه، وحكومة، وهي جز من الدية، نسبته إلى دية النفس في الأصح، وقيل: نسبته إلى عضو الجناية، نسبة نقص الجناية من قيمة المجني عليه، لو كان رقيقاً بصفاته التي هو عليها، وذلك مثل جرح يده، فيقال: كم قيمة المجني عليهً بصفاته التي هو عليها، بغير جناية لو كان عبداً رقيقاً؟ فإذا قيل: مائة دينار، فيقال: كم قيمته بعد حصول الجناية عليه؟ فإذا قيل: تسعون، فيكون التفاوت العشر، فيجب في هذه الحالة عشر دية النفس وهو عشر من الإبل إذا كان المجني عليه حراً، ذكراً، مسلماً، لأن الجملة مضمونة بالدية المقدرة من الشارع الحكيم، فتضمن الأجزاء بجزء منها، كما في نظيره من عيب المبيع.
والقول الثاني: أن تنسب إلى عضو الجناية، لا إلى دية النفس، فيجب في هذه الصورة عشر دية اليد التي وقعت عليها الجناية، وهو خمس من الإبل، فإن كانت الجناية على إصبع واحد، وجب بعير، أو الجناية وقعت على أنملة من إصبع وجب ثلث بعير في غير الإبهام، ويقاس على ذلك ما أشبهه من القضايا.
وللحاجة في معرفة الحكومة إلى تقدير الرق.
قال الأئمة: العبد اصل الحر في الجنايات التي لا يتقدر أرشها، كما أن الحر أصل العبد، في الجنايات التي قدر الشارع أرشها، وتجب الحكومة إبلاً كالدية، أو تجب نقداً، فطلاً من الأمرين جائز، حسب الظروف المناسبة للمتقاضين، لأنه يوصل إلى الغرض المطلوب، وهو دفع الضمان، وتعويض المجني عليه عما أصابه، ومحل الخلاف إذا كانت الجناية على عضو له ارش مقدر، فإن كانت الجناية على عضو ليس له أرش مقدر مثل الصدر، أو الفخذ، أو نحو ذلك اعتبرت الحكومة من
(5/310)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
دية النفس قطعاً، وتقدر لحية امرأة أزيلت ففسد منبتها، لحية عبد كبير يتزين بها، ومثلها الخنثى ولو قلع سناً، أو قطع إصبعاً زائدة، ولم ينقص بذلك شيء، قدرت زائدة لا أصلية خلفها، ويقوم له المجني عليه منصفاً بذلكن ثم يقوم مقطوع الزائد، فيظهر التفاوت بذلك لأن الزائدة تشد الوجه، ويحصل بها نوع جمال، ويستثنى من اعتبار النسبة لو قطع أنملة لها طرف زائد، فيجب فيها مع دية أنملة حكومة، يقدرها القاضي باجتهاده، ولا يعتبر النسبة لعدم إمكانها فإن كانت الحكومة لأجل طرف له أرش مقدر، كاليد، والرجل مثلاً، اشترط فيها أن لا تبلغ تلك الحكومة مقدر الطرف، لئلا تكون الجناية على العضو مع بقائه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه، فينقص حكومة الأنملة بجرحها، أو قطع ظفرها عن يدها، وحكومة جراحة الإصبع بطوله عن ديته، ولا يبلغ بحكومة ما دون الجائفة من الجراحات على البطن، أو نحوه أرش الجائفة، فإن بلغته نقص القاضي منه شيئاً باجتهاده لئلا يلزم المحذور السابع، ولا يكفي أقل متمول كما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
أو كانت الحكومة لطرف لا تقدير فيه، ولا يتبع مقدراً، كفخذ، وساعد ليد، وظهر، وكف يدن فالشرط أن لا تبلغ حكومته دية نفس، وهو معلوم إنها لا تصل إلى ذلك لأن الكل أكثر من الجزء، بل المراد أن لا يصير بلوغها أرش عضو مقدر، وإن زادت عليه فإن تبع مقدراً، كالكف فإنه يتبع الأصابع، فالشرط فيه أن لا يبلغ ذلك دية المقدر وإن بلغ بحكومة الكف دية إصبع واحد جاز، لأن منفعتها رفعاً، واحتواشاً تزيد على منفعة إصبع، كما أن حكومة اليد الشلاء، لا تبلغ دية اليد السلمية، ويجوز أن تبلغ دية الإصبع، ويجوز أن تزيد عليها، وإنما لم يجعل الساعد كالكف حتى لا يبلغ بحكومة جرحه دية الأصابع، لأن الكف هي التي تتبع الأصابع لقربها، دون الساعد، لبعده عن الأصابع، ولهذا لو قطع من الكوع لزمه ما يلزمه في لفظ الأصابع، ولو قطعت اليد من المرفق لزمه مع نصف الدية حكومة الساعد.
قالوا: ويقوم لمعرفة الحكومة، المجني عليه بغرض رقه، لكن بعد اندمال الجروح لا قبله، لأن الجراحة قد تسري إلى النفس فتزهقها، أو تسري إلى إتلاف ما يكون واجبه مقدراً من الأعضاء، فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة. فإن لم يبق بعد اندمال الجروح نقص في المنفعة، ولا نقص في الجمال، ولا تأثرت به القيمة، اعتبر فيه أقرب نقص، من حالات نقص فيه، إلى الاندمال، وهكذا، وذلك لئلا تحيط الجناية على المعصوم، فإذا لم يظهر النقص إلا حال سيلان الدم، اعتبرنا القيمة حينئذ، واعتبرنا الجراحة دامية.
وأما إذا كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم فإنه يعزر الجاني، إلحاقاً لهما، باللطمة، والضربة التي لم يبق لها أثر للضرورة، لانسداد باب التقويم الذي هو عمدة الحكومة.
وقيل: يقدر النقص المذكور، قاض، باجتهاده، لئلا تكون الجناية إن غير غرم.
وقيل: لا غرم حينئذ، بل الواجب التعزير كالضربة، والصفعة التي لم يبق لها أثر، والجرح المقدر أرشه، كموضحة، يبتعه الشين الكائن حواليه، ولا يفرد بحكومة، والجرح الذي لا يتقدر أرشه كدامية، يقدر الشين حواليه بحكومة عن حكومة الجرح، لضعف الحكومة عن الاستتباع اهـ.
(5/311)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المالكية رحمهم الله - قالوا: يشترط في القصاص من جراح الجسد غير الرأس اتحاد
المحل. فلا يجوز أن يقتص من جرح عضو أيمن في عضو أيسر، ولا عكسه، ولا يجوز أن تقطع سباية مثلاً بإبهام، ولو كان المجني عليه طويلاً، وعضو الجاني قصيراً فلا يكمل بقية الجرح من عضوه الثاني.
ويقتص من الطبيب الذي يباشر القصاص من الجاني إذا زاد على المساحة المطلوبة عمداً فيقتص منه بقدر ما زاد، أما لو نقص عن المطلوب عمداً أو خطأ فلا يقتص ثانياً، فإن مات المقتص منه من اثر القصاص لتعديه ما أمر به.
وإذا لم يتحد المحل، أو لم يتعمد الطبيب الزيادة بل أخطأ، تجب الدية على الجاني، فإذا قطع الجاني خنصراً مثلاً، ولا خنصر له، فلا يجب القصاص لعدم اتحاد المحل، وتعين العقل، فإن كانت الجناية عمداً، أو أقل من ثلث الدية وجبت في مال الجاني، وإن كانت الجناية خطأ، ولكنها أكثر من ثلث الدية فتجب الدية على العاقلة، وذلك كحدقة عين أعمى جنى عليها صاحب عين سالمة واقتلعها، فإن السالمة لا تؤخذ بالعين التالفة، لعدم المماثلة، فلا يجب القصاص، ولا تجب نصف الدية، بل يلزمه حكومة عدل بالاجتهاد، في قيمة خسارة العين العمياء.
أما إذا كان الجاني رجلاً اعمى، وفقأ عين رجل سليمة، فلا يجب القصاص، فإنه لا تؤخذ السليمة بالعمياء، بل تجب نصف الدية على الجاني ولو كانت الجناية عمداً، وكذلك لسان الأبكم الذي لا يتكلم لا يقطع بالناطق، ولا عكسه، بل يجب في اللسان الناطق الدية، وتجب في اللسان الأبكم حكومة، كما قيل في العين العمياء، والعين البصيرة.
ولا قصاص في ضربة على الخد إذا لم ينشأ عنها جرح، ولا ذهاب منفعة ولا عقل منها ولا قصاص من ضربة بيد، أو رجل بغير وجه، كصفع بقفا، لم ينشأ عنها جرح ولا ذهاب منفعة كاللطمة، ولا قصاص من إزالة شعر اللحية، ولا من إزالة شفر عين، بضم الشين المعجمة، وسكون الفاء، وهو الهدب، ولا من إزالة شعر حاجب، فعمد هذه المذكورات كالخطأ عدم القصاص والعقل، وإنما يجب الأدب في عمدها دون خطئها، وتجب حكومة في شعر اللحية، وشعر العين، وشعر الحاجب إن لم ينبت كما كان اولاً، لأن الأهداب والحواجب ليست أعضاء لها منفعة ولا فعل بين ضروري في الخلقة، أما إذا نشأ من هذه الضربات جرح، أو ذهاب منفعة، فإنه يجب فيها القصاص. أما الضرب بالسوط فيجب في عمدها القصاص، وإن لم ينشأ عنه جرح، ولا ذهاب منفعة، لأن الضرب بالسوط عهد للأدب والحدود، وليس فيه متألف في العادة.
ولا قصاص أن عظم الخطر في الجراحات التي في الجسد غير المثقلة، والآمة، فإنه لاقصاص فيها من غير قيد بعظم الخطر، لأن شأنهما عظم الخطر، فلا قصاص في كسر عظم الصدر، وكسر
(5/312)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عظم الصلب، ورض الأنثيين، وفيها العقل كاملاً بعد البرء، وذلك بخلاف ما إذا قطعهما، أو جرحهما فإنه يجب القصاص على الجاني، لأنه ليس من المتالف.
وأن جرحه جرحاً في القصاص كموضحة مثلاً، فذهب بسببه نمو بصره، أو شلت يده، اقتص منه، ويجب أن يفعل بالجاني بعد تمام برء المجني عليه مثل ما فعل من الجناية، فإن حصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه، أو زاد الذاهب من الجاني، بأن ذهب بسبب الموضحة شيء آخر مع الذاهب، بأن أوضح فذهب بصره وسمعه، فلا كلام لذلك الجاني الذي اقتص منه، لأنه ظالم يستحق القصاص بالوجه الذي فعل به، والزيادة أمر من الله تعالى، وإذا لم يحصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه، بأن لم يحصل شيء أصلاً، أو حصل غيره، فيجب عقل ما ذهب من المجني عليه في مال الجاني إذا كان الجرح عمداً، أو العاقلة إن كان خطأ، كأن ضربه بقضيب مما لا قصاص فيه، أو لطمه على خده، أو قفاه، لأن الضرب لا يقتص فيه، إنما يقتص من الجروح لقول تعالى {والجروح قصاص} فذهب بصر المجني عليه من أثر الضرب، فإنه لا يضرب بل يجب عليه العقل، إلا أن يمكن الاذهاب من الجاني بفعل فيه يذهب منه مثل ما أذهب بما لا قصاص فيه، كحيلة تذهب بصره بلا ضرب، فإنه يفعل به.
وإذا قطع بعد الجناية عضو رجل قاطع لعضو غيره عمداً، وسقط بآفة سماوية، أو قطع عضوه بسبب سرقة، أو قطع بقصاص لغير المجني عليه أولاً، فلا شيء للمحني عليه، لا قصاص، ولا دية، لأنه إنما تعلق حقه بالعضو المماثل وقد ذهب، وكذا لو مات القاطع فلا شيء على الورثة' بخلاف مقطوع العضو قبل حدوث الجناية فتجب عليه الدية، وفي القصاص يجوز أن يؤخذ من الجاني عضو قوي بعضو ضعيف جنى عليه، فإذا جنى صاحب عين ضعيفة الأبصار خلقة، أو من كبر صاحبها، فإن السليمة تقلع بالضعيفة، ما لم يكن الضعف جداً، وإلا فإن كان العضو شديد الضعف فإنه تجب الدية، وإن فقأ سالم العينين عين أعور، فإنه يخير المجني عليه بين فقء العين المماثلة من الجاني، وبين اخذ دية، وإن فقأ سالم العينين عين أعور، فإنه يخير المجني عليه بين فقء العين المماثلة من الجاني، وبين أخذ دية كاملة من مال الجاني، أي دية غين نفسه، وإذا كان المشهور في المذهب تحتم القصاص في العمد، وإنما وجب التخيير لعدم مساواة غين الجاني، والمجني عليه في الدية، لأن دية عين المجني عليه ألف دينار، بخلاف عين الجاني فديتها خمسمائة دينار، فلو ألزمناه بالقصاص لكان أخذ الأدنى في الأعلى، وهو ظلم له، فيجب التخيير، وإن فقأ أعور من سالم عيناً مماثلة عين الجاني السالمة، فيجوز للمجني عليه سالم العينين القصاص من الأعور الجاني بفقء عينه السالمة فيصير أعمى، أو ترك القصاص، ويأخذ من الجاني دية عينه، وهي ألف دينار على أهل الذهب، لتعين القصاص بالمماثلة، وصارت الثانية عين أعور فيها دية كاملة، لأنه ينتفع بالواحدة انتفاع صاحب العينين.
وإن فقأ الأعور من السالم غير المماثلة لعينه، بأن فقأ من السالم المماثلة للعوراء، فإنه يجب نصف دية فقط في مال الجاني، ولا يجوز للمجني عليه أن يقتص منه لعدم المحل المماثل، وإن فقأ
(5/313)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الأعور عيني السالم عمداً، في مرة، أو في مرتين، وساء فقأ التي ليس له مثلها أولاً، أو ثانيا على الرجح، فيجب القود للمجني عليه، بأن يفقأ من الجاني العين المماثلة فيصير أعمى مثله، ويأخذ من الجاني نصف الدية، بدل العين التي ليس لها ممثلة، ولم يخير سالم العينين في المماثلة، بحيث يكون له القصاص، أو أخذ الدية، لئلا يلزم عليه أخذ دية ونصف، حيث اختار الدية في العينين، وهو خلاف ما ورد عن الشارع صلوات الله وسلامه عليه.
مبحث دية الأصابع والكف
الشافعية، والمالكية، والحنفية - قالوا: في قطع اصابع اليد نصف الدية، لأن في قطعها تفويت جنس منفعة البطش وهو الموجب، فإن قطعها مع الكف ففيه أيضاً نصف الدية، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية) ، ولأن الكف تبع للأصابع لأن البطش بها، وإن قطعها مع نصف الساعد، ففي الصابع والكف نصف الدية، وفي الزيادة حكومة عدل، لأن الشرع أوجب في اليد الواحدة نصف الدية، واليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب، فلا يزاد على تقدير الشرع، وأن قطع الكف عن المفصل وفيها أصبع واحدة ففيه عشر الدية، وإن كان أصبعان فالخمس، ولا شيء في الكف، لأن الأصابع اصل، والكف تابع حقيقة وشرعاً، لأن البطش يقوم بها ولو كان في الكف ثلاثة أصابع يجب أرش الأصابع، ولا شيء في الكف بالأجماع لأن الصابع أصول في التقوم، وللأكثر حكم الكل، فاستتبعت الكف، كما إذا كانت الأصابع قائمة بأسرها.
قالوا: وفي الصابع الزائدة حكومة عدل، تشريفاً للآدمي، لانها جزء من يده، ولكن لا منفعة فيها، ولا زينة، وكذلك السن الزائدة، فيها حكومة عدل، وإن كانت كف المجني عليه ناقصة الصابع مثلاً، لم تقطع السليمة بها، ولو قطع أصبعاً فتأكل غيرها، أو شل أصبع بجوارها أو كف، فلا قصاص في المتآكل، والمشلول بالسراية، لعدم تحقق العمديية، بل فيه الدية، أو حكومة في مال الجاني، ولو اقتص في أصبع من خمسة فسرى لغيرها لم تقع السراية. قصاصاً، بل يجب على الجاني للأصابع الأربع أربعة أخماس الدية، ولا حكومة لمنابت الصابع، بل تدخل في ديتها، ولو ضرب يده فتورمت، ثم سقطت بعد أيام وجب القصاص، ولا أثر في القصاص في يد لخضرة أظفار وسوادها، لأنه علة ومرض في الظفر، وتقطع ذاهبة الأظفار بسلميتها، لانها دونها، دون العكس، لأن الكامل لا يؤخذ بالناقص. ولو نقصت يده أصبعاً فقطع يداً كاملة قطع وعليه أرش الصبع، ولو قطع كامل اليد ناقصة، فإن شاء المقطوع أخذ دية اصابعه الربع وإن شاء قطعها، ولو قطع كفاً بلا أصابع فلا قصاص إلا أن تكون كفه مثلها، ولقد قطع فاقد الصابع كاملها قطع كفه وأخذ دية الأصابع اهـ.
مبحث في الشجاج
اتفق الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى: على أن الشجاج في اللغة، والفقه، عشرة.
(5/314)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أولها - الحارصة - وهي التي شقت الجلد، ولاتخرج الدم.
ثانيها - الدامعة - وهي التي تظهر الدم ولا تسيله، كدمع العين.
ثالثها - الدامية - وهي التي تسيل الدم، بأن تضعف الجلد بلا شق له حتى يرشح الدم.
رابعها - الباضعة - وهي التي تبضع الجلد، وتقطعه، أي - تشقه.
خامسها - المتلاحمة - وهي ما غاصت في اللحم في عدة مواضع منه، ولم تقرب للعظم.
سادسها - السمحاق: وهي التي تصل إلى السمحاق، وهي جلدة رقيقة بين اللحم، وعظم الرأس وتسمى (الملطاه) .
سابعها - الموضحة: وهي التي توضح العظم وتبينه، أي - تكشفه.
ثامنها - الهاشمة: وهي التي تهشم العظم وتكسره.
تاسعها - المنقلة: وهي التي تنقل العظم بعد الكسر، وتحوله.
عاشرها - الآمة: وهي التي تصل إلى أم الرأسن وهو الذي فه الدماغ، وتسمى (المأمومة) فقد علم بالاستقراء بحسب الآثار أن الشجاج لا تزيد على ما ذكر من العشر.
أما ما بعدها وهي - الدامغة - وهي التي تخرج الجماغ من موضعه، فإن النفس لا تبقى بعدها عادة، فيكون ذلك قتلاً لا شجاص، وهي مرتبة على الحقيقة اللغوية في الصحيح.
الموضحة
اتفق الفقهاء، على وجوب القصاص في الموضحة إن كانت عمداً، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالقصاص في الموضحة، ولأنه يمكن أن ينتهي السكين إلى العظم فيتساويان، فيتحقق القصاص، ولا يشترط فيها ما لوه بال واتساع، بل يثبت القصاص فيها، وإن كان الشج ضيقاً، ولو قدر مغرز إبرة.
واتفقوا: على أن الموضحة، إن كانت خطأ فيجب فيها نصف عشر الدية وهو خمس من الإبل وقد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه لعمرو بن حزم، وثبت من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الموضحة خمس) يعني من الإبل، ولما رواه الترمذي وحسنه (في الموضحة خمس من الإبل) وذلك لحر، ذكر، مسلم، غير جنين، وتراعى هذه النسبة في حق غيره من المرأة، والكتابي وغيرهما، ففي موضحة الكتابي الخطأ، يجب بعير وثلثان، وفي موشحة المجوسي ونحوه، ثلث بعير، وفي موضحة المرأة المسلمة، الحرة، يجب بعيران، ونصف بعير، وهو نصف عشر ديتها.
موضع الموضحة
المالكية - قالوا: المضحة ما أظهرت عظم الرأس، أو عظم الجبهة وهو ما بين الحاجبين وشعر
(5/315)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الرأس، أو عظم الخدين، واللحي الأعلى، ولا تكون في اللحي الأسفل، لأنه في حكم العنق، ولا تكون في عظم النف، وإن وجب القصاص من عمده، وذلك لأن الوجه مشتق من المواجهة، ولا مواجهة للناظر فيهما، فلو وجد في اللحي الأسفل والأنف لا يجب الأرش المقدر.
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: الموضحة تكون في جميع الوجه والرأس، والجبهة والوجنتين، والذقن داخل في الوجه.
وأتفق الأئمة الأربع: على أن هذه الشجاج العشر المذكورة تختص بالوجه، والرأس لغة، وما كان في غير الرأس والوجه، يسمى جراحة، والحكم مرتب على الحقيقة في الصحيح، حتى لو تحققت في غيرهما نحو الساق، واليد، لا يكون لها أرش مقدر، وإنما تجب حكومة عدل، لأن التقدير بالتوقيف، وهو إنما ورد فيما يختص بهما، ولأنه إنما ورد الحكم في الموضحة لمعنى الشين الذي يلحقه ببقاء أثر الجراحة، والشين يختص بما يظهر منها في الغالب، وهو هذان العضوان لا سواهما.
بقية الشجاج
الحنفية - قالوا: لا قصاص في بقية الشجاج لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها لأنه لاحد ينتهي السكين اليهن ولأن فيما قوق الموضحة، وهي الهاشمة، والمنقلة، والآمة، فيها كسر العظم، ولا قصاص فيه وهذا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله.
وقال محمد في الأصل - وهو ظاهر الرواية - يجب القصاص فيما قبل الموضحة، لأنه يمكن اعتبار المساواة فيهن إذ ليس فيه كسر العظم، ولا خوف هلاك غالب، فيسبر غورها بمسبار، ثم تمخذ حديدة بقدر ذلك، فيقطع بها مقدرا ما قطع، فيتحقق استيفاء القصاص.
قالوا: وفيما دون الموضحة، وهي الست المتقدمة عليها، من الحارصة إلى السمحاق، يجب حكومة عدل، لأنه ليس فيها أرش مقدر، ولا يمكن غهداره، فوجب اعتبراه بحكم العد، وهو ماثور عن النخعي، وعمر بن عبد العزيز.
قالوا: وفي الهاشمة عشر الدية، وفي المنقلة عشر الدية، ونسف عشر الدية، وفي الآمة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الديةن فإن نفذت فهما جائفتان ففيهما ثلثا الدية. لما روي في كتاب عمرو بن حزم، رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة غشر، وفي المنقلة خمس عشر، وفي الآمة، ويروى المأمومة ثلث الدية وقال عليه الصلاة والسلام: (في الجائفة ثلث الجية) وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية، ولأنها إذا نفذت نزلت منزلة جائفتين، إحداهما من الجانب البطن، والأخرى من جانب الظهر، وفي كل جائفة ثلث الدية. فلهذا وجب في النافذة ثلث الدية.
وقالوا: إن الجائفة تختص بالجوف، جوف الرأس، أو جوف البطن.
وتفسير حكومة العدل على ما قاله الإمام الطحاوي رحمه الله: إن يقوم مملكوكاً بدون هذا الأثر
(5/316)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ويقوم، وبه هذا الأثر ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القميتين، فإن كان نصف عشر القيمة، يجب نصف عشر الدية، وإن كان ربع عشر، فربع عشر.
الشافعية - قالوا: في الهاشمة مع إيضاح، أو احتاج إليه بشق لإخراج عظم، أو تقويمه، عشرة من الإبل، وهي عشر دية الكامل بالحرية، لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أنه صلى الله عليه وسلم: (اوجب في الهاشمة عشراً من الإبل) رواه الدارقطني والبيهقي وفعل ذلك لا يكون إلا عن توقيت، وهاشمة دون إيضاح خمس من الإبل على الصح، لأن العشرة في مقابلة الإيضاح والهشم، وأرش الموضحة خمسة، فتعين أن الخمسة الباقية في مقابلة الهشم.
وقيل: في الهشم إذا خخلا عن غيضاح العظم تجب حكومة، لأنه كسر عظم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام - ومنقلة - خمسة عشر بعيراَ، روى النسائي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقل في كتاب (الأم) فيه الإجماع، وكذا أبن المنذر، ويجب القصاص في الموضحة فقط. وفي مأمونة ثلث الدية لخبر عمرو بن حزم بذلك قال في البحر: وهو إجماع، وفي الدامغة ما في المأمومة على الأصح المنصوص، وقيل: تزاد حكومة لخرق غشاء الدماغ.
قالوا: وإنما يجب في المأمومة، وما قبلها ما ذكر إن اتحد الجاني، وأما لو تعدد فحكمه ما يأتي: لو أوضح واحد، ذكراً، حراً، مسلماً فهشم آخر - بعد الإيضاح، أو قبله - ونقل ثالث. وام رابع، فعلى كل من الثلاثة خمس من الإبل، أما الأول فبسبب الإيضاح وأما الثاني فلأنه الزائد عليها من دية الهاشمة، وأما الثالث فلنه الزائد عليهما من دية المنقلة، وعلى الرابع تمام الثلث وهو ثمانية عشر بعيراً وثلث بعير، وهو مابين المنقلة والمأمومة.
قالوا: والشجاج الخمس التي قبل الموضحة من الحارصة إلى اسمحاق. إن عرفت نسبتها من الموضحة، بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلاً عرف أن المقطوع ثلث، أو نصف في عمق اللحم، وجب قسط من أرشها بالنسبة، فإن شككنا في قدرها من الموضحة، اوجبينا اليقين، وإن لم تعرف نسبته منها فتجب حكومة عدل لا بتلغ أرض موشحة، كجرح سائر البدن، كالإيضاح والهشم، والتنقيلن فإن فيه الحكومة فقط، لأن أدلة ما مر في الإيضاح، والهشم، والتنقيل لم يشمله لاختصاص أسماء الثلاثة بجراحة الرأس، والوجه، وليس غيرهما في معناهما.
قالوا: وفي جائفة وإن صغرت ثلث دية، لثبوت ذلك في حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه.
وهذا كالمستثنى مما قبله إذ لا جرح في البدن يقدر غيرها، وهي جرح يصل إلى جوف فيه قوة تحيل الغذاء، أو الدواء، كداخل بطن، وداخل صدر، وداخل ثغرة نحر، وداخل جبين، وداخل خاصرة، ولا فرق بين أن يجيف بحديدة، أو خشبة، ولا جائفة في الفم، والأنف، والجفن، والعين، وممر البول، إذ لا يعظم فيها الخطر على النفس كالأمور المتقدمة، ولأنها لا تعد من الأجواف، فتجب
(5/317)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فيها حكومة، فلو وصلت الجراحة إلى الفم بإيضاح من الوجه، وجب على الجاني أرش موضحة، وهو خمس من الإبل، ولو وصلت الجراحة داخل النف، بكسر قصبة الأنف فيجب أرش هاشمة، وهة عشر من الإبل مع وجوب حكومة فيهما للفوذ إلى الفم، والأنف، لأنها جناية أخرى، ولزيادة الخطر، والقبح فيهما.
قالوا: وإن حز بسكين من كتف، أو فخذ إلى البطن فأجافه، فيجب على الجاني أرش جائفة، وهو ثلث دية - وحكومة لجراحة الكتف' أو الفخذ، لأنها في غير محل الجائفة، وإن حز بها من الصدر إلى البطن أو النحر، فيجب فيها أش جائفة بلا حكومة، لأن جميعه محل الجائفة، ولو أجافه حتى لذع كبده، أو طحاله لزمه مع دية الجائفة حكومة في ذلك، ولو كسر ضلعه كانت حكومته معتبرة بنفوذ الجائفة، فإن نفذت في غير الضلع لزمه حكومة مع الدية، وإن لم تنفذ إلا بكسره، دخلت حكومة كسره في دية الجائفة.
ولا يختلف أرش موضحة بكبرها، ولا صغرها، لاتباع الاسمن ولا بكونها بارزة، أو مستورة بالشعر، ولا يشترط أن تكون موضحة بل لو غرز فيه غبرة فوصلت إلى الجوف تسمى جائفةن ولذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وهكذا كل ما في ارأس من الشجاج فهو على الأسماء اهـ.
واعلم أن الموضحة تتعدد صورة، وحكماً، ومحلاً، وفاعلاً، فلو أوضح الجاني مع اتحاد الحكم موضعين بينهما لحم، وجلد معاً. قيل: أو بينهما لحم فقط، أو جلد فقط، فموضحتان أما في الأولى فلاختلاف الصورة مع قوة الحادز، وأما في الثانية فلوجود حاجز بين الموضعين، والأصح أنها واحدة، ولو كثرت الموضحات تعدد الأرش بحسبها ولا ضبط، وقيل: لا يجب أكثر من دية النفس.
قالوا: ولو انقسمت موضحة عمداً، وخطأ فموضحتان، أو شملت رأساً ووجهاً فموضحتان، على الصحيح، ولو وسع الجاني موضحته مع اتحاد الحكم فواحدة على الصحيح وقيل: ثنتان. ولو وسع غير الجاني الموضحة، فثنتان، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره. كما لو قطع يد رجل، وحز آخر رقبته، فإن على كل منهما جنايته. والجائفة كالموضحة في الاتحاد، والتعدد، المتقدم، ولو طعنه بآلة نفذت في بطنه وخرجت من ظهره، أو عكسه أو نفذت من جنب وخرجت من جنب فهما جائفتان في الأصح. اعتباراً للخارجة بالداخلة، وقد ثبت أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قضى في رجل رمى ردلاً بسهم فأنفذه بثلثي الدية، وثبت أيضاً أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد قضى بهذا الحكم، ولا مخالف لهما فكان لإجماعاً اهـ.
المالكية رحمهم الله تعالى - قالوا: يقتص من الموضحة. ويقتص مما قبلها من كل ما لا يظهر به العظم وهي سنة. ثلاث متعلقة بالجلد، وهي، الدامية، والحارصة والسممحاق، وثلاث متعلقة باللحم، وهي الباضعة، والمتلاحمة، والملطاء، بكسر الميم.
قالوا: والهاشمة، تعتبر في القصاص إن اتحد المحل، بالمساحة حولاً، وعرضاً، وعمقاً، وما بعد الموضحة من الشجاج فلا قصاص فيه، بل يتعين فيه العقل، فيستوي عمده، وخطؤه، وهي:
(5/318)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
المتنقلة (بفتح النون كسر القاف مشددة) وهي لا تكون إلا في الرأس، أو الوجه، هي ما ينقل فيها فراش العظم، وهو العظم الرقيق الكائف فوق العظم كقشر البصل، أي ما يزيل منها الطبيب فراش العظم لأجل الدواء، ليلتئم الجرح. وإنما لم يكن فيها قصاص لشدة خطرها على النفس، وإزهاق الروح.
وآمة. بفتح الهمزة ممدودة، وهي ما أفضت لأم الدماغ، أي الجرح الواصل لأم دماغ، ولم تخرقها. وأم الدماغ جلدة رقيقة مفروشة عليه، متى انكشفت عنه مات، والدماغ اسم للمخ.
قالوا: ولا يجب القصاص إن عظم الخطر، واشتد الخوف في غير الجراحات التي بعد الموضحة. أي جراح الجسد غير المنقلة، والآمة، المتقدمتين. لأنه لا قصاص فيهما من غير قيد بعظم الخطر، لأن شأنهما عظم الخطر، والجراحات التي في الجسد ويخاف منها إزهاق الروح، ككسر عظم الصدر، وكسر عظم الصلب، أو العنق، ورض الأنثيين.
مبحث في بأخير القصاص
الحنفية - قالوا: من جرح رجلاً جراحة عمداً، ووجب القصاص، فلا يقتص منه حتى يبرأ من الجراحة، لقوله صلوات الله وسلامه عليه: (يستأني في الجراحات سنة) ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها لا حالها لأن حكمها في الحال غير معلوم، لأنها ربما تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل، وإنما يستقر الأمر بالبرء.
المالكية - قالوا: يجب تأخير القصاص فيما دون النفس لعذر كبرد شديد، أو حر يخاف منه الموت، لئلا يموت فيلزم أخذ نفس بدون نفس، وكذلك يؤخر إقامة القصاص في الأطراف إذا كان الجاني مريضاً حتى يبرأ من مرضه، ويؤخر أيضاً القصاص فيما دون النفس حتى يبرأ المجروح، لاحتمال أن يموت، فيكون الواجب القتل بقسامة، وينتظر برء المجني عليه، ولو تأخر البرء سنة، خوف أن يؤول إلى النفس، أو إلى ما تحمله العاقلة، وتجب الحكومة إذا برئ على شين، وإلا ففيه الأدب في العمد.
الشافعية - قالوا: يجب أن يقتص المستحق على الفور، إن طلب ذلك في النفس جزماً، ويقتص من الجاني فيما دون النفس في الحال، اعتباراً بالقصاص في النفس، لأن الموجب قد تحقق فلا يعطل، ولأن القصاص موجب الإتلاف فيتعجل، كقيم المتلفات، والتأخير أولى لاحتمال العفو، ويجوز للمجني عليه أن يقطع الأطراف متوالية، ولو فرقت من الجاني، لأنها حقوق واجبه في الحال.
تأخير قصاص الحامل
واتفق الأئمة: على أن المرأة الحامل إذا وجب عليها القصاص في النفس أو الأطراف، إذا طلب المجني عليه حبسها، فإنها تحبس حتى تضع حملها، ويؤخر عنها القصاص في النفس والأطراف حتى
(5/319)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تضع وترضع وليدها وينقضي النفاس، ويستغني عنها ولدها بغيرها من امرأة أخرى، أو بهيمة يحل لبنها، أو فطام حولين، إذا فقد ما يستغني الولد به، وذلك في قصاص النفس. لأنه اجتمع فيها حقان، حق الجنين وحق الولي في التعجيل، ومع الصبر يحصل استيفاء الجنين، فهو أولى من تفويت أحدهما.
أما في قصاص الطرف أو حد القذف، فيؤجل لأن في استيفائه قد يحصل إجهاض الجنين، وهو متلف له غالباً، وهو بريء، فلا يهلك بجريمة غيره، ولا فرق بين أن يكون الجنين من حلال، أو جرام، ولا بين أن يحدث بعد وجوب العقوبة، أو قبلها، حتى أن المرتدة لو حملت من الزنا بعد الردة، لا تقتل حتى تضع حملها، وأما تأخيرها لارضاع اللبأ (هو اللبن الرقيق الذي ينزل من المرأة في الأيام الأولى من الولادة) فلأن الولد لا يعيش إلا به محققاً، أو غالباً مع أن التأخير يسير، وأما تأخيرها للاستغناء بغيرها، فلأ جل حياة الولد أيضاً، فلأنه إذا وجب التأخير لوضعه فوجوبه بعد وجوده وتيقن حياته أولى، ويسن صبر الولي بالاستيفاء بعد وجود مرضعات يتناوبنه، أو لبن شاة، أو نحوه، حتى توجد امرأة فاضلة مرضعة لئلا يفسد خلقه نشؤه بالألبان المختلفة، ولبن البهيمة، وتجبر المرضعة بالأجرة، فلو وجد مراضع وامتنعن أجبر الحاكم من يرى منهن بالأجرة.
قالوا: ولو بادر المستحق وقتلها بعد انفصال الولد قبل وجود ما يغنه فمات الولد، لزمه القود فيه، لأنه تسبب في موته، كما لو حبس رجلاً ببيت ومنعه الطعام والشراب حتى مات. وإن قتلها وهي حامل، ولم ينفصل حملها، أو انفصل سالماً ثم مات بعد ذلك فلا ضمان عليه لأنه لا يعلم أنه مات بسبب الجناية، فإن انفصل ميتاً فالواجب، في غرة، وكفارة، وإن انفصل متألماً؟ ثم مات، فتجب دية وكفارة، لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها، والدية والغرة تجب على العاقلة، لأن الجنين لا يباشر بالجناية، ولا تتيقن حياته فيكون هلاكه خطأ، أو شبه عمد، بخلاف الكفارة، فإنها تجب في ماله خاصة، وإن قتلها الولي بأمر الحاكم - كان الضمان على الإمام علماً بالحمل، أو جهلا، أو علم الإمام وحده. لأن البحث عليه، وهو الآمر به، والمباشر كالآلة، لصدور فعله عن رأيه وبحثه.
قالوا: والصحيح تصديقها في حملها إذا أمكن حملها عادة بغير مخيلة، لقول تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} من آية [228 سورة البقرة] أي من حمل أو حيض، ومن حرم عليه كتمان شيء، وجب قبوله إذا أظهره كالشهادة، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قبل قول الغامدية في الحمل، ولم يطلب منها البينة، ولا حلف يمين، أما إذا لم يمكن حملها عادة كآيسة مثلاً، فلا تصدق في ادعاء الحمل، لأن الواقع يكذبها.
وقيل: لا تصدق في اعترافها بالحمل، لأن الأصل عدم الحمل، وهي متهمة بتأخير الواجب، فلا بد من بينة تقوم على ظهور مخايله أو إقرار المستحق.
وعلى القول الأول هل تحلف أو لا؟ قولان، أرجحهما الأول. لأن لها غرضاً في التأخير.
(5/320)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مبحث موت المجني عليه بعد القصاص.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: إذا قطعت يد رجل عمداً، فاقتص له من يد الجاني، ثم مات المجني عليه، فإنه يقتل المقتص منه، لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد، وحق المقتص له القود، واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود، إذا استوفى طرف من عليه القود.
وعن أبي يوسف: أنه يسقط حقه في القصاص. أنه لما اقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه، والحنفية: يقولون: إنما أقدم على القطع ظناً منه أن حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه في القود، فلم يكن مبرئاً عنه بدون العلم به.
الشافعية - قالوا: لو اقتص مقطوع عضو فيه نصف الدية من قاطعه، ثم المقطوع الأول سراية، فيجب القصاص من القاطع، ويجوز لأولياء الدم العفو عنه بنصف دية فقط لأن اليد المستوفاة قبل الموت مقابلة بالنصف الآخر.
وأن مات الجاني حتف أنفه، أو قتله غير القاتل، تعين نصف الدين في تركة الجاني، ولو قطع ينده فاقتص المقطوع، ثم مات سراية، فلوليه حز رقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه؛ فإن عفا عن حزها، فلا شيء له، لأنه استوفى ما يقابل الدية بقصاص اليدين.
مبحث الديات
المالكية، الشافعية، والحنابلة رحمهم الله تعالى - قالوا: الدية: هي المال الواجب بجناية على الحر في نفس، أو فيما دونها، وأصلها ودية مشتقة من الودي، وهو رفع الدية، ولأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: {ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله لا أن يصدقوا} آية 92 من النساء والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد على وجوبها في الجملة.
قالوا: يجب في قتل الذكر، الحر، المسلم، المحقون الدم، والقاتل له لا رق فيه، مائة بعير، لأن الله تعالى أوجب في الآية المذكورة دية، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم في قوله: (في النفس مائة من الإبل) رواه النسائي.
وأول من سنها مائة عبد المطلب حد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وجاءت الشربعة مقررة لها، والبعير يطلق على الذكر والأنثى، ولا تختلف الدية بالفضائل والرذائل، وأن اختلفت بالأديان والذكورة والأنوثة، بخلاف الجناية على الرقيق فإن فيه القيمة المختلفة، أما إذا كان المقتول غير محقون الدم كتارك الصلاة كسلاً، والزاني المحصن، إذا قتل كل منهما وهو مسلم فلا دية فيه، ولا كفارة، وقد يعرض للدية ما يغلظها وهو أحد أسباب خمسة، كون القتل عمداً، أو شبه عمد، أو في الحرم، أو للذي رحم محرم، وقد يعرض لها ما ينقصها وهو أحد أسباب أربعة: الأنوثة، والرق، وقتل
(5/321)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الجنين، والكفر، فالأول يردها إلى الشطر، والثاني إلى القيمة، والثالث إلى الغرة، والرابع إلى الثلث.
وهي مثلثة قي قتل العمد سواء أوجب فيه قصاص وعفي عنه أم لا، كقتل الوالد ولده، والمراد بتثليثها جعلها ثلاثة أقسام. وإن كان بعضها أزيد من بعض، وهي ثلاثون حقه، وهي الناقة التي طعنت في السنة الرابعة، وثلاثون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة، وأربعون خلفة، أي حاملاً، لخبر الإمام الترمذي بذلك، فهي مغلظة من ثلاثة أوجه، كونها على الجاني، وكونها حالة، ومن جهة السن. وهي في العمد على الجاني مثلثة معجلة، وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة.
وإنما أوجبوا الدية حالة في العمد تعظيماً لحرمة المسلم المجني عليه، وجبراً لخاطر أولياء الدم.
قالوا: وتغلظ الدية في جرح العمد كما تغلظ في النفس من تثليث، وتربيع، لا فرق في الجرح بين ما يقتص في كالموضحة أو لا.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: يجب في قتل العمد، وشبه العمد دية مغلظة على العاقلة والكفارة على وحرمان الميراث، لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في سقوط القصاص دون حرمان الميراث، والأصل في وجب الدية المغلظة على عاقلة القاتل في شبه العمد حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقد روي عن حمل بن مالك قال: كنت بين ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، أو بمسطح خيمة، فألقت جنيناً ميتاً، فاختصم أولياؤها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه اللام لأولياء الضاربة (دوه) فقال أخوها: اتدي من لا صاح ولا استهل ولا شرب، ولا أكل، ودم مثله يطل، فقال عليه السلام: (أسجع كسجع الكهان؟ وفي رواية (دعني وأراجيز العرب، قوموا فدوه) ولا ريب أن قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالدية على العاقلة على ما ذكروا في تفصيل الحديث، إنما كان بجناية شبه العمد، ودون الخطأ، فكأن وجوب الدية على العاقلة في جناية شبه العمد ثابتاً بالنص، دون القياس.
وقالوا: والأصل أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد، فهي على العاقلة، اعتباراً وتجب في ثلاث سنين، لقضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتؤجل تعظيماً لحرمة الجاني، ورحمة به، فإن المجني عليه قد نفذت في الأقدار عند انتهاء أجله المقدر والجاني ترجى توبته، والعفو عنه، إذا أجلت الدية ثلاث سنين.
ودية شبه العمد مائة من الإبل أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وهي الناقة التي طعنت في السنة الثانية من غمرها، وخمس وعشرون بنت لبون، وهي الناقة التي طعنت ففي الثالثة. وخمس وعشرون ناقة، وهي التي طعنت في السنة الرابعة، وخمس وعشرون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة من سنها، وإنما غلظت الدية لقوله صلى الله عليه وسلم (في نفس المؤمن مائة من الإبل) ووجه الاستدلال به، أنه الثابت منه عليه السلام وليس فيه دلالة على صفة من التغليظ، ولا بد منه بالإجماع،
(5/322)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وما رواه غير ثابت لاختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في صفة التغليظ، فإن عمر، وزيداً وغيرهما قالوا: مثل ما قالوا.
وقال على رضي الله عنه تجب ًثلاثاً، ثلاث وثلاثون ناقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون خلفة، وقال أبن مسعود بمثل ما قال الحنفية أرباعاُ والرأي لا مدخل له في التقارير، فكان كالمرفوع، ويصير معارضاً لما رووه، وإذا تعارضا، كان الأخذ بالمتيقن أولى، ودية شبه العمد مثل دية العمد المحض.
قالوا: ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة. فلا يزاد في الدراهم على عشرة آلاف درهم، ولا يزاد في الدنانير عن ألف دينار.
دية الخطأ
الحنفية - والحنابلة - قالوا: إن الدية في الخطأ مائة من الإبل على العاقلة، وتجب الكفارة في مال القاتل، والدية تكون أخماساً، عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون أبن مخاض، وعشرون ناقة، وعشرون جذعة، وهذا قول أبن مسعود رضي الله تعالى عنه أخذوا به، ولأنه أخف فكان أليف بحالة الخطأ، لأن الخاطئ معذور.
الشافعية، والمالكية - قالوا: قي قتل الخطأ تجب الدية أخماساً مؤجلة على العاقلة إلا أنهم جعلوا عشرين أبن لبون، مكان عشرين أبن مخاض، لخبر الترمذي وغيره بذلك، فهي مخففة في الخطأ من ثلاثة اوجه من كونها على العاقلة من السن في الإبل، ومن التأجيل في دفعها، ودية شبه العمد مثلثة على العاقلة، مؤجلة، فهي مخففة من وجهين، مغلظة من وجه.
أنواع الدية
الحنفية، والحنابلة - قالوا: يجوز أخذ الدراهم، والدنانير مع وجود الإبل، ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة، الإبل، والذهب، والفضة. فمن الإبل مائة، ومن الفضة عشرة آلاف درهم، ومن الذهب ألف دينار، لأن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية، وغير هذه الأنواع الثلاثة مجهولة المالية، ولهذا لا يقدر بها ضمان شيء مما وجب ضمانه بالإتلاف، والتقدير الإبل عرف بالآثار المشهورة.
وقال أبو يوسف، ومحمد - تثبت الدية من الإبل، والذهب، والفضة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، ومن الحلل مائتا حلة، كل حلة ثوباً، لأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هكذا جعل على أهل كل مال منها.
الشافعية، والمالكية - قالوا: لا يؤخذ في الدية بقر، ولا غنم، ولا حلل - ولا غرض، ومن لزمته دية، وله أبل فتؤخذ الدية منها، ولا يكلف غيرها، لأنها تؤخذ على سبيل المواساة.
(5/323)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقيل: تؤخذ من غالب إبل قبيلته، إن كانت إبله من غير ذلك، وإن لم يكن له إبل فتؤخذ من غالب إبل قبيلة بدوي، لأنها بدل متلف، وإلا فتؤخذ من غالب إبل أقرب بلاد إلى موضع المؤدي، ما لم تبلغ مؤنة نقلها مع قيمتها أكثر من ثمن المثل بقبيلة العدم، فإنه لا يجب حينئذ نقلها، وإذا وجب نوع من الإبل لا يعدل عنه إلى نوع من غير ذلك الواجب، ولا يعدل إلى قيمة عنه إلا بتراض من المؤدي، والمستحق، لأن المقصود بها تعظيم حرمة المجني عليه.
ولو عدمت إبل الدية، فالقديم الواجب ألف دينار على أهل الذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة على أهل الدراهم، للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم) صححه أبن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم، والقول الجديد، الواجب قيمة الإبل وقت وجوب تسليمها بالغة ما بلغت لأنها بدل متلف، فيرجع إلى قيمتها عند أعواز أصله، وتقوم بنقد غالب بلده، لأنه أقرب من غيره، وأضبط، وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود منها، وقيمة الباقي.
المالكية - قالوا: لا يشترط في الإبل حد السن، وإنما المدار على أن تكون الإبل حاملاً، سواء كانت حقة، أو كانت جذعة، أو غيرهما.
واتفقوا على أنه لا تؤخذ في الدية الإبل المريضة، ولا المعيبة إلا برضى المستحق بذلك إذا كان أهلاً للتبرع، لأن الحق له، فله إسقاطه، ويثبت حمل الخلفة المأخوذة من الدية، بأهل خبرة بذلك. بأن يشهد عدلان منهم عند إنكار المستحق حملها إلحاقاً لها بالتقويم، وإن أخذها المستحق. بقولهما، أو بتصديق المستحق على حملها، ثم ماتت عند المستحق وشق جوفها فبانت حائلاً، غرمها وأخذ بدلها حاملاً، والأصح أجزاؤها قبل خمس سنين لصدق الاسم عليها.
مبحث دية المرأة، والمسيحي، واليهودي
الشافعية - قالوا: دية المرأة، والخنثى المشكل، الحران، دية كل منهما في نفس أو جرح، كنصف دية رجل حر، ممن هما على ديته. لما روى البيهقي خبر (دية المرأة نصف دية الرجل) وألحق بنفسها جرحها، وألحق بها الخنثى، لأن زيادته عليها مشكوك فيها، ففي قتل المرأة والخنثى خطأ يجب: عشر بنات مخاض، وعشر بنات لبون، وهكذا وفي قتلهما عمداً، أو شبه عمد، خمس عشرة حقة، وخمس عشرة جذعة، وعشرون خلفة.
ودية اليهودي، والنصراني، والمعاهد، والمستأمن، إذا كان معصوماً تحل مناكحته، ثلث دية مسلم نفساً، وغيرها، أما في النفس فروي مرفوعاً وقال الشافعي في الأم (قضى بذلك عمرو، وعثمان رضي الله عنهما) ، ولأنه اقل ما أجمع عليه، وهذا التقدير لا يعقل بلا توقيف، ففي قتله عمداً، عشر حقائق، وعشر جذعات، وثلاث عشة خلفة وثلث، وكذلك في شبه العمد، وفي قتله الخطأ لم تغلظ.
(5/324)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فتجب ستة وثلثان من كل من بنات المخاض، وبنات اللبون، وبني اللبون، والحقاق، والجذاع والسامرة، كاليهود والصابئة كالنصارى إن لم يكفرهما أهل ملتهما، ومجوسي له أمان ديته أخس الديات وهي ثلثا عشرة دية مسلم، كما قال به عمر، وعثمان، وأبن مسعود رضي الله تعالى عنهم ففيه عند تغليظ الدية، حقتان، وجدعتان، وخلفتان وثلثا خلفة، وعند تخفيف الدية. تجب بعير وثلث من كل سن، والمعنى في ذلك إن في اليهودي، والنصراني خمس فضائل وهي حصول كتاب، ودين كان حقاً بالإجماع، وتحل مناكحتهم وذبائحهم، وقرون بالجزية، وليس للمجوسي من هذه الخصال إلا التقرير بالجزية، فكانت ديته من الخمس من دية اليهودي والنصراني، وكذلك الوثني، كعابد شمس، وقمر، وزنديق، ومن لا ينتحل ديناً، ممن له أمان عندنا، كدخوله لنا رسولاً من قبلهم، أما الوثني الذي لا أمان له، فدمه هدر، ودية نساء من ذكر على النصف من دية رجالهم.
والمذهب عندهم أن من قتل معصوماً، ولم تبلغه دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أن تمسك بدين لم يبدل، فدية أهل ديته ديته، فإن كان كتابياً فدية كتابي، وإن كان مجوسياً فدية مجوسي، وإن تمسك بدين بدل، ولم يبلغه ما يخالفه، أو لم تبلغه دعوة نبي أصلاً، فديته كدية المجوسي.
وقيل: تجب دية أهل ديته، وقيل: لا يجب شيء لأنه ليس على دين حق، ولا عهد له ولا ذمة، وقال الزركشي: وعلى المذهب يجب فيمن تمسك الآن باليهودية، أو النصرانية دية مجوسي، لأنه لحقه التبديل - آي إذا لم تحل مناكحتم.
قالوا: ولا يجوز قتل من لم تبلغه الدعوة المحمدية، بل يعذر، ويقتص لمن أسلم بدار الحرب، ولم يهاجر منها بعد إسلامه، وإن تمكن من الهجرة، لأن العصمة بالإسلام اهـ.
الحنفية - قالوا: دية المرأة على النصف من دية الرجل، وقد ورد بهذا اللفظ موقوفاً عن الإمام على كرم الله وجهه، ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه، ثلث الدية وما فوقها ينتصف، وما دونه لا يتنصف وبه أخذ الإمام الشافعي. وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية) وبما حكي عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما تقول فيمن قطع أصبع امرأة؟ قال: عليه عشر من الإبل، قلت: فإن قطع أصبعين منها؟ قال عليه عشرون من الإبل، قلت: فإن قطع ثلاث أصابع؟ قال: عليه ثلاثون من الإبل. قلت: فإن قطع أربع أصابع؟ قال: عليه عشرون من الإبل، قلت: سبحان الله! لما كثر ألمها، واشتد مصابها قل أرشها، قال: أعراقي أنت؟ فقلت: لا. بل جاهل مسترشد، أو عالم مستثبت، قال: إنه السنة، وبه أخذ الإمام الشافعي رحمه الله، والحجة عليه، ما رواه الحنفية بعمومه، وأن حالها انقص من حال الرجل، ومنفعتها أقل.
وقد ظهر أثر النقصان بالتنصيف في النفس، فكذا في أطرافها، وأجزائها، اعتباراً بها وبالثلث وما فوقه، لئلا يلزم مخالفة التبع للأصل، والحديث المروي نادر، ولو كان هذا الحكم سنة الرسول عليه الصلاة والسلام لما خالفوها.
(5/325)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقالوا: ودية المسلم والذمي سواء، لما روي عن النبس صلوات الصلاة وسلامه عليه أنه قال: (دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار) وكذلك قضى أبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما. وما رواه الشافعي رحمه الله لم يعرف راويه، ولم يذكر في كتب الحديث، وما رووه اشهر مما رواه الإمام مالك رحمه الله، فإنه ظهر به عمل الصاحبة رضوان الله تعالى عليهم.
وذلك في العمد والخطأ من غير فرق بينهما، لعموم الآية الكريمة، إن {النفس بالنفس} ولم تنسخ بآية أخرى.
المالكية - قالوا: إن دية المرأة، ودية اليهودي، والنصراني، على النصف من دية الرجل المسلم، في العمد، والخطأ من غير فرق، وهي ستة آلاف درهم، وخمسمائة دينار، لقوله عليه الصلاة والسلام: (عقل المسلم) والكل عنده اثنا عشر ألفاً من الدراهم.
أما المجوسي المعاهد، والمرتد فدية كل منهما ثلث خمس دية المسلم خطأ وعمداً، فتكون من الذهب ستة وستين ديناراً، وثلثي دينار، ومن الورق ثمانمائة درهم، ومن الإبل ستة أبعرة وثلثا بعير، ودية أنثى كل من ذلك نصفه. فدية الحرة المسلمة من الإبل خمسون وهكذا، ودية المجوسية المرتدة أربعمائة درهم وهكذا.
الحنابلة - قالوا: إن كان للنصراني، ولليهودي عهد وقتله مسلم عمداً، فديته كدية المسلم، وإن قتله خطأ فنصف دية المسلم، أما غير المعصوم من المرتدين، ومن لا أمان لهم فإنه مقتول بكل حال، وأما من لا تحل مناكحته فهو كالمجوسي، وأما الأطراف والجراح فبالقياس على النفس اهـ.
مبحث الجناية على الجنين
الحنفية - قالوا: إن الجنين إذا كان محققاً في بطن الأم فليس له ذمة صالحة لكونه في حكم جزء من الآدمي، لكنه منفرد بالحياة معد لأن يكون نفساً له ذمة، فباعتبار هذا الوجه يكون أهلاً لوجوب الحق له من عتق، أو إرث، أو نسب، أو وصية، وباعتبار الوجه الأول لا يكون أهلاً لوجوب الحق عليه، فإما بعدما يولد فله ذمة صالحة. ولهذا لو انقلب على مال إنسان فأتلفه يكون ضامناً له، ويلزمه مهر امرأنه بعقد الولي.
فإذا ضرب رجل بطن امرأة حامل فألقت من بطنها جنيناً ميتاً، فيجب فيه غرة، وهي نصف عشر دية الرجل، إذا كان ذكراً، وفي الأنثى عشر دية المرأة، وكل منهما خمسمائة درهم، لأن نصف العشر من عشرة آلاف درهم، هو العشر من خمسة آلاف درهم. والدليل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنين غرة، عبد أو أمة، قيمته خمسمائة) ويروى (أو خمسمائة) والغرة على العاقلة إذا كانت خمسمائة درهم، لأن النبي صلوات الله وسلامه عليه قضى بالغرة على العاقلة، ولأنه بدل النفس، ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم دية، حيث قال: (دوه) وقالوا له: أندي من لا صاح ولا أستهل - الحديث.
(5/326)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
إلا أن العواقل لا تتحمل ما دون خمسمائة درهم. وتجب في سنة، لما روي عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: (بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على العاقلة في سنة) ولأنه إن كان بدل النفس من حيث أنه نفس على حجة، فهو بدل العضو من حيث الاتصال بالأم فعملنا بالشبه الأول قي حق التوريث، وبالثاني في حق التأجيل إلى سنة.
ويستوي فيه الذكر والأنثى، لإطلاق الحديث، ولأن في الحيين إنما ظهر التفاوت، لتفاوت معاني الآدمية، ولا تفاوت في الجنين، فيقدر بمقدار واحد، وهو خمسمائة.
فإن ألقته حياً ثم مات. فتجب في دية كاملة، لأنه أتلف حياً بالضرب السابق.
وإن ألقته ميتاً ثم ماتت ألم بعده، فعليه دية بقتل ألم، وعليه غرة بإلقائها الجنين، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في هذا بالدية، والغرة.
وإن ماتت الأم من الضربة ثم خرج الجنين بعد ذلك حياً، ثم مات، فتجب عليه دية في الأم، ودية في الجنين، لأن موت الأم أحد سببي موته، لأنه يختنق بموتها، إذ تنفسه بتنفسها، فلا يجب الضمان بالشك، وما يجب في الجنين موروث عنه، لأنه بدل نفسه فيرثه، ورثته، ولا يرثه الضارب، حتى لو ضرب بطن امرأنه فألقت ابنه ميتاً، فعلى عاقلة الأب غرة ولا يرث منها، لأنه قالت بغير حق مباشرة، ولا ميراث للقال، هذا في جنين المرأة الحرة، وأما جنين الامة إذا كان ذكرا فيجب نصف عشر قمته لو كان حياً، وعشر قمته لو كان أنثى، لأنه بدل نفسه، لأن ضمان الطرف لا يجب إلا عند ظهور النقصان، ولا معتبر به في ضمان الجنين فكان بدل نفسه فيقدر بها، ويجب في مال الضارب مطلقاً من غير تقييد بالبلوغ إلى خمسمائة درهم.
وقال أبو يوسف: يجب ضمان النقصان لو انتقصت الأم اعتباراً بجنين البهائم، ولأن الضمان في قتل الرقيق ضمان ماله عنده. فصح الاعتبار على اصله.
فإن ضربت الأمة، فاعتق المولى ما في بطنها، ثم ألقته حياً، ثم مات، ففيه قيمته حياً، ولا تجب الدية، وإن ما بعد العتق، لأنه قتله بالضرب السابق، وقد كان في حالة الرق فلهذا تجب القيمة دون الدية، وتجب قيمته حياً، لأنه بالضرب صار قاتلاً إياه وهو حي فنظرنا إلى حالتي السبب، والتلف.
قالوا: ولا كفارة في الجنين، لأن الكفارة فيها معنى العقوبة، قود عرفت في النفوس المطلقة، فلا تتعداها، ولهذا لم يجب كل البدل، إلا أن يشاء لأنه ارتكب محظوراً، فإذا تقرب إلى الله تعال كان أفضل له، ويستغفر مما صنع.
قالوا: والجنين الذي استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام في جميع هذه الأحكام، لإطلاق الأحاديث، ولأنه ولد في حق أمومية الولد، وانقضاء العدة والنفاس وغير ذلك، فكذا في حق هذا الحكم، ولأنه بهذا القدر يتميز من العلقة والدم، فكان نفساً، والله تعال أعلم.
الشافعية - رحمهم الله تعالى - قالوا: يجب في الجنين غرة إن انفصل ميتاً بجناية في حياتها، أو
(5/327)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
انفصل بعد موتها بجناية في حياتها، وكذا إذا انفصل بعض الجنين بلا انفصال من أمه كخورج رأسه ميتاً.
وقيل: لا بد من أنفصاله، لأن ما لم ينفصل يصير كالعضو منها، سواء أكانت الدناية بالقول كالتهديد، أو بالفعل، أو بالترك.
وإذا لم يكن معصوماً عند الجناية، كجنين حربية من حربين وإن أسلم أحدهما بعد الجناية، أو لم يكن الجنين مضموناً كأن كان الجاني مالكاً للجنين ولأمه، بأن جنى السيد على أمته الحامل، وجنينها من غيره، وهو مالك له فعتقت ثم القت الدنين، أو كانت أمه ميتة، أو لم ينفصل ولا ظهر بالجناية على أمه، فلا يجب شيء في هذه الصور، لعدم احترامه في الولى، وعدم ضمان الجاني في الثانية، ولظهر موته بموتها في الثالثة، ولعدم تحقق وجوده في الأخيرين.
وإن انفصل حياً، وبقي بعد انفصاله زماناً بلا ألم فيه ثم مات فلا ضمان على الجاني. وإن مات حين خرج بعد انفصاله، أو تحرك تحركاً شديداً كقبض يد وبسطها، ولو كانت حركة مذبوح، أو دام ألمه ومات منه، فتجب دية نفس كاملة على الجاني، ولو انفصل الجنين لدون ستة أشهر. ولو ألقت امرأة بجناية عليها جنينين ميتين فغرتان تجبان فيهما، أو ثلاثاً فثلاث وهكذا.
ولو ألقت يداً أو رجلاً وماتت فغرة، لأن العلم قد حضل بوجود الجنين والغالب أن اليد بانت بالجناية، أما إذا عاشت ولم تلق جنيناً، فلا يجب على الجاني إلا نصف غرة، كما أن الحي لا يجب فيها إلا نصف دية، ولا يضمن باقيه، لأنا لم نتحقق ثلثه، وإن ماتت ثم ألقت ميتاً فعليه دية في الأم، وغرة في الجنين لأنه مات بالضرب. ولو ألقت يداً، ثم جنيناً ميتاً بلا يد قبل الاندمال، وزال الألم من الم فغرة، لأن الظاهر أن اليد مبانة منه بالجناية، أو حياً فمات من الجناية، فتجب دية، وحل فيها أرش اليد، فإن عاش وشهد القوابل، أو علم أنها يد من خلقت فيه الحياة، فتجب نصف دية لليد، وإن لم تشهد القوابل بذلك ولم يعلم فنصف غرة لليد عملاً باليقين، وتجب على العاقلة في ثلاث سيني لأنه بدل النفس، ولهذا يكون موروثاً بين ورثته، وإذا ألقت امرأة لحماً بسبب جناية عليها فيجب فيه غرة إذا قال القوابل فيه صورة خفية على غيرهن. وتجب الغرة أيضاً إذا القت امرأة لحماً لا صورة فيه أصلاً، تعرفها القوافل، ولكن قلن إنه لو بقي ذلك اللح، لتصور، وتخلق، كما تنقضي به العدة، وذلك إذا كانت مضغة.
أما لو ألقت علقة لم يجب فيها شيء قطعاً كما لا تنقضي به العدة.
قالوا: والغرة الواجبة عبد، أو أمة، كما نطق به الخبر، والخبرة في ذلك إلى الغارم، ويجبر المستحق على قبولها من أي نوع كانت، ويشترط أن يكون مميزاً سليماً من عيب مبيع لأن المعيب ليس من الخيار، والأصح قبول رقيق كبير من عبد أو أمة، لم يعجز بهرم، لأنه من الخيار، مالم تنقص منافعه، ويشترط في الغرة بلوغها في القيمة نصف عشر دية الأب المسلم، وهو عشر دية الأم المسلمة.
(5/328)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ففي الحر المسلم رقيق قيمته خمسة أبعرة، كما روي عنعلي، وعمر، وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم، ولأنها دية فصارت مقدرة كسائر الديات (ولأن الجنين على أقل أحوال الإنسان، فاعتبر فيه أقل ما قدره الشرع من الديات، وهو دية الموضحة والسن، فإن فقدت ثلث الغرة حساً بأن لن توجد أو شرعاً، بأن وجدت بأكثر من ثمن مثلها، فتجب خمسة أبعرة بدلاً عنها، لأنها مقدرة بها عند وجودها، فعند عدمها يؤخذ ما كانت مقدرة به، ولأن الإبل هي الأصل في الديات فوجب الرجوع إليها عند فقد المنصوص عليه، فإن فقدت الإبل الدية، فإن فقد بعضها وجبت قيمته مع الموجود.
وقيل: لا يشترط بلوغها ما ذكر: بل متى وجدت سليمة مميزة وجب قبولها، وإن قلت قيمتها لإطلاق لقظ العبد، والأمة في الخبر، وسواء كان الجنين ذكراً، أم أنثى، لإطلاق الخبر.
والغرة لورثة الجنين على فرائض الله تعالى، لأنها دية نفس، ويقدر انفاصله حياً ثم موته، وهي واجبة على عاقلة الجاني، لخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم: (قضى في الجنين بغرة عبد، أو أمة) .
وقيل: إن تعمد الجناية بأن قصدها بما يلقى غالباص، فالغرة عليه، والجناية عليه خطأ أو شبه عمد، سواء أكانت الجناية على أم خطأ، أو عمداً، أو شبه عمد، لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد، ولهذا للا يجب القصا في الجنين إذا خرج حياً وما، لأن القصا إنما يجب في القتل العمد، ولا يتصور العمد فيه.
قالوا: والجنين اليهودي، أو النصراني بالبع لابويه قيل: كمسلم في الغرة، وقيل: هو هدر، وهذان القولان مبنيان على أن الغرة غير مقدرة بالقيمة، والأصح غرة كثلث غرة مسلم، كما في ديته، وهو بعير وثلثا بعير. كما هو الحكم على الكبير منهم.
قالوا: والجنين الرقيق، ذكراً كان أو غيره فيه عشر قيمة امه، قنة كانت أو مديرة، أم مكاتبه، أو مستولدة، قياساً على الجنين الحر، فإن الغرة في الجنين معتبرة بعشر ما تضمن به الم، وإنما لم يعتبروا قيمته في نفسه لعدم ثبوت استقلاله بانفصاله ميتاص، واستثنى ما إذا كانت الأم هي الجانية على نفسها، فإنه لا يجب في جنينها المملوك للسيد شيء، إذ لا يجب للسيد على رقيقه شيء، وتعتبر قيمة الم يوم الجناية عليها، لأنه وقت الوجوب، وقيل: يوم الإجهاض للجنين، لأنه وقت استقرار الجناية. هذا إذا انفصل الجنين ميتاً كما علم سابقاً، فإن انفصل حياً، ومات من أثر الجناية، فإنه يجب فيه قيمته يوم الانفصال قطعاص، وإن نقصت عن عشر قيمة امه، وتصرف الغرة في الجنين لسيده، فإن كانت الأم مقطوعة أطرافها والجنين سليم أطرافه قومت بتقديرها سلمية في الأصح لسلامته، كما لو كانت كافرة، والجنين مسلم، فإنه يقدر فيها الإسلام، وتقوم مسلمة، وكذا لو كانت حرة والجنين رقيق، فإنها تقدر رقيقة. وهكذا.
قالوا: وتحمل العشر المذكورة عاقلة الجاني في الأظهر من المذهب كما مر في الغرة، وإذا
(5/329)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سقط جنين ميت فادعى وارثه على إنسان أنه سقط بجنايته فأنكر صدق بيمينه، وعلى المدعي البينة، ولا يقبل إلا شهادة رجلين، فإن أقر بالجناية، وانكر الاسقاط بجنايته فأنكر صدق بيمينه، وعلى المدعي البينة، ولا يقبل إلا شهادة رجلين، فإن أقر بالجناية، وأنكر الاسقاط، وقال: السقط ملتقط، فهو المصدق أيضاً، وعلى المدعي البينة، ويقبل فيها شهداة النساء، لأن الإسقاط ولادة.
المالكية - قالوا: في إلقاء الجنين سبب ضرب، أو تخويف لغير وجه شرعي - أما إذا كان بسبب ضرب للتأديب فلا شيء فيه - أو بسبب شم ريح عفنة، أو فتح كنيف، إن كان علقة - دم لا يذوب من صب الماء الحار عليه - سواء أكانت الجناية خطأ، أو عمداً من أجنبي، أو أم، كشر بها ما يسقط به الحمل. فأسقطته ذكراص، أو أنثى، كان من زوج، أو زنا، فيجب فيه عشر واجب أمه، فإن كانت الم حرة وجب عشر ديتهان وإن كانت الم أمة وجب فيه عشر قيمتها، وتعتبر قيمتها يوم الضرب، وقيل: يوم الإلقاء، وإن جنى أب فعليه عشر دية أم الجنين لغيرهن ولا يرث منه، ويكن العشر الواجب نقداً معجلاً حالاً في مال الجاني عمداً، أو خطأ، ما لم تبلغ الغرة ثلث ديته، فتكون على العاقلة كما لو ضرب مجوسي حرة مسلمة فألقت جنيناً، أو تجب غرة في جنين الحرة، والتخيير يكون للجاني لا للمستحق. أما جنين الأمة فيتعين فيه النقد عبداً ووليدة بدل من غرة الأمة الصغيرة بلغت سبع الستين لتحرز التفرقة. وإنما يجب العشر، أو الغرة إذا نفصل عنها كله ميتاً وهي حية، فإن ماتت قبل انفصاله فلا شيء فيه لاندراجه في جية الم، وإن استهل، أو نزل ضارخاً، أو رضع، أو فعل شيئاً من كل ما يدل على أنه حي حياة مستقرة، فالدية لازمة فيه إن أقسم أولياؤه أنه مات من فعل الجاني، وإن مات عاجلاً ببعد تحقق حياته فإن لم يقسموا فلا غرة ولا دية، لأنه يحتمل موته، بغير فعل الجاني، فإن ماتت امه وهو مستهل ومات فتجب على الجاني ديتان، وإن تعمد الجاني بضرب بطن الأم فنزل مستهلاً ومات فالقصاص بالقسامة وهذا هو الراجح من الخلاف.
وأما إذا تعمد الجاني قتل الجنين بضرب رأس أمه، فالراجح أنه تجب الدية عليه، كتعمده بضرب يدها، أو رجلها.
والحاصل أن في ضرب البطن، والظهر، والرأس خلافاً، فقال أبن القاسم يجب القصاص بقسامة، وقال أشهب: لا قود فيه، بل يجب الدية في مال الجاني بقسامة أيضا، وأما تعمده الضرب في غير هذه المواضع فتجب الدية في ماله بقسمة، ومحل القصاص في تلك المسائل إن لم يكن الجاني الب، أما إذا كان الجني هو الب فلا يقتص منه إلا إذا قصد قتل الجنين بضرب بطن الأم خاصة.
ويجب تعدد الواجب من عشر أو غرة إن لم ستهل، ودية إن استهل بتعدد الجنين، ثم إن كان القتل خطأ، وبلغ الثلث فتحمله العاقلة، وأما إن كان عمداً، أو كانت الغرة أقل من الثلث فلا تتحمله العاقلة، بل يجب في مال الجاني حالاً معجلاً.
وورث الواجب في الجنين من عشر، أو غيره على الفرائض المعلومة شرعاً، الشاملة للفرض، والتعصب، فللأب الثلثان، وللأم الثلث ما لم يكن له اخوة، وإن كان له اخوة فللأم السدس وهيذا هو الراجح من المذهب، خلافاً لمن قال: تختص به الم، إذا لم تكن هي الجانية، والقائل به ربيعة،
(5/330)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وذلك لأنها كالفرض عن جزء منها، وخلافاً لقول أبن هرمز حيث قال: للم والب على الثلث والثلثين، ولو كان له اخوة، وكان له اخوة، وكان الإمام مالك يقول بهذا الرأي اولاً، ثم رجع إلى القول الول لأنه الراجح.
واعلم بأنه إذا كان المسقط للجنين احد الآبوين كان هو القاتل، فلا يرث من الواجب المذكور شيئاً، لأن القاتل لا يرث.
مبحث في العاقلة، وكيفية تأجيل ما تحمله
الحنفية - قالوا: الدية في شبه العمد، وفي الخطأ، وكل دية تجب بنفس القتل على العاقلة، والعاقلة هم الذين يؤدون الدية، والأصل في وجوبها على العاقلة قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه للأولياء (قوموا فدوه) .
ولأن النفس محترمة لا وجه إلى الإهدار، والخاطئ معذور، وكذا الذي تولى شبه العمد نظر إلى الآلة فلا وجه إلى إيجاب العقوبة عليه، وفي إيجاب مال عظيم اجحافة، واستئصاله، فيصيل عقوبة، فضم عليه العاقلة، فكانوا هم المقصرون في تركهم مراقبته، فخصوا به.
والعقلة هم أهل الديوان إن كان القاتل من اهل الديوان يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سيني، واهل الديوان هم اهل الريات والألوية، وهم الجيش الذين كتبت أسماءهم في الديوان والجريدة، لأن سيدنا عمر بن الخكاب رضي الله تعالى عنه هو أول من دون الدواوين، وجعل العقل كان على أهل النصرة، وقد كانت بأنواع بالقرابة، والحلف، والولاء، والعد، وفي عهد عمر رضي الله عنه قد صارت بالديوان فجعلها على أهله اتباعاً للمعنى، ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة، وإن كان بالحلف فأهله، والدية صلة، ولكن إيجابها فيما هو صلة وهو العطاء اولى منه في اصول أموالهم، والتقدير بثلاث سيني مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعال عنه، ولأن الأخذ من العطاء للتخفيف، والعطاء يخرج في كل سنة مرة، فإن خرجت العطاء في أكثر من ثلاث سنين أو أقل اخذ منها، لحصول المقصود، ولو خرج للقاتل ثلاث عطايا في سنة واحدة في المستقبل يؤخذ منها كل الدية لأن الوجوب بالقضاء.
وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منها في سنة، وإن كان الواجب بالفعل ثلث دية النفس أو أقل كان في سنة واحدة. وما زاد عن الثاث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية، وما زاد على
(5/331)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة، وما وجب على العاقلة من الدية أو على القاتل بأن قتل الأب ابنه عمداً، فهو في ماله في ثلاث سنين، لأن الشرع ورد به مؤجلاً فلا يتعمداه.
ولو قتل عشرة رجلاً خطأ فعلى كل واحد عشر الدية في ثلاث سنين اعتباراً للجزء بالكل إذ هو بدل النفس، وإنما يعتبر في مدة ثلاث سنين من وقت القضاء بالدية لأن الواجب الأصلي المثل، والتحول إلى القيمة بالقضاء، فيعتبر ابتداؤها من وقته كما في ولد المغرور، ومن لم يكن من أهل الديوان، فعاقلته قبيلته، لأن نصرته بهم، وهي المعتبرة في التعاقل، وتقسم عليهم في ثلاث سنين لا يزاد الواحد على اربعة دراهم في كل سنة ويجوز أن ينقص منها، فلا يؤخذ منها، فلا يؤخذ من كل واحد في كل سنة إلا درهم، أو درهم وثلث درهم، وإن لم يكن تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسباً، ويضم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات. الاخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم والآباء والأبناء فقيل يدخلون مع العاقلة لقربهم وقيل: لا يدخلون لأن الضم لنفي الحرج حتى لا يصيب كل واحد أكثر من ثلاثة أو أربعة، وهذا إنما يتحقق عند الكثرة، والآباء والأبناء لا يكثرون.
ولو كانت عاقلة الرجل أصحاب الرزق يقضى بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث.
قالوا: ويدخل القاتل مع العاقلة إذا كان من أهل الديوان، أما إذا لم يكن فلا شيء عليه من الدية، ولأنه هو الفاعل فلا معنى لإخراجه ومؤاخذة غيره، فيكون فيما يؤدي كواحد منهم.
قالوا: وليس على النساء والذرية ممن كان له حظ في الديوان عقل لقول عمر رضي الله تعالى عنه: (لا يعقل مع العاقلة صبي، ولا امرأة) . ولأن القتل إنما يجب على أهل النصرة لتركهم مراقبته والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء، ولهذا لا يوضع عليهم، وعلى هذا لو كان القاتل صبياً أو امرأة لا شيء عليهما من الدية بخلاف الرجل، لأن وجوب جزء من الدية على القاتل باعتبار أنه احد العواقل لأنه ينصر نفسه، وهذا لا يوجد فيهما، ولا يعقل أهل مصر عن مصر آخر، ويعقل أهل كل مصر من أهل سوادهم، لانهم أتباع لأهل المصر. ومن جنىجناية من أهل المصر وليس له في الديوان عطاء، وأهل البادية أقرب إليه، ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر، ولا يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة، ولو كان البدوي نازلاً في المصر لا مسكن له فيه، يعقله أهل المصر، لأن أهل العطاء لا ينصرون من لا مسكن له فيه، كما أن أهل البادية لا يعقلون عن أهل المصر النازلين فيهم، لأنه لا يستنصر بهم.
قز إن كان لأهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها، فإذا قتل أحدهم خطأ فديتهعلى عاقلته بمنزلة المسلم، لانهم التزموا أحكام الإسلام في المعاملات لاسيما في المعاني العاصمة عن الأضرار، ومعنى التناصير موجود في حقهم، وإن تكن لهم عاقلة معروفة فالدية في ماله في ثلاث سنين، من يوم يقضى بها عليه كما في حق المسلم، ولا يقل كافر عن مسلم، ولا مسلم عن كافر لعدم التناصر.
(5/332)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والكفار يتعاقلون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم، لأن الكفر كله ملة واحدة، وذلك إذا لم تكن المعاداة فيما بينهم ظاهرة، أما إذا كانت ظاهرة، كاليهود، والنصارى فينبغي أن لا يتعاقلون بعضهم عن بعض.
قالوا: وعاقلة المعتق قبيلة مولاه لأن النصرة بهم لقوله عليه الصلاة والسلام (مولى القوم منهم) ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته، لأنه يتناصر به، فأشبه ولاء العتاقة.
قالوا: ولا تعقل العاقلة اقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعداً، لحديث أبن عباس رضي الله عنهما الموقوف عليه، والمرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم (لا تعقل العواقل عمداً، ولاعبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون أرش الموضحة) وارش لموضحة نصف عشر بدل النفس ولأن التحمل للتحرز عن الاجحاف، ولا اجحاف في القليل، وإنما وفي الكثير، والتقدير الفاصل عرف بالسمع، وما نقص عن ذلك يكون في مال الجاني، والقياس فيه، التسوية بين القليل والكثير، فيجب الكل على العاقلة كما ذهب إليه الشافعي أو التسوية في أن لا يجب على العاقلة شيء، إلا أن الاحناف تركوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب أرش الجنين على العاقلة وهو نصف عشر بدل الرجل، فما دونه يسلك به مسلك الأموال، لأنه يجب بالتحكيم كما يجب ضمان المال بالتقويمن فلهذا كان في مال الجاني أخذاً بالقياس.
قالوا: ولا تعقل العاقلة جناية العبد، ولا مالزم بالصلح، أو باعتراف الجاني، لأنه لا تناصر بالعبد والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور الولاية عنهم، إلا أن يصدقوه. لأنه ثبت بتصادقهم. والامتناع كان لحقهم، ولهم ولاية على أنفسهم، ومن أقر بقتل خطأ ولم يرفع إلى القاضي إلا بعد سنين قضى عليه بالدية في ماله، في ثلاث سنين، من يوم يقضي عليه، لأن التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبينة، ففي الثابت بالإقرار اولى، ولو تصادق القاتل وولي الجناية على أن قاضي بلج كذا قضى بالدية على عاقلته بالكوفة بالبية وكذبهما العاقلة، فلا شيء على العاقلة، لأن تصادقهما ليس بحجة عليهم، ولم يكن عليه شيء في ماله إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته، لأنه تبين أن الدية واجبة عليهم.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: دية الخطأ وشبه العمد في الكراف ونحوها، وكذا في نفس غير القاتل نفسه، وكذا الحكومات والغرة تلزم العاقلة، لا الجاني، لأن الجاهلية كانوا يمنعون من جنى منهم من اولياء القتيل أن يدهوا منه، وياخذوا بثأرهم - فجعل الشارع بدل تلك النصرة بذل المال. وخص ذلك بالخطاً وشبه العمد لكثرتهما، سيما في حق من يتعاطى حمل السلاح، فأعين كيلا ينتصر
(5/333)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بالسبب الذي هو معذور فيه، وإنما يلزمهم ذلك إذا كانت بينة بالخطا أو شبه العمد أو اعترف به فصدقوه.
وقالوا: وجهات تحمل الدية ثلاثة: قرابة، وولاء، وبيت مال، لا غيرها كوزوجته ومحالفة، وقرابة ليست بعصبة، لأن المر كان كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نسخ بعده، ولأنه صلة والأولى بها الأقرباء، وعصبة الجاني هم الذين يرثون بالنسب أو الولاء، إذا كانوا ذكوراً مكلفين، وهم القرابة من قبل الأبن والمرأة والصبي وإن أيسرا لا يحملان شيئاً، وكذا المعتوه، ويخرج من العصبة أصل الجاني من اب وإن علا، وفرعه من أبن وإن سفل لانهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجاني في الدية، اعتباراً للجزء بالكل في النفي عنه، والجامع كونه معذوراًً فلا يتحمل أبعاضه وقد روى النسائي (لا يوخذ الرجل بجريرة، أي جريرة ابنه) وفي رواية لابي داود في خبر المرأتين السابق (وبرأ الولد) أي من العقل، وقيس به غيره من الأبعاض، وتتجب الدية على العاقلة سواء أكانت الدية قليلة أم كثيرة.
ويقدم في تحمل الدية من العصبة الأقرب، فالأقرب على البعد منهم، فإن لم يوف القرب بالواجب بأن بقي منه شيء فيوزع الباقي على من يليه، ويقدم ممن ذكر مدل بأبوين على مدل باب كالأرث، ويجب التسوية بينهما، لأن النوثة لا مجخل لها في تحل العاقلة فلا تصلح للترجيح، ثم بعد عصبة النسب إن فقدوا، أو لم يوف ما عليهم بالواجب يقدم معتق للخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم (الولاء لحمة كلحمة النسب) فإن فقد المعتق أو لم يف ما عليهم بالواجب، تقدم عصبته من نسب غير أصلهوغن علا، وفرعه وإن سفل يقدم الأقرب فالأقرب، لما رواه الشافعين والبهقي (أن عمر قضى على علي رضي الله تعالى عنهما بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب) لأنه أبن أخيها دون ابنها الزبير ثم ممعتق المعتق، ثم عصبته كذلك، ثم معتق معتق الأب وعصبته، فإن لم يوجد يتحمل معتق الجد ثم عثبته كذلك إلى حيث ينتهي الأرث.
قالوا - وعتيق المرأة - الجاني - تعقله عاقلتها ولا يضرب عليها، ومعتقون كمعتق واحد، فيما عليه كل سنة وكل شخص من عصبة كل معتق بتحمل ما كان يحمله ذلك المعتق في حياته من نصف أو ربع.
قالوا: ولا يقل عتيق عن معتقه في الظهر، كما لا يرث - وقيل: يعقل لأن العقل للنصرة والإعانة، فإن فقد العاقل ممن ذكر أو وجد ولم يعرف ما عليه الواجب عقل ذوو الأرحام إن قلنا بثوريتهم. ثم يعقل بيت مال المسلمين عن الجاني المسلم، كما يرثه وللحديث الوارد عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (انا وارث من لا وارث له، اعقل عنه وأرثه) اخرجه أبو داود والنسائي، فإن فقد بيت المال بأن لم يوجد فيه شيء، أو لم ينتظم امره بحيلولة الظلمة دونه، اولم يعرف بيت المال فتجب الدية كلها، أو الباقي منها على الجاني في ماله في الأصح. بناء على أنها تلزمه ابتداء ثم
(5/334)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
تتحملها العاقلة. فتجب عليه الدية صيانة للحق من الضياع، فلا يسقط كيلا يضيع دم المسلم هدراً، وتؤجل على الجاني إذا وجبت عليه، فيؤخذ منه ثلث الدية عند الحول، ولو مات في أثناء الحول يحل الأجل على الأصح.
قالوا: وتؤجل على العاقلة جية نفس كاملة بإسلام وحريةن وذكورية، ثلاث سنين، في آخر كل سنة ثلث من الدية، لما رواه البيهقي من قضاء عمر، وعلي رضي الله عنهما وعزاه الشافعي إلى قضاء النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تؤخذ في آخر كل سنة، لأن المنافع كالزرع والثمار، ونتاج الأبل تتكرر كل سنة، فاعتبر مضها وليجتمع عنجهم ما يتوقعونه، فيواسون عن تمكن.
وتؤجل دية الذمي على الصح سنة، لأنها قدر ثلث دية المسلم، وقيل: تؤجل ثلاثاً لأنها بدل نفس محترمة، وتؤجل دية امرأة مسلمة سنتين في آخر الأولى منهما ثلث من دية نفس كاملة، والباقي آخر السنة الثانية، وقيل: تؤجل جيتها ثلاث سنين، وتحمل العاقلة الجناية على العبد من الحر في الأظهر، ففي آخر كل سنة يؤخذ من قيمته قدر ثلث دية، وقيل: تؤخذ كلها في ثلاث سنين لأنها بدل نفس محترمة.
ولو قتل شخص رجلين فتؤجل ديتهما على عاقلته في ثلاث سنين، لأن الواجب ديتان مختلفتا، وقيل: تؤجل ديتهما في ست سنين، في كل سنة قدر سدس دية، لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث سنين فيزاد للأخرى مثلها.
ولو قتل شخص امخرأتين أحلت ديتهما على عاقلته في سنتين، والأطراف كقطع اليدين، والحكومات، وأروش الجنايات تؤجل في كل سنة قدر ثلث دية كاملة، فإن زاد الواجب على دية نفس كقطع اليدين والرجلين ففي ست سنين، وقيل: تؤخذ كلها في سنة بالغة ما بلغت لأنها ليست بدل النفس حتى تؤجل.
قالوا: وتؤجل دية النفس من الزهوق، لأنه وقت استقرار الوجوب. واجل دية غير النفس، كقطع يد اندملت من ابتداء الجناية، لأنها حالة الوجوب، أما إذا لم يندمل، بأن سرى من عضو إلى عضو، كان قطع أصبعه فسرت إلى كتفه، فأجل أرش الأصبع من قطعها، والكف من سقوطها.
ومن مات من العاقل في أثناء سنة سقط من واجب تلك السنة، ولا يؤخذ من تركته لأنها مواساة.
ويشترط فيمن يعقل - الذكورة، وعدم الفقر، والحرية والتكليف، واتفاق الدين، فلا يعقل فقير ولا رقيق، ولا صبي، ولا محنون، ولا أنثى، ولا مسلم عن كافر، وعكسه، ويعقل يهودي عن نصراني، وعكسه في الأصح، ويجب على الغني نصف دينار على أهل الذهب، أو قدره دراهم على أهل الفضة، وهو سنة منها، لأن ذلك اول درجة المىاساة في زكاة النقد، والزيادة عليه لا ضابط لها، ويجب على المتوسط من العاقلة، ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه وبين الغني الذي عليه نصف دينار كل سنة من الثلاثن لأنها مواساة تتعلق بالحول فتكرر بتكرره
(5/335)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
كالزكاة، فجيمع ما يلزم الغني في الثلاث سنين دينار ونصف، والمتوسط نصف ربع، وقيل: هو واجب الثلاث، والمعتبر مقدار نصف الدينار، وربعه لا عينهما، والغني والمتوسط يعتبران آخر الحول. لأنه حق مالي متعلق بالحول. ومن أعسر في الحول سقط، فلا يلزمه شيء، لأنه ليس أهلاً للمواسة بخلاف الجزية، لأنها كالأجرة لسكنى جار الإسلام. ولو ادعى الفقر بعد الغنى حلف ولا يكلف البينة، والغني هو من يملك فاضلاً عما يبقى له في الكفارة عشرين ديناراً أو قدرها اهـ.
المالكية - قالوا: العاقلة عدة أمور وهم أهل ديوانه إن كان الجاني من الجند ولو كانوا من قبائل شتى فإن نقص أهل الديوان عن سبعمائة - بناء على أن أقل العاقلة سبعمائة - ضم إليهم عصبة الجاني الذين ليسوا معه في الديوان، فإن لم يكن ديوان، أو كان وليس الجاني منهم، أو لم يعطوا أرزاقهم المعينة، فتجب الدية على العصبة الأقر فالأقرب، على ترتيب النكاح، فإذا كمل من البناء سبعمائة فلا يجفع أولادهم شيئاً، وإن نقص كمل من أبناء الأبناء، وهكذا، والحد يؤخر عن بني الاخوة هنا، فإن لم توجد عصبة، أو وجدت ولم توف بالواجب، فالعاقلة هم الموالي الأعلون، وهم المعتقون - بكسر التاء - لانهم عصبة سبب وهم كعصبة النسب لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (الولاء لحمة كلحمة النسب) ولقولهم: الولاء عصوبة سببها نعمة العتق. ويقدم الأقرب فالأسفلون حيث لم يوجد من الأعلين، فإن لم يوجدن فعاقلته بيت الما. إن كان الجاني مسلماً، لأن بيت المال لا يعقل عن كافر، فانلم يكن بيت المال فتقسط على الجاني، إن كان ممن يعقل، بأن كان ذكراً، بالغاً، عاقلاً، مليئاً.
وعاقلة الذمي ذو جيته، وهو من يحمل معه الجزية، إذ لو كانت عليه، وإن لم يكونوا منأقرباه، فالنصراني يعقل عنه النصارى الذين في بلده، لا اليهود، وعكسه، ويضرب على كل من تلزمه الدية من أهل دوان، أو عصبة، وموالي، وذمي، إن تحالكموا إلينا. كل على عدر طاقته، وعقل عن صبي، مجنون، وامرأة، وفقير، وغارم، إذا جنوا، فتغرم عاقلتهم عنهم، والعبرة في الصبا، والجنون، وضدهما، والعسر، واليسر، والغيبة، والحضور، وقت التوزيع على العاقلة، فما وجدت فيه الاصناف، وقت التوزيع وزع عليه.
وما لا فلا، فإن قدم غائب غيبة انقطاع وقت التوزيع، فلا تضرب عليه بعد قدومه المتأخر عن التوزيع. فإن أيسر فقير، أو بلغ صبي، أو عقل مجنون، أو اتضحت ذكورة خنثى بعد التوزيع فلا شيء على واحد منهم، وتحل الدية بالموت والإفلاس، فإذا ماتت العاقلة، أو واحد منها، أو أفلس فيحل ما كان منجماً عليهم أو عليه، ولا دخول لبدوي من عصبة الجاني مع حضري، ولا شماي مع مصري، وكذا الحجاز واليمن، أما أهل أقليم واحد حضر مثلاً فيضمنون، فإذا لم تكل العاقلة من أهل بلد ضم إليهم ما قرب منها العصبة.
قالوا: وتقسم الدية الكاملة لمسلم، أو غيره، ذكراً، أو أنثى عن نفس أو طرف في ثلاث سنين من يوم الحكم. والثلث كدية الجائفة في سنة، والثلثان كجائفتين في سنتين، والنصف في سنتين في كل سنة ربع، وثلاثة الرباع تنجم في ثلاث سنين، في كل سنة ربع، والعاقلة الذي يضم إليه ما
(5/336)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بعده سبعمائة رجل. فإذا وحج من العصبة هذا العدد فلا يضم إليهم الموالي، وإن نقصوا عن هذا العدد لو كانوا اغنياء ضم إليهم ما يكملهم من الموالي، وهكذا.
قالوا: إن الجاي لا يدخل مع العاقل' لأن العاقلة هي سبب تجرئه على الجناية.
الحنفية، والحنابلة، والشافعية في أحد قوليهم - قالوا: إن الغائب والحاضر من العاقلة سواء في تحمل الدية.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لا مدخل لأهل الصنعة، والسوق في التحمل إلا إذا كانوا أقارب.
الحنفية - قالوا: إذا كان الجاني من أهل الديوان فديوانه عاقلته، وعاقلة السوقي أهل سوقه ثم قرابته فأهل محلته اهـ.
مبحث القسامة
اتفق الأئمة على أن القسامة مشوعة، إذا وجدقتيل في مكان ولم يعلم قاتله.
الحنفية - قالوا: القسامة في اللغة اسم وضع موضع الأقسام، وفي الشرع أيمان يقسم بها أهل محلة، أو جار وجد فيها قتليل به اثر القتل، يقول كل واحد منهم: والله ما قتلته، ولا علمت له قاتلاً) . ويلزم المدعي عليه اليمين بالله عز وجل أنه ما قتل، ويبرأ.
والسبب الموجب للقسامة، وجود قتيل في موضع هو في حفظ قوم وحمايتهم، كالمحلة، والدار، ومسجد المحلة، والغرية، والقتيل الذي تشرع فيه القسامة اسم ليت به أثر جراحة، أو ضرب أو خنق، فإن كان الدم يخرج من أنفه، أو دبره فليس بقتيل، بخلاف ما لو خرج الدم من أذنه، أو عينه، فهو قتيل تشرع فيه القسامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الينة على المدعي واليمين على من أنكر) وفي رواية (على المدعي عليه) وروى سعيد بن المسيب رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ باليهود بالقسامة، وجعل الدية عليهم لوجود القتيل بين أظهرهم) ، وشرط القسامة. بلوغ المقسم، وعقله، وحريته، وتكيمل اليمين خمسين يميناً.
وحكمها القضاء بوجوب الدية لأولياء الدم، إن حلفوا، والحبس إلى الحلفغن أبوا، ويتخير الولي من القوم من يحلفهم، لأن اليمين حقه، والظاهر أنه يختار من يتهمه بالقتل، أو يختار صالحي أهل المحلة، لما أن تحرزهم عن اليمين الكاذبة، أبلغ التحرز، فيظهر القاتل. وفائدة اليمين النكول، فا كانوا لا يباشرون ويعملون، يقيد يمين الصالح على العلم بأبلغ مما يقيد يمين الطالح، ولو اختاروا أعمى أو محدوداصفي قذف جاز لأنه يمين ليس بشهادة، ومراعاة لحق الميت وحرمته، وإذا حلفوا قضى على أهل المحلة بالدية، ولا يستحلف الولي لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الدية والقسامة في حديث أبن سهل، وفي حديث زياد بن أبي مريم، وكذا جمع عمر رضي الله تعالى عنه بينهما على وادعه.
(5/337)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقد روي: أن عبد الله بن سهل، وعبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة، خرجوا في التجارة إلى خيبر وتفرقوا لحوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلاً في قليب من خيبر يتشحط في دمه، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروه فأراد عبد الرحمن، وهو أخ القتيل أن يتكلم فقال صلى الله عليه وسلم اكبر الكبر فتكلم أحد عميه حويصة، أو أو محيصة، وهو الأكبر منهما وأخيره بذلك قال: ومن قتله؟ قالوا: ومن يقتله سوى اليهود، قال عليه الصلاة والسلام: (تبرئكم اليهود بإيمانها) فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار، لا يبالون ما حلفوا عليه. فقال عليه الصلاة والسلام أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نعاينه ولم نشاهد، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه بمكائة من إبل الصدقة) فقول النبي صلى الله عليه وسلم تبرئكم اليهود محمول على الإبراء عن القصاص والحبس، وكذا اليمين مبرئة عما وجب له اليمين، والقاسمة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا، بل شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم. عن اليمين الكاذبة، فيقروا بالقتل، فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص. ثم الدية تجب بالقتل الموجود منهم ظاهراً، لوجود القتيل بين أظهرهم لا بنكولهم، أو تقول: إنها وجبت بتقصيرهم في المحافظة كما في القتل الخطأ، ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف، لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها تعظيماً لأمر الدم، ولهذا يجمع بينه وبين الدية، بخلاف النكول في الموال، لأن اليمن بدل عن أصل حقه، ولهذايسقط ببدل المدعى، وفيما نحن فيه لا يسقط ببدل الدية:
قالوا: وإن لم يكمل أهل المحلة كررت اليمان عليهم حتى تتم خمسين، لما روي أن عمر رضي الله عنه لما قضى في القسامة دانى إليه تسعة واربعون رجلاً، فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين، ثم قضى بالدية. ولا قسامة على صبي، ولا مجنون، لأنهما ليسا من أهل القول الصيح، واليمين قول صحيح ولا قسامة على امرأة، ولا عبد، لأنهما ليسا من أهل النصرة
وإن وجد ميتا لا أثر به، فلا قسامة ولا دية له، لأنه ليس بقتيل، ولو وجد بدن القتيل، أو أكثر من نصف البدن، أو النصف ومعه الرأس في محلة. فعلى أهلها القسامة والدية، وإن وجد نصف مشقوقاً بالطول، أو وجد اقل من النصف، ومعه الرأس، أو وجدت يده، أو رجله، أو رأسه، فلا شيء عليهم، لأن هذا حكم عرفناه بالنص وقد ورد في البدن، إلا أن للأكثر حكم الكل تعظيماً للآدمي، بخلاف الأقل، لأنه ليس ببدن ولا ملحق به، فلا تجري فيه القسامة.
ولو وجد فيهم جنين أو سقط ليس به أثر الضرب فلا شيء على أهل المحلة، لأنه لا يقوق الكبير حالاً وإن كان به اثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم، لأن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حياً، وإن كان ناقص الخلق فلا شيء عليهم، لأن ينفصل ميتاً لا حياً.
قالوا: وإذا وجد القتيل على دابة يسوقها رجل فالدية على عاقلته دون أهل المحلة، لأنه في يده، فصار كما إذا كان في جاره، وكذا إذا كان قائدها أو راكبها، فا اجتمعوا فعليهم لأن القتيل في أيديهم فصاروا كما إذا وجد في دارهم.
(5/338)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قالوا: وإذا مرت دابة بين قريتين وعليها قتيل، فهو على أقربهما، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقتيل وجد بين قريتين، فأمر أن ذرع بينهما، وعن عمر رضي الله عةنه أنه لما كتب إليه في القتيل الذي وجد بين وادعة، وأرحب، وكتب بأن يقيس بين القريتين، فوجد القتيل إلى اجعة أقرب فقضى عليهم بالقسامة.
وإذا وجد القتيل في دار لإنسان فالقسامة عليه، والدية على العاقلة ولا يدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة، وقال اوب يوسف هي عليهم جميعاً، وإذا وجد قتيل في دار فالقسامة على رب الدار، وعلى قومه، وتدخل العاقلة في القسامة إن كانوا حضروا، وإن كانوا غائبين فالقسامة على رب الدار يكرر عليهم الإيمان، وإن ووجد القتيل في ار مشتركة فهي على رؤوس الرجال.
ومن اشترى داراً ولم يقبضها حتى وجد فيها قتيل فهو على عاقلة البائع.
وإن وجد قتيل في سفينة فالقسامة على من فيها من الركاب والملاحين.
وإن وجد في مسج محلة، فالقسامة على أهلها لأن التدبير فيه إليهم، وغنوجد في المسجد الجامع، أو الشارع العظم فلا قسامة فيه والدية على بيت المال، لأنه للعامة لا يختص به واحد منهم وكذلك الجسور العامة.
ولو وجد في السوق إن كان مملوكاً فعند أبي يوسف تجب على السكان، وعندهما على المالك. وإن لم يكن مملوكاً كالشوارع العامة التي بنيت فيها فعلى بيت المال لأنه لجماعة المسلمين.
ولو وجد في السجن فالدية على بيت المال، وعلى قول أبي يوسف الدية والقسامة على أهل السجن. لأنهم محتبساً بالشاطئ فهو على أقرب القرى من ذلك المكان.
وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة عنهم، وإن اجعى على واحد من غيرهم سقطت عنهم، وإذا التقى قوم بالسيوف فأجلوا عن قتيل فهو على أهل المحلة إلا أن يدعي الأولياء على اولئك، أو على رجل متهم بعينه، فلم يكن على أهل المحلة شيء، ولا على اولئك حتى يقيموا البينة.
ولو وجد قتيل في معسكر أقاموا بفلاة من الأرض لا ملك لاحد فيها، فإن وجد في خباء، أو فسطاط فعلى من سكنها الدية والقسامة، وإن كان حارجاً من الفسطاط فعلى أقرب الأخبية، اعتباراً
وإن كان القوم لقوا قتالاً ووجد قتيل بين أظهرهم فلا قسامة، ولا دية، لأن الظاهر أن العدو قتله، وإن كان للأرض مالك فالعسكر كالسكان، وإذا قال المستحلف قتله فلان استحلف بالله ما قتلت، ولا
(5/339)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عرفت له قاتلاً غير فلان، لأنه يريد إسقاط الخصونة عن نفسه بقوله فلا يقبل، وإذا شهد اثنان من اهمل المحلة على رجل من غيرهم أنه قتل لم تقبل شهادتهما.
ولو ادعى على واحد من أهل المحلة بعينه فشهد شاهدان من أهلها عليه لم تقبل الشهادة، لأن الخصومة قائمة، ومن جرح من قبيلة فنقل إلى أهله فمات من تلك الجراحة، فإن كان صاحب فراش حتى مات فالقسامة والدية على القبيلة، ولو جد رجل قتيلاً في دار نفسه فديته على عاقلته، لورثته.
وقالوا: إن الأولياء إذا كانوا جماعة تكرر عليهم الأيمان بالإدارة بع أن يبدأ أحدهم بالقرعة.
وقالوا: إن القسامة تثبت في العبيد مراعاة لحرمة الآدمي المسلم من حيث هب من غير تفرقة.
وقالوا: إن أيمان النساء لاتقبل في القسامة مطلقاً، لا في عمد، ولا في خطأ، لعدم النصرة بهن.
وقالوا: لاتشرع الأيمان في القسامة إلا على المدعى عليهم، لكونهم متهمين بالقتل فيحلفون لتبرأ ساحتهم.
الشافعية - قالوا: يشترط لك دعوى بدم، أو غيره كغصب، وسرقة، وإتلاف ستة شروط، أحدها: أن تكون معلومة غالباً، بأن يفصل ما يدعنه من عمد أو خطأ، أو شبه عمد، ومن انفراد، وشركة، وعدد الشركاء في قتل يوجب الدية، فإن أطلق المدعي في دعواه، كقوله: هذا قتل أبي استفصله القاضي ندباص، فيقول له: كيف قتله، عمداً، أم خطأ، أم شبه عمد؟
وقيل: لا يستفصل القاضي المدعي، بل يعرض عنه، لأنه ضرب من التلقين.
وثانيها: أن تكون ملزمة، فلا تسمع دعوى هبة شيء، أو بيعه، أو إقراره به حتى يقول المدعي: وقبضته بإذن الواهب، ويلزم البائع، أو المقر التسليم.
وثالثها: أن يعين المد عي في دعواه المدعى عليه، واحداً كان أو جمعاً معيناً، كثلاثة حاضرين، فلو قال: قتله أحدهم، فأنكروا، وطلب تحليفهم، لا يحلفهم القاضي في الأصح للإبهام.
ورابعها: أن تكون الدعوى على مدعى عليه مكلفاً، فلا تصح الدعوى على صبي، ومجنون، بل إن توجه على الصبي أو المجنون ما لى ادعى مستحقه على وليهما، فإن لم يكن ولي حاضر، فالدعوى عليهما كالدعوى على الغائب.
وسادسها: أن لا تتناقض دعوى المدعي، وحينئذ لو ادعى على شخص انفراده بالقتل، ثم ادعى على آخر أنه شريكه، أو منفر لم تسمع الدعوى الثانية، لما فيه من تكذيب الأول ومناقضتها، وسواء أقسم على الول، ومضى الحكم فيه أم لا.
(5/340)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقالوا: وتثبت القسامة في قتل النفس لا في غيرها من جرح، أو إتلاف مال. وعتبر كون القتل بمكان لوث - وهو قرينة حالية، أو مثالية تدل على صدق المدعي، بأن يغلب على الظن صدقه ت بأن وجد قتيل، أو بعضه كرأسه في محلة منفصلة عن بلد كبير، ولا يعرف قاتلهن ولا بينة بقتله، أو في قرية صغيرة لأعدائه دينياً أو دنيوياً،، إذا كانت العدوة تبعث على الانتقام بالقتل، ولم يساكنهم في القرية غيرهم فتجب القسامة، أو وجد قتيل تفرق عنه جمع كأن ازدحموا على بئر، أو باب الكعبة، ثم تفرقوا عن قتيل، لقوة الطن انهم قتلوه.
ويشترط أن يكونوا محصورين، بحيث يتصور غجتماعهم على القتيل، وإلا لم تسمع الدعوى، ولم يقسم.
قالوا: ولا يشترط في اللوث والقسامة ظهور دم، ولا جرح، لأن القتل يحصل بالخنق، وعصر البيضة ونحوهما، فإذا ظهر أثره قام مقام الدم فلو لم يوجد اثر أصلاً، فلا قسامة على الصحيح وقيل: تثبت القسامة.
قالوا: وشهادة العدل الواحد لوث لحصول الظن بصدقه. وذلك في القتل العمد الموجب للقصاص. فإن كان في خطأ، أو شبه عمد، لم يكن لوثاً، بل يحلف معه يميناً واحدة، ويستحق الدية، والعبيد والنساء شهادتهم لوث، لأن ذلك يفيد غلبة الطن، سواء جاؤوا متفرقين، أو مجتمعين، وقيل: يشترط تفرقهم لاحتمال التواطؤ.
وأخبار فسقة، أو صبيان، أو كفار لوث في الأصح، وكذلك لهج ألسنة الخاص والعام بأن فلاناً قتل فلاناً ومن اللوث وجود تلطخه بالدم، أو بسلاح عند القتيل، ومن اللوث أيضاً إذا تقاتل صبيان والتحم الحرب بينهم، وانكشوف عن قتيل فهو لوث في حق الصف الآخر، وإلا فلوث في حق صفة.
فاذ وجد المقتضى للقسامة حلف المدعون على قاتله خمسين يميناً، واستحقوا دية مغلظة إذا كان القتل عمداً، ويبدأ بأيمان المدعين للقسامة، لا بأيمان المدعى عليهم، فإن نكل المدعوة ولا بينة، حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ، وإنما بدئ بأيمان المدعين للقسامة، لأنهم هم الذين يطلبون أخذ الهأر من المتهم بالقتل.
وقالوا: إن الأولياء إذا كانوا جماعة قسمت الايمان بينهم بالحساب على حسب الارث، ولو ظهر لوث في قتيل فقال أحد ابنيه: قتله فلان، وظهر عليه لوث، وقال الابن الآخر: لم يقتله بطل اللوث، لأن الله تعالى أجرى العادة بحرص القريب على التشفي من قاتل قريبه، وأنه لا يبرئه تعائض هذا اللوث فسقطا، فلا يحلف المدعي، لانخرام ظن القتل بالتكذيب الدال على أنه لم يقتله - وقيل: لا يبطل حقه من اللوث وقيل: لا يبطل اللوث بتكذيب فاسق. وإذا لم يتكاذب ابنا القتيل، بل قال أحدهما: قتله زيد، ومجهول عندي. وقال الآخر: قتله عمرو ومجهول عندي، حلف كل منهما على من يعينه منهما، إذ لاتكاذب بينهما، لاحعمال أن الذي أبهم ذكره هة الذي عينه الآخر وكذلك العكس، ولكل منهما ربع الدية، لاعترافه بأن الواجب عليه نصفها، وحصته منه نصفه.
(5/341)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
ولو أنكر المدعى عليه اللوث في حقه، فقال: لم أكن مع القوم المتفرقين عن القتيل، صدق بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته من القتل، وعلى المدعي البينة على الامارة التي يدعيها، وهي عدلان.
قالوا: لو ظهر لوث في قتيل لكن بمطلق قتل دون تقييده بصفة عمد، وخطأ، وشبه عمد، فلا قسامة حينئذ في الأصحن لأن مطلق القتل لا يفيد مطالبته القاتل، بل لابد من ثبوت العمد، ولا مطالبة العاقلة، بل لابد أن يثبت كونه خكا، أو شبه عمد - وقيل: تثبت القسامة صيانة للدم عن الهدر قالوا: ولا قسامة في الجراحات وقطع الأطراف والأموال. إلا في قتل عبد، أو أمة، مع لوث، فيقسم السيد على من قتله من حر، أو رقيق في الأظهر، بناء على أن بدل الرقيق تحمله العاقلة.
وقيل: لا قسامة في العبد بناءعلى أن بدله لا تحمله العاقلة، فهو ملحق بالبهائم.
والقسامة أن يحلف المدعي الوارث على قتل النفس ولو ناقصه كامرأة، وذمي، مع وجود اللوث خمسين يميناً، والحلف يتوجه إلى الصفة التي أحلف الحاكم عليهان فيقول: والله لقد قتل هذان ويشير إليه إن كان حاضراً، ويرفع في نسبه إن كان غائباً، أو يعرفه بما يمتاز به من قبيلة، أو حرفةن أو لقب، ولا يشترط موالاة الأيمان، ولو تخلل الايمان جنون من الحالف، أو إغماء بني إذا أفاق على ما مضى، ولو مات الولي المقسم في أثناء الايمان لم يبن وارثه، بل يستأنف، ولو نكل عن الايمان أحد الورثة حلف الوارث الآخر خمسين يمينا، ولو غاب حلف الآخر خمسين واخذ حصته وإلا صبر للغائب.
والمذهب، أن يمين المدعي عليه بلا لوث، واليمين المردودة منه على المدعي، وعلى المدعى عليه واليمين مع شاهد خمسون للجميع.
المالكية - قالوا: سبب القسامة التي توجب القصاص في العمد، وتوجب الدية في قتل الخطأ، قتل الحر المسلم، دون الرقيق، والكافر، وسواء أكان الحر بالغاً، أو صبياً قتل بجرح أو ضرب، أو سم، بلوث، - وهو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الطن بأنه قتله، كشاهدين على قول حر مسلم، بالغ قتلني أو جرحني، أو ضربني فلان، أو شهادة عدلين على معاينة الضرب أو الجرح، أو أثر الضرب، أو شهادة واحد علد على معاينة الجرح، أو الضرب، أو شهادة واحد على معاينة القتل، أو يوجد القتيل ويضربه شخص عله أثر القتل، كان لوثاً، أما إذا قال: فلان، بل فلان، أو إذا تردد، أو لم يكن أثر الجرح به بطل اللوث، ولا قسامة - وقلك يقبل قوله ويكون لوثاً تحلف الولاة معه أيمان القسامة. ولكن الظاهر الأول.
وإنما قالوا: إن قول المقتول: دمي عند فلان واستمر على إقراره حتى مات لوث، وتثبت به القسامة. مع قول العلماء: إن الناس لا لا يعطون بدعواهم، والأيمان لا تثبت الدعاوى - وذلك لأن الشخص عند موته لا يتجاسر على الكذب في سفك دم غيره، كيف؟ وهو الوقت الذي يحق في الندم، ويقلع فيه الظالم، ويرد المظالم إلى أصحابها، ومدار الأحكام على غلبة الظن، وقد تأيد ذلك بالقسامة، وهي أيمان مغلظة احتياطياً في الدماء لأن الغالب على القاتل إخفاء القتل عن البينات، فاقتضى الاستحسان ذلك.
(5/342)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قالوا: وسواء كان قول الحر المسلم، البالغ، قتلني عمداص، أو خطأ، ففي العمد يستحقون بالقسامة القصاص، وفي الخطأ يستحقون الدية، ولو كان القائل هذا القول رجلاً فاسقاً، وادعى على عدول، ولو اعدل وأورع أهل زمانه، أنه قتله، أو ادعى الولد على أبيه أنه ذبحه، أو شق جوفه، أو رماه بحديدة قاصداً قتله، فيقسم الولياء يمين القسامة، ويقتل فيه المدعى عليه قتل العمد، أو يقسمون ويأخذون الدية مغلظة.
وإن أطلق القائل ولم يقيد بعمد أو خطأ بين أولياؤه أنه عمد أو خطأ، واقسموا على ما بينوا، وإن قالوا: لا نعلم هل القتل عمد، أم خطان أو قالوا: لا نعلم من قتله، أو أختلفوا، بأن قال بعض الولياء قتله عمد، أو قال بعضهم: لا نعمل، هل قتله خطأ أم عمد، بطل الدم، لانهم لم يتفقوا على أن وليهم قتل عمداً حتى يستحقوا القود، ولم يتفقوا على أنه خطأ حتى يستحقوا الدية. ولم يتفقوا على من قتله فيقسموا عليه.
أما لو قال بعضهم قتله خطان وقال البعض لا نعلم خطأ أو عمداً، فللمجعي الخطأ الحلف لجميع أيمان القسامة ويأخذ نصيبه من الدية لأن الثابت في الخطأ مال أمكن توزيعه، ولا شيء لغيرهن ومثله لو قالوا جميعاً خطأ، ونكل البعض، فلو قال بعضهم: خطأ وبعضهم عمداً فإن استووا في الدرجة كالبنين، أو الاخوة فيحلف الجميع على كل طبق دعواه على قدر ارثه، ويقضى للجميع بدية الخطأ، فو نكل مجعي الخطأ عن الحلف فلا شيء للجميع، وإن نكل مدعي الخطأ فلمدعي العمد الدخول في حصته من حلف.
قالوا: ولو شهد عدلان على معاينة الضرب، أو الجرح خطأ أو عمداً، وكان حراً مسلماً، وتأخر الموت.
فيقسم أولياؤه - والله منه مات - أو - إنما مات منه.
أما إذا لم يتأخر الموت فيستحعون الدم لدية بدون قسامة، لكونها شهادة على معاينة القتل. أو شهادة عدل بمعاينة الضرب، أو الجرح عمداً أو خطأ، تأخر الموت أو لم يتأخر فيقسم الاولياء خمسين يميناً - لقد جرحه، أو ضربه ومات من الجرح والضرب، وقيل: يحلف واحد من الأولياء يميناً مكملة لشهادة العدل اه ضربه أو جرخه، ثم يحلفون الخمسين يميناً.
ولو شهد علد بإقرار المقتول بعمد أو خطأ - اي شهد بالغ أن فلاناً جرحني، أو ضربني عمداً، أو خطأ، وشهد عدل على قوله، فشادته لوث، يحف عليها الأولياء خمسين يميناً بالصيغة المشتملة على اليمين لملكملة للنصاب، فلا يحتاجون ليمين منفردة على العتمد من الذهب.
ولو شهد عدل برؤية المقتول حال كونه يتشحط في دمه، والشخص المتهم بالقتل عليه اثر القتل بالفعل، ككون الآلة بيده ملطخة بدم، أو كان خارجاً من مكان المقتول ولي فيه غيره، فتكون شهادة العدل على ما ذكر لوثاً، يحلف الاولياء يمين القسامة، ويستحقون القود في العمد والدية في الخطأ.
(5/343)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
واعلم أنه تلزمه القسامة ولو تعدد اللوث كشهادة عدل بمعاينة القتل مع عدلين على قول المقتول: قتلني فلان، فلا يقتصون، ولا يأخذون الدية إلا بعد القسامة.
قالوا: وليس من اللوث وجود المقتول بقرية قوم ولو مسلماً بقرية كفار. وهذا إذا كان يخالطهم غيرهم في القرية، وإلا كان لوثاً يوجب القسامة، كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القسامة لا بني عم عبد الله بن سهل حيث وجد مقتولاً بخيبر، لأن خيبر مكان لا يخالط اليهود فيا غيرهم، أو وجد مقتولاً بدارهم لجواز أن يكون قتله غير أهل القرية والدار، ورماه عندهم حيث كان يخالطهم غيرهم في الدار أيضاً،
قالوا: والقسامة خمسون يميناً متوالية بدون تفريق بزمان أو مكان، يحلفون على البت والجزم يحصل لهما العمل بالخبر، كما يحصل بالمعاينة. وجبرت اليمين إذا وزعت على حدود وحصل كسران أو أكثر، فإنها تكمل على ذي أكثر كسرها، ولو كان صاحب أكثر الكسر أقل نصيباً، وإن تساوت الكسور فعلى كل من الجميع تكميل ما انكسر عليه للتساوي.
ويحلف في أيمان القسامة في الخطأ من يرث المقتول من المكلفين، وتوزع هذه الايمان على قدر الميراث. وإن إلا واحد من الأخوة للام، فإنه يحلف خمسين يميناً ويأخذ حظه من الدية، أو إذا لم يوجد إلا امرأة واحدة، ولا يأخذ أحد من الأولياء الحاضرين البالغين إذا غاب بعضهم أو كان صغيراً. شيئاً من الدية من العاقلة إلا بعد حلف جميع الايمان، ويأخذ حصته من الدية، لأن العاقلة لا يخاطبون بالدية إلا بعد ثبوت الدم، ثم بعد حلف الحاضر جميع الأيمان حف من حضر من الغيبة أو بلغ الصبي حصته من أيمان القسامة، ويأخذ نصيبه من الدية، ولا يحلف أيمان القسامة في العمد اقل من رجلين لأن النساء لا يحلفن في العمد، لعدم شهادتهن فيه، فإن انفردن عن رجلين صار المقتول كمن لا وارث له فترة اليمان على المدعى عليه عصبة ولا يقسم في العمد إلا على واحد من الجماعة الملوثين بالقتل يعينه المدعي للقسامة يقولون في الأيمان:
من ضربه ما، لا من ضربهم، ولا يقتل بها أكثر من واحد، فإن استووا في قتل العمد كحمل صخرة ورموها عليه فمات، فيقسمون على الجميع، ويقتل الجميع حيث رفع حياً وأكل ثم مات، فلو مات مكانه أو انفذت مقاتله قتل الجميع بدون قسامة.
ويجوز للولي أن يستعين في القسامة بعاصبه، وإن لم يكن عاصب المقتول كامرأة مقتولة ليس لها عاصب غير ابنها وله اخوة من أبيه، فيستعين بهم، أو ببعضهم أو بعمه مثلاً.
قالوا: وتوزع الايمان على مستحق الدم على الرؤوس في العمد، وأما في الخطأ فتوزع على قدر الإرث، فإن زادوا على خمسين اجتزئ منهم بخميسين، وكفى في حلف جميعها اثنان من الأولياء، إذا كان الأولياء أكثر من اثنين وطاع منهم اثنان، فيكفى حيث كان الباقي غير ناكلين، ونكول المعين
(5/344)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
من عصبة الولي لا يعتبر، بخلاف نكول غير المعين فإنه معتبر، فترد الايمان على المدعى عليهم بالقتل، فيحلف كل واحد منهم خمسين يميناً، إن تعددوا، لأن كل واحد م نهم متهم بالقتل، وإن كان لا يقتل بالقسامة إلا واحد، فإذا كان المتهم واحداً، حلف الخمسين يميناً.
ومن نكل من المدعى عليهم بالقتل حبس حتى يحلف خمسين أو يموت في السجن حيث كان متمرداً، وإلا فبعد سنة يضرب مائة ويطلق، والراجح الأول.
قالوا: إن الحاكم يبدأ بأيمان المدعين للقسامة، لا بأيمان المدعى عليهم. فإن نكل المدعوة ولا بينة معهم عليه خمسين حلف المدعي يميناً وبرئ من دمه.
الحابلة - قالوا: إن القسامة مشروعة إذا وجد قتيل في محله، ولم يعلم قاتله، وهي ثابتة بالسنة واجماع الأمة، ولكن لا يحكم بالقسامة إلا أن يكون بين المقتول، وبين المدعى عليه لوث، وهي العداوة في حق الصف الآخر، والعصبة خاصة، كما هو حاصل بين القبائل من المطالبة بالدماء وأخذ الثأر، وكما بين أهل البغي، وأهل البغي، وأهل العدل، وأما قول المقتول المسلم البالغ: إن فلاناً قتلني، فلا يكون لوثاً، فإذا وجد المقتضي للقسامة حلف المدعون على قاتله خمسين يميناً، واستحقوا دمه إذا كان القتل عمداً.
ويجب أن تبدأ بأيمان المدعين للقسامة، لا بأيمان المدعى عليهم، فإن نكل المدعون ولا بينة على القتل. حلف المدعى عليه خمسين يميناً، ما قتله ولا يعلم له قاتلاً، وبرئ من دمه، فإذا كان أولياء الدم جماعة قسمت الأيمان بينهم بالحساب، على حسب الإرث الذي يستحقونه من القتيل، حتى يكون الغرم على قدر الغنم.
وقالوا: إن القسامة تثبت في العبيد. وذلك لحرمة الآدمي المسلم من حيث هو، حيث إن الله تعالى كرمه، وقالوا: إن أيمان النساء لا تقبل في القسامة مطلقاً، لا في عمد ولا في خطأ تخفيفاً عن النساء، لأنه لا نصرة عليهن، والقسامة تبنى على النصرة من أفراد العاقلة، وأهل المحلة، لأن القاتل يعتز بهم، ويحتمي بقوتهم.
مبحث كفارة القتل.
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على وجوب الكفارة في قتل الخطأ إذا لم يكن المقتول ذمياً ولا عبداً واتفقوا على أن كفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وذلك لقوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وكان الله عليماً حكيماً} [آية: 92 من النساء] .
(5/345)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
والمالكية، والحنفية، والشافعية في أصح قوليهم، والحنابلة في إحدى روايتهم - قالوا: أنه لا يجزئ الاطعام في كفارة قتل الخطأ، نظراً إلى عظم حرمة المؤمن، فخص الكفارة بما هو أعلى قيمة غالباً من الإطعام، ولأنه لم يرد به النص القرآني، والمقادير تعرف بالتوقيت، ولأن الله تعالى جعل المذكور في الآية كل الواجب بحرف الفاء أو لكونه كل المذكور على ما عرف، ويجزئه رضيع أحد أبويه مسلم، لأن شرط هذا الإعتاق الإسلام وسلامة الأطراف والأول يحصل بإسلام أحد أبويه، والثاني بالظهور، إذ الظاهر سلامة أطرافه، ولايجزئه ما في البطن لأنه لم تعرف حياته ولا سلامته.
الشافعية، والحنابلة في الروايتين الأخريين، - قالوا: إن الإطعام حين العجز عن الصوم يجزئ، مثل كفارة الظهار.
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: تتجب الكفارة في قتل الذمي على الاطلاق، وفي قتل العبد المسلم وذلك للعمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذمي، في وعد من ظلمه بأن يكون صلى الله عليه وسلم حجيجه يوم القيامة، في نحو قوله: (من ظلم ذمياً كنت حجيجه يوم القيامة) فإذا كان هذا فيمن ظلمه ولو بأخذ درهم من ماله أو بكلمة في عرضه مثلاً فكيف بمن قتله بغير حق.
وأما وجوب الكفارة في قتل العبد المسلم فلدخولها في وصيته صلى الله عليه وسلم في حال احتضاره، بقوله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة وما ملكت أيمانم) وقد ورد أن الوصية على الأرقاء من أواخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتضر، فصار يقول ذلك بتكلف لا يكاد لسانه يبينها، فوجب احترامه كل الاحترام، ومن جملة احترامه وجوب الكفارة في قتله.
المالكية - قالوا: لا تجب الكفارة في قتل الذمي، لأن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الذمة محمولة على فعل أمور مخصوصة، كأخذ ماله بغير حق، وكالوفاء بذمته، وبغير الكفارة كتكفينه، ودفنه، إذا مات ونحو ذلك دون وجوب الكفارة في قتله، فإنه مراق الدم في الجملة من حيث كفره بالله، وتكذيبه لرسوله صلى الله عليه وسلم.
الحنفية، والمالكية، والحنابلة في إحدى روايتهم - قالوا: لا تجب الكفارة في قتل العمد، لأن الشارع شدد في أمر القاتل عمداً بالقتل، أو الدية إذا عفا الأولياء عن قتله إلى الدية، فلا يزاد على ذلك، لأنه كبيرةة محضة وفي الكفارة معنى العبادة فلا تناط بمثلها، ولأن الكفارة من المقادير وتعينها في الشرع لدفع الأدنى، لا يعينها لدفع الأعلى.
الشافعية - قالوا: تجب الكفارة في قتل العمد، لأن الحاجة إلى التكفير في العمد أمس منها إليه في الخطأ، فكان أدعى إلى إيجابها، لأن العامد أغلظ إثماً ممن كان قتله خطأ فكانت الكفارة به اليق من الخطأ.
قالوا: وتجب على كل واحد من الشركاء في القتل كفارة في الأصح، لأنه حق يتعلق بالقتل فلا يتبعض كالقصاص. ولأن الكفارة لتكفير جناية القتل، وكل واحد قاتل، ولأن فيها معنى العبادة، والعبادة الواجبة على الجماعة لا تتبعض.
(5/346)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقيل: تجب الجميع كفارة واحدة، كقتل الصيد.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: تجب الكفارة على الكافر إذا قتل مسلماً خطأ. للتغليظ على الكافر بالتغريم من حيث عدم تحفظه في حق المسلم، حتى لا يعود إلى مثلها، وليكون عبرة لغيره من دينه، بل قالوا: تجب الكفارة بالقتل، وإن كان القاتل عبداً، كما يتعلق بقتله القصاص والضمان، دينه، بل قالوا: تجب الكفارة بالقتل ذمياً، لا لتزامه الأحكام، ولو كان القاتل عامداً، أو مخطئاً، أو متسبباً، بقتل مسلم ولو بدار الحرب، وذمي، وجنين، وعبد نفسه، ونفسه ولا تجب الكفارة بقتل امرأة وصبي حربيين. ولا بقتل باغ، لأنه مباح الدم، وصائل، لأنه لا يضمن، ومرتد، وزان محصن، ومقتص منه بقتل المستحق له، لأنه مباح الدم بالنسبة إليه.
الحنفية، والمالكية - قالوا: إن الكفارة لا تجب على الكافر، لأن الكفارة طهرة للقاتل من الأثم دافعة عنه وقوع العذاب به يوم القيامة، والكافر ليس أهلا لذلك، لأنه لا يظهر إلا بحرقه بالنار يوم القيامة، فكيف يظهر بالكفارة؟
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: تجب الكفارة على الصبي، والمجنون إذا قتلا، وذلك لنسبتهما إلى قلة التحفظ في الجملة، فلو خوف الولي الصبي من القتل، أو ضبط المجنون بالقيد، والغل، لما كانا قدرا على قتل أحد عادة، مع كون المجنون ربما تعاطى أسباب الجنون بأكله طعاماً لا يناسب مزاجه مثلاص، فكان تغريمه الكفارة من باب المؤاخذة بالسبب عند من يقول به من الأئمة.
الحنفية - قالوا: لا تجب على الصبي، ولا على المجنون كفارة، لأن المجنون خرج عن التكليف ولأن الصبي لم يبلغ سن التكليف فلم يؤاخذا بفعليهما، ولأن أفعالهما من قسم المباح وهو أحد الحكام الخمسة.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: تجب الكفارة على القاتل بالسبب كمن تعدى بحفر بئر عدواناص، ووضع حجراً في الطريق وكالمكره والآمر به لمن لا يميز، وشاهد الزور، ولو حصل التردي في البئر بعد موت الحافر، لأن اسم القاتل يشمل الآمرين فشملتهما الآية، وبالقياس على وجوب الدية.
الحنفية - قالوا: إن الكفارة لا تجب على القاتل بالسبب مطلقاً، وإن كانوا قد اجمعوا على وجوب الدية، في القتل بالسبب، وذلك لعدم إلحاق السبب بالمباشر، لأنه أخف حالاً منه حيث إنه لم يباشر القتل.
الحنفية - قالوا: إذا قتلت أم الولد سيدها فعليها قيمة نفسها، لأنه قد زال عنها ملك سيدها بقتله، فصارة حرة، كما لو قتلت غيره، وذلك إذ لم يجب القصاص عليها.
الشافعية - قالوا: يجب عليها الدية لأنها تصير حرة لزوال موجب جنايتها، والواجب في قتل الحر دية.
(5/347)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحنفية - قالوا: إن الجناية من أم الولد لا يجب فينها أكثر من قيمتها كما لو جنت على أجنبي، ولأن اعتبار الخيانة قي الجاني بحال الجناية - وهي في حال الجناية آمة. ولأنها ناقصة بالرق لأشبهت القن. وإذا لم يكن لها منه ولد فعليها القصاص لورثة سيدها، وإن كان لها منه ولد وهو الراث وحده فلا قصاص عليها، لأنه لو جب لوجب لولجها، ولا يجب للولد على امه قصاص.
الحنابلة - توقفوا في هذه المسألة) .
-
(5/348)

القسم الثالث
باب التعزير
-أما التعزير فهو التأديب بما يراه الحاكم زاجراً لمن يفعل فعلاً محرماً عن العودة إلى هذا الفعل، فكل من أتى فعلاً محرماً لا حد فيه، ولا قصاص، ولا كفارة، فإن على الحاكم أن يعزره بما يراه زاجراً له عن العودة، من ضرب، أو سجن، أو توتبيخ.
وقد اشترط بعض الأئمة أن لا يزيد التعزير بالضرب على ثلاثين سوطاً، وقال بعضهم وهم المالكية: إن للإمام أن يضربه بما يراه زاجراً، ولو زاد عن مائة، بشرط أن لا يفضي ضربه إلى الموت (1) .
وبعضهم وهم الحنابلة - قالوا: إنه لا يزيد في الضرب عن عشرة أسواط. ولكن أبن القيم الحنبلي لم يوافق على هذا، فقد ذكر (في أعلام الموقعين) أن التعزير بالضرب قد وصل إلى مائة سوط عند الحنابلة، كما إذا وطئ شخص جارية امرأته بإذنها - فإنه يعزر بضرب مائة. وقال: إن عمر بن الخطاب زاد في حد شرب الخمر أربعين فأوصله إلى ثمانين، ولا يعقل أن تكون هذه الزيادة من أصل الحد الي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أربعون.
على أنك قد عرفت أن بعض العلماء يقول: إن عقوبة الشرب كلها من باب التعزير لا من باب الحد.
__________
(1) (تعريفه: التعزير مصدر عزر من العزر وهو الرد والمنع ومنه قوله تعالى: {وتعزروه} أي تدفعوا العدو عنه وتمنعوه، وفي الشرع تأديب على ذنب لا حد فيه، ولا كفارة، وهو مخالف للحدود من ثلاثة أوجه.
الأول: أنه يختلف باختلاف الناس، فتعزير ذوي الهيئات أخف من تعزير عامة الناس مع انهم يستوون في الحدود مع الناس، لا فرق بين عربي وقرشين فالكل امام الحدود سواء.
الثاني: أنه تجوز فيه الشفاعة والعفو، ولو بعد وصوله إلى الحاكمن بخلاف الحدود فإنه لا تجوز فيها الشفاعةز إذا ما وصل الأمر إلى الحاكم.
الحنفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن التالف بالتعزير غير مضمون مثل الحدود، لأنه مأمور به.
(5/349)

وظاهر عبارة أبن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) تفيد أن للحاكم أن يعزر بما يشاء من سجن، أو ضربن كما هو رأي المالكية، فكل عقوبة تناسب حال البيئة، وتخيف المجرمين يجب أن تنفذ ...
__________
الشافعية - قالوا: إن التالف بالتعزير مضمون بخلاف الحدود فإنها غير مضمونة.
قال العلماء: والتأديب للأولاد، أو للزوجة عندهم تعزيراً، لدفعه ورده عن فعل القبائح، ويكون التعذير بالقول، والتأنيب، ويكون بالضرب، والحبس، ويكون بالغرامة المالية، حسب ما يقتضيه حال الفاعل، وما يراه الحاكم من المصلحة للجاني، اهـ.
حكمه في الشريعة
الحنفية، والمالكية - قالوا: إن غلب على ظن الحاكم أن الجاني لا يصلحه إلا الضرب أصبح واجباً وإن غلب على ظن الحاكم أن الجاني لا يصلحه إلا الضرب أصبح واجباً وإن غلب على ظنه إصلاحه بغيره لم يجب. تعظيماً لحضرة الله تعالى إن يعصي العبد ربه فيها وهو ينظر إليه سبحانه فكان الضرب المؤلم له واجباً ليتنبه لقبح فعله في المستقبل، ويصير يتذكر الألم الذي حصل له في الماضي فيستغفر ربه منه.
الشافعية - قالوا: لا يجب التعزير على الحاكم لأنه لا يحصل به كبير زجرن ولا ردع عن المعاصي المستقبلة، إن كانت معلقة على حصول الألم الواقع لذلك العبد.
الحنابلة - قالوا: إن استحق بفعله التعزير كان واجباً، وإن لم يستحق فلا يجب.
ضرب الأب ولده تأديباً
المالكية، والحنابلة - قالوا: إن الأب إذا ضرب الصبي للتعليم، فمات الولد، أو الصبي من أثر الضرب، فلا ضمان عليه، لأن الأب والمعلم لا يضربان للإصلاح والتأديب.
الحنفية، والشافعية - قالوا: إن الاب إذا ضرب ابنه فمات يجب عليه الدية في ماله ولا يرث منها، وكذل المعلم لحفظ القرآن والكتابة، أو الصنعة إذا ضرب الصبي لاجل التعليم فمات من الضرب وجب عليه الضمان وذلك حتى يتحفظ الأب في ضربه لولده، فإنه ربما قامت نفسه من ولده فضربه لا لمصلحة كالأجينب فوجب الضمان احتياطاً.
ضرب الحاكم للتعزير
الحنفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن الإمام إذا ضرب رجلا للتعزير فمات بسبب الضرب فلا يجب عليه الضمان، لأن منصب الإمام يجل عن أن يعزر احداً بغير المصلحة، بخلاف غير الإمام فإنه قد يعزر غيره وعنده شائبة تشف منه لعداوة سابقة مثلاً، وما سمعنا أن حاكماً قتل بقتله احداً في تعزير، ولا غرم دية.
(5/350)

على أن الحنفية الذين قالوا: إنه لا يجوز للحاكم أن يزيد في التعذير بالضرب على ثلاثين سوطاً، وقالوا: إن للحاكم أن يعزر بالقتل، فإن عقوبة اللواكة عندهم من باب التعزير، ومع ذلك فإنهم يقولون: إذا تكررت هذه الفاحشة من شخص فإنه يعزر بالإعدام. إذ لا يليق أن يوجد بين النوع الإنساني من تنقلب طبيعته إلى هذا الحد، ولا يخفى ما في هذا من سلطة واسعة يتصرف فيها الحاكم بما يرى فيه المصلحة.

جواب وسؤال
-فإن قلت: كيف يصل التعزير إلى هذا القدر من العقوبة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) ؟
فإن ظاهر هذا الحديث يدل على أن عقوبة غير الحد لا يجوز أن تزيد على عشرة أسواط كما يقول الحنابلة (1) .
__________
الشافعية - قالوا: إن الإمام لو عزر رجلاً فمات بسببه وجب عليه الضمان، لأن الشرع لا محاباة فيه لاحد من الناس، فالإمام الأعظم كآحاد الناس في تطبيق أحكام الشربعة عليه.
قالوا: والتعزير مشروع سواء أكان الذنب حقاً لله تعالى أم لآدمي، وسواء أكان من مقدمات ما فيه حد كمباشرة أجنبية في غير الفرج وسرقة ما لا قطع فيه، والسبب بما لا قذف فيه، أن لا. كجناية التزوير في الأوراق الرسمية، واختلاس الأموال وشهادة الزور)
-

(1) (الحنفية، والشافعية، والحنابلة رحمهم الله - قالوا: لا يجوز أن يبلغ بالتعزير أعلى الحدود، لأن الإمام ونائبه إنما يحكمان على وفق الشريعة الغراء، وليس لهما أن يزيدا على ما قدرته الشريعة ذرة واحدة.
المالكية قالوا: إن التعزير راجع إلى رأي الإمام، فإن أن يزيد على الحدود فعل، لاجل المصلحة، لأن الشارع أمن الإمام الأعظم على أمته من بنعده، وأمر الأمة بالسمع والطاعة في كل ما لا معصية فيه لله عزوجل، بل ضرب بعض العتاة والفسقة الحد المقدر بما لا يردعه، فجاز للإمام الزيادة بالاجتهاد، مصلحة ذلك المعزر.
الحنفية، والشافعية قالوا: إن التعزير لا يختلف أسبابه، كأن يزاج في التعزير حتى يبلغ أجنى الحدود ولو في الجملة، وأدناها عند أبي حنيفة أربعون في الخمر، وعند الشافعيةن والحنابلة، عشرون فيكون أكثر التعزير عند الحنفية تسعة وثلاثون، وعد الشافعية والحنابلة تسعة عشر.
المالكية قالوا: يجوز للإمام الأعظم أن يضرب في التعزير أي عدد أدى إليه اجتهاده، ولو زاد عن الحد.
(5/351)

وقد أجاب أبن القيم نفسه عن هذا: بأن الحدود التي تطلق على العقوبات، تطلق أيضا على نفس الجناية والمعصية كما ذكرناه في بحوثنا السابقة.
والمراد بها في الحديث، المعصية، لا العقوبة، فمعنى الحديث لا تجوز العقوبة بالضرب زيادة على عشرة أسواط إلا في الجنايات أن يختلي بامرأة محرمة، أو يشهد زوراً، أو يغش شخصاً، أو يخدعه، أو يحتال عليه، أو يقامر، أو يبذر ماله فيما يؤذي الناس. أو يسعى بالنميمة بين الناس. أو يطفف الكيل والميزان، أو يصرف وقته في الملاهي أو غير ذلك مما لا يمكن حصره هنا. فكل جناية لم يضع لها الشارع حداً، ولاكفارة فإن للحاكم فإن يعاقب عليها بالسجنن أو الضرب بحسب ما يراه زاجراً للمجرم.
أما غير الجنايات من المخالفات، كمخالفة الابن لأبيه، ونحو ذلك مما يقع من اصبيان فإنه يصح التأديب عليها باضرب بشرط أن لا يزيد عن عشرة أسواط.
فهذا هو معنى الحديث. وهو حسن.
وبالجملة فإن التعزير باب واسع يمكن للحاكم أن يقضي به على كل الجرائم التي لم يضع الشارع لها حداً أو كفارة، على أن يضع العقوبة المناسبة لكل بيئة، ولكل جريمة من سجن أو ضرب، أو نفي، أو توبيخ، أو غير ذلك (1) .
__________
الحنابلة قالوا: إن التعزير يختلف باختلاف أسبابه، فإن كان بالوطء في الفرج شبهة كوطء الشريك. أو بالوطء فيما دون الفرج، فإنه يزاد على أدنى الحدود، ولا يبلغ فيه أعلاها، فيضرب مائة إلا سوطاً، وإن كان بغير الفرج كقبلة فإنه لا يبلغ في أدنى الحد اهـ) .
(1) (لقد أجاز الإسلام التعزير بكل أنواعه للحاكم فقط، وليس له أن يفوضه إلى مستحقه ولا إلى غيره، ولم يجز الشرع التعزير لغير الإمام إلا لثلاثة فقط.
الأول. الأب: فإنه يجوز له أن يعزر ولده الغير للتعليم والتربية، والتأديب، والزجر عن ارتكاب الأمور المشينة، وعن فعل سيء الأخلاق، والظاهر أن الأم تلحق بالأب فيما إذا كان في زمن الصبا في كفالتها للصبي أو البنت فيجوز لها التعزير، وكذلك يجوز الأمر بالصلاة، والضرب عليها ولا يجوز للأب تعزير الابن البالغ، وإن كان فعل شيئاً سفيهاً، لأنه لا ينفع فيه الضرب بعد الكبر.
الثاني السيدك لقد أباح له الشرع أن ينبه رقيقه في حق نفسه، وفي حق الله تعالى، وفي تأديبه.
الثالث الزوج: فلقد أجاز الشرع له تزير زوجته في أمر النشوز، والخروج عن أمره، وفي عدم طاعته، كما صرح به القرآن الكريم، فقال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن
(5/352)

وأجاز بعض الحنفية التعزير بالمال، على أنه إذا تاب يرد له، فإذا استثنينا من العقوبات حد السرقة، وحد القذف، واستثنينا القصاص، وبعض الأشياء التي جعل الشارع لها كفارة كالحلف بأقسامه، واتيان الزوجة وهي حائض فإن عقوبات الجرائم الخلقية، والمالية، وسائر المعاصي منوط بتقدير الحاكم، واجتهاده، فعليه أن يضع جميع العقوبات التي تقضي على الرذائل، وتزجر المجرمين.

مبحث دقة التشريع الإسلامي.
-وفي هذا من دقة التشريع الإسلامي وجماله، ما يدل على أنه من لدن عليم خبير، فإن مما لا ريب فيه أن أحوال الناس تختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، فالعقوبة التي تناسب جماعة لهم حالة خاصة، لا تناسب جماعة أخرى تخالفها في عاداتها وأطوارها، فلا يمكن
__________
في المضاجع، واضربوهن} آية 34 من النساء وهل له ضربها على ترك الصلاة وعمل الصالحات الظاهر أن له ذلك إن لم يكف الزجر والتأنيب، لأنه من باب إنكار المنكر، والزوج من جملة من يكلف بنهي زوجته عن فعل القبيح، وقد ينتفي التعزير مع انتفاء الحدود والكفارة كما في قطع شخص أطراف نفسه، وقد يجتمع التعزير مع الحد، كما في تكرر الردة، وقد يجتمع مع الكفارة كما في قطع شخص أطراف نفسه، وقد يجتمع العزير مع الحد، كما في تكرر الردة، وقد يجتمع مع الكفارة كما في الظهار، واليمين الغموس، وإفساد الصائم يوماً من رمضان بجماع حليلته، وغير ذلك.
واتفق الأئمة على حد الزنا، والسرق' وشرب المسكر، والحرابة، والقذف بالزنا والقتل، والقصاص في النفس والأطراف، والقتل في الارتداد، واختلف في تسمية الخيرين حداً. واختلف في أشياء كثيرة، يستحق مرتكبها العقوبة، هل تسمى عقوبته حداً أم لا؟ ومنها جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسحاق، وأكل الدم، وأكل الميتة في حال الاختيار، وأكل لحم الخنزير، والاشتغال بالسحر، والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة كسلاً، والفطر متعمداً في شهر رمضان، والتعريض بالزنا، ومنع الزكاة، والخلوة بالمرأة الأجنبية، والاستمتاع بها من غير زنا، والاستمتاع بالأمرد من غير لواط به، ونحو ذلك اهـ.
كيفية إقامة الحد
الحنفية، والشافعية قالوا: إنه يضرب في حد التعزير قائماً، لأنه أبلغ في الزجر، وآلم للجاني.
الحنفية، والشافعية قالوا: إنه لا يجر من ثيابه في حد القذف خاصة، ويجرد فيما عداه.
(5/353)

وضع عقوبة منضبطة يمكن تطبيقها على سائر الناس، فالله العليم بأحوال عباده، الخبير بما تقبضيه طبائعهم ناط أم تقدير العقوبات بأولي الأمر، ثم كلفهم السهر على مصالح رعاياهم، والاستمساك بكل الوسائل المفضية إلى تربيتهم تربية صالحة، والقيام بتأديب المجرمين، بالعقوبات المناسبة، كي يعيش الناس في أمن، ودعة، وراحة، واطمئنان.

سؤال وجوابه.
-وها هنا سؤال ظاهر - وهو أن عقوبة التعزير لم ينص عليها في الشريعة الإسلامية، بخصوصها، فهل عمل الحاكم في هذا الباب يقال له: حكم شرعي، أو وضعي؟
وهذا هو السؤال الأخير، فإليك الجواب.
والجواب: أنه لا يخرج حكم من الأحكام عن نصوص الشريعة الإسلامية. ما دامت السموات والأرض، وليس معنى هذا أن كل حادثة منصوص عليها بخصوصها، فإن هذا مما لا معنى له، لأن الحوادث تتجدد بتجدد الزمان والمكان، ولكن الغرض أن كل حادثة من الحوادث المتجددة لا بد أن تدخل تحت قاعدة كلية من قواعد الشريعة الإسلامية (1) .
__________
المالكية قالوا: يجب تجريده من ثيابه في الحدود كلها إلا ما يستر عورة زيادة في زجره.
الحنابلة قالوا: لا يجرد من ثيابه في الحدود كلها، بل يجرد من الجلد، والفرو، والحشو خاصة. ويضرب فيما لا يمنع ألم الضرب كالقميص والقميصين، ونحو ذلك، لأن الألم يحصل مع وجوده.
الحنفية، والحناللة قالوا: إنه يجب أن يفرق الضرب على جميع البدن إلا الوجه، والفرج، والرأس.
الشافعية - قالوا: لا يضرب الفرج، والوجه، والخاصرة، وسائر المواضع المخوفة حتى لا يفضي إلى الموت.
المالكية قالوا: يجوز ضرب الظهر وما قاربه، ولا يجب أن يفرق الضرب على جميع الأعضاء زيادة في الألم اهـ) .
-

(1) (فما من حادثة تحدث في المجتمع إلا ويجد الحاكم لها حكماً في الشرع تحت قادعة من قواعد الشريعة الإسلامية، خصوصاً حد التعزير الذي أعطى للحاكم سلطة سن العقاب الزاجر الذي يراه مناسباً للمجرم المنحرف. فقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى في طرقات المجينة رجلاً يتبختر في مشيته ولمه فيه مظاهر العبث والاستهتار التي لا تليق بالرجال الكمل فزجره وأمره بترك مسلكه هذا، فتعلل بالرجل بأن هذا في طبيعته ولا يطيق تركه، فأمر سيدنا عمر
(5/354)

مبحث دليل ثبوته.
-فالتعزير قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفي في ذلك الحديث الذي ذكرناه آنفاً، وهو: "لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" متفق عليه فإنه نص على أن للحاكم إن يعزر بالضرب في الأمور التأديبية، وفي الأمور الجنائية حسبما يراه زاجراً، إلا أنه لا يزيد في غير الجنايات على عشرة أسواطا، كما بينا، وقد عزر كبار الصاحبة صلى الله عليه وسلم من بعده بالضرب والسجن، والقتل، فقد ثبت أن عمر رضي الله عنه جمع كبار علماء الصحابة رضوان الله عليهم واستشارهم في عقوبة اللائط، فأفتوا بإعامه حرقاً، وهذا من أشد ما يتصور في باب التعزير، وثبت أن عليا وجد رجلاً مع امرأة يستمتع بها بغير جماع، فجلده مائة سوط (1)
__________
بجلده، وبعد ايام رآه سيدنا عمر على حاله من العبث والتخنث فأمر بجلده مرة أخرى، ولم مض وقت طويل حتى جار الرجل وقد استقامت مشيته واعتدل مسلكه، وقال: جزال الله خيراً يا أمير المؤمنين لقد كان الشيطان يلازمني فأذهبه الله عني بعقوبتك.
وروي أيضاً أنه رأى امرأة في زي غير لائق ينم عن لريبة، فسأل عنها فرف أنها إحدى الجواري، فنهرها وضربها بدرته وحذرها من أن يراها متبذلة مرة أخرى، فلم ترى بعد ذلك إلا متحشمة. وحدث أن سيدنا عمر رضي الله عنه مر يوماً بسوق المدينة فرأى رجلاً أمه (إياس بن مسلمة) يعترض طريق المسلمين ويرفع صوته صاخباً عليهم ببضاعنه، وهو يسد عليهم مسالكهم، فعلاه بدرته فاستجاب الرجل وامتثل أمر أمير المؤمنين، واستقام حاله.
فهذه قضايا لا حدود لها في الإسلام، ولكن الحاكم تصرف فيها من باب التعزير الذي شرعه الله تعالى له) .
-

(1) (وكذلك في حالة نشوز المرأة، وفي حالة منع الزوج من حقه مع القدرة لقوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن} الآية 34 من سورة النساء.
فقد أباح الشارع الضرب عند المخالفة، فكان فيه تنبيه من الشارع الحكيم إلى التعزير، وكذلك قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الشريف في سرقة التمر: (إذا كان دون نصاب غرم مثله، وجلدات نكال) رواه أو داود واللفظ له ورواه النسائي.
وروى الإمام البيهقي رحمه الله تعالى فيه صحيحه (أن الإمام علياً كرم الله وجهه، ورضي الله عنه سئل عمن قال لرجل: يا فاسق، يا خبيث، فقال: يعزر)
وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يجلد فوق عشرة اسواط إلا في حد من حدود الله تعالى) .
(5/355)

ولا خلاف أن للإمام أن يسجن الجاني بما يراه زاجراً له، ولا معنى لهذا كله إلا أن لإمام المسلمين، أو من ينوب عنه، الحق في التعزير بحسب ما يراه زاجراً للمجرمين، بل يجب عليه أن ييضع العقوبات المناسبة التي يترتب عليها تاديب رعيته، وإصلاح حالهم، لأن كل راع مسؤول عن رعيته، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل عقوبة من العقوبات التي يراها الحاكم زاجرة توصف بما توصف به الأحكام الشرعية بلا نزاع.
وبعد فإن الذي يطلغ على الشريعة الإسلامية، ويمعن النظر فيها، ويقف على حكمها وأسرارها، ويتأمل في نظمها وقواعدها، لا يسعه إلا أن ينحني أمام عظمتها، ويجزم بأنها من لدن حكيم، عليم، فلقد جاءت بكل قانون فيه مصلحة الجميع وسعادتهم، وبنت كل أحكامها بما فيه مصلحة النوع الإنسانين وذفع المفاسد عنهم في كل شأن من شؤونهم فلم تترك مصلحة حقيقة من مصالح الأمم والشعوب إلا إذا حثت عليها وأمرت بها، ولم تترك مفسدة من المفاسد الخلقية، أو المادية إلا نهت عنها، وحذرت الناس من شرها.

نظام الأسرة في الإسلام.
-لقد وضعت الشربعة نظام الأسرة التي هي أساس بناء العمران على قواعد ثابتة، لا يعتريها وهن مدى الدهور والأعوام، فقد جعلت لكل فرد من أفراجها حقاً يناسبه ويليق به: من تعظيم، ونفقة، وميراث، ووصية، وغير ذلك.
__________
متفق عليه، كما روي عن بريدة النصار رضي الله تعالى عنه، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله الصحابة رضوان الله عليهم من بعده من غير نكير منهم، وأجمعت عليه المة، وروي إن الإمام علي كرم الله وجهه، جلد من وجده مع إمراة يتمتع بها بغير زنى (مائة سوط إلا سوطين) وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه ضرب من نقش على خاتمع مائة سوط، وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
الحنفية قالوا: إن ضرب التعزير يكون أشد من ضرب حد الزنا، وضرب حد الزنا، يكون أشد من ضرب حد شارب الخمر، وضرب شارب الخمر يكون اشد من حد القذف، وحد القذف أخف من جميع الحدود، لأن جريمة حد القذف غير متيقن بها، لأن القذف خبر يحتمل الصدق والكذب، وقد يعجز عن إقامة أربعة من الشهداء مع صدقة في قوله، وإنما كان ضرب التعزير أشد من جميع الحدود، لأن المقصود به الزجر، وقد دخله التخفيف، من حيث نقصان العدد، فلو قلنا: يخفف الضرب أيضاً لفات ما هو المقصود من إقامة الحد لأن الألم يخلص إليه لا ينزجر، ولهذا قالوا: يجرد في التعزير عن ثيابه إلا ما يستر عورته، مثل الإزار الواحد.
(5/356)

فأمر الأبناء أن يطيعوا آباءهم في غير معصية أو إثم، وامرت الآباء أن يربوا أبناءهم تربية حسنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الزموا أبناءكم وعلموهم الأدب".
ثم جعلت لكل من الآباء والأبناء حقوقاً في الميراث، تناسب حالهم، وكذلك جعلت للأزواج حقوقاً تناسب كل واحد من الزوجين بحسب العرف والعادة. قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} آية [228 من سورة البقرة] .
وجعلت للإخوة والأخوات حقوقاً على بعضهم بعضاً، وحثت بعد ذلك على صلة الأرحام وبرهم. وجعلت لهم حقوقاً تليق بهم، ثم من بعدهم الجيران، ثم أهل البلدة، ثم بينت حقوق الحاكم والمحكوم خير بيان.
وقد ذكرنا سابقاً، أنها قضت الوطر، من قوانين المعاملات، والأخلاق.

مبحث أساس القوانين الشرعية.
-وبالجملة، فالشريعة الإسلامية لم تترك شيئاً إلا وضعت له قانوناً أساسه المصلحة، المادية والأدبية، وقوامها الفضائل الإنسانية، حتى العادات فقد علمت الناس كيف يأكلون، ويشربون، وكيف يعامل بعضهم بعضاً في الحديث والمجلس والزيارة والصحبة. وكل ما يتعلق
__________
المالكية قالوا: إن الضرب لا يتفاوت في الحدود بل كلها سواء.
الشافعية - قالوا: إن حد الزنا الزنا أشد من حد القذف، والقذف اشد من الخمر، لأن الزنا ثبت بدليل مقطوع به اهـ.
فائدة
ذكر العلماء، أنه يستثنى من إقامة التعزير مسائل (اولاً) يترك التعزير إذا صدر الفعل من رجل صالح فإنه يعفو عنه. لقوله صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا من ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) رواه أو داود.
الشافعية - قالوا: المراد بذوي الهيئات الذين لا يعرفون بالشر، فيقع أحدهم في زلة ثم يتوب منها ويندم عليها، أما إذا تكرر منه فإنه يعزر.
ثانياً: إذا قطع شخص أطراف نفسه، أو شوه جسده، أو أحرقه بالنار فلا يعزر، لأنه عذب نفسه.
ثالثاً: إذا وطئ الرجل زوجته أو أمته في دبرها فلا يعزر بأول مرة، بل ينهى عن العودة، فإن عاد عزر، والأصل لا يعزر لحق الفروع كالأب، والجد مع الأبناء.
(5/357)

بشؤون الفرد وحده، أو مع غيره، قريباً كان أو بعيداً، ولم تقف قضية من قضاياها في وجه الإصلاح الذي يتجدد بتجدد الزمان، والمكان.
ومن هذا نعلم أن كل شيء يحث لا بد أن يرجع إلى أصل عام في الشريعة الإسلامية، وقد ألهم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بقواعد عامة جامعة يمكن إدخال كل جزئية من جزيئات الحوادث تحتها.
وقد ذكر أبن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) كثيراً منها يضيق المقام عن ذكر جميعها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام) (وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) (وكل قرض جر نفعاً، فهو ربا) وقوله: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وقوله: (كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه) وقول صلى الله عليه وسلم (كل أحد أحق بماله من ولده ووالده، والناس أجمعين) وقوله (وكل معروف صدقة) الخ.
فهذه، وأمثالها، كليات تدخل تحتها كل جزئية تتجدد من نوعها، فإذا فرض ووجدت جزئية ولم يتيسر لعالم أن يرجعها إلى أصل من أمثال هذه الصول، فانهيمكنه أن يرجعها إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر، ولا ضرار) والضرار هو الضرر، ومعناه، إنه ينبغي لكل مسلم أن يرفع ضرره عن غيره.
__________
رابعاً: إذا رأى من يزني بزوجته، وهو محصن فقتله في تلك الحالة فلا يعزر، وإن افتات على الإمام، لأجل الحمية والغيرة على العرض، وقد حث عليه الشارع.
خامساً: إن ارتد ثم أسلم.
سادساً: إذا تأخر الرجل عن اعطاء زوجته النفقة، فإنه يكون آثماص، ولا يعزر في ذلك.
سابعاً: إذا حلف الزوج يمين الظهار على زوجته فإنه يعزر مع الكفارةن وإذا أفسد الزوج الصائم يوماً من رمضان بجماع زوجته يعزر.

مبحث البغاة والمحاربين.
التفسير: الأصل في هذا الباب ما روي عن انس بن مالك رضي الله عنه أن ناساً من عرينة قدما المدينة فاجتووها فبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وامرهم أن يشربوا من أبوالها، وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، والقاهم في الحرة، قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً، حتى ماتوا) فنزل قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الرض فساداً أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وارجلهم من خلاف، أو ينفوا من
(5/358)

ويجب على كل رئيس قادر سواء كان حاكماً، أو غيره أن يرفع الضرر عن مؤوسيه، فلا يؤذيهم هو، ولا يسمح لأحد أن يؤذيهم.
ومما لا شك فيه، ان ترك الناس بدون قانون يرفع عنهم الأذى والضرر، يخالف هذا الحديث فكل حكم صالح فيه منفعة ورفع ضرر يقره الشرع ويرتضيه.
__________
الأرض. وذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم} آية 33 من سورة المائدة، روي عن عكرمة، والحسن البصري. وعبد الله بن عباس رضي تعالى عنهم أن هذه الآية نزلت في المشركين، وقال أبن عباس: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، والفسدوا في الرض، فخير الله رسول إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، رواه أبن جرير.
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات الذميمة كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري عن أنس بن مالك (أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسادهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: (ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها) فقالوا: بل فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم. وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا) واللفظ لمسلم. وتسمى هذه الآية آية المحاربة وهي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل.
وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر حتى قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب: إن قبض الدراهم والدنانير من الافساد في الرض وقد قال الله تعالى: {وإذا تولى سعى في الرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يجب المفسدين} آية 205 من سورة البقرة.
{ذلك لهم خزي في الدنيا} أي هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم من الرض خزي لهم بين الناس، وشر وعار، ونكال وذلة، وعقوبة في عاجل الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة وهذا يؤيد قول من قال: إن الآية نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء، ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل اولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضاً، فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن اصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه) .
وعن علي رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أذنب ذنباً في الدنيا فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنباً في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن
(5/359)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يعود عليه في شيء عفا عنه (رواه الإمام أحمد والترمذي، وأبن ماجة، وقال الترمذي حسن غريبن وسئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث فقال: روي مرفوعاً وموقوفا، قال: ورفعه صحيح.
قال تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} أية 34 من سورة المائدة أما على رأي من قال: إن الآية في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإن تابوا قبل المقدرة عليهم فإنه يسقط عنهم أحكام القتل والصلب، وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة.
روي عن عامر الشعبي قال: (جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضي الله تعالى عنه بعد ما صلى المكتوبة فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائد بك أنا فلان بن فلان المرادي، إني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فساداً، وإني تبت من قبل أن تقدروا علي، فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان وغنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وغنه تاب من قبل أن نقدر عليه فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذباً تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم أنه خرج فأدركه الله الله تعالى بذنوبه فقتله) .
مبحث أحكام قطاع الطريق.
اتفق الأئمة على أن من خرج في الطريق العام وأشهر السلاح مخيفاً لعابر السبيل خارج المصر حراً أو عبداً، مسلماً، أو ذمياً، أو مستأمناً، أو محارباً، فإنه محارب قاطع للطريق جار عليه أحكام المحاربين، ولو كان واحداً.
واتفقوا: على أن كل من قتل من المحاربين وأخذ المال وجب إقامة الحد عليه، فإن عفا أولياء المقتول، والمأخوذ منهغير مؤثر في إسقاط الحد عنهم، وإن مات أحد منهم قبل القدرة عليه سقط عند الحد، إذ الحدود حق الله عز وجل، وطولب بحقوق الآدميين من الأنفس والأموال، والجراح إلا أن يفعو عنهم فيها.
الحنفية، والشافعية، والحنابلة رحمهم الله قالوا: إن حد قطاع الطريق على الترتيب المذكور في الآية الكريمة. فإذا خرج جماعة ممتنعين، أو واحد يقدر على الامتناع فقصواد قطع الطريق، فأخذوا قبل أن يأخذوا مالاً، ويقتلوا نفساً، حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبة وهو النفي في الأرض، وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعداً، أو ما تبلغ قيمته ذلك، قطع الإمام أيديهم، وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلهم الإمام حداً فلا يسقط القتل بعفو الأولياء، ويسمى قطاع الطريق محاربين، لأن المال في البراري محفوظ بحفظ الله تعالى، فإذا أخذوه على سبيل المغالبة، كان في صورة المحارب، وإذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقتلهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم، وإن
(5/360)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
شاء صلبهم، لأنها عقوبة واحد. فغلظت بتغلظ سببها، وهو تفويت الأمن على النتاهي بالقتل وأخذ المال فالمراد بالآية التوزيع على الأحوال الأربعة.
المالكية رحمهم الله تعالى قالوا: المحارب هو قاطع الطريق لمنع سلوك، ولو لم يقصد أخذ مال المارين بل قصد مجرد منع الانتفاع بالمرور فيها أو قصد أخذ مال محترم من مسلم أو ذمي، أو معاهد، ولو لم يبلغ نصاباً، أو قصد هتك الحريم، على حال يتعذر معه الإغاثة والتخلص، فيشمل جباربة الظلمة من الحكام الذين يسلبون أموال الناس ولا يفيد فيهم الاستغاثة بالعلماء ولا بغيرهم، فهم محاربون، ولا يشترط تعد د المحارب، بل يعد محارباً ولو انفرد ببلد وقصد أذية بعض الناس، ولا يشترط قصد عموم الناس، ومذهب عقل كمسقي نحو الحشيشة، أو الداتورة، لأجل أخذ المال قهراً وظلماً، ومخادع مميز لأخذ ما معه، فإنه محارب سواء كان المميز صغيراً، أو بالغاً، خدعة وأدخله موضعاً، وأخذا ماله، ولو لم يقتله، وداخل زقاق، أو دار ليلاً أو نهاراً لأخذ مال بقتلا على وجه يتعذر معه الإغاثة والإعانة فقاتل حتى أخذه فهو محارب.
ويقاتل المحارب بعد المناشدة، إذا لم يعادل المحارب بالقتال، ويتعين قتل المحارب إن قتل سواء مكافئاً كمسلم حر، أو كافراً، أو رقيقاً، فيقتل المحارب بلا صلب، أو مع صلب، ولا يجوز قطعه، ولا نفيه، وليس لولي الدم فعو عنه قبل مجيئه تائباً، وإن لم يقتل المحارب أحداً وقدر عليه فيخير الإمام في أمور أربعة النوع الأول: القتل، والثاني الصلب والقتل، وهو مصلوب، الحد الثالث: قطع يمينه من الكوع، وجله اليسرى من المفصل، ولو خلف عليه الموت، فإن كان مقطوع اليد اليمنى أو أشلها قطعت يده اليسرى وجله اليمنى، وإن كان مقطوع الرجل اليسرى، قطعت يده اليسرى وجله اليمنى، فإن لم يكن له إلا يد أو رجل قطعت، فإن كان له يدان فقط أو رجلان قطعت اليمنى فقط أو الرجل اليسرى، والحد الرابع نفي الذكر الحر إلى مثل فدك وخيبر، ويحبس للأقصى من السنة وظهور التوبة، ويضرب قبل النفي اجتهادا بحسب ما يراه الحاكم اردع لهم ولأمثالهم.
أما المرأة المحاربة فلا تصلب، ولا تنفى، وإنما حدها القتل، أو القطع من خلاف.
وأما حد الرقيق المحارب فهو القتل، أو الصلب والقتل، أو قطع يد، ورجل، ولا ينفى.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: قطع الطريق: هو البوز لأخذ مال، أو القتل، أو إرعاب، كابرة اعتماداً على الشوكة مع البعد عن الغوث، وسمي بذلك، لامتناع الناس من سلوك الطريق خوفاً منه، وسواء كان معه سلاح أولا، إن كان له قوة يغلب بها الجماعة، ولو باللكز والضرب بجمع الكف، وقيل لا بد من آلة للقتال. فإذا أخذوا قبل أن يقتلوا نفساص، أو يأخذوا مالاً، أو يهتكوا عرضاص، وجب على الإمام تعزيرهم بحبس وغيره لارتكابهم معصية وهي الحرابة لا حد فيها ولا كفارة، وهذا تفسير النفي في الآية الكريمة، والأمر في مجنس هذا التعزير راجع إلى الإمام، فيجوز له الجمع بين الضرب والحبس وغيره، وله تركه إن رآه مصلحة، ولا يقدر الحبس بمدة: بل يستدام حتى تظهر توبته، وقيل: يقدر حبسه بستة أشهر ينقص منها شيئاً لئلا يزيد على تغريب العبد في الزنا، وقيل: يقدر بسنة ينقص منها
(5/361)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
شيئاً لئلا يزيد على تغريب الحر في الزنا، والحبس في غير موضعه أولى لأنه أحوط، وأبلغ في الزجر، ويطلبون إذا هربوا ليقام عليهم.
الحنابلة في أحد روايتيهم قالوا: إن أخذوا قبل أن يقتلوا نفسا، أو يأخذوا مالاً نفوا في الأرض، وصفته أن لا يتركوا يأوون في بلد، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا نفساً، قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم يخلون، فيقطع اليد اليمنى لأخذ المال، ويقطع الرجل اليسرى للحرابة وقطع الطريق وإخافة الآمنين، والخروج على غفمام. وإن قتلوا وأخذوا المال، وجب قتلهم حتماص، وصلبهم حتماً، وإن قتلوا النفس، ولم يأخذوا مالاً وجب قتلهم حتماً، ويكون الصلب بعد القتل، ولا يشترط في مدة الصلب ثلاثة أيام، بل ما يقطع عليه الاسم، فيصلب قليلاً ثم يترك، لأن الصلب شرع عقوبة له، ولا ينكس في الصلب.
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: يشترط في قطاع الطريق لتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أن يأخذوا مالاً ويصيب كل واحد منهم مقدار نصاب حد السرقة، وهو دينار أو عشرة دراهم، أو قيمة أحدهما، عند الحنفية، وربع دينار، أو ثلاثة دراهم عند الحنابلة، والشافعية، قياساًعلى قطع السرقة.
المالكية قالوا: لا يشترط سرقة مقدرا النصاب في قطع الطريق بل يقام الحد عليهم لو سرقوا أقل من النصاب، وذلك لانضمام المحاربة إلى أخذ المال، فكان التغليظ عليهم من جهة قطع الطريق لا من النصاب.
اجتماع المحاربين
الحنفية، والمالكية، والحنابلة قالوا: لو اجتمع محاربون فباشر بعضهم القتل والخذ، وكان بعضهم ردءاً كان للردء حكم المحاربي في جميع الأحوال، وذلك للاكتفاء وجود المحاربة سواء باشر بعضهم القتل أو لم يباشره، فيقام الحد عليهم جميعاً، لأنه جزاء المحاربة وهي تتحقق بأن يكون البعض معاوناً للبعض حتى إذا زلت أقدامهم انحازوا إليهم، وإنما الشرط القتل من واحد منهم وقد تحقق، والقتل إن كان بعصاً، أو بحجر، أو بسيف فهو سواء، لأنه يقع قطعاً للطريق بقطع المارة.
وقد روي أنه حدث في زمن الوليد بن عقبة وهو وال على الكوفة أن شباباً من شباب الكوفة ثقبوا على رجل منها داره وقتلوه، وكان له جار قد أشرف على الحادث ورآه فاستصرخ الشرطة الشرطة فجاؤوا وقبضوا عليهم، فحوكموا وثبتت عليهم جريمة القتل، فقتلوا جميعاً.
الشافعية - قالوا: ومن أعان قطاع الطريق، وكثر جمعهم، ولم يزد على ذلك، بأن لم يأخذ مالاً مقدار نصاب، ولم يقتل نفساً، عزره الإمام بحبس، أو تغريب وغيرهما كسائر المعاصي، وقد ورد في الخبر (من كثر سواد قوم فهو منهم) فللإمام لأن عقوبته في الآية النفي.
(5/362)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن حكم من قطع الطريق داخل المصر، كمن قطع الطريق خارجها على حد سواء، لأن محاربة شرع الله تعالى، وتعدي حدوده لا يختلف تحريمها بكونها خارج المصر أو داخله كسائر المعاصي.
الحنفية قالوا: لا يثبت حكم قاطع الطريق إلا أن يكون خارج المسر، لأن قطع الطريق خارج المصر هو المشهور المتبادر إلى الأذهان، لعدم وجود من يغيثه ويخلصه من قاطع الطريق عادة، بخلاف من قطع الطريق في المصر فإن الناس يغيثونه كثيراً، فكان بالغصب أشبه، فيجب عليه التعزير بما يراه الإمام رادعاً له وزاجراً، ويرد ما أخذه من المال إلى مستحقه، إيصالاً للحق إلى صاحبه، ويؤذبون ويحسبون لا رتكابهم جناية القطع ولو قتلوا فالأمر فيه إلى أولياء الدم.
إذا جرح القاطع غيره
الحنفية قالوا: إذا لم يقتل القاطع، ولم ياخذ مالاً وقد جرح غيره اقتص منه فيما فيه القصاص، وأخذ الأرش منه فيما فيه الأرش، وذلك إلى الأولياء، لأنه لا حد في هذه الجناية، فظهر حق العبد وهو ما ذكروه، فيستوفيه الولي.
وإن أخذ ما تاب، وقد قتل عمداً، فإن شاء الولياء قتلوه، وإن شاؤوا عفوا عنه. لأن الحد في هذه الجناية لا يقام بعد التوبة، للاستثناء المذكور في النص بقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} الآية. ولأن التوبة تتوقف على رد المال، ولا قطع في مثله، فظهر حق العبد في النفس والمال، حتى يستوفي الولي القصاص، أو يعفو.
الشافعية - قالوا: إن قتل القاطع يغلب فيه معهى القصاص لأنه حق آدمي، لأن الأصل فيما اجتمع فيه حق آدمين وحق لله تعالى يغلب فيه حق الآدمي، لبنأئه على الضيق.
وقيل: معنى الحد في القاطع، وهو حق الله تعالى لأنه لا يصح العفو عنه، ويستوفيه الإمام بدون طلب الولي، فعلى الأول لا يقتل والد بولده الذي قتله في قطع الطريق، ولا ذمي إذا كان هو مسلماص، ولا نحو ذلك ممن لا يكافئه كعبد، والقاطع حر، لعدم المكافأة، وتجب الدية، أو القيمة وعلى الثاني يقتل إلا أن يكون المقتول غير معصوم الدم كمرتد وزان محصن، فإنه لا يقتل.
ولو مات القاطع من غيرقتله قصاصاً فدية على الأول تؤخذ من تركته في قتل حر، وقيمته في قتل عبد. وعلى الثاني، لا شيء، ولو قتل جمعاً، معاً، قتل بواحد منهم بالقرعة، وللباقين ديات على الأول كالقصاص وعلى الثاني يقتل بهم أما إذا قتلهم مرتباً فإنه يقتل حتماً بأولهم.
ولو عفا عن القصاص ولي المقتول بمال صح العفو على الأول، ووجب المال وسقط القصاص عنه، ويقتل بعد ذلك حداً، كما لو وجب القصاص على مرتد فعفا عنه الولي وعلى الثاني فالعفو لغو
(5/363)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
لا يعمل به. ولو قتل القاتل شخصاً بمثقل أو بقطع عضو أو بغير ذلك فعل به مثله على الأول، وعلى الثاني يقتل بالسيف كالمرتد.
ولو جرح قاطع الطريق شخصاً جرحاً يوجب قصاصاً كقطع يد، فاندمل الجرح لم يتحتم على القاطع قصاص في ذلك الطرف المجروح في الظهر، بل يتخير المجروح بين القصاص والعفو، لأن التحتم تغليظ لحق الله تعالى اختص بالنفس كالكفارة، ولأن الله تعالى لم يذكر الجرح في الآية، فكان باقياً على اصله في غير الحرابة والثاني يتحتم كالنفس والثالث يتحتم في اليدين والرجلين لأنهما مما يستحقان في المحاربة.
قالوا: تسقط عقوبات تخص القاطع من تحتم القتل والصلب وقطع الرجل، وكذا اليد في الأصح. بتوبته قبل القدرة عليه لقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} الآية.
أما بعد القدرة فلا تسقط تلك العقوبات عنه بالتوبة منها لمفهوم الآية. وإلا لما كان للتخصيص بقوله من قبل فائدة، والفرق من جهة المعنى أنه بعد القدرة منهم لدفع قصد الحد، بخلاف ما قبلها فغنها بعيدة عن التهمة قريبة من الحقيقة.
المالكية قالوا: يجب إن يدفع ما بايدي المحاربين لمدعيه حيث وصفه كاللقطة بعد ألاستيفاء بيمين من المدعي لذلك الشيء، أو ببينة رجلين من رفقة المأخوذ منه، وكذلك برجل وامرأتين، فمن قدر عليه اخذ جميع ما سلبه هو واصحابه، ولو لم يأخذ منه شيئاً كالبغاء والغاصب، ولا يؤمن المحارب أن سأل الآمان من الإمام.
ويسقط حد قاطع الطريق إذا جاء المحارب إلى الإمام، أو نائبه طائعاًتائباً قبل القدرة عليه، إذا كان لم يقتل أحداً، وإلا وجب قتله قصاصاً، إذا لم يعف ولي الدم، وإن عفا سقط القصاص، ولا يسقط حد الزنا، والقذف، والشراب، والقتل إذا تاب بعدها، بل يقام عليه الحد.
ولا يسقط حكم المحارب إذا تاب بعد القدرة عليه، كما لا يسقط الضمان بإتيانه طائعاً مطلقاً، ولا يترك المحارب ما هو عليه من الحرابة، ولو لم يأت الإمام.
الحنفية قالوا: إن ضرب التعزير يكون أشد من ضرب حد الزنا، وضرب حد الزنا، يكون أشد من ضرب حد شارب الخمر، وضرب شارب الخمر يكون اشد من حد القذف، وحد القذف أخف من جميع الحدود، لأن جريمة حد القذف غير متيقن بها، لأن القذف خبر يحتمل الصدق والكذب، وقد يعجز عن إقامة أربعة من الشهداء مع صدقة في قوله، وإنما كان ضرب التعزير أشد من جميع الحدود، لأن المقصود به الزجر، وقد دخله التخفيف، من حيث نقصان العدد، فلو قلنا: يخفف الضرب أيضاً لفات ما هو المقصود من إقامة الحد لأن الألم يخلص إليه لا ينزجر، ولهذا قالوا: يجرد في التعزير عن ثيابه إلا ما يستر عورته، مثل الإزار الواحد.
إذا كان مع قاطع الطريق امرأة
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إذا كان مع قطاع الطريق امرأة فوافقتهم في القتل وأخذ المال قتلت حداً، وكذلك الصبين وذو الرحم، وغيره، لأن ذلك حق الله تعالى فيقتل حداً.
الحنفية قالوا: إذ كان من قطاع الطريف امرأة فإنها تقتل قصاصاً وتضمن، وإذا كان معهم صبي أو مجنون، أو ذو رحم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين لأنه جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجباً كان فعل الباقين بعض العلة وبه لا يثبت الحكم فصار كالخاطئ مع العامد، وأما ذو الرحم المحرم فقد قيل: تأويله إذا كان المال مشتركاً بين المقطوع عليهم، والأصح أنه مطلق لأن الجناية واحدة.
(5/364)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الحنابلة، الحنفية قالوا: إنه لو زنى رجل، وشرب الخمر، وسرق، ووجب عليه القتل، في المحاربة أو غيرها، قتل ولم يقطع ولم يجلد، ولا يستوفى باقي الحدود.
الشافعية - قالوا: يجب أن تستوفي جميعها من غير تداخل على الإطلاق، لأن كل واحد يجب فيه الحد الذي شرع له.
الصلاة على قاطع الطريق
الحنفية، والشافعية قالوا: تجوز الصلاة عليه بعد القتل، وإذا صلب وقتل يصلى عليه خلف الخشبة.
وقال بعضهم لا يصلى عليه تنكيلاً به وقالوا: لا يبقى على الخشبة أكثر من ثلاثة أيام حتى لا يؤذي الناس بريحه.
قبول شهادة من تاب
المالكية، والشافعية قالوا: إن من تاب من المحاربة ولم يظهر عليه صلاح العمل، لا تقبل شهادته حتى يظهر صلاح العمل، للأخذ بالاحتياط لأموال الناس وأبضاعهم، فإن من لم يظهر عليه صلاح العمل بعد التوبة، كانه لم يتبن فلا يخرجه عن التهمة في شهادته إلا اصلاح العمل، والمشي على طريق كل المؤمنين قال تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} وقال تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} ونحوهما من الآيات.
الحنفية، والحنابلة قالوا: تقبل شهادة من تاب من المحاربين، وإن لم يظهر عليه صلاح العمل، لأن رد الشهادة ليس من تمام الحد، وإنما هو للفسق وقد ارتفع بالتوبة. وللعمل بظاهر الأحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (واتبع السيئة الحسنة تمحها) فشرط في محوها اتباع الحسنة لها.
إذا قتل المحارب من لا يكافئه
الحنفية، والحنابلة قالوا: إن المحارب إذا كان في المحاربة من لا يكافئه في الدين كالكافر:
والعبد، والولد، وعبد نفسه فقتله في حالة الإغارة وقطع الطريق، فلا يقتل به بعد القبض عليه، بل تجب الدية لأولياء الدم أو قيمة العبد، لأن القصاص سقط عنه.
المالكية، والشافعية في إحدى روايتهم قالوا: إن المحارب يقتل إذا قتل من لا يكافئة، أو قتل ولده، أو قتل عبداً، ولو عبد نفسه، والله تعالى أعلم.
اجتماع عقوبات في غير قاطع الطريق
الشافعية - قالوا: من لزمه قصاص في نفس، وقطع لطرف آدمي، وحد قذف لآخرن وطالبوه بذلك جلد اولاً للقذف، ثم قطع لقصاص الطرف، ثم قتل لقصاص النفس، لأن ذلك أقرب إلى
(5/365)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
استيفاء الجميع، فإن اجتمع مع ذلك تعزير لآدمي بدئ به، ويبادر بقتله بعد قطعه، لا قطعه بعد جلده إن غاب مستحق قتله جزماً، وكذا إن حضر وقال: عجلوا القطع وانا أبادر بالقتل بعده، ولو أخر مستحق النفس حقه جلد للقذف اولاًن فإذا برئ قطع للطرف، ولو أخر متسحق طرف حقه جلد، ووجب على مستحق القصاص الصبر بحقه حتى يستوفى الطرف، فإن بادرفقتله فلمستحق الطرف دية في تركة المقتول، ولو أخر مستحق الجلد فالقياس صبر الآخرين.
ولو اجتمعت حدود الله تعالى قدم وجوباً الأخف فالأخف، أو اجتمعت عقوبات لله تعالى والآدميين قدم حد قذف على زنا، والأصح تقديمه على حد شرب، وإن القصاص قتلاً وقطعاً يعدم على حد الزنا، ولو اجتمع قتل قصاص في غير محاربة، وقتل محاربة، قدم السابق منهما، ورجع الآخر إلى الدية، ومن زنى مرات، أو سرقن أو شرب كذلك، أجزأه عن كل جنس حد واحد.
مبحث شروط الإمامة
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على: أن الإمامة فرض، وأنه لا بد للمسليمن من إمام يقيم شعائر الدين وينصف المظلومين من الظالمين وعلى أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان، ولا مفترقان، وعلى أن الأئمة من قريش، وأنه يجوز للإمام أن يستخلف.
واتفقوا: على أن الإمام يشترط فيه: أولاً أن يكون مسلماً، ليراعي مصلحة الإسلام والمسلمين، فلا تصح تولية كافر على المسلمين.
ثانياً - أن يكون مكلفاً ليلي أمر الناس، فلا تصح إمامة صبي، ولا مجنون بالإجماع، وقد ورد في الحديث الشريف (نعوذ بالله من إمارة الصبيان) رواه الإمام أحمد رحمه الله.
ثالثاً - أن يكون حراً، ليفرغ للخدمة، ويهاب بخلاف العبد حيث أنه مشغول بخدمة سيده، ولا هيبة له وأما ما رواه الإمام مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم من قوله: (اسمعوا، وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي) فمحمول على غير الإمامة العظمى.
رابعاً - أن يكون الإمام: ذاكراً ليتفرغ ويتمكن من مخالكة الرجال، فلا يصح ولاية امرأة، لما ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ولا تصح ولاية خنثى.
خامساً - أن يكون: قرشياً، لما رواه النسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش) وبه أخذ الصحابة رضوان الله عليهم، ومن جاء بعدهم، إذا وجد قرشي جامع لشروط، فإن عدم فمنتسب إلى كنانة، فإن عدم، فرجل من ولد سيدنا إسماعيل صلى الله عليه وسلم، فإن لم يوجد، فرجل من جرهم، فإن عدم فرجل من ولد إسحاق، ولا يشترط فيه كونه هاشمياً باتفاق فإن الصديق، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهم لم يكونوا من بني هاشم.
(5/366)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
سادساً - أن يكون، عدلاً قال الشيخ عز الدين: إذا تعذرت العدالة في الأئمة والحكام قدمنا أقلهم فسقاً.
سابعاً - أن يكون: عالماً، مجتهداً، ليعرف الأحكام، ويتفقه في الدين، فيعلم الناس، ولا يحتاج إلى استفتاء غيره.
ثامناً - أن يكون: شجاعاً، وهي قوة القلب عند البأس، لينفرد بنفسه، ويدبر الجيوش، ويقهر الأعداء، ويفتح الحصون، ويفق أما أحداث الأيام، وما يحجث له من فتن، وما يجد في عهده من أزمات.
تاسعاً - أن يكون: ذا رأي صائب، حتى يتمكن من سياسة الرعية، وتدبير المصالح الدنيوية.
عاشراً - أن يكون: سليم السمع، والبصر، والنكق، ليتأتى منه فصل الأمور، ومباشرة أحوال الرعية.
واتفق الأئمة - على أن الإمامة تنعقد ببيعة أهل الحل والعقد من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس، الذين يتيسر اجتماعهم من غير شرط عدد محدد، ويشترط في المبايعين للإمام صفة الشهود من عدالة وغيرها، وكذلك تنعقد الإمامة، باستخلاف الإمام شخصاً عينه في حياته ليكون خليفته على المسلمين بعده، كما عهد سيدنا أبو بكر إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده من الدنيا، وأول عهده بالآخرة، في الحالة التي يؤمن فيها لكافر، ويتقي فيها الفاجر، غني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذاك علمي به وعلمي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) وانعقد إجماع الأمة على جوازه.
حكم الخارجين على الإمام
واتفق الأئمة على: أن الإمام الكامل تجب طاعته في كل ما يأمر به، ما لم يكن معصية. وعلى أن أحكام الإمام، وأحكام نائبه، ومن ولاه، نافذة، وعلى أنه إذا خرج على إمام المسلمين أو عن طاعته طائفة ذات شوكة، وإن كان لهم تأويل مشتبه ومطاع فيهم، فإنه يباح للإمام قتالهم حتى يفيثوا إلى أمر الله تعالى، فإن فاؤوا كف عنهم.
والأصل في جواز قتالهم قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما} الآية 9 من سورة الحجرات، وإن لم يذكرفيها الخوج على الإمام، لكنها تشمله لعمومها، أو تقتضيه، لأنه إذا طلب القتال لبغي طائفة على طائفة، فللبغي على الإمام أولى، والإجماع منعقد على جواز قتال البغاة من غير مخالف، وللأحاديث الواردة في ذلك.
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: أخذت السيرة في قتال المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي
(5/367)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
قتال المرتدين، من أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وفي قتال البغاة من الإمام على رضي الله تعالى عنه.
وتحصل مخالفة غلامام بأحد أمرين، إما بخروج عليه نفسه، وإما بسبب ترك الانقياد له، أو لا، بهذين المرين، بل بخروج عن طاعته بسبب منع حق مالي لله تعالى، أو حق لآمي كقصاص، أو حد توجه عليهم، لأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قاتل مانعي الزكاة، بسبب منعهم إخراج الزكاة، ولم يخرجوا عليه، وإنما منعوا الحق المتوجه عليهم.
قالوا: وإنما يكون مخالفو الإمام بغاة بشرط حصول شوكة لهم، بكثرة أو قوة، بحيث يمكن مقاومة الإمام، ويشترط تأويل يعقتدون به جواز الخروج عليه، أو منع الحق المتوجه عليهم.
ويشترط، أن يكون لهم مطاع فيهم، يحصل به قوة لشوكتهم، وإن لم يكن إماماً منصوباً، لأن الامام علي رضي الله تعالى عنه، قالتل أهل الجمل، ولا إمام لهم، وقالتل أهل صفين قبل نصب إمامهم.
الحنفية قالوا: إن الخارجين عن طاعة الإمام الحق أربعة اصناف.
أحدها الخارجون بلا تأويل، بمنعة وبلا منعة، يأخذون أموال الناس، ويقتلونهم ويخيفون الطريق وهم قطاع الطريق.
الثاني قوم كذلك، إلا أنهم لا منعة لهم، لكن لهم تأويل فحكمهم حكم قطاع الطريق، إن قتلوا قتلوا ... الخ.
الثالث قوم لهم منعة وحمية خرجوا عليه بتأويل يرون أنه على باطل كفر، أو معصية توجب قتالهم بتأويلهم، وهؤلاء يسمون بالخوارج، يستحلون دماء المسلمين، وأموالهم، ويسبون نساءهم، ويكفرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكمهم عند جمهور الفقهاء، وجمهور أهل الحديث حكم البغاة.
المالكية قالوا: يستتابون فإن تابوا، وإلا قتلوا دفعاً لفسادهم، لا لكفرهم، لأنهم فسقة، وليسوا كفاراًفي الراجح من قول العلماء المجتهدين، وذهب بعض أهل الحديث إلى أنهم مرتدون، لهم حكم المرتدين.
الرابع قوم مسلمون خرجوا على الإمام العدل، ولم يستبيحوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين وسبي ذراريهم وهم البغاة. لأنهم غنما خالفوا بتأويل جائز باعتقادهم لكنهم مخطئون فيه، فهم فسقة والأحاديث الواردة فيما يقتضي ذمهم كحديث (من حمل علينا السلاح فليس منا) وحديث (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية) فهو من خرج بلا تأويل.
قالوا: لو أظهر قوم رأي الخوراج المبتدعة الذين يكفرون من ارتكب كبيرة، ويطعنون بذلك على الأئمة، ولا يحضرون معهم الجمعة، والجماعة. فهؤلاء يتركون، ولا نكفرهم ولا نتعرض لهم، إذا لم
(5/368)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يخرجوا عن طاعة الإمام، ولم يقاتلوا أحداً، لأن اعتقاد الخوراج أن من أتى كبيرة كفر وحبط عمله، وخلد في النار، وإن جار الإمام صارت بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة، فطعنوا في الأئمة، لأن الإمام على كرم الله وجهه سمع رجلاً من الخوارج في المسجد يقول: لا حكم إلا لله وسلوه، وعرض بتخطئته في الحكم. فقال: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساحجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال. فجعل حكمهم حكم أهل العدل، فإن قاتلونا فحكمهم إن لم نكفرهم كحكم قطاع طريق، فإن قتلوا أحداً ممن يكافئهم أقتص منهم كغيرهم.
المالكية قالوا: يمتاز قتال البغاة عن قتال الكفار بأحد عشر وجهاً.
-1 - أن يقصد الإمام بالقتال ردعهم، لا قتلهم.
-2 - وأن يكف عن مدبرهم.
-3 - ولا يجهز على جريحهم.
-4 - ولا تقتل أسراهم.
-5 - ولا تغنم أموالهم.
-6 - ولا تسبى ذراريهم.
-7 - ولا يتعان عليهم بمشرك.
-8 - ولا يوادعهم على مال.
-9 - ولا تنصب عليهم الردعات
-10 - ولا تحرق مساكنهم
-11 - ولا يقطع شجرهم
قالوا: لو خرج جماعة على الإمام ومنعوا حقاً لله أو لآدمي، أو ابوا طاعته يرديون عزله لو كان جائراً، إذ لا يجوز عزل الإمام بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وعظه على من له قدرة من المسلمين.
فيجب على الإمام أن ينذر هؤلاء البغاة، ويدعوهم لطاعته، فإن هم عادوا إلى الجماعة تركهم وإن لم يجوز عزل الإمام بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وعظه على لم يطيعوا أمره قالتهم بالسيف، والرمح، والنبل، والتفريق، وقطع الميرة والماء عنهم، ورميهم بالأحجار والنار إذا لم يكن فيهم نسوة وذرية، وحرم سبي ذراريهم لانهم مسلمون، وحرم إتلاف أموالهم وأخذه بدون احتياج له، وحرم رفع رؤوسهم بعد قتلهم لأنه مثلة بالمسلمين، ويستعان على قتالهم بما لهم من سلاح وخيل، إن احتيج للاستعانة به عليهم، وبعد الاستغناء عنه يرد إليهم كغيره من الأموال، فإن حصل الأمان للإمام بالظهور عليهم تركوا، ولا يسترقوا، ولا يجهز على جريحهم، ولا يتبع منهزمهم، فإن لم يؤمنوا أجهز على جريحهم واتبع منهزمهم جوازاً، وكره قتل جده أو ابنه، إن قتله ورثه، وإن كان عمداً، لكنه غير عدوان. والمرأة أن قالتلت بسلاح قتلت، وإلا فلا.
الحنفية قالوا: إذا تغلب قوم من المسلمين على بلد، وخرجوا عن طاعة الإمام يستحب للإمام أن يدعوهم إلى العود إلى الجماعة، ويكشف عن شبهتهم التي أوجبت خورجهم، لأن الإمام علياً رضي الله عنه فعل ذلك بأهل حرورا، وليس ذلك بواجب بل مستحب، لأنهم كمن بلغتهم الدعوة الإسلامية لا تجب دعوتهم ثانياً.
(5/369)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
وقالوا: ولا يبدأ بقتال البغاة حتى يبدؤوه قاتلهم حتى يفرق جمعهم. وقيل: يجوز لنا أن نبدأ بقتالهم إذا تعسكروا، واجتمعوا، لأن الحكم يدار على الدليل وهو الاجتماع على قصد القتال، والامتناع عن طاعته. لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع لتقوى شوكتهم وتكثر جمعهم خصوصاً والفتنة يسرع أليها أهل الفساد، وهم الأكثر، فيدار على الدليل ضرورة لدفع شرهم، ويحدثوا توبة، دفعاً للشر، بقدر الإمكان، والمروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه، من لزوم البيت من قوله: الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة، ويقعد في بيته لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من فر من الفتنة أعتق الله رقبته من النار) وقال صلى الله عليه وسلم لواحد من الصحابة: (كن حلساً من أحلاس بيتك) رواه عنه الحسن بن زياد، فهو محمول على ما إذا لم يكن لهم إمام، وما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قعدوا في الفتنة، محمول على أنه لم يكن لهم قدرة، ولاغناء، أما إعانة الإمام العادل الحق، فمن الواجب عند الغناء والقدرةز لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} الآية.
قالوا: فإن كانت لهم فئة أجهز على جريحهم، واتبع موليهم، دفعاً لشرهم، كي لا يلحقوا بهم. وإن لم يكن لهم فئة لهم يجهز على جريحهمن ولم يتبع موليهم، لاندفاع الشر بدون ذلك وهو المطلوب.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لا يجوز للإمام أن يبدأ بقتال أهل البغي حتى يبدؤوا هم بالقتال إذا تركوه بالتولية، والجراحة المعجزة عنه، لم يبق قتلهم دفعاً، ولما روى أبن أبي شيبة عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: (لاتتبعوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ومن القى سلاحه فهو آمن) واسند أيضاً (ولا يقتل أسير) ولا يقاتل الإمام البغاة حتى يبعث إليهم أميناً فطناً ناصحاً يسألهم ما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها، فإن اصروا نصحهم وخوفهم سوء عاقبة البغي ثم يعلمهم بالقتال.
حكم المال والأسرى
الحنفية، والمالكية قالوا: لا يجوز أن يسبى للبغاة ذرية، لآنهم مسلمون، ولا يقسم لهم مال لعدم الاستغنام فيها، لقول الإمام علي رضي الله عنه يوم الجمل: (ولا يقتل أسير، ولا يكشف ستر، ولا يؤخذ مال) وهو القدوة لنا في هذا الباب، ولأنهم مسلمون، والإسلام يعصم النفس، والمال، ولا بأس بأنيقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، لأن الإمام علياً رضي الله عنه قسم السلاح فيما
(5/370)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
بين أصحابه، بالبصرة، وكانت قسمته للحاجة، لا للتملك، ولآن للإمام أن يفعل ذلك في مال الرجل العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى، ن والمعنى فيه إلحاق الضرر الأدنى، لدفع الضرر الأعلى. ولما رواه الحاكم في المستدرك، والبزاز في مسنده من حديث كوثر بن حكيم، عن نافع، عن أبن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل تدري يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغي من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها) .
قال الإمام محمد: وبلغنا أن الإمام علياً رضي الله عنه، ألقى ما أصاب من عسكر أهل النهروان، في الرحبة، فمن عرف شيئاً أخذه، حتى كان آخره قدر حديد لإنسان، فأخذه.
وروى أبن أبي شيبة أن علياً كرم الله وجهه لما هزم طلحة واصحابه، أمر مناديه، فنادى أن لا يقتل مقبل ولا مدبر يعني بعد الهزيمة ولا يفتح باب، ولا يستحل فرج، ولامال.
وأما الأسير فللإمام الخيار فيه، فيحكم نظره فيما هو أحسن المرين في كسر الشوكة من قتله وحبسه، ويختلف ذلك بحسب الحال، لا بهوى النفس والتشفي.
وإذا أخذت المرأة من أهل البغي، وكانت تقاتل حبست، ولا تقتل إلا في حال مقاتلتها، دفعاً عن النفس، وإنما تحبس للمعصية ولمنعها من الشر والفتنة، لما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: وإياكم والنساء، وإن شتمن أعراضكم، وسببن امراءكم، ولقد رأيتنا في الجاهلية، وإن الرجل ليتناول المرأة بالجريدة، أو بالهراوة فيعبر بها هو وعقبه من بعده) .
الشافعية - قالوا: إذا طلب أهل البغي من الإمام الامهال اجتهد فيه، وفي عدمه، وفعل ما رآه صواباً، فإن ظهر أن استمالهم للتأمل في إزالة الشبهة أمهلهم ليتضه لهم الحق، وإن ظهر أنهم يحتالون لاجتماع عساكرهم لم يمهلهم، فإذا وقع القتال بينهم، فلا يجوز قتل مدبرهم، ولا من ألقى سلاحه، ولا جريحهم، ولا أسيرهم، إذا كان الإمام يرى رأياً فيهم لقوله تعالى {حتى تفيء} والفيء الرجوع عن القتال بالهزيمة، ولأن قتالهم شرع للدفع عن منع الطاعة، وقد زال، ويحبس أسيرهم ,إن كان صبياً، أو امرأة، أو عبداً، حتى تنقضي الحرب ويفرق جمعهم.
وقالوا: إذا انقضت الحرب يجب على الإمام أن يرد إلى البغاة سلاحهم، وخيلهم، وغيرها، ويحرم استعمال شيء من سلاحهم، وخيلهم، وغيرها من أموالهم إلا لضرورة، كما إذا خيف انهزام أهل العدل ولم يجدوا غير خيولهم، فيجوز لهم ركوبها، واستعمال أسلحتهم، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) ولا يقاتلون بشيء فظيع كالنار، والنجنيق إلا للضرورة، ولا يستعان عليهم بكافر، ولا بمن يرى قتلهم مدبرين.
الحنفية قالوا: ويحبس الإمام أموال البغاة فلا يردها عليهم، ولا يقسمها حتى يتوبوا، فيردها عليهم، أما عدم القسمة، فلأنها ليست غنائم، وأما الحبس فالدفع شرهم، بكسر شوكتهم، ولهذا
(5/371)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يحبسها عنهم، وإن كان لا يحتاج إليها، إلا أنه يبيع الكراع لأن حبس الثمن أنظر وأيسر، وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر، لم يأخذه الإمام ثانياً، لأنه لم يحمهم.
مبحث حكم المرتد - تعريف المرتد.
الردة - والعياذ بالله تعالى - كفر مسلم تقرر إسلامه بالشهادتين مختارا بعد الوقوف على الدعائم، والتزامه أحكام الإسلام ويكون ذلك بصريح القول كقوله: أشرك بالله، أو قول يقتضي الكفر، كقوله: إن الله جسم كالأجسام أو بفعل يستلزم الكفر لزماً بيناً كإلقاء مصحق، أو بعضه ولو كلمة، أو حرقه استخفافاً لا صوناً، أو علاجاً لمريض، ومثل إلقائه، وتركه في مكان قذر، ولو طاهراً كبساق أو تلطيخه به، نحو تقليب ورق بالبصاق، ومثل المصحق الحديث، وأسماء الله الحسنى، وكتب الحديث، وكذا كتب الفقه إذا كان علي وجه الاستخفاف بالشريعة الإسلامية، وأحكامها، أو تحقيرها، وكذا أسماء النبياء. وشد الزنار ميلا للكفر، أما لو لبسه لعباً فهو حرام. مع دخول الكنائس. أو سجوده لصنم.
وكذلك يكفر بتعلم السحر، والعمل به، لأنه كلام يعظم غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير، وكذلك يكفر بقوله: إن القالم قديم، وهو ما سوى الله تعالى، لأنه يستلزم عدم وجود الصانع أو يقول: إن العالم باق على الدوام فلا يفنى، لأنه يستلزم إنكار القيامة، ولو أعتقد حدوثه، وهو تكذيب للقرآن الكريم، وكذلك الشك في قدم العالم، أو بقائه، أو أنكر وجود الله تعالى، ويكفر كذلك من قال: بتناسخ الرواح، أي أن من مات تنتقل روحه إلى غيره، لأن فيه إنكار البعث، ويكفر إذا أنكر حكما أجمعت ألامة عليه كوجوب الصلاة، أو تحريم الزنا، أو إنكار الصوم، ويكفر إذا أنكر بقوله بجواز اكتساب النبوة، وتحصيلها بسبب الرياضة، لأنه يستلزم جواز وقوعها بعد النبي، أو سب نبي أجمعت الأمة على نبوته أو سب ملكاً من الملائكة يجمع على ملكيته، ويكفر أن عرض في كلامه بسب نبي، أو ملك، بأن قال عند ذكره، أما أنا فلست بزان أو بساحر، أو ألحق بنبي، أو ملك نقصاص، ولو ببدنه، كعرج وشلل، أو طعن في وفور علمه، إذ كل نبي أعلم أهل زمانه، وسيدهم صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق أجمعين، أو طعن في أخلاق نبي، او في دينه، ويكفر إذا ذكر الملائكة بالأوصاف القبيحة، أو طعن في وفور زهد نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال الأئمة: لا بد في إثبات الردة من شهادة رجلين عدلين، ولا بد من اتحاد المشهود به، فإذا شهدا بأنه كفر قال القاضي لهما باي شيء؟ فيقول الشاهد: يقول كذا، اويفعل كذا.
واتفق الأئمة الأربعة عليهم رحمه الله تعالى: على أن من ثبت ارتداده عن الإسلام والعياذ بالله وجب قتله، وأهدر دمه، وعلى أن قتل الزنديق واجب، وهو الذي يضمر الكفر ويتظاهر بالإسلام.
(5/372)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
استتابة المرتد
الحنفية قالوا: إذا ارتد المسلم عن الإسلام - والعياذ بالله تعالى - عرض عليه الإسلام فإن كانت له شبهة أبدها كشفت عنه، لأنه عساه اعترضته شبهة في الدين فتزاح عنه لأن فيه وقع شره بأحسن الأمرين، وهما القتل، والإسلام، إلا أن عرض الإسلام عليه مستحب، غير واجب، لأن الدعوة قد بلغته، وعرض الإسلام هو الدعوة إليه، ودعوة من بلغته الدعوة غير واجبة، بل هي مستحبة فإذا طلب الامهال، يستحب أن يؤجله القاضي ثلاثة ايام، ويحبس ثلاثة أيام فإن اسلم بعدها، وإلا قتل، لقول تعالى: {قاقتلوا المشركين} من غير قيد الامهال، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر التأجيل ولأن المرتد كافر حربي لا محالة، فليس بمستأمن لأنه لم يطلب الأمان، ولا ذمي لأنه ولم يذكر التأجيل ولأن المرتد كافر حربي لا محالة، فليس بمستأمن لأنه لم يطلب الأمان، ولا ذمي لأنه لم تقبل منه الجزية، فيجب قتله في الحال من غير استمهال، ولا يجوز تأخير الواجب لأمر موهوم، لأن دلائل الإسلام ظاهرة غير خفية، فإذا استمهل، فإن الإسلام حينئذ لا يكون موهوماً فيستحب تأخيره.
قالوا: لا قرق في وجوب قتل المرتدين كونه حراً، أو عبداً، لإطلاق الدلائل.
الشافعية - قالوا: إذا ارتد المسلم، والعياذ بالله تعالى فإنه يجب على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك، لأن ارتداد المسلم عن دينه يكون عن شبهة غالباً، فلا بد من مدة يمكنه التأمل فيها ليتبين له الحق، وقدرناها بثلاثة أيام، طلب ذلك، أو لم يطلب، وقصة سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم مع العبد الصالح: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} فلما كانت الثالثة قال له: {قد بلغت من لدني عذراً} .
وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رجلاً أتاه من قبل أبي موسى الشعري، فقال له: (هل من معربة خير؟ فقال: نعم، رجل ارتد عن الإسلام فقتلناه، فقال له: هلا حبستموه في بيت ثلاثة أيام، وأطعمتموه في كل يوم رغيفاً، لعله يتوب؟ ثم قال: اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض) أخرجه الإمام مالك رحمه اللهن في كتابه الموطأ فتبري سيدنا عمر من فعلهم يقتضي وجوب الإمهال ثلاثة أيام قبل موت المرتد، فإن تاب ونطق بالشهادتين أو كلمة التوحيد، خلي سبيله، وإن لم يتب وجب قتله بالسيف فوراً. ولا يؤخر كسائر الحدود، السابقة، لأن الردة أفحش الكفر وأغلظه حكماً، وهي محبطة للعمل إن اتصلت بالموت، قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} الآية وإن عاد إلى الإسلام لم يجب عليه أن يعيد حجه، لأن الردة أبطلت أعماله.
المالكية قالوا: يجب على الإمام أن يمهل المرتد ثلاثة أيام بلياليها، وابتداء الثلاثة، من يوم ثبوت الردة عليه، لا من يوم الكفر، ولا من يوم الرفع إلى الحاكم، ولا يلفق الثلاثة أيام، فيلغي يوم الثبوت إن سبق بالفجر، ويطعم في أيام الحبس، ويسقى، من ماله، ولا ينفق على ولده وزوجته منه،
(5/373)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فإن لم يكن له ماله، فينفق عليه من بيت المال، سواء وعج بالتوبة، أو لم يعد، ولا يعاقب في السجن بضرب، ولو أصر على عدم الرجوع، وإنما يستتاب المرتد وجوباً ذلك القدر، صوناً للدماء، ودرأ للحدود بالشبهات، ويعرض عليه الإسلام عدة مرات، وتزال الشبهة التي تعرش له، ويهمل للتفكير، عسى أن يرجع ويتوب في هذه المدة، فلو حكم القاضي بقتله قبل المدة، مضى حكمه، لأنه حكم بمختلف فيه، فإن تاب بعد الأيام الثلاثة تركن وإن أصر على الكفر قتل بغروب الثالث، ولا يغسل ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا في مقابر الكفارن لأنه ليس منهم حيث إسلامه، وإنما يلقى حتى يكون عبرة لغيره.
الحنابلة قالوا: في إحدى روايتيهم أنه يجب الاستتابة ثلاثة أيام مثل المالكيةن والشافعية. وفي رواية أخرى عنهم: إنه لا تجب الاستتابة، بل يعرض عليه الإسلام فإن قبل ترك وإلا يتحتم قتله حالاً.
حكم المرأة المرتدة.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن المرأة المرتدة حكمها حكم المرتد من الرجال فيجب أن تستتاب قبل قتلها ثلاثة أيام، ويعرض عليها الإسلام: لأن دمها كان محترماً بالإسلام، وربما عرضت لها شبهة من فاسق، فيسعى في إزالتها. وقد ثبت وجوب الاستتابة عن سيدنا عمر رضي الله عنه.
وروى الدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن امرأة يقال لها أم (رومان) ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم (أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت) لأنها بالردة اصبحت مثل الحربية، فيجوز قتلها حداً، بل إن ذنبها أشنع من الحربيات، حيث أنها سبق لها الإسلام. ولقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) وهي كلمة تعم الرجال والنساء، ولأن ردة الرجل مبيحة للقتل بالإجماع من أن الردة جناية متغلظة، فتناط بها عقوبة متغلظة، وردة المرأة تشاركها فيها، فتشاركها في موجبها، وهو القتل.
المالكية قالوا: إن المرأة المرتدة إذا كانت مرضعاً يؤخر قتلها لتمام رضاع طفلها، إن لم يوجد مرضع أو وجد، ولم يقبلها الولد، وتؤخر ذات الزوج، وكذلك المطلقة طلقة رجعية، أما البائن فإن ارتدت بعد حيض بعد طلاق فلا تؤخر، وإلا أخرت لحيضة، إن كانت من ذوات الحيض، ولو كانت عادتها في كل خمس سنين مرة، وإن كانت ممن لا تحيض لضعف وإياس مشكوك فيه استرئت ثلاثة أهر إن كانت ممن يتوقع حملها، وإن كانت ممن لا يتوقع حملها قتلت بعد الاستتابة، وإن لم يكن لها زوج لم تستبرأ.
الحنفية قالوا: إن المرأة المرتدة لا يجب قتلها، فإن قتلها رجل لم يضمن شيئاً حرة كانت أو عبدة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء، ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة، إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وإنما عدل عنه دفعاً لسر ناجز، وهو الحراب، ولا يتوجه ذلك من النساء لعدم صلاحية البنية بخلاف الرجال، فصارت المرتدة كالأصلية، وكل جزاء شرع في الدار ما هو إلا لمصالح تعود
(5/374)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
إلينا في هذه الدنيا، كالقصاص، وحد القذف، والشرب، والزنا، والسرقة، فشرعت لحفظ النفوس، والأعراض، والعقول، والأنساب، والأموال، فكذا يجب في القتل بالردة أن يكون لدفع شر حداً به، لا جزاء على فعل الكفر، لأن جزاءه أعظم من ذلك عند الله تعالى، فيختص لمن يأتي منه الحراب، وهو الرجل، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، وعلله بأنها لم تكن تقاتل، على ما صح من الحديث فيما تقدم.
وما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مرتدة، فقد قيل: إنه عليه الصلاة والسلام لم يقتلها بمجرد الردة، بل لأنها كانت ساحرة، شاعرة، تهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لها ثلاثون ابناً، وهي تحرضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتلها لهذه الأسباب. ولكن يجب حبسها أبداً حتى تسلم، أو تمت، وتضرب كل يوم تسعة وثلاثين سوطاً. وهذا قتل معنى، لأن موالاة الضرب تفضي إليه، وإنما يجب حبسها لأنها امتنعت عن إيفاء حق الله تعالى بعد الإقرار فتجبر على إيفاء بالحبس، كما في حقوق العباد.
وفي الجامع الصير: تجبر المرأة على الإسلام حرة كانت أو أمة، والأمة يجبرها مولاها، لما فيه من الجمع بين الحقين يعني حق الله تعالى، وحق السيد، ولا تسترق الحرة المرتدة ما دامت في دار الإسلام، وإنما تضرب كل يوم، مبالغة في الحمل على اعتناق الإسلام، وكسبها لورثتها لأنه لا حراب منها، ويرثها زوجها المسلم.
وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة، عن عاصيم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبن عباس رضي الله عنهم، قال: (لا تقتل النساء إذا هن ارتدن عن الإسلام، ولكن يحبسن. ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه) .
عن أبن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان (وفي بلاغات محمد قال: بلغنا عن أبن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا ارتدت المرأة عن الإسلام حبست) ومثل هذا لا يقال عن اجتهاد.
وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها) الخ الحديث.
وأخرج الدارقطني رحمه الله في صحيحه عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: المرتدة تستتاب ولا تقتل، وهذه أدلة على مذهب الحنفية الذين قالوا: إنه لا يجب قتلها بل تحبس وتضرب.
مبحث أملاك المرتد.
الحنفية قالوا: يزول ملك المرتد عن أمواله بردته زوالاً موقوفاً، إلى أن يتبين حاله، فإن أسلم عادت أمواله على حالها الأول، لأنه حربي مقهور تحت أيدينا حتى يقتل، ولا قتل إلا بالحراب، وهذا
(5/375)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
يوجب زوال ملكه ومالكيته غير أنه مدعو إلى الإسلام بالإجبار عليه، ويرجى عوده إليه، فتوقفنا في أمره، فإن أسلم جعل العارض كأن لم يكن في حق هذا الحكم، وصار كأن لم يزل مسلماص، ولم يعمل السبب، وإن مات أو قتل على ردته، أو لحق بدار الحرب، وحكم بلحاقه، استقر كفره، فيعمل السبب عمله ويزول ملكه، والإجماع على أنه إن عاد وماله قائم كان هو أحق به، ووجب أن يعمل بهما فيقول: بالردة يزول، ثم بالعود يعود شرعاً.
وقال الصاحبان: لا يزوال ملك المرتد عن أمواله، لأنه مكلف محتاج، فإلى أن يقتل يبقى ملكه، كالمحكوم عليه بارجم، والقصاص، لأن كلاً منهم مكلف مباح الدم.
قال الإمام أبو حنيفة: وإن مات أو قتل على ردته انتقل ما اكتسبه في إسلامه إلى ورثته المسلمين، وكان ما أكتسبه في حال ردته فيئاً لجماعة المسلمين، يوضع في بيت المال.
وقال الصاحبان: كلا الكسبين، يقسم على ورثة المسلمين، لأن ملكه في الكسبين، بعد الردة باق لأنه ملكف محتاج فينتقل بالموت إلى ورثته، ويستند إلى ما قبل ردته، إذ الردة سبب الموت، فيكون توريث المسلم من المسلم، ويجعل كأنه اكتسبه في حال الإسلام.
والمرتد إذا مات أو قتل على ردته ترثه امرأته المسلمة وهي في العدة، لأنه يصير فاراً، وإن كان صحيحاً وقت الردة، لأنها سبب الموت.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: إن ما اكتسبه المرتد في إسلامه، وما اكتسبه في حال ردته يكون فيئاً، لأنه مات كافراً، والمسلم لا يرث الكافر إجماعاً، ثم هو مال حربي لا أمان له، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فيكون فيئاً.
الشافعية - قالوا: في زوال ملك المرتد عن ماله الحاصل قبل الردة، أو فيها بالردة أقوال: أظهرها الوقوف كبضعزوجته سواء ألحق بدرا الحرب أم لا، فإن هلك مرتداً بأن زاوله بالردة فما ملكه فيء، وما تملكه من احتطاب، ونحوه باق على الإباحة، وإن أسلم بأن أنه لم يزل، لأن بطلان أعماله تتوفق على هلاكه على الردة، فكذا زوال ملك.
وقيل: يزول ملكه عن ماله بنفس الردة لزوال العصمة بردته فماله اولى.
وقيل: لا يزول ملكه بالردة، لأن الكفر لا ينافي الملك كالكافر الأصلي.
ويتفرع على هذه الأقوال أنه يقضي من مال المرتد دين لزمه قبلها بإتلاف أو غيره، لأنا إن قلنا ببقاء ملكه أو إنه موقوف فواضح، وإن قلنا بزواله فهي لا تزيد على الموت، والدين يقدم على حق الورثة، فكذا على حق الفيء اهـ.
حكم الزنديق.
المالكية، والحنابلة قالوا: ويجب قتل الزنديق بعد الاطلاع عليه بلا طلب توبة منه، وهو الذي يسر الكفر، ويظهر الإسلام، وهو الذي كان يسمى منافقاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله
(5/376)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
عليهم أجمعين، ولا بد من قتله وإن تاب، لكن إن تاب قتل حداً، لا كفراً، فيحكم له بالإسلام ويغسل، ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويترك أمره إلى الله عز وجل، أما إذا جاء قبل الاطلاع على أمره فلا يقتل، وله أحوال خمسة، ثلاثة يكون ماله لورثته، وهي ما إذا جاء تائباً، أو تاب بعد الاطلاع عليه، أو لم تثبت زندقته إلا بعد موته، وحالان يكون ماله فيها لبيت المال، وهي ما إذا اطلعنا عليه قبل الموت، وقتلناه بغير توبة، أو مات بغير توبة ومثله الذي سب نبياً أجمعت الأمة على نبوته، فإنه بدون اسابة، ولا تقبل توبته، ثم إن تاب قتل حداً، ولا يعذر الساب بجهل لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، ولا يعذر بسكر حرام، أو تهور، أو غيظ بل يقتل، والساب الكافر اصلاً إذا اعتنق الإسلام، ولو كان إسلامه خوفاً من القتل، فإنه لا يجب قتله، لأن الإسلام يجب ما قبله.
أما المسلم إذا ارتد بغير السب، ثم سب زمن الردة، ثم أسلم ثانية، فلا يسقط عنه قتل السب، لأنه حد من حدود الله تعالى وجب عليه.
وقيل: تقبل توبته إذا رجع إلى الإسلام كما هو مذهب الشافعي، حتى في سب الملائكة والأنبياء، والفرق بين سب الله تعالى فتقبل التوبة فيه، وبين سب الأنبياء، والملائكة فلا يقبل، أن الله تعالى لما كان منزهاً عن لحوق النقص له عقلاً قبل من العبد التوبة، بخلاف خواص عباده المؤنين به لأن استحاله النقص عليهم من اخبار الله تعالى، لا من ذواتهم فشدد فيهم، فردت توبته، ويقتل.
وأسقط الإسلام الثاني ما عليه من صلاة، وصوم، وزكاة، إن كانت عليه، فلا يطلب منه فعلها بعد رجوعه إلى الإسلام إلا أن يسلم قبل خروج وقت الصلاة، وذلك لقوله تعالى: {قل للذين كفروا أن يتنهوا يغفر لهم ما قد سلف} ويحبط ثواب عمله السابق بردته، لقوله تعالى: {لئن اشركت ليحبطن عملك} ويجب عليه الوضوء، لا الغسل إلا بموجب له، ويجب عليه إعادة الحج لبقاء وقته وهو العمر، ويسقط عنه النذر، وكفارة الايمان، وكذلك العتق والظهار، والطلاق، كأن قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم دخل الدار بعد ردته أو توبته، ويبطل إحصانه، أما الطلاق الذي صدر منه قبل الردة، فإذا طلق ثلاثاً ثم ارتد، ثم رجع للإسلام، فلا تحل له إلا بعد زوج، ما لم يرتدا معاً ثم يرجع للإسلام.
الحنفية، والشافعية قالوا: إن الزنديق إذا تاب. وأظهر الإسلام تقبل توبته، ويستتاب ولا يقتل، ويلحق بالكافر الأصلي إذا اعتنق الإسلام، فإنه يقبل منه، ويترك.
وفي قول للشافعية: أنه لا يصح إسلامه إن ارتد إلى كفرخفي، أو إلى كفر باطنية، وهم القائلون بأن للقرآن باطناً، وأنه الراد منه دون الظاهر، أو ارتد إلى دين يزعم أن محمداً مبعوث إلى العرب خاصة، أو ارتد إلى دين يقول: إن رسالة محمد حق لكنه لم يظهر بعد، أو إذا جحد فرضاً، أو تحريماً، فإنه لا يصح إسلامه، ويجب قتله حداً، وكذلك الفلاسفة الذين يزعمون أن الله خلق شيئاً ثم خلق منه شيئاً آخر يدير العالم، وسموا الأول العقل، والثاني النفس، فإنه كفر ظاهر، وكذلك الطبائعي القائل بنسبة الحياة والموت إلى الطبيعة، ومن قذف رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سبه، أو سب واحداً من الرسل
(5/377)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الكرام الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، أو كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته فإنه يقتل حداً، ولا يسقط عنه الحد بالتوبة.
وقيل: لا يقتل بعد التوبة: بل يجلد ثمانين جلدة، ن لأن الردة ارتفعت بإسلامه، وبقي الجلد عليه.
الحنفية قالوا: كل من أبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلبه كان مرتداً، فالسب بطريق أولى فيقتل حداً ولا تقبل توبته في إسقاط القتل عنه.
الحنفية، والمالكية قالوا: لا يجوز أن يسبى للبغاة ذرية، لآنهم مسلمون، ولا يقسم لهم مال لعدم الاستغنام فيها، لقول الإمام علي رضي الله عنه يوم الجمل: (ولا يقتل أسير، ولا يكشف ستر، ولا يؤخذ مال) وهو القدوة لنا في هذا الباب، ولأنهم مسلمون، والإسلام يعصم النفس، والمال، ولا بأس بأنيقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، لأن الإمام علياً رضي الله عنه قسم السلاح فيما بين أصحابه، بالبصرة، وكانت قسمته للحاجة، لا للتملك، ولآن للإمام أن يفعل ذلك في مال الرجل العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى، ن والمعنى فيه إلحاق الضرر الأدنى، لدفع الضرر الأعلى. ولما رواه الحاكم في المستدرك، والبزاز في مسنده من حديث كوثر بن حكيم، عن نافع، عن أبن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل تدري يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغي من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها) .
مبحث لحوق المرتد بدار الحرب.
الحنفية قالوا: إذا لحق المرتدر بدار الحرب، وحكم القاضي بلحاقه عتق مدبروه، وأمهات أولاده، وحلت الديون التي عليه، ونقل ما اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته من المسلمين، لأنه باللحاق صار من أهل الحرب، وهم أموات في حق أحكام الإسلام، لانقطاع ولاية الإلزام كما هي منقطعة عن الموتى، فصار كالموت إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بقضاء القاضي بذلك لاحتمال العود إلينا، فلا بد من القضاء، وإذا تقرر موته الحكمي ثبتت الحكام المتعلقة به، وهي ما ذكرناها من عتق مدبريه وغير ذلك كما يحصل في حالة الموت الحقيقي، ثم يعتبر كونه وارثاً عند لحاقه في قول الإمام محمد، لأن اللحاق هو السبب، والقضاء لتقرره يقطع الاحتمال.
وقال أبو يوسف: يعتبر كونه وارثاً وقت القضاء، لأنه يصير موتاً بحكم القضاء، والمرتدة إذا لحقت بدار الحرب فهي على هذا الخلاف المذكور في المذهب.
قالوا: وتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام مما اكتسبه من المال في حال الاسلام، وما لزمه في حقال ردته من الديون يقضى مما اكتسبه في حال ردته.
قالوا: وتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام، وإن لم يف بذلك يقضى من كسب الردة، لأن المستحق بالسببن مختلف، وحصول كل واحد من الكسبين باعتبار السبب الذي وجب به الدين، فيقضى كل دين من المكسب المكتسب في تلك الحلة، ليكون الغرم بالغنم وقيل. بل يبدأ بالقضاء من كسب الردة، لأن كسب الإسلام ملكه حتى يخلفه الوارث فيه، ومن شرط هذه الخلافة الفراغ عن حق المورث، فيقدم الدين عليه، أما كسب الردة، فليس ببملوك له لبطلان أهلية الملك بالردة. فلا يقضى منه، إلا إذا تعذر قضاؤه من محل آخر فينئذ يفضى منه كالذمي إذا مات ولا وارث له يكون ماله لبيت المال ولو كان عليه دين يقضى منه كذلك ههنا، وجه الثالث أن كسب الإسلام حق الورثة وكسب الردة خالص حقه، فكان قضاء الدين منه أولى، إلا إذا تعذر بأن لم يف به فيحنئذ يقضى من كسب الإسلام تقديماً لحقه.
(5/378)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أبو يوسف، ومحمد قالا: تقضى ديوان المرتد إذا لحق بدار من الكسبين، لانهما جيمعاً ملكه حتى يجري الأرث فيهما، والله أعلم.
الشافعية - قالوا: إن مال المرتد إذا الحق بدار الحرب موقوف. فتقضى منه الديون التي لزمته قبل الردة بإتلاف أو غيره، لأنا إن قلنا: ببقاء مكه، أو أنه موقوف فواضح، وإن قلنا: بزواله ملكه، فالرجة لا تزيد على الموت، والدين مقدم على حق الورثة، فكذا على حق الفيء وإذا مات على الردة وعليه دين وفي ثم إن بقي من ماله شيء بعد سداد ديونه صرف لبيت مال المسلمين.
قالوا: ويصير محجوراً على المرتد بعدم التصرف بنفس الردة، وقيل: يحجر عليه بحكم القاضي. ويكون الحجر عليه كحجر الفلس، وقيل كحجر السفه، وقيل: كحجر المرض، وينفق على المرتد زمن استتابته من ماله، وتجعل حاجته للنفقة كحاجة الميت إلى التجهيز بعد زوال الملك بالموت.
والأصح في المذهب أن المرتد يلزمه غرم إتلافه مال غيره في زمن الردة، حتى لو ارتد جمع من الناس واستعصوا على الإمام، وخرجوا عن طاعته، ولم يصل غليهم إلا بقتل وجها، فما اتلفوه من المال في أثناء القتال إذا أسلموا ضمنوه على الأظهر.
والأصح أنه يلزمه نفقة زوجات وقف نكاحهن، وكذلك نفقة قريب ملزم بالإنفاق عليه، لأنها حقوق متعلقة بالمرتد فيلتزم بها لقاء ملكيته.
وقيل: لا يلزمه شيء من النفقات، لأنه لامال له. لزوال مكليته على الأموال، وعلى القول بوقوف ملكه والحجر عليه: فإن تصرفه الواقع منه في وقت ردته إن احتمل الوقف لا يضره، وأما إذا كان التصرف لا يقبل الوقف، كالبيع والهبة، والرهن، والكتابة، ونحوها، مما لا يقبل الوقف، فتكون تصرفاته فيها باطلة، بناء على بطلان وقف العقود وفي القديم: هي موقوفة بناء على صحة وفق العقود، فإن أسلم حكم بصحتها، وإلا فلا.
وبناء على هذه الأقوال: فإنه يجب أن يجعل ماله عند رجل عدل يحفظه، وتجعل أمته عند امرأة ثقة، أو عند ردل يحل له الخلوة بها من المحارم احتياطاً، لتعلق حق المسلمين به. اهـ.
المالكية قالوا: إن الردة لا تسقط إحلال محلل. فإذا ارتد المحلل للمبتوتة فلا يبطل إلاحلاله بل تحل لمن بتها، بخلاف حل المرأة، فإنه يبطله ردتها، فإذا حللها شخص ثم ارتدت، ورجعت للإسلام. لا تحل لمن بتها حتى تنكح زوجها لأنها أبطلت النكاح الذي أحلها، كما أبطلت الي صيرها محصنة.
والعتق غير المعلق بجميع أنواعه لا تبطله الردة، عاد للإسلام، أو قتل على ردته، أو التحق بدار الكفر، وكذلك الطلاق ينفذ ولا تبطله الردة، أما الهبة، والوقف، فإذا احيزا قبل الردة، فإنه ينفذ، عاد
(5/379)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
إلى الإسلام أو مات عليه، وأما إذا تأخر الحوز حتى ارتد، ومات على ردته، أو التحق بدار الكفر، فلا ينفذ، وينتظر، هل يعود إلى الإسلام، وهل يحكم بالبطلان، أو بعدمه؟
قالوا: والكافر الذي بدل دينه إلى كفر آخر، كنصراني انتقل لليهودية، أو المجوسية فأننا لا نتعرض له. وقبل عذر من اسلم من الكفار، ثم رجع للكفر، وقال: معتراً حين اراد القاضي قتله لعدم التوب: (أسلمت عن ضيق من خوف على نفس، أو مال) فإن ظهر عذره بقريته صدق وترك لأمره، وإن ظهر كذبه، فإنه يكم فيح حكم المرتد. فإن تاب ترك، وإن لم يتب قتل كافراً.
وأما من نطق بالشهادتين، ولم يلتزم أركان الإسلام، فإنه يؤدب وعزر حسب ما يراه الحاكم فإذا رجع لا يكون حكلمه حكم المرتد، لكن هذا في غير من بين أظهرنا، ويعلم أن علينا صلاة وصوماً، وكازة وإلا فهو مرتد، لأنه خالطنا وعلم أحكام ديننا، فيؤدب، فإن أنكر فرائض الإسلام حكم بردته.
وكذلك يؤدب الساحر الذي سحر مسلماً، ولم يدخل بسحره ضرراً عليه، فإن أدخل ضرراً على مسلم كان ناقضاً للعهد، يفعل فيه الإمام القتل أو الاسترقاق ما لم يسلم، فإن أدخل ضرراً على أهل الكتاب أدب ما لم يقتل منهم أحداً، وإلا قتل، ويشدد بالضرب الشديد والسجن على من سب من لم يجمع على نبوته، كالخضر ولقمان، والسيدة مريم بغير الزنا، أو سب احداً من ذريته عليه الصلاة والسلام فإنه يشدد عليه في التأديب بالضرب إن علم أنه من آله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن من آل بيت النبوة، وادعى صراحة، أو أحتمالا أنه من ذريته صلى الله عليه وسلم، كلبس عمامة خضراء ونحو ذلك. فلا يبالغ في تقريره وتأديبه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الداخل فينا بغير نسب، والخارج منا بغير سبب) وقال الإمام مالك رضي الله هنه: من ادعى الشرف كاذباً ضرب ضرباً شديداً شهراً وميحبس مدة طويلة حتى تظهر لنا توبته، لأن ذلك استخفاف بحقه صلوات الله وسلامه عليه.
قالوا: ومن سب صحابياً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يعزر ويحبس، ولا يحد، ومثل السب تكفير بعضهم، ولو كان من الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم فإنه لا يكفر، ولكن يؤدب أما من كفر جميع الصحابة فإنه يكفر باتفاق، لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وكذب الله ورسوله، وإذا شهد عليه عدل فقط، أو جماعة من الناس غير مقبولين بأنه سب نبياً مجمعاً على نبوته، فإنه يعزر بالضرب. أو قال: لقيت من شدة المشقة في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر ما استوجبته، أما لو قصد الاعتراض على الله فهو مرتد بدون خلاف.
مبحث تصرفات المرتد.
الحنفية قالوا: إن تصرفات المرتد على أقسام:
-1 - نافذ بالاتفاق: كالاستيلاد، والطلاق، لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية، وإن كانت الفرقة تقع بين الزوجين بمجرد الارتداد.
(5/380)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
-2 - باطل بالاتفاق: كالنكاح، والذبيحة، لأن كل واحج منهما يعتمد الملة، والمرتد لا ملة له، لأنه ترك ما كان عليه، ولا يقر على ما جخل فيه، لوجوب قتله بالردة.
-3 - موقوف بالاتفاق: كالمفاوضة، كأن فاوض المرتد، توفق فإن أسلم نفذت المفاوضة، وإن مات أو قتل، أو قضى بلحاقه بدار الحرب بطلت بالاتفاق، لأن المفاوضة تعتمد المساواة بين الطرفين، ولا مساواة بين المسلم والمرتد، مالم يسلم.
-4 - مختلف في توقفه: وهو البيع، والشراء، والعتق، والهية، والرهن، والتصرف في أمواله في حال ردته، فأبو حنيفة رحمه الله قال: إن هذه التصرفات المذكورة تتوفق، فإن أسلم صحت عقوده. وإن مات أو قتل، أو لحق بدار الحرب بطلت. لأنه حربي متهور تحت أيدينا، كما قررناه في توفق الملك، وتوقف التصرفات بناء على توفق الملك، وصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان، فيؤخذ ويقهر، وتتوقف تصرفاته لتوقف حاله، فكذا المرتد، ولأنه يستحق القتل لبطلان سبب العصمة، فأوجب خللاً في الأهلية. بخلاف الزاني المحصن، وقاتل العمد، لأن الاستحقاق فيهما جزاء على الجناية، مع بقاء سبب العصمة، وهو الإسلام، فيبقى مالكاً حقيقة، وبخلاف المرأة المرتدة لأنها ليست حربية ولهذا لا تقتل بعد الردة أما المرتد فقد زال ملكه عن أمواله بردته، كما ذكرنا.
أبو يوسف ومحمد قالا: يجوز ما صنع المرتد، وتنفذ عقوده التي عقدها قبل الردة وبعدها، لأن الصحة تعتمد الأهلية، والنفاذ يعتمد الملك، ولا خفاء في وجود الأهلية لكونه مخاطباً، وكذلك الملك لقيامه قبل موته، وعدم زواله بالردة، لأنه مكلف محتاج ولا يتمكن من إقامة موجب التكليف إلا بالملك فيبقى ملكه إلى أن يقتل، ولهذا لو ولد له ولد بعد الردة لستة أشهر من امرأة مسلمة يرثه بعد موته.
قالوا: فإن عاد المرتد بعد الحكم بلحاقه بدار الحرب إلى دار الإسلام مسلماً، فما وجوده في يد ورثته من ماله بعينه أخذه، لأن الوارث إنما يخلف فيه لاستغنائه عنه بالموت المحكوم به، بدخوله دار الحرب. وإذا عاد مسلماً احتاج إليه فيقدم على الوارثن بخلاف ما إذا أزاله الوارث عن ملكه، وبخلاف أمها اولاده، ومدبريه لأن القضاء قد صح بدليل مصحح فلا ينقض، ولو جاء مسلماً قبل أن يقضي القاضي بذلك، فكأنه لم يزل مسلماً، فأمواله على حالها، وما كان عليه من الديون فهو إلى أجله، ويصح تصرفه.
مبحث ردة الصبي والمجنون.
الحنفية قالوا: إن ارتداد الصبي الذي يعقل ارتداد تام، فيجري عليه أحكام المرتد، فيبطل نكاحه، ويحرم من الميراث، ويجبر على الإسلام، ولا يقتل، وإن أدرك كافراً، يحبس كالمرأة، وإسلام الصبي المميز إسلام، لأن علياً رضي الله عنه أسلم في صباه وهو أبن خمس سنين، وصحح النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه، وافتخر سيدنا علي بذلك.
(5/381)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فقال:
سبقتكمو إلى الإسلام طراً * غلاماً ما بلغت أوان حلمي
ولأنه أتى بحقيقة الإسلام، وهي التصديق والإقرار معه، والتصديق الباطني يحكم به للإقرار الدال عليه، على ما عرف من تعليق الحكام المتعلقة بالباطن به، ولأن الإقرار عن طوع دليل على الاعتقاد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الإسلام على أبن صياد، وهو غلام لم يبلغ الحلم.
قيل: ومن أقبح القبائح أن لا يسمى مسلماً مع اشتغله بتعلم القرآن وتعليمه، والنطق بالشهادتين والصلاة.
قالوا: والحقائق لا ترد. وما يتعلق به سعادة أبدية، ونجاة عقبى وهي من أجل المنافع وهو الحكم الأصلي، ثم يبتنى عليه غيرها، فلا يبالى بشوبه للضررولانه تقبل صلاته وصومه ويثاب عليهما عند الله تعالى.
وقالوا: إن الردة موجودة حقيقة ولا مرد للحقيقة كما قلنا في الإسلام، فإن رد الردة يكون بالعفو عنها وذلك قبيح، إلا أنه يجبر على الإسلام لما فيه من النفع له، ولا يقتل، لأنه عقوبة، والعقوبات موضوعة عن الصبيان مرحمة عليهم، وهذا في الصبي الذي يعقل ومن لا يعقل من الصبيان لا يصح ارتداده فإنه لا يدل على تغير العقيدة. وكذا لا يصح إسلامه، لأنه غير مكلف وقد رفع القلم عنه بنص الحديث الشريف.
وقال أبو يوسف: ارتداد الصبي الذي يعقل، ليس بارتداد، وإسلامه إسلام.
الشافعية - قالوا: إن ارتداد الصبي الذي يعقل ليس بارتداد، وإسلامه، كذلك ليس بإسلام لأنه تبع لأبويه في الإسلام، فلا يجعل أصلاً، ولأنه يلزمه أحكام تشوبها المضرة فلا يؤهل لها. والردة مضرة محضة، فلا تعتبر، لأنه غير مكلف وغير مختار، وكذلك المجنون لا تصح ردته، لعدم تكليفه، ولا اعتداد بقولهما، واعتقادهما، فلا يترتب عليها حكم الردة، وكذلك لا تصح ردة المكره. إذا كان قبله مطبئناً بالإيمان، كمانصف عليه القرآن الكريم، فإن رضي بقلبه عن الكفر فهو مرتد فيقتل، قال تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله. ولهم عذاب عظيم} آية 106 من سورة النحل.
وأما المجنون فإذا ارتد ولم يستتب فجن لم يقتل في جنونه، لأنه قد يعقل ويعود إلى الإسلام، فإن قتل مجنوناً لم يجب على قاتله شيء، ولكن يعزر، بخلاف ما لو ثبت بنيته أو أقر بقذف أو قصاص ثم جن فإنه يستوفى منه في ضوئه.
(5/382)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مبحث حكم الصبي إذا بلغ مرتداً.
الحنفية رحمهم الله قالوا: أربع مسائل لا يقتل فيها المرتد.
الأولى: الصبي الذي كان إسلامه تبعاً لأبويه، إذا بلغ مرتداً. فلا يقتل وإنما يحبس حتى يتوب، لأن إسلامه لماكان تبعاً لغيره، صار شبهة في إسقاط القتل عنه، وبه قال الحنابلة، ويجبر على الإسلام بالضرب والحبس، لا بالقتل.
الشافعية، والمالكية - قالوا: إن الصبي يعتبر مرتداً، ولو كان تابعاً لأبويه، فإنه يستتاب فإن تاب من ردته ورجع إلى الإسلام قبل منه ويترك، وإلا فيجب قتله مثل المرتد.
الثانية: إذا أسلم الصبي في صغره، ثم بلغ مرتداً، فإن يقتل مرتداً وتطبق عليه أحكام المرتد.
الثالثة: إذا ارتد في صغره، فإنه لا يقتلز لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء في صحة إسلامه في الصغر. وبه قال الشافعية وإذا قتله إنسان قبل أن يسلم لا يلزمه شيء في هذه الأحوال، ولو مات له قريب مسلم بعد ردته فلا يرث منه.
المالكية، والحنابلة - قالوا: إذا أسلم في صغره ثم بلغ مرتداص، فإنه يقتل مرتداً وتطبق عليه أحكام المرتد.
الثالثة: إذا ارتد في صغره، فإنه لا يقبل ارتداده ولا يتعتد به، ولكن يحبس ويضرب حتى يتوب لأن الإسلام أنفع له فيجبر عليه، ويشتد عليه في الضرب حتى يرجع ويتوب لأن الإسلام أنفع هـ فيجبر عليه، ويشتد عليه في الضرب حتى يرجع ويتوب وتحسن توبته.
الرابعة: المكره على الإسلام إذا ارتد لا يقتل، لأن الحكم بإسلامه من حيث الظاهر، لأن قيام السيف على رأسه ظاهر في عدم الاعتقاد بقلبه، فيصير شبهة في إسقاط القتل وبه قال الشافعية، لعدم التكليف، (وما استكرهوا عليه) فقد رفع عنه المؤاخذة.
اتفق العلماء الأربعة: على أنه إذا ارتد الأبوان والعيادذ الله تعالى، وارتد ابنهما الصبي تبعاً لهما ثم لحقا بدرا الحرب، وحكم بلحوقهما، فإن الصبي يصح ارتداده من غير خلاف ويحكم بكفره، وإذا أسلم الصبي، فإنه يقبل، ويعتبر إسلامه في نظر الشرع بالاتفاق، فلا يرث أبويه الكافرين، ويرث أقاربه المسلمين الذين ماتوا بعد إسلامه، ولا يصح نكاح المشركة له، ويحل له زواج المرأة المسلمة، وتبطل مالية الخمر والحنزير بالنسبة له، وإذا ارتد الرجل وامرأته والعياذ الله تعالى ولحقا بدار الحرب فحملت المرأة في دار الحرب وولدت ولداً، وولد ولدهما ولداً، فظهر عليهم جميعاً، فالوالدان فيء، لأن المرتدة تسترق فيتبعها ولدها، ويجبر الولد الأول على الإسلام، ولا يجبر ولد الولد، لأنه لا يتبع جده، بل أباه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه) الحديث.
مبحث ردة السكران وإسلامه.
الحنفية، والمالكية، والحنابلة في إحدى روايتيهم - قالوا: السكران الذي لا يعقل شيئاً وفقد
(5/383)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الإدراك والتمييز مثله كالمجنون مثله كالمجنون فلا تصح ردته، ولا إسلامه، لأن المجنون لا تصح ردته بالإجماع، لأن الردة تبنى على تبدل الاعتقاد، وتعلم أن السكران غير معتقد لما قال، ووقوع طلاقه، لأنه لا يغتفر إلى القصد، ولذا لزم طلاق الناسي.
وفي رواية للحنفية: أنه إذا كان سكره بسبب محظورن وباشره مختاراً بلا إكراه، فإنه تصح ردته ولا يعفى عنه.
الشافعية - قالوا: تصح ردة السكران المتعدي بسكره، كطلاقه وسائر تصرفاته، وفي صحة استتابته حال سكره وجهان، ا؛ دهما أنه تصح كما تصح ردته وعليه الجمهور وهو المفتى به، لكن يندب تأخيرها إلى الإفاقة، خروجاً من خلاف من قال: بعدم صحة توبته، وهو الوجه الثاني القائل: بأن الشبهة لا تزول في تلك الحالة.
أما السكران غير المتعدي بسكره، كأن أكره على شربها، فلا يحكم عليه بالارتداد، كما في طلاقه وغيره.
والراجح من المذهب صحة إسلام السكران عن ردته، ولو ارتد صاحياً ثم أسلم معاملة لأقواله معاملة الصاحي.
والاعتداد بإسلامه في السكر أنه يحتاج إلى تجديد بعد الإفاقة، لكن قالوا: إذا فقاق عرضنا عليه الإسلام فإن وصفه كان مسلماً من حين وصف الإسلام، وإن وصف الكفر كان كافراً من الآن، لأن إسلامه صح أولاً، فإن لم يتب قتل.
قبول الشهادة بالردة. الشافعية - قالوا: تقبل الشهادة بالردة على وجه الإطلاق، ويقضى بها من غير تفصيل، لأن الردة لخطرها لا يقدم الشاهد بها إلا عن بصيرة، ثم يقول له القاضي تلفظ بالشهادتين ولا حادة إلى السؤال عن السبب، فإن امنع كان امتناعه قربته لا يحتاج معها إلى ذكر سبب الردة.
وقيل: يجب التفصيل واستفسار الشاهد بها لاختلاف المذاهب في التكفير، والحكم بالردة عظيم فيجب أن يحتاط له. وهو المذهب الي يجب القطع به لأنه قد يتوهم ما ليس بكفر كفراً، فيسأله القاضي.
المالكية قالوا: بأنه لا تقبل توبة المرتد، فلا تقبل الشهادة إلا مفصلة.
الحنفية قالوا: تقبل الشهادة بالردة من عدلين، يشهدان على مسلم بالردة، ويسألهما القاضي عن سبب ردته، فربما قال شيئاً ليس بكفر، وهو في نظرهما كفر، ولأن إنكاره توبة ورجوع إلى الإسلام اهـ.
(5/384)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
مبحث كيفية توبة المرتد.
الحنفية قالوا: أنه يتبرأ عن الأديان كلها سوى دين الإسلام، وهو أن يقول: (تبت وجعت إلى دين الإسلام، وأنا بريء من كل دين سوى دين الإسلام) . والإقرار بالبعث والنشور مستحب، وإنما يقول ذلك لأنه لا دين له، ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه، لحصول المقصود.
قال الطحاوي سئل أبو يوسف عن الرجل كيف يسلم فقال يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويقر بما جاء به من عند الله، ويتبرأ من الدين الذي انتحله، وإن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقال: ولم أدخل في هذا الدين قط، وأنا بريء من الدين الذي ارتد إليه، فهي توبة، وفي شرح الطحاوي: إسلام النصراني أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ويتبرأ من النصرانية، واليهودي كذلك يتبرأ من اليهودية، وكذا من كل ملة، وأما مجرد الشهادتين، فلا يكون مسلماً، لأنهم يقولون بذلك غير أنهم يدعون خصوص الرسالة إلى العرب هذا فيمن بين أظهرنا منهم، أما من في دار الحرب لو حمل عليه مسلم فقال: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مسلم، أو قال: دخلت في دين الإسلام. أو دخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم فهو دليل إسلامه فكيف إذا أتى بالشهادتين، لأن في ذلك الوقت ضيقاً، فيحكم بإسلامه بمجرد ذلك، ويرفع عنه القتل، ولو ارتد بعد ذلك قتله، ولو ارتد بعد إسلامه ثانياً قبلنا توبته، وكذا ثالثاً، ورابعاً، وفي كل مرة يطلب من الإمام التأجيل أجله، فإن عاد إلى الكفر رابعاً ثم طلب التأجيل فإنه لا يؤجله، فإن أسلم وإلا قتل.
وقال الكرخي في مختصره، فإن تاب بعد الرابعة ضربه ضربتاً وجيعاً، ولا يبلغ به الحد ثم يحبسه ولا يخرجه من السجن حتى يرى عليه خشوع التوبة، ويرى من حاله حال إنسان قد أخلص، فإذا فعل ذلك خلي سبيله، فإن عاد فعل به مثل ذلك أبداً ما دام يرجع إلى الإسلام، لإطلاق قوله تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} آية 5 من التوبة، وروي عن أبن عمر، وعلي رضي الله عنهما: لا تقبل توبة من كرر ردته كالزنديق: فيجب قتله.
المالكية، والحنابلة قالوا: لا تقبل توبة الكافر المرتد الذي تكررت ردته بل يجب قتله لقوله تعالى {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازداودا كفراً لم يكن الله لغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} آية 137 من النساء، ولو قتله شخص قبل عودته إلى الإسلام فلا شيء عله من الدية والقصاص.
الشافعية - قالوا: إنه تقبل توبة الزنديق، والمرتد إذا طلب التوبة ورجع إلى الإسلام. ولو تكرر منه ذلك مراراً ما دام في كل مرة يرجع إلى الإسلام، ولا يقتل إلا أن يأبى أن يسلم.
الحنفية قالوا: قبول توبة الزنديق روايتان رواية تقول: لا تقبل توبته كمالك وأحمد. وفي رواية تقبل توبته إذا رجع كقول الشافعي، وهذا في حق أحكام الدنيا، أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا صدق قبله سبحانه بلا خلاف.)
(5/385)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
أحكام في المرتد.
الحنفية قالوا: لو أرتد أهل بلد لم تصر دار حرب حتى يجتمع فيهما ثلاثة شروط:
الأول: ظهور أحكام الكفر.
الثاني: أن لا يبقى فيهما مسلم، ولا ذمي بالأمان الأصلي.
والثالث: أن تكون متاخمة لدار الحرب. وأول من حارب المرتدين أبو بكر الصيق رضي الله تعالى عنه لانهم منعوا دفع الزكاة، وقالوا: لاندفع الزكاة إلا لمن صلاته سكن لهم، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبحوا دار حرب.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا ارتد أهل بلد لا يجوز أن تغنم ذراريهم التي حدثت منهم بعد الردة، ولا يسترقون، بل يجبون على الإسلام إلى أن يبلغوا: فإن لم يسلموا حبسوا، وضربهم الحاكم جذباً إلى الإسلام، وأما ذراريهم فيسترقون.
الشافعية قالوا: في أصح قوليهم إنهم لا يسترقون وقيل: تسترق ذراريهم وذراري ذراريهم.
الحنابلة قالوا: تسترق ذراريهم، وذراري ذراريهم، لأن الذرية تبع الآباء في الكفر.
روى البخاري عن أبن عباس رضي الله عنهما، لما بلغه أن علياً رضي الله عنه حرق قوماً بالنار، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تعذبوا بعذاب الله) ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) فإن الإمام علياً قاتل الزندقة الذين ارتدوا باتباع مذهب المانوية الذين يقولون بقدم النور والظلمة وأن العالم ناشئ عنهما.
أعمال المرتد.
الحنفية قالوا: إن الردة محبطة لثواب جميع العمال الصالحة التب عملها قبل أن يرتد عن الإسلام. فإذا تاب وعاد إلى الإسلام، إن عاد في وقت صلاة صلاها وجب عليه أداؤها ثانياً، وكذلك يجب عليه الحج ثانياً، إن كان سبق له حد، ولا يلزم من سقوط ثواب العمل سقوط العمل، بدليل أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة مسقطة للقضاء مع كونها لا ثواب فيها عند أكثر العلماء.
الشافعية - قالوا: إن الردة محبطة للعمل إن اتصلت بالموت قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} الآية وقال تعالى: {ولقد أوحي إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقط حبط عمله} وغيرها من الآيات الدالة على إحباط الأعمال، وضياع ثوابها، ولهذا إن عاد إلى الإسلام وجب عليه أن يعيد حجه قبل الردة) .
-
(5/386)

مبحث الكبائر من الذنوب.
-عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات، الغافلات) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
يتعلق بشرح هذا الحديث.
-1 - بيان معناه.
-2 - هل الكبائر منحصرة في السبع المذكورة؟
-3 - حد السحر وما يترتب عليه من الآثار.

معنى الحديث.
-إن معظم القضايا التي اشتمل عليها هذا الحديث الشريف معلومة من الدين بالضرورة، فكل مسلم يعلم أن الشرك بالله كفر بالخالق العظيم، الذي خلق الإنسان وأمده بما يحتاج إليه في هذه الحياة الدنيا من مطعم ومشرب، وهواء وشمس وقمر، وأرض وسماء، وغير ذلك من باقي العوالم المسخرة لهذا الإنسان الضعيف الذي لا يملك لنفسه وجوداً ولا عدماً، ولا ضراً ولا نفعاً، واي مسلم يخفى عليه أن الشرك بالله القاهر فوق عباده حجود ظاهر، ولاعتداء صريح على مقام الألوهية المقدس، فلا يصدر إلا عن سفيه جاهل بنفسه وبكل ما حوله من المظاهر الدالة دلالة واضحة على أن الله واحد لاشريك له، بل أي عاقل يجحد ربه الذي خلقه من ماء مهين، وجعله بشراً سوياً، أو يشرك معه في عبادته أحداً من خلقه، عن عقيدة أو نفاق، أو رياء، أو يعبد ربه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، لا ريب في أن الإنسان الذي يشرك مع الله غيره في معنى الألوهية يكون كالحيوان العجم الذي لا يشرك مع الله أحداً في الإيجاذ، أو في الرزق فقد أنكر الإله الذي لا يماثله أحد من خلقه في أخص صفاته، وهي كونه تعالى من منفرداً بالخلق والإيجاد (1) .
__________
(1) (قال تعالى: {فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً، يذرؤكم فيه ليس شيء وهو السميع البصير} آية (11 سورة الشورى) .
(5/387)

وأي مسلم يجهل أن قتل النفس التي حرم الله جريمة من أسوأ الجرائم وأقبحها أثراً في المجتمع الإنساني. ويكفي في شناعتها واتنكارها قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً} .
وأي مسلم يخفى عليه أن أكل الربا من الكبائر المجرمة لما يترتب عليه من استذلال المحتاجين، واستنزاف أموالهم، وحصر الثروة في أيدي المرابين الذين يستلذون اقتناص أموال الناس وحبسها بين أيديهم بدون أن يستخدموها في مصالح المجتمع، وإصلاح حال الإنسان (1)
__________
فالله تعالى هو القادر الحكيم الذي أبدع السموات والأرض وخلقهما وما فيهما من أجرام وأجسام وماء وهواء، وخلق لنا أزواجاً من أنفسنا، وخلق من الأنعام ثمانية، ذكور الإبل والبقر، والضأن، والمعز، وإناثها، وهو الذي يخلقنا في الأرحام ويصورنا كيف يشاء لا يشابهه شيء في عظمته وكبريائه، وملكوته، وحسنى أسمائه، وعلى صفاته، لا يشابه شيئاً من مخلوقاته، ولا يشبه به، فهو واحد في ذاته وصفاته، ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعلن ولا كصفته صفة، إلا من جهة موافقة اللفظ، وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة، فليعتبر أولئك الملحدون الطبيعيون، الذين ضلوا عن الطريق المستقيم وكفروا برب العالمين)
(1) (قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} آية (29) من سورة النساء، والربا مما أجمعت الأديان السماوية على تحريمه، وداوعي تحريمه كثيرة، فهو من المور التي تعوق المجتمع عن الاشتغال بالأمور المفيدة النافعة، فصاحب المال إذا سلك طريق الربا في إنما ماله، وجلب الربح منه. سهل لديه أسباب العيش، فيميل إلى الكسل والباطالة والخمول، وترداد شراهته في جمع الأموال بغير حق والاستيلاء على حقوق الناس من غير رحمة ولا شفقة، وتزداد الفوارق بين طبقات المجتمع في الفقر والغنى. والربا يؤدي إلى انتشار العداوة، والبغضاء ويولد الأحقاد قرن الله تعالى النهي عن أكل أموال الناس بالباطل بقتل النفس في الآية الكريمة، فقال تعالى بعد النهي عن الربا {ولا تقتلوا أنفسكم} لأن الربا يؤدي إلى قتل الأنفس، وسفك الدماء من أجل الأموال.
ولأن الربا أخذ مال بلا عوض، وهو نوع من الظلم الذي حرمه الشارع الحكيم، لأنه استيلاء على الأموال من غير الطريق المشروع، وكل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه، وعاقبة الربا إنما هو الخراب والهلاك، والدمار، قال تعالى: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وقد توعد الله تعالى الذين يأكلون الربا ولا يتوبون، بأشد أنواع الوعيد، وهو أنه يشن عليهم حرباً في الدنيا وعذاباً يوم القيامة قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فكلم رؤوس أموالكم لا تظلمون، ولا تظلمون} .
(5/388)

وأي مسلم يحفى عليه أن الفرار من قتال الأعداء الذين يرديون انتهاك حرمات الوطن والدين واستذلال الاحرار الأعزاء، واستعمالهم استعمال الأرقاء الذين لا إرادة لهم جريمة من شر الجرائم، وموبقة من أسوأ الموبقات.
لا ريب في أن كل هذه الخصال كبائر تنافي الفضائل الإنسانية، وتتعارض مع الحياة الكريمة، وإذا فشت في أمة من الأمم اهلكتها لا محالة.
أما قذف المحصنات فقد بينا آثاره الضارة فيما أسلفنا من القول في الحدود. وسنذكر لك ما يترتب على السحر من الآثار الضارة قريباً، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو المربي الأعظم الذي لا ينظق عن الهوى قد نهى أمته نهياً جازماً عن هذه الجرائم المؤقة التي يترتب عليها هلاك المرء في الدنيا والآخرة، فهي من مخازي هذه الحياة الدنيا، ومن شر آفاتها التي إليها الشهوة، وتستلذها النفس الضعيفة، ومن ورائها الخزي الدائم والعذاب الأليم.
__________
فالأجرد بالمسلم أن يبحث عن مصادر تنمية أمواله عن طريق مشروع، حتى تصبح معيشته واقتصادياته من طريق مستقيم لا استغلال فيه ولا بغي ولا عدوان، على الفقراء والمحتاجين.
وأما جناية اكل مال اليتمي، فهي أفظع من التعامل بالربا، واشد ضراوة منها، لما يترتب عليها من الأضرار البليغة ولهذا نهى الشارع عنها ووصمها أبلغ وصم فقال تعالى. {وآتوا اليتاميى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً} وقال تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا، ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، فإذا دفعتم اليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً} .
والواجب شرعاً أن يرعى الوصي مال اليتيم ويحافظ عليه وينميه، ولا يبيح لنفسه شيئاً منه. إلا عند الحاجة الماسة، فيأخذ ما يحتاج إليه من غير إسراف ولا تبذير. فقد أجمعت الآراء على أن مال اليتيم لا يحل للوصي، ولا يأخذ منه شيئاً حتى تبقى صلات المحبة والمودة قائمة بين الناس. وكما تدين تدان وكما تفعل تجازى {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً} .
وبين الله عز وجل أن أكل مال اليتيم من أشنع أنواع الحرام، فكأنه يأكل من جمر جهنم، قال تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} .
(5/389)

الجواب عن السؤال الثاني
-إن الموبقات المذكورة في الحديث معنهاها المهلكات، وهي مودبة للهلاك الدنيوي والأخروي، لا محالة، ولكن الحديث الذي معنا لم ينص على كل الموبقات. بل هنالك موبقات ذكرت في الأحاديث الصحيحة الأخرى، وقد حصرها بعض العلماء في إحدى وعشرين، منها السبع المذكورة في الحديث الشريف.
__________
وأما التولي يوم الزحف فهو من أكبر الكبائر، وأفحش الأمور. لأنه يدل على الجبن. والضعف والخور، وافسلام يربي المسلم على الشجاعة والثبات والعزة، ولأن الفرار أمام الأعداء عند اللقاء يسلب الأمة عزتها وكرامتها وشرفها، ويجعل السلطة لأعداء الإسلام والدين، وذلك موت أدبي للأمة فإما أن نعيش كراماً أعزاء، وإما أن نموت أحراراً شهداء، والاستشهاد في سبيل الله والوطن حياة كريمة، قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل أمحياء عند ربهم يرزقون} لهذا أمرنا الله تعالى بالثبات أمام الأعداء مهما كانت عدتهم، وقدرتهم، ونهانا عن الفرار من الزحف وعده من أعظم الكبائر التي تجلب غضب الله تعالى، وتحبط الأعمال، وتودي بصاحبها في نار جهنم وبئس القرار فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} .
فأمر الله المجاهدين بالصبر والثبات أمام الأعداء، لأن التولي فيه إضعاف لصفوف المسلمين، وتثبيط لعزائم المقاتلين، وإحداث فرقة بين صفوفهم، وفي ذلك صد عن سبيل الله عز وجل وتقوية للعدو، وكفى بذلك إثماً وعاراً في الدنيا والآخرة، لذلك أمرنا بالصبر وذكر الله تعالى أنه يعاقب الفارين بأشد أنواع العذاب. وأنه يكرم الشهداء في سبيله أعظم أنواع الإكرام والعزة.
وأما قذف المحصنات المؤمنات الغافلات فهو من أعظم الكبائر التي نهى عنها الشارع الحكيم.
فقال تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} فإن مقاصد الشرع الحكيم حفظ أعراض المسلين، وصون الشرف لصاحبه، والاحتفاظ بالكرامة، ووضع سياج منيع لعزة النفس، كان من مقتضى حكمته تبارك وتعالى أن سن التشريع الزاجر للنفوس الجامحة التي قد يدفعها الغضب إلى أن تصيب الناس في كرامتهم، وتخدش شرفهم، وتنكس رؤوسهم، والشرف أعز عزيز لدى المؤمن الغيور، فإن القتل أهون على المؤمن من ضياع شرفه وإهدار كرامته، وما قيمة الحياة لإنسان بغير كرامة وعزة، من أجل ذلك فرض الله تعالى حد القذف الرادع الكفيل بصيانة الأعراض وحفظ الكرامات، وإنما خص القذف بالرمي بالزنى، لأن فيه من العار بدناءة النفس، وهتك الستر، وافتضاح السوءات وانتهاك الحرمات، والدلالة على عدم الغيرة الذي هو من خصائص أخس الحيوانات، ما قارف به كل المربقات. فإن كان الرمي امرأة، كان في
(5/390)

الكبيرة الثامنة شهادة الزور
-ثامنها شهادة الزور: وقد ورد في الصحيح أنها أكبر الكبائر، عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور، وكان متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.
أما كون شهادة الزور جريمة خلقية شائنة تنافي النظام العمراني، وتفضي إلى الفوضى في كل نواحي الحياة، فظاهر لا يخفى على أحد، فهي شر مستطير، يجب على الناس أن ينزهوا عنه أنفسهم تنزيهاً تاماً (1)
__________
من جلب العار على قومها ما يؤدي إلى سفك الدماء، وقلما يغسل ذلك العار، وقد رتب الشارع على قذف المحصن أو المحصنة ثلاثة أشياء، الجلد ثمانين جلدة، ورد الشهادة أبداً، والحكم عليه بالفسق.
ولقد ذكر الله في الآية الكريمة فظاعة أمر هذه الجريمة، وشنع على من وقع فيها، وشرح عظيم خطرها، وشديد وعيدها وأي وعيد اشد، من اللعنة في الدنيا والآخرة، وهو الطرد من رحمة الله، واستحقاق العذاب العظيمن وتقرير ذنبه بشهادة جوارحه عليه بما يخزيه ويقطع حجته ويسد عليه باب التنصل من ذنبه أمام الأشهاد يوم القيامة.
ثم أردف ذلك بأنه سيوفى جزاءه الحق، وليعلم الجاني إن لم يكن علم أن الله هو الحق، وإن وعيده هو الحق، وأن قوله هو الحق المبين، وقد ذكر العلماء أن القاذف مطالب في الدنيا لتصديقه بأربعة شهداء فالقاذف يقوم في وجهه لتكذيبه خمسة شهود من جوارحه لسانه، ويداه، ورجلاه، تنكيلاً له، وفضيحة لشأنه، جزاء فضيحته للمحصنات المؤمنات) وأي مسلم يخفى عليه أن أكل مال اليتيم جريمة من أرذل الجرائم وأخسها، لا يأتيها إلا النذال الذين قست قلوبهم، ونزعت منهم عائطفة الرحمة والإنسانية وأصبحوا كالحيوانات المتفرسة هم أضل سبيلاً.
-

(1) (لقد ذكر العلماء أن شهادة الزور من أكبر الكبائر لأن الله تعالى أمرنا باجتنابها وقرنها بالشرك والعياذ بالله تعالى فقال عز وجل: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور} أي ابتعدوا عن الرجس الذي هو الأوثان، وابتعدوا عن شهادة الزور، فقرن الله عبادة الأصنام بشهادة الزور كقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير حق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون} ومنه شهادة الزور.
وروى الإمام أحمد عن أيمنبن خريم أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس عدلت شهداة الزور إشراكاً بالله ثلاثاً) ثم قرأ {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} وقال الإمام أحمد أيضاً حدّثنا محمد بن عبيد حدّثنا سفيان العصفري عن أبيه عن حبيب بن النعمان الأسدي
(5/391)

الكبيرة التاسعة اليمين الغموس
-تاسعها اليمين الغموس وهو أن يحلف على حصول شيء وهو عالم أنه لم يحصل. كأن يقول: والله ليس لك علي دين. وهو يعلم أنه له، أو يحلف على أن فلاناً لم يضرب فلاناً، وهو يعلم أنه ضربه، فقد روى البخاري أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس. قلت: ما اليمين الغموس؟ قال: يقتطع مال امرئ مسلم) يعني بيمين هو فيها كاذب.
ولا نزاع في أن هذه اليمين الفاجرة من الكبائر، بشرط أن يترتب عليها قطع حق، أو إيذاء من لا يستحق الإيذاء، أو إدانة بريء، أو نحو ذلك.
أما إذا لم يترتب عليها شيء من ذلك فإنها تكون صغيرة لا كبيرة.
وبعضهم يقول: إن اليمين الغموس كبيرة مطلقاً، لأن الحالف بها قد انتهك حرمة اسم الله تعالى، فجزاؤه العذاب الأليم، إلا إذا تاب توبة نصوصاً.
وليس لليمين الغموس كفارة إلا التوبة منها، عند جمهور العلماء،
__________
عن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فلما انصرف قام فائماً، فقال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل) ثم تلا هذه الآية: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاة لله غير مشركين به} وقال سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن وائل بن ربيعة عن أبن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ هذه الآية.
وفي الصحيحين عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وهذا يدل على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر، ولا يلزم من كون هذه أكبر الكبائر استواء رتبتها، فإن الإشراك أكبر الذنوب المذكورة، وجلوس النبي صلى الله عليه وسلم بعد اتكائه يشعر باهتمامه بذلك، ويفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وسبب الاهتمام بذلك كون شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس، والتهاون بها والحامل عليها كثير مثل العدواة، والحقد، والحسد، وغير ذلك فاحتيج إلى الاهتمام بها، وفي لاتزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار) وفي الأثر (عدلت شهادة الزور) "الإشراك بالله".
-
(5/392)

الشافعية قالوا: إن لها كفارة كغيرها من الأيمان، ومتى اخرج كفارتها سقط عنه إثمها (1) .

الكبيرة العاشرة الزنا
-عاشرها: الزنا وقد سماه الله فاحشة فقال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} وأفظعه أن يزني المرء بحليلة جاره، فإن في ذلك العمل المنكر جريمتين، إحداهما الاعتداء الصريح على عرض إنسان غافل ثانيتهما انتهاك حرمة الجوار، ولا يصدر ذلك إلا ممن قسا قلبه، ونسي ربه، وأصبح كالحيوان الأعجم. الذي لا هم له إلا قضاء شهوته، روى أبن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل ندا، وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.
وحليلة الجار هي زوجة الجار (2) .
__________
(1) (الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، واصل اليمين في اللغة اليد، خلاف اليسار، وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، واليمين في الشرع (توكيد المحلوف عليه بذكر اسم الله تعالى، اوصفة من صفاته عز وجل) وقد نهى اشارع عن اليمين الكاذبة، وجعلها من الكبائر التي تستوجب غضب الله عز وجل، وتدخل صاحبها نار جهنم إذا لم يتب منها قبل ممانه، أو يكفر عنها.
روي عن أبن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان) قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقة في كتاب الله عز وجل: {إن الذين ينظر يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} رواه البخاري ومسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة. قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ وإن كان قضيباً من أراك) رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس) رواه البخاري وسميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم، أو في النارن وعن جبير بن مطعم أنهم أنه أفتدى يمينه بعشرة آلاف درهم ثم قال: ورب الكعبة لو حلفت حلفت صادقاً، وإنما هو شيء افتديت به يميني رواه الطبراني) .
-

(2) (والزنا من أفحش الذنوب، وأعظم الكبائر التي أجمعت على تحريمها جميع الأديان، وأجمعت على مقتها العقول في جميع الأزمان والأوقات، لما يترتب عليه من فساد الفرد والمجتمع.
(5/393)

الكبيرة الحادية عشرة شرب الخمر
-وشرب الخمر كبيرة من الكبائر التي لها أسوأ الأثر في حياة الإنسان الصحية، والخلقية وكان بعض كبار الصحابة رضوان الله عليهم يرى أنها أكبر الكبائر، فقد روي "أن أبا بكر وعمر سألا
__________
حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم على الزاني أنه لا يرتكب الفاحشة وهو مؤمن فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان كالظلة، فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من زنى، أو من شرب الخمر، نزع الله منه الأيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم، شيخ زان، وملك كذاب، وعالم متكبر) .
وقال صلى الله عليه وسلم: "أربعة يبغضهم الله، البياع الحلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر" وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "يا رسول الله أي الذنب أعظم قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تصديقها: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} .
قال ابن القيم رحمه الله: ذكر عليه الصلاة والسلام من كل أعلاه، فأعظم الشرك أن يجعل لله نداً، وأعظم أنواع القتل أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه، وأعظم أنواع الزنا أن تزني بحليلة جارك، فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق. فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثماً وعقوبة من التي لا زوج لها، إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه، وإلحاق نسب به لم يكن منه، وغير ذلك. فإن كان جاراً له انضاف إلى ذلك سوء الجوار، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"، وأي بائقة أعظم من الزنا بامرأته، فإن كان الجار أخاه أو قريباً من أقاربه، انضم إلى ذلك قيطعة الرحم فيتضاعف الإثم، فإن كان الجار غائباً في طاعة اللّع كالصلاة، وطلب العلم والجهاد، تضاعف الإثم، فإن كانت المرأة رحماً منه، انضاف إلى ذلك قيطعة رحمها، فإن كان الزاني محصناً كان الإثم أعظم، فإن كان شيخاً كان أعظم إثماً، فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة تضاعف الإثم والعياذ بالله، روي عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ما ترون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، قال: فقال رسول الله لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره".
-
(5/394)

عبد الله بن عمرو عن أعظم الكبائر فقال: "شرب الخمر" رواه الكبراني بإنسان صحيح وقال الله صلى اللله عليه وسلم. "اجتنبوا الخمر، فإنها مفتاح كل شر". (1)
__________
(1) (والخمر من أكبر الكبائر التي حرمها الشارع الحكيم لما يترتب عليها من المفاسد الفردية، والاجتماعية، والصحية، والبدنية، والأخلاقية، والمالية، حتى قال بعضهم: إنها أم الخبائث. روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن أبا بكر وعمر، وناساً جلسوا بعد وفاة النبي الله صلى الله عليه وسلم. فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم. فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو اسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأكثروا ذلك، ووثبوا إليه جميعاً، حتى أتوه في داره فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل، أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب الخمر، أو يقتل نفساً، أو يزني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتلوه فاختار الخمر، وإنه لما شرب الخمر لم يمتنع من شيء أراده منه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال (ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منه شيء، إلا حرمت بها عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية) رواه الطبراني بإستاد صحيح والحاكم. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: (اجتنبوا أم الخبائث) . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله الله صلى اللله عليه وسلم. بعضهم إلى بعض، وقالوا: حرمت الخمر، وجعلت عدلاً للشرك) رواه الطبراني. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه) رواه الطبراني.
وروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شرب الخمر فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن مات دخل النار، فإن مات دخل النار، فأن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد في الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: (عصارة أهل النار) رواه ابن حبان.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لقي الله مدمن خمر، لقيه كعابد وثن، وعن أبي موسى رضي الله عنه أنه كان يقول: (ما أبالي شربت الخمر، أو عبدت هذه السارية من دون الله) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد) .
-
(5/395)

الكبيرة الثانية عشرة النميمة
-وهي من الجرائم الضارة للمجتمع الإنساني لأن النمام دائماً يسعى بين الناس ليقطع ما بينهم من صلات ومودة، ويجعل بعضهم لبعض أعداء، وكفى بذلك شراً، أما كون النميمة من الكبائر، فقد صرح به حديث البخاري رحمه الله تعالى وهو (أن رسول الله مر بقبرين يعذبان، فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى أنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرىء من البول) فهذان كان يسهل عليهما النميمة، وعدم الاستبراء من البول، ويظنان أنهما من الأمور الهينة، وهما عند الله من أسوأ المؤبقات لما يترتب على الأول من قطع صلات المودة بين الناس، ولما يترتب على الثاني، من فساد العبادة (1) .
الكبيرة الثالثة عشرة: عدم التنزه من البول
__________
(1) (أعلم أن اسم النميمة إنما يلطف على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا، وليست النميمة مختصة به، بل حدها كشف ما يكره كشفه سواء كره المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو كره ثالث، وسواء كان الكشف بالقول، أو بالكتابة، أو بالرمز، وسواي كان المنقول من الأعمال، أو من الأقوال، وسواء كان ذلك عيباً ونقصاً في المنقول عنه أو لم يكن بل حقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه، فكل ما رآه الإنسان من أحوال الناس ما يكره ينبغي أن يسكت عنه إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية. والنمام فاسق مردود الشهادة كما قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة} ونهانا المولى عز وجل عن تصديق النمام وسماع قوله، فقال تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين، هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم} فالنميمة من الكبائر التي تحمل ذنوباً جمة، وتدخل صاحبها النار، وتحرمه من نعيم الجنة، لأنها عنوان الدناءة والجبن، والضعف، الدس والكيد والملق، والنفاق، وهي تحبط الحسنات، وتضيع ثواب الأعمال الصالحات، وتزيل المحبة، وتبعد المودة، وتذهب التآخي والتصافي، والتعارف والاتحاد. عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام) رواه البخاري. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (النميمة، والشتيمة، والحمية، في النار) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الهمازون، واللمازون، والمشاؤون بالنميمة الباغون للبراء العنت يحشرهم الله في وجوه الكلاب) رواه أبو الشيخ ابن حبان.
(5/396)

الكبيرة الرابعة عشر: اليأس من رحمة الله تعالى (1) .
الكبيرة الخامسة عشرة: الأمن من مكر الله تعالى (2) .
الكبيرة السادسة عشرة: استحلال بيت الله الحرام (3) .
الكبيرة السابعة عشرة: منع ابن السبيل من فضل المال
الكبيرة الثامنة عشرة: عقوق الوالدين، وقد عرفت من الحديث الذي ذكرناه في شهادة الزور، أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى.
__________
(1) (القنوط واليأس من رحمة الله تعالى من الذنوب الكبائر، فإنه تبارك وتعالى قال: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} والمراد بالروح، أو الفرج عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن المؤمن من الله على خير، يرجه في البلاء، وحمده في الرخاء، واليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجمع المعلومات، أو ليس بكريم، بل هو بخيل عاجز. وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإن اليأس، والقنوط لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر، فاليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً، لعدم علمه بالله تعالى وصفاته، أما المؤمن بالله العارف به فلا يقنط في حال من الأحوال، لآن رحمة الله وسعت كل شيء)
(2) (وكذلك من الذنوب الكبائر، الأمن من مكر الله تعالى والمراد به، عذابه من حيث لا يشعرون، فقد بين الله عز وجل أنه لا يأمن نزول عذابه على هذا الوجه إلا من خسر الدنيا الآخرة، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر وفي الآخرة في أشد العذاب قال تعالى: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} أي لا يأمن بأس الله ونقمه وقرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم إلا الفاجرون المجرمون ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن مصداقاً لقول الله عز وجل: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون} )
(3) (ومن الذنوب الكبائر استحلال بيت الله الحرام فإن الله تعالى جعله آمنا وحرم القتال فيه. فقال تعالى: {ومن دخله كان آمناً} فإذا دخله الخائف يأمن كل سوء، وقال تعالى: {أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً} وقال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه، لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولا يقصد شوكهن ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا تختلى خلاها)
(5/397)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الكبيرة السابعة عشر
منع ابن السبيل من فضل المال
إن الكرم والسخاء من صفات المؤمنين المخلصين، لأن الكريم من أسماء الله تعالى الحسنى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من أجود الناس، وقد أمرنا الله في كتابه بالسخاء والجود، فقال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء} وقال الله تعالى في صفات أهل الجنة: {ويطعمون الطعام على حبة مسكيناً ويتيما وأسيراً} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة أنه قال: (يا بن آدم أنفق أنفق عليك) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال جبريل: قال الله عز وجل إن هذا دين ارتضيته لنفس، ولا يصلحه إلا السخاء، وحسن الخلف، فأكرموه بهما ما استطعتم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما جبل الله عز وجل ولياً له إلا على السخاء، وحسن الخلق) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله جواد يحب الجواد، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طعام الجواد دواء، وطعام البخيل داء) . ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البخل وذم الشح، فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلمات لمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فأن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) قال صلى الله عليه وسلم: (خصلتان لا يجتمعان في مؤمن، البخل، وسوء الخلق) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة بخيل، ولا جبار، ولا منان، ولا سيء الملكة) وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من البخل) . وابن السبيل هو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى وطنه وكذا الذي يريد سفراً في طاعة، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف كما قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي بالمسلمين فمن منع ابن السبيل من فضل ماله، وهو قادر على ذلك فقد أرتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
الكبيرة الثامنة عشرة
عقوق الوالدين
قال العلماء في عقوق الوالدين أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما، وأن يسألاه في حاجة فلا يعطيهما، وأن يأمناه فيخونهما، وأن يجوعا فيشبع ولا يطعمهما، وأن يسقياه فيضربهما وهو من أكبر
(5/398)

الكبيرة التاسعة عشرة الغلول في الحرب
-لقد عد العلماء من الكبائر إخفاء بعض غنائم، ويقال له غلول. فمن كان في
__________
الذنوب التي حرمها الله تعالى، لأن الله تعالى أمر عباده بعبادته أولاً، ثم أمرهم بعد عبادته بالإحسان إلى الوالدين وبرهما، وطاعتهما.
فقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً} وقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} فكما أن الشرك بالله تعالى وترك عبادته من أكبر الكبائر، كذلك ما قرن به وهو الإحسان إلى الوالدين فرض. وعقوقهما من أكبر الكبائر التي نهى الله تعالى عنها، بل إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ذكر أن من أكبر الكبائر الشرك بالله، ثم أردفه بعقوق الوالدين، وقدمه على جميع الكبائر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس، واليمين الغموس" رواه الإمام البخاري في صحيحه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه" رواه البخاري ومسلم وروي عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً، وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل، وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد" وقال صلوات الله وسلامه عليه: "الجنة تحت أقدام الأمهات" بل إن الله تعالى حرم دخول الجنة على عاق والديه، أو أحدهما، ثم مات قبل التوبة. أو مات والده وهما عليه غير راضيين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر" بل إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على العاق لوالديه بالبعد عن رحمة الله.
فقد روي عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احضروا المنبر، فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه؟ قال: إن جبريل عليه السلام عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده، أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين" رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
روي عن أنس رضي الله عنه قال: "ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، فقال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين".
-
(5/399)

ميدان القتال، وغنم من الأعداء شيئاً، أخفاه عمن معه، فقد ارتكب كبيرة من الكبائر (1) .
__________
(1) (الغلول هو إخفاء بعض غنائم الحرب، وهو من الذنوب الكبائر، روي أن المسلمين فقدوا قطيفة حمراء يوم بدر فقال بعض الناس: لعل رسول الله أخذها. فأنزل الله تبارك وتعالى: {ما كان لنبي أن يغل، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} قال ابن عباس: وما يبغي لنبي أن يخون ويخص نفسه بشيء، ثم قال تعالى: {ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن هذه الكبيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملاً له رغاء، يقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة، يحمل فرساً له حمحمة، يناديك يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قسماً من أدم ينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك) . عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الوبرة من ظهر البعير من المغنم، ثم يقول: (ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط، وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد في الحضر، والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم) .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار، ونار، ونار على أهله يوم القيامة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الحجر يرمى في جهنم فيهوي سبعين خريفاً ما يبلغ يوم القيامة) .
الحنفية والمالكية والشافعية قالوا: عقوبة الغال، الذي وجد مال من الغنائم في متاعه يعزره الإمام. الحنابلة قالوا: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق بما فيه، ويجلد دون حد المملوك، ويحرم نصيبه من الغنائم، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من وجدتم في متاعه غلولاً فأحرقوه قال: وأحسبه قال: واضربوه) . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم خيبر اقبل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة") .
(5/400)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
الكبيرة العشرون ترك الصلاة متعمداً
إن الشارع الحكيم قد أمر المؤمنين بإقامة الصلاة وأدائها والمحافظة عليها والاهتمام بها فقال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} وقال تعالى: {الذين يقيمون الصلاة} والسنة كذلك. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهن جميعاً الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت) رواه أحمد. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الصلاة متعمداً احب الله عمله، وبرئت منه ذمة الله حتى يراجع الله عز وجل توبة) رواه الأصفهاني. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (من ترك الصلاة فقد كفر) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من ترك الصلاة فلا دين له) وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (من لم يصل فهو كافر) . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم: أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر، لأنه تهجم على ترك أمره تعالى وقد وري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) .
المالكية، والشافعية قالوا: انه لا يكفر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب وإلا قتلناه حداً كالزاني المحصن، ولكن يقتل بالسيف.
الحنفية والمزني صاحب الشافعي قالوا: إنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي. وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) وليس فيه ترك الصلاة، فهو مؤمن عاص.
الحنابلة وعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وبعض أصحاب الشافعي ومروي عن الإمام على كرم الله وجهه. قالوا: إن تارك الصلاة عمداً من غير عذر يكفر، واحتجوا على قتله بقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم) . وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو أنه يؤول إلى الكفر وأن فعله فعل الكفار، والله
(5/401)

وقد عد بعضهم السرقة من الكبائر، والواقع أن السرقة من شر الجرائم، ولكن الشارع لم ينص على أنها كبيرة، وإن ذكر أنها أسوأ من هذه الكبائر في الدنيا والآخرة. فقد نفى الإيمان عن السارق فقال: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) وفي بعض الروايات (فإن سرق فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه) . وقد جعل الشارع لها عقوبة شديدة، تتناسب مع فظاعتها، كما بيناه فيما سلف، على أن الغرض إنما هو عد الكبائر التي نص في الأحاديث على أنها كبائر، فليس الغرض حصر الجرائم الدينية في هذه الأشياء (1) .
__________
أعلم. وبعد الموت حكمه حكم المسلم تارك الصلاة: انه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وطمس قره إهانة له. وتطلق زوجته. والعياذ بالله تعالى)
(1) (اختلف العلماء من الصحابة والتابعين في الكبائر، من أربع، إلى سبع، إلى تسع، إلى إحدى عشرة، فما فوق ذلك، فكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: هن أربع، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: الكبائر سبع وقال عبد الله بن عباس إذا بلغه قول ابن عمر: إن الكبائر سبع، يقول: هي إلى سبعين اقرب منها إلى سبع وقال مرة: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو من الكبائر وقال هو وغيره من الصحابة: كل ما توعد الله تعالى عليه بالنار فهو من الكبائر. وقال بعض السلف: كل ما أوجب الحد في الدنيا فهو كبير' والصغائر عندهم من اللمم، وهو ما لأحد فيه، وما لم يتهدد بالنار عليه، فقد روي هذا عن أبي هريرة وغيره. وكان عبد الرزاق رضي الله عنه يقول: الكبائر إحدى عشرة، وهذا أكثر ما قيل في جملة عددها مجملاً وقيل: إنها مبهمة لا يعرف حقيقة عددها، كإبهام ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، والصلاة الوسطى، ليكون الناس على خوف ورجاء، فلا يقطعون بشيء، ولا يسكنون إلى شيء. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه فيها قولاً حسناً من طريق الاستنباط. وقد سئل عن الكبائر فقال: اقرأ من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها عند قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} فكل ما نهى عنه من أول السورة إلى ها هنا فهو من الكبائر. فأشبه هذا استدلالاً قول ابن عباس في استنباط ليلة القدر إنها ليلة سبع وعشرين أنه عد كلم سورة القدر حتى انتهى إلى قول (هي) فكان سبعاً وعشرين كلمة، والله أعلم بحقيقة هذين القولين.
قال أبو طالب المكي: والذي عندي في جملة ذلك مجتمعاً من المفرق سبع عشرة، تفصيلها: أربعة من أعمال القلوب وهن الشرك بالله تعالى، والإصرار على معصية الله تعالى، والقنوط من رحمة الله تعالى، والأمن من مكر الله تعالى، وأربعة في اللسان وهن شهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس، والسحر - وثلاثة في البطن وهي شرب الخمر والسكر من الأشربة، وأكل مال اليتيم
(5/402)

مبحث السحر
-وأما السحر الوارد في الحديث فإن المراد به الأقوال، والأفعال التي تنافي أصول الدين، وتتعارض مع الأخلاق الشرقية، ولهذا عرفه الفقهاء: بأنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه مقادير الكائنات، ولا ريب في أنه بهذا المعنى كبيرة من أفظع الكبائر، بل قد يكون ردة ظاهرة، بصرف النظر عما يترتب عليه من الآثار. لأن الذي يعظم غير الله بما هو مختص بالله وحده كافر.
وقد نقل عن بعض فاسدي الخلاق الذين يحترفون السحر أنه يسب الإله، ويسجد لما يسميه قرينة، ومنهم من يضع المصحف الشريف تحت قدمه، ومنهم من يهين الملائكة بالسب، ومنهم من يصف الإله بما لا يليق به، وكل ذلك ردة صريحة، وكفر شنيع بلا نزاع. وهو من أكبر الجرائم سواء ترتب عليه الأثر المطلوب أولا.
وقد فسر بعض الفقهاء السحر بأنه أمر خارق للعادة ينشأ عن سبب معتاد، ثم إن هذا السبب إن كان هو العبارات الفاحشة التي أشرنا إليها كان ردة، وإن كان بالعبارات الخالية من ذلك كالأسماء الإلهية، أو استعمال معاني الأحرف التي لا تنافي الدين، فإنه ينظر فيما يترتب عليه من الآثار. فإن ترتب عليه ضرر لمظلوم غافل، أو إساءة إلى بريء في نفس أو مال، فإنه يكون محرماً (1) .
__________
ظلماً، وأكل الربا وهو يعلم، واثنتان في الفرج، وأن يعمل عمل قوم لوط في الأدبار، واثنتان في اليدين. وهما القتل والسرقة وواحدة في الرجلين وهي الفرار من الزحف، الواحد من اثنين، وواحدة في جميع البدن وهي عقوق الوالدين، فهذه الكبائر الموبقات التي من أجتنبها كفرت عنه السيئات، وثبتت له النوافل من الفرائض الخمس التي هي أبنية الإسلام، قال تعالى: {أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} )
-

(1) (المالكية قالوا: إن مباشرة السحر كفر وارتداد عن الإسلام، سواء كانت المباشرة من جهة تعلمه، أو تعليمنه، أو المل به لأن لسحر كلام يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير. ثم إن تجاهر به فيقتل أن لم يتب وإن اسره فحكم الزنجيق يقتل بدون ستتابة. وشرط بعضهم عدم الاستتابة مطلقاً، أسره، أو أظهره، وحكم الزنديق على حال أن جاء تائبا قبل الإطلاع عليه، قبل وإلا فلا.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: إن السحر له حقيقة مؤثرة، وقد يموت المسحور بسبب السحر، أو يتغير طبعه وعادته، وأن لم يباشره وإن الساحر يقوى على قهر الخصوم من غير ممارسة الحروب والقتال.
(5/403)

وحاصله أنه إذا كان أقوالاً وأفعالاً تنافي الدين وتوجب تكفير صاحبها، كان كفراً بصرف النظر عما يترتب عليه من الآثار، وإن كانت هذه الأقوال أو الأفعال محرمة كان حراماً، أما إن كانت جائزة فإنه ينظر لما يترتب عليها من الآثار. فإن كانت محرمة كان حراماً، وإلا فلا.
هذا هو حكم كثير من العلماء في حقيقة السحر. فقال بعضهم: أنه تخيل لا حقيقة له، والى هذا الرأي ذهب كثير من العلماء، ومنهم الاستراباذي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وأبن حزم وكثير من العلماء غير هؤلاء.
فهذه الفئة تجزم بأن السحر هو من باب الخيال، كاللعاب السيمائية التي يقوم بها مهارة الهواة ومن على شاكلتهم، ولكن جمهور العلماء يقولون: إن للسحر حقيقة، وقد تترتب عليه آثار حقيقية، وهؤلاء فريقان: فريق قال: إن الآثار المترتبة عليه محدودة فقد ينقلب بالسحر الحيوان إنساناً، وبالعكس، ولكن قائل هذا، لم يعول عليه. والرأي المعتمد هو الأول. وقد ذكر بعض المحققين: أن السحر صناعة من الصناعات التي يستخدمها الإنسان في إظهار الأمور على غير ما هي عليه في الواقع، وقد يكون لبعض أنواع السحر تأثيرها ما على بعض النفوس أو الأبدان.
هذا هو رأي المحققين من العلماء. على أن الباحث في هذه المسألة يجب عليه أن ينظر إلى الواقع ويجعل للنظر الصحيح قيمته في حكمه، فهل هناك أدلة واقعية تثبت أن السحر قد ترتبت عليه آثار صحيحة، وهل هناك أدلة من الكتاب أو السنة الصحيحة تدل على ذلك (1) .
__________
وقيل: إن الساحر قد يصير بحيث تخبره الأرواح بالحوادث التي ستقع قبل وقوعها ليمكنه الاحتراز عنها.
وقد اختلف العلماء في تعريفه فقال صاحب إرشاد المقاصد: هو علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب خفية وعرفه أبن العربي بقوله: هو كلام مؤلف يعظم فيه غير الله عز وجل وتنسب إليه الكائنات والمقاردير، وعرفه بعضهمك هو علم يغير الطبع، ويقلب الشيء عن حقيقته. ولا نزاع في تحريم العمل به وتعلمهن وهو على قسمين حقيقي وغير حقيقي، ويسمى السيماء وسحرة فرعون برعوا في النوعي قال تعالى: {واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم} ) .
(1) (قالوا: للسحر حقيقة وتأثير في إيلام الأجسام، خلا من منع ذلك. وقال: إنما هو تخيل.
(5/404)

والواقع أن الذين قد شهروا بإتقان السحر هم قدماء المصريين، وهؤلاء قد تحدث عنهم القرآن الكريم فقد اخبرنا بأن فرعون قد جمع من قومه كل سحار عليم، وجاء بهم مجتمعين، فماذا كان من أمرهم؟ إنهم لم يأتوا إلا بخيال لا حقيقة له، كما قال تعالى: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} فهذا صريح في أن سحرة فرعون وهم أمهر السحرة لم يأتوا إلا بخيال لا حقيقة له، ولو كان للسحر اثر حقيقي لجاؤوا به في هذا الوقت العصيب، وليس من المعقول أبداً أن يأتي فرعون بكل سحار عنيد في مقام الانتصار لعز شيء عندهم، ثم يكون قصار أمرهم أن يأتوا بخيال لا حقيقة له، وهم عالمون بغيره، والواقع أن هذه الآية تدل دلالة واضحة على أن قصاري أمر السحر هو ذلك الخيال الذي جاء به سحرة فرعون.
__________
قالوا: وتعليم السحر حرام بلا خلاف عندهم، واعتقاد إباحته كفر.
الحنفية، والمالكية والحنابلة قالوا: يكفر السارح بتعلمه السحر، وفعله، سواء اعتقد تحريمه، أولا، ويجب على الحاكم قتله، وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم.
كما روي عن جندب بن عبد الله، وحبيبب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز رضا، الله عليهم فإنهم قتلوا الساحر بدون الاستتابة، وفيه حديث مرفوع رواه الشيخ أو بكر الرازي في أحكام القرآن، حدّثنا أبن قانع، حدّثنا بشر بن موسى، حدّثنا أبن الأصفهاني، حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن عن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حد الساحر، ضربه بالسيف" يعني القتل. وقصة جندب في قتله الساحر بالكوفة عن الوليد بن عتبة مشهورة.
الشافعية قالوا: لا يقتل الساحر ولا يكفر، إلا اعتقد إباحته.
أما الكاهن فقيل: هو الساحر، وقيل: هو العراف، وهو الذي يحدث ويتخرص، وقيل: هو الذي له من لجن من يأتيه بالأخبار.
الحنفية قالوا: إن الكاهن إن اعقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر، وإن اعتقد أنه تخيل لم يكفر.
الشافعية - قالوا: إن الكاهن إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب، وأنها تفعل ما يلتمسه منها كفر.
الحنابلة قالوا: إن الكاهن حكمه حكم الساحر، فيقتل لقوله سيدنا عمر رضي الله عنه: (اقتلوا كل ساحر وكاهن) وفي رواية إن تاب لم يقتل، ويجب أن لا يعدل عن قول الشافعية في كفر الساحر والعراف وعدمه، وأما قتله فيجب، ولا يستتاب إذا عرفت مزاولته لعمل السحر لسعيه بالفساد في الأرض لا بمجرد عمله، إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره، قالوا: ولا تقبل توبة الساحر والزنديق وهو من لا دين له.
(5/405)

فهذه هي حجة الذين يرون أن السحر خيال لا حقيقة له.
أما الفريق الثاني فإنه يحتج بقصة هاروت وماروت الواردة في القرآن الكريم قال تعال: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحرن وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} .
ولكن الواقع أن هذه الآية الكريمة لا تصلح حجة لأنها لم تتعرض لحقيقة السحر فقد يكون نوعاً من أنواع الفتنة، أو الحيلة التي يسعى بها بعض النمامين للتفريق بين الزوجين،
__________
وقد ورد الشرع بذم السحر قال تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} أي حيث كان وأين أقبل. وقال تعلاى: {ولا يفلح الساحرون} أي لا يظفرون بمطلوب، ولا ينجون من مكروه.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده الرسول صلوات الله وسلامه عليه من الموبقات السبع، ومن السحر ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلا فلا.
المالكية رحمهم الله قالوا: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق: قال عياض: وقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين، وذلك فيمن عمل به للباطل والشر.
أما من تعلمه لفك المسحور، ومنع الأذى عنه، أو تعلمه للعلم فقط ولم يعمل به فهو جائز.
وقد سئل الإمام أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور، فقال: لا بأس به، وهذا هو المعتمد، فحكم السحر تابع للقصد، فمن فصد به الخير جاز له، وإلا حرم عليه، إلا أن أدى إلى الشرك، وإلا كان كافراً.
ولا يقتل الساحر إلا أن يقتل أحداً بسحره، ويثبت عليه بإقراره، وأما إذا كان ذمياً، وأوصل بسحره ضرراً لميلم يكون قد نقض العهد ويحل قتله، وإنما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم على سحره وقد كان ذمياً لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا ينتقم لنفسه، ولأنه خشي إذا قتل لبيد بن الأعصم أن تقوم فتنة بين المسلمين في المدينة. لأنه كان من بين زريق، وهم بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وكان الناس حديثي بالإسلام.
وقد تبين من هذا أن السحر حق، وواقع، وقد وقع لكثير من الناس، ولا يزال يقع، ولو أنه قد قل في هذا الزمان، وقد وقع لسيدنا موسى عليه السلام كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه العزيز فقال تعالى: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لاتخف إنك أنت الأعلى} غير أن هذا السحر الذي وقع له لم يكن له أي تأثير في العقل، ولا في الوحي، ولا فيما يبلغه للناس من الأحكام، بل هو كسائر الأعراض البشرية الجائزة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلا ينافي العصمة) .
(5/406)

ولهذا حدثت الآية عن الآثار المترتبة على أعمال هؤلاء، فقد قال تعالى: {فيتعلمون منهما ما يقرفون به بين المرء وزوجه} فكل ما كان يترتب على فعلهم من الآثار هو الفرقة بين المرء وزوجه، وهذه مسألة قد تقع بغير السحر الخارق للعادة، ولنا من الواقع ما يؤيد هذا، فإن كثيراً من النمامين قد أحدثوا فتنة تفق بين الزوجين، فليس في الآية الكريمة حدة على أن السحر له أثر حقيقي، ولم يبق للقائلين بأن السحر له أثر حقيقي إلا ألاستدلال بحديث البخاري الذي رواه عن السيدة عائشة من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سحر، وأنه كان يخيل إليه أن يفعل الشيء، ولم يفعل (1) وهذا حديث صحيح لم يتعرض أحد للقدح في أحد من رواته، وليس من الحسن أن يقال: إن مثل هذه الأحاديث. تجزئ في المسائل الفرعية، لا في المسائل الاعتقادية. فإن العقائد لا تبنى إلا على الأدلة اليقينية، والأحاديث مهما كانت صحيحة فهي أحاديث آحاد لا
__________
(1) (روى الإمام البخاري في صحيحه فقال: حدثني محمد بن المثنى، حدّثنا يحيى بن هشام، قال: حدّثني أبي عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يحيل إليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه) وفي رواية أخرى قال البخاري رحمه الله قال: حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني زريق يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي: لكنه دعا ودعا، ثم قال: يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فما استفتيته فيه: أتاني رجلان فقعد أحهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لساحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء. قال: في مشط ومشاطة وجف طلغ نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ هال: في بئر ذروان، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يا رسول الله أفلا أستخرجته؟ قال: قد عافاني الله فكرهت أن أثير على عيينة يقول: أول من حدّثنا بن أبن جريج يقول: حدّثني آل عروة عن عروة، فسألت هشاماً عنه، فحدثنا عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر".
من هذه الروايات وغيرها تعلم أن السحر حق ثابت، وقد وقع وحصل لأنه ثابت بنص القرآن الكريم قال تعالى: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} وقال تعالى: {ما جئتم به السحر إن الله سيبطله} وقال تعالى: {ولا يقلح الساحرون} وقال تعالى: {إنما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى} وقال تبارك وتعالى: {إنه لكبير الذي علمكم السحر} وقال تعالى: {غنا آمنا بربنا ليغفر لنا خكايانا وما أكرهتنا عليه من السحر} .
وقد ذكر العلماء الن السحر أنواع كثيرة:
(5/407)

تفيد إلا الظن لأن الأحاديث الصحيحة يجب أن يكون لها قيمتها في الإثبات، فهي معضدة للبراهين العقلية.
وإنما يجب أن نفهم الحديث على وجه يطابق أصول الدين، ويوافق ما يقضي به الفعل السليم، وإلا فلا يصح لنا أن نحتج به على عقيدة من العقائد.
فهذا الحديث الذي رواه البخاري فيه شيء يجب أن ننزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول عائشة رضي الله عنها: "أنه كان يخيل إليه يفعل الشيء ولم يفعل" لأنه إذا أخذ على ظاهره كان قدحاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المصون المنزه في تفكيره، وإدراكه عن كل شائبة من شوائب النقص، ولهذا يجب أن نفهم هذه الجملة على وجه معقول واضح:
إن هذه الجملة نطقت بها السيدة عائشة تريد بها أنه كان يخيل إليه أن يأتيها فلم يستطع، وبالتالي أنه كان يجد في نفسه رقبة في جماعها، فإذا هم بها عجز عن الفعل، ونظراً لكون هذا متعلقاُ بها عبرت عنه بهذه العبارة حياء، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق عن أبن المسيب، وعروة بن الزبير رضي الله عنهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر في هذا المعنى فقط، وأن السحر لم
__________
- 1 - ما يقع بخداع وتمويه فيحدث تخيلات لا حقيقة لها، وهو ما يفعله المشعوذون بحذق ومهارة، وخفة وسرعة، مع طول المران والتدريب، فيصرفون الأنظار عما يتعاطونه بشعوذتهم، وهو (السيمياء) قال تعالى: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم} وقال تعالى: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل غليه من سحرهم أنها تسعى} وهذا النوع شائع وذائع للآن خصوصاً في بلاد الهند.
- 2 - ما يقع بالرقى، والنفث في العقد وتصوير صورة المسحور، والتأثير فيه بأمور يسمعونها من تلاوة وقراءة، وكتابةن ورسوم يتوصلون به إلى الأذى والشر، قال تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} والنفاثات السواحر، وهذه الرقى والعزائم التي يتلونها قد تكون مشتملة على أسما الله الحسنى، أو أسماء ملائكته الكرام. وقد تكون العزيمة مشتملة على ايمان، وأقسام عظيمة يلجئ الرواح إلى الطاعة لتنفيذ ما يطلبونه منها، وهذه الرقى التي يقرؤها السحرة قد تكون معلومة، وقد تكون غير معلومة المعنى، بل هي ألفاظ مجهولة، وكأنها رطانة، أو كلمات سريانية، كأنها اسماء للجان، أو لأرواح خفية غير معلومة.
- 3 - ما يقع عن الطلسمات، والخواتم التي تكتب بطريقة خاصة مغايرة للكلمات العربية. أو أحرف عربية مقطعة لا صلة بينها موضوعة بطريقة خاصة وحقيقتها نفس اسماء خاصة لها تعلق بالأفلاكن وكذل الوقات التي ترجع إلى مناسبات الأعداد، وجعلها على شكل مخصوص.
- 4 - ما يقع بواسطة الكواكب والنجوم، فإن الله تعالى خص كل واحد من الكواكب وهذه
(5/408)

يحدث في قواه الباطنة أي أثر، بل حبسه عن اتيان زوجه عائشة، وهذا هو النوع مالمعروف بين الناس، لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن التأثر في أي ناحية من نواحي الإدراك بأي ناحية من نواحي الإدراك بأي أثر، ولو مؤقتاً.
ولقد قال في فتح الباري: إن بعض العلماء قال: أن تأثير السحر منحصر في التفريق بين المرء وزوجه، أو نحو ذلك، فإذا فهمنا هذا الحديث على هذا الوجه، لم يكن فيه ذلك الضرر
__________
النجوم بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص، قال تعالى: {فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم} قال أبن زيد: كان له نجم مخصوص وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم عليه السلام، فلما رآه ذلك الوقت طالعا على تلك الصفة المخصوصة. قال: إني سقيم، أي هذا السقم واقع لا محالة، وكان القوم نجامين فأفهمهم أنه قد استدل بأمارة من تلك النجوم على أنه سقيم لابد مشرف على السقم {فتولوا عنه مدبرين} خوفاً من العدوى. وقد يضاف السحر إلى الآثار السماوي من الاتصالات الملكية، وغيرها من أحوال الأفلاك.
- 5 - ما يقع باستخدام الشياطين بضرب من التقرب إليهم، والإتصال بهم، وساخدامهم، وتسخيرهم في قضاء المصالح، أو إقاع الضرر والأذى بالخلق، أو الإتيان بأخبارهم الماضية عن طريق اتصاله بالقرين. وهذا أشد انواع السحر وأخطره: قال تعالى: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} وكلما كان الساحر أكفر وأخبث، وأشد معاداة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى ,انفذ، وهذا الصنف من الناس هم أتباع الجن وعباده قال الله تعالى {بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم به مؤمنون} وقال تعالى: {ولبئس المولى ولبئس العشير} فالشياطين لا تسخر له ولا تقضي حوائجه إلا إذا أطاعها فيما تطلبه منه، وهي خبيثة كافرة لا تطلب من المؤمن إلا الكفر والضلال.
قالوا: وللسحر تأثير في المسحور فيغير مزاجه ويصيبه بأمراض عصبية، وتخيلات ختلفة، قود يؤثر في قوته فيضعفه، وقد يصل به إلى القتلن وبالسحر يستطعيون أن يفرقوا بين المرء وزوجه، ويفسدوا العلاقة الزوجية، ويحولوا حياتهما إلى جحيم، وقد تصل إلى الطلاق والفرقة، ويوقعوا بين المحبين العداوة والبغضاء والقطيعة، قال تعالى: {فيتعملون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} .
ويندفع شر السحر بالتعوذ الله تعالى والتحصن به، واللجوء إليه، وبتقوى الله تعالى وأداء حقوقه ومراقتبه، فمن اتقى الله تعالى تولى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره. قال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} .
وقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عبد الله بن عباس: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) . ويندفع شر السحر أيضاً، بقوة الإيمان، وصدق اليقين، وثبات العيزيمة، والتوكلعلى الله حق التوكل، وإن السحر مهما كانت صفته فلا يضره إلا باذن الله عز وجل قال تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} القادر على كل شيء الذي إذا شاء اثر سحرهم ابتلاء منه سبحانه وتعالى أو عقاباً للمسحور على عصيانه، وإذا شاء تعالى أبطل سحرهم، وحفظ المسحور من شرهم وعصمه من كيدهم.
(5/409)

الذي حول به بعضهم، وأنكر من أجله الحديث فلا مانع حينئذ من أن يكون للسحر بعض التأثير الحقيقي في بعض الأحيان على أن هذا الحديث لا يدل دلالة قاطعة طبعاً لأنه لا يفيد إلا
__________
فلا يعبأ المؤمن القوي بالسحر، ولايخافه ولا يهتم له، ولا يشغل فكره، ولا ينعال ذلك إلا باوثوق التام بالله تعالى والاطمئنان العظيم غليه، وإن كل شيء بيده تبارك وتعالى {أن يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله} فلا يشغل قلبه بالساحر وما صنع وإنما يشغل قلبه بالله وطاعته وحسن عباته، وافكثار من ذكره عز وجل، فيفوز بحفظه ونصرته. {إن تنصروا الله نيصركم ويثبت أقدامكم} وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فتوحيد الله تعالى واعتقادا أنه الضار، النافع، المعطي المانع، ذلك هو الحصن العظم، الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف. من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يجب كل خوان كفور} .
ومن فضل الله تعالى أن السحر وأهله كادا ينقرضان في هذا الزمان، ومن ادعى ذلك الان فإنما هو كاذب خادع، يضل الناس، ويسعى لكسب المال منهم بطريق النصب والاحتيال، والوهم والخديعة، والحوادث كثيرة تدل على انهم مدعون كاذبون لا يعرفون من السحر إلا اسمه، ومن علمه إلا رسمه، {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون} .
ويؤثر السحر غالباً في ضعاف النفوس كالأطفال والمرضى، والنساء، وفي ضعاف الدين، وما حدث للرسل والأنبياء كان للابتلاء والاختبار والتشريع.
وأما ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر فلم يكن له أي تأثير في عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في الوحي الذي كان يبلغه للمة، ولا في الأحكام التي كان يشرعها لقومه. وإنما هو أمر عارض للجسم كسائر الأعراض البشرية الجائزة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فلا ينافي العصمة. وقد تدارك الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأرسل غليه الملكين فأخبراه بمكان السحر، واسم صانعه فلم ينل منه ما قصده الساحر وكيف يحصل ها والله يقول في كتابه: {والله يعصمك من الناس} وكل هذا من باب التشريع، ولو شاء ربك ما فعلوه، لتعلم أن المؤمن المحبوب لدى ربه بصالح عمله، وجميل سعيه يدافع الله عنه ويحرسه من كيد أعدائه وشر خصومه، وإن الحسنات يذهبن السيئات، ويمحقن الآفات، وأنه صلوات الله وسلامه عليه أمام قدرة ربه عبد يبتلى فيصبر ويرضى بقضاء الله وقدره، فينجيه الله من سوء، ويحفظه من كل ضر، كما ابتلى الله الأنبياء من قبله فصبروا فنجاهم الله تعالى {وأيوب إذا نادى ربه انى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر} ، {ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له وأهله من الكرب العظيم} .
(5/410)

الظن، ولهذا قال المنكرون للسحر: إن مثل هذا الحديث الصحيح يصح الاحتجاج به في الأحكام الفقهية الفرعية، أما في إثبات عقيدة فلا. لأن اعتقاد أن السحر له تأثير حقيقي لا يمكن إثباته إلا بالدليل العقلي الذي يؤيده الواقع، ولم يوجد في الخارج إلا حوادث أحادية ينقلها أناس غير تقاة، ولو كان له حقيقة لقصها علينا كتاب الله تعالى في مسألة سحر فرعون
__________
ومع ثبوت هذه الأحاديث التي ذكرناها، الواردة في الكتب الصحاح في وقوع السحر للرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أنكر بعض المبتدعة هذه الحاديث، وقال بعضهم إنها أخبار آحاد فلا يعمل بها، وزعموا أن السحر يحط من منصب النبوة، ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل.
وقالوا: إن جواز السحر على الأنبياء يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع للعباد، إذ يحتمل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم يحيل إليه أن يرى جبريل، وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء، وكلامهم هذا مردود من عدة وجوه.
- 1 - لقد قامت البراهين من المعجزات، والنصوص الصريحة من القرآن والسنة النبوية على صدقه صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ قال تعالى: {ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} وقال تعالى: {والله يعصمك من الناس} وقال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فاتنهوا} وقال تعالى: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم، وما يضرونك من شيء} فتلك الآيات وغيرها أدلة قاطعة على أنه صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق فيما قال، وبلغ، وإن الله عصمه من الضلال، وحفظ عقله من الزلل.
- 2 - وقد أجمع الرواة على أن هذا السحر لم يكن له أي أثر في عقله صلى الله عليه وسلم، بل كان تأثيره في جسمه وبصره كغيره من الأمراض الجسمية، وقد وقع السحر لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فكان يخيل غليه في رأي العين كما قال تعالى: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} فكان هذا السحر من باب المراض الجسيمة، وتلك جائزة على النبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن المراض غير المنفرة جائزة في حقهم، فهي من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتهم العلية، مع عصمتهم في أمور الدين، والتبليغ، وحفظ الوحي الشريف.
- 3 - أجمع الرواة على أن الرسول اصلوات الله وسلامه عليه لم ينطق أثناء مرضه بهذا السحر بغير الصواب والصدق والحق، حتى في الأمور العادية، فكان يرى ويظن كالخاطر يعرض في النفس، ولا يتعداها حتى يرجع إلى الصواب والحق فينطق بهما، ولم ينطق بغيرهما قط، لا في مرضه هذا، ولا في غيره طوال حياته صلى الله عليه وسلم.
- 4 - أجمعت الأحاديث الواردة في هذا الباب على أن السحر لم ينل إلا من جسمه الشريف صلى الله عليه وسلم،
(5/411)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
فكان يرى ببصره أن هذا الشيء كذا، ثم يراه على صوابه بعد قليل، وأنه يخيل غليه أنه قادر على إتيان زوجاته، ثم لا يستطيع، أما عقله الشريف فكان على أتم ما يكون طوال مدة المرض، بدليل أنه فوض أمره لله تعالى في مبدأ المرص ثم تداوى، ثم لما اشتدت به وطأة المرض لجأ إلى الدعاء، كما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فدعا ثم دعا، وهذه الأحوال من التفويضن ثم التداوي، ثم الدعاء دليل على أن عقله صلى الله عليه وسلم محفوظ محروس وعصوم لم ينل منه السحر منالاً، وعنها أنه سحر حتى انكره بصره، فالسحر أنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على عقله وتمييزه) .
(5/412)