Advertisement

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 010



الكتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: 885هـ)
الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة
عدد الأجزاء: 22
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)
ولما كان في ذلك فطم عن إنزال المقترحات، وكان إعراض المقترحين قد طال، وطال البلاء بهم والصبر على أذاهم، كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل صبره: أولست مرسلاً يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل؟ فقيل: {كذلك} أي مثل إرسال الرسل الذي قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام في قولنا {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} [الأنبياء: 7]
(10/337)

الآية، وفي هذه السورة في قولنا {ولكل قوم هاد} ومثل هذا الإرسال البديع الأمر البعيد الشأن، والذي دربناك عليه غير مرة من أن المرجع إلى الله والكل بيده، فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال، لا بإنزال الآية ولا غيره {أرسلناك} أي بما لنا من العظمة {في أمة} وهي جماعة كثيرة من الحيوان ترجع إلى معنى خاص لها دون غيرها {قد خلت} .
ولما كانت الرسل لمن تعم بالفعل الزمان كله، قال: {من قبلها أمم} طال أذاهم لأنبيائهم ومن آمن بهم واستهزاءهم في عدم الإجابة إلى المقترحات وقول كل أمة لنبيها عناداً بعد ما جاءهم من الآيات {لولا أنزل عليه آية} حتى كأنهم تواصوا بهذا القول حتى فعل الرسل وأتباعهم في إقبالهم على الدعاء وإعراضهم عمن يستهزىء بهم - فعل الآئس من الإنزال {لتتلوا} أي أرسلناك فيهم لتتلو {عليهم} أي تقرأ؛ والتلاوة: جعل الثاني يلي الأول بلا فصل {الذي أوحينا إليك} من
(10/338)

ذكر الله الذي هو أعظم الآيات {وهم} أي والحال أنهم {يكفرون} لا تمل تلاوته عليهم في تلك الحال فإن لنا في هذا حكماً وإن خفيت، وما أرسلناك ومن قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى، لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح الأمم من الآيات ظناً أنها تكون سبباً لإيمان أحد، نحن أعلم بهم، وهذا كله تسلية لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقوله: {بالرحمن} إشارة إلى كثرة حلمه وطول أناته، وتصوير لتقبيح حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة والنعمة بالكفر بأوضح صورة وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم من الكفران. ولما تضمن كفرهم بالرحمن كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه، وكان الكفر بالمنعم في غاية القباحة، كان كأنه قيل: فماذا أفعل حينئذ أنا ومن اتبعني؟ لا نتمنى إجابتهم إلى مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم، وكان جوابهم عن الكفر بالموحى أهم، بدأ به فقال: {قل} عند ذلك إيماناً به {هو} أي الرحمن الذي كفرتم به {ربي} المربي لي بالإيجاد وإدرار النعم، والمحسن إليّ لا غيره، لا أكفر إحسانه كما كفرتموه أنتم، بل أقول: إنه {لا إله إلا هو} أنا به واثق في التربية والنصرة وغيرها.
(10/339)

ولما كان تفرده بالإلهية علة لقصر الهمم عليه، قال: {عليه} أي وحده لا شريك له {توكلت} والتوكل: التوثيق في تدبير النفس برده إلى الله على الرضى بما يفعل {وإليه} أي لا إلى غيره {متاب *} أي مرجعي، معنى بالتوبة وحساً بالمعاد، وهذا تعريض بهم في أن سبب كفرتم إنكار يوم الدين.
ولما فرغ من الجواب عن الكفر بالموحى، عطف على «هو ربي» الجواب عن الكفر بالوحي فقال: {ولو} إشارة إلى أنه يعتقد في القرآن ما هو أهله بعد ما أخبر عن اعتقاده في الرحمن، أي وقل: لو {أن قرآناً} كانت به الآيات المحسوسات بأن {سيرت} أي بأدنى إشارة من مشير ما {به الجبال} أي فأذهبت على ثقلها وصلابتها عن وجه الأرض {أو قطعت} أي كذلك {به الأرض} أي على كثافتها فشققت فتفجرت منها الأنهار {أو كلم به الموتى} فسمعت وأجابت لكان هذا القرآن، لأنه آية لا مثل لها، فكيف يطلبون آية غيره! أو يقال: إن التقدير: لو كان شيء من ذلك بقرآن غيره لكان به - إقراراً لأعينكم - إجابة إلى ما تريدون، لكنه لم تجر عادة لقرآن قبله بأن يكون به ذلك، فلم يكن بهذا القرآن،
(10/340)

لأن الله لم يرد ذلك لحكمه علمها، وليس لأحد غير الله أمر في خرق شيء من العادات، لا لولي ولا لنبي ولا غيرهما حتى يفعل لأجلكم بشفاعة أو بغيرها شيئاً لم يرده الله في الأزل {بل} ويجوز أن يكون التقدير: لو وجد شيء من هذا بقرآن يوماً ما لكان بهذا القرآن، فكان حينئذ يصير كل من حفظ منه شيئاً فعل ما شاء من ذلك، فسير له ما شاء من الجبال إلى ما أراد من الأراضي لما رام من الأغراض، وقطع به ما طلب من الأرض أنهاراً وجناناً وغيرها، وكلم به من اشتهى من الموتى، ثم إذا فتح هذا الباب فلا فرق بين القدرة على هذا والقدرة على غيره، فيصير من حفظ منه شيئاً قادراً على شيء، فبطلت حينئذ حكمة اختصاص الله سبحانه بذلك من أراد من خلص عباده، وأدى ذلك إلى أن يدعي من أراد من الفجرة أن أمر ذلك بيده، يفعل فيه ما يشاء متى شاء، فيصير ادعاءه مقروناً بالفعل شبهة في الشرك، وليعلم قطعاً أنه ليس في يد أحد أمر، بل {الله} أي الذي له صفات الكمال وحده {الأمر} وهو ما يصح أن يؤمر فيه وينهى {جميعاً} في ذلك وغيره، لا لي ولا لأحد من الأنبياء الذين قلتم
(10/341)

إني لست أدنى منزلة منهم، وأما الخوارق التي كانت لهم فلولا أن شاءها لما كانت، فالأمر إليه وحده، مهما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأن هذا جواب لما حكي في السيرة النبوية أن الكفار تفتنوا به؛ قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، فاجتمع أشرافهم فأرسلوا إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكلموه في الكف عنهم وعرضوا عليه أن يملكوه عليهم وغير ذلك فأبى وقال:
«» إن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً «، فقالوا: فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق - زاد البغوي: فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا، ونرجع في
(10/342)

يومنا فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت - رجع إلى ابن إسحاق: وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل! فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك إلينا رسولاً كما تقدم - زاد البغوي: فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على ربك منه» فكان سؤالهم هذا متضمناً لادعائهم أن دعواه إنزال القرآن لا تصح إلا أن فعل هذه الاشياء.
ولما كان هذا كله إقناطاً من حصول الإيمان لأحد بما يقترح، تسبب عنه الإنكار على من لم يفد فيه ذلك فقال تعالى: {أفلم} بفاء السبب {ييئس الذين آمنوا} من إيمان مقترحي الآيات بما يقترحون لعلمهم {أن} أي بأنه {لو يشاء الله} أي الذي له صفات الكمال - هداية كل أحد مشيئة مقترنة بوجوده {لهدى الناس} وبين أن اللام للاستغراق بقوله: {جميعاً} أي بأيسر مشيئة، والعلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه،
(10/343)

لكنه لم يهدهم جميعاً فلم يشأ ذلك، ولا يكون إلا ما شاءه، فلا يزال فريق منهم كافراً، فقد وضح أن {ييئس} على بابها، وكذا في البيت الذي استشهدوا به على أنها بمعنى «علم» يمكن أن يكون معناه: ألم تيأسوا عن أذاي أو عن قتلي علماً منكم بأني ابن فارس زهدم، فلا يضيع لي ثأر، وكذا قراءة علي ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين - أفلم - يتبين الذين آمنوا - أي أن أهل الضلال لا يؤمنون لآية من الآيات علماً منهم بأن الأمر لله جميعاً، وأن إيمانهم ليس موقوفاً على غير مشيئته.
ولما علم من ذلك أن بعضهم لا يؤمن، ضاقت صدور المؤمنين
(10/344)

لذلك لما يعاينونه من أذى الكفار فأتبعه ما يسليهم عاطفاً على ما قدرته من نتيجة عدم المشيئة، فقال: {ولا يزال الذين كفروا} أي ستروا ضياء عقولهم {تصيبهم بما صنعوا} أي مما مرنوا عليه من الشر حتى صار لهم طبعاً {قارعة} أي داهية تزعجهم بالنقمة من بأسه على يد من يشاء، وهو من الضرب بالمقرعة {أو تحل} أي تنزل نزولاً ثانياً تلك القارعة {قريباً من دارهم} أي فتوهن أمرهم {حتى يأتي وعد الله} أي الملك الأعظم بفتح مكة أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن عيسى عليه السلام فينقطع ذلك، لأنه لا يُبقي على الأرض كافراً، وفي غير ذلك من الأزمان كزمن فتح مكة المشرفة، فيكون المعنى خاصاً بالبعض {إن الله} أي الذي له مجامع الكمال {لا يخلف الميعاد} أي الوعد ولا زمانه ولا مكانه؛ والوعد: عقد الخبر بتضمن النفع، والوعيد: عقده بالزجر والضر، والإخلاف: نقض ما تضمن الخبر من خير أو شر.
(10/345)

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)
ولما تم الجواب عن كفرهم بالموحي وما أوحاه إليه وما اشتد
(10/345)

تعلقه به، عطف على ذلك تأسية بالموحى إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن الحاث على تميز الإجابة إلى الآيات المقترحات استهزاء الكفار، فقال: {ولقد استهزىء} أي من أدنى الخلق وغيرهم {برسل} .
ولما كان الإرسال لم يعم جميع الأزمان فضلاً عن الاستهزاء، أدخل الجار فقال: {من قبلك} لعدم إتيانهم بالمقترحات؛ والاستهزاء: طلب الهزوء، وهو الإظهار خلاف الإضمار للاستصغار {فأمليت} أي فتسبب عن استهزائهم ذلك أني أمليت {للذين كفروا} أي أمهلتهم في خفض وسعة كالبهيمة يملى لها، أي يمد في المرعى، ولم أجعل ذلك سبباً لإجابتهم إلى ما اقترحوا ولا معاجلتهم بالعذاب فعل الضيق الفطن {ثم} بعد طول الإملاء {أخذتهم} أي أخذ قهر وانتقام {فكيف} أي فكان أخذي لهم سبباً لأن يسأل من كان يستبطىء رسلنا أو يظن بنا تهاوناً بهم، فيقال له: كيف {كان عقاب *} فهو استفهام معناه التعجب مما حل بالمكذبين والتقرير، وفي ضمنه وعيد شديد.
(10/346)

فلما تقرر - بما مضى من قدرته تعالى على الثواب والعقاب وخفضه الأرضين ورفعه السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات - أن ليس لأحد غيره أمر ما، وتحرر أن كل أحد في قبضته، تسبب عن ذلك أن يقال: {أفمن هو قائم} ولما كان القيام دالاً على الاستعلاء أوضحه بقوله: {على كل نفس} أي صالحة وغيرها {بما كسبت} - يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ وغيرهما - كمن ليس كذلك، مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء أصلاً.
ولما كان الجواب قطعاً: ليس كمثله شيء، كان كأنه قيل استعظاماً لهذا السؤال: من الذي توهم أن له مثلاً؟ فقيل: الذين كفروا به {وجعلوا لله} أي الملك الأعظم {شركاء} ويجوز أن يقدر ل «من» خبر معناه: لم يوحدوه، ويعطف عليه {وجعلوا} ، فكأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ فقيل: {قل سموهم} بأسمائهم الحقيقية، فإنهم إذا سموهم وعرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو مركز العجز ومحل الفقر، عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم قل لهم: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده {أم تنبئونه} أي تخبرونه إخباراً عظيماً {بما لا يعلم} وعلمه محيط بكل شيء {في الأرض} من كونها آلهة ببرهان قاطع.
(10/347)

{أم بظاهر من القول} أي بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلمه فليس بشيء، وهذا قريب مما مضى في قوله {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه} [الرعد: 16] في أنه لو كان كذلك كان شبهه فيها ظهور ما، وهذه الأساليب منادية على الخلق بالعجز، وصادحة بأنه ليس من كلام الخلق.
ولما كان التقدير: ليس لهم على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر، بنى عليه قوله: {بل زين} أي وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان {للذين كفروا} أي لهم، وعبر بذلك تنبيهاً على الوصف الذي دلاهم إلى اعتقاد الباطل، وهو ستر ما أدى إليه برهان العقل المؤيد بدليل النقل {مكرهم} أي أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا أن شركاءهم آلهة حقاً، وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم، أو أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا
(10/348)

به الضعفاء وتمادى بهم الحال حتى اعتقدوه حقاً.
ومادة مكر بأي ترتيب كان: مكر، ركم، رمك، كرم، كمر؛ تدور على التغطية والستر، فالمكر: الخديعة، قالوا: وهو الاحتيال بما لا يظهر، فإذا ظهر فذلك الكيد، ويلزم منه الاجتهاد في ضم أشتات الأمر لستر ما يراد، فمن الضم المكر الذي هو حسن خدالة الساق أي امتلائها، ويلزم منه خصب البدن ونعمته، وكان منه المكر - لضرب من النبات، والواحدة مكرة، سميت مكرة لارتوائها، أبو حنيفة: المكر من عشب القيظ، وهي عشبة غبراء ليس فيها ورق، وهو ينبت في السهل والرمل - كأنه شبه بالساق لخلوه من الورق أو لأنه لغبرته وتجرده كالمستور، والمكر: طين أحمر يشبه بالمغرة - كأنه سمي بذلك لما فيه من الكدرة، والمكرة من البسر: التي ليست برطبة ولكن فيها لين - كأنها سميت به لكون لونها حينئذ يأخذ في الكدرة؛ والركم: إلقاء الشيء بعضه على بعض فهو مركوم وركام، وتراكم الشيء - إذا تكاثف بعضه على بعض، وذلك مظنة الخفاء،
(10/349)

والركمة: الطين المجموع وكذا التراب المجموع، وقال: وجُز عن مرتَكم الطريق - يريد المحجة، لأن ترابها تلبد فاشتد تلبده، والرمك والرمكة - بالضم - من ألوان الإبل وهو أكدر من الورقة وهو لون خالطت غبرته سواداً، فهو أرمك - لأنه مظنة لخفاء ما فيه، ومنه اشتقاق الرامك، وهو أخلاط تخلط بالمسك فتجعل سكّاً، ورمك الرجل بالمقام - إذا أقام به، لأنه يستره بنفسه وأمتعته ويستتر هو فيه، وأرمكت غيري - إذا ألزمته مكاناً يقيم فيه، والرمكة: الأنثى من البراذين - فارسي معرب، لأنها تستر أصالة العربي إذا ولدته، ورمكان: موضع معروف - معرفة، ويقال: رمك الرجل - إذا هزل وذهب ما في يده فستر عنه أو صار هو مستوراً بعد أن كان بحسن حاله مشهوراً، ورمكت البازي والصقر ترميكاً - إذا أشرت إليه بالطير لأنك سلبت عنه الستر؛ واليرموك: مكان به لهب عظيم، يستر ما يكون فيه؛ والكريم: ضد اللئيم، وهو البخيل المهين النفس،
(10/350)

والخسيس الآباء، فإذا كان شحيحاً ولم تجتمع له هذه الخصال قيل له: بخيل، ولم يُقل: لئيم، فالكريم إذن من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها، وتكرّم - إذا تنزه عن الدناءة ورفع نفسه عنها، وأصل الكرم في اللغة: الفصل والرفعة، فإذا قالوا: فلان كريم، فإنما يريدون رفيعاً فاضلاً، فيلزم الكرم ستر العيوب، والله الكريم أي الفاضل الرفيع - كذا قال بعض أهل اللغة، وقيل: الصفوح عن الذنوب، وقيل: الذي لا يمن إذا أعطى، وإذا قالوا: فلان أكرم قومه، فإنما يريدون: أرفعهم منزلة وأفضلهم قدراً، وكل هذا يلزم منه السخاء وستر الذنوب، ومن هذا قيل: فرس كريم، وشجرة كريمة - إذا كانت أرفع من نظائرها وأفضل،
{إني ألقي إليَّ كتاب كريم} [النحل: 29] أي رفيع شريف - كأنه أطلق هنا على ما فيه مجرد فضل تشبيهاً بالكريم في جزء المعنى، وكارمت الرجل: فعل كل منا في حق صاحبه مقتضى الكرم، والكرم: شجر العنب ولا يسمى به غيره، والكروم: قلائد تتخذها النساء كالمخانق، لدلالتها على قدر صاحبتها، والكرامة: طبق يوضع على رأس الحب - لأنه غطاءه، ولا يغطى إلا ما له فضل، ومنه يقولون: لك الحب والكرامة، والكرم: القصير من
(10/351)

الرجال - كأنه شبه بطبق الحب؛ والكمرة - محركة: طرف قضيب الإنسان خاصة، سميت بذلك لسترها القلفة، ورجل مكمور - إذا قطع الخاتن كمرته، وتكامر الرجلان - إذا تكابرا بأيريهما، وقال في القاموس: وتكامرا: نظرا أيهما أعظم كمرة، والكمري: الرطب ما لم يرطب على شجره، بل سقط بسراً فأرطب في الأرض - كأنه سمي بذلك لأنه يكون أكدر مما يرطب على الشجر، وهو أيضاً يشبه الكمرة في تكوينها، والكمري عن ابن دريد: الرجل القصير، كأنه شبه بالرطبة، وقال غيره: وهو اسم مكان.
ولما ذكر تزيين مكرهم، أتبعه الدلالة عليه فقال: {وصدوا} أي فلزموا ما زين لهم، أو فمكروا به حتى ضلوا في أنفسهم وصدوا غيرهم {عن السبيل} الذي لا يقال لغيره سبيل وهو المستقيم، فإن غيره جور وتيه وحيرة فهو عدم، بل العدم أحسن منه، فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، ليس ذلك بعجب فإن الله أضلهم {ومن يضلل الله} أي الذي له الأمر كله بإرادة ضلاله {فما له من هاد *} فكأنه قيل: فماذا لهم على ما فعلوا من ذلك؟ فقيل:
(10/352)

{لهم} أي الذين كفروا {عذاب} وهو الألم المستمر، ومنه العذب لأنه يستمر في الحلق {في الحياة الدنيا} شاق، بممانعة حزب الله لهم في صدهم عن السبيل إلى ما يتصل بذلك من قتل وأسر، ولهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك عذاب {ولعذاب الآخرة أشق} أي أشد في المشقة، وهي غلظ الأمر على النفس بما يكاد يصدع القلب {وما لهم من الله} أي الملك الأعظم {من واق *} أي مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءاً في الدنيا ولا في الآخرة، والواقي فاعل الوقاية، وهي الحجر بما يدفع الأذية.
(10/353)

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)
ولما توعدهم على تفريطهم في جانب الله، تشوفت النفس إلى ما لأضدادهم، فكان كأنه قيل: فما لمن عاداهم في الله؟ فقيل: الجنة، فكأنه قيل: وما هي؟ فقيل: إنها في الجلال، وعلو الجمال، وكرم الخلال، مما تعالى عن المنال، إلا بضرب الأمثال، فقيل: ما مثلها؟ فقيل: {مثل الجنة التي} ولما كان المقصود حصول الوعد الصادق ولا سيما وقد علم أن الوعد هو الله، بنى للمفعول قوله: {وعد المتقون} والخبر محذوف تقديره: ما أقص عليكم، وهو أنها بساتين: قصور وأشجار،
(10/353)

فقال الزجاج: الخبر جنة مخبر عنها بما ذكر ليكون تمثيلاً لما غاب عنا بما نشاهد {تجري} . ولما كانت - لو عمها الماء الجاري - بحراً لا بساتين، أدخل الجار للدلالة على أنه خاص ببعض أرضيها فقال: {من تحتها} أي قصورها وأشجارها {الأنهار} وقيل: هذا المذكور هو الخبر كما تقول: صفة زيد أسمر.
ولما كان هذا ريّاً حقيقياً في أرض هي في غاية الخلوص والطيب، كان سبباً لدوام ثمرها واستمساك ورقها، فلذلك أتبعه قوله: {أكلها} أي ثمرها الذي يؤكل {دائم} لا ينقطع أبداً {وظلها} ليس كما في الدنيا، لا ينسخ بشمس ولا غيرها، قال أبو حيان: تقول: مثلت الشيء - إذا وصفته وقربته للفهم، وليس هذا ضرب مثل، فهو كقوله {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] ، أي الصفة العليا - كذا قال، ويمكن أن يكون ذلك حقيقة، ويكون هناك محذوف، وهو جنة من جنان الدنيا تجري من تحتها الأنهار - إلى آخره، وهو من قول الزجاج.
ثم ابتدأ إخباراً آخر تعظيماً لشأنها وتفخيماً لأمرها في قوله تعالى:
(10/354)

{تلك} أي الجنة العالية الأوصاف {عقبى} أي آخر أمر {الذين اتقوا} ثم كرر الوعيد للكافرين فقال: {وعقبى} أي منتهى أمر {الكافرين} بالرحمن، المتضمن للكفر بالوحي والموحى إليه {النار *} .
ولما وصف العالمين بأن المنزل إليه هو الحق برجاحة العقول وأصالة الأداء المؤدية إلى الصلاح الموجب لكل سعادة، والكافرين به بضعف العقول الدافع إلى الفساد الموصل إلى سوء الدار، ومر فيما يلائمه إلى أن ختمه بمثل ما ختم به ذلك، عطف على ذلك قوله - ويمكن أن يكون اتصاله بما قبله أنه معطوف على محذوف هو علة لختم الآية السالفة، تقديره: لأنهم ساءهم ما أنزل إليه حسداً وجهلاً -: {والذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة التي استنقذتهم من الضلال {الكتاب} ولم يكفروا بالرحمن ولا بما أنزل ولا بمن أرسل {يفرحون بما} ولما كان المنزل دالاًّ بإعجازه على المنزل، بنى للمفعول قوله: {أنزل إليك} أي من هذا الكتاب الأعظم لموافقته تلك الكتب لأن كلام الله كله من مشكاة واحدة، وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بالكتاب دون غيرهم، فكأنه ما أنزل إلا إليهم، وهذا العطف
(10/355)

يرجح أن يكون الموصول هناك مرفوعاً بالابتداء {ومن الأحزاب} من أهل الأوثان والكتاب الذين تحزبوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {من ينكر بعضه} كالتوحيد ونعت الإسلام ونبوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما يتبع ذلك مما حرفوه وبدلوه، ويريد أن يكون الأمر تابعاً فيه لغرضه، فالمشركون يريدون أن يمدح آلهتهم في بعض الآيات أو أن يسقط وصفها بالعيب، واليهود يريدون أن ينزل ما يوافق فروع التوراة كما أنزل ما وافق الأصول، وينكرون النسخ، وأهل الإنجيل يريدون أن ينزل في المسيح ما يهوون ونحو ذلك؛ قال المفسرون: كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعل مما هو ثابت في كتبهم غير محرف، فلكفرهم بذلك البعض أمره أن يعلمهم باعتقاده كفروا أو شكروا فقال: {قل إنما أمرت} أي وقع الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغير ممن له الأمر كله {أن أعبد الله} أي الذي لا شيء مثله وحده، ولذلك قال: {ولا أشرك به} لا أفعل إلا ما يأمرني به من غير نظر إلى سواه، ديني مقصور على ما أنكرتموه {إليه} وحده {أدعوا وإليه} خاصة {مآب *} أي إيابي
(10/356)

ومكانه وزمانه، معنى بالتوبة عند الفتور عن القيام بحقه، وحسّاً بالبعث للجزاء؛ والكتاب: الصحيفة التي فيها الخط - وهو الكتابة، وهي تأليف الحروف التي تقرأ في الصحيفة، والفرح: لذة القلب التي تجلي الهم بنيل المشتهى، والحزب: الجماعة التي تقوم بالنائبة.
ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت، أتبع تعالى ذكر ما أنزل قوله: {وكذلك} أي ومثل هذا الإنزال، البديع المثال، البعيد المنال؛ ولا يبعد أن يكون عطفاً على {كذلك أرسلناك} أو مثل إنزال كتب أهل الكتاب {أنزلناه} بما لنا من العظمة حال كونه {حكماً عربيّاً} أي ممتلئاً حكمة تقضي بالحق، فائقاً لجميع الكتب بهذا الوصف؛ والحكم: القطع بالمعنى على ما تدعو إليه الحكمة، وهو أيضاً فصل الأمر على الحق؛ فالمعنى أنه لا يقدر أحد على نقض شيء منه، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم، وما ليس كذلك فليس بحكم، والعربي: الجاري على مذاهب العرب في كلامها، فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى إليك من سبب آلهتهم وتسفيه أحلامهم
(10/357)

وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد الأوثان، وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى قبلتهم ونحوه {ولئن اتبعت أهواءهم} في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في القلبة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى:
{ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم} [البقرة: 145] . ولما كان المراد التعميم في الزمان، نزع الجار، وأتى ب «ما» لأنها أعم من «الذي» وأشد إبهاماً، فهي الخفيّ معنى، فناسب سياق الوحي الذي هو غيب، ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف آية البقرة الأولى فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل الناشىء عن نظر المحسوسات فقال: {بعدما جاءك} ولما كان قد أنعم عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأشياء غير العلم، بين المراد بقوله: {من العلم} أي بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء كان ذلك الاتباع في أصول الشريعة أو فروعها خفية كانت أو جلية.
(10/358)

ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء، قال: {ما لك} حينئذ {من الله} أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال: {من ولي} أي ناصر يتولى من نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه. ولما كان مدلول «ما» أعم من مدلول «الذي» لشمولها الظاهر والخفي، وكان من خالف الخفي أعذر ممن خالف الظاهر، نفى الأخص من النصير فقال: {ولا واق *} أي يقيك بنفسه فيجعلها دون نفسك، وقد يوجد من الأنصار من لا يسمع بذلك، وهذا بعث للأمة وتهييج على الثبات في الدين والتصلب فيه، والهوى - مقصوراً: ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، والعلم: تبين الشيء على ما هو به.
(10/359)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)
ولما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع، وكان بعضهم قد قال: لو كان نبياً شغلته نبوته عن كثرة التزوج، كان موضع توقع الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {رسلاً} ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبلك} أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشراً، {و} أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى
(10/359)

المداراة والمسالمة بإرضاء الأمم في بعض أهوائهم، أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز الوعيد بأن {جعلنا} أي بعظمتنا {لهم أزواجاً} أي نساء ينكحونهن؛ والزوج: القرين من الذكر والأثى، وهو هنا الأنثى {وذرية} وهي الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب واحد في الجملة، وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء، فما اتبع أحد منهم شيئاً من أهواء أمته {و} لم نجعل إليهم الإتيان بما يقترح المتعنتون من الآيات تالفاً لهم، بل {ما كان لرسول} أي رسول كان {أن يأتي بآية} مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله أو غير ذلك {إلا بإذن الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة، فإن الأمور عنده ليست على غير نظام ولا مفرطاً فيها ولا ضائعاً شيء منها بل {لكل أجل} أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور {كتاب *} قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإيتان بالآيات وغيرها، إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة، والحكمة اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة، وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة؛ ثم علل ذلك بقوله: {يمحوا الله} أي الملك الأعظم {ما يشاء} أي محوه
(10/360)

من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه {ويثبت} ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه كما قال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننساها} [البقرة: 106] إلى قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] كل ذلك بحسب المصالح التابعة لكل زمن، فإنه العالم بكل شيء، وهو الفعال لما يريد لا اعتراض عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة: يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء. وإثبات واو «يمحوا» في جميع المصاحف مشير - بما ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو والرفعة - إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية، فإنه قد يمحو عمر شخص بعد أن كانت له آثار جميلة، فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها، وقد يمحو شريعة ينسخها ويبقى منها آثاراً صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة الناسخة لها، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضاً في {يمح الله الباطل} في الشورى مع أنه مرفوع أيضاً، فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقاً هو النهاية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع، وقال: {وعنده} مع ذلك {أم} أي أصل {الكتاب *} لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة، وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب، وقد تقدم
(10/361)

غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه كلما طلب؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء - انتهى.
والمراد - والله أعلم - أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا - وإن كان في الفرع على غير ذلك، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى، فإذا نقضت الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا، أو يكون المعنى: يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم الكتاب؛ قال الرازي في اللوامع: وقد أكثروا القول فيها، وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات، محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية، والقضاء الأزلي، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات، فلذلك هو القضاء وهذا هو القدر، فالقضاء مصدر القدر، والقدر مظهر القضاء، والله تعالى وصفاته منزه عن التغير.
ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم، وختم بأنه سبحانه يفعل
(10/362)

ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريباً لفصل النزاع، قال سبحانه وتعالى: {وإن ما نرينك} أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه، نفياً لما يحمله عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتماً {بعض الذي نعدهم} وأنت حي مما تريد أو يريد أصحابك، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقراراً لأعينكم قبل وفاتك؛ والوعد: الخبر عن خير مضمون، والوعيد: الخبر عن شر مضمون، والمعنى هاهنا عليه، وسماه وعداً لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد {أو نتوفينك} قبل أن نريك ذلك، وهو ممحو الأثر لم يتحقق، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين {فإنما عليك البلاغ} وهو إمرار الشيء إلى منتهاه، وهو هنا الرسالة؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات {وعلينا الحساب *} وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا والآخرة، ولنا القوة التامة عليه؛ والآية
(10/363)

من الاحتباك - كما مضى بيان ذلك في مثلها من سورة يونس عليه السلام.
(10/364)

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)
ولما أرشد السياق إلى أن التقدير في تحقيق أنه سبحانه قادر على الجزاء لمن أراد: ألم يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر عدة؟ عطف عليه قوله: {أولم يروا أنا} أي بما لنا من العظمة {نأتي الأرض} التي هؤلاء الكفرة بها، فكأنه قيل: أي إتيان؟ فقيل: إتيان البأس إذا أردنا، والرحمة إذا أردنا {ننقصها} والنقص: أخذ شيء من الجملة تكون به أقل {من أطرافها} بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض أهل الإسلام بقتل بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب ما نعلمه حكمة من تدبير الأمور وتقليبها حالاً إلى حال حتى تنتهي إلى مستقرها بعد الحساب في دار ثواب أو عقاب، وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ما يلي المدينة الشريفة من أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} فيفتحونها أولاً فأولاً حتى دان العرب كلهم طوعاً أو كرهاً بعد قتل السادة وذل القادة - ولله غالب على أمره؛ والطرف:
(10/364)

المنتهى، وهو موضع من الشيء ليس وراءه منه شيء، وأطراف الأرض: جوانبها، وكان يقال: الأطراف: منازل الأشراف، يطلبون القرب على الأضياف؛ ثم أثبت لنفسه تعالى أمراً كلياً يندرج ذلك فيه، فقال لافتاً الكلام من أسلوب التكلم بالعظمة إلى غيبة هي أعظم العظمة بالاسم الأعظم: {والله} أي الملك الأعلى {يحكم} ما يريد لأنه {لا معقب} أي أراد، لأن التعقيب: رد الشيء بعد فصله {لحكمه} وقد حكم للإسلام بالغلب والإقبال، وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار، وكل من حكم على غير هذه الصفة فليس بحاكم، وذلك كاف في الخوف من سطوات قدرته {وهو} مع تمام القدرة {سريع الحساب *} جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور أن يفوته شيء فلا بد من لقاء جزائه، وكل ما هو آت سريع، وهو مع ذلك يعد لكل عمل جزاءه على ما تقتضيه الحكمة من عدل أو فضل حين صدوره، لا يحتاج إلى زمان ينظر فيه ما جزاءه؟ ولا: هل عمل أو لا؟ لأنه لا تخفى عليه خافية؛ والسرعة: عمل في قلة المدة على ما تحده الحكمة، والإبطاء: عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة، والسرعة محمودة، والعجلة مذمومة، وهو تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا
(10/365)

كالقاطعين بأنهم يغلبون، لما لهم من القوة والكثرة، مع جودة الآراء وحدة الأفكار والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم، فهو لا يغني عنهم شيئاً، فقد مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك إلا علواً {وقد مكر الذين} ولما كان المراد بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال: {من قبلهم} أي بالرسل وأتباعهم، فكان مكرهم وبالاً عليهم، فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه غير مرة وأتقنوه بزعمهم، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك وأهله، ودل على ذلك المطوي بواو العطف في قوله {وقد} وطوى في الكلام السابق إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ودل عليه بواو العطف في {أولم يروا} فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز.
ولما كان ذلك كذلك، تسبب عنه أن يقال: {فلله} أي الملك الأعظم المحيط علمه وقدرته خاصة {المكر جميعاً} والمكر: الفتل عن البغية بطريق الحيلة، ويلزمه الستر - كما مضى بيانه، ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى: فلا طريق لهم إلى علمها
(10/366)

إلا من جهته سبحانه، وسمي فعله مكراً مجازاً لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: {يعلم} ويجوز أن يكون تفسيراً لما قبله، لأن علم المكر من الماكر مكن حيث لا يشعر أدق المكر {ما تكسب كل نفس} أي من مكر وغيره، فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج عن كل سبب أقاموه مسبباً يكون ضد ما أرادوا، ولا تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته، فستنظرون ماذا يحل بهم من بأسه بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم أجمعين {وسيعلم الكافر} أي كل كافر بوعد لا خلف فيه، إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس {لمن عقبى الدار *} حين نأتيهم ضد مرادهم؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع أو دفع الضر.
ولما تقدم قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية} عطف عليه - بعد شرح ما استتبعه - قوله: {ويقول الذين كفروا} أي أوجدوا الكفر ولو على أدنى الرتب، قولاً على سبيل التكرار: {لست مرسلاً} لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوماً: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ فقال: {قل كفى}
(10/367)

والكفاية: وجود الشيء على مقدار الحاجة؛ ومعنى الباء في {بالله} أي الذي له الإحاطة الكاملة - التأكيد، لأن الفعل جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين: جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة {شهيداً} أي بليغ العلم في شهادته بلاطلاع على ما ظهر وما بطن {بيني وبينكم} يشهد بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب، ويشهد بتكذيبكم بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم لها عجزاً، وهذا على مراتب الشهادة، لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما شهد به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بأن ما جاءت لأجله كما هو {ومن عنده علم الكتاب} مما أنزله فيه من الأصول والفروع والخبر عما كان يكون على نحو من الأساليب ونمط من المناهيج أخرس الفصحاء، وأبكم البلغاء، وأبهت الحكماء، وهو الله تعالى، تأييداً وتحقيقاً لدعواي، ويؤيد أن المراد به «الله» قراءة {من} على أنها جارة، وفي سوقه هكذا على طريق الإبهام من ترويع النفس بهزّها إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في التعيين، فهو إذن كدعوى الشيء مقروناً بدليله، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أن المنزل حق من عنده وأنهم لا يؤمنون - والله الموفق.
(10/368)

سورة إبراهيم
بسم الله (الذي تفرد بالكمال، وعز عن أن يكون له كفو أو مثال) الرحمن (لجميع خلقه بكتاب هو الغاية في البيان) الرحيم (الذي اختار من عباده من ألزمهم روح وداده) الر (مقصود السورة التوحيد، وبيان أن هذا الكتاب غاية البلاغ إلى الله، لأنه كافل ببيان الصراط الدال عليه المؤدى إليه.
ناقل - بما فيه من الأسرار - للخلق من طور إلى طور - بما يشير إليه حرف الراء، وأدل ما فيها على هذا المرام قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أما التوحيد فواضح، وأما أمر الكتاب فلأنه من جملة دعائه لذريته الذين أسكنهم عند البيت المحرم من ذرية إسماعيل عليه السلام)) ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك وبعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم () [البقرة: 129] .
ولما ختم الرعد بأنه لا شهادة تكافىء شهادة من عنده علم الكتاب إشارة إلى أن الكتاب هو الشاهد بإعجازه ببلاغته وما حوى من
(10/369)

فنون العلوم، وأتى به في ذاك السياق معرفاً لما تقدم من ذكره في البقرة وغيرها ثم تكرر وصفه في سورة يونس وهود ويوسف والرعد بأنه حكيم محكم مفصل مبين، وأنه الحق الثابت الذي تزول الجبال الرواسي وهو ثابت لا يتعتع شيء منه.
ولا يزلزل معنى من معانيه، ذكره في أول هذه السورة منكراً تنكير التعظيم فقال:
(10/370)

الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2)
{كتاب} أي عظيم في درجات من العظمة. لا تحتمل عقولكم الإخبار عنها بغير هذا الوصف، ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه عربي على أن التقدير: {أنزلناه} أي بما لنا من العظمة {إليك} بلسان قومك لتبين لهم.
ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة للفلاح المذكورة أول السورة المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين، فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت، شوق إلى تلك الثمرة بعد تفصيل ما في أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ويقبل بقلب كل عاقل إليه فقال: {لتخرج الناس} أي عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم به وإن كانوا ذوي اضطراب {من الظلمات} التي هي أنواع كثيرة
(10/370)

من الضلالات التي أدت إليها الجهالات {إلى النور} الذي هو واحد، وهو سبيل الله المدعو بالهداية إليه في الفاتحة، أو لتبين للعرب قومك لأنه بلسانهم بياناً شافياً، فتجعلهم - بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة، وتوضح لهم من البراهين القاطعة، وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة، وتحكم لهم من الأدلة الباهرة - في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم، وكشف عن أغطية قوبهم، فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق الشيطان إلى نور الإيمان الذي هو سبيله {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور، لأنه عصمة العقل من الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق الحسي، وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس {بإذن ربهم} أي المحسن إليهم؛ والإذن: الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن، هذا أصله - قاله الرماني.
ولما كان النور مجملاً، بينه على سبيل الاستئناف أو البدل بتكرير العامل فقال: {إلى صراط العزيز} الذي تعالى عن صفات النقص
(10/371)

فعز عن أن يدخل أحد صراطه الذي هو ربه، أو يتعرض أحد إلى سالكه بغير إذنه {الحميد} المحيط بجميع الكمال، فهو المستحق لجميع المحامد لذاته وبما يفيض على عباده من النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها على كل حال، فكيف إذا سلكوا سبيله الواضح الواسع السهل! .
ولما أضاف طريق النجاة إلى وصفين يجوز إطلاق كل منهما على الخلق، بينهما باسمه الشريف العَلم على الاستئناف في قراءة نافع وابن عامر بالرفع. وعلى أنه عطف بيان في قراءة الباقين بالجر لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لاختصاصه بالمعبود بحق ووصفه بما اقتضى توحيده، فقال: {الله} أي المحيط علماً وقدرة {الذي له ما في السماوات} أي الأجسام العالية من الأراضي وغيرها. ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده، أكد بإعادة الموصول مع صلته فقال: {وما في الأرض} أي فويل لمن أشرك به شيئاً منهما أو فيهما، فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكاً لا يصلح لأن يكون شريكاً. ويجوز أن يكون التقدير: فوأل ونجاة وسلامة لمن اهتدى به فخرج من ظلمات الكفر {وويل} مصدر بمعنى الهلاك، ينصب نصب المصادر ثم يرفع
(10/372)

رفعها لإفادة أن معنى الهلاك - وهو ضد الوأل الذي هو النجاة - ثابت {للكافرين} الذين ستروا أدلة عقولهم {من عذاب شديد} تتضاعف آلامه وقوته؛ والشدة: تجمع يصعب معه التفكيك.
(10/373)

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)
ولما أشار إلى ما للكافرين، وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في أودية الشر فقال: {الذين يستحبون} أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة بغاية الرغبة متابعة للهوى {الحياة الدنيا} وهي النشأة الأولى التي هي دار الارتحال، مؤثرين لها {على الآخرة} أي النشأة الأخرى التي هي دار المقام، وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك، وهذا دليل على أن المحبة قد تكون بالإرادة؛ والمحبة: ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، فهم يمتنعون خوفاً على دنياهم التي منها رئاستهم عن سلوك الصراط {و} يضمون إلى ذلك أنهم {يصدون} أي يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم {عن سبيل الله} أي طريق الملك الأعظم؛ والسبيل: المذهب المهيأ للسلوك {و} يزيدون
(10/373)

على ذلك أنهم {يبغونها} أي يطلبون لها، حذف الجار وأوصل الفعل تأكيداً له {عوجاً} والعوج: ميل عن الاستقامة، وهو بكسر العين في الدين والأمر والأرض، وبالفتح في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح ونحوهما {أولئك} أي البعداء البغضاء {في ضلال بعيد *} أي عن الحق، إسناد مجازي، لأن البعيد أهل الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني وبطلبهم العوج فيما قومه الله المحيط بكل شيء قدرة وعلماً.
ولما قدم ما أفهم أنه أرسله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلسان قومه إلى الناس كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة وأجمعها وأفصحها وأبينها، فكان في غاية العدالة، وختم بأن السبيل إليه في غاية الاستقامة والاعتدال، دلّ على شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم وخفته عليهم بخصوص لسان كل من الرسل بقومه، فلذلك أتبعه قوله: {وما أرسلنا} أي بما لنا في العظمة، وأعرق في النفي فقال: {من رسول} أي في زمن من الأزمان {إلا بلسان} أي لغة {قومه} أي الذين فيهم قوة المحاولة لما يريدون {ليبين} أي بياناً شافياً {لهم} كما تقدم أنا أرسلناك بكتاب عربي بلسان قومك لتبين لهم
(10/374)

ولجميع الخلق، فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها، فهو معطوف على {أنزلناه} بالتقدير الذي تقدم، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته {فيضل} أي فتسبب عن ذلك أنه يضل {الله} أي الذي له الأمر كله {من يشاء} إضلاله، وقدم سبحانه هذا اهتماماً بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال {ويهدي من يشاء} هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي، وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزاً للضال من المهتدي {وهو} أي وحده {العزيز} الذي لا يرام ما عنده إلا به، ولا يمتنع عليه شيء أراده {الحكيم *} الذي لا ينقض ما دبره، فلذلك دبر بحكمته إرساله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي، لأن المقصود جمع الخلق على الحق، فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك، ولو أنزل بألسنة كلها لكان منافياً لهذا المقصود، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريباً من الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب، ويؤدي أيضاً إلى ادعاء أهل كل لسان
(10/375)

أن التعبير عنه بلسانهم أعظم، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد الفرقة، وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم، أقرب إليه، فيكون فهمهم لأسرار شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل، ويكونون عن الغلط والخطأ أبعد، فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا، فانتشر الأمر وعم وسهل، وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات والبراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها، قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض} [الرعد: 31] . ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئته سبحانه وسابق إرادته وقد قال لنبيه عليه السلام {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} قال تعالى هنا {بإذن ربهم} ، إنما عليك البلاغ. ولما قال تعالى: {وكأين من آية من السماوات والأرض} [يوسف: 105] تم
(10/376)

بسطها في سورة الرعد، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال: {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} [إبراهيم: 2] فالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما من عظيم ما أوضح لكم الاعتبار به، كل ذلك له ملكاً وخلقاً واختراعاً، {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} [آل عمران: 83] {وويل للكافرين من عذاب شديد} [إبراهيم: 2] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه {ويصدون عن سبيل الله} [التوبه: 34] مع وضوح السبيل وانتهاج ذلك الدليل، ثم قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] وكأن هذا من تمام قوله سبحانه {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} [الرعد: 38] وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا: {أبشر يهدوننا} [التغابن: 6] ، {ما أنتم إلا بشر مثلنا} [يس: 15] وحتى قالت قريش: {لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8] ، {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} {وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] فما كثر هذا منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم، رد تعالى أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج
(10/377)

في هذا الغرض شيئاً فشيئاً، فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى:
{أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] ، الآية ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه، وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر، فأرغم الله تعالى بمضمون هذة الآي كل جاحد معاند؛ ثم ذكر تعالى في سورة هود قول قوم نوح {ما نراك إلا بشراً مثلنا} [هود: 27] ، الآية وجوابه عليه السلام {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} [هود: 63] أي أني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله بفضله وآتاني رحمة من عنده وبرهاناً على ما جئتكم به عنه، وفي هذه القصة أعظم عظة، ثم جرى هذا لصالح وشعيب عليهما السلام، وديدن الأمم أبداً مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى وما هو شاهد على تعنتهم، ثم زاد سبحانه تعالى
(10/378)

نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعريفاً بأحوال من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ليسمع ذلك من جرى له مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} [الرعد: 38] وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئاً من مناصبهم، بل هو واقع في قيام الحجة على العباد. ثم تلا ذلك بقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة: لا نفهم عنهم، إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب عليه السلام {وما نفقة كثيراً مما تقول} [هود: 91] هذا وهو عليه السلام يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ذلك بل لو خالفت الرسل عليهم السلام الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد واستعمال الأغذية وغيرها من مألوفات البشر لكان منفراً، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود لافتراق الجنسية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9] أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة. ولما كانت رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامة، كان عليه الصلاة والسلام
(10/379)

يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم، وتأمل كم بين كتابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنس رضي الله عنه في الصدقة وكتابه إلى وائل بن حجر مع اتحاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها، وكل ذلك لتقوم الحجة على الجميع، واستمر باقي سورة إبراهيم عليه السلام على التعريف بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخرة وعذابها - انتهى.
(10/380)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)
ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم، فابتدأ بذكر من كتابه أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلاً على أنه يفعل ما يشاء من الإضلال والهداية، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتثبيتاً وتصبيراً على أذى قومه، وإرشاداً إلى ما فيه الصلاح في مكالمتهم، فقال مصدراً بحرف التوقع: {ولقد أرسلنا} أي بعظمتنا {موسى بآياتنا} أي البينات؛ ثم فسر الإرسال بقوله: {إن أخرج قومك} أي الذين فيهم قوة على مغالبة الأمور
(10/380)

{من الظلمات} أي أنواع الجهل {إلى النور *} بتلك الآيات {وذكرهم} أي تذكيراً عظيماً {بأيام الله} أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن لأعدائه كما أرسلناك لذلك {إن في ذلك} أي التذكير العظيم {لآيات} على وحدانية الله وعظمته {لكل صبار} أي بليغ الصبر بلاء الله، قال في العوارف: وقال أبو الحسن بن سالم: هم ثلاثة: متصبر، وصابر، وصبار، فالمتصبر من صبر في الله، فمرة يصبر ومرة يجزع، والصابر من يصبر في الله ولله ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى، وقد يمكن منه الجزع، فأما الصبار فذلك الذي صبّره الله في الله ولله وبالله، فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب والحقيقة، لا من جهة الرسم
(10/381)

والخليقة، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة. {شكور *} أي عظيم الشكر لنعمائه، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة، وفي صيغة المبالغة أشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} [البقرة: 214] {حتى إذا استيئس الرسل} [يوسف: 110] ، {الم أحسب الناس أن يتركوا} [العنكبوت: 2] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان ديناً ولا سيما إن كان قد درج عليه الأسلاف، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر.
ولما ذكر ما أمر به موسى عليه السلام، وكان قد تقدم أمره في الشريف إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم وأولي عزمهم، كان كأنه قيل: فبين أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام الله اقتداء بأخيك موسى عليه السلام {و} اذكر لهم خبره فإن أيامه من أعظم أيام الله: أشدها محنة وأجلها منحة {إذ قال موسى} امتثالاً لما أمرناه به {لقومه} مذكراً لهم بأيام الله معهم ثم أيامه مع غيرهم.
(10/382)

ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب والترهيب، أشار إلى أن مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك عادته في الترفق بمثل ما في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم بقوله: {ياقوم} فأسقطها هنا إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في الإيجاز في التذكير للخوف من معاجلتهم بالعذاب فقال: {اذكروا نعمة الله} أي ذي الجلال والإكرام، وعبر بالنعمة عن الإنعام حثاً على الاستدلال بالأثر على المؤثر {عليكم} ثم أبدل من «نعمة» قوله: {إذ} وهو ظرف النعمة.
ولما كانوا قد طال صبرهم جداً بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا يمكن في العادة خلاصهم منه، وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال جداً بتعب شديد، أشار إلى أسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لو جرى على مقتضى العادة جزاء لهم على طول صبرهم، فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه سياق البقرة فقال: {أنجاكم من} بلاء {آل فرعون} أي فرعون نفسه وأتباعه استعمالا للمشترك في معنييه، فإن الآل على الشخص نفسه وعلى أهل الرجل وأتباعه
(10/383)

وأوليائه؛ قال في القاموس: ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالباً، فكأنهم قالوا: من أيّ بلائهم؟ فقال: {يسومونكم} أي يكلفونكم ويولونكم على سبيل الاستهانة والقهر {سوء العذاب} بالاستعباد.
ولما كان السياق للصبر البليغ، اقتضى ذلك العطف في قوله: {ويذبحون} أي تذبيحاً كثيراً مميتاً - بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل، ومعرفاً بإعادة التعبير بالذبح أن الموت بالسكين {أبناءكم ويستحيون} أي يطلبوا أن يحيوا {نساءكم} لإفادة أن ذلك بلاء آخر {و} الحال أن {في ذلكم} أي الأمر الشديد المشقة من العذاب المتقدم أو الإنجاء أو هما {بلاء من ربكم} أي المربي لكم المدبر لأموركم {عظيم *} .
(10/384)

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)
ولما ذكرهم بنعمة الأمن رغبهم فيما يزيدها، ورهبهم مما يزيلها فقال: {وإذ} أي واذكروا إذ {تأذن ربكم} أي أعلم المحسن إليكم إعلاماً بليغاً ينتفي عنه الشكوك قائلاً: {لئن شكرتم} وأكده لما للأنفس من التكذيب بمثل ذلك لأعتقادها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه {لأزيدنكم} من نعمي، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود «إن عطائي لعتيد فأرجوه»
(10/384)

{ولئن كفرتم} النعمة فلم تقيدوها بالشكر لأنقصنكم ولأعذبنكم {إن عذابي} بإزالتها وغيرها {لشديد *} فخافوه، فالآية - كما ترى - من الاحتباك.
ولما كان من حث على شيء وأثاب عليه أو نهى عنه وعاقب على فعله يكون لغرض له، بين أن الله سبحانه متعال عن أن يلحقه ضر أو نفع، وأن ضر ذلك ونفعه خاص بالعبد فقال تعالى حاكياً عنه: {وقال موسى} مرهباً لهم معلماً أن وبال الكفران خاص بصاحبه {إن تكفروا} والكفر: تضييع حق النعمة بجحدها أو ما يقوم في العظم مقامه {أنتم ومن في الأرض} وأكد بقوله: {جميعاً} فضرره لاحق بكم خاصة غير عائد على الله شيء منه {فإن الله} أي الملك الأعظم {لغني} أي في ذاته وصفاته عن كل أحد، والغنى هنا المختص بما ينفي لحاق الضرر أو النقص، والمختص بأنه قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء، وذلك بنفسه لا بشيء سواه، ومن لم يكن كذلك لم يكن غنياً {حميد *} أي بليغ الاستحقاق للحمد بما له من عظيم النعم وبما له من صفات الكمال، وكل مخلوق يحمده بذاته وأفعاله وجميع أقواله كائنة ما كانت، لأن إيجاده لها ناطق
(10/385)

بحمده سبحانه.
ذكر التأذن بذلك المذكر به من التوراة:
قال في السفر الخامس: واختاركم الله ربكم أن تكونوا له شعباً حبيباً من جميع الشعوب التي على وجه الأرض، وليس لأنكم أكثر من جميع الشعوب أحبكم الرب واختاركم، ولكن ليثبت الأيمان التي أقسم لآبائكم، لذلك أخرجكم الرب بيد منيعة، وأنقذكم من العبودية، وخلصكم من يدي فرعون ملك مصر، لتعلموا أن الله ربكم هو إله الحق، إله مهيمن يحفظ النعمة والعهد لأوليائه الذين يحفظون وصيته لألف حقب، ويكافىء شنأته في حياتهم ويجزيهم بالهلاك والتلف، احفظوا السنن والأحكام والوصايا التي آمركم بها اليوم فافعلوها يحفظ الله الرب العهد والنعمة التي أقسم لآبائكم، ويحبكم ويبارك عليكم ويكثركم، ويبارك في أولادكم وفي ثمرة أرضكم وفي بركم وخبزكم وزيتكم، وفي أقطاع بقركم وجفرات غنمكم، وتكونوا
(10/386)

مباركين من جميع الشعوب، ولا يكون فيكم عاقر ولا عقيم ولا في بهائمكم، ويصرف الله عنكم كل وجع، وجميع الضربات التي أنزل الله بأهل مصر - كما تعلمون - لا ينزلها بكم بل ينزلها بجميع شنأتكم، وتأكلون جميع خيرات الشعوب التي يعطيكم الله ربكم، ولا تشفق أعينكم عليهم، ولا تعبدوا آلهتهم لأنهم فخاخ لكم، وإن قلتم في قلوبكم: إن هذه الشعوب أكثر منا فكيف نقدر أن نهلكها! فلا تفرقوا منها ولكن اذكروا جميع ما صنع الله ربكم بفرعون ملك مصر وكل أصحابه، والبلايا العظيمة التي رأيتم بأعينكم، والآيات والأعاجيب واليد المنيعة والذراع العظيمة، وكيف أخرجكم الله ربكم! كذلك يفعل الله ربكم بجميع الشعوب التي تخافونها.
ويسلط الله ربكم عليهم عاهات حتى يهلكهم، والذين يبقون ويختفون منكم لا تخافوهم لأن الله ربكم بينكم. الإله العظيم المرهوب، فيهلك الله ربكم هذه الشعوب من بين أيديكم رويداً رويداً، لأنكم لا تقوون أن تهلكوهم سريعاً لئلا يكثر السباع، ولكن
(10/387)

يدفعهم الله ربكم إليكم وتضربونهم ضربة شديدة حتى تهلكوهم، ويدفع ملوكهم في أيديكم وتهلكون أسماءهم من تحت السماء، لا يقدر أحد أن يقوم بين أيديكم حتى تهلكوهم وتحرقوا آلهتهم المنحوتة بالنار، ولا تشتهوا الفضة والذهب الذي عليها وتأخذوه منها لئلا تتنجسوا بها، لأنها مرذولة عند الله ربكم، فلا تدخلوا نجاسة إلى بيوتكم لئلا تكونوا منفيين مثلها، ولكن أرذلوها ونجسوها وصيروها نفاية بخسة لأنها حرام. ثم قال: انظروا! إني أتلو عليكم دعاء ولعناً، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم، وأما اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكم، وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم - وقد مضى كثير من أمثال هذا عن التوراة، ولا ريب في أن هذا الترغيب والترهيب والتذكير للتحذير كما أنه كان لبني إسرائيل، فهو لكل من سمعه من المكلفين.
(10/388)

ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية، وعين منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبداناً، وأكثرهم أعواناً، وأقواهم آثاراً، وأطولهم أعماراً، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول، لأن النفس للمحسوس أقبل، فقال دالاً على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفاً لهم من سطوات الله سبحانه: {ألم يأتكم} أي يا بني إسرائيل {نبأ الذين} ولما كان المراد قوماً مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال: {من قبلكم} ثم أبدل منهم فقال: {قوم} أي نبأ قوم {نوح} وكانوا ملء الأرض {و} نبأ {عاد} وكانوا أشد الناس أبداناً وأثبتهم جناناً {و} نبأ {ثمود} وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور {و} نبأ {الذين} ولما كان المراد البعض، أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث {لا يعلمهم} أي حق العلم على التفصيل {إلا الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة، كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنياً حميداً عند أخذهم وبعده كما كان قبله، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون.
ثم فصل سبحانه خبرهم، فقال - جواباً لمن كأنه قال: ما كان
(10/389)

نبأهم؟ {جاءتهم رسلهم بالبينات} وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه {فردوا} أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول {أيديهم في أفواههم} وهو أشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت، كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد؛ قال الرازي في اللوامع: حكى أبو عبيد: كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب. {و} بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة {قالوا} أي الأمم {إنا كفرنا} أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين {بما} ولما كان رد الرسالة جامعاً للكفر، وكانوا غير مسلّمين أن المرسل لهم هو الله، بنوا للمفعول قولهم: {أرسلتم به} أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلاً عن القطع، فلذا لا يحتاج رده إلى تأمل.
ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد، فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار، أكدوا: {وإنا لفي شك} أي محيط بنا، وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما، يتعاقب
(10/390)

على حال الذكر ويضاد العلم والجهل.
ولما كان الدعاء مسنداً إلى جماعة الرسل، أثبت نون الرفع مع ضمير المتكلمين بخلاف ما مضى في هود، فقالوا {مما} أي شيء {تدعوننا} أيها الرسل {إليه} أي من الدين {مريب} أي موجب للتهمة وموقع في الشك والاضطراب والفزع، من أراب الرجل: صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل.
(10/391)

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)
ولما كان سامع هذا الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه، وكان أصل الدعوة في كل ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكاً في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكّم عقله مجرداً عن الهوى، ساغ الإنكار وإيراد الكلام على تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم في قوله: {* قالت رسلهم} ولما كان ما شكوا فيه من الظهور بحيث لا يتطرق إليه ريب، أنكروا أن يكون فيه شك، لأن ذلك يتضمن إنكار شكهم وشك غيرهم فقالوا: {أفي الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {شك} .
ولما كان الجواب عاماً لا يخص ناساً دون ناس، لم يأت بصلة
(10/391)

فقال بخلاف قوله: {إن نحن إلا بشر} ثم نبهوهم بالمصنوع على مقصود الدعوة من وجود الصانع وتفرده وظهوره في قولهم: {فاطر السماوات} ولما كان المقام لادعاء أنه في غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل، فقال: {والأرض} أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال، الجميل العوائد، والمتسق الفصول؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته بينوا لهم بأن ثمرة الدعوة خاصة بهم، إنه لا يأباها من له أدنى بصيرة، فقالوا: {يدعوكم} أي على ألسنتنا {ليغفر لكم} .
ولما كان الكافر إنما يدعى أولاً إلى الإيمان، وكان الإيمان إنما يجب ما كان قبله من الذنوب التي معهم بينهم وبينه دون المظالم، قال: {من ذنوبكم} ولو عم بالغفران لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلاً {و} لا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن خالفهم، بل {يؤخركم} وإن أخطأتم أو تعمدتم وتبتم {إلى أجل مسمى} عنده سبق علمه به، وهو آجالكم على حسب التفريق، ولا يستأصلكم بالعذاب في
(10/392)

آن واحد كما فعل بمن ذكر من الأمم.
فلما بين لهم الأصيل بدليله فروع عليه ما لا ريب فيه في قصر نفعه عليهم، علموا أنه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فأعرضوا عنه إلى أن {قالوا} عناداً {إن} أي ما {أنتم} أي أيها الرسل {إلا بشر} وأكدوا ما أرادوا من نفي الاختصاص فقالوا: {مثلنا} يريدون: فما وجه تخصيصكم بالرسالة دوننا؟ ثم كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ فقالوا: {تريدون أن تصدونا} أي تلفتونا وتصرفونا {عما كان} أي كوناً هو كالجبلة، وأكدوا هذا المعنى للتذكير بالحال الماضية بالمضارع فقالوا: {يعبد آباؤنا} أي أنكم - لكونكم من البشر الذين يقع بينهم التحاسد - حسدتمونا على اتباع الآباء وقصدتم تركنا له لنكون لكم تبعاً {فأتونا} أي فتسبب - عن كوننا لم نر لكم فضلاً وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون مانعاً - أن نقول لكم: ائتونا لنتيعكم {بسلطان مبين *} أي حجة واضحة تلجئنا إلى تصديقكم مما نقترحه عليكم، وهذا تعنت محض فإنهم جديرون
(10/393)

بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به كائناً ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به من البينات فلم يعتدوا به، فكأنه قيل: فما كان جواب الرسل؟ فقيل: {قالت} .
ولما أرادوا تخصيصهم برد ما قالوا، قيد بقوله: {لهم رسلهم} مسلمين أول كلامهم غير فاعلين فعلهم في الحيدة عن الجواب {إن} أي ما {نحن إلا بشر مثلكم} ما لنا عليكم فضل بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية لا يمنع اختصاص بعض البشر عن بعض بفضائل؛ والمثل: ما يسد مسد غيره حتى لو شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر لم يقع فصل {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله فضلنا عليكم لأنه {يمن على من يشاء} أي أن يمن عليه {من عباده} رحمة منه له، بأن يفضله على أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به عارفون، فلم يصرحوا بما تميزوا به من وصف النبوة، ولم يخصوا أنفسهم بمنّ الله بل أدرجوها في عموم من شاء الله، كل ذلك تواضعاً منهم واعترافاً بالعبودية؛ والمن: نفع يقطع به عن بؤس، وأصله القطع، ومنه {غير منون} ، والمنة قاطعة عن الدنيا.
(10/394)

ولما بينوا وجه المفارقة، عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم فقالوا: {وما} أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن لنا فيه، وما {كان} أي صح واستقام {لنا أن نأتيكم بسلطان} مما تقترحونه تعنتاً، وهو البرهان الذي يتسلط به على إبطال مذهب المخالف للحق غير المعجزة التي يثبت بها النبوة {إلا بإذن الله} أي بإطلاق الملك الأعظم وتسويفه، فنحن نتوكل على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان بسلطان أو لم يأذن وافقتم أو خالفتم {وعلى الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه وحده {فليتوكل} أي بأمر حتم {المؤمنون *} فكيف بالأنبياء؛ ثم بينوا سبب وجوب التوكل بقولهم: {وما} أي وأي شيء {لنا} في {ألاّ نتوكل على الله} أي ذي الجلال والإكرام {و} الحال أنه {قد هدانا سبلنا} فبين لنا كل ما نأتي وما نذر، فلا محيص لنا عن شيء من ذلك، فلنفعلن جميع أوامره، ولننتهين عن جميع مناهيه {ولنصبرن} أكدوا لإنكار أن يصبر الرسول - مع وحدته - على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم {على ما} وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم
(10/395)

في الماضي فلا يجازونهم به، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالصبر، فقال: {آذيتمونا} أي في ذلك الذي أمرنا به كائناً فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في قضائه {وعلى الله} أي الذي له جميع صفات الكمال وحده {فليتوكل المتوكلون *} الذين علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو لا، فوكلوا أمراً من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم إياه، فإنه محيط العلم كامل القدرة، وكل من عداه عاجز، والصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات المطلق من الكرب، والحق لا بد وأن يصير غالباً قاهراً، والباطل لا بد وأن يصير مغلوباً مقهوراً وإن طال الابتلاء.
(10/396)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)
ولما انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم والعلم والحكمة، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد، وكان في الكلام ما ربما أشعر بانقضائه، ابتدأ تعالى عنهم
(10/396)

محاورة أخرى، عاطفاً لها على ما مضى، فقال: {وقال الذين كفروا لرسلهم} مستهينين بمن قصروا التجاءهم عليه، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأى مدافعة الله عن أوليائه لقولهم: والذي يحلف به! ليكونن أحد الأمرين: {لنخرجنكم من أرضنا} أي التي لنا الآن الغلبة عليها {أو لتعودن في ملتنا} بأن تكفوا عن معارضتنا كما كنتم دعوى الرسالة، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل {جعلوا أصابعهم في آذانهم} [نوح: 7] وهو مجاز مرسل، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلاً على ربهم واستمروا على نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله {فأوحى إليهم} أي كلمهم في خفاء بسبب توعد أممهم لهم، مختصاً لهم بذلك {ربهم} المحسن إليهم الذي توكلوا عليه، تسكيناً لقلوبهم وتسلية لنفوسهم، وأكد لما - لمن ينظر كثرة الكفار وقوتهم - من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافراً، قائلاً: {لنهلكن} بما لنا من العظمة المقتضية لنفوذ الأمر؛ والإهلاك: إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه الإحساس {الظالمين *} أي العريقين في الظلم، وربما تبنا على بعض
(10/397)

من أخبرنا عنه بأنه كفر، وهو من لم يكن عريقاً في كفره الذي هو أظلم الظلم {ولنسكننكم} أي دونهم {الأرض} أي مطلقها وخصوص أرضهم، وأشار إلى عدم الخلود بالجار فقال: {من بعدهم} بأن نورثكموها سواء قدرناهم على إخراجكم أم لا، فكأنه قيل: هل ذلك خاص بهم؟ فقيل: لا، بل {ذلك} أي الأمر العالي المرام {لمن خاف مقامي} أي المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه: ماذا تكون عاقبته فيه، وهو أبلغ من: خافني، {وخاف وعيد *} لا بد أن أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده، فاستبشروا بذلك الوعد من الله تعالى {واستفتحوا} على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا {وخاب كل جبار عنيد} فأهلكناهم كلهم، وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم كما كان قبله؛ والعناد: الامتناع من الحق مع العلم به كبراً وبغياً، من عند عن الحق عنوداً، والجبرية: طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له؛ ثم أتبعه ما هو كدليل على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر،
(10/398)

وعبر عن غفلته عنه بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أنه يتبوأها.
ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقاً، بني للمفعول قوله: {ويسقى} أي فيها {من ماء صديد} وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم {يتجرعه} أي يتكلف بلعه شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدره إلا الله {ولا يكاد يسيغه} ولا يقرب من إساغته، فإن الإساغة جر الشيء في الحلق على تقبل النفس {ويأتيه الموت} أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات {من كل مكان} والمكان: جوهر مهيأ للاستقرار، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته {وما هو بميت} أي بثابت له الموت أصلاً.
لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه، والموت: عرض يضاد الإدراك في البنية الحيوانية {ومن ورائه} أي هذا الشخص، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا بد منه، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله {عذاب غليظ *} يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه
(10/399)

أخذ ما يكون من وراء، فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة، أو يكون المعنى أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذاباً آخر، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من الغلظ. فلما فرغ من محاوراتهم، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من بطشه شيء، ضرب لهم في ذلك مثلاً فقال: {مثل} وهو مستعار هنا للصفة التي فيها غرابة {الذين كفروا} مستهينين {بربهم} مثل من قصد أمراً ثم لم ينظر لنفسه في السلوك إليه بل اغتر بمن جار به عن الطريق، فأبعد كل البعد حتى وصل إلى شعاب لا يمكن فيها المقام، ولا يتأتى منها الرجوع فهلك ضياعاً.
ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعمل، ذكر ما علم منه أن المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما مثلهم؟ فقال: {أعمالهم} أي المكارم التي كانوا يعملونها في الدنيا من الصلة والعتق وفداء الأسرى والجود ونحو ذلك، في يوم الجزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانياً - كما قال الحوفي وابن عطية. وهو وخبره خبر المبتدأ الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأنه نفس المثل الذي معناه الصفة {كرماد} وهو ما سحقه الاحتراق سحق الغبار
(10/400)

{اشتدت به الريح} أي أسرعت بالحركة على عظم القوة؛ والريح: جسم رقيق مثبت في الجو من شأنه الهبوب، والرياح خمس: شمال وجنوب وصباً ودبور ونكباء {في يوم عاصف} أي شديد الريح، فأطارته في كل صوب، فصاروا بحيث {لا يقدرون} أي يوم الجزاء؛ ولما كان الأمر هنا متمحصاً للأعمال، قدم قوله: {مما كسبوا} في الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم {على شيء} بل ذهب هباء منثوراً لبنائه على غير أساس، فثبت بمقتضى ذلك أن الذين كفروا بربهم واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة في ضلال بعيد، بل {ذلك} أي الأمر الشديد الشناعة {هو} أي خاصة {الضلال البعيد *} الذي لا يقدر صاحبه على تداركه.
(10/401)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)
ولما ذكر الآخرة في أول السورة، ذكر ما هو ثابت لا نزاع فيه، ثم جرّ الكلام إليه هنا على هذا الوجه الغريب، وأتبعه مثل أعمال الكفار في الآخرة، أتبع ذلك الدليل عليه وعلى أنه لا يسوغ في الحكمة في أعمال الضلال إلا الإبطال فقال: {ألم تر أن الله} أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة {خلق السماوات} على عظمها وارتفاعها {والأرض} على تباعد
(10/401)

أقطارها واتساعها {بالحق} بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة لا بالخيال والتمويه كالسحر، ومن المعلوم أنهما ظرف، ولا يكون المظروف الذي هو المقصود بالذات إلا مثل ظرفه أو أعلى منه، فكيف يظن أنه يخلق شيئاً فيهما سدى بأن يكون باطلاً فلا يبطله، أو حقاً فلا يحقه، أم كيف يتوهم أنه - مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر خلقاً وأعظم شأناً - لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمراً وأصغر قدراً، أو خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء بعده، فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة، فهو بحيث {أن يشأ يذهبكم} أي بنوع من أنواع الإذهاب: الموت أو غيره {ويأت بخلق جديد} غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم بحيث تعودون - كما أنتم - خلقاً جديداً؛ والجديد: المقطوع عنه العمل في الابتداء، وأصله القطع، فالجد أب الأب، انقطع عن الولادة بالأب، والجد ضد الهزل، يقطع به المسافة حساً أو معنى {وما ذلك} الإذهاب
(10/402)

والإتيان على عظمه {على الله} أي الملك الأعلى {بعزيز *} وهو الممتنع بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلاً عن أن يكون أعظم منه، فلا وجه لقولكم {هل ندلكم على رجل ينبئكم} [سبأ: 7] ، الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم - التي هي أسبابهم - الموجب لهلاكهم.
ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت، عطف على قوله: {لا يقدرون مما كسبوا على شيء} [إبراهيم: 18] قوله - بياناً لهو أن البعث عنده وسهولته عليه -: {وبرزوا} أي في ذلك اليوم، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب، فكيف بملك الملوك! وفيه من هز النفس وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل {لله} أي الملك الأعظم {جميعاً} فكانوا بحيث لا يخفى منهم خافية على ما هو متعارفهم، لأنه لا ساتر لهم، فإن البروز خروج لشيء عما كان ملتبساً به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب، فتقطعت بهم الأسباب {فقال الضعفاء} أي الأتباع
(10/403)

من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم، تبكيتاً لرؤسائهم وتوبيخاً، تصديقاً لقوله تعالى:
{الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] {للذين استكبروا} أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك. {إنا كنا} أي كوناً هو كالجبلة {لكم تبعاً} أي تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم {فهل أنتم مغنون} أي دافعون {عنا من عذاب الله} أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه، وأبلغوا بعد التبعيض ب «من» الأولى في التقليل، فقالوا: {من شيء} كأن العذاب كان محتاجاً إلى أخذهم فأغنوه بشيء غيرهم حتى يجاوزهم لو دفعوه عنهم، فكأنه قيل: إن ذلك لعادة الرؤساء، فماذا قالوا؟ فقيل: {قالوا} علماً منهم بأنه لا طاقة لهم على نوع من أنواع التصرف: لا نغني عنكم شيئاً، بل كل مجزي بما فعل، علينا إثم ضلالنا في أنفسنا وإضلالنا لكم، وعليكم ضلالكم وذبكم عنا وتقويتكم لجانبنا حتى استكبرنا
(10/404)

فاستغرقنا في الضلال، ولو أن الله هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها كما سمعناها وتركتمونا، لكسر ذلك من شدتنا وأوهى من شوكتنا، فكان ربما يكون سبباً لهدايتنا كما أنه {لو هدانا الله} أي المستجمع لصفات الكمال {لهديناكم} فكان يكون لنا جزاء اهتدائنا وهدايتنا لكم، ولكم جزاء اهتدائكم وتقويتكم لنا على ذلك، ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعاً فأضللناكم.
ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع، قالوا: {سواء علينا} أي نحن وأنتم {أجزعنا} والجزع: انزعاج النفس بورود ما يغم {أم صبرنا} لا فائدة لنا في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه {ما لنا من محيص} يصلح للمصدر والزمان والمكان، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين، فلم يبق في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة، وهذا الاستفهام ليس على بابه، بل المراد به التنبيه على أنه حالهم مما ينبغي السؤال عنه وترديد الأمر فيه لينتهي عن مثله.
(10/405)

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)
ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين، خص بالإفراد بالجواب فقيل: {وقال} أول المتبوعين في الضلال {الشيطان} الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي ببعده واحتراقه {لما قضي الأمر} بتعين قوم للجنة وقوم للنار، جواباً لقول الأتباع مذعناً حيث لا ينفع الإذعان، ومؤمناً حيث فات نفع الإيمان: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {وعدكم وعد الحق} بأن أرسل إليكم رسلاً وأنزل معهم براهين وكتباً أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار، ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم الشياطين، وبشر من أجاب، وحذر من أبى، بما هو قادر أتم القدرة، فكل ما قاله طابقه الواقع - كما ترون - فصدقكم فيه ووفى لكم {ووعدتكم} أنا بما زينت لكم به المعاصي من الوساوس وعد الباطل {فأخلفتكم} فلم أقل شيئاً إلا كان زيغاً، فاتبعتموني مع كوني عدوكم، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم؛ فالآية من الاحتباك: ذكر {وعد الحق} أولاً دليلاً على حذف ضده
(10/406)

ثانياً، و {أخلفتكم} ثانياً دليلاً على حذف «صدقكم» أولاً.
ولما بين غروره، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: {وما كان} لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان {لي عليكم} وأبلغ في النفي فقال: {من سلطان} أي تسلط كبير أو صغير بشيء من الأشياء {إلا أن} أي بأن {دعوتكم} بالوسوسة التي كانت سبباً لتقوية دواعيكم إلى الشر {فاستجبتم} أي أوجدتم الإجابة إيجاد من هو طالب لها، راغب فيها {لي} محكمين الشهوات، معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء، ولو حكمتم عقولكم لتبعتم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها وما في سبل غيرهم من الظلام السادّ لها، والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى، وساقه على صورة الاستثناء - وإن لم يكن دعاءه من السلطان في شيء - لأن السلطان أخص من البرهان إذ معناه برهان يتسلط به على إبطال مذهب الخصم إشارة إلى أنهم تبعوه ولا قدرة له على غير هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه، وتركوا دعاء من أنزل إليهم من كل سلطان مبين، مع تهديدهم بما هو قادر على عليه وضربهم ببعضه، وفاعل مثل ذلك لا لوم له على غير نفسه {فلا} أي فاذ قد تقرر هذا تسبب عنه أني
(10/407)

أقول لكم: لا {تلوموني ولوموا أنفسكم} لأنكم مؤاخذون بكسبكم، لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير، وعلم منه قطعاً أن كلاًّ منا مشغول عن صاحبه بما جزي به، فعلم أني {ما أنا بمصرخكم} أي بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه {وما أنتم بمصرخي} فيما يخصني منه لتقطع الأسباب، بما دهى من العذاب، ثم علل ذلك بقوله: {إني كفرت} مستهيناً {بما أشركتمون} أي باتخاذكم لي شريكاً مع الله.
ولما كان إشراكهم لم يستغرق الزمان، أتى بالجار فقال: {من قبل} لأن ذلك ظلم عظيم، ثم علل هذه العلة بقوله: {إن الظالمين} أي العريقين في هذا الوصف {لهم عذاب أليم *} مكتوب لكم منهم مقداره، لا يغني أحد منهم عن الآخر شيئاً، بل كل مقصور على ما قدر له، وحكاية هذه المحاورة لتنبيه السامعين على النظر في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل أن لا يكون إلا الندم وقرع السن وعض اليد.
ولما ذكر الظالمين. أتبعه ذكر المؤمنين، فقال بانياً للمفعول لأن الدخول هو المقصود بالذات: {وأدخل} والإدخال: النقل إلى
(10/408)

محيط - هذا أصله {الذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان {وعملوا الصالحات} أي تصديقاً لدعواهم الإيمان {جنات تجري} وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها بإدخال الجار فقال: {من تحتها الأنهار} فهي لا تزال ريّاً، لا يسقط ورقها ولا ثمرها فداخلها لا يبغي بها بدلاً {خالدين فيها} .
ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال: {بإذن ربهم} الذي أذن لهم - بتربيته وأحسانه - في الخروج من الظلمات إلى النور، وقرىء «وأدخل» على التكلم فيكون عدل عن أن يقول «بإذني» إلى {بإذن ربهم} للإعلام بالصفة المقتضية للرحمة كما قال تعالى {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك} [الكوثر: 1] ولم يقل: لنا - سواء، ومن شكله {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله} [الفتح: 1] فلا تنبغي المسارعة إلى إنكار شي يمكن توجيهه، بل يتعين إمعان النظر، فإن الأمر كما قال الإمام أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب في توجيه {لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74]
(10/409)

أن كلام العرب لمن عرفه - ومن الذي يعرفه؟ - ألطف من السحر، وأنقى ساحى من مشوف الفكر، وأشد تساقطاً بعضاً على بعض، وأمسّ تسانداً نفلاً إلى فرض {تحيتهم} أي فيما بينهم وتحية الملائكة لهم؛ والتحية: التلقي بالكرامة في المخاطبة، فهي إظهار شرف المخاطب {فيها سلام *} أي عافية وسلامة وبقاء، وقول من كل منهم للآخر: أدام الله سلامتك، ونحو هذا من الإخبار بدوام العافية، كما أن حال أهل الباطل في النار عطب وآلام.
(10/410)

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)
ولما تقرر بما مضى أن الحق ما قاله الله أو فعله أو أذن فيه، وأن الباطل ما كان على غير أمره مما ينسب إلى الشيطان أو غيره من قول أو فعل، وأنه لا يصلح في الحكمة أن ينفي الحق ولا أن يبقى الباطل {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} [يونس: 81] ، {ويحق الله الحق بكلماته} ، {ليحق الحق ويبطل الباطل} [الأنفال: 8] ، وقص سبحانه كلام أوليائه الذي هو من كلامه، فهو أثبت الأشياء وأطيبها وأعظمها ثمرة،
(10/410)

وكلام أعدائه الذي هو من كلام الشيطان، فهو أبطل الأشياء وأخبثها، قرب سبحانه ذلك بمثل يتعارفه المخاطبون فقال: {ألم تر} أي يا من لا يفهم عنا هذا المثل حق الفهم سواه! {كيف ضرب الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {مثلاً} أي سيره بحيث يعم نفعه؛ والمثل: قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول؛ ثم بينه بقوله: {كلمة طيبة} أي جمعت أنواع الكرم فليس فيها شيء من الخبث، وتلك الكلمة {كشجرة طيبة} .
ولما كانت لا تسر إلا بالثبات، قال: {أصلها ثابت} أي راسخ في الأرض آمن من الاجتثاث بالرياح ونحوها {وفرعها} عالٍ صاعد مهتز {في} جهة {السماء *} لحسن منبتها وطيب عنصرها؛ فالآية من الاحتباك: ذكر «ثابت» أولاً دال على عال صاعد ثانياً، وذكر «السماء» ثانياً دال على الأرض أولاً.
ولما ذكر حالها، ذكر ثمرتها فقال: {تؤتي أكلها} أي ثمرتها بحسن أرضها ودوام ريّها {كل حين} على أحسن ما يكون من الإيتاء، لأن علوها منعها من عفونات الأرض وقاذورات الأبنية،
(10/411)

فكانت ثمرتها نقية من شوائب الأدناس.
ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال: {بإذن ربها} فهي بحيث لا يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو وصلوا إلى بذل النفوس؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [. . . .] ، تؤتي أكلها كل حين، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا» .
ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد
(10/412)

منه فيلزم، فقال: {ويضرب الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال للناس} أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم، لأن في ضربها زيادة إفهام وتصوير للمعاني، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت في الحس والخيال والوهم، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها، فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب {لعلهم يتذكرون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى له غاية التذكر - بما أشار إليه الإظهار، فهذا مثل كلام الأولياء، فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها، وهي أصل كل سعادة راسخة في قلوبهم، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح، فصارت كلما هزت اجتنى الهازّ ثمراتها التي لا نهاية لها، عالماً بأنها من فتح مولاه لا صنع له فيها بوجه، بل له سبحانه المن عليه في جميع ذلك وكما أن الشجر لا تتم إلا بعرق راسخ وأصل قائم وفروع عالية، فكذلك الإيمان لا يتم إلا بمعرفة القلب وقول اللسان وعمل الأركان، ثم أتبعه مثل حال الأعداء فقال: {ومثل كلمة خبيثة} أي
(10/413)

عريقة في الخبث لا طيب فيها {كشجرة خبيثة} .
ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أيّ حالة كانت، بنى للمفعول قوله: {اجتثت} أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها {من فوق الأرض} برأي كل من له رأي؛ ثم علل ذلك لقوله: {ما لها} وأعرق في النفي بقوله: {من قرار *} أي عند من له أدنى لب، لأنه لا نفع لها بل وجودها ضار ولو بشغل الأرض، فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلاً وإن علت وقتاً، لأن حجتها داحضة فجنودها منهزمة.
(10/414)

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)
فلما برز الكلام إلى هذين المثالين، حصل التعجب ممن يترك ممثول الأول ويفعل ممثول الثاني، فوقع التنبيه على أن ذلك بفعل القاهر، فقال تعالى - جواباً لمن كأنه قال: إن هذا الصريح الحق، ثم إنا نجد النفوس مائلة إلى الضلال، وطائشة في أرجاء المحال، فكيف لنا بالامتثال؟ {يثبت الله} أي الذي له الجلال والجمال {الذين آمنوا}
(10/414)

أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أقل درجاتها {بالقول الثابت} أي الذي هو متابعة الدليل {في الحياة الدنيا} بمثل ما تقدم من محاولات أنبيائه {وفي الآخرة} ويهديهم عند كل سؤال إلى أحسن الأقوال حيث تطيش العقول وتدهش الأفكار لشدة الأهوال {ويضل الله} أي الذي له الأمر كله {الظالمين} أي العريقين في الظلم، ويزلزلهم لتقلبهم في الظلمات التي من شأن صاحبها الضلال والخبط، فيفعلون ما لا يرضاه عاقل، فالآية من الاحتباك: ذكر الثبات أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والإضلال ثانياً دليلاً على الهدى أولاً {ويفعل الله} أي الذي له الأمر كله، فلا يسأل عما يفعل {ما يشاء} لأن الكل بحكمه وقضائه وهو القادر القاهر، فلا يتعجب من شيء، وفي هذا إرشاد إلى الإقبال عليه وإلقاء أزمّة الافتقار إليه؛ روى البخاري في التفسير وغيره ومسلم في أواخر صفة الجنة والنار عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» ، فذلك قوله تعالى {يثبت الله} الآية.
ولما أخبر سبحانه أنه هو الفاعل وحده، أتبعه الدليل عليه إضلال الذين بدلوا الكلمة الطيبة من التوحيد بالإشراك وزلزلتهم واجتثاث كلمتهم فقال: {ألم تر} وأشار إلى بعدهم عن مقامه صلى الله عليه
(10/415)

وعلى آله وسلم بقوله: {إلى الذين بدلوا} والتبديل: جعل الشيء مكان غيره {نعمت الله} أي المستجمع لصفات الكمال التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد، وما أورثهم من دين أبيهم إسماعيل عليه السلام ومن جميع النعم الدنيوية من أمن البلد وتيسير الرزق وغير ذلك، بأن جعلوا مكان شكرها {كفراً} وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان، وأعلاهم همماً في الوفاء، وأبعدهم عن الخناء {وأحلوا قومهم} بذلك {دار البوار *} أي الهلاك، مع ادعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلاً عن الأهل، روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة. والبوار: الهلاك الزائد، والإحلال: جعل الشيء في محل، فإن كان جوهراً فهو إحلال مجاورة. وإن كان عرضاً فهو إحلال مداخلة.
ولما أفاد أنها مهلكة، بينها بما يفهم أنها تلقاهم بالعبوسة كما كانوا يلقون أولياء الله من الرسل وغيرهم بذلك فقال: {جهنم} حال كونهم {يصلونها} أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها بانعطافها عليهم؛ ولما كان التقدير: فبئس الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم، عطف عليه قوله:
(10/416)

{وبئس القرار *} ذلك المحل الذي أحلوهم به.
(10/417)

وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)
ولما كان هذا الفعل من لا عقل له، بينه بقوله: {وجعلوا لله} الذي يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا في رزقهم لان له الكمال كله {أنداداً} وقال: {ليضلوا} أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ويعموا غيرهم على قراءة الباقين {عن سبيله} لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم يعلمون أن هذا لازم لفعلهم فهم قاصدون له، وإلا فلا عقول لهم، لأنه لا يقدم على ما لا يعلم عاقبته إلا أبله، وهم يقولون: إنهم أبصر الناس قوباً، وأصفاهم عقولاً. وأنفذهم أفكاراً، وأمتنهم آراء، فمن ألزم منهم بطريق النجاة ومن أحذر منهم لطرق الهلاك؟ مع ما أوقعوا أنفسهم فيه من هذا الداء العضال.
ولما تقرر أنهم على الضد من جميع ما يدعونه فكانوا بذلك أهلاً للإعراض عنهم، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمعرض أن يقول: فماذا أفعل بهم وقد أمرتني بإخراجهم إلى صراطك؟ أمره أن يدق أعناقهم بإخبارهم أن ما أضلهم من النعم إنما هو استدراج، فقال: {قل} أي تهديداً لهم فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا: {تمتعوا} وبالغوا في فعل البهائم مهما قدرتم، فإن ذلك ضائركم
(10/417)

غير نافعكم {فإن مصيركم} أي صيرورتكم {إلى النار *} بسبب تمتعكم على هذا الوجه.
ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقول لهم، وكان ذلك محركاً لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع الأنداد وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، والنفقة الشاملة لوجوه البر، أمره تعالى أن يندب أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه، والإعراض عما أقبلوا بالتمتع عليه من ذلك، فقال {قل لعبادي} فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبيباً لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم فقال: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف.
ولما كان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول، فهو جالٍ لصدأ القلوب، وموجب لتهذيب النفوس، قال جازماً: {يقيموا الصلاة} التي هي زكاة القوة وصلة العبد بربه {وينفقوا} وخفف عنهم بقوله: {مما رزقناهم} أي بعظمتنا، فهو لنا
(10/418)

دونهم، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها، إتقاناً لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار، واقتصر على هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما وعمومهما، ولعله سيق سياق الشرط تنبيهاً لهم على أن مجرد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلاً؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله: {سراً وعلانية} ويجوز أن يراد بالسر النافلة، وبالعلانية الفرض؛ ثم رهب من تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال، فقال مشيراً بالجار إلى قصر مدة أعمالهم: {من قبل أن يأتي يوم} أي عظيم جداً ليس هو كشيء من الأيام التي تعرفونها {إلا بيع فيه} لأسير بفداء {ولا خلال *} أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر، جمع خلة كقلة وقلال، أو هو مصدر، وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سبباً لخلاص هالك.
(10/419)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم، كان كأنه قيل: فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها؟
(10/419)

فقيل: {الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته، وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع، فقال: {الذي خلق السماوات والأرض} وهما أكبر خلقاً منكم وأعظم شأناً، ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة، فقال: {وأنزل من السماء ماء} ولما كان ذلك سبب النمو قال: {فأخرج به} أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي {من الثمرات} أي الشجرية وغيرهما {رزقاً لكم} بعد يبس الأرض وجفاف نباتها، وليس ذلك بدون إحياء الموتى؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه البحار والأنهار، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال: {وسخر لكم الفلك} وعلل ذلك بقوله: {لتجري في البحر} ولما كان ذلك أمراً باهراً للعقل، بين عظمته بقوله: {بأمره} ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار، قال: {وسخر لكم الأنهار *} ثم أتبعه ما جعله سبباً لكمال التصرف وإنضاج
(10/420)

الثمار المسقيّة بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال: {وسخر لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان؛ قال الرماني: والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه؛ ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال: {وسخر لكم الّيل} أي الذي القمر آيته {والنهار *} أي الذي الشمس آيته، يوجد كل منهما بعد تصرمه، ولو كان أحدهما سرمداً لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال؛ ثم عم بعد أن خص فقال: {وآتاكم} .
ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال: {من كل ما سألتموه} أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال: {وإن تعدوا} أيها الناس كلكم {نعمت الله} أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه، وعبر عنه بالنعمة إرشاداً إلى الاستدلال بالأثر
(10/421)

على المؤثر {لا تحصوها} أي لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها كما كانت عادة العرب، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد! فهذا شرح قوله أول السورة {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا هو ملك الله فضلاً عن أن يوجد شيء يداينه فضلاً عن شيء يماثله، فثبت أنه لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على العبد، وذلك متعسر الحصر، وكل ما ذكروه صريحاً في جنب ما دخل تحت كلياتهم تلويحاً - قليل، فكيف بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه، هذا في الجسم، وأما في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ، ودين باطل وضلال مائل، وذلك لا يحصيه إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه، ما أعزه وأعظم شأنه! .
ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة وما لهم، وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل
(10/422)

الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال: {إن الإنسان} أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه، والنسيان لما ينفعه ويضره، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره {لظلوم كفار} أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر، ويتعداه إلى الكفر، وختم مثل ذلك في سورة النحل ب {غفور رحيم} لأن تلك سورة النعم، بدئت بالنهي عن استعجال العذاب، لأن الرحمة أسبق، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع، فالتقدير إذن هناك: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم، وأما هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات.
(10/423)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل عليه، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها، فلا يصح أصلاً أن يكون شيء منها شريكاً. أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند أبيهم إبراهيم عليه السلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلماً منهم وكفراً، في أسلوب دال على البعث، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو
(10/423)

أعظم آبائهم، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق وغيره، فقال ناعياً عليهم - مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم، عطفاً على {قل لعبادي الذين آمنوا} أو على {وإذ قال موسى لقومه} : {وإذ} أي واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ {قال إبراهيم رب} أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلداً عظيماً.
ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم، وكان ذلك مفهماً لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا نعمة الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلداً - بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير، كان الأنسب تعريفه فقال: {اجعل هذا البلد} أي الذي يريدون إخراج الرسول منه {آمناً} أي ذا أمن بأمان أهله، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه مع أمه وهي خالية عن ساكن، فدعا أن يجعلها الله بلداً، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة
(10/424)

بالأمن، وهو سكون النفس إلى زوال الضر.
ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان، أتبعه بالدعاء بالأمن من فساد الأديان، فقال: {واجنبني} أي اصرفني {وبني} أي لصلبي، وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال، وإنما هن تابعات دائماً {أن نعبد} أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار {الأصنام *} أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها، والصنم: المنحوت على خلقة البشر، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد؛ تم بين زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء، وأسقط الأداة - زيادة في التملق بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللاً لما قبله - في قوله: {رب} بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد {إنهن أضللن} إسناد مجازي علاقته السببية {كثيراً من الناس فمن} أي فتسبب عن بغضي لهن أن أقول: من {تبعني} من جميع الناس في تجنبها {فإنه مني} أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز {ومن عصاني} فضل بها فقد استحق النار، فإن عذبته فهو عبادك، وإن غفرت له فأنت لذلك، لأن لك أن تفعل ما تشاء {فإنك غفور} أي بليغ الستر {رحيم *} أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب؛
(10/425)

وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته - كما أشار إليه دعاء عيسى عليه السلام في المائدة.
ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلباً للمصالح، فقال: {ربنا} أي يا رب وربَّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية {إني أسكنت} وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم، وذلك بعد البشارة بإسحاق عليه السلام فقال: {من ذريتي} وساقه مؤكداً تنبيهاً على أنه - لكونه على وجه لا يسمح به أحد - لا يكاد يصدق، وللإعلام بأنه راغب فيه {بواد} هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول {غير ذي زرع} .
ولما نفى عنه الرفد الدنيوي، أثبت له الأخروي، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت - كما تقدمت الإشارة إليه أيضاً بتعريف البلد، فقال: {عند بيتك المحرم} أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك،
(10/426)

وجُعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير؛ والكسنى: اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء، والوادي: سفح الجبل العظيم، ومنه قيل للأنهار: أودية، لأن حافاتها كالجبال لها، والزرع: نبات ينفرش من غير ساق؛ ثم بين غرضه من إسكانهم هناك فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {ليقيموا الصلاة} ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه.
ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش، تسبب عنه قوله: {فاجعل أفئدة} أي قلوباً محترقة بالأشواق {من الناس} أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب، بكون احتراقها بالشوق مانعاً من اضطرابها {تهوي} أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق؛ وزاد المعنى وضوحاً وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى
(10/427)

مرماه اشتد وقعه فقال: {إليهم} ولما دعا لهم بالدين، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال: {وارزقهم} أي على يد من يهوي إليهم {من الثمرات} أي التي أنبتها في بلادهم؛ وبين العلة الصالحة بقوله: {لعلهم يشكرون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل لولا عنايتك فيشتغلوا بعبادتك لإغنائك لهم وإحسانك إليهم، وقد أجاب الله دعوته؛ فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي نهى عن عبادة الأوثان.
(10/428)

رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)
ولما فرغ من الدعاء بالأهم من الإبقاء على الفطرة الأولى المشوقة للعزائم إلى العكوف في دارة الأنس، ومن الكفاية لهم المعاش، المنتج للشكر بإنفاق الفضل، وتبين من ذلك أنهم خالفوا أعظم آبائهم في جميع ما قصده لهم من المصالح، أتبعه ما يحث على الإخلاص في ذلك وغيره له ولغيره ليكون أنجح للمراد بضمان الإسعاد ولا سيما مع تكرير النداء الدال على مزيد التضرع فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا المالك لجميع أمورنا {إنك تعلم ما} أي جميع ما
(10/428)

{نخفي وما نعلن} ثم أشار إلى عموم علمه فقال: {وما يخفى على الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً. وبالغ في النفي فقال: {من شيء} من ذلك ولا غيره {في الأرض} ولما كان في سياق المبالغة، أعاد النافي تأكيداً فقال: {ولا في السماء *} أي فهو غير محتاج إلى التعريف بالدعاء، فالدعاء إنما هو لإظهار العبودية، واسم الجنس شامل لما فوق الواحد، ومن فوائد التعبير بالإفراد الدلالة على أن من كان محيطاً بكل ما في المتقابلين من غير أن يحجبه أحدهما عن الآخر، كان محيطاً بغيرهما كذلك من غير فرق.
ولما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم المهمات البراءة منه، أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من الإشارة إلى وجوب الشكر فقال: {الحمد لله} أي المستجمع لصفات الكمال {الذي وهب} والهبة: هبة تمليك من غير عقد، منّاً منه {لي} حال كوني مستعلياً {على الكبر} ومتمكناً منه على يأس من الولد {إسماعيل} الذي أسكنته هنا {وإسحاق} وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء كان بعد بناء البيت
(10/429)

وطمأنينته بإسحاق عليه السلام، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سنه كان عند ولادة إسماعيل عليه السلام تسعاً وتسعين سنة، وعند ولادة إسحاق عليه السلام كان مائة سنة واثنتي عشرة سنة.
ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله، وجميع ما دعا به من الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله: {إن ربي} أي المحسن إليّ {لسميع الدعاء *} أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ تعريضاً بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم، فقد تقدم في سورة البقرة عن التوراة أنه لما خلّص ابن أخيه لوطاً من الأسر قال له الله: يا إبراهيم! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل، فقال إبرم: اللهم ربي! ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا، بل ابنك
(10/430)

الذي يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له: انظر إلى السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، فكذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله.
ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه بالحمد على إجابة الدعاء، انتهز الفرصة في إتباعه الدعاء بالتحلي بحلية العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها، إشارة إلى صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال: {رب} أي أيها الموجد لي المالك لأمري {اجعلني مقيم الصلاة} أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع، دائم الإقامة لها، وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال أدباً: {ومن ذريتي} .
ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان، أفراد الضمير للدعاء بها متملقاً لله تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان غيره، كما أشار إلى ذلك باسم الرب، ثم زاد في التضرع بقوله: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما بعده كلام آخر، أي رب وربَّ
(10/431)

مّن وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة الصلاة من ذريتي {وتقبل دعاء *} كله بذلك وغيره، بأن تجعله مقبولاً جعلَ من كأنه راغب فيه مفتن به.
(10/432)

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)
ولما كان الإنسان ولو اجتهد كل الاجتهاد - محل العجز الموجب للتقصير المفتقر للستر، قال مشيراً إلى ذلك: {ربنا} أي أيها المالك لأمورنا المدبر لنا {اغفر لي} ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: {ولوالدي} وقد كان استغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافراً، وقد علم من السياق أنه إذا كان وحده أضاف إلى ضميره، وإذا تقدم ما يحسن جمعه معه جمع إن كان ما بعده مستقلاً، ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم فقال: {وللمؤمنين} أي العريقين في الوصف {يوم يقوم} أي يظهر ويتحقق على أعلى وجوهه {الحساب *} .
ولما ختم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه لكل شقاوة، ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعاً إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة على أحسن وجه، فقال - عاطفاً على قوله {قل لعبادي} وجل المقصد تهديد أهل الظلم بالإشراك وغيره، وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في قلب
(10/432)

غيره -: {ولا تحسبن الله} أي الملك الأعظم الذي هو أحكم الحاكمين.
ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو الغفلة، وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهةً عن الغفلة لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال: {غافلاً} والغفلة: ذهاب المعنى عن النفس {عما يعمل الظالمون *} الذين بدلوا نعمة الله كفراً، فكانوا عريقين في الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبهاً علمية يقيمونها، فكأنه قيل: فما الذي يفعل بهم؟ فقال: {إنما يؤخرهم} أي يؤخر حسابهم على النقير والقطمير سواء عذبوا في الدنيا أو لا {ليوم تشخص} أي تفتح فتكون بحيث لا تطرف {فيه} منهم {الأبصار *} أي حال كونهم {مهطعين} أي مسرعين غاية الإسراع إلى حيث دعوا خوفاً وجزعاً، مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا يلفتونه إلى غيره {مقنعي رؤوسهم} أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل وخشوع إلى جهة واحدة، وهي جهة الداعي، لا يلتفتون يميناً
(10/433)

ولا شمالاً، وهذا كناية عن أشد الذل والصغار، ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحاً بمعنى الشخوص: {لا يرتد إليهم} ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف والسكون قريباً من السواء، وحد فقال: {طرفهم} بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا تطرف كالمحتضر لما بأصحابها من الهول {وأفئدتهم} جمع فؤاد، وهو العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب؛ قال في القاموس: والتفؤد: التحرق والتوقد، ومنه الفؤاد للقلب مذكر، جمعه أفئدة. {هواء *} أي عدم فارغة لا شيء فيها من الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء
والهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، والنخب: الجبان، وكذا الهواء - قاله في القاموس. فأنذرهم أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما هم فيه من الإباء والاستكبار {وأنذر} أي يا محمد {الناس} جميعاً، ما يحل بهم {يوم يأتيهم العذاب} وينكشف
(10/434)

عنهم الغطاء بالموت أو البعث.
ولما كانوا عند إتيان العذاب قبل الموت لا ينكسرون بالكلية، بين أنهم إذ ذاك على غير هذا، فقال عاطفاً على «يأتيهم» : {فيقول الذين ظلموا} أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه منهم ومن غيرهم بسبب إتيانه من غير تمهل، وقد زال عنهم ما يفتخرون به من الأنفة والحمية والشماخة والكبر لما رأوا من الأهوال التي لا قبل لهم بها ولا صبر عليها: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق والتربية {أخرنا} أي أمهلنا {إلى أجل قريب} فإنك إن تؤخرنا إليه {نجب دعوتك} أي استدراكاً لما فرطنا فيه؛ والإجابة: القطع على موافقة الداعي بالإرادة {ونتبع} أي بغاية الرغبة {الرسل} فيقال لهم: إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، أولم تكونوا تقولون: إن عرى صبركم لا تنحل، وحد عزائمكم لا يفل؟ {أولم تكونوا} أي كوناً أنتم فيه في غاية المكنة {أقسمتم} أي جهلاً وسفهاً أو أشراً وبطراً.
ولما لم يكن وقت إقسامهم مستغرقاً للزمان قال: {من قبل}
(10/435)

وبين الجواب المقسم عليه بقوله - حاكياً معنى قولهم لا لفظه - ليكون صريحاً في المراد من غير احتمال لتعنت لو قيل: ما لنا؟ : {ما لكم} وأكد النفي فقال: {من زوال} عما أنتم عليه من الكفران وعدم الإذعان للإيمان، أو من هذه الدار إلى الدار الآخرة، أو من منازلكم التي أنتم بها، كناية عن ثبات الأمر وعدم المبالاة بالمخالف كائناً من كان {و} الحال أنكم {سكنتم} أي في الدنيا {في مساكن الذين ظلموا} أي بوضع الأشياء في غير مواضعها كما فعلتم أنتم {أنفسهم} فأحلوا قومهم مثلكم دار البور {وتبين} أي غاية البيان {لكم} بالخبر والمشاهدة.
ولما كان حال أحدهم في غاية العجب، بنه بالاستفهام على أنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف فعلنا} أي على عظمتنا {بهم} حين انتقمنا منهم فلم تعتبروا بأحوالهم {وضربنا} أي على ما لنا من العظمة {لكم الأمثال *} المبينة أن سنة الله جرت - ولن تجد لسنة الله تبديلاً - أن الظالمين كما جمعهم اسم الظلم يجمعهم ميسم الهلاك، فجمعنا لكم بين طريقي الاعتبار: السمع والبصر، ثم لم تنتفعوا بشيء منهما {و} الحال أنه بان لكم أنهم حين
(10/436)

فعلنا بهم ما فعلنا {قد مكروا مكرهم} أي الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد الكفر وإبطال الحق؛ والمكر: الفتل إلى الضرر على وجه الحيلة {و} الحال أنه {عند الله} أي المحيط علماً وقدرة {مكرهم} هو وحده به عالم من جميع وجوهه وإن دق، وعلى إبطاله قادر وإن جل {وإن كان مكرهم} من القوة والضخامة {لتزول} أي لأجل أن تزول {منه الجبال *} والتقدير على قراءة فتح اللام الأولى ورفع الثانية: وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال، والمعنيان متقاربان، وقيل: «إن» نافية، واللام لتأكيد النفي؛ والجبال: الآيات والشرائع، بل هي أثبت.
(10/437)

فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
ولما تقرر ذلك من علمه سبحانه وقدرته، تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في أن المراد الأمة لبلوغ الأمر كل مبلغ، خوطب به الرأس ليكون أوقع في قلوبهم: {فلا تحسبن الله}
(10/437)

أي الذي له الكمال كله، فإن من ظن ذلك كان ناقص العقل {مخلف وعده رسله} في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم بظلمهم، ويسكن أولياءه الأرض من بعدهم؛ ثم علل ذلك بقوله - مؤكداً لأن كثرة المخالفين وقوتهم على تمادي الأيام تعرّض السامع للإنكار: {إن الله} أي ذا الجلال والإكرام {عزيز} أي يقدر ولا يقدر عليه {ذو انتقام *} ممن يخالف أمره.
ولما تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار، وكان أعظم يوم يظهر فيه الانتقام، بينه بقوله: {يوم تبدل} أي تبديلاً غريباً عظيماً {الأرض} أي هذا الجنس {غير الأرض} أي التي تعرفونها {والسماوات} بعد انتشار كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها؛ والتبديل: تغيير الشيء أو صفته إلى بدل {وبرزوا} أي الظالمون الذين كانوا يقولون: إنهم لا يعرضون على الله للحساب؛ والبروز: ظهور الشخص مما كان ملتبساً به {لله} أي الذي له صفات الكمال {الواحد} الذي لا شريك له {القهار *} الذي لا يدافعه شيء عن مراده، فصاروا بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم خافية، وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك:
(10/438)

روى مسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض} الآية قلت: يا رسول الله فأين يكون للناس يومئذ؟ قال: على الصراط.
ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال: {وترى المجرمين} أي وتراهم، ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي؛ والإجرام: قطع ما يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز {يومئذ} أي إذ كانت هذه الأمور العظام {مقرنين} أي مجموعاً كل منهم إلى نظيره، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعاً فيه شدة وضيق {في الأصفاد *} أي القيود، والمراد هنا الأغلال، أي السلاسل التي تجمع الأيدي فيها إلى الأعناق ويقرنون فيها مع أشكالهم؛ ثم بين لباسهم بقوله: {سرابيلهم} أي قمصهم السابغة {من قطران} وهو ما يهنأ به الإبل، ومن شأنه أنه سرع فيه
(10/439)

اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح.
ولما كان هذا اللباس مع نتنه وفظاعته شديد الانفعال بالنار، بين أنه يسلطها عليهم فقال: {وتغشى} ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان، فإهانته إهانة عظيمة لصاحبه، ذكره وقدمه تعجيلاً لإفهام الإهانة فقال: {وجوههم النار} أي تعلوها باشتعالها، فعلم أنه يلزم من غشيانها لها اضطرامها فيما ضمخ بالقطران من باب الأولى؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ذلك اليوم، فقال معبراً بالجزاء والكسب الذي هو محط التكليف وظن النفع، لاقتضاء سياق القهر لهما: ب {ليجزي الله} أي الذي له الكمال كله {كل نفس} طائعة أو عاصية.
ولما عظم الأمر بإسناد الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال، اقتضى ذلك أن يكون نفس الكسب هو الجزاء، لأن ذلك أبدع وأدق في الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من الصور المليحة عند إرادة الثواب، والقبيحة عند إرادة العقاب، فلذلك أسقط الباء - التي
(10/440)

ستذكر في «حم المؤمن» وقال: {ما كسبت} والجزاء: مقابلة العمل بما يقتضيه من خير أو شر؛ والكسب: فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع به ضر، ومن جزاء المؤمن عقوبة من عاداه في الله.
ولما كان حساب كل نفس جديراً بأن يستعظم، قال: {إن الله} أي الذي له الإحاطة المطلقة {سريع الحساب *} أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ولا شأن عن شأن.
ولما اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي أبكمت البلغاء، وأخرست الفصحاء، وبهرت العقول، ترجمها سبحانه بما يصلح عنواناً لجميع القرآن فقال: {هذا} أي الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور {بلاغ} أي كافٍ غاية الكفاية في الإيصال {للناس} ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم، فإن مادة «بلغ» بأي ترتيب كان - تدور على الوصول، وتارة تلزمها القوة وتارة الإعياء الناشىء عن الضعف:
(10/441)

بلغ المكان بلوغاً: وصل إليه؛ وبُلغ الرجل - كعني: جهد، والبليغ: الفصيح يبلغ بعبارته كنه ضميره، والبلاغ - كسحاب: الكفاية، لأنها توصل إلى القصد، وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقصر، وتبلغت به العلة: اشتدت.
والغلباء: الحديقة المتكاثفة، ومن القبائل: العزيزة الممتنعة، والأغلب: الأسد.
ولغب: أعيا - لاجتهاده في البلوغ، واللغب: ما بين الثنايا من اللحم، واللغب - ككتف: الكلام الفاسد - يرجع إلى الإعياء، وكذا الضعيف الأحمق، والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب - بالضم، والتغلب: طول الطرد.
والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد، وبغل تبغيلاً: بلّد وأعيا، والإبل: مشت بين الهملجة والعنق.
ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة، عطف عليه النذارة بانياً للمفعول، لأن النافع مطلق النذارة، وكل أحد متأهل
(10/442)

لأن يكون واعظاً به مقبولاً، لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام، فقال: {ولينذروا} أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة {به} فيحذروا عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا.
ولما أشار إلى جميع الفروع فعلاً وتركاً، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه أول الوصول، صرح به على حدته لجلالته في قوله: {وليعلموا أنما هو} أي الإله {إله واحد} فيكون همهم واحداً.
ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلاً وفرعاً، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات، والبطش بمن خالفه من الأمم، وأشار إلى أن أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر، لأنها في غاية الوضوح ولا سيما بعد تنبيه الرسل، فأدغم تاء التفعل، فقال: {وليذكر} أي منهم {أولوا الألباب *} أي الصافية، والعقول الوافية، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة. ويعلموا - بما ركز في طبائعهم وجرى من عوائدهم - أن أقل حكامهم لا يرضى بأن يدع رعيته يتهارجون
(10/443)

لا ينصف بينهم ولا يجزى أحداً منهم بما كسب، فيكون ذلك منه انسلاخاً من رتبة الحكم التي هي خاصته، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين، فقد تكفلت هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولاً وفروعاً، وعلم الحقيقة نهايات وشروعاً، على سبيل الإجمال وقد انطبق آخر السورة على أولها، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وحسن المآب.
(10/444)

سورة الحجر
مقصودها وصف الكتاب بأنه في الذروة من الجمع للمعاني الواضحة للحق من غير اختلاف أصلا، وأشكل ما فيها وأمثلة في هذا المعنى قصة أصحاب الحجر، فإن وضوح آيتهم عندهم وعند كل من شاهدها أو سمع بها كوضوح ما دل عليه مقصود هذه السورة في أمر الكتاب عند جميع العرب لا سيما قريش، وأيضا آيتهم في غاية الإيضاح للحق والجمع لمعانيه الدائرة على التوحيد المقتضي للاجتماع على الداعي، ومن يتضح ويتأيد ما اخترته من الإعراب لقوله تعالى (كما أنزلنا
(11/1)

على المقتسمين) ، ومن هنا تعليقي له ب (كانوا عنا معرضين) المقتضي لشدة الملابسة بين شأنهم في كفرهم وشأن قريش في مثل ذلك - كما ستراه، على أن لفظ الحجر يدل على مادل عليه مقصود السورة من الجمع والاستدارة التي روحها الإحاطة المميزة للمحاط به من غيره بلا لبس أصلا - والله أعلم.
(11/2)

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7)
{بسم الله} الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد {الرحمن} الذي جمع خلقه في رحمة البيان {الرحيم *} الذي خص الأبرار بما أباحهم الرضوان.
لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب، ابتدأ هذه بشرح ذلك العنوان، وأوله وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع والشر كله في الفرقة، فقال تعالى: {الر تلك} أي هذه الآيات العالية المقام، النفسية المرام {آيات الكتاب} أي الكامل غاية الكمال الذي لا كتاب على الحقيقة غيره، الجامع لجمع ما يقوم به الوجود من الخيرات، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد، الغالب بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده.
(11/2)

ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه، وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب، وكفاية المستهزئين، فكان كما قال سبحانه {و} آيات {قرآن} أي قرآن جامع ناشر مفصل واصل، إذ التنوين للتعظيم {مبين *} لجميع ما يجمع الهمم على الله فيوصل إلى السعادة، وهذه الإبانة - التي لم تدع لبساً - هو متصف بها، مع كونه جامعاً للأصول ناشراً للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه، ولا فصم يؤتى منه إليه، فأعجب لأمر حاوٍ لجميع وفرق وفصل ووصل: والإبانة: إظهار المعنى للنفس بما يميزه عن غيره، لأن أصل الإبانة الفصل: فهذا شرح كونه بلاغاً، فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغاً جامعاً للأمور الموصلة إلى الله، مغنياً عن جميع الأسباب، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء سواه {ذرهم يأكلوا} ، {لا تمدن عينيك} {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في جعلهم القرآن عضين، وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه. مع أن المفهومين - مع تصادقهما على شيء واحد - متغايران، فالكتاب: ما يدون في الطروس، والقرآن:
(11/3)

ما يقرأ باللسان، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة، والثاني إلى حفظه في الصدور بالدراسة، وسيأتي قوله {وإنا له لحافظون} مؤيداً لذلك، وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع.
أما «كتب» - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل: كتبت الكتاب أكتبه وهو من الجمع، والكتاب أيضاً: الدواة - تسمية للشيء باسم ما هو آلته، والمكتب - كمعظم: العنقود أكل بعض ما فيه - تشبيهاً له بالمكتوب، والكتيبة: الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف - انتهى. وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة؛ وقال القزاز: وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء، فكأنه سمي بذلك لضم الحروف بعضها إلى بعض، كتبت المزادة - إذا خرزتها،
(11/4)

يعني: فضممت بعضها إلى بعض.
والكتبة - بالضم: السير يخرز به، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزي عليها، والإكتاب: شد رأس القربة، والكتيبة: جماعة تكتبوا، أي تجمعوا، وتكتب الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض، ومنه الكتاب - بضم الكاف وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال القزاز إنه مخفف، وفي القاموس: وزنه كرمان - وزاد أنه مدور الرأس، وكتبت الناقة تكتيباً: صررتها، واكتتب بطنه: أمسك، والمكتوتب: الممتلىء والمنتفخ؛ ويلزم الجمع القطع والغلبة التي هي من لوازم القدرة، فمن القطع: الكتاب بمعنى الفرض والحكم والقدر؛ والبتك: القطع ولذلك قيل للسيف: باتك، أي قاطع، ومن الغلبة والقدرة: الكتاب بمعنى القدر، قال ابن الأعرابي: والكاتب عندهم العالم، وقال القزاز: والكاتب: الحافظ، وهذان يرجعان أيضاً إلى نفس الجمع - لجمع الحافظ المحفوظ والعالم المعلوم؛ وكبت الله العدو - بتقديم الموحدة: صرفه ذليلاً، وهو من تكبت الرجل - إذا تقبض، وعبارة
(11/5)

القزاز: كبت أعداءه: ردهم بغيظهم، أي فانقمعوا وانجمعوا عما كانوا انتشروا له، وكبت الرجل - إذا صرعه على وجهه، وبكته تبكيتاً - إذا أنبّه أو ضربه بعصى أو سيف ونحوهما، لما يلزمه من تصاغر نفسه وتقبضها.
وأما قرأ، مهموزاً - وينقلب إلى رقأ، وأرق، وأقر، وغير مهموز يائياً وتراكيبه خمسة: قري، وقير، ورقي، وريق، وواوياً وتراكيبه ستة: قرو، وقور، ورقو، وروق، ووقر، وورق - فهو للجمع أيضاً، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه الانتشار، فمن الجمع: قرأت القرآن، أي تلوته فجعلت بعض حروفه وكلماته وآياته تالياً لبعض متصلاً به مجموعاً معه، ويلزم القراءة النسك، ومنه القارىء والمتقرىء والقراء - كرمان. أي الناسك، ويلزم عنه الفقه، ولذا قيل: تقرأ - إذا تفقه، وهو من الجمع نفسه أيضاً لأن الناسك جمع النسك إلى القراءة وانجمع همه، والفقيه جمع الفقه إليها؛ قال في المجمل: والقرآن من القرء وهو الجمع، أي وزناً ومعنى، وفي القاموس: وقرأ عليه السلام: أبلغه كأقرأه، ولا يقال: أقرأه، إلا إذا
(11/6)

كان السلام مكتوباً؛ وقال الزبيدي في مختصر العين: وقرأت المرأة قرءاً، إذا رأت دماً، وأقرأت - إذا حاضت فهي مقرىء - انتهى. فكأنه عبر بذلك عند رؤية الدم لأنه لا يعرف أن المرأة جمعته إلا برؤيته، وهو من الانتشار الذي قد يلزم الجمع، أو يكون فعل هنا للإزالة، فمعناه: أزالت إمساك الدم كما أن هذا معنى أقرأت فإن فعل - لخفته وكثرة دوره - يتصرف في معاني جميع الأبواب، وقال في المجمل: وأقرأت المرأة: خرجت من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر، قلت: فالأول يكون فيه أفعل للإزالة، والثاني للدخول في الشيء كما تقول: اتهم الرجل وأنجد - إذا دخل في تهامة أو نجد، قال: والقرء: وقت يكون للطهر مرة وللحيض مرة، قلت: فالأول للجمع نفسه، والثاني لأنه دليل الجمع، قال: والجمع قروء، ويقال: {القروء} هو الطهر، وذلك أن المرأة الطاهرة كان الدم اجتمع وامتسك في بدنها فهو من: قريت الماء، وقرى الآكل الطعام في شدقه، وقد يختلف اللفظان فيهمز أحدهما ولا يهمز الآخر،
(11/7)

والمعنى واحد إذا كان الأصل واحداً، وقوم يذهبون إلى أن القرء: الحيض، وفي القاموس: والقرء - ويضم: الحيض والطهر ضد - وقد تقدم تخريج ذلك، والوقت - لأنه جامع لما فيه، والقافية - لأنها جامعة لشمل الأبيات، جمعه أقرؤ وقروء، وجمع الحيض أقراء، وكأن العلة في ذلك أنه لما كان جمع الكثرة هو الأصل في الجمع، لأن المراد بالجمع نفسه الكثرة، فكلما كان أكثر كان به أجدر، لمّا كان الأصل كذلك، وكان القرء بمعنى الطهر هو الأصل في مدلول الجمع، كان أحق بجمع الكثرة الذي هو أعرق في الجمع، ولما كان القرء بمعنى الحيض فرعاً، كان له جمع القلة الذي هو فرع في باب الجمع؛ وأقرأت: حاضت وطهرت، وأقرأت الرياح: هبت لوقتها - لأن هبوبها دال على اجتماعها كظهور دم الحيض، وقرأ الشيء: جمعه وضمه، والحامل: ولدت - لأن ظهور الولد هو المحقق لجمعها إياه في بطنها، وأقرأ: رجع ودنا وأخر واستأخر وغاب وانصرف
(11/8)

وتنسك كتقرأ، بعضه للإيجاب وبعضه للسلب، والمقرأة - كمعظمة: التي ينتظر بها انقضاء أقرائها، وقد قرئت: حبست لذلك، وأقراء الشعر: أنواعه وانحاؤه - لأنها جامعة للأجزاء، والقرءة - بالكسر: الوباء - لجمعه الهم، واستقرأ الجمل الناقة: تاركها لينظر ألقحت أم لا - من التتبع والسبر، وهو بمعنى جمع الأدلة، وقرأت الناقة - إذا حملت، فهي قارىء، أي جمعت في بطنها ولداً، وأقرأت - إذا استقر الماء في رحمها؛ ومن الإمساك: رقأ الدم والدمع رقوءاً - إذا انقطعا، قال أبو زيد: والرَّقوء - أي بالفتح: ما يوضع على الدم فيسكن، ورقأ بينهم: أصلح وأفسد، وفي الدرجة: صعد، وهي المرقاة وتكسر، ورقأ العرق: ارتفع - منه ما هو بمعنى الجمع ومنه ما هو بمعنى الانتشار والعلو الذي ربما لزماه، ومن الإمساك: الأرق، وهو السهر لأنه يمسك النوم، والإرقان: دود يكون في الزرع - فكأنه يوجب الهم الذي يكون عنه الأرق، ويمكن أن يكون من الانتشار الذي
(11/9)

ربما يلزم الجمع، ويمكن أن يكون من الجمع نفسه، لأنه يجمع الهم - والله أعلم؛ وفي القاموس: والإرقان بالكسر: شجر أحمر، والحناء، والزعفران، ودم الأخوين - كأنه سبب للعكوف عليه بالاسترواح إليه، أو أنه يجمع بصبغه لوناً إلى لون، والإرقان أيضاً: آفة تصيب الزرع والناس كالأرقان محركة وبكسرتين وبفتح الهمزة وضم الراء، والأرق والأرقان - بفتحهما، والأراق - كغراب، واليرقان - محركة، وهذه أشهر داء يتغير منه لون البدن فاحشاً إلى صفرة أو سواد - كأن ذلك لمّا كان سبب الأرق كان هو الأرق البليغ، وزرع مأروق وميروق: مؤوف، والأقر - بضمتين: واد واسع مملوء حمضاً ومياهاً، وهو واضح في معنى الجمع، قد مضى من هذه المادة جملة في آخر سورة يوسف عليه السلام عند قوله تعالى
{إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] وتأتي بقيتها إن شاء الله تعالى في سورة سبحان عند قوله {وفي آذانهم وقراً} [الكهف: 57] .
(11/10)

ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة والإبانة لجميع المقاصد التي منها سؤال الكفرة عند رؤية العذاب التأخير للطاعة في قوله تعالى {وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب} كان كأنه قيل: ما له لم يبين للكفرة سوء عاقبتهم بياناً يردهم؟ فقال سبحانه باسطاً لقوله {ولينذروا به} {ربما يود} أشار تعالى بكونه مضارعاً إلى أن ودهم لذلك يكون كثيراً جداً متكرراً، وإيلاءه لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم بأنه مقطوع به كما يقطع بالماضي الذي تحقق ووقع {الذين كفروا} أي ولو وقتاً ما والود: التمني وهو تقدير المعنى في النفس للاستمتاع، وإظهار ميل الطباع له إليه، وفيه اشتراك بين التمني والحب - قال الرماني، وهو هنا للتمني فإنه بين مودودهم بقوله: {لو كانوا} أي كوناً جبلياً {مسلمين *} أي عريقين في وصف الإسلام من أول أمرهم إلى آخره؛ قال الرماني: والإسلام: إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام الثوب إلى من يقصره، وإسلام الصبي إلى من يعلمه، فالإسلام
(11/11)

الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في الدين بالإقرار والعمل به - انتهى. وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء من ذلك في القيامة وما قبلها، فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله {فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا} [إبراهيم: 44] ، الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة، وقد فات الفوت بحلول حادث الموت إلى غيره، فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها، ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال، هذا - أعني التقليل - مدلول «رب» ، وقال بعضهم: إنها قد ترد للتكثير، وقال الجمال
(11/12)

ابن هشام في كتاب المغني: إنه أغلب أحوالها، واستدل بشواهد لا تدل عند التأمل. ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك، فإن كلامه مأخوذ من الزجاج، وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم في كتابه لسان العرب ومن خطه نقلت: من قال: إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب، فإن قال قائل: فلم جازت في قوله {ربما يود الذين كفروا} و {رب} للتقليل؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد، والرجل يتهدد الرجل فيقول: لعلك ستندم على فعلك؟ وهو لا يشك أنه يندم، ويقول: ربما ندم الإنسان على ما صنعت، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيراً، ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى {ذرهم يأكلوا
(11/13)

ويتمتعوا} انتهى.
فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء للعنان وتنبيهاً على وجوب الأخذ بالأحوط، وذلك واقع في التهديد، وفرق كبير بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف كثرته من تلك العبارة، وزيدت ما فيها تأكيداً من حيث إنها تفهم أن الأمر لا يكون إلا كذلك، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها؛ قال الإمام أبو حيان: والظاهر أن ما في رب، مهيئة، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه - لا يليها إلا الأسماء، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها، وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى. ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان، أو لأن «ما» إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على
(11/14)

المعرفة - قال الرماني.
ولما طرق لهم سبحانه الاحتمال، كان كأنه قيل: هل جوزوه فأخذوا في الاستعداد له؟ فقيل: بل استمروا على عنادهم، فقال - مستأنفاً ملتفتاً إلى ما أشار إليه في أول سورة ابراهيم في قوله {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} [إبراهيم: 3] من المانع لهم عن الإذعان -: {ذرهم} يا أعز الخلق عندنا! كالبهائم {يأكلوا ويتمتعوا} والتمتع: التلذذ، وهو طلب اللذة حالاً بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالاً بعد حال {ويلههم} أي يشغلهم عن أخذ حظهم من السعادة {الأمل} أي رجاءهم طول العمر وبلوغ ما يقدره الوهم من الملاذ من غير سبب مهيىء لذلك
ولما كان هذا امراً لا يشتغل به إلا أحمق، سبب عنه التهديد بقوله: {فسوف يعلمون *} أي ما يحل بهم بعد ما فسحنا لهم من زمن التمتع.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم من وعيد الكفار ما تضمنه الآي المختتم بها سورة ابراهيم من لدن قوله سبحانه
{ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} [إبراهيم: 42] إلى خاتمتها، أعقب ذلك
(11/15)

بقوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} أي عند مشاهدة تلك الأحوال الجلائل، ثم قال تعالى تأكيداً لذلك الوعيد {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} ثم أعقب تعالى: هذا ببيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجلة ومؤجلة بأوقات وأحيان، لا انفكاك لها عنها ولا تقدم ولا تأخر، إذ استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت، والعالم بجملتهم لله تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه، وقال تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} وكان هذا يزيد أيضاحاً قوله عز وجل: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] وقوله: [وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} وقوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] الآية؛ وتأمل نزول قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله، وأما افتتاح السورة بقوله: {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} فإحالة على أمرين واضحين: أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل والآيات كما يفسر، والثاني ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل والغيوب والوعد والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضاً، فكيف لا يكون
(11/16)

المتوعد به في قوة الواقع المشاهد، لشدة البيان في صحة الوقوع فالعجب من التوقف والتكذيب! ثم أعقب هذا بقوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} انتهى.
ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل، وكان من المعلوم جداً من أحوالهم الاستعجال بالعذاب تكذيباً واستهزاء، كان الكلام في قوة أن يقال: فقالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر! عجل لنا ما تتوعدنا به، وكان هذا غائظاً موجعاً حاملاً على تمني سرعة الإيقاع بهم، فقيل في الجواب: إن لهم أجلاً بكتاب معلوم لا بد من بلوغهم له، لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا يهمل، لأنه لا يبدل القول لديه، فليستعدوا فإن الأمر غيب، فما من لحظة إلا وهي صالحة لأن يتوقع فيه العذاب، فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا كتابهم المعلوم {وما} جعلنا هذا خاصاً بهم، بل هو عادتنا، ما {أهلكنا} أي على ما لنا من العظمة، وأكد النفي فقال: {من قرية} أي من القرى.
ولما كان السياق للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به، وكان
(11/17)

تقديره سبحانه وكتُبه من عالم الغيب، اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه محتوم مفروغ منه سابق تقديره على زمن الإهلاك، فأتى بالواو لأن الحال بدون الواو كالجزء من سابقها كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه، والتي بالواو هي زيادة في الخبر السابق، ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط بها في العطف، فقال: {إلا ولها} أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها {كتاب معلوم *} أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ، أو يكون التقدير: فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم: هل يودون الإسلام أم لا؟ ثم بين الآية السابقة بقوله: {ما تسبق} وأكد الاستغراق بقوله: {من أمة} وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله: {أجلها} أي الذي قدرناه لها {وما يستأخرون *} أي عنه شيئاً من الأشياء، ولم يقل: تستأخر - حملاً على اللفظ كالماضي، لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعنتاً.
ثم لما أجابهم بهذا الجواب الدال على تمام القدرة وكمال العلم الدالين على الوحدانية، عطف على ما تقدم أنه في قوة الملفوظ قوله
(11/18)

دالاً على تركهم الجواب إلى التعنت والسفه: {وقالوا} أي لم يجوزوا أنهم يودون ذلك، بل استمروا على العناد وقالوا: {يأيها الذي} ولما كان تكذيبهم بالتنزيل نفسه، بني للمفعول قوله: {نزل عليه} أي بزعمه {الذكر} وبينوا أنهم ما سموه تنزيلاً إلا تهكماً، فقالوا مؤكدين لمعرفتهم بأن قولهم منكر: {إنك لمجنون} أي بسبب ادعائك أن الله أنزل عليك ذكراً والذي تراه جني يلقى إليك تخليطاً، فكان هذا دليلاً على عنادهم، فإنهم أقاموا الشتم مقام الجواب عما مضى صنعه المغلوب المقطوع في المناظرة، تم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا: {لو ما} أي هلا ولم لا {تأتينا بالملائكة} دليلاً على صدقك إما للشهادة لك وإما لإهلاك من خالفك {إن كنت} أي جبلة وطبعاً {من الصادقين *} فيما تقول، أي ما وجه اختصاصك عنا بنزول الملائكة عليك ورؤيتك إياهم وأنت مثلنا في الإنسانية والنسب والبلد؟ هذا بعد أن قامت على صدقه الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي أعظمها القرآن الداعي لهم إلى المبارزة كل حين المبكت لهم بالعجز عن المساجلة كل وقت.
(11/19)

مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
ولما كان في قولهم أمران، أجاب عن كل منهما على طريق الاستئناف على تقدير سؤال من كأنه قال: ربما إذا أجابهم؟ فقيل: أجاب عن الثاني لأنه أقرب بقوله: {ما نُنزل الملائكة} أي هذا النوع {إلا} تنزلاً ملتبساً {بالحق} أي بسبب عمل الأمر الثابت، وهو معنى ما قال البخاري في كتاب التوحيد: قال مجاهد: بالرسالة والعذاب، وأما على الرسل فبالحق من الأقوال، وأما على المنذرين فبالحق من الأفعال من الهلاك والنجاة، فلو نزلوا عليهم كما اقترحوا لقضي الأمر بينك وبينهم فهلكوا {وما كانوا} أي الكفار {إذاً} أي إذ تأتيهم الملائكة {منظرين *} أي حاصلاً لهم الإنظار على تقدير من التقادير، لأن الأمر الثابت يلزمه نجاة الطائع وهلاك العاصي في الحال من غير إمهال، وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم، وأجاب سبحانه عن الأول بقوله مؤكداً لتكذيبهم: {إنا نحن} أي على ما لنا من العظمة
(11/20)

لا غيرنا من جن ولا إنس {نزلنا} أي بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام {الذكر} أي الموعظة والشرف {وإنا له} أي بعظمتنا وإن رغمت أنوف الحاسدين {لحافظون *} أي دائماً، بقدرتنا وعلمنا، لما في سورة هود من أن ذلك لازم للحفظ فانتفى حينئذ جواز أن ينزل على مجنون مخلط لا سيما وهو على هذه الأساليب البديعة والمناهيج الرفيعة، فكأن المعنى: أرسلناك به حال كونك بشراً لا ملكاً قوياً سوياً، يعلمون أنك أكملهم عقلاً، وأعلاهم همة، وأيقنهم فكراً، وأتقنهم أمراً وأوثقهم رأياً، وأصلبهم عزيمة؛ روى البخاري في التفسير والفتن عن زيد بين ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إليّ أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس - وفي رواية: بقراء القرآن - وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن
(11/21)

تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير! فلم يزل عمر يراحعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بين ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال أبو بكر: هو والله خير! فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة - أو أبي خزيمة - الأنصاري، لم أجدهما - أي مكتوبتين - عند أحد غيره {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} - إلى آخرها،
(11/22)

وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم حفصة بنت عمر - رضي الله عنهم.
وساق هذا الأثر أيضاً في فضائل القرآن، وروي بعده عن أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة رضي الله عنه اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة - رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم، فنسخوها في المصاحف؛ وقال عثمان رضي الله عنه للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا
(11/23)

نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وله عن خارجه بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيراً أسمع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - وفي رواية: فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهادته شهادة رجلين {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23] فألحقناها في سورتها في المصحف. وفي الأثر الأول دلالة على أنه كان - لما أمره الصديق رضي الله عنه - لا يكتب شيئاً إلا إذا وجد ما كان قد كتب منه بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره، وقابله مع ذلك على المحفوظ في صدور الرجال؛ وفي الأخير دليل من قوله: نسخنا المصحف في المصاحف - إلى آخره، أنه أعاد التتبع كما فعل أولاً ليصح
(11/24)

قوله: فقدت آية من سورة الأحزاب.
لأن افتقادها فرع العلم بها، ومن أبعد البعيد أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيراً يقرأها ولا يحفظها، ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما رواه البخاري من غير وجه عن أنس رضي الله عنه، والظاهر من مثل هذا التتبع الذي لا يجوِّز لمن مارس أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية إلا إذا وجد من حفاظها على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم.
ولما كان هذا الكلام الذي قالوه عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاقاً وله غائظاً موجعاً، قال تعالى تسلية له على وجه راد عليهم: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة والجلال والهيبة؛ ولما كان الإرسال بالفعل غير عام للزمان كله، قال: {من قبلك} أي كثيراً من الرسل {في شيع} أي فرق، سموا شيعاً لمتابعة بعضهم بعضاً في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد من مملكة
(11/25)

أو عمارة أو ديانة أو نحو ذلك من الأمور الجارية في العادة {الأولين *} كلهم، فما أرسلنا إلا رجالاً من أهل القرى مثلك يوحى إليهم، ولم نرسل مع أحد منهم ملائكة تراها أممهم، بل جعلنا مكاشفة الملائكة أمراً خاصاً بالرسل، فكذبوا رسلهم {وما يأتيهم} عبر بالمضارع تصويراً للحال، إيذاناً بما يوجب من الغضب، فإن ما تجعل المضارع حالاً والماضي قريباً منه، وأكد النفي فقال: {من رسول} أي على أي وجه كان {إلا كانوا به} أي جبلة وطبعاً {يستهزئون *} مكررين لذلك دائماً، فكأنهم تواصوا بمثل هذا، ولم ينقص هذا من عظمتنا شيئاً، فلا تبتئس بما يفعلون بك؛ والاستهزاء في الأصل: طلب الهزوء، والمراد به هنا - والله أعلم - الهزء، وهو إظهار ما يقصد به العيب على إيهام المدح كاللعب والسخرية، ولعله عبر عنه بالسين المفهمة للطلب إشارة إلى أن رغبتهم فيه لا تنقضي كما هو شأن الطالب للشيء، مع أنهم لا يقعون على مرادهم في حق أهل الله أصلاً، لأنهم لا يفعلون من ذلك فعلاً إلا كان ظاهر البعد عما يريدون، لظهور ما يدعو إليه حزب الله وثباته، فكانوا لذلك كطالب
(11/26)

ما لم يقع، وإنما كان الناس إلى ما يوجبه الجهل من الاستهزاء ونحوه أسرع منهم إلى ما يوجبه العلم من الأخذ بالحزم والنظر في العواقب، لما في ذلك من تعجل الراحة واللذة وإسقاط الكلفة بإلزام النفس الانتقال من حال إلى حال - قاله الرماني.
ولما كانت قلوب أهل الضلال موصوفة بالضيق والحرج، كان الداخل إليها لا يدخل إلا بغاية العسر، فلذلك قال جواباً لمن كأنه قال: أهذا خاص بهؤلاء؟ فقيل: لا، بل {كذلك} أي مثل هذا السلك العجيب الشأن، وعبر بالمضارع الدال مع التجدد على الاستمرار، لاقتضاء المقام له كما تقدم في أولها فقال: {نسلكه} أي الذكر {في قلوب المجرمين *} أي العريقين في الإجرام في كل زمن كما يسلك الخيط والرمح ونحوه فيما ينظر فيه من مخيط وغيره بغاية العسر، فلا يتسع له المحل فلا ينفع، حال كونهم {لا يؤمنون به} لشيء من الأشياء، لأن صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في قومك {وقد خلت} أي مضت من قبل هذا {سنة} أي طريقة {الأولين *}
(11/27)

بذلك، ونحن قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك وتيسير إيمان وغير ذلك، فهو ناظر إلى قوله {وقرآن مبين} والغرض بيان أنه تعالى يعمي بعض الأبصار على الجلي، ويبصر بعضها بالخفي، إظهاراً للقدرة والاختيار بإنفاذ الأمر على خلاف القياس.
ولما أخبره بهذه الأسرار منبئة عن أحوالهم، وكانت النفس أشد شيء طلباً لقطع حجة المتعنت بإجابة سؤله، قال تعالى مخبراً بتحقيق ما ختم به من أنهم لا يؤمنون للخوارق ولو رأوا أعجب من الإيتان بالملائكة: {ولو فتحنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم} أي على من قال: لو ما تأتينا بالملائكة {باباً} يناسب عظمتنا {من السماء} وأشار إلى أن ذلك حالهم - ولو كانوا في أجلى الأوقات وهو النهار - بقوله: {فظلوا} أي الكفار {فيه} أي ذلك الباب العالي {يعرجون *} أي يصعدون ماشين في الصعود مشية الفرح {لقالوا} عناداً وإبعاداً عن الإيمان: {إنما سكرت} أي سدت وغشيت {أبصارنا} أي حتى ظننا ما ليس بواقع واقعاً {بل نحن قوم} أي وإن كان لنا غاية القوة على ما نريد محاولته {مسحورون *} أي ثابت
(11/28)

وقوع السحر علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا حقيقة له؛ والسكر: السد بإدخال اللطيف في المسام فيمنع الشيء كمال ما كان عليه، ومنه السكر بالشراب، والسحر: حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير حقيقة.
(11/29)

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)
ولما كان ذكر هذه الآية السماوية على سبيل الفرض في الجواب عن إنكارهم النبوة، دليلاً على مرودهم على الكفر، وكان من المعلوم أن ثبوت النبوة مترتب على ثبوت الوحدانية، توقع السامع الفَهِم الإخبارَ عما له تعالى من الآيات المحققة الوجود المشاهدة الدالة على قدرته، فأتبعها بذلك استدلالاً على وحدانيته بما له من المصنوعات شرحاً لقوله {وليعلموا أنما هو إله واحد} [إبراهيم: 52] ودليلاً على عدم إيمانهم بالخوارق، وابتدأ بالسماويات لظهورها لكل أحد وشرفها وظهور أنها من الخوارق بعدم ملابستها والوصول إليها، فقال مفتتحاً بحرف التوقع: {ولقد حعلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر عليها سوانا مما هو مغنٍ عن فتح باب ونحوه {في السماء بروجاً} أي منازل للقمر، جمع برج، وهو في الأصل القصر العالي أولها الحمل وآخرها الحوت، سميت بذلك لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها، وهي
(11/29)

مختلفة الطبائع، فسير الشمس والقمر بكل منها يؤثر ما لا يوثره الآخر، فاختلافها في ذلك - مع أن نسبتها إلى السماء واحدة - دليل على الفاعل المختار الواحد، والعرب أعرف الناس بها وباختلافها.
ومادة «برج» بكل تقليب تدور على الظهور الملزوم للعلو الملزوم للقوة، وقد يفرط فيلزمه الضعف، فمن مطلق الظهور: بروج السماء، قال القزاز: سميت بروجاً لأنها بيوت الكواكب، فكأنها بمنزلة الحصون لها، وقيل: سميت لارتفاعها، وكل حصن مرتفع فهو برج، والبرج - أي محركاً: سعة بياض العين وصفاء سوادها، وقيل: البرج في العين هو أن يكون البياض محدقاً بالسواد، يظهر في نظر الإنسان فلا يغيب من سواد العين شيء، وتبرجت المرأة: أبدت محاسنها، والجربياء: الشمال - لعلوها، والجريب: الوادي - لظهوره، والجريب: مكيال أربعة أقفزة، وجريب الأرض معروف، وهو ساحة مربعة كل جانب منها ستون ذراعاً، ومنه الجراب - لوعاء من جلود، والجورب - للفافة الرجل، لأنهما ظاهران بالنسبة إلى ما فيهما، وكذا الجربان - لغلاف السيف، وجرب البئر: جوفها؛ والأرجاب: الأمعاء - شبهاً
(11/30)

بالجراب؛ والبارجة: سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال، والبجرة: كل عقدة في البطن، والعجرة: كل عقدة في الجسد، والبجرة: السرة الناتئة، وسرة البعير عظمت أولاً، والبجر والبجري: الأمر العظيم، وجاء فلان بالبجارة، وهي الداهية: وفيه ما جمع إلى الظهور القوة؛ ومن ذلك رجب: اسم شهر، ورجبت الرجل: عظمته، والرجبة من وصف الأدوية، والرجب: الحياء والعفو، والرجب: الهيبة؛ والمجرب: الذي بلي بالشدائد؛ ورجبت النخل ترجيباً: بنيت من جانبها بناء لئلا يسقط؛ والجبر: خلاف الكسر، والملك - لوجود الجبر به لقوته، وجبرت العظم، والجبارة: ما يوضع على الكسر لينجبر، وجبرت الرجل: أحسنت إليه، وأجبرته: ضممته إلى ما يريد، وأجبرته على كذا: قهرته عليه، أي أزلت جبره، والجيرية: العانة من الحمير، وهي أيضاً الأقوياء من الناس، والجبار من النخل: الطويل الفتي، والجبار اسم من أسماء الله تعالى، والجبار: كل عات، وكل ما فات اليد، والعظيم القوي الطويل، والمتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً والمتجبر: الأسد، وجبار بالضم مخففاً: يوم الثلاثاء - لأن الله تعالى خلق المكروه فيه -
(11/31)

كما في الصحيح، ومن الضعف: الجبار - بالضم مخففاً، وهو الهدر من الدماء والحروب وغيرها، وقد يكون من جبر الكسر، لأنه جبر به المهدر عنه وقوي به وأحسن إليه، وكل ما أفسد وأهلك فهو جبار - كأنه شبه بالجبيرة التي تفسد لإصلاح الكسر، والجبر: العبد - لضعفه واحتياجه إلى التقوية؛ ومن الضعف أيضاً الجرب بالنسبة إلى من يحل به، وهو من القوة بالنسبة إلى نفسه، ومن الظهور والانتشار أيضاً، والجرباء: السماء - تشبيهاً بالأجرب، وأرض جرباء: مقحوطة؛ والتربج: التجبر، والروبج: درهم صغير؛ قال الزبيدي: وهو دخيل، ومادة «جبر» منها بخصوص ترتيبها تدور على النفع، وتارة تنظر إلى ما يلزمه من عدم الضر مثل الجبار بالضم مخففاً لما هدر، وتارة تنظر إلى ما يلزم النفع من التكبر والقهر.
ولما ذكر البروج، وصف سبحانه السماء المشتملة عليها فقال: {وزيناها} أي السماء لأنها المحدث عنها بالكواكب {للناظرين} أي لكل من له أهبة النظر، في دلائل الوحدانية، لا عائق له عن معرفة ذلك إلا عدم صرفه النظر إليه بالبصر أو بالبصيرة {وحفظناها} أي بما لنا من العظمة {من كل شيطان} أي بعيد من الخير محترق {رجيم}
(11/32)

مستحق للرجم وهو رمي الشيء بالاعتماد من غير آلة مهيأة للإصابة كالقوس فإنها للرمي لا للرجم ومستحق للشتم، لأنه قوال بالظن وما لا حقيقة له {إلا من استرق السمع} منهم فإنا لم نرد تمام الحفظ منه {فأتبعه} أي تبعه تبع من هو حاث لنفسه سائق لها {شهاب} وهو عمود من نور يمتد بشدة ضيائه كالنار {مبين *} يراه من فيه أهلية الرؤية حين يرجم به؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذه ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقي السمع ومسترقو السمع، هكذا واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابعه اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها
(11/33)

إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى بلغوها إلى الأرض»
، وربما قال سفيان: حتى ينتهي إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر فيكذب معها مائة كذبه فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً للكلمة التي سمعت من السماء. قال المفسرون رضي الله عنهم: كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات فيلقون ما يسمعون منها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم منعوا من السماوات كلها هكذا رأيت ولد ولعله «بعث» فإن في الصحيح أن الذي منعهم نزول القرآن.
ولما ذكر آية السماء، ثنى بآية الأرض فقال: {والأرض مددناها} أي بما لنا من العظمة، في الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق، على الماء {وألقينا} أي بعظمتنا {فيها} أي الأرض، جبالاً {رواسي} أي ثوابت، لئلا تميل بأهلها وليكون لهم علامات؛ ثم بنه على إحياء الموتى بما أنعم به في الأرض بقياس جلي بقوله: {وأنبتنا فيها} أي الأرض ولا سيما الجبال بقوتنا الباهرة {من كل شيء موزون *}
(11/34)

أي مقدر على مقتضى الحكمة من المعادن والنبات {وجعلنا لكم} أي إنعاماً منا عليكم {فيها معايش} وهي بياء صريحة من غير مد، جمع معيشة، وهي ما يحصل به العيش من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها {ومن لستم} أي أيها الأقوياء الرؤساء {له برازقين *} مثلكم في ذلك، جعلنا له فها معايش من العيال والخدم وسائر الحيوانات التي تنتفعون بها وإن ظننتم أنكم ترزقونهم، فإن ذلك باطل لأنكم لا تقدرون على رزق أنفسكم فكيف بغيركم؟ فلما ظهر كالشمس كمال قدرته وأنه واحد لا شريك له، بين أنه - كما كانت هذه الأشياء عنده بحساب قدره على حكمة دبّرها - كان غيرها كذلك، فذلك هو المانع من معاجلتهم بما يهزؤون به من العذاب، فقال: {وإن} أي وما {من شيء} أي مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة، وهي لا نهاية لها {إلا عندنا} أي لما لنا من القدرة الغالبة {خزائنه} أي كما هو مقرر عندكم، لا تنازعون فيه، قال في الكشاف: ذكر الخزائن تمثيل {وما ننزله} أي مطلق ذلك الشيء لا بقيد
(11/35)

عدم التناهي، فإن كل ما يبرز إلى الوجود متناه، فهو استخدام {إلا بقدر معلوم *} على حسب التدريج كما ترونه؛ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ليس عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء، عاماً ههنا وعاماً ههنا، وربما كان في البحر. فهذا دليل قطعي على أن الفاعل المخصص له بوقت دون وقت وأرض دون أخرى فاعل واحد مختار.
فلما تم ما أراد من آيتي السماء والأرض، وختمه بشمول قدرته لكل شيء، أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعاً في خزائن قدرته فقال: {وأرسلنا} أي بما لنا من التصريف الباهر {الرياح} جمع ريح، وهي جسم لطف منبث في الجو سريع المر {لواقح} أي حوامل تحمل الندى ثم تمجه في السحاب التي تنشئها، فهي حوامل للماء، لواحق بالجو، قوته على ذلك عالية حساً ومعنى؛ والريح: هواء متحرك، وحركته بعد أن كان ساكناً لا بد لها من سبب، وليس هو نفس كونه هواء ولا شيئاً من لوازم ذاته، وإلا دامت حركته.
(11/36)

فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار {فأنزلنا} أي بعظمتنا بسبب تلك السحائب التي حملتها الرياح {من السماء} أي الحقيقية أو جهتها أو السحاب، لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد {ماء} وهو جسم مائع سيال، به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء {فأسقيناكموه} جعلناه لكم سقياً، يقال: سقيته ماء أي ليشربه، وأسقيته أي مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد. ونفى سبحانه عن غيره ما أثبته أولاً لنفسه فقال {وما أنتم له} أي ذلك الماء {بخازنين *} والخزن: وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ، فثبت أن القادر عليه واحد مختار.
ومادة «لقح» بتقاليبها الست تدور على اللحاق، وتلزمه القوة والعلو حساً أو معنى، فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق الأنثى فتحمله، وقد ألقح الفحل الناقة، ولقحت لقاحاً: حملت، والملقوح: ما لقحته من الفحل، أي أخذته، وهي الملاقيح - يعني الأجنة،
(11/37)

واللقحة: الناقة الحلوب - لأنها أهل لأن يلحقها جائع، وألقح القوم النخل ولقحوها - إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها.
والقاحل: اليابس من الجلود، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت، ومنه شيخ قاحل.
واللحق: كل شيء لحق شيئاً أي أدركه، والملحق: الدعي - لأنه متهيىء لأنه يستلحقه كل من يريده، والملحاق: الناقة التي لا يفوتها الإبل: قال الزبيدي في مختصر العين: وفي القنوت: إن عذابك بالكغار ملحق - بالكسر، أي لاحق - لغة.
والحقل: القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها، وقيل: هو الزرع إذا تشعب ورقة، وهو من ذلك أيضاً ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق، والحقيل: نبت، والحقيلة: الماء الرطب، أي الأخضر من البقل والشجر في الأمعاء منه، والحقيلة: حشافة التمر - للحاق كل من أرداه به، والحوقلة: الغرمول اللين - كأنه مشبه بالنبت الأخضر، أو لإمكان تثنيه كل وقت ولحوق بعض أجزائه ببعض، والحوقل:
(11/38)

الشيخ الضعيف النكاح - كأنه منه، والحوقلة: سرعة المشي، وحقل الفرس - إذا وجع من أكل التراب - كأنه مأخوذ من الحقل، وحوقل الشيخ: اعتمد بيديه على خصره إذا تمشى - كأنه للحاق يديه خصره.
والحلق مساغ الطعام والشراب، وحلوق الأرض: أوديتها ومجاريها - للحاق المياه بها، ولشبيهها بالحلوق، والحلق: حلق الشعر بالموسى، من اللحاق والقوة، والمحالق: الأكسية الخشنة التي تحلق الشعر من خشونتها، والحالق: المشؤوم الذي يحلق قومه؛ والحلق: ضرب من النبات، لورقه حموضة - كأنه لسرعة لحاق الماشية به لأنه كالفاكهة لها، والحلقة: الخاتم بلا فص - لتلاحق أجزائها بعضها ببعض، ومنه حلقة القوم، والحلقة: السلاح كله، إما من هذا لأن منها الدروع ذات الحلق، تسمية للشيء باسم جزئه، وإما من القوة والعلو المعنوي لما يلزم عنها، والحلق: المال الكثير، إما من ذلك وإما من لحاق صاحبه بمراده، والحالق: الجبل المنيف - لظهوره وعلوه ولحاقه بالجو، والحوقلة: القارورة الطويلة العنق، وحلق الطائر: ارتفع في الهواء، من هذا؛ واللقحة: الغراب؛ والحالق من الكرم والشرى: ما تعلق منه بالقضبان، فهو ظاهر في اللحاق، وحلق الضرع - إذا ارتفع إلى البطن وانضم، فهو من العلو
(11/39)

واللحاق، وقيل: إذا كثر لبنه فهو إذاً من اللحاق، وتحلق القمر: صارت حوله دارة، وحلق قضيب الفرس حلقاً - إذا تقشر، كأنه شبه بما حلق شعره، وحي لقاح: لم يملكوا قط كأنه من القوة والعلو المعنوي؛ والقلح: صفرة تعلو الأسنان، فهو من اللحاق مع العلو، ويسمى الجعل أقلح من هذا.
(11/40)

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)
فلما تقرر تفصيل الخبر عما هو سبب للاحياء في الجملة، فتهيأت النفس للانتقال منه إلى الإحياء الحقيقي قياساً، قال تعالى: {وإنا لنحن نحيي} أي لنا هذه الصفة على وجه العظمة، فنحيي بها ما نشاء من الحيوان بروح البدن، ومن الروح بالمعارف، ومن النبات بالنمو، وإن كان أحدها حقيقة، والآخران مجاز إلا أن الجمع بينهما جائز {ونميت} أي لنا هذه الصفة، فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء {ونحن الوارثون *} أي الإرث التام إذا مات الخلائق، الباقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء، ليس لأحد فينا تصرف بإماتة ولا إحياء، فثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار، فلما ثبت بهذا كمال قدرته، وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم، قال تعالى: {ولقد علمنا} أي بما لنا من الإحاطة المعجزة {المستقدمين منكم} وهم من قضينا بموته أولاً، فيكون في موته كأنه يسارع إلى التقدم
(11/40)

وإن كان هو وكل من أهله مجتهداً بالعلاج في تأخيره {ولقد علمنا} بعظمتنا {المستأخرين *} أي الذين نمد في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم وغيره، أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بالسيف أو غيره، فعرف بذلك قطعاً أن الفاعل واحد مختار، وكذا كل متقدم ومتأخر في وصف من الأوصاف غير الموت، والمعنى على الأول: فنحن لا نميت أحداً قبل أجله فلا تستعجلونا بالوعيد وتهيؤوا لدفاعه إن كنتم رجالاً، فإنه لا بد أن يأتي لأنه لا يبدل القول لديّ.
ولما تم الدليل على تمام القدرة وشمول العلم، ثبت قطعاً إحياء الموتى لانتفاء المانع من جهة القدرة، واقتضاء الحكمة له من جهة العلم للعدل بين العباد بالمقابلة على الصلاح والفساد، فقال تعالى مؤكداً لإنكارهم: {وإن ربك} أي المحسن إليك بالانتقام لك ممن يعاديك، وإقرار عينك من مخالفيك {هو} أي وحده {يحشرهم} أي يجمعهم إلى أرض القيامة بعد إعادتهم؛ قال الرماني: وأصله جمع الحيوان إلى
(11/41)

مكان؛ ثم علل ذلك فقال مؤكداً لأجل اعتقادهم ما يستلزم الإنكار: {إنه حكيم} أي يفعل الأشياء في أتم مواضعها بحيث لا يقدر أحد على نقضها {عليم *} بالغ العلم فلا يخفى عليه شيء، وهو يريد أن ترى حكمته بكشف الغطاء عند تمييز أهل السعادة والشقاء؛ والحكمة: العلم الذي يصرف عما لا ينبغي، وأصلها المنع.
ولما جرت سنته الإلهية أنه يذكر ابتداء الخلق دليلاً على الإعادة سابقاً ولاحقاً، وابتدأ هنا بذكر الحشر لما قام عليه من الدليل بإحياء الأرض، توقع السامع تفصيل ابتداء الخلق الذي هو أدل دليل على البعث بعد إجماله في قوله {وإنا لنحن نحيي} فقال مفتتحاً بحرف التوقع: {ولقد خلقنا} أي بالعظمة الباهرة {الإنسان} أي الآنس بنفسه، الناسي لغيره {من صلصال} أي طين يابس، له عند النقر صلصلة أي صوت شديد متردد في الهواء، فإن كان فيه مد من غير ترجيع فهو صلل، فالمراد شديد يبسه ولكنه غير مطبوخ، وأما
(11/42)

المطبوخ فهو فخار: ثم بين أصل الصلصال فقال: {من حمإٍ} أي طين أسود منتن {مسنون *} أي مصبوب مهيأ لعمل ما يراد منه بالدلك والتحسين من الذهاب والاضطراب والجعل على طبع وطريقة مستوية، وكل ذلك على غاية السهولة والطواعية والهوان، فذكر أصل الإنسان وما وقع له من إبليس - الذي هو أصل الجن كما أن آدم عليه السلام أبو البشر - من الكيد حتى أخرجه من دار الصفاء إلى دار الكدر، ليحذره العقلاء من بني آدم، وفي التنبيه بابتداء الخلق على وصول البشر إلى أصل كان بمحض القدرة مخالف لهم في التكوين بين أبوين، وانتهاء الجن إلى أصل ليس خلقه كخلقهم تنبيه عظيم على انتهاء الموجودات إلى موجود لا يجانسهم، بل هو خالق غير مخلوق، فاعل بالاختيار، واحد لا شريك له، ولا اعتراض عليه، قادر على ما يريد سبحانه، وفي خلقه من الماء - الذي هو كالأب - والطين - الذي هو كالأم - بمساعدة النار والهواء من الحكمة أن يكون ملائماً لما في هذا العالم، فيكون بقاءه بذلك الذي خلق منه في مأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره، وذلك أدل على حكمة الخالق وعلمه ووحدانيته.
(11/43)

ومادة «صل» تدور على الصلصال الذي هو الطين مطلقاً، أو الطين الحر يخلط بالرمل، أو الطين ما لم يجعل خزفاً، ويتفرع جميع معاني المادة منه، لأن من لوازمه في أوله الماء واللين بنداوته وسهولة خلطه لغيره، فيأتي الخفاء لأنه يغرز فيه بغير صوت، ومنها قبول التصفية من الغش، ومنها في آخره الصلابة لشدة اليبس، فيلزم تضامّ الأجزاء وتضايقها على انتظام أو غير انتظام، والصوت، وشدة الانفصال بالتشقق، ومن لوازمه التغير بالنتن، فيأتي الخبث والفساد، ومن لوازمه شدة الاختلاط بحيث إذا نشب فيه شيء عسر خلاصه، ومن لوازمه تميزه عما عداه، ومحل يصنع فيه.
فمن الصوت واليبس: صليل الحديد والإبل ونحو ذلك، يقال: صل الحديد واللجام: امتد صوته، فإن توهم ترجيع الصوت قيل: صلصل، وصل البيض: سمع له طنين عند القراع، والمسمار صليلاً: ضرب فأكره أن يدخل في الشيء، والإبل صليلاً: يبست أمعاؤها من العطش فسمع لها صوت عند الشرب.
(11/44)

ومن الصوت: صلصل: أوعد وتهدد، وقتل سيد العسكر - لظهور الصيت بذلك، وصلصل الرعد: صفا صوته، والكلمة: أخرجها متحذلقاً، وطائر أو الفاختة، والراعي الحاذق، والمصلل - كمحدث: السيد الكريم الحسيب، والخالص النسب، والأسكف وهو الإسكاف عند العامة، وتصلصل الغدير: جفت حمأته، فتهيأ لأن يصوت يبسه، والحلي: صوت، وحمار صُلصُل وصُلاصل - بضمهما، وصلصال ومُصلصِل: مصوت.
ومن النتن: صلول اللحم والماء، يقال: صل اللحم صلولاً: أنتن، والماء: أجن، والصليان - بكسرتين مشددة اللام: ما تغير من اللحم، والصلة - بالضم: الريح المنتنة.
(11/45)

ومن اليبس: الصلة، وهي الجلد اليابس قبل الدباغ، والنعل، والأرض، أو اليابسة - وصل السقاء صليلاً: يبس. أو أرض لم تمطر بين ممطورتين، والصل - بالكسر: القرن، وشجر، والسيف القاطع.
ومن النداوة: الصلة، وهي التراب الندي؛ ومن الماء أعم من أن يكون كثيراً أو قليلاً: الصلة للمطرة الواسعة والمتفرقة القليلة، والصلة - بالضم: بقية الماء وغيره، وكذا الصلصلة والصلصل - بضمهما: بقية الماء في الغدير، وكذا من الدهن والزيت، وأما التفرق فمن التشقق، والصلة: القطعة من العشب، سميت باسم المطر تسمية للمسبب باسم السبب.
ومن اللين: الصلالة - بالكسر - لبطانة الخف أو ساقها، والصلصل - كهدهد: ناصية الفرس ويفتح، أو بياض في شعر معرفته، وما ابيض من شعر ظهره، وهذا من التمييز أيضاً؛ ومن المحل: القدح أو الصغير منه، والمصلة - بالكسر: الإناء يصفى فيه الشراب؛ ومن الخبث: الصل - بالكسر للحية مطلقاً، أو الدقيقة الصفراء، والداهية،
(11/46)

والتسيف القاطع - شبه بذلك لإهلاكه، وإنه لصل أصلال: داهٍ منكر في الخصومة وغيرها، وصلتهم الصالة: أصابتهم الداهية، وهذا أيضاً من شدة الانتشاب، ومن التشقق: الصال وهو الماء يقع على الأرض فتشقق.
ومن التصفية: صللنا الحب المختلط بالتراب: صببنا فيه ماء فعزلنا كلاًّ على حياله، وصل الشراب صلاً صفاه، والمصلة - بالكسر: الإناء يصفي فيه.
ومن تضام الأجزاء وتضايقها، وقد يكون مع الانتظام ومنه: تلصيص البنيان، أي ترصيصه، وقد لا يشترط فيه الانتظام ومنه: التص بمعنى التزق، واللص وهو تقارب المنكبين، وتقارب الأضراس، وتضام مرفقي الفرس إلى زوره، واللصاء من الجباه: الضيقة، والمرأة الملتزقة الفخدين لا فرجة بينهما، والزنجي: ألص الأليتين،
(11/47)

وإغلاق الباب؛ ومن إطلاقه على ما ليس منتظماً وإن لم يكن تقارب: اللصاء من الغنم، وهي ما أقبل أحد قرينها وأدبر الآخر، ومن الخفاء الذي هو من لوازم الطين وهو ندي: اللص - بالفتح، وهو فعل الشيء في ستر، والسارق، ويثلث.
ومادة «سن» تدور على الدلك، ويلزمه التحسين، فمن الدلك: السن - بالكسر، وهو الضرس والخبة من الثوم - تشبه به، والثور الوحشي، وسنان الرمح، ومكان البري من القلم، والأكل الشديد، والقرن، وشعبة المنجل، ومقدار العمر - لأنه لما مر على صاحبه كان كأنه دلكه، والمسانّ من الإبل: الكبار، وسن السكين وغيره فهو مسنون، والمسن - بالكسر: آلة السن، وسنن رمحه إليه: سدده، وسن الأضراس: سوكها، والإبل: ساقها سريعاً - لتدالكها عند الازدحام، وسن الأمر: بينه - فكأنه هيأه لأن يركب فيدلك بالأفكار أو غيرها، وسن الطين: عمله فخاراً، وفلاناً: طعنه بالسنان أو عضه بالأسنان، والفحل الناقة: كبها على وجهها، وعليه
(11/48)

الدرع أو الماء: صبه، والطريقة: سارها، واستن: استاك.
والفرسُ: قمص، والسراب: اضطرب، والسنة - بالكسر: الفأس لها خلفان، والسنة - بالضم: السيرة أو الطبيعة - كأنها عولجت حتى انقادت، والسنة من الله: حكمه وأمره ونهيه، وسنن الطريق - مثلثة وبضمتين: نهجه وجهته، وجاءت الريح سناسن: على طريقة واحدة، والحمأ المسنون: المنتن - لأنه تهيأ لأن يدلك بالآية جبلاً حتى يصلح لما يستعمل فيه، والفحل يسانّ الناقة: يكدمها ويطردها حتى ينوخها ليسفدها، والسنين - كأمير: ما يسقط من الحجر إذا حككته، والأرض التي أكل نباتها كالمسنونة، والسنسن - بالكسر: العطش - كأنه سن الأمعاء حتى أحرقها، ورأس المحالة، أي البكرة العظيمة، وحرف فقار الظهر كالسن والسنسنة، ورأس عظام الصدر، أو طرف الضلع التي في الصدر، والمستسن: الطريق المسلوك، والمستن: الأسد، والسنن - محركة:
(11/49)

الإبل تستن في عدوها، والسنينة - كسفينة: الرمل المرتفع المستطيل على وجه الأرض، وهو من المسنون بمعنى المصبوب: وسنني هذا الشيء: شهى إليّ الطعام - كأنه سن المعدة حتى قطعت بعد كلالها، وتسانت الفحول: تكادمت، والنّس: سرعة الذهاب، ويلزمه تدالك الأعضاء، ونسيس الإنسان: مجهوده - لأن ذلك لا يكون إلا بعد أشد الاضطراب، والنسيسة: الحشاشة، وهي بقية الروح من المريض والجريح - كأنها صدمت حتى ذهب أكثرها، ونس اللحم: ذهب بلله من شدة الطبخ - لأن إحراق النار أعظم دلكٍ، وكذا نس الحطب - إذا أخرجت النار زبده على رأسه - لقيام الإحراق مقام الرضخ فيما يستخرج دهنه، ونس من العطش: جف، من ذلك؛ ومن التحسين: سنن المنطق - إذا حسنه، وسن الأمر: بينه، والطين: عمله فخاراً، والمال: أرسله في الرعي أو أحسن القيام عليه حتى
(11/50)

كأنه صقله، والشيء: صوره، والسنة - بالضم: الوجه، أو حُرُّه، أو دائرته، أو الصورة أو الجبهة، ورجل مسنون الوجه: مملسه حسنه سَهْلُه، أو في وجهه وأنفه طول، وكل ذلك يرجع إلى الدلك أيضاً - والله أعلم. وقال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: المسنون: الرطب، ومعناه المصبوب، لأنه لا يكون مصبوباً إلا وهو رطب؛ وقال الرازي في اللوامع: وهذا إشارة إلى درجات خلق آدم عليه السلام ومراتبه، وأشار الله تعالى إلى ذلك في مواضع مختلفة حسبما اقتضته الحكمة فقال في موضع {خلقه من تراب} [آل عمران: 59] إشارة إلى المبدإ الأول، وفي آخر {من طين} إشارة إلى الجمع بين الماء والتراب، وفي آخر {من حمإٍ مسنون} إشارة إلى الطين المتغير المستقر على حالة من الاعتدال تصلح لقبول الصورة، وفي آخر {من صلصال} إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه، وفي آخر {من صلصال كالفخار} [الرحمن: 14] وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار كالخذف، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة - انتهى. وقال الرماني: وقد تضمنت الآيات البيان عمّا يوجبه تقليب الحيوان من حال إلى حال
(11/51)

من جاعل قادر قلّبه من أصل هو أبعد شيء من حال الحيوان إلى الحيوان، وقال: إن الحكمة في جعله من الحمأة العبرة في أنه قلب من تلك الحال الحقيرة في الصفة إلى هذه الحال الجليلة.
(11/52)

وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)
ولما ذكر سبحانه خلق الإنسان، أتبعه ذكر ما خلقه قبله من الجنان فقال: {والجان} أي الذي هو للجن كآدم عليه السلام للناس: وقيل: هو إبليس {خلقناه} وعبر عن تقليل زمان سبق خلقه وتقريبه بإثبات الجار فقال: {من قبل} أي قبل خلق الإنسان {من نار السموم *} أي الحر الشديد، قيل: هي نار لا دخان لها، يكون منها الصواعق، وهي بين السماء وبين الحجاب، فإذا أراد الله تعالى خرقت الحجاب، فهدت إلى ما أمرت به، فالهداة التي يسمعها الناس هي خرق ذلك الحجاب؛ وقال الرازي في اللوامع: نار لطيفة تناهت في الغليان في أفق الهواء، وهي بالإضافة إلى النار التي جعلها الله تعالى متاعاً كالجمد إلى الماء والحجر إلى التراب - انتهى. وقال عبد الله: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم
(11/52)

التي خلق الله منها الجان، وهي مأخوذة من دخولها بلطفها في مسام البدن، ومنه السم القاتل - انتهى.
ولما كانت نعمة الإيجاد كافية في إخلاص العبادة للموجد، ثم لم يعتبرها أهل الضلال، أشار تعالى إلى نعمة هي أكبر منها، وهي التفضيل على جميع المخلوقات على وجه مبين لسبب الضلال، فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا فإنه كافٍ في المراد لكل ذي لب: {وإذ} أي واذكر قول ربك إذ {قال ربك} أي المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه السلام لتشريفك {للملائكة} ولما كان مما يتوقف فيه، أكده فقال: {إني خالق بشراً} أي حيواناً غير مُلبَس البشرة بما جعله عليه من الطبيعة على الصورة الإنسانية {من صلصال} أي طين شديد اليبس {من حمإ} أي طين أسود منتن {مسنون *} أي مصور بصورة الآدمي في تجويفه وأعضائه كأنه مصبوب في قالب؛ قال الرماني: وأصله الاستمرار في جهة من قولهم: على سَنن واحد {فإذا سويته} أي عدلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح تهيئة قريبة من الفعل {ونفخت فيه من روحي} أي خلقت الحياة فيه
(11/53)

كما تعلق النار بالفتيلة بالنفخ، وهو تمثيل، وأضاف الروح إليه تشريفاً، وهو ما يصير به الجسم حياً، وأشرف منه ما يصير به الروح عالماً، وأشرف منه ما يصير به العالم عاملاً خاشعاً {فقعوا له} أي تعظيماً، حال كونكم {ساجدين *} أي اسجدوا له سجود من كان في مبادرته به وسهولة انقياده كأنه وقع من غير اختياره {فسجد الملائكة} أي بسبب هذا الأمر من غير توقف لما جاء الوقت الذي أمرتهم فيه لذلك البشر، وهو أبوكم آدم عليه السلام وأنتم في صلبه {كلهم أجمعون *} .
(11/54)

إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35)
ولما أبلغ في تأكيد ما أفهمه الجمع، استثنى فقال: {إلا إبليس} قيل: هو من قوم من الملائكة، وقيل: بل - لكونه كان واحداً بينهم منضافاً إليهم عاملاً بأعمالهم - كان معموراً فيهم، فكان كأنه منهم، فصح استثناءه لذلك، فكأنه قيل: ما فعل. فقيل استعظاماً لمخالفته: {أبى أن يكون} أي لشكاسة في جبلته {من الساجدين *} أو إنه لم يقل: فأبى - بالعطف، لأن الاستثناء منقطع، فإن إبليس من نار والملائكة من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون بخلافه، فكأنه قيل: فما فعل به الملك؟ فقيل: لم يعاجله بالعقوبة، بل
(11/54)

أخره إلى أجله المحكوم به في الأزل كما أنه لم يعاجلكم لذلك، فكأنه قيل: فما قال له؟ فقيل: {قال} له ليقيم الحجة عليه عند الخلائق ظاهراً كما قدمت عليه الحجة في العلم باطناً: {يا إبليس} اختار هذا الاسم هنا لأن الإبلاس معناه اليأس من كل خير، والسكون والانكسار، والحزن والتحير، وانقطاع الحجة والندم {مالك} أي شيء لك من الأعذار في {ألا تكون} أي بقلبك وقالبك {مع الساجدين *} لمن أمرتك بالسجود له وأنت تعلم مما أنا عليه من العظمة والجلال ما لا يعلمه كثير من الخلق {قال لم أكن} وأكد إظهاراً للإصرار والإضرار بالكبر فقال: {لأسجد لبشر} أي ظاهر البدن، لا قدرة له على التشكل والتطور {خلقته من صلصال} أي طين يابس لا منعة فيه، بل إذا نقر أجاب بالتصويت {من حمإ} أي طين متغير أسود كدر {مسنون *} أي مصور بصورة الفخار متهيىء للدلك، لا يرد يد لامس، وأنا خير منه لأنك خلقتني من نار نافعة بالإشراق، ممتنعة ممن يريدها بالإحراق، فخضوعي له منافٍ لحالي وممتنع مني، وإلزامي به جور، فكأنه قيل: فماذا أجيب؟ فقيل: {قال فاخرج} أي تسبب عن كبرك
(11/55)

أني أقول لك: اخرج {منها} أي من دار القدس، قيل: السماء، وقيل: الجنة {فإنك رجيم *} أي مطرود إذ الرجم لا يكون إلا لمن هو بعيد يراد الزيادة في إبعاده بل إهلاكه، وعلة الإخراج أنها دار لا يقيم بها متكبر عاصٍ بمخالفة أمري، فإن لي الحاكم النافذ والعظمة التامة المقتضية لوجوب الطاعة، لا ينبغي لمن أمرته بما مر أن يتخلف عن أمري فضلاً عن أن يضرب لي الأمثال، ويواجهني بالجدال، طاعناً فيما لي من الجلال والجمال؛ ثم أكد بُعده بالإخبار باستمراره فقال: {وإن عليك} أي خاصة {اللعنة} أي الكاملة للقضاء بالمباشرة لأسباب البعد {إلى يوم الدين *} أي إلى يوم انقطاع التكليف وطلوع صبح الجزاء بفناء الخلق أجمعين وفوات الأمد التي تصح فيه التوبة التي سبب القرب، فذلك إيذان بدوام الطرد، وتوالي البعد والمقت، فلا يتمكن في هذا الأمد من عمل يكون سبباً للقرب من حضرة الأنس، وجناب القدس، ومن منع من التوبة عن الكفر في وقتها يعلم قطعاً أنه لا يغفر له، فهو معذب أبداً.
(11/56)

قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45)
ولما علم من هذا دوام لعنه، لأنه منع التقرب في دار العمل،
(11/56)

وما بعد ذلك محل الجزاء لا العمل، وكان ذلك مفهماً لإنظاره إلى ذلك الحد، وكان ظاهره أن لعنه معني به، كان كأنه قيل: فماذا قال حين سمع ذلك؟ فقيل: {قال} ذاكراً صفة الإحسان والتسبب في سؤال الإنظار: {رب} فاعترف بالعبودية والإحسان إليه، ولم يحمله ذلك على التوبة للحكم بدوام لعنه فلا يطمع طامع في إيمان من ختم بكفره بالإجابة إلى ما يقترح، وأتى بفاء السبب لما فهم من الإملاء فقال: {فأنظرني} والإنظار: تأخير المحتاج للنظر في أمره {إلى يوم يبعثون *} فحمل يوم الدين على حقيقته، وأراد التصريح بالإنظار إليه ليأمن الموت. فكأنه قيل: ماذا قيل له؟ فقيل: {قال} له ربه: {فإنك} أي بسبب ما تقدم من الحكم {من المنظرين *} وقطع عليه ما دبج به من المكر فقال: {إلى} ولما كان اليوم ما يتم فيه أمر ظاهر، وكانت الأيام الهائلة ثلاثة: زمان موت الأحياء الخارجين من دار الخلد، ثم بعث الأموات، ثم الفصل بينهم بإحلال كل فريق في داره، قال: {يوم} ولما كان الوقت أدل ألفاظ الزمان على الأجل، قال: {الوقت} ولما كان قد دبج في سؤاله هذا تدبيجاً أوهم تجاهله بتحتم
(11/57)

الموت على كل مكلف، بين تعالى أنه مما لا يجهل فقال: {المعلوم *} أي الذي قدرت عليك الموت فيه، وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد.
ولما أفهم ما تقدم - كما قلنا - الحكم بإغوائه، كان السامع كأنه قال: فماذا قال؟ فقيل: {قال} منسوباً نفسه بالمعبود العلي - الذي لا يسأل عما يفعل، وكل أفعاله عدل وحكمة - بعد أن رفع نفسه على العبد البشري: {رب} أي أيها الموجد والمربي لي وعزتك {بما أغويتني} أي بسبب إغوائك لي من أجلهم، وللاهتمام بهذا السبب قدمه على جواب القسم الدال على المقسم به، وهو قوله: {لأزينن لهم} أي تزييناً عظيماً، المعاصي والمباحات الجارّة إليها الشاغلة عن الطاعة الصارفة عنها {في الأرض} أي التي هي محل الغفلة وهم منها، والشيء إلى ما هو منه أميل، فهي بهذا التقدير
(11/58)

مساوية لآية «ص» «فبعزتك» ؛ والتزيين: جعل الشيء متقبلاً في النفس من جهة الطبع والعقل بحق أو بباطل {ولأغوينهم} أي بالإضلال عن الطريق الحميدة {أجمعين} انتقاماً لنفسي {إلا عبادك منهم} أي المشرفين بالإضافة إليك، فهم لذلك لا يميلون عنك إلى شيء سواك، فلذلك أبدل منهم {المخلصين *} فزاد بهذا الكلام في الضلال، ولم يقدر أن يقول بدل ذلك: ربّ تب عليّ - ونحوه من الاستعطاف كما قال آدم عليه السلام لما حفه اللطف وداركه العفو، فارعوا هذه النعمة! والإخلاص: إفراد الشيء عما يشوبه من غيره، فكأنه قيل: فبماذا أجيب؟ فقيل: {قال} الله في جوابه، راداً على ما أوهمه كلامه من أن له فعلاً يستقل به، مكذباً له: {هذا} أي الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه {صراط عليّ مستقيم *} لأني قضيت به ولو لم تقله أنت وحكمت به عليك وعليهم، فلا محيص لكم عنه، فكأنه قيل: عليّ إقامته، أو هو وارد عليّ ألا عوج لسالكيه عن الرجوع إليّ والمرور عليّ - يعني أنه لا يقدر أحد أن يعمل شيئاً
(11/59)

بغير إرادتي، فإني بالمرصاد؛ ثم شرح ذلك بقوله - مضيفاً جميع العباد إليه كما هو الحقيقة، نافياً ما قد يوهمه الكلام من أن لإبليس عملاً مستقلاً -: {إن عبادي} أي عامة {ليس لك} أي بوجه من الوجوه {عليهم سلطان} أي لتردهم كلهم عما يرضيني {إلا من اتبعك} أي بتعمد منه ورغبة في اتباعك {من الغاوين} ومات عن غير توبة؛ فإني جعلت لك عليهم سلطاناً بالتزيين والإغواء، وقيل وهو ظاهر: إن الإضافة للتشريف، فلا تشمل إلا الخلص، فحينئذ يكون الاستثناء منقطعاً، وفائدة سوقه بصورة الاستثناء - على تقدير الانقطاع - الترغيب في رتبة التشرف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه، لأن ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام، ويرونه - كما هو الحق - أعلى مرام {وإن جهنم لموعدهم} أي الغاوين من إبليس ومن شايعه {أجمعين *} ثم بين أنهم متفاوتون فيها فقال: {لها سبعة أبواب} قال الرماني: وهي أطباق بعضها فوق بعض - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة وابن جريح رحمهم الله {لكل باب منهم} أي الغاوين خاصة، لا يشاركهم
(11/60)

فيه مخلص {جزء مقسوم *} معلوم لنا من القدم لتقديرنا إياه، لا يزيد شيئاً ولا ينقص شيئا، فلا فعل فيه بغير التسبب الذي أظهرناه، لنربط به الأحكام على ما يقتضيه عقولكم ومجاري عاداتكم، وعن ابن جريح أن العليا جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وفي نسخة تقديم سقر على لظى، وعن الضحاك أن العليا لأهل التوحيد، ثم يخرجون، والثانية للنصارى، والثالثة لليهود، والرابعة للصائبة، والخامسة للمجوس، والسادسة لمشركي العرب، والسابعة للمنافقين، والسبب في تصاعدها اختلاف أنواع الكفر في الغلط والخفة
{ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49] رحمة منه سبحانه، ولعلها كانت سبعة باعتبار أصناف الكفار، لأنهم إما معطلة أو مثبتة، والمثبتة إما يهود أو صابئة أو نصارى أو مجوس أو عباد أوثان، والكل إما مصارحون أو منافقون، ولما كان المنافق لا يعرف ظاهراً من أيّها هو؟ عدَّ قسماً واحداً ووكل أمره في ميزه إلى العليم الخبير، ولما كان الكل عاملين بما لم يأذن به الله كانوا في حكم المعطلة، لوصفهم الله بغير صفته، فرجعت
(11/61)

الأقسام إلى ستة، فأضيفت إليها العصاة من كل فرقة فجعلت جزء الطبقة العليا من النار مقابلة لقسم المنافقين من كل أمة، لعملهم أعمال الكفار مع الإيمان، كما أن عمل المنافقين عمل المؤمنين مع الكفران، فكانوا أخفى الكفار فكان لهم الدرك الأسفل من النار، ثم رأيت في «رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية» للعارف بالله تعالى شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي رحمه الله أنها جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، لأنها مصادر السيئات، فكانت مواردها الأبواب السبعة - وهو مأخوذ من كتاب المحاسبة من كتاب الإحياء للإمام الغزالي - ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية، والنية من أعمال القلب، زادت الأعضاء واحداً، فجعلت أبواب الجنان ثمانية هذا معنى قوله، قال: وأعمال القلوب من السيئات غير مؤاخذ بها.
ولما ذكر الكافرين وما جرهم إلى الضلال، وجرأهم على قبائح الأعمال، ذكر المخلصين فقال - مؤكداً لإنكار المكذبين بالبعث: {إن المتقين} أي العريقين في هذا الوصف؛ والمتقي: من جعل
(11/62)

الإيمان بإخلاصه حاجزاً بينه وبين العقاب {في جنَّات وعيون} .
(11/63)

ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52)
ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس والأمن، قال تعالى: {ادخلوها} أي يقال لهم ذلك {بسلام} أي سالمين من كل آفة، مرحباً بكم ومسلماً عليكم حال الدخول {آمنين *} من ذلك دائماً.
ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة وصفاء القلوب عن الكدر، قال: {ونزعنا} أي بما لنا من العظمة {ما في صدورهم من غل} أي حقد ينغل أي ينغرز في القلب حال كونهم {إخواناً} أي متصافين، حال كونهم {على سرر} جمع سرير، وهو مجلس رفيع موطأ للسرور {متقابلين *} لا يرى بعضهم قفا بعض؛ في آخر الثقفيات عن الجنيد رحمه الله أنه قال: ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب! وما أمرّ الاجتماع مع الأضداد! ولما كان النظر في الدوام والمآل بعد ذلك، قال: {لا يمسّهم فيها نصب} أي إعياء وتعب وجهد ومشقة {وما هم منها} ولما كان المنكى في كل شيء إنما هو الإكراه، بني للمفعول قوله: {بمخرجين *} .
ولما كان المفهوم من هذا السياق أن الناجي إنما هو المتقي المخلص
(11/63)

الذي ليس للشيطان عليه سلطان، وكان مفهوم المخلص من لا شائبة فيه، وكان الإنسان محل النقصان، وكان وقوعه في النقص منافياً للوفاء بحق التقوى والإخلاص، وكان ربما أيأسه ذلك من الإسعاد، فأوجب له التمادي في البعاد، قال سبحانه - جواباً لمن كأنه قال: فما حال من لم يقم بحق التقوى؟ {نبىء عبادي} أي أخبرهم إخباراً جليلاً {أني أنا} أي وحدي {الغفور الرحيم *} أي الذي أحاط - محوه للذنوب وإكرامه لمن يريد - بجميع ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه.
ولما كان ذلك ربما سبباً للاغترار الموجب للإصرار، قال تعالى: {وأن عذابي هو} أي وحده {العذاب الأليم *} أي الكامل في الإيلام، فعلم أن الأول لمن استغفر، والثاني لمت أصر، وعرف من ذلك أن المتقين إنما دخلوا الجنة بعفوه، والغاوين إنما عذبوا بعدله، فهو لف ونشر مشوش - على ما هو الأفصح.
ولما أتم سبحانه شرح قوله: {وليعلموا أنما هو إله واحد} وما تبعه من الدلالة على البعث، شرع في شرح {وليذكر أولوا الألباب} بقصة الخليل عليه السلام وما بعدها مع الوفاء بذكر المعاد، تارة تلويحاً
(11/64)

وتارة تصريحاً، والرجز عن الاجتراء على طلب الإتيان بالملائكة عليهم السلام، والالتفات إلى قوله: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق} [إبراهيم: 39] في أسلوب شارح لما تعقبه هذه القصة، فإن حصول القنوط سبب لآية المغفرة، والإخبار بعذاب الأمم تمثيل لآية العذاب ليزدجر المخاطبون، وأفراد لهم ذكر من هو أقرب إلى بلادهم ممن يعرفونه من المعذبين لأنه أوقع في النفس، فقال تعالى: {ونبئهم} أي خبرهم إخباراً عظيماً {عن ضيف إبراهيم *} والضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى، فهؤلاء سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف، فهو من دلالة التضمن {إذ دخلوا عليه} أي إبراهيم عليه السلام {فقالوا} أي عقب الدخول {سلاماً} .
ولما كان طلبهم في هذه الصورة للملائكة على وجه أوكد مما في سورة هود عليه السلام، أشار لهم إلى ما في رؤية الملائكة من الخوف ولو كانوا مبشرين وفي أحسن صورة من صور البشر - بقوله: {قال} بلسان الحال أو القال: {إنا} أي أنا ومن عندي {منكم وجلون *} وأسقط ذكر جوابه بالسلام، ولا يقدح ذلك فيما في سورة هود وغيرها
(11/65)

من ذكره، فإن إذ ظرف زمان بمعنى حين، والحين قد يكون واسعاً، فيذكر ما فيه تارة جميعه على ترتيبه، وأخرى على غير ذلك، وتارة بعضه مع إسقاط البعض مع صدق جميع وجوه الإخبار لكونه كان مشتملاً على الجميع، وتكون هذه التصرفات على هذه الوجوه لمعانٍ يستخرجها من أراد الله.
(11/66)

قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58)
ولما أخبر أنه أخبرهم بوجله منهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقال: {قالوا} مريدين أمنه: {لا توجل} والوجل: اضطراب النفس لتوقع ما يكره؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين لقلع ما في نفسه من الوجل المنافي للبشرى {إنا نبشرك بغلام} أي ولد ذكر هو في غاية القوة وليس هو كأولاد الشيوخ ضعيفاً. ولما كان خوفه لخفاء أمرهم عليه، كان للوصف بالعلم في هذا السياق مزيد مزية فقالوا: {عليم *} فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: {قال} مظهراً للتعجب إرادة تحقيق الأمر وتأكيده: {أبشرتموني} أي بذلك {على أن مسني الكبر} أي الذي لا حركة معه يأتي منها ولد، أم على أن أعود شاباً؟ ولذلك سبب عنه قوله: {فبم تبشرون *} بينوا لي ذلك بياناً شافياً
(11/66)

{قالوا بشرناك بالحق} أي الأمر الثابت المقطوع به الواقع لا محالة الذي يطابق خبرنا {فلا تكن} أي بسبب تبشيرنا لك بالحق {من القانطين *} أي الآئسين الذين ركنوا إلى يأسهم، لقولك نحو أقوالهم.
فلما ألهبوه بهذا النهي {قال} منكراً لأن يكون من القانطين: {ومن يقنط} أي ييأس هذا اليأس {من رحمة ربه} أي الذي لم يزل إحسانه دارّاً عليه {إلا الضالون *} أي المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، وهذا إشارة إلى أنه ما كان قانطاً، وإنما كان مريداً لتحقيق الخبر، وفي هذا تلويح إلى أمر المعاد.
فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي، وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما تنزل الملائكة إلا بالحق، كان ذلك سبباً لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله، فلذلك {قال فما} بفاء السبب {خطبكم} قال أبو حيان: والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد - انتهى. وقال الرماني: إنه الأمر الجليل {يا أيها المرسلون *} فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلاً بين هالك وناج {قالوا إنا} ولما كان عالماً بمرسلهم، بنوا للمفعول
(11/67)

قولهم: {أرسلنا} أي بإرسال العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به {إلى قوم} أي ذوي منعة {مجرمين} أي عريقين في الإجرام كلهم.
(11/68)

إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62)
ولما كان إرسالهم للعذاب، قالوا مستثنين من الضمير في {مجرمين} أي قد أجرموا كلهم إجراماً عظيماً {إلا آل لوط} فاستثنوهم من أن يكونوا مجرمين، المستلزم لكونهم ما أرسلوا لتعذيبهم، فكان ذلك محركاً للنفس إلى السؤال عن حالهم، فإنهم ممن وقع الإرسال بسببه، فأجابوا بقولهم: {إنا لمنجوهم} أي تنجية عظيمة بتدريج الأسباب على العادة {أجمعين إلا امرأته} .
فلما استثنوها من أن ينجّوها فكان أمرها محتملاً لأن تعذب ولأن ينجيها الله تعالى بسبب غيرهم، تشوفت النفس للوقوف على ما قضى الله به من ذلك، فقيل بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه: {قدرنا} ولما كان فعل التقدير متضمناً للعلم، علقه عن قوله: {إنها} أي امرأته، وأكد لأجل ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل عليه السلام إلى معرفة أمرهم
(11/68)

وتشديد سؤاله، في نجاة لوط عليه السلام وجميع آله - كما مضى التصريح به في هود - فطماً له عن سؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل، فإن سياقها عار عن ذلك {لمن الغابرين} أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط عليه السلام، بل تكون في الهلاك والعبرة؛ والآل - قال الرماني: أهل من يرجعون إلى ولايته، ولهذا يقال: أهل البلد، ولا يقال آل البلد، والتقدير: جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة، والغابر: الباقي فيمن يهلك.
فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم عليه السلام، أخبر عن أمرهم مع لوط عليه السلام، فقال: {فلما} بالفاء الدالة على سرعة وصولهم إليه، وكأنه ما اشتد إنكاره لهم إلا بعد الدخول إلى منزله، إما لخوفه عليهم وهم لا يخافون، أو غير ذلك من أحوال لا تشبه أحوال البشر فلذا قال: {جاء آل لوط} أي في منزله {المرسلون *} أي لإهلاك قومه {قال إنكم قوم} أي أقوياء {منكرون *} لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه البلدة
(11/69)

شر كبير لأحد من أهل الأرض، وهو معنى {سيء بهم} [العنكبوت: 33] الآية، فقدم حكاية إنكاره إياهم وإخبارهم عن العذاب لمثل ما تقدم في قصة إبراهيم عليه السلام من الزجر عن قولهم {لو ما تأتينا بالملائكة} المحتمل لإرادة جميع الملائكة {إن كنت من الصادقين} تعريفاً لهم بأن بعض الملائكة أتوا من كانا أكمل أهل ذلك الزمان على أجمل صور البشر، مبشرين لهما، ومع ذلك خافهم كل منهما، فكيف لو كان منهم جمع كثير؟ أم كيف لو كانوا على صورهم؟ أم كيف لو كان الرائي لهم غيرهما؟ أم كيف لو كان كافراً {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً} [الفرقان: 22] ويجوز أن يكون قوله لهم هذه المقالة إنما كان عند إخبارهم له بأنهم رسل الله، ويكون المعنى حينئذ أنكم لستم على صفة الآتي بالوحي، فقد اشتد على أمركم، لكوني لا أعرفكم مع
(11/70)

الاستيحاش منكم، وذلك بعد محاورته لقومه ثم مقارعتهم عنهم، فكان خائفاً عليهم، فلما أخبروه أنهم ملائكة خاف منهم أن يكونوا أتوا بشيء يكرهه، وقد تقدم آنفاً أن الإخبار عما كان في حين من الأحيان لا يضر تقديم بعضه على بعض ولا إسقاط بعض وذكر آخر، ولم يزد هنا الحرف الذي أصله المصدر، وهو «أن» كما في العنكبوت، لأن استنكاره لهم وإن كان مرتباً على مجيئهم إلا أنه ليس متصلاً بأوله بخلاف المساءة.
(11/71)

قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)
ولما كانت حقيقة المنكر ما خرج عن عادة أشكاله، ولم يكن على طريقة أمثاله، أضربوا عن قوله، وكان جوابهم أن {قالوا بل} أي لسنا منكرين لأنا {جئناك} لنفرج عنك {بما} أي بسبب إيقاع ما {كانوا} أي جبلة وطبعاً {فيه يمترون *} بما جرت عادتنا أن نأتي بمثله من العذاب الذي كانوا يشكون فيه شكاً عظيماً، يحملون نفوسهم عليه ويكذبون به، والجاهل يوصف بالشك وإن كان مكذباً من جهة ما يعرض له منه، من حيث إنه لا يرجع إلى ثقة فيما هو عليه {وأتيناك بالحق} الفاصل بينك وبينهم، الواقع بهم مطابقاً لإخبارنا؛ والإتيان: الانتقال إلى جهة الشيء، والذهاب: الانتقال عنه
(11/71)

{وإنا لصادقون *} في الإخبار بما يطابق الواقع.
ولما أخبروه بوقوع العذاب بهم، أمروه بما يكون سبباً فيما أمروا به من إنجائه، فقالوا: {فأسر} فأتو بالفاء لأن ما بعدها مسبب عما قبلها {بأهلك بقطع} أي طائفة {من الليل واتبع} أي كلف نفسك أن تتبع {أدبارهم} لتكون أقربهم إلينا وإلى محل العذاب، لأنك أثبتهم قلباً وأعرفهم بالله، والشر من ورائكم، وقد جرت عادة الكبراء أن يكونوا أدنى جماعتهم إلى الأمر المخوف سماحاً بأنفسهم وتثبيتاً لغيرهم، وعلماً منهم بأن مداناة ما فيه وجل لا يقرب من أجل، وضده لا يغني من قدر، ولا يباعد من ضرر، ولئلا يشتغل قلبك بمن خالفك، وليحتشموك فلا يلتفتوا، أو يتخلف أحد منهم - وغير ذلك من المصالح؛ والدبر: جهة الخلف وهو ضد القبل {ولا يلتفت} أي أصلاً {منكم أحد} إذ لا فائدة فيه لأن الملتفت غير ثابت، لأنه إما غير مستيقن لخبرنا أو متوجع لهم، فمن التفت ناله العذاب، وذلك أيضاً أجد في الهجرة، وأسرع في السير،
(11/72)

وأدل على إخراج ما خلفوه من منازلهم وأمتعتهم من قلوبهم، وعلى أنهم لا يرقون لمن غضب الله عليهم مع أنهم ربما رأوا ما لا تطيقه أنفسهم {وامضوا حيث} وتعبيره بالمضارع يشعر بأنه يكون معهم بعض الملائكة عليهم السلام في قوله: {تؤمرون *} .
ولما تقرر بهذا أمر إهلاكهم من غير تصريح ولا تعيين لوقت، قال تعالى: {وقضينا} أي بما لنا من العظمة، موحين {إليه} أي خاصة {ذلك الأمر} وأشار إلى تعظيمه بالإشارة إليه بأداة البعد، ثم فسره بقوله: {أن دابر} أي آخر {هؤلاء} أي الحقيرين عند قدرتنا، وأشار بصيغة المفعول إلى عظمته سبحانه وسهولة الأمر عنده فقال تعالى: {مقطوع} حال كونهم {مصبحين *} ولا يقطع الدابر حتى يقطع ما دونه، لأن العدو يكون مستقبلاً لعدوه، فهو كناية عن الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في الأخذ سواء، لأن الآخذ قادر، لا كما يفعل بعض الناس مع بعض من أنهم يملون في آخر الوقائع فيفوتهم البعض.
(11/73)

وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)
فلما تم ما دار بينه وبين الرسل مقدماً لما بيّن، أتبعه البيان عن
(11/73)

حال قومه إشارة إلى أن الملائكة إن كانوا بصفات البشر لم يعرفهم الكفرة، وإن كانوا بصفاتهم أو بإظهار شيء من خوارقهم لم تحتمله قواهم، فلا نفع لهم في مكاشفتهم في حالة من الحالات، فسؤالهم الإتيان بهم جهل عظيم، فقال تعالى: {وجاء أهل المدينة} أي التي كان هذا الأمر فيها - قالوا: وهي سدوم - لإرادة عمل الفاحشة بالأضياف {يستبشرون *} أي يلوح على بشراتهم السرور، فهم يوجدونه لأنفسهم إيجاد من هو شديد الرغبة في طلبه، فكان حال لوط عليه السلام أن {قال} لهم: {إن هؤلاء} أي الأقرباء مني {ضيفي} .
ولما كان إكرام الضيف إكراماً لمن هو عنده وإهانته إهانته، سبب عن ذلك ما أشار إليه الكلام فقال: {فلا تفضحون *} في إصابتهم بفاحشة، وكان ذلك قبل معرفته أنهم ملائكة {واتقوا الله} أي الذي له جميع العظمة {ولا تخزون *} أي بإهانة ضيفي، فيكون ذلك عاراً عليّ مدى الدهر، فلم يكفهم ذلك بل {قالوا} بفظاظة، عاطفين على ما تقديره: ألم تعلم أنا لا نترك هذا الأمر لشيء من الأسباب: {أو لم ننهك} أي من قبل هذا {عن العالمين *} أن تجير علينا
(11/74)

أحداً منهم، فما وصلوا إلى هذا الحد من الوقاحة، ذكر لهم الحريم ليحملهم ذلك على الحياء، لأنه دأب من له أدنى مروءة ولا سيما ذكر الأبكار في سياق يكاد يصرح بمراده، بأن {قال هؤلاء} مشيراً إلى بيته الذي فيه بناته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي عنهن {بناتي إن كنتم} ولا بد {فاعلين *} أي قد عزمتم عزماً ماضياً على هذا الفعل، إشارة بأداة الشك إلى أن هذا الفعل مما لا ينبغي أن يفعل، يعني وأنتم عالمون بأني لا أسلم بناتي أبداً، فعلم من ذلك أن وصولكم إلى أضيافي دون هلاكي محال.
ولما ذكر ما ذكر من أمورهم وعظيم فجورهم، وهم قد فرغ من أمرهم وقضي باستئصالهم، كان كل من يعلم ذلك قاضياً بأنهم لا عقول لهم، فأتبع سبحانه ذلك ما يدل عليه بقوله: {لعمرك} أي وحياتك يا كريم الشمائل، وأكد لأن الحال قاض في ذلك الحين استبعاد ردهم، ولتحقيق أن ذلك ضلال منهم صرف وتعنت محض، فقال: {إنهم لفي سكرتهم} أي غوايتهم الجاهلية {يعمهون *} أي يتحيرون ولا يبصرون طريق الرشد، فلذلك لا يقبلون قول النصوح، فإن كان المخاطب لوطاً عليه السلام، كان ضمير الغيبة
(11/75)

لقومه، وإن كان المخاطب نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو الظاهر - كان الضمير لقومه، وكان التقدير أنهم في خبط بعيد عن السنن في طلبهم إتيان الملائكة كما كان قوم لوط عليه السلام يقصدون الالتذاذ بالفاحشة بمن مكن من هلاكهم، فشتان ما بين القصدين! وهيهات لما بين الفعلين! فصار المعنى أن ما قذفوك به أول السورة بهم لابك، لأن من يطلب إتيان الملائكة - مع جواز أن يكون حاله حال قوم لوط عليه السلام عند إتيانهم - هو المجنون؛ والعمر - بالفتح: العمر - بالضم، وهو مدة بقاء الشيء حيّاً، لكنه لا يقال في القسم إلا بالفتح لخفته مع كثرة دور القسم، ولذلك حذفوا الذي تقديره: قسمي، والسكرة: غمور السهو للنفس.
(11/76)

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79)
ولما تم ذلك، سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى: {فأخذتهم} أي أخذ انتقام وغلبة {الصيحة} أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة، وغيرها عدم بالنسبة إليها؛ والأخذ: فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل، والصيحة: صوت يخرج من الفم بشدة؛ وقوله: {مشرقين *} أي داخلين في الإشراق، وهو ضياء الشمس
(11/76)

عند بزوغها، وتبين به أن وقته يسمى صبحاً لغة، فإن الصبح والصبّاح والإصباح أول النهار، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال، أو تكون الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقباً لها فقال: {فجعلنا عاليها} أي مدائنهم {سافلها وأمطرنا} .
ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود عليه السلام، لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - كما مضى في سورة هود عليه السلام - لأن هذا أصرح، فقال: {عليهم} أي أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم {حجارة من سجيل} ثم حقق أن ذلك كله شرح لقوله {وليذكر أولوا الألباب} بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم جداً {لآيات} أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها، ومن جهة كونه مخالفاً لمياه الأرض بالنتن والخباثة، وعدم عيش الحيوان فيه، وعدم النفع به، ومن جهة فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره {للمتوسمين *} جمع متوسم، وهو الناظر في السمة الدالة - وهي الأثر الدال في الوجه - والقرائن القاضية بالخير
(11/77)

والشر، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بمثل ذلك، فهو إلهاب لهم وتبكيت؛ ثم بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به، فقال جعلاً لهم - لعدم اعتبارهم بها ومع رؤيتهم إياها في كل حين - في عداد المنكرين: {وإنها} أي هذه المدائن {لبسبيل مقيم *} أي ثابت، وهو مع ذلك مبين، فالاعتبار بها في غاية السهولة لقومك، وكانوا يمرون عليها في بعض أسفارهم إلى الشام.
ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال بالتوسم الدال - مما هي عليه من المخالفة لسائر مياه الأرض العذبة الورادة إليها على كثرتها ومع أن البلاد التي هي بها من أبهج البلاد في عذوبة المياه وطراوة الأرض وحسن الأشجار وغير ذلك - على أن لها نبأ هو في غاية الغرابة، وأتبع ذلك سهولة الوصول إليها حثاً على إتيانها بقصد نظرها والاعتبار بها والسؤال عن سبب كونها كذلك، قال تعالى مشيراً إلى زيادة الحث بالتأكيد: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من حالها {لآية} أي علامة عظيمة في الدلالة علينا {للمؤمنين *} أي الراسخين في الصدق والتصديق، فإذا أخبروا أن سبب كونها هكذا أن الله أمر بعض جنده فرفعها ثم قلبها ثم أتبعها الحجارة ثم خسف بها وغمرها
(11/78)

بهذا الماء - الذي هو في القذارة وعدم الثمرة مناسب لأفعال أهلها - لأجل عصيانهم رسوله صلى الله علية وعلى آله وسلم، آمنوا حذراً من مثل هذا العذاب إيماناً بالغيب.
ولما ذكر هذه القصة، ضم إليها ما هو على طريقها مما عذب قومه بنوع آخر من العذاب يشابه عذاب قوم لوط في كونه ناراً من السماء، فقال مؤكداً لأجل إنكار الكفار أن يكون عذابهم لأجل التكذيب، أو عدّاً لهم - لأجل تماديهم على الغواية مع العلم به - عداد المنكرين: {وإن} أي وإنه {كان} أي جبلة وطبعاً {أصحاب الأيكة} وهم قوم شعيب عليه السلام؛ والأيكة: الشجرة - عن الحسن، وجمعه الأيك كشجرة وشجر، وقيل: الأيكة: الشجر الملتف {لظالمين *} أي العريقين في الظلم {فانتقمنا منهم} أي بسبب ذلك؛ ثم أخبر عن البلدين لتقاربهما في العذاب والمكان وكونهما على طريق واحدة من طرق متاجر قريش فقال: {وإنهما} أي قرى قوم لوط ومحال أصحاب الأيكة {لبإمام} أي طريق يؤم ويتبع ويهتدي به {مبين *} واضح لمن أراده، بحيث إنه من شدة وضوحه موضح لعظمة الله
(11/79)

وانتصاره لأنبيائه ممن يكذبهم، وهو مع وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس أعلامه، ولم تنطمس آثاره، فالآية من الاحتباك: ذكر في الأولى {مقيم} دلالة على حذف مثله ثانياً، وفي الثانية {مبين} دلالة على حذف مثله أولاً.
(11/80)

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84)
ولما كان ربما قيل: إنه لو كان لأصحاب الأيكة بيوت متقنة لمنعتهم من العذاب؟ عطف عليهم من هم على طريق أخرى من متاجرهم إلى الشام، وكانوا قد طال اغترارهم بالأمل حتى اتخذوا الجبال بيوتاً، وكانت آيتهم في غاية الوضوح فكذبوا بها، تحقيقاً لأن المتعنتين لو رأوا كل آية لقالوا إنما سكرت أبصارنا فقال: {ولقد كذب} .
ولما كان السياق للمكذبين وما وقع لهم بتكذيبهم، قدم فاعل، فقال مشيراً إلى إتقان بيوتهم: {أصحاب الحجر} وهم ثمود قوم صالح عليه السلام، وديارهم بين المدينة الشريفة والشام {المرسلين *} أي كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك، لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق، فمن كذب واحداً منهم فقد كذب الجميع، وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء؛ ثم أتبع ذلك قوله: {وءاتيناهم} أي بعظمتنا على يد رسولهم صالح عليه السلام
(11/80)

{ءاياتنا} أي كلها، بإيتاء الناقة وسقيها ودرها وشربها، لأن الممكنات كلها بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، فمن كذب بواحدة منها فقد كذب بالجميع {فكانوا} أي كوناً هو كالجبلة {عنها} أي الآيات كلها خاصة، لا عن زينة الدنيا التي تجر إلى الباطل {معرضين *} أي راسخين في الإعراض، لم يؤمنوا بها، التفاتاً إلى قوله تعالى {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء} - الآيتين، وتمثيلاً له رداً للمقطع على المطلع؛ ثم أخبر أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم فقال: {وكانوا ينحتون} والنحت: قلع جزء بعد حزء من الجسم على سبيل المسح {من الجبال} التي تقدم أنا جعلناها رواسي {بيوتاً ءامنين *} عليها من الانهدام، وبها من لحاق ما يكره، لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة {فأخذتهم} أي فتسبب عن تكذيبهم أن أخذتهم أخذ العذاب والانتقام {الصيحة} حال كونهم {مصبحين *} أي داخلين في الصبح {فما} أي فتسبب عن
(11/81)

الصيحة أنه ما {أغنى} أي أجزأ {عنهم ما كانوا} أي بجبلاتهم {يكسبون *} من البيوت والأعمال والعدد والآلات الخبيثة، لأنه لا يعجزنا شيء لأنه لا كلفة علينا فيما نفعل {إنما نقول له كن فيكون} وفعلنا بهم ذلك لأنهم كانوا على باطل، فكان تعذيبنا لهم حقاً.
(11/82)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)
ولما كان المتعنت ربما قال: ما له يخلقهم ثم يهلكهم وهو عالم حين خلقهم أنهم يكذبون؟ وكانت هذه الآية ملتفتة - مع ما فيها من ذكر الأرض - إلى تلك التي أتبعها ذكر الخافقين، استدلالاً على الساعة، قال على ذلك النمط: {وما خلقنا} أي على عظمتنا {السماوات} أي على ما لها من العلو والسعة {والأرض} على ما بها من المنافع والغرائب {وما بينهما} من هؤلاء المكذبين وعذابهم، ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك {إلا بالحق} أي خلقاً ملتبساً بالحق، فيتفكر فيه من وفقه الله فيعلم النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى، أو بسبب الحق من إثبات ثوابت الأمور ونفي مزلزلها، لتظهر عظمتنا بإنصاف المظلوم من الظالم، وإثابة الطائع وعقاب العاصي في يوم الفصل - إلى غير ذلك من الحكم كما قال تعالى {ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي
(11/82)

الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] فمن أمهلناه في الدنيا أخذنا منه الحق بعد قيام الساعة، فلا بد من فعل ذلك {وإن الساعة لآتية} لأجل إقامة الحق لا شك في إتيانها لحكم علمها سبحانه فيظهر فيها كل ذلك، ويمكن أن يكون التقدير: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما فعلنا ذلك إلا بالأمر من قولنا «كن» وهو الحق {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بالأمر {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] يعني أنه لا مشقة علينا في شيء من ذلك، وسنعدم ذلك بالحق إذا أردنا قيام الساعة، وأن الساعة لآتيه، لأنا قد وعدنا بذلك، وليس بينكم وبين كونها إلا أن نريد فتكون كما كان غيرها مما أردناه {فاصفح الصفح} أي فأعرض - بسبب تحقق الأخذ بثارك - الإعراض {الجميل *} بالحلم ولإغضاء وسعة الصدر، في مثل قولهم {ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} فإنه لا بد من الأخذ لك منهم بالحق ولو لم يكن لك نصرة إلا في ذلك اليوم لكانت كافية؛ ثم علل هذا الأمر بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك الآمر لك بهذا {هو}
(11/83)

أي وحده {الخلاّق} المتكرر منه هذا الفعل في كل وقت بمجرد الأمر، فلا عجب في إيجاد ما ينسب إليه من إبداع الساعة أو غيرها، وهو لذلك عالم بأحوالكم أجمعين وما يكون منها صلاحاً لك على غاية الحكمة، لأن المصور أعلم بالصورة من ناظرها والمتبصر فيها، وصانع الشيء أدرى به من مشتريه، وباني البيت أخبر به من ساكنه، وهو الذي خلق كل ما تراه منهم فهو فعله فسلم له.
ولما كان إحكام المصنوعات لا يتم إلا بالعلم، قال تعالى: {العليم *} أي البالغ العلم بكل المعلومات، فلا ترى أفعالهم وأقوالهم إلا منه سبحانه لأنه خالقها، وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك، فإنه نعم المولى ونعم النصير، ولا يخفي عليه شيء منه؛ ويدل على ما قلته آية يس
{أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاّق العليم} [يس: 81] أو يقال: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون شيئاً مما أردنا من الحق، لأنا ما خلقنا عذابهم إلا بالحق كما خلقناهم بالحق، فلم يمتنع علينا شيء من ذلك {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بسبب إقامة الحق وإظهار أمرنا في العدل، ولولا أن سلطنا بعض الناس على بعض لم يظهر
(11/84)

لهم منا هذه الصفة غاية الظهور، فنحن نعجل من الحق الذي خلقنا ذلك بسببه على قيام الساعة - ما شئنا من الابتلاء والانتقام كما فعلنا ممن قصصنا أمرهم، ونؤخر من ذلك ما بقي إلى قيام الساعة {وإن الساعة لآتية} لا شك فيها، فلا ندع هناك شيئاً من الحقوق إلا أقمناه {فأصفح الصفح الجميل} فلا بد من الأخذ لك بحقك إما في الدنيا وإما في الآخرة أن أي لأن {ربك هو الخلاّق} أي الفاعل للخلق مرة بعد مرة، لا تنفذ قدرته ولا تهن كلمته {العليم} التام العلم، فهو قادر على ذلك عالم بوجه الحكمة فيه في وقته وكيفيته، فهو يعيد الخلائق في الساعة كما بدأهم، ويستوفي إذ ذاك جميع الحقوق ويؤتيك في ذلك اليوم ما يقر به عينك.
ولما ذكر صفة العلم بصيغة المبالغة، أتبعها ما آتاه في هذه الدار من مادة العلم بصيغة العظمة، فقال عطفاً على ما قدرته مما دل عليه السياق: {ولقد آتيناك} مما يدل على علمنا {سبعاً من المثاني} وهي الفاتحة الجامعة على وجازتها جميع معاني القرآن فتثني في النزول فإنها نزلت مرتين، وتثني في كل ركعة من الصلاة، وهي ثناء على الله
(11/85)

والصالحين من عباده، وهي مقسومة بين الله وعبده، وتثني فيه مقاصدها، ويورد كل معنى من معانيها فيه بطرق مختلفة في إيضاح الدلالة عليه في قوالب الألفاظ وجواهر التراكيب الهادية إليه - وغير ذلك من التثنية {والقرآن العظيم *} أي الحاوي لجميع علوم الأولين والآخرين مما في جميع الكتب السالفة وغيره.
(11/86)

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)
ولما كان ما أوتيه وما سيؤتاه أعظم ما أوتيه مخلوق، اتصل به قوله: {لا تمدن عينيك} أي مداً عظيماً بالتمني والاشتهاء المصمم، ولذلك ثنى العين احتزازاً عن حديث النفس {إلى ما متعنا} أي على عظمتنا {به أزواجاً} أي أصنافاً {منهم} أي أهل الدنيا؛ أو يقال: إنه لما كان المقصود لكل ذي لب إنما هو التبليغ بدار الفناء إلى دار البقاء، المؤكد إتيانها في الآية السابقة، وكان القرآن - كما تقدم - كفيلاً بذلك، وسلاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما يؤذونه من أقوالهم، وتبين من ذلك علو درجته، توقع السامع ذكر ما
(11/86)

أسبغ عليه من النعم فقال تعالى؛ أو يقال: إنه لما أمره سبحانه بالصبر على أذاهم، علل ذلك مما معناه أنهم خلقه، وأنه منفرد بالخلق، وهو بليغ العلم بأفعالهم مريد لها، فليس الفعل في الحقيقة إلا له، وعلى المحب أن يرضى بفعل حبيبه من حيث إنه فعله، ولما كان التقدير: فهو الذي خلقهم، وعلم قبل خلقهم ما يفعلون، عطف عليه تسلية له صلى عليه وعلى آله وسلم قوله {ولقد آتيناك} أي بما لنا من العظمة كما أتينا صالحاً ما تقدم {سبعاً من المثاني} يكون كل سبع منها كفيلاً بإغلاق باب من أبواب النيران السبعة، وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة، زيادة في حفظها، وتبركاً بلفظها، وتذكيراً لمعانيها، تخصيصاً لها عن بقية الذكر الذي تكلفنا بحفظه {و} آتيناك {القرآن العظيم} الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفلة بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى، المشار إلى عظمته أول السورة بالتنوين ووصفه بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك، والأدلة القاطعة على رسالتك، الدالة على الله الموصلة إليه، والآية مع ذلك دليل على العلم المختتم به ما قبلها، فكأنه قيل: فماذا أعمل؟
(11/87)

فقيل في معنى {ذرهم يأكلوا} : {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} اكتفاء بهذا البلاغ العظيم الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب هذه الدار فبغضه فيها وأشرف به على ما أمامه {ولا تحزن عليهم} لكونهم لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار، ويقوى بهم جانب الإسلام، وكأن هذا هو الصفح المأمور به، وهو الإعراض عنهم أصلاً ورأساً إلا في أمر البلاغ.
ولما أمره في عشرتهم بما أمر، أتبعه أمره بعشرة أصحابه رضي الله عنهم بالرفق واللين فقال تعالى: {واخفض} أي طأطىء {جناحك للمؤمنين *} أي العريقين في هذا الوصف، واصبر نفسك معهم، واكتفِ بهم، فإن الله جاعل فيهم البركة، وناصرك ومعز دينك بهم، وغير محوجك إلى غيرهم، فمن أراد شقوته فلا تلتفت إليهم، وهذا كناية عن اللين، وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان؛ وفي الجزء العاشر من الثقفيات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى
(11/88)

آله وسلم قال:
«المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق» .
ولما كان الغالب على الخلق التقصير، قال له: {وقل} أي للفريقين، مؤكداً لما للكفار من التكذيب، ولما للمؤمنين به من طيب النفس: {إني أنا} أي لا غيري من المنذرين بالأعداء الدنيوية {النذير المبين *} لمن تعمد التقصير، إنذاري منقذ له من ورطته، لأنه محتف بالأدلة القاطعة.
ولما ذكر ما التحم بقصة أصحاب الحجر المقتسمين على قتل رسولهم، وختمه بالإنذار الذي هم أهله، عاد إلى تتميم أمرهم فشبههم بمن كذب من هذه الأمة فقال: {كما} أي كذب أولئك وآتيناهم آياتنا فأعرضوا عنها ففعلنا بهم من العذاب ما هم أهله مثل ما {أنزلنا} أي بعظمتنا من الآيات {على المقتسمين *} أي مثلهم من قريش حيث اقتسموا شعاب مكة، ينفرون الناس عنك ويفرقون القول في القرآن، فلا تأس عليهم لتكذيبهم وعنادهم مع رؤيتهم الآيات البينات، فإن سنتنا جرت بذلك فيمن أردنا شقوته كقوم صالح؛ ثم قال: {الذين} أي مع أنهم تقاسموا على قتلك واقتسموا طرق مكة للتنفير عنك {جعلوا القرءان} بأقوالهم {عضين *} أي قسموا القول فيه والحال
(11/89)

أنه جامع المعاني، لا متفرق المباني - منتظم التأليف أشد انتظام. متلائم الارتباط أحكم التئام، كما قدمنا الإشارة إليه بتسميته كتاباً وقرآناً، وختمنا بأن ذلك على وجه الإبانة لاخفاء فيه، فقولهم كله عناه، فقالوا: سحر، وقالوا: شعر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين - وغير ذلك، أنزلنا عليهم آياتنا البينات وأدلتنا الواضحات، فأعرضوا عنها واشتغلوا بما لا ينفعهم من التعنت وغيره دأب أولئك فليرتقبوا مثل ما حل بهم، ومثلهم كل من تكلم في القرآن بمثل ذلك مما لا ينبغي من العرب وغيرهم؛ وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما {جعلوا القرآن عضين} قال: هم أهل الكتاب: اليهود والنصارى، جزؤوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وسيأتي معنى هذه اللفظة {فوربك} أي فتسبب عن فعلهم هذا أنا نقسم بالموجد لك، المدبر لأمرك، المحسن إليك بإرسالك {لنسئلنهم أجمعين *} أي هؤلاء وأولئك {عما كانوا} أي كوناً هو جبلة لهم {يعملون *} أي من تعضية القرآن وغيرها لأنا نسأل كلاًّ عما صنع {فاصدع}
(11/90)

أي اجهر بعلو وشدة، فارقاً بين الحق والباطل بسبب ذلك {بما تؤمر} به من القرآن وكتاب مبين {وأعرض} أي إعراض من لا يبالي {عن المشركين *} بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء، ويؤيد أن قوله {كما} راجع إلى قصة صالح ومتعلق بها - وإن لم أر من سبقني إليه - ذكرُ الوصف الذي به تناسبت الآيتان وهو الاقتسام، ثم وصف المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين، لئلا يظن أنهم الذين تقاسموا في بيات صالح، أي أتينا أولئك الآيات المقتضية للإيمان فما كان منهم إلا التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على هؤلاء الآيات فما كان منهم إلا ذلك، وإنما عبر في أولئك ب {ءاتيناهم} لأن آياتهم الناقة وولدها والبئر، وهي معطاة محسوسة، لا منزلة معقولة، وقال في هؤلاء أنزلنا إشارة إلى القرآن الذين هو أعظم الآيات، أو إلى الجميع وغلب عليها القرآن لأنه أعظمها، وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع شك في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع كونها محسوسات، وأما اعتراض ما بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة، فإنه لما أتم قصة صالح عليه السلام، علم أنه المتعنتين ربما قالوا: لأيّ شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع علمه بعدم
(11/91)

إجابتهم؟ فرد عليهم بأنه ما خلق {السماوات والأرض وما بينهما} من هؤلاء المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ذلك {إلا بالحق وأن الساعة لآتية} فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن، وذلك حين يكشف الغطاء عن البصائر والأبصار فاصفح عنهم، فإنه لا بد من الأخذ لك بحقك، إن لم يكن في الدنيا ففي يوم الجمع، ثم أكد التصرف بالحكمة بقوله {إن ربك هو الخلاّق العليم} ثم سلاه - عما يضيّقون به صدره من التكذيب بالساعة، وأن الوعد بها إنما هو سحر، ونحو ذلك من القول، ومن افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن، وأمره بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا، وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل بالأقدمين، ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم، والمشبه به أعلى من المشبه، وذلك لكونهم أشد كفراً لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر، وأجلى وأبهر، فيكون ذلك
(11/92)

سبب اشتداد حذرهم، ولك أن تقول ولعله أحسن: إنه تعالى لما ذكر أن ثمود سكنوا الأرض سكنى الآمنين.
فأزعجتهم عنها صيحه سلبت أرواحهم، وقلبت أشباحهم، كما سيكون لأهل الأرض قاطبة بنفخة الصور، عند نفوذ المقدور، وكان قد قدم ذكر كثير مما في السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلاً على الساعة، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة فقال {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون، أو بسبب إقامة الحق وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر، ومن إقامة الحق تنعيم الطائع وتعذيب العاصي، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور {وإن الساعة لآتيه بالحق} أيضاً، وليست سحراً كما تظنون، ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه، تسبب عنه قوله تعالى {فاصفح الصفح الجميل} .
(11/93)

ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق، وكان صانع الشيء أعلم به من غيره فكيف إذا كان مع ذلك تام للعلم قال الله تعالى معللاً لذلك {إن ربك} أي المحسن إليك {وهو الخلاّق} أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام، الفعال لذلك «العليم» البالغ العلم؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم الأخبار عما أوتى أهل الحجر من الآيات، وأنه خلق الوجود بالحق لا بالتمويه، وكان ذلك موجباً لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها لإرشاد أمته، وكانت الآيات إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح، أو من قسم الأمر الذي هو مدار العلم، أشار إلى تفضيله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفضل ابنه، فقال عاطفاً على ذلك {ولقد ءاتيناك} أي إن كنا أتينا صالحاً أو غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها فقد آتيناك {سبعاً من المثاني} وهي الفاتحة التي خصصت بها، ثنى فيها البسملة للمبادىء، والحمدلة للكمالات، والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع الأول والمرضي من الأعمال، وملك الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستوراً، وملك يوم الدين، وبينهما رحمانية الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب للمرضي من الأسباب،
(11/94)

والعبادة التي لا تكون إلا مع القدرة والاختيار، والاستعانة الناظرة إلى العجز عن كمال الاقتدار، والهداية بالهادي والمهدي، والضلال في مقابل ذلك بالمضل والضال، وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار {والقرآن الكريم} الجامع لجميع الآيات مع كونه حقاً ثابتاً لا سحراً وخيالاً، بل هو آية باقية على وجه الدهر، مستمراً أمرها، دائماً تلاوتها وذكرها، تفني الجبال الرواسي وهي باقية، وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة، إذا اصطف عسكر الفجرة قالت كل آية منها هل من مبارز؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه بالضعف صاحت لدوام قوتها: إني أناجز فلا تقوم لها قائم، ولا يحوم حول حماها حائم، ولا يروم خوض بحرها رائم.
ولما كانت هذه الآية لصاحبها مغنية، ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية، حسن كل الحسن اتباعها بقوله {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} ولما كان كفرهم بعد بيانها إنما هو عناد، قال تعالى «ولا تحزن عليهم» ولما كان الغني بها ربما طن حسن أنفة الغنى، عقبه قوله {واخفض جناحك للمؤمنين} ولما كان ربما ظن أن تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن أعرض، نفى ذلك بقوله {وقل إني أنا النذير
(11/95)

المبين} تحريضاً على الاجتهاد في التحذير، وتثبيتاً للمؤمنين وإرغاماً للمعاندين، واستجلاباً لمن أراد الله إسعاده من الكافرين، إعلاماً بأن القلوب للمؤمنين بيد الله سبحانه وتعالى، فلا وثوق مع ذلك بمقبل، ولا يأمن عن مدبر.
ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين، والربط الوثيق المتين، التفت الخاطر إلى حال من يندرهم، وكان كفار قريش - في تقسيمهم القول في القرآن واقتسامهم طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان، تنفيراً لمن أراد الإيمان - أشبه شيء بالمقتسمين على صالح عليه السلام، قال تعالى {كما} أي آتينا أولئك المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين، مثل ما {أنزلنا} آياتنا {على المقتسمين} أي الذين تقاسموا برغبة كبيرة واجتهاد في ذلك {الذين جعلوا القرآن عضين} أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة مثل أعضاء الجزور إذا قطعت، جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة {فوربك لنسئلنهم أجمعين} أي لا يمتنع علينا منهم أحد {عما كانوا يعملون فاصدع} أي بسبب أمرنا لك بالإنذار وإخبارك أنا نسأل كل واحد عما عمل {بما تؤمر وأعرض عن المشركين} .
(11/96)

إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
ولما كان هذا الصدع في غاية الشدة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكثرة ما يلقى عليه الأذى، خفف عنه سبحانه بقوله معللاً له: {إنا كفيناك} أي بما لنا من العظمة {المستهزءين *} أي شر الذين هم عريقون في الاستهزاء بك وبما جئت به، فأقررنا عينك بإهلاكهم، وزال عنك ثقل ما آذوك به، وبقي لك أجره، وسنكفيك غيرهم كما كفيناكهم، ثم وصفهم بقوله: {الذين يجعلون مع الله} أي مع ما رأوا من آياته الدالة على جلاله، وعظيم إحاطته وكماله {إلهاً} .
ولما كانت المعية تفهم الغيرية، ولا سيما مع التعبير بالجعل، وكان ربما تعنت منهم متعنت باحتمال التهديد على تألهه سبحان على سبيل التجريد، أو على دعائه باسم غير الجلالة، لما ذكر المفسرون في قوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] الآية آخر سبحان، زاد في الصراحة بنفي كمال كل احتمال بقوله: {ءاخر} قال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: سجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا الله يا رحمن،
(11/97)

فقال أبو جهل: إن محمداً ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين؟ فأنزل الله هذه الآية يعني آية سبحان، وتسبب عن أخذنا للمستهزئين - وكانوا أعتاهم - أن يهدد الباقون بقولنا: {فسوف يعلمون} أي يحيط علمهم بشدة بطشنا وقدرتنا على ما نريد، ليكون وازعاً لغيرهم، أو يعلم المستهزئون وغيرهم عاقبة أمورهم في الدارين.
ولما كان صدعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك على حد من المشقة عظيم وإن أريح من المستهزئين، لكثرة من بقي ممن هو على مثل رأيهم، قال يسليه ويسخي بنفسه فيه: {ولقد نعلم} أي تحقق وقوع علمنا على ما لنا من العظمة {أنك} أي على ما لك من الحلم وسعة البطان {يضيق صدرك} أي يوجد ضيقه ويتجدد {بما يقولون} عند صدعك لهم بما تؤمر، في حقك من قولهم: {ياأيها الذي نزل عليه الذكر} إلى آخره، وفي حق الذي أرسلك من الشرك والصاحبة والولد وغير ذلك {فسبح} بسبب ذلك، ملتبساً {بحمد ربك} أي نزهه عن صفات النقص التي منها الغفلة عما يعمل
(11/98)

الظالمون، مثبتاً له صفات الكمال التي منها إعزاز الولي وإذلال العدو {وكن} أي كوناً جبلياً لا انفكاك له {من الساجدين *} له، أي المصلين، أي العريقين في الخضوع الدائم له بالصلاة التي هي أعظم الخضوع له وغيرها من عبادته، ليكفيك ما أهمك فإنه لا كافي غيره، فلا ملجأ إلى سواه، وعبر عنها بالسجود إشارة إلى شرفه وما ينبغي من الدعاء فيه لا سيما عند الشدائد، فقد قال تعالى:
{واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] وروي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة - ذكره البغوي بغير سند، وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر صلى. وفي سنن النسائي الكبرى ومسند أحمد عن علي رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح. وفي لفظ لأحمد: لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحت
(11/99)

شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. ولأحمد ومسلم وأبي يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .
ولما أمره بعبادة خاصة، أتبعه بالعامة فقال: {واعبد ربك} أي دم على عبادة المسحن إليك بهذا القرآن الذي هو البلاغ بالصلاة وغيرها {حتى يأتيك اليقين} بما يشرح صدرك من الموت أو ما يوعدون به من الساعة أو غيرها مما {يود الذين كفروا معه لو كانوا مسلمين} قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن شرف العبد في العبودية، وأن العبادة لا تسقط عن العبد بحال ما دام حياً - انتهى. وقال البغوي: وهذا معنى ما في سورة مريم عليها السلام {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} [مريم: 31] فقد انطبق آخر السورة - في الأمر باتخاذ القرآن بلاغاً لكل خير والإعراض عن الكفار - على أولها أتم انطباق، واعتنق كل من الطرفين: الآخر والأول أي اعتناق - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
(11/100)

سورة النحل
مقصودها الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم، فاعل بالاختيار، منزه عن شوائب النقص، وادل ما فيها على هذا المعنى أم النحل لما ذكر من شأنها من دقة الفهمة في ترتيب بيوتها ورعيها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرح منها من أعسالها، وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة - وغير ذلك من الأمور، ووسمها بالنعم واضح في ذلك - والله أعلم.
(11/101)

أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)
{بسم الله} المحيط بدائرة الكمال ما شاء فعل {الرحمن} الذي عمت نعمته جليل خلقه وحقيره وصغيره وكبيره {الرحيم *} الذي خص من شاء بنعمة النجاة مما يسخطه بما يرضاه.
لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين، وهو صالح لموت الكل، ولكشف الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من العذاب
(11/101)

في الآخرة بعد ما يلقون في الدنيا، ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء، غير أنه ختم تلك باسم الرب المفهم للإحسان لطفاً بالمخاطب، وافتتح هذه باسم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد، ولما ستعرفه من المعاني المتنوعة في أثناء السورة، وسيكرر هذا الاسم فيها تكريراً تعلم منه صحة هذه الدعوى، وعبر عن الآتي بالماضي إشارة إلى تحققه تحقق ما وقع ومضى، وإلى أن كل آتٍ ولا بد قريب، فقال تعالى: {أتى أمر الله} أي الملك الأعظم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، بما يذل الأعداء، ويعز الأولياء، ويشفي صدورهم، ويقر أعينهم.
ولما كانت العجلة نقصاً، قال مسبباً عن هذا الإخبار: {فلا تستعجلوه} أيها الأعداء استهزاء، وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء، وذلك مثل ما أفهمه العطف في قوله تعالى {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} كما تقدم؛ والضمير يجوز أن يكون لله وأن يكون للأمر.
ولما كان الجزم بالأمور المستقبلة لا يليق إلا عند نفوذ الأمر، ولا نفوذ إلا لمن لا كفوء له، وكانت العجلة - وهي الإتيان بالشيء
(11/102)

قبل حينه الأولى به - نقصاً ظاهراً لا يحمل عليها إلا في ضيق الفطن، وكان التأخير لا يكون إلا عن منازع مشارك، نزه نفسه سبحانه تنزيهاً مطلقاً جامعاً بقوله تعالى: {سبحانه} أي تنزه عن الاستعجال وعن جميع صفات النقص {وتعالى} أي تعالياً عظيماً جداً {عما يشركون *} أي يدعون أنه شريك له، فلا مانع مما يريد فعله، وساقه في غير قراءة حمزة والكسائي - في أسلوب الغيبة، إظهاراً للإعراض الدال على شدة الغضب، وهي ناظرة إلى قوله آخر التي قبلها {وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] وقوله: {الذين يجعلون مع الله إلهاً ءاخر} [الحجر: 96] وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل: إنه لا يعجل لأنه منزه عن النقص، ولا بد من إنفاذ أمره لأنه متعالٍ عن الكفوء؛ أو يقال: لا تستعجلوه لأنه تنزه عن النقص فلا يجعل، وتعالى عن أن يكون له كفوء يدفع ما يريد فلا بد من وقوعه، فهي واقعة موقع التعليل لصدر الآية كما أن صدر الآية تعليل لآخر سورة الحجر.
ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص: شرك وغيره، شرع يصف نفسه سبحانه بصفات الكمال من الأمر والخلق، ولما كان الأمر أقدم وأعلى، بدأ به، ولما كان من أمره إنزال الملائكة على الصورة التي
(11/103)

طلبوها في قولهم
{لو ما تأتينا بالملائكة} [الحجر: 7] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط عليهما السلام ما يترتب على إنزالهم مجتمعين، وفهم منه أن لهم في نزولهم حالة أخرى لا تنكرها الرسل، وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى الأرواح نسبة الأرواح إلى الأشباح، وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضاً يطلبون به الفرق بينهم وبين الرسل في إنزالهم عليهم دونهم - كما تقدم في الحجر، وكان ما يشركون به لا تصرف له أصلاً بإنزال ولا غيره، قال تعالى مشيراً إلى ذلك وإلى أن الوحي بواسطة الملك، وأن النبوة عطائية لا كسبية: {ينزل الملائكة} الذين هم الملأ الأعلى {بالروح} أي المعنى الأعظم الذي هو للأرواح بمنزلة الأرواح للأشباح {من أمره} الذي هو كلامه المشتمل على الأمر والنهي {ألا له الخلق والأمر} وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع المخلوقات، فكيف بما لا يعقل منها كالأصنام!
(11/104)

{على ما يشاء من عباده} دون بعض، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار، وأبدل من الروح أو فسر الإنزال بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال: {أن أنذروا} أي الناس سطواتي، فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به، بسبب {أنه لا إله إلا أنا} وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف؛ وسبب عن وحدانيته التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمراً بما هو أقصى كمال القوة العملية: {فاتقون *} أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من عذابي، فإنه لا مانع مما أريد، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به، ومن علمته أهلاً لتلقي الروح منحته إياه.
ولما وحد نفسه، دل على ذلك بقوله، شارحاً لإيجاده أصول العالم وفروعه على وجه الحكمة: {خلق السماوات} أي التي هي السقف المظل {والأرض} أي التي هي البساط المقل
(11/105)

{بالحق} أي بالأمر المحقق الثابت، لا بالتمويه والتخييل {ألا له الخلق والأمر} .
ولما كان ذلك من صفات الكمال المستلزمة لنفي النقائص، وكان قاطعاً في التنزه عن الشريك، لأنه لو كان، لزم إمكان الممانعة، فلزم العجز عن المراد، أو وجود الضدين المرادين لهما، وكل منهما محال، فإمكان الشريك محال، ولأنهما وكل ما فيهما ملكه وفي تصرفه، لا نزاع لمن أثبت الإله في ذلك، تلاه بقوله - نتيجة لذلك دالة على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام: {تعالى} أي تعالياً فات الوصف {عما يشركون *} - عرياً عن افتتاحه بالتنزيه كالأولى.
(11/106)

خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)
ولما كان خلق السماوات والأرض غيباً لتقدمه، وكان خلق الإنسان على هذه الصفة شهادة، مع كونه أدل على ذلك من حيث إنه أشرف من كل ما يعبده من دون الله، ولن يكون الرب أدنى من العبد أصلاً، قال معللاً: {خلق الإنسان} أي هذا النوع الذي خلقه أدل ما يكون على الوحدانية والفعل بالاختيار، لأنه أشرف ما في
(11/106)

العالم السفلي من الأجسام لمشاركته للحيوان الذي هو أشرف من غيره بالقوى الشريفة من الحواس الظاهرة والباطنة، والشهوة والغضب، واختصاصه بالنطق الذي هو إدراك الكليات والتصرف فيها بالقياسات {من نطفة} أي آدم عليه السلام من مطلق الماء، ومن تفرع منه بعد زوجه من ماء مقيد بالدفق.
ولما كان - مع مشاركته لغيره من الحيوان في كونه من نطفة - متميزاً بالنطق المستند إلى ما في نفسه من عجائب الصنع ولطائف الإدراك، كان ذلك أدل دليل على كمال قدرة الفاعل واختياره، فقال تعالى: {فإذا هو} أي الإنسان المخلوق من الماء المهين {خصيم} أي منطيق عارف بالمجادلة {مبين *} أي بين القدرة على الخصام، وموضح لما يريده غاية الإيضاح بعد أن كان ما لا حسّ به ولا حركة اختيارية عنده بوجه، أفلا يقدر الذى ابتدأ ذلك على إعادته!
ولما صار التوحيد بذلك كالشمس، وكان كل ما في الكون - مع أنه دال على الوحدانية - نعمة على الإنسان يجب عليه شكرها، شرع يعدد ذلك تنبيهاً له على وجوب الشكر بالتبرؤ من الكفر، فقال مقدماً الحيوانات لأنها أشرف من غيرها، وقدم منها ما ينفع الإنسان لأنه
(11/107)

أجلّ من غيره. مبتدئاً بما هو أولاها بالذكر لأنه أجلّها منفعة في ضرورات المعيشة وألزمها لمن أنزل الذكر بلسانهم: {والأنعام} أي الأزواج الثمانية: الضأن والمعز والإبل والبقر {خلقها} غير ناطقة ولا مبينة مع كونها أكبر منكم خلقاً وأشد قوة.
ولما كان أول ما يمكن أن يلقى الإنسان عادة من نعمها اللباس، بدأ به، فقال على طريق الاستئناف: {لكم فيها دفء} أي ما يدفأ به فيكون منه حر معتدل من حر البدن الكائن بالدثار بمنع البرد، وثنى بما يعم جميع نعمها التي منها اللبن فقال: {ومنافع} ثم ثلث بالأكل لكونه بعد ذلك فقال تعالى: {ومنها تأكلون *} وقدم الظرف دلالة على أن الأكل من غيرها بالنسبة إلى الأكل منها مما لا يعتد به، ثم تلاه بالتجمل لأنه النهاية لكونه للرجال فقال تعالى: {ولكم} أي أيها الناس خاصة {فيها} أي الأنعام {جمال} أي عظيم.
ولما كان القدوم أجل نعمة وأبهج من النزوح، قدمه فقال: {حين يريحون} بالعشي من المراعي وهي عظيمة الضروع طويلة الأسنمة {وحين تسرحون *} بالغداة من المُراح إلى المراعي، فيكون
(11/108)

لها في هاتين الحالتين من الحركات منها ومن رعاتها ومن الحلب والتردد لأجله وتجاوب الثغاء والرغاء أمر عظيم وأنس لأهلها كبير.
(11/109)

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)
ولما كانت الأسفار بعد ذلك، تلاه بقوله تعالى: {وتحمل} أي الأنعام {أثقالكم} أي أمتعتكم مع المشقة {إلى بلد} أي غير بلدكم أردتم السفر إليه {لم تكونوا} - أي كوناً أنتم مجبولون عليه - قادرين على حملها إليه، وتبلغكم - بحملها لكم - إلى بلد لم تكونوا {بالغيه} بغير الإبل {أي بشق} أي بجهد ومشقة وكلفة {الأنفس} ويجوز أن يكون المعنى: لم تبلغوه بها، فكيف لو لم تكن موجودة؛ والشق: أحد نصفي الشيء، كأنه كناية عن ذهاب نصف القوة لما يلحق من الجهد؛ والآية من الاحتباك: ذكر حمل الأثقال أولاً دليلاً على حمل الأنفس ثانياً، وذكر مشقة البلوغ ثانياً دليلاً على مشقة الحمل أولاً.
ولما كان هذا كله من الإحسان في التربية، ولا يسخره للضعيف إلا البليغ في الرحمة، وكان من الناس من له من أعماله سبب لرضى ربه، ومنهم من أعماله كلها فاسدة،
(11/109)

قال: {إن ربكم} أي الموجد لكم والمحسن إليكم {لرؤوف} أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بما يرضيه {رحيم *} أي بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب.
ولما كانت الأنعام أكثر أموالهم، مع أن منافعها أكثر، بدأ بها ثم ثنى بما هو دونها، مرتباً له على الأشراف فالأشراف، فقال تعالى: {والخيل} أي الصاهلة {والبغال} أي المتولدة بينها وبين الحمر {والحمير} أي الناهقة.
ولما كان الركوب فعل المخاطبين، وهو المقصود بالنفعة، ذكره باللام التي هي الأصل في التعليل فقال: {لتركبوها} ولما كانت الزينة تابعة للمنفعة، وكانت فعلاً لفاعل الفعل المعلل، نصبت عطفاً على محل ما قبلها فقال: {وزينة} .
ولما دل على قدرته بما ذكر في سياق الامتنان، دل على أنها لا تتناهى في ذلك السياق، فنبه على أنه خلق لهم أموراً لو عدها لهم لم يفهموا المراد على سبيل التجديد والاستمرار في الدنيا
(11/110)

والآخرة {ما لا تعلمون *} فلا تعلمون له موجداً غيره ولا مدبراً سواه.
(11/111)

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)
ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ضالاً سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء، نبههم على أن ما تقدم في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه واحد قادر عالم مختار، وأنه هو المنعم، فوجب اختصاصه بالعبادة، وأخبرهم سبحانه أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلاً منه فقال تعالى: {وعلى} أي قد بين لكم الطريق الأمم وعلى {الله} أي الذي له الإحاطة بكل الشيء {قصد السبيل} أي بيان الطريق العدل، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا يشك في شيء منهما، فإن الطريق المعنوية كالحسية، منها مستقيم من سلكه اهتدى {ومنها جائر} من سلكه ضل عن الوصول فهلك {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم} [التوبة: 115] الآية {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} [الإسراء: 15] فالآية من الاحتباك: ذكر أن عليه بيان القصد أولاً دلالة على حذف أن عليه بيان الجائر ثانياً، وذكر أن من الطرق
(11/111)

الجائر ثانياً دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا، وتعبير الأسلوب لبيان أن المقصود بالذات إنما هو بيان النافع، ومادة قصد تدور على العدل المواه، ومنه القصد، أي الاستقامة، واستقامة الطريق من غير تعريج، وضد الإفراط كالاقتصاد، ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل، وذلك لا يكون إلا عن إرادة وتوجه، فإطلاق القصد على العزم مستقيماً كان أو جائراً، إذا قلت: قصدته - بمعنى أتيته أو أممته ونويته، من دلالة الالتزام، وكذا القصد بمعنى الكسر بأيّ وجه كان، وقيل: لا يقال: قصد، إلا إذا كان بالنصف، والقصيد: ما تم شطر أبياته، لأن ذلك أعدل حالاته، قال في القاموس: ثلاثة أبيات فصاعداً أو ستة عشر فصاعداً؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر كتابه المغرب في شرح القوافي: فالبيت على ثلاثة أضرب: قصير، ورمل، وزجر، فأما القصيد فالطويل التام، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التام، والوافر التام، والرجز التام، والخفيف التام، وهو كل ما تغنى به الركبان، ومعنى قولنا: المديد التام والوافر التام.
(11/112)

نريد أتم ما جاء منهما في الاستعمال، أعني الضربين الأولين منهما، فأما أن يجيئا على أصل وضعهما في دائرتيهما فذلك مرفوض مطّرخ؛ والقصيد: المخ السمين أو دونه، والعظم الممخ، والناقة السمينة بها نفي، والسمين من الأسنمة - لأن بهذا الحال استقامة كل ما ذكر، وكذا القاصد: القريب، وبيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي هينة السير، لأنه أقرب إلى الاستقامة، ومنه قصدت كذا - إذا اعتمدته وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلاً أو جوراً، وانقصد الرمح - إذا انكسر على السواء، كأنه مطاوع قصده، والواحدة من تلك الكِسَر قصده بالكسر، ورمح قصد - ككتف: متكسر، والقصد - بالتحريك: العوسج - لأنه سريع التكسر، والجوع - لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه، والقصد: مشرة العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان، وهي خوصة تخرج
(11/113)

فيها، وفي كثير من الشجر في تلك الأيام، أو هي الأغصان، أو هي الأغصان الرطبة قبل أن تتلون وتشتد - سميت بذلك لخروجها وتوجهها إلى منظر العين، أو توجه النظر إليها للسرور بها، والقصيد: العصا - لأنها تقصد ويقصد بها، وأقصد السهم: أصاب فقتل مكانه، وأقصد فلاناً: طعنه فلم يخطئه، والحية: لدغت فقتلت - يمكن أن يكون ذلك من الاستقامة لأن قصد فاعله القتل، فكأنه استقام قصده بنفوذه، ويمكن أن يكون من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن من مات فقد زالت استقامة حياته، ومنه المقصد كمخرج، وهو من يمرض ويموت سريعاً، والقصيد بمعنى اليابس من اللحم - فعيل بمعنى مفعل، أي أقصد فزالت استقامته بأن هلك جفافاً يبساً.
والصدق ضد الكذب، وهو من أعدل العدل وأقوم القصد، والصدق: الشدة، إذ بها يمتحن الصادق من الكاذب، ومنه رجل صدق، أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله بفعله، فهو شديد العزم سديد الأمر، والصديق - كأمير: الحبيب الذي يصدق قوله في الحب بفعل، والمصادقة والصداق - بالكسر: المخالة كالتصادق، والصيدق - كصقيل:
(11/114)

الأمين - لأنه مصدق في قوله، والملك - لأن محله يقتضي الصدق لعدم حاجته إلى الكذب، والقطب - لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته، وقال أبو عبد الله القزاز: هو اسم للسها، وهو النجم الخفي الذي مع بنات نعش، والصدق - بالفتح: الصلب المستوي من الرماح - لأنه صدق ظن الطاعن به، وكذا من الرجال، والكامل من كل شيء، ورجل صدق اللقاء والنظر، ومصداق الشيء: ما يصدقه، وشجاع ذو مصدق - كمنبر: صادق الحملة، أي شديدها، والصدقة - محركة: ما أعطيته في ذات الله لأنها تصدق دعوى الإيمان لدلالتها على شدة العزم فيه، والصدقة - بضم الدال وسكونها: مهر المرأة لأنه يصدق العزم فيه وكسكيت: الكثير الصدق، وصدقت الله حديثاً إن لم أفعل كذا - يمين لهم، أي لا صدقت، وفعله غب صادقة، أي بعد ما تبين له الأمر، وصدقه تصديقاً - ضد كذبه، والوحشي: عدا ولم يلتفت لما حمل عليه، والمصدق - كمحدث: آخذ الصدقات، والمتصدق: معطيها.
ولما كان أكثر الخلق ضالاً، كان ربما توهم متوهم أنه خارج عن الإرادة، فنفي هذا التوهم بقوله - عطفاً على ما تقديره: فمن شاء هداه قصد السبيل، ومن شاء أسلكه الجائر، وهو قادر على ما يريد
(11/115)

من الهداية والإضلال -: {ولو شاء} هدايتكم {لهداكم أجمعين *} بخلق الهداية في قلوبكم بعد بيان الطريق القصد، ولكنه لم يشأ ذلك فجعلكم قسمين.
ولما كان ما مضى كفيلاً ببيان أنه الواحد المختار، شرع يوضح ذلك بتفصيل الآيات إيضاحاً يدعه في أتم انكشاف في سياق معدّد للنعم مذكر بها داع إلى شكرها، فقال بعد ما دل به من الإنسان وما يليه في الشرف من الحيوان مبتدئاً بما يليهما في الشرف من النبات الذي هو قوام حياة الإنسان وما به قوام حياته من الحيوان: {هو} لا غيره مما تدعي فيه الإلهية {الذي أنزل} أي بقدرته الباهرة {من السماء} قيل: نفسها. وقيل: جهتها، وقيل: السحاب - كما هو مشاهد {ماء} أي واحداً تحسونه بالذوق والبصر {لكم منه} أي خاصة {شراب} ظاهر على وجه الأرض من العيون والأنهار والغدران وغيرها.
(11/116)

ولما كان أول ما يقيم الآدمي شراب اللبن الناشىء عن الماء فقدمه، أتبعه ما ينشأ منه أشرف أغذيته وهو الحيواني، فقال تعالى: {ومنه شجر} لسريانه في الأرض الواحدة واختلاطه بها، فينعقد من ذلك نبات {فيه تسيمون *} أي ترعون على سبيل الإطلاق ليلاً ونهاراً ما خلق لكم من البهائم، والشجر هنا - بما أفهمته الإسامة - عام لما يبقى في الشتاء حقيقة، ولغيره مجازاً؛ قال القزاز: الشجر ما بقي له ساق في الشتاء إلى الصيف، ثم يورق، والبقل ما لا يبقى له ساق، قال الخليل: جل الشجر عظامه وما يبقى منه في الشتاء، ودقه صنفان: أحدهما تبقى له أرومة في الأرض في الشتاء، وينبت في الربيع، ومنه ما ينبت من الأرض كما تنبت البقلة، والفرق بينه وبين البقل أن الشجر يبقى له أرومة على الشتاء ولا يبقى للبقل، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن النبات ثلاثة أقسام: شجر وهو ما يبقى في الشتاء، ولا يذهب فرعه ولا أصله، وما نبت في بزر ولم ينبت في أرومة ثابتة فهو البقل، وما نبت في أرومة - أي أصل - وكان مما يهلك فرعه وأصله في الشتاء فهو الجنبة، لأنه فارق الشجر الذي
(11/117)

يبقى فرعه وأصله، والبقل الذي يبيد فرعه وأصله، فكان جنبة بينهما.
ولما كان الشجر عاماً، شرع سبحانه يفصله تنويعاً للنعم وتذكيراً بالتفاوت، إشارة إلى أن الفعل بالاختيار، فقال مبتدئاً بالأنفع في القوتية والائتدام والتفكه: {ينبت} أي هو سبحانه {لكم} أي خاصة {به} مع كونه واحداً في أرض واحدة {الزرع} الذي تشاهدونه من أقل الشجر مكثاً وأصغره قدراً، {والزيتون} الذي ترونه من أطول الأشجار عمراً وأعظمها قدراً.
ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر، سماه باسمه فقال تعالى: {والنخيل} ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ثمرته تافهة، قال تعالى: {والأعناب} وهما من أوسط ذلك {ومن كل الثمرات} وأما كلها فلا يكون إلا في الجنة، وهذا الذي في الأرض بعض من ذلك الكل مذكر به ومشوق إليه {إن في ذلك} أي الماء العظيم المحدث عنه وعن فروعه، أو في إنزاله على الصفة المذكورة {لآية} بينة على أن فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء،
(11/118)

وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده.
ولما كان ذلك ممن يحس، وكان شغل الحواس بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته - ربما شغل عن الفكر في المراد به، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ودقة نظر، قال تعالى: {لقوم يتفكرون *} أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار، وأفرد الآية لوحدة المحدث عنه، وهو الماء - كما قال تعالى في آية {تسقى بماء واحد} [الرعد: 4] وسيأتي في آية النحل كلام الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق، لما قال تعالى {فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر: 92] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين {فسوف يعلمون} أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1] وزاد هذا بياناً قوله {سبحانه وتعالى عما يشركون} فنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم، وأتبع ذلك تنزيهاً وتعظيماً فقال تعالى {خلق السماوات
(11/119)

والأرض بالحق تعالى عما يشركون} ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته {خلق الإنسان من نطفة} ثم أبلغه تعالى حداً يكون فيه الخصام والمحاجة، كل ذلك ابتلاء منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة، وما هو سبحانه عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها، وهدى من لم يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله بقوله {ولو شاء لهداكم أجمعين} فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه وفعله، وأنه أوجد الكل من واحد، وابتدأهم ابتداء واحداً {خلق الإنسان من نطفة} فلا بعد في اختلاف غاياتهم بعد ذلك، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله {وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر - إلى قوله: لآية لقوم يتفكرون} انتهى.
(11/120)

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)
ولما كان ربما قال بعض الضلال: إن هذه الأشياء مستندة إلى تأثير الأفلاك، نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها متغيرة فلا بد لها من قاهر أثر فيها التغير، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينتهي إلى واحد قديم فاعل بالاختيار، لما تقرر من بطلان التسلسل، فقال تعالى: {وسخر لكم} أي أيها الناس لإصلاح أحوالكم {الَّيل} للسكنى {والنهار} للابتغاء؛ ثم ذكر آية النهار فقال تعالى: {والشمس} أي لمنافع اختصها بها، ثم ذكر آية الليل فقال: {والقمر} لأمور علقها به {والنجوم} أي لآيات نصبها لها، ثم نبه على تغيرها بقوله: {مسخرات} أي بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها {بأمره} سبباً لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم، دلالة على وحدانيته وفعله بالاختيار، ولو شاء لأقام أسباباً غيرها أو أغنى عن الأسباب.
ولما كان أمرها مع كونه محسوساً - ليس فيه من المنافع القريبة الأمر السهلة الملابسة ما يشغل عن الفكر فيه، لم يحل أمره إلى غير مطلق العقل، إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة المفكرة، ولأن الآثار العلوية أدل على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة، فقال: {إن في ذلك} أي التسخير
(11/121)

العظيم {لآيات} أي كثيرة متعددة عظيمة {لقوم يعقلون} وجمع الآيات لظهور تعدادها بالتحديث عنها مفصلة.
ولما كان ما مضى موضعاً للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع واختياره، وكان التفكر في ذلك مذكراً بما بعده من سر التفاوت في اللون الذي لا يمكن ضبط أصنافه على التحرير، وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثير الأفلاك والطبائع، لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة، قال تعالى عطفاً على الليل: {وما ذرأ} أي خلق وبث وفرق التراب والماء {لكم} أي خاصة، فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير العظيم إلا لحكم كبيرة أجلَّها إظهار جلاله يوم الفصل {في الأرض} أي مما ذكر ومن غيره حال كونه {مختلفاً ألوانه} حتى في الورقة، الواحدة، فترى أحد وجهيها - بل بعضه - في غاية الحمرة، والآخر في غاية السواد أو الصفرة ونحو ذلك، فلو كان المؤثر موجباً بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار، فعلم قطعاً أنه إنما هو قادر مختار، ولم يذكر
(11/122)

اختلاف الصور لأن دلالتها - لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور الجبال والروابي والوهاد من الأرض - ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف اللون.
ولما كان ذلك - وإن كان خارجاً عن الحد في الانتشار - واحداً من جهة كونه لوناً، وحد الآية فقال: {إن في ذلك} الذي ذرأه في هذه الحال على هذا الوجه العظيم {لآية} ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا يحتاج معه إلى غير بديهة العقل، نبه هنا على أن ذلك معلوم طرأ عليه النسيان والغفلة، حثاً على بذل الجهد في تأمل ذلك، وإشارة إلى أن دلالته على المقصود في غاية الوضوح فقال: {لقوم يذكرون *} ولو لم يمنعوا - بما أفاده الإدغام؛ والتذكر: طلب المعنى بالتفكر في متعلقه، فلا بد من حضور معنى يطلب به غيره، وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب، فذكر الأجسام المركبة عموماً، ثم خص الحيوان، ثم مطلق الجسم النامي وهو النبات، ثم البسائط من الماء ونحوه، ثم الأعراض من الألوان.
(11/123)

وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)
ولما دل على قدرته واختياره سبحانه دلالة على القدرة على كل ما أخبر به لاسيما الساعة، بخلق السماوات والأرض الذي هو أكبر
(11/123)

من خلق الناس، ثم ذكر بعض ما في المكشوف من الأرض المحيط به الهواء من التفاوت الدال على تفرد الصانع واختياره، وختمه باللون، أتبع ذلك بالمغمور بالماء الذي لا لون له في الحقيقة، إشارة إلى أنه ضمنه من المنافع والحيوانات التي لها من المقادير والكيفيات والأشكال والألوان البديعة التخطيط، الغريبة الصباغ - ما هو أدل من ذلك فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي سخر البحر} أي ذلَّله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون الجواهر، وغير ذلك من المنافع، والمراد به السبعة الأبحر الكائنة في الربع المرتفع عن الماء، وهو المسكون من كرة الأرض المادَّة من البحر المحيط الغامر لثلاثة أرباع الأرض، فجعله بالتسخير بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به بالركوب والغوص وغيرهما {لتأكلوا منه} أي بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك {لحماً طرياً} لا تجد أنعم منه ولا ألين، وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله عذباً لذيذاً مع نشبه في ملح زعاق {وتستخرجوا منه} أي بجهدكم في الغوص وما يتبعه {حلية تلبسونها}
(11/124)

أي نساؤكم، وهن بعضكم لكم، فكأن اللابس أنتم، وهي من الحجارة التي لا ترى أصلب منها ولا أصفى من اللؤلؤ وكذا من المرجان وغيره، مع نسبة هذا الصلب وذاك الطري إلى الماء، فلو أنه فاعل بطبعه لاستويا.
ولما ذكر المنافع العامة مخاطباً لهم بها، وكان المخر - وهو أن تجري السفينة مستقبلة الريح، فتشق الماء، فيسمع لجريها صوت معجب، وذلك مع الحمل الثقيل - آية عظيمة لا يتأملها إلا أرباب القلوب خص بالخطاب أعلى أولي الألباب، ومن قاربه في ابتغاء الصواب، فقال: {وترى الفلك} ولما كان النظر إلى تعداد النعم هنا أتم منه في سورة فاطر، قدم المخر في قوله: {مواخر فيه} أي جواري تشق الماء مع صوت، لتركبوها فتستدلوا - بعدم رسوبها فيه مع ميوعه ورقته وشدة لطافته - على وحدانية الإله وقدرته.
ولما علل التسخير بمنفعة البحر نفسه من الأكل وما تبعه، عطف على ذلك النفع به، فقال تعالى: {ولتبتغوا} أي تطلبوا
(11/125)

طلباً عظيماً بركوبه {من فضله} أي الله بالتوصل بها إلى البلدان الشاسعة للمتاجر وغيرها {ولعلكم تشكرون *} هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره؛ والمخر: شق الماء عن يمين وشمال، وهو أيضاً صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها، وقد ابتدىء فيه بما يغوص تارة ويطف أخرى بالاختيار، وثنى بما طبعه الرسوب، وثلث بما من طبعه الطفوف.
(11/126)

وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)
ولما ذكر الأغوار، الهابطة الضابطة للبحار، أتبعها الأنجاد الشداد، التي هي كالأوتاد، تذكيراً بما فيها من النعم فقال: {وألقى في الأرض} أي وضع فيها وضعاً، كأنه قذفه فيها قذفاً، جبالاً {رواسي} مماسة لها ومزينة لنواحيها، كراهة {أن تميد} أي تميل مضطربة يميناً وشمالاً، أي فيحصل لكم الميد، وهو دوار يعتري راكب البحر {بكم} فهي ثابتة لأجل ذلك الإلقاء، ثابتة مع اقتضائها بالكرية التحرك.
ولما ذكر الأوهاد، وأتبعها الأوتاد، تلاها بما تفجره غالباً منها، عاطفاً على {رواسي} لما تضمنه العامل من معنى «جعل» فقال: {وأنهاراً} وأدل دليل على ثبات الأرض ما سبقها من ذكر البحار، ولحقها من الحديث عن الأنهار، فإنها لو تحركت ولو بمقدار شعرة في كل يوم لأغرقت البحارُ من إلى جانب الانخفاض، وتعاكست مجاري الأنهار،
(11/126)

فعادت منافعها أشد المضار، ولو زادت البحار، بما تصب فيها الأنهار، على مر الليل وكر النهار، لأغرقت الأرض، ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيراً تعجز عن الاطلاع على كنهه أفكار الحكماء، بأن سلط حرارة الشمس على الأرض في جميع مدة الصيف وبعض غيره من الفصول، فسرت في أغوارها، وحميت في أعماقها في الشتاء، فأسخنت مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما يتصاعد من القدر المغلي بقدر ما صبت فيها الأنهار، فانعقدت تلك البخارات في الجو مياهاً لما بردت، فنزل منها المطر، فأحيا الأرض بعد موتها، وتخلل أعماقها منه ما شاء الله، فأمد الأنهار، ولذلك تزيد بزيادة المطر وتنقص بنقصه، وهكذا في كل عام، فأوجب ذلك بقاء البحر على حاله من غير زيادة، فسبحان المدبر الحكيم العزيز العليم! ولما ذكر ذلك، أتبعه ما يتوصل به إلى منافع كل منه فقال تعالى: {وسبلاً} .
ولما كانت الجبال والبحار والأنهار أدلة على السبل الحسية والمعنوية، قال تعالى: {لعلكم تهتدون *} أي يحصل الاهتداء فتهتدوا إلى مقاصدكم.
ولما كانت الأدلة في الأرض غير محصورة فيها، قال: {وعلامات}
(11/127)

أي من الجبال وغيرها، جمع علامة وهي صورة يعلم بها المعنى من خط، أو لفظ أو إشارة أو هيئة، وقد تكون علامة وضعية، وقد تكون برهانية.
ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأعمها وأوضحها براً وبحراً ليلاً ونهاراً، نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظن أن المخاطب مخصوص، وأن الأمر لا يتعداه، فقال تعالى: {وبالنجم هم} أي أهل الأرض كلهم، وأولى الناس بذلك أول المخاطبين، وهم قريش ثم العرب كلها، لفرط معرفتهم بالنجوم {يهتدون *} وقدم الجار تنبيهاً على أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة.
ولما لم يبق - بذكر الدلائل على الوحدانية على الوجه الأكمل، والترتيب الأحسن، والنظم الأبلغ - شبهة في أن الخالق إنما هو الله، لما ثبت من وحدانيته، وتمام علمه وقدرته، وكمال حكمته، لجعله تلك
(11/128)

الدلائل نعماً عامة، ومنناً تامة، مع اتضاح العجز في كل ما يدعون فيه الإلهية من دونه، واتضاح أنه سبحانه في جميع صنعه مختار، للمفاوتة في الوجود والكيفيات بين ما لا مقتضى للتفاوت فيه غير الاختيار، فثبت بذلك أنه قادر على الإًّتيان بما يريد.
قال مسبباً عن ذلك: {أفمن يخلق} أي يجدد ذلك حيث أراد ومتى أراد فلا يمكن عجزه بوجه لتمكن شركته {كمن} شركته ممكنة، فهو أصل في ذلك بسبب أنه {لا يخلق} أي لا يقع ذلك منه وقتاً ما من الأصنام وغيرها، في العجز عن الإتيان بما يقوله؛ المستلزم لأن يكون ممكناً مخلوقاً، ولو كان التشبيه معكوساً كما قيل لم يفد ما أفاد هذا التقدير من الإبلاغ في ذمهم بإنزال الأعلى عن درجته، وعبر ب «من» لأنهم سموها آلهة، وأنهى أمرها أن تكون عاقلة، فإذا انتفى عنها وصف الإلهية معه لعدم القدرة على شيء انتفى بدونه من باب الأولى.
ولما سبب عن هذه الأدلة إنكار تسويتهم الخالق بغيره في العجز،
(11/129)

سبب عن هذا الإنكار إنكار تذكرهم، حثاً لهم على التذكر المفيد لترك الشرك فقال: {أفلا تذكرون *} بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه - بما أفاده الإدغام - لتذكروا ما يحق اعتقاده.
(11/130)

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)
ولما كانت المقدورات لا تحصر، وأكثرها نعم العباد مذكرة لهم بخالقهم، قال تعالى ممتناً عليهم بإحسانه من غير سبب منهم: {وإن تعدوا} أي كلكم {نعمة الله} أي إنعام الملك الذي لا رب غيره، عليكم وإن كان في واحدة فإن شعبها تفوت الحصر {لا تحصوها} أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كفرها وإعراضكم جملة عن شكرها، فلو شكرتم لزادكم من فضله.
ولما كانوا مستحقين لسلب النعم بالإعراض عن التذكير، والعمى عن التبصر، أشار إلى سبب إدرارها، فقال تعالى: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال بجميع صفات الإكرام والانتقام {لغفور رحيم *} فلذلك هو يدر عليكم نعمه وأنتم منهمكون فيما يوجب نقمه.
ولما جرت العادة بأن المكفور إحسانه يبادر إلى قطعه عند علمه بالكفر، فكان ربما توهم متوهم أن سبب مواترة الإحسان عدم العلم بالكفران، أو عدم العلم بكفران لا يدخل تحت المغفرة، قال
(11/130)

مهدداً مبرزاً للضمير بالاسم الأعظم الذي بنيت عليه السورة للفصل بالفرق بين الخالق وغيره ولئلا يتوهم تقيد التهديد بحيثية المغفرة إيماء إلى أن ذلك نتيجة ما مضى: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الإكرام والانتقام {يعلم} أي على الإطلاق {ما تسرون} أي كله. ولما كان الإسرار ربما حمل على حالة الخلوة، فلم يكن علمه دالاً على الإعلان، قال تعالى: {وما تعلنون *} ليعلم مقدار المضاعفة لموجبات الشكر وقباحة الكفر، وأما الأصنام فلا تعلم شيئاً فلا أسفه ممن عبدها.
ولما أثبت لنفسه تعالى كمال القدرة وتمام العلم وأنه المنفرد بالخلق، شرع يقيم الأدلة على بعد ما يشركونه به من الإلهية بسلب تلك الصفات فقال تعالى: {والذين يدعون} أي دعاء عبادة {من دون الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {لا يخلقون شيئاً} ولما كان ربما ادعى مدع في شيء أنه لا يخلق ولا يخلق، قال: {وهم يخلقون *} .
(11/131)

ولما كان من المخلوقات الميت والحي، وكان الميت أبعد شيء عن صفة الإله، قال نافياً عنها الحياة - بعد أن نفى القدرة والعلم - المستلزم لأن يكون عبدتها أشرف منها المستلزم لأنهم بخضوعهم لها في غاية السفه: {أموات} ولما كان الوصف قد يطلق على غير الملتبس به مجازاً عن عدم نفعه بضده وإن كان قائماً به عريقاً فيه قال: {غير أحياء} مبيناً أن المراد بذلك حقيقة سلب الحياة على ضد ما عليه الله {ألا له الخلق} من كونه حياً لا يموت، ولعله اقتصر على وصفهم - مع أنهم موات - بأنهم أموات لأن ذلك مع كونه كافياً في المقصود من السياق - وهو إبعادهم عن الإلهية - يكون صالحاً لكل مخلوق ادعى فيه الإلهية وإن اتصف بالحياة، لأن حياته زائلة يعقبها الموت، ومن كان كذلك كان بعيداً عن صفة الإلهية.
ولما كانوا - مع علمهم بأن الأصنام حجارة لا حياة لها - يخاطبون من أجوافها بألسنة الشياطين - كما هو مذكور في السير وغيرها من الكتب المصنفة في هواتف الجان، فصاروا يظنون أن لها علماً بهذا الاعتبار، ولذلك كانوا يظنون أنها تضر وتنفع، احتيج إلى نفي العلم عنها، ولما كانوا يخبرون على ألسنتها ببعض ما يسترقونه من السمع،
(11/132)

فيكون كما أخبروا، لم ينف عنها مطلق العلم، بل نفي ما لا علم لأحد غير الله به، لأنهم لا يخبرون عنه بخبر إلا بان كذبه، فقال تعالى عادّاً للبعث عداد المتفق عليه: {وما يشعرون} أي في هذا الحال كما هو مدلول ما {أيان} أي أيّ حين {يبعثون *} فنفى عنهم مطلق الشعور الذي هو أعم من العلم، فينتفي كل ما هو أخص منه.
(11/133)

إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)
ولما كانت أدلة البعث قد ثبت قيامها، واتضحت أعلامها، وعلا منارها، وانتشرت أنوارها، ساق الكلام فيها مساق ما لا خلاف إلا في العلم بوقته مع الاتفاق على أصله، لأنه من لوازم التكليف، ولما اتضح بذلك كله عجز شركائهم، أشار إلى أن منشأ العجز قبول التعدد، إرشاداً إلى برهان التمانع، فقال على طريق الاستئناف لأنه نتيجة ما مضى قطعاً: {إلهكم} أي أيها الخلق كلكم، المعبود بحق {إله} أي متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أحد وكل زمان وكل مكان {واحد} لا يقبل التعدد - الذي هو مثار النقص - بوجه من الوجوه، لأن التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم
(11/133)

للبعد عن رتبة الإلهية {فالذين} أي فتسبب عن هذا أن الذين {لا يؤمنون بالآخرة} أي دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة {قلوبهم منكرة} أي جاهلة بأنه واحد، لما لها من القسوة لا لاشتباه الأمر - لما تقدم في هود من أن مادة «نكر» تدور على القوة وهي تستلزم الصلابة فتأتي القسوة {وهم} أي والحال أنهم بسبب إنكار الآخرة {مستكبرون *} أي صفتهم الاستكبار عن كل ما لا يوافق أهواءهم وهو طلب الترفع بالامتناع من قبول الحق أنفة من أهله، فصاروا بذلك إلى حد يخفى عليهم معه الشمس كما قال تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: 20] وربما دل {مستكبرون} على أن {منكرة} بمعنى «جاحدة ما هي به عارفة» .
ولما كانوا - لكون الإنسان أكثر شيء جدلاً - ربما أنكروا الاستكبار، وادعوا أنه او ظهر لهم الحق لأنابوا، قال على طريق الجواب لمن كأنه قال: إنهم لا يأبون استكباراً ما لا يشكون معه في أن هذا كلام الله {لا جرم} أي لا ظن في {أن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يعلم} علماً غيبياً وشهادياً {ما يسرون} أي
(11/134)

يخفون مطلقاً أو بالنسبة إلى بعض الناس. ولما كان علم السر لا يستلزم علم الجهر - كما مضى غير مرة، قال: {وما يعلنون} فهو أخبر بذلك إلا عن أمر قطعي لا يقبل المراء.
ولما كان في ذلك معنى التهديد، لأن المراد: فليجازينهم على دق ذلك وجهل من غير أن يغفر منه شيئاً - كما يأتي التصريح به في قوله: {ليحملوا أوزارهم كاملة} [النحل: 25] علل هذا المعنى بقوله: {إنه} أي العالم بالسر والعلن {لا يحب المستكبرين *} أي على الحق، كائناً ما كان.
ولما كان الطعن في القرآن - بما ثبت من عجزهم عن معارضته - دليل الاستكبار قال تعالى عاطفاً على قوله {قلوبهم منكرة} : {وإذا قيل} أي من أيّ قائل كان في أي وقت كان ولو تكرر {لهم} أي لمنكري الآخرة: {ماذا} أي أي شيء {أنزل ربكم} أي المحسن إليكم المدبر لأموركم {قالوا} مكابرين في إنزاله عادّين «ذا» موصولة لا مؤكدة للاستفهام: الذي تعنون أنه منزل ليس منزلاً، بل هو {أساطير الأولين} - مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضة
(11/135)

سورة منه مع علمهم بأنه أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدم أو متأخر قول إلا قالوا أبلغ منه.
(11/136)

لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)
ولما كان الكتاب هو الصراط المستقيم المنقذ من الهلاك، وكان قولهم هذا صداً عنه، فكان - مع كونه ضلالاً - إضلالاً، ومن المعلوم أن من ضل كان عليه إثم ضلاله، ومن أضل كان عليه وزر إضلاله - هذا ما لا يخفى على ذي عقل صحيح، فلما كان هذا بيناً، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بالخفيات فكيف بالجليات، حسن جداً قوله: {ليحملوا} فإنهم يعلمون أن هذا لازم لهم قطعاً وإن قالوا بألسنتهم غيره، أو يقال: إنه قيل ذلك لأنه - مع أن الجهل أولى لهم منه - أخف أحوالهم لأنهم إما أن يعلموا أنهم فعلوا بهذا الطعن ما ليس لهم أولاً، فعلى الثاني هم أجهل الناس، وعلى الأول فإما أن يكونوا ظنوا أنهم يؤخذون به أو لا، فعلى الثاني يكون الخلق سدى، وليس هو من الحكمة في شيء، فمعتقد هذا من الجهل بمكان عظيم، وعلى الأول فهم يشاهدون كثيراً من الظلمة لا يجازون في الدنيا، فيلزمهم في الحكمة اعتقاد الآخرة، ليجازى بها المحسن والمسيء، وهذا أخف الأحوال المتقدمة، ولا يخفى ما في الإقدام
(11/136)

على مثله من الغباوة المناقضة لادعائهم أنهم أبصر الناس، فقد آل الأمر إلى التهكم بهم لأنهم نُسبوا إلى علم الجهل خير منه {أوزارهم} التي باشروها لنكوبهم عن الحق تكبراً لا عن شبهة.
ولما كان الله من فضله يكفر عن أهل الإيمان صغائرهم بالطاعات وباجتناب الكبائر فكان التكفير مشروطاً بالإيمان، وكان هؤلاء قد كفروا بالتكذيب بالكتاب، قال تعالى: {كاملة} لا ينقص منها وزر شيء مما أسروا ولا مما أعلنوا، لخفاء ولا ذهول بتكفير ولا غيره من دون خلل في وصف من الأوصاف، فهو أبلغ من «تامة» لأن التمام قد يكون في العدة مع خلل في بعض الوصف {يوم القيامة} الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه {و} ليحملوا {من} مثل {أوزار} الجهلة الضعفاء {الذين يضلونهم} فيضلون بهم كما بين أولئك الذين ضلوا {بغير علم} يحملون من أوزارهم من غير أن يباشروها لما لهم فيها من التسبب من غير أن ينقص من أوزار الضالين بهم شيء وإن كانوا جهلة، لأن لهم عقولاً هي بحيث تهدي إلى سؤال أهل الذكر، وفطراً أولى تنفر من الباطل «أول» ما يعرض علهيا فضيعوها؛ ثم استأنف التنبيه
(11/137)

على عظيم ما يحصل لهم من مرتكبهم من الضرر وعيداً لهم فقال تعالى: {ألا ساء ما يزرون *} فأدخل همزة الإنكار على حرف النفي فصار إثباتاً على أبلغ وجه.
ولما كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من غير تصريح بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي أضعف منها، وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين في الرعد عند قوله تعالى:
{بل زين للذين كفروا مكرهم} [الرعد: 23] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر منهم عدداً وأقوى يداً، ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم، بما له من عظيم القوة وشديد السطوة، فقال تعالى: {قد مكر الذين} ولما كان المقصود بالإخبار ناساً مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل، أدخل الجار فقال تعالى: {من قبلهم} ممن رأوا آثارهم ودخلوا ديارهم {فأتى الله} أي بما له من مجامع العظمة {بنيانهم} أي إتيان بأس وانتقام {من القواعد} التي بنوا عليها مكرهم {فخر} أي سقط مع صوت عظيم لهدته {عليهم السقف} .
ولما كانت العرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط -
(11/138)

إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه كما نقله أبو حيان عن ابن الأعرابي، قال تعالى صرفاً عن هذا إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار: {من قولهم} وكانوا تحته فهلكوا كما هو شأن البنيان إذا زالت قواعده.
ولما كان المكر هو الضر في خفية، لأنه القتل بالحيلة إلى جهة منكرة، بين أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما فعلوا بقوله: {وأتاهم العذاب} أي الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به لمن أبى {من حيث لا يشعرون *} لأن السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب قهرهم، وهذا على سبيل التمثيل، وقيل: إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود من الصرح.
ذكر قصته من التوراة:
قال في السفر الأول منها في تعداد أولاد نوح عليه السلام: وكوش - يعني ابن حام بن نوح - ولد نمرود، وكان أول جبار في الأرض، وهو كان مخوفاً ذا صيد بين يدي الرب، ولذلك يقال:
(11/139)

هذا مثل نمرود الجبار القناص، فكان مبدأ ملكه بابل والكوش والأهواز والكوفة التي بأرض شنعار، ومن تلك الأرض خرج الموصلي فابتنى نينوى ورحبوت القرية - وفي نسخة: قرية الرحبة - والإيلة والمدائن؛ ثم قال بعد أن عد أحفاد نوح عليه السلام وممالكهم: هؤلاء قبائل بني نوح وأولادهم وخلوفهم وشعوبهم، ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في الأرض بعد الطوفان، وإن أهل الأرض كلهم كانت لغتهم واحدة، ومنطقهم واحداً، فلما ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في أرض شنعار - وفي نسخة: العراق - فسكنوه، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: هلم بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار، فيصير اللبن مثل الحجارة ويصير الجص بدل الطين للملاط، ثم قال: هلموا! نبن لنا قرية نتخذها، وصرحاً مشيداً لاحقاً بالسماء، ونخلف لنا شيئاً نذكر به، لعلنا ألا نتفرق على الأرض كلها، فنظر الرب القرية والصرح الذي يبينه الناس، فقال الرب: إني أرى هذا الشعب رأيهم واحد ولغتهم واحدة
(11/140)

وقد هموا أن يصنعوا هذا الصنيع فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه، فلأورد أمراً أشتت به لغتهم حتى لا يفهم المرء منهم لغة صاحبه، ثم فرقهم الرب من هنالك على وجه الأرض كلها، ولم يبنوا القرية التي هموا ببنائها، ولذلك سميت بابل لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها - انتهى.
قال لي بعض علماء اليهود: إن بابل معرب بوبال، ومعنى بوبال بالعبراني الشتات - هذا ما في التوراة، وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على هيئة طويلة في الطول والإحكام، وأن الله تعالى هدمه، فكانت له رجة تفرقت لعظم هولها لغة أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة لا يحصيها إلا خالقها فالله أعلم.
(11/141)

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
ولما بين سبحانه وتعالى حال المكرة المتمردين عليه في الدنيا، أخذ يذكر حالهم في الآخرة تقريراً للآخرة وبياناً لأن عذابهم غير مقصور على الدنيوي، فقال تعالى: {ثم يوم القيامة يخزيهم} أي الله تعالى الذي فعل بهم في الدنيا ما تقدم، خزياً يشهده جميع الخلائق
(11/141)

الوقوف في ذلك اليوم، فيحصل لهم من الذل - جزاء على تكبرهم - ما يجل عن الوصف، وعطفه ب «ثم» لاستبعادهم له ولما له من الهول والعظمة التي يستصغر لها كل هول {ويقول} أي لهم في ذلك الجمع تبكيتاً وتوبيخاً: {أين شركاءي} على ما كنتم تزعمون، وأضاف سبحانه إلى نفسه المقدس لأنه أقطع في توبيخهم وأدل على تناهي الغضب {الذين كنتم} أي كوناً لا تنفكون عنه {تشاقون فيهم} أوليائي، فتكونون بمخالفتهم في شق غير شقهم، فتخضعون لما لا ينبغي الخضوع له، وتتكبرون على من لا ينبغي الإعراض عنه، ما لهم لا يحضرونكم ويدفعون عنكم في هذا اليوم؟ وقرىء بكسر النون لأن مشاققة المأمور مشاققة الآمر.
ولما كان المقام للجلال والعظمة المستلزم لزيادة الهيبة التي يلزم
(11/142)

عنها غالباً خرس المخزي عن جوابه لو كان له جواب، وكان من أجل المقاصد في تعذيبهم العدل بتفريح الأولياء وإشماتهم بهم، جزاء لما كانوا يعملون بهم في الدنيا، وكانت الشماتة أعلى محبوب للشامت وأعظم مرهوب للمشموت فيه، وأعظم مسلّ للمظلوم، دل على سكوتهم رغباً عن المبادرة بالجواب بتأخير الخبر عنه وتقديم الخبر عن شماتة أعدائهم فيهم في سياق الجواب عن سؤال من قال: هل علم بذلك المؤمنون؟ فقيل: {قال الذين} ولما كان العلم شرفاً للعالم مطلقاً، بني للمفعول قوله: {أوتوا العلم} أي انتفعوا به في سلوك سبيل النجاة من الأنبياء عليهم السلام ومن أطاعهم من أممهم، إشارة إلى أن الهالك يصح سلب العلم عنه وإن كان أعلم الناس، وعدل عن أن يقول: أعداؤهم أو المؤمنون ونحوه، إجلالاً لهم بوصفهم بالعلم الذي هو أشرف الصفات لكونه منشأ كل فضيلة، وتعرضاً بأن الحامل للكفار على الاستكبار الجهل الذي هو سبب كل رذيلة {إن الخزي} أي البلاء المذل {اليوم} أي يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة {والسوء} أي كل ما يسوء {على الكافرين *} أي العريقين في الكفر الذين
(11/143)

تكبروا في غير موضع التكبر، لا على غيرهم؛ ثم رغبهم في التوبة بقوله: {الذين تتوفّاهم} بالفوقية في قراءة الجمهور لأن الجمع مؤنث، وبالتحتية في قراءة حمزة لأن المجموع غير مؤنث، وكان وفاتهم على وجهين: وجه خفيف - بما أشار إليه التأنيث لخفة كفر صاحبه، وآخر ثقيل شديد لشدة كفر صاحبه، ولم يحذف شيء من التاءين للإشارة إلى نقصان حالهم لأنه لا يمكن خيرها لموتهم على الكفر بخلاف ما تقدم في تارك الهجرة في النساء {الملائكة} أي المؤكلون بالموت، حال كونهم {ظالمي أنفسهم} بوضعها من الاستكبار على الملك الجبار غير موضعها.
فلما تم ذلك على هذا الوجه البديع، والأسلوب الرفيع المنيع، ابتدأ الخبر عن جوابهم على وجه معلم بحالهم فقال: {فألقوا} أي من أنفسهم عقب قول الأولياء وبسبب سؤال ذي الكبرياء {السلم} أي المقادة والخضوع بدل ذلك التكبر والعلو قائلين
(11/144)

ارتكاباً للكذب من غير احتشام: {ما كنا نعمل} وأعرقوا في النفي فقالوا: {من سوء} فكأنه قيل: إن هذا لبهتان عظيم في ذلك اليوم الجليل، فماذا قيل لهم؟ فقيل: {بلى} قد عملتم أعظم السوء؛ ثم علل تكذيبهم بقوله: {إن الله} أي المحيط بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم من كل وجه {بما كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعملون *} أي من الضلال والإضلال، فلا يسعكم الإنكار، أفما آن لكم أن تنزعوا عن الجهل فيما يضركم ولا ينفعكم ويخفضكم ولا يرفعكم!
(11/145)

فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)
ولما كان هذا الفعل مع هذا العلم سبباً لدخول جهنم من غير أن يقام لهم وزن، لأنه لا وزن لما ضيع أساسه، قال معقباً مسبباً: {فادخلوا} أي أيها الكفرة {أبواب جهنم} أي أبواب طبقاتها ودركاتها {خالدين} أي مقدرين الخلد {فيها} أي في جهنم التي دأبها تجهم من دخلها.
ولما كان هذا المقام للمشاققة. وكان أمرها زائد القباحة. كان هذا الدخول أقبح دخول، وكان سبباً لأن يقال: {فلبئس} بالأداة الجامعة لمجامع الذم {مثوى المتكبرين *} على وجه التأكيد وبيان الوصف الذي استحقوا به ذلك، لتقدم كذبهم في قولهم {ما كنا
(11/145)

نعمل من سوء} تعريضاً بأنهم جديرون - لغاية ما لهم من البلادة - أن يستحسنوا النار كما كذبوا مع العلم التام بأنه لا يروج في ذلك اليوم كذب.
ولما تم الخبر عن المنكر لما أنزل الله على ألسنة الملائكة من الروح من أمره على الأنبياء عليهم السلام، إنكاراً لفضلهم وتكبراً بما ليس لهم، بالاعتراض على خالقهم، ابتدأ الخبر عن المقرين تصديقاً لهداتهم واعترافاً بفضلهم وتسليماً لمن هم عبيده في تفضيل من يشاء، منبهاً على الوصف الذي أوجب لهم الاعتراف بالحق، فقال حاذفاً ل «إذا» دلالة على الرضى بأيسر شيء من الخير والمدح عليه ولو لم يتكرر: {وقيل للذين اتقوا} أي خافوا عقاب الله {ماذا} أي أي شيء {أنزل ربكم} أي المحسن إليكم من روحه المحيي للأرواح، على رسوله {قالوا} معترفين بالإنزال، غير متوقفين في المقال، فاهمين أن ذا مؤكدة للاستفهام لا بمعنى الذي: أنزل {خيراً} وإنما أطبق القراء على نصب هذا ورفع الأول فرقاً بين جوابي المقر والجاحد بمطابقة المقر بين الجواب والسؤال، وعدول الجاحد بجوابه
(11/146)

عن السؤال؛ ثم أخذ يرغب بما لهم من حسن المآل على وجه الجواب لسؤال من كأنه قال: ما لهم على ذلك؟ فقيل مظهراً موضع الإضمار مدحاً لهم وتعميماً لمن اتصف بوصفهم: {للذين أحسنوا} فبين أن اعترافهم بذلك إحسان؛ ثم أخبر عنه بقوله: {في هذه الدنيا حسنة} أي جزاء لهم على إحسانهم {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] .
ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال، أخبر عن حالهم في الآخرة فقال: {ولدار الآخرة خير} أي جزاء ومصيراً؛ ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى: {ولنعم دار المتقين *} أي هي، مرغباً في الوصف الذي كان سبب حيازتهم لها، وهو الخوف المنافي لما وصف به الأشرار من الاستكبار، بإظهاره موضع الإضمار وحذف المخصوص بالمدح لتقدم ما يدل عليه، وهو صالح لتقدير الدنيا - أي لمن عمل فيها بالتقوى - ولتقدير الآخرة، وهو واضح.
ولما كان هذا المدح مشوفاً لتفصيل ذلك قيل: {جنّات عدن} أي إقامة لا ظعن فيها {يدخلونها} حال كونها {تجري من تحتها} أي من تحت غرفها {الأنهار} ثم أجيب من كأنه سأل عما فيها من
(11/147)

الثمار وغيرها بقوله تعالى: {لهم فيها} أي خاصة، لا في شيء سواها من غير أن يجلب إليهم من غيرها {ما يشاؤون} ثم زاد في الترغيب بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {يجزي الله} أي الذي له الكمال كله {المتقين *} أي الراسخين في صفة التقوى، ثم حث على ملازمة التقوى بالتنبيه على أن العبرة بحال الموت، فقال تعالى: {الذين تتوفّاهم} أي تقبض أرواحهم وافية من نقص شيء من الروح أو المعاني - بما أشار إليه إثبات التاءين والإظهار {الملائكة طيبين} أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر متحلين بحلية الإيمان، فكأنه قيل: ماذا تقول لهم الملائكة؟ فقيل: {يقولون} أي مكررين للتأكيد تسكيناً لما جبلوا عليه من تعظيم جلال الله بالتقوى {سلام عليكم} ويقال لهم لتحقق فوزهم {ادخلوا الجنة} أي دار التفكه التي لا مثل لها {بما كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعملون *} ترغيباً لهم في الأعمال التي لا يستطيعونها إلا برحمة الله لهم بتوفيقهم لها.
(11/148)

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)
ولما أخبر تعالى عن أحوال الكفار السائلين في نزول الملائكة بعد أن وهىّ شبههم، وأخبر عن توفي الملائكة لهم ولأضدادهم المؤمنين، مشيراً بذلك إلى أن سنته جرت بأنهم لا ينزلون إلا لإنزال الروح من أمره على من يختصه لذلك أو لأمر فيصل لا مهلة فيه، قال منكراً عليهم: {هل ينظرون} أي هؤلاء الكفار في تقاعسهم عن تصديق الرسل في الإخبار بما أنزل ربهم، وجرد الفعل إشارة إلى قرب ما ينتظرونه {إلا أن تأتيهم} أي بأمر الله {الملائكة} وهم لا يأتونهم إلا بمثل ما أتوا به من قبلهم ممن قصصنا أمرهم من الظالمين إن لم يتوبوا {أو يأتي أمر ربك} أي المحسن إليك المدير لأمرك بأمر يفصل النزاع من غير واسطة ملك أو غيره.
ولما كان هذا أمراً مفزعاً، كان موجباً لمن له فهم أن يقول: هل فعل هذا أحد غير هؤلاء؟ فقيل: نعم! {كذلك} أي مثل هذا الفعل البعيد لبشاعته عن مناهج العقلاء، مكراً في تدبير الأذى،
(11/149)

واعتقاداً وقولاً {فعل الذين} ولما كان الفاعلون مثل أفعالهم في التكذيب لم يستغرقوا الزمان، أدخل الجار فقال تعالى: {من قبلهم وما} أي والحال أنه ما {ظلمهم الله} أي الذي له الكمال كله في تقديره ذلك عليهم، لأنه المالك المطلق التصرف والملك الذي لا يسأل عما يفعل {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعاً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} فاستحقوا العقاب لقيام الحجة عليهم على السنن الذي جرت به عوائدكم فيمن باشر سوء من غير أن يكره عليه إكراهاً ظاهراً، وهذا بعينه هو العلة في إرسال الرسل، ونصب الشرئع والملل {فأصابهم} أي فتسبب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم {سيئات} أي عقوبات أو جزاء سيئات {ما عملوا وحاق} أي أحاط ضابطة {بهم} من العذاب والمرسل به من الملائكة {ما كانوا به} أي خاصة {يستهزؤن *} تكبراً عن قبول الحق.
ومادة حاق واوية ويائية - بتراكيبها الست: حوق، حقو، قحو، قوح، وقح، حيق - تدور على الإحاطة، ويلزمها صلابة المحيط ولين المحاط به: حاق به الشيء - إذا نزل به فأحاط، والحيق:
(11/150)

ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، وحاق فيه السيف: حاك أي عمل - من التسمية باسم الجزء، ولأنه في الأغلب يكون في عمله الموت المحيط بالأجل، وحاق بهم الأمر: لزمهم ووجب عليهم ونزل بهم، والحيقة: شجرة كالشيح يؤكل بها التمر - كأنه يحيط بالتمرة، وحايقه: حسده وأبغضه - لإحاطة ذلك.
والحوق - بالضم: ما أحاط بالكمرة من حروفها، وبالضم والفتح معاً: استدارة في الذكر، والحوق - بالفتح فقط: الإحاطة، والأحوق والمحوق - كمعظم: الكمرة - كأنها مختصة بذلك لكبرها، ومنه فيشلة حوقاء: عظيمة - كأنها لعظمها هي التي ظهر حرفها دون غيرها، وأرض محوقة - بضم الحاء: قليلة النبت لقلة المطر - كأنه تشبه بالكمرة في ملاستها، وتركت النخلة حوقاء - إذا أشعل في الكرانيف - لاستدارة النار بها أو لشبهها بعد حريق السعف بالذكر أو رأسه، والحوقة بالفتح: الجماعة الممخرقة - لأن الجماعة لها قوة الاستدارة، والممخرق إن كان من الكذب فمن لازمه العوج، وإن كان من المخراق - وهو المنديل الذي يلف للعب به - فاللعب به على هيئة الاستدارة، وحوق
(11/151)

عليه تحويقاً: عوج عليه الكلام، والحوق - بالفتح أيضاً: الكنس والدلك والتمليس لأن كلاًّ منها ترد فيه اليد إلى قريب من مكانها فيشبه الإحاطة ولو بالتعويج.
والحقو: الكشح، وهو ما بين عظم رأس الورك إلى الضلع الخلف لأنه موضع إحاطة الإزار، والإزار نفسه حقو لأنه آلته أو الحقو معقد الإزار، والحقو: موضع غليظ مرتفع عن السيل - من الصلابة والاستدارة لأن السيل يحيط به أو يكاد، ومن السهم: موضع الريش لأنه يشبه الحقو في استدارته وغلظ بعض ودقة بعض، وفي إحاطة الريش به، ومن الثنية: جانباها - من الإحاطة أو مطلق العوج، والحقوة: وجع في البطن من أكل اللحم - للحوق وجعه الحقو.
والأقحوان: نبت يستدير به زهرة، وأقاحي الأمر: تباشيره - لأنها تحيط به غالباً، وقحاً المال: أخذه - لما يلزمه من الإحاطة، والمقحاة: المجرفة - لأنها تحيط بالمجروف.
ومن اللين: قاح الجرح يقوح: صارت فيه مدة خالصة لا يخالطها
(11/152)

دم كقاح يقيح - واوية ويائية، ولما يلزمه من الاستدارة غالباً، وقوّح الجرح: انتبر - إما من الموضع الغليظ المرتفع عن السيل، وإما من استدارته، وقاح البيت: كنسه كقوّحه، والقاحة: الساحة - لاستدارتها غالباً، وأقاح: صمم على المنع بعد السؤال - إما من لإزالة - أي أزال اللين - وإما من الصلابة.
ومن الصلابة: الوقاح - للحافر الصلب، وهو من الاستدارة أيضاً، ورجل وقاح الوجه: قليل الحياء - منه، والموقح - كمعظم: المجرب، وتوقيح الحوض: إصلاحه بالمدر والصفائح - للاستدارة والصلابة.
ولما تم ما هو عجب من مقالهم ومآلهم، في سوء أحوالهم، وختم بتهديدهم، عطف على قوله {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} موجباً آخر للتهديد، معجباً من حالهم فيه، فقال: {وقال الذين أشركوا} أي الراسخ منهم في هذا الوصف والتابع له، على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي وغيره، محتجين بالقدر عناداً منهم، ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل بأنه - لقدرته على كل شيء -
(11/153)

غير محتاج إلى بعث الرسل، فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم، فهو قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي أفعاله، وهو قول باطل، لأنه سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على حكمته أم لا: {لو شاء الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، عدم عبادتنا لغيره {ما عبدنا} .
ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته وكانت متفاوته، وكان ما يعبدونه من الأصنام في أدناها رتبة، أدخلوا الجار فقالوا: {من دونه} وأعرقوا في النفي فقالوا: {من شيء} أي من الأشياء {نحن ولا ءاباؤنا} من قبلنا! ولما ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا: {ولا حرمنا} أي على أنفسنا {من دونه} أي دون أمره {من شيء} لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم، لكنه لم يشأ العدم، فقد شاء وجود ما نحن عليه، فنحن نتبع ما شاءه لا نتغير عنه، لأنه لا يشاء إلا ما هو حق، وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه الحق التي أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة الأمر لا موافقة الإرادة، فما كان من الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله، وما خالفه قامت به الحجة على فاعله على
(11/154)

ما جرت به عوائد الناس فشقي.
فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة، وكان كأنه قيل استبعاداً لها: هل قالها غيرهم؟ فقيل: نعم! {كذلك} أي مثل هذا البعيد من السداد، والقول الخارج عن الهداية والرشاد، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل، مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية وإن كانت بقضائه، لأن ذلك مستور عن العباد {فعل} أي كذب بدليل الأنعام {الذين} ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله: {من قبلهم} وكان تكذيباً، لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله، والرسل يقولون: لا يرضاه، ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير معاقب، فكان ذلك سبباً للإنكار عليهم بقوله: {فهل} أي فما {على الرسل} أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم، وهم الذين أرسلهم الله لدعاء العباد خلفاً عن سلف؛ ولما كان الاستفهام
(11/155)

بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال: {إلا البلاغ المبين *} وقد بلغوكم وأوضحوا لكم، فصار وبال العصيان خاصاً بكم.
(11/156)

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38)
ولما كان جمع الرسل مفهماً لتوزيعهم على الأمم، كان موضع توقع التصريح بذلك، فقال - دافعاً لكرب هذا الاستشراف، نافياً لطروق احتمال، دالاً علا أن هذا القول السابق منصب إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال، ومسلياً لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحاثاً لهم على الاعتبار، عطفاً على ما تقديره: فلقد بعثناك في أمتك هذه لأن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، فمنهم من هدينا، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان من غير شك بعضهم مرضٍ لله وبعضهم مغضب له، فإنه لا يكون حكم المتنافيين واحداً أبداً: {ولقد} أي والله لقد {بعثنا} أي على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ {في كل أمة} من الأمم الذين قبلكم {رسولا} فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة، ولأجل أن
(11/156)

الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السلام في أصحاب الأيكة وسليمان عليه السلام في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه من أهل الأرض لم يقيد ب «منهم» .
ولما كان البعث متضمناً معنى القول، كان المعنى: فذهبوا إليهم قائلين: {أن اعبدوا الله} أي الملك الأعلى وحده {واجتنبوا} أي بكل جهدكم {الطاغوت} كما أمركم رسولنا {فمنهم} أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت الأمم قسمين: منهم {من هدى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة، للحق فحقت له الهداية فأبصر الحق وعمل به باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به عن الله، فحقت له الجنة {ومنهم من حقت} أي ثبتت غاية الثبات {عليه الضلالة} بأن أضله الله فنابذ الأمر فلم يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة، فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به، والإرادة لا بد أن يكون ما تعلقت به، وقد يكون موافقها عاملاً بالضلالة فحق عليه عذابها فحقت له النار فهلك، لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه، فلو كان كل ما شاءه
(11/157)

حقاً كان الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما، لكنه لم يكن الأمر كذلك، بل عذب العاصي ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل، وهذا هو معنى رضي الله، إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم، فدل ذلك قطعاً على صدق الرسل وكذب مخالفيهم، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الهداية أولاً دليلاً على فعل الضلال ثانياً، وحقوق الضلالة ثانياً دليلاً على حقوق الهداية أولاً.
ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال: {فسيروا} أي فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا {في الأرض} أي جنسها {فانظروا} أي إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة إلى الإقلاع عنه بخلاف {ثم انظروا} في الأنعام لما تقدم، وأشار بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: {كيف كان} أي كوناً لا قدرة على الخلاص منه {عاقبة} أي
(11/158)

آخر أمر {المكذبين *} أي من عاد ومن بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر من أسلافكم، فإنهم كذبوا الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه مخالفة لأمري وعملاً بمشيئتي، فأوقعت بهم لأنهم خالفوا أمري باختيارهم مع جهلهم بإرادتي، فقامت عليهم الحجة على ما يتعارفه الناس بينهم.
ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد، أعرض عنهم ملتفتاً إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم، فقال مسلياً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {إن تحرص على هداهم} فتطلبه بغاية جدك واجتهادك {فإن الله} أي الملك الأعظم {لا يهدي} أي هو بخلق الهداية في القلب - هذا على قراءة الكوفيين بفتح الياء وكسر الدال، ومن هاد ما بوجه من الوجوه على قراءة الجمهور بالبناء للمفعول {من يضل} أي من يحكم بضلاله، وهو الذي أضلهم فلا يمكن غيره أن يهديهم لأنه لا غالب لأمره؛ وقرىء شاذاً بفتح الياء من ضل بمعنى نسي، أي فلا تمكن هداية من نسيه، أي
(11/159)

تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء، ونقل الصغاني في مجمع البحرين أنه يقال: ضل فلان البعير أي أضله، والضلال عند العرب سلوك غير سبيل القصد، فالمعنى أنه كان سبباً لسلوك البعير غير المقصود، فمعنى الآية: لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء، أي يكون سبباً لسلوكه غير سبيل القصد، فلا تحزن ولا يضيق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك وإخلاصك في الدعاء، ولا يقع في فكرك أن في دعائك نقصاً، إنما النقص في مرائيهم العمياء، وليس عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى -: {وما لهم} أي هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله {من ناصرين *} أي ينصرونهم عند مجازاتهم على الضلال، لينقذوهم مما لحقهم عليه من الوبال، كما فعل بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما قبله، وهو فلا هادي لهم ما أراد الله ضلالهم، وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج على أن يقوموا بأنفسهم ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم أتبع الناس للحق، إما بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع عنه عند العجز عن ذلك، أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم.
(11/160)

ولما كان من حقهم - بعد قيام الأدلة على كمال قدرته وشمول علمه وبلوغ حكمته في إبداع جميع المخلوقات مما نعلم وما لا نعلم على أبدع ترتيب وأحسن نظام - تصديق الهداة في إعلامهم بأنه سبحانه يعيدهم للبعث وأنهم لم يفعلوا ولا طرقوا لذلك احتمالاً، بل حلفوا على نفيه من غير شبهة عرضت لهم ولا إخبار عن علم وصل إليهم فعل الجلف الجافي الغبي العاسي، أتبع ذلك سبحانه تعجيباً آخر من حالهم، فقال - عاطفاً على {وقال الذين أشركوا} لأن كلاًّ من الجملتين لبيان تكذيبهم الرسل والتعجيب منهم في ذلك، دالاً على ان اعتقادهم مضمون هذه الجملة هو الذي جرأهم على قول الأولى وما تفرع منها -: {وأقسموا بالله} أي الملك الأعظم {جهد أيمانهم} جعلت الأيمان جاهدة لكثرة ما بالغوا فيها: {لا يبعث الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {من يموت} أي يحيي أحداً بعد موته، استناداً منهم إلى مجرد استبعاد مالم تجر به نفسه عندهم عادة، جموداً منهم عن حلها بأن النشأة الأولى كانت من غير عادة، مع ادعائهم أنهم أعقل الناس وأحدهم أذهاناً وأثقبهم أفهاماً.
ثم رد عليهم بقوله تعالى: {بلى} أي ليبعثهم لأنه لا مانع له
(11/161)

من ذلك وقد وعد به {وعداً} وبين أنه لا بد منه بقوله: {عليه} وزاده تأكيداً في مقابلة اجتهادهم في أيمانهم بقوله: {حقاً} أي لأنه قادر عليه وهو لا يبدل القول لديه، فصار واجباً في الحكمة كونه، وأمر البعث معلوم عند كل عاقل سمع أقوال الهداة تاركاً لهواه {ولكن أكثر الناس} أي بما لهم من الاضطراب {لا يعلمون *} أي لا علم لهم يوصلهم إلى ذلك لأنه من عالم الغيب لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله، ولا هم يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم بروح منه لتقيدهم بما توصلهم إليه عقولهم، وهي مقصورة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب بغير وساطة منه سبحانه تعالى، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استعباداً لأن يكون شيء معقول لا يصل إليه بمجرد عقله وهو خصيم مبين.
(11/162)

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
ولما بين أنه لا بد من ذلك لسبق الوعد به من القادر، بين حكمته بأمر مبين أنه لا يسوغ تركه بوجه، وهو أنه لا يجوز في عقل عاقل أن أحداً ملكاً فما دونه يأمر عبيده بشيء ثم يهملهم فلا يسألهم ولا سيما إن اختلفوا ولا سيما إن أدى اختلافهم إلى المقاطعة والمقاتلة
(11/162)

فكيف إن كان حاكماً فكيف إذا كان حكيماً فكيف وهو أحكم الحاكمين! فقال معلقاً بما دل عليه {بلى} : {ليبين} أي فعله ووعد به فهو يبعثهم ليبين {لهم} أي للناس {الذي يختلفون} أي يوجد اختلافهم {فيه} من البعث وغيره، ويجزي كلاًّ بما عمل لأن ذلك من العدل الذي هو فعله {وليعلم الذين كفروا} أي جهلوا الآيات الدالة عليه، فكأنهم ستروها لأنها لظهورها لا تجهل {أنهم كانوا} أي جبلة وطبعاً {كاذبين *} أي عريقين في الكذب في إنكارهم للمعاد وزعمهم أنهم المختصون بالمفاز علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
ولما بين تحتمه وحكمته، بين إمكانه ويسره عليه وخفته لديه، فقال تعالى: {إنما قولنا} أي بما من العظمة {لشيء} إبداء وإعادة {إذا أردناه} أي أردنا كونه {أن نقول له} ثم ذكر محكى القول النفسي فقال - بانياً من «كان» التامة ما دل على موافقة الأشياء المرادة موافقة المأمور للآمر المطاع -: {كن} أي أحدث {فيكون *} أي فيتسبب عن ذلك القول أنه يكون حين تعلق القدرة به من غير مهلة أصلاً، فنحن خلقنا الخلق لنأمرهم وننهاهم.
ولما كان التقدير تفصيلاً لفريقي المبين لهم وترغيباً في الهجرة لأنها بعد الإيمان أوثق عرى الإسلام: فالذين كفروا
(11/163)

واغتروا بما شاهدوه من العرض الفاني لنخزينهم في الدنيا والآخرة ولنجازينهم بجميع ما كانوا يعملون، عطف عليه قوله تعالى: {والذين هاجروا} أي أوقعوا المهاجرة فراراً بدينهم فهجروا آباءهم وأبناءهم وأقاربهم من الكفار وديارهم وجميع ما نهوا عنه {في الله} أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال، بعدما «تمادى» المكذبون بالبعث على إيذائهم، فتركوا لهم بلادهم.
ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان البعد لموت بعض من هجروه وإسلام آخرين بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء الله، قال تعالى: {من بعد ما ظلموا} أي وقع ظلمهم من الكفار، بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين {لنبوئنهم} أي نوجد لهم منزلاً هو أهل لأن يرجع إليه، بما لنا من الملائكة وغيرهم من الجنود وجميع العظمة {في الدنيا} مباءة {حسنة} كبيرة عظيمة، جزاء لهم على هدمتنا، بأن نعلي أمرهم وإن كره المشركون، كما يراه من يتدبر بمعني لأوليائي على قلتهم، وسينكشف الأمر عما قريب انكشافاً
(11/164)

لا يجهله أحد، فالآية دليل على ما قبلها.
ولما كان التقدير: ولنبوئنهم في الآخرة أجراً كبيراً، عطف عليه قوله تعالى: {ولأجر الآخرة} المعد لهم {أكبر} مما جعلته لهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون *} أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل يتدبرون به لعلموا - بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في عنادهم مع كثرتهم وقلتهم، وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي هاجروا إليها من الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - أني أجمع لأوليائي الدارين، وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم - روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكثر وأفضل - ثم تلا هذه الآية.
(11/165)

الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)
ولما نبه على إحسانه إليهم، وكان فيه من أول الأمر نوع غموض لظهور الكفرة في بادي الرأي، وصفهم بما يحتاج إليه في الاستجلاب لتمامه حثاً وإلهاباً، فقال تعالى - واصفاً للمهاجرين بياناً لأصل ما حملهم
(11/165)

على ما استحقوا به هذا لأجر الجزيل -: {الذين صبروا} أي استعملوا الصبر على ما نابهم من المكاره من الكفار وغيرهم في الإقامة بين أظهرهم مدة ثم في الهجرة بمفارقة الوطن الذي هو حرم الله المشرب حبه لكل قلب، فكيف بقلوب من هو مسقط رؤوسهم ومألف أبدانهم ونفوسهم، وفي بذل الأرواح في الجهاد وغير ذلك، ولفت الكلام إلى وصف والإحسان تنبيهاً على ما يحمل على التوكل فقال تعالى: {وعلى ربهم} أي المحسن إليهم بإيجادهم وهدايتهم وحده {يتوكلون *} في كل حالة يريدونها رضى بقضاء الله تعالى.
ولما أخبر تعالى أنه بعث الرسل، وكان عاقبة من كذبهم الهلاك، بدلالة آثارهم، وكانوا قد قدحوا في الرسالة بكون الرسول بشراً ثم بكونه ليس معه ملك يؤيده، رد ذلك بقوله - مخاطباً لأشرف خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكونه أفهمهم عنه مع أنه أجل من توكل وصبر، عائداً إلى مظهر الجلال بياناً لأنه يظهر من يشاء على من يشاء -: {وما أرسلنا} أي بما لنا من العظمة.
ولما كان الإرسال بالفعل إنما كان في بعض الأزمنة، دل عليه
(11/166)

بالجار فقال: {من قبلك} إلى الأمم من طوائف البشر {إلا رجالاً} لا ملائكة بل آدميين، هم في غاية الاقتدار على التوكل والصبر الذي هو محط الرجلة {نوحي إليهم} بواسطة الملائكة، وما أحسن تعقيب ذلك للصابرين، لأن الرسل أصبر الناس.
ولما كانوا قد فزعوا إلى سؤال أهل الكتاب في بعض الأمور، وكانوا قد أتوا علماً من عند الله، سبب عن هذا الإخبار الأمر بسؤالهم عن ذلك، فقال مخاطباً لهم ولكل من أراد الاستثبات من غيرهم: {فسئلوا} أي أيها المكذبون ومن أراد من سواهم {أهل الذكر} أي العلم بالكتاب، سمي ذكراً لأن الذكر - الذي هو ضد السهو - بمنزلة السبب المؤدي إليه فأطلق عليه، كأن الجاهل ساهٍ وإن لم يكن ساهياً، وكذا الذكر - الذي هو الكلام المذكور - سبب للعلم.
ولما كان عندهم حسّ من ذلك بسماع أخبار الأمم قبلهم، أشار إليه بقوله تعالى: {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {لا تعلمون*} أو هو التنفير من الرضى بالجهل.
ولما كانت رسل الملوك تقترن بما يعرف بصدقهم، قال - جواباً لمن كأنه قال: بأي دلالة أرسلوا؟ -: {بالبينات} المعرفة بصدقهم
(11/167)

{والزبر} أي الكتب الهادية إلى أوامر مرسلهم.
ولما كان القرآن أعظم الأدلة، أشار إلى ذلك بذكره مدلولاً على غيره من المعجزات بواو العطف، فقال - عاطفاً على ما تقديره: وكذلك أرسلناك بالمعجزات الباهرات -: {وأنزلنا} أي بما لنا من العظمة {إليك} أي وأنت أشرف الخلق {الذكر} أي الكتاب الموجب للذكر، المعلي للقدر، الموصل إلى منازل الشرف {لتبين للناس} كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق، واللسان الذي هو أعظم الألسنة وأفصحها وقد أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد {ما نزل} أي وقع تنزيله {إليهم} من هذا الشرع الحادي إلى سعادة الدارين بتبيين المجمل، وشرح ما أشكل، من علم أصول الدين الذي رأسه التوحيد، ومن البعث وغيره، وهو شامل لبيان الكتب القديمة لأهلها ليدلهم على ما نسخ، وعلى ما بدلوه فمسخ.
ولما كان التقدير: لعلهم بحسن بيانك يعملون! عطف عليه بياناً
(11/168)

لشرف العلم قوله تعالى: {ولعلهم يتفكرون *} إذا نظروا أساليبه الفائقة، ومعانيه العالية الرائقة، فيصلوا بالفكر فيه - بسبب ما فتحت لهم من أبواب البيان - إلى حالات الملائكة، بأن تغلب أرواحهم على أشباحهم فيعلموا أنه تعالى واحد قادر فاعل بالاختيار، وأنه يقيم الناس للجزاء فيطيعونه رغبة ورهبة، فيجمعون بين شرفي الطاعة الداعية إليها الأرواح، والانكفاف عن المعصية الداعية إليها النفوس بواسطة الأشباح.
(11/169)

أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)
ولما نبه سبحانه على التفكر، وكان داعياً للعاقل إلى تجويز الممكن والبعد من الخطر، سبب عنه إنكار الأمن من ذلك فقال تعالى: {أفأمن} أي أتفكروا فتابوا، أو استمروا على عتوهم؟ أفأمن {الذين مكروا} بالاحتيال في قتل الأنبياء وإطفاء نور الله الذي أرسلهم به، المكرات {السيئات أن} يجازوا من جنس عملهم بأن {يخسف الله} أي المحيط بكل شيء {بهم} أي خاصة {الأرض} فإذا هم في بطنها، لا يقدرون على نوع تقلب بمدافعة ولا غيرها، كما فعل بقارون وأصحابه وبقوم لوط عليه السلام من قبلهم {أو يأتيهم العذاب} على غير تلك الحال {من حيث لا يشعرون *} به في حالة من هاتين الحالتين شعوراً ما، هم في حال سكون ودعة بنوم أو غفلة {أو يأخذهم}
(11/169)

أي الله بعذابه {في} حال {تقلبهم} وتصرفهم ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة.
ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من العذاب وكان الأمن من العدو يكون عن ظن عدم قدرته عليه، علل ذلك بقوله تعالى: {فما هم بمعجزين *} أي في حالة من هذه الأحوال، سواء علينا غفلتهم ويقظتهم، ولم يعلل ما بعده بذلك لأن المتخوف مجوّز للعجز، فقال تعالى: {أو يأخذهم} أي الله أخذ غضب {على تخوف} منهم من العذاب وتحفظ من أن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم من عذاب الاستئصال، ويجوز أن يراد بما مضى عذاب الاستئصال، وبهذا الأخذ شيئاً فشيئاً، فإن التخوف التنقص عند هذيل، روي أن عمر رضي الله عنه سأل الناس عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل بأنه التنقص، فقال عمر رضي الله عنه: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم! قال شاعرنا
(11/170)

أبو كثير الهذلي يصف ناقة:
تخوف الرحل منها تامكاً قرداً ... كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر رضي الله عنه: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.
ولما كان التقدير: لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر، ولكن جهلهم بالله - لطول أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التفاتاً إلى الخطاب استعطافاً: {فإن ربكم} أي المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد {لرءوف} أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة، وكذا لمن قاطعه أتم مقاطعة، وإليه أشار بقوله تعالى:
(11/171)

{رحيم *} أي فتسبب عن إمهاله لهم في كفرهم وطغيانهم مع القدرة عليهم العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ورحمته.
ولما خوفهم، دل على تمام قدرته على ذلك وغيره بقوله: عاطفاً على ما تقديره: أو لم يروا إلى عجزهم عما يريدون وقسره لهم على ما لا يريدون، فيعلموا بذلك قدرته وعجزهم، فيعلموا أن عفوه عن جرائمهم إحسان منه إليهم ولطف بهم: {أولم} ولما كان حقهم المبادرة بالتوبة فلم يفعلوا، أعرض عنهم في قراءة الجماعة تخويفاً فقال تعالى: {يروا} بالياء التحتية، وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب على نسق ما قبله، أي ينظروا بعيون الأبصار متفكرين بالبصائر، وبين بعدهم عن المعارف الإلهية بحرف الغاية فقال تعالى: {إلى ما خلق الله} أي الذي له جميع الأمر {من شيء} أي له ظل {يتفيؤا} أي تترجع إلى جهة الشاخص {ظلاله} وهو ما ستره الشاخص عن الشمس متجاوزة له {عن اليمين} وهي ما على يمين المستدير للشمال، المستقبل للجنوب، الذي هو ناحية الكعبة لمن في بلاد الشام التي هي مسكن الأنبياء عليهم السلام، وأفراد لأن
(11/172)

الظل يكون أول ما تشرق الشمس مستقيماً إلى تلك الجهة على استواء، وجمع في قوله: {والشمائل} لأن الشمس كلما ارتفعت تحول ذلك الظل راجعاً إلى جهة ما وراء الشاخص، ولا يزال كذلك إلى أن ينتصب عند الغروب إلى جهة يساره قصداً على ضد ما كان انتصب إليه عند الشروق، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالباً في تفيئه جهة اليسار، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيهاً على ذلك، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء.
ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب، جمع بالنظر إلى معنى «ما» في قوله: {سجداً} أي حال كونهم خضعاً {لله} أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى مدبرهم.
ولما كان امتداد الظل قسرياً لا يمكن أحداً الانفصال عنه، قال جامعاً بالواو والنون تغليباً: {وهم داخرون *} ذلاً وصغاراً، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره، والتغير دال على المغير.
ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان، وكان الحيوان
(11/173)

أشرف من الجماد، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى: {ولله} أي الذي له الأمر كله {يسجد} أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية، وعبر بما هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى: {ما في السماوات} ولما كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي، أعاد الموصول فقال تعالى: {وما في الأرض} ثم بين ذلك بقوله تعالى: {من دآبة} أي عاقلة وغير عاقلة.
ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه، قال مبيناً لخضوع المقربين تخصيصاً لهم وإن كان الكلام قد شملهم: {والملائكة} .
ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفاً لظاهره، قال - دالاً على أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرهاً، وعبر عن السجودين: الموافق للأمر والإدارة طوعاً، والموافق للارداة المخالف للأمر كرهاً، بلفظ واحد، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ: {وهم} أي الملائكة {لا يستكبرون *} ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء: {يخافون ربهم} أي الموجد لهم، المدبر لأمورهم، المحسن إليهم، خوفاً مبتدئاً {من فوقهم} إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو والجبروت، فهو المخوف المرهوب،
(11/174)

فهم عما نهوا عنه ينتهون {ويفعلون} أي بداعية عظيمة علماً منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو شهوة أو غير ذلك، ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى: {ما يؤمرون *} فهم لرحمته لهم يرجون؛ فالآية من الاحتباك: ذكر الخوف أولاً دال على الرجاء ثانياً، وذكر الفعل ثانياً دال على الانتهاء أولاً.
(11/175)

وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)
ولما كان التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان، وكان سبحانه قد أكثر التخويف من عصيانه، أبلغ الأمر إلى نهايته بالإخبار بأن الملائكة تخافه، وكان الملائكة من أعظم الموحدين، كما كانوا من أعظم الساجدين، من أهل السماوات والأرضين، وكانت هذه الآيات من أعظم أدلة التوحيد، أتبعها - عطفاً على {وأنزل إليك الذكر} ليتظافر على ذلك أدلة العقل والنقل وتسليكاً بأحوال الملائكة - قوله تعالى: {وقال الله} فعبر لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص الذي بنيت عليه السورة: {لا تتخذوا} أي لا تكلفوا فطركم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الإله واحد إلى أن تأخذ في اعتقادها {إلهين} ويجوز أن يكون معطوفاً على ما علم من المقدمات المذكورة أول السورة إلى قوله: {وما يشعرون أيان يبعثون} من النتيجة وهي {إلهكم إله واحد} لاحتمال أن يقول متعنت: إنه لم يأمرنا
(11/175)

بذلك وإن دلت عليه الأدلة، ويجوز وهو أقرب - أن يعطف على قوله: {وقال الذين أشركوا} تبكيتاً لهم بأنهم احتجوا بحكمه، ولم يبادروا إلى امتثال أمره.
ولم كان قد فهم المراد من التثنية، وكان ربما قال المتعنت: إن المنهي عنه تكثير الأسماء، قال مؤكداً ومحققاً: {اثنين} تنبيهاً على أن الألوهية لأنه موضع لإمكان التنازع الملزوم للعجز المنافي لتلك الرتبة مطلق العدد ينافي المنيفة الشماء، وفي ذلك أيضاً - مع كون معبوداتهم كانت كثيرة - إشارة إلى أن ما يسمى آلهة - وإن زاد عدده - يرجع بالحقيقة إلى اثنين: خالق ومخلوق، ومن المعلوم لكل ذي لب أن المخلوق غير صالح للألوهية، فانحصر الأمر في الخالق، وإن لم يكن فيه الخالق كان منقسماً لا محالة، وأقل ما ينقسم إلى اثنين: وباب الاتخاذ إذا كان مفعوله نكرة، اكتفى بواحد كما تقول: اتخذت بيتاً، واتخذت زوجة - ونحو ذلك، ثم علل ذلك النهي بما اقتضاه السياق من الوحدانية فقال تعالى: {إنما هو} أي الإله المفهوم من لفظ {إلهين} الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازاً، لأنه لا يطلق إطلاقاً حقيقياً إلا على ما وجدوه من ذاته {إله} أي يستحق هذا الوصف على الإطلاق.
(11/176)

ولما كان السياق مفهماً للوحدانية من النهي عن التثنية، وكان ربما تعنت متعنت بأن المراد إثبات الإله الدال على الجنس، قال رافعاً لكل شبهة: {واحد} أي لا يمكن أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه، فكونوا ممن يسجد له طوعاً ولا تكونوا ممن لا يسجد له إلا كرهاً.
ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم، التفت إلى أسلوب التلكم فقال تعالى: {فإياي} أي ذلك الواحد أنا وحدي لا شريك لي، فمن لم يوحدني أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه.
ولما كانت الوحدانية مما لا يخفى على عاقل، وكانت مركوزة في كل فطرة بدليل الاضطراب عند المحن، والشدائد والفتن، وكانت الرهبة - كما مضى عن الحرالي في البقرة - خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم، عبر بها فقال تعالى: {فارهبون *} مختصاً بذلك ولا تخافوا شيئاً غيري من صنم ولا غيره، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة، وإن أودعته فإنه لا يتمكن من إنفاذها، فالأمر كله إليّ وحدي.
(11/177)

ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالاً على التردي بحجاب الكبر المؤذن بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام، رجع إليه فقال تعالى: {وله} فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى {ما في السَّماوات} .
ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد، وظهر المراد منه غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيده بإعاداة النافي، فقال تعالى: {والأرض} أي مما تعبدونه وغيره، فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلهاً وهو ملكه، مع كونه محتاجاً إلى الزمان والمكان وغيرهما {وله الدين} أي الخضوع والتذلل من كل ما فيهما ومن فيهما بالطوع والكره، بإنفاذ القضاء والقدر، بالصحة والسقم، والغنى والفقر، والحياة والموت، والإيجاد والإعدام، والإذلال والإعزاز، والإقبال والإعراض - كما بين آنفاً، وله الدينونة بالمجازاة {واصباً} أي دائماً ثابتاً عاماً لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها، والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات
(11/178)

فتصير كاسدة بعد أن كانت رابحة وإن طال المدى، مع خصوصها بناس دون غيرهم، ولا يخلو يوم من الأيام لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم سلطانه، وعلا شأنه، وكثرت أعوانه، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلهاً، وقد تقدم في {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] في هود ما ينفع استحضاره هنا.
ولما تقرر هذا الدليل على هذه الصفة، وكان من مفهومات الدين الجزاء الناظر إلى الأفعال الواقية مما يضر، تسبب عنه الإنكار الشديد على من يلتفت بشيء من أفعاله إلى غيره بعد علمه بأنه دائم لا يزول، وأن كل ما سواه زائل، فقال معبراً بالتقوى التي هي نتيجة الرهبة: {أفغير الله} أي الذي له العظمة كلها {تتقون *} وأتبع ذلك ما يوجب تعظيم الإنكار عليهم، فقال مبيناً أنه لا ينبغي أن يتعلق خوف ولا رجاء إلا به: {وما بكم} أي التبس بكم أيها الناس عامة مؤمنكم وكافركم {من نعمة} أي جليلة أو حقيرة {فمن الله} أي المحيط بكل شيء وحده لا من غيره.
ولما كان إخلاصهم له - مع ادعائهم ألوهية غيره - أمراً مستبعداً، عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى: {ثم إذا مسكم} أي أدنى مس
(11/179)

{الضر} بزوال نعمة مما أنعم به عليكم {فإليه} أي وحده {تجأرون *} أي تعرفون أصواتكم بالاستعانة لما ركز في فطركم الأولية السليمة من أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.
(11/180)

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)
ولما كان الرجوع إلى الإشراك بعد الإخلاص مستبعداً أيضاً لاستهجانهم سرعة الاستحالة، قال تعالى: {ثم إذا كشف} سبحانه عما تشركون {الضر} أي الذي مسكم {عنكم} ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران فقال تعالى: {إذا فريق} أي جماعة هم أهل فرقة وضلال {منكم} أيها العباد! {بربهم} الذي تفرد بالإنعام عليهم {يشركون *} أي يوقعون الإشراك به بعبادة غيره تغيراً منهم عما كانوا عليه عند الاستغاثة به في الشدة، فكان منطبقاً عليهم ما ضربوا المثل بكراهته بقولهم:
وإذا تكون كريهة أُدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
وهذا أجهل الجهل.
ولما كان هذا ملزوماً بجحد النعمة، وكان من شأن العاقل البصير
(11/180)

بالأمور - كما يدعونه لأنفسهم - أن يغفل عن شيء من لوازم ما يقدم عليه، قال: {ليكفروا} أي يوقعوا التغطية لأدلة التوحيد التي دلتهم عليها غرائز عقولهم {بما ءاتينهم} أي من النعمة، تنبيهاً على أنهم ما أقدموا على ذلك الشرك إلا لهذا الغرض إحلالاً لهم محل العقلاء البصراء الذين يزعمون أنهم أعلاهم، ورفعاً لهم عن أحوال من يقدم على ما لا يعلم عاقبته، ولا خزي أعظم من هذا، لأنه أنتج أن الجنون خير من عقل يكون هذا مآله، فهو من باب التهكم {فتمتعوا} أي فتسبب عن هذا أن يُقبل على هذا الفريق إقبال عالم قادر عليه قائلاً: تمتعوا {فسوف} أي فإن تمتعكم على هذا الحال سبب لأن يقال لكم تهديداً: سوف {تعلمون *} غب تمتعكم، فهو إقبال الغضب والتهديد بسوء المنقلب، وحذف المتهدد به أبلغ وأهول لذهاب النفس في تعيينه كل مذهب.
ولما هددهم بإشراكهم المستلزم لكفر النعمة، أتبعه عجباً آخر من أمرهم فقال عاطفاً على قوله تعالى {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} :
(11/181)

{ويجعلون} أي على سبيل التكرير {لما لا يعلمون} مما يعبدونه من الأصنام وغيرها لكونه في حيز العدم في نفسه وعدماً محضاً بما وصفوه به كما قال تعالى {أم تنبئونه بما لا يعلم} [الرعد: 33] {نصيباً مما رزقناهم} بما لنا من العظمة، من الحرث والأنعام وغير ذلك، تقرباً إليها كما مضى شرحه في الأنعام، ولك أن تعطفه - وهو أقرب - على {يشركون} فيكون داخلاً في حيز «إذا» أي فاجأوا مقابلة نعمته في الإنجاء بالإشراك والتقرب برزقه إلى ما الجهل به خير من العلم به، لأنه عدم لأنه لا قدرة له ولا نفع في المقام الذي أقاموه فيه؛ ثم التفت إليهم التفاتاً مؤذناً بما يستحق على هذا الفعل من الغضب فقال تعالى: {تالله} أي الملك الأعظم {لتسئلن} يوم الجمع {عما كنتم} أي كوناً هو في جبلاتكم {تفترون *} أي تتعمدون في الدنيا من هذا الكذب، سؤال توبيخ، وهو الذي لا جواب لصاحبه إلا بما فيه فضيحته.
ولما بين سفههم في صرفهم مما آتاهم إلى ما هو في عداد العدم الذي لا يعلم، بين لهم سفهاً هو أعظم من ذلك بجعلهم لمالك الملك وملكه أحقر ما يعدونه مما أوجده لهم، لافتقارهم إليه وغناه عنه على وجه
(11/182)

التوالد المستحيل عليه مع كراهته لأنفسهم، فصار ذلك أعجب العجب، فقال تعالى: {يجعلون لله} أي الذي لا معلوم على الحقيقة سواه لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام. ولما كان المراد تقريعهم، وكانت الأنوثة ربما أطلقت على كرائم الأشجار، نص على المراد بقوله: {البنات} فلا أعجب منهم حيث يجعلون الوجود للمعدوم المجهول، ويجعلون العدم للموجود المعلوم؛ ثم نزه نفسه عن ذلك معجباً من وقوعه من عاقل بقوله تعالى: {سبحانه} .
ولما ذكر ما جعلوا له مع الغنى المطلق، بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم الحاجة والضعف فقال: {ولهم ما يشتهون *} من البنين، وذلك في جملة اسمية مدلولها الثبات، ليكون منادياً عليهم بالفضيحة، لأنهم لا يبقون لأبنائهم ولا يبقى أبناؤهم لهم، وقد يكونون أعدى أعدائهم؛ ثم بين حالهم إذا حصل لهم نوع ما جعلوه له سبحانه فقال تعالى: {وإذا} أي جعلوا كذا والحال أنه إذا {بشر أحدهم} ولما تعين وزال المحذور، جمع بين الخساستين كما بين آخر الصافات فقال تعالى: {بالأنثى} أي قابل هذه البشرى
(11/183)

التي تستحق السرور بحصول نسمة تكون سبباً لزيادة هذا النوع، وقد تكون سبب سعادته، دالة على عظمة الله - بضد ما تستحق مما لا يفيده شيئاً بأن {ظل وجهه} وكنى عن العبوس والتكدر والغبرة بما يفوز فيه من الغيظ بقوله تعالى: {مسوداً} أي من الغم والكراهة، ولعله اختير لفظ «ظل» الذي معناه العمل نهاراً وإن كان المراد العموم في النهار وغيره دلالة على شهرة هذا الوصف شهرة ما يشاهد نهاراً {وهو كظيم *} ممتلىء غيظاً على المرأة ولا ذنب لها بوجه، والبشارة في أصل اللغة: الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور، ثم خص في عرف اللغة بالسرور، ولا تكون إلا بالخبر الأول، ولعله عبر عنه بهذا اللفظ تنبيهاً على تعكيسهم للأمور في جعلهم وسرورهم وحزنهم وغير ذلك من أمرهم.
(11/184)

يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)
ولما كان سواد الوجه والكظم قد لا يصحبه الخزي، وصل به قوله تعالى: {يتوارى} أي يستخفي بما يجعله في موضع كأنه الوراء لا اطلاع لأحد عليه {من القوم} أي الرجال الذين هو
(11/184)

فيهم {من سوء ما بشر به} لعده له خزياً، ثم بين ما يلحقه من الحيرة في الفكر عند ذلك بقوله تعالى: {أيمسكه على هون} أي ذلك وسفول أمر، ولما كانوا يغيبون الموءودة في الأرض على غير هيئة الدفن، عبر عنه بالدس فقال تعالى: {أم يدسه في التراب} قال ابن ميلق: قال المفسرون: كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفيرة وجلست على شفيرها، فإن وضعت ذكراً أظهرته، وظهر السرور أهله، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها، فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمر بإلقائها في الحفيرة ورد التراب عليها وهي حية لتموت - انتهى. قالوا: وكان الوأد في مضر وخزاعة وتميم.
ولما كان حكمهم هذا بالغاً في القباحة، وصفه بما يستحقه فقال مؤكداً لقبحه: {ألا ساء ما يحكمون *} أي بجعل ما يكرهونه لمولاهم الذي لا نعمة عندهم إلا منه، وجعل ما يختارونه لهم خاصاً بهم.
ولما كان شرح هذا أنهم تكلموا بالباطل في جانبه تعالى وجانبهم، بين ما هو الحق في هذا المقام، فقال تعالى على تقدير الجواب لمن كأنه قال: فما يقال في ذلك؟ مظهراً في موضع الإضمار، تنبيهاً على الوصف الذي أوجب الإقدام على الأباطيل من غير خوف:
(11/185)

{للذين لا يؤمنون} أي لا يوجدون الإيمان أصلاً {بالآخرة مثل} أي حديث {السوء} من الضعف والحاجة والذل والرعونة {ولله} أي الذي له الكمال كله {المثل} أي الحديث أو المقدار أو الوصف أو القياس {الأعلى} من الغنى والقوة وجميع صفات الكمال بحيث لا يلحقه حاجة ولا ضعف ولا شائبة نقص أصلاً، وأعدل العبارات عن ذلك لا إله إلا الله، ويتأتى تنزيل المثل على الحقيقة كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في سورة الروم.
ولما كان أمره سبحانه وتعالى أجل مما تدركه العقول، وتصل إليه الأفهام، أشار إلى ذلك بقوله تعالى: {وهو} لا غيره {العزيز} الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له {الحكيم *} الذي لا يوقع شيئاً إلا في محله، فلو عاملهم بما يستحقونه من هذه العظائم التي تقدمت عنهم لأخلى الأرض منهم {ولو يؤاخذ الله} أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال {الناس} كلهم.
ولما كان السياق للحكمة، وكان الظلم - الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه - شديد المنافاة لها، وكان الشرك - الذي هذا سياقه -
(11/186)

أظلم الظلم، قال معبراً بالوصف الشامل لما وقع منهم منه بالفعل ولما هم منطوون وهو وصف لهم ولم يباشروه إلى الآن بالفعل قال: {بظلمهم} أي يعاملهم معاملة الناظر لخصمه المعامل له بمحض العدل من غير نظر إلى الفضل، وعبر بصيغة المفاعلة لأن دلالتها على المناقشة أبلغ {ما ترك} ولما اقتضى الحال ذكر الظلم، وكان سياق هذه الآية أغلظ من سياق فاطر، عبر بما يشمل كل محمول الأرض سواء كان على الظهر أو في البطن مغموراً بالماء أو لا فقال تعالى: {عليها} أي الأرض المعلوم أنها مستقرهم المدلول عليها التراب، وأعرق في النفي فقال تعالى: {من دآبة} أي نفس تدب على وجه الأرض، لأن الكل إما ظالم يعاقب بظلمه، وإما من مصالح الظالم فيهلكه عقوبة للظالم، أو لأنه ما خلقهم إلا للبشر، فإذا أهلكهم أهلكهم كما وقع قريب منه في زمن نوح عليه السلام {ولكن} لا يفعل بهم ذلك فهو {يؤخرهم} إمهالاً بحكمته وحلمه {إلى أجل مسمى} ضربه لهم في الأزل.
(11/187)

ولما قطع العلم بالغاية عما يكون، سبب عن ذلك الإعلام بما يكون فيه فقال: {فإذا جاء أجلهم} الذي حكم بأخذهم عنده {لا يستأخرون} أي عنه {ساعة} أي وقتاً هو عام التعارف بينكم، ثم عطف على جملة الشرط من أولها قوله تعالى: {ولا يستقدمون *} أي عن الأجل شيئاً.
(11/188)

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)
ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى، أتبعه التصريح بعد التلويح بقوله تعالى: {ويجعلون لله} أي وهو الملك الأعظم {ما يكرهون} أي لأنفسهم، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة، ومن الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم، ثم وصف جراءتهم مع ذلك، الكائنة في محل الخوف، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال: {وتصف} أي تقول معتقدة مع القول الصفاء، ولما كان قولاً لا حقيقة له بوحه، أسنده إلى اللسان فقال: {ألسنتهم} أي مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل {الكذب} ثم بينه بقوله: {أن لهم الحسنى} أي عنده، ولا جهل أعظم ولا حكم أسوأ من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره يجعل لك ما تحب، فكأنه قيل: فما لهم
(11/188)

عنده؟ فقيل: {لا جرم} أي لا ظن ولا تردد في {أن لهم النار} التي هي جزاء الظالمين {وأنهم مفرطون *} أي مقدمون معجلون إليها بتقديم من يسوقهم وإعجاله لهم؛ وقال الرماني: متروكون فيها، من قول العرب: ما أفرطت ورائي أحداً، أي ما خلفت ولا تركت، وقرأ نافع بالتخفيف والكسر، أي مبالغون في الإسراف والجراءة على الله. ولما بين مآلهم، وكانوا يقولون: إن لهم من يشفع فيهم، بين لهم ما يكون من حالهم، بالقياس على أشكالهم تهديداً، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال تعالى: {تالله} أي الملك الأعلى {لقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة، رسلاً من الماضين {إلى إمم} ولما كان الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل، قال: {من قبلك} كما أرسلناك إلى هؤلاء {فزين لهم الشيطان} أي المحترق بالغضب. المطرود باللعنة {أعمالهم} كما زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم {فهو} لا غيره {وليهم اليوم} بعد إهلاكهم حال كونهم في النار ولا قدرة له على نصرهم {ولهم عذاب أليم *} فلا ولي لأنه لو قدر على نصرهم لما أسلمهم للهلاك وقد أطاعوه، بل لو عدموا ولايته كان ذلك أولى لهم، فهو نفي لأن يكون لهم ولي على أبلغ الوجوه.
(11/189)

ولما كان حاصل ما مضى الخلاف والضلال والنقمة، كان كأنه قيل: فبين لهم وخوفهم ليرجعوا، فإنا ما أرسلناك إلا لذلك {وما أنزلنا} أي بما لنا من العظمة من جهة العلو {عليك الكتاب} أي الجامع لكل هدى. ولما كان في سياق الدعاء والبيان عبر بما يقتضي الإيجاب فقال: {إلا لتبين} أي غاية البيان {لهم} أي لمن أرسلت إليهم وهم الخلق كافة {الذي اختلفوا فيه} من جميع الأمور ديناً ودنيا لكونك أغزرهم علماً وأثقبهم فهماً، وعطف على موضع «لتبين» ما هو فعل المنزل، فقال تعالى: {وهدى} أي بياناً شافياً {ورحمة} أي وإكراماً بمحبة.
ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم، نفاه بقوله تعالى: {لقوم يؤمنون *} والتبيين: معنى يؤدي إلى العلم بالشيء منفصلاً عن غيره، وقد يكون عن المعنى نفسه، وقد يكون عن صحته، والبرهان لا يكون إلا عن صحته فهو أخص، والاختلاف: ذهاب كل إلى غير جهة صاحبه، والهدى: بيان طريق العلم المؤدي إلى الحق.
(11/190)

وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكباراً وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار، وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} قوله جامعاً في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي: {والله} أي الذي له الأمر كله {أنزل من السماء} في الوقت الذي يريده {ماء} بالمطر والثلج والبرد {فأحيا به الأرض} الغبراء. ولما كانت عادته بذلك مستمرة، وكان السياق لإثبات دعائم الدين، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائماً في زرع أو شجر في بعض الأراضي، أعرى الظرف من الجار لأن المعنى به أبلغ فقال: {بعد موتها} باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلاً ورأساً.
ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى
(11/191)

حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع، قال تعالى {إن في ذلك} الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم {لآية لقوم يسمعون *} هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها، والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق، وترك العناد والجهل، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة، استعمالاً للشيء في حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها ب «يبصرون» لئلا يظن أن ذلك من البصيرة، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح.
ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور، المحتوية على عجائب المقدور، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلاً في قوام عيشهم، فقال: {وإن لكم} أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم! {في الأنعام} ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل
(11/192)

إلى العلم قال: {لعبرة} فكأنه قيل: ما هي؟ فقيل: {نسقيكم} بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائماً من نهر أو لبن وغيرهما، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: من سقاه - إذا ناوله شيئاً فشربه.
ولما كان الأنعام اسم جمع، فكان مفرداً كما نقل ذلك سيبويه، وذكر المسقي وهو اللبن، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث لذلك، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير، قال تعالى: {مما} أي من بعض الذي {في بطونه} فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون.
ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره، قدم قوله تعالى: {من بين فرث} وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً {ودم لبناً خالصاً} من مخالط منهما أو من غيرهما
(11/193)

يبغي عليه بلون أو رائحة؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثاً، وأوسطه لبناً، وأعلاه دماً. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش. {سائغاً} أي سهل المرور في الحقل {للشاربين *} ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال تعالى معلقاً ب «نسقيكم» {ومن ثمرات النخيل والأعناب} .
ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم يه أصلاً، أسند الأمر إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي عنه في قوله مستأنفاً: {تتخذون} أي باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه الجملة كان لا بد من قوله: {منه} أي من مائه، وعبر عن السكر
(11/194)

بالمصدر إبلاغاً في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو المحرك، يقال: سكر سكْراً وسكَراً مثل رشد رشْداً ورشَداً، ونحل نحْلاً ونحَلاً، فقال تعالى: {سكراً} أي ذا سكر منشّياً مطرباً سادّاً لمجاري العقل قبيحاً غير مستحسن للرزق {ورزقاً حسناً} لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئاً من المجاري، بل ربما فتحها كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل الذي لا أحسن منه فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه - عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم. والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر. الثاني ما أطعم من الطعام. الثالث السكون.
(11/195)

الرابع المصدر من السكر، وأصله انسداد المجاري مما يلقي فيها، ومنه السكر - يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالاً؛ والآية من الاحتباك: ذكر السكر أولاً دال على الفتح ثانياً، وذكر الحسن دال القبيح أولاً، فالآية أدل ما في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على الحرام، ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من هذه المنافع {لآية} ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ووحدانيته قال تعالى: {لقوم يعقلون *} .
(11/196)

وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)
ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة أعجب مما تقدم وأنفس، ثلث به وأخره لأنه أقل الثلاثة عندهم، وغير الأسلوب وجعله من وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن فقال تعالى: {وأوحى ربك} أي المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة وغيرها
(11/196)

من الأماكن وبغير ذلك من المنافع، الدال على الفعل بالاختيار وتمام الاقتدار {إلى النحل} أي بالإلهام؛ قال الرازي في اللوامع: فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فبعضها بالتسخير المجرد كالجمادات، وبعضها بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون، وهي دويبة تتخذ بيتاً من دقاق العيدان فتدخله وتموت - والعنكبوت، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد كالملائكة، وبعضها بكل ذلك والفكر والتمييز والأعمال المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان.
ولما كان في الإيحاء معنى القول، أتى ب «أن» المفسرة فقال تعالى: {أن اتخذي} أي افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ {من الجبال بيوتاً} أيّ بيوت! ما أعجبها! {ومن الشجر} أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحارى {ومما يعرشون *} أي يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها، وبدأ بالبيوت لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة الإحكام وتمام التناسب.
(11/197)

ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من همّ المقيل الأكل، ثنى به، ولما كان عاماً في كل ثمر، ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها، فقال تعالى: {ثم كلي} وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى: {من كل الثمرات} قالوا: من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل، وقال بعضهم: من نفس الأزهار والأوراق.
ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه، نبه على خرقه للعادة في تيسيره لها فقال تعالى: {فاسلكي} أي فتسبب عن الإذن في الأكل الإذن في السير إليه {سبل ربك} أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل الأكل ذاهبة إليه وراجعة إلى بيوتك حال كون السبل {ذللاً} أي موطأة للسلوك مسهلة كما قال تعالى {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً} [الملك: 15] وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم إحسانه في تربيتها لما اهتدت إلى ذلك؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جواباً لمن كأنه قال: ماذا يكون عن هذا كله؟ فقال تعالى: - {يخرج من بطونها} - بلفت الكلام لعدم قصدها إلى هذه النتيجة {شراب} أيّ شراب! وهو العسل لأنه مع كونه من أجلّ المآكل هو «مما يشرب» {مختلف ألوانه}
(11/198)

من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك، اختلافاً دالاً على أن فاعله مع تمام قدرته مختار، ثم أوضح ذلك بقوله تعالى: {فيه} أي مع كونه من الثمار النافعة والضارة {شفاء للناس} قال الإمام الرازي في اللوامع: إذ المعجونات كلها بالعسل، وقال إمام الأولياء محمد بن علي الترمذي: إنما كان ذلك لأنها ذلت لله مطيعة وأكلت من كل الثمرات: حلوها ومرها محبوبها ومكروهها، تاركة لشهواتها، فلما ذلت لأمر الله، صار هذا الأكل لله، فصار ذلك شفاء للأسقام، فكذلك إذا ذل العبد لله مطيعاً، وترك هواه، صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة - انتهى.
وكونه شفاء - مع ما ذكر - أدل على القدرة والاختيار من اختلاف الألوان، لا جرم وصل به قوله تعالى: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من أمرها كله {لآية} وكما أشار في ابتداء الآية إلى غريب الصنع في أمرها، أشار إلى مثل ذلك في الختم بقوله تعالى: {لقوم يتفكرون *} أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة واللطائف الخفية بالبيوت المسدسة، والاهتداء إلى تلك الاجزاء اللطيفة
(11/199)

من أطراف الأشجار والأوراق - وغير ذلك من الغرائب حيث ناطه بالفكر المبالغ فيه من الأقوياء، تأكيداً لفخامته وتعظيماً لدقته وغرابته في دلالته على تمام العلم وكمال القدرة، وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين، تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوطها تارة بالعقل وتارة بالفكر، وتارة بالذكر وتارة بغيرها.
وقد جعل الإمام الرباني أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح لذلك باباً بعد أن جعل أسنان الألباب مثل أسنان الأجساد ما بين تمييز واحتلام وشباب وكهولة وغيرها كما تقدم نقله عنه في سورة براءة عند قوله تعالى {ومنهم الذين يؤذون النبي} [براءة: 61] فقال: الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق الأحوال لأسنان القلوب في القرآن - أي فإن لذلك مراتب في العلم والأفهام -: اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به أدرك معناها، ويؤنب عليها من تقاصر عنها، وينفي منالها عمن لم يصل إليها، وهي أطوار أظهرها
(11/200)

آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار، لأن الخلق كله إنما هو عَلَم للاعتبار منه، لا أنه موجود للاقتناع به {ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} [يونس: 7-8] اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسباً لأنفسهم حتى صار عندهم وعند أتباعهم آيتهم، لا آية خالقه {أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون} [الشعراء: 128] ، {والله خلقكم وما تعملون} ثم يلي آيات الاعتبار ما ينال إدراك آيته العقل الأدنى ببداهة نظره {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [النحل: 12] جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان، ثم يلي ما يدرك ببداهة العقل ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى لشغل الحواس بمنفعته عن التفكر في وجه آيته
{هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} [النحل: 10] أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء ووحدة الانتفاع انتهاء؛ ثم يلي ما يدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل
(11/201)

بالإيمان ويكون آية أمر قائم على خلق، وهو مما يدرك سمعاً لأن الخلق مرئي والأمر مسموع {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} [النحل: 63-64-65] هذه آية حياة القلوب بنور العلم والحكمة الذي أخذ سمعاً عند تقرر الإيمان، وعند هذا الحد يتناهى العقل إلى فطرة الأشد وتعلو بداهته وتترقى فطره إلى نظر ما يكون آية في نفس الناظر لأن محار غيب الكون يرد إلى وجدان نقص الناظر، وكما أن الماء آية حياة القلوب صار الشرابان: اللبن والخمر، آيتين على أحوال تخص القلوب بما يغذوها من الله غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر، منبعثاً من بين فرث ودم ونزول الخلق المقام عن الأمر القائم عليه {وإن لكم في الأنعام لعبرة} - الآيتين إلى قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} وهذا العقل الأعلى، وأفرد الآية لانفراد موردها في وجد القلب،
(11/202)

وكما للعقل الأدنى فكرة تنبىء عن بداهته فكذلك للعقل الأعلى فكرة تنبىء عن عليّ فطرته {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر - إلى قوله: لآية لقوم يتفكرون} وهذا العقل الأعلى هو اللب الذي عنه يكون التذكر بالأدنى من الخلق لللأعلى من الأمر {وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} [النحل: 13] وفي مقابلة كل من هذه الأوصاف أضداد يرد البيان فيها بحسب مقابلتها، وكذلك حكم وصف المسلمين فيها يظهر أن «لا أنجى للعبد من إسلامه نفسه لربه» ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ظاهر حسه {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: 1] من استغنى بما عنده من وجدٍ لم يتفرغ لقبول غيب {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله} [الحديد: 28] ، {إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا} [المائدة: 93] ، {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} ، {ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} «
(11/203)

فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» {وفي خلقكم وما يبث من دابة ءايات لقوم يوقنون} [الجاثية: 4] {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] ولجملة هذه الأوصاف أيضاً أضداد يرد بيان القرآن فيها بحسب تقابلها ويجري معها إفهامه، وما أوصله خفاء المسمع والمرأى إلى القلب هو فقهه، ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم وعينه بالعمى، ونفى الفقه عن قلبه، ونسب إلى البهيمية، ومن لم تنل فكرته أعلام ما غاب عيانه نفي عنه العلم
{الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً} [الكهف: 101] ، {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179] ، {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} [المنافقون: 8]-إلى قوله: {ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] ، {يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} - الآية إلى قوله تعالى: {ولكن المنافقين لا يفقهون} نفي العلم فيما ظهرت أعلامه والفقه فيما خفي أمره، ومراد البيان عن أضدادها هذه الأوصاف بحسب تقابلها، وهذا الباب لمن يستفتحه من أنفع فواتح
(11/204)

الفهم في القرآن - انتهى.
(11/205)

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73)
ولما أيقظهم من رقدتهم، ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول العلم، المقتضي للفعل بالاختيار، المحقق للبعث وغيره، من كل ما يريده سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان، وختم ذلك بما هو شفاء، ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك مذكراً بمراتب عمر الإنسان الأربع، وهي سن الطفولية والنمو، ثم سن الشباب الذي يكون عند انتهائه الوقوف، ثم سن الكهولة وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة، ثم سن الانحطاط مع ظهور الضعف وهو الشيخوخة، مضمناً ما لا يغني عنه دواء، حثاً على التفكر في آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث، فيفوت الفوت، ويندموا حيث لا ينفع الندم، فقال: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {خلقكم} فجعلكم بعد العدم أحياء فهّماً خصّماً {ثم يتوفاكم} على اختلاف الأسنان، فلا يقدر الصغير على أن يؤخر، ولا الكبير على أن يقدم، فمنكم من يموت حال قوته {ومنكم من يرد} أي بأيسر أمر منا، لا يقدر على مخالفته بوجه {إلى أرذل العمر} لأنه يهرم فيصير إلى مثل حال الطفولية
(11/205)

في الضعف مع استقذار غيره له، ولا يرجى بعده {لكي لا يعلم} .
ولما كان مقصود السورة الدلالة على تمام القدرة وشمول العلم والتنزه عن كل شائبة نقص، وكان السياق هنا لذلك أيضاً بدليل ختم الآية، نزع الخافض للدلالة على استغراق الجهل لزمن ما بعد العلم، فيتصل بالموت، ولا ينفع فيه دواء ولا تجدي معه حيلة فقال: {بعد علم شيئاً} لا يوجد في شيء من ذلك عند إحلاله شفاء، ولا يمنعه دواء: فبادروا إلى التفكر والاعتبار قبل حلول أحد هذين، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليهم قدير *} أي بالغ العلم شامل القدرة، فمهما أراد كان، ومهما أراد غيره ولم يرده هو، أحاط به علمه، فسبب له بقدرته ما يمنعه.
ولما ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت، ثنى بالمفاوتة في الأرزاق فقال تعالى: {والله} أي الذي له الأمر كله
(11/206)

{فضل بعضكم} أيها الناس {على بعض} .
ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة، وكان التفضيل في المعاش الذي يظن الإنسان أن له قدرة على تحصيله، وكانت المفاوتة فيه أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار الذي السياق له، قال تعالى: {في الرزق} أي ولربما جعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار؛ قال الإمام أبو نعيم في الحلية: حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو الخلال قال: سمعت ابن أبي عمر يقول: كنا عند سفيان بن عيينة فذكروا الفضل بن الربيع ودهاءه، فأنشأ سفيان يقول:
كم من قويّ قوي في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف
وعن نوادر أبي علي القالي أنه قال: قال أبو بكر بن الأنباري: وحدثني
(11/207)

أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم وطالبه بصحبته فرد عليه المائة ألف، وكتب إليه هذه الأبيات:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخي بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظمهم في حقوقهم مع أنه في الحقيقة لا مالك ولا مُلك، فلا يدينون لذلك ولا يدانونه وإن جل الخطب وأدى إلى ذهاب الأرواح، بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته وإن كان أبوه من كان، وإن كانت العبرة عندهم في
(11/208)

النسب بالأب، وهذا هو الذي أحوج عنترة إلى قوله:
إني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه، نبههم سبحانه على ما وقعوا فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك وملك الملوك بعد ما اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه، فقال تعالى: {فما الذين فضلوا} أي في الرزق {برادّي رزقهم} أي الذي اختصوا به {على ما ملكت أيمانهم} وإن جل نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم {فهم فيه سواء} أي فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء، فهو جواب للنفي - نقله الرمال عن ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم.
ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلاً نوع لبس، تسبب عنه الإنكار في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم
(11/209)

المؤذن بالمقت: {أفبنعمة الله} أي الذي لا رب غيره {يجحدون *} في جعلهم له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم، فيسوون بينهم وبينه في ذلك وبنعمتهم يعترفون ولها يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب والأموال.
ولما ذكر الخلق والرزق، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى: {والله} أي الذي له تمام القدرة وكمال العلم {جعل لكم} ولما كان الأزواج من الجنس، قال: {من أنفسكم} لأن الشيء آلف لنوعه وأقرب إلى جنسه {أزواجاً} أي تتوالدون بها ويبكون السكون إليها سبباً لبقاء نوعكم {وجعل لكم} أي أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره! {من أزواجكم بنين} ولعله قدمهم للشرف؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال: {وحفدة} أي من البنات والبنين وأولادهم والأصهار والأختان، جمع حافد، يخفّون في أعمالكم ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان، وهو الصواب لأن مادة حفد
(11/210)

تدور على الإسراع والخفة.
حفد: خفّ في العمل وأسرع، والحفد - محركة: الخدم - لخفتهم، ومشي دون الخبب، والحفدة: البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار - لذلك، وصناع الوشي - لإسراعهم فيه وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس، والمحفد - كمجلس ومنبر: شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه، وكمنبر: طرف الثوب لإسراع حركته، وقدح يكال به - لخفته، وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه، وسيف محتفد: سريع القطع، وأحفده: حمله على الإسراع، والفادحة: النازلة، وفوادح الدهر - خطوبه - لإسراعها بالمكروه وإسراع المنزول به ومن يهمه شأنه إلى مدافعتها، ومن ذلك فدحه الأمر: أثقله - لأن المكروه يسرع فيثقل فيكثر اضطراب المنزول به.
(11/211)

ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى: {ورزقكم} أي لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في الجنة، بعّض فقال: {من الطيبات} بجعله ملائماً للطباع، شهياً للأرواح، نافعاً للإشباع، فعلم من هذا قطعاً أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص بالجلال، ومن أنكر شيئاً من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، وعبد غيره، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله معرضاً عن خطابهم إعراض المغضب: {أفبالباطل} أي من الأصنام وما جعلوا لهم من النصيب {يؤمنون} أي على سبيل التجديد والاستمرار {وبنعمت الله} أي الملك الأعظم {هم} وله عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - من المنن ما له {يكفرون} حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة والوصيلة والحامي وغيرها لأصنامهم، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره، لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه،
(11/212)

ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛ ثم قال عطفاً على ما أنكره عليهم هناك: {ويعبدون} وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال تعالى: {من دون الله} أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية السفول من الأصنام وغيرها {ما لا يملك} أي بوجه من الوجوه {لهم رزقاً} تاركين من بيده جميع الرزق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات؛ ثم بين جهة الرزق فقال تعالى: {من السماوات والأرض} ثم أكد تعميم هذا النفي بقوله - مبدلاً من {رزقاً} ، مبيناً أن تنوينه للتحقير -: {شيئاً} ثم أكد حقارتهم بقوله جامعاً لأن ما عجز عند الاجتماع فهو عند الانفراد أعجز: {ولا يستطيعون} أي ليس لهم نوع استطاعة أصلاً، ولك أن تجعله معطوفاً على ما مضى من المعجَّب منه من أقوالهم وأفعالهم في قوله {ويجعلون لله ما يكرهون} ونحوه.
(11/213)

فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)
ولما دحض بهذه الحجة جميع ما أقاموه من الشبه وضربوه من الأمثال فيما ارتكبوه من قولهم إن الملك لا يتوصل إليه إلا
(11/213)

بأعوان من حاجب ونائب ونحو ذلك، ولا يتوصل إليه إلا بأنواع القربان، فعبدوا الأصنام، وفعلوا لها ما يفعل له تشبيهاً به عز شأنه، وتعالى سلطانه، لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا مَن ذكر لحاجتهم وضعف مُلكهم ومِلكهم، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يشغله شأن عن شأن، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى: {فلا تضربوا لله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال} أي فتشبهوه تشبيهاً بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال؛ قال أبو حيان وغيره: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى. وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال وقصة بقصة - انتهى. وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما في هذا لأن الخطأ فيه كفر، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى: {إن الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره {يعلم}
(11/214)

أي له جميع صفة العلم، فإذا ضرب مثلاً أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقاً ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له {وأنتم لا تعلمون *} أي ليس لكم علم أصلاً، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس، وهذا المقام عال ومسلكه وعر، وسالكه على غاية من الخطر.
ولما ختم سبحانه بذلك تأكيداً لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: {ضرب الله} أي الذي له كمال العلم وتمام القدرة {مثلاً} بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه؛ ثم أبدل من مثلاً: {عبداً} ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى، قال تعالى: {مملوكاً} لا مكاتباً ولا فيه شائبة للحرية {ولا يقدر على شيء} بإذن سيده ولا غيره، وهذا مثل شركائهم، ثم عطف على «عبداً» قوله: {ومن رزقناه منا} من الأحرار {رزقاً حسناً} واسعاً طيباً {فهو ينفق منه} دائماً، وهو معنى {سراً وجهراً} وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى؛ ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى:
(11/215)

{هل يستوون} أي هذان الفريقان الممثل بهما، لأن المراد الجنس، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل شيء؟
ولما كان الجواب قطعاً: لا، وعلم أن الفاضل ما كان مثالاً له سبحانه، على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة.
فثبت مضمون {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} وأن غيره تعالى لا يساوي شيئاً، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: {الحمد لله} أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات الكمال التي منها اختصاصه بالشكر، لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك، فقيل: {بل أكثرهم} أي في الظاهر والباطن - بما أشار إليه الإضمار {لا يعلمون *} لكونهم يسوون به غيره، ومن نفى عنه العلم - الذي هو أعلى صفات الكمال - كان في عداد الأنعام، فهم لذلك يشبهون به ما ذكر، ويضربون الأمثال الباطلة، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد، ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال، أو يقال وهو أرشق: لما كان الجواب قطعاً: لا يستووت والفاضل مثالك، فقد علم كل ذي لب أن لك المثل الأعلى، فترجم عن وصفه
(11/216)

بقوله «الحمد لله» أي الإحاطة بصفات الكمال للملك الأعظم، وعن نسبتهم إلى علم ذلك بقوله تعالى {بل أكثرهم لا يعلمون} أي ليس لهم علم بشيء أصلاً، لأنهم يعملون في هذا بالجهل، فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في حقهم من نسسبتهم إلى الضلال على علم، وسيأتي في سورة لقمان إن شاء الله تعالى ما يكون نافعاً في هذا المقام، وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد مضى في سورة الفاتحة أن مادة «حمد» تدور على بلوغ الغاية، ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة، فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى فيلزمه الشكر، وبيانه أن الحمد بمعنى الرضا والشكر لأنهما يكونان غالباً من غاية الإحسان، ويرجع إلى ذلك الحمد بمعنى الجزاء وقضاء الحق، وحماداك - بالضم، أي غايتك، ويوم محتمد: شديد الحر، وحمد النار - محركة: صوت التهابها، وأما يتحمد عليّ - بمعنى يمتن - فأصله: يذكر ما يلزم منه حمده، ومنه المدح: وهو حسن الثناء، وتمدح بمعنى تكلف أن يمدح وافتخر
(11/217)

وتشبع بما ليس عنده، فإنه في كل ذلك بذل جهده، ودحمه - كمنع: دفعه شديداً، والمرأة: نكحها - لما في ذلك من بلوغ الغاية في الشهوة وما يلزمها من الدفع ونحوه، والدحم - بالكسر: الأصل - لأنه غاية الشيء الذي ينتهي إليه، وحدم النار - ويحرك: شدة احتراقها وحميها، واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود، والحدمة - محركة: النار - لأنها غاية الحر، والحدمة أيضاً: صوتها - لدلالته على قوة التهابها، ومن ذلك الحدمة أيضاً لصوت جوف الحية، أو صوت في الجوف كأنه تغيظ - لأنه يدل على غاية التهاب الباطن، والحدمة - كفرحة: السريعة الغلي من القدور؛ ومن الاتساع: تمدحت الأرض أي اتسعت؛ ومن الاستدارة: الداحوم لحبالة الثعلب - لأنها بلغت الغاية من مراد الصائد، ولأنه لما لم يقدر على الخلاص منها كانت كأنها قد أحاطت به، والدمحمح: المستدير الململم، ودمح تدميحاً: طأطأ رأسه - لأن الانعطاف مبدأ الاستدارة - والله سبحانه وتعالى الموفق.
ولما انقضى هذا المثل كافياً في المراد، ملزماً لهم لاعترافهم بأن الأصنام عبيد الله في قولهم «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك
(11/218)

إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وكان ربما كابر مكابر فقال: إنهم ليسوا ملكاً له، أتبعه مثلاً آخر لا تمكن المكابرة فيه، فقال تعالى: {وضرب الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة أيضاً {مثلاً} ثم أبدل منه {رجلين} ثم استأنف البيان لما أجمل فقال تعالى: {أحدهما أبكم} أي ولد أخرس؛ ثم ترجم بكمته التي أريد بها أنه لا يَفهم ولا يُفهِم بقوله: {لا يقدر على شيء} أي أصلاً {وهو كل} أي ثقل وعيال، والأصل فيه الغلظ الذي يمنع من النفوذ، كلت السكين كلولاً - إذا غلظت شفرتها فلم تقطع، وكل لسانه - إذا لم ينبعث في القول، لغلظه وذهاب حده - قاله الرماني {على مولاه} الذي يلي أمره؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى: {أينما يوجهه} أي يرسله ويصرفه ذلك المولى {لا يأت بخير} وهذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم.
(11/219)

ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد - الذين لا قدرة لهم على شيء ما - بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلماً، حسن كل الحسن توبيخهم والإنكار عليهم بقوله تعالى: {هل يستوي هو} أي هذا المذكور {ومن} أي ورجل آخر على ضد صفته، فهو عالم فطن قوي خبير مبارك الأمر ميمون النقيبة {يأمر} بما له من العلم والقدرة {بالعدل} أي ببذل النصيحة لغيره {وهو} في نفسه ظاهراً وباطناً {على صراط} أي طريق واضح واسع {مستقيم} أي عامل بما يأمر به، وهذا مثال للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع المؤن، وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته.
(11/220)

وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)
ولما تم هذان المثلان، الدالان على تمام علمه وشمول قدرته، والقاضيان بأن غيره عدم، عطف على قوله {إن الله يعلم} قوله مصرحاً بتمام علمه وشمول قدرته: {ولله} أي هذا علم الله في المشاهدات الذي علم من هذه الأدلة أنه مختص به، ولذي الجلال والإكرام وحده {غيب السماوات والأرض} كما أن له وحده شهادتهما، فما أراد
(11/220)

من ذلك كانت قدرته عليه كقدرته على الشهادة من الساعة التي تنكرونها استعظاماً لها، ومن غيرهما بما فصله لكم من أول السورة إلى هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما {وما أمر الساعة} وهي الوقت الذي يكون فيه البعث، على اعتقادكم أنها لا تكون استبعاداً لها واستصعاباً لأمرها في سرعته عند الناس لو رأوه، ولذا عبر عنه بالساعة {إلا كلمح البصر} أي كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أيّ بصر كان {أو هو أقرب} وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي - هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم، وأما بالنسبة إليه سبحانه فأمره في الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف، وتقصر عنه العقول، ولا شك فيه ولا تردد، ولذلك علله بقوله تعالى: {إن الله} أي الملك الأعظم {على كل شيء} أي ممكن {قدير *} .
ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه، وختم بأمر الساعة، عطف على قوله تعالى {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى، فقال تعالى: {والله} أي الذي له العظمة كلها
(11/221)

{أخرجكم} بعلمه وقدرته {من بطون أمهاتكم} والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى، حال كونكم عند الإخراج {لا تعلمون شيئاً} من الأشياء قل أو جل، وعطف على {أخرجكم} قوله: {وجعل لكم} بذلك أيضاً {السمع والأبصار والأفئدة} آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً قادر على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى، ولعله جمعهما دون السمع، لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله؛ والأفئدة هي القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة {لعلكم تشكرون *} أي لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله، وأهمه
(11/222)

الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد عالم بكل شيء قادر على كل شيء فاعل بالاختيار، وأن الطبائع من جملة مقدوراته، لا فعل لها إلا بتصريفه.
ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار وحده لا الطبائع ولا غيرها، دلهم على ذلك مضموناً إلى ما مضى بقوله مقرراً لهم: {ألم يروا} بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين لأن سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض فقط، فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك {إلى الطير مسخرات} أي مذللات للطيران بما أقامهن الله فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره {في جو السماء} في الهواء بين الخافقين بما لا تقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول، فعلم قطعاً ما وصل بذلك من قوله: {ما يمسكهن} أي في الجو عن الوقوع.
(11/223)

ولما كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة، ولهم وقع عظيم في قلوب الناس، عبر بالاسم الأعظم، إشارة إلى أنه لا يقوى على رد شبههم إلا من أحاط علماً بمعاني الأسماء الحسنى، فكان متمكناً من علم أصول الدين فقال: {إلا الله} أي الملك الأعظم، لأن نسبتكم وإياها إلى الطبيعة واحدة، فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم؛ ثم نبههم على ما في ذلك من الحكم بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من إخراجكم على تلك الهيئة، والإنعام عليكم بما ليس لها، وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع نقصها عنكم {لآيات} ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه، قال تعالى: {لقوم يؤمنون *} أي هيأهم الفاعل المختار للإيمان.
(11/224)

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)
ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق، وأتبعه ما منّ به على الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر، أتبعه ما يسكنون إليه فيظلهم ويجمعهم لأنه أهم الأشياء للحيوان، فقال تعالى: {والله} أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الشاملة {جعل لكم} أي أيها الغافلون {من بيوتكم} أصل البيت المأوى ليلاً ثم اتسع فيه {سكناً} هو
(11/224)

مصدر بمعنى مفعول، ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم؛ ثم أتبع ما يخص الحضر ما يصلح له وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيرها من سائر الحيوانات، فقال تعالى: {وجعل لكم} أي إنعاماً عليكم {من جلود الأنعام} التي سلطكم عليها.
ولما كانت الخيام، التي من جلود الأنعام، في ظلها الظليل تقارب بيوت القرى، جمعها جمعاً فقال تعالى: {بيوتاً} فإنهم قالوا: إن هذا الجمع بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر أخص {تستخفونها} أي تطالبون بالاصطناع خفها فتجدونها كذلك {يوم ظعنكم} أي وقت ارتحالكم، وعبر به لأنه في النهار أكثر {ويوم إقامتكم} ثم أتبعه ما به كمال السكن فقال تعالى: {ومن أصوافها} أي الضأن منها {وأوبارها} وهي للإبل كالصوف للغنم {وأشعارها} وهي ما كان من المعز ونحوه من المساكن والملابس والمفارش والأخبية وغيرها {أثاثاً} أي متاعاً من متاع البيت كثيراً، من قولهم: شهر أثيث أي كثير، وأث النبت. إذا كثر {ومتاعاً} تتمتعون به
(11/225)

{إلى حين *} أي وقت غير معين بحسب كل إنسان في فقد ذلك، وأعرض عن ذكر الحرير والكتان والقطن لأنها لم تكن من صناعتهم، وإشارة إلى الاقتصاد وعدم الإسراف.
ولما ذكر ما يخصهم، أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات فقال: {والله} أي الذي له الجلال والإكرام {جعل لكم} أي من غير حاجة منه سبحانه {مما خلق ظلالاً} من الأشجار والجبال وغيرها {وجعل لكم} أي مع غناه المطلق {من الجبال أكناناً} جمع كن وهو ما يستكن به - أي يستتر - من الكهوف ونحوها، ولو كان الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا أكنان؛ ثم أتبع ذلك ما هداهم إليه عوضاً مما جعله لسائر الحيوان فقال: {وجعل لكم} أي مَنّاً منه عليكم {سرابيل} أي ثياباً {تقيكم الحر} وهي كل ما لبس من قميص وغيره - كما قال الزجاج.
ولما كانت السرابيل نوعاً واحداً، لم يكرر «جعل» فقال تعالى: {وسرابيل} أي دروعاً ومغافر وغيرها {تقيكم بأسكم} أضافه إليهم إفهاماً لأنه الحرب، وذلك كما جعل لبقية الحيوان - من الأصواف ونحوها والأنياب والأظفار ونحوها - ما هو نحو ذلك يمنع
(11/226)

من الحر والبرد، ومن سلاح العدو، ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد لتقدمها في قوله تعالى {لكم فيها دفء} [النحل: 5] .
ولما تم ذلك كان كأنه قيل: نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام نعمة الإيجاد، فهل بعدها من نعمة؟ فقال: نعم! {كذلك} أي كما أتم نعمة الإيجاد عليكم هذا الإتمام العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها {يتم نعمته عليكم} في الدنيا والدين بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع، والتنبيه على دقائق ذلك بعد جلائله {لعلكم تسلمون *} أي ليكون حالكم - بما ترون من كثرة إحسانه بما لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر - حال من يرجى منه إسلام قياده لربه، فلا يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته.
(11/227)

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)
فلما صار هذا البيان، إلى أجلى من العيان، كان ربما وقع في الوهم أنهم إن لم يجيبوا لِحقَ الداعي بسبب إعراضهم حرج، فقال تعالى نافياً لذلك معرضاً عنهم بإعراض المغضب، مقبلاً عليه
(11/227)

صلى الله عليه وعلى آله وسلم إقبال المسلي، معبراً بصيغة التفعل المفهمة لأن الفطر الأولى داعية إلى الإقبال على الله فلا يعرض صاحبها عما يرضيه سبحانه إلا بنوع معالجة: {فإن تولوا} أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة الأهواء فلا تقصير عليك بسبب توليهم ولا حرج {فإنما} أي بسبب أنه إنما {عليك البلاغ المبين *} وليس عليك أن تردهم عن العناد، فكأنه قيل: فهل كان إعراضهم عن جهل أو عناد؟ فقيل فيهم وفيهم: {يعرفون} أي كلهم {نعمت الله} أي الملك الأعظم، التي تقدم عد بعضها في هذه السورة وغيرها {ثم ينكرونها} بعبادتهم غير المنعم بها أو بتكذيب الآتي بالتنبيه عليها، بعضهم لضعف معرفته، وبعضهم عناداً، وكان بعضهم يقول: هي من الله ولكن بشفاعة آلهتنا {وأكثرهم} أي المدعوين بالنسبة إلى جميع أهل الأرض الذين أدركتهم دعوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم {الكافرون *} أي المعاندون الراسخون في الكفر.
ولما كان من أجل المقاصد بهذه الأساليب التخويف من البعث، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعراض عن البيان والإصرار على كفران المعروف من الإحسان إلا المجازاة لأن الحكيم يمهل ولا يهمل،
(11/228)

قال تعالى: عاطفاً على ثمرة {فإنما عليك البلاغ المبين} وهي: فبلغهم وبين لهم ولا تيأس من رجوعهم: {ويوم} أي وخوفهم يوم {نبعث} بعد البعث {من كل أمة شهيداً} يحكم بقوله الملك إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان غنياً عن شهيد.
ولما كان الإذن لهم في الاعتذار في بعض المواقف الطويلة في ذلك اليوم متعذراً، عبر عنه سبحانه بأداة البعد فقال تعالى: {ثم لا يؤذن} أي لا يقع إذن على تقدير من التقادير {للذين كفروا} أي بعد شهادة الشهداء في الاعتذار كما يؤذن في هذه الدار للمشهود عليه عند السؤال في الإعذار، لأنه لا عذر هناك في الحقيقة {ولا هم} أي خاصة {يستعتبون *} أي ولا يطلب منهم الإعتاب المؤثر للرضى وهو إزالة العتب وهو الموجدة المعبر بها عن الغضب المعبر به عن آثاره من السطوة والانتقام، وأخذ العذاب لأهل الإجرام من قبيح ما ارتكبوا، لأن تلك الدار ليست بدار تكليف؛ ثم وصل به أن ما يوجبه الغضب يدوم عليهم في ذلك اليوم، فقال تعالى عاطفاً على
(11/229)

ما بعد «ثم» : {وإذا رءا} وأظهر موضع الإضمار تعميماً فقال تعالى: {الذين ظلموا} فعبر بالوصف الموجب للعذاب {العذاب} بعد الموقف وشهادة الشهداء، وجزاء الشرط محذوف لدلالة ما قرن بالفاعلية تقديره: لابسهم {فلا يخفف} أي يحصل تخفيف بنوع من الأنواع ولا بأحد من الخلق {عنهم} شيء منه {ولا هم ينظرون *} بالتأخير ولا لحظة بوجه من الوجوه على تقدير من التقادير من أحد ما.
ولما بين سبحانه حاصل أمرهم في البعث وما بعده، وما من أهم المهم أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يترجونهم، عطف على ذلك قوله تعالى: {وإذا رءا} أي بالعين يوم القيامة {الذين أشركوا} فأظهر أيضاً الوصف المناسب للمقام {شركاءهم} أي الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء {قالوا ربنا} يا من أحسن إلينا وربانا! {هؤلاء شركاؤنا} أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجب لضرهم؛ ثم بينوا المراد بقولهم: {الذين كنا ندعوا} أي نعبد.
ولما كانت المراتب متكثرة دون رتبته سبحانه لأن علوه غير منحصر، أدخل الجار فقال تعالى: {من دونك} ليقربونا إليك، فأكرمنا لأجلهم
(11/230)

جرياً على منهاجهم في الدنيا في الجهل والغباوة، فخاف الشركاء من عواقب هذا القول والإقرار عليه سطوات الغضب {فألقوا} أي الشركاء {إليهم} أي المشركين {القول} أي بادروا به حتى كان إسراعه إليهم إسراع شيء ثقيل يلقى من علو؛ وأكدوا قولهم لأنه مطاعنة لقول المشركين فقالوا: {إنكم لكاذبون *} في جعلنا شركاء وأنا نستحق العبادة أو نشفع أو يكون لنا أمر نستحق به أن نذكر {وألقوا} أي الشركاء {إلى الله} أي الملك الأعلى {يومئذ} أي يوم القيامة إذ نبعث من كل أمة شهيداً {السلم} أي الانقياد والاستسلام بما علم به الكفار أنهم من جملة العبيد لا أمر لهم أصلاً، فأصلد زندهم، وخاب قصدهم، وقيد بذلك اليوم لأنهم كانوا في الدنيا - بتزيين الشياطين لأمورهم ونطقهم على ألسنتهم - بحيث يظن عابدوهم أن لهم منعة، وبهم قوة ويجوز أن يكون ضمير «ألقوا» للمشركين {وضل عنهم} أي عن الكفار {ما كانوا} أي بجبلاتهم {يفترون *} أي يتعمدون من دعوى النفع لهم والضر كذباً وفجوراً، فكأنه قيل: هذا للذين أشركوا، فما للذين كانوا دعاة إلى الشرك مانعين من الانتقال عنه؟ فقيل: {الذين كفروا} أي أوجدوا
(11/231)

الكفر في أنفسهم {وصدوا} مع ذلك غيرهم {عن سبيل الله} أي الذي له الإحاطة كلها {زدناهم} أي بما لنا من العظمة، بصدهم غيرهم {عذاباً فوق العذاب} الذي استحقوه على مطلق الشرك {بما كانوا} أي كوناً جبلياً {يفسدون *} أي يوقعون الفساد ويجددونه؛ ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السالفة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم، فقال تعالى: {ويوم} أي وخوفهم يوم {نبعث} أي بما لنا من العظمة {في كل أمة} من الأمم {شهيداً} أي هو في أعلى رتب الشهادة {عليهم} .
ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم إلا قليلاً، قال: {من أنفسهم} وهو نبيهم.
ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا شهادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك، وإلى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفاً بهذه الصفة العلية فقال تعالى: {وجئنا} أي بما لنا من العظمة {بك شهيداً} أي شهادة هي مناسبة لعظمتنا {على هؤلاء} أي الذين بعثناك
(11/232)

إليهم وهم أهل الأرض، وأكثرهم ليس من وقوعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك لم يقيد بعثته بشيء؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم، لأنه سبحانه أزاح العلل، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقال عاطفاً على قوله {وما أنزلنا عليك الكتاب} - الآية، المتعقب لقوله {لا جرم} - الآيتين: {ونزلنا} أي بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم {عليك الكتاب} الجامع للهدى {تبياناً} أي لأجل البيان التام، قالوا: وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء {لكل شيء} ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك، وهو في أعلى طبقات البيان كما أنه في أعلى طبقات البلاغة، لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر، في الإدراك، والنفس أشد تقبلاً له لما هو عليه من حسن النظام والقرب إلى الافهام، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان، وتقصير العرب عن جميع مقاصده كما قصروا عن درجته في البلاغة، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم لا إلى تقصير الكلام في البيان، ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات البلاغة ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها؛ قال الإمام الشافعي
(11/233)

رضي الله عنه في آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهماً في كتابه ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، واحتج بآيات منها هذه، وذلك لأنه سبحانه بين فيه التوحيد والمبدأ والمعاد والأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام بالنص على بعضها، وبالإحالة على السنة في الآخر، وعلى الإجماع في نحو قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] وعلى الاقتداء بالخلفاء الراشدين في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» وبالاقتداء بجميع أصحابه رضي الله عنهم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد ولم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة، فهو من دلائل النبوة في كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيداً لكونه ما أخبر عنهم إلا بما هم أهله.
(11/234)

ولما كان لتبيان قد يكون للضلال، قال تعالى: {وهدى} أي موصلاً إلى المقصود. ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام، قال تعالى: {ورحمة} ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات السرور، قال سبحانه: {وبشرى} أي بشارة عظيمة جداً {للمسلمين} ويجوز أن يكون التقدير {في كل أمة شهيداً عليهم} وهو رسولهم الذي أرسلناه إليهم في الدنيا {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} لكوننا أرسلناك إليهم وجعلناك أميناً عليهم {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} فلا عذر لهم، فيكون معطوفاً على ما دل الكلام السابق دلالة واضحة على تقديره.
(11/235)

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)
ولما بين تعالى فضل هذا القرآن بما يقطع حجتهم، وكان قد قدم فضل من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، أخذ يبين اتصاف القرآن ببيان كل شيء، وتضمنه لذلك الطريق الأقوم، فقال تعالى جامعاً لما يتصل بالتكاليف فرضاً ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموماً وخصوصاً: {إن الله} أي الملك المستجمع لصفات الكمال {يأمر بالعدل} وهو الإنصاف الذي لا يقبل عمل يدونه،
(11/235)

وأول درجاته التوحيد الذي بنيت السورة عليه، والعدل يعتبر تارة في المعنى فيراد به هيئة في الإنسان تطلب بها المساواة، وتارة في العقل فيراد به التقسيط القائم على الاستواء، وتارة يقال: هو الفضل كله من حيث إنه لا يخرج شيء من الفضائل عنه، وتارة يقال: هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر على استعماله في نفسه وفي غيره، وهو ميزان الله المبرأ من كل زلة وبه يستتب أمر العالم، وبه قامت السماوات والأرض، وهو وسط كل أطرافه جور، وبالجملة الشرع مجمع العدل، وبه تعرف حقائقه، ومن استقام على نهج الحق فقد استتب على منهج العدل - ذكره الرازي في اللوامع وفيه تلخيص، وفي آخر الجزء الخامس عشر من الثقفيات أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه: صف لي العدل، فقال: كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثل أخاً، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربن
(11/236)

لغضبك سوطاً واحداً فتعدَّى فتكون من العادين انتهى. {والإحسان} وهو فعل الطاعة على أعلى الوجوه، فالعدل فرض، والإحسان فضل، وهو مجاوزة النصفة إلى التحامل على النفس، لأنه ربما وقع في الفرض نقص فجبر بالنفل، وهو في التوحيد الارتقاء عن أول الدرجات، ومن أعلاه الغنى عن الأكوان، وتكون الأكوان في غيبتها عند انبساط نور الحق كالنجوم في انطماسها عند انتشار نور الشمس، وغايته الفناء حتى عن هذا الغنى، وشهود الله وحده، وهو التوحيد على الحقيقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وهو روح الإنسانية، ففي الجزء الثامن من الثقفيات عن عاصم بن كليب الجرمي قال:: «حدثني أبي كليب أنه شهد مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وأنا غلام أعقل وأفهم، قال: فانتهى بالجنازة إلى القبر ولما يمكن لها فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولسوّ ذا أو خذ ذا! قال: حتى ظن الناس أنها سنة، فالتفت إليهم فقال: أن هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله تعالى يحب من العامل إذا
(11/237)

عمل أن يحسن»
{وإيتاء ذي القربى} فإنه من الإحسان، وهو أولى الناس بالبر، وذلك جامع للاحسان في صلة الرحم.
ولما أمر بالمكارم، نهى عن المساوىء والملائم فقال تعالى: {وينهى عن الفحشاء} وهي ما اشتد تقصيره عن العدل فكان ضد الإحسان {والمنكر} وهو ما قصر عن العدل في الجملة {والبغي} وهو الاستعلاء على الغير ظلماً، وقال البيضاوي في سورة الشورى: هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتجزأ كمية أو كيفية. وهو من المنكر، صرح به اهتماماً، وهو أخو قطيعة الرحم ومشارك لها في تعجيل العقوبة «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه ورفعه، وأصل البغي الإدارة، كأنه صار بفهم هذا المعنى المحظور - المحذور عند حذف مفعوله، لأن الإنسان - لكونه مجبولاً على النقصان - لا يكاد يصلح منه إرادة، فعليه أن يكون مسلوب الاختيار، مع الملك الجبار، الواحد القهار، فتكون إرادته تابعة لإرادته، واختياره من وراء طاعته، وعن الحسن أن الخلقين
(11/238)

الأولين ما تركا طاعة إلا جمعاها والأخيرين ما تركا معصية إلا جمعاها.
ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل والعفة والشجاعة، وزاد من الحسن ما شاء، فإن الإحسان من ثمرات العفة، والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ، نبه عليه سبحانه بقوله تعالى: {يعظكم} أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ثلاثة {لعلكم تذكرون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره، لما في ذلك من المعالي بما وهب الله من العقل، الداعي إلى كل خير، الناهي عن كل ضير، فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات، فمن كان له عقل واعتبر بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه، ويعلم أنه إن لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر، فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب الأرض، هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين، فكيف بالخالق بأن يصفه بما لا يليق به سبحانه، وعز اسمه، وتعالى جده، وعظم أمره! .
(11/239)

ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس البحر وتعالت عن طوق البشر، عطف على ما أفهمه السياق - من نحو: فتذكروا أو فالزموا ما أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته، وبدأ بما هو مع جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل من الحجج القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم، فكانت أعظم العهود، ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق، فإذا ساروا فيها بما أمر سبحانه وتحروا رضاه علماً منهم بأنه العدل، قادهم ذلك إلى رتبة الأولين فقال تعالى: {وأوفوا} أي أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره {بعهد الله} أي الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل من التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه
{الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} [الرعد: 20] {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} [البقرة: 27] {إذا عاهدتم} بتقبلكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما عرف من عوائدكم، وصرحتم به
(11/240)

عند شدائدكم {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه فقال تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان} واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى: {بعد توكيدها} وحذف الجار لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض، وذلك لا يكون إلا بالكذب الشامل له كله، بعضه بالقوة وبعضه بالفعل، ولعله جمع إشارة إلى أن المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة، لأن من فعل ذلك ولو في واحدة كان فاعلاً ذلك في الجميع، بخلاف من ينقض ما نقضه خير بالكفارة فإنه ناقض للبعض لا للكل، لأنه دائر مع الخير والأول دائر مع الهوى؛ ثم حذرهم من النقض بأنه مطلع قادر، فقال تعالى مقبحاً حالهم إذ ذاك: {وقد جعلتم الله} أي الذي له العظمة كلها {عليكم كفيلاً} أي شاهداً ورقيباً.
ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه، قال تعالى مرغباً مرهباً: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم ما تفعلون *} فلم تفعلوا شيئاً إلا بمشيئته وقدرته، فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار وإن لم يصرح بالجعل، فمتى نقضتم فعل بكم فعل الكفيل القادر
(11/241)

بالمكفول المماطل من أحد الحق والعقوبة.
ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض وتقبيحه تنفيراً منه فقال تعالى: {ولا تكونوا} أي في نقضكم لهذا الأمر المعنوي {كالتي نقضت غزلها} ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد، قال تعالى: {من بعد قوة} عظيمة حصلت له {أنكاثاً} أي أنقاضاً، جمع نكث وهو كل شيء نقض بعد الفتل سواء كان حبلاً أو غزلاً، فهو مصدر مجموع من نقضت لأنه بمعنى نكثت، قال في القاموس: النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية. فيكون مثل جلست قعوداً، أي فتكونوا بفعلكم ذلك كهذه المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل في العقل، ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة بسبب أن ضررها لا يتعداها، وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين فقال تعالى: {تتخذون}
(11/242)

أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء {أيمانكم دخلاً} أي فيضمحل كونها أيماناً إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور {بينكم} من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر، ولو كان على حذر لما نيل منه ولا جسر عليه، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل {إن} أي تفعلون ذلك بسب أن {تكون أمة} أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها {هي} أي خاصة {أربى} أي أزيد وأعلى {من أمة} في القوة أو العدد، فإذا وجدت نفاداً لزيادتها غدرت.
ولما عظم عليهم النقض، وبين أن من أسبابه الزيادة، حذرهم غوائل البطر فقال تعالى: {إنما يبلوكم} أي يختبركم {الله} أي الذي له الأمر كله {به} أي يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين «أو غيرهم» مع قدرته سبحانه على ما يريد، فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل
(11/243)

الكثير {وليبينن لكم} أي إذا تجلى لفصل القضاء {يوم القيامة} مع هذا كله {ما كنتم} أي بجبلاتكم {فيه تختلفون *} فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات والكل بحضرته الشماء داخرون، ولديه صاغرون، ومن نوقش الحساب يهلك.
(11/244)

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)
ولما أمر ونهى، وخوف من العذاب في القيامة، وكان ربما ظن من لا علم له - وهم الأكثر - من كثرة التصريح بالحوالة على القيامة نقص القدرة في هذه الدار، صرح بنفي ذلك بقوله تعالى: {ولو شاء الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، أن يجعلكم أمة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه {لجعلكم أمة واحدة} متفقة على أمر واحد لا تؤم غيره، منفياً عنها أسباب الخلاف {ولكن} لم يشأ ذلك وشاء اختلافكم، فهو {يضل من يشاء} عدلاً منه، لأنه تام الملك عام الملك ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات {ويهدي} بفضله {من يشاء} ولو كان على أخس الأحوال،
(11/244)

فبذلك يكونون مختلفين في المقاصد، يؤم هذا غير ما يؤمه هذا، فيأتي الخلاف مع تأدية العقل إلى أن الاجتماع خير من الافتراق فالاختلاف مع هذا من قدرته الباهرة.
ولما تقرر بهذا أن الكل فعله وحده فلا فعل لغيره أصلاً، كان ربما أوقع في الوهم أنه لا حرج على أحد في شيء يفعله بين أن السؤال يكون عن المباشرة ظاهراً على ما يتعارف الناس في إسناد الفعل إلى من ظهر اكتسابه له، فقال تعالى مرغباً مرهباً مؤكداً لإنكارهم البعث عما ينشأ عنه: {ولتسئلن عما كنتم} أي كوناً أنتم مجبولون عليه {تعلمون *} وإن دق، فيجازي كلاًّ منكم على عمله وإن كان غنياً عن السؤال، فهو بكل شيء عليم.
ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح القبائح، وأبعد الأشياء عن المكارم، وكان من أعظم أسباب الخلاف، فكان أمره جديراً بالتأكيد، أعاد الزجر عنه بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهباً مما يترتب على ذلك، فقال معبراً بالافتعال إشارة إلى أن ذلك لا يفعل
(11/245)

إلا بعلاج شديد من النفس لأن الفطرة السليمة يشتد نفارها منه: {ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً} أي فساداً ومكراً وداء وخديعة {بينكم} أي في داخل عقولكم وأجسامكم {فتزل} أي فيكون ذلك سبباً لأن تزل {قدم} هي في غاية العظمة بسبب الثبات {بعد ثبوتها} عن مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا، فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها، وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد سلامة {وتذوقوا السوء} مع تلك الزلزلة {بما صددتم} أي أنفسكم ومنعتم غيركم بأيمانكم التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق {عن سبيل الله} أي الملك الأعلى، يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف {ولكم} مع ذلك {عذاب عظيم} ثابت غير منفك إذا متم على ذلك.
ولما كان هذا خاصاً بالأيمان، أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد تأكيداً بعد تأكيد للدلالة على عظيم النقض فقال تعالى: {ولا تشتروا} أي تكلفوا أنفسكم لجاجاً وتركاً للنظر في
(11/246)

العواقب أن تأخذوا وتستبدلوا {بعهد الله} أي الذي له الكمال كله {ثمناً قليلاً} أي من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيراً، ثم علل قلته بقوله تعالى: {إنما عند الله} أي الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين {هو خير لكم} ولا يعدل عن الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل؛ ثم شرط علم خيريته بكونهم من ذوي العلم فقال تعالى: {إن كنتم} أي بجبلاتكم {تعلمون *} أي ممن يتجدد له علم ولم تكونوا في عداد البهائم، فصار العهد الشامل للأيمان مبدوءاً في هذه الآيات بالأمر بالوفاء به ومختوماً بالنهي عن نقضه، والأيمان التي هي أخص منه وسط بين الأمر والنهي المتعلقين به، فصار الحث عليها على غاية من التأكيد عظيمة ورتبة من التوثيق جليلة، ثم بين خيريته وكثرته بقوله تعالى على سبيل التعليل: {ما عندكم} أي من أعراض الدنيا، وهو الذي تتعاطونه بطباعكم {ينفد} أي يفنى، فصاحبه منغص العيش أشد ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم {وما عند الله} أي الذي
(11/247)

له الأمر كله من الثواب {باق} فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده؛ ثم لوح بما في ذلك من المشقة عطفاً على هذا المقدر فقال تعالى مؤكداً لأجل تكذيب المكذبين: {ولنجزين} أي الله - على قراءة الجماعة بالياء ونحن - على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتاً إلى التكلم للتعظيم {الذين صبروا} على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي {أجرهم} ولما كان كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه، أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال: {بأحسن ما كانوا} أي كوناً هو جبلة لهم {يعملون *} .
ولما وعد بعد أن توعد، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفاً ولا وضيعاً، وإنما هو دائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة، وبالعهد أخرى، وهو الإيمان، فقال تعالى جواباً لمن كأنه قال: هذا خاص بأحد دون أحد، مرغباً في عموم شرائع الإسلام: {من عمل صالحاً} ولما كانت عامة، وكانت ربما خصت الذكور، بين المراد من عمومها بقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} فعم ثم قيد مشيراً بالإفراد إلى قلة الراسخين
(11/248)

بقوله تعالى: {وهو مؤمن} .
ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان، كان جديراً بالبلاء والامتحان، بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته، ولذلك أكد قوله: {فلنحيينه} دفعاً لما يتوهمه المستدرجون بما يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا {حياة طيبة} أي في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم، وطهارة الشيم {ولنجزينهم} كلهم {أجرهم} في الدنيا والآخرة {بأحسن ما كانوا} أي كوناً جبلياً {يعملون *} قال العلماء رضي الله عنهم: المطيع في عيشه هنيئة، إن كان موسراً فلا كلام فيه، وإن كان معسراً فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة، والفاجر بالعكس، إن كان معسراً فواضح، وإن كان موسراً فحرصه لا يدعه يتهنأ فهو لا يزال في عيشة ضنك.
ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة، وأشارت بحسن ألفاظها وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقة، فلاح بذلك أن القرآن تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان، وختم ذلك بالحث على العمل الصالح، وكان القرآن تلاوة وتفكراً وعملاً بما ضمن
(11/249)

أجل الأعمال الصالحة، تسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرىء هذا القرآن المنزل على مثل تلك الأساليب الفائقة يستعاذ من الشيطان لئلا يحول بوساوسه بين القارىء وبين مثل تلك الأغراض والعمل بها، وحاصله الحث على التدبر وصرف جميع الفكر إلى التفهم والالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح لئلا يفسده الشيطان بوساوسه، أو يحول بين الفهم وبينه، بياناً لقدر الأعمال الصالحة، وحثاً على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها، لا سيما أفعال القلوب التي هي أغلب ما تقدم هنا، فقال تعالى مخاطباً لأشرف خلقه ليفهم غيره من باب الأولى فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه: {فإذا قرأت} أي أردت أن تقرأ مثل {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا} [الأعراف: 4] {القرآن} الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث عليه، مع كونه تبياناً لكل شيء، وهو اسم جنس يشمل القليل منه والكثير {فاستعذ} أي إن شئت جهراً وإن شئت سراً؛ قال الإمام الشافعي: والإسرار أولى في الصلاة، وفي قول: يجهر كما يفعل خارج الصلاة. {بالله} أي سل الذي له الكمال كله أن يعيذك {من الشيطان} أي المحترق باللعنة {الرجيم *} أي المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباعه، فإنه لا عائق
(11/250)

عن الإذعان، لأساليبه الحسان، إلا خذلان الرحمن، بوساوس الشيطان، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن ذلك أوفق للقرآن، وقد ورد به بعض الأخبار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً وهو المشهور ونص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه، والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة فيها القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره «عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} [الأنفال: 24] ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن {الحمد لله رب العالمين} » وفي رواية الموطأ «أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نادى أبياً وأنه قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال أبي: فقرأت {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت على آخرها»
ومن طالع كتابي «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» رأى مثل هذا أحاديث جداً من أحسنها حديث
(11/251)

نزول سورة الكوثر، وقيل: التعوذ بعد القراءة لظاهر الآية، وختام القرآن بالمعوذتين موافق لهذا القول بالنسبة إلى الحال، والقول الأول الصحيح بالنسبة إلى ما ندب إليه المرتحل من قراءة الفاتحة وأول البقرة.
ولما كان ذلك ربما هو أوهم تعظيمه، نفى ذلك بقوله جواباً لمن كأنه قال: هل له سلطان؟ : {إنه ليس له سلطان} أي بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه {على الذين ءامنوا} بتوفيق ربهم لهم {وعلى ربهم} أي وحده {يتوكلون *} ويجوز أن يكون المعنى أنه لما تقرر في الأذهان أنه لا نجاة من الشيطان، لأنه سلط علينا بأنه يرانا من حيث لا نراه ويجري فينا مجرى الدم، وكانت فائدة الاستعاذة الإعاذة، أشير إلى حصولها بقوله على سبيل التعليل «إنه» أي استعذ بالله يعذك منه، لأنه ليس له سلطان على الذين آمنوا بالله ليردهم كلهم عما
(11/252)

يرضي الله، وعلى ربهم وحده يتوكلون، ثم وصل بذلك ما أفهمه من أن له سلطاناً على غيرهم فقال تعالى: {إنما سلطانه} أي الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله له {على الذين يتولونه} أي تولوه وأصروا على ذلك بتجديد ولايته كل حين {والذين هم} أي بظواهرهم وبواطنهم {به} أي بالشيطان {مشركون *} دائماً لأنهم إذا تبعوا وساوسه، وأطاعوا أوامره فقد عبدوه فجعلوه بذلك شريكاً، فهم لا يتأملون دقائق القرآن بل ولا يفهمون ظواهره على ما هي عليه لما أعماهم به الشيطان من وساوسه، وحبسهم به عن هذه الأساليب من محابسه، فهم لا يزالون يطعنون فيه بقلوب عمية وألسنة بذية؛ ثم عطف على هذا المقدر - الذي دل عليه الكلام - ما أنتجه تسلط الشيطان عليهم فقال تعالى: {وإذا بدلنا} أي بعظمتنا بالنسخ {ءاية} سهلة كالعدة بأربعة أشهر وعشر، وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار، أو شاقّة كتحريم الخمر وإيجاب صلوات خمس، فجعلناها
(11/253)

{مكان ءاية} شاقة كالعدة بحول، ومصابرة عشرة من الكفار، أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر وإيجاب ركعتين أول النهار وركعتين آخره، فكانت الثانية مكان الأولى وبدلاً منها، أو يكون المعنى: نسخنا آية صعبة فجعلنا مكانها آية سهلة؛ والتبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه {والله} أي الذي له الإحاطة الشاملة {أعلم بما ينزل} من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو بغيره {قالوا} أي الكفار {إنما أنت} أي يا محمد! {مفتر} أي فإنك تأمر اليوم بشيء وغداً تنهى عنه وتأمر بضده، وليس الأمر كما قالوا {بل أكثرهم} وهم الذين يستمرون على الكفر {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم، بل هم في عداد البهائم، لعدم انتفاعهم بما وهبهم الله من العقول، لانهماكهم في اتباع الشيطان، حتى زلت أقدامهم في هذا الأمر الواضح بعد إقامة البرهان بالإعجاز على أن كل ما كان معجزاً كان من عند الله، سواء كان ناسخاً أو منسوخاً أو لا، فصارت معرفة أن هذا القرآن وهذا غير قرآن بعرضه على هذا البرهان من أوضح الأمور وأسهلها تناولاً لمن أراد ذلك منهم أو من غيرهم من فرسان البلاغة
(11/254)

فكأنه قيل: فما أقول؟ فقال: {قل} لمن واجهك بذلك منهم: {نزله} أي القرآن بحسب التدريج لأجل اتباع المصالح لإحاطة علم المتكلم به {روح القدس} الذي هو روح كله، ليس فيه داعٍ إلى هوى، فكيف يتوهم فيما ينزله افتراء لا سيما مع إضافته الطهر البالغ، فهو ينزله {من ربك} أيها المخاطب الذي أحسن إليك بإنزاله ثم بتبديله بحسب المصالح كما أحسن تربيتك بالنقل من حال إلى حال لا يصلح في واحدة منها ما يصلح في غيرها من الظهر إلى البطن، ثم من الرضاع إلى الفطام، فما بعده، فكيف تنكر تبديل الأحكام للمصالح ولا تنكر تبديل الأحوال لذلك، حال كون ذلك الإنزال {بالحق} أي الأمر الثابت الذي جل عن دعوى الافتراء بأنه لا يستطاع نقضه {ليثبت} أي تثبيتاً عظيماً {الذين آمنوا} في دينهم بما يرون من إعجاز البدل والمبدل مع تضاد الأحكام، وما فيه من الحكم والمصالح بحسب تلك الأحوال - مع ما كان في المنسوخ من مثل ذلك بحسب الأحوال السالفة - وليتمرنوا على حسن الانقياد، ويعلم بسرعة انقيادهم في ترك الألف تمام استسلامهم وخلوصهم عن شوائب الهوى؛ ثم عطف على محل {ليثبت} قوله: {وهدى} أي بياناً واضحاً {وبشرى} أي بما فيه من تجدد العهد
(11/255)

بالملك الأعلى وتردد الرسول بينه وبينهم بوساطة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم {للمسلمين *} المنقادين المبرئين من الكبر الطامس للأفهام، المعمي للأحلام، ولولا مثل هذه الفوائد لفاتت حكمة تنجيمه.
(11/256)

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)
ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح من ذلك وأفضح فقال تعالى: {ولقد نعلم} أي علماً مستمراً {أنهم يقولون} أي أيضاً قولاً متكرراً لا يزالون يلهجون به {إنما يعلمه بشر} وهم يعلمون أن ذلك سفساف من القول؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى: {لسان} أي لغة وكلام {الذين يلحدون} أي يميلون أو يشيرون {إليه} بإن علمه إياه، مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين {أعجمي} أي غير لغة العرب، وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين، وهو غلام كان نصرانياً لبعض قريش اختلف في اسمه، وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء، ومنه عجم الزبيب - لاستتاره، والعجماء: البهيمة - لأنها لا تقدر على أيضاح ما في نفسها، وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة.
(11/256)

{وهذا} أي القرآن {لسان عربي مبين *} أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ذو بيان عظيم، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم، فكيف وهو أعجمي.
فلما بانت بهذا فضيحتهم، كان كأنه قيل: إن من العجب إقدامهم على مثل هذا العار وهم يدعون النزاهة؟ فأجاب بقوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون} أي يصدقون كل تصديق معترفين {بآيات الله} أي الذي له العظمة كلها {لا يهديهم الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق، بل يضلهم عن القصد، فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد، بسد باب الفهم والسداد.
ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك بقوله: {ولهم عذاب أليم *} أي بذلك، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم وخلق القدرة لهم، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض.
ولما زيف شبههم، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصوراً عليهم، فقال تعالى: {إنما يفتري} أي يتعمد {الكذب الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم الإيمان {بآيات الله} أي الذي له الكمال كله، فإن ردهم لما قام الدليل على أنه حق وعجزوا
(11/257)

عنه تعمد منهم للكذب؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال: {وأولئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي خاصة {الكاذبون *} أي العريقون في الكذب ظاهراً وباطناً.
ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقاً، أتبعهم صنفاً منهم هم أشدهم كفراً فقال تعالى: {من} أي أي مخلوق وقع له أنه {كفر بالله} أي الذي له صفات الكمال، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر، ولما كان الكفر كله ضاراً وإن قصر زمنه، أثبت الجار فقال تعالى: {ومن بعد إيمانه} بالفعل أو بالقوة، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ارتداداً عنه وجوب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه: فهو الكاذب، أو فعليه غضب من الله {إلا من أكره} أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر {وقلبه} أي والحال أن قلبه {مطمئن بالإيمان} فلا شيء عليه، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة، والآية
«نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه
(11/258)

أكرهوه فتابعهم وهو كاره، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كلا! إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت» {ولكن من شرح} أي فتح فتحاً صار يرشح به {بالكفر صدراً} أي منه أو من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة {فعليهم} لرضاهم به {غضب} أي غضب؛ ثم بين جهة عظمه بكونه {من الله} أي الملك الأعظم {ولهم} أي بظواهرهم وبواطنهم {عذاب عظيم *} لارتدادهم على أعقابهم.
ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديراً بالتعجب منه، كان كأنه قيل: لم يفعلون، أو لم يفعل
(11/259)

بهم ذلك؟ فقال تعالى: {ذلك} الارتداد أو الوعيد العظيم {بأنهم} أي بسبب أنهم {استحبوا} أي أحبوا حباً عظيماً {الحياة الدنيا} أي الدنيئة الحاضرة الفانية، فآثروها {على الآخرة} الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن من الضيق والكافر من السعة {و} بسبب {أن الله} أي الملك الذي له الغنى الأكبر {لا يهدي القوم الكافرين *} الذين علم استمرارهم عليه، بل يخذلهم ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم.
(11/260)

أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)
ولما كان استمرارهم على الكفر أعجب من ارتدادهم، أتبعه سببه فقال تعالى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين طبع} أي ختم ختماً هو كفيل بالعطب {الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه {على قلوبهم} ولما كان التفاوت في السمع نادراً، وحده فقال تعالى: {وسمعهم وأبصارهم} فصاروا - لعدم انتفاعهم بهذه المشاعر - كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون {وأولئك} أي الأباعد من كل خير {هم الغافلون *} أي الكاملو الغفلة؛ ثم أتبع ذلك جزاءهم
(11/260)

عليه فقال تعالى: {لا جرم} أي لا شك {أنهم في الآخرة هم} أي خاصة {الخاسرون *} أي أكمل خسارة لأنهم خسروا رأس المال وهو نفوسهم، فلم يكن لهم مرجع يرجعون إليه.
ولما قدم الفاتن والمفتون، أتبع ذلك ذكر حكمهما على القراءتين فقال تعالى: بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما عن رتبة من لم يفعل ذلك: {ثم إن ربك} أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وتخفيف الآصار عنهم في قبول توبة من ارتد بلسانه أو قلبه {للذين هاجروا} أهل الكفر بالنزوح من بلادهم توبة إلى الله تعالى مما كانوا فيه.
ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى مبيناً أن الفتنة بالأذى - وإن كان بالغاً - غير قادحة في الهجرة وما تبعها، فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى {من بعد ما فتنوا} بالبناء للمجهول - على قراءة الجماعة، لأن المضر هو الفتنة مطلقاً، وللفاعل على قراءة ابن عامر، أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله حين كانوا كفاراً،
(11/261)

أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة الكفر، أو في الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد إيمانهم {ثم جاهدوا} أي أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبة إلى الله تعالى {وصبروا} على ذلك إلى أن ماتوا عليه {إن ربك} أي المحسن إليك بتسخير من هذه صفاتهم لك.
ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأن يعذب عليها كلها وعلى بعضها، وأن يقبل الصالح كله، وأن يرد بعضه، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى: {من بعدها} أي هذه الأفعال الصالحة الواقعة بعد تلك الفاسدة وهي الفتنة {لغفور} أي بليغ المحو للذنوب {رحيم *} أي بليغ الإكرام فهو يغفر لهم ويرحمهم.
(11/262)

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)
ولما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بيَّن اليوم الذي تظهر فيه تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى مبدلاً من {يوم نبعث من كل أمة شهيداً}
(11/262)

{يوم تأتي} أي فيه {كل نفس} أي إنسان وإن عظم جرمها {تجادل} أي تعتذر، وعبر بالمجادلة إفهاماً للذفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: {عن نفسها} أي ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس. ولما كان مطلق الجزاء مخوفاً مقلقاً، بني للمفعول قوله: {وتوفَّى كل نفس} صالحة وغير صالحة {ما عملت} أي جزاء من جنسه {وهم} ولما كان المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى: {لا يظلمون *} أي لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهراً ولا باطناً، ليعلم بإبدال «يوم» من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد إسكاتهم.
ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقاً من الأمثال بقوله تعالى {ورزقكم من الطيبات} وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى: {وما أمر الساعة} إلى آخره، واستمر فيما مضت مناسباته آخذاً بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء، عطف على ما مضى - من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلاً محسوساً موجوداً، مبيناً أن الأعمال في هذه
(11/263)

الدار أيضاً مناط الجزاء، مرهباً من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى: {وضرب الله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لكم أيها المعاندون! {مثلاً قرية} من قرى الماضين التي تعرفونها كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب عليهم السلام كان حالها كحالهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها مكة {كانت ءامنة} أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف {مطمئنة} أي تارة بأهلها، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد، وكف الله الناس عنها، ووجود ما يحتاج إليه أهلها {يأتيها} أي على سبيل التجدد والاستمرار {رزقها رغداً} أي واسعاً طيباً {من كل مكان} براً وبحراً بتيسير الله تعالى لهم ذلك.
ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالباً، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى: {فكفرت} ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضلة عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال: {بأنعم الله} أي الذي له الكمال كله كما كفرتم {فأذاقها الله}
(11/264)

أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلماً {لباس الجوع} بعد رغد العيش {والخوف} بعد الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباساً، وبشدة عركهم ذواقاً، فكأن النظر إلى المستعار له، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق، ولو نظر إلى المستعار لقال: فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا وصف الرداء الذي هو المستعار، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلاً كما نظر إليه من قال ذاكراً السيف الذي يصون به الإنسان نفسه:
ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا بكر بن عمرو
لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر
(11/265)

فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابي: هل يذاق اللباس؟ فقال له: لا بأس يا أيها النسناس! هب أن محمداً ما كان نبياً، أما كان عربياً؟ {بما كانوا} أي بجبلاتهم {يصنعون *} من الكفر والكبر، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته.
ولما كان تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولاً، حقق ذلك بقوله تعالى: {ولقد جاءهم} أي أهل هذه القرية {رسول منهم} كما وقع لكم {فكذبوه} كما فعلتم {فأخذهم العذاب} كما سمعتم، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال «اللهم أعني بسبع كسبع يوسف» وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم {وهم ظالمون *} أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها، لأنهم استمروا على كفرهم مع الجوع، وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإغاثة فدعا لهم.
(11/266)

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)
ولما تقرر بما مضى من أدلة التوحيد، فثبت ثباتاً لا يتطرق إليه شك أن الله هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده، ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره، فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا للأصنام من رزقه، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه، وختم ذلك بهذا المثل المحذر من كفران النعم، عقبه بقوله تعالى صاداً لهم عن أفعال الجاهلية: {فكلوا} أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم: كلوا {مما رزقكم الله} أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها، حال كونه {حلالاً طيباً} أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه {واشكروا نعمت الله} أي الذي له صفات الكمال حذراً من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها {إن كنتم إياه} أي وحده {تعبدون *} كما اقتضته هذه الأدلة، لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام، فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفاً الأمثال قبل وبعد.
(11/267)

ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته، وكانت المباحات أكثر من المحظورات، حصر القليل ليعلم منه الكثير، لأن كل ضدين معروفين إجمالاً عُين أحدهما، عرف من تعيينه الآخر، فقال تعالى: {إنما حرم} أي الله الذي لا أمر لأحد معه {عليكم الميتة} التي بينت على لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت {والدم ولحم الخنزير} خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين {وما أهل} أي بأيّ إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى: {لغير الله} أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه {به} .
ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كلّ ما يمكن أكله، بين لهم أنه رفق بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى: {فمن اضطر} أي كيفما وقع له الاضطرار {غير باغ} على مضطر آخر {ولا عاد} سدَّ الرمق.
ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة
(11/268)

إنما هو رخصة، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى: {فإن الله} أي المختص بصفات الكمال، بسبب تناوله منها على ما حده {غفور رحيم *} فمن زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام.
(11/269)

وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)
ولما تبين بهذه الآية - كما مضى تقريره في الأنعام - جميع المحرم أكله من الحيوانات، فعلم بذلك جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم، صرح بالنهي عنه إبلاغاً في تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى: {ولا تقولوا} أي بوجه من الوجوه في وقت ما.
ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولاً فارغاً ليس له حقيقة أصلاً، لأنه لا دليل عليه، عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال تعالى: {لما تصف} أي لأجل الذي تصفه {ألسنتكم} أي من الأنعام والحروث والزروع. ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك، بين مقول ذلك القول فقال تعالى: {الكذب} أي القول الذي هو عين الكذب.
ولما اشتد التشوف إلى تعيين ذلك المقول، أبدل منه فقال تعالى: {هذا حلال وهذا حرام} ويجوز أن يكون {الكذب} مفعول {تصف} فتكون {ما} مصدرية، أي لوصفها إياه، فكأن
(11/269)

حقيقة الكذب كانت مجهولة فلم تعرف إلا بوصف ألسنتهم لها، فهو مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، وما بعده مقول القول.
ولما كانوا - كما تقدم يدعون أنهم أعقل الناس، فكان اللائق بهم إرخاءً للعنان النسبة إلى معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات، قال تعالى: {لتفتروا على الله} أي الملك الأعلى {الكذب} لأن من قال على أحد ما لم يأذن فيه كان قوله كذباً، وكان كذبه لقصد افتراء الكذب، وإلا لكان في غاية الجهل، فدار أمرهم في مثل هذا بين الغباوة المفرطة أو قصد ما لا يقصده عاقل، وهذا باب من التهكم عجيب، فكأنه قيل: فما يستحقون على ذلك؟ فأجاب بقوله تعالى: {إن الذين يفترون} أي يقتطعون عمداً {على الله} أي الذي له الأمر كله {الكذب} منكم ومن غيركم {لا يفلحون *} .
ولما كان الفلاح عندهم هو العيش الواسع في هذه الدنيا، أجاب من كأنه قال: فإنا ننظرهم بنعمة ورفاهة؟ فقال تعالى: {متاع قليل} أي ما هم فيه لفنائه وإن امتد ألف عام {ولهم} بعده {عذاب أليم *} ومن ألمه العظيم دوامه فأيّ متاع هذا.
ولما بين لهم نعمته بتوسعته عليهم بما ضيقوا به على أنفسهم، بين لهم نعمة أخرى بتمييزهم على بني إسرائيل فقال تعالى:
(11/270)

{وعلى الذين هادوا} أي اليهود {حرمنا} أي بعظمتنا عقوبة لهم بعدوانهم وكذبهم على ربهم {ما قصصنا} أي بما لنا من العظمة التي كان المقصوص بها معجزاً {عليك} .
ولما لم يكن قص ذلك عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستغرقاً زمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي في الأنعام {وما ظلمناهم} أي الذين وقع منهم الهود بتحريمنا عليهم ما حرمنا {ولكن كانوا} أي دائماً طبعاً لهم وخلقاً مستمراً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} أي بالبغي والكفر، فضيقنا عليهم معاملة بالعدل، وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل، فاشكروا النعمة واحذروا غوائل النقمة.
ولما بين هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جداً، استجلاباً لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى: {ثم إن ربك} أي المحسن إليك {للذين عملوا السوء} وهو كل ما من شأنه أن يسوء، وهو ما لا ينبغي فعله {بجهالة} كما عملتم وإن عظم فعلهم وتفاحش جهلهم {ثم تابوا} .
ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعد ذلك} أي الذنب ول كان عظيماً، فاقتصروا على ما أذن
(11/271)

فيه خالقهم {وأصلحوا} بالاستمرار على ذلك {إن ربك} أي المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره. ولما كان إنما يغفر بعد التوبة ما عدا الشرك الواقع بعدها، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعدها} أي التوبة وما تقدمها من أعمال السوء {لغفور} أي بليغ الستر لما عملوا من السوء {رحيم *} أي محسن بالإكرام فضلاً ونعمة.
(11/272)

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام في قوله {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] أتبع ذلك ذكره ترغيباً في اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداماً وإحجاماً إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء، فقال على سبيل التعليل لما قبله: {إن إبراهيم} أي أباكم الأعظم إمام الموحدين {كان أمة} فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به {قانتاً} أي مخلصاً {لله} أي الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى {حنيفاً} ميالاً مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره، فكونوا حنفاء أتباعاً للحق،
(11/272)

لما قام عليه من الأدلة، واستناناً بأعظم آبائكم.
ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليه السلام، وكانت الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم، وأتى بعدها وصف سلبي بجملة، حذف نون {يكن} منها إيجازاً وتقريباً للفهم تخفيفاً عليه وحفظاً له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد، وإعلاماً بأن الفعل منفي عنه عليه السلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل، فقيل: {ولم يك} ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظمته من آبائهم ليس من ذلك القبيل، فقال تعالى: {من المشركين *} الواقفين مع الهوى، فلا تكونوا منهم؛ ثم بين حاله فقال: {شاكراً} ولما كان لله على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى، بين أن ذلك كله قليل في جنب فضله، فقال مشيراً إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى: {لأنعمه} فهو لا يزال يزيده من فضله، فتقبل دعاءه لكم
(11/273)

فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم، فكأنه قيل: فما أثابه على ذلك؟ أو علل ما قبل، فقال تعالى: {اجتباه} أي اختاره اختياراً تاماً {وهداه} أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل {إلى صراط مستقيم *} وهو الحنيفية السمحة، فكان ممن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، وكان مخالفاً للأبكم الموصوف في المثل السابق؛ ثم قال: {وءاتيناه} أي بما لنا من العظمة {في الدنيا} بلسان الصدق والثناء الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق {حسنة} ونبه بالتعبير عن المعطي بنون العظمة على جلالته حيث جعله إماماً معظماً لجميع أهل الملل، فجمع القلوب على محبته، وجعل له فيهم لسان صدق، ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح والملك والكثرة ما هو مشهور.
ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة، قال تعالى: {وإنه في الآخرة} وقال تعالى -: {لمن الصالحين *} أي له ما لهم من الثواب العظيم - معبراً ب «من» تعظيماً لمقام الصلاح وترغيباً فيه.
ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ما هو داعٍ إلى اتباعه، صرح بالأمر به تنبيهاً على زيادة عظمته بأمر متباعد في الرتبة على سائر النعوت التي أثنى عليه بها، وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ولد آدم، مشيراً إلى ذلك بحرف التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من أمر باتباعه فيما مهده مما أمر به من التوحيد والطريق الواضح
(11/274)

السهل فقال سبحانه: {ثم أوحينا} أي ثم زدناه تعظيماً وجلالة بأن أوحينا {إليك} وأنت أشرف الخلق، وفسر الإيحاء بقوله عز وجل ترغيباً في تلقي هذا الوحي أحسن التلقي باقتفاء الأب الأعظم: {أن اتبع} أي بغاية جهدك ونهاية همتك.
ولما كان المراد أصل الدين وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد والانسلاخ من كل باطل، والدعوة بالرفق مع الصبر، وتكرير الإيراد للدلائل وكل ما يدعوا إليه العقل الصرف والفطرة السليمة، عبر بالملة فقال تعالى: {ملة إبراهيم} ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضاً.
ولما كانت الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيم عليه السلام، فكانت مقصودة بالذات، صرح بها فقال تعالى: {حنيفاً} أي الحال كونك أو كونه شديد الانجذاب مع الدليل الحق؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله تعالى: {وما كان} أي بوجه من الوجوه {من المشركين *} ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي الشيم وعدم الاعتراض، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد للدليل، وعدم الكون مع الجامدين، اقتداء بالأب
(11/275)

الأعظم، وكان الخلاف والعسر مخالفاً لملته، فكان لا يجر إلى خير، وكان من المعلوم أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته، وكان اليهود يزعمون جهلاً أنه كان على دينهم، وكان السبت من أعظم شعائرهم، أنتج ذلك قوله تعالى جواباً لمن قد يدعي من اليهود أنه كان على دينهم، وتحذيراً من العقوبة على الاختلاف في الحق بالتشديد في الأمر. {إنما جعل} أي بجعل من لا أمر لغيره {السبت} أي تحريمه واحترامه أو وباله {على الذين اختلفوا فيه} حين أمرهم نبيهم بالجمعة فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون، فبدلوا بالجمعة السبت. وشدد عليهم في أمره انتقاماً منهم بما تفهمه التعدية ب «على» فكان ذلك وبالاً عليهم، وفي ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا؛ قال البغوي؛ قال الكلبي: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً، فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه عملاً لصنعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا إلا شرذمة منهم وقالوا:
(11/276)

لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، فأخذوا الأحد، فأعطى الله الجمعة هذه الأمة فقبلوها وبورك لهم فيها.
وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهداً يقول في قوله تعالى {إنما جعل السبت} فقال: ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له. فهم لنا فيه تبع، فاليهود غداً والنصارى بعد غد» .
ولما كان الإشراك واضحاً في أمر النصارى، استغنى بنفيه عنه عن التصريح بأنه ليس على دينهم؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتاً أمر البعث فقال تعالى: {وإن ربك} أي المحسن إليك بطواعية أصحابك لك {ليحكم بينهم} أي هؤلاء المختلفين {فيه يختلفون *} من قبول الجمعة وردها، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك، فيجازى كل فريق منهم بما يستحقه. {يوم القيامة} واجتماع جميع
(11/277)

الخلائق {فيما كانوا} أي بجبلاتهم {فيه يختلفون *} من قبول الجمعة وردها، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك، فيجازى كل فريق منهم بما يستحقه.
(11/278)

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
ولما قدم سبحانه في هذه السورة حكاية كثير من استهزائهم بوعده ووعيده، وتكذيبهم لرسله على أبشع وجه، والتفتير عن حرقة الحرص عليهم، المفضي إلى شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس منهم فأقعد عن دعائهم، وأتبعه ضرب الأمثال، ونصب الجدال - على تلك المناهيج المعجزة بما يسبق من ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني الجليلة، والمقاصد الجميلة - لعامة الخلق ما يجل عن الوصف، وإذا تأملها الخواص وجدوا فيها من دقائق الحقائق، ومشارع الرقائق، ومحكم الدلائل، ومتقن المقاصد والوسائل، ما يوضح - بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار - أنه بحر لا ساحل له ولا قرار، ولا منتهى لما تستخرج منه الأنظار، وختم باتباع الأب الأعظم، لما كان ذلك، وأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن يستن بآثاره، ويقتدي بإضماره وإظهاره، فسر
(11/278)

له تلك الملة التي أمره باتباعها فقال تعالى: {ادع} أي كل من تمكن دعوته {إلى سبيل ربك} أي المحسن إليك، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه، وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية {بالحكمة} وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا ينبغي أن يختار، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد - قاله الرماني، وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلاً له دعا به {والموعظة} بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة {الحسنة} أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها، ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها، مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك {وجادلهم} أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج {بالتي هي أحسن} من الطرق بالترفق واللين والوقار والسكينة، ولا تعرض عنهم
(11/279)

يأساً منهم، ولا تجازهم بسيىء مقالهم وقبيح فعالهم صفحاً عنهم ورفقاً بهم، فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول المدعوين، لأن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وقيل: الدعوة إن كانت لتقرير الدين وتثبيت الاعتقاد في قلوب أهله - وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال نقيض - فهي الحكمة وهي لطالب الحق المذعن إن كان مستعداً للقبول بفكره الثاقب، وإن كانت مقارنة لاحتمال النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة وهي للمذعن الذي لا استعداد له، وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين فهي المجادلة، فإن كانت مركبة من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم فقط فهي الحسنة، وإن كانت من مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل الباطلة والطرق الفاسدة فهي السيئة التي لا تليق بمنصف؛ ثم علل الملازمة لدعائهم على هذا الوجه بقوله تعالى: {إن ربك} أي المحسن إليك بالتخفيف عنك {هو} أي وحده {أعلم} أي من كل من يتوهم فيه علم {بمن ضل عن سبيله} فكان في أدنى درجات الضلال - وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق -
(11/280)

فلا انفكاك له عن الضلال، وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان في أدنى درجات الهداية {وهو} أي خاصة {أعلم بالمهتدين *} أي الذين هم في النهاية منها، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً «من ضل» دليلاً على حذف ضده ثانياً، و {المهتدين} ثانياً دليلاً على حذف ضدهم أولاً.
وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا بإعلامنا، وقد ألزمناك البلاغ المبين، فلا تفتر عنه معرضاً عن الحرص المهلك واليأس فإنه ليس عليك هداهم.
ولما بين أمر الدعوة وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين والفتن فيه المشير إلى ما سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلماً، وختم ذلك بالأمر بالرفق بهم، عم - بعد ما خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الأمر بالرفق، بالأمر لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو مع أعدى الأعداء، والنهي عن مجازاتهم إلا على وجه العدل - فقال تعالى: {وإن عاقبتم} أي كانت لكم عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم {فعاقبوا بمثل ما}
(11/281)

ولما كان الأمر عاماً في كل فعل من المعاقبة من أيّ فاعل كان فلم يتعلق بتعيين الفاعل غرض، بنى للمفعول قوله تعالى: {عوقبتم به} وفي ذلك إشارة - على ما جرت به عوائد الملوك في كلامهم - إلى إدالتهم عليهم وإسلامهم في يديهم، وجعله بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء.
ولما أباح لهم درجة العدل، رقاهم إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى: {ولئن صبرتم} بالعفو عنهم {لهو} أي الصبر {خير للصابرين *} وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً بالوصف.
ولما كان التقدير: فاصبروا، عطف عليه إفراداً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر، إجلالاً له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه حمزه رضي الله عنه، وتنويهاً بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة، لأن أمر الرئيس أدعى لامتثال أتباعه، فقال تعالى: {واصبر} ثم اتبع ذلك بما يحث على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن الفناء، لئلا يتوهم أن لأحد فعلاً مستقلاً فقال تعالى: {وما صبرك} أي أيها الرسول
(11/282)

الأعظم! {إلا بالله} أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم وأنت قائم في نصره، ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى مقامات الصبر، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا حنظلة الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له، فلما وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم قد جدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه، نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى أوجع لقلبه منه فقال:
«رحمة الله عليك، فإنك كنت فعالاً للخير وصولاً للرحم، ولولا أن تحزن صفيه لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، أما والله! لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم» ، وقال الصحابة رضي الله عنهم: لنزيدن على صنيعهم، فلما نزلت الآية بادر صلى الله عليه وعلى آله وسلم الامتثال، وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن المثلة، وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم بعد أن صاروا في قبضته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً.
(11/283)

ولما كان - بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة - يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى، قال سبحانه: {ولا تحزن عليهم} أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس.
ولما كان سبحانه في مقام التبشير، بالمحل الكبير والموطن الخطير، الذي ما حازه قبل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير، وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى، والمقام الأسمى من السماوات العلى، في حضرات القدس، ومحال الأنس، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال: {ولا تك} بحذف النون أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة:
وأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديار من الديار
وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى {في ضيق} ولو قل - كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه {مما يمكرون *} أي من استمرار مكرهم بك {واعبد ربك حتى
(11/284)

يأتيك اليقين} وكأنك به، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه {مع الذين اتقوا} أي وجد منهم الخوف من الله تعالى، فكانوا في أول منازل التقوى، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملاً بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان {والذين هم} أي بضمائرهم وظواهرهم {محسنون *} أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم، فهم في حضرات الرحمن، وأنت رأس المتقين المحسنين، فالله معك، ومن كان الله معه كان غالباً، وصفقته رابحة، وحالته صالحة، وأمره عال، وضده في أسوإ الأحوال، فلا تستعجلوا قلقاً كما استعجل الكفار استهزاء، تخلقاً في التأني والحلم بصفة من تنزه عن نقص الاستعجال، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال، فقد عانق آخرها أولها، ووافق مقطعها، وآخرها احتباك: ذكر {الذين اتقوا} أولاً دليلاً على حذف {الذين أحسنوا} ثانياً، {والمحسنين} ثانياً دليلاً على حذف المتقين أولاً - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
(11/285)

سورة الإسراء
وتسمى سبحان وبني إسرائيل
المقصود بها الإقبال على اله وحده، وخلع كل ما سواه، لأنه وحده المالك لتفاصيل الأمور، وتفضيل بعض الخلق على بعض، وذلك هو العمل بالتقوى التي أدناها التوحيد الذي افتتحت به النحل، وأعلاها الإحسان الذي اختتمت به، وهو الفناء عما سوى الله، وهي من أوائل ما أنزل، روى البخاري في فضائل القرآن وغيره عن ابن مسعود رض الله عنه قال: بنو إسائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي.
وكل من أسمائها واضح الدلالة على ما ذكر أنه مقصودها، أما (سبحان) ، الذي هو علم للتنزيه فمن أظهر ما يكون فيه، لأن من كان على غاية النزاهة عن كل نقص، كان جديراً بأن لا نعبد إلا إياه، وأن نعرض عن كل ما سواه، لكونه متصفاً بما ذكر، وأما بنو إسرائيل فمن أحاط أيضاً بتفاصيل
(11/286)

أمرهم في سيرهم إلى الأرض المقدسة الذي هو كالإسراء وإيتائهم الكتاب وما ذكر مع ذلك من أمرهم في هذه السورة عرف ذلك) باسم الله (الملك المالك لجميع الأمر) الرحمن (لكل ما أوجده بما رباه) الرحيم (لمن خصه بالتزام العمل بما يرضاه.
(11/287)

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)
لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص، والاتصاف بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه على كثرتهم وقوتهم، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات، وأمرهم بالتأني والإحسان، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك، تنبيهاً على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، دفعاً لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر، وبياناً
(11/287)

لأنه مع المتقي المحسن، وتنويهاً بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإعلاماً بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود، وتمثيلاً لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى: {سبحان} وهو علم للتنزيه، دال على أبلغ ما يكون من معناه، منصوب بفعل متروك إظهاره، فسد مسده {الذي أسرى} فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل. كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه.
ولما كان حرف الجر مقصوراً على إفادة التعدية في «سرى» الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعدياً وقاصراً عبر به، واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى: {بعبده} أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها.
ولما كان الإسراء هو السير في الليل، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازاً مرسلاً، نفي هذا بقوله تعالى: {ليلاً}
(11/288)

وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل، وعلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى - إلى رياضة بصيام ولا غيره، بل كان مهيئاً لذلك متأهلاً له، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش {من المسجد الحرام} أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم عليه السلام، قيل: كان نائماً في الحطيم، وقيل: في الحجر، وقيل: في بيت أم هانىء - وهو قول الجمهور، فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد {إلى المسجد الأقصى} أي الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقاً من مكة المشرفة، بينهما أربعون ليلة، فصلى بالأنبياء كلهم: إبراهيم وموسى ومن سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، ورأى من آياتنا ما قدرناه له، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهراً ذهاباً وشهراً
(11/289)

إياباً، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى: {الذي باركنا} أي بما لنا من العظمة، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات {حوله} أي لأجله فما ظنك به نفسه! فهو أبلغ من «باركنا فيه» ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء، فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال: {لنريه} بعينه وقلبه {من ءاياتنا} السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ملكوت السماوات والأرض، وجعل الالتفات
(11/290)

لتعظيم الآيات والبركات؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيل عليه السلام: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك.
وعن
جابر
رضي
الله
عنه
سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» .
ولما كان المعول عليه غالباً في إدراك الآيات حس السمع والبصر، وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدماً، عبر عن ذلك كله بقوله تعالى: {إنه} أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء {هو} أي خاصة {السميع} أي أذناً وقلباً بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا {البصير *} بصراً وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات، وصدقه من الدلالات، حين نعت
(11/291)

ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس: أما النعت والله فقد أصاب، أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها، وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون، فقال قائل: هذه والله الشمس قد طلعت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت، يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين.
قال الإمام الرازي في اللوامع: وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبصر جميع ما في الملكوت بالعين المبصرة مشاهدة لم يسترب فيه حتى روي أنه قال: «رأيت ليلة أسري بي إلى العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى» وذلك لحدة بصره، والبصر على أقسام: بصر الروح، وبصر العقل الذي منه التوحيد، وبصر القربة الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة، وبصر النبوة، وبصر الرسالة. وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً، وله زيادة بصر قيادة الرسل وسيادتهم، فإنه سيد المرسلين وقائدهم،
(11/292)

وكان مطلعاً على الملك والملكوت كما قال: زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها - انتهى. وهذا الأخير رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها» وكان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه - كما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه، وفي كثير من طرقه عدم التقييد بالصلاة، وهذا صريح في أن بصره لم يكن متقيداً بالعين، بل خلق الله تعالى الأبصار في جميع أعضائه وكذا السمع، فإن كون العين محلاً لذلك وكذا الأذن إنما هو بجعل الله، ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد سبحانه ولا مانع، ولم يكن الظلام يمنعه من نفود البصر ففي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يشد لعائشة
(11/293)

رضي الله عنها، فقال: ما لك يا جابر؟ فقلت: فقدت جملي أو ذهب في ليلة ظلماء، فقال لي: هذا جملك، اذهب فخذه، فذهبت نحو ما قال لي، فلم أجده فرجعت إليه فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ما وجدته، فقال لي: على رسلك، حتى إذا فرغ أخذ بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه إليّ، قال: هذا جملك - الحديث. وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بالليل في الظلمة كمل يرى بالنهار في الضوء، وروي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وقال القاضي عياض في الشفا: حكى بقي بن مخلد عن عائشة رضي الله عنها قالت، كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، وأسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لما تجلى الله لموسى عليه الصلاة والسلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ.
وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك بعد الإسراء - انتهى. وقد أخرج حديث
(11/294)

أبي هريرة هذا الحافظ نور الدين الهيثمي في زوائد المعجمين: الأوسط والأصغر للطبراني، ولعل هذا من مناسبة تعقيب هذه الآية بذكر موسى عليه السلام.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً} إلى قوله تعالى {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} الآية، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع، فأعقب ذلك بسورة الإسراء، وقد تضمنت من خصائص نبيناً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - سيد ولد آدم، فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت - حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره - إقامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء، هذه رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه - صلى الله
(11/295)

عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل عليّ القرآن فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطاً وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً، فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الربيع بن أنس وذكر سدرة المنتهى وأنه تبارك وتعالى قال له: سل! فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً، وأعطيت داود ملكاً عظيماً، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح، وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل، فقال له ربه تبارك وتعالى: قد اتخذتك حبيباً فهو مكتوب في التوراة - «
(11/296)

محمد حبيب الرحمن» وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون.
وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً، وأعطيتك سبعاً من المثاني ولم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبياً قبلك، وجعلتك فاتحاً وخاتماً. وفي حديث شريك أنه رأى موسى عليه السلام في السماء السابعة قال: بتفضيل كلام الله، قال: ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله، فقال موسى: لم أظن أن يرفع عليّ أحد. وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرجه البزار «في ذكر تعليمه عليه الصلاة والسلام الأذان وخروج الملك فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا جبريل! من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق! إني لأقرب الخلق مكاناً، وإن هذا الملك
(11/297)

ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه. وفيه: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح» ، وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه: فيومئذ أكمل الله لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - الشرف على أهل السماوات والأرض؛ قال ابن الزبير: وقد حصل منه تفضيله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - بالإسراء وخصوصه بذلك، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله - انتهى.
ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة على كل ما يريد، وما حباه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير، أتبعه ما منح في المسير من مصر إلى الأرض المقدسة من الآيات في مدد طوال جداً موسى عليه السلام الذي كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء
(11/298)

لما أرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين، والذي كان أنهى العروج به إذ ناجاه الله وقربه رأس جبل الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم والتخلي أربعين يوماً، والذي تقدم في آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في السبت، تنفيراً من مثل حالهم، وتسلية عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم، وذلك في سياق محذر للمكذبين عظائم البلاء، فقال تعالى - عاطفاً على ما تقديره، فآتينا عبدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز، وجعلناه هدى للخلق كافة، وتولينا حفظه فكان آية باقية حافظاً لدينه دائماً: {وءاتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي الجامع لخيري الدارين لتقواه وإحسانه، معظماً له بنون العظمة، فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة والإيتاء وخص محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر العظمة، وكان إيتاء موسى عليه السلام الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن أخرج معه بني أسرائيل من حبائل فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة بتلك الآيات الهائلة التي لا يشك عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء أراده، وفي هذه المدة الطويلة -
(11/299)

بل بزيادة - كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي أوصلنا عبدنا إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكباً البراق الذي كان يركبه الأنبياء قبله، يضع حافره في منتهى طرفه، وبنو إسرائيل كانوا يسيرون جميع النهار مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوه منه في التيه لا يقدرون أن يجوزوه أربعين سنة - على ما قال كثير من العلماء، أو أنهم كانوا في هذه المدة يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة، فثبت أنا إنما نفعل بالاختيار على حسب ما نراه من الحكم، ثم ذكره ثمرة كتاب موسى عليه السلام فقال تعالى: {وجعلناه} أي الكتاب، بما لنا من العظمة {هدى} .
ولما كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى، بين الحال بقوله: {لبني إسرائيل} بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام، وأسرينا بموسى عليه السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى، فأقاموا سائرين إليها أربعين سنة ولم يصلوا، ومات كل من خرج منهم من مصر إلا «النقيبين الموفيين» بالعهد، فقد بان الفصل
(11/300)

بين الإسرائين كما بان الفصل بين الكتابين، فذكر الإسراء أولاً دليل على حذف مثله لموسى عليه السلام ثانياً، وذكر إيتاء الكتاب ثانياً دليل على حذف مثله أولاً، فالآية من الاحتباك؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد اعتقاداً وعبادة بقوله تعالى: {ألا} أي لئلا {تتخذوا} بالياء التحتية في قراءة أبي عمرو، وبالفوقانية في قراءة الباقين، فنبه بصيغة الافتعال على أنه - لكثرة ما على وحدانيته من الدلائل، وله إلى خلقه من المزايا والفضائل - لا يعدل عنه إلى غيره إلا بتكلف عظيم من النفس، ومنازعة بين الهوى والعقل وما فطر سبحانه عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه، ونفر من له همة علية ونفس أبية من الشرك بقوله منبهاً بالجار على تكاثر الرتب دون رتبة عظمته سبحانه وعد الاستغراق لها، تاركاً نون العظمة للتنصيص على المراد من دون لبس بوجه: {من دوني} وقال تعالى: {وكيلاً *} أي رباً يكلون أمورهم إليه ويعتمدون عليه من صنم ولا غيره، لتقريب إليه بشفاعة ولا غيرها - منبهاً بذكر الوكالة على سفه آرائهم في
(11/301)

ترك من يكفي في كل شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء، ثم أتبعه ما يدل على شرفهم بشرف أبيهم، وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه - عند إرادة الانتقام - بما ارتكبوا من الإجرام، فقال - منبهاً على الاهتمام بالتوحيد والأمر بالإخلاص بالعود إلى مظهر العظمة حيث لا لبس، ناصباً على الاختصاص في قراءة أبي عمرو، وعلى النداء عند الباقين، تذكيراً بنعمة الإيحاء من الغرق: {ذرية من حملنا} أي في السفينة بعظمتنا، على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء، ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى: {مع نوح} أي من أولاده وأولادهم الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان شاكراً ثم إسرائيل عليهما السلام، لأن الصحيح أن من كان معه من غيرهم ماتوا ولم يعقبوا، ولم يقل: ذرية نوح، ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى؛ ثم نبه على تقواه وإحسانه حثاً على الاقتداء به بقوله: {إنه كان} أي كوناً جبلياً {عبداً شكوراً *} أي مبالغاً في الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن
(11/302)

جعل في ذريته النبوة والكتاب كما فعل بإبراهيم عليه السلام لأنه كان شاكراً، فاقتدوا بهذين الأبوين العظيمين في الشكر يزدكم، ولا تقلدوا غيرهما في الكفر يعذبكم، وخص نوحاً عليه السلام لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ولا أمهل أحداً ما أمهلهم، ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله {حملنا} إهلاك نفس واحدة، ثم أذهب الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة، فثبت أنه منزه عن العجلة، وأنه سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، وترة يعمل ما هو دونها في أزمان طوال، فبان كالشمس أنه إنما يفعل على حسب ما يريد مما تقتضيه حكمته؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس: الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم
(11/303)

البصر، وتدنو الشمس، فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم الأنبياء آدم وبعده أولي العزم عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يقولون لنوح عليه السلام: وقد سماك الله عبداً شكوراً، وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده إلى أن وصل الأمر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي
(11/304)

نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف كتاب موسى وصحة نسبته إليه تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما كشف عنه الزمان من صدق إخباره، وفظاظة وعيده وإنذاره، تنبيهاً على أن من كذب بكتابه أهلكه كائناً من كان وإن طال إمهاله، فلا تغتروا بحلمه لأن الملوك لا تقر على أمر يقدح في ملكها، فقال تعالى: {وقضينا} أي بعظمتنا بالوحي المقطوع به، منزلين ومنهين {إلى بني إسرائيل} أي عبدنا يعقوب عليه السلام الذي كان أطوع أهل زمانه لنا {في الكتاب} الذي أوصلناه إليهم على لسان موسى عليه السلام {لتفسدن} أكد بالدلالة على القسم باللام لأنه يستبعد الإفساد مع الكتاب المرشد {في الأرض} أي المقدسة التي كأنها لشرفها هي الأرض بما يغضب الله {مرتين ولتعلن} أي بما صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم {علواً كبيراً *} بالظلم والتمرد، ولا ينتقم منكم إلا على حسب ما تقتضيه حكمتنا في الوقت الذي نريد بعد إمهال طويل؛ والقضاء: فصل الأمر على إحكام {فإذا جاء وعد أولاهما}
(11/305)

أي وقته الذي حددناه له للانتقام فيه {بعثنا} أي بعظمتنا؛ ونبه على أنهم أعداء بقوله: {عليكم} ونبه على عظمته، قدرته وسعة ملكه بقوله تعالى: {عباداً لنا} أي لا يدان لكم بهم لما وهبنا لهم من عظمتنا {أولي بأس} أي عذاب وشدة في الحرب شديدة {شديد فجاسوا} أي ترددوا مع الظلم والعسف وشديد السطوة؛ والجوس: طلب الشيء باستقصاء {خلال} أي بين {الديار} الملزوم لقهر أهلها وسفولهم بعد ذلك العلو الكبير؛ والخلال: انفراج ما بين الشيئين وأكثر لضرب من الوهن {وكان} أي ذلك البعث ووعد العقاب به {وعداً مفعولاً *} أي لا شك في وقوعه ولا بد أن يفعل لأنه لا حائل بيننا وبينه، ولا يبدل القول إلا عاجز أو جاهل؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم جالوت وجنوده؛ وعن سعيد بن المسيب أنهم بختنصر وجنوده؛ وعن الحسن: العمالقة؛ وعن سعيد بن جبير: سنجاريب وجنوده؛ قال في السفر الخامس من التوراة
(11/306)

إشارة إلى هذه المرة الأولى - والله أعلم: وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم لم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في القرية والسفر وفي الخصر، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونوا ملعونين إذا دخلتم، وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل بكم الضربات الشديدة وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعاً، من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، يسلط الله عليكم الموت فيهلككم من الأرض التي تدخلونها لترثوها، يضربكم الله بحيران العقل والبهق والبرص، وبالحريق باشتمال النار، وباليرقان والجرب والسموم، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، والأرض التي تحتكم شبه الحديد، ويصير الرب مطر أرضهم غباراً ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلاً وفزعاً لجميع مملكات الأرض،
(11/307)

وتكون جيفكم طعاماً لجميع السباع وطيور السماء، ولا يذب أحد عنكم، ويضربكم الرب بالجراحات التي ضرب بها أهل مصر، ويبليكم بالبرص والزحير وبالحكة، ولا يكون لكم شفاء من ذلك، ويضربكم الرب بالعمى والكمه ورعب القلب، وتكونون تجسسون في الظهيرة مثل ما يتجسس العميان، ولا يتم شيء مما تعملون، ولا يكون له تمام، وتكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم ولا يكون لكم منقذ، تخطبون المرأة فيتزوجها غيركم، وتبنون بيتاً ويسكنه غيركم، وتغرسون كروماً ولا تعصرون منها، وتذبحون ثيرانكم بين أيديكم ولا تأكلون منها شيئاً، ويؤخذ حمارك ظلماً ولا تقدر أن تخلصه، ويسوق العدو أغنامكم ولا يكون لكم منقذ، ويسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتشقى وتغتم نهارك كله أجمع ولا يكون لك حيلة، وثمار أرضك وكل كدك يأكله شعب لا تعرفه، وتكون مضطهداً مظلوماً طول عمرك،
(11/308)

ويضربك الرب بجرح رديء على ركبتيك وساقيك ولا يكون لك، ويسلط عليك الجراحات من قرنك إلى قدمك ويسوقك الرب، ويسوق ملكك الذي ملكته عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك آلهة عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلاً وعجباً ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ثم قال: ويولد لك بنون وبنات ولا يكونون لك بل يسبون، وينطلق بهم مسبيين.
ثم قال: ويسلط الرب عليك شعباً يأتيك وأنت جائع ظمآن، وتخدم أعداءك الذين يسلطهم الله عليك من بعيد من أقصى الأرض، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف لغتهم شعب وجوههم صفيقة لا تستحيي من الشيوخ، ولا ترحم الصبيان، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك من الحاجة والضيق الذي يضيق عليك عدوك، والرجل المدلل منكم المتلذذ المفيق تنظر عيناه إلى أخيه وحليلته وإلى من بقي من ولده جائعاً ولا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكل، لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد
(11/309)

والضيق الذي يضيق عليك عدوك في كل قراك، والمرأة المخدرة المدللة المفيقة التي لم تطأ الأرض قدماها من الدلال تنظر عيناها إلى زوجها وإلى ابنها وبنتها وإلى ولدها التي تلد، وهي تأكلهم، وذلك من الحاجة والفقر وعدم الطعام مما يضيق عليك عدوك ويضطهدك في جميع قراك.
(11/310)

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
ولما بين سبحانه أنه قادر على إذلال العزيز بعد ضخامة عزه، بين أنه مقتدر على إدالته على من قهره بعد طول ذله إذا نقاه من درنه وهذبه من ذنوبه، فقال تعالى مشيراً بأداة التراخي إلى عظمة هذه الإدالة بخرقها للعوائد: {ثم رددنا} أي بما لنا من العظمة، وعجل لهم البشرى بقوله تعالى: {لكم} أي خاصة {الكرة} أي العودة والعظمة؛ وبين أن ذلك مع السطوة بقوله سبحانه: {عليهم} قال بعض المفسرين: في زمان داود عليه السلام {وأمددناكم} أي أعنَّاكم
(11/310)

بعظمتنا {بأموال} تستعينون بها على قتال أعدائكم {وبنين} أي تقوون بهم {وجعلناكم} أي بعظمتنا {أكثر} أي من عدوكم {نفيراً *} أي ناساً ينفرون معكم إذا استنفرتموهم للقتال ونحوه من المهمات، والظاهر أنه ليس المراد بهذه المرة ما كان على يدي داود عليه السلام لأن الله يقول في هذه المرة الثانية {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة} وداود عليه السلام أسس المسجد ولم يكمله، إنما أكمله ابنه سليمان عليهما السلام من بعده، والذي عز من قال ذلك أن بني إسرائيل كانوا قهروا قبل داود عليه السلام من الفلسطينيين وغيرهم، ثم كان خلاصهم على يده عليه السلام - كما مضت الإشارة إليه في سورة البقرة، قال في الزبور في المزمور الثالث عشر: من يعطي صهيون الخلاص لإسرائيل؟ إذا رد الرب سبي شعبه يتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل؛ وفي الثالث والأربعين: اللهم! إنا قد سمعنا بآذاننا
(11/311)

وأخبرنا آباؤنا بالأعمال التي صنعت في أيامهم الأولى، فلنسبحك يا إلهنا كل يوم، ونشكر اسمك إلى الدهر، الآن أضعفتنا وأقصيتنا، ولم تكن يا رب تصحب جيوشنا، لكن رددتنا على أعقابنا عن أعدائنا، واختطفنا مبغضونا، جعلتنا مأكلة كالغنم، مددتنا بين الشعوب، بعت شعبك بلا ثمن، أقللت كثرة عددهم، صيرتنا عاراً في جيرتنا، هزاً وطنزاً لمن حولنا، صرنا مثلاً في الشعوب، وهزاً للرؤوس في الأمم، حزني بين يديّ النهار كله، الخزي غطى وجهي، من صوت المعير، اللهم! إن هذا كله قد نالنا ولم ننس اسمك، ولا نكثنا عهدك، ولا صرفنا قلوبنا عنك، عدلت بقصدنا عن سبلك، أنزلتنا محال وعرة، غشيتنا بظلال الموت، ولم ننسك يا رب، وقال في المزمور الثامن والسبعين والذي بعده: اللهم! إن الأمم دخلت ميراثك ونجست هيكل قدسك، جعلوا أورشليم خراباً كالمحرس، وصيروا جثث عبيدك
(11/312)

طعاماً لطير السماء، ولحوم أصفيائك لوحوش الأرض، سفكوا دماءهم كالماء حول أورشليم وليس لهم دافن، صرنا عاراً في جيراننا، هزءاً وطنزاً لمن حولنا، حتى متى تسخط يا رب، دائماً يشتعل مثل النار غضبك، أفض رجزك على الأمم الذين لا يعرفونك وعلى الملوك الذين لم يدعوا اسمك، فإنهم أكلوا يعقوب وأخربوا دياره، لا تذكر خطايانا الأولى بل تغشانا رأفتك سريعاً، لأنا قد تمسكنا جداً، فكن لنا معيناً يا إلهنا ومخلصنا، ونمجد اسمك يا رب، نجنا واغفر لنا خطايانا لأجل اسمك الكريم، لئلا تقول الأمم: أين إلههم؟ عند ذلك تعلم الشعوب وتنظر عيوننا انتقام دماء عبيدك المسفوكة، وليدخل إليك تنهد الأسارى، وكمثل عظمة ذراعك أنقذ بني المقتولين، جاز جيراننا في حضنهم للواحد سبعة بالعار الذي عيروك يا رب! نحن شعبك وغنم رعيتك، نشكرك إلى الأبد ونخبر بتسابيحك من جيل إلى جيل.
أنصت يا راعي
(11/313)

إسرائيل الذي هدى يوسف كالخروف، انظر أيها الجالس على الكروبين استعلن قدام إفرام وبنيامين ومنشا، وأظهر جبروتك وتعال لخلاصنا، اللهم! أقبل وأشرق وجهك علينا وخلصنا، اللهم ربنا القوي! حتى متى تسخط على صلاة عبيدك، وتطعمهم الخبز بدموعهم وتسقيهم الدموع بالكيل، جعلتنا عاراً لجيراننا، واستهزأ بنا أعداؤنا، اللهم رب القوات! أقبل بنا وأشرق وجهك علينا وخلصنا، أنت نقلت الكرمة من مصر، طردت الشعوب وغرستها، سهلت طريقاً أمامها، مكنت أصولها، امتلأت الأرض منها، ظلل الجبال ظلها وأغصانها على أرز الله، كذلك امتدت عروقها إلى البحر وإلى الأنهار فروعها، ثم إنك هدمت سياجها، وقطعها كل عابري السبيل، خنزير الغاب أفسدها، وحيوان الوحش رعتها، اللهم رب القوات! اعطف علينا، واطلع من السماء، وانظر وتعاهد هذه الكرمة، وأصلح الغرس الذي غرسته يمينك وابن الإنسان الذي قويته، ولتهلك الذين أحرقوها بالنار برجزك، ولتكن يدك على رجل يمينك وابن الإنسان الذي
(11/314)

اصطفيته لك، لا تبعدنا منك وأنقذنا لنمجد اسمك، اللهم رب القوات! اعطف علينا وأشرق وجهك علينا وخلصنا؛ وفي الرابع والثمانين: رضيت يا رب عن أرضك، ورددت سبي يعقوب، غفرت ذنوب شعبك سترت جميع خطاياهم، سكنت كل رجزك، ورددت شدة غضبك؛ وفي الثامن والثمانين: قدوس إسرائيل ملكنا بالوحي، كلمت نبيك وقلت: إني جعلت عوناً للقوى، رفعت مختاراً من شعبي، ووجدت داود عبدي، مسحته بدهن قدسي، يدي أعانته، وذراعي قوته، عدوه لا يضره، وابن الخطيئة لا يذله، وقطعت أعداءه من بين يديه، ولمغضبيه قهرت، أمانتي ورحمتي معه، وباسمي يرتفع قرنه، جعلت في البحار طريقه، وفي الأنهار يمينه، هو يدعوني: أنت أبي وإلهي ناصري وخلاصي، وأنا أجعله بكراً رفيعاً على جميع ملوك الأرض وأحفظ عليه رحمتي إلى الأبد؛ ثم قال: وأنت رفضت وأقصيت
(11/315)

مسيحك، ونقضت عهد عبدك في الأرض، ودنست قدسه، وهدمت جميع سياجه، وكل حصونه أخفت، اختطفه عابرو السبيل، صار عاراً في جيرته، رفعت يمين أعدائه، فرحت جميع مبغضيه، رددت نصرة سيفه، لم تعنه في الحرب، أبطلت شجاعته، طرحت في الأرض كرسيه، صغرت أيام سنيه، صببت حزناً عليه، فحتى متى تسخط يا رب؟ إلى الأبد يتقد مثل النار رجزك، اذكر خلقك لي، فإنك لم تخلق الإنسان باطلاً، من هو الإنسان الذي يعيش ولا يعاين الموت أو ينجي نفسه من الجحيم؟ اللهم! أين رحمتك القديمة التي حلفت بحقك لداود عليه السلام؟ اللهم أعداؤك عيروا آثار مسيحك، تبارك الرب إلى الأبد، يكون يكون؛ وفي الخامس بعد المائة: خلصنا يا إلهنا واجمعنا من الأمم لنشكر اسمك القدوس، ونفتخر بتسبيحك، تبارك
(11/316)

الرب إله إسرائيل من الآن وإلى الأبد، يقول جميع الشعب: يكون، وفي الخامس والعشرين بعد المائة: إذا رد الرب سبي صهيون صرنا كالمتغربين، حينئذ تمتلىء أفواهنا فرحاً وألسنتنا تهليلاً، هناك يقال في الأمم: قد أكثر الرب الصنيع إلى هؤلاء، أكثر الرب الصنيع إلينا فصرنا فرحين، يا رب اردد سبينا كأودية اليمن، الذين يزرعون بالدموع ويحصدون بالفرح، كانوا ينطلقون يبذرون زرعهم باكين ويأتون مقبلين بالتهليل حاملين غلاتهم؛ وفي السادس والثلاثين بعد المائة: على أنهار بابل جلسنا هناك وبكينا حين ذكرنا صهيون، وعلقنا قيتاراتنا على الصفصاف الذي في وسطها، لأن الذين سبونا سألونا هناك قول التمجيد، والذين انطلقوا قالوا: سبحوا لنا في تسابيح صهيون! كيف نسبح لكم تسابيح الرب في أرض غريبة؟ إن نسيتك يا يروشليم فتنساني يميني، ويلصق لساني بحنكي إن لم أذكروك وإن لم أسبق وأصعد إلى يروشليم في ابتداء فرحي، اذكر يا رب بني أدوم
(11/317)

في يوم أورشليم القائلين: اهدموا إلى الأساس.
يا ابنه الشقية! طوبى لمن يجازيك جزاء صنيعك بنا، طوبى لمن أخذ أطفالك وضرب بهم الصخرة.
وهذا الذي في هذا المزمور إيذان بما يحل بهم من بختنصر، وقد تقدم غير مرة أن ما كان فيما ينقل من هذه الكتب القديمة من لفظة توهم نقصاً كالأب ونحوه فإنها على تقدير صحتها عنهم لا يجوز إطلاقها في شرعنا، والظاهر أن هذه الادلة المذكورة في القرآن في هذه الكرة هي التي كانت في أيام عزير عليه السلام على يد كورش ملك الفرس - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأن الذين كانوا قهروهم أولاً هم أجناد بختنصر - كما تقدم، ففي سفر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بعد موسى عليه السلام أن الله تعالى أوحى إلى إرميا بن حلقيا
(11/318)

من الأحبار الذين كانوا في عناثوث في أرض بنيامين على عهد يوشيا ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه يتوعدهم بأنهم إن لم يرجعوا عما أحدثوا من الضلالات سلط عليهم ملك بابل، ولم يزل يحذرهم مثل ذلك ويخبرهم بما يحصل لهم من الشر بذنوبهم إلى أن تمت أيام يواكيم بن يوشيا، وفي إحدى عشرة سنة لصديقيا بن يوشيا إلى يوم سبيت أورشليم في الشهر الخامس، وهو شهر آب وكان يخبرهم بأن ملك بابل يأسر صديقيا ملك اليهود، ويسوقه مع الأسرى إلى بابل، ويستمرون في أسرهم سبعين سنة ثم يردهم الله تعالى إلى بيت المقدس.
قال إرميا عليه السلام: إن الله تعالى قال لي: من قبل أن أصورك في البطن عرفتك، وخصصتك لي نبياً من قبل أن تخرج من الرحم وجعلتك نبياً للشعوب، فقلت: أطلب إليك يا رب وإلهي أن تعفيني، لأني لست أعلم أن أنطق لأني حدث، فقال لي الرب: لا تقل: إني حدث. لأنك تتوجه إلى كل ما أرسلك فيه وتجمع ما آمرك به
(11/319)

من القول، فأدّه ولا تخف لأني معك أنقذك من كل آفة، وإن الرب مد يده وقربها إلى فيّ وقال لي الرب: قد صيرت أقوالي في فيك، فاعلم أني قد سلطتك اليوم على جميع مملكات الأمم لتهدم وتنقض وتهلك وتستأصل وتبكت وتتنبأ وتقدسني، ثم أوحى إليّ الرب وقال: ما الذي رأيت يا إرميا؟ فقلت: رأيت غصناً من شجر اللوز، فقال لي الرب: ما أحسن ما رأيت لأن معجل فصل أقوالي؛ ثم أوحى إليّ الرب ثانية: ما الذي رأيت؟ فقلت منجلاً منصوباً ووجهه إلى ناحية الجربياء - أي الشمال - فقال لي الرب: من ناحية الجربياء ينفتح الشر وينزل في جميع الأرض التي ليهوذا، ها أنا مرسلك أن تدعو جميع عشائر مملكات الجربياء، يقول الرب. فيأتون ويلقي كل رجل منهم كرسيه في مدخل أبواب أورشليم، ويحوطون بسورها كما
(11/320)

يدور، وبجميع قرى يهوذا، وأنتقم منهم بأحكام وقضائي من أجل جميع سرورهم وبسوء أعمالهم، لأنهم اجتنبوني وبخروا لآلهة غريبة بالبخور، وسجدوا لصنعة أيديهم فأمت أنت فشد على ظهرك، وقم فقل عليهم جميع الأقوال التي آمرك بها ولا تخفهم ولا تحابهم لئلا أكسرك بين أيديهم وأذلك، وقد جعلتك اليوم كالقرية العزيزة الممتنعة، ومثل قضيب من حديد، وصيرتك مثل سور من نحاس على الأرض كلها، وعلى جميع ملوك يهوذا وعلى عظمائهم وعلى أحبارهم وآبائهم، وعلى جميع شعب الأرض، فإن جاهدوك لم يقهروك لأني معك وأنا منقذك منهم.
ولم يزل يقوم فيهم بمثل هذا من كلام في غاية البلاغة والرقة بحيث يفتت الأكباد، ويصدع القلوب، ويفيض العيون، نحو أربع كراريس، لولا خوف الملالة وكراهة الإطالة لأتيت بكثير منه، وكان المتنبئون الكذبة يقومون فيهم بخلاف ذلك مما يؤمنهم إلى أن
(11/321)

ضربوا إرميا ليترك عنهم مثل ذلك، فلم يكن يستطيع تركه وقال لشخص من المتنبئين اسمه حنينا: إن الرب لم يرسلك، أنت وكلت هذا الشعب على الزور، ومن أجل هذا يقول الرب: هو ذا أطرحك عن وجه الأرض، وفي هذه السنة تموت، لأنك تكلمت بالإثم قدام الرب، فمات حنينا النبي الكذاب في تلك السنة في الشهر السابع. ثم زاد تحذير إرميا لهم إلى أن حبسوه، ثم إن الله تعالى أمره أن يكتب لهم ما يوحيه إليه في صحيفة ويرسلها إليهم، فدعا باروخ بن ناريا الكاتب وأمره بكتابة ما أنطقه به الرب وقال له ها أنا محبوس ولست أستطيع أن أدخل بيت الرب، فخذ هذه الصحيفة وادخل أنت إلى بيت الرب في يوم الصوم واقرأها عليهم، فإنها كلام الرب، لعلهم يرجعون عن طريقة السوء، ويكف الرب عن الشر الذي قاله عليهم.
لأنه عظيم الرجز والغضب الذي تكلم به الرب على هذا الشعب. ففعل باروخ ذلك، فأخذوا الصحيفة من يده وأوصلوها
(11/322)

إلى الملك يواقيم بن يوشيا فشققها وأحرقها بالنار، فأمره الله أن يكتب صحيفة أخرى مثلها ويزيد ما يأمره الله به، ومنه أن يواقيم ملك يهوذا لا يكون له من يجلس على كرسي داود عليه السلام، وجيفته تكون مطروحة في السموم بالنهار وفي الجليد بالليل، وآمر به وبذريته وبعبيده، وآتى على أورشليم وعلى سكانها وعلى بيت يهوذا بكل الشر الذي قلت عليهم، لأنهم لم يسمعوا صوتي.
ولما ملك صاديقيا على اليهود، وكانت السنة العاشرة من ملكه، وهي الثامنة عشرة لبختنصر ملك بابل، أحاطت جيوش ملك بابل بأورشليم، وكان إرميا النبي محبوساً في دار حرس الملك، حبسه فيها صاديقيا ملك يهوذا، وقال له: ما لك تتنبأ وتقول: هكذا يقول الرب: هوذا أدفع هذه القرية وصديقيا ملك يهوذا في يدي ملك بابل ويضبطها، ولا ينجو من أيدي الكلدانيين، لأن الرب دفاع يدفعه في يدي ملك بابل
(11/323)

ويكلمه فمه لفمه وعيناه إلى عينيه، وينطلق به إلى بابل؟ فأوحى الله إلى إرميا وهو محبوس فقال: يقول الرب: هوذا أدفع هذه القرية إلى ملك بابل فيحرقها بالنار، وأنت فلا تفلت من يديه، ولكنك أخذاً تؤخذ وتدفع إليه وعيناك إلى عينيه تنظر، وفمك إلى فمه يكلم، وإلى بابل تذهب، ولكن اسمع يا صديقيا ملك يهوذا قول الرب، هكذا يقول الرب عليك: إنك لست تموت بالحرب، ولكنك موت سلامة تموت، وكالذي ناحوا على آبائك الملوك الأولين الذين كانوا قبلك ينوحون عليك ويقولون: واسيداه! لأن هذا القول الذي تكلمت به قاله الرب، هذا كله، وأجناد ملك بابل تحاصر أورشليم وتقاتلها.
ثم إن صديقيا أرسل إلى فرعون بمصر ليستنجد به فخرج جنده، فلما سمع بهم الكلدانيون انصرفوا عن أورشليم، وحل قول الرب على
(11/324)

إرميا أن هكذا يقول الرب إله إسرائيل لملك يهوذا الذي بعث إلى جند فرعون ليعينوه: هوذا الآن جند فرعون يرجعون إلى أرض مصر، ويرجع الكلدانيون ويقاتلون هذه القرية ويحتوون عليها ويحرقونها بالنار، هكذا يقول الرب، لا تظنوا في أنفسكم أن الكلدانيين الذين انصرفوا عنكم ليس يرجعون، بل إنهم يرجعون ويحرقون القرية بالنار ثم إن اليهود اتهموا إرميا بأنه يريد أن يفر إلى الكلدانيين فجلدوه وطرحوه في السجن، فأخرجه الملك صديقيا وسأله في البيت سراً عن قول الرب فقال له: في يد ملك بابل تدفع، وقال له: ماذا أخطأت إليك وإلى عبيدك وإلى هذا الشعب إذ طرحتموني في السجن؟ وأين الذين كانوا يتنبؤون لكم أنه لا يأتي عليكم ملك بابل ولا على هذه الأرض؟ فرده إلى السجن ولم ينزله إلى الجب لأنه كان لا يقدر على مخالفة أشراف مملكته.
ثم قال إرميا: هكذا يقول الرب: من يسكن هذه القرية بالحرب
(11/325)

فبالجوع والموتان يذهب، فأما من يخرج إلى الكلدانيين فإنه يحيي نفسه ويعيش، هكذا يقول الرب، فقال الأشراف: يقتل هذا الرجل لأنه يسقط أيادي المقاتلة الذين بقوا في القرية وأيادي الشعب إذا قال هذا الكلام، فقال الملك صديقيا: هوذا منذ وقع في أيديكم لا يستطيع أن يغير هذا الكلام، ولم يكن الملك يقدر يقول لهم شيئاً، فأخذوا إرميا وطرحوه في جب إميلخيا بن الملك في دار السجن، والجب لم يكن فيه ماء ولكن حمأة، فغرق إرميا في الحمأة، وسمع عبد الملك حبشي وكان رجلاً مؤمنا فقال للملك: يا سيدي! بئس ما صنع هؤلاء القوم بالنبي إذ طرحوه في جب، وهو ذا يموت، فقال الملك: خذ معك من هنا ثلاثين رجلاً، وانطلقوا اصعدوا إرميا من الجب قبل أن يموت، وإن عبد الملك أخذ رجالاً ودخل إلى الخزانة التي أسفل بيت الملك، وأخذ من ثَمَّ خلقاناً فسبسبها إلى إرميا بالحبل وقال له: خذ هذه الخلقان، واجعلها تحت إبطيك، لئلا
(11/326)

يعقرك الحبل، ففعل إرميا كذلك وأصعدوه من الجب وأجلسوه في دار السجن، وأرسل الملك فأدخل إرميا إليه وجعله في داخل ثلاثة أبيات، مخدع داخل مخدع وقال له: إني أسألك أن لا تكتمني شيئاً، قال إرميا لصديقيا: إني أخاف أن تقتلني، وإن أنا أشرت عليك لم تطعني، فقال صديقيا: حيّ هو الرب الذي خلقني إني لا أقتلك ولا أدفعك إلى الناس الذين يريدون نفسك، فقال إرميا: هكذا يقول الرب إله إسرائيل: لئن خرجت إلى أشراف ملك بابل لتحيين نفسك، وهذه القرية تسلم ولا تحرق بالنار، وتعيش أنت وبنوك، وإن أنت لم تخرج إليهم فستدفع هذه القرية إلى الكلدانيين ويحرقونها بالنار وأنت فلا تنجو من أيديهم، فقال الملك لإرميا: إني أخشى من اليهود أن أخرج إلى الكلدانيين فلعلهم يدفعونني في أيديهم ويهزؤون بي، قال إرميا: إنهم ليس يدفعونك في أيديهم، اسمع إلى كلمة الرب لمنفعتك لتحيي نفسك.
وحل على إرميا قول الرب إذ كان محبوساً في دار الحرس: انطلق فقل للعبد الحبشي الذي للملك: هكذا يقول الرب القوي إله
(11/327)

إسرائيل: هو ذا آتي على هذه القرية بالشر، ويكونون قدامك في ذلك اليوم، وأنجيك، قال الرب: ولا تدفع في يد القوم الذين لا يخشون الله، ولا تسقط في الحرب، ولكنك تنجو بنفسك لأنك توكلت على ما قال لك الرب.
وجلس إرميا في دار السجن حتى اليوم الذي أخذ فيه الكلدانيون أورشليم في السنة التاسعة لصديقيا ملك يهوذا في الشهر العاشر، وفي تسعة من الشهر أتى بختنصر ملك بابل في كل أجناده إلى أورشليم وحلوا عليها، وفي إحدى عشرة سنة لصديقيا في الشهر الخامس انثلمت القرية، فأتى كل أشراف ملك بابل إلى الباب الأوسط، فلما رأى صديقيا أنهم قد جلسوا في الباب الأوسط وقد هرب المقاتلة وخرجوا بالليل، خرج الملك أيضاً من الباب الذي بين السورين في طريق نيسان، فلما صار إلى الصحراء طلبه جند الكلدانيين على الأثر، فأدركوه في صحراء أريحا وافترق عنه أجناده فساقوه حتى أصعدوه إلى بختنصر ملك بابل في ديلاب من أرض حماة وذبح
(11/328)

ملك بابل بني صديقيا وكل أشراف يهوذا، وأعمى عيني صديقيا وأوثقه في السلاسل لكي يذهب به إلى بابل، وأحرق بيت الملك وبيوت الشعب بالنار، واستأصل السور المحيط بأورشليم، وكذا بقية الشعب، الذين بقوا في القرية والذين هربوا إليه سباهم ودفعهم إلى وازردان صاحب شرطته، فانطلق بهم إلى بابل، ومساكين الشعب - الذين ليس لهم شيء - تركهم في أرض يهوذا، واستعمل عليهم أخيقام بن شافان، وأمر بختنصر صاحب شرطته أن يأخذ إرميا وقال: لتكن عينك عليه، ولا تفعل به بأساً، وما قال لك من شيء فافعله، فأرسل إلى إرميا فأخذه من دار الحبس، ودفعه إلى أجدليا بن أخيقام بن شافان ليرده إلى بيته، وقال وازردان صاحب الشرطة لإرميا: إلهك الذي قال هذا الشر على هذه البلدة وفعل كالذي قال، لأنكم أخطأتم للرب ولم تسمعوا صوته، فأنزل بكم هذا الأمر، وأما أنت فهاأناذا قد أحللتك من السلاسل التي كانت في يديك، فإن شئت أن تأتي معي إلى بابل فتعال، وإن شئت فأقم، فهذه الأرض
(11/329)

في يديك كلها، فحيثما كان خيراً لك وحيث يحسن في عينيك فانطلق إليه، وإلا فاجلس عند جدليا بن أخيقام بن شافان الذي سلطه بختنصر في يهوذا، وأعطاه صاحب الشرطة مواهب في الطريق وسرحه بسلام، فأتى إرميا إلى أجدليا بن أخيقام إلى مسفيا، وجلس عنده مع الشعب الذين خلفهم ملك بابل في الأرض.
هذا ما دل على أولي البأس الشديد الذين سلطهم الله عليهم، وأما ما دل على رحمة الله لهم ففي تأريخ يوسف بن كريون أن الروم لما بلغهم أن بختنصر ملك بابل فتح مدينة المقدس ازداد خوفهم من الكسدانيين، فأرسلوا إلى بختنصر رسلاً وهدايا، وطلبوا منه الأمان والمسالمة، فآمنهم وعاهدهم على طاعته وموالاته، فاطمأنوا وآمنوا وانقطعت عنهم تلك الحروب إلى زمان دارا الملك، وكان
(11/330)

سبب الحروب بين الروم وبين الكسدانيين. أن الكسدانيين كانوا يعادون اليونانيين، فأعان الروم اليونانيين فغضب الكسدانيون من ذلك فحاربوا أهل رومية، واتصلت الحروب بينهم إلى هذا الحد، فلما انتقد الله العزيز على الكسدانيين طول تجبرهم وحكم بزوال ملكهم وانقضاء دولتهم كما أخبرت به الأنبياء عليهم السلام، أثار عليهم من ملوك الأمم ملكين عظيمين: أحدهما دارا ملك ماداي، والآخر كورش ملك الفرس، فتزوج كورش ملك الفرس بنت دارا واتفقا على معصية الكسدانيين، وأظهر الخلاف على بلتشصار بن بختنصر ملكهم، ثم سار إلى بابل في عساكر قوية، فأرسل إليهم بلتشصر عسكراً كبيراً، فجرت بينهم حرب عظيمة، قتل فيها من الفريقين خلق كثير، ثم انهزم عسكر بلتشصر وهربوا، فتبعهم
(11/331)

كورش ودارا إلى مسيرة يوم عن بابل، وقتلا كثيراً منهم، وأقام دارا وكورش في ذلك الموضع، ثم إن بلتشصر بعث إليهما بألف قائد من قواده ومعهم جميع خاصته وجبابرته، فخرجوا من بابل آخر النهار، وساروا ليلتهم فانتهوا إلى عسكر دارا وكورش عند الصباح فكبسوهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فانهزم دارا وثبت كورش فقاتل الكسدانيين ومنعهم أن يتبعوا عسكر دارا، وقامت الحرب بينهم طول النهار، ثم استظهر الكسدانيون على الفرس وقتلوا جماعة منهم، فانهزم الفرس وعاد قواد بلتشصار إليه ظافرين غانمين، فعظم سرور بلتشصار بذلك، وصنع لقواده صنيعاً عظيماً أحفل فيه وأحضر الآلات الحسنة من الفضة والذهب، وبالغ في إكرامهم وحضر معهم مجلس الشراب، فأكل وشرب وعظم سرورهم وسروره، فلما أخذ الشراب منه أراد أن يزيد في إكرام أصحابه وسرورهم، فأمر بإحضار آلات الذهب والفضة التي كان جده بختنصر الملك قد أخذها من هيكل بيت المقدس، ونقلها مع جالية بني إسرائيل إلى بابل، فأحضرت تلك الآلات بحضرة بلتشصر فشرب فيها الخمر وسقى فيها قواده ونساءه وجواريه، وأقبلوا يسبحون لأصنامهم ويحمدونها، قال: فسخط الله سبحانه من ذلك وكره ما فعله بلتشصار من ابتذال آلات القدس
(11/332)

ولم يخف من الله ولم يشكره على ما ظفره بأعدائه، فأرسل ملاكاً وأمره أن يكتب بحضرة بلتشصار ألفاظاً بأحمر تتضمن ذكر ما حكم الله به عليه وعلى مملكته، فحل الملاك بأمر الله عز وجل وكتب الألفاظ على حائط المجلس مقابل المنارة، وكان يرى أصابع الملاك وهي تكتب وما رأى بقية شخصه، وكانت تلك الأصابع شديدة البهار والنور، فلما رآها ذهل ولحقه رعب شديد وفزع وارتعد جميع جسمه رعدة شديدة، ورعب جيمع جنده، ولم يفهم تلك الكتابة ولا وجد في أصحابه من يقرأها لأن الخط كان كسدانياً وكان اللفظ عبرانياً.
فأمر بإحضار دانيال النبي - صلى الله على نبينا محمد وعليه السلام - فقرأها وفسرها وقال: أيها الملك! قد أخطأت خطأ عظيماً بابتذالك آلات قدس الله بأيدي جندك وجواريك فنجسوها، ولذلك سخط الله وأرسل ملاكه حتى كتب هذه الألفاظ ليعلمك ما يريد أن يفعله، فأما هذه الألفاظ المكتوبة فهي «حسب ووزن ونقل» وتفسيرها أن الله حسب مدة دولتكم التي قد جعلها لكم فوجدها قد انقضت
(11/333)

وانتهت ولم يبق منها شيء، ووزنك في الميزان فوجدك ناقصاً، يريد أنه جربك بالإحسان إليك والظفر بأعدائك فوجدك غير شاكر لإحسانه ولم تحمده، بل سبحت الأصنام، وأما تفسير «نقل» فإن الله قد قضى وحكم بزوال الملك عنك ونقله إلى كورش ودارا؛ قال: فلما سمع بلتشصار ما قال دانيال ازداد خوفه وفزعه واضطرب قواده أيضاً وفزعوا فزعاً شديداً وانصرفوا إلى منازلهم وهم خائفون، فلما نام بلتشصر في تلك الليلة جاء إليه خادم من خدمه فقتله على فراشه، وأخذ رأسه ومضى إلى دارا وكورش، وأخبرهما بخبر بلتشصار وما فعل من ابتذال آنية القدس، وخبر الكتابة التي كتبها الملاك قدامه وتفسير دانيال لها، وما أخبره به من انقضاء ملكه وانتقال دولته إلى ملوك مادي وفارس بسبب ابتذاله آنية القدس، فلما سمع دارا وكورش ما أخبرهما به ونظرا رأس بلتشصار شكرا الله عز وجل واعترفا بقدرته وأكثرا تسبيحه وتمجيده، ونذر كورش أنه يبني بيت الله بأورشليم، ويرد تلك الآنية، ويطلق جالية اليهود أن يرجعوا إلى بلادهم، ثم سار كورش ودارا من مواضعهما، ودخلا بابل وقتلا جميع أهلها بأشد
(11/334)

القتل وأعظم العذاب، فتم عند ذلك ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من انتقام الله تعالى من الكسدانيين وأهل بابل ومجازاتهم بما فعلوه بآنية قدسه، ثم اقتسم دارا وكورش مملكة الكسدانيين فأخذ دارا مدينة بابل وأعمالها وتسلم قصر بلتشصار وجلس على سريره، وأخذ كورش جميع مملكة الكسدانيين التي هي غير بابل وأعمالها واستقر الأمر بينهما على ذلك، وكان دارا في ذلك الوقت شيخاً فلم تطل مدته فلما مات اتفق عظماء مادي وفارس على أن ملكوا عليهم كورش، ومنذ ذلك الوقت صار ملك مادي وفارس واحداً، وبقي الأمر على ذلك ولم يتغير، ولما تسلم كورش مملكة الكسدانيين، وجلس على كرسي بابل وملك على مادي وفارس حركه الله تعالى في السنة الأولى من ملكه، فذكر نذره الذي كان قد نذر أنه يطلق لجالية بني إسرائيل الرجوع إلى بلدهم، وأنه يبني قدس الله، ويرد آلاته إليه، فأمر بإحضار شيوخ الجالية وكبرائهم، فأخبرهم بما قد عزم عليه من بناء بيت المقدس وإطلاقهم وقال لهم: من اختار من
(11/335)

جالية اليهود أن يمضي إلى مدينة القدس لبناء الهيكل الذي أخربه بختنصر فليمض ويستعن بالله عز وجل فإنه يعينه، وأنا كورش عبد الإله العظيم أطلق من خزائني جميع ما يحتاج إليه من المال والعدد لعمارة بيت الرب الذي ظفرني بالكسدانيين، وأعطاني ملكهم، قال: فلما سمع شيوخ الجالية مقالة كورش عظم سرورهم بذلك وشكروا الله عز وجل على إحسانه، وطلعوا إلى مدينة بيت المقدس، ومعهم جماعة كثيرة، ومعهم عزرا الكاهن عليه السلام ونحميا ومردخاي ويشوع وسائر رؤساء الجالية ومقدميهم، فبنوا بيت الله على المقدار الذي رسم لهم كورش، وبنوا المذبح على واجبه وحدوده، وقربوا القرابين على واجبها، وكان كورش يطلق لهم كل سنة ما يحتاجون إليه لخدمة بيت الله من المال والحنطة والزيت والخمر والغنم والبقر، وأطلق لهم مالاً كثيراً، ولم يزل الأمر يجري على ذلك طول مملكة الفرس، قال: ثم عظم أمر كورش وبسط الله يده على جميع الأمم والممالك، وفتح له الحصون المنيعة وأعطاه كنوز الأرض
(11/336)

وذخائرها، ولم يزل مقبلاً مظفراً حيثما توجه كما أخبر الله تعالى على يد أشعيا النبي عليه السلام أنه يفعل ذلك بكورش من أجل إحسانه إلى بني إسرائيل؛ قال في سفر الأنبياء في نبوة أشعيا بن آموص: هكذا يقول الرب: أنا الذي أبطل آيات العرافين، وأصير كل تعريفهم جهلاً، وأرد الحكماء إلى خلفهم، وأعرف أعمالهم للناس، وأثبت كلمة عبيدي، وأتمم قول رسلي، لأنه قال لأورشليم: إنها تعمر، ولقرى يهوذا: إنها تبنى وتعمر خراباتها، ويقول للغور أن يخرب وتيبس أنهاره، ويقول لكورش: ارع لتتم جميع إرادتي، وتأمر ببناء أورشليم وتقيم هياكلها، هكذا يقول الرب لمسيحه وكورش الذي أخذ بيمينه لتخضع له الشعوب ويظهر على الملوك أبداً: افتح الأبواب بين يديه، ولا تغلق الأبواب أمامه، أنا أسير قدامه، وأسهل له العسر، أكسر أبواب النحاس، وأحطم أمخال الحديد، وأعطيه الذخائر
(11/337)

التي في الظلمات، والأشياء المطمورة المستورة، ليعلم أني أنا الرب الذي دعوته قبل مولده إله إسرائيل، من أجل عبدي يعقوب وإسرائيل صفِي دعوتك باسمك، وكنيتك من قبل أن تعرفني، أنا الرب ولا إله غيري - انتهى ما في سفر الأنبياء.
ولم يزل كورش يحسن إلى بني إسرائيل حتى مات وملك بعده ابنه تمكيشه فأنفذ ما كان صنعه أبوه من البر إلى اليهود وإطلاق الأموال الكثيرة لهم تعظيماً لبيت الله، وكان من بعده من ملوك الفرس على ذلك، ويطلقون ما كان كورش يطلقه للقرابين وغيرها، ويجلون بيت الله ويعظمونه ويتبركون به، حتى كان أحشويرش - وهو أردشير الملك - فتغيرت حال اليهود في زمانه بسبب وزير استوزره من العماليق يسمى هامان، ثم إن الله تعالى عطفه عليهم بسبب زوجة له من اليهود، ولم يزل أمرهم مستقيماً وهم تحت طاعة الفرس إلى أن ملك الإسكندر الثاني، قال ابن كثير في سورة الكهف: وهو الذي يؤرخ له من مملكة الروم، وقد كان قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة انتهى. وهو
(11/338)

الماقيدوني اليوناني الرومي، ملك بعد قتل أبيه فليفوس، وكان عمره حين ملك عشرين سنة، وكان حكيماً عارفاً بسائر العلوم، وكان الذي علمه الحكمة أرسطاطاليس الحكيم، وكان الإسكندر يشاوره في أموره ويرجع إلى رأيه ويتدرب بتدبيره، ولم يكن يشبه أباه ولا أمه، وكان وجهه كوجه الأسد وعيناه مختلفتين: اليمنى سوداء تنظر إلى أسفل، واليسرى صافية اللون كعين السنور تنظر إلى فوق، وأسنانه دقيقة حادة كأسنان الكلب، وكان شجاعاً جريئاً مقداماً من صباه، فلما فتح بلاد المغرب ورجع منها قصد بلاد الشام وتوجه إلى بيت المقدس فلقيه ملاك الرب فأمره أن يعظم القدس وأهلها، ففعل ثم قصد دارا الثاني ملك الفرس، فلما حاذى نابلس خرج إليه سنبلاط السامري صاحبها وحمل إليه أموالاً كثيرة وهدايا، ثم سار إلى دارا فقتله، ثم إلى ملك الهند فكذلك، ثم إلى مطلع الشمس، ثم أحب أن يرى أطراف الأرض فضرب فيها، ورأى من الأمم والعجائب ما هو مذكور في سيره، ورجع فمات ببابل، ثم كان أمر اليهود تارة وتارة وهم تحت حكم اليونان الذين ملكوا بعد الإسكندر، ثم غلب الروم فكان اليهود تحت أيديهم، وكانوا يقومون ويقعدون تارة وتارة إلى أن كثرت فيهم الأحداث، وعظمت المصائب والفتن، وعم الفساد،
(11/339)

وكثرت فيهم الخوارج، واتصل القتل والغدر والنهب والغارات، وقتلوا زكريا ويحيى وابنه عليهما السلام، وأطبقوا على إرادة قتل المسيح ابن مريم عليهما السلام، فرفعه الله تعالى إليه ثم سلط عليهم طيطوس قيصر فأهلكهم وأخرب البيت الخراب الثاني - كما سيأتي ثم لم يقم لليهود أمر إلى الآن.
فلما ثبت بكون ما توعد به سبحانه في أوقاته كما أخبر به بطشه وحلمه، فثبتت قدرته وعلمه، أشار إلى أن من سبب إذلاله لمن يريد به الخير المعصية، وسبب إعزازه الطاعة، فقال تعالى: {إن أحسنتم} أي بفعل الطاعة على حسب الأمر في الكتاب الداعي إلى العدل والإحسان {أحسنتم لأنفسكم} فإن ذلك يوجب كوني معكم فأكسبكم عزاً في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما {وإن أسأتم} أي بارتكاب المحرمات والإفساد {فلها} الإساءة، وذكرها باللام تنبيها على أنها أهل لزيادة النفرة لأن كل أحد يتطير من نسبتها إليه عبارة كانت، فإذا تطير مع العبارة المحبوبة فكيف يكون حاله مع غيرها.
(11/340)

ولما انتهزت فرصة الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية، عطف الوعيد الثاني بالفاء إشارة إلى أنه بعد نصر بني إسرائيل على أهل المرة الأولى، ولعلها أيضاً مؤذنة بقرب مدتها من مدة الإدالة فقال تعالى: {فإذا جاء} أي أتى إتياناً هو كالملجأ إليه قسراً على خلاف ما يريده الآتي إليه {وعد الآخرة} أي وقته، فاستأهلتم البلاء لما أفسدتم وأحدثتم من البلايا التي أعظمها قتل زكريا ويحيى عليهما السلام والعزم على قتل عيسى عليه السلام {ليسوءوا} أي بعثنا عليكم عباداً لنا ليسوءوا {وجوهكم} أي يجعل آثار المساءة بادية فيها، وحذف متعلق اللام لدلالة الأول عليه {وليدخلوا المسجد} أي الأقصى الذي سقناكم إليه من مصر في تلك المدد الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج، وجعلناه محل أمنكم وعزكم، ثم جعلناه محلاً لإكرام أشرف خلقنا بالإسراء به إليه وجمع أرواح النبيين كلهم فيه وصلاته بهم ثَّمَ، وهذا تعريض بالتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا أبدل أمنهم في الحرم خوفاً وعزهم ذلاً، فأدخل عليهم جنوداً لا قبل لهم بها، وقد فعل ذلك عام الفتح لكنه فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم دائماً أبداً {كما دخلوه}
(11/341)

أي الأعداء {أول مرة} بالسيف، ويقهروا جميع جنودكم دفعة واحدة {وليتبروا} أي يهلكوا ويدمروا مع التقطيع والتفريق {ما علوا} أي عليه من ذلك، وقيل: ما مصدرية، أي مدة علوهم فيكون {يتبروا} قاصراً فيعظم مدلوله، وأكد الفعل وحقق الوعد فقال: {تتبيراً *} .
وقال في التوراة إشارة إلى هذه المرة الأخيرة - والله أعلم - بعد ما مضى من الإشارة إلى المرة الأولى سواء: وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب لتتقي الله ربك وتهاب اسمه المحمود المرهوب، يخصك الرب بضربات موجعة ويبتليك بها ويبتلي نسلك من بعدك، وينزل بك جميع الضربات التي أنزلها بأهل مصر تدوم عليك، وكل وجع وكل ضربة لم تكتب في هذا الكتاب يبتليك الله بها حتى تهلك وتبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء، لأنك لم تسمع قول الله ربك، فيكون كما فرحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم يستأصلكم بالعقاب والنكال، ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين جميع الشعوب من أقطار السماء إلى أقطارها، وتعبدون هناك الآلهة الأخرى التي
(11/342)

عملت من الحجارة والخشب لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم، ولا تسكنون أيضاً بين تلك الشعوب ولا تكون راحة لأقدامكم، ولكن يصير الله قلوبكم فزعة مرتجفة، ويبتليكم بظلمة العين وسيلان الأنفس، وتكون حياتكم معلقة حيالكم من بعيد؛ وتكونون فزعين الليل والنهار، ولا تصدقون أنكم تعيشون، بالغداة تقولون: متى نمسي؟ وبالعشي تقولون: متى نصبح؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم ومن ظلمة أبصاركم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى أرض مصر في سفن على الحال الذي قلت لكم، لا تعودون أن تروها أبداً، وتباعون هناك عبيداً وإماء، ولا يكون من يشتريكم، هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب - انتهى.
وإنما قلت: إن هذا إشارة إلى المرة الثانية، لأنه تكرير لذلك الذي قدمته في الأولى، فحمله على أن يكون مشيراً إلى غير ما أشار إليه الأول أولى، بل ربما كان متعيناً، ثم أخبرني بعض فضلاء اليهود أن علماءهم قالوا كذلك، وكان الخراب في هذه المرة على يد طيطوس
(11/343)

بعد أن تملك أبوه أسفسيانوس على الروم ورجع من الأرض المقدسة بعد موت ملكهم تيروس الذي كان أرسله لقتال اليهود لما خرجوا عن طاعته، وكان معه يوسف بن كريون أحد أكابر اليهود، وكان أحد من ندبه اليهود لقتال أسفسيانوس ومن معه، فأسروه وأحسنوا إليه فاستمر عندهم، فلما مات تيروس وملكه أصحابه رجع إلى رومية وبعث ابنه للفراغ من القدس وبعث يوسف معه بعد أن استمر البيت عامراً من عمارة العزير عليه السلام أربعمائة سنة وعشرين سنة، ولم يدخل بعد هذا الخراب في أيدي اليهود، وكان هذا لثلاثمائة سنة وثمانين سنة من ولاية الإسكندر، وقال مؤرخهم في شرح هذا الخراب: إن طيطوس كان في قيسارية، فسار منها حتى انتهى إلى يالو فأخذ من نقاوة عسكره ستمائة رجل، وسار إلى بيت المقدس ليقف على أحوال المدينة، وينظر الحصن، ويعلم ما يحتاج إلى علمه، ويدبر الأمور بحسب ذلك، وعمل على أن يراسل أهل بيت المقدس بالجميل ويدعوهم إلى المسالمة ويبذل لهم الأمان، فلما قرب من المدينة
(11/344)

وجد الأبواب مغلقة، وليس يخرج من المدينة ولا يدخل إليها أحد لما بين الخوارج من الحروب المتصلة، فما وجد من خاطبه من القوم، فانصرف راجعاً إلى عسكره.
قال: وكان قوم من أصحاب الخوارج لما علموا بمجيء طيطوس قد خرجوا من المدينة، فكمنوا له في بعض الطريق، فما اجتاز بهم وهو راجع أحاطوا به وحالوا بينه وبين أصحابه، فقاتلهم قتالاً شديداً حتى خلص بعد أن أشرف على الهلاك، فعلم ما القوم عليه من النجدة والشر فأعد لذلك عدته لما أراد الله من خراب القدس، وكان الله سبحانه وتعالى ملكه وعز سلطانه قد أظهر لبني إسرائيل أموراً دلتهم على زوال أمرهم لو أنهم تبصروا، منها شبه كوكب كبير له نور قوي وضوء شديد كان القدس يضيء منه البلد كله طول الليل قريباً من ضوء النهار، فأقام كذلك سبعة أيام مدة عيد الفصح، ففرح به الجهال واغتم العلماء، ومنها أنهم أحضروا في هذا العيد بقرة ليقربوها، فولدت خروفاً فاستنكر الناس ذلك، ومنها أن باب القدس الشرقي كان عظيماً ثقيلاً لا يعالجه إلا جماعة، فلما كان في تلك الأيام كانوا يجدونه كل يوم مفتوحاً من غير فاتح، فيجتمع الرجال المعتادون له فيغلقونه ثم يعودون إليه فيجدونه مفتوحاً، فكان الجهال يفرحون والعلماء
(11/345)

يغتمون، ومنها أنه ظهر على بيت قداس الأقداس في الهواء صورة وجه الإنسان شديد الحسن عظيم البهاء والنور، ومنها أنه ظهر أيضاً في الجو صور ركبان من نار يطيرون في الهواء قريباً من الأرض على بيت المقدس وعلى جميع أرض اليهود، ومنها أنه سمع الكهنة في ليلة عيد العنصرة في القدس حس جماعة كثيرة يذهبون ويجيئون في الهيكل من غير أن يروهم بل كانوا يسمعون وطأهم فقط، ثم سمعوا صوتاً عظيماً يقول: امضوا بنا حتى نرتحل عن هذا البيت، ومنها أنه كان قد ظهر قبل هذا بأربع سنين في المدينة رجل يمشي كالمجنون ويصيح بأعلى صوت يقول: صوت من المشرق، صوت من المغرب، صوت من أربع جهات الدنيا، صوت على أورشلام، وصوت على الهيكل، وصوت عل الحصن، وصوت على الفروس، وصوت على جميع الناس، الويل على أورشلام، الويل على أورشلام، وكان لا يهدأ من هذا الكلام، وكان الناس يبغضونه ويزجرونه ويتصورونه بالجنون، فلم يزل على ذلك إلى أن أحاط العدو بالمدينة،
(11/346)

فابتدأ في بعض الأيام يتكلم على عادته، فأتاه حجر في رأسه فمات ووجد في حائط قدس الأقداس حجر قديم مكتوب عليه «إذا صار بنيان الهيكل مربعاً ملك على أرض بني إسرائيل ملك عظيم، ويتسلط على سائر الأرض» فقال قوم: هو ملك بني إسرائيل، وقال الحكماء والكهنة: بل الروم، ووجد أيضاً حجر قديم مكتوب عليه «إذا كمل بنيان القدس وصار مربعاً فإنه عند ذلك يخرب» فلما وقع الحصار وانهدم أنطونيا سدوا السور فصار الهيكل مربعاً كما سيأتي، وأعظم الأمارات ما كان عليه خوارجهم من القتال، وسفك دماء الخاص والعام، والحريق والجوع، بحيث إنه أحاط البلاء بهم وبجميع الناس ولا يجدون مهرباً حتى كرهوا الحياة.
ولما خلص طيطوس من الخوارج بات في عسكره، ثم سار بالليل من يالو، فأصبح على بيت المقدس ونزل على رأس جبل الزيتون الذي في شرقي المدينة أورشليم، ليحجز الوادي بينه وبينها ولا يخفى عليه من يخرج إليه منها، ثم رتب عسكره ووصاهم بالتعاون والتظافر واليقظة والحذر، وأن لا يفارق بعضهم بعضاً، وقال: إنكم تقاتلون قوماً لم تقاتلوا مثلهم في البأس والشجاعة والصبر على القتال والبصر
(11/347)

بالحرب، فلما رآه اليهود اصطلح رؤساء الخوارج يوحانان وشمعون والعازار على أن لا يحارب بعضهم بعضاً ويتفقوا على محاربة الروم، واجتمعوا وفتحوا باب المدينة ولقوا من كان قرب من الروم، فقاتلوهم واشتد الحرب فانهزم الروم، فردهم طيطوس وشجعهم فعادوا فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير، وانهزم اليهود فوقفوا عند السور وبعثوا جريدة من أصحابهم في عدد كثير من جهة أخرى، فداروا من وراء عسكر الروم، وزحف أولئك من أمامهم، فكان الروم بين العسكرين فقتل منهم خلق كثير فانهزموا، وثبت طيطوس في جمع من أصحابه فاشتد الأمر حتى كاد يقتل، فقال أصحابه: امضِ إلى الجبل، فاختار الموت على الهزيمة ولم يزل يقاتلهم حتى تخلص بعد أن استظهر عليه اليهود ثلاث دفعات، ولما عاد اليهود إلى المدينة نقضوا عهودهم وحارب بعضهم بعضاً كما كانوا، لأن يوحانان كان يريد الرئاسة، وكان شمعون والعازار يأبيان ذلك، وحضر عيد الفصح - وهو الفطير - فدخل يوحانان في أصحابه إلى القدس
(11/348)

في اليوم الأول، فلقيهم الناس بالجميل وسروا بهم، فنزعوا ما ظهر من ثيابهم فإذا تحتها السلاح، وأخذوا على الناس الأبواب، فقتلوا خلقاً كثيراً من الكهنة وغيرهم ولم يرحموا صغيراً ولا كبيراً، فقتل العازار وشمعون من كان خارج القدس من جماعة يوحانان، فخرج إليهم واشتد الأمر واتصلت الحرب، فلما علم طيطوس زحف إلى المدينة فقال له قوم من اليهود الذين على السور: نفتح لك الباب على أن تؤمننا وتريحنا من هؤلاء الخوارج، فلم يثق بهم لما ظهر لهم من شرهم وغدرهم، وعلت الأصوات في المدينة، لأن بعضهم كان يريد أن يفتح لطيطوس وبعضهم يمنع، وتبادروا إلى حفظ الأبواب والسور، فتقدم جماعة من الروم إلى المدينة طمعاً في أن يفتح لهم الباب فرماهم الخوارج بالحجارة والنشاب، وأعانهم الذين كانوا استدعوا الروم للدخول، ثم خرج جماعة من اليهود فهزموا الروم وأنكوا فيهم وتبعوهم إلى قرب عسكرهم، وشرعوا يهزؤون بهم ويعيرونهم بالهزيمة، فأراد من في العسكر أن يلاقوهم فمنعهم طيطوس واشتد غضبه على أصحابه وقال: لست أعجب من اليهود في غدرهم، ولكن أعجب منكم مع بصركم بالحرب وكثرة تجاربكم فكيف خدعوكم؟
(11/349)

فمضيتم إلى المدينة بغير أمري وخالفتم وصيتي، ولذلك انهزمتم لأنه لا يجوز للرعيه أن تخالف أمر الملك، وقد علمتم أن بعض ملوكنا قتل ابنه لأنه مضى إلى الحرب بغير أمره، فأنتم مستحقون للقتل بعصياني، مستوجبون لما جرى عليكم من الهزيمة، فسجد أصحاب طيطوس له واعترفوا بخطئهم وقالوا: لا نعاود، فأمرهم أن يعدلوا ما حول المدينة من المعاثر والوهدات، ويسدوا الآبار ليسهل عليهم القتال ويهدم السور، ففعلوا ذلك وقطعوا كل ما حول المدينة من الشجر والنبات، وكان حولها من سائر الجهات بساتين كثيرة فيها أنواع الأشجار والفواكه مسيرة أميال من كل جهة، فكان إذا أقبل إنسان عليها يرى أحسن منظر فلم يبق الروم من ذلك شيئاً، وكان من يعرف تلك البساتين إذا رآها بعد إتلافها يبكي ويستوحش، واشتغل اليهود بخوارجهم، واتفق شمعون والعازار على يوحانان وكان قد ملك القدس ومعه ثمانية آلاف وأربعمائة رجل من الشجعان، وكان مع شمعون عشرة آلاف من اليهود وخمسة آلاف من أدوم - أي النصارى - وكان الكهنة وجماعة من أهل المدينة مع العازار، وحصل الناس بين هؤلاء بأسوأ حال، وكانوا إذا استظهر الروم على المدينة اتفقوا وحاربوهم، فإذا دفعوهم عادوا إلى الشر فيما بينهم.
(11/350)

ثم إن طيطوس أحضر كبش الحديد وغيره من آلات القتال ليهدم السور، وصنع أبراجاً عظيمة من الخشب توازي سور المدينة وتحتها بكر ليدفعها الرجال وتصعد عليها المقاتلة، وأرسل إليهم رجلاً من أصحابه يدعوهم إلى المسالمة فرماه بعض من على السور فقتله، واصطلح الخوارج وخرجوا إلى الروم فقاتلوهم وأحرقوا الكبش وجميع تلك الآلات وأبعدوهم ورجعوا إلى المدينة يتقاتلون، فلما علم طيطوس بذلك دفع الكبش على السور فهدم منه قطعة كبيرة، فهرب من كان وراءه إلى السور الثاني، فأبعد الروم ما سقط من حجارة السور ليتسع لهم المجال، فاصطلح الخوارج وفرقوا أصحابهم على جهات المدينة، واشتد بينهم وبين الروم، وصدق الفريقان، وتولى طيطوس الحرب بنفسه، وأقبل يشجع أصحابه ويعدهم بالأموال والصلات، وشجع الخوارج أصحابهم ونادى شمعون: من انهزم قتل وهدم منزله.
فلما رأى طيطوس ثبات أصحاب شمعون مال إلى جهة يوحانان، ولأنها معتدلة وطيئة، وأراد أن ينطح السور الثاني، فناداه رجل
(11/351)

اسمه قصطور من فوق السور: أسألك يا سيدي أن تشفق على هذه المدينة والأمر يجري على ما تحب، فظن طيطوس صدقه فتوقف وشرع يكلمه، وأطال المراجعة احتيالاً منه ليتمكن أصحابه من إحراق الكبش، ثم سأله أن يبعث له شخصاً من أصحابه ليتفق معه، فأرسل إليه شخصاً من وجوه الروم فقال له: اقرب حتى ألقي إليك ما لي ثم انزل، فألقى عليه صخرة فأخطأته وقتلت رجلاً كان معه، فغضب طيطوس ودفع الكبش على السور الثاني فانهدم منه قطعة كبيرة، فاشتد أسف قصطور فقتل نفسه، وتبادر اليهود فمنعوا الروم من الدخول من الموضع الذي انثلم، وحاربوهم إلى أن أخرجوهم عن السور الأول وقتلوا جماعة منهم، واتصلت الحرب بين الفريقين أربعة أيام، وورد على طيطوس في اليوم الرابع عسكر كبير من أمم مختلفة تعينه على اليهود، فخرج اليهود على عادتهم فقاتلوهم فلم تكن لهم بهم طاقة فانهزموا ودخلوا إلى الحصن الثالث، فأمر طيطوس برفع الحرب وكف عنهم خمسة أيام، وركب في اليوم الخامس وتقدم إلى قرب السور،
(11/352)

فوجد يوحانان وشمعون وأصحابهما قد خرجوا من المدينة ليحرقوا الكبش، فابتدأهم طيطوس بالسلام وخاطبهم بالجميل والملاطفة وقال: قد رأيتم ما جرى من هدم هذين السورين، وليس يتعذر هدم السور الثالث، وقد علمتم أنكم ما انتفعتم في هذه المدة بما فعلتموه، وكذلك لا تنتفعون أيضاً بدوامكم على ما أنتم عليه من اللجاج في مخالفتنا. فارجعوا عن ذلك قبل أن أهدم هذا السور الباقي، وأستبيح المدينة، وأخرب الهيكل، ولست أختار ذلك ولا أريده، فإن رجعتم إلى طاعتنا كنا لكم على أفضل ما عهدتموه منا، ودامت لكم السلامة، وزال عنكم ما أنتم فيه من المكروه.
وأمر يوسف بن كريون أن يقرب منهم ويبلغ معهم الغاية في القول ويستدعيهم إلى المسالمة ويبذل لهم من الأمان والعهود ما يثقون به ويسكنون إليه، فوقف قدام باب المدينة وقال: اسمعوا مني يا معشر بني إسرائيل ما أنا مخاطبكم به، فإني إنما أخاطبكم يما ينفعكم ويعود بصلاحكم إن قبلتموه، واعلموا أن محاربة الأعداء ومقاومتهم قد كانت تحسن بكم حين كانت بلدانكم عامرة، وعساكركم متوافرة، وأحوالكم مستقيمة، فأما بعد أن
(11/353)

بلغتم إلى هذه الحال، من خراب البلدان وفناء الرجال، وذهاب النعم واختلال الأحوال، فكيف تطمعون في مقاومة هذه الأمة العظيمة القوية التي قد قهرت الممالك والأمم واستولت عليهم، فعلى أيّ شيء تعتمدون؟ فإن قلتم: إنا نعتمد على الله عز وجل ونرجو أن ينصرنا كما جرت عادته مع آبائنا، فيجب أن تعلموا أنه هو الذي سلط عليكم هذه الأمة لسوء أفعالكم وكثرة ذنوبكم، لأنكم ارتكبتم المحارم، وسفكتم الدماء، ونجستم هيكل الله المقدس، وقتلتم كهنته وصلحاء أمته ظلماً، فكيف ترجون من الله النصر والمعونة مع هذه الأفعال القبيحة والله لا ينصر من عصاه، وإن كنتم تتكلون على الحصون والعدد والعساكر فأنتم تعلمون أن جميع ذلك قد ذهب أكثره، ولم يبق منه إلا القليل، وهذه المدينة قد هدم سوران من أسوارها ولم يبق غير واحد وهم مجدون في هدمه، وأنتم كل يوم في نقصان وضعف وعدوكم في زيادة وقوة، فإن دمتم على ما أنتم عليه هلكتم ولم يبق منكم باقية، فإن
(11/354)

قلتم: إنا نختار القتل على الذل للأمم وطاعتهم، فقد علمتم أن آباءنا وأصولنا - وهم السادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهم - لم يمتنعوا من مسالمة الأمم الذين جاوروهم ومداراتهم، ولو كان أمراً مكروهاً لقد كانوا أولى بكراهته منكم، والمتقدمون منا أطاعوا المصريين في أزمان كثيرة وملوك الموصل والكسدانيين والفرس ثم اليونانيين الذين جاروا عليهم وأساؤوا إليهم وصبروا على ظلمهم لهم على أن أذن الله بخلاصهم منهم على أيدي بني حشمناي الكهنة، ثم أطاعوا بعد ذلك ملوك الروم إلى هذه الغاية، ولم يروا أن عليهم نقصاً في طاعتهم، وكذلك أنتم إن أطعتموهم كان ذلك أولى بكم من أن تعرضوا أنفسكم للهلاك، ونعمتكم للزوال، وبلدكم للخراب، وتحصلوا بعد ذلك في أضعاف ما كرهتموه من الذلن ولا يعذركم في ذلك عاقل ولا يحمد رأيكم، على أن الروم ما زالوا محسنين إليكم، كفوكم أمر أعدائكم من اليونانيين، وأزالوا سلطانهم عنكم، وأعانوكم على كثير من الأمم الذين يعادونكم حتى غلبتموهم واستوليتم عليهم، فأنتم بطاعتهم أولى منكم بمعصيتهم، وقد علمتم أن الله عز وجل قد جعل لكل أمة دولة وسلطاناً سلطها فيه، فإذا انقضى ذلك الزمان زالت دولتها وسلطانها فذلت لغيرها وخضعت لمن كان يخضع لها،
(11/355)

وقد بسط الله أيديكم زماناً، وسلطكم على غيركم دهراً، ثم جعل الدولة والسلطان لسواكم، وأراد أن يذلكم لهم، فمتى خالفتم مراد الله ولم تقبلوا حكمه هلكتم، وليس يشك في أن الله أراد في هذا الزمان أن يرفع الروم ويبسط أيديهم، لأنه قد أذل لهم الملوك وظفرهم بالأمم حتى أطاعهم من في سائر جهات الدنيا ممن هو أشد منكم بأساً، وأكثر عدداً، وأقوى سلطاناً، وكيف تطمعون في أن تغلبوهم وأنتم تشاهدون إقبالهم وقوة أمرهم ومعونة الله لهم، وترون أنفسكم بخلاف ذلك، وليس يعيب الإنسان ولا ينقصه طاعته لمن هو أقوى منه وأعلى يداً، لأن الله عز وجل قد جعل أمر الخلق في الدنيا مبنياً على أن يكون بعضهم تابعاً لبعض، وبعضهم قاهراً لبعض، وبعضهم محتاجاً إلى بعض، وكل صنف يخضع لمن هو أقوى منه ويذل له ويطيعه، وذلك ظاهر موجود في الناس على طبقاتهم، وفي الحيوانات على اختلافها، وليس يستغني عن ذلك أحد، ولا يذمه عاقل، وإذ كان الأمر كذلك فليس ينقصكم طاعة الروم، ولا الروم بأول من أطعتموهم وقد تقدمت طاعتكم لهم منذ سنين؛ وقد ابتدؤوكم في هذا الوقت بالجميل، ودعوكم إلى المسالمة، وبذلوا لكم الأمان، وضمنوا لكم الإحسان، وظهر منهم الإشفاق على مدينتكم وقدسكم فاتقوا الله،
(11/356)

وتلافوا أمركم، وأحسنوا النظر لمن بقي منكم، فارجعوا إلى ما كنتم عليه من طاعتهم لتبقوا وتتماسك أحوالكم، وتسلم هذه المدينة وهذا القدس الجليل قبل أن يهدم هذا الحصن الباقي فتهلكوا.
فصاح الخوارج بشتم يوسف والفرية عليه ورموه بالسهام والحجارة، فتباعد قليلاً وأغلظ لهم في الكلام وقال: يا معشر العصاة! أخبروني ما الذي حملكم على قتال الروم إن كنتم تقصدون بذلك صيانة القدس عن الأعداء فأنتم قد ابتذلتموه بالمعاصي ونجستموه بما سفكتم فيه من الدماء الكثيرة ظلماً، وإن كنتم تريدون نصرة الأمة وإعزازها فأنتم تقتلونها بأيديكم وتبالغون في ظلمها والإساءة إليها، وهل يفعل الأعداء بكم أكثر مما فعلتموه؟ أو يبلغون فيكم أكثر مما قد بلغتموه في أنفسكم؟ أخبروني متى كان من تقدم من أمتنا أو تأخر يغلبون من يحاربهم ويستظهرون على أعدائهم بالعساكر والعدد دون الصلاح
(11/357)

والتقوى؟ وهل تخلص من تخلص من الشدائد إلا بطاعة الله والدعاء له؟ وهل كانوا يغلبون إلا بنصر الله لهم ومعونته إياهم؟ وهل كان ينصرهم إلا إذا أطاعوه واتقوه؟ فلما عصوه سلط عليهم الأعداء ومكنهم منهم حتى قهروهم وأذلوهم، ولم ينتفعوا بعددهم وسلاحهم ولا قدروا على مقاومة الأعداء ببأسهم وقوتهم، وقد علمتم أن الله عز وجل كفى الصالحين في كل زمان أمر أعدائهم، فمنهم من دعا الله عز وجل عند الشدائد فاستجاب له بلا حرب، وأظهر الآيات العظيمة في معونتهم وكفايتهم، فبلغوا بذلك ما لم يكونوا يبلغون إليه بحولهم وقوتهم، ومنه من حارب الأعداء واستعان بالله عز وجل فأعانه على عدوه وظفره به، ولم يفعل الله مثل ذلك مع العصاة ليظهر فضيلة الصالحين، اعتبروا بأبيكم إبراهيم عليه السلام، لما أخذ فرعون امرأته ألم يضرب الله فرعون وأهله بالبلاء العظيم حتى خضع فانكسر ورد امرأة إبراهيم عليه السلام وهي سليمة، ثم أحسن إليه وأكرمه، فهل قدر إبراهيم عليه السلام على ذلك بالسيف والمحاربة أو بالصلاح
(11/358)

والدعاء إلى الله عز وجل؟ وكذلك فعل الله مع إسحاق عليه السلام لما أخذ أبيمالخ ملك فلسطين امرأته، وقد علمتم أن موسى عليه السلام لم يستظهر على فرعون وعساكر المصريين حتى هلكوا وتخلصت أمة بني إسرائيل منهم بحرب ولا عدة، بل بالدعاء وكفاية الله له، ولما حارب عماليق بني إسرائيل هل غلبوه إلا بدعاء موسى عليه السلام وصلاته؟ ويوشع بن نون عليه السلام لما عبر الأردن مع بني إسرائيل قد كان في جمع كبير وقوة فهل فتح يريحا بالحرب أو بالآية العجيبة في سقوط الحصن؟ ولما أخطأ عاخان بما أخذه من يريحا من الغنيمة التي نهى الله عنها بني إسرائيل ألم يسخط الله على الأمة بسببه حتى غلبهم أهل مدينة عاي وهم قليل، فلم يقدر بنو إسرائيل مع كثرتهم على مقاومتهم إلى أن صلى يوشع بن نون عليه السلام ودعا إلى الله عز وجل فاستجاب الله دعاءه ونصر بني إسرائيل على عاي وجدعون لما غلب عسكر مدين وعماليق مع كثرتهم
(11/359)

هل غلبهم إلا بمعونة الله لهم؟ واذكروا كيف انهزم عسكر الأرمن العظيم عن سبسطية بصلاة اليشع النبي عليه السلام ودعائه، وقد كان أهل المدينة أشرفوا على الهلاك من الجوع، فأوقع الله الخوف في قلوب الأرمن فانهزموا بغير حرب ولا قتال، وخرج أهل المدينة فغنموا عسكرهم وزال عنهم الجوع، واذكروا ما فعل الله مع نساء الملك ويوشافاط لما ظفرهما بأعدائهما بالدعاء والصلاة، وقد علمتم أن شمشون قبل أن يخطىء كان جباراً مظفراً، فلما أخطأ أسره أعداؤه فصار ذليلاً في أيديهم مثل أقل الناس وأضعفهم وطحنوه بالرحى مثل الإماء، وكذلك شاوول - وفي نسخة: طالوت - الملك لما كان طائعاً لله تعالى كان الله ينصره، فلما عصاه أسلمه الله إلى أعدائه فظفروا به، ولم ينتفع بعساكره وعدده، وأمصيا لما حارب أدوم غلبهم وظفر بهم، فلما أخذ أصنامهم ونصبها في بيت المقدس
(11/360)

سخط الله عليه، فلما حارب يواش ملك بني إسرائيل بعد ذلك انهزم أقبح هزيمة لخذلان الله له وتركه معونته، واذكروا هلاك عسكر سنحاريب ملك الموصل العسكر العظيم بغير حرب ولا قتال بل بصلاة حزقيا الملك والأنبياء عليهم السلام ودعائهم، واعتبروا بصدقيا الملك لما عصى الكسدانيين وظن أنهم يغلبهم بعساكره وبعدته وخالف الأنبياء عليهم السلام في مسالمتهم، هل انتفع بذلك؟ وهل كانت عاقبته وعاقبة الأمة إلا إلى الهلاك؟ فهذا وغيره مما لم أذكره لكم يدلكم على عناية الله بالأخيار، وخذلانه للعصاة الأشرار.
وساق لهم من مثل هذا كلاماً كثيراً بلغياً، ثم رغبهم في طاعة اسفسيانوس بالخصوص بما اشتهر من حسن سيرته، وقال: ولو لم تعلموا ذلك إلا بما عاملني به من الجميل، وقد كنت أستوجب منه غير ذلك لكفاكم، لأني كنت أول من اجتهد في محاربته، وقتلت خلفاً كثيراً من أصحابه، ولقد كنت أعلم أني خالفت الصواب، ولكني لما رأيتكم بأجمعكم قد اتفقتم على
(11/361)

محاربتهم وبعثتموني لم أخالفكم، وبذلت المجهود في مناصحتكم، وثبت في حصن يودنات إلى أن فنى أصحابي، وغلبني الأمر، ولم يبق لي حيلة، ثم حصلت مع الروم فما أساؤوا إليّ بل أحسنوا وأجملوا وعفوا عني وأنا معهم إلى هذه الغاية على ما أحب، وقد كنت اجتهدت قبل حصولي معهم أن أهرب إليكم فما تم لي ذلك، وأنا الآن أحمد الله تعالى إذ لم يسهل لي ذلك، فإني لو كنت معكم لكنت إما أن أشارككم في أفعالكم هذه فأكون مخطئاً، أو أخالفكم فتقتلوني ظلماً، فتأملوا ما خاطبتكم به ولا تظنوا أن الله ينصركم، فإنكم لا تستحقون ذلك لأنكم قد أسخطتموه، واستدلواعلى ذلك بآية عين سلوان، فإنها قد كانت قريبة من الجفاف قبل أن ينزل بكم هذه العساكر، فلما نزلوا غزرت فصارت كالنهر لتعلموا أن الله تعالى يريد معونة أعدائكم عليكم، وأنا أعلم أن كلامي لا يؤثر فيكم ليتم ما قد حكم الله به من هلاك هذه المدينة وخراب هذا القدس الجليل، ولذلك قد قست قلوبكم فصارت كالحجارة بل هي أقسى وأصلب من الحجارة، لأن الحجر قد يؤثر فيه
(11/362)

الماء إذا دام انصبابه عليه، وأنتم لا تؤثر فيكم المواعظ الكثيرة، ولا تلين قلوبكم ولا تنكسر، ولكني قد بلغت الغاية فيما يلزمني من نصيحتكم، فاقبلوا نصحي وأشفقوا على هذا القدس الجليل الذي بنته الأنبياء المقدسون والملوك العظماء، فإن بقاء عزكم وثبات أمركم مقرون ببقائه وعمارته، وإن خرب لم يبق لكم عز ولا إقبال ولا دولة، فاقبلوا ما بذله لكم ابن الملك من الأمان، وثقوا بعهده وما ضمنه من الإحسان، وأنا الضامن لكم عنه، وإن اتهمتموني بأني أخدعكم وأريد معاونة الروم عليكم فأنتم تعلمون أن أبي وأمي وزوجتي الكريمة عليّ وأولادي معكم، فإن ظهر لكم من طيطوس بعد مسالمتكم له ما تكرهون فاقتلوهم واقتلوني فقد وهبتكم دماءهم ودمي على ذلك.
ثم بكى يوسف بكاء شديداً، وكان طيطوس يسمع كلامه فرق له وأمر بإطلاق من كان من السبي في عسكره، وأطلق لهم أن يمضوا حيث شاؤوا فمال أكثر أهل المدينة إلى طاعة طيطوس، فمنعهم الخوارج ووكلوا بأبواب المدينة من يحفظها، وأمروا الموكلين أن يقتلوا كل من أراد الخروج، ولما طال الحصار اشتد الجوع، وكان الخوارج يفتشون منازل الناس وينهبون الطعام ويقتلون من مانعهم عنه، فكان الناس يموتون في المدينة بالجوع، ومن أراد الخروج إلى ظاهر
(11/363)

المدينة ليأخذ شيئاً من نبات الأرض قتله الخوارج، وإن قدر على الخروج قتله الروم، فأفناهم ذلك، وكان طيطوس إذا سمع ذلك رق لهم واستعطفهم، فلا يزيد استعطافه الخوارج إلا قسوة، ويخاطبونه بالقبيح ليكف عن ذلك لئلا يميل معه الناس، فلما رأى ذلك جد في إخراب السور الثالث ليخلص الناس من الخوارج، فقسم عسكره أربعة أقسام ونصب كباشاً على الجهات الأربع، فخرج إليهم الخوارج فقاتلوهم قتالاً شديداً، وقتلوا من الروم خلقاً كثيراً، وكانوا قد ندبوا أربعة من أشدائهم لإحراق الكباش إذا اشتغلوا بالقتال، ولم يزالوا يقاتلونهم حتى تم لهم ما أرادوا وأحرقوا الكباش وجميع آلاتها، ونظر الروم من شجاعة اليهود وبأسهم ما هالهم فانهزموا، فردهم طيطوس وجعل يشجعهم وقال: أما تأنفون أن يغلبكم اليهود بعد أن استظهرنا عليهم، وهدمنا سورين من أسوار المدينة، ولم يبق غير سور واحد، وقد هلك أكثرهم وليس لهم من ينصرهم، ونحن فعساكرنا متوافرة، ومعنا أمم كثيرة تعيننا عليهم، ثم أمرهم أن يتركوا قتالهم حتى يهلكوا من الجوع، فضبطوا جميع
(11/364)

طرق المدينة، فضاق الأمر بهم جداً واشتد الجوع، ولم يكن أحد يقدر أن يطحن قمحاً لئلا ينهب، ولا يخبر لئلا يفضحه الدخان، فكان من عنده شيء يستفّون القمح والدقيق، فمات كثير من الناس، واشتغل الأحياء بأنفسهم، فما كانوا يدفنون موتاهم، وكان الحي ربما أخذ ميته فألقاه في بئر ثم يلقي نفسه بعده ليموت، وكان بعضهم يحفر له قبراً ثم يضطجع فيه حتى يموت، وامتلأت الشوارع بالموتى، فكان الخوارج يلقونهم من السور إلى الوادي الشرقي، فلما رآهم طيطوس اغتم ورق لهم، وكان ببيت المقدس امرأة من أهل النعم، أصلها من مدينة في حيرة الأردن، فلما كثرت الفتن هناك انتقلت في جملة من انتقل إلى بيت المقدس بجميع عبيدها وسائر نعمتها، ولم يكن لها غير ابن واحد صغير وهي تحبه حباً شديداً، فلما قويت المجاعة، ونهب الخوارج جميع ما عندها، اشتد بها الأمر وكان ابنها يتضور من الجوع، فلما زاد بها الجوع وما يؤلم قلبها من تضور ابنها، أرادت قتل ابنها لتأكله، فبقيت حائرة لا تدري على أيّ الأمرين تحمل نفسها، هل تقتل ولدها العزيز عليها بيدها، وذلك من أعظم الأمور وأشنعها، أم تصبر على
(11/365)

ما تراه به وبنفسها من البلاء وقد فارقها الصبر وعدمت الجلد، ثم زاد بها الجوع فزال عنها التمييز فقالت: يا ابني وواحدي! قد كنت آمل أن تعيش حتى تبرني، وكنت أخاف أن تموت قبلي فأفجع بموتك، فيا ليتني كنت قد ثكلتك فدفنتك واحتسبتك عند الله، والآن يا ولدي فقد أحاط بنا المكروه وأيقنا بالهلاك، فالحي لا يرجو الحياة والميت لا يدفن، وأنا وأنت هالكان، وإن مت يا بني لم يدفنك أحد وكنت كغيرك ممن أكلته الكلاب وطيور السماء، وقد رأيت أن أقتلك لتستريح مما أنت فيه ثم آكلك فأجعل بطني التي حملتك فيها قبراً لك، وأسد بك جوعي، فيكون ذلك عوض برك بي الذي كنت أرجوه، وتنال بذلك الأجر العظيم، ويكون ذلك عاراً على هؤلاء الخوارج الذي أوقعونا في هذا البلاء، وزيادة في سخط الله عليهم، ويذكر ذلك على ممر الدهر، ويتحدث به بعدنا الأجيال، ويعتبر به ذوو الألباب، ثم قبضت على ابنها بيدها الواحدة وأخذت الحديدة بالأخرى وهي كالمجنونة،
(11/366)

وحولت وجهها عنه لئلا تراه وضربته بالحديدة فمات، ثم أخذت منه وشوته وأكلته، فلما شم الخوارج ريح ذلك اللحم هجموا عليها فقالوا لها: من أين لك هذا اللحم؟ ولم استأثرت به علينا؟ فقال: ما كنت بالتي أوثر نفسي عليكم فاجلسوا، فجاءت بالمائدة وأخرجت ما بقي من جسم ابنها وقالت: هذا ولدي وأعز الناس عندي قتلته بيدي لإفراط الجوع وأكلت من لحمه، وهذا بقية جسمه عزلتها لكم، فكلوا واشعبوا ولا تكونوا أشد رحمة لولدي مني، ولا تضعف قلوبكم عن ذلك فإنه قبيح لشجعان مثلكم أن تكون امرأة أقوى قلباً منكم، وأنتم أحق بأن ترضوا بهذا مني، لأنكم الذين سببتم علينا البلاء حتى بلغنا هذا المبلغ، ثم رفعت صوتها تبكي وتنتحب وتنوح على ابنها، فلما رأوا ذلك هالهم وخرجوا مذعورين واشتهر خبرها، فقلق الناس قلقاً شديداً، وتحققوا صحة الوعيد الذي سبق من الله، وانكسر الخوارج لذلك واستعظموه وأطلقوا للناس الخروج، فخرج في ذلك الوقت خلق كثير.
(11/367)

فلما اتصل ذلك بطيطوس استعظمه واشتد خوفه من الله تعالى، فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم! أنت العالم بالخفيات والمطلع على السرائر والنيات، أنت تعلم أني لم أجىء إلى هذه المدينة لأسيء إلى أهلها ولقد ساءني أمر هذه المرأة فلا تؤاخذني به، وطالب هؤلاء الخوارج وانتقم منهم، وظفرني بهم ولا تمهلهم. وأمر بالإحسان إلى من خرج إليه من اليهود، فكان كثير منهم لا يقدرون على فتح أفواههم، وكثير منهم مات لما أكل الطعام، وكان الصبيان وغيرهم يختطفون الخبز إذا نظروه وينهشونه بلا عقل، فإذا أكلوا ماتوا، فقال طيطوس ليوسف بن كريون: ما الحيلة في هؤلاء حتى لا يموتوا؟ فقال: ينبغي أن يسقوا اللبن والحساء الرقيق أياماً حتى تلين أمعاؤهم، ثم الطعام بعد ذلك، ففعل ذلك فسلم منهم جماعة. وتقدم الروم إلى السور الثالث ليهدموه فخرج إليهم يوحانان وشمعون وأصحابهما مع ما هم فيه من الضر فقاتلوهم قتالاً شديداً، وقتلوا منهم جماعة، فأمر طيطوس بدفع الكبش على السور، فدفع عليه في الليل فهدم، وكبر الروم تكبيراً عظيماً وكبر اليهود من داخل المدينة، فلم يجسر الروم على
(11/368)

دخول المدينة، فلما أصبحوا إذا سور جديد بإزاء الهدم قد بناه اليهود تلك الليلة وهم قيام عليه، فاستعظم الروم ذلك وأيسوا من الفتح، فقال طيطوس: هذا رطب لم يستحكم، وإذا ضربه الكبش أسرع الانهدام، فطلع الروم على السور الذي هدموه، ووقف اليهود على الجديد واشتد القتال، فهزمهم اليهود بعد أن قتلوا كثيراً منهم فضجر الروم وعزموا على الرحيل، فجمع طيطوس أصحابه وقال: اعلموا أن كل من يعمل عملاً فإنما قصده إلى الغاية: ولذلك يصبر على التعب ليبلغ ما أراد، وربما كان آخر العمل أشق من أوله، فإن تركه ذهب تعبه ضائعاً وبقي عمله ناقصاً لا ينتفع به.
وضرب لهم أمثالاً في ذلك ثم قال: وأنتم قد صبرتم على محاربة هؤلاء القوم واستظهرتم عليهم إلى هذه الغاية حتى هلك رؤساؤهم وجبابرتهم، وخربت حصونهم ونفوا بالجوع والسيف، ولم يبق منهم غير شرذمة يسيرة كالموتى، فأن انصرفتم كنتم قد ضيعتم تعبكم وأنتم على أنفسكم وأهنتموها
(11/369)

عند كل من يسمع خبركم، ولو كنتم انصرفتم عنهم قبل هذا كان أحسن بكم، وأما الآن فلا عذر لكم في عجزكم عن محاربة قوم قد بلغ بهم الضر والجوع هذا المبلغ، فإن رجعتم عنهم طمع فيكم كل أحد، واجترأ عليكم كل من يخافكم، ولم لا تتأسون باليهود في الصبر والشجاعة مع فناء رجالهم، واجتماع المكاره عليهم، وانقطاع رجائهم، فصبرهم إما طمعاً في الظفر، أو أنفة من الغلبة، أو رغبة في بقاء الذكر، فأنتم أحق بذلك منهم لتدفعوا العار عن أنفسكم على أنكم قد صبرتم في أيام تيروس قيصر على محاربة هؤلاء القوم، وعملتم على أن لا ترجعوا عنهم إلا بعد الظفر، فلما ملك أسفسيانوس الذي هو أشجع من تيروس وأعظم بأساً، أردتم أن ترجعوا عنهم قبل أن تظفروا، فأيّ عذر لكم. فلما سمعوا هذا ثبتوا.
ثم مضى جماعة منهم ليلاً، فصعدوا من تلك الثلمة ودخلوا إلى المدينة فكبروا، فانتبه اليهود وكانوا قد ناموا لطول تعبهم وضرهم، ولزم كل منهم مكانه، ومضى طيطوس إلى أصحابه فوقف عند السور
(11/370)

إلى أن أصبحوا، فانهزم اليهود إلى القدس وتبعهم الروم فاقتتلوا في الصحن البراني، ولم يكن إلا السيوف لضيق الموضع، فكان بينهما قتال لم يكن فيما مضى لاستقبال الجميع، لأنهم حصلوا في موضع لا مطمع فيه بالسلامة إلا بالصدق في القتال، وكان الكل رجالة، فعظمت الحرب بينهم وعلت أصواتهم وضجيجهم حتى سمعت من البعد، وكثرت القتلى في الفريقين واستظهر اليهود آخراً وأخرجوا الروم قرب ربع النهار، وأمر طيطوس بهدم سور مضوع متصل بالقدس يسمى أنطونيا ليتسع المجال لأصحابه، فلما هدم ذلك انثلم سور القدس وسهلت الطريق إليه، فبادر اليهود وبنوه وأدخلوه في جملة القدس فصار مربعاً، فكان ذلك تصديق ما رأوه قبل ذلك مكتوباً على الحجر القديم المقدم ذكره «إذا كمل بنيان القدس فصار مربعاً فعند ذلك يخرب بيت المقدس» وكان اليهود قد نسوا ذلك، فلما رأوه تذكروا وعلموا أن المدة قد تمت وأنه سيخرب.
وكان يوم هذه الحرب العظيمة عيد العنصرة، فقرب طيطوس من القدس وكلمهم ورغبهم في المسالمة ليتمكنوا من العبادة في هذا العيد، ووعدهم بالإحسان إليهم وقال: قد علمتم أن ملككم بحنيا لما حاصره
(11/371)

بختنصر ملك بابل وخرج إليه مستأمناً، انتفع بذلك ونفع قومه وبلده فسلموا، وأن صدقيا الملك لما لج في محاربة بختنصر ولم يسالمه كما أمرته الأنبياء، أهلك المدينة والأمة وأساء إلى نفسه وإليهم، فسبيلكم أن تعتبروا بهما وتهتدوا بأصوبهما فعلاً وأحمدهما عاقبة، فاقبلوا نصيحتي، واكتفوا بما جرى، ووعدهم أن يعفو عن جميع ما تقدم ويحسن إليهم - وأطال الكلام.
وكان يوسف بن كريون يترحم لهم ويبكي بكاء شديداً، ثم قال لهم يوسف: إني لست أعجب من خراب هذه المدينة، لعلمي بأن مدتها قد انتهت، ولكني أتعجب منكم وأنتم تقرؤون كتاب دانيال النبي عليه السلام وتعلمون ما ذكره من بطلان القرابين وعدم الكاهن المسيح، وأنتم مع ذلك لا تنكسرون ولا تخضعون لله، ولا تستسلمون لمن قد سلطه الله عليكم. فلم يقبل الخوارج ولا رجعوا غير أن جماعة من الكهنة والرؤساء تم لهم الخروج إلى الروم فآمنهم وأحسن إليهم، فمنع الخوارج من بقي، وضبطوا الطرق، فبكى اليهود وشكوا منع الخوارج لهم من الخروج، فأراد الخوارج قتلهم فبادر الروم ليخلصوهم فهجموا إلى القدس فقاتلوهم قتالاً شديداً فانهزم الروم، وأدتهم الهزيمة
(11/372)

إلى داخل القدس الأعظم قدس الأقداس، فقتلهم اليهود فيه، فاختار طيطوس من عسكره ثلاثين ألفاً وأمرهم أن يدخلوا إلى صحن القدس لمحاربتهم، وأراد هو الدخول معهم فمنعه أصحابه وقالوا: قف على موضع عال لتقوى قلوب أصحابك، ويبذلوا المجهود في القتال، ولا تخاطر بنفسك وبنا، واتفق رأيهم على بيات، فعلم بذلك اليهود فلم يناموا تلك الليلة، فلما أصبحوا افترق اليهود على أبواب صحن القدس وأقاموا على مقاتلة الروم سبعة أيام، فقتلوا منهم جماعة كثيرة وأبعدوهم عن القدس، فأمر طيطوس أصحابه بالكف عنهم ليفنيهم الجوع، وكان بقرب القدس قصر عظيم من بناء سليمان بن داود عليهما السلام، ثم زاد فيه ملوك البيت الثاني طبقة عالية من الخشب الحسن ووزروا جميع الجدر بالخشب، فطلوا جميع ما فيه من الخشب بالنفط والكبريت والزفت، ثم أخفوا فيه رجلاً منهم ليشعل النار في مواضع من ذلك الخشب إذا دخله الروم، وكان فيه باب خفي يخرج إلى موضع آخر لا يفطن له إلا من يعرفه، ثم مضوا إلى عسكر الروم ليلاً وهم في القدس فناوشوهم، فاجتمع عليهم من الروم خلق كثير فقاتلوهم ساعة، ثم انهزموا فدخلوا هذا القصر، فدخل الروم وراءهم فلم يجدوا أحداً منهم، فصعدوا
(11/373)

إلى الطبقة العالية، فخرج اليهودي الذي كان قد اختفى، فاختلط بهم وأطلق النار في تلك المواضع، فاضطرمت النار في جميع جوانبه فبادر الروم إلى الباب فوجدوا اليهود قد سدوه بسيوفهم فهلكوا، وكان فيهم جماعة من وجوه الروم، فخاف الروم من اليهود ولم يأمنوا أن يحتالوا عليهم بأمر آخر، فخرجوا من القدس والمدينة ورجعوا إلى معسكرهم، فأمر طيطوس بضبط الطرق والتضييق عليهم ليهلكهم الجوع فمات أكثرهم، وخرج كثر من أصحاب الخوارج إلى طيطوس فقتلهم، ثم دخلت الروم إلى بيت الله فلم يجدوا من يمانعهم، وكان طيطوس قد أكد على أصحابه في أن لا يحرقوا القدس فقال له رؤساء أصحابه: إنك إن لم تحرقه لم تتمكن من اليهود، لأنهم لا يزالون يقاتلون ما كان باقياً، فإذا أحرق ذهب عزهم فانكسرت قلوبهم فلم يبق لهم ما يقاتلون عنه، فقال: لا تحرقوه إلا أن آمركم، وكان في طريقه باب مغشى بصفائح الفضة وهو مغلق، فأحرقه بعض الروم ليأخذوا الفضة، فلما احترق وجدوا الطريق إلى القدس الأجل، فدخلوه وحملوا أصنامهم فنصبوها فيه، فخرج قوم ممن بقي من اليهود في الليل إلى أولئك الذين في القدس فقتلوهم، فلما بلغ ذلك طيطوس جاء إلى القدس فقتل أكثر من وجد فيه من اليهود، وهرب من بقي منهم إلى
(11/374)

جبل صهيون، فلما كان الغد أحرق الروم أبواب قدس الأقداس، وكانت مغشاة بالذهب، فلما سقطت كبروا وصرخوا صراخاً عظيماً، فجاء طيطوس مسرعاً ليمنع من إحراقه فلم يتم له ذلك، ويقال: إنه صاح حتى انقطع صوته، فلما علم أن الأمر قد خرج عن يده دخل لينظره قبل أن يحترق، فلما رأى حسنه وبهجته تحير وتعجب وقال: حقاً إن هذا البيت الجليل ينبغي أن يكون بيت الله إله السماء ومسكن جلاله ونوره، وإنه ليحق لليهود أن يحاربوا عنه ويستقلوا عليه، ولقد أصابت الأمم وأحسنت فيما كانت تفعله من إعظام هذا البيت وإكرامه وحمل الهدايا إليه، وإنه لأعظم من هيكل رومية ومن جميع هياكل الأمم التي شاهدناها وبلغنا خبرها، وما أردت إحراقه ولكن هم فعلوا ذلك بشرهم ولجاجهم، وكان من بقي من الكهنة لما رأوا الحريق حاربوا الروم عنه، فلما علموا أنهم عاجزون عن دفعهم قالوا: ما نريد أن نبقى بعده فطرحوا أنفسهم في النار فهلكوا، ومضى عند ذلك من بقي من اليهود إلى جميع ما في المدينة من القصور الجليلة والمنازل الحسنة فأحرقوها بجميع ما فيها من الذخائر
(11/375)

والآلات، وكان حريق القدس في اليوم العاشر من الشهر الخامس وهو آب، وذلك نظير اليوم الذي أحرق فيه الكسدانيون البيت الأول.
ولما كان في غد هذا اليوم ظهر من اليهود رجل متنبىء فقال لهم: اعلموا أن هذا القدس سيعود عن قليل مبنياً كما كان من غير أن يبنيه الآدميون، بل بقدرة الله تعالى، فداوموا على ما أنتم عليه من محاربة الروم والامتناع من طاعتهم، فاجتمع عليه جماعة فقاتلوا، فظفر بهم الروم فقتلوهم بأسرهم، وقتلوا كثيراً من عوام اليهود وضعفائهم ممن كانوا قد رحموه قبل ذلك، وراسل يوحانان وشمعون طيطوس يطلبان منه الأمان فقال: قد كنت طلبت إليكما ذلك قبل، فأما الآن فأنتما في قبضتي وليس لي عذر عند الله ولا عند أحد من الناس في استبقائكما.
فانحدر ليلاً إلى القدس بأصحابهما فقتلوا قائدين من الروم فأمر طيطوس بقتل من بقي في المدينة من اليهود ممن كان قدر رحمه، فلما رأى
(11/376)

أصحاب شمعون ذلك خافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى طيطوس أن يؤمنهم، فقتل شمعون رؤساءهم وهرب الباقون إلى طيطوس فآمنهم وكف أصحابه عمن بقي من اليهود في المدينة؛ ثم هرب شمعون ويوحانان من جبل صهيون إلى موضع استترا فيه، فتم استيلاء طيطوس على جميع البلد وهدم سور جبل صهيون، ولما طال عليهما الاستتار واشتد بهما الجوع خرجا إلى طيطوس فقتلهما، ثم رحل متوجهاً إلى رومية ومعه السبي والغنائم، وكان كلما نزل منزلاً يقدم جماعة ممن ظفر به من الخوارج إلى السباع التي معه حتى أفناهم، وكان العازر لما رأى إفساد شمعون وقتله من لم يكن له ذنب من اليهود قد علم أن لا مخلص لهم من البلاء، فخرج عنه قبل استيلاء الروم على البلد عنها وأقام في بعض المواضع، فلما رحل طيطوس مضى إلى قرية مصيرا فعمر حصنها، فسمع به طيطوس وهو بأنطاكية فرد إليه قائداً من قواده فحاصره، فلما عاين الهلكة دعا أصحابه إلى قتل من خلفهم من العيال والاستقتال ليموتوا أعزة، فأجابوه إلى ذلك وقاتلوا حتى قتلوا كلهم - فسبحان القوي الشديد، الفعال لما يريد.
(11/377)

ولما انقضى ذلك، كان كأنه قيل: أما لهذه المرة من كرة كالأولى؟ فأطمعهم بقوله سبحانه وتعالى: {عسى ربكم} أي الذي عودكم بإحسانه {أن يرحمكم} فيتوب عليكم ويكرمكم؛ ثم أفزعهم بقوله تعالى: {وإن عدتم} أي بما نعلم من دبركم إلى المعصية مرة ثالثة فما فوقها {عدنا} أي بما تعلمون لنا من العظمة، إلى عذابكم في الدنيا، وقد عادوا غير مرة بما أشار إليه الكلام، وإن كان في سياق الشرط، ليظهر الفرق بين كلام العالم وغيره، وأشار إلى ذلك قوله في التوراة عقب ما مضى: وإذا تمت عليك هذه الأقوال كلها والدعاء واللعن الذي تلوت عليك فتب في قلبك وأنت متفرق بين الشعوب التي يفرقك الله فيها، واقبل إلى ربك واسمع قوله، واعمل بجميع ما آمرك به اليوم أنت وبنوك من كل قلبك، فيرد الرب سبيك ويرحمك، ويعود فيجمعك من جميع الشعوب التي فرقك فيها، وإن كان المبددون يا آل إسرائيل في أقطار الأرض يجمعك الله ربك من هناك ويقربك من ثم ويردك إلى الأرض التي ورثها أبوكم وترثون، وينعم عليكم وتكثرون أفضل من آبائكم، ويختن الله الرب قلوبكم وقلوب نسلكم إلى الأبد،
(11/378)

وتتقون الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم لما يريحكم وينعمكم وينزل الله كل هذا اللعن بأعدائكم وشنأتكم الذي آذوكم. {وجعلنا} أي بعد ذلك بعظمتنا {جهنم} التي تلقى داخلها بالتهجم والكراهة {للكافرين} وهذا الوصف الظاهر موضع ضمير لبيان تعليق الحكم به على سبيل الرسوخ سواء في ذلك هم وغيرهم، وفيه إشارة إلى أنهم يعودون إلى الإفساد، وإلى أن منهم من يؤمن ومنهم من يكفر {حصيراً *} أي محبساً يحصرهم غاية الحصر، وعن الحسن أن الحصير هو الذي يفرش ويبسط، فالمعنى أنه يجعلها مهادهم.
(11/379)

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)
ولما ثبت أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت المقدس في تلك المدة المتطاولة هو هدى لبني إسرائيل، صادق الوعد والوعيد فيما قضى فيه إليهم من أمرهم وأمر بيت المقدس من ترقية حال من أطاعه وإعلائهم وأخذ من عاداهم ومن تعكيس أحوال العصاة مرة بعد أخرى بتسليط الأعداء عليهم بالقتل والأسر
(11/379)

والنهب وتخريب البلاد، تنبيهاً على أن طاعة الله تجلب كل خير وكرامة، ومعصيته توجب كل بلية، كما كشف عنه الزمان على ما هو معروف من تواريخ اليهود وغيرها، لاح أن القرآن يزيد عليه في كل معنى حسن وأمر شريف فيما أتى به من الوعود الصادقة، والأحكام المحكمة، والمعاني الفائقة، في النظوم العذبة الرائقة، مع الإعجاز عن الإتيان بآية من مثله لجميع الإنس والجان بنسبة ما زاد المسير المحمدي إلى بيت المقدس - الذي أراه فيه من آياته - على المسير الموسوي الذي آتاه فيه الكتاب، فقال - في جواب من كأنه قال: قد علم أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل في مسيرة لقصد محل المسجد الأقصى قيم في الهداية والوعود الصادقة، فما حال الكتاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب مسيرة إليه في ذلك؟ {إن هذا القرءان} أي الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس {يهدي} .
ولما كان صاحب الذوق السليم يجد لحذف الموصوف هزة وروعة، لما يجد من الفخامة بإبهامه لا يجدها عند ذكره وإيضاحه، قال {للتي}
(11/380)

أي للطرائق والأحوال والسنن التي {هي أقوم} من كل طريقة وسنة وحال دعا إليها كتاب من الكتب السماوية، أما في الصورة فباعتبار ما علا به من البيان، وأما في الوعود فباعتبار العموم لجميع الخلق في الدارين، وأما في الأصول فبتصريف الأمثال وتقريب الوسائل، وحسم مواد الشبه وإيضاح وجوه الدلائل، وأما الفروع فباعتبار الأحسنية تارة في السهولة والخفة، وتارة في غير ذلك - كما هو واضح عند من تأمل ما بين الأمرين.
ولما انقسم الناس إلى مهتد به وضال، أتبع سبحانه ذلك بيانه، وكان التعبير عن حالهما بالبشرى في قوله تعالى: {ويبشر المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف، ولهذا قيدهم بياناً لهم بقوله تعالى: {الذين} يصدقون إيمانهم بأنهم {يعملون} أي على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم {الصالحات} من التقوى والإحسان {أن لهم} أي جزاء لهم في ظاهرهم وبواطنهم {أجراً كبيراً *} إشارة إلى صلاح هذه الأمة وثباتهم على دينهم وأنه لا يزال أمرهم ظاهراً كما كان إنذار كتاب موسى عليه السلام قومه إشارة إلى إفسادهم وتبديلهم دينهم.
ولما بشرهم بما لهم في أنفسهم، أتبعه ما لهم في أعدائهم فقال تعالى:
(11/381)

{وأن} أي ويبشر المؤمنين أيضاً بأن {الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم إيمان {بالآخرة} حقيقة أو مجازاً، المسبب عنه أنهم لا يعملون الصالحات حقيقة لعدم مباشرتها، أو مجازاً ببنائها على غير أساس الإيمان؛ وعبر بالعتاد تهكماً بهم، فقال تعالى: {أعتدنا} أي أحضرنا وهيأنا ما هو في غاية الطيب والنفاسة والملاءمة على سبيل الوعد الصادق الذي لا يتخلف بوجه، وهو مع ذلك منظور إليه، لعظمتنا {لهم} من عندنا بواسطة المؤمنين أو بلا واسطة.
ولما استشرف الأعداء إلى هذا الوعد استشراف المغتبط المسرور، أتاهم في تفسيره بما خلع قلوبهم على طريقة «تحية بينهم ضرب وجيع» وسر قلوب الأولياء سروراً عظيماً، فقال تعالى: {عذاباً أليماً *} فإنه لا بشرى لذوي الهمم أعلى ولا أسر من الانتقام من مخالفيهم، فصار فضل الكتاب على الكتاب كفضل الذهاب على الذهاب، وحذف المؤمنين الذين لا يعملون الصالحات، لتمام البشارة بالإشارة إلى أنهم من القلة في هذه الأمة الشريفة بحيث لا يكادون أن يوجدوا.
ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوام،
(11/382)

أتبعه ما عليه الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه القويمة والإقدام على ما لا فائدة فيه، تنبيهاً على ما يجب عليه من التأني للنظر فيما يدعو إليه نفسه ووزنِه بمعيار الشرع، فقال تعالى: {ويدع} حذف واوه - الذي هو لام الفعل - خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفه لفظاً في العربية - مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله، وهو لا يريد علو الشر عليه - بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل الله الرفعة والعلو، وإلى أن غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه الله، وقد ذكرت حكم الوقف عليه وعلى أمثاله في سورة القمر {الإنسان} أي عند الغضب ونحوه على نفسه وعلى من يحبه، لما له من الأنس بنفسه والنسيان لما يصلحه {بالشر} أي ينادي ربه ويتضرع إليه بسبب إيقاع الشر به {دعاءه} أي مثل دعائه {بالخير} أي بحصول الخير له ولمن يحبه؛ ثم نبه على الطبع الذي هو منبع ذلك، فقال تعالى: {وكان الإنسان} أي هذا النوع بما له من قلة التدبر لاشتغاله بالنظر في عطفيته والأنس بنفسه، كوناً هو مجبول عليه {عجولاً *} أي مبالغاً في العجلة يتسرع إلى طلب كل ما يقع في
(11/383)

قلبه ويخطر بباله من غير أن يتأنى فيه تأني المتبصر الذي لا يريد أن يوقع شيئاً إلا في أتم مواقعه، ولذلك يستعجل العذاب لنفسه استهزاء، ولغيره استشفاء؛ والعجلة: طلب الشيء في غير وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه، وأما السرعة فهي عمله في أول وقته الذي هو أولى به.
(11/384)

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)
ولما ثبت ما لصفته تعالى من العلو، ولصفة الإنسان من السفول تلاه بما لأفعاله تعالى من الإتقان، ذاكراً ما هو الأقوم من دلائل التوحيد والنبوة في العالمين: العلوي والسفلي، ثم ما لأفعال الإنسان من العوج جرياً مع طبعه، أو من الإحسان بتوفيق اللطيف المنان، فقال تعالى مبيناً ما منحهم به من نعم الدنيا بعد ما أنعم عليهم به من نعم الدين: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {الّيل والنهار آيتين} دالتين على تمام العلم وشمول القدرة، آية الليل كالآيات المتشابهة، وآية النهار كالمحكمة، فكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا بهاتين الآيتين {فمحونا}
(11/384)

أي بعظمتنا الباهرة {آية الّيل} بإعدام الضياء فجعلناها لا تبصر بها المرئيات كما لا يبصر الكتاب إذا محي {وجعلنا} أي بعظمتنا {ءاية النهار} ولما كانت في غاية الضياء يبصر بها كل من له بصر، أسند الإبصار إليها مبالغة فقال: {مبصرة} أي بالشمس التي جعلها منيرة في نفسها، فلا تزال هذه الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن ظلمة إلى نور كما للإنسان - بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله - من انتقال من نقصان إلى كمال ومن كمال إلى نقصان، كما أن القمر الذي هو أنقص من الشمس كذلك: ثم ذكر بعض المنافع المترتبة على ذلك، فقال تعالى: {لتبتغوا} أي تطلبوا طلباً شديداً {فضلاً من ربكم} أي المحسن إليكم فيهما بضياء هذا تارة وبرد هذا أخرى {ولتعلموا} بفصل هذا من هذا {عدد السنين} أي من غير حاجة إلى حساب، لأن النيرين يدلان على تحول الحول بمجرد تنقلهما.
ولما كانا أيضاً يدلان على حساب المطالع والمغارب، والزيادة والنقصان، وغير ذلك من الكوائن، لمن أمعن النظر، وبالغ في الفكر،
(11/385)

قال تعالى: {والحساب} أي جنسه، فصلناهما لذلك على هذا الوجه المتقن بالزيادة والنقصان، وتغير الأحوال في أوقات معلومة، على نظام لا يختل على طول الزمان مقدار ذرة، ولا ينحل قيس شعرة إلى أن يريد الله خراب العالم وفناء الخلق، فيبيد ذلك كله في أسرع وقت وأقرب زمن، ولولا اختلافهما لاختلطت الأوقات وتعطلت الأمور {وكل شيء} غيرهما مما تحتاجون إليه في دينكم أو دنياكم {فصلناه} أي بعظمتنا، وأزلنا ألباسه، وأكد الأمر تنبيهاً عل تمام القدرة، وأنه لا يعجزه شيء يريده، فقال تعالى: {تفصيلاً *} فانظروا بأبصاركم وبصائركم، وتتبعوا في علانياتكم وسرائركم، تجدوا أمراً متقناً ونظاماً محكماً {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} [الملك: 4] .
ولما كان هذا أمراً دقيقاً جداً، أتبعه ما هو أدق منه وأغرب في القدرة والعلم من تفاصيل أحوال الآدميين، بل كل مكلف بعضها من بعض من قبل أن يخلقهم، فقال تعالى: {وكل إنسان} أي من في طبعه التحرك والاضطراب {ألزمناه} أي بعظمتنا {طائره} أي عمله الذي قدرناه عليه من خير وشر، ولعله عبر به
(11/386)

لأنهم كانوا لا يقدمون ولا يحجمون في المهم من أعمالهم إلا بالطائر فيقولون: جرى لفلان الطائر بكذا.
{في عنقه} أي الذي محل الزين بالقلادة ونحوها، والشين بالغل ونحوه، إلزاماً لا يقدر أن ينفك عن شيء منه كما لا يقدر على الانفكاك عن العنق، وذلك كما ألزمنا بني إسرائيل ما قضينا إليهم في الكتاب، فكان كما قلنا، وهم يعلمون نه من السوء بمكان، فلم يقدروا على الاحتراز منه والانفصال عنه، فلا يمكن أن يظهر في الأبد إلا ما قضى به في الأزل «جف القلم بما هو كائن» {ونخرج} أي بما لنا من العظمة وشمول العلم وتمام القدرة {له يوم القيامة} أي الذي لا بد من إيجاده {كتاباً} بجميع ما عمل {يلقاه} حال كونه {منشوراً *} تكتبه حَفَظَتَنا كل يوم، ثم إذا صعدوا قابلوا ما فيه على ما سطرناه قديماً في اللوح المحفوظ فيجدونه كما هو، لا خلاف فيه أصلاً، فإذا لقي كتابه يوم العرض قيل له: {اقرأ كتابك} أنت بنفسك غير ملزم بما يقرأه غيرك {كفى} وحقق الفاعل بزيادة الباء فقال تعالى: {بنفسك اليوم} أي في جميع هذا اليوم الذي تكشف فيه الستور، وتظهر جميع الأمور {عليك حسيباً *} أي حاسباً بليغاً، فإنك تعطي القدرة على قراءته
(11/387)

أمياً كنت أو قارئاً، ولا ترى فيه زيادة ولا نقصاً، ولا تقدر أن تنكر منه حرفاً، إن أنكره لسانك شهدت عليك أركانك، فيا لها من قدرة باهرة، وقوة قاهرة، ونصفة ظاهرة! .
ولما كان ما مضى، أنتج قطعاً معنى ما قلنا لبني إسرائيل {إن أحسنتم} الآية، لكل أحد منهم ومن غيرهم، وذلك قوله تعالى: {من اهتدى} فتبع الهدى {فإنما يهتدي لنفسه} لأن ثوابه لا يتعداه {ومن ضل} بالإعراض عما أنزلنا من البيان {فإنما يضل عليها} لأن عقابه عليه، لا يتجاوزه {ولا تزر وازرة} أي أي وازرة كانت {وزر أخرى} لتخفف عنها، بل لكل جزاء عمله لا يتعداه إلى غيره، فنثيب من اهتدى ونعذب من ضل {وما كنا} أي على عظمتنا {معذبين} أحداً {حتى نبعث} أي بعثاً يناسب عظمتنا {رسولاً *} فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه، وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام في جميع الأمم كما قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً} [النحل: 36] {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [
(11/388)

فاطر: 24] فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت، وعمت الأقطار واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام
{ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} [ص: 7] فإنه يفهم أنهم سمعوه في الملة الأولى فمن بلغته دعوة أحد منهم بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر مستحق للعذاب، فلا تغتر بقول كثير من الناس في نجاة أهل الفترة مع إخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار، وأن ما يدحرج الجعل خير منهم - إلى غير ذلك من الأخبار؛ قال الإمام أبو عبد الله الحليمي أحد أجلاء الشافعية وعظماء أئمة الإسلام رضي الله عنهم في أوائل منهاجه في باب من لم تبلغه الدعوة: وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلاً مميزاً إذا رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد ديناً فهو كافر، لأنه وإن لم يكن سمع دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء الذين كانوا قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم،
(11/389)

فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع آية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر، كان بذلك معرضاً عن الدعوة فكفر - والله أعلم، وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلهاً - وما نرى أن ذلك يكون - فإن كان فأمره على الاختلاف - يعني عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. وما قاله الحليمي نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه؛ قال الزركشي في آخر باب الديات من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور - أي عدم بلوغ - الدعوة حيث قال: وما أظن أحداً إلا بلغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء النهر بكوننا، وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق من لم تبلغه الدعوة.
ولما أشار إلى عذاب المخالفين، قرر أسبابه وعرف أنها بقدره،
(11/390)

وأن قدره لا يمنع حقوق العذاب، لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول بينهم فقال تعالى: {وإذا} أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا، وإذا أردنا أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ألقينا في قلوب أهلها امتثال أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا، وإذا {أردنا} وإرادتنا لا تكون إلا عظيمة جداً {أن نهلك} أي بعظمتنا {قرية} في الزمن المستقبل {أمرنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها {مترفيها} الذين لهم الأمر والنهي بالفسق، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعملون من المعاصي، الذي كان - بكونه سبباً لبطرهم ومخالفتهم - كالأمر بالفسق {ففسقوا فيها} بعد ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما قال تعالى
{فلما نسوا ما ذكروا به} [الأنعام: 44]- أي على ألسنة الرسل - {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} [الأنعام: 44] الآية {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} [الأنعام: 123] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع، ولأنهم أحق الناس بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر، ويجوز أن يكون: أمرناهم بأوامرنا ففسقوا فيها، أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعاً
(11/391)

أن أوامرنا تكون بها ولا تكون بغيرها، لأنا لا نأمر بالفحشاء، وقد جرت العادة بأن المترف عسر الانقياد، لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعاً بعدما كان متبوعاً، فعصوا فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على المعصية فأهلكناهم، وقرأ يعقوب: آمرنا - بمد الهمزة بمعنى كثرنا، من آمرت الشيء وأمرته فأمر - إذا كثرته، وفي الحديث «خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة» أي كثيرة النتاج؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: آمر بنو فلان. والكثرة راجعة إلى الأمر الذي هو ضد النهي، فإنه نتيجة العز الذي هو لازم الكثرة، ويجوز أن يكون من المؤامرة، أي أمرناهم بأوامرنا فما امتثلوا وأمرونا بأوامرهم، أي سألونا ما يريدون فأعطيناهم ذلك استدراجاً فأبطرهم نيل الأماني ففسقوا {فحق} أي وجب وجوباً لا شك في وقوعه {عليها القول} الذي توعدناهم به على لسان الرسول بمباشرة البعض للفسق وسكوت الباقين على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب للفسق وسكوت الباقين على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب عليه استحق العقاب {فدمرناها} أي أهلكناها إهلاكاً شديداً بغتة غير مبالين بها فجعلناها
(11/392)

كالمدرة المفتتة، وكان أمرها على عظمتنا هيناً، ولذلك أكد فقال تعالى: {تدميراً *} .
(11/393)

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)
ولما قرر أن هذا شأنه إذا أراد أن يهلك، أخبر أنه فعل ذلك بمن لا يحصيهم العد من القرون، ولا يحيط بهم الحد من الأمم، لأن الاعتبار بالمشاهد أوقع في القلب وأهول عند النفس، فكأنه قال: كم فعلنا ذلك بالقرى ولم نستعجل في إهلاك قرية منهم ولا أخذناهم من غير إنذار، بل أرسلنا فيهم وأملينا لهم إلى أن كان ما علمناه في الأزل، وجاء الوقت الذي قدرناه، وبلغوا في الذنوب ما يستحقون به الأخذ، ولقد أهلكنا قوم نوح على هذا السنن، وكانوا أهل الأرض - كما مضت الإشارة إليه ووقع التنبيه عليه، وإهلاكهم كان في إبلاغ أهل الأرض ما أرسلنا به رسلنا من التوحيد لأن ذلك لم يخفف على أحد بعدهم، وعطف على هذا المقدر قوله تعالى: {وكم أهلكنا} أي بما لنا من العظمة، وبين مدلول «كم» بقوله تعالى: {من القرون} على هذا السنن.
ولما كان الإهلاك بعذاب الاستئصال لم يستغرق ما بعده، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعد نوح} الذي أنتم ذرية من أنجيناه
(11/393)

بالحمل معه بذنوبهم أمهلناهم حتى أعذرنا إليهم ثم أخذناهم في مدد متفاوتة، فكان بعضهم أقصر مدة من بعض وبعضهم أنجيناه بعد أن أحطنا به مخايل العذاب، وأما من قبل نوح فالظاهر من عبارة التوراة وسكوت القرآن أنهم لم يكونوا كفاراً، وبه صرح كثير من المفسرين في تفسير {كان الناس أمة واحدة} [البقرة: 213] .
ولما كان ذلك ربما أوجب أن يقال: كيف يعذب الساكت مع إمكان عذره بعجز أو غيره؟ قال دافعاً لذلك تاركاً مظهر العظمة، تلطفاً بهذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، في جملة حالية: {وكفى بربك} أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وأعقابهم من الاستئصال {بذنوب عباده} أي لكونه خلقهم وقدر ما فيهم من جميع الحركات والسكنات {خبيراً} من القدم، فهو يعلم السر وأخفى، وأما أنتم فلستم هناك، فكم من إنسان كنتم ترونه من أكابر الصالحين ثم أسفرت عاقبته عند الامتحان عن أنه من أضل الضالين {بصيراً *} بها، إذا وقعت لا يخفى عليه شيء منها، وأما أتم فكم من شخص
(11/394)

كنتم ترونه مجتهداً في العبادة، فإذا خلا بارز ربه بالعظائم.
ولما تقرر أنه سبحانه خبير بذنوبهم بعد تزهيده في الدنيا بما ذكر من مصارع الأولين، أتبعه الإخبار بأنه يعاملهم على حسب علمه على وجه معرف بعلمه بجميع طوياتهم من خير وشر، مرغب في الآخرة، مرهب من الدينا، لأنها المانعة من اتباع الرسل والتقيد بطاعتهم، خوفاً من نقص الحظ من الدينا بزوال ما هو فيه من الرئاسة والمال والانهماك في اللذة جهلاً بأن ما قدر لا يكون غيره سواء كان صاحبه في طاعة أو معصيته فقال تعالى: {من كان يريد} أي إرادة هو فيها في غاية الإمعان بما اقتضاه طبعه المشار إليه بفعل الكون.
ولما كان مدار مقصود السورة على الإحسان الذي هو العبادة على المشاهدة، وكان ذلك منافياً لحال من يلتفت إلى الدنيا، عبر بقوله تعالى: {العاجلة} أي فقط {عجلنا} أي بعظمتنا {له فيها} أي العاجلة {ما نشاء} مما يريده لا جميع ما يريده؛ ثم أبدل من «له» قوله تعالى: {لمن نريد} أي لا لكل من أراد ذلك، تنبيهاً على أن ذلك بقوتنا لا بقوة ذلك المريد {ثم جعلنا}
(11/395)

أي بما لنا من العظمة {له} أي لظاهره وباطنه {جهنم} أي الدركة النارية التي تلقى بالتجهم من كان يلقى الدنيا وأهلها بالتبسم {يصلاها} في الآخرة {مذموماً} أي مفعولاً به الذم، وهو ضد المدح {مدحوراً *} مدفوعاً مطروداً مبعداً، فينبغي لمريد الدنيا أن لا يزال على حذر لأنه لا ينفك من عذاب الآخرة، فإن لم يعط شيئاً من مناه - كما أشار إليه {لمن نريد} اجتمع له العذابان كاملين: فقر الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أعطى فهو لا يعطي كل ما يريد - بما أشار إليه «ما نشاء» - فيجتمع له عذاب ما منعه منها مع عذاب الآخرة.
ولما ذكر الجاهل ذكر العالم العامل فقال تعالى: {ومن أراد الآخرة} أي مطلق إرادة - بما أشار إليه التجريد {من كان} {وسعى} أي وضم إلى نيته العمل بأن سعى {لها سعيها} أي الذي هو لها، وهو ما كانت جديرة به من العمل بما يرضي الله بما شرعه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا أي سعي كان بما لم يشهد ظاهر الكتاب والسنة، إعلاماً بأن النية لا تنفع إلا مع العمل، إما بالفعل عند التمكن، وإما بالقوة عند عدمه؛ ثم ذكر شرط السعي الذي لا يقبل إلا به، فقال تعالى: {وهو مؤمن} أي راسخ في هذا الوصف
(11/396)

كما جاء عن بعض السلف: من لم يكن له ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب - وتلا هذه الآية، وهذا الرسوخ هو الإحسان الذي يدور عليه مقصود السورة؛ ثم رتب عليه الجزاء فقال: {فأولئك} أي العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة {كان} أي كوناً لا بد منه {سعيهم مشكوراً *} أي مقبولاً مثاباً عليه بالتضعيف مع أن بعضهم نفتح عليه أبواب الدنيا كداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ونستعمله فيها بما يحب، وبعضهم نزويها عنه كرامة له لا هواناً، فالحاصل أنها إن وجدت عند الوالي لم تشرفه، وإن عدمت عنه لم تحقره، وإنما الشرف وغيره عند الله بالأعمال.
ولما أخبر عن نفسه الشريفة بما يشير إلى التوسعة على من يريد من أهل الباطل، أخبر بأنه قضى بذلك في الأزل تفضلاً فقال تعالى: {كلاًّ} أي من الفريقين: مريد الدنيا ومريد الآخرة {نمد} أي بالعطاء؛ ثم أبدل من {كلاًّ} قوله تعالى: {هؤلاء} أي الذين طلبوا الدنيا نمد {وهؤلاء} الذين طلبوا الآخرة نمد {من عطاء ربك} أي المحسن إليه بجميع قضائه، إن ضيق على مؤمن فبالحماية من الدنيا
(11/397)