Advertisement

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 011



الكتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: 885هـ)
الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة
عدد الأجزاء: 22
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] الفانية التي إنما هي لهو ولعب، وإن وسع فبالاستعمال فيها على حسب ما يرضيه ويعلي كلمته {وما كان عطاء ربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك {محظوراً *} أي ممنوعاً في الدنيا عن مؤمن ولا كافر، بل هو ملء السهل والجبل من الذهب والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلاً ونهاراً، ولم يكن لهم شغل سوى ذلك، لأعياهم ولم يقدروا عليه، فسبحان الجواد الواسع المعطي المانع، ثم أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا، فقال تعالى آمراً بالاعتبار: {انظر} وبين أن حالهم لغرابته أهل لأن يسأل عنه فقال تعالى: {كيف فضلنا} أي بما لنا من العظمة القاهرة {بعضهم على بعض} في هذه الحياة الدنيا بالعطاء، فصار الفاضل يسخر المفضول، والمفضول يرغب في خدمة المفضل ويتشرف بالتقرب إليه، مع أن رزق الله - وهوعطاءه - بالنسبة إلى الكل على حد سواء، خلق ما هو موجود في هذه الدنيا للبر والفاجر، وكل حريصون على أن يأخذوا فوق كفايتهم من الأرزاق التي هي أكثر منهم، فما كان هذا التفاضل إلا بقسر قادر قهرهم على ذلك، وهو من تنزه عن النقص وحاز
(11/398)

على كمال، فاستحق أن لا توجه رغبة راغب إلا إليه.
ولما نبه على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته، أخبر أن ما بعد الموت كله كذلك من غير فرق فقال: {وللآخرة} أكد الإخبار عما فيها المستلزم لتأكيد الإعلام بوجودها لهم من إنكاره {أكبر درجات} من هذه الحياة الدنيا {وأكبر تفضيلاً *} أولاً بالجنة والنار أنفسهما، وثانياً بالدرجات في الجنة والدركات في النار؛ ولما كان العلم هنا مقيداً بالذنوب، ذكر بعد المفاضلة في الدنيا، ولعل في ذلك إشارة إلى أن أكثر من يزاد في الدنيا تكون زيادته نقصاً من آخرته بسبب ذنب اكتسبه أو تقصير ارتكبه، ولما كان العلم فيما يأتي في قوله تعالى: {وربك أعلم} مطلقاً، طوى بعده الرذائل، وعطف على ذلك المطوي الفضائل، فقال تعالى: {ولقد فضلنا بعض، النبيين على بعض} الآية، فمن كانت له نفس أبيه وهمة علية كان عليه أن يزهد في علو فانٍ لأجل العلو الباقي.
(11/399)

لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25)
ولما تقرر بما مضى أن له سبحانه الأمر كله، وأنه متصف بجميع الكمال منزه عن شوائب النقص، أنتج أنه لا إله غيره، فقال تعالى يخاطب الرأس لأن ذلك أوقع في أنفس الأتباع، وإشارة إلى أنه لا يوحده
(11/399)

حق توحيده سواه، ويجوز أن يكون خطاباً عاماً لكل من يصح أن يخاطب به: {لا تجعل مع الله} الذي له جميع صفات الكمال {إلهاً} وسيأتي قريباً سر قوله: {ءاخر} أنه مفهوم من المعية {فتقعد} أي فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي تصير في الدنيا قبل الآخرة {مذموماً} .
ولما كان الذم قد يحتمله بعض الناس مع بلوغ الأمل، بين أنه مع الخيبة فقال تعالى: {مخذولاً *} أي غير منصور فيما أردته من غير أن يغني عنك أحد بشفاعة أو غيرها. ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده، أتبعه الإخبار بالأمر بذلك جمعاً في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحاً بعد التنزيه له عن الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر، إعلاماً بعظم المقام فقال تعالى: {وقضى} أي نهاك عن ذلك وأمر {ربك} أي المحسن إليك أمراً حتماً مقطوعاً به ماضياً لا يحتمل النزاع؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى: {ألا تعبدوا} أي أنت وجميع أهل دعوتك، وهم جميع الخلق {إلا إياه} فإن ذلك هو الإحسان.
ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبهاً على وجوب ذلك باسم الرب، أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال:
(11/400)

{وبالوالدين} أي وأحسنوا، أي أوقعوا الإحسان بهما {إحساناً} بالإتباع في الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السلام فإن ذلك يزيد في حسناتهما، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
ولما كان سبحانه عليماً بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السن، قال تعالى: {إما} مؤكداً بإدخال «ما» على الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماماً بشأن الأبوين {يبلغن عندك} أي بأن يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك {الكبر} ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى: {أحدهما أو كلاهما} فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك {فلا تقل لهما أف} أي لا تتضجر منهما، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيراً هنا؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيماً للمقام فقال: {ولا تنهرهما} فيما لا ترضاه؛ والنهر: زجر بإغلاظ وصياح. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول الفقه: وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا
(11/401)

في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى - قوله تعالى: {ولا تقل لهما أف} بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذل، ولذلك عطف عليه {ولا تنهرهما} لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى، ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى، كما لو قال قائل: من يعمل ذرة خيراً يره، ومن يعمل قيراطاً يره، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه، ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله - انتهى.
ولما نهاه عن عقوقهما تقديماً لما تدرأ به المفسدة، أمره ببرهما جلباً للمصلحة، فقال تعالى: {وقل لهما} أي بدل النهر وغيره {قولاً كريماً *} أي حسناً جميلاً يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة،
(11/402)

ومن ذلك أنك لا تدعوهما بأسمائهما، بل بيا أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا {واخفض لهما} ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل، استعار لتعطفه عليهما رعياً لحقوقهما قوله تعالى: {جناح الذل} أي جناح ذلّك، وبين المراد بقوله تعالى: {من الرحمة} أي لا من أجل امتثال الأمر والنواهي وما تقدم لهما من من أجل الرحمة لهما، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وما تقدم لهما من الإحسان إليك، فصارا مفتقرين إليك وقد كنت أفقر خلق الله إليهما، حتى يصير ذلك خلقاً لازماً لك فإن النفس لأمارة بالسوء، وإن لم تقد إلى الخير بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر في حقائق الأمور وعجائب المقدور، ولذلك أتبعه قوله تعالى آمراً بأن لا يكتفي برحمته التي لا بقاء لها، فإن ذلك لا يكافىء حقهما بل يطلب لهما الرحمة الباقية: {وقل رب} أي أيها المحسن إليّ بعطفهما عليّ حتى ربياني وكانا يقدماني على أنفسهما {ارحمهما} بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما رحمتهما أنا برحمتي القاصرة مع بخلي وما فيّ من طبع اللوم {كما ربياني} برحمتهما لي {صغيراً *} وهذا مخصوص
(11/403)

بالمسلمين بآية {ما كان للنبي} لا منسوخ، ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمه في سلكه، وختمه بالتضرع في نجاتهما، جزاء على فعلهما وشكراً لهما، وضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى شيء من امتهانهما، مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يدخل الصبر إليها في حد الاستطاعة إلا بتدريب كبير.
ولما كان ذلك عسراً جداً حذر من التهاون به بقوله تعالى: {ربكم} أي المحسن إليكم في الحقيقة، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك {أعلم} أي منكم {بما في نفوسكم} من قصد البر بهما وغيره، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سبباً لرحمتهما {إن تكونوا} أي كوناً هو جبلة لكم {صالحين} أي متقين أو محسنين في نفس الأمر؛ والصلاح: استقامة الفعل على ما يدعو إليعه الدليل، وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بهد فرة بقوله تعالى: {فإنه كان للأوابين} أي الرجاعين
(11/404)

إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه {غفوراً *} أي بالغ الستر، تنبيهاً لمن وقع منه تقصير، فرجع عنه على أنه مغفور.
(11/405)

وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)
ولما حث على الإحسان إليهما بالخصوص، عم بالأمر به لكل ذي رحم وغيره، فقال تعالى: {وءات ذا القربى} من جهة الأب أو الأم وإن بعد {حقه و} آت {المسكين} وإن لم يكن قريباً {وابن السبيل} وهو المسافر المنقطع عن ماله لتكون متقياً محسناً.
ولما رغب في البذل، وكانت النفس قلما يكون فعلها قواماً بين الإفراط والتفريط، أتبع ذلك قوله تعالى: {ولا تبذر} بتفريق المال سرفاً، وهو بذله فيما لا ينبغي، وفي قوله {تبذيراً *} تنبيه على أن الارتقاء نحو ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير؛ والتبذير: بسط اليد في المال على حسب الهوى جزافاً، وأما الجود فبمقدار معلوم، لأنه اتباع أمر الله في الحقوق المالية، ومنها معلوم بحسب القدر، ومنها معلوم بحسب الوصف كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ذلك، وقد سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن التبذير فقال: إنفاق المال من غير حقه، وعن مجاهد رضي الله عنه: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيراً، ولو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً. ثم علل ذلك بقوله:
(11/405)

{إن المبذرين} أي جبلة وطبعاً {كانوا} أي كوناً هم راسخون فيه {إخوان الشياطين} أي كلهم، البعيدين من الرحمة، المحترقين في اللعنة، فإن فعلهم فعل النار التي هي أغلب أجزائهم، وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير نفع، فإذا لم يجدوا أخذوا ما ليس لهم، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم وتابع أمرهم: هو أخوهم.
ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر، والتبذير أقود إلى الكفر، قال تعالى: {وكان الشيطان} أي هذا الجنس البعيد من كل خير، المحترق من كل شر {لربه} أي الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته {كفوراً *} أي ستوراً لما يقدر على ستره من آياته الظاهرة، ونعمه الباهرة، مع الحجة.
ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان، أمر بمثل ذلك حالة العدم، فقال مؤكداً تنبيهاً على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز الاستبعاد والاستنكار: {وإما تعرضن عنهم} أي عن جميع من تقدم ممن أمرت بالبذل له، لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه، لكونك لا تجد ما تعطيه، فأعرضت حياء لا لإرادة المنع، بل {ابتغاء} أي طلب {رحمة} أي إكرام وسعة {من ربك} الكثير الإحسان {ترجوها} فإذا أتتك واسيتهم فيها {فقل لهم} في حالة الإعراض {قولاً ميسوراً *} أي ذا يسر يشرح صدورهم، ويبسط رجاءهم، لأن ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين الذين أنا
(11/406)

معهم؛ قال أبو حيان: وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله - انتهى.
وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه، فوضع المسبب موضع السبب.
ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم، في سياق ينفر منه ومن الإسراف، فقال ممثلاً بادئاً بمثال الشح: {ولا تجعل يدك} بالبخل {مغلولة} أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل {إلى عنقك} لا تستطيع مدها {ولا تبسطها} بالبذل {كل البسط} فتبذر {فتقعد} أي توجد كالمقعد، بالقبض {ملوماً} أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله، لأن ذلك مما نهى عنه، وعند الناس، وبالبسط {محسوراً *} منقطعاً بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال.
(11/407)

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
ولما كان سبب البخل خوف الفقر، وسبب البسط محبة إغناء المعطي، قال مسلياً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم، لا لهوان بالمضيق عليه، ولا لإكرام للمسوع عليه: {إن ربك}
(11/407)

أي المحسن إليك {يبسط الرزق لمن يشاء} البسط له دون غيره {ويقدر} أي يضيق كذلك سواء قبض يده أو بسطها {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} [الشورى: 27] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عنه أقصى مكروهه، فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في الاقتصاد {إنه كان} أي كوناً هو في غاية المكنة {بعباده خبيراً} أي بالغ الخبر {بصيراً *} أي بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم مصلحة أو مفسدة.
ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك، وختمه بما قرر من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة، أوصاهم بالفروع، لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر، وكان اسم البنت قد صار عندهم لطول ما استهجنوه موجباً للقسوة، فقال في النهي عن ذلك مواجهاً لهم، إعلاماً ببعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا الخلق قبل الإسلام وبعده: {ولا تقتلوا أولادكم} معبراً بلفظ الولد هو داعية إلى الحنو والعطف {خشية إملاق} أي فقر متوقع لم يقع بعد؛ ثم وصل بذلك استئنافاً قوله: {نحن نرزقهم وإياكم} مقدماً ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقباً من الإنفاق عليهم غير حاصل في حال القتل، بخلاف
(11/408)

آية الأنعام فإن سياقها يدل على أن الإملاق حاصل عند القتل، والقتل للعجز عن الإنفاق، ثم علل ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى: {إن قتلهم} أي مطلقاً لهذا أو غيره {كان خطأً} أي إثماً {كبيراً *} قال الرماني: والخطأ - أي بكسر ثم سكون - لا يكون إلا تعمداً إلى خلاف الصواب، والخطأ - أي محركاً - قد يكون من غير تعمد.
ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داعٍ من الإسراف، أتبعه به فقال تعالى: {ولا تقربوا} أي أدنى قرب بفعل شيء من مقدماته ولو بإخطاره بالخاطر {الزنى} مع أن السبب الغالب في فعل النساء له الحاجة وطلب التزيد، وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه، وفيه تسبب في إيجاد نفس الباطل، كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل، وعبر بالقربان تعظيماً له لما فيه من المفاسد الجارّة إلى الفتن بالقتل وغيره؛ ثم علله بقوله مؤكداً إبلاغاً في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه: {إنه كان} أي كوناً لا ينفك عنه {فاحشة} أي زائدة القبح، وقد نهاكم عن الفحشاء في آية العدل والإحسان {وساء} الزنا {سبيلاً *} أي ما أسوأه من طريق!
(11/409)

والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على سعة منهجه.
ولما أتم النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي السبب على تقدير، وفي إهلاك الولد بالقتل وما في معناه، أتبعهما مطلق القتل الذي من أسبابه تحصيل المال فقال تعالى: {ولا تقتلوا النفس} أي بسبب ما جعل خالقها لها من النفاسة {التي حرم الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله بالإسلام أو العهد {إلا بالحق} أي بأمر يحل الله به تلك الحرمة التي كانت، فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الموجود بخلاً ثم بذله إسرافاً ثم تحصيل المفقود بغياً؛ ثم عطف على ما أفهم السياق تقديره وهو: فمن قتل نفساً بغير حق فقد عصى الله ورسوله {ومن قتل} أي وقع قتله من أيّ قاتل كان {مظلوماً} أي بأيّ ظلم كان، من غير أن يرتكب إحدى ثلاث: الكفر، والزنا بعد الإحصان، وقتل المؤمن عمداً، عدواناً {فقد جعلنا} أي بما لنا من العظمة {لوليه} أي سواء كان قريباً أو سلطاناً {سلطاناً} أي أمراً متسلطاً {فلا يسرف} الولي، أو فلا تسرف أيها الولي {في القتل} بقتل غير القاتل، ولا يزد على حقه بوجه {إنه} أي القتيل {كان منصوراً *}
(11/410)

في الدنيا بما جبل الله في الطباع من فحش القتل، وكراهة كل أحد له، وبغض القاتل والنفرة منه، والأخذ على يده، وفي الآخرة بأخذ حقه منه من غير ظلم ولا غفلة، فمن وثق بذلك ترك الإسراف، فإنه لخوف الفوت أو للتخويف من العود.
(11/411)

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)
ولما نهى عن الإغارة على الأرواح والأبضاع التي هي سببها، أتبعه النهي عن نهب ما هو عديلها، لأن به قوامها، وهو الأموال، وبدأ بأحق ذلك بالنهي لشدة الطمع فيه لضعف مالكه فقال تعالى: {ولا تقربوا} أي فضلاً عن أن تأكلوا {مال اليتيم} فعبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيماً للمقام {إلا بالتي هي أحسن} من طرائق القربان، وهو التصرف فيه بالغبطة تثميراً لليتيم {حتى يبلغ} اليتيم {أشده} وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه.
ولما كانت الوصية نوعاً من أنواع العهد، أمر بوفاء ما هو أعم منها فقال تعالى: {وأوفوا} أي أوقعوا هذا الجنس في الزمان والمكان، وكل ما يتوقف عليه الأمر المعاهد عليه ويتعلق به {بالعهد}
(11/411)

أي بسببه ليتحقق الوفاء به ولا يحصل فيه نقص ما، وهو العقد الذي يقدم للتوثق.
ولما كان العلم بالنكث والوفاء متحققاً، كان العهد نفسه كأنه هو المسؤول عن ذلك، فيكون رقيباً على الفاعل به، فقال تعالى مرهباً من المخالفة: {إن العهد كان} أي كوناً مؤكداً عنه {مسؤولاً *} أي عن كل من عاهد هل وفى به؟ أو مسؤولاً عنه من كل من يتأتى منه السؤال.
ولما كان التقدير بالكيل أو الوزن من جملة الأمانات الخفية كالتصرف لليتيم، وكان الائتمان عليه كالمعهود فيه، أتبعه قوله: {وأوفوا الكيل} أي نفسه فإنه أمر محسوس لا يقع فيه إلباس واشتباه؛ ولما كان صالحاً لمن أعطى ومن أخذ، قال: {إذا كلتم} أي لغيركم، فإن اكتلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن نقصتم عن حقكم ولم توفوا الكيل {وزنوا} أي وزناً متلبساً {بالقسطاس} أي ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين، وزاد في تأكيد معناه فقال تعالى: {المستقيم} دون شيء من الحيف على ما مضى في الكيل سواء {ذلك}
(11/412)

أي الأمر العالي الرتبة الذي أمرناكم به {خير} لكم في الدنيا والآخرة وإن تراءى لكم أن غيره خير {وأحسن تأويلاً *} أي عاقبة في الدارين، وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع، وأفعل التفضيل هنا لاستعمال النصفة لإرخاء العنان، أي على تقدير أن يكون في كل منهما خير، فهذا الذي أزيد خيراً والعاقل لا ينبغي أن يرضى لنفسه بالدون.
ولما كان ذلك مما تشهد القلوب بحسنه، وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه، لأن الله تعالى جبل الإنسان على ذلك كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «البر ما سكن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون وأفتوك» وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» وكان قد جمع الضمائر سبحانه، تلاه سبحانه بما يعمه وغيره فقال تعالى مفرداً الضمير ليصوب النهي إلى كل من الجمع
(11/413)

والإفراد في حالتي الاجتماع والانفراد على حد سواء: {ولا} أي افعلوا ما أمرتم به من ذلك، وانتهوا عما نهيتم عنه منه، لما تقرر في الجبلات من العلم الضروري بخيريته وحسنه، ولا {تقف} أي تتبع أيها الإنسان مجتهداً بتتبع الآثار {ما ليس لك به علم} من ذلك وغيره، كل شيء بحسبه، لا سيما البهت والقذف، فما كان المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه، وما اكتفى فيه بالظن وقف عنده؛ ثم علل ذلك مخوفاً بقوله: {إن السمع والبصر} وهما طريقا الإدراك {والفؤاد} الذي هو آلة الإدراك؛ ثم هوّل الأمر بقوله تعالى: {كل أولئك} أي هذه الأشياء العظيمة، العالية المنافع، البديعة التكوين، وأولاء وجميع أسماء الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
{كان} أي بوعد لا خلف فيه {عنه} أي وحده {مسؤولاً *} بسؤال يخصه، هل استعمله صاحبه في طلب العلم مجتهداً في ذلك، ليعمل عند الوقوف على الحقائق بما يرضي الله، ويجتنب ما يسخطه أو لا؟ وأول حديث النفس السابح ثم الخاطر ثم الإرادة والعزيمة، فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت الاختيار فيتعلق بهما التكليف،
(11/414)

ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة بهما، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما لم تعمل به أو تكلم» .
(11/415)

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40)
ولما كان الكبر والأنفة أعظم موقف عن العلم الداعي إلى كل خير، ومرض بمرض الجهل الحامل على كل شر، قال تعالى: {ولا تمش} أي مشياً ما، وحقق المعنى بقوله تعالى: {في الأرض} أي جنسها {مرحاً} وهو شدة الفرح التي يلزمها الخيلاء، لأن ذلك من رعونات النفس بطيش الهوى وداعي الشهوة وما طبعت عليه من النقائص، فإنه لا يحسن إلا بعد بلوغ جميع الآمال التي تؤخذ بالجد ولن يكون ذلك لمخلوق، ولذلك علله بقوله تعالى: {إنك لن تخرق} أي ولو بأدنى الوجوه {الأرض} أي تقطعها سيراً من مكانك إلى طرفها {ولن تبلغ} أي بوجه من الوجوه {الجبال طولاً *} أي طول الجبال كلها بالسير فيها، فإذا كنت تعجز في قدرتك وعلمك عن خط مستقيم من عرض الأرض
(11/415)

مع الجد والاجتهاد وعن التطاول على أوتادها فبماذا تفخر؟ وبأيّ شيء تتكبر حتى تتبختر؟ وذلك من فعل من بلغ جميع ما أمل؛ ثم عظم جميع ما مضى من المنهيات وأضداد المأمورات بقوله تعالى: {كل ذلك} أي الأمر البعيد من المكارم {كان} أي كوناً غير مزايل.
ولما كانت السيئة قد صارت في حكم الأسماء كالإثم والذنب وزال عنها حكم الصفات، حملها على المذكر ووصفها به فقال تعالى: {سيئه} وزاد بشاعته بقوله تعالى: {عند ربك} أي المحسن إليك إحساناً لا ينبغي أن يقابل عليه إلا بالشكر {مكروهاً *} أي يعامله معاملة المكروه من النهي عنه والذم لفاعله والعقاب، والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه حياء منه، فإن لم يكن فخوفاً من قطع إحسانه، وخضوعاً لعز سلطانه، ويجوز أن يكون المراد بهذا الإفراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى أنه لا يقدر أحد غيره على امتثال هذا المعنى على ما ينبغي، لأنه لا يعلم أحد العلم على ما هو عليه سواء، ولأن الرأس إذا خوطب بشيء
(11/416)

كان الأتباع له أقبل وبه أعنى.
ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم، أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف، تنبيهاً للسامع على أن يسأل عنه: {ذلك} أي الأمر العالي جداً {مما أوحى} أي بعث في خفية {إليك ربك} أي المحسن إليك {من الحكمة} التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر، ومن حكمة هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع، بل كانت هكذا في كل ملة.
ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء، وكان الشرك أعظم جهل، أتبعه - ليكون النهي عنه بدءاً وختاماً، دلالة على فرط شناعته عطفاً على ما مضى من النواهي - قوله تعالى: {ولا تجعل} أو يقدر له ما يعطف عليه نحو: فالزمه ولا تجعل {مع الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله {إلهاً} .
ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعداداً للمسميات كما ورد في سبب نزول {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} قال تعالى مع إفهام المعية للغيرية: {ءاخر} فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى
(11/417)

عن قفوه {فتلقى} أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس {في جهنم} من الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عالٍ، حال كونك {ملوماً} أي معنفاً على ما فعلت بعد الذم {مدحوراً *} أي مطروداً بعد الخذلان، فهذان الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن يبدأ بالأخف تسليكاً لعباده، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن الإله لا يكون إلا واحداً بالذات فلا ينقسم، وبالاعتبار فلا يجانس؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها {لا تجعل مع الله إلهاً ءاخر} وهي عشر آيات في التوراة، جعل فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم.
ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسباً ومجانساً في أخص الصفات وهي الإلهية، وكانت عبادتهم لهم تحقيقاً لذلك، وكان ذلك أزيد من مجرد الشرك في الجهل، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيهاً على ظهور فساده متصلاً بما مضى من النهي عن الشرك
(11/418)

بالعطف بفاء السبب على {ما} بعد الاستئناف بهمزة الإنكار، فكان كأنه قيل: لا تفعل ذلك كما فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما تقدم في النحل في قوله تعالى {ويجعلون لله البنات} [النحل: 54] ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم؛ ثم التفت إليهم مخاطباً بما دل على تناهي الغضب فقال: {أفأصفاكم ربكم} أي أخلق المحسن إليكم بنين وبنات فأصفاكم إحساناً إليكم وأنتم تكفرون به {بالبنين} الذين هم أفضل صنفي الأولاد، {و} لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في البنين، بل {اتخذ} عبر بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن من الآخر لا يكون إلا شديد الرغبة فيما عدل إليه {من الملائكة} الذين هم أقرب عباده أولاداً، ثم ما كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ما اتخذه {إناثاً} فرضي لنفسه - وهو إلهكم الخالق الرازق - با لا ترضونه لأنفسكم، ووصلتم في كراهته في بعض الحالات إلى القتل، فصار مشاركاً لكم في البنات مخصصاً لكم دونه بالبنين، وذلك خلاف
(11/419)

عادتكم، فإنه العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات، وعبر أولاً بالبنين دون الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع، مرض لمن بشر به من غير نظر في العاقبة، وقد يكون أنثى الأفعال، ولأن اسم الذكر مشترك المعنى، وعبر في الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ، ولأنهن بنات بالمعادلة، ويمكن أن تنزل الآية على الاحتباك، فيكون التقدير: بالبنين ورضي لنفسه بالبنات، وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور، واتخذ من الملائكة الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثاً في غاية الرخاوة، ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظماً لذلك بقوله تعالى: {إنكم لتقولون} وأكده لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه بقوله تعالى: {قولاً} وزاد في ذلك بقوله: {عظيماً *} أي في الجهل والإفك، عليه وعلى ملائكة الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فتضيفون إليه الأولاد وهم من خصائص الأجسام ثم تفضلون أنفسكم عليه
(11/420)

فتجعلون له ما تكرهون.
(11/421)

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)
ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على الإنسان ولم يرجعوا، أشار إلى أن لهم أمثال هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى: {ولقد صرفنا} أي طرقنا تطريقاً عظيماً بأنواع طرق البيان من العبر والحكم، والأمثال والأحكام، والحجج والأعلام، في قوالب الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والمحكم والمتشابه - إلى غير ذلك {في هذا القرءان} من هذه الطرق ما لا غبار عليه، ونوعناه من جهة إلى جهة، ومن مثال إلى مثال؛ والتصريف لغة: صرف الشيء من جهة إلى أخرى، ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو حيان.
ولما كان ذلك مركوزاً في الطباع، وله في العقول أمثال تبرز عرائسها من خدورها بأدنى التفات من النفس، سمي الوعظ بها تذكيراً بما هو معلوم فقال تعالى: {ليذكروا} أي نوعاً من التذكير - بما أشار إليه الإدغام، فإنه سبحانه كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا يخرج شيء منه عن العقل، بل هو مركوز في الطباع، وله شواهد في الأنفس والآفاق، يستحضرها الإنسان بأدنى إشارة وأيسر تنبيه، إذا أزيل عنها ما سترها عن العقل من الحظوظ
(11/421)

والشواغل، وأتبعه قوله تعالى معجباً منهم: {وما يزيدهم} التصريف {إلا نفوراً *} عن السماع فضلاً عن التذكير، لاعتقادهم أن ذلك ليس ببراهين، بل هو شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه مما ألفوه وتلقوه عن آبائهم وتمادت عليهم الدهور في اعتقاد كونه حقاً، فكأنه قيل: فما يفعل بهم؟ فقال تعالى: {قل} لهم ولا تيأس من رجوع بعضهم: {لو كان معه} أي ربكم الذي تقدم وصفه بالإحسان والتنزيه {ءالهة كما يقولون} من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ضحكة للعباد {إذاً لابتغوا} أي طلبوا طلباً عظيماً {إلى ذي العرش} أي صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفرداً بالتدبير {سبيلاً *} أي طريقاً سالكاً يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون من فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض، أو ليتخذوا عنده يداً تقربهم إليه، وصرح بالعرش تصويراً لعظمته وتعييناً للمبتغي والمبتغى؛ ثم نزه نفسه تعظيماً عن ذلك وعن كل نقص فقال تعالى: {سبحانه} أي تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص {وتعالى} أي علا
(11/422)

أعظم العلو بصفات الكمال {عما يقولون} من هذه النقائض التي لا يرضاها لنفسه أحد من عقلاء خلقه فضلاً عن رئيس من رؤسائكم، فكيف بالعلي الأعلى! وأتى بالمصدر المجرد في قوله تعالى: {علواً} إيذاناً بأن الفعل مجرد في الحقيقة وإن أتى به على صيغة التفاعل إيذاناً بالمبالغة {كبيراً *} لا تحتمل عقولكم الوقوف على حقيقته ولا تدركون منه أكثر من مفهوم هذا الوصف عندكم بحسب ما تتعارفونه:
والأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقق البلغاء أو إن فخموا
ثم استأنف بيان عظمة هذا التنزيه مقروناً بالوصف بالكمال فقال تعالى: {تسبح} أي توقع التنزيه الأعظم {له} أي الإله الأعظم الذي تقدم وصفه بالجلال والإكرام خاصة {السماوات السبع} كلها {والأرض} أيضاً {ومن فيهن} من ذوي العقول {وإن} أي وما، وأعرق في النفي فقال تعالى: {من شيء} أي ذي عقل وغيره {إلا يسبح} أي ينزه له متلبساً {بحمده} أي بوصفه بما له من صفات الكمال بما له تعالى في ذلك الشيء من الآيات الدالة
(11/423)

على كل من السلب والإيجاب، وهذا تسبيح بلسان المقال ممن يصح منه، وبلسان الحال منه ومن غيره، كما قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ فقال: سل من يدقني. وهو تسبيح من جهات شتى ليسمعها العارفون بسمع الفهم وصفاء الذهن من جهة ذاتها في خلقها ثم في معنى صفتها بحاجتها من جهة حدوثها إلى صانع أحدثها قديم غير مصنوع، ومن جهة إتقانها إلى كونه مدبراً حكيماً، ومن جهة فنائها إلى كونه مع ذلك قادراً مختاراً، قاهراً جباراً - إلى غير ذلك، بخلاف ما لو قصر التسبيح على لسان المقال فإنه يكون من نوع واحد، وأوضح مرشداً إلى ذلك قوله تعالى: {ولكن لا تفقهون} دون «تسمعون» {تسبيحهم} لإعراضكم عن النظر ونفوركم عن سماع الذكر الذي هو أعظم أسبابه، على أن هذا إنما هو بالنسبة لعامة الخلق، وأما الخاصة فإنهم يسمعون تسبيح الجمادات؛ روى البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل: فأدخل يده في الإناء وقال:
(11/424)

حيّ على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وتسبيح الحصى مشهور، وفي زبور داود عليه السلام تكرير كثير لهذه الآية وحث على تأملها، قال في المزمور الثامن والستين: تسبح له السماوات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها. وفي المزمور الخامس والثمانين: فليس مثلك يا ربي وإلهي ولا مثل أعمالك، لأن جميع الأمم الذين خلقت يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويسبحون لاسمك، لأنك عظيم صانع الآيات. وفي الثامن والثمانين: بذراعك العزيزة فرقت أعداءك، لك السماوات ولك الأرض، أنت أسست الدنيا بكمالها، خلقت البر والبحر، تابور وحرمون باسمك يسبحان، لك القوة والجبروت، تعتز يدك، وتعلو يمينك، بالعدل والحكم أتقنت كرسيك، الرحمة والعدل ينطلقان أمامك، طوبى للشعب الذي يعرف
(11/425)

تسبيحك.
وفي الخامس والتسعين: سبحوا الرب تسبيحاً جديداً، الأرض كلها تسبح الرب، اسجدوا للرب في هياكل قدسه لأن جميع الأرض تتزلزل بين يديه، قولوا في الشعوب: إن الله هو الملك أتقن الدنيا لكيلا تزول، يقضي بين الشعوب بالعدل، تفرح السماوات وتبتهج الأرض، ينقلب البحر في عمقه، تتهلل البقاع وما فيها، هنالك يسبح جميع شجر الغياض قدام الرب. وفي السابع والتسعين: ولله تسبح كل الأرض، مجدوا وهللوا وسبحوا الرب. وفي الثامن والأربعين بعد المائة: سبحوا الرب من السماوات، سبحوه من العلى يا جميع ملائكته! وكل جنوده تسبحه، الشمس والقمر يسبحانه، وجميع الكواكب والنور تسبحه، يسبح الرب سماء الدنيا والمياه التي فوق السماوات، تسبح جميعاً اسم الرب لأنه قال فكانوا، وأمر فخلقوا، وأقامهم إلى الأبد والدهر، جعل لها مقدراً لا تتجاوزه، يسبح الرب من في الأرض: التنانين
(11/426)

وجميع الأعماق، النار والبرد والثلج والجليد والريح العاصفة عملت كلمته، الجبال وكل الآكام، الشجر المثمرة وجميع الأرز، السباع وكل البهائم والوحوش وكل حيوان وكل طائر ذي جناح، ملوك الأرض وسائر الشعوب العظماء وجميع حكام الأرض، الشبان والعذارى والشيوخ والصبيان يسبحون اسم الرب، لأن اسمه قد تعالى وحده. وفي الخمسين بعد المائة: سبحوا الله في كل قديسيه، سبحوه في جلد قوته، سبحوه كمثل جبروته، سبحوه بكثرة عظمته، سبحوه بصوت القرن، وسبحوه بأصوات عالية، كل نسمة تسبح الرب.
ولما كان تسبيح جميع المخلوقات أمراً واضح الفهم ظاهر الشأن، فكانوا مستحقين للعقاب في عدم فهمه بعدم التأمل في المصنوعات حق التأمل، نبههم على أن عافيتهم إنما هي لحلمه عنهم، فهو ينظرهم إلى المدة التي ضربها لهم لأنه لا يعجل لتنزهه عن شوائب النقص الذي نطق كل شيء بتنزيهه عنها فقال تعالى: {إنه كان حليماً} حيث لا يعاجلكم بالعقوبة على إعراضكم عن صرف الأفكار فيما
(11/427)

أمركم بصرفها إليه.
ولما كان الغالب على أحوال البشر أن حليمهم إذا غضب لا يغفر، وإن عفا كان عفوه مكدراً، قال تعالى: {غفوراً *} مشيراً بصيغة المبالغة إلى أنه على غير ذلك ترغيباً في التوبة.
(11/428)

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)
ولما قرر في سياق التوحيد أنهم في الحضيض من الغباوة، التفت إلى سيد أولي الفهم، فقال مشيراً إلى النبوة عاطفاً على {لا تفقهون} منبهاً على أنهم لا يفهمون لسان القال فضلاً عن لسان الحال: {وإذا قرأت القرءان} الذي لا يدانيه واعظ، ولا يساويه مفهم، وهو تبيان لكل شيء {جعلنا} أي بما لنا من العظمة {بينك} وبينهم، ولكنه أظهر هذا المضمر بالوصف المنبه على إعراضهم عن السماع على الوجه المفهم فقال تعالى: {وبين الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد لهم إيمان {بالآخرة} أي التي هي قطب الإيمان {حجاباً} مالئاً لجميع ما بينك وبينهم مع كونه ساتراً لك عن أن يدركوك حق الإدراك على ما أنت عليه {مستوراً *} عنهم وعن غيرهم، لا يراه إلا من أردنا، وذلك أبلغ في العظمة وأعجب في نفود الكلمة {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {على قلوبهم أكنة} أي أغطية، كراهة {أن يفقهوه} أي يفهموا القرآن حق فهمه {وفي ءاذانهم وقراً} أي شيئاً ثقيلاً يمنع سماعهم السماع النافع بالقصور في إدراكهم
(11/428)

لا في بيانه، فرؤيتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حال التلاوة غير صحيحة كما أن سمعهم وإدراكهم لما يقرأه كذلك كما قال تعالى {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} [البقرة: 7] {وإذا ذكرت ربك} أي المحسن إليك وإليهم {في القرءان} حال كونه {وحده} مع الإعراض عن آلهتهم {ولوا} وحقق المعنى وصوره بما يزيد في بشاعته تنفيراً عنه فقال: {على أدبارهم نفوراً *} مصدر من غير اللفظ مؤكد لأنه محصّل لمعناه، أو جمع نافر كقاعد وقعود.
ومادة «وقر» بجميع تقاليبها عشر تدور على الجمع كما مضى في آخر يوسف وأول الحجر، فالوقر - بالفتح: ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله - لأن ذلك يوجب اجتماعاً في النفس وسكوناً يحمل على الوقار الذي هو السكينة بفقد بعض ما كان يشعّب الفكر من السمع، ومن ذلك ذلك الوقر - بالكسر: الحمل مطلقاً أو الثقيل، أو لأن الحمل جامع لما فيه والأذن جمعت ما سدها، فكأنه جمع خرقها فصيرها صلداً كالصخرة الصماء لا ينفذ فيها شيء، ولذلك يسمى الطرش الصمم ونخلة موقرة، أي مستجمعة حملاً، واستوقرت الإبل: سمنت أي جمعت
(11/429)

الشحم واللحم، ووقر كوعد: جلس - لاستجماع بعض أعضائه إلى بعض، والوقير: القطيع من الغنم أو صغارها أو خمسمائة منها أو عام، أو الغنم بكلبها وحمارها وراعيها كالقرة - لاستجماع بعضها إلى البعض، والوقري - محركة: راعي الوقير أو مقتني الشاء وصاحب الحمير وساكنو المصر، والقرة - كعدة: العيال والثقل والشيخ الكبير - لأن الكبر والثقل يثمران الوقار الناشىء عن استجماع النفس والعزم وترك الانتشار بالطيش، وما قبلهما واضح في الجمع، والموقر - كمعظم: المجرب العاقل قد حنكته الدهور - لأن ذلك يثمر استجماع العقل، ووقرت الرجل توقيراً: بجلته ورزنته، والدابة: سكنتها - فكان كأنه جمع إليها حمل ثقيل، والتيقور فيعول من الوقار تاءه مبدلة من واو، يقال: وقر في بيته يقر، أي جمع نفسه فيه لاجتماع همه، والموقر - كمجلس: الموضع السهل عند سفح الجبل - لعله شبه بالرجل الوقور المطمئن الساكن النفس، والحامل الذي يوطئه الحمل، والوقرة: وكتة - أي حفرة - تكون في الحافر والعين والحجر - لأن من شأن
(11/430)

الحفرة أن تجمع ما تودعه، ومنه توقير الشيء: أن تصير له وقرات، أي آثاراً، والوقر: الصدع في الساق وكالوكتة أو الهزمة تكون في العظم والحجر والعين، وأوقر الله الدابة: أصابها بوقرة، وفقير وقير، أي مكسور العظام أو الفقار، أو تشبيه بصغار الشاء أو اتباع، أو المعنى أن الدين أوقره، والوقير: النقرة العظيمة في الصخرة تمسك الماء - وهو واضح في الجمع.
والروق: القرن - لشدة اجتماعه لصلابته واستدارته، ولأنه يجمع إقدام صاحبه وعزمه، والروق أيضاً: عزم الرجل وفعاله - لجمعهما أمره، والروق من الليل: طائفة - لاجتماع ساعاتها، والروق من البيت: رواقه، أي شقته التي دون الشقة العليا - لأنها تكمل جمعه لما يقصد منه من الستر، ورواق البيت - ككتاب وغراب. ما أطاف به، قال القزاز: وقيل: الرواق كالفسطاط يحمل على عمود واحد في وسطه، قال في القاموس: أو سقف في مقدم البيت وحاجب العين - ولعله شبه بالستر، ومن الليل: مقدمه وجانبه - شبه بجانب البيت، والروق من الشباب: أوله كالريق بالفتح، والريق ككيس، وأصله ريوق - لأنه ينبني عليه ما بعده ويجتمع إليه كأنه الأصل الذي يجمع
(11/431)

جميع الفروع، والريق أيضاً أن يصيبك من المطر شيء يسير - كأنه أول المطر، والروقة: الشيء اليسير، وهي من ذلك، والروق أيضاً: العمر - لأنه الجامع للحال، وراقني الشيء: أعجبني - لأن الفكر يجمع الخواطر لأجله فلا يظهر له وجه ما صار به معجباً، ووصيف روقة - إذا أعجبك، وجارية روقة وغلمان روقة، جمع رائق، والروقة: الشيء الجميل جداً، والروق - بالفتح العجب والإعجاب بالشيء، ومن الخيل: الحسن الخلق يعجب الرائي، والجمال الرائق، والريق والروق والرواق: الستر - لأنه يجمع البصر والهم عما وراءه، وهو أيضاً موضع الصائد - لأنه يجمعه على ما يريد ويوصله إليه، والروق: الرواق ومقدم البيت والشجاع لا يطاق - لاجتماع همه لما يريد، والفسطاط والسيد - لجمع الفضائل، والصافي من الماء وغيره - لأن الصفاء أجدر باجتماع الأجزاء، والروق: الجماعة والحب الخالص ومصدر راق عليه، أي زاد عليه فضلاً - لأن الزيادة لا تكون إلا عن جمع، والروق: البدن من الشيء - لجمعه له، والحية - لتحويها أي تجمعها، وداهية ذات روقين، أي عظيمة مشبهة
(11/432)

بالثور، ورمى بأرواقه على الدابة: ركبها، أي بجميع أعضائه، ورمى بأرواقه عنها: نزل، وألقى أرواقه: عدا فاشتد عدوه - كأنه خرج من جميع أعضائه - فعدا روحاً بلا بدن فصار أعظم من الطائر، أي غلبت روحه على بدنه، وألقى أوراقه: أقام بالمكان مطمئناً؛ قال في القاموس: كأنه ضد - انتهى.
والمفعول فيه في هذا محذوف، كأنه قال: في مكان كذا، ومن المعلوم أن بدنه إذا كان في مكان وهو حي فقد أقام به، وألقى عليك أرواقه، وهو أن تحبه شديداً، والمعنى أنه ألبسك بدنه فصارت روحك مديرة له فصرت إياه. وتعبير القزاز بقوله «وهو أن تحبه حتى تستهلك في حبه» يدل على ذلك، وألقت السحابة أرواقها، أي مطرها ووبلها أو مياهها الصافية - وذلك هو مجموع ما فيها، وأرواق الليل: أثناء ظلمته بأرواقه - إذا قام وثبت، وقيل: أرواقه: مقاديمه، وأسلبت العين
(11/433)

أرواقها: سالت دموعها، أي جميع ما فيها - كأن ذلك كناية عن اشتداد البكاء، وروق الفرس: الذي يمده الفارس من رمحه بين أذنيه - تشبيه له بقرن الثور، وذلك الفرس أروق، ومنه الروق - محركة، وهو طول الأسنان - تشبيهاً لها بالروق أي القرن - قال القزاز: وقيل: الروق: طول الأسنان وانثناءها إلى داخل الفم، وإشراف العليا على السفلى، والقوم روق - إذا كانوا كذلك، وهو يصلح لأن يكون تشبيهاً بما ذكر، ولأن يكون من الجمع من أجل الانثناء، ومنه أكل فلان روقه - إذا أسن فطال عمره حتى تتحات أسنانه - المشبهة بالقرن، والترويق: التصفية - وقد تقدم أن الشيء إذا خلص من الأغيار كانت أجزاؤه أشد تلاصقاً، والترويق: أن يبيع سلعة ويشتري أجود منها - مشبهة بالتصفية، والراووق: المصفاة يروق بها الشراب بلا عصر والكأس بعينها، والباطية وناجود الشراب الذي يروق به - لأنها تجمع الشراب.
والقرو: القصد والتتبع كالاقتراء والاستقراء والطعن
(11/434)

وهو واضح في الجمع، والقرو: حوض طويل ترده الإبل، وعبارة القزاز: شبه حوض ممدود مستطيل إلى جنب الحوض، يفرغ منه في الحوض الأعظم، ترده الإبل والغنم، وكذا إن كان من خشب. والقرو: الأرض لا تكاد تقطع - كأنها حمت اجتماع أجزائها عن أن يفرقها أحد، والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها - لاجتماع ما يسيل فيه، وأسفل النخلة ينقر فينتبذ فيه أو يتخذ منه المركن والإجانة للشرب، وقدح أو إناء صغير، وميلغة الكلب، وحق عليه طبق، ومنقع الماء، والعرب تقول: أصبحت الأرض قرواً واحداً - إذا كثر الخصب والمطر، وكل ذلك واضح في الجمع، وأن يعظم جلد البيضتين لريح أو ماء، أو نزول الأمعاء كالقروة، وذلك إما لشبههما بالقدح أو لجمعهما ما أوجب كبرهما، وقرّى كفعلى: ماء بالبادية - لجمعه الناس، والقرى: القرع يؤكل - لأنه صالح لأن يجعل إناء، والقرا: الظهر - لجمعه الأعضاء، وناقة قرواء: طويلة السنام، والمقروري: الطويل الظهر، وأقرى: اشتكى - إما أن يكون من شكاية القرا، وإما أن يكون للسلب، أي أزال اجتماع همه وعزمه، والقرواء:
(11/435)

العادة - لجمعها أهلها، والدبر - لجمعها ما فيها، وأقرى: طلب القرى، ولزم القرى، وأقرى الجل على الفرس: ألزمه، والمقاري: رؤوس الإكام - لأنها تجمع، وتركتهم قرواً واحداً على طريقة واحدّة - أي مجتمعين وشاة مقروة: جعل رأسها في خشبة لئلا ترضع نفسها - أي جمع فكاها، وقروة الرأس: طرفه، وعبارة القزاز: وقروان الرأس وقروة الرأس: أعلاه - كأنه مجتمع أمره لأنه موضع المفكرة، وقروة الأنف: طرفه - لأنه آخر جامع لجماله، واستقرى الدمل: صارت فيه المدة - أي اجتمعت، والقيروان: معظم العسكر ومعظم القافلة - وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية المادة في
{بورقكم هذه} في [الكهف: 19] .
(11/436)

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55)
ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه -، أتبعه تعالى ما يؤكد ما مضى ويثبت السامعين فيه فقال تعالى على طريقة الجواب مهدداً ودالاً على أن مداركهم معروفة: {نحن أعلم} أي من كل عالم {بما يستمعون} أي يبالغون في الإصغاء والميل لقصد السمع {به} من الآذان والقلوب، أو بسببه
(11/436)

من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم {إذ} أي حين {يستمعون} أي يصغون بجهدهم، وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى: {إليك وإذ} أي وحين {هم} ذوو {نجوى} أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماع: ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى: {إذ يقول} مبرزاً لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به، وهم {الظالمون} ومقولهم: {إن تتبعون} أي أيها التابعون له بغاية جهدكم {إلا رجلاً مسحوراً *} مختلط العقل، فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال اسم المفعول موضع اسم الفاعل؛ ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى: {انظر} ولما كان أمرهم بما يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى: {كيف ضربوا} أي هؤلاء الضلال {لك الأمثال} التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم: ساحر وشاعر ومجنون ونحوه {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك {فلا} أي فتسبب عن ضلالهم أنهم لا {يستطيعون سبيلاً *} أي يسلكون فيه، إلى إصابة المحن
(11/437)

في مثل، أو إحكام الأمر في عمل، وهذا بعد أن نهاهم الله بقوله تعالى {فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 74] فكأن هذا أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم والسمع فضلاً عن أن يكون لهم إلى مقاومة هذا القرآن - الذي يدعون أنه قول البشر - سبيل أو يغبروا في وجهه بشبهة فضلاً عن دليل.
ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وقدم الدلالة على الأولين، وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها، أتبع ذلك أمراً جلياً في ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير، وحرره أتم تحرير، فقال تعالى معجباً منهم: {وقالوا} أي المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا نحيي الأرض بعد موتها: {أإذا} استفهاماً إنكارياً كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه، والعامل في {إذا} فعل من لفظ {مبعوثون} لا هو. فإن ما بعد {إن} لا يعمل فيما قبلها. فالمعنى: أنبعث إذا {كنا} أي بجملة أجسامنا كوناً لازماً {عظاماً ورفاتاً} أي حطاماً مكسراً مفتتاً وغباراً {إنا لمبعوثون} حال كوننا مخلوقين {خلقاً جديداً *} فكأنه قيل: فماذا يقال لهم في الجواب؟ فقيل: {قل} لهم: لا تكونوا رفاتاً، بل {كونوا}
(11/438)

تراباً، بل كونوا أصلب التراب {حجارة} أي هي في غاية اليبس {أو حديداً *} زاد على يبس الحجارة شدة اتصال الأجزاء {أو خلقاً} غيرهما {مما يكبر} أي يعظم عظمة كبيرة {في صدوركم} عن قبول الحياة ولو أنه الموت، حتى تعلموا حال الإعادة، كيف يكون حالكم في الإجابة إلى ما يريد؟ فإن الكل أصله التراب، فالذي فضل طينكم - الذي خلقتم منه على سائر الطين بالنمو ثم بالحياة ثم بالنطق وفضل بعض الناطقين على بعض بمواهب لا تحصى - قادر أن ينقل تلك الفضيلة إلى الطين الذي نقله طوراً بعد طور إلى أن جعله حجراً أو حديداً {فسيقولون} تمادياً في الاستهزاء: {من يعيدنا} إذا كنا كذلك {قل الذي فطركم} أي ابتدأ خلقكم {أول مرة} ولم تكونوا شيئاً يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها، فكما لم تعجز تلك القدرة عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة {فسينغضون} أي مصوبين بوعد لا خلف فيه مشيرين {إليك رؤوسهم} أي يحركونها من شدة التعجب والاستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون؛ والنغض والإنغاض: تحريك بارتفاع وانخفاض
(11/439)

{ويقولون} استهزاء: {متى هو} ثم وصل به قوله تعالى: {قل} قول مقتصد غير ممتعض بحالهم ولا ضيق بقولهم: {عسى أن يكون} أي كوناً لا انفكاك عنه {قريباً *} مطرقاً إليه الاحتمال لإمكانه غير جازم، ثم استأنف جازماً بقوله: {يوم} أي يكون ذلك يوم {يدعوكم} أي يناديكم المنادي من قبله بالنفخة أو بغيرها كأن يقول: يا أهل القبور! قوموا إلى الجزاء - أو نحو ذلك {فتستجيبون} أي توافقون الداعي فتفعلون ما أراد بدعائه وتطلبون إجابته وتوجدونها، أو استعار الدعاء والاستجابة للبعث والانبعاث تنبيهاً على سرعتهما وتيسر أمرهما، أو أن القصد بهما الإحضار للحساب {بحمده} أي بإحاطته سبحانه بكل شيء قدرة وعلماً من غير تخلف أصلاً، بل لغاية الإذعان كما يرشد إليه صيغة استفعل، وأنتم مع سرعة الإجابة تحمدون الله تعالى، أي تثبتون له صفة الكمال {وتظنون} مع استجابتكم وطول لبثكم {إن} أي ما {لبثتم} ميتين {إلا قليلاً *} لشدة ما ترون من [الأهوال التي أحاطت بكم
(11/440)

والتي تستقبلكم، أو جهلاً منكم بحقائق الأمور كما هي حالكم اليوم كما ترون من - جدة خلقكم وعدم تغيره.
ولما أمره سبحانه بإبلاغهم هذا الكلام، وفيه من التهكم بهم والتبكيت لهم والاستخفاف بعقولهم ما لا يعلم مقداره إلا مثلهم من البلغاء والعرب العرباء، وكان لكونه كلام العليم بالعواقب، الخبير بما تجن الضمائر - ربما استن به المؤمنون فخاطبوهم بنحوه من عند أنفسهم، نهاهم عن ذلك لئلا يقولوا ما يهيج شراً أو تثير ضراً، فقال تعالى: {وقل} أي قل لهم ذلك من الحكمة والموعظة الحسنة، وقل {لعبادي} أي الذين هم أهل للإضافة إليّ، واعظاً لهم لئلا يتجاوزوا الحد من شدة غيظهم من المشركين، إن تقل لهم ذلك {يقولوا} الموعظة والحكمة والمجادلة {التي هي أحسن} لأكون معهم لأني مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الشيطان} أي البعيد من الرحمة، المحترق باللعنة {ينزغ بينهم} أي يفسد ويغري ويوسوس، وأصل النزغ الطعن، وهم غير معصومين، فيوشك أن
(11/441)

يأتوا بما لا يناسب الحال أو الوقت بأن يذكروا مساوىء غيرهم أو محاسن أنفسهم فيوقع في شر؛ ثم علل هذه العلة بقوله تعالى: {إن الشيطان كان} أي في قديم الزمان وأصل الطبع كوناً هو مجبول عليه {للإنسان عدواً} أي بليغ العداوة {مبيناً *} ثم فسر «التي هي أحسن» مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى: {ربكم أعلم بكم} ثم استأنف فقال تعالى: {إن يشأ} رحمتكم {يرحمكم} بأن ييسر لكم أفعال الخير {أو إن يشأ} عذابكم {يعذبكم} بأن ييسركم لأفعال الشر، فإذا قالوا لهم ذلك كانوا جديرين بأن يعرضوا - أو من أراد الله منهم - أفعالهم على ما يعلمونه من الخير والشر فينظروا أيهما أقرب إليها، وربما ردهم ذلك من أنفسهم عن الفساد، لحسم مادة العناد، ويجوز - وهو - عندي أحسن - أن تكون الآية استئنافاً واقعاً موقع التعليل للأمر بقول الأحسن، أي {ربكم} أيها العباد {أعلم بكم} وبما يؤول أمركم إليه من سعادة وشقاوة {إن يشأ يرحمكم} بهدايتكم {أو إن يشأ يعذبكم} بإضلالكم، فلا تحتقروا أيها المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك، فإنه يجر إلى الإحن وحر الصدور وغيظ القلوب بلا فائدة، لأن الخاتمة
(11/442)

مجهولة، ولا تتجاوزوا فيهم ما آمركم به من قول وفعل فإنه الأحسن؛ ثم رقى الخطاب إلى أعلى الخلق ورأس أهل الشرع ليكون من دونه أولى بالمعنيّ منه فقال تعالى: {وما} أي فما أرسلناك إلا للدعاء بمثل ذلك على حسب ما نأمرك به، وما {أرسلناك} أي مع ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء {عليهم وكيلاً *} أي حفيظاً وكفيلاً لغيرهم على ما يرضي الله، وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارهم وأمر أصحابك بمداراتهم.
ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه سبحانه، أخبر بما هو أعم من ذلك فقال تعالى عاطفاً على {ربكم} إعلاماً بأن علمه ليس مقصوراً عليهم، بل هو محيط، قاصراً الخطاب على أعلم الخلق به سبحانه إشارة إلى أنه لا يعلم هذا حق علمه غيره: {وربك} أي المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم} أي من كل عالم {بمن في السماوات} أي كلها {والأرض} منهم ومن غيرهم، بأحوالهم ومقاديرهم وآجالهم وما يستأهل كل واحد منهم، لأنه هو الذي خلقهم وفاوت بينهم في أخلاقهم وهيئاتهم فكيف يستبعدون أن يكون يتيم أبي طالب - على ما كانوا يقولون - نبياً، وأن يكون أصحابه العراة الجياع أفضل منهم.
ولما كان قد فهم من هذا السياق تفضيل بعض الأشياء على بعض
(11/443)

حتى تصير قابلة الروح الحياة بدءاً وإعادة، بعد أن فهم من أول السورة وآخر التي قبلها اختصاص بعض الأنبياء بفضائل من روح العلم والحكمة لم يحزها غيره، صرح بهذا هنا فقال تعالى عطفاً على ما أرشد إليه سياق الإخبار بالأعلمية، ملتفتاً إلى مقام العظمة الداعي إليه الحال، وهو الوصف بالأعلمية: {ولقد} أي فميزنا بينهم بالرذائل والفضائل تفضيلاً لبعضهم على بعض على حسب إحاطة علمنا بهم وشمول قدرتنا لهم في تأهلهم للسعادة والشقاوة ففضلنا بعض الناس على بعض، ففضلنا العلماء على غيرهم، وفضلنا النبيين منهم على غيرهم، ولقد {فضلنا} أي بما لنا من العظمة {بعض النبيّن} أي سواء كانوا رسلاً أو لا {على بعض} بعد أن جعلنا الكل فضلاء لتقوى كل منهم وإحسانه، فلا ينكر أحد من العرب أو بني إسرائيل أو غيرهم تفضيلنا لهذا النبي الكريم الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق، فإنا نفعل ما نشاء، بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل، والحاصل أن من أعظم ثمرات العمل التفضيل بإعطاء كل واحد بل كل شيء ما يستحقه، وبذلك يستدل على تمام - حكمته في شمول علمه وكمال قدرته، فلذلك ذكر
(11/444)

التفضيل هنا بعد ذكر العلم المطلق، وصرح بتفضيل أشرف الخلائق وطوى ذكر غيرهم، كما ذكر التفضيل في الدنيا بعد إثبات العلم المقيد بالذنوب في قوله: {من كان يريد العاجلة - إلى قوله تعالى: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} .
ولما كان القصد إلى بني إسرائيل في هذه السورة سابقها ولاحقها ظاهراً، والتعريض بهم في كثير منها بيناً، وكان داود عليه السلام هو المؤسس للمسجد الأقصى الذي وقع الإسراء إليه، وكان قد خص بأن ألين له الحديد الذي أمر المشركون أن يكونوه، لاستبعادهم الإعادة، وكان - مع كونه ملكاً - من أشد الناس تواضعاً، وأكثرهم بكاء، وأبعدهم من المرح في الأرض، قال تعالى: {وءاتينا} أي بما لنا من العظمة {داود} أي الذي هو من أتباع موسى الذي آتيناه الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا يتخذوا من دوني وكيلاً {زبوراً *} لأنهم قاطعون بأن من بين موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل دون موسى في الرتبة، وكل منهم داعٍ إلى شريعته، عامل بحكم التوراة التي شرفه الله بها، غير خارج عن شيء من سنتها، فكان القياس
(11/445)

يقتضي أن يكونوا في الفضيلة سواء، فلم يجر ذلك على مقتضى عقول الناس، بل فاوت سبحانه بينهم على حسب علمه بأحوالهم حتى في الوحي، فخص من بينهم داود عليه السلام بكتاب كله مواعظ، والمواعظ أشد شيء منافاة للمشي في الأرض مرحاً، ونهياً عنه، وأعظم شيء أمراً بالقول الذي هو أحسن من الإخلاص والمراقبة والإحسان، هذا إلى ما ذكر فيه من التسبيح من كل شيء الذي هو من أعظم مقاصد السورة كما تقدم نص الزبور به قريباً، فكان ذكر تفضيله به هنا أنسب شيء لهذا المقام، وفي ذلك أعظم إشارة وأجل تنبيه على فضل بيت المقدس الذي جعله سبباً لتفضيل الأنبياء تارة بالهجرة إليه كإبراهيم عليه السلام وتارة بقصد تطهيره من الشرك وتنويره بالتوحيد كموسى عليه السلام، وتارة بتأسيس بنيانه وتشييد أركانه كداود عليه السلام، وتارة بالإسراء إليه والإمامة بالأنبياء عليهم السلام به والعروج منه إلى سدرة المنتهى والمقام الأعلى، وأما تفضيله وتفضيل ابنه سليمان - على نبينا محمد وعليهما الصلاة والسلام - بالملك وسعة الأمر فدخل في قوله تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} وروى البخاري في التفسير
(11/446)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: خفف على داود القراءة فكان يأمر بدوابه لتسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ - يعني القرآن، ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره بالذكر هنا ذكر البعث الذي هذا مقامه فيه صريحاً، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك، أما البعث فلا ذكر له فيها أصلاً، وأما النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد، وأما الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في غير موضع، وأما البعث فصرح به، وهو ظاهر في كونه بالروح والجسد، قال في المزمور الثالث بعد المائة: نفسي تبارك الرب، الرب إلهي عظيم جداً، لبس المجد، وعظيم البهاء، وتجلل بالنور كالرداء، ومد السماء كالخباء، جعل الماء أساسها، واستوى على السحاب، ومشى على أجنحة الرياح، خلق ملائكته أرواحاً وخدمه ناراً واقدة، وتجلل بالغمر كالرداء، وعلى الجبال تقف المياه، ومن رجزك قهرت، ومن صوت رعدك تجزع الجبال عالية، والبقاع منهبطة في الأماكن التي أسست، جعلت حداً لا تتجاوزه، لا تعود تغطي الأرض، أرسل الماء عيوناً في الأودية، وبين الجبال
(11/447)

تجري المياه لتسقي حيوان البر، وتروي عطاش الوحوش، يقع عليها طائر السماء إلى أن قال: وكل بحكمة صنعت، امتلأت الأرض من خليقتك، هذا البحر العظيم السعة فيه حيتان لا تحصى كبار وصغار، وفيه تسلك السفن، وهذا التنين الذي خلقته ليتعجب منه، والكل إياك يرجون لتعطيهم طعامهم في حينه، فإذا أنت أعطيتهم يعيشون، وعند بسط يدك بالطيبات يشبعون، وحين تصرف وجهك يجزعون، تنزع أرواحهم فيموتون، وإلى التراب يرجعون، ترسل روحك فيخلقون، وتجدد وجه الأرض دفعة أخرى، ويكون مجد الرب إلى الأبد - انتهى.
فكأن ذلك جواب لقول من لعله يقول للعرب من اليهود: إن الأمر كما تقولون في أنه لاقيامة - كما يقوله بعض زنادقتهم كما ذكر عنهم في نص الإنجيل وكما نقل عنهم في سورة النساء أنهم قالوا: أنتم أهدى سبيلاً، ودينكم خير من دين محمد، وفي الزبور - كما تقدم في أول السورة عن توراة موسى عليه الصلاة والسلام -
(11/448)

ألا تتخذوا من دون الله وكيلاً، وذلك من أعظم مقاصد السورة، قال في المزمور الخامس والأربعين بعد المائة: لا تتوكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم خلاص، فإن أرواحهم تفارقهم ويعودون إلى ترابهم، في ذلك اليوم تبطل أعمالهم.
(11/449)

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)
ولما أثبت أن شأنه تعالى فعل ذلك وأمثاله من التفضيل والتحويل على حسب علمه وقدرته، ثبت بغير شبهة أن لا مفزع إلا إليه، فأمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحقيقاً لذلك أن يأمرهم بما يظهر به عجز شركائهم، رداً عليهم في قولهم: لسنا بأهل لعبادته استقلالاً، فنحن نعبد بعض المقربين ليشفع لنا عنده، فقال تعالى: {قل ادعوا الذين} وأشار إلى ضعف عقولهم وعدم تثبتهم بالتعبير بالزعم فقال تعالى: {زعمتم} أنهم آلهة؛ وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى: {من دونه} أي من سواه كالملائكه وعزير والمسيح والأصنام، ليجلبوا لكم خيراً، أو يدفعوا عنكم ضراً {فلا} أي فإن دعوتموهم أو لم تدعوهم فإنهم لا {يملكون كشف الضر} أي البؤس الذي من شأنه أن يرض الجسم كله {عنكم} حتى لا يدعوا شيئاً منه {ولا تحويلاً *} له من حالة إلى ما هو أخف منها، فضلاً عن أن يبدلوه بحالة حسنة أو يحولوه إلى عدوكم، والآية نحو قوله تعالى: {فما يستطيعون
(11/449)

صرفاً ولا نصراً} [الفرقان: 19] فكيف يتخذ أحد منهم دوني وكيلاً؟ قالوا: وسبب نزولها شكوى قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما نزل بهم من القحط حين دعا عليهم بسبع كسبع يوسف عليه السلام. ولم ينضب {يملكون} لئلا يظن أن النفي مسبب عن الدعاء فيتقيد به.
ولما بين أنه لا ضر لهم ولا نفع، بين أنهم يتسابقون إلى القرب إليه رجاء أن ينفعهم وخوف أن يضرهم فقال تعالى: {أولئك} أي الذين أعلوا مراتبهم بالإقبال على طاعة الله، وكان المشركون يعلون مراتبهم بتألههم، وعبر عن ذلك واصفاً للمبتدإ بقوله تعالى: {الذين يدعون} أي يدعوهم الكفار ويتألهونهم؛ ثم أخبر عن المبتدإ بقوله تعالى: {يبتغون} أي يطلبون طلباً عظيماً {إلى ربهم} المحسن إليهم وحده {الوسيلة} أي المنزلة والدرجة والقربة بالأعمال الصالحة {أيهم أقرب} أي يتسابقون بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل {ويرجون رحمته} رغبة فيما عنده {ويخافون عذابه} تعظيماً لجنابه، المكلف منهم كالملائكة والمسيح وعزير بالفعل، وغيرهم كالأصنام بالقوة من حيث إنه قادر
(11/450)

على أن يخلق فيها قوة الإدراك للطاعة والعذاب فتكون كذلك فالعابدون لهم أجدر بأن يعبدوه ويبتغوا إليه الوسيلة؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله رضي الله عنه {إلى ربهم الوسيلة} قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم. ثم علل خوفهم بأمر عام فقال تعالى: {إن عذاب ربك} أي المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك {كان} أي كوناً ملازماً له {محذوراً *} أي جديراً بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، لما شوهد من إهلاكه للقرون ومن صنائعه العظيمة.
ولما كان المعنى: فاحذرونا فإنا أبدنا الأمم السالفة ودمرنا القرى المشيدة، عطف عليه قوله تعالى: {وإن} أي وما؛ وأعرق في النفي فقال تعالى: {من قرية} من القرى هذه التي أنتم بها وغيرها {إلا نحن} أي بما لنا من العظمة {مهلكوها} بنوع من الهلاك، لما هم عليه من الكفر أو العصيان، وعن مقاتل أنها عامة للصالحة بالموت
(11/451)

والطالحة بالعذاب.
ولما كان الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، وذلك مستغرق لزمان القبل، حذف الجار فقال تعالى: {قبل يوم القيامة} الذي أنتم به مكذبون، كما فعلنا في بيت المقدس في المرتين المذكورتين أول السورة لإفساد أهلها فاحذروا مثل ذلك {أو معذبوها} أي القرية بعذاب أهلها {عذاباً شديداَ} مع بقائها.
ولما أكد ذلك بالاسمية، زاده تأكيداً في جواب من كأنه قال: هل في ذلك من ثنيا لأن مثله لا يكاد يصدق؟ فقال تعالى: {كان ذلك} أي الأمر العظيم {في الكتاب} الذي عندنا {مسطوراً *} على وجه الخبر، والأخبار لا تنسخ، فلو لم يكن حشر كان أمرنا جديراً بأن يمتثل حذراً من سطواتنا، ولا بد من أن نخيفكم بعد طول أمنكم ونهلك كثيراً من أعزائكم على يد هذا الرجل الواحد الذي أنتم كلكم متمالئون عليه مستهينون بأمره، مع أنا أرسلناه لعزكم وعلو ذكركم، ولا بد أن ندخله إلى بلدكم هذا بجنود
(11/452)

أولي بأس شديد، لإفسادكم فيه واستهانتكم به كما فعلنا ببني إسرائيل حين أفسدوا في مسجدهم كما تقدم؛ قال الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني في كتاب الفتن: حدثنا عبد بن أحمد بن محمد الهروي في كتابه ثنا عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ثنا محمد بن هارون الحضرمي ثنا علي بن عبد الله التميمي ثنا عبد المنعم بن إدريس قال: أخبرنا أبي عن وهب بن منبه قال: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب إرمينية، وإرمينية آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت القسطنطينية على يدي رجل من بني هاشم، وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من قبل الجوع
(11/453)

والسيف، وخراب الكوفة من قبل عدو من ورائهم يحقرهم حتى لا يستطيعوا أن يشربوا من الفرات قطرة، وخراب البصرة من قبل العراق، وخراب الأبلة من قبل عدو يحفزهم مرة براً ومرة بحراً، وخراب الريّ من قبل الديلم، وخراب خراسان من قبل تبت، وخراب تبت من قبل الصين، وخراب الصين من قبل الهند، وخراب اليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من قبل الحبشة، وخراب المدينة من قبل الجوع؛ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا علي بن محمد بن نصير حدثنا محمد بن خلف أخبرنا سالم بن جنادة أخبرنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «آخر قرية من قرى الإسلام خراباً المدينة» انتهى. وقد أخرجه الترمذي من هذا الوجه.
(11/454)

وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60)
ولما كانت كفار قريش تكرر اقتراحهم للآيات بعد أن اشتد أذاهم، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لشدة حرصه على إيمان كل أحد فكيف بقومه العرب فكيف ببني عمه منهم - ربما أحب أن
(11/454)

الله تعالى يجيبهم إلى مقترحهم طمعاً في إيمانهم وإراحة له ولأتباعه من أذاهم، وكان ما رأوه من آية الإسراء أمراً باهراً ثم لم يؤمنوا، بل ارتد بعض من كان آمن منهم، كان المقام في قوة اقتضائه أن يقال بعد ذكر آية العذاب: ما لهم لا يعجل عذابهم أو يجابون إلى مقترحاتهم ليقضى الأمر؟ فيقال في الجواب: ما منعنا من تعجيل عذابهم إلا أنا ضربنا لهم أجلاً لا بد من بلوغه {وما منعنا} أي على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها مانع {أن نرسل} أي إرسالاً يظهر عظمتنا على وجه العموم {بالآيات} أي التي اقترحتها قريش، فكان كأنه لا آيات عندهم سواها {إلا} علمنا في عالم الشهادة بما وقع من {أن كذب بها} أي المقترحات {الأولون} وعلمنا في عالم الغيب أن هؤلاء مثل الأولين في أن الشقي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها، وأنه يقول فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو هذا، والسعيد لا يحتاج في إيمانه إليها، فكم أجبنا أمة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة منهم إلا كفراً، فأخذناهم لأن سنتنا جرت أنا لا نمهل بعد الإجابة إلى المقترحات من كذب بها، ونحن قد قضينا برحمة هذه الأمة وتشريفها على الأمم السالفة بعدم استئصالها، لما يخرج من أصلاب
(11/455)

كفرتها من خلص عبادنا، والمنع هنا مبالغة مراد بها نفي إجابتهم إلى مقترحاتهم، ولا يجوز أخذه على ظاهره، لأنه وجود ما يتعذر معه وقوع الفعل من القادر عليه، ثم عطف على ما دل عليه المقام وهو: فكم أجبنا - إلى آخر ما ذكرته، قوله تعالى: {وءاتينا} أي بما لنا من العزة الباهرة {ثمود الناقة} حال كونها {مبصرة} أي مضيئة، جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها {فظلموا بها} أي فوقعوا في الظلم الذي هو كالظلام بسببها، بأن لم يؤمنوا ولم يخافوا عاقبتها، وخص آية ثمود بالذكر تحذيراً بسبب أنهم عرب اقترحوا ما كان سبباً لاستئصالهم، ولأن لهم من علمها وعلم مساكنهم بقربها إليهم وكونها في بلادهم ما ليس لهم من علم غيرها، وخص الناقة لأنها حيوان أخرجه من حجر، والمقام لإثبات القدرة على الإعادة ولو كانوا حجارة أو حديداً، ودل على سفههم في كلا الأمرين على طريق النشر المشوش بذكر داود عليه السلام إشارة إلى الحديد، والناقة إشارة إلى الحجارة، فلله هذه الإشارة ما أدقها! وهذه العبارة ما أجلها وأحقها! {وما نرسل} أي بما لنا من الجلالة التي هي بحيث تذوب لها الجبال {بالآيات} أي المقترحات وغيرها {إلا تخويفاً *} أي للمرسل إليهم بها، فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا فإذا كشف الأمر لكم في عالم الشهادة عن أنهم
(11/456)

لا يخافونها وفق ما كان عندنا في عالم الغيب، علم أنه لا فائدة لكم فيها.
ولما كان التقدير للتعريف بمطابقة الخبر الخبر: اذكر أنا قلنا لك {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية} [يونس: 96] واذكر ما وقع من ذلك ماضياً من آيات الأولين وحالاً من قصة الإسراء، عطف عليه قوله تعالى: {وإذ} أي واذكر إذ {قلنا} على ما لنا من العظمة المحيطة {لك إن ربك} المتفضل بالإحسان إليك بالرفق بأمتك {أحاط بالناس} علماً وقدرة، تجد ذلك إذا طبقت بعضه على بعض أمراً سوياً حذو القذة لا تفاوت فيه، واعلم أنه مانعك منهم وحائطك ومظهر دينك كما وعدك؛ ثم عطف على {وما نرسل} قوله تعالى: {وما جعلنا} أي بما لنا من القوة الباهرة التي لها الغنى المطلق {الرءيا التي أريناك} أي بتلك العظمة التي شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي امتحاناً واختباراً {للناس} ليتبين بذلك في عالم الشهادة المتقي المحسن والجاهل المسيء كما هو عندنا في عالم الغيب، فنقيم بها عليهم الحجة، لا ليؤمن أحد من حقت عليهم الكلمة ولا لنزداد نحن علماً
(11/457)

بسرائرهم، ولا شك في أن قصة الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلى كان يقظة لا مناماً بالدليل القطعي المتواتر من تكذيب من كذب وارتداد من ارتد، وهذا مذهب الجمهور وأهل السنة والجماعة، وقد ورد في صحته ما لا يحصى من الأخبار - هذا النقل، وأما الإمكان العقلي فثابت غير محتاج إلى بيان، فإن كل ذرة من ذرات الموجودات فيها من العجائب والغرائب والدقائق والرقائق ما يتحير فيه العقول، لكن لما كان على وفق العادة ألفته الطباع، فلم تنكره الأبصار ولا الأسماع، وأما مثل هذا فلما كان على خلاف العادة استنكره ضعفاء العقول الذين لا يتجاوز فهمهم المحسوسات، على ما ألفوا من العادات، وأما أولو الألباب الذين سلموا من نزعات الشيطان ووساوس العادة، ونظروا بأعين البصائر إلى آثار رحمة الله في صنع المصنوعات وإحداث المحدثات في الملك والملكوت، والشهادة والغيب، والخلق والأمر، فاعترفوا به، وأنه من عظيم الآيات، وبدائع الدلائل النيرات، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى {فتنة} لأنه لو كان رؤيا منام لم يكن بحيث يستبعده أحد فلم يكن فتنة، ولعله إنما سماه رؤيا - وهي للمنام - على وجه
(11/458)

التشبيه والاستعارة، لما فيه من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما {وما جعلنا الرءيا التي أريناك} الآية، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به.
ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به في طبعه الحق ومن في طبعه الباطل، ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها، وكان قد أخبر أن شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم، وكان ذلك في غاية الغرابة، ضمه إلى الإسراء في ذلك فقال تعالى: {والشجرة} عطفاً على الرؤيا {الملعونة في القرءان} بكونها ضارة، والعرب تسمي كل ضار ملعوناً، وبكونها في دار اللعنة، وكل من له عقل يريد بعدها عنه، وهي كما رواه البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم جعلناها أيضاً فتنة للناس نقيم بها عليهم الحجة في الكفر والإيمان، فنثبتهم أي من أردنا إيمانه منهم بالأول وهو الإسراء {ونخوفهم} بالثاني وأمثاله {فما يزيدهم} أي الكافرين منهم التخويف حال التخويف، فما بعده من أزمنة الاستقبال أجدر بالزيادة
(11/459)

{إلا طغياناً} أي تجاوزاً للحد هو في غاية العظم {كبيراً *} فيقولون في الأول ما تقدم في أول السورة، وفي الثاني: إن محمداً يقول: إن وقود النار الناس والحجارة، ثم يقول: إن فيها شجراً، قد علمتم أن النار تحرق الشجر، ولم يقولوا ما هم أعلم الناس به من أن الذي جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً قادر على أن يجعل في النار شجراً، ومن أنسب الأشياء استحضاراً هنا ما ذكره العلامة شيخ مشايخنا زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي بمعجم العين المدني في تأريخ المدينة الشريفة في أوائل الباب الرابع في ذكر الأودية فإنه قال: وادي الشظاة - أي بمعجمتين مفتوحتين - يأتي من شرقي المدينة من أماكن بعيدة عنها إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة التي ظهرت في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة - يعني: وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» قال: وكان ظهورها من واد يقال به أحيليين في الحرة الشرقية، وصارت من مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر
(11/460)

تدب دبيب النمل، تأكل ما مرت عليه من جبل وحجر ولا تأكل الشجر، فلا تمر على شيء من ذلك إلا صار سداً لا مسلك لإنسان فيه ولا دابة إلى منتهى الحرة من جهة الشمال - فذكر القصة وهي غريبة، وأسند فيها عن المطري فيما يتعلق بعدم أذاها للخشب.
(11/461)

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63)
ولما تقدم أنهم استبعدوا الإعادة من أجل صيرورتهم بعد الموت رفاتاً، وأخبر تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو أعسر عندهم في الإعادة من الرفات بأن يكونوا حجارة أو حديداً، وأشار إلى قدرته على التصرف بخرق العادة في الحديد بإلانته لعبد من عبيده، ثم في الحجارة على سبيل الترقي في النشر المشوش بما هو أعجب من ذلك، وهو إفاضة الحياة عليها لعبد آخر من عبيده، أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية الرفات الذي حملهم على الاستبعاد بما هو أعجب من كل ما تقدمه، وذلك بإفاضة الحياة الكاملة بالنطق عليه
(11/461)

من غير أن تسبق له حالة حياة أصلاً، وذلك بخلق آدم عليه السلام الذي هو أصلهم، مع ما في ذلك من حفظ السياق في التسلية بأن الآيات لا تنفع المحكوم بشقاوته وبأن آدم عليه السلام قد سلط عليه الحاسد واشتد أذاه له مع أنه صفي الله وأول أنبيائه، مع البيان لأن أغلب أسباب الطغيان الحسد الذي حمل إبليس على ما فعل فقال تعالى: {إذ} أي واذكر أيضاً ما وقع من الطغيان مع رؤية الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو من أعلم الخلق بآيات الله وعظمته، ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليه السلام بعد تحقق عداوته في مخالفة ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ {قلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يعصي مرادها شيء {للملائكة} حين خلقنا أباكم آدم وفضلناه: {اسجدوا لآدم} امتثالاً لأمري {فسجدوا إلا إبليس} أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله وعظمته، وذلك معنى قوله: {قال} أي لنا منكراً متكبراً: {ءأسجد} أي خضوعاً {لمن خلقت} حال كون أصله
(11/462)

{طيناً *} فكفر بنسبته لنا إلى الجور وعدم الحكمة، متخيلاً أنه أكرم من آدم عليه السلام من حيث إن الفروع ترجع إلى الأصول، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين، وذهب عليه إن الطين أنفع من النار فهو أكرم، وعلى تقدير التنزل فإن الجواهر كلها من جنس واحد، والله تعالى الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض، كما تقدمت الإشارة إليه في {ولقد فضلنا بعض النبيّن على بعض} [الإسراء: 55] .
ولما أخبر تعالى بتكبره، كان كأنه قيل: إن هذه لوقاحة عظيمة واجتراء على الجناب الأعلى، فهل كان غير هذا؟ فقيل: نعم! {قال أرءيتك} أي أخبرني {هذا الذي كرمت عليّ} بم كرمته عليّ مع ضعفه وقوتي؟ فكأنه قيل: لقد أتى بالغاية في إساءة الأدب، فما كان بعد هذا؟ فقيل: قال مقسماً لأجل استبعاد أن يجترىء أحد هذه الجراءة على الملك الأعلى: {لئن أخرتن} أي أيها الملك الأعلى تأخيراً ممتداً {إلى يوم القيامة} حياً متمكناً {لأحتنكن} أي بالإغواء {ذريته} أي لأستولين عليهم بشدة احتيالي كما يستولي الآكل على ما أخذه في
(11/463)

حنكه، بتسليطك لي عليهم {إلا قليلاً *} وهم أولياؤك الذين حفظتهم مني، فكأنه قيل: لقد أطال في الاجتراء فما قال له ربه بعد الثالثة؟ فقيل: {قال} مهدداً له: {اذهب} أي امض لثباتك الذي ذكرته بإرادتي لا بأمري، فإنك لن تعدو أمرنا فيك وقد حكمنا بشقاوتك وشقاوة من أردنا طاعته لك، ولذلك سبب عنه قوله تعالى: {فمن تبعك} أي أدنى اتباع {منهم} أي أولاد آدم عليه السلام، ويجوز أن يراد بتجريد الفعل أن من تبعه بغير معالجة من فطرته الأولى لا يكون إلا عريقاً في الشر.
ولما كان التقدير: أذقته من خزيك، عبر عنه بقوله تعالى: {فإن جهنم} أي الطبقة النارية التي تتجهم داخلها {جزاؤكم} أي جزاءك وجزاءهم، تجزون ذلك {جزاء موفوراً *} مكملاً وافياً بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة.
ومادة «وفر» بجميع تراكيبها - وهي خمسة عشر، في الواوي ستة: وفر، ورف، فور، فرو، رفو، روف، وفي اليائي ثلاثة: فري، رفي، ريف، وفي المهموز ستة: رفأ، رأف، فرأ، فأر، أفر، أرف - تدور على السعة، والمجاوزة للحد، والعلو على المقدار، والفضل عن الكفاية؛ فالوفر: المكان الكبير، وسقاء وفر: لم ينقص من أديمه شيء، وإداوة وفراء، والوفرة: ما بلغ الأذنين من الشعر، والوافر:
(11/464)

ضرب من العروض وزنه مفاعلتن ست مرات، والوفر: الغنى، ومن المال: الكثير الواسع، والعام من كل شيء، ووفره توفيراً: أكثره، ووفر له عرضه: لم يشتمه، ووفر عطاءه: رده عليه وهو راضٍ، ووفره توفيراً: أكمله وجعله وافراً - لأن الكمال لا يكاد يتحقق إلا مع زيادة، والثوب: قطعه وافراً، والوافرة: ألية الكبش إذا عظمت، والدنيا، والحياة، وكل شحمة مستطيلة، وهم متوافرون: فيهم كثرة، واستوفر عليه حقه: استوفاه.
وورف النبت يرف إذا رأيت له بهجة من ريه، ولا يكون ذلك إلا من نضارته واتساعه وكونه ملء العين، وورف الظل يرف ورفاً ووريفاً ووروفاً: اتسع وطال وامتد كأورف وورّف والورف: ما رق من نواحي الكبد - لزيادته واسترخائه، والرفة - كعدة: الناضر من النبت، وورفته توريفاً: مصصته، والأرض: قسمتها - كأنه من الإزالة.
وفارت القدر - إذا غلت حتة يعلو ما فيها فتفيض، وكل حارّ يفور فوراً، وفار العرق - إذا انتفخ، زاد في القاموس: وضرب،
(11/465)

والمسكُ، انتشر، وفارة الإبل: فوح جلودها إذا نديت بعد الورد، والفائر: المنتشر العصب من الدواب وغيرها، وأتوا من فورهم: من وجههم أو قبل أن يسكنوا - لأن حركتهم توسع وانتشار فسميت فوراً والفار: عضل الإنسان - لأنه أثخن مما دونه، والفور - بالضم: الظباء، جمع فائر - لأنه من أسرع الحيوان نفاراً، وأشدها وثباً، وأوسعها عدواً، وقال القزاز: والفارة والفورة: ريح تكون في رسغ الفرس تنفش إذا مسحت وتجتمع إذا تركت، وقال في فأر: فإذا مشى انفشت، وأعاده في القاموس في المهموز فقال: والفأرة له - أي للذكر من الحيوان المعروف - وللأنثى، وريح في رسغ الدابة تنفش إذا محست وتجتمع إذا تركت كالفورة بالضم، والفور: ولد الحمار - لخفته وسرعة حركته ووثبه، وفوارتا الكرش: غدتان في جوف لحمتين، وقيل: الفوارة: اللحمة - التي في داخلها الغدة، وقيل: تكونان لكل ذي لحم، وذلك لوجوب الزيادة سواء قلنا: إنها لحمة أو غدة،
(11/466)

وقال القزاز: وقالوا: ماء الرجل إنما يقع في الكلية ثم في الفوارة ثم في الخصية، فعلى هذا سمي لأنه يقذف ما فيه إلى الخصية، والفياران - بالكسر: حديدتان تكتنفان لسان الميزان لاتساعهما عن اللسان، والفيرة - بالكسر بالهمز وبغيره: تمر يغلى ويمرس ويطبخ بحلبة تشربها النفساء قاله القزاز، وفي مختصر العين: حلبة تطبخ؛ فإذا فارت فوارتها ألقيت في معصرة ثم صفيت وتحسيها النفساء، وأعاده في القاموس في المهموز وقال: والفئرة - بالكسر - والفؤارة كثمامة والفئيرة والفئرة كعنبة ويترك همزها: حلبة تطبخ للنفساء - سميت إما لغليانها وإما للاتساع بجمع التمر والحلبة.
والفرو والفروة: لبس معروف - لخروج صوفها وزيادة الرفق به، كأنها أصل المادة كلها، وفروة الرأس: جلدته بشعرها، والفروة: الأرض البيضاء ليس لها نبات - لأنه أوسع لها من حيث هي، والفروة:
(11/467)

الغنى والثروة وقطعة نبات مجتمعة يابسة، وجبة شمر كماها - لأنه لولا زيادتهما ما شمرا، ونصف كساء يتخذ من أوبار الإبل - كأنه شبه بالفروة لطول وبره، وخريطة يجعل السائل فيها صدقته، والتاج - لاتساعه وعلوه وكماله ولغنى صاحبه، وخمار المرأة - لزيادته على كفايتها ولسبوغه وفضله عن رأسها.
ورفا الثوب يرفوه: أصلحه ولأم خرقه: وقال في القاموس: في المهموز: وضم بعضه إلى بعض، قال القزاز: والهمز أكثر؛ والرفاء - ككساء: الالتحام والاجتماع والاتفاق، ومنه ما يدعى به للمتزوج: بالرفاء والبنين، وأعادوه في المهموز. وقال في القاموس: أي بالالتئام وجمع الشمل، قال القزاز: ومعنى رفا: تزوج، والأرفى: العظيم الأذنين في استرخاء، قال القزاز: والأذن الرفواء هي التي تقبل على الأخرى حتى تكاد تماس أطرافهما؛ ورفوت الرجل: إذا سكنته من رعب، وأعاده في القاموس في المهموز - لأن ذلك
(11/468)

أوسع لفكره لأنه أقر لعينه.
والروف: السكون - وهو أوسع من الاضطراب لأنه لا يكون إلا عن قرار العين، قال في القاموس: وليس من الرأفة، والروفة: الرحمة، وراف يراف لغة في رأف يرأف - وستأتي بقيتها قريباً إن شاء الله تعالى.
(11/469)

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65)
ولما بدأ سبحانه بالوعيد لطفاً بالمكلفين، عطف على «اذهب» قوله ممثلاً حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع بقوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم، ويقلعهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم: {واستفزز} أي استخف، والفز أصله القطع، أي استزله بقطعه عن الصواب - قاله الرماني {من استطعت منهم} وهم الذين سلطناك عليهم {بصوتك} أي دعائك بالغنى والمزامير وكل ما تزينه بالوساس {وأجلب} أي اجمع أو سق بغاية ما يمكنك من الصياح {عليهم بخيلك} أي ركبان جندك {ورجلك} أي ومشاتهم؛ والمعنى: افعل جميع ما تقدر عليه، ولا تدع شيئاً من قوتك، فإنك لا تقدر على شيء لم أقدره لك.
ولما كان الشيطان طالباً شركة الناس في جميع أمورهم بوساوسه الحاملة
(11/469)

لهم على إفسادها، فإن أطاعوه كانوا طالبين لأن يشركوه وإن كانوا لا شعور لهم بذلك، عبر بصيغة المفاعلة فقال تعالى: {وشاركهم} أي بوثوبك على مخالطتهم عند ما يشاركونك بفعل ما يوافق هواك {في الأموال} أي التي يسعون في تحصيلها {والأولاد} أي التي ينسلونها، إن اقتنوها بوجه محرم أو لم يذكروا اسمي عليها، وكذا قرابينهم لغير الله وإنفاقهم في المحرمات وتعليمهم أولادهم المعاصي والكفر مشاركة فيها {وعدهم} من المواعيد الباطلة ما يستخفهم ويغرهم من شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى وتسويف التوبة - ونحو ذلك؛ ثم التفت إلى الصالحين من عباده فأخبرهم تثبيتاً لهم وتنبيهاً لغيرهم على أنه ليس بيده شيء، فقال تعالى مظهراً لضميره بما يدل على تحقيره، تقبيحاً لأمره وتنفيراً منه: {وما يعدهم الشيطان} أي المحترق المطرود باللعنة، من عدم البعث وطول الأجل وشفاعة الآلهة ونحو ذلك {إلا غروراً *} والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب، ثم رجع إلى مواجهته بما يحقر أمره، فإن المواجهة بالتحقير أنكأ، مصرحاً بنتيجة ذلك، وهي أنه غير قادر إلا بإذنه سبحانه، وممنوع عنه ما لم يقدره له، دفعاً لما قد يوهمه ما مضى
(11/470)

من أنه يؤثر شيئاً استقلالاً فقال تعالى: {إن} أي اجهد جهدك، لأن أهل الشهوات سلطتك عليهم زيادة في شقائك بما أردته منهم قبل خلقك وخلقهم، لا تقدر أن تتعدى شيئاً منه إلى خالصتي ومن ارتضيته لعبادتي، إن {عبادي} الذين أهّلتهم للإضافة إليّ فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى والإحسان {ليس لك} أي بوجه من الوجوه {عليهم سلطان} أي فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر، فإني وفقتهم للتوكل عليّ فكفيتهم أمرك {وكفى بربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك {وكيلاً *} يحفظ ما هو وكيل فيه من كل ما يمكن أن يفسده.
(11/471)

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)
ولما ذكر أنه الوكيل الذي لا كافي غيره في حفظه، لاختصاصه بشمول علمه وتمام قدرته، أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك فقال تعالى، عوداً إلى دلائل التوحيد الذي هو المقصود الأعظم بأحوال البحر الذي يخلصون فيه، في أسلوب الخطاب استعطافاً لهم إلى المتاب: {ربكم} أي المحسن إليكم، هو {الذي يزجي} أي يسوق ويدفع وينفذ {لكم} أي لمنفعتكم {الفلك} التي حملكم فيها مع أبيكم نوح عليه السلام {في البحر لتبتغوا} أي تطلبوا طلباً عظيماً بذلك أنواع المنافع التي يتعذر أو يتعسر الوصول إليها في البر {من فضله} ثم علل فعله
(11/471)

ذلك بقوله تعالى: {إنه} أي فعل ذلك لكم لأنه {كان} أي أزلاً وأبداً {بكم} أي أيها المؤمنون خاصة {رحيماً *} أي مكرماً بالتوفيق إلى فعل ما يرضيه في المتجر وغيره، لا لشيء غير ذلك، أو يكون ذلك خطاباً لجميع النوع فيكون المعنى: خصكم به من بين الحيوانات.
ولما كان المراد المؤمنين خاصة وإن كان خطاباً للمجموع، خص المشركين كذلك فقال: {وإذا} أي فإذا نعمكم بأنواع الخير كنتم على إشراككم به سبحانه، وإذا {مسكم} ولم يقل: أمسكم - بالإسناد إلى نفسه، تأديباً لنا في مخاطبته بنسبة الخير دون الشر إليه، مع اعتقاده أن الكل فعله، وتنبيهاً على أن الشر مما ينبغي التبرؤ منه والبعد عنه {الضر في البحر} من هيج الماء واغتلامه لعصوف الريح وطمو الأمواج {ضل} أي ذهب وبطل عن ذكركم وخواطركم {من تدعون} من الموجودات كلها {إلا إياه} وحده، فأخلصتم له الدعاء علماً منكم أنه لا ينجيكم سواه {فلما نجّاكم} من الغرق وأوصلكم بالتدريج {إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص له ورجعتم إلى الإشراك {وكان الإنسان} أي هذا النوع {كفوراً *} أي بليغ التغطية لما حقه أن يشهر، فأظهر في موضع الإضمار تنبيهاً على أن هذا الوصف لا يخصهم، بل يعم هذا النوع لطبعه على النقائص إلا من أخلصه الله له.
(11/472)

ولما كان التقدير: أعرضتم بعد إذ أنجاكم فكفرتم بذلك وكان الكفر وصفاً لكم لازماً، فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم، أي فعلتم بذلك فعل الآمن، أنكر عليهم هذا الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى: {أفأمنتم} أي أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه {أن نخسف} أي بما لنا من العظمة {بكم} ودل على شدة إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول الساحل بقوله تعالى: {جانب البر} أي فنغيبكم فيه في أيّ جانب كان منه، لأن قدرتنا على التغييب في التراب في جميع الجوانب كقدرتنا على التغييب في الماء سواء، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب {أو} أمنتم إن غلظت أكبادكم عن تأمل مثل هذا أن {يرسل عليكم} من جهة الفوق شيئاً من أمرنا {حاصباً} أي يرمي بالحصباء، أي بالحصى الصغار - قاله الرازي في اللوامع، وقال الرماني: حجارة يحصب بها، أي يرمي بها، حصبه - إذا رماه رمياً متتابعاً - انتهى.
يرميكم
(11/473)

ذلك الحاصب في وجوهكم أو فوق رؤوسكم رمياً يهلك مثله كما وقع لقوم لوط أنا أرسلنا عليهم حاصباً، وقيل: الحاصب: الريح، ولم يقل: حاصبة لأنه وصف لزمها، ولم يكن لها، مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة حائض {ثم لا تجدوا} أيها الناس {لكم} وأطلق ليعم فقال تعالى: {وكيلاً *} ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلاً غيره {أم أمنتم} إن جاوزت بكم الغباوة حدها فلم تجوزوا ذلك {أن يعيدكم فيه} أي البحر بما لنا من العظمة التي تضطركم إلى ذلك فتقركم عليه وإن كرهتم {تارة أخرى} بأسباب تضطركم إلى ذلك {فنرسل عليكم} أي بما لنا من صفة الجلال {قاصفاً} وهو الكاسر بشدة {من الريح} كما عهدتم أمثاله يا من وقفت أفكارهم مع المحسوسات فرضوا بذلك أن يكونوا كالبهائم لا يفهمون إلا الجزئيات المشاهدات {فيغرقكم} أي في البحر الذي أعدناكم فيه، لعظمتنا {بما كفرتم} كما يفعل
(11/474)

أحدكم إذا ظفر بمن كفر إحسانه {ثم لا تجدوا لكم} وإن أمعنتم في الطلب، وطالت أزمانكم في إتقان السبب. ولما كان إطلاق النفي في ختام الآية الماضية - وإن كان لإرادة التعميم - يحتمل أن يدعي تقييده بما يخالف المراد، وكان المقصود هنا التخويف بسطوته سبحانه تارة بالخسف وتارة بغيره، قيد بما عين المراد، وقدم قوله تعالى: {علينا} دلالة على باهر العظمة {به} أي بما فعلنا بكم {تبيعاً *} أي مطالباً يطالبنا به.
(11/475)

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72)
ولما قرر سبحانه بهذه الجمل ما يسر لهم من البر، وسهل من شدائد البحر في معرض التهديد، أتبعه أنه فعل ذلك تكريماً لهم على سائر مخلوقاته، كما هو شأنه في القدرة على ما يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية عند أول خلقه لها، ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة، مشيراً إلى أنه ركب جوهر الإنسان من نفس هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من الاغتذاء والنمو والتوليد بالحس ظاهراً وباطناً وبالحركة بالاختيار، وخصه على سائر الحيوان بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي، ويتجلى بها نور معرفة الله، ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق والأمر، وتحيط بأقسام المخلوقات من الأرواح
(11/475)

والأجسام كما هي، فكانت بذلك النفس الإنسانية أشرف نفوس هذا العالم، وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال القامة وامتدادها والتناول باليد وغير ذلك، فقال تعالى عاطفاً على ما يرشد إليه السياق من مثل أن يقال: فلقد كرمناكم بذلك من إزجاء الفلك وإنجائكم في وقت الشدائد، أو على: ولقد فضلنا: {ولقد كرمنا} أي بعظمتنا تكريماً عظيماً {بني ءادم} أي على سائر الطين بالنمو، وعلى سائر النامي بالحياة، وعلى سائر الحيوان بالنطق، فكان حذف متعلق التكريم دالاً على عمومه لجميع الخلق، وذلك كله تقديراً للقدرة على البعث {وحملناهم في البر} على الدواب وغيرها {والبحر} على السفن وغيرها {ورزقناهم} أي رزقاً يناسب عظمتنا {من الطيبات} أي المستلذات من الثمرات والأقوات التي يأكل غيرهم من الحيوان قشّها {وفضلناهم} في أنفسهم بإحسان الشكل، وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين، وفي رزقنا لهم بما تقدم.
ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم، وكان أغلب أفراده ضالاً، قال لذلك: {على كثير ممن خلقنا} أي بعظمتنا التي خلقناهم بها وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: {تفضيلاً *} هذا ما للمجموع، وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من معالجتهم بالإخلاص وجهادهم لأهويتهم، لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص،
(11/476)

ولما لها من الدسائس حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان، وتقديم الأمر للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام توطئة لهذه الآية أدل دليل على هذا.
ولما قرر سبحانه قدرته على التفضيل في الحياة الحسية والمعنوية، والمفاضلة بين الأشياء في الشيئين فثبت بذلك قدرته على البعث، وختم ذلك بتفضيل البشر، وكان يوم الدين أعظم يوم يظهر في التفضيل، أبدل من قوله {يوم يدعوكم} مرهباً من سطواته في ذلك اليوم، ومرغباً في اقتناء الفضائل في هذا اليوم قوله تعالى: {يوم ندعوا} أي بتلك العظمة {كل أناس} أي منكم {بإمامهم} أي بمتبوعهم الذي كانوا يتبعونه، فيقال: يا أتباع نوح! يا أتباع إبراهيم! يا أتباع عيسى! يا أتباع محمد! فيقومون فيميز بين محقيهم ومبطليهم، ويقال: يا أتباع الهوى! يا أتباع النار! يا أتباع الشمس! يا أتباع الأصنام! ونحو هذا، أو يكون المراد بسبب أعمالهم التي ربطناهم بها ربط المأموم بإمامه كما قال تعالى {وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه} وسماها إماماً لكونهم أموها واجتهدوا في قصدها، وندفع إليهم الكتب التي أحصت
(11/477)

حفظتنا فيها تلك الأعمال {فمن أوتي} منهم من مؤتٍ ما {كتبه بيمينه} فهم البصراء القلوب لتقواهم وإحسانهم، وهم البصراء في الدنيا، ومن كان في هذه الدنيا بصيراً فهو في الآخرة أبصر وأهدى سبيلاً {فأولئك} أي العالو المراتب {يقرءون كتابهم} أي يجددون قراءته ويكررونها سروراً بما فيه كما هو دأب كل من سر بكتاب {ولا يظلمون} بنقص حسنة ما من ظالم ما {فتيلاً *} أي شيئاً هو في غاية القلة والحقاره، بل يزادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاء الأعمال، ومن أوتي كتابه بشماله فهو لا يقرأ كتابه لأنه أعمى في هذه الدار {ومن كان} منهم {في هذه} الدار {أعمى} أي ضالاً يفعل في الأعمال فعل الأعمى في أخذ الأعيان، لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره، ولا يميز بين حسن وقبح {فهو في الآخرة} لأن كل أحد يقوم على ما مات عليه {أعمى} أي أشد عمى مما كان عليه في هذه الدار، لا ينجح له قصد، ولا يهتدي لصواب، ولا يقدر على قراءة كتاب، لما فيه من موجبات العذاب، ولم يقل: أشد عمى، كما يقولونه في الخلق اللازمة لحالة واحدة من العور والحمرة والسواد ونحوها، لأن هذا مراد به عمى القلب الذي من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة شيئاً بعد شيء، فخالف
(11/478)

ما لا يزيد؛ ولم يمله أبو عمرو مع إمالة الأول ليدل على أن معناه: أفعل من كذا، فهو وسط، والإمالة إنما يحسن في الأواخر، ولأن هذا معناه، عطف عليه قوله تعالى: {وأضل سبيلاً *} لأن هذه الدار دار الاكتساب والترقي بالأسباب، وأما تلك فليس فيها شيء من ذلك؛ فالآية من الاحتباك: أثبت الإيتاء باليمين والقراءة أولاً دليلاً على حذف ضدهما ثانياً، وأثبت العمى ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً.
(11/479)

وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76)
ولما قرر أن من ترك سبيل الرشد كان كالأعمى، ومن تبعها كان كالبصير، أتبعه دليله فقال محذراً للبصراء عن الاغترار بوساوس الأشقياء: {وإن} أي وأكثر هؤلاء أعمى، قد افتتن في نفسه بهواه مع بياننا لطريق الرشد بما أوحينا إليك من هذه الحكمة حتى صارت أوضح من الشمس وإن الأعداء {كادوا} أي قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة الله لك بسبب عماهم عما جبلت عليه من الفطنة، وجودة الفطرة، وذكاء القريحة، وثقوب الفهم، وبعد المرمى في الوقوف على خداع المخادعين، ومكر الماكرين،
(11/479)

لتجلي الدقائق في مرآة قلبك الصقيلة وصافي فكرتك الشفافة. ولما كانت «إن» مخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال تعالى: {ليفتنونك} أي ليخالطونك مخالطة تمليك إلى جهة قصدهم بكثرة خداعهم بإطماعهم لك في الموافقة لما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا {عن الذي أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إليك} من الحكمة {لتفتري} أي تقطع متعمداً {علينا} على عظمتنا {غيره} من طرد من أوحينا إليك الأمر بمصابرتهم، إطماعاً منهم في إسلام من هو بحيث يرجى إسلامه إسلام الجم الغفير منهم لشرفه ونحو ذلك مما عناه الله سبحانه وهو أعلم بمراده؛ قال الرماني: وأصل الفتنة ما يطلب به خلاص الشيء مما لابسه {وإذا} أي لو ملت إليهم {لاتخذوك} أي بغاية الرغبة {خليلاً *} ومن كان خليل الكفار لم يكن خليل الله، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله، واستمروا على عماهم إتماماً لتفضيلنا لك على كل مخلوق، وقد تقدم قريباً ما تدور عليه مادة «فرا» وأنه السعة، وقد بقي من تقاليبها اليائي والمهموز، فمعنى فريت الأديم: شققته فاسداً أو صالحاً - لأنه يتسع بذلك،
(11/480)

وقال القزاز: الفري مصدر فريت الأديم - إذا شققته للإصلاح، وأفريته - إذا شققته للإفساد - كأن همزته للإزالة، وحكى أبو عبيدة: فريت الشيء وأفريته: قطعته، وفرى الكذب وافتراه: اختلقه - لأنه اتساع في القول وزيادة على ما يكفي من الصدق وتجاوز للحد، وفرى المزادة: خلقها وصنعها، وقال القزاز: خرزها - لأنها تسع ما لا تسعه قبل الخرز، قال: وأصل الفري الشق - يعني: والخرز واقع في الشق، فالعلاقة المحل، وفرى الأرض: سارها وقطعها - تشبيهاً لها بالأديم، وفرى - كرضي: تحير ودهش - من التسمية باسم السبب، لأن سبب الدهش كثرة وعظم في المحسوس، وأفراه، أصلحه أو أمر بإصلاحه - لأن الإصلاح سعة بالنسبة إلى الإفساد، وأفرى فلاناً: لامه - لأنه يلزم منه الزيادة في الكلام لما يحاج به الملوم، والفرية: الجلبة - لأنها زيادة عن الكلام المعتاد، وبالكسر: الكذب، وكغنى: الأمر المختلق المصنوع أو العظيم، والواسعة من الدلاء كالفرية، والحليب ساعة تحلب - لارتفاع الرغوة، وتفرى الشيء: انشق، والعين: انبجست، وهو يفري الفرى كغنى:
(11/481)

يأتي بالعجب في عمله.
وقال القزاز: وتركت فلاناً يفري ويقد، أي حادّ في الأمر، وفلاناً يفري منذ اليوم - إذا جاء بالعجب، لأنه لا يعجب إلا ما زاد على الكفاية.
والرفة: التبن - لأنه ما فضل عن الحب، والرفة: دويبة تصيد تسمى عناق الأرض - لأن حالها أوسع من حال ما لا يصيد، ذكر هذا صاحب مختصر العين في المعتل بالياء فوزنه ثبة، وساقه صاحب القاموس في الهاء وقال فيما مدلوله التبن: إنه كصرد، ثم ساقه في المعتل الواوي في ورف وقال: والرفة كثبة: التبن، فاضطرب كلامه فوجب قبول مختصر العين، لكن ذكره الإمام أبو غالب بن التباني - وهو من يخضع له - في كتابه الموعب في مقلوب رهف فقال ناسباً له إلى كتاب العين ما نصه: والرفة: التبن، قال غيره: ويقال في مثل من الأمثال: استغنت التفه عن الرفه، والتفه: عناق الأرض، وهي دويبة كالثعلب خبيثة، تصيد كل شيء، وذلك أنها لا تأكل
(11/482)

إلا اللحم - أبو حنيفة مثله، كله انتهى بحروفه، وقال صاحب القاموس في المعتل: والتفة ذكر في ت ف ف، وقال في الهاء: والتفه كثبه: عناق الأرض، وقال في الفاء: والتفة - كقفة: دويبة كجرو الكلب أو كالفأرة، واستغنت التفة عن الرفة؛ ويخففان، يضرب للئيم إذا شبع. فلعل هذا الاختلاف لغات - والله أعلم.
قال في مختصر العين: والأرفي مثل كركي: اللبن المحض الطيب - لفيضه كالغائر، جعله المختصر يائياً، والقاموس واوياً، ثم أعاده في المهموز فقال: والأرفي - كقمري: اللبن الخالص، وساق القزاز في اليائي: رافيت الرجل أرافيه مرافاة - إذا وافقته - لأن ذلك أوسع في العشرة، والريف بالكسر - الخصب، وقال في القاموس: أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل والمشرب، وما قارب الماء من أرض العرب، أو حيث الخضر والمياه والزروع، وراف البدوي: أتى الريف، والراف: الخمر - وهو لا يكون إلا عن سعة، وأرض ريفة ككيسة: خصبة، وأرافت الأرض: أخصبت.
ومن المهموز: رفأ السفينة - كمنع وأرفأها: أدناها من الشط -
(11/483)

لاتساع من فيها بالبر، وبالنسبة إليها يكون للسلب، والموضع مرفأ، ويضم، ورفأ بينهم: أصلح، وأرفأ، جنح، وامتشط ودنى وأدنى وحابى ودارأ كرافأ وإليه لجأ، وترافؤوا: توافقوا وتواطؤوا، واليرفيء كاليلمعي: راعي الغنم والظليم النافر والظبي القفوز المولى والمنتزع القلب فزعاً - كأنه شبه بالظليم في اتساع حركته وعدم ثباته، وذلك شبيه أيضاً بفوران القدر في مجاوزة الحد، ورفأت العروس ترفئة وترفيئاً - تقدم في الواوي، والرأف: الخمر والرجل الرحيم، أو الرأفة: أشد الرحمة أو أرقها، ولا شك في دخول ذلك في السعة، ورأف: موضع أو رملة - ولعلهما واسعان، والفرأ - كجبل وسحاب: حمار الوحش أو الفتيّ منه - لشدة نفاره كالقدر في فورانها، وأمر فريء كفريّ، وكل الصيد في جوف الفرا، أي كله دونه، وفرأ - محركة: جزيرة باليمن - لعله بها بكثرة، والفأر معروف، والواحدة فأرة، والجمع فئران - سمي لقفزه في جرية، ولأنه وسع من الحشرات تصرفاً بالمشي في الجدر والسقوف ونحوها، والفأرة: شجرة ونافجة
(11/484)

المسك، قال في القاموس: أو الصواب إيراد فارة المسك في ف ور لفوران رائحتها، أو يجوز همزها لأنها على هيئة الفأرة، وفأر كمنع: حفر وخبأ ودفن - يمكن أن يكون من السعة ومن سلبها؛ ولبن فئر - ككتف: وقعت فيه الفأرة، وأرض فئرة ومفأرة: كثيرة الفأر، وأفرت القدر بالفتح تأفر أفراً: اشتد غليانها، والإنسان: وثب وعدا، والبعير: نشط وسمن بعد الجهد كأفر كفرح فيهما، وخف في الخدمة، والذي يسعى بين يدي الإنسان ويخدمه مئفر، والأفرة - بضمتين وتشديد الراء: الجماعة - وقيدها في مختصر العين بذات الجلبة - والبلية والاختلاط، وكل ذلك واضح في الاتساع والزيادة على الكفاية، والأفرة أيضاً شدة الشر - لشدة فورانه كالقدر، وشدة الشتاء أو مطلق الشدة، ومن الصيف: أوله - لأنه يتسع به، قال في القاموس: ويفتح أولها ويحرك في الكل؛ والأرفة - بالضم: الحد بين الأرضين والعقدة - وكأن هذا سلب الاتساع، والأرفي كقمري: الماسح، وأرف على الأرض تأريفاً: جعلت لها حدود وقسمت،
(11/485)

وتأريف الحبل: عقده، وهو مؤارفي حده إلى حدي في السكنى والمكان - والله الموفق.
ولما ذكره سبحانه بما كان في ذلك من رشده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أتبعه ببيان أنه إنما كان بعصمة الله له ليزداد شكراً، فقال تعالى: {ولولا أن ثبتناك} أي بما لنا من العظمة على ما أمرنا لما تقدم من أنا مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنت رأس المتقين والمحسنين {لقد كدت} أي قاربت {تركن إليهم} أي الأعداء {شيئاً قليلاً *} لمحبتك في هدايتهم وحرصك على منفعتهم، وكنا عصمناك فلم تركن إليهم لا قليلاً ولا كثيراً، ولا قاربت ذلك، كما أفادته {لولا} لأنها تدخل على جملة اسمية فجملة فعلية لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، فامتناع قرب الركون مرتبط بوجود التثبيت، وذلك لأن {لولا} لانتفاء الثاني لأجل انتفاء الأول، وهي هنا داخلة على لا النافية، فتكون لانتفاء قرب الركون لأجل انتفاء التثبيت، وانتفاء النفي وجود، فإذن التثبيت موجود، وقرب الركون منتف. ويجوز أن يكون المراد الدلالة على شدة مكرهم وتناهي خداعهم إلى حالة لا يدرك وصفها،
(11/486)

فيكون الفعل مسنداً إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمراد إسناده إليهم ليكون المعنى: كادوا أن يجعلوك مقارباً للركون إليهم، كما تقول لصاحبك: لقد كدت تقتل نفسك، أي فعلت ما قاربت به أن يقتلك غيرك لأجل فعلك، وهذه الآية من الأدلة الواضحة على ما خص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل في شرف جوهره، وزكاء عنصره، ورجحان عقله، وطيب أصله، لأنها دلت على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو وكل إلى نفسه وما خلق الله في طبعه وجبلته من الغرائز الكاملة والأوصاف الفاضلة، ولم يتداركه بما منحه من التثبيت زيادة على ذلك حال النبوة لم يركن إليهم، وهم أشد الناس أفكاراً، وأصفاهم أفهاماً، وأعلمهم بالخداع، مع كثرة عددهم، وعظم صبرهم وجلدهم - ركوناً ما أصلاً، وإنما كان قصاراهم أن يقارب الركون شيئاً قليلاً، فسبحان من يخص من يشاء بما يشاء، وهو ذو الفضل العظيم {إذاً} أي لو قاربت الركون الموصوف إليهم {لأذقناك} أي بعظمتنا {ضعف} عذاب {الحياة وضعف} عذاب {الممات} أي ذلك العذاب مضاعفاً.
وهذه المادة تدور على الوهي، ويلزمه التقوية بالضعف - بكسر الضاد أي المثل وما زاد، وكل شيء له مكاثر فهو ضعيف بدونه،
(11/487)

ويلزم الضعف الذي هو المثل المضموم إلى مثله: القوة، فمن الوهي: الضعف والضعف بالفتح والضم، وهو خلاف القوة، وقيل: الضعف بالفتح في العقل والرأي، وبالضم في الجسد، والضعيف: الأعمى - حميرية، وأرض مضعفة للمفعول: أصابها مطر ضعيف، وضعف الشيء بالكسر: مثله - لأن كل ما له مثل فهو ضعيف، وضعفاه مثلاه. ويقال: لك ضعفه، أي مثلاه، وثلاثة أمثاله، لأن أصل الضعف زيادة غير محصورة، وضاعفت الشيء، أي ضممت إلى الشيء شيئين فصار ثلاثة، وأضعاف الكتاب: أثناء سطوره - لأنها أمثال للسطور من البياض وزيادة عليها ومن القوة التي تلزم المثل: أضعاف البدن وهي أعضاؤه - لأن غالبها مثنى، أو هي عظامه - لأنها أقوى ما فيه، ومن الضعف أيضاً مقلوبة الذي هو ضفع - إذا أحدث وضرط، وكذا مقلوبة فضع، والضفع نجو الفيل، والضفعانة: تمرة السعدانة ذات الشوك مستديرة - كأنها فلكة، فالمعنى - والله أعلم: أذقناك وهي الحياة ووهي الممات مضاعفاً أضعافاً كثيرة.
ولما كانت القوة بعد هذا في غاية البعد، عبر بأداة التراخي في قوله تعالى: {ثم لا تجد لك} أي وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم همة
(11/488)

{علينا نصيراً *} والآية دالة على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظيم شأن مرتكبه وارتفاع منزلته، وعلى أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته، فعلى من تلاها أن يتدبرها وأن يستشعر الخشية وعظيم التصلب في الدين.
ولما بين أنهم استمالوه بالرفق حتى كادوا - لولا العصمة - أن يميلوه، دل على أنهم أخافوه بعد ذلك حتى كادوا أن يخرجوه من وطنه قبل الإذن الخاص بالهجرة فقال تعالى: {وإن} أي وإنهم {كادوا} أي الأعداء {ليستنفرونك} أي يستخفونك بكثرة الأذى الذي من شأنه ذلك فيما جرت به العوائد {من الأرض} أي المكية التي هي الأرض كلها لأنها أمها {ليخرجوك منها} مع أن وجودك عندهم رحمة لهم، فلا أعمى منهم! وأصل الفز القطع بشدة - قاله الرماني {وإذاً} أي وإذا أخرجوك {لا يلبثون خلافك} أي بعد إخراجك لو أخرجوك {إلا قليلاً *} وسيعلمون إذا أذنا لك في النزوح كيف نصبّ عليهم العذاب بعد خروجك بقليل، برمحك الطويل، وسيفك الصقيل، وسيوف أتباعك المؤمنين، لثبوت هذا الدين، وقد حقق الله سبحانه هذا الوعيد بقتل صناديدهم في غزوة
(11/489)

بدر في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بعد ثمانية عشر شهراً من مهاجرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحرم على المشركين الذين أخرجوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة المشرفة الدخول إليها والإقامة في حريمها من جزيرة العرب، إكراماً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانتقاماً ممن يعتقد شيئاً من كفر من أخرجوه؛ ورفع {يلبثون} لأن {إذن} إذا وقعت بعد الواو والفاء جاز فيها الإلغاء، لأنها متوسطة في الكلام كما أنه لا بد من أن تلغى في آخر الكلام، وفي الآية بيان لأن الجاهل لا يزال ينصب للعالم الحبائل، ويطلب له الغوائل، فيعود ذلك عليه بالوبال، في الحال والمآل.
(11/490)

سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)
ولما أخبره بذلك، أعلمه أنه سنته في جميع الرسل فقال تعالى: {سنة} أي كسنة أو سنتنا بك سنة {من قد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة.
ولما كان الإرسال قد عمت بركته بهذه العظمة جميع الأزمان بما حفه به من قويم الفطرة، أسقط الجار فقال تعالى: {قبلك} أي في الأزمان الماضية كلها {من رسلنا} بأن جعلنا وجودهم بين ظهراني قومهم رحمة لقومهم، فإذا أخرجوهم عاجلنا من رضي بإخراجهم
(11/490)

بالعقوبة {ولا تجد لسنتنا} أي لما لها من العظمة {تحويلاً} أي بمحول غيرنا يحولها، لكنهم خصوا عن الأمم السالفة بأنهم لا يعذبون عذاب الاستئصال تشريفاً لهم بهذا النبي الكريم.
ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم أحسن تقرير، واستعطفهم بنعمه، وخوفهم من نقمه، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته، وأحسن من علانيته وسريرته، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة، وتهيأ للمراقبة، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى: {أقم} أي حقيقة بالفعل ومجازاً بالعزم عليه {الصلاة} بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض عن كل غير، وفناء كل سوى، بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء، وأدفع الأشياء للضراء، وأجلبها لكل سراء، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما تقدم تخريجه في آخر الحجر؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى:
(11/491)

{لدلوك الشمس} أي زوالها واصفرارها وغروبها، قال في القاموس: دلكت الشمس: غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء. فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه، أما في الظهر والمغرب فواضح، وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار، وأدل دليل على ذلك أنه غيّا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى: {إلى} حثاً على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصلياً دائماً، لأن الإنسان في صلاة ما كان ينتظر الصلاة، فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن يذهب الشفق {غسق الّيل} فالغسق: ظلمة أول الليل، وهو وقت النوم؛ وقال الرازي في اللوامع: وهو استحكام ظلمة الليل، وقال الرماني: ظهور ظلامه؛ ثم عطف عليه بتغيير السياق قوله تعالى: {وقرءان} فكأنه قال: ثم نم وأقم قرآن {الفجر} إشارة إلى الصبح، وقيل: نصب على الإغراء، وكأنه عبر عنها بالقرآن لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها، ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقاً بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم.
ولما كان القيام من المنام صعباً، علل مرغباً مظهراً غير مضمر
(11/492)

لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى: {إن قراءن الفجر كان مشهوداً *} يشهده فريقا الملائكة، وهو أهل لأن يشهده كل أحد، لما له من اللذة في السمع، والإطراب للقلب، والإنعاش للروح، فصارت الآية جامعة للصلوات؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، يقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم {إن قرءان الفجر} - الآية. قالوا: وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت، وأن التغليس بصلاة الفجر أفضل؛ ثم حث بعدها على التهجد لأفضليته وأشديته فقال تعالى: {ومن} أي وعليك بعض، أو قم بعض {الّيل فتهجد} أي اترك الهجود - وهو النوم - بالصلاة {به} أي بمطلق القرآن، فهو من الاستخدام الحسن {نافلة لك} أي زيادة مختصة بك؛ قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: وأصل النفل الزيادة، ومنه الأنفال الزائدة على الغنائم التي أحلها الله لهذه الأمة، وقال أبو عبد الله القزاز: النوافل: الفواضل، ومن هذا يقولون: فلان ممن ترجى نوافله - انتهى. فهو زيادة للنبي
(11/493)

صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الفرض وللأمة في التطوع، وخص به ترغيباً للأمة لأنهم يعلمون أنه لا يخص إلا بخير الخير، لأنه الوقت الذي كني فيه عن استجابة الدعاء بالنزول إلى السماء الدنيا اللازم منه القرب الوارد في الأحاديث الصحيحة أنه يكون في جوف الليل، لأن من عادة الملوك في الدنيا أن يجعلوا فتح الباب والقرب منه ورفع الستر والنزول عن محل الكبرياء أمارة على قضاء الحوائج، وكل ما يعبر به عن الله تعالى مما ينزه سبحانه عن ظاهره يكون كناية عن لازمه، وبين ذلك حديث رويناه في جزء العبسي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الليل ساعة يفتح فيها أبواب السماء فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له؟» إلى آخره، فهذا شاهد عظيم لهذا التأويل.
ولما أمره سبحانه بالتهجد والتذلل، وكان السياق للعظمة رجاء في النوال بما يليق بالسياق فقال تعالى: {عسى أن} أي لتكون بمنزلة الراجي لأن {يبعثك} ولما كان السياق قد انصرف للترجية، عبر بصفة الإحسان فقال تعالى: {ربك} أي المحسن إليك بعد الموت الأكبر وقبله، كما بعث نفسك من الموت الأصغر إلى خدمته {مقاماً} نصب على الظرف {محموداً *} وذلك لأن «عسى» للترجي
(11/494)

في المحبوب والإشفاق في المكروه، وقد يضعف ذلك فيلزم الشك في الأمر، وقد يقوى فيأتي اليقين، وهي هنا لليقين، قالوا: إن عسى تفيد الإطماع، ومن أطمع أحداً في شيء ثم حرمه كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يفعل ذلك، وعبر بها دون ما يفيد القطع لأن ذلك أقعد في كلام الملوك لأنه أدل على العظمة، وللبخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع! يا فلان اشفع! حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.
أي فيظهر ما له من الحظ من اسمه أحمد ومحمد في ذلك الحين بحمد كل ذي روح بإيصال الإحسان إلى كل منهم بالفعل، وله في التفسير وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» يعني - والله أعلم - الشفاعة الخاصة، وأما العامة فللكل بغير شرط.
ولما كان هذا المقام صالحاً للشفاعة ولكل مقام يقومه، وكان كل مقام يحتاج إلى التوفيق في مباشرته والانفصال عنه، تلاه حاثاً
(11/495)

على دوام المراقبة واستشعار الافتقار بقوله مقدماً المدخل لأنه أهم: {وقل رب} أي أيها الموجد لي، المدبر لأمري، المحسن إليّ {أدخلني} في كل مقام تريد إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى {مدخل صدق} يستحق الداخل فيه أن يقال له: أنت صادق في قولك وفعلك، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً {وأخرجني} من كل ما تخرجني منه {مخرج صدق} .
ولما كان الصدق في الأمور قد لا يقارنه الظفر، قال تعالى: {واجعل لي} أي خاصة {من لدنك} أي عندك من الخوارق التي هي أغرب الغريب {سلطاناً} أي حجة وعزاً {نصيراً *} وفيه إشعار بالهجرة وأنها تكون على الوجه الذي كشف عنه الزمان من العظمة التي ما لأحد بها من يدان.
(11/496)

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)
ولما كان الدعاء قد لا يستجاب، قال مبشراً له بأنه ليس بين دعائه وبين استجابته إلا قوله، ومحققاً لتلك البشرى بالأمر بأن يخبر بها: {وقل} أي لأوليائك وأعدائك: {جاء الحق} وهو كل ما أمرني به ربي وأنزله إليّ {وزهق} أي اضمحل وبطل وهلك {الباطل} وهو كل ما خالفه؛ ثم علل زهوقه بقوله: {إن الباطل كان} في نفسه بجبلته وطبعه {زهوقاً *} قضاء قضاه الله تعالى من الأزل؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه
(11/496)

قال: دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} ، {جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد} [سبأ: 49] .
ولما كان القرآن الذي نوه به في آية {أقم الصلاة} هو السبب الأعظم في إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه، وهو الجامع لجميع ما مضى من الإلهيات والبعث وما تبع ذلك، قال عاطفاً على {ولقد كرمنا} : {وننزل} أي بعظمتنا؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى: {من القرءان} أي الجامع الفارق الذي هو أحق الحق {ما هو شفاء} للقلوب والأبدان {ورحمة} أي إكرام وقوة {للمؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، لإنارته لقلوبهم من صدإ الجهل، وحمله لهم على سبيل الرشد الذي هو سبب الرحمة، ولحراسته لهم من كل شيطان ومرض ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء به، هو كله كذلك وكذا جميع أبعاضه؛ قال الرازي في اللوامع: وهو أنس المحبين، وسلوة المشتاقين، وإنه النور المبين، الذي من
(11/497)

استبصر به انكشف له من الحقائق ما كان مستوراً، وانطوى عنه من البوائق ما كان منشوراً، كما أن الباطل داء ونقمة للكافرين {و} من أعجب العجب أن هذا الشفاء {لا يزيد الظالمين} أي الراسخين في هذا الوصف، وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه، بإعراضهم عما يجب قبوله {إلا خساراً *} أي نقصاناً، لأنهم إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم، أعرضوا عنه، فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرانهم، كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم، وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس القرآن أحد فقام عنه بزيادة أو نقصان - ثم قرأ هذه الآية؛ ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى: {وإذا أنعمنا} أي بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأيّ نعمة كانت، من إنزال القرآن وغيره {أعرض} أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها {ونأ} أي تباعد
(11/498)

تكبراً {بجانبه} بطراً وعمى عن الحقائق {وإذا مسه الشر} أي هذا النوع وإن قل {كان يئوساً *} أي شديد اليأس هلعاً وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان.
ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضاً بأن يقال: إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وكان هذا الاعتراض ساقطاً لا يعبأ به، أما أولاً فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس عليه السلام في قوله تعالى {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} [يونس: 12] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود عليه السلام {إلا الذين صبروا} [هود: 11] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه عدم، وأما ثانياً فلأن المحلى باللام سواء كان مفرداً أو جمعاً في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى: {قل} أي يا أشرف خلقنا! {كل} من الشاكر والكافر {يعمل على شاكلته}
(11/499)

أي طريقته التي تشاكل روحه وتشاكل ما طبعنا عليه من خير أو شر {فربكم} أي فتسبب عن ذلك أن الذي خلقكم ودرجكم في أطوار النمو، لا غيره {أعلم} مطلقاً {بمن هو} منكم {أهدى سبيلاً *} أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه، فيشكر ويصبر احتساباً فيعطيه الثواب، ومن هو أضل سبيلاً، فيحل به العقاب، لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق، وغيره إنما يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة؛ وقد روى الإمام أحمد - لكن بسند منقطع - عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه» هذا كله الإعراض بالفعل، وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية، والله أعلم بالمهتدي فيحفظه من الإعراض واليأس بالفعل هو فيه بالقوة.
ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان، وما هو عليه من الضلال والنسيان، إلا من فضله على أنباء نوعه
(11/500)

كما فضل طينته على سائر الطين، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفاً على {وقالوا إذا كنا عظاماً} : {ويسئلونك} أي تعنتاً وامتحاناً {عن الروح} الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديداً: ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتاً، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى: {قل الروح} أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية {من أمر ربي} أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه، تشريفاً لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره، بل هو يبدعها من العدم، أو يقال - وهو أحسن: إن الخلق قسمان: ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق، والثاني ما كان إخراجاً من العدم بلا تسبيب ولا تطوير، وهو المعبر عنه بالأمر، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن، وكذا ما هو للحفظ والتدبير
(11/501)

كالأديان، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة، وأنها غير مطورة ولا مسببة، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدباً، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم، وفيه أسئلة كثيرة جداً لا برهان على أجوبتها، منها أنه متحيز أم لا؟ وأنه مغاير للنفس أم لا؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء مجهولة، وهي موجودة.
فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة، وهي معلومة الوجود، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما لذلك الذي تركوه ولا قريب منه، فقال تعالى دالاً على حدوثه بتغيره، فإنه يكون في المبدإ جاهلاً ثم يحدث له العلم شيئاً بعد شيء،
(11/502)

وكل متغير حادث: {وما أوتيتم} أي من أيّ مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون شيئاً {من العلم} أي مطلق هذه الحقيقة، فكيف بالمشكل منها {إلا قليلاً *} ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في الدارين، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به، ويتوقف إثباته على أمور دقيقة، ومقدمات صعبة، وتتركوا ما يضركم الجهل به في الدين والدنيا، مع كونه في غاية الوضوح، لكثرة ما قام عليه من الأدلة، وله بحضرتكم من الأمثلة، والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق، فهو ينبهكم على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقاً بكم، ولفهم هذا سكت السلف عن الخوض في أمره، والخطاب لليهود والعرب، أما العرب فواضح، وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلى تلاشي علمهم في جنب علم الله؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين، فحيث ورد تعظيم على أحد وتكثره فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق، وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى
(11/503)

علم الله تعالى، وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض، فإنه روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة، فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه، فلما انجلى عنه الوحي تلا عليهم - الآية.
وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش، فأمروهم أن يسألوه عن الروح، وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أخبركم بما سألتم عنه غداً» - ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً، حتى أرجف به أهل مكة، وحتى حزن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، وروي أيضاً أن لبث الوحي كان أربعين ليلة. وروي: اثنتي عشرة
(11/504)

ليلة، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، ونزلت {ويسئلونك} - الآية. وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول، فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانياً لم يجب فيه بالجواب الأول، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه، أو خشية أن يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعيد الله سبحانه إنزاله عليه تثبيتاً له وإعلاماً بأنه هو الجواب، وفيه مقنع، وفي تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله، لا يقدر عليه غيره، لأنه لو كان قادراً على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك، تنزيهاً لنفسه الشريفة، وهمته المنيفة، وعرضه الطاهر، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم.
ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت، ضمت إلى سورة الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي جعل لغرابته كالرؤيا
(11/505)

{وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ولذلك فصلت عن السؤالين الآخرين، لأنهما من عالم الملك، وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة الكهف إن شاء الله تعالى.
(11/506)

وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)
ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل، وإخراج المرسل، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتاً عن الروح الحسي، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهماً عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجداً، وأطهرهم نفساً، وأعظمهم مولداً، وأزكاهم عنصراً، وأعلاهم همة، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا يفهمونه، قال عاطفاً على {وإن كادوا ليفتنونك} تنبيهاً لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه، فعمهم الجهل كما كانوا، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم، وأرادوا تبديل ما ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ويفنيهم، فضلوا قولاً وفعلاً: {ولئن شئنا} ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء، ولامه موطئة للقسم، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى: {لنذهبن} أي بما لنا من العظمة ذهاباً محققاً {بالذي أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إليك} مما أرادوا الفتنة
(11/506)

فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا، ولإفادة هذا لم يقل: لأذهبنا. {ثم} أي بعد الذهاب به {لا تجد لك} ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي، فكانت العناية به أشد، قدم قوله: {به} ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد طوعاً وكرهاً، قال تعالى: {علينا} أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض {وكيلاً *} يأتيك به أو بشيء منه.
ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه، قال تعالى: {إلا} أي لكن تجد {رحمة} مبتدئة وكائنة {من ربك} أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك، ولم يقطع إحسانه قط عنك، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال.
ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفاً مؤكداً لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب، فهو بحيث لا يكاد
(11/507)

يصدق، وهو مما يتلذذ بذكره {إن فضله كان} أي كوناً ثابتاً {عليك} أي خاصة {كبيراً *} أي بالغ الكبر، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان، يسري بما في المصاحف وبما في القلوب، وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط.
ولما كان بمعرض أن يقولوا: إن ذهب عليك من شيء فائت بمثله من عند نفسك ومما اكتسبته منه من الأساطير، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على مضمون ما قبله: {قل} .
ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني الصادقة، والنظوم الرائقة، كما دل عليه التعبير بالقرآن، زاد في التحدي قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما مضى في السور السابقة، فقال تعالى مؤكداً باللام الموطئة للقسم لادعائهم أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله، والجواب حينئذ للقسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم: {لئن اجتمعت الإنس} الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ولأنهم عندهم الأصل في البلاغة {والجن} الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم،
(11/508)

وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من كلامهم {على أن يأتوا} أي يجددوا إيتاءً ما في وقت ما في حال اجتماعهم {بمثل هذا القرآن} أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل، وخصه بالإشارة تنبيهاً على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من الله، ليس فيه شيء من عند نفسه، وأن المراد في هذا السياق المتحدى به الذي اسمه القرآن خاصة {لا يأتون} .
ولما كانت هذه السورة مكية، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر المكي فيختص التحدي به، وكان المظهر إذا أعيد مضمراً أمكن فيه الخصوص، وكان المراد إنما هو الشمول، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف، لم يقل هنا «به» لذلك، ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله، بل أظهر فقال دالاً على أن المراد جميع المكي والمدني: {بمثله} أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة، مبيناً لأحسن المعاني بأوضح المباني، ولا مع الانفكاك عنها إلى معانٍ مفتراة؛ ثم أوضح أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال تعالى: {ولو} ولما كان المكلفون مجبولين على المخالفة
(11/509)

وتنافي الأغراض قال تعالى: {كان} أي جبلة وطبعاً على خلاف العادة {بعضهم لبعض ظهيراً *} أي معيناً بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه، وقد تقدم في السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى.
ولما تمت هذه الجمل على هذا الوجه الجميل، والوصف الجليل، نبه على ذلك سبحانه بقوله عطفاً على نحو: صرفنا هذه الأمثال كما ترون على أعلى منهاج وأبلغ سياق في أبدع انتظام: {ولقد صرفنا} أي رددنا وكررنا تكريراً كثيراً بما لنا من العظمة، ولما كان مبنى السورة على بيان العناية بالناس الذين اتقوا والذين هم محسنون، اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم قوله تعالى: {للناس} أي الذين هم ناس {في هذا القرءان} الهادي للتي هي أقوم {من كل مثل} أي من كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض وبلاغته ووضوحه ورشاقته كالمثل الذي يجب الاعتبار به؛ والتصريف: تصيير المعنى دائراً في الجهات المختلفة بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك {فأبى} أي فتسبب عن ذلك الذي هو سبب للشفاء والشكر والهدى، تصديقاً لقولنا {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} أنه أبى
(11/510)

{أكثر الناس} وهم من هم في صورة الناس وقد سلبوا معانيهم.
ولما كان «أبى» متأولاً بمعنى النفي، فكان المعنى: فلم يرضوا مع الكبر والشماخة، استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى: {إلا كفوراً *} لما لهم من الاضطراب.
ولما كان هذا أمراً معجباً، عجب منهم تعجيباً آخر، عاطفاً له على {ويسئلونك} إن كان المراد بالناس في قوله {فأبى أكثر الناس} الكل، وعلى «فأبى» إن كان المراد بهم قريشاً فقال تعالى: {وقالوا} أي كفار قريش ومن والاهم تعنتاً بعد ما لزمهم من الحجة ببيان عجزهم عن المعارضة ولغير ذلك فعل المبهوت المحجوج المعاند، مؤكدين لما لزمهم من الحجة التي صاروا بها في حيز من يؤمن قطعاً من غير توقف: {لن نؤمن} أي نصدق بما تقول مذعنين {لك حتى تفجر} أي تفجيراً عظيماً {لنا} أي أجمعين {من الأرض ينبوعاً *} أي عيناً لا ينضب ماءها {أو تكون لك} أي أنت وحدك {جنة من نخيل و} أشجار {عنب} عبر عنه بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل {فتفجر} أي بعظمة زائدة {الأنهار} الجارية {خلالها تفجيراً *} وهو تشقيق عما يجري من ماء أو ضياء أو نحوهما؛ فالفجر: شق الظلام من عمود الصبح، والفجور:
(11/511)

شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد {أو تسقط السماء} أي نفسها {كما زعمت} فيما تتوعدنا به {علينا كسفاً} أي قطعاً جمع كسفه وهي القطعة، ويجوز أن يكون المراد بذلك الحاصب الآتي من جهة العلو وغيره مما توعدوا به في نحو قوله {أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} [الأنعام: 65] وتسمية ذلك سماء كتسمية المطر بل والنبات سماء:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
{أو تأتي} معك {بالله} أي الملك الأعظم {والملائكة قبيلاً *} أي إتياناً عياناً ومقابلة ينظر إليه لا يخفى على أحد منا شيء منه، وكان أصله الاجتماع الذي يلزم منه المواجهة بالإقبال من قبائل الرأس الجامعة {أو يكون لك} أي خاصاً بك {بيت من زخرف} أي ذهب كامل الحسن والزينة {أو ترقى} أي تصعد {في السماء} درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعداً {ولن نؤمن} أي نصدق مذعنين {لرقيك} أي أصلاً {حتى تنزل} وحققوا معنى كونه {من السماء} بقولهم: {علينا كتاباً} ومعنى كونه، {في رق} أو نحو قولهم: {نقرؤه} يأمرنا فيه باتباعك.
فلما تم تعنتهم فكان لسان الحال طالباً من الله تعالى الجواب عنه، أمره الله تعالى بجوابهم بقوله: {قل سبحان ربي} أي تنزه عن أن
(11/512)

يكون له شريك في ملكه يطلب منه ما لا يطلب إلا من الإله، فهو تنزيه لله وتعجيب منه لوضوح عنادهم بطلبهم ما لا قدرة عليه إلا للإله ممن لا قدرة له على شيء منه إلا بإذن الله، ولم يدّع قط أنه قادر على شيء منه، فحسن الاستفهام جداً في قوله تعالى: {هل كنت إلا بشراً} لا يقدر على غير ما يقدر عليه البشر {رسولاً *} كما كان من قبلي من الرسل، لا أتعدى ما أمرت به من التبليغ، فلا آتي بشيء إلا بإذن الله، ولم أقل: إني إله، حتى يطلب مني ما يطلب من الإله ورتبوا أنفسهم هذا الترتيب لأنهم حصروا حاله في دعوى أن يكون عظيماً بالرسالة أو غيرها ليتبعه الناس، فإن كان الأول كان مقبول القول عند مرسله، وحينئذ فإما أن يسأله في نفع عام بالينبوع، أو خاص به بالجنة إن بخل بالعام، أو ضر بالكشف أو يسأله في الإتيان مع جنده لأن يصدقه، وإن كانت عظمته بغير ذلك فإما أن يكون ملكاً ليكون له البيت المذكور بما جرت العادة أن يكون تابعاً له، أو يكون ممن يجتمع بالملك الذي أرسله فيرقى على ما قالوا.
(11/513)

وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100)
ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشراً،
(11/513)

أتبعه قوله تعالى عطفاً على: {فأبى} أو {فقالوا} : {وما منع الناس} أي قريشاً ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب {أن يؤمنوا} أي لم يبق لهم مانع من الإيمان، والجملة مفعول «منع» {إذ جاءهم الهدى} أي الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة {إلا} وفاعل منع {أن قالوا} أي منكرين غاية الإنكار متعجبين متهكمين: {أبعث الله} أي بما له من العظمة الباهرة من صفات الجلال والإكرام {بشراً ورسولاً *} وسبب اتباع الضلال - مع وضوح ضره - وترك الهدى - مع ظهور نفعه - وقوع الشبهة أو الشهوة لضعفاء العقول - وهم أكثر الناس - في أوله ثم تقليد الرؤساء وتمكن العادة السيئة فيما بعد ذلك، فلما أنكروا كون الرسول بشراً بعد أن جعلوا الإله حجراً، علمه جوابهم بقوله تعالى: {قل} لهم: قال ربي سبحانه وتعالى: {لو كان} أي كوناً متمكناً {في الأرض} التي هي مسكن الآدميين {ملائكة يمشون} عليها كالآدميين من غير طيران كالملائكة إلى السماء {مطمئنين} باتخاذهم لها قراراً كما فعل البشر {لنزلنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم} مرة بعد مرة كما فعلنا في تنزيل جبريل عليه السلام على الأنبياء من البشر، وحقق الأمر بقوله تعالى: {من السماء ملكاً رسولاً *} لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم له بخلاف
(11/514)

البشر كما هو مقتضى الحكمة، لأن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم، إذ الشيء عن شكله أفهم، وبه آنس، وإليه أحسن، وله آلف، إلا من فضله بتغليب نفسه وعقله على شهوته فأقدره بذلك على التلقي من الملك.
ولما نصب البرهان القاطع على أن القرآن الموحى إليه من عند الله، ونفى شبهتهم في إنكار كون الرسول بشراً، بأنه ما خرج عن عادة من قبله ممن كانوا مقرين بأنهم أنبياء، وبأن الجنس لا يفهم عن جنس آخر، فالبشر لا يفهم عن الملك إلا بخارقة، ولا يكون ذلك إلا للرسل ومن أراد الله من أتباعهم، لم يبق إلا محض العناد الذي لا رجوع فيه إلا إلى السيف عند القدرة، وإلى الله عند فقدها، وكان في مكة المشرفة غير قادر على السيف، أمره الله تعالى بالرجوع إلى السيف فقال تعالى: {قل كفى بالله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {شهيداً} أي فيصلاً يكون {بيني وبينكم} يعامل كلاًّ منا بما يستحق؛ ثم علل كفايته لذلك بقوله تعالى: {إنه كان بعباده} قبل أن يخلقهم {خبيراً} بما يؤول إليه أمرهم بعد إيجاده لهم {بصيراً *} بما يكون منهم بعد وجوده.
ولما تقدم أنه سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدي والضال، وكان ختم هذه الآية مرشداً إلى أن المعنى: فمن علم منه بجوابه قابلية للخير وفقه للعمل على تلك المشاكلة، ومن علم منه قابلية للشر أضله، عطف
(11/515)

عليه قوله تعالى: {ومن يهد الله} أي الذي له الأمر كله لأنه لا شريك له، بخلق الهداية في قلبه، وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة الإحسان بإفراد ضميره، وإلى كثرة الضال بجمعه فقال تعالى: {فهو} أي لا غيره {المهتد} لا يمكن أحداً غيره أن يضله {ومن يضلل} فهو الضال لا هادي له، وذلك معنى قوله تعالى: {فلن تجد لهم} أي للضالين {أولياء} أي أنصاراً في هذه الدنيا {من دونه} يهدونهم ولا ينفعونهم بشيء أراد الله غيره، ولذلك نفوا أصلاً ورأساً، لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا كالعدم، وإذا انتفى على الجمع انتفى عن المفرد من باب الأولى؛ فالآية من الاحتباك: خبر الأول يدل على حذف ضده ثانياً، ونتيجة الثاني تدل على حذف ضدها من الأول.
ولما كان يوم الفصل يوماً يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من عظمته تعالى ما يضمحل معه كل عظمة قال تعالى: {ونحشرهم} بنون العظمة أي نجمعهم بكره {يوم القيامة} أي الذي هو محط الحكمة {على وجوههم} يمشون أو مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا {عمياً وبكماً وصماً} كما كانوا في الدنيا لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم، بل يكون ضرراً عليهم لما ينظرون من المعاطب، ويسمعون من المصائب، وينطقون به من المعايب؛ قال الرازي في اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه،
(11/516)

فلم يكن له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في الآخرة - انتهى.
ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر، قدم البصر لأنه العمدة في ذلك، وثنى بالنطق لأنه يمكن الأعمى الاسترشاد، وختم بالسمع لأنه يمكن معه وحده نوع رشاد، وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من الأوصاف فللتهويل، لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى شيء آخر، فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه، لما تقدم في براءة، وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق منهم بالآخر كبير نفع، فكأنه قيل: إلى أيّ مكان يحشرون؟ فقال تعالى: {مأواهم جهنم} تستعر عليهم وتتجهمهم، كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن كان وجهه إلى وجه صاحبه، لأنه لا يدرك سوى العذاب للختم على مشاعره، فيا طولها من غربة! ويا لها من كربة! فكأنه قيل: هل يفتر عنهم عذابها؟ فقيل: لا بل هم كل ساعة في زيادة، لأنها {كلما خبت} أي أخذ لهبها في السكون عند إنضاجها لجلودهم {زدناهم} أي بما لنا من العظمة {سعيراً *} بإعادة الجلود؛ ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته فقال تعالى: {ذلك} أي العذاب العظيم {جزاؤهم بأنهم} أهل الضلالة {كفروا بآيتنا}
(11/517)

القرآنية وغيرها، مع ما لها من العظمة بنسبتها إلينا، وكانوا كل يوم يزدادون كفراً، وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا {وقالوا} إنكاراً لقدرتنا {إذا كنا عظاماً ورفاتاً} ممزقين في الأرض؛ ثم كرروا الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم: {أإنا لمبعوثون} أي ثابت بعثنا {خلقاً جديداً *} فنحن نريهم جزاء على هذا الإنكار المكرر الخلق الجديد في جلودهم مكرراً كل لحظة
{كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} [النساء: 56] ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم فقال منبهاً على أنهم أولى بالإنكار عاطفاً على ما تقديره: ألم يروا أن الله الذي ابتدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم {أو لم يروا} أي يعلموا بعيون بصائرهم علماً هو كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل، ونادى بصحته من الشواهد الجلائل {أن الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لا غيره {الذي خلق السماوات} جمعها لما دل على ذلك من الحسن، ولما لم يكن للأرض مثل ذلك أفردها مريداً الجنس الصالح للجمع فقال تعالى: {والأرض} على كبر أجرامها، وعظم أحكامها، وشدة أجزائها، وسعة أرجائها، وكثرة ما فيها من المرافق والمعاون التي يمزقها ويفنيها ثم يجددها ويحييها {قادر على أن يخلق} أي يجدد في
(11/518)

أي وقت أراد {مثلهم} بدءاً فكيف بالإعادة وهم أضغف أمراً وأحقر شأناً {و} أنه {جعل لهم أجلاً} لعذابهم أو موتهم أو بعثهم لأنه معلوم في نفسه {لا ريب فيه} بوجه من الوجوه لما تكرر لهم من مشاهدة أنه لا تؤخر نفس إذا جاء أجلها، وكذا لا تقدم على أجلها، فكم ممن اجتهد الضراغمة الأبطال وفحول الرجال في ضره أو قتله؛ وهم قاطعون أنه في قبضتهم فلم يقدروا على ذلك، ثم كان ذلك بأضعف الناس أو بأوهى سبب فعلم بذلك أنه المنفرد بالقدرة على الإيجاد والإعدام {فأبى} أي بلى قد علموا ذلك علماً كالمحسوس المرئي فتسبب عن ذلك السبب للإيمان أن أبوا - هكذا كان الأصل فأظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف فقال: {الظالمون} أي أبى هؤلاء المتعنتون لظلمهم {إلا كفوراً *} أي جحوداً لعدم الشركة.
ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم - الذي فات الحصر، وفضل عن الحاجة، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه - غير محظور عن أحد، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق، وهم يطلبون أن يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره، وقد امتنعوا بخلاً وأنفة وجهلاً عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكراً لنعمته، واستدفاعاً لنقمته، بعد قيام الدلائل وزوال
(11/519)

الشبه فلا أبخل منهم لأنهم بخلوا مما يجب عليهم من الكلام كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«أبخل الناس من بخل بالسلام» أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله تعالى: {قل لو} .
ولما كان من حق «لو» الدخول على الأفعال، علم أن بعدها فعلاً من جنس ما بعد تقديره: تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادىء بدء فقال تعالى: {أنتم} أي دون غيركم {تملكون خزائن} عبر بصيغة منتهى الجموع، لأن المقام جدير المبالغة {رحمة} أي إرزاق وإكرام {ربي} المحسن إليّ بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه، وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده بإضافتها عليهم {إذاً لأمسكتم} أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها {خشية} عاقبة {الإنفاق} أي الموصل إلى الفقر، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى: {وكان} أي جبلة وطبعاً {الإنسان} أي الذي من شأنه الإنس بنفسه، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها {قتوراً *} أي بخيلاً ممسكاً غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيراً فلا تراه إلا مضيقاً في النفقة على نفسه، ومن
(11/520)

تلزمه نفقته، شديداً في ذلك وإن اتسعت أحواله، وزادت على الحد أمواله، لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له، طبع على ذلك فهو في غريزته بالقوة، فكلهم يفعله إلا من وفقه الله تعالى فغلب عقله على هواه وقليل ما هم! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لا يملكه، ولا ادعى القدرة عليه؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون به عبثاً بغير حاجة أصلاً، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون فيها، وإن كان لإثبات رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي مر آنفاً إقامة الدليل عليها به، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون الرسول بشراً، والله تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم، وإن كان لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما طبعتم عليه. بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن كره الكافرون، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله
(11/521)

عوناً لحزب الرحمن، ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان، ويذيق الكل الهوان، ويجعلهم وقوداً للنيران، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث الذي هو سبحانه متعال عنه، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع السنة والانسلاخ عن الهوى، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء.
(11/522)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103)
ولما قدم سبحانه أن أكثر الناس جحد الآيات لكونه حكم بضلاله، ومن حكم بضلاله لا يمكن هداه، وختم بأن من جبل على شيء لم ينفك عنه، شرع يسلي نبيه عليه الصلاة والسلام بما اتفق لمن قبله من إخوانه الأنبياء، مع التنبيه على أنه يجود بالآيات على حسب المقتضيات، وعلى أن خوارق العادات لا تنفع في إيمان من حكم عليه بالضلال، وتوجب - كما في سنه الله - إهلاك من عصى بعد ذلك بعذاب الاستئصال، فقال عاطفاً على قوله {ولقد صرفنا للناس} : {ولقد ءاتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى} بن عمران المتقي المحسن عليه السلام لما أرسلناه إلى فرعون {تسع آيات بينات} وهي - كما في التوراة: العصى، ثم الدم، ثم الضفادع، ثم القمل، ثم موت البهائم، ثم البرد
(11/522)

الكبار التي أنزلها الله مع النار المضطرمة، فكانت تهلك كل ما مرت عليه من نبات وحيوان، ثم الجراد، ثم الظلمة، ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع الحيوان - كما مضى ذلك في هذا الكتاب عن التوراة في سورة الأعراف، وكأنه عد اليد مع العصى آية، ولم يفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم، وقد نظمتها ليهون حفظها فقلت:
عصى قمل موت البهائم ظلمة ... جراد دم ثم الضفادع والبرد
وموت بكور الآدمي وغيره ... من الحيّ آتاها الذي عز وانفرد
وهي ملخصة في الزبور فإنه قال في المزمور السابع والسبعين: صنع آياته وعجائبه في مصارع صاعان، وجعل أنهارهم دماً وصهاريجهم لكيلا يشربوا الماء: أرسل عليهم الهوام وذباب الكلاب فأكلهم الضفادع وأفسدهم، أطعم القمل ثمارهم والجراد كدهم، كسر بالبرد كرومهم، وبالجليد تبنهم، أسلم للبرد مواشيهم وللحريق أموالهم، أرسل عليهم شدة حنقه سخطاً وغضباً، أرسل ملائكة الشر، فتح طرق سخطه، ولم يخلص من الموت أنفسهم،
(11/523)

أسلم للموت دوابهم، قتل جميع أبكار مصر وأول أولادهم في مساكن حام. وقال في المزمور الرابع بعد المائة بعد أن ذكر صنائع الله عند بني إسرائيل وآبائهم: بعث جوعاً على الأرض، حطم زرع أرضهم، أرسل أمامهم رجلاً، بيع يوسف للعبودية، وأوثقوا بالقيود رجليه، صارت نفسه في الحديد حتى جاءت كلمته، وقول الرب ابتلاه، أرسل الملك فأطلقه، وجعله رئيساً على شعبه، وأقامه رباً على بنيه، وسلطانه على كل ما له، ليؤدب أراجينه كنفسه ويفقه مشايخه، دخل إسرائيل مصر، وتغرب يعقوب في أرض حام، وكثر شعبه جداً، وعلا على أعدائه، وصرف قلبه ليبغض شبعه ويغدر بعبيده، أرسل موسى عبده وهارون صفيه، فصنعا فيهم آياته وعجائبه في أرض حام، بعث ظلمة فصار ليلاً، وأسخطوا كلامه، فحول مياههم دماً، وأمات حيتانهم، وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم، أمر الهوام فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم، جعل أمطارهم برداً، واشتعلت النار في أرضهم، ضرب كرومهم وتبنهم، وكسر شجر تخومهم، أذن للجراد فجاء وذباب لا يحصى، فأكل جميع عشب الأرض وثمارها، وقتل كل أبكار مصر وأول ولد ولد لهم غير أنه لم يذكر العصى، وكأن ذلك لشهرتها
(11/524)

جداً عندهم، ولأن جميع الآيات كانت بها، فهي في الحقيقة الآية الجامعة للكل، وإنما قلت: إن الآيات هذه، لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها، وعاند بعد رؤيتها، وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من تفجير الينبوع وما معه، لم يكفهم عن العناد، فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه.
ولما كان اليهود الذين أمروا قريشاً بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها - كما في بعض الروايات - وعن أهل الكهف وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف، نبههم على سؤالهم - إن كانوا يقبلون كلامهم - عن أمر موسى عليه السلام في كونه كهذا النبي الكريم في أنه بشر مع كونه رسولاً وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل المكذب، فقال تعالى: {فسئل} أي يا أعظم خلقنا! {بني إسراءيل} أي عامة الذين نبهوا قريشاً على أمر الروح عن حديث موسى عليه السلام أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه {إذ} أي عن ذلك حين {جاءهم} أي جاء آباءهم، فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك، ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من عدوه على مدافعة
(11/525)

العذاب، وإنما كان جهلاً وعناداً، ليكون ذلك مسلاة لك وعلماً على خبث طباعهم وحجة قاطعة عليهم {فقال} أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال، وهو أن قال {له فرعون} عتواً واستكباراً: {إني لأظنك} أكد قوله لما أظهر موسى عليه السلام مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد {يا موسى مسحوراً *} أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك، خيال لا حقيقة له، وأنت في الحقيقة مسحور، ولوجود السحر عنك ساحر، قال أبو عبيد: كما يقال: ميمون - بمعنى يأمن. وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة، وهذا كما قالت قريش {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} وقالوا في موضع آخر: ساحر، فإنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل مبالغة في أنه كالمجبر على الفعل، وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم، قال الشيخ ولي الدين الملوي: ولعل منه اقتباس الأئمة في المناظرة مطالبة اليهود والنصارى ونحوهم بإثبات نبوة أنبيائهم، فكل طريق يسلكون يسلك مثله في تقرير
(11/526)

نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل اعتراض يوردونه يورد عليهم مثله، وما كان جواباً لهم فهو جواب لنا، ومن تفطن للآية الكريمة رأى منها العجب في ذلك - انتهى ولم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها، فكأنه قيل: فما قال موسى عليه السلام؟ فقيل: {قال} لفرعون: {لقد علمت} أي أنا بضم التاء على قراءة الكسائي ليفيد أن عنده العلم القطعي بأن ما أتى به منزل من ربه، فهو أعقل أهل ذلك الزمان وليس على ما ادعاه فرعون، أو بفتح التاء - على قراءة الباقين أي أنك يا فرعون صرت بما أظهرته أنا من الأدلة في عداد من يعلم أنه {ما أنزل} على يدي {هؤلاء} الآيات {إلا رب السماوات والأرض} أي خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات {بصائر} أي بينات ثابتاً أمرها علياً قدرها، يبصر بها صدقي، وأما السحر فإنه لا يخفى على أحد أنه خيال لا حقيقة له {وإني} أي وإن ظننتني يا فرعون مسحوراً {لأظنك} أكد لما كان مع فرعون من ينكر قوله ويظهر القطع بسعادة فرعون {يا فرعون مثبوراً *} أي ملعوناً مطروداً مغلوباً مهلكاً ممنوعاً من الخير فاسد العقل، وظني قريب إلى الصحة بخلاف ظنك لعنادك لرب العالمين، لوضوح مكابرتك للبصائر التي كشف عنها وبها الغطاء، فهي أوضح من الشمس، وذلك لإخلادك إلى الحال
(11/527)

التي أنت بها وكسلك عن الانتقال عنها إلى ما هو أشرف منها، وقد بينت مدار «ثبر» في {لا تثريب} في سورة يوسف عليه السلام، فإذا راجعتها اتضح لك ما أشرت إليه {فأراد} أي فما تسبب عن هذا الذي هو موجب الإيمان في العادة إلا أن فرعون أراد {أن يستفزهم} أي يستخف موسى ومن آمن معه ويخرجهم فيكونوا كالماء إذا سال، من قولهم: فز الجرح: سال {من الأرض} بالنفي والقتل للتمكن من استعباد الباقين كما أراد هؤلاء أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك منها للتمكن مما هم عليه من الكفر والعناد؛ ثم أخذ يحذرهم سطواته بما فعل بمن كانوا أكثر منهم وأشد فقال: {فأغرقناه} أي فتسبب عن ذلك أن رددنا - بما لنا من العظمة - كيده في نحره: فلم نقدره على مراده واستفززناه نحن فلم يقدر على الامتناع، بل خف غير عالم بما نريد به حتى أدخلناه في البحر حيث أدخلنا بني إسرائيل فأنجيناهم وأغرقناه {ومن معه جميعاً *} كما جرت به سنتنا فيمن عاند بعد أن
(11/528)

رأى الخوارق وكفر النعمة وأفرط في البغي بعد ظهور الحق، فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا أخرجنا رسولنا من بين ظهرانيهم ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له بإسلاكنا له في النصرة، والتمكن سبيل إخوانه من الرسل عليهم السلام {وقلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يتعاظمها شيء.
(11/529)

وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)
ولما كان هذا القول غير مستغرق لزمان البعد، أثبت الجار فقال تعالى: {من بعده} أي الإغراق {لبني إسراءيل} الذين كانوا تحت يده أذل من العبيد لتقواهم وإحسانهم: {اسكنوا الأرض} أي مطلق الأرض إشارة إلى أن فرعون كان يريد محوهم عن الأرض أو إلى أن سكناهم مع وجوده كانت عدماً، لما بهم من الذل - والأرض التي أراد أن يستفزهم منها، وهي أرض مصر، أي صيروا بحيث تسكنونها لا يد لأحد عليكم، ولا مانع لكم مما تريدون منها، كما كان فرعون وجنوده إذا شئتم مملكين فيها بعد أن كنتم عبيداً تسامون سوء العذاب {فإذا جاء} أي مجيئاً محققاً {وعد الآخرة} أي القيامة بعد أن سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتاً {جئنا} أي بما لنا من العظمة {بكم} منها {لفيفاً *} أي بعثناكم وإياهم مختلطين، لا حكم لأحد على آخر، ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا، ثم ميزنا
(11/529)

بعضكم عن بعض، ونعمنا الطيب منكم بإهانة الخبيث، أن يسأل بنو إسرائيل الذين يقبل هؤلاء المشركون الجهلة كلامهم ويستنصحونهم في أمورهم - عن هذا الذي تلوناه عليك يخبروا به كما أخبرناك، فيثبت حينئذ عندهم أمر الآخرة، وإلا كان قبولهم لبعض كلامهم دون بعض بغير دليل تحكماً وترجيحاً من غير مرجح.
ولما ثبت أمر الحشر بإثبات القدرة على كل ممكن تارة، وبإخبار بني إسرائيل الذين ألزموا أنفسهم قبول كلامهم وقطع المفاوز إليهم لسؤالهم عن بعض الأمور أخرى، ثبت أن هذا القرآن المخبر بذلك حق، وكانوا قد سألوه عن المسائل المذكورة فأجابهم عن أولها وهي الروح بأمر مجمل وعقبه بأنهم سألوه في أشياء اقترحوها وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفعلها، وأشار تعالى بالإخبار عن آيات موسى عليه السلام إلى أنه لم يترك إجابتهم بخلاً ولا عجزاً، فإنها من جنس ما سألوا من التصرف في المياه تارة بإنزالهما وتارة بتبديلها دماً الموجب للقدرة على إنبات الأشجار بها، ومن إسقاط السماء كسفاً بإسقاط البرد المهلك، فثبت بذلك صحة الإخبار بتصريف الأمثال في هذا الكتاب،
(11/530)

فعطف على قوله: {ولقد صرفنا} قوله تعالى: {وبالحق} أي من المعاني الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره {أنزلناه} نحن القرآن أو هذا الذي أخبر منه بالحشر لبني إسرائيل ملتفين بالقبط وبما قبله على ما لنا من العظمة {وبالحق} لا بغيره {نزل} هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله عليك كما أنزلنا سواء غضاً طرياً محفوظاً لم يطرأ عليه طارىء، فليس فيه شيء من تحريف ولا تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين يسألهم قومك، فأفاد هذا أن القرآن معجز بكونه مع إعجازه بالبلاغة في تصريف الأمثال، وغيرها من نظم المقال {وما أرسلناك} أي بما لنا من العظمة {إلا مبشراً ونذيراً *} على غاية التمكن في كل من الوصفين - بما أشار إليه الواو والصيغة، تبلغهم ما فيه من بشارة لمن آمن بذلك اليوم، ونذارة لمن لم يؤمن به، فإن قبلوا فهو حظهم، وإن لم يقبلوا كان عليهم وزرهم، ولم يكن عليك لوم، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلاً، وسنزهق باطلهم بهذا الحق لا محالة، فلا تستعجل لهم {إن الباطل كان زهوقاً} ولم نرسلك لتفجير الأنهار ولا إنبات الأشجار؛ ثم أخبر أن الحكمة في إنزال القرآن منجماً فقال تعالى: {وقرءاناً} أي وفصلنا أو وأنزلنا قرآناً {فرقناه} أي أنزلناه منجماً في أوقات
(11/531)

متطاولة وميزناه بالحقيقة عن كل باطل، وبالإعجاز عن كل كلام {لتقرأه على الناس} أي عامة كل من أمكنك منهم، فإنك مرسل إليهم كلهم.
ولما كانوا لما لهم من النوس في غاية الزلزلة، لا يتهذبون إلا في أزمان طويلة وعلاج كبير، قال مشيراً إلى ذلك: {على مكث} أي تؤدة وترسل بأن تقرأ منه كل نجم في وقته الذي أنزلناه فيه مدة ثلاث وعشرين سنة {ونزلناه} من عندنا بما لنا من العظمة {تنزيلاً *} بعضه في إثر بعض، مفرقاً بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها، وأعون على الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ما بين النجمين لغزارة ما فيه من المعاني، وكثرة ما تضمنه من الحكم، وذلك أيضاً أقرب للحفظ، وأعظم تثبيتاً للفؤاد، وأشرح للصدر، لأن أخبار الحبيب إذا كانت متواصلة كان المحب كل يوم في عيد، بهناء جديد، فعلنا بك ذلك لما تقدم من أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الحظ لمن أقبل، والخيبة لمن أدبر، أمره أن يقول منبهاً لهم على ذلك
(11/532)

مبكتاً لهم بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى: {قل آمنوا به} أي القرآن {أو لا تؤمنوا} فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم، وإلا لم تضروا إلا أنفسكم، وهو احتقار لهم حيث صرف لهم من كل مثل فأبوا إلا كفوراً، ثم علل ذلك بما يقبل بكل ذي لب إليه، فإن كان ل «قل» فهو تسلية له صل الله عليه وعلى آله وسلم، وإن كان لما بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير، فقال تعالى: {إن الذين أوتوا العلم} وبني للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو العلم في الحقيقة من أيّ مؤتٍ كان، حاث على الإيمان بهذا القرآن، وتنبيهاً على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور، واطمأنت بها النفوس، وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز والحكم - فعلمه كلا علم بل هو أجهل الجهلة، سواء كان ممن سألتموه عني أو من غيرهم - كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في الزمر.
ولما كان المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمناً يسيراً نفعه، أدخل الجار فقال مرغباً في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن: {من قبله} أي قبل إنزاله ممن آمن من بني إسرائيل
(11/533)

الذين أمرني الله بسؤالهم تسميعاً لكم وتثبيتاً لكونكم أقبلتم عليهم بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق: {إذا يتلى} أي من أيّ تالٍ كان {عليهم} في وقت من الأوقات، ينقلهم من حال إلى حال، فيرقيهم في مدارج القرب ومعارج الكمال، إلى أعلى الرتب، بأنهم {يخرون} أي يسقطون بسرعة؛ وأكد السرعة وأفاد الاختصاص بقوله تعالى: {للأذقان} باللام دون إلى أو على، دالاً بالأذقان على أنهم من شدة ما يحصل لهم من الخشوع يسقطون سقوط من ليس له اختيار، وأول ما يلاقي الأرض ممن يسقط كذلك ذقنه، وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته - فإن الإنسان مجبول بالطبع على صيانة وجهه، فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ما في وجهه إلى الأرض حال السقوط، ولهذا قال شاعرهم: فخر سريعاً لليدين وللفم.
ثم بين أن ذلك ليس سقوطاً اضطرارياً من كل جهة بقوله تعالى: {سجداً *} أي يفعلون ذلك لما يعلمون من حقيته بما أوتوا من العلم السالف، وما في قلوبهم من الإذعان، والخشية للرحمن {ويقولون} أي على وجه التحديد المستمر: {سبحان ربنا} أي تنزه
(11/534)

الموجد لنا، المدبر لأمورنا، المحسن إلينا، عن شوائب النقص، لأنه وعد على ألسنة رسلنا أن يبعثنا بعد الموت ووعده الحق، فلا بد أن يكون، ووعد أن يأتي بهذا الكتاب على لسان هذا النبي العربي، وأوصل هذا الوعد إلينا في الكتب السالفة فأنجز ما سبق به وعده {إن} أي أنه {كان} أي كوناً لا ينفك {وعد ربنا} أي المحسن إلينا بالإيمان، وما تبعه من وجوه العرفان {لمفعولاً *} دون خلف، ولا بد أن يأتي جميع ما وعد به من الثواب والعقاب، وهو تعريض بقريش حيث كانوا يستهزئون بالوعيد في قولهم {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} ونحوه مما معناه الطعن في قدرة الله القادر عل كل شيء {ويخرون} عند تكرار سماعه {للأذقان} مع سجودهم {يبكون ويزيدهم} تكراره {خشوعاً *} أي خضوعاً وتواضعاً وإخباتاً، فإن كان سؤالكم إياهم لتؤمنوا إذا أخبروكم أني على الحق فآمنوا، وإن كان لغير ذلك فقد تبين سفهكم وضعف أمركم وسوء رأيكم، وعبر في البكاء بالفعل إشارة إلى تجدده في بعض الأحيان لما لهم في بعضها من السرور ببعض ما أبيح من الملاذ، وفي السجود بالاسم إشارة إلى دوام ذلهم بالسجود المشروع، أو بمطلق الخضوع، وسيأتي في سورة مريم ما يزيده وضوحاً.
(11/535)

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)
ولما كان إيمان أهل العلم الأول به وإذعانهم له وتركهم لأديانهم - التي أخذوها عن الأنبياء الآتين إليهم بالكتب لأجله بعد إقامة الدليل القاطع على أنه من عند الله - موجباً لكل من له أدنى إنسانية أن يؤمن به ويقبل عليه ويدعو من أنزله دون غيره دائماً، لا في أوقات الشدة فقط {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وكانت أوقات الإجابة أولى بالدعاء من غيرها، وكانت حالة السجود لا سيما مع البكاء والخشوع أولاها «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» كان المعاندون من العرب كأنهم قالوا لأن ذلك من شأنهم ومن حقهم بعد ما قام من الأدلة: آمناً فعلِّمنا كيف ندعو وبأيّ اسم نهتف؟ ولما كان الجلالة هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، وكان قد ورد في النحل من التنويه به ما لم يرد في غيرها لما تقدم من الأسرار مع أنه عد فيها من النعم ما لم يعد في غيرها، ومنها تعليم الإنسان البيان، وذلك أليق باسم الرحمن {الرحمن علم القرآن} [الرحمن: 1] الآيات، وكانت الرحمة دنيوية وأخروية من الخالق ومن الخلائق قد كررت في هذه السورة ثماني مرات {عسى ربكم أن يرحمكم} ، {جناح الذل من الرحمة} ،
(11/536)

{وقل رب ارحمهما} {ابتغاء رحمة من ربك} ، {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} ، {إنه كان بكم رحيماً} ، {إلا رحمة من ربك} خزائن رحمة ربي وكان ذلك ظاهراً في إرادة عمومها، فكان اسم الرحمن به أليق، وقع الجواب بقوله تعالى: {قل ادعوا الله} أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في ذات إحاطته {أو ادعوا الرحمن} في معنى استغراقه بالرحمة، أي سموا - أي أوقعوا الدعاء مسمين في حال دعائكم - ربكم الذي سبحتموه في السجود بأي اسم أردتم مما أذن فيه، فاهتفوا بهذا الاسم الدال على الجلال، واستحقاق مسماه الدعاء لذاته، أو بهذا الاسم الدال على الجمال واستحقاقه الدعاء لإنعامه، مطلقاً وفي حالة السجود {أيّاً ما تدعوا} أي به من أسمائه فقد حصلتم به على القصد، فإن المسمى واحد وإن تعددت أسماؤه الدالة على الشرف. ولما كان في الرحمن جمال ظاهر في باطنه جلال، لأن عموم الرحمة لبعض نعمة، ولبعض استدراج ونقمة، فكان لذلك جامعاً لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، سبب عن ذكر كل من الاسمين: العلم الجامع، والوصف الواقع موقعه، قوله: {فله} أي المسمى بهذين الاسمين وحده، وهو الواحد الأحد {الأسماء الحسنى} هذان الاسمان
(11/537)

وغيرهما مما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو دال على التحميد والتمجيد والتقديس والتعظيم، فهذا الضمير استخدام، وقد تضمن هذا القول أن معنى اسم الرحمن أشمل من اسم الرحيم وإن كان بناء كل منهما للمبالغة؛ قال الإمام أبو الحسن الحرالي رحمه الله في شرحه للأسماء الحسنى: الرحمانية استغراق الخلق بالرحمة في إنشائهم، والرحيمية إجراء الخلق على ما يوافق حسهم ويلائم خَلقهم وخُلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لتمام معناه وجود الخلق، فلم يجر بحق على أحد منهم، وإنما يوجد فيهم حظ خاص من معناه يجري عليهم به اسم الرحيم لا اسم الرحمن، فلذلك لحق اسم الرحمن في معنى استغراقه باسم الله في ذات إحاطته فقال تعالى {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} فإذا تحقق القلب اختصاصه بالله علماً كان أصلاً للفظ به قولاً فعلمت أنه لا رحمن إلا الله كما أنه لا إله إلا الله، ولحق باسم الإله فقد علم فقد التمام لمعناه في الخلق كما قد فقد أصل علم الاعتبار من معناه في اسم إله، والتوحيد في اسم الرحمن واجب لاحق بالفرض في توحيد الإله، ولذلك ولي اسم الله في موارده في الكتب وفي هذا التعديد أي الوارد في
(11/538)

حديث الترمذي والبزار وغيرهما من أسماء الله الحسنى عن أبي هريرة رضي الله عنه - انتهى.
وقد مر في آخر الحجر ما ينفع هنا.
ولما ذكر السجود وعقبه بالدعاء، أشار إلى أنه في كل حالة حسن، وفي الصلاة أولى وأحسن، بعد أن ذكر قريباً الصلوات الخمس، وكان ربما فهم من قوله {إن قرءان الفجر كان مشهوداً} ، ومن قوله: {إذا يتلى عليهم} قوة الجهر به قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك فيها، أو سمى القراءة صلاة لأنها شرط فيها جهراً قوياً حتى تسمعه المشركون، فإن المخالفين قد عرف عنادهم فلا يؤمن سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به، بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون، وربما صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا عليه قراءته {ولا تخافت} أي تسر {بها} إسراراً بليغاً كأنك تناظر فيه آخر بحيث لا تسمع من وراءك ليأخذوه عنك {وابتغ} أي اطلب بغاية جهدك {بين ذلك} أي الجهر والمخافتة التي أفهمت أداة البعد عظمة شأنهما {سبيلاً *} أي طريقاً وسطاً؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن،
(11/539)

فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن {ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم - انتهى.
أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم اسم الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم هناك القراءة في الفجر، وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الدعاء، وقد تقدم غير مرة أنه ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة.
ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين، أما الله فبجميع معاني الأسماء الحسنى، وأما الرحمن فبالرحمانية، المأمور بالدعاء بهما كل مخاطب، خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة واسمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامداً ومحموداً، وبالتكبير عن كل ما يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى: {وقل الحمد} أي الإحاطة بالأوصاف الحسنى {لله} أي الملك الأعظم {الذي لم يتخذ} لكونه محيطاً بالصفات الحسنى {ولداً} فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة وهي من أسوأ الأوصاف {ولم يكن} أي يوجد بوجه من الوجوه {له شريك في الملك}
(11/540)

ولا ولد ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا بالعجز {ولم يكن له ولي} ناصر أعم من أن يكون ذلك الناصر ولداً أو شريكاً أو غيره: ثم قيده واصفاً بقوله تعالى: {من الذل} إفهاماً بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب وجعلهم أنصاراً لدينه رحمة منه لهم لا احتياجاً منه إليهم {وكبره} عن أن يشاركه أحد في شيء من الأشياء وعن كل ما يفهمه فاهم، ويصفه به واصف، والتكبير أبلغ لفظ للعرب في معنى التعظيم والإجلال - قاله أبو حيان. وأكد بالمصدر تحقيقاً له وإبلاغاً في معناه، أي فقال: {تكبيراً} عن أن يدرك أحد كنه معرفته أو يجهله أحد من كل وجه، بل احتجب سبحانه بكبريائه وجلاله فلا يعرف، وتجلى بإكرامه وكماله فلا ينكر، فكان صريح اتصافه بالحمد أنه تعالى متصف بجميع صفات الكمال، وصريح وصفه بنفي ما ذكر أنه منزه عن شوائب النقص وأنه أكبر من كل ما يخطر للعباد المطبوعين على النقص المجبولين على غزائز العجز، ولذلك وغيره من المعاني العظمى سمى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية آية العز كما رواه الإمام أحمد عن سهل عن أبيه رضي الله عنهما، وذلك عين ما افتتحت
(11/541)

به السورة من التنزيه وزيادة - والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(11/542)

مقصودها وصف الكتاب بأنه قيم، لكونه زاجراً عن الشريك الذي هو خلاف ما قام عليه الدليل في) سبحان (من أنه لا وكيل دونه، ولا إله إلا هو، وقاصّاً بالحق أخبار قوم قد فضلوا في أزمانهم وفق ما وقع الخبر به في) سبحان (من أنه يفضل من يشاء، ويفعل ما يشاء، وأدل ما فيها على هذا المقصد قصة أهل الكهف لأن خبرهم أخفى ما فيها من القصص مع أن سبب فراقهم لقومهم الشرك، وكان
(12/1)

أمرهم موجباً - بعد طول رقادهم - للتوحيد وإبطال الشرك) بسم الله (الذي لا كفوء له ولا شريك) الرحمن (الذي أقام عباده على أوضح الطرق بقيم الكتاب) الرحيم (بتفضيل من اختصه بالصواب.
(12/2)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)
لما ختمت تلك بأمر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحمد عن التنزه عن صفات النقص لكونه أعلم الخلق بذلك، بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد على صفات الكمال التي منها البراءة عن كل نقص، منبها بذلك على وجوب حمده بما شرع من الدين على هذا الوجه الأحكم بهذا الكتاب القيم الذي خضعت لجلاله العلماء الأقدمون، وعجز عن معارضته الأولون والآخرون، الذي هو الدليل على ما ختمت به تلك من العظمة والكمال، والتنزه والجلال، فقال ملقنا لعباده حمده، معلما لهم كيف يثنون عليه، مفقها لهم في اختلاف العبارات باختلاف المقامات: {الحمد} أي الإحاطة بصفات الكمال {لله} أي المستحق لذلك لذاته.
ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته، أخبر بأنه يستحقه أيضاً لصفاته وأفعاله، فقال تعالى: {الذي} ولما كان المراد وصف جملة الكتاب
(12/2)

بالإعجاز من غير نظر إلى التفريق واللتدريج، عبر بالإنزال دون التنزيل فقال: {أنزل} وعدل عن الخطاب بأن يقول: عليك، كما يقول: فلعلك باخع نفسك، كما في ذلك من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه كما تقدم في سورة البقرة، فقال. مقدماً له على المنزل لأن المراد الدلالة على صحة رسالته بما لا يحتاج فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما لا يقدر عليه غيره: {على عبده} وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ليريه من آياته {الكتاب} الجامع لمعاني الكتب المشار إليه في آخر التي قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل في الأحكام، وداود الزبور الحادي إلى الزهد والإحسان، على ما أشير إليه في {سبحان} .
ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من علام الغيوب، نفى القابلية والإمكان دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج بطريق الأولى فقال تعالى: {ولم} أي والحال أنه لم {يجعل له} ولم يقل: فيه {عوجاً *} أي شيئاً من عوج، أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير اختلاف أصلاً، هادٍ إلى كل
(12/3)

صواب، لأن العوج - بالكسر: فقد الاستقامة في المعاني، وبالفتح في الأعيان؛ وأتبعه حالاً أخرى له بقوله تعالى: {قيماً} تصريحاً باللازم تأكيداً له، ومقيداً أنه مهيمن على ما قبله من الكتب مقيم لغيره، وقد مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني الشافعي رحمه الله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولاً، وإيجاد وإبقاء ثانياً، وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر، وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول، فإن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب.
انتهى. ويؤيده أنه في هذه السورة ذكر أنه انتظم بأهل الكهف أمر من اطلع عليهم من أهل زمانهم ثم بالخضر عليه السلام كثير من الأحوال، ثم بذي القرنين أمر جميع أهل الأرض بما يسر له من الأسباب التي منها السد الذي بيننا وبين ياجوج وماجوج الذين يكون بهم. إذا أخرجهم الله تعالى - فساد الأرض كلها، ثم ذكر في التي تليهما من أهل وده واصطفائه من اتبعهم لنظام العالم بما وفقهم له من طاعته، وبصرهم به من معرفته، واستمر كذلك في أكثر السور حتى ذكر السورة التي أشار فيها إلى الإيجاد الثاني، وأتبعها بالتي أشار فيها إلى الإبقاء الثاني، ولما كان إبقاء الأول يقتضي مهلة لبلوغ حد التكليف وإجراء القلم
(12/4)

ثم مهلة أخرى يكون فيها العمل والاستعداد لما لأجله كان هذا الوجود من العرض على الرحمن، للجزاء بالإساءة أو الإحسان، ومهلة أخرى يُحبس فيها السابق من الخلائق إلى ورود مشرع الموت لانتظار اللاحق، إلى بلوغ ما ضرب سبحانه من الآجال، لأزمان الإمهال، وقيام الناس أجمعين، لرب العالمين، وهو البرزخ وكان ما قبل التكليف شبيهاً بالعدم إلا في تعلم الكتاب والتوحيد والاجتماع على أهل الدين والوفاء بما تقدموا فيه بالعهد من الأحكام، ودربوا عليه من الحلال والحرام، أشير إليه بما بين الفاتحة والأنعام التي هي سورة الإيجاد الأول من السور الأربع، وكأن سن الاحتلام كان أول الإيجاد من الإعدام، وأشير إلى بقية العمر وهو زمان التكليف بما بين الأنعام وهذه السورة من السور التي ذُكِرَ فيها مصارع الأولين وأخبار الماضين تحذيراً من مثل أحوالهم، لمن نسج على منوالهم، وختمت بالتحميد مقترناً بالتوحيد إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في أن يختم الأجل في أعلى ما يكون من خصال الدين، وأشير إلى مهلة البرزخ بما بين هذه وسورة الإيجاد الثاني من السور التي ذكر في غالبها مثل ذلك، وأكثر فيها كلها من ذكر الموت وما بعده من البرزخ الذي يكون لانقطاع العلائق باجتماع الخلائق، لأجل التجلي في رد العظمة، والكشف البليغ عن نفوذ الكلمة،
(12/5)

والتحلي بالحكم باستقرار الفريقين في دار النعيم أو غار الجحيم، وأكثر فيما بين هذه وبين سبأ من أمر البعث كثرة ليست فيما مضى حتى صدر بعضها به، وبناها عليه كسورتي الأنبياء {اقترب للناس حسابهم} [الأنبياء: 1] والحج {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1] ولما لم يكن بين البعث وما بعده مهلة لشيء من ذلك، عقب سورة الإيجاد الثاني بسورة الإبقاء الثاني من غير فاصل ولا حاجز ولا حائل - والله أعلم.
ولما وصف الكتاب بما له من العظمة في جميع ما مضى من أوصافه من الحكمة والإحكام، والتفصيل والبيان، والحقية، والإخراج من الظلمات إلى النور، والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء، أتبعه ذكر فائدته مقدماً ما هو الأهم من درء المفسدة بالإنذار، لأنه مقامه كما هو ظاهر من {سبحان} فقال: {لينذر} وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصح قبوله الإنذار ولو تقديراً، وليفيد أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر {بأساً شديداً} كائناً {من لدنه} أي أغرب ما عنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من الإعجاز لمن خالف أمره من عذاب الدنيا والآخرة كوقعة بدر وغيرها المفيد لإدخال الإسلام
(12/6)

عليهم وهم كارهون، بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من الضعف {ويبشر المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف {الذين يعملون الصالحات} وهو ما أمر به خالصاً له، وذلك من أسنان مفتاح الإيمان {أن لهم} أي من حيث هم عاملون {أجراً حسناً *} وهو النعيم، حال كونهم {ماكثين فيه أبداً *} بلا انقطاع أصلاً، فإن الأبد زمان لا آخر له، فجمعت هاتان العلتان جميع معاني الكتاب فإنه لا يكون كذلك إلا وقد جمع أيضاً جميع شرائع الدين وأمر المعاش وأمر المعاد وما يعنيهم فعله أو تركه أو اعتقاده، وما يتبع ذلك، وذلك هو القيم، أي المستقيم في نفسه، المقيم لغيره.
ولما كان الغالب على الإنسان المخالفة للأوامر، لما جبل عليه من النقائص، كان الإنذار فأهم أعاده لذلك ولأن المقام له كما مضى، ذاكراً فيه بعض المتعلق المحذوف من الآية التي قبلها، تبكيتاً لليهود المضلين لهؤلاء العرب ولمن قال بمقالتهم فقال تعالى: {وينذر}
(12/7)

واقتصر هنا على المفعول الأول ليذهب الفكر في الثاني الذي عبر عما يحتمل تقديره به فيما مضى ب {لدنه} - كل مذهب فيكون أهول {الذين قالوا اتخذ الله} أي تكلف ذو العظمة التي لا تضاهى كما يتكلف غيره أن أخذ {ولداً *} وهم بعض اليهود والنصارى والعرب؛ قال الأصبهاني: وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قصة كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كون ذلك لبعض أعظم جزئيات ذلك الكل، ولم أجعل الآية من الاحتباك لنقص المعنى، ثم استأنف معللاً في جواب من كأنه قال: ما لهم خصوا به الوعيد الشديد؟ فقال تعالى: {ما لهم به} أي القول {من علم} أصلاً لأنه مما لا يمكن أن يعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن وجوده، ثم قرر هذا المعنى وأكد بقوله تعالى: {ولا لأبائهم} الذين هم مغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل، ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لمن يتبعوهم فيه، تنبيهاً عل أنه لا يحل لأحد أن يقول على الله تعالى ما لا علم له به، ولا سيما في أصول الدين، ثم هول أمر ذلك بقوله تعالى: {كبرت} أي مقالتهم هذه {كلمة}
(12/8)

أي ما أكبرها من كلمة! وصوّر فظاعة اجترائهم على النطق بها بقوله تعالى: {تخرج من أفواههم} أي لم يكفهم خطورها في نفوسهم، وترددها في صدورهم، حتى تلفظوا بها، وكان تلفظهم بها على وجه التكرير - بما أشار إليه التعبير بالمضارع؛ ثم بين ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم لأحد به أصلاً، لأنه لا وجود له فقال تعالى: {إن} أي ما {يقولون إلا كذباً *} أي قولاً لا حقيقة له بوجه من الوجوه.
وقال ابن الزبير في برهانه: من الثابت المشهور أن قريشاً بعثوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأجابت يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء، قالوا: فإن أجابهم فهو نبي، وإن عجز فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم، وهي الروح، وفتية ذهبوا في الدهر الأول وهم أهل الكهف، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فأنزل الله عليه جواب ما سألوه، وبعضه في سورة الإسراء {ويسئلونك عن الروح} [الإسراء: 85] الآية، واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف بحمده، وذكر نعمة الكتاب
(12/9)

وما أنزل بقريش وكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح، وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله تعالى من النعيم الدائم، وإنذار القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم {إن يقولون إلا كذباً} وتسلية نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر جميعهم {فلعلك باخع نفسك} [الكهف: 6] ، والتحمت الآي أعظم التحام، وأحسن التئام، إلى ذكر ما سأل عنه الكفار من أمر الفتية {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} [الكهف: 9] ثم بسطت الآي قصتهم، وأوضحت أمرهم، واستوفت خبرهم؛ ثم ذكر سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره، فقال تعالى {ويسئلونك عن ذي القرنين} [الكهف: 83] الآيات، وقد فصلت بين القصتين بمواعظ وآيات مستجدة على أتم ارتباط، وأجل اتساق، ومن جملتها قصة الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين وما بينهما وكفر صاحبهما واغتراره، وهما من بني إسرائيل، ولهما قصة، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وركونه إلى توهم البقاء، وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره - بعد المحاورة الواقعة في الآيات بينهما - إلى إزالة ما تخيل المفتون بقاءه، ورجع ذلك كأن لم يكن، ولم يبق بيده إلا الندم، ولا صح له من جنته بعد عظيم تلك البهجة سوى التلاشي والعدم، وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك، ومن كل شيء إلا وجهه سبحانه وتعالى فان وهالك {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} [محمد: 36] {ففروا إلى الله} [
(12/10)

الذاريات: 50] ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر، وعقب تلك الآيات بقصة موسى والخضر عليها السلام إلى تمامها، وفي كل ذلك من تأديب بني إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله عليه السلام عن القصص الثلاث أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعلمه غيرهم، فجاء جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة لهم لو عقلوا، وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة، وتنبيه لكل موفق في تسليم الإحاطة لمن هو العليم الخبير، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد الكلام إلى بقية سؤالهم فقال تعالى {يسئلونك عن ذي القرنين} إلى آخر القصة، وليس بسط هذه القصص من مقصودنا وقد حصل، ولم يبق إلا السؤال عن وجه انفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد، وهذا ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى موضعه إن قدر به - انتهى.
وقد تقدم في سورة الإسراء من الجواب عن هذا أن الروح ضمت إليها، لأنه من سر الملكوت كالإسراء، وبقي أنه لما أجمل سبحانه أمرها لما ذكر من عظيم السر، وعيب عليهم اشتغالهم بالسؤال وترك ما هو من عالمها، وهو أعظم منها ومن كل ما برز إلى الوجود من ذلك العالم من الروح
(12/11)

المعنوي الذي به صلاح الوجود كله، وهو القرآن العظيم، وعظم أمره بما ذكر في الإسراء إلى أن اقتضى الحال في إنهاء عظمته أن يدل على إصلاح الوجود به بما حرره وفصله وقرره من أمر السؤالين الباقيين اللذين هما من ظاهر الملك فيما ضم إليهما مما تم به الأمر، واتضح به ما له من جليل القدر، كان الأكمل في ذلك أن يكون ما انتظم به ذلك سورة على حدتها، ولما كان أمر أهل الكهف من حفظ الروح في الجسد على ما لم يعهد مثله ثم إفاضتها، قدم الجواب عن السؤال عنهم ليلي أمر الروح، وختم بذي القرنين لإحاطة أمره بما طاف من الأرض، ولما جعل من السد علماً على انقضاء شأن هذه الدار وختام أمرها، وطي ما برز من نشرها والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيماً له، خفض عليه سبحانه بقوله تعالى: {فلعلك باخع} أي فتسبب عن قولهم هذا، المباين جداً لما تريد لهم، الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن تكون قاتلاً {نفسك} من شدة الغم والوجد، وأشار إلى شدة نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله تعالى: {على ءاثارهم} أي حين تولوا
(12/12)

عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم وأذهبوا أعلامهم {إن لم يؤمنوا} .
ولما صور بعدهم، صور قرب ما دعاهم إليه ويسر تناوله بقوله تعالى: {بهذا الحديث} أي القيم المتجدد تنزيله على حسب التدريج {أسفاً *} منك على ذلك، والأسف: أشد الحزن والغضب؛ ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى: {إنا} أي لا نفعل ذلك لأنا {جعلنا} بما لنا من العظمة {ما على الأرض} من المواليد الثلاثة: الحيوان والمعدن والنبات {زينة لها} بأن حسنّاه في العيون، وأبهجنا به النفوس، ولولا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة، والظاهر أنه لو أطاع الناس كلهم لذهبت مضرتها فبدت زينتها، كما يكون على زمن عيسى عليه السلام حيث تصير لعباً للولدان.
ولما أخبر بتزيينها، أخبر بعلته فقال تعالى: {لنبلوهم} أي نعاملهم معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى: {أيهم أحسن عملاً *} أي بإخلاص الخدمة لربه، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهراً بالفعل
(12/13)

تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهراً لموافقته لما طبعت عليه النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة.
ولما كان دعاءها إلى الزهد فيها والإعراض عنها جملة والاستدلال بها على تمام علم صانعها وشمول قدرته على إعادة الخلائق كما ابتدأهم وغير ذلك خفياً، لكونه مستوراً عن العقول بهوى النفوس، نبه عليه بقوله تعالى: {وإنا لجاعلون} أي بما لنا من العظمة ثابت لنا هذا الوصف دائماً {ما عليها} من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه {صعيداً} أي تراباً بأن نهلك تلك الزينة بإزالة اخضرارها فيزول المانع من استيلاء التراب عليها ثم نسلط عليها الشموس والرياح فيردها بذلك إلى أصلها تراباً {جزراً *} أي يابساً لا ينبت شيئاً بطبعه، وكذا نفعل بمن سبب تسليط البلاء عليه من الحيوان آدمياً كان أو غيره سواء. ولما كان من المشاهد إعادة النبات بإذن الله تعالى بإنزال الماء عليه إلى الصورة النباتية التي هي الدليل على إحياء الموتى مرة بعد مرة ما دامت
(12/14)

الأرض موجودة على هذه الصورة، طوي ذكر ذلك ستراً لهذا البرهان المنير عن الأغبياء المشغولين بالظواهر، علماً منه سبحانه بظهوره لأولي البصائر.
(12/15)

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)
ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب، والغرائب التي تخضع لديها الغرائب، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار، والتجلي على الأبصار، هذا إلى ما له من الآيات التي تزيد على العد، ولا يحصر بحد، من خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغير ذلك، حقر آية أصحاب الكهف - وإن كانت من أعجب العجب - لاضمحلالها في جنب ذلك، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجباً، فنبه على ذلك بقوله تعالى عطفاً على ما تقديره: أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا؟ : {أم حسبت} على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين {أن أصحاب الكهف} أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت {والرقيم} أي القرية أو الجبل {كانوا} هم فقط {من ءاياتنا عجباً *} على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب، والواقع أنهم - وإن كانوا من العجائب - ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي الذي أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة تكرره فيكم، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين
(12/15)

أجناسه، واختلاف ألوانه وأنواعه، وتضاد طبائعه، من مادة واحدة، يهتز بالينبوع، يبهج الناظرين ويروق المتأملين، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب، ثم يرسل الماء فيختلط بالتراب فيجمعه أخضر يانعاً يهتز بالنمو على أحسن ما كان، وهكذا كل سنة، فهذا بلا شك أعجب حالاً ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم فيها، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا، وهذا الكهف - قيل: هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور، وقال أبو حيان: قيل: هو في الروم، وقيل: في الشام، وقيل: في الأندلس، قال: في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، ونقل عن ابن عطية قال: دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، وهو في فلاة من الأرض، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس، ونقل أبو حيان
(12/16)

عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلباً، قال: وأما ما ذكرت من مدينة دقيوس التي بقبلي غرناطة، فقد مررت عليها مراراً لا تحصى، قال: ويترجح كون أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصاً.
قلت: وفيه نظر، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غزونا مع معاوية بحر الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم.
ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته، لخص قصتهم التي عدوها عجباً وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو العجب العجيب، والنبأ الغريب، فقال تعالى: {إذ أوى} أي كانوا على هذه الصفة حين أووا، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه من الدين والدنيا، ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظاً ورقوداً
(12/17)

فقال تعالى: {الفتية} وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم، والشبان أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ {إلى الكهف} المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فراراً بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فراراً بدينكما {فقالوا} عقب استقرارهم فيه: {ربنا ءاتنا} ولما كانت الموجودات - كما مضى عن الحرالي في آل عمران - على ثلاث رتب: حكميات جارية على قوانين العادات، وعنديات خارقة للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات، طلبوا أعلاها فقالوا: {من لدنك} أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها {رحمة} أي إكراماً تكرمنا به كما يفعل الراحم بالمرحوم {وهيىء لنا} أي جميعاً لا تخيب منا أحداً {من أمرنا رشداً *} أي وجهاً ترشدنا فيه إلى الخلاص في الدارين، لا جرم صارت قصتهم على حسب ما أجابهم ربهم بديعة الشأن فردة في الزمان، يتحدث بها في سائر البلدان، في كل حين وأوان.
ولما أجابهم سبحانه، عبر عن ذلك بقوله تعالى: {فضربنا} أي عقب هذا القول وبسببه {على ءاذانهم} أي سددناها وأمسكناها عن
(12/18)

السمع، وكان أصله؛ ضربنا عليها حجاباً بنوم ثقيل لا تزعج منه الأصوات، لأن من كان مستيقظاً أو نائماً نوماً خفيفاً وسمعه صحيح سمع الأصوات {في الكهف} أي المعهود.
ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك، عبر بما يدل على النكرة فقال تعالى: {سنين} : ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة، حقق الأمر بأن قال مبدلاً منها معرفاً لأن المراد بجمع القلة هنا الكثرة: {عدداً} أي متكاثرة؛ قال الزجاج كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقدار عدده بدون التقدير فلم يحتج إلى أن يعد. {ثم بعثناهم} أي نبهناهم من ذلك النوم {لنعلم} علماً مشاهداً لغيرنا كما كنا نعلم غيباً ما جهله من يسأل فيقول: {أي الحزبين} هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم {أحصى} أي حسب وضبط {لما} أي لأجل علم ما
(12/19)

{لبثوا أمداً *} أي وقع إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد، أحصوا ذلك بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه، ولكنهم وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريباً منه فعلى سبيل الظن والتقريب، لا القطع والتحديد، بقوله تعالى
{قل الله أعلم بما لبثوا} [الكهف: 26] فإذا علم بجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك، علم أنه المحيط بصفات الكمال، وأنه لم يتخذ ولداً، ولا له شريك في الملك، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم.
(12/20)

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم، وكان الحزبان معاً هم ومن خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشاً بالسؤال عن أمرهم تشكيكاً في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة، نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن كأنه قال: أيهما أحصاه؟ : {نحن} أو يقال: ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية، وهي قصة أهل الكهف، مجملاً لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى، وهي الروح،
(12/20)

كان السامع جديراً بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار، فقال جواباً لمن كأنه قال: اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين: نحن {نقص} أي نخبر إخباراً تابعاً لآثارهم قدماً فقدماً {عليك} على وجه التفصيل {نبأهم بالحق} أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصاً ملتبساً بباطل: زيادة أو نقص، فكأنه قيل: ما كان نبأهم؟ فقال تعالى: {إنهم فتية} أي شبان {ءامنوا بربهم} المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة.
ولما دل على الإحسان باسم الرب، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره: فاهتدوا بإيمانهم: {وزدناهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفنا في قلوبهم من المعارف، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه {وربطنا} بما لنا من العظمة {على قلوبهم} أي قويناها، فصار ما فيها من القوى مجتمعاً غير مبدد، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم
(12/21)

في الخلوة {إذ قاموا} لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس {فقالوا} مخالفين لهم: {ربنا} الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا، هو {رب السماوات والأرض} أي موجدهما ومدبرهما {لن ندعوا من دونه إلهاً *} بعد أن ثبت عجز كل من سواه، والله {لقد قلنا إذاً} أي إذا دعونا من دونه غيره {شططاً} أي قولاً ذا بعد مفرط عن الحق جداً؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططاً بأنه لا دليل عليه، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها: {هؤلاء} وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذاً له من شرك الجهل، وبين المشار إليهم بقولهم: {قومنا} أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا {اتخذوا} أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى {من دونه ءالهة} أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع: {لولا} أي هلا {يأتون} الآن.
(12/22)

ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء، قال تعالى: {عليهم} أي على عبادتهم إياهم، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم: {بسلطان} أي دليل قاهر {بين} مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة، والبراهين الباهرة، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك، وقد جمعنا الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق الوجود، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك الملوك ومالك الملك، فلذلك قالوا: {فمن أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعظم {كذباً *} فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية.
(12/23)

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)
ولما استدلوا على معتقدهم، وعلموا سفه من خالفهم، وهم قوم لا يدان لهم بمقاومتهم، لكثرتهم وقلتهم، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم، فقال تعالى شارحاً لما بقي من أمرهم، عاطفاً على ما تقديره: وقالوا أو من شاء الله منهم حين خلصوا من قومهم نجياً: لا ترجعوا إلى قومكم أبداً ما داموا على ما هم عليه، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس، وإن كان المراد من القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير: {وإذ} أي حين {اعتزلتموهم}
(12/23)

أي قومكم {وما} أي واعتزلتم ما {يعبدون إلا الله} أي الذي له صفات الكمال، وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون، ويجوز أن يكونوا سموا الانقياد كرهاً لمشيئته والخضوع بزعمهم لاقضيته عبادة {فأوا} أي بسبب هذا الاعتزال، وهذا دليل العامل في {إذ} {إلى الكهف} أي الغار الذي في الجبل {ينشر} أي يحيي ويبعث {لكم ربكم} الذي لم يزل يحسن إليكم {من رحمته} ما يكفيكم به من المهم من أمركم {ويهيىء لكم من أمركم} الذي من شأنه أن يهمكم {مرفقاً *} ترتفقون به، وهو بكسر الميم وفتح الفاء في قراءة الجماعة، وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر، وهذا الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على كل شيء، وحمايته من لاذ به ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه، ففعلوا ذلك ففعل الله ما رجوه فيه، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي قرون ومرور دهور، وهدى بهم ذلك الجيل الذي أقامهم فيه {وترى} لو رأيت كهفهم {الشمس إذا طلعت} .
ولما كان حالهم خفياً، وكذا حال انتقال الشمس عند من لم يراقبه،
(12/24)

أدغم تاء التفاعل نافع وابن كثير وأبو عمرو، وأسقطها عاصم وحمزة والكسائي، فقال تعالى: {تزاور} أي تتمايل وتتحرف، ولعل قراءة ابن عامر ويعقوب تزور بوزن تحمر ناظرة إلى الحال عند نهاية الميل {عن كهفهم} بتقلص شعاعها بارتفاعها إلى أن تزول {ذات اليمين} إذا كنت مستقبلاً القبلة وأنت متوجه إليه أو مستقبلاً الشمس فيصيبهم من حرها ما يمنع عنهم التعفن ويمنع سقف الكهف شدة الحرارة المفسدة في بقية النهار {وإذا غربت} أي أخذت في الميل إلى الغروب {تقرضهم} أي تعدل في مسيرها عنهم {ذات الشمال} كذلك، لئلا يضرهم شدة الحرارة، ويصيبهم من منافعها مثل ما كان عند الطلوع، فلا يزال كهفهم رطباً، ويأتيه من الهواء الطيب والنسيم الملائم ما يصونهم عن التعفن والفساد، فتحرر بذلك أن باب الغار مقابل لبنات نعش، وأن الجبل الذي هم فيه شمالي مكة المشرفة، ويجوز أن يكون المراد يمين من يخرج من الكهف وشماله، فلا يلزم ذلك، وقال الأصبهاني: قيل: إن باب ذلك كان مفتوحاً
(12/25)

إلى جانب الشمال إذا طلعت الشمس عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله.
ومادة (قرض) وليس لها إلا هذا التركيب - تدور على القطع، ويلزمه الميل عن الشيء والعدول والازورار عنه، قرضت الشيء، - بالفتح - أقرضه - بالكسر: قطعته بالمقراض أو بغيره - لأنك إذا وصلت إليه فقد حاذيته فإذا قطعته تجاوزته فانحرفت عنه، والقرض: قول الشعر خاصة - لأنه لا شيء من الكلام يشبهه فهو مقطوع منه مائل عنه بما خص به من الميزان، وهل مررت بمكان كذا؟ فتقول: قرضته ذات اليمين ليلاً، أي كان عن يميني، والقرض: ما تعطيه من المال لتقضاه - لأنك قطعته من مالك، والقرض - بالكسر: لغة فيه عن الكسائي، والقرض: ما سلفت من إحسان أو إساءة - على التشبيه، والتقريض: المدح والذم - لأنه يميز الكلام فيه تمييزاً ظاهراً، وهما يتقارضان كذا - كأن كلاًّ منهما مقرض لصاحبه وموف له على ما أقرضه، والمقارضة: المضاربة - لأن صاحب المال قطع من ماله، والعامل قطع من عمله حصة لهذا المال، قرض فلان الرباط - إذا مات،
(12/26)

لأنه إذا انقطعت حياته انقطع كل رباط له في الدنيا، وجاء فلان وقد قرض رباطه - إذا جاء مجهوداً قد أشرف على الموت - كأنه أطلق عليه ذلك للمقاربة، والمقارضة: المشاتمة - لقطعها العرض وما بين المتشاتمين، والاقتراض: الاغتياب - من ذلك ومن القرض أيضاً، لأن من اغتاب اغتيب، وقرض - بالكسر - إذا زال من شيء إلى شيء - لأنه بوصل الثاني قطع الأول، وقرض - إذا مات، والمقارض: الزرع القليل - إما للإزالة على الضد من الكثير، أو تشبيه بمواضع الاستقاء في البئر القليلة الماء، فإن المقارض أيضاً المواضع التي يحتاج المستقي إلى أن يقرض منها الماء، أي يميح، أي يدخل الدلو في البئر فيملأها لقلة الماء - لأنها مواضع قطع الماء برفعه عن البئر والمقارض أيضاً: الجرار الكبار - كأنها لكبرها وقطعها كثيراً من الماء هي التي قطعت دون الصغار، وما عليه قراض، أي ما يقرض عنه العيون فيستره لتعدل عنه العيون - لعدم نفوذها إلى جلده، والقرض في السير هو أن تعدل عن الشيء في مسيرك، فإذا عدلت عنه فقد قرضته، والمصدر القرض وأصله من القطع، وابن مقرض - كمنبر: ويبة تقتل الحمام - كأنها سميت لقطعها حياة الحمام، وقرض البعير جرته:
(12/27)

مضغها فهي قريض - لتقطيعها بالمضغ ولقطعها من بطنه بردها إلى حنكه للمضغ.
ولما بين تعالى أنه حفظهم من حر الشمس، بين أنه أنعشهم بروح الهواء، وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال: {وهم في فجوة منه} أي في وسط الكهف ومتسعه.
ولما شرح هذا الأمر الغريب، والنبأ العجيب، وصل به نتيجته فقال تعالى: {ذلك} أي المذكور العظيم من هدايتهم، وما دبروا لأنفسهم، وما دبر لهم من هذا الغار المستقبل للنسيم الطيب المصون عن كل مؤذ، وما حقق به رجاءهم مما لا يقدر عليه سواه {من ءايات الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء علماً وقدرة، وإن كان إذا قيس إلى هذا القرآن القيم وغيره مما خصت به هذه الأمة كان يسيراً.
ولما كان انفرادهم بالهدى عن أهل ذلك القرن كلهم عجباً، وصل به ما إذا تؤمل زال عجبه فقال تعالى: {من يهد} ولو أيسر هداية - بما دل عليه حذف الياء في الرسم {الله} أي الذي له الأمر كله بخلق الهداية في قلبه للنظر في آياته التي لا تعد والانتفاع بها {فهو}
(12/28)

خاصة {المهتد} في أي زمان كان، فلن تجد له مضلاً مغوياً {ومن يضلل} إضلالاً ظاهرياً بما دل عليه الإظهار بإعمائه عن طريق الهدى، فهو لا غيره الضال {فلن تجد له} أصلاً من دونه، لأجل أن الله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه أضله {ولياً مرشداً *} فتجده يرى الآيات بعينه، ويسمعها بأذنه، ويحسها بجميع حواسه، ولا يعلم أنها آيات فضلاً عن أن يتدبرها وينتفع بها، فالآية من الاحتباك: ذكر الاهتداء أولاً دليلاً على حذف الضلال ثايناً، والمرشد ثانياً دليلاً على حذف المضل أولاً.
(12/29)

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)
ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتثبيتاً أن يبخع نفسه، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال: {وتحسبهم أيقاظاً} لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها، ولكثرة حركاتهم {وهم رقود ونقلبهم} بعظمتنا في حال نومهم تقليباً كثيراً بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم {ذات} أي في الجهة التي هي صاحبة {اليمين} منهم {وذات الشمال} لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث {وكلبهم باسط} وأعمل اسم الفاعل هذا، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال: {ذراعيه بالوصيد} أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب، وذكر هذا الكلب على طول الآباد
(12/29)

بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد.
ولما كان هذا مشوقاً إلى رؤيتهم، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى: {لو اطلعت عليهم} وهم على تلك الحال {لوليت منهم فراراً} أي حال وقوع بصرك عليهم {ولملئت} في أقل وقت بأيسر أمر {منهم رعباً *} لما ألبسهم الله من الهيبة، وجعل لهم من الجلالة، وتدبيراً منه لما أراد منهم {وكذلك} أي فعلنا بهم هذا من آياتنا من النوم وغيره، ومثل ما فعلناه بهم {بعثناهم} بما لنا من العظمة {ليتساءلوا} وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور. ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى: {بينهم} أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيماناً، وثباتاً وإيقاناً، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة، والأحوال الغريبة فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا، ولا قدرة لأحد سوانا، وأن قدرتنا تامة، وعلمنا شامل، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات، وأراهم البينات، فإن كانوا يستنحصون اليهود فليسألوهم عما قصصنا
(12/30)

من هذه القصة، فإن اعترفوا به لزمهم جميعاً الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان، وإن لم يؤمنوا علم قطعاً أنه لا يؤمن من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم، لا بإنزال الآيات المقترحات.
ولما كان المقام مقتضياً لأن يقال: ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى: {قال قائل منهم} مستفهماً من إخوانه: {كم لبثتم} نائمين في هذا الكهف من ليلة أو يوم، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من الأمارات؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضاً قوله تعالى: {قالوا لبثنا يوماً} ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالاً حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء، وأنه لا يسمى كذباً وإن كان مخالفاً للواقع {أو بعض يوم} كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلاً، لأنه فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى: فكأنه قيل: على أي شيء استقر أمرهم في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله: {قالوا} أي قال بعضهم إنكاراً على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم من التحاب في الله والتوافق فيه في الحقيقة إخوان الصفا وخلان
(12/31)

الألفة والوفا {ربكم} المحسن إليكم {أعلم} أي من كل أحد {بما لبثتم فابعثوا} أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال: اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا {أحدكم بورقكم} أي فضتكم {هذه} التي جمعتموها لمثل هذا {إلى المدينة} التي خرجتم منها وهي طرطوس ليأتينا بطعان فإنا جياع {فلينظر أيها} أي أي أهلها {أزكى} أي أطهر وأطيب {طعاماً فليأتكم} ذلك الأحد {برزق منه} لنأكل {وليتلطف} في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له {ولا يشعرن} أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر {بكم أحداً *} أن فطنوا له فقبضوا عليه، وإن المعنى: لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب، وفي قصتهم دليل على أن حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات، وفيها صحة الوكالة؛ ومادة (ورق) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور على الجمع، فالورق مثلثة وككتف
(12/32)

وجبل: الدراهم المضروبة - تشبيهاً بالورق في الشكل وفي الجمال، وبها جمع حال الإنسان، وحالها مقتض للجمع، والورّاق: الكثير الدراهم وهو أيضاً مورّق الكتب، وحرفته الوراقة، وما زلت منك موارقاً، أي قريباً مدانياً - أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى، والمداناة: أول الجمع والورق - محركة: جمال الدنيا وبهجتها - لأنها تجمع ألواناً وأنواعاً، ولعل منه الورقة، قال في مختصر العين: إنها سواد في غبرة.
وحمامة ورقاء - أي منه، وفي القاموس: والأورق من الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، أي بالداهية العظيمة، صغر الأورق كسويد في أسود، والأصل وريق فقلبت واوه همزة، والأورق أيضاً من الكتاب والشجر معروف - لأنك لا تكاد تحد واحدة منه على لون واحد، ولأنه يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما يحمله، قال في مختصر العين: والورق: أدم رقاق منه ورق المصحف، والورق أيضاً: الخبط -
(12/33)

لأنه لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره، والورق: الحي من كل حيوان - لأن الحياة هي الجمال، وبها جماع الأمور، ولأن الورق دليل على حياة الحي من الشجر، فهو من إطلاق اسم الدال على المدلول، والورق أيضاً: ما استدار من الدم على الأرض، أو ما سقط اسم من الجراحة - لأن الاستدارة أجمع الأشكال، وهو تشبيه بورق الشجر في الشكل، والورق: المال من إبل ودراهم وغيرها - لأن جماع حياة الإنسان وكمالها بذلك كما أن كمال حياة الشجر بالورق، ولرعي المال من الحيوان الورق، والورق: حسن القوم وجمالهم - من ذلك، لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم، والورق من القوم: أحداثهم أو الضعاف من الفتيان - تشبيه بالورق لأنه لا يقيم غالباً أكثر من عام، ولأنه ضعيف في نفسه، وضعيف النفع بالنسبة إلى الثمر، والورقة - بهاء: الخسيس والكريم، ضد - للنظر تارة إلى كونه نافعاً للمرعى ودالاً على الحياة، وإلى كونه غير مقصود بالذات أخرى، ورجل ورق وامرأة ورقة: خسيسان أي لا ثمرة لهما، ومن ذلك أورق الصائد - إذا رمى فأخطأ أي لم يقع
(12/34)

على غير الورق، أي لم تحصل له ثمرة، بل وقع على شجرة غير مثمرة، وكذا أورق القوم: أخفقوا في حاجتهم، أي رجعوا بلا ثمرة، ومن ذلك أيضاً أورقوا: كثر مالهم ودراهمهم - ضد، هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال الشجر وحياته، والتجارة مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة؛ ومنه قول القزاز في ديوانه: هذا رجل مؤرق له دراهم، والمؤرق: الذي لا شيء له - ضد، أو أنه تارة يكون للإيجاب والصيرورة نحو أغدّ البعير، وتارة للسلب نحو أشكيته، والوراق ككتاب: وقت خروج الورق من الشجر، وشجرة وريقة وورقة: كثيرة الورق، والوارقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنته، والوراق - كسحاب: خضرة الأرض من الحشيش، وليس من الورق في شيء، وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو عن لون آخر، والرقة - كعدة: أول نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي الإبل، لأنهما سبب لجمع المال للرعي، والرقة: الأرض التي يصيبها المطر في الصفرية - أي أول الخريف - أو في القيظ فتنبت
(12/35)

فتكون خضراء - كأن ذلك النبات يكون أقل خضرة من نبات الربيع، ويكون اختلاطه لغيره من الألوان أكثر مما في الربيع، وفي القوس ورقة - بالفتح: عيب، والورقاء: الذئبة - من أجل أن الورق الخالي عن الثمر تقل الرغبة في شجره وهو دون المثمر، ولأن الورق مختلط اللون، والاختلاط في كل شيء عيب بالنسبة إلى الخالص، وتورقت الناقة: أكلت الورق.
وقار الرجل يقور: مشى على أطراف قدميه لئلا يسمع صوتهما - لأن فاعل ذلك جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله، ومنه قار الصيد: ختله - لأن أهل الخداع أولى بالظفر، ألا ترى الأسود تصاد به، ولو غولبت عز أخذها، وقار الشيء: قطعه من وسطه خرقاً مستديراً كقوّره - لأن الثوب يصير بذلك الخرق يجمع ما يراد منه، والاستدارة أجمع الأشكال كما سلف، والقوارة - كثمامة: ما قور الثوب وغيره، أو يخص بالأديم، وما قطعت من جوانب الشيء، والشيء الذي قطع من جوانبه - ضد، وهو من تسميه موضع الشيء باسمه، والقارة: الجبل الصغير الصلب المنقطع عن الجبال - لشدة اجتماع أجزائه بالصلابة
(12/36)

واجتماعه في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه، ولم يعرف حد على ما هو، والقارة: الصخرة العظيمة، والأرض ذات الحجارة السود - لاجتماعها في نفسها بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة، ودار قوراء: واسعة - تشبيهاً بقوارة الثواب، ولأنها كلما اتسعت كانت أجمع، والقار: الإبل أو القطيع الضخم منها، والاقورار: تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالاً وكبراً - لأن كلاًّ من التشنج والانحناء اجتماع، والاقورار: الضمر - لأن الضامر اجتمعت أجزاؤه، والاقورار: السمن - ضد، لأن السمين جمع اللحم والشحم، والاقورار: ذهاب نبات الأرض - لأنها تصير بذلك قوراء فتصير أجدر بأن تسع الجموع، ويمكن أن يكون الأقورار كله من السلب إلا ما للسمن، والقور: القطن الحديث أو ما رزع من عامة لأنه يلبس فيجمع البدن، ولقيت منه الأقورين - بكسر الراء، والأقوريات أي الدواهي القاطعة - تشبيهاً بما قور من الثوب، فهي للسلب، والقور - محركة: العين - لأن محلها يشبه القوارة، والمقور - كمعظم: المطلي بالقطران - لاجتماع أجزائه بذلك، واقتار: احتاج، أي صار أهلاً لأن يجمع،
(12/37)

وتقور الليل: تهور، أي مضى، من القطع، وتقورت الحية: تثنت أي تجمعت، والقار: شجر مر - كأنه الذي تطلى به السفن، وهذا أقير من هذا: أشد مرارة - لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق، والقارة قبيلة - لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم فقال شاعرهم:
دعونا قارة لا تذعرونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم
فسموا القارة بهذا وكانوا رماة، وفي المثل: قد أنصف القارة من راماها.
والرقوة: فويق الدعص من الرمل، ويقال رقو، بلا هاء - كأنه لجمعه الكثير من الرمل، أو لجمعه من يطلب الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه لترويح النفس - والله الموفق.
(12/38)

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)
ولما نهوا رسولهم عن الإشعار بهم عللوا ذلك فقالوا: {إنهم} أي أهل المدينة {إن يظهروا} أي يطلعوا عالين {عليكم يرجموكم} أي يقتلوكم أخبث قتله إن استمسكتم بدينكم {أو يعيدوكم} قهراً
(12/38)

{في ملتهم} إن لنتم لهم {ولن تفلحوا إذاً} أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها، لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة {أبداً *} أي فبعثوا أحدهم فنظر الأزكى وتلطف في الأمر، فاسترابوا منه لأنهم أنكروا ورقه لكونها من ضرب ملك لا يعرفونه فجهدوا به فلم يشعر بهم أحداً من المخالفين، وإنما أشعر بهم الملك لما رآه موافقاً لهم في الدين لأنه لم يقع النهي عنه {وكذلك} أي فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم، والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر الزمان، وتعاقب الحدثان، ومثل ما فعلنا بهم ذلك {أعثرنا} أي أظهرنا إظهار أضطرارياً، أهل البلد وأطلعناهم، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر إليه فيعرفه، فكان العثار سبباً لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب {عليهم ليعلموا} أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر الأجساد لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط {أن وعد الله} الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معاً
(12/39)

{حق} لأن قيامهم بعد نومهم نيفاً وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين «علمك باليقظة بعد النوم علم بالبعث بعد الموت، والبرزخ واحد غير أن للروح بالجسم في النوم تعلقاً لا يكون بالموت، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه» .
ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى: {وأن} أي وليعلموا أن {الساعة لا ريب فيها} مبيناً أنها ليست موضع شك أصلاً لما قام عليها من أدلة العقل، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل، ومن طالع تفسير (الزيتون) من كتابي هذا حصل له هذا ذوقاً؛ ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب وتنازع فقال: {إذ} أي ليعلموا ذلك، وأعثرنا حين {يتنازعون} أي أهل المدينة.
ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون ما بين الأجانب، وكان تنازع هؤلاء مقصوراً عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى: {بينهم أمرهم} أي أمر أنفسهم في الحشر فقائل يقول: تحشر الأرواح مجردة: وقائل يقول: بأجسادها، أو أمر الفتية فقائل يقول: ناس صالحون، وناس يقولون: لا ندري من أمرهم غير أن الله تعالى أراد هدايتنا بهم {فقالوا} أي فتسبب عن هذا الإعثار أو التنازع أن قال أكثرهم: {ابنوا عليهم} على كل حال {بنياناً} يحفظهم، واتركوا التنازع فيهم، ثم عللوا ذلك بقولهم: {ربهم} أي المحسن إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية الناس بهم {أعلم بهم} أن كانوا صالحين أو لا، وأما أنتم فلا طريق لكم إلى علم ذلك؛ ثم استأنف على طريق الجواب لمن كأنه قال: ماذا فعلوا؟ فقال: {قال الذين غلبوا على} أي وقع أن كانوا غالبين على {أمرهم} أي ظهروا عليه وعلموا أنهم ناس صالحون فروا بدينهم من الكفار وضعف من ينازعهم؛ ويجوز - وهو أحسن - أن يكون الضمير لأهل البلد أو للغالبين أنفسهم، إشارة إلى أن الرؤساء منهم وأهل القوة كانوا أصلحهم إيماء إلى أن الله تعالى
(12/40)

أصلح بهم أهل ذلك الزمان {لنتخذن عليهم} ذلك البنيان الذي اتفقنا عليه {مسجداً *} وهذا دليل على أنهم حين ظهروا عليهم وكلموهم أماتهم الله بعد أن علموا أن لهم مدة طويلة لا يعيش مثلها أحد في ذلك الزمان، وقبل أن يستقصوا جميع أمرهم، وفي قصتهم ترغيب في الهجرة.
(12/41)

سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)
ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله بهم، ذكر ما يأتي من إفاضة من علم قريشاً أن تسأل صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في الفضول الذي ليس لهم إليه سبيل، ولا يظفرون
(12/41)

فيه بدليل علماً من أعلام النبوة فقال تعالى: {سيقولون} أي أهل الكتاب ومن وافقهم في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم بوعد لا خلف فيه: هم {ثلاثة} أشخاص {رابعهم كلبهم} ولا علم لهم بذلك، ولذلك أعراه عن الواو فدل إسقاطها على أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعاً {ويقولون} أي وسيقولون أيضاً: {خمسة سادسهم كلبهم} .
ولما تغير قولهم حسن جداً قوله تعالى: {رجماً بالغيب} أي رمياً بالأمر الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه {ويقولون} أيضاً دليلاً على أنه لا علم لهم بذلك: {سبعة وثامنهم كلبهم} وتأخير هذا عن الرجم - وإن كان ظناً - مشعر بأنه حق، ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل الواو حالاً عن المعرفة في نحو {إلا ولها كتاب معلوم} [الحجر: 4] فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن، وفي براءة،
(12/42)

كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجرداً عنها. فلما ظهر كالشمس أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل: ماذا يقال لهم؟ فقيل: {قل ربي} أي المحسن إليّ بإعلامي بأمرهم وغيره {أعلم بعدتهم} أي التي لا زيادة فيها ولا نقص، فكان كأنه قيل: قد فهم من صيغة «أعلم» أم من الخلق من يعلم أمرهم فقيل: {ما يعلمهم إلا قليل *} أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب القول الغالب، وهو، قول ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يقول: أنا من ذلك القليل. {فلا} أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت النهي عن قفو ما ليس لك به علم: لا {تمار} أي تجادل وتراجع {فيهم} أحداً ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به {إلا مرآء ظاهراً} أدلته، وهو ما أوحيت إليك به ولا تفعل فعلهم من الرجم بالغيب {ولا تستفت} أي تسأل سؤال مستفيد {فيهم} أي أهل الكهف {منهم} أي من الذين يدعون العلم من بني إسرائيل أو غيرهم {أحداً *} .
ولما كان نهيه عن استفتائهم موجباً لقصر همته على ربه سبحانه فكان من المعلوم أنه إذا سئل عن شيء، التفتت نفسه إلى تعرفه من قبله، فربما قال لما يعلم من إحاطة علم الله سبحانه وكرمه لديه: سأخبركم به غداً، كما وقع من هذه القصص، علمه الله ما يقول في كل أمر
(12/43)

مستقبل يعزم عليه بقوله تعالى: {ولا تقولن لشيءٍ} أي لأجل شيء من الأشياء التي يعزم عليها جليلها وحقيرها، عزمت على فعله: عزماً صادقاً من غير تردد وإن كنت عند نفسك في غاية القدرة عليه: {إني فاعل ذلك} أي الشيء وإن كان مهماً {غداً *} أي فيما يستقبل في حال من الأحوال {إلا} قولاً كائناً معه {أن يشاء} في المستقبل ذلك الشيء {الله} أي مقروناً بمشيئة الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه سبحانه تعظيماً لله أن يقطع شيء دونه واعترافاً بأنه لا حول ولا قوة إلا به، ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات قبل الفعل أو عاقه عنه عائق كان كذباً منفراً عن القائل.
ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى: {واذكر ربك} أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان {إذا نسيت} الاستثناء بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول: إن شاء الله، ونحوها في أيّ وقت تذكرت؛ وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن الحارث الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا بصلة اليمين. ثم عطف
(12/44)

على ما أفهمه الكلام وهو: فقل إذا نسيت: إني فاعل ذلك غداً إن شاء الله - ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله: {وقل عسى أن يهدين ربي} أي المحسن إليّ {لأقرب} أي الى أشد قرباً {من هذا} أي الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني، أو فاتني أو تعسر عليّ لكوني لم أقرن العزم عليه بذكر الله {رشداً *} أي من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه أجود أثراً وأجل عنصراً فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس، و «اقرب» أفعل تفضيل من قرب - بضم الراء - من الشيء، لازم، لا من المكسور الراء المتعدي نحو {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء: 32] {ولا تقربوا مال اليتيم} [الإسراء: 34] الآية، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحو ذلك الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية أو الجزئيات القريبة المتكررة، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا من المعارف الإلهية.
(12/45)

وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)
ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية للأرشد، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم، شرع في إكمالها مبيناً لهذا الأخفى، عاطفاً على قوله {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} [الكهف: 19] أو على «فأووا إليه» الذي أرشد إلى تقديره قولهم: {فأووا إلى الكهف} كما مضى، المختوم بنشر الرحمة وتهيئة المرفق بعد قوله {إذ أوى الفتية} المختوم بقولهم {وهيىء لنا من أمرنا رشداً} فقال بياناً لإجمال {سنين عدداً} محققاً لقوله تعالى: {قل الله أعلم بما لبثوا} : {ولبثوا في كهفهم} نياماً {ثلاث} أي مدة ثلاث {مائة سنين} شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق، وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم.
ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال: {وازدادوا تسعاً *} أي من السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها
(12/46)

عنها كانت تسع سنين، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول: فإن قال أحد غير هذا فما يقال له؟ {قل الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم} منكم {بما لبثوا} ثم علل ذلك بقوله تعالى: {له} أي وحده {غيب السماوات والأرض} يعلمه كله على ما هو عليه، ولا ينسى شيئاً من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر، ولا يعجز عن شيء من الآتي، فلا ريب فيما يخبر به.
ولما كان السمع والبصر مناطي العلم، وكان متصفاً منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره، عجب من ذلك بقوله تعالى: {أبصر به وأسمع} ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا من جهته فقال تعالى: {ما لهم} أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف {من دونه} وأعرق بقوله تعالى: {من ولي} يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به {ولا يشرك} أي الله {في حكمه أحداً *} فيفعل شيئاً بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه.
ولما تقرر أنه لا شك في قوله: ولا يقدر أحد أن يأتي بما
(12/47)

يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصاً بتمام العلم وشمول القدرة، حسن تعقيبه بقوله عطفاً على {قل لله أعلم} : {واتل} أي اقرأ على وجه الملازمة {ما أوحي إليك} وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله سبحانه وتعالى {من كتاب ربك} الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها، على من رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم.
ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي على المرسل، قال تعالى: {لا مبدل لكلماته} فلا شك في وقوعها فلا عذر في التقصير في إبلاغها، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان {ولن تجد} أي بوجه من الوجوه {من دونه} أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى آخر المنازل {ملتحداً *} أي ملجأ ومتحيزاً تميل إليه فيمنعك منه إن قصرت في ذلك.
ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعاً:
(12/48)

لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك، قال يرغبه في أتباعه مزهداً فيمن عداهم كائناً من كان، معلماً أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحداً: {واصبر نفسك} أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين معانيه {مع الذين يدعون ربهم} شكراً لإحسانه، واعترافاً بامتنانه، وكنى عن المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلاً عليه فقال تعالى: {بالغداة} أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة {والعشي} أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللاً لدعائهم: {يريدون} أي بذلك {وجهه} لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكداً للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلاً آخر: {ولا تعد عيناك} علواً ونبوءاً وتجاوزاً
(12/49)

{عنهم} إلى غيرهم، أي لا تعرض عنهم، حال كونك {تريد زينة الحياة الدنيا} التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم بذلك، فإنهم وإن كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - في الطبقة العليا من أهل العز، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل، وأما إن عدّت العينان أحداً لما غفل عنه من الذكر، وأحل به من الشكر، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد به الإ الآخرة.
ولما بلغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين، وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا} بعظمتنا {قلبه} أي جعلناه غافلاً، لأن الفعل فيه لنا لا له {عن ذكرنا} بتلك الزينة.
(12/50)

ولما كان التقدير: فغفل، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى: {واتبع هواه} بالميل إلى ما استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق {وكان أمره فرطاً *} أي متجاوزاً للحد مسرفاً فيه متقدماً على الحق، فيكون الحق منبوذاً به وراء الظهر مفرطاً فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون على الله معرضون عما سواه، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه.
(12/51)

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)
ولما رغبه في أوليائه، وزهده في أعدائه، ترضية بقدره بعد أن قص الحق من قصة أهل الكهف للمتعنتين، علمه ما يقول لهم على وجه يعمهم ويعم غيرهم ويعم القصة وغيرها فقال تعالى مهدداً ومتوعداً - كما نقل عن علي رضي الله عنه وكذا عن غيره:
(12/51)

{وقل} أي لهم ولغيرهم: هذا الذي جئتكم به من هذا الوحي العربي العري عن العوج، الظاهر الإعجاز، الباهر الحجج {الحق} كائناً {من ربكم} المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع المؤمنين، والإعراض عمن سواهم وغير ذلك، لا ما قلتموه في أمرهم، ويجوز أن يكون الحق مبتدأ {فمن شاء} أي منكم ومن غيركم {فليؤمن} بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم، فهو مقبول مرغوب فيه وإن كان فقيراً زريّ الهيئة ولم ينفع إلا نفسه {ومن شاء} منكم ومن غيركم {فليكفر} فهو أهل لأن يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة، وإن تعاظمت هيبته لما اشتد من أذاه، وأفرط من ظلمه، وسنشفي قلوب المؤمنين في الدارين بالانتقام منه، والآية دالة على أن كلاًّ من الكفر والإيمان موقوف على المشيئة بخلق الله تعالى، لأن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه وذلك القصد إن كان بقصد آخر يتقدمه لزم أن
(12/52)

يكون كل قصد مسبوقاً بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال، فوجب أن تنتهي تلك القصود إلى قصد يخلقه الله في العبد على سبيل الضرورة يجب به الفعل، فإلإنسان مضطر في صورة مختار، فلا دليل للمعتزلة في هذه الآية.
ولما هدد السامعين بما حاصله: ليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غداً عند الله تعالى، اتبع هذا التهديد تفصيلاً لما أعد للفريقين من الوعد والوعيد لفاً ونشراً مشوشاً - بما يليق بهذا الأسلوب المشير إلى أنه لا كفوء له من نون العظمة فقال تعالى: {إنا اعتدنا} أي هيأنا بما لنا من العظمة تهيئة قريبة جداً، وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير {للظالمين} أي لمن لم يؤمن، ولكنه وصف إشارة إلى تعليق الحكم به {ناراً} جعلناها معدة لهم {أحاط بهم} كلهم {سرادقها} أي حائطها الذي يدار حولها كما يدار الحظير حول الخيمة من جميع الجوانب.
ولما كان المحرور شديد الطلب للماء قال تعالى: {وإن يستغيثوا} من حر النار فيطلبوا الغيث - وهو ماء المطر - والغوث بإحضاره لهم؛ وشاكل استغاثتهم تهكماً بهم فقال تعالى: {يغاثوا بماء} ليس كالماء الذي قدمنا الإشارة إلى أنا نحيي به الأرض بعد صيرورتها صعيداً جرزاً،
(12/53)

بل {كالمهل} وهو القطران الرقيق وما ذاب في صفر أو حديد والزيت أو درديّه - قاله في القاموس.
وشبهه به من أجل تناهي الحر مع كونه ثخيناً، وبين وجه الشبه بقوله تعالى: {يشوي الوجوه} أي إذا قرب إلى الفم فكيف بالفم والجوف! ثم وصل بذلك ذمه فقال تعالى: {بئس الشراب} أي هو، فإنه أسود منتن غليظ حار، وعطف عليه ذم النار المعدة لهم فقال تعالى: {وساءت مرتفقاً *} أي منزلاً يعد للارتفاق، فكأنه قيل: فما لمن آمن؟ فقال تعالى: {إن الذين ءامنوا} ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر، عطف عليه ما يحقق ذلك فقال تعالى: {وعملوا الصالحات} ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: {إنا لا نضيع} أي بوجه من الوجوه لما يقتضيه عظمتنا {أجر من أحسن عملاً *} مشيراً بإظهار ضميرهم إلى أنهم استحقوا بذلك الوصف بالإحسان، فكأنه قيل: فما لهم؟ فقال مفصلاً لما أجمل من وعدهم: {أولئك} أي العالو الرتبة {لهم جنات عدن} أي إقامة، فكأنه قيل: ما لهم فيها؟ فقيل: {تجري من تحتهم} أي تحت منازلهم {الأنهار} فكأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: {يحلون فيها}
(12/54)

وبنى الفعل للمجهول لأن القصد وجود التحلية، وهي لعزتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلاً من الله تعالى.
ولما كان الله أعظم من كل شيء، فكانت نعمه لا يحصى نوع منها، قال تعالى مبعضاً: {من أساور} جمع أسورة جمع سوار، كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس. ولما كان لمقصودها نظر إلى التفضيل والفعل بالاختيار على الإطلاق، وقع الترغيب في طاعته بما هو أعلى من الفضة فقال مبعضاً أيضاً: {من ذهب} أي ذهب هو في غاية العظمة. ولما كان اللباس جزاء العمل وكان موجوداً عندهم، أسند الفعل إليهم فقال تعالى: {ويلبسون ثياباً خضراً} ثم وصفها بقوله تعالى: {من سندس} وهو ما رقّ من الديباج {وإستبرق} وهو ما غلظ منه؛ ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى: {متكئين فيها} أي لأنهم في غاية الراحة {على الأرائك} أي الأسرع عليها الحجل، ثم مدح هذا فقال تعالى: {نعم الثواب} أي هو لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف
(12/55)

ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى! وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {وحسنت} أي الجنة كلها، وميز ذلك بقوله تعالى: {مرتفقاً *} .
(12/56)

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)
ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل، وكان قد تقدم قولهم {أو يكون لك جنة من نخيل وعنب} [الإسراء: 91] الآية، وقوله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} [الكهف: 7] الآية، وقوله تعالى: في حق فقراء المؤمنين الذين تقذروهم {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف: 28] الآية واستمر إلى أن ختم بأن جنات المؤمنين عظيم حسنها من جهة الارتفاق، عطف على قوله تعالى {وقل الحق من ربكم} [الكهف: 29] قوله تعالى كاشفاً بضرب المثل أن ما فيه الكفار من الارتفاق العاجل ليس أهلاً لأن يفتخر به لأنه إلى زوال: {واضرب لهم} أي لهؤلاء الضعفاء والمتجبرين الذين يستكبرون على المؤمنين، ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم: {مثلاً} لما آتاهم الله من زينة الحياة الدنيا، فاعتمدوا عليهم وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه، بل أداهم إلى الافتقار والتكبر على من زوى ذلك عنه إكراماً له وصيانة عنه {رجلين} فكأنه قيل: فما مثلهما؟ فقيل: {جعلنا} أي بما لنا من العظمة {لأحدهما} وهو المجعول مثلاً لهم {جنتين} أي بساتين يستر ما
(12/56)

فيهما من الأشجار من يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا، ومن جملة الأوضاع أن تكون إحداهما من السهل والأخرى في الجبل، ليبعد عموم عاهة لهما لأنها إما من برد أو حر {من أعناب} لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر، وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها {وحففناهما} أي حططناهما بعظمتنا {بنخل} لأنها من أشجار البلاد الحارة، وتصبر على البرد، وربما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات، وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب، وهو مما يؤثره الدهاقين لأنه في غاية البهجة والمنفعة {وجعلنا بينهما} أي أرضي الجنتين {زرعاً *} لبعد شمول الآفة للكل، لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان أثمار الشجر المقدم ومكانه، وذلك هو العمدة في القوت، فكانت الجنتان أرضاً جامعة لخير الفواكه وأفضل الأقوات، وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع سعة الأطراف، وتباعد الأكناف، وحسن الهيئات والأوصاف.
ولما كان الشجر قد يكون فاسداً من جهة أرضه، نفى ذلك بقوله تعالى؛ جواباً لمن كأنه قال: ما حال أرضهما المنتج لزكاء ثمرهما؟ :
(12/57)

{كلتا} أي كل واحدة من {الجنتين} المذكورتين {ءاتت أكلها} أي ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب، كاملاً غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة، وهو معنى: {ولم تظلم} أي تنقص حساً ولا معنى كمن يضع الشيء في غير موضعه {منه شيئاً} .
ولما كان الشجر ربما أضر بدوامه قلة السقي قال تعالى: {وفجرنا} أي تفجيراً يناسب عظمتنا {خلالهما نهراً *} أي يمتد فيتشعب فيكون كالأنهار لتدوم طراوة الأرض ويستغني عن المطر عند القحط؛ ثم زاد في ضخامة هذا الرجل فبين أن له غير هاتين الجنتين والزرع بقوله تعالى: {وكان له} أي صاحب الجنتين {ثمر} أي مال مثمر غير ما تقدم كثير، ذو أنواع ليكون متمكناً من العمارة بالأعوان والآلات وجميع ما يريد {فقال} أي هذا الكافر {لصاحبه} أي المسلم المجعول مثلاً لفقراء المؤمنين {وهو} أي صاحب الجنان {يحاوره} أي يراجعه الكلام، من حار يحور - إذا رجع افتخاراً عليه وتقبيحاً لحاله بالنسبة إليه، والمسلم
(12/58)

يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا: {أنا أكثر منك مالاً} لما ترى من جناني وثماري {وأعز نفراً *} أي ناساً يقومون معي في المهمات، وينفرون عند الضرورات، لأن ذلك لازم لكثرة المال {ودخل جنته} وحد لإرادة الجنس ودلالة على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة {وهو} أي والحال أنه {ظالم لنفسه} بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله: {قال} لما استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب بطول المهلة وسبوغ النعمة: {ما أظن أن تبيد} أي تهلك هلاكاً ظاهراً مستولياً {هذه أبداً *} ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال: {وما أظن الساعة قائمة} استلذاذاً بما هو فيه وإخلاداً إليه واعتماداً عليه.
ولما كان الإنسان مجبولاً على غلبة الرجاء عليه، فإذا حصل له من دواعي الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه، ويثبت أصوله ويقويه، اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى لا يتلاشى فكان عدماً، فقال تعالى حاكياً عن هذا الكافر
(12/59)

ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما يأتي به القدر مقسماً: {ولئن رددت} أي ردني راد {إلى ربي} المحسن إلي في هذه الدار، في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه أداة الشك {لأجدن خيراً منها} أي هذه الجنة؛ وقرأ ابن كثير وابن عامر بالتثنية للجنتين {منقلباً *} أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه، لأنه ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي، وهو وصف لي غير منفك في الدارين، وإن لم يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، فكأنه قيل: إن هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات، ولم يجوز أن يكون التمويل استدراجاً، فما قال له الآخر؟ فقيل: {قال له صاحبه وهو} أي والحال إن ذلك الصاحب {يحاوره} منكراً عليه: {أكفرت} .
ولما كان كفره بإنكار البعث، دل عليه بقوله تعالى: {بالذي خلقك من تراب} بخلق أصلك {ثم من نطفة} متولدة من أغذية أصلها تراب {ثم سواك} بعد أن أولدك وطورك في أطوار النشأة
(12/60)

{رجلاً *} حيث نفيت إعادته لمن ابتدأ خلقهم على هذا الوجه تكذيباً للرسل واستقصاراً للقدرة، ولم تثبت لها في الإعادة ما ثبت لها بعلمك في الابتداء، ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي إلا على سبيل الفرض بأداة الشك، وهي من دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع فيه إلا بالقطع، ونسبته إلى العبث الذي لا يرضاه عاقل إذ جعلت غاية هذا الخلق البديع في هذا التطوير العظيم الموت الذي لو كان غاية كما زعمت - لفوّت على المطيع الثواب، وعلى العاصي العقاب.
(12/61)

لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
ولما أنكر على صاحبه، أخبر عن اعتقاده بما يضاد اعتقاد صاحبه، فقال مؤكداً لأجل إنكار صاحبه مستدركاً لأجل كفرانه: {لكنا} لكن أنا. ولما كان سبحانه لا شيء أظهر منه ولا شيء أبطن منه، أشار إلى ذلك جميعاً بإضماره قبل الذكر فقال تعالى: {هو} أي الظاهر أتم ظهور فلا يخفى أصلاً، ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك {الله} أي المحيط بصفات الكمال {ربي} وحده، لم يحسن إليّ خلقاً ورزقاً أحد غيره، هذا اعتقادي في الماضي والحال
(12/61)

{ولا أشرك بربي} المحسن إليّ في عبادتي {أحداً *} كما لم يشاركه في إحسانه إليّ أحد، فإن الكل خلقه وعبيده، وأنى يكون العبد شريكاً للرب! فإني لا أرى الغنى والفقر إلا منه، وأنت - لما اعتمدت على مالك - كنت مشركاً به.
ولما كان المؤمنون على طريق الأنبياء في إرادة الخير والإرشاد إلى سبيل النجاة وعدم الحقد على أحد بشر أسلفه وجهل قدمه، قال له مصرحاً بالتعليم بعد أن لوح له به فيما ذكره عن نفسه مما يجب عليه: {ولولا إذ} أي وهلا حين {دخلت جنتك قلت} ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى كما تقدم الإرشاد إليه في آية {ولا تقولن لشي} [الكهف: 23] تاركاً للافتخار بها، ومستحضراً لأن الذي وهبكها قادر على سلبك إياها ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك، فلا تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه بالزوال {ما شاء الله} أي الذي له الأمر كله، كان، سواء كان حاضراً أو ماضياً أو مستقبلاً، ولذلك أعراها عن الجواب، لا ما يشاؤه غيره ولا يشاؤه هو سبحانه؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {لا قوة} أي لأحد على بستان وغيره {إلا بالله}
(12/62)

أي المتوحد بالكمال، فلا شريك له، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة لله وبراءة العبد منها، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره، فلا يخاف من غيره، والتنبيه على فساد قول الفلاسفة في الطبائع من أنها مؤثرة بنفسها.
ولما قدم ما يجب عليه في نفسه منبهاً به لصاحبه، ثم ما يجب عليه من التصريح بالإرشاد في أسلوب مقرر أن الأمر كله لله، لا شيء لأحد غيره، أنتج قوله تعالى: {إن ترن} أي أيها المفتخر بما له عليّ! {أنا} ولما ذكر ضمير الفصل، ذكر مفعول (ترى) الثاني فقال: {أقل منك} وميز القليل بقوله: {مالاً وولداً *} أي من جهة المال والولد الذي هو أعز نفر الإنسان.
ولما أقر هذا المؤمن بالعجز والافتقار، في نظير ما أبدى الكافر من التقوى والافتخار، سبب عن ذلك ما جرت به العادة في كل جزاء، داعياً بصورة التوقع فقال تعالى: {فعسى ربي} المحسن إليّ {أن يؤتين} من خزائن رزقه {خيراً من جنتك} فيحسن إليّ بالغنى كما أحسن إليّ بالفقر المقترن بالتوحيد، المنتج للسعادة {ويرسل عليها}
(12/63)

أي جنتك {حسباناً} أي مرامي من الصواعق والبرد الشديد {من السماء} .
ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى ما يكون، قال تعالى: {فتصبح} بعد كونها قرة للعين بما تهتز به من الأشجار والزروع {صعيداً زلقاً *} أي أرضاً يزلق عليها لملاستها باستئصال نباتها، فلا ينبت فيها نبات، ولا يثبت فيها قدم {أو يصبح ماؤها غوراً} وصف بالمصدر لأنه أبلغ {فلن تستطيع} أنت {له طلباً *} .
(12/64)

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)
ولما كان من المعلوم أن هذا المؤمن المخلص بعين الرضى، كان من المعلوم أن التقدير: فاستجيب لهذا الرجل المؤمن، أو: فحقق له ما توقعه فخيب ظن المشرك، فعطف عليه قوله: {وأحيط} أي أوقعت الإحاطة بالهلاك، بني للمفعول لأن الفكر حاصل بإحاطة الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص، وللدلالة على سهولته {بثمرة} أي الرجل المشرك، كله فاستؤصل هلاكاً ما في السهل منه وما في الجبل، وما يصبر منه على البرد والحر وما لا يصبر {فأصبح يقلب كفيه} ندماً، ويضرب إحداهما على الأخرى تحسراً {على ما أنفق فيها} لعمارتها ونمائها {وهي خاوية}
(12/64)

أي ساقطة مع الخلو {على عروشها} أي دعائمها التي كانت تحملها فسقطت على الأرض وسقطت هي فوقها {ويقول} تمنياً لرد ما فات لحيرته وذهول عقله ودهشته: {يا ليتني} تمنياً لاعتماده على الله من غير إشراك بالاعتماد على الفاني {لم أشرك بربي أحداً *} كما قال له صاحبه، فندم حيث لم ينفعه الندم على ما فرط في الماضي لأجل ما فاته من الدنيا، لا حرصاً على الإيمان لحصول الفوز في العقبى، لقصور عقله ووقوفه مع المحسوسات المشاهدات {ولم تكن له فئة} أي جماعة لا من نفره الذين اعتز بهم ولا من غيرهم {ينصرونه} مما وقع فيه {من دون الله} أي بغير عون من الملك الأعظم {وما كان} هو {منتصراً *} بنفسه، بل ليس الأمر في ذلك إلا لله وحده.
ولما أنتج هذا المثل قطعاً أنه لا أمر لغير الله المرجو لنصر أوليائه بعد ذلهم، ولإغنائهم بعد فقرهم، ولإذلال أعدائه بعد عزهم وكبرهم، وإفقارهم بعد إغنائهم وجبرهم، وأن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له، صرح بذلك في قوله تعالى: {هنالك} أي في مثل هذه الشدائد العظيمة {الولاية} أي النصرة - على قراءة الفتح، والسلطان - على الكسر، وهي قراءة حمزة
(12/65)

والكسائي، والفتح لغيرهما، وهما بمعنى واحد، وهو المصدر كما صدر به في القاموس. {لله} أي الذي له الكمال كله {الحق} أي الثابت الذي لا يحول يوماً ولا يزول، ولا يغفل ساعة ولا ينام، ولا ولاية لغيره بوجه - هذا على قراءة الجماعة بالجر على الوصف وهو في قراءة أبي عمرو والكسائي بالرفع على الاستئناف والقطع تقليلاً، تنبيهاً على أن فزعهم في مثل هذه الأزمات إليه دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل، وأن الفخر بالعرض الزائل من أجهل الجهل، وأن المؤمنين لا يعيبهم فقرهم ولا يسوغ طردهم لأجله، وأنه يوشك أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة. ولما علم من ذلك من أنه آخذ بأيدي عبيدة الأبرار وعلى أيدي عصاته الأشرار، قال تعالى: {هو خير ثواباً} لمن أثابه {وخير عقباً *} أي عاقبة عظيمة، فإن فعلا - بضمه وبضمتين - من صيغ جموع الكثرة فيفيده ذلك مبالغة وإن لم يكن جمعاً، والمعنى
(12/66)

أنه أي ثوابه لأوليائه خير ثواب وعقباه خير عقبى.
(12/67)

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)
ولما أتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أبطرتهم، فكانت سبب إشقائهم وهم يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة بقائها وسرعة فنائها، وأن من تكبر بها كان أخس منها فقال تعالى: {واضرب لهم} أي لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني، المفتخرين بكثرة الأموال والأولاد وعزة النفر {مثل الحياة الدنيا} أي التي صفتها - التي هم بها ناطقون - تدل على أن ضدها الأخرى، في ينوعها ونضرتها، واختلابها للنفوس ببهجتها، واستيلائها على الأهواء بزهرتها، واختداعها لذوي الشهوات بزينتها، ثم اضمحلالها وسرعة زوالها، أفرح ما كانوا بها، وأرغب ما كانوا فيها مرة بعد أخرى، على مر الأيام وكر الشهور، وتوالي الأعوام وتعاقب الدهور، بحيث نادت على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها للعاقل اللقن، والكيس الفطن، رغبة إلى الباقي الذي
(12/67)

يدوم سروره، ويبقى نعيمه وحبوره، وذلك المثل {كماء أنزلناه} بعظمتنا واقتدارنا بعد يبس الأرض وجفاف ما فيها وزواله، وبقلعه كما تشاهدونه واستئصاله، وقال: {من السماء} تنبيهاً على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة على الوجه النافع {فاختلط} أي فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط {به نبات الأرض} أي التراب الذي كان نباتاً ارفت بطول العهد في بطنها، فاجتمع بالماء والتفّ وتكاثف، فهيأناه بالتخمير والصنع الذي لا يقدر عليه سوانا حتى أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير متفاوتة ثم أيبسناه {فأصبح هشيماً} أي يابساً مكسراً مفتتاً {تذروه} أي تثيره وتفرقه وتذهب به {الرياح} حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن {وكان الله} أي المختص بصفات الكمال {على كل شيء} من ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة {مقتدراً *} أزلاً وأبداً، فلا تظنوا أن ما تشاهدونه من قدرته حادث.
ولما تبين بهذين المثلين وغيرهما أن الدينا - التي أوردت أهلها الموارد وأحلتهم أودية المعاطب - سريعة الزوال، وشيكة الارتحال،
(12/68)

مع كثرة الأنكاد، ودوام الأكدار، من الكد والتعب، والخوف والنصب كالزرع سواء، تقبل أولاً في غاية النضرة والبهجة، تتزايد نضرتها وبهجتها شيئاً فشيئاً، ثم تأخذ في الانتقاص والانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء، فهي جديرة لذلك بالزهد فيها والرغبة عنها، وأن لا يفتخر بها عاقل فضلاً عن أن يكاثر بها غيره، قال تعالى: {المال والبنون} الفانيان الفاسدان وهما أجلّ ما في هذه الدار من متاعها {زينة الحياة الدنيا} التي لو عاش الإنسان جميع أيامها لكان حقيقاً لصيرورة ما هو في منها إلى زوال بالإعراض عنها والبغض لها، وأنتم تعلمون ما في تحصيلهما من التعب، وما لهما بعد الحصول من سرعة العطب، وهما مع ذلك قد يكونان خيراً إن عمل فيهما بما يرضي الله، وقد يكونان شراً ويخيب الأمل فيهما، وقد يكون كل منهما سبب هلاك صاحبه وكدره، وسوء حياته وضرره {والباقيات الصالحات} وهي أعمال الخير المجردة التي يقصد بها وجه الله تعالى التي رغبنا فيها بقولنا
{لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} [الكهف: 7] وما بعده {خير} أي من الزينة الفانية. ولما كان أهم ما إلى من حصل
(12/69)

النفائس لكفايته من يحفظها له لوقت حاجته قال: {عند ربك} أي الجليل المواهب، العالم بالعواقب، وخير من المال والبنين في العاجل والآجل {ثواباً وخير} من ذلك كله {أملاً *} أي من جهة ما يرجو فيها من الثواب ويرجو فيها من الأمل، لأن ثوابها إلى بقاء، وأملها كل ساعة في تحقيق وعلو وارتقاء، وأمل المال والبنين يختان أحوج ما يكون إليهما.
ولما ذكر المبدأ ونبه على زواله، وختم بأن المقصود منه الاختبار للرفعة بالثواب أو الضعة بالعقاب، وكان الخزي والصغار، أعظم شيء ترهبه النفوس الكبار، لا سيما إذا عظم الجمع واشتد الأمر، فكيف إذا انضم إليه الفقر فيكف إذا صاحبهما الحبس وكان يوم الحشر يوماً يجمع فيه الخلائق، فهو بالحقيقة المشهود، وتظهر فيه العظمة فهو وحده المرهوب، عقب ذكر الجزاء ذكره، لأنه أعظم يوم يظهر فيه، فقال تعالى عاطفاً على {واضرب} : {ويوم} أي واذكر لهم يوم {نسير الجبال} عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير نبات الأرض - بعد أن صار هشمياً - بالرياح {فترى الجبال
(12/70)

تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النحل: 88] {وترى الأرض} بكمالها {بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل {و} الحال أنا قد {حشرناهم} أي الخلائق بعظمتنا قبل التسيير بتلك الصيحة، قهراً إلى الموقف الذي ينكشف فيه المخبآت، وتظهر الفضائح والمغيبات، ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير، والنافذ فيه بصير، فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند زوالها، وقعاقع الأبنية والأشجار في هدها وتباين أوصالها، وفنائها بعد عظيم مرآها واضمحلالها {فلم نغادر} أي نترك بما لنا من العظمة {منهم} أي الأولين والآخرين {أحداً *} لأنه لا ذهول ولا عجز.
(12/71)

وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)
ولما ذكر سبحانه حشرهم، وكان من المعلوم أنه للعرض، ذكر كيفية ذلك العرض، فقال بانياً الفعل للمفعول عل طريقة كلام القادرين، ولأن المخوف العرض لا كونه من معين: {وعرضوا على ربك} أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك {صفاً} لاتساع والمسايقة إلى داره، لعرض أذل شيء وأصغره، وأطوعه وأحقره، يقال لهم تنبيهاً على مقام العظمة: {لقد جئتمونا} أحياء سويين حفاة عراة غرلاً {كما خلقناكم} بتلك العظمة {أول مرة} منعزلين من
(12/71)

كل شيء كنتم تجمعونه وتفاخرون به منقادين مذعنين فتقولون {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] فيقال لكم: {بل زعمتم} أي ادعيتم جهلاً بعظمتنا {أن} أي أنا {لن نجعل لكم} على ما لنا من العظمة {موعداً *} أي مكاناً ووقتاً نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز ما وعدناكم به على ألسنة الرسل {ووضع} بأيسر أمر بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة {الكتاب} المضبوط فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بيِّن لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء منه {فترى المجرمين} لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها {مشفقين مما فيه} من قبائح أعمالهم، وسيىء أفعالهم وأقوالهم أي خائفين دائماً خوفاً عظيماً من عقاب الحق والفضيحة عند الخلق {ويقولون} أي يجددون ويكررون قولهم: {ياويلتنا} كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك {مال هذا الكتاب} أي أي شيء له حال كونه على غير حال الكتب في الدنيا، ورسم لام الجر وحده إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب، وفسروا حال الكتاب التي أفظعتهم وسألوا عنها بقولهم: {لا يغادر} أي يترك أي يقع منه غدر، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء: تركه كأن كلاًّ منهما يريد غدر الآخر، أي عدم الوفاء
(12/72)

به، من الغدير - لقطعة من الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما معه، وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي {صغيرة} أي من أعمالنا.
ولما هالهم إثبات جميع الصغائر، بدؤوا بها، وصرحوا بالكبائر - وإن كان إثبات الصغائر يفهمها - تأكيداً لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع، وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه - فقالوا: {ولا كبيرة إلا أحصاها} ولما كان الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه، نفى ذلك بقوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضراً} كتابة وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه أو يظلم من عادوهم فيه {ولا يظلم ربك} الذي رباك بخلق القرآن {أحداً *} منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب، بل يجازى الأعداء بما يستحقون، تعذيباً لهم وتنعيماً لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم؛ روى الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر فاستأذن عليه قال: فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، قلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من
(12/73)

رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت قبل أن أسمعه، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول:
«يحشر الله عز وجل الناس - أو قال: العباد - حفاة عراة بهما قلت: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات» .
ولما ذكر البعث وختمه بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه، أتبعه - بما له من الفضل - بابتداء الخلق الذي هو دليله، في سياق مذكر بولايته الموجبة للإقبال عليه، وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه، مبين لما قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم بفعلهم كما فعل من التكبر على آدم عليه السلام بأصله، فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم وعشائرهم، فكان فعلهم فعله سواء، فكان
(12/74)

قدوتهم وهو عدوهم، ولم يقتدوا بخير خلقه وهو وليهم وهو أعرف الناس به، فقال تعالى عاطفاً على {واضرب} : {وإذ} أي واذكر لهم إذ {قلنا} بما لنا من العظمة {للملائكة} الذين هم أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم، قال ابن كثير: وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة {اسجدوا لآدم} أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا فيها {فسجدوا} كلهم {إلا إبليس} فكأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: {كان} أي لأنه كان {من الجن} المخلوقين من نار، ولعل النار لما كانت نيرة وإن كانت نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق النور، مع ما كان غلب عليه من العبادة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان - وفي رواية: إبليس - من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن كانت قبيلة من الملائكة.
ولما كان أكثر الجن مفسداً، رجوعاً إلى الأصل الذي هو
(12/75)

النار المحرقة لما لاصقها، المفسدة له، سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى: {ففسق} أي خرج، يقال: فسقت الفأرة من حجرها - إذا خرجت للعيث والفساد. {عن أمر ربه} أي سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه، وغير ذلك من اصطناعه، في شأن أبيكم، إذ تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم، فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على الضعفاء، فإن من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجواً، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجواً، ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت، والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد: {أفتتخذونه} أي أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم فيكون ذلك سبباً لأن تتخذوه {وذريته} شركاء لي {أولياء} لكم {من دوني} أي اتخاذاً مبتدئاً من غيري أو من أدنى رتبة من رتبتي، ليعم الاتخاذ استقلالاً وشركة، ولو كان المعنى: من دون - أي غير - اتخاذي، لأفاد الاستقلال فقط، ولو كان الاتخاذ مبتدئاً منه بأن كان هو الآمر به لم يكن ممنوعاً، وأنا وليكم المفضل عليكم
(12/76)

{وهم لكم} ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في نحو القول، أغنى عن صيغة الجمع فقال: {عدو} إشارة إلى أنهم في شدة العداوة على قلب واحد. ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم، وصل به قوله تعالى: {بئس} وكان الأصل: لكم، ولكنه أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف والتعميم فقال تعالى: {للظالمين بدلاً *} إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي.
(12/77)

مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52)
ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم لشريكه به، قال معللاً للذم على هذا الظلم بما يدل عل حقارتهم عن هذه الرتبة، عادلاً في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر العظمة لئلا يتعنت من أهل الإشراك متعنت كما عدل في {دوني} لذلك: {ما أشهدتهم} أي إبليس وذريته {خلق السماوات والأرض} نوعاً من أنواع الإشهاد {ولا خلق أنفسهم} إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكاً لخالقه أصلاً {وما كنت} أي أزلاً وأبداً متخذهم، هكذا الأصل ولكنه أبرز إرشاداً إلى أن المضل لا يستعان به، لأنه مع عدم نفعه يضر، فقال تعالى: {متخذ المضلين عضداً *} إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات
(12/77)

إسلام أحد، فإن من علم الله فيه خيراً أسمعه، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس أهلاً لنصرة الدين.
ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييباً لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فقال تعالى عاطفاً على {إذ قلنا} عادلاً إلى مقام الغيبة، إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى {وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا} [الكهف: 48] في حجب الجلال والكبرياء، وجرى حمزة في قراءته بالنون على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة: {ويوم} أي واذكر يوم {يقول} الله لهم تهكماً بهم: {نادوا شركاءي} وبين أن الإضافة ليست على حقيقتها، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى: {الذين زعمتم} أنهم شركاء {فدعوهم} تمادياً في الجهل والضلال {فلم يستجيبوا لهم} أي لم يطلبوا ويريدوا أن يجيبوهم إعراضاً عنهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم.
ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم، قال في مظهر العظمة: {وجعلنا بينهم} أي المشركين والشركاء {موبقاً *}
(12/78)

أي هلاكاً أو موضع هلاك، فاصلاً حائلاً بينهم، مهلكاً قوياً ثابتاً حفيظاً، لا يشذ عنه منهم أحد، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى {فزيلنا بينهم} [يونس: 28] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة، ومثل قوله تعالى {ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار} [الأعراف: 38] {هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك} [النحل: 86] ونحوه، لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} [العنكبوت: 25] وأن كل فريق يطلب للآخر الهلاك، فاقتضى ذلك اجتماع الكل فيه، هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب، ونقل ابن كثير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وقال الحسن البصري: عداوة.
وأما أخذه من اللفظ فلأن مادة وبق - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة، ولها أحد عشر تركيباً: واحد يائي: بقي، وستة واوية: قبو، قوب، بقو، بوق، وقب، وبق، وأربعة مهموزة: قبأ، قأب، بأق، أبق - كلها تدور على الجمع، وخصوصاً ترتيب وبق
(12/79)

يدور على الحائل بين شيئين، ويلزمه القوة والثبات والحفظ والهلاك قوة أو فعلاً، لأن من حيل بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك الشيء بالفعل إن كان الحائل موتاً، وبالقوة إن كان غيره، يقال: قبل الشيء: جمعه بأصابعه، والبناء: رفعه، والزعفران: جناه، والقبا - بالقصر: نبت - لأنه سبب الاجتماع لرعيه والانتفاع به وهو يجمع أيضاً، والقبا: تقويس الشيء - لأنه أقرب إلى اجتماع بعض أجزائه ببعض، والقبوة: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب، وقباه تقبية: عباه، أي جمعه حتى صار كأنه في مكان مقبو، وقبى عليه تقبية: عدا عليه في أمره - لأنه كان كأنه أوقعه في حفرة، والثوب: جعل منه قباء، وتقبى القباء: لبسه، وزيداً: أتاه من قفاه - لأن من يريد رمي أحد في حفرة كذلك يأتيه مخاتلة، وتقبى الشيء: صار كالقبة، وامرأة قابية: تلقط العصفر وتجمعه، والقابياء: اللئيم - لأنه بناء مبالغة، فيدل على كثرة الجمع والحرص اللازمين للؤم، وبنو قابياء: المجتمعون لشرب الخمر - لأنها حالة تظهر لؤم اللئام، وقباء - بالضم ويذكر ويقصر - موضع قرب المدينة الشريفة، وموضع بين مكة والبصرة، وانقبى: استخفى، وقبى قوسين وقباء قوسين - ككساء: قاب قوسين، والمقبي: الكثير الشحم - كأنه جمع لنفسه منه بالراحة ما صار كالبناء، والقباية: المفازة - لأنها تجمع ما فيها كما تجمع القبة والقباء والوقبة ما فيها. ومن مهموزة: قبأ الطعام - كجمع: أكله، ومن الشراب: امتلأ، والقباءة: حشيشة ترعى - لأن المال يجتمع على رعيها.
ومن الواوي: قاب الأرض يقوبها وقوّبها: حفر فيها شبه التقوير - لأن الدائرة أجمع ما يكون لغيرها وفي نفسها، لأنه لا زوايا فيها فاصلة، وقوبت الأرض: آثرت فيها، والقوبة: ما يظهر في الجسد ويخرج عليه - لأنه يكون غالباً على هيئة الدائرة، وتقوب جلده: تقلع عنه الجرب، وانحلق عنه الشعر - إما من الإزالة، وإما لأن آثاره تكون كالدوائر، وقوب الشيء: قلعه من أصله - لأن أثره إذا انقلع يكون حفراً مستديراً، وتقوب هو: تقلع، والقائبة والقابة: البيضة - لأنها لتدويرها تشبه ذلك الحفر، والقوب - بالفتح:
(12/80)

فلق الطير بيضه، وبالضم: الفرخ - لأنه منها، وفي المثل: تخلصت قائبة من قوب - يضرب لمن انفصل من صاحبه، والقوبيّ: المولع بأكل الأقواب أي الفراخ، والقوب - كصرد: قشور البيض، وتقوبت البيضه: انقابت أي انحفرت، وأم قوب: الداهية - لجمعها ما تأتي عليه كأنه ابتلعه حفر، وقاب: قرب - لأن القرب مبدأ الجمع، وقاب: هرب، أي سلب القرب - ضد، وقاب: فلق، أي شق الجمع فهو من الإزالة أيضاً، وقاب قوس وقيبه، أي قدره - لأن القوس شبه نصف دائرة من ذلك الحفر، والقاب: ما بين المقبض والسية - لأنه بعض ذلك، ولكل قوس قابان، والأسود المتقوب: الذي انسلخ جلده من الحيات - لتدوّر ذلك الجلد وشبهه بالحفرة، واقتاب الشيء: اختاره، أي جمعه إليه، ورجل مليء قوبة - كهمزة: ثابت الدار مقيم - من الثبات الذي هو لازم الجمع، وقوب من الغبار: اغبر - إما لأن من يحفر ذلك بغير، وإما لأن الغبار كثر عليه حتى غطاه فصار له مثل تلك الحفرة.
ومن مهموزه: قأب الطعام - كمنع: أكله، والماء: شربه كقئبه - كفرح، أو شرب كل ما في الإناء، وقئب من الشراب: تملأ، وهو مقأب - كمنبر: كثير الشرب للماء، وإناء قَوأب: كثير الأخذ
(12/81)

للماء - فهو كما ترى جمع مخصوص بالأكل والشرب، أو أنه جمعه في وقبة بطنه.
ومن الواوي: بقاه بعينه: نظر إليه - فهو من الحفظ اللازم للجمع، وابقُه بَقْوَتَك مالَك، وبقاوتك مالك أي احفظه حفظك مالك، وبقوته: انتظرته - وهو يرجع إلى الثبات والمراقبة التي ترجع إلى الحفظ، ويلزم الحفظ الثبات. ومن اليائي: بقي الشيء بقاء: ثبت ودام ضد فني، والاسم البقوى - كدعوى، ويضم، والبقيا - بالضم والبقية، وقد توضع الباقية موضع المصدر.
ومن واويّه: البوقة: الجمع والدفعة من المطر الشديد أو المنكرة تنباق - أنها نزلت من وقبة لشدتها، والبوائق: العوائد - لأنها جامعة لمن اعتادها، والبوائق: الشر - لأنه مهلك، فكأنه موقع في المهالك، والبوق - بالضم: شبه منقاب ينفخ فيه الطحان، أو الذي ينفخ فيه مطلقاً ويرمز - لأنه لتجويفه يشبه الوقبة، والبوق أيضاً: الباطل والزور - لأن صوته أشبع شيء بذلك، والمبوق - كمعظم: الكلام الباطل، والبوق - بالفتح: من لا يكتم السر - لأن البوق متى نفخ فيه صوّت، والبوقة: شجرة دقيقة - لأنها لدقتها يسرع إليها الهلاك كمن وقع فيه وقبة،
(12/82)

والبائقة: الداهية - كأنها تدفع من أتته في الوقبة، وانباقت عليه بائقة: انفتقت، وباق: جاء بالشر والخصومات - من ذلك، وكذا باق، أي تعدى على إنسان، وانباق به: ظلمه، والبائقةُ القومَ: أصابتهم، كانباقت عليهم، أي خرجت لشدتها من وقبة، والباقة: الحزمة من بقل - لاجتماعها، وباق بك: طلع عليك من غيبة - كأنه كان في حفرة فخرج، ومنه باق فلان: هجم على قوم بغير إذنهم، وباق القوم: سرقهم، وباق به: حاق به، أي - أحاط كما تحيط الوقبة، وباق القوم عليه: اجتمعوا فقتلوه ظلماً، وباق المال: فسد وبار - كحال من وقع في حفرة، ومنه متاع بائق: لا ثمن له، وتبوّق في الماشية: وقع فيها الموت وفشا، والحاق باق: صوت الفرج عند الجماع - لأنه من الجمع، ولأن الفرج وقبة، ومن مهموزه: بأقتهم الداهية بؤوقاً: أصابتهم، وانبأق عليهم الدهر: هجم عليهم بالداهية.
ومن الواوي، الوقبة: كوة عظيمة فيها ظل، والوقب والوقبة: نقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء، وقيل: هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين يستنقع فيها ماء السماء، وكل نقر في الجسد وقب كنقر العين والكتف، والوقبان من الفرس: هزمتان فوق عينيه، ووقب
(12/83)

المحالة: الثقب الذي يدخل فيه المحور، ووقبة الدهن: أنقوعته، وكذا وقبة الثريد، ووقب الشيء: دخل في الوقب، وأوقب الشيء: أدخله فيه، وركية وقباء: غامرة الماء، وامرأة ميقاب: واسعة الفرج وبنو الميقاب نسبوا إلى أمهم، يريدون سبهم بذلك، والميقاب: الرجل الكثير الشرب للماء، والحمقاء أوالمحمقة، وسير الميقاب: أن تواصل سير يوم وليلة - كأن ذلك سير الأحمق الذي لا يبقى على ظهره، ووقب القمر وقوباً: دخل في الظل الذي يكسفه - كأنه حفرة ابتلعته، ووقبت الشمس وقوباً: غابت كذلك، وقيل: كل ما غاب فقد وقب، ووقب الظلام، أقبل. أي فصار كالوقبة، فابتلع الضياء أو ابتلع ما في الكون فحجبه عن الضياء، ورجل وقب: أحمق - كأنه وعاء لكل ما يسمع، لا أهلية له في تمييز جيده من رديئه، والأنثى: وقبة، وقال ثعلب: الوقب: الدنيء، أي لأنه يتبع نفسه هواها فيصير كأنه الوقبة لا ترد شيئاً مما يلقي فيها، ووقب الفرس وقباً وهو صوت قنبه، أي وعاء قضيبه، وقيل: صوت تقلقل جردان الفرس في قنبه - لأن وعاء جردانه كالوقبة، فهو من اطلاق اسم المحل على ما فيه، والقبة -
(12/84)

كعدة: الإنفحة إذا عظمت من الشاة، قال ابن الأعرابي: ولا يكون ذلك في غير الشاء - لأن شبه الإنفحة بالوقبة ظاهر، والوقباء: موضع يمد ويقصر، والوقبى: ماء لبني مازن - لأنه يجمعهم كما تجمع الوقبة ما فيها، والأوقاب: قماش البيت كالبرمة والرحيين والعمد - لأن البيت لها كالوقبة لجمعها أو لأنها جامعة لشمل من فيه، والميقب: الودعة، وأوقب القوم: جاعوا، أي تهيؤوا لإدخال الطعام في وقبة الجوف، وذكر أوقب: ولاّج في الهنات - لأنها كالأوقاب أي الحفر، والوقب: الإقبال والمجيء، وهو سبب الجمع.
ووبق - كوعد ووجل وورث وبوقاً وموبقاً: هلك، أي وقع فيه وقبة، أي حفرة كاستوبق، وكمجلس: المهلك والمحبس، وواد في جهنم، وكل شيء حال بين شيئين - لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره.
ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه.
ومن مهموزه: أبق العبد - كسمع وضرب ومنع - أبقاً
(12/85)

ويحرك - وإباقاً - ككتاب: ذهب بلا خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب - وكل ذلك يوجع إلى جعله كأنه نزل في وقبة، ومن شأنه حينئذ أن يخفى، ومنه تأبق: استتر أو احتبس، وتأبق الشيء: أنكره - لأن سبب الإنكار الخفاء، وتأبق: تأثم، أي جانب الإثم، فهو لسلب الجمع أو لسلب الهلاك في الوقبة، والأبق - محركة: القنب - لشبهه لتجويفه بالوقبة، والأبق: قشره - لقوته اللازمة للجمع أو لأنه خيوط مجتمعة.
(12/86)

وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)
ولما قرر سبحانه ما لهم مع شركائهم، ذكر حالهم في استمرار جهلهم، فقال تعالى: {ورءا المجرمون} أي العريقون في الإجرام {النار} أي ورأوا، ولكنه أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف {فظنوا} ظناً {أنهم مواقعوها ولم} أي والحال أنهم لم {يجدوا عنها مصرفاً *} أي مكاناً ينصرفون إليه، فالموضع موضع التحقق، ولكن ظنهم جرياً على عادتهم في الجهل كما قالوا {اتخذ الله ولداً} [الكهف: 4] بغير علم {وما أظن أن تبيد هذه أبداً} [الكهف: 35] ، {وما أظن الساعة قائمة} [الكهف: 36] ، {إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها.
ولما كان الكلام في قوة أن يقال: صرفنا هذه الأخبار بما أشارت
(12/86)

إليه من الأسرار الكبار، فقامت دلائل الشريعة الجلائل، وأضاءت بها جواهر المعاني الزواهر، عطف على ذلك: {ولقد صرفنا} أي بما لنا من العظمة. ولما كانت هذه السورة في وصف الكتاب، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى: {في هذا القرءان} أي القيم الذي لا عوج فيه، مع جمعه للمعاني ونشره الفارق بين الملبسات {للناس} أي المزلزلين فضلاً عن الثابتين {من كل مثل} أي حوّلنا الكلام وطرقناه في كل وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة، والأساليب المتناسقة، ما سار بها في غرابته كالمثل، يقبله كل من يسمعه، وتضرب به آباط الإبل في سائر البلاد، بين العباد، فتبشر به قلوبهم، وتلهج به ألسنتهم، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه؛ ثم نبه على الوصف المقتضي لذلك بقوله تعالى: {وكان الإنسان} الذي جعل خصيماً وهو آنس بنفسه جبلة وطبعاً {أكثر شيء} وميز الأكثرية بقوله تعالى: {جدلاً *} لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان، الذي أضاء جميع الأكوان.
ولما بين إعراضهم، بين موجبه عندهم فقال: {وما منع} ولما كان الناس تبعاً لقريش قال: {الناس} أي الذين جادلوا بالباطل، الإيمان - هكذا كان الأصل، ولكنه عبرعن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى:
(12/87)

{أن يؤمنوا} ليفيد التجديد وذمهم على الترك {إذ} أي حين {جاءهم الهدى} بالكتاب على لسان الرسول، وعطف على المفعول الثاني - معبراً بمثل ما مضى لما مضى - قولَه تعالى: {ويستغفروا ربهم} أي المحسن إليهم.
ولما كان الاستثناء مفرغاً، أتى بالفاعل فقال تعالى: {إلا أن} أي طلب أن {تأتيهم سنة الأولين} في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم، المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكاً، وذلك نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبراً، أي مستوراً {أو} طلب أن {يأتيهم العذاب قبلاً *} أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له، هو في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح، من قولهم: لقيت فلاناً قبلاً، أي معاينة، وكذا في قراءة من ضمهما، من قولهم: أنا آتيك قبلاً لا دبراً، أي مواجهة
(12/88)

من جهة وجهك لا من جهة قفاك، قال تعالى:
{إن كان قميصه قدَّ من قبل} [يوسف: 26] ، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة، لأن المراد بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافاً مصنفة صنفاً ونوعاً نوعاً، وقد مضى في الأنعام بيانه، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين، فمعناه: من غير أن يجابوا إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وقالوا لن نؤمن لك} [الإسراء: 89-90]- إلى قوله تعالى: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} [الإسراء: 92] الآية وهذه الآية من الاحتباك: ذكر {سنة الأولين} أولاً يدل على ضدها ثانياً، وذكر المكاشفة ثانياً يدل على المساترة أولاً.
ولما كان ذلك ليس إلى الرسول، إنما هو إلى الإله، بينه بقوله تعالى: {وما نرسل} على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها {المرسلين إلا مبشرين} بالخير على أفعال الطاعة {ومنذرين} بالشر على أفعال المعصية، فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر {ويجادل الذين كفروا} أي يجددون الجدال كلما
(12/89)

أتاهم أمر من قبلنا {بالباطل} من قولهم: لو كنتم صادقين لأتيتم بما نطلب منكم، مع أن ذلك ليس كذلك لأنه ليس لأحد غير الله من الأمر شيء {ليدحضوا} أي ليزلقوا فيزيلوا ويبطلوا {به الحق} الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم.
ولما كان لكل مقام مقال، ولكل مقال حد وحال، فأتى في الجدال بصيغة الاستقبال، وكان اتخاذ الاستهزاء أمراً واحداً، أتى به ماضياً فقال تعالى: {واتخذوا} أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا {ءاياتي} بالبشارات التي هي المقصودة بالذات لكل ذي روح {وما أنذروا} من آياتي، بني للمفعول لأن الفاعل معروف والمخيف الإنذار {هزواً *} مع بعدهما جداً عن ذلك، فلا بالرغبة أطاعوا، ولا للرهبة ارتاعوا، فكانوا شراً من البهائم.
(12/90)

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)
ولما حكي عنهم هذا الجدال، والاستهزاء والضلال، وصفهم بما يموجب الخزي فقال - عاطفاً على ما تقديره: فكانوا بذلك أظلم الظالمين: {ومن أظلم} منهم - استفهاماً على سبيل التقرير، ولكنه أظهر للتنبيه على الوصف الموجب للإنكار على من شك في أنهم أظلم. فقال تعالى: {ممن ذكر} أي من أيّ مذكر كان {بأيات} أي علامات {ربه} المحسن إليه بها؛ قال الأصبهاني: وهذا من أفصح
(12/90)

التقرير أن يوقف الرجل على ما لا جواب فيه إلا الذي يريد خصمه.
ولما كان التذكير سبباً للإقبال فعكسوا فيه قال تعالى: {فأعرض عنها} تاركاً لما يعرف من تلك العلامات العجيبة وما يوجبه ذلك الإحسان من الشكر {ونسي ما قدمت يداه} من الفساد الذي هو عارف - لو صرف عقله إلى الفكر فيما ينفعه - أن الحكمة تقتضي جزاءه عليه، وأفرد الضمير في جميع هذا على لفظ {من} إشارة إلى أن من فعل مثل هذا - ولو أنه واحد - كان هكذا، والأحسن أن يقال: إنهم لما كانوا قد سألوا اليهود عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشير إليه عند {ويسألونك عن الروح} [الإسراء: 85] فأمروهم بسؤاله عما جعلوه أمارة على صدقه، فلم يؤثر ذلك فيهم، واستمروا بعد إخباره بالحق على التكذيب، شرح حالهم بالتعقيب بالفاء، فكان المعنى: من أظلم منهم، لأنهم ذكروا فأعرضوا ونسوا ما اعتقدوا أنه دليل الصدق، وأنه لا جدال بعده، وسيأتي لموقع الفاء في آخر السجدة مزيد بيان، وإسناد الفعل في الإعراض وما بعده إليهم حقيقة مما لهم من الكسب كما أن إسناد الجعل وما بعده إلى الله حقيقة بما له من الخلق.
ولما كان كأنه قيل: ما لهم فعلوا ذلك؟ أيجهل قبح هذا أحد؟ قيل:
(12/91)

{إنا جعلنا} بما لنا من القدرة على إعماء البصائر والأبصار {على قلوبهم} فجمع رجوعاً إلى أسلوب {واتخذوا ءاياتي} لأنه أنص على ذم كل واحد {أكنة} أي أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا يدع شيئاً من الحيز يصل إليها، فهي لا تعي شيئاً من آياتنا، ودل بتذكير الضمير على أن المراد بالآيات القرآن فقال تعالى: {أن} أي كراهة أن {يفقهوه} أي يفهموه {وفي ءاذانهم وقراً} أي ثقلاً فهم لا يسمعون حق السمع، ولا يعون حق الوعي {وإن تدعهم} أي تكرر دعاءهم كل وقت {إلى الهدى} لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد {فلن يهتدوا} أي كلهم بسبب دعائك {إذاً} أي إذا دعوتهم {أبداً *} لأن من له العظمة التامة - وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها - حكم عليها بالضلال، أي أنه لا يكون الدعاء وحده هادياً لأكثرهم، بل لا بد معه من السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم، وقد يكون المراد أن من كان هكذا معانداً على هذا الوجه مؤبد الشقاء، وقد نفى
(12/92)

آخر هذه الآية الفعل عن العباد وأثبته لهم أولها، وقلما نجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها أخرى تثبته لله وتنفيه عنهم، ابتلاء من الله لعباده ليتميز الراسخ - الذي ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر التكليف، ولله الخلق المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره - من الطائش الذي يقول بالجبر أو التفويض.
ولما كان هذا مقتضياً لأخذهم، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة قولَه تعالى: {وربك} مشيراً بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من أوصافه فقال: {الغفور} أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت {ذو الرحمة} أي الذي يعامل - وهو قادر - مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى: {لو يؤاخذهم} أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة المؤاخذ {بما كسبوا} حين كسبهم {لعجل لهم العذاب} واحداً بعد واحد، ولكنه لا يعجل لهم ذلك {بل لهم موعد} يحله بهم فيه، ودل على أن موعده ليس كموعد غيره
(12/93)

من العاجزين بقوله دالاً على كمال قدرته: {لن يجدوا من دونه} أي الموعد {موئلاً *} أي ملجأ ينجيهم منه، فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره.
(12/94)

وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)
ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية، قال تعالى عاطفاً على قوله «لهم موعد» مروعاً لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة لدمارهم: {وتلك القرى} أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم {أهلكناهم} أي حكمنا بإهلاكهم بما لنا من العظمة {لما ظلموا} أي أول ما ظلموا، أو أهلكناهم بالفعل حين ظلمهم لكن لا في أوله، بل أمهلناهم إلى حين تناهيه وبلوغه الغاية، فليحذر هؤلاء مثل ذلك {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {لمهلكهم} أي إهلاكهم بالفعل {موعداً *} أي وقتاً نحله بهم فيه ومكاناً لم نخلفه، كما أنا جعلنا لهؤلاء موعداً في الدنيا بيوم بدر والفتح وحنين ونحو ذلك، وفي الآخرة لن نخلفه، وكذا كل أمر يقوله نبي من الأنبياء عنا لا يقع فيه خلف وإن كان يجوز لنا ذلك، بخلاف ما يقوله من نفسه غير مسند إلينا فإنه يمكن وقوع الخلف فيه، كما
(12/94)

وقع في الوعد بالإخبار عن هذه المسائل التخلف أربعين ليلة أو ما دونها على حسب فهمهم أن {غدا} على حقيقته.
ولما قدم الكلام على البعث، واستدل عليه بابتداء الخلق، ثم ذكر بعض أحواله، ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثال، وصرف من وجوه الاستدلال، وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة، عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند المسرة، فلكل شيء عنده كتاب، وكل قضاء بقدر وحساب، فذكر قصة موسى مع الخضر عليهما السلام وما اتفق له في طلبه، وجعله سبحانه له الحوت آية وموعداً للقائه، ولو أراد سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء، مع ما فيها من الخارق الدال على البعث، ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن يعترض عليه إلا من كان على ثقة مما يقوله من ربه ولا أن يمتحن، ومن الإرشاد إلى ذم الجدل بغير علم، ووجوب الانقياد للحق عند بيانه، وظهور برهانه، ومن إرشاد من استنكف أن يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى عليه السلام من أنه - وهو كليم الله - أتبع الخضر عليه السلام ليقتبس من علمه، ومن تبكيت اليهود بقولهم لقريش لما أمروهم بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «إن
(12/95)

لم يخبركم فليس بنبي» الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئاً أن من شرط النبي أن لا يخفى عليه شيء، مع ما يعلمون من أن موسى عليه السلام خفي عليه جميع ما فعله الخضر عليه السلام، وإلى نحو هذا أشار الخضر عليه السلام بقوله إذ وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أو نقرتين «ما نقص علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر»
وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى عليه السلام جعل نفسه تابعاً للخضر عليه السلام، تكذيباً لهم في ادعائهم أنه ليس أحد أعلى من موسى عليه السلام في وصف من الأوصاف، وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره، ومن جوابهم عما لعلهم يقولون للعرب بهتاً وحسداً «لو كان نبياً ما قال: أخبركم غداً، وتأخر عن ذلك» بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهما السلام بالصبر، وبما خفي عليه مما اطلع عليه الخضر عليهما السلام، فقال تعالى عاطفاً على قوله سبحانه {وإذ قلنا للملائكة} : {وإذ} أي واذكر لهم حين {قال موسى} أي ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل، أي قوله الذي كان في ذلك الحين {لفتاه} يوشع بن نون عليهما السلام: {لا أبرح} أي لا أزال سائراً في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله - كما دل عليه ما يأتي {حتى أبلغ مجمع البحرين} أي ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي، فتعينت البداءة به فألقاه ثَمّ {أو أمضي حقباً *} إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعداً لي في لقائه؛ والحقب - قال في القاموس - ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون - انتهى. وما أنسب التوقيت بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم وتزودهما بالنون الذي قرنه الله بالقلم وما يسطرون، وعين الحياة لأن العلم حياة القلوب، فسارا وتزودا حوتاً مشوياً في مكتل كما أمر به، فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع {فلما بلغا مجمع بينهما} أي البحرين، فلم يكن هناك بين أصلاً لصيرورتهما شيئاً واحداً {نسيا حوتهما} فلم يعلم موسى عليه السلام شيئاً من حاله ونسي أن يسأل عنه، وعلم يوشع عليه السلام بعض حاله فنسي أن يذكر ذلك له {فاتخذ} أي الحوت معجزة في معجزة {سبيله} أي طريقه الواسع الواضح {في البحر سرباً *} أي خرقاً في الماء غير ملتئم، من السرب الذي هو جحر الوحشي، والحفير تحت الأرض، والقناة يدخل منها الماء الحائط. وقد ورد في حديثه في الصحيح أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه
(12/96)

في الماء، فصار طاقاً لا يلتئم. ويوشع عليه السلام ينظر ذلك، وكأن المجمع كان ممتداً، فظن موسى عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع آخر فسار {فلما جاوزا} أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من المجمع تعب، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمر به معجزةً أخرى، فلما جاع وتعب {قال لفتاه ءاتنا} أي أحضر لنا {غداءنا} أي لنتقوى به على ما حصل لنا من الإعياء، ولذلك وصل به قوله تعالى: {لقد لقينا من سفرنا} أي الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى: {هذا نصباً *} وكان الحوت زادهم فلم يكن معه، فكأنه قيل: فما كان عن أمره؟ فقيل: {قال} لموسى عليه السلام معجباً له: {أرءيت} ما دهاني؟ {إذ أوينا إلى الصخرة} التي بمجمع البحرين
(12/97)

{فإني} أي بسبب أني {نسيت الحوت} أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك؛ ثم زاد التعجيب من هذا النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملاً وبين تفصيل أمره وبإيقاع النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى: {وما أنسانيه} مع كونه عجيباً {إلا الشيطان} بوساوسه.
ولما كان المقام للتدريب في عظيم تصرف الله تعالى في القلوب بإثبات العلم ونفيه وإن كان ضرورياً، ذكر نسيانه، ثم أبدل من ضميره
(12/98)

قوله تعالى: {أن أذكره} لك فإنه عاش فانساب من المكتل في البحر {واتخذ سبيله} أي طريقه الذي ذهب فيه {في البحر عجباً *} وذكره له الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتاً لطاعة، بل فيه ترقية لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد المكان الذي فيه البغية، وحفظ الماء منجاباً على طول الزمان وغير ذلك من آيات الإيقان، وقوله تعالى {إنما سلطانه على الذين يتولونه} [النحل: 100] مبين أن السلطان الحمل على المعاصي، وقد كان في هذه القصة خوارق حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه، وإمساك الماء عن مدخله، وقد اتفق لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه أو أتباعه ببركته مثل ذلك.
أما إعادة ما أكل من الحوت المشوي - وهو جنبه - فقد روى البيهقي في أواخر دلائل النبوة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الحجة التي حجها حتى إذا كنا ببطن الروحاء - فذكر قصة المرأة التي أبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولدها من الجنون إلى أن قال: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حجته انصرف حتى إذا نزل ببطن الروحاء
(12/99)

أتته تلك المرأة بشاة قد شوتها، فأمر بأخذ تلك الشاة منها ثم قال: يا أسيم - وكان إذا دعاه رخمه! ناولني ذراعاً، وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدمها، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعاً! فناولته، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعاً! فقلت: يا رسول الله! إنما هما ذراعان وقد ناولتك، فقال: والذي نفسي بيده لو سكتَّ ما زلت تناولني ذراعاً ما قلت لك: ناولني ذراعاً» فقد أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لو سكت أوجد الله لها ذراعاً ثم ذراعاً وهكذا، وقوله الحق الذي لا فرق بينه وهو في عالم الغيب وبين ما وجد في عالم الشهادة.
وأما حياة الحوت المشوي فقد مضى عند {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] ما هو أكبر من ذلك في قصة الشاة المشوية المسمومة، وهو أن ذراعها أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسموم فهو أعظم من عود الحياة من غير نطق، وكذا حنين الجذع، وسلام الحجر، وتسبيح الحصا، وتأمين أسكفة الباب وحوائط
(12/100)

البيت ونحو ذلك أعظم من عود الحياة إلى ما كان حياً، فقد روى البيهقي في الدلائل عن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي: ما أعطى الله نبياً ما أعطى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: أعطى عيسى عليه السلام إحياء الموتى؟ فقال: أعطى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجذع - الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيىء له المنبر، فلما هيىء له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته - فهذا أكبر من ذاك - انتهى. على أنه قد تقدم في آل عمران وفي آخر البقرة في قصة إبراهيم عليه السلام أشياء من إحياء الموتى له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولبعض أمته.
وأما آية الماء فمرجعها إلى صلابته، ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام بعد الانخراق وبين جموده وصلابته بالامتناع من الانخراق، وقد روى البيهقي في ذلك ما فيه آية من الإحياء بسند منقطع
(12/101)

عن أنس رضي الله عنه قال: كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياماً ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: ائت أمه فأعلمها، فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعاً، وخلعت الأوثان زهداً، وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ما تقضي كلامها حتى حرك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى هلكت أمه؛ ثم جهز عمر بن الخطاب رضي الله عنه - يعني جيشاً، واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، قال: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد تدروا بنا، فعفوا آثار الماء، قال: وكان حر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا، وذلك يوم الجمعة فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين، ثم مد يده وما نرى في السماء شيئاً، فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً فأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا واستقينا
(12/102)

ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم! ثم قال: أجيزوا باسم الله! فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا العدو غيلة فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا.
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل الصفار ن الحسن بن علي بن عفان أنبأنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة، والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم أقحم فرسه فاندفع على الماء، فقال الناس: بسم الله بسم الله، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فلما نظر إليهم الأعاجم قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم، فما فقدوا إلا قدحاً كان معلقاً بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو محمد عبد الله بن محمد السمذي ثنا أبو العباس السراج ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا: ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى الدجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئاً
(12/103)

فندعو الله - قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.
(12/104)

قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)
وفي هذا الأمر من هذه القصة قاصمة للسائلين والآمرين لهم بالسؤال، لأن المراد - والله أعلم - أن هذا الأمر وقع لنبي هؤلاء المضلين، فمر قريشاً أن يسألوهم عن هذه القصة، فإن أخبروهم عنها بمثل ما أخبرتهم فصدقوهم، لزمهم أن يؤمنوا بالبعث لأمر هذا الحوت الذي أحياه الله بعد أن كان مشوياً وصار كثير منه في البطون، وإن لم يصدقوهم في هذا وصدقوهم في غيره مما يتعنتون به عليك فهو تحكم، وإن كانوا يتهمونهم في كل أمر كان سؤالهم لهم عبثاً، ليس من أفعال من يعقل، فكأنه قيل: فما قال موسى حينئذ؟ فقيل: {قال} منبهاً على أن ذلك ليس من الشيطان، وإنما هو إغفال من الله تعالى بغير واسطة ليجدا العلامة التي أخبره الله بها كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنى لأنسى - أي ينسيني الله تعالى - لأسن» {ذلك} أي الأمر العظيم من فقد الحوت {ما كنا نبغ}
(12/104)

أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعداً لي في لقاء الخضر {فارتدا على ءاثارهما} يقصانها {قصصاً *} وهذا يدل على أن الأرض كانت رملاً، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت {فوجدا عبداً من عبادنا} مضافاً إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر عليه السلام {ءاتيناه} بعظمتنا {رحمة} أي وحياً ونبوة، وكونه نبياً قول الجمهور {من عندنا} أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء {وعلمناه من لدنا} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء {علماً} قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعاً أنه خاص بحضرته سبحانه،
(12/105)

أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعداً لي في لقاء الخضر {فارتدا على ءاثارهما} يقصانها {قصصاً *} وهذا يدل على أن الأرض كانت رملاً، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت {فوجدا عبداً من عبادنا} مضافاً إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر عليه السلام {ءاتيناه} بعظمتنا {رحمة} أي وحياً ونبوة، وكونه نبياً قول الجمهور {من عندنا} أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء {وعلمناه من لدنا} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء {علماً} قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعاً أنه خاص بحضرته سبحانه،
(12/106)

فأهل التصوف سموا العلم بطريق المكاشفة العلم اللدني، فإذا سعى العبد في الرياضيات يتزين الظاهر بالعبادة، وتتخلى النفس عن الأخلاق الرذيلة، وتتحلى بالأخلاق الجميلة، وتصير القوى الحسية والخيالية والوهمية في غاية القوة، وحينئذ تصير القوة العقلية قوية صافية، وربما كانت النفس بحسب أصل الفطرة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالحوادث البدنية، شديدة الاستعداد لقبول الأمور الإلهية، فتشرق فيها الأنوار الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على وجه الكمال فتحصل المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل، فهذا هو العلم اللداني.
ثم أورد سبحانه وتعالى القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما قبله، وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه كله، لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك: {قال له موسى} طالباً منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان: {هل أتبعك} أي اتباعاً بليغاً حيث توجهت؛ والاتباع: الإتيان لمثل فعل الغير لمجرد كونه آتياً به؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله: {على أن تعلمن}
(12/107)

وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال: {مما علمت} وبناه للمفعول لعلم المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وللإشارة إلى سهولة كل أمر على الله عز وجل {رشداً *} أي علماً يرشدني إلى الصواب فيما أقصده، ولا نقص في تعلم نبي من نبي حتى يدعي أن موسى هذا ليس موسى بن عمران عليه السلام فإنه قد ثبت كونه ابن عمران في الصحيح، وأتى صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سؤاله له بهذه الأنواع من الآداب والإبلاغ في التواضع لما هو عليه من الرسوخ في العلم، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، فكان تعظيمه لأرباب العلوم أكمل.
ولما أتم العبارة عن السؤال، استأنف جوابه له بقوله تعالى: {قال} أي الخضر عليه السلام: {إنك لن تستطيع} يا موسى {معي صبراً *} أي هو من العظمة على ما أريد لما يحثك على عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به، فالتنوين للتعظيم بما تؤذن به تاء الاستفعال، وأكد لما في سؤال موسى عليه السلام من التلطف المؤذن بأنه يصبر
(12/108)

عليه ولا يخالفه في شيء أصلاً، ويؤخذ منه أن العالم إن رأى في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير كان عليه ذكره، فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة، وذلك يمنعه من التعلم.
(12/109)

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)
ولما كان المقام صعباً جداً لأنه بالنسبة إلى أوامر الله تعالى، بينه على وجه أبلغ من نفي الأخص، وهو الصبر البليغ، بالتعجيب من مطلق الصبر معتذراً عن موسى في الإنكار، وعن نفسه في الفعل، بأن ذلك بالنسبة إلى الظاهر والباطن، فقال عاطفاً على ما تقديره: فكيف تتبعني الاتباع البليغ: {وكيف تصبر} يا موسى {على ما لم تحط به خبراً *} أي من جهة العلم به ظاهراً وباطناً، فأشار بالإحاطة إلى أنه كان يجوز أن يكون على صواب، ولكن تجويزاً لا يسقط عنه وجوب الأمر، ويجوز أن يكون هذا تعليلاً لما قبله، فيكون الصبر الثاني هو الأول، والمعنى أنك لا تستطيع الصبر الذي أريده لأنك لا تعرف فعلي على ما هو عليه فتراه فاسداً {قال} أي موسى عليه السلام، آتياً بنهاية التواضع لمن هو أعلم منه، إرشاداً لما ينبغي في طلب العلم رجاء تسهيل الله
(12/109)

له والنفع به: {ستجدني} فأكد الوعد بالسين؛ ثم أخبر عنه سبحانه أنه قوى تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدم الحث عليه في هذه السورة في قوله تعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل} الآية ليعلم أنه منهاج الأنبياء وسبيل الرسل، فقال تعالى: {إن شاء الله} أي الذي له صفات الكمال {صابراً} على ما يجوز الصبر عليه؛ ثم زاد التأكيد بقوله عطفاً بالواو على «صابراً» لبيان التمكن في كل من الوصفين: {ولا أعصي} أي وغير عاص {لك أمراً *} تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله {قال} أي الخضر عليه السلام: {فإن اتبعتني} يا موسى اتباعاً بليغاً {فلا تسألني عن شيء} أقوله أو أفعله {حتى أحدث لك} خاصة {منه ذكراً *} يبين لك وجه صوابه، فإني لا أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر وإن كان ظاهره غير ذلك.
ولما تشارطا وتراضيا على الشرط سبب قوله تعالى: {فانطلقا} أي موسى والخضر عليهما السلام على الساحل، يطلبان سفينة يركبان فيها واستمرا {حتى إذا ركبا في السفينة} وأجاب الشرط بقوله تعالى: {خرقها} وعرفها لإرشاد السياق بذكر مجمع البحرين إلى أن
(12/110)

انطلاقهما كان لطلب سفينة، فكانت لذلك كأنها مستحضرة في الذهن، ولم يقرن «خرق» بالفاء لأنه لم يكن مسبباً عن الركوب ولا كان في أول أحيانه؛ ثم استأنف قوله تعالى: {قال} أي موسى عليه السلام، منكراً لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس، ناسياً لما عقد على نفسه لما دهمه مما عنده من الله - وهو الإله العظيم - من العهد الوثيق المكرر في جميع أسفار التوراة بعد إثباته في لوحي الشهادة في العشر كلمات التي نسبتها من التوراة كنسبة الفاتحة من القرآن بالأمر القطعي أنه لا يقر على منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لا يقر على منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لو لم ينس لم يترك الإنكار، كما فعل عند قتل الغلام، لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد، لأن المستثنى شرعاً كالمستثنى وضعاً، ففي الأولى نسي الشرط، وفي الثانية نسي - لما دهمه من فظاعة القتل الذي لم يعلم فيه من الله أمراً - أنه ينبغي تقليده لثناء الله تعالى عليه: {أخرقتها} وبين عذره في الإنكار بما في غاية الخرق من الفظاعة فقال: {لتغرق أهلها} والله! {لقد جئت شيئاً إمراً} أي عظيماً منكراً عجيباً شديداً {قال} أي الخضر عليه السلام: {ألم أقل إنك} يا موسى!
(12/111)

{لن تستطيع معي صبراً *} فذكره بما قال له عند الشرط {قال} موسى: {لا تؤاخذني} يا خضر {بما نسيت} من ذلك الاشتراط {ولا ترهقني} أي تلحقني بما لا أطيقه وتعجلني عن مرادي باتباعك على وجه القهر ناسباً لي إلى السفه والخفة وركوب الشر {من أمري عسراً *} بالمؤاخذة على النسيان، فكل منهما صادق فيما قال، موف بحسب ما عنده، أما موسى عليه السلام فلأنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهى عما يعتقده منكراً، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر لأنه لا يقدم على منكر، ومع ذلك فما نفي إلا الصبر البليغ الذي دل عليه بزيادة تاء الاستفعال، وقد حصل ما يطلق عليه صبر.
لأنه لما ذكره كف عنه لما تذكر بثناء الله عليه أنه لا يفعل باطلاً، ولم يحصل الصبر البليغ الذي في نفس الخضر بالكسوت في أول الأمر وآخره {فانطلقا} بعد نزولهما من السفينة وسلامتها من الغرق والغصب {حتى إذا لقيا غلاماً} لم يبلغ الحلم وهو في غاية القوة {فقتله} حين لقيه - كما دلت عليه الفاء العاطفة على الشرط. ثم أجاب الشرط بقوله مشعراً بأن شروعه في الإنكار في هذه أسرع: {قال} أي موسى عليه السلام: {أقتلت} يا خضر {نفساً زكية}
(12/112)

بكونها على الفطرة الأولى من غير أن تدنس بخطيئة توجب القتل {بغير نفس} قتلتها ليكون قتلك لها قوداً؛ وهذا يدل على أنه كان بالغاً حتى إذا قتل قتيلاً أمكن قتله به إلا أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ؛ ثم استأنف قوله: {لقد جئت} في قتلك إياها {شيئاً} وصرح بالإنكار في قوله: {نكراً *} لأنه مباشرة. والخرق تسبب لا يلزم منه الغرق.
(12/113)

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)
ولما كانت هذه ثانية {قال} الخضر عليه السلام: {ألم أقل} وزاد قوله: {لك إنك} يا موسى {لن تستطيع معي} أي خاصة {صبراً * قال} موسى عليه السلام حياء منه لما أفاق بتذكر مما حصل من فرط الوجد لأمر الله فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله: {إن سألتك عن شيء بعدها} يا أخي! وأعلم بشدة ندمه على الإنكار بقوله: {فلا تصاحبني} بل فارقني؛ ثم علل ذلك بقوله {قد بلغت} وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال: {من لدني عذراً *} باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما. وقد أخبرني الله بحسن حالك في غزارة علمك {فانطلقا} بعد قتله {حتى إذا أتيا أهل قرية} عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة
(12/113)

لأنه أدل على الذم، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى: {استطعما} وأظهر ولم يضمر في قوله: {أهلها} لأن الاستطعام لبعض من أتوه، أوكل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد، وهذا هو الظاهر، لأنه هو الموافق للعادة.
قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل: ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين الأفهام في القرآن: اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين: أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس، ولم يصل إليه تخاطب الخلق. فإذا كان البيان عن إحاطة، تقدم الإضمار {قل هو الله أحد} وإذا كان عن اختصاص، تقدم الإظهار {الله الصمد} وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته، وإذا
(12/114)

أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار، أو بجمع المضمر والمظهر {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1] {إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد} [البروج: 12] {هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} [الحشر: 22] والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان من هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم، ومن نحوه {أتيا أهل قرية استطعما أهلها} استأنف للمستطعمين إظهاراً غير إظهار المأتيين - انتهى. وجعل السبكي الإتيان للبعض، والاستطعام للكل، لأنه أشد ذماً لأهل القرية وأدل على شر طبعها، ومن قال بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة في باب ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله عز وجل {حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها} : وفي هذه الآية أدل دلالة على أنه لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة كانت عيناً في الأغلب.
ولما أسند
(12/115)

الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع، فلو قيل: استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر - إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض، وإلا لم يكن غيره ولا كان للعدول فائدة. {فأبوا} أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون من أهل القرية {أن يضيفوهما} أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا عنهم {فوجدا فيها} أي القرية، ولم يقل: فيهم، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع {جداراً} مشرفاً على السقوط، وكذا قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما يعقل: {يريد أن ينقض} أي يسقط سريعاً فمسحه الخضر بيده {فأقامه} .
ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب «إذا» بقوله: {قال} أي له موسى عليه السلام: {لو شئت لتخذت} لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء {عليه} أي على إقامة الجدار {أجراً *} نأكل به، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال {قال}
(12/116)

الخضر عليه السلام: {هذا} أي الوقت أو السؤال. ولما كان ذلك سبب الفراق أو محله، سماه به مبالغة فقال: {فراق بيني وبينك} يا موسى بعد أن كان البينان بيناً واحداً لاتصالهما فلا بين، فهو في الحقيقة فوق ما كان متصلاً من بينهما، أو فراق التقاول الذي كان بيننا، أي الفراق الذي سببه السؤال، وإذا نزل على الاحتباك ازداد ظهوراً، تقديره: فراق بيني وبينك كما أخبرت، وفراق بينك من بيني كما شرطت، وقد أثبتت هذه العبارة الفراق على أبلغ وجه، وذلك أنه إذا وقع فراق بيني من بينك بحائل يحول بينهما فقد وقع منك بطريق الأولى، وحقيقته أن البين هو الفراغ المنبسط الفاصل بين الشيئين وهو موزع بينهما، فبين كل منهما من منتصف ذلك الفراغ إليه، فإذا دخل في ذلك الفراغ شيء فصل بينهما، وصار بين كل منهما ينسب إليه، لأنه صار بين ما ينسب إلى كل منهما من البينين، وحينئذ يكون بينهما مباينة، أي أن بين كل منهما غير بين الآخر ومن قال: إن معنى «هذا فراق بيننا» زوال الفصل ووجود الوصل، كذبه أن معنى «هذا اتصال بيننا» المواصلة، فلو كان هذا معنى ذاك أيضاً لاتحد معنى ما يدل على الوصل بمعنى ما يدل على الفصل، وقد نبه الله سبحانه
(12/117)

وتعالى موسى عليه السلام - كما في تفسير الأصبهاني وغيره - بما فعل الخضر عليه السلام على ما وقع له هو من مثله سواء بسواء، فنبهه - بخرق السفينة الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب - على التابوت الذي أطبق عليه وألقي في اليم خوفاً عليه من فرعون الغاصب فكان ظاهره هلكاً وباطنه نجاة، وبقتل الغلام على أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر في قتله القبطي وإن لم يكن إذ ذاك يعلمه لكونه لم ينبأ، وبأقامة الجدار من غير أجر على سقيه لبنات شعيب عليهم السلام من غير أجر مع احتياجه لذلك.
ولما كان من المعلوم شدة استشراف موسى عليه السلام إلى الوقوف في باطن هذه الأمور، قال مجيباً له عن هذا السؤال: {سأنبئك} يا موسى بوعد لا خلف فيه إنباء عظيماً {بتأويل} أي بترجيع {ما لم تستطع عليه صبراً *} لمخالفته عندك الحكمة إلى الحكمة وهو أن عند تعارض الضررين يجب ارتكاب الأدنى لدفع الأقوى بشرط التحقق، وأثبت تاء الاستفعال هنا وفيما قبله إعلاماً بأنه
(12/118)

ما نفى إلا القدرة البليغة على الصبر، إشارة إلى صعوبة ما حمل موسى من ذلك، لا مطلق القدرة على الصبر {أما السفينة} التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها {فكانت لمساكين} وهو دليل للشافعي على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، لأن هؤلاء يملكون سفينة {يعملون في البحر} ليستعينوا بذلك على معاشهم.
ولما كان التعييب من فعله، أسنده إليه خاصة، تأدباً مع الله تعالى فقال: {فأردت أن أعيبها} فإن تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها لوحاً يسدونها به أخف ضرراً من تفويتهم منفعتها أخذاً ورأساً بأخذ الملك لها، ولم أرد إغراق أهلها كما هو المتبادر إلى الفهم؛ ثم عطف على ذلك علة فعله فقال: {وكان وراءهم} أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم وواروها، وفسره الحرالي في سورة البقرة بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما اجتمع أن يكون الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماماً في المكان. {ملك يأخذ} في ذلك الوقت {كل سفينة} ليس فيها عيب {غصباً} من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به.
(12/119)

وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)
ولما كان كل من الغصب والمسكنة سبباً لفعله، قدمها على الغصب، إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين {وأما الغلام} أي الذي قتلته {فكان أبواه مؤمنين} وكان هو مطبوعاً على الكفر - كما يأتي في حديث أبيّ رضي الله عنه.
ولما كان يحتمل عند الخضر عليه السلام أن يكون هذا الغلام مع كفره في نفسه سبباً لكفر أبويه إن كبر، وكان أمر الله له بقتله مثل فعل من يخشى ذلك، أسند الفعل إليهما في قوله: {فخشينا أن يرهقهما} أي يغشيهما ويلحقهما إن كبر بمحبتهما له أو بجراءته وقساوته {طغياناً} أي تجاوزاً في الظلم وإفراطاً فيه {وكفراً *} لنعمتهما فيفسد دنياهما أو يحملهما حبهما له على الطغيان والكفر بالله طاعة فيفسد دينهما، روى مسلم في القدر وأبو داود في السنة والترمذي في
(12/120)

التفسير عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» وهذا حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يدل على أن العذاب - على ما لو وجد شرطه لوقع - إنما يكون على ما كان جبلة وطبعاً، لا ما كان عارضاً، وإلا لعذب الأبوان على تقدير أن يكون المعلوم من الكفر منهما.
ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد سبب عنه قوله: {فأردنا} أي بقتله وإراحتهما من شره، ولما كان التعويض عن هذا الولد لله وحده، أسند الفعل إليه في قوله: {أن يبدلهما ربهما} أي المحسن إليهما بإعطائه وأخذه {خيراً منه زكاة} طهارة وبركة، أي من جهة كونه كان ظاهر الزكاء في الحال، وأما في المآل فلو عاش كان فيه خبيثاً ظاهر الخبث، وهذا البدل يمكن أن يكون الصبر، ويمكن أن يكون ولداً آخر، وهو المنقول وأنها كانت بنتاً {وأقرب رحماً *} براً بهما وعطفاً عليهما ورحمة لهما فكان الضرر اللاحق لهما بالتأسف عليه أدنى من الضرر اللاحق لهما
(12/121)

عند كبره بإفساد دينهما أو دنياهما {وأما الجدار} الذي أشرت بأخذ الأجر عليه {فكان لغلامين} ودل على كونهما دون البلوغ بقوله {يتيمين} .
ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة، وكان التعبير بالقرية أولاً أليق، لأنها مشتقة من معنى الجمع، فكان أليق بالذم في ترك الضيافة لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع وبمحبتهم للجمع والإمساك، وكانت المدينة بمعنى الإقامة، فكان التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يقيمون فيها، فينهدم الجدار وهم مقيمون فيأخذون الكنز، قال: {في المدينة} فلذلك أقمته احتساباً {وكان تحته كنز} أي مال مدخور {لهما} لو وقع لكان أقرب إلى ضياعه {وكان أبوهما صالحاً} ينبغي مراعاته وخلفه في ذريته بخير.
ولما كان الإبلاغ إلى حد البلوغ والاستخراج فعل الله وحده، أسند إليه خاصة فقال: {فأراد ربك} أي المحسن إليك بهذه التربية، إشارة إلى ما فعل بك من مثلها قبل النبوة كما بين {أن يبلغا} أي الغلامان {أشدهما} أي رشدهما وقوتهما {ويستخرجا كنزهما} لينتفعا به وينفعا الصالحين {رحمة} بهما {من ربك}
(12/122)

أي الذي أحسن تربيتك وأنت في حكم اليتيم فكان التعب في إقامة الجدار مجاناً أدنى من الضرر اللازم من سقوطه لضياع الكنز وفساد الجدار، وقد دل هذا على أن صلاح الآباء داعٍ إلى العناية بالأبناء، روي عن الحسن بن علي رضي الله عهنما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله كنز الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال فأبي وجدي خير منه، قال أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. {وما فعلته} أي شيئاً من ذلك {عن أمري} بل عن أمر من له الأمر، وهو الله.
ولما بان سر تلك القضايا، قال مقدراً للأمر: {ذلك} أي لشرح العظيم {تأويل ما لم تسطع} يا موسى {عليه صبراً} وحذف تاء الاستطاعة هنا لصيرورة ذلك - بعد كشف الغطاء - في حيز ما يحمل فكان منكره غير صابر أصلاً لو كان عنده مكشوفاً من أول الأمر، وسقط - ولله الحمد - بما قررته في هذه القصة ما يقال من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر في قول سليمان
(12/123)

عليه السلام المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تلد فارساً يجاهد في سبيل الله، فلم تلد منهن إلا واحدة جاءت بشق آدمي أنه لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا فرساناً أجمعون» فأفهم ذلك أن ذلك كل نبي استثنى في خبره صدقه الله تعالى كما وقع للذبيح أنه قال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] فوفى، فما لموسى عليه السلام - وهو من أولي العزم - فعل مع الاستثناء ما فعل؟ فإن الذبيح صبر على ما هو قاطع بأنه بعينه أمر الله، بخلاف موسى عليه السلام فإنه كان ينكر ما ظاهره منكر قبل العلم بأنه من أمر الله، فإذا نبه صبر، وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يرحم الله أخي موسى! وددنا لو أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما» فمعناه: صبر عن الإذن للخضر عليه السلام في مفارقته في قوله {فلا تصاحبني} ويدل عليه أن في رواية لمسلم «رحمة الله علينا وعلى موسى! لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه
(12/124)

أخذته من صاحبه ذمامة»
{قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} . فتحرر أنه وفى بمقام الشرع الذي أقامه الله فيه فلم يخل بمقام الصبر الذي ليس فيه ما يخالف ما يعرف ويستحضر من الشرع، وكيف لا وهو من أكابر أولي العزم الذين قال الله تعالى لأشرف خلقه في التسليك بسيرهم {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} [الأحقاف: 35] وقال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وقال عليه السلام فيما خرجه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من بعض من كان معه في حنين فتلوّن وجهه وقال: «يرحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» وعلم أن في قصته هذه حثاً كثيراً على المجاهرة بالمبادرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمصابرة عليه، وأن لا يراعى فيه كبير ولا صغير إذا كان الإمرء على ثقة من أمره في الظاهر بما عنده في ذلك من العلم عن الله ورسوله وأئمة دينه، وتنبيهاً على أنه لا يلزم من العلم اللدني - سواء كان صاحبه نبياً أو ولياً - معرفة كل شيء كما يدعيه أتباع بعض الصوفية، لأن الخضر سأل موسى عليهما السلام:
(12/125)

من أنت؟ وهل هو موسى نبي بني إسرائيل - كما سيأتي. روى البخاري في التفسير من روايات مختلفة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبي بن كعب رضي الله عنه حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «موسى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر الناس يوماً حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله! هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه: بلى! عبد من عبادي بمجمع البحرين، قال: أي رب! كيف السبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث ما فقدته فاتبعه - وفي رواية: خذ نوناً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح - فخرج ومعه فتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى الصخرة، فوضع موسى رأسه فنام في ظل الصخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت - وفي رواية: وفي أصل تلك الصخرة عين يقال له الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فانسل من المكتل فدخل البحر - فأمسك الله عنه جرية
(12/126)

البحر حتى كان أثره في حجر، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، فذكر سفرهما وقول موسى عليه السلام {لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى! قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم! قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى! إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه - أي لا ينبغي لك أن تعمل بالباطن ولا ينبغي لي أنا أن أقف مع الظاهر، أطلق العلم على العمل لأنه سببه - فانطلقا يمشيان على الساحل، فوجدوا معابر صغاراً تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر، فعرف الخضر فقالوا: عبد الله الصالح! لا تحمله بأجر، فحملوهم في سفينتهم بغير نول: بغير أجر - فركبا السفينة، ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر؛ وفي رواية: فأخذ بمنقاره من البحر،
(12/127)

وفي رواية: فنقر نقرة أو نقرتين فقال: والله ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا من البحر، فلم يفجأ موسى إلا الخضر عمد إلى قدوم فخرق السفينة ووتد فيها وتداً فذكر إنكاره وجوابه ثم قال: وكانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً - فذكر القصة، وقال في آخرها: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما» .
(12/128)

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90)
ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم، عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة، وقوام كل أمر، فقال عاطفاً على {ويجادل الذين كفروا بالباطل} [الكهف: 56] {ويسألونك عن} الرجل الصالح المجاهد {ذي القرنين} سمي لشجاعته أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها، أو لانقراض قرنين من الناس في زمانه، أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو لتاجه قرنان، وهو الإسكندر الأول - نقل ابن كثير عن الأزرقي أنه كان على زمن الخليل عليه السلام، وطاف معه بالبيت، ومن المناسبات الصورية
(12/128)

أن في قصة كل منهما ثلاثة أشياء آخرها بناء جدار لا سقف له، وإنما هو لأجل حفظ ما يهتم به خوف المفسد، وصدّرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم لم يسألوا عن التي قبلها على ما فيها من العجائب واللطائف، والأسرار والمعارف، تبكيتاً لليهود في إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق، وإن لم يكن مقصوداً لهم كانوا بالتبكيت أجدر، أو تكون معطوفة على مسألتهم الأولى وهي الروح، وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيهاً على ذلك لطول الفصل، إشارة إلى أن ذلك كله مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك.
ولما كان من المعلوم أنه يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فبماذا أجيبهم؟ قال: {قل} أي لهم: {سأتلوا} أي أقص قصاً متتابعاً في مستقبل الزمان إن أعلمني الله به {عليكم} أيها المشركون وأهل الكتاب المعلمون لهم مقيداً بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به {منه ذكراً *} كافياً لكم في تعرف أمره، جامعاً لمجامع ذكره.
ولما كانت قصته من أدل دليل على عظمة الله، جلاها في ذلك المظهر فقال: {إنا} مؤكداً لأن المخاطبين بصدد التعنت والإنكار {مكنا} أي بما لنا من العظمة، قيل: بالملك وحده، وقيل مع
(12/129)

النبوة، لأن ما ينسب إلى الله تعالى على سبيل الامتنان والإحسان جدير بأن يحمل على النهاية لا سيما إذا عبر عنه بمظهر العظمة {له في الأرض} مكنة يصل بها إلى جميع مسلوكها، ويظهر بها على سائر ملوكها {وءاتيناه} بعظمتنا {من كل شيء} يحتاج إليه في ذلك {سبباً} قال أبو حيان: وأصل السبب الحبل، ثم توسع فيه حتى صار يطلق على ما يتوصل به إلى المقصود. فأراد بلوغ المغرب، ولعله بدأ به لأن باب التوبة فيه {فأتبع} أي بغاية جهده - هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بالتشديد، والمعنى على قراءة الباقين بقطع الهمزة وإسكان الفوقانية: ألحق بعض الأسباب ببعض، وذلك تفسير لقراءة التشديد {سبباً *} يوصله إليه، واستمر متبعاً له {حتى إذا بلغ} في ذلك المسير {مغرب الشمس} أي الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب {وجدها} فيما يحس بحاسة لمسه {تغرب} كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه بيده، لا حائل بينه وبينه {في عين حمئة} أي ذات حمأة أي طين أسود، وهي مع ذلك حارة كما ينظر من في وسط البحر أنها تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع بأن الأمر ليس كذلك {ووجد عندها} أي على الساحل المتصل بتلك العين {قوماً} كفاراً لهم قوة على ما يحاولونه ومنعة،
(12/130)

فكأنه قيل: ماذا أمر فيهم؟ فأجيب بقوله: {قلنا} بمظهر العظمة: {يا ذا القرنين} إعلاماً بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به، إما بواسطة الملك إن كان نبياً وهو أظهر الاحتمالات، أو بواسطة نبي زمانه، أو باجتهاده في شريعته الاجتهاد المصيب، {إما أن تعذب} أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم بكفرهم {وإما أن تتخذ} أي بغاية جهدك {فيهم حسناً *} أمراً له حسن عظيم، وذلك هو البداءة بالدعاء، إشارة إلى أن القتل وإن كان جائزاً فالأولى أن لا يفعل إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجبه {قال أما من ظلم} باستمراره على الكفر فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله، وإلى ذلك أشار بقوله: {فسوف نعذبه} بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق {ثم يرد} بعد الحياة بالموت، أو بعد البرزخ بالبعث، رداً هو في غاية السهولة {إلى ربه} الذي تفرد بتربيته {فيعذبه عذاباً نكراً *} شديداً جداً لم يعهد مثله لكفره لنعمته، وبذل خيره في عبادة غيره، وفي ذلك إشارة بالتهديد الشديد لليهود الغارين لقريش، وإرشاد لقريش إلى أن يسألوهم عن قوله هذا، ليكون قائداً لهم إلى الإقرار بالبعث {وأما من ءامن وعمل صالحاً} تصديقاً لما أخبر به من تصديقه
(12/131)

{فله} في الدارين {جزاء} طريقته {الحسنى} منا ومن الله بأحسن منها {وسنقول} بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال الصالحة {له} أي لأجله {من أمرنا} الذي نأمر به فيه {يسراً *} أي قولاً غير شاق من الصلاة والزكاة والخراج والجهاد وغيرها، وهو ما يطيقه ولا يشق عليه مشقة كبيرة {ثم أتبع} لإرادته بلوغ مشرق الشمس {سبباً *} من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {مطلع الشمس} أي الموضع الذي تطلع عليه أولاً من المعمور من الأرض {وجدها تطلع على قوم} على ساحل البحر لهم قوة شديدة {لم نجعل لهم} ولما كان المراد التعميم، أثبت الجار فقال: {من دونها} أي من أدنى الأماكن إليهم أول ما تطلع {ستراً *} يحول بينهم وبين المحل الذي يرى طلوعها منه من البحر من جبل ولا أبنية ولا شجر ولا غيرها.
(12/132)

كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)
ولما كان أمره مستغرباً في نفسه وفي الاطلاع عليه لا سيما عند القرب، قال تعالى: {كذلك} أي أمره كما ذكرنا لكم على
(12/132)

سبيل الاقتصار {وقد أحطنا} بما لنا من العظمة، {بما لديه} أي كله من الأمور التي هي أغرب المستغرب {خبراً *} أي من جهة بواطن أموره فضلاً عن ظواهرها، فلا يستغرب إخبارنا عن ذلك ولا عن أمر أصحاب الكهف، ولا يظن أن تفصيل أمر الروح خفي عنا، لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها، شواهدها وغوائبها، وكيف لا ونحن أوجدناها ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد على ما تدعو إليه الحكمة، فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف وفصلنا أمر الروح تفصيلاً يعجز عن حفظه الألباء {ثم أتبع} في إرادته ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج {سبباً *} من جهة الشمال، واستمر أخذاً فيه {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {بين السدين} أي الجبلين المانعين من وراءهما من الوصول منهما إلى من أمامهما وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وآذربيجان، أملسان يزلق عليهما كل شيء؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين، والباقون بضمهما، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: المضموم من فعل الله، والمفتوح من فعل الناس. {وجد من دونهما} أي بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين
(12/133)

{قوماً} أي أقوياء لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد، فهم لذلك {لا يكادون يفقهون قولاً *} أي لا يقربون من أن يفهموه ممن مع ذي القرنين فهماً جيداً كما يفهم غيرهم، ودل وصفهم بما يأتي على أنهم يفهمون فهماً ما بعد بُعد ومحاولة طويلة، لعدم ماهر بلسانهم ممن مع ذي القرنين، وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه، وهذا يدل على أن بينهم وبين بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة، وفيافي واسعة، منعت من اختلاطهم بهم، وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد جداً لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن حد الاعتدال، أو لغير ذلك، ويلزم من ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئاً من كلامهم، وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف، ودل على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد بما مضى قوله: {قالوا} أي مترجموهم أو جيرانهم - الذين من دونهم - كما في مصحف ابن مسعود ممن يعرف بعض كلامهم، أو بالإشارة كما يخاطب إليكم: {يا ذا القرنين} مسنا
(12/134)

الضر {إن يأجوج ومأجوج} وهما قبيلتان من الناس من أولاد يافث، لا يطاق أمرهم، ولا يطفأ جمرهم، وقد ثبت في الصحيح في حديث بعث النار أنهم من ذرية آدم عليه السلام {مفسدون في الأرض} بأنواع الفساد {فهل نجعل لك خرجاً} نخرجه لك من أموالنا - هذا على قراءة الجماعة، وزاد حمزة والكسائي ألفاً، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: بل الخرج ما تبرعت به، والخراج بالألف ما لزمك.
{على أن تجعل} في جميع ما {بيننا وبينهم} من الأرض التي يمكن توصلهم إلينا منها بما آتاك الله من المكنة {سداً *} يصل بين هذين الجبلين {قال} بعفة وديانة وقصد للخير: {ما مكني} .
ولما كان لمكنته حالتان: إحداهما ظاهرة، وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه، وباطنة ولا يقع أحد عليها بحدس ولا توهم، لأنها مما لم يؤلف مثله، فلا يقع المتوسم عليه، قرأ ابن كثير بإظهار النون في {مكنني} وغيره بالإدغام، إشارة إليهما. ولما كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر، قدم ضميره فقال: {فيه ربي} أي المحسن إليّ بما ترون من الأموال والرجال، والفهم في إتقان
(12/135)

الأمور، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق {خير} أي من خرجكم الذي تريدون بذله لمكنتي كما قال سليمان عليه السلام {فما آتانيَ الله خير مما آتاكم} [النمل: 36] {فأعينوني بقوة} أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلك، فإن أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال وما يكون من أسبابه، لا لمثل هذا {أجعل بينكم} أي بين ما تختصون به {وبينهم ردماً *} أي حاجزاً حصيناً موثقاً بعضه فوق بعض، مع التلاصق المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد؛ قال البغوي: فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض. {ءاتوني} بفتح الهمزة بعدها ساكنة، ومدها على قراءة أي أعطوني وبهمزة وصل، وهمزة بعدها ساكنة أي جيئوني وتعالوا إليّ فقد أجبتكم إلى سؤالكم، ثم ابتدأ مغرياً على هذه القراءة فقال: {زبر الحديد} أي عليكم به فأحضروا إليّ قطعة، فأتوه
(12/136)

بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفاً من الحديد وصفاً من الحطب، قال البغوي: فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد. {حتى إذا ساوى} أي بذلك البناء {بين الصدفين} أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين، سميا لتصادفهما - أي تقابلهما وتقاربهما - بالبناء على تلك الحالة عرضاً وطولاً، وقراءة من فتح الصاد والدال - وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم - دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة، فكأنهما جدار فتح فيه باب، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في غاية القوة حتى أن أعلاه وأسفله سواء، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان الدال على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما، فلا ينتخر شيء منهما على طول الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره {قال} أي للصناع: {انفخوا} في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار، واستمر كذلك {حتى إذا جعله}
(12/137)

أي كله {ناراً قال} للقوم: {ءاتوني} بالنحاس {أفرغ عليه} أي الحديد المحمى {قطراً *} منه بعد إذابته، فإن القطر: النحاس الذائب، هذا في قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم بإسكان الهمزة، وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى أعطوني النحاس.
ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً، ثم قال الله تعالى: {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما {اسطاعوا} أي يأجوج ومأجوج وغيرهم {أن يظهروه} أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته {وما استطاعوا له نقباً *} لثخنه وصلابته، وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل، وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان الذي أرسله أمير المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر،
(12/138)

ولأنهم لو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ينفعهم ذلك لأنه لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر، ويؤيده أنهم يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله فيستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس» - الحديث. وفي حديث الصحيحين عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبي صلى الله
(12/139)

عليه وعلى آله وسلم: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» وروياه عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: «مثل هذا وعقد تسعين» فكأنه قيل: فما قال حين أفرغه؟ قيل: {قال هذا} أي السد {رحمة من ربي} المحسن إليّ بإقداري عليه ومنع الفساد به {فإذا جاء وعد ربي} بقرب قيام الساعة {جعله دكاء} بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك عليهم، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعاً من الصرف.
ولما كان هذا أمراً مستعظماً خارقاً للعادة، علله بقوله: {وكان وعد ربي} الذي وعد به في خروج يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم قيام الساعة {حقاً *} كائناً لا محالة، فلذلك أعان على هدمه، وعن قتادة قال: «ذكر لنا أن
(12/140)

رجلاً - وفي رواية: عن رجل من أهل المدينة قال: يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال انعته لي، قال: كالبرد المحبر: طريقة سوداء وطريقة حمراء، وفي وراية: طريقة حمراء من حديد وطريقة سوداء من نحاس، وفي رواية أنه قال: انتهيت إلى أرض ليس لهم إلا الحديد يعملونه» - رواه الطبري وابن أبي عمر والطبراني في مسند الشاميين وابن مردويه عنه والبزار من وجه آخر من طريق أبي بكرة رضي الله عنه - ذكر ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف، وفي حديث فتح الباب من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش - وكان أمير تلك الجيوش التي بها عبد الرحمن بن ربيعة في أيام عمر رضي الله عنه - ما نصه: وحدث مطر بن ثلج التميمي قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده - يعني: وكان ملك الباب من جهة آل كسرى فأقبل رجل عليه شحوبة حتى جلس إلى شهربراز فتساءلا، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن: أيها الأمير! أتدري من أين جاء هذا الرجل؟ إني بعثته منذ سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه،
(12/141)

وزودته مالاً عظيماً، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فذكر أنه أحسن إلى البازيار، قال: فتشكر لي البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سواداً من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار: على رسلك! أكافيك أنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تفع فذلك شيء، فخرجت علينا باللحم في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها، وهي هذه، فتناولها منه شهربراز وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهربراز: هذه خير من هذه البلدة - يعني الباب - وايم الله! لأنتم أحب إليّ ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها
(12/142)

لانتزعوها مني، وايم الله! لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر، فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال: ما حال الردم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرجل، وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود، أو وشيه أحمر وأرضه سوداء، فقال مطر: صدق والله الرجل! لقد نفذ ورأى، قال عبد الرحمن: أجل! ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ {آتوني زبر الحديد} إلى آخر الآية، وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان - انتهى.
وقد ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج بينهما تبكيتاً لليهود الآمرين بذلك - دال من قصة موسى عليه السلام على قيام الساعة فصار كله أعظم ملزم لهم إن قبلوه، وأوضح فاضح لعنادهم إن تركوه.
ولما انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب، وأدرج في خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ، والأمر والنهي،
(12/143)

والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والتبكيت للكاتمين لما عندهم من العلم، الناكبين عما استبان لهم من الطريق اللاحب والمنهج الواضح صنع القادر الحكيم الذي لا يستخفه ضجر فيستعجل، ولا يعيبه أمر فيستمهل، وختمه بما هو علم عظيم للساعة، ذكر ما يكون إذإ ذاك وما يكون بعده إلى حصول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره؛ ولما كان ذلك أمراً عظيماً، دل عليه بالنون فقال عاطفاً على تقديره: فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان، وصدق في قوله {فإذا جاء وعد ربي} فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال: {وتركنا بعضهم} أي بعض من خلف السد ومن أمامه {يومئذ} أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا مقدمتهم بالشام وساقطتهم بخراسان، وهم - كما قال الله تعالى - {من كل حدب ينسلون} . {يموج} أي يضطرب {في بعض} كما يموج البحر، فأهلكوا ما مروا عليه من شيء إلا ما أراد الله، ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى الخلائق أجمعين {ونفخ في الصور} أي النفخة الثانية لقوله: {فجمعناهم} ويجوز أن تكون هذه الفاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى، أو ونفخ في الصور فمات الخلائق
(12/144)

كلهم، فبليت أجسامهم، وتفتتت عظامهم، كما كان من تقدمهم، ثم نفخ فيه النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه، وتفرقهم في أقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك {جمعاً} فأقمناهم دفعة واحدة كلمح البصر، وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب {وعرضنا} أي أظهرنا {جهنم يومئذ} أي إذ جمعناهم لذلك {للكافرين عرضاً *} ظاهراً لهم كل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون عنها مصرفاً؛ ثم وصفهم بما أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال: {الذين كانت} كوناً كأنه جبلة لهم {أعينهم} الوجهية والقلبية {في غطاء عن ذكري} بعدم النظر فيما جعلنا على الأرض من زينة دليلاً على الساعة بإفنائه إثر إحيائه وإعادته بعد إبدائه {وكانوا} بما جبلناهم عليه {لا يستطيعون} أي استطاعة عظيمة تسعدهم، لضعف عقولهم، وغرق استبصارهم في فضولهم {سمعاً *} لآياتي التي تسمع الصم وتبصر الكمه، وهو أبلغ في التبكيت بالغباوة والتقريع بالبلادة من مجرد نفي البصر والسمع، لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة؛ ثم عطف على ما أفهمه ذلك
(12/145)

قوله موبخاً لهم ومبكتاً: {أفحسب} أي أغطوا أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم عن كلماتي، وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف عقولهم، وإنما قال: {الذين كفروا} دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك {أن يتخذوا} أي ولو بذلوا الجهد {عبادي} من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح، والأموات كالأصنام.
ولما كان كل شيء دونه سبحانه، وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما دون رتبته من المراتب، أثبت الجار فقال: {من دوني أولياء} أي مبتدئين اتخاذهم من دون إذني، والمفعول الثاني ل {حسب} محذوف تقديره: ينصرونهم ويدفعون عنهم ويجعلون بعضهم ولداً ولا أعذبهم. ولما كانت غاية اتخاذ الولي أن يفعل ما يفعل القريب من النصر والحماية من كل مؤذ، جاز كون هذا ساداً مسد مفعولي {حسب} لأن معناه: أحسبوا اتخاذهم مانعهم مني؟ ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري: ليس الأمر كذلك، بل أصلد زندهم، وخاب جدهم، وغاب سعدهم، حسن جداً قوله مؤكداً لأجل إنكارهم: {إنا اعتدنا جهنم} التي تقدم أنا عرضناها لهم {للكافرين نزلاً *} نقدمها لهم أول قدومهم كما يعجل للضيف، فلا يقدر أحد على منعها عنهم، ولهم وراءها ما يحتقر بالنسبة إليه كما هو شأن ما بعد النزل بالنسبة إليه.
(12/146)

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)
ولما تبين بذلك الذي لا مرية فيه أنهم خسروا خسارة لا ربح معها، وخاب ما كانوا يؤملون، أمره أن ينبههم على ذلك فقال: {قل هل ننبئكم} أي نخبركم أنا وكل عبد لله ليست عينه في غطاء عن الذكر، ولا في سمعه عجز عن الوعي، إخباراً عظيماً أيها التاركون من لا خالق ولا رازق لهم سواه، والمقبلون على من ليس بيده شيء من خلق ولا رزق ولا غيره {بالأخسرين} ولما كانت أعمالهم مختلفة، فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد بعض الأنبياء، ومنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يكفر بغير ذلك، جمع المميز فقال: {أعمالاً *} ثم وصفهم بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح السعي وإحسان الصنع فقال: {الذين ضل سعيهم} أي حاد عن القصد فبطل {في الحياة الدنيا} بالإعراض عمن لا ينفعهم ولا يضرهم إلا هو، والإقبال على ما لا نفع فيه ولا ضر {وهم} أي والحال أنهم مع ظهور ذلك كالشمس {يحسبون} لضعف عقولهم {أنهم يحسنون صنعاً *} أي فعلاً هو في غاية الإحكام وهم في غاية الدربة به؛ وروى البخاري في
(12/147)

التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن الأخسرين اليهود والنصارى، قال: أما اليهود فكفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شرب - انتهى. قلت: وكذا قال اليهود لأن الفريقين أنكروا الحشر الجسماني وخصوه بالروحاني.
ولما كانوا ينكرون أنهم على ذلك، لملازمتهم لكثير من محاسن الأعمال، البعيدة عن الضلال، بين لهم السبب في بطلان سعيهم بقوله: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين كفروا} أي أوقعوا الستر والتغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر، مستهينين {بأيات ربهم} من كلامه وأفعاله، وبين سبب هذا الكفر بقوله: {ولقائه} أي فصاروا لا يخافون فلا يردهم شيء عن أهوائهم {فحبطت} أي سقطت وبطلت وفسدت بسبب جحدهم للدلائل {أعمالهم} لعدم بنائها على أساس الإيمان {فلا} أي فتسبب عن سقوطها أنا لا {نقيم لهم} ما لنا من الكبرياء والعظمة المانعين من اعتراض أحد علينا أو شفاعته بغير إذننا لدينا {يوم القيامة وزناً *} أي لا نعتبرهم لكونهم جهلوا أمرنا الذي لا شيء أظهر منه، وآمنوا مكرنا ولا شيء أخطر منه.
(12/148)

ولما كان هذا السياق في الدلالة على أن لهم جهنم أوضح من الشمس قال: {ذلك} أي الأمر العظيم الذي بيناه من وعيدهم {جزاؤهم} لكن لما كان حاكماً بضلالهم وغباوتهم، بين الجزاء بقوله: {جهنم} وصرح بالسببية بقوله: {بما كفروا} أي وقعوا التغطية للدلائل {واتخذوا ءاياتي} التي هي مع إنارتها أجد الجد وأبعد شيء عن الهزل {ورسلي} المؤيدين بباهر أفعالي مع ما لهم من الشهامة والفضل {هزواً *} فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعن في الإلهية حتى ضموا إليه الهزء الذي هو أعظم احتقار.
ولما بين ما لأحد قسمي أهل الجمع تنفيراً عنهم، بين ما للآخر على تقدير الجواب لسؤال تقتضيه الحال ترغيباً في اتباعهم والاقتداء بهم، فقال: {إن الذين ءامنوا} أي باشروا الإيمان {وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} من الخصال {كانت لهم} لبناء أعمالهم على الأساس {جنات} أي بساتين {الفردوس} أي أعلى الجنة، وأصله البستان الذي هو الجنة بالحقيقة لانخفاض ما دونه عنه، وستر من يدخله بكثرة أشجاره {نزلاً *} كما كان السعير والأغلال لأولئك نزلاً، يعد لهم حين الدخول {خالدين فيها} بعد دخولهم {لا يبغون} أي يريدون أدنى إرادة
(12/149)

{عنها حولاً *} أي تحولاً لأنه مزيد عليها، دفعاً لما قد يتوهم من أن الأمر كما في الدنيا من أن كل أحد في أيّ نعيم كان يشتهي ما هو أعلى منه لأن طول الإقامة قد يورث السآمة، بل هم في غاية الرضى بها، لما فيها من أنواع الملاذ التي لا حصر لها ولا انقضاء، لا يشتهي أحد منهم غير ما عنده سواء كان في الفردوس أو فيما دونه، وهو تعريض بالكفرة في أنهم يصطرخون في النار {ربنا أخرجنا منها} [المؤمنون: 107] وذلك عكس ما كان في الدنيا من ركون الكفار إليها، ومحبتهم في طول البقاء فيها، وعزوف المؤمنين عنها، وشوقهم إلى ربهم بمفارقتها.
ولما تم الجواب عن أسئلتهم على أحسن الوجوه مخللاً بما تراه من الحجج البينة والنفائس الملزمة لهم بفصل النزاع، وأتبع ذلك بقص الأمر الذي بإغفاله تجرؤوا على الكفر، وهو أمر البعث إلى أن ختمه بما يقتضي أن معلوماته لا تحد، لأن مقدوراته في تنعيم أهل الجنة لا آخر لها فلا تعد، وكان اليهود قد اعترضوا على قوله في أولها {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء: 85] بأنهم أوتوا التوراة، وكان لكل ما سألوا عنه من الفصول الطويلة الذيول أمور تهول، وكان ربما قال قائل: ما له لا يزيد ذلك شرحاً؟ قال تعالى آمراً
(12/150)

بالجواب عن ذلك كله، معلماً لهم بأنهم لا يمكنهم الوقوف على تمام شرح شيء من معلوماته، وآخر استفصال شيء من مقدوراته، قطعاً لهم عن السؤال، وتقريباً إلى أفهامهم بضرب من المثال: {قل} أي يا أشرف الخلق لهم: {لو كان البحر} أي ماؤه على عظمته عندكم {مداداً} وهو اسم لما يمد به الدواة من الحبر {لكلمات} أي لكتب كلمات {ربي} أي المحسن إليّ في وصف ذكر وغيره مما تعنتموه في السؤال عما سألتم عنه أو غير ذلك {لنفد} أي فني مع الضعف فناء لا تدارك له {البحر} لأنه جسم متناه.
ولما كانت المخلوقات - لكونها ممكنة - ليس لها من ذاتها إلا العدم، وكانت الكلمات من صفات الله، وصفات الله واجبة الوجود، فكان نفادها محالاً، فكان نفاد الممكن من البحر وما يمده بالنسبة إليها مستغرقاً للأزمنة كلها، جرد الظرف من حرف الجر فقال: {قبل أن تنفد} أي تفنى وتفرغ {كلمات ربي} لأنها لا تتناهى لأن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى، وكل منها له شرح طويل، وخطب جليل؛ ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال: {ولو جئنا} أي بما لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا {بمثله مدداً *} أي له يكتب منه لنفد أيضاً، وهذا كله كناية عن عدم النفاد، لأنه تعليق
(12/151)

على محال عادة كقولهم: لا تزال على كذا ما بل بحر صوفة وما دجى الليل، ونحو هذا، ولعله عبر بجمع السلامة إشارة إلى أن قليلها بهذه الكثرة فكيف بما هو أكثر منه، وذلك أمر لا يدخل تحت وصف، وعبر بالقبل دون أن يقال «ولم تنفد» ونحوه، لأن ذلك كاف في قطعهم عن الاستقصاء في السؤال ولأن التعبير بمثل ذلك ربما فتح باباً من التعنت وهو أن يجعلوا الواو للحال فيجعلوا النفاد مقيداً بذلك، وأما سورة لقمان فاقتضى سياقها في تأسيس ما فيها على {الغني الحميد} [لقمان: 26] ومقصودها أن يكون التعبير فيها بغير ما ههنا، فما في كل سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه، مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ما يدل على نفاد الكلمات ولا عدمه، وفي إفهام كل منهما بتدبر القرائن في السياق وغيره ما يقطع بعدم نفاذها، ولا تخالف بين الآيتين وإن كان التعبير في هذه السورة أدخل في التشابه، ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر «على لاحب لا يهتدى بمناره» من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود، ولعل التعبير بمثل ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي يرد المتشابه إلى المحكم، وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله تعالى لا نهاية لذاته، ولا لشيء من
(12/152)

صفاته، بل هو الأول والآخر الباقي بلا زوال - والله أعلم.
ولما كانوا ربما قالوا: ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك عنه حيثما سألناك؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشراً، وجوزوا كون الإله حجراً، وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول مسائلهم، وهي الروح آخر سبحان، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا الوجه أنه رسول، أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك كله بما يرد عليهم غلطهم، ويفضح شبههم، إرشاداً لهم إلى أهم ما يعنيهم من الحرف الذي النزاع كله دائر عليه وهو التوحيد فقال: {قل إنما أنا} أي في الاستمداد بالقدرة على إيجاد المعدوم والإخبار بالمغيب {بشر مثلكم} أي لا أمر لي ولا قدرة إلا على ما يقدرني عليه ربي، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن قبلي {يوحى إليّ} أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده {أنما إلهكم}
(12/153)

وأشار إلى أن إلهيته بالإطلاق لا بالنظر إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال: {إله واحد} أي لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها، قادر على ما يريد، لا منازع له، لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا هوان بي عليه - هذا هو الذي يعني كلَ أحد علمه، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتاً فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر الساعة إيماناً بالغيب علم اليقين، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين اليقين، وبالمباشرة حق اليقين، وإن لم تتبعوني لم ينفعكم علمه {فمن} أي فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من {كان يرجوا} أي يؤمن بمجازاته له على أعماله في الآخرة برؤيته وغيرها، وإنما قال: {لقاء ربه} تنبيهاً على أنه هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه، لا شريك له في شيء من ذلك على قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا وهو قاهر لمملوكه على لقائه، مصرف له في أوامره في صباحه ومسائه.
ولما كان الجزاء من جنس العمل، كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله، كما كان عمل ربه في تربيته بالإيجاد وما بعده، فقال: {فليعمل} وأكده للإعلام بأنه لا بد مع التصديق من الإقرار فقال: {عملاً} أي ولو كان قليلاً {صالحاً} وهو ما يأمره به
(12/154)

من أصول الدين وفروعه من التوحيد وغيره من أعمال القلب والبدن والمال ليسلم من عذابه {ولا يشرك} أي وليكن ذلك العمل مبنياً على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء {بعبادة ربه أحداً *} فإذا عمل ذلك فاز فحاز علوم الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه، وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم، في الطريق الأقوم، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره، والإحسان في العمل، مع البشارة لمن آمن، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر، فبان بذلك أن لله تعالى - بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات - الكمال، فصح أنه المستحق لجميع الحمد - والله الموفق، والحمد لله على إتمام سورة الكهف من كتاب نظم الدرر من تناسب الآي والسور.
(12/155)

مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم على جميع خلقه، المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال، المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب، المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث والتنزه عن الولد لأنه لا يكون إلا لمحتاج، ولا يكون إلا مثل الوالد، ولا سمي له سبحانه فضلا عن مثيل، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا الآدمي، وأعجب أقسام توليده الأربعة - بعد كونه آدميا - ما كان من أنثى بلا توسط ذكر، لأن أضعف الأقسام، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع وهو الذكر، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال الطفولية، وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك، لم يقدر أحد - مع كثرة الأعداء - على أن يسمه بشيء من أذى، هذا إذا جمعته من
(12/156)

إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب، ومن إنباع الماء في غير موضعه، وعلى مثل ذلك أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف، بيان ذلك أن مخرج الكاف من أقصى اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك، وهي أدنى من مخرج القاف قليلا إلى مقدم الفم ر، ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح والاستفال والخفاء، ومخرج الياء من وسط اللسان والحنك الأعلى، ولها من الصفات الجهر والرخاوة والانفتاح والاستفال، وه أغلب صفاتها، ومخرج العين وسط الحلق، ولها من صفات الجهر وبين أصول الثنيتين السفليين، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير، فالافتتاح بهذه الأحرف هنا إشارة - والله أعلم - إلى أن أهل الله عامة - من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم - يكونأمرهم عند المخالفين أولا - كما تشير إليه الكاف - ضعيفا مع شدة انفتاح كما كان حال النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أول ما دعا، فإنه اشتهر أمره ولكنه كان ضعيفا بإنكار قومه إلا أنهم لم يبالغوا في الإنكار، ثم يصير الأمر فيا، ائل العراك - كما تشير إلأيه الهاء - إلى استقال،
(12/157)

ثم يزداد بتمالؤ المستكبرين عليهم ضعفا وخفاء، وإلى هذا تشير قراءتها بالإمالة، ولا بد مع ذلك من نوع ظهور - كما يشبر إليه انفتاح الهاء وإليه تشير قراءة الفتح، وهذا كما كان النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حين صرح بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم فقاموا عليه إلبا واحدا، فهاجر أكثر الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة، وخاف أبو طالب دهماء العرب فقال قصيدته اللامية يفي ذلك، وتمادى الحال حتى ألجاتهم قريش إلأى الشعب، وتكون في وسط أمرهم - كما تشير إليه الياءوقراءتها بالفتح، لهم قوة مع رخاوة واشتهار واستفال، وهو الأغلب عليهم ظاهرا كما تشير إليه قراءة الإمالة، فيكون ذلهم من وراء عز وعزهم في ثوب ذل، يعرف ذلك من عاناه، ونظر إليه بعين الحقيقة واجتلاء، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش يفي نقض الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب، ثم عند موت خديجة رضي الله عنها وأبي طالب، وخرج (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلى الطائف فردوه - بأبي هو وأمي ونفسي وودلدي وعيني، فلما قرب من مكة المشرفة لم يستطع دخولها بغير جوار، فاختفى في غار حراء وأرسل إلى من يجيره، ثم أرسل حتى أجاره المطعم بن عدي، ولبس السلاح هو من أطاعةى وأدخله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حتى طاف بالبيت، ثم قضى سبحانه أن قتل المطعم في بدر كافرا، بعد اجتهاد النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في سلامته والإيصاء به أن لا يقتل - ليعلم أنه سبحانه
(12/158)

مختار في عموم رحمته وخصوصها، لئلا ييأس عاص أو يأمن طائع، ثم إذا علا أمرهم عن الوسط صاعدا قوي - كما تشير إليه العين، فصار بين الشدة والرخاوة، وفيه انفتاح بشهرة مع استفال في بعض الأمر كما كان حاله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم، وأما آخر أمرهم فهو وإن كالن فيه نوع من الضعف، وضرب من الرخاوة واللين كما كان في غزوة حنين والطائف، فإنه تعقبه قوة عظيمة بالإطباق، واستعلاء واشتهار يملأ الآفاق، كما يشير إليه الصغير - هذا في أهل الله عامة المذكورين في هذه السورة وغيرهم، وأما ما يخص عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو صورة سورتها ومطمح إشارتها وسيرتها فجعل الحروف اللسانية من هذه الحروف أغلبها ثلاثة أحرف منها إشارة إللا أن إبراهيم عليه السلام بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق المذكور به هو لسان هذا الوجود، وأن دولة آله الذين عيسى عليه السلام من أعيانهم هي وسط هذا الوجود حقيقة وخيارا، فموسى عليه السلام أو أصحاب شرائعهم بمنزلة القاف التي هي من أقصى اللسان وله حظ كبيرمنها، فإنه من أجله قتل أبناء بني إسرائيل وولد في سنةالقتل، وكان سبب هجرته وابتداء سيره إلى الله تعالى قتله القبطي، وقرب نجيا،
(12/159)

ومن صفاتها الجهر والشدة والانفتاح، والاستعالاء والقلقلة، وهو عريق يفي كل من خيرات ذلك، وداود عليه السلام ثاني ذوي كتبهم بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك والنبوة، وله حظ من صفاتها: الجهر والشدة والانفتاح، بما كان فيه من الملك والظهور، والنصر على الأعداء وعجائب المقدور، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره وفي آخره بما كان من بكائه وتواضعه وإخباته لربه وصلاحه، فالكاف هنا إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام هو ثاني الشارعين يفي الوجود، والهاء عبارة عن أنه من عقب داود عليه السلام، وكل منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه الدال عليه، والصاد التي هي من طرف اللسان وهي خاتمة هذه الحروف إشارة مما فيها من الإطباق المشير إلى تطبيق الرسالة لجميع الوجوه، ومن الاستعلاء المشير إلى نهاية العطمة، والصفير المشير إلى غاية الانتشار بما فيها من الصفات إلى أن أول أمر عيسى عليه السلام يكون فيه مع الشدة ضعف، ثم تشير أيضا الهاء - التي هي من أقصى الحلق - إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور ويخفى بارتفاعه إلى السماء، ويدل الاستفال على أنها قريبة إلى السفلى، وهو
(12/160)

كذلك فإنه في الثانية بدلالة رتبة الكاف والهاء في مخرجيهما، وتشير الياء بجهرها إلى ظهوره بنزوله، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في أموره، وباعتلائها على شيء في ذلك وهو ضعف الاتباع وحصرهم في ذلك الوقت، وتدل بانفتاحها ورخاوتها على ظهوره على الدجال في أولئك القوم الذين قد جهدهم البلاء عند نزوله، ومسهم الضر قبل حلوله، وتليح غلبة الاستفال عليها إلى أمر يأجوج ومأجوج لما يوحيه الله إليه " إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بهم، فجرز عبادي إلى الطور " وتدل العين بكونها من وسط الحق على انحصارهم، ويجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم ولا وصول بوجه إليهم، وبما فيها من البينية والاستفال على جهدهم مع حسن العاقبة، وتبشر - بما فيها من الانفتاح - بحصول الفتح الذي ليس وراءه 9 فتح، وتدل الصاد بمخرجها على القوة الزائدة، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها، وبالإطباق والاستعلاء على عموم الذين جميع الناس، وبالصفير على أنه ليس وراء ذلك إلا النفخ في الصور لعموم الهلاك لكل موجود مفطور، ثم لبعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور، وكل هذا منترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على
(12/161)

هذا النحو البديع، وترتيب هذه الحروف على هذا النظم الدال عليه دائر على القدرة التامة والعلم الشامل والحكمة الباهرة، رحمهم سبحانه بأن نكبهم طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة، وجنبهم سنن المستكبرين التي تلجئ ولا بد إلأى الشقوة، فجعل نصرهم في لوامع انكسار، وكسرهم في جوامع انتصار، وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذح وعلو واستكبار، ومن رقة ثابتة تحمل على ذل وسفول وصغار، فلقد انطبق الاسمان على المسمى، واتضحا غاية الاتضاح في أمره ونما، وهذا معنى ما قال الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه.) بسم الله (المنزه عن كل شائبة نقص، القادر على كل ما يريد) الرحمن (الذي عم نواله سائر مخلوقاته) الرحيم (الذي اختص الصالحين من عباده، بما يسعد من مراده.
ولما كان مقصود التي قبلها الدلالة على أنم القرآن قيم لا عوج فيه، وبه تمام الانتظام في نعمة الإبقاء الأول، ودل على ذلك بأنه ساق المؤول عنه من القصص أحسن سوق، وكشف عن مخبأته القناع أبدع كشف - إلى غير ذلك مما خلله به من بدائع الحكم وغرائب
(12/162)

المعاني فاضحة لمن ادعى الله سبحانه ولدا، وختمها بمثل ذلك وصف الكتاب والتوحيد - النافي لقبول التعدد بولد أوغيره بكل اعتبار - والعمل الصالح، ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص، تحقيقا لآية) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) [الكهف: 9] بسياق غير ما تقدم فيما مضى عن السور، وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما مضى، تأييدا لأن كلماته لا تنفذ، وعجائبه لا تعد ولا تحد، وأنه لو كان من عند غيره لاختلف، مع أن أهلها سادة الموحدين، وقادة المصلحين المتقين الذين عملوا الصالحاتن، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس، فرحمهم ربهم سبحانه، وكلهم ممن يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف وذي القرنين تعنتا، أمت من عدا عيسى عليه الصلاة والسلام فواضح، وأما عيسى عليه السلام فيعتقدون أنه ما اتى لأأنه سيأتي، ويكون الناس في أيامه على دين واحد تصديقا لوعد التوارة الآتي بيانه، وذلك على وجه مستلزم في أكثرها تنزهه تعالاى عن الوالد، وقدرته على البعث، وبدأها بقصة من خرق له العادة في الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فإن حسا أو معنى يريد أن يخلفه فيما تعسر عليه فعله أو تعذر، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به أعظم لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام، وإشارة إلى أن العمل الصالح المؤسس على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق العادة، وثنى بأمر من نسبوء إليه وافتروه عليهوقصدوا قتله على
(12/163)

وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب، مبين فيه وجه الصواب، متمما لتبكيت اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام وإعاء صلب المسيح الذي بشرت به التوراة، وهم الآن ينتظرونه ويدعون أنهم أخص الناس به، وقذف أمه - وحاشاها - دالا بذلك على القدرة على البعث، قال في التوراة في آخر السفر الأول: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخب ربقرب وفاته وقال لبنيه: اجتمعوا إلى فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب انصتوا لإسرائيل أبيكم ثن قال: يا يهوذا لك يعترف إخوتك بتعالى يدك على رقاب أعدائك، وليسجد لك بنو أبيك، شبل الليث، من ذا يقيمه عن فريسته، لا يزول القضيب من آل يهوذا، لا يعدم سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاده نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك - وفي نسخة: الكل - وإياه تنتظر الشعوب، يربط بالحبلة جحشه عيناه أشد شهولة من الخمر، وأسنانه أشد بياضا من اللبن - هذا نصه، وعند اليهود أنه المسيح، ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم
(12/164)

مما هم فيه من الذل، فقلت لبعضهم: أشهد أنه المسيح ابم مريم الذي أتى وتبعه النصارى وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى، فقال الذي في التوارة أنه يكون له الكل، وعيسىة مل كان كذلك، فقلت: إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا لديننا من حيث إنه لا يقبل إلا الإسلام، قيطبق أهل الأرض على إتباعهخ عليه، ويسعد به منكم من يتبعه، ويزول عنه الذل، هذا لا يناف كلام التوراة فإنه لم يقيد ذلك بساعة إتيانه. فلم يقبل ذلك، ثم إنه أتى إلي يوما بكتاب من كتبهم في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على البشائر المتعلقة بالمسيح " ولا يبعد أن يبدو لإسرائيل ثم يختقي ثم يظهر فيكون له الكل " فقلت له: انظر وتبصر هذا عين ما ذكرته لك من قبل فبهت لذلك فقلت: أطعني وأسلم ففكر ثم قال: حتى يريد الله تعالى.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما قال تعالى) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين وموسى والخضر عليهما السلام وقصة ذي القرنين، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا) أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) [
(12/165)

مريم: 8] فأجابه تعالى بأن ذلك عليه هين، وأنه يجعل ذلك آية للناس، وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة، فكانقد قيل: أم حسبت يا محمد أنم أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجيا، نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية، وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام، وقصة عيسى في كيونته بغير أب، ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله، وإنما الفعل له سبحانه لا بسبب، وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا عليه والسلام) وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (ثم أتبع سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا، ثم بذكر وابنها عليهما الصلاة والسلام، وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة انتهى.
مريم: (1 - 15) كهيعص
) كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ييَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً (()
(12/166)

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)
ولما كانت هذه السورة تالية للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعمة الإبقاء الأول - بالاستقامة البالغة، افتتحها بالأحرف المقطعة، كما افتتح السورة التي تلي أم الكتاب، الداعيةَ إلى الصراط المستقيم، الواصفةَ الكتابَ بالهدى الضامن للاستقامة، والتي تلي واصفته،
(12/166)

والتي تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول، فقال: {كهيعص *} وهي خمسة أحرف على عددها مع تلك السور، وهي جامعة النعم، وواصفة الكتاب، وذات النعمة الأولى، وذات النعمة الثانية، كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة الأولى بأربعة على عددها مع قبلها من الأم الجامعة والواصفة وذات النعمة الأولى، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم والواصفة {ذكر} أي هذا الذي أتلوه عليكم ذكر {رحمت ربك} أي المحسن إليك بالتأييد بكشف الغوامض وإظهار الخبء {عبده} منصوب برحمة، لأنها مصدر بني على التاء، لا أنها دالة على الوحدة {زكريا *} أي ابن ماثان، جزاء له على توحيده وعمله الصالح الذي حمله عليه الرجاء للقاء ربه، والرحمة منه سبحانه المعونة والإجابة والإيصال إلى المراد ونحو ذلك من ثمرات الرحمة المتصف بها العباد {إذ نادى}
(12/167)

ظرف الرحمة {ربه} .
ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على كمال القرب، قال: {نداء خفياً *} أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السر الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة، فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم السر وأخفى، فكأنه قيل: كما ذلك الندا؟ فقيل: {قال رب} بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب {إني وهن} أي ضعف جداً {العظم مني} أي هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني، وهو أصل بنائه، فكيف بغيره! ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها {واشتعل الرأس} أي شعره مني {شيباً ولم أكن} فيما مضى قط مع صغر السن {بدعائك} أي بدعائي إياك {رب شقياً *} فأجرِني في هذه المرة أيضاً على عوائد فضلك، فإن المحسن يربي أول إحسانه بآخره وإن كان ما ادعوا به في غاية البعد في العادة، لكنك فعلت مع أبي إبراهيم عليه السلام مثله، فهو دعاء شكر واستعطاف؛ ثم عطف
(12/168)

على «إني وهن» قوله: {وإني خفت الموالي} أي فعل الأقارب أن يسيئوا الخلافة {من وراءي} أي في بعض الزمان الذي بعد موتي {وكانت امرأتي عاقراً} لا تلد أصلاً - بما دل عليه فعل الكون {فهب لي} أي فتسبب - عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي بالإجابة، وخوفي من سوء خلافة أقاربي، ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي، وبلوغي من الكبر حداً لاحراك بي معه - إني أقول لك يا قادراً على كل شيء: هب لي {من لدنك} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك، لم تجرها على مناهج العادات والأسباب المطردات، لا من جهة سبب أعرفه، فإن أسباب ذلك عندي معدومة.
وقد تقدم في آل عمران لذلك مزيد بيان {ولياً *} أي من صلبي بدلالة {ذرية} في السورة الأخرى {يرثني} في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل {ويرث} زيادة على ذلك {من ءال يعقوب} جدنا مما خصصتهم به من المنح، وفضلتهم به من النعم، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم، وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام {ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب} [يوسف: 6] ولأن إسرائيل صار علماً على الأسباط كلهم،
(12/169)

وكانت قد غلبت عليهم الأحداث؛ وقد استشكل القاضي العضد في «الفوائد الغياثية» كونَ {يرث} على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه عليه الصلاة والسلام لأن يحيى عليه السلام قتل في حياته، ولا يكون وارثاً إلا إذا تخلف بعده، وقد قال تعالى {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى} [الأنبياء: 90] قال: فتجعل استئنافية، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه عليه السلام - هكذا نقل لي عنه، وأنا أجلّه عن ذلك، لأنه لا يلزم تخلف دعائه ولا يتجرأ على عليّ مقامه بإخلاف ظنه، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصح السند، كان تسمية العلم الذي أخذه عنه في حياته إرثاً مجازاً مرسلاً باعتبار ما يؤول إليه في الجملة، لا سيما مع جواز أن يكون يحيى عليه السلام علَّمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمى العلم إرثاً على وجه الاستعارة التبعية بقوله عليه الصلاة والسلام «العلماء ورثة الأنبياء» ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه، ولم يرد منع من تسميته إرثاً حال الأخذ، هذا إذا صح
(12/170)

أن يحيى عليه السلام مات قبل زكريا عليه السلام، وحينئذ يؤول {من وراءي} بما غاب عنه، أي عجزت عن تتبع أفعال الموالي بنفسي في حال الكبر، وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني، فهب لي ولداً يكون متصفاً بصفاتي، فكان ما سأله، وإن لم يصح موته قبله بالطريق المذكور لم يصح أصلاً، وينتفي الاعتراض رأساً، فإن التواريخ القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء، مع أن البغوي نقل في أول تفسير سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسلام، فإنه قال: آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا من بيت آل داود عليه السلام فمات زكريا عليه السلام، وقيل: قتل، فلما رفع الله عيسى عليه الصلاة والسلام من بين أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوش فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال: إني كنت قد حلفت بإلهي: لئن أنا ظهرت
(12/171)

على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحداً أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن بيوزردان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دماً يغلي فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ قالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا، فقال: ما صدقتموني، قالوا: لو كان تأول زماننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلاً من رؤوسهم فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله عز وجل، فلو أطعناه فيها لكان أرشد منا،
(12/172)

وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه، فقال لهم بيوزردان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجداً وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحداً، فهدأ الدم بإذن الله تعالى، ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره، وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره أرسل بيوزردان أن ارفع عنهم القتل، ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد.
(12/173)

فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل في قصة ولادته.
ولما ختم دعاءه بقوله: {واجعله رب} أي أيها المحسن إلي {رضياً *} أي بعين الرضا منك دائماً حتى يلقاك على ذلك، قيل في جواب من كأنه قال: ماذا قال له ربه الذي أحسن الظن به؟ : {يا زكريا إنا} أي على ما لنا من العظمة {نبشرك} إجابة لدعائك؛ وقراءة الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق من قراءة حمزة للتأكيد الذي جيء به، لأن المبشر به لغرابته جدير بالإنكار {بغلام اسمه يحيى} ثم وصفه بما عرف به أن مما شرفه به أن ادخر له هذا الاسم فقال: {لم نجعل له} فيما مضى، ولعله أتى بالجار الدال على التبعيض تخصيصاً لزمان بني إسرائيل قومه فقال: {من قبل سمياً *} فكأنه قيل: ما قال في جواب هذه البشارة العظمى؟ فقيل: {قال} عالماً بصدقها طالباً لتأكيدها، والتلذيذ بترديدها، وهل ذلك من امرأته أو غيرها؟ وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل {رب} أي المحسن إليّ بإجابة دعائي دائماً {أنّى} أي
(12/174)

من أين وكيف وعلى أيّ حال {يكون لي غلام} يولد لي على غاية القوة والنشاط والكمال في الذكورة {وكانت} أي والحال أنه كانت {امرأتي} كانت شابة {عاقراً} غير قابلة للولد عادة وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيبن فكيف بها وقد أسنت! {وقد بلغت} أنا {من الكبر عتياً} أي أمراً في اليبس مجاوزاً للحد هو غاية في الكبر ما بعدها غاية، وقد حصل من ذلك من الضعف ويبس الأعضاء وقحلها ما يمنع في العادة من حصول الولد مطلقاً لاختلال السببين معاً فضلاً عن أن يصلح لأن يعبر عنه بغلام؛ قال البغوي في آل عمران: وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة؛ وقال الرازي في اللوامع: إن هذا على الاستخبار أيعطيه الله الولد بتلك الحال أم يقلبه شاباً؟ ولله تعالى في كل صنع تدبيران: أحدهما المعروف الذي يسلكه الناس من
(12/175)

توجيه الأسباب إلى المسببات، والآخر يتعلق بالقدرة المحضة، ولا يعرفه إلا أهل الاستبصار - انتهى. {قال كذلك} أي الأمر؛ ثم علله بقوله: {قال ربك} أي الذي عودك بالإحسان، وذكر مقول القول فقال: {هو} أي خلق يحيى منكما على هذه الحالة {عليَّ} أي خاصة {هين} لا فرق عندي بينه وبين غيره {وقد خلقتك} أي قدرتك وصورتك وأوجدتك.
ولما كان القصد تشبيه حاله بالإتيان منه بولد على ضعف السبب بتقديره من النطفة على ضعف سبيتها لكونها تارة تثمر وتارة لا، وهو الأغلب، أتى بالجار إشارة إلى ذلك فقال: {من قبل} أي قبل هذا الزمان {ولم} أي والحال أنك لم: ولما كان عليه السلام شديد التشوف لما يلقى عليه من المعنى في هذه البشرى، أوجز له حتى بحذف النون وليثبت أنه ليس له من ذاته إلا العدم المحض، وينفي أن يكون له من ذاته وجود ولو على أقل درجات الكون لاقتضاء حاله في هذا التعجب لتذكيره في ذلك فقال: {تك شيئاً *}
(12/176)

أي يعتد به، ثم أبرزتك على ما أنت عليه حين أردت، فتحقق بهذا أنه من امرأته هذه العاقر في حال كونهما شيخين، ثم قيل جواباً لمن كأنه قال: ما قال بعد علمه بذلك؟ : {قال رب} أي أيها المحسن إليّ بالتقريب! {اجعل لي} على ذلك {ءاية} أي علامة تدلني على وقوعه {قال} أي الله: {ءايتك} على وقوع ذلك {ألا تلكم الناس} أي لا تقدر على كلامهم.
ولما بدئت السورة بالرحمة، وكان الليل محل تنزلها «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول» - الحديث، قال: {ثلاث ليال} أي بأيامها - كما ذلك عليه التعبير بالأيام في آل عمران حال كونك {سوياً *} من غير خرس ولا مرض ولا حبسة عن مطلق الكلام، بل تناجي ربك فيها بتسبيحه وتحميده وتلاوة كتابه وكل ما أردت من مثل ذلك وكذا من عدا الناس من الملائكة وغيرهم من صالح عباد الله، وجعلت الآية الدالة عليه سكوتاً عن غير ذكر الله دلالة على إخلاصه وانقطاعه بكليته إلى الله دون غيره {فخرج} عقب إعلام الله له بهذا {على قومه} أي عالياً على العلية منهم {من المحراب} الذي كان فيه وهو صدر الهيكل وأشرف ما فيه، وهو منطلق اللسان بذكر الله منحبسه
(12/177)

عن كلام الناس {فأوحى إليهم} أي أشار بشفتيه من غير نطق: قال الإمام أبو الحسن الرماني في آل عمران: والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين، والأول أغلب؛ قال: وأصله الحركة. وسبقه إلى ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري فقال: وأما الرمز فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحياناً، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفي من الكلام الذي مثل الهمس بخفض الصوت الرمز. ثم نقل أن المراد به هنا تحرك الشفتين عن مجاهد - انتهى. وهو ظاهر أيضاً في الوحي لأنه مطلق الإشارة والكناية والكلام الخفي، فيجوز أن يكون وحيه بكل منهما، لا يقدر على غير ذلك في مخاطبته للناس، فإذا توجه إلى مناجاة ربه سبحانه انطلق أحسن انطلاق {أن سبحوا} أي أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة وغيرها {بكرة وعشياً *} فحملت امرأته كما قلنا فولدت ولداً فسماه يحيى كما بشرناه به فكبر حتى ميز فقلنا: {يا يحيى خذ الكتاب} أي التوراة {بقوة} .
ولما كانت النبوة لا يستضلع بأمرها ويقوى على حملها إلا عند استحكام العقل ببلوغ الأشد، وكان التطويق على أمرها قبل ذلك من العظمة بمكان، دل عليه النون في قوله: {وءاتيناه} بما لنا من
(12/178)

العظمة {الحكم} أي النبوة والفهم للتوراة {صبياً *} لغلبة الروح عليه، وهذه الخارقة لم تقتض الحكمة أن تكون لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن قومه لا عهد لهم بالنبوة، فكانوا إذا كذبوا لا يكون لهم من أنفسهم ما يلزمهم من التناقض، فعُوّض أعظم من ذلك بغرائز الصدق التي أوجبت له تسميته بالأمين ليكونوا بذلك مكذبين لأنفسهم في تكذيبهم له. وبمزيد إبقاء معجزته القرآنيه بعده تدعو الناس إلى دينه دعاء لا مرد له {و} آتيناه {حناناً} أي رحمة وهيبة ووقاراً ورقة قلب ورزقاً وبركة {من لدنا} من مستقرب المستغرب من عظمتنا بلا واسطة تعليم ولا تجربة {وزكاة} أي طهارة في نيته تفيض على أفعاله وأقواله {وكان} أي جبلة وطبعاً {تقياً *} حوافاً لله تعالى {وبراً} أي واسع الأخلاق محسناً {بوالديه ولم يكن} جبلة وطبعاً {جباراً} عليهما ولا على غيرهما؛ ثم قيده بقوله: {عصياً *} إشارة إلى أن يفعل فعل الجبارين من الغلظة والقتل والبطش بمن يستحق ذلك كما قال تعالى لخاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} [التحريم: 9] فكان مطيعاً لله قائماً بحقوقه وحقوق عباده على ما ينبغي، فهنيئاً له ما أعطاه من
(12/179)

هذه الخلال القاضية بالكمال، والتعبير بصيغة المبالغة يفهم أن المنفي الجبل عليها، وما دونها يذهبه الله بغسل القلب أو غيره {وسلام} أي أيّ سلام {عليه} منا {يوم ولد} من كل سوء يلحق بالولادة وما بعدها في شيء من أمر الدين {ويوم يموت} من كرب الموت وما بعده، ولعله نكر السلام لأنه قتل فما سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى عليه الصلاة والسلام {ويوم يبعث} من كل ما يخاف بعد ذلك {حياً *} حياة هي الحياة للانتفاع بها، إجابة لدعوة أبيه في أن يكون رضياً، وخص هذه الأوقات لأن من سلم فيها سلم في غيرها لأنها أصعب منه؛ أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كل بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب وقد يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، وأهوى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: ذكره مثل هذه القذاة»
قال الهيثمي: وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه أيضاً عن عبد الله بن عمرو ابن عباس رضي الله عنهم، لكن ليس فيه
(12/180)

ذكر الذكر، ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما: كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء - فذكره حتى قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما ينبغي أن يكون أحد خيراً من يحيى بن زكريا، قلنا: يا رسول الله! وكيف ذاك؟ قال: ألم تسمعوا الله كيف نعته في القرآن؟ {يا يحيى خذ الكتاب} - إلى قوله: {حياً} ، مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعمل سيئة ولم يهم بهم» ورواه أيضاً البزار وفيه على بن زيد بن جدعان ضعفه الجمهور - وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع الرد على من ادعى لله ولداً من حيث إن ذلك قاضٍ على الولد نفسه وعلى أبيه بالحاجة، وذلك مانع لكل من الولد والوالد من الصلاحية لمرتبة الإلهية المنزهة عن الحاجة، وقد مضى في آل عمران ما تجب مراجعته.
(12/181)

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)
ولما كان حاصل القصة أنه ولد أخرجه الله تعالى عن سبب هو في ضعفه قريب من العدم، أما من جهته فبلوغه إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة الجماع عادة، أما من جهة زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك السن بكونها عاقراً لم تقبل حبلاً قط،
(12/181)

أتبعه بقصة هي أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سبب واحد وهو المرأة، وعدم فيها سبب الذكورية أصلاً، إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارة بسبب قوي، وتارة بسبب ضعيف، وتارة بلا سبب، ومن كان كذلك كان مستغنياً عن الولد؛ ولما كان على اليهود الآمرين بالسؤال تعنتاً عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت، وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما السلام، قدمها في الذكر، وتوطئة لأمر عيسى عليه السلام كما مضى بيانه في آل عمران إلزاماً لهم بالاعتراف به، وللنصارى بالاعتراف بأنه عبد، كما اعترف كل منهما بأمر يحيى عليه السلام، وذلك بما جمع بينهما من خرق العادة، وكانت قصة يحيى أولى من قصة إسحاق عليهما السلام لما تقدم، ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من الفريقين لأمره وأمر يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما من قرب النسب، ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا لهم: {واذكر} - بلفظ الأمر {في الكتاب مريم} ابنة عمران خالة يحيى - كما في الصحيح
(12/182)

من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة الأنصاري رضي الله عنهما في حديث الإسراء: «فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة» ثم أبدل من {مريم} بدل اشتمال قوله: {إذ} أي اذكر ما اتفق لها حين {انتبذت} أي كلفت نفسها أن اعتزلت وانفردت {من أهلها} حالة {مكاناً شرقياً *} عن مكانهم، فكان انفرادها في جهة مطالع الأنوار إشارة إلى ما يأتيها من الروح الإلهي {فاتخذت} أي أخذت بقصد وتكلف، ودل على قرب المكان بالإتيان بالجار فقال: {من دونهم} أي أدنى مكان في مكانهم لانفرادها للاغتسال أو غيره {حجاباً} يسترها {فأرسلنا} لأمر يدل على عظمتنا {إليها روحنا} جبرائيل عليه السلام ليعلمها بما يريد الله بها من الكرامة بولادة عيسى عليه السلام من غير أب، لئلا يشتبه عليها الأمر، ويتشعب بها الفكر، فتقتل نفسها غماً {فتمثل لها} أي تشبح وهو روحاني بصورة الجسماني {بشراً سوياً *} في خلقه حسن الشكل لئلا تشتد نفرتها وروعها منه؛ ثم أخرج القصة مخرج الاستئناف فقال دالاً على حزمها وخلوص تعبدها لله والتجائها إليه وشهودها له بحيث لا تركن إلى سواه: {قالت} .
(12/183)

ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان بحيث يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: {إني أعوذ بالرحمن} ربي الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في إسباغ الرحمة وإتمام النعمة {منك} ولما تفرست فيه - بما أنار الله من بصيرتها وأصفى من سريرتها - التقوى، ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه الاستعاذة بقولها: {إن كنت تقياً * قال} جبرئيل عليه السلام مجيباً لها بما معناه: إني لست ممن تخشين أن يكون متهماً، مؤكداً لأجل استعاذتها، {إنما أنا رسول ربك} أي الذي عذت به أي فأنا لست متهماً، متصف بما ذكرت وزيادة الرسلية، وعبر باسم الرب المقتضي للإحسان لطفاً بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة، ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده {لأهب} بأمره أو ليهب هو على القراءة الأخرى {لك} وقدم المتعلق تشويقاً إلى المفعول ليكون أوقع في النفس؛ ثم بينه معبراً بما هو أكثر خيراً وأقعد في باب البشرى وأنسب لمقصود السورة مع أنه لا ينافي ما ذكر في آل عمران بقوله:
(12/184)

{غلاماً} أي ولداً ذكراً في غاية القوة والرجولية {زكياً *} طاهراً من كل ما يدنس البشر: نامياً على الخير والبركة {قالت} مريم: {أنّى} أي من أين وكيف {يكون لي غلام} ألده {ولم يمسسني بشر} بنكاح أصلاً حلال ولا غيره بشبهة ولا غيرها.
ولما هالها هذا الأمر، أداها الحال إلى غاية الإسراع في إلقاء ما تريد من المعاني لها لعلها تستريح مما تصورته، فضاق عليها المقام، فأوجزت حتى بحذف النون من «كان» ولتفهم أن هذا المعنى منفي كونه على أبلغ وجوهه فقالت {ولم أك} . ولما كان المولود سر من يلده، وكان التعبير عنه بما هو من مادة الغلمة دالاً على غاية الكمال في الرجولية المقتضي لغاية القوة في أمر النكاح نفت أن يكون فيها شيء من ذلك فقالت: {بغياً *} أي ليكون دأبي الفجور، ولم يأت «بغية» لغلبة إيقاعه على النساء، فكان مثل حائض وعاقر في عدم الإلباس ولأن بغية، لا يقال إلا للمتلبسة به {قال} أي جبريل عليه السلام {كذلك} القول الذي قلت لك يكون.
(12/185)

ولما كان لسان الحال قائلاً: كيف يكون بغير سبب؟ أجاب بقوله: {قال} ولما بنيت هذه السورة على الرحمة واللطف والإحسان بعباد الرحمن، عبر باسم الرب الذي صدرت به بخلاف سورة التوحيد آل عمران المصدرة بالاسم الأعظم فقال: {ربك هو} أي المذكور وهو أيجاد الولد على هذه الهيئة {عليّ} أي وحدي لا يقدر عليه أحد غيري {هين} أي خصصناك به ليكون شرفاً به لك.
ولما كان ذلك أعظم الخوارق، نبه عليه بالنون في قوله، عطفاً على ما قدرته مما أفهمه السياق: {ولنجعله} بما لنا من العظمة {ءاية للناس} أي علامة على كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام، وبه تمام القسمة الرباعية في خلق البشر، فإنهه أوجده من أنثى بلا ذكر، وحواء من ذكر بلا أنثى وآدم عليه السلام لا من ذكر ولا أنثى، وبقية أولاده من ذكر وأنثى معاً {ورحمة منا} لمن آمن به في أول زمانه، ولأكثر الخلق بالإيمان والإنجاء من المحن في آخر زمانه، لا كآية صالح عليه السلام لأنها كانت آية استئصال لأهل الضلال {وكان} ذلك كله {أمراً مقضياً *} أي محكوماً به مبتوتاً هو في غاية السهولة لا مانع منه أصلاً، ونبه
(12/186)

على سرعة تسبيب الحمل عن هذا القول وإن كان التقدير بما أرشد إليه في غير هذه السورة: فنفخ في درعها فوصل النفخ إلى جوفها {فحملته} وعقب بالحمل قوله: {فانتبذت به} أي فاعتزلت - وهو في بطنها - حالة {مكاناً قصياً *} أي بعيداً من أهلها أو من المكان الشرقي، وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله: {فأجاءها} أي فأتى بها وألجأها {المخاض} وهو تحرك الولد في بطنها للولادة {إلى جذع النخلة} وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان، وكان تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها، فكانت كالعلم لما فيها من العجب، لأن النخل من أقل الأشجار صبراً على البرد، ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها، لأنها لا تحمل إلا بإلقاح من ذكور النخل، فحملها بمجرد هزها أنسب شيء لإتيانها بولد من غير والد، فكيف إذا كان ذلك في غير وقته! فكيف إذا كانت يابسة! مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها، وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك.
(12/187)

ولما كان ذلك أمراً صعباً عليها جداً، كان كأنه قيل: يا ليت شعري! ما كان حالها؟ فقيل: {قالت} لما حصل عندها من خوف العار: {ياليتني مت} ولما كانت كذلك أشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار: {قبل هذا} أي الأمر العظيم {وكنت نسياً} أي شيئاً من شأنه أن ينسى {منسياً *} أي متروكاً بالفعل لا يخطر على بال، فولدته {فناداها من تحتها} وهو عيسى عليه السلام {ألا تحزني} قال الرازي في اللوامع: والأصح أن مدة حملها له وولادته ساعة لأنه كان مبدعاً، ولم يكن من نطفة تدور في أدوار الخلقة - انتهى. ونقله ابن كثير وقال: غريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويؤيده أنه لم ينقل في كتابنا ولا عن نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم أنكروا عليها زمن الحمل، ولو علموا به لأنكروه ولو أنكروه لنقل كما نقل إنكار الولادة.
ولما أنكروا الولادة فكأنها قالت: لم لا أحزن؟ وتوقعت ما يعلل به؟ قال: {قد جعل ربك} أي المحسن إليك {تحتك} في هذه الأرض التي لا ماء جارياً بها {سرياً *} جدولاً من
(12/188)

الماء جليلاً آية لك تطيب نفسك {وهزي إليك} أي أوقعي الهز وهو جذب بتحريك.
ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما دهمها من الهم جعله قاصراً فكأنها قالت: ما أهز؟ إذ لم يكن في الجذع ما يتوقع نفعه بهزه، فقال مصرحاً بالمهزوز: {بجذع النخلة} التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها فكأنها قالت: ولم ذاك؛ فقال: {تساقط عليك} من أعلاها {رطباً جنياً *} طرياً آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب بالحزن، وتدل على البراءة، والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها، ومن حقه أن يكون منتفياً لأنها غير متأهلة لذلك، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم إقنائها، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل،
(12/189)

تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها.
(12/190)

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
ولما كان من المعلوم أنها هزت فتساقط الرطب، سبب عنه قوله: {فكلي} أي فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال لك تمكيناً من كل منهما كلي من الرطب {واشربي} من ماء السرى {وقري} أي استقري {عيناً} بالنوم، فإن المهموم لا ينام، والعين لا تستقر ما دامت يقظى، وعن الأصمعي أن المعنى: ولتبرد دمعتك، لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة، واشتقاق «قري» من القرور، وهو الماء البارد - انتهى.
وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وحكى الفراء أن قريشاً ومن حولهم يقولون: قررت به عيناً - أي بكسر العين - أقر، وأن أسداً وقيساً وتميماً يقولون: قررت به عيناً - أي بالفتح - أقر، قال - يعني الفراء: فمن قال: قررت - أي بالكسر - قراً، وقرى عيناً - أي بالفتح، وهي القراءة المعروفة، ومن قال: قررت، - أي بالفتح قراً وقري عيناً - بكسر القاف أي وهي الشاذة، قال - أي القزاز: هي لغة كل من لقيت من أهل نجد، والمصدر قرة وقرور.
(12/190)

وسيأتي في القصص ما ينفع هنا، وهو على كل حال كناية عن طيب النفس وتأهلها لأن تنام بالكفاية في الدنيا بطعام البدن وغذاء الروح بكونه آية باهرة، والآخرة بالكرامة وذلك على أنفع الوجوه، قيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل؛ ثم سبب عن ذلك قوله مؤكداً إيذاناً بأن أكثر رؤيتها في تلك الأوقات الملائكة عليهم السلام {فإما ترين} أي يا مريم {من البشر أحداً} لا تشكين أنه من البشر ينكر عليك {فقولي} لذلك المنكر جواباً له مع التأكيد تنبيهاً على البراءة لأن البريء يكون ساكناً لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه: {إني نذرت للرحمن} أي الذي عمت رحمته فأدخلني فيها على ضعفي وخصني بما رأيت من الخوارق {صوماً} أي صمتاً ينجي من كل وصمة وإمساكاً عن الكلام {فلن} أي فتسبب عن النذر أني لن {أكلم اليوم إنسياً *} فإن كلامي يقبل الرد والمجادلة ولكن يتكلم عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع، وأما أنا فأنزه نفسي عن مجادلة السفهاء فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع الذكر، قالوا: ومن أذل الناس سفيهاً لم يجد مسافهاً، ومن
(12/191)

الدلالة عليه بالصمت عن كلام الناس مع ما تقدم الإشارة إلى أنه ردع مجرد {فأتت} أي فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها، وزال حزنها، وأتت {به} أي بعيسى {قومها} وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدونه إتيان البريء الموقن بأن الله معه {تحمله} غير مبالية بأحد ولا مستخفية فكأنه قيل: فما قالوا لها؟ فقيل: {قالوا يا مريم} ما هذا؟ مؤكدين لأن حالها في إتيانها يقتضي إنكار كلامهم {لقد جئت} بما نراه {شيئاً فرياً *} قطيعاً منكراً {ياأخت هارون} في زهده وورعه وعفته وهو صالح كان في زمانها أو أخو موسى عليه السلام {ما كان أبوك} أي عمران ساعة من الدهر {امرأ سوء} لنقول: نزعك عرق منه {وما كانت أمك} في وقت من الأوقات {بغياً *} أي ذات بغي أي عمد لتتأسى بها {فأشارت} امتثالاً لما أمرت به {إليه} أي عيسى ليكلموه فيجيب عنها {قالوا كيف نكلم} يا مريم {من كان في المهد} أي قبيل إشارتك {صبياً *} لم يبلغ سن هذا الكلام، الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير ب «كان» يدل على أنه حين الإشارة إليه لم يحوجهم إلى أن يكلموه، بل حين سمع المحاورة وتمت الإشارة بدا منه قوله
(12/192)

خارق لعادة الرضعاء والصبيان، ويمكن أن تكون تامة مشيرة إلى تمكنه في حال ما دون سن الكلام، ونصب {صبياً} على الحال، فلما كانت هذه العبارة مؤذنة بذلك استأنف قوله: {قال} أي واصفاً نفسه بما ينافي أوصاف الأخابث، مؤكداً لإنكارهم أمره فقال: {إني عبد الله} أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لا أتعبد لغيره، إشارة إلى الاعتقاد الصحيح فيه، وأنه لا يستعبده شيطان ولا هوى {ءاتاني الكتاب} أي التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف على صغر سني {وجعلني} أي في علمه {نبياً *} ينبىء بما يريد في الوقت الذي يريد، وقيل في ذلك: فانبئكم به {وجعلني مباركاً} بأنواع البركات {أين ما} في أي مكان {كنت} فيه.
ولما سبق علمه سبحانه أنه يدعي في عيسى الإلهية أمره أن يقول: {وأوصاني بالصلاة} له طهرة للنفس {والزكاة} طهرة للمال فعلاً في نفسي وأمراً لغيري {ما دمت حياً} ليكون ذلك حجة على من أطراه لأنه لا شبهة في أن من يصلي لإله ليس بإله {وبراً} أي وجعلني براً، أي واسع الخلق طاهره.
(12/193)

ولما كان السياق لبراءتها فبين الحق في وصفه، صرح ببراءتها فقال: {بوالدتي} أي التي أكرمها الله بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر، فلا والد لي غيرها {ولم يجعلني جباراً شقياً *} بأن أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق، إنما أفعل ذلك بمن يستحق، وفيه إيماء إلى أن التجبر المذموم فعل أولاد الزنا، وذلك أنه يستشعر ما عنده من النقص فيريد أن يجبره بتجبره، ثم أخبر بما له من الله من الكرامة الدائمة مشيراً إلى أنه لا يضره عدو، وإلى أنه عبد لا يصلح أن يكون إلهاً وإلى البعث فقال: {والسلام} أي جنسه {عليَّ} فلا يقدر أحد على ضرري {يوم ولدت} فلم يضرني الشيطان ومن يولد لا يكون إلهاً {ويوم أموت} كذلك أموت كامل البدن والدين، لا يقدر أحد على انتقاصهما مني كائناً من كان {ويوم أبعث حياً *} يوم القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام، إشارة إلى أنه في البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلاً إلا في كونه من غير ذكر، وإذا كان جنس السلام عليه كان اللعن على أعدائه، فهو بشارة لمن صدقة فإنه منه، ونذارة لمن كذبه، ولم يكن لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل هذه الخارقة لئلا يلتبس حاله بالكهان، لأن قومه لا عهد لهم بالخوارق إلا عندهم،
(12/194)

وإذا تقرر ذلك في نفوسهم من الصغر صعب زواله، ولم يكن هناك ما ينفيه حال الصغر، فعوض عن ذلك إنطاق الرضعاء كمبارك اليمامة وغيره، وإنطاق الحيوانات العجم، بل والجمادات كالحجارة وذراع الشاة المسمومة والجذع اليابس وغيرها.
(12/195)

ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)
ولما كان في ذلك من أقوال عيسى وأحواله - المنادية بالحاجة للتنقل في أطوار غيره من البشر والكرامة من الله - أعظم البيان عن بعده عما ادعى فيه النصارى من الإلهية واليهود من أنه لغير رشده، نبه على ذلك مشيراً إليه بأداة البعد فقال مبتدئاً: {ذلك} أي الولد العظيم الشأن، العلي الرتبة، الذي هذه أحواله وأقواله البعيدة عن صفة الإله وصفة من ارتاب في أمره؛ ثم بين اسم الإشارة أو أخبر فقال: {عيسى ابن مريم} أي وحدها ليس لغيرها فيه بنوة أصلاً، وهي من أولاد آدم، فهو كذلك؛ ثم عظم هذا البيان تعظيماً آخر فقال: {قول} أي هو - أي نسبته إلى مريم فقط - قول {الحق} أي الذي يطابقه الواقع، أو يكون القول عيسى نفسه كما أطلق عليه في غير هذا الموضع «كلمة» من تسمية المسبب باسم السبب وهو على هذه
(12/195)

القراءة خبر بعد خبر أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى قراءة عاصم وابن عامر بالنصب، هو اغراء، أي الزموا ذلك وهو نسبته إلى مريم عليهما السلام وحدها ثم عجب من ضلالهم فيه بقوله: {الذي فيه يمترون *} أي يشكون شكاً يتكلفونه ويجادلونه به مع أن أمره في غاية الوضوح، ليس موضعاً للشك أصلاً؛ ثم دل على كونه حقاً في كونه ابن مريم لا غيرها بقوله رداً على من ضل: {ما كان} أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا يتأتى لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة {لله} الغني عن كل شيء {إن يتخذ} ولما كان المقام يقتضي النفي العام، أكده ب «من» فقال: {من ولد} .
ولما كان اتخاذ الولد من النقائص، أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله: {سبحانه} أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله: {إذا قضى أمراً} أي أمر كان {فإنما يقول له كن} أي يريده ويعلق قدرته به {فيكون *} من غير حاجة إلى شيء أصلاً،
(12/196)

فكيف ينسب إلى الاحتياج إلى الإحبال والإيلاد والتربية شيئاً فشيئاً كما أشار إليه الاتخاذ.
ولما كان لسان الحال ناطقاً عن عيسى عليه الصلاة والسلام بأن يقول: وقد قضاني الله فكنت كما أراد، فأنا عبد الله ورسوله فاعتقدوا ذلك ولا تعتقدوا سواه من الأباطيل، عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله: {وإن الله} أي الذي له الأمر كله {ربي وربكم} أي أحسن إلى كل منا بالخلق والرزق، لا فرق بيننا في أصل ذلك {فاعبدوه} وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده، وقراءة الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى عليه السلام الماضي، ويكون اعتراض ما تقدم من كلام الله بينهما للتأكيد والاهتمام.
ولما كان اشتراك الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علماً وعملاً أعدل الأشياء، أشار إلى ذلك بقوله: {هذا} أي الذي أمرتكم به {صراط مستقيم *} لأنا بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق
(12/197)

والعمل الصالح، ولم يتفضل أحد منا فيه على صاحبه.
ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سبباً للاجتماع عند كل صحيح المزاج، عجب منهم في استثمار غير ذلك منه فقال: {فاختلف} أي فتسبب عن هذا السبب للاجتماع أنه اختلف {الأحزاب} الكثيرون. ولما كان الاختلاف لم يعم جميع المسائل التي في شرعهم قال: {من بينهم} أي بني إسرائيل المخاطبين بذلك خاصة لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة التي لا تنبغي لمن له أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها، فمنهم من أعلم أنها الحق فاتبعها ولم يحد عن صوابها، ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا شيء أو هي منها؛ روي عن قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة: يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل، فقال يعقوب: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية، وقال نسطور: عيسى ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه النسطورية، وقال ملكاً: عيسى أحد
(12/198)

ثلاثة: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فكذبه الرابع واتبعه طائفة، وقال إسرائيل: عيسى عبد الله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فاتبعه فريق من بني إسرائيل، ثم اقتتل الأربعة فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع - ذكر معناه أبو حيان وابن كثير ورواه عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {فويل} أي فتسبب عن اختلافهم أنا نقول: ويل {للذين كفروا} منهم ومن غيرهم {من مشهد يوم عظيم *} في جمعه لجميع الخلائق، وما فيه من الأهوال والقوارع.
(12/199)

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41)
ولما كان ذلك المشهد عظيم الجمع، شديد الزحام مستوي الأرض، بعيد الأرجاء، كان حاله مقتضياً لئلا يطلعوا على غير ما يليهم من أهواله، فقال في جواب من يقول: وما عسى أن يسمعوا أو يبصروا فيه، معلماً بأن حالهم في شدة السمع والبصر جديرة بأن يعجب منها: {أسمع بهم وأبصر} أي ما أشد سمعهم وما أنفذ بصرهم! {يوم يأتوننا} سامعين لكل أهواله، مبصرين لسائر أحواله، فيطلعون بذلك على جميع ما أدى عمله في الدنيا إلى ضرهم في ذلك اليوم، وجميع ما كان ينفعهم لو عملوه، فيندمون حيث لا ينفعهم الندم، ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ونحوه ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك، بل يسلك بهم في كل
(12/199)

ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم، فيكونون بسلوك ذلك - وهم يعلمون ضرره عمياً وبكماً وصمّاً، لأنهم لا ينتفعون بمداركهم كما كانوا في الدنيا كذلك، لكنهم - هكذا كان الأصل، وإنما أظهر فقال: {لكن الظالمون} تنبيهاً على الوصف الذي أحلهم ذلك المحل {اليوم في ضلال مبين *} لا يسمعون ولا يبصرون.
ولما كان هذا الذي تقدم إنذاراً بذلك المشهد، كان التقدير: أنذر قومك ذلك المشهد وما يسمعونه فيه ويبصرونه {وأنذرهم يوم الحسرة} نفسه في ذلك المشهد العظيم، يوم تزل القدم، ولا ينفع الندم، للمسيء على إساءته، وللمحسن على عدم ازدياده من الإحسان.
ولما كان {يوم} مفعولاً، لا ظرفاً، أبدل منه، أو علل الإنذار فقال: {إذ} أي حين، أو لأنه، وعبر عن المستقبل بالماضي، إيذاناً بأنه أمر حتم لا بد منه فقال: {قضي الأمر} أي أمره وفرغ منه بأيسر شأن وأهون أمر، وقطعنا أنه لا بد من كونه {وهم} حال من {أنذرهم} أي والحال أنهم الآن {في غفلة} عما قضينا أن يكون في ذلك الوقت من أمره، لا شعور لهم بشيء منه،
(12/200)

بل يظنون أن الدهر هكذا حياة وموت بلا آخر {وهم لا يؤمنون *} بأنه لا بد من كونه؛ وفي الصحيح ما يدل على أن يوم الحسرة حين يذبح الموت فقد روى مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا، فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي وراية: فذلك قوله {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} » «الآية.
وأما الغفلة ففي الدنيا، روى ابن حبان في صحيحه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذ قضي الأمر وهم في غفلة} قال في الدنيا. قال المنذري: وهو في مسلم بمعناه في آخر حديث.
ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله، وكان سبحانه
(12/201)

قد قضى بموت الخلائق أجمعين، وأنه يبقى وحده، عبر عن ذلك بالإرث مقرراً به مضمون الكلام السابق، فقال مؤكداً تكذيباً لقولهم: إن الدهر لا يزال هكذا، حياة لقوم وموت لآخرين {إنا نحن} بعظمتنا التي اقتضت ذلك ولا بد، وأفاد الأصبهاني أن تأكيد اسم {إن} أفاد أن الإسناد إليه سبحانه لا إلى أحد من جنده {نرث الأرض} فلا ندع بها عامراً من عاقل ولا غيره. ولما كان العاقل أقوى من غيره، صرح به بعد دخوله فقال: {ومن عليها} أي من العقلاء، بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم {وإلينا} لا إلى غيرنا من الدنيا وجبابرتها إلى غير ذلك {يرجعون *} معنى في الدنيا وحساً بعد الموت.
ولما ذم الضالين في أمر المسيح، وعلق تهديدهم بوصف دخل فيه مشركو العرب، فأنذرهم بصريح تكذيبهم بالبعث، وغيرهم بأنهم لسوء أعمالهم كالمكذبين به، وختم ذلك بأنه الوارث وأن الرجوع إليه، ودخل في ذلك الإرث بغلبة أنبيائه وأتباعهم على أكثر أهل
(12/202)

الأرض برجوع أهل الأديان الباطلة إليهم حتى يعم ذلك جميع أهل الأرض في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وكان إبراهيم عليه السلام لكثرة أولاده من العرب والروم وأهل الكتابين وراثاً لأكثر الأرض، وكان مثل زكريا في هبة الولد على كبر سنه وعقم زوجه، أتبع ذلك قوله: {واذكر} أي يا محمد! {في الكتاب} أي الذي أنزل عليك وتبلغه للناس وتعلمهم أن هذه القصة من القرآن {إبراهيم} أعظم آبائكم الذي نهى أباه عن الشرك يا من يكفرون تقليداً للآباء! ثم علل تشريفه بذكره له على سبيل التأكيد المعنوي بالاعتراض بين البدل والمبدل منه، واللفظي ب «إن» بقوله منبهاً على أن مخالفتهم له بالشرك والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك تكذيب بأوصافه الحسنة: {إنه كان} أي جبلة وطبعاً {صديقاً} أي بليغ الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله، والتصديق بكل ما يأتيه مما هو أهل لأن يصدق لأنه مجبول على ذلك ولا يكون كذلك إلا وهو عامل به حق العمل فهو أبلغ من المخلص
(12/203)

{نبياً *} أي يخبره الله بالأخبار العظيمة جداً التي يرتفع بها في الدارين وهو أعظم الأنبياء بعد محمد - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام كما رواه الحافظ أبو البزار بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه وأكده وكذا أكد فيما بعده من الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا مقرين بنبواتهم تنزيلاً لهم منزلة المنكر، لجريهم في إنكارهم نبوة البشر على غير مقتضى عليهم.
(12/204)

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)
ولما تكفل ما تقدم من هذه السورة بنفي الشريك بقيد كونه ولداً، أتبع ذلك من قصته ما ينفي الشريك ليقتدي به أولاده في ذلك إذ كانوا يقلدون الآباء وليس في آبائهم مثله، فقال مبدلاً من {إبراهيم} {إذ قال} أي اذكر وقت قوله {لأبيه} هادياً له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفاً له في كل جملة بقوله: {يا أبت} .
ولما كان العاقل لا يفعل فعلاً إلا لثمره، نبهه على عقم فعله بقوله: {لم تعبد} مريداً بالاستفهام المجاملة، واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفاً الأمر غاية الكشف بقوله: {ما لا يسمع ولا يبصر} أي ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالاً أو مآلاً. ولما كان الأعمى الأصم
(12/204)

قد ينفع بكلام أو غيره، قال: {ولا يغني عنك شيئاً *} من الإغناء.
ولما نبهه على أن ما يعبده لا يستحق العبادة، بل لا تجوز عبادته، لنقصه مطلقاً ثم نقصه عن عابده، ولن يكون المعبود دون العابد أصلاً، وكان أقل ما يصل إليه بذلك مقام الحيرة، نبهه على أنه أهل للهداية، فقال مكرراً لوصفه المذكور بالعطف والود: {ياأبت} وأكد علماً منه أنه ينكر أن يكون ابنه أعرف منه بشيء فقال: {إني قد جاءني} من المعبود الحق {من العلم ما لم يأتك} منه {فاتبعني} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لك وجوباً على النهي عن المنكر ونصيحة لما لك علي من الحق: اجتهد في تبعي {أهدك صراطاً سوياً *} لا عوج فيه، كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن أمامنا مهالك لا ينجو منها أحد، وأمرتك أن تسلك مكاناً غير ذلك، لأطعتني، لو عصيتني فيه عدك كل أحد غاوياً.
ولما بين أنه لا نفع فيما يعبده، ونبهه على الوصف المقتضي لوجوب الاقتداء به، بين له ما في عبادة معبوده من الضر فقال: {يا أبت لا تعبد الشيطان} فإن الأصنام ليس لها دعوة أصلاً، والله تعالى قد حرم عبادة غيره مطلقاً على لسان كل
(12/205)

ولي له، فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان، فكان هو المعبود بعبادتها في الحقيقة؛ ثم علل هذا النهي فقال: {إن الشيطان} البعيد من كل خير المحترق باللعنة، وذكر الوصف الموجب للإملاء للعاصي فقال: {كان للرحمن} المنعم بجميع النعم القادر على سلبها، ولم يقل: للجبار - لئلا يتوهم أنه ما أملى لعاصيه مع جبروته إلا للعجز عنه {عصياً *} بالقوة من حين خلق، وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم فأبى فهو عدو لله وله، والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء، لأن صديق العدو عدو.
فلما بين له أنه بذلك عاص للمنعم، خوفه من إزالته لنعمته فقال: {يا أبت إني أخاف} لمحبتي لك وغيرتي عليك {أن يمسك عذاب} أي عذاب كائن {من الرحمن} أي الذي هو ولي كل من يتولاه لعصيانك إياه {فتكون} أي فتسبب عن ذلك أن تكون {للشيطان} وحده وهو عدوك المعروف العداوة {ولياً *} فلا يكون لك نصرة أصلاً، مع ما يوصف به من السخافة باتباع العدو الدني، واجتناب الولي العلي.
فلما وصل إلى هذا الحد من البيان، كان كأنه قيل: ماذا كان جوابه؟ فقيل: {قال} مقابلاً لذلك الأدب العظيم والحكمة البالغة
(12/206)

الناشئة عن لطافة العلم بغاية الفظاظة الباعث كثافة الجهل، منكراً عليه في جميع ما قال بإنكار ما بعثه عليه من تحقير آلهته: {أراغب} قدم الخبر لشدة عنايته والتعجيب من تلك الرغبة والإنكار لها، إشارة إلى أنه لا يفعلها أحد؛ ثم صرح له بالمواجهة بالغلظة فقال: {أنت} وقال: {عن ءالهتي} بإضافتها إلى نفسه فقط، إشارة إلى مبالغته في تعظيمها؛ والرغبة عن الشيء: تركه عمداً. ثم ناداه باسمه لا بلفظ النبوة المذكر بالشفقة والعطف زيادة في الإشارة إلى المقاطعة وتوابعها فقال: {يا إبراهيم} ثم استأنف قوله مقسماً: {لئن لم تنته} عما أنت عليه {لأرجمنك} أي لأقتلنك، فإن ذلك جزاء المخالفة في الدين، فاحذرني ولا تتعرض لذلك مني وانته {واهجرني} أي ابعد عني {ملياً} أي زماناً طويلاً لأجل ما صدر منك هذا الكلام، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى، ويقاسي من قومه من العناء، ومن عمه أبي لهب من الشدائد والبلايا - بأعظم آبائه وأقربهم به شبهاً {قال} أي إبراهيم عليه السلام مقابلاً لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العلم: {سلام عليك} أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء؛ ثم استأنف قوله: {سأستغفر} بوعد لا خلف فيه {لك ربي}
(12/207)

أي المحسن إليّ بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للاسلام الجابّ لما قبله، لأن هذا كان قبل أن يعلم أنه عدو لله محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه بعذابه في قوله: {إني أخاف أن يمسك} .
ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له من الإذلال لما له من مزيد القرب فقال: {إنه كان بي} أي في جميع أحوالي {حفيّاً *} أي مبالغاً في إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة، ثم عطف على عدوه بالإحسان وعده بما سأل فيه الهجرة فقال: {وأعتزلكم} أي جميعاً بترك بلادكم؛ وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون أهلاً للمناداة في الشدائد بقوله: {وما تدعون} أي تعبدون {من دون الله} الذي له الكمال كله، فمن أقبل عليه وحده أصاب، ومن أقبل على غيره فقد خاب ولم يقيد الاعتزال بزمن، بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم {وأدعوا} أي أعبد {ربي} وحده لاستحقاقه ذلك مني بتفرده بالإحسان إليّ، ثم دعا لنفسه بما نبههم به على خيبة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته إجلالاً لربه وهضماً لنفسه: {عسى ألاّ أكون} أي كوناً ثابتاً كأنه احترز بذلك
(12/208)

عما لا بد للأولياء منه في الدنيا من البلاء {بدعاء ربي} المتفرد بالإحسان إلي {شقياً *} كما كنتم أنتم أشقياء بعبادة ما عبدتموه، لأنه لا يجيب دعاءكم ولا ينفعكم ولا يضركم.
ولما رأى من أبيه ومعاشريه ما رأى، عزم على نشر شقة النوى مختاراً للغربة في البلاد على غربة الأضداد، فكان كما قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمة الله:
وما غربة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل
وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
وحقق ما عزم عليه؛ ثم بين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال: {فلما اعتزلهم} أي بالهجرة إلى الأرض المقدسة {وما يعبدون} أي على الاستمرار {من دون الله} الجامع لجميع معاني العظمة التي لا ينبغي العبادة لغيره {وهبنا} أي على ما لنا من العظمة {له} كما هو الشأن في كل كن ترك شيئاً لله {إسحاق} ولداً له لصلبه من زوجته العاقر العقيم بعد تجاوزها سن اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله {ويعقوب} ولداً لإسحاق وخصهما
(12/209)

بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته بخلافته فيه وأما إسماعيل عليه السلام فكان الله سبحانه هو المتولي لتربيته بعد نقله رضيعاً إلى المسجد الحرام وإيحائه به تلك المشاعر العظام فأخروه بالذكر جاعلاً له أصلاً برأسه؛ ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على هجرته فقال: {وكلاًّ} أي منهما {جعلنا نبياً *} عالي المقدار، ويخبر بالأخبار كما جعلنا إبراهيم عليه السلام نبياً {ووهبنا لهم} كلهم {من رحمتنا} أي شيئاً عظيماً جداً، بالبركة في الأموال والأولاد وإجابة الدعاء، واللطف في القضاء وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة {وجعلنا لهم} بما لنا من العظمة {لسان صدق عليّاً} أي ذكراً صادقاً رفيع القدر جداً يحمدون به ويثنى عليهم من جميع أهل الملل على كر الأعصار، ومر الليل والنهار، وعبر باللسان عما يوجد به، وفي ذلك ترغيب في الهجرة ثانياً بعد ما رغب فيها بقصة أهل الكهف أولاً، وأشار إليها بقوله في {سبحان} {وقل رب أدخلني مدخل صدق} [الإسراء: 80] الآية.
(12/210)

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)
ولما كان موسى أول من نوه الله بأسمائهم، على لسانه في التوراة، وأظهر محامدهم، وشهر مناقبهم، وتوارث ذلك أبناؤهم منه حتى شاع أمرهم وذاع، وملأ الأسماع، وطار في الأقطار، حتى عم البراري والبحار، عقب ذكرهم بذكره فقال: {واذكر في الكتاب}
(12/210)

أي الذي لا كتاب مثله في الكمال {موسى} أي الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من العبودية والذل ختى تمكنوا من آثار آبائهم، وكان موافقاً لأبيه إبراهيم عليهم السلام في أن كلاً منهما أراد ملك زمانه الذي ادعى الربوبية قتله خوفاً على ملكه منه، فأنجاه الله منه، وأمر موسى أعجب لأنه سبحانه أنجاه من الذبح بالذباح، ثم علل ذكره له بقوله: {إنه كان} أي كوناً عريقاً فيه {مخلصاً} لله تعالى في توحيده وجميع أعماله كما أشارت إليه قراءة الجمهور - من غير كلفة في شيء، في ذلك لأن الله أخلصه له كما في قراءة الكوفيين بالفتح {وكان رسولاً} إلى بني إسرائيل والقبط {نبياً *} ينبئه الله بما يريد من وحيه لينبىء به المرسل إليهم، فيرفع بذلك قدره، فصار الإخبار بالنبوة عنه مرتين: إحداهما في ضمن {رسولاً} والأخرى صريحاً مع إفهام العلو باشتقاقه من النبوة، وبكون النبأ لا يطلق عليه غالباً إلا على خبر عظيم، فصار المراد: رسولاً عالياً مقداره ويخبر بالأخبار الجليلة، وفيه دفع لما يتوهم من أنه رسول عن بعض رسله كما في أصحاب يس؛ وعطف على ذلك دليله الدال على ما صدرت به السورة من الرحمة، فرحمه بتأنيس وحشته وتأهيل غربته بتلذيذه بالخطاب وإعطائه الكتاب
(12/211)

فقال: {وناديناه} أي بما لنا من العظمة {من جانب الطور} أي الجانب {الأيمن} فأنبأناه هنالك - حين كان متوجهاً إلى مصر - بأنه رسولنا، ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون، فكان لبني إسرائيل به من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب، والإلذاذ بالخطاب، من جوف السحاب، وفي إماتتهم لما طلبوا الرؤية، ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف على ما هو مذكور في التوراة، وتقدم كثير منه في هذا الكتاب {وقربناه} بما لنا من العظمة تقريب تشريف حال كونه {نجيّاً *} نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين الاثنين كالسر، والتشاور كما في يوسف ويأتي في المجادلة {ووهبنا له} أي هبة تليق بعظمتنا {من رحمتنا} له لما سألنا {أخاه} أي معاضدة أخيه وبينه بقوله: {هارون} حال كونه {نبياً *} أو هو بدل أي نبوته شددنا به أزره، وقوينا به أمره، وكان يخلفه من قومه عند ذهابه إلى ساحة المناجاة، ومع ذلك فأشركوا بي صورة عجل، فلا تعجب من غرورهم للعرب مع مباشرتهم لهذه العظائم.
ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه
(12/212)

إبراهيم عليه السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ذكره، وشهر أمره وكان موافقاً لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي به حياة كل شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام انقضت بانقضائه، وآيته هو باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها ببركته أفضل مياه الأرض، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن والإنس والوحش وسائر المفسدين، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه برسالته، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره، ويجعله قطب الوجود كما خصه - من بين آل إبراهيم عليه السلام - بالبيت الذي هو كذلك قطب الوجود، ويشفي به من داء الجهل، ويغني به من مرير الفقر، كما جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخر من شيد قدرهم، وأعظم من أعلى ذكرهم، عقب ذكره بذلك فقال: {واذكر في الكتاب} أباك الأقرب {إسماعيل} ابن إبراهيم عليهما السلام الذي هم معترفون بنبوته، ومفتخرون برسالته وأبوته، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من البشر، ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلماً بصعوبة الوفاء بالتأكيد:
(12/213)

{إنه كان} جبلة وطبعاً {صادق الوعد} في حق الله وغيره لمعونة الله له على ذلك، بسبب أنه لا يعد وعداً إلا مقروناً بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} فكن أبي كذلك ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله، وخصه بالمدح به - وإن كان الأنبياء كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله {وكان رسولاً نبياً} نبأه الله بأخباره، وأرسله إلى قومه جرهم قاله الأصبهاني. وأتى أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله بنور الإيمان الناشىء عن روح العلم ووصفه بالرسالة زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهما السلام وتقدم في أمر موسى عليه السلام سر الجمع بين الوصفين؛ وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي - عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه «أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلام» وفي رواية الترمذي «أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل» {وكان يأمر أهله بالصلاة} التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون على جميع المآرب
(12/214)

{والزكاة} التي هي طهرة المال، كما أوصى الله بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدم في هذه السورة أنه سبحانه وتعالى أوصى بذلك عيسى عليه السلام {وكان عند ربه} لعبادته على حسب ما أقامته ربوبيته {مرضياً *} فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك، لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال، فتنال رتبة الرضا.
(12/215)

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)
ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حياً إلى أعلى مكان في الأرض رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس عليه السلام - مع رفعته إلى المكان العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة، وأعجبهم أمراً، وأقدمهم زمناً، ختم به هذه القصص تأييداً لهذا النبي الكريم، بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه، وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية مما يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم يؤته أمة من الأمم، وأنه يجمع شملهم، وترهيباً للمتعنتين بأنهم إن لم ينتهوا وضع فيهم السلاح كما فعل إدريس عليه السلام بكفار زمانه فقال: {واذكر في الكتاب} أي الجامع
(12/215)

لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين والمتأخرين {إدريس} أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زماناً، وأخفى منهم شأناً، وهو جد أبي نوح عليه السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره معجمة {إنه كان صديقاً} أي صادقاً في أقواله وأفعاله، ومصدقاً بما أتاه عن الله من آياته على ألسنة الملائكة {نبياً *} ينبئه الله تعالى بما يوحيه إليه من الأمر العظيم، رفعة لقدره، فينبىء به الناس الذين أرسل إليهم {ورفعناه} جزاء منا له على تقواه وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، فأحللناه {مكاناً علياً *} أي الجنة أو السماء الرابعة، وهي التي رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها ليلة الإسراء؛ قال ابن قتيبة في المعارف: وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام الله فرفعه إليه - انتهى. وفي نسخة ترجمه التوراة وهي قديمة جداً وقابلتها مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو القارىء ما نصه: وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، فأرضى حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه، وفي نسخة
(12/216)

أخرى: لأن الله قبله، وفي أخرى: لأن الله أخذه. وهو قريب مما قال ابن قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما نقله إلى العربي المترجمون، فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن المراد الجنة ما في مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط والأصغر إن لم يكن موضوعاً: حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«إن إدريس عليه السلام كان صديقاً لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار، فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت بجناحه، فقال ملك الموت: أليس قد رأيتها؟ قال: بلى! ولم أر كاليوم قط، ثم انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت: انطلق! قد رأيتها، قال: إلى أين؟ قال ملك الموت: حيث كنت، قال إدريس: لا والله! لا أخرج منها بعد إذ دخلتها، فقيل لملك الموت: أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن يخرج منها» .
وقال: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين: إبراهيم المصيصي متروك.
(12/217)

قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن حجر عن الذهبي أنه كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس تدليس التسوية. وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه ويردها إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه أنه احتج في امتناعه من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا بد من ورود النار وقد وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ملك الموت: بإذني دخل الجنة - يعني: فخلِّ سبيله - فهو حي هناك. وفي تفسير البغوي أيضاً عن كعب وغيره أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب! فكيف بمن يحملها؟ اللهم! خفف عنه من ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل ملك الموت أن يؤخر أجله، فقال: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه، فرفع إدريس عليه السلام فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت وكلمه فقال: ليس ذلك إليّ، ولكن إن أحببت أعلمته أجله
(12/218)

فيتقدم في نفسه، قال: نعم! فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال: وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس - عليه السلام - شيء، فرجع الملك فوجده ميتاً. ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدرس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل عليه السلام أول من أجاد البيان باللسان، وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلام»
ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام» .
ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع سبحانه ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزاً
(12/219)

لمن وافقهم في النسب إلى الموافقة في السبب فقال: {أولئك} أي العالو الرتب، الشرفاء النسب {الذين أنعم الله} بما له من صفات الكمال التي بها أقام آدم عليه السلام وهم في ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر إبليس، ونجى بها نوحاً عليه السلام وهم في صلبه من ذلك الكرب العظيم، وإبراهيم عليه السلام وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم، وأعلى بها إسرائيل عليه السلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء والاجتباء {عليهم} بما خصهم به من مزيد القرب إليه، وعظيم المنزلة لديه؛ وبين الموصول بقوله: {من النبيين} أي المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم، وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم، وأمروهم بطاهر الشيم.
ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ذلك من النعمة عليهم وهم يرونها: {من ذرية ءادم} صفينا أبي البشر الذي خلقه الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك.
ولما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيراً إلى أعظم النعمة عليهم
(12/220)

بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليه السلام الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولاً فكذلك هو وإبراهيم أقربهم إلى ذلك: {وممن حملنا مع نوح} صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل الأرض وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكوراً، وإبراهيم أقربهم إلى ذلك {ومن ذرية إبراهيم} خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد ما اشتهر به من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ثم يعقوب {وإسراءيل} صفينا، وهم الباقون: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم بنت داود - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام - فكما كان هؤلاء رسلاً وهم من ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته، فالإرسال من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة، وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم، فلا تردوا الكرامة، يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة {وممن هدينا} إلى أقوم الطرق {واجتبينا} أي فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن الوصف؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها.
(12/221)

ولما ذكر ما حباهم به، ذكر ما تسبب عن ذلك فقال مستأنفاً {إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن} العام النعمة، فكيف بهم إذا أعلاهم جلال أو خصتهم رحمة من جلائل النعم، من فيض الجود والكرم، فسمعوا خصوص هذا القرآن {خروا سجداً} للمنعم عليهم تقرباً إليه، لما لهم من البصائر المنيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم {وبكياً *} خوفاً منه وشوقاً إليه، فوصفهم بسرعة الخشوع من ذكر الله الناشىء عن دوام الخضوع والناشىء عنه الإسراع بالسجود في حالة البكاء، وجعلهما حالتين بالعطف بالواو لعراقة المتحلي بهما في كل منهما عل انفراده، وعبر بالاسم في كل من السجود والبكاء، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم دائم لعظمة الكبير الجليل، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلاً، وإن حصل غير البكاء فللتأنيس لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن عشرتهم على تفاوت المراتب، وتباين المطالب، وحذف ذكر الأذقان لدلالتها -
(12/222)

كما تقدم في سبحان - على نوع دهشة، فهي - وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها - حالة دون مقام الراسخين في حضرة الجلال، لأنهم - مع كونهم في الذروة من مقام الخوف - في أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر - لتلقي واردات الحق وإلقائها إلى الخلق، انظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه - لعلو مقامه عن غيره - عند وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أنه أوفاهم من المحبة مشرباً، وأصفاهم مورداً، وأوفرهم حزناً، وأكثرهم غماً وهماً، حتى أنه اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجداً وأسفاً ومن هنا تعلم السر في إرسال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها في الصلاة إلى أبي جهم لأنه رضي الله عنه ربما كان من أهل الجمع في الصلاة فلا يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله متمكن في كل من مقامي الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في الصلاة ولا يخفى عليه خشوعهم.
ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم، فقد كان أوجب الواجبات عليهم محض النصح لهم، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم إلى أن ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله
(12/223)

سجداً ولأمره خضعاً، عقب ذلك بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال: {فخلف من بعدهم} أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعاً {خلف} هم في غاية الرداءة {أضاعوا الصلاة} الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي طهرة الأبدان، وعصمة الأديان، وأعظم الأعمال، بتركها أو تأخيرها عن وقتها والإخلال بحدودها، فكانوا لما سواها أضيع، فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي العقل {واتبعوا} أي بغاية جهدهم {الشهوات} التي توجب العار في الدنيا والنار في الآخرة، فلا يقربها من يستحق أن يعد بين الرجال، من تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا، وتحريم الرشى والربا، ونحو ذلك، وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي هو من ولد إسماعيل {فسوف يلقون} أي يلابسون - وعدا لا خلف فيه بعد طول المهلة - جزاء فعلهم هذا {غيّاً *} أي شراً يتعقب ضلالاً عظيماً، فلا يزالون في عمى عن طريق الرشاد لا يستطيعون إليه سبيلاً، وهم على بصيرة من أنهم على خطأ وضلال، ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت لهم فيه أتم رغبة، وذلك أعظم الشر، ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى
(12/224)

أن قطعوا بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة، فأخذوا على غرة، ولا أنكأ من الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز، وهو من وادي قوله
{ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً} [الإسراء: 97] مع قوله {أسمع بهم وأبصر} وجزاء من كان هذا ديدنه في الدنيا والآخرة معروف لكل من له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار، وأيضاً فإن من ضل أخطأ طريق الفلاح من الجنة وغيرها فخاب، ومن خاب فقد هلك؛ قال أبو علي الجبائي: والغي هو الخيبة في اللغة - انتهى. ويجوز أن يراد بالغي الهلاك، إما من قولهم - أغوية - وزن أثفية - أي مهلكة، وإما من تسمية الشيء باسم ما يلزمه.
(12/225)

إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)
ولما أخبر تعالى عنهم بالخيبة، فتح لهم باب التوبة، وحداهم إلى غسل هذه الحوبة، بقوله: {إلا من تاب} أي مما هو عليه من الضلال، بإيثار سفساف الأعمال، على أوصاف الكمال، فحافظ على الصلاة، وكف نفسه عن الشهوات {وءامن} بما أخذ عليه به العهد {وعمل} بعد إيمانه تصديقاً له {صالحاً} من الصلوات والزكاة وغيرها، ولم يؤكدهما لما أفهمته التوبة من إظهار عمل الصلاة التي هي أم العبادات {فأولئك} العالو الهمم، الطاهرو الشيم {يدخلون الجنة} التي وعد المتقون {ولا يظلمون} من ظالم ما
(12/225)

{شيئاً *} من أعمالهم؛ ثم بينها بقوله: {جنات عدن} أي إقامة لا ظعن عنها بوجه من الوجوه {التي وعد الرحمن} الشامل النعم {عباده} الذين هو أرحم بهم من الوالدة بولدها؛ وعبر عنهم بوصف العبودية للإشعار بالتحنن، وعداً كائناً {بالغيب} الذي لا اطلاع لهم عليه أصلاً إلا من قبلنا، فآمنوا به فاستحقوا ذلك بفضله سبحانه على إيمانهم بالغيب.
ولما كان من شأن الوعود الغائبة - على ما يتعارفه الناس بينهم - احتمال عدم الوقوع، بين أن وعده ليس كذلك بقوله: {إنه كان} أي كوناً هو سنة ماضية {وعده مأتيّاً *} أي مقصوداً بالفعل، فلا بد من وقوعه، فهو كقوله تعالى {إن كان وعد ربنا لمفعولاً} [الإسراء: 108] .
ولما كانت الجنة دار الحق، وكان أنكأ شيء لذوي الأقدار الباطل، وكان أقل ما ينكأ منه سماعه، نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال: {لا يسمعون فيها لغواً} أي شيئاً ما من الباطل الذي لا ثمرة له. ولما كانت السلامة ضد الباطل من كل وجه، قال: {إلا} أي لكن {سلاماً} لا عطب معه ولا عيب ولا نقص أصلاً فيه، وأورد على صورة الاستثناء من باب قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
(12/226)

ويحسن أن يراد باللغو مطلق الكلام؛ قال في القاموس: لغا لغواً: تكلم. أي لا يسمعون فيها كلاماً إلا كلاماً يدل على السلامة، ولا يسمعون شيئاً يدل على عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها.
ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال: {ولهم رزقهم} أي على قدر ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا يمن عليهم به {فيها بكرة وعشياً *} أي دواماً، لا يحتاجون إلى طلبه في وقت من الأوقات، وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد: وليس فيها بكرة ولا عشي، لكنهم يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. أي أنهم خوطبوا بما يعرفون كما أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم بعدهم عن ذلك بالجنة.
ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل، أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها بقوله: {تلك الجنة} بأداة البعد لعلو قدرها، وعظم أمرها {التي نورث} أي نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين التأهل له بالموت ولا كد ولا استرجاع {من عبادنا} الذين أخلصناهم لنا، فخلصوا عن الشرك نية وعملاً {من كان} أي جبلة وطبعاً {تقياً *} أي مبالغاً في التقوى، فهو في غاية الخوف منا لاستحضاره أنه عبد؛ قال الرازي في اللوامع: وما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار، والعبد يكون ذليلاً بأوصافه،
(12/227)

عزيزاً بأوصاف الحق تعالى - انتهى.
وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى.
ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات، وختمه بأنه سبب للمقصود بالذات، وهو الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة المستمرة، وصفة الملك الذي لا كدر فيه بوجه ولا تخلف عن مراد، أتبعه ما بعده إشارة إلى ما تنال به التقوى، وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمر على {وبالحق أنزلناه} [الإسراء: 105] لأنه لما كان العلم واقعاً بأن جميع سورة الكهف شارحة لمسألتين من مسائل قريش، وبعض سورة سبحان شارح للثالثة، ولطول الفصل صدرت قصة ذي القرنين بقوله {ويسألونك} إعلاماً بعطفها على مسألة الروح المصدرة بمثل ذلك، وجاءت سورة مريم كاشفة - تبكيتاً لأهل الكتاب الكاتمين للحق - عن أغرب من تلك القصص وأقدم زماناً وأعظم شأناً من أخبار الأنبياء المذكورين ومن أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فثبت بذلك أن هذا كله مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعاً، إذ لو كان من عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر عليها، لما هو معلوم قطعاً من رزانة عقله، وغزارة فطنته، ومتانة رأيه، ولو قدر على ذلك ما تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه، لما علم منه من الشهامة والأنفة والبعد عما يقارب الشين، وبان بذلك أن الله سبحانه وعز شأنه ما أجمل أمر الروح
(12/228)

ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل أو أكثر من عجز ولا جهل، وثبت بذلك كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي القرنين وفي ولادة يحيى وعيسى وإسحاق عليهم الصلاة والسلام تمام قدرته المستلزم لكمال علمه، وكان الإخبار عن ذلك مطابقاً للواقع الذي ثبت بعضه بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة العقل القاطعة، ثبت مضمون قوله تعالى {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} وأن هذا الكتاب قيم لا عوج فيه، فعطف عليه الجواب عن قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجبرئيل عليه الصلاة والسلام «لقد أبطات عليّ يا جبرئيل حتى سؤت ظناً» ونحوه مما ذكر في أسباب النزول، فقال على لسان جبرئيل عليه الصلاة والسلام: {وما نتنزل} أي أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا غيره {إلا بأمر ربك} المحسن إليك في جميع الأمر في التقديم والتأخير لئلا يقع في بعض الأوهام أنه حق في نفسه، ولكنه نزل بغير أمره سبحانه، ووقع الخطاب مقترناً بالوصف المفهم لمزيد الإكرام تطييباً لقلبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإشارة إلى أنه محسن إليه، ولفظ التنزل مشير إلى الإكرام، وهو التردد مرة بعد مرة ووقتاً غب وقت، ولا يكون إلا لذلك لأن النزول للعذاب يقتضي به الأمر في مثل لمح البصر، وكان هذا عقب ذكر القيامة بذكر الجنة كما كان المعطوف عليه عقب
{فإذا جاء وعد الآخرة} [الإسراء: 7] وكما كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة في قوله
(12/229)

{فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء} [الكهف: 98]- إلى آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتاً للبعث وأعظم تأكيداً، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل: لما كشفت هذه السورة عن هذه القصص الغريبة، وكان المتعنتون ربما قالوا: نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين، قال جواباً عن ذلك أن قيل: ما أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك، وما نتنزل فيما يأتي أيضاً إلا بأمر ربك؛ ثم علل ذلك بقوله: {له ما بين أيدينا} أي من المكان والزمان وما فيهما {وما خلفنا} من ذلك {وما بين ذلك} وهو نحن والمكان والزمان اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم، فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره {وما كان} على تقدير من التقادير {ربك نسياً *} أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح، ويؤخر الجواب عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه، ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج إلى مذكر به، ولا ينسى أحداً منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم الاطلاع على حركتنا وسكناتنا، فنحن له في غاية المراقبة، وهو سبحانه يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته، لا يكون شيء من ذلك إلا في الوقت الذي حده له وأراده فيه، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده. ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة
(12/230)

عن السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم لكونه مجبولاً عليها، أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل - على اختلاف الروايات، فكان ذلك موهماً للأغبياء أنه نسيان، وكان مثل ذلك لا يفعله إلا كثير النسيان، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيرة في السورة التي بعدها ضماً لدليل العقل بقوله
{لا يضل ربي ولا ينسى} [طه: 52] لما اقتضاه السياق، فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء بما يجب من حق الاعتقاد، وهذه الآية مع {وبالحق أنزلناه} و {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} [الإسراء: 88] مثل {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 3]- الآيتين في سورة هود عليه السلام، على ما قدمت في بيانه غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب على أسئلتهم بآية {قل لئن اجتمعت} وأثنائه بآية {وبالحق أنزلناه} وآخره بهذه الآية، لتكون الآيات رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة إلى السماء، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيداً إلا رد خاسئاً، ولا يرميها بقادح ألا كان رميه خاطئاً.
ولما وصف سبحانه وتعالى بنفوذ الأمر واتساع العلم على وجه ثبت
(12/231)

به ما أخبر به عن الجنة، فثبت أمر البعث، أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح منه وأعم فقال مبدلاً من {ربك} : {رب السماوات والأرض} اللتين نحن من جملة ما فيهما من عباده {وما بينهما} منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها {فاعبده} بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك {واصطبر} أي اصبر صبراً عظيماً بغاية جهدك على كل ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك {لعبادته} أي لأجلها فإنها لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة؛ ثم علل ذلك بقوله: {هل تعلم له سمياً *} أي متصفاً بوصف من أوصافه اتصافاً حقيقياً، أو مسمى باسمه، العلمَ الواقع موقع لأنه لا مماثل له حتى ولا في مجرد الاسم، وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى بدليلها.
(12/232)

وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)
ولما تبين بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره شمولُ علمه وتمام قدرته لا سيما في إيجاد البشر تارة من التراب، وتارة من ذكر وأنثى في حكم العدم، وتارة من أنثى بلا ذكر، وثبت ذلك كله، فانكشفت الشبه، وتضاءلت موجبات المراء، وانقمعت مخيلات الفتن، عجب منها في إنكارهم البعث وهم يشاهدون
(12/232)

ما ذكر من قدرته وعلمه، عاطفاً على التعجب في قولهم {وقالوا ءاذا كنا} تعجيباً أشد من ذلك فقال: {ويقول} بلفظ المضارع المؤذن بالتجدد بعد هذا البيان المقتضي حتماً لاعتقاده البعث فضلاً عن إنكار مرة من المرات، ليخبر عنها بصيغة الماضي، فكيف بالمداومة على ذلك المشار إليها بصيغة المضارع؛ وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن الإنكار على الواحد يستلزم الإنكار على المتعدد فقال: {الإنسان} أي الذي خلقناه ولم يك شيئاً، مع ما فضلناه به من العقل، ونصبنا له من الدلائل، فشغله الإنس بنفسه عن التأمل في كمال ربه منكراً مستبعداً: {أءذا ما مت} ثم دل على شدة استبعاده لذلك بقوله مخلصاً للام الابتداء إلى التوكيد سالخاً لها عما من شأنها الدلالة عليه من الحال لتجامع ما يخلص للاستقبال: {لسوف أخرج} أي يخرجني مخرج {حياً *} أي بعد طول الرقاد، وتفتت الأجزاء والمواد، وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد الموت وقت كون الحياة منكرة على زعمه، والعامل في {إذا} فعل من معنى {أخرج} لا هو، لمنع لام الابتداء لعمله فيما قبله؛ ثم قابل إنكاره الباطل بإنكار هو الحق فقال عطفاً على يقول أو على ما تقديره: ألا يذكر ما لنا من تمام القدرة بخلق ما هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان: {أو لا يذكر} بإسكان الذال
(12/233)

على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ذكر من هذا يرشده إلى الحق، وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما يشير إلى أنه - لاستغراقه في الغفلة - يحتاج إلى تأمل شديد {الإنسان} أي الآنس بنفسه، المجترىء بهذا الإنكار على ربه وقوفاً مع نفسه {أنا خلقناه} وأشار الجار إلى سبقه بالعدم فقال: {من قبل} أي من قبل جدله هذا أي بما لنا من القدرة والعظمة.
ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدماً، أعدم من التعبير عن ذلك ما أمكن إعدامه، وهو النون، لتناسب العبارة المعتبر فقال: {ولم يك شيئاً *} أصلاً، وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ذلك.
ولما كان كلام الكافر صورته صورة استفهام، وهو جحد في الحقيقة وإنكار، وكان إنكار المهدَّد لشيء يقتدر عليه المهدد سبباً لأن يحققه لما مقسماً عليه، قال تعالى مجيباً عن إنكاره مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عنهم مخاطباً لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره: {فوربك} المحسن إليك بالانتقام منهم.
ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار، أتى بنون العظمة، استمر في هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال: {لنحشرنهم} بعد البعث {والشياطين} الذين يضلونهم بجعل كل واحد
(12/234)

منهم مع قرينه الذي أضله، في سلسلة {ثم لنحضرنهم} بعد طول الوقوف {حول جهنم} التي هم بها مكذبون، يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها، حال كونهم {جثياً *} على الركب من هول المطلع وشدة الذل، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى امتثال الأوامر {ثم لننزعن} أي لنأخذن أخذاً بشدة وعنف {من كل شيعة} أي فرقة مرتبطة بمذهب واحد.
ولما كان التقدير: لننزعن أغناهم، وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس، علم أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم لإشكال أمرهم فقال: {أيهم أشد على الرحمن} الذي غمرهم بالإحسان {عتياً *} أي تكبراً متجاوزاً للحد، انتزاعاً يعلم به أهل الموقف أنه أقل من القليل، وأوهى أمراً من القتيل، وأن له سبحانه - مع صفة الرحمة التي غمرهم إحسانها وبرها - صفات أخرى من الجلال والكبرياء والجبروت والانتقام.
ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من بعض الأوهام، فقال: {ثم} وعزتنا! {لنحن} لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا {أعلم} من كل عالم {بالذين هم} لظواهرهم وبواطنهم {أولى بها} أي جهنم {صلياً *} وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين وغيرهم، فلا يظن بنا أنا نضع أحداً في غير دركته أو غير طبقته من دركته؛
(12/235)

وعطف هذه الجمل بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد مراتبها وتصاعدها في ذرى العليا وترقيها، تهويلاً للمقام وتعظيماً للأمر لاستبعادهم له، على أنه يمكن أن تكون الحروف الثلاثة للترتيب الزماني، وهو في الأولين واضح، وأما في الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء، لأن من علم ذنب عدوه - وهو قادر - عذبه، فكأنه قيل: لنصلين كلاًّ منهم النار على حسب استحقاقه لأنا أعلم بأولويته لذلك.
ولما كانوا بهذا الإعلام، المؤكد بالإقسام، من ذي الجلال والإكرام، جديرين بإصغاء الأفهام، إلى ما يوجه إليها من الكلام، التفت إلى مقام الخطاب، إفهاماً للعموم فقال: {وإن} أي وما {منكم} أيها الناس أحد {إلا واردها} أي داخل جهنم؛ ثم استأنف قوله: {كان} هذا الورود؛ ولما كان المعنى أنه لا بد من من إيقاعه، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب فقال: {على ربك} الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك لأجلك {حتماً} أي واجباً مقطوعاً به {مقضياً *} لا بد من إيقاعه؛ قال الرازي في اللوامع: ما من مؤمن - إلا الأنبياء - إلا وقد تلطخ بخلق سوء ولا ينال السعادة الحقيقية إلا بعد تنقيته، وتخليصه من ذلك إنما يكون بالنار.
(12/236)

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)
ولما كان الخلاص منها بعد ذلك مستبعداً، قال مشيراً إليه بأداة البعد:
(12/236)

{ثم ننجي} أي تنجية عظيمة على قراءة الجماعة، ومطلق إنجاء على قراءة الكسائي، وكأن ذلك باختلاف أحوال الناس مع أن المطلق لا ينافي المقيد {الذين اتقوا} أي كانوا متقين منها بأن تكون عليهم حال الورود برداً وسلاماً {ونذر الظالمين} أي نترك على أخبث الأحوال الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها واستمروا على ذلك فكانوا في أفعالهم خابطين كالأعمى {فيها جثياً *} كما كانوا حولها لا يهتدون إلى وجه يخلصون به منها.
ولما كان هذا جديراً بالقبول لقيام الأدلة على كمال قدرة قائله، وتنزهه عن إخلاف القول، لبراءته من صفات النقص، قال معجباً من منكره عاطفاً على قوله {ويقول الإنسان} : {وإذا تتلى عليهم} أي الناس، من أيّ تال كان {ءاياتنا} حال كونها {بينات} لا مرية فيها، بأن تكون محكمات، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو ببيان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي حال مؤكدة أو كاشفة {قال الذين كفروا} بآيات ربهم البينة، جهلاً منهم ونظراً إلى ظاهر الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم {للذين ءامنوا} أي لأجلهم أو مواجهة لهم، إعراضاً عن الاستدلال بالآيات، ووجوه دلالتها
(12/237)

البينات، بالإقبال على هذه الشبهة الواهية - وهي المفاخرة بالمكاثرة في الدنيا - من قولهم: {أي الفريقين} نحن - بما لنا من الاتساع، أم أنتم - بما لكم من خشونة العيش ورثاثة الحال {خير مقاماً} أي موضع قيام أو إقامة - على قراءة ابن كثير بضم الميم والجماعة بفتحها: {وأحسن ندياً *} مجمعاً ومتحدثاً باعتبار ما في كل من الرجال، وما لهم من الزي والأموال، ويجعلون ذلك الامتحان بالإنغام والإحسان دليلاً على رضى الرحمن، مع التكذيب والكفران، ويغفلون عن أن في ذلك - مع التكذيب بالبعث - تكذيباً مما يشاهدونه منا من القدرة على العذاب بإحلال النقم، وسلب النعم، ولو شئنا لأهلكناهم وسلبنا جميع ما يفتخرون به {وكم أهلكنا} بما لنا من العظمة.
ولما كان المراد استغراق الزمان، لم يأت بالجار إعلاماً بأن المتقدمين كلهم كانوا أرغد عيشاً وأمكن حالاً فقال: {قبلهم من قرن} أي شاهدوا ديارهم، ورأوا آثارهم؛ ثم وصف كم بقوله: {هم} أي أهل تلك القرون {أحسن} من هؤلاء {أثاثاً} أي أمتعة {ورئياً *} أي منظراً، فكأنه قيل: فما يقال لهم؟ فقال: {قل} أي لهم رداً عليهم وقطعاً لمعاذيرهم وهتكاً لشبههم: هذا الذي افتخرتم به لا يدل على حسن الحال في الآخرة، بل على عكس ذلك، فقد جرت عادته سبحانه أنه {من كان في الضلالة} مثلكم كوناً راسخاً بسط له
(12/238)

في الدنيا وطيب عيشه في ظاهر الحال فيها، ونعم بأنواع الملاذ، وعبر عن أن ذلك لا يكاد يتخلف عن غير من حكم بإلزامه المسكنة من اليهود بلام الأمر، إيذاناً بوجوده وجود المأمور به الممتثل في قوله: {فليمدد} وأشار إلى التحلي لهم بصفة الإحسان بقوله: {له الرحمن} أي العام الامتنان {مداً *} في العاجلة بالبسط في الآثار، والسعة في الديار، والطول في الأعمار، وإنفاقها فيما يستلذ من الأوزار الكبار، فيزيده العزيز الجبار بذلك ضلالة، فيا له من خسار، وتباب وتبار، لمن له استبصار، ولا نزال نمد هل استدراجاً {حتى} وحقق أخذهم بأداة التحقيق فقال: {إذا رأوا} أي كل من كفر بالله بأعينهم وإن ادعوا أنهم يتعاضدون ويتناصرون، ولذلك جمع باعتبار المعنى {ما يوعدون} من قبل الله {إما العذاب} في الدنيا بأيدي المؤمنين أو غيرهم، أو في البرزخ {وإما الساعة} التي هم بها مكذبون، وعن الاستعداد لها معرضون، ولا شيء يشبه أهوالها، وخزيها ونكالها.
ولما كان الجواب: علموا أن مكانهم شر الأماكن، وأن
(12/239)

جندهم أضعف الجنود، عبر عنه بقوله تهديداً: {فسيعلمون} إذا رأوا ذلك {من هو شر مكاناً} أي من جهة المكان الذي قوبل به المقام {وأضعف جنداً *} هم أو المؤمنون، أي أضعف من جهة الجند الذي أشير به إلى النديّ، لأن القصد من فيه، وكأنه عبر بالجند لأن قصدهم المغالبة وما كل من في النديّ يكون مقاتلاً.
ولما كان هذا لكونه استدراجاً زيادة في الضلال، قابله بقوله، عطفاً على ما تقدم تقديره تسبيباً عن قوله {فليمدد} وهو: فيزيده ضلالاً، أو على موضع {فليمدد} : {ويزيد الله} وعبر بالاسم العلم إشارة إلى التجلي لهم بجميع الصفات العلى ليعرفوه حق معرفته {الذين اهتدوا هدى} عوض ما زوى عنهم ومنعهم من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسطه للضلال لهوانه عليه؛ فالآية من الاحتباك: ذكر السعة بالمد للضال أولاً دليلاً على حذف الضيق بالمنع للمهتدي ثانياً، وزيادة الهداية ثانياً دليلاً على حذف زيادة الضلال أولاً، وأشار إلى أنه مثل ما خذل أولئك بالنوال، وفق هؤلاء لمحاسن الأعمال، بإقلال الأموال فقال: {والباقيات} ثم وصفها احترازاً من أفعال أهل الضلال بقوله: {الصالحات} أي من الطاعات والمعارف التي شرحت لها الصدور،
(12/240)

فأنارت بها القلوب، وسلمت من إحباط الذنوب، فأوصلت إلى علام الغيوب {خير عند ربك} مما متع به الكفرة ومدوا به - على تقدير التنزل إلى تسميته خيراً، وإضافة الرب إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشارة إلى أنه يربيها تربية تبلغ أقصى ما يرضيه في كل تابعيه؛ ثم بين جهة خيرية هذا بقوله: {ثواباً} أي من جهة الثواب {وخير مرداً *} أي من جهة العاقبة يوم الحسرة وهو كالذي قبله، أو على قولهم: الصيف أحر من الشتاء بمعنى أنه في حره أبلغ منه في برده. فالكفرة يردون إلى خسارة وفناء، والمؤمنون إلى ربح وبقاء.
(12/241)

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)
ولما تضمن هذا من التهديد بذلك اليوم ما يقطع القلوب، فيوجب الإقبال على ما ينجي منه، عجب من حال من كفر به، موبخاً له، منكراً عليه، عاطفاً على ما أرشد إليه السياق فقال معبراً عن طلب الخير بالرؤية التي هي الطريق إلى الإحاطة بالأشياء علماً وخبرة، وإلى صحة الخبر عنها: {أفرءيت} أي أرأيت الذي يعرض عن هذا اليوم فرأيت {الذي} زاد على ذلك بأن {كفر بآياتنا} الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات {وقال} جراءة منه وجهلاً؛ أو يقال:
(12/241)

إنه لما هول أمر ذلك اليوم. وهتك أستار مقالاتهم، وبين وهيها، تسبب عن ذلك التعجيبُ ممن يقول: {لأوتين} أي والله في الساعة على تقدير قيامها ممن له الإيتاء هنالك {مالاً وولداً *} أي عظيمين، فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز.
ولما كان ما ادعاه لا علم له به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما، أنكر عليه قوله ذلك بقوله: {أطلع الغيب} الذي هو غائب عن كل مخلوق، فهو في بعده عن الخلق كالعالي الذي لا يمكن أحداً منهم الاطلاع عليه، وتفرد به الواحد القهار {أم اتخذ} أي بغاية جهده {عند الرحمن} العام الرحمة بالإنعام على الطائع والانتقام من العاصي ثواباً للطائع {عهداً *} عاهده عليه بأنه يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها له على وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله.
ولما كان كل من الأمرين: إطلاع الغيب واتخاذ العهد، وكذا ما ادعاه لنفسه، وما يلزم عن اتخاذ العهد من القرب، منتفياً قال: {كلاًّ} أي لم يقع شيء من هذين الأمرين، ولا يكون ما ادعاه فليرتفع عنه صاغراً.
(12/242)

ولما كان النفي هنا عن الواحد مفهماً للنفي عما فوقه اكتفى به، ولما رد ذلك استأنف الجواب لسؤال من كأنه قال: فماذا يكون له؟ بقوله مثبتاً السين للتوكيد في هذا التهديد: {سنكتب ما يقول} أي نحفظه عليه حفظ من يكتبه لنوبخه به ونعذبه عليه بعد الموت فيظهر له بعد طول الزمان أن ما كان فيه ضلال يؤدي إلى الهلاك لا محالة، ويجوز أن تكون السين على بابها من المهلة، وكذا الكتابة، والإعلام بذلك للحث على التوبة قبل الكتابة، وذلك من عموم الرحمة {ونمد له من العذاب مداً *} باستدراجه بأسبابه من كثرة النعم من الأموال والأولاد المحببة له في الدنيا، المعذبة له فيها، بالكدح في جمعها والمخاصمة عليها الموجبة له التمادي في الكفر الموجب لعذاب الآخرة، وإتيان بعضه في إثر بعض {إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 85] {ونرثه} بموته عن جميع ذلك؛ ثم أبدل من ضميره قوله: {ما يقول} أي من المال والولد فنحول بينه وبينهم بعد البعث كما فعلنا بالموت كحيلولة الوارث بين الموروث وبين الموروث عنه {ويأتينا} في القيامة {فرداً *} مسكيناً منعزلاً عن كل شيء لا قدرة له على مال ولا ولد، قلا عز له، ولا قوة بشيء منهما؛ روى
(12/243)

البخاري في التفسير عن خباب رضي الله عنه قال: كنت قيناً بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفاً، فجئت أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلت: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك، وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ قلت: نعم! قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالاً وولداً فأقضيك، فنزلت هذه الآية {أفرأيت الذي - إلى قوله: فرداً} .
ولما أخبر تعالى بالبعث، وذكر أن هذا الكافر يأتيه على صفة الذل، أتبعه حال المشركين مع معبوداتهم، فقال معجباً منهم عاطفاً على قوله ويقول الإنسان: {واتخذوا} أي الكفار، وجمع لأن نفي العز عن الواحد قد لا يقتضي نفيه عما زاد {من دون الله} وقد تبين لهم أنه الملك الأعلى الذي لا كفوء له {ءالهة ليكونوا لهم} أي الكافرين {عزاً *} لينقذوهم من العذاب.
ولما بين أنه لا يعزه مال ولا ولد، وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك، نفاه بقوله: {كلاًّ} بأداة الردع، لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من العبيد الذين من اعتز لهم ذل، فإنهم مجبولون على الحاجة، ومن طلب العز للدنيا طلبه من العبيد لا محالة، فاضطر قطعاً -
(12/244)

لبنائهم على النقص - إلى ترك الحق واتباع الباطل، فكانت عاقبة أمره الذل وإن طال المدى، فإن الله تعالى ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل؛ ثم بين سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال: {سيكفرون} أي الآلهة بوعد لا خلف فيه وإن طال الزمان {بعبادتهم} أي المشركين، فيقولون لهم {ما كنتم إياناً تعبدون} [يونس: 28] {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] {ويكونون عليهم} أي الكفار؛ ووحد إشارة إلى اتفاق الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامنهم كشيء واحد فقال: {ضداً *} أي أعداء فيكسبونهم الذل، وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون {والله ربنا ما كنا مشركين} فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى {ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} [العنكبوت: 25] .
ولما كان من المستبعد عندهم جواز رجوعهم عنهم فضلاً عن كفرهم بهم، دل على وقوعه بما يشاهد منهم من الأفعال المنافية لرزانة الحلم الناشئة عن وقار العلم، فقال: {ألم تر أنا} بما لنا من العظمة {أرسلنا الشياطين} الذين خلقناهم من النار، إرسالاً مستعلياً بالإبعاد والإحراق {على الكافرين} أي العريقين في الكفر
(12/245)

{تؤزهم أزاً *} أي تحركهم تحريكاً شديداً، وتزعجهم في المعاصي والدنايا التي لا يشكون في قباحتها وعظيم شناعتها وهم أشد الناس عيباً لفاعليها وذماً لمرتكبيها إرعاجاً عظيماً بحيث يكونون في تقلبهم ذلك مثل الماء الذي يغلي في القدر، ومثل الشرر المتطاير الذي هو أشد شيء منافاة لطبع الطين وملاءمة لطبع النار، فلما ثبت بذلك المدعى، تسبب عنه النهي عما اتصفوا به من خفة السفه وطيش الجهل فقال: {فلا تعجل عليهم} بشيء مما تريد به الراحة منهم.
ولما كانت مراقبة ناصر الإنسان لعدوه في الحركات والسكنات أكبر شاف للولي ومفرح، وأعظم غائط للعدو ومزعج ومخيف ومقلق، علل ذلك بقوله دالاًّ على أن زمنهم قصير جداً بذكر العد: {إنما نعد لهم} بإمهالنا لهم وإدرارنا النعم عليهم {عداً *} لأنفاسهم فما فوقها لا نغفل عنهم بوجه، فإذا جاء أجلهم الذي ضربناه لهم، محونا آثارهم، وأخلينا منهم ديارهم، لا يمكنهم أن يفوتونا، فاصبر فما أردنا بإملائنا لهم إلا إشقاءهم وإرداءهم لا تنعيمهم وإعلاءهم، فهو من قصر الموصوف على صفته إفراداً.
(12/246)

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
ولما بين مآل حال الكافرين في آلهتهم ودليله، أتبعه بوقته فقال: {يوم} أي يكفرون بعبادتهم يوم {نحشر المتقين} أي العريقين
(12/246)

في هذا الوصف؛ ولما تقدمت سورة النعم العامة النحل، وأتبعت سورة النعم الخاصة بالمؤمنين وبعض العامة، مثل {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70] ، ثم سورتي الخاصة بالصالحين الكهف وهذه، قال: {إلى الرحمن} فيدخلهم دار الرضوان، فذكر الاسم الدال على عموم الرحمة، وكرره في هذه السورة تكريراً دل على ما فهمته، وربما أيد ذلك افتتاح النحل بنعمة البيان على هذا الإنسان التي عبر عنها بالخصيم، وختام هذه بالقوم اللد من حيث رد مقطع هذه التي كانت بالنظر إلى النعم شيئاً واحداً على مطلعها {وفداً *} أي القادمين في إسراع ورفعة وعلى، كما تقدم الوفود على الملوك، فيكونون في الضيافة والكرامة.
ولما ذكر ما يدل على كرامة أوليائه، أتبعه ما يدل على إهانة أعدائه فقال: {ونسوق المجرمين} أي بالكفر وغيره من المعصية، كالبهائم سوقاً عنيفاً مزعجاً حثيثاً {إلى جهنم} بسطوة المنتقم الجبار {ورداً *} أي عطاشاً {لا يملكون الشفاعة} أي لا يملك أحد من القسمين أن يَشفَع ولا أن يشفَّع فيه {إلا من اتخذ} أي كلف نفسه واجتهد في أن أخذ {عند الرحمن عهداً *} بما وفقه له من الإيمان والطاعة التي وعده عليها أن يشفع أو أن يشفع فيه؛ فالآية من الاحتباك: ذكر الرحمن أولاً دليلاً على المنتقم ثانياً، وجهنم ثانياً دليلاً
(12/247)

على حذف الجنة أولاً.
ولما أبطل مطلق الشفعاء، وكان الولد أقرب شفيع، وكانوا قد ادعوا له ولداً، أبطل دعواهم فيه لينتفي كل شفيع خاص وعام، فينتفي كل عز راموه بشفاعة آلهتهم وغيرها. فقال عاطفاً على قوله: {واتخذوا من دون الله آلهة} موجباً منهم: {وقالوا} أي الكفرة {اتخذ الرحمن} أي الذي لا منعم غيره، فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد {ولداً *} قالت اليهود: عزير، والنصارى: المسيح، والمشركون: الملائكة، مع قيام الأدلة على استحالته عليه سبحانه؛ ثم استأنف الالتفات إلى خطابهم بأشد الإنكار، إيماء إلى تناهي الغضب فقال: {لقد} أي وعزتي! لقد {جئتم شيئاً إدّاً *} أي عظيماً ثقيلاً منكراً؛ ثم بين ثقله بقوله: {تكاد السماوات} على إحكامها، مع بعدها من أصحاب هذا القول {يتفطرن} أي يأخذن في الانشقاق {منه} أي من هذا الشيء الإدّ {وتنشق الأرض} على تحتها شقاً نافذاً واسعاً {وتخر} أي تسقط سريعاً {الجبال} على صلابتها {هداً *} كما ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل، لأجل {أن ادعوا} أي سموا {للرحمن} الذي كل ما سواه نعمة منه {ولداً *} هذا المفعول الثاني، وحذف الأول لإرادة العموم {وما ينبغي} أي ما يصح ولا يتصور {للرحمن أن يتخذ ولداً *} لأنه غير محتاج إلى الولد بوجه،
(12/248)

ومع ذلك فهو محال، لأن الولد لا يكون إلا مجانساً للوالد، ولا شيء من النعم بمجانس للمنعم المطلق الموجد لكل ما سواه، فمن دعا له ولداً قد جعله كبعض خلقه، وأخرجه عن استحقاق هذا الاسم، ثم أقام الدليل على غناه عن ذلك واستحالته عليه، تحقيقاً لوحدانيته، وبياناً لرحمانيته، فهدم بذلك الكفر بمطلق الشريك بعد أن هدم الكفر بخصوص الولد فقال: {إن} أي ما {كل من} أي شيء من العقلاء، فهو نكرة موصوفة لوقوعها بعد كل وقوعها بعد رب {في السماوات والأرض} الذين ادعوا أنهم ولد وغيرهم {إلا} .
ولما كان من العبد من يعصي على سيده، عبر بالإتيان فقال: {ءاتي الرحمن} العام بالإحسان، أي منقاد له طوعاً أو كرهاً في كل حالة وكل وقت {عبداً *} مسخراً مقهوراً خائفاً راجياً، فكيف يكون العبد ابناً أو شريكاً؟ فدلت الآية على التنافي بين العبودية والولدية، فهي من الدليل على عتق الولد والوالد إذا اشتريا.
(12/249)

لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
ولما كان من المستبعد معرفة الخلائق كلهم، أتبعه بقوله: {لقد} أي والله لقد {أحصاهم} كلهم إحاطة بهم {وعدهم} ولما كان ذلك لا يكاد يصدق، أكده بالمصدر فقال: {عداً *} قبل خلقهم من جميع جهات العبد ولوازمها، فلم يوجد ولم يولد، ولم يعدم أو يصب
(12/249)

أحد منهم إلا في حينه الذي عده له، وقد يكون الإحصاء قبل الوجود في عالم الغيب والعد بعد الوجود {وكلهم} أي وكل واحد منهم {ءاتيه يوم القيامة} بعد بعثه من الموت {فرداً *} على صفة الذل، موروثاً ماله وولده الذي كنا أعطيناه في الدنيا قوة له وعزاً، لأنه لا موجود غيره يقدر على حراسة نفسه من الفناء، فهو لا شك في قبضته، فكيف يتصور في بال أو يقع في خيال أن يكون شيء من ذلك له ولداً أو معه شريكاً.
ولما عم بهذا الحكم الطائع والعاصي، وكان ذلك محزناً لأهل الطاعة باستشعار الذل في الدارين، تحركت النفس إلى معرفة ما أفادتهم الطاعة، واستأنف الجواب لذلك مبشراً لهم بقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا} تصديقاً لادعائهم الإيمان، الأعمال {الصالحات سيجعل} تحقيقاً عما قليل عند بيعة العقبة {لهم الرحمن} الذي خصهم بالرضا بعد أن عمهم بالنعمة، جزاء على انقيادهم له، لأنه كان إما باختيارهم وإما برضاهم {وداً *} أي حباً عظيماً في قلوب العباد، دالاً على ما لهم عندهم من الود؛ قال الأصبهاني: من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي تكسب بها الناس مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع غيره أو غير ذلك، وإنما هو اختراع ابتدأ اختصاصاً منه لأوليائه بكرامة خاصة كما
(12/250)

قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً لهم وإجلالاً لمكانهم - انتهى. والمراد - والله أعلم - أنه لا يجعل سبحانه في قلب أحد من عباده الصالحين عليهم إحنة، لأن الود - كما قال الإمام أبو الحسن الحرالي: خلو عن إرادة المكروه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الروم ما يزيد ذلك وضوحاً؛ روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله إذا أحب عبداً دعا جبرئيل فقال: يا جبرئيل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبرئيل فقال: يا جبرئيل! إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض» .
ولما كان إنزال هذا القول الثقيل ثم تيسيره حفظاً وعملاً سبباً لما جعل لأهل الطاعة في الدنيا من الود بما لهم من التحلي والتزين بالصالحات، والتخلي والتصون من السيئات، الدال على ما لهم عند مولاهم من عظيم العز والقرب، وكان التقدير: والذين كفروا ليكسبنهم
(12/251)

الجبار بغضاً وذلاًّ، فأخبر كلاًّ من الفريقين بما له بشارة ونذارة، قال مسبباً عن إفصاح ذلك وإفهامه: {فإنما يسرناه} أي هذا القرآن، الذي عجز عن معارضته الإنس والجان، والكتاب القيم والوحي الذي لا مبدل له بسبب إنزالنا إياه {بلسانك} هذا العربي المبين، العذب الرصين {لتبشر به المتقين} وهم الذين يجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية، فلا يبطلون حقاً ولا يحقون باطلاً، ومتى حصلت لهم هفوة بادروا الرجوع عنها بالمتاب، بما لهم عندنا من العز الذي هو ثمرة العز المدلول عليه بما لهم منه في الدنيا، لا لتحزنهم بأن ينزل فيه ما يوهم تسويتهم بأهل المعصية في كلتا الدارين {وتنذر به قوماً لدّاً *} أشد في الخصومة، يريدون العز بذلك، لما لهم عندنا من الذل والهوان الناشىء عن المقت المسبب عن مساوىء الأعمال، وأنا نهلكهم إن لم يرجعوا عن لددهم، والألد هو الذي يتمادى في غيه ولا يرجع لدليل، ويركب في عناد الحق ما يقدر عليه من الشر، ولا يكون هذا إلا ممن يحتقر من يخاصمه ويريد أن يجعل الحق باطلاً، تكبراً عن قبوله، فينطبق عليه ما رواه مسلم في الإيمان عن صحيحه، وأبو داود في اللباس من سننه، والترمذي في البر من جامعه، وابن ماجه في السنة من سننه عن ابن مسعود
(12/252)

رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط -» وفي رواية: «وغمص - الناس» وكلاهما بمعنى الاحتقار، ومن كان هذا سبيله مرن على ذلك ومرد عليه، فكان جديراً بأن يركبه الله أبطل الباطل: الكفر عند الموت، فتحرم عليه الجنة، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} [الأعراف: 49] فيا ذل من تكبر على الحق! ويا عز من تشرف بالذل للحق والعز على الباطل! ولعمري لقد أجرى الله عادته - ولن تجد لسنة الله تحويلاً أن من تعود الجراءة بالباطل كان ذليلاً في الحق، وإليه يشير قوله تعالى في وصف أحبابه {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] .
ولما كان التقدير بعدما أرشد إليه السياق من مفعول {ينذر} : فإنا قادرون على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم، عطف عليه قوله: {وكم أهلكنا} بما لنا من العظمة، ولما كان المراد التعميم، أثبت الظرف
(12/253)

عرياً عن الجار، وأكد الخبر بإثبات من بعده فقال: {قبلهم من قرن} كانوا أشد منهم شدة، وأكثر عدة، وأوثق عدة، فلم يبق إلا سماع أخبارهم، ومشاهدة آثارهم؛ ثم قال تصويراً لحالهم، وتقريراً لمضمون ما مضى من مآلهم: {هل تحس منهم من أحد} ببصر أو لمس {أو تسمع لهم ركزاً *} أي صوتاً خفياً فضلاً عن أن يكون جلياً، فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه، والود لأصفيائه، والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه، بعد الرحمة للفريقين بهذا الكتاب بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه، وزلت عن أعدائه والله الموفق.
(12/254)

مقصودها الإعلام بإمهال المدعوين والحلم عنهم والترفق بهم إلى أن يكونوا أكثر الأمم، زيادة في الشرف داعيهم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وعلى هذا المقصد الشريف دل اسمها بطريق الرمز والإشارة، لتبيين أهل الفطنة والبصارة، وذلك بما في أولها من الحروف المقطعة، وذلك أنه لما كان ختام سورة مريم حاملاً على الخوف من أن تهلك أمته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قبل ظهور أمره الذي أمر الله به ةاشتهار دعوته، لقلة من آمن به منهم، ابتدأه سبحانه بالطاء إشارة بمخرجها الذي هو من رأس اللسان وأصول الثنيتين العليين إلى قوة أمر وانتشاره، وعلوه وكثرة أتباعه، لأن هذا المخرج أكثر المخارج حروفاً، وأشدها حركة وأوسعها انتشاراً، وبما فيها من صفات الجهر والإطباق والاستعلاء والقلقلة إلى انقلاب ما هو فيه من الإسرار جهراً، وما هو فيه من الرقة فخامة، لأنها من حروف التفخيم، وأنه يستعلي أمره، وينتشر ذكره، حتى يطبق جميع الوجود ويقلقل سائر الأمم، ولكن يكون ذلك.
بما تشير إليه الهاء بمخرجها من أقصى الحلق.
(12/255)

على حد بعده من طرف اللسان مع طول كبير وتماد كثير، وبما فيها من صفات الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء مع مخافته وضعف كبير، وهدوء وخفاء عظيم، ومقاساة شدائد كبار، مع نوع فخامة واشتهار، وهو وإن كان اشتهاراً يسيراً يغلب هذا الضعف كله وإن كان قوياً شديداً، وقراءة الإمالة للهاء تشير إلى شدة الضعف، وقراءة التفخيم.
وهي الأكثر القراء.
مشيرة إلى فخامة القدر وقوة الأمر، بما لهما من الانتفاخ، وإن رئي أنه ليس كذلك (إنه ليخافهملك بني الأصفر) وإن كان معنى الحرفين: يا رجل، فهو إشارة إلى قوته وعلو قدره، وفخامة ذكره، وانتشار أتباعه وعموم أمره، وإن كانا إشارة إلى وطء الأرض فهو إلاحة إلى قوة التمكن وعظيم القدرة وبعدد الصيت حتى تصير كلها ملكاً له ولأتباعه، وملكاً لأمرائه واشياعه.
والله أعلم.
وذكر ابن الفرات في تأريخه أن هحر الحبشة كانت قي السنة الثامنة من المبعث فالظاهر.
على ما يأتي في إسلام عمر رضي الله عنه أن نزول هذه السورة أو أولها كان قرب هجرة الحبشة، فيكون سبحانه قد رمز له (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على ما هو
(12/256)

ألذ في محادثة الأحباب، من صريح الخطاب، بعدد مسمى الطاء إلى أن وهن الكفار الوهن الشديد.
يقع في السنة التاسعة من نزولها، وذلك في غزوة بدر الموعد في سنة أربع من الهجرة، وبعدد اسمها إلى أن الفتح الأول يكون في السنة الحاية عشر من نزولها، وذلك في عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة عند نزول سورة الفتح، ورمز له بعدد مسمى الهاء إلى أن مبدأ النصرة بالهجرة في السنة الخامسة من نزولها، وبعدد اسمها إلى أن نصرة بالفعل يعق في السنة السابعة من نزولها، وذلك في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، وبعدد حرفي اسمها لا بعدد اسميها إلى أنه في السنة الثالثة عشر من نزولها يكون بفتح الأكبر بالاستعلاء على مكة المشرفة التي كان سبباً قريباً للاستعلاء على جميع الأرض، وذلك في أواخرها في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكان تمتمه بفتح الطائف بإرسال وفدهم وإسلامهم وهدم طاغيتهم في سنة تسع، وهي السنة الرابعة عشرة، وبعدد اسميهما إلى أن تطبيق أكثر الأرض بالإسلام يكون في السنة الثامنة عشرة من نزولها، وذلك بخلافة عمر رضي الله عنه في السنة الثالثة عشر من الهجرة.
والله أعلم.
) بسم (الواسع الحلم التام القدرة) الله (الملك الأعظم) الرحمن (
(12/257)

الذي استوى في أصل نعمته جميع خلقه) الرحيم (الذي أتم النعمة على أهل توفيقه ولطفه) طه
(12/258)

طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)
{طه*} أي تخلص بالغ من كل ما يخشى وظهر عظيم وطيب منتشر في كل قطر إلى نهاية الوطن الذي هو التاسع، ممن له الإحاطة التامة بكل غيب، وإليه يرجع الأمر كله، كما اجتمعت أسماؤه كلها في غيب هو الذي جعل العزة للمهتدين والهدى للمتقين.
هذه السورة والتي قبلها من أقدم السور المكية، قال هشام في تهذيب السيرة: قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أم أمية بن المغيرة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تبارك وتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم. فذكر إرسالهم إليه بهدايا ليردهم إليه، وأن بطارقته كلموه في ذلك، وأنه أبى حتى يسمع كلامهم، وأنه طلبهم فأجمع أمرهم على أن يقولوا الحق كائناً فيه ما كان، فدخلوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم به
(12/258)

قومكم ولم تدخلوا به في دين أحد من هذه الملل. قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم. وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام. فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان. فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك! فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ فقال له جعفر: نعم! فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدراً من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا
(12/259)

عليهم؛ ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ورسلهم خائبين. وقال ابن هشام: وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت: والله! إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر رضي الله عنه في بعض حاجاتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وهو على شركه، وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: نعم! والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجاً، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، فجاء عامر رضي الله عنه بحاجته تلك فقلت له: يا أبا عبد الله! لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا! قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت: نعم! قال: لايسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب.
يأساً منه. لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام، قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنهم، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام. رجل من قومه بني عدي بن كعب. قد أسلم رضي الله عنه،
(12/260)

وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً متوشحاً بسيفه يريد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورهطاً من أصحابه رضي الله عنهم قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ممن كان أقام مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله رضي الله عنه فقال: أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمداً هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم رضي الله عنه: والله! لقد غرتك نفسك من نفسك ياعمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت رضي الله عنه وعنهما، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب
(12/261)

خباب بن الأرت رضي الله عنه في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئاً؟ قال: بلى! والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه رضي الله عنهما: نعم! قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتباً، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لاتخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: يا أخي! إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب رضي الله عنه خرج إليه فقال له: يا عمر! والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر! فقال له عمر عند ذلك: فدلني
(12/262)

يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنظر من خلال الباب فرآه متوحشاً السيف فرجع إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو فزع فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب متوحشاً السيف! فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب! فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله! جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكانهم، وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر بن الخطاب مع إسلام حمزة رضي الله عنهما، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وينتصفون
(12/263)

بهما من عدوهم، فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن أسلام عمر رضي الله عنه حين أسلم.
وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهما بثلاثة أيام، كما ثبت ذلك في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي، وصفوة الصفوة لابن الجوزي؛ قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ قال: قيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه. واتبعه عمر رضي الله عنه واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة. ألا! إن ابن الخطاب قد صبأ قال: يقول عمر رضي الله عنه من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على روؤسهم قال: وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف
(12/264)

بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها أو تركتموها لنا، قال: فبينما هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم؟ هكذا عن الرجل! قال: فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه. وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي الله عنه:
الحمد لله ذي المن الذي وجبت ... له علينا أياد ما لها غير
وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا ... صدق الحديث نبي عنده الخبر
وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ... ربي عشية قالوا قد صبا عمر
وقد ندمت على ما كان من زلل ... بظلمها حين تتلى عندها السور
لما دعت ربها ذا العرش جاهدة ... والدمع من عينها عجلان يبتدر
أيقنت أن الذي تدعوه خالقها ... فكاد يسبقني من عبرة درر
فقلت أشهد أن الله خالقنا ... وأن أحمد فينا اليوم مشتهر
نبي صدق أتى بالحق من ثقة ... وافى الأمانة ما في عوده خور
إذا تقرر هذا، علم أن المقصود من السورة - كما تقدم - تشريف
(12/265)

هذا النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعلامه بالرفق بأمته، والإقبال بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة، وحماهم ممن يريد قتلهم، ولين قلب عمر رضي الله عنه بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيراً، ثم حماه بعدوه، وتأمينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن يستأصلوا بعذاب، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح وهود عليهما السلام ومن بعدهم - بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد، ولم يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم، وحل بوارهم، وأتى دمارهم، وأنه لا يؤمن منهم - لما هم فيه من اللد - إلا من قد آمن، فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله، لأن الأمر كان في ابتدائه، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جداً، فسكن سبحانه الروع بقوله: {ما أنزلنا} بعظمتنا {عليك} أي وأنت أعلم الخلق {القرآن} أي أعظم الكتب، الجامع لكل خير، والدافع لكل ضير، الذي يسرناه بلسانك {لتشقى*} أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعاً بعد استئصال قومك وشقائهم بإنذارك {إلا} أي لكن أنزلناه
(12/266)

{تذكرة} أي تذكيراً عظيماً {لمن يخشى*} ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا القرآن ودوامه، وما فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من الأحكام أصولاً وفروعاً، والمواعظ والرقائق، والمعارف والآداب، وأخبار الأولين والآخرين، ومصالح الدارين، وزيادته عليها بما شاء الله، لأن كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب، والتعبير عن «لكن» بالإشارة إلى أنه يمكن أن يكون من باب:
ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله: {تنزيلاً} إلى أنه يتمهل عليهم ترفقاً بهم، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجاً، إزالة لشبههم، وشرحاً لصدورهم، وتسكيناً لنفوسهم، ومداً لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام إليهم، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى، بل أرسل إليهم رسولاً لئلا يقولوا: ربنا لولا - كما اقتضته حكمته وتمت به كلمته، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة والشماخة التي سماهم الله بها قوماً لدّاً في غاية البعد، شرع سبحانه يذكر بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء، وأن شأنه الرفق والأناة، فقال ملتفتاً من التكلم إلى الغيبة ليدل على ما اقتضته النون من العظمة
(12/267)

مقدماً ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية أريد منهم: {ممن خلق الأرض} المنخفضة.
ولما قدم الأرض إعلاماً بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم تحقيقاً لمقصود السورة تشريفاً للمنزل عليه، أتبعها محل الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال: {والسماوات العلى*} في ستة أيام، ولو شاء كانتا في لحظة.
ولما كان القادر قد لايكون ملكاً، قال دالاًّ على ملكه مادحاً له بالقطع خبراً لمبتدأ محذوف: {الرحمن} مفتتحاً بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي؛ ثم ذكر خبراً ثانياً دالاً على عموم الرحمة فقال: {على العرش} الحاوي لذلك كله {استوى*} أي أخذ في تدبير ذلك منفرداً، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم: فلان استوى، أي جلس معتدلاً على سرير الملك، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه أصلاً، هذا روح هذه العبارة، كما أن روح قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما «القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ذلك، وهو عليه يسير خفيف كخفته على من هذا
(12/268)

الحالة، وليس المراد أن هناك إصبعاً أصلاً - نبه على ذلك حجة الإسلام الغزالي، ومنه أخذ الزمخشري أن يد فلان مبسوطة كناية عن جواد وإن لم يكن هناك بد ولا بسط أصلاً.
ولما كان الملك قد لا يكون مالكاً، قال مقدماً الأشرف على العادة: {له ما في السماوات} أي كله من عاقل وغيره {وما في الأرض} جميعه {وما بينهما} أي السماوات والأرض {وما تحت الثرى*} وهو التراب النديّ، سواء قلنا: إنه آخر العالم فما تحته العدم المحض أم لا؟ فبكون تحته النور أو الحوت أو غيرهما.
(12/269)

وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)
ولما كان الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم، وكان الملك من الآدميين قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا كان واسعاً ولذلك يختل بعض أمره، اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك، فقال حثاً على مراقبته والإخلاص له: {وإن تجهر بالقول} أي بهذا القرآن للبشارة والنذارة أو لغير ذلك أو بغيره، فإنه علام به وغير محتاج إلى الجهر، فلا يتكلف ذلك في غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع {فإنه يعلم السر} وهو ما يناجي به الاثنان مخافتة {وأخفى*} من ذلك، وهو ما في الضمائر مما تخيلته الأفكار ولم يبرز إلى الخارج
(12/269)

وغيره من الغيب الذي لم يعلمه غيره تعالى بوجه من الوجوه، ومنه ما سيكون من الضمائر. ولما كان من هو بهذه الأوصاف من تمام العلم والقدرة ربما ظن أن له منازعاً، نفى ذلك بقوله معلماً أن هذا الظن باطل قطعاً لا شبهة له وأن ما مضى ينتج قطعاً: {الله} مفتتحاً بالاسم الأعظم الحاوي لصفات الكبر وغيرها {لا إله إلا هو} ثم علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {الأسماء الحسنى*} أي صفات الكمال التي لا يصح ولا يتصور أن يشوبها نقص ما، بل هو متصف بها دائماً اتصافاً حقيقياً لا يمكن انفكاكه، كما يكون لغيره من الاتصاف ببعض المحاسن في بعض الأحايين ثم يعجز عنه في وقت آخر أو بالنسبة إلى زمان آخر.
ولما أتبع ذلك قصة موسى عليه السلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف، وأرشد ذلك إلى أن المعنى: هل تعلم له سمياً، أي متصفاً بأوصافه أو بشيء منها له بذلك الوصف مثل فعله، ولما كان الجواب قطعاً: لا، ثبت أن لا متصف بشيء من أوصافه، فعطف على هذا المقدر قصة موسى عليه السلام، ويكون التقدير: هل علمت بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك، وتفخيم أمرك، بتكثير
(12/270)

أتباعك، وعطف عليه القصة شاهداً محسوساً على ما له من الاتصاف بما انتفى عن غيره من الأسماء الحسنى، ولاسيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد بالعظمة، وأنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه النصرة على الملوك وسائر الأضداد، والتمكين في أقطار البلاد، وكثرة الأتباع، وإعزاز الأنصار والوزراء والأشياع، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء أمرهما من التفاوت، فإن ابتداء أمر موسى عليه السلام أنه أتى النار ليُقبس أهله منها ناراً أو يجد عندها هدى.
فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح، وهذا النبي الكريم كان ابتداء أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك اجتذاباً من الحق له قبل النبوة بمدد، تدريباً له وتقوية لقلبه، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر، وإلى أوجها بعزمه صائر بل طائر، وموسى عليه السلام رأى حين أتته النبوة آية العصا واليد، ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه، كما أسنده ابن إسحاق في السيرة. وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(12/271)

قال: «إني لأعرف حجراً كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث» فقال تعالى مقرراً تنبيهاً على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه، وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغشوا قريشاً حين تكلفوا طيّ شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ليكون فائدة الاستفهام أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم: {وهل أتاك} أي يا أشرف الخلق! {حديث موسى*} نادباً إلى التأسي بموسى عليه السلام في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات الشدائد، وشارحاً بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما أجمل منها في سورة مريم، ومقرراً بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه يسعده ولا يشقيه، ويعزه على جميع شانئيه بإعزازه على أهل بلده بعد إخراجهم له، كما أعز موسى عليه السلام من خرج من بلادهم خائفاً يترقب، ترغيباً في الهجرة ثالثاً بعد ما رغب فيها أولاً بقصة أصحاب الكهف وثانياً بقصة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأنه يعلي قومه على جميع أهل الأرض، وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض، يذل بهم الجبابرة، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم موسى، وأشار بإنجاء موسى عليه السلام على
(12/272)

يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه، وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم والنقم، ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كان يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفاً، وكذا ما في قصة آدم عليه السلام من قوله {فنسي ولم نجد له عزماً} [طه: 115] وقوله {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 122] ولعله أشار بقوله {واحلل عقدة من لساني} [طه: 27] إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا الذكر بلسانه، وأرشد بدعاء موسى عليه السلام بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب وزيراً من أهله إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين بأحد الرجلين، فأيده بأعظم وزير: عمر بن الخطاب رضي الله عنه - كما مضى هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليه السلام هنا، إتماماً لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشاً أن يسألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الروح، وما ذكر معها من دقائق، من أمر قصة نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يعلمها أحد منهم أو إلا حذّاقهم، منها أن الموعد كان يوم الزينة، ومنها إيمان السحرة إيماناً كاملاً، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل، ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول، فإني لم أر أحداً من اليهود يعرف ذلك، وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم عليه السلام وما منحه وأعطاه، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به،
(12/273)

وأعقب ذلك بقوله تعالى {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم} [مريم: 58] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية، والدرجات المنفية الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً} [مريم: 59] كان هذا مظنة إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} وأيضاً فقد ختمت سورة مريم يقوله {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً} بعد قوله {وتنذر به قوماً لداً} وقد رأى عليه الصلاة والسلام من تأخر قريش عن الإسلام ولددها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم. ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام يحزنه تأخير إيمانهم، ولذلك قيل له {فلا تحزن عليهم} فكأنه عليه الصلاة والسلام ظن أنه يستصعب المقصود من استجابتهم، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة، فبشره سبحانه وتعالى بقوله: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر {فلا يحزنك قولهم} [يونس: 65] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفاً وتأنيساً بقوله {الرحمن على العرش استوى} إلى أول قصص موسى عليه السلام، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه.
(12/274)

فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام، وما كان منه في إلقائه صغيراً في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول - والله أعلم، انتهى. {إذ} أي حديثه حين {رأى ناراً} وهو راجع من بلاد مدين {فقال لأهله امكثوا} أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من السير؛ ثم علل أمره بقوله: {إني ءانست} أي أبصرت في هذا الظلام إبصاراً بيناً لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء، وهو مع ذلك مما يسر من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم {ناراً} فكأنه قيل، فكان ماذا؟ فقال معبراً بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى: {لعلي ءاتيكم} أي أترجى أن أجيئكم {منها بقبس} أي بشعلة من النار في رأس حطبة فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة {أو أجد على} مكان {النار هدى*} أي ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم {فلما أتاها} .
ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم، بنى للمفعول قوله: {نودي} من الهدى الذي لا هدى غيره؛ ثم بين النداء بقوله:
(12/275)

{يا موسى*} ولما كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفاً، قال مؤكداً، تنبيهاً له على تعرف أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة التي عهدها في مكالمة المخلوقين، مسقطاً الجار في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي حفص بالفتح، وحاكياً بقول مقدر عند الباقين: {إني أنا ربك} أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين {فاخلع نعليك} كما يفعل بحضرات الملوك أدباً، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأً للإقامة غير ملتفت إلى ما وراءك من الأهل والولد، ولهذا قال أهل العبارة: النعل يدل على الولد.
ثم علل بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال: {إنك بالواد المقدس} أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك؛ ثم فسره بقوله: {طوى*} ولما كان المعنى: فإني اخترته تشريفاً له من بين البقاع لمناجاتك، عطف عليه قوله: {وأنا اخترتك} أي للنبوة {فاستمع} أي أنصت ملقياً سمعك معملاً قلبك للسماع {لما} أي اخترتك للذي، وقدم استمع اهتماماً به {يوحى*} أي يقال لك مني سراً مستوراً عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث
(12/276)

بما يجعل له من الخلوة إعلاماً بعلو قدره وفخامة أمره؛ ثم فسر الموحى بأول الواجبات وهو معرفة الله تعالى؛ فقال مؤكداً لعظم الخبر وخروجه عن العادات: {إنني أنا الله} فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب للملطوف به - بعد التعرف إليه بالإكرام - الإقامة في مقام الجلال والجمال.
ولما كان هذا الاسم العلم جامعاً لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى، حسن تعقيبه بقوله: {لا إله إلا أنا} ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة، قال: {فاعبدني} أي وحدي: ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة، وآية الخضوع والمراقبة وروح الدين فقال: {وأقم الصلاة} أي التي أضاعها خلوف السوء، إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة على المراقبة، بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء، وذلك معنى {لذكري*} وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال، بل هي الجامعة لمظهري الجمال والجلال؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى، بل لا بد من إماتتهم، ثم بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل، فقال مؤكداً لإنكارهم معبراً بما يدل على سهولة ذلك عليه جداً: {إن الساعة ءاتية} أي لاريب في إتيانها، فهي أعظم باعث على الطاعة.
(12/277)

ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجباً في الغالب لنسيانه والإعراض عنه، فكان غير بعيد من إخفائه أصلاً ورأساً، قال مشيراً إلى هذا المعنى: {أكاد أخفيها} أي أقرب من أن أجدد إخفاءها، فلذا يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا يستعد غفلة عنها، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة، ما من لحظة إلا وهي صالحة للترقب؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله: {لتجزى} أي بأيسر أمر وأنفذه {كل نفس} كائنة من كانت {بما تسعى*} أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من أمر ناساً بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق.
(12/278)

فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)
ولما كانت - لما تقدم - في حكم المنسي عند أغلب الناس قال: {فلا يصدنك عنها} أي إدامة ذكرها ليثمر التشمير في الاستعداد لها {من لا يؤمن بها} بإعراضه عنها وحمله غيره على ذلك بتزيينه بما أوتي من المتاع الموجب للمكاثرة المثمرة لامتلاء القلب بالمباهاة والمفاخرة، فإن من انصد عن ذلك غير بعيد الحال ممن كذب بها،
(12/278)

والمقصود من العبارة نهي موسى عليه السلام عن التكذيب، فعبر عنه بنهي من لا يؤمن عن الصد إجلالاً لموسى عليه السلام، ولأن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، ولأن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب، فكأنه قيل: كن شديد الشكيمة صليب المعجم، لئلا يطمع أحد في صدك وإن كان الصاد هم الجم الغفير، فإن كثرتهم تصل إلى الهوى لا إلى البرهان، وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله نبه عليه الكشاف. ثم بين العلة في التكذيب بها والكسل عن التشمير لها بقوله: {واتبع} أي بغاية جهده {هواه} فكان حاله حال البهائم التي لا عقل لها، تنفيراً عن مثل حاله؛ ثم أعظم التحذير بقوله مسبباً: {فتردى*} أي فتهلك، إشارة إلى أن من ترك المراقبة لحظة حاد عن الدليل، ومن حاد عن الدليل هلك.
ولما كان المقام مرشداً إلى أن يقال: ما جوابك يا موسى عما سمعت؟ وكان تعالى عالماً بأنه يبادر إلى الجواب بالطاعة في كل ما تقدم، طوى هذا المقال مومئاً إليه بأن عطف عليه قوله: {وما تلك} أي العالية المقدار
(12/279)

{بيمينك يا موسى*} مريداً - بعد تأنيسه بسؤاله عما هو أعلم به منه - إقامة البينة لديه بما يكون دليلاً على الساعة من سرعة القدرة على إيجاد ما لم يكن، بقلب العصا حية بعد تحقق أنها عصاه يقرب النظر إليها عند السؤال عنها ليزداد بذلك ثباتاً ويثبت من يرسل إليهم {قال هي} أي ظاهراً وباطناً {عصاي} ثم وصل به مستأنساً بلذيذ المخاطبة قوله بياناً لمنافعها خوفاً من الأمر بإلقائها كالنعل: {أتوكأ} أي أعتمد وأرتفق وأتمكن {عليها} أي إذا أعييت أو أعرض لي ما يحوجني إلى ذلك من زلق أو هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك؛ ثم ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال: {وأهشُّ} أي أخبط الورق، قال ابن كثير: قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: والهش أن يضع الرجب المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا يخبط فهذا الهش، قال: وكذا قال ميمون بن مهران، وقال أبو حيان: والأصل في هذه المادة الرخاوة.
يقال: رجل هش. {بها على غنمي} .
ولما كان أكمل أهل ذلك الزمان، خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما هو فيه من لذة المخاطبة كما قيل: اجلس على
(12/280)

البساط وإياك والانبساط، وطمعاً في سماع كلامه سبحانه وتعالى، فقال مجملاً: {ولي فيها مآرب} أي حوائج ومنافع يفهمها الألبّاء. ولما كان المحدث عنه لايعقل، وأخبر عنه بحمع كثرة، كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة فقال: {أخرى*} تاركاً للتفصيل، فكأنه قيل: فماذا قيل له؟ فقيل: {قال ألقها} أي العصا، وأنسه بقوله سبحانه وتعالى: {يا موسى * فألقاها} أي فتسبب عن هذا الأمر المطاع أنه ألقاها ولم يتلعثم {فإذا هي} أي في الحال ظاهراً وباطناً {حية} عظيمة جداً يطلق عليها لعظمعا بنهاية أمرها اسم الثعبان، والحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير {تسعى*} سعياً خفيفاً يطلق عليها لأجله في أول أمرها اسم الجان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورم حتى صارت ثعباناً - انتهى. فهي في عظم الثعبان وسرعة الجان.
ولما كان ذلك أمراً مخيفاً، استشرف السامع إلى ما يكون من حاله عند مثل هذا بعد ذلك، فاستأنف إخباره بقوله: {قال} أي الله تبارك وتعالى على ما يكون منها عند فرعون لأجل التدريب:
(12/281)

{خذها ولا تخف} مشيراً إلى أنه خاف منها على عادة الطبع البشريّ؛ ثم علل له النهي عن الخوف بقوله {سنعيدها} أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه {سيرتها} أي طريقتها {الأولى*} من كونها عصا، فهذه آية بينة على أن الذي يخاطبك هو ربك الذي له الأسماء الحسنى، فنزلت عليه السكينة، وبلغ من طمأنينته أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها، فإذا هي عصاه، ويده بين شعبتيها.
ولما أراه آية في بعض الآفاق، أراد أن يريه آية في نفسه فقال: {واضمم يدك} من جيبك الذي يخرج منه عنقك {إلى جناحك} أي جنبك تحت العضد تنضم على ما هي عليه من لونها وما بها من الحريق، وأخرجها {تخرج} فالآية من باب الاحتباك، والجناح: اليد، والعضد، والأبط، والجانب - قاله في القاموس، فلا يعارض هذا ما في القصص لأنه أطلق الجناح هناك على اليد وهي أحق به، وهنا على الجنب الذي هو موضعها تسمية للمحل باسم الحال {بيضاء} بياضاً كالشمس تتعجب منه.
ولما كان البرص أبغض شيء إلى العرب، نافياً له ولغيره، ولم يسمه باسمه لأن أسماعهم له مجاجة، ولأن نفي الأعم من الشيء
(12/282)

أبلغ من نفيه بخصوصه: {من غير سوء} أي مرض لا برص ولا غيره، حال كونها {آية أخرى*} افعل ما أمرتك به من إلقاء العصا وضم اليد، أو فعلنا ذلك من إحالة العصا ولون اليد من مناداتك لمناجاتك {لنريك} في جميع أيام نبوتك {من آياتنا الكبرى*} ليثبت بذلك حنانك، ويزداد إتقانك، فكأنه قيل: لماذا يفعل بي هذا؟ فقيل: لنرسلك إلى بعض المهمات {اذهب إلى فرعون} أي لترده عن عتوه: ثم علل الإرسال إلية بقوله، مؤكداً لأن طغيان أحد بالنسبة إلى شيء مما للملك الأعلى مما يستبعد: {إنه طغى*} أي تجاوز حده من العبودية فادعى الربوبية، وأشار إلى ما حصل له من الضيق من ذلك بما عرف من أنه أمر عظيم، وخطب جسيم، يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح قلب ضابط كما صرح به في سورة الشعراء - بقوله {قال رب اشرح} أي وسع {لي} ولما أبهم المشروح ليكون الكلام أوكد بتكرير المعنى في طريقي الإجمال والتفصيل، قال رافعاً لذلك الإبهام: {صدري*} للإقدام على ذلك، وإلى استصعابه بقوله: {ويسر لي} ثم بين ذلك الإبهام بقوله: {أمري*} وإلى استعجازه نفسه عن الإبانة لهم عن المراد بقوله:
(12/283)

{واحلل} ولما كان المعنى هنا ما لا يحتمل غيره إذ إنه لم يسأل بقاءه في غير حال الدعوة، عدل عن طريق الكلام الماضي فقال: {عقدة من لساني*} أي مما فيه من الحبسة عن الإتيان بجميع المقاصد من الجمرة التي وضعها في فيه وهو عند فرعون، كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولما كان سؤاله هذا إنما هو الله، ولذلك اقتصر على قدر الحاجة فلم يطلب زوال الحبسة كلها، أجابه بقوله: {يفقهوا قولي*} وإلى اعتقاد صعوبة المقام مع ذلك كله بطلب التأييد بنصير يهمه أمره بقوله: {واجعل لي} أي مما تخصني به؛ وبين اهتمامه بالإعانة كما يقتضيه الحال فقدم قوله: {وزيراً} أي ملجأ يحمل عني بعض الثقل ويعاونني {من أهلي*} لأني به أوثق لكونه عليّ أشفق، ثم أبدل منه قوله: {هارون} وبينه بقوله: {أخي*} أي لأنه أجدر أهلي بتمام مناصرتي؛ وأجاب الدعاء في قراءة ابن عامر فقال: {اشدد} بقطع الهمزة مفتوحة {به أزري*} أي قوتي وظهري {وأشركه} بضم الهمزة مسنداً الفعلين إلى ضميره على أنهما مضارعان،
(12/284)

وقراءة الباقين بوصل الأول وفتح همزة الثاني على أنهما أمران، مسندين إلى الله تعالى على الدعاء {في أمري*} أي النبوة.
(12/285)

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)
ولما أفهم سؤاله هذا أن له فيه أغراضاً، أشار إلى أنها ليست مقصودة له لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية، فقال: {كي نسبحك} أي بالقول والفعل بالصلاة وغيرها {كثيراً*} فأفصح عن أن المراد بالمعاضدة إنما هو لتمهيد الطريق إليه سبحانه.
ولما كان التسبيح ذكراً خاصاً لكونه بالتنزيه الذي أعلاه التوحيد، أتبعه العام فقال: {ونذكرك} أي بالتسبيح والتحميد {كثيراً} فإن التعاون والتظاهر أعون على تزايد العبادة أنه مهيج للرغبات؛ ثم علل طلبه لأخيه لأجل هذا الغرض بقوله: {إنك كنت بنا بصيراً*} قبل الإقامة في هذا الأمر في أنك جبلتنا على ما يلائم ذكرك وشكرك، وأن التعاضد مما يصلحنا، وكل ذلك تدريب لمن أنزل عليه الذكر على مثله وتذكير بنعمة تيسيره بلسانه ليزداد ذكراً وشكراً.
ولما تم ذلك، كان موضع توقع الجواب، فأتبعه قوله: {قال} أي الله: {قد أوتيت} بأسهل أمر {سؤلك} أي ما سألته {يا موسى} من حل عقدة لسانك وغير ذلك ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني فعلته منة مني عليك.
ولما كان إنجاؤه من فرعون يث ولد في السنة التي يذبح
(12/285)

فيها الأبناء - قالوا: وهي الرابعة من ولادة هارون عليه السلام - بيد فرعون وفي بيته أمراً عظيماً، التفت إلى مقام العظمة مذكراً له بذلك تنويراً لبصيرته وتقوية لقلبه، إعلاماً بأنه ينجيه منه الآن، كما أنجاه في ذلك الزمان، ويزيده بزيادة السن والنبوة خيراً، فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ذاك عزه في وجوده فقال: {ولقد مننا} أي أنعمنا إنعاماً مقطوعاً به على ما يليق بعظمتنا {عليك} فضلاً منا {مرة أخرى*} غير هذه؛ ثم ذكر وقت المنة فقال: {إذ} أي حين {أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إلى أمك} أي بالإلهام {ما} يستحق لعظمته أن {يوحى*} به، ولا يعلمه إلا نبي أو من هو قريب من درجة النبوة؛ ثم فسره بقوله: {أن اقذفيه} أي ألقي ابنك {في التابوت} وهو الصندوق، فعلوت من التوب الذي معناه تفاؤلاً به، وقال الحرالي: هو وعاء ما يعز قدره، والقذف مجاز عن المسارعة إلى وضعه من غير تمهل لشيء أصلاً، إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان، والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل {فاقذفيه} أي
(12/286)

موسى عليه السلام عقب ذلك بتابوته، أو التابوت الذي فيه موسى عليه السلام {في اليم} أي البحر وهو النيل.
ولما كانت سلامته في البحر من العجائب، لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت، أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها، أو بجريه مستقيماً مع أقوى جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات، أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر عبارة عن معنى الخبر في قوله، جاعلاً البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر: {فليلقه} أي التابوت الذي فيه موسى عليه السلام أو موسى بتابوته {اليم بالساحل} أي شاطىء النيل، سمي بذلك لأن الماء يسحله، أي ينشره إلى جانب البيت الذي الفعل كله هرباً من شر صاحبه، وهو فرعون، وهو المراد بقوله: {يأخذه} جواباً للأمر، أي موسى {عدو لي} ونبه على محل العجب بإعادة لفظ العدو في قوله: {وعدو له} فإنه ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله {وألقيت عليك محبة} أي عظيمة؛ ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحاً بقوله: {مني} أي ليحبك كل من رآك لما جبلتك عليه من الخلال الحميدة، والشيم السديدة، لتكون أهلاً لما أريدك له {ولتصنع} أي تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية شديدة {على عيني*} أي مستعلياً على حافظيك غير مستخفى
(12/287)

في تربيتك من أحد ولا مخوف عليك منه، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه لا يغيب عنها، فكان كل ما أردته، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك المراضع، فلما لم تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب، كل ذلك إمضاء لأمري وإيقافاً لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب، ثم ذكر ظرف الصنع فقال: {إذ} أي حين {تمشي أختك} أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا لك مرضعة {فتقول} بعد إذ رأتك، لآل فرعون: {هل أدلكم على من يكفله} أي يقوم بمصالحه من الرضاع والخدمة، ناصحاً له، فقالوا: نعم! فجاءت بأمك فقبلت ثديها {فرجعناك} أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك {إلى أمك} حين دلتهم عليها {كي تقر} أي تبرد وتسكن {عينها} وتربيك آمنة عليك غير خائفة، ظاهرة غير مستخفية {ولا تحزن} بفراقك أو بعدم تربيتها لك وبذلها الجهد في نفعك {وقتلت نفساً} أي بعد أن صرت رجلاً من القبط دفعاً عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك {فنجيناك} بما لنا من العظمة {من الغم} الذي كان قد نالك بقتله خوفاً من جريرته، بأن أخرجناك مهاجراً لديارهم نحو مدين {وفتناك فتوناً} أي خلصناك من محنة بعد محنة مرة بعد مرة،
(12/288)

على أنه جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بالتاء، ويجوز أن يكون مصدراً كالشكور، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفاً يترقب، ثم إيجار نفسه عشر سنين، ثم إضلاله الطريق، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة {فلبثت سنين} أي كثيرة {في أهل مدين} مقيماً عند نبينا شعيب عليه السلام يربيك بآدابه، وصاهرته على ابنته {ثم جئت} أي الآن {على قدر} أي وقت قدّرته في الأزل لتكليمي لك، وهو بلوغ الأشد والاستواء، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفاً منه، فجئت غير مستقدم ولا مستأخر {يا موسى * واصطنعتك} أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق {لنفسي *} أي لتفعل من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير مشارك، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم.
فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته، أعادها في قوله: {اذهب أنت} كما تقدم أمري لك به {وأخوك} كما سألت {بآياتي} التي أريتك
(12/289)

وغيرها مما أظهره على يديك {ولا تنيا} أي تفترا وتضعفا {في ذكري*} الذي تقدم أنك جعلته غاية دعائك، بل لتكن - مع كونه ظرفاً محيطاً بجميع أمرك - في غاية الاجتهاد فيه وإحضار القلب له، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه، فإن ذلك أعون شيء على المراد، ثم بين المذهوب إليه بقوله، مؤكداً لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد طبع البشر يتحقق جزم الأمر به فقال: {اذهبا إلى فرعون} ثم علل الإرسال إليه بقوله، مؤكداً لما مضى، ولزيادة التعجيب من قلة عقله، فكيف بمن تبعه {إنه طغى*} ثم أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن فالأحسن والأسهل فالأسهل، فقال مسبباً عن الانتهاء إليه ومعقباً: {فقولا له قولاً ليناً} لئلا يبقى له حجة، ولا يقبل له معذرة {لعله يتذكر} ما مر له من تطوير الله له في أطوار مختلفة، وحمله فيما يكره على ما لم يقدر على الخلاص منه بحيلة، فيعلم بذلك أن الله ربه، وأنه قادر على ما يريد منه، فيرجع عن غيّه فيؤمن {أو يخشى*} أي أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة قولكما لتوهم الصدق
(12/290)

فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل، ومعنى الترجي أن يكون حاله حال من يرجى منه ذلك، لأنها من ثمرة اللين في الدعاء، جرى الكلام في هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاوراتهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون، فالمراد: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما، وأما علمه تعالى فقد أتى من وراء ما يكون - قاله سيبويه في باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء.
(12/291)

قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)
ولما كان فرعون في غاية الجبروت، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن يمنعهما الله، وأراد علم ما يكون من ذلك {قالا ربنا} أي أيها المحسن إلينا. ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة الله - من شأنه أن لا يكون وأن ينكر، أكد فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة إبلاغاً في إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر: {إننا نخاف} لما هو فيه من المكنة {أن يفرط} أي يجعل {علينا} بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء {أو أن يطغى*} فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه من الاستكبار {قال لا تخافا} ثم علل ذلك بما هو مناط النصرة والحيطة للولي والإهلاك للعدو، فقال مؤكداً إشارة إلى عظم الخبر،
(12/291)

وتنبيهاً لمضمونه لأنه خارج عن العوائد، وأثبت النون الثالثة على وزان تأكيدهما: {إنني معكما} لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم {أسمع وأرى*} أي لي هاتان الصفتان، لا يخفى عليَّ شيء من حال رسولي ولا حال عدوه، وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما.
ولما تمهد ذلك، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان، فقال مؤكداً للذهاب أيضاً لما مضى: {فأتياه فقولا} أي له؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما، أكد سبحانه فقال: {إنا} ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما تقدم مطلوباً، ثنى فقال: {رسولا ربك} الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن أوجدك من العدم، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيباً له في ادعائه الربوبية، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما: {فأرسل معنا} عبيده {بني إسرائيل} ليعبدوه، فإنه لا يستحق العبادة غيره {ولا تعذبهم} بما تعذبهم به من الاستخدام والتذبيح؛ ثم علل دعوى الرسالة بما يثبتها، فقال مفتتحاً بالحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال: {قد جئناك بآية} أي علامة عظيمة وحجة وبرهان
(12/292)

{من ربك} الذي لا إحسان عليك إلا منه، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا واليد وغيرهما، فأسلم تسلم، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ادعاء الربوبية، ونسبته إلى كفران الإحسان، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى الله {والسلام} أي جنسه {على} جميع {من اتبع} بغاية جهده {الهدى*} عامة، وإذا كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم، فالمعنى: وإن أبيت عذبت {إنا} أي لأنا {قد أوحي إلينا} من ربنا {أن العذاب} أي كله، لأن اللام للاستغراق أو الماهية، وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما تفهمه الاسمية {على} كل {من كذب وتولى*} أي أوقع التكذيب والإعراض، وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق منقضياً، وإذا انقضى كان كأن لم يوجد، وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب.
ولما كان التقدير: فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمر به، وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل، فتسبب عنه سؤاله عن تعيينه، أستأنف الإخبار عن جوابه بقوله: {قال} أي فرعون مدافعاً لهما بالمناظرة لا بالبطش، لئلا ينسب إلى
(12/293)

السفه والجهل: {فمن} أي تسبب عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن أسألكما: من {ربكما} الذي أرسلكما، ولم يقل: ربي، حيدة عن سواء النظر وصرفاً للكلام على الوجه الموضح لخزيه.
ولما كان موسى عليه السلام هو الأصل في ذلك، وكان ربما طمع فرعون بمكره وسوء طريقه في حبسه تحصل في لسانه، أفرده بقوله: {يا موسى * قال} له موسى على الفور: {ربنا} أي موجدنا ومربينا ومولانا {الذي أعطى كل شيء} مما تراه في الوجود {خلقه} أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع المنوطة به، والآثار التي تتأثر عنه من الصورة والشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر، ويجل عن الوصف.
ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من المفاوتة، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال: {ثم هدى *} أي كل حيوان منه مع أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها، ومضاره فيحذرها، فثبت بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار، وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت.
(12/294)

ولما لم يكن لأحد بالطعن في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل مع رشاقته واختصاره وسبقه بالجمع إلى غاية مضماره - صرف الكلام بسرعة خوف من الاتضاح، بزيادة موسى عليه السلام في الإيضاح، فيظهر الفساد من الصلاح، إلى شيء يتسع فيه المجال، ولا يقوم عليه دليل، فيمكن فيه الرد، فأخبر عنه سبحانه على طريق الاستئناف بقوله: {قال فما} أي تسبب عما تضمن هذا من نسبة ربك إلى العلم بكل موجود أني أقول لك: فما {بال} أي خبر {القرون الأولى*} الذي هو في العظمة بحيث إنه ما خالط أحداً إلى أحاله وأماله، وهو وأن كان حيدة، هو من أمارات الانقطاع، غير أنه فعل راسخ القدم في المكر والخداع.
ولما فهم عنه موسى عليه السلام ما أراد أن ترتب على الخوض في ذلك مما لا طائل تحته من الرد والمطاولة، ولم تكن التوراة نزلت عليه إذ ذاك، وإنما نزلت بعد هلاك فرعون لم يمش معه في ذلك {قال} قاطعاً له عنه: {علمها عند ربي} أي المحسن إليّ بإرسالي وتلقيني الحجاج.
ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطباً له بما يعرفون من أحوالهم: {في كتاب} أي اللوح المحفوظ. ولما كان ربما وقع
(12/295)

في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلاخوفاً من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: {لا يضل ربي} أي الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجهاً يدخل منه شيء من خلل {ولا ينسى*} أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلاً من أخباره ولا لغيرهم، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم عليه السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون؛ ثم وصل بذلك ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال: {الذي جعل لكم} أيها الخلائق {الأرض} أي أكثرها {مهداً} تفترشونها، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف {وسلك لكم فيها سبلاً} أي سهّل طرقاً تسلكونها في أراضي سهلة وحزنة وسطها بين الجبال والأودية والرمال، وهيأ لكم فيها من المنافع من المياه والمراعي ما يسهل ذلك، وجعل فيها ما لا يمكن استطراقه أصلاً، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع {وأنزل من السماء ماء} تشاهدونه واحداً في اللون والطعم.
ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول.
(12/296)

استغرق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بحار الجلال، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً عن نفسه وعن جميع الأكوان، فعبر عن ذلك، عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة بقوله: {فأخرجنا} أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة {به أزواجاً} أي أصنافاً متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له {من نبات شتى*} أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم؛ ثم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله حالاً من فاعل {أخرجنا} : {كلوا} أي ما دبره لكم بحكمته منها {وارعوا} أي سرحوا في المراعي {أنعامكم} ما أحكمه لها ولا يصلح لكم، فكان من متقن تدبيره أن جعل أرزاق العباد بعملها تنعيماً لهم، وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يقدرون على أكله، وقد دلت هذه الأوصاف على تحققه سبحانه قطعاً بأنه لا يضل ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع هذا العالم شاملاً لكل ما يحتاجه من فيه لما خلقهم له من السفر إليه والعرض عليه في جميع تقلباتهم على اختلافها، وتباين أصنافها، وتباعد أوصافها، وعلى كثرتهم، وتنائي أمزجتهم، ولم يدعه ناقصاً من شيء من ذلك بخلاف غيره،
(12/297)

فإنه لو عمل شيئاً واجتهد كل الاجتهاد في تكميله فلا بد أن يظهر له فيه نقص ويصير يسعى في إزالته وقتاً بعد وقت.
ولما كمل هذا البرهان القويم، دالاً على العليم الحكيم، قال منبهاً على انتشار أنواره، وجلالة مقداره، مؤكداً لأجل إنكار المنكرين: {إن في ذلك} أي الإنشاء هذه الوجوه المختلفة {لآيات} على منشئه {لأولي النهى *} العقول التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغيّ، ومن عمي عن ذلك فلا عقل له أصلاً لأن عقله لم ينفعه، وما لا ينفع في حكم العدم، وذكر ابن كثير هنا ما عزاه ابن إسحاق في السيرة لزيد بن عمرو بن نفيل، وابن هشام لأمية بن أبي الصلت:
وأنت الذي من فضل منّ ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولاً منادياً
فقلت ألا يا اذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان باغيا
فقولا له آأنت سويت هذه ... بلا وتد حتى استقلت كما هيا
وقولا له آأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا
وقولا له آأنت سويت وسطها ... منيراً إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له من يخرج الشمس بكرة ... فيصبح ما مست من الزرع ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيخرج منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رؤوسه ... وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
(12/298)

مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)
ولما أخبر سبحانه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع الدالة
(12/298)

على تمام علمه وباهر قدرته، على وجه دالّ على خصوص القدرة على البعث، وكان من الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر الله بالوحدانية ولا يقر بقول أهل الإسلام: إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم، بل يقول: إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال انطباع ولا حلول فيه، بل اتصال تدبير وتصرف، وأنها إذا فارقت البدن اتصلت بالروحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك الملائكة المقربين، أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره كاتصالها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث عند من يقول منهم بالحشر، وصل بذلك قوله تعالى، يرد عليهم، معبراً بالضمير الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس: {منها} أي الأرض لا من غيرها {خلقناكم} إذ أخرجناكم منها بالعظمة الباهرة في النشأة الأولى بخلق أبيكم آدم عليه السلام {وفيها} لا في غيرها كما أنتم كذلك تشاهدون {نعيدكم} بالموت كذلك أجساماً وأرواحاً، فتصيرون تراباً كما كنتم، وللروح مع ذلك وأن كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما، يدرك البدن به اللذة بالتذاذها والألم بتألهما، وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب سؤال الملكين عليهما السلام، لا يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة
(12/299)

المحيطة بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته {ومنها} لا من غيرها {نخرجكم} يوم البعث بتلك العظمة بعينها {تارة أخرى*} كما بدأناكم أول مرة مثل ما فعلنا في النبات سواء، فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار، لا فعل الطبائع، فمرة جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلاً، وكرة ردكم إلى ما كنتم عليه قبل الحياة تراباً لا روح فيه ولا ما يشبهها، فلا ريب أن فاعل ذلك قادر على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك، بل الإعادة أهون في مجاري العادة.
ولما كان ما ذكر مما علق بالأرض من المرافق وغيره على غاية من الوضوح، ليس وراءها مطمح، فكان المعنى: أرينا فرعون هذا الذي ذكرنا لكم من آياتنا وغيره، وكان المقام لتعظيم القدرة، عطف عليه قوله: {ولقد أريناه} أي بالعصا واليد وغيرهما مما تقدم من مقتضى عظمتنا {آياتنا} أي التي عظمتها من عظمتنا {كلها} بالعين والقلب لأن من قدر على مثل ذلك فهو قادر على غيره من أمثاله من خوارق العادات، لأن الممكنات بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، لا سيما والذي ذكر أمهات الآيات كما سيومأ
(12/300)

إليه إن شاء الله تعالى في سورة الأنبياء {فكذب} أي بها {وأبى*} أي أن يرسل بني إسرائيل؛ وهذا أبلغ من تعديد ما ذكر في الأعراف، فكأنه قيل: كيف صنع في تكذيبه وإبائه؟ فقيل: {قال} حين لم يجد مطعناً مخيلاً للقبط بما يثيرهم حمية لأنفسهم لأنه علم حقية ما جاء به موسى وظهوره، وتقبل العقول له، فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه، ووهن في نفسه وهناً عظيماً بتأمل كلماته مفردة ومركبة يعرف مقداره: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} هذه التي نحن مالكوها {بسحرك يا موسى*} فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر، فكان ذلك - مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال - صارفاً لهم عن اتباع ما رأوا من البيان، ثم وصل بالفاء السببية قوله مؤكداً إيذاناً بعلمه أن ما أتى به موسى ينكر كل من يراه أن يقدر غيره على معارضته: {فلنأتينك} أي والإله الأعظم! بوعد لا خلف فيه {بسحر مثله} تأكيداً لما خيل به؛ ثم أظهر النصفة والعدل إيثاقاً لربط قومه فقال: {فاجعل بيننا وبينك موعداً} أي من الزمان والمكان {لا نخلفه} أي لا نجعله خلفنا {نحن ولا أنت} بأن نقعد عن إتيانه.
ولما كان من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: {مكاناً} وآثر ذكر المكان لأجل وصفه بقوله: {سوى *} أي
(12/301)

عدلاً بيننا، لا حرج على واحد منا في قصده أزيد من حرج الآخر، فانظر هذا الكلام الذي زوقه وصنعه ونمقه فأوقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بأمثاله حتى أوردهم البحر فأغرقهم، ثم في غمرات النار أحرقهم، فعلى الكيس الفطن أن ينقد الأقوال والأفعال، والخواطر والأحول، ويعرضها على محك الشرع: الكتاب والسنة، فما وافق لزمه وما لا تركه.
ولما كان مجتمع سرورهم الذي اعتادوه حاوياً لهذه الأغراض زماناً ومكاناً وغيرهما، اختاره عليه السلام لذلك، فاستؤنف الخبر عنه في قوله تعالى: {قال موعدكم} أي الموصوف {يوم الزينة} أي عيدكم الذي اعدتم الاجتماع فيه في المكان الذي اعتدتموه، فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان يتضمن المكان لما فيه من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل {وأن يحشر} بناه للمفعول لأن القصد الجمع، لا كونه من معين {الناس} أي إغراء ولو بكره {ضحى*} ليستقبل النهار من أوله، فيكون أظهر لما يعمل وأجلى، ولا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق من المبطل، وأنتم أجمع ما تكونون وأفرغ، فيكل حد المبطلين وأشياعهم، والمتكبرين
(12/302)

على الحق وأتباعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر {فتولى فرعون} عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه عن الانقياد لأمر الله {فجمع كيده} أي مكره وحيلته وخداعه، الذي دبره على موسى بجمع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة، حشرهم من كل أوب، وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحراً، وكانوا في ذلك الزمان أشد اعتناء بالسحر وأمهر ما كانوا وأكثر {ثم أتى *} للميعاد الذي وقع القرار عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس، مع توفر الدواعي على الإتيان للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها.
(12/303)

قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)
ولما تشوف السامع إلى ما كان من موسى عليه السلام عند ذلك، استأنف سبحانه الخبر عنه بقوله: {قال لهم} أي لأهل الكيد وهم السحرة وغيرهم {موسى} حين رأى اجتماعهم ناصحاً لهم: {ويلكم} يا أيها الناس الذين خلقهم الله لعبادته {لا تفتروا} أي لا تتعمدوا أن تصنعوا استعلاء {على الله كذباً} بجعلكم آياته العظام الثابتة سحراً لا حقيقة له، وادعائكم أن ما تخيلون به حق وليس بخيال، وإشراككم به؛
(12/303)

وسبب عنه قوله: {فيسحتكم} أي يهلككم؛ قال الرازي. وأصله الاستئصال {بعذاب} أي عظيم تظهر به خيبتكم {وقد خاب} كل {من افترى *} أي تعمد كذباً على الله أو على غيره {فتنازعوا} أي تجاذب السحرة {أمرهم بينهم} لما سمعوا هذا الكلام، علماً منهم بأنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جميع جنوده وأتباعه لم يسلم منه إلا من الله معه {وأسروا النجوى*} أي كلامهم الذي تناجوا به وبالغوا في إخفائه، فإن النجوى الإسرار، لئلا يظهر فرعون وأتباعه على عوارهم في اختلافهم الذي اقتضاه لفظ التنازع، فكأنه قيل: ما قالوا حين انتهى تنازعهم؟ فقيل: {قالوا} أي السحرة بعد النظر وإجالة الرأي ما خيلهم به فرعون تلقناً منه وتقرباً إليه بما ينفر الناس عن موسى وهارون عليهما السلام ويثبطهم عن اتباعهما وإن غلبا، لأنه لا ينكر غلبة ساحر على ساحر آخر: {إن هذان} أي موسى وهارون وقرىء: هاذان - بالألف، على لغة من يجعل ألف المثنى لازمة في كل حال؛ قال أبو حيان: وهي لغة لطوائف من العرب لبني الحارث بن كعب وبعض كنانة خثعم وزبيد وبني العنبر
(12/304)

وبني الهجيم ومراد وعذره. {لساحران} لا شك في ذلك منهما {يريدان} أي بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها {أن يخرجاكم} أيها الناس {من أرضكم} هذه التي ألفتموها، وهي وطنكم خلفاً عن سلف {بسحرهما} الذي أظهراه لكم وغيره.
ولما كان كل حزب بما لديهم فرحون قالوا: {ويذهبا بطريقتكم} هذه السحرية التي تعبتم في تمهيدها، وأفنى فيها أسلافكم أعمارهم، حتى بلغ أمرها الغاية، وبدينكم الذي به قوامكم {المثلى*} أي التي هي أمثل الطرق، فيكونا آثر بما يظهرانه منها عند الناس منكم، ويصرفان وجوه الناس إليها عنكم، ويبطل ما لكم بذلك من الارزاق والعظمة عند الخاص والعام وغير ذلك من الأغراض {فأجمعوا كيدكم} أي لا تدعوا منه شيئاً إلا جئتم به ولا تختلفوا تضعفوا {ثم ائتوا} إلى لقاء موسى وهارون لمباراتهما {صفاً} أي متسابقين متساوين في السباق ليستعلي أمركم عليهما فتفلحوا، والاصطفاف أهيب في صدور الرائين.
ولما كان التقدير: فمن أتى كذلك فقد استعلى، عطف
(12/305)

عليه قولهم محققاً: {وقد أفلح اليوم} في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط {من استعلى*} أي غلب ووجد علوه، أي ففعلوا ما تقدم وأتوا صفاً، فلما أتوا وكانوا خبيرين بأن يقولوا ما ينفعهم في مناصبة موسى عليه السلام، استؤنف الإخبار عنه بقوله تعالى: {قالوا} أي السحرة منادين، لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر: {يا موسى إما أن تلقي} ما معك مما تناظرنا به أولاً {وإما أن نكون} أي نحن {أول من ألقى*} ما معه {قال} أي موسى مقابلاً لأدبهم بأحسن منه ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء، وليكون هو الآخر فيكون العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم فلا يكون بعدها شك: لا ألقي أنا أولاً {بل ألقوا} أنتم أولاً، فانتهزوا الفرصة، لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تعبير السياق والتصريح بالأول، فألقوا {فإذا حبالهم وعصيهم} التي ألقوها {يخيل إليه} وهو صفينا تخييلاً مبتدئاً {من سحرهم} الذي كانوا قد فاقوا به أهل الأرض {أنها} لشدة اضطربها {تسعى*} سعياً، وإذا كان هذا حاله مع أنه أثبت الناس بصراً وأنفذهم بصيرة فما ظنك بغيرة! {فأوجس} أي أضمر بسبب ذلك، وحقيقته: أوقع واجساً أي خاطراً وضميراً.
(12/306)

ولما كان المقام لإظهار الخوارق على يديه، فكان ربما فهم أنه أوقعه في نفس أحد غيره، كان المقام للاهتمام بتقديم المتعلق، فقال لذلك لا لمراعاة الفواصل: {في نفسه} أي خاصة، وقدم ما المقام له والاهتمام به فقال: {خيفة موسى*} مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك على ما هو طبع البشر، وللنظر إلى الطبع عبر بالنفس لا القلب مثلاً.
(12/307)

قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)
ولما كان ذلك، وكان المعلوم أن الله معه، وأنه جدير بإبطال سحرهم، استأنف الخبر عنه بقوله: {قلنا} بما لنا من العظمة: {لا تخف} من شيء من أمرهم ولا غيره، ثم علل ذلك بقوله، وأكده أنواعاً من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه: {إنك أنت} أي خاصة {الأعلى*} أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها {وألق} وأشار إلى يمن العصا وبركتها بقوله: {ما في يمينك} أي من هذه العصا التي قلنا لك أول ما شرفناك بالمناجاة {وما تلك بيمينك يا موسى} ثم أريناك منها ما أريناك {تلقف} بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك - بما أشار إليه حذف التاء {ما صنعوا} أي فعلوه بعد تدرب كبير عليه
(12/307)

وممارسة طويلة؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنما} أي أن الذي {صنعوا} أي أن صنعهم مما رأيته وهالنا أمُره.
ولما كان المقصود تحقير هذا الجيش أفرد ونكر لتنكير المضاف وتحقيره فقال: {كيد ساحر} أي كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات، سواء كان واحداً أو جمعاً، ولو جمع لخيل أن المقصود العدد، ولما كان التقدير: فهم لا يفلحون، عطف عليه قوله: {ولا يفلح الساحر} أي هذا الجنس {حيث أتى*} أي كيف ما سار وأيّه {سلك} فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له، فامتثل ما أمره به ربه من إلقاء عصاه، فكان ما وعده به سبحانه من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا غيره مع أن حبالهم وعصيهم كانت شيئاً كثيراً، فعلم كل من رأى ذلك حقيته وبطلان ما فعل السحرة، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله ساجدين مبادرة من كأنه ألقاه ملق على وجهه، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في معارضة موسى عليه الصلاة والسلام وحذف ذكر الإلقاء وما سببه من
(12/308)

التلقف لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية: {فألقي السحرة} أي فألقاهم ما رأوا من أمر الله بغاية السرعة وبأيسر أمر {سجداً} على وجوههم؛ قال الأصبهاني: سبحان الله! ما أعظم شأنهم! ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة الشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. فكأن قائلاً قال: هذا فعلهم فما قالوا؟ فقيل: {قالوا آمنا} أي صدقنا.
ولما كان سياق هذه السورة مقتضياً لتقديم هارون عليه السلام قال: {برب هارون وموسى*} بشارة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه سبحانه لا يشقيه بهذا القرآن بل يهدي الناس به ويذلهم له، فيجعل العرب على شماختها أذل شيء لوزرائه وأنصاره وخلفائه وإن كانوا أضعف الناس، وقبائلهم أقل القبائل، مع ما في ذلك من الدليل على صدق إيمانهم وخلوص ادعائهم بتقديم الوزير المترجم ترقياً في درج المعرفة ممن أوصل ذلك إليهم إلى من أمره بذلك ثم إلى من أرسله شكراً للمنعمين بالتدريج
«لا يشكر الله من لم يشكر الناس» وهذا لما أوجب تقديمه هنا لا لهذا فقط، وذكروا اسم الرب إشارة إلى أنه سبحانه أحسن إليهما بإعلاء شأنهما على السحرة، وعلى من كانوا يقرون بالربوبية، وهو فرعون الذي لم يغن عنهم شيئاً، فكانوا أول النهار سحرة، وآخر شهداء بررة، وهذه الآية في أمثالها من أي هذه السور
(12/309)

وغيرها مما قدم فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء من المعاني دقيقة، هي التي حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول: إن القرآن يراعي الفواصل كما يتكلف بلغاء العرب السجع، وتبعه جمع من المتأخرين تقليداً، وقد عاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك حين قال: «سجع كسجع الجاهلية أو قال: الكهان» وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ينتظم إلا بتقديم هارون، ويؤيد ذلك أنه قال هنا {إنا رسولا} وفي الشعراء {رسول} ، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيان في سورة فاطر من النهر: لا يقال في شيء من القرآن: أنه قدم أو أخر لأجل السجع، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن: ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه، ثم رد على المخالف بأن قال: والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً لأن
(12/310)

السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ. ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره. ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلباً لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى، ثم استدل على ذلك بأشياء نفيسة أطال فيها وأجاد - رحمه الله، وقد تقدم في آخر سورة التوبة ما ينفع جداً في هذا المرام.
ولما كان موسى عليه السلام هو المقصود بالإرسال إلى فرعون، استأنف تعالى الإخبار عن فرعون عندما فجئه ذلك فقال: {قال} أي فرعون للسحرة منكراً عليهم، وأضمر اسمه هنا ولم يظهره كما في الأعراف لأن مقصود السورة الرفق بالمدعوين والحلم عنهم، وهو غير متأهل لذكر اسمه في هذا المقام: {آمنتم} أي بالله {له} أي مصدقين أو متبعين لموسى {قبل أن ءاذن لكم} في ذلك، إبهاماً بأنه سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن؛ ثم استأنف قوله معللاً مخيلاً لأتباعه صداً لهم عن الاقتداء بهم: {إنه لكبيركم} أي في العلم {الذي علمكم السحر} فلم تتبعوه لظهور الحق، بل لإرادتكم شيئاً من المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم
(12/311)

في هذا الموطن، وهذا على عادته في تخييل أتباعه فيما يوقفهم عن اتباع الحق.
ولما خيلهم، شرع يزيدهم حيرة بتهديد السحرة فقال: {فلأقطعن} أي سبب ما فعلتم {أيديكم} على سبيل التوزيع {وأرجلكم} أي من كلٍّ يداً ورجلاً {من خلاف} فإذا قطعت اليد اليمنى قطعت الرجل اليسرى {ولأصلبنكم} وعبر عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى تمكينهم من المصلوب فيه تمكين المظروف في ظرفه فقال: {في جذوع النخل} تبشيعاً لقتلكم ردعاً لأمثالكم {ولتعلمن أينا} أنا أورب موسى الذي قال: إنه أوحى إليه أن العذاب على من كذب وتولى {أشد عذاباً وأبقى*} أي من جهة العذاب، أي أينا عذابه أشد وأطول زماناً.
(12/312)

قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)
ولما علموا ما خيل به على عقول الضعفاء، نبهوهم فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفاً: {قالوا لن نؤثرك} أي نقدم أثرك بالاتباع لك لنسلم من عذابك الزائل {على ما جاءنا} به موسى عليه السلام {من البينات} التي عايناها وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضاهاتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل الخارق، ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله، إشارة إلى عليّ قدره فقالوا:
(12/312)

{والذي} أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي {فطرنا} أي ابتدأ خلقنا، إشارة إلى شمول ربوبيته سبحانه وتعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهاً على عجز فرعون عند من استحقه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم.
ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، علماً بأن ما فعله فهو بإذن الله، قالوا: {فاقض ما} أي فاصنع في حكمك الذي {أنت قاض} ثم عللوا ذلك بقولهم: {إنما تقضي} أي تصنع بنا ما تريد أن قدرك الله عليه {هذه الحياة الدنيا*} أي إنما حكمك في مدتها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقب راحة، ونحن لانخاف إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد، فذاك هو الشديد العذاب، الدائم الجزاء بالثواب أو العقاب، ولعلهم أسقطوا الجار تنزلاً إلى أن حكمه لو فرض أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلاً لأن لا يخشى لأنه زائل وعذاب الله باق. ثم عللوا تعظيمهم لله واستهانتهم بفرعون بقولهم: {إنا ءامنا بربنا} أي المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره {ليغفر لنا} من غير نفع يلحقه بالفعل أو ضرر يدركه بالترك
(12/313)

{خطايانا} التي قابلنا بها إحسانه: ثم خصوا بعد العموم فقالوا: {وما أكرهتنا عليه} وبينوا ذلك بقولهم: {من السحر} لتعارض به المعجزة، فإن كان الأكمل لنا عصيانك فيه لأن الله أحق بأن يتقى. روي أن الذي كان من القبط من السحرة اثنان فقط، والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، وروي أنهم رأوا موسى عليه السلام نائماً وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون إن الساحر إذا نام بطل سحره، فهذا لا يقدر على معارضته، فأبى عليهم وأكرههم على المعارضة.
ولما كان التقدير: فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة، عطفوا عليه مستحضرين لكماله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال {خير} جزاء منك فيما وعدتنا به {وأبقى*} ثواباً وعقاباً، والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون، ويؤيده قوله تعالى {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35]- قاله أبو حيان. وسيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم؛ ثم عللوا هذا الختم بقولهم: {إنه من يأت ربه} أي الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه {مجرماً} أي قاطعاً ما أمره به أن يوصل {فإن له جهنم} دار الإهانة {لا يموت فيها} أبداً مع شدة عذابها.
بخلاف عذابك الذي إن
(12/314)

اشتد أمات فزال سريعاً، وإن خف لم يُخِفْ وكان آخره الموت وإن طال {ولا يحيى *} فيها حياة ينتفع بها {ومن يأته} أي ربه الذي أوجده ورباه {مؤمناً} أي مصدقاً به.
ولما قدم أن مجرد الكفر يوجب العذاب. كان هذا محلاًّ يتوقع فيه الإخبار عن الإيمان بمثل ذلك فقال: {قد} أي ضم إلى ذلك تصديقاً لإيمانه أنه {عمل} أي في الدنيا {الصالحات} التي أمر بها فكأن صادق الإيمان مستلزم لصالح الأعمال {فأولئك} أي العالو الرتبة {لهم} أي لتداعي ذواتهم بمقتضى الجبلة {الدرجات العلى*} التي لا نسبة لدرجاتك التي وعدتنا بها منها؛ ثم بينوها بقولهم: {جنات عدن} أي أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها {تجري من تحتها الأنهار} أي من تحت غرفها وأسرتها وأرضها؛ فلا يراد موضع منها لأن يجري فيه نهر إلا جرى؛ ثم بين بقوله: {خالدين فيها} أن أهلها هيئوا أيضاً للإقامة.
ولما أرشد السياق والعطف على غير معطوفٍ عليه ظاهر إلى أن التقدير: ذلك الجزاء العظيم والنعيم المقيم جزاء الموصوفين، لتزكيتهم أنفسهم، عطف عليه قوله: {وذلك جزاء} كل {من تزكى*} أي طهر نفسه بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وفي هذا تسلية للصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعل بهم عند نزول
(12/315)

هذه السورة إذ كانوا مستضعفين.
(12/316)

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)
ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله {فكذب وأبى} وختمه سبحانه بأنه يهلك العاصي كائناً من كان، وينجي الطائع، أتبع ذلك شاهداً محسوساً عليه كفيلاً ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قوته ولا استكباره، فقال عاطفاً على «ولقد أريناه آياتنا» : {ولقد أوحينا} أي بعظمتنا لتسهيل ما يأتي من الأمور الكبار {إلى موسى} غير مكترثين لشيء من أقوال فرعون ولا أفعاله، وهذا الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة مديدة جرت فيها خطوب طوال كانت بسببها الآيات الكبار، وكأنها حذفت لما تدل عليه من قساوة القلوب، والمراد هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود السورة {أن أسر} أي ليلاً، لأن السري سير الليل؛ وشرفهم بالإضافة إليه فقال: {بعبادي} أي بني إسرائيل الذين لفت قلب فرعون حتى أذن في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم أو يكف عنهم العذاب، فاقصد بهم ناحية بحر القلزم {فاضرب لهم} أي اعمل
(12/316)

بضرب البحر بعصاك، ولذلك سماه ضرباً.
ولما كان ضرب البحر بالعصا سبباً لوجود الطريق الموصوفة، أوقع الفعل عليها فقال: {طريقاً في البحر} ووصفها بالمصدر مبالغة فقال: {يبساً} حال كونها أو كونك {لا تخاف} والمراد بها الجنس، فإنه كان لكل سبط طريقاً {دركاً} أي أن يدركك شيء من طغيان البحر أو بأس العدو أو غير ذلك.
ولما كان الدرك مشتركاً بين اللحاق والتبعة، أتبعه بقوله: {ولا تخشى*} أي شيئاً غير ذلك أصلاً إنفاذاً لأمري وإنقاذاً لمن أرسلتك لاستنقاذهم، وسوقه على هذا الوجه من إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ومكنته استدلالاً شهودياً على ما قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة العلم للبشارة بإظهار هذا الدين بكثرة الأتباع وإبارة الخصوم والإسعاد برد الأضداد وجعل بغضهم وداً، وإن كانوا قوماً لداً؛ ثم أتبع ذلك قوله عطفاً على ما تقديره: فبادر
(12/317)