Advertisement

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 014



الكتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: 885هـ)
الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة
عدد الأجزاء: 22
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته، وأخرجها {تخرج بيضاء} أي بياضاً عظيماً يكون له شأن خارق للعادات {من غير سوء} أي عيب من حريق أو غيره، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، فالآية من الاحتباك.
ولما كان ذلك لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون الجسد قال: {واضمم إليك} أي إلى جسدك. ولما كان السياق للتأمين من الخوف، عبر بالجناح، لأن الطائر يكون آمناً عند ضم جناحه فقال: {جناحك} أي يديك التي صارت بيضاء، والمراد بالجناح في آية طه الإبط والجانب لأنه لفظ مشترك {من الرهب} أي من خشية أن تظنها معيبة تخرج كما كانت قبل بياضها في لون جسدك - هذا على أن المراد بالرهب الخوف الذي بهره فأوجب له الهرب، ويجوز أن يكون المراد بالرهب الكم، فيكون إدخالها في الفتى - التي ليست موضعها بل الرأس - للبياض، وإدخالها في الكم - الذي هو لها - لرجوعها إلى عادتها، وفي البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره فذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقال: وما من خائف بعد موسى عليه الصلاة والسلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وأظهر بلفظ الجناح من
(14/281)

غير إضمار تعظيماً للمقام وتنبيهاً على أن عودها إلى حالها الأول آية مستقلة، وعبر عنها بلفظ الجناح تنبيهاً على الشكر بتعظيم نفعها.
ولما تم كوناً آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى لونها قال: {فذانك} أي العصي واليد البيضاء، وشدد أبو عمرو وابن كثير ورويس تقوية لها لتعادل الأسماء المتمكنة، وذكر لزيادة التقوية {برهانان} أي سلطانان وحجتان قاهرتان {من ربك} أي المحسن إليك لا يقدر على مثلهما غيره {إلى} أي واصلان، أو أنت مرسل بهما إلى {فرعون وملئه} كلما أردت ذلك وجدته، لا أنهما يكونان لك هنا في هذه الحفرة فقط، ثم علل الإرسال إليهم على وجه إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله مؤكداً تنبيهاً على ان إقدامه على الرجوع إليهم فعل من يظن أنهم رجعوا عن غيهم، وإعلاماً بمنه عليه بالحماية منهم بهذه البراهين: {إنهم كانوا} أي جبلة وطبعاً {قوماً} أي أقوياء {فاسقين*} أي خارجين عن الطاعة، فإذا رأوا ذلك هابوك، فلم يقدروا على الوصول إليك بسوء، وكنت في مقام أن تردهم عن فسقهم.
(14/282)

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)
ولما كان كأنه قيل: ما فعل بعد رؤية هذه الخوارق؟ قيل: ثبت، علماً منه بصعوبة المقام وخطر الأمر، فاشترط لنفسه حتى رضي، وتلك كانت عادته ثباتاً وحزماً، وحلماً وعلماً، ألا ترى إلى ما فعل معنا عليه السلام والتحية والإكرام من الخير ليلة الإسراء في السؤال في تخفيف الصلاة، ولذلك كله {قال رب} أي أيها المحسن إليّ {إني} أكده لأن إرسال الله سبحانه له فعل من لا يعتبر أن لهم عليه ترة، فذكر ذلك ليعلم وجه عدم اعتباره {قتلت منهم} أي آل فرعون {نفساً} وأنت تعلم ما خرجت إلا هارباً منهم من أجلها {فأخاف} إن باديتهم، بمثل ذلك {أن يقتلون*} لذنبي إليهم ووحدتي وغربتي وثقل لساني في إقامة الحجج.
ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة، وكان أخوه هارون أحق الناس بهذا الوصف، كان التقدير: فأرسل معي أخي هارون - إلى آخره، غير أنه قدم ذكره اهتماماً بشأنه فقال: {وأخي هارون} والظاهر أن واوه للحال من ضمير موسى عليه الصلاة والسلام، أو عاطفة على مقول القول، والمعنى أنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة إما بقتله أو لعدم بيانه، فاكتفى بالتلويح في الكفاية
(14/283)

من الأول، لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها، وصرح بما يكفي من الثاني، فكأن التقدير: إني أخاف أن يقتلون فيفوت المقصود، ولا يحمني من ذلك إلا أنت، وإن لساني فيه عقدة، وأخي - إلى آخره؛ وزاد في تعظيمه بضمير الفصل فقال: {هو أفصح مني لساناً} أي من جهة اللسان للعقدة التي كانت حصلت له من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون {فأرسله} أي بسبب ذلك {معي ردءاً} أي معيناً، من ردأت فلاناً بكذا، أي جعلته له قوة وعاضداً، وردأت الحائط - إذا دعمته بخشب أو كبش يدفعه أن يسقط؛ وقراءة نافع بغير همز من الزيادة.
ولما كان له عليه من العطف والشفقة ما يقصر الوصف عنه، نبه على ذلك بإجابة السؤال بقوله: {يصدقني} أي بأن يلخص بفصاحته ما قتله وبينته، ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحاً، فيكون - مع تصديقه لي بنفسه - سبباً في تصديق غيره لي؛ ورفعه عاصم وحمزة صفة لردءاً. ثم علل سؤاله هذا، وبين أنه هو المراد، لا أن يقول له: صدقت، فإن قوله لهذه اللفظة لا تعلق له بالفصاحة حتى يكون سبباً للسؤال فيه، بقوله مؤكداً لأجل أن من كان رسولاً عن الله لا يظن به أن يخاف: {إني أخاف أن يكذبون*} .
ولما كان ما رأى من الأفعال، وسمع من الأقوال، مقتضياً للأمن
(14/284)

من أن يكذبوه، وكان عالماً بما هم عليه من القساوة والكبر، أشار إلى ذلك بالتأكيد، أي وإذا كذبوني عسرت عليّ المحاججة على ما هو عادة أهل الهمم عند تمالؤ الخصوم على العناد، والإرسال موجب لكلام كثير وحجاج طويل، وقريب من هذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أمره الله تعالى بإنذار قومه
«إذن يثلغوا رأسي فيجعلوه خبزة» وكأن مراد السادة القادة عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام الاستعلام عن الأمر هل يجري على العادة أو لا؟ فإن كان يجري على العادة وطنوا أنفسهم على الموت، وإلا ذكر لهم الأمر الخارق فيكون بشارة لهم، ليمضوا في الأمر على بصيرة، ويسيروا فيه على حسب ما يقتضيه من السيرة.
ولما أكد أمر الطلب بهارون عليهما الصلاة والسلام، أكد له سبحانه أمر الإجابة بقوله مستأنفاً: {قال سنشد} وذكر أولى الأعضاء بمزاولة المكاره فقال: {عضدك} أي أمرك {بأخيك} أي سنقويك ونعينك به إجابة لسؤالك صلة منك لأخيك، وعوناً منه لك {ونجعل لكما سلطاناً} أي ظهوراً عظيماً عليهم، وغلبة لهم بالحجج
(14/285)

والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف {فلا} أي فيتسبب عن ذلك أنهم لا {يصلون إليكما} بنوع من أنواع الغلبة {بآياتنا} أي نجعل ذلك بسبب ما يظهر على أيديكما من الآيات المعظمة بنسبتها إلينا، ولذلك كانت النتيجة {أنتما ومن اتبعكما} أي من قومكما وغيرهم {الغالبون*} أي لا غيرهم، وهذا يدل على أن فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به، لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين لأنفسهم في الله، وكأنه حذف أمرهم هنا لأنه في بيان أمر فرعون وجنوده بدليل ما كرر من ذكرهم، وقد كشفت العاقبة عن أن السحرة ليسوا من جنوده، بل من حزب الله وجنده، ومع ذلك فقد أشار إليهم بهذه الآية والتي بعدها، وسيأتي في آخر سورة الحديد عن تاريخ ابن عبد الحكم أنهم خلصوا ورجع بعضهم إلى مصر فكانوا أول من ترهب.
شرح ما مضى من التوراة، قال بعدما تقدم: وكان من بعد
(14/286)

أيام كثيرة مات فرعون ملك مصر فاستراح بنو إسرائيل من شدة تعبدهم، فصلوا فسمع الله صلاتهم، وعرف تعبدهم، وسمع ضجتهم، وذكر عهده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأبصر الله بني إسرائيل، وعرف ذلهم، فكان موسى يرعى غنم يثرو ختنه حبر مدين، فساق بالشاء إلى طرف البرية وأتى إلى حوريب جبل الله، فتراءى له ملك الله بلهب النار من جوف العوسج، تشتعل فيه النار، ولم يكن العوسج يحترق، فقال موسى: لأعدلن فأنظر إلى هذه الرؤيا العظيمة؛ ما بال هذه العوسجة لم تحترق؟ فرأى الرب أنه قد عدل لينظر، فدعاه الله من جوف العوسج وقال له: يا موسى يا موسى! فقال: هأنذا! قال: لا تدن إلى ههنا، اطرح خفيك عن قدميك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه مكان طاهر، وفي نسخة: مقدس، وقال الله: أنا إله أبيك إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب، فغطى موسى وجهه لأنه فرق أن يمد بصره نحو الرب، وقال الرب: إني قد رأيت ذل شعبي بمصر، وسمعت ضجتهم التي ضجوا من تعبدهم، لأني عارف براءتهم، فنزلت لأخلصهم من أيدي المصريين، وأن أصعدهم
(14/287)

من تلك الأرض إلى أرض صالحة واسعة، تغل السمن والعسل: أرض الكنعانيين والحاثانيين والأمورانيين والفرزانيين والحاوانيين واليابسانيين، والآن هو ذا ضجيج بني إسرائيل قد ارتفع إليّ، ورأيت ضر المصريين لهم، فهبطت الآن حتى أرسلك إلى فرعون.
وأخرج شعبي بني إسرائيل من مصر، فقال موسى لله: من أنا حتى أنطلق إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر، فقال الله: أنا أكون معك وهذه الآية لك أني أرسلتك: إنك إذا أخرجت الشعب من مصر تعبدون الله في هذا الجبل، فقال موسى: ها أنذا منطلق إلى بني إسرائيل وأقول لهم: الرب إله آبائكم أرسلني إليكم، فإن قالوا لي: ما اسمه؟ ما الذي أقول؟ فقال الرب لموسى: قل لهم: الأزلي الذي لم يزل، وفي نسخة: لا يزول، وقال: هكذا قل لبني إسرائيل: أهيا شر أهيا أرسلني إليكم، وقال الرب أيضاً لموسى هكذا قل لبني إسرائيل:
(14/288)

الله ربكم إله آبائكم إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب أرسلني إليكم هذا اسمي إلى الأبد، وهذا ذكري إلى حقب الأحقاب، انطلق فاجمع أشياخ بني إسرائيل وقل لهم: الرب إله آبائكم اعتلن لي، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لكم: قد ذكرتكم وذكرت ما صنع بكم بمصر، ورأيت إخراجكم من تعبد أهل مصر إلى ارض الكنعانيين - ومن تقدم معهم - إلى الأرض التي تعل السمن والعسل، فإذا قبلوا منك فادخل أنت وأشياخ بني إسرائيل إلى ملك مصر فقولوا له: الرب إله العبرانيين ظهر علينا فننطلق الآن مسيرة ثلاثة أيام في البرية ونذبح الذبائح لله ربنا، وأنا أعلم أن ملك مصر لا يدعكم تخرجون، ولا بيد واحدة شديدة، حتى أبعث بآفتي وأضرب المصريين بجميع العجائب التي أحدثها فيهم، ومن بعد ذلك يرسلكم فأجعل للشعب في أعين المصريين رأفة ورحمة، فإذا انطلقتم فلا تنطلقوا عطلاً صفراً، بل تستعير المرأة منكم من جاراتها وساكنة بيتها حلي ذهب وفضة وكسوة، وألبسوها بنيكم وبناتكم، وأخربوا أهل مصر، فأجاب موسى وقال: إنهم لا يصدقونني، ولا يقبلون قولي، لأنه يقولون:
(14/289)

لم يتراءى لك الرب، فقال له الرب: ما هذه التي في يدك؟ فقال: هي عصاي، فقال: ألقها في الأرض، فألقاها في الأرض، فصارت ثعباناً، فهرب منه موسى، فقال له الرب: يا موسى! مد يدك، فخذ بذنبها، فمد يده فأمسكه فتحول في يده عصا، فقال: لكي يصدقوا أن الله إله آبائهم قد تراءى لك، إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب، وقال الرب لموسى: اردد يدك في ردنك، وفي نسخة: في كمك، فأدخلها ثم أخرجها فإذ بيده بيضاء كالثلج، فقال له: اردد يدك في حضنك، وفي نسخة: في كمك، فردها ثم أخرجها فإذا هي مثل جسده، فإن هم لم يؤمنوا ولم يسمعوا بالآية الأولى فإنهم يؤمنون ويسمعون بالآية الأخرى، فإن لم يؤمنوا بالآيتين، ولم يسمعوا قولك فخذ ماء من الأرض، وفي نسخة: النيل، فاصببه على الأرض، فإنه ينقلب ويصير دماً في اليبس، فقال موسى للرب: أطلب إليك يا رب لست رجلاً ناطقاً منذ أمس ولا قبله ولا من الوقت الذي كلمت عبدك فيه، لأني ألثغ المنطق عسر
(14/290)

اللسان، فقال له الرب: من الذي خلق المنطق للإنسان؟ ومن الذي خلق الأخرس والأصم والمبصر والمكفوف؟ أليس أنا الرب الذي أصنع ذلك؟ فانطلق الآن وأنا أكون معك، وراقباً للسانك وألقنك ما تنطق به، فقال: موسى أطلب إليك يا رب! أرسل في هذه الرسالة غيري، فقال: هذا أخوك هارون اللاوي، قد علمت أنه ناطق لسن، وهو أيضاً سيلقاك، ويشتد فرحه بك، وأخبره بالأمر، ولقنه كلامي، وأنا أكون راقباً على فيك وفيه وأعلمكما ما تصنعان، وهو يكلم الشعب عنك؛ فيكون لك مترجماً، وأنت تكون له إلهاً، وفي نسخة: أستاذاً ومدبراً، وخذ في يديك هذه العصا لتعمل بها الآيات، فرجع موسى منطلقاً إلى ثيرو ختنه وقال له: إني راجع إلى إخوتي بمصر، وناظر هل هم أحياء بعد؟ فقال: ثيرو لموسى: انطلق راشداً سالماً، وقال الرب لموسى في مدين: انطلق راجعاً إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا معك يطلبون نفسك قد هلكوا جميعاً - إلى آخر ما مضى في الأعراف، وفي هذا الفصل ما لا يسوغ إطلاقه في شرعنا على مخلوق، وهو الإله، وهو في لغة العبرانيين بمعنى العالم والحاكم، وفيه أيضاً أن فرعون مات قبل رجوع موسى فإن كان المراد الذي
(14/291)

ربى موسى عليه الصلاة والسلام في بيته فهو مما بدلوه.
(14/292)

فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)
ولما كان التقدير: فأتاهم كما أمر الله، وعاضده أخوه كما أخبر الله، ودعواهم إلى الله تعالى، وأظهرا ما أمرا به من الآيات، بنى قوله مبيناً بالفاء سرعة امتثاله: {فلما جاءهم} أي فرعون وقومه.
ولما كانت رسالة هارون عليه الصلاة والسلام إنما هي تأييد لموسى عليه الصلاة والسلام، أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي، فقال: {موسى بآياتنا} أي التي أمرناه بها، الدالة على جميع الآيات للتساوي في خرق العادة حال كونها {بينات} أي في غاية الوضوح {قالوا} أي فرعون وجنوده {ما هذا} أي الذي أظهره من الآيات {إلا سحر مفترى} أي هو خيال لا حقيقة له كجميع أنواع السحر، متعمداً التخييل به، لا أنه معجزة من عند الله {وما سمعنا بهذا} أي الذي تقوله من الرسالة عن الله {في آبائنا} وأشاروا إلى البدعة التي قد أضلت أكثر الخلق، وهي تحكيم عوائد التقليد، ولا سيما عند تقادمها على القواطع في قوله: {الأولين*} وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك في أيام يوسف عليه السلام «وما بالعهد من قدم» فقد قال لهم الذي آمن {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم
(14/292)

الأحزاب} [غافر: 34]- إلى قوله: {ولقد جاءكم يوسف من قبله بالبينات} [غافر: 34] .
ولما أخبر تعالى بقولهم عطف عليه الإخبار بقول موسى عليه الصلاة والسلام ليوازن السامع بين الكلامين، ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما «فبضدها تتبين الأشياء» هذا على قراءة الجماعة بالواو، واستأنف جواباً لمن كأنه سأل عن جوابه على قراءة ابن كثير بحذفها، فإن الموضع موضع بحث عما أجابهم به عند تسميتهم الآيات الباهرات سحراً، استعظاماً لذلك فقال: {وقال موسى} أي لما كذبوه وهم الكاذبون، مشيراً لذي البصر إلى طريق يميزون به الأمرين في سياق مهدد لهم: {ربي} أي المحسن إليّ بما ترون من تصديقي في كل ما ادعيته بإظهار ما لا تقدرون عليه على قوتكم من الخوارق، ومنع هذا الظالم العاتي المستكبر من الوصول إليّ بسوء {أعلم بمن جاء} بالضلال ظلماً وعدواناً، فيكون مخذولاً لكونه ساحراً فمحرقاً مفترياً على الله، ويكون له سوء الدار، وأعلم بحاله، ولكنه قال «بمن جاء» {بالهدى} أي الذي أذن الله فيه، وهو حق في نفسه {من عنده} ، تصويراً لحاله، وتشويقاً إلى أتباعه {ومن تكون له} لكونه منصوراً مؤيداً {عاقبة الدار} أي الراحة والسكن والاستقرار مع الأمن والطمأنينة والسرور والظفر
(14/293)

بجميع المطالب في الحالة التي تكون آخر الحالات مني ومنكم، فيعلم أنه أتى بما يرضي الله وهي وإن كانت حقيقتها ما يتعقب الشيء من خير أو شر، لكنها لا يراد بها إلا ما يقصد للعاقل حتى تكون له، وأما عاقبة السوء فهي عليه لا له؛ ثم علل ذلك بما أجرى الله به عادته؛ فقال معلماً بأن المخذول هو الكاذب، إشارة إلى أنه الغالب لكون الله معه، مؤكداً لما استقر في الأنفس من أن التقوي لا يغلبه الضعيف {إنه لا يفلح} أي يظفر ويفوز {الظالمون*} أي الذين يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل، فهم لا يضعون قدماً في موضع يثقون بأنه صالح للمشي فيه، لا تبعة فيه فستنظرون {ولتعلمن نبأه بعد حين} {وقال فرعون} جواباً لهذا الترغيب والترهيب بعد الإعذار، ببيان الآيات الكبار، قانعاً في مدافعة ما رأى أنه اجتذب قومه الأغمار الأغبياء عن الجهل من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم عن الإيمان إلى وقت ما، وكذا كانت عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام برهاناً، لأن قومه في غاية الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل والنفرة من الحق وترجيح المظنة على المئنة: {يا أيها الملأ} أي الأشراف، معظماً لهم استجلاباً لقلوبهم {ما علمت لكم} وأعرق في النفي فقال: {من إله غيري} نفى علمه بذلك إظهاراً للنصفة، وأنه ما قصد غشهم، وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم،
(14/294)

إشارة منه إلى أن انتقاء علمه بوجوده ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه بأن الحق مع موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم لباهر الآيات، وظاهر الدلالات؛ ثم زاد في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن جهله قوله لوزيره معلماً له صنعة الآجر لأنه أول من عمله، مع أنه هذه العبارة أشبه بهمم الجبابرة من أن يقول: اصنع لي آجراً: {فأوقد لي} أضاف الإيقاد إليه إعلاماً بأنه لا بد منه {يا هامان} وهو وزيره {على الطين} أي المتخذ لبناً ليصير آجراً؛ ثم سبب عن الإيقاد قوله: {فاجعل لي} أي منه {صرحاً} أي بناء عالياً يتاخم السماء، قال الطبري: وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر، وقال الزجاج: كل بناء متسع مرتفع {لعلي أطلع} أي أتكلف الطلوع {إلى إله موسى} أي الذي يدعوا إليه، فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهماً لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة الدعوى بأنه موجود، وهو قاطع بخلاف ذلك، ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت، لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر
(14/295)

الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما يقولونه؛ ثم زادهم شكاً بقوله، مؤكداً لأجل دفع ما استقر في الأنفس من صدق موسى عليه الصلاة والسلام: {وإني لأظنه} أي موسى {من الكاذبين*} أي دأبه ذلك، وقد كذب هو ولبس لعنة الله ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة العريقة في العدوان، وإن كان هذا الكلام منه على حقيقته فلا شيء أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل السماء؛ ثم علل على تقدير الوصول يقدر على الارتقاء على ظهرها، ثم على تقدير ذلك يقدر على منازعة بانيها وسامكها ومعليها.
ولما قال هذا مريداً به - كما تقدم - إيقاف قومه عن إتباع الحق، أتبعه تعالى الإشارة إلى أنهم فعلوا ما أراد، وإن كان ذلك هو الكبر عن الحق فقال تعالى: {واستكبر} أي وأوجد الكبر بغاية الرغبة فيه {هو} بقوله هذا الذي صدهم به عن السبيل {وجنوده} بانصدادهم لشدة رغبتهم في الكبر على الحق والاتباع للباطل {في الأرض} أي أرض مصر، ولعله عرفها إشارة إلى أنه لو قدر على ذلك في غيرها فعل {بغير الحق} أي استكباراً مصحوباً بغير هذه الحقيقة، والتعبير
(14/296)

بالتعريف يدل على أن التعظيم بنوع من الحق ليس كبراً وإن كانت صورته كذلك، وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله، وعطف على ذلك ما تفرع عنه وعن الغباوة أيضاً ولذا لم يعطفه بالفاء، فقال: {وظنوا} أي فرعون وقومه ظناً بنوا عليه اعتقادهم في أصل الدين الذي لا يكون إلا بقاطع {أنهم إلينا} أي إلى حكمنا خاصة الذي يظهر عنده انقطاع الأسباب {لا يرجعون*} أي لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلذلك اجترؤوا على ما ارتكبوه من الفساد.
(14/297)

فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم قال: {فأخذناه} أي بعظمتنا أخذ قهر ونقمة {وجنوده} أي كلهم، وذلك علينا هين، وأشار إلى احتقارهم بقوله: {فنبذناهم} أي على صغرهم وعظمتنا {في اليم} فكانوا على كثرتهم وقوتهم كحصيات صغار قذفها الرامي الشديد الذراع من يده في البحر، فغابوا في الحال، وما آبوا ولا أحد منهم إلى أهل ولا مال. ولما سببت هذه الآية من العلوم، ما لا يحيط به الفهوم، قال: {فانظر} أي أيها المتعرف للآيات الناظر فيها نظر الاعتبار؛ وزاد في تعظيم ذلك بالتنبيه على أنه مما يحق له أن يسأل عنه فقال: {كيف كان} أي كوناً هو الكون {عاقبة} أي آخر أمر {الظالمين*} وإن زاد ظلمهم، وأعيى أمرهم، ذهبوا في طرفة عين، كأن لم يكونوا، وغابوا عن العيون كأنهم قط لم يبينوا، وسكتوا بعد ذلك الأمر والنهي
(14/297)

فصاروا بحيث لم يبينوا، فليحذر هؤلاء الذين ظلموا إن استمروا على ظلمهم أن ينقطعوا ويبينوا، وهذا إشارة عظيمة بأعظم بشارة بأن كل ظالم يكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق، ورابطه حتى يحكم الله وهو خير الحالكمين.
ولما كان «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» وكانوا أول من أصر وأطبق في ذلك الزمان على تكذيب الآيات، وإخفاء الدلالات النيرات، على تواليها وكثرتها، وطول زمانها وعظمتها وكانت منابذة العقل واتباع الضلال في غاية الاستبعاد، لا سيما إن كانت ضامنة للهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، قال تعالى في مظهر العظمة: {وجعلناهم} أي في الدنيا {أئمة} أي متبوعين في رد ما لا يرده عاقل من هذه الآيات، أي جعلنا أمرهم شهيراً حتى لا يكاد أحد يجهله، فكل من فعل مثل أفعالهم من رد الحق والتجبر على الخلق، فكأنه قد اختار الاقتداء بهم وإن لم يكن قاصداً ذلك، فأطلق ذلك عليه رفعاً له عن النسبة إلى أنه يعمل ما يلزمه الاتسام به وهو عاقل عنه كما أنه لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل،
(14/298)

وأحق الناس باتباعهم في باطن اعتقادهم وظاهر اصطناعهم، وخيبة آمالهم وأطماعهم أهل الإلحاد بمذهب الاتحاد أهلك الله أنصارهم. وعجل دمارهم، وكشف هذا المعنى بقوله: {يدعون} أي يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم، فضل ضلالهم {إلى النار} أي وجعلنا لهم أعواناً ينصرونهم عكس ما أردنا لبني إسرائيل - كما سلف أول السورة - وجعلناهم موروثين.
ولما كان الغالب من حال الأئمة النصرة، وكان قد أخبر عن خذلانهم في الدنيا، قال: {ويوم القيامة} أي الذي هو يوم التغابن {لا ينصرون*} أي لا يكون لهم نوع نصرة أصلاً كما كانوا يوم هلاكهم في الدنيا سواء، ولا هم أئمة ولا لهم دعوة، يخلدون في العذاب، ويكون لهم سوء المآب.
ولما أخبر عن هذا الحال، أخبر عن ثمرته؛ فقال في مظهر العظمة، لأن السياق لبيان علو فرعون وآله، وأنهم مع ذلك طوع المشيئة {وأتبعناهم في هذه} ولما كان المراد الإطناب في بيان ملكهم، فسر اسم الإشارة فقال: {الدنيا} ولم يقل: الحياة، لأن السياق لتحقير أمرهم ودناءة شأنهم {لعنة} أي طرداً وبعداً عن جنابنا ودفعاً لهم بذلك ودعاء عليهم بذلك من كل من سمع خبرهم بلسانه
(14/299)

إن خالفهم، أو بفعله الذي يكون عليهم مثل وزره إن والفهم {ويوم القيامة هم} أي خاصة، ومن شاكلهم {من المقبوحين*} أي المبعدين أيضاً المخزيين مع قبح الوجوه والأشكال، والشناعة في الأقوال والأفعال والأحوال، من القبح الذي هو ضد الحسن، ومن قولهم: قبحت الشيء - إذا كسرته، وقبح الله العدو: أبعده عن كل خير، فيا ليت شعري أي صراحة بعد هذا في أن فرعون عدو الله، في الآخرة كما كان عدوه في الدنيا، فلعنة الله على من يقول: إنه مات مؤمناً، وإنه لا صريح في القرآن بأنه من أهل النار، وعلى كل من يشك في كفره بعد ما ارتكبه من جلي أمره.
ولما وعد سبحانه بإمامة بني إسرائيل وقص القصص حتى ختم بإمامة آل فرعون في الدعاء إلى النار إعلاماً بأن ما كانوا عليه تجب مجانبته ومنابذته ومباعدته، وكان من المعلوم أنه لا بد لكل إمامة من دعامة، تشوفت النفس إلى أساس إمامة بني إسرائيل التي يجب العكوف في ذلك الزمان عليها، والتمسك بها، والمبادرة إليها، فأخبر سبحانه عن ذلك مقسماً عليه مع الافتتاح بحرف التوقع، لأن العرب وإن كانوا مصدقين لما وقع من المنة على بني إسرائيل بإنقاذهم من يد فرعون
(14/300)

وتمكينهم بعده، وإنزال الكتاب عليهم، فحالهم بإنكار التمكين لأهل الإسلام والتكذيب بكتابهم حال المكذب بأمر بني إسرائيل، لأنه لا فرق بين نبي ونبي، وكتاب وكتاب، وناس وناس، لأن رب الكل واحد، فقال: {ولقد آتينا} أي بما لنا من الجلال والجمال والمجد والكمال {موسى الكتاب} أي التوراة الجامعة للهدى والخير في الدارين؛ قال أبو حيان: وهو أول كتاب أنزلت فيه الفرائض والأحكام.
ولما كان حكم التوراة لا يستغرق الزمان الآتي، أدخل الجار فقال: {من بعد ما} إشارة إلى أن إيتاءها إنما هو في مدة من الزمان، ثم ينسخها سبحانه بما يشاء من أمره {أهلكنا} أي بعظمتنا {القرون الأولى} أي من قوم نوح إلى قوم فرعون، ووقتها بالهلاك إشارة إلى أنه لا يعم أمة من الأمم بالهلاك بعد إنزالها تشريفاً لها ولمن أنزلت عليه وأوصلت إليه؛ ثم ذكر حالها بقوله: {بصائر} جمع بصيرة، وهي نور القلب، مصابيح وأنواراً {للناس} أي يبصرون بها ما يعقل من أمر معاشهم ومعادهم، وأولاهم وأخراهم، كما أن نور العين
(14/301)

يبصر به ما يحسن من أمور الدنيا.
ولما كان المستبصر قد لا يهتدي لمانع قال: {وهدى} أي للعامل بها إلى كل خير. ولما كان المهتدي ربما حمل على من توصل إلى غرضه، وكان ضاراً، قال: {ورحمة} أي نعمة هنية شريفة، لأنها قائدة إليها.
ولما ذكر حالها، ذكر حالهم بعد إنزالها فقال: {لعلهم يتذكرون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى تذكره، وهذا إشارة إلى أنه ليس في الشرائع ما يخرج عن العقل بل متى تأمله الإنسان تذكر به من عقله ما يرشد إلى مثله.
(14/302)

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)
ولما بين سبحانه في هذه السورة من غرائب أمر موسى عليه الصلاة والسلام وخفي أحواله ما بين، وكانت هذه الأخبار لا يقدر أهل الكتاب على إنكارها، نوعاً من الإنكار، وكان من المشهور أي اشتهار، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعرفها ولا سواها من غير الواحد القهار، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله حالاً من ضمير {آتينا} {وما كنت بجانب الغربي} أي الوادي من الطور الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة من ناحية مصر، فناداه منه العزيز
(14/302)

الجبار، وهو ذو طوى {إذ} أي حين {قضينا} بكلامنا بما حوى من الجلال، وزاد العظمة في رفيع درجاته بالإشارة بحرف الغاية فقال: {إلى موسى الأمر} أي أمر إرساله إلى فرعون وقومه، وما نريد أن نفعل من ذلك في أوله وأثنائه وآخره مجملاً، فكان كل ما أخبرنا به مطابقاً تفصيله لإجماله، فأنت بحيث تسمع ذلك الذي قضيناه إليه من الجانب الذي أنت فيه {وما كنت} أي بوجه من الوجوه {من الشاهدين*} لتفاصيل ذلك الأمر الذي أجملناه لموسى في ذلك المكان في أوقاته مع من شهده منه من أهل ذلك العصر من السبعين الذين اختارهم أو غيرهم ممن تبعه أو صد عنه حتى تخبر به كله على هذا الوجه الذي أتيناك به في هذه الأساليب المعجزة، ولا شك أن أمر معرفتك كذلك منحصر في شهودك إياه في وقته أو تعلمك له من الخالق، أو من الخلائق الذين شاهدوه، أو أخبرهم به من شاهده، وانتفاء تعلمه من أحد من الخلائق في الشهرة بمنزلة انتفاء شهوده له في وقته، فلم يبق إلا تلقيه له من الخالق، وهو الحق الذي لا شبهة فيه عند منصف.
ولما كان التقدير: وما كنت من أهل ذلك الزمان الحاضرين
(14/303)

لذلك الأمر، وامتد عمرك إلى هذا الزمان حتى أخبرت بما كنت حاضره، استدرك ضد ذلك فقال: {ولكنا} أي بما لنا من العظمة {أنشأنا} أي بعد ما أهلكنا أهل ذلك الزمان الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة والإخبار، كلهم {قروناً} أي ما أخرنا أحداً من أهل ذلك الزمان، ولكنا أهلكناهم وأنشأنا بعدهم أجيالاً كثيرة {فتطاول} بمروره وعلوه {عليهم العمر} جداً بتدريج من الزمان شيئاً فشيئاً فنسيت تلك الأخبار، وحرفت ما بقي منها الرهبان والأحبار، ولا سيما في زمان الفترة، فوجب في حكمتنا إرسالك فأرسلناك لتقوم المحجة، وتقوم بك الحجة، فعلم أن إخبارك بهذا والحال أنك لم تشاهده ولا تعلمته من مخلوق إنما هو عنا وبوحينا.
ولما نفى العلم بذلك بطريق الشهود، نفى سبب العلم بذلك فقال: {وما كنت ثاوياً} أي مقيماً إقامة طويلة مع الملازمة بمدين {في أهل مدين} أي قوم شعيب عليه السلام {تتلوا} أي تقرأ على سبيل القص للآثار والأخبار الحق {عليهم آياتنا} العظيمة، لتكون ممن يهتم بأمور الوحي وتتعرف دقيق أخباره، فيكون خبرهم وخبر موسى عليه الصلاة والسلام معهم وخبره بعد فراقه لهم
(14/304)

من شأنك، لتوفر داعيتك حينئذ على تعرفه {ولكنا كنا} أي كوناً أزلياً أبدياً نسبته إلى جميع الأزمنة بما لنا من العظمة، على حد سواء {مرسلين*} أي لنا صفة القدرة على الإرسال، فأرسلنا إلى كل نبي في وقته ثم أرسلنا إليك في هذا الزمان بأخبارهم وأخبار غيرهم لتنشرها في الناس، واضحة البيان سالمة من الإلباس، لأنا شاهدين لذلك كله، لم يغب عنا شيء منه ولا كان إلا بأمرنا.
ولما نفى السبب المبدئي للعلم بذلك الإجمال ثم الفائي للعلم بتفصيل تلك الوقائع والأعمال، نفى السبب الفائي للعم بالأحكام ونصب الشريعة بما فيها من القصص والمواعظ والحلال والحرام والآصار والأغلال بقوله: {وما كنت بجانب الطور إذ} أي حين {نادينا} أي أوقعنا النداء لموسى عليه الصلاة والسلام فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبلنا أو قبله، ومن المشهور أنك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله، لأنك ما خالطت أحداً ممن حمل تلك الأخبار عن موسى عليه الصلاة والسلام، ولا أحد أحملها عمن حملها عنه، ولكن ذلك كان إليك منا، وهو معنى قوله: {ولكن} أي أنزلنا ما أردنا منه ومن غيره عليك وأوحيناه إليك وأرسلناك به إلى الخلائق {رحمة من ربك} لك خصوصاً وللخلق عموماً {لتنذر} أي تحذر
(14/305)

تحذيراً كبيراً {قوماً} أي أهل قوة ونجدة، ليس لهم عائق من أعمال الخير العظيمة، لا الإعراض عنك، وهم العرب، ومن في ذلك الزمان من الخلق {ما آتاهم} وعم المنفي بزيادة الجار في قوله: {من نذير} أي منهم، وهم مقصودون بإرساله إليهم وإلا فقد أتتهم رسل موسى عليه السلام، ثم رسل عيسى عليه الصلاة والسلام، وإن صح أمر خالد بن سنان العبسي فيكون نبياً غير رسول، أو يكون رسولاً إلى قومه بني عبس خاصة، فدعاؤه لغيرهم إن وقع فمن باب الأمر بالمعروف عموماً، لا الإرسال خصوصاً، فيكون التقدير: نذير منهم عموماً، وزيادة الجار في قوله: {من قبلك} تدل على الزمن القريب، وهو زمن الفترة، وأما ما قبل ذلك فقد كانوا فيه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى غيره عمرو بن لحي فقد أنذرهم في تلك الأزمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم إسماعيل عليه الصلاة والسلام ثم من بعدهم من صالحي ذريتهم إلى زمان عمرو بن لحي، فهم لأجل عدم النذير عمي، عن الهدي، سالكون سبيل الردى، وقال: {لعلهم يتذكرون*} لمثل ما تقدم من أنهم إذا قبلوا ما جئت به وتدبروه أذكرهم إذكاراً ظاهراً - بما أشار إليه
(14/306)

الإظهار - ما في عقولهم من شواهده وإن كانت لا تستقل بدونه والله الموفق.
ولما كان انتفاء إنذارهم قبله عليه الصلاة والسلام نافياً للحجة في عذابهم بما أوجبه الله - وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل - على نفسه الشريفة، فضلاً منه ورحمة، ذكر أن إرساله مما لا بد منه لذلك فقال: {ولولا} أي ولولا هذا الذي ذكرناه ما أرسلناك لتنذرهم، ولكنه حذف هذا الجواب إجلالاً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المواجهة به، وذلك الذي ختم الإرسال هو {أن تصيبهم} أي في وقت من الأوقات {مصيبة} أي عظيمة {بما قدمت أيديهم} أي من المعاصي التي قضينا بأنها مما لا يعفى عنه {فيقولوا ربنا} أي أيها المحسن إلينا {لولا} أي هل لا ولم لا {أرسلت إلينا} أي على وجه التشريف لنا، لنكون على علم بأنا ممن يعتني الملك الأعلى به {رسولاً} وأجاب التخصيص الذي شبهوه بالأمر لكون كل منهما باعثاً على الفعل بقوله: {فنتبع} أي فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع {آياتك ونكون} أي كوناً هو في غاية الرسوخ {من المؤمنين*} أي المصدين بك في كل ما أتى به عنك رسولك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصديقاً بليغاً، فإذا قالوا
(14/307)

ذلك على تقدير عدم الإرسال قامت لهم حجة في مجاري عاداتكم وإن كانت لنا الحجة البالغة.
(14/308)

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)
ولما كان التقدير: ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه، بنى عليه قوله: {فلما جاءهم} أي أهل مكة {الحق} الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما يقاس عليهما، وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من الثبات، فكيف وهو {من عندنا} على ما لنا من العظمة، وعلى لسانك وأنت أعظم الخلق! {قالوا} أي أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتاً كفراً به: {لولا أوتي} من الآيات، أي هذا الآتي بما يزعم أنه الحق، وبني للمفعول لأن القصد مطلق الإيتاء لأنه الذي يترتب عليه مقصود الرسالة، مع أن المؤتى معلوم {مثل ما أوتي موسى} أي من اليد والعصا وغيرهما من الآيات التي لا يقدر على إتيانها إلا القادر على كل شيء.
ولما كان الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام لا يكون موجباً للإيمان على زعمهم إلا بأن يكون أعظم مما أتى به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو يكون الناس لم يتوقفوا في الإيمان به، وكان كل من الأمرين منتفياً بأن أهل زمانه كفرو به، وهو لما سألوا
(14/308)

اليهود عن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمروهم أن يمتحنوه بالروح وقصتي أهل ألكهف وذي القرنين وجاء في كل من ذلك بما لزمهم تصديقه، فامتنعوا وأصروا على كفرهم، وكان في ذلك كفرهم به وبموسى عليهما الصلاة والسلام، فعلم أن التقدير: ألم يكفروا بما أتاهم به من الآيات الباهرة مع أنه مثل ما أتى به موسى عليهما الصلاة والسلام، بل أعظم منه {أولم يكفروا} أي العرب ومن بلغتهم الدعوة من بني إسرائيل أو من شاء الله منهم أو أبناء جنسهم ومن كان مثلهم في البشرية والعقل في زمن موسى عليه السلام {بما أوتي موسى} .
ولما كان كل من إتيانه وكفرهم لم يستغرق زمان القبل، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي من قبل مجيء الحق على لسان محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم. ولما كان كأنه قيل: ما كان كفرهم به؟ قيل: {قالوا} أي فرعون وقومه ومن كفر من بني إسرائيل كقارون ومن تبعه. ولما كان قد تقدم هنا قريباً أن المظاهر له أخوه، فكان المراد واضحاً، أضمرهما فقال: {ساحران} أي هو وأخوه {تظاهرا} أي أعان كل منهما صاحبه على سحره حتى صار سحرهما معجزاً فغلبا جميع السحرة، وتظاهر الساحرين من تظاهر السحرين - على قراءة الكوفيين، ويجوز - وهو أقرب أن يكون الضمير لمحمد وموسى
(14/309)

عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأنه روي أن قريشاً بعثت إلى يهود فسألوهم عن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبروهم أن نعته في كتابهم، فقالوا هذه المقالة، فيكون الكلام استئنافاً لجواب من كأنه قال: ما كان كفرهم بهما؟ فقيل: قالوا - أي العرب: الرجلان ساحران، أو الكتابان سحران، ظاهر أحدهما الآخر مع علم كل ذي لب أن هذا القول زيف.
لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر، لكان سحر فرعون أعظم إعجازاً، لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا عن معارض ما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام من آية العصا، وأما محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد دعا أهل الأرض من الجن والإنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً فعجزوا.
ولما تضمن قولهم ذلك الكفر، صرحوا به في قولهم: {وقالوا} أي كفار قريش أو المتقدمون من فرعون وأضرابه: {إنا بكل} من الساحرين أو السحرين اللذين تظاهرا بهما، وهما ما أتيا به من عند الله {كافرون*} جرأة على الله وتكبراً على الحق.
ولما قالوا ذلك، كان كأنه قيل: فماذا فعل؟ قال: {قل}
(14/310)

إلزاماً لهم إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام: {فأتوا بكتاب} وأشار بالتعبير في وصفه بعند دون لدن إلى أنه يقنع منهم بكونه حكيماً خارقاً للعادة في حكمته وإن لم يبلغ الذروة في الغرابة بأن انفك عن الإعجاز في نظمه كالتوراة فقال: {من عند الله} أي الملك الأعلى، ينطق بأنه نم عنده أحواله وحكمته وجلاله {هو} أي الذي أتيتم به {أهدى منهما} أي مما أتيت به ومما أتى به موسى {أتبعه} أي واتركهما.
ولما أمرهم بأمره بالإتيان، ذكر شرطه من باب التنزل، لإظهار النصفة، وهو في الحقيقة تهكم بهم فقال: {إن كنتم} أيها الكفار! كوناً راسخاً {صادقين*} أي في أنا ساحران، فائتوا ما ألزمتكم به.
ولما كان شرط صدقهم، بين كذبهم على تقدير عدم الجزاء فقال: {فإن لم يستجيبوا} أي الكفار الطالبون للأهدى في الإتيان به. ولما كانت الاستجابة تتعدى بنفسها إلى الدعاء، وباللام إلى الداعي، وكان ذكر الداعي أدل على الاعتناء به والنظر إليه، قال
(14/311)

مفرداً لضميره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه لا يفهم المقايسة في الأهدوية غيره: {لك} أي يطلبوا الإجابة ويوجدوها في الإيمان أوالإتيان بما ذكرته لهم ودعوتهم إليه مما هو أهدى، من القرآن والتوراة ليظهر صدقهم {فاعلم} أنت {أنما يتبعون} أي بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفروالتكذيب {أهواءهم} أي دائماً، وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ظالمون غير مهتدين، بل هم أضل الناس، وذلك معنى قوله: {ومن أضل} أي منهم، ولكنه قال: {ممن اتبع} أي بغاية جهده {هواه} تعليقاً للحكم بالوصف؛ والتقييد وبقوله: {بغير هدى} أي بيان وإرشاد {من الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال دليل على أن الهوى قد يوافق الهدى، والتعبير بالافتعال دليل على أن التابع وإن كان ظالماً قد لا يكون أظلم.
ولما كانت متابعة الهوى على هذا الصورة ظلماً، وصل به قوله مظهراً لئلا يدعى التخصيص بهم: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا راد لأمره {لا يهدي} وأظهر موضع الإضمار للتعميم فقال: {القوم الظالمين*} أي وإن كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهوائهم، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً اتباع الهوى دليلاً على حذفه ثانياً، وثانياً الظلم دليلاً على حذفه أولاً.
(14/312)

ولما أبلغ في هذه الأساليب في إظهار الخفايا، وأكثر من نصب الأدلة على الحق وإقامة على وجوب اتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانوا بإعراضهم عن ذلك كله كأنهم منكرون لأن يكون جاءهم شيء من ذلك، قال ناسقاً على ما تقديره: فلقد آتيناك في هذه الآيات بأعظم البينات، منبهاً بحرف التوقع المقترن بأداة القسم على أنه مما يتوقع هنا أن يقال: {ولقد وصلنا} أي على ما لنا من العظمة التي مقتضاها أن يكفي أدنى إشارة منها {لهم} اي خاصة، فكان تخصيصهم بذلك منة عظيمة يجب عليهم شكرها {القول} أي أتبعنا بعض القول - الذي لا قول في الحقيقة سواه - بعضاً بالإنزال منجماً، قطعاً بعضها في أثر بعض، لتكون جواباً لأقولهم، وحلاًّ لإشكالهم، فيكون أقرب إلى الفهم، وأولى بالتدبر، مع تنويعه في وعد ووعيد، وأخبار ومواعظ، وحكم ونصائح، وأحكام ومصالح، وأكثرنا من ذلك حتى كانت آياته المعجزات وبيناته الباهرات كأنها أفراس الرهبان، يوم استباق الأقران، في حومة الميدان، غير أن كلاًّ منهما سابق في العيان.
ولما بكتهم بالتنبيه بهذا التأكيد على مبالغتهم في الكذب بالقول أو بالفعل في أنه ما أتاهم ما يقتضي التذكير أتبع ذلك التوصيل عليه فقال: {لعلهم يتذكرون*} أي ليكون حالهم حال الذين يرجى لهم
(14/313)

أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق تذكيراً، بما أشار إليه الإظهار.
ولما كان من التذكر ما دل عليه مجر العقل، ومنه ما انضم إليه مع ذلك العقل، وكان صاحب هذا القسم أجدر بأن يتبصر، وكان كأنه قيل: هل تذكروا؟ قيل: نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقاً تذكروا حقاً، وذلك معنى قوله: {الذين آتيناهم} أي بعظمتنا التي حفظناهم بها {الكتاب} أي العلم من التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء، وهم يتلون ذلك حق تلاوته، في بعض الزمان الذي كان {من قبله} أي القرآن {هم} أي خاصة {به} أي القرآن، لا بشيء مما يخالفه {يؤمنون*} أي يوقعون الإيمان به في حال وصوله إليهم إيماناً لا يزال يتجدد؛ ثم أكد هذا المعنى بقوله: {وإذا يتلى} أي تتجدد تلاوته {عليهم قالوا} مبادرين: {آمنا به} ثم عللوا ذلك بقولهم الدال على غاية المعرفة، مؤكدين لأن من كان على دين لا يكاد يصدق رجوعه عنه، فكيف إذا كان أصله حقاً من عند الله، {إنه الحق} أي الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل، مع كونه {من ربنا} المحسن إلينا،
(14/314)

وكل من الوصفين موجب للتصديق والإيمان به؛ ثم عللوا مبادرتهم إلى الإذعان منبهين على أنهم في غاية البصيرة من أمره بأنهم يتلون ما عندهم حق تلاوته، لا بألسنتهم فقط، فصح قولهم الذي دل تأكيدهم له على اغتباطهم به الموجب لشكره: {إنا كنا} أي كوناً هو في غاية الرسوخ؛ وأشار إلى أن من صح إسلامه ولو في زمن يسير أذعن لهذا الكتاب، بإثبات الجار، فقال: {من قبله مسلمين*} أي منقادين غاية الانقياد لما جاءنا من عند الله من وصفه وغير وصفه وافق هوانا وما ألفناه أو خالفه، لا جرم كانت النتيجة: {أولئك} أي العالو الرتبة {يؤتون} بناه للمفعول لأن القصد الإيتاء، والمؤتى معروف {أجرهم مرتين} لإيمانهم به غيباً وشهادة، أو بالكتاب الأول ثم الكتاب الثاني {بما صبروا} على ما كان من الإيمان قبل العيان، بعدما هزهم إلى النزوع عنه إلف دينهم الذي كان، وغير ذلك من امتحان الملك الديان.
ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوىء، قال عاطفاً على {يؤمنون} مشيراً إلى تجديد هذه الأفعال كل حين: {ويدرءون بالحسنة} من الأقوال والأفعال {السيئة} أي من ذلك كله فيمحونها بها.
(14/315)

ولما كان بعض هذا الدرء لا يتم إلا بالجود قال: {ومما رزقناهم} أي بعظمتنا، لا بحول منهم ولا قوة، قليلاً كان أو كثيراً {ينفقون*} معتمدين في الخلق على الذي رزقه؛ قال البغوي: قال سعيد بن جبير: قدم مع جعفر رضي الله تعالى عنه من الحبشة أربعون رجلاً، يعني: فأسلموا، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أموالهم، فأتوا بها فواسوا بها المسلمين.
(14/316)

وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)
ولما ذكر أن السماح بما تضن النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان، أتبعه أن حزن ما تبذله الألسن من فضول الأقوال من علامات العرفان، فقال: {وإذا سمعوا اللغو} أي ما لا ينفع في دين ولا دنيا من شتم وتكذيب وتعبير ونحوه {أعرضوا عنه} تكرماً عن الخنا {وقالوا} أي وعظاً وتسميعاً لقائله: {لنا} أي خاصة {أعمالنا} لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون {ولكم} أي خاصة {أعمالكم} لا نطالب بشيء منها، فنحن لا نشتغل بالرد عليكم لأن ذمكم لنا لا ينقصنا شيئاً من أجرنا ولا الاشتغال برده ينقصنا.
ولما كان معنى هذا أنهم سالمون منهم، صرحوا لهم به فقالوا:
(14/316)

{سلام عليكم} أي منا. ولما جرت العادة بأن مثل هذا يكسر اللاغي، ويرد الباغي، أشاروا لهم إلى قبح حالهم، رداً على ضلالهم، بقولهم تعليلاً لما مضى من مقالهم: {لا نبتغي} أي لا نكلف أنفسنا أن نطلب {الجاهلين*} أي نريد شيئاً من أحوالهم أو أقوالهم، أو غير ذلك من خلالهم.
ولما كان من المعلوم أن نفس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما جبلت عليه من الخير والمحبة لنفع جميع العباد، لا سيما العرب، لقربهم منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لاسيما أقربهم منه صلة للرحم تتأثر بسبق أهل الكتاب لقومه، وكان ربما ظن ظان أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه أو إرادته لذلك، وأنه لو أراد هدايتهم وأحبها، وعلق همته العلية بها لاهتدوا، أجيب عن هذا بقوله تعالى في سياق التأكيد إظهاراً لصفة القدرة والكبرياء والعظمة: {إنك لا تهدي من أحببت} أي نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه، وإنما في يدك الهداية التي هي الإرشاد والبيان.
ولما كان ربما ظن من أجل الإخبار بتوصيل القول وتعليله ونحو ذلك من أشباهه أن شيئاً من أفعالهم يخرج عن القدرة، قال نافياً لهذا الظن مشيراً إلى الغلط في اعتقاده بقوله: {ولكن الله} المتردي برداء الجلال والكبرياء والكمال وله الأمر كله {يهدي من يشاء} هدايته
(14/317)

بالتوفيق إلى ما يرضيه {وهو} أي وحده {أعلم بالمهتدين*} أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عريقين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب، أقارب كانوا أو أباعد، روى البخاري في التفسير عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه: «قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيره، فقال: أي عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنك لا تهدي من
(14/318)

أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} - الآية -»
انتهى وقال في كتاب التوحيد: {إنك لا تهدي من أحببت} قال سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه: نزلت في أبي طالب، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره بالتوحيد فقال: لولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك فأنزل الله الآية.
ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى عليه الصلاة والسلام ثم كفرهم به وبما هو أعظم منه، وختم بأنه أعلم بأهل الخير وأهل الشر، إشارة إلى الإعراض عن الأسف على أحد، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء، قال دليلاً على ذلك لأنهم إنما يتبعون أهواءهم، عاطفاً على قالوا {لولا أوتي} {وقالوا إن نتبع} أي غاية الاتباع {الهدى} أي الإسلام فنوحد الله من غير إشراك {معك} أي وأنت على ما أنت عليه من مخالفة الناس {نتخطف} أي من أي خاطف أردنا، لأنا نصير قليلاً في كثير. من غير نصير {من أرضنا} كما تتخطف العصافير لمخالفة كافة العرب لنا، وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوتهم فيسرعو إلينا فيتخطفونا، أي يتقصدون خطفنا واحداً واحداً، فإنه لا طاقة لنا على إدامة الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض؛ قال البغوي:
(14/319)

والاختطاف: الانتزاع بسرعة.
ولما كان التقدير في الرد على هذا الكلام الواهي: ألم نحمك ومن اتبعك منهم وقد جئتموهم من الخلاف بمثل ما يخالفون هم، به العرب أو أشد، ولا نسبة لكم إلى عددهم ولا جلدهم، عطف عليه قوله: {أولم نمكن} أي غاية التمكين {لهم} في أوطانهم ومحل سكناهم بما لنا من القدرة {حرماً آمناً} أي ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها، حتى أن سيل الحل لا يدخل الحرم، بل إذا وصل إليه عدل عنه؛ قال ابن هشام في استيلاء كنانة وخزاعة على البيت: وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلماً ولا بغياً، لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته - انتهى. وكان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا يعرض له بسوء؛ وروى الأزرقي في تأريخ مكة بسنده عن حويطب بن عبد العزى رضي الله عنه قال: كانت في الكعبة حلق يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد، فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلت يده،
(14/320)

فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل، وروي عن ابن جريج قصة العرب من غير قريش في أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن أعارتهم قريش ثياباً، فجاءت امرأة فطافت عريانة وكان لها جمال فرآها رجل فأعجبته فدخل فطاف إلى جنبها، فأدنى عضده من عضدها، فالتزقت عضده بعضدها، فخرجا من المسجد هاربين على وجوههما فزعين لما أصابهما من العقوبة، فلقيهما شيخ من قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه الذنب، فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا، فدعوا وأخلصا النية، فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية، وبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخذ رجل ذود ابن عم له فأصابه في الحرم فقال: ذودي: فقال اللص: كذبت، قال: فاحلف، فحلف عند المقام، فقام رب الذود بين الركن والمقام باسطاً يديه يدعو، فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل يصيح بمكة: ما لي، وللزود، ما لي، ولفلان - رب الزود، فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع الزود فدفعه إلى المظلوم، فخرج به وبقي الآخر متولهاً حتى وقع من جبل فتردى فأكلته السباع.
وعن أيوب بن موسى أن امرأة في الجاهلية كان معها ابن عم لها صغير فقالت له: يا بني: إني
(14/321)

أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد، فإن جاءك ظالم بعدي فإن لله بمكة بيتاً لا يشبهه شيء من البيوت، وعليه ثياب ولا يقاربه مفسد، فإن ظلمك ظالم يوماً فعذبه، فإن له رباً سيمنعك، فجاءه رجل فذهب به فاسترقه، قال: وكان أهل الجاهلية يعمرون أنعامهم فأعمر سيده ظهره، فلما رأى الغلام البيت عرف الصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت، وجاءه سيده فمد يده إليه ليأخذه، فيبست يده، فمد الأخرى فيبست، فاستفتى فأفتى أن ينحر عن كل واحدة من يدية بدنة، ففعل فأطلقت يداه، وترك الغلام وخلى سبيله. وعن عبد العزيز بن أبي رواد أن قوماً انتهوا إلى ذي طوى، فإذا ظبي قد دنا منهم، فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه: ويحك! أرسله، فجعل يضحك ويأبى أن يرسله، فبعر الظبي وبال؛ ثم أرسله، فناموا في القائلة فانتبهوا، فإذا بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحديث مثل ما كان من الظبي. وعن مجاهد قال: دخل قوم مكة نجاراً من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام، فرمى رجل منهم ظبية من ظباء الحرم
(14/322)

وهي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوا لحمها ليأتدموا به، فبينما قدرهم على النار تغلي بلحمة إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعاً ولم تحترق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا تحتها.
وفي سيرة أبي ربيع بن سالم الكلاعي أن رجلاً من كنانة بن هذيل ظلم ابن عم له فخوفه بالدعاء في الحرم، فقال: هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه فاجتهد في الدعاء، فجاء الحرم في الشهر الحرام، فقال: اللهم إني ادعوك جاهداً مضطراً على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له، ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق، فما زال ينتفخ حتى انشق، وأن عمر رضي الله عنه سال رجلاً من بني سليم عن ذهاب بصره، فقال: يا أمير المؤمنين! كنا بني ضبعاء عشرة، وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان يذكرنا بالله، وبالرحم، فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل يرفع يديه يقول:
لا همّ أدعوك دعاء جاهداً ... اقتل بني الضبعاء إلا واحدا
(14/323)

ثم اضرب الرجل ودعه قاعداً ... أعمى إذا قيد يعيي القائدا
قال: فمات إخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد، وبقيت أنا فعميت، ورماني الله عز وجل في رجلي، فليس يلائمني قائد، فقال عمر رضي الله عنه: سبحان الله إن هذا لهو العجب، جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها وشرفها، لينتكب الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة، فلما جاء الدين، صار الموعد الساعة، ويستجيب الله لمن يشاء، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين - انتهى. وكأنه لمثل ذلك عبر بالتمكين ويتخطف الناس من حولهم كما يأتي تأكيده في التي بعدها، وقد كان قبل ذلك بقعة من بقاع الأرض لا مزية له على غيره بنوع مزية، فالتقدير: إنما فعلنا ذلك بعد سكنى إسماعيل عليه الصلاة والسلام، توطئة لما أردنا من الحكم والأحكام، أو ليس الذي قدر على ذلك وفعله لمن يعبد غيره بقادر على حماية من يدخل في دينه، وقد صار من حزبه بأنواع الحمايات، وإعلائه على كل من يناويه إلى أعلى الدرجات، كما فعل في حمايتكم منهم ومن غيرهم من سائر المخالفين أعداء الدين.
ولما وصفه بالأمن، أتبعه ما تطلبه النفس بعده فقال: {يجبى} أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه {إليه}
(14/324)

أي خاصة، دون غيره من جزيرة العرب {ثمرات كل شيء} من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق، والباردة كالعنب والتفاح والرمان والخوخ، وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال، ما لم يخطر لأحد منهم في بال، وقد صدق الله فيما قال كما تراه - ومن أصدق من الله قيلاً.
ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع باصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات، وجباية هذه الثمرات، في غاية الغرابة في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر، المحفوفة من الناس بمن لا يدين ديناً، ولا يخشى عاقبة، ولا له ملك قاهر من الناس يرده، ولا نظام من سياسة العباد يمنعه، عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدان فقال: {رزقاً من لدنا} أي من أبطن ما عندنا وأغربه، لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك أنت ومن أتبعك ومن فيه قابلية الهداية منهم، وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في هذا الحرم مضمراً في الأصلاب، ومظهراً في تلك أشعاب، توطئة لنبوتك، وتمهيداً لرسالتك، ومتى غبت عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون.
(14/325)

ولما كان هذا الذي أبدوه عذراً عن تخلفهم عن الهدى يظنونه من نفائس العلم، رده تعالى نافياً عمن لم يؤمن منهم جميع العلم الذي بنفيه ينتفي أن يكون هذا الفرد علماً، فقال في أسلوب التأكيد لذلك: {ولكن أكثرهم} أي أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له {لا يعلمون*} أي ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بترتيب أسبابه حتى تمكن ذلك وتم فلا قدرة لأحد على تغييره، وإنا قادرون على أن نمنعهم - إذا تابعوا أمرنا - ممن يريدهم، بل نسلطهم على كل من ناواهم، كقدرتنا على ما مكنا لهم وهو خارج عن القياس على ما يقتضيه عقول الناس، وإنا قادرون على سلب ذلك كله عنهم لإصرارهم على الكفر، ولا بد أن نذيقهم ذلك أجمع بعد هجرتك ليعلموا أنه إنما نالهم ذلك ببركتك، ولو علموا ذلك لشكروا، ولكنهم جهلوا فكفروا، ولذلك أنذروا {ولتعلمن نبأه بعد حين} .
ولما أخبر تعالى أنه قادر على التأمين والإنجاء والتمكين مع الضعفة، أتبعه الإعلام بقدرته على الإخافة والإهلاك مع القوة، ترغيباً لهم - إن آمنوا - بإهلاك أضدادهم، وترهيباً - إن أصروا - من المعاملة بعكس مرادهم، فقال في مظهر العظمة عاطفاً على معنى
(14/326)

الكلام: {وكم أهلكنا} ويجوز أن يكون حالاً من ضمير نمكن أي فعلنا بهم ما ذكرنا من النعمة مع ضعفهم وعجزهم، والحال أنا كثيراً ما أهلكنا الأقوياء، وأشار إلى تأكيد التكثير مع تمييز المبهم بقوله: {من قرية} ، وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله: {بطرت معيشتها} أي وقع منها البطر في زمان عيشها الرخي الواسع، فكان حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق، فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم، ومعنى بطرهم لها أنهم شقوها بمجاوزة الحد في المرح، والأشر والفرح، إلى أن تعدوها فأفسدوها وكفروها فلم يشكروها، بل فعلوا في تلقيها فعل الحائر المدهوش، فلم يحسنوا رعايتها، وقل احتمالهم لحق النعمة فيها، فطغوا في التقلب عند مصاحبتها وتكبروا بها، وتمادوا في الغي قولاً وفعلاً، من أجل ما عمهم من الرفاهية عن تقييدها وساء احتمالهم للغنى بها، وطيب العيش فيها، فأبطلوها بهذه الخصائل، وأذهبوها هدراً من غير مقابل، وذلك من قول أهل اللغة: البطر: الأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة، والفعل من الكل كفرح، وبطر الحق أن يتكبر عنه فلا يقبله، وبطره كنصره وضربه: شقه، والبطور: الصخاب الطويل
(14/327)

اللسان، والمتمادي في الغي، وأبطره ذرعه: حمله فوق طاقته، وذهب دمه بطراً - بالكسر، أي هدراً وبطرهم لها أنهم عصوا من خولهم فيها، فخالفوا أمره، وأنساهم الكبر بما أعطاهم ذكره.
ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار، سبب عنه الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم، تنبيهاً على كثرتها وسهولة الوصول إليها في كل مكان، لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك دليلاً على الجملة التي قبلها فقال: {فتلك مساكنهم} .
ولما كان المعنى أنها خاوية على عروشها وصل به قوله: {لم تسكن} أي من ساكن ما مختار أو مضطر. ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره، أثبت الجار فقال: {من بعدهم} بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها، وزخرفوها وزوقوها، وزفوا فيها الأبكار، وفرحوا بالأعمال الكبار، {إلا} سكوناً {قليلاً} بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار، ثم يصير تباباً موحشة كالقفار، بعد أن كانت متمنعة القبا، ببيض الصفاح وسمر القنا.
ولما صارت هذه الأماكن بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهراً إلا الله، ولا حاكم عليها فيما تنظره العيون سواه، وكان هذا أمراً
(14/328)

اللسان، والمتمادي في الغي، وأبطره ذرعه: حمله فوق طاقته، وذهب دمه بطراً - بالكسر، أي هدراً وبطرهم لها أنهم عصوا من خولهم فيها، فخالفوا أمره، وأنساهم الكبر بما أعطاهم ذكره.
ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار، سبب عنه الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم، تنبيهاً على كثرتها وسهولة الوصول إليها في كل مكان، لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك دليلاً على الجملة التي قبلها فقال: {فتلك مساكنهم} .
ولما كان المعنى أنها خاوية على عروشها وصل به قوله: {لم تسكن} أي من ساكن ما مختار أو مضطر. ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره، أثبت الجار فقال: {من بعدهم} بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها، وزخرفوها وزوقوها، وزفوا فيها الأبكار، وفرحوا بالأعمال الكبار، {إلا} سكوناً {قليلاً} بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار، ثم يصير تباباً موحشة كالقفار، بعد أن كانت متمنعة القبا، ببيض الصفاح وسمر القنا.
ولما صارت هذه الأماكن بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهراً إلا الله، ولا حاكم عليها فيما تنظره العيون سواه، وكان هذا أمراً
(14/329)

عظيماً، وخطباً جسيماً، لأنه لا فرق فيه بين جليل وحقير، وصغير وكبير، وسلطان ووزير، دل على ضخامته بقوله مكرراً لمظهر العظمة: {وكنا} أي أزلاً وأبداً {نحن} لا غيرنا {الوارثين*} لم يستعص علينا أحد وإن عظم، ولا تأخر عن مرادنا لحظة وإن ضخم، فليت شعري! أين أولئك الجبارون وكيف خلا دورهم، وعطل قصورهم؟ المتكبرون أفنتهم والله كؤوس الحمام منوعة أشربة المصائب العظام، وأذلتهم مصارع الأيام، بقوة العزيز العلام، فيا ويح من لم يعتبر بأيامهم، ولم يزدجر عن مثل آثامهم.
(14/330)

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)
ولما أظهر سبحانه سوط العذاب بيد القدرة، دل على وطأ العدل بثمرة الغنى، ولكونه في سياق الرحمة بالإرسال عبر بالربوبية فقال: {وما كان} أي كوناً ما {ربك} أي المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس {مهلك القرى} أي هذا الجنس كله بجرم وإن عظم {حتى يبعث في أمها} أي أعظمها وأشرفها، لأن غيرها تبع لها، ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام من الناصرة، وبعث في بيت المقدس {رسولاً يتلوا عليهم} أي أهل القرى كلهم {آياتنا} الدالة - بما لها من الجري على مناهيج العقول، على ما ينبغي لنا من الحكمة، وبما لها من الإعجاز - على تفرد الكلمة، باهر العظمة، إلزاماً للحجة، وقطعاً للمعذرة، لئلا يقولوا {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً} ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول من أم القرى كلها، وهي مكة البلد الحرام، وفيها لأنها مع كونها مدينة تجري فيها الأمور على قانون الحكمة هي في بلاد البوادي تظهر فيها الكلمة، فجمعت الأمرين لأن المرسل إليها جامع، وجازت الأثرين لأن الختام به واقع، وكان السر في جعل المؤيد لدينه عيسى عليهما الصلاة والسلام من البادية كثرة ظهور الكلمة على يديه.
ولما غيّى الإهلاك بالإرسال تخويفاً، ضرب له غاية أخرى تحريراً للأمر وتعريفاً، ولكونه في سياق التجرؤ من أهل الضلال، على مقامه العال، بانتهاك الحرمات، عبر بأداة العظمة فقال: {وما كنا} أي بعظمتنا وغنانا {مهلكي القرى} أي كلها، بعد الإرسال {إلا وأهلها ظالمون*} أي عريقون في الظلم بالعصيان، بترك ثمرات الإيمان.
ولما اعتلوا في الوقوف عن الإيمان بخوف التخطف، فذكرهم نعمته عليهم بإقامة أسباب الأمن وإدرار الرزق، وعرفهم أنه هو وحده الذي تخشى سطواته، ويتقي أخذه لمن خالفه وبطشاته، وكان خوفهم من عواقب المتابعة إما على أنفسهم وإما على ما بأيديهم من المتاع، علم من ذلك كله قطعاً أن التقدير بما سبب التخويف من عواقب الظلم بمثل مصارع الأولين: فأنفسكم في خطر من خوف الهلاك من القادر عليكم كقدرته على من قبلكم بسبب التوقف عن المتابعة أشد من خطر
(14/330)

الخوف من التخطف بسبب المتابعة، أو يكون التقدير: فما خفتم منه التخطف غير ضائركم، وكفكم عن المتابعة لأجله غير مخلدكم، فما إهلاككم على الله بأي وجه كان - بعزيز، فعطف على هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره قوله: {وما أوتيتم} أي من أي مؤت كان {من شيء} أي من هذه الأشياء التي بأيدكم وغيرها {فمتاع} أي فهو متاع {الحياة الدنيا} وليس يعود نفعه إلى غيرها، فهو إلى نفاد وإن طال زمن التمتع به {وزينتها} أي وهو زينة الحياة الدنيا التي هي كلها - فضلاً عن زينتها - إلى فناء، فليست هي ولا شيء منها بأزلي ولا أبدي {وما عند الله} أي الملك الأعلى مما تثمره لكم المتابعة من الثواب الذي وعدكموه في الدار الآخرة التي دل عليها دلالة واضحة إطباقكم على وصف هذه بالدنيا، ومن أصدق وعداً منه {خير} على تقدير مشاركة ما في الدنيا له في الخيرية في ظنكم، لأن الذي عنده أكثر وأطيب وأظهر، وأحسن وأشهى، وأبهج وأزهى، {و} هو مع ذلك كله {أبقى} لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن أزلياً فهو أبدي.
فلما بان أنه لا يقدم على خطر المخالفة المذكور خوفاً من خطر المتابعة الموصوف عاقل، توجه الإنكار عليهم في قوله تعالى: {أفلا تعقلون*} .
ولما كان هذا سبباً لأن ظهر كالشمس بون عظيم بين حال المخالف والمؤالف، سبب عنه وأنتج قوله، مقرراً لما ذكر من الأمرين
(14/331)

موضحاً لما لهما من المباينة، منكراً على من سوى بينهما، فكيف بمن ظن أن حال المخالف أولى: {أفمن وعدناه} على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق {وعداً} وهو الإثابة والثواب {حسناً} لا شيء أحسن منه في موافقته لأمنيته وبقائه {فهو} بسبب وعدنا الذي لا يخلف {لاقيه} أي مدركه ومصيبه لا محالة {كمن متعناه} أي بعظمتنا {متاع الحياة الدنيا} فلا يقدر أحد غيرنا على سلبه منه بغير إذن منا، ولا يصل أحد إلى جعله باقياً، وهو مع كونه فانياً وإن طال زمنه مشوب بالأكدار، مخالط بالأقذار والأوزار {ثم هو} مع ذلك كله {يوم القيامة} الذي هو يوم التغابن، من خسر فيه لا يربح أصلاً، ومن هلك لا يمكن عيشه بوجه {من المحضرين*} أي المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى منه بطلاع الأرض ذهباً، فإن كل من يوكل به لحضور أمر يتنكد على حسب مراتب التوكيل كائناً من كان في أي أمر كان.
ولما كان اليوم وإن كان واحداً يتعدد بتعدد أوصافه، بما يقع في أثناءه وأضعافه، على يوم القيامة تهويلاً لأمره، وتعظيماً لخطره وشره، قوله مقرراً لعجز العباد، عن شيء من الإباء في يوم العباد:
(14/332)

{ويوم يناديهم} أي ينادي الله هؤلاء الذين يغرون بين الناس ويصدون عن السبيل، ويتعللون في أمر الإيمان، وتوحيد المحسن الديان {فيقول} أي الله: {أين شركاءي} أي من الأوثان وغيرهم؛ ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله: {الذين كنتم} أي كوناً أنتم عريقون فيه {تزعمون*} ليدفعوا عنكم أو عن أنفسهم.
ولما كان اسم الشريك يقع على من سواه الإنسان بآخر في شيء من الأشياء، وكان الأتباع قد سووا المتبوعين الذين عبدوهم من الشياطين وغيرهم بالله تعالى في الخضوع لهم، والطواعية في عبادة الأوثان، ومعاندة الهداة ومعاداتهم، والصد عن أتباعهم، فكان اسم الشريك متناولاً لهم، وكان بطش من وقع الإشراك به يكون أولاً بمن عد نفسه شريكاً ثم بمن أنزله تلك المنزلة، فتشوفت النفس إلى مبادرة الرؤساء بالجواب خوفاً من حلول العقاب بهم وزيادتهم بقيادتهم عليهم، فقيل: قالوا - هكذا الأصل، ولكنه أظهر إعلاماً بالوصف الذي أوجب لهم القول فقال: {قال الذين حق} أي ثبت ووجب {عليهم القول} أي وقع عليهم معنى هذا الاسم وتناولهم، وهو العذاب المتوعد به بأعظم القول، وهم أئمة الكفر، وقادة الجهل، بإنزالهم أنفسهم منزلة الشركاء، وأفهم بإسقاط الأداة كعادة أهل القرب والتعبير بوصف الإحسان
(14/333)

أنهم وصلوا بعد السماجة والكبر إلى غاية الترقق والذل، فقال معبراً عن قولهم: {ربنا هؤلاء} إشارة إلى الأتباع {الذين أغوينا} أي أوقعنا الإغواء وهو الإضلال بهم بما زينا لهم من الأقوال التي أعاننا على قبولهم أنها منا، مع كونها ظاهرة العوار، واضحة العار، ما خولتنا فيه في الدنيا من الجاه والمال؛ ثم استأنفوا ما يظنون أنه يدفع عنهم فقالوا: {أغويناهم} أي فغووا باختيارهم {كما غوينا} أي نحن لما أغوانا بما زين لنا من فوقنا حتى تبعناهم، لم يكن هناك إكراه منا ولا إجبار، مع ما أتاهم من الرسل ولهم من العقول، كما غوينا نحن باختيارنا، لم يكن ممن فوقنا إجبار لنا كما قال إبليس
{وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [إبراهيم: 22]- فالآية من الاحتباك: حذف أولاً {فغووا} لدلالة {غوينا} عليه، وثانياً «لما أغوانا، من قبلنا» لدلالة {أغويناهم} عليه ومرادهم، بقولهم هذا السفساف أنه لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم، وهذا معنى قولهم: {تبرأنا إليك} أي من أمرهم، فلا يلزمنا عقوبة بسببهم، فهو تقرير لما قبل وتصريح به.
ولما كان يعلمون أنهم غير مؤمنين من أمرهم، تبرؤوا من انفرادهم
(14/334)

بإضلالهم، فقالوا لمن كأنه قال: ما وجه براءتكم وقد أقررتم باغوائهم؟ : {ما كانوا إيانا} أي خاصة {يعبدون*} بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت لهم أهواؤهم وإن كان لنا فيه نوع دعاء لهم إليه وحث عليه، فأقل ما نريد أن يوزع العذاب على كل من كان سبباً في ذلك كما في الآية الأخرى {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} وضل عن الجهلة أن هذا لا يغنيهم عن الله شيئاًَ، فإن الكل في العذاب وليس يغني أحد منهم عن أحد شيئاً، قال {لكل ضعف ولكن لا تعلمون} .
(14/335)

وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عد عدماً، لأنه لا طائل تحته، أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جواباً كما قيل «رب قول جوابه في السكوت» بقوله: {وقيل} أي ثانياً للأتباع تهكماً بهم وإظهاراً لعجزهم الملزوم لتحسرهم وعظم تأسفهم، وعبر بصيغة المجهول، إظهاراً للاستهانة بهم، وأنهم من الذل والصغار بحيث يجيبون كل أمر كائناً من كان: {ادعوا} أي كلكم {شركاءكم} أي الذين ادعيتم جهلاً شركتهم ليدفعوا عنكم. وأضافهم هنا إليهم إشارة إلى أنهم لم يستفيدوا زعمهم أنهم شركاء الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - إلا أن
(14/335)

أشركوهم فيما صرفوا إليهم من أموالهم وأقوالهم، وأزمانهم وأحوالهم {فدعوهم} تعللاً بما لا يغني، وتمسكاً بما يتحقق أنه لا يجدي، لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة {فلم يستجيبوا لهم} كما يحق لهم بما لهم من وصف عدم الإدراك، والعجز والهلاك {ورأوا} أي كلهم {العذاب} عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم، فكان الحال حينئذ مقتضياً لأن يقال من كل من يراهم: {لو أنهم كانوا} أي كوناً هو لهم صفة راسخة {يهتدون*} أي يحصل منهم هدى ساعة من الدهر، تأسفاً على أمرهم، وتمنياً لخلاصهم، أو لو أن ذلك كان في طبعهم لنجوا من العذاب، أو لما رأوه أصلاً، أو لما اتبعوهم.
ولما أشار إلى أنه لا خلاص من ذلك الردى إلا بالهدى، أتبعه الإعلام بأنه لا يمكن أحداً هناك أن يفعل ما قد يروج على سائله كما يفعل في هذه الدار من إظهار ما لم يكن مكرراً لتهويل ذلك اليوم وتبشيعه وتعظيمه وتفظيعه، سائلاً عن حق رسله عليهم الصلاة والسلام بعد السؤال عن حقه سبحانه، منادياً بعجز الشركاء في الأخرى كما كانوا عاجزين في الأولى {ويوم يناديهم} وهم بحيث يسمعهم
(14/336)

الداعي، وينفذهم البصر، قد برزو الله جميعاً من كان منهم عاصياً ومن كان مطيعاً في صعيد واحد، قد أخذ بأنفاسهم الزحام، وتراكبت الأقدام على الأقدام، وألجمهم العرق، وعمهم الغرق {فيقول ماذا} أي أوضحوا أو عينوا جوابكم الذي {أجبتم المرسلين*} أي به، ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج، وتابعت عليهم من الأدلة، لم يكن لهم جواب إلا السكوت، وهو المراد بقوله: {فعميت} أي خفيت وأظلمت في غواية ولجاج {عليهم الأنباء} أي الأخبار التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر، وهي التي يمكن أن يقع بها الخلاص، وعداه بعلى إشارة إلى أن عماها وقع عليهم، فعم الكل العمى فصاروا بحيث لا تهتدي الأنباء لعماها إليهم لتجددها، ولا يهتدون إليها لانتشار عماها إليهم، وهذا كله إشارة إلى أنهم لم يقدموا عملاً في إجابة الرسل بحق أن يذكر في ذلك اليوم، بل أسلفوا من التكذيب والإساءة ما يودون لو أن بينهم وبينه أمداً بعيدأً، وقال: {يومئذ} تكريراً لتخويف ذلك اليوم وتهويله، وتقريراً لتعظيمه وتبجيله.
(14/337)

ولما تسبب عن هذا السؤال السكوت علماً منهم بأنه ليس عند أحد منهم ما يغني في جوابه من حسن القول وصوابه، وأنهم لا يذكرون شيئاً من المقال إلا عاد عليهم بالوبال، قال مترجماً عن ذلك: {فهم لا يتساءلون*} أي لا يسأل أحد منهم أحداً عن شيء يحصل به خلاص، لعلمهم أنه قد عمهم الهلاك، ولات حين مناص، ولأن كل منهم أبغض الناس في الآخر.
ولما علم بهذه الآيات حال من أصر على كفره وعمل سيئاً بطريق العبارة، وأشير إلى حال من تاب فوعد الوعد الحسن ألطف إشارة تسبب عن ذلك التشوف إلى التصريح بحالهم، فقال مفصلاً مرتباً على ما تقديره: هذا حال من أصر على كفره {فأما من تاب} أي عن كفره وقال: {وآمن} تصريحاً بما علم التزاماً، فإن الكفر والإيمان ضدان، لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر {وعمل} تصديقاً لدعواه باللسان {صالحاً} .
ولما كانت النفس نزاعة إلى النقائص، مسرعة إلى الدنايا، أشير إلى صعوبة الاستمرار على طريق الهدى إلا بعظيم المجاهدة بقوله: {فعسى} أي فإنه يتسبب عن حاله هذا الطمع في {أن يكون} أي كوناً هو في غاية الثبات {من المفلحين*} أي الناجين من شر ذلك اليوم، الظافرين
(14/338)

بجميع المراد، باستمرارهم على طاعتهم إلى الموت، وإنما لم يقطع له بالفلاح وإن كان مثل ذلك في مجاري عادات الملوك قطعاً، إعلاماً بأنه لا يجب سبحانه شيء ليدوم حذره، ويتقي قضاؤه وقدره، فإن الكل منه.
ولما كان كأنه قيل: ما لأهل القسم الأول لا يتوخون النجا من ضيق ذلك البلا، إلى رحب هذا الرجا، وكان الجواب: ربك منعهم من ذلك، أو ما لم يقطع لأهل هذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأول بالشقاء؟ وكان الجواب: إن ربك لا يجب عليه شيء عطف عليه - إشارة إليه قوله {وربك} أي المحسن إليك، بموافقة من وافقك ومخالفة منخالفك لحكم كبار، دقت عن فهم أكثر الأفكار {يخلق ما يشاء} من الهدى الضلال وغيرهما، لأنه المالك المطلق لا مانع له من شيء من ذلك {ويختار} أي يوقع الاختيار، لما يشاء فيريد الكفر للأشرار، والإيمان للأبرار، لا اعتراض عليه، فربما ارتد أحد ممن أظهر المتاب، لما سبق عليه من الكتاب، فكان من أهل التباب فلا تأس على من فاتك كائناً من كان، واعلم أنه ما ضر إلا نفسه،
(14/339)

ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته.
ولما أفهم هذا أن غيره سبحانه إذا أراد شيئاً لم يكن إلا أن يوافق مراده تعالى، صرح به بقوله: {ما كان لهم الخيرة} أي أن يفعلوا أو يفعل لهم كل ما يختارونه من إتيان الرسول بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام أو غيره، اسم من الاختيار، يقام مقام المصدر، وهو أيضاً اسم المختار، فهو تعبير بالمسبب عن السبب لأنه إذا خلى عنه كان عقيماً فكان عدماً، قال الرازي في اللوامع: وفيه دليل على أن العبد في اختياره غير مختار، فلهذا أهل الرضى حطوا الرحال بين يدي ربهم، وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض، يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا، وإن أصابهم بسهام المصائب العظام صابروا، وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا، وإن أذلهم رضوا وسلموا، فلا يرضيهم إلا ما يرضيه، ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً ... ما من يهون عليك ممن أكرم
ولما كان إيقاع شيء على غير مراده نقصاً، وكان وقوع الشرك
(14/340)

سفولاً وعجزاً، قال تعالى مشيراً إلى نتيجة هذه الآيات في نفي ذلك عنه: {سبحان الله} أي تنزه الجامع لصفات الكمال عن أن يختار أحد شيئاً لا يريده فيص إليه أو يقع بوجه عليه {وتعالى} أي علا علو المجتهد في ذلك، فعلوُّه لا تبلغ العقول بوجه كنه هداه {عما يشركون*} لأنه لا إرادة لما ادعوهم شركاء، ولو كانت لهم إرادة لتوقف إنفادها لعجزهم على إيجاد الخالق.
ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم، قال: {وربك} أي المحسن إليك المتولي لتربيتك، كما هو بالغ القدرة، فهو شامل العلم {يعلم ما تكن} أي تخفي وتستر {صدورهم} من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى أو لا يؤمنون، ومن كون ما أظهر من أظهر منهم الإيمان بلسانه خالصاً أو مشوباً.
ولما كان علم الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك قال: {وما يعلنون*} أي يظهرون، كل ذلك لديه سواء، فلا يكون لهم مراد إلا بخلقه.
ولما كان علمه بذلك إنما هو لكونه إلهاً، وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه، عبر عن ذلك بقوله: {وهو الله} أي المستأثر بالإلهية الذي لا سمي له، الذي لا يحيط الوصف من عظمته بأكثر من أنه عظيم على الإجمال، وأما التفاصيل كلها أو أقلها فهيهات هيهات؛
(14/341)

ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله {لا إله إلا هو} ثم علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {في الأولى والآخرة} وليس ذلك لشيء سواه إن آمنوا أو كفروا {وله} أي وحده {الحكم} أي إمضاء القضاء على الإطلاق، فلو أراد لقسرهم على الإيمان {وإليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} أي بأيسر أمر يوم النفخ في الصور، لبعثرة القبور، بالبعث والنشور، ومع أنكم الآن أيضاً راجعون في جميع أحكامكم إليه ومقصورون عليه، إن شاء أمضاها، وإن أراد ردها ولواها، ففي الايات غاية التقوية لقلوب المطيعين، ونهاية الزجر والردع للمتمردين، بالتنبيه على كونه قادراً على جميع الممكنات، علماً بكل المعلومات، منزهاً عن النقائص والآفات يجزي الطائعين والعاصين بالقسط.
(14/342)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)
ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام وأنه الإله وحده إن وحدوا أو الحدوا هذه الأعلام على هذا النظام، أقام دليلاً دالاًّ على ذلك كله بما اجتمع فيه من العلم والحكمة وتمام القدرة، منبهاً على وجوب حمده مفصلاً لبعض ما يحمد عليه، فقال مقدماً الليل لأن آيته عدمية، وهي أسبق: {قل} لمن ربما عاندوا في ذلك، منكراً عليهم ملزماً لهم، وعبر بالجمع لأنه أدل على الإلزام، أعظم في الإفحام،
(14/342)

فقال: {أرءيتم} أي أخبروني {إن جعل الله} أي الملك الأعلى نظراً إلى مقام العظمة والجلال {عليكم الليل} الذي به اعتدال حر النهار {سرمداً} أي دائماً، وقال: {إلى يوم القيامة} تنبيهاً على أنه مما لا يتوجه إليه إنكار {من إله غير الله} العظيم الشأن الذي لا كفوء له.
ولما كان النور نعمة في نفسه، ويعرف به خالقه، صرح به وطوى أثره فقال: {يأتيكم بضياء} أي يولد نهاراً تنتشرون فيه، ولقوة إعلامه بالقدرة وتعريفه بالله عبر بهذا دون يؤتيكم ضياء، ولما كان الليل محل السكون ومجمع الحواس، فهو أمكن للسمع وأنفذ للفكر، قال تعالى: {أفلا تسمعون*} أي ما يقال لكم إصغاء وتدبر، كما يكون لمن هو في الليل فينتفع بسمعه من أولي العقل {قل أرءيتم إن جعل الله} أي الذي له الأمر كله بجلاله وباهر كماله {عليكم النهار} الذي توازن حرارته رطوبة الليل فيتم بهما صلاح النبات، وغير ذلك من جميع المقدرات {سرمداً} أي دائماً، من السرد، وهو المتابعة بزيادة الميم مبالغة فيه {إلى يوم القيامة} أي الذي لا يسمع عاقلاً إنكاره {من إله غير الله} الجليل الذي ليس له مثيل، وهو على كل شيء وكيل.
(14/343)

ولما كان الظلام غير مقصود في نفسه، وكان بعد الضياء في غاية التعريف بموحده، عدل عن اسمه فقال معبراً لمثل ما مضى: {يأتيكم بليل} أي ينشأ من ظلام؛ ثم بين بما يدل على ما حذفه من الأول فقال: {تسكنون فيه} فالآية من الاحتباك: ذكر الضياء أولاً دليلاً على حذف الظلام ثانياً، والليل والسكون ثانياً دليلاً على حذف النهار والانتشار أولاً.
ولما كان الضياء مما ينفذ فيه البصر قال: {أفلا تبصرون*} أي بالبصر والبصيرة كيف تنقشع جلابيب الظلام، عن وجوه الضياء الغر الكرام، ثم تتقنع بسواد أردية الحياء، وجوه الأنوار والضياء قال ابن هبيرة: قال المبرد: سلطان السمع في الليل وسلطان البصر في النهار.
ولما كان التقدير: فمن حكمته جعل لكم السمع والأبصار، لتتدبروا آياته، وتتبصروا في مصنوعاته، عطف عليه {ومن رحمته} أي التي وسعت كل شيء لا من غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض {جعل لكم الليل والنهار} آيتين عظيمتين دبر فيهما وبهما جميع مصالحكم، وادخر معظم رحمته إلى الآخرة،
(14/344)

ومحا آية الليل {لتسكنوا فيه} أي فلا تسعوا في معاشكم {و} جعل آية النهار مبصرة {لتبتغوا من فضله} بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً السكون دليلاً على حذف السعي في المعاش ثانياً، والابتغاء ثانياً دليلاً على حذف عدم السعي في المعاش أولاً.
ولما ذكر هذه النعمة التي أسبغها من هذه الرحمة، وذكر علة جعله لها على الصفة المذكورة، ذكر علة أخرى هي المقصودة بالذات لأنها نتيجة السمع والبصر اللذين، قدم الحث على استعمالهما فقال: {ولعلكم تشكرون*} أي وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر بما يتجدد لكم بتقبلهما من النعم المتوالية المذكورة بالمنعم، وبما دبر لكم رفقاً بكم فيما كفلكم به في دار الأسباب من أمر المعاش والمعاد من الراحة بالسكون إثر ما أفادكم من الأرباح والمنح بالانتشار والتقلب، وأما الآخرة فلما كانت غير مبينة على الأسباب، وكان الجنة لا تعب فيها بوجه من الوجوه، كان لا حاجة فيها إلى الليل.
ولما ذكر ما للمفلح من الرجاء في يوم الجزاء، وأتبعه الإعلام بأن الهداية إلى الفلاح إنما هي به، ودل على ذلك إلى أن ذكر ايام الدنيا المشتملة على الليل والنهار على وجه دال على وحدانيته، معلم بالقدرة
(14/345)

على البعث بعد الموت بتكرير إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه وتكرير إماتة الناس بالنوم، ثم نشرهم باليقظة، وختم ذلك بالشكر إشارة إلى أنه سبب الفلاح، عاد إلى يوم الجزاء الذي تظهر فيه ثمرة ذلك كله، مقرعاً على الإشراك مع ظهور هذه الدلائل على التوحيد، وعدم شبهة قائمة على الشرك غير محض التقليد، فقال منبهاً على عجزهم عن البرهان عند استحقاق البرهان في يوم التناد، لمحضر من الأشهاد، مع ما فيه من التأكيد للتهويل بالتكرير، والتاطيد للتهليل والتقرير: {ويوم يناديهم} أي هؤلاء الذي يظنون أنهم معجزون {فيقول} بلسان الغضب والإخزاء والتوبيخ وقد جمعوا جمعاً: {أين شركاءي} وكرر الإشارة إلى أن إشراكهم إنما هو بالاسم لا معنى فيه أصلاً فقال: {الذين كنتم} أي بغاية جهدكم حتى صار لكم ذلك لمكة {تزعمون*} بلا شبهة لكم في ذلك عند التحقق أصلاً.
ولما ذكر الدليل الأول من الدليل على إبطال الشركة أن الشركاء لم يستجيبوا لهم ولا كانت لهم قدرة على نصرهم ولا نصر أنفسهم، وكان ربما قيل: إن ذلك الشيء عبر العجز، دل هنا على الإشراك لا شبهة دليل فقال صارفاً بقول إلى مظهر التكلم بأسلوب العظمة لأنه مجرد فعال {ونزعنا} أي أفردنا بقوة وسطوة {من كل أمة شهيداً}
(14/346)

أي وهو رسولهم، فشهد عليهم بأعمالهم وما كانوا فيه من الارتباك في أشراك الإشراك.
ولما تسبب عن ذلك سؤالهم عن سندهم في إشراكهم قال: {فقلنا} أي للأمم: {هاتوا برهانكم} أي دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه، وعولتم في شرككم عليه، كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئاً على غير أساس {فعلموا} بسبب هذا السؤال لما اضطروا ففتشوا واجتهدوا فلم يجدوا لهم سنداً أصلاً {أن الحق} أي في الإلهية {لله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ولا مكافىء له، لا شركة لشيء معه {وضل} أي غاب وبطل غيبة الشيء الضائع {عنهم ما كانوا} أي كوناً هو كالجبلة لهم {يفترون*} أي يقولونه قول الكاذب المتعمد للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة موجبة للغلط فيه.
(14/347)

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)
ولما دل على عجزهم في تلك الدار، وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار، إنما هو الواحد القهار، دل على أن ذلك له أيضاً في هذه الدار وقوع العلم به بإهلاك أولي البطر، والمرح والأثر، من غير أن يغنوا عمن أضلوا، أو يغني عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من
(14/347)

صامت، تطبيقاً لعموم {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} على بعض الجزئيات، تخويفاً لمن كذب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا سيما من نسبه إلى السحر، وإعلاماً بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء، لأنه سبحانه عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحد، وهم من بني إسرائيل ومن أقرب بني إسرائيل إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فعلم كان من كان اغتر بما أوتيه أن الحق لله في كل ما دعت إليه رسله، ونطقت به كتبه، وضل عنهم ما كانوا يفتقرون، ولم يغن عنهم شيئاً ما اعتمدوا عليه، فكان معبودهم في الحقيقة مما جمعوه من حطام الدنيا فاعتدوا أنهم نالوا به السعادة الدائمة والعز الباقي، فكان مثله - كما يأتي في التي بعده - كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وكل ذلك بمرأى من موسى عليه الصلاة والسلام حين كذبه ونسبه إلى السحر وتكبر عليه، فلم يسأل الله تعالى فيه لخروجه باستكباره من الوعد بالمنة على الذين استضعفوا في الأرض، وكان ذلك العذاب الذي عذبوا به من جنس ما عذب به فرعون في الصورة من حيث إنه تغييب وإن كان ذلك في مائع، وهذا صلب جامد، ليعلم أنه قادر على ما يريد، ليدوم
(14/348)

منه الحذر، فيما سبق منه القضاء والقدر، ونزع موسى عليه الصلاة والسلام من كل سبط من أسباط بني إسرائيل شهيداً من عصبهم وقال لهم: هاتوا برهانكم فيها، فعلموا بإبراق عصا هاورن عليه الصلاة والسلام دون عصيهم أن الحق لله في أمر الحبورة وفي جميع أمره فقال: {إن قارون} ويسمى في التوراة قورح، ثم بين سبب التأكيد بقوله: {كان} أي كوناً متمكناً {من قوم موسى} تنبيهاً على أنه جدير بأن ينكر كونه كذلك لأنه فعله معهم لا يكاد يفعله أحد مع قومه، وذلك أنه كان من الذين آمنوا به وقلنا فيهم {ونريد أن نمن على الذين} إلى آخره، لأنه ابن عم موسى عليه الصلاة والسلام على ما حكاه أبو حيان وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما {فبغى عليهم} أي تجاوز الحد في احتقارهم بما خولناه فيه من هذا الحطام المتلاشي، والعرض الفاني، فقطع ما بينه وبينهم من الوصلة، ووصل ما بينه وبين فرعون وأضرابه، من الفرقة، فأخرجه ذلك من حوزة المنة والأمانة والوراثة إلى دائرة الهلاك والحقارة والخيانة، كما بغى عليهم فرعون؛ وكان أصل «بغى» هذه: أراد، لكن لما كان العبد لا ينبغي أن يكون
(14/349)

له إرادة، بل الإرادة لسيده كما نبه عليه {ما كان لهم الخيرة} ، جعلت إرادته تجاوز الحد، وعديت ب «على» المقتضية للاستعلاء تنبيهاً على خروجها عن أصلها.
ولما ذكر بغيه، ذكر سببه الحقيقي، فقال: {وآتيناه} أي ومع كوننا أنعمنا عليه بجعله من حزب أصفيائنا آتيناه بعظمتنا {من الكنوز} أي الأموال المدفونة المدخرة، فضلاً عن الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منه لما عساه يعرض من المهمات {ما} أي الذي أو شيئاً كثيراً لا يدخل تحت حصر حتى {إن مفاتحه} أي مفاتح الأغلاق التي هو مدفون فيما وراء أبوابها {لتنوء} أي تميل بجهد ومشقة لثقلها {بالعصبة} أي الجماعة الكثيرة التي يعصب - أي يقوي - بعضهم بعضاً، وفي المبالغة بالتعبير بالكنوز والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته أحد ممن هو في عداده، وكل ذلك مما تستبعده العقول، فلذلك وقع التأكيد {أولي القوة} أي تميلهم من أثقالها إياهم، والنوء: الميل، قال الرازي: والنوء: الكوكب مال عن العين عند الغروب، يقال: ناء بالحمل - إذا نهض به مثقلاً، وناء به الحمل - إذا أماله لثقله.
(14/350)

ولما ذكر بغيه، ذكر وقته، والوقت قد يكون واسعاً كما نقول: جرى كذا عام كذا، وفيه التعرض للسبب فقال: {إذ قال له} وقال: {قومه} إشارة إلى تناهي بغيه بافتخاره وكبره على أقاربه الذين جرت العادة أن لا يغضب كلامهم ولا يؤرث التعزر عليهم ولا يحمل إلا على النصح والشفقة، وساغت نسبة القول للكل وإن كان القائل البعض، بدليل ما يأتي، إما عداً للساكت قائلاً لرضاه به لأنه مما لا يأباه أحد، وإما لأن أهل الخير هم الناس، ومن عداهم عدم: {لا تفرح} أي لا تسر سروراً يحفر في قلبك فيتغلغل فيه فيحرفك إلى الأشر والمرح، فإن الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه، وذلك يدل على نسيان الآخرة، وذلك على غاية الجهل والطيش وقلة التأمل للعواقب، فيجر إلى المرح فيجر إلى الهلاك، قال الرزاي: ومن فرح بغير مفروح به استجلب حزناً لا انقضاء له، وعللوا نهيهم له بما يفهم أشد الشفقة والمحبة فقالوا مؤكدين لاستبعاد من يرى تواصل النعم السارة على أحد أن يكون غير محبوب: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال فلا شيء أجل منه، فبه ينبغي أن يفرح {لا يحب} أي لا يعامل معاملة المحبوب {الفرحين*} أي
(14/351)

الراسخين في الفرح بما يفنى، فإن فرحهم يدل على سفول الهمم.
ولما كان ترك الفرح سبباً للزهد، وهو سبب القرب إلى الله، كان كأن قيل: وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين {وابتغ} أي اطلب طلباً تجهد نفسك فيه {فيما آتاك الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله من هذه الأموال حال تمكنك {الدار الآخرة} بإنفاقه فيما يحبه الله بحيث يكون ابتغاؤك ذلك مظروفاً له فيكون كالروح والمؤتى كالجسد ليكون حياً بذلك الابتغاء، فلا يكون منه شيء بغير حياة، فإن فعلك لذلك يذكرك أن هذه الدار دار قلعة وارتحال، وكل ما فيها إلى زوال، وذلك يوجب الزهد في جميع ما فيها من الأموال.
ولما كان ذلك شديد المشقة على النفوس مع ما فيه من شائبة الاتهام قالوا: {ولا تنس} أي تترك ترك الناسي {نصيبك من الدنيا} ترك المنسي، بل استعمل المباحات من المآكل والملابس والمناكح والمساكن وما يلائمها، وليكن استعمالك لذلك - كما دل عليه السياق - من غير إسراف ولا مخيلة توجب ترك الاتصاف بالإنصاف؛ وعن
(14/352)

علي رضي الله عنه: ولا تنس صحتك وقوتك ونشاطك وغناك أن تطلب به الآخرة.
ولما أطلق له الاقتصاد في التمتع بالزاد، وكانت النفس مجبولة على الشره، فإذا أذن لها من الدنيا في نقير جعلته أكبر كبير، أتبعوا ذلك ما لعله يكف من شرهها فقالوا: {وأحسن} أي أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج، والإنفاق في جميع الطاعات {كما أحسن الله} أي الجامع لصفات الكمال، المتردي برداء العظمة والجلال {إليك} بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع عليك.
ولما كانت النفس من شأنها إن لم تزم بزمام الشرع الإسراف والإجحاف، قالوا: {ولا تبغ} أي لا ترد إرادة ما {الفساد في الأرض} بتقتير ولا تبذير، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير، ثم أتبع ذلك علته مؤكداً لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب، فقيل: {إن الله} أي العالم بكل شيء، القدير على كل شيء {لا يحب المفسدين*} أي لا يعاملهم معاملة من يحبه، فلا يكرمهم.
ولما كان مما قالوه أن الذي أعطاه ذلك إنما هو الله، وكان قد
(14/353)

أبطرته النعمة حتى على خالقه حتى حصل التشوف إلى جوابه فقيل في أسلوب التأكيد لأن كل أحد يعلم من نفسه العجز، وأن غيره ينكر عليه فيما يدعي أنه حصله بقوته: {قال إنما أوتيته} أي هذا المال {على علم} حاصل {عندي} فأنا مستحق لذلك، وذلك العلم هو السبب في حصوله، لا فضل لأحد عليّ فيه - بما يفيده التعبير بإنما، وبناء الفعل للمجهول إشارة إلى عدم علمه بالمؤتى من هو، وقد قيل: إن ذلك العلم هو الكيمياء.
ولما كان التقدير: ألا يخاف أن يسلبه الله - عقوبة له على هذا - علمه وماله ونفسه؟ ألم يعلم أن ذلك إنما هو بقدرة الله؟ لا صنع له في الحقيقة في ذلك أصلاً، لأن الله قد أفقر من هو أجل منه حيلة وأكثر علماً، وأعطى أكثر منه من لا علم له ولا قدرة، فهو قادر على إهلاكه، وسلب ما معه وإفنائه، كما قدر على إيتائه، عطف عليه قوله منكراً عليه: {أولم يعلم أن الله} أي بما به من صفات الجلال والعظمة والكمال {قد أهلك} ونبه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان بإدخال من في قوله: {من قبله} ولو حذفها لاستغرق الإهلاك على ذلك الوصف جميع ما تقدمه من
(14/354)

الزمان {من القرون} أي الذين هم في الصلابة كالقرون {من هو أشد منه} أي قرون {قوة} أي في البدن، والمعاني من العلم وغيره، والأنصار والخدم {وأكثر جمعاً} في المال والرجال، آخرهم فرعون الذي شاوره في ملكه، وحقق أمره يوم مهم هلكه، وكان يستعبده أمثالة ويسومهم سوء العذاب، ولم يعاملهم معاملة من يحبه ولا امتنع عليه ذلك لعلم عند أحد منهم ولا جمع، بل أخذهم لبغيهم وقبح تقلبهم وسعيهم.
ولما كانت عادة أهل الدنيا أنهم إذا غضبوا من أحد فأرادوا إهلاكه عاتبوه، فتارة يحلف على نفي الذنب فيقبل منه وإن كان كاذباً، وتارة يكشف الحال عن أن باطن أمره على خلاف ما ظهر من شره، فيكون له عذر خفي، أشار سبحانه إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل بحقائق الأمور ومقادير ما يستحق على كل ذنب من العقوبة، وأمل المطلع على بواطن الضمائر وخفايا السرائر فغني عن ذلك، فقال تعالى ذاكراً لحال المفعول وهو {من} : {ولا} أي أهلكهم والحال أنهم لا يسألون - هذا الأصل، ولكنه قال: {يسأل} أي من سائل ما {عن ذنوبهم المجرمون*} فأظهر لإفادة أن الموجب للإهلاك الإجرام، وهو قطع ما ينبغي
(14/355)

وصله بوصل ما ينبغي قطعه، ولهذا سبب وعقب عن وعظهم الحسن وجوابه الخشن قوله سبحانه دليلاً على إجرامه، وطغيانه في آثامه: {فخرج على قومه} أي الذين نصحوه في الإقتصاد في شأنه، والإكثار في الجود على إخوانه، ثم ذكر حاله معظماً لها بقوله: {في زينته} أي التي تناسب ما ذكرنا من أمواله، وتعاظمه في كماله من أفعاله وأقوله.
ولما كان كأنه قيل: ما قال قومه؟ قيل: {قال الذين يريدون} أي هم بحيث يتجدد منهم أن يريدوا {الحياة الدنيا} منهم لسفول الهمم وقصور النظر على الفاني، لكونهم أهل جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من الحسد الذي هو تمني زوال نعمة المحسود: {يا ليت لنا} أي نتمنى تمنياً عظيماً أن نؤت من أيّ مؤت كان وعلى أيّ وجه كان {مثل ما أوتي قارون} من هذه الزينة وما تسببت عنه من العلم، حتى لا نزال أصحاب أموال، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن من يريد الآخرة ينكر عليهم: {إنه لذو حظ} أي نصيب وبخت في الدنيا {عظيم*} بما أوتيه من العلم الذي كان سبباً له إلى جميع هذا المال، ودل على جهلهم وفضل العلم الرباني وحقارة ما
(14/356)

أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إليه باتباعه قوله: {وقال الذين} وعظم الرغبة في العلم بالبناء للمفعول إشارة إلى أنه نافع بكل اعتبار وباعتبار الزهد، وبالتعبير عن أهل الزهد به فقال: {أوتوا العلم} أي من قومه، فشرفت أنفسُهم عن إرادة الدنيا علماً بفنائها، زجراً لمن تمنى مثل حاله، وشمراً إلى الآخرة لبقائها: {ويلكم} أي عجباً لكم، أو حل بكم الشر حلولاً، وأصل ويل، «وي» قال الفراء: جيء بلام الجر بعدها مفتوحة ما المضمر نحو وي لك، ووي له، أي عجباً لك وله، ثم خلط اللام بوي لكثرة الاستعمال حتى صارت كلام الكلمة فصار معرباً بإتمامه ثلاثياً، فجاز أن يدخل بعدها لام أخرى في نحو ويلاً لك، لصيرورة الأول لام الكلمة، ثم نقل إلى باب المبتدأ فقيل: ويل لك، وهو باق على ما كان عليه في حال النصب إذ الأصل في ويل لك: هلكت ويلاً، أي هلاكاً فرفعوه بعد حذف الفعل نفضاً لغبار الحدوث، وقيل: أصل ويل الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى كما استعمل لا أبا لك - وأصله الدعاء على الرجل - في الحث على الفعل، فكأنهم قالوا: ما لنا يحل بنا الويل؟ فأخبروهم بما ينبغي معرضين
(14/357)

عما استحقوا به الويل من التمني، تحقيراً لما استفزهم حتى قالوه فقالوا: {ثواب الله} أي الجليل العظيم {خير} أي من هذا الحطام، ومن فاته الخير حل به الويل؛ ثم بينوا مستحقه تعظيماً له وترغيباً للسامع في حاله فقالوا: {لمن آمن وعمل} أي تصديقاً لإيمانه {صالحاً} ثم بين سبحانه عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله مؤكداً لأن أهل الدنيا ينكرون كونهم غير صابرين: {ولا يلقاها} أي لا يجعل لاقياً لهذا الكلمات أوالنصيحة التي قالها أهل العلم، أي عاملاً بها {إلا الصابرون*} أي على قضاء ربهم في السراء والضراء، والحاملون أنفسهم على الطاعات الذين صار الصبر لهم خلقاً، وعبر بالجمع ترغيباً في التعاون إشارة إلى أن الدين لصعوبته لا يستقل به الواحد.
(14/358)

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: {فخسفنا} أي بما لنا من العظمة {به وبداره} أي وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته، فهي أمر عظيم، تجمع خلقاً كثيراً وأثاثاً عظيماً، لئلا يقول قائل: إن الخسف به كان للرغبة في أخذ أمواله {الأرض} وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسلام وقريب منه جداً - على ما نقله
(14/358)

أهل الأخبار - فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون لهم أبداً، إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه ما {كان له} أي لقارون، وأكد النفي - لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون - بزيادة الجار في قوله: {من فئة} أي طائفة من الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه، وأصل الفئة الجماعة من الطير - كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته إلى المكان الذي ذهبت منه {ينصرونه} .
ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال: {من دون الله} أي الحائز لصفات الكمال، المتردي بالعظمة والجلال، لأن من كان على مثل رأيه هلك، ومن كان من أولياء الله راقب الله في أمره، فلم يسألوا الله فيه، وعلم هو أن الحق لله، وضل عنه - كما في الآية التي قبلها - ما كان يفتري {وما كان} أي هو {من المنتصرين*} لأنفسهم بقوتهم. ولما خسف به فاستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات، عبر عن حالهم بقوله: {وأصبح} أي
(14/359)

وصار، ولكنه عبر به لمقابلة الأمس، وإعلاماً بأن ما رأوا من حاله ملأ صدورهم فلم يكن لهم هم سواه {الذين تمنوا} أي أرادوا إرادة عظيمة بغاية الشغف أن يكونوا {مكانه} أي يكون حاله ومنزلته في الدنيا لهم {بالأمس} أي الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم فيه من قبله {يقولون ويكأن} هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف، وعن الكسائي أنه يوقف على الياء من وى، وعن أبي عمرو أنه يوقف على الكاف: ويك، قال الرضي في شرح الحاجبية: وي للتندم أو للتعجب، ثم قال: وهو عند الخليل وسيبويه «وي» للتعجب، ركبت مع «كأن» التي للتشبيه، وقال الفراء: كلمة تعجب ألحق بها كاف الخطاب نحو ويك عنتر أقدم، أي من قوله في قصيدته الميمية المشهورة إحدى المعلقات السبع:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
أي ويلك وعجباً منك، وضم إليها «أن» فالمعنى: ألم تر أنه، ونقل ابن الجوزي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الفراء: ولما صار معنى ويكأن ألم تر، لم تغير كاف الخطاب للمؤنث والمثنى والمجموع بل لزم حالة واحدة، وقال الجعبري في شرح الشاطبية: وي صوت يقوله المتندم والمتعجب، وويك أصله ويلك، حذفت
(14/360)

لامه تخفيفاً لكثرة دوره؛ والكاف للخطاب وفتحت «أن» لإضمار العلم؛ وقال قطرب: لتقدير اللام، ونشأ من التركيب معنى: ندمنا على تفريطنا، وتعجبنا من حالنا، وتحققنا خلاف اعتقادنا، ورسمت متصلة تنبيهاً على التركيب، وقال القزاز في ديوانه الجامع: ويك كلمة ينبه بها الإنسان، وقيل: معناها رحمة، ووي معناها التنبيه والإنكار، وقال الإمام عبد الحق: وي كلمة تقال في التعجب والاستدراك، وقيل: وي حزن، وقال قطرب: وي كلمة تفجع - انتهى. وقال سيبويه في باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة: وسألت الخليل عن هذه الآية فزعم أنها وي مفصولة من كأن والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم هكذا - والله تعالى أعلم، وأما المفسرون: فقالوا: ألم تر أن الله. فالمعنى الذي يجمع الأقوال حينئذ: تعجباً أو ويلاً أو تندماً على ما قلنا في تبين غلطنا، وتنبيهاً على الخطأ، أو هلاك لنا، إو إنكار علينا، أو حزن لنا، أو تفجع علينا، أو استدراك علينا، أو رحمة لنا، أو تنبه منا، أو تنبيه لنا، ثم عللوا ذلك بقولهم: أن الله، أو يشبه أن الله،
(14/361)

أو ألم تر أيها السامع والناظر أن الله، وقال الرازي: اسم سمي به القول، أي أعجب، ومعناه التنبيه؛ ثم ابتدأ كأن {الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله {يبسط الرزق} أي الكامل {لمن يشاء} سواء كان عنده ما يحتال به على الرزق أم لا.
ولما كانت القصة لقارون، وكان له من المكنة في الدنيا ما مضى ذكره، وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه، قال منبهاً بالإيقاع به على الوجه الماضي أنه من جملة عبيده، لا فرق بينه وبين أضعفهم بالنسبة إلى قدرته: {من عباده} .
ولما دل على أن البسط إنما هو منه، أتبعه قوله دليلاً آخر على ربوبيته: {ويقدر} أي يضيق على من يشاء سواء كان فطناً أم لا، لا يبسطه لأحد لكرامته عليه، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده، ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا كرامة، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على علم عنده، وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال على كل حال.
ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله، أتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضاً أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما
(14/362)

هو قادر على الرزق من قولهم: {لولا أن منَّ الله} أي تفضل الملك الأعظم الذي استأثر بصفات الكمال {علينا} بجوده، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون على مثل حاله {لخسف بنا} مثل ما خسف به {ويكأنه} أي عجباً أو ندماً لأنه، أو يشبه أنه، أو ألم تر أنه، قال الرضي في شرح الحاجبية: كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون فقال لهم: عجباً منك، فسئل: لم تتعجب منه؟ فقال: لأنه - إلى آخره، فحذف حرف الجر مع «أن» كما هو القياس.
{لا يفلح} أي يظفر بمراد {الكافرون*} أي العريقون في الكفر لنعمة الله، وقد عرف بهذا تنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه، سواء وقف على وي أو يك أو لا.
ذكر شرح هذه القصة: قال البغوي: قال أهل العلم بالأخبار: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى عليه الصلاة والسلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن يعلقوا في أرديتهم خيوطاً أربعة، في كل طرف منها خيطاً أخضر بلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي،
(14/363)

فقال موسى: يا رب! ألا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضراً، فإن بني إسرائيل تحتقر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى! إن الصغير من أمري ليس بصغير، فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، فدعاهم موسى يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر قارون، فكان هذا بدء عصيانه وطغيانه وبغيه، فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة لهارون عليه السلام وهي رئاسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فقال قارون: يا موسى! لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست في شيء وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا، فقال له موسى عليه الصلاة والسلام: ما أنا بالذي جعلتها في هارون ولكن الله جعلها له، فقال قارون: والله لا أصدقك حتى أرى بيانه، يعني فجمع موسى عصي الرؤساء فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها وباتوا يحرسونها، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من اللوز، فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، وذكر أموراً مما كان يتعظم بها وأنه رمى موسى عليه الصلاة والسلام بعظيمة فحينئذ غار الله لموسى عليه الصلاة والسلام فخسف به.
(14/364)

والذي رأيته أنا في التوراة في السفر الرابع ما نصه: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: اعملوا خيوطاً في أطراف أرديتكم في أحقابكم، ولتكن الخيوط التي تعملون في أطراف أرديتكم من حرير، ولتكن هذه الخيوط تذكركم وصايا الله لتعملوا بها ولا تضلوا بما في قلوبكم، ولا تتبعوا آراءكم، بل اذكروا جميع وصاياي واعملوا بها، لتكونوا مقدسين لله ربكم، أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر، لا يكون لكم إله غيري، أنا الله ربكم.
ومن بعد هذه الأمور شق قورح - وهو اسم قارون بالعبرانية - بن يصهر بن قاهث بن لاوى، ودائن وأبيروم ابنا أليب، وأون بن قلب ابن روبيل العصي، وقاموا بين يدي موسى، وقم من بني إسرائيل عددهم مائتان وخمسون رجلاً من رؤساء الجماعة مذكورون مشهورون بأسمائهم أبطال، هؤلاء أجمعون اجتمعوا إلى موسى وهارون وقالوا لهما: ليس حسبكما أن الجماعة كلها طاهرة وأنتما رئيسان عليها حتى تريدا أن تتعظما على الجماعة كلها - أي يكون هارون هو الكاهن أي متولي
(14/365)

أمر القربان والحكم على خدمة قبة الزمان - فسمع موسى ذلك وخر ساجداً على وجهه، وكلم قورح وجماعته كلها فقال لهم: سيظهر الرب ويبين لمن الكهنوت والرئاسة بكرة، ومن كان طاهراً فليتقرب إليه. ومن يختار الرب يتقرب؛ ثم أمرهم أن يقربوا قرباناً ثم قال: يا بني لاوي! أما تكتفون بما اختاره الله لكم من كل جماعة بني إسرائيل وقربكم إليه لتعملوا العمل في بيت الرب وقربك أنت وجميع إخوتك معك إلا أن تريدوا الكهنوت أيضاً، فلذلك أنت وجماعتك كلها احتشدوا بين يدي الرب غداً، فأما هارون فمن هو حتى صرتم تقعون فيه وتتذمرون عليه، وأرسل موسى ليدعو دائن وأبيروم ابني أليب فقالا: لا تصعد إليك، أما تكتفيان بما صنعتما أنكما أخرجتمانا من الأرض التي تغل السمن والعسل لتقتلانا في هذه البرية حتى تعظما علينا وتفخرا، فأما ما وعدتنا به أنك تدخلنا الأرض التي تغل السمن والعسل فما فعلت، ولم تعطنا مواريث المزارع والكروم، فلو عميت أعيننا لم نصعد إليك. فشق ذلك على موسى جداً، وقال أمام الرب: لا تقبل قرابينهم يا رب لأني لم أظلم منهم رجلاً ولا أسأت إلى أحد منهم، ثم قال لقورح: اجتمع أنت وأصحابك أمام الرب وهارون معكم بكرة، وليأخذ كل منكم مجمرته، وقام موسى وهارون أمام قبة الزمان وجمع قورح
(14/366)

الجماعة كلها، وظهر مجد الرب للجماعة كلها، وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة فإني مهلكها في ساعة واحدة، فخرا ساجدين وقالا: اللهم أنت إله أرواح كل ذي لحم، يجرم رجل واحد فينزل الغضب بالجماعة كلها؟ فكلم الرب موسى وقال له: كلم الجماعة كلها وقل لهم: تنحوا عن خيم دائن وأبيروم وقورح، تنحوا عن خيم هؤلاء الفجار، ولا تقربوا شيئاً مما لهم لئلا تعاقبوا، وقال موسى: بهذه الخلة تعلمون أن الرب أرسلني أن أعمل هذه الأعمال كلها، ولم أعملها من تلقاء نفسي، إن مات هؤلاء مثل موت كل إنسان أو نزل بهم الموت مثل ما ينزل بجميع الناس فلم يرسلني الرب، وإن فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وابتلعت كل شيء لهم نزلوا هم وكل شيء لهم إلى الجحيم علمتم أن هؤلاء قد أغضبوا الرب.
فلما أكمل موسى قوله هذا انفتحت الأرض من تحتهم، وفغرت فاها فابتلعتهم وابتلعت خيمهم وجميع مواشيهم فنزلوا إلى الجحم أحياء، ثم استوت الأرض فوقهم، وهرب جميع بني إسرائيل حيث سمعوا أصواتهم ورأوا ما قد صنع بهم، وقالوا: لعل الأرض تبتلعنا أيضاً، واشتعلت نار من قبل الرب فأحرقت المائتين
(14/367)

والخمسين رجلاً الذين كانوا يبخرون البخور، وتذمر جماعة بني إسرائيل من بعد ذلك اليوم على موسى وهارون فقالوا لهما: أنتما قتلتما جماعة شعب الرب، فأقبلوا إلى قبة الزمان ورأوا أن السحاب قد تغشى القبة وظهر مجد الرب، وأتى موسى وهارون فقاما في قبة الزمان، وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها في ساعة واحدة، فخرا ساجدين على وجوههما، وقال موسى لهارون: خذ مجمرة بيدك واجعل فيها ناراً وبخوراً، وانطلق مسرعاً إلى الجماعة واستغفر لهم لأنه قد نزل غضب الرب بالجماعة كلها، وبدأ موت الفجأة بالشعب، وأخذ هارون كما أمره موسى فأحضر إلى الجماعة ورأى أن الموت قد بدأ بالشعب، وبخر بخوراً للرب واستغفر للشعب، وقام فيما بين الأموات والأحياء، فكف موت الفجأة عن الشعب، وكان عدد الذين ماتوا فجأة أربعة عشر ألفاً وسبعمائة رجل غير المخسوف بهم، ورجع هارون إلى موسى إلى قبة الزمان فكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وخذ منهم عصا عصا من كل سبط، واكتب اسم كل رجل على عصاه، واكتب اسم هارون على عصا سبط لاوي، واجعلها في قنة الزمان أمام تابوت الشهادة لأنزل إليكم إلى
(14/368)

هناك، فالرجل الذي أحبه تنضر عصاه، وأخلصكما من هتار بني إسرائيل وتذمرهم؛ ثم دخل موسى خبأ الشهادة فرأى عصا هارون قد نضرت وأخرجت أغصاناً وأورقت وأثمرت لوزاً، وأخرج موسى العصي كلها فنظروا إليها، وقال الرب لموسى: رد قضيب هارون إلى موضع الشهادة واحفظه آية لأبناء المتسخطين ليكف تذمرهم عني ولا يموتوا، ولا يعمل عمل قبة الزمان غير اللاويين - أي سبط لاوي، فأما بنو إسرائيل - أي باقيهم - فلا يقتربوا إلى قبة الزمان لئلا يعاقبوا ويموتوا؛ ثم ذكر وفاة هارون عليه السلام في هور الجبل وولاية إليعازر ابنه مكانه أمر الكهنوت - انتهى. وهو نحو مما فعل الله لنبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حنين الجذع، وتخيير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له أن يعيده تعالى إلى أحسن ما كان وهو حي أو يجعله في الجنة، فاختار أن يكون في الجنة، وكذا أمر سراقة بن مالك بن جعشم حيث لحقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق الهجرة ليرده فخسف بقوائم حصانه حتى نزل إلى بطنه ثلاث مرات غير أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كان نبي الرحمة لم يكن القاضية، فكفى بذلك شره، وأسلم بعد ذلك علم الفتح،
(14/369)

وبشره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه يلبس سوراى كسرى فكان كذلك، وشر من الخسف الذي يغيب به المخسوف به وأنكأ وأشنع وأخزى قصة الذي ارتد فقصم ودفن فلفظته الأرض - روى البيهقي في آخر الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب، فرفعوه وأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذاً، وقال: رواه مسلم في الصحيح، وعن أنس رضي الله عنه مثله أيضاً في رجل نصراني لفظته الأرض ثلاث مرات ثم تركوه.
وقال رواه البخاري في الصحيح.
(14/370)

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
ولما قدم سبحانه أن المفلح من تاب وآمن وعمل صالحاً، وهو الذي أشار أهل العلم إلى أن له ثواب الله، وكان ذلك للآخرة
(14/370)

سبباً ومسبباً، ومر فيما لا بد منه حتى ذكر قصة قارون المعرّفة - ولا بد - بأن هذه الدار للزوال، لا يغنى فيها رجال ولا مال، وأن الآخرة للدوام، وأمر فيها بأن يحسن الابتغاء في أمر الدنيا، وختم بأن هذا الفلاح مسلوب عن الكافرين، فكان موضع استحضار الآخرة، مع أنه قدم قريباً من ذكرها وذكر موافقتها ما ملأ به الأسماع، فصيرها حاضرة لكل ذي فهم، معظمة عند كل ذي علم، أشار إليها سبحانه لكلا الأمرين: الحضور والعظم، فقال: {تلك} أي الأمر المنظور بكل عين، الحاضر في كل قلب، العظيم الشأن، البعيد الصيت، العلي المرتبة، الذي سمعت أخباره، وطنت على الآذان أوصافه وآثاره {الدار الآخرة} أي التي دلائلها أكثر من أن تحصر، وأوضح من أن تبين وتذكر، من أعظمها تعبير كل أحد عن حياته بالدنيا والتي أمر قارون بابتغائها فأبى إلا علواً وفساداً {نجعلها} بعظمتنا {للذين} يعملون ضد عمله.
ولما كان المقصود الأعظم طهارة القلب الذي عنه ينشأ عمل الجوارح، قال: {لا يريدون} ولم يقل يتعاطون - مثلاً،
(14/371)

تعظيماً لضرر الفساد بالتنفير من كل ما كان منه تسبب، إعلاماً بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت قريباً منه اقتحمته لا محالة {علواً} أي شيئاً من العلو {في الأرض} فإنه أعظم جارّ إلى الفساد، وإذا أرادوا شيئاً من ذلك فيما يظهر لك عند أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر، كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في الدين لا علوهم {ولا فساداً} بعمل ما يكره الله، بل يكونون على ضد ما كان فيه فرعون وهامان وقارون، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم، لا لحظ دنيوي، وعلامة العلو لأجل الإمامة لا الفساد ألا يتخذوا عباد الله خولاً، ولا مال الله دولاً، والضابط العمل بما يرضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا.
ولما كان هذا شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى، أخبر سبحانه أنه دائماً يجعل ظفرهم آخراً، فقال معبراً بالاسمية دلالة على الثبات: {والعاقبة} أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة، هكذا الأصل، ولكنه أظهر تعميماً وإعلاماً بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى: {للمتقين*} أي دائماً في كلا الدارين، لا عليهم فمن اللام يعرف أنها محمودة، وهذه الآيةِ يُعْرَف
(14/372)

أهل الآخرة من أهل الدنيا، فمن كان زاهداً في الأولى مجتهداً في الصلاح، وكان ممتحناً في أول أحواله مظفراً في ماله، فهو من أبناء الآخرة، وإلا فهو للدنيا.
ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين، وكان لا بد من إتيان الآخرة، وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين، فاستؤنف تفصيل ذلك جواباً لمن كأنه قال: ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم؟ بقوله: {من جاء} أي في الآخرة أو الدنيا {بالحسنة} أي الحالة الصالحة {فله} من فضل الله {خير منها} من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى {ومن جاء بالسيئة} وهي ما نهى الله عنه، ومنه إخافة المؤمنين {فلا يجزى} من جاز ما، وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال: {الذين عملوا السيئات} تصويراً لحالهم تقبيحاً لها وتنفيراً من عملها، ولعله جمع هنا وأفرد أولاً إشارة إلى أن المسيء أكثر {إلا} مثله سواء عدلاً منه تعالى، هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {ما كانوا} أي بجميع هممهم {يعملون*} مبالغة في المثلية، هذا
(14/373)

في الآخرة، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا مثل ذلك وإن خفي، فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله الله للأمن، فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف من أرضهم، فسيصير عدم دخولهم فيه سبباً لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما كانوا فيه من الأمن إنما هو بسببك، ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك.
ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره، وأثبت الجزاء فيها، وأن العاقبة للمتقين، أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة، فقال مستأنفاً مقرراً مؤكداً لما تقرر في أذهانهم من إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها: {إن الذي فرض} أي أوجب {عليك القرآن} أي الجامع لما تفرق من المحاسن، المفصل لما التبس من جميع المعاني، أي فرض عليك جميع ما في هذا الكتاب المشتمل على الجمع والفرق بما يظهر حسن تلقيه من تلاوة وإبلاغ وتحد وعمل وألزمك فيه وغيرك هذه الملازم، وكلفكم تلك التكاليف التي منها المقارعة بالسيوف {لرآدك}
(14/374)

أي بعد الموت لأجل صعوبة ما كلفك به وألزمك من مشقته {إلى معاد} أي مرجع عظيم يا له من مرجع! يجزي فيه كل أحد بما عمل، فيبعثك ربك فيه ثواباً على إحسانك في العمل مقاماً محموداً يغبطك فيه الأولون والآخرون، بما عانيت في أمره من هذه المشقات التي لا تحملها الجبال، ولولا الرد إلى إلى هذا المعاد لكانت هذه التكاليف - التي لا يعمل أكثرهم بأكثرها ولا يجازي على المخالفة فيها - من العبث المعلوم أن العاقل من الآدميين متنزه عنه فكيف بأحكم الحاكمين! فاجتهد فيما أنت فيه لعز ذلك اليوم فإن العاقبة لك، والآية مثل قوله تعالى
{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] ، {ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] {إلى الله مرجعكم} [المائدة: 48] إلى غير ذلك من الآيات، ويجوز أن يقال: إلى معاد أيّ معاد، أي مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العودَ إليه كل من خرج منه وهو مكة المشرفة: وطنك الدنيوي، كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه البخاري، وعود هو لجلالته أهل لأن يذكر لدخولك إليها في جنود يعز بها الإسلام، ويذل بها الكفر وأهله على الدوام، والجنة المزخرفة:
(14/375)

وطنك الخروي، على أكمل الوجوه وأعلاها، وأعزها وأولاها، فلا تظن أنه يسلك بك سبيل أبويك عليهما الصلاة والسلام: إبراهيم في هجرته من حران بلد الكفر إلى الأرض المقدسة فلم يعد إليها، وإسماعيل في العلو به من الأرض المقدسة إلى أقدس منها فلم يعد إليها، بل يسلك لك سبيل أخيك موسى عليه الصلاة والسلام - الذي أنزل عليه الكتاب كما أنزل عليك الكتاب القرآن الفرقان، والذي أشركوك به في قولهم {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} [القصص: 48]- في إعادته إلى البلد الذي ذكر في هذه السورة - توطئة لهذه الآية - أنه خرج منه خائفاً يترقب - وهي مصر - إلى مدين في أطراف بلاد العرب، على وجه أهلك فيه أعداءه، أما من كان من غير قومه فبالإغراق في الماء، وأما من كان من قومه فبالخسف في الأرض، وأعز أولياءه من قومه وغيرهم، كما خرجت أنت من بلدك مكة خائفاً تترقب إلى المدينة الشريفة غير أن رجوعك - لكونك نبي الرحمة، وكون خروجك لم يكن مسبباً عن قتل أحد منهم - لا يكون فيه هلاكهم، بل عزهم وأمنهم وغناهم وثباتهم، واختير لفظ القرآن دون الكتاب لما فيه من الجمع من لازم النشر - كما مضى في الحجر، فناسب السياق الذي هو للنشر والحشر والفصل من بلده ثم الوصل، فإنه روى أن هذه
(14/376)

الآية نزلت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجحفة وهي في طريق الهجرة.
ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثَم من يبالغ في النفي والإنكار على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول: إن الأمر ليس كذلك، ولا يعود إلى مكة المشرفة ومنا عين تطرف، قال مهدداً على طريق الاستئناف على لسانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكون الإنكار تكذيباً له كما كذب موسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم: {قل} أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به: {ربي} أي المحسن إليّ {أعلم} أي من كل أحد.
ولما كانت هذه القصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق، وكانوا يقولون: من ادعى رجوعه فهو ضال، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال، بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أولئك الضراغمة الأبطال، والسادة الأقيال، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام: {من جاء بالهدى} أي الذي لا أبين منه، أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي يشهد الله لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم؟ {ومن هو في ضلال} أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أم أنا {مبين*} أي بين
(14/377)

في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره.
ولما كان الجواب لكل من أنصف: هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند أنفسهم ما لا دليل عليه، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله، بني عليه قوله: {وما} ويجوز أن تكون الجملة حالاً من الضمير في {عليك} وما بينهما اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد، أي فرضه عليك والحال أنك ما، ويجوز أن يقال: لما كان رجوعه إلى مكة غاية البعد لكثرة الكفار وقلة الأنصار، قربه بقوله معلماً أن كثيراً من الأمور تكون على غير رجاء، بل وعلى خلاف القياس: وما {كنت ترجوا} أي في سالف الدهر بحال من الأحوال {أن يلقى} أي ينزل على وجه لم يقدر على رده {إليك الكتاب} أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه؛ ولا كان هذا من شأنك، ولا سمعه أحد منك يوماً من الأيام، ولا تأهبت لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب} [العنكبوت: 48] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع
(14/378)

المحكم، وذلك مدلول الكتاب؛ ثم قال: {إلا} أي لكن ألقي إليك الكتاب {رحمة} أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك، لم تكن ترجوها {من ربك} أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن والفواحش جميعاً، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة معه والتعبد له توفيقاً من الله كان حال من يرجو ذلك.
ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله طمعاً فيما عنده سبحانه من الثواب، وشكراً على إنزال الكتاب، قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري يقتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم: {فلا تكونن} إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم {ظهيراً} أي معيناً {للكافرين*} بالمكث بين ظهرانيهم، أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم، يأساً منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك، لا تمل أنت كما لم نمل نحن، فقد وصلنا لهم القول، وتابعنا لهم الوعظ
(14/379)

والقص، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة، وهدايتهم في أقل لمحة، وكما أن موسى عليه الصلاة والسلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيراً للمجرمين، وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة في الدعاء إلى الله عند كثرة المخالف، وقلة الناصر المحالف.
ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضاً عن الأوامر وإن كان المتواني مجتهداً في العمل، قال مؤكداً تنبيهاً على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء: {ولا يصدنك} أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} ونحوه {عن آيات الله} أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال، في الأوقات الكائنة {بعد إذ أنزلت} أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهياً {إليك} مما ترى من أوامرها ونواهيها، ولقد بين هذا المعنى قوله: {وادع} أي أوجد الدعاء للناس {إلى ربك} أي المحسن إليك لإحسانه إليك، وإقباله دون الخلق عليك، وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس للمبالغة فيه جداً، إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطباً من درء المفاسد، فإن المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب.
(14/380)

ولما كان الساكت عن فاعل المنكر شريكاً له، قال مؤكداً تنبيهاً علىلاهتمام بدرء المفاسد، وأنه لا بد فيه من بلوغ الغاية: {ولا تكونن من المشركين*} أي معدوداً في عدادهم بترك نهيهم عن شركهم وما يتسبب عنه ساعة واحدة.
ولما كان الكائن من قوم موصوفاً بما اتصف به كل منهم، وكانت مشاركتهم بالفعل أبعد من مشاركتهم بالسكوت، قال من غير تأكيد: {ولا تدع مع الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال {إلهاً} ولما كانت النكرة في سياق النهي تعم كما لو كانت في سياق النفي، وكان المشركون قد تعنتوا لما رأوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو باسم الله واسم الرحمن كما ذكر آخر الإسراء، قال: {آخر} أي غير الله حقيقة دون أن يغاير في الاسم دون الذات، ومضى في آخر الحجر، ويأتي إن شاء الله تعالى في الذاريات ما يتضح به هذا المعنى، والمراد بهذا كله المبالغة في الإنذار إعلاماً بأن تارك النهي عن المنكر مع القدرة شريك للفاعل وإن لم يباشره، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قادر لحراسة الله تعالى له؛ ثم علل ذلك بقوله: {لا إله إلا هو} أي حتى يستحق أن يشتغل به عبد؛ ثم علل وحدانيته بقوله: {كل شيء هالك} أي
(14/381)

هو في قوة الهلاك والفناء ومستحق لذلك لأنه ممكن {إلا وجهه} أي هو، فهو الباقي لأنه الواجب الوجود، ووجود كل موجود إنما كان به، ولعله عبر عن الذات بالوجه ليشمل ما قصد به من العمل الصالح مع ما هو معروف من تسويغه لذلك بكونه أشرف الجملة، وبكون النظر إليه هو الحامل على الطاعة بالاستحياء وما في معناه؛ ثم علل ذلك بقوله: {له} أي لله وحده فالضمير استخدام {الحكم} أي العمل المحكم بالعلم النافذ على كل شيء، ولا حكم لشيء عليه {وإليه} وحده {ترجعون*} في جميع أحوالكم: في الدنيا بحيث أنه لا ينفذ لأحد مراد إلا بإرادته، وفي الآخرة بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه والعاصي بعصيانه، ولا شك أن هذه الأوامر والنواهي وإن كان خطابها متوجهاً إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالمقصود بها أتباعه، ولعلها إنما وجهت إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه لأن أمر الرئيس أدعى لأتباعه إلى القبول، وقد اتضح بهذا البيان، في هذه المعاني الحسان، أن هذا الكتاب مبين، وبإنفاذ إرادته سبحانه وتعالى في تقوية أهل الضعف من بني إسرائيل دون ما أراد فرعون وقارون وأتباعهما من أهل العلو بطاعة الماء والتراب وما جمع العناصر من اليد والعصا أن له وحده الحكم
(14/382)

على ما يريد ويختار، فصح أن إليه الرجوع يوم المعاد يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه، فقد انطبق آخر السورة على أولها، وانشرح مجملها بمفصلها.
(14/383)

مقصودها الحث على الاجتهاد في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء إلى الله تعالى وحمده من غير فترة، كما ختمت به السورة الماضية، من غير تعريج على غيره سبحانه أصلاً، لئلايكون مَثَلُ الفرج عند المتعوض عوضاً منه مَثَلَ العنكبوت، فهي سورة ضعف الكافرين وقوة المؤمنين، وقد ظهر سر تسميتها بالعنكبوت وأنه دال على مقصودها) بسم الله (الذي أحاط بجميع القوة فأعز جنده) الرحمن (الذي شمل جميع العباد بنعمة الأمر والنهي) الرحيم (الذي ألزم أهل العرفان ذروة الإحسان.
لما ختم السورة الماضية بالحث على العمل للدار الآخرة، وأن كل أحد من محسن مسيء مجزى بعمله، وبالإخبار بأنه سبحانه عالم بالسر والعلن، بالأمر بالاجتهاد فيالدعاء إليه وقصر الهمم عليه وإن أدى ذلك إلى الملال، وذهاب النفس والأموال، معللاً بأن له الحكم سبحانه لأنه الباقي بلا زوال، وكل ماعداه فإلى تلاش واضمحلال، وأنه لا يفوته شيء في حال ولا مآل، قال أول هذه:
(14/384)

الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)
{الم} إشارة بالألف الدال على القائم الأعلى المحيط ولام الوصلة وميم التمام
(14/384)

بطريق الرمز إلى أنه سبحانه أرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ليدعو الناس بالقرآن الذي فرض عليه إلى الله، لتعرف بالدعوة سرائرهم ويتميز بالتكليف محقهم ومماكرهم {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] .
ولما عبر بهذه الإشارة لأهل الفطنة والبصائر، قال منكراً على من ظن أن مدعي الإيمان لا يكلف البيان، ومفصلاً لما ختمت به تلك من جميع هذه المعاني، بانياً على ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان: {أحسب الناس} أي كافة، فإن كلاًًّ منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول: إنه على الحق، ولعله عبر بالحسبان والنوس إشارة إلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف المزاج.
ولما كان الحسبان، لا يصح تعليقه بالمفردات، وإنما يعلق بمضمون الجملة، وكان المراد إنكار حسبان مطلق الترك، كانت «أن» مصدرية عند جميع القراء، فعبر عن مضمون نحو: تركهم غير مفتونين لقولهم آمناً، بقوله: {أن يتركوا} أي في وقت ما بوجه من الوجوه، ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر حسبان الترك المؤكد، فلا يفيد إنكار ما عرى عنه، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا {أن} أي في أن
(14/385)

{يقولوا} ولو كان ذلك على وجه التجديد والاستمرار: {آمنا وهم} أي والحال أنهم {لا يفتنون*} أي يقع فتنتهم ممن له الأمر كله وله الكبرياء في السماوات والأرض، مرة بعد أخرى بأن يختبر صحة قولهم أولاً بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأحكام، وثانياً بالصبر على البأساء والضراء عند الابتلاء بالمدعوين إلىلله في التحمل لأذاهم والتجرع لبلاياهم وغير ذلك من الأفعال، التي يعرف بها مرتبة الأقوال، في الصحة والاختلال.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة، ثم ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم، وانجرّ مع ذلك مما هو منه لكن انفصل عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولية وابتداء الرضاع وصبرها على أليم ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه، ثم ذكر ابتلاء موسى عليه الصلاة والسلام بأمر القبطي وخروجه خائفاً يترقب وحن عاقبته وعظيم رحمته، وكل هذا ابتلاء أعقب خيراً، وختم برحمة ثم بضرب آخر من الابتلاء أعقب محنة وأورث شراً وسوء فتنة، وهو ابتلاء قارون بماله وافتنانه به، فخسفنا به وبداره الأرض، فحصل بهذا أن الابتلاء في
(14/386)

غالب الأمر سنة، وجرت منه سبحانه في عبادة ليميز الخبيث من الطيب، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه إذ هو موجده وخالقه خيراً كان أو شراً، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى بيانه بتعرف أحوال العباد أو يتوقف علمه على سبب
{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم، وتقوم الحجة عليهم باعترافهم، ولا افتقار به تعالى إلى شيء من ذلك، فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر، وبه وقه افتتاحها واختتامها، هذا وقد أنجز بحكم الإشارة أولاً خروج نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بلده ومنشأه ليأخذه عليه الصلاة ولاسلام بأوفر حظ مما ابتلي به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعليّ درجاتهم عليهم السلام، ثم بشارته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخراً بالعودة والظفر {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} [القصص: 85] فأعقب سبحانه هذا بقوله معلماً للعباد ومنبهاً أنها سنته فيهم فقال {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أي أحسبوا أن يقع
(14/387)

الاكتفاء بمجرد استجابتهم، وظاهر إنابتهم، ولما يقع امتحانهم بالشدائد والمشقات، وضروب الاختبارات {ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} [البقرة: 155] فإذا وقع الابتلاء فمن فريق يتلقون ذلك تلقي العليم أن ذلك من عند الله ابتلاء واختباراً، فيكون تسخيراً لهم وتخليصاً، ومن فريق يقابلون ذلك بمرضاة الشيطان، والمسارعة إلى الكفر والخذلان {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي الإيمان، فإذا أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه، فكان عنده مقاوماً بعذاب الله الصارف لمن ضربه عن الكفر والمخالفة فقال تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} فكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة، وأشد في المحنة، ثم أتبع سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وطول مكايدتهم من قومهم، فذكر نوحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً عليهم الصلاة والسلام، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ابتلاء، أما نوح عليه السلام فلبث في قومه - كما أخبر الله تعالى - ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن
(14/388)

معه إلا قليل، وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فرمى بالمنجنيق في النار فكانت عليه برداً وسلاماً، وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين عليهم الصلاة والسلام وزبضروب من الابتلاءات حصلوا على ثوابها، وفازوا من عظيم الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم فقال {فكلاًّ أخذنا بذنبه} ثم وصى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأوضح حجته، وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة - انتهى.
ولما كان التآسي من سنن الآدميين، توقع المخاطب بهذا الأمر الخبر عن حالهم في ذلك، فقال مؤكداً لمن يظن أن الابتلاء لا يكون، لأن الله غني عنه فلا فائدة فيه جاهلاً بما فيه من الحكمة بإقامة الحجة على مقتضى عوائد الخلق: {ولقد} أي أحسبوا والحال أنا قد {فتنا} أي عاملنا بما لنا من العظمة معاملة المختبر {الذين} .
ولما كان التآسي بالقريب في الزمان أعظم، أثبت الجار في قوله: {من قبلهم} أي من قبل هؤلاء الذين أرسلناك إليهم من أتباع الأنبياء حتى كان الرجل منهم يمشط لحمه بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه، ومن رؤوسهم صاحب أكثر السورة الماضية موسى عليه الصلاة والسلام، ففي قصته حديث طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما يقال له حديث الفتون وهو في مسند أبي يعلى، ومن آخر ما ابتلى به
(14/389)

أمر قارون وأتباعه.
ولما كان الامتحان سبباً لكشف مخبآت الإنسان بل الحيوان، فيكرم عنده أو يهان، وأرشد السياق إلى أن المعنى: فلنفتننهم، نسق به قوله: {فليعلمن الله} أي الذي له الكمال كله، بفتنة خلقه، علماً شهودياً كما كان يعلم ذلك علماً غيبياً، ويظهره لعباده ولو بولغ في ستره، وعبر بالاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال التفاتاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تنبيهاً للناقصين - وهم أكثر الناس - على أنه منزه عن كل شائبة نقص، وأكد إشارة إلى أن أكثر الناس يظن الثبات عند الابتلاء وأنه إذا أخفى عمله لا يطلع عليه أحد {الذين صدقوا} في دعواهم الإيمان ولو كانوا في أدنى مراتب الصدق، وليعلمن الصادقين، وهم الصابرون الدين يقولون عند البلاء {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} فيكون أحدهم عند الرخاء براً شكوراً، وعند البلاء حراً صبوراً، وليعلمن الذين كذبوا في دعواهم {وليعلمن الكاذبين*} أي الراسخين في الكذب الذين يعبدون الله على حرف، فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم، فظنوا، فيكون لكل من الجزاء على حسب ما كشف
(14/390)

منه البلاء، والتعبير بالمضارع لتحقق الاختبار، على تجدد الأعصار، لجمعي الأخيار والأشرار، فمن لم يجاهد نفسه عند الفتنة فيطيع في السراء والضراء كان من الكافرين فكان في جهنم {أليس في جهنم مثوى للكافرين} ومن جاهد كان من المحسنين، والآية من الاحتباك: دل بالذين صدقوا على الذين كذبوا، وبالكاذبين على الصادقين، ذكر الفعل أولا دليلاً على تقدير ضده ثانياً، والاسم ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً.
ولما أثبت سبحانه بهذا علمه الشامل وقدرته التامة في الدنيا، عادله بما يستلزم مثل ذلك في الآخرة، فكان حاصل ما مضى من الاستفهام: أحسب الناس أنا لا نقدر عليهم ولا نعلم أحوالهم في الدنيا أم حسبوا أنم ذلك لا يكون في الأخرى، فيذهب ظلمهم في الدنيا وتركهم لأمر الله وتكبرهم على عبادة مجاناً، فيكون خلقنا لهم عبثاُ لا حكمة فيه، بل الحكمة في تركه، وهذا الثاني هو معنى قوله منكراً أم حسب، أو يكون المعنى أنه لما انكر على الناس عموماً ظنهم الإهمال، علم أن أهل السيئات أولى بهذا الحكم، فكان الإنكار عليهم أشد، فعادل الهمزة بأم في السياق الإنكار كما عادلها بها في قوله:
{أتخذتم عند الله عهداً} [
(14/391)

البقرة: 80] الآية، فقال: {أم حسب} أي ظن ظناً يمشي له ويستمر عليه، فلا يبين له جهله فيه بأمر يحسبه فلا يشتبه عليه بوجه {الذين يعملون السيئات} أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين العقل - منها بالنهي عنها، ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند إليه من قوله: {أن يسبقونا} أي يفوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا نقدر عليهم في الدنيا بإمضاء ما قدرناه عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له، وفي الدار الآخرة بأن نحييهم بعد أن نميتهم، ثم نحشرهم إلى محل الجزاء صغرة داخرين، فنجازيهم على ما عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم، ويظهر تحلينا بصفة العدل فيهم.
ولما أنكر هذا، عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيماً لإنكار فقال: {ساء ما يحكمون*} أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلاً لا يرضى لعبيده أن يظلم بعضهم بعضاً ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما لا يرضونه لأنفسهم.
(14/392)

مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)
ولما خوف عباده المحسنين والمسيئين، وضربهم بسوط القهر أجمعين، أشار إلى التلويح بتهديد الكاذبين في التصريح بتشويق
(14/392)

الصادقين فقال على سبيل الاستنتاج مما مضى: {من كان يرجو} عبر به لأن الرجاء كافٍ عن الخوف منه سبحانه {لقاء الله} أي الجامع لصفات الكمال، فلا يجوز عليه ترك البعث فإنه نقص ومنابذ للحكمة، وشبه البعث باللقاء لانكشاف كثير من الحجب به وحضور الجزاء.
ولما كان المنكر للبعث كثيراً، أكد فقال موضع: فإنه آت فليحذر وليبشر، تفخيماً للأمر وتثبيتاً وتهويلاً: {فإن أجل الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال المحتوم لذلك {لآت} لا محيص عنه، فإنه لا يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد، ولذلك عبر بالاسم الأعظم، وللإشارة إلى أن أهوال اللقاء لا يحيط لها العد، ولا يحصرها حد، فليتعد لذلك بالمجاهدة والمقاتلة لنفسه من ينصحها، وقال تعالى: {وهو} أي وحده {السميع العليم*} حثاً على تطهير الظاهر والباطن في العقد والقول والفعل.
ولما حث على العمل، بين أنه ليس إلا لنفع العامل، لئلا يخطر في خاطر ما يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن أراح نفسه في الدنيا فإنما
(14/393)

ضر نفسه: {ومن جاهد} أي بذل جهده حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة {فإنما يجاهد لنفسه} لأن نفع ذلك له فيتعبها ليريحها، ويشقيها ليسعدها، ويميتها ليحييها، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء، وإنما طوى ما أدعى تقديره لأن السياق للمجاهدة، ثم علل هذا الحصر بقوله: {إن الله} أي المتعالي عن كل شائبة نقص {لغني} وأكد لأن كثرة الأوامر ربما أوجبت للجاهل ظن الحاجة، وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم، وبين أن غناه الغنى المطلق بقوله موضع «عنه» {عن العالمين*} فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.
ولما كان التقدير: فالذين كفروا وعملوا السيئات لنجزينهم أجمعين، ولكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء، عطف عليه قوله: {والذين آمنوا وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم، واشار بقوله: {لنكفرن عنهم سيئاتهم} إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد أن يزل لأنه مجبول على النقص، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم يؤت الكبائر، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبي المختار صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وزاده فضلاً وشرفاً لديه؛ قال البغوي: والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة، أو لنغفرن لهم الشرك وما عملوا فيه،
(14/394)

وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو بكلمة ولو بالامتنان بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما طبع عليه. ولما بشرهم بالعفو عن العقاب، أتم البشرى بالامتنان بالثواب، فقال عاطفاً على ما تقديره: ولنثبتن لهم حسناتهم {ولنجزينهم} أي في الإسلام {أحسن الذي كانوا} أي كوناً يحملهم على أتم رغبة {يعملون*} أي أحسن جزاء ما عملوه في الإسلام وما قبله وفي طبعهم أن يعملوه.
ولما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة، وحذر من كفر، وبشر من صبر، قال عاطفاً على {ولقد فتنا} مشيراً إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في سياق تعظيم الخالق، وإلى أنها أعظم فتنة: {ووصينا} على ما لنا من العظمة {الإنسان} أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله لا سيما من أحسن إليه، فكيف بأعز الخلق عليه، وذلك فتنة له {بوالديه} .
ولما كان التقدير: فقلنا له: افعل بهما {حسناً} أي فعلاً ذا حسن من برهما وعطف عليهما، عطف عليه قوله: {وإن جاهداك} أي فعلاً معك فعل المجاهد مع من يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك {لتشرك} وترك مظهر العظمة للنص على المقصود فقال: {بي} ونبهه على طلب البرهان في الأصول إشارة إلى خطر المقام لعظم المرام، فقال استعمالاً للعدل، مشيراً بنفي العلم إلى انتفاء العلوم: {ما ليس لك به علم}
(14/395)

أصلاً بأنه يستحق الشركة فإن من عبد ما لم يعلم استحقاقه للعبادة فهو كافر {فلا تطعهما} فإنه لا طاعة لمخلوق - وإن عظم - في معصية الخالق، وهذا موجب لئلا يقع من أحد شرك أصلاً، فإنه لا ريب أصلاً في أنه لا شبهة تقوم على أن غيره تعالى يستحق الإلهية، فكيف بدليل يوجب علماً، والمقصود من سياق الكلام إظهار النصفة والتنبيه على النصيحة، ليكون أدعى إلى القبول؛ ثم علل ذلك بقوله: {إليّ مرجعكم} أي جميعاً: من آمن ومن أشرك بالحشر يوم القيامة؛ ثم سبب عنه قوله: {فأنبئكم} أي أخبركم إخباراً عظيماً مستقصى بليغاً {بما كنتم} أي برغبتكم {تعملون*} أي فقفوا عند حدودي، واتركوا ما تزينه لكم شهواتكم، واحذروا مجازاتي على قليل ذلك وكثيره، عبر سبحانه بالسبب الذي هو الإنباء لأنه لا مثنوية فيه عن المسبب الذي هو الجزاء، مطلقاً للعبارة، وتهديداً بليغاً على وجه الإشارة، وطوى ذكره لأنه قد يدخله العفو، وهذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أسلم وكان باراً بأمه، فحلفت: لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه أو تموت فيعير بها ويقال قاتل أمه، فمكثت يومين بلياليهما فقال: ياأماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت
(14/396)

ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست منه أكلت وشربت - وأصل القصة في الترمذي.
ولما كان التقدير: فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين، ولكنه طواه لدلالة السياق عليه، عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى الوالدين قوله: {والذين آمنوا وعملوا} في السراء والضراء {الصالحات} .
ولما كان الصالح في الغالب سيىء الحال في الدنيا ناقص الحظ منها، فكان عدوه ينكر أن يحسن حاله أشد إنكار، أكد قوله: {لندخلنهم} أي بوعد لا خلف فيه {في الصالحين*} وناهيك به من مدخل، فإنه من أبلغ صفات المؤمنين.
(14/397)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)
ولما كانت ترجمة ما مضى من قسم الراجي والمجاهد والعامل للصالح: فمن الناس - كما أشير إليه - من يؤمن بالله، فإذا أوذى في الله صبر واحتسب انتظاراً للجزاء من العلي الأعلى، ولكنه حذف من كل جملة ما دل عليه بما ذكر في الأخرى، عطف عليه: {ومن الناس} أي المذبذبين {من يقول} أي بلسانه دون طمأنينة من قلبه: {آمنا بالله} أي الذي اختص بصفات الكمال، وأشار بعد الإيماء
(14/397)

إلى كثرة هذا الصنف بالإسناد إلى ضمير الجمع - إلى أن الأذى في هذه الدار ضربة لازب لا بد منه، بقوله بأداة التحقيق: {فإذا أوذي} أي فتنة له واختباراً من أيِّ مؤذ كان {في الله} أي بسبب كونه في سبيل الله الذي لا يدانيه في عظمته وجميع صفاته شيء، ببلاء يسلط به عباده عليه {جعل} أي ذلك الذي ادعى الإيمان {فتنة الناس} أي له بما يصيبه من أذاهم في جسده الذي إذا مات انقطع أذاهم عنه {كعذاب الله} أي المحيط بكل شيء، فلا يرجى الانفكاك منه، فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر إلى الخضوع والذل، لأن لا كفؤ له ولا مجير عليه، فلا يطاق عذابه، لأنه على كل من الروح والجسد، لا يمكن مفارقته لهما ولا لواحد منهما بموت ولا بحياة إلا بإرادته حتى يكون عمل هذا المعذب عند عذاب الناس له الطاعة لهم في جميع ما يأمرون به ظاهراً وباطناً، فيتبين حينئذ أنه كان كاذباً في دعوى الإيمان، وقصر الرجاء على الملك الديان، وأشار إلى أن الفتنة ربما استمرت إلى الممات وطال زمنها بالتعبير بأداة الشك، وأكد لاستبعاد كل سامع أن يقع من أحد بهت في قوله: {ولئن جاء نصر} أي لحزب الله الثابتي الإيمان.
ولما كان الإحسان منه إنما هو محض امتنان، فلا يجب عليه لأحد
(14/398)

شيء، عبر بما يدل على ذلك مشيراً إلى أنه يفعله لأجله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {من ربك} أي المحسن إليك بنصر أهل دينك، تصديقاً لوعدك لهم، وإدخالاً للسرور عليك،
ولما كانت هذه الحالة رخاء، عبر بضمير الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر:
وما أكثر الإخوان حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل
فقال: {ليقولن} أي هؤلاء الذين لم يصبروا، خداعاً للمؤمنين خوفاً ورجاءً وعبر في حالة الشدة بالإفراد لئلا يتوهم أن الجمع قيد، وجمع هنا دلالة على أنهم لا يستحيون من الكذب ولو على رؤوس الأشهاد، وأكدوا لعلمهم أن قولهم ينكر لأنهم كاذبون فقالوا: {إنا كنا معكم} أي لم نزايلكم بقلوبنا وإن أطعنا أولئك بآلسنتنا.
ولما كان التقدير: أليس أولياؤنا المتفرسون بأحوالهم عالمين؟ عطف عليه منكراً قوله: {أو ليس الله} المحيط بعلم الباطن كما هو محيط بعلم الظاهر {بأعلم بما في صدور العالمين*} أي كلهم، منهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك إخلاصاً كان أو نفاقاً، بل هو أعلم من أصحاب الصدور بذلك.
ولما أنكر عدم العلم، صرح بالعلم فقال واعداً متوعداً، عاطفاً
(14/399)

على ما أفهمه السياق من نحو: فقد علم الله جميع ما أخفوا وما أعلنوا: {وليعلمن الله} أي المحيط علماً وقدرة في عالم الشهادة حتى ينكشف ذلك لديكم كما هو عالم به في عالم الغيب {الذين آمنوا} أي وقع منهم إيمان، وليعلمن المؤمنين إيماناً صادقاً بما يواليه عليهم من المحن، وهم لا يزدادون إلا تسليماً ورضى، وأكده لما قدم من أن الناس حسبوا أنهم لا يفتنون {وليعلمن} الذي نافقوا وليعلمن {المنافقين*} بمثل ذلك من الزلازل والفتن التي يميلون معها كيفما ميّلتهم، حتى يعلم كل من له لب أنه لا إيمان لهم كما أنه لا أيمان لهم، ولا شك أنه يعامل كلاًّ من الفريقين بما يستحق على حسب ما يعلم من قلبه، والآية من الاحتباك كما مضى عند {وليعلمن الله الذين صدقوا} .
ولما كان السياق للفتنة والأذى في الله المحقق أمره بإذا دون «إن» وكان الكفار يفتنون من أسلم في أول الأمر، ذكر سبحانه بعض ما كانوا يقولون لهم عند الفتنة جهلاً بالله وغروراً، فقال معجباً منهم،
(14/400)

عاطفاً على {ومن الناس من يقول} : {وقال الذين كفروا} اغتراراً منهم بالله، وجرأة على حماه المنيع {للذين} أي لطائفة من يقول بلسانه: آمنا بالله، وهم الذين {آمنوا} أي حقيقة، جهلاً منهم بما خالط قلوبهم من بشاشة الإيمان، وأنوار العرفان: {اتبعوا} أي كلفوا أنفسكم بأن تتبعوا {سبيلنا} أي طريق ديننا، وعطفوا وعدهم في مجازاتهم على ذلك بصيغة الأمر على أمرهم باتباعهم للدلالة على أنه محقق لا شك فيه فقالوا: {ولنحمل خطاياكم} بوعد صادق وأمر محتوم جازم، إن كان ما تقولون حقاً إنه لا بد لنا من معاد نؤاخذ فيه بالخطايا، ولو دروا لعمري ما الخبر، يوم يقولون: لا مفر، ما عرضوا أنفسهم لهذا الخطر، يوم يود كل امرىء لو افتدى بماله وبنيه، وعرسه وأخيه، وصديقه وأبيه، ويكون كلامهم - وإن كان أمراً - بمعنى الخبر لأنه وعد كذبه سبحانه لأن معناه: إن كتب عليكم إثم حملناه عنكم بوعد لا خلف فيه {وما هم} أي الكفار {بحاملين} ظاهراً ولا باطناً {من خطاياكم} أي المؤمنين {من شيء} وهم يقدرون أن لا يحملوا، أو حملاً يخفف عنهم العذاب، أي إنهم إذا عاينوا تلك الأحوال، وطاشت عقولهم في بحار هاتيك الأهوال، التي لا يقوم لها الجبال،
(14/401)

تبرؤوا ممن قالوا له هذا المقال، فقد أخبروا بما لا يطابق الواقع، ويجوز أن يكونوا تعمدوا الكذب حال الإخبار إن كانت نيتهم أنهم لا يفون على تقدير تحقق الجزاء.
ولما علم من هذا كذبهم بكل حال سواء تعمدوا أو لا، صرح به تأكيداً لمضمون ما قبله، مؤكداً لأجل ظن من غروه صدقهم في قوله: مستأنفاً: {إنهم لكاذبون*} .
ولما كان كل من أسلك أحداً طريقاً كان شريكه في عمله فيها، فكان عليه مثل وزره إن كانت طريق ردى، وله مثل أجره إن كانت سبيل هدى، قال تعالى مؤكداً لإنكارهم الآخرة وكل ما فيها: {وليحملن} أي الكفرة {أثقالهم} التي حملوها أنفسهم الضعيفة بما اكتسبوا {وأثقالاً} أخرى لغيرهم {مع أثقالهم} بما تسببوا به من إضلال غيرهم، ومن تأصيل السنن الجائرة الجارية بعدهم، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص أحدهم من حمل الآخرة شيئاً.
ولما كان للسؤال على طريق الازدراء والإذلال، من الرعب
(14/402)

في القلب ما ليس للأفعال قال: {وليسألن} أي من كل من أمره المولى بسؤالهم {يوم القيامة} أي الذي هم به مكذبون، وله مستهينون والتأكيد إما لإنكارهم ذلك اليوم، أو لظن أن العالم لا يسأل عما يعلمه، {عما كانوا} أي بغاية الرغبة {يفترون*} أي يتعمدون كذبه، ويُعملون أفكارهم في ارتكابه ويواظبون عليه، والتعبير بصيغة الافتعال يدل على أنهم كانوا يعلمون صدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتعمدون الكذب في وعدهم لمن غروه.
(14/403)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)
ولما كان السياق للبلاء والامتحان، والصبر على الهوان، وإثبات علم الله وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي، ذكر من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من طال صبره على البلاء، ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد على ما يعاملونه به من الأذى، تسلية لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيتاً لهم وتهديداً لقريش، فقال عاطفاً على {ولقد فتنا الذين من قبلهم} ما هو كالشرح له، وله نظر عظيم إلى {ولقد وصلنا لهم القول} [القصص: 51] وأكده دفعاً لوهم من يقول: إن القدرة على التصرف في القلوب مغنية عن الرسالة في دار التسبب: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة المغنية عن الرسالة إجراء للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة التسبيب
(14/403)

{نوحاً} أي أول رسل الله الخافقين من العباد، وهو معنى {إلى قومه} فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أطول الأنبياء بلاء بهم، ولذلك قال مسبباً عن ذلك ومعقباً: {فلبث فيهم} أي بعد الرسالة يدعوهم إلى الله، وعظم الأمر بقوله: {ألف} فذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه، وعبر بلفظ {سنة} ذماً لأيام الكفر، وقال: {إلا خمسين} فحقق أن ذلك الزمان تسعمائة وخمسون من غير زيادة ولا نقص مع الاختصار والعذوبة، وقال: {عاماً} إشارة إلى أن زمان حياته عليه الصلاة والسلام بعد إغراقهم كان رغداً واسعاً حسناً يإيمان المؤمنين وخصب الأرض.
ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل على الامتثال وعدم الملال، قال مسبباً عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقباً له: {فأخذهم} أي كلهم بالإغراق أخذ قهر وغلبة {الطوفان} أي من الماء، لأن الطوفان في الأصل لكل فاش طامّ محيط غالب ممتلىء كثرة وشدة وقوة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها، والمراد هنا الماء {وهم ظالمون*} أي عريقون في هذا الوصف، وهو وضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام، بتكذيبهم رسولهم، وإصرارهم على كفرهم، وهو ملازم لدعائهم ليلاً ونهاراً لم يرجع منهم عن الضلال إلا ناس
(14/404)

لقلتهم لا يعدون؛ ودل عليهم مسبباً عن ذلك بقوله: {فأنجيناه} أي نوحاً عليه السلام بما لنا من العظمة التي لا يغلبها شيء {وأصحاب السفينة} من أولاده وأتباعه، من الغرق، وماذا يبلغ مقدار أهل سفينة واحدة في العدة والكثرة {وجعلناها} أي الفعلة أو السفينة أي نفسها وجنسها، بتلك العظمة {آية} أي علامة على قدرة الله وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي {للعالمين*} فإن لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض، بطولها والعرض، وإغراق جميع من عليها من حيوان: إنسان وغير إنسان، وإنجاء ناس فيهم بما هيأ قبل الفعل من سبب ذلك المستمر نفعه على تكرار الأحقاب وتعاقب الأزمان، وكونها آية أما للآدميين الذين كانوا في ذلك الزمان فالأمر فيهم واضح، وأما غيرهم من الحيوان فقد عرفوا لمعرفتهم بالجزئيات المشاهدة أن ذلك الماء لا ينجى منه في دار الأسباب إلا هذه السفينة، فالهداية إلى فعلها للنجاة قبل وقوع سبب الهلاك دالة على تمام العلم وشمول القدرة، وأن من اهتدى إليه دون أهل ذلك
(14/405)

العصر كلهم إنما اهتدى بإعلام الله دون غيره، ونصف الآية الأولى الأول من هذه القصة تسلية وتعزية دليلاً على آيتي الفتنة أول السورة، ونصفها الثاني تحذير وتوقية، وفيه دليل على الآية الثالثة، والآية الثالثة، والآية الأخرى تبشير وترجية، وفيه دليل على ما بعد.
ولما كان بلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام عظيماً في قذفه في النار وإخراجه من بلاده، أتبعه به فقال: {وإبراهيم} أي ولقد أرسلنا إبراهيم، ويجوز أن يكون التقدير: واذكر إبراهيم أباك الأعظم لتتأسى به وتتسلى ويتعظ قومك بقصته، لكن قوله {وإلى مدين} يرجح الأول، ودل على مبادرته للامتثال بقوله: {إذ} أي حين، وهو بدل اشتمال على التقدير الثاني لاشتمال الأحيان على ما قبلها {قال لقومه} الذين هو منهم: {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم بما يأمركم به من طاعته {واتقوه} أي خافوه في أن تشركوا به شيئاً فإنه يعذبكم {ذلكم} أي الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم {خير لكم} أي من كل شيء {إن كنتم} أي بما لكم من الغرائز الصالحة {تعلمون*} أي إن كنتم في عداد من يتجدد
(14/406)

له علم فأنتم تقولون: إنه خير، أي تعتقدون ذلك فتعملون به، وإن لم تعملوا ذلك فأنتم في عداد الحيوانات العجم، بل أضل، فإنها تهتدي لما ينفعها فتقبل عليه، وتسعى بجهدها إليه.
ولما أمرهم بما تقدم، ونفى العلم عمن جهل خيريته، دل عليه بقوله: {إنما تعبدون} ولما كان الله أعلى من كل شيء قال: {من دون الله} أي الذي لا شبيه له ولا نظير، ولا ثاني ولا وزير، وقال: {أوثاناً} إشارة إلى تفرق الهم بكثرة المعبود، والكثرة يلزمها الفرقة ولا خير في الفرقة. ومادة «وثن» بجميع تقاليبها واوية ويائية مهموزة تدور على الزيادة والكثرة، ويلزمها الفرقة من اختلاف الكلمة، فيلزمها حينئذ الرخاوة فيأتي العجز، وتراكيبها تسعة: في الواوي الثلاثة: وثن ثنو ثون، وفي اليائي ثلاثة: ثنى نثى ثين، وفي المهموز ثلاثة: أنث أثن نأث، فمن الزيادة: الوثن، قال القزاز: قال أبو منصور: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب أو جوهر أو غيره ينحت فينصب فيعبد،
(14/407)

والصنم الصورة التي بلا جثة، ومنهم من جعل الوثن صنماً - انتهى.
وقال عبد الحق: قال الهروي: قال ابن عرفة: ما كان له صورة من جص أو حجارة أو غير ذلك فهو وثن - انتهى. فقد علم من ذلك أنه لا بد فيه من صورة أو جثة، وعلى كل تقدير فهو ثان لما شابه صورته أو جثته وزائد عليه. وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: الصنم تمثال من حجارة على صورة الإنسان، فإذا كان من خشب فهو وثن، ويتخذ أيضاً من جص، وربما صوروا في الحائط أيضاً صورة إنسان فتسمى تلك الصورة أيضاً وثناً، والنصارى يفعلون ذلك ويصورون في بيعهم صورة المسيح وصورة مريم ويسجدون لها: واستوثن المال: سمن، فزاد لحمه، واستوثن من المال: استكثر، والنحل: صارت فرقتين صغاراً وكباراً، والإبل: نشأت أولادها معها، وأوثن زيداً: أجزل عطيته، والواثن: الشيء الثابت الدائم في مكانه، فالزيادة فيه بالنسبة إلى زمانه، ويمكن أن يكون من الرخاوة، فإنه لا يثبت على
(14/408)

هذه الصورة إلا ما لا قدرة له على حركة. ومن الفرقة: نثا الحديث - بتقديم النون - ينثوه وينثيه. يائي وواوي: أشاعه وحدث به، والشيء: فرقه وأذاعه، وأنثى: اغتاب وأنف من الشيء، ولا يؤنف منه إلا على تقدير نشره، والثوينا كالهوينا: الرقيق يفرش تحت الرغيف ليسوى ويعدل لأن يكون ظلمه، والتثاون: الاحتيال والخديعة، فإنها لا تكون إلا عن جمع فكر وتنبيه نظر، وهي أيضاً لا تكون إلا من عاجز عن الأخذ جهاراً، ومن ذلك تثاون للصيد - إذا جاءه مرة عن يمينه وأخرى عن يساره، والثني من كل شيء ما يثنى بعضه على بعض، ومن الوادي: منعطفه، واثنونى: انعطف، والثناء ككتاب: عقال البعير، وهو حبل مثنى يعقل به يد البعير فتثنى، والفناء لأنه يكثر انتيابه والتردد إليه، وأثناء الشيء: قواه وطاقاته، والاثنان: ضعف الواحد، والمؤنث ثنتان، وأصله ثنى،
(14/409)

والاثنين والثنى كإلى: يوم في الأسبوع، وثنيته عن وجهه: رددته، فصار له رجوع بعد ذهاب، وثنيث الرجلين: صرت ثانيهما وأنت أحدهما، ولا يقال: ثنيت فلاناً، ولكن يقال: صرت له ثانياً، والمثاني: القرآن أو ثني منه مرة بعد مرة، أو الحمد، أو البقرة إلى براءة - هكذا عبر في القاموس، وفي مختصر العين: ويقال: سور أولها البقرة وآخرها براءة، وذكر في القاموس في ذلك أقوالاً أخرى، ومن أوتار العود الذي بعد الأول واحدها مثنى، ومثنى الأيادي: إعادة المعروف مرتين فأكثر، والثنية: العقبة أوطريقها أو الجبل أو الطريقة فيه - لأنها بطلوعها ونزولها أو تعاريجها كأنها ثنيت مرتين، والثنايا من الأسنان: الأربع التي في مقدم الفم: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل، والناقة الطاعنة في السادسة، والبعير ثنى، والفرس الداخلة في الرابعة والشاة في الثالثة كالبقرة، وكأن ذلك كله من عرض
(14/410)

يعرض لثنيه الحيوان، والثنية: النخلة المستثناة من المساومة، والثنية والثناء، وصف بمدح أو ذم، أو خاص بالمدح، وذلك لأنه يكرر، والثين بالكسر: من يستخرج الدر من البحر، لأنه يكرر الغوص حتى يجد ويفارق مكانه لذلك ويفرق الدر من مكانه، والثين أيضاً: مثقب اللؤلؤ، لأن الثقب يفرق بين أجزائها ولأن المثقب نفسه يحرك فيكثر من حركته إذا فعل به ذلك.
ومن مهموزة؛ نأث عنه: بعد، والمنآث - بالضم، المبعد، والأثين: الأصيل، لأنه ثان لأصله، ومن الرخاوة الأنثى خلاف الذكر، والأنيت من الحديد الرخو وهو ما لم يكن ذكراً، والمؤنث: المخنث، والأنثيان: الخصيتان والأذنان، وأرض أنيثة ومئناث: سهلة، وسيف مئناث: كهام أي قليل لا يقطع - فقد تحرر أن المادة كلها دائرة على ما لا ينبغي لرتبة الإلهية من الكثرة والفرقة والرخاوة، ولذلك أتى بصيغة الحصر، وهو قصر قلب لسلب ما اعتقدوه فيها من الإلهية.
ولما أشار لهم إلى عدم صلاحيتها لتلك الرتبة العلية، والغاية الشماء السنية، بكثرتها، أشار لهم إلى قصورها أيضاً بتصويرها فقال بصيغة المضارع
(14/411)

إشارة إلى ما يرى في كل وقت من تجدد حدوثها: {وتخلقون} أي تصورون بأيديكم {إفكاً} أي شيئاً مصروفاً عن وجهه، فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع، ومربوب وأنتم تعدونه رباً، وعبد وأنتم تقيمونه معبوداً، أو تقولون في حقها إنها آلهة كذباً.
ولما كان الإنسان محتاجاً أبداً، فكان لا يزال متوجهاً إلى من ينفعه، وكان قد أشار سبحانه إلى نقص معبوداتهم بنفي الخير عنها، صرح بعجزها، وأثبت اختصاصه بالخير، لينتج اسحقاقه للعبادة دونها وأكده رداً لما كانوا يتوهمونه من نفعها وضرها فقال: {إن الذين تعبدون} ضلالاً وعدولاً عن الحق الواضح {من دون الله} المحيط بصفات الكمال، المنزه عن شوائب الاختلال الذي لا يمكن أن يملأ جميع ما تحت رتبته شيء فكيف برتبته الشماء، وحضرته العلياء {لا يملكون لكم} أي وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم {رزقاً} أي شيئاً من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه، فتسبب عن ذلك قوله: {فابتغوا} وأشار بصيغة الافتعال إلى السعي فيه، لأنه أجرى عادته سبحانه أنه في الغالب لا يؤتيه إلا بكد من المرزوق
(14/412)

وجهد، إما في العبادة والتوكل، وإما في السعي الظاهر في تحصيله بأسبابه الدنيوية «والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» .
ولما أشار إلى ذلك، أشار إلى الإجمال في الطلب، وأن لا يعتقد أنه لا محالة في السبب، وإنما الأمر مع ذلك بيده، إن شاء أنجح وإن شاء خيب، بقوله: {عند الله} أي الذي له كل صفة كمال {الرزق} أي كله، فإنه لا شيء منه إلا وهو بيده، وقد دخل فيه كل موجود، فإن الكل خلق لذلك، فأحكمت صنعته وربط بعضه ببعض، فلو نقص منه شيء لاختل النظام، فتبطل الأحكام {واعبدوه} أي عبادة يقبلها، وهي ما كان خالصاً عن الشرك، فإن من يكون كذلك يستحق ذلك ويثيب العابد له، ويعاقب الزاهد فيه، فلا يشغلكم ابتغاء الرزق بالأسباب الظاهرة عن عبادته، فإنها هي الأسباب الحقيقية، فربما حرم العبد الرزق بالذنب يصيبه {واشكروا} أي أوقعوا الشكر {له} خاصة على ما أفاض عليكم من النعم؛ ثم علل ذلك بقوله: {إليه} أي وحده {ترجعون*} أي معنى في الدنيا والآخرة بأنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحساً بالنشر والحشر بعد الموت بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي في الدارين.
(14/413)

وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23)
ولما كان التقدير: فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة، عطف عليه قوله: {وإن تكذبوا} والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو العاطفة على غير معطوف معروف {فقد} أي فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه {كذب أمم} في الأزمان الكائنة {من قبلكم} كثيرة، كعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة والمطيع للرسول وهلاك العاصي له، ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا أنفسهم {وما على الرسول} أن يقهركم على التصديق، بل ما عليه {إلا البلاغ المبين*} الموضح مع - ظهوره في نفسه - للأمر بحيث لا يبقى فيه شك، بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية.
ولما كان التقدير: ألم تروا إلى مصارعهم؟ واتساق الحال في أمرهم؟ فيكفيكم ذلك زاجراً، عطف عليه للدلالة على الرجوع إليه منكراً قوله: {أو لم يروا} بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن أبي بكر عن عاصم جرياً على النسق السابق، وبالغيب للباقين، إعراضاً للإيذان بالغضب {كيف يبدئ الله} أي الذي له كل كمال {الخلق} أي يجدد إبداءه في كل لحظة، وهو بالضم من أبدأ، وقرىء بالفتح من بدأ، وهما معاً بمعنى الإنشاء من العدم؛
(14/414)

قال القزاز: أبدأت الشيء أبدئه إبداء - إذا أنشأته، والله المبدىء أي الذي بدأ الخلق، يقال: بدأهم وأبدأهم، وفي القاموس: بدأ الله الخلق: خلقهم كأبدأ. ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان للإبداء والإعادة في النبات، ولا فرق في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله - {ثم يعيده} أي يجدد إعادته في كل لمحة - معطوفاً على {يبدئ} ولو لم يكن كذلك لكان عطفه عليه من حيث إن مشاهدة حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال الإعادة من حيث إنه لا فرق، ولا حاجة حينئذ إلى تكلف عطفه على الجملة من أولها. ثم حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته، فقال ذاكراً نتيجة الأمر السابق: {إن ذلك} أي الإبداء والإعادة، وأكد لأجل إنكارهم {على الله يسير*} لأنه الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص.
ولما ساق العزيزالجليل هذا الدليل، عما حاج به قومه الخليل، انتهزت الفرصة في إرشاد نبيه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، وذلك أنه لما استدل عليه السلام على الوحدانية المستلزمة للقدرة على المعاد بإبطال إلهية معبوداتهم المستلزم لإبطال كل
(14/415)

ما شاكلها، فحصل الاستعداد للتصريح بأمر المعاد، فصرح به، كان ذلك فخراً عظيماً، ومفصلاً بيناً جسيماً، لإقامة الحجة على قريش وسائر العرب، فانتهزت فرصته واقتحمت لجته، كما هي عادة البلغاء، ودأب الفصحاء الحكماء، لأن ذلك كله إنما سيق تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووعظاً لقومه فقيل: {قل} أي يا محمد لهؤلاء الذين تقيدوا بما تقلدوا من مذاهب آبائهم من غير شبهة على صحته أصلاً: قد ثبت أن هذا كلام الله لما ثبت من عجزكم عن معارضته، فثبت أن هذا الدليل كلام أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنتم مصرحون بتقليد الآباء غير متحاشين من معرته ولا أب لكم أعظم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإذا قلدتم من لا يفارقه في عبادة ما لا يضر ولا ينفع من غير شبهة أصلاً فقلدوا أباكم الأعظم في عبادة الله وحده لكونه أباكم، ولما أقام على ذلك من الأدلة التي لا مراء فيها قال: أو {سيروا} إن لم تقتدوا بأبيكم إبراهيم عليه السلام، وتتأملوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع {في الأرض} إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم.
ولما كان السياق لإثبات الإلهية التي تجب المبادرة إلى تفريغ الفكر وتوجيه كل الذهن إلى الاستدلال عليها، عبر بالفاء المعقبة فقال:
(14/416)

{فانظروا} أي نظر اعتبار {كيف بدأ} أي ربكم الذي خلقكم ورزقكم {الخلق} من الحيوانات والنبات من الزروع والأشجار، وغيرها مما تضمنته الجبال والسهول والأوعار، وهذا يدل على أن الأول فيما هو أعم من الحيوان، فتقريرهم على الإعادة فيه حسن.
ولما كان المقصود بالذات بيان الإعادة التي هي من أجل مقاصد السورة، لإظهار ما مضى أولها من العدل يوم الفصل، وكانوا بها مكذبين، بين الاهتمام بأمرها بإبراز الاسم الأعظم بعد تكريره في هذا السياق غير مرة، وأضمره في سياق البداءة لإقرارهم له بها، إشارة إلى أنه باطن في هذه الدار، ظاهر بجميع الصفات في تلك، فقال: {ثم الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال فلا يفوته شيء، المتردي بالجلال، فاخشوا سطوته، واتقوا عقوبته ونقمته {ينشئ النشأة الآخرة} بعد النشأة الأولى. ثم علل ذلك بقوله مؤكداً تنزيلاً لهم منزلة المنكر لإنكارهم البعث: {إن الله} فكرر ذكره تنبيهاً بعد التيمن به على ما ذكره وعلى أنه في كل أفعاله لا سيما هذا مطلق غير مقيد بجهة من الجهات، ولا مشروط بأمر من الأمور {على كل شيء قدير*} لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة.
(14/417)

ولما ثبت ذلك، أنتج لا محالة قوله: مهدداً بعد البيان الذي ليس بعده إلا العناد: {يعذب} بعدله {من يشاء} أي منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة، فلا يقدر أحد بشفاعة ولا غيرها على الحماية منه {ويرحم} بفضله {من يشاء} فلا يقدر أحد على أن يمسه بسوء {وإليه} أي وحده {تقلبون*} أي بعد موتكم بأيسر سعي.
ولما لم يبق للقدرة على إعادتهم مانع يدعي إلا ممانعتهم منها، أبطلها على تقدير ادعائهم لها فقال: {وما أنتم} أي أجمعون العرب وغيرهم {بمعجزين} أي بواقع إعجازهم في بعثكم وتعذيبكم {في الأرض} كيفما تقلبتم في ظاهرها وباطنها.
ولما كان الكلام هنا له أتم نظر إلى ما بعد البعث، وكانت الأحوال هناك خارجة عما يستقل به العقل، وكان أثر القدرة أتم وأكمل، وأهم وأشمل، وكان بعض الأرواح يكون في السماء بعد الموت قال: {ولا في السماء} أي لو فرض انكم وصلتم إليها بعد الموت بالحشر أو قبله، لأن الكل بعض ملكه، فكيف يعجزه من في ملكه، ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمرود في بنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام من قبلها ومن بعدها.
(14/418)

ولما اخبرهم أنهم مقدور عليهم، وكان ربما بقي احتمال أن غيرهم ينصرهم، صرح بنفيه فقال: {وما لكم} أي أجمعين أنتم وغيركم أيها المحشورون، وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله: {من دون الله} أي الذي هو أعظم من كل عظيم؛ وأكد النفي بإثبات الجار فقال: {من ولي} أي قريب يحميكم لأجل القرابة {ولا نصير*} لشيء غير ذلك لأنه لا كفوء له.
ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه أولئك يرجون رحمتي وأولئك لهم نعيم مقيم، وكان قد أمرهم بالاستدلال، وهددهم ليرجعوا عن الضلال، بما أبقى للرجال بعض المحال، أتبعه ما قطعه، فقال عاطفاً على ذلك المقدر: {والذين كفروا} أي ستروا ما أظهرته لهم أنوار العقول {بآيات الله} أي دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها {ولقائه} بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل على قدرته عليه بما لا أجلى منه {أولئك} أي البعداء البغضاء البعيدو الفهم المحطوطون عن رتبة الإنسان، بل رتبة مطلق الحيوان {يئسوا} أي تحقق يأسهم من الآن، بل من الأزل، لأنهم لم يرجوا
(14/419)

لقاء الله يوماً؛ ولا قال أحد منهم {رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين} .
ولما كان أكثرهم متعنتاً، بين أن المتكلم بهذا الكلام، العالي عن متناول الأنام، هو الله المنوه باسمه في هذا النظام، بالالتفات إلى أسلوب التلكم، تنبيهاً لمفات السامعين بما ملأ الصدور وقصم الظهور فقال: {من رحمتي} أي من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم؛ وكرر الإشارة تفخيماً للأمر فقال: {وأولئك} أي الذين ليس بعد بعدهم بعد، وتهكم بهم في التعبير بلام الملك التي يغلب استعمالهما في المحبوب فقال: {لهم عذاب أليم*} أي مؤلم بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة.
(14/420)

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)
ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما قبلها من كلام الخليل عليه الصلاة والسلام، وزاد هذا ما ترى من التهديد الشديد، شرع في إكمال قصته عليه الصلاة والسلام دالاً على أنه لا أحد يعجزه، ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم، مشيراً إلى أنهم سببوا عن قوله ضد ما يقتضيه إيذاناً بالعناد، والإصرار على سوء الاعتقاد، فقال: {فما كان جواب قومه} أي الذين يرجى قبولهم
(14/420)

لنصحه علماً منهم بوفور شفقته وعظم أمانته ونصيحته {إلا أن قالوا} بأعظم فظاظة {اقتلوه} أي بالسيف {أو حرقوه} أي بالنار.
ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني، ولم يكن له فيهم نصير، أشار إليه سبحانه بقوله ناسقاً له على ما تقديره: فأبى المعظم القتل لأنه عذاب مألوف لمن يستحقه من المجرمين، وهو قد عمل عملة مفردة في الدهر فالذي ينبغي أن يخص العذاب عليها بعذاب لم يعهد مثله وهو الإحراق على هيئة غريبة، فرجعوا عن القتل واستقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطباً إلى أن ملأ ما بين الجبال، وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال، وقذفوه فيها بالمنجنيق {فأنجاه الله} بما له من كمال العظمة إنجاء وحيّاً من غير احتياج إلى تدريج {من النار} أي من إحراقها وأذاها، ونفعته بأن أحرقت وثاقه.
ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات، وأمور معجزات، عظم أمرها سبحانه بقوله مؤكداً لمزيد التنويه بذكرها، وتنزيلاً في توقفهم عما دعت إليه الآيات الظاهرة من الإيمان منزلة المنكر لها: {إن في ذلك} أي ما ذكر من أمره وما خللت به قصته من الحكم {لآيات} أي براهين قاطعة في الدلالة على جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني، لكون النار لم تحرقه وأحرقت وثاقه وكل ما
(14/421)

مر عليها من طائر، ومع رؤيته ذلك لم يؤمنوا ولم يقدروا على ضرره بشيء غير ذلك.
ولما كان ما للشيء إنما هو في الحقيقة ما ينفعه، وكان قد حجبها سبحانه بالشهوات والحظوظ الشاغلة عن استعمال نور العقل، قال: {لقوم يؤمنون*} أي يقبلون على استعمال نور العقل الذي وهبهموه الله فيصدقون بالغيب حتى صار الإيمان -بكثرة ما صقلوا مرائي قلوبهم بالنظر في أسبابه - لهم خلقاً بحيث إنهم في كل لحظة يجددون الترقي في مراتبه، والتنقل في أخبيته ومضاربه.
ولما تقدم سلبه النفع عن هذه الأوثان، أشار هنا إلى نفع يعقب من الضر ما لا نسبة له منه، فليس حينئذ بنفع، فقال تعالى: {وقال} أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير هائب لتهديدهم بقتل ولا غيره، مؤكداً لأجل ما أشار إليه مما ينكرونه من ضعف شركائهم وعجزها: {إنما اتخذتم} أي أخذتم باصطناع وتكلف، وأشار لى عظمة الخالق وعلو شأنه بقوله: {من دون الله} أي الذي كل شيء تحت قهره، ولا كلفة - في اعتقاد كونه رباً - باحتياج إلى مقدمة جعل وصنعة ولا غير ذلك، وقال: {أوثاناً} إشارة إلى تكثرها الذي هو مناف
(14/422)

لرتبة الإلهية؛ وأشار إلى ذلك النفع بقوله: {مودة} أي لأجل مودة - عند من نصب سواء ترك التنوين وهم حمزة وخفص عن عاصم وروح عن يعقوب أو نوّن وهم الباقون {بينكم} من خفضه على الاتساع ورفع «مودة» وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب كان المعنى: هي مودة البين الجامع لكم بمعنى مودتكم على وجه أبلغ، لأن المودة إذا كانت لبين جامع الناس كانت لأولئك الناس بطريق الأولى، ومن خفضه ونصبها وهم حمزة وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب فالمعنى: لأجل المودة، ومن نصبها ونوّن وهم نافع وابن عامر وأبو جعفر وشعبة فالبين عنده ظرف {في الحياة الدنيا} بالاجتماع عندها والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب تصادقهم، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة، وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جداً، لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها التي زينت للناس، بما فيها من الإلباس، وعظيم البأس.
ولما أشار إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضر، ذكر ما يعقبه من الضر البالغ، فقال معبراً بأداة البعد إشارة إلى عظيم ذلك اليوم،
(14/423)

وإلى أنه جعل لهم في الحياة أمداً يمكنهم فيه السعي للتوقي من شر ذلك اليوم: {ثم يوم القيامة} ساقه مساق ما لا نزاع فيه لما قام عليه من الأدلة {يكفر بعضكم ببعض} فينكر كل منهم محاسن أخيه، ويتبرأ منه بلعن الأتباع القادة، ولعن القادة الأتباع، وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها لا ضر ولا نفع لها، وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها، وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم {ويلعن بعضكم بعضاً} على ما ذكر {ومأواكم} جميعاً أنتم والأوثان {النار} لتزيد في عذابكم ويزداد بغضكم لها {وما لكم} وأعرق في النفي فقال: {من ناصرين*} أصلاً يحمونكم منها، ويدخل في هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات، أو خوفاً من أن يصفوه بكثافة الطبع وسوء الصحبة، ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان ومصافاة الخلان، معرضين عن رضى الملك الديان.
ولما كان في سياق الابتلاء، وذكر من الأنبياء من طال ابتلاؤه،
(14/424)

بين أنه لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على نصرهم، وأن الله سبحانه تولى كفايتهم فلم يقدر واحد على إهلاكهم، وأهلك أعدائهم، فلم يكن لهم من ناصرين فقال: {فآمن له} أي لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات {لوط} أي ابن أخيه هاران وحده، وهو أول من صدقه من الرجال {وقال} أي إبراهيم عليهما الصلاة والسلام مؤكداً لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها: {إني مهاجر} أي خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر لهم فمنتقل ومنحاز {إلى ربي} أي إلى أرض ليس بها أنيس ولا عشير، ولا من ترجى نصرته، ولا من تنفع مودته، فحينئذ يتبين الرضى بالله وحده، والاعتماد عليه دون ما سواه، فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدسة، فكانت له هجرتان، وهو أول من هاجر في الله، قال مقاتل: وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة.
ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه وأولي قربه، فقال مؤكداً تسكيناً لمن عساه يتبعه وتهويناً عليه لفراق ما ألفت النفوس من أنه
(14/425)

لا عز إلا به من العشائر والأموال والمعارف: {إنه هو} أي وحده {العزيز} أي فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه {الحكيم*} فهو إذا أعز أحداً منعته حكمته من التعرض له بإذلال، بفعل أو مقال، كما صنع بي حين أراد إذلالي من كان جديراً بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى، وبالغ في أذاي ممن كان حقيقاً بنفعي من ذوي رحمي وحبي.
ولما كان التقدير: فأعززناه كما ظن بنا إعزازاً أحكمناه حتى استمر في عقبه إلى القيامة، عطف عليه قوله: {ووهبنا له} أي بجليل قدرتنا شكراً على هجرته {إسحاق} من زوجته سارة عليها السلام التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس بكبرها، وعطفه لهبته له بالواو دليل على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الصافات من أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام لتعقيبه للهبة هناك على الهجرة بالفاء {ويعقوب} من ولده إسحاق عليهما الصلاة والسلام.
ولما كان السياق في هذه السورة للامتحان، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد ابتلي في إسماعيل عليه الصلاة والسلام بفراقه مع أمه رضي الله عنهما ووضعهما في قضيعة من الأرض لا أنيس بها، لم يذكره تصريحاً في سياق الامتنان، وأفرد إسحاق عليه الصلاة والسلام لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك، ولأن المنة به - لكون أمه عجوزاً وعقيماً - أكبر وأعظم لأنها أعجب، وذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام
(14/426)

تلويحاً في قوله: {وجعلنا} أي بعزتنا وحكمتنا {في ذريته} من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام {النبوة} فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه، ومتى صحت هذه المناسبة لزم قطعاً أن يكون الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإنه أعرى ذكر هذه السورة منه، ويكون كأنه قيل: إنا بشرناه بما يسرّ به من إسحاق بعد أن أمرناه بما يضر من إسماعيل عليهما السلام فصبر في محنة الضراء، وشكر في محنة السراء {والكتاب} فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، وأفرد ليدل - مع تناوله بالجنسية الكتب الأربعة - على أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل فيها، أو كان راجعاً إليه، ولو جمع لم يفد هذا المعنى {وآتيناه أجره} على هجرته {في الدنيا} بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق، ورغد العيش، وكثرة الخدم، والولد في الشيخوخة، وكثرة النسل، والثناء الحسن، والمحبة من جميع الخلق، وغير ذلك.
ولما كان الكافر يعتقد - لإنكاره البعث - أنه نكد حياته بالهجرة نكداً لا تدارك له، اقتضى الحال التأكيد في قوله: {وإنه في الآخرة} أي التي هي الدار وموضع الاستقرار {لمن الصالحين*} الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة.
(14/427)

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32)
ولما كان - كما مضى - السياق للابتلاء، خص بالبسط في القص
(14/427)

من لم يكن له ناصر من قومه، أو كان غريباً منها، ولذلك أتبع الخليل عليه الصلاة والسلام ابن أخيه الذي أرسله الله إلى أهل سدوم: ناس لا قرابة له فيهم ولا عشيرة، فقال: {ولوطاً} أي أرسلناه، وأشار إلى إسراعه في الامتثال بقوله: {إذ} أي وأرسلناه حين {قال لقومه} أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه، حين فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، منكراً ما رأى من حالهم، وقبيح فعالهم، مؤكداً له إشارة إلى أنه - مع كونه يرونه من أعرف المعارف - جدير بأن ينكر: {إنكم لتأتون الفاحشة} أي المجاوزة للحد في القبح، فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها. ثم علل كونها فاحشة استئنافاً بقوله: {ما سبقكم} أو هي حال مبينة لعظيم جرأتهم على المنكر، أي غير مسبوقين {بها} وأعرق في النفي بقوله: {من أحد} وزاد بقوله: {من العالمين*} أي كلهم فضلاً عن خصوص الناس؛ ثم كرر الإنكار تأكيداً لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال: {أئنكم لتأتون الرجال} إتيان الشهوة، وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر، بياناً لاستحقاق الذم من وجوه، فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في الرجوع عنه مع
(14/428)

ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، فقال {وتقطعون السبيل*} أي بأذى الجلابين والمارة.
ولما خص هذين الفسادين، عم دالاً على المجاهرة فقال: {وتأتون في ناديكم} أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس المؤانسة، وهو ناد ما دام القوم فيه، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك {المنكر} أي هذا الجنس، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول، ولا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى، من غير أن يستحي بعضكم من بعض؛ ودل على عنادهم بقوله مسبباً عن هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح: {فما كان جواب قومه} أي الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم، ويتقي أذاهم وضرهم، لما أنكر عليهم ما أنكر {إلا أن قالوا} عناداً وجهلاً واستهزاء: {ائتنا بعذاب الله} وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة. ولما كان الإنكار ملزوماً للوعيد بأمر ضار قالوا: {إن كنت} أي كوناً متمكناً {من الصادقين*} أي في وعيدك وإرسالك، إلهاباً وتهييجاً.
ولما كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ قيل: {قال} أي لوط عليه الصلاة والسلام معرضاً عنهم، مقبلاً بكليته على المحسن إليه: {رب}
(14/429)

أي أيها المحسن إليّ {انصرني على القوم} أي الذين فيهم من القوة ما لا طاقة لي بهم معه {المفسدين*} بإتيان ما تعلم من القبائح.
ولما كان التقدير: فاستجبنا له فأرسلنا رسلنا بشرى لعمه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام، تحقيقاً لانتقامنا من المجرمين، وإنعامنا على الصالحين، ولابتلائنا لمن نريد من عبادنا حيث جعلنا النذارة مقارنة للبشارة، عطف عليه قوله: {ولما جاءت} وأسقط «أن» لأنه لم يتصل المقول بأول المجيء بل كان قبله السلام والإضافة؛ وعظم الرسل بقولهك {رسلنا} أي من الملائكة تعظيماً لهم في أنفسهم ولما جاؤوا به {إبراهيم بالبشرى} أي بإسحاق ولداً له، ويعقوب ولداً لإسحاق عليهما الصلاة والسلام.
ولما كان المقام للابتلاء والامتحان، أجمل البشرى، وفصل النذري، فقال: {قالوا} أي الرسل عليهم الصلاة والسلام لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم، جواباً لسؤاله عن خطبهم، تحقيقاً لأن أهل السيئات مأخوذون، وأكدوا لعلمهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام يود أن يهديهم الله على يد ابن أخيه ولا يهلكهم، فقالوا: {إنا مهلكو} وأضافوا تحقيقاً لأن الأمر قد حق وفرغ منه فقالوا: {أهل هذه القرية} ثم عللوا ذلك بقولهم: {إن أهلها} مظهرين غير مضمرين إفهاماً لأن المراد أهلها الأضلاء في ذلك، إخراجاً للوط عليه السلام: {كانوا ظالمين*} أي عريقين في هذا الوصف، فلا حيلة في رجوعهم عنه.
ولما كان السامع بحيث يتشوف إلى معرفة ما كان بعد ذلك، كان كأنه قيل: لم يقنع الخليل عليه السلام لخطر المقام بهذا التلويح، بل {قال} مؤكداً تنبيهاً على جلالة ابن أخيه، وإعلاماً بشدة اهتمامه به، وأنه ليس ممن يستحق الهلاك، ليعلم ما يقولون في حقه، لأن الحال جد، فهو جدير بالاختصار: {إن} وأفهم بقوله: {فيها لوطاً} دون، منهم، أنه نزيل تدرجاً إلى التصريح بالسؤال فيه، وسؤالاً في الدفع عنهم بكونه فيهم، لأنه بعيد عما عللوا به الإهلاك من الظلم، {قالوا} أي الرسل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: {نحن أعلم} أي منك {بمن فيها} أي من لوط وغيره.
ولما كان كلامهم محتملاً للأنجاء والإرداء، صرحوا بقولهم على سبيل التأكيد، لأن إنجاءه من بينهم جدير بالاستبعاد: {لننجينه} أي إنجاءاً عظيماً {وأهله} ولما أفهم هذا امرأته استثنوها ليكون ذلك أنص على إنجاء غيرها من جميع أهله فقالوا: {إلا امرأته} فكأنه قيل: فما حالها؟ فقيل: {كانت} أي جبلة وطبعاً {من الغابرين*} أي الباقين في الأرض المدمرة والجماعة الفجرة، ليعم وجهها معهم الغبرة.
(14/429)

وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)
ولما لم يبق بعد هذا إلا خبر الرسل مع لوط عليه الصلاة والسلام، قال عاطفاً على ما تقديره: ثم فارقوه ومضوا إلى المدينة التي فيها لوط عليه السلام، مفهماً بالعدول عن الفاء إلى الواو أن بين المكانين بعداً: {ولما} وأثبت ما صورته صورة الحرف المصدري لما اقتضاه مقصود السورة، وأكثر سياقاتها بين التسليك في مقام الامتحان والاجتهاد في النهي عن المنكر، ولذا ذكر هنا في قصة إبراهيم عليه السلام القتل والإحراق، وأتبعت بشراء بإهلاك القرية الظالمة، فقال: {أن جاءت رسلنا} أي المعظمون بنا {لوطاً} بيانا لأنه {سيء} أي حصلت له المساءة {بهم} أول أوقات مجيئهم إليه وحين قدومهم عليه، فاجأته المساءة من غير ريب لما رأى من حسن أشكالهم، وخاف من تعرض قومه لهم، وهو يظن أنهم من الناس، وذلك أن أن في مثل هذا صلة وإن كان أصلها المصدر لتؤكد وجود الفعلين مرتباً وجود أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما
(14/432)

فإنها وجدا في جزء واحد من الزمان، قال ابن هشام في المغني ما معناه أن علة ذلك أن الزائد يؤكد معنى ما جيء به لتأكيده، ولما تقيد وقوع الفعل الثاني عقيب الأول وترتبه عليه فالحرف الزائد يؤكد ذلك. {وضاق بهم} أي بأعمال الحيلة في الدفع عنهم {ذرعاً} أي ذرعة طاقتهم كما بين وأشبع القول فيه في سورة هود عليه السلام، والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها، فضرب مثلاً في العجز والقدرة، وذلك أنهم أتوه في صورة مردان ملاح جداً، وقد علم أمر أهل القرية في مثل ذلك ولم يعلم أنهم رسل الله.
ولما كان التقدير: فقالوا له: يا لوط! إنا رسل ربك، فخفض عليك من هذا الضيق الذي نراه بك فإنا ما أرسلنا إلا لإهلاكهم، عطف عليه قوله: {وقالوا} أي لما رأوا ما لقي في أمرهم: {لا تخف} أي من أن يصلوا إلينا أو من أن تهلك أنت أو أحد من أهل طاعتك ولا تحزن أي على أحد ممن نهلكه فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليهم بسببه؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين في التأكيد للإغناء به عن جمل طوال، إشارة إلى أن الوقت أرق فهو لا يحتمل التطويل: {إنا منجوك} أي مبالغون في إنجائك {وأهلك} أي ومهلكوا أهل هذه القرية، فلا يقع ضميرك أنهم يصلون
(14/433)

إلينا، وقالوا: {إلا امرأتك} تنصيصاً على كل فرد منهم سواها؛ ثم دلوا على هلاكها بقولهم جواباً لمن كأنه قال: ما لها؟ فقيل: {كانت من الغابرين*} أي كأن هذا الحكم في أصل خلقتها.
ولما أفهمت العبارة كما مضى إهلاكهم، صرحوا به فقالوا معينين لنوعه، معللين لما أخبروه به، مؤكدين إعلاماً بأن الأمر قد فرغ منه قطعاً لأن يشفع فيهم، جرياً على عادة الأنبياء في الشفقة على أممهم: {إنا منزلون} أي لا محالة {على أهل هذه القرية رجزاً} أي عذاباً يكون فيه اضطراب شديد يضطرب منه من أصابه كائناً من كان {من السماء} فهو عظيم وقعه، شديد صدعه {بما كانوا} أي كوناً راسخاً {يفسقون*} أي يخرجون في كل وقت من دائرة العقل والحياء.
ولما كان التقدير: ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم، فتركناها، كأن لم يسكن بها أحد قط، عطف عليه قوله مؤكداً إشارة إلى فضيلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم، وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع
(14/434)

الإنخلاع من الهوى: {ولقد تركنا} بما لنا من العظمة {منها} أي من تلك القرية {آية} علامة على قدرتنا على كل ما نريد {بينة} وهو الماء الأسود المنتن الذي غمر قراهم كلها بعد الخسف بها وهو مباين لجميع مياه الأرض لكونه ماء السخط لمن باينوا بفعلهم الخلق مع اشتهار كونه على الخسف.
ولما كان سبحانه قد حجب عن الأبصار كثيراً من الناس قال: {لقوم يعقلون*} فعد من لم يستبصر به عير عاقل ولا شاعر بأنها آية ولا فيه أهلية القيام بما يريد.
ولما كان السياق لإثبات يوم الدين وإهلاك المفسدين، ولمن طال ابتلاؤه من الصالحين ولم يجد له ناصراً من قومه، إما لغربته عنهم، وإما لقلة عشيرته لتسميتهم وعدم أتباعه، وكان شعيب عليه السلام ممن استضعفه قومه واستقلوا عشيرته لتسميتهم لهم رهطاً، والرهط ما دون العشرة أو من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، فكان عليه السلام كذلك في هذا العداد، عقب قصة لوط بقصته عليه الصلاة والسلام فقال: {وإلى} أي ولقد أرسلنا إلى
(14/435)

{مدين أخاهم} أي من النسب والبلد {شعيباً} .
ولما كان مقصود السورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فترة، عبر بالفاء فقال: {فقال} أي فتسبب عن إرساله وتعقبه أن قال: {يا قوم اعبدوا الله} أي الملك الأعلى وحده، ولا تشركوا به شيئاً، فإن العبادة التي فيها شرك عدم، لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصاً.
ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: {وارجوا اليوم الآخر} أي حسن الجزاء فيه لتفعلوا ما يليق بذلك {ولا تعثوا في الأرض} حال كونكم {مفسدين*} أي متعمدين الفساد.
ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم فتسبب عنه وتعقبه إهلاكهم، تحقيقاً لأن أهل السيئات لا يسبقون قال: {فكذبوه فأخذتهم} أي لذلك أخذ قهر وغلبة {الرجفة} أي الصيحة التي زلزلت بهم فأهلكتهم {فأصبحوا في دارهم} أي محالهم التي كانت دائرة بهم وكانوا يدورون فيها {جاثمين*} أي واقعين على صدورهم، لازمين مكاناً واحداً، لا يقدرون على حركة أصلاً، لأنه لا أرواح لهم.
ولما كان من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضاً في الخير والشر على نسق، والجري بهم في إهلاك المكذبين
(14/436)

وإنجاء المصدقين طبقاً عن طبق، وكان إهلاك عاد وثمود - لما اشتهروا به من قوة الأبدان، ومتانة الأركان - في غاية الغرابة، وكان معنى ختام قصة مدين: فأهلكناهم، عطف عليه على ذلك المعنى قوله: {وعاداً} أي وأهلكنا أيضاً عاداً {وثموداْ} مع ما كانوا فيه من العتو، والتكبر والعلو {وقد تبين لكم} أي ظهر بنفسه غاية الظهور أيها العرب أمرهم {من مساكنهم} أي ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدة الأجسام، وسعة الأحلام، وعلو الاهتمام، وثقوب الأذهان، وعظيم الشأن، عند مروركم بتلك المساكن، ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام، فصرفوا أفكارهم في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا، فأملوا بعيداً، وبنوا شديداً، ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً من أمر الله {وزين لهم} في غاية التزيين {الشيطان} أي بعيد من الرحمة، المحترق باللعنة، بقوة احتياله، ومحبوب ضلاله ومحاله {أعمالهم} أي الفاسدة، فأقبلوا بكليتهم عليها مع العدو المبين، وأعرضوا عن الهداة الناصحين.
ولما تسبب عن هذا التزيين منعهم لعماهم عن الصراط المستقيم قال: {فصدهم عن السبيل} أي منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو، لكونه يوصل إلى النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك،
(14/437)

فهو عدم بل العدم خير منه. ولما كان ذلك ربما ظن أنه لفرط غباوتهم قال: {وكانوا} أي فعل بهم الشيطان ما فعل من الإغواء والحال أنهم كانوا كوناً هم فيه في غاية التمكن {مستبصرين*} أي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء جداً لما فاقوهم به مما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا، ولم يسبقونا، بل أوقعناهم بعملهم السيئات فيما أردنا من أنواع الهلكات، فاحذروا مثل مصارعهم فإنكم لا تشابهونهم في القوة، ولا تقاربونهم في العقول.
(14/438)

وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
ولما كان لفرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى، لما أتوا من القوة بالأموال والرجال قال: {وقارون} أي أهلكناه وقومه لأن وقوعه في أسباب الهلاك أعجب، لكونه من بني إسرائيل، ولأنه ابتلى بالمال والعلم، فكان ذلك سبب إعجابه، فتكبر على موسى وهاورن عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه {وفرعون وهامان} وزيره الذي أوقد له على الطين، فلا هو نجا ولا كان رأساً في الكفر، بل باع سعادته بكونه ذنباً لغيره.
ولما كان هلاكهم مع رؤية الآيات أعجب، فكان جديراً بالإنكار، إشارة إلى أن رؤية الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال:
(14/438)

{ولقد جاءهم موسى بالبينات} أي التي لم تدع لبساً فتسببوا عما يقتضيه من الاستبصار الاستكبار {فاستكبروا} أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك {في الأرض} بعد مجيء موسى عليه الصلاة والسلام إليهم أكثر مما كانوا قبله.
ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوماً ممن يجهل ذلك قال: {وما كانوا} أي الذين ذكروا هذا كلهم، كوناً ما {سابقين*} أي فائتين ما نريدهم، بأن يخرجوا من قبضتنا، بل هم في القبضة كما ذكرنا أول السورة وهم عالمون بذلك {فكلاً} أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلاًّ منهم {أخذنا} أي بما لنا من العظمة {بذنبه} أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا {فمنهم من أرسلنا عليه} إرسال عذاب يا له من عذاب! {حاصباً} أي ريحاً ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط {ومنهم من أخذته} أخذ هلاك وغضب وعذاب، وعدل عن أسلوب العظمة لئلا يوهم الإسناد في هذه إليه صوتاً ليوقع في مصيبة التشبيه {الصيحة} التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة
(14/439)

لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود {ومنهم من} وأعاد أسلوب العظمة الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في الصيحة وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال: {خسفنا به الأرض} بأن غيبناه فيها كقارون وجماعته {ومنهم من أغرقنا} بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وجنوده، وعذاب قوم لوط صالحٌ للعد في الإغراق والعد في الخسف، فتارة نهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط، أو من الأرض كعاد، وأخرى بريح تقرع بالصرخة الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع، ومرة نبيد بالغمس في الكثيف وكرة بالغمر في اللطيف - فلله درّ الناظرين في هذه الأوامر النافذة، والمتفكرين في هذه الأقضية الماضية، ليعلموا حقيقة قوله {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} - الآية.
ولما كان ذلك ربما جر لأهل التعنت شيئاً مما اعتادوه في عنادهم قال: {وما كان الله} أي الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا هو وله {ليظلمهم} أي مريداً ليعاملهم معاملة الظالم الذي يعاقب من لا جرم له، أو من أجرم ولم يتقدم إليه بالنهي عن إجرامه ليكف
(14/440)

فيسلم، أو يتمادى فيهلك لأنه لا نفع يصل إليه سبحانه من إهلاكهم، ولا ضرر يلحقه عز شأنه من إبقائهم {ولكن كانوا} أي هم لا غيرهم {أنفسهم} لا غيرها {يظلمون*} بارتكابهم ما أخبرناهم غير مرة أنه يغضبنا وأنا نأخذ من يفعله، فلم يقبلوا النصح مع عجزهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم، وأما ما عبدوه ورجوا نصره لهم وأملوه فأضعف منهم، ولكون شيء منه لم يغن عن أحد منم شيئاً فلم تختل سنة الله في أوليائه وأعدائه في قرن من القرون ولا عصر من العصور، بل جرت على أقوم نظام، واتقن إحكام، وصل بذلك قوله تعالى على وجه الاستنساج: {مثل الذين} .
ولما كان دعاء غير الله مخالفاً لقويم العقل، وصريح النقل، وسليم الفطرة وصحيح الفكرة فكان ذلك يحتاج إلى تدرب إلى الجلافة، وتطبع في الكثافة، قال: {اتخذوا} أي تكلفوا أن أخذوا.
ولما كانت الرتب تحت رتبته سبحانه لا تحصى، وكل الرتب دون رتبته، قال منبهاً على ذلك بالجار: {من دون الله} أي الذي لا كفوء له، فرضوا بالدون، عوضاً عمن لا تكفيه الأوهام والظنون {أولياء}
(14/441)

ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها، في الضعف والوهي {كمثل العنكبوت} الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال؛ ثم استأنف ذكر وجه الشبه وعبر عنها بالتأنيث وإن كانت تقال بالتذكير تعظيماً لضعفها، لأن المقام لضعف ما تبنيه فقال: {اتخذت بيتاً} أي تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى، ويحميها البلا، كما تكلف هؤلاء اصطناع أربابهم لينفعوهم، ويحفظوهم بزعمهم ويرفعوهم، فكان ذلك البيت مع تكلفها في أمره، وتعبها الشديد في شأنه، في غاية الوهن.
ولما كان حالها في صنعها حال من ينكر وهنه، قال مؤكداً: {وإن} وواوه للحال من ضمير - {اتخذت} أي والحال أنه أوهن - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتعميم فقال: {أوهن البيوت} أي أضعفها {لبيت العنكبوت} التي عانت في حوكه ما عانت وقاست في نسجه ما قاست، لأنه لا يكنّ من حر، ولا يصون من برد، ولا يحصن عن طالب، كذلك ما اتخذ هؤلاء من هذه الأوثان، وهذا الدين الذي لا أصل له فهو أوهن
(14/442)

الأديان وأهونها {لو كانوا يعلمون*} أي لو كان لهم نوع ما من العلم لانتفعوا به فعلموا أن هذا مثلهم، فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثله.
(14/443)

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)
ولما انتفى نفعهم بعلمهم، صح نفيه، فكانوا وإياها على حد سواء، ليس لفريق منهما شيء مما نوى، فيا لها من صفقة خاسرة، وتجارة كاسدة بائرة. ولما كان ضرب المثل للشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء، وكان النصير على شيء لا يمكن أن يتوجه إلى معارضته إلا أن يعلمه ويعلم مقدار قدرته، وعدة جنوده، وصل بذلك أن هذا شأنه سبحانه وأن شركاءهم في غاية البعد عن ذلك، فكيف يعلقون بنصرهم آمالهم، وزاد ذلك ذاك حسناً تعقيبه لنفي العلم عنهم، فقال إشارة إلى جهلهم في إنكارهم أن يقدر أحد على إهلاك آلهتهم التي هي أو هي الأشياء: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يعلم} بما له من تلك الصفات {ما} أي الذي {يدعون} أي الذين ضرب لهم المثل، أو أنتم - في قراءة الفوقانية التفاتاً إلى أسلوب الخطاب إيذاناً بالغضب {من دونه} إشارة إلى سفول رتبتهم، وأكد العموم بقوله: {من شيء} أي سواء كان نجماً أو صنماً أو ملكاً أو جنيناً أو غيره، وهم لا يعلمونه ولا يعلمون شيئاً مما يتوصلون إليه، فكيف يشفعون عنده أو ينصرون
(14/443)

منه، وإليه الإشارة بقوله: {وهو العزيز} أي عن أن يعلمه شركاؤهم أو يحيط به أحداً علماً، أو يمتنع عليه شيء يريده؛ وجوزوا أن تكون ما نفية، أي شيء يعتد به. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلاً قال: {الحكيم*} أي البالغ العلم، الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه، فأبطن نفسه بكبريائه وجلاله حتى لا باطن سواه، وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى لا ظاهر في الحقيقة غيره، وهو يغلب من شاء بعزته، ويمهله إن شاء بحكمته، فلا يغتر أحد بإمهاله فيظن أنه لإهماله.
ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف صحته عليه، كان كأنه قيل على وجه التعظيم لهذا المثل: هذا مثلهم فعطف عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيماً لها وتنبيهاً على جليل قدرها وعليّ شأنها: {وتلك الأمثال} أي العالية عن أن تنال بنوع احتيال؛ ثم استأنف قوله: {نضربها} بما لنا من العظمة، بياناً {للناس} تصويراً للمعاني المعقولات بصور المحسوسات، لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حال التشبيهات كلها في طرق للأفهام إلى المعاني المحتجبة في الأستار، تبرزها وتكشف عنها وتصورها.
(14/444)

ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال مذكوراً به الذباب والبعوض ونحوهما قال مجملاً لهم: {وما يعقلها} أي حق عقلها فينتفع بها {إلا العالمون*} أي الذين هيئوا للعلم وجعل طبعاً بما بث في قلوبهم من أنواره، وأشرق في صدورهم من أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها؛ روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» قال البغوي: والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول.
ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه، ولا ناصر لمن أخذ، وصحح ذلك بالمشاهدة في القرون البائدة، وقربه إلى الأذهان بالمثل المستولي على غاية البيان، وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه، دل على ذلك كله بقوله مظهراً لقوته وسائر صفات كماله، بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف {خلق الله} أي الذي لا يداني في عظمة ولا جلال، ولا جمال ولا كمال {السماوات والأرض بالحق} أي الأمر الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إظهار أن الواقع يطابق إخباره، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، فلا تجد أحداً يفهم عنه
(14/445)

حق الفهم مع تساويهم في الإنسانية إلا وهو من أهل السكينة، والإخبات والطمأنينة، ولا يعجزه أحد يريد أخذه، ولا يفلح أحد عصى أنبياءه، فبانت عزته، وظهرت حكمته، فطابق الواقع ما أخبر به، وأيضاً فالأمثال إنما تكون بالمحسوسات، وهي إما سماوية أو أرضية، فإيجاد هذه الموجودات إنما هو لأجل العلم بالله تعالى.
ولما كان المراد بالعالم قد يخفي، بينه بقوله مشيراً بالتأكيد إلى أن حالهم في عدم الانتفاع بالنظر فيها حال من ينكر أن يكون فيها دلالة: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من تأملهم لمطابقة الواقع لإخباره سبحانه، فلا يخبر بشيء إلا كان الواقع منهما أو مما فيهما يطابقه سواء بسواء {لآية} أي دلالة مسعدة {للمؤمنين*} أي الذين هم العالمون في الحقيقة، حداهم علمهم بما في الكونين من المنافع المترتبة على النظام المعروف مع ما في خلقهما أنفسهما مع كبر الأجرام وبديع الإحكام، على الإيمان بجميع ما أخبر به حتى لم يكن عندهم نوع شك، وصار لهم صفة لا تنفك.
ولما أفاد هذا الخبر كله القرآن الذي لا حق أحقّ منه، ودل على أن فهم أمثاله يحتاج إلى مزيد علم، وأن مفتاح العلم به سبحانه رسوخ الإيمان، خاطب رأس أهل الإيمان لأنه أعظم الفاهمين له ليقتدي به الأتباع فقال:
(14/446)

{اتل ما} أي تابع قراءته؛ ودل على شرفه لا ختصاصه به بقوله: {أوحي إليك} إذ الوحي الإلقاء سراً {من الكتاب} أي الجامع لكل خير، فإنه المفيد للإيمان، مع أنه أحق الحق الذي خلقت السماوات والأرض لأجله، والإكثار في تلاوته يزيد بصيرة في أمره، ويفتح كنوز الدقائق من علمه، وهو أكرم من أن ينيل قارئه فائده وأجلّ من أن يعطي قياد فوائده ويرفع الحجاب عن جواهره وفرائده في أول مرة، بل كلما ردده القارىء بالتدبر حباه بكنز من أسراره، ومهما زاد زاده من لوامع أنواره، إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد، وغرائبه لا تحد.
ولما أرشد إلى مفتاح العلم، دل قانون العمل الذي لايصح إلا بالقرآن، وهو ما يجمع الهم، فيحضر القلب، فينشرح الصدر، فينبعث الفكر في رياض علومه، فقال: {وأقم الصلاة} أي التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله دالاً بالتأكيد على فخامة أمرها، وأنه مما يخفى على غالب الناس: {إن الصلاة تنهى} أي توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها {عن الفحشاء} أي الخصال ألتي بلغ قبحها {والمنكر} أي الذي فيه نوع قبح وإن دق، وأقل ما فيها من النهي النهي عن تركها الذي هو كفر، ومن انتهى
(14/447)

عن ذلك انشرح صدره، واتسع فكره، فعلم من أسرار القرآن ما لا يعلمه غير {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] .
ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله، أتبع ذلك الحث على روح الصلاة والمقصد الأعظم منها، وهو المراقبة لمن يصلي له حتى كأنه يراه ليكون بذلك في أعظم الذكر بقوله: {ولذكر الله} أي ولأن ذكر المستحق لكل صفة كمال {أكبر} أي من كل شيء، فمن استحضر ذلك بقلبه هان عنده كل شيء سواه «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» أو يكون المراد أن من واظب على الصلاة ذكر الله، ومن ذكره أوشك أن يرق قلبه، ومن رق قلبه استنار لبه، فأوشك أن ينهاه هذا الذكر المثمر لهذه الثمرة عن المعصية، فكان ذكر الذاكر له سبحانه أكبر نهياً له عن المنكر من نهي الصلاة له، وكان ذكره له سبحانه كبيراً، كما قال تعالى {فاذكروني أذكركم} وإذا كان هذا شأن ذكر العبد لمولاه، فما ظنك بذكر مولاه له كلما أقبل عليه بصلاة فإنه جدير بأن يرفعه إلى حد لا يوصف، ويلبسه من أنواره ملابس لا تحصر.
(14/448)

ولما كان ذلك يحتاج إلى علاج لمعوج الطباع ومنحرف المزاج، وتمرن على شاق الكلف، ورياضة لجماح النفوس، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نزه عن ذلك كله بما جبل عليه من أصل الفطرة، ثم بما غسل به قلبه من ماء الحكمة، وغير ذلك من جليل النعمة، عدل إلى خطاب الأتباع يحثهم على المجاهدة فقال: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {يعلم} أي في كل وقت {ما تصنعون*} من الخير والشر، معبراً بلفظ الصنعة الدال على ملازمة العمل تنبيهاً على أن إقامة ما ذكر تحتاج إلى تمرن عليه وتدرب، حتى يصير طبعاً صحيحاً، ومقصوداً صريحاً.
ولما انتهى الكلام إلى روح الدين وسر اليقين مما لا يعلمه حق علمه إلا العلماء بالكتب السماوية والأخبار الإلهية، وكان العالم يقدر على إيراد الشكوك وترويج الشبه، فربما أضل بالشبهة الواحدة النيام من الناس، بما له عندهم من القبول، وبما للنفوس من النزوع إلى الأباطيل، وبما للشيطان في ذلك من التزيين، وكان الجدال يورث الإحن، ويفتح أبواب المحن، فيحمل على الضلال، قال تعالى عاطفاً على {اتل} مخاطباً لمن ختم الآية بخطابهم تنزيهاً لمقامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المواجهة بمثل ذلك تنبيهاً على أنه لا يصوب همته الشريفة إلى مثل ذلك، لأنه ليس
(14/449)

في طبعه المجادلة، والمماراة والمغالبة: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} أي اليهود والنصارى ظناً منكم أن الجدال ينفع الدين، أو يزيد في اليقين، أو يرد أحداً عن ضلال مبين {إلا بالتي} أي بالمجادلة التي {هي أحسن} أي بتلاوة الوحي الذي أمرنا راس العابدين بإدامة تلاوته فقط، وهذا كما تقدم عند قوله تعالى في سبحان
{وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء: 53] .
ولما كان كل من جادل منهم في القرآن ظالماً، كان من الواضح أن المراد بمن استثنى في قوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} أي تجاوزوا في الظلم بنفي صحة القرآن وإنكار إعجازه مثلاً وأن يكون على أساليب الكتب المتقدمة، أو مصدقاً لشيء منها، أو بقولهم {ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ونحو هذا من افترائهم، فإن هؤلاء يباح جدالهم ولو أدى إلى جلادهم بالسيف، فإن الدين يعلو ولا يعلى عليه.
ولما نهى عن موجب الخلاف، أمر بالاستعطاف، فقال: {وقولوا آمنا} أي أوقعنا الإيمان {بالذي أنزل إلينا} أي من هذا الكتاب المعجز {وأنزل إليكم} من كتبكم، يعني في أن أصله حق وإن كان قد نسخ منه ما نسخ، وما حدثوكم به من شيء ليس عندكم
(14/450)

ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإن هذا أدعى إلى الإنصاف، وأنفى للخلاف.
ولما لم يكن هذا جامعاً للفريقين، أتبعه بما يجمعهما فقال: {وإلهنا وإلهكم} ولما كان من المعلوم قطعاً أن المراد به الله، لأن المسلمين لا يعبدون غيره، وكان جميع الفرق مقرين بالإلهية ولو بنوع إقرار لم تدع حاجة إلى أن يقول {إله} كما في بقية الآيات فقال: {واحد} إلى لا إله لنا غيره وإن ادعى بعضكم عزيراً والمسيح {ونحن له} خاصة {مسلمون*} أي خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة، ولا نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفاً لكتابه وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنكون حينئذ قد خضعنا لهم وتكبرنا عليه فأوقعنا الإسلام في غير موضعه ظلماً.
(14/451)

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)
ولما كان التقدير تعليلاً للأمر بهذا القول: إنا أنزلنا كتبهم إلى رسلهم، عطف عليه قوله مخاطباً للرأس تخصيصاً له لئلا يتطرق لمتعنت طعن
(14/451)

عموم أو اتهام في المنزل عليه: {وكذلك} أي ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم {أنزلنا إليك الكتاب} أي هذا القرآن الذي هو الكتاب في الحقيقة، لا كتاب غيره في علو كماله، في نظمه ومقاله، مصدقاً لما بين يديه: {فالذين} أي فتسبب عن إنزالنا له على هذا المنهاج أن الذين {آتيناهم} أي إيتاءاً يليق بعظمتنا، فصاروا يعرفون الحق من الباطل {الكتاب} أي من قبل {يؤمنون به} أي بهذا الكتاب حقيقة كعبد الله بن سلام ومخيريق رضي الله عنهما، أو مجازاً بالمعرفة به مع الكفر كحيي بن أخطب وخلق كثير منهم {ومن هؤلاء} أي العرب {من يؤمن به} أس كذلك في الحقيقة والمجاز في المعرفة بالباطن بأنه حق لما أقامه من البرهان على ذلك بعجزهم عن معارضته مع الكفر به، وأدل دليل على ما أردته من الحقيقة والمجاز قوله: {وما يجحد} أي ينكر من الفريقين بعد المعرفة، قال البغوي: قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة. {بآياتنا} التي حازت أقصى غايات العظمة حتى استحقت الإضافة إلينا {إلا الكافرون*} أي العريقون في ستر المعارف بعد ظهورها طمعاً في إطفاء نورها.
(14/452)

ولما أشار إلى أن المنكر لأصل الوحي متوغل في الكفر، دل على ذلك بحال المنزل إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال مسلياً له: {وما} أي أنزلناه إليك والحال أنك ما {كنت تتلوا} أي تقرأ مواصلاً مواظباً في وقت ما.
ولما كان المراد نفي التلاوة عن كثير الزمن الماضي وقليله، أدخل الجار فقال {من قبله} أي هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك؛ وأكد استغراق الكتب فقال: {من كتاب} أصلاً {ولا تخطه} أي تجدد وتلازم خطه؛ وصور الخط وأكده بقوله: {بيمينك} أي التي هي أقوى الجارحتين، وعبر بذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة لمثل ذلك مواظبة قوية ينشأ عنها ملكة، فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل، ولذلك قال: {إذاً} أي إذ لو كان شيء من هذه المواظبة في التلاوة أو الخط التي يحصل بها الدربة المورثة للملكة {لارتاب} أي لساغ أن تكلف أنفسهم لدخول في الريب أي الشك {المبطلون*} أي هؤلاء الذين ينكرون الوحي إليك من أهل الكتاب ومن العرب، ويقولون: هو سجع وكهانة وشعر وأساطير الأولين، العريقون في وصف الإبطال، أي الدخول
(14/453)

في الباطل، فكانوا يجدون مطعناً، فتقول العرب: لعله أخذه من كتب الأقدمين، ويقول الكتابيون: المبشر به عندنا أمي. ولكنه لم يكن شيء من قراءة ولا خط كما هو معروف من حالك فضلاً عن المواظبة لشيء منهما، فلا ريبة في صدقك في نسبته إلى الله تعالى، وإذا انتفت الريبة من أصلها صح نفي ما عندهم منها، لأنه لما لم يكن لهم في الواقع شبهة، عدت ريبتهم عدماً، وسموا مبطلين على تقدير هذه الشبهة، لقيام بقية المعجزات القاطعة بالرسالة، القاضية بالصدق، كما قضت بصدق أنبيائهم مع أنهم يكتبون ويقرؤون، وكتبهم لم تنزل للإعجاز، فصح أنهم يلزمهم الاتصاف بالإبطال بالارتياب على كل تقدير من تقديري الكتابة والقرءة وعدمهما، لأن العمدة على المعجزات.
ولما كان التقدير: ولكنهم لا ريبة لهم أصلاً ولا شبهة، لقولهم: إنه باطل، قال: {بل هو} أي القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل تقدير {آيات} أي دلالات {بينات} أي واضحات جداً في الدلالة على صدقك {في صدور الذين} ولما كان المقصود المبالغة في تعظيم العلم، بني للمفعول، أظهر ما كان أصله الإضمار فقال: {أوتوا العلم} دلالة على أنه العلم الكامل النافع، فلا يقدر أحد على تحريف شيء منه لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم لا أثر له، ولما كان المراد بالعلم النافع، قال
(14/454)

إشارة إلى أنه في صدور غيرهم عرياً عن النفع: {وما يجحد} وكان الأصل: به، ولكنه أشار إلى عظمته فقال: {بآياتنا} أي ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا يجحده أحد {إلا الظالمون*} أي الراسخون في الظلم الذي لا ينتفعون بنورهم في وضع كل شيء في محله، بل هم في وضع الأشياء في غير محلها كالماشي في الظلام الذي تأثر عن وصفهم أولاً بالكفر الذي هو تغطية أنوار العقول.
ولما كان التقدير: فجحدوها بما لهم من الرسوخ في الظلم أصلاً ورأساً، ولم يعدوها آيات فضلاً عن كونها بينات، عطف عليه قوله: {وقالوا} موهمين مكراً وإظهار النصفة بالاكتفاء بأدنى ما يدل على الصدق: {لولا} أي هلا {أنزل عليه} أي على أي وجه كان من وجوه الإنزال {آية} أي واحدة تكون بحيث تدل قطعاً على صدق الآتي بها {من ربه} أي الذي يدعي إحسانه إليه كما أنزل على الأنبياء قبله من نحو ناقة صالح عصا موسى ونحوهما، لنستدل به على صدق مقاله، وصحة ما يدعيه من حاله هذا على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وأبي بكر بالإفراد، وجمع غيرهم دلالة على أن فريقاً آخر قالوا: إن مثل هذا المهم العظيم لا يثبت إلا بآيات متعددة، وأوهموا
(14/455)

مكابرة وعناداً أن ذلك لم يقع، وإن وقع ما يسمى آية.
ولما كان هذا إنكاراً للشمس بعد شروقها، ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات بعد حقوقها، أشار إليه بقوله: {قل} أي لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم بشيء: {إنما الآيات عند الله} أي الذي له الأمر كله فلا يقدر على إنزال شيء منها غيره، فإنما الإله هو لا سواه {وإنما أنا نذير} أقوم لكم بما حملني وكلفني من النذارة، دالاً عليه بما أعطيت من الآيات، ونواقض المطردات وليس لي أن أقترح عليه الآيات، على أن المقصود من الآية الدلالة على الصدق، وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ولم يذكر البشارة لأنه ليس أسلوبها {مبين*} أي أوضح ما آتى به من ذلك بعد أن أوضح صحة كوني نذيراً، فليس إليّ إنزال الآيات ولا طلبها اقتراحاً على الله، فهو قصر قلب فيهما، خوطب به من لزمه ادعاء أن إنزال الآيات إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن أمره الإتيان بما يريد أو يطلب منه.
(14/456)

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)
ولما أفرحهم بما كأنه تسليم لمدعاهم، وكان من البين أن لسان الحال يقول: ألم يكفهم ما جئتهم به من الآيات المرئيات والمسموعات، وعجزوا عن الإتيان بشيء منها، عطف على ذلك قوله منكراً على جهلهم
(14/456)

وعنادهم: {أولم يكفهم} أي إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين آية بينة مغنية عن كل آية {أنا أنزلنا} بعظمتنا {عليك الكتاب} أي الجامع لسعادة الدارين بحيث صار خلقاً لك غالباً على حركاتك وسكناتك {يتلى عليهم} أي يتجدد متابعة قراءته عليهم شيئاً بعد شيء في كل مكان وكل زمان من كل تالٍ مصدقاً لما في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات الدالة على صدقك، يتحدّون بكل شيء نزل منه مع تحديهم بما قبله من آياته صباح مساء، يصفعون بذلك مدى الدهر في أقفائهم ويدفعون، فكلما أرادوا التقدم ردوا عجزاً إلى ورائهم، فأعظم به آية باقية، إذ كل آية سواه منقضية ماضية، وقال الشيخ أبو العباس المرسي: خشع بعض الصحابة رضي الله عنهم من سماع اليهود بقراءة التوراة فعتبوا إذ تخشعوا من غير القرآن، وهم إنما تخشعوا من التوراة وفي كلام الله فما ظنك بمن أعرض عن كتاب الله وتخشع بالملاهي والغناء.
ولما كان هذا أعظم من كل آية يقترحونها ولو توالى عليهم إتيانها كل يوم لدوام هذا على مر الأيام والشهور، حتى تفنى
(14/457)

الأزمان والدهور، أشار تعالى إلى هذا العظمة، مع ما فيها من النعمة، بقوله مؤكداً على جهلهم فيما لزم من كلامهم الأول من إنكار أن يكون في القرآن آيه تدلهم على الصدق: {إن في ذلك} أي إنزال الكتاب على هذا الوجه البعيد المنال البديع المثال {لرحمة} لهم لصقله صدأ القلوب في كل لحظة، وتطهيره خبث النفوس في كل لمحة {وذكرى} أي عظيمة مستمراً تذكرها.
ولما عم بالقول، خص من حيث النفع فقال: {لقوم يؤمنون*} أي يمكن أن يتجدد لهم إيمان، ليس من همهم التعنت، قال الحرالي في كتاب له في أصول الدين: ولما كان القرآن لسان إحاطة لم يف بالقيام به خلق من خلق الله، لأنه ببناء على كليه أمر الله حتى أن السورة الواحدة منه لما كان موقع الخطاب بها من مدد بنائه على إحاطة أمر الله لا يستطيعها أحد من الخلق، وإذا كان الأقل من كلام العالم لا يستطيعه من دون رتبته، فعجز الخلق عن كلام الله أحق وأولى، ثم كل ناظر فيه - من أيّ وجه نظره - أدرك بمقتضى علوه على رتبته وجهاً من العجز فيه، إن كان فصيحاً بليغاً فمن جهة البلاغة، ومعناها بلوغ الكلام في مطابقة أنبائه ويسمى الفصاحة، وحسن نظم
(14/458)

حروف كلماته ويسمى الجزالة، وكمال انتظام كلماته وآياته، ويسمى حسن النظم - إلى أنهى غاياته وأتم نهاياته، وإن كان عالماً بأخبار الأولين فبصحة مقتضاها فيه، وإن كان حكيماً فبالإعلام الأتم بوجه تقاضي المترتبات، وبالجملة فما يكون لأحد أصل من عقل وحظ من علم - أي علم كان - إلا ويجد له موقعاً في القرآن، يفي له بحظ بيان علو مرتبة أنبائه على نهاية مدركة منه بمقدار لا يرتاب في وقوعه فوق طور الخلق، فكان آية باقية دائمة لم يتفاوت في تلقيه أول سامع له من آخر سامع في وجه سماعه، فكل نبي فقدت آيته بفقده أو بفقد وقت ظهورها على يديه، وآية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باقية ببقاء الله، فجهات ظهور إعجازه تأتي على حظوظ أصناف الخلق من وجوه الإدراك، لا يتعين لظهور الإعجاز فيه جهة، ولا يفقد ناظر فيه حظاً يتطرق بمقدار إدراكه منه إلى يقين وجه إعجازه، وذلك لما كان محيطاً بكل تفصيل وكل إجمال، ولم يفرط فيه من شيء، وكان تفصيلاً لكل شيء ولإحاطته بإثبات كل رتبة من رتب حكمة الله تعالى لم يقدر أحد من الخلق في التوقف عن الإيمان به من الجن والإنس والأحمر والأسود وجميع خلق الله، من يعرفه الناس منهم ومن لا يعرفونهم ممن أحاط بهم علم العالمين بإعلام الله، ومن
(14/459)

حكم إحاطة كتابة كان ممكناً من عالية كل آية جاء بها نبي قبله ممن شاهد ذلك منه حاضروه، ونقله نقل التواتر والاستفاضة حملة العلم خلفاً عن سلف؛ ثم رتب قياساً على إثبات النبوة فقال: إن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذو آية هذا القرآن المشهود، وهذا القرآن المشهود معجز كل ذي إدراك، وبشرى من كل جهة من جهات معانيه وبلاغته، فذو آية هذا القرآن نبي، فمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبي، أما أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذو آيته فبالتجربة السمعية المتيقنة المسماة بالتواتر، وأما أن هذا القرآن معجز فيما يجده كل ناظر في معناه المشتمل على تمام الحكمة فيما هو كائن ونبأ ما كان من قبل وخبر ما يكون بعد المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره، وبذلك يتضح أن ذا آيته نبي، ثم بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصح أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذو ايته، وإنه نبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمستعمل في ذلك أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحدى بهذا القرآن العرب الفصحاء واللد البلغاء، فلما لجؤوا للحرب وضح أنهم فروا لذلك المكان ما وجدوه في أنفسهم من العجز، وإذا عجز أولئك فمن بعدهم أحق بالعجز، فلما شمل العجز الكل من الخلق،
(14/460)

وجب العلم بأن هذا القرآن حق، والمتحدي به نبي جاء بالصدق، وحاصله: لو لم تعجز العرب لم تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة لو استاطاعوها، ولم يعارضوا وحاربوا فقد عجزوا، فثبت بذلك أنه نبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتهى.
ولما كان من المعلوم أنهم يقولون: نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند الله فضلاً عن أن نكتفي به، قال: {قل} أي جواباً لما قد يقولونه من نحو هذا: {كفى بالله} أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات، الذي شهد لي بالرسالة في كتابة الذي أثبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته.
ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس، وتفصيل أحوالهم، ابتدأ بقوله: {بيني وبينكم} قبل قوله: {شهيداً} بخلاف الرعد والأنعام، ثم وصف الشهيد أو علل كفايته بقوله: {يعلم ما في السماوات} أي كلها. ولما لم يكن للارض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها، أفرد فقال: {والأرض} أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه إليّ من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه
(14/461)

من هذا القرآن الذي شهد لي به عجزكم عنه فهو شاهد لي، والله في الحقيقة هو الشاهد لي، بما فيه من الثناء عليّ، والشهادة لي بالصدق، لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه وسيتحقق بالعقل إبطال المبطل منا.
ولما كان التقدير: وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني على الحق، وأن كل ما خالف ما جئت به فهو باطل، فالذين آمنوا بالحق وكفروا بالباطل فأولئك هم الفائزون، عطف عليه قوله: {والذين آمنوا بالباطل} أي الذي لا يجوز الإيمان به من كل معبود سوى الله {وكفروا بالله} الذي يجب الإيمان به والشكر له، لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم {أولئك} البعداء البغضاء {هم} أي خاصة {الخاسرون*} أي العريقون في الخسارة، فإنهم خسروا أنفسهم أبداً.
ولما كان قولهم مرة واحدة «لولا أنزل عليه آية» عجباً، أتى بعد إخباره بخسارتهم بأعجب منه، وهو استمرار استعجالهم بما لا قدرة لهم على شيء منه من عذاب الله فقال: {ويستعجلونك} أي يطلبون تعجيلك في كل وقت {بالعذاب} ويجعلون تأخره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من التكذيب {ولولا أجل مسمى} قد ضرب لوقت عذابهم لا تقدم فيه ولا تأخر {لجاءهم العذاب} وقت استعجالهم، لأن القدرة تامة والعلم محيط.
(14/462)

ولما أفهم هذا أنه لا بد من إتيانه، صرح به في قوله مؤكداً رداً على استهزائهم المتضمن للإنكار: {وليأتينهم} ثم هوّله بقوله: {بغتة} وأكد معناها بقوله: {وهم لا يشعرون*} بل هم في غاية الغفلة عنه والاشتغال بما ينسيه، ثم زاد في التعجب من جهلهم بقوله مبدلاً: {يستعجلونك بالعذاب} أي يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزاً ولو كان في غير وقته الأليق به، فلو علموا ما هم سائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلاً عن أن يستعجلوا، ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه.
ولما كان دخولهم النار لا بد منه لإحاطة القدرة بهم، قال مؤكداً لإنكارهم الآخرة بإثبات أخص منها: {وإن جهنم} التي هي من عذاب الآخرة {لمحيطة} أي بما هي مهيأة له، لأنه لا يفوتها شيء منه، لأن الذي أعدها عليم قدير، وقال: {بالكافرين*} موضع «بهم» تنبيهاً على ما استحقوا به عذابها، وتعميماً لكل من اتصف به.
ولما كان هذا كله دليلاً على إنكارهم قال: {يوم} أي يعلمون ذلك اليوم {يغشاهم العذاب} أي يلحقهم ويلصق بهم ما لا يدع لهم شيئاً يستعذبونه، ولا أمراً يستلذونه ونبه على عدم استغراق
(14/463)

جهة الفوق مع استعلائه عليهم بإثبات الجار فقال: {من فوقهم} ولما أفهم ذلك الإحاطة بما هو أدنى من جهة الفوق، صرح به فقال: {ومن تحت أرجلهم} فعلم بذلك إحاطته بجميع الجواتب، وصرح بالرجل تحقيقاً للآدمي {ويقول} أي الله في قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالتحتانية جرياً على الأسلوب الماضي، أو نحن بعظمتنا في قراءة الباقين ترويعاً بالالتفات إلى مظهر العظمة: {ذوقوا} ما سببه لكم {ما كنتم} بغاية الرغبة {تعملون*} أي في ذلك اليوم تعملون ذلك حق اليقين بعد علمكم له عين اليقين بسبب تكذيبكم بعلم اليقين.
(14/464)

يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)
ولما أبلغ في الإنذار، وحذر من الأمور الكبار، ولم يهمل الإشارة إلى الصغار، وكانت هذه الآيات في المتعنتين من الكفار، وكان قد كرر أن هذه المواعظ إنما هي للمؤمنين، قال مخاطباً لهم معرضاً عن سواهم إذا كانت أسماعهم لبليغ هذه المواعظ قد أصغت، وقلوبهم لجليل هذه الإنذارات قد استيقظت، التفاتاً على قراءة الجمهور إلى
(14/464)

التلذيذ في المناجاة بالإفراد والإبعاد من مداخل التعنت: {يا عبادي} فشرفهم بالإضافة، ولكنه لما أشار بأداة البعد إلى أن فيهم من لم يرسخ، حقق ذلك بقوله: {الذين آمنوا} أي وإن كان الإيمان باللسان مع أدنى شعبة من القلب.
ولما كان نزول هذه السورة بمكة، وكانوا بها مستخفين بالعبادة خوفاً من الكفار، وكانت الهجرة الأهل والأوطان شديدة، قال مؤكداً تنبيهاً على أن حال من ترك الهجرة حال من يظن أن الأرض ضيقة: {إن أرضي واسعة} أي في الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق، فإن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين يفتنونكم في دينكم ويمنعونكم من الإخلاص إلي في أرضكم والاجتهاد في عبادتي حتى يصير الإيمان لكم وصفاً، فهاجروا إلى أرض تتمكنون فيها من ذلك.
ولما كانت الإقامة بها قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة، وكان المفتون ربما طاوع بلسانه، وكان ذلك وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان في صورة الشرك قال: {فإياي} أي خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها اعبدوا وتنبهوا {فاعبدون*} بسبب ما دبرت لكم من المصالح من توسيع الأرض وغيره، عبادة لا شرك فيها، لا باللسان ولا بغيره ولا استخفافاً بها ولا مراعاة لمخلوق في معصيته، ولا شيء يجر إليها بالهرب ممن يمنعكم من ذلك إلى من يعينكم عليه.
(14/465)

ولما كانت الهجرة شديدة المرارة لأنها مرت في المعنى من حيث كونها مفارقة المألوف المحبوب من العشير والبلد والمال، وكان في الموت ذلك كله بزيادة، قال مؤكداً بذلك مذكراً به مرهباً من ترك الهجرة: {كل نفس ذائقة الموت} أي مفارقة كل ما ألفت حتى بدناً طالما لابسته، وآنسها وآنسته، فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة في الأجل شيئاً، وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئاً، فإذا قدر الإنسان أنه مات سهلت عليه الهجرة، فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت، وما ذكر الموت في عسير إلا يسره، ولا يسير إلا عسره وكدره.
ولما هوّن أمر الهجرة، حذر من رضي في دينه بنوع نقص لشيء من الأشياء حثاً على الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد فقال: {ثم إلينا} على عظمتنا، لا إلى غيرنا {ترجعون*} على أيسر وجه، فيجازي كلاً منكم بما عمل.
ولما كان التقدير: فالذين آمنوا فلبسوا إيمانهم بنوع نقص لننقصنهم في جزائهم، والذين كفروا لنركسنهم في جهنم دركات تحت دركات
(14/466)

فبئس مثوى الظالمين، ولكنه لما تقدم ذكر العذاب قريباً، وكان القصد هنا الترغيب في الإيمان كيفما كان، طواه ودل عليه بأن عطف عليه قوله: {والذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} أي كلها.
ولما كان الكفار ينكرون البعث، فكيف ما بعده، أكد قوله: {لنبوئنهم} أي لنسكننهم في مكان هو جدير بأن يرجع إليه من حسنه وطيبه من خرج منه لبعض أغراضه، وهو معنى {من الجنة غرفاً} أي بيوتاً عالية تحتها قاعات واسعة بهية عالية، وقريب من هذا المعنى قراءة حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من ثوى بالمكان - إذا أقام به.
ولما كانت العلالي لا تروض إلا بالرياض قال: {تجري} ولما كان عموم الماء لجهة التحت بالعذاب أشبه، بعضه فقال: {من تحتها الأنهار} ومن المعلوم أنه لا يكون في موضع أنهار، إلا كان به بساتين كبار، وزروع ورياض وأزهار - فيشرفون عليها من تلك العلالي.
ولما كانت بحالة لا نكد فيها يوجب هجره في لحظة ما، كنى عنه بقوله: {خالدين فيها} أي لا يبغون عنها حولاً؛ ثم عظم أمرها، شرف قدرها، بقوله: {نعم أجر العاملين} ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة، فقال معرفاً بجماع الخير كله الصبر وكونه على جهة التفويض لله،
(14/467)

منبهاً على أن الإنسان لا ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه: {الذين صبروا} أي أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم، فأوقعوها على كل شاق من التكاليف من هجرة وغيرها.
ولما كان الإنسان إلى المحسن إليه أميل، قال مرغباً في الاستراحة بالتفويض إليه: {وعلى ربهم} أي وحده لا على أهل ولا وطن {يتوكلون*} أي يوجدون التوكل إيجاداً مستمر التجديد عند كل مهم يعرض لهم إرزاقهم بعد الهجرة وغيرها وجهاد أعدائهم وغير ذلك من أمورهم.
(14/468)

وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)
ولما أشار بالتوكل إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة، لا مال ولا أهل، قال عاطفاً على ما تقديره: فكأيّ من متوكل عليه كفاه، ولم يحوجه إلى أحد سواه، فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طالباً لرضاه: {وكأيّن من دابة} أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها {لا تحمل} أي لا تطيق أن تحمل {رزقها} ولا تدخر شيئاً لساعة أخرى، لأنها قد لا تدرك نفع ذلك، وقد تدركه وتتوكل، أو لا تجد.
ولما كان موضع أن يقال: فمن يرزقها؟ قال جواباً له: {الله} أي المحيط علماً وقدرة، المتصف بكل كمال {يرزقها} وهي لا تدخر {وإياكم} وأنتم تدخرون، لا فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وترزيقه لكم
(14/468)

على قوتكم وادخاركم، فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون، فصار الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظور إليه.
ولما كان أهم ما للحيوان الرزق، فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ضميره وينطق به إن كان ناطقاً ويهمهم به إن كان صامتاً، أما العاقل فبأمور كلية، وأما غيره فبأشياء جزئية وحدانية، وكان العاقل ربما قال: إني لا أقدر على قطع العلائق من ذلك، قال تعالى: {وهو السميع} أي لما يمكن أن يسمع في أمره وغير أمره {العليم*} أي بما يعلم من ذلك، وبما يصير إليه أمركم وأمر عدوكم، فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له أسبابه، وهو قادر على أن يسبب لما اعتمد عليه الإنسان من الأسباب المنتجة عنده ولا بد ما يعطله، وعلى أن يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيه، ومن طالع كتب التصوف وتراجم القوم وسير السلف - نفعنا الله بهم - وجد كثيراً من ذلك بما يبصره ويسليه سبحانه ويصبره.
ولما هوّن سبحانه أمر الرزق بخطابه مع المؤمنين بعد أن كان قد أبلغ في تنبيه الكافرين بإيضاح المقال، وضرب الأمثال، ولين المحاورة في الجدال، ولما كان الملك لا يتمكن غاية التمكن من ترزيق من في غير مملكته، قال عاطفاً على نحو: فلئن سألتهم عن ذلك ليصدقنك
(14/469)

عائداً إلى استعطاف المعرضين، واللطف بالغافلين، ناهجاً في تفنين الوعظ أعني طرق الحكمة، فإن السيد إذا كان له عبدان: مصلح ومفسد، ينصح المفسد، فإن لم يسمع التفت إلى المصلح، إعراضاً عنه قائلاً: هذا لا يستحق الخطاب، فاسمع أنت ولا تكن مثله، فكان قوله متضمناً نصح المصلح وزجر المفسد، ثم إذا سمع وعظ أخيه كان ذلك محركاً منه بعد التحريك بالإعراض والذم بسوء النظر لنفسه وقلة الفطنة، فإذا خاطبه بعد هذا وجده متهيئاً للقبول، نازعاً إلى الوفاق، مستهجناً للخلاف: {ولئن سألتهم} أي المؤمن وغيره، وأغلب القصد له: {من خلق السماوات والأرض} وسواهما على هذا النظام العظيم {وسخر الشمس والقمر} لإصلاح الأقوات، ومعرفة الأوقات، وغير ذلك من المنافع.
ولما كان حالهم في إنكار البعث حال من ينكر أن يكون سبحانه خلق هذا الوجود، أكد تنبيهاً على أن الاعتراف بذلك يلزم منه الاعتراف بالبعث فقال: {ليقولن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال لما قد تقرر في فطرهم من ذلك وتلقفوه عن أبائهم موافقة للحق في نفس الأمر.
ولما كان حال من صرف الهمة عنه عجباً يستحق أن يسأل عنه
(14/470)

وجه التعجب منه إشارة إلى أنه لا وجه له، قال {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه {يؤفكون*} أي يصرف من صارف ما من لم يتوكل عليه أو لم يخلص له العبادة في كل أحواله، وجميع أقواله وأفعاله، عن الإخلاص له مع إقرارهم بأنه لا شريك له في الخلق فيكون وجهه إلى قفاه فينظر الأشياء على خلاف ما هي عليه فيقع في خبط العشواء وحيرة العجباء.
ولما كان قد يشكل على ذلك التفاوت في الرزق عند كل من لم يتأمل حق التأمل فيقال: بكل الخلق والرزق له، فما بالهم متفاوتين في الرزق؟ قال: {الله} أي بما له من العظمة والإحاطة بصفات الكمال {يبسط الرزق} بقدرته التامة {لمن يشاء من عباده} على حسب ما يعلم من بواطنهم {ويقدر} أي يضيق.
ولما كان ذلك إنما هو لمصالح العباد وإن لم يظهر لهم وجه حكمته قال: {له} أي لتظهر من ذلك قدرته وحكمته، وأنت ترى الملوك وغيرهم من الأقوياء يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من علمهم الناقص بأحوالهم، فما ظنك بملك الملوك العالم علماً لا تدنو من ساحته ظنون ولا شكوك، وهذه الآية نتيجة ما قبلها.
ولما كان سبحانه يرزق الناس، ويمكن لهم بحسب ما يعلم من
(14/471)

ضمائرهم أنه لا صلاح إلا فيه، قال معللاً لذلك ومؤكداً رداً على من يعتقد أن ذلك إنما هو من تقصير بعض العباد وتشمير بعضهم، معلماً بأنه محيط العلم فهو محيط القدرة فهو الذي سبب عجز بعضهم وطاقة الآخرين لملازمة القدرة العلم: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {بكل شيء} أي من المرزوقين ومن الأرزاق وكيف تمنع او تساق وغير ذلك {عليم*} فهو على ذلك كله قدير، يعلم ما يصلح العباد من ذلك وما يفسدهم، ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام بعض الأقوياء إغناء فقير وإفقار غني، فكشف الحال عن فساد ما راموا من الانتقال.
ولما ثبت بهذا شمول علمه، لزم تمام قدرته كما برهن عليه في طه، فقال مشيراً إلى ذلك ذاكراً السبب القريب في الترزيق بعد ما ذكر البعيد، فإن الاعتراف بأن هذا السبب منه يستلزم الاعتراف بأن المسبب أيضاً منه: {ولئن سألتهم من نزل} بحسب التدريج على حسب ما فعل في الترزيق، ولما كان ربما ادعى مدع أنه استنبط ماء فأنزله من جبل ونحوه، ذكر ما يختص به سبحانه سالماً عن دعوى المدعين فقال: {من السماء ماء} بعد أن كان مضبوطاً في جهة العلو
(14/472)

{فأحيا} ولما كان أكثر الأرض يحيى بماء المطر من غير حاجة إلى سقي، قدم الجار فقال {به الأرض} الغبراء، وأشار بإثبات الجار إلى قرب الإنبات من زمان الممات، وإلى أنهم لا يعلمون إلى الجزئيات الموجودة المحسوسة، ولا تنفذ عقولهم إلى الكليات المعقولة نفوذ أهل الإيمان ليعلموا أن ما أوجده سبحانه بالفعل في وقت فهو موجود إما بإيجاده إذا أراد، فالأرض حية بإحيائه سبحانه بسبب المطر في جميع الزمن الذي هو بعد الموت بالقوة كما أنها حية في بعضها بالفعل فقال: {من بعد موتها} فصارت خضراء تهتز بعد أن لم يكن بها شيء من ذلك، وأكد لمثل ما تقدم من التنبيه على أن حالهم في إنكار البعث حال من أن ينكر أن يكون الله صانع ذلك، لملازمة القدرة عليه القدرة على البعث بقوله: {ليقولن الله} وهو الذي الكمال كله، فلزمهم توحيده.
فلما ثبت أنه الخالق بدءاً وإعادة كما يشاهد في كل زمان، قال منبهاً على عظمة صفاته اللازم من إثباتها صدق رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قل} معجباً منهم في جمودهم حيث يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم لا يوحدون: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها {لله} الذي لا سمي له وليس لأحد غيره إحاطة بشيء من الأشياء، فلزمهم الحجة بما
(14/473)

أقروا به من إحاطته، وهم لا يثبتون ذلك بإعراضهم عنه {بل أكثرهم لا يعقلون*} أي لا يتجدد لهم عقل، بعضهم مطلقاً لأنه مات كافراً حيث هم مقرون بمعنى الحمد من أنه الخالق لكل شيء بدءاً وإعادة ثم يفعلون ما ينافي ذلك فيشركون به غيره مما هم معترفون بأنه خلقه ولا يتوكلون في جميع الأمور براً وبحراً عليه ويوجهون العبادة خالصة إليه، فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم يعملوا به، ومنهم من آمن بعد ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد الذي يتبعه سائر الفروع، ومنهم من كان دون ذلك، فكان نفي العلم عنه مقيداً بالكمال.
(14/474)

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67)
ولما تبين بهذا الآيات أن الدنيا مبنية على الفناء والزوال، والقلعة والارتحال، وصح أن السرور بها في غير موضعه فلذلك قال تعالى مشيراً بعد سلب العقل عنهم إلى أنهم فيها كالبهائم يتهارجون: {وما هذه الحياة الدنيا} فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة مع الإشارة إلى أن الاعتراف بهذا الاسم كافٍ في الإلزام بالاعتراف بالأخرى.
ولما كان مقصود السورة الحث على الجهاد والنهي عن المنكر، وكان في معرض سلب العقل عنهم، قدم اللهو لأن الإعراض عنه يحسم مادة الشر فإنه الباعث عليه فقال: {إلا لهو} أي شيء يلهي عما ينفع
(14/474)

{ولعب} يشتغل به صبيان العقول، وكل غافل وجهول، فإن اللهو كل شيء من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء وغيره، فيحصل به فرح وزيادة سرور، فيكون سبباً للغفلة والذهول والنسيان والشغل عن استعمال العقل في اتباع ما ينجي في الآخرة فينشأ عنه ضلال - على ما أشارت إليه آية لقمان {ليشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} [آية: 6] ومنه اللعب، وهو فعل ما يزيد النفس في دنياها سروراً كالرقص بعد السماع وينقضي بسرعة لأنه ضد الجد ومثل الهزل، وهو كل شيء سافل، وكل باطل يقصد به زيادة البسط والترويح والتمادي في قطع الزمان فيما يشتهي من غير تعب، واللعبة - بالضم: التمثال، وما يلعب به كالشطرنج، والأحمق يسخر به، ولعب لعباً: مرح، وفي الأمر والدين: استخف به.
ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت، أخبر على سبيل التأكيد أنه لا حياة غيرها فقال: {وإن الدار الآخرة لهي} أي خاصة {الحيوان} أي الحياة التامة الباقية العامة الوافية نفسها من حيث أنه لا موت فيها ولا فناء لشيء من الأشياء، ولذلك اختير هذا البناء الدال على المبالغة، وحركته مشعرة بما في الحياة من مطلق الحركة والاضطراب، فلا انقضاء لشيء من لعبها ولا لهواها الذي لا يوافق ما في الدنيا إلا في الصورة فقط
(14/475)

لا في المعنى، لأنه ليس فيها شيء سافل لا في الباعث ولا في المبعوث إليه، بل كان ذلك بالتسبيح والتقديس وما يترتب عليه من المعارف والبسط والترويح، والانشراح والأنس والتفريح.
ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كلتيهما فأنزلوا كل واحدة منهما غير منزلتها، فعدوا الدنيا وجوداً دائماً على هذا الحالة والآخرة عدماً، لا وجود لها بوجه، قال: {لو كانوا} أي كوناً هو كالجبلة {يعلمون*} أي لهم علم ما لم يغلطوا في واحدة منهما فلم يركبوا مع إيثارهم للحياة وشدة نفرتهم من الموت، لا عتقادهم أن لا قيام بعده إلى الدنيا، مع أن أصلها عدم الحياة الذي هو الموتان.
ولما ختم هذه الآية بما أفهم أنهم لا يعلمون، والتي قبلها بأن أكثرهم لا يعقلون، سبب عن ذلك قوله: {فإذا} أي فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم علمهم أنهم إذا {ركبوا} أي البحر {في الفلك} أي السفن {دعوا الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء إذا أصابتهم مصيبة خافوا منها الهلاك {مخلصين} بالتوحيد {له الدين*} بالإعراض عن شركائهم بالقلب واللسان، لما هم له محققون أنه لا منجى عند تلك الشدائد غيره {فلما نجّاهم} أي الله سبحانه، موصلاً لهم {إلى البر إذا هم} أي حين الوصول إلى البر
(14/476)

{يشركون*} فصح أنهم لا يعلمون، لأنهم لا يعقلون، حيث يقرون بعجز آلهتهم ويشركونها معه، ففي ذلك أعظم التهكم بهم؛ قال البغوي: قال عكرمة: كانوا إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب! يا رب.
وقال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء - انتهى. فعلم أن الاشتغال بالدنيا هو الصادّ عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين للفطرة الأولى المستقيمة، ولهذا نجد الفقراء أقرب إلى كل خير.
ولما كانوا مع هذا الفعل - الذي لا يفعله إلا مسلوب العقل - يدعون أنهم أعقل الناس وأبصرهم بلوازم الأفعال وما يشين الرجال، وكان فعلهم هذا كفراً للنعمة، مع ادعائهم أنهم أشكرالناس للمعروف، قال مبيناً أن عادتهم مخالفة لعادة المؤمنين في جعلهم نعمة النجاة سبباً لزيادة طاعاتهم، فعلم أنه ما كان إخلاصهم في البحر إلا صورة لا حقيقة لها: {ليكفروا بما آتيناهم} على عظمتنا من هذه النعمة التي يكفي في عظمتها أنه لا يمكن غيرنا أن يفعلها ما أشركوا إلا لأجل هذا الكفر، وإلا لكانوا فاعلين لشيء من غير قصد، فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلاً وهم يحاشون عن مثل ذلك {وليتمتعوا} بما يجتمعون
(14/477)

عليه في الإشراك من التواصل والتعاون، وعند من سكن اللام - وهم ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع - يكون معطوفاً تهديداً على مقدر هو «فليكفروا» أو على {ليكفروا} السابق، على أن لامه للأمر، وسيأتي في الروم إن شاء الله تعالى ما يؤيده {فسوف يعلمون*} بوعد لا خلف فيه ما يحل بهم بهذا الفعل الذي هو دائر بين كفر وجنون.
ولما كان قد فعل بهم سبحانه من الأمن الشديد المديد في البر دون سائر العرب عكس ما ذكر من حال خوفهم الشديد في البحر، وكان قادراً على إخافتهم في البر كما قدر على إخافتهم في البحر ليدوم إخلاصهم، وكان كفرهم عند الأمن بعد الإخلاص عند الخوف - مع أنه أعظم النقائص - هزلاً لا يفعله إلا من أمن مثل تلك المصيبة في البر، توجه الإنكار في نحو أن يقال: ألم يروا أنا قادرون على إخافتهم وإهلاكهم في البر كما نحن قادرون على ذلك في البحر كما فعلنا بغيرهم، فعطف عليه قوله: {أولم يروا} أي بعيون بصائرهم {أنا جعلنا} أي بعظمتنا لهم {حرماً} وقال تعالى: {آمناً} لأنه لا خوف على من دخله، فلما أمن كل حالّ به كان كأنه هو نفس الأمن،
(14/478)

وهو حرم مكة المشرفة، وأمنه موجب للتوحيد والإخلاص، رغبة في دوامه، وخوفاً من انصرامه، كما كان الخوف في البحر موجباً للإخلاص خوفاً من دوامه، ورغبة في انصرامه {و} الحال أنه {يتخطف} وبناه للمفعول لأن المقصود الفعل لا فاعل معين.
ولما كان التخطف غير خاص بناس دون آخرين، بل كان جميع العرب يغزو بعضهم بعضاً، ويغير بعضهم على بعض بالقتل والأسر والنهب وغير ذلك من أنواع الأذى، قال: {الناس من حولهم} أي من حول من فيه من كل جهة تخطفَ الطيور مع قلة من بمكة وكثر من حولهم، فالذي خرق العادة في فعل ذلك حتى صار على هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم متخطفاً ومن حوله آمناً، أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد.
ولما تبين أنه لا وجه لشركهم ولا لكفرهم هذه النعمة الظاهرة المكشوفة، تسبب الإنكار في قوله: {أفبالباطل} أي خاصة من الأوثان وغيرها {يؤمنون} والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه، وجاء الحصر من حيث إن من كفر بالله تبعه الكفر بكل حق والتصديق بكل باطل {وبنعمة الله} التي أحدثها لهم من الإنجاء وغيره
(14/479)

{يكفرون*} حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاه شركهم بعبادة غيره.
(14/480)

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)
ولما كان الظلم وضع الشيء في غير محله، وكان وضع الشيء في موضع لا يمكن أن يقبله أظلم الظلم، كان فعلهم هذا الذي هو إنزال ما لا يعلم شيئاً ولا يقدر على شيء في منزلة من يعلم كل شيء ويقدر على كل مقدور أظلم الظلم، فكان التقدير: فمن أظلم منهم في ذلك، عطف عليه قوله: {ومن أظلم} أي أشد وضعاً للأشياء في غير مواضعها، لأنه لانور له بل هو في ظلام الجهل يخبط {ممن افترى} أي تعمد {على الله كذباً} أي أيّ كذب كان من الشرك وغيره كما كانوا يقولون إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها {أو كذب بالحق} من هذا القرآن المعجز المبين، على لسان هذا الرسول الأمين الذي ما أخبر خبراً إلا طابقه الواقع {لما} أي حين {جاءه} من غير إمهال إلى أن ينظر ويتأمل فيما جاءه من الأمر الشديد الخطر.
ولما كان التقدير: لا أحد أظلم منه، بل هو أظلم الظالمين، فهو كافر ومأواه جهنم، وكان من المعلوم أنهم يقولون عناداً: ليس الأمر كذلك، قال إنكاراً عليهم، ولأن فعلهم فعل المنكر، وتقريراً لهم لأن همزة الإنكار إذا دخلت على النفي كانت للتقرير، عدّاً به بمنزلة ما
(14/480)

لا نزاع فيه أصلاً: {أليس في جنهم مثوى} أي منزل وموضع إقامة وحبس له وقد ارتكب هذا الكفر العظيم - هكذا كان الأصل، ولكنه لقصد التعميم وتعليق الفعل بالوصف قال: {للكافرين*} أي الذين يغطون أنوار الحق الواضح، أو ليس هو من الكافرين؟ أي إن كلاًّ من المقدمتين صحيح لا إنكار فيه، ولا ينتظم إنكارهم إلا بإفساد إحديهما، أما كفره للمنعم بعد إنجائه من الهلاك حيث عبد غيره فلا يسع عاقلاً إنكاره، وأما كون جهنم تسعة بعد إخبار القادر به فلا يسع مقراً بالقدرة إنكاره، فالمقدمتان مما لا مطعن فيه عندهم، فأنتجتا أن مثواه جهنم، وصار القياس هكذا: عابد غير من أنجاه كافر، وكل كافر مثواه جهنم، فعابد غير من أنجاه مثواه جهنم.
ولما كان هذا كله في الذين فتنوا فلم يجاهدوا أنفسهم، كان المعنى: فالذين فتناهم فوجدوا كاذبين ضلوا فصاروا لا يعقلون ولا يعلمون، لكونهم لم يكونوا من المجاهدين، فعطف عليه قوله: {والذين جاهدوا} أي أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة {فينا} أي بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم
(14/481)

من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء، ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن، وشدائد المحن، مستحضرين لعظمتنا.
ولما كان الكفار ينكرون فلاحهم وكان المفلح والظافر في كل شيء هو المهتدي، قال معبراً بالسبب عن المسبب: {لنهدينهم} بما نجعل لهم من النور الذي لا يضل من صحبه، هداية يليق بعظمتنا {سبلنا} أي لا سبل غيرها، علماً وعملاً، ونكون معهم بلطفنا ومعونتنا، لأنهم أحسنوا المجاهدة فهنيئاً لمن قاتل في سبيل الله ولو فواق ناقة لهذه الآية وقوله تعالى
{والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم} [محمد: 4] ، ولهذا كان سفيان بن عيينة يقول: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الغزو.
ولما كان المحسن كلما توفر حظه في مقام الإحسان نقص حظه من الدنيا، فظن الأغبياء أنه ليس لله به عناية، عظم التأكيد في قوله، لافتاً الكلام عن أسلوب الجلال إلى أجلّ عنه بما زاد من الجمال {وإن الله} أي بعظمته وجلاله وكبريائه وجميع كماله لمعهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أراد الإعلام بإحسابهم وتعليق الحكم
(14/482)

بالوصف والتعميم فأظهر قائلاً: {لمع المحسنين*} أي كلهم بالنصر والمعونة في دنياهم، والثواب والمغفرة في عقباهم، بسبب جهادهم لأنه شكر يقتضي الزيادة، ومن كان معه سبحانه فاز بكل مطلوب، وإن رأى الجاهل خلاف ذلك، فإنه يجعل عزهم من وراء ذل ويستر غناهم بساتر فقر، حماية لهم مما يجر إليه دائم العز من الكبر، ويحمل عليه عظيم الغنى من الطغيان، وما أحسن ما نقل الأستاذ أبو القاسم القشيري في الرسالة عن الحارث المحاسبي أنه قال: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة، والآية من الاحتباك: أثبت أولاً الجهاد دليلاً على حذفه ثانياً، وثانياً أنه مع المحسنين دليلاً على حذف المعية والإحسان أولاً، فقد عانق أول السورة هذا الآخر، وكان إليه أعظم ناظر، فنسأل الله العافية من الفتن، والمجاهدة إن كان لا بد من المحن، وإليه المآب.
(14/483)

مقصودها إثبات الأمر كله، فتأتي الوحدانية والقدرة على كل شيء، فيأتي البعث ونصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وهذا هو المقصود بالذات، واسم السورة واضح الدلالة عليه بما كان من السبب في نصر الروم من الوعد الصادق والسر المكتوم) بسم الله (الذي يملك الأمر كله) الرحمن (الذي رحم الخلق كلهم بنصب الأدلة) الرحيم (الذي لطف بأوليائه فأنجاهم من كل ضار، وحياهم كل نافع سار.
(15/1)

الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)
لما ختم سبحانه التي قبلها بأنه مع المحسنين قال: {الاما*} مشيراً بألف القيام والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الملك الأعلى القيوم أرسل جبرائيل عليه الصلاة والسلام - الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم الصلاة والسلام - إلى أشرف خلقه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق، يوحي إليه وحياً معلماً بالشاهد والغائب، فيأتي الأمر على ما أخبر به دليلاً على صحة رسالته،
(15/1)

وكمال علم مرسله، وشمول قدرته، ووجوب وحدانيته.
ولما أشير في آخر تلك بأمر الحرم إلى أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وختم بمدح المجاهدين فيه، وأنه سبحانه لا يزال مع المحسنين، وكانت قد افتتحت بأمر المفتونين، فكان كأنه قيل: لنفتننكم ولنعمين المفتين ولنهدين المجاهدين، وكان أهل فارس قد انتصروا على الروم، ففرح المشركون وقالوا للمسلمين: قد انتصر إخواننا الأميون على إخوانكم أهل الكتاب، فلننصرن عليكم، فأخبر الله تعالى بأن الأمر يكون على خلاف ما زعموا، فصدق مصدق وكذب مكذب، فكان في كل من ذلك من نصر أهل فارس وإخبار الله تعالى بإدالة الروم فتنة يعرف بها الثابت من المزلزل، وكان من له كتاب أحسن حالاً في الجملة ممن لا كتاب له، افتتحت هذه بتفصيل ذلك تصريحاً بعد أن أشار إليه بالأحرف المقطعة تلويحاً غيباً وشهادة، دلالة على وحدانيته وإبطال الشرك، فأثبت سبحانه أن له جميع الأمر وأنه يسرُّ المؤمنين بنصرة من له دين صحيح الأصل، وخذلان أهل العراقة في الباطل والجهل، وجعل ذلك على وجه يفيد نصر المؤمنين على المشركين، فقال مبتدئاً بما أفهمه كونه مع المحسنين مع أنه ليس مع المسيئين: {غلبت الروم*} أي لتبديلهم دينهم غلبهم - الفرس في زمن أنوشروان أو بعده
(15/2)

{في أدنى الأرض} أي أقرب أرضهم إلى أرضكم أيها العرب، وهي في أطراف الشام، وفي تعيين مكان الغلب - على هذا الوجه - بشارة للعرب بأنهم يغلبونهم إذا وافقوهم، فإن موافقتهم لهم تكون في مثل ذلك المكان. وقد كان كذلك بما كشف عنه الزمان، فكأنه تعالى يقول لمن فرح من العرب بنصر أهل فارس على الروم لنكاية المسلمين: اتركوا هذا السرور الذي لا يصوب نحوه من له همة الرجال، وأجمعوا أمركم وأجمعوا شملكم، لتواقعوهم في مثل هذا الوضع فتنصروا عليهم، ثم لا يقاومونكم بعدها أبداً، فتغلبوا على بلادهم ومدنهم وحصونهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعتب سبحانه أهل مكة، ونفى عليهم قبح صنيعهم في التغافل عن الاعتبار بحالهم، وكونهم - مع قلة عددهم - قد منع الله بلدهم عن قاصد نهبه، وكف أيدي العتاة والمتمردين عنهم مع (تعاور) أيدى المنتهين على من حولهم، وتكرر ذلك واطراده صوناً منه تعالى لحرمه وبيته، فقال تعالى:
{أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67] أي ولم يكفهم هذا في الاعتبار، وتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم ولا حسن دفاع، وإنما هو بصون الله
(15/3)

إياهم بمجاورة بيته وملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر والاستجابة قبل أن يحل بهم نقمة، ويسلبهم نعمه، فلما قدم تذكارهم بهذا، أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلاداً، وقد أيد عليهم غيرهم، ولم يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم، فقالت: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} الآيات، فذكر تعالى غلبة غيرهم لهم، وأنهم ستكون لهم كرة، ثم يغلبون، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده {ينصر من يشاء} فلو كشف عن إبصار من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم وأولادهم مما سلط على من حولهم من الانتهاب والقتل وسبي الذراري والحرم إنما هو بمنع الله وكرم صونه لمن جاور حرمه وبيته، وإلا فالروم أكثر عدداً وأطول مدداً، ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات، وتتوالى عليهم الغلبات، أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟ وأيضاً فإنه سبحانه لما قال: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} [العنكبوت: 64] أتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها، وتبين اضمحلالها، وأنها لا تصفو ولا تتم، وإنما حالها أبداً التقلب وعدم الثبات، فأخبر بأمر هذه الطائفة التي هي من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهم الروم،
(15/4)

وأنهم لا يزالون مرة عليهم وأخرى لهم، فأشبهت حالهم هذه حال اللهو واللعب، فوجب اعتبار العاقل بذلك وطلبه الحصول على تنعم دار لا ينقلب حالها، ولا يتوقع انقلابها وزوالها، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} ومما يقوي هذا المأخذ قوله تعالى «يعلمون» ظاهراً من الحياة الدنيا أي لو علموا باطنها لتحققوا أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر الآخرة «من عرف نفسه عرف ربه» ومما يشهد لكل من المقصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه: {أولم يسيروا في الأرض} الآيات، أي لو فعلوا هذا وتأملوا لشاهدوا من تقلب أحوال الأمم وتغير الأزمنة والقرون ما بين لهم عدم إبقائها على أحد فتحققوا لهوها ولعبها وعلموا أن حالهم سيؤول إلى حال من ارتكب مرتكبهم في العناد والتكذيب وسوء البياد والهلاك - انتهى.
ولما ابتدأ سبحانه بما أوجبه للروم من القهر بتبديلهم، معبراً عنهم بأداة التأنيث مناسبة لسفولهم، أتبعه ما صنعه معهم لتفريج المحسنين من عباده الذين ختم بهم الأمم ونسخ بملتهم الملل، وأدالهم على جميع الدول، فقال معبراً بما يقتضي الاستعلاء من ضمير الذكور
(15/5)

العقلاء: {وهم} أي الروم، ودل على التبعيض وقرب الزمان بإثبات الجار فقال، معبراً بالجار إشارة إلى أن استعلاءهم إنما يكون في بعض زمان البعد ولا يدوم: {من بعد غلبهم} الذي تم عليهم من غلبة فارس إياهم، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول {سيغلبون*} فارساً، فأكد وعده بالسين - وهو غني عن التأكيد - جرياً على مناهيج القوم لما وقع في ذلك من إنكارهم {في بعض سنين*} وذلك من أدنى العدد لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد، وعبر بالبضع ولم يعين إبقاء للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزاً لهم، وتحدياً لمن عاند بنفي ما أخبر به أو يعلم ما ستر منه، وتشريعاً للتعمية إذا قادت إليها مصلحة، وشرح ذلك أنه كان بين فارس والروم حروب متواصلة، وزحوف متكاثرة، في دهور متطاولة، إلى أن التقوا في السنة الثامنة من نبوة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زمن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، فظفرت فارس على الروم، أخرج سنيد بن داود في تفسيره والواحدي في أسباب النزول والترمذي في تفسير سورة الروم من جامعه وغيرهم، وقد جمعت ما ذكروه، وربما أدخلت حديث بعضهم في بعض.
قال سنيد عن عكرمة: كانت في فارس امرأة لا تلد
(15/6)

إلا الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشاً، وأستعمل عليهم رجلاً من بنيك، فأشيري عليَّ أيهم أستعمل، فأشارت عليه بولد يدعى شهربراز، فاستعمله على جيش أهل فارس وقال الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد بن مسكوية في كتابه تجارب الأمم وعواقب الهمم، فقالت تصف بنيها: هذا فرحان أنفذ من سنان، هذا شهربراز أحكم من كذا، هذا فلان أروغ من كذا، فاستعمل أيهم شئت. فاستعمل شهربراز - انتهى. وبعث قيصر رجلاً يدعى قطمير بجيش من الروم، فالتقى مع شهربراز بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب فغلبت فارس الروم وظهروا عليهم فقتلوهم وخربوا مدائنهم وقطعوا زيتونهم، وبلغ ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رضي الله عنهم وهم بمكة فشق ذلك عليهم، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، لأن فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا يجحدون البعث، ويعبدون النار والأصنام، وفرح كفار مكة وشمتوا. قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وكان
(15/7)

المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب - انتهى. فلقي المشركون أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وأهل فارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم. فذكر ذلك أبو بكر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلت الآية، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أما إنهم سيغلبون في بضع سنين» .
قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «ألا جعلته إلى دون» يعني دون العشرة، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع، ثم ظهرت الروم بعد ذلك، وروى الترمذي أيضاً عن نيار بن مكرم الأسلمي رضي الله تعالى عنه وقال: حديث حسن صحيح غريب، قال: لما نزلت: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان
(15/8)

المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} وكانت قريش «تحب» ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل الكتاب ولا إيمان ببعث، فلما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} ! قال ناس من قريش لأبي بكر رضي الله عنه: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارساً في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: كم تجعل البضع من ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست سنون قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه تسمية ست سنين، لأن الله
(15/9)

تعالى قال: {في بضع سنين} . قال ابن الجوزي في زاد المسير: وقالوا: هلاّ أقررتها على ما أقرها الله، لو شاء أن يقول: ستاً، لقال. قال الترمذي في روايته: وأسلم عند ذلك ناس كثير. وروى الترمذي أيضاً والواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ظهور الروم عليهم كان يوم بدر. وقال الزمخشري فيما ذكره من عند سنيد أنه كان يوم الحديبية فإنه قال بعد أن ساق نحو ما مضى: فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه - يعني للمشركين: لا يقرنّ الله أعينكم! فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت يا أبا فضيل! اجعل بيننا وبينك أجلاً أناحبك عليه.
- والمناحبة: المراهنة - فناحبه على عشر قلائص - من كل واحدة منهما، وجعل الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر ومادّه في الأجل، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين،
(15/10)

ومات أبي من جرح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني الذي جرحه به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحد، فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين. وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ ابو بكر رضي الله عنه الخطر من ذرية أبي، وجاء به إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «تصدق به» - انتهى. وربما أيد القول بأنه سنة الحديبية سنة ست ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنهم في كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هرقل وسؤال هرقل لأبي سفيان رضي الله عنه، وفيه أن ذلك لما كشف الله عن قيصر جنود فارس ومشى من حمص إلى إيلياء شكراً لما أبلاه الله، ومن المعلوم أن كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه وإلى غيره من الملوك كان بعد الرجوع من الحديبية، وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة الصادقة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله نزل بالحق المبين، لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى فطابقه الواقع. وقال ابن الجوزي: وفي الذي تولى
(15/11)

وضع الرهان من المشركين قولان: أحدهما أبي بن خلف - قاله قتادة، والثاني أبو سفيان بن حرب - قاله السدي - انتهى. وذكر القصة أبو حيان في تفسيره البحر وزاد عن مجاهد أن التقاءهم لما ظهرت فارس كان في الجزيرة، وعن السدي أنه كان بأرض الأردن وفلسطين، وأن أبا بكر رضي الله عنه لما أراد الهجرة طلب منه أبي بن خلف كفيلاً بالخطر الذي كان بينهما في ذلك، فكفل به ابنه عبد الرحمن رضي الله عنه، فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل، فأعطاه كفيلاً وهلك أبي من جرح جرحه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال ابن الفرات في تأريخه: كان بين كسرى أنوشروان وبين ملك الروم هدنة، فوقع بين رجلين من أصحابهما فبغى الرومي على الفارسي، فأرسل كسرى إلى ملك الروم بسببه، فلم يحفل برسالته، فغزاه كسرى في بضع وسبعين ألف مقاتل فأخذ مدينة دارا والرها ومنبج وقنسرين وحلب وأنطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشام - وفامية وحمص ومدناً كثيرة، واحتوى على ما كان فيها. وسبى أهل أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد، وكان ملك الروم يؤدي إليه الخراج، ولم يزل مظفراً منصوراً، تهابه الأمم، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك
(15/12)

والصين والخزر ونظائرهم، وقال أيضاً في ملك أبرويز بن هرمز بن أنوشروان: وكان شديد الفطنة، قوي الذكاء، بعث الأصبهبذ - يعني شهربراز - مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم، وبعث بها إلى كسرى، فخاف كسرى أن يتغير عليه الأصبهبذ، لما قد نال من الظفر فبعث بقتله، فجاء الرجل إليه فرأى من عقله وتدبيره ما منعه من قتله وقال: مثل هذا لا يقتل، وأخبره ما جاء لأجله، فبعث إلى قيصر ملك الروم: إني أريد أن ألقاك، فالتقيا فقال له: إن الخبيث قد هم بقتلي، وإني أريد إهلاكه، فاجعل لي من نفسك ما أطمئن إليه، وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك.
فأعطاه المواثيق، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل، فنزل بكسرى، فعلم كسرى كيف جرى الحال، فدعا قساً نصرانياً، يعني وكتب معه كتاباً. وقال ابن مسكويه: وكان أبرويز وجه رجلاً من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد الروم، فأنكى فيهم وبلغ منهم، وفتح الشامات وبلغ الدروب في آثارهم، فعظم أمره وخافه أبرويز فكاتبه بكتابين يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ويقبل إليه، ويأمره في الآخر أن يقيم بموضعه، فإنه لما
(15/13)

تدبر أمره وأجال الرأي لم يجد من يسد مسده، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه، وأرسل بالكتابين رسولاً من ثقاته وقال له: أوصل الكتاب الأول بالأمر بالقدوم فإن خف لذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياماً ثم أعلمه الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه. فخرج رسول كسرى حتى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشام، فأوصل الكتاب الأول إليه، فلما قرأه قال: إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدو، فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه، فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام، وأوهمه أن رسولاً ورد به، فلما قرأه قال: هذا تخليط ولم يقع منه موقعاً، ودس إلى ملك الروم من ناظره في إيقاع صلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل بلاد العراق على غرة من كسرى، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق، وللفارسي ما وراء ذلك إلى بلاد فارس، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطرق، فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم عليه من ناحية قرقيسيا وكسرى غير معد وجنده متفرق في أعماله، فوثب
(15/14)

من سريره مع قراءة الخبر وقال: هذا وقت حيلة، لا وقت شدة، وجعل ينكت في الأرض ملياً، ثم دعا برقّ وكتب فيه كتاباً صغيراً بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه: قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وإطماعه في نفسك وتخلية الطريق له حتى إذا تولج في بلادنا أخذته من أمامه، وأخذته أنت ومن ندبناه لذلك من خلفه، فيكون ذلك بواره، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه، وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا، ثم دعا راهباً كان في دير بجانب مدينته وقال: أيّ جار كنت لك؟ قال: أفضل جار، قال: فقد بدت لنا إليك حاجة، فقال الراهب: الملك أجلّ من أن يكون له حاجة إلى مثلي، ولكن عندي بذل نفسي في الذي يأمر به الملك، قال كسرى: تحمل لي كتاباً إلى فلان صاحبي - وقال ابن الفرات: إلى الأصبهبذ - ولا تطلعن على ذلك أحداً.
وأعطاه ألف دينار، قال: نعم! قال كسرى: فإنك تجتاز بإخوانك النصارى فأخفه، قال: نعم، فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى: أعلمت ما في الكتاب؟ قال: لا، قال: فلا تحمله حتى تعلم ما فيه، فلما قرآه أدخله في جيبه ثم مضى، فلما صار في عسكر الروم نظر إلى الصلبان والقسيسين
(15/15)

وضجيجهم بالتقديس والصلوات فاحترق قلبه لهم وأشفق مما خاف أن يقع بهم وقال في نفسه: أنا شر الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية وهلاك هؤلاء القوم، فصاح: أنا لم يحملني كسرى رسالة ولا معي له كتاب، فأخذوه فوجدوا الكتاب معه، وقد كان كسرى وجّه رسولاً قبل ذلك اختصر الطريق حتى مر بعسكر الروم كأنه رسول إلى كسرى من صاحبه الذي طابق ملك الروم ومعه كتاب فيه أن الملك قد كان أمرني بمقاربة ملك الروم وأن أختدعه وأخلي له الطريق فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا من خلفه، وقد فعلت ذلك، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه، فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال: عجبت أن يكون هذا الفارسي أدهن على كسرى، ووافاه أبرويز فيمن أمكنه من جنده، فوجد ملك الروم قد ولى هارباً، فأتبعه يقتل وياسر من أدرك، وبلغ الأصبهبذ هزيمة الروم فأحب أن يخلي نفسه ويستر ذنبه لما فاته ما دبر، فخرج خلف الروم الهاربين فلم يسلم منهم إلا قليل. وقال ابن الفرات: وخرج القس بالكتاب وأوصله إلى قيصر فقال: ما أراد إلا هلاكنا، وانهزم
(15/16)

فاتبعه كسرى فنجا في شرذمة يسيرة، وافتتح كسرى أبرويز عدة من بلاد أعدائه، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية. وقد ذكر ابن مسكويه أيضاً ما يمكن أن يكون المراد بالآية، وشرح أسباب ذلك فذكر أن هرمز بن أنوشروان لما بعث بهرام بن بهرام الملقب جوبين إلى ملك الترك وظفر به ثم بابنه، أساء السيرة فيه ولم يأذن له في الرجوع، بل أمره بالتقدم فيما لم يره بهرام صواباً وخاف مخالفته، وقد كان هرمز حسن السيرة جداً أديباً أريباً، داهياً إلا عرقاً قد نزعه أخواله من الترك، فكان لذلك مقصياً للأشراف وأهل البيوتات والعلماء، ولم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم ففسدت عليه نيات الكبراء من جنده، فلما خافه بهرام جمع وجوه عسكره، وخرج عليهم في زي النساء وبيده مغزل وقطن ثم جلس في موضعه ووضع بين يدي كل واحد منهم مغزلاً وقطناً، فامتعضوا لذلك، فقال: إن كتاب الملك ورد عليّ بذلك، فلا بد من امتثال أمره إن كنتم طائعين، فأبوا وخلعوا هرمز، وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للملك منه، فلما سمع أبرويز بذلك خاف أباه على نفسه، فهرب إلى أذربيجان، ولما بلغ
(15/17)

الجند الذين بحضرة هرمز خلعه أعجبهم، فضعف أمره، ثم أجمعوا على خلعه فخلعوه وسلموه، فكوتب أبرويز بذلك فبادر بهراماً فسبقه وجلس على سرير الملك، فأطاعه الناس ودخل على أبيه، وأعلمه أنه نائبه، واعتذر إليه بأن ما حصل له لم يكن عن رأيه ولا برضاه ولا كان حاضره حتى يذب عنه، فعذره، وقصده بهرام فجرت بينهما أمور طويلة، وحروب هائلة، ضعف فيها أبرويز، وأحس من أصحابه فتوراً، وتبين فيهم فشلاً، فسار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير إلى ملك الروم، فنهض إلى ذلك في عدة يسيرة فيهم بندويه وبسطام خالاه، وكردي أخو بهرام، وكان ماقتاً لأخيه بهرام ومناصحاً لأبرويز، فقطعوا الفرات وصاروا إلى دير في أطراف العمارة، فلحقتهم خيل بهرام فقال بندويه لأبرويز: أعطني بزتك وزينتك لأحتال لك وأبذل نفسي دونك، ففعل فأمره بالنجاة بمن معه، وأقام هو في الدير، فلما أحيط به اطلع بندويه من فوق الدير فأوهمهم أنه أبرويز بما عليه من البزة والزينة، فظنوه وسألهم الإمهال إلى غد ليسلمهم نفسه فأمسكوا، وحفظ الدير بالحرس، فلما أصبحوا اطلع عليهم وقال: إن عليَّ وعلى أصحابي بقية شغل من استعداد لصلوات وعبادات فأمهلونا، ولم يزل يدافع حتى
(15/18)

مضى عامة النهار وعلم أن أبرويز قد فاتهم، ففتح حينئذ وأعلم قائدهم بأمرهم، فانصرف به إلى بهرام جوبين فحبسه.
ولما وصل أبرويز إلى أنطاكية كاتب ملك الروم وسأله نصرته، فأجابه وتوادا إلى أن زوجة ابنته مريم وحملها إليه، وبعث إليه ستين ألف مقاتل فيهم أخوه تياذوس وسأله ترك الأتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم إذ هو ملك، فاغتبط به أبرويز وسار بهم، فلما وصل إلى أداني أرضهم انضم إليه كثير من أهل فارس فاستظهر على بهرام، فقصد بهرام بلاد الترك فأكرمه ملكها، ولم يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذي نصره حتى وثبت الروم عليه في شيء أنكروه منه فقتلوه وملكوا غيره، ولجأ ابنه إلى أبرويز فملكه على الروم وأرسل معه جنوداً كثيفة عليهم شهربراز، فدوخ عليهم البلاد، وملك صاحب كسرى بيت المقدس وقصد قسطنطينية، فأناجوا على ضفة الخليج القريب منها، ولم يخضع لابن الملك الذي توجه كسرى أحد من الروم، وكانوا قد قتلوا الذي ملكوه بعد أبيه لما ظهر من فجوره وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلاً يقال له هرقل.
وقال ابن الفرات: إن أبرويز بعث مع ابن الملك الذي كان نصره ثلاثة من قواده في جنود كثيرة كثيفة، أما أحدهم فإنه كان
(15/19)

يقال له زميرزان وجهه إلى بلاد الشلام فدوخها حتى انتهى إلى بلاد فلسطين، وورد مدينة بيت المقدس، وأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب، وكانت قد دفنت في بستان في تابوت من ذهب وزرع فوقها مبقلة فدلوه عليها فحفر واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في سنة أربع وعشرين من ملكه، وأما القائد الثاني - وكان يقال له: شاهير - فسار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد النوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة الإسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه، وأما القائد الثالث - وكان يقال له: فرهان - فإنه قصد قسطنطينية حتى أناخ قريباً من ماء وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضباً مما انتهكوا من موريق - يعني الملك الذي كان نصره، وفعل هذا لأجل ابنه، وانتقاماً له منهم، ولم ينقد لابن الملك الذي فعل هذا لأجله أحد من الروم، لأنهم لما قتلوا الملك قوفا ملكوا عليهم رجلاً يقال له هرقل، ثم اتفق ابن الفرات
(15/20)

وابن فتحون فقالا: فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلهم مقاتلتهم، وسبيهم ذراريهم، واستباحتهم أموالهم، تضرع إلى الله تعالى، وأكثر الدعاء والابتهال فيقال: إنه رأى في منامه رجلاً ضخم الجثة رفيع المجلس عليه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إني قد سلمته في يدك، فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته حتى توالت عليه أمثالها، فرأى في بعض لياليه كأن رجلاً دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس الرفيع عليه ثم دفعه إليه وقال له: ها قد دفعت إليك كسرى برمته، وقال ابن الفرات: فاغزه فإنك مدال عليه، ونائل أمنيتك في غزاتك، فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي العلم منهم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية، وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز صاحب كسرى، وسار حتى دخل في بلاد أرمينية ونزل بنصيبين بعد سنة، وقد كان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه، وأما شهربراز
(15/21)

فكانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به، وترك البراح، ثم بلغ كسرى تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلاً من قواده يقال له: راهزاد في اثني عشر ألفاً من الأنجاد، وأمره أن يقيم بنينوى وهي التي تدعى الآن الموصل - على شاطىء دجلة، ويمنع الروم أن يجوزوها، وكان كسرى بلغه خبر هرقل وأنه مغذ وهو يومئذ مقيم بدسكرة الملك، فتعذر راهزاد لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة من موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس، فأذكى راهزاد العيون عليه فانصرفوا إليه فأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزاد أنه ومن معه من الجند عاجزون عن مناهضته، فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسن عدته، قال ابن الفرات: فكتب كسرى إنكم إن عجزتم عن الروم لم تعجزوا عن بذل دمائكم في طاعتي، فلما تتابعت على راهزاد جوابات كسرى بذلك عبى جنده، وناهض الروم بهم،
(15/22)

فقتل الروم راهزاد وسته آلاف رجل، وانهزمت بقيتهم، وهربوا على وجوههم، وبلغ كسرى قتل الروم راهزاد وستة آلاف وما نال هرقل من الظفر فهدّه ذلك وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن، وتحصن به لعجزه كان عن محاربة هرقل، وسار هرقل حتى كان قريباً من المدائن.
قال ابن الفرات: فاستعد كسرى لقتاله ثم خالف كسرى ملك الروم فرجع إلى بلاده فحمل خزائنه في البحر. فعصفتا الريح فألقتها بالإسكندرية، فظفر بها أصحابه من الروم، وذكر المسعودي هذا فخالف بعض المخالفة: فقال: وثب بطريق من بطارقة الروم يقال له قوقاس فيمن اتبعه على تموريقس ملك الروم حمو أبرويز ومنجده، فقتلوه وملكوا قوقاس، ونمى ذلك إلى أبرويز فغضب لحموه وسيّر إلى الروم جيوش وكانت له في ذلك أخبار يطول ذكرها، وسيّر شهريار مرزبان المغرب إلى حرب الروم فنزل أنطاكية وكانت له مع ملك الروم وأبرويز أخبار ومكاتبات وحيل إلى أن خرج ملك الروم إلى حرب شهريار، وقدم خزائنه في البحر في ألف مركب،
(15/23)

فألقتها الريح إلى ساحل أنطاكية فغنمها شهريار فحملها إلى أبرويز فسميت خزائن الريح، ثم فسدت الحال بين أبرويز وشهريار، ومايل شهريار ملك الروم فسيره شهريار نحو العراق إلى أن انتهى إلى النهروان فاحتال أبرويز في كتب كتبها مع بعض أساقفة النصرانية ممن كان في ذمته حتى رده إلى القسطنطينية، وأفسد الحال بينه وبين شهريار. وقال أبو حيان: وسبب ظهور الروم أن كسرى بعث إلى شهربراز وهو الذي ولاه على محاربة الروم أن اقتل أخاك فرخان - انتهى. وهذا هو تتمة ما تقدم في خبر المرأة التي كانت لا تلد إلا الأبطال، وأن كسرى بعث ابنها شهربراز إلى حرب الروم فظهر عليهم.
قال ابن مسكوية: فلما ظهرت فارس علىلروم جلس فرخان يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت مقالته كسرى فكتب إلى شهربراز: إذا أتاك كتابي هذا فابعث إليَّ برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان، فإن له نكاية في العدو وصوتاً فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفاً منه
(15/24)

فعجل إليّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى وبعث بريداً إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهربراز واستعملت فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال: إذا ولى الفرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، فلما قرأ شهربراز الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ونزل عن سريره، وجلس فرخان ودفع البريد الصحيفة إليه فقال: ائتوني بشهربراز، فقدمه ليضرب عنقه فقال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: افعل. فدعا بسفط وأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فرد الملك على أخيه، فكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين رومياً، فإني أيضاً ألقاك في خمسين فارساً، فأقبل قيصر في خمسائة رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلاً، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، واجتمعا ومع كل واحد منهما سكين، ودعوا ترجماناً بينهما، فقال شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك، وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا، وأن
(15/25)

كسرى حسدنا فأراد أن أقتل اخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني فقد خلعناه جميعاً فنحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما ووفقتما ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر إنما يكون بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال صاحبه: أجل، فقاما جميعاً إلى الترجمان بسكينيهما فقتلاه، واتفقا على قتال كسرى، فتعاون شهربراز وهرقل على كسرى، فغلبت الروم فارسَ. وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في أوائل فتوح مصر نحو هذا الحديث من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يسأل الهرمزان عن سبب ظهور الروم على كسرى فأخبره به، وكان مما تمكن الخلاف عليه أيضاً أنه كان طلب الذين هربوا بعد قتل قائدهم راهزاد، وأمر بأن يعاقبوا على انهزامهم، فأحوجهم بهذا إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، فإن كانت الوقعة التي غلبت الروم فيها بأذرعات أو الأردن فهي أدنى أرض الروم - أي أقربها - إلى مكة المشرفة، وإن كانت بالجزيرة فهي أدنى بالنظر إلى كسرى - هذا ما حقت فيه الآية في ظاهر العبارة وصريحها مع ما انضم إلى ذلك من إداله العرب على الفرس أيضاً في هذا الوقت في وقعة ذي قار - كما بينته في شرحي لنظمي للسيرة النبوية المسمى «نظم الجواهر من سيرة سيد الأوائل والأواخر»
(15/26)

وسيأتي ملخصه قريباً - حتى يقال: إن نصرة الروم والعرب ونصرة المسلمين في بدر كانت في آن واحد.
ومن أعاجيب ما دخل تحت مفهوم الآية من لطائف المعجزات في باطن الإشارة وتلويحها أن زماننا هذا كان قد غلب فيه على ملك مصر جندها الغرباء من الترك وغيرهم ثم اختص به الشراكسة منهم من نحو مائة سنة، وهم ممن ليس له كتاب في الأصل وإن كان إسلامهم قد جب ما كانوا عليه من قبل وكانوا إذا مات أحدهم وله ابن ولوا ابنه لأجل مماليكه واتباع ابيه إلى أن يعملوا الحيلة في خلعه، وكان أكثر أولادهم يكون صغيراً أو في حكمه حتى كانت سنة خمس وستين وثمانمائة، فصادف أن المتولي بها من أولادهم المؤيد أحمد بن الأشرف إينال العلائي، وكان قد ناهز الأربعين، وكان عنده حزم ودهاء، وزادت مدة ولايته بعد أبيه على أربعة أشهر فثقل عليهم جداً، وكان الأمير الكبير خشقدم أحد مماليك المؤيد شيخ وهو رومي، وكانت عادتهم أنهم إذا خلعوا أحداً من أبناء الملوك ولو الملك من كان في الإمرة الكبرى، فاختار
(15/27)

الشراكسة ولايته وإن كان من غيرهم على ولاية من ولد في الإسلام في بلاد العرب، فأعملوا الحيلة في أمره إلى أن أجمع أمرهم ورأيهم كلهم على خلعه حتى مماليكه ومماليك أبيه، فقاموا في ذلك قومة رجل واحد في أواخر شهر رمضان من السنة المذكورة، فلما لم يجد له ناصراً أسلم نفسه في اليوم الثاني من وثوبهم عليه، فعرضوا الولاية على شخص منهم فلم ير التقدم على أكبر منه في الرتبة فأشار إلى الأمير الكبير فولوه، ثم اجتهد بعضهم في نزعه فلم يقدرهم الله على ذلك ولم يجمع كلمتهم على أحد، وقام هو في الأمر بجد عظيم وحزم، ولين في شدة وعزم، حتى استحكم أمره، وعظم قدره، وحسب عدد «بضع» بالجمل فإذا هو اثنان وسبعون وثمانمائة، وهو مقدار ما مضى من السنين من حين نزول الآية إلى حين ولايته، وذلك أن نصر أهل فارس على الروم كما مضى كان في السنة الثامنة من النبوة، وحينئذ نزلت الآية، فإذا قلنا: إن نزولها كان في شهر رمضان من تلك السنة، كان قبل الهجرة بست سنين إذا جعلنا كسر الثامنة سنة، وقد كانت وقعة بدر في سابع عشر شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة في الشهر السابع، فيكون نصر الروم إذا صححنا كما هو الذي ينبغي أن
(15/28)

لا يعتقد غيره لدلالة القرآن العظيم عليه كما تأتي الإشارة إليه أنه في سنة غزوة بدر في آخر السنة السابعة من حين نزوال الآية، ويكون ولاية السلطان خشقدم لكونها في أواخر شهر رمضان في ابتداء سنة ست وستين من الهجرة، فإذا ضممت إليها الست التي كانت قبل الهجرة كانت الجملة ثمانمائة واثنين وسبعين على عدد «بضع» المنظوم في الآية سواء، وإن صححنا كما أيده ما في الصحيح عن أبي سفيان أن نصر الروم كان وقت الحديبية وذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، وكما قلنا: كان نزول الآية قبل الهجرة بشهرين ونحوهما، صح أن نصر الروم كان عند دخول السنة السابعة من نزول الآية كما في رواية الترمذي عن نيار رضي الله عنه، وكان الموافق لعدد البضع سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة، وفيها غلب شخص من الروم، وذلك أن الظاهر خشقدم مات في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة، فولى بعده الأمير الكبير يلبية وهو من الشراكسة، فلم ينتظم له الأمر، فخلع في جمادى الأولى منها، وولى الأمير الكبير تمربغا ولقب الظاهر وهو رومي، فكان ذلك من الآيات الباهرات إن وافق هذا الأمر العدد المذكور على كلتا الروايتين: رواية من قال:
(15/29)

إن التصر كان يوم بدر، ورواية من قال: كان يوم الحديبية، ولولا ولاية يلبية ما صح إلا أحدهما، إن في ذلك لعبرة، هذا إن عددنا آحاد السنين، وإن عددناها مئات فهو في بضع منها، فإنه في المائة التاسعة كما أشار إليه الأستاذ أبو الحكم عبد السلام بن برجان في تفسيره فقال: حكمة الله جل ذكره في دوائر التقدير أن يرجع فيها أواخر الكلم عن أوائلها، ومن الدوائر مقدرة، ومنها موسعة على مقدار مشيئة الله فيها وبها، ولما أخبر الله تعالى عن الروم أنهم غلبوا في أدنى الأرض وهي بلد الشام، كان إخباراً منه عما يكون - والله أعلم - وبشارة بشر بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين أن ذلك سيكون، يعني أن معنى «غلبت» مبنياً للمفعول إن كان بالنسبة إلى فارس كان المعنى وقع غلبها، وإن كان بالنسبة للمسلمين كان المعنى: قرب زمان غلبها على أيدي المسلمين، ثم قال: فكان ذلك في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، غلبهم في بلاد الشام، واستخرج بيت المقدس عن أيديهم.
والبضع من الثلاث إلى التسع، وكان نزول هذه السورة بمكة فكان ذلك داخل بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان
(15/30)

وعشرين سنة، ثم لم يزل الفتح بعد ذلك يتصل ويتسع إلى نهاية سبقت في التقدير، ثم ذكر عود التقدير باستيلاء الروم على بعض أطراف الشام ثم باستنقاذ المسلمين ذلك منهم، ونظر إلى ذلك تارة بحسب الأسابيع وتارة بحسب آحاد المئات، وتارة بغير ذلك، وصحح وقوعه في البضع بالغالبية والمغلوبية مرة بعد أخرى، وهو من بدائع الأنظار، ودقائق الأسرار الكبار.
ولما كان تغليب ملك على ملك من الأمور الهائلة، وكان الإخبار به قبل كونه أهول، ذكر علة ذلك فقال: {لله} أي وحده {الأمر} ولما أفهم السياق العناية بالروم، فكان ربما توهم أن غلب فارس لهم في تلك الواقعة وتأخير نصرهم إلى البضع ربما كان لمانع لم يقدر على إزالته، نفى ذلك بإثبات الجار المفيد لأن أمره تعالى مبتدىء من الزمن الذي كان قبل غلبهم حتى لم تغلبهم فارس إلا به، وهو مبتدىء من الزمن الذي بعده، فالتأخير به لا بغيره، لحكمة دبرها سبحانه فقال: {من قبل} أي قبل دولة أهل فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس، لا إلى غاية تكون مبدأ لاختصاصه بالأمور فيه سبحانه غلبوهم {ومن بعد} أي بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم لا إلى غاية فيه أيضاً غلبهم الروم، فحذف المضاف إليه
(15/31)

هو الذي أفهم أن زمن غلبة فارس لهم وما بعده من البضع مذكور دخوله في أمره مرتين.
ولما أخبر بهذه المعجزة، تلاها بمعجزة أخرى، وهو أن أهل الإسلام لا يكون لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال: {ويومئذ} أي إذ تغلب الروم على فارس {يفرح المؤمنون} أي العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {بنصر الله} أي الذي لا رادّ لأمره، لأهل الكتاب عامة، نصرهم على المشركين في غزوة بدر وهو المقصود بالذات، ونصر الروم على فارس لتصديق موعود الله ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من مشركي العرب على الفرس في وقعة ذي قار، فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي إضافته إلى الله تعالى وهو نصر أهل الدين الصحيح أصلاً وحالاً ومالاً، وسوق الكلام على هذا الوجه الذي يحتمل الثلاثة من بدائع الإعجاز، وسبب وقعة ذي قار أنه كان أبرويز هذا - الذي غلب الروم ثم غلبته الروم - قد غضب على النعمان بن المنذر ملك العرب، فأتى النعمان هذا هانىء بن مسعود بن عامر الشيباني، فاستودعه ماله وأهله وولده - وألف شكة، أو أربعة آلاف شكة - والشكة
(15/32)

بكسر المعجمة وتشديد الكاف: السلاح كله - ووضع وضائع عند أحياء العرب ثم هرب فأتى طيئاً لصهره فيهم، وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن لأم وزينب بنت أوس بن حارثة بن لأم، فأبوا أن يدخلوه حبلهم وأتته بنو رواحة بن ربيعة بن عبس فقالوا له: أبيت اللعن! أقم عندنا فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فقال: ما أحب أن تهلكوا بسبب فجزيتم خيراً، ثم خرج حتى وضع يده في يد كسرى فحبسه بساباط، وقال ابن مسكويه: بخانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط، والصحيح ما حكيناه.
فلما مات النعمان جعلت بكر بن وائل تغير في السواد، فغضب من ذلك كسرى، ثم بعث إلى هانىء بن مسعود يقول له: إن النعمان إنما كان عاملي، وقد استودعك ماله وأهله وحلقته فابعث إليّ بها ولا تكلفني أن أبعث إليك وإلى قومك بالجنود فتقتل المقاتلة وتسبي الذراري، فبعث إليه هانىء أن الذي بلغك باطل، وما عندي شيء، وإن يكن الأمر كما قيل فإنما أنا أحد الرجلين: إما
(15/33)

رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من استودعها ولن يسلم الحر أمانته، أو رجل مكذوب عليه وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو أو حاسد. وكانت الأعاجم لهم قوة وحلم، وكانوا قد سمعوا ببعض حلم العرب، وأن الملك كائن فيهم، فلما ورد عليه كتاب هانىء بهذا حملته الشفقة أن يكون ذلك قد اقترب على أن خرج بنفسه، فأقبل حتى قطع الفرات فنزل غمر بني مقاتل، وقد أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانىء إياه ما منعه، ودعا كسرى إياس بن قبيصة الطائي وكان عامله على عين التمر وما والاها، فاستشاره في الغارة على بكر بن وائل فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من رعيته، وإن تطعني لم يعلم أحد لأي شيء عبرت وقطعت الفرات، فيرون أن أمر العرب قد كربك، ولكن ترجع وتضرب عنهم وتبعث عليهم العيون حتى ترى منهم غرة ثم ترسل حينئذ كتيبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم فيوقعون بهم وقعة الدهر، ويأتونك بطلبك، فقال له كسرى: أنت رجل من العرب وبكر بن وائل أخوالك، فأنت تتعصب لهم لا تألوهم نصحاً، فقال إياس: الملك أفضل رأياً، فقام عمر بن عدي بن زيد العبادي
(15/34)

وكان كاتبه وترجمانه بالعربية في أمور العرب فقال: قم أيها الملك وابعث إليهم بالجنود يكفوك! وقام إليه النعمان بن زرعة من ولد السفاح الثعلبي فقال له: أيها الملك! إن هذا الحي من بكر بن وائل إذا قاظوا تهافتوا على ماء لهم يقال له: ذو قار، تهافت الفراش في النار، فعقد لنعمان بن زرعة على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وأياد وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه الشهباء والدوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهامرز على ألف من الأساورة، وعقد لخيارزين على ألف، وبعث معهم باللطيمة وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البن والعطر والألطاف، توصل ذلك إلى باذان عامل كسرى على اليمن، وقال: إذا فرغتم من عدوكم فسيروا بها إلى اليمين، وأمر عمرو بن عدي أن يسير بها، وكانت العرب تحقرهم حتى تبلغ اللطيمة اليمن، وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا إليهم النعمان بن زرعة، فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهناً بما أحدث سفهاؤهم فاقبلوا منهم وإلا فقاتلوهم.
فلما بلغ الخبر بكر بن
(15/35)

وائل سار هانىء بن مسعود حتى نزل بذي قار، وأقبل النعمان بن زرعة حتى نزل على ابن أخته مرة بن عبد الله العجلي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم أخوالي وأحد طرفي، وإن الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس وفرسان العرب والكتيبتان الشهباء والدوسر، وإن الشر خياراً، ولأن يفدي بعضكم بعضاً خير من أن تصطلموا، انظروا هذه الحلقة فادفعوها وادفعوا معها رهناً من أبنائكم إليه بما أحدث سفهاؤكم، فقال له القوم: ننظر في أمورنا، وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن وائل وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجلهتين - وجلهة الوادي: مقدمه، مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره - وجعلت بكر بن وائل حين بعثوا إلى من حولهم من قبائل بكر لا ترفع لهم جماعة إلا قالوا: سيدنا في هذه الجماعة، إلى أن رفعت لهم جماعة فيها حنظلة بن ثعلبة بن سنان العجلي فقالوا: يا أبا معدان فقد طال انتظارنا وقد كرهنا أن نقطع أمراً دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاء والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع رأيكم عليه؟ قالوا: قلنا اللحي أهون من الوهي، وإن في الشر خياراً، ولأن نفدي بعضنا بعضاً خير من أن نصطلم جميعاً، فقال حنظلة:
(15/36)

قبح الله هذا رأياً، لا تجر أحرار فارس غزلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع صوتاً، ثم أمر بقبته فضربت بوادي ذي قار ونزل الناس فأطافوا به ثم قال لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة! إن ذمتكم ذمتنا عامة، وأنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرقها بين قومك، فإن تظفر فسترد عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، فأمر بها فأخرجت ففرقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى أهلك سالماً، فرجع النعمان إلى أصحابه، فأخبرهم فباتوا ليلتهم يستعدون للقتال، وبات بكر بن وائل يستعدون للحرب، فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم نحوهم وأمر حنظلة بالظعن جميعاً فوقفها خلف الناس ثم قال: يا معشر بني بكر بن وائل! قاتلوا عن ظعتنكم أو دعوا، وأقبلت الأعاجم يسيرون إلى تعبئة، وكان ربيعة بن غزالة السكوتي ثم التجيبي يومئذ هو وقومه نزولاً في بني شيبان فقال: يا بني شيبان! أما إني لو كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العلم قالوا: وأنت والله من أوسطنا، أشر علينا، قال: لا تستهدفوا هذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس فيشد عليهم كردوس، فإذا أقبلوا عليه شد الآخر، قالوا: فإنك قد رأيت رأياً، ففعلوا، فلما التقى الزحفان وتقارب
(15/37)

القوم قام حنظلة بن ثعلبة فقال: يا معشر بكر بن وائل! إن النشاب الذي مع الأعاجم يعرفكم، فإذا أرسلوه لم يُخْطِكُمْ، فعاجلوهم اللقاء وابدأوهم، ثم قام هانىء بن مسعود فقال: يا قوم! مهلك معذور خير من منجى مفرور، إن الحذر لا يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، ياقوم: جدوا، فما من القوم بد فتح لو كان رجال أجد، أسمع صوتاً ولا أرى فوتاً، يا لبكر! شدوا واستعدوا، فإن لا تشدوا تردوا، ثم قام شريك بن عمرو بن شراحيل فقال: ياقوم! إنما تهابونهم أنكم ترونهم عند الحفاظ أكثر منكم، وكذلك أنتم في عيونهم فعليكم بالصبر، فإن الأسنة تردي الأعنة، يا لبكر! قدماً قدماً، ثم قام عمرو بن جبلة اليشكري فقال:
يا قوم لا تغرركم هذي الخرق ... ولا وميض البيض في شمس برق
من لم يقاتل منكم هذي العنق ... فجنبوه اللحم واسقوه المرق
ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى (وضين) امرأته فقطعه ثم تتبع الظعن بقيع وضنهن، لئلا يفر عنهن الرجال، والوضين: بطان الناقة فسمي
(15/38)

يومئذ: مقطع الوضن. وقال ابن مسكوية: إنه لما قطع الوضن وقع النساء إلى الأرض وإن بنت القرين الشيبانية نادت:
ويها بني شيبان صفاً بعد صف ... إن تهزموا يصبّغوا فينا القلف ... فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم لتخف أيديهم بالضرب، وتقدمت عجل فأبلت يومئذ بلاء حسناً، واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدت عجلاً ثابتة تقاتل وامرأة منهم تقول:
إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... فدى لكم نفسي فدى بني عجل
وتقول أيضاً:
إن تقدموا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تهربوا نفارق ... فراق غير وامق
فكانت بنو عجل في الميمنة بإزاء خيارزين وبنو شيبان في الميسرة
(15/39)

بإزاء كتيبة الهامرز، وأفناء بكر بن وائل في القلب فخرج أسوار من الأعاجم مسور مشنف في أذنيه درتان، من كتيبة الهامرز يتحدى الناس للبراز، فنادى في بني شيبان فلم يبارزه أحد حتى إذا دنا من بني يشكر برز له برد بن حارثة أخو بني ثعلبة فشد عليه بالرمح فطعنه فدق صلبه وأخذ حليته وسلاحه، وقال ابن مسكويه: ونادى الهامرز لما رأى جد القوم وثباتهم للحرب وصبرهم للموت مرد ومرد، فقال برد بن حارثة اليشكري: ما يقول؟ قيل: يدعو إلى البراز! يقول: رجل ورجل! فقال: وأبيكم لقد أنصف، وبرز له فلم يلبث برد أن تمكن من الهامرز فقتله. وقال ابن مكرم في اختصاره للأغاني: ثم اقتتلوا صدر نهارهم أشد قتال رآه الناس إلى أن زالت الشمس، فشد الحوقران واسمه الحارث ابن شريك على الهامرز فقتله وقتلت بنو عجل خيارزين، وضرب الله وجوالفرس فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم بقية يومهم حتى أصبحوا من الغد وقد شارفوا السواد ودخلوه فلم يلفت منهم كبير أحد، وأقبلت بكر بن وائل على الغنائم فقسموها بينهم،
(15/40)

وقسموا تلك اللطائم بين نسائهم، وكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر فقال: هزمنا بكر بن وائل، وأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك كسرى، وأمر له بكسوه، ثم إن إياساً استأذنه عند ذلك فقال: إن أخي مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه، وإنما أراد أن ينتحي عنه، فإذن له، ثم أتى رجل من أهل الحيرة فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: نعم! إياس، فقال: ثكلت إياساً أمه! وظن أنه قد حدثه بالخبر، فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه؛ وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة، فلما بلغه ذلك قال: «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا» .
روى ذلك الطبراني في المعجم الكبير، وقيل: إن الوقعة مثلت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بالمدينة فرفع يده، فدعا لبني شيبان أو لجماعة ربيعة بالنصر، ولم يزل يدعو لهم حتى أرى هزيمة الفرس، وروي أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أيها بني ربيعة اللهم انصرهم» فهم إلى الآن إذا حاربوا نادوا بشعار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعوته، وقال قائلهم: يارسول الله! دعوتك، فإذا دعوا بذلك نصروا. وروى ذلك الطبراني الكبير - قال
(15/41)

الهيثمي: ورجاله الصحيح غير خلاد بن عيسى وهو ثقة - عن خالد ابن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: «قدمت بكر بن وائل مكة فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي بكر رضي الله عنه:» ائتهم فاعرض عليهم! «فأتاهم فقال: من القوم؟ ثم عاد إليهم ثانية فقال: من القوم؟ فقالوا: بنو ذهل بن شيبان، فعرض عليهم الإسلام، قالوا: حتى يجيء شيخنا فلان - قال خلاد: أحسبه قال: المثنى بن خارجة - فلما جاء شيخهم عرض عليهم أبو بكر رضي الله عنه، قال: إن بيننا وبين الفرس حرباً، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا، فقال له أبو بكر: أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا؟ قال: لا نشترط لك هذا علينا ولكن إذا فرغنا فيما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما نقول، فلما التقوا يوم ذي قار هم والفرس قال شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إلى الله؟ قالوا: محمد، قال: فهو شعاركم! فنصروا على القوم، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» بي نصروا «
انتهى. ومن الأشعار في وقعة ذي قار قول أبي كلبة التميمي:
(15/42)

لولا فوارس لا ميل ولا عزل ... من اللهازم ما قظتم بذي قار
إن الفوارس من عجل هم أنفوا ... بأن يخلّوا لكسرى عرصة الدار
قد أحسنت ذهل شيبان وما عدلت ... في يوم ذي قار فرسان ابن سيار
هم الذين أتوهم عن شمائلهم ... كما تلبّس وراد بصدار
وقال الأعشى:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وصاحبها يوم اللقاء وفلت
هم ضربوا بالحنو حنو قراقر ... مقدمة الهامرز حتى تولت
ولما أخبر بإدالة الروم بعد الإدالة عليهم مع ما دخل تحت مفهوم الآية، وكان ربما قيل: ما له لم يدم نصر أهل الكتاب؟ علل ذلك كله بقوله: {ينصر من يشاء} من ضعيف وقوي، لأنه لا مانع له ولا يسأل عما يفعل {وهو العزيز} فلا يعز من عادى، ولا يذل من والى، ولما كان هذا السياق لبشارة المؤمنين قال: {الرحيم} أي يخص حزبه بما ينيلهم قربه من الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية.
(15/43)

وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)
ولما نزل هذا على قوم أكثرهم له منكر، أكده سبحانه بما يقوي
(15/43)

قلوب أصفيائه بتبيين المراد، ويرد ألسنة أعدائه عن كثير من الناد، ويعرفهم أنه كما صدق في هذا الوعد لأجل تفريح أوليائه فهو يصدق في وعد الآخرة ليحكم بالعدل، ويأخذ لهم حقهم ممن عاداهم، ويفضل عليهم بعد ذلك بما يريد، فقال: {وعد الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، وهو متعال عن كل شائبة نقص، فلذلك {لا يخلف} وأعاد ذكر الجلالة تنبيهاً على عظم الأمر فقال: {الله} أي الذي له الأمر كله. ولما كان لا يخلف شيئاً من الوعد، لا هذا الذي في أمر الروم ولا غيره، أظهر فقال: {وعده} كما يعلم ذلك أولياؤه {ولكن أكثر الناس} وهو أهل الاضطراب والنوس {لا يعلمون*} أي ليس لهم علم أصلاً، ولذلك لا نظر لهم يؤدي إلى أنه وعد وأنه لا بد من وقوع ما وعد به في الحال التي ذكرها لأنه قادر وحكيم.
ولما كان من المشاهدة أن لهم عقولاً راجحة وأفكار صافية، وأنظار صائبة، فكانوا بصدد أن يقولوا: إن علمنا أكبر من علمكم، كان كأنه قيل بياناً لأنه يصح سلب ما ينفع من العلم بتأديته إلى السعادة الباقية، وتنبيهاً على أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا: نعم {يعلمون} ولكن {ظاهراً} أي واحداً {من} التقلب في {الحياة الدنيا} وهو ما أدتهم إليه
(15/44)

حواسهم وتجاربهم إلى ما يكون سبباً للتمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطىء وهو لا يحسن يصلي - انتهى. وأمثال هذا لهم كثير، وهو وإن كان عند أهل الدنيا عظيماً فهو عند الله حقير، فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل، وما يضرها فتدفعه بأنواع من الخداع، وأما علم باطنها وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها بالطاعة، فهو ممدوح منبه عليه بوصفها بما يفهم الأخرى.
ولما ذكر حالهم في الدنيا، أتبعه ذكر اعتقادهم في الآخرة، مؤكداً إشارة إلى أن الحال يقتضي إنكار أن يغفل أحد عنها، لما لها من واضح الدلائل أقربه أن اسم ضدها يدل عليها، لأنه لا تكون إلا في مقابلة قصياً، ولا أولى إلا بالنسبة إلى أخرى، فقال: {وهم} أي هؤلاء الموصوفون خاصة {عن الآخرة} التي هي المقصود بالذات وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام {هم غافلون*} أي في غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا يخطر في خواطرهم، فصاروا لاستيلاء الغفلة عليهم إذا ذكرت لهم كذبوا بها، واستهزؤوا بالمخبر، ولم يجوزوها
(15/45)

نوع تجير مع أن دلائلها تفوت الحصر، وتزيد على العد، فصاروا كأنهم مخصوصون بالغفلة عنها من بين سائر الناس ومخصصون لها بالغفلة من بين سائر الممكنات، فلذلك لا يصدقون الوعد بإدالة الروم لما رسخ في نفوسهم من أن الأمور تجري بين العباد على غير قانون الحكمة، لأنهم كثيراً ما يرون الظالم يموت ولم يقتص منه، وهم في غفلة عن أنه أخر جزاؤه إلى يوم الدين، يوم يكشف الجبار حجاب الغفلة ويظهر عدله وفضله، وتوضع الموازين القسط، فتطيش بمثاقيل الذر، ويقتص للمظلومين من الظالمين، ومن أريد القصاص منه عاجلاً فعل، وقضية الروم هذه من ذلك، وهذا السياق يدل على أنه لا حجاب عن العلم أعظم من التكذيب بالآخرة، ولا شيء أعون عليه من التصديق بها والاهتمام بشأنها، لأن ذلك حامل على طلب الخلاص في ذلك اليوم، وهو لا يكون على أتم الوجوه إلا لمن وصل إلى حالة المراقبة، وذلك لا يكون إلا لمن علم إما بالكشف أو الكسب كل علم فلم يتحرك حركة إلا بدليل يبيحها له ويحمله عليها، وبهذا التقرير يظهر أن هاتين الجملتين بكمالهما علة لنفي العلم عنهم، والمعنى أن العلم منفي عنهم لما
(15/46)

شغل قلوبهم من هذا الظاهر في حال غفلتهم عن الآخرة، فانسد عليهم باب العلم - والله الموفق.
ولما كان التقدير: أفلم يتدبروا القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم والأمور التي وعد الله بها على لسان نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه أو في السنة، فكانت على حسب ما وعد، أو لم يتأملوا مصنوعات الله عموماً فتدلهم عقولهم منها على أنه لا يصلح للإلهية إلا من كان حكيماً، ولا يكون حكيماً إلا من صدق في وعده، وأنه لا تتم الحكمة إلا بإيجاد الآخرة، عطف عليه قوله منكراً عليهم موبخاً لهم: {أولم يتفكروا} أي يجتهدوا في إعمال الفكر، ثم ذكر آلة الفكر زيادة في تصوير حال المتفكرين والتذكير بهيئة المعتبرين فقال: {في أنفسهم} ويجوز أن تكون هي المتفكر فيه فيكون المعنى: يتفكروا في أحوالها خصوصاً فيعلموا أن من كان منهم قادراً كاملاً لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص، فكيف بالإله الحق، ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور، وفاوت بينهم في القوى والقدر، وبين آجالهم في الطول والقصر، وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر، وأمات أكثرهم مظلوماً قبل القصاص والظفر، لا بد في حكمته البالغة من جمعهم للعدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر، أو شكر أو كفر، ثم ذكر نتيجة ذلك وعلله بقوله في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم، وعلى التقدير
(15/47)

الأول يكون هذا هو المتفكر فيه {ما خلق الله} أي بعز جلاله، وعلوه في كماله {السماوات والأرض} على ما هما عليه من النظام المحكم، والقانون المتقن، وأفرد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم على تعددها بخلاف السماء {وما بينهما} من المعاني التي بها كمال منافعهما {إلا} خلقاً متلبساً {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فإذا ذكر البعث الذي هو مبدأه الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز الصالح منها للتصوير من الفاسد يطابق ذلك، وإذا تدبر النبات بعد أن كان هشيماً قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقاً للأمر البعث، وإذا ذكر القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب الصغار والكبار، وإمطار الأمطار، وإجراء الأنهار، ونحو ذلك من الأسرار، رآه مطابقاً لكل ما يخطر في باله من الأقدار، وإذا خطر له العلم، فتبصر في جري هذه الأمور وغيرها على منهاج مستقيم، ونظام واضح قويم، وسير متقن حكيم، علم أن ذلك في غاية المطابقة للخبر بالعلم الشامل والقدرة التامة على البعث وغيره، أو إلا بالأمر الثابت والقضاء النافذ الذي لا يتخلف عنه المراد، ولا يستعصي عليه حيوان ولا جماد، وخلقكم من هذا الخلق الكبير الذي قام بأمره من
(15/48)

بعض ترابه.
ثم جعلكم من سلالة من ماء مهين، فالقدرة التي خلق بها ذلك كله وابتدأكم ثم يبيدكم، بها بعينها يحييكم ويعيدكم، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون، أو إلا بسبب إحقاق الحق وإبطال الباطل، فلا بد من تصديق وعده بإدالة الروم لأخذ حقهم من الفرس، ولا بد من أن يقيمكم بعد أن ينيمكم ويثبت كل حق رأيتموه قد أبطل، ويبطل كل باطل رأيتموه قد أعمل، لأنه أحكم الحاكمين، فلو أقر على إماتة حق أو إحياء باطل لما كان كذلك.
ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد، قال: {وأجل} لا بد أن ينتهي إليه {مسمى} أي في العلم من الأزل، وذلك الأجل هو وقت قيام الساعة، وذلك أنه كما جعل لهم آجالاً لأصلهم وفرعهم لم يشذ عنها أحد منهم فكذلك لا بد من أجل مسمى لما خلقوا منه، فإذا جاء ذلك الأجل انحل هذا النظام، واختل هذا الإحكام، وزالت هذه الأحكام، فتساقطت هذه الأجرام، وصارت إلى ما كانت عليه من الإعدام، وإلا كان الخلق عبثاً يتعالى عنه الملك العلام.
(15/49)

ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر، أكد قوله: {وإن كثيراً من الناس} مع ذلك على وضوحه {بلقاء ربهم} الذي ملأهم إحساناً برجوعهم في الآخرة إلى العرض عليه للثواب والعقاب {لكافرون} أي لساترون ما في عقولهم من دلائل وحدانيته وحجج قدرته وحكمته ستراً عظيماً، كأنه غريزة لهم، فهم لذلك يكذبون بما وعدكم سبحانه من إدالة الروم على الفرس، فلا يهولنكم ذلك لأنهم قد كذبوا بما هو أكبر منه، وهو الآخرة على ما لها من الدلائل التي تفوت الحصر، وإذا راجعت ما تقدم في آية الأنعام {وهو الذي خلقكم من طين} [آية: 2] ازددت في هذا بصيرة.
(15/50)

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)
ولما أقام عليهم الدليل، أتبعه التهديد والتهويل، فقال عاطفاً على «أولم يتفكروا» {أولم يسيروا} ولما أحاطت آثار المكذبين بمكة المشرفة شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً، بديار ثمود وقوم فرعون وعاد وسبأ وقوم ولوط، عرف وأطلق فقال: {في الأرض} أي سير اعتبار وتأمل وادكار من أي جهة أرادوا، وفيه إشارة إلى أنهم واقفون عند النظر في ظاهر الملك بأبصارهم، قاصرون عن الاعتبار في باطن الملكوت بأفكارهم، وفيه هزٌّ لهم إلى امتطاء هذه الدرجة العلية، بهذه العبارة الجلية {فينظروا} .
ولما كان ما حل بالماضين أمراً عظيماً، نبه على عظمه بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف كان} أي كوناً لا قدرة على الانفكاك عنه،
(15/50)

وتذكير العمل يشير إلى عظم الأمر {عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولا كان حال من قرب من زمان الإنسان أوعظ له، أثبت الجار فقال: {من قبلهم} في إهلاك العاصي وإنجاء الطائع، ولما كان علم العاقبة مشروطاً بمعرفة البادئة قال مستأنفاً: {كانوا} أي كوناً هو في غاية المكنة.
ولما كان السياق للظهور والغلبة التي إنما مدارها على الشدة المقتضية للثبات، لا الكثرة العارية عنها، أعرض عنها وقال مسقطاً ضمير الفصل لأن هذا السياق لا يظهر فيه ادعاء العرب لعلوهم على فارس ولا الروم: {أشدَّ منهم} أي من العرب {قوة} أي في أبدانهم وعقولهم، ولما كان التقدير: فنقبوا الجبال، وعلوا من متقن الصنائع التي ترونها من الأعمال ما لم يدانيه أحد من الأجيال، عطف عليه قوله: {وأثاروا} بالحرث وغيره {الأرض} فأخرجوا ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والزروع وغير ذلك من المعادن {وعمروها} أي أولئك السالفون {أكثر مما عمروها} أي هؤلاء الذين أرسلت إليهم، بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر، فإن بلاد العرب إنما هي جبال سود وفيافي غبر، فما هو إلا تهكم بهم، وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم بغيرها.
(15/51)

ولما كانوا قد وقفوا مثل هؤلاء مع السبب الأدنى، ولم يرتقوا بعقولهم إلى المطلوب الأعلى، أخبر أنه أرسل إليهم الدعاة ينبهونهم من رقدتهم، وينقذونهم من غفلتهم، فكان التقدير: فضلوا عن المنهج الواضح، وعموا عن السبيل الرحب، وزاغوا عن طريق الرب، فأرسلنا إليهم الرسل، فعطف عليه قوله مشيراً بتأنيث الفعل إلى ضعف عقولهم بتكذيبهم الرسل كما تقدم إيضاحه عند {تلك الرسل} [البقرة: 253] : {وجاءتهم رسلهم} أي عنا {بالبينات} من المعجزات مثل ما أتاكم به رسولنا من وعودنا السابقة، وأمورنا الخارقة، كأمر الإسراء وما أظهر فيه من الغرائب كالإخبار بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل صفته كذا وغرائره كذا، فظهر كذلك، وما آمنتم كما لم يؤمن من كان أشد منكم قوة {فما} أي بسبب أنه ما {كان الله} على ما له من أوصاف الكمال مريداً {ليظلمهم} بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالماً بأن يهلكهم في الدنيا ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات {ولكن كانوا} بغاية جهدهم {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون} أي يجددون الظلم لها بإيقاع الضر موقع جلب النفع، لأنهم لا يعتبرون بعقولهم التي ركبناها فيهم ليستضيؤا بها فيعلموا الحق من الباطل، ولا يقبلون من الهداة إذا كشفوا لهم ما عليها من الغطاء، ولا يرجعون
(15/52)

عن الغي إذا اضطروهم بالآيات الباهرات، بل ينتقلون من الغفلة إلى العناد.
(15/53)

ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13)
ولما كان انتكاسهم بعد هذا الأسباب المسعدة بعيداً، أشار إليه بأداة التراخي، أو هي إشارة إلى تطاول دعار الرسل لهم واحتمالهم إياهم فقال: {ثم كان} أي كوناً تعذر الانفكاك عنه، وهو في غاية الهول كما اشار إليه تذكير الفعل {عاقبة} أي آخر أمر {الذين أساءوا} أظهر موضع الإضمار تعميماً ودلالة على السبب {السوأَى} أي الحالة التي هي أسوأ ما يكون، وهي خسارة الأنفس بالدمار في الدنيا والخلود في العذاب في الأخرى، جزاء لهم بجنس عملهم، فنهم كما أساؤوا الرسل ساءهم الملك؛ ثم ذكر العلة بقوله: {أن كذبوا} أي لأجل تكذيبهم الرسل، مستهينين {بآيات الله} أي الدلالات المنسوبة إلى الملك الأعلى الذي له الكمال كله الدالة عليه على عظمها بعظمه {وكانوا} أي كوناً كأنه جبلة لهم {بها} مع كونها أبعد شيء عن الهزء {يستهزءون} أي يستمرون على ذلك بتجديده في كل حين مع تعظيمه حتى كان استهزاؤهم بغيرها كأن عدم، كما أنكم أنتم تكذبون بما وقع من الوعد في أمر الروم وتستهزئون به فاحذروا أن يحل بكم ما حل بالأولين، ثم تردون إليه سبحانه فيعذبكم العذاب الأكبر، ويجوز أن يكون هذا بدلاً من «السُّوأَى» أو بياناً لها بمعنى أنهم لما أساؤوا زادتهم
(15/53)

إساءتهم عماوة حتى ارتكسوا في العمى فوصلوا إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أقبح الحالات، عكس ما يجازي به المؤمن من أنه يزداد بإيمانه هدى.
ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه وتعالى قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وكان للتصريح مع النفس حالة ليست لغيره، قال ذاكراً نتيجة ما مضى ومحصله تصريحاً بالمقصود وتلخيصاً للدليل: {الله} أي المحيط علماً وقدرة {يبدأ الخلق} أي بدا منه ما رأيتم وهو يجدد في كل حين ما يريد من ذلك كما تشاهدون {ثم يعيده} بعد ما يبيده، وترك توكيده إشارة إلى أنه غني عنه لأنه من القضايا المسلمة أن من اخترع شيئاً كان لا محالة قادراً على إعادته.
ولما كان الجزاء أمراً مهولاً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم إليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} معنى في أموركم كلها في الدنيا وإن كنتم لقصور النظر تنسبونها إلى الأسباب، وحسا بعد قيام الساعة، وقراءة الجماعة بالالتفات إلى الخطاب أبلغ لأنها أنص على المقصود، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب بالياء التحتانية على النسق الماضي.
ولما ذكر الرجوع، أتبعه بعض أحواله فقال: {ويوم تقوم الساعة}
(15/54)

سميت بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة الخلائق على ما فيهم من العظماء والكبراء والرؤساء {يبلس} أي يسكت ويسكن يأساً وتحيراً على غاية الذل - بما أشار إليه تذكير الفعل مع التجدد والاستمرار بما أومأ إليه المضارع {المجرمون*} الذين وصلوا من الدنيا ما من حقه أن يقطع لفنائه، وقطعوا من أسباب الآخرة ما من حقه أن يوصل لبقائه، وكانوا في غاية اللبس في الجدل ومعرفة كل ما يغيظ الخصم من القول والفعل والتمايل والتضاحك عند سكوت الخصم تعجباً من جريانهم في هذيانهم سروراً منهم بإسكاته ليظن بعض من رآه أنه انقطع وأن الحجة لهم.
ولما كان الساكت ربما أغناه عن الكلام غيره، نفى ذلك بقوله محققاً له بجعله ماضياً: {ولم يكن} ولما كان المقام لتحقيرهم بتحقير شركائهم رتب نفي النفع الموجع لهم هذا الترتيب، ويجوز أن يراد بترتيبه مع ذلك التخصيص فيقال: {لهم} أي خاصة في ذلك الوقت ولا بعده، ولا كان في عداد ذلك من قبل لو كانوا يعقلون، وأما غيرهم ممن يصح وصفه بالإجرام لكونه من أهل الشرك الخفي فقد يشفع فيه من رباه من الشهداء والعلماء وعامة المؤمنين {من شركائهم} الذي زعموهم خاصة ليتبين لهم خلطهم وجهلهم المفرط في قولهم: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [
(15/55)

يونس: 18] وأما غيرهم فيقع منهم ما يسمى شفاعة تارة تصريحاً وأخرى تلويحاً كالشفاعة العامة من نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخلق عامة لفصل القضاء، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ناس بأعيانهم: «أصحابي إليّ إليّ، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: فسحقاً سحقاً» وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] {شفعاء} ينقذونهم مما هم فيه وما يستقبلونه وإتيانه بصيغة جمع الكثرة يمكن أن يكون لا مفهوم له، لأن مورده رد اعتقادهم في قولهم السالف، ويمكن أن يفهم أنه قد يقع من بعض من عبدوه شفاعة، أو تلويح بها كقول عيسى عليه السلام {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] .
ولما ذكر حال الشفعاء معهم، ذكر حالهم مع الشفعاء فقال: {وكانوا} أي كوناً هو في غاية الرسوخ {بشركائهم} أي خاصة {كافرين*} أي متبرئين منهم ساترين لأن يكونوا اعتقدوهم آلهة وعبدوهم جرياً على عادتهم فيما لا يغنيهم من العناد والبهت.
(15/56)

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)
ولما كانت النفس ربما تشوفت إلى أنه هل يكون بعد إبلاسهم
(15/56)

شيء آخر، قال مفيداً له مهولاً بإعادة ما مضى: {ويوم تقوم الساعة} أي ويا له من يوم، ثم زاد في تهويله يقوله: {يومئذ يتفرقون} أي المؤمنون الذين يفرحون بنصر الله والكافرون فرقة لا اجتماع بعدها، هؤلاء في عليين، وهؤلاء في أسفل سافلين. حكى لي بعض القضاة من أصحابي - عفا الله عنه - وهو يبكي أنه رأى مناماً مهولاً، وذلك أنه رأى القيامة قد قامت، والناس يحشرون - على ما وصف في الأحاديث - في صعيد واحد عرايا خائفين حائرين، يموج بعضهم في بعض، فإذا شخص مما له أمر قد أشار بسوط معه وخط به في الأرض فقسمهم قسمين فقال: هؤلاء مطيعون، وهؤلاء عصاة، قال: فكنت في العصاة، وفي الحال غاب عنا الطائعون، فلم تر منهم أحداً ثم خط بذلك السوط مرة أخرى فقسمنا قسمين فقال: هؤلاء عصاة الأقوال، وهؤلاء عصاة الأفعال، قال: فكنت في عصاة الأفعال، ثم غاب في الحال عنا عصاة الأقوال، فلم نر منهم أحداً وبقينا نحن منا الجالس ومنا المضطجع، ونحن قليل بالنسبة إلى عصاة الأقوال، فبينا نحن كذلك إذ جاء آتٍ إلى شخص إلى جانبي فأخذه من كعبه ثم نشطه فأخرج جلده بمرة واحدة كأنه جراب نزع عن شيء فيه يابس، فحصل لي من ذلك
(15/57)

ذعر شديد فبينا أنا كذلك إذ آتٍ جاءني من ورائي، فألقى عليّ جوخة فجعلها على أكتافي وأدارها على أفخاذي فسترني بها ولكن على غير هيئة لبس المخيط، قال: واستيقظت وأنا على ذلك فقصصته على بعض الصالحين فقال: أحمد الله على كونك من عصاة الأفعال، وأخذ من ستري بالجوخة على تلك الهيئة أني أحج، فبشرني بذلك فحججت في ذلك العام - والله تعالى المسؤول في التوبة، فإنه الفعّال لما يريد {فأما الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} تصديقاً لإقرارهم {الصالحات} أي كلها.
ولما تقدم هنا ذكر عمارة الأرض وإصلاحها للنبات ووعظ من جعلها أكبر همه بأنها لم تدم له ولا أغنت عنه شيئاً، ذكر أنه جزى من أعرض عنها بقلبه لاتباع أمره سبحانه أعظم ما يرى من زهرتها ونضرتها وبهجتها على سبيل الدوام فقال: {فهم} أي خاصة {في روضة} أي لا أقل منها وهي أرض عظيمة جداً منبسطة واسعة ذات ماء غدق ونبات معجب بهج - هذا أصلها في اللغة وقال الطبري: ولا تجد أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض. {يحبرون*} أي يسرون على سبيل التجدد كل وقت سروراً تشرق له الوجوه، وتبسم الأفواه، وتزهو العيون، فيظهر حسنها وبهجتها، فتظهر
(15/58)

النعمة بظهور آثارها على أسهل الوجوه وأيسرها.
قال الرازي في اللوامع: وأصله - أي الحبرة - في اللغة أثر في حسن، وقال غيره: حبره - إذا سره سروراً تهلل له وجهه، وظهر فيه أثره. {وأما الذين كفروا} أي غطوا ما كشفته أنوار العقول، {وكذبوا} عناداً {بآياتنا} التي لا تصدق منها ولا أضوأ من أنوارها، بما لها من عظمتنا {ولقآءِ الآخرة} الذي لم يدع لبساً في بيانه {فأولئك} أي البعداء البغضاء {في العذاب} أي الكامل لا غيره {محضرون*} من أي محضر كان، بالسوق الحثيث، والزجر العنيف، فإذا وصلوا إلى مقره وكل بهم من يديم كونهم كذلك - لإفادة الجملة الاسمية الدوام، فلا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم.
ولما بين سبحانه المبدأ بخلق السماوات والأرض، والمعاد بالجنة والنار، وأنهم كذبوا به، وكان تكذيبهم به مستلزماً لاعتقاد نقائص كثيرة منها العجز وإخلاف الوعد وترك الحكمة، كان ذلك سبباً لأن ينزه سبحانه نفسه المقدسة ويأمر بتنزيهها، لأن ذلك يدفع عن المنزه مضار الوعيد، ويرفعه إلى مسار الوعد، فقال ذاكراً من أفعاله العالية التي لا مطمع لغيره في القدرة على شيء منها ما يدل على خلاف ذلك الذي يلزم اعتقادهم، لافتاً الكلام عن صيغة العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم. {فسبحان الله} أي سبحوا الذي له جميع العظمة بمجامع التسبيح بأن تقولوا هذا القول الذي هو عَلَمه، فهو
(15/59)

منزه عن كل نقص؛ ثم ذكر أوقات التسبيح إشارة إلى ما فيها من التغير الذي هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال الدالة على القدرة على الإبداع الدال على البعث، فقال دالاً على الاستغراق بنزع الخافض مقدماً المحو لأنه أدل على البعث الذي النزاع فيه وهو الأصل، لافتاً الكلام إلى الخطاب لأنه أشد تنبيهاً: {حين تمسون} أي أول دخول الليل بإذهاب النهار وتفريق النور، فيعتريكم الملل، ويداخلكم الفتور والكسل، على سبيل التجدد والاستمرار، وأكد الندب إلى التسبيح بإعادة المضاف فقال: {وحين تصبحون*} بتحويل الأمر فتقومون أحياء بعد أن كنتم أمواتاً فتجدون نهاراً قد أضاء بعد ليل كان دجى، فتفعلون ما هو سبحانه منزه عنه من الحركة والسعي في جلب النفع ودفع الضرر، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وله الحمد في هذين الجنسين.
ولما ذكر ما يدل على خصوص التنزيه، اتبعه ما يعرف بعموم الكمال، فقال ذاكراً لوقت كمال النهار وكمال الظلام، وتذكيراً بما يحدث عندهما للآدمي من النقص بالفتور والنوم اعتراضاً بين الأوقات للاهتمام بضم التحميد إلى التسبيح: {وله} أي وحده مع النزاهة عن شوائب النقص {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال.
ولما قدم سبحانه أن تنزهه ملأ الأزمان، وكان ذلك مستلزماً
(15/60)

لملء الأكوان، وكان إثبات الكمال أبين شرفاً من التنزيه عن النقص، صرح فيه بالقبيلين فقال: {في السماوات} أي الأجرام العالية كلها التي تحريكها - مع أنها من الكبر في حد لا يحيط به إلا هو سبحانه - سبب للإمساء والإصباح وغيرهما من المنافع {والأرض} التي فيها من المنافع ما يجل عن إحاطتكم به مع أنها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في فلاة، ولولا ذلك لظهر لكم ذلك برؤية ما وراءها هو شأن كل مظل مع كل مقل كما تشاهدون السحاب ونحوه.
ولما خص الإمساء والإصباح، عمّ فقال معبراً بما يدل على الدوام، لأن وقت النوم الدال على النقص أولى بإثبات الكمال فيه: {وعشياً} أي من الزوال إلى الصباح {وحين تظهرون*} أي تدخلون في شدة الحر، وسبحانه الله في ذلك كله، فالآية من الاحتباك: ذكر التسبيح أولاً دليلاً على إرادته ثانياً، والحمد ثانياً دليلاً على إرادته أولاً، ولعل المراد بالإظهار هنا ما هو أعم من وقت الظهر ليكون المراد به من حين يزول اسم الصباح من وقت ارتفاع الشمس إلى أن يحدث اسم المساء، وهو من الظهر إلى الغروب - قاله ابن طريف
(15/61)

في كتابه الأفعال ونقله عن الإمام عبد الحق في كتابه الواعي، وذلك حين استبداد النهار فيكون كماله فيما دون ذلك من باب الأولى، وهذا مع هذه الدقائق إشارة إلى الصلوات الخمس، أي سبحوه بالخضوع له بالصلاة في وقت المساء بصلاة العصر والمغرب، وفي وقت الصباح بالصبح، وفي العشى بالعشاء، وفي الإظهار بالظهر، وفي هذا التخريج من الحسن بيان الاهتمام بالصلاة الوسطى، فابتدأ سبحانه بالعصر التي قولها أصح الأقوال، ودخول المغرب في حيزها بطريق التبعية والقصد الثاني، وثنى بالصبح وهي تليها في الأصحيّة وهما القريبتان، لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صلى البردين دخل الجنة» - رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه، «من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة» - أسنده صاحب الفردوس عن عمارة بن روبية رضي الله عنه ورواه مسلم وغيره عنه بلفظ: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» - يعني الفجر والعصر «كنا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال:» إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم «، ثم قرأ {فسبح بحمد ربك
(15/62)

قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} رواه البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح» يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر «يدخل هنا.
ولما ذكر دلالة على البعث المستلزم للوحدانية مطلق التحويل الذي هو إحياء في المعنى بعد إماتة، أتبعه الإحياء والإماتة حقيقة، صاعداً من ذكر البعث تصريحاً بما كان ألقاه تلويحاً فقال: {يخرج الحي} كالإنسان والطائر {من الميت} كالنطفة والبيضة {ويخرج الميت} كالبيضة والنطفة {من الحي} عكس ذلك {ويحيي الأرض} باخضرار النبات.
ولما كان من الأراضي ما لا ينبت إلا بعد مدة إنزال المطر، ومنها ما ينبت من حين إنزال المطر عقب تحطم ما كان بها من النبات سواء، أسقط الجار هنا تنبيهاً على الأمر الثاني لأنه أدل على القدرة، فهو أنسب لهذا السياق ولمقصود السورة، ولأنه جعل فيه قوة إحيائها على الدوام فقال: {بعد موتها} بيبسه وتهشمه. ولما كان التقدير: كذلك يفعل على سبيل التكرر وأنتم تنظرون، عطف عليه قوله:
(15/63)

{وكذلك} أي ومثل فعله هذا الفعل البديع من إخراجه لهذا الحي حساً ومعنى من الميت {تخرجون} بأيسر أمر من الأرض بعد تفرق أجسامكم فيها من التراب الذي كان حياً بحياتكم - هذا على قراءة الجماعة البناء للمفعول. وبناه حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه للفاعل إشارة إلى أنهم لقوة تهيئهم لقبول البعث صاروا كأنهم يخرجون بأنفسهم - روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن لقيط بن عامر رضي الله عنه أنه خرج وافداً إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق رضي الله عنه، قال: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الغداة خطيباً إلى أن قال: «ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس فقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب، فضحك لعمر الله وهز رأسه فقال: ضن ربك بمفاتيح الخمس من الغيب فذكره حتى ذكر البعث قال: فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح
(15/64)

والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبداً، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياماً حتى أشرقت عليها وهي شرفة واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض فتخرجون» . ولما كان التقدير: هذا من آيات الله التي تشاهدونها كل حين دلالة على بعثكم، عطف عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال: {ومن آياته} أي على قدرته على بعثكم. ولما كان المراد إثبات قدرته سبحانه على بعثهم بعد أن صاروا تراباً بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على البعث في الإعجاب بأنه لم يكن له أصل في الحياة، وكان فعله لذلك إنما مكان مرة واحدة، قال معبراً بالماضي: {أن خلقكم} بخلق أبيكم آدم {من تراب} لم يكن له أصل اتصاف ما بحياة.
ولما كان ابتداء الإنسان من التراب في غاية العجب، أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال: {ثم} أي بعد إخراجكم منه {إذا أنتم بشر} أي فاجأتم كونكم لكم بشرة هي في غاية التماسك والاتصال مع اللين
(15/65)

عكس ما كان لكم من الوصف إذا كنتم تراباً، وأسند الانتشار إلى المبتدأ المخاطب لا إلى الخبر لأن الخطاب أدل على المراد فقال: {تنتشرون} أي تبلغون بالنشر كل مبلغ بالانتقال من مكان إلى مكان مع العقل والنطق، ولم يختم هذه الآية بما ختم به ما بعدها دلالة على أنها جامعة لجميع الآيات، ودلالة على جميع الكمالات، وختم ما بعدها بذلك تنبيهاً على أن الناس أهملوا النظر فيها على وضوحها، وكان من حقهم أن يجعلوها نصب أعينهم، دلالة على كل ما نزلت به الكتب، وأخبرت به الرسل، وكذلك أكد في الإخبار إعلاماً بأنهم صاروا لإهمالها في حيز الإنكار.
(15/66)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)
ولما كان أعجب من ذلك أن هذا الذي خلقه التراب ذكراً خلق منه أنثى، وجعلهما شبهي السماء والأرض ماء ونبتاً وطهارة وفضلاً، قال: {ومن آياته} أي على ذلك؛ ولما كان إيجاد الأنثى من الذكر خاص لم يكن إلا مرة واحدة كالخلق من التراب، عبر بالماضي فقال: {أن خلق لكم} أي لأجلكم ليبقى نوعكم بالتوالد، وفي تقديم الجار دلالة على حرمة التزوج من غير النوع، والتعبير بالنفس أظهر في كونها من بدن الرجل في قوله: {من أنفسكم} أي جنسكم بعد إيجادها من
(15/66)

ذات أبيكم آدم عليه السلام {أزواجاً} إناثاً هن شفع لكم {لتسكنوا} مائلين {إليها} بالشهوة والألفة، من قولهم: سكن إليه - إذا مال وانقطع واطمأن إليه، ولم يجعلها من غير جنسكم لئلا تنفروا منها.
ولما كان المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الألفة قال: {وجعل} أي صير بسبب الخلق على هذه الصفة {بينكم مودة} أي معنى من المعاني يوجب أن لا يحب واحد من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه مع ما طبع عليه الإنسان من محبة الأذى، وإنما كان هذا معناه لأن مادة «ودد» مستوياً ومقلوباً تدور على الاتساع والخلو من الدو والدوية بتشديد الواو وهي الفلاة، والود والوداد قال في القاموس: الحب، وقال أبو عبد الله القزاز ونقله عنه الإمام عبد الحق في واعيه: الأمنية، تقول وددت أن ذاك كان، وذاك لاتساع مذاهب الأماني، وتشعب أودية الحب، وفي القاموس: ودان: قرية قرب الأبواء وجبل طويل قرب فيد، والمودة: الكتاب - لاتساع الكلام فيه. وقال الإمام أبو الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الود خلو عن إرادة المكروه، فإذا حصل إرادة الخير وإيثاره
(15/67)

كان حياً، من لم يرد سواه فقد ود ومن أراد خيراً فقد أحب، والود أول التخلص من داء أثر الدنيا بما يتولد لطلابها من الازدحام عليها من الغل والشحناء، وذلك ظهور لما يتهياً له من طيب الحب، فمن ود لا يقاطع، ومن أحب واصل وآثر، والودود هو المبرأ من جميع جهات مداخل السور ظاهره وباطنه.
ولما كان هذا المعنى الحسن لا يتم إلا بإرادة الخير قال: {ورحمة} أي معنى يحمل كلاًّ على أن يجتهد للآخر في جلب الخير، ودفع الضير، لكن لما كانت إرادة الخير قد تكون بالمن ببعض ما يكره جمع بين الوصفين، وهما من الله، والفرك - وهو البغض - من الشيطان.
ولما كان ذلك من العظمة بمكان يجل عن الوصف، أشار إليه بقوله مؤكداً لمعاملتهم له بالإعراض عما يهدي إليه معاملة من يدعي أنه جعل سدى من غير حكمة، مقدماً الجار إشارة إلى أن دلالته في العظم بحيث تتلاشى عندها كل آية، وكذا غيره مما ان هكذا على نحو
{وما نريهم من آية إلا وهي أكبر من أختها} [الزخرف: 48] : {إن في ذلك} أي الذي تقدم من خلق الأزواج على الحال المذكور وما يتبعه من المنافع {لآيات} أي دلالات واضحات على قدرة فاعله وحكمته.
(15/68)

ولما كان هذا المعنى مع كونه دقيقاً يدرك بالتأمل قال: {لقوم} أي رجال أو في حكمهم، لهم قوة وجد ونشاط في القيام بما يجعل إليهم {يتفكرون*} أي يستعملون أفكارهم على القوانين المحررة ويجتهدون في ذلك.
ولما ذكر سبحانه الذكر والأنثى، المخلوقين من الأرض، وكانت السماء كالذكر للأرض التي خلق منها الإنسان، وكان خلقهما مع كونهما مخلوقين من غير شيء أعجب من خلقه فهو أدل على القدرة، وكان خلق الأرض التي هي كالأنثى متقدماً على عكس ما كان في الإنسان، أتبعه ذكرهما بادئاً بما هو كالذكر فقال مشيراً - بعد ما ذكر من آيات الأنفس - إلى آيات الآفاق: {من آياته} أي الدالة على ذلك، ولما كان من العجب إيجاد الخافقين من العدم إيجاداً مستمراً على حالة واحدة، عبر بالمصدر فقال: {خلق السماوات} على علوها وإحكامها {والأرض} على اتساعها وإتقانها.
ولما كان من الناس من ينسب الخلق إلى الطبيعة، قال تعالى ذاكراً من صفات الأنفس ما يبطل تأثير الآفاق بأنفسها من غير خلقه وتقديره، وتكوينه وتدبيره: {واختلاف ألسنتكم} أي لغاتكم ونغماتكم وهيئاتها، فلا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا جهارة، لا حد ولا رخاوة،
(15/69)

ولا لكنة ولا فصاحة، ولا إسهاب ولا وجازة، وغير ذلك من صفات النطق وأحواله، ونعوته وأشكاله، وأنتم من نفس واحدة، فلو كان الحكم للطبيعة لم يختلف لأنه لا اختيار لها مع أن نسبة الكل إليها واحدة.
ولما كان لون السماء واحداً، وألوان الأراضي يمكن حصرها، قال: {وألوانكم} أي اختلافاً مع تفاوته وتقاربه لا ضبط له مع وحدة النسبة، ولولا هذا الاختلاف ما وقع التعارف، ولضاعت المصالح، وفاتت المنافع، وطوي سبحانه ذكر الصور لاختلاف صور النجوم باختلاف أشكالها، والأراضي بمقادير الجبال والروابي وأحوالها، فلو كان الاختلاف لأجل الطبيعة فإما أن يكون بالنظر إلى السماء أو إلى الأرض، فإن كان للسماء فلونها واحد، وإن كان للأرض فلون أهل كل قطر غير مناسب للون أرضهم. وأما الألسنة فأمرها أظهر.
ولما كان هذا مع كونه في غاية الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون غيره قال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي الرتبة في بيانه وظهور برهانه {لآيات} أي دلالات عدة واضحة جداً على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار وبطلان ما يقوله أصحاب الطبائع من تلك الاحتمالات التي هي مع خفائها واهية، ومع بعدها مضمحلة متلاشية
(15/70)

{للعالمين*} كلهم لا يختص به صنف منهم دون آخر من جن ولا إنس ولا غيرهم، وفي رواية حفص عن عاصم بكسر اللام حث للمخاطبين على النظر ليكونوا من أهل العلم، وفي قراءة الباقين بالفتح إيماء إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لو نطق الجماد لأخبر بمعرفته، ففيه إشارة إلى أنهم عدم، فلا تبكيت أوجع منه.
ولما ذكر المقلة والمظلة ومن فيهما، وبعض صفاتهم اللازمة، ذكر ما ينشأ عن كل من ذلك من الصفات المفارقة فقال: {ومن آياته} أي على ذلك وغيره من أنواع القدرة والعلم {منامكم} أي نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم بحيث لا تستطيعون له دفعاً.
ولما كان الليل محل السكن والراحة والنوم، ذكر ما جعل من نوم النهار أيضاً لأن ذلك أدل على الفعل بالاختبار فقال: {بالّيل والنهار} أي الناشئين عن السماوات والأرض باختلاف الحركات التي تنشأ إلا عن فاعل مختار وانقطاعكم بالنوم عن معاشكم وكل ما يهمكم وقيامكم بعد منامكم أمراً قهرياً لا تقدرون على الانفكاك عن واحد منهما أصلاً {وابتغاؤكم} أي طلبكم بالجد والاجتهاد {من فضله} بالمعاش فيهما، فالآية من الاحتباك: دل ذكر النوم على القيام منه، ودل
(15/71)

الابتغاء على الانقطاع عنه، حذف نهاية الأول وبداية الثاني {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي الرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط، والنشاط بعد النوم الذي هو الموت الأصغر، وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في الابتغاء مع المفاوتة في التحصيل {لآيات} أي عديدة على القدرة والحكمة لا سيما البعث.
ولما كانت هذه الآيات في دلالتها على ما تشير إليه من البعث والفعل بالاختيار دقيقة لا يستقل العقل بها دون توقيف من الدعاة لأنه قد يسند النوم والابتغاء إلى العباد والا يتجاوز عن ذلك إلى الخالق إلا الأفراد من خلص العباد، وكان النائم يقوم صافي الذهن فارغ السر نشيط البدن. قال: {لقوم يسمعون*} أي من الدعاة النصحاء سماع من انتبه من نومه فجسمه مستريح نشيط وقلبه فارغ عن مكدر للنصح مانع من قبوله، أو المعنى: لقوم هم أهل للسمع بأن يكونوا قد تنبهوا من رقادهم، فرجعوا عن عنادهم، إشارة إلى أن من لم يتأمل في هذه الآيات فهو نائم لا مستيقظ. فهو غير متأهل لأن يسمع.
(15/72)

وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
ولما ختم بالسمع آية جمعت آيات الأنفس والآفاق لكونها نشأت من أحوال البشر والخافقين، افتتح بالرؤية آية أخرى جامعة لهما لكونها ناشئة عنهما مع كونها أدل على المقصود جامعة بين
(15/72)

الترغيب والترهيب فقال: {ومن آياته} ولما كان لمعان البرق جديراً بالتماع البصر عند أول رؤية، وكان يتجدد في حين دون حين، عبر بالمضارع حاذفاً الدال على إرادة المصدر للدلالة على التجدد المعجب منه فقال: {يريكم البرق} أي على هيئات وكيفيات طالما شاهدتموها تارة تأتي يما يضر وتارة بما يسر، ولذلك قال معبراً بغاية الإخافة والإطماع لأن الغايات هي المقصودة بالذات: {خوفاً} أي للإخافة من الصواعق المحرقة {وطمعاً} أي وللاطماع في المياه الغدقة، وعبر بالطمع لعدم الأسباب الموصلة إليه.
ولما كان البرق غالباً من المبشرات بالمطر، وكان ما ينشأ عن الماء أدل شيء على البعث، أتبعه شرح ما أشار إليه به من الطمع فقال: {وينزّل} ولما كان إمساك الماء في جهة العلو في غاية الغرابة، قال محققاً للمراد بالإنزال من الموضع الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه {من السماء ماء} .
ولما جعل سبحانه ذلك سبباً لتعقب الحياة قال: {فيحيي به} أي الماء النازل من السماء خاصة لأن أكثر الأرض لا تسقى بغيره {الأرض} أي بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان، ولما كانت الأرض ليس لها من ذاتها في الإنبات إلا العدم، وكان إحياؤها
(15/73)

به متكرراً، فكان كأنه دائم، وكان ذلك أنسب لمقصود السورة حذف الجار قائلاً: {بعد موتها} أي بيبسه وتهشمه {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي القدر {لآيات} لا سيما على القدرة على البعث. ولما كان ذلك ظاهراً كونه من الله الفاعل بالاختيار لوقوعه في سحاب دون سحاب وفي وقت دون آخر وفي بلد دون آخر، وعلى هيئات من القوة والضعف والبرد والحر وغير ذلك من الأمر، وكان من الوضوح في الدلالة على البعث بمكان لا يخفى على عاقل قال: {لقوم يعقلون*} .
ولما كان جميع ما مضى من الآيات المرئيات ناشئاً عن هذين الخلقين العظيمين المحيطين بمن أنزلت عليهم هذه الآيات المسموعات بياناً لمن أشكل عليه أمر الآيات المرئيات، ذكر أمراً جامعاً للكل وهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من العقل المختوم به ما قبل فقال: {ومن آياته} أي على تمام القدرة وكمال الحكمة.
ولما كانت هذه الآية في الثبات لا في التجدد، أتى بالحرف الدال على المصرف ليسلخ الفعل عن الاستقبال، وعبر بالمضارع لأنه لا بد من إخراجهما عن هذا الوضع فقال: {أن تقوم} أي تبقى على ما تشاهدون من الأمر العظيم بلا عمد {السماء} أفرد لأن السماء الأولى
(15/74)

لا تقبل النزاع لأنها مشاهدة مع صلاحية اللفظ للكل لأنه جنس {والأرض} على ما لهما من الجسامة والثقل المقتضي للهبوط {بأمره} لا بشيء سواه.
ولما لم يبق في كمال علمه وتمام قدرته شبهة، قال معبراً بأداة التراخي لتدل - مع دلالتها على ما هي له - على العظمة، فقال دالاً على أن قدرته على الأشياء كلها مع تباعدها على حد سواء، وأنه لا فرق عنده في شمول أمره بين قيام الأحياء وقيام الأرض والسماء {ثم إذا دعاكم} وأشار إلى هوان ذلك الأمر عنده بقوله: {دعوة من الأرض} على بعد ما بينها وبين السماء فضلاً عن العرش، وأكد ذلك بكونه مثل لمح البصر أو هو أقرب فقال معبراً بأداة الفجاءة: {إذا أنتم تخرجون*} أي يتجدد لكم هذا الوصف بعد اضمحلالكم بالموت والبلى، ويتكرر باعتبار آحادكم من غير تلبث ولا مهلة أصلاً، إلا أن يترتب على الأفضل فالأفضل لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا أول من تنشق عنه الأرض» كما دعاكم منها أولاً إذا خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، وأعرى هذه مما ختم به الآيات السالفة تنبيهاً على أنها مثل الأولى قد انتهت في الظهور، ولا سيما بانضمامها إلى الأولى التي هي أعظم دال عليها إلى حد هو أضوأ من النور، كما تأتي الإشارة إليه في آية «وهو أهون عليه» .
(15/75)

ولما ذكر تصرفه في الظرف وبعض المظروف من الإنس والجن، ذكر قهره للكل فقال: {وله} أي وحده بالملك الأتم {من في السماوات والأرض} أي كلهم، وأشار إلى الملك بقوله: {كلٌّ له} أي وحده. ولما كان انقياد الجمع مستلزماً لانقياد الفرد دون عكسه جمع في قوله: {قانتون*} أي مخلصون في الانقياد ليس لأنفسهم ولا لمن سواه في الحقيقة والواقع تصرف بوجه ما إلا بإذنه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: مطيعون طاعة الإرادة وإن عصوا أمره في العبادة - نقله عنه البغوي وغيره ورجحه الطبري وهو معنى ما قلت.
ولما كان هذا معنى يشاهده كل أحد في نفسه مع ما جلى سبحانه من عرائس الآيات الماضيات، فوصل الأمر في الوضوح إلى حد عظيم قال: {وهو} أي لا غيره {الذي يبدأ الخلق} أي على سبيل التجديد كما تشاهدون، وأشار إلى تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال: {ثم يعيده} أي بعد أن يبيده.
ولما كان من المركوز في فطر جميع البشر أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه قال: {وهو} أي وذلك الذي ينكرونه من الإعادة {أهون عليه} خطاباً لهم بما الفوه وعقلوه ولذلك أخر الصلة
(15/76)

لأنه لا معنى هنا للاختصاص الذي يفيده تقديمها.
ولما كان هذا إثماً هو على طريق التمثيل لما يخفى عليهم بما هو جلي عندهم، وكل من الأمرين بالنسبة إلى قدرته على حد سواء لا شيء في علمه أجلى من آخر، ولا في قدرته أولى من الآخر، قال مشيراً إلى تنزيه نفسه المقدسة عما قد يتوهمه بعض الأغبياء من ذلك: {وله} أي وحده {المثل الأعلى} أي الذي تنزه عن كل شائبة نقص، واستولى على كل رتبة كمال، وهو أمره الذي أحاط بكل مقدور، فعلم به إحاطته هو سبحانه بكل معلوم، كما تقدم في البقرة في شرح المثل
{ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] .
ولما كان الخلق لقصورهم مقيدين بما لهم به نوع مشاهدة قال: {في السماوات والأرض} اللتين خلقهما ولم تستعصيا عليه، فكيف يستعصي عليه شيء فيهما، وقد قالوا: إن المراد بالمثل هنا الصفة، وعندي أنه يمكن أن يكون على حقيقته تقريباً لعقولنا، فإذا أردنا تعرفه سبحانه في الملك مثلنا بأعلى ما نعلم من ملوكنا فنقول: الاستواء على العرش مثل للتدبير والتفرد بالملك كما يقال في ملوكنا: فلان جلس على سرير الملك، بمعنى: استقل بالأمر وتفرد بالتدبير وإن لم يكن هنا سرير ولا جلوس، وإذا ذكر بطشه سبحانه وأخذه لأعدائه في نحو قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] {إن بطش ربك لشديد} [البروج: 12] مثلناه بما لو قهر
(15/77)

سلطان أعدائه بحزمه وصحة تدبيره وكثرة جنوده فقلنا «محق سيفه أعداءه» فأطلقنا سيفه على ما ذكر من قوته، وإذا قيل: تجري بأعيننا، ونحو ذلك علمنا أنه مثل ما نقول إذا رأينا ملكاً حسن التدبير لا يغفل عن شيء من أحوال رعيته فقلنا «هو في غاية اليقظة» فأطلقنا اليقظة التي هي ضد النوم على حسن النظر وعظيم التدبير وشمول العلم، وهذه تفاصيل مما قدمت أنه مثله، وهو أمره المحيط الذي انجلى لنا به غيب ذاته سبحانه، وهكذا ما جاء من أمثاله نأخذ من العبارة روحها فنعلم أنه المراد، وأن ذلك الظاهر ما ذكر إلا تقريباً للأفهام النقيسة على ما نعرف من أعلى الأمثال، والأمر بعد ذلك أعلى مما نعلم، ولذلك قال تعالى: {وهو} أي وحده {العزيز} أي الذي إذا أراد شيئاً كان له في غاية الانقياد كائناً ما كان {الحكيم*} أي الذي إذا أراد شيئاً أتقنه فلم يقدر غيره على التوصل إلى نقص شيء منه، ولا تتم حكمة هذا الكون على هذه الصورة إلا بالبعث، بل هو محط الحكمة الأعظم ليصل كل ذي حق إلى حقه بأقصى التحرير على ما نتعارفه وإلا لكان الباطل أحق من الحق وأكثر، فكان عدم هذا الموجود خيراً
(15/78)

من وجوده وأحكم.
(15/79)

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)
ولما بان من هذا أنه المتفرد في الملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال الحكمة، اتصل بحسن أمثاله وإحكام مقاله وفعاله قوله: {ضرب لكم} أي بحكمته في أمر الأصنام وبيان إبطال من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من التقرير: {مثلاً} مبتدئاً {من أنفسكم} التي هي أقرب الأشياء إليكم، فأنتم لما تذكرون به أجدر بأن تفهموه.
ولما كان حاصل المثل أنه لا يكون مملوك كمالك، وكان التقرير أقرب إلى التذكير وأبعد عن التنفير، قال منكراً موبخاً مقرراً: {هل لكم} أي يا من عبدوا مع الله بعض عبيده {من ما} أي من بعض ما {ملكت أيمانكم} أي من العبيد أو الإماء الذين هم بشر مثلكم، وعم في النفي الذي هو المراد بالاستفهام بزيادة الجار بقوله: {من شركاء} أي في حالة من الحالات يسوغ لكم بذلك أن تجعلوا لله شركاء، ونبه على ما في إيجاد الرزق ثم قسمته بين الخلق وغير ذلك من شؤونه بقوله: التفاتاً بعد طول التعبير بالغيبة التي قد يتوهم معها بعد - إلى التلكم بالنون الدال مع القرب على العظمة ولذة الإقبال بالمخاطبة:
(15/79)

{فيما رزقناكم} أي لما لنا من العظمة من مال أو جاه مع ضعف ملككم فيه.
ولما كانت الشركة سبباً لتساوي الشريكين في الأمر المشترك قال: {فأنتم} أي معاشر الأحرار والعبيد. ولما كان ربما توهم أن «من شركاء» صفة لأولاد من سراريهم، قدم الصلة دفعاً لذلك فقال: {فيه} أي الشيء الذي وقعت فيه الشركة من ذلك الرزق خاصة لا غيره من نسب أو حسب ونحوهما أو خفة في بدن أو قلب أو طول في عمر ونحوها، وأما أولادهم من السراري فربما ساووهم في ذلك وغيره من النسب ونحوه، والعبيد ربما ساووهم في قوة البدن وطول العمر أو زادوا {سواء} ثم بين المساواة التي هي أن يكون حكم أحد القبيلين في المشترك على السواء كحكم الآخر لا يستبد أحدهما عن الآخر بشيء بقوله: {تخافونهم} أي معاشر السادة في التصرف في ذلك الشيء المشترك.
ولما كانت أداة التشبيه أدل، أثبتها فقال: {كخيفتكم أنفسكم} أي كما تخافون بعض من تشاركونه ممن يساويكم في الحرية والعظمة أن تتصرفوا في الأمر المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه، فظهر أن حالكم في عبيدكم مثل له فيمن أشركتموهم به موضح لبطلانه، فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن يستوي عبيدكم معكم في
(15/80)

الملك فكيف ترضونه بخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها فتسوونها به وهي من أضعف خلقه أفلا تستحيون؟ .
ولما كان هذا المثال، في الذروة من الكمال، كان السامع جديراً بأن يقول: جل ألله! ما أعلى شأن هذا البيان! هل يبين كل شيء هكذا؟ فقال: {كذلك} أي مثل هذا البيان العالي {نفصل} أي نبين، لأن الفصل هو الميز وهو البيان، وذلك على وجه عظيم - بما أشار إليه التضعيف مع التجديد والاستمرار: {الآيات} أي الدلالات الواضحات.
ولما كان البيان لا ينفع المسلوب قال: {لقوم يعقلون*} إشارة إلى أنهم إن لم يعملوا بمقتضى ذلك كانوا مجانين، لأن التمثيل يكشف المعاني بالتصوير والتشكيل كشفاً لا يدع لبساً، فمن خفي عليه لم يكن له تمييز.
ولما كان جوابهم قطعاً: ليس لنا شركاء بهذا الوصف، كان التقدير، فلم تتبعوا في الإشراك بالله دليلاً، فنسق عليه: {بل} وكان الأصل: اتبعتم، ولكنه أعرض عنهم، إيذاناً بتناهي الغضب للعناد بعد البيان، وأظهر الوصف الحامل لهم على ذلك تعميماً وتعليقاً للحكم به
(15/81)

فقال: {اتبع} أي بتكليف أنفسهم خلاف الفطرة الأولى {الذين ظلموا} أي وضعوا الشيء في غير موضعه فعل الماشي في الظلام {أهواءهم} وهو ما يميل إليه نفوسهم.
ولما كان اتباع الهوى قد يصادف الدليل، وإذا لم يصادف وكان من عالم رده عنه علمه قال: {بغير علم} إشارة إلى بعدهم في الضلال لأن الجاهل يهيم على وجهه بلا مرجح غير الميل كالبهيمة لا يرده شيء، وأما العالم فربما رده علمه.
ولما كان هذا ربما أوقع في بعض الأوهام أن هذا يغير إرادته سبحانه، دل بفاء السبب على أن التقدير: وهذا ضلال منهم بإرادة الله، فلما أساؤوا بإعراقهم فيه كانت عاقبتهم السوء والخذلان، لأنهم أبعدوا أنفسهم عن أسباب الهدى: {فمن يهدي} أي بغير إرادة الله، ولفت الكلام من مظهر العظمة إلى أعظم منه بذكر الاسم الأعظم لاقتضاء الحال له فقال: {من أضل الله} الذي له الأمر كله، ودل بواو العطف على أن التقدير: ليس أحد يهديهم لأنهم أبعدوا أنفسهم عن أسباب الهدى فبعدوا عن أسباب النصر لأنهم صاروا على جرف هار في كل أمورهم، فلذا حسن موضع تعقيبه بقوله: {وما لهم} وأعرق في النفي فقال: {من ناصرين*} أي من الأصنام ولا غيرها يخلصونهم مما هم فيه من
(15/82)

الخذلان وأسر الشيطان، ومما يسببه من النيران، ونفى الجميع دون الواحد لأن العقل ناصر لهم بما هو مهيأ له من الفهم واتباع دليل السمع لو استعملوه، أو لأنه ورد جواباً لنحو {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً لعلهم ينصرون} [مريم: 81] أو للإشارة إلى أن تتبع الهوى لا ينفع في تلافي أمره إلا أعوان كثيرون ودل على نفي الواحد {لا تجزي نفس عن نفس} [البقرة: 123] ، و {أن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11] و {فما له من قوة ولا ناصر} [الطارق: 10] في أمثالها.
ولما تحررت الأدلة، وانتصبت الأعلام، واتضحت الخفايا، وصرحت الإشارات، وأفصحت ألسن العبارات، أقبل على خلاصة الخلق، إيذاناً بأنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره، فقال مسبباً عن ذلك ممثلاً لإقباله واستقامته وثباته: {فأقم وجهك} أي قصدك كله {للدين} أي نصباً بحيث تغيب عما سواه، فلا تلتفت عنه أصلاً فلا تنفك عن المراقبة، فإن من اهتم بشيء سدد إليه نظره، وقوم له وجهه.
ثم عرض بجلافة أهل الضلال وغشاوتهم، وكثافتهم وغباوتهم، وجمودهم وقساوتهم، بقوله: {حنيفاً} أي حال كونك ميالاً مع الدليل هيناً ليناً نافذ الصبر نير البصيرة ساري الفكر سريع الانتقال طائر الخاطر،
(15/83)

ثم بين أن هذا الأمر في طبع كل أحد وإن كانوا فيه متفاوتين كما تراهم إذا كانوا صغاراً أسهل شيء انقياداً، ولكنه لما يكشف لهم الحال في كثير من الأشياء عن أن انقيادهم كان خطأ يصيرون يدربون أنفسهم على المخالفة دائماً حتى تصير لبعضهم طبعاً تجريبياً فيصير أقسى شيء وأجمده بعد أن كان أسهل شيء وأطوعه، وأكثر ما يكون هذا من قرناء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ولهذا نهى أن يوعد الطفل بما لا حقيقة له: روى أحمد وابن أبي الدنيا من طريق الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال المنذري: ولم يسمع منه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من قال لصبي: تعال هاك! ثم لم يعطه فهي كذبة» ، ولأبي داود والبيهقي وابن أبي الدنيا عن مولى عبد الله بن عامر - قال ابن أبي الدنيا: زياد عن عبد الله بن عامر - أن أمه رضي الله عنها قالت له: تعالَ أعطيك، فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمراً، فقال: أما إنك لو لم تعطيه شيئاً كتبت عليك كذبة» ، فقال مبيناً لهم صحة دينه بأمر هو في
(15/84)

أنفسهم، كما بين بطلان دينهم بأمر هو في أنفسهم: {فطرت الله} أي الزم فطرة الملك الذي لا رادَّ لأمره، وهي الخلقة الأولى التي خلق عليها البشر والطبع الأول، وقال الغزالي في آخر كتاب العلم من الإحياء في بيان العقل في هذه الآية: أي كل آدمي فطر على الإيمان بالله تعالى بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه، أعني أنها كالمتضمنة فيه لقرب استعداده للإدراك - انتهى، ثم أكد ذلك بقوله: {التي فطر الناس} أي كل من له أهلية التحرك {عليها} كلهم الأشقياء والسعداء، وهي سهولة الانقياد وكرم الخلق الذي هو في الصورة فطرة الإسلام، وتحقيق ذلك أن المشاهد من جميع الأطفال سلامة الطباع وسلاسة الانقياد لظاهر الدليل، ليس منهم في ذلك عسر كما في الكبار إن تفاوتوا في ذلك، فالمراد بالفطرة قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، كما تجد الأخرس يدرك أمر المعاد إدراكاً بيناً، وله فيه ملكة راسخة، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد بن منيع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
(15/85)

«كل مولود يولد على الفطرة» - وفي رواية للبخاري: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة - فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها» فلذلك الجدع والوسم وشق الأذن ونحو ذلك مثالٌ للأخلاق التي يتعلمها الطفل ممن يعامله بها من الغش والكذب وغير ذلك، وكذا حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في مسلم في صفة النار والنسائي في فضائل القرآن وأبي داؤد الطالسي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي» حنفاء كلهم «وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وآمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانه» ولكن الشيطان لا يتمكن إلا بإقدار الله له في الحال بما يخلق في باطن المخذول من الباعث وفي الماضي من الطبائع التي هيأه بها لمثل ذلك كما أشار إليه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المتفق عليه في الصحيح عن علي رضي الله تعالى عنه: «
(15/86)

اعملوا فكل ميسر لما خلق له» وآية سبحان {كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] وذلك أنه لما أخبرهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الله تعالى قد كتب أهل الجنة وأهل النار، فلا يزاد فيهم ولا ينقص، قالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فالكتاب حجة عليهم، لأن مبناه على أن فلاناً من أهل النار لكونه لم يعمل كذا وكذا، فأرادوا أن يجعلوه حجة لهم فاعلموا أن في ذلك أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية وهو العلم، وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية وهو العمل، وهو أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم، عولموا بذلك ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ليستكملوا بذلك صفة الإيمان، ونظير ذلك أمران: الرزق المقسوم مع الأمر بالمكسب، والأجل المحتوم مع المعالجة بالطب، فالمغيب فيهما علة موجبة والظاهر سبب مخيل، وقد اصطلح خواصهم وعوامهم على أن الظاهر منهما لا يترك بالباطن - ذكر معناه الرازي في اللوامع عن الخطابي.
ولما كانت سلامة الفطرة الأولى أمراً مستمراً، قال: {لا تبديل}
(15/87)

ولعظم المقام كرر الاسم الأعظم فقال: {لخلق الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، لا يقدر أحد أن يجعل طفلاً في أول أمره خبيث الفطرة لا ينقاد لما يقاد إليه ولا يستسلم لمن يريبه، وكلما كبر وطعن في السن رجع لما طبع عليه من كفر أو إيمان، أو طاعة أو عصيان، أو نكر أو عرفان، قليلاً قليلاً، حتى ينساق إلى ذلك عند البلوغ أو بعده، فإن مات قبل ذلك الجوزي بما كان الله يعلمه منه أنه يعمله طبعياً ويموت عليه كالغلام الذي قتله الخضر عليه السلام صح الخبر بأنه طبع على الكفر، ولا يعذب بما يكون عارضاً منه ويعلم أنه سيكون لو كان كأبوي الغلام لما وقع التصريح به من أنه لو عاش لأرهقهما ظغياناً وكفراً، فقد علم منهما الكفر حينئذ فلم يؤاخذا به لأنه عارض لا طبعي، فالعبرة بالموت، ومن طبع على شيء لم يمت على غيره، فحقق هذا تعلم أنه لا تنافي بين شيء من النصوص لا من الكتاب ولا من السنة - والله الهادي.
ولما كان الميل مع الدليل كيفما مال أمراً لا يكتنه قدره ولا ينال إلا بتوفيق من الله، أشار إلى عظمته بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم وهو الاهتزاز للدليل واتباع ما يشير إليه ويحث عليه
(15/88)

{الدين القيِّم} الذي لا عوج فيه {ولكن أكثر الناس} قد تدربوا في اتباع الأهوية لما تقدم من الشبه فصاروا بحيث {لا يعلمون} أي لا علم لهم أصلاً حتى يميزوا الحق من الباطل لما غلب عليهم من الجفاء.
(15/89)

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)
ولما كان من الناس من منّ الله عليه بأن كان في هذا الميدان، وسمت همته إلى مسابقة الفرسان، فلما رأى أنه لم يلتفت إليه، ولم يعول أصلاً عليه، كادت نفسه تطير، وكانت عادة القوم أن يخاطبوا القوم لمخاطبة رئيسهم تعظيماً له وحثاً لهم على التحلي بما خص به، جُبرت قلوبهم وشرحت صدورهم فبينت لهم حال من ضمير «أقم» أو من العامل في «فطرت» إعلاماً بأنهم مرادون بالخطاب، مشار إليهم بالصواب، فقال: {منيبين} أي راجعين مرة بعد مرة بمجاذبة النفس والفطرة الأولى {إليه} تعالى بالنزوع عما اكتسبتموه من رديء الأخلاق إلى تلك الفطرة السليمة المنقادة للدليل، الميالة إلى سواء السبيل.
ولما لم يكن بعد الرجوع إلى المحبة إلا الأمر بلزومها خوفاً من الزيغ عنها دأب المرة الأولى. قال عاطفاً على {فأقم} : {واتقوه} أي خافوا أن تزيغوا عن سبيله يسلمكم في أيدي أولئك المضلين، فإذا
(15/89)

خفتموه فلزمتموها كنتم ممن تخلى عن الرذائل {وأقيموا الصلاة} تصيروا ممن تحلى بالفضائل - هكذا دأب الدين أبداً تخلية ثم تحلية: أول الدخول إلى الإسلام التنزيه، وأول الدخول في القرآن الاستعاذة، وهو أمر ظاهر معقول، مثاله من أراد أن يكتب في شيء إن مسح ما فيه من الكتابة انتفع بما كتب، وإلا أفسد الأول ولم يقرأ الثاني - والله الموفق.
ولما كان الشرك من الشر بمكان ليس هو لغيره، أكد النهي عنه بقوله: {ولا تكونوا} أي كوناً ما {من المشركين} أي لا تكونوا ممن يدخل في عدادهم بمواددة أو معاشرة أو عمل تشابهونهم فيه فإنه «من تشبه بقوم فهو منهم» وهو عام في كل شرك سواء كان بعبادة صنم أو نار أوغيرهما، أو بالتدين بما يخالف النصوص من أقوال الأحبار والرهبان وغير ذلك.
ولما كانوا يظنون أنهم على صواب، نصب لهم دليلاً على بطلانه بما لا أوضح منه، ولا يمكن أحداً التوقف فيه، وذلك أنه لا يمكن أن يكون الشيء متصفاً بنفي شيء وإثباته في حالة واحدة فقال مبدلاً: {من الذين فرقوا} لما فارقوا {دينهم} الذي هو الفطرة الأولى، فعبد كل قوم منهم شيئاً ودانوا ديناً غير دين من سواهم، وهو معنى {وكانوا} أي بجهدهم وجدهم في تلك المفارقة المفرقة {شيعاً}
(15/90)

أي فرقاً متحالفين، كل واحدة منهم تشايع من دان بدينها على من خالفهم حتى كفر بعضهم بعضاً واستباحوا الدماء والأموال، فعلم قطعاً أنهم كلهم ليسوا على الحق.
ولما كان هذا أمراً يتعجب من وقوعه، زاده عجباً بقوله استئنافاً: {كل حزب} أي منهم {بما لديهم} أي خاصة من خاص ما عندهم من الضلال الذي انتحلوه {فرحون*} طناً منهم أنهم صادفوا الحق وفازوا به دون غيرهم.
ولما حصل من هذا القطع من كل عاقل أن أكثر الخلق ضال، فكان الحال جديراً بالسؤال، عن وجه الخلاص من هذا الضلال، أشير إليه أنه لزوم الاجتماع، وبين ذلك في جملة حالية من فاعل «فرحون» فقال تعالى: {وإذا} وكان الأصل: مسهم، ولكنه قيل لأنه أنسب بمقصود السورة من قصر ذلك على الإنسان كما هي العادة في أكثر السور أو غير ذلك من أنواع العالم: {مس الناس} تقوية لإرادة العموم إشارة إلى كل من فيه أهلية النوس وهو التحرك، من الحيوانات العجم والجمادات لو نطقت ثم اضطربت لتوجهت إليه سبحانه ولم تعدل عنه كما أنها الآن كذلك بألسنة أحوالها، فهذا هو الإجماع الذي لا يتصور معه نزاع
(15/91)

{ضر دعوا ربهم} أي الذي لم يشاركه في الإحسان إليهم أحد في جميع مدة مسهم بذلك الضر - بما أشار إليه الظرف حال كونهم {منيبين} أي راجعين من جميع ضلالاتهم التي فرقتهم عنه {إليه} علماً منهم بأنه لا فرج لهم عند شيء غيره، هذا ديدن الكل لا يخرم عنه أحد منهم في وقت من الأوقات، ولا في أزمة من الأزمات، قال الرازي في اللوامع في أواخر العنكبوت: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء.
ولما كان كل واقع في شدة مستبعداً كل استبعاد الخلاص منها قال: {ثم} بأداة العبد {إذا أذاقهم} مسنداً الرحمة إليه تعظيماً للأدب وإن كان الكل منه. ولما كان السياق كله للتوحيد، فكانت العناية باستحضار المعبود باسمه وضميره أتم قال: {منه} مقدماً ضميره دالاً بتقديم الجار على الاختصاص وأن ذلك لا يقدر عليه غيره، وقال: {رحمة} أي خلاصاً من ذلك الضر، إشارة إلى أنه لو أخذهم بذنوبهم أهلكهم، فلا سبب لإنعامه سوى كرمه، ودل على شدة إسراعهم في كفران الإحسان بقوله معبراً بأداة المفاجأة: {إذا فريق منهم} أي طائفة هي أهل لمفارقة الحق {بربهم} أي المحسن إليهم دائماً، المجدد لهم
(15/92)

هذا الإحسان من هذا الضر {يشركون*} بدل ما لزمهم من أنهم يشكرون فعلم أن الحق الذي لا معدل عنه الإنابة في كل حال إليه كما أجمعوا في وقت الشدائد عليه، وأن غيره مما فرقهم ضلال، لا يعدله قبالاً ولا ما يعدله قبال.
ولما كان هذا الفعل مما لا يفعله إلا شديد الغباوة أو العناد، وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس، ربا بهم عن منزلة البله إلى ما الجنون خير منه تهكماً بهم فقال: {ليكفروا بما} ولفت الكلام إلى مظهر العظمة فقال: {آتيناهم} أي من الرحمة التي من عظمتها أنه لا يقدر عليها غيرنا أمناً من أن يقعوا في شدة اخرى فنهلكهم بما أغضبونا، أو توسلاً بذلك إلى أن نخلصهم متى وقعوا في أمثالها، فلما أضل عقولهم وأسفه آراءهم! .
ولما كان فعلهم هذا سبباً لغاية الغضب، دل عليه بتهديده ملتفتاً إلى المخاطبة بقوله: {فتمتعوا} أي بما أردتم فيه بالشرك من اجتماعكم عند الأصنام وتواصلكم بها وتعاطفكم، وسبب عن هذا التمتع قوله: {فسوف تعلمون*} أي يكون لكم بوعد لا خلف فيه علم فتعرفون إذا حل بكم البلاء وأحاط بكم جميعاً المكروه هل ينفعكم شيء
(15/93)

من الأصنام أو من اتخذتم عنده يداً بعبادتها ووافقتموه في التقرب إليها.
ولما بكتهم بقوله: {هل لكم مما ملكت أيمانكم} ووصل به ما تقدم أنه في غاية التواصل، عاد له ملتفتاً إيذاناً بالتهاون بهم إلى مقام الغيبة إبعاداً لهم عن جنابه حيث جلى لهم هذه الأدلة واستمروا في خطر إغضابه بقوله: {أم أنزلنا} بما لنا من العظمة {عليهم سلطاناً} أي دليلاً واضحاً قاهراً {فهو} أي ذلك السلطان لظهور بيانه {يتكلم} كلاماً مجازياً بدلالته وإفهامه، ويشهد {بما} أي بصحة الذي {كانوا} أي كوناً راسخاً {به} أي خاصة {يشركون *} بحيث لم يجدوا بدّاً من متابعته لتزول عنهم الملامة، وهذه العبارة تدل على أنهم لازموا الشرك ملازمة صيرته لهم خلقاً لا ينفك.
(15/94)

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)
ولما بان بهذين المتعادلين أنه لم يضطرهم إلى الإشراك عرفٌ في أنفسهم مستمر دائم، ولا دليل عقلي ظاهر، ولا أمر من الله قاهر، فبان أنهم لم يتبعوا عقلاً ولا نقلاً، بل هم أسرى الهوى المبني على محض الجهل، وكان قد صرح بذلك عقب العديل الأول، لمح هنا، وترك التصريح به لإغناء الأول عنه، واستدل عليه بدليل خالفوا فيه العادة المستمرة، والدلالة الشهودية المستقرة، فقال عاطفاً على {وإذا مس} دالاً على خفة أحلامهم من وجه آخر غير الأول: {وإذا} معبراً
(15/94)

بأداة التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من النقمة، وأسند الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال: {أذقنا} وجرى الكلام على النمط الماضي في العموم لمناسبة مقصود السورة في أن الأمر كله له في كل شيء فقال: {الناس رحمة} أي نعمة من غنى ونحوه لا سبب لها إلا رحمتنا {فرحوا بها} أي فرح مطمئن بطر آمن من زوالها، ناسين شكر من أنعم بها، وقال: {وإن} بأداة الشك دلالة على أن المصائب أقل وجوداً، وقال: {تصبهم} غير مسند لها إليه تأديباً لعباده وإعلاماً بغزير كرمه {سيئة} أي شدة تسوءهم من قحط ونحوه.
ولما كانت المصائب مسببة عن الذنوب، قال منبهاً لهم على ذلك منكراً قنوطهم وهم لا يرجعون عن المعاصي التي عوقبوا بسببها: {بما قدمت أيديهم} أي من المخالفات، مسنداً له إلى اليد لأن أكثر العمل بها {إذا هم} أي بعد ما ساءهم وجودها مساءة نسوا بها ما خولوا فيه من النعم وجملوا له من ملابس الكرم {يقنطون*} أي فاجاؤوا البأس، مجددين له في كل حين من أحيان نزولها وإن كانوا يدعون ربهم في كشفها ويستعينونه لصرفها مع مشاهدتهم لضد ذلك في كلا الشقين في أنفسهم وغيرهم متكرراً، ولذلك أنكر عليه عدم
(15/95)

الرؤية دالاً بواو العطف أن التقدير: ألم يروا في أنفسهم تبدل الأحوال، قائلاً: {أولم يروا} أي بالمشاهدة والإخبار رؤية متكررة، فيعلموا علماً هو في ثباته كالمشاهد المحسوس، وعبر بالرؤية الصالحة للبصر والبصيرة لأن مقصود السورة إثبات الأمر كله لله، ولا يكفي فيه إلا بذل الجهد وإمعان النظر، والسياق لذم القنوط الذي يكفي في بقية المشاهدة لاختلاف الأحوال، بخلاف الزمر التي مقصودها الدلالة على صدق الوعد الكافي فيه مطلق العلم.
ولما كان في البسط والقبض جمع بين جلال وجمال، لفت الكلام بذكر الاسم الجامع فقال: {أن الله} بجلاله وعظمته {يبسط الرزق} أي يكثره {لمن يشاء} أي من عباده منهم ومن غيرهم {ويقدر} أي يضيق، وإن هذا شأنه دائماً مع الشخص الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة، ومع الأشخاص ولو في الوقت الواحد، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا، ولو اعتبروا حال بسطه لم يقنطوا، بل كان حالهم الصبر في البلاء، والشكر في الرخاء، والإقلاع عن السيئة التي نزل بسببها القضاء، فقد عرف من حالهم أنهم متقيدون دائماً بالحالة الراهنة.
يغلطون في الأمور المتكررة المشاهدة، فلا عجب في تقيدهم في إنكار البعث بهذه الحياة الدنيا.
(15/96)

ولما لم يغن أحد منهم في استجلاب الرزق قوته وغزارة عقله ودقة مكره وكثرة حيله، ولا ضره ضعفه وقلة عقله وعجز حيلته، وكان ذلك أمراً عظيماً ومنزعاً مع شدة ظهوره وجلالته خفياً دقيقاً كما قال بعضهم:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً
أشار سبحانه إلى عظمته بقوله، مؤكداً لأن عملهم في شدة اهتمامهم بالسعي في الدنيا عمل من يظن تحصيلها إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على شخص والتقتير على آخر، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرر المشاهدة للزوال في النفس والغير، واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج وغير ذلك من أسرار الآية {لآيات} أي دلالات واضحات على الوحدانية لله تعالى وتمام العلم وكمال القدرة، وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن {لقوم} أي ذوي همم وكفاية للقيام بما يحق لهم أن يقوموا فيه {يؤمنون} أي يوجدون هذا الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم
(15/97)

من قيام الأدلة، بإدامة التأمل والإمعان في التفكر، والاعتماد في الرزق على من قال {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17] أي من طالب علم فيعان عليه فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفاً من زوالها إذا أراد القادر، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلاً من الرازق، لأن «أفضل العبادة انتظار الفرج» بل هم بما عليهم من وظائف العبادة واجبها ومندوبها معرضون عما سوى ذلك، وقد وكلوا أمر الرزق إلى من تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه، وهو القدير العليم.
ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأن الاكتراث بها لا يزيدها، والتهاون بها لا ينقصها، فصار ذلك لا يفيد إلا تعجيل النكد بالكد والنصب، وكان مما تقدم أن السيئة من أسباب المحق، سبب عنه الإقبال على إنفاقها في حقوقها إعراضاً عنها وإيذاناً بإهانتها وإيقاناً بأن ذلك هو استيفاؤها واستثمارها واستنماؤها، فقال خاصاً بالخطاب أعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره لأن ذلك أوقع في نفوس الأتباع، وأجدر بحسن القبول منهم والسماع: {فآت} يا خير الخلق! {ذا القربى حقه} بادئاً به لأنه أحق الناس بالبر، صلة للرحم وجوداً وكرماً
(15/98)

{والمسكين} سواء كان ذا القربى أو لا {وابن السبيل} وهو المسافر كذلك، والحق الذي ذكر لهما الظاهر أنه يراد به النفل لا الواجب، لعدم ذكر بقية الأصناف، ودخل الفقير من باب الأولى.
ولما أمر بالإيتاء، رغب فيه فقال: {ذلك} أي الإيتاء العالي الرتبة {خير} ولما كان سبحانه أغنى الأغنياء فهو لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه لا رياء فيه، قال معرفاً أن ذلك ليس قاصراً على من خص بالخطاب بل كل من تأسى به نالته بركته {للذين يريدون} بصيغة الجمع، ولما كان الخروج عن المال في غاية الصعوبة، رغب فيه بذكر الوجه الذي هو أشرف ما في الشيء المعبر به هنا عن الذات وبتكرير الاسم الأعظم المألوف لجميع الخلق فقال: {وجه الله} أي عظمة الملك الأعلى، فيعرفون من حقه ما يتلاشى عندهم على كل ما سواه فيخلصون له {وأولئك} العالو الرتبة لغناهم عن كل فان {هم} خاصة {المفلحون*} أي الذين لا يشوف فلاحهم شيء من الخيبة، وأما غيرهم فخائب، أما إذا لم ينفق فواضح، وأما من أنفق على وجه الرياء بالسمعة والرياء فإنه خسر ماله، وأبقى عليه وباله، وأما من أنفق على وجه الرياء الحقيقي فقد صرح به تعريفاً بعظيم فحشه
(15/99)

صارفاً الخطاب عن المقام الشريف الذي كان مقبلاً عليه، تعريفاً بتنزه جنابه عنه، وبعد تلك الهمة العلية والسجايا الطاهرة النقية منه، إلى جهة من يمكن ذلك منهم فقال: {وما آتيتم} أي جئتم أي فعلتم - في قراءة ابن كثير بالقصر ليعم المعطي والآخذ والمتسبب، أو أعطيتم - في قراءة غيره بالمد {من ربا} أي مال على وجه الربا المحرم أو المكروه، وهو أن يعطي عطية ليأخذ في ثوابها أكثر منها، وكان هذا مما حرم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تشريفاً له، وكره لعامة الناس. وعلى قراءة ابن كثير بالقصر المعنى: وما جئتم به من إعطاء بقصد الربا {ليربوا} أي يزيد ويكثر ذلك الذي أعطيتموه أو فعلتوه، أو لتزيدوا أنتم ذلك - على قراءة المدنيين ويعقوب بالفوقانية المضمومة، من: أربى {في أموال الناس} أي تحصل فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفاً لها، فهو كناية عن أن الزيادة التي يأخذها المربي من أموالهم لا يملكها أصلاً {فلا يربوا} أي يزكوا وينمو {عند الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وكل صفات الكمال، وكل ما لا يربو عند الله فهو غير مبارك بل ممحوق لا وجود له، فإنه إلى فناء وإن كثر {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [
(15/100)

البقرة: 276] .
ولما ذكر ما زيادته نقص، أتبعه ما نقصه زيادة فقال: {وما آتيتم} أي أعطيتم للإجماع على مدة لئلا يوهم الترغيب في أخذ الزكاة {من زكاة} أي صدقة، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة، أي تطهرون بها أموالكم من الشبه، وأبدانكم من مواد الخبث، وأخلاقكم من الغل والدنس. ولما كان الإخلاص عزيزاً، أشار إلى عظمته بتكريره فقال: {تريدون} أي بها {وجه الله} خالصاً مستحضرين لجلاله وعظمته وكماله، وعبر عن الذات بالوجه لأنه الذي يجل صاحبه ويستحي منه عند رؤيته وهو أشرف ما في الذات.
ولما كان الأصل: فأنتم، عدل به إلى صيغة تدل على تعظيمه بالالتفات إلى خطاب من بحضرته من أهل قربه وملائكته، لأن العامل يجب أن يكون له بعمله لسان صدق في الخلائق فكيف إذا كان من الخالق، وبالإشارة إليه بأداة البعد إعلاماً بعلو رتبته، وأن المخاطب بالإيتاء كثير، والعامل قليل وجليل، فقال: {فأولئك} ولعل إفراد المخاطب هنا للترغيب في الإيتاء بأنه لا يفهم ما لأهله حق فهمه سوى المنزل عليه هذا الوحي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {هم} أي خاصة {المضعفون*} أي الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك الحفظ والبركة، وفي الآخرة بكثرة الثواب عند الله من عشرة أمثال إلى ما
(15/101)

لا حصر له كما يقال: مقو وموسر ومسمن ومعطش - لمن له قوة ويسار وسمن في إبله وعطش ونحو ذلك.
(15/102)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)
ولما وضح بهذا أنه لا زيادة إلا فيما يزيده الله، ولا خير إلا فيما يختاره الله، فكان ذلك مزهداً في زيادة الاعتناء بطلب الدنيا، بين ذلك بطريق لا أوضح منه فقال: {الله} أي بعظيم جلاله لا غيره {الذي خلقكم} أي أوجدكم على ما أنتم عليه من التقدير لا تملكون شيئاً.
ولما كان الرزق موزعاً بين الناس بل هو ضيق على كثرته عن كثير منهم، فكان رزق من تجدد - لا سيما إن كان ابناً لفقير - مستبعداً، أشار إليه بأداة البعد فقال: {ثم رزقكم} ولما كانت إماتة المتمكن من بدنه وعقله وقوته وأسباب نبله عجيبة، نبه عليها بقوله: {ثم يميتكم} ولما كان كل ذلك في الحقيقة عليه هيناً، وكان الإحياء بعد الإماتة إن لم يكن أهون من الإحياء أول مرة كان مثله وإن استبعدوه قال: {ثم يحييكم} .
ولما استغرق بما ذكر جميع ذواتهم وأحوالهم، وكان الشريك
(15/102)

من قام بشيء من العمل أو المعمول فيه، وكان من المعلوم أنه ليس لشركائهم في شيء من ذلك نوع صنع، قال منكراً عليهم: {هل من} ولما كان إشراكهم بما أشركوا لم تظهر له ثمرة إلا في أنهم جعلوا لهم جزءاً من أموالهم، عبر بقوله: {شركائكم} أي الذين تزعمونهم شركاء {من يفعل من ذلكم} مشيراً إلى علو رتبته بأداة البعد وخطاب الكل. ولما كان الاستفهام الإنكاري التوبيخي في معنى النفي، قال مؤكداً له مستغرقاً لكل ما يمكن منه ولو قل جداً: {من شيء} أي يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه.
ولما لزمهم قطعاً أن يقولوا: لا وعزتك! ما لهم ولا لأحد منهم في شيء من ذلك من فعل، أشار إلى عظيم ما ارتكبوه بما أنتجه هذا الدليل، فقال معرضاً عنهم زيادة في التعظيم والعظمة، منزهاً لنفسه الشريفة منها على التنزيه ببعد رتبته الشماء من حالهم: {سبحانه} أي تنزه تنزهاً لا يحيط به الوصف من أن يكون محتاجاً إلى شريك، فإن ذلك نقص عظيم. ولما كان من أخبر بأنه فعل شيئاً أو يفعله كالإماتة والإحياء بالبعث وغيره لا يحول بينه وبينه المقاوم من شريك ونحوه، قال: {وتعالى} أي علواً لا تصل إليه العقول، كما دلت عليه صيغة التفاعل، وجرت قراءة حمزة والكسائي بالخطاب على الأسلوب الماضي، وأذنت
(15/103)

قراءة الباقين بالغيب بالإعراض للغضب في قوله معبراً بالمضارع إشارة إلى أن العاقل من شأنه أنه لا يقع منه شرك أصلاً، فكيف إذا كان على سبيل التجدد والاستمرار: {عما يشركون*} في أن يفعلوا شيئاً من ذلك أو يقدروا بنوع من أنواع القدرة على أن يحولوا بينه وبين شيء مما يريد ليستحقوا بذلك أن يعظموا نوع تعظيم، فنزهوه وعظموه بالبراءة من كل معبود سواه.
ولما بين لهم سبحانه من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا، فلم يفعلوا، أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم على قبيح ما ارتكبوا، استعطافاً للتوبة فقال: {ظهر الفساد} أي النقص في جميع ما ينفع الخلق {في البر} بالقحط والخوف ونحوهما {والبحر} بالغرق وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما كان يحصل منه قبل. وقال البغوي: البر البوادي والمفاوز، والبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية، قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحراً. ثم بين سببه بقوله: {بما} ولما أغنى السياق بدلالته على السيئات عن الافتعال قال: {كسبت} أي عملت
(15/104)

من الشر عملاً هو من شدة تراميهم إليه وإن كان على أدنى الوجوه بما أشار إليه تجريد الفعل كأنه مسكوب من علو، ومن شدة إتقان شره كأنه مسبوك.
ولما كان أكثر الأفعال باليد، أسند إليها ما يراد به الجملة مصرحاً بعموم كل ما له أهلية التحرك فقال: {أيدي الناس} أي عقوبة لهم على فعلهم. ولما ذكر علته البدائية، ثنى بالجزائية فقال: {لنذيقهم} أي بما لنا من العظمة في رواية قنبل عن ابن كثير بالنون لإظهار العظمة في الإذاقة للبعض والعفو عن البعض، وقراءة الباقين بالتحتانية على سنن الجلالة الماضي؛ وأشار إلى كرمه سبحانه بقوله: {بعض الذي عملوا} أي وباله وحره وحرقته، ويعفو عن كثير إما أصلاً ورأساً، وإما المعاجلة به ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا، أو إلى الآخرة، والمراد الجزاء بمثل أعمالهم جزاء لها تعبيراً عن المسبب بالسبب الذي أتوه إلى الناس فيعرفوا إذا سلبوا المال مقدار ما ذاق منهم ذلك الذي سلبوه، وإذا قتل لهم حميم حرارة ما قاسى حميم ما قتلوه، ونحو ذلك مما استهانوه لما أتوه إلى غيرهم من الأذى البالغ وهم يتضاحكون ويعجبون
(15/105)

من جزعه ويستهزؤون غافلين عن شدة ما يعاني من أنواع الحرق هو ومن يعز عليه أمره، ويهمه شأنه، ويده قد غلها عن المساعدة العجز، وقصرها الضعف والقهر؛ ثم ثلث بالعلة الغائية فقال: {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى رجوعه عن فعل مثل ذلك خوفاً من أن يعاد لهم بمثل ذلك من الجزاء.
ولما كان الإنسان - لنقصه في تقيده بالجزئيات - شديد الوقوف مع العقل التجربي، وكان علمهم بأيام الماضين ووقائع الأولين كافياً لهم في العظة للرجوع عن اعتقادهم، والتبري من عنادهم، وكانوا - لما لم يروا آثارهم رؤية اعتبار، وتأمل وادكار، عدوا ممن لم يرها، فنبه سبحانه على ذلك بالاحتجاب عنهم بحجاب العزة، أمراً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يأمرهم بالسير للنظر، فقال تأكيداً لمعنى الكلام السابق نصحاً لهم ورفقاً بهم: {قل} أي لهؤلاء الذي لا همّ لهم إلا الدنيا، فلا يعبرون فيما ينظرون من ظاهر إلى باطن: {سيروا} وأشار إلى استغراق ديار المهلكين كل حد ما حولهم من الجهات كما سلف فقال: {في الأرض} فإن سيركم الماضي لكونه لم يصحبه عبرة عدم.
ولما كان المراد الانقياد إلى التوحيد، وكان قد ذكرهم بما أصابهم
(15/106)

على نحو ما أصاب به الماضين قال: {فانظروا} بفاء التعقيب، ولما كان ما أحله بهم في غاية الشدة، عرفهم بذلك، فساق مساق الاستفهام تخويفاً لهم من إصابتهم بمثله فقال: {كيف} ولما كان عذابهم مهولاً، وأمرهم شديداً وبيلاً، دل عليه بتذكير الفعل فقال: {كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان المراد طوائف المعذبين، وكانوا بعض من مضى، فلم يستغرقوا الزمان، بعض فقال: {من قبل} أي من قبل أيامكم أذاقهم الله وبال أمرهم، وأوقعهم في حفائر مكرهم.
ولما كان هذا التنبيه كافياً في الاعتبار، فكان سامعه جديراً بأن يقول: قد تأملت فرأيت آثارهم عظيمة، وصنائعهم مكينة، ومع ذلك فمدنهم خاليه وبيوتهم خاوية، قد ضربوا بسوط العذاب، فعمهم الخسار والثياب، فما لهم عذبوا، فأجيب بقوله: {كان أكثرهم مشركين*} فلذلك أهلكناهم ولم تغنِ عنهم كثرتهم، وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم.
ولما كانوا مع كثرة مرورهم على ديارهم، ونظرهم لآثارهم، وسماعهم لأخبارهم، لم يتعظوا، أشير إلى أنهم عدم، بصرف الخطاب عنهم، وتوجيهه إلى السامع المطيع، فقال مسبباً عما مضى من إقامة الأدلة
(15/107)

والوعظ والتخويف: {فأقم} أي يا من لا يفهم عنا حق الفهم سواه، لأنا فضلناه على جميع الخلق {وجهك} أي لا تلفته أصلاً {للدين القيِّم} الذي لا عوج فيه بوجه، بل هو عدل كله، من التبري من الأوثان إلى التلبس بمقام الإحسان، فالزمه واجعله بنصب عينك لا تغفل عنه ولا طرفة عين، لكونه سهلاً فيما تسبب الإعانه عليه في الظاهر بالبيان الذي ليس معه خفاء، وفي الباطن بالجبل عليه حتى أنه ليقبله الأعمى والأصم والأخرس، ويصير فيه كالجبل رسوخاً.
ولما كان حفظ الاستقامة عزيزاً، أعاد التخويف لحفظ أهلها، فقال ميسراً الأمر بعدم استغراق الزمان بإثبات الجار، إشارة إلى الرضا باليسير من العمل ولو كان ساعة من نهار، بشرط الاتصال بالموت: {من قبل} وفك المصدر للتصريح فقال: {أن يأتي يوم} أي عظيم، وهو يوم القيامة، أو الموت، وأشار إلى تفرده سبحانه في الملك بقوله: {لا مرد له} ولفت الكلام في رواية قنبل من مظهر العظمة إلى أعظم منه لاقتضاء المقام ذلك وأظهر في رواية الباقين لئلا يتوهم عود الضمير إلى الدين فقال: {من الله} وإذا لم يرده هو لوعده بالإتيان به، وهو ذو الجلال
(15/108)

والإكرام، فمن الذي يرده.
ولما حقق إتيانه، فصل أمره مرغباً مرهباً، فقال: {يومئذ} أي إذ يأتي {يصدعون*} أي تتفرق الخلائق كلهم فرقة قد تخفى على بعضهم - بما أشار إليه الإدغام، فيقولون: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار.
ولما كان المعنى أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير، بين ذلك ببيان عاقبة سببه في جواب من كأنه قال: إلى أين يتفرقون؟ قائلاً: {من كفر} أي منهم فعلم شيئاً {فعليه} أي لا على غيره {كفره} أي وباله، وعلى أنفسهم يعتدون ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون، ومن كان عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت، فلا خلاص له فيما بعد الفوت، ووحد الضمير رداً له على لفظ من نصاً على أن كل واحد مجزيّ بعمله لا المجموع من حيث هو مجموع، وإفهاماً لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين، لأنهم لا مولى لهم، ولتفرق كلمتهم {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} [الحشر: 14] ولأنه لا اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض، بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ما
(15/109)

يتفق لغيره {ومن عمل صالحاً} أي بالإيمان وما يترتب عليه، وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على {من كفر} وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلاً، لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم، وفي جمع الجزاء مع إفراد الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأقل ماينفع والديه وشيخه في ذلك العمل، وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه - على أن العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل الأخلاق، فقال: {فلأنفسهم} أي خاصة أعمالهم ولهم خاصة عملهم الصالح ولأنفسهم {يمهدون} أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة، بل وفي الدنيا فإن الله يعزهم بعز طاعته، والآية من الاحتباك: حذف أولاً عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من المهد، وثانياً كون العمل خاصاً بهم لما دل عليه من كون الكفر على صاحبه خاصة، وأحسن من هذا أن
(15/110)

يقال: ذكر الكفر الذي هو السبب دليلاً على الإيمان ثانياً، والعمل الصالح الذي هو الثمرة ثانياً دليلاً على العمل السيء أولاً.
(15/111)

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)
ولما فرغ من بيان تصدعهم، ذكر علته فقال: {ليجزي} أي الله سبحانه الذي أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر أولياءه لإحسانهم لأنه مع المحسنين، ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم فقال: {الذين آمنوا} أي ولو على أدنى الوجوه {وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} ولما كانت الأعمال نعمة منه، فكان الجزاء محض إحسان، قال: {من فضله} .
ولما كان تنعيمهم من أعظم عذاب الكافرين الذين كانوا يهزؤون بهم ويضحكون منهم، علله بقوله على سبيل التأكيد لدعوى من يظن أن إقبال الدنيا على العصاة لمحبة الله لهم: {إنه لا يحب الكافرين*} أي لا يفعل مع العريقين في الكفر فعل المحب، فلا يسويهم بالمؤمنين، وعلم من ذلك ما طوى من جزائهم، فالآية من وادي الاحتباك، وهو أن يؤتي بكلامين يحذف من كل منهما شيء ويكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر، فالتقدير هنا بعد ما ذكر من جزاء الذين آمنوا أنه يحب المؤمنين ويجزي الذين كفروا وعملوا
(15/111)

السيئات بعدله لأنه لا يحب الكافرين، فغير النظم ليدل مع دلالته كما ترى على ما حذف على أن إكرام المؤمنين هو المقصود بالذات، وهو بعينه إرغام الكافرين، وعبر في شق المؤمنين بالمنتهى الذي هو المراد من محبة الله لأنه أسرّ. وفي جانب الكافرين بالمبدأ الذي هو مجاز لأنه أنكأ وأضر.
ولما ختم في أول السورة الآيات الدالة على الوحدانية المستلزمة للبعث لأن به تمام ظهور الحكمة، وانكشاف غطاء القلوب عن صفات العظمة، بأن قيام السماء والأرض بأمره وأتبع ذلك ما اشتد التحامه به، وختمه ببعض الكافرين بعد ذكر يوم البعث، أتبعه ذكر ما حفظ به قيام الوجود، وهو الرياح، يجعلها سبباً في إدرار النعم التي منها ما هو أعظم أدلة البعث وهو النبات، وهي بجملتها دليل ذلك وسبب القرار في البر والسير في البحر الموصل لمنافع بعض البلاد إلى بعض، وبذلك انتظم الأمر لأهل الأرض، فاستعمل المؤمن منهم ما رزقه سبحانه من العقل في النظر في ذلك حتى أداه إلى شكره فأحبه، واقتصر الكافر على الدأب فيما يستجلب به تلك النعم ويستكثرها، فأبطره ذلك فأوصله إلى كفره فأبغضه، والرياح أيضاً أشبه شيء
(15/112)

بالناس، منها النافع نفعاً كبيراً، ومنها الضار ضراً كثيراً، فقال: {ومن آياته} أي الدلالات الواضحة الدالة علم كمال قدرته وتمام علمه الدال على أنه هو وحده الذي أقام هذا الوجود، وكما أنه أقامه فهو يقيم وجوداً آخر هو زبدة الأمر، ومحط الحكمة، وهو أبدع من هذا الوجود، يبعث فيه الخلق بعد فنائهم، ويتجلى لفصل القضاء بينهم، فيأخذ بالحق لمظلومهم من ظالمهم، ثم يصدعهم فيجعل فريقاً منهم في الجنة دار الإعانة والكرامة، وفريقاً في السعير غار الإهانة والملامة {أن يرسل الرياح} على سبيل التجدد والاستمرار، وهي ما عدا الدبور المشار في الحديث الشريف إلى الاستعاذة منها
«اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» وقد تقدم من شرحي لها عند {من يرسل الرياح بشراً} في [النمل: 63] ما فيه كفاية، وفي جمعها المجمع عليه هنا لوصفها بالجمع إشارة إلى باهر القدرة، فإن تحويل الريح الواحدة من جهة إلى أخرى أمر عظيم لا قدرة لغيره عليه في الفضاء الواسع، وكذا إسكانه، فكيف إذا كانت رياح متعاكسة، ففي إثارتها كذلك ثم إسكانها من باهر القدرة ما لا يعلمه إلا أولو البصائر {مبشرات} أي لكم بكل ما فيه نفعكم من المطر والروح وبرد الأكباد
(15/113)

ولذة العيش.
ولما كان التقدير: ليهلك بها من يشاء من عباده، أو ليدفع عنكم ما يحصل بفقدها من نقمته من الحر، وما يتبعه من انتشار المفسدات، واضمحلال المصلحات، وطواه لأن السياق لذكر النعم، عطف عليه قوله مثبتاً اللام إيضاحاً للمعطوف عليه: {وليذيقكم} وأشار إلى عظمة نعمة بالتبعيض في قوله: {من رحمته} أي نعمه من المياه العذبة والأشجار الرطبة، وصحة الأبدان، وخصب الزمان، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها، ولا يتصورها حق تصورها إلا من فقد الرياح، من وجود الروح وزكاء الأرض وإزالة العفونة من الهواء والإعانة على تذرية الحبوب وغير ذلك، وأشار إلى عظمة هذه النعمة وإلى أنها صارت لكثرة الإلف مغفولاً عنها بإعادة اللام فقال: {ولتجري الفلك} أي السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها.
ولما أسند الجري إلى الفلك نزعه منها بقوله: {بأمره} أي بما يلائم من الرياح اللينة، وإذا أراد أعصفها فأغرقت، أو جعلها متعاكسة فحيرت ورددت، حتى يحتال الملاحون بكل حيلة على إيقاف
(15/114)

السفن لئلا تتلف.
ولما كان كل من مجرد السير في البحر والتوصل به من بلد إلى بلد نعمة في نفسه، عطف على {لتجري} قوله، منبهاً بإعادة اللام إيضاحاً للمعطوف عليه على تعظيم النعمة: {ولتبتغوا} أي تطلبوا طلباً ماضياً بذلك السير، وعظم ما عنده بالتبعيض في قوله: {من فضله} مما يسخر لكم من الريح بالسفر للمتجر من بلد إلى بلد والجهاد وغيره {ولعلكم} أي ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على رجاء من أنكم {تشكرون*} ما أفاض عليكم سبحانه من نعمه، ودفع عنكم من نقمه.
ولما كان التقدير: فمن أذاقه من رحمته، ومن كفر أنزل عليه من نقمته، وكان السياق كله لنصر أوليائه وقهر أعدائه، وكانت الرياح مبشرات ومنذرات كالرسل، وكانت موصوفة بالخير كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها «فلرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة» وكانت في كثرة منافعها وعمومها إن كانت نافعة، ومضارها إن كانت ضارة، أشبه شيء بالرسل في إنعاش قوم وإهلاك آخرين، وما ينشأ عنها كما
(15/115)

ينشأ عنهم.
كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه: البخاري في العلم، ومسلم في المناقب «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت طائفة منها طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» ولما كان الأمر كذلك، عطف على قوله: «ينصر من يشاء» وقوله: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى} أو على ما تقديره تسبيباً عن قوله: {فأقم وجهك للدين القيم} : فلقد أرسلناك بشيراً لمن أطاع بالخير، ونذيراً لمن عصى بالشر، قوله مسلياً لهذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأتباعه، ولفت الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء سياق الانتقام لها، وأكد إشارة إلى أن الحال باشتداده
(15/116)

وصل إلى حالة اليأس، أو لإنكار كثير من الناس إرسال البشر: {ولقد أرسلنا} بما لنا من العزة.
ولما كانت العناية بالإخبار بأن عادته ما زالت قديماً وحديثاً على نصر أوليائه، قال معلماً بإثبات الجار أن الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل، أو أن الكلام في خصوص الأمم المهلكة: {من قبلك} مقدماً له على {رسلاً} أوللتنبيه على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل زمانه، وقال: {إلى قومهم} إعلاماً بأن بأس الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد، وزاد في التسلية بالتذكير إشارة إلى شدة أذى القوم لأنبيائهم حيث لم يقل «إلى قومها» .
ولما كان إرسال الله سبباً لا محالة للبيان الذي لا لبس معه قال: {فجاءوهم بالبينات} فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين {فانتقمنا} أي فكانت معاداة المسلمين للمجرمين فينا سبباً لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة {من الذين أجرموا} لأجرامهم، وهو قطع ما أمرناهم بوصله اللازم منه وصل ما أمروا بقطعه، فوصلوا الكفر وقطعوا الإيمان، فخذلناهم وكان حقاً علينا قهر المجرمين، إكراماً لمن عادوهم فينا، وأنعمنا على الذين آمنوا فنصرناهم.
ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به، قدمه
(15/117)

تعجيلاً للسرور وتطييباً للنفوس فقال: {وكان} أي على سبيل الثبات والدوام {حقاً علينا} أي بما أوجبناه لوعدنا الذي لا خلق فيه {نصر المؤمنين*} أي العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرة، فلم يزل هذا دأبنا في كل ملة على مدى الدهر، فإن هذا من الحكمة التي لا ينبغي إهمالها، فليعتد هؤلاء لمثل هذا، وليأخذوا لذلك أهبته لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء؟ والآية من الاحتباك: حذف أولاً الإهلاك الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر عليه، وثانياً الإنعام لدلالة الانتقام عليه.
(15/118)

اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)
ولما أقام سبحانه الدليل على البعث وإقامة الوجود بتصريفه الرياح كيف يشاء وأتبعه آية التسلية والتهديد، وكان عذاب المذكورين فيها بالريح أو ما هي سببه أو لها مدخل فيه، أتبع ذلك الإعلام بأنه مختص بذلك سبحانه تنبيهاً على عظيم آية الرياح للخص على تدبرها، مؤكداً لأمر البعث ومصرحاً به، فقال ثانياً الكلام عن مقام العظمة الذي اقتضته النقمة إلى الاسم الأعظم الجامع الذي نظره إلى النعمة أكثر من نظره إلى النقمة: {الله} أي وحده {الذي يرسل} مرة بعد أخرى لأنه المتفرد بالكمال فلا كفوء له: {الرياح} مضطربة
(15/118)

هائجة بعد أن كانت ساكنة، وفي قراءة الجمهور بالجمع خلافاً لابن كثير وحمزة والكسائي تنبيه على عظيم الصنع في كونه يفعل ما ذكره بأي ريح أراد {فتثير سحاباً} لم يكن له وجود.
ولما أسند الإثارة إلى الرياح، نزع الإسناد إليها في البسط والتقطيع فإنه لم يجعل فيه قوة شيء من ذلك ليعلم أن الكل فعله فقال: {فيبسطه} بعد اجتماعه {في السماء} أي جهة العلو.
ولما كان أمر السحاب في غاية الإعجاب في وجوده بعد أن لم يكن وأشكاله وألوانه وجميع أحواله في اجتماعه وافتراقه وكثافته وما فيه من مطر ورعد وبرق وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، أشار سبحانه إلى ذلك بأداة الاستفهام وإن كانوا قد عدوها هنا شرطية فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي في ناحية شاء قليلاً تارة كمسيرة ساعة أو يوم، وكثيراً أخرى كمسيرة أيام على أوضاع مختلفة تدلك قطعاً على أنه فعله وحده باختياره لا مدخل فيه لطبيعة ولا غيرها.
ولما كان المراد بذلك كونه على هيئة الاتصال، دل عليه بقوله: {ويجعله} أي إذا أراد {كسفاً} أي قطعاً غير متصل بعضها ببعض
(15/119)

اتصالاً يمنع نزول الماء {فترى} أي بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا مسامٌ وفرج يا من أهلية الرؤية، أو يا أشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق معرفته سواه {الودق} أي المطر المتقاطر القريب الواسع {يخرج من خلاله} أي السحاب الذي هو اسم جنس في حالتي الاتصال والانفصال.
ولما كان سبحانه قد سبب عن ذلك سرور عباده لما يرجون من أثره وإن كانوا كثيراً ما يشاهدون تخلف الأثر لعوارض ينتجها سبحانه، قال مسبباً عن ذلك مشيراً بأداة التحقق إلى عظيم فضله وتحقق إنعامه: {فإذا أصاب} أي الله {به من} أي أرض من {يشاء} ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد أصلاً شيء بقوله: {من عباده} أي الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم، وهم جديرون بملازمة شكره، والخضوع لأمره، خاصاً لهم بقدرته واختياره، وبين خفتهم بإسراعهم إلى الاستبشار مع احتمال العاهات، جامعاً رداً على معنى «من» أو على «العباد» لأن الخفة من الجماعة أفحش فقال: {إذا هم يستبشرون*} أي يظهر عليهم البشر، وهو السرور الذي تشرق له البشرة حال الإصابة ظهوراً بالغاً عظيماً بما يرجونه مما يحدث عنه من الأثر النافع من الخصب والرطوبة واللين؛
(15/120)

ثم بين طيشهم وعجزهم بقوله: {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} في الزمن الماضي كوناً متمكناً في نفوسهم، وبين رب يأسهم من استبشارهم دلالة على سرعة انفعالهم وكثرة تقلبهم بالجار، فقال: {من قبل أن ينزل} أي المطر بأيسر ما يكون عليه سبحانه {عليهم} ثم أكد عظم خفتهم وعدم قدرتهم بقوله: {من قبله} أي الاستبشار سواه من غير تخلل زمان يمكن أن يدعي لهم فيه تسبب في المطر {لمبلسين*} أي ساكتين على ما في أنفسهم تحيراً ويأساً وانقطاعاً، فلم يكن لهم على الإتيان بشيء من ذلك حيلة، ولا لمعبوداتهم صلاحية له باستقلال ولا وسيلة.
ولما انكشف بذلك الغطاء، وزاحت الشبه، أعرض سبحانه عنهم على تقدير أن يكون «ترى» لمن فيه أهلية الرؤية إيذاناً بأنه لا فهم لهم ملتفتاً إلى خلاصة الخلق الصالح للتلقي عنه قائلاً مسبباً عن ذلك: {فانظر} ولما كان المراد تعظيم النعمة، وأن الرزق أكثر من الخلق، عبر بحرف الغاية إشارة إلى تأمل الأقصى بعد تأمل الأدنى فقال: {إلى آثار} ولما لم يكن لذلك سبب سوى سبق رحمته لغضبه قال: {رحمت الله} للجامع لمجامع العظة، وأظهر ولم يضمر تنبيهاً على
(15/121)

ما في ذلك من تناهي العظمة في تنوع الزروع بعد سقيا الأرض واهتزازها بالنبات واخضرار الأشجار واختلاف الثمار، وتكون الكل من ذلك الماء.
ولما كان هذا من الخوارق العظيمة، ولكنه قد تكرر حتى صار مألوفاً، نبه على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف يحيي} أي هذا الأثر أو الله مرة بعد أخرى {الأرض} بإخراج ما ذكر منها.
ولما كانت قدرته على تجديد إحيائها دائة - على ما أشار إليه المضارع ودعا إليه مقصود السورة، أشار إلى ذلك أيضاً بترك الجار فقال: {بعد موتها} بانعدام ذلك.
ولما كان هذا دالاً على القدرة على إعادة الموتى ولا بد لأنه مثله سواء، فإن جميع ما لا ينبته الآدميون يتفرق في الأرض بعد كونه هشيماً تذروه الرياح، ويتفتت بحيث يصير تراباً، فإذا نزل عليه الماء عاد كما كان أو أحسن قال: {إن ذلك} أي العظيم الشأن الذي قدر على هذا {لمحيي الموتى} كلها من الحيوانات والنباتات، أي ما زال قادراً على ذلك ثابتاً له هذا الوصف ولا يزال {وهو} مع ذلك
(15/122)

{على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير*} لأن نسبة القدرة منه سبحانه إلى كل ممكن على حد سواء.
ولما كان تكرار مشاهدتهم لمثل هذا الاقتدار لا يفيدهم علماً بالله تعالى، دل على ذلك بقوله، لافتاً الكلام إلى سياق العظمة تنبيهاً على عظيم عفوه سبحانه مع تمام القدرة، مؤكداً له غاية التأكيد، تنبيهاً على أنه ليس من شأن العقلاء عدم الاستفادة بالمواعظ، معبراً بأداة الشك، تنبيهاً على أن إنعامه أكثر من انتقامه، مؤكداً بالقسم لإنكارهم الكفر: {ولئن أرسلنا} بعد وجود هذا الأثر الحسن {ريحاً} عقيماً {فرأوه} أي الأثر، ويجوز أن يكون الضمير للريح من التعبير بالسبب عن المسبب {مصفراً} قد ذبل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح إما بالحر أو البرد {لظلوا} أي لداموا وعزتنا لها يجددون الكفر أبداً وإن كان «ظل» معناه: دام نهاراً، وعبر بالماضي موضع المستقبل نحو «ليظللن والله» تأكيداً لتحقيقه، ولعله عبر بالظلول لأن مدة النوم لا تجديد فيها للكفر، ولذلك أتى فيها بحرف التبعيض حيث قال: {من بعده} أي بعد اصفراره {يكفرون*} بيأسهم من روح الله وجحودهم لما أسلف إليهم من النعم بعد ما تكرر من تعرفه سبحانه
(15/123)

إليهم بالإحسان، بعد ما التقت حلقتا البطان، وكان وكان فلا هم عند السراء بالرحمة شكروا، ولاعند الضراء بالنقمة صبروا، بل لم يزيدوا هناك على الاستبشار، ولا نقصوا هنا شيئاً من تجديد الكفر والإصرار، فلم يزالوا لعدم استبصارهم على الحالة المذمومة، ولم يسبقوا في إزاله النقم، ولا إنالة النعم، فكانوا أضل من النعم.
(15/124)

فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55)
ولما كان هذا كله من حالهم في سرعة الحزن والفرح في حالتي الشدة والرخاء وإصرارهم على تجديد الكفر دليلاً على خفة أحلامهم، وسوء تدبرهم، فإنهم لا للآيات المرئية يعون، ولا للمتلوة عليهم يسمعون، سبب عن ذلك التعريف بأن أمرهم ليس لأحد غيره سبحانه وهو قد جعلهم أموات المعاني، فقال ممثلاً لهم بثلاثة أصناف من الناس، وأكده لأنهم ينكرون أن يكون حالهم كذلك والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد السعي في إسماعهم والجهد في ذلك: {فإنك} أي استدامتهم لكفرهم هذا تارة في الرخاء وتارة في الشدة وقوفاً مع الأثر من غير نظر ما إلى المؤثر وأنت تتلو عليهم آياته، وتنبههم على بدائع بيناته بسبب أنك {لا تسمع الموتى} أي ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم، فلا نظر ولا سمع، أو موتى القلوب، إسماعاً
(15/124)

ينفعهم، لأنه مما اختص به سبحانه، وهؤلاء منهم من هم مثل الأموات لأن الله تعالى قد ختم على مشاعرهم {ولا تسمع} أي أنت في قراءة الجماعة غير ابن كثير {الصم} أي الذين لا سمع لهم أصلاً، وذكر ابن كثير الفعل من سمع ورفع الصم على أنه فاعل، فكان التقدير: فإن من مات أو مات قلبه ولا يسمع ولا يسمع الصم {الدعاء} إذا دعوتهم، ثم لما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان مقبلاً بحاسة بصره قال: {إذا ولوا} وذكر الفعل ولم يقل: ولت، إشارة إلى قوة التولي لئلا يظن أنه أطلق على المجانبة مثلاً، ولذا بنى من فاعله حالاً هي قوله: {مدبرين*} .
ولما بدأ بفاقد حاسة السمع لأنها أنفع من حيث إن الإنسان إنما يفارق غيره من البهائم بالكلام، أتبعها حاسة البصر مشيراً بتقديم الضمير إلى أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجتهد في هدايتهم اجتهاد من كأنه يفعله بنفسه تدريباً لغيره في الاقتصاد في الأمور فقال: {وما أنت بهاد العمي} أي بموجد لهم هداية وإن كانوا يسمعون،
(15/125)

هذا في قراءة الجماعة غير حمزة، وجعله حمزة فعلاً مضارعاً مسنداً إلى المخاطب من هدى، فالتقدير: وما أنت تجدد هداية العمي {عن ضلالتهم} إذا ضلوا عن الطريق فأبعدوا وإن كان أدنى ضلال - بما أشار إليه التأنيث، وإن أتعبت نفسك في نصيحتهم، فإنهم لا يسلكون السبيل إلا وأيديهم في يدك ومتى غفلت عنهم وأنت لست بقيوم رجعوا إلى ضلالهم، فالمنفي في هذه الجملة في قراءة الجمهور ما تقتضيه الاسمية من دوام الهداية مؤكداً، وقراءة حمزة ما يقتضيه المضارع من التجدد وفي التي قبلها ما تقتضيه الفعليه المضارعة من التجدد ما دام مشروطاً بالإدبار، وفي الأولى تجدد السماع مطلقاً فهي أبلغ ثم التي بعدها، فممثول الصنف الأول من لا يقبل الخير بوجه ما مثل أبي جهل وأبيّ بن خلف، والثاني من قد يقارب مقاربة ما مثل عتبة بن ربيعة حين كان يقول لهم: خلو بين هذا الرجل وبين الناس، فإن أصابوه فهو ما أردتم وإلا فعزه عزكم، والثالث المنافقون، وعبر في الكل بالجمع لأنه أنكأ - والله الموفق.
ولما كان ذلك كناية عن إيغالهم في الكفر، بينه ببيان أن المراد موت القلب وصممه وعماه لا الحقيقي بقوله: {إن} أي ما
(15/126)

{تسمع إلا من يؤمن} أي يجدد إيمانه مع الاستمرار مصدقاً {بآياتنا} أي فيه قابلية ذلك دائماً، فهو يذعن للآيات المسموعة، ويعتبر بالآيات المصنوعة، وأشار بالإفراد في الشرط إلى أن لفت الواحد عن رأيه أقرب من لفته وهو مع غيره، وأشار بالجمع في الجزاء إلى أن هذه الطريقة إن سلكت كثر التابع فقال: {فهم} أي فتسبب عن قبولهم لذلك أنهم {مسلمون} أي منقادون للدليل غاية الانقياد غير جامدين مع التقليد.
ولما دل سبحانه على قدرته على البعث بوجوه من الدلالات، تارة في الأجسام، وتارة في القوى، وأكثر على ذلك في هذه السورة من الحجج البينات، وختم لأنه لا يبصر هذه البراهين إلا مَنْ حسنت طويته، فلانت للأدلة عريكته، وطارت في فيافي المقادير بأجنحة العلوم فكرته ورويته، وصل بذلك دليلاً جامعاً بين القدرة على الأعيان والمعاني إبداء وإعادة، ولذلك لفت الكلام إلى الاسم الجامع ولفته إلى الخطاب للتعميم والاستعطاف بالتشريف، فقال مؤكداً إشارة إلى أن ذلك دال على قدرته على البعث ولا وهم ينكرونها، فكأنهم ينكرونه، فإنه لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: {الله} أي الجامع لصفات
(15/127)

الكمال وحده.
ولما كان تعريف الموصول ظاهراً غير ملبس، عبر به دون اسم الفاعل فقال: {الذي خلقكم} أي من العدم. ولما كان محط حال الإنسان وما عليه أساسه وجبلته الضعف، وأضعف ما يكون في أوله قال: {من ضعف} أي مطلق - بما أشارت إليه قراءة حمزة وعاصم بخلاف عن حفص بفتح الضاد، وقوى بما أشارت إليه قراءة الباقين بالضم، أو من الماء المهين إلى ما شاء الله من الأطوار، ثم ما شاء الله من سن الصبي.
ولما كانت تقوية المعنى الضعيف مثا إحياء الجسد الميت قال: {ثم جعل} عن سبب وتصيير بالتطوير في أطوار الخلق بما يقيمه من الأسباب، ولما كان ليس المراد الاستغراق عبر بالجار فقال: {من بعد} ولما كان الضعف الذي تكون عنه القوة غير الأول، أظهر ولم يضمر فقال: {ضعف قوة} بكبر العين والأثر من حال الترعرع إلى القوة بالبلوغ إلى التمام في أحد وعشرين عاماً، وهو ابتداء سن الشباب إلى سن الاكتمال ببلوغ الأشد في اثنين وأربعين عاماً فلولا تكرر مشاهدة ذلك لكان خرق العادة في إيجاده بعد عدمه مثل إعادة الشيخ شاباً بعد هرمه {ثم جعل من بعد قوة} في
(15/128)

شباب تقوى به القلوب، وتحمى له الأنوف، وتشمخ من جرائه النفوس {ضعفاً} رداً لما لكم إلى أصل حالكم.
ولما كان بياض الشعر يكون غالباً من ضعف المزاج قال: {وشيبة} وهي بياض في الشعر ناشىء من برد في المزاج ويبس يذبل بهما الجسم، وينقص الهمة والعلم، وذلك بالوقوف من الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال وبالأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى.
ولما كانت هذه هي العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها، وكان من الناس من يطعن في السن وهو قوي، أنتج ذلك كله - ولا بد - التصرف بالاختيار مع شمول العلم وتمام القدرة فقال: {يخلق ما يشاء} أي من هذا وغيره {وهو العليم} أي البالغ العلم فهو يسبب ما أراد من الأسباب لما يريد إيجاده أو إعدامه {القدير*} فلا يقدر أحد على إبطال شيء من أسبابه، فلذلك لا يتخلف شيء أراده عن الوقت الذي يريده فيه أصلاً، وقدم صفة العلم لاستتباعها للقدرة التي المقام لها، فذكرها إذن تصريح بعد تلويح، وعبارة بعد إشارة.
(15/129)

ولما ثبتت قدرته على البعث وغيره، عطف على قوله أول السورة {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} أو على ما تقديره: فيوم يريد موتكم تموتون، لا تستأخرون عن لحظة الأجل ولا تستقدمون، قوله: {ويوم تقوم الساعة} أي القيامة التي هي إعادة الخلائق الذين كانوا بالتدريج في ألوف من السنين لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى في أقل من لمح البصر، ولذا سميت بالساعة إعلاماً بيسرها عليه سبحانه {يقسم المجرمون} أي العريقون في الإجرام جرياً منهم على ديدن الجهل في الجزم بما لم يحيطوا به علماً: {ما} أي إنهم ما {لبثوا} في الدنيا والبرزخ {غير ساعة} أي قدر يسير من ليل أو نهار.
ولما كان هذا أمراً معجباً لأنه كلام كذب بحيث يؤرث أشد الفضيحة والخزي في ذلك الجمع الأعظم مع أنه غير مغنٍ شيئاً، استأنف قوله تنبيهاً على أنه الفاعل له: فلا عجب {كذلك} أي مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها {كانوا} في الدنيا كوناً هو كالجبلة {يؤفكون*} أي يصرفون عن الصواب الذي منشأه تحري الصدق والإذعان للحق إلى الباطل الذي منشأه تحري المغالبة بصرفنا لهم،
(15/130)

فإنه لا فرق في قدرتنا وعلمنا بين حياة وحياة، ودار ودار، ولعله بنى الفعل للمجهول إشارة إلى سهولة انقيادهم إلى الباطل مع أيّ صارف كان.
(15/131)

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)
ولما وصف الجاهلين، أتبعه صفة العلماء فقال: {وقال الذين} وعبر بقوله: {أوتوا العلم} تنبيهاً على شكر من آتاهموه، وبناه للمجهول إشارة إلى تسهيل أخذه عليهم من الجليل والحقير، وأتبعه ما لا يشرق أنواره ويبرز ثماره غيره، فقال: {والإيمان} إشارة إلى تفكرهم في جميع الآيات الواضحة والغامضة مقسمين كما أقسم أولئك محققين مقالهم مواجهين للمجرمين تبكيتاً وتوبيخاً مؤكدين ما أنكر أولئك: {لقد لبثتم في كتاب الله} أي في إخبار قضاء الذي له جميع الكمال الذي كتبه في كتابه الذي كان يخبر به الدنيا {إلى يوم البعث} كما قال تعالى: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 100] وأما تعيين مدة اللبث فأخفاه عن عباده، ولما أعلم القرآن أن غاية البرزخ البعث، وصدق في إخباره، سببوا عن ذلك قوله: {فهذا} أي فتسبب ما كنا نقوله وتكذبوننا فيه، نقول لكم الآن حيث لا تقدرون على تكذيب: هذا {يوم البعث} أي الذي آمنا به وكنتم
(15/131)

تنكرونه، قد كان طبق ما كنا نقوله لكم، فقد تبين بطلان قولكم، وكنتم تدعون الخلاص فيه بأنواع من التكاذيب قصداً للمغالبة، فما كنتم صانعين عند حضوره فاصنعوه الآن، تنبيهاً لهم على أنه لا فائدة في تحرير مقدار اللبث في الدنيا ولا في البرزخ، وإنما الفائدة في التصديق بما أخبر به الكتاب حيث كان التصديق نافعاً. ولما كان التقدير: قد أتى كما كنا به عالمين، فلو كان لكم نوع من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن، عطف عليه قوله: {ولكنكم كنتم} أي كوناً هو كالجبلة لكم في إنكاركم له {لا تعلمون*} أي ليس لكم علم أصلاً، لتفريطكم في طلب العلم من أبوابه، والتوصل إليه بأسبابه، فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك اليوم.
ولما كان قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [النساء: 173] في أشكالها من الآيات دالاً على أن هذه الدنيا دار العمل، وأن دار الآخرة دار الجزاء، وأن البرزخ هو حائل بينهما، فلا يكون في واحدة منهما ما للأخرى، سبب عن ذلك قوله: {فيومئذ} أي إذ تقوم الساعة، وتقع هذه المقاولة {لا ينفع} أي نفعاً ما {الذين ظلموا} أي وضعوا الأمور في غير مواضعها {معذرتهم} وهي ما تثبت عذرهم، وهو إيساغ الحلية في وجه يزيل ما ظهر من
(15/132)

التقصير لأنهم لا عذر لهم وإن بالغوا في إثباته، والعبارة شديدة جداً من حيث كانت تعطي أن من وقع منه ظلم ما يوماً ما كان هذا حاله، وهي تدل على أنه تكون منهم معاذير، وترقق كثير، وتذلل كبير، فلا يقبل منه شيء - هذا على قراءة الجماعة بتأنيث الفعل وهي أبلغ من قراءة الكوفيين بتذكيره بتأويل العذر، لأنه إذا لم ينفع الاعتذار الكثير لم ينفع القليل الذي دل عليه المجرد ولا عكس، ويمكن أن يكون قراءة الجمهور متوجهة للكفرة وقراءة الكوفيين للعصاة من المؤمنين، فإن منهم من ينفعه الاعتذار فيعفى عنه، ويشهد لهذا ما ورد في آخر أهل النار خروجاً منها أنه يسأل في صرف وجهه عنها ويعاهد ربه سبحانه أنه لا يسأله غير ذلك، فإذا صرفه عن ذلك رأى شجرة عظيمة فيسأل أن يقدمه إلى ظلها فيقول الله: ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسال؟ فيقول: بلى! يارب! ولكن لا أكون أشقى خلقك - الحديث، وفيه «وربه يعذره» فهذا قد قبل عذره
(15/133)

في الجملة، ولا يطلب منه أن يزيل العتب لأن ذلك لا يمكن إلا بالعمل، وقد فات محله، فأتت المغفرة من وراء ذلك كله.
ولما كان العتاب من سنة الأحباب قال: {ولا هم} أي الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها {يستعتبون*} أي يطلب منهم ظاهراً أوباطناً بتلويح أو تصريح أن يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب، وهو الموجدة عن تقصير يقع فيه المعتوب، لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة وقد فات محلها بكشف الغطاء لفوات الدار التي تنفع فيها الطاعات لكونها إيماناً بالغيب، والعبارة تدل على أن المؤمنين يعاتبون عتاباً يلذذهم.
ولما أبانت هذه السورة طرق الإيمان أيّ بيان، وألقت على وجوه أهل الطغيان غاية الخزي والهوان، وكان التقدير: لقد أتينا في هذه السورة خاصة بعد عموم ما في سائر القرآن بكل حجة لا تقوم لها الأمثال، ولم نبق لأحد عذراً ولا شيئاً من إشكال، لكونها ليس لها في وضوحها مثال، عطف عليه قوله صارفاً الكلام إلى مقام العظمة تقبيحاً لمخالفتهم لما يأتي من قبله وترهيباً من الأخذ مؤكداً لأنهم
(15/134)

ينكرون أن يكون في القرآن دلالة، ومن أقر منهم مع الكفر فكفره قائم مقام إنكاره: {ولقد ضربنا} .
ولما كانت العناية فيها بالناس أكثر، قال: {للناس} فقدمهم في الذكر {في هذا القرآن} أي عامة هذه السورة وغيرها {من كل مثل} أي معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال، في عبارة هي أرشق من سائر الأمثال.
ولما كان المختوم على مشاعرهم منهم لا يؤمنون بشيء. وكان ذلك من أدل دليل على علمه تعالى وقدرته، قال مقسماً تكذيباً لقولهم في الاقتراحات خاصاً من أهل العلم والإيمان رأسهم، دلالة على أن التصرف في القلوب من العظم بمكانة تجل عن الوصف، معبراً بالشرط إعلاماً بأنه سبحانه لا يجب عليه شيء، عاطفاً على نحو: فلم ينفعهم شيء من ذلك: {ولئن جئتهم} أي الناس عامة {بآية} أي دلالة واضحة على صدقك معجزة، غير ما جئتهم به مما اقترحوه ووعدوا الإيمان به مرئية كانت أو مسموعة {ليقولن الذين كفروا} أي حكمنا بكفرهم غلظة وجفاء، ودل على فرط عنادهم بقوله: {إن} أي ما ولما كان التخصيص بالغلظة أشد على النفس، ضم إليه أتباعه تسلية وبياناً لعظيم شقاقهم فقال: {أنتم} أي أيها الآتي بالآية وأتباعه
(15/135)

{إلا مبطلون*} أي من أهل العرافة في الباطل بالإتيان بما لا حقيقة له في صورة ما له حقيقة، وأما الذين آمنوا فيقولون: نحن بهذه الآية مؤمنون.
ولما كان من أعجب العجب أن من يدعي العقل يصر على التكذيب بالحق، ولا يصغي لدليل، ولا يهتدي لسبيل، قال مستأنفاً في جواب من سأله: هل يكون مثل هذا الطبع؟ ومرغباً في العلم: {كذلك} أي مثل هذا الطبع العظيم جداً، ولما كان كون الشيء الواحد لناس هداية ولناس ضلالة جامعاً إلى العظمة تمام العلم والحكمة، صرف الخطاب عنها إلى الاسم الأعظم الجامع فقال: {يطبع الله} أي الذي لا كفوء له، فمهما أراد كان، عادة مستمرة، ونبه على كثرة المطبوع عليهم بجمع الكثرة فقال: {على قلوب الذين لا يعلمون*} أي لا يجددون - أي لعدم القابلية - العلم بأن لا يطلبوا علم ما يجهلونه مما حققه هذا الكتاب من علوم الدنيا والآخرة رضىً منهم بما عندهم من جهالات سموها دلالات، وضلالات ظنوها هدايات وكمالات.
ولما كان هذا مذكراً بعظيم قدرته بعد الإياس من إيمانهم، سبب عنه قوله: {فاصبر} أي على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل
(15/136)

والأذى، فإن الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا.
ولما كان قد تقدم إليه بأنه لا بد أن يظهر أمره على كل أمر، علله بقوله مؤكداً لأن إنفاذ مثل ذلك في محل الإنكار لعظم المخالفين وكثرتهم مظهراً غير مضمر لئلا يظن التقييد بحيثية الطبع: {إن وعد الله} أي الذي له الكمال كله في كل ما وعدك به الذي منه نصرك وإظهار دينك على الدين كله ونصر من قارب أتباعك في التمسك بكتاب من كتب الله وإن كان قد نسخ على من لا كتاب له {حق} أي ثابت جداً يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان، وتأتي به مطايا الحدثان.
ولما كان التقدير: فلا تعجل، عطف عليه قوله: {ولا يستخفنك} أي يحملنك على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفاً من عواقب تأخيره أو بتفتيرك عن التبليغ، بل كن بعيداً منهم بالغلظة والجفاء والصدع بمر الحق من غير محاباة ما، بعداً لا يطمعون معه أن يحتالوا في خفتك في ذلك بنوع احتيال، وقراءة «يستحقنك» من الحق
(15/137)

معناها: أي لا يطلب منك الحق الذي هوالفصل العدل بينك وبينهم أي لا تطلبه أنت، فهو مثل: لا أرينك ههنا تنهى نفسك وأنت تريد نهيه عن الكون بحيث تراه، والنهي في قراءة الجماعة بالثقيلة أشد منه في رواية رويس عن يعقوب بالخفيفة، فقراءة الجماعة مصوبة إلى أصل الدين، أي لا تفعل معهم فعلاً يطمعهم في أن تميل إليهم فيه، وقراءة رويس إلى نحو الأموال فإنه كان يتألفهم بالإيثار بها، ولا شك أنه إذا آثرهم على أكابر المسلمين أطمعهم ذلك في أن يطلبوا أن يميل معهم، وما أفاد هذا إلا تحويل النهي، ولو قيل: لا تخفن معهم، لم يفد ذلك، ولا يقال عكس هذا من أن النهي في الثقيلة أخف لأنه نهي عن الفعل المؤكد فيبقى أصل الفعل.
وكذا ما صحبه تأكيد خفيف، وفي الخفيفة غير المؤكد تأكيداً خفيفاً فلا يبقى غير أصل الفعل فهو أبلغ، لأن النون لم تدخل إلا بعد دخول الناهي فلم تفد إلا قوة النهي لا قوة المنهي عنه - والله أعلم. {الذين لا يوقنون} أي أذى الذين لا يصدقون بوعودنا تصديقاً ثابتاً في القلب بل هم إما شاكون فأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد الله على حرف، أو مكذبون بنصر الله لأوليائه المؤمنين ولمن قاربهم في التمسك بكتاب أصله صحيح، فهم يبالغون في العداوة والتكذيب حتى أنهم ليخاطرون في وعد الله بنصر الروم على فارس،
(15/138)

كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في أن ذلك لا يكون، فإذا صدق الله وعده في ذلك بإظهار عن قريب علموا كذبهم عياناً، وعلموا - إن كان لهم علم - أن الوعد بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهو صاغرون، ويحشرون وهو داخرون، {وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] ، فقد انعطف آخرها على أولها عطف الحبيب على الحبيب، واتصل به اتصال القريب بالقريب، والتحم التحام النسيب بالنسيب.
(15/139)

مقصودها إثبات الحكمة للكتاب اللازم منه حكمة منولة سبحانه في أقواله وأفعاله، وقصة لقمان المسمى به السورة دليل واضح على ذلك كأنه سبحانه لما أكمل ما أ) اد من أول القرآن إلى آخره براءة الني هي سورة عزو الروم، وكان سبحانه قد ابتدأ القرآن أم القرآن بنفي الريب عن هذا الكتاب، وأنه هدى للمتقين، واستدل على ذلك فيما تبعها من السور، ثن ابتدأ سورة يونس بعد سورة عزو الروم بإثبات حكمته، وأتبع ذلك دليله إلى أن ختم سورة الروم، ابتدأ دورا جديدا على وجه أضخم من الأول، فوصفه في أول هذه التالية للروم بما وصفه به في يونس التالية لغزو الروم، وذلك الوصف هو الحكمة وزاد أنه هدى وهداية للمحسنين، فهؤلاء أصحاب النهايات، والمتقون أصحاب البدايات.
(15/140)

الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
ولما أثبت في آل عمران أنه أنزل بالحق، أثبتت في السجدة تنزيله ونفي الريب عن أنه من عنده، وأثبت أنه الحق، واستمر فيما بعد هذا من السور مناظراً في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكر والتأمل والتدبر: {بسم الله} الذي وسع رحمة وعلماً
(15/140)

{الرحمن} الذي بث بعموم حكمته شامل نعمته في سائر بريته {الرحيم *} الذي أنار لخاصته طريق جنته، فداموا وهاموا في محبته.
لما ختمت الروم بالحث على العلم، وهو ما تضمنه هذا الكتاب العظيم، والأمر بالصبر والتمسك بما فيه من وعد، والنهي عن الإطماع لأهل الاستخفاف في المقاربة لهم في شيء من الأوصاف، وكان ذلك هو الحكمة، قال أول هذه: {آلم} مشيراً بها إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل - لأنه ظاهر مع أن الباطن - جبرائيل عليه السلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام، ولا يلحقه في ذلك شيء مدى الأيام، فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أو ما تعبيره بإداة البعد في قوله: {تلك} أي الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان لا يناله إلا من جاهد نفسه حتى هذبها بالتخلي عن جميع الرذائل، والتحلي بسائر الفضائل {آيات الكتاب} الجامع لجميع أنواع الخير {الحكيم} بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقض شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء ومن كلامه، الدال ذلك على تمام علم منزله وخبرته، وشمول عظمته وقدرته، ودقيق صنائعه
(15/141)

في بديع حكمته، فلا بد من نصر المؤمنين ومن داناهم في التمسك بكتاب له أصل من عند الله.
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تكرر الأمر بالاعتبار والحض عليه والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة الروم كقوله سبحانه: {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الروم: 8] وقوله: {أو لم يسيروا في الأرض} [الروم: 9] وقوله: {الله يبدؤا الخلق ثم يعيده} [الروم: 11] وقوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} [الروم: 19] إلى قوله: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} [الروم: 28] وهي عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا يبقى معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل معانيها وتدبر حكمها إلى قوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} [الروم: 58] وهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال وشتى العظات وما تحملت هذه السورة من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} أي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له الحسنى وهو المحسنون الذين ذكرهم بعد، ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به، واستبدل الضلالة بالهدى، وتنكب عن سنن
(15/142)

فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} - الآيات، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند، ويقطع بكل جاحد، فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها امتراء، ثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها، ثم قال سبحانه {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} ثم اتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم تزغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} - الآية، لتأسيس من اتبع فطرة الله التي تقدم ذكرها في سورة الروم، ثم تناسق الكلام وتناسج - انتهى.
ولما كان الإحسان ما دعت إليه سورة الروم من الإيمان بلقاء الله، منزهاً عن شوائب النقص، موصوفاً بأوصاف الكمال، معبوداً بما شرعه على وجه الإخلاص، والانقياد مع الدليل كيفما توجه، والدوران معه كيفما دار، وكان ذلك هو عين الحكمة، قال تعالى: {هدى} أي حال كونها أو كونه بياناً متقناً {ورحمة} أي حاملاً على القيام بكل ما دعا إليه، والتقدير على قراءة حمزة بالرفع: هي أو
(15/143)

هو، وقال: {للمحسنين} إشارة إلى أن من حكمته أنه خاص في هذا الكمال وضعاً للشيء في محله بهذا الصنف، وهم الذين لزموا التقوى فأدتهم إلى الإحسان، وهو عبادته تعالى على المكاشفة والمراقبة فهي له أو هو لها آخر، ثم وصفهم في سياق الرحمة والحكمة والبيان بالعدل بياناً لهم بما دعت إليه سورة الروم من كمال الإحسان في معاملة الحق والخلق اعتقاداً وعملاً فقال: {الذين يقيمون الصلاة} أي يجعلونها كأنها قائمة بفعلها بسبب إتقان جميع ما آمر بعد فيها وندب إليه، وتوقفت بوجه عليه، على سبيل التجديد في الأوقات المناسبة لها والاستمرار، ولم يدع إلى التعبير بالوصف كالمقيمين داع ليدل على الرسوخ لأن المحسن هو الراسخ في الدين رسوخاً جعله كأنه يرى المعبود ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس رات إلا معظم له بالحج فعلاً او قوة {ويؤتون الزكاة} أي كلها فدخل فيها الصوم لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه قوة أو فعلاً.
ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان، وكان الإيمان بالبعث جامعاً لجميع أنواعه، وحاملاً على سائر وجوه الإحسان، وكان قد ختم الروم بالإعراض أصلاً عمن ليس فيه أهلية الإيقان، قال: {وهم} أي خاصة
(15/144)

لكمالهم فيما دخلوا فيه من هذه المعاني {بالآخرة} التي تقدم أن المجرمين عنها غافلون {هم يوقنون} أي مؤمنون بها إيمان موقن فهم لا يفعل شيئاً الإيمان بها، ولا يغفل عنها طرفة عين، فهو في الذروة العليا من ذلك، فهو يعبد الله كأنه يراه، فآية البقرة بداية. وهذه نهاية.
(15/145)

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال، الموجبة للكمال، وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها، بعد أن زمها بزمامها، فقال: {أولئك} أي العالوا الرتبة الحائزون منازل القربة أعظم رتبة {على هدى} أي عظيم هم متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال: {من ربهم} تذكيرا لهم بأنه لولا إحسانه ما وصلوا إلى شيء. ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب، خوفاً من الإعجاب {وأولئك هم} أي خاصة {المفلحون *} أي الظافرون بكل مراد.
ولما كان فطم النفس عن الشهوات. أعظم هدى قائد إلى حصول المرادات، وكان اتباعها الشهوات أعظم قاطع عن الكمالات، وكان في ختام الروم أن من وقف مع الموهومات عن طلب
(15/145)

المعلومات مطبوع على قلبه، وكان ما دعا إليه الكتاب هو الحكمة التي نتيجتها الفوز، وما دعا إليه اللهو هو السفه المضاد للحكمة، بوضع الأشياء في غير مواضعها، المثمر للعطب، قال تعالى معجباً ممن يترك الجد إلى اللهو، ويعدل عن جوهر العلم إلى صدق السهو، عاطفاً على ما تقديره: فمن الناس من يتحلى بهذا الحال فيرقى إلى حلبة أهل الكمال: {ومن} ويمكن أن يكون حالاً من فاعل الإشارة. أي أشير إلى آيات الكتاب الحكيم حال كونه هدى لمن ذكر والحال أن من {الناس} الذين هم في أدنى رتبة الإحساس، لم يصلوا إلى رتبة أهل الإيمان، فضلاً عن مقام أولي الإحسان.
ولما كان التقدير: من يسير بغير هذا السير، فيقطع نفسه عن كل خير، عبر عنه بقوله: {من يشتري} أي غير مهتد بالكتاب ولا مرحوم به {لهو الحديث} أي ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها الزمان من الغناء والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه، فيوصل النفس بما أوصلها إليه من اللذة إلى مجرد الطبع
(15/146)

البهيمي فيدعوها إلى العبث من اللعب كالرقص ونحوه مجتهداً في ذلك معملاً الخيل في تحصيله باشتراء سببه، معرضاً عن اقتناص العلوم وتهذيب النفس بها عن الهموم والغموم، فينزل إلى أسفل سافلين كما علا الذي قبله بالحكمة إلى أعلى عليين - قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في رجل اشترى جارية تغنيه ليلاً ونهاراً، وقال مجاهد: في شرى القيان والمغنين والمغنيات، وقال ابن مسعود: اللهو الغناء، وكذا قال ابن عباس وغيره.
ولما كان من المعلوم أن عاقبة هذه الملاهي الضلال، بانهماك النفس في ذلك، لما طبعت عليه من الشهوة لمطلق البطالة، فكيف مع ما يثير ذلك ويدعو إليه من اللذاذة، فتصير أسيرة الغفلة عن الذكر، وقبيلة الإعراض عن الفكر، وكان المخاطب بهذا الكتاب قوماً يدعون العقول الفائقة، والأذهان الصافية الرائقة قال تعالى: {ليضل} من الضلال والإضلال على القراءتين، ضد ما كان عليه المحسنون من الهدى
(15/147)

{عن سبيل الله} أي الطريق الواضح الواسع الموصل إلى رضى الملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال والجلال والجمال التي هم مقرّون بكثير منها، منبهاً لهم على أن هذا مضل عن السبيل ولا بد، وأن ذلك بحيث لا يخفى عليهم، فإن كان مقصوداً لهم فهو ما لا يقصده من له عداد البشر، وإلا كانوا من الغفلة سوء النظر وعمى البصيرة بمنزلة هي دون ذلك بمراحل.
ولما كان المراد: من قصد الضلال عن الشيء، ترك ذلك الشيء، وكان العاقل لا يقدم على ترك شيء إلا وهو عالم بأنه لا خير فيه قال: {بغير علم} ونكره ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم، أي لأنهم لا علم لهم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها، علماً يستحق إطلاق العلم عليه بكونه يفيد ربحاً أو يبقى على رأس مال من دين أو دنيا، فإن هذا حال من استبدل الباطل بالحق والضلال بالهدى.
ولما كان المستهزئ بالشيء المحتقر له لا يتمكن من ذلك إلا بعد الخبرة التامة بحال ذلك الشيء وأنه لا يصلح لصالحه ولا يروج له حال بحال قال معجباً تعجيباً آخر أشد من الأول بالنصب عطفاً على «يضل»
(15/148)

في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وبالرفع للباقين عطفاً على {يشتري} : {ويتخذها} أي يكلف نفسه ضد ما تدعوه إليه فطرته الأولى أن يأخذ السبيل التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل الطلق {هزواً} .
ولما أنتج له هذا الفعل الشقاء الدائم. بينه بقوله، جامعاً حملاً على معنى «من» بعد أن أفرد حملاً على لفظها، لأن الجمع في مقام الجزاء أهول، والتعجيب من الواحد أبلغ {أولئك} أي الأغبياء البعيدون عن رتبة الإنسان، وتهكم بهم التعبير باللام الموضوعة لما يلائم فقال: {لهم عذاب مهين *} أي يثبت لهم الخزي الدائم ضد ما كان للمحسنين من الرحمة.
ولما كان الإنسان قد يكون غافلاً، فإذا نبه انتبه، دل سبحانه على أن هذا الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على مر الزمان إلا مفاجأة لكل ما يرد عليه من البيان بالبغي والطغيان، فقال مفرداً للضمير حملاً على اللفظ أيضاً لئلا يتعلق متمحل بأن المذموم إنما هو الجمع صارفاً الكلام إلى مظهر العظمة لما اقتضاه الحال من الترهيب:
(15/149)

{وإذا تتلى عليه آياتنا} أي يتجدد عليه تلاوة ذلك مع ما له من العظمة من أيّ تال كان وإن عظم {ولى} أي بعد السماع، مطلق التولي سواء كان على حالة المجانبة أو مدبراً {مستكبراً} أي حال كونه طالباً موجداً له بالإعراض عن الطاعة تصديقاً لقولنا آخر تلك {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} [الروم: 58] .
ولما كان السامع لآياته سبحانه جديراً بأن تكسبه رقة وتواضعاً، قال تعالى دالاً على أن هذا الشقي كان حاله عند سماعه وبعده كما كان قبل: {كأن} أي كأنه، أي مشبهاً حالة بعد السماع حاله حين {لم يسمعها} فدل ذلك على أنه لم يزل على حالة الكبر لآنه شبه حاله مع السماع بحاله مع عدم السماع، وقد بين أن حاله مع السماع الاستكبار فكان حاله قبل السماع كذلك.
ولما كان من لم يسمع الشيء قد يكون قابلاً للسمع، فإذا كلم من قد جرت العادة بأن يسمع منه سمع، بين أن حال هذا كما كان مساوياً لما قبل التلاوة فهو مساو لما بعدها، لأن سمعه مشابه لمن به صم، فالمضارع في «يتلى» مفهم لأن الحال في الاستقبال كهي في الحال فقال تعالى: {كأن في أذنيه وقراً} أي صمماً يستوي معه تكليم غيره له وسكوته.
(15/150)

ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل نخوته وكبره وعظمته، وكان استمرار الألم أعظم كاسرٍ لذوي الشمم، وكان من طبع الإنسان الاهتزاز لوعد الإحسان كائناً من كان نوع اهتزاز قال: {فبشره} فلما كان جديراً بأن يقبل - لا يولّي لظنه البشري - على حقيقتها لأن من يعلم أنه أهل للعذاب بأفعاله الصعاب لا يزال يتوالى عليه النعم مرة بعد مرة حتى يظن أو يكاد يقطع بأن المعاصي سبب لذلك وأنه - لما كان عند الله من عظيم المنزلة - لا يكره منه عمل من الأعمال، قرعة بقوله: {بعذاب} أي عقاب مستمر {أليم *} .
ولما كانت معرفة ما لأحد الجزءين باعثة على السؤال عما للحزب الآخر، وكانت إجابة السؤال عن ذلك من أتم الحكمة، استأنف تعالى قوله مؤكداً لأجل إنكار الكفرة: {إن الذين آمنوا} أو اوجدوا الإيمان {وعملوا} أي تصديقاً له {الصالحات} وضعاً للشيء في محله عملاً بالحكمة {لهم جنات} أي بساتين {النعيم} فأفاد سبحانه بإضافتها إليه أنه لا كدر فيها أصلاً ولا شيء غير النعيم. ولما كان ذلك قد لا يكون دائماً. وكان لا سرور بشيء منقطع قال: {خالدين فيها} أي دائماً.
ولما كانت الثقة بالوعد على قدر الثقة بالواعد، وكان إنجاز الوعد
(15/151)

من الحكمة، قال مؤكداً لمضمون الوعد بالجنات: {وعد الله} الذي لا شيء أجل منه؛ فلا وعد أصدق من وعده، ثم أكده بقوله: {حقاً} أي ثابتاً ثباتاً لا شيء مثله، لأنه وعد من لا شيء مثله ولا كفوء له.
ولما كان النفس الغريب جديراً بالتأكيد، أتى بصفتين مما أفهمه الإتيان بالجلالة تصريحاً بهما تأكيداً لأن هذا لا بد منه فقال: {وهو} أي وعد بذلك والحال أنه {العزيز} فلا يغلبه شيء {الحكيم*} أي المحكم لما يقوله ويفعله، فلا يستطاع نقضه ولا نقصه.
ولما ختم بصفتي العزة - وهي غاية القدرة - والحكمة - وهي ثمرة العلم - دل عليها باتقان أفعاله وإحكامها فقال: {خلق السماوات} أي على علوها وكبرها وضخامتها {بغير عمد} وقوله: {ترونها} دال على الحكمة، إن قلنا إنه صفة لعمد أو استئناف، إما أن قلنا بالثاني فلكون مثل هذا الخلق الكبير الواسع يحمل بمحض القدرة، وإن قلنا بالأول فتركيب مثله على عمد تكون في العادة حاملة له وهي مع ذلك بحيث لا ترى أدخل في الحكمة وأدق في اللطافة والعظمة، لأنه
(15/152)

يحتاج إلى عملين: تخفيف الكثيف وتقوية اللطيف.
ولما ذكر العمد المقلة، اتبعه الأوتاد المقرة فقال: {وألقى في الأرض} أي التي أنتم عليها، جبالاً {رواسي} والعجب من فوقها وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت، تثبتها عن {أن تميد} أي تتمايل مضطربة {بكم} كما هو شأن ما على ظهر الماء.
ولا ذكر إيجادها وإصلاحها للاستقرار. ذكر ما خلقت له من الحيوان فقال: {وبث فيها} أي فرق {من كل دابة} ولما ذكر ذلك ذكر ما يعيش به، فقال منبهاً لمظهر العظمة على أن ذلك وإن كان لهم في بعضه تسبب لا يقدر عليه إلا هو سبحانه: {وأنزلنا} أي بما لنا من العزة اللازمة للقدرة، وقدم ما لا قدرة لمخلوق عليه بوجه فقال: {من السماء ماء} ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات، وكان من آثار الحكمة التابعة للعمل، دل عليه بقوله: {فأنبتنا} أي بما لنا من العلو في الحكمة {فيها} أي الأرض بخلط الماء بترابها {من كل زوج} أي صنف من النبات متشابه {كريم*} بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور والمنفعة والكثرة الحافظة لتلك الدواب.
(15/153)

هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)
ولما ثبت بهذا الخلق العظيم على هذا الوجه المحكم عزته وحكمته، ثبتت ألوهيته فألزمهم وجوب توحيده في العبادة كما توحد بالخلق،
(15/153)

لأن ذلك عين الحكمة، كما كان خلقه لهذا الخلق على هذا النظام ليدل عليه سبحانه سر الحكمة، فقال ملقناً للمحسنين من حزبه ما ينبهون به المخالفين موبخاً لهم مقبحاً لحالهم في عدو لهم عنه مع علمهم بما له من التفرد بهذه الصنائع: {هذا} أي الذي تشاهدونه كله {خلق الله} أي الذي له جميع العظمة فلا كفوء له.
ولما كان العاقل بل وغيره لا ينقاد لشيء إلا أن رأى له فعلاً يوجب الانقياد له، نبه على ذلك بقوله جواباً لما تقديره: فإن ادعيتم لما دونه مما عبدتموه من دونه خلقاً عبدتموه لأجله: {فأروني ماذا خلق الذين} زاد اسم الإشارة زيادة في التقريع بتأكيد النفي المقصود من الكلام، ونبه على سفول رتبتهم بقوله مضمراً لأنه ليس فيما أسند إلى الاسم الأعظم حيثية يخشى من التقييد بها نقص: {من دونه} فسأله في رؤية ما خلقوا غبنه أحد أصلاً بأن انقدتم لما لا ينقاد له حيوان فضلاً عن إنسان بكونه لا فعل له أصلاً، فكان من حقكم - إن كانت لكم عقول - أن تبحثوا اولاً هل لهم أفعال أم لا؟ ثم إذا ثبت فهل هي محكمة أم لا، ثم إذا ثبت فهل شاركهم غيرهم أم لا، وإذا
(15/154)

ثبت أن غيرهم شاركهم فأيهما أحكم وأما أنكم تنقادون لهم ولا فعل لهم أصلاً ثم تقدرون أن لهم أفعالاً ترجونهم بها وتخشونهم، فهذا ما لا يتصوره حيوان أصلاً، ولذلك قال تعالى: {بل} منبهاً على أن الجواب: ليس لهم خلق، بل عبدتهم أو أنتم في جعلهم شركاء، هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {الظالمون} أي العريقون في الظلم، تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم كونهم {في ضلال} عظيم جداً محيط بهم {مبين} أي في غاية الوضوح، وهو كونهم يضعون الأشياء عنهم بجبال الهوى فلا حكمة لهم.
ولما ثبتت حكمته سبحانه وأنه أبعدهم عنها بما قضى عليهم من الجهل وغباوة العقل وآتاها من تاب، واعتصم بآيات الكتاب، توقع السامع الإخبار عن بعض من آتاه الحكمة من المتقدمين الذين كانوا من المحسنين، فوضعوا الأشياء في مواضعها بأن آمنوا على قوله: «وهو العزيز الحكيم» أو على مقدر تقديره: لأنا أضللناهم بحكمتنا وآتينا الحكمة الذين قبلوا آياتنا وأحسنوا التعبد لنا فما عبدوا صمناً ولا مالوا إلى لهو، لأن ذلك عين الحكمة لكونه وضعاً للشيء في محله، فهو
(15/155)

تقدير لتخصيص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
بالرسالة: {ولقد آتينا} بما لنا من العظمة والحكمة {لقمان} وهو عبد من عبيدنا {الحكمة} وهو العلم المؤيد بالعمل والعمل المحكم بالعلم، وقال الحرالي: هي العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم، والحكم الحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهراً بالإيالة العالية، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم، وقال ابن ميلق: إن مدارها على إصابة الحق والصواب في القول والعمل، ولهذا قال ابن قتيبة: لا يقال لشخص حكيماً حتى تجتمع له الحكمة في القول والفعل، قال: ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيماً حتى يكون عاملاً بها - انتهى.
ومن بليغ حكمته ما أسنده صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «حقاً أقول! لم يكن لقمان نبياً، ولكن كان عبداً ضمضامة كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، كان نائماً نصف النهار إذ جاءه نداء، قيل: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق، فأجاب: إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعاً وطاعة، فإني أعلم أنه أن فعل ذلك ربي عصمني وأعانني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم:
(15/156)

لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، إذ يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً، ومن تخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها» وفي الفردوس عن مكارم الأخلاق لأبي بكر بن لال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت» ، وقال لقمان: لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس، وقال: ضرب الوالد لولده كالسماء للزرع، وقيل له: أيّ الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً، وقيل له: ما أقبح وجهك! فقال: تعيب النقش أو النقاش، وقال البغوي: إنه قيل له: لم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني - انتهى. فهو سبحانه من حكمته وحكمه أن يرفع ما يشاء بما يعلمه منه سلامة الطبع وإن كان عبداً فلا يدع أن يختص
(15/157)

محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذا النسب العالي والمنصب المنيف في كل خلق شريف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها، قال ابن ميلق: من حكمته سبحانه أن يجمع بين أثرى عدله وفضله، وأن يعاقب بينهما في الظهور فيذل ويعز ويفقر ويغني ويسقم ويشفي ويفني ويبقي إلى غير ذلك، فما من سابق عدل إلا له لاحق فضل، ولا سابق فضل إلا له لاحق عدل، غير أن أثر العدل والفضل قد يتعلق بالبواطن خاصة، وقد يتعلق أحدهما بالظاهر والآخر بالباطن، وقد يكون اختلاف تعلقمها في حالة واحدة، وقد يكون على البدل، وعلى قدر تعلق الأثر السابق يكون تعلق الأثر اللاحق.
ولما كانت الحكمة قاضية بذلك، أجرى الله سبحانه آثار عدله على ظواهر أصفيائه دون بواطنهم، ثم عقبت ذلك بإيراد آثار فضله على بواطنهم وظواهرهم حتى صار من قاعدة الحكمة الإلهية تفويض ممالك الأرض للمستضعفين فيها كالنجاشي حيث بيع في صغره، وذلك كثير موجود بالاستقراء، فمن كمال تربية الحكيم لمن يريد إعلاء شأنه أن يجري على ظاهره من أثر العدل ما فيه تكميل لهم وتنوير لمداركهم وتطهير لوجودهم وتهذيب وتأديب - إلى غير ذلك من فؤائد التربية، ومن تتبع أحوال الأكابر من آدم عليه السلام وهلم جراً رأى من حسن
(15/158)

بلاء الله سبحانه وتعالى لهم ما يشهد لما قررته بالصحة إن شاء الله تعالى - انتهى.
ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال: {أن اشكر} وهو وإن كان تقديره: قلنا له كذا، يؤول إلى «آتيناه الشكر» وصرف الكلام إلى الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره سبحانه دفعاً للتعنت، ونقلاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منها فقال: {لله} بأن وفقناه له بما سببناه له من الأمر به لأن الحكمة في الحقيقة هي القيام بالشكر لا الإيصاء به، ويمكن أن تكون «أن» مصدرية، ويكون التقدير: آتيناه إياها بسبب الشكر، وعبر بفعل الأمر إعلاماً بأن شكره كان لامتثال الأمر ليكون أعلى.
ولما كان التقدير: فبادر وشكر، فما نفع إلا نفسه، كما أنه لو كفر ما ضر إلا نفسه، عطف عليه معرفاً أنه غني عن شكر الشاكرين قوله معبراً بالمضارع الدال على أن من أقبل عليه - في أيّ زمان كان - يلقاه ويكون معروفه له دائماً بدوام العمل: {ومن يشكر} أي يجدد الشكر ويتعاهد به نفسه كائناً من كان {فإنما يشكر} أي يفعل ذلك {لنفسه} أي فإنما ينفع نفسه، فإن الله يزيده من فضله فإن الله
(15/159)

شكور مجيد {ومن كفر} فإنما يضر نفسه، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من وقع منه كفر ولو مرة جوزي بالإعراض عنه {فإن الله} عبر بالاسم الأعظم لأنه في سياق الحكمة، والحكيم من أدام استحضار صفات الجلال والجمال فغلب خوفه رجاءه ما دام في دار الأكدار {غني} عن الشكر وغيره {حميد *} أي له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلائق، فإن تقدير الكفر عليهم بحيث لا يقدرون على الانفكاك عنه من جملة محامدة بالقدرة والعزة والفهم والعظمة. ويجوز - وهو أقرب - أن يعود «غني» إلى الكافر و «حميد» إلى الشاكر، فيكون اسم فاعل، فيكون التقدير: ومن كفر فإنما يكفر على نفسه، ثم سبب عن الجملتين وهما كون عمل كل من الشاكر والكافر لا يتعداه قوله «فإن الله غني» أي عن شكر الكافر «حميد» للشاكر، والآية على الأول من الاحتباك: تخصيص الشكر بالنفس أولاً يدل على حذف مثله من الكفر ثانيا، وإثبات الصفتين يدل على حذف مثلهما أولاً.
(15/160)

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)
ولما كان الإنسان لا يعرف حكمة الحكيم إلا بأقواله وأفعاله، ولا صدق الكلام وحكمته إلا بمطابقته للواقع، فكان التقدير: اذكر ما وصفنا به لقمان لتنزل عليه ما تسمع من أحواله وأفعاله في توفية حق الله وحق الخلق الذي هو مدار الحكمة، عطف عليه قوله: {وإذ}
(15/160)

أي واذكر بقلبك لتتعظ وبلسانك لتعظ غيرك - بما أنك رسول - ما كان حين {قال لقمان لابنه} ما يدل على شكره في نفسه وامره به لغيره فإنه لا شكر يعدل البراءة من الشرك، وفيه حث على التخلق بما مدح به لقمان بما يحمل على الصبر والشكر والمداومة على كل خير، وعلى تأديب الولد، بسوق الكلام على وجه يدل على تكرير وعظه فقال: {وهو يعظه} أي يوصيه بما ينفعه ويرقق قلبه ويهذب نفسه، ويوجب له الخشية والعدل.
ولما كان أصل توفية حق الحق تصحيح الاعتقاد وإصلاح العمل، وكان الأول أهم، قدمه فقال: {يا بني} فخاطبه بأحب ما يخاطب به، مع إظهار الترحم والتحنن والشفقة، ليكون ذلك أدعى لقبول النصح {لا تشرك} أي لا توقع الشرك لا جليا ولا خفياً، ولما كان في تصغيره الإشفاق عليه، زاد ذلك بإبراز الاسم الأعظم الموجب لاستحضار جميع الجلال، تحقيقاً لمزيد الإشفاق. فقال: {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، ثم علل هذا النهي بقوله: {إن الشرك} اي بنوعيه {لظلم عظيم*} أي فهو ضد الحكمة، لأنه وضع الشيء في غير محله، فظلمه ظاهر من جهات عديدة جداً، أظهرها أنه تسوية المملوك الذي ليس له من ذاته إلا العدم نعمة منه أصلاً بالمالك الذي له وجوب
(15/161)

الوجود، فلا خير ولا نعمة إلا منه، وفي هذا تنبيه لقريش وكل سامع على أن هذه وصية لا يعدل عنها، لأنها من أب حكيم لابن محنو عليه محبوب، وأن آباءهم لو كانوا حكماء ما فعلوا إلا ذلك، لأنه يترتب عليها ما عليه مدار النعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية، العاجلة والآجلة، وهو الأمن والهداية {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] فإنه لما نزلت تلك الآية كما هو صحيح البخاري في غير موضع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقالوا: أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنه ليس بذاك، ألم تسمع إلى قول لقمان {إن الشر لظلم عظيم} » .
ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأول الذي لم يشركه في إيجاده أحد، وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة والبشاعة، أتبعه سبحانه وصيته للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني المتفرد سبحانه بكونه جعله سبب وجود الولد اعترافاً بالحق
(15/162)

وإن صغر لأهله وإيذاناً بأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، وتفخيماً لحق الوالدين، لكونه قرن عقوقهما بالشرك، وإعلاماً بأن الوفاء شيء واحد متى نقص شيء منه تداعى سائره كما في الفردوس عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«لو أن العبد لقي الله بكمال ما افترض عليه ما خلا بر الوالدين ما دخل الجنة، وإن بر الوالدين لنظام التوحيد والصلاة والذكر» ولذلك لفت الكلام إلى مظهر العظمة ترهيباً من العقوق ورفعاً لما لعله يتوهم من أن الانفصال عن الشرك لا يكون إلا بالإعراض عن جميع الخلق.
ولما قد يخيله الشيطان من أن التقيد بطاعة الوالد شرك، مضمناً تلك الوصية إجادة لقمان عليه السلام في تحسين الشرك وتقبيح الشرك لموافقته لأمر رب العالمين، وإيجاب امتثال ابنه لأمره، فقال مبيناً حقه وحق كل والد غيره، ومعرفاً قباحة من أمر ابنه بالشرك لكونه منافياً للحكمة التي أبانها لقمان عليه السلام، وتحريم امتثال الابن لذلك ووجوب مخالفته لأبيه فيه تقديماً لأعظم الحقين، وارتكاباً لأخف الضررين: {ووصينا} أي قال لقمان ذلك لولده نصحاً له والحال
(15/163)

أنا بعظمتنا وصينا ولده به بنحو ما أوصاه به في حقنا - هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما يشمل غيره فقال: {الإنسان} أي هذا النوع على لسان أول نبي أرسلنا وهلم جراً وبما ركزناه في كل فطرة من أنه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان {بوالديه} فكأنه قال: إن لقمان عرف نعمتنا عليه وعلى أبناء نوعه لوصيتنا لأولادهم بهم فشكرنا ولقن عنا نهيهم بذلك عن الشرك لأنه كفران لنعمة المنعم، فانتهى في نفسه ونهى ولده، فكان بذلك حكيماً.
ولما كانت الأم في مقام الاحتقار لما للأب من العظمة بالقوة والعقل والكد عليها وعلى ولدها، نوه بها ونبه على ما يختص به من أسباب وجود الولد وبقائه عن الأب مما حصل لها من المشقة بسببه وما لها إليه من التربية. فقال معللاً أو مستأنفاً: {حملته أمه وهناً} أي حال كونها ذات وهن تحمله في أحشائها، وبالغ بجعلها نفس الفعل دلالة على شدة ذلك الضعف بتضاعفه كلما أثقلت {على وهن} أي هو قائم بها من نفس خلقها وتركيبها إلى ما يزيدها التمادي بالحمل، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك
(15/164)

لنفسه شيئاً بقوله: {وفصاله} أي فطامه من الرضاعة بعد وضعه.
ولما كان الوالدان يعدان وجدان الولد من أعظم أسباب الخير والسرور، عبر في أمره بالعام الذي تدور مادته على السعة لذلك وترجية لهما بالعول عليه وتعظيماً لحقهما بالتعبير بما يشير إلى صعوبة ما قاسيا فيه باتساع زمنه فقال: {في عامين} تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا لله تعالى، وفي التعبير بالعام أيضاً إشارة إلى تعظيم منتهاه بكونها تعد أيام رضاعه - مع كونها أضعف ما يكون في تربيته - أيام سعة وسرور، والتعبير ب «في» مشيراً إلى أن الوالدين لهما أن يفطماه قبل تمامهما على حسب ما يحتمله حاله، وتدعو إليه المصلحة من أمره.
ولما ذكر الوصية وأشار إلى أمهات أسبابها، ذكر الموصى به فقال مفسراً ل «وصينا» : {أن اشكر} ولما كان الشكر منظوراً إليه أتم نظر، قصر فعله، أي أوجد هذه الحقيقة ولتكن من همك. ولما كان لا بد له من متعلق، كان كأنه قال: لمن؟ فقال مقدماً ما هو أساس الموصى به في الوالدين ليكون معتداً به، لافتاً القول إلى ضمير الواحد من غير تعظيم
(15/165)

تنصيصاً على المراد: {لي} أي لأني المنعم بالحقيقة {ولوالديك} لكوني جعلتهما سبباً لوجودك والإحسان بتربيتك، وذكر الإنسان بهذا الذكر في سورة الحكمة إشارة إلى أنه أتم الموجودات حكمة قال الرازي في آخر سورة الأحزاب من لوامعه: الموجودات كلها كالشجرة، والإنسان ثمرتها، وهي كالقشور والإنسان لبابها، وكالمبادئ والإنسان كمالها، ومن أين للعالم ما للإنسان؟ بل العالم العلوي فيه، ليس في العالم العلوي ما فيه، فقد جمع ما بين العالمين بنفسه وجسده، واستجمع الكونين بعقله وحسه، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحياً قولياً، وسلم لمن له الخلق والأمر تسليماً اختيارياً طوعياً. ثم علل الأمر بالشكر محذراً فقال: {إليّ} لا إلى غيري {المصير*} أي فأسألك عن ذلك كما كانت منهما البداءة ظاهراً بما جعلت لهما من التسبب في ذلك، فيسألانك عن القيام بحقوقهما وإن قصرت فيها شكواك إلى الناس وأقاما عليك الحجة وأخذا بحقهما.
ولما ذكر سبحانه وصيته بهما وأكد حقهما، أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان عليه السلام من قباحة الشرك فقال: {وإن جاهداك} أي مع ما أمرتك به من طاعتهما، وأشار بصيغة المفاعلة إلى مخالفتهما وإن بالغا في الحمل على ذلك {على أن تشرك بي} وأشار بأداة
(15/166)

الاستعلاء إلى أنه لا مطمع لمن أطاعهما في ذلك ولو باللفظ فقط أن يكون في عداد المحسنين وإن كان الوالدان في غاية العلو والتمكن من الأسباب الفاتنة له بخلاف سورة العنكبوت فإنها لمطلق الفتنة، وليست لقوة الكفار، فعبر فيها بلام العلة، إشارة إلى مطلق الجهاد الصادق بقويه وضعيفه، ففي الموضعين نوع رمز إلى أنه إن ضعف عنهما أطاع باللسان، ولم يخرجه ذلك عن الإيمان، كما أخرجه هنا عن الوصف بالإحسان، ولذلك حذر في الأية التي بعد تلك من النفاق لأجل الفتنة، وأحال سبحانه على اتباع الأدلة على حكم ما وهب من العقل عدلاً وإنصافاً فقال: {ما ليس لك به علم} إشارة إلى أنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع العلوم على شيء من الشرك بنوع من أنواع الدلالات بل العلوم كلها دالة على الوحدانية على الوجه الذي تطابقت عليه العقول، وتظافرت عليه من الأنبياء والرسل النقول، وأما الوجه الذي سماه أهل الإلحاد بمذهب الاتحاد توحيداً فقد كفى في أنه ليس به علم إطباقهم على أنه خارج عن طور العقل، مخالف لكل ما ورد عن الأنبياء من نقل، وإن لبسوا بإدعاء متابعة بعض الآيات كما بينه كتابي الفارض، فلا يمكن أن يتمذهب به أحد إلا بعد الانسلاخ من
(15/167)

العقل والتكذيب بالنقل، فلم يناد أحد على نفسه بالإبطال ما نادوا به على أنفسهم ولكن من يضلل الله فما له من هاد.
فلما قرر ذلك على هذا المنوال البديع، قال مسبباً عنه: {فلا تطعهما} أي في ذلك ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه، بل خالفهما، وإن أدى الأمر إلى السيف فجاهدهما به، لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه، ففيه تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك.
ولما كان هذا قد يفهم الإعراض عنهما رأساً في كل أمر إذا خالفا في الدين، أشار إلى أنه ليس مطلقاً فقال: {وصاحبهما في الدنيا} أي في أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دامت حياتهما.
ولما كان المبنى على النقصان عاجزاً عن الوفاء بجميع الحقوق، خفف عليه بالتنكير في قوله: {معروفاً} أي ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ومعاملتهما بالحلم والاحتمال وما يقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، قال ابن ميلق: ويلوح من هذه المشكاة تعظيم الأشياخ الذين كانوا في العادة سبباً لإيجاد القلوب في دوائر التوحيد العلمية والعملية -
(15/168)

يعني ففي سوق هذه الوصية هذا المساق أعظم تنبيه على أن تعظيم الوسائط من الخلق ليس مانعاً من الإخلاص في التوحيد، قال ابن ميلق: ومن هنا زلت أقدام أقوام تعمقوا في دعوى التوحيد حتى أعرضوا عن جانب الوسائط فوقعوا في الكفر من حيث زعموا التوحيد فإن تعظيم المعظم في الشرع تعظيم لحرمات الله، وامتثال لأمر الله، ولعمري إن هذه المزلة ليتعثر بها أتباع إبليس حيث أبى أن يسجد لغير الله، ثم قال ما معناه: وهؤلاء قوم أعرضوا عن تعظيم الوسائط زاعمين الغيرة على مقام التوحيد، وقابلهم قوم أسقطوا الوسائط جملة وقالوا: إنه ليس في الكون إلا هو، وهم أهل الوحدة المطلقة، والكل على ضلال، والحق الاقتصاد والعدل في إثبات الخالق وتوحيده، وتعظيم من أمر بتعظيمه من عبيده.
ولما كان ذلك قد يجر إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة، نفى ذلك بقوله: {واتبع} أي بالغ في أن تتبع {سبيل} أي دين وطريق {من أناب} أي أقبل خاضعاً {إليّ} لم يلتفت إلى عبادة غيري، وهم المخلصون من أبويك وغيرهما، فإن ذلك لا يخرجك عن برهما ولا عن توحيد الله والإخلاص له، وفي هذا حث على معرفة الرجال بالحق، وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن
(15/169)

كان عمله موافقاً لها اتبع، ومن كان عمله مخالفاً لهما اجتنب.
ولما كان التقدير: فإن مرجع أموركم كلها في الدنيا إليّ، عطف عليه قوله: {ثم إليّ} أي في الآخرة، لا إلى غيري مرجعك - هكذا كان الأصل، ولكنه جميع لإرادة التعميم فقال معبراً بالمصدر الميمي الدال على الحدث وزمانه ومكانه: {مرجعكم} حساً ومعنى، فأكشف الحجاب {فأنبئكم} أي أفعل فعل من يبالغ في التنقيب والإخبار عقب ذلك وبسببه، لأن ذلك أنسب شيء للحكمة وإن كان تعقيب كل شيء بحسب ما يليق به {بما كنتم} بما هو لكم كالجبلة {تعملون*} أي تجددون عمله من صغير وكبير، وجليل وحقير، وما كان في جبلاتكم مما لم يبرز إلى الخارج، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد، فأعد لذلك عدته، ولا تعمل عمل من ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله، ولعله عبر عن الحساب بالتنبئة لأن العلم بالعمل سبب للمجازاة عليه أو لأنه جمع القسمين، ومحاسبة السعيد العرض فقط بدلالة التضمن ومحاسبة الشقي بالمطابقية.
(15/170)

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)
ولما فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السلام في الشكر والشرك فعلم ما أوتي من الحكمة، وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال وجليلها، وأنها في علم الله سواء، حسن جداً الرجوع إلى تمام بيان حكمته، فقال بادئاً بما يناسب ذلك من دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد، وعبر بمثقال الحبة لأنه أقل ما يخطر غالباً بالبال، وهي من أعظم حاث على التوحيد الذي مضى تأسيسه: {يا بني} متحبباً مستعطفاً، مصغراً له بالنسبة إلى حمل شيء من غضب الله تعالى مستضعفاً: {إنها} أي العمل، وأنث لأنه في مقام التقليل والتحقير، والتأنيث أولى بذلك، ولأنه يؤول بالطاعة والمعصية والحسنة والسيئة {إن تك} وأسقط النون لغرض الإيجار في الإيصاء بما ينيل المفاز، والدلالة على أقل الكون وأصغره {مثقال} أي وزن، ثم حقرها بقوله: {حبة} وزاد في ذلك بقوله: {من خردل} هذا على قراءة الجمهور بالنصب، ورفع المدنيان على معنى أن الشأن والقصة العظيمة أن توجد في وقت من الأوقات هنة هي أصغر شيء وأحقره - بما أشار إليه التأنيث.
ولما كان قد عرف أن السياق لماذا أثبت النون في قوله مسبباً عن صغرها: {فتكن} إشارة إلى ثباتها في مكانها. وليزداد تشوف النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب لما علم من
(15/171)

أن المقصد عظيم بحذف النون وإثبات هذه، وعسرّها بعد أن حقرها بقوله معبراً عن أعظم الخفاء وأتم الإحراز: {في صخرة} أي أيّ صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأقواها وأصغرها وأخفاها.
ولما أخفى وضيق، أظهر ووسع، ورفع وخفض، ليكون أعظم لضياعها لحقارتها فقال: {أو في السماوات} أي في أيّ مكان كان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد «أو» نصاً على إرادة كل منهما على حدته، والجار تأكيداً للمعنى فقال: {أو في الأرض} أي كذلك، وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في إحداهما، وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام فقال: {يأتِ بها الله} بعظم جلاله، وباهر كبريائه وكماله، بعينها لا يخفى عليه ولا يذهب شيء منها، فيحاسب عليها، ثم علل ذلك من علمه وقدرته بقوله مؤكداً إشارة إلى أن إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب النفوس إن لم يصحبها التوفيق: {إنّ الله} فأعاد الاسم الأعظم تنبيهاً على استحضار العظمة وتعميماً للحكم {لطيف} أي عظيم المتّ
(15/172)

بالوجوه الخفية الدقيقة الغامضة في بلوغه إلى أمر أراده حتى بضد الطريق الموصل فيهما يظهر للخلق {خبير *} بالغ العلم بأخفى الأشياء فلا يخفى عليه شيء، ولا يفوته أمر.
ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب، أمره مما يدخره لذلك توسلاً إليه، وتخضعاً لديه، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه، فقال: {يا بني} مكرراً للمناداة على هذا الوجه تنبيهاً على فرط النصيحة لفرط الشفقة {أقم الصلاة} أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها، سعياً في نجاة نفسك وتصفية سرك، فإن إقامتها - وهي الإيتان بها على النحو المرضي - مانعة من الخلل في العمل {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} لأنها الإقبال على من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم، ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثانية التوحيد، وترك ذكر الزكاة تنبيهاً على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم.
ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه توفية لحق الحق، عطف على ذلك تكميله لنفسه بتكميل غيره توفية لحق الخلق، وذلك أنه لما
(15/173)

كان الناس في هذه الدار سفراً، وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أوشك أن يؤخذ هو، أمره بما يكمل نجاته بتكميل رفيقه، وقدمه - وإن كان من جلب المصالح - لأنه يستلزم ترك المنكر، وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير، فإنك إذا قلت: لا تأت منكراً، لم يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل المعصية، لا فعل الطاعة، فقال: {وأمر بالمعروف} أي كل من تقدر على أمره تهذيباً لغيرك شفقة على نفسك بتخليص أبناء جنسك.
ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم، وكانت المعاصي مفسدة لها، وكان فساد السفينة مغرقاً لكل من فيها: من أفسدها ومن أهمل المفسد ولم يأخذ على يده، وكان الأمر بالمعروف نهياً عن المنكر، صرح به فقال: {وانه} أي كل من قدرت على نهيه {عن المنكر} حباً لأخيك ما تحب لنفسك، تحقيقاً لنصيحتك، وتكميلاً لعبادتك، لأنه ما عبد الله أحد ترك غيره يتعبد لغيره، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لأنه أمره أولاً بالمعروف، وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا أمر نفسه ونهاها، ناسب أن يأمر غيره ينهاه، وهذا وإن كان
(15/174)

من قول لقمان عليه السلام إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به.
ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر، لأنه يخالف المعظم فيرمونه عن قوس واحدة لا سيما أن أمرهم ونهاهم، قال تعالى: {واصبر} صبراً عظيماً بحيث يكون مستعلياً {على ما} أي الذي، وحقق بالماضي أنه لا بد من المصيبة ليكون الإنسان على بصيرة، فقال: {أصابك} أي في عبادتك من الأمر بالمعروف وغيره سواء كان بواسطة العباد أو لا كالمرض ونحوه، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنها ملاك الاستعانة
{واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] واختلاف المخاطب في الموضعين أوجب اختلاف الترتيبين، المخاطب هنا مؤمن متقلل، وهناك كافر متكثر.
ولما كان ما أحكمه له عظيم الجدوى، وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال والتروك كلها، نبهه على ذلك بقوله على سبيل التعليل والاستئناف إيماء إلى التبجيل: {إن ذلك} أي الأمر العظيم الذي أوصيتك به لا سيما الصبر على المصائب: {من عزم الأمور} أي
(15/175)

معزوماتها، تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر، أي الأمور المقطوع بها المفروضة أو القاطعة الجازمة بجزم فاعلها، أي التي هي أهل لأن يعزم عليها العازم، وينحو إليها بكليته الجازم، فلا مندوحة في تركها بوجه من الوجوه في ملة من الملل.
ولما كان من آفات العبادة لا سيما الأمر والنهي - لتصورهما بصورة الاستعلاء - الإعجاب إلى الكبر، قال محذراً من ذلك معبراً عن الكبر بلازمه، لأن النفي الأعم نفي للأخص، منبهاً على أن المطلوب في الأمر والنهي اللين لا الفظاظة والغلظة الحاملان على النفور: {ولا تصعر خدك} أي لا تمله معتمداً إمالته بإمالة العنق متكلفاً لها صرفاً عن الحالة القاصدة، وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: تصاعر، والمراد بالمفاعلة والتفعيل تعمد فعل ذلك لأجل الكبر حتى يصير خلقاً، والمراد النهي عما يفعله المصعر من الكبر - والله أعلم.
ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تذم، أشار إلى المقصود بقوله تعالى: {للناس} بلام العلة، أي لا تفعل ذلك
(15/176)

لأجل الإمالة عنهم، وذلك لا يكون إلا تهاوناً بهم من الكبر، بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشراً منبسطاً من غير كبر ولا علو، وأتبع ذلك ما يلزمه فقال: {ولا تمش} ولما كان في أسلوب التواضع وذم الكبر، ذكره بأن أصله تراب، وهو لا يقدر أن يعدوه فقال: {في الأرض} وأوقع المصدر موقع الحال أو العلة فقال: {مرحاً} أي اختيالاً وتبختراً، أي لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر وبطر وتكبر، فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي، بل امش هوناً فأن ذلك يفضي بك إلى التواضع، فتصل إلى كل خير، فترفق بك الأرض إذا صرت فيها حقيقة بالكون في بطنها.
ولما كانت غاية ذلك الرياء للناس والفخر عليهم المثمر لبغضتهم الناشئة عن بغضة الله تعالى، علله بقوله مؤكداً لأن كثيراً من الناس يظن أن أسباغ النعم الدنيوية من محبة الله: {إن الله} أي الذي لا ينبغي الكبر إلا له لما له من العظمة المطلقة. ولما كان حب الله الذي يلزمه حب الناس محبوباً للنفوس، وكان فوات المحبوب أشق على النفوس من وقوع المحذور، وكانت «لا» لا تدخل إلا على المضارع المستقبل قال: {لا يحب} أي فيما يستقبل من الزمان، ولو قال «يبغض» لاحتمال التقييد بالحال، ولما كان النشر المشوش أفصح لقرب الرجوع
(15/177)

تدليا فيما ترقى فيه المقبل قال: {كل مختال} أي مراء للناس في مشيه تبختراً يرى له فضلاً على الناس فيشمخ بأنفه، وذلك فعل المرح {فخور} يعدد مناقبه، وذلك فعل المصعر، لأن ذلك من الكبر الذي تردى به سبحانه وتعالى فمن نازعه إياه قصمه.
(15/178)

وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)
ولما كان النهي عن ذلك امراً بأضداده، وكان الأمر بإطلاق الوجه يلزم منه الإنصاف في الكلام، وكان الإنصاف في الكلام والمشي لا على طريق المرح والفخر ربما دعا إلى الاستماتة في المشي والحديث أو الإسراع في المشي والسر والجهر بالصوت فوق الحد، قال محترساً في الأمر بالخلق الكريم عما يقارب الحال الذميم: {واقصد} أي اعدل وتوسط {في مشيك} لا إفراط ولا تفريط مجانباً لوثب الشطار ودبيب المتماوتين، وعن ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان - قال الرازي في اللوامع، وهو المشي الهون الذب ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع ولا بتكبر {واغضض} أي انقص، ولأجل ما
(15/178)

ذكر قال: {من صوتك} بإثبات «من» أي لئلا يكون صوتك منكراً، وتكون برفع الصوت فوق الحاجة حماراً، وأما مع الحاجة كالأذان فهو مأمور به.
ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكراً كما كان خفضه دونها تماوتاً أو دلالاً وتكبراً، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا ب «من» فأفهم أن الطرفين مذمومان، علل النهي عن الأول دالاً بصيغة «أفعل» على اشتراك الرفع كله في النكارة ذاكراً أعلاها تصويراً له بأقبح صورة تنفيراً عنه فقال: {إن أنكر} أي أفظع وأبشع وأوحش {الأصوات} أي كلها المشتركة في النكارة برفعها فوق الحاجة، وأخلى الكلام عن لفظ التشبيه فأخرجه مخرج الاستعارة تصويراً لصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حماراً، مبالغة في التهجين، وتنبيهاً على أنه من كراهة الله له بمكان فقال: {لصوت الحمير} أي هذا الجنس، لما له من الغلو
(15/179)

المفرط من غير حاجة، وأوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار، وأفرده ليكون نصاً على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك ولذكر الحمار مع ذلك من بلاغة الذم والشتم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح باسمه، وهذا يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع، ولقد دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق، وهي أمهات الفضائل الثلاث: الحكمة والعفة والشجاعة، وأمرت بالعدل فيها، وهي وظيفة التقسيط الذي هو الوسط الذي هو مجمع الفضائل، ونهت عن مساؤى الأخلاق، وهي الأطراف التي هي مبدأ الرذائل الحاصل بالإفراط والتفريط، فإقامة الصلاة التي هي روح العبادة المبنية على العلم هي سر الحكمة والنهي، أمر بالشجاعة ونهى عن الجبن، وفي النهي عن التصعير وما معه نهي عن التهور، والقصد في المشي والغض في الصوت أمر بالعفة ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور، وفي النهي عن الاستماتة نهي عما قد يلزمها من الجربزة، وهي الفكر بالمكر المؤدي إلى اللعنة، وعن الانحطاط إلى البله والغفلة، والكافل بشرح هذا ما قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني في الكلام على الإجماع من تلويحه، قال: إن الخالق تعالى وتقدس قد ركب في الإنسان ثلاث قوى: إحداها
(15/180)

مبدأ إدراك الحقائق، والشوق إلى النظر في العواقب، والتمييز بين المصالح والمفاسد، ويعبر عنها بالقوة النطقية والعقلية والنفس المطمئنة الملكية، والثانية مبدأ جذب المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك، وتسمى القوة الشهوية والبهيمية والنفس الأمارة، والثالثة مبدأ الإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع، وهي القوة الغضبية والسبعية والنفس اللوامة، ويحدث من اعتدال الحركة الأولى الحكمة، والثانية العفة، والثالثة الشجاعة، فأمهات الفضائل هي هذه الثلاث، وما سوى ذلك إنما هو من تفريعاتها وتركيباتها، وكل منها وكل منها محتوش بطر في إفراط وتفريط هما رذيلتان، أما الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى:
{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} [البقرة: 269] وإفراطها الجربزة، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي، كمخالفة الشرائع - نعوذ بالله من علم لا ينفع قلت: وهي بجيم ثم مهملة ثم موحدة ثم زاي مأخوذة من الجربز - بالضم، وهو الخب، أي الخداع الخبيث -
(15/181)

والله أعلم، وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية بالإرداة والوقوف عن اكتساب العلوم النافعة، وأما الشجاعة فهي انقياد السبعية للناطقة ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الماثلة، حتى يكون فعلها جميلاً، وصبرها محموداً، وإفراطها التهور، أي الإقدام على ما لا ينبغي، وتفريطها الجبن، أي الحذر عما لا ينبغي، وأما العفة فهي انقياد البهيمة للناطقة، لتكون تصرفاتها بحسب اقتضاء الناطقة، لتسلم عن استعباد الهوى إياها، واستخدام اللذات، وإفراطها الخلاعة والفجور، أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب، وتفريطها الجمود، أي السكوت عن طلب الذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع إيثاراً لا خلقة، فالأوساط فضائل، والأطراف رذائل، وإذا امتزجت الفضائل الثلاث حصلت من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة، فبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة، أي في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} [البقرة: 143] وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام «خير الأمور أوساطها» والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة ليصل إلى كمالها اللائق بها، ومقصدها المتوجه إليه، وفي السبعية كسر البهيمية وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها، واشترط التوسط في أفعالها لئلا تستعبد الناطقة هواهما وتصرفاها
(15/182)

عن كمالها ومقصدها - انتهى.
ولما انقضت هذه الجمل، رافعة أعناقها على المشتري وزحل، قابلة لمن يريد عملها مع الكسل، والضجر في الفكر والملل، وأين الثريا من يد المتناول، وكان قد أخبر سبحانه وتعالى في أول السورة أن الآيات المسموعة هدى لقوم وضلال لآخرين، وكان من الغرائب أن شيئاً واحداً يؤثر شيئين متضادين، وأتبع ذلك ما دل على أنه من بالغ الحكمة بوجوه مرضية مشرقة مضيئة، لكنها بمسالك دقيقة وإشارات خفية، إلى أن ختم بالنهي عن التكبر، ورفع الصوت فوق الحاجة، إشارة إلى أن فاعل ما لا حاجة إليه غير حكيم، وكان التكبر على الناس والتعالي عليهم من آثار الفضل في النعمة، وكانت العادة جارية بأن اللك يخضع له تارة لمجرد عظمته، وتارة خوفاً من سطوته، وتارة رجاء لنعمته، أبرز سبحانه وتعالى غيب ما وصف به الآيات المسموعة من تأثير الضدين في حالة واحدة في شاهد الآيات المرئية على وجه يدل على استحقاقه، لما أمر به لقمان عليه السلام من العبادة والتذلل، وأن إليه المرجع، وهو عالم على استحقاقه، لما أمر به لقمان شيء، وأن كل ما ترى خلقه مذكراً بأن النعمة إنما هي منه، فلا ينبغي لأحد أن يفخر بما آتاه غيره، ولو كل فيه إلى نفسه لم يقدر على شيء منه، محذراً من سلبها
(15/183)

عن المتكبر وإعطائها للذليل المحتقر، فقال: {ألم تروا} اي تعلموا علماً هو في ظهوره كالمشاهدة أيها المشترون لهو الحديث، المتكبرون علي المقبلين على الله، المتخلين عن الدنيا، الذين قلنا لهم رداً عن الشرك وإبعاداً عن الهوى والإفك {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} {أن الله} أي الحائز لكل كمال {سخر لكم} أي خاصة {ما في السماوات} بالإنارة والإظلام، والحر والبرد وغير ذلك من الإنعام، وأكده بإعادة الموصول والجار، لأن المقام حقيق به فقال: {وما في الأرض} بكل ما يصلحكم فتعلموا أن الكل خلقه، ما لأحد ممن دونه فيه شيء، وأنه محيط بكل شيء قدرة وعلماً، فهو قادر على تعسيره فينبئكم بما كنتم تعملون ويحضره لكم وإن كان في أخفى الأماكن {وأسبغ} أي أطال وأوسع وأتم وأفضل عن قدر الحاجة وأكمل {عليكم} أيها المكلفون {نعمه} أي
(15/184)

واحدة تليق بالدنيا - في قراءة الجماعة بإسكان العين وتاء تأنيث منصوبة منونة تنوين تعظيم، مشيراً إلى أنها ذات أنواع كثيرة جداً، بما دلت عليه قراءة المدنيين وأبي عمرو وحفص عن عاصم بجعل تاء التأنيث ضميراً له سبحانه مع فتح العين ليكون جمعاً {ظاهرة} وهي ما تشاهدونها متذكرين لها {وباطنة} وهي ما غابت عنكم فلا يحسونها، أو تحسونها وهي خفية عنكم، لا تذكرونها إلا بالتذكير، وكل منكم يعرف ذلك على الإجمال، فاعبدوه لما دعت إليه مجلة لقمان عليه السلام لتكونوا من المحسنين، حذراً من سلب نعمه، وإيجاب نقمه، ويجوز أن تكون الآية دليلاً على قوله تعالى: {خلق السماوات بغير عمد ترونها} .
ولما كان التقدير: ومع كون كل منكم أيها الخلق يعرف أن ذلك نعمة منه سبحانه تعالى وحده فمن الناس من أذعن وأناب وسلم لكل ما دعا إليه كتابه الحكيم على لسان رسوله النبي الكريم فكان من الحكماء الحسنين فاهتدى عطف عليه قوله مظهراً موضع ضمير المخاطبين مما يشير إليه النوس: {ومن الناس} أي الذين هم أهل للاضطراب، ويمكن أن يكون حالاً من {ألم تروا} ويكون
(15/185)

{ألم تروا} دليلاً على أول السورة، أي أشير إلى الآيات حال كونها هدى لمن ذكر والحال أن من الناس من يشتري اللهو، ألم تروا دليلاً على أن من الناس المعاند بعد وضوح الدليل أن الله سخر لكم جميع العالم وأنعم عليكم بما أنعم والحال أن من الناس {من يجادل} فلا لهو أعظم من جداله، ولا كبر مثل كبره، ولا ضلال مثل ضلاله، وأظهر لزيادة التشنيع على هذا المجادل، وإشارة إلى قبح المجادلة من غير نظر إلى النعم فقال تعالى: {في الله} المحيط بكل شيء علماً وقدرة.
ولما كان سبحانه في ظهور وجوده وأوصافه بحيث لا يخفى بوجه، وكان المجادل قد يكون فهماً، قال: {بغير} أي بكلام متصف بأنه غير {علم} أي بل بألفاظ هي في ركاكة معانيها لعدم استنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العحم، فكان بذلك حماراً تابعاً للهوى.
ولما كان المعنى قد يظهر لبعض القاصرين، لوروده على لسان من لا يعتبر، فإذا أضيف إلى كبير، تؤمل ولم يبادر إلى رده لاستعظامه، فظهر على طول حسه، قال معبراً بأداة النفي الحقيقة به، لأن الموضع لها، وعدل عنها اولاً لئلا يظن أن المذموم إنما هو المجادل إذا كان غير متصف بالعلم
(15/186)

وإن كان جداله متصفاً بالعلم: {ولا هدى} أي وارد عمن عهد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات، فوجب أخذ اقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها.
ولما كان القول قد يكون مقبولاً لاستناده إلى الله تعالى وإن لم يكن اصلاً معقولاً، قال: {ولا كتاب} أي من الله؛ ووصفه بما هو لازمه لا ينفك عنه فقال: {منير*} أي بين غاية البيان، مبين لغيره على عادة بيان الله سبحانه وتعالى، أو يكون أريد بالوصف الإعجاز لإظهاره قطعاً أنه من الله، فإنه ليس كل كتاب الله كذلك.
(15/187)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23)
ولما كان المجادل بغير واحد من هذه الثلاثة تابعاً هواه مقلداً مثله قطعاً، وكان حال المجادلين هذا لظهور أدلة الوحدانية عجباً، عجب منهم تعجيباً آخر بإقامتهم على الضلال مع إيضاح الادلة فقال: {وإذا قيل} أي من أيّ قائل كان. ولما كان ضلال الجمع أعجب من ضلال الواحد، وكان التعجيب من جدال الواحد تعجيباً من جدال الاثنين فأكثر من باب الأولى، أفرد أولاً وجمع هنا فقال: {لهم} أي للمجادلين هذا الجدال: {اتبعوا ما} أي ابذلوا جهدكم في تبع الذي، وأظهر لزيادة التشنيع أيضاً فقال: {أنزل الله} الذي خلقكم وخلق آباءكم الأولين، وهو الذي لا عظيم إلا هو {قالوا}
(15/187)

جموداً: لا نفعل {بل نتبع} وإن جاهدنا بالأنفس والأموال {ما وجدنا عليه آباءنا} لأنهم أثبت منا عقولاً، وأقوم قيلاً، وأهدى سبيلاً.
ولما كانوا لا يسلكون طريقاً حسياً بغير دليل، كان التقدير: أتتبعونهم لو كان الهوى يدعوهم فيما وجدتموهم عليه إلى ما يظن فيه الهلاك، لكونه بغير دليل، فعطف عليه قوله: {أو لو كان الشيطان} أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة، وهو أعدى اعدائهم، دليللهم فهو {يدعوهم} إلى الضلال فيوقعهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم ذلك {إلى عذاب السعير*} وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم في ضلالهم وأنه مستمر، وأطلق العذاب على سببه.
ولما كان التقدير: فمن جادل في الله فلا متمسك له، عطف عليه قوله في شرح حال أضدادهم: {ومن يسلم} أي في الحال أو الاستقبال {وجهه} أي قصده وتوجهه وذاته كلها. ولما كان مقصود السورة إثبات الحكمة، عدى الفعل ب «إلى» تنبيهاً على إتقان الطريق بالوسائط من النبي أو الشيخ وحسن الاسترشاد في ذلك، فقال معلقاً بما تقديره: ساتراً وواصلاً {إلى الله} الذي له صفات الكمال،
(15/188)

فلم يبق لنفسه أمر أصلاً، فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه {وهو} أي والحال أنه {محسن} أي مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائماً في حال الشهود {فقد استمسك} أي أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوة في بادئه الأمور لترقية نفسه من حضيضها إلى أوج الروح على أيدي المسلكين الذين اختارهم لدينه، العارفين بأخطار السير وعوائق الطريق {بالعروة الوثقى} التي هي أوثق ما يتمسك به فلا سقوط له أصلاً، فليسررك شكره فإن ربه يعليه إلى كل مراد ما دام متمسكاً بها تمثيلاً لحال هذا السائر بحال من سقط في بئر، أو أراد أن يرقى جبلاً، فادعى له صاحبه حبلاً ذا عرى فأخذ بأوثقها، فهو يعلو به إذا جره صديقه. وهو قادر على جره لا محالة من غير انفصام، لأن متمسكه في غاية الإحكام.
ولما كان الكل صائرين إليه، رافدين عليه: من استمسك بالأوثق، ومن استمسك بالأوهى، ومن لم يتمسك بشيء، إلا أن الأول صائر مع السلامة، وغيره مع العطب، قال مظهراً تعظيماً للأمر ولئلا يقيد بحيثية عاطفاً على ما تقديره: فيصير إلى الله سالماً، فإلى الله عاقبته لا محال: {وإلى الله} أي الملك الأعظم وحده تصير {عاقبة الأمور *} أي كما أنه كانت منه بادئتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادئة.
(15/189)

ولا ذكر المسلم ذكر الكافر فقال: {ومن كفر} أي ستر ما أداه إليه عقله من أن الله لا شريك له، وأنه لا قدرة لأحد سواه، ولم يسلم وجهه إليه، فتكبر على الدعاة وأبى أن ينقاد لهم، اتباعاً لما قاده إليه الهوى. بأن جعل لنفسه اختياراً وعملاً فعل القوي القادر، فقد ألقى نفسه في كل هلكة لكونه لم يتمسك شيء {فلا يحزنك} أي يهمك ويوجعك، وأفرد الضمير باعتبار لفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد فقال: {كفره} كائناً من كان فإنه لم يَفُتك شيء فيه خير ولا معجز لنا ليحزنك، ولا تبعة عليك بسببه، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين، وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجاً عنه، فالآية من الاحتباك: ذكر الحزن ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، وذكر الاستسماك أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً.
ولما كان الحزن بمعنى الهم، حسن التعليل بقوله التفاتاً إلى مظهر العظمة التي هذا من أخفى مواضعها، وجمع لأن الإحاطة بالجمع أدل على العظمة: {إلينا} أي خاصة بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال
(15/190)

{مرجعهم} أي رجوعهم وزمانه ومكانه أي معنى في الدنيا وحساً يوم الحساب، لا إلى غيرنا، ولما بين أنهم في قبضته، وأنه لا بد من بعثهم، بين أن السبب في ذلك حسابهم لتظهر الحكمة فقال: {فننبئهم} بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم {بما عملوا} أي ونجازيهم عليه إن أردنا.
ولما كان معنى التضعيف: نفعل معهم فعل منقب عن الأمور مفتش على جليها وخفيها، جليلها ودقيقها، فلا نذر شيئاً منها، علله بقوله معبراً بالاسم الأعظم المفهم للعظمة وغيرها من صفات الكمال التي من أعظمها العلم، لفتاً للكلام عن العظمة التي لا تدل على غيرها إلا باللزوم، مؤكداً لإنكارهم شمول علمه {إن الله عليم} أي محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال {بذات الصدور*} أي بالأعمال التي هي صاحبتها، ومضمرة ومودعة فيها، فناشئة عنها ومن قبل أن تبرز إلى الوجود، فكيف بذلك بعد عملها.
(15/191)

نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)
ولما تشوف المسلم إلى إهلاك من هذا شأنه وإلى العلم بمدة ذلك، وكان من طبع الإنسان العجلة، أجاب من يستعجل بقوله عائداً إلى مظهر العظمة التي يتقاضاها إذلال العدو وإعزاز الولي: {نمتعهم قليلاً}
(15/191)

أي من الزمان ومن الحظوظ وإن جل ذلك عند من لا علم له، فلا تشغلوا أنفسكم بالاستعجال عليهم فإن كل آت قريب.
ولما كان إلجاء المتجبرين إلى العذاب امراً مستبعداً، أشار بأداة البعد إلى ما يحصل عنده من صفات الجلال، التي تذل الرجال، وتدك الجبال، وفيه أيضاً إشارة إلى استطالة المحسنين من تمتيعهم وإن كان قليلاً في الواقع، أو عند الله فقال: {ثم نضطرهم} أي نأخذهم اخذاً لا يقدرون على الانفكاك عنه بنوع حيلة، وأشار إلى طول إذلالهم في مدة السوق بحرف الغاية، فكان المعنى: فنصيرّهم بذلك الأخذ {إلى عذاب غليظ *} أي شديد ثقيل، لا ينقطع عنهم أصلاً ولا يجدون لهم منه مخلصاً من جهة من جهاته، فكأنه في شدته وثقله جرم غليظ جداً إذا برك على شيء لا يقدر على الخلاص منه.
ولما كان من أعجب العجب مجادلتهم مع إقرارهم بما يلزمهم به
(15/192)

قطعاً التسليم في أنه الواحد لا شريك له وأن له جميع صفات الكمال فله الحمد كله، قال: {ولئن} أي يجادلون أو يقولون: بل نتبع آباءنا والحال أنهم أن {سألتهم من خلق السماوات} بأسرها {والأرض} وجميع ما فيها {ليقولن} ولما كان الأنسب للحكمة التي هي مطلع السورة الاقتصار على محل الحاجة، لم يزد هنا على المسند إليه بخلاف الزخرف التي مبناها الإبانة، فقال لافتاً القول عن العظمة إلى أعظم منها فقال: {الله} أي «المسمى بهذا الاسم الذي جمع مسماه بين الجلال والإكرام» فقد أقروا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته.
ولما كانوا يعتقدون أن شركائهم تفعل لهم بعض الأفعال، فلذلك كانوا يرجونهم ويخافونهم، كما أن ذلك واضح في قصة عم أنس الصم وغيرها، أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يعلمهم أنه لا خلق لغيره ولا أمر، بل هو مبدع كل شيء في السماوات والأرض كما أبدعهما، وأن من
(15/193)

جملة ذلك مما يستحق به الحمد سبحانه قهرهم على تصديقه صلى الله عليه السلام بمثل هذا الإقرار وهم في غاية التكذيب، فقال مستأنفاً: {قل الحمد} أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال {لله} أي الذي له الإحاطة الشاملة الكاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره «الأمر أعظم من مقالة قائل» كما أحاط بما تعلمونه من خلق السماوات والأرض، فهو فاعل الإفعال كلها، كما أنه خالق الذوات كلها، ولا شريك له في شيء من الأمر، كما أنه لا شريك له في شيء من الخلق.
ولما كانوا يظنون أن أصنامهم تصنع شيئاً كما قالت امرأة ذي النور الدوسي رضي الله عنه: هل يخشى على الصبية من ذي الشرى، وكما قال قوم ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه لما سب آلهتهم: اتق الجذام اتق البرص، وكما قال سادن العزى، وكما قالت ثقيف في طاغيتهم، حتى أنهم قالوا عندما سويت بالأرض، والله ليغضبن الأساس، حتى حمل ذلك المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على أن حفر الأساس، وكانوا إذا مستهم الضراء لا سيما في البحر تبرؤوا منها، وأسندوا الأمر إلى من هو له كما هو مضمون التوحيد، فكان ربما قال قائل استناداً إلى ذلك:
(15/194)

إنهم ليعلمون ما أثبت بالتحميد، قال: {بل أكثرهم لا يعلمون *} أي إن الله هو المنفرد بكل شيء كما أنه تفرد بخلق السماوات والأرض، وأنه لا يكون شيء، إلا بإذنه لأنهم لا يعملون بما يعلمون من ذلك، وعلم لا يعمل به عدم، بل العدم خير منه، وكان القليل هم المقتصدون عند النجاة من الشدة كما سيأتي آنفاً، أو يكون المعنى أنه لا علم لهم أصلاً إذ لو كان لهم علم لنفعهم في علمهم بالله، أو في أنهم لا يقرون بتفرده سبحانه بالخلق والرزق، فيكون ذلك موجباً لتناقضهم وملزماً لهم بالإقرار بصدقك غي الحكم بوحدانيته على الإطلاق. ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال، شرع يستدل على ذلك، فقال مبيناً أن ما أخبر أنه صنعه فهو له: {لله} أي الملك الأعظم المحيط بجميع أوصاف الكمال خاصة دون غيره {ما في السماوات} كلها. ولما تحرر بما تقدم أنهم عالمون مقرون بما يلزم عنه وحدانيته، لم يؤكد بإعادة {ما} والجار، بل قال: {والأرض} أي كلها كما كانتا مما صنعه، فلا يصح أن يكون شيء من ذلك له شريكاً.
ولما ثبت ذلك أنتج قطعاً قوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {هو} أو وحده، وأكد لأن ادعائهم الشريك يتضمن إنكار غناه،
(15/195)

ولذلك أظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن كل ما وصف به فهو ثابت له مطلقاً من غير تقييد بحيثيته {الغني} مطلقاً، لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه، وليس محتاجاً إلى شيء أصلاً. ولما كان الغني قد لا يوجب الحمد لله: {الحميد *} أي المستحق لجميع المحامد، لأنه المنعم على الإطلاق، المحمود بكل لسان ألسنة الأحوال والأقوال، ولو كان نطقها ذماً فهو حمد من حيث إنه هو الذي أنطقها، ومن قيد الخرس أطلقها.
ولما كان الغني قد يكون ماله محصوراً كما في السماوات والأرض الذي قدم أنه له، والمحمود قد يكون ما يحمد عليه مضبوطاً مقصوراً أثبتت أنه على غير ذلك، بل لا حد لغناه، ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده ولا تناه، فقال: {ولو} أي له الصفتان المذكورتان والحال أنه لو {أنّ ما في الأرض} أي كلها، ودل على الاستغراق وتقصى كل فرد فرد من الجنس بقوله: {من شجرة} حيث وحدها {أقلام} أي والشجرة يمدها من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات، وأن ما في الأرض من بحر مداد لتلك الأقلام {والبحر} أي والحال أن البحر، وعلى قراءة البصريين بالنصب التقدير: ولو أن البحر {يمده} أي يكون مدداً وزيادة فيه {من بعده} أي
(15/196)

من ورائه {سبعة أبحر} فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له دواة كلمات الله {ما نفدت} وكرر الاسم الأعظم تعظيماً للمقام فقال مظهراً للإشارة مع التبرك إلى عدم التقيد بشيء وإن جل: {كلمات الله} وفنيت الأقلام والمداد، وأشار بجمع القلة مع الإضافة إلى اسم الذات إلى زيادة العظمة بالعجز عن ذلك القليل فيفهم العجز عن الكلم من باب الأولى، ويتبع الكلمات الإبداع، فلا تكون كلمة إلا الأحداث شأن من الشؤون
{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] وعلم من ذلك نفاد الأبحر كلها لأنها محصورة، فهي لا تفي بما ليس بمحصور، فيا لها من عظمة لا تتناهى! ومن كبرياء لا تجارى، ولا تضاهى، لا جرم كان نتيجة ذلك قوله مؤكداً لأن ادعاءهم الشريك إنكار للعزة، وعدم البعث إنكار للحكمة: {إن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من غير قيد أصلاً {عزيز} أي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء {حكيم *} يحكم ما أراده، فلا يقدر أحد على نقضه، ولا علم لأحد من خلقه إلا ما علمه، ولا حكمة لأحد منهم إلا بمقدار ما أورثه، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر الأقلام دليلاً على
(15/197)

حذف مدادها، وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلاً على حذفها في الأشجار، وهو من عظيم هذا الفن، وعلم أيضاً من السياق أن المراد بالسبعة المبالغة في الكثرة لا حقيقتها، وأن المراد بجمع القلة في «أبحر» الكثرة، لقرينة المبالغة، وبجمع القلة في {كلمات} حقيقتها لينتظم المعنى، وكل ذلك سائغ شائع في لغة العرب.
(15/198)

مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)
ولما ختم بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء، ذكر بعض آثارهما في البعث الذي تقدم أول السورة وأثناءها ذكره إلى حذرهم به في قوله «إلينا مرجعهم» فقال: {ما خلقكم} أي كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة، وأعاد النافي نصاًَ على كل واحد من الخلق والبعث على حدته فقال: {ولا بعثكم} كلكم {إلا كنفس} أي كبعث نفس، وبين الأفراد تحقيقاً للمراد، وتأكيداً للسهولة فقال: {واحدة} فإن كلماته مع كونها غير نافدة نافذة، وقدرته مع كونها باقية بالغة، فنسبه القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله مؤكداً لأن تكذيبهم لرسوله وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا بمرأى منه
(15/198)

ومسمع: {إن الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة {سميع} أي بالغ السمع يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا يشغله شيء منها عن غيره {بصير*} بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن يرى من الأعيان والمعاني، ومن كان كذلك كان المحيط العلم بالغه شامل القدرة تامها، فهو يبصر جميع الأجزاء من كل ميت، ويسمع كل ما يسمع من معانيه، فهو بإحاطة علمه وشمول قدرته يجمع تلك الأجزاء، ويميز بعضها من بعض، ويودعها تلك المعاني، فإذا هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع من لمح البصر.
ولما قرر هذه الآية الخارقة، دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين، مع دلالته على تسخير ما في السماوات والأرض، وإبطال قولهم: {ما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] بأنه، هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك، خاصاً بالخطاب من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره، أو عاماً كل عاقل، إشارة إلى أنه في دلالته على البعث في غاية الوضوح فقال: {ألم تر} أي يا من يصلح لمثل هذا الخطاب، ويمكن أن يكون للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه لا يعلم ذلك من المخلوقين حق علمه غيره.
ولما كان كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه، فكان إنكاره إنكارً لهذا، نبه على ذلك بالتأكيد فقال: {أن الله} أي
(15/199)

بجلاله وعز كماله {يولج} أي يدخل إدخالاً لا مرية فيه {الليل في النهار} فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه، فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح {ويولج النهار} أي يدخله كذلك {في الليل} فيخفي حتى لا يبقى له أثر، فإذا الليل قد طبق الآفاق: مشارقها ومغاربها في مثل الظرف، فيميز سبحانه كلاً منهما - وهو معنى من المعاني - من الآخر بعد إضمحلاله، فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره، ولما كان هذا معنى من المعاني يتجدد في كل يوم وليلة، عبر فيه بالمضارع.
ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفنا على طريق معلوم بقدر لا يختلف، عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال: {وسخر الشمس} آية للنهار بدخول الليل فيه {والقمر} آية لليل كذلك! ثم استأنف ما سخرا فيه فقال: {كل} أي منهما {يجري} أي في فلكه سائراً متمادياً وبالغاً ومنتهياً.
ولما كان محط مقصود السورة الحكمة، وكانت هذه الدار مرتبطة بحكمة الأسباب والتطوير، والمد في الإبداع والتسيير، كان الموضع لحرف الغاية فقال: {إلى أجل مسمى} لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص، هذا يقطعها في الشهر مرة وتلك
(15/200)

في السنة مرة، لا يقدر منهما أن يتعدى طوره، ولا أن ينقص دوره، ولا أن يغير سيره.
ولما بان بهذا التدبير المحكم، في هذا الأعظم، شمول علمه وتمام قدرته، عطف على «أن الله» قوله مؤكداً لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها: {وأن الله} أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها، وقدم الجار إشارة إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير مرة، وعم الخطاب بياناً لما قبله وترغيباً وترهيباً فقال: {بما تعملون} أي في كل وقت على سبيل التجدد {خبير *} لا يعجزه شيء منه ولا يخفى عنه، لأنه الخالق له كله دقه وجله، وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في شيء منه، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلاً، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلية من أمور العباد، فكان ما قاله كما قاله، لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما قاله، فتمت كلماته، وصدقت إشاراته وعباراته، وهذا دليل آخر على تمام القدرة على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر، وكل منهم
(15/201)

لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في كل أن دائماً ما تعاقب الملوان، وبقي الزمان، لا يشغله شأن منه على شأن، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به. لما ذكر من دليله، ولما شاهدوا من إخبار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين وأناس حاضرين، منهم البعيد جداً والمتوسط والقريب، وغير ذلك من أحوال توجب القطع لهم بذلك، هذا علمهم فكيف يكون عالم المخصوص في هذه الآية بالخطاب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى، ويطلع عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما أطلعه عليه سبحانه وتعالى من عالم الغيب والشهادة.
ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله قال: {ذلك} أي ذكره لما من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة {بأن} أي بسبب أن {الله} أي الذي لا عظيم سواه {هو} وحده {الحق} أي الثابت بالحقيقة وثبوت غيره في الواقع عدم، لأنه مستفاد من الغير، وليس له الثبوت من ذاته، ومنه ما أشركوا به، ولذلك أفرده بالنص، فقال صارفاً للخطاب
(15/202)

الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين وحمزة وحفص عن عاصم إيذاناً بالغضب، وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي {وأنَّ ما يدعون} أي هؤلاء المختوم على مداركهم، وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله: {من دونه} .
ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه، كقوله {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} وأكثر هنا من إظهار الجلالة موضع الإضمار تنبيهاً على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد بضمير الفصل فقال: {الباطل} أي العدم حقاً، لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه، وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات، فلما وجدت على هذا النظام علم أنه الواحد الذي لا مكافئ له.
ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ويكبرونها بغير حق، قال: {وأن الله} أي الملك الأعظم وحده، ولما كان النيران مما عبد من دون الله، وكانا قد جمعاً علواً وكبراً، وكان ليس لهما من ذاتهما إلا العدم فضلاً عن السفول والصغر، ختم بقوله: {هو العلي الكبير} أي عن أن يداينه في عليائه ضد، أو يباريه في كبريائه ند.
(15/203)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)
ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء، أتبعها دليلها، فقال منبهاً على أن سيرنا في الفلك مثل سير النجوم في الفلك، وسير أعمارنا في فلك الأيام حتى يولجنا في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى يولجه في الآخر فيذهب حتى كأنه ما كان، ولولا تفرده بالحقية والعلو والكبر ما استقام ذلك، خاصاً بالخطاب أعلى الناس، تنبيهاً على أن هذه لكثرة الألف لها أعرض عن تأملها، فهو في الحقيقة حث على تدبرها، ويؤيده الإقبال على الكل عند تعليلها: {ألم تر أن الفلك} أي السفن كباراً وصغاراً {تجري} أي بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البر، وعبر بالظرفية إشارة إلى أنه ليس لها من ذاتها إلا الرسوب في الماء لكثافتها ولطافته فقال: {في البحر} أي على وجه الماء، وعبر عن الفعل بأثره لأنه أحب فقال: {بنعمت الله} أي برحمة الملك الأعلى المحيط علماً وقدرة وإحسانه، مجدداً ذلك على مدى الزمان عليكم في تعليمكم صنعها حتى تهيأت لذلك على يدي أبيكم نوح العبد الشكور عليه السلام {ليريكم من آياته} أي عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على
(15/204)

أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها، وهي مساوية لغيرها في أن الكل من التراب، فما فاوت بينها إلا هو بتمام قدرته وفعله بالاختيار.
ولما كان هذا أمراً إذا جرد النظر فيه عن كونه قد صار مألوفاً بهر العقول وحير الفهوم، أشار إليه بقوله مؤكداً تنبيهاً مما هم فيه من الغفلة عنه، لافتاً الخطاب بعد الجمع إلى الإفراد تنبيهاً على دقة الأمر وأنه - وإن كان يظن أنه ظاهر - لا يفهمه حق فهمه غيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إن في ذلك} أي الأمر الهائل البديع الرفيع {لآيات} أي دلالات واضحات على ما له من صفات الكمال في عدم غرقه وفي سيرة إلى البلاد الشاسعة، والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهاباً وإياباً تارة بريحين، وأخرى بريح واحدة، وفي إنجاء أبيكم نوح عليه السلام ومن أراد الله من خلقه به وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه، وأموره وفنونه، ونعمه وفتونه وإن كان أكثر ذلك قد صار مألوفاً لكم فجهلتم أنه من خوارق العادات، ونواقض المطردات، وعلم من ختام التي قبلها أن
(15/205)

المراد - بقوله جامعاً لجميع الإيمان الذي هو نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، وذلك تمام صفة المؤمن مظهراً موضع لك أو لكم - ما أفاد الحكم بكل من شاركه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوصفين المذكورين: {لكل صبار} إدامة الفكر في هذه النعم واستحضارها في الشدة والرخاء، وأنها من عند الله، وأنه لا يقدر عليها سواه، والإذعان له في جميع ذلك، حفظاً لما دل عليه العقل من أخذ الميثاق بالشكر، وأن لا يصرف الحق إلى غير أهله، فيلزم عليه الإساءة إلى المحسن {شكور *} عليه مبالغ في كل من الصبر والشكر، وعلم من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من عظمة الله ما كان يعرفه في الشدة إلا من طبعهم الله على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه بحفظ العهد وترك النقض جرياً مع ما تدعو إليه الفطرة الأولى السليمة، وقليل ما هم، وقال الرازي في اللوامع: وكيفما كان فالصبر هو الثبات في مراكز العبودية، والشكر رؤية النعمة من المنعم الحق وصرف نعمه إلى محابّه.
ولما كانوا يسارعون إلى الكفر بعد انفصالهم من هذه الآية العظمية، وإلباسهم ههذ النعمة الجسيمة، التي عرفتهم ما تضمنته الآية السالفة من حقيته وحده وعلوه وكبره وبطلان شركائهم، أعرض عنهم
(15/206)

وجه الخطاب لأنهم لم يرجعوا بعد الوضوح إيذاناً باستحقاق شديد الغضب والعذاب، فقال معجباً عاطفاً على ما تقديره: وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ما في ذلك من الآيات في حال رخائهم: {وإذا غشيهم} أي علاهم وهم فيها حتى صار كالمغطى لهم، لأنه منعهم من أن تمتد أبصارهم كما كانت {موج} أي هذا الجنس، ولعله أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإيتانه شيئاً في أثر شيء متتابعاً بركب بعضه كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام {كالظلل} أي حتى كان كأطراف الجبال المظلمة لمن يكون إلى جانبها، وللإشارة إلى خضوعهم غاية الخضوع كرر الأسم الأعظم فقال: {دعوا الله} أي مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله، عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من حقيته وعلوه وكبره وبطلان ما يدعون من دونه {مخلصين له الدين} لا يدعون شيئاً سواه بألسنتهم ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال، وقسرهم عليه من العظمة والكمال، واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا به لتعظيم الأمر فيه لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب.
ولما كان القتل بالسيف أسهل عندهم من أن يقال عنهم: إنهم
(15/207)

أقروا بشيء هم له منكرون لأجل الخوف خوف السبة بذلك والعار حتى قال من قال: لولا أن يقال إني ما أسلمت إلا جزعاً من الموت فيسب بذلك بني من بعدي لأسلمت. بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا عند خوف الغرق في ذلك، وأعجب منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء، لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم من أعظم الشنع، فقال دالاً بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم: {فلما نجّاهم} أي خلصهم رافعاً لهم، تنجية لهم عظيمة بالتدريج من تلك الأهوال {إلى البر} نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين، وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين {فمنهم} أي تسبب عن نعمة الإنجاء وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم {مقتصد} متكلف للتوسط والميل للإقامة على الطريق المستقيم، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار، وهم قليل - بما دل عليه التصريح بالتبعيض، ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب الحياة في التصريح بذلك،
(15/208)

وهو الأكثر - كما مضت الإشارة إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض، وما يقتصد إلا كل صبار شكور، إما حالاً وإما مالاً {وما يجحد} وخوّف الجاحد بمظهر العظمة التي من شأنها الانتقام، فقال صارفاً القول إليه: {بآياتنا} أي ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها {إلا كل ختار} أي شديد الغدر عظيمه لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف {كفور *} أي عظيم الكفر لإحسان من هو متقلب في نعمه، في سره وعلنه، وحركاته وسكناته، ولا نعمة إلا وهي منه، ومن هنا جاءت المبالغة في الصفتين، وعلم أنهما طباق ومقابلة لختام التي قبلها، وأن الآية من الاحتباك: دل ذكر المقتصد أولاً على «ومنهم جاحد» ثانياً، وحصر الجحود في الكفور ثانياً على حصر الاقتصاد في الشكور أولاً، قال البغوي: قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب رضي الله عنه عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف - يعني: فقال الركاب على عادتهم: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئاً - فقال عكرمة رضي الله عنه: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح، فرجع عكرمة رضي الله عنه إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، وقال
(15/209)

مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، وقال الكلبي: مقتصد في القول أي من الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولاً وأعلى في الافتراء من بعض.
(15/210)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
ولما ظهرت بما ذكر في هذه السورة دقائق الحكمة، وانتشرت في الخافقين ألوية العظمة ونفوذ الكلمة، وأعربت ألسن القدرة عن دلائل الوحدانية، فلم تدع شيئاً من العجمة، فظهر كالشمس أنه لا بد من الصيرورة إلى يوم الفصل وختم بالمكذب، أمر سبحانه عباده عامة عاصيهم ومطيعهم بالإقبال عليه، وخوّفهم ما هم صائرون إليه، منادياً لهم بأدنى أوصافهم لما لهم من الذبذبة كما عرف به الحال الذي شرح آنفاً فقال: {يأ أيها الناس} أي عامة، ولفت الكلام إلى الوصف المذكر بالإحسان ترغيباً وترهيباً فقال: {اتقوا ربكم} أي والذي لا إله لكم غيره، لأنه لا محسن إليكم غيره، اتقاء يدوم وأنتم في غاية الاجتهاد فيه، لا كما فعلتم عند ما رأيتم من أهوال البحر.
ولما كانت وحدة الأله الملك توجب الخوف منه، لأنه لا مكافئ له، وكان أن عهد منه أنه لا يستعرض عبادة لمجازاتهم على
(15/210)

أعمالهم لا يخشى كما يخشى إذا علم منه أن يستعرضهم قال: {واخشوا يوماً} لا يشبه الأيام، ولا يعد هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئاً بوجه.
ولما كان المجرم إذا علم أن له عند الملك من يدفع عنه فتر ذلك من خوفه، وكان ما بين الوالد والولد من الحنو والشفقة والعطف والرحمة الداعية إلى المحاماة والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين غيرهما، فإذا انتفى إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال: {لا يجزي} أي يغني فيه، ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم دائماً إلا أنه سبحانه أقام في هذه الدار أسباباً ستر قدرته بها، فصار الجاهل يحيل الأمر ويسنده إليها، وأما هناك فتزول الأسباب، وينجلي غمام الارتياب، ويظهر اختصاص العظمة برب الأرباب.
ولما كانت شفقة الوالد - مع شمولها لجميع أيام حياته - أعظم فهو يؤثر حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل بنفسه الآلام والأموال بدأ به فقال: {والد} كائناً من كان {عن ولده} أي لا يوجد منه ولا يتجدد في وقت من الأوقات نوع من أنواع الجزاء
(15/211)

وإن تحقق أن الولد منه، والتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد، وتجدد عنده العطف والرقة، والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي وآكد، وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده.
ولما كان الولد لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد بلوغه، أخره في عبارة دالة على ثبات السلب العام فقال: {ولا مولود} أي مولود كان {هو جاز عن والده} وإن علم أنه بعضه {شيئاً} من الجزاء، وفي التعبير ب «هو» إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه، ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا وجد الشرط، وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدناً لما لأبيه عليه من الحقوق، والفعل يطلق على من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ اشتقاقه، فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع عنه، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه، وذلك كما أن الملك لو خاط صح أن يقول في تلك الحال: أنه يخيط، ولا يصح «خياط» لأن ذلك ليس من صنعته، ولا من شأنه.
ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول: هل هذا اليوم كائن
(15/212)

حقاً؟ أجيب هذا السؤال بقوله مؤكداً لمكان إنكارهم، لأفتاً القول إلى الاسم الأعظم لاقتضاء الوفاء له: {إن وعد الله} الذي له جميع معاقد العز والجلال {حق} يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله، وعظيم قدرته وكماله، فكيف يجوز أن يقع في وهم فضلاً عن أوهامكم أن يخلفه مع أن أدناكم - أيها العرب كافة - لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار، وعانى فيه الشدائد الكبار، فلما ثبت أمره، وكان حبهم لسجن هذا الكون المشهود ينسيهم ذلك اليوم، لما جعل سبحانه في هذا الكون من المستلذات، تسبب عنه قوله: {فلا تغرنكم} مؤكداً لعظم الخطب {الحياة الدنيا} أي بزخرفها، ولا ما يبهج من لا تأمل له من فاني رونقها، وكرر الفعل والتأكيد إشارة إلى أن ما لهم من الألف بالحاضر مُعم لهم عما فيه من الزور، والخداع الظاهر والغرور، فقال مظهراً غير مضمر لأجل زيادةً التنبيه والتحذير: {ولا يغرنكم بالله} الذي لا أعظم منه ولا مكافئ له مع ولايته لكم {الغرور *} أي الكثير الغرور
(15/213)

المبالغ فيه، وهو الشيطان الذي لا أحقر منه، لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها، ويلهيكم به من تعظيم قدرها، وينسيكموه من كيدها وغدرها، وتعبها وشرها، وأذاها وضرها، فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم، فلا تعدونه معاداً، فلا تتخذون له زاداً، لما اقترن بغروره من حلم الله وإمهاله، قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرة أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة.
ولما كان من الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك اليوم يسأل عن وقته كما مضى في غير آية، ويأتي في آخر التي بعدها، إنا تعنتاً واستهزاء وإما حقيقة، أجاب عن ذلك ضاماً إليه أخواته من مفاتيح الغيب المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي، لما في ذلك من الحكمة التي سقيت لها السورة، مرتباً لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق، فقال مؤكداً لما يعتقدون في كهانهم مظهراً الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء المقام له: {إن الله} أي بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال {عنده} أي خاصة، ولو قيل له مثلاً ما أفاد الحضور، ولو قيل «لديه» لأوهم التعبير بلدي
(15/214)

التي هي للحضور أن ذلك كناية عن قربها جداً، وأوهم أن علمه تعالى يتفاوت تعلقه بالأشياء بخصوص أو عموم لأجل أن «لدى» أخص من عند فكانت عند أوفق للمراد، فإنها أفادت التمكن من العلم مع احتمال تأخرها وسلمت من تطرق احتمال فاسد إليها {علم الساعة} أي وقت قيامها، لا علم لغيره بذلك أصلاً.
ولما كان سبحانه قد نصب عليها أمارات توجب ظنوناً في قربها، وكشف بعض أمرها، عبر تعالى بالعلم، ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها، وكانت أبعد الخمس عن علم الخلق، وكانت شيئاً واحداً لا يتجزى {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت على طريق الحصر، وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ينفتح به من العلوم ما يجل عن الحصر عن قيام الأنفس بأبدانها، ماثلة على مذاقها بجميع أركانها، وأشكالها وألوانها، وسائر شأنها، وطيران الأرواح بالنفخ إليها واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم، وتغاير صورهم وأطوالهم، وتباين ألسنتهم وأعمالهم، إلى غير ذلك من الأمور، وعجائب المقدور، ثم سعيهم إلى الموقف ثم وقوفهم، ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين، هذا إلى موجهم
(15/215)

من شدة الزحام، والكروب العظام بعضاً في بعض. يطلبون من يشفع لهم في الحساب حتى يقوم المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون إلى انتقاض السماوات، وانكدار ما فيها من النيرات، ونزول الملائكة بعد قيامهم من منامهم، وهم من لا يحصى أهل سماء منهم، كثرة، كيف وقد أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي هذا إلى تبدل الأراضي وزوال الجبال، ونسف الأبنية والروابي والتلال، وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه.
{المفتاح الثاني} : آية الله في خلقه على قيام الساعة، وأدل الأدلة عليه وهو إنزال المطر الذي يكشف عن الاختلاط في أعماق الأراضي بالتراب الذي كان نباتاً ثم إعادته نبتاً كما كان من قبل على اختلاف ألوانه، ومقاديره وأشكاله، وأغصانه وأفنانه، وروائحه وطعومه، ومنافعه وطبائعه - إلى غير ذلك من شؤونه، وأحواله وفنونه، التي لا يحيط بها علماً إلا خالقها ومبدعها وصانعها.
ولما كانوا ينسبون الغيث إلى الأنواء أسند الإنزال إليه سبحانه ليفيد الامتنان، وعبر بالجملة الفعلية للدلالة على التجدد فقال: {وينزل الغيث} بلام الاستغراق القائمة مقام التسوير ب «كل»
(15/216)

وقد أفاد ذلك الاختصاص بالعلم بوقته ومكانه ومقداره وغير ذلك من شؤونه، فإن من فعل شيئاً حقيقة لم يعلم أحد وقت فعله وقوعه إلا من قبله.
{المفتاح الثالث} : علم الأجنة وهو الرتبة الثانية في الدلالة على البعث الكاشف عن تخطيطها وتصويرها، وتشكيلها وتقديرها، على وصفي الذكورة والأنوثة، مع الوضوح أو الإشكال، والوحدة أو الكثرة، والتمام أو النقص - إلى ما هناك من اختلاف المقادير والطبائع، والأخلاق والشمائل، والأكساب والصنائع، والتقلبات في مقدار العمر والرزق في الأوقات والأماكن - وغير ذلك من الأحوال التي لا يحصيها إلا بارئ النسم، ومحيي الرمم. ولما كانت للخلق في ذلك لكثرة الملابسات والمعالجات ظنون في وجود الحمل أولاً، ثم في كونه ذكراً أو أنثى ثانياً، ونحو ذلك بما ضرب عليه من الأمارات الناشئة عن طول التجارب، وكثرة الممارسة، عبر العلم فقال: {ويعلم ما في الأرحام} من ذكر أو أنثى حي أو ميت وغير ذلك، وصيغة المضارع لتجدد الأجنحة شيئاً فشيئاً وقتاً بعد وقت، والكلام في اللام والاختصاص
(15/217)

بالعلم كالذي قبله سواء.
{المفتاح الرابع} : الكسب الناشئ عما في الأرحام الفاتح لكنوز السعادة وآفات الشقاوة والمسفر عن حقائق الضمائر في صدقها عند البلاء وكذبها، وعن مقادير العزائم ورتب الغرائز، وعن أحوال الناس عند ذلك في الصداقة والعداوة والذكاء والغباوة والصفاء والكدر والسلامة والحيل، وغير ذلك من الصحة والعلل، في اختلاف الأمور، وعجائب المقدور، في الخيور والشرور، مما لا يحيط به إلا مبدعه، وغارزه في عباده وودعه، ولكون الإنسان - مع أنه ألصق الأشياء وألزمه له - لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته، عبر فيه بالدراية لأنها تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي - كما تقدم في سورة يوسف عليه السلام - أن مادة «درى» تدور على الدوران، ومن لوازمه إعمال الحيلة وإمعان النظر، فهي أخص من مطلق العلم فقال: {وما تدري نفس} أي من الأنفس البشرية وغيرها {ما} وأكد المعنى ب «ذا» وتجريد الفعل فقال: {ذا تكسب غداً} أي في المستقبل من خير أو شر بوجه من الوجوه، وفي نفي علم ذلك من العبد مع كونه ألصق الأشياء به دليل ظاهر على نفي علم ما قبله عنه لأنه أخفى منه، وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى، فصار على طريق الحصر،
(15/218)

وعلم أيضاً أنه لا يسند إلى العبد الأعلى طريق الكسب لأنه لو كان مخلوقاً له لعلمه قطعاً، فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا الوجه أيضاً.
{المفتاح الخامس} : مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي وطي سجل الأثر الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران، وعز وهوان، وما للروح من الاتصال بالجسد والرتبة في العلو والسفول، والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله وجمله وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه.
ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق جميع ما يمكله لكي يعلمه، عبر عنه عن الذي قبله فقال مؤكداً بإعادة النافي والمسند: {وما تدري} وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال: {نفس} أي من البشر وغيره {بأيّ أرض تموت} ولم يقل: بأي وقت، لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أدل دليل على جهله بموضوع
(15/219)

موته إذ علم به لبعد عنه ولم يقرب منه، وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ {إن الله عنده علم الساعة} الآية» ، وله عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال: «خمس لا يعلمهن إلا الله {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب} » - إلى آخر السورة، فقد دل الحديث قطعاً على أن الآية فيما ينفرد سبحانه وتعالى بعلمه، وقد رتبها سبحانه هذا الترتيب لما تقدم من الحكمة وعلم سر إتيانه بها تارة في جملة اسمية وتارة في فعلية، وتارة ليس فيها ذكر للعلم، وأخرى يذكر فيها، ويسند إليه سبحانه، ولكن لا على وجه الحصر، وتارة بنفي العلم من غيره فقط من غير إسناد للفعل إليه، وعلم سر قوله «بأيّ أرض» دون أيّ وقت، كما في بعض طرق الحديث.
ولما كان قد أثبت سبحانه لنفسه اختصاص العلم عن الخلق بهذه الأشياء، أثبت بعدها ما هو أعلم لتدخل فيه ضمناً فيصير مخبراً
(15/220)

بعلمه لها مرتين، فقال على وجه التأكيد لأنهم ينكرون بعض ما يخبر به، وذلك يستلزم إنكارهم لبعض علمه: {إنّ الله} أي المختص بأوصاف الكمال والعظمة والكبرياء والجلال {عليم} أي شامل العلم للأمور كلها، كلياتها وجزئياتها، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه على الغير في هذه الخمس تارة نصاً وأخرى بطريق الأولى أو باللازم، فانطبق الدليل على الدعوى - والله الموفق.
ولما أثبت العلم على هذا الوجه، أكده لأجل ما سيقت له السورة بقوله: {خبير} أي يعلم خبايا الأمور، وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها، كل عنده على حد سواء، فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده، لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم، باختلاف هذا النظام، على ما فيه من الإحكام، فقد انطبق آخر السورة - بإثباته الحكمة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة - على أولها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها، وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه لا سيما الإيقان بالآخرة، كان حكيماً خبيراً عليماً مهذباً مهدياً مقرباً علياً، فسبحانه من هذا كلامه، وتعالى كبرياؤه وعز مرامه، ولا إله غيره وهو اللطيف.
(15/221)

مقصودها إنذار الكفار بهذا الكتاب السار للأبرار بدخول الجنة والنجاة من النار، واسمها السجدة منطبق على ذلك بما دعغت إليه آيتها من الإخبات وترك الاستكبار، وكذا تسميتها بآلم تنزيل فإنه مشير إلى تأمل جميع السورة، فهو في غاية الوضوح في هذا المقصود) بسم الله (ذي الجلال والإكرام العزيز الغفار) الرحمن (بعموم الشارة والنذارة) الرحيم (الذي أسكن في قلوب أحبابه الشوق إليه والخشوع بين يديه) آلم (تقدم في البقرة وغيرها شيء من أسرار هذه الأحرف، ومما لم يسبق أنها إشارة إلى أن اله المحيط في علمهه وقدرته وكل شأنه أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد الفاتح الخاتم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بكتاب معجز دال بإعجازه على صحة رسالته، ووحدانية من أرسله، وعدله في العاصين، وفضله على المطيعين، وسرد سبحانه هذه الأحرف في أوائل أربع من هذه السور، فزادت على الطواسين بواحدة، وذلك بقدر العدد الذي يؤكد به، وزيادة مبدأ العدد إشارة إلى أن التكرير لم يرد به مطلق التأكيد، بل دوام التكرير،
(15/222)

إشارة إلى أن هذه المعاني يفي غاية الثبات لا انقطاع لها - والله الهادي.
ولما كانت المقصود في التي قبلها إثبات الحكمة لمنزل هذا الكتاب الذي هو بيان كل شيء الملزوم لتمام العلم وكمال الخبرة الذي ختمت به بعد أن أخبر أنه سبحانه مختص بعلم المفاتيح بعد أن أنذر بأمر الساعة، فثبت بذلك وما قبله أنه ما أثبت شيئا فقدر غيره من أهل الكتاب ولاغيرهم على نفيه، ولا نفي شيئا فقدر غيره على إثباته ولا إثبات شيء منه، كانت نتيجة ذلك أنه لا يكون شيء من الأشياء دقيقها وجليلها إلا يعلمه سبحانه وتعالى، وأجل ذلك إنزالا هذا الذكر الحكيم الذي فيه إثبات هذه العلوم مع شهادة العجز عن معارضته له بأنه من عند الله، فلذلك قال) تنزيل الكتاب (أيالجامع لكل هدى على ما ترون من التدريج من السماء) ولا ريب فيه) أي يفي كونه من السماء لأن نافي الريب وممطيه وهو الإعجاز معه لا ينفك عنه، فكل ما يقولونه مما يخالف ذلك تعنت أو جهل من غير ريب، حال كونه) من رب العالمين) أي الخالق لهم اللمدبر لمصالحهم، فلا يجوز في عقل ولا يخطر يفي بال ولا يقع يفي وهم ولا يتصور يفي خيال أنه يترك خلقه - وهو المدبر الحكيم -
(15/223)

من غير كتاب يكون سبب إبقائهم أو أن يصل شيء من كتابه إلى هذا النبي الكريم بغير أمره، فلا يتخيل أن شيئا من ليس بقول الله أن ثم لا يتخيل أنه كلامه تعالى ولكنه أخذه من بعض أهل الكتاب، لأن هذا يفعل مع ملك فكيف بملك الملوك، فكيف بمن هو عالم بالسر والجهر، محيط علمه بالخفي والجلي، فلو ادعى عليه أحد ما لم يأذن فيه لما أيده بالمعجزات.
ولما أقره على ذلك المدد المتطاولات، ولا سيما إعجاز، كل ما ينسبه إليه بالمعجزات، ويدعيه عليه، ما في آل عمران كمات كان أول لقمان غاية أول القرآن المطلق. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انطوت سورة الروم على ما قد أشير إليه من التنبيه بعجائب ما أودعه سبحانه وتعالى في عالم السماوات والأرض، وعلى ذكر الفطرة، ثم اتبعت بسورة لقمان تعريفا بأن مجموع تلك الشواهد من آيات الكتاب وشواهده ودلائله، وأنه قد هدى من شاء إلى سبيل الفطرة وإن لم يمتحنه بما امتحن به كثيرا ممن ذكر، فلم يغن عنه ودعى فلم يجب، وتكررت عليه الإنذارات فلم يصغ لها، لأن كل ذلك من الهدى والضلال واقع بمشيئته وسابق إرادته، واتبع سبحانه
(15/224)

ذلك بما ينبه المعغتبر على صحته فقلا: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) [لقمان: 11] فأعلم سبحانه أن الخلاص والسعادة يفي الاستسلام له ولما يقع من أحكامه، وعزى نبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وصبره بقوله: (ومن كفر فلا يحزنك كفره) [لقمان: 23] ثم ذكر تعالى لجأ الكل قهرا ورجوعا يحاكم اضطرارهم لوضوح الأمر إليه تعالى فقال: (وائن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله (ثو وعظ تعالى الكل بقوله) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) أي إن ذلك لا يشق عليه سبحانه وتعالى ولا يصعب، والقليل والكثير سواء، ثم نبه بما يبين ذلك من إيلاج الليل يفي النهار والنهار قي الليل وجريان الفلك بنعمته) ذلك بأن الله هو الحق (، ثم أكد ما تقدم من رجوعهم يفي الشدائد إليه فقال: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصبن له الدين (فإذا خلصهم سبحانه وتعالة ونجاهم عادوا إلى سيئ أحوالهم، هذا وقد عاينوا رفقه بهم وأخذه عند الشدائد بأيديهم وقد اعترفوا بأنه خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر، وذلك شاهد من حالهم بجريانهم على ما قدر لهم ووقوفهم عند حدود، السوابق) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى (ثم عطف سبحانه على الجميع فدعاهم إلى تقواه، وحذرهم يوم المعاد وشدته، وحذرهم من الاغترار، وأعلمهم أنه المتفرد بعلم الساعة،
(15/225)

وإنزال الغيث، وعلم ما في الأرحام، وما يقع من المكتسبات، وحيث يموت كل من الخلوقات، فلما كانت سورة لقمان - بما بين من مضمنها - محتوية من التنبيه والتحريك على ما ذكر، ومعلمة بانفراده سبحانه بخلق الكل وملكهم ن اتبعها تعالى بما يحكم بتسجيل صحة الكتاب، وأنه من عنده وأن ما انطوى عليه من الدلائل والبراهين يرفع كل ريب، ويزيل كل شك،
(15/226)

الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)
{الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك} أي أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء وشواهده، ثم أتبع ذلك بقوله: {مالكم من دونه من ولي ولا شفيع} وهو تمام لقوله: {ومن يسلم وجهه إلى الله} ولقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ولقوله: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} ولقوله: {اتقوا ربكم ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} بما ذكرتم، ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته، فما لكم بعد التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات تتوقفون عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم، ولجأتم إليه عند احتياجكم؟ ثم أعلم نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع، ولا تغني عنه إجابة،
(15/226)

ثم اعلم سبحانة ان الواقع منهم انما هو بارادتة وسابق من حكمة لياخذ الموفق الموقن نفسة بالتسليم فقال: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} كما فعلنا بلقمان ومن أردنا توفيقه، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق فقال: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين، ثم أتبع ذلك بسوء حال من ذكر فأعرض فقال: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها} وتعلق الكلام إلى آخر السورة - انتهى.
ولما كان هذا الذي قدمه أول السورة على هذا الوجه برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً على أن هذا الكتاب من عند الله، كان - كما حكاه البغوي والرازي في اللوامع - كأنه قيل: هل آمنوا به؟ {أم يقولون} مع ذلك الذي لا يمترئ فيه عاقل {افتراه} أي تعمد كذبه.
ولما كان الجواب: إنهم ليقولون: افتراه، وكان جوابه: ليس هو مفتري لما هو مقارن له من الإعجاز، ترتب عليه قوله: {بل هو الحق} أي الثابت ثباتاً لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله، كائناً {من ربك} المحسن إليك بإنزاله وإحكامه، وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم
(15/227)

حقيقته حق الفهم سواه.
ولما ذكر سبحانه إحسانه إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صريحاً، أشار بتعليله إلى إحسانه به أيضاً إلى كافة العرب، فقال مفرداً النذارة لأن المقام له بمقتضى ختم لقمان: {لتنذر قوماً} أي ذوي قوة جلد ومنعة وصلاحية للقيام بما أمرهم به {ما أتاهم من نذير} أي رسول في هذه الإزمان القريبة لقول ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الفترة، ويؤيده إثبات الجار في قوله: {من قبلك} أي بالفعل شاهدوه أو شاهده آباؤهم. وإما بالمعنى والقوة فقد كان فيهم دين إبراهيم عليه السلام إلى أن غيّره عمرو بن لحي، وكلهم كان يعرف ذلك وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يعبد صنماً ولا استقسم بالأزلام، وذلك كما قال تعالى:
{وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] أي شريعته ودينه، والنذير ليس مخصوصاً بمن باشر - نبه على ذلك أبو حيان. ويمكن أن يقال: ما أتاهم من ينذرهم على خصوص ما غيروا من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأما إسماعيل ابنه عليه السلام فكان بشيراً لا نذيراً، لأنهم ما خالفوه، وأحسن من ذلك كله ما نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل أن ذلك
(15/228)

في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه قد نقل عيسى عليه السلام لما أرسل رسله إلى الآفاق أرسل إلى العرب رسولاً.
ولما ذكر علة الإنزال، أتبعها علة الإنذار فقال: {لعلهم يهتدون*} أي ليكون حالهم في مجاري العادات حال من ترجى هدايته إلى كمال الشريعة، وأما التوحيد فلا عذر لأحد فيه بما أقامه الله من حجة العقل مع ما أبقته الرسل عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من واضح النقل بآثار دعواتهم وبقايا دلالاتهم، ولذلك قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن سأله عن أبيه: «أبي وأبوك في النار» وقال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين مضوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما تدحرج الجعل خير منهم» في غير هذا من الأخبار القاضية بأن كل من مات قبل دعوته على الشرك فهو للنار.
(15/229)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)
ولما تقرر بما سبق في التي قبلها من اتصافه تعالى بكمال العلم أنه من عنده وبعلمه لا محالة، وكان هذا أمراً يهتم بشأنه ويعتني بأمره، لأنه عين المقصود الذي ينبني عليه أمر الدين، وختم ما ذكره من أمره ههنا بإقامة اهتدائهم مقام الترجي بإنذاره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
(15/229)

أتبعه بيان ذلك بإيجاد عالم الأشباح والخلق ثم عالم الأرواح والأمر، وإحاطة العلم بذلك كله على وجه يقود تأمله إلى الهدى، فقال مستأنفاً شارحاً لأمر يندرج فيه إنزاله معبراً بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على وجه الانفراد له: {الله} أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده: {الذي خلق السماوات} كلها {والأرض} بأسرها {وما بينهما} من المنافع العينية والمعنوية.
ولما كانت هذه الدار مبنية على حكمة الأسباب كما أشير إليه في لقمان، وكان الشيء إذا عمل بالتدرج كان أتقن، قال: {في ستة أيام} كما يأتي تفصيله في فصلت، وقد كان قادراً على فعل ذلك في أقل من لمح البصر، ويأتي في فصلت سر كون المدة ستة.
ولما كان تدبير هذه وحفظه وتعهد مصالحه والقيام بأمره أمراً - بعد أمر إيجاده - باهراً، أشار إلى عظمته بأداة التراخي والتعبير بالافتعال فقال: {ثم استوى على العرش} أي استواء لم يعهدوا مثله وهو أنه أخذ في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه، لا شريك له ولا نائب عنه ولا وزير، كما تعهدون من ملوك الدنيا إذا اتسعت ممالكهم، وتباعدت أطرافها، وتناءت أقطارها، وهو معنى قوله تعالى استئنافاً جواباً لمن كأنه قال: العرش بعيد عنا جداً فمن استنابه في أمرنا، ولذلك لفت الكلام إلى الخطاب لأنه اقعد
(15/230)

في التنبيه: {مالكم من دونه} لأنه كل ما سواء من دونه وتحت قهره، ودل على عموم النفي بقوله: {من ولي} أي يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما تنذرون به {ولا شفيع} يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذنه، وهو كناية عن قربه من كل شيء وإحاطته به، وأن إحاطته بجميع خلقه على حد سواء لا مسافة بينه وبين شيء أصلاً.
ولما كانوا مقرين بأن الخلق خلقه والأمر أمره، عارفين بأنه لا يلي وال من قبل ملك من الملوك إلا بحجة منه يقيمها على أهل البلدة التي أرسل إليها أو ناب فيها، ولا يشفع شفيع فيهم إلا وله إليه وسيلة، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في قوله: {أفلا تتذكرون} أي تذكراً عظيماً بما أشار إليه الإظهار ما تعلمونه من أنه الخالق وحده، ومن أنه لا حجة لشيء مما أشركتموه بشيء مما أهلتموه له ولا وسيلة لشيء منهم إليه يؤهل بها في الشفاعة فيكم ولا أخبركم أحد منهم بشيء من ذلك، فكيف تخالفون في هذه الأمور التي هي أهم المهم، لأن عاقبتها خسارة الإنسان نفسه، فضلاً عما دونها عقولكم وما جرت به عوائدكم، وتتعللون فيها المحال، وتقنعون بقيل وقال،
(15/231)

وتخاطرون فيه بالأنفس والأولاد والأموال.
ولما نفى أن يكون له شريك أو وزير في الخلق، ذكر كيف يفعل في هذا الملك العظيم الذي أبدعه في ستة أيام من عالم الأرواح والأمر، فقال مستأنفاً مفسراً للمراد بالاستواء: {يدبر الأمر} أي كل أمر هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل الناظر في أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه، كما نظر في إقباله لإحكام فواتحه وعوازمه، لا يكل شيئاً منه إلى شيء من خلقه، قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن استواءه على العرش بمعنى إظهار القدرة، والعرش مظهر التدبير لا قعر المدبر.
ولما كان المقصود للعرب إنما هو تدبير ما تمكن مشاهدتهم له من العالم قال مفرداً: {من السماء} أي فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ينظر في أدبار ما يعلمه {إلى الأرض} غير متعرض إلى ما فوق ذلك، على أن السماء تشمل كل عال فيدخل جميع العالم.
ولما كان الصعود أشق من النزول على ما جرت به العوائد، فكان بذلك مستبعداً، أشار إلى ذلك بقوله: {ثم يعرج} أي يصعد
(15/232)

الأمر الواحد - وهو من الاستخدام الحسن - إليه، أي بصعود الملك إلى الله، أي إلى المواضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى: {إني ذاهب إلى ربي} [الصافات: 99] {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} [النساء: 100] ونحو ذلك، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير وهو السماء وكأنه صاعد في معارج، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم، في أسرع من لمح البصر {في يوم} من أيام الدنيا {كان مقداره} لو كان الصاعدين واحداً منكم على ما تعهدون {ألف سنة مما تعدون} من سنيكم التي تعهدون، والذي دل على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ، أما اللفظ فالتعبير ب «كان» مع انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك، وأما العرف فهو أن الإنسان المتمكن يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلاً، فإذا فرّغه صعد إليه خادمه إلى أعلاه في أقل من درجتين من درج الرمل، فلا تكون نسبة ذلك من زمن بنائه إلا جزءاً لا يعد، هذا وهو خلق محتاج فما ظنك بمن خلق الخلق في ستة أيام وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء وظاهر العبارة أن هذا التقدير بالألف لما بين السماء والأرض بناء على أن البداية والغاية لا يدخلان، فإذا أردنا تنزيل هذه الآية على أية سأل أخذنا
(15/233)

هذا بالنسبة إلى صعود أحدنا مستوياً لو أمكن، وجعلت الأرض واحدة في العدد، وأول تعددها كما قيل باعتبار الأقاليم، وزيد عليه مقدار ثخن السماوات وما بينهما، وزيد على المجموع مثل نصفه لمسافة الانحناء في بناء الدرج والتعريج الذي هو مثل محيط الدائرة بالوتر الذي قسمها بنصفين ليمكن الصعود منا، وهو مقدار نصف مسافة الاستواء وشيء يسير، لأنك إذا قسمت دائرة بوتر كان ما بين رأسي الوتر من محيط نصف الدائرة بمقدار ذلك الوتر مرة ونصفاً سواء يزاد عليه يسير لأجل تعاريج الدرج، فإذا فعلنا ذلك كان ما بين أحد سطحي الكرسي المحدب وما يقابله من السطح الآخر بحسب اختراقه من جانبيه واختراق أطباق السماوات السبع: الأربعة عشر، اثنين وثلاثين ألف سنة، لأنه يخص كل سماء ألفان، لأنه فهم من هذا السياق أن من مقعر السماء إلى سطح الأرض الذي نحن عليه سيرة ألف سنة وبعد ما بين كل سمائين كبعد ما بين السماء والأرض، وثخن كل سماء كذلك، فيكون بعد ما بين أحد سطحي الأرض إلى سطح الكرسي الأعلى ستة عشر ألف سنة، وبعد ما بين سطح الأرض إلى أعلى سطح الكرسي
(15/234)

من الجانب الآخر كذلك، ثم يزاد على المجموع وهو اثنان وثلاثون ألف سنة مسافة ثخن الأرض وهي ألف سنة ليكون المجموع ثلاثة وثلاثين ألف سنة يزاد عليه ما للتعريج، وهو نصف تلك المسافة وشيء يكون سبعة عشر ألف سنة، فذلك خمسون ألف سنة، وإنما جعلت سطح الكرسي الأعلى النهاية، لأن العادة جرت أن لا يصعد إلى عرش الملك غيره، وأن الأطماع تنقطع دونه، بل ولا يصعد إلى كرسيه، وسيأتي اعتبار ذلك في الوجه الأخير، وإن قلنا: إن الأراضي سبع على أنها كرات مترتبة متعالية غير متداخلة، وأدخلنا العرش في العدد فنقول: إنه مع الكرسي والسماوات تسعة، فجانباها الحيطان بالأرض ثماني عشرة طبقة، والأراضي سبع، فتلك خمس وعشرون طبقة، فكل واحدة - مع ما بينها وبين الأخرى على ما هو ظاهر الآية - ألفان، فضعف هذا العدد، فيكون خمسين ألفاً، وهذا الوجه أوضح الوجوه وأقربها إلى مفهوم الآية، ولا يحتاج معه إلى زيادة لأجل انعطاف الدرج، ويجوز أن نقول: إن السر - والله أعلم -
(15/235)

في جعل ما مسيرته خمسمائة سنة - كما في الحديث - ألف سنة لأجل التعريج، والحديث ليس نصاً في سير معين حتى يتحامى تأويله بل قد ورد بألفاظ متغايرة منها خسمائة ومنها اثنتان وسبعون سنة ومنها إحدى وسبعون إلى غير ذلك فلا بد أن يحمل كل لفظ على سير فنقول: الخمسمائة للصاعد في درج مستقيم كدرج الدقل مثلاً، والاثنان وسبعون لسير الطائر والألف كما في الآية لدرج منعطف، ويدل عليه ما رواه الترمذي - وقال: إسناده حسن - عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها» ، أو تقول: إن الألف لجملة التدبير بالنزول والعروج - والله أعلم، وإن جعلنا البداية داخلة فتكون الألف من سطح الأرض الذي نحن عليه إلى محدب السماء لتتفق الآية مع الحديث القائل بأن بين الأرض والمساء خمسمائة سنة، وثخن السماء كذلك،
(15/236)

وكذا بقية السماوات والعرش، أدخلنا العرش في العدد وقلنا: إن الأراضي سبع متداخلة كالسماوات، كل واحدة منها في التي تليها، فالتي نحن فيها أعلاها محيطة بها كلها، فهي بمنزلة العرش للسماوات، فتكون السماوات السبع من جانبيها بأربعة عشر ألفاً والأراضي كذلك فذلك ثمانية وعشرون ألفاً والعرش والكرسي من جانبيها بأربعة فذلك اثنان وثلاثون ألفاً يضاف إليها ما يزيد انحناء المعارج الذي يمكن لنا معه العروج، وهو نصف مسافة الجملة وشيء، فالنصف ستة عشر ألفاً، ونجعل الشيء الذي لم يتحرر لنا ألفين، فذلك ثمانية عشر ألفاً إلى اثنين وثلاثين، فالجملة خمسون ألفاً ويمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى السماوات مع الأراضي، والكل متطابقة متداخلة، فتلك ثمان وعشرون طبقة من سطح السماء السابعة الأعلى إلى سطحها الأعلى من الجانب الآخر، فذلك ثمانية وعشرون - ألف سنة، لكل جرم خمسمائة، ولما بينه وبين الجرم الآخر كذلك فذلك ألف فضعفه بالنسبة إلى الهبوط والصعود فيكون ستة وخمسين ألفاً حسب منه خمسون ألفاً والغى الكسر، لكن هذا الوجه مخالف لظاهر الآية التي في سورة سأل، وهي قوله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه في
(15/237)

يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} [المعارج: 5] فإنه ليس فيها ذكر الهبوط والله أعلم. وكل من هذه الوجوه أقعد مما قاله البيضاوي في سورته سأل، وأقرب للفهم العرف، فإن كان ظاهر حاله أنه جعل الثمانية عشر ألفاً من أعلى سرادقات العرش إلى أعلى سرادقاته من الجانب الآخر ولا دليل على هذا ولا عرف يساعد في صعود الخدم إلى أعلى السرادق، وهو الأعلى منه، والعلم عند الله تعالى، وروى إسحاق بن راهويه عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما بين سماء الدنيا إلى الأرض خمسمائة سنة، وما بين كل سماء إلى التي تليها خمسمائة سنة إلى السماء السابعة، والأرض مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك» واعلم أن القول بأن الأراضي سبع هو الظاهر لظاهر قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن}
[الطلاق: 12] ويعضده ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من ظلم قدر شبر من الأرض طوقه الله من
(15/238)

سبع أرضين» ، وفي رواية للبغوي: خسف به إلى سبع أرضين، وروى ابن حبان في صحيحه عن ابن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن المؤمن إذا حضره الموت - فذكره إلى أن قال: وأما الكافر إذا قبضت نفسه ذهب به إلى الأرض فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، فيبلغ بها إلى الأرض السفلى» - قال المنذري: وهو عند ابن ماجه بسند صحيح، ويؤيد من قال: إنها متطابقة متداخلة كالكرات وبين كل أرضين فضاء كالسماوات ما روى الحاكم وصححه عند عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الأرضين بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، فالعليا منها على ظهر حوت» إلى آخره، وهو في آخر الترغيب للحافظ المنذري في آخر أهوال القيامة في سلاسلها وأغلالها، وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث عن مجاهد رحمه الله أنه قال: إن الحرم حرم مناه من السماوات السبع والأرضين السبع، وأنه رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت لو سقطت لسقط بعضها على بعض - مناه يعني قصده وحذاءه،
(15/239)

وفي مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي أن الإمام أحمد روى من طريق الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه إذا مرت سحابة فقال: هل تدرون ما هذه؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: العنان وزوايا الأرض يسوقه الله إلى من لا يشكره، ولا يدعوه، أتدرون ما هذه فوقكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: الرفيع موج مكفوف، وسقف محفوظ، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: أتدرون ما الذي فوقها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: سماء أخرى، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة خمسمائة عام - حتى عد سبع سماوات ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: والعرش، قال: أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: ما هذه تحتكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال:
(15/240)

أرض قال: أتدرون ما تحتها؟ قلنا الله ورسوله أعلم! قال: أرض أخرى، أتدرون كم بينهما؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبعين أرضين، ثم قال: وأيم الله لو دليتم بحبل لهبط، ثم قرأ:
{هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] قال: رواه الترمذي غير أنه ذكر أن بين كل أرض والأرض الأخرى خمسمائة عام، وهنا سبعمائة، وقال في آخره: «لو دليتم بحبل لهبط على الله» ولعله أراد: على عرش الله أو على حكمه وعلمه وقدرته، يعني أنه في ملكه وقبضته ليس خارجاً عن شيء من أمره - والله أعلم، ورأيت في جامع الأصول لابن الأثير بعد إيراده هذا الحديث ما نصه قال أبو عيسى قراءة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآية تدل على أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه ويكون مؤيداً للقول بأنها كرات متطابقة متداخلة - والله أعلم - ما روى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاه» ولم يقل: كدرهم - مثلاً، وكذا
(15/241)

ما روى محمد بن أبي عمر وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه حديثاً طويلاً فيه ذكر الأنبياء، وفيه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «تدري ما مثل السماوات والأرض في الكرسي؟ قلت: لا إلا أن تعلمني مما علمك الله عز وجل، قال: مثل السماوات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وإن فضل الكرسي على السماوات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة» وأصله عند النسائي والطيالسي وأبي يعلى، وكذا ما روى صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما السماوات السبع في عظمة الله إلا كجوزة معلقة» ، وقوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] يدل على أن الكرسي محيط بالكل من جميع الجوانب وقوله تعالى: {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33] صريح في ذلك، فإن النفوذ يستعمل في الخرق لا سيما مع التعبير ب «من» دون «في» ، وكذا قوله في السماء {ومالها من فروج} والله الموفق.
(15/242)

ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)
ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق، ثم عالم الأرواح والأمر، فدل ذلك على شمول القدرة، وكان شامل القدرة لا بد وأن يكون
(15/242)

محيط العلم، كانت نتيجته لا محالة: {ذلك} أي الإله العالي المقدار، الواضح المنار {عالم الغيب} الذي تقدمت مفاتيحه آخر التي قبلها من الأرواح والأمر والخلق.
ولما قدم علم الغيب لكونه، أعلى وكان العالم به قد لا يعلم المشهود لكونه لا يبصر قال: {والشهادة} من ذلك كله التي منها تنزيل القرآن عليك ووصوله إليك {العزيز} الذي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء. ولما كان ربما قدح متعنت في عزته بإهمال العصاة قال: {الرحيم} أي الذي خص أهل التكليف من عباده بالرحمة في إنزال الكتب على السنة الرسل، وأبان لهم ما ترضاه الإلهية، بعد أن عم جميع الخلائق بصفة الرحمانية بعد الإيجاد من الإعدام بالبر والإنعام.
ولما ذكر صفة الرحيمية صريحاً لأقتضاء المقام إياها، أشار إلى صفة الرحمانية فقال: {الذي أحسن كل شيء} ولما كان هذا الإحسان عاماً، خصه بأن وصفه - على قراءة المدني والكوفي - بقوله: {خلقه} فبين أن ذلك بالإتقان والإحكام، كما فسر ابن عباس رضي الله عنهما من حيث التشكيل والتصوير، وشق المشاعر، وتهيئة المدارك، وإفاضة
(15/243)

المعاني، مع المفاوتة في جميع ذلك، وإلى هذا أشار الإبدال في قراءة الباقين، وعبر بالحسن لأن ما كان على وجه الحكمة كان حسناً وإن رآه الجاهل القاصر قبيحاً.
ولما كان الحيوان أشرف الأجناس، وكان الإنسان أشرفه، خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية بالأنفس كما قام قبل بالآفاق، فقال دالاً على البعث: {وبدأ خلق الإنسان} أي الذي هو المقصود بالخطاب بهذا القرآن {من طين} أي مما ليس له أصل في الحياة بخلق آدم عليه السلام منه.
ولما كان قلب الطين إلى هذا الهيكل على هذه الصورة بهذه المعاني أمراً هائلاً، أشار إليه بأداة البعد في قوله: {ثم جعل نسله} أي ولده الذي ينسل أي يخرج {من سلالة} أي من شيء مسلول، أي منتزع منه {من ماء مهين} أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول، فعيل بمعنى مفعول، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله: {ثم سواه} أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني {ونفخ فيه من روحه} الروح ما يمتاز به الحي من
(15/244)

الميت، والإضافة للتشريف، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله.
ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم وانتفاعهم، لفت إليهم الخطاب قائلاً: {وجعل} أي بما ركب في البدن من الأسباب {لكم السمع} أي تدركون به المعاني المصوتة، ووحده لقلة التفاوت فيه إذا كان سالماً {والأبصار} تدركون بها المعاني والأعيان القابلة، ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة، وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر.
ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور، وأما العقل فإنما يحصل بالتدريج فلذا أخر محله فقال: {والأفئدة} أي المضغ الحارة المتوقدة المتحرفة، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أيّ تباين؛ قال الرازي في اللوامع: جعله - أي الإنسان - مركباً من روحاني وجسماني، وعلوي وسفلي، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده، واستجمع الكونين بعقله وحسه، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحياً قولياً، وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر
(15/245)

تسليماً اختيارياً طوعياً. ولما لم يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال: {قليلاً ما تشكرون *} أي وكثيراً ما تكفرون.
ولما كانوا قد قالوا: محمد ليس برسول، والإله ليس بواحد، والبعث ليس بممكن، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم، وختم بالتعجيب من كفرهم، وكان استبعادهم للبعث - الذي هو الأصل الثالث - من أعظم كفرهم، قال معجباً منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله: {أم يقولون افتراه} ، لافتاً عنهم الخطاب إيذاناً بالغضب من قولهم: {وقالوا} منكرين لما ركز في الفطر الأُوَل، ونبهت عليه الرسل، فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة: {أإذا} أي أنبعث إذا {ضللنا} أي ذهبنا وبطلنا وغبنا {في الأرض} بصيرورتنا تراباً مثل ترابها، لا يتميز بعضه من بعض: قال أبو حيان تبعاً للبغوي والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم: وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب. ثم كرروا
(15/246)

الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا: {إنا لفي خلق جديد} هو محيط بنا ونحن مظروفون له.
ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة، وكانوا يقرون بما يلزمهم منه الإقرار بالقدرة على البعث من خلق الخلق والإنجاء من كل كرب ونحو ذلك، أشار إليه بقوله: {بل} أي ليسوا بمنكرين لقدرته سبحانه، بل {هم بلقاء ربهم} المحسن بالإيجاد والإبقاء مسخراً لهم كل ما ينفعهم في الآخرة للحساب أحياء سويين كما كانوا في الدنيا، والإشارة بهذه الصفة إلى أنه لا يحسن بالمحسن أن ينغص إحسانه بترك القصاص من الظالم الكائن في القيامة {كافرون *} أي منكرون للبعث عناداً، ساترون لما في طباعهم من أدلته، لما غلب عليهم من الهوى القائد لهم إلى أفعال منعهم من الرجوع عنها الكبرُ عن قبول الحق والأنفة من الإقرار بما يلزم منه نقص العقل.
(15/247)

قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)
ولما ذكر استبعادهم، وأتبعه عنادهم، وكان إنكارهم إنما هو بسبب اختلاط الأجزاء بالتراب بعد إنقلابها تراباً، فكان عندهم من المحال تمييزها من بقية التراب. دل على أن ذلك عليه هين بأن نبههم على ما هو مقرّون به مما هو مثل ذلك بل أدق. فقال مستأنفاً: {قل} أي
(15/248)

جواباً لهم عن شبهتهم: {يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم كاملة من أجسادكم بعد أن كانت مختلطة بجميع أجزاء البدن، لا تميز لأحدهما عن الآخر بوجه تعرفونه بنوع حيلة {ملك الموت} ثم أشار إلى أن فعله بقدرته، وأن ذلك عليه في غاية السهولة، ببناء الفعل لما لم يسم فاعله فقال: {الذي وكل بكم} أي وكله الخالق لكم بذلك، وهو عبد من عبيده، ففعل ما أمر به، فإذا البدن ملقى لا روح في شيء منه وهو على حاله كاملاً لا نقص في شيء منه يدعي الخلل بسببه، فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده صرفه في ذلك فقام به على ما ترونه مع أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب لأنه ربما يستدل بعض الحذاق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه، فكيف يستبعد شيء من الأشياء على رب العالمين، ومدير الخلائق أجمعين؟ .
فلما قام هذا البرهان القطعي الظاهر مع دقته لكل أحد على قدرته التامة على تمييز ترابهم من تراب الأرض، وتمييز بعض تربهم من بعض، وتمييز تراب كل جزء من اجزائهم جل أو دق عن بعض. علم أن التقدير: ثم يعيدكم خلقاً جديداً كما كنتم أول مرة، فحذفه كما هو
(15/249)

عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره فعطف عليه قوله: {ثم إلى ربكم} أي الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ابتداء، لا إلى غيره، بعد إعادتكم {ترجعون} بأن يبعثكم كنفس واحدة فإذا أنتم بين يديه، فيتم إحسانه وربوبيته بأن يجازي كلاًّ بما فعل، كما هو دأب الملوك مع عبيدهم، لا يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملاً.
ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس، شرع يقص بعض أحوالهم عند ذلك، فقال عادلاً عن خطابهم استهانة بهم وإيذاناً بالغضب، وخطاباً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسلية له، أو لكل من يصح خطابه، عاطفاً على ما تقديره: فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وهناك أمور أيّ أمور، موقعاً المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي، لأنه لتحقق وقوعه كأنه قد كان، واختير التعبير به لترويح النفس بترقب رؤيته حال سماعه، تعجيلاً للسرور بترقب المحذور لأهل الشرور: {ولو ترى} أي تكون أيها الرائي من أهل الرؤية لترى حال المجرمين {إذ المجرمون} أي القاطعون لما أمر الله
(15/250)

به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ربهم {ناكسوا رؤوسهم} أي مطأطئوها خجلاً وخوفاً وخزياً وذلاً في محل المناقشة {عند ربهم} المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم، قائلين بغاية الذل والرقة: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {أبصرنا} ما كنا نكذب به {وسمعنا} أي منك ومن ملائكتك ومن أصوات النيران وغير ذلك ما كنا نستبعده، فصرنا على غاية العلم بتمام قدرتك وصدق وعودك {فارجعنا} بما لك من هذه الصفة المقتضية للإحسان، إلى دار الأعمال {نعمل صالحاً} ثم حققوا هذا الوعد بقولهم على سبيل التعليل مؤكدين لأن حالهم كان حال الشاك الذي يتوقف المخاطب في إيقانه: {إنا موقنون *} أي ثابت الآن لنا الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك مما كشف عنه العيان أي لو رأيت ذلك لرأيت أمراً لا يحتمله من هوله وعظمه عقل، ولا يحيط به وصف.
ولما لم يذكر لهم جواباً، علم أنه لهوانهم، لأنه ما جرأهم على العصيان إلا صفة الإحسان، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان، ولأن الإيمان لا يصح إلا بالغيب قبل العيان.
ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلالهم مع الإمعان في البيان، لعجز عن هدايتهم أو توان، قال عاطفاً على ما تقديره: إني لا أردكم لأني لم أضلكم في الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها، بل لأني لم أرد إسعادكم، ولو شئت لهديتكم، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها: {ولو شئنا} أي بما لنا من العظمة التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ملكنا ما لا نريد {لأتينا كل نفس} أي مكلفة لأن الكلام فيها {هداها} أي جعلنا هدايتها ورشدها وتوفيقها للإيمان وجميع ما يتبعه من صالح الأعمال في يدها متمكنة منها.
ولما استوفى الأمر حده من العظمة، لفت الكلام إلى الإفراد، دفعاً للتعنت وتحقيقاً لأن المراد بالأول العظمة فقال: {ولكن} أي لم أشأ ذلك لأنه {حق القول مني} وأنا من لا يخلف الميعاد، لأن الإخلاف إما لعجز أو نسيان أو حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي، أو يحل بساحتي، وأكد لأجل إنكارهم فقال مقسماً: {لأملان جهنم}
(15/251)

التي هي محل إهانتي وتجهم أعدائي بما تجهموا أوليائي {من الجنة} أي الجن طائفة إبليس، وكأنه أنثهم تحقيراً لهم عند من يستعظم أمرهم لما دعا إلى تحقيرهم من مقام الغضب وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم {والناس أجمعين *} حيث قلت لإبليس: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 85] فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختياراً، وغيبت العاقبة عنهم، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهراً، والخلق في الحقيقة والمشيئة لي.
(15/252)

فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)
ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص عن عذابهم، قال مجيباً لترققهم إذ ذاك نافياً لما قد يفهمه كلامهم من أنه محتاج إلى العبادة: {فذوقوا} أي ما كنتم تكذبون به منه بسبب ما حق معي من القول {بما} أي بسبب ما {نسيتم لقاء يومكم} وأكده وبين لهم بقوله: {هذا} أي عملتم - في الإعراض عن الاستعداد لهذا الموقف الذي تحاسبون فيه ويظهر فيه العدل - عمل الناسي له مع أنه مركوز في طباعكم أنه لا يسوغ لذي علم وحكمة أن يدع عبيده
(15/252)

يمرحون في أرضه ويتقلبون في رزقه، ثم لا يحاسبهم على ذلك وينصف مظلومهم، فكان الإعراض عنه مستحقاً لأن يسمى نسياناً من هذا الوجه أيضاً ومن جهة أنه لما ظهر له من البراهين، ما ملأ الأكوان صار كأنه ظهر، وروي ثمّ نسي. ثم علل ذوقهم لذلك أو استانف لبيان المجازاة به مؤكداً في مظهر العظمة قطعاً لأطماعهم في الخلاص، ولذا عاد إلى مظهر العظمة فقال: {إنا نسيناكم} أي عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي، فأوردنا النار كما أقسمنا أنه ليس أحد إلا يردها، ثم أخرجنا أهل ودنا وتركناكم فيها ترك المنسي.
ولما كان ما تقدم من أمرهم بالذوق مجملاً، بينه بقوله مؤكداً له: {وذوقوا عذاب الخلد} أي المختص بأنه لا آخر له. ولما كان قد خص السبب فيما مضى، عم هنا فقال: {بما كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعملون *} من أعمال من لم يخف أمر البعث ناوين أنكم لا تنفكون عن ذلك.
ولما كان قوله تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} قد أشار إلى أن الحامل لهم على الكفر الكبر، وذكر سبحانه أنه قسم الناس قسمين
(15/253)

لأجل الدارين، تشوفت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ذكرت علامة أهل الكفران، فقال معرفاً أن المجرمين لا سبيل إلى إيمانهم {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] : {إنما يؤمن بآياتنا} الدالة على عظمتنا {الذين إذا ذكروا بها} من أيّ مذكر كان، في أيّ وقت كان، قبل كشف الغطاء وبعده {خروا سجداً} أي بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد، خضعاً لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم له خضوعاً ثابتاً دائماً {وسبحوا} أي أوقعوا التنزيه عن كل شائبة نقص من ترك البعث المؤدي إلى تضييع الحكمة ومن غيره متلبسين {بحمد} ولفت الكلام إلى الصفة المقتضية لتنزيههم وحمدهم تنبيهاً لهم فقال: {ربهم} أي بإثباتهم له الإحاطة بصفات الكمال، ولما تضمن هذا تواضعهم، صرح به في قوله: {وهم لا يستكبرون} أي لا يجددون طلب الكبر عن شيء مما دعاهم إليه الهادي ولا يوجدونه خلقاً لهم راسخاً في ضمائرهم.
ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل، نفى ذلك عنهم بقوله مبيناً بما تضمنته الآية السالفة من خوفهم: {تتجافى} أي ترتفع ارتفاع مبالغ في الجفاء - بما أشار إليه الإظهار، وبشر بكثرتهم بالتعبير
(15/254)

بجمع الكثرة فقال: {جنوبهم} بعد النوم {عن المضاجع} أي الفرش الموطأة الممهدة التي هي محل الراحة والسكون والنوم، فيكونون عليها كالملسوعين، لا يقدرون على الاستقرار عليها، في الليل الذي هو موضع الخلوة ومحط اللذة والسرور بما تهواه النفوس، قال الإمام السهروردي في الباب السادس والأربعين من عوارفه عن المحبين: قيل: نومهم نوم الفرقى، وأكلهم أكل المرضى، وكلامهم ضرورة، فمن نام عن غلبة بهمّ مجتمع متعلق بقيام الليل وفق لقيام الليل، وإنما النفس إذا طعمت ووطنت على النوم استرسلت فيه، وإذا أزعجت بصدق العزيمة لا تسترسل في الاستقرار، وهذا الانزعاج في النفس بصدق العزيمة هو التجافي الذي قال الله، لأن الهم بقيام الليل وصدق العزيمة يجعل بين الجنس والمضجع سواء وتجافياً.
ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة، بين أنه لها، فقال مبيناً لحالهم: {يدعون} أي على سبيل الاستمرار، وأظهر الوصف الذي جرأهم على السؤال فقال: {ربهم} أي الذي عودهم بإحسانه: ثم علل دعاءهم بقوله: {خوفاً} أي من سخطه وعقابه، فإن أسباب الخوف من نقائضهم كثيرة سواء عرفوا سبباً يوجب خوفاً أو لا، فهم
(15/255)

لا يأمنون مكره لأن له أن يفعل ما يشاء {وطمعاً} أي في رضاه الموجب لثوابه، وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئاً بل يطلبون فضله بغير سبب، وإذا كانوا يرجون رحمته بغير سبب فهم مع السبب أرجى، فهم لا ييأسون من روحه.
ولما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا، فربما دعت نفس العابد إلى التسمك بما في يده خوفاً من نقص العبادة عن الحاجة لتشوش الفكر والحركة لطلب الرزق، حث على الإنفاق منه اعتماداً على الخلاق الرزاق الذي ضمن الخلف ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم، وإيذاناً بأن الصلاة سبب للبركة في الرزق {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك} [طه: 132] ، فقال لفتاً إلى مظهر العظمة تنبيهاً على أن الرزق منه وحده: {ومما رزقناهم} أي بعظمتنا، لا حول منهم ولا قوة {ينفقون *} من غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم.
ولما ذكر جزاء المستكبرين، فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين، أشار إلى جزائهم بفاء السبب، إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته، وجعلها سبباً إلى دخول جنته، ولو شاء لكان
(15/256)

غير ذلك فقال: {فلا تعلم نفس} أي من جميع النفوس مقربة ولا غيرها {ما أخفي لهم} أي لهؤلاء المتذكرين من العالم بمفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم بالصلاة في جوف الليل وغير ذلك ولا يراؤون بها، ولعله بني للمفعول في قراءة الجماعة تعظيماً له بذهاب الفكر في المخفي كل مذهب أو للعلم بأنه الله تعالى الذي أخفوا نوافل أعمالهم لأجله، وسكن حمزة الياء على أنه للمتكلم سبحانه لفتاً لأسلوب العظمة إلى أسلوب الملاطفة، والسر مناسبته لحال الأعمال.
ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال: {من قرة أعين} أي من شيء نفيس سارّ تقر به أعينهم لأجل ما أقلعوها عن قرارها بالنوم؛ ثم صرح بما أفهمته فاء السبب فقال: {جزاء} أي أخفاها لهم لجزائهم {بما كانوا} أي بما هو لهم كالجبلة {يعملون *} روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {افلا تعلم نفس} - الآية.
(15/257)

أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)
ولما كانوا أهل بلاغة ولسن، وبراعة: وجدل، فكان ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان ما تزعمون من أنه لا يبالي بشيء ولا ينقص من خزائنه شيء وهو العزيز الرحيم، لا يسوي بين الكل في إدخال الجنة، والمن بالنعيم فيعمهم بالرحمة الظاهرة كما عمهم بها في الدينا كما هو دأب المحسنين؟ تسبب عن ذلك أن قال منكراً لذلك مشيراً إلى أن المانع منه خروجه عن الحكمة، فإن تلك دار الجزاء، وهذه دار العمل، فبينهما بون: {أفمن كان} أي كوناً كأنه من رسوخه جبلي {مؤمناً} أي راسخاً في التصديق العظيم بجميع ما أخبرت به الرسل {كمن كان} ولما كان السياق منسوقاً على دليل {مالكم من دونه من ولي ولا شفيع} - الآية، فكان الكافر خارجاً عن محيط ذلك الدليل الذي لا يخفي بوجه على أحد له سمع وبصر وفؤاد، اقتضى الحال التعبير بالفسق الذي هو الخروج عن محيط فقال: {فاسقاً} أي راسخاً في الفسق خارجاً عن دائرة الإذعان.
ولما توجه الاستفهام إلى كل من اتصف بهذا الصف، وكان الاستفهام إنكارياً، عبر عن معناه مصرحاً بقوله: {لا يستوون} إشارة - بالحمل على لفظ «من» مرة ومعناها أخرى - إلى أنه لا يستوي جمع من هؤلاء يجمع من أولئك ولا فرد بفرد.
(15/258)

ولما نفى استواءهم، أتبعه حال كل على سبيل التفصيل معبراً بالجمع لأن الحكم بإرضائه وإسخاطه بفهم الحكم على الواحد منه من باب الأولى فقال: {أما الذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات فلهم جنات المأوى} أي الجنات المختصة دون الدنيا التي هي دار ممر، دون النار التي هي دار مفر لا مقر، بتأهلها للمأوى الكامل في هذا الوصف بما أشار إليه ب «ال» ثابتون فيها لا يبغون عنها حولاً، كما تبؤوا الإيمان الذي هو أهل للإقامة فلم يبغوا به بدلاً {نزلاً} أي عداداً لهم أول قدومهم في قول الحسن وعطاء، وهو أوفق للمقام كما يعد للضيف على ما لاح {بما كانوا} جبلة وطبعاً {يعملون *} دائماً على وجه التجديد، فإن أعمالهم من رحمة ربهم، فإذا كانت هذه الجنات نزلاً فما ظنك بما بعد ذلك! وهو لعمري ما أشار إليه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله لا نهاية لها، فإياك أن يخدعك خادع أو يغرك ملحد {وأما الذين فسقوا} أي خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم النار} أي التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه
(15/259)

من الوجوه أصلاً.
ولما كان السامع جديراً بالعلم بأنهم مجتهدون في الخلاص منها، قال مستأنفاً لشرح حالهم: {كلما أرادوا} أي وهم مجتهدون فكيف إذا أراد بعضهم {أن يخرجوا منها} وهذا يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من محيط الأدلة من دائرة الطاعات إلى بيداء المعاصي والزلات، فيعالجون الخروج فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها {أعيدوا} بأيسر أمر وأسهله من أيّ من أمر بذلك {فيها} إلى المكان الذي كانوا فيه أولاً، ولا يزال هذا دأبهم أبداً {وقيل} أي من أيّ قائل وكل بهم {لهم} أي عند الإعادة إهانة له: {ذوقوا عذاب النار} .
ولما وصف عذابهم في النار كان أحق بالوصف عند بيان سبب الإهانة بالأمر بالذوق مع أنه أحق من حيث كونه مضافاً محدثاً عنه فقال: {الذي كنتم} أي كوناً هو لكم كالجبلات، وأشار إلى أن تكذيبهم به يتلاشى عنده كل تكذيب، فكأنه مختص فقال: {به تكذبون *} فإن الإعادة بعد معالجة الخروج أمكن في التصديق باعتبار التجدد في كل آن.
(15/260)

ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان في هذه الدار، لأن نفوس البشر مطبوعة على العجلة، بشرهم بذلك على وجه يشمل عذاب القبر، فقال مؤكداً له لما عندهم من الإنكار لعذاب ما بعد الموت وللإصابة في الدنيا بما هم من الكثرة والقوة: {ولنذيقنهم} أي أجمعين بالمباشرة والتسبيب، بما لنا من العظمة التي تتلاشى عندها كثرتهم وقوتهم {من العذاب الأدنى} أي قبل يوم القيامة، بأيديكم وغيرها، وقد صدق الله قوله، وقد كانوا عند نزول هذه السورة بمكة المشرفة في غاية الكثرة والنعمة، فأذاقهم الجدب سنين متوالية، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله، معبراً بما يصلح للغيرية والسفول: {دون العذاب الأكبر} أي الذي مر ذكره في الآخرة {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينظره، وقد كان ذلك، رجع كثير منهم خوفاً من السيف، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حباً.
(15/261)

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)
ولما كان التقدير: يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون، عطف عليه قوله: {ومن أظلم} منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال: {ممن ذكر} أي من أيّ مذكر كان وصرف القول إلى صفة الإحسان استعطافاً وتنبيهاً على وجوب الشكر فقال: {بآيات ربه} أي الذي لا نعمة عنده إلا منه.
ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات، فكان الإعراض عنها مستبعداً بعده، عبر عنه بأداة البعد لذلك فقال: {ثم أعرض عنها} ضد ما عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجداً، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون «ثم» على بابها للتراخي، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما، فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين، ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعدم النسيان، فهي أبلغ من التعبير بالفاء كما في سورة الكهف، ويكون عدل إلى الفاء هناك شرحاً لما يكون من حالهم، عند بيان سؤالهم، الذي جعلوا بأنه آية الصدق، والعجز عن آية الكذب.
ولما كان الحال مقتضياً للسؤال عن جزائهم، وكان قد فرد الضمير باعتبار لفظ «من» تنبيهاً على قباحة الظلم من كل فرد،
(15/262)

قال جامعاً لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى، مؤكداً لإن إقدامهم على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه، صارفاً وجه الكلام عن صفة الإحسان إيذاناً بالغضب: {إنا} منهم، هكذا كان الأصلي، ولكنه أظهر الوصف نصفاً في التعميم وتعليقاً للحكم به معيناً لنوع ظلمهم تبشيعاً له فقال: {من المجرمين} أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة {منتقمون} وعبر بصيغة العظمة تنبيهاً على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على جرد العداد في الظالمين، فكيف وقد كانوا أظلم الظالمين؟ والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا إما باطناً بالاستدراج بالنعم، وإما ظاهراً بإحلال النقم، وفي الآخرة بدوام العذاب على مر الآباد.
ولما كان مقصود السورة نفي الريب عن تنزيل هذا الكتاب المبين في أنه من عند رب العالمين، ودل على أن الإعراض عنه إنما هو ظلم وعناد بما ختمه بالتهديد على الإعراض عن الآيات بالانتقام، وكان قد انتقم سبحانه ممن استخف بموسى عليه السلام قبل إنزال الكتاب عليه وبعد إنزاله، وكان أول من أنزل عليه كتاب
(15/263)

من بني إسرائيل بعد فترة كبيرة من الأنبياء بينه وبين يوسف عليهما السلام وآمن به جميعهم وألفهم الله به وأنقذهم من أسر القبط على يده، ذكر بحالة تسلية وتأسية لمن أقبل وتهديداً لمن أعرض، وبشارة بإيمان العرب كلهم وتأليفهم به وخلاص أهل اليمن منهم من أسر الفرس بسببه، فقال مؤكداً تنبيهاً لمن يظن أن العظيم لا يرد شيء من أمره: {ولقد آتينا} على ما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي الجامع للأحكام وهو التوارة.
ولما كان ذلك مما لا ريب فيه أيضاً، وكان قومه قد تركوا اتباع كثير منه لا سيما فيما قصَّ من صفات نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيما أمر فيه باتباعه، وكان هذا إعراضاً منهم مثل إعراض الشاك في الشيء، وكانوا في زمن موسى عليه السلام أيضاً يخالفون أوامره وقتاً بعد وقت وحيناً إثر حين، تسبب عن الإيتاء المذكور قوله تعريضاً بهم وإعلاماً بأن العظيم قد يرد رد بعض أوامره لحكمة دبرها: {فلا تكن} أي كوناً راسخاً - بما أشار إليه فعل الكون وإثبات نونه،
(15/264)

فيفهم العفو عن حديث النفس الواقع من الأمة على ما بينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {في مرية} أي شك {من لقائه} أي لا تفعل في ذلك فعل الشاك في لقاء موسى عليه السلام للكتاب منا وتلقيه له بالرضا والقبول والتسليم، كما فعل المدعون لاتباعه والعمل بكتابه في الإعراض عما دعاهم إليه من دين الإسلام، أو لا تفعل فعل الشاك في لقائك الكتاب منا وإن نسبوك إلى الإفتراء وإن تأخر بعض ما يخبر به فسيكون هدى لمن بقي منهم، وعذاباً للماضين، ولا يبقى خبر ما أخبر به أنه كائن إلا كان طبق ما أخبر به، فإنك لتلقاه من لدن حكيم عليم، وقد صبر موسى عليه السلام في تلقي كتابه ودعائه حتى مات على أحسن الأحوال، أو يكون المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف عليه فيه فما شك أحد من الثابتين في إيتائنا إياه الكتاب لأجل إعراض من أعرض، ولا زلزلة أدبار من أدبر، وانتقمنا ممن أعرض عنه فلا يكن أحد ممن آمن بك في شك من إيتائنا الكتاب لك لإعراض من أعرض، فسنهلك من حكمنا بشقائه انتقاماً منه، ونسعد الباقين به.
ولما أشار إلى إعراضهم عنه وإعراض العرب عن كتابهم، ذكر أن الكل فعلوا بذلك الضلال ضد ما أنزل له الكتاب، فقال ممتناً على
(15/265)

بني إسرائيل ومبشراً للعرب: {وجعلناه} أي كتاب موسى عليه السلام جعلاً يليق بعظمتنا {هدى} أي بياناً عظيماً {لبني إسرائيل} وأشار إلى اختلافهم فيه بقوله: {وجعلنا منهم} أي من أنبيائهم وأحبارهم بعظمتنا، مع ما في طبع الإنسان من اتباع الهوى {أئمة يهدون} أي يوقعون البيان ويعملون على حسبه {بأمرنا} أي بما أنزلنا فيه من الأوامر؛ ثم ذكر علة جعله ذلك لهم بقوله: {لما صبروا} أي بسبب صبرهم ولأجله - على قراءة حمزة والكسائي بالكسر والتخفيف - أو حين صبرهم على قبول أوامرنا على قراءة الباقين بالفتح والتشديد، وإن كان الصبر أيضاً إنما هو بتوفيق الله لهم {وكانوا بآياتنا} لما لها من العظمة {يوقنون *} لا يرتابون في شيء منها ولا يفعلون فعل الشاك فيه الإعراض، وكان ذلك لهم جبلة جبلناهم عليها.
(15/266)

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)
ولما أفهم قوله «منهم» أنه كان منهم من يضل عن أمر الله ويصد عنه، جاء قوله تسلية للمؤمنين وتوعداً للكافرين، استئنافاً مؤكداً تنبيهاً لمن يظن أنه لا بعث، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى ما يظهر من شرفه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك اليوم من المقام المحمود وغيره: {إن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك ليعظم
(15/266)