Advertisement

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 016



الكتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: 885هـ)
الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة
عدد الأجزاء: 22
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] الجماعات من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش وغيرها، إشارة إلى أنه لا يؤلف بين شيء منها ليتحد قصده إلا واحد قهار، وأنه ما اتحد قصد شيء منها إلا استوى صفة، ولا اعتدل صفة إلا اتحد زجره وهو صياحه، ولا اتحد زجره إلا اتحد ما يذكره بصوته، ولا اتحد منه ذلك إلا نجح قصده واتضح رشده بدليل المشاهدة، وأدلها أن الصحابة رضي الله عنهم لما اتحد قصدهم في إعلاء الدين وهم أضعف الأمم وأقلها عدداً لم يقم لهم جمع من الناس الذين لا نسبة لهم إليهم في قوة ولا كثرة، ولم ينقص صفهم، وجرح القلوب وأبارها زجرهم، وشرح الصدور وأنارها ذكرهم، كما أشار إليه تعالى آخر هذه السورة بقوله {وإن جندنا لهم الغالبون} وكذا غير الآدميين من الحيوانات كما يرى من الفار والجراد إذا أراد الله تعالى اتحاد
(16/188)

قصده في شيء فإنه يغلب فيه من يغالبه، ويقهر من يقاويه أو يقالبه، فبان أن الخير كله ما أريد بالقسم، واتحد جداً بالمقسم عليه والتأم والتحم به أيّ التحام، وانتظم معناهما كل الانتظام.
ولما كان التأكيد بالمصدر أدل على الوحدة المرادة قال: {صفاً *} وهو ترتيب الجمع على خط. ولما كان توحد القصد موجباً للقوة المهيئة للزجر، وكان تكميل الغير مسبباً عن تكميل النفس، ومرتباً عليه، وأشرف منه لو تجرد عن التكميل، وكان التكميل إنما يتم أمره ويعظم أثره مع الهيبة «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد» قال عاطفاً بالفاء: {فالزاجرات} أي المنتهرات عقب الصف كل من خرج عن أمر الله {زجراً} أي انتهاراً بالمواعظ وغيرها تكميلاً لغيرهم.
ولما كانت الإفاضة مسببة عن حسن التلقي المسبب عن تفريغ البال المسبب عن هيبة المفيد، وكان فيض التلاوة أعظم الفيض قال: {فالتاليات} أي التابعات استدلالاً على قولهم وفعلهم وتمهيداً لعذرهم
(16/189)

وتشريفاً لقدرهم، وتكميلاً لغيرهم: {ذكراً} أي موعظة وتشريفاً وتذكيراً من ذكر ربهم إفاضة على غيرهم من روح العلم وإدغام التاء في الصاد والزاي والذال إشارة إلى أن ذلك مع هوله وعظمه قد يخفى عن غير من يريد الله إطلاعه عليه، فقد قطعت الصيحة قلوب الكفرة من ثمود وغيرهم، ولم تؤثر فيمن آمن منهم، وقد كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يأتي به من القرآن والصحابة رضي الله عنهم حوله لا يستمعون شيئاً منه - والله الموفق {إن إلهكم} أي الذي اتخذتم من دونه آلهة {لواحد *} أي فإن التفرق لا يأتي بخير، لما يصحبه من العجز البعيد جداً عن الكمال الذي لا تكون الإلهية أصلاً إلا معه، فإليه لا إلى غيره ترجعون ليفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وهو الذي أنزل هذا الكتاب بعزته ورحمته وحرسه من اللبس وغيره بما سيذكر من كبريائه وعظمته ولو لم يكن واحداً لاختل أمر هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة، وما يترتب عليها، فاختل نظام هذا الوجود الذي نشاهده كما نشاهد في أحوال الممالك
(16/190)

عند اختلاف الملوك في تغيير العوائد ونسخ الشرائع التي كان من قبلها أطدها وجميع ما له من الآثار والخصائص، ونحن نشاهد هذا الوجود على ما أحكمه سبحانه وتعالى لا يتغير شيء منه عن حاله الذي حده له، فعلمنا أنه واحد لا محالة متفرد بالعظمة، لا كفوء له من غير شك.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه وعظيم الإرشاد وما يهتدي الموفق باعتبار بعضه، ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وفرضه، ويشهد بأن الملك بجملته لواحد، وإن رغم أنف المعاند والجاحد، أتبعها تعالى بالقسم علة وحدانيته فقال تعالى {والصافات} - الآية إلى قوله تعالى {إن إلهكم لواحد} إلى قوله {ورب المشارق} ثم عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى {إنا رأينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} إلى قوله {شهاب ثاقب} ثم أتبع بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه {إنا خلقناهم من طين لازب} ثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به كذبوا،
(16/191)

والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف والتكذيب على سنن متقارب، وأخذ كل بذنبه، وتخليص رسل الله وحزبه، وإبقاء جميل ذكرهم باصطفائهم وقربه، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك المعتدين إلى ختم السورة - انتهى.
ولما ثبت أنه واحد، أنتج وصفه بقوله: {رب} أي موجد ومالك وملك ومدبر {السماوات} أي الأجرام العالية {والأرض} أي الأجرام السافلة {وما بينهما} أي من الفضاء المشحون من المرافق والمعاون بما تعجز عن عدة القوى، وهذا - مع كونه نتيجة ما مضى - يصلح أن يكون دليلاً عليه لما أشار إليه من انتظام التدبير الذي لا يتهيأ مع التعدد كما أن المقسم به هنا إشارة إلى دليل الوحدانية أيضاً بكونه على نظام واحد دائماً في الطاعة التي أشير إليها بالصف والزجر والتلاوة، فسبحان من جعل هذا القرآن معجز النظام، بديع الشأن بعيد المرام.
ولما كان السياق للإفاضة بالتلاوة وغيرها، وكانت جهة الشروق جهة الإفاضة بالتجلي الموجد للخفايا الموجب للتنزه عن النقائص،
(16/192)

وكان الجميع أليق بالاصطاف الناظر إلى القهر بالأئتلاف قال: {ورب المشارق *} أي الثلاثمائة والستين التي تجلى عليكم كل يوم فيها الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة على كر الدهور والأعوام، والشهور والأيام، على نظام لا ينحل، ومسير لا يتغير ولا يختل، وذكرها يدل قطعاً على المغارب لأنها تختلف بها، وأعاد الصفة معها تنبيهاً على وضوح دلاتها بما فيها مما السياق من الاصطفاف الدال على حسن الائتلاف، وللدلالة على البعث بالآيات بعد الغياب.
ولما كانت المشارق تقتضي الفيض والإظهار، أتبع ذلك نتيجته بما من شأنه الشروق والغروب ولو بمجرد الخفاء والظهور، فقال مؤكداً مع لفت الكلام إلى التكلم في مظهر العظمة تنبيهاً على أن فعلهم فعل من ينكر ما للنجوم من الزينة وما تدل عليه من عظمته سبحانه وتعالى، وفخم التعبير عن الزينة بتضعيف الفعل لمثل ذلك: {إنا زينا} أي بعظمتنا التي لا تدانى {السماء} ولما كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السماوات، وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال: {الدنيا} أي التي هي أدنى السماوات إليكم.
(16/193)

ولما أشير إلى أن الصف زينة في الباطن باتحاد القصد كما أنه زينة في الظاهر بحسن الشكل وبديع الرصف، زيد في التنبيه على ذلك بإعادة ما فهم من «زينا» في قوله: {بزينة الكواكب *} أي بالزينة التي للنجوم النيرة البراقة المتوقدة الثابتة في محالها - قارة أو مارة - المرصعة في السماء ترصيع المسامير الزاهرة كزهر النور المبثوث في خضرة الرياض الناضرة، فهي مع عدم التنوين والخفض إضافة بيانية كثوب خز، ومن نوّن الزينة فإن خفض الكواكب فعلى البدل، أي بالكواكب التي هي زينة، وإن نصب فعلى المدح بتقدير أعني، أو على أنه بدل اشتمال من السماء، أي كواكبها، إما بكونها فيما دونها من الجو فبظن أنها فيها، أو يكونها فيها من جانبها الذي يلينا، أو بكونها تشف عنها وإن كان بعضها فيما هو أعلى منها، وزينتها انتظامها وارتسامها على هذا النظم البديع في أشكال متنوعة وصور مستبدعة ما بين صغار وكبار، منها ثوابت ومنا سيارة وشوارق
(16/194)

وغوارب - إلى غير ذلك من الهيئات التي لا تحصى، ولا حد لها عند العباد العجزة فيستقصى.
ولما كان كون الشيء الواحد لأشياء متعددة أدل على القدرة وأظهر في العظمة، قال دالاً بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر على مقدر يدل على أن الزينة بالنجوم أمر مقصود لا اتفاقي: {وحفظاً} أي زيناها بها للزينة وللحفظ {من كل شيطان} أي بعيد عن الخير محترق. ولما كان القصد التعميم في الحفظ من كل عاتٍ سواءٍ كان بالغاً في العتو أو لا قال: {مارد *} أي مجرد عن الخير عاتٍ في كل شر سواء كان بالغاً في ذلك أقصى الغايات أو كان في أدنى الدرجات كضارب وضراب.
(16/195)

لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13)
ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ليس في كونه شراً لبس، وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن الخير بعد الإخفاء به، عبر بالمريد للمبالغة، وكما أنه حرس السماء المحسوسة بما ذكره سبحانه وتعالى فكذلك زين عز وجل قلوب الأولياء التي هي كالسماء لأراضي أجسامهم بنجوم المعارف، فإذا مسهم طيف
(16/195)

من الشيطان تذكروا فرشقته شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم. ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته، استأنف قولاً: {لا يسمعون} أي الشياطين المفهومون من كل شيطان، لا يتجدد لهم سمع أصلاً، قال ابن الجوزي: قال الفراء: {لا} هنا كقوله «كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به» ويصلح في {لا} على هذا المعنى الجزم، والعرب تقول: ربطت في شيء لا ينفلت - انتهى. ويؤخذ من التسوير بكل ثم الجمع نظراً إلى المعنى، والإفراد لضمير الخاطف وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من الجمع، وأن الخطف يكون - إن اتفق - في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا الجمع، وللكلمة وما حكمها لا أكثر، وإليه يشير حديث الصحيح «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني» وأكد بعدهم بإثبات حرف الغاية، فقال مضمناً {سمع} بعد قصره معنى «انتهى» أو «أصغى» ليكون المعنى: لا ينتهي سمعهم أو تسمعهم أو إصغاؤهم {إلى الملإ} أي الجمع العظيم الشريف، وأوضحت هذا المعنى قراءة
(16/196)

من شدد السين والميم بمعنى يتسمعون، أي بنوع حيلة، تسمعاً منتهياً إلى ذلك، وهو يفهم أنهم يتسمعون، ولكن لا ينتهي تسمعهم إلى ما ذكر، بما أشار إليه الإدغام، ويشير أيضاً إلى أنهم يجتهدون في إخفاء أمرهم، وأفرد الوصف دلالة أيضاً على أن العطف يكون من واحد لا من جمع فقال: {الأعلى} أي مكاناً ومكانة بحيث يلمؤون العيون بهجة والصدور هيبة.
ولما كان التقدير: لأنهم يطردون طرداً قوياً، دل عليه بالعاطف في قوله: {ويقذفون} أي الشياطين يرمون رمياً وحياً شديداً يطردون به، وبني للمفعول لأن النافع قذفهم لا تعيين قاذفهم، مع أنه أدل على القدرة الإلهية عزت وجلت {من كل جانب *} أي من جوانب السماوات بالشهب إذا قصدوا السماع بالاستراق {دحوراً} أي قذفاً يردهم مطرودين صاغرين مبعدين، فهو تأكيد للقذف بالمعنى أو مفعول له أو حال.
ولما كان هذا ربما سبباً لأن يظن ظان أنهم غير مقدور
(16/197)

عليهم في غير هذه الحالة بغير هذا النوع أخبر أنهم في قبضته، وإنما جعل حالهم هذا فتنة لمن أراد من عباده، فقال معبراً باللام التي يعبر بها غالباً عن النافع تهكماً بهم: {ولهم عذاب} أي في الدنيا بهذا وبغيره، وفي الآخرة يوم الجمع الأكبر {واصب *} أي دائم ممرض موجع كثير الإيجاع مواظب على ذلك ثابت عليه وإن افترق الدوامان في الاتصال والعظم والشدة والألم.
ولما ثبت بهذا حراسة القرآن بقدرة الملك الديان عن لبس الجان، وكان بعضهم مع هذا يسمع في بعض الأحايين ما أراد الله أن يسمعه ليجعله فتنة لمن أراد من عباده مع تميز القرآن بالإعجاز، استثنى من فاعل {يسمعون} قوله: {إلا من خطف} ودل على قلة ذلك بعد إفراد الضمير بقوله: {الخطفة} أي اختلس الكلمة أو أكثر، مرة من المرات منهم، ودل على قوة انقضاض الكواكب في أثره بالهمزة في قوله: {فأتبعه} مع تعديه بدونها، أي تبعه بغاية ما يكون من السرعة حتى كأنه يسوق نفسه ويتبعها له كأن الله سبحانه وعز شأنه هيأها لئلا تنقض إلا في أثر من سمع منهم حين سماعه سواء لا يتخلف {شهاب} أي شعلة النار من الكوكب أو غيره {ثاقب *}
(16/198)

أي يثقب ما صادفه من جني وغيره وإن كان الجني من نار فإنه ليس ناراً خالصة، وعلى التنزل فربما كان الشيء الواحد أنواعاً بعضها أقوى من بعض، فيؤثر أقواه في أضعفه كالحديد، وتارة يخطئ الجني وتارة يصيبه، وإذا أصابه فتارة يحرقه فيتلفه وتارة يضعفه.
ولما كان المقصود من هذا الكتاب الأعظم بيان الأصول الأربعة: التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، ودل سبحانه بهذه المذكورات على وجوده وكمال علمه وتمام قدرته على الأفعال الهائلة وبديع حكمته اللازم منه إثبات وحدانيته تفصيلاً لبعض إجمال {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض} فكان ما دونها من الأفعال أولى، سبب عن ذلك لإثبات الحشر الذي أخبر به هذا القرآن الذي حرسه عن تلبيس الجان بزينة الكواكب التي أنشأ منها الشهب الثواقب قوله تهكماً بهم: {فاستفتهم} أي سلهم أن يتفتوا بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث، وأصله من الفتوة وهي الكرم: {أهم أشد} أي أقوى وأشق وأصعب {خلقاً} أي من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها {أم من} ولما كان المراد الإعلام بأنه لا شيء من الموجودات إلا وهو خلقه سبحانه، عبر بما يدل على ذلك دون ذكرنا، وليكون أعم، وحذف المفعول لأنه مفهوم، ولئلا يلبس إذا ذكر ضمير المستفتين،
(16/199)

فقال: {خلقنا} أي من هذه الأشياء التي عددناها من الحي وغيره من الجن الذين أعطيناهم قدرة التوصل إلى الفلك وغيرهم، وعبر ب «من» تغليباً للعاقل من الملائكة وغيرهم مما بين السماوات والأرض.
ولما كان الجواب قطعاً أن هذه المخلوقات أشد خلقاً منهم وأنهم هم من أضعف الخلائق خلقاً، قال دالاً على إرادة التهكم بهم في السؤال، مؤكداً إشارة إلى أن إنكارهم البعث لاستبعادهم تمييز التراب من التراب يلزم منه إنكار ابتداء الخلق على هذا الوجه: {إنا خلقناهم} أي على عظمتنا {من طين} أي تراب رخو مهين {لازب *} أي شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وضمر وتضايق وتلازم بعضه لبعض، وقل واشتد ودخل بعض التراب المنتثر من بعض، قال ابن الجوزي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الطين الحر الجيد اللزق.
وإنما كانوا من طين لأن أباهم آدم كان منه من غير أب ولا أم، فصاروا بهذا التقدير بعض الطين الذي هو بعض خلقه الذي عدده قبل ذلك سبحانه الذاتية التي لا يمتنع عليها مقدور، ولا يعجزها مأمور، فدل ابتداء خلقهم وخلق ما هو أشد منهم وأعظم
(16/200)

على القدرة على إعادتهم قطعاً بل بطريق الأولى من غير وجه، وحسن هذا الاستقتاء كل الحسن ختم الكلام قبله بمن بلغوا السماء تكبراً وعلواً، وهموا بما لم ينالوا تجبراً وعلواً، وسلط عليهم ما يردهم مقهورين مبعدين مدحورين، واستثنى منهم من {خطف} ليعلم أنه غير محال ما تعلقت به منهم الآمال، هذا مع ذكره في خلقهم من الطين اللازب الذي من شأنه الرسوب لثقله والسفول كما أن من شأن من ختم بهم ما قبله العلو لخفتهم والصعود.
ولما كان من المعلوم قطعاً أن المراد بهذا الأمر بالاستفتاء إنما هو التبكيت لأن من المعلوم قطعاً أن الجواب: ليسوا أشد خلقاً من ذلك، فليس بعثهم ممتنعاً، وليست غلبتهم لرسول الواحد القهار - الذي حكمه في هذا الوحي بإظهاره على الدين كله - بجائزة أصلاً، نقلاً ولا عقلاً، بوجه من الوجوه، فلا شبهة لهم في إنكاره ولا في ظنهم أنهم يغلبون رسولنا، بل هم في محل عجب شديد في إنكاره وظنهم أنهم غالبون في الدنيا، عبر عن ذلك بقوله، مسنداً العجب إلى
(16/201)

أجلّ الموجودات أو أجلّ المخلوقات تعظيماً لم بمعنى أنه قول يستحق أن يقال فيه: أنه لا يدري ما الذي أوقع فيه وكان سبباً لارتكابه، فقال: {بل عجبت} بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي لفتاً للقول من مظهر العظمة للتصريح بإسناد التعجب إليه سبحانه إشارة إلى تناهي هذا العجب إلى حد لا يوصف لإسناده إلى من هو منزه عنه، وبفتحها عند الباقين أي من جرأتهم في إنكارهم البعث ولا سيما وقد دل عليه القرآن في هذه الأساليب الغريبة والوجوه البديعة العجيبة التي لا يشك فيها من له أدنى تصور، وقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظن كما هو اللائق أنه لا يسمع القرآن أحد إلا آمن به، قال القشيري: وحقيقة التعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب مما لم تجر العادة بحدوث مثله، ومثل هذا حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأم سليم وأبي طلحة رضي الله عنهما:
«ضحك - وفي رواية: عجب - الله من فعالكما الليلة» ، وحديث البخاري رحمه الله
(16/202)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً: «عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل» ومثله كثير، والمعنى في الكل التنبيه على عظم الفعل وأنه خارق للعادة، ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم ينكروه لقلة الدلائل عليه، بل قد أتى من دلائله ما يعجب إعجاباً عظيماً من كثرته وطول الأناة في مواترته {ويسخرون *} أي حصل لك العجب والحال أنهم يجددون السخرية كلما جئتهم بحجة {وإذا ذكروا} أي وعظوا من أيّ واعظ كان بشيء هم به عارفون جداً يدلهم على البعث مثل ما يذكرون به من القدرة، مع أنه لا يجوز في عقل عاقل منهم أن أحداً يدع مَن تحت يده بلا محاسبة {لا يذكرون *} أي لا يعملون بموجب التذكير.
(16/203)

وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19)
ولما ذكر إعراضهم عن المسموع، أتبعه إعراضهم عن المرئي فقال: {وإذا رأوا آية} أي علامة على صدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره {يستسخرون *} أي يطلبون السخرية بها بأن يدعو بعضهم بعضاً لذلك من شدة استهزائهم.
ولما كان إنكارهم للبعث ولو صدر مرة واحدة في الشناعة والعظم والقباحة مثل تجديدهم للسخرية كلما سمعوا آية والمبالغة فيها
(16/203)

لأن دلائله من الظهور والوضوح بمكان هو في غاية البعد عن الشكوك، دل على ذلك بالتعبير بالماضي فقال: {وقالوا} أي ما هو غاية في العجب: {إن} أي ما {هذا} أي الذي أتانا به من أمر البعث وغيره مما شاهدناه أو أخبرنا به {إلا سحر} أي خيال وأمور مموهة لا حقائق لها {مبين *} أي ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ثم خصوا البعث بالإنكار: {أإذ متنا} وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا: {وكنا} أي كوناً هو في غاية التمكن {تراباً} قدموه لأنه أدل على مرادهم لأنه أبعد عن الحياة {وعظاماً} كأنهم جعلوا كل واحد من الموت والكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة أو المختلطة منهما مانعاً من البعث، وهذا بعد اعترافهم أن ابتداء خلقهم كان من التراب مع أن هذا ظاهر جداً «ولكن عقول ضلها باريها» ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من قرأ به زيادة في الإنكار فقالوا: {أإنا لمبعوثون *} .
ولما كان المعنى: أيثبت بعثنا، عطفوا عليه قولهم مكررين للاستفهام
(16/204)

الإنكاري تأكيداً لزيادة استبعادهم حتى أنهم قاطعون بأنه محال فقالوا قولاً واهياً: {أو آباؤنا} أي يثبت بعثنا وكذا آباؤنا وزادوا في الاستبعاد بقولهم: {الأولون *} اي الذين طال مكثهم في الأرض تحت أطباق الثرى وانمحقت أجزاؤهم بحيث لم يبق لهم أثر ما، ومرت الدهور ولم يبعث أحد منهم يوماً من الأيام، يدلنا بعثه على ما يدعي من ذلك.
ولما بالغوا هذه المبالغات في إنكاره بعد قيام البراهين في هذه السورة وغيرها على جوازه بل وجوبه عادة، أمره بأن يجيبهم بما يقابل ذلك فقال تعالى: {قل نعم} أي تبعثون على كل تقدير قدرتموه، وذكر حالهم بقوله: {وأنتم داخرون *} أي مكرهون عليه صاغرون ذليلون حقيرون. ثم سبب عن الوعد بتحتم كونه ما يدل على أنه غاية في الهوان فقال: {فإنما} أي يكون ذلك بسبب أنكم تزجرون فتقومون، والزجرة التي يقومون بها إنما {هي زجرة} أي صيحة، وأكد ما يفهمه من الوحدة لأجل إنكارهم تصريحاً بذلك وتحقيراً لأمر البعث في جنب قدرته سبحانه وتعالى فقال: {واحدة} وهي الثانية التي كانت الإماتة لجميع الأحياء في
(16/205)

آن واحد بمثلها، وأصل الزجر الانتهار ويكون لحث أو منع، وإنما يكون ذلك للمقدور عليه فعل ما يغضب الزاجر، فلذلك سمى الصيحة زجرة.
ولما كان هذا الكلام مؤذناً بالغضب، حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلاً لهم بمحل البعد وتعميماً لغيرهم، فقال معبراً بالفاء المسببة المعقبة وأداة المفأجأة: {فإذا هم} أي جميع الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم منهم والحديث أحياء {ينظرون *} أي في الحال من غير مهلة أصلاً، ولا فرق بين من صار كله تراباً ومن لم يتغير أصلاً، ومن هو بين ذلك، ولعله خص النظر بالذكر لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة، ولذلك قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا قبض الروح تبعه البصر» وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الكفار من قتلى بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وشاهدت أنا في بلاد العرقوب المجاروة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك يقال لها الغبيراء متى قيل عندها «هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة» أخذ ورقها في الحال في الذبول - فالله أعلم ما سبب ذلك.
(16/206)

وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28)
ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع، عطف
(16/206)

عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاماً بتحقق الأمر تحقق ما مضى وكان، وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلاً فقال: {وقالوا} أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل: {يا ويلنا} اي يا من ليس لنا نديم غيره {هذا يوم الدين *} أي الجزاء لكل عامل.
ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به، زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضاً بدلاً أو وصفاً بعد وصف دالين بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم من الهول: {هذا يوم الفصل} أي الذي يفصل فيه بين الخصوم، ثو زادوا تأسفاً وتغمماً وتلهفاً بقولهم، لافتين القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض وأبعد عن الإنصاف بالاعتراف: {الذي كنتم} أي يا دعاة الويل جبلة وطبعاً {به تكذبون *} وقدموا الجار إشارة إلى عظيم تكذيبهم به، فبينما هم في هذا التأسف إذ برز النداء بما يهدىء قواهم، ويقر قلوبهم وكلاهم، لمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من الملائكة الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم، ولبيان السرعة لذلك من غير تنفيس أسقط ما يدل على النداء من نحو قوله:
(16/207)

فقيل الملائكة، أو فقلنا، أو فبرز النداء من جانب سلطاننا - ونحو هذا: {احشروا} أي اجمعوا بكره وصغار وذل أيها الموكلون بالعباد من الأجناد، وأظهر تعريفاً بوصفهم الموجب لحتفهم فقال: {الذين ظلموا} أي بما كانوا فيه في الدنيا بوضع الأشياء في غير محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من هو في أشد الظلام {وأزواجهم} أي أتباعهم الذين استنوا بهم في ذلك الضرب من الظلم وأشباههم فيه من الجن وغيرهم ومن أعانهم ولو بشطر كلمة أو رضى فعلهم لتصير كل طائفة على حدة فيصير بعضهم يبكت بعضاً وبعضهم يشتم بعضاً {وما كانوا} أي بما دعتهم إليه طباعاتهم المعوجة {يعبدون *} أي مواظبين على عبادته رجاء منفعته تحقيقاً لخسارتهم بتحقق اعتمادهم على غير معتمد، وهو يعم المعبود حقيقة أو مجازاً بالتزيين «ومن سبقت له الحسنى» مستثنى بآية الأنبياء، وأشار إلى سفول رتبة معبوداتهم وتسفيه آرائهم بانتحال الأذى بقوله صارفاً الأسلوب من المتكلم ولو بمظهر العظمة إلى أعظم منه: {من دون الله} أي الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال، والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بتوحيد الله.
(16/208)

ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء المعنوية استحقوا أن يلزموا في القيامة سلوك طريقه الحسية، فلذلك سبب عن الأمر بحشرهم قوله تهكماً بهم وتحسيراً لهم: {فاهدوهم} أي دلوهم دلالة لا يرتابون معها ليعرفوا - مع ما هم فيه من الإكراه على سلوكها - مآلهم، فيكون ذلك أعظم في نكدهم؛ قال الرازي: وأصل الهداية التقدم، والعرب تسمي السابق هادياً، يقال: أقبلت هوادي الخيل أي أعناقها، والهادية: العصى - لأنها تتقدم ممسكها، ونظر فلان هدى أمره أي جهته.
ثم أشار إلى طول وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء: {إلى صراط الجحيم *} أي طريق النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه يشترطهم فيؤديهم إليها، وخص هذا الاسم إعلاماً بشديد توقدها وعظيم تأججها، وبعد قعرها وضخامة غمرتها، بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها، وعلو شأنها واصطلاحها، وصلابة اضطرابها وتحرقها واشتمالها على داخليها وتضايقها، وفيه تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من التناصر والتعاضد.
ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولاً ازدياد الحسرة، صرح بما أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال: {وقفوهم} أي احبسوهم واقفين بعد ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال، فكانت
(16/209)

ثمرتها الشقاوة، وإيقافهم يكون عند الصراط - نقله البغوي عن المفسرين، قال: لأن السؤال عند الصراط. ثم علل ذلك بقوله: {إنهم مسؤولون *} وجمع عليهم الهموم بهذه الكلمة لتذهب أوهامهم كل مذهب، فلا تبقى حسرة إلا حضرتهم، ولا مصيبة إلا علت قلوبهم فقهرتهم، فإن المكلف كله ضعف وعورة، فموقف السؤال عليه أعظم حسرة.
ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل، قد شغلهم ما دهمهم من الأسف عن القال والقيل، نودوا من مقام السطوة، وحجاب الجبروت والعزة، زيادة في تأسيفهم وتوبيخهم وتعنيفهم لفتاً عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم خيبة: {ما لكم} أي أيّ شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم {لا تناصرون *} أي ينصر بعضكم بعضاً، ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه أولي الجد والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر - بما يفهمه إسقاط التاء، أو بعد تمكث وإعمال حيلة - بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير بالمد والإدغام: أين قولكم في بدر {نحن جميع منتصر} معبرين بما دل على ثبات المناصرة.
ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم، وأحدّ
(16/210)

إدراكهم وإحساسهم، أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد بأن قال مضرباً عما تقديره: إنهم لا يتناصرون: {بل هم} وزاد في تعظيم ذلك الوقت والتذكير به فقال: {اليوم مستسلمون *} أي ثابت لهم استسلامهم ثباتاً لا زوال له، قد خذل بعضهم بعضاً موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من كأنه يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم.
ولما أخبر بأنهم سئلوا فلم يجيبوا، كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد نكدهم، فقال عاطفاً على قوله {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} إشارة إلى إقبالهم على الخصام، حين تمام القيام، والأخذ في تحريك الأقدام، بالسير على هيئة الاجتماع والازدحام، إلى مواطن النكد والاغتمام، ولم يعطفه بالفاء لأنه ليس مسبباً عن القيام، ولا عن الإيقاف للسؤال، بخلاف ما يأتي عن أهل الجنة: {وأقبل بعضهم} أي الذين ظلموا {على بعض} أي بعد إيقافهم وتوبيخهم، وعبر عن خصامهم تهكماً بهم بقوله: {يتساءلون *} أي سؤال خصومة.
ولما كان كأنه قيل: عما ذا؟ أجيب بقوله: {قالوا} أي الأتباع لرؤسائهم مشيرين بأداة الكون إلى المداومة على إضلالهم مؤكدين لأجل تكذيب الرؤساء لهم: {إنكم كنتم} ولما كانوا يستغوونهم ويغرونهم
(16/211)

بما تقبله عقولهم على ما جرت به عوائدهم بحيث يقطعون بذلك قطع من كان يريد الذهاب إلى أمر فتطير بالسانح والبارح، فرأى ما يحب فأقدم عليه وهو قاطع بحصوله، أشاروا إلى ذلك بقوله: {تأتوننا} مجاوزين لنا {عن اليمين *} أي عن القوة والقهر والغلبة والسلطان في حملكم لنا على الضلال، ففعلنا في طاعتكم فعل من خرج لحاجة، فرأى ما أوجب إقدامه عليها، فهذا كان سبب كفرنا، وكان هذا التفاؤل مما نسيت العرب كيفيته لما نسخه الشرع كما وقع في الميسر فاضطرب كلام أهل اللغة في تفسيره، قال صاحب القاموس: البارح من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، وسنح الظبي سنوحاً ضد برح. وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال: وسنح الشيء سنوحاً: تيسر، والطائر والظبي: جرى عن يمينك إلى يسارك وهو يتيمن به، وقال في مادة «برح» : وبرح الطائر والظبي وغيرهما ضد سنح، وهو ما أراك ميامنه، وأهل الحجاز يتشاءمون به، وغيرهم يتيمنون به ويتشاءمون بالسانح، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم في مادة «برح» : والبارح خلاف السانح، وقد برح الظبي - إذا والاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك، والعرب يتطير بالبارح وفي
(16/212)

مادة «سنح» : والسانح ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك والبارح: ما أتاك من ذلك عن يسارك وقيل: السانح ما والاك ميامنه والبارح ما والاك مياسره وقيل السانح ما يجيء عن يمينك فتلي مياسره مياسرك والعرب تختلف في عيافة ذلك، فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح، وعلى هذا المثل: من لي بالسانح بعد البارح، قال في القاموس: أي بالمبارك بعد المشؤوم، ومنهم من يتشاءم بالسانح، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في مادة «سنح» : والسانح من الطير والظباء وغيرهما هو الذي يأتيك عن يمينك أخذاً على يسارك فيوليك مياسره فيمكنك رميه وأكثر العرب يتيمن به وقال في مادة «برح» : والبارح من الطير والظبي هو خلاف السانح وهو الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك، وهو مما يتيمن به أهل العالية، ويتشاءمون بالسانح، والسانح هو الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، وهو مما يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، والبارح أبين في التشاؤم من السانح، لأن البارح هو الذي يأخذ عن يسارك إلى يمينك فلا يمكنك طعنه، فيتشاءم به لتعذره على الطاعن أو الرامي، ولذلك قال أبو داود: قلت: لما برز أمن فيه كذب العير وإن كان برح، يقول: كذب إذ طمع أن ينجو، وإن كان قد برح وصعب
(16/213)

على إمكان طعنه، وتطير ومن تيمن به بسلامته وخلاصة من الطاعن، وتطير من تيمن بالسانح بأنه يأتي من ميامنك إلى مياسرك، فيمكنك من طعنه، ومن تشاءم به تطير بقلة سلامته ووقوعه فيما يكره، ومن الطير الجابه وهو الذي يلقاك مواجهة، ومنه الناطح أيضاً ومنه القعيد، وهو الذي يأتيك من خلفك - انتهى ما وقفت عليه من كلام أهل اللغة في ذلك فافهم، والظاهر كما تفهمه الآية أن العرب مطبقة على أن ما أتى عن اليمين كان مباركاً سواء كان أتى من قدام مواجهاً لك ومر إلى جهة الخلف فوليتك ميامته، أو أتى من الجانب الأيمن سواء كان ابتداء إتيانه من خلف أو لا فمر من قدامك عرضاً إلى جهة اليسار، فوليتك في الحالتين مياسره، وما أتى من جهة اليسار على ضد ذلك كان مشؤوماً، وكأنهم اختلفوا في التسيمة فأكثرهم سمى الأول سانحاً من السنح بالضم وهو اليمن والبركة، وهو من قولهم: سنح لي رأي: تيسر - لشهرة معنى اليمن عندهم في ذلك، والثاني بارحاً من البرح، وهو الشدة والشر لشهرة هذا المعنى عندهم في مادة برح، وبعهضم عكس فسمى الأول بارحاً من البرحة، وهي الناقة تكون من خيار الإبل لشهرة ذلك عندهم، وسمى الثاني سانحاً من قولهم: سنحه عما أراد: صرفه، وسنح بالرجل وعليه: أخرجه
(16/214)

أو أصابه بشر، فمن الاختلاف في التسمية أتى الخلاف، ولذلك عبر سبحانه وتعالى بالمعنى دون الاسم، لأن كلامه سبحانه لا يخص قوماً دون غيرهم، وأما التعليل بإمكان الطعن والرمي فلا معنى له لأن الإنسان ينفتل عن هيئة وقوفه بأدنى حركة فينعكس بالنسبة إليه أمر المياسر والميامن، ويتغير حال الطعن والرمي، هذا إذا سلم أن الطعن والرمي يعسر من جهة المياسر على أنه غير مسلم، ولو كان المعنى دائراً عليه لما اختلف فيه إلا بالنسبة إلى الأعسر وغيره، لا بالنسبة إلى أهل العالية وغيرهم، وأما البيت الذي استدل به فيمكن حمله على أن قائله كان في حاجة له لا بد له منها، فرأى البارح فلم يتطير منه ولج في أمره ذلك تكذيباً له فيما دل عليه عند العرب، وأما الجابه وغيره فأسماء أخر لبعض أنواع كل من السانح والبارح - والله أعلم، وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتابه الزينة: العيافة والقيافة والزجر نوع من الكهانة إلا أنه أخف في الكراهة وذلك أن الكاهن كان بمنزلة الحاكم وكان من الكهان من يعبد كما يعبد الصنم، وكانوا سدنة الأصنام، قلت: والكاهن في اللغة من يقضي بالغيب وذلك هو غاية العلم، فهو وصف يدل على التوغل في العلم - انتهى، قال أبو حاتم: وسمعت بعض أهل الأدب قال: الكاهن بالعبرانية العالم، وكانوا يسمون هارون عليه السلام كهناً رباً، معناه عالم الرب، ثم قال:
(16/215)

إن الكهانة والسحر كان عند المتقدمين نوعاً من العلم، فكان الساحر والكاهن اسمين محمودين، فلما جاء الله بالإسلام صار هذان الاسمان مذمومين عند المسلمين لما كشف لهم ما في ذلك من الشر، ثم قال: فأما العائف والقائف والزاجر فلم يكن سبيلهم كذلك - يعني كالكاهن في أنه ربما عبد، قال: وإنما كره لأنه كان يخبر بشيء غائب فكره كما كره أمر النجوم توقياً أن يكون مثل الدعوى في علم الغيب، والعائف هو الذي يعيف الطير ويزجرها ويعتبر بأسمائها وأصواتها ومساقطها ومجاريها، فإذا سمع صوت طائر أو جرى من يمينه إلى شماله أو من شماله إلى يمينه قضى في ذلك بخير أو بشر في الأمر الذي يريد أن يفعله، فإذا قضى فيه بشر تجنب ذلك الأمر، يقال: عاف يعيف - إذا فعل ذلك، ومعنى عاف أي امتنع وتجنب، يقال: عافت الإبل الماء - إذا لم تشرب، وكذلك يقال في غير الإبل الزاجر أيضاً: هو مثل العائف، يقال: يزجر أيضاً زجراً، وذلك أنه ينظر إلى الطير فيقضي فيها مثل العائف، فإذا رأى شيئاً كرهه رجع عن أمر يريد أن يشرع فيه أو حاجة يريد قضاءها، والزاجر معناه الناهي، فكأن الطير قد زجره عن ذلك الفعل، أو أن من عاف له زجره عن ذلك، ويكون المعنى الزجر أيضاً أنه إذا رأى منها شيئاً
(16/216)

صاح بها وطردها، فكان طرده إياها زجراً لها، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أقروا الطير على مكناتها» ، قلت: إنهم كانوا إذا لم يروا سانحاً ولا بارحاً نفروا الطير لينظروا إلى أيّ جهة تطير - والله أعلم، وقال أبو حاتم: والأصل في هذا انهم كانوا يزجرون الطير ثم كانوا يزجرون الظبي والثعلب، وبصوت الإنسان يستدلون بلفظه وبغير ذلك، ثم نسبت كلها إلى الطير فقيل: يتطير، أي يستدل بالطير، وروي عن الأصعمي قال: سألت ابن عون: ما الفال؟ فقال: هو أن تكون مريضاً فتسمع: يا سالم، وتكون باغياً فتسمع يا واجد، قال: وكان ابن سيرين يكره الطيرة ويحب الفال، وفي الحديث:
«أصدق الطير الفال» والفال مأخوذ من الفيال، وهي لعبة يتقامرون بها، كانوا يأخذون الدراهم فيخلطونها بالتراب ثم يجمعونه طويلاً ثم يقسمونه بنصفين ويتقارعون عليه، فمن أصابه القرعة اختار من القسمين واحداً، فلما كان المفايل يختار منهما ما أحب سمي الفال، لأنه يتفاءل بما يحبه، وكان هذا في العرب كثيراً، وأكثره في بني أسد، قال الأصمعي:
(16/217)

أخبرني سعد بن نصر أن نفراً من الجن تذاكروا عيافة بني أسد فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم لهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغليم فبكى فقالوا له: ما لك؟ فقال: كسرت جناحاً، ورفعت جناحاً، وحلفت بالله صراحاً، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً. وكانوا يسمون الذي يجيء عن يمينك فيأخذ إلى شمالك سانحاً، والذي يجيء عن يسارك فيأخذ غلى يمينك بارحاً، والذي يستقبلك ناطحاً وكافحاً، والذي يجيء من خلفك قعيداً، والذي يعرض في كل وجه متيحاً، فمنهم من كان يتشاءم بالبارح ويتيمن بالسانح، ومنهم من كان يتيمن بالبارح ويتشاءم بالسانح، قال زهير:
جرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللقاء
وقال الكميت:
ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب
وكانوا يزجرون بعضب القرن وصحته، والأعضب الذي له قرن واحد، وأما القائف فهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل في
(16/218)

ولده، ويروى عن عوسجة ابن معقب القائف: قال: كنا تسرق نخلنا فنعرف آثارهم، فركبوا الحمر فعرفنا بمس أيديهم والعذوق، فكان القائف سمي قائفاً لأنه يقفو الأثر، يقال: قفا الأثر وقاف الأثر أي تبعه، قال الأصمعي عن أبي طرفة الهذلي قال: رأى قائفان أثر بعير وهما منصرفان من عرفة بعد الناس بيوم أو يومين فقال أحدهما: ناقة، وقال الآخر: جمل، فاتبعاه فإذا هما به، فاطافا به فإذا هو خنثى، ويقال للرجل إذا كان فطناً عارفاً بالأمور: هو عائف وقائف، وكان قوم من العرب لا يتطيرون ولا يتهيبون الطيرة ويفتخرون بتركه ويعدون تركه شجاعة وإقداماً، قال بعض شعرائهم:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وقال آخر:
ولست بهياب إذا اشتد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدماً ... إذا صد عن تلك الهناة الخثارم
(16/219)

الخثارم: المطير، وقيل: العيافة والقيافة، الطرق والخط، وهو أيضاً نوع من الكهانة، وهو أن يخط في الأرض خططاً في الطول، ثم يخط عليها خططاً في العرض، ثم يطرق بالحصى او بالشعير أو بخشبات، ولا يزال يخط ويمحو ويعيد ثم يتكهن عليه، ومن هذا الباب أيضاً علم الكتف وهو أن ينظر في كتف شاة فيحدث بأشياء تكون في العالم مثل الحروب والأمطار والرياح والجدب والخصب وغير ذلك، وهذا يقال له: الكتاف، كأنه أشتق له اسم من الكتف مثل العراف لأن العراف من جنس العيافة، والعيافة والعرافة، سواء، فهذه الأشياء كلها من السحر والكهانة والقيافة والعيافة والخط والطرق والكتف وما أشبهها، قد جاءت فيها الأخبار والروايات، ويطول الخطب بها، وهي كلها مكروهة حرام، فمنها ما جاء فيها التشديد مثل السحر، والكهانة، ومنها ما جاء في القليل منها الرخص والتخفيف مثل القيافة والعيافة والكتف - انتهى.
وهو مسلم له في القيافة، وأما غيرها فمنازع فيه، ثم قال: فأكثر هذه الأشياء أصولها من الأنبياء عليهم السلام، فإذا استعملت بعد النسخ وبعد ما جاء فيها النهي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت حراماً تدعو إلى الكفر والتعطيل وغير ذلك من أنواع الفساد، ثم قال: وما كان من أمر مشركي العرب فقد درس دروساً لا يعرف ولا يحتاج إلى ذكر كيفيته إذ كان متلاشياً لا أثر له،
(16/220)

ولكن لا يستغني الفقهاء والعلماء عن معرفته إذ كان له في القرآن ذكر، وإذ كان واجباً على العلماء تعلم ما في القرآن على حسب طاقتهم، والجهل به نقص عليهم - والله أعلم بالصواب.
(16/221)

قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)
ولما أشار سبحانه بتسمية كلامهم هذا سؤالاً إلى أن مرادهم: فهل أنتم مغنون عنا شيئاً أو حاملون عنا جزءاً من العذاب؟ وكان كأنه قيل: بم أجاب الرؤساء بعد هذا القول من الأتباع؟ قيل: {قالوا بل} أي لم يكن كفرهم سبباً بل: {لم تكونوا مؤمنين *} أي عريقين في هذا الوصف بجبلاتكم فلذلك تابعتمونا فيما أمرناكم به لأنه كان في طبعكم، وهذا دليل على أن من لم يكن راسخاً في الإيمان كان منهم، ثم أكدوا هذا المعنى بقوله نافين لما أشاروا باليمين إليه: {وما كان} أي كوناً ثابتاً {لنا عليكم} وأعرقوا في النفي بقولهم: {من سلطان} أي فأكرهنا بذلك السلطان، إنما تبعتمونا باختياركم وهو معنى {بل كنتم} أي جبلة وطبعاً {قوماً} أي ذوي قوة وكفاية لما تحاولونه من الأمور {طاغين *} أي مجاوزين لمقاديركم غالين في الكفر مسرفين في المعاصي والظلم، ولذلك أنكم خلق
(16/221)

لا تحتاجون فيه إلى كبير تحرك {فحق علينا} أي كلنا نحن وأنتم بسبب ذلك، وعبروا بما يدل على ندمهم فقالوا: {قول ربنا} أي الذي قابلنا إحسانه إلينا وتربيته لنا بالكفران، وقوله هو الحكم بالضلال لما في قلوبنا من القابلية له والإباء للإيمان، فالحكم بالعذاب.
ولما تصوروا ما صاروا إليه من الخطأ الفاحش عن الطريق الواضح، وعلموا أن مثل ذلك لا يتركه أحد إلا بقهر قاهر فتصوروا أنه ما قسرهم عليه إلا حقوق الكلمة العليا علموا أنهم مثل ما صاروا إلى حكمها في الكفر يصيرون إلى حكمها في العذاب، فقالوا لما دهمهم من التحسر مريدين بالتأكيد قطع أطماع الأتباع عما أفهمه كلامهم من أن الرؤساء يغنون عنهم شيئاً: {إنا} أي جميعاً {لذائقون *} أي ما وقع لنا به الوعيد من سوء العذاب.
ولما قضوا علالة التحسر والتأسف والتضجر، رجعوا إلى إتمام ذلك الكلام فقالوا: {فأغويناكم} أي أضللناهم وأوقعناكم في الغي بسبب حقوق ذلك القول علينا، ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين أيضاً لرد ما ادعاه الأتباع من أنه ما كان سبب إغوائهم إلا الرؤساء: {إنا} أي جميعاً {كنا غاوين *} أي في طبعنا الغواية، وهي العدول عن الطريق المثلى إلى المهالك.
(16/222)

ولما قال لهم الرؤساء ما هو الحق من أمرهم مما أوجب الحكم باشتراكهم، سبب عنه قوله تعالى مؤكداً دفعاً لمن يتوهم اختصاص العذاب بالسبب: {فإنهم} أي الفريقين بسبب ما ذكروا عن أنفسهم {يومئذ} أي يوم إذ كان هذا التقاول بينهم {في العذاب} أي الأكبر {مشتركون *} أي في أصله، وهم مع ذلك متفاوتون في وصفه على مقادير كفرهم كما كانوا متشاركين في السبب متفاوتين في شدتهم فيه ولينهم - هذا وقد قال البخاري في صحيحه في تفسير حم السجدة: وقال المنهال عن سعيد: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} {ولا يكتمون الله حديثاً} {والله ربنا ما كنا مشركين} فقد كتموا في هذه الآية، وقال: {السماء بناها} إلى قوله: {دحاها} فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} إلى {طائعين} فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: {وكان الله غفوراً رحيماً} {عزيزاً حكيماً} {سميعاً بصيراً} فكأنه كان ثم مضى، فقال: {فلا أنساب بينهم} في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور
(16/223)

فصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قوله {ما كنا مشركين} {ولا يكتمون الله حديثاً} فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فنختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده يود الذين كفروا - الآية، وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض، و {دحاها} أي أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله {دحاها} وقوله: خلق الأرض في يومين، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين، وكان الله غفوراً رحيماً، سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلاًّ من عند الله.
وقال في سورة المرسلات: وسئل ابن عباس رضي الله عنهما {هذا يوم لا ينطقون} {والله ربنا ما كنا مشركين} {اليوم نختم على أفواههم} فقال: إنه ذو ألوان، مرة ينطقون ومرة يختم عليهم.
(16/224)

ولما أخبر سبحانه باشتراكهم، استأنف الإخبار بما يهول أمر عذابهم ويشير إلى عمومه في الدارين لكل من شاركهم في الإجرام، فقال مؤكداً دفعاً لظن من ينكر القيامة وظن من يرى الإملاء للمجرم في الدنيا نعمة وينفي كونه نقمة، أو يفعل في التمادي في الإجرام فعل المنكر؛ {إنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء {كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن {نفعل} بهم - هكذا كان الأصل، ولكنه علق بالوصف تعميماً وتعليلاً فقال: {بالمجرمين *} أي كل قاطع لما أمر الله به أن يوصل في الدنيا والآخرة، نمهل ثم نأخذ أخذاً عنيفاً يصير به المشتركون في الظلم أعداء يتخاصمون، ويحيل بعضهم على بعض ثم لا ينفعهم ذلك، بل نشارك بينهم في العقوبة، ثم علل تعذيبه لهم بقوله مؤكداً للتعجب منهم لأن فعلهم هذا أهل لأن ينكر لأن هذه الكلمة لا يصدق عاقل أن أحداً يستكبر عليها لأنه لا شيء أعدل منها: {إنهم كانوا} أي دائماً {إذ قيل لهم} أي من أيّ قائل كان: {لا إله} أي يمكن، وإذا نفي الممكن كان الموجود أولى فإنه لا يوجد إلا ما يمكن وجوده وإن كان واجباً {إلا الله} أي الملك الأعلى المباين لجميع الموجودات في ذاته وصفاته وافعاله كما
(16/225)

هو الحق ليفردوه بالإلهية كما تفرد بالخالقية كما لا يخفى على من له أدنى مسكة بصفات الكمال، وقدم النفي لأن التحلية لا تكون إلا بعد التخلية {يستكبرون *} أي يوجدون الكبر عن الإقرار بهذا الحق الذي لا أعدل منه وعن متابعة الداعي إليه، استكبار من هو طالب للكبر من نفسه ومن غيره لما فيه من العراقة والعتو، فلم يكن لهم مانع من أبواب جهنم السبعة التي جعلت كل كلمة من هذه الكلمة مع قرينتها الشاهدة بإرساله مانعة من باب منها وإلا كان في شيء من ساعات أيامهم - التي هي بعدد حروفهما أربعة وعشرون - خير ينجيهم من المكارة.
ولما أخبر أنهم استكبروا على توحيد الإله، أتبعه الإخبار بأنهم تكلموا في رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما لا يرضاه: فقال: {ويقولون} أي كل حين ما دلوا به على بعدهم عن الإيمان كل البعد بسوقهم لقولهم ذلك في استفهام إنكاري مؤكداً: {إئنا لتاركوا آلهتنا} أي عبادتها، وكان تأكيد أصل الكلام للإشارة إلى أن تكذيبهم صادر منهم مع علمهم بأن كل عالم بحالهم يراهم جديرين بترك ما هم عليه لما جاء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك أعلم بأن ما هم عليه عناد بسوق تكذيبهم على وجه معلوم التناقض بالبديهة بقوله: {لشاعر مجنون *} فإن الجنون
(16/226)

لا نظام معه، والشعر يحتاج إلى عقل رصين وقصد قويم، وطبع في الوزن سليم، أو للإشارة إلى أن إنكار المؤكد إنكار لغيره بطريق الأولى.
ولما كان مرادهم بذلك أن كلامه باطل، فإن أكثر كلام الشاعر غلو وكذب وكلام المجنون تخليط، كان كأنه قال في جوابهم: إنه لم يجىء بشرع ولا بجنون: {بل جاء بالحق} أي الكامل في الحقية.
ولما كان ما جاء به أهلاً لكونه حقاً لأن يقبل وإن خالف جميع أهل الأرض، وكان موافقاً مع ذلك لمن تقرر صدقهم واشتهر اتباع الناس لهم، فكان أهلاً لأن يقبله هؤلاء الذين أنزلوا أنفسهم عن أوج معرفة الرجال بالحق إلى حضيض معرفة الحق على زعمهم بالرجال، فكان مآل أمرهم التقليد قال: {وصدق المرسلين *} أي الذين علم كل ذي لب أنهم أكمل بدور أضاء الله بهم الإكوان في كل أوان، وتقدم في آخر سورة فاطر أنهم عابوا من كذبهم {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم أحد منهم ليؤمنن به فكذبوا} بأن كذبوا سيدهم بهذا الكلام المتناقض.
(16/227)

إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45)
ولما وصلوا إلى هذا الحد من الطغيان، والزور الظاهر والبهتان، تشوف السامع إلى جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهراً له في أسلوب الخطاب إيذاناً بتناهي الغضب، فقال في قالب التأكيد نفياً لما يترجمونه
(16/227)

من العفو بشفاعة من ادعوا أنهم يقربونهم زلفى، ووعظاً لهم ولأمثالهم في الدنيا فيما ينكرونه حقيقة أو مجازاً: {إنكم} أي أيها المخاطبون على وجه التحقير المجرمين {لذائقوا} أي بما كنتم تضيقون أولياء الله {العذاب الأليم *} .
ولما كان سبحانه الحكم العدل فلا يظلم أحداً مثقال ذرة فلا يزيد في جزائه شيئاً على ما يستحق مع أن له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله - كيفما كان - إلا عدلاً قال: {وما} أي والحال أنكم ما {تجزون} أي جزءاً من الجزاء {إلا ما} أي مثل ما. ولما كانوا مطبوعين على تلك الخلال السيئة، بين أنها كانت خلقاً لهم لا يقدرون على الانفكاك عنها بالتعبير بأداة الكون فقال: {كنتم تعملون *} نفياً لوهم من قد يظن أنهم فعلوا شيئاً بغير تقديره سبحانه. ولما كان في المخاطبين بهذا من علم الله أنه سيؤمن، واستثنى من واو «ذائقوا» قوله مرغباً لهم في الإيمان مشيراً إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه من الضلال إلا غش الضمائر بالرياء وغيره، فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار الدقيق: {إلا عباد الله} فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه، وأضافهم زيادة في الاستعطاف إلى الاسم
(16/228)

الأعظم الدال على جميع صفات الكمال، وزاد رغباً بالوصف الذي لا وصف أجلّ منه فقال: {المخلصين *} .
ولما خلصهم منهم، ذكر ما لهم فقال معظماً لهم بأداة البعد: {أولئك} أي العالو القدر بما صفوا أنفسهم عن أكدار الأهوية {لهم رزق معلوم} أي يعلمون غائبه وكائنه وآتيه وطعمه ونفعه وقدره وغبّه وجميع ما يمكن علمه من أموره، وليسوا مثل ما هم عليه في هذه الدار من كدر الأخطار {لا تدري نفس ماذا تكسب غداً} لأن النفس إلى المعلوم أسكن، وبالأنس إليه أمكن.
ولما كان أهل الجنة لا يأكلون تقوتأً واحتياجاً، بل تنعماً والتذاذاً وابتهاجاً، لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، فهي غير محتاجة إلى حفظ الصحة قال: {فواكه} أي يتنعمون بها بما كدروا من عيشهم في الدنيا. ولما كان الذي هو نعيم الجسم لا يحمد غاية الحمد إلا مع العز الذي هو غذاء الروح قال: {وهم مكرمون *} بناه للمفعول إشارة إلى أن وجود إكرامهم من كل شيء أمر حتم لا يكون غيره أصلاً.
ولما كان الإكرام لا يتم إلا مع طيب المقام قال: {في جنات النعيم *} أي التي لا يتصور فيها غيره.
ولما كان التلذذ لا يكمل إلا مع الأحباب، وكانت عادة الملوك الاختصاص بالمحل الأعلى، بين أنهم كلهم ملوك فقال: {على سرر متقابلين *} أي ليس فيهم أحد وجهه إلى غير وجه
(16/229)

الآخر على كثرة العدد. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالشراب، وكان المقصود الطواف فيه، لا كونه من معين، قال: {يطاف} بالبناء للمفعول وكأنها يدلى إليهم من جهة العلو ليكون أشرف لها وأصون، فنبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} أي وهم فوق أسرتهم كالملوك {بكأس} أي إناء فيه خمر، قالوا: وإن لم يكن في الزجاجة خمر فهي قدح، ولا تسمى كأساً إلا والخمر فيها {من معين *} أي من خمر جارية في أنهارها، ظاهرة للعيون تنبع كما تنبع الماء لا يعالجونها بعصير، ولا يحملهم على الرفق بها والتقصير فيها نوع تقصير، قال الرازي: إنما سميت به إما من ظهروها للعين أو لشدة جريها من الإمعان في السير أو لكثرتها من المعن، وهو الكثير، وسمي الماعون لكثرة الانتفاع به، ويقال: مشرب ممعون: لا يكاد ينقطع.
(16/230)

بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54)
ولما كان أول ما يختار في الشراب لونه ثم طعمه، قال واصفاً ما في الكأس من الخمر استخداماً: {بيضاء} أي مشرقة صافية هي في غاية اللطافة تتلألأ نوراً، وأعرق في وصفها بالطيب بجعلها تفسيراً للمعنى في قوله: {لذة للشاربين *} بما كانوا يتجرعون من كأسات الأحزان والأنكاد، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف،
(16/230)

وجمع إشارة إلى أنهم لا يعلونها إلا كذلك بما فيه من مزيد اللذة.
ولما كان قد أثبت لها الكمال، نفى عنها النقص فقال: {لا فيها غول} أي فساد من تصديع رأس أو إرخاء مفصل أو إخماء كبد أو غير ذلك مما يغتال أي يهلك، أو يكون سبباً للهلاك {ولا هم عنها} أي عادة بعد شربها {ينزفون *} أي يذهب شيء من عقولهم وإن طال شربهم وكثر لئلا ينقص نعيمهم ولا ينفذ شرابهم أو ما عندهم من الجدة لكل ما يسر به - على قراءة حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف - مبنياً للفاعل مثل أقل وأعسر - إذا صار قليل المال، أو ذهب عقله، وقراءة الجماعة بالبناء للمفعول يحتمل أن تكون من نزف، وحينئذ يحتمل أن تكون من نفاذ الشراب من قولهم: نزفت الركية، اي ذهب ماؤها، وأن تكون من ذهاب العقل من قولهم: نزف الرجل بالبناء للفاعل ونزف بالبناء للمفعول بمعنى: ذهب عقله بالسكر ويحتمل أن تكون من أنزف وحينئذ يحتمل أن تكون من ذهاب العقل من أنزف الرجل - إذا ذهب عقله بالسكر، وأن تكون من عدم الشراب من قولهم: نزف الرجل الخمرة - سواء
(16/231)

كان مبنياً للفاعل أو للمفعول - إذا أفناها.
ولما كان ذلك كله لا يكمل إلا بالجماع، والخمر أدعى شيء إليه، وهو لا يكمل النعيم به إلا بالاختصاص قال: {وعندهم} نساء من أهل الدنيا وغيرها {قاصرات الطرف} أي لا تطرف واحدة منهن إلى غير زوجها ولا يدعه تناهي حسنها وفرط جمالها طرفها يطرف إلى غيرها {عين *} أي نجل العيون، جمع عيناء، كسرت عينه لمناسبة الياء.
ولما كان أحسن الألوان لا سيما عند العرب الأبيض الأحمر المشرب صفرة أكتسبته صفاء وإشراقاً وبهاء، قال: {كأنهن بيض} أي بيض نعام {مكنون *} أي مصون من دنس يلحقه، وغبار يرهقه، ولمحبة العرب لهذا اللون كانت تقول عن النساء بيضات الخدور لأنه لونه أبيض مشرباً صفرة صافية، وقد صرح امرؤ القيس بهذا في لاميته المشهورة فقال:
كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل
(16/232)

أي مخالطة البياض المائل إلى الحمرة بصفرة، وهو أصفى الألوان واعدلها، يشابه لون نور القمر.
ولما كان ذلك الاجتماع إنما هو للسرور، وكان السرور لا يتم إلا بالمنادمة، وكان أحلى المنادمة ما يذكر بحلول نعمة أو انحلال نقمة، تسبب عن ذلك ولا بد قوله إشارة إلى فراغ البال وصحة العقل بالإصابة في المقال: {فأقبل بعضهم} أي أهل الجنة بالكلام، وأشار إلى أن مجرد الإقبال بالقصد يلفت القلوب إلى سماعه بأداة الاستعلاء فقال: {على بعض} أي لأجل الكلام الذي هو روح ذلك المقام، وأما المواجهة فقد تقدم أنها دائمة، وبين حال هذا الإقبال فقال: {يتساءلون *} أي يتحدثون حديثاً بيناً لا خفاء بشيء منه بما أشار إليه الإظهار بما حقه أن يهتم به ويسأل عنه من أحوالهم التي خلصوا منها بعد أن كادت ترديهم، وسماه سؤالاً لأنه مع كونه أهلاً لأن يسأل عنه - لا يخلو عن سؤال أدناه سؤال المحادث أن يصغي إلى الحديث، وعبر عنه بالماضي إعلاماً بتحققه تحقق ما وقع.
ولما تشوف السامع إلى سماع شيء منها يكون نموذجاً للباقي، أشار إلى ذلك بقوله مستأنفاً: {قال قائل منهم} أي في هذا التساؤل، وشتان ما بينه وبين ما مضى خبره من تساؤل أهل النار.
(16/233)

ولما كان ظنه أنه لا يخلص من شر ذلك القرين الذي يحدث عنه فنجاه الله منه على خلاف الظاهر، فكان ذلك إحدى النعم الكبرى، نبه عليه بالتأكيد فقال: {إني كان لي قرين *} أي جليس من الناس كأنه شيطان مبين {يقول} أي مكذباً بالبعث مستبعداً له غاية الاستبعاد مجدداً لقوله في كل وقت، يريد أن يختدعني بلطافة قياده إلى سوء اعتقاده: {أإنك لمن المصدقين *} أي بالبعث - يوبخني بذلك ويستقصر باعي في النظر استثارة لهمتي وإلهاباً لنخوتي وحميتي، ويكرر الإنكار بقوله: {أإذ متنا} أي فذهبت أوراحنا {وكنا} أي كوناً راسخاً {تراباً وعظاماً} أي فانمحقت أجسامنا التي هي مراكب الأرواح {أإنا لمدينون *} أي لمجزيون بعد ذلك بما عملنا بأن نبعث ونجازى، وكان تأكيده للإشارة منه إلى كل عاقل جدير بأن يكذب بما أقررت به لبعده، أو إلى أنه مكذب به ولو كان مؤكداً.
ولما كان هذا المقال سبباً لعظيم تشوف السامع إلى ما يكون بعده، وكان أهل الجنة من علو المكان والمكانة وصحة الأجسام وقوة التركيب ونفوذ الأبصار بحيث ينظرون ما شاؤوا من النار وغيرها مما دونهم متى شاؤوا، استانف قوله مشيراً إلى أن حاله هذت معلم أنه من أهل النار: {قال} أي هذا القائل لشربه هؤلاء الذين هم كما قال
(16/234)

بعضهم في موشح:
رب شرب كالعقد قد نظموا ... في ثياب طرازها الكرم
فاغتنمت الهنا كما اغتنموا ... وظننت الكؤوس بينهمو
أنجماً في سما الهناء ترى ... كل نجم يغيب في بدر
{هل أنتم مطلعون *} أي شافون قلبي بأن تتركوا ما أنتم فيه من تمام اللذة وتكلفوا أنفسكم النظر معي في النار لتسروني بذلك.
(16/235)

فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62)
ولما كان المحدث عنه المخلصين، وهم أهل الجنة كلهم أو جلهم، وكان الضمير يعود لما سبقه بعينه، وكان مخاطبو هذا القائل إنما هم شربه، وكان من المعلوم مما مضى من التقابل والتواد والتواصل بالمنادمة والتساؤل أنهم ينتدبون ندبهم إليه ويقبلون قطعاً عليه، وكان النافع لنا إنما هو قوله فقط في توبيخ عدوه وتغبيط نفسه ووليه، لم يجمع الضمير لئلا يلبس فيوهم أنه للجميع، وأعاده عليه وحده لنعتبر بمقاله، ونتعظ بما قص علينا من حاله فقال: {فاطلع} أي بسبب ما رأى لنفسه في ذلك من عظيم اللذة إلى أهل النار {فرآه} أي ذلك القرين السوء {في سواء الجحيم *} أي في وسطها وغمرتها تضطرم عليه أشد اضطرام بما كان يضرم في قلبه في الدنيا من الحر كلما قال له ذلك المقال،
(16/235)

وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب كمركز الدائرة، ثم استأنف الإخبار عن مكافأته له بما كان من تقريعه وتوبيخه على التصديق بالآخرة بقوله: {قال} أي لقرينه ذلك.
ولما كان لا يقع في فكر أنه كان يتلفت إلى قوله هذا نوع التفاف لأنه ظاهر البطلان، ولأن هذا القائل محكوم بأنه من أهل الجنة، أكد قوله إشارة إلى أنه كان يؤثر فيه قوله في كثير من الأوقات بما يزينه به الشيطان وتحسنه النفوس بالشهوات، والراحة من كلف الطاعات، وساقه في أسلوب القسم تنبيهاً على التعجب من سلامته منه فقال: {تالله} وزاد التأكيد بعم ما علقه بالاسم الأعظم بالمخففة من المثقلة فقال: {إن كدت لتردين} أي إنك قاربت أن تهلكني وتجعلني في أردأ ما يكون من الأماكن، وفي هذا التأكيد غاية الترغيب في الثبات لمن كان قريباً من التزلزل وفي المباعدة لقرناء السوء.
ولما ذكر سوء ما كان يأتي إليه، ذكر حسن أثر الله سبحانه عنده، فقال لافتاً الكلام إلى صفة الإحسان لأنه مقامه: {ولولا نعمة ربي} أي المحسن إليّ بما رباني به من تثبيتي عن أتباعك والتجاوز عني في مخالطتك {لكنت} كوناً ثابتاً {من المحضرين *}
(16/236)

أي المكرهين على حضور هذا الموطن الضنك الذي أنت فيه، فيالله ما أعظم إحسان هذه الآية في التنفير من العشرة لقرناء السوء لأنها شديدة الخطر قبيحة الأثر، ولقد أبان نظره هذا عن أنه لم يكن أعلى لذة مما كان فيه فليس بأدنى منه، فإنه لا شيء ألذ من رؤية العدو الماكر الذي طالما أحرق الأكباد وشوش الأفكار، في مثل دلك من الإنكار، وعظائم الأكدار، من غمرات النار.
ولما رأى ذاك فيما هو فيه من الجحيم، ورأى نفسه فيما هي فيه من النعيم، ما ملك نفسه أن قال كما يعرض لمن يكون في شدة فيأتيه الفرج فجأة فيصير كأنه في منام أو أضغاث أحلام، لا يصدق ما صار إليه سروراً: {أفما} أي أنحن يا إخواني منعمون مخلدون فيتسبب عن ذلك أنا ما {نحن بميتين *} أي بعد حالتنا هذه، وأكده لأن مثله لأجل نفاسته لا يكاد يصدق، ثم أعرق في العموم بما هو معياره فقال: {إلا موتتنا الأولى} أي التي كانت في الدنيا.
ولما ذكر نعمة الخلاص من الموت، ذكر نعمة الإنقاذ من الأكدار فقال: {وما} {نحن} وأكد النفي فقال: {بمعذبين *} .
ولما تذكر هذا فاستفزه السرور، وازدهته الغبطة والحبور،
(16/237)

لم يملك نفسه أن قال في أسلوب التأكيد لما له في ذلك من النشاط لما له من خرق العادة منبهاً على عظمته لتعظيم الغبطة: {إن هذا} أي الملك الذي نحن فيه {لهو} أي وحده {الفوز العظيم *} أي الذي لا شيء يعدله. ولما دل هذا السياق على عظيم ما نالوه، زاد في تعظيمه بقوله: {لمثل هذا} أي الجزاء {فليعمل العاملون *} أي لينالوه فإنهم يغتنون غنى لا فقر بعده بخلاف ما يتنافسون فيه ويتدالجون عليه من أمور الدنيا، فإنه مع سرعة زواله منغض بكدره وملاله.
ولما فات الوصف هذا التشويق إلى هذا النعيم، رمى في نعته رمية أخرى سبقت العقول وتجاوزت حد الإدراك وعلت عن تخيل الوهم في استفهام منفر من ضده بمقدار الترغيب فيه لمن كان له لب فقال: {أذلك} الجزاء البعيد المنال البديع المثال {خير نزلاً} فأشار بذلك إلى أنه إنما هو شيء يسير كما يقدم للضيف عند نزوله على ما لاح في جنب ما لهم وراء ذلك مما لا تسعه العقول ولا تضبطه الفهوم: {أم شجرة الزقوم *} أي التي تعرفها بأنها في غاية النتن والمرارة، من قولهم: تزقم الطعام - إذا تناوله على كره ومشقة شديدة، وعادل بين ما لا معادلة بينهما بوجه تنبيهاً على ذلك، ولأنهم كانوا يرون
(16/238)

ما سبب ذلك من الأعمال خيراً من أعمال المؤمنين التي سببت لهم النعيم، فكأنهم كانوا يقولون: إن هذا العذاب خير من النعيم، فسيق ذلك كذلك توبيخاً لهم على سوء اختيارهم.
(16/239)

إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70)
ولما كان قد أخبر أن نباتها في النار، فكان ذلك سبباً لزيادة تكذيبهم لأن عدم إيمانهم كان سبباً لضيق عقولهم، قال مؤكداً رداً على من يظن أن سبحانه لا يفتن عباده لأنه غني عن ذلك: {إنا جعلناها} أي الشجرة بما لنا من العظمة {فتنة للظالمين *} أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها كمن هو في الظلام بكونها عذاباً لهم في الأخرى وسبباً لزيادة ضلالهم في الدنيا، ولو وضعوها مواضعها لعلموا أن من جعل في الشجر الأخضر ناراً لا تحرقه يستخرجونها هم متى شاؤوا فيحرقون بها ما شاؤوا من حطب وغيره قادر على أن ينبت في النار شجراً أخضر لا تحرقه النار، ثم نبه على أن محل الفتنة جعلها فيما ينكرونه، فقال تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم معللاً لجعلها فتنة تخالطهم فتحيلهم في الدنيا بحرها وفي الأُخرى بأثرها: {إنها} وحقق أمر نباتها بقوله: {شجرة} وزاد الأمر بياناً بقوله: {تخرج} وأكده بالظرف فقال: {في أصل} أي ثابت وقعر ومعظم وقرار {الجحيم} أي النار الشديدة الاضطرام وفروعها ترتفع إلى دركاتها، ثم زاد ذلك وضوحاً
(16/239)

وتصويراً بقوله: {طلعها} أي الذي هو مثل طلع النخل في نموه ثم تشققه عن ثمرة {كأنه رءوس الشياطين *} فيما هو مثل عند المخاطبين فيه، وهو القباحة التي بلغت النهاية، وهذا المثل واقع في أتم مواقعه سواء كان الشيطان عندهم أسماً للحية أو لغيرها، لأن قبح الشياطين وما يتصل بهم في أنهم شر مخص لا يخلطه خير مقرر في النفوس، ولهذا كان كل من استقبح منظر إنسان أو فعله يقول: كأنه شيطان، كما انطبع في النفوس حسن الملائكة وجلالتهم فشبهوا لهم الصور الحسان، ولذلك سمت العرب ثمر شجر يقال له الأستن بهذا الاسم، وهو شجر خشن مر منتن منكر الصورة.
ولما أثبت أمرها بما هو في غاية الفتنة لها واللطف للمؤمنين، سبب عن الفتنة بها قوله: راداً لإنكارهم أن يأكلوا مما لا يشتهونه ومكذباً لما كانوا يدعون من المدافعة: {فإنهم} أي بسبب كفرانهم بها وبغيرها مما أمرهم الله {لآكلون منها} أي من هذه الشجرة من شوكها وطلعها وما يريد الله بما يؤلم منها. ولما كانوا قد زادوا في باب التهكم في أمرها، زاد التأكيد في مقابلة ذلك بقوله: {فمالئون منها} ومن غيرها في ذلك الوقت الذي يريد الله أكلهم منها {البطون *}
(16/240)

قهراً على ذلك وإجباراً. ولما أحرق أكبادهم من شديد الجوع زيادة في العذاب، ولما جرت العادة بأن الآكل المتنعم يتفكه بعد أكله بما يبرد غلة كبده، قال مشيراً إلى تناهي شناعة متفكههم، وطويل تلهبهم من عطشهم، بأداة التراخي وآلة التأكيد لما لهم في ذلك من عظيم الإنكار: {ثم إن لهم عليها} أي على أكلهم منها {لشوباً} أي خلطاً عظيم الإحراق {من حميم *} أي ماء حار كأنه مجمع من مياه من عصارات شتى من قيح وصديد ونحوهما - نسأل الله العافية.
ولما كان ما ذكر للفريقين إنما هو النزل الذي مدلوله ما يكون في أول القدوم على حين غفلة، وكانوا يريدون الحميم كما يورد الإبل الماء، وكان قوله تعالى {يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 44] يدل على أن ذلك خارجها أو خارج غمرتها، كما تكون الأحواض في الحيشان خارج الأماكن المعدة للإبل، قال مبيناً أن لهم ما هو أشد شناعة من ذلك ملوحاً إليه بأداة التراخي: {ثم إن مرجعهم} أي بعد خروجهم من دار ضيافتهم الزقومية {لإلى الجحيم *} أي ذات الاضطرام الشديد، والزفير والبكاء والاغتمام الطويل المديد، كما أن حزب الله يتقلبون من جنات النعيم إلى جنات المأوى مثلاً إلى جنات عدن إلى
(16/241)

الفردوس التي لا يبغون عنها حولاً كما ينقل أهل السعة والأكابر من أهل الدنيا ضيوفهم في البساتين المتواصلة والمناظر، وينزهونهم في القصور العالية والدساكر.
ولما أخبر عن عذابهم هذا، وكان سببه الجمود مع العادة الجارية على غير الحق، والتقيد بما ألفته النفس ومال إليه الطباع، مما أصّله من يعتقدون أنه أكبر منهم وأتم عقلاً، علل ذلك تحذيراً من مثله لأنه كان سبب هلاك أكثر الخلق، وأكده لأنهم ينكرون ضلال من أصّل لهم، فتلك العوائد من آبائهم وغيرهم فقال: {إنهم ألفوا} أي وجدوا وجدانا ألفوه {آباءهم ضالين *} أي عريقين في الضلال، فما هم فيه لا يخفى على أحد أنه ضلال يتسبب عنه النفرة عن صاحبه {فهم} أي البعداء البغضاء {على آثارهم} أي التي لا تكاد تبين لأحد لخفاء مذاهبها لوهيها وشدة ضعفها وانطماس معالمها، لا على غيرها {يهرعون *} أي كأنهم يلجئهم ملجئ إلى الإسراع، فهم في غاية المبادرة إلى ذلك من غير توقف على دليل ولا استضاءة بحجة
(16/242)

بحيث يلحق صاحب هذا الإسراع من شدة تكالبه عليه شيء هو كالرعدة، وذلك ضد توقفهم وجمودهم فيما أتاهم به رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شجرة الزقوم وغيرها مما هو في غاية الوضوح والجلاء، فأمعنوا في التكذيب به والاستهزاء، وأصروا بعد قيام الدلائل، فكانوا كالجبال ثباتاً على ضلالهم، والحجارة الصلاب الثقال رسوخاً في لازب أوحالهم.
(16/243)

وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)
ولما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد المحبة لهداهم والحزن على ضلالهم، والأسف على غيهم ومحالهم، وكان الضلال مع العقل أولاً، ثم مع وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ثانياً كالمحال، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق: {ولقد ضل قبلهم} أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم {أكثر الأولين *} بحيث إنه لم يمض قرن بعد آدم عليه السلام إلا وكله أو جله ضلال.
ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل، نفى ذلك بقوله مؤكداً لنحو ذلك: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإتيان بما لا ريب فيه من البيان {فيهم منذرين *} أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن البيان، ومع ذلك فغلب عليهم الضلال، وعناد أهل الحق بالمحال، حتى أهلكهم الله بما له من شديد المجال، وهو معنى قوله:
(16/243)

{فانظر} أي فتسبب عن الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم: انظر {كيف} ولما كان ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلاً قال: {كان عاقبة} أي آخر امر {المنذرين} أي في إنا أهلكناهم لتكذيبهم، فاصبر على الشدائد كما صبروا، واستمر على الدعاء بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر الله.
ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم، نبه على حال الطائعين بقوله مستثنياً من ضمير المنذرين: {إلا عباد الله} أي الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه الأعظم {المخلصين *} أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا فيها شوباً لغيره.
ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص، ولذلك كان أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة هم أنزه الخلق، وكان أعلى الخلق من جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى يلحق بهم فيجوز مع فضلهم معالي الجهاد، فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان أكثر تجريداً لنفسه من الشواغل سيراً إلى مولاه وتعريجاً عن كل ما سواه، وكان الأب
(16/244)

الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى الله ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر الماء بين الأرض والسماء، فقال تعالى مؤكداً لما تقدم من أنه دعا إلى التأكيد من أن مكثه في قومه المدة الطويلة مبعد لأن يكونوا وافقوه ومالوا معه وتابعوه، ولأن فعل العرب في التكذيب مع ترادف المعجزات وتواتر العظات عمل من هو مكذب بوقوع النصرة للمرسلين، والعذاب للمكذبين، عطفاً على تقديره: فقاسى الرسل من الشدائد ما لا تسعه الأوراق، وجاهدوهم بأنفسهم والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم: {ولقد نادانا} لما لنا من العظمة {نوح} بقوله
{رب إني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] ونحوه مما أخبر الله عنه به بعد أمور عظيمة لقيها منهم من الكروب، والشدائد والخطوب، لنكشف عنه ما أعياه من أمرهم.
ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة وتطويلها، وكان قد تسبب عن دعائه إجابته، قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة إلى القسم والأداة الجامعة لكل مدح وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا يكاد يصدق، فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير وشدة اعتناء، فكانت الإجابة إجابة من يفعل ذلك وإن
(16/245)

كانت الإفعال بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، لا تحتاج إلى غير مطلق الإرادة: {فلنعم المجيبون *} أي كنا بما لنا من العظمة له ولغيره ممن كان نعم المجيب لنا، هذه صفتنا لا تغير لها.
(16/246)

وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)
ولما كان معنى هذا: فأجبناه إجابة هي النهاية في استحقاق على الممادح من إيصاله إلى مراده من حمله وحمل من آمن به والانتقام ممن كذبه كما هي عادتنا دائماً، عطف عليه قوله: {ونجيناه} أي بما لنا من العظمة {وأهله} أي الذين وافقوه في الدين {من الكرب العظيم *} وهو الأذى من الغرق {وجعلنا ذريته هم} أي خاصة {الباقين *} لأن جميع أهل الأرض غرقوا فلم يبق منهم أحد أصلاً، وأهل السفينة لم يعقب منهم أحد غير أولاده، فأثبناه على نزاهته إن كان هو الأب الثاني، فالعرب والعجم أولاد سام، والسودان أولاد حام، والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج أولاد يافث، فكل من تبع سنته في الخير كان له مثل أجره.
ولما ذكر لأنه بارك في نسله، أعلم أنه أدام ذكره بالخير في أهله فقال: {وتركنا عليه} أي ثناء حسناً، لكنه حذف المفعول
(16/246)

وجعله لازماً، فصار المعنى: أوقعنا عليه الترك بشيء هو من عظمته وحسن ذكره بحيث يعز وصفه {في الآخرين *} أي كل من تأخر عن زمانه إلى يوم الدين. ولما كان قد كتب الله في القدم سلامته من كل سوء على كثرة الأعداء وطول الإقامة فيهم وشدة الخلاف قال تعالى مستأنفاً مادحاً: {سلام} أي عظيم {على نوح} من كل حي من الجن والأنس والملائكة لسلام الله عليه. ولما كان لسان جميع أهل الأرض في زمانه عليه السلام واحداً، فكانوا كلهم قومه، ولم يكن في زمانه نبي، فكانت نبوته قطب دائرة ذلك الوقت، فكان رسالته عامة لأهله، وكان غير الناس من الخلق لهم تبعاً، خصه في السلام بأن قال: {في العالمين} أي مذكور فيهم كلهم لفظاً ومعنى يسلم عليه دائماً إلى أن تقوم الساعة، وخصوصية نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه أرسل إلى جميع الخلق مع اختلاف الألسنة ومع استمرار الرسالة أبد الآباد، وكون شريعته ناسخة غير منسوخة، وكون جميع الخلق في القيامة تحت لوائه، فهناك يظهر تمام ما أوتيه من عموم البعثة إلى ما ظهر منه في الدنيا.
ولما كان التقدير: فعلنا به ذلك لإحسانه، وكان الضالون ينكرون أن تنجو الدعاء إلى الله وأتباعهم منهم، أخبر في سياق التأكيد أنه يفعل بكل محسن ما فعل به فقال {إنا} أي على عظمتنا {كذلك}
(16/247)

أي مثل ذلك الجزاء بالذكر الحسن والنجاة من كل سوء {نجزي المحسنين *} أي الذين يتجردون من الظلمات النفسانية إلى الأنوار الملكية بحيث لا يغفلون عن المعبود، ولا ينفكون لحظة عن الشهود.
ولما أفهمت هذه الجملة - ولا بد - إحسانه إلى المحسن، علل ما أفهمته بقوله: مؤكداً إظهاراً للإقبال عليه بأن ذكره مما يرغب فيه، وتكذيباً لمن كذبه: {إنه من عبادنا} أي الذين هم أهل لأن نضيفهم إلى مقام عظمتنا {المؤمنين *} أي الراسخين في هذا الوصف، المتمكنين فيه، فعلم أن الإيمان هو المراد الأقصى من الإنسان لأنه علل الإنجاء بالإحسان والإحسان بالبيان، ولما أفهم تخصيص ذريته بالبقاء إهلاك غيرهم، وقدم ما هو أهل له من مدحه اهتماماً به وترغيباً في مثله، أخبر عن أعدائه بأنه أوقع بهم لأنهم لم يتحلوا بما كان سبب سعادته من الإيمان بقوله: مشيراً إلى العظمة التي أوجدها سبحانه في إغراقهم بأداة التراخي: {ثم أغرقنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقوم لها شيء {الآخرين *} أي الذي غايروه في الأقوال والأفعال فاستحقوا أضداد أفعالنا معه وهو أهل الأرض كلهم غير أهل السفينة وكلهم
(16/248)

قومه كما هو ظاهر الآيات إذا تؤمل تعبيرها عن الدعوة والإغراق ودعائه عليه السلام عليهم، وظاهر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه في حديث الشفاعة أن الناس يقولون:
«ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض» ، وإنما كانوا قوماً لا أكثر، لأنهم كانوا على لسان واحد قبل بلبلة الألسن باتفاق أهل التأريخ، وذلك كما أن العرب يطلق عليهم كلهم على انتشارهم واتساع بلادهم أنهم قوم، لاجتماعهم في اللسان مع أنهم قبائل لا يحصيهم العد، ولا يجمعهم نسب واحد إلا في إسماعيل عليه السلام، وقيل فيما فوقه، فإن النسابين أجمعوا على أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، قالوا: هو من ولد عدنان، واختلفوا في قحطان أبي اليمن وكذا ثقيف، فقيل: هما من ولد إسماعيل عليه السلام، وقيل لا، ثم من قال: إن ثقيفاً من ولد إسماعيل عليه السلام، قالوا: هو من ولد عدنان، وقال بعضهم: لا، ثم إن من ولد عدنان ربيعة ومضر، ومن دون مضر كنانة وهذيل والقارة وخزاعة وأسد وتميم ومزينة والرباب وضبة وقيس، ودون ذلك باهله وأشجع وفزارة وكنانة وقريش وخلائق، ومن دون ربيعة بكر بن وائل وغيرهم، ومن دون ذلك شيبان وعبد القيس والنمر وخلائق، ودون قحطان أبي اليمن لخم وجذام وعائلة وغسان وكندة وهمدان والأزد، ومنهم الأنصار وخلائق غير ذلك،
(16/249)

فهؤلاء كلهم - على هذا التشعب والانتشار والاختلاف في الأديان، بل وفي بعض اللغة - يسمون أمة واحدة وقوماً لجمع اللسان لهم في أصل العربية، وبنو إسحاق ليسوا منهم بلا خلاف، مع أنهم أولاد عمهم لمخالفتهم لهم في اللسان على أنهم أقرب من قحطان وثقيف في النسب عند من قال إنهم ليسوا من ولد إسماعيل عليه السلام، وكذا بنو إسحاق عليه السلام افترقوا بافتراق اللسان فبنوا إسماعيل قوم وبنو العيص - وهم الروم - قوم وكذا سائر الأمم إنما يفرق بينهم اللسان وعموم دعوته لبني آدم عليه السلام على هذا الوجه لا يقدح في خصوصية نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعموم الدعوة والأرسال إلى غير قومه، أما العموم فإنه أرسل إلى كل من ينوس من الإنس والملائكة والجن، وأما دعاء الأقوام فالمراد أنه أرسل إلى الموافق في اللسان والمخالف فيه، وأما غيره فما أرسل إلى من خالفه في اللسان ولا إلى غير جنسه وإن كان يندب له أنه يأمر بالمخالفين في اللسان وينهاهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير وجوب، ولو سلمنا في نوح عليه السلام أنه لم يبعث إلى جميع أهل الأرض انتقض بآدم عليه السلام فإنه نبي مرسل، كما روى ذلك الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر وأبو بكر بن أبي شيبة والحارث
(16/250)

بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم والطبراني في معجمه الأوسط عن أبي أمامة الباهلي وأبي ذر رضي الله عنهما وفي بعض طرق أبي ذر التصريح بالإرسال ولا يشك أحد أنه كان رسولاً إلى جميع من أدركه من أولاده، وهم جميع أهل الأرض، وكذلك نوح عليه السلام، لا يشك أحد أنه كان بعد الغرق رسولاً إلى جميع أهل السفينة كما كان قبل ذلك: وهم جميع أهل الأرض، فما قدمت من أن الخصوصية بالإرسال إلى ذوي الألسن المختلفة من جميع بني آدم، وإلى المخالف في الجنس من كل من ينوس هو المزيل للإشكال - والله الموفق.
(16/251)

وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87)
ولما كان لإبراهيم عليه السلام من التجرد عن النعوت البشرية والعلائق النفسانية إلى الأحوال الملكية ما لم يكن لمن بينهما من النبيين من المصارحة بالمعارضة لقومه، والإبلاغ فيها بكسر الأوثان، وتوهية مذهب الكفران، والانفراد عما سوى الله في غمرات النيران، حتى عن الدعاء بقلب أو لسان فناء عن جميع الأكوان، ثم الهجرة عن الأوطان، ثم بالخروج عن الأحباب والأخوان، بوضع ابنه بكره وسريته في ذلك المكان، الذي ليس به إنس ولا جان، ثم بمعالجة ذبحه بأتم قوة وأقوى جنان، ثم ببناء البيت ذوي الأركان، قبلة للمتجردين من أهل الإيمان في كل أوان، عما سوى الملك الديان، يصفون عند كل
(16/251)

صلاة مثل صفوف الملائكة الكرام، وكان موافقاً لنوح عليه السلام مع ما تقدم في البركة في نسله بحيث إنهم قريب نصف أهل الأرض الآن، وكان أشهر أمره في النار التي هي ضد أشهر أمر نوح عليه السلام في الماء، تلاه به فقال مؤكداً إظهاراً أيضاً لما له من الكرامة والمنزلة العالية في الإمامة، المقتضية للنشاط في الثناء عليه، المنبهة على ما ينبغي من إتمام العزم في متابعته، وتكذيباً لمن ادعى أنه ابتدع وخالف من كان قبله: {وإن من شيعته} أي الذين خالط سره سرهم ووافق أمره أمرهم، في التصلب في الدين والمصابرة للمفسدين {لإبراهيم *} ثم علق بمعنى المشايعة بياناً لما كانت به المتابعة قوله على تقدير سؤال من قال: متى شايعه؟ {إذا} أي حين {جاء ربه} أي المحسن في تربيته {بقلب سليم *} أي بالغ السلامة عن حب غيره، والمجيء مجاز عن الإخلاص الذي لا شائبة فيه كما أن الآتي إليك لا يكون شيء من بدنه عند غيرك، ثم أبدل من ذلك ما هو دليل عليه فقال: {إذ قال لأبيه} أي الذي هو أعظم الناس عنده وأجلهم في غينه وأعزهم لديه {وقومه} أي الذين لهم من القوة والجدود ما تهابهم به الأسود: {ماذا} أي ما الذي {تعبدون *} تحقيراً لأمرهم وأمر معبوداتهم منبهاً على أنه لا علة لهم في الحقيقة تحمل على عبادتها غير
(16/252)

مكترث بكثرتهم ولا هائب لقوتهم ولامراع لميل الطبع البشري إلى مودتهم.
ولما لوح لهم بالإنكار، صرح فقال مقدماً للمفعول تخصيصاً: {أئفكاً} أي صرفاً للحق عن وجهه إلى قفاه. ولما جعل معبوداتهم نفس الإفك، أبدل منه قوله: {آلهة} ثم حقر شأنهم بقوله: {دون الله} أي الذي لا كفوء له {تريدون *} ولما كان قد غلب عليه الشهود عند تحقيره لهم، سبب عن ذلك تهديداً على فعلهم عظيماً، فقال مشيراً إلى أنه يكفي العاقل في النهي ظن العطب: {فما ظنكم} ولما كان كفران الإحسان شديداً، ذكرهم بإحسانه حافظاً لسياق التهديد بالإشارة إلى أنه يكفي في ذلك الخوف من قطع الإحسان فقال: {برب العالمين *} اي الذي توحد بخلق جميع الجواهر والأعراض وتربيتهم فهو مستحق لتوحيدهم إياه في عبادتهم، أتظنون أنه لا يعذبكم وقد صرفتم ما أنعم به عليكم إلى عبادة غيره، إشارة إلى إنكار تجويز مثل هذا، وأن المقطوع به أن محسناً لا يرضى بدوام إدرار إحسانه إلى من ينسبه إلى غيره.
(16/253)

فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)
ولما أفهم السياق شدة عداوته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان الله تعالى قد أجرى عادته بأن جعل في النجوم أدلة على بعض المسائل الظنية لا سيما البحرانات في أنواع الأسقام، وكان أهل تلك البلاد
(16/253)

وهم الكسدانيون كما تقدم في الأنعام وكما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وكما دلت عليه كتب الفتوحات - من أشد الناس نظراً في النجوم والاستدلال بها على أحوال هذا العالم في بعض ما كان وبعض ما يكون، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريد أن يتخلف عن الذهاب معهم إلى المحل الذي يجتمعون فيه للعيد ليكسر الأصنام ويريد إخفاء وقت الكسر عليهم ليتمكن من ذلك، قال تعالى حاكياً عنه مشيراً إلى ذلك بالتسبب عما مضى: {فنظر نظرة} أي واحدة {في النجوم *} حين طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيدهم لئلا ينكروا تخلفه عنهم موهماً لهم أنه استدل بتلك النظرة على مرض باطني يحصل له، لأنهم ربما أنكروا كونه مريضاً إذا أخبرهم بغير النظر في النجوم لأن الصحة ظاهرة عليه {فقال} أي عقب هذه النظرة موهماً أنها سببه.
ولما كان بدنه صحيحاً فكان بصدد أن يتوقف في خبره، أكد فقال: {إني سقيم *} فأوهم أن مراده أنه مريض الجسد وأراد أنه مريض القلب يسبب آلهتهم، مقسم الفكر في أمرهم لأنه يريد أمراً عظيماً وهو كسرها، ومادة «سقم» بتقاليبها الخمسة: سقم سمق قسم قمس مقس، تدور على القسم، فالسقام كسحاب وجبل وقفل: المرض، أي
(16/254)

لأنه يقسم القوة والفكر، وقال ابن القطاع: سقم: طاولة المرض. وقسمه جزأه، والدهر القوم: فرقهم، والقسم - بالكسر: النصيب والقسم أي بالفتح: العطاء، ولا يجمع، والرأي والشك والعيب والماء والقدر والخلق والعادة، ويكسر فيهما، والتفريق ظاهر في ذلك كله، أما العطاء فيفرق المال ويقسمه، والرأي يقسم الفكر والشك كذلك والعيب يقسم العرض والماء في غاية ما يكون من سهولة القسم، والقدر يفصل صاحبه من غيره، وكذا الخلق والعادة، والمقسم كمعظم: المهموم - لتوزع فكره، والجميل - لأنه يقسم القول في وصفه، والقسم محركة: اليمين بالله، وقد أقسم، أي أزال تقسيم الفكر، والقسامة: الحسن - لأنه يوزع فكر الناظر وجونة العطار - كذلك لطيب ريحها والقسام - كسحاب: شدة الحر - لأنها تزعج الفكر فتقسمه، أو هو أول وقت الهاجرة أو وقت ذرور الشمس، وهي حينئذ أحسن ما تكون مرآة - فينقسم الفكر فيها لحسنها إذ ذاك وما يطرأ عليها بعده. والقمس: الغوص - لأن الغائص قسم الماء بغوصه، والقمس أيضاً اضطراب الولد في البطن لأنه يقسم الفكر، ويكاد أن يقسم البطن باضطرابه، والقاموس: معظم البحر - لأن البحر قسم الأرض، ومعظمه
(16/255)

أحق بهذا الاسم، والقوامس: الدواهي - لتقسيمها الفكر، وانقمس النجم: غرب، أي أخذ قسمه من الغروب كما أخذه من الشروق، أو أزال التقسيم بالسير، ومقسه في الماء: غطه - فانقسم الماء بغمسه فيه، والقربة: ملأها، فصير فيها من الماء ما يسهل قسمه، وأخذه الماء الذي وضعه فيها تقسيم للماء المأخوذ منه، ومقس الشيء: كسره، والماء: جرى - فانقسم وقسم الأرض، وهو يمقس الشعر كيف شاء، أي بقوله فيقسمه من باقي الكلام، والتقميس في الماء: الإكثار من صبه، فإن ذلك تقسيم له، وسمق سموقاً: علا وطال فصار بطوله يقبل من القسمة ما لا يقبله ما هو دونه.
ولما فهموا عنه ظاهر قوله، وظنوا فيه ما يظهر من حاله، ولكنهم لم يسعهم لعظمته فيهم إلا التسليم، تركوه فقال تعالى مسبباً عن قوله مشيراً إلى استبعادهم مرضه بصيغة التفعل: {فتولوا} أي عالجوا أنفسهم وكلفوها أن انصرفوا {عنه} إلى محل اجتماعهم وإقامة عيدهم وأكد المعنى ونص عليه بقوله: {مدبرين *} أي إلى معبدهم فخلا له الوقت من رقيب {فراغ} أي ذهب في خفية برشاقة وخفة، ونشاط وهمة، قال البيضاوي: وأصله الميل بحيلة {إلى آلهتهم} أي أصنامهم التي زعموها آلهة، وقد وضعوا عندها طعاماً، فخاطبها مخاطبة من يعقل لجعلهم إياها بذلك في عداد من يعقل {فقال} منكراً عليها
(16/256)

متهكماً بها ظاهراً وموبخاً لقومه حقيقة: {ألا تأكلون *} ثم زاد في إظهار الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها فقال: {ما} أي أيّ شيء حصل {لكم} في أنكم {لا تنطقون *} .
ولما أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطناً من الحجة فقال: {فراغ} أي سبب عن إقامته الحجة أنه أقبل مستعلياً {عليهم} بغاية النشاط والخفة والرشاقة يضربهم {ضربا باليمين *} أي بغاية القوة، وجعل السياق للمصدر إشارة إلى قوة الهمة بحيث صار كله ضرباً. ولما تسبب عن ذلك أنهم لما علموا بكسرها ظنوا فيه لما كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ليكيدنها فأتوه، أخبر عن ذلك بقوله مسبباً: {فأقبلوا} ودل على أنه من مكان بعيد بقوله: {إليه يزفون *} أي يسرعون، وقراءة حمزة بالبناء للمفعول أدل على شدة الإسراع لدلاتها على أنهم جاؤوا على حالة كان حاملاً يحملهم فيها على الإسراع وقاهراً يقهرهم عليه من شدة ما في نفوسهم من الوجد.
ولما كان من المعلوم أنهم كلموه في ذلك فطال كلامهم، وكان تشوف النفس إلى جوابه أكثر، استأنف الخبر عنه في قوله: {قال} غير هائب لهم ولا مكترث بهم لرؤيته لهم فانين منكراً عليهم: {أتعبدون} وندبهم بالمضارع إلى التوبة والرجوع إلى الله، وعبر بأداة ما لا يعقل
(16/257)

كما هو الحق فقال: {ما تنحتون *} أي إن كانت العبادة تحق لأحد غير الله فهم أحق أن يعبدوكم لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم.
ولما كان المتفرد بالنعمة وهو المستحق للعبادة، وكان الإيجاد من أعظم النعم، وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها إلى ما صارت إليه من الشكل، قال تعالى مبيناً أنه هو وحده خالقهم وخالق أعمالهم التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي، وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في الخلق فلا مدخل لها في العبادة: {والله} أي والحال أن الملك الأعظم الذي لا كفوء له {خلقكم} أي أوجدكم على هذه الأشكال {وما تعملون *} أي وخلق عملكم ومعمولكم، فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني، ومعلوم أنه لا يعبد إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على النعمة إلا ربها.
(16/258)

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)
ولما كان السامع يعلم أنهم لا بد وأن لا يجيبوه بشيء، فتشوف إلى ذلك، أجيب بقوله: {قالوا ابنوا له} أي لأجله {بنياناً} أي من الأحطاب حتى تصير كالجبل العظيم، فاحرقوها حتى يشتد لهبها جداً فيصير جحيماً {فألقوه في} ذلك {الجحيم *} أي معظم النار، وهي على أشد ما يكون إيقاداً.
ولما كان هذا مسبباً عن إرادتهم لإهانته قال: {فأرادوا به} أي إبراهيم عليه السلام بسبب هذا الذي عملوه {كيداً} أي تدبيراً
(16/258)

يبطل أمره ليعلوا أمرهم ولا يبطل بما أظهر عن عجزهم دينهم {فجعلناهم} أي بعظمتنا بسبب عملهم {الأسفلين *} المقهورين بما أبطلنا من نارهم وجعلناها عليه برداً وسلاماً بضد عادتها في العمل، فنفذ عملنا وهو خارق للعادة وبطل عملهم الذي هو على مقتضى العادة، فظهر عجزهم في فعلهم كما ظهر عجزهم في قولهم، بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليه السلام، وظهرت قدرتنا واختيارنا، وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر والخبث والاحتيال والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف، فكل هذه المعاني - كما ترى - تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي.
ولما كان التقدير: فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى العناد، عطف عليه قوله: {وقال} أي إبراهيم عليه السلام لمن يتوسم فيه أن كلامه يحييه من موت الجهل مؤكداً لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق به: {إني ذاهب} أي مهاجر من غير تردد، قالوا: وهو أول من هاجر من الخلق {إلى ربي} أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إليّ بالهجرة إليه، فلا يحجر عليّ أحد في عبادته فيه.
(16/259)

ولما كان حال سامعه جديراً بأن يقول: من لك بالمعرفة بما يحصل قصدك هذا من التعريف بالموضوع وبما تفعل فيه مما يكون به الصلاح، وما تفعل في التوصل إليه؟ قال: {سيهدين *} أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه إلى كل ما فيه تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها، وهو لا يأمر بشيء إلا نصب عليه دليلاً يهدي إليه، ويسهل لقاصدة المجتهد في أمره سبيله، وقد اختلفت العبارات عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية، فهذه العبارة عن أمر الخليل عليه السلام، وعبر عن أمر الكليم عليه السلام بقوله {ولما جاء موسى لميقاتنا} [الأعراف: 143] وعن أمر الحبيب عليه السلام بقوله {سبحان الذي أسرى بعبده} [الأسراء: 1] قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات: إبراهيم عيله السلام كان بعين الفرق - يعني أنه بعدما كان فيه من الجمع حين كسر الأصنام من الفناء عما سوى الله رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ذلك - وموسى عيله السلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب إليه قولاً، ثم أخبر أنه قال {رب أرني} فلم ير غيره سبحانه فطلب أن يريه وهذا هو الفناء، ونبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعين جمع الجمع - لأن لم ينسب إليه قول ولا فعل، بل هو المراد إلى أن قال {لنريه من آياتنا} فهذا هو الفناء حتى عن الفناء، ثم قال: {أنه هو
(16/260)

السميع البصير} فأثبت له مع ذلك الكمال.
ولما لم يجد له معيناً على الهجرة غير لوط ابن أخيه عليهما السلام، قال منادياً مناداة الخواص بإسقاط الأداة: {رب} أي أيها المحسن إلي {هب لي من} أي ولداً من {الصالحين *} وأسقط الموصوف لأن لفظ الهبة غلب في الولد، فتسبب عن دعوته أنا استجبناها له {فبشرناه بغلام} أي بذكر في غاية القوة التي ينشأ عنها الغلمة.
ولما كان هذا الوصف ربما أفهم الطيش، وصفه بما أبقى صفاءه ونفى كدره فقال: {حليم *} أي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة، لأنه في غاية الرزانة والثبات، فيكون ذلك إشارة إلى حصول بلاء ما يتبين به أنه سر أبيه أن إبراهيم لحليم، والحلم لا يكون إلا بعد العلم، ورسوخ العلم سبب لوجود الحلم، وهو اتساع الصدر لمساوىء الخلق ومدانىء أخلاقهم، وهذا الولد هو إسماعيل عليه السلام بلا شك لوجوه: منها وصفه بالحليم، ووصف إسحاق عليه السلام في سورة الحجر بالعليم، ومنها أن هذا الدعاء عند الهجرة حيث كان شاباً يرجو الولد، وهو بكره الذي ولد له بهذه البشرى، وهو الذي كان بمكة موضع الذبح، فجعلت
(16/261)

أفعاله في ذبحه مناسك للحج في منى كما جعلت أفعال أمه في مكة المشرفة أول أمره عندما أشرف على الموت من العطش مناسك ومعالم هناك، وأما إسحاق عليه السلام فأتته البشرى فجأة وهو لا يرجو الولد لكبره ويأس أمرأته، ولذلك راجع في أمره ولم ينقل أنه فارق أمه من بيت المقدس، ولو كان هو الذبيح لذكره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوصفه حين سئل عن الأكرم فقال: «يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» ، والرواية التي وردت بالإشارة إلى أنه الذبيح ضعيفة، بل صرح شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأن في سندها وضاعاً، ولأن هذه السورة سورة التنزيه، فأحق الناس بالذكر فيها - كما سلف - أعرق الناس في قدم التجريد، وهو أولى الناس بذلك من حين كان حملاً إلى أن عولج ذبحه، ولم يذكر ظاهراً، فلو لم يكن المراد بهذا الكلام لكان ترك في هذه السورة - التي حالها هذا - من هو أرسخ الناس في الوصف المقصود بها، وذلك خارج عن نهج البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال، بل هذا الحال لا يقتضي ذكر إسحاق عليه السلام، لأنه لم يعلم له تجرد متفق عليه، وما كان ذكره إلا لبيان جزاء إبراهيم عليه السلام لما اقتضاه مقامه في الاجسان في باب التجريد والفناء - والله الموفق.
(16/262)

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)
ولما كانت البشرى من الله لا تتخلف، كان التقدير: فولد له غلام كما قلنا {فلما بلغ} أن يسعى كائناً {معه} أي مع أبيه خاصة ومصاحباً له {السعي} الذي يرضى به الأب ويوطن نفسه عنده على الولد ويثق به، ولا يتعلق مع مبلغ لاقتضائه بلوغهما معاً حد السعي، ولا معنى لذلك في حق إبراهيم عليه السلام ولا بالسعي، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، ولو أخر عنه لم يفد الاختصاص المفهم لصغر سنه المفيد للإعلام بأن يبلغ في ذلك معه ما لا يبلغه مع غيره لعظيم شفقة الأب، واستحكام ميل الابن الموجب لطاعته، واختلف العلماء في تقدير ذلك بالسن فقال بعضهم: ثلاث عشرة سنة، وبعضهم: سبع سنين، ولذلك قيده بالأب لأن غيره لا يشفق على الولد فيكلفه ما ليس في وسعه، وهو لم يبلغ كمال السعي {قال} أي إبراهيم عليه السلام: {يا بني} منادياً له بصيغة التعطف والشفقة والتحبب، ذاكراً له بالمضارع الحال الذي رآه عليه ومصوراً له، لا لتكرار الرؤيا فإنه غير محتاج إلى التكرار ولا إلى التروي، فإن الله تعالى أراه ملكوت السماوات والأرض، وأكد لما في طباع البشر من إحالة أن يقال ذلك على حقيقته، وإعلاماً بأنه منام وحي لا أضغاث أحلام:
(16/263)

{إني أرى في المنام} أي وأنت تعلم أن رؤيا الأنبياء وحي {أني أذبحك} أي أعالج ذبحك في اليقظة بأمر من الله تعالى ولذلك كان كما قال، ولو عبر بالماضي لمضى وتم، وإنما كان في المنام في هذا الأمر الخطر جداً ليعلم وثوق الأنبياء عليهم السلام بما يأتيهم عن الله في كل حال.
ولما كان الأنبياء عليهم السلام أشفق الناس وأنصحهم، أحب أن يرى ما عنده، فإن كان على ما يحب سر وثبته وإلا سعى في جعله على ما يحب فيلقى البلاء وهو أهون عليه، ويكون ذلك أعظم لأجره لتمام انقياده، ولتكون المشاورة سنة، فإنه «ما ندم من استشار» سبب عن ذلك قوله: {فانظر} بعين بصيرتك {ماذا} أي ما الذي {ترى} أي في هذه الرؤيا، فهو اختبار لصبره، لا مؤامرة له {قال} تصديقاً لثناء الله عليه بالحلم: {يا أبت} تأدباً معه بما دل على التعظيم والتوفير {افعل ما تؤمر} أي كل شيء وقع لك به أمر من الله تعالى ويتجدد لك به أمر منه سبحانه لأني لا أتهمك في شفقتك وحسن نظرك، ولا أتهم الله في قضائه، والقصة دليل على وقوع الأمر بالممتنع لغيره ولأكثر الأوامر منه، وقد تقدم ذلك في البقرة عند {ءأنذرتهم أم لم تنذرهم} [
(16/264)

البقرة: 6] .
ولما علم طاعته، تشوف السامع إلى استسلامه وصبره، فاستأنف قوله: {ستجدني} أي بوعد جازم لا تردد فيه صادق كما أخبر الله تعالى عنه، لا خلف فيه، وكان صادق الوعد.
ولما كان من أخلاق الكمل عدم القطع في المستقبلات لما يعلمون من قدرة الله تعالى على نقض العزائم بالحيلولة بين المرء وقلبه قال: {إن شاء الله} أي الذي اختص بالإحاطة بصفات الكمال؛ وأكد وعده بهذا الأمر الذي لا يكاد يصدق مثله بقوله: {من الصابرين} أي العريقين في الصبر البالغين فيه حد النهاية، وهو من أعظم ما أريد بقوله {وكان صادق الوعد} [مريم: 54] .
ولو بيد الحبيب سقيت سماً ... لكان السم من يده يطيب
وجعل هذا الأمر العظيم في المنام دلالة على صدق أحوال الأنبياء نوماً ويقظة، وصدق عزائمهم وانقيادهم لجميع الأوامر في جميع الأحوال، وروي أن الشيطان وسوس له في ذبحه فعرفه فرماه بسبع حصيات فصار ذلك شريعة في الجمار، ومن ألطف ما في ذلك أنهم لما كانوا في نهاية التجرد عن علائق الشواغل جعلت أفعالهم شعائر وشرائع لعبادة الحج التي روحها التجرد للوفود إلى الله تعالى.
ولما وثق منه، بادر إلى ما أمر به، ودل على قرب زمنه من زمن هذا القول بالفاء فقال: {فلما أسلما} أي ألقيا بالفعل على غاية الإخلاص حين المباشرة بجميع قواهما في يد الأمر، ولم يكن عند أحد منهما شيء من إباء ولا امتناع ولا حديث نفس في شيء من ذلك
(16/265)

{وتلّه} أي صرعه إبراهيم عليهما السلام صرعاً جيداً سريعاً مع غاية الرضا منه والمطاوعة من إسماعيل عليه السلام، ودل على السرعة باللام الواقعة موقع «على» فقال: {للجبين *} أي أحد شقي الجبهة، وهي هيئة إضجاع ما يذبح، وهذا من قولهم: تله - إذا صرعه، وبه سمي التل من التراب، وتلك فلاناً في يدك أي دفعته سلماً، والجبين - قال في الصحاح: فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها.
ولما كان من الواضح أن التقدير جواباً لما عالج ذبحه بعزم أمضى من السنان، وجنان في ثباته أيما جنان، فمنعناه من التأثير بقدرتنا، ورددنا شفرته الماضية عن عنقه اللينة بأيدينا وقوتنا، عطف عليه قوله: {وناديناه} وفخم هذا النداء بحرف التفسير فقال: {إن يا إبراهيم*} ولما كان محل التوقع الثناء عليه قال: {قد صدقت} أي تصديقاً عظيماً {الرؤيا} في أنك تذبحه، فإنك قد عالجت ذلك، وبدلت الوسع فيه، وفعلت ما رأيته في المنام، فما انذبح لأنك لم تر أنك ذبحته، فاكفف عن معالجة الذبح بأزيد من هذا. ولما كان التقدير: فجزيناك على ذلك لإحسانك فوق ما تحب، وجعلناك إماماً للمتقين، ووهبناك لسان صدق في الآخرين، وجعلنا آلك هم المصطفين، وملأنا منهم الخافقين، علله بأن ذلك سنته دائماً قديماً وحديثاً فقال ما يأتي.
(16/266)

ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في همة الذبح وعزمه، فكانت تلك الهمة التي تقصر عنها رتبها السها والسماك، والعزمة التي تتضاءل دون عليّ مكانتها وسني عظمتها عوالي الأفلاك، لا تسكن عن ثورانها، ولا تبرد عن غليانها وفورانها، إلا بأمر شديد، وقول جازم أكيد، قال مؤكداً تنبيهاً على أن همته قد وصلت إلى هذا حده، وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة بالنهي: {إنا كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *} .
ولما كان جزاءه عظيماً جداً، دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله معجباً ومعظماً مؤكداً تنبيهاً على أنه خارق للعادة: {إن هذا} أي الأمر والطاعة فيه {لهو البلاؤا} أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائناً ما كان {المبين *} أي الظاهر في بابه جداً المظهر لرائيه انه بلاء.
ولما قدم ما هو الأهم من نهيه عن علاجه، ومن البشارة بالجزاء، ذكر فداءه بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر الأيام وتعاقب السنين، ولما كان المفتدى منه من كان الأسير في يده، وكان إسماعيل في يد إبراهيم عليهما السلام، وهو يعالج إتلافه، جعل تعالى نفسه المقدس فادياً لأن الفادي من أعطى الفداء، وهو ما يدفع لفكاك
(16/267)

الأسير، وجعل إبراهيم عليه السلام مفتدى منه تشريفاً له وإن كان في الحقيقة كالآلة التي لا فعل لها، والله تعالى هو المفتدى منه حقيقة فقال: {وفديناه} أي الذبيح عن إنفاذ ذبحه وإتمامه تشريفاً له {بذبح} أي بما ينبغي أن يذبح ويكون موضعاً للذبح، وهو كبش من الجنة، قيل: إنه الذي قربه هابيل فتقبله الله منه {عظيم *} أي في الجثة والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ومجعول ديناً إلى آخر الدهر.
(16/268)

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
ولما كان سبحانه إذا منّ بشيء علم أنه عظيم، فإذا ذكر الفعل وترك المفعول أراد فخامته وعظمته، قال: {وتركنا عليه} أي على الذبيح شيئاً هو في الحسن بحيث يطول وصفه. ولما كان بحيث لا ينسى قال: {في الآخرين *} ومن هذا الترك ما تقدم من وصفه بصدق الوعد، لأنه وعد بالصبر على الذبح فصدق.
ولما عظم الغلام، استأنف تعظيم والده بما يدل مع تشريفه على سلامته بقوله: {سلام على إبراهيم *} أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية وتكريم في الدارين ولما كان هذا خطاباً لمن بعده عليه السلام وهم كلهم محبون مجلون معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال: {كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *}
(16/268)

من غير أن يذكر «أن» المؤكدة، ولما كانت أهل الملل كلها متفقة على حبه، وكان كلهم يدعي اتباعه ورتبة قربه، قال معللاً لجزائه بهذا المدح في سياق التأكيد استعطافاً لهم إلى اتباعه في الإيمان وتكذيباً لمن ينكر أن يكون الإيمان موجباً للإحسان: {إنه من عبادنا} أي الذين يستحقون الإضافة في العبودية والعبادة إلينا {المؤمنين *} فلا يطمع أحد عري عن الإيمان في رتبة أتباعه، قال الرازي: الإيمان المطلق الحقيقي شهود جلال الله ووحدانيته والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه، وترك المشيئة لمشيئته والانقياد لأمره في جميع أحواله. ولما أتم قصته في أمر الذبيح، وشرع في ذكر ما جازاه به على ذلك، جعل منه أمر إسحاق عليه السلام فقال: {وبشرناه} أي جزاء على صبره في المبادرة إلى امتثال الأمر في إعدام إسماعيل عليه السلام {بإسحاق} مولوداً زيادة له بعد ما سلمنا إسماعيل عليه السلام حال كونه {نبياً} أي في قضائنا أو بوجوده مقدرة نبوته. ولما كان هذا اللفظ قد يطلق على المتنبىء، أزال إشكال هذا الاحتمال وإن كان واهياً بقوله: {من الصالحين *} أي العريقين في رتبة الصلاح ليصلح لأكثر الأوصاف الصالحة. ولما أثنى على إبراهيم عيله السلام بما عالج مما لم يحصل لغيره مثله، وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة في ذريته قال: {وباركنا عليه} أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه الذي جر هذا الكلام كله الحديث عنه، وكان آخر ضمير محقق عاد عليه
(16/269)

الهاء في «وفديناه» ثم في «وتركنا عليه في الآخرين» وهذا عندي أولى من إعادة الضمير على إبراهيم عليه السلام لأنه استوفى مدحه، ثم رأيت حمزة الكرماني صنع هكذا وقال: حتى كان محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعرب من صلبه. {وعلى إسحاق} أي أخيه، قال حمزة الكرماني: حتى كان إسرائيل الله والأسباط من صلبه، وقال غيره: خرج من صلبه ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليه السلام.
{ومن ذريتهما} أي الأخوين ولا شك أن هذا أقرب وأقعد من أن يكون الضمير للأب والابن لأن قران الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن مع أبيه في ذلك، فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب {محسن وظالم لنفسه} حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه، وهذا مما يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من البر.
ولما كان الإنسان، وإن اجتهد في الإحسان، لا بد أن يحتاج إلى الغفران، لما له من النقصان، لأن رتبة الإلهية لا تصل إلى القيام بحقها العوائق البشرية، بين أن الظلم المراد هنا إنما هو التجاوز في الحدود بغاية الشهوة فقال: {مبين *} وأما غير ذلك فمغفور كما قرر في نحو {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} «ومن هم بسيئة ولم
(16/270)

يعملها كتبت له حسنة» {وأن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] .
قصة ذبح إبراهيم لولده عليهما السلام من التوارة وبيان أنهم بدلوها، قال مترجمهم: فغرس إبراهيم ببئر سبع غرساً، وبنى هنالك باسم الرب إله العالمين، وسكن إبراهيم أرض فلسطين - يعني عند تلك البئر - أياماً كثيرة. ولما كان من بعد هذه الخطوب امتحن الله إبراهيم، وقال له: يا إبراهيم! فقال: لبيك، فقال له: انطلق بابنك الوحيد إسحاق الذي تحبه إلى أرض الأمورانيين - وفي نسخة: إلى بلدة العبادة - وأصعده إليّ قرباناً على أحد تلك الجبال الذي أقول لك، فأدلج إبراهيم باكراً فأسرج حماره وانطلق بغلاميه وإسحاق ابنه، وشق حطباً للقربان ونهض وانطلق إلى الموضع الذي قال الله له، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم بصره ونظر إلى ذلك الموضع من بعيد فقال لغلاميه: امكثا هاهنا عند الحمار، وأنا والغلام ننطلق إلى هاهنا نصل ونرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب القربان، وحمله إسحاق ابنه، وأخذ معه ناراً وسكيناً، وانطلقا كلاهما جميعاً، وقال إسحاق لأبيه إبراهيم: يا أبة، فقال له: لبيك، فقال له: هذه النار والحطب،
(16/271)

أين حمل القربان، فقال إبراهيم: الله يعد لنا حملاً للقربان يا بني، فانطلقا جميعاً حتى انتهيا الى الموضع الذي قال الله، فبنى هنالك إبراهيم مذبحاً ونضد عليه الحطب وكتف إسحاق فوضعه في أعلى المذبح على الحطب، ومد يده إبراهيم فأخذ السكين ليذبح ابنه، فدعاه ملاك الرب من السماء وقال: يا إبراهيم يا إبراهيم، فقال: لبيك! فقال: لا تبسط يدك على الغلام ولا تصنع به شيئاً لأنك قد أظهرت الآن أنك تتقي الله إذا لم تمنعني ابنك الوحيد، فمد إبراهيم بصره فإذا كبش معلق في شجرة بقرنيه، فانطلق إبراهيم فأخذ الكبش فأصعده قرباناً بدل ابنه اسحاق، فسمى إبراهيم ذلك الموضع «الله يتجلى» كما يقال: الله في هذا الجبل، الله يتجلى، فدعا ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال: بي أقسمت، يقول الرب: بدل ما صنعت هذا الصنيع ولم تمنعني ابنك الوحيد لأباركنك بركة تامة ولأكثرن نسلك مثل كواكب السماء، ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر ويرث زرعك أراضي أعدائي وفي نسخة: أعداءه - ويتبارك بنسلك جميع الشعوب لأنك أطعتني، فرجع إبراهيم إلى غلاميه وانصرفوا جميعاً إلى بئر السبع وأقام ثمًّ - وفي نسخة: وسكن إبراهيم
(16/272)

بئر السبع - انتهى ما عندهم بلفظه فانظر إليه واجمع بينه وبين ما تقدم في البقرة من قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام تجدهم قد بدلوها بلا شك، لأن الكلام ينقض بعضه بعضاً، وذلك أنه قال في هذه القصة «انطلق بابنك الوحيد» وكرر وصفه بالوحيد في غير موضع، وهذا الوصف إنما يكون حقيقة لإسماعيل عليه السلام وهو دون البلوغ، وأما إسحاق عليه السلام فلم يكن وحيداً ساعة من الدهر، بل ولد وإسماعيل عليه السلام ابن ثلاث عشرة سنة ونيف بشهادة ما عندهم من التوراة، وقوله في آخر القصة «ويتبارك بنسلك جميع الشعوب» لا يكون في غاية الملاءمة إلا لإسماعيل عليه السلام، وأما إسحاق عليه السلام فإنما بورك بنسله الأراضي المقدسة فقط، ولم يتبعهم من غيرهم إلا قليل، بل كانوا هم في كل قليل يتبعون غيرهم على عبادة أوثانهم بشهادة توراتهم وأسفار أنبيائهم يوشع بن نون ومن بعده عليهم السلام، وأما نسل إسماعيل عليه السلام فتبعهم على الدين الحق من جميع الأمم ما لا يحصى عدده ولم يتبعوا هم بعد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحداً من الأمم على عبادة غير الله - هذا وفي المتقدم في سورة البقرة أن هبة سارة أمتها هاجر رضي الله عنها لإبراهيم عليه السلام كان بعد أن سكن كنعان
(16/273)

بعشر سنين، وأن إسماعيل عليه السلام ولد لإبراهيم عليه السلام وهو ابن ست وثمانين سنة، وأن الله تعالى أمره بالختان وهو ابن تسع وتسعين سنة، وأنه في ذلك الوقت بشر بإسحاق عليه السلام، فختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وثم ولد له إسحاق عليه السلام وقد أتى عليه مائة سنة، ثم قال ما نصه: وصنع إبراهيم يوم فطم إسحاق ابنه مأدبة عظيمة فأبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود لإبراهيم عليه السلام لاعباً، فقالت لإبراهيم عليه السلام: أخرج هذه الأمة عني، لأن ابن الأمة لا يرث مع إسحاق ابني، فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان ابنه، فقال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك، أطع سارة في جميع ما تقول لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق، وابن الأمة أجعله لشعب كثير لأنه من ذريتك، فغدا إبراهيم عليه السلام باكراً وأخذ خبزاً وإداوة من ماء، فأعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام - إلى آخر ما في البقرة فقوله «إن هاجر طردت بعد فطام إسحاق وابنها تحمل» لا يصح، وقد تقدم أن عمره يوم فطام إسحاق خمس عشرة سنة، وتقدم أيضاً أن سارة أمرته بطردها وهي حبلى، وأنه سلمها لها فطردتها، وان الملك لقيها فبشرها بإسماعيل
(16/274)

ولم يذكر في نسختي - وهي قديمة جداً - شيئاً يدل على رجوعها، وأما في نسخة عندهم فقال: إن الملك قال لها: ارجعي إلى سيدتك واستكدي تحت يدها - ولم يذكر أنها رجعت، وقد صح الخبر عندنا بقول نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن إبراهيم عليه السلام وضع هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام، عند البيت الحرام وهو يرضع، واستمرا هناك إلى أن ماتت هاجر رضي الله عنها، وتزوج إسماعيل عليه السلام وبنى البيت مع أبيه عليهما السلام، وقوله «لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق عليه السلام» غير مطابق للواقع، فإن شهرة العرب بإبراهيم عليه السلام أن لم تكم أن أكثر من شهرة بني إسحاق بذلك فهي مثلها، وخبر الله لا يتخلف، فدل هذا كله أنهم بدلوا القصة وحرفوها، فلا متمسك فيها لهم، ودلالتها على أن الذبيح إسماعيل عليه السلام أولى من دلالتها على غير ذلك لوصفه بالوحيد - والله أعلم كيف كانت القصة قبل التبديل؟ ومما يدل على ما فهمت من تبديلهم لها ما قال البغوي: قال القرظي يعني محمد بن كعب -: سأل عمر بن عبد العزيز رجلاً كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه: أي ابني إبراهيم عليه السلام أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل يا أمير المؤمنين! إن اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله
(16/275)

بذبحه ما كان، ويزعمون أنه أبوهم، ومن الدليل على أنه إسماعيل عليه السلام أن الله تعالى لما بشر بإسحاق بشر بأنه يولد له يعقوب، فلا يليق الامتحان به بعد علمه بأنه لا يموت حتى يولد له، ومن الدليل على ذلك أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل عيله السلام إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في زمان ابن الزبير والحجاج، قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: والذين نفسي بيده! لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح: إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال: يا أصيمع! أين ذهب عقلك؟ متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بني البيت مع أبيه - انتهى ما قال البغوي.
وفي كتاب الحج من سنن أبي داود أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعثمان - وهو الحجبي رضي الله عنه: «إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» ورواه عبد الرزاق في جامعه ولفظه أن عثمان بن شيبة رضي الله عنه قال: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(16/276)

قال له: «إني رأيت قرني الكبش فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصلياً» - هكذا قال: عثمان بن شيبة، ولعله ابن طلحة، فيكون المتقدم ويكون تسمية أبيه شيبة وهما، أو يكون شيبة بن عثمان وهو ابن عم الذي عند أبي داود فأنقلب - والله أعلم، وروى عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريح قال: أخبرنا عبد الله بن شيبة بن عثمان، وسألته هل كان في البيت قرنا كبش؟ قال: نعم، كانا فيه، قلت: أرأيتهما؟ قال: حسبت، ولكن أخبرني عبد الله بن بابيه أن قد رآهما، قال: وغيره قد رآهما فيه، قال: ويقولون: إنهما قرنا الكبش الذي ذبح إبراهيم عليه السلام، قال ابن جريج وقالت صفية ابنة شيبة: كان فيه قرنا الكبش، قال ابن جريح: وحدثت أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانا فيه. قال: وحدثت عن عجوز قلت: رأيتهما فيه، ومما يؤيد القول بأنه إسماعيل عليه السلام وصف الله تعالى له بأنه صادق الوعد، ولا صدق في وعد أعظم من صدقه في وعده بالصبر على الذبح، وممن قال من بني إسرائيل أنه إسماعيل عليه السلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه - حكاه عن ابن الجوزي، وعد القائلين بكل من القولين من الصحابة وغيرهم فقال:
(16/277)

إن القائلين بأنه إسحاق: عمر وعلي والعباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو هريرة وأنس رضي الله عنهم، وبأنه إسماعيل: ابن عمر، وأن الرواية اختلفت عن ابن عباس رضي الله عنهما، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وعطاء ومجاهد والشعبي وأبو الجوزاء ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، فعلم من هذا رجحان القول بأنه إسماعيل، لأن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما تأخرا بعد من ذكر من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فلولا أنه رجح عندهما ما خالفا أبويهما، ونقل عكرمة عن ابن عباس بموافقة أبيه لا يقدح في ذلك بل يؤيده لأن الأكثر كما ترى رووا عنه الثاني، فلولا أنه صح عنده ما رجع عن الأول الذي هو موافق لرأي أبيه، ولأجل ثباته عليه اشتهر عنه - والله أعلم.
(16/278)

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)
ولما ذكر هؤلاء السادة الذين لهم من رتبة التجرد والنزاهة ما تقدم بيانه، وختمهم بأخوين ما اجتمعا قط، وكان من أعظم المقاصد بذكرهم المنة على من اتصف بمثل صفاتهم بالقرب والنصرة تسلية وترجية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولمن اتبعه من المؤمنين ممن قارب - من شدة البلاء والقهر - اليأس من النصر، أتبعهم بأمثالهم في التجرد وابتدأهما بأخوين افترقا حين ولادة الثاني على حالة لا يمكن الاجتماع
(16/278)

معها عادة، ثم اجتمعا في الباطن مع الافتراق في الظاهر ثم افترقا على حالة يبعد الاجتماع معها عادة ثم اجتمعا اجتماعاً لم يفترقا منه إلا بالموت وبدأهما بأول من تجرد منهما من حين ولادته إلى أوان هجرته، ثم من حين رجعته إلى أن جرد آله - وهم بعض ذرية إبراهيم عليه السلام - وأنقذهم من علائق الكفرة، ثم تجرد معهم هو وأخوه عن المدن والقرى وأكثر علائق البشر، ملازمين البراري والفلوات حيث يكثر ظهور الكلمة مع إرسال الله إليهما بمعادن الحكمة إلى أن ماتا عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فقال مؤكداً تنبيهاً لمن يعد نصر المؤمنين محالاً، عاطفاً على ما تقديره: فلقد أنشأنا منهما من الأمم ما يعجز الوصف ويفوت الحصر، ومننا على كثير منهم بالإحسان من ولد إسماعيل عليه السلام إلى أن غير دينه عمرو بن لحي، ومن ولد إسحاق يعقوب والأسباط عليهم السلام ومن شاء الله من أولادهم: {ولقد مننا} أي أنعمنا إنعاماً مقطوعاً به بما لنا من العظمة، على أول من أظهر لسان الصدق لإبراهيم عليه السلام وذريته اظهاراً تاماً. وبدأهما بأعرقهما - كما تقدم - في التجرد وأحقها بالتقدم فقال: {على موسى} أحد أعيان المتجردين، ومن له القدم الراسخ في ذلك {وهارون*} أي عين من تجرد مع أخيه ووافقه أتم موافقة، ووازره أعظم موازرة، بما أتيا به من
(16/279)

النبوة والكتاب وغير ذلك من أنواع الخطاب.
ولما كان جل المقصود - كما مضى - مقام التجرد، والإعلام بنصر المستضعفين من المؤمنين، قال: {ونجيناهما وقومهما} أي بني إسرائيل وقد كانوا مرت لهم دهور في ذل لا يقاربه ذل المؤمنين من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول أمرهم {من الكرب العظيم *} أي الاستبعاد، وما يتبعه من عظائم الأنكاد، وكان ذلك بهلاك القبط الذين استمروا على الضلال، وهم أضعاف أضعاف بني إسرائيل، إلى أن أهلكناهم فلم يفلت منهم إنسان، فصح لبني إسرائيل حينئذ التجرد وزال عنهم ذل التجبر والتمرد.
ولما بين نعمة النجاة من الأسر، أتبعها نعمة الالتذاذ بالنصر، فقال: {ونصرناهم} أي موسى وهارون عليهما السلام وقومهما على كل من نازعهم في ذلك الزمان من فرعون وغيره {فكانوا هم} أي خاصة {الغالبين *} أي على كل من يسومهم سوء العذاب، وهو فرعون وآله وعلى جميع من ناووه أو ناواهم، فاحذروا يا معشر قريش
(16/280)

والعرب من مثل ذلك، ولقد كان ما حذرهم منه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أعظم ما يمكن أن يكون إلا نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كان نبي الرحمة لين الله قلوبهم حتى ردهم إلى ما اغتبطوا به من متابعته، فصاروا به ملوك الدنيا والآخرة.
ولما كانت فائدة النصرة التمكن من إقامة الدين قال: {وآتيناهما} أي بعظمتنا بعد إهلاك عدوهم {الكتاب المستبين *} أي الجامع البين الذي هو لشدة بيانه طالب لأن يكون بيناً وهو كذلك فإنه ليس شيء من الكتب مثل التوراة في سهولة مأخذها، وجمع هارون عليه السلام معه في الضمير لأنه مثله في تقبل الكتاب والعمل بجميع ما فيه والثبات على ما يدعو إليه وإن كان نزوله خاصاً بموسى عليه السلام: {وهديناهما الصراط} أي الطريق الواضح في الإيصال إلى المقصود {المستقيم *} أي الذي هو لعظيم تقومه كأنه طالب لأن يكون قويماً، فهو في غاية المحافظة على القوم فلا يزيغ أصلاً، ولذلك هو شرائع الدين القيم.
ولما كان الذكر الجميل عند ذوي الهمم العالية والعزائم الوافية هو الشرف قال: {وتركنا عليهما} أي ما تعرفون من الثناء الحسن
(16/281)

{في الآخرين *} أي كل من يجيء بعدهما إلى يوم الدين. ولما ظهر بهذا أن لهما من الشرف والسؤدد أمراً عظيماً كانت نتيجته: {سلام} أي عظيم {على موسى} صاحب الشريعة العريق في الاتصاف بمقصود السورة {وهارون *} وزيره وأخيه. ولما كان نصر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن معه من الضعفاء على قريش وسائر العرب عند قريش في غاية البعد، وكان التقدير: فعلنا معهما ذلك لإحسانهما، علله بما يقطع قلوب قريش في مظهر التأكيد فقال: {إنا كذلك} أي مثل هذا الجزاء {نجزي} أي دائماً في كل عصر {المحسنين *} أي العريقين في هذا الوصف؛ ثم علل إحسانهما وبينه وأكده ترغيباً في مضمونه، وتكذيباً لمن يقول: إن المؤمنين لا ينصرون، بقوله: {إنهما من عبادنا} أي الذين محضوا العبودية والخضوع لنا {المؤمنين *} أي الثابتين في وصف الإيمان.
(16/282)

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130)
ولما كان إلياس أعظم المتجردين من أتباعهما المجددين لما درس من أحكام التوراة، وكان ترك أحكامها مع ما وصفت به من البيان وما دعت إليه من الاستقامة في غاية من الضلال تكاد أن لا يصدق
(16/282)

مثلها أشار إلى الزيغ عنه بياناً لأن القلوب بيده سبحانه فقال مؤكداً: {وإن إلياس} أي الذي كان أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود وعكرمة، وهو من سبط لاوي، ومن أولاد هارون عليه السلام، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو عم اليسع عليهم السلام، وأرسلناه إلى من كان منهم في أرض بعلبك ونواحيها، فلما لم يرجعوا إليه نزعنا عنه الشهوات الإنسانية وخلقناه بالأوصاف الملكية، ولا يبعد أن يكون الداعي إلى تسميته بهذا الاسم ما سبق في علم الله أنه ييأس ممن يدعوهم إلى الله فيكون ممن يأتي يوم القيامة وما معه إلا الواحد أو الاثنان كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما رواه الشيخان: البخاري في الرقاق والطب، ومسلم في الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما: «عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه رهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد» ، فجعل سبحانه اسمه مناسباً لأمره في قومه بيأسه منهم حين فر إلى الجبال من شرهم، ويأسهم من القدرة على قتله، فإنهم اجتهدوا في ذلك حتى أعياهم، وأدل دليل على هذا المعنى قراءة ابن عامر بخلاف عنه بوصل الهمزة في الدرج وفتحها في الابتداء، وإن قال العلماء كما حكاه السمين في إعرابه: إن ذلك من تلاعب
(16/283)

العرب بالأسماء العجمية، قطعوا همزته تارة ووصلوها أخرى، يعني فخاطبهم سبحانه بما ألفوه من لسانهم {لمن المرسلين} أي إلى من بدل أمر التوارة ونابذ ما دعت إليه {إذ قال لقومه} منكراً عليهم ما من حقه الإنكار بقوله: {ألا تتقون *} أي يوجد منكم تقوى وخوف، فإن ما أنتم عليه يقتضي شراً طويلاً، وعذاباً وبيلاً، وما أنتم عليه من السكون والدعة يقتضي أنه لا خوف عندكم أصلاً، وذلك غاية الجهل والاغترار بمن تعلمون أنه لا خالق لكم ولا رازق غيره.
ولما كان هذا الإنكار سبباً للإصغاء، كرره مفصحاً بسببه فقال: {أتدعون بعلاً} أي إلهاً ورباً، وهم صنم كان لهم في مدينة بعلبك كان من ذهب طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه، فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها، وهم أربعمائة ويعلمونها الناس، ويحتمل أن يكون علماً على الصنم المذكور فيكون المفعول الثاني منوياً، وحذف ليفهم الدعاء الذي لا دعاة يشبهه وهو الدعاء بالإلهية، ومن قرأ شاذاً «بعلاء» بوزن «حمراء» فهو إشارة إلى كثرة حث امرأة الملك على عبادة بعل وقتل إلياس عليه السلام، وطاعة زوجها لها في ذلك - كما حكاه البغوي، فاستحق التأنيث لذلك،
(16/284)

فأنث لكثرة ملابستها له، والجنسية علة الصنم.
ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه بقوله: {وتذرون} ومادة «وذر» تدور على ما يكره، فالمعنى: وتتركون ترك المهمل الذي من شأنه أن يزهد فيه، ولو قيل: وتدعون - تهافتاً على الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد. ولما كان الداعي لا يدعو إلا بكشف ضر أو إلباس نفع، فكان لا يجوز أن يدعو إلا من يقدر على إعدام ما يشاء وإيجاد ما يريد، قال منبهاً لهم على غلطهم في الفعل والترك: {أحسن الخالقين *} أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد والإعدام إلى أسباب فلا تعبدونه.
ولما كان الإنسان يعلم يقيناً أنه لم يرب نفسه إلا بالإنشاء من العدم ولا بما بعده، وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان، قال مبيناً لمن أراد مذكراً لهم بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم، ويوادون من كان يوادهم بالتربية بعد الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخماً للأمر ومعظماً بالإبدال في قراءة الجماعة بالرفع: {الله} فذكر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات تنبيهاً على أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به {ربكم} أي المحسن إليكم وحده. ولما كانوا ربما أسندوا إيجادهم إلى من قبلهم غباوة منهم أو عناداً قال:
(16/285)

{ورب آبائكم الأولين *} أي الذين هم أول لكم، فشمل ذلك آباءهم الأقربين، ومن قبلهم إلى آدم عليه السلام.
ولما كان من أعظم المقاصد - كما مضى - التسلية والترجية، سبب عن دعائه قوله: {فكذبوه} ولما كانت الترجية مستبعدة، سبب عن التكذيب قوله مؤكداً لأجل تكذيبهم: {فإنهم لمحضرون *} أي مقهورون على إقحامنا إياهم فيما نريد من العذاب الأدنى والأكبر، وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن كرهوا {إلا عباد الله} أي الذين علموا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا بما علموا فلم يدعوا غيره فإنهم لم يكذبوا؛ ثم وصفهم بما أشار إليه من الوصف بالعبودية والإضافة إلى الاسم الأعظم فقال: {المخلصين *} أي لعبادته فلم يشركوا به شيئاً جلياً ولا خفياً، فإنهم ناجون من العذاب.
ولما جاهد في الله تعالى وقام بما يجب عليه من حسن الثناء، جازاه سبحانه فقال: عاطفاً على «فإنهم لمحضرون» {وتركنا عليه} أي من الثناء الجميل وجميع ما يسره: {في الآخرين *} أي كل من كان بعده إلى يوم الدين. ولما كان السلام اسماً جامعاً لكل خير لأنه إظهار الشرف والإقبال على المسلم عليه بكل ما يريد، أنتج ذلك قوله: {سلام} ولما كان في اسمه على حسب تخفيف العرب له لغات إحداهما توافق الفواصل، فكان لا فرق في تأدية المعنى بين
(16/286)

الإتيان بما اتفق منها، وكان ما كثرت حروفه منها أضخم وأجل وأفخم، وكان السياق بعد كثير من مناقبه لنهاية المدحة، كان الأحسن التعبير بما هو أكثر حروفاً وهو موافق للفواصل ليفيد ذلك تمكينه في الفضائل ولتحقق أنه اسم أعجمي لا عربي مشتق من الياس وإن أوهمت ذلك قراءة ابن عامر بوصل همزته فقال: {على آل ياسين *} ومن قرأ آل يس فيجوز أن يكون المراد في قراءته ما أريد من القراءة الأخرى لأن أهل اللغة قالوا: أن الآل هو الشخص نفسه، ويس إما لغة في إلياس أو اختصرت اللغة الثانية التي هي إلياسين فحذف منها الهمزة المكسورة مع اللام، ويجوز أن يكون المراد بآله أتباعه، ويكون ذلك أضخم في حقه لما تقدم مما يدعو إليه السياق، ويجوز أن يقصد بهذه القراءة جميع الأنبياء المذكورين في هذه السورة الذين هو أحدهم، أي على الأنبياء المذكورين عقب سورة يس دلالة على ما دعت إليه معانيها من الوحدانية والرسالة والبعث وإذلال العاصي وإعزاز الطائع المجرد لنفسه في حب مولاه عن جميع العوائق، القاطع للطيران إليه أقوى العلائق، وخص بهذا هذه القصة لأنها ختام القصص المسلم فيها على أهلها.
(16/287)

إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135)
ولما أظهر سبحانه شرف إلياس عليه السلام أو الأنبياء الذين هو أحدهم، علله مؤكداً له تنبيهاً على أنه لا بد من إعلاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعه على كل من يناويهم وإن كذبت بذلك قريش فقال: {إنا كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *} أي الذين هو من أعيانهم؛ ثم علل الحكم بإحسانه مؤكداً لما مضى في مثله بقوله: {إنه من عبادنا} أي الجديرين بالإضافة إلينا {المؤمنين *} ويستفاد من التأكيد أيضاً التنبيه على رسوخ قدمه في الإيمان وأنه بحيث تشتد الرغبة ويقوى النشاط في الإخبار به على ذلك الوجه.
ولما أتم ما أراد سبحانه من أمور المحسنين من ذرية إبراهيم عليه السلام المرسلين إلى ذريته في التسلية، والترجية وقدمهم لأن المنة عليهم منه عليه، والإنسان بابنه أسر منه بقريبه، وهم الذين أظهر الله بهم وما ترك عليه، من لسان الصدق في الآخرين. أتبعهم قصة ابن أخيه مع أهل بلاد الأردن من غير قومهم، فقال مؤكداً للتنبيه على نصر المؤمنين وإن كانوا في القلة والذلة على حال لا يظن انجباره وتكذيباً لليهود المكذبين برسالته أو الشاكين فيها: {وإن لوطاً} أي الذي جرد نفسه من مألوفها من بلاده وعشائره بالهجرة مع عمه إبراهيم
(16/288)

عليهما السلام {لمن المرسلين *} ولما كان جل المقصود تبشير المؤمنين وتحذير الكافرين، وكان مخالفه كثيراً، وكان هو غريباً بينهم، قال في مظهر العظمة: {إذ نجيناه} أي على ما لمخالفيه من الكثرة والقوة، ولم يذكرهم لأنهم أكثر الناس انغماساً في العلائق البشرية والقاذورات البهيمية التي لا تناسب مراد هذه السورة المنبني على الصفات الملكية {وأهله أجمعين *} ولما كان الكفر قاطعاً للسبب القريب كما أن الإيمان واصلاً للسبب البعيد قال: {إلا عجوزاً} أي وهي امرأته فإن كفرها قطعها عن الدخول في حكم أهله فجردوا عنها، كائنة {في الغابرين *} أي الباقين في غبرة العذاب ومساءة الانقلاب.
(16/289)

ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)
ولما ذكر نجاته وابتدأ بها اهتماماً بالترجية قال مخوفاً معبراً بأداة البعد إفادة مع الترتيب لعظيم رتبة ما دخلت عليه: {ثم دمرنا} أي أهلكنا بما لنا من العظمة {الآخرين *} أي فجردنا الأرض من قاذوراتهم ونزهنا البلاد المقدسة منهم ومن أرجاس فعلاتهم، فلم نبق منهم أحداً ولا احتجنا في إهلاكهم إلى استئذان أحد. ولما كان المقصود من مثل هذا تحذير المخالفين، وكان تجار قريش يرون البقعة التي كانت فيها أماكن قوم لوط، وهي البحيرة المعروفة، ولا يعتبرون بهم، عدّوا
(16/289)

منكرين للمرور عليهم فأبرز لهم الكلام في سياق التأكيد فقيل: {وإنكم} أي فعلنا بهم هذا والحال أنكم يا معشر قريش {لتمرون عليهم} أي مواضع ديارهم في تجاراتكم إلى الشام {مصبحين *} أي داخلين في الصباح الوقت الذي قلبنا مدائنهم عليهم فيه، ونص عليه للتذكير بحالهم فيه.
ولما كان لليل منظر في الهول غير منظر النهار قال: {وبالليل} ولما كان أمرهم كافياً للعاقل في التقوى، أنكر عليهم تماديهم فيما كان سبب أخذهم من تكذيب الناصح فقال: {أفلا تعقلون *} أي يكون لكم عقول فتعتبروا بحالهم، فتخافوا مثل مآلهم، قتصدقوا رسولكم فإنكم أجدر منهم بالأخذ لأنه منكم وأنتم تعرفون من شرف أصله وكريم قوله وفعله ما لا يعرفه أولئك من رسولهم.
ولما أكمل سبحانه ما أراد من أمور من كان على أيديهم هلاك في الدنيا أو في الآخرة، ختم بمن آل أمر قومه إلى سلامة وإيمان ونعمة وإحسان تغليباً للترجية على التأسية والتعزية فقال مؤكداً لأن ما يأتي من ذكر الاباق وبما أوهم شيئاً في أمره: {وإن يونس} أي أحد أنبياء بني إسرائيل وهو يونس بن متى عليه السلام، حكى البغوي في قصة إلياس عليه السلام أنه لما أرسله الله تعالى إلى سبطه من بني إسرائيل الذين كانوا في مدينة بعلبك، فكذبوه وأراد ملكهم قتله
(16/290)

فاختفى في تلك الجبال، اشتاق إلى الناس فنزل فمكث عند امرأة من بني إسرائيل وهي أم يونس بن متى عليه السلام، وكان يونس إذ ذاك رضيعاً ثم رجع إلى الجبال فمات يونس عليه السلام، فأتت أمه إلى تلك الجبال، فما زالت تطوف حتى ظفرت بإلياس عليه السلام، فسألته أن يدعو لابنها فيحييه الله، فقال لها: إني لم أومر بهذا، وإنما أنا عبد مأمور، فجزعت فزاد جزعها وتضرعها إليه، فرق لها ورحمها وسار معها فوصل إلى بيتها بعد أربعة عشر يوماً من حين مات، وهو مسجى في ناحية البيت، فدعا الله فأحياه لها، وعاد إلياس عليه السلام إلى جبله {لمن المرسلين *} .
ولما كان من أعظم المقاصد التسلية على استكبارهم عن كلمة التوحيد وقولهم: أنه شاعر مجنون، ذكر من أمر يونس عيله السلام ما يعرف منه صعوبة أمر الرسالة وشدة خطبها وثقل أمرها وشدة عنايته سبحانه بالرسل عليهم السلام وأنه ما اختارهم إلا عن علم فهو لا يقولهم وإن اجتهدوا في دفع الرسالة ليزدادوا ثباتاً لأعبائها وقوة في القيام بشأنها فقال: {إذ أبق} أي هرب حين أرسل من سيده الذي تشرفه الله بالرسالة ضعفاً عن حملها لأن الاباق الهرب من السيد إلى حيث يظن أنه يخفى عليه {إلى الفلك} أي البيت الذي
(16/291)

يسافر فيه على ظهر البحر.
ولما كان فعله على صورة فعل المشاحن وكان قصده الإيغال في البعد والإسراع في النقلة قال: {المشحون *} أي الموقر ملأ، فلا سعة فيه لشيء آخر يكون فيه، فليس لأهله حاجة في الإقامة لحظة واحدة لانتظار شيء من الأشياء فحين وضع رجله فيه ساروا، فاضطرب عليهم الأمر وعظم الزلزال حتى أشرف مركبهم على الغرق على هيئة عرفوا بها أن ذلك لعبد أبق من سيده، فإن عند أهل البحر أن السفينة لا يستقيم سيرها وفيها آبق - نقله الكرماني وغيره عن ابن عباس رضي الله الله عنهما، فسبب لهم ذلك المساهمة أي المقارعة كما هو رسمهم في مثل ذلك الأمر فاستهموا فساهم، أي قارع يونس عليه السلام معهم؛ قال البغوي: والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة. ولما آل وقوع القرعة عليه إلى رميه من السفينة من محل علو إلى أسفل، عبر عن ذلك بما يدل على الزلق الذي يكون من علو إلى سفل فقال مسبباً عن المساهمة: {فكان من المدحضين *} أي الموقعين في الدحض، وهو الزلق، فنزل عن مكان الظفر بأن وقعت القرعة فرموه في البحر {فالتقمه} أي ابتلعه كما تبتلع اللقمة {الحوت} أي المعروف من جهة أنه لا حوت أكبر منه، فكأنه لا حوت غيره
(16/292)

{وهو} أي والحال أن يونس عليه السلام {مليم *} أي داخل في الملامة.
(16/293)

فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)
ولما وقع ما وقع فتجرد عن نفسه وغيرها تجرداً لم يكن لأحد مثل مجموعه لا جرم، زاد في التجرد بالفناء في مقام الوحدانية فلازم التنزيه حتى أنجاه الله تعالى، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {فلولا أنه كان} أي خلقاً وخلقاً {من المسبحين *} أي العريقين في هذا المقام، وهو ما يصح إطلاق التسبيح في اللغة عليه من التنزيه بالقلب واللسان والأركان بالصلاة وغيرها لأن خلقه مطابق لما هيىء له من خلقه، فهو لازم لذلك في وقت الرخاء والدعة والخفض والسعة، فكيف به في حال الشدة، وحمله ابن عباس رضي الله عنهما على الصلاة {للبث في بطنه} أي حيّاً أو بأن يكون غذاء له فتختلط أجزاؤه باجزائه {إلى يوم يبعثون *} أي هو والحوت وغيرهما من الخلائق، وعبر بالجمع لإفادة عموم البعث، ولو أفرد لم يفد بعث الحيوانات العجم، ولو ثنى لظن أن ذلك له وللحوت خاصة لمعنى يخصها فلا يفيد بعث غيرهما، وقيل: للبث حيّاً في بطنه، وفي الآية إشارة إلى حديث «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» وحث على الذكر
(16/293)

وتعظيم لشأنه.
ولما كان التقدير: ولكنه لما كان ذكاراً لله في حال الرخاء ذكرناه في حال الشدة، فأنجيناه من بطنه، وأخرجناه منه سالماً، وكان ذلك أمراً باهراً للعقل، أبرزه في مظهر العظمة فقال: {فنبذناه} أي ألقيناه من بطن الحوت إلقاء لم يكن لأحد غيره. وكان ذلك علينا يسيراً {بالعراء} أي المكان القفر الواسع الخالي عن ساتر عن نبت أو غيره، وذلك بساحل الموصل، وقال أبو حيان: قذفه في نصيبين من ناحية الموصل: {وهو سقيم *} أي عليل جداً مما ناله من جوف الحوت بحيث أنه كان كالطفل ساعة يولد وهو إذ ذاك محمود غير مذموم بنعمة الله التي تدراكته، فكان مجتبى ومن الصالحين {وأنبتنا} أي بعظمتنا في ذلك المكان لا مقتضى للنبات مطلقاً فيه فضلاً عما لا ينبت إلا بالماء الكثير.
ولما كان سقمه متناهياً بالغاً إلى حد يجل عن الوصف، نبه عليه بأداة الاستعلاء فقال: {عليه} أي ورفعناها حال إنباتنا إياها فوقه لتظله كما يظل البيت الإنسان. ولما كان الدباء عن النجم، وكان قد أعظمها سبحانه لأجله، عبر عنها بما له ساق فقال: {شجرة} ولما كانت هذه العبارة مفهمة لأنها مما له ساق، نص على خرق العادة بقوله:
(16/294)

{من يقطين *} أي من الأشجار التي تلزم الأرض وتقطن فيها وتصلح لأن يأوي إليها ويقطن عندها حتى يصلح حاله، فإنه تعالى عظمها وأخرجها عن عادة أمثالها حتى صارت عليه كالعريش، واليقطين: كل ما يمتد وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى على الشتاء ولا يقوم على ساق كالبطيخ والقثاء، والمراد به هنا - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما شجرة القرع لعظم ورقها وبرد ظلها ونعومة ملمسها وأن الذباب لا يقربها، قال أبو حيان: وماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب أصلاً، وقال غيره: فيه ملاءمة لجسد الإنسان حتى لو ذهبت عظمة من رأسه فوضع مكانها قطعة من جلد القرع نبت عليها اللحم وسد مسده، وهو من قطن بالمكان - إذا أقام به إقامة زائل لا ثابت.
ولما كان النظر إلى الترجية أعظم، ختم بها إشارة إلى أنه لا يميته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يقر عينه بأمته كثرة طواعية ونعمة فقال: {وأرسلناه} أي بعظمتنا التي لا يقوم لها شيء. ولما لم يتعلق الغرض
(16/295)

بتعيين المرسل إليهم، وهل هم الذين أبق عنهم أولاً؟ قال: {إلى مائة ألف} والجمهور على أنهم الذين أرسل إليهم أولاً - قال أبو حيان. ولما كان العدد الكثير لا يمكن ناظره الوقوع فيه على حقيقة عدده، بل يصير - وإن أثبت الناس نظراً - يقول: هم كذا يزيدون قليلاً أو ينقصونه، وتارة يجزم بأنهم لا ينقصون عن كذا، وأما الزيادة فممكنة، وتارة يغلب على ظنه الزيادة، وهو المراد هنا، قال: {أو يزيدون *} لأن الترجية في كثرة الأتباع أقر للعين وأسر للقلب، وإفهاماً لأن الزيادة واقعة، وهؤلاء المرسل إليهم هم أهل نينوى وهم من غير قومه، فإن حدود أرض بني إسرائيل الفرات، ونينوى من شرقي الفرات بعيدة عنه جداً.
ولما تسبب عن إتيانه إليهم انشراح صدره بعد ما كان حصل له من الضيق الذي أوجب له ما تقدم قال: {فآمنوا} أي تجريداً لأنفسهم من الحظوظ النفسانية ولحوقاً بالصفات الملكية. ولما كان إيمانهم سبب رفع العذاب الذي كان أوجبه لهم كفرهم قال: {فمتعناهم} أي ونحن على ما نحن عليه من العظمة لم ينقص ذلك من عظمتنا شيئاً ولا زاد فيها {إلى حين *} أي إلى انقضاء آجالهم التي ضربناها لهم في الأزل.
(16/296)

ذكر قصة يونس عليه السلام من سفر الأنبياء قال مترجمه: نبدأ بمعونة الله وقوته بكتب نبوة يونان بن متى النبي: كانت كلمة الرب على يونان بن متى، يقول له: قم فانطلق إلى نينوى المدينة العظيمة وناد فيها بأن شرارتكم قد صعدت قدامي، وقام يونان ليفر إلى ترسيس من قدام الرب، وهبط إلى يافا ووجد سفينة تريد تدخل إلى ترسيس فأعطى الملاح أجرة ونزلها ليدخل معهم إلى ترسيس هارباً من قدام الرب، والرب طرح ريحاً عظيمة في البحر، فكان في البحر موج عظيم، والسفينة كانت تتمايل لتنكسر وفرق الملاحون وجأر كل إنسان إلى إلهه، وطرحوا متاع السفينة في البحر ليخففوا عنهم، بحق هبط يونان إلى أسفل السفينة ونام فدنا منه سيد الملاحين وقال له: لماذا أنت نائم؟ قم فادع إلهك لعل الله يخلصنا ولا نهلك، وقال الرجل لصاحبه: تعالوا نقترع ونعلم هذا الشر من قبل من جاء علينا؟ فاقترعوا فجاءت القرعة على يونان، فقالوا له: أخبرنا ما هذا الشر؟ وماذا هو عملك، ومن أين أنت، ومن
(16/297)

أيّ شعب أنت، وأيتها أرضك؟ فقال لهم يونان: أنا عبراني ولله رب السماء أخشى الذي خلق البر والبحر، ففرق أولئك القوم فرقاً شديداً، فقالوا له: ماذا صنعت؟ لأن أولئك الناس علموا أنه من قدام إلهه هرب، فلما أخبرهم قالوا: ما نصنع بك حتى يسكن عنا البحر لأن البحر هو ذا منطلق يزخر علينا؟ قال لهم يونان: خذوني فاطرحوني في البحر فيسكن عنكم البحر لأني أعلم أن هذا الموج العظيم من أجلي هاج عليكم، فجهد أولئك الناس أن يرجعوا إلى الساحل، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، لأن البحر كان ذاهباً يزخر عليهم، ودعوا إلى الرب وقالوا: أيها الرب لا يحسب علينا دم زكي، ولا نهلك بنفس هذا الرجل من أجل أنك أنت الرب، وكل ما شئت تصنع، فأخذوا يونان وطرحوه في البحر، فاستقر البحر من أمواجه، وفرق أولئك الناس من قدام الرب فرقاً شديداً، وذبحوا ذبائح للرب ونذروا له النذور، وهيأ الرب سمكة عظيمة فابتلعت يونان، وكان يونان في أمعاء السمكة ثلاثة أيام وثلاث ليالي وقال: دعوت الرب في حزني فأجابني، ومن بطن الجحيم تضرعت إليه، وسمع صوتي وطرحني في الغوط في قلب البحر، والأنهار أحاطت بي، وكل أمواجك واهياجك عليّ جازت،
(16/298)

أنا بحق قلت: إني قد تباعدت من قدام عينيك، من الآن أترى أعود فأنظر إلى هيكلك المقدس، وقد أحاطت بي المياه حتى نفسي والأهوال أحاطت بي، وفي أسفل البحر احتبس رأسي، وإلى أسفل الجبال هبطت، والأرض أطبقت أغلاقها في وجهي إلى الدهر، إذا اغتمت نفسي للرب ذكرت ودخلت صلاتي قدامك إلى هيكلك المقدس، فكل الذين يحفظون الأنساك البطالة رحمتهم فتركوا، أنا بحق بصوت الشكر أقرب لك وأذبح، والذي نذرته أوفيه للرب! فأمر الرب السمكة فقذفت يونان في اليبس، وأتى الكلام الرب إليه المرة الثانية، وقال له: قم يا يونان فانطلق إلى نينوى المدينة العظمية وناد فيها بالنداء الذي أقوله لك، فقام يونان وانطلق إلى نينوى مثل كلمة الرب، ونينوى كانت مدينة عظيمة للرب مسيرة ثلاثة أيام، وتبدّأ يونان أن يدخل إلى نينوى مسيرة يوم واحد ونادى وقلال: من الآن وإلى أربعين يوماً نينوى تنقلب، فآمن أهل نينوى لله وفرضوا الصوم ولبسوا المسوح من عظمائهم حتى صغائرهم، وانتهت الكلمة إلى ملك نينوى فقام عن كرسيه
(16/299)

ونزع تاجه، واكتسى مسح شعر، وجلس على الرماد، ونادى في نينوى وقال الملك وأشرافه: وكل الناس والغدائر والثيران والغنم فلا يذوقون شيئاً من الطعام ولا يرعون، وماء فلا يشربون، ولكن فليلبس الناس والغدائر ويدعو الله بالتضرع، ويرجع كل إنسان عن طريقة السوء، وعن الاختطاف الذي في يده، وقالوا: من ذا الذي يعلم أن الله يقبل منا ويترحم علينا ويرد عنا غصبه ورجزه لكيلا نهلك، ونظر الله إلى أعمالهم أنهم قد تابوا عن طرقهم السوء فرد عنهم غضب رجزه ولم يبدهم، وحزن يونان حزناً شديداً، وتكره من ذلك جداً، وصلى قدام الرب وقال: أيها الرب! ألم تكن هذه كلمتي، وأنا بعد في بلادي ولذلك سبقت وفررت إلى ترسيس، قد عرفت بحق أنك الرحمن الإله الرؤوف، طويل صبرك وكثيرة نعمتك، وترد السوء الآن يا رب! انزع نفسي مني لأن الموت أنفع لي من الحياة، فقال له: جداً حزنت يا يونان، وخرج يونان من المدينة واتخذ له ثمة مظلة وجلس تحتها في الظل لينظر ما الذي يعرض للمدينة، وأمر الله الرب أصل القرع، ونبت وارتفع على رأس يونان، فكان ظل على رأسه فتفرج من شدته وفرح فرحاً كثيراً يونان بأصل القرع.
(16/300)

وفي اليوم الآخر أمر الله الرب دودة في مطلع الصبح فضربت أصل القرع وقرضته، فلما طلعت الشمس أمر الله ريح السموم فيبست أصل القرع، وحميت الشمس في رأس يونان، واغتم وسال الموت لنفسه وقال: إنك يا رب تقدر تنزع نفسي مني، لأني لم أكن أخبر من إياي، وقال الرب ليونان: جداً حزنت على أصل القرع، فقال يونان: جدّاً أحزن حتى الموت، قال له الرب: أنت أشفقت على أصل القرع الذي لم تعن به ولم تربه، الذي في ليلة نبت، وفي ليلة يبس، فكيف لا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يدرون ما بين يمينهم من شمالهم وكثرة من الغدائر - انتهى. ولعل أصل القرع المذكور هنا كان نبت عليه حين خرج من بطن الحوت، فلما اتفق له ما ذكر هنا رجع إليه وقد زاد عظمه فبنى تحته عريشاً وجلس تحته، فكان منه ما كان، فلا يكون حينئذ ما هنا مخالفاً لما ذكر أهل الأخبار في هذه القصة - والله الموفق.
(16/301)

فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)
ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين أحدهما أن هؤلاء المنذرين
(16/301)

يسارعون في اقتفاء آثار آبائهم في الضلال، والثاني أن أكثر الأولين ضلوا، وسيقت دليلاً شهودياً على الثاني هذه القصص الست التي ما اهتدى من أهلها أمة بكمالها إلا قوم يونس عليه السلام، كان ذلك سبباً للأمر بإقامة الدليل على ضلال هؤلاء تبعاً لآبائهم بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه، فقال متهكماً بهم مخصصاً الأمر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشارة إلى عظم هذه النتيجة وأنه لا يفهمها حق فهمها سواه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فاستفتهم} أي فاطلب من هؤلاء الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم أن يجيبوك فتوة منهم وكرماً: بأي دليل وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعاً لآبائهم في الملائكة الذين تقدم في فاطر أنهم رسل الله، وفي يس أنهم في غاية الشدة بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة يكفي فيه واحد منهم، وبحيث إن صيحة واحده من أحدهم يميت الأحياء كلهم، وصيحة أخرى يحي الأموات كلهم، هذا إلى ما أفادته هذه السورة لهم من الصف والزجر والتلاوة حين ابتدأت بالإقسام بهم لأن لمقصودها نظراً عظيماً إلى أحوالهم في تجرديهم وتقديسهم، ويلزم من هذا الاستفتاء تنزيههم وتنزيه الذي خلقهم وذلك
(16/302)

مقصود السورة، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل عليها فإن الرسول دال على قدر من أرسله فقال: {ألربك} أي خاصة وهو الملك الأعلى الذي رباك وأحسن إليك بهدايتك والهداية بك وغير ذلك من أمرك حتى كنت أكمل الخلق وأعلاهم في كل أمر يكون به الكمال والقرب من الله فاصطفاك لرسالته، ففي إفراد الضمير إشارة إلى أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف الأفضل.
ولما كان المراد تبكيتهم بكونهم جعلوا الأخس لله، وكانت الإناث أضعف من الذكور، ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان، وكانت الإناث في بعض الأجناس كالأسحار أشرف، عدل عن التعبير بالإناث وعبر بما ينص على المراد فقال: {البنات} أي دون البنين، وهم - مع أنهم مربون مقهورون - يأنفون منهم غاية الأنفة {ولهم} أي دونه {البنون *} مع أن الرب الذي خصوه بأدنى القبيلين تارة يخلق الذكر من تراب ويربيه أحسن تربية، وأخرى من غيره أو يخرجه من بطن حوت أو غمرات نار أو غير ذلك، فبأي وسيلة ادعوا له ولداً والولد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق من النطفة إلى ما فوقها، ولا يرضى بذلك إلا عاجز فكيف بادعاء أدنى الصنفين من الولد، سبحان ربك رب العزة.
ولما كان دعواهم لأنوثة الملائكة متضمنة لادعاء العلم باختصاصه عند دعوى الولدية بأدنى القبيلتين أو ادعاء العلم بأنه خلقهم إناثاً بمشاهدة
(16/303)

منهم أو كتاب منه إليهم، وأما العقل فإنه لا مدخل له في ذلك، قال معلماً بأنهم أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا علم عندهم بإحدى الطريقين، ولا يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا تنجبر أصلاً، عائداً إلى التصريح بمظهر العظمة التي إن لم يقتض اختيار الأكمل لم يقتض الاختصاص بالأدون لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة {الملائكة} أي الذين حكموا عليهم بالأنوثة، وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ولم يروا منهم أحداً ولا سبيل لهم إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك، ولما تعين أن المراد بالأنوثة الخساسة، وكان في بعض الإناث قوة الذكور، عبر بالأنوثة إلزاماً لهم في حكمهم ذلك بخساستين فقال: {إناثاُ وهم} أي والحال أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الله ما لا يليق به {شاهدون *} أي ثابت لهم شهود ذلك لا يغيبون عنه، فإنا كل يوم نجدد منهم من شئنا، قال الرازي: وكل واحد من الملائكة نوع برأسه، أما الآدميون فكلهم نوع واحد، وهو ناقص في ابتداء الفطرة، مستكمل، وله درجات في الترقي إلى أن يبلغ مقام المشاهدة، وهو أن تتجلى له حلية الحق الأول من ذاته وصفاته وترتيب أفعاله علماً لا ينفصل عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن المحسوسات والخيالات، ويترقى فعله عن أن
(16/304)

يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة، وبهذا يقرب من الله تعالى - انتهى.
ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي تسبب عنها هذا الاستفتاء أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكداً إشارة إلى أنه قول لا يكاد أن لا يقر أحد أنه قاله، معجباً منهم فيه منادياً عليهم بما أبان من فضيحتهم بما قدم من استفتائهم: {إلا أنهم من إفكهم} أي من أجل أن صرفهم الأمور عن وجوها عادتهم {ليقولون *} أي قولاً هم مستمرون عليه وإن كانوا لا يقدرون على إبرازه في مقام المناظرة، وعدل عن مظهر العظمة إلى إسم الجلالة العلم على الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من صفاته ونعت من نعوته يأبى الولدية فقال: {ولد الله} أي وجد له - وهو المحيط بصفات الكمال - ولد وهم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد، فولد فعل ماض والجلالة فاعل، وقرىء شاذاً برفع «ولد» على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجر الجلالة بالإضافة، والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض، فلذلك يخبر به عن المفرد وغيره والمؤنث وغيره.
ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى عظيم تعاليه عن ذلك، صرح به في قوله دالاً على الثبوت مؤكداً لأجل دعواهم أنهم صادقون: {وإنهم لكاذبون *} ودل على كذبهم أيضاً بإنكاره موبخاً لهم في أسلوب الخطاب زيادة في الإغضاب في قوله: {اصطفى} بهمزة الاستفهام
(16/305)

الإنكاري، ومن أسقطها فهي عنده مقدرة مرادة، أي أخبروني هل اختار هذا السيد الذي أنتم مقرون بتمام علمه وشمول قدرته وعلو سؤدده ما تسترذلونه.
ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى، والتعبير بالابن أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك بين معان، قال: {البنات} اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم، وتستحيون من نسبتهن إليكم، حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد {على البنين *} فكان حينئذ نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلاً عن أجلكم، ولذلك عظم حسناً وتناهى بلاغة قوله: {ما} أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد الأنظار والفهوم! أيّ شيء {لكم} من الخير في هذا المقال؟ ثم زاد في التقريع عليه بقوله معجباً منهم: {كيف تحكمون *} أي في كل سألناكم عنه بمثل هذه الأحكام التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقله، وعبر بالحكم لاشتهاره فيما يبت فيأبى النقص، فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث أطلقوه على ما لا أوهى منه.
ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول، عظيم البعد عن الطباع، حسن جداً قوله أيضاً مبكتاً: {أفلا تذكرون *} أي أدنى تذكر بما أشارت إليه قراءة من خفف بما جمعت من التخفيف والحذف، فإن الأمر في غاية الظهور
(16/306)

لما في عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل، فكيف يختاره لنفسه ربكم الذي بيده كل شيء؟ وإنه لا يكون الولد مطلقاً إلا ممن له جنس، فيكون محتاجاً إلى جنسه، والمحتاج لا يكون إلهاً بوجه، وأشارت قراءة الجماعة بالتشديد والإدغام إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد تذكر بما أشار إليه التشديد مع دقة بما أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من يرى أفعال من يحيي الموءودة فيظن أن ذلك رغبة منهم في الإناث، وليس ذلك إلا رغبة في دفع فساد القتل ورحمة للضعيف، ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن الدرجة العليا في التأمل.
ولما قررهم على شهود ذلك بما تضمن إبطاله عقلاً، فلم يبق من طرق الأدلة إلا السمع، عادل به قوله: {أم لكم} أي على ادعاء ذلك {سلطان} أي دليل سمعي بخبر سماوي قاهر، وأشار إلى أنه لا يتكلم في أحوال الملوك إلا بأمر واضح بقوله: {مبين *} .
ولما كان المراد بهذا - ولا بد - البرهان السمعي، بينه بما سبب عنه من قوله: {فأتوا بكتابكم} أي الذي أتاكم بذلك السلطان من الملك في أنه اختار لنفسه ذلك، ودل على كذبهم تلويحاً بعد أن أتى به تصريحاً وهو أنكى ما يكون بالإتيان بأداة الشك في قوله:
(16/307)

{إن كنتم صادقين *} وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع، والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم، واستركاك عقولهم، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلاً عن أن يتخذ معتقداً، ويتظاهر به مذهباً.
(16/308)

وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164)
ولما تم إظهار ضلالهم، بكتهم في أسلوب آخر معرضاً عن خطابهم تخويفاً من إحلال عذابهم فقال: {وجعلوا} أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من الأدلة {بينه وبين الجنة} أي الجن الذين هم شر الطوائف، وأنثهم إشارة إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له {نسباً} بأن قالوا: إنه - جلت سبحات وجهه وعظم تعالى جده - تزوج بنات سروات الجن، فأولد منهم الملائكة، ومن المعلوم أن أحداً لا يتزوج إلا من يجانسه، فأبعدوا غاية البعد لأنه لا مجانس له. ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثاً لضميرهم زيادة في تحقيرهم: {ولقد علمت الجنة} أي مطلقاً السروات منهم والأسافل {إنهم} أي الجن كلهم {لمحضرون *} أي إليه بالبعث كرهاً ليعاملوا بالعدل مع بقية الخلائق يوم فصل القضاء، والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء، فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك.
(16/308)

ولما ذكر اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات، وتتلاشى عند تلك المظاهر أعيان الكائنات، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات، وكان ذكره على وجه مبين بُعد الجن عن المناسبة، كان مجزأ للتنزيه وموضعاً بعد تلك الضلالات للتقديس نتيجة لذلك فقال مصرحاً باسم التسبيح الجامع لجميع أنواعه، والجلالة إشارة إلى عظم المقام: {سبحان الله} أي تنزه الذي له جميع العظمة تنزهاً يفوت الحصر {عما يصفون *} أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم، أو الكفار الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من الولد {إلا عباد الله} أي الذين يصلحون للإضافة إلى الاسم الأعظم من حيث إطلاقه على الذات الأعظم ولذلك أظهر ولم يضمر، لأن الضمير يعود على عين الماضي، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح، {المخلصين *} من جميع الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه ولأجل أن هذه السورة سورة المتجردين عن علائق العوائق عن السير إليه، كرر وصف الإخلاص فيها كثيراً.
ولما نزه نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص، دل على ذلك بأنهم
(16/309)

وجميع ما يعبدونه من دونه لا يقدرون على شيء لم يقدره، فقال مسبباً عن التنزيه مؤكداً تكذيباً لمن يظن أن غير الله يملك شيئاً مواجهاً لهم بالخطاب لأنه أنكى وأجدر بالإغضاب: {فإنكم وما تعبدون *} أي من الأصنام وغيرها من كل من زعمتموه إلهاً. وابتدأ الخبر عن «أن» فصدره بالنافي فقال: {ما} وغلب المخاطبين المعبر عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوادتهم تنبيهاً على أنهم عدم كما حقرهم بالتعبير عنهم بما دون «من» فقال مخاطباً: {أنتم عليه} أي على الله خاصة {بفاتنين *} أي بمغيرين أحداً من الناس بالإضلال {إلا من هو} أي في حكمه وتقديره {صال الجحيم *} أي معذب بعذابه لحكمه عليه بالشقاوة فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا من غيره هو فبحكمه ضل لا بكم، نعوذ بك منك، لا مهرب منك إلا إليك، والمراد بتقديم الجار أن غيره قد يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ويعجز عن رد المفسد، فالتعبير بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي جعله لكم من التسبب، فإن كان عندكم غلبة فسموه بها، وتوحيد الضمير على لفظ «من» في الموضعين للإشارة إلى أن الميت على الشرك بعد بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العرب قليل، وقرئ شاذاً «صالوا» دفعاً لظن أنه واحد.
(16/310)

ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقع امتثالاً للأمر المصدر به، وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي يدعون لها بعض القدرة، قال مؤكداً لذلك ومبطلاً لقدرة المخلصين أيضاً عطفاً على {فإنكم وما تعبدون} : {وما منا} أي نحن وأنتم ومعبوادتكم وغير ذلك، أحد {إلا له مقام معلوم *} قد قدره الله تعالى في الأزل، ثم أعلم الملائكة بما أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما أقامه فيه سبحانه نوع مجاوزة، فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه، والأولياء لهم مقام مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحد، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة، لأنهم للخلق قدوة، فأمرهم على
(16/311)

الشهرة، وأمر الأولياء على السترة - قاله القشيري، وغير المذكورين من أهل السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند الله تعالى وعند من أطلعه عليه من عباده.
(16/312)

وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)
ولما سلب عن الكل كل شيء من القدرة إلا ما وهبهم، وكان الكفار يدعون أنهم يعبدون الله تعالى وينزهونه وأن الإشراك لا يقدح في ذلك، بين أن المخلصين خصواً دونهم بمواقف الصفاء، ومقامات الصدق والوفاء، لأن طاعتهم أبطلها إشراكهم، فقال مؤكداً ومخصصاً: {وإنا} أي يا معشر المخلصين {لنحن} أي دونكم {الصافون *} أي أنفسنا في الصلاة والجهاد وأجنحتنا في الهواء فيما أرسلنا به وغير ذلك لاجتماع قلوبنا على الطاعة {وإنا لنحن المسبحون *} أي المنزهون له سبحانه عن كل نقص مما ادعيتموه من البنات وبجوز أن يكون المعنى: لنا هذا الفعل، وهو الصف والتسبيح، ولا ينوي له مفعول البتة.
ولما بين ضلالهم وهداه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهدى من اتبعه - بما أشار إليه بصفة الربوبية التي أضافها إليه في قوله «ألربك» أعلم بأنهم زادوا على عيب الضلال في نفسه عيب الإخلاف للوعد والنقض لما
(16/312)

أكدوه من العهد، فقال مؤكداً إشارة إلى أنه لا يكاد يصدق أن عاقلاً يؤكد على نفسه في أمر ثم يخلفه جواباً لمن يقول: هل نزهوه كما نزهه المخلصون: {وإن} أي فعلوا ذلك من الضلال بالشبه التي افتضحت بما كشفناه من ستورها ولم ينزهوا كما نزه المخلصون والحال أنهم {كانوا} قبل هذا {ليقولون} أي قولاً لا يزالون يجددونه مع ما فيه من التأكيد {لو أن عندنا ذكراً} أي على أيّ حال كان من أحواله من كتاب أو غيره {من الأولين} أي من الرسل الماضين {لكنا عباد الله} أي بحيث أنا نصير أهلاً للإضافة إلى المحيط بصفات الكمال {المخلصين *} أي في العبادة له بلا شائبة من شرك أصلاً.
ولما كان هذا الذكر - الذي أتاهم مع كونه أعظم ذكر أتى مصدقاً لكتب الأولين وكان الرسول الآتي به أعظم الرسل، فكان لذلك هو عين ما عقدوا عليه مع زيادة الشرف - سبباً لكفرهم قال: {فكفروا به} أي فتسبب عما عاهدوا عليه أنهم كفروا بذلك الذكر مع زيادته في الشرف على ما طلبوا بالإعجاز وغيره فتسبب عن ذلك تهديدهم ممن أخلفوا وعده، ونقضوا مع التأكيد عهده، فقال: {فسوف يعلمون *} أي بوعيد ليس هو من جنس كلامهم، بل هو مما لا خلف فيه بوجه.
(16/313)

ولما كان التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد: فلقد سبقت كلمتنا على من خالف رسلنا بالخذلان المهين، عطف عليه قوله: {ولقد سبقت} أي في الأزل {كلمتنا} أي على ما لنا من العظمة {لعبادنا} أي الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون {المرسلين *} الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة.
(16/314)

إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178)
ولما آذنت اللام بعلوهم، أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى واحد بقوله: {إنهم} وزاد في تأكيده في نظير ما عند الكفرة على ما تدل أعمالهم أنه في غاية البعد فقال: {لهم} أي خاصة {المنصورون *} أي الثابت نصرهم في الجدال والجلاد وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما. ولما خص بذلك المرسلين، عم فقال: {وإن جندنا} أي من المرسلين وأتباعهم، ولما كان مدلول الجند في اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفاً من الخلق على حدة، قال جامعاً على المعنى دون اللفظ نصاً على المراد: {لهم} أي لا غيرهم {الغالبون *} أي وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم يكن في هذه الدار فهو في دار القرار، وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما، وسمى هذا كله كلمة لانتظامه معنى واحداً، ولا يضر انهزام في بعض المواطن من بعضهم ولا وهن قد يقع، وكفى دليلاً على هذا
(16/314)

سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء الثلاثة بعده رضي الله عنهم.
ولما ثبت لا محالة بهذا أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو المنصور لأنه من المرسلين ومن جند الله، بل هو أعلاهم، سبب عن ذلك قوله: {فتولّ} أي فكلف نفسك الإعراض {عنهم} أي عن ردهم عن الضلال قسراً {حتى حين *} أي مبهم، وهو الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل {وأبصرهم} أي ببصرك وبصيرتك عند الحين الذي ضربناه لك وقبله: كيف تؤديهم أحوالهم وتقلباتهم كلما تقلبوا إلى سفول.
ولما كانوا قبل الإسلام عمياً صمًّا لأنهم لا يصدقون وعداً ولا وعيداً، ولا يفكرون في عاقبة، حذف المفعول من فعلهم فقال متوعداً محققاً بالتوسيف لا مبعداً: {فسوف يبصرون *} أي يحصل لهم الإبصار الذي لا غلط فيه بالعين والقلب بعد ما هم فيه من العمى، وهذا الحين واضح في يوم بدر وما كان من أمثاله قبل الفتح، فإنهم كان لهم في تلك الأوقات نوع من القوة، فلذلك أثبتهم نوع إثبات في أبصرهم.
ولما كانت عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء، كلما ورد عليهم تهديد، سبب عن ذلك الإنكار عليهم على وجه تهديد آخر لهم فقال: {أفبعذابنا} أي على ما علم له من العظمة بإضافته إلينا
(16/315)

{يستعجلون} أي يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم قبل أوانه الذي ضربناه له. ولما علم من هذا أنه لا بشرى لهم يوم حلوله، ولا قرار عند نزوله، صرح بذلك في قوله: {فإذا} أي هددناهم وأنكرنا عليهم بسبب أنه إذا {نزل بساحتهم} أي غلب عليها لأن ذلك شأن النازل بالشيء من غير إذن صاحبه ولا يغلب عليها إلا وقد غلب على أهلها فبرك عليهم بروكاً لا يقدرون معه على البروز إلى تلك الساحة وهي الفناء الخالي عن الأبنية كأنه متحدث القوم وموضع راحتهم في أي وقت كان بروكه من ليل أو نهار، ولكن لما كانت عادتهم الإغارة صباحاً، قال على سبيل التمثيل مشيراً بالفاء إلى أنه السبب لا غيره {فساء صباح المنذرين *} أي الذين هم أهل للتخويف من هؤلاء وغيرهم وهذا التهديد لا يصلح لأن ينطبق على يوم الفتح ولقد صار من لم يتأهل لغير الإنذار فيه في غاية السوء، وهم الذين قتلهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك اليوم، ومنهم من تعلق بأستار الكعبة فلم يفده ذلك، ولكنهم كانوا قليلاً، والباقون إن كان ذلك الصباح على ما ساءهم منظره فلقد سرهم لعمر الله مخبره.
(16/316)

ولما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبي الرحمة لا يستأصل قومه بعذاب، قال دالاً على ذلك بتكرير الأمر تأكيداً للتسلية، ووعد النصرة مع ما فيه من زيادة المعنى على الأول، عاطفاً على «تولّ» الأولى: {وتول} أي كلف نفسك الصبر عليهم في ذلك اليوم الذي ينزل بهم العذاب الثاني والإعراض {عنهم حتى حين *} وكذا فعل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه حل بساحتهم يوم الفتح صباحاً، فلم يقدروا على مدافعة.
(16/317)

وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)
ولما كابر بعضهم ودافع، لم يكن بأسرع من أن ولوا وطلبوا السلامة بالدخول فيما جعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علماً على التأمين، وقال حماس بن قيس أخو بني بكر لما دخل بيته لامرأته: أغلقي عليّ الباب، فعيرته بالهزيمة بعن أن كانت تنهاه عن منابذة المسلمين فلا ينتهي ويقول لها: لا بد، أن أخدمك بعضهم:
إنك لو شهدت يوم الحندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
(16/317)

واستقبلتنا بالسيوف المسلمة ... يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضرباً فلا يسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلقنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
ولما كان هذا منطبقاً على يوم الفتح، وكان ذلك اليوم قد أحل الكفار محلاًّ صاروا به بحيث لا اعتبار لهم قال: {وأبصر} مسقطاً ضميرهم، أي أبصر ما تريد من شؤونك التي يهمك النظر فيها، وأما هم فصاروا بحيث لا يبالي بهم ولا يفكر في أمرهم ولا يلتفت إليهم، فإنا أبدلنا من عزتهم ذلاًّ، ومن كثرتهم قلاًّ، وجردنا تلك الأراضي من قاذورات الشرك، وأحللنا بها طهارة التنزيه وأقداس التحميد، وكذا كان، فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم وهو على درج الكعبة وهم تحته كالغنم المجموعة في اليوم المطير بعد أن قال «» لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده «: ما تظنون أني فاعل بكم يا معاشر قريش؟ قالوا:
(16/318)

خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقال له صفوان بن أمية: اجعلني بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر» ، ولم يكلف أحداً منهم الإسلام حتى أسلموا بعد ذلك طوعاً من عند آخرهم. ولما حاصر الطائف فعسرت عليه انصرف عنها، فما لبثوا أن أرسلوا إليه رسلهم وأسلموا فحسن إسلامهم ولم يرتد أحد منهم في الردة، وهذا من معنى {فسوف يبصرون *} .
ولما تقرر له سبحانه من العظمة ما ذكر، فكان الأمر أمره والخلق خلقه، ثبت تنزهه عن كل نقص واتصافه بكل كمال، فلذلك كانت نتيجة ذلك الختم بمجامع التنزيه والتحميد فقال: {سبحان ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإقامة الدليل الظاهر المحرر على صدقك بكل ما يكون من أحوال أعدائك من كلام أو سكوت، وتأييدك بكل قوة وإلباسك كل هيبة {رب العزة} أي التي هو مختص بها بما أفهمته الإضافة وأفاد شاهد الوجود وحاكم العقل، وقد علم بما ذكر في هذه السورة أنها تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء، وفي إضافة الرب إليه وإلى العزة إشارة إلى اختصاصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكل من وافقه في أمره عن جميع الخلق بالعزة وإن رئي في ظاهر الأمر غير ذلك {عما يصفون *} مما يقتضي النقائص لما ثبت
(16/319)

من ضلالهم وبعدهم عن الحق.
ولما قدم السلام على من شاء تخصيصه في هذه السورة من رسله عمهم فقال عاطفاً على {سبحان} : {وسلام} أي تنزه له وسلامة وشرف وفخر وعلا {على المرسلين *} أي الواصفين له بما هو له أهل، الذين اصطفاهم، الصافين صفًّا، الزاجرين زجراً، التالين ذكراً، من البشر والملائكة المذكورين في هذه السورة وغيرهم لأجل ما حكم لهم من سبحانه في الأزل من العز والنصر {والحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي الجامع لجميع الأسماء الحسنى التي دل عليها مجموع خلقه، وإلى ذلك أشار بقوله: {رب العالمين *} فهو حينئذ الواحد المعتال، الذي تنزه عن الأكفاء والأمثال، والنظراء والأشكال، في كل شيء من الأقوال والأفعال، والشؤون والأحوال، ولقد ترافق آخرها - كما ترى - وأولها، وتعانق مفصلها وموصلها - والله الهادي إلى الصواب.
(16/320)

(سورة ص)
المقصود منها بيان ما ذكر في آخر الصافات من أن جند الله هم الغالبون - وإن رئي أنهم ضعفاء، وإن تأخر نصرهم - غلبة آخرها سلامة للفريقين، لأنه سبحانه واحد لكونه محيطا بصفات الكمال كما أفهمه آخر الصافات من التنزيه والحمد وما معهما، وعلى ذلك دلت تسميتها بحرف " ص " لأن مخرجه من طرف اللسان، وبين أصول الثنيتين السفليتين، ولهمن الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير، فكان دالا على ذلك لأن مخرجه أمكن مخارج الحروف وأوسعها وأخفها وأرشقها وأغلبها، ولأن ما له من الصفات العالية أكثر من ضدها وأفخم وأعلى وأضخم، ولذلك ذكر من فيها من الأنبياء الذين لم يكن على أيديهم إهلاك، بل ابتلوا وعرفوا وسلمهم الله من أعدائهم من الجن والإنس، وإلى ذلك الإشارة بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من أن معناه: الله صادق فيما وعد، أو صدق محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، أو صاد محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، قلوب الخلق واستمالها، وبه قرأ أبو عمرو في رواية شاذة على أنه فعل ماض من
(16/321)

الصيد، وقرأ الحسن وغيره بكسر الصاد على أنه أمر من المصاداة وهي المعارضة أي عارض بما أنزلناه إليك الخلائق وجادلهم به فإنك تغلبهم لأن الصدق سيف الله في أرضه، ما وضعه على شيء إلا قطعه، وقد انبسط هذا الصدق الذي أشار إليه الصاد على كل صدق في الوجود فاستمال كل من فيه نوع من الصدق، ولهذا قال في السورة التي بعدها) والذي جاء بالصدق وصدق به) [الزمر: 33] فذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام شاهد وجودي على ما هو معنى الصاد عند العلماء الربانيين من أنه مطابقة ما بين الخلق والأمر، وتسمى سورة داود عليه السلام - كما قاله ابن الجوزي رحمه الله - وحاله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أدل أحوال من فيها من الأنبياء على هذا المقصود، لما كان فيه من الضعف أولا والملك آخرا) بسن الله (الذي يعز من انتمى إليه وإن كان ضعيفا لأن هـ العزيز) الرحمن (الذي له القدرة التامة على أن يرحم بالضراء كما يرحم بالسراء) الرحيم (الذي أكرم أهل وده، بالإعانة على لزوم شكره وحمده.
(16/322)

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)
ولما نزه ربنا سبحانه نفسه الأقدس في ختام تلك عن كل شائبة
(16/322)

نقص، وأثبت له كل كمال ناصاً على العزة، وأوجب للمرسلين السلامة، افتتح هذه بالإشارة إلى دليل ذلك بخذلان من ينازع فيه فقال: {ص} أي إن أمرك - يا من أمرناه باستفتاء العصاة آخر الصافات وبشرناه بالنصر - مهيأ مع الضعف الذي أنتم به الآن والرخاوة والإطباق، وعلو وانتشار يملأ الآفاق {والقرآن} أي الجامع - مع البيان لكل خير - لأتباع لا يحصيهم العد، ولا يحيط بهم الحد. ولما كان القسم لا يليق ولا يحسن إلا بما يعتقد المقسم له شرفه قال: {ذي الذكر *} أي الموعظة والتذكير بما يعرف، والعلو والشرف والصدق الذي لا ريب فيه عند كل أحد، فكل من سمعه اعتقد شرفه وصدق الآتي به ليملأن شرفه المنزل عليه الأقطار، وليزيدن على كل مقدار، كما تقدمت الدلالة عليه بالحرف الأول، والذين كفروا وإن أظهروا الشك في ذلك وانتقصوه قولاً فإنهم لا ينتقصونه علماً {بل الذين كفروا} بما يظهرون من تكذيبه {في عزة} أي عسر وصعوبة ومغالبة بحمية الجاهلية مظروفون لها، فهي معمية لهم عن الحق لإحاطتهم بهم، وأنثها إشارة إلى ضعفها، وبشارة بسرعة زوالها وانقلابها إلى ذل {وشقاق *} أي إعراض وامتناع واستكبار على قبول الصدق من لساني الحال الذي أفصح به الوجود، والقال الذي
(16/323)

صرح به الذكر فهداهم إلى ما هو في فطرهم وجبلاتهم بأرشق عبارة وأوضح إشارة لو كانوا يعقلون، فأعرضوا عن تدبره عناداً منهم لا اعتقاداً فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، وتنكيرهما للتعظيم، قال الرازي: حذف الجواب ليذهب فيه القلب كل مذهب ليكون أغزر وبحوره أزخر - انتهى.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مع أنبيائهم في العتو والتكذيب، وأن ذلك أعقبهم الأخذ الوبيل والطويل، كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب، فحل بالمعاند سوء العذاب، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم ليعلم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء الانقلاب، وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد} إلى قوله: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ولما أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قوله {عجل لنا قطناً قبل يوم الحساب} أتبع ذلك بأمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصبر فقال {اصبر على ما يقولون} ثم آنسه بذكر الأنبياء وحال المقربين الأصفياء {وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} - انتهى.
(16/324)

ولما كان للعلم الذي أراد الله إظهاره في هذا الوجود طريقان: حال ومقال، فأما الحال فهو ما تنطق به أحوال الموجودات التي أبدعها سبحانه في هذا الكون من علوم يدرك منها من أراد الله ما أراد، وأما المقال فهو هذا الذكر الذي هو ترجمة عن جميع الوجود، وكان سبحانه قد قدم الذكر لأنه أبين وأظهر، وأخبر أنهم أعرضوا عنه وشاققوه، وكان من شاقق الملك استحق الهلاك، وكان ما أبدوه من المغالبة أمراً غائظاً للمؤمنين، أتبعه ما يصلح لتخويف الكافرين وترجية المؤمنين مما أفصح به لسان الحال من إهلاك المنذرين، وهو أبين ما يكون من دلالاته، وأظهر ما يوجد من آياته، فقال استئنافاً: {كم أهلكنا} وكأن المنادين بما يذكر كانوا بعض المهلكين، وكانوا أقرب المهلكين إليهم في الزمان، فأدخل الجار لذلك، فقال دالاً على ابتداء الإهلاك: {من قبلهم} وأكد كثرتهم بقوله مميزاً: {من قرن} أي كانوا في شقاق مثل شقاقهم، لأنهم كانوا في نهاية الصلابة والحدة والمنعة - بما دل عليه «قرن» .
ولما تسبب عن مسهم بالعذاب دلهم قال جامعاً على معنى «قرن» لأنه أدل على عظمة الإهلاك: {فنادوا} أي بما كان يقال لهم: إنه سبب للنجاة من الإيمان والتوبة، واستعانوا بمن ينقذهم، أو فعلوا النداء
(16/325)

ذعراً ودهشة من غير قصد منادي، فيكون الفعل لازماً، وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا تنادوا «مناص» أي عليكم بالفرار، فأجيبوا بأنه لا فرار لهم.
ولما قرر سبحانه في غير موضع أن التوبة لا تنفع إلا عند التمكن والاختيار لا عند الغلبة والاضطراب، قال تعالى مؤكداً لهذا المعنى في جملة حالية بزيادة التاء التي أصلها هاء في «لا» أو في «حين» كما أكدوا بزيادتها في رب وثم، والهاء في أراق والتاء في مثال والان فقالوا: ربت وثمت وأهراق وتمثال وتالان {ولات} أي وليس الحين {حين مناص *} أي فراراً بتحرك بتقدم ولا تأخر، بحركة قوية ولا ضعيفة، فضلاً عن نجاة، قال ابن برجان: والنوص يعبر به تارة عن التقدم وتارة عن التأخر وهو كالجماح والنفار من الفرس، ونوص حمار رفعه رأسه كأنه نافر جامح.
ولما كان جعل المنذر منهم ليس محلاًّ للعجب فعدوه عجباً لما ظهر
(16/326)

من تقسيمهم القول فيه، عجب منهم في قوله: {وعجبوا أن} أي لأجل أن {جاءهم} ولما كان تعجبهم من مطلق نذارته لا مبالغته فيها أتى باسم الفاعل دون فعيل فقال: {منذر منهم} أي من البشر ثم من العرب ثم من قريش ولم يكن من الملائكة مثلاً وكان ينبغي لهم أن لا يعجبوا من ذلك فإن كون النذير بما يحل من المصائب من القوم المنذرين - مع كونه أشرف لهم - أقعد في النذارة لأنهم أعرف به وبما هو منطو عليه من صدق وشفقة وغير ذلك، وهو الذي جرت به العوائد في القديم والحديث لكونهم إليه أميل، فهم لكلامه أقبل.
ولما كانوا أعرف الناس بهذا النذير صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أنه أصدقهم لهجة وأعلاهم همة وأنه منفي عنه كل نقيصة ووصمة، زاد في التعجيب بأن قال معبراً بالواو دون الفاء لأن وصفهم له بالسحر ليس شبيه هذا العجب: {وقال} ولما كانوا يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون، ومعاندون لا غافلون، أظهر موضع الإضمار
(16/327)

إشارة إلى ذلك وإيذاناً بشديد غضبه في قوله: {الكافرون هذا} أي النذير.
ولما كان ما يبديه من الخوارق إعجازاً فعلاً وقولاً يجذب القلوب، وكان أقرب ما يقدحون به فيه السحر قذفوه به ولم يعبروا بصيغة مبالغة لئلا يكون ذلك إيضاحاً جاذباً للقلوب إليه فقالوا: {ساحر} أي لأنه يفرق بما أتى به بين المرء وزوجه، فاعترفوا - مع نسبتهم له إلى السحر وهم يعلمون أنهم كاذبون في ذلك - أن ما أتى به فوق ما لهم من القوى {كذاب *} أي في ادعائه أن ما سحر به حق ليس هو كسحر السحرة، وأتوا بوقاحة بصيغة المبالغة وقد كانوا قبل ذلك يسمونه الأمين وهم يعلمون أنه لم يتجدد له شيء إلا إتيانه بأصدق الصدق وأحق مع ترقيه في معارج الكمال من غير خفاء على أحد له أدنى تأمل.
(16/328)

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)
ولما ذكر قولهم الناشىء عن عجبهم، ذكر سببه ليعلم أن حالهم هو الذي يعجب منه لا حال من أنذرهم بقوله حاكياً قولهم إنكاراً لمضمون ما دخل عليه: {أجعل} أي صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه {الآلهة} أي التي نعبدها {إلهاً واحداً} ولما كان الكلام في الإلهية التي هي أعظم أصول الدين، وكان هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكل من تبعه بل وكل منصف ينكرون أن يكون هذا عجباً،
(16/328)

بل العجب كل العجب ممن يقبل عقله أن يكون الإله أكثر من واحد، أكدوا قولهم لذلك وإعلاماً لضعفائهم تثبياً لهم بأنهم على غاية الثقة والاعتقاد لما يقولون، لم يزلزلهم ما رأوا من منذرهم من الأحوال الغريبة الدالة ولا بد على صدقه، فسموها سحراً لعجزهم عنها: {إن هذا} أي القول بالوحدانية {لشيء عجاب *} أي في غاية العجب - بما دلت عليه الضمة والصيغة، ولذلك قرئ شاذاً بتشديد الجيم، وهي أبلغ قال الاستاذ أبو القاسم القشيري: فلا هم عرفوا الإله ولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وتقدير القادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل أمر جر ثبوته سقوطه فهو باطل مطرح - انتهى. وستأتي الإشارة إلى الرد عليهم بقوله: {العزيز الوهاب} ثم بقوله: {وما من إله إلا الله الواحد القهار} .
ولما كان العجب فكيف بالعجاب جديراً بأن يلزم صاحبه ليزداد الناظر عجباً، بين أنهم فعلوا خلاف ذلك تصديقاً لمن نسبهم إليه من الشقاق فقال: {وانطلق} ولما كان ما فعلوه لا يفعله عاقل فربما ظن السامع أن المنطلق منهم أسقاط من الناس من غيرهم قال: {الملأ}
(16/329)

أي الأشراف، وقال: {منهم} أي لا من غيرهم فكيف بالأسقاط منهم وكيف بغيرهم، ثم حقق الانطلاق مضمناً له القول لأنه من لوازمه بقوله: {أن امشوا} أي قائلاً كل منهم لذلك آمراً لنفسه ولصاحبه بالجد في المفارقة حالاً ومقالاً، وإذا وقف على «أن» ابتدئ بكسر الهمزة لأن أصله: امشيوا فالثالث مكسور كما أنه لو قيل لأمرأة: اغزي يبتدأ بالضم لأن الأصل: اغزوي كاخرجي {واصبروا على آلهتكم} أي لزوم عبادتها وعدم الالتفات إلى ما سواها، قال القشيري: وإذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم.
ولما كان كل منهم قد أخذ ما سمعه من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلب وسلب لبه، على ما أشار إليه «ذي الذكر بل» فهو خائف من صاحبه أن يكون قد استحال عن اعتقاد التعدد بما يعرف من تزحزحه في نفسه، أكدوا قولهم: {إن هذا} أي الصبر على عبادة الآلهة {لشيء يراد *} أي هو أهل للإرادة فهو أهل لئلا ينفك عنه،
(16/330)

أو الذي يدعو إليه شيء يريده هو ولا نعلم نحن ما هو على ما نحن عليه من الحذق، فهو شيء لا يعلم في نفسه.
ولما كان كأنه قيل: فما حال ما يقوله؟ قالوا جواباً واقفاً مع التقليد والعادة التي وجدوا عليها أسلافهم: {ما سمعنا بهذا} أي الذي تذكره من الوحداينة {في الملة الآخرة} وتقييدهم لها يدل على أنهم عالمون به في الملة الأولى، وأنهم عارفون بأن إبراهيم عليه السلام ومن وجد من أولاده الذين هم آباؤهم إلى عمرو بن لحي كانوا بعيدين من الشرك ملازمين للتوحيد وأنه لا شبهة لهم إلا كونه سبحانه لم يغير عليهم في هذه المدد الطوال، وكانوا أيضاً يعرفون البعث ولكنهم تناسوه، ذكر ابن الفرات في تأريخه يوم حليمة من أيام العرب وقال: إن حجر بن عمرو آكل المرار سار إلى بني أسد فقتلهم وسيرهم إلى تهامة فقال عبيد بن الأبرص من أبيات:
ومنعتهم نجداً فقد حلوا على وحل تهامه ... أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامه ... وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(16/331)

قال: «إن أول من سيب السوايب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وأني رأيته يجر أمعاءه في النار» وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أول من غير دين إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي بن قميئة» وروى البخاري في فتح مكة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخرج من البيت صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في أيديهما الأزلام فقال: «قاتلهم الله! لقد علموا ما استقسما بها قط» فبطل ما يقال من أن أهل الفترة جهلوا جهلاً أسقط عنهم اللوم، ويؤيده ما في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: «في النار، فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار» أخرجه مسلم في آخر كتاب الإيمان، وقد مر في سبحان في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} ما ينفع هنا، والقاطع للنزاع في هذا قوله {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدو الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] فما تركت هذه الآية أحداً حتى شملته وحكمت عليه بالجنة أو النار.
(16/332)

ولما كان قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده جديراً بأن يزلزلهم فكيف إذا انضم إليه علمهم بأن أسلافهم لا سيما إسماعيل وأبوه إبراهيم عليهما السلام كانوا عليه، أكدوا قولهم: {إن} أي ما {هذا} أي الذي يقوله {إلا اختلاق *} أي تعمد الكذب مع أنه لا ملازمة بين عدم سماعهم فيها وبين كونه اختلاقاً، بل هو قول يعرف معانيه بأدنى تأمل، روى الترمذي - وقال: حسن صحيح - والنسائي وابن حبان في صحيحه وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبري وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعند أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه ألى أبي طالب - زاد النسائي في الكبير وأبو يعلى: وقالوا: يقع في آلهتنا
(16/333)

فقال: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟ قال:
«أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية، قال: كلمة واحدة، قال: كلمة واحدة، فقال: وما هي؟ فقال: يا عم، قولوا» لا إله إلا الله «فقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن إلا اختلاق، قال: فنزل فيهم القرآن» {ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفورا في عزة وشقاق} إلى قوله: {اختلاق} وفي التفاسير أنهم قالوا: كيف يسع الخلق كلهم إله واحد.
ولما كان مرادهم بهذه التأكيدات الدلالة على أنهم في غاية الثبات على ما كانوا عليه قبل دعائه، وأبى الله أن يبقى باطلاً بغير إمارة يقرنه بها تفضحه، وسلطان يبطله ويهتكه، أتبع ذلك حكاية قولهم الذي جعلوه دليلاً على حرمهم، فكان دالاً على عدم صدقهم في هذا الحكم الجازم غاية الجزم بالاختلاق المنادى عليهم بأن أصل دائهم والحامل لهم على تكذيبهم إنما هو الحسد، فقال دالاً بتعبيرهم بالإنزال على أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان جديراً بأن يتوهم فيه النبوة بما كان له قبل الوحي من التعبد والأحوال الشريفة
(16/334)

وقدموا ما يدل على اختصاصه عناداً لما يعلمون من أحواله المقتضية للخصوصية بخلاف ما يذكر في القمر، وعبروا بحرف الاستعلاء إشارة إلى أن مثل هذا الذي يذكره لا يقوله إلا من غلب على عقله فقالوا: {أءنزل عليه} أي خاصة {الذكر} أي الذي خالف ما نحن عليه وصار يذكر به، وزادوا ما دلوا به على الاختصاص تصريحاً فقالوا: {من بيننا} ونحن أكبر سناً وأكثر شيئاً، وهذا كله كما ترى مع مناداته عليهم بالحسد العظيم ينادي عليهم غاية المناداة بالفضيحة، لأنه إن كان المدار على رعاية حق الآباء حتى لا يسوغ لأحد تغيير دينهم والطعن عليهم بدين محدث وإن قامت عليه الأدلة وتعاضدت على حقيته البراهين فما لآبائهم غيروا دين آبائهم لأجل ما أحدثه عمرو بن لحي - شخص ليس من قبيلتهم، وشهدوا على آبائهم بالضلال وهم عالمون بأن ما غيروه دين إسماعيل ومن قبله إبراهيم ومن تبعهما من صالحي أولادهما عليهم السلام، وإن كان المدار على المحدث حتى ساغ تغيير دين الأنبياء ومن تبعهم بإحسان عليهم السلام بما أحدثه عمرو بن لحي فما لهم لا يغيرون ما ابتدع من الضلال بما أتاهم به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسموه محدثاً، وإن كان المدار على الحق فما لهم لا ينظرون الأدلة ويتبعون الحجج.
ولما كان هذا دالاًّ على أنهم ليسوا على ثقة مما جزموا به قال:
(16/335)

{بل} أي إنهم ليسوا جازمين بما قالوا وإن أكدوه غاية التأكيد، بل {هم في شك} أي تردد محيط بهم مبتدئ لهم {من ذكري} أي فلهذا لا يثبتون فيه على قول واحد، أي إن أحوالهم في أقوالهم وأفعالهم أحوال الشاك. وعدل عن مظهر العظمة إلى الإفراد لأن هذا السياق للتوحيد فإلافراد أولى به وليكون نصاً على المراد بعد ذكر آلهتهم قطعاً لشبه متعنتيهم.
ولما كانوا في الحقيقة على ثقة من حقيقته وإن كان قولهم وفعلهم قول الشاك قال: {بل} أي ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن كان قولهم قول من هو في شك. ولما كانوا قد جرت لهم مصايب ومحن، وشدائد وفتن، ربما: ظنوا أنه لا يكون شيء من العذاب فوقها، نفى أن يكونوا ذاقوا شيئاً من عذابه الذي يرسله عند إرادة الانتقام، فعبر بما يفيد استغراق النفي في جميع الزمن الماضي فقال: {لما يذوقوا} من أول أمرهم إلى الآن {عذاب *} أي الذي أعددته للمكذبين فهم في عزة وشقاق، ولو ذاقوه لانحلت عرى عزائمهم، وصاروا أذل شيء وأحقره أدناه وأصغره! وإطباق
(16/336)

أهل الرسم وأكثر القراء على حذف يائه رسماً وقراءة إشارة إلى أنه العذاب الأدنى المذهب لحمية الجاهلية، وإثبات يعقوب وحده لها في الحالين إشارة إلى أنه العذاب المعد لإهلاك الأمم الطاغية لا مطلق العذاب.
(16/337)

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)
ولما أرشد إنكارهم خصوصيته بالذكر بنفي شكهم اللازم منه إثبات أنهم على علم بأنه مرسل، وأنه أحقهم بالرسالة إلى أن التقدير: أفيهم غيره من هو أهل لتلقي هذا الذكر حتى ينزله الله عليه ويترك هذا البشير النذير صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عادل به قوله: {أم عندهم} أي خاصة دون غيرهم {خزائن رحمة} ولما كان إنزال الوحي إحساناً إلى المنزل عليه، عدل عن إفراد الضمير إلى صفة الإحسان المفيدة للتربية، فقال مخاطباً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه أضخم لشأنه، وأفخم لمقداره ومكانه: {ربك} أي المحسن إليك بإنزاله ليخصوا به من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا {أهم يقسمون رحمة ربك} [الزخرف: 32] ولما كان لا يصلح للربوبية إلا الغالب لكل ما سواه، المفيض على من يشاء، ما يشاء، قال: {العزيز الوهاب *} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ويفيض على جهة التفضل ما يشاء على من يريد، وله صفة الإفاضة
(16/337)

متكررة الآثار على الدوام، فلا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى.
ولما سلب عنهم التصرف في الخزائن، أتبعه نفي الملك عما شاهدوا منها وهو جزء يسير جداً فقال: {أم لهم} أي خاصة {ملك السماوات والأرض} ولما كان الحكم على ذلك لا يستلزم الحكم على الفضاء قال: {وما بينهما} أي لتكون كلمتهم في هذا الكون هي النافذة ويتكلموا في الأمور الإلهية ويسندوا ما شاؤوا من الأمور الجليلة إلى من شاؤوا، ثم بين عجزهم وبكتهم وقرعهم ووبخهم بما سبب عن ذلك من قوله: {فليرتقوا *} أي يتكلفوا الرقي إن كان لهم ذلك {في الأسباب *} أي الطرق الموصلة إلى السماء ليستووا على العرش الذي هو أمارة الملك فيدبروا العالم فيخصوا من شاؤوا بالرسالة ليعلم أن لهم ذلك وأنه لا يسوغ لأحد أن يختص دونهم بشيء.
ولما انتفى عنهم بما مضى وعن كل من يدعون ممالأته ومناصرته عن آلهتهم وغيرها خصائص الإلهية، أنتج ذلك أنهم من جملة عباده سبحانه، فعبر عن حالهم بأعلى ما يصلون إليه من التجمع والتعاضد الذي دل عليه ما تقدم الإخبار عنه من عزتهم وشقاقهم، ونفرتهم عن القبول وانطلاقهم، فقال مخبراً عن مبتدأ حذف لوضوح العلم به:
(16/338)

{جند ما} أي ليسوا في شيء مما مضى وإنما هم جند حقيرون من بعض جنودنا متعاونون في نجدة بعضهم لبعض، قال أبو حيان: ويجوز أن تكون «ما» صفة أريد بها التعظيم على سبيل الهزء بهم أو التحقير لأن «ما» الصفة تستعمل لهذين المعنيين. وبين بعدهم من غير ما أقامهم فيه واستعملهم له من الرتب التي فرضها لهم وسفولهم عنها بقوله واصفاً لجند: {هنالك} أي في الحضيض عن هذه المرامي العالية، وبين أنه كثيراً ما تحزب أمثالهم على الرسل فما ضروا إلا أنفسهم بقوله واصفاً بعد وصف مفرداً تحقيراً: {مهزوم} أي له الانهزام صفة راسخة ثابتة {من الأحزاب *} أي الذين جرت عادتهم عزة وشقاقاً بالتحزب على الأنبياء ثم تكون عليهم الدائرة، وللرسل عليهم السلام العاقبة، فلا تكترث بهم أصلاً قال ابن برّجان: فكان أول جند مهزوم منهم جند غزوة بدر، ثم انبسط
(16/339)

صدق الحديث على جنود كثيرة في وقائع مختلفة.
ولما أوجب ذلك التشوف إلى بيان الأحزاب الماضية، وكانوا أحقر شيء بالنسبة إليه سبحانه مع شدتهم في أنفسهم، بين ذلك بالتاء الدالة على الرتبة الثانية المؤخرة، وهي رتبة التأنيث اللازم منه الضعف فقال: {كذبت} ولما كانت نيتهم التكذيب لا إلى آخر، عدّوا مستغرقين للزمان فنزع الجار وقيل: {قبلهم} أي مثل تكذيبهم. ولما كان لأول المكذبين من الكثرة والقوة والاجتماع على طول الأزمان ما لم يكن لمن بعدهم، كانوا مع تقدمهم في الزمان أحق بالتقديم في هذا السياق فقال: {قوم نوح} واستمروا في عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم، ولم يسمحوا بالإذعان ولا بالتضرع إلى نوح عليه السلام في أن يركبوا معه أو يدعو لهم فينجوا.
ولما كان لقوم هود عليه السلام بعدهم من الضخامة والعز ما ليس لغيرهم مع قوة الأبدان وعلوا الهمم واتساع الملك حتى بنوا جنة في الأرض، أتبعهم بهم، ومن مناسبتهم لهم في أن عذابهم بالريح التي هي سبب السحاب الحامل للماء فقال: {وعاد} مسمياً لهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من المكنة بالملك، واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح، ورأوها تحمل الإبل فيما بين السماء والأرض، وهجم
(16/340)

عليهم أوائلها وهم يرون هوداً عليه السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم في عافية منها، ولم يدعهم الشقاق يسألونه في الدعاء لهم ولا يذعنون لما دعاهم إليه.
ولما كان لهم من القوة والملك في جميع الأرض وبناء إرم ذات العماد ما يتضاءل معه ملك كل ملك، أتبعهم ملكاً ضخماً قهر غيره بعز سلطانه وكثرة أعوانه، حتى ادعى الألهية في زمانه، وتكبر بسعة ملكه والأنهار الجارية من تحته مع ما له من الوفاق لهم بأن عذابه كان بالريح باطناً وإن كان بالماء ظاهراً وذلك أن موسى عليه السلام لما ضرب البحر أرسل الله الريح ففرقته طرقاً وأيبست تلك الطرق، ولما خلص بنو إسرائيل أمرها الله تعالى فسكنت، فانطبق البحر على فرعون وآله، فقال تعالى: {وفرعون} ذكره باسمه نصاً على حقيقة أمره وتصريحاً بكفره إبطالاً لما أظهره الأخابث من شره طعناً في الدين وتشكيكاً لضعفاء المسلمين.
ولما نص على كفره، وصفه بما يدل مع الدلالة على مشاركة عاد في ضخامة الأمر وعلى كفر قومه فقال: {ذو الأوتاد *} أي الأسباب الموجبة لثبات الملك وتقويته من علو السلطان بكثرة الأعوان والتفرد
(16/341)

بالأوامر وسعة العقل ودقة المكر وكثرة الحيل بالسحر وغيره وجودة التدبير بالعدل فيما يزعم وصولة القهر، قال أبو حيان: وأصله من البيت المطنب بأوتاده - قال الأفوه الأودي:
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
واستمروا في عزة وشقاق وهم يضربون تارة بالطوفان وتارة بالجراد وتارة بالقمل، وأخرى بالضفادع وبغير ذلك، إلى أن رأوا آية البحر التي هي الغاية ولم يردهم شيء من ذلك عن شقاقهم إلى أن غرقوا على كفرهم عن بكرة أبيهم كما صرحت به هذه الآية.
(16/342)

وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18)
ولما كانت ثمود أضخم الناس بعدهم بما لهم من إتقان الأبنية في الجبال والسهول والتوسع بعمارة الحدائق وإنباط العيون وغير ذلك من الأمور، مع مناسبتهم لهم في رؤية الآيات المحسوسة الظاهرة العظيمة أتبعهم بهم فقال: {وثمود} واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ثم حمرتها ثم سوادها، ولم يكن لهم في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم.
ولما كان الحامل لثمود على المعصية الموجبة العذاب النساء لأن عاقر الناقة ما اجترأ على عقرها إلا لامرأة منهم جعلت له على عقرها
(16/342)

زواجها، وكان الموجب لعذاب قوم لوط إتيان الذكور، فالجامع بينهم الشهوة الفرج مع الطباق بالذكور والإناث، مع أن عذاب ثمود برجف ديارهم، وعذاب قوم لوط بقلع مدائنهم وحملها ثم قلبها، أتبعهم بهم فقال معبراً بما يدل على قوتهم مضيفاً لهم إلى نبيهم عليه السلام لأنهم عدة مداين ليس لهم اسم جامع كقوم نوح عليه السلام: {وقوم لوط} أي الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه واستمروا في عزتهم وشقاقهم حتى ضربوا بالعشا وطمس الأعين، ولم يقدروا على الوصول إلى ما أرادوا من الدخول إلى بيت لوط عليه السلام ولا التمكن مما أرادوا ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم، بل توعدوه بطلوع النهار.
ولما ذكر أهل المدر، أتبعهم طائفة من أهل الوبر يقاربونهم في الاستعصاء بالشجر، مع أن عذابهم بظلة النار كما كان لقوم لوط عليه السلام حجارة من نار فقال: {وأصحاب لئيْكَةِ} ثم عظم أمرهم تهويناً لأمر قريش وردعاً لهم بالحث على استحضار عذابهم فقال: {أولئك} أي العظماء في التجند والاجتماع على من يناوونه {الأحزاب *} أي الذين أقصى رتب هؤلاء في المخالفة أن يكونوا مثل حزب منهم.
(16/343)

ولما كان في معرض المعارضة لتألبهم وشقاقهم، وتجمعهم على المناواة باطلاً واتفاقهم، ولما كانوا لما عندهم من العناد وحمية الجاهلية ربما أنكروا أن يكون هلاك هؤلاء الأحزاب لأجل التكذيب، وقالوا: هو عادة الدهر في الإهلاك والتخالف في أسباب الهلاك، قال مؤكداً بأنواع التأكيد: {إن} أي ما {كل} من هذه الفرق كان لهلاكه سبب من الأسباب {إلا} أنه {كذب الرسل} أي كلهم بتكذيب رسوله، فإن من كذب رسولاً واحداً مع ثبوت رسالته فقد استهان بمن أرسله، وذلك ملزوم لتكذيب جميع من يرسله لتساوي أقدام المعجزات التي ثبتت رسالتهم بها في إيجاب التصديق {فحق} أي فتسبب عن ذلك التكذيب أنه حق {عقاب *} أي ثبت عليه فلم يقدر على التخلص منه بوجه من الوجوه والعدول إلى إفراد الضمير مع أسلوب التكلم لأن المقام للتوحيد كما مضى وهو أنص على المراد، وتقدم السر في حذف الياء رسماً في جميع المصاحف، وقراءة عند أكثر القراء وفي إثباتها في الحالين ليعقوب وحده.
ولما كان السياق للشقاق والإذعان للذكر الذي هو الموعظة ذات الشرف:
ولا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
كان الحال مقتضياً للعقوبة بخلاف ما في «ق» فإن السياق لإنكارهم البعث
(16/344)

وصحة النذارة وإثبات المجد، فكان الوعيد في ذلك كافياً.
ولما كان التقدير: فلقد أعقبنا كلاًّ من أولئك الأحزاب لما حق عليهم العقاب بنوع من الأنواع لا شك فيه عند أحد ولا ارتياب، عطف عليه قوله: {وما} ولما كانت قريش في شدة العناد والتصميم على الكفر والاستكبار عن الإذعان للحق وتعاطي جميع أسباب العذاب كأنهم ينتظرونه ويستعجلونه، عبر بما يدل على الانتظار. ولما كانوا لمعرفتهم بصدق الآتي إليهم والقطع بصحة ما يقول كأنهم يرون العذاب ولا يرجعون، جرد فعل الانتظار فقال: {ينظر} وحقرهم بقوله: {هؤلاء} أي الذين أدبروا عنك في عزة وشقاق، وغاية جهدهم أن يكونوا من الأحزاب الذين تحزبوا على جندنا فأخذناهم بما هو مشهور من وقائعنا ومعروف من أيامنا بأصناف العذاب، ولم تغن عنهم كثرتهم ولا قوتهم شيئاً ولم يضر جندنا ضعفهم ولا قلتهم {إلا صيحة} وحقر أمرهم بالإشارة إلى أن أقل شيء من عذابه كافٍ في إهلاكهم فقال {واحدة} ولما كان السياق للتهديد فعلم به أن الوصف بالوحدة للتعظيم، بينه بقوله: {ما لها} أي الصيحة {من فواق *} أي مزيد أيّ شيء من جنسها يكون فوقها، يقال: فاق أصحابه فوقاً وفواقاً، علاهم، وقرأه
(16/345)

حمزة بالضم فيكون كناية عن سرعة الهلاك بها من غير تأخر أصلاً، فإن الفواق كغراب ما يأخذ المحتضر عند النزاع، والمعنى أنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى زيادة على الصيحة الموصوفة لأنه لا صيحة فوقها، ففي ذلك تعظيم أقل شيء من عذابه وتحقير أعلى شيء من أمرهم ويجوز أن تكون القرءاتان من فواق الحلب، قال الصغائي: والفواق والفواق أي بالضم والفتح: ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سريعة يرضعها الفصيل لتدر قال في القاموس: أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع، فالمعنى: ما لها من رجوع كما يرجع اللبن في الضرع عن الفواق وكما يرجع المريض بالإفاقة من المرض إلى الصحة، أو ما لها من انفصال وافتراق بقدر ما يتنفس فيه أحد أقل تنفس وأقصره زمناً كما هي عادة الأصوات المألوفة يكون فيها ترجيع يوجب في الصوت تقطعاً يصير به وقعه ضعيفاً فاتراً، واعتماده على مخرجه رخواً، بل هي صماء على نمط واحد لا تفجأ أحداً إلا مات إلا من ثبته الله تعالى، ويجوز أن يكون من فواق المحتضر، أي أنه ليس فيها مقدمة للموت غير قرع الصوت، وهذا موافق لقولهم: ما لها
(16/346)

من نظرة وراحة - والله أعلم.
ولما عجب منهم بما مضى، وأبطل شبههم وعرفهم أنهم قد عرضوا أنفسهم للهلاك تعريضاً قريباً، أتبع ذلك تعجيباً أشد من الأول فقال: {وقالوا} أي استهزاء غير هائبين ما هددناهم به ولا ناظرين في عاقبته: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {عجل لنا} أي إحساناً إلينا {قطنا} أي نصيباً من العذاب الذي توعدنا به وكتابنا الذي كتبت فيه ذلك وأحصيت فيه أعمالنا، وأصله من قط الشيء - إذا قطعه، ومنه قط القلم، وأكثر استعماله في الكتاب.
ولما كان المراد بهذا المبالغة في الاستهزاء بطلب العذاب في جميع الأزمان التي بينهم وبين القيامة، أسقطوا حرف الجر وقالوا: {قبل يوم الحساب *} فجعلوا جميع الزمان الذي بينهم وبينه ظرفاً لذلك، وجعلوا تعجيله من الإحسان إليهم دلالة على الإعراق في الاستهزاء، وعبر بالقط زيادة في التنبيه على ركوب الهوى من غير دليل فإن مادته دائرة في الأغلب على ما يكره، واشتقاقه من القط وهو القطع، فالقط النصيب والصك وكتاب المحاسبة لأنه قطعه من الورق،
(16/347)

والحساب قطعة من الأمور وهو يقطع فيه بما هو له والساعة - لأنها قطعة من الزمان وتقطقط الرجل: ركب رأسه أي تبع هواه الذي هو قطعة من أمره، وجاءت الخيل قطاقط أي قطعاً وجماعات في تفرقة، والقط: القطع، والقطط: القصير الجعد، والطقطقة: حكاية صوت الحجارة، فكأنهم قالوا: عجل من ذلك ما يكون مقطوعاً به لا شك فيه ويسمع صوته على غاية الشدة فيهلك ويفرق بين الأحباب ويكتب في كل صك، ويتلى خبره في سائر الأحقاب، فإن ذلك هو أنا لا نرجع عنه لشيء أصلاً، فسبحان الحليم الذي أكرمنا ورحمنا بنبي الرحمة، فلم يعجل لنا النقمة، وأقبل بقلوبنا إليه، وقصر هممنا بعد أن كانت في أشد بعد عليه. ولما بلغ السيل في ركوبهم الباطل عناداً - الزبى، وتجاوز في طغيانه رؤوس الربى، وكان سؤالهم في تعجيل العذاب استهزاء مع ما قدموا من الإكذاب، والكلام البعيد عن الصواب، ربما اقتضى أن يسأل في تعجيل ما طلبوا، وربما أوقع في ظن أن إعراضهم والابتلاء بهم ربما كان لشيء في البلاء أو المبلغ، بين تعالى أن عادته الابتلاء للصالحين رفعة لدرجاتهم، فقال تعالى مسلياً ومعزياً ومؤسياً لهذا النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن تقدمه من إخوانه الأنبياء
(16/348)

والمرسلين، مذكراً له بما قاسوا من الشدائد وما لاقوا من المحن، وحاثاً على العمل بأعمالهم آمراً بالتأني والتؤدة والحلم، ومحذراً من العجلة والتبرم والضجر، وبدأ بأهل الشرف لأن السياق لشرف القرآن الذي يلزم منه شرف صاحبه تعريفاً بأنه لا يلزم من الشرف الراحة في الدنيا، ومنبهاً على أن شرفه محوج عن قرب بكثرة الأتباع إلى الحكم بين ذوي الخصومات والنزاع الذي لا قوام له إلا بالحلم والأناة والصبر، وبدأ من أهل الشرف بمن كان أول أمره مثل أول أمر هذا النبي الكريم في استضعاف قومه له وآخر أمره ملكاً ثابت الأركان مهيب السلطان، ليكون حاله مثلاً له فيحصل به تمام التسلية: {اصبر} وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال: {على ما} وزاد في الحث عليه بالمضارع فقال: {يقولون} أي يجددون قوله في كل حين من الأقوال المنكية الموجعة المبكية، فإنه ليس لنقص فيك، ولكنه لحكم تجل عن الوصف، مدارها زيادة شرفك ورفعة درجاتك، وصرف الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء ما يذكر من التسخير لذلك: {واذكر عبدنا} أي الذي أخلصناه لنا وأخلص نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في خدمتنا، وأبدل منه أو بقوله: {داود ذا الأيد} أي القوى العظيمة في تخليص نفسه من علائق الأجسام، فكانت قوته
(16/349)

في ذلك سبباً لعروجه إلى المراتب العظام.
ولما كان أعظم الجهاد الإنقاذ من حفائر الهفوات وأوامر الشهوات، بالإصعاد في مدارج الكمالات، ومعارج الإقبال، وكان ذلك لا يكاد يوجد في الآدميين لما حفوا به من الشهوات وركز في طباعهم من الغفلات، علل قوته بقوله مؤكداً: {إنه أواب *} أي رجاع إلى الله تعالى ليصير إلى ما خلقه عليه من أحسن تقويم بالعقل المحض أطلق العلو درجة درجة على الرجوع، لأن ذلك دون الرتبة التي تكون نهاية عند الموت، فكان المقضي له بها أنزل نفسه عنها، ثم صار يرجع إليها كل لحظة بما يكابد من المجاهدات والمنازلات والمحاولات حتى وصل إليها بعد التجرد عن الهوى كله. ولما كان الإنسان لا يزال يتقرب إلى الله تعالى حتى يحبه فإذا أحبه صار يفعل به سبحانه، وظهرت على يديه الخوارق، قال مستأنفاً جواباً لمن سأل عن جزائه على ذلك الجهاد، مؤكداً له لما طبع عليه البشر من إنكار الخوارق لتقيده بالمألوفات: {إنا} أي على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء {سخرنا الجبال} أي التي هي أقسى من قلوب قومك فإنها أعظم الأراضي صلابة وقوة وعلواً ورفعة، بأن جعلناها منقادة ذلولاً كالجمل الأنف، ثم قيد ذلك بقوله: {معه} أي مصاحبة له فلم يوجد ذلك التسخير
(16/350)

ظاهراً لأحد بعده ولا قبله، ولما كان وجود التسبيح من الجبال شيئاً فشيئاً أعجب لأنها جماد، عبر بالفعل المضارع، فقال مصوراً لتلك الحال معبراً بضمير الإناث إشارة إلى أنها بعد ما لها من الصلابة صارت في غاية اللين والرخاوة، يسبح كل جبل منها بصوت غير مشبه بصوت الآخر، لأن ذلك أقرب إلى التمييز والعلم بتسبيح كل على انفراده: {يسبحن} ولم يقل: «مسبحة» أو «تسبح» لئلا يظن أن تسبيحها بصوت واحد ليشكل الأمر في بعضها، وهو يمكن أن يكون استئنافاً وأن يكون حالاً بمعنى أنهن ينقدن له بالتسبيح قالاً وحالاً انقياد المختار المطيع لله.
ولما كان في سياق الأوبة، وكان آخر النهار وقت الرجوع لكل ذي إلف إلى مألفه مع أنه وقت الفتور والاستراحة من المتاعب قال: {بالعشي} أي تقوية للعامل وتذكيراً للغافل. ولما كان في سياق الفيض والتشريف بالقرآن قال: {والإشراق *} أي في وقت ارتفاع الشمس عن انتشاب الناس في الأشغال، واشتغالهم بالمآكل والملاذ من الأقوال والأفعال، تذكيراً لهم وترجيعاً عن مألوفاتهم إلى تقديس ربهم سبحانه، وليس الإشراق طلوع الشمس، إنما هو صفاؤها
(16/351)

وضوءها، وشروقها طلوعها، وروت أم هانىء رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في بيتها الضحى وقال لها: «هذه صلاة الإشراق» وفي الجامع لعبد الرزاق أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلاة الضحى في القرآن، ولكن لا يغوص عليها إلا غائص، ثم قرأ هذه الآية. وإليها الإشارة أيضاً - والله أعلم - بصلاة الأوابين {واذكر عبدنا داود ذا الأيد أنه أواب} {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد أنه أواب} {يا جبال أوبي معه} {والطير محشورة كل له أواب} روى مسلم في صحيحه وعبد بن حميد في مسنده والدارمي في جامعه المسمى بالمسند عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» ، ولفظ الدارمي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج عليهم وهو يصلون بعد طلوع الشمس فقال: «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» ، ولفظ عبد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاهم في مسجد قباء فرآهم يصلون الضحى فقال: «هذه صلاة الأوابين وكانوا يصلونها إذا رمضت الفصال» أي بركت من شدة الحر وإحراقه أخفافها، من الرمض - بالتحريك، وهو شدة الشمس على الرمل وغيره، والرمضاء: الشديدة الحر.
(16/352)

وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)
ولما أخبر سبحانه عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها له، أتبعها أخفها وأكثرها انتقالاً، وعبر فيها بالاسم الدال على الاجتماع جملة والثبات لأنه أدل على القدرة فقال معبراً باسم الجمع دون الجمع إشارة إلى أنها في شدة الاجتماع كأنها شي واحد، ذكر حالها في وصف صالح للواحد، وجعله مؤنثاً إشارة إلى ما تقدم من الرخاوة اللازمة للإناث المقتضية لغاية الطواعية والقبول لتصرف الأحكام: {والطير} أي سخرناها له حال كونها {محشورة} أي مجموعة إليه كرهاً من كل جانب دفعة واحدة - بما دل التعبير بالاسم دون الفعل وهو أدل على القدرة وهي أشد نفرة من قومك وأعسر ضبطاً وهذا كما كان الحصى يسبح في يد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي يد بعض أصحابه، وكما تحرك الجبل فضربه برجله وقال: «اسكن أحد» فسكن، وكما حشر الدبر على رأس عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح رضي الله عنه فمنع من أخذه ليتلعب به، فلما جاء الليل أرسل الله سيلاً فاحتمله إلى حيث لم يعرف له خبر ولا وقف له على أثر {كل} أي كل واحد من الجبال والطير {له أواب *} أي رجاع لأجل داود عليه السلام خاصة
(16/353)

عن مألوفه لا بمعنى آخر مما ألفته، فكلما رجع هو عن حكمه وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق رجعت معه بذلك الجبال والطير، وجعل الخبر مفرداً إشارة إلى إلى شدة زجلها بالتأديب وعظمته، والإفراد أيضاً يفيد الحكم على كل فرد، ولو جمع لطرقه احتمال أن الحكم على المجموع يقيد الجمع، فكأن داود عليه السلام يفهم تسبيح الجبال والطير، وينقاد له كل منهما إذا أمره بالتسبيح، وكل من تحقق بحاله ساعده كل شيء - قاله القشيري، ففي هذا إشارة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنا متى شئنا جعلنا قومك معك في التسخير هكذا، فلا تيأس منهم على شدة نفرتهم وقوة سماجتهم وغرتهم، فإنا جعلناهم كذلك لتروض نفسك بهم وتزداد بالصبر عليهم جلالاً، وعلواً ورفعة وكمالاً - إلى غير ذلك من الحكم التي لا تسعها العقول، ولا تيأس من لينهم لك ورجوعهم إليك فإنهم لا يعدون أن يكونوا كالجبال قوة وصلابة، أو الطير نفرة وطيشاً وخفة، فمتى شئنا جعلناهم لك مثل ما جعلنا الجبال والطير مع داود عليه السلام، بل أمرهم أيسر وشأنهم أهون.
ولما كان هذا دالاً على الملك من حيث أنه التصرف في الأشياء العظيمة قسراً، فكان كأنه قيل: كل ذلك إثباتاً لنبوته وتعظيماً لملكه،
(16/354)

قال: {وشددنا} أي بما لنا من العظمة {ملكه} بغير ذلك مما يحتاج إليه الملك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أشد ملوك الأرض سلطاناً.
ولما كان أعظم المثبتات للملك المعرفة قال: {وآتيناه} أي بعظمتنا {الحكمة} أي النبوة التي ينشأ عنها العلم بالأشياء على ما هي عليه، ووضع الأشياء في أحكم مواضعها، فالحكمة العمل بالعلم. ولما كان تمامه بقطع النزاع قال: {وفصل الخطاب *} أي ومعرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير كبير روية في ذلك، بل يفرق بديهة بين المتشابهات بحيث لا يدع لبساً يمكن أن يكون معه نزاع لغير معاند وكسوناه عزاً وهيبة ووقاراً يمنع أن يجترىء أحد على العناد في شيء من أمره بعد ذلك البيان الذي فصل بين المتشابهات، وميز بين المشكلات الغامضات، وإذا تكلم وقف على المفاصل، فيبين من سرده للحديث معانيه، ويضع الشيء في أحكم مبانيه.
ولما كان السياق للتدريب على الصبر والتثبيت الشافي والتدبر التام والابتلاء لأهل القرب، وكان المظنون بمن أوتي فصل الخطاب
(16/355)

أن لا يقع له لبس في حكم ولا عجلة في أمر، وكان التقدير: هل أتتك هذه الأنباء، عطف عليه - مبيناً عواقب العجلة معلماً أن على من أعطى المعارف أن لا يزال ناظراً إلى من أعطاه ذلك سائلاً له التفهيم، استعجازاً لنفسه متصوراً لمقام العبودية التي كرر التنبيه عليها في هذه السورة بنحو قوله: «نعم العبد» قوله في سياق ظاهره الاستفهام وباطنه التنبيه على ما في ذلك من الغرابة خبره العظيم جداً، وأفرده وإن كان المراد الجمع دلالة على أنهم على كلمة واحدة في إظهار الخصومة لا يظهر لأحد منهم أنه متوسط مثلاً ونحو ذلك.
ولما كان الخصم مصدراً يقع على الواحد فما فوقه ذكراً كان أو أنثى، وكان يصح تسمية ربقة المتخاصمين خصماً لأنهم في صورة الخصم قال: {إذا} أي خبر تخاصمهم حين {تسوروا} أي صعدوا السور ونزلوا من هم ومن معهم، آخذاً من السور وهو الوثوب {المحراب *} أي أشرف ما في موضع العبادة الذي كان داود عليه السلام به، وهو كناية عن أنهم جاؤوه في يوم العبادة ومن غير الباب، فخالفوا عادة الناس في الأمرين، وكأن المحراب الذي تسوروه كان فيه باب من داخل باب آخر، فنبه على ذلك بأن أبدل
(16/356)

من «إذ» الأول قوله: {إذ} أي حين {دخلوا} وصرح باسمه رفعاً للبس وإشعاراً بما له من قرب المنزلة وعظيم الود فقال: {على داود} ابتلاء منا له مع ما له من ضخامة الملك وعظم القرب منا، وبين أن ذلك كان على وجه يهول أمره إما لكونه في موضع لا يقدر عليه أحد أو غير ذلك بقوله: {ففزع} أي ذعر وفرق وخاف {منهم} أي مع ما هو فيه من ضخامة الملك وشجاعة القلب وعلم الحكمة وعز السلطان.
ولما كان كأنه قيل: فما قالوا له؟ قال: {قالوا لا تخف} ولما كان ذلك موجباً لذهاب الفكر في شأنهم كل مذهب، عينوا أمرهم بقولهم: {خصمان} أي نحن فريقان في خصومة، ثم بينوا ذلك بقولهم: {بغى بعضنا} أي طلب طلبة علو واستطالة {على بعض} فأبهم أولاً ليفصل ثانياً فيكون أوقع في النفس، ولما تسبب عن هذا سؤاله في الحكم قالوا: {فاحكم بيننا بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، وإنما سألاه ذلك مع العلم بأنه لا يحكم إلا بالعدل ليكون أجدر بالمعاتبة عند أدنى هفوة {ولا تشطط} أي لا توقع البعد ومجاوزة الحد لا في العبارة عن ذلك بحيث يلتبس علينا المراد ولا في غير ذلك،
(16/357)

أو ولا تمعن في تتبع مداق الأمور فإني أرضى بالحق على أدنى الوجوه، ولذا أتى به من الرباعي والثلاثي بمعناه، قال أبو عبيد: شط في الحكم وأشط - إذا جار، ولذا أيضاً فك الإدغام إشارة إلى أن النهي إنما هو عن الشطط الواضح جداً. ولما كان الحق له أعلى وأدنى وأوسط، طلبوا التعريف بالأوسط فقالوا {واهدنا} أي أرشدنا {إلى سواء} أي وسط {الصراط *} أي الطريق الواضح، فلا يكون بسبب التوسط ميل إلى أحد الجانبين: الإفراط في تتبع مداق الأمر والتفريط في إهمال ذلك.
(16/358)

إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)
ولما كانت هذه الدعوى بأمر مستغرب يكاد أن لا يسمعه أحد إلا أنكره ساق الكلام مؤكداً فقال: {إن هذا} يشير إلى شخص من الداخلين، ثم أبدل منه قوله: {أخي} أي في الدين والصحبة، ثم أخبر عنه بقوله: {له تسع وتسعون نعجة} ويجوز أن يكون {أخي} هو الخبر والتأكيد حينئذ لأجل استبعاد مخاصمة الأخ وعدوانه على أخيه ويكون ما بعده استئنافاً {ولي} أي أنا أيها المدعي {نعجة} ولما كان ذلك محتملاً لأن يكون جنساً أكده بقوله: {واحدة} ثم سبب عنه قوله: {فقال} أي الذي له الأكثر: {أكفلنيها} أي أعطنيها لأكون كافلاً لها {وعزني} أي غلبني وقوى عليّ واشتد وأغلظ بي {في الخطاب *} أي الكلام الذي له شأن من جدال
(16/358)

وغيره بأن حاورني إلى أن أملّني فسكت عجزاً عن التمادي معه، ولم يقنع مني بشيء دون مراده.
ولما تمت الدعوى، حصل التشوف إلى الجواب فاستؤنف قوله: {قال} أي على تقدير صحة ما قلت، وذلك أنه لما رأى الخصم قد سكت ولم ينكر مما قال المدعي شيئاً، وربما أظهر هيئة تدل على تصديقه قال ذلك فعوتب وإن كان له مخرج، كل ذلك تدريباً على التثبت في القضاء وأن لا ينحي نحو القرآئن، وأن لا يقنع فيه إلا بمثل الشمس، وأكد قوله في سياق القسم ردعاً للظالم على تقدير صحة الدعوى بالمبالغة في إنكار فعله لأن حال من فعل شيئاً مؤذن بإنكار كونه ظالماً وكون فعله ظلماً. مفتتحاً لقوله بحرف التوقع لاقتضاء حال الدعوى له: {لقد ظلمك} أي والله قد أوقع ما فعله معك في غير موقعه على تقدير صحة دعواك {بسؤال نعجتك} أي بأن سألك أن يضمها، وأفاد أن ذلك على وجه الاختصاص بقوله: {إلى نعاجه} بنفسه أو بغيره نيابة عنه ولذا لم يقل: بسؤاله ثم عطف على ذلك أمراً كلياً جامعاً لهم ولغيرهم واعظاً ومرغباً ومرهباً ولما كانت الخلطة موجبة لظن الألفة لوجود العدل والنصفة واستبعاد وجود البغي معها، أكد قوله واعظاً للباغي إن كان وملوحاً بالإغضاء والصلح
(16/359)

للمظلوم: {وإن كثيراً من الخلطاء} أي مطلقاً منكم ومن غيركم {ليبغي} أي يتعدى ويستطيل {بعضهم} عالياً {على بعض} فيريدون غير الحق {إلا الذين آمنوا} من الخلطاء {وعملوا} أي تصديقاً لما ادعوه من الإيمان {الصالحات} أي كلها فإنهم لا يقع منهم بغي {وقليل} وأكد قلتهم وعجب منها بما أبهم في قوله: {ما} مثل نعماً ولأمرها {هم} وأخر هذا المبتدأ وقدم الخبر اهتماماً به لأن المراد التعريف بشدة الأسف على أن العدل في غاية القلة، أي فتأس بهم أيها المدعي وكن منهم أيها المدعى عليه.
ولما أتم ذلك ذهب الداخلون عليه فلم ير منهم أحداً فوقع في نفسه أنه لا خصومة، وأنهم إنما أرادوا أن يجربوه في الحكم ويدربوه عليه، وأنه يجوز للشخص أن يقول ما لم يقع إذا انبنى عليه فائدة عظيمة تعين ذلك الكلام طريقاً للوصول إليها أو كان أحسن الطرق مع خلو الأمر عن فساد، وحاصله أنه تذكر كلام، والمراد به بعض لوازمه، فهو مثل دلالة التضمن في المفردات، وهذا مثل قول سليمان عليه السلام «ائتوني بالسكين أشقه بينهما» وليس مراده إلا ما يلزم عن ذلك من
(16/360)

معرفة الصادقة والكاذبة بإباء الأم لذلك وتسليم المدعية كذباً، وتحقيقه أنه لا ملازمة بين الكلام وإرادة المعنى المطابقي لمفردات ألفاظه بدليل لغو اليمين، وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصفية رضي الله عنها
«عقرى حلقى» ولأم سلمة رضي الله عنها «تربت يمينك» وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد» مشير إلى أن الكلام قد لا يراد به معناه، ومن هنا كان الحكم في ألفاظ الكنايات أنه لا يقع بها شيء إلا إن اقترن بقصد المعنى، ولما كان هذا القدر معلوماً عطف عليه قوله: {وظن داود} أي بذهابهم قبل فصل الأمر وقد دهمه من ذلك أمر عظيم من عظمة الله لا عهد له بمثله {أنما فتناه} أي اختبرناه بهذه الحكومة في الأحكام التي يلزم الملوك مثلها ليتبين أمرهم فيها. وعلم أنه بادر إلى نسبة المدعى عليه إلى أنه ظلم من قبل أن يسمع كلامه ويسأله المدعي الحكم، فعاتبه الله على ذلك، والأنبياء عليهم السلام لعلو مقاماتهم يعاتبون على مثل هذا، وهو من قصر الموصوف على الصفة قلباً، أي هذه القصة مقصورة على الفتنة لا تعلق لها بالخصوصة، ولو كان المراد ما قيل من قصة المرأة التي على كل مسلم تنزيهه وسائر إخوانه عليهم السلام عن مثلها لقيل «وعلم داود» ولم يقل: وظن -
(16/361)

كما يشهد بذلك كل من له أدنى ذوق في المحاورات - والله الموفق، وقال الزمخشري: وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء عليهم السلام، وروي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل من أهل الحق، فكذب المحدث به وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله عز وجل فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها ستراً على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر بن عبد العزيز: لسماعي هذا الكلام أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس.
وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود، وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود عليه السلام لأن عيسى عليه السلام من ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه.
ولما ظن هذا، سبب له تحقيق ما وصفه الله من الأوبة فعبر عن ذلك بقوله: {فاستغفر} ولما استغرقته العظمة التي هذا مخرها، رجع إلى ذكر الإحسان واللطف فقال: {ربه} أي طلب الغفران
(16/362)

من مولاه الذي أحسن إليه بإحلاله ذلك المحل العظيم من أن يعود للحكم للأول بدون أن يسمع الآخر {وخر} أي سقط من قيامه توبة لربه عن ذلك، ولما كان الخرور قد يكون لغير العبادة قال: {راكعاً} أي ساجداً لأن الخرور لا يكون إلا للسقوط على الأرض، ولأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسره بالسجود فيما روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سجد في «ص» وقال: «سجدها داود توبة ونسجدها شكراً» وعبر بالركوع عن السجود ليفهم أنه كان عن قيام وأنه في غاية السرعة لقوة الاهتمام به وتوفر الداعي إليه بحيث إنه وصل إلى السجود في مقدار ما يصل غيره إلى الركوع، قال ابن التياني في كتابه الموعب: وكل شيء يكب لوجهه فتمس ركبته الأرض بعد أن يطأطىء رأسه فهو راكع. ابن دريد: الراكع الذي يكبو على وجهه - انتهى. والركعة - بالضم: الهوة من الأرض، كأنها سميت بذلك لأنها تسقط فيها على الوجه، وكأنها هي أصل المادة، وقال في القاموس: ركع أي صلى، فحينئذ
(16/363)

يكون المعنى: سقط مصلياً، ومعلوم أن صلاتهم لا ركوع فيها وقد تقدم ذلك في آل عمران والبقرة {وأناب *} أي تاب أي رجع عن أن يعود لمثلها. ولما كان الحال قد يشكل في الإخبار عن المغفرة لو عبر بضمير الغائب لإيهام أن ربه غير المتكلم، وكان الغفران لا يحسن إلا مع القدرة، عاد إلى مظهر العظمة إثباتاً للكمال ونفياً للنقص: فقال: {فغفرنا} أي بسبب ذلك وفي أثره على عظمتنا وتمام قدرتنا غفراً يناسب مقداره ما لنا من العظمة {له ذلك} أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون سماع لكلامه، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشترط على ربه سبحانه لأجل هذه القصة أن كل من سبه أو دعا عليه وليس أهلاً لذلك أن يكون ذلك له صلاة وبركة ورحمة، والحاصل أن هذه القضية لتدريب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الصبر على قومه، والثاني فإن هذه السورة على ما روي عن جابر بن زيد من أوائل ما أنزل بمكة، وعلى هذا دل الحديث السابق عن ابن عباس رضي الله عنهما في شكوى المشركين منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عمه أبي طالب الوقوع في آلهتهم فإنه كان في أوائل الأمر، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول ما دعاهم لم يؤمر بذكر آلهتهم فلم يجيبوه ولم يبعدوا عن كل البعد، ثم أمره الله بذكر ألهتهم فناكروه حينئذ
(16/364)

وباعدوه، وتقدموا ذلك بالشكوى إلى أبي طالب مرة بعد أخرى ليرده عنه، فكانت هذه الدعوى تدريباً لداود عليه السلام في الأحكام، وذكرها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدريباً له على الأناة في جميع أموره على الداوم.
ولما كان ذكر هذا ربما أوهم شيئاً في مقامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سيق في أسلوب التأكيد قوله: {وإن له} أي مع الغفران، وعظم ذلك بمظهر العظمة لأن ما ينسب إلى العظيم لا يكون إلا عظيماً فقال: {عندنا} وزاد في إظهار الاهتمام بذلك نفياً لذلك الذي ربما توهم فأكد قوله: {لزلفى} أي قربة عظيمة ثابتة بعد المغفرة {وحسن مآب *} أي مرجع في كل ما يؤمل من الخير، وفوق ذلك فهذا معلم ولا بد بأن هذه القضية لم يجر إلى ذكرها إلا الترقية في رتب الكمال لا غير ذلك، وأدل دليل على ما ذكرته - أن هذه الفتنة إنما هي بالتدريب في الحكم لا بامرأة ولا غيرها وأن ما ذكروه من قصة المرأة باطل وإن اشتهر فكم من باطل مشهور ومذكور هو عين الزور - قوله تعالى عقبها على هيئة الاستثمار منها صارفاً القول عن مظهر
(16/365)

العظمة إلى المواجهة بلذيذ الخطاب، على نحو ما يجري بين الأحباب {يا داود} .
ولما كان مضمون الخبر لزيادة عظمة مما من شأنه أن تستنكره نفوس البشر، أكده لذلك وإظهاراً لأنه مما يرغب فيه لحسنه وجميل أثره وينشط غاية النشاط لذكره فقال: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {جعلناك} فلا تحسب لشيء من أسبابه حساباً ولا تخش له عاقبة {خليفة} أي من قبلنا تنفذ أوامرنا في عبادنا فحكمك حكمنا، وحذف ما يعلم أنه مراد من نحو {قلنا} إشارة إلى أنه استقبل بهذا الكلام الألذ عند فراغه من السجود إعلاماً بصدق ظنه، وقال: {في الأرض} أي كلها إشارة إلى إطلاق أمره في جميعها، فلا جناح عليه فيما فعل في أي بلد أرادها، ولم يذكر المخلوف تعظيماً له بالإشارة إلى أن كل ما جوزه العقل فيه فهو كذلك فهو كان خليفة في بيت المقدس بالفعل على ما اقتضاه صريح الكلام بالتعبير بفي، وأشار الإطلاق والتعبير بآل إلى أنها الأرض الكاملة لانبساط الحق منها بإبراهيم عليه السلام وذريته على سائر الأرض وهو خليفة في جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم فيها صح، وذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرسل إلى قومه خاصة فيكون
(16/366)

ما يؤديه إليه واجباً عليه، وأما بقية الناس فأمره معهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما فعله منه صح ومضى، ثم كان خليفة في جميع الأرض حقيقة بالفعل بابنه سليمان عليه السلام فاستوفى الإطلاق {وآل} المكملة أقصى ما يراد منه، إعلاماً بأن كلام القدير كله كذلك وإن لم يظهر في الحالة الراهنة، وذلك كما أن المنزل عليه هذا الذكر وبسببه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان خليفة بالفعل في أرض العرب التي هي الأرض كلها لأن الأرض دحيت منها وبيتها لأول بيت وضع للناس وهو قيام لهم، ومن انبسط القيام بالنور والعدل على جميع الأرض وفي جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم به فيها مضى، فقد أعطى تميماً الداري رضي الله عنه أرض بلد الخليل من بلاد الشام قبل أن يفتح وصح ونفذ، وأعطى شويلاً رضي الله عنه بنت بقيلة من أهل الحيرة وصح ذلك ونفذ وقبض كل منهما عند الفتح ما أعطاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو من ذرية داود عليه السلام ثم في جميع الوجود يوم القيامة يوم الشفاعة العظمى يوم يكون الأنبياء كلهم تحت لوائه، ويغبطه الأولون والاخرون بذلك المقام المحمود.
(16/367)

ولما تمت النعمة، سبب عنها قوله: {فاحكم بين الناس} أي الذين يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع. ولما كان أعدى عدو للإنسان نفسه التي بين جنبيه لما لها من الشهوات، وأعظم جناياته وأقبح خطاياه ما تأثر عنها من غير استناد إلى أمر الله، مشيراً بصيغة الافتعال إلى أنه سبحانه عفا الخطرات، وما بادر الإنسان الرجوع عنه والخلاص منه توبة إلى الله تعالى: {ولا تتبع الهوى} أي ما يهوى بصاحبه فيسقطه من أوج الرضوان إلى حضيض الشيطان، ثم سبب عنه قوله: {فيضلك} أي ذلك الاتباع أو الهوى لأن النفس إذا ضربت على ذلك صار لها خلقاً فغلب صاحبها عن ردها عنه، ولفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى تعظيماً لأمر سبيله، وحثاً على لزومه والتشرف بحلوله، فقال: {عن سبيل الله} أي طريقه التي شرعها للوصول إليه بما أنزل من النقل المؤيد بأدلة ما خلق من العقل، ولا يوصل إليه بدونها لأن اتباعه يوجب الانهماك في اللذات الجسمانية، والإهمال لتكميل القوى الروحانية، الموصلة إلى السعادة الأبدية، فإن دواعي البدن والروح متضادتان فبقدر زيادة إحداهما تنقص الأخرى.
(16/368)

ولما كانت النفس نزاعة إلى الهوى، ميالة عن السوى، قال معللاً للنهي مؤكداً لما للنفس من التعللات عند المخالفة بالكرم والمغفرة الدافع للعذاب: {إن الذين يضلون} أي يوجدون الضلال بإهمالهم التقوى الموجب لاتباع الهوى المقتضي لأن يكون متبعه ضالاً {عن سبيل الله} إعادة تفخيماً لأمره وتيمناً بذكره وإيذاناً بأن سبيله مأمور به مطلقاً من غير تقييد بداود عليه السلام ولا غيره فيه {لهم عذاب شديد} أي بسبب ضلالهم.
ولما أمر سبحانه ونهى، وذكر أن السبب في النهي كراهة الضلال وعلم منه أن سبب الضلال الهوى، ذكر سبب هذا السبب فقال معبراً بالنسيان إشارة إلى أنه من شدة ظهوره كما كان محفوظاً فنسي، وفك المصدر لأنه أصرح لأنه لو عبر بالمصدر لأمكن إضافته إلى المفعول، واختيرت {ما} دون {إن} لأن صورتها صورة الموصول الاسمي، وهو أبلغ مما هو حرف صورة ومعنى: {بما نسبوا يوم الحساب} أي عاملوه معاملة المنسي بعضهم بالإنكار وبعضهم بخبث الأعمال، فإنهم لو ذكروه حقيقة لما تابعوا الهوى المقتضي للضلال على أنه مما لا يجهله من له أدنى مسكة من عقل فإنه لا يخطر في عقل عاقل أصلاً أن أقل الناس وأجهلهم يرسل أحداً إلى مزرعة له يعملها، ثم لا يحاسبه عليها
(16/369)

فكيف إذا كان حكيماً فكيف إذا كان ملكاً فكيف وهو ملك الملوك، وقال الغزالي في آخر كتاب العلم من الإحياء في الكلام على العقل: ثم لما كان الإيمان مركوزاً في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفار، وإلى من جال فكره فتذكر، وكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها، ولذلك قال تعالى {لعلهم يتذكرون} {وليتذكر أولوا الألباب} {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: 7] {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17] وتسمية هذا النمط تذكراً ليس ببعيد، وكأن التذكر ضربان: أحدهما أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه، لكن غابت بعد الوجود، والآخر أن يكون عن صورة كانت متضمنة فيه الفطرة، وهذه حقائق ظاهرة لناظر بنور البصيرة ثقيلة على من يستروح إلى السماع والتقليد دون الكشف والعيان - انتهى. وقد علم من هذه القصة وما قبلها أن المعنى: اصبر على ما يقولون الآن، فلننصرك فيما يأتي من الزمان، ولنؤيدنك كما أيدنا داود العظيم الشأن.
(16/370)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
ولما كان التقدير: فما قضيناه في الأزل بيوم الحساب وتوعدنا به سدى، عطف عليه قوله صارفاً الكلام عن الغيبة إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم تأبى له عظمته غير الجد العظيم:
(16/370)

{وما خلقنا} أي على ما لنا من العظمة، ويجوز أن تكون الجملة حالية. ولما كان السياق لما وقع من الشقاق عناداً لا جهلاً، ذكر من السماوات ما لا يمكن النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس فيشمل الكل فقال: {السماء} أي التي ترونها {والأرض وما بينهما} مما تحسونه من الرياح وغيرها خلقا {باطلاً} أي لغير غاية أردناها بذلك من حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء، ومجازاة من فيهما بالثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى الناس عقلاً لا يبني بناء ضخماً إلا لغاية أرادها، وتلك الغاية هي الفصل بين الناس الذين أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار، وبثثنا بينهم الأسباب الموجبة لانتشار الصفاء فيهم والأكدار، وأعطيناهم العقول تنبيهاً على ما يراد، وأرسلنا فيهم الرسل، وأنزلنا إليهم الكتب، بالتعريف بما يرضينا ويسخطنا، فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان هذا الخلق كله باطلاً لا حكمة فيه أصلاً، لأن خلقه للضر أو النفع أو لا لواحد منهما، والأول باطل لأنه غير لائق بالرحيم الكريم، والثالث باطل لأنه كان في حال العدم كذلك، فلم يبق للإيجاد مرجح، فتعين الوسط وهو النفع، وهو لا يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها، وتحمل ضر كثير لنفع
(16/371)

غير لائق بالحكيم الكريم، فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة المطابق لما ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء.
ولما كان هذا - وهو منابذة الحكمة - عظيماً جداً، عظمه بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد عن الصواب {ظن الذين كفروا} أي من أوقع هذا الظن في وقت ما، فقد أوجد الكفر لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات الكمال والمجازاة بالثواب والعقاب، ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق، فكان إقراره بأنه خالق كلا إقرار فكان كافراً به، ثم سبب عن هذا الظن قوله: {فويل} أي هلاك عظيم بسبب هذا الظن، وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {للذين كفروا} أي مطلقاً بهذا الظن وبغيره {من} أي مبتدأ من {النار *} أي الحكم عليهم بها.
ولما كان التقدير: أفنحن نخلق ذلك باطلاً؟ فلا يكون له مآل يظهر فيه حكمته ونحن منزهون عن العبث، عطف عليه قوله إنكاراً لما يلزم من ترك البعث من التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه، وذلك أشد من العبث وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يقبح منه شيء: {أم نجعل} أي على عظمتنا {الذين آمنوا} أي امتثالاً
(16/372)

لأوامرنا {وعملوا} أي تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات} من الأعمال كالذين أفسدوا وعملوا السيئات أم نجعل المصلحين في الأرض {كالمفسدين} أي المطبوعين على الفساد الراسخين فيه {في الأرض} أي بالكفر وغيره، والتسوية بينهم لا يشك عاقل في أنها سفه {أم نجعل} على ما لنا من العز والمنعة الذين اتقوا كالذين فجروا أم نصيّر {المتقين} أي الراسخين من المؤمنين في التقوى الموجبة للتوقف عن كل ما لم يدل عليه دليل {كالفجار *} أي الخارجين من غير توقف عن دائرة التقوى من هؤلاء الذين كفروا أو من غيرهم في أن كلاًّ من المذكورين يعيش على ما أدى إليه الحال في الدنيا، وفي الأغلب يكون عيش الطالح أرفع من عيش الصالح، ثم يموت ولا يكون شيء بعد ذلك، ولا شك أن المساواة بين المصلح والمفسد والمتقي والمارق لا يراها حكيم ولا غيره من سائر أنواع العقلاء فهو لا يفعلها سبحانه وإن كان له أن يفعل ذلك، فإنه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك، وأنه مشير إلى احتباك آخر، فإنه ذكر {الذين أمنوا} أولاً دليلاً على {الذين أفسدوا} ثانياً، وذكر {المفسدين} ثانياً دليلاً {على المؤمنين} أولاً، وأفهم ذلك ذكر {الذين اتقوا} وأضدادهم وسر ما ذكر وما حذف أنه ذكر أدنى أسنان الإيمان تنبيهاً على شرفه وأنه سبب السعادة وإن كان على
(16/373)

أدنى الوجوه وذكر أعلى أحوال الفساد، إشارة إلى أنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء وذكر أعلى أحوال التقوى إيماء إلى أنه لا يوصف بها ويستحق جزاءها إلا الراسخ فيها ترغيباً للمؤمن في أن يترقى إلى أوجها.
ولما ثبت بما ذكر من أول السورة إلى هنا ما ذكر في هذا الذكر من البراهين التي لا يأباها إلا مدخول الفكر مخالط العقل، ثبت أنه ذو الذكر والشرف الأعظم فقال تعالى منبهاً على ذلك تنبيهاً على أنه القانون الذي يعرف به الصلاح ليتبع والفساد ليجتنب مخبراً على مبتدأ تقديره هو: {كتاب} أي له من العظمة ما لا يحاط به، ووصفه بقوله: {أنزلناه} أي بما من العظمة {إليك} وذلك من عظمته لأنك اعظم الخلق، ثم أخبر عن مبتدأ آخر مبين لما قبله على طريق الاستئناف فقال: {مبارك} أي دائم الخير كثير النفع ثابت كل ما فيه ثباتاً لا يزول أبداً ولا ينسخه كتاب ولا شيء.
ولما ذكر ما له من العظمة إشارة وعبارة، ذكر غاية إنزاله المأمور بها فقال: {ليدبروا} بالفوقانية وتخفيف الدال بالخطاب
(16/374)

في قراءة أبي جعفر مشرفاً للأمة بضمهم بالخطاب إلى حضرته الشماء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولافتاً للقول في قراءة الجماعة بالغيب وتشديد الدال إلى من يحتاج إلى التنبيه على العلل، لما له من الشواغل الموقعة في الخلل، وأما هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففي غاية الإتعام للنظر، والتدبر بأجلى الفكر، من حين الإنزال، لعلمه بعلة الإنزال بحيث إنه من شدة إتعابه لنفسه الشريفة بالتخفيف وضمن له تعالى جمعه وقرآنه {آياته} أي لينظروا في عواقب كل آية وما تؤدي إليه وتوصل إليه من المعاني الباطنة التي أشعر بها طول التأمل في الظاهر، فمن رضي بالاقتصار على حفظ حروفه كان كمن له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نتوج لا يستولدها، وكان جديراً بأن يضيع حدوده فيخسر خسراناً مبيناً.
ولما كان كل أحد مأموراً بأن ينتبه بكل ما يرى ويسمع على ما وراءه ولم يكن في وسع كل أحد الوصول إلى النهاية في ذلك، قنع منهم بما دونها فأدغمت تاء التفعل في فاء الكلمة إشارة إلى ذلك كما تشير إليه قراءة أبي جعفر، وربما كانت قراءة الجماعة إشارة إلى الاجتهاد في فهم
(16/375)

خفاياه - والله أعلم.
ولما كان السياق للذكر، وأسند إلى خلاصة الخلق، وكان استحضار ما كان عند الإنسان وغفل عنه لا يشق لظهوره، أظهر التاء حثاً على بذل الجهد في إعمال الفكر والمداومة على ذلك فإنه يفضي بعد المقدمات الظنية إلى أمور يقينية قطعية إما محسوسة أولها شاهد في الحس فقال: {وليتذكر} أي بعد التدبر تذكراً عظيماً جلياً - بما أشار إليه الإظهار {أولوا الألباب *} أي كل ما أرشد إليه مما عرفه الله لهم في أنفسهم وفي الآفاق فإنهم يجدون ذلك معلوماً لهم بحس أو غيره في أنفسهم أو غيرها، لا يخرج شيء مما في القرآن عن النظر إلى شيء معلوم للإنسان لا نزاع له فيه أصلاً، ولكن الله تعالى يبديه لمن يشاء ويخفيه عمن يشاء {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: 53] وأظهره يوم القيامة فإنه مركوز في طبع كل أحد أن الرئيس لا يدع من تحت يده بغير حساب أصلاً.
ولما كان الإنسان وإن أطال التدبر وأقبل بكليته على التذكر لا بد له من نسيان وغفلة وذهول، ولما كان الممدوح إنما هو الرجاع «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» وكان الله تعالى هو الملك الذي لا شريك له والمالك الذي له الملك كله فهو يرفع
(16/376)

من يشاء ممن لا يخطر في وهم أن يرتفع، ويخفض من يشاء ممن علا في الملك حتى لا يقع في خاطر أنه يحصل له خلل ولا سيما إن كان على أعلى خلال الطاعة ليبين لكل ذي لب أن الفاعل لذلك هو الفاعل المختار، فلا يزال خيره مرجواً، وانتقامه مرهوباً مخشياً، قال تعالى: {ووهبنا} أي بما لنا من الحكمة والعظمة {لدواد سليمان} فجاء عديم النظير في ذلك الزمان ديناً ودنياً وعلماً وحكمة وحلماً وعظمة ورحمة، ولذلك نبه على أمثال هذه المعاني باستئناف الإخبار عما حرك النفس إلى السؤال عنها من إسناد الهبة إلى نون العظمة فقال: {نعم العبد} ولما كان السياق لسرعة الانتباه من الغفلات، والتفضي من الهفوات، والتوبة من الزلات، وبيان أن الابتلاء ليس منحصراً في العقوبات، بل قد يكون لرفعة الدرجات، وكان هذا بعيداً من العادات، علل مدحه مؤكداً له بقوله: {إنه أواب *} أي رجاع إلى الازدياد من الاجتهاد في المبالغة في الشكر والصبر على الضر كلما علا من مقام بالاستغفار منه وعده مع ما له من الكمال مما يرغب عنه.
(16/377)

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37)
ولما كانت الخيل من أعظم ما زين للناس من حب الشهوات،
(16/377)

وكان السياق للعزة والشقاق الدالين على عظيم الاحتياج إلى ما يكف ذلك مما أعظمه الخيل، ذكر فيها آمراً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دل على أنه مع ما له من عظمة الملك كثير الأوبة عظيمها لأن من لم يكن ذلك له طبعاً لم يقدر على ما فعل فقال: {إذ} أي اذكر لتقف على شاهد ما أخبرناك به حين {عرض عليه بالعشيّ} أي فيما بعد زوال الشمس {الصافنات} أي الخيول العربية الخالصة التي لا تكاد تتمالك بجميع قوائمها الاعتماد على الأرض اختيالاً بأنفسها وقرباً من الطيران بلطافتها وهمتها وإظهاراً لقوتها ورشاقتها وخفتها، قال في القاموس: صفن الفرس يصفن صفوناً: قام على ثلاث قوائم وطرف حافز الرابعة، وقال القزاز: قام على ثلاث قوائم وقائمة يرفعها عن الأرض أو ينال سنبكها الأرض ليستريح بذلك، وأكثر ما تصفن الخيل العتاق، قال: وقالوا: كل ذي حافز يفعله ولكنه من الجياد أكثر، لا يكاد يكون إلا في العراب الخلص، وقيل: الصافن الذي يجمع يديه ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وقيل: الصافن الذي يرفع سنبك إحدى يديه فإذا رفع طرف سنبك إحدى رجليه فهو مخيم، وقد أخام - إذا فعل ذلك.
ولما تحرر أنه يجوز أن يجمل الصافن على غير العتيق وإن كان قليلاً، حقق أن المراد الوصف بالجودة واقفة وجارية فقال: {الجياد *} أي التي تجود في جريها بأعظم ما تقدر عليه، جمع جواد،
(16/378)

فلم تزل تعرض عليه حتى فاتته صلاة آخر النهار، وكان المفروض على من تقدمنا ركعتين أول النهار وركعتين آخره، فانتبه في الحال.
ولما كان بيان ضخامة ملكه وكثرة هيبته وعزته مع زيادة أوبته لتحصل التأسية به في حسن ائتماره وانتهائه والتسلية بابتلائه مع ذلك من شرفه وبهائه، أشار إلى كثرة الخيل جداً وزيادة محبته له وسرعة أوبته بقوله: {فقال} ولما كان اللائق بحاله والمعروف من فعاله أنه لا يؤثر على ذكر الله شيئاً فلا يكاد أحد ممن شاهد ذلك يظن به ذلك بل يوجهون له في ذلك وجوهاً ويحملونه على محامل تليق بما يعرفونه من حال من الإقبال على الله والغنا عما سواه، أكد قوله تواضعاً لله تعالى ليعتقدوا أنه بشر يجوز عليه ما يجوز عليهم لولا عصمة الله: {إني} ولما كان الحب أمراً باطناً لا يظهر في شيء إلا بكثرة الاشتغال به، وكان الاشتغال قد يكون لغير الحب فهو غير دال عليه إلا بقرائن قال اعترافاً: {أحببت} أي أوجدت وأظهرت بما ظهر مني من الاشتغال بالخيل مقروناً ذلك بأدلة الود {حب الخير}
(16/379)

وهو المال بل خلاصة المال وسبب كل خير دنيوي وأخروي
«الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» أظهرت ذلك بغاية الرغبة غافلاً {عن ذكر ربي} المحسن إليّ بهذه الخيل التي شغلتني وغيرها، فلم أذكره بالصلاة التي كانت وظيفة الوقت وإن كان غرضي لها لكونه في طاعته ذكراً له. ولم يزل ذلك بي {حتى توارت} أي الشمس المفهومة من «العشي» {بالحجاب *} وهي الأرض التي حالت بيننا وبينها فصارت وراءها حقيقة.
ولما اشتد تشوف السامع إلى الفعل الذي أوجب له الوصف بأواب بعد سماع قوله في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل، أجيب بقوله: {ردوها} أي قال سليمان عليه السلام: ردوا {عليّ} الخيول التي شغلتني. ولما كان التقدير: فردوها عليه، نسق به قوله: {فطفق} أي أخذ يفعل ظافراً بمراده لازماً له مصمماً عليه واصلاً له معتمداً على الله في التقوية على العدو لا على الأسباب التي من أعظمها الخيل مفارقاً ما كان سبب ذهوله عن الذكر معرضاً عما يمكن أن يتعلق به القلب متقرباً به إلى الله تعالى كما يتقرب في هذه الملة
(16/380)

بالضحايا {مسحاً} أي يوقع المسح - أي القطع - فيها بالسيف إيقاعاً عظيماً. ولما كان السيف إنما يقع في جزء يسير من العضوين أدخل الباء فقال: {بالسوق} أي منها {والأعناق *} يضربها ضرباً بسيف ماض وساعد شديد وصنع سديد يمضي فيها من غير وقفة أصلاً حتى كأنه يمسحه مسحاً على ظاهر جلودها كما يقال: مسح علاوته، أي ضرب عنقه - والله أعلم.
ولما ظهر بهذا ما له من ضخامة الملك وعز السلطان، وكانت الأوبة عظيمة جداً، وكان الثبات على مقام الشهود مع حفظه من جميع جهاته أعظم، نبه عليه بقوله مؤكداً لما طبعت عليه النفوس من ظن أن الأواب لا ينبغي أن يواجه بالعتاب: {ولقد فتنا} أي بما لنا من العظمة {سليمان} أي مع إسراعه بالرجوع إلى الله والتنبه لما فيه رضاه نوعاً من الفتنة، الله أعلم بحقيقتها، فأسفرت تلك الفتنة عن رسوخه في مقام الأوبة فتنبه لما أردنا بها من تدريبه على ما أقمناه فيه كما فعلنا بأبيه داود عليهما السلام فاقتد بهما في الاستبصار بالبلاء، فإنا نريد بك أمراً عظيماً جليلاً شريفاً كريماً {وألقينا} أي بما لنا من العظمة {على كرسيه} الذي كانت تهابه أسود الفيل.
(16/381)

ولما كانت العبرة إنما هي بالمعاني، فمن كان معناه ناقصاً كان كأنه جسد لا روح فيه، له صورة بلا معنى، قال: {جسداً} فغلب على ذلك المكان الشريف مع ما كنا شرفناه به من هيبة النبوة المقرونة بالملك بحيث لم يكن أحد يظن أن أحداً يقدر على أن يدنو إليه فضلاً عن أن يغلب عليه، فمكنا هذا الجسد منه تمكيناً لا كلفة عليه فيه، بل كان ذلك بحيث كأنه ألقى عليه بغير اختياره ليعلم أن الملك إنما هو لنا، نفعل ما نشاء بمن نشاء، فالسعادة لمن رجانا والويل لمن يأمن مكرنا فلا يخشانا، فعما قليل تصير هذه البلدة في قبضتك، وأهلها مع العزة والشقاق طوع مشيئتك ويكون لك بذلك أمر لا يكون لأحد بعدك كما أنه ما كان لأحد كان قبلك من نفوذ الأمر وضخامة العز وإحلال الساحة الحرام بقدر الحاجة وسعة الملك وبقاء الذكر، والذي أنت فيه الآن ابتلاء واختبار وتدريب على ما يأتي من الأمور الكبار.
ولما كان المراد بإطلاق الجسد عليه التعريف بأنه لا معنى له، لا أنه لا روح فيه، أطلقه ولم يتبعه ما يبين أنه جماد كما فعل في
(16/382)

العجل حيث قال «له خوار» فبين بذلك أنه لا روح له، وإن صح أن هذا الجسد هو صخر الجني وأن سببه سجود الجرادة امرأة سليمان عليه السلام لصورة أبيها بغير علم نبي الله سليمان عليه السلام ولا إرادته، فالإشارة بذلك في التسلية أنا سلبنا الملك من صفينا لصورة رفع سجود بعض من ينسب إليه لها في بيته أمره ولا إرادته ولا علمه، فكيف بمن يسجد لهذه الأوثان في البيت الحرام فعما قليل نزيل أمرهم ونخمد شرهم ونمحو ذكرهم.
ولما كانت الإنابة رجوعاً إلى ما كان، فهي استرجاع لما فات قال: {ثم أناب *} وفسر الإنابة ليعلم أنه تعالى فتنه مع أنه عبد عظيم المنزلة مجاب الدعوة بقوله جوباً لمن سأل عنها: {قال ربّ} أي أيها المحسن إلي {اغفر لي} أي الأمر الذي كانت الإنابة بسببه. ولما قدم أمر الآخرة، أتبعه قوله: {وهب لي} أي بخصوصي {ملكاً لا ينبغي} أي لا يوجد طلبه وجوداً تحصل معه المطاوعة والتسهل {لأحد} في زمان ما طال أو قصر سواء كان كاملاً في الصورة والمعنى أو جسداً خالياً عن العز كما حصلت به الفتنة من قبل، وبعّض الزمان بذكر الجار فقال: {من بعدي} حتى أتمكن من كل ما أريد من التقرب
(16/383)

إليك وجهاد من عاداك، ويكون ذلك إمارة لي على قبول توبتي ولا تحصل لي فتنة بإلقاء شيء على مكان حكمي ولا غيره وهذا يشعر بأن الفتنة كانت في الملك وكذا ذكر الإلقاء على الكرسي مضافاً إليه من غير أن ينسب إليه هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء، وهو مناسب لعقر الخيل الذي هو إذهاب ما به العز - والله أعلم، وبهذا التقدير علم أنه لو ذكر الظرف من غير حرف لأوهم تقيد الدعوة بملك يستغرق الزمان الذي بعده، ثم علل ما طلبه من الإعطاء والمنع بقوله على سبيل التأكيد إسقاطاً لما غلب على النفوس من رؤية الأسباب: {إنك أنت} أي وحدك {الوهاب *} أي العظيم المواهب مع التكرار كلما أردت، فتعطي بسبب وبغير سبب من تشاء وتمنع من تشاء.
ولما تسبب عن دعائه الإجابة، أعلم به سبحانه بقوله: {فسخرنا} أي ذللنا بما لنا من العظمة {له الريح} لإرهاب العدو وبلوغ المقاصد عوضاً عن الخيل التي خرج عنها لأجلنا؛ ثم بين التسخير بقوله مستأنفاً: {تجري بأمره رخاء} أي حال كونها لينة غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا يدرك بالخيل {غدوها شهر ورواحها شهر} وكل من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وهو هنا مبالغة من الرخاوة. ولما كانت إصابته لما يشاء ملازمة لإرادته، عبر بها عنها لأنها المقصود بالذات فقال: {حيث أصاب *} أي أراد إصابة شيء من الأشياء، وقد جعل الله
(16/384)

لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة شهر من جوانبه الأربعة فيه أربعة أشهر {والشياطين} أي الذين عندهم خفة الريح مع الاقتران بالروح سخرناهم له؛ ثم نبه على منفعتهم بالإبدال منهم فقال: {كل} وعبر ببناء المبالغة في سياق الامتنان فقال: {بناء وغواص *} أي عظيم في البناء صاعداً في جو السماء والغوص نازلاً في أعماق الماء، يستخرج الدر وغيره من منافع البحر.
(16/385)

وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)
ولما دل على مطلق تسخيرهم، دل على أنه قهر وغلبة كما هو شأن أيالة الملك وصولة العز فقال: {وآخرين} أي سخرناهم له من الشياطين حال كونهم {مقرنين} بأمره إلى من يشاكلهم أو مقرونة أيديهم بأرجلهم أو بأعناقهم، وعبر به مثقلاً دون «مقرونين» مثلاً إشارة إلى شدة وثاقهم وعظيم تقرينهم. ولما كانت مانعة لهم من التصرف في أنفسهم، جعلوا كأنهم بأجمعهم فيها وإن لم يكن فيها إلا بعض أعضائهم مثل {جعلوا أصابعهم في آذانهم} [نوح: 7] فقال: {في الأصفاد *} أي القيود التي يوثق بها الأسرى من حديد أو قيد أو غير ذلك، جمع صفد - بالتحريك، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(16/385)

قال: «إن عفريتاً من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان {هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فرددته خاسئاً» ، وقد حكمه الله في بعض الجن، فحمي من الذين يطعنون دار مولده ودار هجرته، روى أحمد في مسنده بسند حسن إن شاء الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منهما ملك، فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون» هذا في البلدين، وأما المدينة خاصة ففيها أحاديث عدة عن عدة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما، وقد عوض الله نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الشياطين التأييد بجيوش الملائكة في غزواته، وقد كان نبينا عبداً كما اختار فلم يكن له حاجة بغير ذلك.
ولما كان ذلك ملكاً عظيماً، نبه على عظمته بكثرته ودوامه وعظمة مؤتيه فقال مستأنفاً بتقدير: قلنا له ونحوه: {هذا} أي الأمر الكبير {عطاؤنا} أي على ما لنا من العظمة؛ ثم سبب عن ذلك
(16/386)

إطلاق التصرف الذي هو أعظم المقاصد، فكم من مالك لشيء وهو مغلول اليد عن التصرف فيه، فقال بادئاً بما يوجب الحب ويقبل بالقلوب دالاً على عظمته وظهور أمره بفك الإدغام: {فامنن} أي أعط من شئت عطاء مبتدئاً من غير تسبب من المعطي: {أو أمسك} أي عمن شئت.
ولما كان هذا عطاء يفوت الوصف عظمه، زاده تعظيماً بكثرته وتسهيله وسلامة العاقبة فيه فقال: {بغير} أي كائناً كل ذلك من العطاء والمن خالياً عن {حساب *} لأنك لا تخشى من نقصه وربك هو المعطي والآمر، ولا من كونه مما يسأل عنه في الآخرة لأنه قد أذن لك، فنفي الحساب عنه يفيد شيئين الكثرة وعدم الدرك في إعطاء أو منع، وجعله مصدراً مزيداً يفهم أنه إنما ينفي عنه حساب يعتد به لا مطلق حسب بالتخمين كما يكون في الأشياء التي تعيي الحاصر فيقرب أمرها بنوع حدس.
ولما رفع الحرج عنه في الدارين، أثبت المزيد فقال عاطفاً على ما تقديره: هذا له في الدنيا، مؤكداً زيادة في الطمأنية لكونه خارقاً لما حكم به من العادة في أنه كل ما زاد عن الكفاف في الدنيا كان ناقصاً
(16/387)

للحظ في الآخرة: {وإن له} أي خاصاً به {عندنا} أي في الآخرة {لزلفى} أي قربى عظيمة {وحسن مآب *} أي مرجع.
ولما انقضى الخبر عن الملك الأواب الذي ملك الدنيا بالفعل قهراً وغلبة شرقاً وغرباً، وكان أيوب عليه السلام في ثروة الملوك وإن لم يكن ملكاً بالفعل، وكان تكذيب من كذب بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما هو بتسليط الله الشياطين بوسوسته عليهم، وأمره سبحانه بالصبر على ذلك وقص عليه من أخبار الأوابين تعليماً لحسن الأوبة إن وهن الصبر، أتبعه الإخبار عن الصابر الأواب الذي لم يتأوه إلا من وسوسة الشيطان لزوجه بما كان يفتنها ليزداد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذكر هذه الأخبار صبراً ويتضاعف إقباله على الله تعالى وتضرعه له اقتداء بإخوانه الذين لم تشغلهم عنه منحة السراء ولا محنة الضراء، وتذكيراً لقدرة الله على كل ما يريده تنبيهاً على أنه قادر على رد قريش عما هم فيه ونصر المستضعفين من عباده عليهم بأيسر سعي فقال: {واذكر عبدنا} أي الذي هو أهل للإضافة إلى عظيم جنابنا، وبينه بقوله: {أيوب} وهو من الروم من أولاد عيص بن إسحاق عليهم السلام لتتأسى بحاله فنصبر على قومك وإن رأيت ما لا
(16/388)

صبر لك عليه دعوت الله في إصلاحه.
ولما أمره بذكره، بين أن معظم المراد بعض أحواله الشريفة ليتأسى به فقال مبدلاً منه بدل اشتمال: {إذ} أي اذكر حاله الذي كان حين: {نادى} وصرف القول عن مظهر العظمة إلى صفة الإحسان لأنه موطنه لاقتضاء حاله ذلك فقال: {ربه} : أي المحسن إليه الذي عرف إحسانه إليه في تربيته ببلائه كما عرف امتنانه بظاهر نعمائه وآلائه، ثم ذكر المنادى به حاكياً له بلفظه فقال مشيراً بالتأكيد إلى أنه - وإن كان حاله فيما عهد من شدة صبره مقتضياً عدم الشكوى - أتاه ما لا صبر عليه: {إني} أي رب أدعوك بسبب أني. ولما كان هنا في سياق التصبير عظم الأمر بإسناد الضر إلى أعدى الأعداء إلهاباً إلى الإجابة وأدباً مع الله فقال: {مسّني} أي وأنا من أوليائك {الشيطان} أي المحترق باللعنة البعيد من الرحمة بتسليطك له {بنصب} أي ضر ومشقة وهم داء ووجع وبلاء يثقل صاحبه فيتبعه ويعيده ويكده ويجهده ويصل به إلى الغاية من كل ذلك، وقرئ بضم الصاد أيضاً وقرئ بالتحريك كالرُشد والرَشد، وكان ذلك إشارة إلى أحوال الضر في الشدة والخفة فالمسكن أدناه، والمحرك أوسطه، والمثقل بالضم أعلاه {وعذاب *} أي نكد قوي جداً دائم مانع من
(16/389)

كل ما يلذ، ويمكن أن يساغ ويستطعم أجمله، ونكره تنكير لتعظيم استغنائه على وجازته عن جمل طوال ودعاء عريض إعلاماً بأن السيل قد بلغ الزبى، وأوهن البلاء القوي، ولم يذكره بلفظ إبليس الذي هو من معنى اليأس وانقطاع الرجاء دلالة على أنه هو راج فضل الله غير آيس من روحه، وذلك أن الله تعالى سلطه على إهلاك أهله وولده وماله فصبر ثم سلطه على بدنه إلى أن سقط لحمه واستمر على ذلك مدداً طوالاً، فلذلك ثم تراءى لزوجته رضي الله عنها في زي طبيب وقال لها: أنا أداويه ولا أريد أن يقول لي، إذا عوفي أنت شفيتني، وقيل: قال لها: لو سجد لي سجدة واحدة شفيته، فأتته وحدثته بذلك فأخبرها وعرفها أنه الشيطان، وحذرها منه وخاف غائلته عليها، فدعا الله بما تقدم وشدد النكير والتعظيم لما وسوس لها به بأن حلف ليضربنها مائة ضربة، ردعاً لها عن الإصغاء إلى شيء من ذلك، وتهويناً لما يلقاه من بلائه في جنبه.
(16/390)

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)
ولما تشوف السامع إلى جوابه عن ذلك، استأنف قوله: {اركض} أي قلنا له: اضرب الأرض وأوجد الركض وهو
(16/390)

المشي والتحريك والإسراع والاستحثاث {برجلك} يخرج منها ماء نافع حسن لتغتسل فيه وتشرب منه ففعل فأنبعنا له عيناً، فقيل له: {هذا} بإشارة القريب إشارة إلى تسهله {مغتسل} أي ماء يغتسل به وموضعه وزمانه {بارد} أي يبرد حر الظاهر {وشراب *} يبرد حر الباطن.
ولما كان التقدير: ففعل اغتسل فبرأ ظاهره وسر باطنه، عطف عليه قوله صارفاً القول إلى مظهر الجلال تنبيهاً على عظمة الفعل: {ووهبنا} أي بما لنا من العظمة {له أهله} أي الذين كان الشيطان سلط عليهم بأن أحييناهم، وجمع اعتباراً بالمعنى لأنه أفخم وأقرب إلى فهم المراد فقال: {ومثلهم} وأعلم باجتماع الكل في آنٍ واحد فقال: {معهم} جددناهم له وليعلم من يسمع ذلك أنه لا عبرة بشيء من الدنيا وأنها وكل ما فيها عرض زائل لا ثبات له أصلاً إلا ما كان لنا، فإنه من الباقيات الصالحات، فلا يغير أحد بشيء منها ولا يشتغل عنا أصلاً، ويعلم من هذا من صدقه القدروة على البعث بمجرد تصديقه له ومن توقف فيه سأل أهل الكتاب فعلم ذلك بتصديقهم له، ثم علل سبحانه فعله ذلك بقوله: {رحمة} ولما كان في مقام الحث على الصبر عظم الأمر بقوله: {منا} فإنه أعظم من التعبير في سورة الأنبياء بعندنا، ليكون ذلك أحث على لزوم الصبر، وإذا نظرت إلى ختام الآيتين عرفت تفاوت العبارتين ولاح لك أن مقام الصبر لا يساويه
(16/391)

شيء، لأن الطريق إليه سبحانه لا ينفك شيء منه عن صبر وقهر للنفس وجبر، لأنها بالإجماع خلاف ما تدعو إليه الطبائع {وذكرى} أي إكراماً وتذكيراً عظيماً {لأولي الألباب *} أي الأفهام الصافية، جعلنا ذلك لرحمته ولتذكير غيره من الموصوفين على طول الزمان ليتأسى به كل مبتلى ويرجو مثل ما رجا، فإن رحمة الله واسعة، وهو عند القلوب المنكسرة، فما بينه وبين الإجابة إلا حسن الإنابة، فمن دام إقباله عليه أغناه عن غيره:
لكل شيء إذا فارقته عوض ... وليس لله إن فارقت من عوض
ولما أجمل العذاب الصالح لألم الظاهر، وذكر المخلص منه، أتبعه التنبيه على أعظمه وهو ألم الباطن، بل أبطن الباطن التعلق بالاعتقاد فيما وسوس لزوجه رضي الله عنها بما كاد يزلها فحلف ليضربنها مائة لئلا تعود إلى شيء من ذلك فيزلها عن مقامها كما أزل غيرها فأرشده سبحانه وتعالى إلى المخلص من ذلك الحلف على أخف وجه لأنها كانت صابرة محسنة، فشكر الله لها ذلك، وجعل هذا المخلص بعدها سنة باقية لعباده تعظيماً لأجرها وتطييباً لذكرها فقال عاطفاً على
(16/392)

{اركض} {وخذ بيدك} أي التي قد صارت في غاية الصحة {ضغثاً} أي حزمة صغيرة من حشيش فيها مائة عود كشمراخ النخلة، قال الفراء: هو كل ما جمعته من شيء مثل الحزمة الرطبة، وقال السمين: وأصل المادة يدل على جميع المختلطات {فأضرب به} أي مطلق ضرب ضربة واحدة {ولا تحنث} في يمينك أي تأثم بترك ما حلفت على فعله، فهذا تخفيف على كل منهما لصبره، ولعل الكفارة لم تكن فيهم وخصنا الله بها مع شرعه فينا ما أرخصه له تشريفاً لنا، وكل هذا إعلاماً بأن الله تعالى ابتلاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بدنه وولده وماله، ولم يبق له إلا زوجة فوسوس لها الشيطان طمعاً في إيذائهما كما آذى آدم وحواء عليهما السلام، إلى أن قارب منها بعض ما يريد، والمراد بالإعلام به تذكير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه إن كان مكن الشيطان من الوسوسة لأقاربه والإغواء والإضلال فقد منّ عليه بزوجه أعظم وزراء الصدق وكثير من أقاربه الأعمام وبني الأعمام وغيرهم، وحفظ له بدنه وماله ليزداد شكره لله تعالى، وفي القصة إشارة إلى أنه قادر على أن يطيع له من يشاء، فإنه قادر على التصرف في المعاني كقدرته على التصرف في الذوات، وأنه سبحانه يهب لهذا النبي الكريم قومه العرب الذين هم الآن أشد الناس
(16/393)

عليه وغيرهم فيطيعه الكل.
ولما كان الصبر والأفعال المرضية عزيزة في العباد لا تكاد توجد فلا يكاد يصدق بها، علل سبحانه هذا الإكرام له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأكده، فقال على سبيل الاستنتاج مما تقدم رداً على من يظن أن الشكوى إليه تنافي الصبر، وإشارة إلى أن السر في التذكير به التأسي في الصبر: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {وجدناه} أي في عالم الشهادة طبق ما كان لنا في عالم الغيب ليتجدد للناس من العلم بذلك ما كنا به عالمين، ولما كان السياق للحث على مطلق الصبر في قوله تعالى {واصبر على ما يقولون} [المزمل: 10] أتى باسم الفاعل مجرداً على مبالغة فقال: {صابراً} ثم استأنف قوله: {نعم العبد} ثم علل بقوله مؤكداً لئلا يظن أن بلاءه قادح في ذلك: {إنه أواب *} أي رجاع بكليته إلى الله سبحانه على خلاف ما يدعو إليه طبع البشر، قال الرازي في اللوامع: قال ابن عطاء: واقف معنا بحسن الأدب لا يغيره دوام النعمة، ولا يزعجه تواتر البلاء والمحنة، روى عبد بن حميد في مسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: وضع رجل يده على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا
(16/394)

الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالقمل حتى يقتله وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالفقر حتى يأخذ العباة فيحويها وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء» .
ولما ذكر سبحانه من ابتلاه في بدنه وماله وولده ثم جعل له الماء برداً وسلاماً وعافية ونظاماً وشفاء وقواماً، عطف عليه من ابتلاه بالنار على أيدي الجبابرة فجعلها عليه برداً وسلاماً باعتماده عليه وصبره لديه، ونجاه من كيدهم، وجعل أيده بمفرده فوق أيدهم، ثم ابتلاه بالهجرة لوطنه وأهله وعشيرته وسكنه، ثم بذبح ابنه، فصبر على ذلك كله، اعتماداً على فضل الله ومنّة فقال: {واذكر عبدنا} بالتوحيد في رواية ابن كثير للجنس أو لإبراهيم وحده عليه السلام لأنه أصل من عطف عليه ديناً وأبوة، فبين الله أساس عطفه عليه في المدح بالعبودية أيضاً، ثم بين المراد بقوله: {إبراهيم} وعطف على العبد لا على مبينه لئلا يلزم بيان واحد بجماعة إذا أريد به إبراهيم وحده لا الجنس ابنه لصبره على دينه في الغربة بين عباد الأوثان ومباعدي الإيمان، فلم يلفت لفتهم ولا داناهم، بل أرسل إلى أقاربه في
(16/395)

بلاد الشرق، فتزوج منه من وافقته على دينه الحق، واستمر على إخلاص العبادة لا يأخذه في الله لومة لائم إلى أن مضى لسبيله فقال: {وإسحاق} ثم أتبعه ولده الذي قفا أثره، وصبر صبره، وابتلى بفقد ولده، وبهجة كبده، فصبر أتم الصبر في ذلك الضر، وأبلغ في الحمد والشكر، فقال تعالى: {ويعقوب} وألحقهما سبحانه بأبيها بعد أن بينت قراءة الإفراد إصالته في المدح بالعبودية فعطفهما عليه نفسه في قراءة غير ابن كثير {عبادنا} بالجمع كما قال تعالى {والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم} [الطور: 21] .
ولما اجتعموا بالعطف أو البدل وصفهم بقوله: {أولي الأيدي} أي القوة الشديدة والأعمال السديدة لأن الأيدي أعظم آلات ذلك {والأبصار *} أي الحواس الظاهرة والباطنة التي هي حقيقة بأن تذكر وتمدح بها لقوة إدراكها وعظمة نفوذها فيما هو جدير بأن يراعى من جلال الله ومراقبته في الحركات والسكنات سراً وعلناً، وعبر عن ذلك بالأبصار لأنها أقوى مبادئه، ومن لم يكن مثلهم كان مسلوب القوة والعقل، فلم يكن له عقل فكان عدماً، فهو أعظم توبيخ لمن رزقه الله قوة وعقلاً، ثم لا يصرفه في عبادة الله والمجاهدة فيه سبحانه.
(16/396)

إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50)
ولما اشتد تشوف السامع لما استحقوا به هذا الذكر، قال مؤكداً إشارة إلى محبته سبحانه لمدحهم ورداً على من ينسب إليهم أو إلى أحد منهم ما لا يليق كما كذبه اليهود فيما بدلوه من التوراة في حق إسحاق عليه السلام في بعض المواضع معدياً للفعل بالهمزة إشارة إلى أنه جذبهم من العوائق إليه جذبة واحدة هي في غاية السرعة: {إنا أخلصناهم} أي لنا إخلاصاً يليق بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة {بخالصة} أي أعمال وأحوال ومقامات وبلايا ومحن هي سالمة عن شوب ما، فصاروا بالصبر عليها في غاية الخلوص.
ولما كان سبب الإخلاص تذكر يوم الدين وما يبرز فيه من صفات الجلال والجمال وينكشف فيه من الأمور التي لا توصف عظمتها، بينها بقوله: {ذكرى الدار} أي تذكرهم تلك الخالصة تذكيراً عظيماً لا يغيب عنهم أصلاً الدار التي لا يستحق غيرها أن يسمى داراً بوجه بحيث نسوا بذكر هذا الغائب ذكر ما يشاهدونه من دار الدنيا فهم لا ينظرون إليه أصلاً بغضاً فيها فقد أنساهم هذا الغائب الثابت الشاهد الزائل عكس ما عليه العامة، وإضافة نافع وأبي جعفر وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه لخالصة مؤيد لما قلت من أن ذكرى بيان لأنها إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى أنهم لا يعملون شيئاً إلا وهو
(16/397)

مقرب للآخرة، فالمعنى أن ذكرهم لها خالص عن سواه لا يشاركه فيه شيء ولا يشوبه شوب أصلاً.
ولما دلت هذه الجملة على هذا المدح البليغ، عطف عليه ما يلازم الإخلاص فقال مؤكداً لمثل ما تقدم من التنبيه على أنهم ممن يغتبط بمدحهم، ورداً على من ربما ظن خلاف ذلك بكثرة مصائبهم في الدنيا: {وإنهم عندنا} أي على ما لنا من العظمة والخبرة {لمن المصطفين} المبالغ في تصفيتهم مبالغة كأنها بعلاج {الأخيار *} الذين كل واحد منهم بخير بليغ في الخير، وإصابتنا إياهم بالمصائب دليل ذلك لا دليل عكسه كما يظنه من طمس قلبه، والآية من الاحتباك: ذكر {أخلصناهم} أولاً دليل على {اصطفيناهم} ثانياً، و {المصطفين} دليلاً على {المخلصين} أولاً، وسر ذلك أن الإخلاص يلزم منه الاصطفاء، لا سيما إذا أسنده إليه بخلاف العكس بدليل {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] .
ولما أتم الأمر بذكر الخليل وابنه عليهما السلام الذي لم يخرج من كنفه قط ونافلته المبشر به للتأسي بهم في صبرهم الدين وإن خالفهم من خالفهم، أتبعه ولده الذي أمر بالتجرد عنه مرة بالإسكان عند البيت الحرام ليصير أصلاً برأسه في أشرف البقاع، ومرة بالأمر بذبحه في تلك المشاعر الكرام، فصار ما أضيف إليه من الأحوال
(16/398)

والأفعال من المناسك العظام عليه الصلاة والسلام، وأفرده بالذكر دلالة على أنه أصل عظيم برأسه من أصول الأئمة الأعلام، فقال: {واذكر إسماعيل} أي أباك وما صبر عليه من البلاء بالغربة والانفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرئاسة والذكر في هذه البلدة {واليسع} أي الذي استخلفه إلياس عليه السلام على بني إسرائيل فجمعهم الله عليه بعد ذلك الخلاف الشديد الذي كان منهم لإلياس عليه السلام {وذا الكفل} أي النصيب العظيم بالوفاء بما يكفله من كل أمر عليّ، وعمل صالح زكي.
ولما تقدم وصف من قبل إبراهيم عليه السلام بالأوبة وخصوا بالتصريح، لما كان لهم من الشواغل عنها بكل من محنة السراء ومحنة الضراء وكذلك بالعبودية سواء، وكان الأمر بالذكر مع حذف الوصف المذكور لأجله والإشارة إليه بالتلويح ولا مانع من ذكره - دالاً على غاية المدح له لذهاب الوهم في تطلبه كل مذهب، قال معمّماً للوصف بالعبودية والأوبة بها جميع المذكورين، عاطفاً بما أرشد إليه العطف على غير مذكور على ما تقديره: إنهم أوابون، ليكون تعليلاً لذكرهم بما علل به ذكر أول مذكور فيهم:
(16/399)

{وكل} أي من هؤلاء المذكورين في هذه السورة من الأنبياء قائمون بحق العبودية فهم من خيار عبادنا من هؤلاء الثلاثة ومن قبلهم {من الأخيار *} أي كما أن كلاًّ منهم أواب بالعراقة في وصف الصبر - كما مضى في الأنبياء، وبغير ذلك من كل خير على أن الصبر - جامع لجميع الطريق، فهم الذين يجب الاقتداء بهم في الصبر على الدين ولزوم طريق المتقين.
ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر هؤلاء الأصفياء عليهم السلام الذين عافاهم بصبرهم وعافى من دعوهم، فجعلهم سبحانه سبب الفلاح ولم يجعلهم سبباً للهلاك، قال مؤكداً لشرفهم وشرف ما ذكروا به، حاثاً على إدامة تذكره وتأمله وتدبره للعمل به، مبيناً ما لهم في الآخرة على ما ذكر من أعمالهم وما لمن نكب عن طريقهم على سبيل التفصيل: {وهذا} أي ما تلوناه عليك من أمورهم وأمور غيرهم {ذكر} أي شرف في الدنيا وموعظة من ذكر القرآن ذي الذكر، ثم عطف على قوله {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} ما لأضدادهم، فقال مؤكداً رداً على من ينكر ذلك من كفار العرب
(16/400)

وغيرهم: {وإن} ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفاً على «هذا» وتقديره: هذا ذكر للصابرين.
ولما أداهم إليه صبرهم في الدنيا وأن لهم على ما وهبناهم من الأعمال الصالحة التي مجمعها الصبر لمرجعاً حسناً، ولكنه أظهر الوصف الذي أداهم إلى هذا المآب تعميماً لكل من اقتدى بهم حثاً على الاقتداء فقال: {للمتقين} أي جميع العريقين في وصف التقوى الذين يلزمون لتقواهم الصراط المستقيم {لحسن مآب *} أي مصير ومرجع ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء أبدل منه أو بينه بقوله: {جنات عدن} أي إقامة في استمراء وطيب عيش ونمو وامتلاء وشرف أصل.
ولما كانت من الأعلام الغالبة، نصب عنها على الحال قوله: {مفتحة} أي تفتيحاً كثيراً وبليغاً من غير أن يعانوا في فتحها شيئاً من نصب أو طلب أو تعب، وأشار جعل هذا الوصف مفرداً أن تفتحيها على كثرتها كان لهم في آن واحد حتى كأنها باب واحد {لهم} أي لا لغيرهم {الأبواب} التي لها والتي فيها فلا يلحقهم في دخولها ذل الحجاب ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة
(16/401)

بالتبجيل والإكرام.
(16/402)

مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59)
ولما ذكر إقامتهم ويسر دخولهم، وصف حالهم إذ ذاك فقال: {متكئين فيها} أي ليس لهم شغل سوى النعيم ولا عليهم كلفة أصلاً. ولما كان المتكىء لا يتم نعيمه إلا إن كان مخدوماً، دل على سؤددهم بقوله: {يدعون فيها} اي كلما أرادوا من غير مانع أصلاً ولا حاجة إلى قيام ولا قعود يترك به الاتكاء. ولما كان أكلهم إنما هو للتفكه لا لحفظ الجسد من آفة قال: {بفاكهة كثيرة} فسمى جميع مآكلهم فاكهة، ولما كانت الفاكهة لا يمل منها، والشراب لا يؤخذ إلا بقدر الكفاية، وصفها دونه فقال: {وشراب *} .
ولما كان الأكل والشرب داعيين إلى النساء لا سيما مع الراحة قال: {وعندهم} أي لهم من غير مفارقة أصلاً. ولما كان سياق الامتنان مفهماً كثرة الممتن به لا سيما إذا كان من العظيم، أتى بجمع القلة مريداً به الكثرة لأنه أشهر وأوضح وأرشق من «قواصر» المشترك بين جمع قاصر وقوصرة - بالتشديد والتخفيف - لوعاء التمر فقال: {قاصرات} ولما كن على خلق واحد في العفة وكمال الجمال وحد فقال:
(16/402)

{الطرف} أي طرفهن لعفتهن وطرف أزواجهن لحسنهن، ولما لم تنقص صيغة جمع القلة المعنى، لكونه في سياق المدح والامتنان، وكان يستعار للكثرة، أتى على نمط الفواصل بقوله: {أتراب *} أي على سن واحد مع أزواجهن وهو الشباب، سمي القرين ترباً لمس التراب جلده وجلد قرينه في وقت واحد، قال البغوي: بنات ثلاث وثلاثين سنة، لأن ذلك ادعى للتآلف فإن التحاب بين الأقران أشد وأثبت.
ولما ذكر هذا النعيم لأهل الطاعة، وقدم ذلك العذاب لأهل المعصية قال: {هذا} أي الذي ذكر هنا والذي مضى {ما} وبني للمفعول اختصاراً وتحقيقاً للتحتم قوله: {توعدون} من الوعد والإيعاد، وقراءة الغيب على الأسلوب الماضي، ومن خاطب لفت الكلام للتلذيذ بالخطاب تنشيطاً لهممهم وإيقاظاً لقلوبهم {ليوم الحساب *} أي ليكون في ذلك اليوم.
ولما كان هذا يصدق بأن يوجد ثم ينقطع كما هو المعهود من حال الدنيا، أخبر أنه على غير هذا المنوال فقال: {إن هذا} أي المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب {لرزقنا} أي للرزق الذي
(16/403)

يستحق الإضافة إلينا في مظهر العظمة، فلذلك كانت النتيجة: {ما له من نفاد *} أي فناء وانقطاع، بل هو كالماء المتواصل في نبعه، كلما أخذ منه شيء أخلف في الحال بحيث إنه لا يميز المأخوذ من الموجود بوجه من الوجوه، فيكون في ذلك تلذيذ وتنعيم لأهل الجنة بكثرة ما عنده، وبمشاهدة ما كانوا يعتقدونه ويثبتونه لله تعالى من القدرة على الإعادة في كل وقت، جزاء وفاقاً عكس ما يأتي لأهل النار.
ولما كانت النفوس نزاعة للهوى ميالة إلى الردى، فكانت محتاجة إلى مزيد تخويف وشديد تهويل، قال تعالى متوعداً لمن ترك التأسي بهؤلاء السادة في أحوال العبادة، مؤكداً لما مضى من إيعاد العصاة وتخويف العتاة: {هذا} أي الأمر العظيم الذي هو جدير بأن يجعل نصب العين وهو أنه لكل من الفريقين ما ذكر وإن أنكره الكفرة، وحذف الخبر بعد إثباته في الأول أهول ليذهب الوهم فيه كل مذهب {وإن للطاغين} أي الذين لم يصبروا على تنزيلهم أنفسهم في منازلها بالصبر على ما أمروا به فرفعوا أنفسهم فوق قدرها، وتجاوزوا الحد وعلوا في الكفر به وأسرفوا في المعاصي والظلم وتجبروا وتكبروا فكانوا أحمق الناس {لشر مآب *} أي مصير ومرجع،
(16/404)

وأبدل منه أو بينه بقوله: {جهنم} أي الشديدة الاضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم.
ولما كان اختصاصهم بها ليس بصريح في عذابهم، استأنف التصريح به في قوله: {يصلونها} أي يدخلونها فيباشرون شدائدها. ولما أفهم هذا غاية الكراهة لها وأنه لا فراش لهم غير جمرها، فكان التقدير: فيكون مهاداً لهم لتحيط بهم فيعمهم صليها، سبب عنه قوله: {فبئس المهاد *} أي الفراش هي، فإن فائدة الفراش تنعيم الجسد، وهذه تذيب الجلد واللحم ثم يعود في الحال كلما ذاب عاد عقوبة لهم ليريهم الله ما كانوا يكذبون به من الإعادة في كل وقت دائماً أبداً، كما كانوا يعتقدون ذلك دائماً أبداً جزاء وفاقاً عكس ما لأهل الجنة من التنعيم والتلذيذ بإعادة كل ما قطعوا من فاكهتها وأكلوا من طيرها، لأنهم يعتقدون الإعادة فنالوا هذه السعادة.
ولما قدم أن لأهل الطاعة فاكهة وشراباً، وكان ما وصف به مأوى العصاة لا يكون إلا عذاباً، وكان مفهماً لا محالة أن الحرارة تسيل من أهل النار عصارة من صديد وغيره قال: {هذا} أي العذاب للطاغين {فليذوقوه} ثم فسره بقوله: {حميم} أي ماء حار، وأشار بالعطف بالواو إلى تمكنه في كل من الوصفين فقال: {وغساق *}
(16/405)

أي سيل منتن عظيم جداً بارد أسود مظلم شديد في جميع هذه الصفات من صديد ونحوه وهو في قراءة الجماعة بالتخفيف اسم كالعذاب والنكال من غسقت عينه، أي سالت، وغسق الشيء، أي امتلأ، ومنه الغاسق للقمر لامتلائه وكماله، وفي قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد صفة كالخباز والضراب، تشير إلى شدة أمره في جميع ما استعمل فيه من السيلان والبرد والسواد.
ولما كان في النار - أجارنا الله منها بعفوه ورحمته - ما لا يعد من أنواع العقاب، قال عاطفاً على هذا، {وآخر} أي من أنواع المذوقات - على قراءة البصريين بالجمع لأخرى، ومذوق على قراءة غيرهما بالإفراد، وهو حينئذ للجنس، وأخبر عن المبتدأ بقوله: {من شكلة} أي شكل هذا المذوق ولما كان المراد الكثرة في المعذبين وهم الطاغون وفي عذابهم مع افتراقه بالأنواع وإن اتحد في جنس العذاب، صرح بها في قوله: {أزواج *} أي هم أو هي أو هو، أي جنس عذابهم أنواع كثيرة.
ولما كان مما أفهمه الكتاب في هذا الخطاب أن الطاغين الداخلين إلى جهنم أصناف كثيرة، وكانت العادة جارية بأن الأصناف إذا اجتمعوا
(16/406)

كانت محاورات ولا سيما إن كانوا من الطغاة العتاة، تحرك السامع إلى تعرف ذلك فقال تعالى مستأنفاً جوابه بما يدل على تقاولهم بأقبح المقاولة وهو التخاصم الناشىء عن التباغض والتدابر الذي من شأنه أن يقع بين الذين دبروا أمراً فعاد عليهم بالوبال في أن كلاًّ منهم يحيل ما وقع به العكس على صاحبه، وذلك أشد لعذابهم: {هذا} أي قال أطغى الطغاة لما دخلوها أولاً كما هم أهل له لأنهم ضالون مضلون ورأوا جمعاً من الأتباع داخلاً عليهم: هذا {فوج} أي جماعة كثيفة مشاة مسرعون. ولما كانوا يدخلونها من شدة ما تدفعهم الزبانية على هيئة الواثب قال مشيراً بالتعبير بالوصف مفرداً إلى أنهم في الموافقة فيه والتسابق كأنهم نفس واحدة: {مقتحم} أي رام بنفسه في الشدة بشدة فجاءة بلا روية كائناً {معكم} .
ولما كان أهل النار يؤذي بعضهم بعضاً بالشهيق والزفير والزحام والدفاع والبكاء والعويل وما يسيل من بعضهم على بعض من القيح والصديد وغير ذلك من أنواع النكد، ولا سيما إن كانوا أتباعاً لهم في الدنيا، فصاروا مثلهم في ذلك الدخول في الرتبة، لا يتحاشون عن دفاعهم وخصامهم ونزاعهم، قالوا استئنافاً: {لا مرحباً} ثم بينوا المدعو عليه فقالوا: {بهم} وهي كلمة واقعة في أتم مواقعها لأنها دالة على
(16/407)

التضجر والبغضة مع الصدق في أهل مدلولها الذي هو مصادقة الضيق، مفعل من الرحب مصدر ميمي وهو السعة، أي لا كان بهم سعة أصلاً ولا اتسعت بهم هذه الأماكن ولا هذه الأزمان ولا حصلت لهم ولا بهم راحة، ولذلك عللوا استحقاقهم لهذا الدعاء بقولهم مؤكدين لما كان استقر في نفوسهم وتطاول عليه الزمان من إنكارهم له: {إنهم صالوا النار *} أي ومن صليها صادف من الضيق ما لم يصادفه أحد وآذى كل من جاوره.
(16/408)

قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)
ولما كان من المعلوم على ما جرت به العوائد أنهم يتأثرون من هذا القول فيحصل التشوق إلى ما يكون من أمرهم هل يجيبونهم أم تمنعهم هيبتهم على ما كانوا في الدنيا، اعلم بما يعلم منه انقطاع الأسباب هناك، فلا يكون من أحد منهم خوف من آخر، فقال مستأنفاً: {قالوا} أي الأتباع المعبر عنهم بالفوج لسفولهم وبطون أمرهم: {بل أنتم} أي خاصة أيها الرؤساء {لا مرحباً} وبينوا بقولهم: {بكم} أي هذا الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به منا، ثم عللوا قولهم بما أفهم أنهم شاركوهم في الضلال وزادوا عليهم بالإضلال
(16/408)

فقالوا: {أنتم} أي خاصة {قدمتموه} أي الاقتحام في العذاب بما أقحمتمونا فيه من أسبابه وقدمتم في دار الغرور من تزيينه {لنا} ولما كان الاقتحام وهو الوثوب أو الدخول على شيء بسرعة كأنها الوثوب ينتهي منه إلى استقرار، وكان الفريقان قد استقروا في مقاعدهم في النار، سببوا عن ذلك قولهم: {فبئس القرار *} أي قراركم.
ولما كان قول الأتباع هذا مفهماً لأنهم علموا أن سبب ما وصلوا إليه من الشقاء هو الرؤساء، وكان هذا موجباً لنهاية غيظهم منهم، تشوف السامع لما يكون من أمرهم معهم؟ هل يكتفون بما أجابوهم به أو يكون أمنهم شيء آخر؟ فاستأنف قوله إعلاماً بأنهم لم يكتفوا بذلك وعلموا أنهم لا يقدرون على الانتقام منهم: {قالوا} أي الأتباع: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا الذي منعنا هؤلاء عن الشكر له {من قدم لنا هذا} أي العذاب بما قدم لنا من الأسباب التي اقتحمناه، وقدموا ذلك اهتماماً به وأجابوا الشرط بقولهم: {فزده} أي على العذاب الذي استحقه بما استحققنا به نحن وهو الضلال {عذاباً ضعفاً} أي زائداً على ذلك مثله مرة أخرى بالإضلال، وقيدوه طلباً لفخامته بقولهم معبرين بالظرف لإفهام الضيق الذي تقدم الدعاء
(16/409)

المجاب فيه به ليكون عذاباً آخر فهو أبلغ مما في الأعراف لأن السياق هنا للطاغين وهناك لمطلق الكافرين {في النار *} أي كائناً فيها، وهذا مثل الآية الأخرى ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيراً أي مثل عذابنا مرّتين.
ولما ذكر من اقتحامهم في العذاب وتقاولهم بما دل على خزيهم وحسرتهم وحزنهم، أعلم بما دل على زيادة خسرانهم وحسرتهم وهوانهم بمعرفتهم بنجاة المؤمنين الذين كانوا يهزؤون بهم ويذلونهم فقال: {وقالوا} أي الفريقان: الرؤساء والأتباع بعد أن قضوا وطرهم مما لم يغن عنهم شيئاً من تخاصمهم: {ما} أي أيّ شيء حصل {لنا} مانعاً في أنا {لا نرى} أي في المحل الذي أدخلناه {رجالاً} يعنون فقراء المؤمنين {كنا نعدهم} أي في دار الدنيا {من الأشرار *} أي الأراذل الذين لا خير فيهم بأنهم قد قطعوا الرحم، وفرقوا بين العشيرة وأفسدوا ذات البين، وغيروا الدين بكونهم لا يزالون يخالفون الناس في أقوالهم وأفعالهم، مع ما كانوا فيه من الضعف والذل والهوان وسوء الحال في الدنيا، فيظن أهلها نقص حظهم منه وكثرة مصائبهم فيها لسوء حالهم عند الله وما دروا أنه تعالى يحمي أحباءه منها كما
(16/410)

يحمي الإنسان عليله الطعام والشراب ومن يرد به خيراً يصب منه.
ولما كانوا يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بهم، وهم ليسوا موضعاً لذلك، بل حالهم في جِدهم وجَدهم في غاية البعد عن ذلك، قالوا مستفهمين، أما على قراءة الحرميين وابن عامر وعاصم فتحقيقاً، وأما على قراءة غيرهم فتقديراً: {اتخذناهم} أي كلفنا أنفسنا وعالجناها في أخذهم {سخرياً} أي نسخر منهم ونستهزئ بهم - على قراءة الكسر، ونسخرهم أي نستخدمهم على قراءة الضم، وهم ليسوا أهلاً لذلك، بل كانوا خيراً منا فلم يدخلوا هنا لعدم شرارتهم، وكأنهم إلى تجويز كونهم في النار معهم ومنعهم من رؤيتهم أميل، فدلوا على ذلك بتأنيث الفعل ناسبين خفاءهم عنهم إلى رخاوة في أبصارهم على قوتها في ذلك الحين فقالوا: {أم زاغت} أي مالت متجاوزة {عنهم} .
ولما كان تعالى يعيد الخلق في القيامة على غاية الإحكام في أبدانهم ومعانيها فتكون أبصارهم أحد ما يمكن أن تكون وأنفذه «اسمع بهم وابصر يوم يأتوننا فبصرك اليوم حديد» عدوا أبصارهم في الدنيا بالنسبة إليها عدماً، فلذلك عرفوا قولهم: {الأبصار *} أي منا التي لا أبصار في الحقيقة سواها فلم نرها وهم فينا ومعنا في النار ولكن حجبهم عنا بعض أوديتها وجبالها ولهبها. ف {أم} معادلة لجملة السخرية، وقد
(16/411)

علم بهاذ التقدير أن معنى الآية إلى إنفصال حقيقي معناه: أهم معنا أم لا؟ فهي من الاحتباك: أثبت الاتخاذ المذكور الذي يلزمه بحكم العناد بين الجملتين عدم كون المستسخر بهم معهم في النار أولاً دليلاً على ضده ثانياً، وهو كونهم معهم فيها، وأثبت زيغ الأبصار ثانياً اللازم منه بمثل ذلك كونهم معهم في النار دليلاً على ضده أولاً وهو كونهم ليسوا معهم، وسر ذلك أن الموضع لتسحرهم ولومهم لأنفسهم، في غلطهم والذي ذكر عنهم أقعد في ذلك.
ولما كان هذا أمراً رائعاً جداً زاجراً لمن له عقل فتأمله مجرداً لنفسه من الهوى، وكانت الجدود تمنعهم عن التصديق به، كان موضعاً لتأكيد الخبر عنه فقال: {إن ذلك} أي الأمر العظيم الذي تقدم الإخبار به {لحق} أي ثابت لا بد من وقوعه إذا وقع مضمونة وافق الواقع منه هذا الإخبار عنه، ولما كان أشق ما فيه عليهم وأنكأ تخاصمهم جعله هو المخبر به وحده، فقال مبيناً له مخبراً عن مبتدإ استئنافاً تقديره: هو {تخاصم أهل النار *} لأنه ما أناره لهم إلا الشر والنكد فسمي تخاصماً.
(16/412)

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)
ولما كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا: عجل لنا هذا إن كنت صادقاً فينا ادعيت، ومن المقطوع به أنه لا يقدر على ذلك إلا الإله فصاروا كأنهم نسبوه إلى أنه ادعى الإلهية، قال تعالى منبهاً على ذلك آمراً له بالجواب: {قل} أي لمن يقول لك ذلك: {إنما أنا منذر} أي مخوف لمن عصى، ولم أدّع أني إله، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله، فهو قصر قلب للموصوف على الصفة، وأفرد قاصراً للصفة في قوله: {وما} وأعرق في النفي بقوله: {من إله} أي معبود بحق لكونه محيطاً بصفات الكمال. ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين، لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين فقال: {إلا الله} وللإحاطة عبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطاً وللتفرد قال مبرهناً على ذلك: {الواحد} أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه محتاجاً مكافئاً {القهار *} أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها.
ولما وصف نفسه سبحانه بذلك، دل عليه بقوله: {رب السماوات} أي مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع، وجمع لأن المقام للقدرة، وإقامة الدليل على تعددها سهل
(16/413)

{والأرض} على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب.
ولما كان القائل مخيراً كما قال ابن مالك في الكافية الشافية عند اختلاط العقلاء بغيرهم في إطلاق ما شاء من «مَن» التي أغلب إطلاقها على العقلاء و «ما» التي هي بعكس ذلك، وكان ربما وقع في وهم أن تمكنه تعالى من العقلاء دون تمكنه من غيرهم لما لهم من الحيل التي يحترزون بها عن المحذور، وينظرون بها في عواقب الأمور، أشار إلى أن حكمه فيهم كحكمه في غيرهم من غير فرق بالتعبير عنهم ب «ما» التي أصلها وأغلب استعمالها لمن لا يعقل، وسياق العظمة بالوحدانية وآثارها دال على دخولها في العبادة قطعاً فقال: {وما بينهما} أي الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها، ربي كل شيء من ذلك إيجاداً وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب، فدل ذلك على قهره، وتفرده في جميع أمره.
ولما كان السياق للإنذار، كرر ما يدل على القهر فقال: {العزيز} أي الذي يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ولما ثبت أنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، وكانت دلالة الوصفين العظيمين على الوعيد أظهر من إشعارها بالوعد، كان موضع قولهم،
(16/414)

فما له لا يعجل بالهلاك لمن يخالفه فقال: {الغفار *} أي المكرر ستره لما يشاء من الذنوب حلماً إلى وقت الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من العباد كما فعل مع أكثر الصحابة رضي الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل الإسلام.
ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم، ولا ردهم عن عتوهم ومحالهم، مع كونه موجباً لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبداً عنه، قال آمراً له بما ينبههم على عظيم خطئهم: {قل هو} أي هذا الأمر الذي تلوته عليكم من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على التخاصم المذكور وغيرها والأحكام والمواعظ، فثبت بمضمونه الوحدانية، وتحقق بإعجازه مع ثبوت الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه كلام الله: {نبؤا عظيم *} أي خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة العبارة والصفة لا يعرض عن مثله إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى.
ولما كانوا يدعون أنهم أعظم الناس إقبالاً على الغرائب، وتنقيباً عن الدقائق والجلائل من المناقب، بكتهم بقوله واصفاً له: {أنتم عنه}
(16/415)

أي خاصة لا عن غيره والحال أن غيره من المهملات ولما كان أكثرهم متهيئاً للإسلام والرجوع عن الكفران لم يقل: مدبرون، ولا «يعرضون» بل قال: {معرضون *} أي ثابت لكم الإعراض في هذا الحين، وقد كان ينبغي لكم الإقبال عليه خاصة والإعراض عن كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة، ولو أقبلتم عليه بالتدبر لعلمتم قطعاً صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في الدنيا والآخرة، فبادرتم الإقبال إليّ والقبول لما أقول.
ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار، وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى الكذب، دل على صدقه وعلى عظيم هذا النبأ بقوله: {ما كان لي} وأعرق في النفي بالتأكيد في قوله: {من علم} أي من جهة أحد من الناس كما تعرفون ذلك من حالي له إحاطة ما {بالملإ} أي الفريق المتصف بالشرف {الأعلى} وهم الملائكة أهل السماوات العلى وآدم وإبليس، وكأن مخاطبة الله لهم كانت بواسطة ملك كما هو أليق بالكبرياء والجلال، فصح أن المقاولة بين الملأ {إذ} أي حين، ولما أفرد وصف الملأ إيذاناً بأنهم في الاتفاق في علو رتبة الطاعة كأنهم شيء واحد، جمع لئلا يظن حقيقة الوحدة فقال: {يختصمون *} أي في شأن آدم عليه السلام، أول خليفة في الأرض
(16/416)

بل الخليفة المطلق، لأن خلافه أولاده من خلافته، وفي الكفارات الواقعة من بينه، كما أنه ما كان لي من علم بأهل النار إذ يختصمون، ولا بالخصم الذين دخلوا على داود عليه السلام الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض إذ يختصمون، وقد علمت ذلك علماً مطابقاً للحق بشهادة الكتب القديمة وأنتم تعلمون أني لم أخالط عالماً قط، فهذا علم من أعلام النبوة واضح في أني لم أعلم ذلك إلا بالوحي لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع - وإن كان قد وقع ومضى من أول الدهر - تذكيراً بذلك الحال وإعلاماً بما هم فيه الآن من مثله في الدرجات، كما سيأتي قريباً في الحديث القدسي، وعبر في تخاصم أهل النار - وهو لم يأت - بالماضي تنبيهاً على أن وقوعه مما لا ريب فيه، فكأنه وقع وفرغ منه لأنه قد فرغ من قضائه من لا يرد له قضاء، لأنه الواحد فلا شريك له ولا منازع.
ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم: فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم تكن تعلم، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه، فتعجل لنا الموت ثم البعث لنرى ما أخبرتنا به من التخاصم مصوراً، لعلناً نصدقك فيما أتيت به، قال مجيباً لهم قاصراً للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل إليه، لا تعجيل شيء مما توعدوا به: {إن} أي ما {يوحى} أي في وقت من الأوقات، وبناه للمفعول لأن
(16/417)

ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية {إليّ إلا} ولما كان الوحي قولاً قرأ أبو جعفر بكسر {إنما أنا نذير} أي قصري على النذارة لا أني أنجز ما يتوعد به الله؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح: إلا الإنذار أو إلا كوني نذيراً، وعلى قراءة الكسر: إلا هذا القول وهو أني أقول لكم كذا {مبين *} أي لا أدع لبساً فيما ابلغه بوجه من الوجوه.
(16/418)

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74)
ولما دل على أنه نذير، وأزال ما ربما أوردوه عليه، أتبعه ظرف اختصام الملأ الأعلى، أو بدل «إذ» الأولى فقال: {إذ} أي حين {قال} ودل على أنه هذا كله إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك، ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله: {قل من كان عدواً لجبريل} [البقرة: 97] دليلاً يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال: {ربك} أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه {للملائكة} وهم الملأ الأعلى وإبليس منهم
(16/418)

لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم. ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من الله كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد، فكانوا يبعدون أن يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه، أكد لهم سبحانه قوله: {إني خالق بشراً} أي شخصاً ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا غيرهما ليكون التأكيد دليلاً على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى التي أشار إليها بالاختصام، وبين أصله بقوله معلقاً بخالق أو بوصف بشر: {من طين *} اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب «لو لم تذنبوا فتستغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» قال القشيري: وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم عليه السلام لأنه خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة، ولم يقل في صفة شيء منها ما قاله في صفة آدم عليه السلام وأولاده، ولم يأمر بالسجود لشيء غيره.
ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل، سبب عنه قوله: {فإذا سويته} أي هيأنه بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب عليه {ونفخت فيه من روحي} فصار حساساً متنفساً، سبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر عن نفخ الإنسان من لهب النيران، وغير ذلك من التحريك والإسكان، والزيادة والنقصان، وأضافه سبحانه إليه تشريفاً له،
(16/419)

{فقعوا له} أي خاصة {ساجدين *} أي اسجدوا له للتكرمة امتثالاً لأمري سجوداً هو بغاية ما يكون من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار، ففعلوا ما أمرهم به سبحانه من غير توقف، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال: {فسجد} أي عند ما نفخ فيه الروح {الملائكة} على ما أمرهم الله، ولما كان إسناد الخبر إلى الجميع قد يراد به أكثرهم، أكد بقوله: {كلهم} إرادة لرفع المجاز.
ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلاً أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه، رفع ذلك بقوله: {أجمعون*} مع إفادة أن السجود كان في آن واحد إعلاماً بشدة انقيادهم، وحسن تأهبهم للطاعة واستعدادهم، ثم زاد في إيضاح العموم بالاستثناء الذي هو معياره فقال: {إلا إبليس} عبر عنه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة إلى أنه في أول خطاب الله له بالإنكار عليه على كيفية علم منها تأبد الغضب عليه وتحتم العقوبة له.
ولما عرف بالاستثناء أنه لم يسجد، وكان مبنى السورة على استكبار الكفرة بكونهم في عزة وشقاق، بين أن المانع له من السجود
(16/420)

الكبر تنفيراً عنه مقتصراً في شرح الاختصام عليه وعلى ما يتصل به فقال: {استكبر} أي طلب أن يكون أكبر من أن يؤمر بالسجود له وأوجد الكبر على أمر الله، وكان من المستكبرين العريقين في هذا الوصف كما استكبرتم أيها الكفرة على رسولنا، وسنرفع رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما رفعنا آدم صفينا عليه السلام على من استكبر عن السجود له، ونجعله خليفة هذا الوجود كما جعلنا آدم عليه السلام، وأشرنا إلى ذلك في هذه السورة بافتتاحها بخليفة واختتامها بخليفة أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذكر كل من أحوالهما.
ولما كان الفعل الماضي ربما أوهم أنه حدث فيه وصف لم يكن، وكان التقدير: فكفر بذلك، عطفاً عليه بياناً لأنه جبل على الكفر ولم يحدث منه إلا ظهور ذلك للخلق قوله: {وكان} أي جبلة وطبعاً {من الكافرين *} أي عريقاً في وصف الكفر الذي منشؤه الكبر على الحق المستلزم للذل للباطل، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الاستكبار أولاً، دليلاً على فعل الكفر ثانياً ووصف الكفر ثانياً دليلاً على وصف الاستكبار أولاً، وسر ذلك أن ما ذكره أقعد في التحذير بأن من وقع منه كبر جره إلى الكفر.
(16/421)

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80)
ولما كان من خالف أمر الملك جديراً بأن يحدث إليه أمر ينتقم به منه، فتشوف السامع لما كان من الملك إليه، استأنف البيان لذلك بقوله: {قال} وبين أنه بمحل البعد بقوله: {يا} وبين يأسه من
(16/421)

الرحمة، وأنه لا جواب له اصلاً بتعبيره بقوله: {إبليس ما} أي، أي شيء {منعك أن تسجد} وبين ما يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله معبراً بأداة ما لا يعقل عمن كان عند السجود له عاقلاً كامل العقل: {لما خلقت} فأنا العالم به وبما يستحقه دون غيري، وما أمرت بالسجود له إلا لحكمة في الأمر وابتلاء للغير، وأكد بيان ذلك بذكر اليد وتثنيتها فقال: {بيدي} أي من غير توسط سبب من بين هذا النوع وما ذاك إلا لمزيد اختصاص، والمراد باليد هنا صفة شريفة غير النعمة والقدرة معلومة له سبحانه ولمن تبحر في علمي اللغة والسنّة، خص بها خلق آدم عليه السلام تشريفاً له وفي تثنية اليد إشارة إلى أنه ربما أظهر فيه معاني الشمال وإن كان كل من يديه مباركاً، ثم قسم المانع إلى طلب العلو ووجود العلو مع الإنكار عليه في الاستناد إلى شيء منهما، فقال في صيغة استفهام التقرير مع الإنكار والتقريع، بياناً لأنه يلزمه لا محالة زيادة على ما كفر به أن يكون على أحد هذين الأمرين: {أستكبرت} أي طلبت أن تكون أعلى منه وأنت تعلم أنك دونه فأنت بذلك ظالم، فكنت من المستكبرين العريقين في وصف الظلم، فإن من اجترأ على أدناه أوشك أن يصل إلى أعلاه {أم كنت} أي مما لك من الجبلة الراسخة {من العالين *} أي الكبراء المستحقين للكبر وأنا لا أعلم ذلك فنقصتك من منزلتك فكنت جائراً في أمري
(16/422)

لك بما أمرتك به، فلذلك علوت بنفسك فلم تسجد له، هذا المراد لا ما يقوله بعض الملاحدة من أن العالين جماعة من الملائكة لم يسجدوا لأنهم لم يؤمروا لأن ذلك قدح في العموم المؤكد هذا التأكيد العظيم، وفي تفسير العلماء له من غير شبهة، والآية من الاحتباك؛ دل فعل الاستكبار أولاً على فعل العلو ثانياً، ووصف العلو ثانياً على وصف الاستكبار أولاً، وسر ذلك ان إنكار الفعل المطلق مستلزم لإنكار المقيد لأنه المطلق بزيادة، وإنكار الوصف مستلزم لإنكار الفعل لأنه جزوه مع أن إنكار الفعل من هذا مستلزم لإنكار الفعل من ذاك، فيكون كل من الفعلين مدلولاً على إنكاره مرتين: تارة بإنكار فعل عديله وأخرى بإنكار وصفه نفسه والوصفان كذلك وفعل الكبر أجدر بالإنكار من فعل العلو و «أم» معادلة لهمزة الاستفهام وإن حذفت من قراءة بعضهم لدلالة «أم» عليها وإن اختلف الفعل، قال أبو حيان: قال سيبويه: تقول: أضربت زيداً أم قتلته، فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت: أي ذلك كان - انتهى.
(16/423)

ولما صدعه سبحانه بهذا الإنكار، دل على إبلاسه بقوله مستأنفاً: {قال} مدعياً لأنه من العالين: {أنا خير منه} أي فلا حكمة في أمري بالسجود له، ثم بين ما ادعاه بقوله: {خلقتني من نار} أي وهي في غاية القوة والإشراق {وخلقته من طين *} أي وهو في غاية الكدورة والضعف، واستؤنف بيان ما حصل التشوف إليه من علم جوابه بقوله معرضاً عن القدح في جوابه لظهور سقوطه بأن المخلوق المربوب لا اعتراض له على ربه بوجه: {قال فاخرج} أي بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه إلى الجور {منها} أي من الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب: {فإنك رجيم *} أي مستحق للطرد والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد.
ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير، بين أنه دائم بقوله، مؤكداً إشارة إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر: {وإن عليك} أي خاصة. ولما كان السياق هنا للتكلم في غير مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر فقال: {لعنتي} أي إبعادي مع الطرد والخزي والهوان والذل مستعل ذلك عليك دائماً قاهراً لك لا تقدر على الانفكاك
(16/424)

عنه بوجه، وأما غيرك فلا يتعين للعن بل يكون بين الرجاء والخوف لا علم للخلائق بأنه مقطوع بلعنة ما دام حياً إلا من أخبر عنه نبي من الأنبياء بذلك، ثم غيى هذا اللعن بقوله: {إلى يوم الدين *} أي فإذا جاء ذلك اليوم أخذ في المجازاة لكل عامل بما عمل ولم يبق لمذنب وقت يتدارك فيه ما فاته، وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق للعن كلهم، ولم يبق علم ذلك خاصاً بإبليس، بل يقع العلم بجميع أهل اللعنة، فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا للعن.
ولما كان ذلك، تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في سياق معلم أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة، بل أدركه الخذلان بالتمادي في الطغيان، فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال والإعراق في الضلال ضد ما أنعم به على آدم عليه السلام، فقال ذاكراً صفة الإحسان والتسبيب لسؤال الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن اللعنة مغباة بيوم الدين: {قال رب} أي أيها المحسن إليّ بإيجادي وجعلي في عداد الملائكة الكرام {فأنظرني} أي بسبب ما عذبتني به من الطرد {إلى يوم يبعثون *} أي آدم وذريته الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق: {قال} مؤكداً لأن
(16/425)

مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور: {فإنك} أي بسبب هذا السؤال {من المنظرين *} وهذا يدل أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضاً.
(16/426)

إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)
ولما دبج في عبارته بما يقتضي السؤال في أن لا يموت، فإن يوم البعث ظرف لفيض الحياة لا لغيضها ولبسطها لا لقبضها، منعه ذلك بقوله: {إلى يوم الوقت} ولما كان تدبيجه في السؤال قد أفهم تجاهله بما هو أعلم الخلق به من تحتم الموت لكل من لم يكن في دار الخلد الذي أبلغ الله تعالى في الإعلام به، قال: {المعلوم *} وهو الصعقة الأولى وما يتبعها.
ولما كانت هذه الإجابة سبباً لأن يخضع وينيب شكراً عليها، وأن يطغى ويتمرد ويخيب لأنها تسليط، وتهيئة للشر، فاستشرف السامع إلى معرفة ما يكون من هذين المسببين، عرف أنه منعه الخذلان من اختيار الإحسان بقوله: {قال فبعزتك} أي التي أبت أن يكون لغيرك فعل لا بغير ذلك، ويجوز أن تكون الباء للقسم {لأغوينهم} أي ذرية آدم عليه السلام {أجمعين *} قال القشيري: ولو عرف عزته لما
(16/426)

أقسم بها على مخالفته.
ولما كان عالماً بأن القادر ما خلق آدم عليه السلام وشرفه بما شرفه به ليشقي ذريته كلهم قال: {إلا عبادك} فأضافهم إليه سبحانه تنبيهاً على أن غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان يمكن أن يكون المستثنى، من غير البشر قيد بقوله: {منهم المخلصين *} أي الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها، وعرف من الاستثناء أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل.
ولما حصل التشوف إلى جوابه، دل عليه بقوله: {قال فالحق} أي فبسبب إغوائك وغوايتهم أقول الحق {والحق} أي لا غيره أبداً {أقول *} أي لا أقول إلا الحق، فإن كل شيء قلته ثبت، فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه. ولما كانت إجابته بالإنظار ربما كانت سبباً لطمعه في الخلاص، قطع رجاءه بما أبرزه في أسلوب التأكيد من قوله جواباً لقسم مقدر وبياناً للحق، وفي قراءة عاصم وحمزة برفع {فالحق} يكون هو المقسم به أي فالحق قسمي، والجواب {لأملأن} وما بينهما اعتراض مبين أن هذا مما لا يخلف اصلاً {جهنم} أي النار العظيمة التي من شأنها تجهم من حكم بدخوله إياها {منك} أي نفسك وكل من كان على شاكلتك من جنسك من
(16/427)

جميع الجن {وممن} .
ولما كان الأغلب على سياقات هذه السورة سلامة العاقبة، كان توحيد الضمير في {تبع} أولى، وليفهم الحكم على كل فرد ثم الحكم على المجموع فقال: {تبعك} ولما كان ربما قال متعنت: إن المالىء لجهنم من غير البشر قال: {منهم} أي الناس الذين طلبت الإمهال لأجلهم، وأكد ضمير {منك} والموصول في {ممن} بقوله: {أجمعين *} لا تفاوت في ذلك بين أحد منكم، وهذا الخصام الذي بين سبحانه أنه كان بين الملأ الأعلى كان سبباً لهم إلى انكشاف علوم كثيرة منها أن السجود والتحيات والاستغفار والكفارات سبب الوصول إلى الله والقربات، فصاروا بعد ذلك يختصمون فيها، فكانت هذه القضية سبباً لاطلاع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أسرار الملك والملكوت، وإلى ذلك الإشارة بالحديث الذي رواه أحمد والترمذي - وقال: حسن غريب - والدارمي والبغوي في تفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«إني نعست فاستثقلت
(16/428)

نوماً فأتاني ربي» - وفي رواية؛ «آتٍ من ربي - في أحسن صورة، فقال لي يا محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، فقلت لا يا رب» - وفي رواية: «قلت: أنت أعلم أي رب مرتين - قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي - أو قال: نحري - فعلمت ما في السماوات وما في الأرض» - وفي رواية: «ما بين المشرق والمغرب» - وفي رواية الدارمي والبغوي: «ثم تلا هذه الآية {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} قال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: نعم، في الدرجات والكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره» - وفي رواية: «في السبرات - وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال: من فعل ذك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، قال: إذا صليت فقل» اللهم إني أسالك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك
(16/429)

غير مفتون «قال:» والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام «، قال المنذري: الملأ الأعلى: الملائكة المقربون، والسبرات - بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة: جمع سبرة، وهي شدة البرد، وعزاه شيخنا في تخريج أحاديث الفردوس إلى أحمد والترمذي عن معاذ رضي الله عنه أيضاً وقال: وفي الباب عن ثوبان رضي الله عنه عند أحمد بن منيع وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وأبي رافع وأبي أمامة وأبي عبيدة وأسامة وجابر بن سمرة وجبير بن مطعم وأسامة بن عمير وأنس رضي الله عنهم عند أحمد، فهذا اختصام سبب العلم بتفاصيله الاختصام الأول وهو ما في شأن آدم عليه السلام وذريته، والعلم الموهوب لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسبب السؤال عن هذا الاختصام كالعلم الموهوب لأبيه آدم عليه عليه السلام بسبب ذلك الاختصام، وهذا الاختصام - والله أعلم - هو اختلافهم في مقادير جزاء العاملين من الثواب المشار إليه بالدرجات الحامل عليها العقل الداعي إلى أحسن تقويم، والعقاب المشار إليه بالكفارات الداعي إلى أسبابها الوساوس الشيطانية الرادة إلى أسفل سافلين التي سأل إبليس الإنظار لأجلها، وسبب اختلافهم في
(16/430)

مقادير الجزاء اختلاف مقادير الأعمال الباطنة من صحة النيات وقوة العزائم وشدة المجاهدات ولينها على حسب دواعي الحظوظ والشهوات التي كان سبب علمهم بهذا الاختصام في أمر آدم عليه السلام وما نشأ عنه تفصيله بأمور دقيقة المأخذ المظهرة لأن الفضل ليس بالأمور الظاهرة وإنما هو بما يهبه الله من الأمور الباطنة وسمي تقاولهم في ذلك اختصاماً دلالة على عظمة ما تقاولوا فيه، لأن الخصومة لا تكون إلا بسبب أمر نفيس، فالمعنى أن الملائكة كل واحد منهم مشغول بما أقيم فيه من الخدمة، فليس بينهم تقاول يكون بغاية الجد والرغبة كما هو شأن الخصام إلا في هذا لشدة عجبهم منه لما يعملون من صعوبة هذه الأمور على الآدمي لما عنده من الشواغل والصوارف عنها بما وهبهم الله من العلم جزاء لانقيادهم للطاعة بالسجود بعد ذلك الخصام فنزوع الآدمي عن صوارفه وحظوظه إلى ما للملائكة من الصفوف في الطاعة والإعراض أصلاً عن المعصية غاية في العجب، وعلمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما في السماوات وما في الأرض علم عام لما كان في حين الرؤيا ظهر له به ملكوتهما، ونسبة ذلك كله إلى علم الله تعالى كالنسبة التي ذكرها الخضر لموسى عليهما السلام في نفرة العصفور من البحر، والذي ذكره العلماء في ذلك أنه تقريب للإفهام فإنه لا نسبة في الحقيقة لعلم أحد من علمه تعالى ولا بنقص علمه أصلاً سبحانه عما يلم بنقص أو يدني إلى وهن
{قل
(16/431)

لو كان البحر مداداً} [الكهف: 109] {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} [لقمان: 27] {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} [المائدة: 109] ويقال للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ناس اختلجوا دونه عن حوضه «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فيقول: فسحقاً سحقاً» .
ولما تم ما أراد من الدليل على أن ما ذكره لهم نبأ عظيم هم عنه معرضون بما أخبر به من الغيب مع ما له من الإعجاز، فثبت بذلك ما اقتضى أنه صادق في نسبته إلى الله تعالى، وختم بالتحذير من اتباع إبليس، أمره بالبراءة من طريقه وأن ينفي عن نفسه ما قد يحمل على التقول بقوله: {قل} أي لأمتك: {ما أسئلكم} سؤالاً مستعلياً، وعلق به لا «بأجر» قوله: {عليه} أي على التبليغ والإنذار مما أنتم متعرضون له من الهلاك بالإعراض، فأداة الاستعلاء للاحتراز عن سؤال المودة في القربى وحسن الاتباع فإنهما مسؤولان وهما روح الدين، ولكن سؤالهما ليس مستعلياً على الإبلاغ بحيث إنهما لو انتفيا انتفى، وأعرق في النفي بقوله: {من أجر} أي فيكون لكم في الرد شبهة {وما أنا من المتكلفين *} أي المتحلين بما ليسوا من أهله من قول
(16/432)

ولا فعل، الذين يكلفون أنفسهم تزوير الكلام والتصنع فيه وترتيبه على طريق من الطرق بنظم أو نثر سجع أو خطب أو غير ذلك، أو وضع أنفسهم في غير مواضعها، كما فعل إبليس، لست منهم بسبيل ولا أعد في عدادهم بوجه، لا أفعل أفعالهم ولا أحبهم ولا أتعصب لهم، فهو أبلغ من «وما أنا متكلفاً» قد عرفتموني طول عمري كذلك، ومن المعلوم أن ذلك لو كان في غريزتي لما كففت عنه طول زماني النمو من الصبي والشباب اللذين توجد فيهما الغرائز ولا توجد بعدهما، فإذا ثبت أن ذلك لم يكن لي إذ ذاك ثبت أنه متعذر بعده، لما تقرر من أنه لا توجد غريزة بعد الوقوف عن النمو في سن الثلاث والأربعين، فإذا علم أني لست كذلك علم أني مأمور بما أنا فيه من القول والفعل، فأنا من المكلفين لا المتكلفين، فكل من قال أو فعل ما لم يؤمر به فهو متكلف، وروى الثعلبي بسنده من حديث سلمة بن نفيل رضي الله عنه مرفوعاً والبيهقي في الشعب من قول علي بن أرطاة وأبو نعيم في الحلية من قول وهب: علامة المتكلف ثلاث: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم.
ولما أثبت المقتضيات لأنه من عند الله وأزال الموانع، بين حقيقته التي لا يتعداها إلى ما نسبوه إليه بقوله: {إن} أي ما {هو إلا ذكر}
(16/433)

أي عظة وشرف {للعالمين *} أي كلهم يفهم كل فرد ما تحتمله قواه ذكياً كان أو غبياً على ما هو عليه من العلو الذي لا يدانيه فيه كلام بخلاف الشعر والكهانة التي محطها السجع والكذب في الإختبار ببعض المغيبات، فإنهما مع سفول رتبتهما لا يفهمهما من العالمين إلا ذاك وذاك.
ولما كان التقدير: أنا عالم بذلك، عطف عليه قوله جواباً لقسم: {ولتعلمن} أي أنتم أيضاً {نبأه} أي صدقي في جميع ما أنبأتكم به فيه وعنه من الأخبار العظيمة وفيما أشار إليه افتتاح هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة بخليفة وختامهم بخليفة من أن عزتكم تصير إلى ذل وشقاقكم يصير إلى مسالمة وألفة، وكثرتكم تصير إلى قل، وأن ما أنا فيه الآن يفضي بي إلى خلافة الله في أرضه، وأن أوسط أمري يصير إلى مثل خلافة الأول في جميع جزيرة العرب التي هي أرض المسجد الأعظم الذي هو قبل المسجد الأقصى الذي هو محل خلافته، ثم يزاد أمر خلافتي في سائر البلاد ولا يزال حتى يعم الأرض بطولها والعرض على يد ابنه عيسى عليه السلام خاتمة أكابر أتباعي
(16/434)

وأنصاري وأشياعي، وترك الجار إعلاماً باستغراق العلم لزمان البعد فقال: {بعد حين *} أي مبهم عندكم معلوم لي في الدنيا إذا ظهر عبادي عليكم وفي الآخرة مطلقاً، وإنما أخروا إلى هذا الحين ليبلغ في الإعذار إليهم فتنقطع حججهم وتتناهى ذنوبهم التي يستحقون الأخذ بها، ولقد والله علموا ذلك ثم ندموا من مات منهم ومن عاش قبل مضي عشرين سنة من إعلاء كلمته وإظهار رسالته وإتمام دينه، واستمر العلم لهم ولمن بعدهم بما بث فيه من العلوم، وجمع فيه من شريف الرسوم، وأظهر مما تقدم الوعد به فيه إلى هذا الزمان، وإلى أن يفنى كل فان، ثم يبعثوا إلى الجنان أو النيران، فقد أثبتت هذه الآية من كون القرآن ذكراً ما أثبتته أول آية فيها على أتم وجه مع زيادة الوعيد، فانعطف الآخر على الأول، واتصل به أحسن اتصال وأجمل، ونظر إلى أول الزمر أعظم نظر وأكمل، فلله در هذا الانتظام، فهو لعمري أضوأ من شمس الضحى وأتم من بدر التمام، فسبحان من أنزله وأجمله وفصله، وفضله وشرفه وكرمه - والله أعلم.
(16/435)

سورة الزمر
مقصودها الدلالة على أنه سبحانه وتعالى صادق الوعد،، أنه غالب لكل شيء، فلا يعجل لأنه لا يفوته شيء، ويضع الأشياء في أوفق محالها يعرف ذلك أولو الألباب المميزون بين القشر واللباب، وعلى ذلك دلت تسميتها الزمر لأنها إشارة إلى أنه أنزل كلا من المحشورين داره المعدة له بعد الإعذار في الإنذار، والحكم بينهم بما استحقته أعمالهم، عدلا منه سبحانه في أهل النار، وفضلا على المتقين الأبرار، وكذا تسميتها) تنزيل (لمن تأمل آيتها، وحقق عبارتها وإشارتها، وكذا) الغرف (، لأنها إشارة إلى حكمه سبحانه في الفريقين أهل الظلل النارية والغرف النورية، تسمية للشيء بأشرف جزئيه، فالقول فيها كالقول في الزمر سواء، ويزيد أهل الغرف ختام آيتهم) وعد الله لا يخاف الله الميعاد () بسم الله (الذي تمت كلمته فع أمره) الرحمن (الذي وضع، رحمته العامة أحكم وضع فدق لذي الأفهام سره) الرحيم (الذي خص أولياءه بالتوفيق لطاعته فعمهم بره.
(16/436)

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)
لما تبين من التهديد في ص أنه سبحانه قادر على ما يريد، ثم ختمها بأن القرآن ذكر للعالمين، وأن كل ما فيه لا بد أن يرى لأنه واقع لا محالة لكن من غير عجلة، فكانوا ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان قادراً لا يعجل ما يريده بعد حين، علل ذلك بأنه {تنزيل} أي بحسب التدريج لموافقة المصالح في أوقاتها وتقريبه للأفهام على ما له من العلو حتى صار ذكراً للعالمين، ووضع موضع الضمير قوله: {الكتاب} للدلالة على جمعه لكل صلاح، أي لا بد أن يرى جميع ما فيه لأن الشأن العظيم إنزاله على سبيل التنجيم للتقريب في فهمه وإيقاع كل شيء منه في أحسن أوقاته من غير عجلة ولا توان، ثم أخبر عن هذا التنزيل بقوله: {من الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال {العزيز} فلا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في محالها التي هي أوفق لها، فلكونه منه لا من غيره كان ذكراً للعالمين، صادقاً في كل ما يخبر به، حكيماً في جميع أموره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء، ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي هو نقيض
(16/437)

حال من تقدم، وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب، فقال تعالى {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين} {ألا لله الدين الخالص} وجاء قوله تعالى {والذين اتخذوا من دونه أولياء} - الآية في معرض أن لو قيل: عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص، فسترى حاله، وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم فقال {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى} - الآية، فنزه نفسه عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه {هو الله الواحد القهار} ثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة، وهي نفس آدم عليه السلام، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شيء وأدل شاهد، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل، ثم بين تعالى أنه غني من الكل بقوله {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} ثم قال
(16/438)

{ولا يرضة لعباده الكفر} فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر، وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم أنس من آمن ولم يتبع سبيل الشيطان وقبيلته من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى}
{إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الأسراء: 7] {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} ثم تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة - انتهى.
ولما أخبر أنه من عنده، علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير، فقال صارفاً القول عن الغيبة منبهاً على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانياً، مبرزاً له في أسلوب العظمة مختبراً أنه خص به أعظم خلقه، معبراً بالإنزال الظاهر في الكل تجوزاً عن الحكم الجازم الذي لا مرد له: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {أنزلنا} أي بما لنا من العظمة، وقرن هذه العظمة بحرف الغاية المقتضي للواسطة إشارة إلى أن هذا كان في البداية بدلالة اتباعه بالأمر بالعبادة، بخلاف ما يأتي في هذه السورة فإنه للنهاية بصيرورته خلقاً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان بحرف الاستعلاء أنسب دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب اللمم خاص به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن قرب منه
(16/439)

ويسره وسهولته لأمته فقال: {إليك} أي خاصة بواسطة الملك، لا يقدر أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك، فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس، وأظهر موضع الإضمار تفخيماً بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول والفروع واللطائف والمعارف {الكتاب} أي الجامع لكل خير مع البيان القاطع والحكم الجازم بالماضي والآتي، والكائن، متلبساً {بالحق} وهو مطابقة الواقع لجميع أخباره، فالواقع تابع لأخباره، لا يرى له خبر إلا طابقه مطابقة لاخفاء بشيء منها، لا حلية له ولا لباس إلا الحق، فلا دليل على كونه من عنده من ذلك، فليتبعوا خبره، ولينظروا عينه وأثره.
ولما ثبت بهذا أنه خصه سبحانه بشيء عجز عنه كل أحد، ثبت أنه سبحانه الإله وحده، فتسبب عن ذلك قوله لفتاً للقول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه بلحظ جميع صفات الكمال لأجل العبادة تعظيماً لقدرها لأنها المقصود بالذات: {فاعبد الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك {مخلصاً} والإخلاص هو القصد إلى الله بالنية بلا علة {له} أي وحده {الدين *} بمعانقة الأمر على غاية الخضوع لأنه خصك بهذا الأمر العظيم فهو أهل منك لذلك وخسأ عنك الأعداء، فلا أحد منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن شيئاً من أمرك فأخلص لتكون رأس المخلصين الذين تقدم آخر سورة ص أنه لا سبيل للشيطان
(16/440)

عليهم وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم، ووقع الحث على الاقتداء بهم بما ذكر من أمداحهم لأجل صبرهم في إخلاصهم، قال الرازي: قال الجنيد: الإخلاص أصل كل عمل وهو مربوط بأول الأعمال، وهو تصفية النية ومنوط بأواخر الأعمال بأن لا يلتفت إليها ولا يتحدث بها ويضمر في جميع الأحوال، وهو إفراد الله بالعمل، وفي الخبر «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» .
ولما أمره سبحانه بهذا الأمر، نادى باستحقاقه لذلك وأنه لم يطلب غير حقه، وأن ذلك لا يتصور أن يكون لغيره، فقال في جواب من كأنه قال: لم منعه من الالتفات إلى غيره؟ منادياً إشارة إلى أنه لا مكافئ له فلا يسع أحداً يبلغه هذا النداء إلا الخضوع طائعاً أو كارهاً: {ألا لله} أي الملك الأعلى وحده {الدين الخالص} لأنه له الأمر والخلق لا يشركه فيه أحد، فكما تفرد بأن خلقك وخلق كل ما لك من شيء فكذلك ينبغي أن تفرده بالطاعة، ولأنه إذا عبده أحد مخلصاً كفاه كل شيء، وأما غيره فلو أخلص له أحد لم يمكن أن يكفيه شيئاً من الأشياء فضلاً عن كل شيء والدين الذي هو أهل للإخلاص هو الإسلام الذي كان في كل ملة المنبني على القواعد
(16/441)

الخمس المثبتة بالإخلاص المحض الناشئ من المراقبة في الأوامر والنواهي وجميع ما يرضي الشارع للدين أو يسخطه، فتكون جملته لله من غير شهوة ظاهرة أو باطنة في شهرة ولا غيرها، وإنما استحقه سبحانه دون غيره لأنه هو الذي شرعه ولا أمر لأحد معه فكيف يشركه من لا أمر له بوجه من الوجوه، وأما ما كان فيه أدنى شرك فهو رد على عامله والله غني حميد، وهذه كما ترى مناداة لعمري تخضع لها الأعناق فتنكس الرؤوس ولا يوجد لها جواب إلا بنعم وعزته وأي وكبريائه وعظمته، قال القشيري: وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد اللهم إلا أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته فأطاعه لا يخرج عن الاحتساب باحتسابه أمره فيه، ولولا هذا لما صح أن يكون في العالم مخلص، قال ابن برجان: وذلك - أي ترك الإخلاص - كله مولد عن حب البقاء في الدنيا ونسيان لقاء الله تعالى، ثم قال ما معناه: إن ذلك من الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك في الإلهية وهو أن يرى مع الله إلهاً آخر، وهو شرك المجوس والمجسمة: والوثنية، ويضاهيه غلط القدرية، الثاني شرك في العبادة بالرياء وإضافة العمل إلى النفس، والثالث الشرك الخفي وهو الشهوة الخفية، وهو أن يخفي العمل ويخاف من إظهار ويحب لو اطلع عليه ومدح بأسراره، ومن أحسن العون على الإخلاص الحياء من الله
(16/442)

أن تتزين لغيره بعمل ألهمك إياه وقواك عليه وخلت فيه وزعمت تطلب التقرب إليه فأتاك عدوه إبليس الذي عاداه فيك فتطيعه فيما يضرك ولا ينفعك، فاستعن على عبادتك بالستر فاستر حسناتك كما تستر سيئاتك، فإن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفاً، وذلك كالشجرة إذا ظهرت عروقها ضعف شربها، وأضر بها حرارة الهواء وبرده، وتعرضت للآفات من قطع ويبس وغير ذلك ولم تحسن فروعها وخف ورقها فقل نفعها، وإذا غاصت عروقها غابت عن الآفات وأمنت القطع من أيدي الناس، فكثر شربها فجرى ماؤها فيها، فتزايدت لذلك فروعها واخضر ورقها وكثر خيرها وطاب ثمرها لجانيها، فكذلك العمل إذا كانت له أصول في القلب مستورة زكا في نفسه وطهر من الأدناس وكثر خيره وطاب ثوابه لعامله، وإذا بدا لم يؤمن عليه من أبصار الناظرين، وإذا خفي لم يبق ما يخاف منه إلا العجب ومحبة أن يطلع عليه، وهي الشهوة الخفية، ومن قولهم «من عرف الله بعد الضلالة وعرف الإخلاص بعد الرياء وأنزل الموت حق منزلته لم يغفل عن الموت والاستعداد له بما أمكنه» انتهى.
ولما أخبر سبحانه عما له وحده، وكان محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان على الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسدة ليتركها، وأرشد
(16/443)

السياق إلى أن التقدير: فمن أخلص له الدين هداه في جميع أموره، وإن اشتد الإشكال، وتراكمت وجوه الضلال، عطف عليه الإخبار عمن لزم الضلال، والغي والمحال، فقال محذراً من مثل حاله، بما حكم عليه في مآله: {والذين} ولما كان الإنسان مفطوراً على الخضوع للملك الديان، ولا يلتفت إلى غيره إلا بمعالجة النفس بما لها من الهوى والطغيان، عبر بصيغة الافتعال فقال: {اتخذوا} أي عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن الله فأخذوا، ونبههم على خطئهم في رضاهم بالأدنى على الأعلى بقوله: {من دونه} ومعلوم أن كل شيء دونه {أولياء} أي يكلون إليهم أمورهم، ويدخل فيهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله مع اعترافهم بأن الله تفرد بخلقهم ورزقهم.
ولما كان من العجب العجيب فعلهم، هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية بينة في أنه لا هدى لهم فقال: {ما} أي قائلين لمن أخلصوا له الدين إذا أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه ولياً: ما {نعبدهم} لشيء من الأشياء {إلا ليقربونا} ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب بالتعبير بالاسم الأعظم مع حرف الغاية فقال: {إلى الله} الذي له معاقد العز ومجامع العظمة، تقريباً عظيماً على وجه التدريج ويزلفونا إليه {زلفى} أي تقريباً حسناً سهلاً بهجاً زائداً نامياً متعالياً، قال القشيري: ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا بإذنه، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فرد الله عليهم، وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد
(16/444)

من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت، فكل ذلك اتباع هوى - انتهى - والآية من الاحتباك: ذكر فعل التقريب أولاً دليلاً على فعل الزلف ثانياً، واسم الزلف ثانياً دليلاً على الاسم من التقريب أولاً، وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم، فأتى سبحانه في حكايته عنهم بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة على المعنى بلفظين أجدر في ثباته وتكثيره من لفظ واحد وبدأ بأرشق الفعلين وأشهرهما وأخفهما وأوضحهما، وقد خسر لعمري غاية الخسارة قوم تمذهبوا بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية التي ذم الله المعتذر بها، وعلى ذلك فقد راج اعتذارهم بها على كثير من العقول، وهم أهل الاتحاد الذين لا أسخف من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم.
ولما كان إنما محط دينهم الهوى، وكان كل من تبع الهوى لا ينفك عن الاضطراب في نفسه، فكيف إذا كان معه غيره فكيف إذا كانوا كثيراً فيكثر الخلاف والنزاع وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة، ولذلك كلن لكل قبيلة ممن يعبد الأصنام صنم غير صنم الأخرى وكان بعض القبائل يعبد الشعرى، وبعضهم يعبد الملائكة وبعضهم غير ذلك
(16/445)

{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] نبه على ذلك مهدداً لهم بقوله مخبراً مؤكداًَ لأجل إنكارهم: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما لم يقيد الحكم بالقيامة وكانوا معترفين بأن المصائب في الدنيا منه قال: {يحكم بينهم} من غير تأكيد آخر أي بين جميع المخالفين في الأديان وغيرها من المتخذين للأولياء من دونه ومن المخلصين وغيرهم فلا بد أن ينصر أهل الحق على جميع أهل الباطل.
ولما كانوا أوزاعاً أكثر قبائلهم على خلاف ما يعتقده غيرها، قال: {في ما} أي في الدين الذي والأمر الذي. ولما كان تحكيمهم للهوى موفراً لدواعيهم على الاختلاف، وكان الاتخاذ الذي يبنى الكلام عليه له نظر عظيم إلى علاج الباطن بخلاف سورة يونس اثبت الضمير هنا فقال: {هم} أي بضمائرهم {فيه يختلفون *} أي ليس لهم أصل يضبطهم، فهو لا يرجعون إلا إلى الخلف كيف ما تقلبوا لأنهم مظروفون لذلك العمل الذي مبناه الهوى هو منشأ الاختلاف، فكيف إذا انضم إلى ذلك خلاف المخلصين وإنكارهم عليهم الذي أرشد إليه اعتذارهم، فظهر من هذا أن اختلاف الأئمة في فهم كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقواعد استنبطوها من ذلك لا يخرجون
(16/446)

عنها ليس خلافاً بل وفاق لوحدة ما يرجعون إليه من الأصل الصحيح الثابت عن الله، ومن هذا إنكار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عمر وأبي وغيرهما رضي الله عنهم لما أنكر كل منهم على من خالفه في القراءة وقال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تختلفوا» ، فلا فرق بين أن يستند كل من الأمرين إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقلاً أو اجتهاداً لأنه في قوة الاتفاق لوحدة مرجعه - والله الموفق، ويجوز أن يكون الضمير في «بينهم» لهم ولمعبوداتهم فإنهم ليس منهم معبود صامت ولا ناطق إلا وهو صارخ بلسان حاله إن لم ينطق لسان قاله بأنه مقهور مربوب عابد لا معبود، فهم مع من يعبدهم في غاية الخلاف.
(16/447)

ولما كان من الأمر الواضح أن الدين لا يكون صالحاً إلا أن انتظم بنظام غير مختل، وكان الدين إذا كان معوجاً داعياً إلى التفرق منادياً على نفسه بالانخلاع عنه والبعد منه فكان الحال مقتضياً للتعجب ممن تدين به، فضلاً عمن يدوم عليه، فضلاً عمن لا ينتبه عند التنبيه، فضلاً عمن يقاتل دون ذلك، أجاب من كأنه قال: سبب عكوفهم على هذا الضلال الذي أوجب لهم قطعاً الاختلاف بالفعل أو بالقوة، فقال مؤكداً تكذيباً لمن ينكر ما تضمنه هذا الإخبار وإن
(16/448)

ظهر لبعض العمى غير ذلك مما يبدو من الكذبة والكفرة من أعمال مزينة وأفكار دقيقة فتظن هدى وإنما هي استدراج. ولما أرشد السياق إلى أن المعنى: لأنهم غير مهتدين لأن الله لم يخلق الهداية في قلوبهم، نسق به قوله: {إن الله} أي الملك القادر القاهر الحكيم. ولما كان الأصل: لا يهديهم وأراد سبحانه التعميم وتعليق الحكم بالوصف تنفيراً عنه قال: {لا يهدي} أي لا يخلق الهداية في قلب {من هو} أي لضميره {كاذب} أي مرتكب الكذب عريق فيه حتى أداه كذبه إلى أن يقول على ملك الملوك أن شيئاً يقرب إليه بغير إذنه، ويخضع بالعبادة التي هي نهاية التعظيم، فهي لا تليق بغير من ينعم غاية الإنعام لمن لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولم يعبر في الكذب بصيغة مبالغة لأن الذين السياق لهم لم يقع منهم كذب إلا في ادعائهم أنهم يقربونهم.
ولما كان من كفر في حين من الدهر قد ضاعف كفره لكثرة ما على الوحدانية من الدلائل وما لله عليه من الإحسان، وكان هؤلاء الذين لهم السياق قد كفروا بتأهيلهم لشركائهم للعبادة ولعبادتهم بالفعل ولادعائهم فيهم التقريب قال {كفار} بصيغة المبالغة، والأحسن أن يقال: إن المبالغة لإفهام أن الذي لا يهديه إنما هو من ختم عليه سبحانه الموت على ذلك، قال القشيري: والإشارة إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه ويدعي شيئاً ليس بصادق فيه فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده، وعقوبته أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدى له بدعواه قبل تحققه بوجوده وذوقه.
(16/449)

لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)
ولما أخبر سبحانه بالحكم بينهم، فكان ذلك مع تضمنه التهديد وافياً بنفي الشريك، كافياً في ذلك لأن المحكوم فيه لا يجوز أن يكون قسيماً للحاكم، فلم يبق في شيء من ذلك شبهة إلا عند ادعاء الولدية، قال نافياً لها على سبيل الاستئناف جواباً لمن يقول: فما حال من يتولى الولد؟ - قال القشيري: والمحال يذكر على جهة الإبعاد أن لو كان كيف حكمه -: {لو أراد الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال {أن يتخذ} أي يتكلف كما هو دأبكم، ولا يسوغ في عقل أن الإله يكون متكلفاً {ولداً} أي كما زعم من زعم ذلك، ولما كان الولد لا يراد إلا أن يكون خياراً، وكان الله قادراً على كل شيء، عدل عن أن يقول {لاتخذ} إلى قوله: {لاصطفى} أي اختار على سبيل التبني {مما يخلق} أي يبدعه في أسرع من الطرف، وعبر بالأداة التي أكثر استعمالها فيما لا يعقل إشارة إلى أنه قادر على جعل أقل الأشياء
(16/449)

أجلّها على سبيل التكرار والاستمرار - كما أشار إليه التعبير بالمضارع فقال: {ما يشاء} أي مما يقوم مقام الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير في إتيان الولد إلا من لا يقدر على الإبداع بغير ذلك.
ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد وهم الأبناء، لكنه لم يرد ذلك فلم يكن، فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز خلقاً شريفاً ويسميه ولداً إشارة إلى شدة إكرامه له وتشريفه إياه، أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة وعيسى عليهم السلام، فكان ذلك سبباً لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم زعمتم أنهم بنات، فكنتم كاذبين من جهتين، هذا غاية الإمكان، وأما أنه يجوز عليه التوليد فلا، بل هو مما يحيله العقل، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج، والإله لا يتصور في عقل أن يكون محتاجاً أصلاً، قال ابن برجان ما معناه: كان معهود الولادة على وجهين، فولد منسوب إلى والده بنوة وولادة ورحماً، فهذا ليس له في الوجود العلي وجود، ولا في الإمكان تمكن، ولا في الفعل مساغ بوجه من الوجوه، وولد بمعنى التبني والاتخاذ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم يفعلونه حتى نسخة القرآن، فلا يبعد أن تكون هذه العبارة كانت جائزة في الكتب قبلنا، فلما أعضل
(16/450)

بهم الداء وألحدوا في ذلك عن سواء القصد الذي هو الاصطفاء إلى بنوة الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم وسد السبيل عن العبادة عن ذلك، وكشف معنى الاصطفاء، وأظهر معنى الولاية، ونسخ ذلك بهذا، لأن هذا لا يداخله لبس، وذلك كله لبيان كمال هذه الأمة وعلوها في كل أمر.
ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع، وانتفى الأمران بما تقدم من الدليل بالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ في كل شيء لشهادة الوجود، ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلاً فضلاً عن الولد، نزه نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام، فقال: {سبحانه} أي له التنزيه التام عن كل نقيصة، ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي لتفرده فقال: {هو} أي الفاعل لهذا الفعال، والقائل لهذه الأقوال، ظاهراً وباطناً {الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال، ثم ذكر من الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال: {الواحد} أي الذي لا ينقسم أصلاً، ولا يكون له مثل فلا يكون له صاحبة ولا ولد، لأنه لو كان شيء من ذلك لما كان لا مجانساً ولا جنس له ولا شبه بوجه من الوجوه {القهار *} أي الذي له هذه الصفة، فكل شيء تحت قهره آلهتهم وغيرها على سبيل التكرار والاستمرار،
(16/451)

فصح من غير شك أنه لا يحتاج إلى شيء أصلاً، وجُعل ما لا حاجة إليه ولا داعي يبعث عليه عبث ينزه عنه العاقل فكيف من له الكمال كله.
ولما أثبت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد، وأثبتت له الكمال المطلق، دل عليها بقوله: {خلق السماوات والأرض} أي أبدعهما من العدم {بالحق} أي خلقاً متلبساً بالأمر الثابت الذي ليس بخيال ولا سحر، على وجه لا نقص فيه بوجه، ولا تفاوت ولا خلل يقول أحد فيه أنه مناف للحكمة ولما كان من أدل الأشياء على صفتي الوحدانية والقهر، وتمام القدرة وكمال الأمر، بعد إيجاد الخافقين اختلاف الملوين، وكان التكوير - وهو إدارة الشيء على الشيء بسرعة وإحاطته به بحيث يعلو عليه ويغلبه ويغطيه - أدل على صفة القهر من الإيلاج، قال مبيناً لوقت إيجاد الملوين: {يكور} أي خلقهما أي صورهما في حال كونه يلف ويلوي ويدير فيغطي مع السرعة والعلو والغلة تكويراً كثيراً متجدداً مستمراً إلى أجله {الّيل على النهار} بأن يستره به فلا يدع له أثراً، ولعظمة هذا الصنع أعاد العامل فقال: {ويكور النهار} عالياً تكويره وتغطيته {على الّيل} فيذهبه كذلك
(16/452)

ويدخل في هذا الزيادة في كل منهما بما ينقص من الآخر لأنه إذا ذهب أحدهما وأتى الآخر مكانه، فكأن الآتي لف على الذاهب وألبسه كما يلف اللباس على اللابس، أو أنه شبه الذاهب في خفائه بالآتي بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامع الأبصار، أو أن كلاًّ منهما لما كان يكر على الآخر كروراً متتابعاً شبه ذلك بتتابع أكوار بعضها على بعض، فتغيب ما تحتها.
ولما كانت الظلمة سابقة على الضياء، وكان الليل إنما هو ظلمة يسبقها ضياء بطلوع الشمس، رتب سبحانه هذا الترتيب على حسب الإيجاد، ولذلك قدم آية النهار فقال معبراً بالماضي بخلقه الآيتين مسخرتين على منهاج معلوم لكل منها لا يتعداه، وحد محدود لا يتخطاه {وسخر} أي ذلل وأكره وقهر وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر {الشمس} أي التي محت ما كان من الظلام فأوجبت اسم النهار {والقمر} أي آية الليل.
ولما أخبر بقهرهما، بين ما صرفهما فيه، فقال بياناً لهذا
(16/453)

التسخير: {كل} أي منهما {يجري} أي بقضائنا الذي لا مرد له، وهذا آية لاختلاف أحوال العبد لأن خلقه جامع، فيختلف في القبض والبسط والجمع والفرق والأخذ والرد والصحو والسكر، وفي نجوم العقل، وأقمار العلم، وشموس المعرفة، ونهار التوحيد، وليل الشك والجحد، ونهار الوصل وليالي الهجر والفراق، وكيفية اختلافها وزيادتها ونقصانها - قاله القشيري.
ولما كان مقصود السورة العزة التي محطها الغلبة، وكان السياق للقهر، وكان القضاء لعلة لا يتخلف عنها المعلول أدل على القهر من ذكر الغاية مجردة عن العلة قال: {لأجل مسمى} أي لمنتهى الدور ومنقطع الحركة. ولما ثبت بهذا قهره، قال منادياً رشقاً في قلوب المنكرين: {ألا هو} أي وحده {العزيز} ولما كان ربما قال متعنت: فما له لا يأخذ من يخالفه؟ وكانت صفة القهر والعزة ربما أقنطت العصاة فأخرتهم عن الإقبال، قال مبيناً لسبب التأخير ومستعطفاً: {الغفار *} أي الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة فيمحو ذنوب من يشاء عيناً، وأثراً بمغفرته ويأخذ من يشاء بعزته.
ولما كان خلق الحيوان أدل على الوحدانية والقهر بما خالف به الجمادات من الحياة التي لا يقدر على الانفكاك عنها قبل أجله،
(16/454)

وبما له من أمور اضطرارية لا محيص له عنها، وأمور اختيارية موكولة في الظاهر إلى مشيئته، وكان أعجبه خلقاً الإنسان بما له من قوة النطق، قال دالاً على ما دل عليه بخلق الخافقين لافتاً القول إلى خطاب النوع كله إيذاناً بتأهلهم للخطاب، وترقيهم في عُلا الأسباب، من غير عطف إيذاناً بأن كلاًّ من خلقهم وخلق ما قبلهم مستقل بالدلالة على ما سيق له: {خلقكم} أي أيها الناس المدعون لإلهية غيره {من نفس واحدة} هي آدم عليه السلام.
ولما كان إيجادنا منها بعد شق الأنثى منها، قال عاطفاً على ما تقديره: أوجدها من تراب، مبيناً بلفظ الجعل أن الذكر هو سببها ومادتها منبهاً بأداة التراخي على القهر الذي السياق له بالتراخي في الزمان بتأخير المسبب عن سببه المقتضي له إلى حين مشيئته لأن إيجادها منه كان بعد مدة من إيجاده، والأصل في الأسباب ترتب المسببات عليها من غير مهلة وعلى التراخي في الرتبة أيضاً بأن ذلك - لكونه شديد المباينة لأصله - من أعجب العجب: {ثم} أي بعد حين، وعبر بالجعل لأنه كافٍ في نفي الشركة التي هذا أسلوبها وليبين أنه ما خلق آدم عليه السلام إلا ليكون سبباً لما يحدث عنه من الذرية ليترتب على ذلك إظهار ما له
(16/455)

سبحانه من صفات الكمال فقال: {جعل منها} أي تلك النفس {زوجها} أي ونقلكم بعد خلقكم منه إليها ثم أبرزكم إلى الوجود الخارجي منها، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المعنى لأن السياق لإحاطة العلم المدلول عليه بإنزال الكتاب وما تبعه: قدر خلقكم على ما أنتم عليه من العدد والألوان وجميع الهيئات حين خلق آدم بأن هيأه لأن تفيضوا منه، فلا تزيدون على ما قدره شيئاً ولا تنقصون وأن تفيض منه زوجه، وذلك قبل خلق حواء منه، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضاً منه فالكل منه، ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في يساره: إلى النار ولا أبالي» .
ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ القهر، وكان سبحانه موصوفاً بالعلو، وكان أكثر الأنعام أشد من الإنسان، فكان تسخيره له وتذليله إنزالاً عن قوته
(16/456)

وإيهاناً لشدته، قال دالاً على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال: {وأنزل لكم} أي خاصة {من الأنعام} أي الإبل بنوعيها، والبقر كذلك، والضأن والمعز. ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه، واقتصر على ما عندهم، وقال: {ثمانية أزواج} أي من كل نوع زوجين ذكراً وأنثى، والزوج اسم لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل ذكرها وأنثاها على انفراده، لا أن أحداً منها من صاحبه، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل خلق الآدمي.
ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجباً قال مستأنفاً بياناً لما أجمل قبل: {يخلقكم} أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط العناصر {في بطون أمهاتكم} ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل إليه يد مخلوق ولا بصره، قال دالاً على عظمته ودلالته على تمام القدرة والقهر: {خلقاً} ودل على تكوينه شيئاً بعد شيء بإثبات الحرف فقال: {من بعد خلق} أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار. ولما كان الحيوان لا يعرف ما هو إلا
(16/457)

في التطوير الرابع، وكان الجهل ظلمة قال: {في ظلمات ثلاث} ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فإذا صار عظاماً مكسوة لحماً عرف هل هو ذكر أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل، وصار خلقاً آخر، وقيل؛ ظلمة البطن والرحم والمشيمة - نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وعزاه ابن أبي الدنيا في كتاب القناعة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام.
ولما ثبت له سبحانه كمال العظمة والقهر، قال مستأنفاً ما أنتجه الكلام السابق معظماً باداة البعد رميم الجمع: {ذلكم} أي العالي المراتب شهادتكم أيها الخلق كلكم، بعضكم بلسان قاله، وبعضكم بناطق حاله، الذي جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا أفعاله، ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد، أخبر عن اسم الإشارة فقال: {الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال، ونبه على جهلهم مما يعلمون من ربوبيته لعملهم بالشرك عمل جاهل بذلك فقال واصفاً: {ربكم} أي المالك والمربي لكم بالخلق والرزق. ولما كان المربي قد لا يكون ملكاً قال نتيجة لما سبق: {له} أي وحده {الملك} ولما كان المختص بالملك قد لا يكون إلهاً، قال مثبتاً له الإلهية على ما يقتضيه من الوحدانية وهو
(16/458)

بمنزلة نتيجة النتيجة: {لا إله إلا هو} .
ولما تكفل هذا السياق بوجوب الإخلاص في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لأن الكل تحت قهره، وشمول نهيه وأمره، سبب عنه قوله: {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه {تصرفون *} أي قهراً عن الإخلاص له إلى الإشراك به بصارف ما وإن كان عظيماً، ونبه بالبناء للمفعول مع هذا على أنهم مقهورون في فعل ما هم عليه لأنهم تابعون للهلاك المحض، تاركون للأدلة التي لا خفاء في شيء منها، ومعلوم أنه لا يترك أحد الدليل في الفيافي العطشة الذي إن تركه هلك إلا قهراً؛ وأن الناس هيئوا لطريق الهدى بما خلقوا عليه من أحسن تقويم بسلامة الفطر واستقامة العقول، وأشار إلى هذا لأنهم يأنفون من النسبة إلى القهر وأن يفعلوا شيئاً بغير اختيار لما عندهم من الأنفة وعلو الهمم والعظمة.
(16/459)

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)
ولما ظهرت الأدلة وبهرت الحجج، بين ما على من غطاها بالإصرار، وما لمن تاب ورجع التذكار، فقال مستأنفاً لما هو نتيجة ما مضى، معرفاً لهم نعمته عليهم بأنه ما تعبد لشيء يخصه من نفع أو ضر، وإنما هو لمصالحهم خاصة بادئاً بما هو من درء المفاسد: {إن تكفروا}
(16/459)

أي تستروا الأدلة فتصروا على الانصراف عنه بالإشراك {فإن الله} لأنه جامع لصفات الكمال {غني عنكم} أي فلا يضره كفركم ولا تنفعه طاعتكم، وأما أنتم فلا غنى لكم عنه بوجه، ولا بد أن يحكم بينكم فلم تضروا إلا أنفسكم {ولا يرضى} لكم - هكذا كان الأصل بدليل ما سبقه ولحقه، وإنما أظهر ليعم وليذكرهم بما يجدونه في أنفسهم من أن أحداً منهم لا يرضى لعبده أن يؤدي خرجه إلى غيره بغير إذنه فقال: {لعباده} أي الذين تفرد بإيجادهم وتربيتهم {الكفر} بالإقبال على سواه وأنتم لا ترضون ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية الضعف، ومعنى عدم الرضى أنه لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه أو يثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه {وإن تشكروا} أي بالعبادة والإخلاص فيها {يرضه} أي الشكر الدال عليه فعله {لكم} أي الرضى اللائق بجنابه سبحانه بأن يقركم عليه أو يأمركم به ويثيبكم على فعله، والقسمان بإرادته، واختلاف القراء في هائه دال على مراتب الشكر - والله أعلم، فالوصل للواصلين إلى النهاية على اختلاف مراتبهم في
(16/460)

الوصول والاختلاس للمتوسطين والإسكان لمن في الدرجة الأولى منه.
ولما كان في سياق الحكم والقهر، وكانت عادة القهارين أن يكلفوا بعض الناس ببعض ويأخذوهم بجوائرهم لينتظم لهم العلو على الكل لعدم إحاطة علمهم بكل مخالف لأمرهم، بين أنه سبحانه على غير ذلك فقال: {ولا تزر وازرة} أي وازرة كانت {وزر أخرى} بل وزر كل نفس عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في دار العمل، والإثم الذي يكتب على الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس وزر غيره، وإنما هو وزر نفسه، فوزر الفاعل على الفعل، ووزر الساكت على الترك لما لزمه من الأمر والنهي {ثم إلى ربكم} أي وحده لا إلى أحد ممن أشركتموه به {مرجعكم} أي بالبعث بعد الموت إلى دار الجزاء. ولما كان الجزاء تابعاً للعلم، قال معبراً عنه به: {فينبئكم} أي فيتسبب عن البعث أنه يخبركم إخباراً عظيماً {بما كنتم تعملون} أي بما كان في طبعكم العمل به سواء عملتموه بالفعل أم لا ثم يجازيكم عليه إن شاء.
ولما كان المراد - كما أشار إليه بكان - الإخبار بجميع الأعمال الكائنة بالفعل أو القوة، حسن التعليل بقوله: {إنه عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي بصاحبتها من الخواطر والعزوم، وذلك بما دلت عليه الصحبة - كل ما لم يبرز إلى الخارج، فهو بما برز أعلم.
(16/461)

ولما ذكر سبحانه أنه المختص بالملك وحده، وأتبعه بما يرضيه وما يسخطه، أقام الدليل على ذلك الاختصاص مع أنه أوضح من الشمس بدليل وجداني لكل أحد على وجه ذمهم فيه بالتناقض الذي هم أعظم البأس ذماً له ونفرة منه وذماً به فقال: {وإذا} وهي - والله أعلم - حالية من واو {تصرفون} وكان الأصل: مسكم، ولكنه عمم ودل بلفت القول عن الخطاب على الوصف الموجب للنسيان فقال: {مس الإنسان} أي هذا النوع الآنس بنفسه مؤمنه وكافره {ضر} أي ضر كان من جهة يتوقعها - بما أشار إليه الظرف بمطابقة المقصود السورة مع تهديد آخر التي قبلها {دعا ربه} أي الحسن إليه الذي تقدم تنبيهكم من غفلتكم عليه بقوله «ذلكم الله ربكم» ذاكراً صفة إحسانه {منيباً} أي راجعاً رجوعاً عظيماً {إليه} بباطنه مخلصاً في ذلك عالماً أنه لا يكفيه أمره غيره ضرورة يجدها في نفسه لأن الضر أزال عنه الأموية والحظوظ، معرضاً عما كان يزعم من الشركاء معرفاً لسان حاله أنه لا شريك له سبحانه كما هو الحق فتطابق في حال الضراء الحق والاعتقاد.
ولما كان الإنسان لما جبل عليه من الجزع واليأس إذا كان في
(16/462)

ضر استبعد كل البعد أن يكشف عنه، لتقيده بالجزئيات وقصوره على التعلق بالأسباب، أشار إلى ذلك مع الإشارة إلى الوعد بتحقيق الفرج فقال: {ثم} أي بعد استبعاده جداً. ولما كان الرخاء محققاً، وهو أكثر من الشدة، عبر بأداة التحقق، فقال منبهاً بالتعبير ب «خول» على أن غطاءه ابتداء فضل منه لا يستحق أحد عليه شيئاً لأن التخويل لا يكون جزاء بل ابتداء: {إذا خوله} أي أعطاه عطاء متمكناً ابتداء، وجعله حسن القيام عليه قادراً على إجادة تعهده {نعمة منه} ومكنه فيها {نسي} أي مع دعائه أن يشكر على الإحسان، فكانت مدة تخويله ظرف نسيانه، فعلم أن صلاحه بالضراء {ما} أي الأمر الذي {كان يدعوا} ربه على وجه الإخلاص {إليه} إلى كشفه من ذلك الضر الذي كان، وأعلم بتقارب وقتي النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال: {من قبل} أي قبل حال التخويل {وجعل} زيادة على الكفران بنسيان الإحسان {لله} أي الذي لا مكافئ له بشهادة الفطرة والعقل والسمع {أنداداً} أي لكونه يتأهلهم، فينزلهم بذلك منزلة من يكون قادراً على المعارضة والمعاندة، فقد علم من التعبير بالنسيان أنه عالم بربه، ولذلك دعاه في كشف ضره وأنه جعل علمه عند الإحسان إليه جهلاً، فكان كمن لا يعلم من سائر الحيوانات العجم.
(16/463)

ولما كان ذلك في غاية الضلال، لكونه - مع أنه خطأ - موجباً لقطع الإحسان وعدم الإجابة في كشف الضر مرة أخرى وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس، وكان هذا الضلال في غاية الظهور، وكان العاقل لا يفعل شيئاً إلا لعلة، عظمهم تهكماً بهم عن أن يكونوا ضلوا هذا الضلال الظاهر من غير قصد إليه، فقال مشيراً إلى ذلك كله: {ليضل} أي بنفسه عند فتح الياء، ويضل غيره عند من ضمها {عن سبليه} أي الطريق الموصل إلى رضوانه، الموجب للفوز بإحسانه.
ولما كان من المعلوم المحقق المقطوع به المركوز في الفطر الأولى المستمر فيما بعدها أن الملك لا يدع من يعصيه بغير عقاب، وكان قد ثبت بقضية الإجماع وقت الاضطرار أنه لا يلتفت إلى أحد سوى الله وكان من التفت - بعد أن أنجاه الله من ضرره وأسبغ عليه من نعمه - كافراً من غير شك عند ذي عقل، وكان من كان بهذه المثابة في هذه الدار هم أهل النعم الكبار، والتمتع الصافي عن الأكدار، كان من المعلوم أنه لا بد من عقوبته في دار القرار، فقال تعالى مبيناً
(16/464)

لأن هذا التمتع إنما هو سبب هذا الكفران استدراجاً مع الإعراض المؤذن بالغضب {قل} أي يا أحب خلقنا إلينا المستحق للإقبال عليه بالخطاب، لهذا الذي قد حكم بكفره مهدداً له بما يقوته بلذيذ عيشه في الدنيا من الفيض من الجناب الأقدس ويؤول إليه أمره من العذاب الأكبر: {تمتع} أي في هذه الدنيا التي هي وكل ما فيها - مع كونه زائلاً - يفيض إلى الله، فهو من جملة المقت إلا لمن صرفه في طاعة الله.
ولما ذكر تمتيعه بالخسيس، ذكر سببه الخسيس تعظيماً لأجور المؤمنين لانصرافهم عن الكفر مع علمهم بأنه من أسباب التمنيع وبياناً لذوي الهمم العوال من غيرهم فقال: {بكفرك} ثم أشار إلى قلة زمن الدنيا وما فيها في جنب الآخرة فقال: {قليلاً} ثم علل ذلك بما إذا غمس في عذابه أنعم أهل الدنيا غمسة واحدة قال: ما رأيت نعيماً قط، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم بالنار، ودفعاً لما استقر في نفوسهم أن تنعيمهم في الدنيا إنما هو لقربهم من الله ومحبته لهم، وأن ذلك يتصل بنعيم الآخرة على تقدير كونها: {إنك} وهذا الأمر هنا يراد به الزجر، تقديره: إن تمتعت هكذا كنت {من أصحاب النار *} أي الذين لم يخلفوا إلا لها {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس
(16/465)

لهم قلوب لا يفقهون بها} [الأعراف: 179] .
ولما أرشدت «أم» قطعاً في قراءة من شدد إدغاماً لإحدى الميمين في الأخرى أن التقدير شرحاً لأحوال المؤمنين بعد أحوال المشركين: أهذا - الذي يدعو الله مرة، وغيره ممن يجعله له نداً أخرى - أسد طريقة وأقوم قيلاً: {أمّن هو} والتقدير في قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف: أمن هو بهذه الصفة خير أم ذلك الكافر الناسي لمن أحسن إليه، ويرجح التقدير بالاستفهام دون النداء إنكار التسوية بين العالم الذي حداه علمه على القنوت والذي لا يعلم حقيقة أو مجازاً لعدم الانتفاع بعلمه {قانت} أي مخلص في عبادته الله تعالى دائماً {آناء الّيل} أي جميع ساعاته.
ولما كان المقام للإخلاص، وكان الإخلاص أقرب مقرب إلى الله لأنه التجرد عن جميع الأغيار، وكان السجود أليق الأشياء بهذا الحال، ولذلك كان أقرب مقرب للعبد من ربه، لأنه خاص بالله تعالى، قال: {ساجداً} أي وراكعاً ودل على تمكنه من الوصفين بالعطف فقال: {وقائماً} أي وقاعداً، وعبر بالاسم تنبيهاً على دوام إخلاصه في حال سجوده وقيامه، والآية من الاحتباك: ذكر السجود دليلاً على الركوع والقيام دليلاً على القعود، والسر في ذكر ما ذكر وترك ما ترك أن
(16/466)

السجود يدل على العبادة، وقرن القيام به دال على أنه قيام منه فهو عبادة، وذلك مع الإيذان بأنهما أعظم الأركان، فهو ندب إلى تطويلهما على الركنين الآخرين لأن القعود إنما هو للرفق بالاستراحة والركوع إنما أريد به إخلاص الأركان للعبادة، لأنه لا يمكن عادة أن يكون لغيرها، وأما السجود فيطرقه احتمال السقوط والقيام والقعود مما جرت به العوائد، فلما ضم إليهما الركوع تمحضاً للخضوع بين يدي الملك العليم العزيز الرحيم.
ولما كان الإنسان محل الفتور والغفلة والنسيان، وكان ذلك في محل الغفران، وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديان، قال معللاً أو مستأنفاً جواباً لمن كأنه يقول: ما له يتعب نفسه هذا التعب ويكدها هذا الكد: {يحذر الآخرة} أي عذاب الله فيها، فهو دائم التجدد لذلك كلما غفل عنه. ولما ذكر الخوف، أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه فقال: {ويرجوا رحمة ربه} أي الذي لم يزل ينقلب في إنعامه.
ولما كان الحامل على الخوف والرجاء والعمل إنما هو العلم النافع، وكان العلم الذي لا ينفع كالجهل أو الجهل خير، كان جواب ما تقدم من الاستفهام: لا يستويان، لأن المخلص عالم والمشرك جاهل. فأمره بالجواب بقوله: {قل} أي لا يستويان، لأن الحامل على الإخلاص العلم وعلى الإشراك الجهل وقلة العقل، ثم أنكر على من يشك في ذلك فقل
(16/467)

له: {هل يستوي} أي في الرتبة {الذين يعلمون} أي فيعملون على مقتضى العلم، فأداهم علمهم إلى التوحيد والإخلاص في الدين {والذين لا يعلمون} فليست أعمالهم على مقتضى العلم إما لجهل وإما لإعراض عن مقتضى العلم فصاروا لا علم لهم لأنه لا انتفاع لهم به لأنهم لو تأملوا أدنى تأمل مع تجريد الأنفس من الهوى لرجعوا إليه من أنه لا يرضى أحد أصلاً لعبده أن يخالف أمره، وإلى أنه لا يطلق العلم إلا على العامل أرشد قول ابن هشام في السيرة
{ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188] أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا حق.
ولما كان مدار السداد التذكر. وكان مدار التذكر الذي به الصلاح والفساد هو القلب لأنه مركز العقل الذي هو آلة العلم، وكان القلب الذي لا يحمل على الصلاح عدماً، بل العدم خير منه، قال: {إنما يتذكر} أي تذكراً عظيماً بما أفهمه إظهار التاء فيعلم أن المحسن لا يرضى بالإحسان إلى من يأكل خيره ويعبد غيره {أولوا الألباب *} أي العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون آخر آل عمران بقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] إلى
(16/468)

آخرها، وما أحسن التعبير هنا باللب الذي هو خلاصة الشيء لأن السياق للإخلاص، قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي الترمذي: خلق الله تعالى الأشياء مسخرة للآدمي، وخلق الآدمي للخدمة، ووضع فيه أنواره ليخرج الخدمة لله تعالى من باطنه بالحاجة، فالآدمي مندوب إلى العلم بالله تعالى وبأوامره حسب ما خلق له، والخدمة والقنوت بقلبك بين يديه ماثلاً منتصباً محقاً مبادراً مسارعاً سائقاً مركبك في جميع أمورك بالحب له، وعلم الخدمة علم البساطين: بساط القدرة وبساط العبودة فإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر وهو أن تعرف نفسك وتركيبك من روحاني وجسماني، وطالعت بساط العبودة بكياسة تامة أدركت تدبيره في العبودة وباطن أمره ونهيه وعلل التحريم والتحليل، وبسط الله بساط الربوبية من باب القدرة، وبسط بساط العبودة من باب العظمة، ثم كان آخر خلقه سبحانه هذا الإنسان الذي بسط له هذين البساطين، وجمع فيه العالمين، وزاد على ما فيهما من قبول الأمر اختياراً وطوعاً، وكل شيء أعطاك إنما أعطاك لتبرزه إلى جوارحك، وتستعمله فيما خلق له، فلو لم يعطك منك لم يطلب منك، فلا تطلب الزكاة ممن لا مال له، ولا الصلاة قياماً ممن لا رجل له.
(16/469)

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)
ولما ثبت أن القانت خير، وكان المخالف له كثيراً، وكان أعظم
(16/469)

حامل له على القنوت التقوى، وكانت كثرة المخالف أعظم مزلزل، وكان الإنسان - لما له من النقصان - أحوج شيء إلى التثبيت، وكان التثبيت من المجانس، والتأنيس من المشاكل أسكن للقلب وأشرح للصدر، أمر أكمل الخلق وأحسنهم ملاطفة بتثبيتهم فقال: {قل} ولما كان الثبات لا يرسخ مع كثرة المخالف، وتوالي الزلزال والمتالف، إلا إذ كان عن الملك، جعل ذلك عنه سبحانه ليجتمع عليه الخالق والأقرب إليه من الخلائق، فقال: {يا عباد} دون أن يقول: يا عباد الله، مثلاً تذكيراً لهم تسكيناً لقلوبهم بما علم من أن التقدير. قال الله، وتشريفاً لهم بالإضافة إليه بالضمير الدال على اللطف وشدة الخصوصية، وإعلاماً لهم بأنه حاضر لا يغيب عنهم بوجه: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى حالاتها.
ولما كان الإحسان ربما جراً على المحسن، أشار سبحانه إلى سداد قول العارفين «اجلس على البساط وإياك والانبساط» ونبه بلفت القول عن مظهر التكلم إلى الوصف بما يدل على أن العاقل من
(16/470)

أوجب له الإحسان إجلالاً وإكباراً، وأثمر له العطف والتقريب ذلاًّ في نفسه وصغاراً، وخوفاً وانكساراً، مما أقله قطع الإحسان فقال: {اتقوا ربكم} أي اجعلوا بينكم وبين غضب المحسن إليكم وقاية بأن تترقوا في درجات طاعته مخلصين له كما خلقكم لكم لا لغرض له ليرسخ إيمانكم ويقوي إحسانكم، وهذا أدل دليل على أن الإيمان يكون مع عدم التقوى.
ولما أرشدهم بالاسم الناظر إلى الإحسان إلى أن يقولوا: فما لنا إن فعلنا؟ قال مجيباً معللاً: {للذين أحسنوا} أي لكم، ولكنه أظهر الوصف الدال على سبب جزائهم تشويقاً إلى الازدياد منه، ولما كان العمل لا ينفع إلا في دار التكليف قال: {في هذه} باسم الإشارة زيادة في التعيين {الدنيا} أي الدنية الوضرة التي لا تطهر الحياة فيها إلا بالتقديس بعبادة الخالق والتخلق بأوصافه {حسنة} أي عظيمة في الدنيا بالنصر والمعونة مع كثرة المخالف وفي الآخرة بالثواب، ويجوز أن يكون معنى {أحسنوا} أوقعوا الإحسان، ومعلوم أنه في هذه الدنيا، فيكون ما بعده مبتدأ وخبراً، لكنه يصير خاصاً بثواب الدنيا، فالأول حسن.
ولما كان ربما عرض للإنسان في أرض من يمنعه الإحسان، ويحمله على العصيان، حث سبحانه على الهجرة إلى حيث يزول عنه
(16/471)

ذلك المانع، تنبيهاً على أن مثل هذا ليس عذراً في التقصير كما قيل:
وإذا نبا بك منزل فتحول ... فقال: {وأرض الله} أي الذي له الملك كله والعظمة الشاملة {واسعة} ووجوده بعلمه وقدرته في كل أرض على حد سواء، فالمتقيد بمكان منها ضعيف العزم واهن اليقين، فلا عذر للمفرط في الإحسان بعدم الهجرة.
ولما كان الصبر على هجرة الوطن ولا سيما إن كان ثّم أهل وعشيرة شديداً جداً، ذكر ما للصابر على ذلك لمن تشوف إلى السؤال عنه فقال: {إنما يوفى} أي التوفية العظمية {الصابرون} أي على ما تكرهه النفوس في مخالفة الهوى واتباع أوامر الملك الأعلى من الهجرة وغيرها {أجرهم بغير حساب *} أي على وجه من الكثرة لا يمكن في العادة حسبانه، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، وكل عمل يمكن عده وحصره إلا الصبر فإنه دائم مع الأنفاس، وهو معنى من المعاني الباطنة لا يطلع خلق على مقداره في قوته وضعفه وشدته ولينه لأنه مع خفائه يتفاوت مقداره، وتتعاظم آثاره، بحسب الهمم في علوها وسفولها، وسموها ونزولها، ويجوز أن يكون المعنى أن من كمل صبره بما أشارت إليه لام الكمال - لم يكن عليه حساب، لما رواه البزار وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت امرأة
(16/472)

بها لمم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، قال: «إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك» ، قالت: بل أصبر ولا حساب علي.
ولما كانت الأعين ناظرة إلى الأمر هل يفعل ما يأمر به ومقيده بالرئيس لتأتسي به، وكان أعظم الصابرين من جاهد نفسه حتى خلص أعمالها من الشوائب وحماها من الحظوظ والعوائق، وصانها من الفتور والشواغل، أمره بما يرغبهم في المجاهدة، ويكشف لهم عن حلاوة الصبر، بقوله: {قل} ولما كان الرئيس لقربه من الملك بحيث يظن أنه يسامحه في كثير مما يكلف به غيره أكد قوله: {إني أمرت} وبني الفعل لما لم يسم فاعله تعظيماً للأمر بأنه قطع ومضى بحيث لم يبق فيه مشوبة، وأقام مقام الفاعل دليلاً على أنه العمدة للحث على لزومه قوله: {أن أعبد الله} أي الذي الخلق كلهم سواء بالنسبة إلى قبضته وعلوه وعظمته لأنه غني عن كل شيء {مخلصاً له الدين *} أي العبادة التي يرجى منه الجزاء عليها.
ولما كان الرئيس إذا سابق إلى شيء شوق النفوس إليه، وأوجب عليها العكوف عليه قال: {وأمرت} أي، وقع الأمر لي وانبرم بأوامر عظيمة وراء ما أمرتم به لا تطيقونها {لأن} أي لأجل
(16/473)

أن {أكون} في وقتي وفي شرعي {أول} أي أعظم {المسلمين *} أي المنقادين في الرتبة الحائزين قصب السبق بكل اعتبار لأوامر الإله الذي لا فوز إلا بامتثال أوامره أو أسبق الكائنين منهم في زماني، فجهة هذا الفعل غير جهة الأول، فلذلك عطف عليه لأنه لإحراز قصب السبق، والأول لمطلق الإخلاص في العبادة.
ولما كان ما أمر به مفهماً لأن يكون مع ترغيب ومع ترهيب، وكان ربما ظن أن الرئيس لا يرهب الملك لأمور ترجى منه أو تخشى، وكان تكرير الأمر بإبلاغ المأمورين أوقع في قلوبهم وأشد إقبالاً بنفوسهم قال تعالى: {قل} أي لأمتك، وأكد - لما في الأوهام أن الرئيس لا يخاف - قوله {إني أخاف} أي مع تأمينه لي بغفران ما تقدم وما تأخر إخلاصاً في إجلاله وإعظامه وفعلاً لما على العبد لمولاه الذي له جميع الكبرياء والعظمة، ولما كان وصف الإحسان ربما جراً على العصيان، يبن أنه لا يكون ذلك إلا لعدم العرفان فقال: {إن عصيت ربي} أي المحسن إليّ المربي لي بكل جميل فتركت الإخلاص له {عذاب يوم عظيم *} وإذا كان اليوم عظيماً، فكيف يكون عذابه.
(16/474)

قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)
ولما بين ما أمر به، وأعلم أنه يخاف من مخالفة الأمر له بذلك فأفهم أنه ممتثل لما أمر به، أمره سبحانه بأن يصرح بذلك لأن التصريح
(16/474)

من المزية ما لا يخفى فقال: {قل الله} أي المحيط بصفات الكمال وحده {أعبد} تخصيصاً له بذلك، لا أنحو أصلاً بالعبادة نحو غيره أبداً {مخلصاً له} وحده {ديني *} أي امتثالاً لما أمرت به فلا أشينه بشائبة أصلاً لا طلباً لجنّة ولا خوفاً من نار فإنه قد غفر لي ما تقدم وما تأخر، فصارت عبادتي لآجل وجهه وكونه مستحقاً للعبادة خاصة شوقاً إليه وحباً له وحياء منه وأما الرغبة فيما عنده سبحانه والخوف من سطواته التي جماعها قطع الإحسان الذي هو عند الأغبياء أدنى ما يخاف فإنما خوفي لأجل إعطاء المقام حقه من ذل العبودية وعز الربوبية.
ولما علم من هذا غاية الامتثال بغاية الرغبة والرهبة وهم يعلمون أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقواهم قلباً وأصفاهم لباً، وأجرأهم نفساً وأصدقهم وأشجعهم عشيرة وحزباً، كان خوف غيره من باب الأولى، فسبب عنهد تهديدهم أعظم تهديد بقوله: {فاعبدوا} أي أنتم أيها الداعون له في وقت الضراء المعرضون عنه في وقت الرخاء {ما شئتم} أي من جماد أو غيره. ونبّه على سفول رتبة كل شيء بالنسبة إليه سبحانه تسفيهاً لمن يلتفت إلى سواه بقوله: {من دونه} فإن عبادة ما دونه تؤدي إلى قطع إحسانه، ولا إحسان إلا إحسانه، فإذا انقطع حصل كل سوء، وفي ذلك جميع الخسارة.
ولما كانوا يدعون الذكاء، ويفعلون ما لا يفعله عاقل، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على غباوتهم بما يصيرون إليه من شقاوتهم فقال:
(16/475)

{قل إن الخاسرين} أي الذين خسارتهم هي الخسارة لكونها النهاية في العطب {الذين خسروا أنفسهم} أي بدخولهم النار التي هي معدن الهلاك لعبادتهم غير الله من كل ما يوجب الطغيان. ولما كان أعز ما على الإنسان بعد نفسه أهله الذين عزه بهم قال: {وأهليهم} أي لأنهم إن كانوا مثلهم فحالهم في الخسارة كحالهم، ولا يمكن أحداً منهم أن يواسي صاحبه بوجه فإنه لكل منهم شأن يغنيه، وإن كانوا ناجين فلا اجتماع بينهم.
ولما كانت العاقبة هي المقصودة بالذات، قال: {يوم القيامة} لأن ذلك اليوم هو الفيصل لا يمكن لما فات فيه تدارك أصلاً ولما كان في ذلك غاية الهول. كرر التعريف بغباوتهم تنبيهاً على رسخوهم في ذلك الوصف على طريق النتيجة لما أفهمه ما قبله فقال منادياً لأنه أهول مبالغاً بالاستئناف وحرف التنبيه وضمير الفصل وتعريف الخبر ووصفه: {ألا ذلك} أي الأمر العظيم البعيد الرتبة في الخسارة جداً {هو} أي وحده {الخسران} أتى بصيغة الفعلان المفهم مطلقاً للمبالغة فكيف إذا بنيت على الضم الذي هو أثقل الحركات، وزاد في تقريعهم بالغباوة بقوله: {المبين *} .
ولما علم بهذا أنه البين في نفسه المنادي بما فيه من القباحة بأنه لا خسران غيره، فصله بقوله على طريق التهكم بهم: {لهم} فإن عادة
(16/476)

اللام عند مصاحبة المجرور ولا سيما الضمير إفهام المحبوب للضمير لا سيما مع ذكر الظلل وأشار إلى قربها منهم بإثبات الجار فقال: {من فوقهم ظلل} ولما أوهمهم ذلك الراحة، أزال ذلك بقوله: {من النار} وذلك أنكأ مما لو أفهمهم الشر من أول الأمر. ولما كان في القرار - كائناً ما كان على أي حال كان نوع من الراحة بالسكون، بين أنهم معلقون في غمرات الاضطراب، يصعدهم اللهيب تارة، ويهبطهم انعكاسه عليهم برجوعه إليهم أخرى، فلا قرار لهم أصلاً كما يكون الحب في الماء على النار، يغلي به صاعداً وسافلاً، لا يقر في أسفل القدر أصلاً لقوله: {ومن تحتهم} .
ولما كان كون الظلة المأخوذة من الظل من تحت في غاية الغرابة، أعادها ولم يكتف بالأولى، ولم يعد ذكر النار لفهمها في التحت من باب الأولى فقال: {ظلل} ومما يدل على ما فهمته من عدم القرار ما رواه البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا، فسألنا يوماً قلنا: لا، قال: لكني رأيت
(16/477)

رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة» - فذكره بطوله حتى قال: «فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، توقد تحته نار، فإذا فيه رجال ونساء عراة فيأتيهم اللهيب من تحتهم فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجون فإذا خمدت رجعوا» فذكره وهو طويل عظيم، ثم فسرهم بالزناة.
لما كان هذا أمراً مهولاً، وهو لا يرهبونه ولا يرجعون عن غيّهم به، ذكر فائدته مع الزيادة في تعظيمه فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الشأن {يخوف الله} أي الملك الأعظم الذي صفاته الجبروت والكبر {به عباده} أي الذين لهم أقلية الإقبال عليه ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم فيعيذهم منه. ولما أهلهم للإضافة إليه وخوفهم سطواته، أقبل عليهم عند تهيئتهم للاستماع منبهاً على أنه تخويف استعطاف فقال: {يا عباد فاتقون *} أي سببوا عن ذلك أن تجعلوا بينكم وبين ما يسخطني وقاية مما يرضيني لأرضى عنكم.
ولما ذكر ما لمن عبد الطاغوت، عطف عليه أضدادهم ليقترن الوعد بالوعيد، فيحصل كمال الترغيب والترهيب فقال: {والذين اجتنبوا} أي كلفوا أنفسهم ذلك لما لها في الانسياق إليه من الهوى مع تزيين الشيطان «حفت النار بالشهوات» ولما كان للإجمال ثم البيان موقع عظيم، قال: {الطاغوت} وهو كل ما عبد من دون الله، فلغوت من
(16/478)

الطغيان وهو صيغة مبالغة، وفيه مبالغة أخرى بجعل الذات عين المعنى، ودل على عكس من تبعها بتعكيس حروفها، ولما ذكر اجتنابها مطلقاً ترغيباً فيه، بين خلاصة ما يجتنب لأجله مع التنفير منها بتأنيثها الذي أبصره المنيبون بتقوية الله لهم عليها حتى كانوا ذكراناً وهم إناثاً عكس ما تقدم للكفار في البقرة، فقال مبدلاً منها بدل اشتمال: {أن يعبدوها} .
ولما ذكر اجتناب الشرك، أتبعه التزام التوحيد فقال: {وأنابوا} أي رجعوا رجوعاً عظيماً أزالوا فيه النوبة وجعلوها إقبالة واحدة لا صرف فيها {إلى الله} أي المحيط بصفات الكمال فلا معدل عنه {لهم البشرى} في الدنيا على ألسنة الرسل وعند الموت تتلقاهم الملائكة فقد ربحوا ربحاً لا خسارة معه لأنهم انتفعوا بكلام الله فأخلصوا دينهم له فبشرهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف فقال مسبباً عن عملهم، صارفاً القول إلى التكلم بالإفراد تشريفاً للمبشرين الموصوفين: {فبشر عباد *} أي الذين أهلوا أنفسهم بقصر هممهم عليّ للإضافة إليّ {الذين يستمعون} أي بجميع قلوبهم {القول} أي هذا الجنس من كل قائل ليسوا جفاة عساة إذا أقبلوا على
(16/479)

شيء أعرضوا عن غيره بغير دليل {فيتبعون} أي بكل عزائمهم بعد انتقاده: {أحسنه} بما دلتهم عليه عقولهم من غير عدول إلى أدنى هوى، ويدخل في هذه الآية دخولاً بيناً حث أهل الكتاب على اتباع هذا القرآن العظيم، فإن كتب الله كلها حسنة، وهذا القرآن أحسنها كلاماً، ومعاني ونظاماً، لا يشك في هذا أحد له أدنى ذوق.
ولما بين عملهم، أنتج ذلك مدحهم فقال مظهراً زيادة المحبة لهم والاهتمام بشأنهم بالتأكيد: {أولئك} أي العالو الهمة والرتبة خاصة {الذين} ولما كان في هؤلاء المجتبين العالو الرتبة جداً وغيره، أبرز المفعول فقال محولاً الأسلوب إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم هدايتهم، {هداهم الله} بما له من صفات الكمال فبين سبحانه أن لا وصول إليه إلا به، وهذا بخلاف آية الأنعام حيث ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال {أولئك الذين هدى الله} فحذف المفعول لتصير هدايتهم مكررة بوجوب تسليط العامل على الموصول الذي أعاد عليه الضمير في هذه الآية، وكرر الإشارة زيادة في تعظيمهم فقال: {وأولئك هم} أي خاصة {أولوا الألباب *} أي العقول الصافية عن شوب كدر.
ولما خص سبحانه البشارة بالمحسنين، علم أن غيرهم قد حكم بشقاوته،
(16/480)

وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما جبل عليه من عظيم الرحمة ومزيد الشفقة جديراً بالأسف على من أعرض، سبب عن أسفه عليهم قوله: {أفمن حق} وأسقط تاء التأنيث الدالة على اللين تأكيداً للنهي عن الأسف عليهم {عليه كلمة العذاب} بإبائه وتوليه، فكان لذلك منغمساً في النار التي أبرمنا القضاء بأنها جزاء الفجار لا يمكن إنقاذه منها، أفأنت تنقذه من إعراضه الذي غمسه في النار؟ ثم دل على هذا الذي قدرته بقوله مؤكداً بإعادة حرف الاستفهام لأجل طول الكلام ولتهويل الأمر وتفخيمه للنهي عن تعليق الهم بهم لما عنده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جبلة العطف والرقة على عباد الله: {أفأنت تنقذ} أي تخلص وتمنع وتنجي، ووضع موضع ضميره قوله شهادة عليه بما هو مستحقه ولا يمكن غير الله فكه منه {من في النار *} متمكناً فيها شديد الانغماس في طبقاتها، والرسوخ بحيث إنها قد أحاطت به من كل جانب، وكان الأصل: أنت تنقذ من حق عليه العذاب، فقدم المفعول وجعله عمدة الكلام ليقرع السمع ويترقب الخبر عنه، ثم حذف خبره ليكون أهول فتذهب النفس فيه كل مذهب، ثم أنكر أن يكون أعلى الخلق ينقذه، فغيره من باب الأولى، فصار الكلام بذلك من الرونق والبهجة والهول والإرهاب ما لا يقدر البشر على مثله.
(16/481)

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)
ولما بين أن من عبد الأنداد هالك لخروجه عن دائرة العقل بجرأة
(16/481)

وعدم تدبير، بين ما لأضدادهم، فقال صارفاً القول عن الاسم الأعظم إلى وصف الإحسان إشارة إلى كرم المتقين بما لهم من إصالة الرأي التي أوجبت خوفهم مع تذكر الإحسان ليدل على أن خوفهم عند تذكر الانتقام أولى: {لكن الذين اتقوا ربهم} أي جعلوا بينهم وبين سخط المحسن إليهم وقاية في كل حركة وسكنة، فلم يفعلوا شيئاً من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه {لهم غرف} أي علالي من الجنة يسكنونها في نظير ظلل الكفار. ولما كانت الغرف في قرار تقر به العيون لم يقل «من فوقهم» كما قال في أهل النار وقال: {من فوقها غرف} أي شديدة العلو. ولما كان ربما ظن أن الطبقة الثانية السماء، لأن الغرفة أصلها العالي، ولذلك سميت السماء السابعة غرفة، وأن تكون الغرفة مثل ظلل النار ليس لها قرار، قال تحقيقاً للحقيقة مفرداً كما هو المطرد في وصف جمع الكثرة لما يعقل: {مبنية} . ولما كانت المنازل لا تطيب إلا بالماء، وكان الجاري أشرف وأحسن قال: {تجري من تحتها} أي الغرف من الطبقة السفلى والطبقة العليا من غير تفاوت بين العلو والسفل، لأن القدرة صالحة لأكثر من ذلك {الأنهار} .
ولما ذكر يوم القيامة وما يكون فيه، بين أنه أمر لا بد منه بقوله، راداً السياق إلى الاسم الأعظم الذي لا يتصور مع استحضار ما له من الجلال إخلاف: {وعد الله} مؤكداً لمضمون الجملة بصيغة المصدر
(16/482)

الدال على الفعل الناصب له، وهو واجب الإضمار والإضافة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، ثم أتبع ذلك بيان ما يلزم من كونه وعده بقوله على سبيل النتيجة: {لا يخلف الله} أي الملك الذي لا شريك له يمنعه من شيء يريده. ولما كان الرعي لزمان الوعد ومكانه إنما يكون للمحافظة عليه فهو أبلغ من رعيه نفسه، عبر بالمفعال فقال: {الميعاد *} لأنه لا سبب أصلاً يحمله على الإخلاف.
ولما أخبر سبحانه بقدرته على البعث، دل عليها بما يتكرر مشاهدته من مثلها، وخص المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالخطاب حثاً على تأمل هذا الدليل تنبيهاً على عظمته فقال مقدراً: {ألم تر} أي مما يدلك على قدرته سبحانه على إعادة ما اضمحل وتمزق، وأرفت وتفرق: {أن الله} أي الذي له كل صفة كمال {أنزل من السماء} أي التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة تقهره على ذلك {ماء} كما تشاهدونه في كل عام {فسلكه} أي في خلال التراب حال كونه {ينابيع} أي عيوناً فائرة {في الأرض} فقهره على الصعود بعد أن غيبه في أعماقها بالفيض والصوب بعد أن كان قسره على الانضباط في العلو ثم أكرهه على النزول على مقدار معلوم وكيفية مدبرة وأمر مقسوم، قال الشعبي والضحاك: كل ماء في
(16/483)

الأرض من السماء ينزل إلى الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا.
ولما كان إخراج النبات متراخياً عن نزول المطر، عبر بثم، وفيها أيضاً تنبيه على تعظيم الأمر فيما تلاها بأنه محل الشاهد فقال: {ثم يخرج} أي والله {به} أي الماء {زرعاً} ولما كان اختلاف المسبب مع اتحاد السبب أعجب في الصنعة وأدل على بديع القدرة، قال: {مختلفاً ألوانه} أي في الأصناف والكيفيات والطبائع والطعوم وغير ذلك مع اتحاد الماء الذي جمعه من أعماق الأرض بعد أن تفتت فيها وصار تراباً.
ولما كان الإيقاف بعد قوة الإشراف دالاً على القهر ونفوذ الأمر، قال إشارة إلى أن الخروج عن الحد غير محمود في شيء من الأشياء فإنه يعود عليه النقص {ثم يهيج} وزاد في تعظيم هذا المعنى للحث على تدبره بإسناده إلى خير الخلق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {فتراه} أي فيتسبب عن هيجه وهو شدة ثورانه في نموه بعد التمام بتوقيع الانصرام أنك تراه {مصفراً} آخذاً في الجفاف بعد تلك الزهرة والبهجة والنضرة. ولما كان السياق لإظهار القدرة التامة، عبر بالجعل مسنداً إليه سبحانه بخلاف آية الحديد التي عبر فيها بالكون لأن السياق ثَم لأن الدنيا عدم فقال: {ثم يجعله حطاماً} أي مكسراً مفتتاً بالياً.
ولما تم هذا المنوال البديع الدال بلا شك لكل من رآه على أن فاعله قادر على الإعادة لما يريد بعد الإبادة، كما قدر على الإيجاد
(16/484)

من العدم والإفادة لكل ما لم يكن، قال على سبيل التأكيد للتنبيه على أن إنكارهم غاية في الحمق والجمود: {إن في ذلك} أي التدبير على هذا الوجه {لذكرى} أي تذكيراً عظيماً واضحاً على البعث وما يكون بعده، فإن النبات كالإنسان سواء، يكون ماء، ثم ينعقد بشراً، ثم يخرج طفلاً، ثم يكون شاباً، ثم يكون كهلاً، ثم شيخاً ثم هرماً، ثم تراباً مفتتاً في الأرض، ثم يجمعه فيخرجه كما أخرج الماء النبات: {لأولي الألباب *} أي العقول الصافية جداً كما نبه عليه بخصوص الخطاب في أول هذا الباب للمنزل عليه هذا الكتاب، وأما غيره وغير من تبعه بإحسان فهم كبهائم الحيوان.
ولما كان الذي قرر به أمراً فيما يظنه السامع ظاهراً كما كان جديراً بأن ينكر بعض الواقفين مع الظواهر تخصيص الألباء به، سبب عن ذلك الإنكار في قوله: {أفمن شرح الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل {صدره للإسلام} أي للانقياد للدليل، فكان قلبه ليناً فانقاد للإيمان فاهتدى لباطن هذا الدليل {فهو} أي فيتسبب عن إسلام ظاهره وباطنه للداعي أن كان {على نور} أي بيان عظيم بكتاب، به يأخذ، وبه يعطي، وإليه في كل أمر ينتهي قد استعلى عليه فهو كأنه راكبه، يصرفه حيث يشاء، وزاد في بيان عظيم هدايته بلفت
(16/485)

القول إلى مظهر الإحسان فقال: {من ربه} أي المحسن إليه إحسانه في انقياده، فبشرى له فهو على صراط مستقيم، كمن جعل صدره ضيقاً حرجاً فكان قلبه قاسياً، فكان في الظلام خابطاً، فويل له - هكذا كان الأصل ولكن قيل: {فويل للقاسية قلوبهم} أي لضيق صدورهم، وزاد في بيان ما بلاهم به من عظيم القسوة بلفت القول إلى الاسم الدال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى فقال: {من ذكر الله} فإن من تبتدئ قسوته مما تطمئن به القلوب وتلين له الجلود، من مدح الجامع لصفات الكمال فهو أقسى من الجلمود.
ولما كان من رسم بهذا الخزي أخسر الناس صفقة أنتج وصفه قوله تعالى: {أولئك} أي الأباعد الأباغض {في ضلال مبين *} أي واضح في نفسه موضح أمره لكل أحد، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الشرح والنور دليلاً على حذف ضده ثانياً، وثانياً الويل للقاسي والضلال دليلاً على حذف ضده أولاً - روى البيهقي في الشعب والبغوي من طريق الثعلبي والحكيم الترمذي من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ هذه الآية، قال: فقلنا: يا رسول الله! كيف انشراح صدورهم؟ قال: إذا دخل النور القلب
(16/486)

انشرح وانفسح قلنا: يا رسول الله؟ فما علاقة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت» وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: والنور الذي من قبله سبحانه نور اللوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك لا وجد ولا قصد، ولا قرب ولا بعد، كلا بل هو الله الواحد القهار، وذلك كما قيل: المؤمن بقوة عقله يوجب استقلاله بعلمه إلى أن يبدو ومنه كمال تمكنه من وقادة بصيرته، ثم إذا بدا له لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مقمرة، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة، فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار تلك الكواكب.
ولما كان من المستبعد جداً أن يقسو قلب من ذكر الله، بينه الله وصوره في أعظم الذكر فإنه كان للذين آمنوا هدى وشفاء، وللذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وفي أبصارهم عمى، فقال مفخماً للمنزل بجعل الاسم الأعظم مبتدأ وبناء الكلام عليه: {الله} أي الفعال
(16/487)

لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال {نزّل} أي بالتدريج للتدريب وللجواب عن كل شبهة {أحسن الحديث} وأعظم الذكر، ولولا أنه هو الذي نزله لما كان الأحسن، ولقدر - ولو يوماً واحداً - على الإتيان بشيء من مثله، وأبدل من «أحسن» قوله: {كتاباً} أي جامعاً لكل خير {متشابهاً} أي في البلاغة المعجزة والموعظة الحسنة، لا تفاوت فيه أصلاً في لفظ ولا معنى، مع كونه نزل مفرقاً في نيف وعشرين سنة، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال الزمان في التهذيب سواء اتحد زمانه أو لا، والاختلاف في المختلف في الزمان أكثر، ولم يقل: مشتبهاً، لئلا يظن أنه كله غير واضح الدلالة لا يمدح به.
ولما كان مفصلاً إلى سور وآيات وجمل، وصفه بالجمع في قوله: {مثاني} جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام والحكم، مختلفة البيان في وجوه من الحكم، متفاوتة الطرق في وضوح الدلالات، من غير اختلاف أصلاً في أصل المعنى، ولا يمل من تكراره، وترداد قراءته وتأمله واعتباره، مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده: المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والرحمة العامة والرحمة الخاصة، والجنة والنار، والنعيم
(16/488)

والشقاء والضلال والهدى، والسراء والضراء، والبشارة والنذارة، فلا ترتب على شيء من ذلك جزاء صريحاً إلا ثني بإفهام ما لضده تلويحاً، فكان مذكوراً مرتين، ومرغباً فيه أو مرهباً منه كرتين، ويجوز أن يكون التقدير: متشابهة مثانيه، فيكون نصبه على التمييز، وفائدة التكرير أن النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عوداً على بدء لم يرسخ عندها ولم يعمل عمله، ومن ثم كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرر قوله ثلاث مرات فأكثر.
ولما كان التكرار يمل، ذكر أن من خصائص هذا الكتاب أنه يطرب مع التكرار، ويزداد حلاوة ولو ثنى آناء الليل وأطراف النهار، فقال: {تقشعر} أي تهتز وتتجمع وتتقبض تقبضاً شديداً، من القشع وهو الأديم اليابس، وزيد حرفاً لزيادة المعنى، واختير حرف التكرير إشارة إلى المبالغة فيه، وكونه حرف التطوير أشد للمناسبة {منه جلود} أي ظواهر أجسام {الذين يخشون} أي يخافون خوفاً شديداً ويلتذون لذة توجب إجلالاً وهيبة، فيكون ذلك سبب ذلك، وزاد في مدحهم بأنهم يخافون المحسن، فهم عند ذكر أوصاف الجلال أشد خوفاً، فلذلك لفت القول إلى وصف الإحسان فقال:
(16/489)

{ربهم} أي المربي لهم والمحسن إليهم لاهتزاز قلوبهم، روى الطبراني عن العباس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت خطاياه» ، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر برجل من أهل العراق ساقط، قال: فما بال هذا؟ قال: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر رضي الله عنهما: إنا لنخشى الله وما نسقط وإن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {ثم تلين} أي تمتد وتنعم، وقدم ما صرح فيه بالاقشعرار الذي يلزمه اليبس، وأخر القلوب إبعاداً لها عما قد يفهم يبساً فيوهم قسوة فقال: {جلودهم} لتراجعهم بعد برهة إلى الرجاء وإن اشتدت صلابتها {وقلوبهم} وذكره لتجدد لين القلوب مع الجلود دال على تقدير اقشعرارها معها من شدة الخشية فإن الخشية لا تكون إلا في القلب، وكان سر حذف التصريح بذلك تنزيههاً عن ذكر ما قد يفهم القسوة.
ولما كان القلب شديد الاضطراب والتقلب، دل على حفظه له بنافذ أمره وباهر عظمته بالتعدية ب «إلى» ليكون المعنى: ساكنة مطمئنة
(16/490)

{إلى ذكر الله} أي ذي الجلال والإكرام، فإن الأصل في ذكره الرجاء لأن رحمته سبقت غضبه، وأظهر موضع الإضمار لأحسن الحديث لئلا يوهم أن الضمير للرب، فيكون شبهة لأهل الاتحاد أو غيرهم من أرباب البدع، ولم يقل: إلى الحديث أو الكتاب - مثلاً، بل عدل إلى ما عرف أنه ذكره سبحانه ليكون أفخم لشأنه، وزاده فخامة بصرف القول عن الوصف المقتضي للإحسان إلى الاسم الجامع للجلال والإكرام.
ولما كان ما ذكر من الآثار عجباً، دل على عظمته بقوله على طريق الاستنتاج: {ذلك} أي الأمر العظيم الغريب من الحديث المنزل والقبض والبسط {هدى الله} أي الذي لا يتمنع عليه شيء {يهدي به من يشاء} ومن هداه الله فما له من مضل، ويضل به من يشاء فلا تتأثر جلودهم لقساوة قلوبهم، فيكون هدى لناس ضلالاً لآخرين {ومن يضلل الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء إضلالاً راسخاً في قلبه بما أشعر به الفك ليخرج الضلال العارض {فما له من هاد *} لأنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، لأنه الواحد في ملكه، فلا شريك له، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً إطلاق أمره في الهداية دليلاً على حذف مثله في الضلال، وثانياً انسداد باب الهداية على من أضله دليلاً على وحذف مثله فيمن هداه وهي دامغة للقدرية.
(16/491)

أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)
ولما أتم الإنكار على من سوى، بين من شرح صدره ومن ضيق، وما تبعه وختم بأن الأول مهتد، والثاني ضال، شرع في بيان ما لكل منهما نشراً مشوشاً في أسلوب الإنكار أيضاً، فقال مشيراً إلى أن الضلال سبب العذاب، والهدى سبب النعيم، وحذف هنا المنعم الذي سبب له النعيم لين قلبه كما حذف القاسي القلب في آية الشرح الذي سببت له قسوته العذاب، لتتقابل الآيتان، وتتعادل العبارتان: {أفمن} وأفرد على لفظ {من} لئلا يظن أن الوجوه الأكابر فقال: {يتقي} ودل على أن يده التي جرت العادة بأنه يتقي بها المخاوف مغلولة بقوله: {بوجهه} الذي كان يقيه المخاوف ويحميه منها بجعله وهو أشرف أعضائه وقاية يقي به غيره من بدنه {سوء العذاب} أي شدته ومكروهه لأنه تابع نفسه على هواها حتى قسا قلبه وفسد لبه {يوم القيامة} لأنه يرمي به في النار منكوساً وهو مكبل، لا شيء له من أعضائه مطلق يرد به عن وجهه في عنقه صخرة من الكبريت مثل الجبل العظيم، ويسحب في النار على وجهه، كمن أمن العذاب فهو يتلقى النعيم بقلبه وقالبه.
ولما كان مطلق التوبيخ والتقريع متكئاً، بني للمفعول قوله: {وقيل} له - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم به وجمع تنبيهاً على أن كثرتهم لم تغن عنهم شيئاً
(16/492)

فقال: {للظالمين} أي الذين تركوا طريق الهدى واتبعوا الهوى فضلوا وأضلوا: {ذوقوا ما} أي جزاء ما {كنتم تكسبون *} أي تعدونه فائدة وثمرة لأعمالكم وتصرفاتكم، وقيل لأهل النعيم: طيبوا نفساً وقروا عيناً جزاء بما كنتم تعلمون، فالآية من الاحتباك: ذكر الاستفهام أولاً دليلاً على حذف متعلقه ثانياً، وما يقال للظالم ثانياً دليلاً على ما يقال للعدل أولاً.
ولما ذكر ما أعد لهم من الآخرة، وكانوا في مدة كفرهم كالحيوانات العجم لا ينظرون إلا الجزئيات الحاضرة، خوفهم بما يعملونه في الدنيا، فقال على طريق الاستئناف في جواب من يقول: فهل يعذبون في الدنيا: {كذب الذين} وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال: {من قبلهم} أي مثل سبأ وقوم تبع وأنظارهم: {فأتاهم العذاب} وكان أمرهم علينا يسيراً، وأشار إلى أنه لم يغنهم حذرهم بقوله: {من حيث} أي من جهة {لا يشعرون *} أنه يأتي منها عذاب، جعل إتيانه من مأمنهم ليكون ذلك أوجع للمعذب، وأدل على القدرة بأنه سواء عنده تعالى الإتيان بالعذاب من جهة يتوقع منها ومن جهة لا يتوقع أن يأتي منها شر ما، فضلاً عما أخذوا به، بل لا يتوقع إلا الخير.
(16/493)

لما بين سفههم وشدة حمقهم باستعجالهم بالعذاب استهزاء، سبب عنه تبكيت من لم يتعظ بحالهم فقال: {فأذاقهم الله} أي الذي لا راد لأمره {الخزي} أي الذل الناشئ عن الفضيحة والعذاب الكبير بما رادوه من إخزاء الرسل بتكذبيهم {في الحياة الدنيا} أي العاجلة الدنية.
ولما كان انتظار الفرج مما يسلي، قال معلماً أن عذابهم دائم على سبيل الترقي إلى ما هو أشد، وأكده إنكارهم إياه: {ولعذاب الآخرة} أي الذي انتقلوا إليه بالموت ويصيرون إليه البعث: {أكبر} من العذاب الذي أهلكهم في الدنيا، وأشدهم إخزاء، فالآية من الاحتباك: ذكر الخزي أولاً دليلاً على إرادته ثانياً، والأكبر ثانياً دليلاً على الكبير أولاً، وسره تغليظ الأمر عليهم بالجمع بين الخزي والعذاب بما فعلوا برسله عليهم الصلاة والسلام بخلاف ما يأتي في فصلت. فإن سيافه للطعن في الوحدانية، وهي لكثرة أدلتها وبعدها عن الشكوك وعظيم المتصف بها وعدم تأثيره بشيء يكفي في نكال الكافر به مطلق العذاب.
ولما كان من علم أن فعله يورث نكالاً كف عنه ولا يكفون ولا يتعظون قال: {لو كانوا يعلمون *} أي لو كان لهم علم ما لعلموا أنه أكبر فاتعظوا وآمنوا، ولكنه لا علم لهم أصلاً، بل هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، لأن الجزئيات لا تنفعهم كما تنفع سائر الحيوانات، فإن الشاة ترى الذئب فتنفر منه إدراكاً لأن بينها وبينه عداوة بما خلق
(16/494)

الله في طبعه من أكل أمثالها، وهؤلاء يرون ما حل بأمثالهم من العذاب لتكذيبهم الرسل فلا يفرون منه إلى التصديق.
ولما ذكر سبحانه حال الأولين موعظة للعرب، فكان كأنه قيل صرفاً للقول إلى مظهر العظمة تذكيراً بما في الأناة من المنة لأن حالها يقتضي المعاجلة بالأخذ والمبادرة بإحلال السطوة، ضربنا لكم حالهم مثلا لحالكم لتعتبروا به، فإن الأمثال يفهم بها المعاني الغائبة، وتصير كأنها محسوسة مشاهدة، عطف عليه قوله مؤكداً لإنكارهم أن يكون في القرآن بيان شاف وادعائهم أنه إنما هو شعر وكهانة وسحر: {ولقد ضربنا} على ما لنا من العظمة. ولما كان في سياق المفاضلة بين المتقي وغيره من أوائل السورة حين قال {أمن هو قانت} إلى أن ختم بقوله {أفمن يتقي بوجهه} وأسس ذلك كله على ابتداء الخلق من نفس واحدة، كانت العناية في هذا السياق بالمخاطبين أكثر، فقدم قوله: {للناس} أي عامة لأن رسالة رسولكم عامة.
ولما كان المتعنت كثيراً، عين المحدث عنه بالإشارة التي هي أعرف المعارف، وجعلها ما يعبر به عن القرب، إشارة إلى أنه لما أتى به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلع القلوب وملأها، فلا حاضر فيها سواه وإن كان المعاند يقول غير ذلك فقوله زور وبهتان وإثم وعدوان، فقال: {في هذا القرآن} أي الجامع لكل علم. ولما كانت كلماته سبحانه لا تنفد وعجائبه لا تعد ولا تحد، وكان في
(16/495)

سياق التعجيب من توقفهم قال {من كل مثل} أي يكفي ضربه في البيان لإقامة الحجة البالغة، ثم بين علة الضرب بقوله: {لعلهم يتذكرون *} أي ليكون حالهم بعد ضربه حال من يرجى تذكره بما ضرب له ما يعرفه في الكون في نفسه أو في الآفاق تذكراً واضحاً مكشوفاً - بما أرشد إليه الإظهار، فيتعظ لما في تلك الامثال المسوقة في أحسن المقال المنسوقة بما يلائمها من الأوضاع والأشكال من البيان وأوضح البرهان.
ولما كان ذلك غاية في الشرف، دل على زيادة شرفه بحال مؤكدة دالة على شدة عنادهم، تسمى موطئه لأن الحال في الحقيقة ما بعدها بقوله: {قرآناً} أي حال كون ذلك المضروب جامعاً لكن ما يحتاج إليه، ويجوز أن يكون النصب على المدح {عربياً} جارياً على قوانين لسانهم في جمعه باتساعه ووضوحه واحتمال اللفظ الواحد منه لمعان كثيرة، فكيف إذا انضم إلى غيره فصار كلاماً. ولما كان الشيء قد يكون مستقيماً بالفعل وهو معوج بالقوة، قال تعالى: {غير ذي عوج} أي ليس بمنسوب إلى شيء من العوج ولا من
(16/496)

شأنه العوج، فلا يصح أن يكون معوجاً أصلاً في شيء من نظمه ولا معناه باختلاف ولا غيره كما في آية الكهف سواء، وفي الإتيان بعوج الذي هو مختص بالمعاني بيان أن الوصف له حقيقة، فهو أبلغ من غير معوج، لأنه يحتمل إرادة أهله على المجاز.
ولما كان التذكر بالتذكير لكونه أبلغ للوعظ حاملاً، ولا بد للعاقل على الخوف المسبب للنجاة قال: {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم بعد التذكير الناشىء عن التذكير حال من يرجى له أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية.
(16/497)

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33)
ولما أقام سبحانه الدليل المنير على التفاوت العظيم، بين من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يدعو الله مخلصاً له الدين وبين من يدعو لله أنداداً، وختم بضرب الأمثال، وكان الأمثال أبين فيما يراد من الأحوال، قال منبهاً على عظمتها بلفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال: {ضرب الله} أي الملك الأعظم المتفرد بصفات الكمال {مثلاً} لهذين الرجلين مع أنه لا يشك ذو عقل أن المشرك لا يداني المخلص فضلاً عن أن يقول: إن المشرك أعظم كما يقوله المشركون. ولما كان الذكر أقوى من الأنثى، وأعرف بمواقع النفع والضر، وكان كونه بالغاً أعظم لقوته وأشد لشكيمته، فيكون أنفى للعار عن نفسه وأدفع للظلم عن جانبه وأذب عن حماه، قال مبيناً للمثل مشيراً إلى تبكيت الكفار ورضاهم لأنفسهم بما لا يرضاه لنفسه
(16/497)

أدنى الأرقاء {رجلاً فيه} أي خاصة. ولما كانت معبوداتهم - لكونها من جملة المخلوقات - كثيرة الأشباه والنظائر، عبر عنها بجمع الكثرة فقال: {شركاء} في الظاهر من الأصنام وفي الباطن من الحظوظ والشهوات، ووصف الشركاء بقوله: {متشاكسون} أي مختلفون عسرون يتجاذبون مع سوء الأخلاق وضيقها وقباحة الشركة، فليس أحد منهم يرضى بالإنصاف، فهو لا يقدر أن يرضيهم أصلاً {ورجلاً سلماً} أي من نزاع {لرجل} فليس فيه لغيره شركة ولا علاقة أصلاً، فهو أجدر بأن يقدر على رضاه مع راحته من تجاذب الشركاء - هذا على قراءة المكي والبصري، وعلى قراءة الباقين بحذف الألف وفتح اللام وهو وصف بالمصدر على المبالغة.
ولما انكشف الحال فيها جداً قال: {هل يستويان} أي الرجلان يكون أحدهما مساوياً للآخر بوجه من الوجوه ولو بغاية الجهد والعناية. ولما كان الاستواء مبهماً قال: {مثلاً} أي من جهة المثل، أي هل يستوي مثلهما أي يجمعهما مثل واحد حتى أن يكونا هما متساويين فهو تمييز محول في الأصل عن الفاعل، والجواب في هذا الاستفهام الإنكاري قطعاً: لا سواء، بل مثل الرجل السالم في غاية الحسن فكذا ممثوله وهو القانت المخلص، ومثل الرجل الذي وقع فيه التشاكس في غاية القبح فكذا ممثوله وهو الداعي للأنداد.
(16/498)

ولما علم بهذا المثل المضروب للرجلين سفول المشترك وهو الداعي للأنداد، وعلو السالم وهو القانت، ظهر بذلك بلا ريب حقارة المتشاركين وجلالة المتفرد وهو الله، فأنتج قطعاً قوله: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} الذي لا مكافئ له، يعلم ذلك كل أحد لما له من الظهور لما عليه من الدلائل، فلا يصح أن يكون له شريك {بل أكثرهم} أي الناس {لا يعلمون *} لأنهم يعملون لما لا يليق بهذا العلم فيشركون به إما جلياً وإما خفياً، ويجوز أن يقال: له الكمال كله، فليس الملتفتون إلى غيره أدنى التفات علماء، بل لا علم لهم أصلاً، وهم المشركون شركاً جلياً، وأما أصحاب الشرك الخفي فهم، وإن كان لهم علم - فليس بكامل.
ولما كان السالم مثلاً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأتباعه، والآخر للمخالفين، وكان سبحانه قد أثبت جهلهم، وكان الجاهل ذا حمية وإباء لما يدعى إليه من الحق وعصبيته:
والجاهلون لأهل العلم اعداء ... فكان لذلك التفكير في أمرهم وما يؤدي إليه من التقاعد من الأتباع والتصويب بالأذى ولا سيما وهم أكثر من أهل العلم مؤدياً
(16/499)

إلى الأسف وشديد القلق فكان موضع أن يقال: فما يعمل؟ وكان لا ينبغي في الحقيقة أن يقلق إلا من ظن دوام النكد، قال تعالى مسلياً ومعزياً وموسياً في سياق التأكيد، تنبيهاً على أن من قلق كان حاله مقتضياً لإنكار انقطاع التأكيد: {إنك} فخصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن الخطاب إذا كان للرأس كان أصدع لأتباعه، فكل موضع كان للأتباع وخص فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالخطاب دونهم فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ.
ولما لم يكن لممكن من نفسه إلا العدم قال: {ميت} أي الآن لأن هذه صفة لازمة بخلاف «مايت» يعني: فكن كالميت بين يدي الغاسل فإنك مستريح قريباً عما تقاسي من أنكادهم، وراجع إلى ربك ليجازيك على طاعتك له {وإنهم} أي العباد كلهم أتباعك وغيرهم {ميتون} فمنقطع ما هم فيه من اللدد والعيش والرغد.
ولما كان الشفاء الكامل إنما يكون بأخذ الثار، وإذلال الظالم، قال مشيراً بأداة التراخي إلى مدة البرزخ مؤكداً لأجل إنكارهم البعث فضلاً عن القصاص صادعاً لهم بالخطاب بعد الغيبة: {ثم إنكم} أي أيها العباد كلكم، فإن كل أحد مسؤول عن نفسه وعن غيره
(16/500)

هل راعى حق الله فيه، أو أنت وهم من باب تغليب المخاطب وإن كان واحداً لعظمته على الغائبين، وزاد في إثبات المعنى بقوله: {يوم القيامة} فساقه مساق ما خلاف فيه، وبين أن ذلك الحال مخالف لهذا الحال لانقطاع الأسباب بقوله، صارفاً القول إلى وصف التربية الذي يحق له الفضل على الطائع والعدل في العاصي {عند ربكم} أي المربي لكم بالخلق والرزق فلا يجوز في الحكمة أن يدعكم يبغي بعضكم على بعض كما هو مشاهد من غير حساب كما أن أقلكم عقلاً لا يرضى بذلك في عبيده الذين ملكه الله إياهم ملكاً ضعيفاً، أو ولاه عليهم ولاية مزلزلة، فكيف بمن فوقه فكيف بالحكماء {تختصمون *} أي تبالغون في الخصومة ليأخذ بيد المظلوم وينتقم له من الظالم، ويجازي كلاًّ بما عمل، أما في الشر فسوءاً بسوء، لا يظلم مثقال ذرة ولا ما دونه، وأما في الخير فالحسنة بعشرة أمثالها - إلى ما فوق ذلك مما لا يعلمه غيره، فلا ينبغي أبداً لمظلوم أن يتوهم دوام نكده وعدم الأخذ بيده فيقتصر في العمل ويجنح إلى شيء من الخوف والوجل، بل عليه أن يفرح بما يجزل ثوابه، ويسر بما ييسر حسابه، ويشتغل بما يخلص به نفسه في يوم التلاق الذي الناس فيه فريقان، ولا يشتغل بما لا يكون
(16/501)

من تصفية دار الكدر عن الأكدار، وقرارة الدنس عن الأقذاء والأقذار، فإن الدوام فيها محال على حال من الأحوال، قال القشيري: نعاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونعى المسلمين إليهم ففرغوا بأنفسهم عن مأتمهم، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث، ومن لم يتفرغ عن مأتم نفسه وأنواع غمومه وهمومه، فليس له من هذا الحديث شمة، وإذا فرغ قلب عن حديث نفسه وعن الكون بجملته، فحينئذ يجد الخير من ربه وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد بعضهم يعني في لسان الحال بما قدمنا:
كتبت إليكم بعد موتي بليلة ... ولم أدر أني بعد موتي أكتب
انتهى. ومن المعلوم أنهم إذا أماتوا نفوسهم حييت أرواحهم فانفسحت صدورهم وانتعشت قوى قلوبهم فاتسعت علومهم واستنارت فهومهم وتجلت لهم حقائق الأمور فحدثوا عن مشاهدة {الناس نيام} فإذا ماتوا انتبهوا.
ولما أخبر سبحانه بأنهم جعلوا لله أنداداً، وأعلم بأنهم كذبة في ذلك كافرون ساترون للحق، وأنه لا يهدي من هو كاذب كفار، وأخبر أنه لا بد من خصام الداعي لهم بين يديه سبحانه، لآنه لا يجوز
(16/502)

في الحكمة تركهم هملاً كما هو مقرر في العقول وموجود في الفطر الأولى، ومعلوم بالمشاهدة من أحوالهم فينعم على المظلوم، وينتقم من الظالم، وكان الكاذب في أقل الأشياء ظالماً، وأظلم منه الكاذب على الأكابر، وأظلم الظالمين الكاذب على الله، قال تعالى مسبباً عما مضى: {فمن أظلم} أي منهم - هكذ كان الأصل ولكنه قال: {ممن كذب} تعميماً وتعليقاً بالوصف، فكفر بستر الصدق الثابت وإظهار ما لا حقيقة له.
ولما كان الكذب عظيم القباحة في نفسه فكيف إذا كان كما مضى على الأكابر فكيف إذا كانوا ملوكاً، فكيف إذا كان على ملك الملوك، لفت القول إلى مظهر الاسم الأعظم تنبيهاً على ذلك فقال: {على الله} أي الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره، فمن نازعه واحدة منهما قصمه، فزعم فب كذبه أن له سبحانه أنداداً، وشركاء وأولاداً.
ولما كان وقوع الحساب يوم القيامة حقاً لكونه واقعاً لا محالة وقوعاً يطابق الخبر عنه، لما علم من أنه لا يليق في الحكمة غيره لما علم من أن أقل الخلق لا يرضى أن يترك عبيده سدى، فكيف بالخالق؟ فكان الخبر به صدقاً لوقوع العلم القطعي بأنه يطابق ذلك الواقع قال: {وكذب} أي أوقع التكذيب لكل من أخبره {بالصدق} أي الإخبار بأن الله واحد وأنه يبعث الخلائق للجزاء المطابق
(16/503)

كل منهما للواقع لما دل على ذلك من الدلائل المشاهدة {إذ جاءه} أي من غير توقف ولا نظر في دليل، كما هو دأب المعاندين، أولئك هم الكافرون لهم ما يضرهم من عذاب جهنم، ذلك جزاء المسيئين.
ولما كان قد تقرر كالشمس أنه لا يسوغ في عقل العاقل ترك الخلق سدى، فكان يوم الدين معلوماً قطعاً، وكان معنى هذا الاستفهام الإنكاري نفي مدخوله فترجمته: ليس أحد أكذب منهم، وكان عرف اللغة في تسليط هذا النفي على صيغة أفعل إثبات مدلول أفعل ليكون المعنى أنهم أكذب الخلق، فكان التقدير: أليس هذا الكاذب المكذب عاقلاً يخشى أن يحاسبه الله الذي خلقه؟ أليس الله المتصف بجميع صفات الكمال يحاسب عباده كما يحاسب كل من الخلائق من تحت يده؟ أليس يحبس الظالم منهم في دار انتقامه كما يفعل أدنى الحكام؟ أليس دار انتقامه جهنم التي تلقى داخلها بعبوسة وتجهم؟ نسق به قوله: {أليس في جهنم} أي النار التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله {مثوى} أي منزل مهيأ للإقامة فيه على وجه اللزوم لهم هكذا كان الأصل، ولكنه قال تعميماً وتعليلاً بالوصف مبيناً أن الكذب كفر أي ستر للصدق وغظهار لما لا حقيقة له، والتكذيب بالصدق كذلك {للكافرين *} أي الذين ستروا كذبهم فألبسوه ملابس الصدق وستروا الصدق الذي كذبوا به،
(16/504)

ذلك جزاء المسيئين لأنهم ليسوا بمتقين، فأقام سبحانه هذه المقدمة دليلاً على تلك المقدمات كلها.
ولما ذكر سبحانه الظالمين بالكذب ذكر أضدادهم الذين يخاصمونهم عند ربهم وهم المحسنون بالصدق فقال: {والذي} أي الفريق الذي {جاء بالصدق} أي الخبر المطابق للواقع، فصدق على الله، وتعريفه يدل على كماله، فيشير إلى أن الإتيان به ديدنه لا يتعمد كذباً {وصدق به} أي بكل صدق سمعه وقام عليه الدليل، وليس هو بجموده عدو ما لم يعلم، فهو يكذب بكل ما لم يسمع، فمن أعدل منه لكونه صدق على الله وصدق بالصدق إذ جاءه واستمر عليه، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة الموصوف بهذا الوصف من الصدق، وهذا الفريق هو الرسل وأتباعهم، ولذلك حصر التقوى فيهم، فقال مشيراً بالجمع إلى عظمتهم وإن كانوا قليلاً: {أولئك} أي العالو الترتبة {هم} أي خاصة {المتقون *} الذين جانبوا الظلم، فليس لجهنم عليهم سبيل، ولا لهم فيها منزل ولا مقيل، بل الجنة منزلهم، أليس في الجنة منزل للمتقين؟ فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً المثوى في
(16/505)

جهنم دليلاً على حذف ضده ثانياً، والاتقاء ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، وسره أنه ذكر أنكأ ما للمجرم من الكفر وسوء الجزاء. وأسرّ ما للمسلم من قصر التقوى عليه، وذكر أحب جزائه إليه، والإشارة إلى عراقته في الإحسان وفي الآيات احتباك آخر وهو أنه ذكر الكذب والتكذيب أولاً دليلاً على الصدق والتصديق ثانياً، والاتقاء وجزاءه وما يتبعه ثانياً دليلاً على ضده أولاً، وسره أنه ذكر في شق المسيء أنكأ ما يكون من الكذب والتكذيب في أقبح مواضعه، ولا سيما عند العرب، وأسر ما يكون في شق المحسن من استقامة الطبع وحسن الجزاء.
(16/506)

لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37)
ولما مدحهم على تقواهم، قال في جواب من سأل عن ثوابهم، فقال لافتاً القول إلى صفة الإحسان تعريفاً بمزيد إكرامهم: {لهم ما يشآءون} أي يتجدد لهم إرادته متى أرادوه {عند ربهم} أي المحسن إليهم اللطيف بهم في الدنيا والآخرة لأنهم سلموا له في الأولى ما يشاء، فسلم لهم في الأخرى ما يشاؤون. ولما كان أعظم الجزاء، مدحه على وجه بين علته وأوجب عمومه فقال: {ذلك} أي الثواب الكبير {جزاء المحسنين *} أي كل من اتصف بالإحسان كما اتصفوا به بالتقوى، فأحبه الله سبحانه كما أحبهم، فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي
(16/506)

يمشي بها.
ولما كان العاقل من قدم في كل أمر الأهم فالأهم فميز بين خير الخيرين فأتبعه، وشر الشرين فاجتنبه، كان المحسن من جعل أكبر ذنوبه نصب عينيه وعمل على هدمه، فلذلك علل الإحسان بقوله: {ليكفر} أي يستر ستراً عظيماً كأنه قال: المحسنين الذين أحسنوا لهذا الغرض، ويجوز أن يكون التعليل للجزاء، وعبر بالاسم الأعظم لفتاً عن صفة الإحسان إشارة إلى عظيم الاجتهاد في العمل والإيذان بأنه لا يقدر على الغفران لمن يريد إلا مطلق التصرف فقال: {الله} أي الذي نصب المحسن جلاله وجماله بين عينيه، فاستغرق في صفاته ابتغاء مرضاته، فعبده كأنه يراه، وحقق باعترافهم بالخطأ وقصدهم التكفير لما أهمهم فعلهم له بقوله: {عنهم أسوأ} العمل {الذي عملوا} وتابوا عنه بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود وقد علم أنه إذا محي الأكبر انمحى الأصغر لأن الحسنات يذهبن السيئات، فلله در أهل البصائر والإخلاص في الإعلان والسرائر ولما أخبر بالتطهير من اوضار السيىء، أتبعه الإخبار بالتنوير بأنوار الحسن فقال: {ويجزيهم أجرهم}
(16/507)

أي الذي تفضل عليهم بالوعد به.
ولما كان تعالى يزيد العمل الصالح ويربيه، زاد الجار في الجزاء إعلاماً بأنه يجعل الأعمال الصالحة كلها مثل أعلاها فقال: {بأحسن} ولما كان مقصود هذه السورة أخص من مقصود سورة النحل، وكانت «الذي» و «من» أقل إبهاماً من «ما» قال: {الذي} أي العمل الذي، وهو كالأول من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه كخاتم فضة، وأشار إلى مداومتهم على الخير بالتعبير بالكون والمضارع فقال: {كانوا يعملون *} مجددين له وقتاً بعد وقت لأنه في طبائعهم فهم عريقون في تعاطيه، فمن كان في هذه الدار محسناً في وقت ما يعبد الله كأنه يراه فهو في الآخرة كل حين يراه، قال القشيري، ثم يجب أن يكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وأحسن الثواب الرؤية، فيجب أن يكون على الدوام. وهذا استدلال قوي.
ولما فهم من قوله: «وكذب بالصدق إذ جاءه» أن المشركين يكذبونه، وكان من طبع الآدمي الاهتمام بمثل ذلك ولا سيما إذا كان المكذب كثيراً وقوياً، وتقرر أنه سبحانه الحكم العدل بين المتخاصمين وغيرهم في الدنيا والآخرة، ولزم كل سامع الإقرار بالآخرة، وبشر المحسنين وحذر المسيئين، وكان من المعلوم أنهم يحذرونه آلهتهم كما يحذرهم إلهه، حسن كل الحسن قوله مقراً للكفاية غاية الإقرار، ومنكراً
(16/508)

لنفيها كل الإنكار: {أليس الله} أي الجامع لصفات العظمة كلها المنعوت بنعوت الكمال من الجلال والجمال، وأكد المراد بزيادة الجار لما عندهم من الجزم بأنهم غالبون فقال: {بكاف} وحقق المناط بالإضافة في قوله: {عبده} أي الخالص له الذي لم يشرك به أصلاً كما تقدم في المثل ممن كذبه وقصد مساءته فينصره عليهم حتى يظهر دينه ويعلي أمره ويغنيه عن أن يحتاج إلى غيره أو يجنح إلى سواه، باعتقاد أن في يده شيئاً يستقل به، وهاذ لا ينافي السعي في الأسباب مع اعتقاد أنها بيد الله، فإن شاء ربط بها المسببات، وإن شاء أعقمها، بل السعي أكمل، لأن ترتيب الأسباب بوضع الحكيم، فالسعي في طرحها ينافي وضع الحكمة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر: عباده - بالجمع بمعنى الرسول وأتباعه.
ولما كان الجواب قطعاً: بلى، إنه ليكفي من يشاء، والأصنام الممثلون بالشركاء المتشاكسين لا يكفون من تولاهم، بني على ذلك حالاً عجيباً من أحوالهم، فقال معجباً منهم ومتهكماً بهم: {ويخوفونك} أي عباد الأصنام يعلمون أن الله يكفي من أراد وأن الأصنام لا كفاية عندها بوجه والحال أنهم يخوفونك. ولما كان الخوف ممن له اختيار، فإن كان عاقلاً كان أقوى لمخالفته، وكان من المعلوم بديهة أنه لا اختيار لهم
(16/509)

فضلاً عن العقل، قال تهكماً بهم بالتعبير بما يعبر به عن الذكور العقلاء لكونهم ينزلونهم بالعبادة وغيرها منزلة العقلاء مع اعترافهم بأنهم لا عقل لهم، فصاروا بذلك ضحكة وشهرة بين الناس: {بالذين} وبين حقارتهم بقوله: {من دونه} وهم معبوداتهم ضلالاً عن المحجة فيقولون: إنا نخشى عليك أن يخبلك آلهتنا كما قالت عاد لهود عليه السلام {أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] وسيأتي التعبير عنهم بالتانيث زيادة في توبيخهم.
ولما كان من الحق الواضح كالشمس أن ما قالوه لا يقوله عاقل، وكان التقدير: فقد أظلهم الله إهانة لهم وهداك إكراماً لك، بين أنه سبحانه قسرهم على ذلك ليكون إضلاله لهم آية كما أن هداه لمن هداه آية، فقال مخففاً عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إذهاب نفسه عليهم حسرات دامغاً للقدرية: {ومن يضلل الله} أي الذي له الأمر كله فلا يرد أمره {فما له} لأجل أنه هو الذي أضله {من هاد} أي فخفض من حزنك عليهم {ومن يهد الله} أي الذي لا يعجزه شيء أبداً {فما له من مضل} فهو سبحانه يهدي من شاء منهم إن أراد.
ولما لم تبق شبهة ولا شيء من شك أن الهادي المضل إنما هو الله وحده وأنه جعل شيئاً واحداً سبباً لضلال قوم ليكون ضلالهم
(16/510)

في الظاهر علة للنقمة، وهدى لآخرين فيكون هداهم سبباً للنعمة، بلغ النهاية في الحسن قوله: {أليس الله} أي الذي بيده كل شيء {بعزيز} أي غالب لما يريد في إضلاله قوماً يدعون أنهم النهاية في كمال العقول لما هدى به غيرهم {ذي انتقام *} أي له هذا الوصف، فمن أراد النقمة منه سلط عليه ما يريد مما يحزنه ويذله كما أنه إذا أراد يعميه عن أنور النور ويضله.
(16/511)

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)
ولما علم بهذه البراهين أنه سبحانه المتصرف في المعاني بتصرفه في القلوب بالهداية والإضلال، وكان التقدير: فلئن قررتم بهذا الاستفهام الإنكاري ليقولن: بلى! عطف عليه بيان أن الخالق للذات كما أنه المالك للمعاني والصفات، فقال مفسداً لدينهم باعترافهم بأصلين: القدرة التامة له والعجز الكامل لمعبوداتهم: {ولئن سألتهم} أي فقلت لمن شئت منهم فرادى أو مجتمعين: {من خلق السماوات} أي على ما لها من الاتساع والعظمة والارتفاع {والأرض} على ما لها من العجائب وفيها من الانتفاع {ليقولن} بعد تخويفهم لك بشركائهم الذين هم من جملة خلق من أرسلك بما أنت فيه: الذي خلقها {الله} أي وحده الذي لا سمي له وإلباس بوجه في أمره، ولا يصدهم عن ذلك الحياء من التناقض ولا الخوف من التهافت بالتعارض.
(16/511)

ولما كان هذا مخيراً لأن بين ولا بد أنهم لا يقبلون ولا يعرضون كان كأنه قيل: فماذا أصنع؟ فقال: {قل} مسبباً عن اعترافهم له سبحانه بجميع الأمر قوله مقرراً بالفرع بعد إقرارهم بالأصل ومقرعاً بتخويفهم ممن ليس له أمر بعقد ولا حل: {أفرءيتم} .
ولما كان السائل النصوح ينبغي له أنه ينبه الخصم على محل النكتة لينتبه من غفلته فيرجع عن غلطته عبر بأداة ما لا يعقل عن معبوداتهم بعد التعبير عنها سابقاً بأداة الذكور العقلاء بياناً لغلطهم، فقال معبراً عن مفعول {رأيت} الأول والثاني جملة الاستفهام، {ما تدعون} أي دعاء عبادة، وقرر بعدهم عن التخويف بهم بادعاء إلهيتهم بقوله: {من دون الله} أي الذي هو ذو الجلال والإكرام فلا شيء إلا وهو من دونه وتحت قهره، ولما كانت العافية أكثر من البلوى، أشار إليها بأداة الشك ونبه على مزيد عظمته سبحانه بإعادة الاسم الأعظم فقال: {إن أرادني الله} أي الذي لا راد لأمره ولما كان درأ المفاسد مقدماً قال: {بضر} أي إن أطعتكم في الجنوح إليها خوفاً منها، وبالغ في تنبيههم نصحاً لهم ليرجعوا عن ظاهر غيهم بما ذكر من دناءتها وسفولها بالتأنيث بعد سفولها بعدم العقل مع دناءتها وبعد التهكم بهم بالتعبير عنها بأداة الذكور العقلاء فقال:
(16/512)

{هل هن} أي هذه الأوثان التي تعبدونها {كاشفات} أي عني مع اعترافكم بأنه لا خلق لها وأنها مخلوقة لله تعالى {ضره} أي الذي أصابني به نوعاً من الكشف، لأرجوها في وقت شدتي {أو أرادني برحمة} لطاعتي إياه في توحيده، وخلع ما سواه من عبيده {هل هن ممسكات} أي عني {رحمته} أي لأجل عصياني لهن نوع إمساك، لأطيعكم في الخوف منهن - هذه قراءة أبي عمرو بالتنوين وإعمال اسم الفاعل بنصب ما بعده، وهو الأصل في اسم الفاعل، والباقون بالإضافة، ولا فائدة غير التخفيف، وقد يتخيل منها أن الأوثان مختصة بهذا المعنى معروفة.
ولما كان من المعلوم أنهم يسكتون عند هذا السؤال لما يعلمون من لزوم التناقض أن أجابوا بالباطل، ومن بطلان دينهم أن أجابوا بالحق، وكان الجواب قطعاً عن هذا: لا سوء نطقوا أو اسكتوا، تحرر أنه لا متصرف بوجه إلا الله، فكانت النتيجة قوله: {قل} إذا ألقمتهم الحجر: {حسبي} أي كافي {الله} الذي أفردته بالعبادة لأنه له الأمر كله مما يخوفونني به ومن غيره {عليه} وحده لأن له الكمال كله {يتوكل المتوكلون *} أي الذين يريدون أن يعلو أمرهم كل أمر، وأمره بالقول إعلاماً بأن حالهم عند هذا السؤال التناقض
(16/513)

الظاهر جداً.
ولما كانوا مع هذه الحجج القاطعة، والأدلة القامعة والبراهين الساطعة، التي لا دافع لها بوجه، كالبهائم لا يبصرون إلا الجزئيات حال وقوعها، قال مهدداً مع الاستعطاف: {قل يا قوم} أي يا أقاربي الذين أرتجيهم عند الملمات وفيهم كفاية في القيام بما يحاولونه {اعملوا} أي افعلوا افعالاً مبنية على العلم {على مكانتكم} أي حالتكم التي ترتبتم فيها وجمدتم عليها لأنه جبلة لكم من الكون والمكنة لتبصروا حقائق الأمور، فتنتقلوا عن أحوالكم السافلة إلى المنازل العالية، فكأنه يشير إلى أنهم كالحيوانات العجم، لا اختيار لهم ويعرّض بالعمل الذي مبناه العلم والمكانة التي محطها الجمود بأن أفعالهم ليس فيها ما ينبني على العلم، وإنما هي جزاف لا اعتبار لها ولا وزن لها. ثم أجاب من عساه أن يقول له منهم: فماذا تعمل أنت؟ بقوله: {إني عامل} على كفاية الله لي، ليس لي نظر إلى سواه، ولا أخشى غيره، وليس لي مكانة ألتزم الجمود عليها، بل أنا واقف على ما يرد من عند الله، إن نقلني انتقلت وإن أمرني بغير ذلك امتثلت وأنا مرتقب كل وقت للزيادة، ثم سبب عن قول من لعله يقول منهم: وماذا عساه يكون قوله؟ إيذاناً بأنه على ثقة من أمره، لأن المخبر له به الله: {فسوف تعلمون *} أي بوعد لا خلف فيه
(16/514)

{من يأتيه} أي منا ومنكم {عذاب يخزيه} بأن يزيل عنه كل شيء يمكنه أن يستعذبه {ويحل عليه} أي يجب في وقته، من حل عليه الحق يحل بالكسر أي وجب، والدين: صار حالاً بحضور أجله {عذاب مقيم *} لإقامته على حالته وجموده على ضلالته، ومن يؤتيه الله انتصاراً يعليه وينقله إلى نعيم عظيم، لانتقاله بارتقائه في مدارج الكمال، بأوامر ذي الجلال والجمال، ولقد علموا ذلك في قصة المستهزئين ثم في وقعة بدر فإن من أهلكه الله منهم جعل إهلاكه أول عذابه ونقله به إلى عذاب البرزخ ثم عذاب النار، فلا انفكاك له من العذاب، ولا رجاء لحسن المآب.
ولما تجلت عرائس هذه المعاني آخذة بالألباب، ولمعت سيوف تلك المباني من المثاني قاطعة الرقاب، وختمها بما ختم من صادع الإرهاب، أنتجت ولا بد قوله معللاً لإتيان ما توعدهم به مؤكداً لما لهم من الإنكار لمضمون هذا الإخبار: {إنا أنزلنا} أي بما لنا من باهر العظمة ونافذ الكلمة.
ولما كان توسط الملك خفياً. لم يعده فأسقط حرف الغاية إفهاماً لأنه في الحقيقة بلا واسطة بعد أن أثبت وساطته أول السورة فقال مقروناً بالأمر بالعبادة إشارة إلى بداية الحال، فلما حصل التمكن فصار الكتاب خلقاً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصار ظهوره فيه هادياً لغيره، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: {عليك} أي خاصة
(16/515)

لا على غيرك من أهل هذا الزمان، لأنك عندنا الخالص لنا دون أهل القريتين ودون أهل الأرض كلهم، لم يكن لشيء دوننا فيك حظ {الكتاب} الجامع لكل خير لكونه في غاية الكمال بما دل عليه «ال» {للناس} عامة لأن رسالتك عامة {بالحق} مصاحباً له، لا يقدر الخلق على أن يزيحوا معنى من معانيه عن قصده، ولا لفظاً من ألفاظه عن سبيله وحده، بل هو معجز في معانيه - حاضرة كانت أو غائبه - ونظومه، وألفاظه وأسماء سوره وآياته وجميع رسومه، فلا بد من إتيان ما فيه من وعد ووعيد.
ولما تسبب عن علم ذلك وجوب المبادرة إلى الإذعان له لفوز الدارين، حسن جداً قوله تعالى تسلية له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعظيم ما له من الشفقة عليهم وتهديداً لهم: {فمن اهتدى} أي طاوع الهادي {فلنفسه} أي فاهتداؤه خاص نفعه بها ليس له فيه إلا أجر التسبب {ومن ضل} أي وقع منه ضلال بمخالفته لداعي الفطرة ثم داعي الرسالة عن علم وتعمد، أو إهمال للنظر وتهاون. ولما كان ربما وقع في وهم أنه يحلق الداعي بعد البيان ومن إثم الضال، وكان السياق لتهديد الضالين. زاد في التأكيد فقال: {فإنما يضل عليها} أي ليس عليك شيء من ضلاله، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
ولما هدى السياق إلى أن التقدير: فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم
(16/516)

على الهدى، عطف عليه قوله: {وما أنت} أي في هذا الحال، ولمزيد العناية بنفي القهر أداة الاستعلاء فقال: {عليهم بوكيل *} لتحفظهم عن الضلال، فإن الرسالة إليهم لإقامة الحجة لا لقدرة الرسول على هدايتهم ولا لعجز المرسل عن ذلك.
(16/517)

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44)
ولما كان الوكيل في الشيء لا تصلح وكالته فيه إلا إن كان قادراً عليه بطريق من الطرق، وكان حفظهم على الهدى وعن الضلال لا يكون عليه إلا لحاضر لا يغيب ولا يعتريه نوم ولا يطرقه موت، لم تصح وكالة أحد من الخلق فيه، وكان كأنه قيل: لأنه لو وكل إليك أمرهم لضاعوا عند نومك وموتك، فدل عليه بما أدى معناه وزاد عليه من الفوائد ما يعرف بالتأمل من تشبيه الهداية بالحياة واليقظة والضلال بالموت والنوم، فكما أنه لا يقدر على الإماتة والإنامة إلا الله فكذلك لا يقدر على الهداية والإضلال إلا الله، فمن عرف هذه الدقيقة عرف سر الله في القدرة، ومن عرف السر فيه هانت عليه المصائب، فهي تسلية له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفت القول إلى التعبير بالاسم الأعظم لاقتضاء الحال له، وأسند التوفي إليه سبحانه لأنه في بيان أنه لا يصلح للوكالة غيره أصلاً، فقال: {الله} أي الذي له مجامع الكمال، وليس لشائبة نقص إليه سبيل {يتوفى الأنفس} التي ماتت عند انقضاء
(16/517)

آجالها، أي يفعل في وفاتها فعل من يجتهد في ذلك بأن يقبضها وافية لا يدع شيئاً منها في شيء من الجسد، وعبر عن جمع الكثرة بجمع القلة إشارة إلى أنها وإن تجاوزت الحصر فهي كنفس واحدة، ولعله لم يوحده لئلا يظن أن الوحدة على حقيقتها {حين موتها} أي منعها من التصرف في أجسادها في هذه الحياة الدنيا كائنة في مماتها محبوسة فيه مظروفة له، وعطف على الأنفس قوله: {والتي} أي ويتوفى الأنفس التي {لم تمت} لأنها لم تنقض آجالها حين نومها كائنة {في منامها} بمنعها من التصرف بالحس والإدراك ما دام النوم موجوداً مظروفة له لا شيء منها في الجسد على حال اليقظة، فالجامع بينهما عدم الإدراك والشعور والتصرف، ولو قيل: بموتها وبمنامها، لم يفد أن كلاًّ من الموت والوفاة آية مغايرة للأخرى.
ولما كان النوم منقضياً، دلنا بقرانه بالموت على أن الموت أيضاً منقض، ولا بد لأن الفاعل لكل منهما واحد، فسبب عن ذلك قوله: {فيمسك} أي فيتسبب عن الوفاتين أنه يمسك عنده {التي قضى} أي ختم وحكم وبت بتاً مقدراً مفروغاً منه، وقراءة البناء للمفعول موضحة لهذا المعنى بزيادة اليسر والسهولة {عليها الموت} مظروفة لمماتها، لا تقدر على تصريف جسدها ما دام الموت محيطاً بها كما أن النائمة كذلك ما دام النوم محيطاً بها {ويرسل الأخرى} أي التي أخر موتها، وجعلها مظروفة للمنام لأنها لم ينقض أجلها
(16/518)

الذي ضربه لها بأن يفنى بالمنام فيوقظها لتصريف أبدانها، ويجعل ذلك الإمساك للميتة، والإرسال للنائمة {إلى أجل مسمى} لبعث الميتة ولموت النائمة، لا يعلمه غيره، فإذا جاء ذلك الأجل أمات النائمة وبعث الميتة، وقد ظهر من التقدير الذي هدى إليه قطعاً السياق أن النفس التي تنام هي التي تموت وهي الروح، قال ابن الصلاح في فتاويه: وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنّة - انتهى.
روى الطبراني في الأوسط - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس رضي الله الله عنهما قال: تلتقي أرواح الأحياء والأموات، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل» باسمك ربي وضعت جنبي اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين «» وظهر أيضاَ أن الآية من الاحتباك: ذكر الحين أولاً دليلاً على تقدير مثله في النوم ثانياً، والمنام ثانياً دليلاً على حذف الممات أولاً.
ولما تم هذا على الأسلوب الرفيع، والنظم المنيع، نبه على عظمته وما فيه من الأسرار بقوله مؤكداً قرعاً بمن يرميه بالأساطير وغيرها من الأباطيل: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من الوفاة
(16/519)

والنوم على هذه الكيفية والعبارة عنه على هذا الوجه {لآيات} أي على أنه لا يقدر على الإحياء والحفظ غيره، وأنه قادر على البعث وغيره من كل ما يريده {لقوم} أي ذوي قوة في مزاولة الأمور. ولما كان هذا الأمر لا يحتاج إلى غير تجريد النفس من الشواغل والتدبر قال: {يتفكرون *} أي في عظمة هذا التدبير ليعلم به عظمة الله، وذلك أن النفس جوهر روحاني له في التعلق بالبدن ثلاث حالات: إحداهما أن يقع ضوء النفس على البدن ظاهراً وباطناً، وذلك هو الحياة مع اليقظة، وثانيتها انقطاع ضوء النفس عن البدن ظاهراً لا باطناً، وذلك بالنوم، وثالثها انقطاع ذلك ظاهراً وباطناً وهو بالموت، فالموت والنوم من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام، والنوم انقطاع ناقص، فلا يقدر على إيجاد شيء واحد على نوعين، ثم يجعلهما في شيء واحد على التعاقب ويفصل كلاًّ منهما من الآخر إلا هو سبحانه، وكلما قدر على إنهاء الموتة الصغرى بحد جعله لها فهو قادر على إنهاء الكبرى بمثل ذلك.
ولما أنتج هذا ولا بد نحو أن يقال توعداً لهم: هل علموا أنه لا يقوم شيء مقامه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، ولا يقرب أحد من القدرة على شيء من فعله، فكيف بالقرب من رتبته فضلاً عن
(16/520)

مماثلته، فرجعوا عن ضلالهم، عادله بقوله: {أم اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم بعد وضوح الدلائل عندها أن أخذوا {من دون الله} أي الذي لا مكافئ له مداني {شفعاء} أي تقربهم إليه زلفى في الدنيا وفي الآخرة على تقدير كونها مع قيام الأدلة الشهودية عندهم على أنه لا يشفع أحد إلا عند من يصح أن يكافئه بوجه من الوجوه، ولذلك نبه على المعنى بقوله معرضاً عنهم إشارة إلى سفولهم عن الفهم: {قل أولو} أي أيتخذونهم لذلك ولو {كانوا لا يملكون شيئاً} أي لا تتجدد لهم هذه الصفة {ولا يعقلون *} كما يشاهد من حال أصنامكم.
ولما نفى صلاحية أصنامهم لهذا الأمر، أشار إلى نفيه عما سواه بقصر الأمر عليه فقال: {قل لله} أي المحتوي على صفات الكمال وحده {الشفاعة} أي هذا الجنس {جميعاً} فلا يملك أحد سواه منها شيئاً لكنه يأذن إن شاء فيما يريد منها لمن لمن يشاء من عباده. ولما كان كل ما سواه ملكاً له، وكان من المقرر أن المملوك لا يصح أن يملك شيئاً يملكه سيده، لأن الملكين لا يتواردان على شيء واحد من جهة واحدة، علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} أي التي لا تشاهدون من ملكه سواهما والشفاعة من ملكهما.
(16/521)

ولما كان المملوك ملكاً ضعيفاً قد يتغلب على مالكه فيناظره فيتأهل للشفاعة عنده، نفى ذلك في حقه سبحانه بقوله دالاًّ على عظمة القهر بأداة التراخي فقال: {ثم إليه} أي لا إلى غيره {ترجعون *} معنى في الدنيا بأن ينفذ فيكم جميع أمره وحساً ظاهراً ومعنى في الآخرة.
(16/522)

وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48) فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49)
ولما دل على أن شفعاءهم ليست بأهل للشفاعة، وعلى أن الأمر كله مقصور عليه، وختم بأنه لا بد من الرجوع إليه المقتضي لأن تصرف الهمم كلها نحوه، وتوجه العزائم جميعها تلقاءه، ولأنه لا يخشى سواه ولا يرجى غيره، ذكر حالاً من أحوالهم فقال: {وإذا} أي الحال ما ذكرناه وإذا {ذكر} وأعاد الاسم الأعظم ولم يضمره تعظيماً لأمره زيادة في تقبيح حالهم فقال: {الله} أي الذي لا عظيم غيره ولا أمر لسواه {وحده} أي دون شفعائهم التي قد وضح أنه لا شفاعة لهم: {اشمأزّت} أي نفرت كراهية وذعراً واستكباراً مع تمعر الوجه وتقبضه قلوبهم - هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {قلوب الذين لا يؤمنون} أي لا يجددون إيماناً {بالآخرة} بياناً لأن الحامل لهم على ذلك إضاعة اعتقاد ما ختم به الآية من الرجوع
(16/522)

إليه الذي أتمه وأظهره رجوع الآخرة {وإذا ذكر الذين} وبكت بهم في رضاهم بالأدنى فقال: {من دونه} أي الأوثان، وأكد فرط جهلهم في اتباعهم الباطل وجمودهم عليه دون تلبث لنظر في دليل، أو سماع لقال أو قيل، بقوله: {إذا هم} أي بضمائرهم المفيضة على ظواهرهم {يستبشرون *} أي فاجؤوا طلب البشر وإيقاعه وتجديده على سبيل الثبات في ذلك كله سواء ذكر معهم الله أو لا، فالاستبشار حينئذ إنما هو بالانداد، والاشمئزاز والاستبشار متقابلان لأن الاشمئزاز: امتلاء القلب غماً وغيظاً فيظهر أثره، وهو الانقباض في أديم الوجه، والاستبشار: امتلاء القلب سروراً حتى يظهر أثره، وهو الانبساط والتهلل في الوجه - قال الزمخشري، والعمل في «إذا» الأولى هو العامل في الفجائية، أي فاجؤوا الاستبشار وقت هذا الذكر، وعبر بالفعل أولاً وبالاسمية ثانياً، ليفيد ذمهم على مطلق الاشمئزاز ولو كان على أدنى الأحوال، وعلى ثبات الاستبشار تقبيحاً لمطلق الكفر، ثم الثبات عليه فتحاً لباب التوبة.
ولما نفى صلاحية الوكالة على الناس في الهدى والضلال لغيره ودل على ذلك بملكه وملكه وأخبر بتعمدهم الباطل، أنتج ذلك وجب اللجاء إليه والإعراض عما سواه وقصر العزم عليه فقال
(16/523)

معلماً بذلك ومعلماً لما يقال عند مخالفة الداعي باتباع الهوى: {قل} أي يا من نزل عليه الكتاب فلا يفهم عنا حق الفهم غيره راغباً إلى ربك في أن ينصرك عليهم في الدنيا والآخرة: {اللهم} أي يا الله، وهذا نداء محض ويستعمل أيضاً على نحوين آخرين - ذكرهما ابن الخشاب الموصلي في كتابه النهاية شرح الكفاية - أحدهما أن تذكر لتمكين الجواب في نفس السائل كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لضمام بن ثعلبة رضي الله عنه حيث قال: «الله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس، فقال: اللهم نعم»
- إلى آخر ما قاله له، وسره أن المسؤول إذا ذكر الله في جوابه. كان ذكره إياه أبعث للسائل على تصديقه لأنه أوقر في صدره إن لم يتصد لذكر الله ولم يكن بصدده، وهو ممن يدين باستعمال الكذب، والثاني أن يدل به على الندرة وقلة وقوع المذكور كقول المصنفين: لا يكون كذا اللهم إلا إذ كان كذا - كأنه استغفر الله من جزمه أو لا يسد الباب في أنه لا يكون غير ما ذكره فقال: اللهم اغفر لي فإنه يمكن أن يكون كذا - انتهى. ثم أبدل عند سيبويه ووصف عند غيره فقال: {فاطر} أي مبدع من العدم {السماوات} أي كلهم {والأرض} أي جنسها. ولما كانت القدرة
(16/524)

لا تتم إلا بتمام العلم قال: {عالم الغيب والشهادة} أي ما لا يصح علمه للخلق وما يصح.
ولما كان غيره سبحانه لا يمكن له ذلك، حسن التخصيص في قوله: {أنت} أي وحدك {تحكم بين عبادك} أي أنا وهم وغيرنا في الدنيا والآخرة لا محيص عن ذلك ولا يصح في الحكمة سواه كما أن كل أحد يحكم بين عبيده ومن تحت أمره لا يسوغ في رأيه غير ذلك {في ما كانوا} أي دائماً بما اقتضته جبلاتهم التي جبلتهم عليها {فيه يختلفون *} وأما غيرك فإنه لا يعلم جميع ما يفعلون، فلا يقدر على الحكم بينهم، وأما غير ما هم عريقون في الاختلاف فيه فلا يحكم بينهم فيه لأنه أما ما هيؤوا بفطرهم السليمة وعقولهم القويمة للاتفاق عليه فهو الحق وأما ما يعرض لهم الاختلاف فيه لا على سبيل القصد أو بقصد غير ثابت فهو مما تذهبه الحسنات فعرف أن تقديم الظرف إنما وهو للاختصاص لا الفاصلة.
ولما كان التقدير: فيعذب الظالمين فلو علموا ذلك لما ظنوا بادعائهم له سبحانه ولداً وشركاء يقربونهم إليه زلفى منهم بجلاله ونزاهته عما ادعوه له وكماله، عطف عليه تهويلاً للأمر قوله: {ولو أن} وكان الأصل: لهم - ولكنه قال تعميماً وتعليقاً بالوصف: {للذين ظلموا} أي وقعوا
(16/525)

في الظلم في شيء من الأشياء ولو قال {ما في الأرض} ولما كان الأمر عظيماً أكد ذلك بقوله: {جميعاً} وزاد في تعظيمه بقوله: {ومثله} وقال: {معه} ليفهم بدل الكل جملة لا على سبيل التقطيع {لافتدوا} أي لاجتهدوا في طلب أن يفدوا {به} أنفسهم {من سوء العذاب} وبين الوقت تعظيماً له وزيادة في هوله فقال: {يوم القيامة} روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذاباً: لو أن لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت صلب آدم عليه السلام أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي»
قوله: أردت أي فعلت معك بالأمر فعل المريد وهو معنى قوله في رواية: قد سألتك.
ولما كان التقدير: ولو كان لهم ذلك وافتدوا به ما قبل منهم ولا نفعهم، ولأن ذلك الوقت وقت الجزاء لا وقت العمل، واليوم وقت العمل لا وقت الجزاء، فلو أنفقوا فيه أيسر شيء على وجهه قبل منهم، عطف عليه من أصله لا على جزائه قوله معظماً الأمر بصرف القول إلى الاسم الأعظم: {وبدا} أي ظهر ظهوراً تاماً {لهم} في ذلك اليوم {من الله} أي الملك الأعظم، وهول أمره بإبهامه ليكون ضد {فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] فقال: {ما لم يكونوا} بحسب
(16/526)

جبلاتهم وما فطروا عليه من الإهمال والتهاون {يحتسبون *} أي لم يكن في طبائعهم أن يتعمدوا أن يحسبوه وتجوزه عقولهم من العذاب، وما كان كذلك كان أشق على النفس وأروع للقلب {وبدا لهم} أي ظهر ظهوراً تاماً كأنه في البادية لا مانع منه {سيئات ما} ولما كان في سياق الافتداء، وكان الإنسان يبذل عند الافتداء في فكاك نفسه الرغائب والنفائس، عبر هنا بالكسب الذي من مدلوله الخلاصة والعصارة التي هي سر الشيء فهو أخص من العمل، ولذا جعله الأشعري مناط الجزاء، فقال مبيناً أن خالص عملهم ساقط فكيف بغيره، وهذا بخلاف ما في الجاثية {كسبوا} أي الشيء الذي عملوه برغبة مجتهدين فيه لظنهم نفعه وأنه خاص أعمالهم وأجلها وأنفعها {وحاق} أي أحاط على جهة اللزوم والأذى {بهم ما} أي جزاء الشيء الذي {كانوا به} أي دائماً كأنهم جبلوا عليه {يستهزئون *} أي يطلبون ويوجدون الهزء والسخرية به من النار وجميع ما كانوا يتوعدون به.
ولما أخبر عن ظهور هذا لهم، علله بأنهم كانوا يفعلون ما لم يكن في العادة يتوقع منهم، وهو مجازاة الإحسان بالإساءة وقد كانوا جديرين
(16/527)

بضده فقال: {فإذا} أي وقع لهم ذلك بسبب أنهم إذا مسهم، ولكنه أخبر عن النوع الذي هم منه بما هو مطبوع عليه فقال: {مس الإنسان ضر} أيّ ضر كان من جهة يتوقعها كما تقدم في التي في أول السورة، ويجوز أن يكون مسبباً عن الإخبار بافتدائهم بما يقدرون عليه وأن يكون مسبباً عن اشمئزازهم من توحيد الله تعجيباً من حالهم في تعكيسهم وضلالهم، وتقدم في الآية التي في أول السورة سر كونها بالواو، ولفت القول إلى مظهر العظمة دالاً على أن أغلب الناس لا يرجى اعترافه بالحق وإذعانه لأهل الإحسان إلا إذا مس بأضرار فقال: {دعانا} عالماً بعظمتنا دون آلهته مع اشمئزازه من ذكرنا واستبشاره بذكرها.
ولما كان ذلك الضر عظيماً يبعد الخلاص عنه من جهة أنه لا حيلة لمخلوق في دفعه، أشار إلى عظمته وطول زمنه بأداة التراخي فقال مقبحاً عليه نسيانه للضر مع عظمه في نفسه ومع طول زمنه: {ثم إذا خولناه} أي أعطيناه على عظمتنا متفضلين عليه محسنين القيام بأمره وجعلناه خليقاً بحاله جديراً بتدبيره على غير عمل عمله محققين لظنه الخير فينا وأحسنا تربيتنا له والقيام عليه مع ما فرط
(16/528)

في حقنا {نعمة منا} ليس لأحد غيرنا فيها شائبة منّ ولولا عظمتنا ما كانت {قال} ناسياً لما كان فيه من الضر وإن كان قد طال أمده، قاصراً لها على نفسه غير متخلق بما نبهناه على التخلق به من إحساننا إليه وإقبالنا عليه عند إذعانه، مذكراً لضميرها تفخيماً لها، وبنى الفعل للمجهول إشارة إلى أنه لا نظر له في تعرف المعطي من هو يشكره، وإنما نظره في عظمة النعمة وعظمة نفسه، وإنها على مقدار ما: {إنما أوتيته} أي هذا المنعم به عليّ الذي هو كبير وعظيم لأني عظيم فأنا أعطي على مقداري، و «ما» هي الزائدة الكافة لأن للدلالة على الحصر، ويجوز أن تكون موصولة هي اسم إن وخبرها قوله: {على} إي إيتاء مستعلياً متمكناً على {علم} أي عظيم، وجد مني بطريق الكسب والاجتهاد ووجوده الطلب والاحتيال، فكان ذلك سبباً لمجيئه إليّ أو علم من الله باستحقاقه له.
ولما كان التقدير: ليس كذلك ولا هي نعمة، قال دالاً على شؤم ذلك المعطي وحقارته لأنه من أسباب إضلاله بالتأنيث
(16/529)

{بل هي} أي العطية والنعمة {فتنة} لاختباره هل يشكر أم يكفر لتقام عليه الحجة. فإن أدت إلى النار كانت استدراجاً، وأنث الضمير تحقيراً لها بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى ولأنها أدت إلى الغرور بعد أن ذكر ضميرها أولاً تعظيماً لها لإيجاب شكرها.
ولما كان من المفتونين من ينتبه وهم الأقل، قال جامعاً تنبيهاً على إرادة الجنس وأن تعبيره أولاً بإفراد الضمير إشارة إلى أن أكثر الناس كأنهم في ذلك الخلق النحس نفس واحدة: {ولكن أكثرهم} أي أكثر هؤلاء القائلين لهذا الكلام {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم أصلاً لأنهم طبعوا على الجلافة والجهل والغباوة، فلو أنهم إذا دعونا وهم في جهنم أجبناهم وأنعمنا عليهم نعمتنا ونسبوها إلى غيرنا كما كانوا يفعلون في الدنيا سواء.
(16/530)

قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)
ولما كان كفار قريش مقصودين بهذا قصداً عظيماً وإن كان شاملاً بإطلاقه غيرهم من الأولين والآخرين قال موضحاً لذلك: {قد قالها} أي مقالتهم {إنما أوتيته على علم} {الذين من قبلهم} أي ممن هو أشد منهم قوة وأكثر جمعاً كما قال قارون ومن رضي حاله فتمنى ماله {فما أغنى عنهم} أي أولئك الماضين {ما كانوا} بما اقتضته
(16/530)

جبلاتهم {يكسبون *} أي يجددون على الاستمرار كسبه من المال والجاه وإن كان مليء السهل والجبل: {فأصابهم} أي إصابة شديدة بما دل عليه تذكير الفعل - أي تسبب عن عدم الإغناء أنه أصابهم {سيئات ما كسبوا} أي وبال ذلك وما يسوء من آثاره {والذين ظلموا} أي أوقعوا الأشياء في غير محالها {من هؤلاء} أي قومك الذين لا يتدبرون القرآن فإنهم لو تدبروا آياته عرفوا ولكن سبق عليهم العمى {سيصيبهم} أي إصابة شديدة جداً بوعد لا خلف فيه كما أصاب من قبلهم {سيئات ما كسبوا} أي عملوا من الأشر والبطر فيه أعمال من يظن أنه لا تناله مصيبة في الدنيا وأنه لا يبعث إلى ما أعددنا له من الأهوال في الآخرة، ولقد أصابهم ذلك، فأول ما أصابهم ما كشف عنه الزمان من وقعة بدر ثم ما تبعه إلى ما لا آخر له.
ولما ثبت أن الضار النافع إنما هو الله، من شاء أعطاه، ومن شاء منعه، ومن شاء استلبه ووضعه بعد ما رفعه، وكان التقدير: ألم
(16/531)

يعلموا أن ما جمعه من قبلهم لم يدفع عنهم أمر الله، عطف قوله: {أولم} ولما كان السياق لنفي العلم عن الأكثر، وكان مقصود السورة بيان أنه صادق الوعد ومطلق العلم كافٍ فيه، عبر بالعلم بخلاف ما مضى في الروم فقال: {يعلموا} أي بما رأوا في أعمارهم من التجارب. ولفت الكلام إلى الاسم الأعظم تعظيماً للمقام ودفعاً للبس والتعنت بغاية الإفهام: {أن الله} أي الذي له الجلال والجمال {يبسط} أي هو وحده {الرزق} غاية البسط {لمن يشاء} وإن كان لا حيلة له ولا قوة {يقدر} أي يضيق مع النكد بأمر قاهر على من هو أوسع الناس باعاً في الحيل وأمكنهم في الدول، ومن المعلوم أنه لولا أن ذلك كله منه وحده لما كان أحد ممن له قوة في الجسم وتمكن في العلم فقيراً أصلاً.
ولما كان هذا أمراً لا ينكره أحد، عده مسلماً وقال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم، وأكده لأن أفعالهم أفعال من ينكر أن يكون فيه عبرة {لآيات لقوم} ذوي قوة وهمم عليه {يؤمنون *} أي هيئوا لأن يوجد منهم الإيمان فيجددوا التصديق في كل وقت تجديداً مستمراً بأن الأمور كلها من الله فيخافوه ويرجوه ويشكروه ولا يكفروه، وأما غيرهم فقد حقت عليه الكلمة بما هيىء له من عمل النار، فلا يمكنه الإيمان فليس له في ذلك آيات لأنها لا تنفعه.
(16/532)

ولما حذر سبحانه في هذه السورة ولا سيما في هذه الآيات فطال التحذير، وأودعها من التهديد وصادع الإنذار والوعيد العظيم الكثير، وختم بالحث على الإيمان، والنظر السديد في العرفان، وكانت كثرة الوعيد ربما أيأست ونفرت وأوحشت، وصدت عن العطف وأبعدت، قال تعالى مستعطفاً مترفقاً بالشاردين عن بابه متلطفاً جامعاً بين العاطفين، كلام ذوي النعمة على لسان نبي الرحمة صارفاً القول إلى خطابه بعد أسلوب الغيبة: {قل} أي يا أكرم الخلق وأرحمهم بالعباد، ولفت عما تقتضيه «قل» من الغيبة إلى معنى الخطاب زيادة في الاستعطاف، وزاد في الترفق بذكر العبودية والإضافة إلى ضميره عرياً عن التعظيم فقال: {يا} أي ربكم المحسن إليكم يقول: يا {عبادي} فلذذهم بعد تلك المرارات بحلاوة الإضافة إلى جنابه تقريباً من بابه. ولما أضاف، طمع المطيعون أن يكونوا هم المقصودين، فرفعوا رؤوسهم، ونكس العاصون وقالوا: من نحن حتى يصوب نحونا هذا المقال؟ فقال تعالى جابراً لهم: {الذين أسرفوا} أي تجاوزوا الحد في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى صارت لهم أحمال ثقال {على أنفسهم} فأبعدوها عن الحضرات الربانية، وأركسوها في الدنايا الشيطانية، فانقلب الحال، فهؤلاء الذين نكسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذلتهم والذين رفعوا
(16/533)

رؤوسهم أطرقوا وزالت صولتهم - قاله القشيري، وأفهم تقييد الإسراف أن الإسراف على الغير لا يغفر إلا بالخروج عن عهدة ذلك الغير {لا تقنطوا} أي ينقطع رجاؤكم وتيأسوا وتمتنعوا - وعظم الترجية بصرف القول عن التكلم وإضافة الرحمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الجلال والإكرام فقال: {من رحمة الله} أي إكرام المحيط بكل صفات الكمال، فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي هي باب الرحمة، ولعظم المقام أضاف إلى الاسم الأعظم، ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد لظنهم أن كثرة الوعيد منعت الغفران، وحتمت الجزاء بالانتقام، وكرر الاسم الأعظم تعظيماً للحال، وتأكيداً بما فيه من معنى الإحاطة والجمع لإرادة العموم: {إن الله} أي الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال والإكرام، فكما أنه متصف بالانتقام وهو متصف بالعفو والغفران {يغفر} إن شاء {الذنوب} ولما أفهمت اللام الاستغراق أكده فقال: {جميعاً} ولا يبالي، لكنه سبق منه القول أنه إنما يغفر الشرك بالتوبة عنه، وأما غيره فيغفره إن شاء بتوبة وإن شاء بلا توبة، ولا يقدر أحد أن يمنعه من شيء من ذلك.
ولما كان لا يعهد في الناس مثل هذا بل لو أراد ملك من ملوك الدنيا العفو عن أهل الجرائم، قام عليه جنده فانحل عقده وانثلم حده،
(16/534)

علل هذه العلة بما يخصه، فقال مؤكداً لاستبعاد ذلك بالقياس على ما يعهدون: {إنه هو} أي وحده {الغفور} أي البليغ المغفرة بحيث يمحو الذنوب مهما شاء عيناً وأثراً، فلا يعاقب ولا يعاتب {الرحيم *} أي المكرم بعد المغفرة ولا يقدر أحد أصلاً على نوع اعتراض عليه، ولا توجيه طعن إليه.
(16/535)

وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)
ولما كان التقدير: فأقلعوا عن ذنوبكم، فإنها قاطعة عن الخير، مبعدة عن الكمال، عطف عليه استعطافاً قوله دالاً على أن الغفران المتقدم إنما هو إذا شاء التفضل سبحانه بتوبة وبغير توبة: {وأنيبوا} أي ارجعوا بكلياتكم وكلوا حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا طريقكم {إلى} ولفت الكلام إلى صفة الإحسان زيادة في الاستعطاف فقال: {ربكم} أي الذي لم تروا إحساناً إلا وهو منه {وأسلموا له} أي أوجدوا إسلام جميع ما ملكه لكم من الأعيان والمعاني متبرئين عنه لأجله فإنه لو شاء سلبكموه، فإذا لم تكونوا مالكيه ملكاً تاماً فعدوا أنفسكم عارية عنه غير مالكة له ولا قادرة، وكان الذي لكم بالإصالة ما كان.
ولما كان ذلك شديداً لأن الكف عما أشرفت النفس على بلوغ الوطر منه في غاية المرارة، قال مهدداً لهم دالاً بحرف الابتداء على
(16/535)

رضاه منهم بإيقاع ما أقر به في اليسير من الزمان لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره الله حق قدره باستغراق الزمان في الطاعة وإن كان إبهام الأجل يحدو العاقل على استغراقه فيها: {من قبل أن يأتيكم} أي وأنتم صاغرون {العذاب} أي القاطع لكل العذوبة المجرّع لكل مرارة وصعوبة. ولما كان الإنسان ربما توقع ضرراً في إقدامه على ما له فيه لذة، وحاول دفعه، قال معظماً لهذا العذاب مشيراً بأداة التراخي إلى أنه لا يمكن دفعه ولو طال المدى: {ثم لا تنصرون *} أي لا يتجدد لكم نوع نصر أبداً.
ولما أمر برؤية الأمور كلها من الله وإسلام القياد كله إليه، أمر بما هو أعلى من ذلك، وهو المجاهدة بقتل النفس فقال: {واتبعوا} أي عالجوا أنفسكم وكلفوها أن تتبع {أحسن ما أنزل} واصلاً {إليكم} على سبيل العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي هو فرق الانتقام باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله وباتباع أحاسن ما فيه، فتصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك، هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة الخالق بأن تكون «كأنك تراه» الذي هو أعلى من استحضار «إنه يراك» الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك.
(16/536)

ولما كان هذا شديداً على النفس، رغب فيه بقوله مظهراً صفة الإحسان موضع الإضمار: {من ربكم} أي الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه بالعظائم. ولما كان من النفوس ما هو كالبهائم لا ينقاد إلا بالضرب، قال منبهاً أيضاً علة رفقه بإثبات الجار: {من قبل أن يأتيكم} أي على ما بكم من العجز عن الدفاع {العذاب} أي الأمر الذي يزيل ما يعذب ويحلو لكم في الدنيا أو في الآخرة.
ولما كان الأخذ على غرة أصعب على النفوس قال: {بغتة} ولما كان الإنسان قد يشعر بالشيء مرة ثم ينساه فيباغته، نفى ذلك بقوله: {وأنتم لا تشعرون *} أي ليس عندكم شعور بإتيانه لا في حال إتيانه ولا قبله بوجه من الوجوه لفرط غفلتكم، ليكون افظع ما يكون على النفس لشدة مخالفته لما هو مستقر فيها وهي متوطنة عليه من ضده.
ولما كان للإنسان عند وقوع الخسران أقوال وأحوال لو تخيلها قبل هجومه لحسب حسابه فباعد أسبابه. علل الإقبال على الاتباع بغاية الجهد والنزاع فقال: {أن} أي كراهة أن {تقول} ولما كان الموقع للإنسان في النقصان إنما هو حظوظه وشهواته المخالفة لعقله، عبر بقوله: {نفس} أي عند وقوع العذاب لها، وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد {يا حسرتى} والتحسر: الاغتمام على ما فات والتندم عليه، وألحق الألف بدلاً من الياء
(16/537)

تعظيماً له، أي يا طول غماه لانكشاف ما فيه صلاحي عني وبعده مني فلا وصول لي إليه لاستدراك ما فات منه، وذلك عند انكشاف أحوالها، وحلول أوجالها وأهوالها ودل على تجاوز هذا التحسر الحد قراءة أبي جعفر «حسرتاي» بالجميع بين العوض وهو الألف والمعوض عنه وهو الياء، وحل المصدر لأن ما حل إليه أصرح في الإسناد وأفخم، وأدل على المراد وأعظم، فقال: {على ما فرطت} أي بما ضيعت فانفرط مني نظامه، وتعذر انضمامه والتئامه.
ولما كان حق كل أحد قريباً منه حساً أو معنى حنى كأنه إلى جنبه، وكان بالجنب قوام الشيء ولكنه قد يفرط فيه لكونه منحرفاً عن الوجاه والعيان، فيدل التفريط فيه على نسبة المفرط لصاحبه إلى الغفلة عنه، وذلك أمر لا يغفر، قال: {في جنب} وصرف القول إلى الاسم الأعظم لزيادة التهويل بقوله: {الله} أي حق الملك الأعظم الذي هو غير مغفول عنه ولا متهاون به.
ولما كان المضرور المعذب المقهور يبالغ في الاعتراف، رجاء
(16/538)

القبول والانصراف، قال مؤكداً مبالغة في الإعلام بالإقلاع عما كان يقتضيه حاله، ويصرح به مقاله، من أنه على الحق واجد الجد: {وإن} أي والحال أني {كنت} أي كان ذلك في طبعي {لمن الساخرين *} أي المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في غير منزلتها، وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة، أي تقول: هذا لعله يقيل منها ويعفي عنها على عادة المترققين في وقت الشدائد، لعلهم يعادون إلى أجمل العوائد.
ولما كانت النفس إذا وقعت في ورطة لا تدع وجهاً محتملاً حتى تتعلق بأذياله، وتمت بحباله وتفتر بمحاله، قال حاكياً كذبها حيث لا يغني إلا الصدق: {أو تقول} أي عند نزول ما لا قبل لها به {لو أن} وأظهر ولم يضمر إظهاراً للتعظيم وتلذذاً بذكر الاسم الشريف فقال: {الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل {هداني} أي ببيان الطريق {لكنت} أي ملازماً ملازمة المطبوع على كوني {من المتقين *} أي الذي لا يقدمون على فعل ما لم يدلهم عليه دليل.
(16/539)

أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)
ولما ذكر حالها في الاعتراف بالبطلان، ثم الفزع إلى الزور
(16/539)

والبهتان، أتبعه التمني الذي لا يفيد غير الخسران، فقال: {أو تقول} أي تلك النفس المفرطة {حين ترى العذاب} أي الذي هاجمها للرحمة أو النقمة: {لو أن} أي يا ليت {لي كرة} أي رجعة إلى دار العمل لأتمكن منه {فأكون} أي فيتسبب عن رجوعي إليها أن أكون {من المحسنين *} أي العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن، هذا الإعراب - وهو عطفه على الجواب - أوفق لبقية الآيات التي من سلكه.
ولما حذر سبحانه بما يكون للمأخوذ من سيىء الأحوال وفظيع الأهوال، وكان معنى ما تقدم من كذبه وتمنيه أنه ما جاءني بيان ولا كان لي وقت أتمكن فيه من العمل، قال تعالى مكذباً له: {بلى} أي قد كان لك الأمران كلاهما {قد جاءتك} ولفت القول إلى التكلم مع تجريد الضمير عن مظهر العظمة لما تقدم من موجبات استحضارها إعلاماً بتناهي الغضب بعد لفته إلى تذكير النفس المخاطبة المشير إلى أنها فعلت في العصيان فعل الأقوياء الشداد من التكذيب والكبر مع القدرة في الظاهر على تأمل الآيات، واستيضاح الدلالات، والمشي على طرق الهدايات بعد ما أشار تأنيثها إلى ضعفها عن حمل العذاب وغلبة النقائص لها فقال: {آياتي} على عظمتها في البيان الذي ليس مثله بيان في وقت كنت فيه متمكناً من العمل بالجنان واللسان والأركان
(16/540)

{فكذبت بها} جرأة على الله وقلة مبالاة بالعواقب {واستكبرت} أي عددت نفسك كبيراً عن قبولها {وكنت} أي كوناً كأنه جبلة لك لشدة توغلك فيه وحرصك عليه {من الكافرين *} أي العريقين في ستر ما ظهر من أنوار الهداية للتكذيب تكبراً لم يكن لك مانع من الإحسان إلا ذلك لا عدم البيان ولا عدم الزمان القابل للعمل.
ولما كان قد تعمد الكذب عند مس العذاب في عدم البيان والوقت القابل، قال تعالى محذراً من حاله وحال أمثاله، ولفت القول إلى من لا يفهمه حق فهمه غيره تسلية له وزيادة في التخويف لغيره: {ويوم القيامة} أي الذي لا يصح في الحكمة تركه {ترى} أي يا محسن {الذين كذبوا} وزاد في تقبيح حالهم في اجترائهم بلفت القول إلى الاسم الأعظم فقال: {على الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال بأن وصفوه بما لا يليق به وهو منزه عنه من أنه فعل ما لا يليق بالحكمة من التكليف مع عدم البيان، ومن خلق الخلق يعدو بعضكم على بعض من غير حساب يقع فيه الإنصاف بين الظالم والمظلوم، أو ادعوا له شريكاً أو نحو ذلك، قال ابن الجوزي: وقال الحسن: هم الذين يقولون: إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل - انتهى، وكأنه عنى المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا قولهم: إنهم يخلقون أفعالهم، ويدخل فيه كل من تكلم في الدين بجهل، وكل من كذب وهو
(16/541)

يعلم أنه كاذب في أيّ شيء كان، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله لا يعلم كذبه أو لا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله - تراهم بالعين حال كونهم {وجوههم مسودة} مبتدأ وخبر، وهو حال الموصول أي ثابت سوادها زائد البشاعة والمعظم في الشناعة بجعل ذلك إمارة عليهم ليعرفهم من يراهم بما كذبوا في الدنيا فإنهم لم يستحيوا من الكذب المخزي، أليس ذلك زاجراً عن مطلق الكذب فكيف بالكذب على الله الذي جهنم سجنه فكيف بالمتكبرين عليه {أليس في جهنم} أي التي تلقى فيها بالتجهم والعبوسة {مثوى} أي منزل {للمتكبرين *} الذي تكبروا على اتباع أمر الله.
ولما ذكر حال الذين أشقاهم، أتبعهم حال الذين أسعدهم، فقال عاطفاً لجملة على جملة لا على «ترى» المظروف ليوم القيامة، إشارة إلى أن هذا فعله معهم في الدارين وإشارة إلى كثرة التنجية لكثرة الأهوال كثرة تفوت الحصر: {وينجي} أي مطلق إنجاء لبعض من اتقى بما أشارت إليه قراءة يعقوب بالتخفيف، وتنجية عظمية لبعضهم بما أفادته قراءة الباقين بالتشديد، وأظهر ولم يضمر زيادة على تعظيم حالهم وتسكين قلوبهم {الله} أي يفعل بما له من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ذلك {الذين اتقوا}
(16/542)

أي بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات حماهم هناك من العقوبات {بمفازتهم} أي بسبب أنهم عدوا أنفسهم في مفازة بعيدة مخوفة فوقفوا فيها عن كل عمل إلا بدليل لئلا يمشوا بغير دليل فيهلكوا، فأدتهم تقواهم إلى الفوز، وهو الظفر بالمراد وزمانه ومكانه الذي سميت المفازة به تفاؤلاً، ولذلك فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة لأنها سبب الفوز، وقرئ بالجمع باعتبار أنواع المصدر، وذلك كله بعناية الله بهم في الدارين، فمفازة كل أحد في الأخرى على قدر مفازته بالطاعات في الدنيا.
ولما كان كأنه قيل: ما فعل في تنجيتهم؟ قال ذاكراً نتيجة التنجية {لا يمسهم السوء} أي هذا النوع فلا يخافون {ولا هم يحزنون *} أي ولا يطرق بواطنهم حزن على فائت لأنهم لا يفوت لهم شيء أصلاً.
ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر على دفعهما إلا المبدع القيوم، قال مستأنفاً أو معللاً مظهراً الاسم الأعظم تعظيماً للمقام: {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً
(16/543)

الذي نجاهم {خالق كل شيء} فلا يكون شيء أصلاً إلا بخلقه، وهو لا يخلق ما يتوقعون منه خوفاً، ولا يقع لهم عليه حزن. ولما دل هذا على القدرة الشاملة، كان ولا بد معها من العلم الكامل قال: {وهو} وعبر بأداة الاستعلاء لأنه من أحسن مجزأتها {على كل شيء} أي مع القهر والغلبة {وكيل *} أي حفيظ لجميع ما يريد منه، قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة.
(16/544)

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)
ولما كان الخافقان خزائن الكائنات، وكان لا يتصرف في الخزائن إلا ذو المفاتيح، قال دالاً على وكالته: {له} أي وحده {مقاليد} واحدها مقلاد مثل مفتاح، ومقليد مثل قنديل، وهي المفاتيح والأمور الجامعة القوية وهي استعارة لشدة التمكن من {السماوات} أي جميع أعدادها {والأرض} أي جنسها خزائنهما وأمورهما ومفاتيحهما الجامعة لكل ما فيهما، فلا يمكن أن يكون فيهما شيء ولا أن يتصرف فيه شيء منهما ولا فيهما أحد إلا بإذنه فلا بدع في تنجيته الذين اتقوا.
ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بالله وتقبلوا آياته أولئك هم الفائزون، عطف عليه قوله الذي اقتضاه سياق التهديد: {والذين كفروا} أي لبسوا ما اتضح لهم من الدلالات، وجحدوا أن تكون الأمور كلها بيده {بآيات الله} أي الذي لا ظاهر غيرها، فإنه
(16/544)

ليس في الوجود إلا ذاته سبحانه وهي غيب لا يمكن المخلوق دركها، وأفعاله وهي أظهر الأشياء، وصفاته وهي غيب من جهة شهادة من جهة أخرى {أولئك} البعداء البغضاء {هم} خاصة {الخاسرون *} فإنهم خسروا نفوسهم وكل شيء يتصل بها على وجع النفع لأن كفرهم أقبح الكفر من حيث إنه متعلق بأظهر الأشياء.
ولما قامت هذه الدلائل كما ترى قيام الأعلام، فانجابت دياجير الظلام، وكان الجهلة قد دعوه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال المفسرون في أول سورة ص - إلى أن يكف عن آلهتهم، وكان الإقرار عليها عبادة لها، تسبب عن ذلك أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يصدعهم به بقوله: {قل} ولما كان مقام الغيرة يقتضي محو الأغيار، وكان الغير إذا انمحى تبعه جميع أعراضه، قدم الغير المفعول لأعبد المفعول - على تقدير «أن» - لتأمر فقال: {أفغير الله} أي الملك الأعظم الذي لا يقر على فساد أصلاً.
ولما كان تقديم الإنكار على فعلهم لهم أرجع، وتأخير ما سبق من الكلام لإنكاره أروع، وكان مد الصوت أوكد في معنى الكلام وأفزع وأهول وأفظع، قال صارفاً الكلام إلى خطابهم، لأنه
(16/545)

أقعد في إرهابهم وأشد في اكتئابهم {تأمروني} بالإدغام المقتضي للمد في قراءة أكثر القراء. ولعل الإدغام إشارة إلى أنهم حالوه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر آلهتهم على سبيل المكر والخداع. ولما قرر الإنكار لإثبات إلإغيار، أتم تقرير ذكر العامل في {غير} قال حاذفاً «أن» المصدرية لتصير صلتها في حيز الإنكار: {أعبد} وهو مرفوع لأن «أن» لما حذفت بطل عملها، ولم يراع أيضاً حكمها ليقال: إنه يمتنع نصب «غير» بها لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول.
ولما كانت عبادة غير الله أجهل الجهل، وكان الجهل محط كل سفول، قال: {أيها الجاهلون *} أي العريقون في الجهل، وهو التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم - قاله الحرالي في سورة البقرة.
ولما كان التقديم يدل على الاختصاص، وكانوا لم يدعوه للتخصيص، بل للكف المقتضي للشرك، بين أنه تخصيص من حيث إن الإله غني عن كل شيء فهو لا يقبل عملاً فيه شرك، ومتى حصل أدنى شرك كان في ذلك العمل كله للذي أشرك، فكان التقدير بياناً لسبب أمره بأن يقول لهم ما تقدم منكراً عليهم: قل كذا، فلقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك وجوب التوحيد، فعطف عليه قوله مؤكداً لأجل ما استقر في النفوس من أن من عمل لأحد شيئاً قبل
(16/546)

سواء كان على وجه الشركة أولا: {ولقد} ولما كان الموحي معلوماً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بني للمفعول قوله: {أوحي إليك} ولما كان التعميم أدعى إلى التقبل قال: {وإلى الذين} ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان لبعض الناس قال: {من قبلك} ولما كان الحكم على قوم ربما كان حكماً على المجموع مع قيد الجمع خص بياناً لأنه مع كونه حكماً على المجموع حكم على كل فرد، ولأن خطاب الرئيس خطاب لأتباعه لأنه مقتداهم.
ولما كان الموحى إليهم أنه من أشرك حبط عمله سواء كان هو أو غيره، صح قوله بالإفراد موضع نحو أن الإشراك محبط للعمل وقائم مقام الفاعل، وعدل عنه إلى ما ذكر لأنه أعظم في النهي وأقعد في الزجر لمن يتأهل له من الأمة، وأكد لأن المشركين ينكرون معناه غاية الإنكار: {لئن} أي أوحى إلى كل منكم هذا اللفظ وهو وعزتي لئن {أشركت} أي شيئاً من الأشياء في شيء من عملك بالله وهو من فرض المحال، ذكره هكذا ليكون أروع للأتباع، والفعل بعد إن الشرطية للاستقبال، فعدل هنا عن التعبير بالمضارع للمطابقة بين اللفظ والمعنى لأن الآية سبقت للتعريض بالكفار فكان التعبير بالماضي أنسب ليدل بلفظه على أن من وقع منه شرك
(16/547)

فقد خسر، وبمعناه على أن الذي يقنع منه ذلك فهو كذلك.
ولما تقرر الترهيب أجاب الشرط والقسم بقوله: {ليحبطن} أي ليفسدن فيبطلن عملك فلا يبقى له أثراً ما من جهة القادر فلأنه أشرك به فيه وهو غني لا يقبل إلا الخالص، لأنه لا حاجة إلى شيء، وأما من جهة غيره فلأنه لا يقدر على شيء. ولما كان السياق للتهديد، وكانت العبادة شاملة لمت تقدم على الشرك من الأعمال وما تأخر عنه، لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية البقرة وقال: {ولتكونن} أي لأجل حبوطه {من الخاسرين *} فإنه من ذهب جميع عمله لا شك في خسارته، والخطاب للرؤساء على هذا النحو - وإن كان المراد به في الحقيقة أتباعهم - أزجر للأتباع، وأهز للقلوب منهم والأسماع.
ولما كان التقدير قطعاً: فلا تشرك، بنى عليه قوله: {بل الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال وحده بسبب هذا النهي العظيم والتهديد الفظيع مهما وقعت منك عبادة ما {فاعبد} أي مخلصاً له العبادة، فحذف الشرط، عوض عنه بتقديم المفعول. ولما كانت عبادته لا يمكن أن تقع إلا شكراً لما له من عموم النعم سابقاً ولاحقاً، وشكر المنعم واجب، نبه على ذلك قوله: {وكن من الشاكرين *} أي العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير الخلائق.
ولما كان التقدير: فما أحسن هؤلاء ولا أجملوا حين دعوك
(16/548)

للإشراك بالله، وما عبدوه حق عبادته إذ أشركوا به، عطف عليه قوله: {وما قدروا} وأظهر الاسم الأعظم في أحسن مواطنه فقال: {الله} أي الملك الأعظم {حق قدره} أي ما عظموه كما يجب له فإنه لو استغرق الزمان في عبادته وخالص طاعته بحيث لم يخل شيء منه عنها لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضه عنها فكيف إذا عدل به غيره.
ولما ذكر تعظيم كل شيء ينسب إليه، دل على باهر قدرته الذي هو لازم القبض والطي بما يكون من الحال في طي هذا الكون، فقال كناية عن العظمة بذلك: {والأرض} أي والحال أنها، وقدمها لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها. ولما كان ما يدركون منها من السعة والكبر كافياً في العظمة وأن لم يدركوا أنه سبع، أكد بما يصلح لجميع طبقاتها تنبيهاً للبصراء على أنها سبع من غير تصريح به فقال: {جميعاً} ولما كان أحقر ما عند الإنسان وأخفه عليه ما يحويه في قبضته، مثل بذلك في قوله مخبراً عن المبتدأ مفرداً بفتح القاف لأنه أقعد في تحقير الأشياء العظيمة بالنسبة إلى جليل عظمته: {قبضته} .
(16/549)

ولما كان في الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة، وكان الأمر في الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال: {يوم القيامة} ولا قبضة هناك حقيقية ولا مجازاً، وكذا الطي واليمين، وإنما تمثيل وتخييل لتمام القدرة. ولما كانوا يعلمون أن السماوات سبع متطابقة بما يشاهدون من سير النجوم، جمع ليكون مع {جميعاً} كالتصريح في جميع الأرض أيضاً في قوله: {والسماوات مطويات} ولما كان العالم العلوي أشرف، شرفه عند التمثيل باليمين فقال: {بيمينه} ولما كان هذا إنما هو تمثيل بما نعهد والمراد به الغاية في القدرة، نزه نفسه المقدس عما ربما تشبث به المجسم والمشبه فقال: {سبحانه} أي تنزه من هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص وما يؤدي إلى النقص من الشرك والتجسيم وما شاكله {وتعالى} علواً لا يحاط به {عما يشركون *} أي إن علوه عن ذلك علو من يبالغ فيه، فهو في غاية من العلو لا يكون وراءها غاية لأنه لو كان له شريك لنازعه هذه القدرة أو بعضها فمنعه شيئاً منها، وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء، روى البخاري في صحيحه في التوحيد وغيره من عبد الله رضي عنه قال:
«جاء حبر من اليهود إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إذا
(16/550)

كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يميزهن ثم يقول: أنا الملك، فلقد رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضحك حتى بدت نواجذه - تعجيباً وتصديقاً لقوله - ثم قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وما قدروا الله حق قدره} - إلى: - {يشركون} [الأنعام: 91] » وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك اين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون» ، وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» .
(16/551)

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)
ولما دل على عظيم قدره بعض ما يكون يوم القيامة، أتبعه ما لا يحتمله القوي من أحوال ذلك اليوم دليلاً آخر، فقال دالاً على عظيم قدرته وعزه وعظمته بالبناء للمفعول: {ونفخ في الصور} أي القرن العاطف للأشياء المقبل بها نحو صوته المميل لها عن أحوالها العالي عليها
(16/551)

في ذلك اليوم بعد بعث الخلائق وهي النفخة الأولى بعد البعث التي هي بعد نفختي الموت والبعث المذكورتين في سورة يس، والمراد بها - والله أعلم - إلقاء الرعب والمخافة والهول في القلوب إظهاراً للعظمة وتردياً بالكبرياء والعز في عزة يوم المحشر ليكون أول ما يفجأهم يوم الدين ما لا يحتمله القوي، ولا تطيقه الأحلام والنهى، كما كان آخر ما فجأهم في يوم الدنيا وإن افترقا في التأثير، فإن تلك أثرت الموت، وهذه أثرت الغشي لأنه لا موت بعد البعث، وهي الثالثة من النفخات {فصعق} أي مغشياً عليه {من في السماوات} ولما كان المقام التهويل، وكان التصريح أهول، أعاد الفاعل بلفظه فقال: {ومن في الأرض} .
ولما كان منهم من لا يصعق ليعرف دائماً أنه في كل فعل من أفعاله مختار قادر جبار، استثناه فقال: {إلا من شاء الله} أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز، فيجعل الشيء الواحد هلاكاً لقوم دون قوم، وصعقاً لقوم دون قوم، يجعل ذلك الذي كان به الهلاك به الحياة وذلك الذي كان به الغشي به الإفاقة وإن كان بالنسبة إليهم على حد سواء، إعلاماً بأن الفاعل لما يريد لا الأثر، قيل: المستثنون الشهداء وقيل: غيرهم {ثم نفخ فيه أخرى}
(16/552)

أي نفخة ثانية من هذه، وهي رابعة من النفخة المميتة، ودل على سرعة تأثيرها بالفجاءة في قوله: {فإذا هم قيام} أي قائمون كلهم {ينظرون *} أي يقبلون أبصارهم أو ينتظرون ما يأتي بعد ذلك من أمثاله من دلائل العظمة، وهاتان النفختان هما المرادتان في حديث تخاصم اليهود مع المسلم الذي لطم وجهه، وفي آخره: «يصعق الناس يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور» - وقد رواه البخاري في الخصومات في موضعين، وفي أحاديث الأنبياء في موضعين، وفي الرقاق وفي التوحيد ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، والنسائي في التفسير والنعوت، وبتفصيل رواياته وجمع ألفاظها يعلم أن ما ذكرته هو المراد روى البخاري ومسلم في أحاديث الأنبياء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما يهودي يعرض سلعة له - وقال البخاري: سلعته - أعطى بها شيئاً كرهه أو لم يرضه، قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر! فسمعه رجل من الأنصار فلطم - وقال البخاري: فقام فلطم وجهه،
(16/553)

قال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أظهرنا، فذهب اليهودي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهداً، وقال: فلان لطم وجهي، - وقال البخاري: فما بال فلان لطم وجهي؟ - فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لم لطمت وجهه؟ قال: قال يا رسول الله» والذي اصطفى موسى على البشر «وأنت بين أظهرنا، فغضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث»
- وفي رواية مسلم: «أو في أول من بعث - فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور أو بعث قبلي ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى» وفي رواية للبخاري في تفسير الزمر: «إني من أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة» وفي رواية للبخاري في الخصومات والرقاق وأحاديث الأنبياء وهي لمسلم أيضاً قالا: استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود - وفي رواية لمسلم: رجل من اليهود ورجل من المسلمين - فقال المسلم: والذي اصفطى محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(16/554)

على العالمين، قال البخاري في كتاب التوحيد وأحاديث الأنبياء: في قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، قال البخاري: فغضب المسلم عند ذلك فلطم وجه اليهودي، وقال مسلم وكذلك البخاري في التوحيد والخصومات وأحاديث الأنبياء: فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، قال البخاري في الخصومات: فدعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره - ثم اتفقا: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون» قال البخاري في الرقاق والخصومات وأحاديث الأنبياء ونسخة في التوحيد: «يوم القيامة فأكون في أول من يفيق» ، وفي رواية له في الخصومات؛ «فأصعق معهم» ، وفي رواية له في الرقاق وفي رواية في التوحيد وهي رواية لمسلم وأبي داود: «فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش» ، وقال أبو داود: «في جانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله» ، وفي رواية: «فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو اكتفى بصعقة الطور»
، وفي رواية للبخاري في أحاديث الأنبياء: «فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق أو كان ممن استثنى الله» - ولم يذكر قبلي وروى الحديث الترمذي في تفسير سورة الزمر وابن ماجه في الزهد:
(16/555)

قال: قال اليهودي، وقال ابن ماجه: رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى وموسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يداً فصك بها وجهه - وقال ابن ماجه: فلطمه - قال: تقول هذا وفينا نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ونفخ في الصور» - وقال ابن ماجه: تقول هذا وفينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «قال الله تعالى: ونفخ في الصور - فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من رفع رأسه فإذا موسى آخذ» - وقال ابن ماجه: «فإذا أنا بموسى آخذ - بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أم كان ممن استثنى الله، ومن قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية للبخاري في الرقاق: «يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش، فما أدري أكان فيمن صعق» ، قال: ورواه أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه، وللبخاري في الخصومات عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم! ضرب وجهي رجل من أصحابك، قال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، قال: ضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف» والذي اصطفى موسى على البشر «قلت: أي
(16/556)

خبيث على محمد، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض» - وفي رواية في أحاديث الأنبياء: «فأكون أول من يفيق - فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولى» ، وفي رواية في أحاديث الأنبياء: «فلا أدري أفاق قبلي أو حوسب بصعقة الطور» والله أعلم - هذا ما رأيته من ألفاظ الحديث في الكتب الستة، وأما معنى صعق فإنه صاح ومات فجأة أو غشي عليه، قال في القاموس: الصاعقة الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب، وصعق كسمع صعقاً ويحرك وصعقة وتصعاقاً: غشي عليه. والصعق محركة: شدة الصوت، وككتف: الشديد الصوت، وقال عبد الحق في الواعي: الأزهري: الصاعقة - يعني بالفتح - وأصعقتهم - إذا أصابتهم فصعقوا وصعقوا، ومنه حديث الحسن: ينتظر بالمصعوق ثلاثاً ما لم يخافوا عليه نتناً - يعني الذي مات فجأة، قال: والصاعقة مصدر جاء على فاعلة، تقول: سمعت صاعقة الرعد وثاغية الشاء، وقوله:
(16/557)

{وخر موسى صعقاً} [الأعراف: 143] أي مغشياً عليه، دل على ذلك قوله سبحانه {فلما أفاق} إنما يقال: أفاق من العلة والغشية وبعث من الموت، قال: وجملة الصاعقة الصوت مع النار، وقال أبو عبد الله يعني القزاز: الصعق هو أن يسمع الإنسان صوت الهدة الشديدة فيصعق لذلك عقله، واشتقاق الصاعقة من هذا، سميت صاعقة لشدة صوتها وتقول: إنه لصعق، أي شديد الصوت، وكذا هو صعاق - انتهى.
فتحرر من هذا أن الصعق يطلق على الموت فجأة، وعلى الغشي كذلك، وأن الإفاقة لا تكون إلا عن غشي لا عن موت، فعلم أن الصعقة في هذه الآية إنما هي غشي لأن الثانية عنها إفاقة، وأيضاً فمن الأمر المحقق أنه لا يموت أحد من أهل البرزخ فكيف بالأنبياء عليهم السلام، فالصواب حمل الصعقة المذكورة في الحديث على الغشي أو ما يشبهه، ويؤيده التجويز لأن تكون صعقة الطور جزاء عنها، وعلى تقدير أن تكون غشياً إن قلنا إنه يكون بنفخة الإماتة يلزم عليه أن لا يكون للغشي ولا لعدمه مدخل في الشك في أن موسى عليه السلام أفاق قبل أو لم يحصل له غشي أصلاً، لأن الذي يكون به بطشه بالعرش - وهو بروحه وجسه - إنما هو البعث من الموت لا الإفاقة من الغشي ولا عدم الغشي قبل البعث، فالذي يوضح الأمر ولا يدع فيه لبساً أن يكون ذلك بعد البعث، وتكون حينئذ النفخات أربعاً: الأولى لإماتة الأحياء، الثانية لإحياء جميع الموتى، وهاتان هما المذكورتان في سورة يس،
(16/558)

ولذلك لما ذكرهما صرح في أمرهما بما لا يحتمل غيره {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} الثالثة لابتدائهم بعد البعث بالهول الشديد، والحال يقتضيه لأن ذلك اليوم يوم الأهوال والارعاب والارهاب، وإظهار العظمة والجلال لتقطيع الأسباب، والذي يدل عليه في هذا الحديث قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كثير من رواياته: «فإن الناس يصعقون يوم القيامة» فإن يوم القيامة اسم للوقت الذي أوله البعث وآخره تكامل دخول كل فريق إلى داره ومحل استقراره، وأما صعقة الموت فإنها في دار الدنيا وهي للإنامة لا للإقامة، ويضعف حمله على ما قبل البعث الروايات الصحيحة الجازمة بأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول من تنشق عنه الأرض، وما حكاه الكرماني من الإجماع على ذلك ولا فخر فيه إلا بحصول البعث لا بإظهار الجسد من غير بعث، فهذا الجزم ينافي ذلك الشك، فإذا كان المراد بما في الحديث الغشي كانت نفخة أخرى للإيقاظ منه، وهاتان المرادتان بما في هذه السورة كما في رواية السورة كما في رواية الترمذي وما في النمل، ولذلك عبر عنها بالفزع، ويؤيد ذلك التعبير في رواية البخاري في التفسير بالنفخة الآخرة، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أوتي
(16/559)

جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، ولو أنهما نفختان فقط كان التعبير بالآخرة قاصراً عما تفيده الثانية مع المساواة في عدة الحروف، وهو مما لا يظن ببليغ، فكيف بأبلغ الخلق المؤيد بروح القدس صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان العدول عن الثانية إلى الآخرة مفيداً أنها أربع، ولعل ذلك معنى
{أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين} [غافر: 11] وسميت إماتة لشدة الغشي بها لعظم أمرها ومعنى زلزلة الساعة التي تسكر، ويؤيده التعبير عن القيام منها بالإفاقة لا بالبعث، ولا يعكر على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات: «فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى» - إلى آخره، فالظاهر أن راويها وهم، أو روي بالمعنى فما وفى بالغرض، والراجح روايات من قالوا: «فأكون أول من يفيق» - بالكثرة وبزوال الإشكال، هذا ما كان ظهر لي في النظر في المعنى وتطبيق الآيات والأحاديث عليه، ثم رأيت شيخنا حافظ عصره أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني المصري رحمه الله نقل ما جمعت به بين الروايات في كتاب الأنبياء من شرحه للبخاري عن القاضي عياض فقال: وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. وأقره على ذلك ثم نقل عن ابن حزم عين ما قلته في النفخات فقال ما نصه: تكميل: زعم ابن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة يموت فيها من بقي في الأرض،
(16/560)

حياً، ثانيها نفخة إحياء فيقوم كل ميت، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون منها كالمغشي عليهم، لا يموت منها أحد، والرابعة إفاقة من ذلك الغشي، ثم رده شيخنا بأن الصعقات أربع، ولا يستلزم كون النفخات أكثر من اثنتين، وذلك أنه ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت من كان حياً ويغشى على من كان ميتاً، فهاتان صعقتان في النفخة الأولى، وينفخ النفخة الثانية فيفيق من كان مغشياً عليه ويحيى من كان ميتاً، فهاتان اثنتان في النفخة الثانية، وهذا الرد مردود لمن حقق ما قلته بأدنى تأمل، ويلزم عليه أن يكون أصفياء الله أشد حالاً وفزعاً ممن تقوم عليهم الساعة وهم شر عباد الله، والعجب أن الذي رده على ابن حزم سلّمه لعياض - والله الموفق.
(16/561)

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)
ولما ذكر إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن، أتبعه إقامتهم بنور جميع الكون ظاهراً بالضياء الحسي، وباطناً بالحكم على طريق العدل الذي هو نور الوجود الظاهري والباطني على الحقيقة كما أن ظلم ظلامة كذلك فقال: {وأشرقت} أي أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة {الأرض} أي التي أوجدت لحشرهم، وعدل الكلام عن الاسم الأعظم إلى صفة الإحسان لغلبة الرحمة لا سيما في ذلك اليوم فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بها فقال: {بنور ربها} أي الذي رباها بالإحسان إليها بجعلها محلاًّ للعدل والفضل، لا يكون فيها شيء غير ذلك أصلاً،
(16/561)

وذلك النور الذي هو شيء واحد يبصر به قوم دون آخرين كما كانت النفخة تارة للهلاك وتارة للحياة.
ولما كان العلم هو النور في الحقيقة، وكان الكتاب أساس العلم وكان لذلك اليوم من العظمة ما يفوت الوصف ولذلك كذب به الكفار أتى فيما يكون فيه بإذنه بصيغة المجهول على طريقة كلام القادرين إشارة إلى هوانه وأنه طوع أمره لا كلفة عليه في شيء من ذلك وكذا ما بعده من الأفعال زيادة في تصوير عظمة اليوم بعظمة الأمر فيه فقال: {ووضع الكتاب} أي الذي أنزل إلى كل أمة لتعمل به.
ولما كان الأنبياء أعم من المرسلين، وكان للنبي وهو المبعوث ليعمل من أمره أن يأمر بالمعروف، وقد يتبعه من أراد الله به الخير، وكان عدتهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً، وهي قليلة جداً بالنسبة إلى جميع الناس، عبر بهم دون المرسلين وبجمع القلة فقال: {وجاء بالنبيين} للشهادة على أممهم بالبلاغ. ولما كان أقل ما يكون الشهود ضعف المكلفين، عبر بجمع الكثرة فقال: {والشهداء} أي الذين وكلوا بالمكلفين فشاهدوا أعمالهم فشهدوا بها وضبطوها فأصلت الأصول وصورت الدعاوى وأقيمت البينات على حسبها من
(16/562)

طاعة أو معصية، ووقع الجزاء على حسب ذلك، فظهر العدل رحمة للكفار، وبان الفضل رحمة للمسلمين {وقضى بينهم} أي بين العباد الذين فعل ذلك كله لأجلهم، ولما كان السياق ظاهراً في عموم الفضل عدلاً وفضلاً كما يأتي التنبيه عليه قال: {بالحق} بأن يطابق الواقع من المثوبات والعقوبات ما وقع الخبر به في الكتب على ألسنة الرسل.
ولما كان المراد كمال الحق باعتبار عمومه لجميع الأشخاص والأعمال وكان ربما طرقه احتمال تخصيص ما، أزال ذلك بقوله: {وهم} أي باطناً وظاهراً {لا يظلمون *} أي لا يتجدد لهم ظلم في وقت أصلاً، فلا يزادون في جزاء السيئة على المثل شيئاً ولا ينقصون في جزاء الحسنة عن العشر شيئاً.
ولما كان ذلك ربما كان بالنسبة إلى ما وقع فيه الحكم، وليس نصاً في شمول الحكم لكل عمل، نص عليه بقوله، ذاكراً الوفاء والعمل لاقتضاء السياق ذلك بذكر الكتاب وما في حيزه من النبيين والشهداء والقضاء الحق، وذلك كله أليق بذكر العمل المؤسس على العلم، والوفاء الذي هو الركن الأعظم في الحق ومساق العلم، والعلم والوفاء أوفق لجعل العمل نفسه هو الجزاء بأن يصور بما يستحقه من الصور المليحة إن كان ثواباً والقبيحة إن كان عقاباً، والفرق بينه وبين العقل المؤسس
(16/563)

على الشهوة وقوة الداعية: {ووفيت كل نفس} ولما كانت التوفية في الجزاء على غاية التحرير والمبالغة في الوفاء والمشاكلة في الصورة والمعنى، جعل الموفي نفس العمل فقال: {ما عملت} أي من الحسنات، لذلك عبر بالعمل الذي لا يكون إلا مع العلم وأفهم الختام تقدير «والله أعلم بما يعملون» .
ولما كان المراد بالشهداء إقامة الحقوق على ما يتعارفه العباد وكان ذلك ربما أوهم نقصاً في العلم قال: {وهو أعلم} أي من العاملين والشهداء عليهم {بما يفعلون *} أي مما عمل به بداعية من النفس سواء كان مع مراعاة العلم أو لا. فالآية من الاحتباك: ذكر ما عملت أولاً يدل على ما فعلت ثانياً، وذكر ما يفعلون ثانياً يدل عليه ما يفعلون أولاً، وسره أن ما ذكر أوفق للمراد من نفي الظلم على حكم الوعد بالعدل والفضل لأن فيه الجزاء على كل ما بني على علم، وأما المشتهي فما ذكر أنه يجازى عليه بل الله يعلمه.
ولما كان الأغلب على هذه المقامات التحذير، قدم في هذه التوفية حال أهل الغضب فقال: {وسبق} أي بأمر يسير من قبلنا بعد إقامة الحساب سوقاً عنيفاً {الذين كفروا} أي غطوا أنوار عقولهم، فالتبست عليهم الأمور فضلوا {إلى جهنم} أي الدركة التي تلقاهم بالعبوسة كما تلقوا الأوامر والنواهي والقائمين بها بمثل ذلك، فإن ذلك لازم لتغطية العقل {زمراً} أي جماعات في تفرقة
(16/564)

بعضهم على إثر بعض - قاله أبو عبيد - أصنافاً مصنفين، كل شخص مع من يلائمه في الطريقة والزمرة، مأخوذة من الزمر وهو صوت فيه التباس كالزمر المعروف لأن ذلك الصوت من لازم الجمع.
ولما كان إغلاق الباب المقصود عن قاصده دالاًّ على صغاره، دل على أن أمرهم كذلك بقوله ذاكراً غاية السوق: {حتى إذ جاءوها} أي على صفة الذل والصغار، وأجاب «إذا» بقوله: {فتحت أبوابها} أي بولغ كما يفعل في أبواب السجن لأهل الجرائم بعد تكاملهم عندها في الإسراع في فتحها ليخرج إليهم ما كان محبوساً بإغلاقها من الحرارة التي يلقاهم ذكاؤها وشرارها على حالة هي أمر من لقاء البهام التي اختاروها في الدنيا على تقبل ما خالف أهويتهم من حسن الكلام.
ولما كان المصاب ربما رجا الرحمة، فإذا وجد من يبكته كان تبكيته أشد عليه مما هو فيه قال: {وقال لهم خزنتها} إنكاراً عليهم وتقريعاً وتوبيخاً: {ألم يأتكم رسل} ولما كان قيام الحجة بالمجانس أقوى قال واصفاً لرسل: {منكم} أي لتسهل عليكم مراجعتهم.
ولما كانت المتابعة بالتذكير أوقع في النفس قال آتياً بصفة أخرى معبراً بالتلاوة التي هي أنسب لما يدور عليه مقصد السورة من العبادة لما للنفوس من النقائص الفقيرة إلى متابعة التذكير: {يتلون} أي يوالون {عليكم آيات} ولما كان أمر المحسن أخف على النفس
(16/565)

فيكون أدعى إلى القبول قالوا: {ربكم} أي بالبشارة إن تابعتم. ولما كان الإنذار أبلغ في الزجر قالوا: {وينذرونكم لقاء يومكم} ولما كانت الإشارة أعلى في التشخيص قالوا: {هذا} إشارة إلى يوم البعث كله، أي من الملك الجبار إن نازعتم، فالآية من الاحتباك: ذكر الرب أولاً دلالة على حذف الجبروت ثانياً والإنذار ثانياً دليلاً على البشارة أولاً {قالوا بلى} أي قد أتونا وتلوا علينا وحذرونا.
ولما كان عدم إقبالهم على الخلاص مما وقعوا فيه مع كونه يسيراً من أعجب العجب، بينوا موجبه بقولهم: {ولكن حقت} أي وجبت وجوباً يطابقه الواقع، لا يقدر معه على الانفكاك عنه {كلمة العذاب} أي التي سبقت في الأزل علينا - هكذا كان الأصل، ولكنهم قالوا: {على الكافرين *} تخصيصاً بأهل هذا الوصف وبياناً لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم للأنوار التي أتتهم بها الرسل.
ولما فرغوا من إهانتهم بتبكيتهم، أنكوهم بالأمر بالدخول، وعبر بالمبني للمفعول إشارة ألى أنهم وصلوا إلى أقصى ما يكون من الذل بحيث إنهم يمتثلون قول كل قائل جل أو قل، فقيل في جواب من كأنه قال: ماذا وقع بعد هذا التقريع؟ : {قيل} أي لهم جواباً لكلامهم: {ادخلوا أبواب جهنم} أي طبقاتها المتجهمة لداخليها. ولما كان الإخبار بالخلود حين الدخول أوجع لهم قالوا: {خالدين} أي
(16/566)

مقدرين الخلود {فيها} ولما كان سبب كفرهم بالأدلة هو التكبر، سبب عن الأمر بالدخول قوله معرى عن التأكيد لأنه يقال في الآخرة ولا تكذيب فيها يقتضي التأكيد ولم يتقدم منهم هنا كذب كالنحل بل اعتراف وتندم {فبئس مثوى} أي منزل ومقام {المتكبرين *} أي الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم، فلذلك تعاطوا أسبابها.
(16/567)

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)
ولما ذكر أحوال الكافرين، أتبعه أحوال أضدادهم فقال: {وسيق} وسوقهم إلى المكان الطيب يدل على أن موقفهم كان طيباً لأن من كان في أدنى نكد فهيئ له مكان هنيء لا يحتاج في الذهاب إليه إلى سوق، فشتان ما بين السوقين! هذا سوق إكرام، وذاك سوق إهانة وانتقام، وهذا لعمري من بدائع أنواع البديع، وهو أن يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وعلى هيئتها في حق الأبرار فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم، فسبحان من أنزله معجز المباني، متمكن المعاني، عذب الموارد والمثاني.
ولما كان هذا ليس لجميع السعداء بل للخلص منهم، دل على ذلك بقوله: {الذين اتقوا} أي لا جميع المؤمنين {ربهم} أي الذين كلما زادهم إحساناً زادوا له هيبة، روى أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه
(16/567)

عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، فقيل: ما أطول هذا اليوم؟ قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة» وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «تجتمعون يوم القيامة» - فذكر الحديث حتى قال: «قالوا: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: توضع لهم كراسي من نور ويظلل عليهم الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار» ويمكن أن يكون السوق إشارة إلى قسر المقادير للفريقين على الأفعال التي هي أسباب الدارين {إلى الجنة زمراً} أهل الصلاة المنقطعين إليها المستكثرين منها على حدة، وأهل الصوم كذلك - إلى غير من الأعمال التي تظهر آثارها على الوجوه.
ولما ذكر السوق، ذكر غايته بقوله: {حتى إذا جاءوها} ولما كان إغلاق الباب عن الآتي يدل على تهاون به، وفي وقوفه إلى أن يفتح له نوع هوان قال: {وفتحت} أي والحال أنها قد فتحت {أبوابها} أي إكراماً لهم قبل وصولهم إليها بنفس الفتح وبما يخرج إليهم
(16/568)

من رائحتها، ويرون من زهرتها وبهجتها، ليكون ذلك لهم سائقاً ثانياً إلى ما لم يروا مثله ولا رأوا عنه ثانياً.
ولما ذكر إكرامهم بأحوال الدار، ذكر إكرامهم بالخزنة الأبرار، فقال عطفاً على جواب «إذا» بما تقديره: تلقتهم خزنتها بكل ما يسرهم: {وقال لهم خزنتها} أي حين الوصول: {سلام عليكم} تعجيلاً للمسرة لهم بالبشارة بالسلامة التي لا عطب فيها. ولما كانت داراً لا تصلح إلا للمطهرين قالوا: {طبتم} أي صلحتم لسكناها، فلا تحول لكم عنها أصلاً، ثم سببوا عن ذلك تنبيهاً على أنها دار الطيب، فلا يدخلها إلا مناسب لها، قولهم: {فادخلوها} فأنتج ذلك {خالدين *} ولعل فائدة الحذف لجواب «إذا» أن تذهب النفس فيه من الإكرام كل مذهب وتعلم أنه لا محيط به الوصف، ومن أنسب الأشياء أن يكون دخولهم من غير مانع من إغلاق باب أو منع بواب، بل مأذوناً لهم مرحباً بهم إلى ملك الأبد.
ولما كان التقدير: فدخلوها، عطف عليه قوله: {وقالوا} أي جميع الداخلين: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال، وعدلوا إلى الاسم الأعظم حثاً لأنفسهم على استحضار جميع ما تمكنهم معرفته من الصفات فقالوا: {لله} أي الملك الأعظم {الذي صدقنا وعده} في قوله تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً فطابق قوله الواقع
(16/569)

الذي وجدناه في هذه الساعة {وأورثنا} كما وعدنا {الأرض} التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، بأن جعل حالنا فيها في تمام الملك وعدم التسبب في الحقيقة فيه حال الوارث الذي هو بعد موروثه ولا شيء بعده ولا منازع له حال كوننا {نتبوأ} أي نتخذ منازل هي أهل لمن خرج منها أن يشتهي العود إليها، وبينوا الأرض بقولهم في موضع الضمير: {من الجنة} أي كلها {حيث نشاء} لاتساعها فلا حاجة لأحد فيها أن ينازع أحداً في مكان أصلاً، ولا يشتهي إلا مكانه. ولما كانت بهذا الوصف الجليل، تسبب عنه مدحها بقوله: {فنعم} أجرنا - هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {أجر العاملين *} ترغيباً في الأعمال وحثاً على عدم الاتكال.
ولما ذكر سبحانه الذين ركب فيهم الشهوات، وما وصلوا إليه من المقامات، أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات، فقال صارفاً الخطاب لعلو الخبر إلى أعلى الخلق أنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: {وترى} معبراً بأخص من الإبصار الأخص من النظر كما بين في البقرة في قوله تعالى {وإن القوة لله جميعاً} [البقرة: 165] {الملائكة} القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق {حافين} أي محدقين ومستديرين وطائفين في جموع لا يحصيها إلا الله. من الخف وهو الجمع، والحفة
(16/570)

وهو جماعة الناس، والأعداد الكثيرة، وهو جمع حاف، وهو الواحد من الجماعة المحدقة.
ولما كان عظيم الشيء من عظم صاحبه، وكان لا يحيط بعظمة العرش حق الإحاطة إلا الله تعالى، أشار إلى ذلك بإدخال الجاز فقال: {من حول العرش} أي الموضع الذي يدار فيه به ويحاط به منه، من الحول وهو الإحاطة والانعطاف والإدارة. محدقين ببعض أحفته أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت بالتسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفاً من ربهم، فإدخال {من} يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله، لا يملؤون ما حوله، حال كونهم {يسبحون بحمد} وصرف القول إلى وصف الإحسان مدحاً لهم بالتشمير لشكر المنعم وتدريباً لغيرهم فقال: {ربهم} أي يبالغون في التنزيه عن النقص بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره، وأن يحويه مكان متلبسين بإثبات الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل يشغلهم، ولا منازع من شهوة أو حظ يغفلهم، تلذذاً بذكره وتشرفاً بتقديسه، ولأن حقه إظهار تعظميه على الدوام كما أنه متصل الإنعام.
ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل الشهوات بما برز عليهم من الشهادات،
(16/571)

ذكر هنا الحكم بينهم وبين الملائكة الذين فاضوا في أصل خلقهم بقولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} الآية فقال: {وقضى بينهم} أي بين أهل الشهوات وأهل العصمة والثبات. ولما كان السياق عاماً في الترغيب والترهيب عدلاً وفضلاً، بخلاف سياق سورة يونس عليه السلام، قال: {بالحق} بأن طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي وضعناها لحسابهم الواقع، فمن طغى منهم أسكناه لظى بعدلنا، ومن اتقى نعمناه في جنة المأوى بفضلنا، لجهادهم ما فيهم من الشهوات حتى ثبتوا على الطاعات، مع ما ينزعهم من الطبائع إلى الجهالات، وأما الملائكة فأبقيناهم على حالهم في العبادات: {وقيل} أي من كل قائل: آخر الأمور كلها {الحمد} أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال، وعدل بالقول إلى ما هو حق بهذا المقام فقال: {لله} ذي الجلال والإكرام، علمنا ذلك في هذا اليوم عمل اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين.
ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر، قال واصفاً له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم: {رب العالمين *} أي الذي ابتدأهم،
(16/572)

أولاً من العدم وأقامهم ثانياً بما رباهم به من التدبير، وأعادهم ثالثاً بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير، وأبقاهم رابعاً لا إلى خير، فقد حقق وعده كما أنزل في كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه، فتحقق أنه تنزيله، فقد ختم الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول الجنان والنيران كما ابتدأ به عند ابتداء الخلق في أول الإنعام، فله الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما قال كتابه على كل حال، فقد انطبق آخرها على أولها بأن الكتاب تنزيله لمطابقة كل ما فيه للواقع عندما يأتي تأويله، وبأن الكتاب الحامل على التقوى المسببة للجنة أنزل للإبقاء الأول، فمن أتبعه كان له سبباً للإبقاء الثاني، وهذا الآخر هو عين أول سورة غافر فسبحان من أنزله معجزاً نظامه، فائتاً القوى أول كل شيء منه وختامه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.
(16/573)

مقصودها الاستدلال على آخر التي قبلها من تصنيف الناس في الآخرة إلى صنفين، وتوفية كل ما يستحقه على سبيل العدل، بأن الفاعل ذلك له العزة الكاملة والعلم الشامل، وقد بين ما يغضبه وما يرضيه غاية البيان على وجه الحكمة، فمن لم يسلم أمره كله إليه وجادل في آياته الدالة على القيامة أو غيرها بقوله أو فعله فإنه يخزيه فيعذبه ويرديه، وعلى ذلك دلت تسميتها بغافر، فإنه لا يقدر على غفران ما يشاء لمن يشاء إلا كامل العزة، ولا يعلم جميع الذنوب ليسمى غافراً لها إلا بالغ العلم،
(17/1)

وكذا في جميع الأوصاف التي في الآية من المثاب والعقاب، وكذا الطول فإنه لا يقدر على التطول المطلق إلا من كان كذلك، فإن من كان ناقص العزة فهو قابل لأنه يمنعه من بعض التطولات مانع، ولن يكون ذلك إلا بنقصان العلم، وكذا الدلالة بتسميتها بالمؤمن فإن قصته تدل على هذا المقصد ولا سيما أمر القيامة الذي هو جل المقصود والمدار الأعظم لمعرفة المعبود) بسم الله (الملك الأعظم الذي يعطي كلاً من عباده ما يستحقه، فلا يقدر أحد أن يناقض في شيء من ذلك لا يعارض) الرحمن (الذي عمهم برحمته في الدنيا بالخلق والرزق والبيان لا خفاء معه) الرحيم (الذي يخص برحمته من يشاء من عباده فيجعله حكيماً، وفي تلك الأرض وملكوت السماء عظيماً)
(17/2)

حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4)
{حم*} أي هذه حكمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي خصه بها الرحمن الرحيم الحميد المجيد مما له من صفة الكمال.
لما كان ختام التي قبلها إثبات الكمال لله بصدقه في وعده ووعيده بإنزال كل فريق في داره التي أعدها له، ثبت أن الكتاب الذي فيه ذلك منه، وأنه تام العزة كامل العلم جامع لجميع صفات الكمال فقال: {تنزيل الكتاب} أي الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والاكرام لكل ما يحتاج إليه بإنزاله بالتدريج على حسب المصالح والتقريب للأفهام الجامدة القاصرة، والتدريب للألباب السائرة
(17/2)

في جو المعاني والطائرة {من الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال. ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر، لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعداً ووعيداً قال: {العزيز العليم *} .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالإخلاص وذكر سببه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب، وأعقب ذلك بالتعويض بذكر من بنيت على وصفهم سورة ص وتتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه سبحانه من المثل الموضح في قوله {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل} ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم استمرار مراد لأحدهم، وذكر قبح اعتذار لهم بقولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخبل مخذول شذوذ أمر عن يده وقهره، فقال الله تعالى {أليس الله بكاف عبده} - إلى قوله: {أليس الله بعزيز ذي انتقام} [الزمر: 37] ثم أتبع ذلك بحال أندادهم من أنها لا تضر ولا تنفع فقال {قل أفرءيتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} [الزمر: 38] ثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال {قل لله الشفاعة جميعاً} [الزمر: 44] {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة} {أو لم يعلموا
(17/3)

أن الله يبسط الرزق لما يشاء ويقدر} {الله خالق كل شيء} {له مقاليد السماوات والأرض} ثم عنفهم وقرَّعهم بجهلهم فقال تعالى {أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ثم قال تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} ثم اتبع تعالى - ذلك بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق ثم نفخة القيام والجزاء ومصير الفريقين، فتبارك المتفرد بالعزة والقهر، فلما انطوت هذه الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه، أعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {حمتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} فذكر من أسمائه سبحانه هذين الاسمين العظيمين تنبيهاً على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق القاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق ما أخر الجزاء الحتم للدار الآخرة، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، مع قهره للكل في الدارين معاً، وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره، ثم قال تعالى {غافر الذنب وقابل التوب} تأنيساً لمن استجاب بحمده، وأناب بلطفه، وجرياً على حكم الرحمة وتغليبها، ثم قال {شديد العقاب ذي الطول} ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من الخوف والرجاء، واكتنف قوله {شديد العقاب} بقوله {غافر الذنب وقابل التوب} وقوله {ذي الطول} وأشار سبحانه بقوله - {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} - إلى قوله قبل {وأورثنا الأرض} وكأنه في تقدير: إذا
(17/4)

كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد، ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم، وجدالهم في الآيات كجدالهم، وأن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب، وسبق لهم في أم الكتاب - انتهى.
ولما تقدم آخر تلك أن كلمة العذاب حقت على الكافرين، فكان ذلك ربما أيأس من تلبس بكفر من الفلاح، وأوهمه أن انسلاخه من الكفر غير ممكن، وكان الغفران - وهو محو الذنب عيناً وأثراً - مترتباً على العلم به، والتمكن من الغفران وما رتب عليه من الأوصاف نتيجة العزة، دل عليهما مستعطفاً لكل عاص ومقصر بقوله: {غافر الذنب} أي بتوبة وغير توبة إن شاء، وهذا الوصف له دائماً فهو معرفة. قال السمين: نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن تجعل محضة وتوصف بها المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن الكوفيون شيئاً.
ولما أفهم تقديمه على التوبة أنه غير متوقف عليها فيما عدا الشرك، وكان المشركون يقولون: قد أشركنا وقتلنا وبالغنا في المعاصي فلا يقبل رجوعنا فلا فائدة لنا في إسلامنا، رغبهم في التوبة بذكرها وبالعطف
(17/5)

بالواو الدالة على تمكن الوصف إعلاماً بأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب فقال: {وقابل التوب} وجرد المصدر ليفهم أن أدنى ما يطلق عليه الاسم كاف وجعله اسم جنس كأخواته أنسب من جعله بينها جمعاً كتمر وتمرة. ولما كان الاقتصار على الترغيب بما أطمع عذر المتمادي من سطوته، فقال معرياً عن الواو لئلا يؤنس ما يشعر به كل من العطف والصفة المشبهة من التمكن، وذلك إعلاماً بخفي لطفه في أن رحمته سبقت غضبه، وأنه لو أبدى كل ما عنده من العزة لأهلك كل من عليها كما أشير إليه بالمفاعلة في {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} [النحل: 61] فإن الفعل إذا كان بين اثنين كان أبلغ: {شديد العقاب *} على أن تنكيره وإبهامه - كما قال الزمخشري - للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر، لزيادة الإنذار وهي أخفى من دلالة الواو لو أوتي بها.
ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب من الأخذ، أتبعه التشويق إلى الفضل، فقال معرياً عن الواو لأن التمام لا يقتضي المبالغة، والحذف غير مخل بالغرض فإن دليل العقل قائم على كمال صفاته سبحانه: {ذي الطول} أي سعة الفضل والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة، لا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه، ثم علل تمكنه في كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال: {لا إله إلا هو} ولما أنتج
(17/6)

هذا كله تفرده، أنتج قطعاً قوله: {إليه} أي وحده {المصير *} أي في المعنى في الدنيا، وفي الحس والمعنى في الآخرة، ليظهر كل من هذه الصفات ظهوراً تاماً، بحيث لا يبقى في شيء من ذلك لبس، فإنه لا يصح في الحكمة أن يبغي أحد على العباد ثم يموت في عزة من غير نقمة فيضيع ذلك المبغي عليه، لأن هذا أمر لا يرضى أقل الناس أن يكون بين عبيده.
ولما تبين ما للقرآن من البيان الجامع بحسب نزوله جواباً لما يعرض لهم من الشبه، فدل بإزاحته كل علة عى ما وصف سبحانه به نفسه المقدس من العزة والعلم بياناً لا خفاء في شيء منه، أنتج قول ذماً لمن يريد إبطاله وإخفاءه: {ما يجادل} أي يخاصم ويماري ويريد أن يفتل الأمور إلى مراده {في آيات} وأظهر موضع الإضمار تعظيماً للآيات فقال: {الله} أي في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدالة كالشمس على أنه إليه المصير، بأن يغش نفسه بالشك في ذلك لشبه يميل معها، أو غيره بالتشكيك له، أو في شيء غير ذلك مما أخبر به تعالى {إلا الذين كفروا} أي غطوا مرائي عقولهم وأنوار بصائرهم لبساً على أنفسهم وتلبيساً على غيرهم.
ولما ثبت أن الحشر لا بد منه، وأن الله تعالى قادر كل قدرة
(17/7)

لأنه لا شريك له وهو محيط بجميع أوصاف الكمال، تسبب عن ذلك قوله: {فلا يغررك تقلبهم} أي تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم {في البلاد *} فإنه لا يكون التفعل بالقلب إلا عن قهر وغلبة، فتظن لإمهالنا إياهم أنهم على حق، أو أن أحداً يحميهم علينا، فلا بد من صيرورتهم عن قريب إلينا صاغرين داخرين، وتأخيرهم إنما هو ليبلغ الكتاب أجله.
(17/8)

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)
ولما نهى عن الاغترار بما لا قوة لاحد على صرفه من نفسه إلا بتأييد من الله، علله بما يحقق معنى النهي من أن التقلب وما يثمره لا يصح أن يكون معتمداً ليزهد فيه كل من سمع هاتين الآيتين، فقال مشيراً بتأنيث الفعل إلى ضعفهم عن المقاومة، وتلاشيهم عند المصادمة، وإن كانوا في غاية القوة بالنسبة إلى أبناء جنسهم: {كذبت} ولما كان تكذيبهم عظيماً وكان زمانه قديماً وما قبله من الزمان قليلاً بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم، جعل مستغرقاً بجميع الزمان، فقال من غير خافض: {قبلهم} ولما كان الناس على زمن نوح عليه السلام حزباً واحداً مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع، وحدهم فقال: {قوم نوح} أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام
(17/8)

بما يحاولونه وكانوا حزباً واحداً لم يفرقهم شيء. ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان، وكان للاجمال من الروع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل قال: {والأحزاب} أي الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عدداً، ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله: {من بعدهم} .
ولما كان التذكيب وحده كافياً في الأذى، دل على أنهم زادوا عليه بالمبالغة في المناصبة بالمعاندة، وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما يريده العدو فإن عجز عنه نزل إلى ما دونه فقال: {وهمَّت كل أمة} أي من الأحزاب المذكورين {برسولهم} أي الذي أرسلناه إليهم. ولما كان الأخذ يعبر عنه عن الغلبة والقهر والاستصغار مع الغضب قال: {ليأخذوه} ولما كان سوق الكلام هكذا دالاً على أنهم عجزوا عن الأخذ، ذكر أنهم بذلوا جهدهم في المغالبة بغيره، فقال حاذفاً للمفعول تعميماً: {وجادلوا بالباطل} أي الأمر الذي لا حقيقة له، وليس له من ذاته إلا الزوال، كما تفعل قريش ومن انضوى إليهم من العرب، ثم بين علة مجادلتهم فقال: {ليدحضوا} أي ليزلقوا فيزيلوا {به الحق} أي الثابت ثباتاً لا حيلة في إزالته.
ولما كان من المعلوم لكل ذي لب أن فاعل ذلك مغلوب، وأن
(17/9)

فعله مسبب لغضب المرسل عليه، قال صارفاً القول إلى المتكلم دفعاً للالباس، وإشارة إلى شدة الغضب وجرده عن مظهر العظمة استصغاراً لهم: {فأخذتهم} أي أهلكتهم وهم صاغرون غضباً عليهم وإهانة لهم. ولما كان أخذه عظيماً، دل على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عن حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها وخرقها للعوائد فقال: {فكيف كان عقاب *} ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم وقف على بعض ما أشرنا إليه ونبهنا عليه، وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد وإن كان المعذب جميع العباد.
ولما كان التقدير: فحقت عليهم كلمة الله لأخذهم على هذا الجدال إنهم أصحاب النار التي جادلوا فيها، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ، فلم يقدروا على التفصي من حقوقها {حقت} بالأخذ والنكال {كلمت} وصرف الكلام إلى صفة الإحسان تلطفاً به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبشارة له بالرفق بقومه فقال: {ربك} أي المحسن إليك بجميع أنواع الإحسان فهو لا يدع أعداءك.
ولما كان السياق للمجادلة بالباطل وهي فتل الخصم من اعتقاده الحق،
(17/10)

وذلك تغطية للدليل الحق وتلبيس، كان الحال أحق بالتعبير بالكفر الذي معناه التغطية فلذا قال تعالى: {على الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر وقتاً ما كلهم سواء هؤلاء العرب وغيرهم، لأن علة الإهلاك واحدة، وهي التكذيب الدال على أن من تلبس به مخلوق للنار، ثم أبدل من «الكلمة» فقال: {أنهم أصحاب النار *} أي من كفر في حين من الأحيان فهو مستحق للنار في الأخرى كما أنه مستحق للأخذ في الدنيا لا يبالي الله به بالة، فمن تداركته الرحمة بالتوبة، ومن أوبقته اللعنة بالإصرار هلك.
ولما بين عداوة الكفار للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم بقوله: {وما يجادل في آيات الله} ما بعده، وكان ذلك أمراً غائظاً محزناً موجعاً، وختم ذلك ببيان حقوق كلمة العذاب عليهم تسلية لمن عادوهم فيه سبحانه، زاد في تسليتهم شرحاً لصدورهم وتثبيتاً لقلوبهم ببيان ولاية الملائكة المقربين لهم مع كونهم أخص الخلق بحضرته سبحانه وأقربهم من محل أنسه وموطن قدسه وبيان حقوق رحمته للذين آمنوا بدعاء أهل حضرته لهم فقال، أو يقال: إنه لما بين حقوق كلمة العذاب، كان كأنه قيل: فكيف النجاة؟ قيل: بايقاع الإيمان بالتوبة عن الكفران ليكون موقعه أهلاً للشفاعة فيه من أهل الحضرة العلية،
(17/11)

فيغفر له إن تاب ما قدم من الكفر، فقال مظهراً لشرف الإيمان وفضله: {الذين يحملون العرش} وهم المقربون وهم أربعة كما يذكر إن شاء الله تعالى في الحاقه، فإذا كانت القيامة كانوا ثمانية، وهل هم أشخاص أو صفوف فيه كلام يذكر إن شاء الله تعالى {ومن حوله} وهم جميع الملائكة وغيرهم ممن ربما أراد الله كونه محيطاً به كما تقدم في التي قبلها {وترى الملائكة حافين من حول العرش} أي طائفين به، فأفادت هذه العبارة النص على الجميع مع تصوير العظمة.
ولما كان ربما وقع في وهم أنه سبحانه محتاج إلى حملهم لعرشه أو إلى عرشه أو إلى شيء، نبه بالتسبيح على أنه غنيّ عن كل شيء وأن المراد بالعرش والحملة ونحو ذلك إظهار عظته لنا في مثل محسوسة لطفاً منه بنا تنزلاً إلى ما تسعه عقولنا وتحمله أفهامنا، فقال مخبراً عن المبتدأ وما عطف عليه: {يسبحون} أي ينزهون أي يوقعون تنزيهه سبحانه عن كل شائبة نقص ملتبسين {بحمد} وصرف القول إلى ضميرهم إعلاماً بأن الكل عبيده من العلويين والسفليين القريب والبعيد، وكائنون تحت تصرفه وقهره، وإحسانه وجبره، فقال: {ربهم} أي باحاطة المحسن إليهم بأوصاف الكمال.
ولما كان تعالى باطناً لا يحيط أحد به علماً، أشار إلى أنهم مع أنهم أهل الحضرة هم من وراء حجاب الكبر وأردية العظمة، لا فرق بينهم
(17/12)

في ذلك وبين ما هو في الأرض السفلى بقوله: {ويؤمنون به} لأن الإيمان إنما يكون بالغيب. ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفاً لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف، فهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء السادسة وهكذا، وكانوا قد علموا من تعظيم الله تعالى للنوع الإنساني ما لم يعلمه غيرهم لأمره سبحانه لهم بتعظيمه بما اختص به سبحانه من السجود، وكان من أقرب ما يقترب به إلى الملك التقرب إلى أهل وده، نبه سبحانه على ذلك كله بقوله: {ويستغفرون} أي يطلبون محو الذنوب أعياناً وآثاراً.
ولما كان الاشتراك في الإيمان أشد من الاتحاد في النسب، قال دالاً على أن الاتصاف بذلك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض الشفقة: {للذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة لما بينهم من أخوة الإيمان ومجانسته وإن اختلف جنسهم في حقيقة التركيب وإن وقع منهم بعد ذلك خلل يحق عليهم الكلمة لولا العفو {وما قدروا الله حق قدره} {ويعفو عن كثير} «لن يدخل أحد الجنة بعمله» . ولما ذكر استغفارهم بين عبارتهم عنه بقوله: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره. ولما كان المراد بيان اتساع رحمته
(17/13)

سبحانه وعلمه، وكان ذلك أمراً لا يحتمله العقول، عدل إلى أسلوب التمييز تنبيهاً على ذلك مع ما فيه من هز السامع وتشويقه بالإبهام إلى الإعلام فقال: {وسعت كل شيء} ثم بين جهة التوسع بقوله تميزاً محولاً عن الفاعل: {رحمة} أي رحمتك أي بإيجاده من العدم فما فوق ذلك {وعلماً} أي وأحاط بهم علمك، فمن أكرمته فعن علم بما جلبته عليه مما يقتضي إهانة أو إكراماً.
ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء من تعذيب الطائع وتنعيم العاصي وغير ذلك، قالوا منبهين على ذلك: {فاغفر للذين تابوا} أي رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوا أعيانها وآثارها، فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها {واتبعوا} أي كلفوا أنفسهم على ما لها من العوج أن لزموا {سبيلك} المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب، وكان سبحانه له أن يعذب من لا ذنب له، وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا: {وقهم عذاب الجحيم *} أي اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم، فإنك وعدت من كان كذلك بذلك، ولا يبدل القول لديك، وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء.
(17/14)

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)
ولما كانت النجاة من العذاب لا تستلزم الثواب، قالوا مكررين صفة
(17/14)

الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بتوفيق أحبابنا الذين لذذونا بالمشاركة في عبادك بالجنان واللسان والأركان {وأدخلهم جنات عدن} أي إقامة لا عناد فيها. ولما كانوا عالمين بأن سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقبح منه شيء، نبهوا على ذلك بقولهم: {التي وعدتهم} مع الزيادة في التملق واللطافة في الحث وإدخالهم لأجل استعمالك إياهم الصالحات.
ولما كان الإنسان لا يطيب له نعيم دون أن يشاركه فيه أحبابه الذين كانوا يشاركونه في العبادة قالوا مقدمين أحق الناس بالإجلال: {ومن صلح من آبائهم} ثم أتبعوهم ألصقهم بالبال فقالوا: {وأزواجهم وذرياتهم} . ولما كان فاعل هذا منا ربما نسب إلى ذل أو سفه، وربما عجز عن الغفران لشخص لكثرة المعارضين، عللوا بقولهم مؤكدين لأجل نسبة الكفار العز إلى غيره، ومن ذلك تسميتهم العزى: {إنك أنت} أي وحدك {العزيز} فأنت تغفر لمن شئت غير منسوب إلى وهن {الحكيم *} فكل فعل لك في أتم مواضعه فلذلك لا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه.
ولما كان الإنسان قد يغفر له ويكرم، وفيه من الأخلاق ما ربما
(17/15)

حمله على بعض الأفعال الناقصة دعوا لهم بالكمال فقالوا: {وقهم السيئات} أي بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها بتطهير القلوب بنزع كل ما يكره منها أو بأن يغفرها لهم ولا يجازيهم عليها، وعظموا هذه الطهارة ترغيباً في حمل النفس في هذه الدار على لزومها بقمع النفوس وإماتة الحظوظ بقولهم: {ومن تق السيئات} أي جزاءها كلها {يومئذ} أي يوم إذ تدخل فريقاً الجنة وفريقاً النار المسببة عن السيئات أو إذ تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين: {فقد رحمته} أي الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها أن يسمى معها رحمة، فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا: {وذلك} أي الأمر العظيم جداً {هو} أي وحده {الفوز العظيم *} فالآية من الاحتباك: ذكر إدخال الجنات أولاً دليلاً على حذف النجاة من النار ثانياً، ووقاية السيئات ثانياً دليلاً على التوفيق للصالحات أولاً، وسر ذلك التشويق إلى المحبوب - وهو الجنان - بعمل المحبوب - وهو الصالح - والتنفير من النيران باجتناب الممقوت من الأعمال، وهو السيء فذكر المسبب أولاً وحذف السبب لأنه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة، وذكر السبب ثانياً
(17/16)

في إدخال النار وحذف المسبب.
ولما أتم الذين آمنوا، فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم، قال مستأنفاً مؤكداً لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها: {إن الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر ولو لحظة {ينادون} أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من أراد الله من جنوده أو في الدار أرفع نعماً - أنهم آثر عند الله من فقراء المؤمنين، أكد قوله: {لمقت الله} أي الملك الأعظم إياكم بخذلانكم {أكبر من مقتكم} وقوله: {أنفسكم} مثل قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} جاز على سبيل الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من المقت، فإن من دعا إلى أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتاً للمعرض عنه، وهذا المقت منهم الموجب لمقت الله لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به أنفسهم، والمقت أشد البغض؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله: {إذا} أي حين، وأشار إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي داع كان، فبنى الفعل لما لم يسم فاعله فقال: {تُدعون إلى الإيمان} أي بالله وما جاء من عنده {فتكفرون *} أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية الآيات موضع إظهارها والإذعان بها،
(17/17)

وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب، لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه شفاعة ولا حيلة في خلاصه بوجه.
ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث، وكانوا قد استقروا العوائد، وسبروا ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد، من أن كل ثان لا بد له من ثالث، وكان الإحياء لا يطلق عرفاً إلا من كان عن موت، حكى سبحانه جوابهم بقوله الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب حيث لا ينفع لفوات شرطه وهو الغيب: {قالوا ربنا} أي أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا {أمتَّنا اثنتين} قيل: واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر، والصحيح أن تفسيرها آية البقرة {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [آية: 28] وأما الصعق فليس بموت، وما في القبر فليس بحياة حتى يكون عنه موت، وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه الحصى على التسبيح والحجر على التسليم، والضب على الشهادتين، والفرس حين قال لها
(17/18)

فارسها ثبي إطلال على قولها وثباً وسورة البقرة {وأحييتنا اثنين} واحدة في البطن، وأخرى بالبعث بعد الموت، أو واحدة بالبعث وأخرى بالإقامة من الصعق، أو الإقامة في القبر، فشاهدنا قدرتك على البعث {فاعترفنا} أي فتسبب عن ذلك أنّا اعترفنا بعد تكرر الإحياء {بذنوبنا} الحاصلة بسبب إنكار البعث لأن من لم يخش العاقبة بالغ في متابعة الهوى، فذلك توبة لنا {فهل إلى خروج} أي من النار ولو على أدنى أنواع الخروج بالرجوع إلى الدنيا فنعمل صالحاً {من سبيل} فنسلكه فنخرج ثم تكون لنا موتة ثالثة وإحياءة ثالثة إلى الجنة التي جعلتها جزاء من أقر بالبعث.
ولما كان الجواب قطعاً: لا سبيل إلى ذلك، علله بقوله: {ذلكم} أي القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتاً منه لكم {بأنه} أي كان بسبب أنه {إذا دُعي الله} أي وجدت ولو مرة واحدة دعوة الملك الأعظم من أي داع كان {وحده} أي محكوماً له بالوحدة أو منفرداً من غير شريك {كفرتم} أي هذا طبعكم دائماً رجعتم إلى الدنيا أولاً {وإن يشرَك به} أي يوقع الإشراك به ويجدد ولو بعدد الأنفاس من أي مشرك كان {تؤمنوا} أي بالشركاء وتجددوا ذلك غير متحاشين ومن تجديد الكفر وهذا مفهم لأن
(17/19)

حب الله للإنسان أكبر من حبه له الدال عليه توفيقه له في أنه إذا ذكر الله وحده آمن، وإن ذكر معه غيره على طريقة تؤل إلى الشركة كفر بذلك الغير وجعل الأمر لله وحده {فالحكم} أي فتسبب عن القطع بأن لا رجعة، وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ونفوذ ذلك أن كل حكم {لله} أي المحيط بصفات الكمال خاص به لا دخل للعوائد في أحكامه بل مهما شاء فعل إجراء على العوائد او خرقاً لها {العلي} أي وحده عن أن يكون له شريك، فكذب قول أبي سفيان يوم أحد «اعل هبل» وقول ابن عربي أحد أتباع فرعون أكذب وأقبح وأبطل حيث قال: العلي علا عن من وما ثم إلا هو، فعليه الخزي واللعنة وعلى من قال بقوله وعلى من توقف في لعنه.
ولما كانت النفوس لا تنقاد غاية الانقياد للحاكم إلا مع العظمة الزائدة والقدم في المجد، قال معبراً بما يجمع العظمة والقدم: {الكبير *} الذي لا يليق الكبر إلا له، وكبر كل متكبر وكبر كل كبير متضائل تحت دائرة كبره وكبره، وعذابه مناسب لكبريائه فما أسفه من شقي بالكبراء فإنهم يلجئون أنفسهم إلى أن يقولوا ما لا يجديهم {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} : ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك
(17/20)

بقوله ذاكراً من آيات الآفاق العلوية ما يرد الموفق عن غيه: {هو} أي وحده {الذي يريكم} أي بالبصر والبصيرة {آياته} أي علاماته الدالة على تفرده بصفات الكمال تكميلاً لنفوسكم، فينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بإعادة ما تحطم فيها من الحبوب فتفتتت بعد موتها بصيرورة ذلك الحب تراباً لا تميز له عن ترابها فيتذكر به البعث لمن انمحق فصار تراباً وضل في تراب الأرض حتى لا تميز له عنه من طبعه الإنابة، وهو الرجوع عما هو عليه من الجهل إلى الدليل بما ركز في فطرته من العلم، وذلك هو معنى قوله: {وينزل لكم} أي خاصاً بنفعكم أو ضركم {من السماء} أي جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله {رزقاً} لإقامة أبدانكم من الثمار والأقوات بانزال الماء فهو سبحانه يدلكم عليه ويتحبب إليكم لتنفعوا أنفسكم وأنتم تتبغضون إليه وتتعامون عنه لتضروها {وما يتذكر} ذلك تذكراً تاماً - بما أشار إليه الإظهار - فيقيس عليه بعث من أكلته الهوام، وانمحق باقيه في الأرض {إلا من ينيب *} أي له أهلية التجديد في كل وقت للرجوع إلى
(17/21)

الدليل بأن يكون حنيفاً ميالاً للطافته مع الدليل حيثما مال. ما هو بحلف جامد ما الفه، ولا يحول عنه أصلاً، لا يصغي إلي قال ولا قيل، ولو قام على خطابه كل دليل.
(17/22)

فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)
ولما كان كل من الناس يدعي أنه لا يعدل عن الدليل، وكان كل أحد مأموراً بالنظر في الدليل مأموراً بالإنابة لما دل عليه من التوجه إلى الله وحده، كان ذلك سبباً في معرفة الكل التوحيد الموجب لاعتقاده القدرة التامة الموجب لاعتقاد البعث، فكان سبباً لإخلاصهم، فقال تعالى مسبباً عنه: {فادعوا} وصرح بالاسم الأعظم تدريباً للمخلصين على كيفية الإخلاص فقال: {الله} أي المتوحد بصفات الكمال دعاء خضوع وتعبد بعد الإنابة بعد النظر في الدليل {مخلصين له الدين} أي الأفعال التي يقع الجزاء عليها، فمن كان يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصاً اجتهد في تصفية أعماله، فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص.
ولما كانت مخالفة الجنس شديدة لما تدعو إليه من المخاصمة الموجبة للمشاققة الموجبة لاستطابة الموت قال تعالى: {ولو كره} أي الدعاء منكم {الكافرون *} أي الساترون لأنوار عقولهم، والإخلاص أن
(17/22)

يفعل العباد لربهم مثل ما فعل لهم فلا يفعلوا فعلاً من أمر أو نهي إلا لوجهه خاصة من غير غرض لأنفسهم بجلب شيء من نفع أو ضر، وذلك لأنه سبحانه فعل لهم كل إحسان من الخلق والرزق ولأنفسهم خاصة لا لغرض يعود عليه - سبحانه وما أعز شأنه - بنفع ولا ضر، فلا يكون شكرهم له إلا بما تقدم، لكنه لما علم سبحانه بأن أباح لهم العمل لأجل الرجاء في ثوابه والخوف من عقابه، ولم يجعل ذلك قادحاً في الإخلاص، قال الاستاذ أبو القاسم القشيري: ولولا إذنه في ذلك لما كان في العالم مخلص.
ولما كان الإخلاص لا يتأتى إلا ممن رفعه إشراق الروح عن كدورات الأجسام، وطارت به أنوارها عن حضيض ظلمات الجهل إلى عرش العرفان، فصار إذ كان الملك الديان سمعه الذي يسمع به، بمعنى أنه لا يفعل بشيء من هذه الجوارح إلا ما أمره به سبحانه يتصرف في الأكوان بإذن الفتاح العليم تكسب القلوب من ضياء أنواره ويحيى ميت الهمم بصافي أسراره، نبه سبحانه على ذلك حثاً عليه
(17/23)

وتشويقاً إليه بقوله ممثلاً بما يفهمه العباد مخبراً عن مبتدأ محذوف تقديره: هو {رفيع الدرجات} أي فلا يصل إلى حضرته الشماء إلا من علا في معارج العبادات ومدارج الكمالات.
ولما كنا لا نعرف ملكاً إلا بغلبته على سرير الملك، وكانت درج كل ملك ما يتوصل بها إلى عرشه، أشار سبحانه بجميع القلة إلى السماوات التي هي دون عرشه سبحانه، ثم أشار إلى أن الدرج إليه لا تحصى بوجه، لأنا لو أنفقنا عمر الدنيا في اصطناع درج للتوصل إلى السماء الدنيا ما وصلنا، فكيف بما فوقها فكيف وعلوه سبحانه، ليس هو بمسافة بل علو عظمة ونفوذ كلمة تنقطع دونها الآمال وتفنى الأيام والليال، والكاشف لذلك أتم كشف تعبيره في {سأل} بصيغة منتهى الجموع {المعارج} - ثم قال ممثلاً لنا بما نعرف: {ذو العرش} أي الكامل الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو، فهو محيط لجميع الأكوان ومادة لكل جماد وحيوان، وعال بجلاله وعظمه عن كل ما يخطر في الأذهان.
ولما كان الملوك يلقون أوامرهم من مراتب عظمائهم إلى من أخلصوا في ودادهم قال: {يلقي الروح} أي الذي تحيى به الأرواح
(17/24)

حياة الأشباح بالأرواح {من أمره} أي من كلامه، ولا شك أن الذي يلقي ليس الكلام النفسي وإنما هو ما يدل عليه، وهو الذي يقبل النزول والتلاوة والكتابة ونحو ذلك. ولما كان أمره عالياً على كل أمر، أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال: {على من يشاء} ولما كان ما رأوه من الملوك لا يتمكنون من رفع كل من أرادوا من رقيقهم، نبه على عظمته بقوله: {من عباده} وأشار بذلك مع الإشارة إلى أنه مطلق الأمر لا يسوغ لأحد الاعتراض عليه، ولو اعترض كان اعتراضه أقل من أن يلتفت إليه أو يعول بحال عليه إلى توهية قولهم {أو أنزل عليه الذكر من بيننا} [ص: 8] بأنه عليه السلام المخلص في عباده لم يمل إلى شيء من أوثانهم ساعة ما ولا صرف لحظة عن الإله الحق طرفة عين، فلذلك اختصه من بينهم بهذا الروح الذي لا روح في الوجود سواه، فمن أقبل عليه وأخلص في تلاوته والعمل بما يدعو إليه والبعد عما ينهى عنه صار ذا روح موات يحيي الأموات ويزري بالنيرات. قال الرازي: قال ابن عطاء: حياة القلب على حسب ما ألقي إليه من الروح، فمنهم من ألقي إليه روح الرسالة، ومنهم من ألقي إليه روح النبوة، ومنهم من ألقي إليه روح الصديقية والكشف والمشاهدة، ومنهم من ألقي إليه روح العلم والمعرفة، ومنهم من ألقي إليه روح العبادة
(17/25)

والخدمة، ومنهم من ألقي إليه روح الحياة فقط، ليس له علم بالله ولا مقام مع الله، فهو ميت في الباطن، وله الحياة البهيمية التي يهتدي بها إلى المعاش دون المعاد - انتهى. وبالجملة فكل من هذه الأرواح منطق لمن ألقي عليه مطلق للسانه ببديع بيانه وإن اختلف نطقهم في بيانهم، وتصرفهم في عظيم شأنهم.
ولما بين سر اختصاصه بالإرسال لهذا النبي الكريم، أتبع ذلك بما يزيده بياناً من ثمرة الإرسال فقال: {لينذر} أي الذي اختصه سبحانه بروحه، وعبر بما يقتضيه تصنيف الناس الذي هو مقصود السورة من الاجتماع، وأزال وهم من قد يستحيل لقاء سبحانه لرفعه درجاته وسفول درجات غيره {يوم التلاق *} أي الذي لا يستحق أن يوصف بالتلاقي على الحقيقة غيره لكونه يلتقي فيه الأولون والآخرون وأهل السماوات والأرض ولا حيلة لأحد منهم في فراق غريمه بغير فصل على وجه العدل، وإلى هذا المعنى أشارت قراءة ابن كثير باثبات الياء في الحالين وهو واضح جداً في إفراد حزبي الأسعدين والأخسرين فإنه تلاق لا آخر له، وأشارت قراءة الجمهور بالحذف في الحالين إلى تلاقي هذين الجزئين: أحدهما بالآخر
(17/26)

فإنه - والله أعلم - قل ما يكون حتى يفترقا بالأمر بكل إلى داره: الأسعدين بغير حساب، والأخسرين لا يقام لهم وزن، وأشار الإثبات في الموقف دون الوصل إلى الأمر الوسط وهي لمن بقي لقاءهم يمتد إلى حين القصاص لبعضهم من بعض.
ولما أفهم ذلك عدم الحجاب من بيوت أو جبال، أو أشجار أو تلال، أو غير ذلك من سائر ذوات الظلال، نبه عليه في قوله معيداً ذكر اليوم لأنه أهول له: {يوم هم} أي بظواهرهم وبواطنهم {بارزون} أي برزوا لا ساتر فيه أصلاً.
ولما كان من المعلوم عندهم إنما لا ساتر له معلوم، أجرهم على ما يعهدون، وعبر بعبارة تعم ذلك فقال مستأنفاً في جواب من ظن أنه قد يخفي عليه شيء عن الساتر معظماً الأمر بإظهار الاسم الأعظم: {لا يخفى على الله} أي المحيط علماً وقدرة {منهم شيء} أي من ذواتهم ولا معانيهم سواء ظهروا أو استتروا في هذا اليوم وفي غيره.
ولما كان من العادة المستمرة أن الملك العظيم إذا أرسل جيشه إلى من طال تمردهم عليه وعنادهم له فظفروا بهم وأحضروهم إليه أن يناديهم مناديه وهم وقوف بين يديه قد أخرستهم هيبته وأذلتهم عظمته
(17/27)

بلسان قاله أو لسان حاله بما يبكهم به ويوبخهم ويؤسفهم على ما مضى من عصيانهم ويندمهم قال: {لمن الملك اليوم} أي يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد، فيجيبون بلسان الحال أو المقال كما قال بعض من قال:
سكت الدهر طويلاً عنهم ... قد أبكاهم دماً حين نطق
{لله} أي الذي له جميع صفات الكمال، ثم دل على ذلك بقوله: {الواحد} أي الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسمة ولا غيرها {القهار *} أي الذي يقهر من يشاء متكرراً وصفه بذلك دائماً أبداً لما ثبت من غناه المطلق بوحدانيته الحقيقة.
ولما أخبر عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب، أخبرهم بما يزيد رعبهم، ويبعث رغبهم ورهبهم، وهو نتيجة تفدره بالملك قال: {اليوم تجزى} أي تقضى وتكافأ، بناه للمفعول لأن المرغب المرهب نفس الجزاء ولبيان سهولته عليه سبحانه {كل نفس} لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم، والحكمة قد منعت من إهمال أحد منهم.
(17/28)

ولما كان السياق للملك والقهر يقتضي الجزاء واعتماد الكسب الذي هو محط التكليف بالأمر والنهي ويقتضي النظر في الأسباب، لأن ذلك شأن الملك، قال معبراً بالباء والكسب: {بما} أي بسبب ما {كسبت} أي عملت، وهي تظن أنه يفيدها سواء بسواء بالكيل الذي كالت يكال لها.
ولما كانت السببية مفهمة للعدل، فإن الزيادة تكون بغير سبب، قال معللاً نافياً مثل ما كانوا يتعاطونه من ظلم بعضهم لبعض في الدنيا: {لا ظلم} أي بوجه من الوجوه {اليوم} ولما كان استيفاء الخلائق بالمجازاة أمراً لا يمكن في العادة ضبطه، ولا يتأنى حفظه وربطه، فكيف إذا قصدت المساواة في مثاقيل الدر فما دونها:
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
ضافت النفوس من خوف الطول، فخفف عنها بقوله معلماً أن أموره على غير ما يعهدونه، ولذلك أكد وعظم باظهار الاسم الأعظم: {إن الله} أي التام القدرة الشامل العلم {سريع الحساب *} أي بليغ السرعة فيه، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير، ولا يشغله شأن عن شأن لأنه لا يحتاج إلى تكلف عد، ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب، ولا شيء، فكان في ذلك ترجية للفريقين
(17/29)

وتخويف، لأن الظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب، والمؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب.
(17/30)

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)
ولما تم هذا على هذا الوجه المهول، وكان يوم القيامة له أسماء تدل على أهواله باعتبار مواقفه وأحواله، منها يوم البعث وهو ظاهر، ومنها يوم التلاق لما تقدم، ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه خسارته، ومنها يوم الآزفة لقربه وسرعة أخذه، وكان كأنه قيل خطاباً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وأمن ممن ألقينا هذا الروح الأعظم من أمرنا فأنذرهم ما مضى من يوم التلاقي وما عقبناه به، عطف عليه قوله زيادة في بيان هوله إعلاماً بأنه مع ثبوته وثبوت التلاقي فيه قريب تحذيراً من تزيين إبليس للشهوات وتقريره بالتسويف بالتوبة: {وأنذرهم} أي هؤلاء المعرضين إعراض من لا يجوز الممكن {يوم الآزفة} أي الحالة الدائبة العاجلة السريعة جداً مع الضيق في الوقت وسوء العيش لأكثر الناس، وهي القيامة، كرر ذكرها الإنذار منها تصريحاً وتلويحاً تهويلاً لها وتعظيماً لشأنها.
ولما ذكر اليوم، هول أمره بما يحصل فيه من المشاق فقال:
(17/30)

{إذ القلوب} أي من كل من حضره. ولما كان هذا الرعب على وجه غريب باطن، عبر ب «لدى» فقال: {لدى الحناجر} أي حناجر المجموعين فيه إلا من شاء الله، وهي جمع حنجور وهي الحلقوم وزناً ومعنى، يعني أنها زالت عن أمكانها صاعدة من كثرة الرعب حتى كادت تخرج وصارت مواضعها من الأفئدة هواء، وكانت الأفئدة معترضة كالشجا لا هي ترجع إلى مقارها فيستريحوا ولا تخرج فيموتوا.
ولما كان الحديث - وإن كان في الظاهر عن القلوب - إنما هو عن أصحابها، جمع على طريقة جمع العقلاء، وزاده حسناً أن القلوب محل الكظم، وبها صلاح الجملة وفسادها، وقد أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال: {كاظمين} أي ممتلئين خوفاً ورعباً وحزناً، ساكتين مكروبين، قد انسدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم. ولما كان من المعلوم أن ذلك الكرب إنما هو للخوف من ديان ذلك اليوم، وكان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك اليوم والشفاعات، قال مستأنفاً: {ما للظالمين} أي العريقين في الظلم منهم {من حميم} أي قريب صادق في مودتهم مهتم بأمورهم
(17/31)

مزيل لكروبهم، قال ابن برجان: والحميم: الماء الحار الناهي في الحرارة، سمي القريب به لأنه يحمي لقريبه غضباً، والغضب حرارة تعرض في القلب تخرج إلى الوجه فيحمر وتنتفخ الأوداج فيستشيط غيظاً {ولا شفيع يطاع *} أي ليس لهم شفيع أصلاً لأن الشفيع يعلم أنه لو شفع ما أطيع فهو لا ينفع، وقد يشفع في بعضهم بعض المقربين لعلامة فيهم يحصل بها اشتباه يظن بهم أنهم ممن يستحق الشفاعة فينبه على أنهم ليسوا بذلك، فيبرأ منهم.
ولما كانت الشفاعة إنما تقع وتنفع بشرط براءة المشفوع له من الذنب إما بالاعتراف بما نسب إليه والإقلاع عنه، وإما بالاعتذار عنه، وكان ذلك إنما يجري عند المخلوقين على الظاهر، ولذلك كانوا ربما وقع لهم الغلط فيمن لو علموا باطنه لما قبلوا الشفاعة فيه، علل تعالى ما تقدم بعلمه أن المشفوع له ليس بأهل لقبول الشفاعة فيه لإحاطة علمه فقال: {يعلم خائنة} ولما كان السياق هنا للابلاغ في أن علمه تعالى محيط بكل كلي وجزئي، فكان من المعلوم أن الحال يقتضي جمع الكثرة، وأنه ما عدل عنه إلى جمع القلة إلا للاشارة إلى أن علمه تعالى بالكثير كعلمه بالقليل الكل، عليه هين، فالكثير عنده في ذلك قليل فلذا قال: {الأعين} أي خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر، جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهي الإشارة بالعين،
(17/32)

قال أبو حيان: من كسر وغمز ونظر يفهم منه ما يراد - انتهى.
وذلك يفعل بفعل ما يخالف الظاهر، ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر، أتبعه أخفى ما في الباطن فقال: {وما تخفي الصدور *} أي عن المشفوع عنده وغير ذلك.
ولما كان العفو عن الظالم الذي لا يرجع عن ظلمه نقصاً، لكونه لا حكمة فيه، عبر بالاسم الأعظم في جملة حالية فقال: {والله} أي والحال أن المتصف بجميع صفات الكمال {يقضي بالحق} أي الثابت الذي لا يصح أصلاً نفيه، فلو قضى فيمن يعلم أنه ليس بأهل للشفاعة فيه بقبول الشفاعة لنفى الحق وأثبت الباطل فخالف ذلك الكمال {والذين يدعون} أي الظالمون - على قراءة الجماعة، وأيها الظالمون - على قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالخطاب للمواجهة بالإزراء. ولما كانت المراتب دون عظمته سبحانه لا تنحصر ولا يحتوي عليها كلها شيء، أثبت الجار فقال: {من دونه} أي سواه، ومن المعلوم أنهم خلقه فهم دون رتبته لأنهم في قهره {لا يقضون بشيء} من الأشياء أصلاً، فضلاً عن أن يقضوا بما يعارض حكمه، فلا مانع له من القضاء بالحق، فلا مقتضى لقبول الشفاعة فيمن يعلم عراقته في
(17/33)

الظلم أنه لا ينفك عنه.
ولما أخبر أنه لا فعل لشركائهم، وأن الأمر له وحده، علل ذلك بقوله مرهباً من الخيانة وغيرها من الشر، مرغباً في كل خير، مؤكداً لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكاراً ذلك: {إن الله} عبر به لأن السياق لتحقير شركائهم وبيان أنها في غاية النقصان {هو} أي وحده. ولما ذكر ما هو غيب، وصفه بأظهر ظاهر فقال: {السميع} أي لكل ما يمكن أن يسمع {البصير *} أي بالبصر والعلم لكل ما يمكن أن يبصر ويعلم، فلا إدراك لشركائهم أصلاً ولا لشيء غيره بالحقيقة، ومن لا إدراك له ولا قضاء له، فثبت أن الأمر له وحده، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فإن كل أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيشفع، فيشفعه الله تعالى فيفصل سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره: جنته أو ناره، روى الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة
(17/34)

رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، فقال:
«أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم، فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فذكر سؤالهم أكابر الأنبياء، وكل واحد منهم يحيل على الذي بعده إلى أن يقول عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يأتونه: أنا لها، فينطلق فيسجد تحت العرش» - وهو مروي عن غير أبي هريرة عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكن لم أر فيه التصريح بالشفاعة العامة بعد رفع رأسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السجود إلا فيما رواه البخاري في الزكاة من صحيحه في باب «من سأل الناس تكثراً» عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي
(17/35)

بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم» ، وكذا فيما رواه أيو يعلى في مسنده فقال: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في طائفة من أصحابه فقال: «إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فذكر النفخ فيه للموت ثم للبعث ثم ذكر الحشر» - وهو حديث طويل جداً إلى أن قال: «ثم يقفون موقفاً واحداً مقدار سبعين عاماً لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماً وتعرقون إلى أن يبلغ ذلك منكم أن يلجمكم أو يبلغ الأذقان، فتضجون وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا يقضى بيننا، فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلاً، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ثم يستقربون الأنبياء نبياً نبياً كلما جاؤوا نبياً أبى عليهم، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حتى تأتوني، فأنطلق حتى آتي الفحص فأخر ساجداً
(17/36)

فقال أبو هريرة: يا رسول الله! ما الفحص؟ قال: قدام العرش - حتى يبعث الله إليّ ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي: يا محمد! فأقول: نعم يا رب! فيقول: ما شأنك - وهو أعلم فأقول: يا رب وعدتني فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال: قد شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينكم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف سمعنا حساً من السماء شديداً فنزل أهل السماء الدنيا مثل من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثل من نزل من الملائكة، ومثل الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار تبارك وتعالى في ظلل من الغمام، والملائكة تحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهو اليوم على أربعة - إلى أن قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس! إني قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى يوم يومكم هذا أسمع قولكم، وأبصر أعمالكم، فانصتوا لي فإنما هي أعمالكم
(17/37)

وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول الله عز وجل {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون} [يس: 60-63]- أو بها تكذبون - شك أبو عاصم، {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] فتسمى النار وتجثو الأمم وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها فيقضي بين خلقه»
- فذكره وهو طويل جداً، ثم ذكر الصراط وبعض الشفاعات الخاصة في أهل الجنة، فذكر دخولهم الجنة ثم أنهم يشفعون في بعض أهل النار إلى أن قال: «ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع»
إلى أن قال: «ثم يقول الله عز وجل: بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين. فيدخل الله يده في جهنم فيخرج منها لا يحصيه غيره» وروى ابن حبان في صحيحه - قال المنذري: ولا أعلم في إسناده مطعناً - عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يقول إبراهيم عليه السلام يوم القيامة. يا رباه، فيقول الرب جل وعلا: يا لبيكاه، فيقول إبراهيم: يا رب حرقت بني - فيقول الله: أخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة أو شعيرة من الإيمان» وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وأحمد بن منيع: «يلقى رجل
(17/38)

أباه يوم القيامة فيقول: يا أبة! أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن، فيقول: هل أنت مطيعي اليوم، فيقول: نعم، فيقول خذ بازرتي، فيأخذ بازرته، ثم ينطلق حتى يأتي الله وهو يعرض بعض الخلق، فيقول: يا عبدي! ادخل من أي أبواب الجنة شئت، فيقول: أي ربي، وأبي معي فإنك وعدتني أن لن تخزيني، فيعرض عنه ويقضي بين الخلق ويعرضهم ثم ينظر إليه فيقول: يا ابن آدم ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول: أي ربي وأبي معي فإنك قد وعدتني أن لن تخزيني قال: فيمسخ الله أباه ضبعاً أمذر أو أمجر» - شك أبو جعفر أحد رواة ابن منيع - «فيأخذ بأنفه فيقول: أبوك هو، فيقول: ما هو بأبي، فيهوي في النار» وهو في البخاري في أحاديث الأنبياء وتفسير الشعراء بلفظ: «يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آذر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم عليه السلام: ألم أقل لك: لا تعصني، فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى عن أبي الأبعد، فيقول الله تعالى:
(17/39)

إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال لإبراهيم عليه السلام: انظر ما تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ - وهو ذكر الضبعان - متلطخ فيؤخذ بقوامه فيلقى في النار» ، وروى أبو يعلى الموصلي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة فتقطعه النار يريد أن يدخله الجنة، قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك قال: فيقول: أي رب! أبي، فيحول في صورة قبيحة وريح منتنة فيتركه، فكان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرون أنه إبراهيم عليه السلام» ، وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب على المنبر يقول:
«إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيدة وعداً علينا إنا كنا فاعلين، ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم
(17/40)

شهيداً ما دمت فيهم} - إلى قوله: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] » ورواه الترمذي والنسائي بنحوه، ومن نحو ما قال عيسى عليه السلام قول إبراهيم عيله السلام كما حكاه الله عنه {فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} وروى مسلم في الإيمان من صحيحه والنسائي في التفسير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا قول الله عز وجل في إبراهيم عليه السلام» {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فأنه مني} الآية - وقال عيسى عليه السلام {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه وقال: اللهم أمتي اللهم أمتي اللهم أمتي - وبكى «، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله: فأخبره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» ، وللشيخين في الحوض والفتن ومسلم في فضل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن سهل بن سعد وأبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أنا فرطكم على الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ
(17/41)

أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم» - زاد أبو سعيد رضي الله عنه: فأقول: «إنهم مني - فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي» ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر خطبته في الحج ثم قال: «ألا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم، ولا تسودوا وجهي، ألا وإني مستنقذ أناساً ومستنقذ مني أناس فأقول: يا رب: أصحابي أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ولفظ مسلم: «أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواماً ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا رب! أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ولمسلم عن عائشة رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول وهو بين ظهراني أصحابه:
«إني على الحوض أنظر من يرد عليّ منكم، فوالله ليقطعن دوني رجال فلأقولن: أي رب! مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ما زالوا
(17/42)

يرجعون على أعقابهم» وللشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ترد عليّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله! تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لغيركم تردون عليّ غرّاً محجلين من آثار الوضوء، ولتصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول يا رب هؤلاء أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ وفي رواية: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج من بيني وبينهم رجل، فقال: هلم؛ فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم، فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم. أي ضوالها - أي الناجي قليل، وفي رواية لمسلم في الوضوء: ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً» قال المنذري:
(17/43)

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.
(17/44)

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)
ولما وعظهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار، وختمه بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار، أتبعه الوعظ والتخويف بالمشاهدة من تتبع الديار والاعتبار، بما كان لهم فيها من عجائب الآثار، من الحصون والقصور وسائر الأبنية الصغار والكبار، فقال موبخاً ومقرراً عاطفاً على ما تقديره ألم يتعظوا بما أخبرناهم به من الظالمين الأولين من تبعهم من الإهلاك في الدنيا المتصل بالشقاء في الأخرى: {أو لم يسيروا} ولما كان المتقدمون من الكثرة والشدة والمكنة بحيث لا يعلمه إلا الله ولا يقدر آدمي على الإحاطة بمساكنهم، نبه عليه بقوله: {في الأرض} أي أي أرض ساروا فيها وعظتهم بما حوت من الأعلام.
ولما كان السير سبباً للنظر قال: {فينظروا} أي نظر اعتبار كما هو شأن أرباب البصائر الذين يزعمون أنهم أعلاهم. ولما كانت الأحوال المنظور فيها المعتبر بها شديدة الغرابة، نبه عليها بقوله: {كيف} أي أنها أهل لأن يسأل عنها، ونبه على أن التصاقها بهم في غاية العراقة بحيث لا انفكاك لها بقوله: {كان عاقبة} أي آخر
(17/44)

أمر {الذين كانوا} أي سكاناً للأرض عريقين في عمارتها. ولما كان المنتفع بالوعظ يكفيه أدنى شيء منه، نبه على ذلك بالجار فقال: {من قبلهم} أي قبل زمانهم {كانوا} ولما كان السياق لمجادلة قريش لإدحاض الحق مع سماعهم لأخبار الأولين، كانوا كأنهم ادعوا أنهم أشد الناس، فاقتضى الحال تأكيد الخبر بأن الأولين أشد منهم، فأكدر أمرهم فيما نسبه إليهم معبراً بضمير الفصل بقوله: {هم} أي المتقدمون، لما لهم من القوى الظاهرة والباطنة.
ولما كان مرجع المجادلة القوة لا الكثرة، وقال استئنافاً في جواب من لعله يقول: ما كان أمرهم؟ : {أشد منهم} أي هؤلاء - قرأه ابن عامر {منكم} بالكاف كما هو في مصحف أهل الشام على الالتفات للتنصيص على المراد {قوة} أي ذواتاً ومعاني {و} أشد {آثاراً في الأرض} لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليها ألوف من السنين، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن.
ولما كانت قوتهم ومكنتهم سبباً لإعجابهم وتكبرهم على أمر ربهم ومخالفة رسله، فكان ذلك سبب هلاكهم قال: {فأخذهم الله} أي
(17/45)

الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة، ولما لم يتقدم شيء يسند إليه أخذهم، قال مبيناً ما أخذوا به: {بذنوبهم} أي التي سببت لهم الأخذ ولم يغن عنهم شيء من ذلك الذي أبطرهم حتى عتوا به على ربهم ولا شفع فيهم شافع {وما كان لهم} أي من شركائهم الذين ضلوا بهم كهؤلاء ومن غيرهم {من الله} أي عوض المتصف بجميع صفات الكمال، أو كوناً مبتدئاً من جهة عظمته وجلاله، وأكد النفي بزيادة الجار فقال: {من واق *} أي يقيهم مراده سبحانه فيهم، لا من شركائهم ولا من غيرهم، فعلم أن الذين من دونه لا يقضون بشيء، ويجوز أن تكون «من» الأولى ابتدائية على بابها تنبيهاً على أن الأخذ في غاية العنف لأنه إذا لم يبتدئ من جهته سبحانه لهم وقاية لم تكن لهم باقية بخلاف من عاقبه الله عقوبة تأديب، فإن عذابه يكون سبب بقائه لما يحصل له منه سبحانه من الوقاية.
ولما ذكر سبحانه أخذهم ذكر سببه بما حاصله أن الاستهانة بالرسول استهانة بمن أرسله في قوله: {ذلك} أي الأخذ العظيم ولما كان مقصود السورة تصنيف الناس في الآخرة صنفين، فكانوا إحدى عمدتي الكلام، أتى بضميرهم فقال: {بأنهم} أي الذين كانوا من قبل {كانت تأتيهم} أي شيئاً فشيئاً في الزمان الماضي على وجه قضاه سبحانه فأنفذه {رسلهم} أي الذين هم منهم {بالبينات}
(17/46)

أي الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا يسع منصفاً إنكارها.
ولما كان مطلق الكفر كافياً في العذاب، عبر بالماضي فقال: {فكفروا} أي سببوا عن إتيان الرسل عليهم الصلاة والسلام الكفر موضع ما كان إتيانهم سبباً له من الإيمان.
ولما سبب لهم كفرهم الهلاك قال: {فأخذهم} أي أخذ غضب {الله} أي الملك الأعظم. ولما كان قوله {فكفروا} معلماً بسبب أخذهم لم يقل: بكفرهم، كما قال سابقاً: بذنوبهم، لإرشاد السباق إليه. ولما كان اجتراؤهم على العظائم فعل منكر للقدرة، قال مؤكداً لعملهم عمل من لا يخافه: {إنه قوي} لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {شديد العقاب *} .
ولما كان ذلك عجباً لأن البينات تمنع من الكفر، فكان تقدير لمن ينكر الإرسال على هذه الصفة: فلقد أرسلناهم كذلك، وكان موسى عليه السلام من أجل المرسلين آيات، عطف على ذلك تسلية ونذارة لمن أدبر، وإشارة لمن استبصر قوله: {ولقد} ولفت القول إلى مظهر العظمة كما في الآيات التي أظهرها بحضرة هذا
(17/47)

الملك المتعاظم من الهول والعظم الذي تصاغرت به نفسه وتحاقرت عنده همته وانطمس حسه، فقال: {أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة {موسى بآياتنا} أي الدالة على جلالنا {وسلطان} أي أمر قاهر عظيم جداً، لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه {مبين *} أي بين في نفسه مناد لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر جداً، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول ألى أذاه مع ما له من القوة والسلطان {إلى فرعون} أي ملك مصر. ولما كان الأكابر أول من يتوجه إليه الأمر لأن بانقيادهم ينقاد غيرهم قال: {وهامان} أي وزيره. ولما كان من أعجب العجب أن يكذب الرسول من جاء لنصرته واستنقاذه من شدته قال: {وقارون} أي قريب موسى عليه السلام {فقالوا} أي هؤلاء ومن تبعهم، أما من عدا قارون فأولاً وآخراً بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخراً بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولاً، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله في التيه، فدل ذلك على أنه
(17/48)

لم يزل قائلاً به، لأنه لم يتب منه {ساحر} لعجزهم عن مقاهرته، ولم يقل، «سحار» لئلا يتوهم أحد أنه يمدحه بالبراعة في علم السحر فتتحرك الهمم للإقبال عليه للاستفادة منه وهو خبر مبتدأ محذوف، ثم وصفوه بقولهم: {كذاب *} لخوفهم من تصديق الناس له، فبعث أخصّ عباده به إلى أخسّ عباده عنده ليقيم الحجة عليه، وأمهله عندما قابل بالتكذيب وحلم عنه حتى أعذر إليه غاية الإعذار.
ولما أجمل أمره كله في هاتين الآيتين، شرع في تفصيله فقال مشيراً إلى مباردتهم إلى العناد من غير توقف أصلاً التي أشار إليها حذف المبتدأ والاقتصار على الخبر الذي هو محط الفائدة: {فلما جاءهم} أي موسى عليه السلام {بالحق} أي بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه كائناً {من عندنا} على ما لنا من القهر، فآمن معه طائفة من قومه {قالوا} أي فرعون وأتباعه {اقتلوا} أي قتلاً حقيقياً بإزالة الروح {أبناء الذين آمنوا} أي به فكانوا {معه} أي
(17/49)

خصوهم بذلك واتركوا من عداهم لعلهم يكذبونه {واستحيوا نساءهم} أي اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن.
ولما كان هذا أمراً صاداً في العادة لمن يؤمن عن الإيمان وراداً لمن آمن إلى الكفران، أشار إلى أنه سبحان خرق العادة بإبطاله فقال: {وما} أي والحال أنه ما كيدهم - هكذا كان الأصل ولكنه قال: {كيد الكافرين} تعميماً وتعليقاً بالوصف {إلا في ضلال} أي مجانبة للسدد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولاً في الحذر من موسى عليه السلام ولا آخراً في صد من آمن به مرادهم، بل كان فيه تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال الفجرة مع أولياء الله، ما حفر أحد منهم لأحدم منهم حفرة مكر إلا أركبه الله فيها.
ولما أخبر تعالى بفعله بمن تابع موسى عليه السلام، أخبر عن فعله معه بما علم به أنه عاجز فقال: {وقال فرعون} أي أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه عندما علم أنه عاجز عن قتله وملاّه ما رأى منه خوفاً وذعراً، دافعاً عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى عليه السلام مع استهانته به إلا عجزاً عنه، موهماً أن آله هم الذين يردونه عنه، وأنه لولا ذلك قتله: {ذروني} أي اتركوني
(17/50)

على أيّ حالة كانت {أقتل موسى} وزاد في إيهام الأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بالفضيحة بقوله: {وليدع ربه} أي الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من هذه الخوارق، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً إعلاماً بأنه الأمر صعب جداً لأنه كان منهم من يوهي أمره بأنه لا يؤثر ما هو فيه شيئاً أصلاً تقرباً إلى فرعون، وإظهاراً للثبات على متابعته {إني أخاف} أي إن تركته {أن يبدل دينكم} أي الذي أنتم عليه من نسبة الفعل إلى الطبيعة بما يدعو إليه من عبادة إلهه.
ولما ألهبهم بهذا الكلام إلى ممالأتهم له على موسى عليه السلام، زاد في ذلك بقوله: {وأن يظهر} أي بسببه - على قراءة الجماعة بفتح حرف المضارعة {في الأرض} أي كلها {الفساد *} وقرأ المدنيان والبصريان وحفص بالضم إسناداً إلى ضمير موسى عليه السلام وبنصب الفساد أي بفساد المعائش فإنه إذا غلب علينا قوي على من سوانا، فسفك الدماء وسبى الذرية، وانتهب الأموال، ففسدت الدنيا مع فساد الدين، فسمى اللعين الصلاح - لمخالفته لطريقته الفاسدة - فساداً كما هو
(17/51)

شأن كل مفسد مع المصلحين، وقرأ الكوفيون ويعقوب «أو أن» بمعنى أنه يخاف وقوع أحد الأمرين: التبديل أو ظهور ما هو عليه مما سماه فساداً، وإن لم يحصل التبديل عاجلاً فإنه يحصل به الوهن.
(17/52)

وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30)
ولما أعلم بمقالة العدو، أتبعه الإعلام بقول الولي فقال: {وقال موسى} إبطالاً لهذا القول وإزالة لآثاره مؤكداً لما استقر في النفوس من قدرة فرعون: {إني عذت} أي اعتصمت عند ابتداء الرسالة {بربي} ورغبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله: {وربكم} أي المحسن إلينا أجمعين، فأرسلني لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا {من كل متكبر} أي عاتٍ طاغ متعظم على الحق هذا وغيره {لا يؤمن} أي لا يتجدد له تصديق {بيوم الحساب *} من ربه له وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ربه بما لا يحكم به على نفسه، ومعنى العوذ أنه لا وصول لأحد منهم إلى قتلي بسبب عوذي، هذا أمر قد فرغ منه مرسلي لخلاصكم، القادر على كل شيء.
ولما انقضى كلام الرأسين، وكانت عادة من لم يكن لهم نظام من الله رابط أن قلوبهم لا تكاد تجتمع وأنه لا بد أن يجاهر بعضهم بما عنده ولو عظم شأن الملك القائم بأمرهم، واجتهد في جمع مفترق
(17/52)

علنهم وسرهم، قال تعالى مخبراً عن كلام بعض الأتباع في بعض ذلك: {وقال رجل} أي كامل في رجوليته {مؤمن} أي راسخ الإيمان فيما جاء به موسى عليه السلام. ولما كان للإنسان، إذا عم الطغيان، أن يسكن بين أهل العدوان، إذا نصح بحسب الإمكان، أفاد ذلك بقوله: {من آل فرعون} أي وجوههم ورؤسائهم {يكتم إيمانه} أي يخفيه إخفاء شديداً خوفاً على نفسه لأن الواحد إذا شذ عن قبيلة يطمع فيه ما لا يطمع إذا كان واحداً من جماعة مختلفة، مخيلاً لهم بما يوقفهم عن الإقدام على قتله من غير تصريح بالإيمان.
ولما رآهم قد عزموا على القتل عزماً قوياً أوقع عليه اسم القتل، فقال منكراً له غاية الإنكار: {أتقتلون رجلاً} أي هو عظيم في الرجال حساً ومعنى، ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال: {أن} أي لأجل أن {يقول} ولو على سبيل التكرير: {ربي} أي المربي لي والمحسن إليّ {الله} أي الجامع لصفات الكمال {وقد} أي والحال أنه قد {جاءكم بالبينات} أي الآيات الظاهرات من غير لبس {من ربكم} أي الذي لا إحسان عندكم إلا منه، وكما أن ربوبيته له اقتضت عنه الاعتراف له بها فكذلك ينبغي أن تكون ربوبيته لكم داعية لكم إلى
(17/53)

اعترافكم له بها.
ولما كان كلامه هذا يكاد أن يصرح بإيمانه، وصله بما يشككهم في أمره ويوقفهم عن ضره، فقال مشيراً إلى أنه لا يخلو حاله من أن يكون صادقاً أو كاذباً، مقدماً القسم الذي هو أنفى للتهمة عنه وأدعى للقبول منه: {وإن} أي والحال أنه إن.
ولما كان المقام لضيقه غاية الضيق بالكون بين شرور ثلاثة عظيمة: قتلهم خير الناس إذ ذاك، وإتيانهم بالعذاب، واطلاعهم على إيمانه، فأقل ما يدعوهم ذلك إلى اتهامه إن لم يحملهم على إعدامه داعية للإيجاز في الوعظ والمسارعة إلى الإتيان بأقل ما يمكن، حذف النون فقال: {يك كاذباً فعليه} أي خاصة {كذبه} يضره ذلك وليس عليكم منه ضرر، ولم يقل: أو صادقاً، وإن كان الحال مقتضياً لغاية الإيجاز لئلا يكون قد نقص الجانب المقصود بالذات حقه، فيكون قد أخل ببعض الأدب، فقال مظهراً لفعل الكون عادلاً عما له إلى ما عليهم معادلاً لما ذكره عليه ونقصه عنه إظهاراً للنصفة ودفعاً للتهمة عن نفسه: {وإن يك} حذف نونه لمثل ما مضى {صادقاً يصبكم} أي على وجه العقوبة من الله وله صدقه
(17/54)

ينفعه ولا ينفعكم شيئاً.
ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خصمه من غير حجة، وكان أقل ما يكون من توعد من بانت مخايل صدقه البعض، قال ملزماً الحجة بالبعض، غير ناف لما فوقه إظهاراً للانصاف وأنه لم يوصله حقه فضلاً عن التعصب له نفياً للتهمة عن نفسه: {بعض الذي} وقال: {يعدكم} دون «يوعدكم» إشارة إلى أنهم إن وافوه أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير، وإلا دهاهم ما توعدهم من الشر، والآية من الاحتباك: ذكر اختصاصه بضر الكذب أولاً دليلاً على ضده وهو اختصاصه بنفع الصدق ثانياً، وإصابتهم ثانياً دليلاً على إصابته أولاً، وسره أنه ذكر الضار في الموضعين، لأنه أنفع في الوعظ لأن من شأن النفس الإسراع في الهرب منه، ولقد قام أعظم من هذا المقام - كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما - أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو مظهر إيمانه وقد جد الجد بتحقق الشروع في الفعل حيث اخذ المشركون بمجامع ثوب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول هذه الآية، ودموعه
(17/55)

تجري على لحيته حتى فرج الله وقد مزقوا كثيراً من شعر رأسه - رضي الله عنه.
ولما كان فرعون قد نسب موسى عليه الصلاة والسلام بما زعمه من إرادته إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب، علل هذا المؤمن قوله هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفراً منه مع صلاحيته لإرادة موسى عليه الصلاة والسلام على ما زعمه فيه فرعون فقال: {إن الله} أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز {لا يهدي} أي إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر {من هو مسرف} أي بإظهار الفساد متجاوز للحد، وكأنه رضي الله عنه جوز أن يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذباً، ولذا قال {يصبكم بعض الذي يعدكم} فعلق الأمر بالمبالغة فقال: {كذاب *} لأن أول خذلانه وضلاله تعمقه في الكذب، ويهدي من هو مقتصد صادق، فإن كان كاذباً كما زعمتم ضره كذبه، ولم يهتد لوجه يخلصه، وإن كان صادقاً أصابتكم العقوبة ولم تهتدوا لما ينجيكم، لاتصافكم
(17/56)

بالوصفين.
ولما خيلهم بهذا الكلام الذي يمكنه توجيهه، شرع في وعظهم إظهاراً للنصيحة لهم والتحسر عليهم فقال مذكراً لهم بنعمة الله عليهم محذراً لهم من سلبها مستعطفاً بذكر أنه منهم: {يا قوم} وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحاً بالمقصود فقال: {لكم الملك} ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله: {اليوم} وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله: {ظاهرين} أي غالبين على بني إسرائيل وغيرهم، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء، وأهل الرخاء يتوقعون البلاء، ونبه على الإله الواحد القهار الذي له ملك السماوات فملك الأرض من باب الأولى، بقوله معبراً بأداة الظرف الدالة على الاحتياج ترهيباً لهم: {في الأرض} أي أرض مصر التي هي لحسنها وجمعها المنافع كالأرض كلها، قد غلبتم الناس عليها.
ولما علم من هذا أنهم لا يملكون جميع الكون، تسبب عنه أن المالك للكل هو الإله الحق والملك المطلق الذي لا مانع لما يريد، فلا ينبغي لأحد من عبيده أن يتعرض إلى ما لا قبل له به من سخطه، فلذلك قال: {فمن ينصرنا} أي أنا وأنتم، أدرج نفسه فيهم عن ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعاداً للتهمة وحثاً على قبول النصيحة: {من بأس الله} أي الذي له الملك كله، ونبه بأداة الشك على أن عذابه لهم أمر ممكن، والعاقل من يجوز الجائز ويسعى
(17/57)

في التدرع منه فقال: {إن جاءنا} أي غضباً لهذا الذي يدعي أنه أرسله، ويجوز أن يكون صادقاً، بل يجب اعتقاد ذلك لما أظهره من الدلائل، وفي قوله هذا تسجيل عليهم بأنهم يعرفون أن الله ملك الملوك ورب الأرباب، وكذا قول موسى عليه السلام {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض} [الاسراء: 102] وأن ادعاء فرعون الإلهية إنما هو محض عناد.
ولما سمع فرعون ما لا طعن له فيه، فكان بحيث يخاف من بقية قومه إن أفحش في أمر هذا المؤمن، فتشوف السامع لجوابه، أخبر تعالى أنه رد رداً دون رد بقوله: {قال فرعون} أي لقومه جواباً لما قاله هذا المؤمن دالاً بالحيدة عن حاق جوابه على الانقطاع بالعجز عن نقض شيء من كلامه: {ما أريكم} أي من الآراء {إلا ما أرى} أي إنه الصواب على قدر مبلغ علمي، أي إن ما أظهرته لكم هو الذي أبطنه. ولما كان في كلام المؤمن تعريض في أمر الهداية، وكان الإنسان ربما يتوافق قلبه ولسانه، ويكون تطابقهما على ضلال، قال: {وما أهديكم} أي بما أشرت به من قتل موسى عليه السلام وغيره {إلا سبيل الرشاد *} أي الذي أرى أنه صواب، لا أبطن شيئاً وأظهر غيره، وربما يكون في هذا تنبيه لهم على ما يلوح
(17/58)

من كلام المؤمن لأنه ارتاب في أمره، وفي هذا أنه في غاية الرعب من أمر موسى عليه السلام لاستشارته لقومه في أمره واحتمال هذه المراجعات التي يلوح منها أنه يكاد ينفطر غيظاً منه ولكنه يتجلد.
ولما ظهر لهذا المؤمن رضي الله عنه أن فرعون ذل لكلامه، ولم يستطع مصارحته، ارتفع إلى أصرح من الأسلوب الأول فأخبرنا تعالى عنه بقوله مكتفياً في وصفه بالفعل الماضي لأنه في مقام الوعظ الذي ينبغي أن يكون من أدنى متصف بالإيمان بعد أن ذكر عراقته في الوصف لأجل أنه كان في مقام المجاهدة والمدافعة عن الرسول عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام الذي لا يقدم عليه إلا راسخ القدم في الدين: {وقال الذي آمن} أي بعد قول فرعون هذا الكلام الذي هو أبرد من الثلج الذي دل على جهله وعجزه وذله {يا قوم} وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم من اتهامه فقال: {إني أخاف عليكم} أي من المكابرة في أمر موسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان أقل ما يخشى يكفي العاقل، وكانت قدرة الله سبحانه عليهم كلهم على حد سواء لا تفاوت فيها فكان هلاكهم كلهم كهلاك نفس واحدة، أفرد فقال: {مثل يوم الأحزاب *} مع أن إفراده أروع وأقوى في التخويف وأفظع للاشارة إلى قوة الله تعالى وأنه قادر على
(17/59)

إهلاكهم في أقل زمان.
(17/60)

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34)
ولما أجمل فصل وبين أو بدل بعد أن هول، فقال بادئاً بمن كان عذابهم مثل عذابهم، ودأبهم شبيهاً بدأبهم: {مثل دأب} أي عادة {قوم نوح} أي فيما دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المحاولة والمقاومة لما يريدونه {وعاد وثمود} مع ما بلغكم من جبروتكم. ولما كان هؤلاء أقوى الأمم، اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال: {والذين} وأشار بالجار إلى التخصيص بالعذاب لئلا يقال: هذه عادة الدهر، فقال: {من بعدهم} أي بالقرب من زمانهم لا جميع من جاء بعدهم.
ولما كان التقدير: أهلكهم الله وما ظلمهم، عبر عنه تعميماً مقروناً بما تضمنه من الخبر بدليله فقال: {وما الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال. ولما كان في مقام الوعظ لهم ومراده ردهم عن غيهم بكل حال، علق الأمر بالإرادة لأنها متى ارتفعت انتفى الظلم، ونكر تعميماً فقال: {يريد ظلماً} أي يتجدد منه أن يعلق إرادته وقتاً ما بنوع ظلم {للعباد *} لأن أحد لا يتوجه أبداً إلى أنه يظلم عبيده الذين هم تحت قهره، وطوع مشيئته وأمره، ومتى لم يعرفوا حقه وأرادوا البغي على من يعرف حقه عاقبهم ولا بد، وإلا كان كفه ظلماً
(17/60)

للمبغي عليهم.
ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر، لأنه لا يسوغ أصلاً أن ملكاً يدع عبيده يبغي بعضهم على بعض من غير إنصاف بينهم ونحن نرى أكثر الخلق يموت مقهوراً من ظالمه، ومكسوراً من حاكمه، فعلم قطعاً أن الموت الذي لم يقدر ولا يقدر أحد أصلاً أن يسلم منه إنما هو سوق إلى دار العرض وساحة الجزاء للقرض - كما جرت به عادة الملوك إذا وكلوا بمن يأمرون باحضاره إليهم لعرضه عليهم ليظهر التجلي في صفات الجبروت والعدل، ومظاهر الكرم الفضل قال: {ويا قوم} ولما كانوا منكرين للبعث أكد فقال: {إني أخاف} وعبر بأداة الاستعلاء زيادة في التخويف فقال: {عليكم} ولما كان قد سماه فيما مضى بالتلاقي والآزفة لما ذكر، عرف هنا أن الخلق فيه وجلون خائفون وأنهم لكثرة الجمع ينادُون وينادَون للرفعة أو الضعة وغير ذلك من الأمور المتنوعة التي مجموعها يدل على ظهور الجبروت وذل الخلق لما يظهر لهم من الكبرياء والعظموت فقال: {يوم التناد *} أي أهواله وما يقع فيه، فينادي الجبار سبحانه بقوله {ألم أعهد إليكم
(17/61)

يا بني آدم أن لا تعبدو الشيطان} وينادونه «بلى يا ربنا» وتنادي الملائكة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب «يا فلان ابن فلان أقبل لفصل النزاع» وينادي ذلك العبد «ألا سمعاً وطاعة» وينادي الفائز «ألا نعم أجر العاملين» وينادي الخائب «ألا بئس منقلب الظالمين» وينادي أصحاب الأعراف وأهل الجنة أهل النار وأهل النار أهل الجنة وينادي الكل حين يذبح الموت، ويدعى كل أناس بإمامهم، وتتنادى الملائكة وقد أحاطوا بالثقلين صفوفاً مترتبة ترتب السماوات التي كانوا بها بالتسبيح والتقديس، وترتفع الأصوات بالضجيج، بعضهم بالسرور وبعضهم بالويل والثبور، وتنادي ألسن النيران: أي الجبارون أين المتكبرون، وتنادي الجنة، أين المشمرون في مرضاة الله والصابرون، فيا له يوماً يذل فيه العصاة العتاة ويعز المنكسرة قلوبهم من أجل الله وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما في آخرين بتشديد الدال من التناد على أنه مصدر تنادّ من ند البعير - إذا هرب ونفر، وهو كقوله يوم
{يفر المرء من أخيه} [عبس: 34] وتقدم في حذف ياء التلاق وإثباتها ما يمكن الفطن تنزيله هنا. ولما كانت عادة المتنادين الإقبال، وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة الأهوال فقال مبدلاً أو مبيناً:
(17/62)

{يوم تولون مدبرين} أي حين تخرج ألسنة النيران فتخطف أهل الكفران، وتزفر زفرات يخر أهل الموقف من خشيتها، فترى كل أمة جاثية ويفرون فلا يقصدون مكاناً إلا وجدوا به الملائكة صافين كما قال تعالى {والملك على أرجائها} [الحاقة: 17] وينادي المنادي {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] .
ولما كان المدبر إنما يقصد في إدباره معقلاً يمنعه ويستره أو فئة تحميه وتنصره، قال مبيناً حالهم: {ما لكم من الله} أي الملك الجبار الذي لا ند له، وأعرق في النفي فقال: {من عاصم} أي مانع يمنعكم مما يراد فما لكم من عاصم أصلاً، فإنه سبحانه يجير ولا يجار عليه.
ولما كان التقدير: لضلالكم في الدنيا فإن حالكم في ذلك اليوم مكتسب من احوالكم في هذا اليوم، عطف عليه قوله معمماً: {ومن يضلل اللهُ} أي الملك المحيط بكل شيء الباطن في اردية الجلال الظاهر في مظاهر القهر والجمال، إضلالاً جبله عليه فهو في غاية البيان - بما أشار إليه الفلك {فما له من هاد *} أي إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه، وأما الضلال العارض فيزيله الله لمن يشاء من عباده، وهذا لا يعرف إلا بالخاتمة كما قاله الإمام أبو الحسن الأشعري: فمن مات على شيء فهو مجبول عليه.
(17/63)

ولما كان حاصل ما مضى من حالهم في أمر موسى عليه السلام أنه جاءهم بالبينات فشكوا فيها، وختم بتحذيرهم من عذاب الدنيا والآخرة، عطف عليه شك آبائهم في مثل ذلك، فقال مبيناً أنهم مستحقون لما حذر منه العذاب ليشكروا نعمة الله في إمهاله إياهم ويحذروا نقمته إن تمادوا وأكد لأجل إنكارهم أن يكونوا أتو ببينة، وافتتح بحرف التوقع لأن حالهم اقتضت توقع ذلك ودعت إليه: {ولقد جاءكم} أي جاء آباءكم يا معشر القبط، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد، ومن أنهم على طبائعهم لا سيما إن كانوا لم يفارقوا مساكنهم: {يوسف} أي نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ولما لم يكن مجيئه مستغرقاً لما تقدم موسى عليه السلام من الزمان أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل زمن موسى عليه السلام: {بالبينات} أي الآيات الظاهرات ولا سيما في أمر يوم التناد {فما زلتم} بكسر الزاي من زال يزال أي ما برحتم أنتم تبعاً لآبائكم {في شك} أي محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن {مما جاءكم به} من التوحيد وما يتبعه، ودل على تمادي شكهم بقوله: {حتى إذا هلك} وكأنه عبر بالهلاك إيهاماً لهم أنه غير معظم له، وأنه إنما يقول ما يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة {قلتم} أي
(17/64)

من عند أنفسكم بغير دليل كراهة لما جاء به وتضجرا منه جهلاً بالله تعالى: {لن يبعث الله} أي الذي له صفات الكمال.
ولما كان مرادهم استغراق النفي حتى لا يقع البعث في زمن من الأزمان وإن قل، أدخل الجار فقال: {من بعده} أي يوسف عليه السلام {رسولا} وهذا ليس إقراراً منهم برسالته، بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته التكذيب برسالة من بعده، والحجر على الملك الأعظم في عباده وبلاده والإخبار عنه بما ينافي كماله.
ولما كان كأنه قيل: هذا ضلال عظيم هل ضل أحد مثله؟ أجيب بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الضلال العظيم الشأن {يضل} وأبرز الاسم ولم يضمره لئلا يخص الإضلال بالحيثية الماضية، وجعله الجلالة تعظيماً للأمر لصلاحية الحال لذلك وكذا ما يأتي بعده {الله} أي بما له من صفات القهر {من هو مسرف} أي متعال في الأمور خارج عن الحدود طالب للارتفاع عن طور البشر.
ولما كان السياق للشك في الرسالة والقول بالظن الذي يلزم منه اتهام القادر سبحانه بالعجز أو مجانبة الحكمة قال: {مرتاب *}
(17/65)

أي يشك فيما لا يقبل الشك ويتهم غيره بما لا حظّ للتهمة فيه، أي ديدنه التذبذب في الأمور الدينية، فلا يكاد يحقق أمراً من الأمور، ولا إسراف ولا ارتياب أعظم من حال المشرك فإنه منع الحق أهله وبذله لمن لا يستحقه بوجه، وهذه الآية دليل على أن القبط طول الدهر على ما نشاهده من أنه لا ثقة بدخولهم في الدين الحق، ولا ثبات لهم في الأعمال الصالحة.
(17/66)

الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)
ولما ظهر ظهوراً لا يحتمل شكاً بما أتى به موسى عليه السلام من البينات أن شكهم في رسالة الماضي وجزمهم في الحكم بنفي رسالة الآتي أعظم ضلال وأنه من الجدال الذي لا معنى له إلا فتل المحق عما هو عليه من الحق إلى ما عليه المجادل من الضلال، وصل بذلك قوله على سبيل الاستنتاج ذماً لهم بعبارة تعم غيرهم: {الذين} أي جدال من {يجادلون} أي يقاتلون ويخاصمون خصاماً شديداً {في آيات الله} أي المحيطة بأوصاف الكمال لا سيما الآيات الدالة على يوم التناد، فإنها أظهر الآيات على وجوده سبحانه وعلى ما هو عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل.
ولما كان الجدال بالتي هي أحسن مشروعاً، وهو بما أمر به
(17/66)

قال: {بغير سلطان} أي تسليط ودليل {أتاهم} أي من عند من له الأمر كله {كبر} أي عظم هو، أي الجدال المقدر مضافاً قبل {الذين} وبين ما أبهم من هذا العظم بتمييز محول عن الفاعل فقال: {مقتاً عند الله} أي الملك الأعظم {وعند الذين آمنوا} أي الذين هم خاصته.
ولما كان فاعل هذا لا يكون إلا مظلم القلب، فكان التقدير: أولئك طبع الله على قلوبهم، وصل به استنئافاً قوله: {كذلك} أي مثل هذا الطبع العظيم {يطبع} أي يختم ختماً فيه العطب {الله} أي الذي له جميع العظمة {على كل قلب} ولما كان فعل كل ذي روح إنما هو بقلبه، نسب الفعل إليه في قراءة أبي عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين عنه بالتنوين فوصفه بقوله: {متكبر} أي متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله {جبار *} أي ظاهر الكبر قويّه قهار وقراءة الباقين بالإضافة مثلها سراء في أن السور داخل القلب ليعم جميع أفراده غير أن الوصف بالكبر والجبروت للشخص لا للقلب، وهي أبين من القراءة الشاذة بتقديم القلب على كل لأن
(17/67)

تقديم كل نص في استغراق أفراد القلوب ممن اتصف بهذا الوصف، ومن المقطوع به أن آحاد القلوب موزعة على آحاد الأشخاص لأنه لا يكون لشخص أكثر من قلب بخلاف ما إذا قدم القلب فإنه قد يدعي أن الشخص الواحد، وأن السور لأجل جمعه لأنواع الكبر والجبروت فيكون المعنى: على قلب شخص جامع لكل فرد من أفراد التكبر والتجبر - والله الموفق.
ولما ذكر الطبع المذكور، دل عليه بما ذكر من قول فرعون وفعله عطفاً على ما مضى من قوله وقول المؤمن، فإنه قصد ما لا مطمع في نيله تيهاً وحماقة تكبراً وتجبراً لكثافة قلبه وفساد لبه، فصار به ضحكة لكل من سمعه هذا إن كان ظن أنه يصل إلى ما أراد وإن كان قصد بذلك التلبيس على قومه للمدافعة عن اتباع موسى عليه السلام إلى وقت ما فقد نادى عليهم بالجهل، والإغراق في قلة الحزم والشهامة والعقل، فقال تعال: {وقال فرعون} أي بعد قول المؤمن هذا، معرضاً عن جوابه لأنه لم يجد فيه مطعناً: {يا هامان} وهو وزيره {ابنِ} وعرفه بشدة اهتمامه به بالإضافة إليه في قوله: {لي صرحاً} أي بناء ظاهراً يعلوه لكل أحد.
قال البغوي: لا يخفى على الناظر وإن بعد. وأصله من التصريح وهو الإظهار، وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على قومه وهو يعرف الحق،
(17/68)

فإن عاقلاً لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي فقال: {لعلي أبلغ الأسباب *} أي التي لا أسباب غيرها لعظمها.
ولما كان بلوغها أمراً عجيباً، أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيماً لشأنها، ليتشوف السامع إلى بيانها، بقوله: {أسباب السماوات} أي الأمور الموصلة إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه.
ولما ذكر هذا السبب، ذكر المسبب عنه فقال: {فاطًّلع} أي فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع {إلى إله موسى} فيكون كما ترى عطفاً على {أبلغ} ، ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيهاً على أن ما أبرزه الخبيث في عداد الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة.
ولما كان من جملة إرادته بذلك مع إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن يخيلهم بأن يقول: طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة، قدم لهم قوله مبيناً لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى عليه السلام: {وإني لأظنه} أي موسى {كاذباً} فترك الكلام على احتمال أن يريد في الرسالة أو في الإلهية. ولما كان
(17/69)

هذا أمراً عجيباً، وهو كون أحد يظن أنه يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء، وأن الإله الذي هو غني عن كل شيء وقد كان ولا شيء معه يكون في السماء، أو في محل من المحال، فإن كل حال في شيء يحتاج إلى محله، وكل محتاج عاجز ولا يصلح العاجز للإلهية لو لم يجئ عن الله لما كان أهلاً لأن يصدق، فكان التقدير: عمله فرعون لأنا زيناه له، عطف عليه زيادة في التعجيب: {وكذلك} أي ومثل ذلك التزيين العظيم الشأن اللاعب بالألباب. ولما كان الضار هو التزيين لا المزين الخاص، بناه للمفعول فقال: {زين} أي زين المزين النافذ الأمر، وهو لله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه، والشيطان مجازاً بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق الله تعالى {لفرعون سوء عمله} في جميع أمره، فاقبل عليه راغباً فيه مع بعده من عقل أقل ذوي العقول فضلاً عن ذوي الهمم منهم فضلاً عن الملوك، وأطاعه فيه وقومه {وصُد} بنفسه ومنع غيره على قراءة الفتح، ومنعه الله - على قراءة الكوفيين ويعقوب بالضم {عن السبيل} أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها، وهو الموصلة
(17/70)