Advertisement

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 019



الكتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: 885هـ)
الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة
عدد الأجزاء: 22
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] بالإعراض عن تأملها {هم} أي خاصة {المكيدون *} أي يختص وبال الكيد بلزومه لهم وقطعه لدابرهم لأن من كان الإله عليه كان خاسراً، وأقرب مآلهم من الكيد الظاهر في بدر عن انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من «أم» وهي خمسة عشرة مرة لأن بدراً كانت في الثانية من الهجرة، وهي الخامسة عشرة من النبوة، فقد سبب الله فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة للعادة، فلو كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية، والرد عن الضلالة والغواية.
ولما كان التقدير: أكذلك الأمر عادله بقوله: {أم لهم إله} يمنعهم من التصديق بكتابنا، أو يستندون إليه للأمان من عذابنا {غير الله} الذي أحاط بجميع صفات الكمال، فلا يمكن بوجه من الوجوه ولا على تقدير من التقادير أن يكون معه إله، ولذلك وصل به قوله: {سبحان الله} أي الملك الأعظم الذي تعالى أن يداني جنابه شائبة نقص {عما يشركون} من الأصنام وغيرها، وأخر سبحانه هذا القسم وهو من الشركة لكن بالغير لأنه آت على تقدير التصديق للرسول صلى ولأنه دينهم الذي أوقفهم عن الهدى، فأوقعهم في الردى، ليحتم بنفسه والتنزيه عن الإقسام فيحصل به غاية القصد والمرام.
والحاصل أنه قسم به سبحانه حالهم في ردهم القرآن إلى التكذيب وغيره، ولما كان التكذيب - وهو النسبة إلى الكذب وهو عدم المطابقة للواقع - إما في الإرسال، وإما في المعاني، وما وقع به الإرسال
(19/31)

إما لنقص في الرسول وإما النقص في المرسل، والذي في الرسول إما أن يكون لأمر خارج عنه أو لأمر داخل فيه، ولما كان الخارج قد يكون معه نقص دخل بذاته، ولما كان ذلك قد يكون فيه ما يمدح به ولو من وجه، وهو الكهانة بدأ بها، وأتبعه الداخل لذلك بادئاً بما قد يمدح به وهو الشعر. ولما كان القول بجمع الكهانة والشعر والجنون في شخص واحد على غاية من ظهور التناقص لا يخفى، أتبعها الرمي بالتهكم على عقولهم. ولما كان الكذب في الرمي بالتقول قد يخفى، أتبعه دليله بالعجز عن المعارضة. ولما قسم ما رموا به الرسول، أتبعهم ما ألزمهم به في المرسل، ولما كان ذلك إما أن يكون بالتعطيل أو لا، وكان التعطيل أشد، بدأ به وهو الخلق من غير شيء، ولما كان النقص مع الإقرار بالوجود إما أن يكون بالشركة أولاً، وكان بالشركة إما أن يكون المكذب هو المشارك أولاً، وكانت الشركة المكذب أقعد في التكذيب بدأبها، ولما كانت شركة المكذب إما أن تكون في الخلق أو لا، وكان الأول إما أن يكون بخلق النفس أو الغير، وكانت الشركة بخلق النفس ألصق، بدأ بها قوله: {أم هم الخالقون} ولما كانت الشركة بغير الخلق إما أن يكون بضبط الحواس أو لا، وكان الثاني إما أن يكون بضبط الكتاب فيها وإليه الإشارة بالمسيطر، أو بضبط ما يؤمر به فيها وإليه الإشارة بالسلم أو بسفه صاحب الخزائن لرضاه بالبنات، وكان كل قسم أشد مما بعده رتبه هكذا. ولما انتهى ما يرجع
(19/32)

إلى التكذيب، أتبعه الرد لا للتكذيب بل لأمر آخر، ولما كان ذلك الأمر إما من الآتي أو من المأتي إليه أو من غيرهما، كان ما من الآتي ألصق بدأ به وهو المغرم، ولما كان ما من المأتي إليه إما لحسد أو غيره، وكان أمر الحسد أشد، بدأ به وهو المشاركة في الأبناء بما يكون به الفخر والرئاسة وهو علم الغيب - الناظر بوجه للكهانة المبدوء بها في قسم التكذيب، وآخر ما من الغير وهو الشريك المانع لهم من القبول، وخلطه بهذا القسم مع كونه قسيماً لما فرض فيه المكذب مشاركاً لخلوه عما قارن تلك الأقسام من التكذيب، هذا تمام القول في إبطال ما لزمهم فيما تقولوه في أمر القرآن، وقد تضمن ما ترى من تأصيله وتقسيمه وتفصيله من بيان مقدورات الله وعجائب مصنوعاته ما ألزمهم حتماً التوحيد الملزم بتصديق الرسالة والإذعان للحق مع ما له من الإعجاز في ترتيبه ونظمه وتهذيبه وتسهيله وتقريبه مجلوا أسلوبه العظيم بألفاظ هي الدر النظيم، ومعان علت عن لاحق بغريزة أو تعليم، يكاد لها أثبت القلوب يهيم فيطير، وأبلغ البلغاء في افنان روحها يتدله ويحير، فكان ذلك كما قال جبير بن مطعم رضي الله عنه كما روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه رضي الله عنهم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ في المغرب بالطور، وقال البخاري في التفسير: فلما بلغ هذه الآية {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} {أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك
(19/33)

أم هم المسيطرون} كاد قلبي يطير، وقال ابن ماجه: فلما سمعه يقرأ {أم من غير شيء أم هم الخالقون} - إلى قوله - {فليأت مستمعهم بسلطان مبين} كاد قلبي يطير.
وسبق في أول السورة ما ذكره البغوي من هذا الحديث.
(19/34)

وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)
ولما كان التقدير تسكيناً لقلب من يريد إجابتهم إلى الآيات المقترحات طمعاً في إيمانهم: فلقد تلونا عليهم في هذه السورة وغيرها من الآيات، وخلونا من المعجزات البينات، وأتينا من تناقضهم في هذه التقسيمات، بما يهد الجبال الشامخات، وبينا من فضائحهم بحسن سوقها وحلاوة ذوقها، وصحة معانيها وإحكام مبانيها، ما يزلزل الراسيات، ويحل العزمات، ويفرج الأزمات، ويصد ذوي المروات عن أمثال هذه النقائص الفاضحات، لما لها من الأدلة الواضحات، ولكنهم لما ألزمناهم به من العكس لا يؤمنون، وكدناهم بما أعمينا من بصائرهم فهم لا يعلمون أنهم المكيدون، عطف عليه قوله: {وإن يروا} أي معاينة {كسفاً} قطعة، وقيل: قطعاً واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر {من السماء} نهاراً جهاراً {ساقطاً يقولوا} لدداً وتجلداً في البغي إصراراً، وتعلقهم بما أمكنهم من الشبه تخييلاً على العقول وإيقافاً لذوي الآراء والفهوم دأب الأصيل في نصر الباطل ومكابرة الحق لما لهم من العراقة في عمى القلوب بما لنا من القدرة على صرفهم عن وجوه الأمر: هذا {سحاب} فإن قيل
(19/34)

لهم: هو مخالف للسحاب بصلابته، قالوا: {مركوم *} أي تراكم بعضه على بعض فتصلب، ولذلك سبب عن هذا الحال الدال على أنهم وصلوا في عمى البصائر إلى أنه لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون، قوله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تبعه: {فذرهم} أي اتركهم على شر أحوالهم {حتى يلاقوا} سعياً بسوء أعمالهم {يومهم} كما أنه هو يسعى إليهم لاستحقاقهم لما فيه {الذي فيه} لا في غيره لأن ما حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر {يصعقون *} بالموت من شدة الأهوال وعظيم الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور، ولكنا لانقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور لنحشرهم إلى الحساب الذي يكذبون به، والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصرة فيها فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئاً كما قال أبو سفيان بن الحارث: ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا. {يوم لا يغني} أي بوجه من الوجوه {عنهم كيدهم} الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة {شيئاً} أي من الإغناء في دفع شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من أحوال هذه الدار بتثبيط الناس عن اتباع القرآن بما يصفونه به من البهتان {ولا هم ينصرون *} أي لا يتجدد لهم نصر من أحد ما في ساعة ما.
ولما أفهم هذا الكلام السابق أن التقدير: فإن لكل ظالم في ذلك
(19/35)

اليوم عذاباً لا يحيط به الوصف، فإن الإصعاق من أشد ما يكون من العذاب، عطف عليه قوله مؤكداً لما لهم من الإنكار أي ينصر عليهم المؤمنون وهم من الكثرة والقوة بحيث لا مطمع فيهم لأحد لا سيما لمن هم مثل في الضعف والقلة {وإن} وكان الأصل لهم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {للذين ظلموا} أي أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما يقولونه في القرآن، ويفعلونه من العصيان ويعتقدون من الشرك والبهتان {عذاباً دون ذلك} أي غير عذاب ذلك اليوم الصعب المرير، أو أدنى رتبة منه، إن كان المراد بالعصق ما يكون بعد البعث فبعذاب البزرخ في القبور، وإن كان المراد به الموت فيما يلقونه في الدنيا من عذابي بواسطتكم مثل تحيزكم إلى الأنصار في دار الهجرة ومعدن النصرة وصيرورتكم في القوة بحيث تناصبونهم الحرب، وتعاطونهم الطعن والضرب، فتكونوا بعد أن كنتم طوع أيديهم قذى في أعينهم وشجاً في حلوقهم ودحضاً لأقدامهم ونقضاً لإبرامهم، ومثل القحط الذي حصل لهم والسرايا التي لقيتموها فيها مثل سرية حمزة أسد الله وأسد رسوله، وعبيدة بن الحارث وعبيد الله بن جحش التي كانت مقدمة لغزوة بدر.
ولما كان بعضهم يبصر هذا مثل عتبة بن ربيعة والوليد بن مغيرة والنضر بن الحارث ويقولون: والله ما هو شاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا مجنون، وليكونن لقوله الذي يقول نبأ، قال: {ولكن أكثرهم}
(19/36)

بسبب ما يرون من كثرتهم وحسن حالهم في الدنيا وقوتهم {لا يعلمون *} أي يتجدد لهم علم بتقويتكم عليهم لأنهم لا علم لهم أصلاً حتى يروا ذلك معاينة.
ولما كان العلم المحيط من الملك القاهر أعظم مسل للولي وأكبر مخيف للعدو، قال عاطفاً على {فذرهم} أو على ما تقديره: فكن أنت العلماء بذلك ليكون فيه لك أعظم تسلية: {واصبر} أي أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت فيه من أداء الرسالة وما لها من الكلف من أذى الناس وغيره ولكونه في مقام الإعراض عن الكفار وكون إعراضه عنهم أصعب عليه من مقاساة إنذاره وإن نشأ عنها تكذيبهم واستهزاؤهم، اشتدت العناية هنا بالصبر فقدم، وأيضاً فإن الإعراض عنهم مقتض لعدهم فانين، وذلك هو مقام الجمع، والجمع لا يصلح إلا بالفرق، فلذلك قدم الأمر بالصبر، وذكر الحكم إشارة إلى أنه متمكن في مقام الفرق كما أنه عريق في مقام الجمع بخلاف المدثر، فإن سياقها للإنذار الناشىء عنه غاية الأذى فاشتدت العناية هناك بتقديم ذكر الإله نظراً إلى الفناء عن الفانين وإن كان مباشراً لدعائهم، وعبر بما يذكر بحسن التربية زيادة في التعزية فاقتضى هذا السياق أن رغبه سبحانه بقوله: {لحكم ربك} أي المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء منه، فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج
(19/37)

الحكم، وسبب عن ذلك قوله لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات الامتحان من نوع نسيان: {فإنك بأعيننا} جمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا سياقها، وهي ظاهرة في الجمع وإشارة إلى أنه محفوف بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته سبحانه فهو مكلوء مرعى به وبجنوده وفاعل في حفظه فعل من له أعين محيطة بمحفظه من كل جهة من جهاته.
ولما كانت الطاعة أعظم ناصر وأكبر معز، وكانت الصلاة أعظمها قال: {وسبح} أي أوقع التنزيه عن شائبة كل نقص بالقلب واللسان والأركان، متلبساً {بحمد ربك} أي المحسن إليك، فأثبت له كل كمال مع تنزيهه له عن كل نقص، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة {حين تقوم *} أي من الليل في جميع الأوقات التي هي مظنة القيام على الأمور الدنيوية والأشغال النفسانية، وهي أوقات النهار الذي هو للانتشار بصلاة الصبح والظهر والعصر، وتحتمل العبارة التسبيح عند كل قيام بكفارة المجلس وهو «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك» فإنها تكفر ما كان في المجلس - كما رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح غريب والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ومن الليل} الذي هو محل السكون والراحة {فسبحه} كذلك بالنية والقول كلما انتبهت وبالفعل بصلاة
(19/38)

المغرب والعشاء وصلاة الليل، ولتعظيمه صرح بذلك وقدمه على الفعل، والضمير يعود على المضاف إليه، وأشار إلى التهجد بعد دخوله فيما قبله بقوله: {وإدبار النجوم *} أي وسبحه في وقت إدبارهم أي إذا أدبرت، وذلك من آخر الليل في نصفه الثاني: وكلما قارب الفجر كان أعلى وبالإجابة أولى، وإلى قرب الفجر تشير قراءة الفتح جمع دابر أي في أعقابها عند خفائها أو أفولها، وذلك بصلاة الفجر سنة وفرضاً أحق وأولى لأنه وقت إدبارها حقيقة، فصارت عبادة الصبح محثوثاً عليها مرتين تشريفاً لها وتعظيماً لقدرها فإن ذلك ينجي من العذاب الواقع، وينصر على العدو الدارع، من المجاهر المدافع، والمنافق المخادع، وقد رجع آخرها على أولها، ومقطعها على موصلها، بحلول العذاب على الظالم، وبعده عن الطائع السالم - والله الموفق.
(19/39)

سورة النَجم
مقصودها ذم الهوى لأنتاجه الضلال والعمى بالإخلاد إلى الدنيا التي هي دار الكدور والبلاء، والتصرم والفناء، ومدح العلم لإثماره الهدى في الإقبال على الأخرى لأنها دار البقاء في السعادة أو الشقاء، والحث على اتباع النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في نذارتهع التي بينتها سورة ق وصدقتها الذاريات وأوقعتها وعينتها الطور كما تتبع في بشارته لأن علمه هنو العلم لأنه لا ينطق عن الهوى لا في صريح الكناية ولا في بيانه له لأن الكل عن الله الذي له صفات الكمال فلا بد من بعث الخلق إليه وحشرهم لديه لتظهر حكمته غاية الظهور فيرفع أهل التزكي والظهور، ويضع أهل الفجور، ويفضح كل متحل بالزور، متجل للشرور، وعلى ذلك دل اسمها النجم عن تأمل القسم والجواب وما نظم به من نجوم الكتاب) بسم الله (الذي أحاط بصفات الكمال فلا يكون رسوله إلا من ذي الكمال) الرحمن (الذي عم الموجودالت بصفة الجمال) الرحيم (الذي خص أهل وده بالإنقاذ من الضلال والهداية إلى ما يرضي من الخلال وصالح الأعمال.
(19/40)

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)
ولما ختمت الطور بأمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتسبيح والتحميد، وكان أمره تكويناً لا تكليفاً، فكان فاعلاً لا محالة، وذاك بعد تقسيمهم القول في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه كاهن وساحر ومجنون، وكان
(19/40)

لذلك تعلق بالشياطين، وكانت الشياطين مباينة للقرآن بختلها وبمنعها بالرجوم من النجوم كما بين آخر الشعراء، افتتحت هذه بالحث على الاهتداء بهدية والاستدلال بدله واتباع أثره، ولما كان من ذلك تسبيحه بالحمد في إدبار النجوم أقسم أول هذه بالنجم على وجه أعم مما في آخر تلك فعبر بعبارة تفهم عروجه وصعوده لأنه لا يغيب في في الأفق الغربي واحد من السيارة إلا وطلع من الأفق الشرقي في نظير له منها لما يكون عند ذلك من تلك العبارة العالية، والأذكار الزاكية، مع ما فيه من عجيب الصنع الدال على وحدانية مبدعه من زينة السماء التي فيها ما توعدون والحراسة من المردة حفظاً لنجوم الكتاب والاهتداء به الدين والدنيا، وغير ذلك من الحكم التي يعرفها الحكماء، فقال تعالى: {والنجم} أي هذا الجنس من نجوم السماء أو القرآن لنزوله منجماً مفرقاً وهم يسمون التفريق تنجيماً - أو النبات، قال البغوي: سمي النجم نجماً لطلوعه وكل طالع نجم. {إذا هوى} أي نزل للأفول أو لرجم الشياطين عند الاستراق كما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما إن كان المراد السمائي، فكانت عنده العبادة والاستغفار والدعاء للملك الجبار بالأسحار، أو صعد فكان به اهتداء المصلي والقارئ والساري، فإنه يقال: هوى هوياً - بالفتح إذا سقط، وبالضم - إذا علا وصعد، أو نزل به الملك للإصعاد وللإبعاد إن كان المراد القرآني لما يحصل من البركات في الدين والدنيا والشرح
(19/41)

للصدور، والاطلاع على عجائب المقدور، أو إذا سقط منبسطاً على الأرض أو ارتفع عنها إن كان المراد النبات، لما فيه من غريب الصنعة وجليل التقدير الدال على عام القدرة وكمال العلم والتوحد بالملك والغنى المطلق.
ولما أقسم بهذا القسم الجليل، أجابه بقوله معبراً بالماضي نفياً لما كانوا رموه به وليسهل ما قبل النبوة فيكون ما بعدها بطريق الأولى: {ما ضل} أي عدل عن سواء المحجة الموصلة إلى غاية المقصود أي أنه ما عمل الضالين يوماً من الأيام فمتى تقول القرآن عنده ولا علم فيه عمل المجانين ولا غيرهم ما رموه به وأما {وجدك ضالاً} [الضحى: 7] فالمراد غير عالم، وعبر بالصحبة مع كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيها ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم يعرفون طيب أعرافه وطهارة شمائله وأخلاقه فقال: {صاحبكم} أي في إنذاره لكم في القيامة فلا وجه لكم في اتهامه.
ولما كان الهدى قد يصحبه ميل لا يقرب الموصول إلى القصد وإن حصل به نوع خلل في القرب أو نحوه فقد يكون القصد مع غير صالح قال: {وما غوى *} وما مال أدنى ميل ولا كان مقصوده مما يسوء فإنه محروس من أسبابه التي هي غواية الشياطين وغيرها، وقد دفع سبحانه عن نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما بقية الأنبياء فدفعوا أنفسهم {ليس بي ضلالة} [الأعراف: 61] {ليس بي سفاهة} [الأعراف: 67] ، ونحو ذلك - قاله القشيري.
ولما كان قد يكون مع الهدى مصادفة قال: {وما ينطق}
(19/42)

أي يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في الحال ولا في الاستقبال، نطقاً ناشئاً {عن الهوى} أي من أمره كالكاهن الذين يغلب كذبهم صدقهم والشعراء وغيرهم، وما تقول هذا القرآن من عند نفسه. ولما أكد سبحانه في نفسه ذلك عند التأكيد تنزيهاً له عما نسب إليه، فكان ذلك مظنة السؤال عن أصل ما تقوله، أجاب بالحصر والآية أصرح وأدفع لإنكارهم البالغ فقال: {إن} أي ما {هو} أي الذي يتكلم به من القرآن وبيانه، وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيانه {إلا وحي} أي من الله تعالى، وأكده بقوله: {يوحى *} أي يجدد إليه إيحاؤه منا وقتاً بعد وقت، ويجوز أن يجتهد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا استقر اجتهاده على شيء أوحي مع أن من يرد ما يجتهد فيه إلى ما أوحي إليه بريء من الهوي.
وقال أبو جعفر ابن الزبير في برهانه: لما قطع سبحانه تعليقهم بقوله: ساحر وشاعر ومجنون - إلى ما هو به مما علموا أنه لا يقوم على ساق، ولكن شأن المنقطع المبهوت أن يستريح إلى ما أمكنه وإن لم يغن عنه، أعقب الله سبحانه بقسمة على تنزيه نبيه وصفيه من خلقه عما تقوله وتوهمه الضعفاء فقال تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى} ثم أتبع سبحانه هذا القسم ببسط الحال في تقريبه عليه السلام وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ربه وعظيم منزلته لديه، وفي إبداء ذلك يحركهم عزّ وجلّ ويذكرهم ويوبخهم على سوء نكاياتهم بلطف واستدعاء كريم
(19/43)

منعم فقال تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} والتحمت الآي على هذه الأغراض إلى الإعلام بانفراده سبحانه بالإيجاد والقهر والإعزاز والانتقام، لا يشاركه في شيء من ذلك غيره فقال: {وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى} . ولما بين ذلك فقال: {فبأي آلاء ربك تتمارى} أي في أيّ نعمة تشكون أم بأي آية تكذبون؟ ثم قال: {هذا نذير من النذر الأولى} وإذا كان عليه الصلاة والسلام. . . فشأن مكذبيه شأن مكذبي غيره - انتهى.
ولما كان الوحي ظاهراً فيما بواسطة الملك، تشوف السامع إلى بيان ذلك فقال مبيناً له بأوصافه لأن ذلك أضخم في حقه وأعلى لمقداره: {علمه} أي صاحبكم الوحي الذي أتاكم به {شديد القوى *} أفلا تعجبون من هذه البحار الزاخرة التي فأقكم بها وهو أمي فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ينفذ كل ما أمره الله به {ذو مرة} أي جزم في قوة وقدرة عظيمة على الذهاب فيما أمر به والطاقة لحمله في غير آية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس ماض في مراوته على طريقة واحدة على غاية من الشدة لا توصف لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به، فهو على غاية الخلوص فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة، لا بيان في شيء بزواله ومن جملة ما أعطى من القوة والقدرة على التشكل، وإلى ذلك كله أشار بما سبب عن هذا من قوله: {فاستوى *} فاستقام واعتدل بغاية ما يكون
(19/44)

من قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها {وهو} أي والحال أن جبرائيل عليه السلام، وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي استوى جبرائيل عليهما السلام معه {بالأفق الأعلى *} أي الناحية التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا الاستواء، وذلك حين رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالساً على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق.
(19/45)

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)
ولما كان الدنو من الحضرة الإلهية - التي هي مهيئة لتلقي الوحي - من العلو والعظمة بحيث لا يوصف، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم} أي بعد ذلك الاستواء العظيم {دنا} أي جبرائيل عليه السلام من الجناب الأقدس دنو زيادة في كرامة لا دنو مسافة، وكل قرب يكون منه سبحانه فهو مع أنه منزه عن المسافة يكون على وجهين: قرب إلى كل موجود من نفسه، وقرب ولاية حتى يكون سمع الموجود وبصره بمعنى أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما يرضاه - أشار إليه ابن برجان، فأخذ الوحي الذي أذن له في أخذه في ذلك الوقت {فتدلّى} عقب ذلك من الله رسولاً إلى صاحبكم أي أنزل إليه نزولاً هو فيه كالمتدلي إليه بحبل فوصل إليه ولم ينفصل عن محله من الأفق الأعلى لما له من القوة والاستحكام، قال البيضاوي: فإن التدلي هو استرتسال مع تعلق كتدلي الثمرة {فكان} في القرب من صاحبكم في رأي من يراه منكم {قاب} أي على مسافة قدر {قوسين} من قسيكم، قال الرازي في اللوامع: أي بحيث الوتر في القوس مرتين، وعن ابن عباس
(19/45)

رضي الله عنهما: القوس الذراع بلغة أزدشنوءة، وقال ابن برجان: قاب القوسين: ما بين السيين، وقيل: ما بين القبضة والوتر {أو أدنى *} بمعنى أن الناظر منكم لو رآه لتردد وقال ذلك لشدة ما يرى له من القرب منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، روى مسلم في الإيمان من صحيحه عن الشيباني قال: «سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى {فكان قاب قوسين} فقال: أخبرني ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى جبرائيل عليه السلام له ستمائة جناح» {فأوحى} أي ألقى سراً من كلام الله بسبب هذا القرب، وعقبه بقوله: {إلى عبده} أي عبد الله، وإضماره من غير تقدم ذكره صريحاً لما هو معلوم مما تقدم في آخر الشورى أن كلام الله يكون وحياً بواسطة رسول يوحي بإذنه سبحانه، والمقام يناسب الإضمار لأن الكلام هو الوحي الخفي، وعبر بالبعد إشارة إلى أنه لم يكن أحد ليستحق هذا الأمر العظيم غيره لأنه لم يتعبد قط لأحد غير الله، وكل من عاداه حصل منهم تعبد لغيره في الجملة، فكان أحق الخلق بهذا الوصف مع أنه كان يتعبد لله في غار حراء وغيره، وهذه النزلة - والله أعلم - كانت على هذا التقدير في أول الوحي لما كان بحراء وفرق منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجع ترجف بوادره، وقال: زملوني زملوني. وأشار إلى عظمة ما أنزل بقوله: {ما أوحى *} أي إنه يجل عن الوصف فأجمل له ما فصل له بعد ذلك، هذا الذي ذكر من تفسير لضمائر مظاهر العبارة وإن كان الإضمار في جميع الأفعال لا يخلو عن التباس
(19/46)

وإشكال، ويمكن لأجل احتمال الضمائر لما يناسبها من الظواهر أن يكون ضمير {دنا} وما بعده لله تعالى، وحينئذ يصير في {عبده} واضحاً كما تقدم في هذا الوجه جعله له سبحانه لأنه لا يجوز لغيره، روى البخاري في التوحيد في باب {وكلم الله موسى تكليماً} عن أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مسجد الكعبة «أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم» : أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، وكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل عليه السلام فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشواً إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه، ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبرئيل، قالوا: ومن معك، قال: معي محمد، قالوا: وبعث إليه، قال: نعم، قالوا: فمرحباً به
(19/47)

وأهلاً - ثم ذكر عروجه إلى السماوات السبع، وأنه لما وصل إلى السماء السابعة علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى منه فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما يوحي الله إليه خمسين صلاة - فذكر مشورة موسى عليهما السلام في سؤال التخفيف حتى صارت خمساً كل واحدة بعشرة، ودنا الجبار رب العزة في هذا الوجه وهو رب العزة «وهو في غاية الحسن إذا جمعته مع ما يأتي في هذا الوجه المنقول عن جعفر الصادق رضي الله عنه فيكون المعنى أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما استوى بالأفق الأعلى فوصل إلى حد لا يمكن المخلوق الصعود عنه تنزل له الخالق سبحانه، ولذلك عبر عنه ب {ثم} يعني أنه سبحانه تنزل له تنزلاً لا يمكن الاطلاع على كنه رتبته في العلو والعظمة، ثم نزل ثم تنزل.
ولما كانت العبارة ربما أوهمت شيأ لا يليق به نفاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما في الرواية من تخصيص التعبير باسم الجبار فعلم أنه قربه تقريباً يليق به، وسمى ذلك دنواً فكان الدنو والتدلي تمثيلاً لما وصل منه سبحانه إلى عبده محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغاية السهولة واليسر واللطافة مع اتصاله بالحضرات القدسية، والتعبير بالتدلي لإفهام العلو مثل ما كني بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا عن إجابة الدعاء بفتح أبواب
(19/48)

السماء كما رويناه في جزء العيشي من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه تمثيلاً بما نعرفه من حال الملوك في أن أحدهم يكون نزوله عن سريره أدنى في إتيان خواصه إليه، وفتح بابه أدنى لمن يليهم، وكلما نزل درجة كان الإذن أعم إلى أن يصل إلى الإذن العام لجميع الناس، هذا علم المخاطبين بأن ذلك على سبيل التمثيل بمن يحتاج إلى هذه الدرجات، وأما من هو غني عن كل شيء فله سبحانه المثل الأعلى ولا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء، وفي {قرآن الفجر} من سورة سبحان لهذا مزيد بيان، وقال القاضي عياض في الشفاء ما حاصله أن تلك الضمائر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: قال جعفر بن محمد - يعني الصادق بن الباقر: أدناه ربه حتى كان منه كقاب قوسين، وقال أيضاً: انقطعت الكيفية عن الدنو، ألا ترى كيف حجب جبريل عليه السلام عن دنوه ودنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه وزال عن قلبه الشك والارتياب، وقال جعفر أيضاً: والدنو من الله تعالى لا حد له، ومن العباد بالحدود - انتهى.
وحينئذ يكون ضمير «استوى» له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويكون المعنى: فتسبب عن تعليم جبريل له استواوه - أي اعتدال علمه - إلى غاية لم يصلها غيره من الخلق علماً وكسباً بالملك والملكوت والحال أنه بالأفق الأعلى ليلة الإسراء، وتدليه كناية عن وصوله بسبب عظيم حامل السبب للمتدلي، وعبر به وهو ظاهر في النزول من علو مع عدم الانفصال منه لئلا يوهم اختصاص
(19/49)

جهة العلو به سبحانه دون بقية الجهات، ومنه «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وكذا قيل في الإشارة ب «لا تفضلوني على يونس بن متى» ومن المحاسن جداً أن تكون ألف {تدلى} المقلبة عن ياء في هذا الوجه بدلاً من لام فيكون من التدلل وهو الانبساط وثوقاً بالمحبة، يقال: تدلل عليه، أي انبسط ووثق بمحبته فأفرط عليه، وانبساطه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تلك الحالة إفراط كثرة سؤاله، وشفاعته في أمته، وبذلك ظهر إلى عالم الشهادة أنه أرحم الخلق كما كان معلوماً إلى عالم الغيب، فتسبب عنه زيادة تقريبه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وإبراز هذا الكلام في هذه الضمائر المتحملة لهذه الوجوه من غير ظاهر يعين المراد يناسب لتلك الحالة، فإنها كانت حالة غيب وخفاء وستر، وكان العلم فيها واسعاً، وسوق الضمائر هكذا يكثر احتمال الكلام للوجوه، فيتسع العلم مع أنه ليس فيها وجه يؤدي إلى لبس في الدين ولا ركاكة في معنى ولا نظم ولا مجال للعلم - والله أعلم.
(19/50)

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)
ولما أثبت هذا الكلام ما أثبت من القرب من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن أوحى إليه على كلا التقديرين، قرره على وجه أفاد الرؤية فقال: {ما كذب الفؤاد} أي القلب الذي هو في غاية الذكاء والاتقاد {ما رأى} البصر أي حين رؤية البصر كان القلب، لا أنها رؤية بصر فقط تمكن فيها - للخلو - عن حضور القلب - النسبة إلى الغلط، وقال القشيري ما معناه: ما كذب فؤاد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما رآه بصره، بل
(19/50)

رآه على الوصف الذي علمه قبل أن رآه فكان علمه حق اليقين، وفي صحيح مسلم «عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» هل رأيت ربك؟ قال: نور إليّ أراه «، وفي صحيح مسلم أيضاً» عن مسروق أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما أنكرت الرؤية: ألم يقل الله تعالى {ولقد رآه بالأفق المين} و {لقد رآه نزلة أخرى} فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «إنما هو جبرئيل عليه السلام، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض» قال البغوي: وذهب جماعة إلى أنه رآه فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده، ثم روي من صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «رآه بفؤاده مرتين» وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس رضي الله عنه، وقال ابن برجان ما معناه: إن النوم والصعق من آيات الله على لقاء الله وهي مقدمات لذلك، ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة، والإسراء وإن لم يكن موتاً ولا صعقاً ولا نوماً على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا إلى مشاهدات الأفق الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك، فالإسراء حالة غير حالة الدنيا، بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب - والله الهادي.
ولما تقرر ذلك غاية التقرر، وكان موضع الإنكار عليهم، قال
(19/51)

مسبباً عن ذلك: {أفتمارونه} أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به شكاً فيه ولا شك فيه، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ويعقوب إشارة إلى اجتهادهم في تشكيكه، من مري الشيء: استخرجه، ومري الناقة: مسح ضرعها، فأمرى: در لبنها، والمرية بالكسر والضمر: الشك والجدل {على ما يرى *} على صفة مطابقة القلب والبصر، وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك فيه ولا قبوله للجدال، وزاد الأمر وضوحاً بتصوير الحال الماضية بالتعبير بالمضارع إشارة إلى أنه كما لم يهم لم يلبس الأمر عليه، بل كأنه الآن ينظر.
ولما كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر، فإذا وافقه كون القلب في غاية الحضور كان أمكن، فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة منه، قال مؤكداً لأجل إنكارهم: {ولقد رآه} أي الله تعالى أو جبرئيل عليه السلام على صورته الحقيقية، روى مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال {ما كذب الفؤاد ما رأى} {ولقد رآه نزلة أخرى} ، قال: «رآه بفؤاده مرتين» وجعل ابن برجان الإسراء مرتين: الأولى بالفؤاد مقدمة وهذه بالعين.
ولما كان ذلك لا يتأتي إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي الحجب ليصير به بحيث يراه البشر، عبر بقوله: {نزلة} وانتصب على الظرفية لأن الفعلة بمعنى المرة {أخرى} أي ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد وأخرى في المحل الأنزه الأعلى، وعين الوقت بتعين
(19/52)

المكان فقال: {عند سدرة المنتهى *} أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي إليها علم الخلائق وينتهي إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق، فيتلقى هنالك، وذلك - والله أعلم - ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة قبل الهجرة بقليل بعد الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينهما من المسافات، فانتهى إلى منتهى يسمع فيه صريف الأقلام، وعظمها بقوله: {عندها} أي السدرة {جنة المأوى *} الذي لا مأوى في الحقيقة غيره لأنه لا يوازي في عظمه، وزاد في تعظيمها بقوله: {إذ يغشى السدرة ما يغشى *} أي يغطيها ويركبها وسمره؟ من فراش الذهب والرفرف الأخضر والملائكة والنبق وغير ذلك فإن الغشو النبق {ما يغشى} لا تحتملون وصفه وهو بحيث يكاد أن لا يحصى، وإليه الإشارة بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث: «وغشيها، ألا وإني لا أدري ما هي فليس أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها» أو كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأكد الرؤية وقررها مستأنفاً بقوله: {ما زاغ} أي ما مال أدنى ميل {البصر} أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه، فما قصر عن النظر فيما أذن له فيه ولا زاد {وما طغى *} أي تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه مع أن ذلك العالم غريب عن بني آدم، وفيه من العجائب ما يحير الناظر، بل كانت له العفة الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل، فأثبت ما رآه على حقيقته، وكما قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من عوارفه: وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية، وهذه غامضة من
(19/53)

غوامض الأدب، اختص بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكاراً لم يقع لهم في غيره مثله، زاد في تأكيده على وجه يعم غيره فقال: {لقد رأى} أي أبصر بسبب ما أهلناه له من الرسالة إبصاراً سارياً إلى البواطن غير مقتصر على الظواهر {من آيات ربه} أي المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل إليه أحد بعده، ومن ادعى ذلك فهو كافر {الكبرى *} من ذلك ما رآه في السماوات من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام إشارة بكل شيء إلى أمر دقيق جليل وحالة شريفة، وقال الإمام أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف: والذي أقول في هذا أن مأخذ فهمه من علم التعبير، فإنه من علم النبوة، وأهل التعبير يقولون: من رأى نبياً بعينه في المنام فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبي في شده أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن والحديث، وحديث الإسراء كان بمكة، ومكة حرم الله وأمنه، وقطانها جيران الله لأن فيها بيته، فأول ما رأى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام آدم عليه الصلاة والسلام الذي كان في أمن الله وجواره، فأخرجه إبليس عدوه منها، وهذه القصة تشبهها الحالة الأولى من أحوال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أخرجه أعداؤه من حرم الله وجوار بيته، فكربه ذلك وغمه فأشبهت قصته في هذا
(19/54)

قصة آدم عليه الصلاة والسلام مع أن آدم تعرض عليه أرواح ذريته البر والفاجر منهم، فكان في السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين لأن أرواح أهل الشقاء لا تلج في السماء ولا تفتح لهم أبوابها، كما قال الله تعالى، ثم رأى في الثانية عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وهما الممتحنان باليهود، أما عيسى عليه السلام فكذبته اليهود وآذته وهموا بقتله فرفعه الله إليه، وأما يحيى عليه السلام فقتلوه، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان، وكانت محنته فيها باليهود آذوه وظاهروا عليه وهموا بإلقاء الصخرة عليه لقتلوه فنجاه الله كما نجى عيسى عليه السلام منهم، ثم سموه في الشاة ولم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره كما قال عند الموت وهكذا فعلوا بابني الخالة يحيى وعيسى لأن أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران أمهما جنة، وأما لقاؤه ليوسف عليه السلام في السماء الثالثة فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حالة يوسف عليه السلام، وذلك أن يوسف ظفر بإخواته من بعد ما أخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح عنهم وقال
{لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [يوسف: 92] الآية، وكذلك نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسر يوم بدر جملة من أقاربه الذين أخرجوهم فيهم عمه العباس وابن عمه عقيل فمنهم من أطلق، ومنهم من قبل أفديته،
(19/55)

ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم فقال لهم:
«أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم» ثم لقاؤه إدريس عليه السلام في السماء الرابعة وهو المكان الذي سماه الله مكاناً علياً وإدريس أول من آتاه الله الخط بالقلم، فكان ذلك مؤذناً بالحالة الرابعة وهو علو شأنه عليه السلام حتى أخاف الملوك وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان وهو عند ملك الروم حين جاء كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورأى ما رأى من خوف هرقل: لقد أُمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر، وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي وملك بني عمان ومنهم من هادنه وأهدى إليه وأتحفه كهرقل والمقوقس، ومنهم من تعصى عليه فأظهره الله عليه، فهذا مقام علي، وخط بالقلم كنحو ما أوتي إدريس عليه السلام، ولقاؤه في السماء الخامسة لهارون عليه السلام المحبب في قومه يؤذن بحب قريش وجميع العرب له بعد بعضهم فيه، ولقاؤه في السماء السادسة لموسى عليه السلام يؤذن بحالة تشبه حالة موسى عليه السلام حين أمر بغزو الشام، فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد هلاك عدوهم، ولذلك غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبوك من أرض الشام وظهر على صاحب دومة
(19/56)

حتى صالحه على الجزية بعد أن أتى به أسيراً، وافتتح مكة ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه، ثم لقاؤه في السماء السابعة إبراهيم عليه السلام لحكمتين: إحداهما أنه رآه عند البيت المعمور مسنداً ظهره إليه، والبيت المعمور جبال مكة، وإليه تحج الملائكة كما أن إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة وإذن في الناس بالحج إليها، والحكمة الثانية أن آخر أحوال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجه إلى البيت الحرام، وحج معه في ذلك العام نحو من سبعين ألفاً من المسلمين، ورؤية إبراهيم عليه السلام عند أهل التأويل تؤذن بالحج لأنه الداعي إليه والرافع لقواعد الكعبة المحجوجة - انتهى. وهذا المقام هو الإسراء وما تفرع منه الموصل إلى أعلى ما يكون من تجريد التوحيد، فجعل سبحانه عنوانه المفروض فيه الحاجز بين الإسلام والشرك وهو الصلاة الجامعة لمعاني الدين الشاملة لجميع البركات بأن جعلت خمسين مستغرقة لجميع الفراغ ثم ردت إلى خمس دون القوى بكثير ثم رتب عليها جزاء الخمسين ورفع كل واحدة من صلاة الجماعة إلى سبع وعشرين صلاة وفضل صلاتي الطرفين: الصبح الثنائية والعصر الرباعية بشهادة فريقي الملائكة وكتابتهما في صحيفتي كل من الجمعين، فقال حمزة الكرماني في جوامع التفسير: فأسري به في شهر ربيع الأول قبل الهجرة من بيت أم هانىء رضي الله عنها، ثم ساق حديث الإسراء مساقاً عجيباً جداً طويلاً.
(19/57)

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)
ولما أخبر سبحانه من استقامة طريق نبيه عليه الصلاة والسلام مما ثبتت رسالته بما أوحي إليه وما أراه من آياته التي ظهر بها استحقاقه سبحانه الإلهية متفرداً بها، سبب عنه الإنكار عليهم في عبادة معبوداتهم على وجه دال على أنها لا تصلح لصالحة فقال: {أفرأيتم} أي أخبروني بسبب ما تلوت عليكم من هذه الآيات الباهرات. هل رأيتم رؤية خبرة بالباطن والظاهر {اللاّت} وهو صنم ثقيف {والعزى} وهي شجرة لغطفان وهما أعظم أصنامهم فإنهم كانوا يحلفون بهما {ومناة} وهو صخرة لهذيل وخزاعة، ودل على أنها عندهم بعدهما في الربوبية بقوله مشيراً بالتعدد بالتعبير عنه بما عبر به إلى أن شيئاً منها لا يصلح لصالحة حتى ولا أن يذكر: {الثالثة الأخرى *} أي إنه ما كفاهم في خرق سياج منها العقل في مجرد تعديد الإله بجعله الاثنين حتى أضافوا ثالثاً أقروا بأنه متأخر الرتبة فكان الإله عندهم قد يكون سافلاً ويكون ملازماً للإنزال وللسفول بكونه أنثى، قال الرازي في اللوامع: وأنثوا أسماءها تشبيهاً لها بالملائكة على زعمهم بأنها بنات الله - انتهى، ولا شك عند من له أدنى معرفة بالفصاحة أن هذا الاستفهام الإنكاري والتعبير بما شأنهم بالولادة التي هي أحب الأشياء إلى الإنسان بل الحيوان لا يوافقه أن يقال بعده ما يقتضي مدحاً بوجه في الوجوه، فتبين بطلان ما نقل نقلاً واهياً من أنه قيل حين قرئت هذه السورة في هذا المحل: تلك الغرانيق العلا - إلى آخره لعلم كل عربي أن ذلك غاية في الهذيان في هذا السياق، فلا وصلة بهذا السياق المعجز بوجه.
(19/58)

ولما كان التقدير بما أفهمه السياق، كيف ادعيتم أنها آلهة أهي كذلك مع أن عادتكم احتقار الإناث من أن تكون لكم أولاداً، فكيف رضيتم أن تكون لكم آلهة، وتكونوا لها عباداً مع أنها لم تنزل لكم وحياً ولا أرسلت لكم رسولاً ولا فعلت مع أحد منكم شيئاً مما كرمنا به عبدنا محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أرتكم قط آية ولا هي متأهلة لشيء من ذلك، بل لا تملك ضراً ولا نفعاً وادعيتم أنها بناته واستوطنها جنيات هي بناته وادعيتم مع ادعاء مطلق الولدية لمن لا يلم به حاجة ولا شبه له أن له أردأ الصنفين، فكان ذلك نقصاً مضموماً إلى نقص - وعلا سبحانه تعالى عن صحابة أو ولد، فاستحققتم بذلك الإنكار الشديد، وعلم بهذا التقدير الذي هدى إليه السياق بطلان حديث الغرانيق ولا سيما مع تعقيبه بقوله: {ألكم} أي خاصة {الذكر} أي النوع الأعلى {وله} أي وحده {الأنثى *} أي النوع الأسفل.
ولما كان الاستفهام إنكارياً رد الإنكار بقوله فذلكة لفعلهم: {تلك} أي هذه القسمة البعيدة عن الصواب {إذاً} أي إذ جعلتم البنات له والبنين لكم {قسمة ضيزى *} أي جائرة ناقصة ظالمة فيما يحسن للحق للغاية عرجاء غير معتدلة حيث خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حياً، وقد علم أن الآية من الاحتباك: دل ذكر اسمها في أسلوب الإنكار على حذف إنكار كونها آلهة وإنكار تخصيصة بالإناث على حذف ما يدل على أنهم جعلوها بناته.
(19/59)

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)
ولما أفهم هذا الإنكار بطلان قولهم هذا، حصر القول الحق فيها
(19/59)

فقال مستأنفاً: {إن} أي ما {هي} أي هذه الأصنام {إلا أسماء} أي لا حقائق لها، فما ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك إلا الأسماء، وأكد ذلك بقوله مبيناً: {سميتموها} أي ابتدعتم تسميتها أنتم، واجتث قولهم من أصله فقال: {أنتم وآباؤكم} أي لا غير بمجرد الهوى لم تروا منها آية ولا كلمتكم قط كلمة تعتدونها، وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين على ألسنتها فأي طريقة قويمة شرعت لكم وأي كلام مليح أو بليغ وصل إليكم وأي آية كبرى أرتكموها - انتهى.
ولما علم بهذا أن الله تعالى لم يأمرهم بشيء من ذلك، صرح به نافياً أن يدل على ما وسموه به دليل فقال: {ما} ولما قدم في الأعراف ترك النافي للتدريج لما تقدم بما اقتضاه، نفى هنا الإفعال النافي لأصل الفعل سواء كان بالتدريج أو غيره لأن المفصل لباب القرآن فهو للمقاصد، وذلك كاف في ذم الهوى الذي هو مقصود السورة فقال: {أنزل الله} الذي له جميع صفات الكمال {بها} أي بالاستحقاق للأسماء ولا لما وسمتموها به من الإلهية، وأعرق في النفي بقوله: {من سلطان} أي حجة تصلح مسلطاً على ما يدعي فيها.
ولما كان هذا النفي المستغرق موجباً للخصم إيساع الحيلة في ذكر دليل على أي وجه كان، وكان هؤلاء قد أبلسوا عند سماع هذا الكلام ولم يجدوا ما يقولون ولا يجدوا، فكان من حقهم أن يرجعوا فلم يرجعوا، أعرض عنهم إيذاناً بشديد الغبن قائلاً: {إن} أي ما {يتبعون}
(19/60)

أي في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية جهدهم من أنها آلهة، وأنها تشفع لهم أو تقربهم من الله {إلا الظن} أي غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم، فالظن ترجيح أحد الجائزين على رغم الظان.
ولما كان الظن قد يكون موافقاً للحق مخالفاً للهوى قال: {وما تهوى الأنفس} أي تشتهي، وهي - لما لها من النقص - لا تشتهي أبداً إلا بما يهوي بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما تشوق إليها العقل، قال القشيري: فالظن الجميل بالله فليس من هذا الباب، والتباس عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل، إنما الظن المعلول في الله وصفاته وأحكامه. {ولقد} أي العجب أنهم يفعلون ذلك والحال أنه قد {جاءهم من ربهم} أي المحسن إليهم {الهدى *} أي الكامل في بابه إلى الدين الحق الناطق بالكتاب الناطق بالصواب على لسان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والرأي يقتضي أن من رأى الهدى تبعه ولو أتاه به عدوه، فكيف إذا أتاه به من هو أفضل منه من عند من إحسانه لم ينقطع عنه قط.
ولما كان التقدير: أعليهم أن يتركوا أهويتهم ويهتدوا بهدى ربهم الذي لا ملك لهم معه {أم} لهم ما تمنوا - هكذا كان الأصل، ولكنه ذكر الأصل الموجب لاتباع الهوى فقال: {للإنسان} أي الآنس بنفسه المحسن لكل ما يأتي وما يذر {ما تمنى *} أي من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ورفاهية عيش ومن كفره وعناده، وقوله {لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [
(19/61)

فصلت: 50] .
ولما كان الاستفهام إنكارياً، كان المعنى: ليس له ما تمنى، وكان ذلك دليلاً قطعياً على أنه مربوب مقهور ممن له الأمر كله، فسبب عنه قوله: {فلله} أي الملك الأعظم وحده. ولما كانت الأخرى دار اللذات وبلوغ جميع الأماني وحرمانها، وكانوا يدعون فيها على تقدير كونها جميع ما يتمنون من شفاعة آلهتهم وإجابتها إلى إسعادهم ونحو ذلك، قدم قوله: {الآخرة} فهو لا يعطي الأماني فيها إلا لمن تبع هداه وخالف هواه {والأولى *} فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلاً كما هو مشاهد، فمن ترك هواه فيها نال أمانيه في الآخرة، فلهذا قدمها لا للفاصلة فإنه لو قيل «الأخرى» لصلحت للفاصلة.
ولما كان التقدير: فكم من شخص ترونه في الأرض مع أنه في غاية المكنة فيما يظهر لكم لا يصل إلى ربع ما يتمناه، عطف عليه قوله، مظهراً لضخامة ملكه وأنه لا يبالي بأحد، دالاً على الكثرة: {وكم من ملك} أي مقرب، ودل على زيادة قربه بشرف مسكنه فقال: {في السماوات} أي وهم في الكرامة والزلفى {لا تغني} أي لا تجزي وتسد وتكفي، ولما كان رد الجمع لحال اجتماعهم أدل على العظمة، عبر بما يحتمل ذلك فقال: {شفاعتهم} أي عن أحد من الناس {شيئاً} فقصر الأمر ورده بحذافيره إليه بقوله: {إلا} ودل باثبات الجار على أنه مع ما يحده سبحانه لا مطلقاً فقال: {من بعد أن يأذن} أي يمكن ويريد {الله}
(19/62)

أي الذي لا أمر لأحد أصلاً معه، وعبر بأن والفعل دلالة على أنه لا عموم بعد الإذن بجميع الأوقات، وإنما ذلك يجدد بعد تجدد الإذن على حينه وقبل الأمر الباب؟ لعموم العظمة بقوله: {لمن يشاء} أي بتجدد تعلق مشيئته به لأن يكون مشفوعاً أو شافعاً.
ولما كان الملك قد يأذن في الشفاعة وهو كاره، قال معلماً أنه ليس كأولئك: {ويرضى *} فحينئذ تغني شفاعتهم إذا كانوا من المأذون لهم - كل هذا قطعاً لأطماعهم وعن قولهم بمجرد الهوى أي آلهتهم تشفع لهم. ولما أخبر باتباعهم للهوى ونفى أن يكون لهم من ذلك ما يتمنونه دل على اتباعهم للهوى بقوله موضع {أنهم} : {إن الذين} وأكد تنبيهاً على أنه قول بالغ في العجب الغاية فلا يكاد يصدق أن عاقلاً بالآخرة يقوله بما جرى لهم على قولهم ذلك وأمثاله بقوله: {لا يؤمنون} أي لا يصدقون ولا هم يقرون {بالآخرة} ولذلك أكد قوله: {ليسمون الملائكة} أي كل واحد وهم رسل الله {تسمية الأنثى} بأن قالوا: هي بنات الله، كما يقال في جنس الأنثى: بنات {وما} أي والحال أنهم ما {لهم به} أي بما سموهم به، وأعرق في النفي بقوله: {من علم} ولما نفى علمهم تشوف السامع إلى الحامل لهم على ذلك فقال: {إن} أي ما {يتبعون} أي بغاية ما يكون في ذلك وغيره {إلا الظن} .
ولما كانوا كالقاطعين بأن ذلك ينفعهم، أكد قوله: {وإن الظن}
(19/63)

أي مطلقاً في هذا وغيره، ولذلك أظهر في موضع الإضمار {لا يغني} إغناءً مبتدئاً {من الحق} أي الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله، والظن إنما يعبر به في العمليات لا العلميات ولا سيما الأصولية {شيئاً} من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبداً إلى الجزم بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين، فإن المقصود بتحقق الأمر على ما هو عليه في الواقع، وأما الفروع فإن المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه، وهو رده إلى الأصول المستنبط منها لعجز الإنسان على القطع في جميع الفروع، تنبيهاً على عجزه وافتقاره إلى الله ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوته ليكشف له من الأحقاف.
(19/64)

فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)
ولما كانوا بعد مجيء الهدى قد أصبروا على الهوى، وكانت هذه السورة في أوائل ما نزل، والمؤمنون قليل، سبب عن ذلك: {فأعرض عن من تولى *} أي كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة من ولى {عن ذكرنا} أي ذكره إيانا، فأعرض عن الذكر الذي أنزلناه فلم ينله ولم يتدبر معانيه فلا يلتفت إلى شيء علمه فإنه مطموس على قلبه ولو كان ذهنه أرق من الشعر فإنه لا يؤول إلا إلى شر {ولا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] فإنه ما عليك إلا البلاغ.
(19/64)

ولما كان المعرض في وقت قد يقبل في آخر، دل على دوامه على وجه بليغ بقوله: {ولم يرد} أي في وقت من الأوقات {إلا الحياة الدنيا *} أي الحاضرة ليقصده بالمحسوسات كالبهائم في العمى عن دناءتها وحقارتها، ثم ترجم جملتي الإعراض والإرادة بقوله: {ذلك} أي الأمر المتناهي في الجهل والقباحة {مبلغهم} أي نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم، وتهكم بهم بقوله: {من العلم} أنه لا علم لهم لأن عيون بصائرهم عمي، ومرائبها كثيفة مظلمة لا تكشف عن نظر الآخرة التي هي أصل العلوم كلها، ثم علل هذه الجملة بقوله مؤكداً قطعاً لطمع من يظن أن وعظه وكلامه يرد أحداً من غيه وإن أبلغ في أمره ودعائه في سره وجهره، وإعلاماً بأن ذلك إنما هو من الله، فمن وعظ له سبحانه راجياً منه في إيمانه أوشك أن ينفع به كما فعل في وعظ مصعب بن عمير رضي الله عنه فصغى له أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما في ساعة واحدة كما هو مشهور {إن ربك} أي المحسن إليك بالإرسال وغيره {هو} أي وحده {أعلم بمن ضل عن سبيله} ضلالاً مستمراً، فلا تعلق أملك بأن يصل علمه إلى ما وراء الدنيا، وعبر بالرب إشارة إلى أن ضلال هذا من الإحسان إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه لو دخل في دنيه لأفسد أكثر مما يصلح كما قال تعالى: {ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} [التوبة: 47] وذلك لأنه جبل جبلة غير قابلة للخير {وهو} أي وحده
(19/65)

{أعلم بما اهتدى *} أي ظاهراً وباطناً.
ولما كان هذا ربما أوهم أن من ضل على هذه الحالة ليس في قبضه، قال نافعاً لهذا الإبهام مبيناً أن له الأسماء الحسنى ومقتضياتها في العالم موضع «والحال أنه له» أو عطفاً على ما تقديره: فلله من في السماوات ومن في الأرض: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} من الذوات والمعاني فيشمل ذلك السماوات والأراضي، فإن كل سماء في التي تليها، والأرض في السماء {وما في الأرض} وكذلك الأراضي والكل في العرش وهو ذو العرش العظيم.
ولما أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإعراض عنهم وسلاه وأعلمه أن الكل في ملكه، فلو شاء لهداهم ورفع النزاع، ولكنه له في ذلك حكم تحار فيها الأفكار، علل الإعراض كما تقدم في الجاثية في قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا} [الجاثية: 14] بقوله: {ليجزي} أي يعاقب هو سبحانه كافياً لك ما أهمك من ذلك، ويجوز أن يكون التقدير: وكما أنه سبحانه مالك ذلك فهو ملكه ليحكم بجزاء كل على حسب ما يستحق، فإن الحكم نتيجة الملك {الذين أساؤوا} بالضلال {بما عملوا} أي بسببه وبحسبه إما بواسطتك وبسيوفك وسيوف أتباعك إذا أذنت لكم في القتال، وإما بغير ذلك بالموت حتف الأنف بضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، ثم بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم في الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة {ويجزي} أي يثبت ويكرم {الذين أحسنوا} أي على ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم {بالحسنى *}
(19/66)

أي الثبوت الذي هو في غاية الحسن ما بعدها غاية، فإن الحسنى تأنيث الأحسن.
ولما وعد الذين وقع منهم الإحسان، وصفهم فقال: {الذين يجتنبون} أي يكلفون أنفسهم ويجهدونها على أن يتركوا {كبائر الإثم} أي ما عظم الشارع إثمه بعد تحريمه بالوعيد والحد، وعطف على {كبائر الإثم} قوله: {والفواحش} والفاحشة من الكبائر ما يكرهه الطبع وينكره العقل ويستخسّه.
ولما أفهم هذا التقييد أن من خالط ما دون كان مغفوراً له، صرح به فقال: {إلا} أي لكن {اللمم} معفو، فمن خالطه لا يخرج عن عداد من أحسن، فهو استثناء منقطع، ولعله وضع فيه {إلا} موضع {لكن} إشارة إلى الصغير يمكن أن يكون كبيراً باستهانته مثلاً كما قال تعالى {وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} [النور: 15] واللمم هو صغار الذنوب، والمراد هنا ما يحصل منها في الأحيان كأنه وقع في صحابه فلتة بغير اختيار منه، لا ما يتخذ عادة أو يكثر حتى يصير كالعادة، قال الرازي في اللوامع: وأصله مقاربة الذنب ثم الامتناع منه قبل الفعل، قال ذو النون: ذكر الفاحشة من العارف كفعلها من غيره - انتهى. يقال: وألم بالمكان - إذا قل لبثه فيه، وقال البغوي: قال السدي: قال أبو صالح أنه سئل عن اللمم فقال: هو الرجل يلم بالذنب
(19/67)

ثم لا يعاوده، قال: فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم، ثم قال البغوي: فأصل الملم والإلمام ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون له إعادة ولا إقامة عليه - انتهى - وعلى هذا يصح أن يكون الاستثناء متصلاً.
ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت، فكان السامع يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل هذا، علل ذلك بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك {واسع المغفرة} فهو يغفر الصغائر حقاً أوجبه على نفسه ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره من الملوك فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه اتباعه، ولو جاهد حتى تمكن من ذلك في وقت فسدت مملكته فأدى ذلك إلى زوال الملك من يده أو اختلاله.
ولما وصف الذين أحسنوا فكان ربما وقع في وهم أنه لا يعلمهم سبحانه إلا بأفعالهم، وربما قطع من عمل بمضمون الآية أنه ممن أحسن، قال نافياً لذلك: {هو أعلم بكم} أي بذواتكم وأحوالكم منك بأنفسكم {إذ} أي حين {أنشاكم} ابتداء {من الأرض} التي طبعها طبع الموت: البرد واليبس بإنشاء أبيكم آدم عليه السلام منها وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم تقوية قريبة ولا بعيدة أصلاً يميز الثواب الذي يصلح لتكونكم منه والذي لا يصلح {وإذ} أي حين {أنتم أجنة} أي مستورون.
(19/68)

ولما كان البشر قد يكون في بطن الأرض وإن كان الجنين معروفاً للطفل في البطن، حقق معناه بقوله: {في بطون أمهاتكم} بعد أن مزج بذلك التراب البارد اليابس الماء والهواء، فنشأت الحرارة والرطوبة، فكانت هذه الأربعة الأخلاط الزكية والدنية، ولكن لا علم لكم أصلاً، فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشر وإن عملتم مدة من العمر بخلاف ذلك فإنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك وأنتم لا تعلمون إلا ما يكون في أنفسكم حال كونه أنكم لا تحيطون به إذ ذاك علماً.
ولما كان من عادة من سلم من الذنوب أن يفتخر على من قارفها لما بني الإنسان عليه من محبة الفخر لما جبل عليه من النقصان، وكان حاله قد يتبدل فيسبق عليه الكتاب فيشقى، سبب عن ذلك قوله: {فلا تزكوا} أي تمدحوا بالزكاة وهو البركة والطهارة عن الدناءة {أنفسكم} أي حقيقة بان يثني على نفسه فإن تزكيته لنفسه من علامات كونه محجوباً عن الله - قال القشيري - أو مجازاً بأن يثني على غيره من إخوانه فإنه كثيراً ما يثني بشيء فيظهر خلافه، وربما حصل له الأذى بسببه «وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع» الحديث، ولذلك علل بقوله: {هو أعلم} أي منكم ومن جميع الخلق {بمن اتقى} أي جاهد نفسه حتى حصل فيه تقوى، فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين، فكيف بمن صارت له التقوى وصفاً ثابتاً.
(19/69)

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)
ولما أمره سبحانه بالإعراض عمن تولى عن التشرف بذكر الملك
(19/69)

الأعظم واللجاء إليه، ونهى عن التزكية للجهل بالعواقب، وكان قد ارتد ناس عن الإسلام، كان سبب ارتدادهم إخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بعض ما رأى من الآيات الكبرى ليلة الإسراء، وكان لما نزلت عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سجدة النجم وسجد فيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سجد معه - كما في البخاري - المسلمون والمشركون والجن والإنس، ولم يكن في ظن أحد من الخلق انقلابهم على أدبارهم بعد حتى ولا في ظن المرتدين، سبب عن ذلك قوله: {أفرأيت} أي أخبروني {الذي تولّى *} أي عن ذكرنا بعد أن كان حريصاً عليه، يظن هو وأهله أنه عريق في أهله بإيمانه وأعماله في أيام إيمانه {وأعطى قليلاً وأكدى *} أي قطع ذلك العطاء على مكده وقلته وأبطله وأفسده فصار كالحافر الذي وصل في حفره إلى كدية، يقال لحافر البئر: أجبل - إذا وصل إلى جبل، وأكدى - إذا وصل إلى كدية أي صفاة عظيمة شديدة لا تعمل فيها المعاول، فصار لا يقدر معها على شيء من علمه، ولا يستطيع النفوذ فيها بشيء من حيله، وقد كان قبل ذلك لما صادف التراب الليل يظن أنه لا يمنعه مانع مما يريد، فهذا دليل خبري شهودي على أنه لا علم لأحد من الخلق بما حباه الله في نفسه فضلاً عن غيره، فلا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه ولا غيره، قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة أسلم ثم ارتد لتعيير بعض المشركين له، وقوله له «ارجع وأنا أتحمل عنك العذاب» وهي تصلح لكل من ارتد ظاهراً أو نافق أو انهمك في المعاصي بعد
(19/70)

إيمانه معرضاً عن الأعمال الصالحة.
ولما كان هذا - وقد وقع في خطر عظيم من إفساد العمل في الماضي وتركه في المستقبل فصار على خطأ عظيم في أحدهما - يتعلق بأصل الدين: الكفر والإيمان، وكان مثل هذا لا يفعله عاقل بنفسه إلا عن بصيرة، قال تعالى موبخاً له مقرعاً: {أعنده} أي خاصة {علم الغيب} أي كله بحيث لا يشاركه في مشارك يمكن أن يخفى عليه شيء منه {فهو} أي فيتسبب عن ذلك أنه {يرى *} أي الرؤية الكاملة فيعلم جميع ما ينفعه فيرتكبه وجميع ما يضره فيجتنبه ويعلم أن هذا القليل الذي أعطاه قد قبل وأمن به من العطب فاكتفى به.
ولما كان الغبي قد يظن أن عمل غيره ينفعه، عبر عنه جامعاً للوعظ والتهويل بقوله: {أم لم ينبأ} أي يخبر إخباراً عظيماً متتابعاً {بما في صحف موسى *} أي التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه وكذا ما يتبعها من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها.
ولما قدم كتاب موسى عليه السلام لكونه أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس يمكن مراجعته، قال: {وإبراهيم} ومدحه بقوله دالاً بتشديد الفعل على غاية الوفاء: {الذي وفى} أي أتم ما أمر به وما امتحن به وما قلق شيئاً من قلق، وكان أول من هاجر قومه وصبر على حر ذبح الولد وكذا على حر النار ولم يستعن بمخلوق، وخص هذين النبيين لأن المدعين من بني إسرائيل اليهود
(19/71)

والنصارى يدعون متابعة عيسى عليه السلام، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام، ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوة محققة ولا شريعة محفوظة، ثم فسر الذي في الصحف أو استأنف بقوله: {ألا تزر} أي تأثم وتحمل {وازرة} أي نفس بلغت مبلغاً تكون فيه حاملة {وزر أخرى *} أي حملها الثقيل من الإثم، يعني فمن يحمل عنه أثم أحد الشقين الذي لزمه فلا بد أن يكون آثماً وهما قبل التولي وما بعده.
(19/72)

وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48)
ولما نفى أن يضره إثم غيره نفى أن ينفعه سعي غيره فقال: {وأن ليس للإنسان} كائناً من كان {إلا ما سعى *} فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة فيسعى، ودعاء المؤمنين للمؤمن سعيه بمواددته لهم ولو بموافقته لهم في الدين وكذا الحج عنه والصدقة ونحوهما، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ما كان لسبب العلم ونحوهما فكذلك، وتضحية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عزامته أصل كبير في ذلك، فإن من تبعه فقد وادده، وهذا أصل في التصدق عن الغير وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها.
ولما ثبت أنه ليس له ولا عليه إلا ما عمل، وكان في الدنيا قد يفعل الشيء من الخير والشر ولا يراه من فعله لأجله ولا غيره نفى أن يكون الآخرة كذلك بقوله: {وأن سعيه} أي من خير وشر {سوف} أي من غير شك بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى.
(19/72)

ولما كان الاطلاع نفسه مرضياً أو مخزياً لا بالنسبة لأحد بعينه، بناه للمجهول بقوله: {يرى *} ولما كان المخوف منه المجازاة مطلقاً لا من مجاز معين قال: {ثم يجزاه} ولما كان في هذه الدار ربما وقعت المسامحة ببعض الأشياء والغفلة عن بعضها، قال: {الجزاء الأوفى *} أي الإثم الأكمل، إن كان خيراً فمع المضاعفة، وإن كان غيره فعلى السواء لمن أراد الله ذلك له ويعفو عن كثير، لكنه تذكرة له.
ولما كانت رؤية الأعمال لا تقطع برؤية المتوكلين بها من الملائكة أو غيرها ممن أقامه الله لذلك، وكان الرائي كلما كان أكثر كان الأمر أهول، وكان رؤية الملك الأعظم أخوف، قال عاطفاً على {لا تزر} مبيناً بحروف الغاية أن الرائين للأعمال كثير لكثرة جنوده سبحانه: {وأن إلى ربك} أي المحسن إليك لا غيره {المنتهى *} أي الانتهاء برجوع الخلائق حساً بالبعث ومعنى بالعمل والعلم، وإسناد الأمور وإرسال الآمال، ومكان رجوعهم وزمانه كما كان منه المبتدأ، أكد ذلك خلقاً لذلك كله وحساباً عليه، روى البغوي من طريق أبي جعفر الرازي عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية قال «لا فكرة في الرب» قال: ومثل هذا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنه لا يحيط به الفكرة» ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره» ، هذا هو
(19/73)

المراد وهو واضح، فمن أول الآية باتحاد أو غير ذلك من الإلحاد فعليه لعنة الله وعلى الذاب عنه والساكت عنه.
ولما ذكر تعالى الأمور الاختيارية وقدمها لأنها محط للبلاء وسلب علمها عن أصحابها، وحذر من عاقبتها بإحاطته بكل شيء، وكان معنى ذلك أنه القادر على غيره والعالم لا غيره، عطف عليه قوله ذاكراً للأمور الاضطرارية التي هي في غاية التنافي إكمالاً للدليل على أنه يعلم ما في النفوس دون أصحابها وغيرهم وأنه إليه المنتهى إعادة وإبداء، يوقف ما يشاء على ما يريد من الأسباب التي تفعل بإذنه من الضحك أو البكاء وغيرهما من الأمور المنافية التي لولا الإلف لها لقضى الإنسان أن المتلبس بأحدهما لا يتلبس بضده أصلاً من غيرها {وأنه} ولما كانت التأثيرات الإدراكية تحال على أسبابها، أكد الكلام فيها فقال: {هو} أي لا غيره {أضحك وأبكى *} أي ولا يعلم أحد قبل وقت الضحك أو البكاء أنه يضحك أو يبكي ولا أنه يأتيه ما يعجبه أو يحزنه، ولو قيل له حالة الضحك أنه بعد ساعة يبكي لأنكر ذلك، وربما أدركه ما أبكاه وهو في الضحك وبالعكس.
ولما كانت الإماتة والإحياء أعظم تنافياً بما مضى، فكانت القدرة على إيجادها في الشخص الواحد أعظم ما يكون، وكان ربما نسب إلى من قتل داوى من مرض أو أطلق من وجب قتله، أكد فقال: {وأنه هو} أي لا غيره. ولما كان الإلباس في الموت أكبر، وكان الموت انسب للبكاء، والإحياء أنسب للضحك، وكان طريق النشر المشوش
(19/74)

أفصح، قدمه فقال: {أمات وأحيا *} وإن رأيتم أسباباً ظاهرية فإنه لا عبرة بها أصلاً في نفس الأمر بل هو الذي خلقها.
ولما كان ذكر الإحياء، وكان تصنيف الولد إلى نوعيه ظاهراً في اختصاصه، بل وهو في غاية التعذر على من سواه، أعراه عن مثل التأكيد في الذي قبله فقال: {وأنه خلق الزوجين} ثم فسرها بقوله: {الذكر والأنثى *} فإنه لو كان ذلك في غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لكل أحد، ثم ذكر ما يظهر ولا بد أنه من صنعه فتسبب أن مادة الاثنين واحدة وهو الماء الذي هو أشد الأشياء امتزاجاً فقال: {من نطفة} وصور كونها منها بقوله: {إذا تمنى *} أي تراق وتدفق بالفعل لا قبل ذلك ليمكن فيه طعن بأنه كان بدءاً أو غيره بل أنتم تعلمون أنه لا يخلق الولد إلا بعد الإمناء بالفعل، وخرج أصله ما يمكن خلقاً من خلق الله أن يعرف بمجرد رؤيته أهو صالح للأنثى فقط أو للذكر فقط أو لهما أو للأشكال بالخنوثة.
ولما ساق هذه الأشياء دليلاً على إحاطة علمه فلزمها أن دلت على تمام قدرته، وختمها بالنشأة الأولى فلزم من ذلك الإقرار حتماً بأنه قادر على البعث، عبر بما يتقضي أنه لما تقدم به وعده على جميع ألسنة رسله صار واجباً عليه بمعنى أنه لا بد من كونه لأنه لا يبدل القول لديه، لا غير ذلك، فعبر بحرف الاستعلاء تأكيداً له رداً لإنكارهم إياه فقال: {وأن عليه} أي خاصاً به علماً وقدرة {النشأة} أي الحياة وهو ممدود لابن
(19/75)

كثير وأبي عمرو ومقصور لغيرهما مصدر نشأ - إذا حنى وربى وسن {الأخرى *} أي التي ينشأ بها الخلق بعد أن يميتهم.
ولما كان الغنى والفقر من الأمور المتوسطة بين الاختيارية والاضطرارية له بكل الأمرين لسبب وكان مقسوماً بين الإناث والذكور بحكمة ربانية لا ينفع الذكر فيها قوته ولا يضر الأنثى ضعفها، وكان ذكر النشأة الآخرة كالمعترض إنما أوجب ذكر النشأة الأولى، تعقب ذكرهما به وكان ذكر الغنى مع أنه يدل على الفقر أليق بالامتنان، والنسبة إلى الرب، وكان الغنى الحقيقي إنما يكون في تلك الدار، أخر ذكره فقال: {وأنه} ولما كان ربما نسب إلى السعي وغيره، أكد بالفعل فقال: {هو} أي وحده من غير نظر إلى سعي ساع ولا غيره {أغنى} ولما كان الغنى في الحقيقة إنما هو غنى النفس، وهو رضاها بما قسم لها وسكونها وطمأنينتها، وإنما سمي ذو المال غنياً لأن المال بحيث تطمئن معه النفس، فمن كان راضياً بكل ما قسم الله به فهو غني، وهو في الجنانة مغني وإن كان في الدنيا {وأقنى *} أي أمكن من المال وأرضى بجميع الأحوال قال البغوي: أعطى أصول المال وما يدخر بعد الكفاية، قال: وقال الأخفش أقنى أفقر - انتهى. ونقل الأصبهاني مثله عن أبي زيد، فتكون الهمزة للإزالة ويقال، أفناه بكذا أرضاه، وأقناه الصد: أمكنه منه.
(19/76)

وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52)
ولما كانت الشعرى لأنها تقطع السماء عرضاً أدل النجوم بعد تمام
(19/76)

القدرة على الفعل بالاختيار مع أنها مما دخل تحت ذلك الجنس المقسم به أول السورة، وهي لمرورها في سيرها عرضاً على جميع المنازل التي كانت العرب تستمطر بها وتنسب بالإتيان بالحد الموجب للغنى إليها كانت قد عبدها من دون الله أبو كبشة الخزاعي لكونها عنده أجل الكواكب، قال تعالى دالاً بالتأكيد على سفاهة من عبدها: {وأنه هو} أي لا غيره {رب الشعرى *} أي الكاملة في معناها وهي العبور، وأهل علم النجوم يقولون، إن الأحكام النجومية المنسوبة إليها أصح ما ينسب إلى العالم العلوي، وهي نجم يضيء خلف الجوزاء، ويسمى كلب الجبال، وسميت الجوزاء بالجبار تشبيهاً لها بملك على كرسيه وعلى رأسه تاج، وقال الرازي في اللوامع: هي أحد كوكبي ذراعي الأسد، وقال ابن القاص في كتاب دلائل القبلة: وترى عند صلاة الصبح نيرة زائداً نورها على نور سائر الكواكب حولها، وقد طمس الصبح نور سائر الكواكب، وأما الشعرى الأخرى فهي الغميصاء - بالغين المعجمة والصاد المهملة - فهي أقل نوراً منها، ولذلك سميت الغميصاء، وقال القزاز في جامعه: وقيل: بكت على أختها فغمصت عينها، أي غارت وذهبت.
ولما دل سبحانه على كمال علمه وشمول قدرته بأمور الخافقين: العلوي والسفلي، فكان ذلك داعياً إلى الإقبال على ما يرضيه، وناهياً عن الإلمام بما يسخطه، شرع في التهديد لمن وقف عن ذلك بما وقع في مصارع الأولين من عجائب قدرته فقال: {وأنه أهلك عاداً} ولم يأت بضمير الفصل لأنه لم يدع في أحد غيره إهلاكهم، وهول أمرهم بقوله:
(19/77)

{الأولى *} أي القدماء في الزمان جداً دلالة على أنه المنصرف في جميع الأزمنة، وقدمهم لأن الشر أتاهم من حيث ظنوه خيراً وجزموا بأنه من الأنواء النافعة التي كانت عادتهم استمطارها، وقيل: إن عاداً قبيلتان: والأولى قوم هود عليه السلام والأخرى إرم ذات العماد - قاله جماعة منهم القشيري، قال البغوي: وكان لهم عقب فكانوا عاداً الأخرى، وقال ابن جرير: وعاداً الأولى هم الذين عنى الله بقوله {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم} [الفجر: 6 - 7] وإنما قيل لهم عاداً الأولى لأن بني لقيم بن هزال هزيل بن عنبل بن عاد كانوا أيأم أرسل الله على هؤلاء عذابه سكاناً بمكة مع إخوانهم من العمالقة ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام فلم يصبهم من العذاب ما أصاب قومه وهم عاد الأخرى، ثم هلكوا بعد بغي بعضنهم على بعض فتفانوا، وقال غير ابن جرير: إن إرم هم عاد الأخرى، وعطف عليهم قوله: {وثموداً} أي أهلكهم ثم سبب عن الإهلاك قوله: {فما أبقى *} أي من الفريقين أحداً، ومن قال: إن عاداً قبيلتان جعل عدم الإبقاء خاصاً بثمود، وقراءة عاصم وحمزة ويعقوب بمنع الصرف نص في أنه قوم صالح عليه السلام، وقراءة الباقين بالصرف أنسب للإهلاك والإعدام.
ولما قدم من كان إهلاكهم بنفس الريح التي هي مبدأ الأمطار الآتية لهم في السحاب، وأتبعهم من إهلاكهم بها بحملها للصيحة إرجافها
(19/78)

بهم، أتبعهم من كان إهلاكهم بالماء الذي هو غاية السحاب فقال: {وقوم نوح} أي أهلكهم لأجل ظلمهم بالتكذيب، ولما كان إهلاكهم في بعض الزمان الماضي قال: {من قبل} أي قبل الفريقين فصار في الكلام تهويلان يهزان القلب ويفعلان في النفس وصف هؤلاء بالقبيلتين وأولئك بالأولى، ولولا تقديمهم ما كان هذا، وعلل هلاكهم بما يؤذن أنه لا فرق عنده بين قوي وضعيف وقليل وكثير مؤكداً لان ما اشتهر من طغيان عاد يوجب أنهم أطغى الناس: {إنهم كانوا} أي بما لهم من الأخلاق التي هي كالجبال التي لا انفكاك عنها {هم} أي خاصة {أظلم} من الطائفتين المذكورتين {وأطغى *} أي وأشد تجاوزاً في الظلم وعلواً وإسرافاً في المعاصي وتجبراً وعتواً لتمادي دعوة نوح عليه السلام ولأنهم أطول أعماراً وأشد أبداناً، وكانوا مع ذلك ملء الأرض، ويجوز أن يكون الضمير للفرق الثلاثة.
(19/79)

وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)
ولما ذكر الهلاك بالريح العاصفة الناشئة عنها ثم بالماء الناشئ عن السحاب الناشئ عن الريح، ذكر الإهلاك بالريح والنار والماء إعلاماً بأنه الفاعل وحده بما أراد من العذاب من العناصر التي سبب الحياة مجتمعة ومنفردة، فقال مقدماً عن العامل إعلاماً بالتخصيص بما ذكر من العذاب إفادة بإنه تعالى قادر على كل شيء فلم يعذب فرقة بما عذب به الأخرى: {والمؤتفكة} أي المدن المقلبة عن وجوهها إلى أقفائها بقدرة جعلتها من شدتها وعظمتها كأنها انقلبت نفسها من غير قالب وذلك أنه سبحانه فتقها من الأرض ففتقها ثم دفعها في الهواء إلى عنان السماء ثم
(19/79)

قلبها وأتبعها حجارة النار الكبريتية وغمرها بالماء الذي لا يشبهه شيء من مياه الدنيا، ولذلك قال: {أهوى *} أي رفع وحط وأنزل، فكان الإنزال إهواءً حقيقياً، والرفع مجازياً لأنه سببه وهي مدن قوم لوط عليه السلام، وأشار إلى الحجارة والماء بقوله مسبباً عن الإهواء ومعقباً له: {فغشاها} أي أتبعها ما غطاها فكان لها بمنزلة الغشاء، وهولها بقوله: {ما غشى *} أي أمراً عظيماً من الحجارة وغيرها لا يسع العقول وصفه، وقد اشتمل ما ذكره سبحانه من الصحف على بيان ما ينفع من الأعمال وما يضر وبيان التوحيد باحاطة الله سبحانه بالنهايات التي لا نهاية بعدها علماً وقدرة لاختصاصه ببيان المصنوعات وببيان البعث للتخويف بالآجل وإهلاك المرتدين للتخويف بالعاجل لمن كان قلبه جافياً عن النفوذ إلى الآجل.
ولما أهلك كل واحدة من هذه الفرقة فلم يبق من فجارها أحد، وأنجى من أطاعه منهم فلم يهلك منهم أحد، وكان إهلاكه لكل منها بشيء غير ما هلك به الفريق الآخر، فدل كل من ذلك على تمام علمه وكمال قدرته، وكان كمل ما تقدم في هذه السورة من النعم والنقم لكونه كان أتم أوجه الحكم نعمة على كل مؤمن لما فيها من الترغيب في ثوابه والترهيب من عقابه، خاطب سبحانه رأس المؤمنين لأن خطابه له أشد في تذكير غيره فقال مسبباً عما مضى: {فبأيّ آلاء ربك} أي عطية المحسن إليك التي هي وجه الإنعام والإكرام وهي إشارة المعرفة به سبحانه بمنزلة ظل الشخص من الشخص كما أنه لايتصور ظل إلا لشخص
(19/80)

فكذلك فعل الفاعل ولا أثر للمؤثر {تتمارى *} أي تشك بإجالة الخواطر في فكرك في إرادة هداية قومك بحيث لا تريد أن أحداً منهم يهلك وقد حكم ربك بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته، وكان بعض خطرك في تلك الإجالة يشكك بعضاً، ولما تم الكلام على هذا المنهاج البديع والنمط الرفيع في حسان البيان للمواعظ والشرع والقصص القديمة والإنذار العظيم التام على وجه معجز من وجوه شتى، أنتج قوله مرغباً مرهباً خاتماً السورة بما بدأ هنا به من ذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {هذا} النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نذير} أي محذر بليغ التحذير، ولما كانت الرسل الماضون عليهم الصلاة والسلام قد تقررت رسالتهم في النفوس وسكنت إليها القلوب، بحيث أنه لا يسع إنكارها، فكان قد أخبر عن إنكار من كذبهم لأجل تكذيبهم، وإنجائهم وإنجاء من صدقهم لأجل نصرتهم، وكان لا فرق بينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبينهم في ذلك إلا أن الرحمة به أبلغ وأغلب، مرعباً في اتباعه مرهباً من نزاعه، قال: {من النذر الأولى *} يجب له ما وجب لهم وأنتم كالمنذرين الأولين، فاحذروا ما حل بالمكذبين منهم وارجوا ما كان للمصدقين.
ولما كان كل آت قريباً، وكانت الساعة - وهي ما أنذر به من القيامة ومما دونها - لا بد من إتيانها لما وقع من الوعد الصادق به المتحف بالدلائل التي لا تقبل شكاً بوجه من الوجوه، فكان باعتبار ذلك لا شيء أقرب منها، قال دالاً على ذلك بصيغة الماضي الذي قد تحقق وقوعه وباشتقاق الواقع الفاعل مما منه الفعل: {أزفت الآزفة *} أي دنت
(19/81)

الساعة الدانية في نفسها التي وصفت لكم بالفعل بالقرب غير مرة لأنها محط الحكمة وإظهار العظمة، وما خلق الخلق إلا لأجلها، المشتملة على الضيق وسوء العيش من القيامة، وكل ما وعدتموه في الدنيا مما يكون به ظهور هذا الدين وقمع المفسدين. ولما ضاق الخناق من ذكرها على هذا الوجه، تشوف السامع إلى دفعها، فاستأنف قوله: {ليس لها} واستدرك بقوله: {من دون الله} أي من أدنى رتبة من رتبة الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {كاشفة *} أي كاشف يوجدها ويقيمها ويجلي علمها، أو يدفع كربها وهمها وإن بالغ في الكشف وبذلك الجهد فيه، فالهاء للمبالغة، ويجوز أن تكون مصدراً كالجاثية والكاذبة والباقية فيكون الهاء للتأنيث.
ولما أفهم هذا أن الله يكشفها أي يكشف كربها ممن يريد من عباده ويثقله على من يشاء، ويكشف علمها بإقامتها، ولا حيلة لغيره في شيء من ذلك بوجه، سبب عنه وعما تقدمه من الإنذار قوله منكراً موبخاً، {أفمن هذا الحديث} أي القول العظيم الذي يأتيكم على سبيل التجدد بحسب الوقائع والحاجات {تعجبون *} إنكاراً وهو في غاية ما يكون من ترقيق القلوب.
ولما كان المعجب قد يمسك نفسه عن الضحك، بين أنهم ليسوا كذلك فقال: {وتضحكون} أي استهزاء تجددون ذلك في كل وقت مبتدأ ضحككم منه وهو بعيد من ذلك، ولما كان إنما يورث الحزن بكونه
(19/82)

نزل بالحزن قال: {ولا تبكون *} أي كما هو حق من يسمعه.
ولما كان البكاء قد يكون على التقصير في العمل، بين أن الأمر أخطر من ذلك فقال: {وأنتم} أي والحال أنكم في حال بكائكم {سامدون *} أي دائبون في العمل جاهدون في العمل، فإن الأمر جد، فالدأب في العمل والجد فيه حينئذ علة للبكاء، فكأنه قيل: ولا تدأبون في العمل فتبكون، وإنما قلت ذلك لأن «سمد» معناه دأب في العمل ورفع رأسه تكبراً وعلاً، وسمد الإبل: جد في السير، وسار سيراً شديداً، واسمادّ: ورم، وسمد: قام متحيراً وحزن وسر وغفل ولهاً وقام وحصل ونام واهتم وتكبر وتحير وبطر وأشر، وسمد الأرض: سهلها، وأيضاً جعل فيها السماد، أي السرقين، والشعر: استأصله، وهو لك سمداً أي سرمداً، والسميد: الحواري، ذكر ذلك مبسوطاً القزاز في جامعه وصاحب القاموس.
فالمادة كما ترى تدور على انتشارها على الدأب في العمل فتارة بذكر مبدئه الباعث عليه، وتارة الناشئ عنه، وتارة ما بينهما، وهو الجد في العمل، فينطلق الاسم على كل من ذلك تارة حقيقة ومرة بمجاز الأول، وأخرى بمجاز الكون، فالقصد باعث، وكذا الاهتمام والقيام ورفع الرأس ناشئان عنهما، وذلك أوله، والسدم بمعنى احرص والهم واللهج بالشيء، والسديم: الضباب الرقيق، هو مبدأ الكشف، والمسدم: البعير المهمل وما دبر ظهره، كأنه من الإزالة، وركية سدم: متدفقة - للمعالجة في فتحها، ولأن تدفقها دأب في العمل، وكذا سدم الباب أي ردمه، والدسم: الودك، لأنه منشط على العمل ومنشأ
(19/83)

منه، والوضر والدنس، ودسم المطر الأرض: بلها قليلاً، لأنه مبدأ الكثير، والقارورة: سدها، والباب: أغلقه، لأنه يعالج في فتحه، والدسمة: غبرة إلى السواد - كأنه مبدأ السواد والدسيم لما لم يكن أبواه من نوع واحد - كأنه مبدأ لكل نوع منهما ولأنه يلزم الخلط في العادة العلاج، ومنه الدسمة للرديء من الرجال - كأنه لم يكمل فيه النوع، ولأن نقص الشيء عن عادته يلزمه العلاج والفعل بالاختيار، والديسم: الرفيق بالعمل المشفق، وأنا على دسم من الأمر أي طرف منه، والمسد - محركة: المحور من الحديد، لأنه آلة الفتل، وحبل من الليف أو ليف المقل لأنه محل الدأب، والمساد: نحى السمن، ودمسه: دفنه، يصلح أن يكون مبدأ ومقصداً، ومنه دمس بينهم: أصلح لأنه دفن أحقادهم وعالج في ذلك، والدمس: إخفاء الشيء والظلام، لأنه منشئ التعب، ودمس الموضع: درس - للتعب في معرفته، ودمس الإهاب: غطاه فيمشط شعره، والدمس: الشخص، وبالتحريك: ما غطى، والدودمس بالضم: حية مجر نفشة الغلاصيم تنفخ فتحرق ما أصابت بنفخها، ومن آثاره الناشئة عن الورم، وكذ القيام متحيراً والغفلة والسرور والحزن واللهو والنوم والكبر والتبختر والعلو والعتا، والسميد أي الحواري، والسمد بمعنى السرمد: والسمد: الهم مع ندم أو الغيظ مع حزن، والديماس: الكن، وما بين ذلك سمد الأرض والشعر والسير الشديد والجد فيه، وهو نفس الدأب، وكذا السديم للكثير الذكر، وماء مسدم وعاشق مسدم: شديد العشق، والدسيم: ظلمة السواد، والدسيم، الكثير الذكر، ودسم البعير: طلاه بالحناء - والمسد:
(19/84)

إداب السير - وبالتحريك: المضفور المحكم الفتل، ورجل ممسود: مجدول الخلق - شبه به - وهي بها، ودمس بينهم: أصلح، وهو من الدفن أيضاً لأنه دفن أحقادهم فنبين أن جعل السمود في الآية بمعنى الدأب في العمل هو الأولى، وأن كون الجملة حالاً من جعلها معطوفة على {تضحكون} - انتهى والله أعلم.
ولما حث على السمود، فسره مسبباً عن الاستفهام ومدخوله قوله: {فاسجدوا} أي اخضعوا خضوعاً كثيراً بالسجود الذي في الصلاة {لله} أي الملك الأعظم {واعبدوا *} أي بكل أنواع العبادة فإنه {ما ضل صاحبكم} عن الأمر بذلك {وما غوى} قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي الترمذي: تعبدنا ربنا مخلصين أن نكون له كالعبيد وأن يكون لعبيده كما هو لهم - انتهى، ولو كان السمود بمعنى اللهو كان الأنسب تقديمه على {تبكون} - والله أعلم، وقد ظهر أن آخرها نتيجة أولها، ومفصلها ثمرة موصلها - والله الهادي.
(19/85)

سورة القمر
مقصودها بيان آخر النجم في أمر الساعة من تحققها وشدة قربها وتصنيفرآن والضحك والبكاء والعمل - إلى طالب علم مهتد به، وإلى متبع نفسه هواها وشهواتها ضال بإهمالها فهو خائب، وذلك لأنه سبحانه وعد بذلك بإخبار نبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وتحقق صدقه بما أيده به من آياته التي ثبت بها اقتداره على ما يريد من الإيجاد الإعدام، فثبت تفرده بالملك وأيد اقترابها بالتاثير في آية الليل بما يدل على الاقتدار على نقض السماوات المستلزم لإهلاك. .. فإن ذلك. .. بأنه ما بقي يدل على الاقتدار على نقض السماوات المستلزم لإهلاك. . فإن ذلك. .. بأنه ما بقي إلا تأثير آية النهار وعندما يكون طي الانتشار وعموم البوار المؤذن بالإحضار لدى الواحد القهار، وأدل ما فيها على هذا الغرض كله أول آياتها، فلذلك سميت بما تضمنته من الاقتراب المنجم به النجم بالإشارة لا بالعبارة، ولم تسم بالانشقاق لأنه إذا أطلق انصرف إلى الأتم، فالسماء أحق به) بسم الله (الذي أحاط علمه فتمت قدرته) الرحمن (الذي وسعت رحمته كل شيء فعمت الشقي والسعيد) الرحيم (الذي خص بإتمام النعمة من اصطفاه فأسعدتهم رحمته.
(19/86)

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)
لما ختمت النجم بالتهديد باقتراب القيامة التي ينكرونها بعد أن
(19/86)

فتحها بالأقسام البلس (؟) في النجم الذي هو أعم من القمر وغيره بتسييره طلوعاً وأفولاً وصعوداً وهبوطاً، افتتح هذه بذلك مع الدلالة عليه عقلاً وسمعاً في التأثير في أعظم آيات الله وغير ذلك ليقطع العباد عن الفساد، ويستعدوا لها قبل مجيئها أحسن استعداد، فقال دالا على عظيم اقتداره عليها بتأنيث فعلها: {اقتربت الساعة} اشتدت قرباً الساعة: اللحظة التي لا ساعة في الحقيقة غيرها التي تقوم فيها القيامة لأنه قل ما بقي بيننا وبينها بالنسبة إلى ما مضى من زمن آدم عليه السلام لبعث خاتم الأنبياء الذي لم يبق بعد أمته أمة تنتظر، فيكون في الزمان مهلة لذلك.
ولما كان الإخبار باقترابها يحتاج عند المعاند إلى آية دالة عليه، وكانت الآيات السماوية أعظم، فالتأثير فيها أدل على تمام الاقتدار، وكان القمر أدل على الأنواء التي بها منافع الخلق في معاشهم، وكانت العرب أعرف الناس بها، دلهم على التأثير فيه على اقترابها مع الإرهاب من شدائد العذاب بإعدام الأسباب فقال: {وانشق} بغاية السرعة والسهولة {القمر *} آية للرسول المنذر لكم بها، فكان انشقاقه - مع الدلالة على ذلك بإعجاز القرآن وغيره - دالاً على كونها وقربها أيضاً بالتأثير العظيم الخارق لعادة ما قبله من التأثير في أحد النيرين اللذين هما أعظم الأسباب المقامة للمعايش الدال على القدرة على التأثير في الآخرة الدال ذلك على القدرة على تمام التصرف فيهما من جمعهما وخسفهما واعتدامهما ولسببهما (؟) الذي هو من أسباب خراب الأرض، يقول الإنسان عنده: أين المفر؟ المؤذن بطيّ العالم المعلم بأن له رباً فاعلاً بالاختيار مدبراً بالحكم
(19/87)

الدال على بعث عباده ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب من تابع رسله ويعاقب من خالفهم، وانشقاق القمر على حقيقته في زمان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر شهير جداً، وإجماع أهل التفسير عليه كما قاله القشيري، وقال: رواه ابن مسعود رضي الله عنده ولا مخالف له فيه - انتهى. وذلك أن قريشاً سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يريهم آية «فأراهم انشاق القمر بحيث طلعت فرقة عن يمين حراء وأخرى عن يساره» - رواه الشيخان عن ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما، ومعلوم أن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول فهو يكاد يلحق بالمتواتر وقد أيده القرآن فلم يبق فيه شك، قال القشيري: وروى أيضاً ابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم رضي الله عنهم، وقال أبو حيان: سبب نزولها أن مشركي العرب من قريش قالوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالإيمان إن فعل ذلك، وكانت ليلة البدر فسأل ربه فانشق - انتهى، ومن قال: المراد به «سينشق» يحتاج في صرف الماضي عن حقيقته إلى المستقبل إلى صارف وأنى له ذلك ولا سيما وقد تأيدت الحقيقة بالنسبة الصحيحة الشهيرة.
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى، وأن عليه النشأة الأخرى، وإذا ذاك يقع جزاء كل نفس بما أسلفت، أعلمهم سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه للازدجار فقال تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} ثم إن سورة ص تضمنت من عناد
(19/88)

المشركين وسوء حالهم وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها، وبعد التنبيه في السورة قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا من أضله الله وخذله، وأثبتت السورة بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم لقوله في الزمر {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] وقوله: {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء} [الزمر: 4] وقوله: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 14] وقوله مثلاً لحالهم: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] الآية إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ، وقوله في سورة غافر: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: 4] وقوله: {ذلكم بأنه إذ دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله} [غافر: 12] وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} [غافر: 21 - 82] الآية، وقوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: 56] وقوله: {ألم تر إلى الذين يجادلون في أيات الله أنى يصرفون} [غافر: 69] {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} [غافر: 70] إلى قوله: {فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون} [غافر: 77] وقوله: {أو لم يسيروا في الأرض} [غافر: 82] إلى ما تخلل هذه الآيات، وقوله في فصلت {فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} [فصلت: 26] {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} [فصلت: 40 - 44] إلى قوله: {أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 40 - 44] وقوله: {سنريهم آياتنا في الآفاق
(19/89)

وفي أنفسهم} [فصلت: 53] إلى آخر السورة، وقوله في الشورى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل} [الشورى: 6] {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم} [الشورى: 13] الآية {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] الآية {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ}
[الشورى: 48] وقوله في الزخرف: {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً} [الزخرف: 5] الآية، {وجعلوا له من عباده جزءاً} [الزخرف: 15] إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها مثل قوله تعالى في الدخان {بل هم في شك يلعبون} [الدخان: 9] إلى قوله: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: 16] وقوله: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} [الدخان: 40] إلى قوله هذا {ما كنتم به تمترون} [الدخان: 50] وقوله في الأعراف: {فبأيّ حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: 185] إلى قوله: {والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} [الجاثية: 11] وقوله: {أفرءيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] إلى آخر السورة، وقوله في الأحقاف: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} [الأحقاف: 3] ومعظم هذه الآية لم يخرج عن هذا إلى ختامها، وكذلك سورة القتال ولم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل حربهم {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4] وأما سورة الفتح فما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض المتقدم، وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتقدير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها
(19/90)

أيضاً من إتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا لا يخفى على أحد، وأما سورة الذاريات والطور والنجم فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها فتأمل مطالعها ففي ذلك كفاية في الغرض - والله تعالى هو أعمل بالصواب، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبلغت الآي في هذه السورة من ذلك أقصى غاية، وتمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يحيروا جواباً فيما عرض عليهم سبحانه في سورة القمر من أحوال الأمم مع أنبيائهم، وكان القصد من ذلك - والله أعلم - مجرد التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما تقدم وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر، ولهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله تعالى: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر} وختمها سبحانه بقوله: {أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر} وهذا يبين ما قدمنا، وكان قد قيل لهم: أي فرق بينكم وبين من تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنوا أنكم ستفوزون بعظيم جزائكم، فذكر سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد وأفخم عبارة وألطف إشارة، فبدأ بقصة قوم نوح بقوله: {كذبت قوم نوح} إلى قوله: {ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر} ثم استمر في ذكر الأمم
(19/91)

مع أنبيائهم حسبنا ذكروا في السورة الوارد فيها إخبارهم من ذكر أمة بعد أمة إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرق في الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} وتخلل هذه القصص بقوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وهي إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الأمور على زواجره وتنبيهاته ومواعظه ويدعي بعد ذلك واستعلاقه فقيل له إنه ميسر قريب المرام، وهذا فيما يحصل عند التنبيه والتذكير لما عنده بكون الاستجابة بإذن الله تعالى ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره وحسب عموم المؤمنين الإيمان بجميعه والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى فهم ذلك على من شرفه به وأعلى درجته، فيتبين بحسب ما يشرح الله تعالى صدره {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ومن تيسر المقصود المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور أيّ حفظ مها اطلع على ما هو كاف في الاعتبار بهم، ثم إذا ضم بعضه إلى بعض اجتمع منه ما لم يكن ليحصل من بعض تلك السورة، فسبحان من جعله حجة باهرة وبرهاناً على صدق الآتي به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصراطاً مستقيماً ونوراً مبيناً، ولما ذكر سبحانه عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب: {أكفاركم خير من أولائكم} ومن هذا النمط قول شعيب عليه السلام:
{ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد} [
(19/92)

هود: 89] ثم قال تعالى: {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر} إي إنكم تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر بقتل صناديدكم فما حجتكم بعد هذا، إنما مساق القصص في هذه السورة واعتماد التعريف بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا، فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم، ثم تعقب هذا كله بصرف الكلام في مشركي العرب في قوله: {أكفاركم خير من أولائكم} وليس شيء من السور المذكورة فيها قصص على هذا الاستيفاء كالأعراف وهود، وبظاهرهما ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر مشركي العرب على الصفة الواردة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ والتحريك بذكره وانقضاء هذا الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولاً بعرض أحوال الأمم والتعريف بما آل إليه أمرهم، وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة من إليه نظرهم قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد، فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم الواجد عليهم، بل يفهم الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم ثم يذكرهم بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يبين منهم فظاعة التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه، بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ، ثم لو كان لا يحتقر بما قبله وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت الموعظة فلم تقبل، فهنا محل الغضب وشدة الوعيد، وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود والمؤمنين والظلة والصافات، وما من سورة منها إلا
(19/93)

والتي بعدها أشد في التعريف وأمل في الزجر بعد التعريف، فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف بقوله تعالى:
{وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون} [الأعراف: 174] وقوله بعد موعظة بالغة بذكر من حرمه بعد إشرافه عل الفوز وهو الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه فقال بعد ذلك {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} [الأعراف: 176] وتذكيره إياه لمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة وقال تعالى بعد قصص سورة هود: {وكذلك أخذ ربك} [هود: 102] الآية، وقال تعالى: {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء} [هود: 109]- إلى قوله - {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} [هود: 109] وتكررت الآية إلى آخر السورة يجاري ما ذكر ولم تبق هذه وآي الأعراف في تلطف الاستدعاء، وقال تعالى في قصص آخر سورة المؤمنين: {فذرهم في غمرتهم حتى حين} [المؤمنون: 54]- إلى قوله - {لا يشعرون} [المؤمنون: 56] ثم قال: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} [المؤمنون: 64] استمرت الآي على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضاً إلى قوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] وقوله تعالى بعد: {إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 17] ولم يبين هذه الآي، وبين الواقعة عقب قصص سورة هود، وقال في آخر قصص الظلمة: {وإنه لتنزيل رب العالمين} [الشعراء: 192] إلى قوله خاتمة السورة: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] فوبخهم وعنفهم ونزه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم، وكل هذا تعنيف وإن لم يتقدم له مثله في السورة المذكورة، ثم هو صريح في مشركي العرب معين لهم في غير
(19/94)

تلويح ولا تعريض، ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى: {إن في ذلك} وفيه تهديد ووعيد، وقال تعالى في آخر والصافات: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} [الصافات: 149] وهذا أعظم التوبيخ وأشد التقريع، ثم نزه نبيه سبحانه عن بهتان مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم، بقوله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافات: 180] فلما أخذوا بكل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم قال تعالى في سورة القمر: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر} {حكمة بالغة فما تغني النذر} ، ثم قال تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فتول عنهم} ولم يقع أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلى بعد حصول القصص في السورة المذكورة وأخذهم بكل طريق، وأول أمره بذلك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سورة السجدة {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} ثم في سورة والذريات {فتول عنهم فما أنت بملوم} بأشد وعيد وأعظم تهديد بعقب كل قصة بقوله: {ولقد تركناها آية فهل من مذكر} وقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} ثم صرف إليهم بما تقدم قوله: {أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر} فبلغ ذلك أعظم مبلغ في البيان وإعذار، ثم قال تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على المساق فيما بعد إلى آخر الكتاب - فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي
(19/95)

آية باهرة إلى يوم الدين، وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بياناً كافياً ونوراً هادياً وواعظاً شافياً - جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة - انتهى.
(19/96)

وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7)
ولما كان التقدير: فأعرض الكفار عن آية انشقاقه وقالوا: سحر، مع علمهم بأنه دال قطعاً على صدق من انشق لتصديقه، عطف عليه الإعلام بحالهم في المستقبل فطماً لمن يطلبه من المؤمنين إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء إيمانهم فقال: {وإن يروا} أي فيما يأتي {آية} أي أية آية كانت {يعرضوا} أي عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن هذه لما رأوها، وقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: أمهلوا حتى يجيء السفار، فإن قالوا: إنهم رأوا كما رأيتم فليست بسحر، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر أهل الأرض كلهم، فجاء السفار وشهدوا برؤيته منشقاً، ومع ذلك فلم يؤمنوا {ويقولوا} أي على سبيل التجديد منهم والاستمرار: هذا {سحر} أي هذا الذي يأتينا به هذا الرجل من وادي الخيال الذي لا حقيقة له وهو {مستمر *} أي لأنه فارق السحر بأنه لا ينكشف في الحال لأنه محكم ثابت دائم بشموله وإحاطته بجميع الأنواع، ولذلك يتأثر عنه غاية الخوارق المتباينة الأنواع الكثيرة.
ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته، تسبب منهم عن الانشقاق بقوله: {وكذبوا} أي بكون الانشقاق دالاً على صدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجزموا بالتكذيب عناداً
(19/96)

أو خبثاً منهم. ولما كان التكذيب في نفسه قد يكون حقاً، قال مبيناً أنه باطل، فبين عن حالهم بقوله: {واتبعوا} أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى التصديق {أهواءهم} أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطرة الأولى عقولهم، قال القشيري: إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب، لأن الله سبحانه وتعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد، واتباع الرضى مقرون بالتصديق لأن الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة فيأتي بالتصديق - والله الهادي. ولما كان ذلك مفظعاً لقلوب المحقين، سلاهم بالوصول إلى محط تظهر فيه الحقائق وتضمحل فيه الشقاشق، فقال عاطفاً على ما تقديره: فسيستقر أمر كل من أمر المحق والمبطل في قراره، ويطلع على دقائقه وأسراره: {وكل أمر} من أموركم وغيرها {مستقر *} أي ثابت وموجود، انتهاؤه إلى غاية تظهر فيها حقيقته من غير حيلة تصاحبه إلى رد ذلك القرار ولا خفاء على أحد، فلا بد أن ينتهي الحق من كل شيء من الآجال والهدايات والضلالات والسعادات والشقاوات وغيرها إلى نهايته فيثبت ثبوتاً لا زوال له، وينتهي الباطل مما دعاه الخلق فيه إلى غايته فيتلاشى تلاشياً لا ثبات له بوجه من الوجوه، فإذا استقرت الأمور ظهر ما لهم عليه وعلموا الخاسر من الفائز، وفي مثل هذا قال ابن عمرو التيمي أخو القعقاع في وقعة السي (؟) من بلاد العراق:
والموت خيلنا لما التقينا ... بقارن والأمور لها انتهاء
وقرأ أبو جعفر بالجر صفة لأمر، فيكون معطوفاً على الساعة أي واقترب
(19/97)

كل أمر مستقر أي ثابت وهو الحق أي اقترب الظهور وثباته، وذلك لا يكون إلا وقد كان خفاء الباطل وفواته. ولما حذر وبشر قال معلماً أنه محيط العلم بأمرهم من قبل الإجابه إلى شق القمر وأنه ما شقه لطمع في إيمانهم بلا للأعلام بخذلانهم مؤكداً لمن يتعلق رجاؤه بأن تواتر الآيات ربما أوجب لهم التصديق المتضمن لأن ما جاءهم ليس فيه كفاية: {ولقد جاءهم} من قبيل الانشقاق {من الأنباء} أي الأمور العظيمة المرئية، المسموعة التي تستحق لعظمتها أن يخبر بها إخباراً عظيماً سيما ما جاء في القرآن من تفصيل أصول الدين وفروعه وأخبار الأولين والآخرين والأولى والأخرى {ما فيه} خاصة {مزدجر *} أي موضع للزجر من شأنه أن يكون لهم به انزجار عظيم عما فيه من الباطل، ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله، قال القشيري: لأن الله أسبل على أبصارهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد.
ولما كان ما فيه ذلك قد لا يكون محكماً، بينه بقوله: {حكمة} عظيمة {بالغة} أي لها معظم البلوغ إلى منتهى غايات الحكمة لصحتها وطهارتها ووضوحها، ففيها مع الزجر ترجية ومواعظ وأحكام ودقائق تجل عن الوصف. ولما تسبب عنها انزجارهم، سبب عن ذلك قوله: {فما} نفياً صريحاً أو باستفهام إنكاري موبخ {تغن النذر *} الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها - إنما المعني بذلك هو الله تعالى، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، ولعل الإشارة بإسقاط يا «تغني» بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية
(19/98)

أحرف الكلمة سقطت نمرة الإنذار وهو القبول.
ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التعلق بطلب نجاتهم، فهو لذلك ربما اشتهى إجابتهم إلى مقترحاتهم، سبب عن ذلك قوله: {فتول عنهم} أي كلف نفسك الإعراض عن ذلك فما عليك إلا البلاغ، وأما الهداية فإلى الله وحده. ولما بين اقتراب الساعة بالإجابة إلى بعض مقترحاتهم القائمة مقامها كلها بدلالته على القدرة عليها، وأتبع ذلك الفطم عن طلب الإجابة إلى شيء فيها لأنها لا تغني شيئاً، تطلعت النفوس الكاملة إلى وصف الساعة فأجاب عن ذلك على سبيل الاستئناف بذكر ظرفها وذكر. . . ما يقع فيه من الأهوال، فقال معلقاً بما تقديره: الساعة كائنة على وجه الاقتراب الشديد: {يوم يدع} ويجوز - والله أعلم - أن يكون الناصب له {تول} لأنهم لما أعرضوا حين دعاهم كان جزاءهم أن يعرض عنهم يوم حاجتهم إليه لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه قيل بعد أن عد القيامة أمراً محققاً لا يأتي النزاع فيه: تول عنهم في ذلك اليوم العبوس الذي أنت فيه الشافع المقبول.
. . واتركهم لأهواله ودواهيه، فقد بان الخاسر فتوليهم إنما يضرهم، لأن توليهم عنك لا يضرك شيئاً أصلاً، وتوليك عنهم يضرهم ضرراً ما بعدهم ضرر - والله أعلم، وحذف واو «يدعو» للرسم بإجماع المصاحف من غير موجب لأن المقام لبيان اقترابها، فكأنه إشارة إلى كونها بأدنى دعاء، وأيضاً ففي حذفه تشبيه للخبر بالأمر إشارة إلى أن هذا الدعاء لا بد على أن يكون على أعظم وجه وأتقنه وأهوله وأمكنه كما يكون كل مأمور من الأمر المطاع، والوقف على هذا وأمثاله
(19/99)

بغير واو لجميع القراء موافقة للرسم لأن القاعدة أن ما كان فيها رواية أتبعت وإن خالفت الرسم أو الأصل، وما لم يرد فيه عن أحد منهم رواية اتبع فيه الرسم وإن خولف الأصل، لأن التخفيف معهود في كلام العرب كالوال والمتعال من أسمائه الحسنى، لكن قال علامة القراءات شمس الدين الجزري في كتابه المسمى بالنشر في هذه الأحرف الأربعة: هذا و {يدع الإنسان} في سبحان و {يمح الله الباطل} في شورى و {سندع الزبانية} في العلق: نص الحافظ أبو عمرو الداني عن يعقوب على الوقف عليها بالواو على الأصل، ثم قال: قلت: وهو من انفراده، وقد قرأت به من طريقه {الداع} أي النفخ في الصور {إلى شيء نكر *} عظيم الوصف في النكارة بما تكرهه النفوس فتوجل منه القلوب لأنه لا شيء منه إلا وهو خارج عما تقدمه من العادة.
ولما بين دعاءه بما هال أمره، بين حال المدعوين زيادة في الهول فقال: {خشعاً أبصارهم} أي ينظرون نظرة الخاضع الذليل السافل المنزلة المستوحش الذي هو بشر حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين من النظر فإن الذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلاً مع هيئة يعرف منها ذلك كما قال تعالى: {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} وإفراده في قراءة أبي عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي على أن الخشوع بلغ في النهاية من الشدة ونسبته إلى كل بصر على حد سواء، وجمع على لغة «أكلوني البراغيث» تفي قراءة الباقين بضم
(19/100)

الخاء وتشديد الشين مفتوحة أو مستنداً المدعوين، والإبصار يدل بعض الإشارة إلى أن كل ذلك موزع على الأبصار.
ولما بين من حالهم هكذا ما يدل على نكارة ذلك اليوم، بين كيفية خروجهم بياناً لما يلزم من تصوره زيادة الذعر فقال: {يخرجون} أي على سبيل التجدد الأشرف فالأشرف {من الأجداث} أي القبور المهيأة لسماع النفخ في الصور {كأنهم} في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم وضعيفهم وقويهم {جراد منتشر *} أي منبث متفرق حيران مطاوع لمن نشره بعدما كان فيه من سكون مختلط بعضه ببعض، لا جهة له في الحقيقة يقصدها لو خلى ونفسه.
(19/101)

مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
ولما كان الانتشار قد يكون وجه المهل والوقار، قال مبيناً أن الأمر على خلاف ذلك زيادة في هول ذلك اليوم وتقريراً لما تقدم من وصفه: {مهطعين إلى الداع} أي مسرعين خائفين مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه، مادين أعناقهم نحوه مصوبي رؤوسهم لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذلك وخضوع وصمت واستكانة. ولما بين حال الكل حصر حال المبطلين فقال: {يقول} أي على سبيل التكرار: {الكافرين} أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة: {هذا} أي الوقت الذي نحن فيه بما نرى من الأهوال {يوم عسر *} أي في غاية العسر الصعوبة والشدة، وذلك بحسب حالهم فيه.
ولما تقدم أمره سبحانه لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتولي عنهم
(19/101)

تهديداً لهم، وصرح بما أراد من أمر الساعة لما دعا إلى ذلك من تقدم ذكرها، ولأنها أشد هول يهددون به، وبياناً أن الخلق ما خلق إلا لأجلها لأنها محط الحكمة، وختم بعسرها على الكافرين، تمم ذلك التهديد بعذاب الدنيا ردعاً لأهل الغلظة الموكلين بالمحسوسات، فذكر عسر يوم كان على الكافرين فيها، فقال مهدداً لقريش بجعل القصة مثلاً لهم في إهلاكهم وفي أمر الساعة من حيث إنه كما أهلك أهل الأرض في آن واحد بما أرسله من الماء فهو قادر على أن يهلكهم في آن واحد بالصيحة، وكما صرف هذا التصريف الذي ما سمع بمثله في الإهلاك فهو قادر على أن يصرفه في الإحياء عند البعث على وجه ما عهد مثله تنبت فيه الأجساد وتحيا فيه العباد، جواباً لمن كأنه قال: هذا ما يوعدونه بعد الموت، فهل لهم عذاب قبله دال على كمال القدرة: {كذبت} أو أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل، وأنث فعلهم تحقيراً لهم وتهويناً لأمرهم في جنب قدرته.
ولما كان ما كان من تصميمهم عليه وعزمهم على عدم الانفكاك عنه لكونه جبلة مستغرقاً لجميع ما بعدهم من الزمان، وكانوا قد سنوا سنة التكذيب فكان عليهم مع وزرهم وزر من أتى بعدهم، وكان ما قبلهم من الزمان يسيراً في جنب ما بعده عدماً، فلذلك ذكر الظرف من غير حرف جر لأنه مع أنه الحق أعظم في التسلية فقال: {قبلهم} أي في جميع ما سلف من الزمان ومضى بعضه بالفعل وبعضه بالقوة لقوة العزم: {قوم نوح} مع ما كان بهم من القوة ولهم من الانتشار
(19/102)

في جميع الأقطار.
ولما ذكر تكذيبهم إشارة إلى أنه جبلة لهم جحدوا بها النبوة رأساً فلاحظ لهم في التصديق للحق فلا يفترق حالهم بالنسبة إلى أحد من الناس كان من كان، فلذلك سبب عن هذا المطلق قوله: {فكذبوا عبدنا} أي على ما له من العظمة نسبة إلينا لكونه لم يتعبد لغيرنا قط مع تشريفنا إياه بالرسالة، فكان تكذيبهم فراً مما دخل في تكذيبهم المطلق الشامل لكل ما يمكن تكذيبه وهو ميد (؟) {وقالوا} مع التكذيب أيضاً زيادة على تغطية ما ظهر منه من الهداية: {مجنون} أي فهذا الذي يظهر له من الخوارق من أمر الجن.
ولما كان إعلاء الصوت على النبي كائناً من كان عظيم القباحة جداً زائد الفظاظة فكيف إذا كان مرسلاً فكيف إذا كان من أولي العزم فكيف إذا كان على سبيل الإنكار عليه، فكيف إذا كان على صورة ما يفعل ممن لا خطر له بوجه، قال بانياً للمجهول إشارة إلى تبشيعه من غير نظر إلى قائل وإيذاناً بأن ذلك لم يكن من أكابرهم فقط بل من كبيرهم وصغيرهم: {وازدجر *} أي أعملوا أنفسهم في انتهاره وتوعده وتهديده وانتشر ذلك في جميعهم بغاية ما يكون من الغلظة كفاله عن الرسالة ومنعاً له عنها، والمعنى أنهم قالوا: إنه استظهر عليهم بالجنون.
ولما طال ذلك منهم ومضت عليه أجيالهم جيلاً بعد جيل حتى مضى له من إنذارهم أكثر مما مضى من الزمان لأمة هذا النبي الحاتم إلى يومنا هذا، وأخبره الله أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن معه،
(19/103)

تسبب عن ذلك الدعاء بالراحة منهم، فلذلك قال صارفاً وجه الخطاب إلى صفة الإحسان والربوبية والامتنان إيذاناً بأنه أجاب دعاءه ولبى نداءه: {فدعا ربه} أي الذي رباه بالإحسان إليه برسالته معلماً له لما أيس من أجابتهم: {أني مغلوب} أي من قومي كلهم بالقوة والمنعة لا بالحجة، وأكده لأنه من يأبى عن الملك الأعظم يكون مظنة النصرة، وإبلاغاً في الشكاية إظهاراً لذل العبودية، لأن الله سبحانه عالم بسر العبد وجهره، فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل، وكذا الإبلاغ فيه {فانتصر *} أي أوقع نصري عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه.
ولما استجاب له سبحانه، سبب عن دعائه قوله، عائداً إلى مظهر العظمة إعلاماً بمزيد الغضب الموجب دائماً للاستيعاب بالغضب: {ففتحنا} أي تسبب عن دعائه أنا فتحنا فتحاً يليق بعظمتنا {أبواب السماء} كلها في جميع الأقطار، وعبر بجمع القلة عن الكثرة لأن عادة العرب أن تستعيره لها وهو أرشق وأشهر من بيبان، وسياق العظمة يأبى كونه لغيرها. ولما كان المراد تهويل أمر الماء بذكر حاله التي كان عليها حتى كأن المحدث بذلك شاهده جعلت كأنه آية فتحت بها السماء فقال: {بماء منهمر *} أي منصب بأبلغ ما يكون من السيلان والصب عظماً وكثرة، ولذلك لم يقل: بمطر، لأنه خارج عن تلك العادة، واستمر ذلك أربعين يوماً {وفجرنا} أي صدعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأرسلنا {الأرض عيوناً} أي جميع عيون الأرض، ولكنه
(19/104)

عدل عنه للتهويل بالإبهام ثم البيان، وإفادة لأن وجه الأرض صار كله عيوناً.
ولما كان الماء اسم جنس يقع على الأنواع المختلفة كما يقع على النوع الواحد، وكان قد ذكر ماء السماء والأرض، سبب عن ذلك قوله: {فالتقى الماء} أي المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا، وزاد في تعظيمه بأداة الاستعلاء فقال: {على أمر} ولما تقررت هذه العظمة لهذه الواقعة، فكان ربما ظن أنه صار جزافاً، وزاد على الحد المأمور به، أشار إلى أنه بالنسبة إلى عظمته في غاية الحقارة فقال: {قد قدر *} أي مع كونه مقدوراً عليه في كل وقت بغاية السهولة قد وقع تقديره في الأزل، فلم يستطع أن يزيد على ذلك قطرة فما فوقها ولا أن يهلك غير من أمرناه بإهلاكه، وأشار بالتخفيف إلى غاية السهولة في ذلك سبحانه.
(19/105)

وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18)
ولما ذكر ما علم منه بقرينة ما ذكر من خرقه للعادة، وأن إجابته لدعوته عليه الصلاة والسلام، ذكر تمام الانتصار بنجاته فقال: {وحملناه} أي بما لنا من العظمة على متن ذلك الماء بعد أن صار جميع وجه الأرض مجرى واحداً، وحذف الموصوف تهويلاً بالحث على تعرفة بتأمل الكلام فقال: {على ذات} أي سفينة ذات {ألواح} أي أخشاب نجرت حتى صارت عريضة {ودسر *} جمع دسار وهو ما يشد به السفينة وتوصل بها ألواحها ويلج بعضها ببعض بمسمار من حديد أو خشب أو من خيوط الليف على وجه الضخامة والقوة الدفع والمتانة، ولعله
(19/105)

عبر عن السفينة بما شرحها تنبيهاً على قدرته على ما يريد من فتق الرتق ورتق الفتق بحيث يصير ذلك المصنوع، فكان إلى ما هيأه ليراد منه وإن كان ذلك المراد عظيماً وذلك المصنوع.
ولما كان ذلك خارقاً للعادة فكان يمكن أن يكون في السفينة خارق آخر بإسكانها على ظهر الماء من غير حركة، بين أن الأمر ليس كذلك فقال مظهراً خارقاً آخر في جريها: {تجري} أي السفينة {بأعيننا} أي محفوظة أن تدخل بحر الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات، بحفظنا على ما لنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء كثرة ولا يغيب عنه أصلاً، وجوزوا أن يكون جمع تكسير لعين الماء، ثم علل ذلك بقوله: {جزاء} أي لعبدنا نوح عليه السلام، ولكنه عبر هنا بما يفهم العلة ليحذر السامع وقوع مثل ذلك العذاب له إن وقع منه مثل فعل قومه فقال: {لمن} وعبر عن طول زمان كفرهم بقوله: {كان كفر *} أي وقع الكفر به وهو أجل النعم، فقال على أهل ذلك الزمان وذلك جزاء من كفر النعم، ويجوز أن يكون المراد به قومه بين أنه وقع الكفر منهم وقوعاً كأنهم مجبولون عليه حتى كأنه وقع عليهم لتوافق قراءة مجاهد بالبناء. للفاعل.
ولما تم الخبر عن نجاته بحمله فيها، نبه عن آثارها بقوله: {ولقد تركناها} أي هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة، وقيل: تلك السفينة
(19/106)

بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقايا ما هذه الأمة {آية} أي علامة عظيمة على ما لنا من العلم المحيط والقدرة التامة {فهل من مدكر *} أي مجتهد في التذكير بسبب هذا الأمر لما يحق على الخلق من شكر الخالق بما هدت إليه رسله كما قالوه.
ولما قدم تعالى قوله: {فما تغن النذر} وأتبعه ذكر إهلاكه المكذبين، وكان ما ذكره من شأنهم أمرهم في الجلالة والعظمة بحيث يحق للسامع أن يسأل عنه ويتعرف أحواله ليهتدي بها على ذلك بقوله مسبباً عن التذكير باستفهام الإنكار والتوبيخ: {فكيف كان} أي وجد وتحقق {عذابي} أي لمن كذب وكفر وكذب رسلي {ونذر *} أي الإنذارات الصادرة عني والمنذرون المبلغون عني فإنه أنجى نوحاً عليه السلام ومن آمن معه من أولاده وغيرهم ومتعهم بعد إهلاك عدوهم وجعل الناس الآن كلهم من نسله، قال القشيري: في هذا قوة لرجاء أهل الدين إذا لقوا في دين الله محنة فجحد غيرهم ما آتاه الله أن يهلك الله عن قريب عدوهم ويمكنهم من ديارهم وبلادهم ويورثهم ما كان إليهم، وكذلك سنة الله في جميع أهل الضلال - انتهى.
وكان المعنى في تكرير ذلك عليهم بعد التذكير بما أتيناهم به من قصص هذه الأمم ميسراً لفهم صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم كيف كان أخذي لهم وعاقبة تخويفي إياهم لعلهم يتعظون فينفعهم إنذار المنذرين.
ولما كان هذا التفصيل مما أنزل أول القرآن تيسيراً على الأمة، نبه على ذلك بقوله: {ولقد يسرنا} أي على ما لنا من العظمة
(19/107)

{القرآن} أي على ما له من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه صفة لنا {للذكر} أي الاتعاظ والتذكر والتدبر والفهم والحفظ والتشريف لمن يراعيه، قال ابن برجان: أنزلناه باللسان العربي وأنزلناه للأفهام تنزيلاً وخاطبناهم بعوائدهم وأعلمنا من قبل أعمالهم وأقبسناهم المعرفة واليقين من قبل ذواتهم وضربنا لهم الأمثال وأطلنا لهم في هذه الأعمال ليتذكروا الميثاق المأخوذ عليهم، وقال القشيري: يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قلوب قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن وكلهم أهل الله وخاصته - انتهى. والآية ناظرة بالعطف والمعنى إلى {ولقد جاءهم من الأنباء} الآيتين، فالمعنى أنا ولو شئنا بما لنا من العظمة لجئناهم بعبارات لا يشمون رائحتها، وبلاغات لا يهتدون إلى وجه معناها أصلاً لكننا لم نفعل ذلك بل خاطبناهم بأبلغ من بلاغتهم مع تيسير فهم ما خاطبناهم به فكان في ذلك إعجازان: أحدهما أنه فوق بلاغتهم، والثاني أنه مع علوه يشترك في أصل فهمه الذكي والغبي. ولما كان هذا القرآن العظيم الجامع ترجمة لأفعاله سبحانه في هذا الوجود الشاهد والغائب الذي أخبرنا عنه وشرحنا لما أنزل علينا من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعرف لنا بها، وكان سبحانه قد جعل خلق الآدمي جامعاً، فما من شيء من أفعاله إلا وفي نفسه منه أثر ظاهر ناظر للتفكر في القرآن والتعرف للأسرار منه بالتذكير الذي يكون. . . لما كان الإنسان يعرفه ثم نسيه حتى صار لا يستقل باستحضاره فإذا ذكر به ذكره، فقال منبهاً على عظيم فعل العلم والقرآن الذي هو طريقه بالتكرار
(19/108)

والتعبير بما هو من الذكر على أنه المحفوظ للإنسان بما هيأ له من تيسير أمره {فهل من مدكر *} قال البخاري في آخر صحيحه: قال مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه، وقد تكررت هذه الموعظة في هذه السورة أربع مرات، وذكرت الجملة الأخيرة منها منفكة عن تيسير القرآن مرتين: مرة في أول القصص وهي قصة نوح عليه السلام، ومرة كما يأتي في آخرها، وذلك عقب قصة فرعون وهو قوله: {فكيف كان عذابي ونذر} مثل ذلك، وكررت {فبأي ألاء ربكما تكذبان} في الرحمن إحدى وثلاثين مرة، فنظرت في سر ذلك فظهر لي - والله الهادي - أن الذي تقدم في سورة المفصل على هذه السورة أربع سور هذه السورة خاتمتها فأشير إلى التذكر بكل سورة منها حثاً على تدبرها بآية ختمت كلماتها بكلمة عادت حروفها في السور الخمس وأدغم حرف منها في آخر بعد قلب كل منهما، فكانت هذه الكلمة التي مدلولها الذكر مشيرة إلى الحواس الخمس الظاهرة التي هي مبادئ العلم، وكان ما في أول هذه المواعظ وآخرها لخلوه عن ذكر القرآن موازياً للحرفين اللذين طرفهما للوهن بالتعبير والقلب لكن كان الحرفان بالإدغام كحرف واحد، كانت الجملتان الموازيتان لهما كآية واحدة من تلك الأربع، وكان هذا الأول والآخر مشاراً به إلى هذه السورة التي جمعت التذكير بالسورة الأربع، وأعريت عن ذكر تيسير القرآن لافتتاح السور السور بمحو وما يقرب من المحو وهو آية الليل والتيسير فيها والساعة التي هي أغيب الغيب، وكل من فيها سوى الله محو لسلب الأمر كله عنهم وخصت بها الأولى والآخرة
(19/109)

لجامع بينهما من غرق العصا في الماء ونجاة المطيعين بعضهم بالسفينة وبعضهم بنفس البحر الذي هو مسرح السفن، وكانت الموعظة المذكور فيها القرآن في ختام قصة نوح عليه السلام مع عمومها لجميع القرآن إشارة إلى خصوص التذكير بسورة ق لما بينهما من جامع الإحاطة بإحاطة جبل ق بالأرض كلها وطوفان قوم نوح عليه السلام بعموم جميع الأرض والتي في سورة عاد إشارة إلى سورة الذاريات لأن كلاهم كان بالريح، والتي في قصة ثمود إشارة إلى التذكير بالطور بجامع ما بينهما من الرج والرجف والذل والصعق، أما في قصة ثمود فظاهر، وأما في الطور فلما كان من دكه وصعق بني إسرائيل فيه، وقد ذكر الصعق في آخر الطور، وما في قصة لوط إشارة إلى النجم لأن مدائنهم ارتفعت إلى عنان السماء ثم أهويت وأتبعت الحجارة، فلما كان الأمر هكذا، وكانت النعم محيطة بالإنسان من جهاته الست، فضربت الحواس الخمس في الجهات الست، فكانت ثلاثين، كأنه قيل: هل مذكر بهذا القرآن، ولا سيما ما تقدم على هذه السورة منه في المفصل ما لله عليه من النعم في نفسه وفي الآفاق المشار إلى القسم الأول منها بمذكر وإلى الثاني بتكرير ذكر الآلاء فكل آية تكرير انتهى إلى العدد المخصوص وإلى المجموع بالمجموع ليعلم أن نعم الله محيطة به على وجه لا يقدر على صنعه إلا الله الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال التي أعظمها - من حيث كونه أساساً يبنى عليه - الوحدانية المنزهة عن الشركة فيخشى من معصيته أن يسلبه نعمه أو واحدة منها فلا يجد من يقوم بها ولا بشيء منها
(19/110)

غيره أو يعذبه بشيء مثل عذاب هذه الأمم أو بغير ذلك مما له من إحاطة القدرة والعلم فلا يجد من يرد عنه شيئاً منه سبحانه، وأما الواحد الزائد فهو إشارة إلى أن المدار في ذلك الإدراك هو العقل والحواس كما أن المقصود بذلك كله واحد وهو الله تعالى، وكل هذه الأشياء أسباب لمعرفته وأيضاً فالواحد إشارة إلى أن زيادة الآلاء من فضل الله تعالى لا تنقطع كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا يزال، فكلما أغنت زيادتها ابتدأ دور ثم ابتدأ دور آخر دائماً أبداً، وللتكرير نكتة أخرى بديعة جداً، وهي تأكيد التقرير دلالة على اشتداد الغضب المقتضي لأنهى العقوبة كما أن من اشتد غضبه من إنكار شخص لشيء من قتله إذا بينه غاية البيان بأمور متنوعة وهو يتمرد ويلد غاية اللدد يأخذه فيجمع له جمعاً لا يقدر على العدول عن الحق بحضرتهم.
وهو يذعن وهو في قبضته فيذكر تلك المعاني بين ذلك الجمع، فيصير كلما ذكر له نوعاً منها بحضرتهم، قال له: هل ظهر لك هذا؟ فيقول ذاك المنكر: نعم ظهر لي، فلا يريد ذلك إلا غضباً لما تقدم له من عظيم غضبه ولدده فيذكر له معنى آخر ثم يقول: هل ظهر لك هذا؟ فيقول: نعم والله لا يعرج على اعترافه ذلك ويذكر له نوعاً آخر، ويقول مثل ذلك يريد الزيادة في تبكيته وتخجيله، وهكذا إلى أن يشتفي - كل ذلك للتنبيه على لدده وكفاية كل نوع منها لما أريد منه من البيان، وقال في الكشاف: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين أدكاراً واتعاظاً وأن يستأنفوا تنبهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحث عليه والبعث على ذلك
(19/111)

كله وأن يقرع لهم العصى مرات ويقعقع لهم السن تارات، لئلا يغلبهم السهود ويستولي عليهم حكم الغفلة، وهكذا حكم التكريرات لتكون العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في أوان - انتهى، ولمثل ما مضى أو قريب منه كرر التهويل بالعذاب ست مرات: أربع منها {فكيف كان عذابي ونذر} واثنان منها {فذوقوا عذابي ونذر} فهما بمنزلة واحدة من الأربع ليرجع الست إلى الخمس الدال عليها {مدكر} إشارة إلى أن الحواس الخمس كما ضربت في الجهات الست لأجل النعم التي هي جلب المصالح ضربت فيها للتذكير بدفع النقم الذي هو درأ المفاسد والتحذير منها، ومن فوائد تكرر الست الراجعة إلى الخمس مرتين: مرة لجلب النعم وأخرى لدفع النقم أن الحواس مكررة ظاهراً وباطناً، فمن ذل لسانه بالقرآن ظاهراً صحت حواسه الظاهرة ونورت له الباطنة، ومن أبى عذب بسبب الباطنة فتفسد الظاهرة، واختير للموعظتين عدد الست مع إرادة جماعة إلى خمسة لأن الست عدد تام وذلك لأن عدد كسورها إذا جمعت سادتها ولم تزد عنها ولم تنقص وهي النصف والثلث والسدس، وهذا العدد مساو لدعائم الإسلام الخمس وحظيرته الجهاد التي هي عماد تقوى المتقين أهل مقعد الصدق الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إلى نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما أنزل من قبله المشار به إلى الصيام
{كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] والحج {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} [البقرة: 125] والجهاد {أم حسبتم أن
(19/112)

تدخلوا الجنة} [البقرة: 214] إلى قوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] وذلك إشارة إلى أن هذا الدين تام لا زيادة فيه ولا نقص لأن النبي الذي أرسل ختام الأنبياء، وتمام الرسل الأصفياء. ولما كان قوم عاد قد تكبروا بشدتهم وقوتهم، وكانت حال قريش قريبة من ذلك لقولهم إنهم أمنع العرب وأقواهم وأجمعهم للكمالات وأعلاهم، كرر ذلك في قصتهم مرتين زيادة في تذكير قريش وتحذيرهم ولا سيما وقد كان بدء عذابهم من بلدهم مكة المشرفة كما هو مشروح في قصتهم، وكرر الأمر بالذوق في قصة لوط عليه السلام لأنهم عذبوا بما يردع من كان له قلب بالطمس، فلما لم ينفعهم ذلك أتاهم أكبر منه فكانوا كأمس الدابر، فلكل مرة من العذاب من الأمر بالذوق، وخصوا بالأمر بالذوق لما في فاحشتهم الخبيثة ما يستلذونه، وقد عم عذاب هذه الأمم جميع الجهات بما لقوم نوح ولوط عليهما السلام من جهة الغرق بالماء الماطر وحجارة السجيل ومن البحث من الماء النابع والخسف، وما في عموم عذابهم من استغراق بقية الجهات - والله الهادي.
ولما انقضت قصة نوح عليه السلام على هذا الهول العظيم، كان ذلك موجباً للسامع أن يظن أنه لا يقصر أحد بعدهم وإن لم يرسل برسول فكيف إذا أرسل، فتشوف إلى علم ما كان بعده هل كان كما ظن أم رجع الناس إلى طباعهم؟ وكانت قصة عاد أعظم قصة جرت بعد قوم نوح عليه السلام فيما يعرفه العرب فيصلح أن يكون واعظاً لهم، وكان عذابهم بالريح التي أهلكتهم ونسفت جبالهم التي كانت في محالهم
(19/113)

من الرمال المتراكمة، فنقلها إلى أمكنة أخرى أقرب دليل إلى أنه تعالى يسير الجبال يوم الدين، هذا إلى ما في صفها الخارج عن العوائد من تصوير النفخ في الصور تارة للقيامة وتارة للأحياء، فأجيب بقوله: {كذبت عاد} أي أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولي هود عليه السلام في دعوته لهم إليّ وإنذاره لهم عذابي.
ولما كان عادة الملوك أو بعضهم أنه إذا أهلك قوماً كثيرين من جنده نجا ناس مثلهم بمثل ذنوبهم أن يرفع بهم، ويستألفهم لئلا يهلك جنده، فيختل ملكه، عقب الإخبار بتكذبيهم الإعلام بتعديهم لأنه لا يبالي بشيء لأن كل شيء في قبضته، ولما كان تكذيبهم إلا بإرادته كا أن عذابه بمشيئته، قال مسبباً عن ذلك: {فكيف} أي فعلى الأحوال لأجل تكذيبهم {كان عذابي لهم ونذر *} أي وإنذاري إياهم بلسان رسولي، وكرر في آخر قصتهم هذا الاستخبار، فكان في قصتهم مرتين كما تقدم من سره - والله أعلم.
(19/114)

إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26)
ولما ذكر تكذيبهم وأعقبه تعذيبهم، علم السامع أنه شديد العظمة فاستمطر أن يعرفه فاستأنف قوله، مؤكداً تنبيهاً على أن قريشاً أفعالهم في التكذيب كأفعالهم كأنهم يكذبون بعذابهم: {إنا أرسلنا} بعظمتنا، وعبر بحرف الاستعلاء إعلاماً بالنقمة فقال: {عليهم ريحاً} ولما كانت الريح ربما كانت عياناً، وصفها بما دل على حالها فقال: {صرصراً} أي شديد البرد والصوت. ولما كان مقصود السورة تقريب قيام الساعة
(19/114)

ووصف سيرهم إلى الداعي بالإسراع، ناسب أن يعبر عن عذابهم بأقل ما يمكن، فعبر باليوم الذي يراد به الجنس الشامل للقليل والكثير وقد يعبر به عن مقدار من الزمان يتم فيه أمر ظاهر سواء لحظة أو أياماً أو شهوراً أو كثيراً من ذلك أو أقل كيوم البعث ويوم بدر ويوم الموت بقوله تعالى: - {إلى ربك يومئذ المساق} -[القيامة: 35] : {في يوم} وأكد شؤمها بذم زمانها فقال: {نحس} أي شديد القباحة، قيل: كان يوم الأربعاء آخر الشهر وهو شوال لثمان بقيت إلى غروب الأربعاء، وحقق لأن المراد باليوم الجنس لا الواحد بالوصف فقال: {مستمر *} أي قوي في نحوسته نافذ ماض فيما أمر به من ذلك شديد أسبابه، موجود مرارته وجوداً مطلوباً من مرسله في كل وقت، مستحكم المرارة قويها دائمها إلى وقت إنفاذ المراد.
ولما علم وصفها في ذاتها، أتبعه وصفها بما يفعل فيه فقال: {تنزع} أي تأخذ من الأرض بعضهم من وجهها وبعضهم من حفر حفروها ليتمنعوا بها من العذاب، وأظهر موضع الإضمار ليكون نصاً في الذكور، والإناث فعبر بما هو من النوس تفضيلاً لهم فقال: {الناس} الذين هم صور لا ثبات لهم بأرواح التقوى، فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم الهباء المنثور، فتقطع رؤوسهم من جثثهم وتغير ألوانهم تعتيماً لهم إلى السواد، ولذا قال: {كأنهم} أي حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم كأنهم {أعجاز} أي أصول {نخل} قطعت رؤوسها. ولما كان الحكم هنا على ظاهر حالهم، وكان الظاهر دون الباطن، حمل على اللفظ قوله: {منقعر *}
(19/115)

أي منقصف أي منصرع من أسفل قعره وأصل مغرسه، والتشبيه يشير إلى أنهم طوال قد قطعت رؤوسهم، وفي الحافة وقع التشبيه في الباطن الذي فيه الأعضاء الرئيسة، والمعاني اللطيفة، فأنث الوصف حملاً على معنى النخل لا للطفها - والله أعلم.
ولما طابق ما أخبر به من عذابهم ما هو له به أولاً، أكد ذلك لما تقدم من سره فقال مسبباً عنه مشيراً إلى أنه لشدة هوله مما يجب السؤال عنه: {فكيف كان} أيها السائل، ولفت القول إلى الإقرار تنبيهاً للعبيد على المحافظة على مقام التوحيد: {عذابي} لمن كذب رسلي {ونذر *} أي وإنذاري أو رسلي في إنذارهم هل صدق.
ولما أتم سبحانه تحذيره من مثل حالهم بأمر ناظر أتم نظر إلى تدبير ما في سورة الذاريات، أتبع ذلك التنبيه على أنه ينبغي للسامع أن يتوقع الحث على ذلك، فقال مؤكداً لما لأكثر السامعين من التكذيب بالقال أو بالحال معلماً أنه سهل طريق الفرار من مثل هذه الفتن الكبار إليه، وسوى من الاعتماد عليه، عائداً إلى مظهر العظمة إيذاناً بأن تيسير القرآن لما ذكر من إعجازه لا يكون إلا لعظمة تفوت قوى البشر، وتعجز عنها القدرة {ولقد يسرنا} على ما لنا من العظمة في الذات والصفات {القرآن} الجامع الفارق كله وما أشارت إليه هذه القصة من مفصله {للذكر} للحفظ والشرف والفهم والتدبير والوعظ والاتعاظ ما صرفنا فيه من أنواع الوعظ مع التنبيه للحفظ بالإيجاز وعذوبة اللفظ وقرب الفهم وجلالة المعاني وجزالة السبك وتنويع الفنون وتكثير
(19/116)

الشعب وإحكام الربط {فهل من مدَّكر *} أي تسبب عن هذا الأمر العظيم الذي فعلناه أنه موضع السؤال عن أحوال السامعين: هل فيهم من يقبل على حفظه ثم تدبره وفهمه ويتعظ بما حل بالأمم السالفة، ويتذكر جميع ما صرف من الأقوال وينزلها على نفسه وما لها من الأحوال، ويجعل ذلك لوجهنا فيلقيه بتشريفه به أمر دنياه وأخراه.
ولما كان هذا موضع الإقبال على تدبر مواعظ القرآن، وكان ثمود أعظم وعظ كان بعد عاد لما في صيحتهم الخارجة عن العهود من تصوير الساعة بنفختيها المميتة ثم المحيية، وقال مؤنثاً فعلهم إشارة إلى سفول هممهم وسفول فعلهم معلماً أن من كذب هلك - على طريق الجواب لمن لعله يقول استبعاداً لتكذيب بعد ما جرى في القصتين الماضيتين من التعذيب: {كذبت ثمود} أي قوم صالح {بالنذر *} الإنذارات والمنذرين كلهم لأنهم شرع واحد، ثم علل ذلك وعقبه بقوله معلماً بالضمير أن المباشر بهذا الكفر رجالهم لئلا يظن أنهم نساء فقط: {فقالوا} منكرين لما جاءهم من الله غاية الإنكار: {أبشراً} إنكاراً لرسالة هذا النوع ليكون إنكار النبوة إنكاراً لنبوة نبيهم على أبلغ الوجوه، وأعظم الإنكار بقولهم مقدمين عدم الانفراد عنهم لخصوصيته: {منا} أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا، وزادوا ذلك تأكيداً فقالوا: {واحداً} أي ليس معه من يؤيده، ثم فسر الناصب لقوله: {بشراً} بقوله: {نتبعه *} أي نجاهد نفسنا في خلع مألوفنا وخلاف آبائنا والإقرار على أنفسنا بسخافة العقل والعراقة في الجهل ونحن أشد الناس كثرة
(19/117)

وقوة وفهماً ودراية، ثم استنتجوا عن هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين الاستشعار بأن كلامهم أهل لأن يكذب: {إنا إذاً} أي إن اتبعناه {لفي ضلال} أي ذهاب عن الصواب محيط بنا {وسعر *} أي تكون عاقبتنا في ذلك الضلال الكون في أوائل أمر لا ندري عاقبته، فإنه لم يجرب ولم يختبر ولم يمعن أحد قبلنا سلفاً لنا فيجرنا ذلك إلى جنون وجوع ونار كما يكون من يأتوه في القفار في أنواع من الحر بتوقد حر الجبال وحر الضلال وحر الهموم والأوجال - وذلك من النار التي توعدنا بها، وهو معنى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما له بالعذاب، وجعل سفيان بن عيينه له جمع سعير، والمعنى إنا نكون إذا اتبعناك كما تقول جامعين بين الضلال والعذاب بسائر أنواعه.
ولما كان فيما قالوه أعظم تكذيب مدلول على صحته في زعمهم بما أمؤوا إليه من كونه آدمياً مثلهم، وهو مع ذلك واحد من أحادهم فليس هو بأمثلهم وهو منفرد فلم يتأيد فكره بفكر غيره حتى يكون موضع الوثوق به، دلوا عليه بأمر آخر ساقوه أيضاً مساق الإنكار، وأموؤا بالإلقاء إلى أنه في إسراعه كأنه سقط من علو فقالوا: {أألقي} أي أنزل بغتة في سرعة لأنه لم يكن عندهم في مضمار هذا الشأن ولم يأتمروا فيه قبل إتيانه به شيء منه بل أتاهم به بغتة في غاية الإسراع. ولما كان الإلقاء يكون للأجسام غالباً، فكان لدفع هذا الوهم تقديم النائب عن الفاعل أولى بخلاف ما تقدم في ص فقالوا: {الذكر}
(19/118)

أي الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم، وعبروا بعلى إشارة إلى أن مثل هذا الذي تقوله لا يقال إلا عن قضاء غالب وأمر قاهر فقال: {عليه} ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص بقولهم: {من بيننا} أي وبيننا من هو أولى بذلك سناً وشرفاً ونبلاً.
ولما كان هذا الاستفهام لكونه إنكارياً بمعنى النفي، أضربوا عنه بقولهم على وجه النتيجة عطفاً على ما أفهمه الاستفهام من نحو: ليس الأمر كما زعم: {بل هو} لما أبديناه من الشبه {كذاب} أي بليغ في الكذب {أشر *} أي مرح غلبت عليه البطالة حتى أعجبته نفسه بمرح وتجبر وبطر، ونشط في ذلك حتى صار كالمنشار الذي هو متفرغ للقطع مهيأ له خشن الأمر سيئ الخلق والأثر فهو يريد الترفع.
ولما كان هذا غاية الذم لمن يستحق منهم غاية المدح، أجاب تعالى عنه موعظة لعباده لئلا يتقولوا ما يعلمون بطلانه أو يقولوا ما لا يعلمون صحته بقوله: {سيعلمون} بوعد لا خلف فيه. ولما كان المراد التقريب لأنه أقعد في التهديد، قال: {غداً} أي في الزمن الآتي القريب لأن كل ما حقق إتيانه قريب عند نزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة، وقراءة ابن عامر وحمزة ورويس عن يعقوب بالخطاب التفات يعلم بغاية الغضب {من الكذاب الأشر *} أي الكذب والأشر وهو احتقار الناس والاستكبار على ما أبدوه من الحق مختص به ومقصود عليه لا يتعداه إلى مرميه وذلك بأنهم جعلوا الكذب ديدنه ولم يتعدهم حتى
(19/119)

يدعى شيء منه لصالح عليه الصلاة والسلام، فكان الكلام معيناً لهم في الكذب قاصراً عليهم بسياقه على هذا الوجه المبهم المنصف الذي فيه من روعة القلب وهز النفس ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، وكلما كان الإنسان أسلم طبعاً وأكثر علماً كان له أعظم ذوقاً.
(19/120)

إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31)
ولما علم من هذا أنه سبحانه فصل الأمر بينهم، تشوف السامع إلى علم ذلك فقال تعالى مستأنفاً دالاً بأنهم طالبوه بآية دالة على صدقه: {إنا} أي بما لنا من العظمة {مرسلو الناقة} أي موجدوها ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلناه لذلك وخصصناه من بين الحجارة دلالة على إرسالنا صالحاً عليه السلام: مخصصين له من بين قومه، وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السلام: نريد أن نعرف المحق منا بأن ندعو آلهتنا وتدعو إلهك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق، فدعوا أوثانهم فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت، فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة تبعر عشراء، فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك وأكدوا فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، وصدق هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل ما قال فأخبره ربه سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها {فتنة لهم} أي امتحاناً يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها ويجيبهم عنها، وسبب سبحانه عن ذلك أمره بانتظارهم فيما يصنعون بعد إخراجهم لما توصلهم إليه عواقب الفتنة فقال: {فارتقبهم} أي كلف نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار من يحرسهم وهو عالم عليم فإنهم واصلون بأعمالهم إلى الداهية التي تسمى بأم العرقوب
(19/120)

ليكونوا كمن جعل في رقبته، ودل بصيغة الافتعال على أنه يكون له منه أذى بالغ قبل انفصال النزاع فقال: {واصطبر *} أي عالج نفسك واجتهد في الصبر عليهم {ونبئهم} أي أخبرهم إخباراً عظيماً بأمر عظيم، وهو أن الماء الذي يشربونه وهو ماء بئرهم {أن الماء قسمة بينهم} أي بين ثمود وبين الناقة، غلب عليها ضمير من يعقل، يعني إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه في الماء، ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم، وتوسع الكل بدل الماء لبناً. ولما أخبر بتوزيع الماء، أعلم أنه على وجه غريب بقوله استئنافاً: {كل شرب} أي من ذلك وحظ منه ومورد البرو وقت يشرب فيه {محتضر *} أي أهل لما فيه من الأمر العجيب أن يحضره الحاضرون حضوراً عظيماً، وتتكلف أنفسهم لذلك لأنه صار في كثرته وحسنه كماء الحاضرة للبادية وتأهل لأن تعارضه حاضروه من حسنه ويرجعوا إليه وأن يجتمع عليه الكثير ويعودوا أنفسهم عليه.
ولما كان التقدير: فكان الأمر كما ذكرنا، واستمر الأمد الذي ضربنا فافتتنوا كما أخبرنا {فنادوا} بسبب الفتنة {صاحبهم} قذار بن سالف الذي انتدبوه بطراً وأشراً لقتل الناقة وكذبنا فيها بوعدهم الإيمان وإكرامها بالإحسان وهو أشقى الأولين {فتعاطى} أي أوقع بسبب ندائهم التعاطي الذي لا تعاطي مثله، فتناول ما لا يحق له أن يتناوله بسبب الناقة وهو سيفه بيده قائماً في الأمر الناشئ عن هذا الأخذ على كل حال، ورفع رأسه بغاية الهمة ومد يديه مداً عظيماً ورفعها وقام على
(19/121)

أصابع رجليه حين عاطوه ذلك أي سألوه فيه فطاوعهم وتناول الناقة بذلك السيف غير مكترث ولا مبال {فعقر *} أي فتسبب عن هذا الجد العظيم أن صدق فيما أثبت لهم الكذب في الوعد بالإحسان إليها والأشر، وهو إيقاع العقر الذي ما كان في ذلك الزمان عقر مثله وهو عقر الناقة التي هي آية الله وإهلاكها.
ولما وقع كذبهم على هذا الوجه العظيم المبني على غاية الأشر، حقق الله تعالى صدقه في توعدهم على تقدير وقوع ذلك، فأوقع عذابهم سبحانه على وجه هو من عظمه أهل لأن يتساءل عنه، فنبه سبحانه على عظمة بإيراده في أسلوب الاستفهام مسبباً عن فعل الأشقى فقال: {فكيف كان} وحافظ على مقام التوحيد كما مضى فقال: {عذابي} أي كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على تعرفه والسؤال عنه {ونذر *} أي إنذاري. ولما علم تفرغ ذهن السائل الواعي، استأنف قوله مؤكداً إشارة إلى أن عذابهم مما يستلذ وينجح به، وإرغاماً لمن يستبعد النصيحة الواحد بفعل مثل ذلك، وإعلاماً بأن القدرة على عذاب من كذب من غيرهم كهي على عذابهم فلا معنى للتكذيب: {إنا} بما لنا من العظمة {أرسلنا} إرسالاً عظيماً، ودل على كونه عذاباً بقوله: {عليهم صيحة} وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابهم بقوله تعالى: {واحدة} صاحها عليهم جبريل عليه السلام فلم يكن بصيحته هذه التي هي واحدة طاقة، وتلاشى عندها صياحهم حين نادوا صاحبهم لعقر الناقة. ولما تسبب عنها هلاكهم قال: {فكانوا} كوناً
(19/122)

عظيماً {كهشيم المحتظر *} أي محطمين كالشجر اليابس الذي جعله الراعي ومن في معناه ممن يجعل شيئاً يأوي إليه ويحتفظ به ويحفظ به ماشيته في وقت ما لا يقاله (؟) وهو حظيره أي شيء مستدير مانع في ذلك الوقت لمن يدخل إليه فهو يتهشم ويتحطم كثير منه وهو يعمله فتدوسه الغنم ثم تتحطم أولاً فأولاً، وكل ما سقط منه شيء فداسته الغنم كان هشيماً، وكأنه الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته.
(19/123)

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39)
ولما كان التقدير: فلقد أبلغنا في الموعظة لكل من يسمع هذه القصة، عطف عليه قوله مؤكداً لأجل من يعرض عن هذا القرآن ويعلل إعراضه عنه بصعوبته: {ولقد يسرنا} أي على ما لنا من القدرة والعظمة {القرآن} أي الكتاب الجامع لكل خير، الفارق بين كل ملبس {للذكر} أي الحفظ والتذكير والتذكر وحصول النباهة به والشرف إلى الدارين. ولما كان هذا غاية في وجوب الإقبال عليه لجميع المتولين، قال: {فهل من مدكر *} أي ناظر فيه بسبب قولنا هذا بعين الإنصاف والتجرد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فنعينه عليه. ولما كان النذير: كأنه قال المنذرين لم يتعظوا به فزاد في وعظهم، وكانت قصة لوط عليه السلام مع قومه أعظم ما كان بعد ثمود مما تعرفه العرب بالأخبار ورؤية الآثار، ومع ما في قصتهم من تصوير الساعة من تبديل الأرض غير الأرض، استأنف قوله: {كذبت قوم لوط} أي وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه وإن كانوا في تكذيبهم هذا في ضعف وقوع النساء عن التجرد مما دل عليه تأنيث الفعل بالتاء وكذا
(19/123)

ما قبلها من القصص {بالنذر *} أي الإنذار والإنذارات والمنذرين، ودل على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الإخبار عن عذابهم فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {أرسلنا} ودل على أنه إرسال إهانة بقوله: {عليهم} ودل على هوانهم وبلوغ أمره كل ما يراد به بقوله: {حاصباً} أي ريحاً ترمي بحجارة هي دون ملء فكانت مهلكة لهم محرقة خاسفة مفرقة {إلا آل لوط} وهم من آمن به وكان بحيث إذا رأيته فكأنك رأيت لوطاً عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله والمشي على منواله في أقواله وأحواله وأفعاله.
ولما كان استثناؤهم مفهماً إنجاءهم مع التجويز لإرسال شيء عليهم غير مقيد بما ذكر، قال مستأنفاً جواباً لمن كأنه قال: ما حالهم: {تجيناهم} أي تنجية عظيمة بالتدريج، وذكر أول الشروع لإنجاءهم فقال: {بسحر *} أي بآخر ليلة من الليالي وهي التي عذب فيها قومه، فكأنه تنكيره لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها، ولو قصدت سحر الليلة التي صبحت منها كان معرفة لا ينصرف، والسحر: السدس الأخير من الليل: الوقت الذي يكون فيه الإنسان لا سيما النساء والأطفال في غاية الغفلة بالاستغراق في النوم، ويفتح الله فيها أبواب السماء باذن الدعاء ليحصل منه الإجابة لأن الملوك إذا فتحوا أبوابهم كان ذلك إذناً للناس في الدخول لقضاء الحوائج، فالنزول وفتح الأبواب كناية عن ذلك - والله سبحانه وتعالى متعال عن حاجة إلى نزول أو فتح باب أو غير ذلك.
ولما كان المراد من الموعظين الطاعة التي هي سبب النجاة، فلذا
(19/124)

قال ذاكراً للإنعام معبراً عنه بغاية المقصود منه معرفاً أن انتقامه عدل ومعافاته فضل، لأن أحداً لا يقدر أن يكافئ نعمه ولا نعمة منها، معللاً للنجاة: {نعمة من عندنا} أي عظيمة غريبة جداً لشكرهم، ولما كان كأنه قيل: هل هذا مختص بهم.
. . الإنجاء من بين الظالمين وهو مختص بهم، أجاب بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلنا جزاء لهم {نجزي} بقدرتنا وعظمتنا {من شكر *} أي أوقع الشكر بجميع أنواعه فآمن وأطاع ليس. . . بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كائناً من كان من سوقة أو سلطان جائر شجاع أو جبان، فاننا عليه بالإنجاء بعد هلاك عدوه، قال القشيري: والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس فالآية من الاحتباك: ذكر الإنعام أولاً - لأنه السبب الحقيقي - دليلاً على حذفه ثانياً، والشكر ثانياً - لأنه السبب الظاهر - دليلاً على حذفه أولاً.
ولما كان التقدير دفعاً لعناد. . . استشراف السامع إلى ما كان من حاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معهم قبل العذاب: لقد بالغ في شكرنا بوعظهم ونصحهم ودعائهم إلنيا صرفاً لما أنعمنا به عليه من الرسالة في أتم مواضعه، عطف عليه إيماء إليه قوله، مؤكداً لأن تمادي المحذور من العذاب على الإقامة في موجبه يكاد أن لا يصدق: {ولقد أنذرهم} أي رسولنا لوط عليه السلام {بطشتنا} أي أخذتنا لهم المقرونة بشدة ما لنا من العظمة، ووحد إشارة إلى أنه لا يستهان بشيء من عذابه سبحانه بل الأخذة الواحدة كافية لما لنا من العظمة فهي غير محتاجة إلى التثنية،
(19/125)

ودل على أن إنذاره كان جديراً بالقبول لكونه واضح الحقيقة بما سبب عن ذلك من قوله: {فتماروا} أي تكلفوا الشك الواهي {بالنذر *} أي الإنذار مصدراً والإنذارات أو المنذرين حتى أداهم إلى التكذيب، فكان سبباً للأخذ.
ولما كان ترك الاحتياط في إعمال الحيلة في وجه الخلاص من إنذار النذير عظيم العرافة في السفه دل على أنهم تجاوزوا ذلك إلى انتهاك حرمة النذير، فقال مقسماً لأن مثل ذلك لا يكاد يقع فلا يصدق من حكاه: {ولقد راودوه} أي زادوا في التكذيب الموجب للتعذيب أن عالجوا معالجة طويلة تحتاج إلى فتل ودوران {عن ضيفه} ليسلمهم إليهم وهم ملائكة في هيئة شباب مرد، وأفردوا وإن كان المراد الجنس استعظاماً لذلك لو كان الضيف واحداً {فطمسنا} أي فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا {أعينهم} فسويناها مع سائر الوجوه فصارت بحيث لا يرى لها شق، قال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين، وذلك بصفقة صفقها لهم جبريل عليه الصلاة والسلام، وقال القشيري: مسح بجناحيه على وجوههم فعموا ولم يهتدوا للخروج، وقال ابن جرير: والعرب تقول: طمست الريح الأعلام - إذا دفنتها بما يسفي عليها من التراب.
فانطلقوا هراباً مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه بل يصادمون الجدران خوفاً مما هو أعظم من ذلك وهم يقولون: عند لوط أسحر الناس، وما أدتهم عقولهم أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم مما حل بهم، قال القشيري:
(19/126)

وكذلك أجرى الله سبحانه سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. ولما كان. . . أول عذابهم قال: {فذوقوا} أي فتسبب عن ذلك أن قال قائل عن الله بلسان القال أو الحال: أيها المكذبون ذوقوا بسبب تكذيبكم لرسلي في إنذارهم {عذابي ونذر *} أي وعاقبة إنذاري على ألسنة رسلي.
ولما كان بقاؤهم بعد هذا على حال كفرهم عجباً إذ العادة قاضية بأن من أخذ ارعوى ولو كان أفجر الخلق، وسأل العفو عنه صدقاً أو كذباً خداعاً ومكراً ليخلص مما هو فيه. . . بثباتهم على تكذيبهم حتى عذبوا على قرب العهد فقال مقسماً: {ولقد صبحهم} أي أتاهم في وقت الصباح، وحقق المعنى بقوله: {بكرة} أي في أول النهار العذاب، ولو كان أول نهارك الذي أنت به كان معرفة فامتنع. . . {عذاب} أي قلع بلادهم ورفعها ثم قلبها، وحصبها بحجارة من نار وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان {مستقر *} أي ثابت عليهم غير مزايل بخيال ولا سحر كما قالوا عند الطمس فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة المتصل بالعذاب الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار فقال لهم لسان الحال إن لم ينطلق لسان القال: {فذوقوا} بسبب أعمالكم {عذابي ونذر *} .
(19/127)

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44)
ولما كرر هذا التكرير، علم منه أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول كان، وكان استئناف كل قصة منبهاً على أنها أهل
(19/127)

على حدتها لأن يتعظ بها، علم أن التقدير: فلقد بلغت هذه المواعظ النهاية لمن كان له قلب، فعطف عليه قوله مذكراً بالنعمة التي لا عدل لها: {ولقد يسرنا} أي تعالى جدنا وتناهى مجدنا {القرآن} الجامع الفارق {للذكر} ولو شئنا لأعليناه بما لنا من العظمة إلى الحد حتى تعجز القوي عن فهمه، كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته في نظمه، أو مطلع لا يتشبث بأذيال أدنى علمه، إلا الأفراد من حذاق العباد، فكيف بما فوق ذلك.
ولما كانوا مع ذلك واقفين عن المبادرة إليه والإقبال عليه، قال تلطفاً بهم وتعطفاً عليهم مسبباً عن ذلك: {فهل} وأكد فقال: {من مدكر *} مفتك لنفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظناً منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه جهلاً منهم وعدم اكتراث بالعواقب.
ولما كان الآخر ينبغي له أن يحذر ما وقع للأول، وكان قوم فرعون قد جاء بعد قوم لوط عليه السلام، فكان ربما ظن أنهم لم ينذروا لأن من علم أن العادة جرت أن من كذب الرسل هلك أنكر أن يحصل ممن تبع ذلك تكذيب، قال مقسماً: {ولقد جاء آل فرعون} أي ملك القبط بمصر وأشرافه الذين إذا رؤوا كان كأنه رئي فيهم لشدة قربهم منه وتخلقهم بأخلاقهم {النذر *} أي الإنذارات والمنذرون بنذارة موسى وهارون عليهما السلام، فإن نذارة بعض الأنبياء كنذارة الكل لأنه يأتي أحد منهم إلا وله من الآيات ما مثله آمن
(19/128)

عليه البشر، والمعجزات كلها متساوية في خرق العادة، وكان قد أنذرهم يوسف عليه السلام، ولما كان كأنه قيل: فما فعلوا عند مجيء ذلك إليهم، قال: {كذبوا} أي تكذيباً عظيماً متسهينين {بآياتنا} التي أتاهم بها موسى عليه السلام وغيرها لأجل تكذيبهم بها على ما لها من العظمة المعرفة قطعاً عن أنها من عندنا.
ولما كانت خوارق العادات كما مضى متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الآتي بها، وكانوا قد صمموا على أنه مهما أتاهم بآية كذبوا بها، كانوا كأنهم قد أتتهم كل آية فلذلك قال: {كلها} وسبب عن ذلك القول: {فأخذناهم} أي بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوح من الإغراق {أخذ عزيز} أي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {مقتدر *} أي لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقباً لحكمه، بالغ القدرة إلى حد لا يدرك الوصف كنهه لأن صيغة الافتعال مبناها على المعاجلة من عاجل فعلاً أجهل نفسه فيه، فكان على أتم الوجوه، وهذه الغاية هي المرادة ليس غيرها، فهو تمثيل لأنه سبحانه يخاطبنا بما نعبده، وبهذه المبالغة فلم يلفت منهم أحد، وقد ختمت القصص بمثل ما افتتحت به من عذاب المفسدين بالإغراق ليطابق الختم البدء، وكانت نجاة المصلحين من الأولين بالسفينة، وكانت نجاة المصلحين من الآخرين بأرض البحر كانت هي سفينتهم، ليكون الختم أعظم من البدء كما هو شأن أهل الاقتدار.
ولما بلغت هذه المواعظ الانتهاء، وعلت أقدامها على رتبة السها،
(19/129)

ولم يبين ذلك كفار قريش عن شرادهم، ولا فتر من جحودهم وعنادهم، كان لسان حالهم قائلاً: إنا لا نخاف شيئاً من هذا، فكان الحال مقتضياً لأن يقال لهم إلزاماً بالحجة: {أكفاركم} الراسخون منكم في الكفر الثابتون عليه يا أيها المكذبون لهذا النبي الكريم الساترون لشموس دينه {خير} في الدنيا بالقوة والكثرة أو الدين عند الله أو عند الناس {من أولائكم} أي الكفار أي الكفار العظماء الجبابرة الأشداء الذين وعظناكم بهم في هذه السورة ليكون ذلك سبباً لافتراق حالهم منهم فيأمنوا العذاب مع جامع التكذيب وإن لم يكن لهم براءة من الله {أم لكم} أجمعين دونهم كفاركم وغير كفاركم {براءة} من العذاب من الله {في الزبر *} أي الكتب الآتية من عنده أأمنتم بها من العذاب مع أنهم خير منكم، فالآية من الاحتباك: أثبت الخيرية أولاً دليلاً على حذفها ثانياً، والبراءة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً.
ولما بلغوا إلى هذا الحد من التمادي في الكفر مع المواعظ البالغة والاستعطاف المكين، استحقوا أعظم الغضب، فأعرض عنهم الخطاب إيذاناً بذلك وإهانة لهم واحتقاراً وإقبالاً على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسلية فقال عاطفاً على ما تقديره: أيدعون جهلاً ومكابرة شيئاً من هذين الأمرين: {أم يقولون} أي هؤلاء الذي أنت بين أظهرهم تعاملهم باللين في القال والقيل والصفح الجميل امتثالاً لأمرنا تعظيماً لقدرك فاستهانوا بك: {نحن جميع} أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له {منتصر *} أي على كل من
(19/130)

يناويه لأنهم على قلب رجل واحد، فالإفراد للفظ «جميع» ولإفهام هذا المعنى، أو أن كل واحد محكوم له بالانتصار.
(19/131)

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)
ولما كان لسان الحال ناطقاً بأنهم يقولون: هذا كله فأي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً ونحوها، وقال بعضهم: لئن بعثنا لأوتينا وولداً، ولا شك أنهم كانوا في غاية الاستحالة لغلبة المؤمنين لهم على قلتهم وضعفهم، استأنف الجواب بقوله: {سيهزم} بأيسر أمر من أي هازم كان بوعد لا خلف فيه، وقراءة الجمهور بالبناء للمفعول مفهمة للعظمة بطريقة كلام القدرين، فهي أبلغ من قراءة يعقوب بالنون والبناء للفاعل الدالة على العظمة صريحاً {الجمع} الذي تقدم أنه بولغ في جمعه فصدق الله وعده وهزموا في يوم بدر وغيره في الدنيا عن قريب، ولم يزالوا يضعفون حتى اضمحل أمرهم وزال بالكلية سرهم، وهي من دلائل النبوة البينة {ويولون الدبر *} أي يقع توليتهم كلهم بهذا الجنس بأن يكون والياً لها من منهم مع الهزيمة لأنه لم يتولهم في حال الهزيمة نوع مسكنة يطمعون بها في الخيار، وكل من إفراد الدبر والمنتصر وجمع المولين أبلغ مما لو وضع غيره موضعه وأقطع للتعنت.
ولما ونقع هذا في الدنيا، وكان في يوم بدر، وكان ذلك من أعلام النبوة، وكان ربما ظن ظان أن ذلك هو النهاية، كان كأنه قيل: ليس ذلك الموعد الأعظم: {بل الساعة} القيامة التي يكون فيها الجمع الأعظم والهول الأكبر {موعدهم} أي الأعظم للجزاء المتوعد به
(19/131)

{والساعة أدهى} من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا، أفعل تفضيل من الداهية وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه {وأمر *} لأن عذابها للكافر غير مفارق ومزايل. ولما أخبر عن الساعة بهذا الإخبار الهائل، علله مقسماً لأهلها مجملاً بعض ما لهم عند قيامها بقوله مؤكداً لما أظهروا من التكذيب: {إن المجرمين} أي القاطعين لما أمر الله بأن يوصل {في ضلال} أي عمى عن القصد بتكذيبهم بالبعث محيط بهم مانع من الخلاص من دواهي الساعة وغيرها، ومن الوصول إلى شيء من مقاصدهم التي هم عليها الآن معتمدون {وسعر} أي نيران تضطرم وتتقد غاية الاتقاد {يوم} أي في ذلك اليوم الموعود به {يسحبون} أي في الساعة دائماً بأيسر وجه إهانة لهم من أي صاحب كان {في النار} أي الكاملة في النارية {على وجوههم} لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى، مقولاً لهم من أي قائل اتفق: {ذوقوا} أي لأنهم لا منعة لهم ولا حمية عندهم بوجه {مس سقر *} أي ألم مباشرة الطبقة النارية التي تلفح بحرها فتلوح الجسم وتذيبه فيسيل ذهنه. . . وعصاراً كما يسيل الدبس وعصارة الرطب فتسمى النخلة بذلك مسقاراً.
(19/132)

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)
ولما أخبر بقيام الساعة وما يتفق لهم فيها جزاء لأعمالهم التي قدرها عليهم وهي ستر فرضوا بها لاتباع الشهوات واحتجوا على رضاه بها، وكان ربما ظن ظان أن تماديهم على الكفر لم يكن بإرادته سبحانه، علل ذلك منبهاً على أن الكل فعله، وإنما نسبته إلى العباد بأمور ظاهرية، تقوم عليهم بها الحجة في مجاري عاداتهم، فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {كل شيء} أي من الأشياء المخلوقة كلها صغيرها وكبيرها.
ولما كان هذا التعميم في الخلق أمراً أفهمه النصب، استأنف قوله تفسيراً للعامل المطوي وإخباراً بجعل ذلك الخلق كله على نظام محكم وأمر مقدر مبرم {خلقناه بقدر *} أي قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقودة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب في ذلك اللوح قبل وقوعه تقيسه الملائكة بالزمان وغيره من العد وجميع أنواع الأقيسة - فلا يخرم عنه مثقال ذرة لأنه لا منازع لنا مع ما لنا من القدرة الكاملة والعلم التام، فهذا العذاب بقدرتنا ومشيئتنا فاصبروا عليه وارضوا به كما كنتم ترضون أعمالكم السيئة ثم تحتجون على عبادنا بأنها مشيئتنا بنحو {ولو شاء الله ما أشركنا} [الأنعام: 148] فقد أوصلكم إلى ما ترون وانكشف أتم انكشاف أنه لا يكون شيء على خلاف مرادنا، ولا يقال لشيء قدرناه: لم؟ قال الرازي في اللوامع: الكمية ساقطة عن أفعاله كما أن الكيفية والكمية ساقطتان عن ذاته وصفته - انتهى. ولا يكون شيء من أمره سبحانه إلا ما هو على غاية الحكمة، ولو كان الخلق لا يبعثون بعد الموت ليقع القصاص والقياس العدل ليكون القياس جزافاً لا بقدر وعدل، لأن المشاهد أن الفساد في هذه الدار من المكلفين من الصلاح أضعافاً مضاعفة، وقرئ في الشواذ برفع «كل» وجعله ابن جني أقوى من النصب، وليس كذلك لأن الرفع لا يفيد ما ذكرته، وما حمله على ذلك إلا أنه معتزلي، والنصب على ما قدرته قاصم لأهل الاعتزال.
(19/132)

ولما بين أن كل شيء بفعله، بين يسر ذلك وسهولته عليه فقال: {وما أمرنا} أي كل شيء أردناه وإن عظم أثره، وعظم القدر وحقر المقدورات بالتأنيث فقال: {إلا واحدة} أي فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك إحداث قول لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الأرادة الأزلية، ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما يعقله وأخفه فقال؛ {كلمح بالبصر *} فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك الأفعال كلها، بل أيسر من ذلك.
ولما أخبر بتمام قدرته، وكان إهلاك من ذكر من الكفار وإنجاء من ذكر من الأبرار في هذه السورة نحواً مما ذكر من أمر الساعة في السهولة والسرعة، دل على ذلك بإنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه فذكر بهم جملة وبما كان من أحوالهم بأيسر أمر لأن ذلك أوعظ للنفوس وأزجر للعقول، فقال مقسماً تنبيهاً على عادتهم في الكفر مع هذا الوعظ فعل المكذب بهلاكهم لأجل تكذيبهم عاطفاً على ما تقديره: ولقد أنجينا رسلنا وأشياعهم من كل شيء خطر: {ولقد أهلكنا} أي بما لنا من
(19/133)

العظمة {أشياعكم} الذين أنتم وهم شرع واحد في التكذيب، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فلذلك سبب عنه قوله: {فهل من مدكر *} أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعاف.
. .، وأن قدرته سبحانه عليه كقدرته عليهم ليرجع عن غيه خوفاً من سطوته سبحانه.
ولما تمت الدلالة على إحاطة القدرة بما شوهد من الأفعال الهائلة
(19/134)

التي لا تسعها قدرة غيره سبحانه، وكانوا يظنون أن أحواله غير مضبوطة لأنه لا يمكن ضبطها ولا يسعها علم عالم ولا سيما إذا ادعى أنه واحد، شرع في إتمام الإخبار بعظمة القدر بالإخبار بأن أفعالهم كلها مكتوبة فضلاً عن كونها محفوظة فقال: {وكل شيء فعلوه} أي الأشياء في أيّ وقت كان، كأن بالكتابة {في الزبر *} أي كتب الحفظة فليحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية، هذا ما أطبق عليه القراء مما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل، لأنه لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد.
ولما خصهم، عم بقوله واعظاً ومخوفاً ومحذراً بأن كل شيء محفوظ فمكتوب فمعروض على الإنسان يوم الجمع: {وكل صغير وكبير} من الجواهر والمعاني منهم ومن غيرهم {مستطر *} أي مكتوب على وجه عظيم من اجتهاد الحفظة في كتابته وتحريره مع يسر ذلك وسهولته.
ولما أخبر عن أحوال الكفرة في الدنيا والآخرة واعظاً بها وإعلاماً بعظمته وعليّ صفاته وسعة مملكته وشامل علمه وقدرته، ختم بأحوال القسم الآخر من أهل الساعة وهم أهل طاعته تتميماً لذلك وإشارة وبشارة للسالك في أحسن المسالك، فقال مؤكداً رداً على المنكر: {إن المتقين} أي العريقين في وصف الخوف من الله تعالى الذي أداهم إلى أن لا يفعلوا شيئاً إلا بدليل. ولما كان من البساتين والمياه وما هو ظاهر بكل مراد على عكس ما عليه الضال البعيد عن القصد
(19/135)

الواقع في الهلاك والنار قال: {في جنات} أي في بساتين ذات أشجار تسر داخلها، قال القشيري: والجمع إذا قوبل بالجمع فالأحاد تقابل الأحاد. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدوم إلا بالماء قال: {ونهر *} وأفرده لأن التعبير ب «في» مفهم لعمومهم به عموم ما كأنه ظرف وهم مظروفون له، ولكثرة الأنهار وعظمها حتى أنها لقرب بعضها من بعض واتصال منابعها وتهيئ جميع الأرض لجري الأنهار منها كأنها شيء واحد، وما وعد به المتقون من النعيم في تلك الدار فرقائقه معجلة لهم في هذه الدار، فلهم اليوم جنات العلوم وأنهار المعارف، وفي الآخرة الأنهار الجارية والرياض والأشجار والقصور والزخارف، وهو يصلح مع ذلك لأن يكون مما منه النهار فيكون المعنى: أنهم في ضياء وسعة لا يزايلونه أصلاً بضد ما عليه المجرم من العمى الناشئ عن الظلام، ولمثل هذه الأغراض أفرد مع إرادة الجنس لا للفاصلة فقط.
ولما كانت البساتين لا تسكن في الدنيا لأنه ليس فيها جميع ما يحتاجه الإنسان، بين أن حال تلك غير حال هذه، فقال مبدلاً مما قبله: {في مقعد} أي تلك الجنان محل إقامتهم التي تراد للقعود {صدق} أي فيما أراده الإنسان صدق وجوده الإرادة ولا يقعد فيه إلا أهل الصدق، ولا يكون فيه إلا صدقه، لا لغو فيه ولا تأثيم، والتوحيد لإرادة الجنس مع أن الإبدال يفهم أنه لا موضع في تلك الجنان إلا وهو الصالح للتسمية بهذا الاسم ولأنهم لاتحاد قلوبهم ورضاهم
(19/136)

كأنهم في مقعد واحد على أنه قرئ بالجمع.
ولما كان هذا غير معهود، بين أن سببه تمكين الله لهم منه لاختصاصه لهم وتقريبه إياهم لإرضائه لهم، فقال مقيداً لذلك بالتعبير بالعندية لأن عنديته سبحانه تعالى منزهة عن قرب الأجسام والجهات: {عند مليك} أي ملك تام الملك {مقتدر} أي شامل اقدرة بالغها إلى حد لا يمكن إدراكه لغيره سبحانه كما تقدم قريباً، فهو يوصلهم إلى كل خير ويدفع عنهم كل ضير، وكما أن لهم في الآخرة عندية الإشهاد فلهم في الدنيا عندية الإمداد، ولهذا الاسم الشريف سر في الانتصار على الظالمين، ولقد ختمت السورة كما ترى كما ابتدئت به من أمر الساعة، وكانت البداية للبداية والنهاية للنهاية، وزادت النهاية بيان السبب الموجد لها، وهو قدرته سبحانه وعز شأنه وعظمت رحمته وإحسانه، وعفوه ومغفرته ورضوانه، ولتصنيف الناس فيها إلى كافر مستحق للانتقام، ومؤمن مؤهل لغاية الإكرام، لم يذكر الاسم الأعظم الجامع الذي يذكر في سياق مقتضى جمع الجلال والإكرام لصنف واحد وهو من يقع منه الإيمان ولا يتدنس بالعصيان، وهم الذين آمنوا، ولمشاركتها للسورتين اللتين بعدها في هذا العرض، وهو الكلام في حق الصنفين فقط من غير ذكر عارض ممن آمن، أشرك الثلاثة في الخلو عن ذكر الاسم الأعظم. فلم يذكر في واحدة منها وجاء فيها من الصفات ما يقتضي العظمة على أهل الكفران، وما ينبئ عن الإكرام والإحسان لأهل الإيمان {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] ولهذا ختمت هذه بصفة الملك المقتضي للسطوة التامة
(19/137)

والإكرام البالغ وعدم المبالاة بأحد كائناً من كان، لأن الملك من حيث هو ملك إما يقتضي مقامه إهانة العدو وإكرام الولي، وجعل ذلك على وجه المبالغة أيضاً، كل ذلك للإعلام بأن تصريفه سبحانه لأحوال الآخرة كما قصد في هذه السورة من تصريفه في أحوال الدنيا من إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء، وكأن هذه السورة كانت هكذا لأنها جاءت عقب النجم التي شرح فيها الإسراء وكان للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العظمة بخرق العوائد باختراق السماوات، والوصول إلى أنهى الغاية من المناجاة، وغيره من سر الملكوت ومحل الجبروت، بعد أن لوح بمقامه عليه الصلاة والسلام بالطور ليعلم الفرق ويوصف كل بما هو الحق، فكان ذلك مقتضياً لئلا يكون بعده من الناس إلا مؤمن خالص، فإن كان غيره فهو معاند شديد الكفر، وكأنها جعلت ثلاثاً لإرادة غاية التأكيد لهذا المعنى الشديد، فلما انقضت الثلاثة كان متبركاً به في معظم آيات الحديد ثم توجت كل آية من آيات المجادلة به إشارة إلى أنه قد حصل غاية التشوف إليه ترهيباً لمن يعصي ولا سيما من يظاهر، وترغيباً في الطاعة للملك الغافر، والله الموفق لما يريد إنه قوي فعال لما يريد.
(19/138)

سورة الرحمن
وتسمى عروس القرآن.
مقصودها الدلالة على كا ختمت به سورة من عظيم الملك وتمام الاقتدار بعموم رحمته وسبقها لغضبه، المدلول عليه بكمال علمه، اللازم عنه شمول قدرته، المدلول عليه بتفصيل عجائب مخلوقاته وبدائع مصنوعاته في اسلوب التذكيرلا بنعماته، والامتنان بجزيل آلائه، على وجه منتج للعلم بإحاطته بجميع أوصاف الكمال، فمقصودها بالذات إثبات الاتصاف بعموم الرحمة ترغيبا في إنعامه وإحسانه، وترهيبا من انتقامه بقطع مزيد امتنانه، وعلى ذلك دل اسمها الرحمن لأنه العام الامتنان واسمها عروس القرآن واضح البيان في ذلك، لأنها الحاوية لما فيه من حلى وحلل، وجواهر وكلل، والعروس بجميع النعم والجمال، والبهجة من نوعها والكمال) بسم الله (الذي ظهرت إحاطة كماله بما ظهر من عجائب مخلوقاته) الرحمن (الذي ظهر عموم رحمته بما بهر من بدائع مصنوعاته واشتهر من عظيم آياته وبيناته) الرحيم (الذي ظهر اختصتصه لأهل طاعته بما تحققوا به من الذل المفيد للعز بلزوم عباداته.
(19/139)

الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10)
ولما ختم سبحانه القمر بعظيم الملك وبليغ القدرة، وكان الملك القادر لا يكمل ملكه إلا بالرحمة، وكانت رحمته لا تتم إلا بعمومها، قصر
(19/139)

هذه السورة على تعداد نعمه على خلقه في الدارين، وذلك من آثار الملك، وفصل فيها ما أجمل في آخر القمر من مقر الأولياء والأعداء في الآخرة، وصدرها بالاسم الدال على عموم الرحمة براعة للاستهلال، وموازنة لما حصل بالملك والاقتدار من غاية التبرك والظهور والهيبة والرعب باسم هو مع أنه في غاية الغيب دال على أعظم الرجاء مفتتحاً لها بأعظم النعم وهو تعليم الذكر الذي هز ذوي الهمم العالية في القمر إلى الإقبال عليه بقوله {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} لأنه لما كان للعظمة الدالة عليها نون {يسرنا} التي هي عماد الملك نظران: نظر الكبرياء والجبروت يقتضي أن يتكلم بما يعجز خلقه من كل جهة في الفهم والحفظ والإتيان بمثله وكل معنى من معانيه، ونظر الإكرام والرحمة، وكانت رحمته سابقة لغضبه نظر بها لخلقه لا سيما هذه الأمة المرحومة فيسر لها الذكر تحقيقاً للرحمة بعد أن أبقى من آثار الجبروت الإعجاز عن النظر، ومن الإعجاز من الفهم الحروف المقطعة أوائل السور، ومنع المتعنت من أن يقول: إنه لا معاني لها بأن فهم بعض الأصفياء بعض أسرارها، فقال جواباً لمن كأنه قال: من هذا المليك المقتدر، فقيل: {الرحمان *} أي العام الرحمة، قال ابن برجان: وهو ظاهر اسمه الله، وباطن اسمه الرب، جعل هذه الأسماء الثلاثة في ظهورها
(19/140)

مقام الذات يخبر بها عنه وحجاباً بينه وبين خلقه، يوصل بها الخطاب منه إليهم، ثم أسماؤه الظاهرة مبينة لهذه الأسماء الثلاثة - انتهى.
ومن مقتضى اسمه {الرحمن} انبثت جميع النعم، ولذا ذكر في هذه السورة أمهات النعم في الدارين.
ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصال بعض صفات الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا على الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال: {علم القرآن *} أي المرئي المشهود بالكتابة والمتلو المسموع الجامع لكل خير، الفارق بين كل لبس، وكان القياس يقتضي أن لا يعلم المسموع أحد لأنه صفة من صفاته، وصفاته في العظم كذاته، وذاته غيب محض، لأن الخلق أحقر من أن يحيطوا به علماً، «وأين الثريا من يد المتناول» فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما أراد من أراد {وعلم آدم الاسماء كلها} [البقرة: 31] ولا يخفى ما في تقديمه على جميع النعم من المناسبة لأن أجل النعم نعمة الدين التي تتبعها نعمة الدنيا والآخرة، وهو أعلى مراتب، فهو سنام الكتب السماوية وعمادها ومصداقها والعبار عليها، وفائدتها الإيصال إلى مقعد الصدق المتقدم لأنه بين ما يرضي الله ليعمل به وما يسخطه ليجتنب.
وقال الإمام جعفر بن الزبير: من المعلوم أن الكتاب العزيز
(19/141)

وإن كانت آية كلها معجزة باهرة وسورة في جليل النظم وبديع التأليف قاطعة بالخصوم قاهرة، فبعضها أوضح من بعض في تبين إعجازها، وتظاهر بلاغتها وإيجازها: ألا ترى إلى تسارع الأفهام إلى الحصول على بلاغة آيات وسور من أول وهلة دون كبير تأمل كقوله تعالى {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} [هود: 44] وقوله {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] ، الآيات، لا يتوقف في باهر إعجازها إلا من طبع الله على قلبه أو سد دونه باب الفهم بأنى له بر لوجه وقوعه، وسورة القمر من هذا النمط، ألا ترى اختصار القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها، وما جرى مع كل قصة من الزجر والوعظ والتنبيه والإعذار، ولولا أني لم أقصد التعليق ما بنيته عليه من ترتيب السور لأوضحت ما أشرت إليه مما لم أسبق إليه، ولعل الله سبحانه ييسر ذلك فيما باليد من التفسير نفع الله به ويسر فيه، فلما انطوت هذه السورة على ما ذكرنا وبان فيها عظيم الرحمة في تكرر القصص وشفع العظات، وظهرت حجة الله على الخلق، وكان ذلك من أعظم ألطافه تعالى لمن يسره لتدبر القرآن ووفقه لفهمه واعتباره، أردف ذلك سبحانه بالتنبيه على هذه النعمة فقال تبارك وتعالى {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} وخص من أسمائه الحسنى هذا الاسم إشعاراً برحمته بالكتاب وعظيم إحسانه به {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] ثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار ومن أين للعباد بجميل
(19/142)

هذا اللطف وعظيم هذا الحلم حتى يرادوا إلى بسط الدلالات وإيضاح البينات إن تعذر إليهم زيادة في البلاغ، فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال {الرحمن علم القرآن} ثم إذا تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاصاً ببني آدم بل بمشركي العرب منهم فقط، فاتبعت سورة القمر بسورة الرحمن تنبيهاً للثقلين وإعذاراً إليهم وتقريراً للجنسين على ما أودع سبحانه في العالم من العجائب والبراهين الساطعة فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: {فبأيّ آلاء ربكما تكذبان} خطاباً للجنسين وإعذاراً للثقلين فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان - انتهى.
ولما كان كأنه قيل: كيف علمه وهو صفة من صفاته ولمن علمه، قال مستأنفاً أو معللاً: {خلق الإنسان *} أي قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب الموصوف منفصلاً عن جميع الجمادات وأصله منها ثم عن سائر الناميات ثم عن غيره من الحيوانات، وجعله أصنافاً، وفصل بين كل قوم بلسانهم عمن عداهم وخلقه لهم دليل على خلقه لكل شيء موجود
{إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] والإنسان وإن كان اسم جنس لكن أحقهم بالإرادة بهذا أولهم وهو آدم عليه السلام، وإرادته - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - لا تمنع إرادة الجنس من حيث هو.
(19/143)

ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا بخلقه، قال: {علمه البيان *} وهو القوة الناطقة، وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية والحكم الحاضر والغائب بقياسه على الحاضرة تارة بالتوسم وأخرى بالحساب ومرة بالعيافة والزجر وطوراً بالنظر في الآفاق وغير ذلك من الأمور مع التمييز بين الحسن والقبيح وغير ذلك ما أدعه سبحانه وتعالى له مع تعبيره عما أدركه بما هو غائب في ضميره وإفهامه للغير تارة بالقول وتارة بالفعل نطقاً وكتابة وإشارة وغيرها، فصار بذلك ذا قدرة على الكمال في نفسه والتكميل لغيره، فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن، وهذا وإن كان سبحانه جبلنا عليه وخلقناه به قد صار عندنا مألوفاً ومشهوراً معروفاً، فهو عند غيرنا على غير ذلك مما أوضحه لنا سبحانه نعمة علينا بمحاجته لملائكته الكرام عن نبينا آدم عليه الصلاة والسلام وما أبدى لهم من علمه وبهرهم من رسم كل شيء بمعناه واسمه.
ولما بين سبحانه النعمة في تعليم القرآن الذي هو حياة الأرواح، وبين الطريق فيها، دل على البيان بذكر البينات التي يجمعها أمر ويفرقها آخر، ولها مدخل في حياة الأشباح، وعددها على سبيل الامتنان بياناً لأنها من أكبر النعم فقال في جواب من قال: ما بيانه؟ بادئاً بالكوكب الأعظم الذي هو أعظم نوراً وأكبر جرماً وأعم نفعاً ليكون خضوعه
(19/144)

لقبول الآثار أدل على خضوع غيره بياناً لحكمته في تدبيره وقوته في تقديره: {الشمس} وهي آية النهار {والقمر} وهو آية الليل اللذان كان بهما البيان الإبراهيمي، ولعله بدأ لهذه الأمة بغاية بيانه عليه الصلاة والسلام تشريفاً لها بالإشارة إلى علو أفهامها {بحسبان *} أي جريهما، يجري كل منهما - مع اشتراكهما في أنهما كوكبان سماويان - بحساب عظيم جداً لا تكاد توصف جلالته في دقته وكثرة سعته وعظم ما يتفرع عليه من المنافع الدينية ولدنيوية، ومن عظم هذا الحساب الذي أفادته صيغة الفعلان أنه على نهج واحد لا يتعداه، تعلم به الأعوام والشهور والأيام والساعات والدقائق والفصول في منازل معلومة، ويعرف موضع كل منهما في الآفاق العلوية وما يحدث له وما يتأثر عنه في الكوائن السفلية بحيث أن به انتظام غالب الأمور السفلية إلى غير ذلك من الأمور التي خلقهما الله عليها ولها، وبين الإنسان وبين كل منهما من المسافات ما لا يعلمه على التحرير إلا العليم الخبير، وهذا على تطاول الأيام والدهور لا يختل ذرة دلالة على أن صانعه قيوم لا يغفل، ثم بعد هذا الحساب المستجد والحساب الأعظم الذي قدر لتكوير الشمس وانكدار القمر دلالة على أنه فاعل بالاختيار مع ما أفاد ذلك من تعاقب الملوين تارة بالاعتدال وتارة بالزيادة وأخرى بالنقص، وغير ذلك من الأمور في لطائف المقدور.
(19/145)

ولما كان سيرهما على هذا المنهاج مع ما لهما فيه من الدؤب فيه بالتغير والتنقل طاعة منهما لمدبرهما ومبدعهما ومسيرهما، وكان خضوعهما - وهما النيران الأعظمان - دالاً على خضوع ما دونهما من الكواكب بطريق الأولى، كان ذكرهما مغنياً عن ذكر ما عداهما بخصوصه، فأتبعهما حضور ما هو للأرض كالكواكب للسماء في الزينة والنفع والضر والصغر والكبر والكثرة والقلة من النبات مقدماً صغاره لعموم نفعه وعظيم وقعه بأن من أكثر الأقوات لجميع الحيوان والملابس من القطن والكتان وغير ذلك من عجيب الشأن، معبراً بما يصلح لبقية الكواكب فقال: {والنجم} أي وجميع الكواكب السماوية وكل نبت ارتفع من الأرض ولا ساق له من النبات الأرضية التي هي أصل قوام الإنسان وسائر الحيوان {والشجر} وكل ما له ساق ويتفكه به أو يقتات {يسجدان *} أي يخضعان وينقادان لما يراد منهما ويذلان للانتفاع بهما انقياد الساجد من العقلاء لما أمر به بجريهما لما سخرا له وطاعتهما لما قدرا فيه غير إباء على تجدد الأوقات من نمو في النبات ووقوف واخضرار ويبس وإثمار وعطل، لا يقدر النجم أن يعلو إلى رتبة الشجرة ولا الشجرة أن يسفل إلى وهدة النجم إلى غير ذلك مما صرفنا فيه من سجود الظلال ودوران الجبال
(19/146)

والمثال مما يدل على وحدانية الصانع وفعله بالاختيار، ونفي الطبائع، ومن تسيير في الكواكب وتدبير في المنافع في الحر والبرد اللذين جعل سبحانه بهما الاعتدال في النبات من الفواكهة والأقوات، وغير ذلك من وجود الانتفاعات.
ولما كان تغير ما تقدم من الشمس والقمر والنجم والشجر يدل دلالة واضحة على أنه سبحانه هو المؤثر فيه، وكانت السماء والأرض ثابتتين على حالة واحدة، فكان ربما أشكل أمرهما كما ضل فيهما خلق من أهل الوحدة أهل الجمود والاغترار والوقوف مع الشاهد وغيرهم، وكان إذا ثبت أنه تعالى المؤثر فيهما، فلذلك قال مسنداً التأثير فيهما إليه بعد أن أعرى ما قبلهما من مثله لما أغنى عنه من الدلالة بالتغير والسير والتنقل عطفاً على ما تقديره: وهو الذي دبر ذلك: {والسماء رفعها} أي حساً بعد أن كانت ملتصقة بالأرض ففتقها منها وأعلاها عنها بما يشهد لذلك من العقل عند كل من له تأمل في أن كل جسم ثقيل ما رفعه عما تحته إلا رافع، ولا رافع لهذه إلا الله فإنه لا يقدر على التأثير غيره، ولعظمها قدمها على الفعل تنبيهاً على التفكر فيما فيها من جلالة الصنائع وأنواع البدائع، ومعنى بأنه جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.
ولما كانت السماء مع علوها الدال على عزة موجدها ومدبرها
(19/147)

دالة على عدله باعتدال جميع أحوالها من الحر والبرد والمطر والثلج والندى والطل وغير ذلك في أن كل فصل منها معادل لضده وأنها لا ينزلها سبحانه إلا بقدر معلوم، وإلا لفسدت الأرض كلها، ودلنا على أنه شرع لنا مثل ذلك العدل لتقوم أحوالنا وتصلح أقوالنا وأفعالنا بما قامت به السماوات والأرض فقال: {ووضع الميزان *} أي العدل الذي بدر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا.
ولما ذكر أولاً القرآن الذي هو ميزان المعلومات، ودل على رحمانيته بأنواع من البيان، الذي رقي به الإنسان فصار أهلاً للفهم، وذكره نعمة الميزان للمحسوسات، أقبل بالخطاب عليه لافتاً له عن أسلوب الغيبة تنشيطاً له إلى ارتقاء مراتب الكمال بحسن الامتثال معللاً فقال: {أن} أي لأن {لا تطغوا} أي لا تتجاوزا الحدود {في الميزان *} أي الأشياء الموزونة من الموزونات المعروفة والعلم والعمل المقدر أحدهما بالآخر، وفي مساواة الظاهر والباطن والقول والفعل، فالميزان الثاني عام لميزان المعلومات وميزان المحسوسات.
ولما كان التقدير: فاقتدوا بأفعالي وتخلقوا بكل ما آمر به من أقوالي، عطف عليه قوله: {وأقيموا الوزن*} أي جميع الأفعال التي يقاس لها الأشياء {بالقسط} .
ولما كان المراد العدل العظيم، بينه بالتأكيد بعد الأمر بالنهي عن
(19/148)

الضد فقال: {ولا تخسروا الميزان *} أي توقعوا في شيء من آلة العدل التي يقدر بها الأشياء من الذرع والوزن والعدل والكيل ونحو - نوعاً من أنواع الخسر - بما دل عليه تجريد الفعل فتخسروا ميزان أعمالكم وجزائكم يوم القيامة، وقد علم بتكرير الميزان ما أريد من التأكيد في الأمر به لما له من الضخامة سواء كان بمعنى واحد أو بمعان مختلفة.
ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيهاً على شدة العناية والاهتمام به فقال: {والأرض} أي ووضع الأرض: ثم فسر ناصبها ليكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدة ما فيه من الحكم فقال: {وضعها} أي دحاها وبسطها على الماء {للأنام *} أي كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم الأرض إلا به.
(19/149)

فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)
ولما كان في سياق بيان الرحمة بمزيد الإنعام، وكان إقامة البينة أعظم نعمة، وكانت الفواكه ألذ ما يكون، وكانت برقتها وشدة لطافتها منافية للأرض في يبسها وكثافتها، فكان كونها فيها عجباً دالاً على عظيم قدرته، وكان ذكرها يدل على ما تقدمها من النعم من جميع الأقوات،
(19/149)

بدأ بها ليصير ما يتقدمها كالمذكور مرتين، فقال مستأنفاً وصفها بما هو أعم: {فيها فاكهة} أي ضروب منها عظيمة جداً يدرك الإنسان بما له من البيان تباينها في الصور والألوان، والطعوم والمنافع - وغير ذلك من بديع الشأن.
ولما كان المراد بتنكيرها تعظيمها، نبه عليه بتعريف بنوع منها، ونوه به لأن فيه مع التفكه التقوت، وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر بالقصد الأول فقال: {والنخل} ودل على تمام القدرة بقوله: {ذات} أي صاحبة {الأكمام *} أي أوعية ثمرها، وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر، وكل نبت يخرج ما هو مكمم فهو ذو كمام، ولكنه مشهور في النخل لشرفه وشهرته عندهم، قال البغوي: وكل ما ستر شيئاً فهو كم وكمة، ومنه كم القميص، وفيه تذكير بثمر الجنة الذي ينفتق عن نباهم، وذكر أصل النخل دون ثمره للتنبيه عن كثرة منافعه من الليف والسعف والجريد والجذوع وغيرها من المنافع التي الثمر منها.
ولما ذكر ما يقتات من الفواكه وهو في غاية الطول، أتبعه الأصل في الاقتيات للناس والبهائم وهو بمكان من القصر، فقال ذاكراً ثمرته لأنها المقصودة بالذات: {والحب} أي من الحنطة وغيرها، ونبه على
(19/150)

تمام القدرة بعد تنبيه بتمايز هذه المذكورات مع أن أصل الكل الماء بقوله: {ذو العصف} أي الورق والبقل الذي إذا زال عنه ثقل الحب كان مما تعصفه الرياح التي تطيره، وهو التبن الذي هو من قوت البهائم.
ولما كان الريحان يطلق على كل نبت طيب الرائحة خصوصاً، وعلى كل نبت عموماً، أتبعه به ليعم ويخص جميع ما ذكر من سائر النبات وغيره على وجه مذكر بنعمه بغذاء الأرواح بعد ما ذكر غذاء الأشباح فقال: {والريحان *} ولما كان من كفر به سبحانه بإنكاره أو إنكار شيء من صفاته، أو كذب بأحد من رسله قد أنكر نعمه أو نعمة منها فلزمه بانكاره لتلك النعمة إنكار جميع النعم، لأن الرسل داعية إلى الله بالتذكير بنعمه، وكان ما مضى من هذه السورة إلى هنا اثنتي عشرة آية على عدد الكوفي والشامي، عدد فيها أصول نعمه سبحانه على وجه دل بغاية البيان على أن له كل كمال، وكان هذا العدد أول عدد زائد إشارة إلى تزايد النعم لأن كسوره النصف والثلث الربع والسدس تزيد على أصله، وكان قد مضى ذكر الثقلين الجن والإنس في قوله {الأنام} قال تعالى إشارة إلى أنهم المقصودون بالوعظ، منكراً موبخاً مبكتاً لمن أنكر شيئاً من نعمه أو قال قولاً أو فعل فعلاً يلزم منه إنكار شيء منها مسبباً عما مضى من تعداد هذه النعم المتزايدة التي لا يسوغ إنكارها ولا إنكار شيئ منها فيجب شكرها: {فبأي آلاء} أي نعم عطايا {ربكما} أي المحسن إليكما بما أسدى من المزايا التي أسداها إليكم على
(19/151)

وجه الكبرياء والعظمة وهي دائمة لا تنقطع من غير حاجة إلى مكافأة أحد ولا غيرها - أيها الثقلان - المدبر لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره، من آياته وصنائعه وحكمه وحكمته وعزته في خلقه واستسلام الكل له وخضوعهما إليه، فإن كل هذه النعم الكبار آيات دالة عليه وصنائع محكمة وأحكام وحكم ظهرت بها عزته وبانت بها قدرته {تكذبان *} فمخاطبته بهذا الثقلين دليل على أن هذه الأشياء تعم على الجن كما أنها تعم على الإنس، وأن لهم من ذلك ما لهم، وذكره لهذه الآية بعد ذكر هذا العدد من الآيات إشارة إلى أن زيادة النعم إلى حد لا يحصى بحيث أن استيفاء عددها لا تحيط به عقول المكلفين لئلا يظنوا أنه لا نعمة غير ما ذكر في هذه السورة، والتعبير عنها بلفظ الآلاء من أجل أنها النعم المخصوصة بالملوك لما لها من اللمعان والصف المميز لها من غيرها ولما لرؤيتها من الخير والدعاء، وهي وإن كانت من الوا فيمكن أخذها من اللؤواء إلى أن الأصل الهمزة واللام، فإذا انضم إليهما لام أخرى أو ألف ازداد المعنى الذي كان ظهوراً لأن الألف غيب الهمزة وباطنها، واللام هي عين ما كان فلم يحصل خروج عن ذلك المعنى، فإذا نظرت إلى الآل كان المعنى أن تلك النعم الكبار الملوكية تظهر للعباد معرفته سبحانه وأنه يؤل إليه كل شيء أولاً من غير نزاع كما أنه كان بكل شيء، وتكل عن نظرها الأبصار النوافذ كما تكل عن رؤية الأشخاص التي يرفعها الآل لأنها تدل عليه سبحانه.
(19/152)

. نعم عظيمة وإن كانت نقماً لأنه لا نعمة تدل مثل ما دل عليه سبحانه، وكرر هذه الآية في هذه السورة من هنا بعد كل آية إلى آخرها لما تقدم في القمر من أن المنكر إذا تكرر إنكاره جداً بحيث أحرق الأكباد في المجاهرة بالعناد حسن سرد ما أنكره عليه، وكلما ذكر بفرد منه قيل له: لم تنكره؟ سواء أقر به حال التقرير أو استمر على العناد، فالتكرار حينئذ يفيد التعريف بأن إنكاره تجاوز الحد، ولتغاير النعم وتعددها واختلافها حسن تكرير التوقيف عليها واحدة واحدة تنبيهاً على جلالتها، فإن كانت نعمة فالأمر فيها واضح، وإن كانت نقمة فالنعمة دفعها أو تأخير الإيقاع بها، ولما تقدم من أن كل تذكير بما أفاده الله تعالى من النعم بالحواس الخمس مضروبة في الجهات الستّ على أنك إذا اعتبرت نفس الآية وجدتها مشيرة إلى ذلك، فإن كل كلمة منها - إلا الأخيرة في رسم من أثبت ألفها من كتبة المصاحف - خمسة أحرف أن اعتبرت هجاء الأولين والثالثة خمسة في الرسم ستة في الهجاء والنطق، فهي للحواس وللجهات لأن الكل من الرب، والكلمة الأخيرة ستة أحرف إن اعتبرت رسمها في المصاحف التي أسقطت ألفها، فإن في إثباتها وحذفها اختلافاً بين أئمة المصاحف، وهي إشارة إلى الجهات التي يملك الإنسان التصرف فيها، أما الحواس فلا اختيار له فيها، وإن اعتبرت هجاءها بحسب النطق كانت سبعة أحرف إشارة إلى أن النعم
(19/153)

أكثر من أن تحصى لما تقدم من أسرار عدد السبعة وإلى أن تكذيب المكلفين متكاثر جداً، فلذلك كان في غاية المناسبة أن تبسط هذه النعم على عدد ضرب الحواس الخمس في الجهات الست، وذلك في الحقيقة فائدة، فإنه من المألوف المعروف والجميل الموصوف أن التكرير عند التكذيب يوجب التكرير عند التقرير، ويبلغ به النهاية في حسن التأثير، وزاد العدد على مسطح الخمس في الست واحد إشارة إلى أن نعم الواحدة لا انقطاع لها، ولذلك فصلت إلى ثمان ذكرت أولاً عقب النعم، فكانت على عدد السبع الذي هو أول عدد تام لأنه جمع الفرد والزوج وزوج الفرد وزوج الزوج، وزاد بواحد إشارة إلى أنه كلما انقضى دور من عدد تام جدير لنعم أخرى فهي لا تتناهى لأن موليها له القدرة الشاملة والعلم التام ورحمته سبقت غضبه، وفي كونها ثمانية إشارة إلى أنها سبب إلى الجنة ذات الأبواب الثمانية إن شكرت، وفي تعقيبها بسبع نارية إشارة إلى أنها سببيتها للنار أقرب لكونها حفت بالشهوات، وفي ذلك إشارة إلى أن من اتقى ما توعد عليه بشكر هذه النعم وقي أبواب النار السبعة، ثم عقبها بثمانية ذكر فيها جنة المقربين إشارة إلى أن من عمل لما وعده كما أمره به الله نال أبواب الجنة الثمانية، وثمانية أخرى عقب الجنة أصحاب اليمين إشارة إلى مثل ذلك والله أعلم، وكان ترتيبها في غاية الحسن، ذكرت النعم أولاً استعطافاً وترغيباً في الشكر ثم الأهوال ترهيباً ودرأ للمفسدة بالعصيان والكفر ثم النعم الباقية لجلب المصالح، وبدأ
(19/154)

بأشرفها فذكر الجنة العليا لأن القلب إثر التخويف يكون أنشط والهمم تكون أعلى والعزم يكون أشد، فحينئذ هذه الآية الأولى من الإحدى والثلاثين مشيرة إلى أن نعمة البصر من جهة الأمام، فكأنه قيل: أبنعمة البصر مما يواجهكم أو غيرها تكذبان.
ولما كان قد تقدم في إشارة الخطاب الامتنان بخلق الإنسان، ثم ذكر أصول النعم عليه على وجه بديع الشأن، إلى أن ذكر غذاء روحه: الريحان، أتبع ذلك تفصيلاً لما أجمل فقال: {خلق الإنسان} أي أصل هذا النوع الذي هو من جملة الأنام الذي خلقنا الريحان لهم والغالب عليه الأنس بنفسه وبما ألفه.
ولما كان أغلب عناصره التراب وإن كان من العناصر الأربعة، عبر عن إشارة به إلى مطابقة اسمه - بما فيه مما يقتضي الأنس الذي حاصله الثبات على حالة واحدة - لمسماه الذي أغلبه التراب لنقله وثباته ما لم يحركه محرك، وعبر عن ذلك بما هو في غاية البعد عن قابلية البيان فقال: {من صلصال} أي طين يابس له صوت إذا نقر عليه {كالفخار *} أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار لأنه أخذه من التراب ثم خلطه بالماء حتى صار طيناً ثم تركه حتى صار حماء مسنوناً مبيناً، ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر عليه صوت صوتاً يعلم منه هل
(19/155)

فيه عيب أم لا، كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ومآله، فالمذكور هنا غاية تخليقه وهو أنسب بالرحمانية، وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة إنشاؤه، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم، فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه وعقله، ومن النار غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه.
ولما كان الجان الذي شمله أيضاً اسم الأنام مخلوقاً من العناصر الأربعة، وأغلبها في جبلته النار، قال تعالى: {وخلق الجانّ} أي هذا النوع المستتر عن العيون بخلق أبيهم، وهو اسم جمع للجن. ولما كان الجن يطلق على الملائكة لاستتارهم، بين أنهم لم يرادوا به هنا فقال: {من مارج} أي شيء صاف خالص مضطرب شديد الاضطراب جداً والاختلاط، قال البغوي: وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه، وقال القشيري، هو اللهب المختلط بسواد النار - انتهى. ومرجت نارهم - أي اختلطت - ببرد الزمهرير. ولما كان المارج عاماً في النار وغيرها، بينه بقوله: {من نار *} هي أغلب من عناصر، فتعين المراد بذكر النار لأن الملائكة عليهم السلام من نور لا من نار، وليس عندهم مروج ولا اضطراب، بل هم في غاية الثبات على الطاعة فيما أمروا به، وقد عرف بهذا كل مضطرب قدره
(19/156)

لئلا يتعدى طوره.
ولما كان خلق هذين القبيلين على هذين الوجهين اللذين هما في غاية التنافي مستوراً أحدهما عن الآخر مع منع كل من التسلط على الآخر إلا نادراً، إظهاراً لعظيم قدرته وباهر حكمته من أعظم النعم، قال مسبباً عنه: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الملوكية الناشئة عن مبدعكما ومربيكما وسيدكما {تكذبان *} أي بنعمة البصر من جهة الوراء وغيرها من خلقكم على هذا النمط الغريب، وإيداعكم ما أودعكم من القوى، وجعلكم خلاصة مخلوقاته، ومن منع أحد قبيليكم عن الآخر، وتيسيره لكم الأرزاق والمنافع، وحملكم على الحنيفية السمحة، وقدرته على إعادتكم كما قدر على ابتدائكم.
ولما ذكر سبحانه هذين الجنسين اللذين أحدهما ظاهر والآخر مستتر، إرشاداً إلى التأمل فيما فيهما من الدلالة على كمال قدرته، فكانا محتاجين إلى ما هما فيه من المحل، وكان صلاحه مما دبر سبحانه فيه من منازل الشروق الذي هو سبب الأنوار والظهور، والغروب الذي هو منشأ الظلمة والخفاء، أتبعه قوله منبهاً على النظر في بديع صنعه الدال على توحيده: {رب} أي هو خالق ومدير {المشرقين} ومدبرهما على كيفية لا يقدر على شيء منها غيره {ورب المغربين *} كذلك، وهذه المشارق والمغارب هي ما للشتاء من البروج، السافلة الجنوبية التي
(19/157)

هي سبب الأمطار والثلوج، التي هي سبب الحياة والظهور، حال كون الشمس منحدرة في آفاق السماء، وما للصيف من البروج العالية في جهة الشمال التي هي سبب التهشم والأفول والشمس مصعدة في جو السماء، وما بينهما من الربيع الذي هو للنمو، والخريف الذي هو للذبول، فهي آية الإيجاد والإعدام، فأول المشارق الصيف وقت استواء الليل والنهار عند حلول الشمس بأول البروج الشمالية صاعدة وهو الكبش، يعتدل الزمان حينئذ بقطعها الجنوبية واستقبالها الشمالية، ثم آخر مشارقه إذا كانت الشمس في آخر الشمالية وأول الجنوبية عند حلولها برأس الميزان يعتدل الزمان ثانياً لاستقبالها البروج الجنوبية، ثم بحلولها بآخر القوس ورأس الجدي يكون الانتهاء في قصر الأيام وطول الليالي لتوسطها البروج الجنوبية، ثم بحلولها كذلك عند خروجها من برج التوأمين إلى السرطان من بروج الشمال، وهي آخر درجات الشمس، يكون طول الأيام وقصر الليالي، فيختلف على هذين الفصلين الحر والبرد، وكون الشمس في أول برج الحمل هو بمثابة طلوعها من المشرق في أول كل نهار، وكونها في الاعتدال الثاني عند استقبالها البروج الجنوبية إذا حلت برأس الميزان هو بمثابة غروبها، ثم بكونها في الانتهائين في طول الأيام حين حلولها برج السرطان هو بمنزلة استوائها في الصيف في كبد السماء كما أن حلولها برأس الجدي عند الانتهاء في الشتاء في قصر الأيام وطول الليالي هو بمثابة استوائها فيما يقابل
(19/158)

استواءها في الشتاء في كبد السماء في النهار - ذكر ذلك ابن برجان وقال بعد ذلك: سخر سبحانه لعباده جهنم - أي بواسطة الشمس - وهي أعدى عدو لهم، فأخرج لهما بواسطتها الزرع والزيتون والرمان والنخيل والأعناب والجنان المعروشات وغير المعروشات ومن كل الثمرات.
ولما كان في هذا من النعم ما لا يحصى، قال مسبباً: {فبأيَّ آلاء ربكما} الذي دبر لكم هذا التدبير العظيم {تكذبان *} أي بنعمة البصر من جهة اليمين أو غيرها من تسخير الشمس والقمر دائبين دائرين لإدارة الزمان وتجديد الأيام، وعدد الشهور والأعوام، واعتدال الهواء واختلاف الأحوال على الوجه الملائم لمصالح الدنيا ومعايشها على منهاج محفوظ وقانون لا يزيغ.
ولما كانت باحة البحر لجري المراكب كساحة السماء لسير الكواكب مع ما اقتضى ذكره من تضمن ذكر المشارق والمغارب للشتاء الحاصل فيه من الأمطار ما لو جرى على القياس لأفاض البحار، فأغرقت البراري والقفار، وعلت على الأمصار وجميع الأقطار، فقال: {مرج} أي أرسل الرحمن {البحرين} أي الملح والعذب فجعلهما مضطربين، من طبعهما الاضطراب، حال كونهما {يلتقيان *} أي يتماسان على ظهر الأرض بلا فصل بينهما في رؤية العين وفي باطنها، فجعل الحلو آية دالة
(19/159)

على مياه الجنة، والملح آية دالة على بعض شراب أهل النار لا يروي شاربه ولا يغنيه، بل يحرق بطنه ويعييه، أو بحري فارس والروم هما ملتقيان في البحر المحيط لكونهما خليجين منه.
(19/160)

بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)
ولما كان التقاء المايعين ولا سيما مع الاضطراب الدائم الاختلاط فيحيل ما لأحدهما أو لكل منهما من الصفات إلى الصفات الأخرى، فتشوفت النفس إلى المانع من مثل ذلك في البحرين، قال مستأنفاً: {بينهما برزخ} أي حاجز عظيم من القدرة المجردة على الأول وتسيب الأرض على الثاني يمنعهما مع الالتقاء من الاختلاط، وقال ابن برجان: البرزخ ما ليس هو بصريح هذا ولا بصريح هذا، فكذلك السهل والجبل بينهما برزخ يسمى الخيف، كذلك الليل والنهار بينهما برزخ يسمى غبشاً، كذلك بين الدنيا والآخرة برزخ ليس من هذا ولا من هذا ولا هو خارج عنهما، وكذلك الربيعان هما برزخان بين الشتاء والصيف بمنزلة غبش أول النهار وغبش آخره، جعل بين كل صنفين من الموجودات برزخاً ليس من هذا ولا من هذا وهو منهما كالجماد والنبات والحيوان.
ولما كانت نتيجة ذلك كذلك قال: {لا يبغيان *} أي لا يطغيان في هلاك الناس كما طغيا فأهلكا من على الأرض أيام نوح عليه الصلاة والسلام،
(19/160)

ولا يبغي واحد منهما على الآخر بالممارجة، ولا يتجاوزان ما حده لهما خالقهما ومدبرهما لا في الظاهر ولا في الباطن، فمتى حفرت على جنب المالح وجدت الماء العذب، وإن قربت الحفرة منه بل كلما قربت كان أحلى، فخلطهما الله سبحانه في رأى العين وحجز بينهما في رأى عين القدرة، هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء.
ولما كان هذا أمراً باهراً دالاً دلالة ظاهرة على تمام قدرته لا سيما على الآخرة، قال مسبباً عنه: {فبأيَّ آلاء ربكما} أي الموجد لكما والمربي {تكذبان *} أي بنعمة الإبصار من جهة اليسار أو غيره، فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلمكم بهذه البرازخ أن موتتكم هذه برزخ وفصل بين الدنيا والآخرة كالعشاء بين الليل والنهار، ولو استقر أتم ذلك في آيات السماوات والأرض وجدتموه شائعاً في جميع الأكوان.
ولما ذكر المنة بالبحر ذكر النعمة بما ينبت فيه كما فعل بالبر، فقال معبراً بالمبني للمفعول لأن كلاً من وجوده فيه والتسليط على إخراجه منه خارق من غير نظر إلى مخرج معين، والنعمة نفس الخروج، ولذلك قرأ غير نافع والبصريين بالبناء للفاعل من الخروج: {يخرج منهما} أي بمخالطة العذب الملح من غير واسطة أو بواسطة السحاب، فصار ذلك
(19/161)

كالذكر والأنثى، قال الرازي: فيكون العذب العذب كاللقاح للملح، وقال أبو حيان: قال الجمهور: إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي يقع فيها الأنهار والمياه العذبة فناسب إسناد ذلك إليهما، وهذا مشهور عند الغواصين، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة مولاه رضي الله عنه: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر - انتهى.
فتكون الأصداف كالأرحام للنطف وماء البحر كالجسد الغاذي، والدليل على أنه من ماء المطر كما قال الأستاذ حمزة الكرماني: إن من المشهور أن السنة إذا أجدبت هزلت الحيتان، وقلت الأصداف والجواهر - انتهى. ثم لا شك في أنهما وإن كانا بحرين فقد جمعها وصف واحد بكونهما ماء، فيسوغ إسناد الخروج إليهما كما يسند خروج الإنسان إلى جميع البلد، وإنما خرج من دار منها كما نسب الرسل إلى الجن والإنس بجمعهما في خطاب واحد فقال: {رسل منكم} [الأنعام: 130] وكذا {وجعل القمر فيهن نوراً} [نوح: 16] ومثله كثير {اللؤلؤ} وهو الدر الذي هو في غاية البياض والإشراق والصفاء {والمرجان *} أي القضبان الحمر التي هي في غاية الحمرة، فسبحان من غاير بينهما في اللون والمنافع والكون - نقل هذا القول ابن عطية عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال: وهذا هو المشهور الاستعمال - انتهى، وقال جمع كثير: إن اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره.
ولما كان ذلك من جليل النعم، سبب عنه قوله: {فبأيِّ آلاء ربكما}
(19/162)

أي المالك لكما الذي هو الملك الأعظم {تكذبان *} مع هذه الصنائع العظمى، أبنعمة البصر من جهة الفوق أو غير ذلك من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها وإخراج الحلي الغريبة وغيرها.
ولما كان قد ذكر الخارج منه بماء السماء، ذكر السائر عليه بالهواء، وأشار بتقديم الجار إلى أن السائر في الفلك لا تصريف له، وإن ظهر له تصريف فهو لضعفه كلا تصريف، فقال: {وله} أي لا لغيره، فلا تغتروا بالأسباب الظاهرة فتقوا معها فتسندوا شيئاً من ذلك إليها كما وقف أهل الاغترار بالشاهد، الذين أجمد أهل الأرض أذهاناً وأحقرهم شأناً فقالوا بالاتحاد والوحدة {الجوار} أي السفن الكبار والصغار الفارغة والمشحونة. ولما كانت حياة كل شيء كونه على صفة كماله، وكانت السفن تبنى من خشب مجمع وتوصل حتى تصير على هيئة تقبل المنافع الجمة، وكانت تربى بذلك الجمع كما تربى النبات والحيوان، وكانت ترتفع على البحر ويرفع شراعها وتحدث في البحر بعد أن كانت مستترة بجبال الأمواج قال تعالى: {المنشآت} من نشأ - إذا وربا، والسحابة: ارتفعت، وأصل الناشئ كل ما حدث بالليل وبدأ، ومعنى قراءة حمزة وأبي بكر بكسر الشين أنها رافعة شراعها بسبب استمساكها عن الرسوب ومنشئة للسير، ومعنى قراءة الباقين أنه أنشأها الصانع وأرسلها ورفع شراعها.
(19/163)

ولما كانت مع كونها عالية على الماء منغمسة فيه مع أنه ليس لها من نفسها إلا الرسوب والغوص قال: {في البحر} ولما كانت ترى على البعد كالجبال على وجه الماء قال: {كالأعلام *} أي كالجبال الطوال.
ولما كان ما فيها من المنافع بالتكسب من البحر بالصيد وغيره والتوصل إلى البلاد الشاسعة للفوائد الهائلة، وكانت أعمالهم في البحر الإخلاص الذي يلزم منها الإخلاص في البر، لأنهما بالنسبة إلى إبداعه لهما وقدرته على التصرف فيهما بكل ما يريده على حد سواء، سبب عن ذلك قوله: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعمة العظمى {تكذبان *} أبنعمة البصر من تحتكم أو غيرها من الأسفار، في محل الأخطار، والإنجاء عند الاضطراب والريح في محل الخسار، والإرشاد إلى ذلك بعد خلق مواد السفن وتعليم صنعتها وتسخيرها والفلك لعدصي لوهما (؟) بمثابة جميع الكون، فخدامها كالملائكة في إقامة الملكوت وتحسين تماسكه بإذن ربهم، والمسافرون بها الذين أنشئت لأجلهم وزان المأمورين المكلفين المتهيئين الذين من أجلهم خلقت السماوات والأرض وما بينهما فعبر بهم من غربتهم إلى قرارهم، ومن غيبتهم إلى حضورهم ومشاهدهم، ومدبرها أمرها في أعلاها يأمرهم بأمره فيعدونه ويسمعون له، ثم قد يصرف الاعتبار إلى أن تكون آية على قطع المؤمن أيام الدنيا فالدنيا هي البحر، والسفينة جسمه، وباطن العبد هو المحمول فيها، العقل صاحب سياستها، والقوى خدمتها، وأمر الله وتدبيره محيط بها، والإيمان أمنتها، والتوفيق
(19/164)

ريحها، والذكر شراعها، والرسول سائقها بما جاء به من عند ربه، والعمل الطيب يصلح شأنها - ذكر ذلك ابن برجان.
ولما أخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من المنافع من الأعيان والمعاني، واستوفى الأرض بقسميها براً وبحراً، مضمناً ذلك العناصر الأربعة التي أسس عليها المركبات، وكان أعجب ما للمخلوق من الصنائع ما في البحر، وكان راكبه في حكم العدم، دل على أنه المتفرد بجميع ذلك بهلاك الخلق، فقال مستأنفاً معبراً بالاسمية الدالة على الثبات وب {من} للدلالة على التصريح تهويلاً بفتاء العاقل على فناء غير العاقل بطريق الأولى: {كل من عليها} أي الأرض بقسميها والسماء أيضاً {فان *} أي هالك ومعدوم بالفعل بعد أن كان هو وغيره من سائر ما سوى إليه، وليس لذل كله من ذاته إلا العدم، فهو فان بهذا الاعتبار، وإن كان موجوداً فوجوده بين عدمين أولهما أنه لم يكن، وثانيهما أنه يزول ثم هو فيما بين ذلك يتعاوره الإيجاد والإفناء في حين من أحواله وأعراضه وقواه، وأسباب الهلاك محيطة به حساً ومعنى وهو لا يراها كما أنها محيطة بمن هو في السفينة من فوقه ومن تحته ومن جميع جهاته.
(19/165)

وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)
ولما كان الوجه أشرف ما في الوجود، وكان يعبر به عما أريد به صاحب الوجه مع أنه لا يتصور بقاء الوجه صاحبه، فكان
(19/165)

التعبير به عن حقيقة ذلك الشيء أعظم وأدل على الكمال، وكان من المقرر عند أهل الشرع أنه سبحانه ليس كمثله شيء فلا يتوهم أحد منهم من التعبير به نقصاً قال: {ويبقى} أي بعد فناء الكل، بقاء مستمراً إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} أي المربي لك بالرسالة والترقية بهذا الوحي إلى ما لا يحد من المعارف، وكل عمل أريد به وجهه سبحانه وتعالى خالصاً. ولما ذكر مباينته للمخلوقات، وصفه بالإحاطة الكاملة بالنزاهة والحمد، وقال واصفاً الوجه لأن المراد به الذات الذي هو أشرفها معبراً به ولأنها أبلغ من «صاحب» وبما ينبه على التنزيه عما ربما توهمه من ذكر الوجه بليد جامد مع المحسوسات يقيس الغائب - الذي لا يعتريه حاجة ولا يلم بجنابه الأقدس نقص - بالشاهد الذي كله نقص وحاجة {ذو الجلال} أي العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به {والإكرام *} أي الإحسان العام وهو صفة فعله.
ولما كان الموت نفسه فيه نعم لا تنكر، وكان موت ناس نعمة على ناس، مع ما ختم به الآية من وصفه بالإنعام قال: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المربي لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان *} أي أيها الثقلان الإنس والجان، أبنعمة السمع من جهة الأمام أو غيرها من إيجاد الخلق ثم إعدامهم وتخليف بعضهم في أثر بعض
(19/166)

وإيراث البعض ما في يد البعض - ونحو ذلك من أمور لا يدركها على جهتها إلا الله تعالى.
ولما كان أدل دليل على العدم الحاجة، وعلى دوام الوجود الغنى، قال دليلاً على ما قبله: {يسئله} أي على سبيل التجدد والاستمرار {من في السماوات} أي كلهم {والأرض} أي كلهم من ناطق أو صامت بلسان الحال أو القال أو بهما، ولما كان كأنه قيل: فماذا يفعل عند السؤال، وكان أقل الأوقات المحدودة المحسوسة {اليوم} عبر به عن أقل الزمان كما عبر به عن أخف الموزونات بالذرة فقال مجيباً لذلك: {كل يوم} أي وقت من الأوقات من يوم السبت وعلى اليهود لعنة الله وغضبه حيث قالوا في السبت ما هو مناف لقوله سبحانه وتعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} [ق: 38] {ولا يؤده حفظهما هو العلي العظيم} [البقرة: 255] {هو في شأن} أي من إحداث أعيان وتجديد معان أو إعدام ذلك، قال القشيري: في فنون أقسام المخلوقات وما يجريه عليها من اختلفا الصفات - انتهى.
وهو شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها تتعلق قدرته على وفق إرادته على ما تعلق به العلم في الأزل أنه يكون أو يعدم في أوقاته، فكل شيء قانت له خاضع لديه ساجد لعظمته شاهد لقدرته دالّ عليه {وإن من شيء إلا يسبح يحمده} وذلك التعبير - مع أنه من أجل النعم - أدل دليل على
(19/167)

صفات الكمال له وصفات النقص للمتغيرات وأنها عدم في نفسها ولأنها نعم قال: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المربي لكما بهذا التدبير العظيم لكل ما يصلحكما {تكذبان *} أبنعمة السمع من جهة الخلف أو غيرها من تصريفه إياكم فيما خلقكم له هو أعلم به منكم من معايشكم وجميع تقلباتكم، وقد تكررت في هذه الآية المقررة على النعم من أولها إلى هنا ثماني مرات عقب النعم إشارة - والله أعلم - إلى أن نعمة الله سبحانه وتعالى لا تحصى لأنها تزيد على السبعة التي هي العدد التام الواحد هو مبدأ لدور جديد من العدد إشارة إلى أنه كلما انقضى منها دور ابتدأ دور آخر، ووجه آخر وهو أن الأخيرة صرح فيها ب {من في السماوات والأرض} والسبع التي قبلها يختص بأهل الأرض إشارة إلى أن أمهات النعم سبع كالسماوات والأرض والكواكب السيارة ونحو ذلك.
ولما انقضى عد النعم العظام على وجه هو في غاية الإمكان من البيان، وكان تغير سائر الممكنات من النبات والجماد والملائكة والسماوات والأرض وما حوتا مما عدا الثقلين على نظام واحد لا تفاوت فيه، وأما الثقلان فأحوالهما لأجل تنازع العقل والشهوات لا تكاد تنضبط، بل تغير حال الواحد منهم في اللحظة الواحد إلى ألوان كثيرة متضادة لما فيهم من المكر وأحوال المغالبة والبغي والاستئثار
(19/168)

باللهو بالأمر والنهي، وكان أكثرهم يموت بناره من غير أخذ ثأره، واقتضت الحكمة ولا بد أنه لا بد لهم من يوم يجتمعون فيه يكون بينهما فيه الفصل على ميزان العدل، خصهما بالذكر فقال آتياً في النهاية بالوعيد لأنه ليس للعصاة بعد الإنعام والبيان إلا التهديد الشديد للرجوع إلى طاعة الملك الديان، والالتفات في قراءة الجماعة بالنون إلى التكلم أشد تهديداً من قراءة حمزة والكسائي بالتحتية على نسق ما مضى: {سنفرغ} أي بوعد قريب لا خلف فيه من جميع الشؤون التي ذكرت {لكم} أي نعمل علم من يفرغ للشيء فلا يكون له شغل سواه بفراغ جنودنا من الملائكة وغيرهم مما أمرناهم به مما سبقت به كلمتنا ومضت به حكمتنا من الآجال والأرزاق وغير ذلك فينتهي كله ولا يكون لهم حينئذ عمل إلا جمعكم ليقضي بينكم: {أيّه الثقلان *} بالنصفة، والثقل هو ما يكون به قوام صاحبه، فكأنهما سميا بذلك تمثيلاً لهما بذلك إشارة إلى أنهما المقصودان بالذات من الخلائق، وقال الرازي في اللوامع: وصفاً بذلك يعظم ذلك شأنهما، كأن ما عداهما لا وزن له بالإضافة إليهما - انتهى.
وهذا كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي» وقال جعفر الصادق: سميا بذلك لأنهما مثقلان بالذنوب.
(19/169)

ولما كان هذا من أجلّ النعم التي يدور عليها العباد، ويصلح بها البلاد، وتقوم بها السماوات والأرض، لأن مطلق التهديد يحصل به انزجار النفس عما لها من الانتشار فيما يضر ولا ينفع، فكيف بالتهديد بيوم الفصل قال: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المحسن إليكما بهذا الصنع المحكم {تكذبان *} أبنعمة السمع عن اليمين أو بغيرها من إثابة أمل طاعته وعقوبة أمل معصيته، وسمى ابن برجان هذا الإخبار الذي لا نون جمع فيه خطاب القبض يخبر فيه عن موجوداته وما هو خالقه، قال: وذلك إخبار منه عن محض الوحدانية، وما قبله من {سنفرغ} ونحوه وما فيه نون الجمع إخبار عن وصف ملكوته وجنوده وهو خطاب البسط.
ولما كان التهديد بالفراغ ربما أوهم أنهم الآن معجوز عنهم أو عن بعض أمرهم، بين بخطاب القبض المظهر لمحض الواحدانية أنهم في القبضة، لا فعل لأحد منهم بدليل أنهم لا يصلون إلى جميع مرادهم مما هو في مقدورهم، ولكنه ستر ذلك بالأسباب التي يوجد التقيد بها إسناد الأمور إلى مباشرتها فقال بياناً للمراد بالثقلين: {يا معشر} أي يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق {الجن} قدمهم لمزيد قوتهم ونفوذهم في المسام وقدرتهم على الخفاء والتشكل في الصور بما ظن أنهم لا يعجزهم شيء {والإنس} أي الخواص والمستأنسين والمؤانسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع.
ولما بان بهذه التسمية المراد بالتثنية، جمع دلالة على كثرتهم فقال:
(19/170)

{إن استطعتم} أي إن وجدت لكم طاعة الكون في {أن تنفذوا} أي تسلكوا بأجسامكم وتمضوا من غير مانع يمنعكم {من أقطار} أي نواحي {السماوات والأرض} التي يتخللها القطر لسهولة انفتاحها لشي تريدونه من هرب من الله من إيقاع الجزاء بينكم، أو عصيان عليه في قبول أحكامه وجري مراداته وأقضيته عليكم من الموت وغيره أو غير ذلك {فانفذوا} وهذا يدل على أن كل واحدة منها محيطة بالأخرى لأن النفوذ لا يكون حقيقة إلا مع الخرق.
ولما كان نفوذهم في حد ذاته ممكناً ولكنه منعهم من ذلك بأنه لم يخلق في أحد منهم قوته ولا سيما وقد منعهم منه يوم القيامة بأمور منها إحداق أهل السماوات السبع بهم صفاً بعد صف وسرادق النار قد أحاط بالكافرين ولا منفذ لأحد إلا على الصراط ولا يجوزه إلا كل ضامر يخف، أشار إليه بقوله مستأنفاً: {لا تنفذون} أي من شيء من ذلك {إلا بسلطان} إلا بتسليط عظيم منه سبحانه بأمر قاهر وقدرة بالغة وأنى لكم بالقدرة على ذلك، قال البغوي: وفي الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن الآية.
انتهى، وهذا حكاية ما يكون من ذلك يوم القيامة لا أنه خاص بهم.
(19/171)

ولما كان هذا نظرهم فيما بينهم وبين بقية الحيوانات بما أعطاهم من القوى الحسية والمعنوية وما نصب لهم، المصاعد العقلية والمعارض النقلية التي ينفذون بها إلى غاية الكائنات ويتخللون بما يؤديهم إليه علمها إلى أعلى المخلوقات، ثم نظرهم فيما بين الحيوانات وبين النباتات ثم بينها وبين الجمادات دالاًّ دلالة واضحة على أنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء من يشاء، فلو أراد قواهم على النفوذ منها، ولو قواهم على ذلك لكان من أجل النعم، وأنه سبحانه قادر على ما يريد منهم، فلو شاء أهلكهم ولكنه يؤخرهم إلى آجالهم حلماً منه وعفواً منه عنهم، سبب عن ذلك قوله: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به قدرته على كل ما يريد {تكذبان *} أبنعمة السمع من جهة اليسار أو غيرها من جعلكم سواء في أنكم لا تقدرون على مخالفة مراده سواء ابتدأ بخلقكم أو اليوم المشهود وقد أشهدكم قبل على أنفسكم وعهد إليكم أو بتكشيط السماوات وقد شاهدتم تكشيط السحاب بعد بسطه أو بالجزاء وقد رأيتم الجزاء العاجل وشاهدتم ما أصاب الأمم الماضية.
(19/172)

يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)
ولما سلب عنهم القدرة على النفوذ المذكور تنبيهاً على سلب جميع القدرة عنهم وعلى أن ما يقدرون عليه إنما هو بتقديره لهم نعمة منه عليهم، ولما كان منهم من بلغ الغاية في قسوة القلب وجمود الفكر
(19/172)

فهو يحيل العجز عن بعض الأمور إلى أنه لم يجر بذلك عادة، لا إلى أنه سبحانه المانع من ذلك، فعمهم شيء من ذلك سطوته فقال {يرسل عليكما} أي أيها المعاندون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حين تخرجون من القبور بسوقكم إلى المحشر {شواظ} أي لهب عظيم منتشر مع التضايق محيط بكم من كل جانب له صوت شديد كهيئته ذي الخلق الضيق الشديد النفس.
ولما كان الشواظ يطلق على اللهب الذي لا دخان فيه وعلى دخان النار وحرها وعلى غير ذلك، بينه بقوله: {من نار ونحاس} أي دخان هو في غاية الفظاعة فيه شرر متطاير وقطر مذاب، قال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاساً بضم النون وكسرها، وأجمع القراء على ضمها - انتهى. وجرها أبو عمرو وابن كثير عطفاً على {نار} ورفعه الباقون عطفاً على {شواظ} .
ولما كان ذلك ممكناً عقلاً وعادة، وكانوا عارفين بأنهم لو وقعوا في مثل ذلك لم يتخلصوا منه بوجه، سبب عنه قوله: {فلا تنصران *} قال ابن برجان: هذا مصداق قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يخرج عنق من نار فيقول بكل جبار عنيد فيلتقطهم من بين الجمع لقط الحمام حب السمسم، ويغشي المجرمين دخان جهنم من بين المؤمنين ولا يضرهم، وآية الشواظ
(19/173)

وعنق النار هنالك صواعق ما هنا وبروقه والنار المعهودة» .
ولما كان التهديد بهذا لطفاً بهم فهو نعمة عليهم والعفو عن المعالجة بإرسالة لذلك، سبب عنه قوله: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي المربي لكما بدفع البلايا وجلب المنافع {تكذبان *} أبنعمة السمع من فوق أو غيرها، ألم يكن لكم فيما شهدتموه في الدنيا من دلائل ذلك وآياته ما يوجب لكم الإيمان. ولما كان هذا مما لم تجر عادة بعمومه وإن استطردت بجريانه منه في أشياء منه في أماكن متفرقة كأشخاص كثيرة، بين لهم وقته بقوله: {فإذا} أي فيتسبب عن هذا الإرسال إنه إذا {انشقت السماء} من هوله وعظمته فكانت أبواباً لنزول الملائكة وغيرهم، وغير ذلك من آيات الله {فكانت} لما يصيبها من الحر {وردة} أي حمراء مشرقة من شدة لهيبه، وقال البغوي: كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى حمرة وصفرة. {كالدهان} أي ذائبة صافية كالشيء الذي يدهن به أو كالأديم الأحمر والمكان الزلق، وآية ذلك في الدنيا الشفقان عند الطلوع وعند الغروب، وجواب {إذا} محذوف تقديره: علمتم ذلك علماً شهودياً أو فما أعظم الهول حينئذ ونحو ذا أن يكون الجواب شيئاً دلت عليه الآيات الآتية نحو: فلا يسأل أحد إذ ذاك عن ذنبه، وحذفه أفخم ليذهب الوهم فيه كل مذهب.
(19/174)

ولما كان حفظ السماء عن مثل ذلك بتأخير إرسال هذا وغيره من الأسباب وجعلها محل الروح والحياة والرزق من أعظم الفواضل قال مسبباً عنه: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي المربي لكما هذا التدبير المتقن {تكذبان *} أبنعمة السمع من تحت أو غيرها وليس شيء بما أخبرتكم به من أحوال الآخرة إلا قد أقمت لكم في الدنيا ما تهتدون به إلى العلم بكونه. ولما كان يوم القيامة ذا ألوان كثيرة ومواقف مهولة طويلة شهيرة تكون في كل منها شؤون عظيمة وأمور كبيرة، ذكر بعض ما سببه هذا الوقت من التعريف بالعاصي والطائع بآيات جعلها الله سبباً في علمها فقال: {فيومئذ} أي فسبب عن يوم انشقت السماء لأنه {لا يسئل} سؤال تعرف واستعلام بل سؤال تقريع وتوبيخ وكلام، وذلك أنه لا يقال له: هل فعلت كذا؟ بل يقال له: لم فعلت كذا، على أنه ذلك اليوم طويل، وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه وتارة لا يسأل، والأمر في غاية الشدة، وكل لون من تلك الألوان يسمى يوماً، فقد مضى في الفاتحة أن اليوم عبارة عن وقت يمتد إلى انقضاء أمر مقدر فيه ظاهر من ليل أو نهار أو غيرهما لقوله تعالى {إلى ربك يومئذ المساق} [القيامة: 30] أي يوم إذا بلغت الروح التراقي وهو لا يختص بليل ولا نهار، وبناه للمفعول تعظيماً للأمر بالإشارة إلى أن شأن المعترف بالذنب لا يكون خاصاً بعهد دون عهد بل يعرفه كل من أراد علمه، وأضمر قبل الذكر لما هو مقدم في الرتبة ليفهم الاختصاص فوجد الضمير لأجل اللفظ فقال: {عن ذنبه} أي خاصة وقد سئل المحسن عن حسنته سؤال تشريف له وتنديم لمن دونه.
(19/175)

ولما كان الإنس أعظم مقصود بهذا، ولهذا كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم، وكان التعريف بالشاهد المألوف أعظم في التعريف، وكان علم أحوال الشيء الظاهر أسهل، قدمهم فقال: {إنس} ولما كان لا يلزم من علم أحوال الظاهر علم أحوال الخفي، بين أن الكل عليه سبحانه هين فقال: {ولا جان *} ولما كان هذا التمييز من أجل النعم لئلا يؤدي الالتباس إلى ترويع بعض المطيعين عاملاً أو نكاية بالسؤال عنه قال: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي الذي ربى كلاًّ منكم بما لا مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه {تكذبان *} أبنعمة الشم من الأمام أم من غيرها.
ولما كان الكلام عاماً عرف انه خاص بتعرف المجرم من غيره دون التعزير بالذنب أو غيره من الأحوال فقال معللاً لعدم السؤال: {يعرف} أي لكل أحد {المجرمون} أي العريقون في هذا الوصف {بسيماهم} أي العلامات التي صور الله ذنوبهم فيها فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة، وظاهرة الدلالة عليهم كما يعرف أن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلاً وكذلك النهار ونحوهما لغير الأعمى، وتلك السيما - والله أعلم - زرقة العيون وسواد الوجوه والعمى والصمم والمشي على الوجوه ونحو ذلك، وكما يعرف المحسنون بسيماهم من بياض الوجوه وإشراقها وتبسمها، والغرة والتحجيل ونحو ذلك، وسبب عن هذه المعرفة قوله مشيراً بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من أي آخذ كان {فيؤخذ بالنواصي} أي منهم وهي مقدمات الرؤوس {والأقدام *} بعد أن يجمع بينهما
(19/176)

كما أنهم كانوا هم يجمعون ما أمر الله به أن يفرق، ويفرقون ما أمر الله به أن يجمع، فيسحبون بها سحباً من كل ساحب أقامه الله لذلك لا يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار.
ولما كان ذلك نعمة لا يقام بشكرها لكل من يسمعها لأن كل أحد ينتفي من الإجرام ويود للمجرمين عظيم الانتقام، سبب عنه قوله: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الكبار من الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم {تكذبان *} أبنعمة الشم من الوراء أم بغيرها مما يجب أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل.
ولما كان أخذهم على هذا الوجه مؤذناً بأنه يصير إلى خزي عظيم، صرح به في قوله، بانياً على ما هدى إليه السياق من نحو: أخذاً مقولاً فيه عند وصولهم إلى محل النكال على الحال التي ذكرت من الأخذ بنواصيهم وأقدامهم، {هذه} أي الحفرة العظيمة الكريهة المنظر «القريبة منكم» الملازمة للقرب لكم {جهنم التي يكذب}
(19/177)

أي ماضياً وحالاً ومآلاً استهانة {ولو ردوا} [الأنعام: 28]- إلى الدنيا - بعد إدخالهم إياها - {لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] {بها المجرمون *} أي العريقون في الإجرام، وهو قطع ما من حقه أن يوصل وهو ما أمر الله به، وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاظة كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند الإجرام المذكور، قال ابن برجان: وقرأ عبد الله «هذه جهنم التي كنتم بها تكذبان فتصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان» ثم استأنف ما يفعل بهم فيها فقال: {يطوفون بينها} أي بين دركة النار التي تتجهمهم {وبين حميم} أي ماء حار هو من شدة حرارته ذو دخان.
ولما كان هذا الاسم يطلق على البارد، بين أمره فقال: {آن} أي بالغ حره إلى غاية ليس وراءها غاية، قال الرازي في اللوامع: وقيل: حاضر، وبه سمي الحال بالآن لأنه الحاضر الموجود، فإن الماضي لا تدارك له والمستقبل أمل وليس لنا إلا الآن، ثم «الآن» ليس بثابت طرفة عين، لأن الآن هوالجزء المشترك بين زمانين، فهم دائماً يترددون بين عذابي النار المذيبة للظاهر والماء المقطع بحره للباطن لا يزال حاضراً لهم تردد الطائف الذي لا أول لتردده ولا آخر.
ولما كانت عذاب المجرم - القاطع لما من شأنه أن يكون متصلاً - من أكبر النعم وأسرها لكل أحد حتى لمن سواه من المجرمين، سبب
(19/178)

قوله: {فبأي آلاء ربكما} أي المحسن إليكما أيها الثقلان بإهلاك المجرم في الدارين وإنجاء المسلم مما أهلك به المجرم لطفاً بالمهددين ليرتدعوا وينزجروا عما يكون سبب إهلاكهم هم ومن والاهم {تكذبان *} أبنعمة الشم من اليمين أمن من غيرها مما أراكم من آياته، وظاهر عليكم من بيناته، في السماوات والأرض، وما أراكم من مطالع الدنيا من الشمس التي هي آية النهار والقمر الذي هو آية الزمهرير، وغير ذلك من آياته المحكمة المرئية المسموعة، وقد كررت هذه الآية عقب ذكر النار وأهوالها سبع مرات تنبيهاً على استدفاع أبوابها السبعة كما مضى - والله المستعان.
(19/179)

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57)
ولما كان قد عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم، وقدمه لما اقتضاه مقام التكبر من الترهيب وجعله سبعاً إشارة إلى أبواب النار السبعة، عطف عليه ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة وجعله ثمانية على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال: {ولمن} أي ولكل من، ووحد الضمير مراعاة للفظ {من} إشارة إلى قلة الخائفين {خاف} أي من الثقلين.
ولما كان ذكر الخوف من الزمان المضروب للحساب والتدبير والمكان المعد لهما أبلغ من ذكر الخوف من الملك المحاسب المدبر، والخوف مع ذكر وصف الإكرام أبلغ من ذكر الخوف عند ذكر
(19/179)

أوصاف الجلال، قال دالاًّ بذلك على أن المذكور رأس الخائفين: {مقام ربه} أي مكان قيامه الذي يقيمه وغيره فيه المحسن إليه للحكم وزمانه الذي ضربه له وقيامه عليه وعلى غيره بالتدبير، فهو رقيب عليه وعليهم، فكيف إذا ذكر مقام المنتقم الجبار المتكبر فترك لهذا ما يغضبه وفعل ما يرضيه {جنَّتان} عن يمين وشمال، واحدة للعلم والعقل وأخرى للعمل، ويمكن أن يراد بالتثنية المبالغة إفهاماً لأنها جنان متكررة ومتكثرة مثل {ألقيا في جهنم كل كفَّارٍ عنيد} [ق: 24] ونحو ذلك.
ولما كانت هذه نعمة جامعة، سبب عنها قوله: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي نعم المربي لكما والمحسن إليكم بإحسانه الكبار التي لا يقدر غيره على شيء منها {تكذبان *} أبنعمة الشم من اليسار المنبعثة من القلب أو غيرها من تربة جنان الدنيا بنفس جهنم من حر الشمس وحرورها، فجعل من ذلك جميع الفواكه والزروع إلى غير ذلك من المرافق التي طبخها بها {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} [يوسف: 105] وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى.
ولما كانت البساتين لا يكمل مدحها إلا بكثرة الأنواع والألوان والفروع المشتبكة والأغصان، قال واصفاً لهما: {ذواتا} أي صاحبتا
(19/180)

برد عين الكلمة فإن أصلها «ذوو» {أفنان *} أي جميع فن يتنوع فيه الثمار، وفنن وهو الغصن المستقيم طولاً الذي تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع، قال عطاء: في كل غصن فنون من الفاكهة؛ ولهذا سبب عنه قوله: {فبأيّ آلاء ربكما} أي المربي لكما والمحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة الشم من جهة الفوق أو غيرها مما ذكره لكم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به.
ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بالأنهار قال: {فيهما عينان} أي في كل واحدة عين {تجريان *} أي في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها جرى على عيني دموعه الجاريتين من خشية الله وذلك على مثال جنان الدنيا، والشمس صاعدة في البروج الشمالية من تكامل المياه وتفجرها عيوناً في أيام الربيع والصيف لقرب العهد بالأمطار {فبأي آلاء ربكما} أي المالك لكما والمحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة الشم من جهة التحت أو غيرها مما ذكره وجعل له في الدنيا أمثالاً كثيراً.
ولما كان بالمياه حياة النبات وزكاؤه، قال ذاكراً أفضل النبات: {فيهما} أي هاتين الجنتين العاليتين، ودل على جميع كل ما يعلم وزيادة بقوله: {من كل فاكهة} أي تعلمونها أو لا تعلمونها {زوجان}
(19/181)

أي صنفان يكمل أحدهما بالآخر كما لا يدرك كنه أحد الزوجين بسبب العمل بما يرضى والآخر بالانتهاء عما يسخط {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الكبار التي رباها الموجد لكما المحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة اللمس من الأمام أو غيرها من أنه أوجد لكما جنان الدنيا بواسطة حر النار التي هي أعدى عدوكما إشارة إلى أنه قادر على أنه يوجد برضوانه ومحبته من موضع غضبه وانتقامه إكراماً، فقد جعل ما في الدنيا مثالاً لما ذكر في الآخرة، فبأي شيء من ذلك تكذبان، لا يكمل الإيمان حتى يصدق المؤمن أنه تعالى قادر على أن يجعل من جهنم جنة بأن يجعل من موضع سخطه رحمة ويشاء ذلك ويعتبر ذلك بما أرانا من نموذجه.
ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره، قال مخبراً عن الذين يخافون مقام ربهم من قبيلي الإنس والجن مراعياً معنى {من} بعد مراعاة لفظها تحقيقاً للواقع: {متكئين} أي لهم ما ذكر في حال الاتكاء وهو التمكين بهيئة المتربع أو غيره من الكون على جنب، قال في القاموس: توكأ عليه: تحمل، واعتمد كأوكأ، والتكأة كهمزة: العصا، وما يتوكأ عليه، وضربه فأتكأه: ألقاه على هيئة المتكئ أو على جانبه الأيسر، وقال ابن القطاع: وضربته حتى أتكأته
(19/182)

أي سقط على جانبه، وهو يدل على تمام التنعم بصحة الجسم وفراغ البال {على فرش} وعظمها بقوله مخاطباً للمكلفين بما تحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على الحقيقة شيء من الدنيا {بطائنها} أي فما ظنك بظواهرها ووجوهها {من إستبرق} وهو ثخين الديباج يوجد فيه من حسنه بريق كأنه من شدة لمعانه يطلب إيجاده حتى كأنه نور مجرد.
ولما كان المتكىء قد يشق عليه القيام لتناول ما يريد قال: {وجنا الجنتين} أي مجنيهما اسم بمعنى المفعول - كأنه عبر به ليفهم سهولة نفس المصدر الذي هو الاجتناء {دان *} أي قريب من كل من يريده من متكىء وغيره لا يخرج إلى صعود شجرة، وموجود من كل حين يراد غير مقطوع ولا ممنوع.
ولما كان ربما وجد مثل من ذلك شاهد له من أغصان تنعطف بجملتها فتقرب وأخرى تكون قريبة من ساق الشجرة فيسهل تناولها قال: {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الكبار الملوكية التي أوجدها لكما هذا المربي لكما الذي يقدر على كل ما يريد {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة الوراء أم غيرها من قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار.
(19/183)

ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان، قال دالاًّ على الكثرة بعد سياق الامتنان بالجمع الذي هو أولى من التثنية بالدلالة على أن في كل بستان جماعة من النسوان، لما بهن من عظيم اللذة وفرط الأنس: {فيهن} أي الجنان التي علم مما مضى أن لكل فرد من الخائفين منها جنتين. ولما كان سياق الامتنان معرفاً بأن جمع القلة أريد به الكثرة مع ما ذكر من محسناته في سورة «ص» قال معبراً به: {قاصرات الطرف} أي نساء مخدرات هن في وجوب الستر بحيث يظن من ذكرهن بغير الوصف من غير تصريح، قد قصرن طرفهن وهممهن على أزواجهن ولهن من الجمال ما قصرن به أزواجهن عن الالتفات إلى غيرهن لفتور الطرف وسحره وشدة أخذه للقلوب جزاء لهم على قصر هممهم في الدنيا على ربهم.
ولما كان الاختصاص بالشيء لا سيما المرأة من أعظم الملذذات قال: {لم يطمثهن} أي يجامعهن ويتسلط عليهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه نوع من أنواع السلطة سواء من إنسيات أو جنيات أو غير ذلك، يقال: طمثت المرأة كضرب وفرح: حاضت، وطمثها الرجل: افتضها وأيضاً جامعها، والبعير عقلته، فكأنه قيل: هن أبكار لم يخالط موضع الطمث منهن {إنس} ولما كان المراد تعميم الزمان أسقط الجارّ فقال: {قبلهم} أي المتكئين {ولا جان *} وقد جمع هذا
(19/184)

كل من يمكن منه جماع من ظاهر وباطن، وفيه دليل على أن الجني يغشى الإنسي كما نقل عن الزجاج {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم الجسام من المربي الكامل العلم الشامل القدرة القيوم {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة اليمنى أم غيرها مما جعله الله لكم مثالاً لهذا من الأبكار الحسان، أو غير ذلك من أنواع الإحسان.
(19/185)

كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65)
ولما دل ما تقدم من وصف المستمتع بهن بالعزة والنفاسة، زاده على وجه أفاد أنه يكون بهن غاية ما يكون من سكون النفس وقوة القلب وشدة البدن واعتدال الدم وغير ذلك من خواص ما شبههن به فقال: {كأنهن الياقوت} الذي هو في صفاته بحيث يشف عن سلكه وهو جوهر معروف، قال في القاموس: أجوده الأحمر الرماني نافع للوسواس والخفقان وضعف القلب شرباً ولجمود الدم تعليقاً: {والمرجان *} في بياضه، وصغار الدر أنصع بياضاً، قال أبو عبد الله القزاز: والمرجان صغار اللؤلؤ، وهذا الذي يخرج من نبات البحر أحمر معروف - انتهى. وقد يستفاد من ذلك أن ألوانهن البياض والحمرة على نوع من الإشراب هو في غاية الإعجاب من الشفوف والصفاء، وهو مع ذلك ثابت لا يعتريه تغير ليطابق الحديث الذي فيه «يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة» وقال أبو حيان: شبههن بهما فيما يحسن التشبيه به فالياقوت في املاسه وشفوفه والمرجان في املاسه وجمال منظره {فبأيِّ آلاء ربكما} أي
(19/185)

النعم الغريبة البالغة في الحسن من المالك الملك المربي ببدائع التربية {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة اليسرى أم غيرها مما جعله مثالاً لما ذكر من وصفهن من تشبيه شيء بشيئين لبلوغ الأمر في الحسن إلى حد لا يساويه فيه شيء واحد ليشبه به، فهو كما قيل: بيضاء في دعج صفراء في نعج كأنها فضة قد شابها ذهب، وقد جعل سبحانه الأشياء الشفافة مثلاً لذلك وأنت ترى بعض الأجسام يكاد يرى فيه الوجه بل في سواد العين أعظم غرة حيث يرى فيه الوجه فإن السواد منشأ الظلام.
ولما كان ألذ ما أفاده الإنسان من النعم ما كان تسبب منه، قال ساراً لهم بذلك مع ما فيه من لذة المدح لا سيما والمادح الملك الأعلى، معظماً له بسياق الاستفهام المفيد للإثبات بعد النفي المفيد للاختصاص على وجه الإنكار الشديد على من يتوهم غير ذلك: {هل جزاء الإحسان} أي في العمل الكائن من الإنس أو الجن أو غيرهم {إلا الإحسان *} أي في الثواب، فهذا من المواضع التي أعيدت فيها المعرفة والمعنى مختلف، روى البغوي بسنده عن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» وذلك جزاء إحسان العبد في العمل في مقابلة إحسان ربه إليه بالتربية {فبأيِّ آلاء ربكما}
(19/186)

أي النعم العظيمة الحسن من السيد الكريم العظيم الرحيم الجامع لأوصاف الكمال {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة الفوق أم غيرها مما جعله الله سبحانه مثالاً في أن من أحسن قوبل بمثل إحسانه، وهذه الآية ختام ثمان آيات حاثة على العمل الموصل إلى الثمانية الأبواب الكائنة لجنة المقربين - والله الهادي.
ولما كان قد علم مما ذكر أول هذا الكلام من الخوف مع ذكر وصف الإكرام، وآخره من ذكر الإحسان أن هذا الفريق محسنون، وكان من المعلوم أن العاملين طبقات، وأن كل طبقة أجرها على مقدار أعمالها، اقتضى الحال بيان ما أعد لمن دونهم: {ومن دونهما} أي من أدنى مكان، رتبة مما تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين {جنتان *} أي لكل واحد لمن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين وهم أصحاب اليمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: دونهما في الدرج، وجعل ابن برجان الأربع موزعة بين الكل، وأن تخصيص هذه العدة إشارة إلى أنها تكون جامعة لما في فصول الدنيا الأربعة: الشتاء والربيع والصيف والخريف، وفسر بذلك قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «جنتان من ذهب أوتيتهما وما فيهما وجنتان من فضة أوتيتهما وما فيهما» ثم جوز أن يكون المراد بالدون الأدنى إلى الإنسان، وهو البرزخ، فتكون هاتان لأهل البرزخ كما كان {وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك} من عذاب القبر {فبأيِّ آلاء ربكما} أي المحسن بنعمه السابغة إلى الأعلى ومن دونه
(19/187)

{تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة التحت أم غيرها مما جعله الله في الدنيا مثالاً لهذا من أن بعض البساتين أفضل من بعض إلى غير ذلك من أنواع التفضيل.
ولما كان ما في هاتين من الماء دون ما في الباقيتين، فكان ربما ظن أن ماءهما لا يقوم بأعلى كفايتهما قال: {مدهامتان *} أي خضراوان خضرة تضرب من شدة الري إلى السواد، من الدهمة، قال الأصبهاني: الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض وفي الأوليين الأشجار والفواكه {فبأيِّ آلاء ربكما} أي نعم المحسن إلى العالي منكما ومن دونه بسعة رحمته {تكذبان *} أبنعمة الذوق من جهة الأمام أم غيرها مما جعله مثالاً لذلك من جنان الدنيا الكثيرة الري وغيره.
(19/188)

فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)
ولما كان ذكر ما يدل على ريهما، حققه بقوله: {فيهما} أي في كل جنة لكل شخص منهم {عينان نضاختان *} أي تفوران بشدة توجب لهما رشاش الماء بحيث لا ينقطع ذلك، ولم يذكر جريهما فكأنهما بحيث يرويان جنتهما ولا يبلغان الجري، والنضخ دون الجري وفوق النضخ، قال الأصبهاني: وأصل النضخ بالمعجمة - انتهى. وكأنهما لمن تغرغر عيناه بالدمع فتمتلئان من غير جري، وقال ابن برجان ما معناه إن حر (؟) عدم جريهما لكونهما على مثال جنة خريف ما ههنا وشتاء به لبعد عهدهما بنزول الماء وسكنا في أعماق الأرض
(19/188)

لينعكس بالنبع والفوران صاعداً مع أن الجنة لا مطر فيها {فبأيِّ آلاء ربكما} أي نعم المربي البليغ الحكمة في التربية {تكذبان *} أبنعمة الذوق من جهة ما وراء اللسان أم غيرها مما جعله مثالاً لذلك من الأعين التي تفور ولا تجري والأنابيب المصنوعة للفوران لأنها بحيث تروق ناظرها لصعودها بقوة نبعها وترشيشها من النعم الكبار. ولما ذكر الري والسبب فيه، ذكر ما ينشأ عنه فقال: {فيهما فاكهة} أي من كل الفاكهة، وخص أشرفها وأكثرها وجداناً في الخريف والشتاء كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالاً لهاتين الجنتين فقال: {ونخل ورمان *} فإن كلاًّ منهما فاكهة وإدام، فلذا خص تشريفاً وتنبيهاً على ما فيهما من التفكه وأولاهما أعم نفعاً وأعجب خلقاً فلذا قدم {فبأيِّ آلاء ربكما} أي نعم المحسن إليكما أيها الثقلان بجليل التربية {تكذبان *} أبنعمة الذوق من اليمين أم من غيرها مما جعل مثالاً لهذا من جنان الدنيا وغير ذلك.
ولما كان ما ذكر لا تكمل لذته إلا بالأنيس، وكان قد ورد أنه يكون في بعض ثمار الجنة وحمل أشجارها نساء وولدان كما أن أمثال ذلك في بطن مياه الدنيا {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30] قال جامعاً على نحو ما مضى من الإشارة إلى أن الجنتين لكل واحد من أفراد هذا الصنف: {فيهن} أي الجنان الأربع أو الجنان التي خصت للنساء، وجوز ابن برجان أن يكون الضمير للفاكهة والنخل والرمان فإنه يتكون منها نساء وولدان
(19/189)

في داخل قشر الرمان ونحوه {خيرات} أي نساء بليغ ما فيهن من الخير، أصله خير مثقلاً لأن «خير» الذي للتفضيل لا يجمع جمع سلامة، ولعله خفف لاتصافهن بالخفة في وجودهن وجميع شأنهن، ولكون هاتين الجنتين دون ما قبلهما {حسان *} أي في غاية الجمال خلقاً وخلقاً {فبأيِّ آلاء ربكما} أي نعم الكامل الإحسان إليكما {تكذبان *} أبنعمة الذوق من جهة اليسار أمن من غيرها ممن جعله مثالاً لتكوين النساء والولدان والملابس والحلي من ثمار الأشجار والزروع التي من المياه التي بها العيش، ففيها التوليد وغير ذلك مما تظهره الفكرة لأهل العبرة لأن كل ما في الجنة ينشأ عن الكلمة من الرزق كما ينشأ عنه سبحانه في هذه الدار على تسبيب.
. . والحكمة، ثم بينهن بقوله: {حور} أي ذوات أعين شديدة سواد السواد وشديدة بياض البياض، وقال ابن جرير: بيض جمع {مقصورات} أي على أزواجهن ومحبوسات، صيانة عن التبذل، فهو كناية عن عظمتهن {في الخيام *} التي هي من الدر المجوف الشفاف جزاء لمن قصر نفسه عن. . . الله فكف جوارحه عن الزلات، وصان قلبه عن الغفلات {فبأيِّ آلاء ربكما} أي الجليل الإحسان إليكما {تكذبان *} أبنعمة الذوق من جهة الفوق
(19/190)

أم بغيرها مما جعله مثالاً لهذا في الدنيا، فإنه كما خلقنا من تراب ثم طورنا في أطوار الخلقة بحسب حكمة الأسباب كذلك خلق أولئك من أرض الجنة ورياضها وفواكهها عن كلمة السكان من غير أسباب.
ولما كانت أنفس الأخيار ذوي الهمم العالية الكبار في الالتفات إلى الأبكار قال: {لم يطمثهن} أي يتسلط عليهن نوع سلطة {إنس} وعم الزمان بحذف الجار فقال: {قبلهم} أي انتفى الطمث المذكور في جميع الزمان الكائن قبل طمث أصحاب هذه الجنان لهن، فلو وجد في لحظة من لحظات القبل لما صدق النفي {ولا جان *} فهن في غاية الاختصاص كل بما عنده {فبأيِّ} أي فتسبب عن هذا التعدد لمثل هذه النعم العظيمة أنا نقول تعجيباً ممن يكذب توبيخاً له وتنبيهاً على ما له تعالى من النعم التي تفوت الحصر: بأيِّ {آلاء ربكما} أي النعم الجليلة من المدبر لكما بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة العامة {تكذبان *} أبنعمة الذوق من تحت أم بغيرها مما جعله مثالاً لهذا من الأبكار المخدرات، وجميع ما ذكر من النعم العامة الظاهرة في كل حالة في الدنيا والآخرة، وختم بالتقرير أربع وعشرون ثمان منها أول السورة من النعم الدنياوية، وست عشرة جنان، وجعلها على هذا العدد، إشارة إلى تعظيمها بتكثيرها فإنه عدد تام لأنه جامع لأكثر الكسور، ولذا قسم الدرهم وغيره أربعة وعشرون قيراطاً. ولما تم التقرير بالنعم المحيطة بالجهات الست والحواس الخمس على الوجه الأكمل من درء المفاسد وجلب المصالح كما تقدمت الإشارة إليه بمدكر،
(19/191)

بقوله: {فهل من مدكر} [القمر: 17] في القمر، بالحسن فيها إلى الحواس الخمس وبتكرارها، وتكرار {كيف كان عذابي ونذر} [القمر: 18] ستاً إلى الجهات الست من جهة الوراء والخلف، أوترها بنعمة أخرى واحدة إشارة إلى أن السبب في هذا اعتقاد وحدانية الواحد تعالى اعتقاداً أدى الخضوع لأمر مرسل كلما جاء من عنده تعالى فلذلك كانت نعمة لا تنقطع أصلاً، بل كلما تم دور منها ابتدأ دور آخر جديد، وهكذا على وجه لا انقطاع له أبداً كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا انتهاء له أصلاً، وهذه النعمة الدالة على الراحة الدائمة التي هي المقصودة بالذات على وجه لا يرى أغرب منه ولا أشرف، فقال تعالى مبيناً حال المحسنين ومن دونهم مشركاً لهم في الراحة على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: {متكئين} أي لهم ذلك في حال الاتكاء ديدناً لأنهم لا شغل لهم بوجه إلا التمتع {على رفرف} أي ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الديباج لينة ووسائد عظيمة ورياض باهرة وبسط لها أطراف فاضلة، ورفرف السحاب هدبه أي ذيله المتدلي.
ولما كان الأخضر أحسن الألوان وأبهجها قال: {خضر وعبقري} أي متاع كامل من البسط وغيرها هو في كماله وغرابته كأنه من عمل الجن لنسبته إلى بلدهم، قال في القاموس: عبقر موضع كثير الجن، وقرية بناؤها في غاية الحسن، والعبقري الكامل من كل شيء، والسيد والذي ليس فوقه شيء، وقال الرازي: هو الطنافس المخملة،
(19/192)

قال ابن جرير: الطنافس الثخان، وقال القشيري: العبقري عند العرب كل ثوب موشى، وقال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم، ومنه قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه» وقال قطرب: ليس هو من المنسوب بل هو بمزلة كرسي وبختي.
ولما كان المراد به الجنس، دل على كثرته بالجمع مع التعبير بالمفرد إشارة إلى وحدة تكامله بالحسن فقال: {حسان *} أي هي في غاية من كمال الصنعة وحسن المنظر لا توصف {فبأيِّ آلاء ربكما} أي النعم العظيمة من المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه ولا تعد نعمه ولا تحصي ثناء عليه {تكذبان *} وبهذه الآية تمت النعم الثمان المختصة بجنة أصحاب اليمين إشارة إلى العمل لأبوابها الثمانية. والله الموفق.
ولما دل ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال، ودل بالإشارة بالنعمة الأخيرة على أن نعمه لا نهاية لها لأنه مع أن له الكمال كله متعال عن شائبة نقص، فكانت ترجمة ذلك قوله في ختام نعم الآخرة مناظرة لما تقدم من ختام نعم الدنيا معبراً هناك بالبقاء لما ذكر قبله، من الفناء، وهذا بما من البركة إشارة
(19/193)

إلى أن نعمه لا انقضاء لها: {تبارك} قال ابن برجان: تفاعل من البركة، ولا يكاد يذكره جل ذكره إلا عند أمر معجب - انتهى، ومعناه ثبت ثباتاً لا يسع العقول جمع وصفه لكونه على صيغه المفاعلة المفيدة لبذل الجهد إذا كانت ممن تمكن منازعته، وذلك مع اليمن والبركة والإحسان. ولما كان تعظيم الاسم أقعد وأبلغ في تعظيم المسمى قال: {اسم ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا القرآن الذي جبلك على متابعته فصرت مظهراً له وصار خلقاً لك فصار إحسانه إليك فوق الوصف، ولذلك قال واصفاً للرب في قراءة الجمهور: {ذي الجلال} أي العظمة الباهرة فهو المنتقم من الأعداء {والإكرام *} أي الإحسان الذي لا يمكن الإحاطة به فهو المتصف بالجمال الأقدس المقتضي لفيض الرحمة على جميع الأولياء، وقراءة ابن عامر {ذو} صفة للاسم، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، والوصفان الأخيران من شبه الاحتباك حذف من الأول متعلق الصفة وهو النقمة للأعداء، ومن الثاني أثر الإكرام وهو الرحمة للأولياء، فإثبات الصفة أولاً يدل على حذف ضدها ثانياً، وإثبات الفعل ثانياً يدل على حذف ضده أولاً، وقال الرازي في اللوامع: كأنه يريد بالاسم الذي افتتح به السورة وقد انعطف آخر السورة على أولها على وجه أعم، فيشمل الإكرام بتعليم القرآن وغيره والانتقام بإدخال النيران وغيرها - الله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب.
(19/194)

سورة الواقعة
مقصودها شرح أحوال الأقسام الثلاثة المذكورة في الرحمن للأولياء من السابقين واللاحقين والأعداء المشاققين من المصارحين والمنافقين من الثقلين للدلالة على تمام القدرة بالفعل بالاختيار الذي دل عليه آخر الرحمن بإثبات الكمال ودل عليه آخر هذه بالتنزيه بالنفي لكل شيء به نقص ثم الإثبات بوصف العظمة بجميع الكمال من الجمال والجلال، ولو استوى الناس لم يكن ذلك من بليغ الحكمة، فإن استواءهم يكون شبهة لأهل الطبيعة، واسمها الواقعة دال على ذلك بتأمل آياته وما يتعلق الظرف به) بسم الله (الذي له الكمال كله ففاوت بين الناس في الأحوال) الرحمن (الذي عم بنعمة البيان وفاضل قبولها بين أهل الإدبار وأهل الإقبال) الرحيم (الذي أقبل بأهل حزبه إلى أهل قربه ففازوا بمحاسن الأقوال والأفعال.
(19/195)

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)
لما صنف سبحانه الناس في تلك إلى ثلاث أصناف: مجرمين وسابقين ولاحقين، وختم بعلة ذلك وهو أنه ذو الانتقام والإكرام، شرح أحوالهم في هذه السورة وبين الوقت الذي يظهر فيه
(19/195)

إكرامه وانتقامه بما ذكر في الرحمن غاية الظهور فقال بانياً على ما أرشده السياق إلى أن تقديره: يكون ذلك كله كوناً يشترك في علمه الخاص والعام: {إذا وقعت الواقعة *} أي التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها، وهي النفخة الثانية التي يكون عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق للحكم بينهم على الانفراد الظاهر الذي لا مدعى للمشاركة فيه بوجه من الوجوه، ويجوز أن يكون {إذا} منصوباً بالمحذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب، فيكون أهول أي إذا وقعت كانت أموراً يضيق عنها نطاق الحصر.
ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه لا بد من كونها، عبر عنه بانياً على مبتدأ محذوف فقال: {ليس لوقعتها} أي تحقق وجودها {كاذبة *} أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم الفاعل للمبالغة بأنه ليس في أحوالها شيء يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلاً ولا يقر عليه، بل كل ما أخبر بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء، وكل ما أخبر بنفيه انتفى فلا يأتي به شيء، وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله مخبراً عن مبتدأ محذوف: {خافضة} أي هي لمن يشاء الله خفضه من عظماء أهل النار وغيرهم
(19/196)

مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين {رافعة *} أي لضعفاء أهل الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه. ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية أكده بقوله وزاد ما يشاء منه أيضاً بقوله مبدلاً من الظرف الأول بعض ما يدخل في الرفع والخفض: {إذا رجت الأرض} أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر {رجاً *} أي زلزلت زلزالاً شديداً بعنف فانخفضت وارتفعت ثم انتفضت بأهلها انتفاضاً شديداً، قال البغوي: والرج في اللغة التحريك. ولما ذكر حركتها المزعجة، أتبعها غايتها فقال: {وبست الجبال} أي فتتت على صلابتها وعظمها بأدنى إشارة وخلط حجرها بترابها حتى صار شيئاً واحداً، وصارت كالعهن المنفوش، وسيرت وكانت تمر مرّ السحاب {بساً * فكانت} أي بسبب ذلك {هباء} غباراً هو في غاية الانمحاق، وإلى شدة لطافته أشار بصيغة الانفعال فقال: {منبثاً *} أي منتشراً متفرقاً بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل في كوة.
ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة، ذكر مبادئ غاياتها فقال: {وكنتم} أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في الدنيا {أزواجاً ثلاثة *} أي أصنافاً لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها قسمين: أعلى ودونه، ليكون ذلك أدل على تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة المنقسمين إلى سابقين وهم المقربون، وإلى لاحقين وهم
(19/197)

الأبرار أو أصحاب اليمين، وكأنهم من أولي القلب الذي هو العدل السواء من أصحاب المشأمة إلى آخر أصحاب الميمنة فأصحاب السواء هم المقربون، وبقية أصحاب الميمنة أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة هم أصحاب القسم الثالث، وكل من الثلاثة ينقسم إلى أعلى ودونه، وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة، قال البيضاوي: وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج.
ولما قسمهم إلى ثلاثة أقسام وفرع تقسيمهم، ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك بالإعلام بأنه ليس الخبر كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال: {فأصحاب الميمنة *} أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، ثم فخم أمرهم بالتعجيب من حالهم بقوله منبهاً على أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من الخير والبركة فكيف إذا عبر عنها بصيغة مبالغة فقال: {ما} وهو مبتدأ ثان {أصحاب الميمنة *} أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، والجملة خبر عن الأولى، والرابط تكرار المبتدأ بلفظه، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم الإعذار في السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين، وأعلم في آخر سورة القمر أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [
(19/198)

القمر: 49] {وكل شيء فعلوه في الزبر} {القمر: 52] وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ذكر الساعة {إذا وقعت الواقعة} إلى قوله {وكنتم أزواجاً ثلاثة} فتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية، وصدرت بذلك كما جرد في هذه السورة قبل التعريف بحالهم في هذه الدار، وما انجر في السور الثلاث جارياً على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفاً بالعباد ورحمة ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحاً لا تلويحاً، وعلى الاستيفاء لا بالإشارة والإيماء، ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية في هذه السورة: {هذا نزلهم يوم الدين} فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد قدم حالهم الدنياوي في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد، وذلك قوله {فأما إن كان من المقربين} إلى خاتمتها - انتهى.
ولما ذكر الناجين بقسميهم، أتبعهم أضدادهم فقال: {وأصحاب المشأمة} أي جهة الشؤم وموضعها وأعمالها، ثم عظم ذنبهم فقال: {ما أصحاب المشأمة} أي لأنهم أهل لأن يسأل عما أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ساقتهم إلى ما وصلوا إليه من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا بهيمة مع ما ركب فيهم من العقول الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين عن خذلان هؤلاء فأوصلهم إلى النعيم المقيم.
ولما ذكر القسمين، وكان كل منهما قسمين، ذكر أعلى أهل
(19/199)

القسم الأول ترغيباً في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيباً من سوء مآلهم فقال: {والسابقون} أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في الرحمان وهم أصحاب القلب {السابقون *} أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا غيرهم لأنه منزلة أعلى من منزلتهم فلذلك سبقوا إلى منزلتهم وهي جنتهم وهم قسمان كما يأتي عن الرازي، وعن المهدوي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» .
ولما بين علو شأنهم ونسب السبق إليهم، ترجمه نازعاً للفعل منهم بقوله: {أولئك} أي العالو الرتبة جداً من الذين هم أصحاب الميمنة {المقربون *} أي الذين اصطفاهم الله تعالى للسبق فأرادهم لقربه أو أنعم عليهم بقربه ولولا فعله في تقريبهم لم يكونوا سابقين، قال الرازي في اللوامع: المقربون تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم كلها لله ديناً ودنيا من حق الله وحق الناس، وكلاهما عندهم حق الله، والدنيا عندهم آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والانقياد، وهم صنفان فصنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبتهم فالحق يستعملهم، وصنف آخر قد أرخى من عنانه، فالأمر عليه أسهل لأنه قد جاور بقلبه هذه الحطة ومحله أعلى فهو أمين الله في أرضه، فيكون الأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز - انتهى. ثم
(19/200)

بين تقريبه لهم بقوله: {في جنات النعيم *} أي الذي لا نعيم غيره لأنه لا كدر فيه بوجه ولا منغص، والصنف الآخر منهم المتقربون والمتشاققون من أصحاب المشأمة، أولئك المغضوب عليهم المبعودون، ومن دونهم الضالون البعيدون وهم أصحاب الشمال.
ولما ذكر السابقين فصلهم فقال: {ثلة} أي جماعة كثيرة حسنة، وقال البغوي: والثلة جماعة غير محصورة العدد، {من الأولين *} وهم الأنبياء الماضون عليهم الصلاة والسلام، ومن آمن بهم من غير واسطة رضي الله عنهم {وقليل من الآخرين *} وهم من آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - كذلك بغير واسطة رضي الله عنهم، فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مائة ألف ونيفاً وعشرين ألفاً، وكان من خرج مع موسى عليه السلام من مصر وهم من آمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين وهم ستمائة ألف فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من التابعين والصبيان ومن النساء، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم الصلاة والسلام. المجددين من بني إسرائيل وغيرهم، وقيل «الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة» ، رواه الطبراني وابن عدي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ورواه إسحاق بن راهويه مسدد بن مسرهد وأبو داود الطيالسي وإبراهيم الحربي والطبراني من رواية علي بن زيد
(19/201)

وهو ضعيف عن عقبة بن صهبان عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أولى بالصواب، وتطبيقه على هذه الأمة سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً صحيح لا غبار عليه، فتكون الصحابة رضي الله عنهم كلهم من هذه الثلة وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال الذي بدأ عليها من الغربة
«بدأ الإسلام غريباً وسيكون غريباً فطوبى للغرباء» ويجوز أن يقدر أيضاً: وثلة - أي جماعة كثيرة هلكى - من الأولين، وهم المعاندون من الأمم الماضين، وقليل من الآخرين - وهم المعاندون من هذه الأمة.
(19/202)

عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)
ولما ذكر السابقين في الخير بصنفيهم مشيراً إلى السابقين في الشر بصنفيهم، ذكر جزاء أهل الخير ليعلم منه جزاء أولئك، فقال مبيناً أنهم ملوك لكن ملكهم لا ينافس فيه ولا يحاسد، بل هو كله يقابل بالوداد والصفاء {على سرر} وهو ما يسر الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة والكرامة التي هي آية الملك وهو العرش {موضونة *} أي منسوجة نسجاً مضاعفاً منضودة داخلاً بعضها في بعض مقارب النسج معجباً كالدرع لكن نسجها بالذهب مفصلاً بالجوهر من الدر والياقوت.
ولما ذكر السرر وبين عظمتها، ذكر غايتها فقال: {متكئين}
(19/202)

أي متكئين هيئة المتربع أو غيرها من الجنب أو غيرها {عليها} ولما كان الجمع إذا كثر كان ظهور بعض أهله إلى بعض، أعلم أن جموع أهل الجنة على غير ذلك فقال: {متقابلين *} فلا بعد ولا مدابرة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ولا يكره بعضهم بعضاً.
ولما كان المتكىء قد يصعب عليه القيام لحاجته قال: {يطوف عليهم} أي لكفاية كل ما يحتاجون إليه {ولدان} على أحسن صورة وزي وهيئة {مخلدون *} قد حكم ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة، قال البغوي: تقول العرب لمن كبر ولمن شمط: إنه مخلد، قال: قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها ولا سيئات يعاقبون عليها لأن الجنة لا ولادة فيها، فهم خدام أهل الجنة.
ولما كان مدحهم هذا في غاية الإبلاغ مع الإيجاز، وكان فيه - إلى تبليغ ما لهم - تحريك إلى مثل أعمالهم، وكان الأكل الذي هو من أعظم المآرب مشاراً إليه بالمدح العظيم الذي من جملته الاستراحة على الأسرة التي علم أن من عادة الملوك أنهم لا يتسنمونها إلا بعد قضاء الوطر منه فلم يبق بعده إلا ما تدعو الحاجة إليه من المشارب وما يتبعها قال تعالى: {بأكواب} أي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم لا يعوق الشارب منها عائق عن الشرب من أي موضع أراد منها فلا يحتاج أن يحول الإناء إلى الحالة التي تناوله عنها ليشرب، ويمكن أن تكون
(19/203)

البدأة بالشراب لما نالوا من المتاعب من العطش كما لمن يشرب من الحوض فيكون حينئذ قبل الأكل والله أعلم {وأباريق *} أي أواني لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين {وكأس} أي إناء معد للشرب فيه والشراب نفسه.
ولما كان الشراب عاماً بينه بقوله: {من معين *} أي خمر جارية صافية صفاء الماء ليس يتكلف عصرها بل ينبع كما ينبع الماء. ولما أثبت نفعها وما يشوق إليها، نفى ما ينفر عنها فقال: {لا يصدعون} أي تصدعاً يوجب المجاوزة {عنها} أي بوجع في الرأس ولا تفرق لملالة {ولا ينزفون *} أي يذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي يصرع شرابهم، من نزفت البئر - إذا نزح ماؤها كله، ونزف فلان: ذهب عقله أو سكر، وبنى الفعلان لملجهول لأنه لم تدع حاجة إلى معرفة الفاعل، وقال الرازي في اللوامع: قال الصادق: لا تذهل عقولهم عن موارد الحقائق عليهم ولا يغيبون عن مجالس المشاهدة بحال.
ولما بدأ بالألذ الهاضم للأكل، تلاه بما يليه مما يدعو إليه الهضم تصريحاً به بعد التلويح فقال: {وفاكهة مما يتخيرون *} أي هو فيها بحيث لو كان فيها جيد وغيره واختاروا وبالغوا في التنقية لكان مما يقع التخير عليه، ولما ذكر ما جرت العادة بتناوله لمجرد اللذة، أتبعه ما العادة أنه لإقامة البينة وإن كان هناك لمجرد اللذة أيضاً فقال:
(19/204)

{ولحم طير} ولما كان في لحم الطير مما يرغب عنه، احترز عنه بقوله: {مما يشتهون *} أي غاية الشهوة بحيث يجدون لآخره من اللذة ما لأوله.
ولما كان لم يكن بعد الأكل والشرب أشهى من الجماع، قال عاطفاً على {ولدان} : {وحور العين *} أي يطفن عليهم، وجره حمزة والكسائي عطفاً على {سرر} فإن النساء في معنى الاتكاء لأنهن يسمين فراشاً. ولما كان المثل في الأصل الشيء نفسه كما مضى في الشورى قال: {كأمثال} أي مثل أشخاص {اللؤلؤ المكنون *} أي المصون في الصدف عما قد يدنسه.
(19/205)

جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)
ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء، دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى: {جزاء} أي فعل لهم ذلك لأجل الجزاء {بما كانوا} جبلة وطبعاً {يعملون *} أي يجددون عمله على جهة الاستمرار.
ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم، نفى عنها النقص فقال: {لا يسمعون} أي على حال من الأحوال {فيها لغواً} أي شيئاً مما لا ينفع فإن أنكاً. . . بالسميع الحكيم ذلك، واللغو: الساقط {ولا تأثيماً *} أي ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى الله، وما قطع قلوب السائرين إلى الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم
(19/205)

يبني ما ينفعه مجتهداً في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى، وبينا هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد، نزحت داره وشط مزاره، فالله المستعان.
ولما كان الاستثناء، معيار العموم، ساق بصورة الاستثناء قوله: {إلا قيلاً} أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله. ولما تشوف السامع إليه بالعبير بما ذكر، بينه بقوله: {سلاماً} ودل على دوامه بتكريره فقال: {سلاماً *} أي لا يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالاًّ على السلامة لأنه لا عطب فيها أصلاً، وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب، وهو ما يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة.
ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه، وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه، عطف عليه الثاني الذي هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم أيضاً صنفان، وذكر في جزائهم من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال: {وأصحاب اليمين *} ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم، والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال: {ما أصحاب اليمين} ولما عبر عنهم بما
(19/206)

أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال، والبركة في جمع الأحوال، ذكر عشيهم بادئاً بالفاكهة لأن عيش الجنة كله تفكه، ذاكراً منها ما ينبت في بلاد العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة، وأشار إلى كثرة ما يذكره بأن جعله ظرفهم، فقال من غير ذكر لسرير الملك الذي حبا به المقربين من الملك، ولم يزد على ذلك المأكول وما معه بما يتصور للبهائم: {في سدر} أي شجر نبق متدلي الأغصان من شدة حمله، من سدر الشعر - إذا سدله {مخضود *} أي هو مع أنه لا شوك له ولا عجم بحيث تنثني أغصانه من شدة الحمل، من خضد الشوك: قطعه، والغصن: ثناه وهو رطب، وفي ذكر هذا تنبيه على أن كل ما لا نفع فيه أو فيه نوع أذى له في الجنة وجود كريم لأن الجنة إنما خلقت للنعيم.
ولما ذكر ما يطلع في الجبال والأماكن المعطشة والرمال، أتبعه ما لا يطلع إلا على المياه دلالة على أن أماكنهم في غاية السهولة والري فقال: {وطلح} أي شجر موز أو نخل، وقال الحسن: شجر له ظل بارد طيب الرائحة وقال الفراء وأبو عبيدة: شجر عظام لها شوك، وقيل: هو أم غيلان، وله نور كثير، ويحكى عن أبي تراب النخشبي أنه كان سائراً مع قوم من الصوفية على قدم التوكل، فجاعوا أياماً فقال: أتريدون أن تأكلوا، قالوا: نعم، فضرب بيده على شجرة غيلان فإذا عليها عراجين موز، فأكلوا إلا شاباً منهم، فقال: لا آكل
(19/207)

ولا أصحبك بعدها، لأني كنت أسير بلا معلوم، وقد صرت أنت الآن معلومي، كلما جعت التفتت نفسي إليك. {منضود *} أي منظوم بالحمل من أعلاه إلى أسفله متراكم يتراكب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب، قال في القاموس: الطلح: شجر عظيم، والطلع: والموز، والطلع من النخل: شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود، والطرف محدد، أو ما يبدو من ثمرته أول ظهورها.
ولما ذكر ما لا يكون إلا في البلاد الحارة قال: {وظل ممدود *} أي مستوعب للزمان والمكان فهو دائم الاستمداد كما بين الإسفار وطلوع الشمس لا فناء له ولا نهاية. ولما كان ما ذكر من الري لا يستلزم الجري قال: {وماء مسكوب *} أي جار في منازلهم من غير أخدود ولا يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن البعيدة، ولا الإدلاء في بئر كما لأهل البوادي.
ولما ذكر ما تقدم، عم بقوله: {وفاكهة كثيرة *} أي أجناسها وأنواعها وأشخاصها. ولما كانت لا تكون عندنا إلا في أوقات يسيرة، بين أن أمر الجنة على غير ذلك فقال: {لا مقطوعة} ولما كانت في الدنيا قد يعز التوصل إليها مع وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار أو غيره قال: {ولا ممنوعة *} ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال: {وفرش مرفوعة *} أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة الحشو ولتراكم بعضها على بعض
(19/208)

ولأنها على السرر، وروى البغوي من طريق النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام»
(19/209)

إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)
ولما كانت النساء يسمين فرشاً، قال تعالى معيداً للضمير على غير ما يتبادر إليه الذهن من الظاهر على طريق الاستخدام مؤكداً لأجل إنكار من ينكر البعث: {إنا} أي بما لنا من القدرة والعظمة التي لا يتعاظمها شيء {أنشأناهن} أي الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت ولو عن الهرم والعجز بالبعث، وزاد في التأكيد فقال: {إنشاء *} أي من غير ولادة، بل جمعناهن من التراب كما فعلنا في سائر المكلفين ليكونوا كأبيهم آدم عليه الصلاة والسلام في خلقه من تراب، فتكون الإعادة كالبداءة، ولذلك يكون الكل عند دخول الجنة على شكله عليه الصلاة والسلام، ويجوز أن يكون المراد بهن الحور العين فيكون إنشاء مبتدعاً لم يسبق له وجود.
ولما كان للنفس أتم التفات إلى الاختصاص، وكان الأصل في الأنثى المنشأة أن تكون بكراً، نبه على أن المراد بكارة لا تزول إلا حال الوطىء ثم تعود، فكلما عاد إليها وجدها بكراً، فقال: {فجعلناهن} أي الفرش الثيبات وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء {أبكاراً *} أي
(19/209)

بكارة دائمة لأنه لا تغيير في الجنة ولا نقص.
ولما كان مما جرت به العادة أن البكر تتضرر من الزوج لما يلحقها من الوجع بإزالة البكارة، دل على أنه لا نكد هناك أصلاً بوجع ولا غيره بقوله: {عرباً} جمع عروب، وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها، قال الرازي في اللوامع: الفطنة بمراد الزوج كفطنة العرب. ولما كان الاتفاق في السن أدعى إلى المحبة ومزيد الألفة قال: {أتراباً *} أي على سن واحدة وقد واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة وكذا أزواجهن. قال الرازي في اللوامع: أخذ من لعب الصبيان بالتراب - انتهى، «وروى البغوي من طريق عبد بن حميد عن الحسن: قال أتت عجوز النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي، قال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: إنا أنشأناهن، الآية «رواه الترمذي عنه في الشمائل هكذا مرسلاً، ورواه البيهقي في كتاب البعث عن عائشة رضي الله عنها والطبراني في الأوسط من وجه عنها، ومن وجه آخر عن أنس رضي الله عنه، قال شيخنا حافظ عصره ابن حجر: وكل طرقه ضعيفة، وروى البغوي أيضاً من طريق الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية
(19/210)

قال:» عجائزكن في الدنيا عمشاً رمصاً فجعلهن أبكاراً «.
ولما كان هذا الوصف البديع مقتضياً لما يزدهي عنه النفس لأن يقال: لمن هؤلاء؟ وإن كان قد علم قبل ذلك، نبه عليه بقوله تعالى: {لأصحاب اليمين *} ويجوز أن يتعلق ب {أتراباً} نصاً على أنهن في أسنان أزواجهن.
ولما أنهى وصف ما فيه أهل هذا الصنف على أنهى ما يكون لأهل البادية بعد أن وصف ما للسابقين بأعلى ما يمكن أن يكون لأهل الحاضرة، وكان قد قدم المقايسة في السابقين بين الأولين والآخرين، فعل هنا كذلك فقال: {ثلة من الأولين *} أي من أصحاب اليمين {وثلة} أي منهم {من الآخرين *} فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة، والظاهر أن الآخرين أكثر، فإن وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة، فإنهم عشرون ومائة صف، هذه الأمة منهم ثمانون صفاً» .
ولما أتم وصف ما فيه الصنفان المحمودان، وبه تمت أقسام أصحاب الميمنة الأربعة الذين هم أصحاب القلب واليمين، أتبعه أضدادهم فقال: {وأصحاب الشمال} أي الجهة التي تتشاءم العرب بها وعبر بها عن الشيء الأخس والحظ الأنقص، والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما
(19/211)

كان أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة، ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال: {ما أصحاب الشمال *} أي إنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه. ولما ذمهم وعابهم، ذكر عذابهم ليعلم أن القسم الأشد منهم في الشؤم أشد عذاباً فقال: {في سموم} أي ظرفهم المحيط بهم لفح من لفح النار شديد يتخلل المسام {وحميم *} أي ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم. ولما كان للتهكم في القلب من شديد الوقد ما يجل عن الوصف والحد قال: {وظل} ثم أتبعه ما صرح بأنه تهكم فقال: {من يحموم *} أي دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد بما أفهمته الزيادة وشبه صيغة المبالغة: ولما كان المعهود من الظل البرد والإراحة، نفى ذلك عنه فقال: {لا بارد} ليروح النفس {ولا كريم *} ليؤنس به ويلجأ إليه ويرجى خيره ويعول في حال عليه بأن يفعل ما يفعله الواسع الخلق الصفوح من الإكرام، بل هو مهين، سماه ظلاًّ لترتاح النفس إليه ثم نفى عنه نفع الظل وبركته لينضم حرقان: اليأس بعد الرجاء إلى إخراق اليحموم فتصير الغصة غصتين.
ولما أنتج هذا أنه على خلق اللئيم فهو موضع الحرارة والضيق والخسة والشدة، علله بقوله: {إنهم} أكده وإن كان فيهم أهل
(19/212)

الضر لاجتماعهم في الاسترواح إلى منابذة الدين باتباع الشهوات، ولأن ما مضى لهم بالنسبة إلى هذا العذاب حال ناعم، وعبر بالكون دلالة على العراقة في ذلك ولو بتهيئهم له جبلة وطبعاً فقال: {كانوا} أي في الدنيا. ولما كان ذلك ملازماً للاستغراق في الزمان بميل الطباع، نزع الجار فقال: {قبل ذلك} أي الأمر العظيم الذي وصلوا إليه {مترفين *} أي في سعة من العيش منهمكين في الشهوات مستمتعين بها متمكنين فيها لترامي طباعهم إليها فأعقبهم ما في جبلاتهم من الإخلاد إلى الترف عدم الاعتبار والاتعاظ في الدنيا والتكبر على الدعاة إلى الله، وفي الآخرة شدة الألم لرقة أجسامهم المهيأة للترف بتعودها بالراحة بإخلادها إليها وتعويلها عليها {وكانوا} أي مع الترف {يصرون} أي يقيمون ويدومون على سبيل التجديد مما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك {على الحنث} أي الذنب، ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث، أي الحلم الذي هو وقت المؤاخذة بالذنب، ويطلق الحنث على الكذب والميل إلى الأباطيل واليمين الغموس ونقض العهد المؤكد.
ولما كان ذلك قد يكون من المعهود مما يغتفر بكونه صغيراً أو في وقت يسير قال: {العظيم *} دالاًّ على أنهم يستهينون العظائم من القبائح والفواحش.
(19/213)

وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55)
ولما وصفهم بالترف والإصرار على السرف، وكان ذلك يلازم
(19/213)

البطالة، وكان يلزم عنها الغباوة والفساد الموجب للشقاوة، ذكر إنكارهم لما لا أبين منه، فقال عاطفاً على ما أفهمه التعبير عن الإثم بالحنث من نحو: فكانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم لا يبعثون وأن الرسل كاذبون: {وكانوا يقولون *} أي إنكاراً مجددين لذلك دائماً جلافة أو عناداً: {أئذاً} أي أنبعث إذاً، وحذف العامل لدلالة {مبعوثون} عليه، ولا يعمل هو لأن الاستفهام وحرف التأكيد اللذين لهما الصدر معناه {متنا} أي فلم يبق في رد أرواحنا طب بوجه {وكنا} أي كوناً ثابتاً {تراباً وعظاماً} ولما كان استفهامهم هذا لإنكار أن يكون في شيء من إقامة أبدانهم أو رد أرواحهم طب، أعاد الاستفهام تاكيداً لإنكارهم فقال: {أءِنا لمبعوثون *} أي كائن وثابت بعثنا ساعة من الدهر، وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون المؤكد بطريق الأولى.
ولما كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم. وكان البلى كلما كان أقوى كان ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد، قالوا مخرجين في جملة فعلية عطفاً على الواو من {معبوثون} من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام: {أو آباؤنا} أي يبعث آباؤنا أي يوجد بعثهم من حين، وزادوا الاستبعاد على ما أفهموا بقولهم: {الأولون *} أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم، فصاروا كلهم تراباً ولا سيما إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب، وذهبت به في كل صوب، وسكن نافع وابن عامر الواو على أن العاطف {أو} ويجوز أن
(19/214)

يكون العطف على محل «إن» واسمها.
ولما كانوا في غاية الجلافة، رد إنكارهم بإثبات ما نفوه، وزادهم الإخبار بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه، فقال مخاطباً لأعلى الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا هو كما أنه لا يقوم بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو: {قل} أي لهم ولكل من كان مثلهم، وأكد لإنكارهم: {إن الأولين} الذين جعلتم الاستبعاد فيهم أولياً، ونص على الاستغراق بقوله: {والآخرين *} ودل على سهولة بعثهم وأنه في غاية الثبات، منبهاً على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت: {لمجموعون *} بصيغة اسم المفعول، في المكان الذي يكون فيه الحساب. ولما كان جمعهم بالتدريج، عبر بالغاية فقال: {إلى ميقات} أي زمان ومكان {يوم معلوم *} أي معين عند الله، ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات، والميقات: ما وقت به الشيء من زمان أو مكان أي حد.
ولما كان زمان البعث متراخياً عن نزول القرآن، عبر بأداته وأكد لأجل إنكارهم فقال: {ثم} أي بعد البعث بعد الجمع المدرج {إنكم} وأيد ما فهمه من أصحاب الشمال هم القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال: {أيها الضالون} أي الذين غلبت عليه الغباوة فيهم لا يفهمون، ثم أتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال: {المكذبون *} أي تكذيباً ناشئاً عن الضلال والتقيد بما لا يكذب
(19/215)

به إلا عريق في التكذيب بالصدق {لآكلون من شجر} منبته النار.
ولما كان الشجر معدن الثمار الشهية كالسدر والطلح، بينه بقوله: {من زقوم *} أي شيء هو في غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة والأذى، قال أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه: الزقم: شوب اللبن والإفراط فيه، يقال: بات يزقم اللبن زقماً، ومن هذا الزقوم الذي ذكره الله تبارك وتعالى، وقالا: قال أبو حنيفة: الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه النحل، ونورها أبيض ورأس ورقها قبيح جداً، وهي مرعى، ومنابتها السهل، وقال في القاموس: في الدفر بالدال المهملة، الدفر - بالتحريك: وقوع الدود في الطعام والذل والنتن، ويسكن، وقال في المعجمة: الذفر - محركة: شدة ذكاء الريح كالذفرة أو يخص برائحة الإبط المنتن، والنتن وماء الفحل، والذفراء من الكتائب: السهكة من الحديد، والكعبرة بضمتين عين وراء مهملتين: عقدة أنبوب الزرع، وعن السهيلي أن أبا حنيفة ذكر في النبات أن شجرة باليمن يقال لها الزقوم لا ورق لها، وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيات، وقال البيضاوي: شجرة صغيرة الورق دفرة مرة تكون بتهامة، وفي القاموس: والزقمة: الطاعون وقال في النهاية: فعول من الزقم: اللقم الشديد
(19/216)

والشرب المفرط، وقال ابن القطاع: زقم زقماً: بلع، وقد علم من مجموع هذا الكلام تفسيره بالطاعون تارة والشرب المفرط أخرى، ومن الاشتراط والشجرة المنتنة والبشعة المنظر أنه شيء كريه يضطر آكله إلى التملؤ منه بنهمة وهمة عظيمة، ومن المعلوم أن الحامل له على هذا مع هذه الكراهة لا يكون إلا في أعلى طبقات الكراهة، ولذلك حسن جداً موقع قوله مسبباً عن الأكل: {فمالئون} أي ملأً هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم الكراهة {منها} أي الشجر، أنثه لأنه جمع شجر أو هو اسم جنس، وهم يكرهون الإناث فتأنيثه - والله أعلم - زيادة في تنفيرهم منه {البطون *} أي لشيء عجيب يضطركم إلى تناول هذا الكريه مما هو أشد منه كراهة بطبقات من جوع أو غيره، وإن فسرت بما قالوا من أنه معروف لهم أنه الزبد بالتمر لم يضر ذلك بل يكون المعنى أنهم يتملؤون منها تملأ من يأكل من هذا في الدنيا مع أنه من المعلوم أنه لا شيء في النار المعدة للعذاب لمن أعدت لعذابه حسن.
ولما كان من يأكل كثيراً يعطش عطشاً شديداً فيشرب ما قدر عليه رجاء تبريد ما به من حرارة العطش، سبب عنه قوله: {فشاربون عليه} أي على هذا المليء أو الأكل {من الحميم *} أي الماء الذي هو في غاية الحرارة بحث ضوعف إحماؤه وإغلاؤه.
ولما كان شربهم لأدنى قطرة من ذلك في غاية العجب،
(19/217)

أتبعه ما هو أعجب منه وهو شدة تملئهم منه فقال مسبباً عما مضى: {فشاربون} أي منه {شرب} بالفتح في قراءة الجماعة وبالضم لنافع وعاصم وحمزة، وقرئ شاذاً بالكسر والثلاثة مصادر، قال في القاموس: وشرب كسمع شرباً ويثلث أوالشراب مصدر وبالضم والكسر اسمان، وبالفتح القوم: يشربون، وبالكسر: الماء والحظ منه، والمورد ووقت الشرب، والكل يصلح هنا {الهيم *} أي الإبل العطاش لأن بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم، وقال القزاز: جمع هيماء وهو أي - اليهام - بالضم: داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى - انتهى. وقال: ذو الرمة:
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ... صداها ولا يقضي عليها هيامها
ويقال: الهيم: الرمل، ينصب فيه كل ما صب عليه، والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى الأكل ثم من العطش ما يضطرهم إلى الشرب على هذه الهيئة.
(19/218)

هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)
ولما كان كأنه قيل: هذا عذابهم كله، قيل تهكماً بهم ونكاية لهم: {هذا نزلهم} أي ما يعد لهم أول قدومهم مكان ما يعد للضيف أول حلوله كرامة له {يوم الدين *} أي الجزاء الذي هو حكمة القيامة، وإذا كان هذا نزلهم فما ظنك بما يأتي بعده على طريق من يعتني به فما ظنك بما يكون لمن هو أغنى منهم من المعاندين وهو في طريق التهكم مثل قول أبي الشعراء الضبي:
وكنا إذا الجبار بالسيف ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
(19/218)

ولما ذكر الواقعة وما يكون فيها للأصناف الثلاثة، وختم بها على وجه بين فيه حكمتها وكانوا ينكرونها، دل عليه بقوله: {نحن} أي لا غيرنا {خلقناكم} أي بما لنا من العظمة، ولعل هذا الخطاب للدهرية المعطلة من العرب. ولما كانوا منكرين للبعث عدوا منكرين للابتداء وإن كانوا من المخلصة بالمقريب بالخلق لأنهما لما بينهما من الملازمة لا انفكاك لأحدهما عن الآخر فقال: {فلولا} أي فتسبب عن ذلك أن يقال تهديداً ووعيداً: هلا ولم لا {تصدقون *} أي بالخلق الذي شاهدتموه ولا منازع لنا فيما فيه فتصدقوا بما لا يفرق بينه وبينه إلا بأن يكون أحق منه في مجاري عاداتكم، وهو الإعادة فتعملوا عمل العبيد لساداتهم ليكون حالكم حال مصدق بأنه مربوب.
ولما حضضهم على التصديق بالاستدلال بإيجادهم، وكان البعث إنما هو تحويلهم من صورة بالية إلى الصورة التي كانوا عليها من قبل، سبب عن تكذيبهم به مع تصديقهم بالخلق عدم النظر في تبديل الصور في تفاصيله، أو سبب عن قول من عساه يقول من أهل الطبائع: إنما خلقنا من نطفة حدثت بحرارة كامنة، فقال: {أفرأيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة أنا خلقناكم فيهديكم ذلك أنا نقدر على الإعادة كما قدرنا على البداءة فرأيتم {ما تمنون *} أي تريقون - من النطف التي هي مني في الأرحام بالجماع.
ولما كانت العبرة بالمسبب لا بالسبب، نبه على ذلك بتجديد الإنكار
(19/219)

تنبيهاً على أنهم وإن كانوا معترفين بتفرده بالإبداع، فإن إنكارهم للبعث مستلزم لإنكارهم لذلك فقال: {ءأنتم تخلقونه} أي توجدونه مقدراً على ما هو عليه من الاستواء والحكمة بعد خلقه من صورة النطفة إلى صورة العلقة ثم من صورة العلقة إلى صور المضغة ثم منها إلى صور العظام والأعصاب {أم نحن} خاصة. ولما كان المقام لتقرير المنكرين ذكر الخبر المفهوم من السياق على وجه أفهم أن التقدير: أو أنتم الخالقون له أم نحن؟ فقال: بل نحن {الخالقون *} أي الثابت لنا ذلك، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً {تخلقون} دليلاً على حذف مثله له سبحانه ثانياً، وذكر الاسم ثانياً دليلاً على حذف مثله لهم أولاً، وسر ذلك أنه ذكر ما هو الأوفق لأعمالهم مما يدل على وقت التجدد ولو وقتاً ما، وما هو الأولى بصفاته سبحانه مما يدل على الثبات والدوام.
ولما كان الجواب: أنت الخالق وحدك، وكان الطبيعي ربما قال: اقتضى ذلك الحرارة المخمرة للنطفة، وكانت المفاوتة للآجال مع المساواة في اسمية الحياة من الدلائل العظيمة على تمام القدرة على الإفناء والإبداء بالاختيار مبطلة لقول أهل الطبائع دافعة لهم، أكد ذلك الدليل بقوله: {نحن} أي بما لنا من العظمة لا غيرنا {قدرنا} أي تقديراً
(19/220)

عظيماً، لا يقدر سوانا على نقض شيء منه {بينكم} أي كلكم لم نترك أحداً منكم بغير حصة منه {الموت} أي أوجبناه على مقدار معلوم لكل أحد لا يتعداه، فقصرنا عمر هذا وربما كان في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج، فلو اجتمع الخلق كلهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخروه لحظة، وأطلنا عمر هذا وقد يكون في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج لو تمالؤوا على تقصيره طرفة عين لعجزوا، وأنتم معترفون بأنه سبحانه رتب أفعاله على مقتضى الكمال والقدرة والحكمة البالغة، فلو كانت فائدة الموت مجرد القهر لكانت نقصاً لكونه يعم الغني والفقير والظالم والمظلوم، ولكان جعل الإنسان مخلداً أولى وأحكم، ففائدته غير مجرد القهر وهي الحمل على إحسان العمل للقاهر خوفاً من العرض عليه والمحاسبة بين يديه ثم النقلة إلى دار الجزاء والترقية إلى العلوم التي البدن حجابها من تمييز الخبيث والطيب والعلم بمقادير الثواب والعقاب، وغير ذلك مما يبصره أولو الألباب.
ولما كان حاصل الموت أنه تغيير الصورة التي كانت إلى غيرها، وكان من قدر على تحويل صورة إلى شيء قدر على تحويلها إلى شيء آخر مماثل لذلك الشيء قال: {وما نحن} أي على ما لنا من العظمة، وأكد النفي فقال: {بمسبوقين *} أي بالموت ولا عاجزين ولا مغلوبين {على أن نبدل} تبديلاً عظيماً {أمثالكم} أي صوركم وأشخاصكم لما تقدم في الشورى من أن المثل في الأصل هو الشيء نفسه {وننشئكم} أي إنشاء جديداً بعد تبديل ذواتكم {في ما لا تعلمون *}
(19/221)

فإن بعضهم تأكله السباع أو الحيتان أو الطيور فتنشأ أبدانُها منه، بعضهم يصير تراباً فربما نشأ منه نبات فأكلته الدواب، فنشأ منه أبدانها، وربما صار ترابه من معادن الأرض كالذهب والفضة والحديد والحجر ونحو ذلك، وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً} إلى آخرها، أو يكون المعنى كما قال البغوي: نأتي بخلق مثلكم بدلاً منكم ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور. أي بتغيير أوصافكم وصوركم في صور أخرى بالمسخ، ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة.
(19/222)

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)
ولما كان التقدير: فلقد علمتم النشأة الثانية النطفية، عطف عليه قوله مؤكداً تنبيهاً على أنهم لما كانوا يعملون بخلاف ما يعلمون كانوا كأنهم منكرون لهذا العلم: {ولقد علمتم} أي أيها العرب {النشأة الأولى} الترابية لأبيه آدم عليه الصلاة والسلام: أو اللحمية لأمكم حواء عليها السلام حيث لم يكن هناك طبيعة تقتضي ذلك، وإلا لوجد مثل ذلك بعد ذلك، والنطفية لكم، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره، فالذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا تراباً إلى ما كنتم عليه أولاً من الصورة؟ ولهذا سبب عما تقدم قوله: {فلولا} أي فهلا ولم لا {تذكرون *} أي تذكراً عظيماً تكرهون أنفسكم وإن كان فيه خفاء ما - مما أشار إليه الإدغام من أن الملوم عليه غيب، وكذا
(19/222)

بعض ما قيس به أن من قدر على هذه الوجوه من الإبداءات قدر على الإعادة، بل هي أهون في مجاري عاداتكم.
ولما كان علمهم بأمر النبات الذي هو الآية العظمى لإعادة الأموات أعظم من علمهم بجميع ما مضى، وكان أمره في الحرث وإلقاء البذر فيه أشبه شيء بالجماع وإلقاء النطفة، ولذلك سميت المرأة حرثاً، وصل بما مضى مسبباً عنه قوله منكراً عليهم: {أفرأيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهناكم عليه وفيما تقدم فتسبب عن تنبهكم لذلك أنكم رأيتم {ما تحرثون *} أي تجددون حرثه على سبيل الاستمرار بتهيئة أرضه للبذر وإلقاء البذر فيه.
ولما كانوا لا يدعون القدرة على الإنبات بوجه، وكان القادر عليه قادراً على كل شيء، وهم يعتقدون في أمر البعث ما يؤدي إلى الطعن في قدرته، كرر الإنكار عليهم فقال: {ءأنتم تزرعونه} أي تنبتونه بعد طرحكم البذر فيه وتحفظونه إلى أن يصير مالاً {أم نحن} خاصة، وأكد لما مضى بذكر الخبر المعلوم من السياق فقال: {الزارعون *} أي المنبتون له والحافظون، فالآية من الاحتباك بمثل ما مضى في أختها قريباً سواء.
ولما كان الجواب قطعاً: أنت الفاعل لذلك وحدك؟ قال موضحاً لأنه ما زرعه غيره بأن الفاعل الكامل من يدفع عما صنعه ما
(19/223)

يفسده، ومن إذا أراد إفساده لم يقدر أحد على منعه {لو نشاء} أي لو عاملناكم بصفة العظمة، وأكد لأن فعلهم فعل الآمن من ذلك مع أنهم في غاية الاستبعاد لأن يهلك زرعهم كما زرعوه أو لأن المطعوم أهم من المشروب وأعظم، فإنه الأصل في إقامة البدن والمشروب تبع له فقال: {لجعلناه} أي بتلك العظمة {حطاماً} أي مكسراً مفتتاً لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ببرد مفرط أو حر مهلك أو غير ذلك فلا ينتفع به {فظلتم} أي فأمتم بسبب ذلك نهاراً في وقت الأشغال العظيمة وفي كل وقت وتركتم كل ما يهمكم {تفكهون *} قال في القاموس: فكههم بملح الكلام: أطرفهم بها وفكه - كفرح فكهاً فهو فكه وفاكه: طيب النفس أو يحدث صحبه فيضحكم ومنه تعجب كتفكه، والتفاكه: التمازح، وتفكه: تندم: والأفكوكة: الأعجوبة، وقال ابن برجان: الفكه هو المتردد في القول الذاهب فيه كل مذهب - انتهى.
فأقمتم دائماً تندمون على العاقكم أو معاصيكم التي سببت ذلك التلف أو تتعجبون أو تحدثون في ذلك ولم تعرجوا على شغل غيره كما تفعلون عند الأشياء السارة التي هي في غاية الإعجاب والملاحة والملاءمة، ولهذا عبر عما المراد به الإقامة مع الدوام ب {ظل} الذي معناه أقام نهاراً إشارة إلى ترك الأشغال التي تهم ومحلها النهار ويمنع الإنسان من أكثر ما يهمه من الكلام لهذا النازل الأعظم، وحذف إحدى لامي ظل وتاء التفعل من تفكه إشارة
(19/224)

إلى ضعف المصابين عن الدفاع في بقائهم وفي كلامهم حال بقائهم الضعيف، وكون المحذوف عين الفعل وهو الوسط، إشارة إلى خلع القلب واختراق الجوف والقهر العظيم، فلا قدرة لأحد منهم على ممانعة هذا النازل بوجه ولا على تبريد ما اعتراه منه من حرارة الصدر وخوف الفقر بغير الشكاية إلى آماله ممن يعلم أنه لا ضر في يده ولا نفع، ورمبا كان ذلك إشارة إلى أنه عادته سبحانه قرب الفرج من شدائد الدنيا ليكون الإنسان متمكناً من الشكر لا عذر له في تركه، ويكون المعنى أنكم مع كثرة اعتيادكم للفرج بعد الشدة عن قرب تيأسون أول ما يصدمكم البلاء، فتقبلون على كثرة الشكاية، ولا ينفعكم كثرة التجارب لإدرار النعم أبداً.
ولما ذكر تفكههم، وكان التفكه يطلق على ما ذكر من التعجب والتندم وعلى التنعم، قال الكسائي: هو من الأضداد، تقول العرب: تفكهت أي تنعمت، وتفكهت، أي حزنت، بين المراد بقوله حكاية لتفكههم: {إنا} وأكد إعلاماً بشدة بأسهم فقال {لمغرمون *} أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب وهلاك لهلاك رزقنا، أو مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالاستفهام لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه، وهي منبهة على أنهم لشدة اضطرابهم من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون باليأس والشر وتارة يشكون فيه وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم، وعليه يدل
(19/225)

إضرابهم: {بل نحن} أي خاصة {محرمون *} أي حرمنا غيرنا وهو من لا يرد قضاؤه، فلا حظ لنا في الاكتساب، فلو كان الزراع ممن له حظ لأفلح زرعه، قال في القاموس: الغرام: الولوع والشر الدائم والهلاك والعذاب، والغرامة ما يلزم أداؤه، وحرمه: منعه، والمحروم، الممنوع عن الخير ومن لا ينمى له مال والمحارف - أي بفتح الراء - وهو الممنوع من الخير الذي لا يكاد يكتسب، وقال الأصبهاني في تفسيره: والمحروم ضد المرزوق، أي والمرزوق المجرود بالجيم وهو المحظوظ.
ولما وقفهم على قدرته في الزرع مع وجود أسبابه، وقدمهم بشدة إليه، وكان ربما ألبس نوع لبس لأن لهم فيه سبباً في الجملة، أتبعه التوقيف على قدرته على التصرف في سببه الذي هو الماء الذي لا سبب لهم في شيء من أمره أصلاً، فقال مسبباً عما أفادهم هذا التنبيه مذكراً بنعمة الشرب الذي يحوج إليه الغذاء: {أفرءيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهنا عليه مما مضى في المطعم وغيره، أفرأيتم {الماء} ولما كان منه ما لا يشرب، وكانت النعمة في المشروب أعظم، قال واصفاً له بما أغنى عن وصفه بالعذوبة، وبين موضع النعمة التي لا محيد عنها فقال: {الذي تشربون *} ولما كان عنصره في جهة العلو، قال منكراً عليهم مقرراً لهم: {أءنتم أنزلتموه} ولما كان الإنزال
(19/226)

قد يطلق على مجرد إيجاد الشيء النفيس، وكان السحاب من عادته المرور مع الريح لا يكاد يثبت، عبر بقوله تحقيقاً لجهة العلو وتوقيفاً على موضع النعمة في إثباته إلى أن يتم حصول النفع به: {من المزن} أي السحاب المملوء الممدوح الذي شأنه الإسراع في المضي، وقال الأصبهاني، وقيل: السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء {أم نحن} أي خاصة، وأكد بذكر الخبر وهو لا يحتاج إلى ذكره في أصل المعنى فقال: {المنزلون *} أي له، رحمة لكم وإحساناً إليكم بتطييب عيشكم على ما لنا من مقام العظمة الذي شأنه الكبر والجبروت وعدم المبالاة بشيء، والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في الآيتين السابقتين سواء.
(19/227)

لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)
ولما كان الجواب: أنت وحدك فعلت ذلك على غناك عن الخلق بما لك من الرحمة وكمال الذات والصفات، قال مذكراً بنعمة أخرى: {لو نشاء} أي حال إنزاله وبعده قبل أن ينتفع به. ولما كانت صيرورة الماء ملحاً أكثر من صيرورة النبت حطاماً، ولم يؤكد لذلك وللتنبيه على أن السامعين لما مضى التوقيف على تمام القدرة صاروا في حيز المعترفين فقال تعالى: {جعلناه} أي بما تقتضيه صفات العظمة {أجاجاً} أي ملحاً مراً محرقاً كأنه في الأحشاء لهيب النار المؤجج فلا يبرد عطشاً ولا ينبت نبتاً ينتفع به. ولما كان هذا مما لا يساغ لإنكاره،
(19/227)

سبب عنه على سبيل الإنكار والتحضيض قوله: {فلولا تشكرون *} أي فهل لا ولم لا تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ما أفادكم ذلك من القوى في طاعة الذي أوجده لكم ومكنكم منه وجعله ملائماً لطباعكم مشتهى لنفوسكم نافعاً لكم في كل ما ترونه.
ولما كانت النار سبباً لعنصر ما فيه الماء فيتحلب فيتقاطر كما كان الماء سبباً لتشقيق الأرض بالزرع، ولم يكن لمخلوق قدرة على التول بنوع سبب، أتبعه بما كما أتبع الزرع بالماء لذلك ولبيان القدرة على ما لا سبب فيه لمخلوق في السفل كما كان إنزال الماء عرياً عن سنتهم في العلو، فقال مسبباً عما مضى تنبيهاً على أنه أهلهم للتأمل في مصنوعاته والتبصر في عجائب آياته فقال: {أفرءيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالأبصار والبصائر ما تقدم فرأيتم {النار} ولما كان المراد ناراً مخصوصة توقفهم على تمام قدرته وتكشف لهم ذلك كشفاً بيناً بإيجاد الأشياء من أضدادها فقال: {التي تورون *} أي تستخرجون من الزند فتوقدون به سواء كان الزند يابساً أو أخضر بعد أن كانت خفية فيه لا يظن من لم يجرب ذلك أن فيه ناراً أصلاً، فكان ذلك مثل التورية التي يظهر فيها شيء ويراد غيره، ثم صار بعد ذلك الخفاء إلى ظهور عظيم وسلطة متزايدة وعظمة ظاهرة تحرق كل ما لا بسها حتى ما خرجت منه، والعرب أعرف الناس بأمر الزند، وذلك أنهم يقطعون
(19/228)

غصناً من شجر المرخ وآخر من العفار، ويحكون أحدهما على الآخر فتتقدح منها النار على أن النار في كل شجر، وإنما خص المرخ والعفار لسهولة القدح منهما، وقد قالوا: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار.
ولما كان هذا من عجائب الصنع، كرر التقرير والإنكار تنبيهاً عليه فقال: {ءأنتم أنشأتم} أي اخترعتم وأوجدتم وأودعتم وأحييتم وربيتم وأوقعتم {شجرتها} أي المرخ والعفار التي تتخذون منها الزناد الذي يخرج منه، وأسكنتموها النار مختلطة بالماء الذي هو ضدها وخبأتموها في تلك الشجرة لا يعدو واحد منها على الآخر مع المضادة فيغلبه حتى يمحقه ويعدمه {أم نحن} أي خاصة، وأكد بقوله: {المنشئون *} أي لها بما لنا من العظمة على تلك الهيئة، فمن قدر على إيجاد النار التي هي أيبس ما يكون من الشجرة الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها في كيفيتها، كان أقدر على إعادة الطرواة والغضاضة في تراب الجسد الذي كان غضاً طرياً فيبس وبلي، والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في أخواتها سواء.
ولما كان الجواب قطعاً: أنت وحدك، قال دالاًّ على ذلك تنبيهاً على عظم هذا الخبر: {نحن} أي خاصة {جعلناها} بما اقتضته عظمتنا، وقدم من منافعها ما هو أولى بسياق البعث الذي هو مقامه فقال: {تذكرة} أي شيئاً تتذكرونه وتتذكرون به تذكراً عظيماً جليلاً عن
(19/229)

كل ما أخبرنا به من البعث وعذاب النار الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة الزقوم وغير ذلك مما ننيره لأولي البصائر والفهوم من العلوم، قال ابن برجان: فوزان قدح الزناد من الشجر، والزناد وزان الصيحة بهم ووزان إنشائه الأجسام وزان إنشائه الشجرة النار، ويتذكر بإنشائها في الشجر إنشاء الحياة في الأجسام وبإنشائها من غيبها أن النار الكبرى في غيب ما نشاهده، وهذا من آثار كونها في الجو - انتهى. وعلق بها سبحانه كثيراً من أسباب المعاش التي لا غنى عنها ليكون مذكراً لهم بما أوقدوا به حاضراً دائماً فيكون أجدر باتعاظهم {ومتاعاً} أي إنشاءً وبقاءً وتعميراً ونفعاً وإيصالاً إلى غاية المراد من الاستضائة والاصطلاء والإنضاج والتحليل والإذابة والتعقيد والتكليس، وهروب السباع وغير ذلك، والمراد أنها سبب لجميع ذلك {للمقوين} أي الجياع الذي أقوت بطونهم - أي خلت - من الفقر والإغناء من النازلين بالأرض القواء، والقواء بالكسر والمد أي القفر الخالية المتباعدة الأطراف البعيدة من العمران، وكل آدمي مهيأ للقواء فهو موصوف به وإن لم يكن حال الوصف كذلك، وقال الرازي: أقوى من الأضداد: اغتنى وافتقر، وقال أبو حيان: وهذه الأربعة التي ذكرها الله تعالى ووقفهم عليها من أمر خلقهم وما به قوام عيشهم من المطعوم والمشروب، والنار من أعظم الدلائل على البعث إذ فيها انتقال من شيء إلى شيء إحداث
(19/230)

شيء من شيء، ولذلك أمر في آخرها بتنزيهه - انتهى.
ولما دل سبحانه في هذه الآيات على عجائب القدرة وغرائب الصنع، فبدأ بالزرع وختم بالنار والشجر، وأوجب ما نبه التذكر لأمرها والتبصر في شأنها أنها من أسباب ما قبلها، وأنه سبب لها لكونه سبباً لها لإثبات ما هي له، وكان مجموع ذلك إشارة إلى العناصر الأربعة، قال ابن برجان: إلاّ أن الماء والأرض لخلق الأركان، والأخلاق والصفات للهواء والنار، وكان ذلك من جميع وجوهه أمراً باهراً، أشار إلى زيادة عظمته بالأمر بالتنزيه مسبباً عما أفاد ذلك، فقال معرضاً عمن قد يلم به الإنكار مقبلاً على أشرف خلقه إشارة إلى أنه لا يفهم هذا المقام حق فهمه سواه ولا يعمل به حق عمله غيره: {فسبح} أي أوقع التنزيه العظيم عن كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولا سيما بعد بلوغ هذه الأدلة إلى حد المحسوس تسبيح متعجب من آثار قدرته الدالة على تناهي عظمته وتسبيح شكر له وتعظيم له وإكبار وتنزيه عما يقول الجاحدون وتعجيب منهم مقتدياً بجميع ما في السماوات والأرض، ومن أعجب ذلك أنه سخر لنا في هذه الدار جهنم، قال ابن برجان: جعل منها بحرارة الشمس جنات وثمرات وفواكه وزروع ومعايش.
(19/231)

ولما كان تعظيم الاسم أقعد في تعظيم المسمى قال: {باسم} أي متلبساً بذكر اسم {ربك} أي المحسن بعد التربية إليك بهذا البيان الأعظم بما خصك به مما لم يعطه أحداً غيرك، وأثبتوا ألف الوصل هنا لأنه لم يكثر دوره كثرته في البسملة منها وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه، وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل على الحذف منه، وكذا لا تحذف الألف مع غير الباء في اسم الله ولا مع الباء في غير الجلالة من الأسماء لما تقدم من العلة.
ولما كان المقام للتعظيم قال: {العظيم *} الذي ملأ الأكوان كلها عظمة، فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزهاً عن أن تلحقه شائبة نقص أو يفوته شيء من كمال، قال القشيري: وهذه الآيات التي عددها سبحانه تمهيد لسلوك طريق الاستدلال وكما في الخبر «تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة» هذه الفكرة التي نبه الله عليها.
ولما كان من العظمة الباهرة ما ظهر في هذه السورة من أفانين الإنعام في الدارين، وبدأ بنعمة الآخرة لكونها النتيجة، ثم دل عليها بإنعامه في الدنيا فكان تذكيراً بالنعم لتشكر، ودلالة على النتيجة لتذكر، وفي كل حالة تستحضر فلا تكفر، فوصلت الدلالة إلى حد هو أوضح من المحسوس وأضوأ من المشموس، وكان مع هذه الأمور الجليلة
(19/232)

في مظهر أعجز الخلائق على أن يأتوا بمثله من كل وجه، أما من جهة الجواب عن تشبههم وتعنتهم فلكونه يطابق ذلك مطابقة لا يمكن أن يكون شيء مثلها، ويزيد على ذلك بما شاء الله من المعارف من غير أن يدع لبساً، وأما من جهة المفردات فلكونها النهاية في جلالة الألفاظ ورشاقة الحروف وجمع المعاني، فيفيد ذلك أنه لا تقوم كلمة أخرى مقام كلمة منه أصلاً، وأما من جهة التركيب فلكون كل كلمة منها أحق في مواضعها بحيث إنه لو قدم شيء منها أو أخر لاختل المعنى المراد في ذلك السياق بحسب ذلك المقام، وأما من جهة الترتيب في الجمل والآيات والقصص في المبادئ والغايات فلكونه مثل تركيب الكلمات، كل جملة منتظمة بما قبلها انتظام الدر اليتيم في العقد المحكم النظيم، لأنها إما أن تكون علة لما تلته أو دليلاً أو متممة بوجه من الوجوه الفائقة على وجه ممتع الجناب جليل الحجاب لتكون أحلى في فمه، وأجلى بعد ذوقه في نظمه وسائر علمه، فكان ثبوت جميع ما أخبر به على وجه لا مغتمر فيه ولا وقفة في اعتقاد حسنه، فثبت أن الله تعالى أرسل الآتي بهذا القرآن صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالهدى وبالحق، لا أنه آتاه كل ما ينبغي له، فآتاه الحكمة وهي البراهين القاطعة واستعمالها على وجوهها، والموعظة الحسنة، وهي الأمور المرققة للقلوب المنورة للصدور، والمجادلة التي هي على أحسن الطرق في نظم معجز موجب للإيمان، فكان من سمعه
(19/233)

ولم يؤمن لم يبق له من الممحلات إلا أن يقول: هذا البيان ليس لظهور المدعى وثبوته بل لقوة عارضة المدعي وقوته على تركيب الأدلة وصوغ الكلام وتصريف وجوه المقال، وهو يعلم أنه يغلب لقوة جداله لا لظهور مقاله، كما أنه ربما يقول أحد المتناظرين عند انقطاعه لخصمه: أنت تعلم أن الحق معي لكنك تستضعفني ولا تنصفني، فحينئذ لا يبقى للخصم جواب إلا الإقسام بالإيمان التي لا مخرج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف، وإنما يفزع إلى الإيمان لأنه لو أتى بدليل آخر لكان معرضاً لمثل هذا، فيقول: وهذا غلتني فيه لقوة جدالك وقدرتك على سوق الأدلة ببلاغة مقالك، فلذلك كانوا إذا أفحمهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: إنه يريد أن يتفضل علينا فيما نعلم خلافه، فلم يبق إلا الإقسام، فأنزل الله أنواعاً من الأقسام بعد الدلائل العظام، ولهذا كثرت الآيات في أواخر القرآن، وفي السبع الأخيرة خاصة أكثر، فلذلك سبب عن هذه الأدلة الرائعة والبراهين القاطعة قوله: {فلا أقسم} بإثبات «لا» النافية، إما على أن يكون مؤكدة بأن ينفي ضد ما أثبته القسم، فيجمع الكلام بين إثبات المعنى المخبر به ونفي ضده، وإما على تقدير أن هذا المقام يستحق لعظمته وإنكارهم له أن
(19/234)

يقسم عليه بأعظم من هذا على ما له من العظمة لمن له علم - والله أعلم.
ولما كان الكلام السابق في الماء الذي جعله سبحانه مجمعاً للنعيم الدنيوية الظاهرة وقد رتب سبحانه لإنزاله الأنواء على منهاج دبره وقانون أحكمه، وجعل إنزال القرآن نجوماً مفرقة وبوارق متلالئة متألقة قال: {بمواقع النجوم *} أي بمساقط الطوائف القرآنية المنيرة النافعة المحيية للقلوب، وبهبوطها الذي ينبني عليه ما ينبني من الآثار الجليلة وأزمان ذلك وأماكنه وأحواله، وبمساقط الكوكب وأنوائها وأماكن ذلك وأزمانه في تدبيره على ما ترون من الصنع المحكم والفعل المتقن المقوم، الدال بغروب الكواكب على القدرة على الطي بعد النشر والإعدام بعد الإيجاد، وبطلوعها الذي يشاهد أنها ملجأة إليه إلجاء الساقط من علو إلى سفل لا يملك لنفسه شيئاً، لقدرته على الإيجاد بعد الإعدام، وبآثار الأنواء على مثل ذلك بأوضح منه - إلى غير ذلك من الدلالات التي يضيق عنها العبارات، ويقصر دون علياها مديد الإشارات، ولمثل هذه المعاني الجليلة والخطوب العظيمة جعل في الكلام اعتراضاً بين القسم وجوابه، وفي الاعتراض اعتراضاً بين الموصوف وصفته تأكيداً للكلام، وهزاً لنافذ الأفهام تنبيهاً على أن الأمر عظيم والخطب فادح جسيم، فقال موضحاً له بالتأكيد رحمة للعبيد بالإشارة إلى أنهم جروا على غير ما يعلمون من عظمتنا فعدوا غير عالمين: {وإنه} أي هذا القسم على
(19/235)

هذا المنهج {لقسم لو تعلمون} أي لو تجدد لكم في وقت علم لعلمتم أنه {عظيم} وإقسامه لنا على ذلك ونحن أقل قدراً وأضعف أمراً إعلاماً بما له من الرحمة التي من عظمها أنه لا يتركنا سدى - كل ذلك ليصلح أنفسنا باتباع أمره والوقوف عند زجره، قال ابن برجان: ومن إتقانه جل جلاله في خليقته وحكمه في بريته أن جعل لكل واقع من النجوم الفلكية طالعاً يسمى بالإضافة إلى الواقع الرقيب دون تأخر، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى:
{رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 18] يجمع ذلك الشمس والقمر والنجوم وهي نجوم منازل القمر عددها ثمانية وعشرون منزلة سوى تحجبها الشمس فتمت تسع وعشرون منزلة يشتشرفها القمر، فربما استتر ليلة وربما استتر ليلتين، فالقمر ينزل في هذه المنازل كل ليلة منزلة حتى يتمها لتمام الشهر، وإما الشمس فإنها تقيم فيها أربعة عشر يوماً ويسمى حلولها في هذه المحال ثم طلوع المنزلة التي تليها لوقوع هذا رقيب لها نوء - انتهى، وهو يعني أن من تأمل هذه الحكم علم ما في هذا القسم من العظم، وأشبع القول فيها أبو الحكم، وبين ما فيها من بدائع النعم، ثم قال: ويفضل الله بفتح رحمته كما يشاء فينزل من السماء ماء مباركاً يكسر به من برد الزمهرير فيرطبه ويبرد من حر السعير فيعدله، وقسم السنة على أربعة فصول أتم فيها أمره في الأرض بركاتها وتقدير
(19/236)

أقواتها، قال {وبارك فيها وقدر بها أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: 10] في قراءتنا (فيها) بدل (بها) ا. هـ. ثم قال: وجعل هذه الدنيا على هذا الاعتبار الجنة الصغرى، ولو أتم القسم على هذا الوجه ثم على الاعتبار تخفيفه الفيح وإنارته الزمهرير والسعير هي جهنم الصغرى.
(19/237)

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)
ولما أتم القسم على هذا الوجه الجليل، أجابه بقوله مؤكداً لما لهم من ظاهر الإنكار: {إنه} أي القرآن الذي أفهمته النجوم بعموم أفهامها {لقرآن} أي جامع سهل قريب مفقه مبين للغوامض ذو أنواع جليلة {كريم *} ظهرت فيه أفانين إنعامه سبحانه فيما دق من أمور هذه الدنيا وجل من أمور الدارين بما ذكر في هذه السورة وما تقدمها من إصلاح المعاش والمعاد، فهو بالغ الكرم منزه عن كل شائبة نقص ولؤم ودناءة، من كرمه كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق بسفارة روح القدس وبلسان العرب الذين اتفق الفرق على أن لسانهم أفصح الألسن وعلى وجه أعجز العرب.
ولما ذكر المعنى، ذكر محل النظم الدال عليه بلفظ دال على نفس النظم فقال: {في كتب} أي خط ومخطوط فيه جامع على وجه هو في غاية الثبات {مكنون *} أي هو في ستر مصون لما له من النفاسة والعلو في السماء في اللوح المحفوظ، وفي الأرض في الصدور المشرفة،
(19/237)

وفي السطور في المصاحف المكرمة المطهرة، محفوظاً مع ذلك من التغيير والتبديل.
ولما كان ما هو كذلك قد يحصل له خلل يسوء خدامه قال: {لا يمسه} أي الكتاب الذي هو مكتوب الذي هو مكتوب فيه أعم من أن يكون في السماء أو في الأرض أو القرآن أو المكتوب منه فضلاً عن أن يتصرف فيه {إلا المطهرون *} أي الطاهرون الذين بولغ في تطهيرهم وهم رؤوس الملائكة الكرام، ولم يكن السفير به إلاّ هم ولم ييسر الله حفظه إلا لأطهر عباده، ولم يعرف معناه إلا لأشرف حفاظه وأطهرهم قلوباً، ومن عموم ما يتحمله اللفظ من المعنى بكونه كلام العالم لكل شيء فهو لا يحمل لفظاً إلا وهو مراد له أنه يحرم منه على من لم يكن له في غاية الطهارة بالبعد عن الحدثين الأكبر والأصغر، فهو على هذا نفي بمعنى النهي وهو أبلغ، قال البغوي: وهو قول أكثر أهل العلم، وروي بإسناد من طريق أبي مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم رضي الله عنه (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) والمراد به المصحف للجوار كما في النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. ومما يحتمله أيضاً التعبير باللمس أنه لا يقرأه بلسانه إلا طاهر،
(19/238)

فإن أريد الجنابة كان النهي للحرمة أو للأكمل.
ولما ذكر الذي منه صيانته، أتبعه شرفه بشرف منزله وإنزاله على حال هو في غاية العظمة مسمياً له باسم المصدر للمبالغة ولأن هذا المصدر أغلب أحواله، ولذلك غلب عليه هذا الأسم: {تنزيل} أي وصوله إليكم بالتدريج بحسب الوقائع والتقريب للأفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم بواسطة الرسل من الملائكة.
ولما كان هذا في غاية الاتفاق واليسر ذكر من صفاته ما يناسبه فقال: {من رب العالمين *} من الخالق العالم بتربيتهم.
ولما أفصح من وصف هذا الكتاب العظيم ما يقتضي أن يكون بمجرده مثبتاً لما لا تدركه العقول من كماله وكافياً في الإذعان لاعتقاده فكيف إذا كان ما تحكم العقول وتقضي بفساد ما سواه، فكيف إذا كان مما يتذكر الإنسان مثله في نفسه، عجب منهم في جعله سبباً لإنكار البعث الذي إذا ذكر الإنسان أحوال نفسه كفاه ذلك في الجزم به فقال منكراً تعجباً: {أفبهذا} ولما كان الإنسان مغرماً بما يجدد له من النعم ولو هان فكيف إذا كان أعلى النعم قال: {الحديث} أي الذي تقدمت أوصافه العالية وهو متجدد إليكم إنزاله وقتاً بعد وقت {أنتم} أي وأنتم العرب الفصحاء والمفوهون البلغاء {مدهنون *}
(19/239)

أي كذابون منافقون بسببه تظهرون غير ما تبطنون أنه كذاب وأنتم تعلمون صدقه بحسن معانيه، وعجزكم عن مماثلته في نظومه ومبانيه، وتقولون: لو شئنا لقلنا مثل هذا: وجميع أفعالكم تخالف هذا فإنكم تصبرون لوقع السيوف ومعانقة الحتوف، ولا تأتون بشيء يعارضه يبادئ شيئاً منه أو يناقضه أو تلاينون أيها المؤمنون من يكذب به ويطعن في علاه أو يتوصل ولو على وجه خفي إلى نقض شيء من عراه، تهاوناً به ولا يتصلبون في تصرفه تعظيماً لأمره حتى يكونوا أصلب من الحديد، قال في القاموس: دهن: نافق، والمداهنة: إظهار خلاف ما تبطن كالإدهان والغش، وقال البغوي رحمه الله: هو الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر، وقال الرازي: والفرق بين المداراة والمداهنة يرجع إلى القصد، فما قصد به غرض سوى الله فهو المداهنة، وما قصد به أمر يتعلق بالدين فهو المداراة، وقال ابن برجان: الإدهان والمداهنة: الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز - انتهى. فهو على هذا إنكار على من سمع أحداً يتكلم في القرآن بما لا يليق ثم لا يجاهره بالعداوة، وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وابن الفارض صاحب التائية أول من صوبت إليه هذه الآية، فإنهم تكلموا في القرآن على وجه يبطل الدين أصلاً ورأساً ويحله عروة عروة، فهم أضر الناس على هذا الدين، ومن يؤول لهم أو ينافح عنهم
(19/240)

ويعتذر لهم أو يحسن الظن بهم مخالف لإجماع الأمة أنجس حالاً منهم فإن مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه.
ولما كان هذا القرآن متكفلاً بسعادة الدارين، قال تعالى: {وتجعلون رزقكم} أي حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله {أنكم تكذبون *} أي توجدون حقيقة التكذيب في الماضي والحال، وتجددون ذلك في كل وقت به وبما أرشد إليه من الأمور الجليلة وهي كل ما هو أهل للتصديق به وتصفونه بالأوصاف المتناقضة، ومن ذلك ما أرشد إليه من أنه لا فاعل إلا الله تعالى فتقولون أنتم إذا أمطركم ما يرزقكم به: هذا بنوء كذا، معتقدين تأثير ذلك النوء، وإنما هو بالله تعالى، فجعلتم جزاء الرزق وبذل الشكر على الرزق التكذيب، وقال ابن برجان: وتجعلون رزقي إياكم من قرآن عظيم أنزلته، وكلام عظيم نزلته، ونور إيمان بينته، وضياء يقين جليته، وما أنزلته من السماء من بركات قدرتها ومن رياح أرسلتها، وسحب ألفتها، تجعلون مكان الشكر على ذلك التكذيب.
ولما أنكر عليهم هذا الإنكار، وعجب منهم هذا التعجيب في أن ينسبوا لغيره فعلاً أو يكذبوا له خبراً، سبب عن ذلك تحقيقاً لأنه لا فاعل سواه قوله: {فلولا} وهي أداة تفهم طلباً بزجر وتوبيخ وتقريع
(19/241)

بمعنى هل لا ولم لا {إذا بلغت} أي الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار، أضمرت من غير ذكر لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة {الحلقوم *} وهو مجرى الطعام في الحلق، والحلق مساغ الطعام والشراب معروف، فكان الحلقوم أدنى الحلق إلى جهة اللسان لأن الميم لمنقطع التمام، {وأنتم} أي والحال أنكم أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون له {حينئذٍ} أي حين إذ بلغت الروح ذلك الموضع.
ولما كان بصرهم لكونه لا ينفذ في باطن كالعدم قال: {تنظرون *} أي ولكم وصف التحديق إليه ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر، ولم يقل: تبصرون، لئلا يظن أن لهم إدراكاً بالبصر لشيء من البواطن من حقيقة الروح وغيرها نحوها {ونحن} أي والحال أنا نحن بما لنا من العظمة {أقرب إليه} أي المحتضر حقيقة بعلمنا وقدرتنا التامة وملائكتنا {منكم} على شدة قربكم منه {ولكن لا تبصرون *} أي مع تحديقكم إليه لا يتأثر عن ذلك التحديق غايته، وهو الإبصار لقربنا منه، ولا ملائكتنا الموكلين بقبض روحه، لتعلموا أن الفعل لنا لا لغيرنا، فلا يتجدد لكم شيء من هذا الوصف لتدركوا به حقيقة ما هو فيه، فثبت ما أخبرنا به من الاختصاص بباطن العلم والقدرة اللذين عبرنا عنهما بالقرب الذي هو أقوى أسبابها.
(19/242)

فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)
ولما كان الكلام لإثبات هذه الأغراض المهمة قبل جواب «لولا» أعادها تأكيداً لها وتبيناً فقال: {فلولا إن كنتم} أيها المكذبون
(19/242)

بالبعث وغيره {غير مدينين *} أي مقهورين مملوكين مجربين محاسبين بما عملتم في دار البلاء التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين بامتناعكم بأنفسكم عن أن يجازيكم أو يمنع غيركم لكم منه، وأصل تركيب (دان) للذل والانقياد - قاله البيضاوي {ترجعونها} أي الروح إلى ما كانت عليه {إن كنتم} أي كوناً ثابتاً {صادقين *} أي في أنكم غير مقهورين على الإحضار على الملك الجبار الذي أقامكم في هذه الدار للابتلاء والاختبار، وأنه ليس لغيركم أمركم، وفي تكذيبكم لما يخبر به من الأمور الدنيوية بذل شكركم، وهذا دليل على أنه لا حياة لمن بلغت روحه الحلقوم أصلاً وهذا إلزام لهم بالبعث حاصله أنه سبحانه إن كان لا يعيدكم فليس هو الذي قدر الموت عليكم، وإن كان لم يقدره فما لكم لا ترفعونه عنه لأنه من الفوادح التي لا يدرك علاجها، وأنتم تعالجون مقدماته. وإن قلتم: إنه مقدر لا يمكن علاجه، لزمكم الإقرار بأن البعث مقدر لا يمكن علاجه، فإن أنكرتم أحدهما فأنكروا الآخر، وإن أقررتم بأحدهما فأقروا بالآخر، وإلا فليس إلا العناد، فإن قلتم: نحن لا نعلم أنه قدره فاعلموا أنه لو لم يكن بتقديره لأمكنت مقاومته وقتاً ما لا سيما والنفوس مجبولة على كراهته، وفي الموتى الحكماء والملوك، وتقريبه أنكم قد بالغتم في الجحود بآيات الله تعالى وأفعاله في كل شيء إن أرسل إليكم رسولاً قلتم: ساحر كذاب، وإن صدقه مرسله بكتاب معجز قلتم: سحر وافتراء وأمر عجاب، وإن رزقكم من الماء الذي به حياة كل شيء مطراً ينعشكم
(19/243)

به قلتم: صدق نوء كذا، على حال مؤد إلى التعطيل والإهمال والعبث، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن عند بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم مدبر لهذا الكون بالإرسال والإنزال وإفاضة الأرواح وقبضها وبعث العباد لدينونتهم على ما فعلوا فيما أقامهم فيه، تمثيل بأفعال الملوك على ما يعهد، فكما أن ملوك الدنيا لا يرسل أحد منهم إلى أحد من رعيته فيأخذه قهراً إلا للدينونة فكيف يظن بملك الملوك غير ذلك، فتكون ملوك الدنيا أحكم منه، فإن كان ليس بتمام القدرة فافعلوا برسله كما تفعلون برسل الملوك، فإنه ربما خلص المطلوب منهم بنوع من أنواع الخلاص بعد بلوغه إلى باب الملك فإرساله سبحانه هو مثل إرسال الملوك غير أنه لتمام قدرته يأخذ أخذاً لا يقدر أحد على رده، ولا أن يتبع مأخوذه أصلاً لا ليخدمه بعد الأخذ ولا ليخفف عنه شيئاً مما هو فيه بغير ما أمر به سبحانه على ألسنة رسله من الدعاء والصدقة ولا ليعلم حاله بوجه من الوجوه بل الأمر كما قيل:
إذا غيب المرء استسر حديثه ... ولم يخبر الأفكار عنه بما يغني
ولما كان التقدير: لا يقدر أحد أصلاً على ردها بعد بلوغها إلى ذلك المحل لأنا نريد جمع الخلائق للدينونة بما فعلوا فيما أقمناهم فيه وأمرناهم به ولا يكون إلا ما تريد، فكما أنكم مقرون بأنه خلقكم من تراب وبأنه يعيدكم قهراً إلى التراب يلزمكم حتماً أن تقروا بأنه قادر على أن يعيدكم
(19/244)

من التراب فإن أنكرتم هذا اللازم لزمكم إنكار ملزومه، وذلك مكابرة في الحس فليكن الآخر مثله، فثبت أنا إنما نعيد الخلائق إلى التراب لنجمعهم فيه ثم نبعثهم منه لنجازي كلاًّ بما يستحق ونقسمهم إلى أزواج ثلاثة {فأما إن كان} أي الميت منهم {من المقربين *} أي السابقين الذين اجتذبهم الحق من أنفسهم فقربهم منه فكانوا مرادين قبل أن يكونوا مريدين، وليس القرب قرب مكان لأنه تعالى منزهه عنه، وإنما هو بالتخلق بالصفات الشريفة على قدر الطاقة البشرية ليصير الإنسان روحاً خالصاً كالملائكة لا سبيل للحظوظ والشهوات عليه، فإن قربهم إنما هو بالانخلاع من الإرادة أصلاً ورأساً، وذلك أنه لا شهوات لهم فلا أغراض فلا فعل إلا أمروا به فلا إرادة، إنما الإرادة للمولى سبحانه وهو معنى {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} [النحل: 90] أي مطلق الإرادة في غير أمر من الله، لأن المملوك الذي هو لغيره لا ينبغي أن يكون له شيء لا إرادة ولا غيرها - وفقنا الله تعالى لذلك {فروح} أي فله راحة ورحمة ما ينعشه من نسيم الريح ومعنى قراءة يعقوب بالضم طمأنينة في القلب وسكينة وحياة لا موت بعدها {وريحان} أي رزق عظيم ونبات حسن بهج وأزاهير طيبة الرائحة.
ولما ذكر هذه اللذاذة، ذكر ما يجمعها وغيرها فقال: {وجنات} أي بستان جامع للفواكه والرياحين وما يكون عنها وتكون عنه.
(19/245)

ولما كان جنان الدنيا قد يكون فيها نكد، أضاف هذه الجنة إلى المراد بهذه الجنان إعلاماً بأنها لا تنفك عنه فقال: {نعيم *} أي ليس فيها غيره بل هي مقصورة عليه {وأما إن كان} أي الميت منهم {من أصحاب اليمين *} أي الذين هم الدرجة الثانية من أصحاب الميمنة {فسلام} أي سلامة ونجاة وأمر وقول دال عليه. ولما كان ما يواجه به الشريف من ذلك أعلى قال: {لك} أي يا أعلى الخلق أو يا أيها المخاطب.
ولما كان من أصاب السلام على وجه من الوجوه فائزاً، فكيف إذا كان مصدراً للسلام ومنبعاً منه قال: {من أصحاب اليمين *} أي أنهم في غاية من السلامة وإظهار السلام، لا يدرك وصفها، وهو تمييز فيه معنى التعجيب، فإن إضافته لم تفده تعريفاً، وفي اللام و {من} مبالغة في ذلك، فالمعنى: فأما هم فعجباً لك وأنت أعلى الناس في كل معنى، وأعرفهم بكل أمر غريب منهم في سلامتهم وسلامهم وتعافيهم وملكهم وشرفهم وعلو مقامهم، وذلك كله إنما أعطوه لأجلك زيادة في شرفك لاتباعهم لدينك، فهو مثل قول القائل حيث قال:
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مقار العمل شدت يذبل
وقول القائل أيضاً حيث قال:
لله در أنو شروان من رجل ... ما كان أعرفه بالدون والسفل
أي عجباً لك من ليل وعجباً من أنو شروان.
(19/246)

ولما ذكر الصنفين الناجيين، أتبعهما الهالكين جامعاً لهم في صنف واحد لأن من أريدت له السعادة يكفيه ذلك، ومن ختم بشقائه لا ينفعه ذلك الإغلاظ والإكثار فقال {وأما إن كان} أي ذلك الذي أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تنقطع أكبادكم له ولا تقدرون له على شيء أصلاً {من المكذبين} .
ولما كان المكذب تارة يكون معانداً، وتارة يكون جاهلاً مقتصراً، قال: {الضالين} أي أصحاب الشمال الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها لتهاونهم في البعث {فنزل} أي لهم وهو ما يعد للقادم على ما لاح {من حميم *} أي ماء متناه في الحرارة بعد ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة الحوض كما يبادر به القادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه {وتصلية جحيم *} أي لهم بعد النزل يصلوا النار الشديدة التوقد صلياً عظيماً.
ولما تم ما أريد إثبات البعث على هذا الوجه المحكم البين، وكانوا مع البيان يكذبون به، لفت الخطاب عنهم إلى أكمل الخلق، وأكد تسميعاً لهم فقال سائقاً له مساق النتيجة: {إن هذا} أي الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث الذي كذبوا به في قولهم {إننا لمبعوثون} ومن قيام الأدلة عليه. ولما كان من الظهور في حد لا يساويه فيه غيره. زاد في التأكيد على وجه التخصيص فقال:
(19/247)

{لهو حق اليقين *} أي لكونه لما عليه من الأدلة القطعية المشاهدة كأنه مشاهد مباشر، قال الأصبهاني: قال قتادة في هذه الآية: إن الله عز وجل ليس تاركاً أحداً من الناس حتى يوقفه على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك، وأما المنافق فأيقن يوم القيامة حيث لا ينفعه - انتهى.
ولما تحقق له هذا اليقين، سبب عنه أمره بالتنزيه له سبحانه عما وصفوه به مما يلزم منه وصفه بالعجز بعد تقسيمه للأزواج الثلاثة على طريق الإيجاز كما أمره بذلك بعد الفراغ من تقسيمهم على طريق الإطناب إشارة إلى أن المفاوتة بينهم مع ما لهم من العقول من أعظم الأدلة على الفعل بالاختيار وعلى فساد القول بالطبيعة: {فسبح} أي أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص بالاعتقاد والقول والفعل والصلاة وغيرها بأن تصفه بكل ما وصف به نفسه من الأسماء الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه عنه نفسه المقدس، ولقصره الفعل لإفادة العموم أثبت الجار بقوله: {باسم ربك} أي المحسن إليك بما خصك به مما لم يعطه أحداً غيرك عما وصفه به الكفرة من التكذيب بالواقعة، وإذا كان هذا لا سمه فكيف بما له وهو {العظيم *} الذي ملأت عظمته جميع الأقطار والأكوان، وزادت على ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه لأن من له هذا الخلق على هذا الوجه المحكم، وهذا الكلام الأعز الأكرم، لا ينبغي
(19/248)

لشائبة نقص أن تلم بجنابه، أو تدنو من فناء بابه، وقد انطبق آخر السورة على أولها في الإخبار بالبعث وتصنيف الخلائق فيه إلى الأصناف المذكورة في أولها أيّ انطباق، وزاد هذا الآخر بأن اعتنق بدليله أي اعتناق، واتفق مع أول التي بعدها أيّ اتفاق، وطابقه أجلَّ طباق، وختمت بصفتي الرحمة والعظمة، وجلت عن الاسم الجامع كاللتين قبلها لما ذكره في أواخر القمر من أنه لم يذكر في واحدة من الثلاث أحد من أهل المعصية المصاحبة للإيمان، ليخاطب بالاسم الجامع للإهانة والإحسان، وإنما ذكر أهل الكفران المستوجبين للهوان بالخلود في النيران، وأهل الإيمان المتأهلين للإحسان بتأبيد الإمكان في أعلى الجنان - انتهى.
(19/249)

(سورة الحديد)
مقصودها بيان عموم الرسالة لعموم الإلهية بالبعث إلى الأزواج الثلاثة المذكورة في السورتين الماضيتين من الثقلين تحقيقا لأنه سبحانه مختص بجميع صفات الكمال تحقيقا لتنزهه عن كل شائبة نقص المبدوء به هذه السورة المختوم به ما قبلها الراد لقولهم) أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون) [الواقعة: 47 - 48] المقتضي لجهاد من يحتاج إلى الجهاد ممن عصى رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالسيف وما ترتب عليه من النفقة ردا لهم عن النقائص الجسمانية وإعلاء إلى الكلمات الروحانية التي دعا إليها الكتاب حذرا من سواء الحساب يوم التجلي للفصل بين العباد بالعدل ليدخل أهل الكتاب وغيرهم في الدين طوعا أو كرها، ويعلم أهل الكتاب الذين كانوا يقولون: ليس أحد أفضل منه، فضيلة هذا الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على جمكيع من تقدمه من الرسل عليهم الصلاة والسلام بعموم رسالته وشمول خلافته، وانتشار دعوته وكثرة أمته تحقيقا لأنه لا حد لفائض رحمته سبحانه لتكون هذه السورة التي هي آخر النصف الأول والتي بعدها التي هي أول النصف الثاني من حيث العدد غاية للمقصود من السورة التي هي أوله عند الالتفات والرد كما كانت السورة التي غاية النصف الأول
(19/250)

يفي المقدار وهي الإسراء، وكذا السورة التي هي أول النصف الثاني وهي الكهف كاشفتين لمقصد الأولى فيما دعت إليه من الهداية وشدت إليه من الإنذار، على ذلك دل اسمها الحديد يتأمل آياته وتدبر سر ما ذكر فيه وغاياته، أسند صاحب الفردوزس عن جابر رضي الله عنه أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: " لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت يوم الثلاثاء ") بسم الله (الذي أحاطت إلالهيته بجميع الموجودات) الرحمن (الذي وسعهم جوده فيي جميع الحركات والسكنات) الرحيم (الذي خص من بينهم بما له من الاختيار يفي كمال الاقتدار أهل ولا يته بما يرضيه من العبادات.
(19/251)

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)
ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث، جاءت هذه لتقرير ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان فقال تعالى كالتعليل لآخر الواقعة: {سبح} أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيماً له سبحانه وإقراراً بربوبيته وإذعاناً لطاعته، وقصره، وهو متعد ليدل على العموم بقصره، وعلى الإخلاص بتعديته باللام وجعله ماضياً هنا وفي الحشر والصف ومضارعاً في الجمعة والتغابن ليدل على أن مما أسند إليه التسبيح هو من شأنه وهجيراه وديدنه وتخصيص كل من الماضي والمضارع بما افتتح به لما يأتي في أول الجمعة، والإتيان بالمصدر أول الإسراء أبلغ من حيث إنه يدل إطلاقه
(19/251)

على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال {لله} أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال {ما في السماوات} أي الأجرام العالية والذي فيها وهي الأرض ومن فيها وكل سماء ومن فيها، وما بينهما لأنها كلها في العرش الذي هو أعلى الخلق.
ولما كان الكلام آخر الواقعة مع أهل الخصوص بل هو أخص أهل الخصوص، لم يحتج إلى تأكيد فحذف ما جعلا للخافقين كشيء واحد لأن نظره لهما نظر علو نظراً واحداً لما أخبر به عنهما من التنزيه فقال: {والأرض *} أي وما فيها وكذا نفس الأراضي كما تقدم، فشمل، ذلك جميع الموجودات لأنه إذا سبح ذلك كله فتسبيح العرش بطريق الأولى وتنزيه هذه الأشياء بما فيها من الآيات الدالة على أنه سبحانه لا يلم بجنابه شائبة نقص، وأن كل شيء واقف على الباب يشاهد الطلب، قال القشيري: التسبيح: التقديس والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد، وينظمونها في عقد الإيمان، ويرصعونها في أطواق الوصلة.
ولما قرر ذلك، دل على أنه لا قدرة لشيء على الانفكاك عنه، وأن له كل كمال، فهو المستحق للتسبيح والحمد فقال: {وهو} أي وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} الذي أتقن كل شيء صنعه.
وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير العاصمي في برهانه: لما تقدم قوله
(19/252)

سبحانه وتعالى {فلولا تصدقون} [الواقعة: 57] وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لا خفاء به، ثم اتبع بقوله تعالى {أفرءيتم ما تمنون} [الواقعة: 58] الآيات إلى قوله {ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 73] فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك {أبهذا الحديث أنتم مدهنون} [الواقعة: 81] واستمر توبيخهم إلى قوله: {إن كنتم صادقين} [الواقعة: 87] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم، أعقب تعالى ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى {فسبح باسم ربك} [الواقعة: 69] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم، ثم أعقب ذلك بقوله {سبح لله ما في السماوات والأرض} أي سبح باسم ربك، فهي سنة العالم بأسرهم
{وله أسلم من في السماوات والأرض} [آل عمران: 83] {سبح لله ما في السماوات والأرض} ثم أتبع ذلك بقوله: {له الملك وله الحمد} فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله: {وهو عليم بذات الصدور} فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى {آمنوا بالله ورسوله} واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة - انتهى.
(19/253)

ولما أخبر بذلك، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات والأرض بقوله: {له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} أي وملك ما فيهما وما بينهما ظاهراً وباطناً، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية - وما تفصل إلى ذلك من خلق وأمر، والملك الباطن الغائب عنا، وأعظمه المضاف إلى الآخر وهو الملكوت، قال القشيري: الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة، قال، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا الله، وإذا قيل لغيره: مالك، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك، فالآية من الاحتباك: ذكر ما بين السماوات والأرض أولاً دليلاً على حذف ما بينهما ثانياً، وذكر الخافقين ثانياً دليلاً على حذف مثل ذلك أولاً ليكون التسبيح والملك شاملاً للكل.
ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه، وكان ربما عاند معاند، دل عليه بما لا مطمع فيه لغيره فقال مقدماً الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها: {يحيي} أي له صفة الإحياء فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطور يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء
(19/254)

{ويميت} أي له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجد والاستمرار، فهو قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء. ولما كان هذا شاملاً للقدرة على التجديد والإعادة، عم الحكم بقوله: {وهو على كل شيء} أي من الإحياء والإماتة وغيرهما من كل ممكن {قدير *} أي بالغ القدرة إلى حد لا يمكن الزيادة عليه.
ولما أخبر بتمام القدرة، دل على ذلك بقوله: {هو} أي وحده {الأول} أي بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له، والقديم الذي منه وجود كل شيء وليس وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير، وكل ما كان ما كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر {والآخر} بالأبدية، الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر إلى ما له من ذاته فلا آخر له لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير، بنوع من التغيير جاز إعدامه، وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا يمكن إعدامه.
ولما كان السبق يقتضي البطون، والتأخر يوجب الظهور، وكانا أمرين متضادين لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء واحد، نبه على اجتماعهما فيه، فقال مشيراً بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه: {والظاهر} أي بالأحدية للعقل بأدلته الظاهرة في المصنوعات بما له من الأفعال ظهوراً لا يجهله عاقل، وهو الغالب في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء
(19/255)

{والباطن} بالصمدية وعن انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر وبتمام العلم والحكمة بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطوناً لا يكتنه شيء، وقال القشيري: الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء. الظاهر بلا خفاء، الباطن بنعت العلا وعز الكبرياء - انتهى، والعطف للدلالة كما أشير إليه على الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن الواو لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن، فلا تكون محيطة بل مقيدة بحيثية مثلاً فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وإنه واقع بكل اعتبار ليس واحد من الأوصاف مكملاً لشيء آخر ولا شارحاً لمعناه، فهو أول على الإطلاق وآخر كذلك، وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك، وهذا على الأصل فإن صفاته تعالى محيطة فلا إشكال، إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو الأغلب في إيرادها كما آخر الحشر، ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله: إن الواو الأولى معناها الدلالة على الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، أي جمعاً هو في غاية المكنة، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولين ومجموع الصفتين الأخيرتين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية. انتهى.
ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره، ومن بطن لشيء غاب
(19/256)

عنه علمه، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء، وفي بطونه بحيث ليس دونه شيء، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة، أعلم نتيجة ذلك فقال: {وهو بكل شيء عليم *} أي لكون الأشياء عنده على حد سواء، والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق، وأما هو سبحانه فلا باطن من الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم، وهذا معنى ما قال البغوي رحمه الله تعالى: سأل عمر رضي الله عنه كعباً عن هذه الآية فقال: معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن - انتهى.
لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه. ولما كان الصانع للشيء عالماً به، دل على علمه وما تقدم من وصفه بقوله: {هو} أي وحده {الذي خلق السماوات} وجمعها لعلم العرب بتعددها {والأرض} أي الجنس الشامل للكل، أفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها {في ستة أيام} سناً للتأني وتقريراً للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه {الجمعة} على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات - انتهى.
ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير
(19/257)

وإحاطة قدرته وعلمه، وكان ذلك هو روح الملك، دل عليه منبهاً على عظمته بأداة التراخي فقال: {ثم استوى} أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد العناية {على العرش} المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما دونه ومن دونه ليتصور للعباد أن العرش منشأ التدبير، ومظهر التقدير، كما يقال في ملوكنا: جلس فلان على سرير الملك، بمعنى أنه انفرد بالتدبير، وقد لا يكون هناك سرير فضلاً عن جلوس.
ولما كان المراد بالاستواء الانفراد بالتدبير، وكان التدبير لا يصح إلا بالعلم والقدرة، كشفه بقوله دالاًّ على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا: {يعلم ما يلج} أي يدخل دخولاً يغيب به {في الأرض} أي من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيداً من العرش، فإن الأماكن كلها بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد {وما يخرج منها} كذلك، وفي التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما.
ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيهاً على التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميماً للعمل بسائر الخلق فقال: {وما ينزل من السماء} ولم يجمع
(19/258)

لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل، وذلك من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرهما من الأعيان والمنافع التي يوجدها سبحانه من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم {وما يعرج} أي يصعد ويرتقي ويغيب {فيها} كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها.
ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه لبعده عنه، عرف أنه لا مسافة أصلاً بينه وبين شيء من الأشياء فقال: {وهو معكم} أي أيها الثقلان المحتاجان إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن القرب {أين ما كنتم} فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعالياً عن اتصال بالعلم ومماسة، أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة، قال أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: لفظ «مع» لا يقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر لقوله
{اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] وقوله: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} ولفظ «مع» جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} [المجادلة: 7] فافتتح الكلام بالعلم واختتمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك
(19/259)

وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه، وأما المعية الخاصة فقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] وقال: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فهو مع موسى وهارون عليهما السلام دون فرعون، ومع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبه رضي الله عنه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] أي هو إله في السماء وإله في الأرض كما قال تعالى: {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الروم: 27] وكذلك في قوله تعالى: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض.
ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن، عبر في أمرها باسم الذات دلالة على شمولها بالعلم والقدر وتنبيهاً على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته فقال: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال، وقدم الجارّ لمزيد الاهتمام والتنبيه على تحقق الإخاطة
(19/260)

كما مضى التنبيه عليه غير مرة وتمثيله بنحو: أعرف فلاناً ولا أعرف غيره؛ فقال: {بما تعملون} أي على سبيل التجدد والاستمرار {بصير *} أي عالم بجلائله ودقائقه.
(19/261)

لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)
ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكاً، وكان الملك لا يكمل ملكه إلا بعلم جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه، وكان إنكارهم للبعث إنكاراً لأن يكون ملكاً، أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال: {له} أي وحده {ملك السماوات} وجمع لاقتضاء المقام له {والأرض} أفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس، ودل على دوام ملكه وإحاطته بقوله عاطفاً على ما تقديره: فمن الله المبدأ، معبراً بالاسم الأعظم الجامع لئلا يظن الخصوص بأمور ما تقدم: {وإلى الله} أي الملك الذي لا كفؤ له وحده {ترجع} بكل اعتبار على غاية السهولة {الأمور *} أي كلها حساً بالبعث ومعنى بالإبداء والإفناء، ودل على هذا الإبداء والإفناء بأبدع الأمور وأروقها فقال: {يولج} أي يدخل ويغيب بالنقص والمحو {الّيل في النهار} فإذا قد قصر بعد طوله، وقد انمحى بعد تشخصه وحلوله، فملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام {ويولج النهار} الذي عم الكون ضياؤه وأناره لألاؤه {في الّيل} الذي قد كان غاب في علمه، فإذا الظالم قد طبق الآفاق، والطول، الذي
(19/261)

كان له قد صار نقصاً.
ولما كان في هذا إظهار أخفى الأشياء حتى يصير في غاية الجلاء، أتبعه علم ما هو عند الناس أخفاء ما يكون فقال: {وهو} أي وحده {عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي ما يصحبها فتخفيه فلا يخرج منها الهمزات على مدى الأيام على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها.
ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه عن شائبة كل نقص، وإحاطته بكل صفة كمال، المقتضي لثبوت أن الملك له، الموجب قطعاً لتفرده بعموم الإلهية، المقتضي لإرسال من يريده إلى جميع من في ملكه، وختم بالعلم بالضمائر التي أجلها الإيمان، قال آمراً بالإذعان له ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {آمنوا} أي أيها الثقلان {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا مثل له {ورسوله} الذي عظمته من عظمته. ولما كان الإيمان أساساً، والإنفاق وجهاً ظاهراً ورأساً، قال جامعاً بين الأساس الحامل الخفي والوجه الظاهر الكامل البهي: {وأنفقوا} أي في إظهار دينه: ورغبهم في ذلك بطلب اليسير مما أعطاهم الله وزهدهم منه بقوله: {مما جعلكم} أي بقدرته {مستخلفين} أي مطلوباً موجوداً خلافتكم {فيه} وهو له دونكم بما يرضي من استخلفكم في تمهيد سبيله فطيبوا بها نفساً لأنها ليست في الحقيقة لكم وإنما أنتم خزان، وخافوا من عزلكم من الخلافة بانتزاعها من أيديكم بتولية غيركم أمرها، إما في حياتكم، وإما
(19/262)

بعد مماتكم، كما فعل بغيركم حين أوصل إليكم ما وصل من أموالهم، «فليس لكم منها إلا ما أكلتم فأفنيتم أو لبستم فأبليتم أو تصدقتم فأبقيتم - وفي رواية: فأمضيتم»
وليهن الإنفاق منها عليكم كما يهون على الإنسان النفقة من مال غيره إذا كان أذن له فيه.
ولما أمر بالإنفاق ووصفه بما سهله، سبب عنه ما يرغب فيه فقال مبالغاً في تأكيد الوعد لما في ارتكابه من العسر بالتعبير عنه بالجملة الاسمية وبناء الحكم على الضمير بالوصف بالكبير وغير ذلك: {فالذين آمنوا} وبين أن هذا خاص بهم لضيق الحال في زمانهم فقال: {منكم وأنفقوا} أي من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وجه الإصلاح كما دل عليه التعبير بالإنفاق {لهم أجر كبير *} أي لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم.
(19/263)

وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)
ولما رغب في الإنفاق والإيمان، وكان الإيمان مقتضى بالإنفاق، عجب ممن لا يبادر إلى الحاصل على كل خير، فقال مفصلاً لما أجمل من الترغيب فيهما، بادئاً بأبين كل خير، منفساً عنهم بالتعبير بأداة الاستقبال بالبشارة بالعفو عن الماضي مرهباً موبخاً لمن لا يبادر إلى مضمون ما دخل عليه الاستفهام، عاطفاً على ما تقديره: فما لكم لا تبادرون إلى ذلك: {وما} أي وأيّ شيء {لكم} من الأعذار أو غيرها في أنكم، أو حال كونكم {لا تؤمنون بالله} أي تجددون الإيمان - أي تجديداً
(19/263)

مستمراً - بالملك الأعلى أي الذي له الملك كله ولأمر كله بعد سماعكم لهذا الكلام: لأن «لا» لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال، ولو عبر بعبارة تدل على الحال لربما تعنت متعنت فقال: فأت ما طلب منا، والذي بعد هذا من الحال التي هي في معنى دالة على هذا، وهي قوله: {والرسول} أي والحال أن الذي له الرسالة العامة {يدعوكم} صباحاً ومساء على ما له من مقتضيات القبول منه من حسن السمت وجلالة القدر وإظهار الخوارق وغير ذلك {لتؤمنوا} أي لأجل أن تجددوا الإيمان {بربكم} أي الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمة هذه النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشرفكم به {وقد} أي والحال أنه قد {أخذ ميثاقكم} أي وقع أخذه فصار في غاية القباحة ترك ما وقع التوثق بسببه بنصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول، وذلك كله منضم إلى أخذ الذرية من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام وإشهادهم على أنفسهم وإشهاد الملائكة عليهم، وبنى الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ليكون المعنى أيّ أخذ كان لأن الغدر عند الكرماء شديد من غير نظر إلى معين لا سيما العرب فكيف إذا كان الآخذ الملك الأعظم القادر على كل شيء العالم بكل شيء، ورسوله الذي تعظيمه من تعظيمه، كا صرحت به قراءة الجماعة بالبناء للفاعل ولا يخفى الإعراب، والحاصل أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان، فلم يؤاخذهم
(19/264)

حتى أرسل الرسل.
ولما حثهم على تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار بالتعجب من ترك ذلك، وكان كل واحد يدعي العراقة في الخير، هيجهم وألهبهم بقوله: {إن كنتم} أي جبلة ووصفاً ثابتاً {مؤمنين *} أي عريقين في وصف الإيمان، وهو الكون على نور الفطرة الأولى.
ولما وصفه بالربوبية، دل عليها بقوله: {هو} أي وحده لا غيره {الذي ينزل} أي على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة. ولما كان الخطاب في هذه السورة للمخلص، قال مضيفاً إلى ضميره غير مقرون بما يدل على الجلال والكبرياء {على عبده} أي الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه لأنه ما تعبد لغيره قط {آيات} أي علامات هي من ظهورها حقيقة بتأن يرجع إليها ويتقيد بها {بينت} جداً على ما له من النعوت التي هي في غاية الوضوح {ليخرجكم} أي الله أي عبده بما أنزل إليه مع أنه بشر مثلكم، والجنس إلى جنسه أميل ومنه أقبل، ولا سيما إن كان قريباً ولبيباً أريباً {من الظلمات} التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة والنسيان، الحاملة على تراكم الجهل، فمن آتاه سبحانه العلم والإيمان فقد أخرجه نم هذه الظلمات التي طرأت عليه {إلى النور} الذي كان وصفاً لروحه وفطرته الأولى السليمة.
(19/265)

ولما كان التقدير: فإن الله به للطيف خبير، عطف عليه قوله مؤكداً لأجل زلزال من يطول به البلاء من المؤمنين وإنكار الكفار: {وإن الله} أي الذي له صفات الكمال {بكم} قدم الجارّ لأن عظيم رحمته لهذه الأمة موجب لعد نعمته على غيرنا عدماً بالنسبة إلى نعمته علينا {لرؤوف رحيم *} أي كنتم بالنظر إلى رحمته الخاصة التي هي لإتمام النعمة صنفين: منكم من كان له به وصلة بما يفعل في أيام جاهليته من الخيرات كالإنفاق في سبيل المعروف، وعبر بالإنفاق لكونه خيراً لا رياء ونحوه فيه كالصديق رضي الله عنه فعاد عليه، بعد عموم رحمته بالبيان، بخصوص رحمة عظيمة أوصلته إلى أعظم درجات العرفان، ومنكم من كان بالغاً في اتباع الهوى فابتدأه بعد عموم رحمة البيان بخصوص رحمة هداه بها إلى أعمال الجنان، وهي دون ما قبلها في الميزان، وفوقها من حيث إنها بدون سبب من المرحوم.
ولما أمرهم بالإيمان والإنفاق، وكان الإيمان مع كونه الأساس الذي لا يصح عمل بدونه ليس فيه شيء من خسران أو نقصان، فبدأ به لذلك، ورغب بختم الآية بالإشارة بالرأفة إلى أن من توصل
(19/266)

إليه بشيء من الإيمان أو غيره زاده من فضله «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً - إلى قوله: ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» عطف عليه الترغيب في التوصل إليه بالإنفاق منكراً على من تركه موبخاً لمن حاد عنه هو يعلم أنه فان، مفهماً بزيادة «أن» المصدرية اللوم على تركه في جميع الأزمنة الثلاثة فقال: {وما} أي وأيّ شيء يحصل {لكم} في {ألا تنفقوا} أي توجدوا الإخراج للمال {في سبيل الله} أي في كل ما يرضي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لتكون لكم به وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة، فإنه أم بخل به أحد عن وجه خير إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شر، وأظهر موضع الإضمار في جملة حالية باعثاً على الإنفاق بأبلغ بعث فقال: {ولله} تأكيداً للعظمة بالندب إلى ذلك باستحضار جميع صفات الكمال لا سيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث {ميراث} أي الإرث والموروث والموروث عنه وغير ذلك {السماوات والأرض} جميعاً لا شيء فيهما أو منهما إلا هو كذلك يزول عن المنتفع به ويبقى لله بقاء الإرث، ومن تأمل أنه زائل هو وكل ما في يده والموت من ورائه، ويد طوارق الحوادث مطبقة به، وعما قليل ينقل ما في يده إلى غيره
(19/267)

هان عليه الجود بنفسه وماله.
ولما رغبهم في الإنفاق على الإطلاق، رغبهم في المبادرة إليه، مادحاً أهله خاصاً منهم أهل السياق فقال: {لا يستوي} . ولما كان المراد أهل الإسلام بين بقوله: {منكم من أنفق} أي أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه. ولما كان المقصود الإنفاق في زمان الإيمان لا مطلق الزمان، خص بالجارّ فقال: {من قبل الفتح} أي الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي كان سبباً لظهور الدين على الدين كله لما نال المنفق إذ ذاك بالإنفاق من كثرة المشاق لضيق المال حينئذ، وذلك مستلزم لكون المنفق أنفذ بصيرة ونفقته أعظم غنّى وأشد نفعاً، وفيه دليل على فضل أبي بكر رضي الله عنه فإنه أول من أنفق ولم يسبقه في ذلك أحد، وفيه نزلت الآية - كما حكاه البغوي عن الكلبي.
ولما كان المراد بالإيمان خدمة الرحمة، وكان الإنفاق وإن كان مصدقاً للإيمان لا يكمل تصديقه إلا ببذل النفس قال: {وقاتل} أي سعياً في إنفاق نفسه لمن آمن به، وحذف المنفي للتسوية به وهو من لم ينفق مطلقاً أو بقيد القبلية لدلالة ما بعده، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة السابقين.
ولما كان نفي المساواة لا يعرف منها الفاضل من غيره، وقد كان
(19/268)

حذف قسيم من أنفق لوضوحه والتنفير منه ودلالة ما بعده عليه، نفى اللبس بقوله: {أولئك} أي المنفقون المقاتلون وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، المقربون من أهل الرتبة العية لمبادرتهم إلى الجود بالنفس والمال {أعظم درجة} وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها {من الذين أنفقوا} ولما كان المراد التفضيل على أوجد الإنفاق والقتال في زمان بعد ذلك، لا على من استغرق كل زمان بعده بالإنفاق والقتال أدخل الجار فقال: {من بعد وقاتلوا} ولما كان التفضيل مفهماً اشتراك الكل في الفضل، صرح به ترغيباً في الإنفاق على كل حال فقال: {وكلاًّ} أي من القسمين {وعد الله} أي الذي له الجلال والكمال والإكرام {الحسنى} أي الدرجة التي هي غاية الحسن وإن كانت في نفسها متفاوتة، وقرأ ابن عامر {وكل} وهو أوفق لما عطف عليه.
ولما كان زكاء الأعمال إنما هو بالنيات، وكان التفضيل مناط العلم، قال مرغباً في إحسان النيات مرهباً من التقصير فيها: {والله} أي الذي له الإحاطة الشاملة بجميع صفات الكمال، وقدم الجار إعلاماً بمزيد اعتناء بالتمييز عند التفضيل فقال: {بما تعملون} أي تجددون عمله على مر الأوقات {خبير *} أي عالم بباطنه وظاهره علماً لا مزيد
(19/269)

عليه بوجه، فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر النيات التي هي أرواح صورها.
(19/270)

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)
ولما فضل السابقين بالإنفاق، ووعد بالحسنى اللاحقين بحسن الاتباع، وأشار إلى أنه ربما ألحقهم ببعضهم بصفاء الإخلاص فتوفرت الدواعي على البذل، أثمر ذلك قوله مسيماً الصدقة التي صورتها صورة إخراج من غير عوض باسم القرض الذي هو إخراج بعوض ترغيباً فيها لما أعد عليها من الجزاء المحقق فكيف إذا كان مضاعفاً: {من} وأكد بالإشارة بقوله: {ذا} لأجل ما للنفوس من الشح {الذي يقرض الله} أي يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام بإعطاء المستحق لأجله عطاء من ماله هو على صورة القرض لرجائه الثواب {قرضاً حسناً} أي طيباً خالصاً فيه متحرياً به أفضل الوجوه طيبة به النفس من غير من ولا كدر بتسويف ونحوه.
ولما كان ما يعطي الله المنفق من الجزاء مسبباً عن إنفاقه، ربطه بالفاء فقال عطفاً على {يقرض} : {فيضاعفه له} مرغباً فيه بجعله مبالغاً بالتضعيف أولاً وجعله من باب المفاعلة ثانياً، وكذا التفضيل
(19/270)

في قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب {فيضعفه} وقرأه ابن عامر ويعقوب بالنصب جواباً للاستفهام تأكيداً للربط والتسبيب. ولما كانت المضاعفة منه سبحانه لا يعلم كنهها إلى هو قال: {وله} أي المقرض من بعد ما تعقلونه من المضاعفة زيادة على ذلك {أجر} لا يعلم قدره إلى الله، وهو معنى وصفه بقوله: {كريم *} أي حسن طيب زاك نام.
ولما بين ما لهذا المقرض، بين بعض وصفه بالكرم ببيان وقته فقال: {يوم} أي لهم ذلك في الوقت الذي {ترى} فيه بالعين، وأشار إلى أن المحبوب من المال لا يخرج عنه ولا سيما مع الإقتار إلا من وقر الدين في قلبه بتعبيره بالوصف فقال: {المؤمنين والمؤمنات} أي الذي صار الإيمان لهم صفة راسخة {يسعى} شعاراً لهم وأمارة على سعادتهم {نورهم} الذي يوجب إبصارهم لجميع ما ينفعهم فيأخذوه وما يضرهم فيتركوه، وذلك بقدر أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها بنور العلم الذي هو ثمرة الإيمان كما أنهم قدموا المال الذي إنما يقتنيه الإنسان لمثل ذلك جزاء وفاقاً.
ولما كان من يراد تعظيمه يعطى ما يجب وما بعده شريفاً (؟) في الأماكن التي يحبها قال: {بين أيديهم} أي حيث ما توجهوا، ولذلك
(19/271)

حذف الجار {وبأيمانهم} أي وتلتصق بتلك الجهة لأن هاتين الجهتين أشرف جهاتهم، وهم إما من السابقين، وإما من أهل اليمين، ويعطون صحائفهم من هاتين الجهتين، والشقي بخلاف ذلك لا نور له ويعطى صحيفته بشماله ومن وراء ظهره، فالأول نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقولة، والثاني نور الإنفاق لأنه بالإيمان - نبه - عليه الرازي.
ولما ذكر نفوذهم فيما يحبون من الجهات وتيسيره لهم، أتبعه ما يقال لهم من المحبوب في سلوكهم لذلك المحبوب فقال: {بشراكم اليوم} أي بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان.
ولما تشوفوا لذلك أخبروا بالمبشر به بقوله مخبراً إشارة إلى أن المخبر به يحسد من البشرى لكونه معدن السرور {جنات} أي كائنة لكم تتصرفون فيها أعظم تصرف، والخبر في الأصل دخول، ولكنه عدل عنه لما ذكر من المبالغة ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به فقال؛ {تجري} وأفهم القرب بإثبات الجارّ فقال: {من تحتها الأنهار} ولما كان ذلك لا يتم مع خوف الانقطاع قال: {خالدين فيها} خلوداً لا آخر له لأن الله أورثكم ذلك ما لا يورث عنكم كما كان حكام الدنيا لأن الجنة لا موت فيها. ولما كان هذا أمراً سارّاً في ذلك المقام الضنك محباً بأمر استأنف مدحه بقوله: {ذلك} أي هذا الأمر العظيم جداً {هو} أي وحده
(19/272)

{الفوز العظيم *} أي الذي ملأ بعظمته جميع الجهات من ذواتكم وأبدانكم ونفوسكم وأرواحكم.
(19/273)

يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)
ولما عظم هذا الأجر الكريم ببيان ما لأهله في الوقت الكائن فيه، عظمه بما لأضدادهم من النكال، فقال مبدلاً من الظرف الأول: {يوم يقول} أي قولاً مجدداً يلجئ إليه من الأمور العظيمة الشاقة {المنافقون والمنافقات} أي بالعراقة في إظهار الإيمان وإبطان الكفران {للذين آمنوا} أي ظاهراً وباطناً، وأما من علا من هذا السن من المؤمنين ومن فوقهم فالظاهر أنهم لا يرونهم ليطمعوا في مناداتهم «وأين الثريا من يد المتناول» {انظرونا} أي انظرونا بأن تمكثوا في مكانكم لنلحق بكم، وكأن الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت، لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، وقد حققت المعنى قراءة حمزة بقطع الهمزة وكسر الظاء أي أخرونا في المشي وتأنوا علينا وأمهلوا علينا، لا تطلبوا منا السرعة فيه بل امكثوا في مكانكم لننظر في أمرنا كيف نلحق بكم، والحاصل أنهم عدوا تأنيهم في المشي وتلبثهم ليلحقوا بهم إنظاراً لهم {نقتبس} أي نأخذ ونصيب ونستصبح {من نوركم} أي هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه بشيء كما كنا في الدنيا نرى إيمانكم بما نرى من ظواهركم
(19/273)

ولا نتعلق من ذلك بشيء جزاء وفاقاً، وسبب هذا القول أنهم يعطون مع المؤمنين نوراً خديعة لهم بما خادعوا في الدنيا لتعظم عليهم المشقة بفقده لأنه لا يلبث أن يبعث الله عليهم ريحاً وظلمة فتطفئ نورهم ويبقون في الظلمة، وإلى ذلك ينظر قول المؤمنين {أتمم لنا نورنا} أي لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين.
ولما كان المنكئ لهم إنما هو الرد من أي قائل كان، بنى للمفعول قوله: {قيل} أي لهم جواباً لسؤالهم قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم: {ارجعوا وراءكم} أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد الجهات عن الخير كما كنتم في الدنيا لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما يستحق أن يقبل عليه ويسعى إليه {فالتمسوا} بسبب ذلك الرجوع {نوراً} ويصح أن يراد بالوراء الدنيا لأن هذا النور إنما هو منها بسبب ما عملوا فيها من الأعمال الزاكية والمعارف الصافية، ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من الإحياء: إن هذه الآية تدل على أن الأنوار لا بد أن يتجدد أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقاً فأمّا أن يتجدد ثَمَّ نور فلا.
ولما كان التقدير: فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة، سبب عنه وعقب قوله: {فضرب} مبنياً للمفعول على نحو الأول، ولإفادة أن الضرب كان في غاية السرعة والسهولة، ويجوز أن تكون الفاء معقبة على ما
(19/274)

قبله من غير تقدير {بينهم} أي في جميع المسافة التي بين الذين آمنوا وأضدادهم في وقت قولهم هذا.
ولما كان المقصود أن ضربه كان في غاية السرعة، لم يوقع الفعل وأتى بالفاء ليفيد أنه كان كأنه عصاً ضربت به الأرض ضربه واحدة، فقال: {بسور} أي جدار محيط محيل بين الجنة والنار لا يشذ عنه أحد منهم ولا يقدر أحد ممن سواهم أن يتجاوزه إليهم {له باب} موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن أذن الله له من المؤمنين بما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم لشفاعة أو نحوها {باطنه} أي ذلك السور الباب وهو الذي من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب {فيه الرحمة} وهي ما لهم من الكرامة بالجنة التي هي ساترة ببطن من فيها بأشجارها وبأسبابها كما كانت بواطنهم ملاء رحمة {وظاهره} أي السور أو الباب الذي يظهر لأهل النار، مبتدئ {من قبله} أي تجاه ذلك الظاهر وناحيته وجهته وعنده {العذاب *} من النار ومقدماتها لاقتصار أهله على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن وعكس ما أرادوا من حفظ ظواهرهم في الدنيا مع فساد بواطنهم، ودل على ما أفهمه التعبير بالمضارع في «يقول» من التكرير بقوله استئنافاً: {ينادونهم} أي المنافقون والمنافقات، يواصلون النداء وهم في الظلمة للذين آمنوا يترفقون لهم في مدة هذا القول والضرب: {ألم نكن} أي بكليتنا
(19/275)

{معكم} أي فيما كنتم فيه من الدين فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الدين الذين كنا معكم فيه {قالوا} أي الذين آمنوا {بلى} قد كنتم معنا {ولكنكم فتنتم} أي كنتم بما كان لكم من الذبذبة تختبرون {أنفسكم} فتخالطونها باختبار أحوال الدين مخالطة محيلة لها مميلة عما كانت عليه من أصل الفطرة من الاستقامة، تريدون بذلك أن تظهر لكم فيه أمور محسوسة لتخلصوا فيه من الشكوك فتخلصوا، فما آمنتم بالغيب فأهلكتموها وتبعتم أيضاً الأمور التي كنتم تفتنون بها من الشهوات، فأوجبتهم لكم الإعراض عن المعالي الباطنات {وتربصتم} أي كلفتم أنفسكم أن أخرجتموها عن الفطرة الأولى فأمهلتم وانتظرتم لتروا الأمر عياناً أو لم تفعلوا كما فعلنا من الإيمان بالغيب وترك التجربة ونسبة ما يحصل لنا مما فيه فتنة إلى أنفسنا بتقصيرنا، وكنا كلما حصل لنا ما يزلزل نقول: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ولا يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً وانتظرتم أيضاً الدوائر بأهل الإيمان لتظهروا النفاق {وارتبتم} أي شككتم بتكليف أنفسكم الشك بذلك التربص {وغرتكم الأماني} أي ما تتمنون أي تريدون وتقدرون من الإرادات التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء {حتى جاء أمر الله} أي قضاء الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفوء له ولا خلف لقوله من الموت ومقدمات من الأمور الدهشة،
(19/276)

فكما كنتم في الدنيا مقصرين كنتم في هذا الموطن {وغركم بالله} أي الملك الذي له جميع العظمة، فهو بحيث لا يخلف الميعاد وهو الولي الودود {الغرور} أي من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان وهو العدو الحسود، فإنه ينوع لكم بغروره التسويف ويقول: إن الله غفور رحيم وعفو كريم، وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنه وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو هذا، فلا يزال حتى يوقع الإنسان، فإذا أوقع واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى، فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده.
ولما أقروا لهم بالكون الجامع، وذكروا ما حصل به والفرق المانع فظهر أن لا كون، سببوا عنه قولهم: {فاليوم} أي بسبب أفعالكم تلك {لا يؤخذ} بناء للمفعول لأن الضار عدم الأخذ لا كونه من آخذ معين وليفيد سد باب الأخذ مطلقاً {منكم فدية} أي نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعضو للنفس على أي حال من قلة أو كثرة أو حسن أو غيره لأن الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لإنقاذ أنفسكم. ولما كانوا مكذبين أكد فقال: {ولا من الذين كفروا} أي أظهروا كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر. ولما كان كأنه قيل: فأين نكون؟ قال: {مأواكم} أي منزلكم ومسكنكم ومجمعكم {النار} لا مقر لكم غيرها، تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات، وإضاعتكم حقوق ذوي الحاجات، وأكد ذلك
(19/277)

بقوله: {هي} أي لا غيرها {مولاكم} أي قرينتكم وموضع قربكم ومصيركم وناصركم على نحو «تحية بينهم ضرب وجيع» فهي أولى لكم، لا قرب لكم إلى غيرها، ولا غيرها مولى ولا مصير إلى سواها ولا ناصر إلا هي. ولما كان التقدير: فبئس المولى هي، عطف عليه قوله: {وبئس المصير *} أي هذه النار التي صرتم إليها.
(19/278)

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)
ولما كان هذا وعظاً شافياً لسقام القلوب، وكاشفاً لغطاء الكروب، انتج قوله حاثاً على الإقبال على كتابه الذي رحم به عباده بإنزاله على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجه معلم بإعجازه أنه كلام مستعطفاً لهم إلى جنابه زاجراً لهم عما سألهم بعضهم فيه سلمان رضي الله عنه من أن يحدثهم عن التوراة والإنجيل، فكانوا كلما سألوه عن شيء أنزل سبحانه آية يزجرهم بها وينبههم على أن هذا القرآن فيه كل ما يطلب إلى أن أنزل هذه الآية زاجرة هذا الزجر العظيم لئلا يظن ظان أن القرآن غير كاف، مخوفاً لهم بما وقع لأهل الكتاب من الإعراض عن كتابهم، قال الكلبي نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال: {ألم يأن} أي يحن وينتهي ويدرك إلى غاية {للذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً {أن تخشع} أي أن يكون لهم رتبة عالية في الإيمان بأن تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن فتخبت فتعرض عن الفاني وتقبل على الباقي {قلوبهم لذكر الله}
(19/278)

أي الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذباً ويقوى في الدين من كان ضعيفاً، فلا يطلب لذلك دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، فإن ذكر الله يجلو أصداء القلوب ويصقل مرائيها.
ولما كان الذكر وحده كافياً في الخشوع والإنابة والخضوع لأنه مجمع لكل رغبة ومنبع لكل رهبة، وكان من الناس من لا نفوذ له فيما له سبحانه من الجلال والإكرام قال: {وما نزل} أي الله تعالى بالتدريج - على قراءة الجماعة بالتشديد، وما وجد إنزاله من عند الله على خاتم رسله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قراءة نافع وحفص عن عاصم ورويس بخلف عنه عن يعقوب بالتخفيف {من الحق} أي من الوعد والوعيد والوعظ وغير ذلك على نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القرآن إشارة إلى أن غير هذا الذكر دخله الدخيل، وأما هذا فثابت ثباتاً لا يقدر أحد على إزالته.
ولما كان للمسابقة والمنافسة أمر عظيم في تحريك الهمم لأهل الأنفة وأولي المعالي قال: {ولا يكونوا كالذين} ولما كان العلم بمجرده كافياً في إعلاء الهمة فكيف إذا كان من عند الله فكيف إذا كان بكتاب، إشارة إلى ذلك بالبناء للمجهول فقال: {أوتوا الكتاب} أي لو كان الإتيان من عند غير الله لكان جديراً بالهداية فكيف وهو من عنده. ولما كان إنزال الكتب لم يكن إلا على بني إسرائيل
(19/279)

فلم يكن مستغرقاً للزمان الماضي أدخل الجارّ فقال: {من قبل} أي قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى.
ولما كانوا في كل قليل يعبرون قال عاطفاً على {أوتوا الكتاب} : {فطال عليهم الأمد} أي الزمان الذي ضربناه لشرفهم ومددناه لعلوهم من أول إيتائهم الكتاب الذي من شأنه ترقيق القلوب، والأمد الأجل، وكل منهما يطلق على المدة كلها وعلى آخرها، وكذا الغاية بقول النحاة: «من» لابتداء الغاية و «إلى» لانتهائها، والمراد جميع المدة {فقسمت} أي بسبب الطول {قلوبهم} أي صلبت واعوجت حتى كانت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير فكانوا كل قليل في تعنت شديد على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام يسألونهم المقترحات، وأما بعد ايتائهم فأبعدوا في القساوة، فمالوا إلى دار الكدر بكلياتهم وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات، قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة وإن الشهوة والصفوة لا تجتمعان.
ولما كان التقدير: فبعضهم ثبت على تزلزل، عطف عليه قوله: {وكثير منهم} أخرجته قساوته عن الدين أصلاً ورأساً فهم {فاسقون *} أي عريقون في وصف الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي عداها لهم الكتاب، وعن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله
(19/280)

بها إلاّ أربع سنين» رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه موسى بن يعقوب الربعي وثقه ابن معين وغيره وضعفه ابن المديني وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى.
ولما كان الموجب الأعظم للقسوة إنكار البعث، وكان العرب يزيدون على أهل الكتاب من موجبات القسوة به، وكان عمل العامل بما يدل على القسوة عمل من ينكره، قال مهدداً به مقرراً لما ابتدأ به السورة من أمر الإحياء مشيراً إلى القدر على إحياء القلوب ممثلاً لإزالة القسمة عنها بصقل الذكر والتلاوة ترغيباً في إدامة ذلك: {اعلموا} أي يا من آمن بلسانه {أن الله} أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء {يحيي} أي على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه {الأرض} اليابسة بالنبات. ولما كان هذا الوصف ثابتاً دائماً بالفعل وبالقوة أخرى، وكان الجار هنا مقتضياً للتعميم قال: {بعد موتها} من غير ذكر الجارّ وكما أنه يحييها فيخرج بها النبات بعد أن كان قد تفتت وصار تراباً فكذلك يحيي بجمع أجسامهم وإفاضة الأرواح كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة سواء، لا فرق بوجه إلا بأن يقال: الابتداء أصعب في العادة، فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته لإحياء القلوب، فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما
(19/281)

أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض بالماء رابية بعد خشوعها وموتها.
ولما انكشف الأمر بهذا غاية الانكشاف، أنتج قوله: {قد بينا} أي على ما لنا من العظمة، ولما كان العرب يفهمون من لسانهم ما لا يفهم غيرهم فكانوا يعرفون - من إعجاز القرآن بكثرة فوائده وجلالة مقاصده ودقة مسالكه وعظمة مداركه، وجزالة تراكيبه ومتانة أساليبه وغير ذلك من شؤونه وأنواعه وفنونه، المنتج لتحقق أنه كلام الله - ما لا يعلمه غيرهم فكأنما كانوا مخصوصين بهذا البيان، فقدم الجارّ فقال: {لكم الآيات} أي العلامات المنيرات. ولما كان السياق للبعث، وكان من دعائم أصول الدين، وكان العقل كافياً في قياسه على النبات، وكان الفعل الذي لا يعود إلى سعادة الآخرة ناقصاً «، وكان العقل الذي لا ينجي صاحبه مساوياً للعدم، قال معبراً بأداة التراخي بخلاف ما سبق في آل عمران فإنه من مصالح النفس التي اختفت، ودواع تدعو إلى فهمها، وتبعث إلى إتقان علمها {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدار بالاستمرار.
(19/282)

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)
ولما كانت الصدقة كالبذر الذي تقدم أن الله تعالى يحييه ويضاعفه أضعافاً كثيرة على حسب زكاء الأرض، قال منتجاً مما مضى ما يعرف
(19/282)

أن من أعظم ما دل على الخشوع المحثوث عليه والبعد عن حال الذين أوتوا الكتاب في القسوة الصدقة بالإنفاق الذي قرنه في أولها بالإيمان، وحث عليه في كثير من آياتها تنبيهاً على أنه ثمرته التي لا تخلف عنه، معبراً عنه بما يرشد إلى أنه المصدق لدعواه، وأكده لمن يشك في البعث من إنكار بركة الصدقة عاجلاً أو آجلاً تقيداً بالمحسوسات: {إن المصدقين} أي العريقين في هذا الوصف من الرجال {والمصدقات} أي من النساء بأموالهم على الضعفاء الذين إعطاؤهم يدل على الصدق في الإيمان لكون المعطى لا يرجى منه نفع دنيوي، ولعله أدغم إشارة إلى إخفاء الإكثار من الصدقة حتى تصير ظاهرة، وقراءة ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف تدل مع ذلك على التصديق بالإيمان، فكل من القراءات يدل عليهما، ومن التفصيل بذكر النوعين تعرف شدة الاعتناء.
ولما كانت صيغة التفعل تدل على التكلف حثاً على حمل النفس على التطبع بذلك حتى يصير لها خلقاً في غاية الخفة عليها فقال عاطفاً على صلة الموصول في اسم الفاعل معبراً بالماضي بعد إفهام الوصف الثبات دلالة على الإيقاع بالفعل عطفاً على ما تقديره موقعاً ضميراً المذكر على الصنفين تغليباً الذين صدقوا إيمانهم بالتصدق: {وأقرضوا الله}
(19/283)

الذي له الكمال كله بتصديقهم سواء كانوا من الذكور أو الإناث، وإنفاقهم في كل ما ندب إلى الإنفاق فيه، وأكد ووصف بقوله: {قرضاً حسناً} أي بغاية ما يكون من طيب النفس وإخلاص النية في الصدقة والنفقة في سبيل الخير، وحسنه أن يصرف بصره إلى النظر إلى فعله والامتياز به وطلب العوض عليه، قال الرازي: {يضاعف} أي ذاك القرض {لهم} ويثابون بحسب تلك المضاعفة لأن الذي كان القرض له سبحانه حليم كريم ولا يرضى في الخير إلا بالفضل، وثقل في قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب دلالة على المبالغة في التكثير، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة لإفهام أن تلك الكثرة مما لا بد من كونه، وأنه عمل فيه عمل من يباري آخر ويغالبه، وبنى للمفعول دلالة على باهر العظمة اللازم عنه كونه بغاية السهولة {ولهم} أي مع المضاعفة {أجر كريم *} أي لا كدر فيه بانقطاع ولا قلة ولا زيادة بوجه من الوجوه أصلاً.
ولما بين سبحانه وتعالى أن الصدقة كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح وأبهجها، بين الحامل عليها ترغيباً فيها، فقال عاطفاً بالواو، إشارة إلى التمكن في جميع هذه الصفات: {والذين آمنوا} اي أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم {بالله} أي الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} اي كلهم لما لهم من النسبة إليه، فمن
(19/284)

كذب بشيء على أحد منهم أوعمل عمل المكذب له لم يكن مؤمناً به {أولئك} أي الذين لهم الرتب العالية والمقامات السامية {هم} أي خاصة لا غيرهم {الصديقون} أي الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه، وقال القشيري: الصديق من استوى ظاهره وباطنه، ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص، ولا يحتاج للتأويلات، ولما كان الصديق لا يكون عريقاً في الصديقية إلا بالتأهيل لرتبة الشهادة قال تعالى: {والشهداء} معبراً بما مفرده شهيد عاطفاً بالواو إشارة إلى قوة التمكن في كل من الوصفين، قال القشيري: هم الذين يشهدون بقلوبهم بواطن الوصل ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، وزاد المر عظماً بقوله: {عند ربهم} أي الذي أحسن إليهم بالقربة بمثل تلك الرتبة العالية من الشهادة لله بكل ما أرسل به رسله، والأنبياء الماضين على أممهم والحضور في جميع الملاذ بالشهادة في سبيل الله، قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد - وتلا هذه الآية {لهم} أي جميع من مضى من الموصوفين بالخير {أجرهم} أي الذي جعله ربهم لهم {ونورهم} أي الذي زادهموه من فضله برحمته، أولئك أصحاب النعيم المقيم.
ولما ذكر أهل السعادة جامعاً لأصنافهم، أتبعهم أهل الشقاوة لذلك قال: {والذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه أنوار عقولهم ومرائي
(19/285)

فكرهم {وكذبوا بآياتنا} على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا سواء كانوا في ذلك مساترين أو مجاهرين أو عمل العالم بها عمل المكذب {أولئك} أي المبعدون من الخير خاصة {أصحاب الجحيم *} أي النار التي هي غاية في توقدها، خالدون فيها من بين العصاة، وأما غيرهم فدخولهم لها إذا دخلوها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة، وأولئك هم الكاذبون الذي لا تقبل لهم شهادة عند ربهم، لهم عقابهم وعليهم ظلامهم، والآية من الاحتباك: ذكر الصديقية وما معها أولاً دليلاً على أضدادها ثانياً، والجحيم ثانياً دليلاً على النعيم أولاً، وسره أن الأول أعظم في الكرامة، والثاني أعظم في الإهانة.
ولما ذكر سبحانه حال الفريقين: الأشقياء والسعداء، فتقرر بذلك أمر الآخرة، فعلموا أنها الحيوان الذي لا انقضاء له من إكرام أو هوان، وكان الموجب للهوان فيها إنما هو الإقبال على الدنيا لحضورها ونسيان الآخرة لغيابها، قال منتجاً مما مضى مبيناً لحقيقة ما يرغب فيه المكلف المركب على الشهوة من العاجلة بما نزهه فيه مصدّراً له بما يوجب
(19/286)

غاية اليقظة والحضور: {اعلموا} أي أيها العباد المبتلون، وأكد المعنى بزيادة {ما} لما للناس من الغفلة عنه فقال قاصراً قصر قلب: {إنما الحيوة الدنيا} أي الحاضرة التي رغبت في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن {لعب} أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان {ولهو} أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك عظم ما يلهي في الدنيا فقال: {وزينة} أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال: {وتفاخر} أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض.
ولما كان ذلك مخصوصاً بأهل الشهوات قال: {بينكم} أي يجر إلى الترفع الجارّ إلى الحسد والبغضاء، ثم أتبع ذلك ما يحصل به الفخر فقال: {وتكاثر} أي من الجانبين {في الأموال} أي التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها مائلة {والأولاد} الذين لا يغتر بهم إلا سفيه لأنهم الأعداء، وأن جميع ما ذكر زائل وأن الدنيا آفاتها هائلة، وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من غيره، ثم إلى ذلك كله قد يكون ذهابه عن قرب فتكون على أضداد ما كان عليه، فيكون أشد في الحسرة، ومطابقة ذلك لما بعده ان الإنسان ينشأ في حجر وليه فيشب ويقوى ويكسب المال والولد وثم تغشاه الناس فيكون بينهم أمور معجبة وأحوال ملهية مطربة، فإذا تم شبابه وأطفأه مجيئه وذهابه
(19/287)

وأشكاله وأترابه، أخذ في الانحطاط ولا يزال حتى يشيب ويسقم ويضعف ويهرم وتصيبه النوائب والقوارع والمصائب في ماله وجسمه وأولاده وأصحابه، ثم في آخر ذلك يموت، فإذا قد اضمحل أمره ونسي عما قليل ذكره، وصار ماله لغيره وزينته متمتعاً بها سواه فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها وأقل منها خطر المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر، وأخسهم من بخل بها، قال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخر فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا - انتهى.
ولما قرر سبحانه أنها ظل زائل وعرض هائل، وكان بعض الناس يتنبه فيشكر وبعضهم يعمى فيكفر، كان القسم الثاني أكثر لأن وجودها وإقبالها يعمي أكثر القلوب عن حقارتها، ضرب لذلك مثلاً مقرراً لما مضى من وصفها لأن للأمثال في تقرير الأشياء وتصويرها ما ليس لغيرها فقال تعالى: {كمثل} أي هذا الذي ذكرته من أمرها يشبه مثل {غيث} أي مطر حصل بعد جدب وسوء حال.
ولما كان المثل في سياق التحقير للدنيا والتنفير عنها، عبر عن الزارع بما ينفر فقال: {أعجب الكفار} أي الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذرة الذي يستره الحارث بحرثه كما ستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان لما يحصل من الجحد والطغيان ولا يتناهى إعجاب الزارع إلى
(19/288)

حد يلهي عن الله إلا مع الكفر به سبحانه فإن المؤمن وإن أعجبه ذلك يتذكر به قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته وما أعد لأهل طاعته في الآخرة، فيحمله ذلك على الطاعة، فالتعبير بالكفار الذي هو بمعنى الزراع دونه إشارة إلى عظمة ذلك النبات فإنه لا يعجب العارفين به الممارسين له الذين لهم غاية الإقبال على تلك الحرفة فالمنافسة فيها إلا ما يكون منها نهاية في الإعجاب، وإلى أنه لا يعجب أحداً شيء من الدنيا إعجاباً يركن ويأنس به أنساً يؤدي إلى ما في الآية من اللهو وما معه إلا لكفر في نفسه أقله كفر النعمة التي من شأنها أن تدعو إلى تذكر الخالق وتذكر الجميل على الشكر، وترك الشكر كفر {نباته} أي نبات ذلك الغيب كما يعجب الكافر في الكفر في الغالب بسط الدنيا له استدراجاً من الله تعالى.
ولما كان الزرع يشيخ بعد مُدَيدة فيضمحل كما هو شأن الدنيا كلها قال: {ثم يهيج} أي يسرع تحركه فيتم جفافه فيحين حصاده {فتراه مصفراً} أي عقب ذلك بالقرب منه على حالة لا ثمر معها بل ولا نبات، ولذلك قال معبراً بالكون لأن السياق للتزهيد في الدنيا وأنها ظل زائل لا حقيقة لها: {ثم} أي بعد تناهي جفافه وابيضاضه {يكون} أي كوناً كأنه مطبوع عليه، وأبلغ سبحانه في تقرير اضمحلاله بالإتيان مع فعل الكون هنا للمبالغة لأن السياق لتقرير
(19/289)

أن الدنيا عدم وإن كانت في غاية الكثرة والإقبال والمؤاتاة بخلاف ما مضى في الزمر فقال: {حطاماً} كأن الحطامية كانت في جبلته وأصل طبعه.
ولما ذكر الظل الزائل، ذكر أثره الثابت الدائم مقسماً له على قسمين، فقال عاطفاً على ما تقديره هذا حال الدنيا في سرعة زوالها وتحقق فنائها واضمحلالها: {وفي} أي هذا الذي غر من حال الدنيا وهو في {الآخرة} على أحدهما {عذاب شديد} أي لمن أخذها بغير حقها معرضاً عن ذكر الله لأن الاغترار بها سببه، فكان كأنه هو.
ولما قدم ما هو السبب الأغلب لأن أكثر الخلق هالك، أتبعه الصنف الناجي. فقال: {ومغفرة} أي لأهل الدرجة الأولى في الإيمان {من الله} أي الملك الأعظم لمن يذكر بما صنعه له في الدنيا عظمته سبحانه وجلاله فتاب من ذنوبه، ورجع إليه في التطهير من عيوبه {ورضوان} لأهل الدرجة العليا وهم من أقبل عليه سبحانه فشكره حق شكره ببذل وسعه فيما يرضيه، فآخر الآية تقسيم للدنيا على الحقيقة لئلا يظن من حصرها فيما ذكر أول الآية أنها لا تكون إلا كذلك، فالمعنى أن الذي ذكره أولاً هو الأغلب لأحوالها وعاقبته النار، وما كان منها من إيمان وطاعة ونظر توحيد لله وتعظيم ومعرفة تؤدي إلى
(19/290)

أخذها تزوداً ونظرها اعتباراً وتعبداً، فهو آخره لا دنيا، وقد تحرر أن مثل الغيث المذكور الحطام وتارة يعقبه نكد لازم وأخرى سرور دائم، فمن عمل في ذلك عمل الحزمة فحرس الزرع ما يؤذيه وحصده في وقته وعمل فيه ما ينبغي ولم ينس حق الله فيه سره أثره وحمدت عاقبته، ومن أهمل ذلك أعقبه الأسف، وذلك هو مثل الدنيا: من عمل فيها بأمر الله أعقبته حطاميتها سروراً دائماً، ومن أهمل ذلك أورثته حزناً لازماً، وكما كان التقدير: فما الآخرة لمن سعى لها سعيها وهو مؤمن إلا حق مشهور وسعي مشكور، عطف عليه قوله: {وما الحياة الدنيا} أي لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة {إلا متاع الغرور *} أي لهو في نفسه غرور لا حقيقة له إلا ذلك، لأنه لا يجوز لمن أقبل على التمتع إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر.
(19/291)

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)
ولما بين أن الدنيا خيال ومحال ليصرف الكملة من العباد عنها لسفولها وحقارتها، وأن الآخرة بقاء وكمال ليرغبوا غاية الرغبة فيها وليشتاقوا كل الاشتياق لكمالها وشرفها وجلالها، أنتج ذلك قوله تعالى: {سابقوا} أي افعلوا في السعي لها بالأعمال الصالحة حق السعي فعل
(19/291)

من يسابق شخصاً فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينه بطيئاً فسار هويناً، وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلاً ورأساً، ولذلك كانت جنتها للمتقين الموصوفين. وأما هذه ففي سياق التصديق الذي هو تجرد عن فضول الأموال ولذلك كانت جنته للذين آمنوا.
ولما كان المقام عظيماً، والإنسان - وإن بذلك الجهد - ضعيفاً، لا يسعه إلا العفو سواء كان سابقاً أو لاحقاً من الأبرار والمقربين، نبه على ذلك بقوله في السابقين؛ {إلى مغفرة} أي ستر لذنوبكم عيناً وأثراً {من ربكم} أي المحسن إليكم بأن رباكم وطوركم بعد الإيجاد بأنواع الأسباب بأن تفعلوا أسباب ذلك بامتثال أوامره سبحانه واجتناب زواجره. ولما كان المقصود من المغفرة ما يترتب عليها من نتيجتها قال: {وجنة} أي وبستان هو من عظم أشجارها واطراد أنهارها بحيث يستر داخله. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالسعة قال: {عرضها} أي فما ظنك بطولها. ولما كان السياق كما بين للتجرد عن فضول الأموال فقط لأن الموعود به دون ما في آل عمران فأفرده وصرح بالعرض فقال: {كعرض السماء والأرض} أي لو وصل بعضها ببعض، فآية آل عمران تحتمل الطول وجميع السماوات والأرض على هيئتها، ويحتمل أن
(19/292)

يكون ذلك على تقدير أن تقد كل واحدة منهما ويوصل رأس كل قدة برأس الأخرى، وتمتد جميع القدات إلى نهايتها على مثل الشراك، وهذه الآية ظاهرها عرض واحد وأرض واحدة {أعدت} أي هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر {للذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة وهم من هذه الأمة إيقاعاً لا ريب معه ولو أنه على أدنى الوجوه فكانوا من السابقين، وهذا يدل على أن الجنة موجودة الآن في آيات كثيرة، وأن الإيمان كاف في استحقاقها، وأحاديث الشفاعة مؤيدة لذلك {بالله} أي الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين له بالإيمان {ورسله} فلم يفرقوا بين أحد منهم، فهذه الجنة غير مذكورة في آل عمران، وإن قيل: إن السماء هنا للجنس لكون السياق فيه الصديقون والشهداء كانت أبلغته تلك بالتصريح بالجمع وعدم التصريح بالعرض لكونها في سياق صرح فيه بالجهاد، وقد جرت السنة الإلهية بإعظام للمجاهدين لشدة الخطر في أمر النفس وصعوبة الخروج عنها وعن جميع المألوفات.
ولما كان من ذكر من الوعد بالمغفرة والجنة عظيماً لا سيما لمن آمن ولو كان إيمانه على أعلى الدرجات ومع التجرد من جميع الأعمال، عظمه بقوله رداً على من يوجب عليه سبحانه شيئاً من ثواب أو عقاب: {ذلك} أي الأمر العظيم جداً {فضل الله} أي الملك الذي لا كفوء له
(19/293)

فلا اعتراض عليه {يؤتيه من يشاء} ولعل التعبير بالمضارع للإشارة إلى هذا خاص بهذه الأمة التي هي أقل عملاً وأكثر أجراً، فإذا حسدهم أهل الكتاب قال تعالى: هل ظلمتكم من أمركم شيئاً، فإذا قالوا: لا، لأن المصروف من الأجر لجميع الطوائف على حسب الشرط، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء. {والله} أي والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله {ذو الفضل العظيم *} أي الذي جل عن أن يحيط بوصفه العقول.
(19/294)

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)
ولما كانت الدنيا مانعة عن العكوف إلى الآخرة بلذاتها وآلائها، وكانت كما أنها منزل رخاء هي دار بلاء، وكان قد اقتصر سبحانه في الآية السالفة على الأول لأن السياق للإنفاق والترغيب في معالي الأخلاق وجعل المسابقة إلى السعادة نتيجة الزهد فيها، تحركت النفس إلى السؤال عما يعوق عن الخير من الضرب بسياط البلاء فقال مسلياً عنه لأن النفوس أشد تأثراً بالمكاره وأسرع انفعالاً بالمقارع ومحققاً ومغرياً بالإعلام بأنه لم يكن فيها خير ولا شر إلا بقضاء حتم في الأزل وقدر أحكم ووجب حين لم يكن غيره شيء عز وجل، وذكر فعل المؤنث الجائز التذكير لكون التأنيث غير حقيقي إشارة إلى عظم وقع الشر: {ما أصاب} وأكد النفي فقال: {من مصيبة} وهي في الأصل لكل آت من خير أو شر إلا أن العرف خصها بالشر، وعم الساكن
(19/294)

والمتحرك بقوله: {في الأرض} أي من منابتها ومياهها ونحو ذلك {ولا في أنفسكم} أي بموت ومرض وعين وعرض {إلا} هي كائنة {في كتاب} أي مكتوب لأنه مقدر مفروغ من القدم، وبين أن الكتابة حدثت بعد أن كان هو سبحانه ولا شيء معه بإدخال الجارّ فقال: {من قبل أن نبرأها} أي نخلق ونوجد ونقدر المصيبة والأرض والأنفس، وهذا دليل على أن اكتساب العباد يجعله سبحانه وتقديره.
ولما كان ذلك متعذراً على المخلوق فهو أشد شيء تكرهاً له وقوفاً مع الوهم قال مؤكداً: {إن ذلك} أي الأمر الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل كونه، ثم سوقه النفوس والأسباب إلى إخراجه بعد التكوين على مقدار ما سبق علمه به وكتبه له {على الله} أي على ما له من الإحاطة بالكمال {يسير *} لأن علمه محيط بكل شيء وقدرته شاملة لا يعجزها شيء.
ولما بين هذا الأمر العظيم الدال على ما له سبحانه من الكبرياء والعظمة، بين ثمرة أعماله بقوله: {لكيلا} أي أعملناكم بأن على ما لنا من العظمة قد فرغنا من التقدير، فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير، لأن الحزن لا يدفعه، ولا السرور يجلبه ويجمعه، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا معاذ ليقلّ همك ما قدر يكن» لأجل أن لا {تأسوا} أي تحزنوا حزناً كبيراً زائداً {على} ما في أصل الجبلة، يوصل إلى المبلغ بتعاطي أسبابه والتمادي فيها ليتأثر عنها
(19/295)

السخط وعدم الرضا بالقضاء، فربما جر ذلك إلى أمر عظيم {ما فاتكم} من المحبوبات الدنيوية {ولا تفرحوا} أي تسروا سروراً يوصل إلى البطر بالتمادي مع ما في أصل الجبلة {بما آتاكم} أي جاءكم منها على قراءة أبي عمرو بالقصر، وأعطاكم الله على قراءة الباقين بالمد، وهي تدل على أن النعم لا بد في إيجادها وإبقائها من حافظ، ثم إنها لو خليت ونفسها فاتت لأنه ليس من ذاته إلا العدم، وقد بين سبحانه أن في تقديره هذا وكتبه من السر أن من وطن نفسه على فقد ما لديه من أعيان ومعان قبل أن تأمره بالعدم والوجدان، فلم يغيره ذلك عن المسابقة المذكورة، فالمنهي عنه التمادي مع الحزن حتى يخرج عن الصبر ومع الفرح حتى يلهي عن الشكر، لا أصل المعنى لأنه ليس من الأفعال الاختيارية، قال جعفر الصادق: ما لك تأسف على مفقود ولا يرده إليك الفوت، وما لك تفرح بوجود ولا يتركه في يدك الموت - انتهى، ولقد عزى الله المؤمنين رحمة لهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيدهم، ولأن ذلك لا مطمع في بقائه إلا بادخاره عند الله، وذلك بأن يقول في المصيبة: قدر الله وما شاء الله فعل ويصير في النعمة هكذا قضى، وما أدري ما مثله
{هذا من فضل
(19/296)

ربي ليبلوني أشكر أم أكفر} [النمل: 40] فلا يزال خائفاً عند النقمة راجياً أثر النعمة، قائلاً في الحالين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون مسروراً بذكر ربه له في كلتا الحالتين كما قال القائل:
سقياً لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا
وهذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة، فمن لم تغيره المضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته، أشار إليه القشيري. ولما كان الإمعان في استجلاب الأسى إنما هو من اليأس ونسيان النعم وزيادة الفرح الموصل إلى المرح إنما يجره الكبر والمرح، وكان في أوصاف أهل الدنيا التفاخر، قال تعالى مبيناً أن المنهي عنه سابقاً التمادي مع الجبلة في الحزن والفرح، عاطفاً على ما تقديره: {فإن الله لا يحب كل يؤوس كفور} {والله لا يحب} أي لا يفعل فعل المحب بأن يكرم {كل مختال} أي متكبر نظر إلى ما في يده في الدنيا {فخور *} قال القشيري: الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر.
(19/297)

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)
ولما كان من جملة صفات المختال المكاثر بالمال البخل، وكان قد تقدم الحث على الإنفاق، وكان ما يوجبه لذة الفخار والاختيال
(19/297)

التي أوصل إليها المال حاملة على البخل خوفاً من الإقتار الموجب عند أهل الدنيا للصغار، قال تعالى واصفاً للمختال أو {لكل} : {الذين يبخلون} أي يوجدون هذه الحقيقة مع الاستمرار {ويأمرون الناس} أي كل من يعرفونه {بالبخل} إرادة أن يكون لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة فيحامون عنهم أو أنهم يوجبون بأعمالهم من التكبر والبطر في الأموال التي حصلها لهم البخل استدراجاً من الله لهم بخل غيرهم لأنه إذا رآهم عظموا بالمال بخل ليكثر ماله ويعظم، وذلك كله نتيجة فرحهم بالموجود وبطرهم عند إصابته، فكانوا آمرين بالبخل لكونهم أسباباً له والسبب كالآمر في إيجاد شيء.
ولما كان التقدير: فمن أقبل على ما ندب إليه من الإقراض الحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الله شكور حليم، عطف عليه قوله ذاماً للبخل محذراً منه: {ومن يتول} أي يكلف نفسه من الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير والإقبال على الله {فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {هو} أي وحده {الغني} أي عن ماله وإنفاقه وكل شيء إلى الله مفتقر {الحميد *} أي المستحق للحمد وسواء حمده الحامدون أم لا، وقراءة نافع وابن عامر بإسقاط هو مفيدة لحصر المبتدأ في الخبر للتعريف وإن كانت قراءة الجماعة آكد.
(19/298)

ولما ظهرت الأدلة حتى لم يبق لأحد علة، وانتشر نورها حتى ملأ الأكوان، وعلا علواً تضاءل دون عليائه كيوان، وكان فيما تقدم شرح مآل الدنيا وبيان حقيقتها، وأن الأدمي إذا خلي ونفسه ارتكب ما لا يليق من التفاخر وما شاكله وترك ما يراد به مما دعي إليه من الخير جهلاً منه وانقياداً مع طبعه، وكان ختم الآية السابقة ربما أوهم المشاركة، قال تعالى نافياً ذلك في جواب من توقع الإخبار عن سائر الأنبياء: هو أوتوا من البيان ما أزال اللبس، مؤكداً لإزالة العذر بإقامة الحجج بإرسال الرسل بالمعجزات الحاضرة والكتب الباقية، معلماً أن من أعرض كلف الإقبال بالسيف، فإن الحكيم العظيم تأبى عظمته وحكمته أن يخلي المعرض عن بينة ترده عما هو فيه، وقسر يكفيه عما يطغيه: {لقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {رسلنا} أي الذين لهم نهاية الإجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام، ومن الأنبياء إلى الأمم {بالبينات} أي الموجبة للإقبال في الحال لكونها لا لبس فيها أصلاً، ودل على عظمة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بأنهم لعلو مقاماتهم بالإرسال كأنهم أتوا إلى العباد من موضع عال جداً فقال: {وأنزلنا} بعظمتنا
(19/299)

التي لا شيء أعلى منها {معهم الكتاب} أي الحافظ في زمن الاستقبال في الأحكام والشرائع.
ولما كان فهم الكتاب ربما أشكل فإنه يحتاج إلى ذهن صقيل وفكر طويل، وصبر كبير وعلم كثير - قال الرازي: وبهذا قيل: لولا الكتاب لأصبح العقل حائراً ولولا العقل لم ينتفع بالكتاب، عقبه بما يشترك في معرفته الكبير والصغير، والجاهل والنحرير، وهو أقرب الأشياء إلى الكتاب في العلم بمطابقة الواقع لما يراد فقال: {والميزان} أي العدل والحكمة، ولعله كل ما يقع به التقدير حساً أو معنى، وتعقيبه به إشارة إلى أن عدم زيغه لعدم حظ ونحوه، فمن حكم الكتاب خالياً عن حظ نفس وصل إلى المقصود {ليقوم الناس} أي الذين فيهم قابلية التحرك إلى المعالي كلهم {بالقسط} أي العدل الذي لا مزيد عليه لانتظام جميع أحوالهم، هذا لمن أذعن للبينات لذات من أقامها أو للرغبة فيها عنده.
ولما كان الإعراض بعد الإبلاغ في الإيضاح موجباً للرد عن الفساد بأنواع الجهاد، قال مهدداً وممتناً ترغيباً وترهيباً معبراً عن الخلق بالإنزال تشريفاً وتعظيماً: {وأنزلنا} أي خلقنا خلقاً عظيماً بما لنا من القدرة {الحديد} أي المعروف على وجه من القوة والصلابة
(19/300)

واللين والحدة لقبول التأثير يعد به كالبائن لما في الأرض، فلذلك سمي إيجاده إنزالاً، ولأن الأوامر بالإيجاد والإعدام تنزل من السماء على أيدي الملائكة لأن السماء محل الحوادث الكبار، والبدائع والأسرار، لأن الماء الذي هو أصله وأصل كل نام ينزل من السماء وتكون الأرض له بمنزلة الرحمن للنطفة.
ولما وقع التشوف إلى سبب إنزاله، قال: {فيه بأس} أي قوة وشدة وعذاب {شديد} لما فيه من الصلابة الملائمة للمضاء والحدة {ومنافع للناس} بما يعمل منه من مرافقهم ومعاونهم لتقوم أحوالهم بذلك، قال البيضاوي: ما من صنعة إلا والحديد آلتها. ولما كان التقدير: ليعلم الله من يعصيه ويخذل أولياءه، بوضع بأسه في غير ما أمر به نصرة لشيطانه وهواه وافتنانه، عطف عليه قوله: {وليعلم الله} أي الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، وأوقع ضمير الدين عليه سبحانه تعظيماً له لأنه شارعه فقال: {من ينصره} أي يقبل مجداً على الاستمرار على نصر دينه {ورسله} بالذب عنهم والدعاء إليهم، كاثناً ذلك النصر {بالغيب} من الوعد والوعيد، أي بسبب تصديق
(19/301)

الناصر لما غاب عنه من ذلك، أو غائباً عن كل ما أوجب له النصرة، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ينصرونه ولا يبصرونه - انتهى. فلم يدع سبحانه في هذه الآية لأحد عذراً بالرسل الذين هم الجنس مع تأييدهم بما ينفي عنهم اللبس، والكتاب العالي عن كلام الخلق، والعقل الذي عرف العدل، والسلاح الذي يرد أولي الجهل، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«بعثت بين يدي الساعة بالسيف» فبيان الشرائع بالكتاب، وتقويم أبواب العدل بالميزان، وتنفيذ هذه المعاني بالسيف، فإن مصالح الدين من غير هيبة السلطان لا يمكن رعايتها، فالملك والدين توأمان، فالدين بلا ملك ضائع، والملك من غير دين باطل، والسلطان ظل الله في الأرض، فظواهر الكتاب للعوام، ووزن معارفه لأهل الحقائق بالميزان، ومن خرج عن الطائفتين فله الحديد وهو السيف، لأن تشويش الدين منه - نبه عليه الرازي.
ولما كان طالب النصرة مظنة لتوهم الضعف، قال نافياً لذلك مؤكداً قطعاً لتعنت المتعنتين مظهراً للاسم الأعظم إشارة إلى أن من له جميع صفات الكمال لا يمكن أن تطرقه حاجة: {إن الله} أي الذي له العظمة كلها. ولما لم يكن هنا داع إلى أكثر من هذا التأكيد: بخلاف ما أشير إليه من الإخراج من الديار المذكورة في الحج ونحوه، قال معلماً بأنه غني عن كل شيء معرياً الخبر من اللام: {قوي} أي فهو قادر على
(19/302)

إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أولياءه {عزيز *} فهو غير مفتقر إلى نصر أحد، وإنما دعا عباده إلى نصر دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور، ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي، ببنائه هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب.
(19/303)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)
ولما عم الرسل جامعاً لهم في البينات، فكان السامع جديراً بأن يتوقع التعيين، وخص من بينهم من أولي العزم أبوين جامعين في الذرية والرسالة، لأن ذلك أنسب لمقصود السورة لتبيين فضل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي عم برسالته عموماً لم يكن لأحد غيره، فنوح عليه السلام أرسل لأهل الأرض لكونهم كانوا على لسان واحد، وعموم إبراهيم عليه السلام بأولاده عليهم السلام ونص بعدهما على عيسى عليه السلام بما له من عموم الرسالة إلى بني إسرائيل بالنسخ والتشريع، ثم من نزوله في هذه الأمة بالتقرير والتجديد فقالك {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من صفات الكمال والجمال والجلال {نوحاً} الأب الثاني، وجعلنا الأغلب على رسالته مظهر الجلال {وإبراهيم} أبا العرب والروم وبني إسرائيل الذي أكثر الأنبياء من نسله، وجعلنا الأغلب على رسالته مجلى الإكرام {وجعلنا} بما لنا من العظمة {في ذريتهما النبوة} المقتضية للوصلة بالملك الأعظم لتنفيذ الأوامر
(19/303)

{والكتاب} الجامع للأحكام الضابط للشرائع بأن استنبأنا بعض ذريتهما وأنزلنا إليهم الكتب فلا يوجد نبي ولا كتاب إلا وهو مدلٍ إليهما بأمتن الأسباب وأعظم الأنساب.
ولما كان مظهر العظمة مقتضياً لإشقاء من أريد إشقاؤه مع عدم المبالاة به، كائناً من كان، سواء اتصل بالأولياء أو الأعداء لئلا يأمن أحد فيقع في الخسران أو ييأس أحد فيلزم الهوان قال: {فمنهم} أي ذرية هذين الصنفين {مهتد} هو بعين الرضا منا - وهو من لزم طريق الأصفياء واستمسك بعهدهم ولم يزغ أصلاً وإن كان من أولاد الأعداء.
ولما كان من زاغ بعد تذكيره بالكتب والرسل، كان مستحقاً للمبالغة في الذم ولو أنه واحد فكيف إذا كان كثيراً، نبه بتغيير السياق على ذلك وعلى أن الأغلب الضلال فقال: {وكثير منهم} أي الذرية الموصوفين {فاسقون *} هم بعين السخط وإن كانوا أولاد الأصفياء وهم من خالف الأولياء بمنابذة أو ابتداع أو زيغ عن سبيلهم بما لم ينهجوه من تفريظ وإفراط.
ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة هذا النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال مشيراً إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي:
(19/304)

{ثم قفينا} أي بما لنا من العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه {على آثارهم} أي الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل، ولا يعود الضمير على {الذرية} لأنها باقية مع الرسل وبعدهم {برسلنا} أي فأرسلناهم واحداً في أثر واحد بين ما لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما تقتضيه العظمة، لا ننشئ آثار الأول منهم حتى نرسل الذي بعده في قفاه، فكل رسول بين يدي الذي بعده، والذين بعده في قفاه - فهو مقف له لأن الأول ذاهب إلى الله والثاني تابع له، فنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعرق الناس في هذا الوصف لأنه لا نبي بعده، ولهذا كان الوصف أحد أسمائه.
ولما كان عيسى عليه السلام أعظم من جاء بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تجديد دينه وتقرير شريعته، وكان الزهد والرأفة والرحمة في تابعيه في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقاً على أن الموجب لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن الآيات الحاضرة معه والكتاب الباقي بعده، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال: {وقفينا} أي أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تدرس {بعيسى ابن مريم} وهو آخر من قبل النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وآتيناه} بما لنا من العظمة
(19/305)

{الإنجيل *} كتاباً ضابطاً لما جاء به مقيماً لملته مبيناً للقيامة مبشراً بالنبي العربي موضحاً لأمره مكثراً من ذكره {وجعلنا} لعزتنا {في قلوب الذين اتبعوه} أي بغاية جهدهم، فكانوا على مناهجه {رأفة} أي أشد رقة على من كان يتسبب إلى الاتصال بهم {ورحمة} أي رقة وعطفاً من لم يكن له سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين، وترتيب الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في {رؤف رحيم} كما قاله بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن ذلك قول لا يحل التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال {ورهبانية} أي أموراً حاملة على الرهبية والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس.
ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكوراً مرتين تأكيداً له إفهاماً لذم نفس الابتداع، أتبعه المفسر لعامله فقال: {ابتدعوها} أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها من غير أن يكون لهم فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها فاعتزلوا لأجلها الناس، وانقطعوا في الجبال
(19/306)

على الاستئناس، وكانت لهم بذلك أخبار شائعة في النواحي والأمصار، وفي التقديم على العامل سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم في لفظ الابتداع أن لا صنع لله فيها {ما كتبناها} أي فرضناها بعظمتنا {عليهم} في كتابهم ولا على لسان رسولهم {إلا} أي لكن ابتدعوها {ابتغاء} أي لأجل تكليفهم أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال على {رضوان الله} أي الرضا العظيم من الملك الأعظم، وساق المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله، وأنه ما ترك فرضها عليهم إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها، وأنه صيرها بعد إلزامهم بها كالمكتوبة، فيكون التقدير حينئذ: إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام، قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه «فتوح مصر والمغرب» : فلما أن أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده كما حدثنا هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال: استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليه السلام في الرجوع إلى أهله وماله بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا مع رؤوس الجبال، فكانوا أول من
(19/307)

ترهب، وكان يقال لهم الشيعة، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله عز وجل، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه السلام.
ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن عليائها قال: {فما رعوها} أي حفظوها كلهم بحفظ من هو مرتاع من خوف ضياعها {حق رعايتها} بصون العناية في رعاية الأعمال والأحوال والأقوال، فصون الأعمال توفيرها لتحقيرها من غير التفات إليها، ورعاية الأحوال عند الاجتهاد من أتاه والحال دعوى، ورعاية الوقت الوقوف مع حضور على بساط شهود الجلال - ذكره الرازي. بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم عن عالي مداها، وانحطوا عن شامخ ذراها، هذا تنفير عظيم عن البدع، وحث شديد على لزوم ما سنه الله وشرع، وتحذير من التشديد، فإنه لن يشادّ الدين أحد إلا غلبه وهو الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق من الدين بالاتحاد والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن التشديد والتعمق خير لأن الشارع الذي أحاط علماً بما لم يحط به نهى عنه، وقد أفادت التجربة أنه قد يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير، فكان داعياً لكثير منهم إلى دار البوار، وفيه أيضاً حث عظيم على المداومة على ما اعتيد من الأعمال الصالحة خصوصاً، ما عمل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عملاً إلا دوام عليه، وكان ينهى
(19/308)

عن التعمق في الدين، ويأمر بالرفق والقصد.
ولما كانت متابعة النفس في التقصير بالإفراط قد توصل إلى المروق من الدين فيوجب الكفر فيحط على الهلاك كله، أشار إلى ذلك بقوله: {فآتينا} أي بما لنا من صفات الكمال {الذين آمنوا} أي استمروا على الإيمان الكامل، ولعل في التعبير بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة إلى إن المتعمق بين إيمان وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية فهو في غاية الذم للتعمق والمدح للاقتصاد {منهم} أي من هؤلاء المبتدعين لأنهم رعوها حق رعايتها ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام بإيمانهم بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي دعا إليه الخروج عن النفس الذي هو روح الرهبانية بموافقتهم لما في كتابهم من البشائر به {أجرهم} أي اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف.
ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات راسخة للأنفس، أشار إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال: {وكثير منهم} أي هؤلاء الذين ابتدعوا فضيعوا {فاسقون *} أي عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها الله تعالى، روى البغوي
(19/309)

من طريق الثعلبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من آمن بي فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون» انتهى. ومثل هذه الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه عليها لا منه، كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون أشياء فإن قررهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت شرعاً لنا وكنا آخذين لها من تفسيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا منهم، فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلاً، كان ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم فأقرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا فرق بين أن يقرره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنفسه أو بقواعد شريعته، ومهما كان مقرراً بقواعد شرعه كان عليه أمره، ومهما لم يكن مقرراً بها كان مما ليس عليه أمره فهو رد على قائله، فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة - والله الموفق، وذكر ابن برجان تنزيل هذا الحديث الذي فيه «لتتبعن سنن من كان قبلكم» فذكر أن أصحاب عيسى عليه السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم، وشايعه على ذلك روم ويونان، فضعف أهل الإيمان، فاستذلوهم حتى هربوا إلى البراري، وعملوا الصوامع
(19/310)

وابتدعوا الرهبانية، وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه لما توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبعه خلفاؤه بإحسان، فلما مضت الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان، ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم، وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما واستبيحت مدينة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة أيام، وقتل خيار من فيها فرأى المسلمون العزلة واجبة، فلزموا الزوايا والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد للعدو والنفوس، وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذاً من أحوال أهل الصفة، وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع والصدق والمنازل والأحوال والمقامات فهؤلاء وزان أولئك - والله الموفق.
ذكر ما في الإنجيل ما من الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على الله التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها: قال متى وغيره وأغلب السياق لمتى: إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع منك فخذ معك واحداً أو اثنين، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة، وإن لم يسمع
(19/311)

منهم فقل للبيعة، فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار، الحق أقول لكم، وقال لوقا: انظروا الآن إن أخطأ إليك أخوك فانهه، فإن تاب فاغفر له، فإن أخطأ إليك سبع دفعات في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول لك: أنا تائب، فاغفر له، وقال متى: حينئذ جاء إليه بطرس وقال له: إذا أخطأ إليّ أخي لم أغفر له سبع مرات، قال: ليس أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة، ولهذا يشبه ملكوت السماوات ملكاً أراد أن يحاسب عبيده، فلما بدأ بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه جملة وزنات، ولم يكن معه ما يوفي، فأمر سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما له حتى يوفي، فخر ذلك العبد له ساجداً قائلاً: يا رب، ترأف عليّ تأن، أوفك كل مالك، فتحنن عليه سيده وترك له كل ما عليه، فخرج ذلك العبد فوجد عبداً من أصدقائه عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه وقال: أعطني ما عليك، فخر ذلك العبد على رجليه وطلب إليه قائلاً: ترأف عليّ فأنا أعطيك مالك، فأبى ومضى ورتكه في السجن حتى يوفي الدين، فرأى العبد أصحابه فحزنوا عليه جداً وأعلموا سيده بكل ما كان منه، حينئذ دعاه سيده وقال له: أيها العبد الشرير! كل ما كان عليك تركت بذلك لأنك سألتني، ما كان ينبغي لك أن ترحكم ذلك العبد صاحبك كرحمتي
(19/312)

إياك، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما عليه، هكذا أبي السماوي يصنع بكم إن لم تغفروا لإخوانكم سيئاتهم من كل قلوبكم، فلما أكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم يهود عبر الأردن فتبعه جمع كثير فأبرأهم هناك، قال لوقا: فلما أكمل أيام صعوده أقبل بوجهه إلى يروشليم، وأرسل مخبرين قدام وجهه فمضوا ودخلوا قرية السامرة، لكيما يعدوا له فلم يقبلوه فقال تلميذاه يعقوب ويوحنا: يا رب تريد أن نقول فتنزل عليهم نار من السماء فتهلكهم كما فعل إليا، فالتفت فنهرهما قائلاً: لستما تعرفان أي روح أنتما، إن ابن البشر لم يأت ليهلك نفوس الناس بل يحيي، ومضى إلى قرية أخرى، وقال متى: حينئذ قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم ويباركهم فنهرهم التلاميذ فقال لهم يسوع: جعوا الصبيان ولا تمنعوهم أن يأتوا إليّ لأن ملكوت السماوات لمثل هؤلاء، ووضع يده عليهم وبارك لهم، وقال مرقس: الحق أقول لكم، إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها، واحتضنهم ووضع يده عليهم وباركهم، وقال متى: ومضى من هناك وجاء إليه واحد وقال: يا معلم صالح - وقال مرقس: أيها الملعم الصالح - ما أعمل من
(19/313)

الصلاح لأرث الحياة الدائمة، قال له: لماذا تقول: صالح، ولا صالح إلا الله الواحد، إن كنت تريد أن تدخل الحياة احفظ الوصايا، قال له: وما هي؟ قال يسوع: لا تقتل ولا تسرق ولا تزن ولا تشهد الزور، وقال مرقس: لا تجر، أكرم أباك وأمك - حب قريبك مثلك، قال له الشاب: كل هذا قد حفظته من صغري، قال له يسوع: إن كنت تريد أن تكون كاملاً فاذهب، وقال مرقس: فنظر إليه يسوع وأحبه، وقال: تريد أن تكون كاملاً، واحدة بقيت عليك: امض وبع كل شيء لك وأعطه للمساكين ليكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني، فلما سمع الشاب الكلام مضى حزيناً لأنه كان له مال كثير، فقال يسوع لتلامذته: الحق أقول لكم! إنه يعسر على الغني الدخول إلى ملكوت السماء، وأيضاً أقول لكم: إنه أسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من غني يدخل ملكوت السماوات، فلما سمع التلاميذ بهتوا جداً وقالوا: من يقدر أن يخلص، فنظر يسوع وقال لهم: أما عند الناس فلا يستطاع هذا، وأما عند الله فكل يستطاع، حينئذ أجاب بطرس وقال له: هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا عسى أن يكون لنا، قال لهم يسوع: الحق والحق أقول لكم! أنتم الذين اتبعتموني في الجبل الآتي إذا جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون
(19/314)

أنتم على اثني عشر كرسياً، تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل، كل ما ترك بنين أو أخاً أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو بيتاً أو حقلاً من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث حياة الأبد، وقال لوقا: ما من أحد ترك منزلاً أو والدين أو إخوة أو امرأة أو مالاً من أجل ملكوت الله إلا وينال العوض أضعافاً كثيرة في هذا الزمان وفي الدهر الآتي حياة الأبد، وقال متى وغيره: كثيراً أولون يصيرون آخرين: وأخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت السماوات إنساناً رب بيت خرج الغداة ليستأجر فعله لكرمه، فشارك الأكرة على دينار واحد في اليوم - إلى آخر ما مضى في الأعراف من البشارة بأمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مثل الفعلة في الكرم الذي فضل آخرهم وهو العامل قليلاً على من عمل أكثر النهار وقد ساقه ابن برجان في آخر تفسير سورة الحديد عن الإنجيل بعبارة أخرى تفسيراً كثيراً من عبارة النسخة التي نقلت ذاك منها، فأحببت أن أذكر عبارة ابن برجان هنا تكميلاً للفائدة، قال: وفي الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل: وكثيراً يتقدم الآخرون الأولون ويكون الأولون ساقة الآخرين: ولذلك يشبه ملكوت السماوات برجل ملي خرج في استئجار الأعوان لحفر كرم في
(19/315)

أول النهار، وعامل كل واحد في نهاره على درهم ثم أدخلهم كرمه، فلما كان في الساعة الثالثة بصر لغيرهم في الرحاب لا شغل لهم فقال: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم وسآمر لكم بحقوقكم، ففعلوا، ثم فعل مثل ذلك في الساعة السادسة والتاسعة، فلما كان في الساعة الإحدى عشرة وجد غيرهم وقوفاً فقال لهم: لم وقفتم هنا طول نهاركم دون عمل؟ فقالوا له: إنا لم يستأجرنا أحد، فقال لهم: اذهبوا أنتم سآمر لكم بحقوقكم، فلما انقضى النهار قال لوكيله: ادع الأعوان وأعطهم أجرتهم وابدأ بالآخرين حتى تنتهي إلى الأولين، فبدأ بالذين دخلوا في الساعة الإحدى عشرة وأعطى كل واحد منهم درهماً، قأقبل الأولون وهم الذين يرجون الزيادة، فأعطى كل واحدٍ منهم درهماً، فاستذكروا ذلك على صاحب الكرم وقالوا: سويتنا بالذين لم يعملوا إلا ساعة من النهار في شخوصنا طول نهارنا وعذابنا بحرارته، فأجاب أحدهم وقال: لست أظلمك يا صديق، أما عاملتني على درهم فخذ حقك وانطلق فإنه يوافقني أن أعطي الآخر كما أعطيتك، أفلا يحل لي ذلك؟ وإن كنت حسوداً فإني أنا رحيم، ومن أجل ذلك يتقدم الآخرون الأولين، ويكون الأولون ساقة الآخرين فالمدعوون كثير، والخيرون قليل، وذكر ابن برجان أن الساعة السادسة لعيسى عليه السلام وأصحابه
(19/316)

في أول الأمر والتاسعة لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والحادية عشرة لآخر الزمان - كأنه يعني ما بعد الدجال من أيام محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي يكون فيها عيسى عليه السلام مجدداً، ولهذا جعلهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي يكون فيها عيسى عليه السلام مجدداً، ولهذا جعلهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث الصحيح شيئاً واحداً من العصر إلى غروب الشمس، ثم قال متى في بقية ما مضى من الإنجيل في النسخة التي نقلت منها عقب ما تقدم أنه في الأعراف: فصعد يسوع إلى يروشليم وأخذ الاثني عشر، حينئذ جاءت إليه أم ابني زبدي - هما يعقوب ويوحنا - مع ابنيها وسجدت له، فقال لها: ماذا تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك في ملكوتك، أجاب يسوع: أما جلوسهما عن يميني ويساري فليس لي بل للذي أعده لهم ربي، فلما سمع العشرة تقمقموا على الآخرين - وقال مرقس: على يعقوب ويوحنا - فدعاهم يسوع وقال لهم: أما علمتم أن رؤساء الأمم يسودونهم وعظماءهم مسلطون عليهم، ليس هكذا يكون فيكم، لكن من أراد أن يكون فيكم كبيراً فيكون لكم خادماً، ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فيكون لكم عبداً، وقال مرقس: فيكون آخر للكل وخادماً للجميع، كذلك ابن
(19/317)

الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فداء عن كثير، فلما خرج من أريحا تبعه جمع كثير وإذا أعميان جالسان على الطريق فسمعا أن يسوع مجتاز فصرخا قائلين: ارحمنا يا رب يا ابن داود، فوقف يسوع ودعاهما وقال لهما: ما تريدان أن أفعل لكما، قالا له: يا رب، أن تفتح أعيننا، فتحنن يسوع ولمس أعينهما وللوقت أبصرت أعينهما وتبعاه، وعبارة مرقس عن ذلك: وجاء إلى أريحا وخرج من هناك وتبعه تلاميذه وجمع كثير وإذا طيماس بن طماس الأعمى جالس يسأل عن الطريق - وقال لوقا: يتوسل - فسمع الجمع المجتاز فسأل: ما هذا، فأخبروه أن يسوع الناصري جاء، وقال مرقس: فلما سمع بأن يسوع مقبل بدأ يصيح ويقول: يا يسوع الناصري ابن داود ارحمني، فانتهروه ليسكت، فازداد صياحاً قائلاً: يا رب يا ابن داود، ارحمني، فوقف يسوع وقال: ادعوه، فدعي الأعمى وقالوا له: ثق وقم فإنه يدعوك، وطرح ثوبه ونهض وجاء إلى يسوع فأجابه يسوع وقال له: ما تريد أن أصنع بك؟ فقال له الأعمى: يا معلم، وقال لوقا: يا رب - أن أبصر، فقال له يسوع: اذهب إيمان خلصك، وللوقت أبصر، وتبعه في الطريق - قال لوقا: يمجد الله - وكان جميع الشعب الذين رأوه يسبحون الله.
وقال أيضاً: وكان بينما هو منطلق إلى يروشليم اجتاز بين السامرة والجليل، وفيما هو داخل
(19/318)

إلى إحدى القرى استقبله عشرة رجال برص فوقفوا من بعيد ورفعوا أصواتهم قائلين: يا يسوع الملعم ارحمنا! فنظر إليهم وقال لهم: اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة، وفيما هم منطلقون طهروا، فلما رأى أحدهم أنه قد طهر رجع بصوت عظيم بمجد الله وخر على وجهه عند رجليه شاكراً له، وكان سامرياً، أجاب يسوع وقال: أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة، ألم يجدوا ليرجعوا ويمجدوا الله ما خلا هذا الغريب، ثم قال له: قم فامض، إيمانكم خلصك.
قال متى: ولما قربوا من يروشليم وجاؤوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون - وقال مرقس: عند باب فاجي وبيت عنيا جانب طور الزيتون - قال متى: حينئذ أرسل يسوع اثنين من تلاميذه: وقال لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما فتجدان أتانه مربوطة وجحشاً معهما فحلاهما وائتياني بهما! فإن قال لكما أحد شيئاً فقولا له: إن الرب محتاج إليهما! فهو يرسلهما للقوت، كان هذا ليتم ما قيل في النبي القائل قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك متواضعاً راكباً على أتانه
(19/319)

وجحش ابن أتانة، فذهب التلميذان وصنعا كما أمرهما يسوع، فأتيا بالأتانة والجحش وتركوا ثيابهم عليهما، وجلس معهما، وجمع كثير فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها في الطريق، وعبارة مرقس عن ذلك: تجد أن جحشاً مربوطاً لم يركبه أحد من الناس قط، فحلاه وائتيا به، فإن قال لكما أحد: ما تفعلان بهذا؟ فقولا: إن الرب محتاج إليه من ساعة يرسله، فذهبا ووجدا الجحش مربوطاً عند الباب خارجاً عن الطريق فحلاه فقال لهما قوم من القيام هناك: ما تصنعان؟ فقالا لهم كما قال يسوع فتركوهما، وجاءا بالجحش إلى يسوع فألقوا عليهم ثيابهم وجلس عليهم وكثير بسطوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصاناً من الحقل وفرشوها في الطريق.
قال متى: والجمع الذي تقدمه والذي تبعوا صرخوا قائلين: أوصنا يا ابن داود مبارك الآتي باسم الرب، قال مرقس: ومباركة المملكة الآتية باسم الرب لأبينا داود أوصنا في العلاء، وقال لوقا: وكان لما قرب من منحدر جبل الزيتون بدأ جمع الملأ والتلاميذ
(19/320)

يفرحون ويسبحون الله ويمجدونه بجميع الأصوات من أجل القوات التي نظروا قائلين: تبارك الملك الآتي باسم الرب والسلامة في السماء والمجد في العلا، وقوم من الفريسيين من بين الجمع قالوا له: ما معلم انتهر تلاميذك، فقال لهم: إن سكت التلاميذ نطقت الحجارة، فلما قرب نظر المدينة وبكى عليها وقال: لو علمت في هذا اليوم ما لك فيه من السلامة، فأما الآن فإنه قد خفي عن عينيك، وسوف تأتي أيام تلقى أعداؤك معلمك ويحيطون بك ويضيقون عليك من كل موضع ويقتلونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً، وقال متى: فلما دخل إلى يروشليم ارتجت المدينة كلها قائلين: من هذا؟ فقال الجمع: هذا يسوع النبي الذي هو من ناصرة الجليل، فدخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارف وكراسي باعة الحمام وقال لهم: مكتوب أن بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص. وقال يوحنا: فصعد يسوع إلي يروشليم فوجد في الهيكل باعة البقرة والكباش والحمام وصيارف جلوساً، فصنع
(19/321)

محضرة من حبل وأخرج جميعهم من الهيكل فطرد البقر والخراف وبدد دراهم الصيارف وقلب موائدهم، وقال متى: وقدم إليه عميان وعرج في الهيكل فشفاهم، فرأى رؤساء الكهنة العجائب التي صنع والصبيان يصيحون في الهيكل ويقولون: أوصنا يا ابن داود، مبارك الآتي باسم الرب، فتقمقموا وقالوا: ما تسمع ما يقول هؤلاء، فقال لهم يسوع: نعم، أما قرأتم قط أن من فم الأطفال والمرضعين أعددت سبحاً، وتركهم وخرج خارج المدينة وبات هناك في بيت هنيا وفي غد عبر إلى المدينة فجاع ونظر إلى شجرة تين على الطريق فجاء إليها فلم يجد فيها شيئاً إلا الورق، فقال لها: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد، فيبست تلك الشجرة للوقت، فنظر التلاميذ وتعجبوا وقالوا: كيف يبست التينة للوقت، أجاب يسوع وقال لهم: الحق أقول لكم! إن كان لكم إيمان ولا تشكون ليس مثل هذه الشجرة التين فقط تصنعون ولكن تقولون لهذا الجبل: تعال واسقط في البحر، فيكون، وقال مرقس: إن كان لكم إيمان بالله، لحق أقول لكم: إن من قال لهذا
(19/322)

الجبل: انتقل واسقط في هذا البحر، ولا يشك في قلبه بل يصدق فيكون له الذي قال، من أجل هذا أقول لكم: إن كل ما تسألونه في الصلاة بإيمان أنكم تنالونه فيكون لكم، وقال متى: وكل ما تسألونه في الصلاة بإيمان تنالونه، وقال مرقس: فقال له يوحنا، يا معلم! رأينا واحداً يخرج الشياطين باسمك فمعناه لأنه لم يتبعنا، قال لهم يسوع: لا تمنعوه ليس يصنع أحد قوة باسمي، ويقدر سريعاً أن يقول على الشر، كل من ليس هو عليكم فهو معكم ومن سقاكم كأس ماء باسم أبيكم المسيح الحق أقول لكم: إن أجره لا يضيع.
وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إطلاق الأب على الله وإطلاق الرب على غيره بلا قيد، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك غير مرة - والله الهادي للصواب.
(19/323)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
ولما قرر سبحانه أن الرسل دعاة للحق إلى سيدهم طوعاً أو كرهاً بالكتاب والحديد، وقرر أن السعادة كلها في اتباعهم، وأن البدع لا تأتي بخير وإن زين الشيطان أمرها وخيل أنه خير، وأن أصحاب الذي كان نسخ شريعة من قبله ابتدعوا بدعة حسنة فوكلوا إليها ففسق أكثرهم، فاقتضى ذلك إرسال من ينسخ كل شريعة تقدمته نسخاً لا زوال
(19/323)

له لأنه لا نبي بعده ونهى عن البدع نهياً لم يتقدمه أحد إلى مثله، أنتج ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك إقراراً صحيحاً بنبي مما تقدم أو بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اتقوا الله} أي خافوا عقابه فاجعلوا بينكم وبين سخطه - لأنه الملك الأعظم - وقاية بحفظ الأدب معه ولا تأمنوا مكره، فكونوا على حذر من أن يسلبكم ما وهبكم، فاتبعوا الرسول تسلموا، وحافظوا على اتباعه لئلا تهلكوا {وآمنوا برسوله} أي الذي لا رسول له الآن غيره، إيماناً مضموماً إلى إيمانكم بالله فإنه لا يصح الإيمان به إلا مع الإيمان برسوله، وبأن تثبتوا على الإيمان به، وتضموا الإيمان به إلى الإيمان بمن تقدمه يا أهل الكتاب، لأن رسالته عامة، لقد نسخ جميع ما تقدمه من الأديان فإياكم أن يميلكم عنه ميل من حسد أو غيره، فبادروا إلى إجابته والزموا جميعاً حذره فلا تميلوا إلى بدعة أصلاً {يؤتكم} ثواباً على اتباعه {كفلين} أي نصيبين ضخمين {من رحمته} تحصيناً لكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع، وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره على العجز، وهذا التحصين لأجل إيمانكم به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الأصار وهو أعلى بالأجر من الذي عمل الخير في الجاهلية، وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(19/324)

لمن سأله عنه «أسلمت على ما أسلفت من خير» ودل على أن الكفلين برفع الدرجات وإفاضة خواص من الخيرات بقوله: {ويجعل لكم} أي مع ذلك {نوراً} مجازياً في الأولى بالتوفيق للعمل من المعلوم والمعارف القلبية وحسياً في الآخرة بسبب العمل {تمشون به} أي مجازاً في الأولى بالتوفيق للعمل، وحقيقة في الآخرة بسبب العمل.
ولما كان الإنسان لا يخلو من نقصان، فلا يبلغ جميع ما يحق للرحمن، قال: {ويغفر لكم} أي ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد. ولما قرر سبحانه وذلك، أتبعه التعريف بأن الغفران وما يتبعه صفة له شاملة لمن يريده فقال: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال والعظمة والكبرياء {غفور} أي بليغ المحو للذنب عيناً وأثراً {رحيم *} أي بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه.
ولما كان أهل الكتاب قد تابعوا أهويتهم على بغض الأميين، وأشربت قلوبهم أن النبوة مختصة بهم لأنهم أولاد إبراهيم عليه السلام من ابنة عمه، والعرب - وإن كانوا أولاده - فإنهم من الأمة وما دروا أن كونهم من أولاده مرشح لنبوة بعضهم وكونهم من الأمة، مهيئ لعموم الرسالة لأجل عموم النسب، قال دالاً على أنهم صاروا
(19/325)

كالبهائم لا يبصرون إلا المحسوسات معلقاً الجار ب {آمنوا} و {يؤتكم} وما بعده: {لئلا يعلم} أي ليعلم علماً عظيماً يثبت مضمون خبره وينتفي ضده - بما أفاده زيادة النافي {أهل الكتاب} أي من الفريقين الذي اقتصروا على كتابهم وأنبيائهم ولم يؤمنوا بالنبي الخاتم وما أنزل {ألا} أي أنهم لا {يقدرون} أي في زمن من الأزمان {على شيء} أي وإن قل {من فضل الله} أي الملك الأعلى الذي خصكم بما خصكم به لا يمنع ولا بإعطائكم حيث نزع النبوة منهم ووضها في بني عمهم إسماعيل عليه السلام الذي كانوا لا يقيمون لهم وزناً فيقولون: إنهم بنو الأمة، وإنهم أميون، وإنهم ليس عليهم منهم سبيل، وجعل النبوة التي خصكم بها عامة - كما أشار إليه ما في ابن الأمة من شمول بنسبته وانشعابه وحيث عملوا كثيراً وأعطوا قليلاً: «اليهود من أول النهار على قيراط قيراط، والنصارى من الظهر على قيراط قيراط، وهذه الأمة من صلاة العصر على قيراطين قيراطين، فقال الفريقان: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً، قالك هل ظلمتكم من حقكم شيئاً، قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء» وذكر ابن برجان معنى هذا الحديث - كما تقدم عنه قريباً - من الإنجيل وطبقه عليه وذكرته أنا في الأعراف، روى الإمام أحمد في
(19/326)

مواضع من المسند والبخاري في سبعة مواضع في الصلاة والإجارة وذكر بني إسرائيل وفضائل القرآن والتوحيد، والترمذي في الأمثال - وقال: حسن صحيح - من وجوه شتى جمعت بين ألفاظها عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مثلكم» - وفي هذه الرواية: «مثل هذه الأمة» ، وفي رواية: «مثل أمتي» وفي رواية: إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل، وفي رواية: «مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استعمل عملاء» ، وفي رواية: «استأجر أجراء» فقال: «من يعمل لي من صلاة الصبح» وفي رواية أخرى: «من غدوة إلى نصف النهار على قيراط، ألا فعملت اليهود» - وفي رواية: «قالت اليهود: نحن - فعملوا، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، ألا فعملته النصارى» ، وفي رواية: «قالت النصارى: نحن، فعملوا، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس»
- وفي رواية: إلى أن تغيب الشمس - «على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين عملتم» ، وفي رواية: «تعملون» ، وفي رواية «وأنتم المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل» ، وفي رواية «إلى مغارب» ، وفي رواية: «مغرب الشمس على قيراطين قيراطين قيراطين ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت
(19/327)

اليهود والنصارى» وقالوا: «نحن» - وفي رواية: «ما لنا - أكثر عملاً وأقل عطاء» ، وفي رواية «أجراً، قال الله تعالى هل» - وفي رواية: «وهل - نقصتكم -» وفي رواية: «هل ظلمتكم - من حقكم شيئاً -» وفي رواية: «أجركم شيئاً، قالوا: لا، قال: فإنه» - وفي رواية: «فإنما - هو فضل» ، وفي رواية: «فذلك فضلي أوتيه من أشاء» ، وفي رواية: «أعطيه من شئت» وفي رواية: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو قائم على المنبر يقول: «ألا إن بقاءكم» ، وفي رواية: «إنما بقاؤكم» ، وفي رواية: «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم» - وفي رواية: «فيما سلف من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب» - وفي رواية: «إلى غروب الشمس» ، وفي رواية: «ألا إن مثل آجالكم في آجال الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغيربان» ، وفي رواية: «إلى مغرب» ، وفي رواية: «إلى مغارب الشمس، أعطي» - وفي رواية: «أوتي - أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار فعجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، وأعطي» - وفي رواية: «ثم أوتي - أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى» - وفي رواية: «إلى - صلاة العصر» ، وفي رواية «حتى صليت العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس» ، وفي رواية: «حتى غروب الشمس
(19/328)

فأعطيتم قيراطين قيراطين» ، وفي رواية: «ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين» - وفي رواية: «أهل التوراة والإنجيل - ربنا هؤلاء أقل منا عملاً وأكثر أجراً» ، وفي رواية: «جزاء» ، وفي رواية: «أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطتينا قيراطاً قيراطاً، ونحن أكثر عملاً منهم، قال الله تبارك وتعالى: هل» وفي رواية: «فهل ظلمتكم من أجركم» - وفي رواية: «من أجوركم - من شي؟ فقالوا: لا، فقال: فهو فضلي» ، وفي رواية «فذلك فضلي، أوتيه من أشاء» وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث ما قبل هذه الأمم وترك على ذلك أحوالهم فقال: إنه دال على قوم نوح وإبراهيم عليهما السلام، كان لهم الليل، فكان قوم نوح في أوله في ظلام صرف طويل لم يلح لهم شيء من تباشير الضياء ولا أمارات الصبح، ونوح عليه السلام يخبرهم به ويأمرهم بالتهيؤ له، فلذلك طال بلاؤه عليه السلام بهم، وما آمن معه إلا قليل، وأما قوم إبراهيم عليه السلام فكانوا كأنهم في أواخر الليل، قد لاحت لهم تباشير الصباح وأومضت لهم بوارق الفلاح، فلذلك آمن لوط عليه السلام وكذا سارة زوجته وأولاده منها ومن غيرها كلهم، واستمر الإسلام في أولاده والنبوة حتى جاء موسى عليه السلام، فكان وقته كما بين الصبح والظهر، فكان قومه تارة وتارة، تارة يحسبون أنهم في ضياء كيفما كانوا، فيروغون يميناً وشمالاً
(19/329)

فيكونون كمن دخل غيراناً وكهوفاً وأسراباً ثم يخرجون منها فيرجعون إلى الضياء، فكانت غلطاتهم تارة كباراً وتارة صغاراً، وأما قوم عيسى عليه السلام فكانوا كمن هو في الظهيرة في شدة الضياء فالغلط منه لا يكون إلا عن عمى عظيم، فلذلك كان غلطهم أفظع الغلط وأفحشه - والله الموفق - {وإن} أي ولتعلموا أن {الفضل} أي الذي لا يحتاج إليه من هو عنده {بيد الله} أي الذي له الأمر كله {يؤتيه من يشاء} منهم أو من غيرهم نبوة كانت أو غيرها.
ولما كان ربما ظن ظان أنه لا يخص به إلا لأنه لا يسع جميع الناس دفع ذلك بقوله: {والله} أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ذو الفضل العظيم *} أي مالكه ملكاً لا ينفك عنه ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلاً، فلذلك يخص من يشاء بما يشاء، فلا يقدر أحد على اعتراض بوجه، فقد نزه له التنزيه الأعظم جميع ما في السماوات والأرض فهو العزيز الحكيم الذي لا عزيز غيره ولا حكيم سواه، فقد انطبق كما ترى آخرها على أولها، ورجع مفصلها على موصلها - والله الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب.
(19/330)

سورة المجادلة
مقصودها الإعلام بإيقاع البأس الشديد، الذي أشارت إليه الحدسيد، بمن حاد الله ورسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لما له سبحانه من تمام العلم، اللازم عنه تمام القدرة، اللازم عنه الإحاطة بجميع صفات الكمال، وعلى ذلك دلت تسميتها بالمجادلة بأول قصتها وآخرها، وعلى تكرير الاسم الأعظم الجامع في القصة وجميع السورة تكريرا لم يكن في سواها بحيث لم تخل منه آية، وأما الآيات التي تكرر في كل منها المرتين فأكثر فكثرة كل ذلك، للدلالة على أن الأكثر منها المراد فيها بالخطاب من يصح أن ينظر إليه تارة بالجلال، وتارة بالكمال، فيجمع له الوصفان، وهو من آمن ووقع منه هفوة أو عصيان، ولهذا ضمتها أشياء شدد النكير فيها حين وقع بعض أهل الإيمان، ولم يبحها لهم عند وقوعهم فيها ردا للشرع إلى ما دعا إليه الطبع كما فعل في غيرها كالأكل والجماع في ليل رمضان من غير تقييد بيقظة ولا منام، لمنابذتها للحكمة، وبعدها عن موجبات الرحمة،
(19/331)

وهذا مؤيد لما تقدم من سر إخلاء الواقعة والرحمن والقمر من هذا الاسم الجامع. والله الموفق) بسم الله (الذي أحاط علمه فتمت قدرته فكملت جميع صفاته) الرحمن (الذي شمل الخلائق جودا بالإيجاد وإرسال هداته) الرحيم (الذي خص أصفياءه فتمت عليهم نعمة مرضاته.
(19/332)

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)
لما ختمت الحديد بعث إثبات عجز الخلق بعظيم الفضل له سبحانه، وكان سماع أصوات جميع الخلائق من غير أن يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل العظيم، وكان قد تقدم ابتداع بعض المتعبدين من الرهبانية بما لم يصرح لهم بالإذن فيه، فكان سبباً للتضييع، وكان الظهار على نوعين: موقت ومطلق، وكان الموقت مما يدخل في الرهبانية لأنه من التبتل وتحريم ما أحل الله من الطيبات، وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم قد منع نفسه بالموقت منه من مرغوبها مما لم يأت عن الله، فظاهر من امرأته محافظة على كمال التعبد خوفاً
(19/332)

من الجماع في نهار رمضان، وكان ذلك مما لم يأذن به بل نهى عنه كما روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه والطبراني في الأوسط على سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات» وكان بعض الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - قد ظاهر مطلقاً فشكت امرأته ما لحقها من الضرر إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهتفت باسم الله، وكان علمه سبحانه بخصوص شكاية هذه المرأة المسكينة وإزالة ضررها بحكم عام لها ولغيرها من عباده حتى صارت واقعتها رخصة عامة للمسلمين إلى يوم القيامة معلماً بأنه ذو الفضل العظيم، وأنه الظاهر الباطن، ذو الملك كله، وكان قد أمر بالإيمان به وبرسوله ووعد على ذلك بالنور، كان السامع لذلك جديراً بتوقع البيان الذي هو النور في هذه الرهبانية التي ابتدعت في هذه الأمة، وتخفيف الشديد الذي وقع عن بعضهم ليعلم أهل الكتاب ما لهذه الأمة من الكرامة على ربها وأنه يختص برحمته من يشاء فقال: {قد سمع الله} أي أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات {قول} وعبر بالوصف دون الاسم
(19/333)

تعريفاً برحمته الشاملة فقال: {التي تجادلك} أي تبالغ في أن تقبلك إلى مرادها {في زوجها} أي في الأمر المخلص له من ظهاره رحمة لها {وتشتكي} أي تتعمد بتلك المجادلة الشكوى، منتهية {إلى الله} أي الملك العظيم الرحيم الذي أحاط بكل شيء علماً، ولصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله كانت هي والنبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متوقعين أن الله يكشف ضرها {والله} أي والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء لأنه له الأمر كله {يسمع تحاوركما} أي مراجعتكما التي يحور - أي يرجع فيها إلى كل منكما جواب كلامه من الآخر كأنها لثقل ما قدح في أمرها ونزل من ضرها ناشئة عن حيرة.
ولما كان ذلك في غاية ما يكون من خرق العادة بحيث إن الصديقة عائشة رضي الله عنها قالت عند نزول الآية: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا في جانب البيت ما أسمع كثيراً مما تقول» أكده تنبيهاً على شدة غرابته ولأنه ربما استبعده من اشتد جهله لعراقته في التقيد بالعادات فقال: {إن الله} أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له {سميع بصير *} أي بالغ السمع لكل مسموع، والبصر لكل ما يبصر والعلم لكل ما يصح أن يعلم أزلاً وأبداً، وقد مضى نحو هذا التناسب
(19/334)

في المائدة حين أتبع تعالى آية القسيسين والرهبان قوله تعالى {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] غير أن هذا خاص وذاك عام، فهذا فرد منه، فالمناسبة واحدة لأن الأخص في ضمن الأعم، والحاصل أنه سبحانه امتنَّ عليهم بما جعل في قلوبهم من الرهبانية وغيرها، وأخبر أنهم لم يوفوها حقها، وأنه آتى مؤمنيهم الأجر، وأمر المسلمين بالتقوى واتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليحصل لهم من فضله العظيم ضعف ما حصل لأهل الكتاب، ونهاهم عن التشديد على أنفسهم بالرهبانية، فصاروا مفضلين من وجهين: كثرة الأجر وخفة العمل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - والله أعلم، روى البزار من طريق خصيف عن عطاء من غيرهما أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني ظاهرت من امرأتي ورأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر، قال «كفِّر ولا تعد» وروى أبو داود عن عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر، فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره فقال: «ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيت بياض ساقيها في القمر، قال: فاعتزلها حتى تكفر عنك» قال المنذري: وأخرجه أيضاً عن عكرمة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمعناه،
(19/335)

وأخرجه النسائي وابن ماجة والترمذي - وقال: حديث حسن غريب صحيح - وقال النسائي: المرسل أولى بالصواب من المسند، وقال أبو بكر المعافري: ليس في الظهار حديث صحيح يعول عليه، قال المنذري: وفيما قاله نظر، فقد صححه الترمذي كما ترى، ورجال إسناده ثقات، وسماع بعضهم من بعض مشهور، وترجمة عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم احتج بها البخاري في غير موضع - انتهى. وللترمذي - وقال حسن غريب - عن سلمة بن صخر رضي الله عنه في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: «كفّار واحدة»
«وروى أحمد والحاكم وأصحاب السنن إلا النسائي وحسنه الترمذي، قال ابن الملقن: وصححه ابن حبان والحاكم - من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً يتابع بي حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة تكشف لي منها شيء فما لبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت
(19/336)

خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: لا والله: فانطلقت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته، فقال» أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله، فاحكم فيّ بما أراك الله، وفي رواية: فأمض فيَّ حكم الله فإني صابر لذلك، قال حرر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها - وضربت صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: فاطعم وسقاً من تمر بين ستين مسكيناً، قال: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها «فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السعة وحسن الرأي، وفي رواية: والبركة وقد أمرني - أو أمر لي - بصدقتكم، وفي رواية: فادفعوها إليّ، فدفعوها إليّ) . وأعله عبد الحق بالانقطاع، وأن سليمان لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي عن البخاري، وقال الترمذي: إن سلمة بن صخر يقال له سلمان أيضاً، ورواه الإمام أحمد أيضاً من طريق أخرى قال» حدثنا عبد الله بن إدريس - هو الأودي - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن
(19/337)

عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت فتظاهرت من امرأتي في الشهر فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها، فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته فقال «حرر رقبة، فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أملك غير رقبتي، قال: صم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكيناً» وهذا سند حسن متصل إن شاء الله إن سلم من تدليس ابن إسحاق، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن
«أن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه جعل امرأته عليه كظهر أنه إن غشيها حتى يمضي رمضان، فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: اعتق رقبة» وقصة سلمة هذه أصل الظهار المؤقت، وقد دلت على أنه لا عود فيه لا كفارة عليه إلا بوطئها في مدة الظهار، «وروى أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة رضي الله عنها قال:» ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت رضي الله عنه فجئت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشكوا إليه ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجادلني فيه
(19/338)

ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن {قد سمع الله} إلى الفرض، فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكيناً، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به قالت: فأتي ساعتئذ بعرق منّ تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت أذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك «قال: والعرق ستون صاعاً، وفي رواية: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعاً،» وروى الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إن أوس بن الصامت رضي الله عنه ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة رضي الله عنها فشكت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: ظاهر مني حين كبر سني ورق عظمي، فأنزل الله آية الظهار، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأوس اعتق رقبة، قال: مالي بذلك يدان، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: أما إني إذا أخطأني أن آكل في اليوم مرتين يكل بصري، قال فأطعم ستين مسكيناً» ، قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة، فأعانه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(19/339)

بخمسة عشر صاعاً حتى جمع الله له، والله رحيم «قال: وكانوا يرون أن عنده مثلها، وذلك لستين مسكيناً، وللدراقطني أيضاً والبيهقي» أن خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها رآها زوجها وهو أوس بن الصامت أخو عبادة رضي الله عنهما وهي تصلي فراودها فأبت فغضب، وكان به لمم وخفة فظاهر منها، فأتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما خلا سني ونثرت له بطني جعلني عليه كأمه «وللطبراني من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال:» كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت وكان به لمم، فقال في بعض هجراته: أنت عليّ كظهر أمي، قال: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، فجاءت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولديَّ وأحب الناس إليّ والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، قال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر طلاقاً، فرادّت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(19/340)

مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق عليّ من فراقه «
الحديث، ومن طريق أبي العالية قال: فجعل كلما قال لها «حرمت عليه» هتفت وقالت: أشكو إلى الله، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية، وروى أبو داود عن هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس ابن الصامت وكان رجلاً به لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة الظهار، وأخرجه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها مثله. وقال القشيري: وفي الخبر أنها قالت: يا سول الله إن أوساً تزوجني شابة غنية ذات أهل ومال كثير، فلما كبر عنده سني، وذهب مالي وتفرق أهلي، جعلني عليه كظهر أمه، وقد ندم وندمت، وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، يعني ففرج الله عنها، وقد حصل من هذا مسألة، وهو أن كثيراً من الأشياء ظاهر العلم يحكم فيه بشيء ثم الضرورة تغير ذلك الحكم لصاحبها، قال البغوي: وكان هذا أول ظهار في الإسلام، وقال أبو حيان: وكان عمر رضي الله عنه يكرم خولة رضي الله عنها إذا دخلت عليه ويقول: سمع الله لها، فالمظاهرة في حديث
(19/341)

سلمة رضي الله عنه ومن نحا نحوه رهبانية مبتدعة لم ترع حق رعايتها كرهبانية النصارى، ولم يتبع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ابتداعها حق الاتباع، وأما في قصة خولة رضي الله عنها فهي مصيبة كأن ينبغي فيها التسليم وعدم الحزم كما في آية {لكيلا تأسوا} [الحديد: 23] الآية على أن امتناعها من زوجها حين راودها فيه إلمام بالرهبانية، وإزالة شكايتها مع أنها امرأة ضعيفة من عظيم الفضل، وزاده عظماً جعله حكماً عاماً لمن وقع فيه من جميع الأمة.
(19/342)

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)
ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم، استأنف الإخبار عن حكم الأمر المجادل بسببه، فقال ذاماً للظهار، وكاسياً له ثوب العار: {الذين} ولما كان الظهار منكراً لكونه كذباً، عبر بصيغة التفعل الدالة عليه فقال: {يظهرون} أي يوجدون الظهار في أي رمضان كان وكأنه أدغم تاء التفعل والمفاعلة لأن حقيقته أنه يذهب ما أحل الله له من مجامعة زوجته. ولما كان الظهار خاصاً بالعرب دون سائر الأمم، نبه على ذلك تهجيناً له عليهم وتقبيحاً لعادتهم فيه، تنبيهاً على أن اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس من هذا الكلام لأن الكذب لم يزل
(19/342)

مستهجناً عندهم في الجاهلية، ثم ما زاده الإسلام إلا استهجاناً فقال: {منكم} أي أيها العرب المسلمون الذين يستقبحون الكذب ما لا يستقبحه غيرهم وكذا من دان دينهم {من نسائهم} أي يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم بأن يقول أحدهم لزوجته شيئاً من صرائحه مثل أنت عليّ كظهر أمي وكناياته كأنت أمي، وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره من حر أو عبد مسلم أو ذمي دخل بالزوجة أو لا قادراً على الجماع أو عاجزاً، صغير كانت الزوجة أو كبيرة، عاقلة كانت أم مجنونة، سليمة كانت أو رتقاء، مسلمة كانت أو ذميمة، ولو كانت رجعية.
ولما كان وجه الشبه التحريم، وكان للتحريم رتبتان: عليا موصوفة بالتأبيد والاحترام، ودنيا خالية عن كل من الوصفين، وكان التقدير خبراً للمبتدأ: مخطئون في ذلك لأنه كذب، لأن التشبيه إن أسقطت أداته لم يكن حمله على الحقيقة ليكون من الرتبة العليا ولو على أدنى أحوالها من أنه طلاق لا رجعة فيه، كما كانوا يعتقدونه، وإن أثبتت ليكون من
(19/343)

الدنيا لم يكن صحيحاً لأنه ممنوع منه لأن التشريع إنما هو لله، والله لم يكن يشرع ذلك، وكان تعليل شقي التشبيه يفيد معنى الخبر بزيادة التعليل، حذف الخبر، واكتفى بالتعليل فقال معللاً له مهجناً للظهار الذي تعوده العرب من غير أن يشاركهم فيه أحد من الأمم: {ما هن} أي نساؤهم {أمهاتهم} على تقدير إرادة أحدهم أعلى رتبتي التحريم، والحاصل أنهم لما كانوا يعتقدون أنه طلاق لا رجعة فيه جعلوا معتقدين أن المرأة أم لأن الحرمة المؤبدة من خصائص الأم فخوطبوا بذلك تقريعاً لهم لأنه أردع، وفي سورة الأحزاب ما يوضح هذا.
ولما كانوا قد مرنوا على هذا الحكم في الجاهلية، واستقر في أنفسهم استقراراً لا يزول إلا بغاية التأكيد، ساق الكلام كذلك في الشقين فقال: {إن} أي ما {أمهاتهم} أي حقيقة {إلا اللاَّئي ولدنهم} ونساؤهم لم تلدهم، فلا يحرمن عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام، ولا هن ممن ألحق بالأمهات بوجه يصح وكأزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنهن أمهات لما لهن من حق الإكرام والاحترام والإعظام ما لم يكن لغيرهن لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم في أبوة الدين من أب النسب وكذلك المرضعات لما لهن من الإرضاع
(19/344)

الذي هو وظيفة الأم بالأصالة، وأما الزوجة فمباينة لجميع ذلك.
ولما فرغ من تعليل الشق الأول على أتم وجه، أتبعه تعليل الآخر كذلك، فقال عاطفاً عليه مؤكداً لأنهم كانوا قد ألفوا قوله فأشربته قلوبهم: {وإنهم} أي المظهرون {ليقولون} أي في هذا التظهر على كل حالة {منكراً من القول} ينكره الحقيقة والأحكام، قال ابن الملقن في عمدة المحتاج: وهو حرام اتفاقاً كما ذكره الرافعي في الشهادات. {وزوراً} أي قولاً مائلاً عن السداد، منحرفاً عن القصد، لأن الزوجة معدة للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان، والأم في غاية البعد عن ذلك لأنها أهل لكل احترام، فلا هي أم حقيقة ولا شبيهة بها بأمر نصبه الشارع للاحترام كالإرضاع، وكونها فراشاً لعظيم كالنبي أو للأب أو للحرمة كاللعان، فقد علم أن ذلك الكلام ليس بصدق ولا جاء به مسوغ، فهو زور محض، وأخصر من هذا أن يقال: ولما كان ظهارهم هذا يشتمل على فعل وقول، وكان الفعل هو التحريم الذي هو موضع وجه الشبه، وكانت العادة في وجه الشبه أن يقنع منه بأدنى ما ينطلق عليه الاسم، وكانوا قد خالفوا ذلك فجعلوه في أعلى
(19/345)

طبقاته وهو الحرمة المؤبدة التي يلزم منها أن تكون المشابهة من كل وجه في الحرمة مع أن ذلك بغير مستند من الله تعالى الذي لا حكم لغيره، ألزمهم أن يكون الشبه من كل وجه مطلقاً ليكونوا جاعلين الزوجة إما حقيقة لا دعوى كما جعلوا الحرمتين كذلك من غير فرق بل أولى لأن الشبه إنما وقع بين الحيثيتين لا بين الحرمتين - ثم وقفهم على جهلهم فيه فقال {ما هن} إلى آخره، ولما وقفهم على جهلهم في الفعل وقفهم على جهلهم في القول: فقال: وأنهم إلى آخره، قال النووي في الروضة: قال الأصحاب: الظهار حرام، وله حكمان: أحدهما تحريم الوطء إذا وجبت الكفارة إلى أن يكفر، والثاني وجوب الكفارة بالعود - انتهى، وهذا القول وإن أفاد التحريم فإنه يفيد لكونه ممنوعاً منه على وجه ضيق حرج المورد عسر المخرج ليكون عسره زاجراً عن الوقوع فيه، قال أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع: وظاهر الرجل امرأته وظاهر من امرأته إذا قال: أنت عليّ كظهر أمي أو كذاب محرم، وإنما استخصوا الظهر في الظهار لأن الظهر موضع الركوب، والمرأة مركب الرجل في النكاح فكني به عن ذلك، فكأنه قال: ركوبك عليّ للنكاح كركوب أمي، وكان الظهار في الجاهلية طلاقاً، ولذلك أشكل معنى قوله تعالى {ثم يعودون لما قالوا} وقال ابن الأثير في النهاية: ظاهر الرجل من
(19/346)

امرأته ظهاراً وتظهر وتظاهر إذا قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، وكان في الجاهلية طلاقاً، وقيل: إنهم أرادوا أنت عليّ كبطن أمي أي كجماعها، فكنوا بالظهر عن البطن للمجاورة، وقيل إن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان حراماً عندهم، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد الرجل المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعلها كظهر أمه، وإنما عدى الظهار ب {من} لأنهم كانوا إذا ظاهروا المرأة تجنبوها كما يتجنبون المطلقة ويحترزون منها، فكأن قوله: ظاهر من امرأته، أي بعد واحترز منها كما قيل: آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد عدى ب {من} - انتهى، قال: وقال ابن الملقن في العمدة شرح المنهاج: وكان طلاقاً في الجاهلية، ونقل عن صاحب الحاوي أنه عندهم لا رجعة فيه، قال: فنقل الشارع حكمه إلى تحريم بعد العود ووجوب الكفارة - انتهى وقال أبو حيان: قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤبدة.
ولما كان التقدير: فإن الله حرمه، عطف عليه مرغباً في التوبة وداعياً إليها قوله مؤكداً لأجل ما يعتقدون من غلظه وأنه لا مثنوية فيه
(19/347)

{وإن الله} أي الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره {لعفو} من صفاته أن يترك عقاب من شاء {غفور *} من صفاته أن يمحو عين الذنب وأثره حتى أنه كما لا يعاقب عليه لا يعاتب، فهل من تائب طلباً للعفو عن زلله، والإصلاح لما كان من خلله.
(19/348)

وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)
ولما هجن سبحانه الظهار، وأثبت تحريمه على أبلغ وجه وآكده، وكان ما مضت عليه العوائد لا بد أن يبقى منه بقايا، أتبع ذلك بيان حكم هذه الواقعة وما لعله يقع من نظائرها فقال: {والذين يظاهرون} ولما كان في بيان الحكم، أسقط التقييد إعلاماً بعمومه الكفار كعمومه المسلم ليفيد تغليظ العقاب عليه لئلا يتوهم أنه يخص العرب الذين قصد تهجينه عليهم بأنهم انفرادوا به عن سائر الناس فقال: {من نسائهم} بدون {منكم} .
ولما كان مقتضى اللفظ المباعدة ممن قيل ذلك فيها، لكان إمساكها بعده ينبغي أن يكون في غاية البعد، قال مشيراً إلى ذلك بأداة
(19/348)

البعد {ثم يعودون} أي بعد هذا القول {لما قالوا} بالفعل بأن يعاد هذا القول مرة أخرى أو بالقوة بأن يمسكوا المقول ذلك لها زمناً يمكن أن يعاد فيه هذا القول مرة ثانية من غير مفاقة بلفظ مما ناط الله الفرقة به من طلاق أو سراح أو نحوهما، فيكون المظاهر عائداً إلى هذا القول بالقوة لإمكان هذا القول في ذلك الزمن، وذلك لأن العادة قاضية بأن من قال قولاً ولم يبته وينجزه ويمضه بأن يعود إلى قوله مرة أخرى وهلم جراً، أو يكون التقدير لنقض ما قالوا: فيحلوا ما حرموا على أنفسهم بعدم البت بالطلاق، فإن كان الظهار معلقاً لم يلزم حكمه إلا بالحنث، فإن طلق في الحال وإلا لزمته الكفارة، وحق العبارة التعبير باللام لدلالتها على الاتصال كما يقتضيه الحال بخلاف «إلى» فإنها تدل على مهلة وتراخ، هذا في الظهار المطلق، وأما الموقت بيوم أو شهر أو نحو ذلك فلا يكون عائداً فيه إلا بالوطء في الوقت المظاهر فيه، وأما مجرد إمساكها فليس بعود لأنه إنما أمسكها لما له فيها من الحل بعد وقت الظهار.
ولما كان المبتدأ الموصول مضمناً معنى الشرط، أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرر الوجوب بتكرر سببه فقال: {فتحرير}
(19/349)

أي فعليهم بسبب هذا الظهار والعود تحرير {رقبة} أي سليمة عن عيب يخل بالعمل كاملة الرق مقيدة أيضاً بمؤمنة لأنها قيدت بذلك في كفارة القتل، فيحمل هذا على ذاك، ولأن معاوية بن الحكم رضي الله عنه كانت له جارية فقال للنّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليّ رقبة أفأعتقها، فسألها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الله فأخبرته بما دل على توحيدها فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مالك ومسلم، فعلل الإجزاء بالإيمان ولم يسأله عن سبب الوجوب، فدل على أنه لا فرق بين واجب وواجب، والموجب للكفارة الظهار والعود جميعاً كما أن الموجب في اليمين اليمين والحنث معاً.
ولما كان التحرير لا يستغرق زمن القبل بل يكون في بعضه، أدخل الجار فقال: {من قبل} ولما كان المراد المس بعد المظهارة لا مطلقاً قال: {أن يتماسا} أي يتجدد منهما مس وهو الجماع سواء كان ابتداء المباشرة منه أو منها بما أفادته صيغة التفاعل، وهو حرام قبل التكفير ولو كان على أدنى وجوه التماس وأخفاها بما أشار إليه الإدغام ولو كان بإيلاج الحشفة فقط مع الإنزال أو بدونه، وأما
(19/350)

مقدمات الجماع فهي فيها كالحائض لا تحرم على الأظهر، فإن جامع عصى ولم تجب كفارة أخرى، لما روى الترمذي عن سلمة بن صخر رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، قال: «كفارة واحدة» .
ولما كان الوعظ هو الزجر عن الفعل الموعوظ لأجله، قال مستأنفاً: {ذلكم} أي الزجر العظيم جد الذي هو عام لكم من غير شبهة {توعظون به} أي يكون بمشقة زاجراً لكم عن العود إلى مقاربة مثل ذلك فضلاً عن مقارفته لأن من حرم من أجلها الله تحريماً متأبداً على زعمه كان كأنه قد قتلها، ولكون ذلك بلفظ اخترعه وانتهك فيه حرمة أمه كان كأنه قد عصى معصية أوبق بها نفسه كلها إيباقاً أخرجه إلى أن يقتلها عضواً عضواً بإعتاق رقبة تماثل رقبته ورقبة من كان قتلها.
ولما كان التقدير: فالله بما يردعكم بصير، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بالكمال، وقدم الجار إشارة إلى إرادة المبالغة للتنبيه على الاهتمام بإلزام الانتهاء. عن ذلك فقال: {بما تعملون} أي تجددون فعله {خبير *} أي عالم بظاهره وباطنه، فهو عالم بما يكفره، فافعلوا ما أمر الله به وقفوا عند حدوده، قال القشيري: والظهار - وإن لم يكن له في
(19/351)

الحقيقة أصل ولا بتصحيحه نطق ولا له شرع، بعد ما رفع إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره ولوح بشيء ما وقال: إنه حكمه لا يخل الله من بيان ساق إليه شرعه فقضى فيه بما انتظم فيه الجواب ارتفاع شكواها.
ولما كانت الكفارة مرتبة، وكان المظاهر كأنه قد قتل نفسه بقتل المظاهر عنها كما مضى، فكان مفتقراً إلى ما يحيي نفسه فشرع له العتق الذي هو كالإحياء، شرع له عند العجز عنه ما يميت نفسه التي إماتتها له إحياؤها، وكان الشهران نصف المدة التي ينفخ فيها الروح، فكان صومها كنصف قتل النفس التي قتلها إحياء الروح وإنعاش العقل، فكان كأنه إماتتها فجعله سبحانه بدلاً عن القتل الذي هو كالإحياء فقال: {فمن لم يجد} أي الرقبة المأمور بها بأن كان فقيراً، فإن كان غنياً وماله غائب فهو واجد {فصيام} أي فعليه صيام {شهرين} . ولما كان المراد كسر النفس كما مضى، وكانت المتابعة أنكى ولذلك سمي رمضان شهر الصبر، قيد بقوله: {متتابعين} أي على أكمل وجوه التتابع على حسب الإمكان بما أشار إليه الإظهار، فلو قطع التتابع بشيء ما ولو كان بنسيان النية وجب عليه الاستئناف والإغماء لا يقطع التتابع لأنه ليس في الوسع وكذا الإفطار بحيض أو نفاس أو جنون بخلاف الإفطار بسفر أو مرض أو خوف
(19/352)

على حمل أو رضيع لأن الحيض معلوم فهو مستثنى شرعاً، وغيره مغيب للعقل - مزيل للتكليف، وأما المرض ونحوه ففيه تعمد الإفطار مع وجود العقل.
ولما كان الإمساك عن المسيس قد يكون أوسع من الشهرين، أدخل الجار فقال: {من قبل} وحل المصدر إفادة لمن يكون بعد المظاهرة فقال: {أن يتماسا} فإن جامع ليلاً عصى ولم ينقطع التتابع. ولما كان إطعام نفس قوت نصف يوم كإماتة نفسه بالصيام يوماً قال تعالى: {فمن لم يستطع} أي يقدر على الصيام قدرة تامة - بما أشار إليه إظهار التاء لهرم أو مرض أو شبق مفرط يهيجه الصوم {فإطعام} أي فعليه إطعام {ستين مسكيناً} لكل مسكين ما يقوته نصف يوم، وهو مد بمد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذلك نحو نصف قدح بالمصري، وهو ملء حفنتين بكفي معتدل الخلق من غالب قوت البلد، وهو كما في الفطرة سواء، وحذف قيد المماسة لذكره في الأولين، ولعل الحكمة في تخصيص هذا به أن ذكره في أول الخصال لا بد منه، وإعادته في الثاني لطول مدته فالصبر عنه فيها مشقة، وهذا يمكن أن يفعل في لحظة لطيفة لا مشقة للصبر فيها عن المماسة، هذا إذا عاد، فإن وصل الظهار بالطلاق أو مات أحدهما في الحال قبل إمكان الطلاق فلا
(19/353)

كفارة، قال البغوي: لأن العود في القول هو المخالفة، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما العود بالندم فقال: يندمون ويرجعون إلى الألفة، وهذا يدل على ما قال الشافعي رضي الله عنه: فإن ظاهر عن الرجعية انعقد ظهاره فإن راجعها لزمته الكفارة لأن الرجعة عود.
ولما ذكر الحكم، بين علته ترغيباً فيه فقال: {ذلك} أي الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان {لتؤمنوا} أي وهذا الفعل العظيم الشاق ليتجدد إيمانكم ويتحقق وجوده {بالله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوه بالانسلاخ من فعل الجاهلية {ورسوله} الذي تعظيمه من تعظيمه وقد بعث بملة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فلو ترك هذا الحكم الشديد على ما كان عليه في الجاهلية لكان مشككاً في البعث بتلك الملة السمحة.
ولما رغب في هذا الحكم، رهب من التهاون به فقال: {وتلك} أي هذه الأفعال المزكية وكل ما سلف من أمثالها في هذا الكتاب الأعظم {حدود الله} أي أوامر الملك الأعظم ونواهيه وأحكامه التي يجب امتثالها والتقيد بها لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا
(19/354)

عندها ولا تعتدوها فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدى نقضه أو إبرامه. ولما كان التقدير: فللمؤمنين بها جنات النعيم، عطف عليه قوله {وللكافرين} أي العريقين في الكفر بها أو بشيء من شرائعه {عذاب أليم *} بما آلموا المؤمنين به من الاعتداء.
(19/355)

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)
ولما ذكر حدوده، ولوح بالعطف على غير معطوف عليه إلى بشارة حافظها، وصرح بتهديد متجاوزيها أتبع ذلك تفصيل عذابهم الذي منه بشارة المؤمنين بالنصر عليهم، فقال مؤكداً لأجل إنكارهم لأن يغلبوا على كثرتهم وقوتهم وضعف حزبه وقلتهم: {إن الذين يحادّون الله} أي يغالبون الملك الأعلى على حدوده ليجعلوا حدوداً غيرها، وذلك صورته صورة العداوة، مجددين ذلك مستمرين عليه بأي محادة كانت ولو كانت خفية - بما أشار إليه الإدغام كمحادة أهل الاتحاد الذين يتبعون المتشابه فيجرونه على ظاهره فيخلون به المحكم لتخل الشريعة بأسرها، فإن كثيراً من السورة نزل في المنافقين واليهود والمهادنين كما يأتي في النجوى وغيرها {ورسوله} الذي عزه من عزه {كبتوا} أي صرعوا وكبوا لوجوههم وكسروا وأذلوا وأخزوا فلم يظفروا
(19/355)

وردوا بغيظهم في كل أمر يرومونه من أي كانت كان بأيسر أمر وأسهله، وعبر بالماضي إشارة إلى تحقق وقوعه والفراغ من قضائه كما فرغ مما مضى، فلا قال لتكون الدعوى مقرونة بدليلها: {كما كبت الذين} ولما كان المحادون لم يستغرقوا جميع الأزمان الماضية والأماكن، أدخل الجارّ فقال: {من قبلهم} أي المحادين كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصر على العصيان، ولم ينقد لدليل ولا برهان، قال القشيري: ومن ضيع لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة وأحدث في دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذل.
ولما استوفى المقام حظه بياناً وترغيباً وترهيباً، عطف على أول السورة أو على ما يقدر من نحو: فقد كان لكم فيما مضى من أول الإسلام إلى هذا الأوان مما يدل على كونه سبحانه بالنصر والمعونة مع نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعه رضي الله عنهم معتبر، قوله: {وقد أنزلنا} أي بما لنا من العظمة عليكم وعلى من قبلكم {آيات بينات} أي دلالات عظيمة هي في غاية البيان لذلك ولكل ما يتوقف عليه الإيمان بترك المحادة ويحصل الإذعان. ولما كان التقدير: فللمؤمنين بها نعيم مقيم في مقام أمين، عطف عليه قوله: {وللكافرين} أي
(19/356)

الراسخين في الكفر بها وتغيرها من أمر الله {عذاب مهين *} بما تكبروا واغتروا على أولياء الله وشرائعه، يهينهم ذلك العذاب ويذهب عزهم وشماختهم ويتركون به محادتهم.
ولما ذكر عذابهم، ذكر وقته على وجه مقرر لما مضى من شمول علمه وكمال قدرته فقال: {يوم يبعثهم الله} أي يكون ذلك في وقت إعادة الملك الأعظم للكافرين المصرح بهم والمؤمنين المشار إليهم أحياء كما كانوا {جميعاً} في حال كونهم مجتمعين في البعث. ولمان كان لا أوجع من التبكيت بحضرة بعض الناس فكيف إذا كان بحضرتهم كلهم فكيف إذا كان بمرأى من جميع الخلائق ومسمع، سبب عن ذلك وعقب قوله: {فينبئهم} أي يخبرهم إخباراً عظيماً مستقصى {بما عملوا} إخزاء لهم وإقامة للحجة عليهم.
ولما كان ضبط ذلك أمراً عظيماً، استأنف قوله بياناً لهوانه عليه: {أحصاه الله} أي أحاط به عدداً كمّاً وكيفاً وزماناً ومكاناً بما له من صفات الجلال والجمال. ولم ذكر إحصاءه له، فكان ربما ظن أنه مما يمكن في العادة إحصاؤه، نفى ذلك بقوله: {ونسوه} أي كلهم مجتمعين لخروجه عن الحد في الكثرة فكيف بكل واحد على انفراده ونسوا ما فيه المعاصي تهاوناً بها، وذلك عين التهاون بالله والاجتراء عليه،
(19/357)

قال القشيري: إذا حوسب أحد في القيامة على عمل عمله تصور له ما فعله ثم يذكر حتى كأنه في تلك الحالة قام من بساط الزلة فيقع عليه من الخجل والندم ما ينسى في جنبه كل عقوبة، فسبيل المسلم أن لا يخالف أمر مولاه ولا يحوم حوله مخالفة أمره، فإن جرى المقدور ووقع في هجنة التقصير فليكن من زلته على بال، وليتضرع إلى الله بحسن الابتهال.
ولما كان التقدير بما أرشد إليه العطف على غير مذكور: فالله بكل شيء من ذلك وغيره عليم، عطف عليه قوله: {والله} أي بما له من القدرة الشاملة والعلم المحيط {على كل شيء} على الإطلاق من غير مثنوية أصلاً {شهيد *} أي حفيظ حاضر لا يغيب، ورقيب لا يفعل، حفظه له ورقبه وحضوره إياه مستعل عليه قاهر له بإحاطة قهره بكل شيء ليمكن حفظه له على أتم وجه يريده.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما نزه سبحانه نفسه عن تقول الملحدين، وأعلم أن العالم بأسره ينزهه عن ذلك بألسنة أحوالهم لشهادة العوالم على أنفسها بافتقارها لحكيم أوجدها، لا يمكن أن يشبه شيئاً منها بل يتنزه من أوصافها ويتقدس عن سماتها، فقال
(19/358)

{سبح لله ما في السماوات والأرض} [الحديد: 1] ومضت أي تعرف بعظيم سلطانه وعليّ ملكه، ثم انصرف الخطاب إلى عباده في قوله: {آمنوا بالله ورسوله} [الحديد: 7] إلى ما بعد ذلك من الآي، وكان ذلك ضرب من الالتفات، والواقع هنا منه أشبه بقوله سبحانه في سورة البقرة {وإذ قال ربك للملائكة} [البقرة: 30] فإنه بعد تفصيل حال المتقين وحال من جعل في طرف منهم وحال من يشبه بظاهره بالمتقين وهو معدود في شرار الكافرين، فلما تم هذا النمط عدل بعده إلى دعاء الخلق إلى عبادة الله وتوحيده {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] ثم عدل بالكلام جملة وصرف الخطاب إلى تعريف نبيه عليه الصلاة والسلام بين أيدي الخلق {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] فجاء ضرباً من الالتفات فكذا الواقع هنا بين سبحانه حال مشركي العرب وقبح عنادهم وقرعهم ووبخهم في عدة سور غالب آيها جارٍ على ذلك ومجدد له أولها سورة «ص» كما نبه عليه في سورة القمر، وإلى الغاية التي ذكرت فيها إلى أن وردت سورة القمر منبئة بقطع دابرهم، وانجر فيها الإعذار المنبه عليه وكذا في سورة الرحمن بعدها، ثم أعقب ذلك بالتعريف بحال النزل الأخراوي في سورة الواقعة مع زيادة تقريع وتوبيخ على مرتكبات استدعت تسبيحه تعالى وتقديسه عن شنيع افترائهم فأتبعت بسورة الحديد، ثم صرف فيها
(19/359)

الخطاب إلى المؤمنين، واستمر ذلك إلى آخر السورة، جرت سورة المجادلة على هذا القصد مصروفاً خطابها إلى نازلة تشوف المؤمنين إلى تعرف حكمها، وهو الظهار المبين أمره فيها، فلم يعد في الكلام بعد كما كان قد صرف إليه في قوله {آمنوا بالله ورسوله} بأكثر من التعرض لبيان حكم يقع منهم، ثم أن السور الواردة بعد إلى آخر الكتاب استمر معظمها على هذا الغرض لانقضاء ما قصد من التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية، وتقريع من عاند وتوبيخه، وذكر مثال الخلق واستقرارهم الأخراوي، وذكر تفاصيل التكاليف والجزاء عليها من الثواب والعقاب، وما به استقامة من استجاب وآمن وما يجب أن يلتزمه على درجات التكاليف وتأكيدها، فلما كمل ذلك صرف الكلام إلى ما يخص المؤمنين في أحكامهم وتعريفهم بما فيه من خلاصهم، فمعظم آي سورة بعد هذا شأنها، وإن اتجر غيرها فلا استدعاء موجب وهو الأقل كما بينا - انتهى.
(19/360)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)
ولما كان هذا الإخبار عن إحاطة علمه وشمول قدرته مع أنه بديهي التصور - يحتاج عند من جره الهوى إلى الشرك المقتضي للنقص إلى دليل معه فقد كان العرب ينكرون أن يسع الناس كلهم إله
(19/360)

واحد، قال تعالى دالاًّ على ذلك بدليل شهودي ليفيد الإنسان بما يراه من المحسوسات، قاصراً الخطاب على أعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره: {ألم تر} أي تعلم علماً هو في وضوحه كالرؤية بالعين {أن الله} أي الذي له صفات الكمال كلها {يعلم ما في السماوات} كلها. ولما كان الخطاب لأعلى الخلق، وكان المقام لإحاطة العلم، وكان خطابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك إشارة للسامعين إلى وعورة هذا المقام وأنه بحيث لا يكاد يتصوره ولا يفهمه حق فهمه إلا هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن ألحق به ممن صفا فهمه وسوى ذهنه وانخلع من الهوى والعوائق، جمع وأكد بإعادة الموصول، فإفراده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالخطاب بعد أن كان مع المظاهرين ثم المحادين إشارة إلى التعظيم وتأكيده تنبيه على صعوبة المقام بالتعميم ليرعى حق الرعي توفية بحق التعليم كما رعته الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها (سبحان من وسع سمعه الأصوات) يعني في سماعه مجادلة المرأة وهو في غاية الخفاء فقال تعالى: {وما في الأرض} أي كليات ذلك وجزئياته، لا يغيب عنه شيء منه، بدليل أن تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون، وهو يخبر من يشاء من أنبيائه وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك، القاصية والدانية، الحاضرة والغائبة، الماضية
(19/361)

والآتية، فيكون كما أخبر.
ولما كان ذلك وإن كان معلوماً يتعذر إحاطة الإنسان بكل جزئي منه، دل عليه بما هو أقرب منه فقال: {ما تكون} بالفوقانية في قراءة أبي جعفر لتأنيث النجوى إشارة إلى العلم بها ولو ضعفت إلى أعظم حد، وقرأ الباقون بالتحتانية للحائل، ولأن التأنيث غير حقيقي، وهي على كل حال من «كان» التامة، وعمم النفي بقوله: {من نجوى} أي تناجي متناجين، جعلوا نجوى مبالغة، والنجوى: السر والمسارون، اسم ومصدر - قاله في القاموس، وقال عبد الحق في الواعي: النجوى الكلام بين الاثنين كالسر والتشاور - انتهى. وأصله من النجوى - للمرتفع من الأرض، والنجو: الخلوص والقطع وكشط الجلد والحدث والكشف، لأن المسارر يرفع ما كان في ضميره إلى صاحبه ويخلصه بمساررته له ويقطعه من ضميره ويكشطه منه ويحدثه ويكشفه.
ولما كانت النجوى لا تكمل إلا بثالث يحفظ الأنس بإدامة الاجتماع لأن الاثنين ينفردان عند عروض حاجة لأحجهما ويكونان في التناجي والتشاور كالمتنازعين، والثالث وسط بينهما مع أنه سبحانه
(19/362)

وتر يحب الوتر، والثلاثة أول أوتار العدد، كما كان حافظاً لها في أزل الأزل قال: {ثلاثة} أي في حال من الأحوال {إلا هو رابعهم} أي مصيرهم أربعة، فهو اسم فاعل والمعنى بعلمه وقدرته كما يكون كل من المتناجين عالماً بنجوى البعض، فروح النجوى العلم بالسر.
ولما كان الثلاثة قد يريد أحدهم أن ينفرد بآخر منهم، فيصير الثالث وحده، فإذا كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع إذا عرضت لأحد الاثنين حاجة قال: {ولا خمسة} أي من نجواهم {إلا هو سادسهم} كذلك، فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا كان هو سبحانه شافع وتريته، وأما وتريته هو سبحانه فقد كانت ولا شيء معها أصلاً، وستكون ولا حي معها، فلا وتر في الوجود على الحقيقة غيره.
ولما علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة بالعلم، عم بقوله: {ولا أدنى} فبدأ بالقليل لأنه قبل الكثير وهو أخفى منه {من ذلك} أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة الذي بعيد عن رتبته وإن كان قد شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها.
ولما كان العلم بالكثير أعسر من أجل انتشاره قال:
(19/363)

{ولا} أي يكون من نجوى {أكثر} أي من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية - هذا التقدير على قراءة الجماعة بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من {نجوى} {إلا هو معهم} أي يعلم ما يجري منهم وبينهم، ويلزم من إحاطة علمه إحاطة قدرته كما تقدم في طه لتكمل شهادته.
ولما كان العموم في المكان يستلزم العموم في الزمان، وكان المكان أظهر في الحس قال: {أين ما} أي في أيّ مكان {كانوا} فإنه لا مسافة بينه وبين شيء من الأشياء لأنه الذي خلق المسافة، وعلمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوده على ما هو عليه من صفات الكمال، قال الرازي: ما فارق الأكوان الحق ولا قارنها، كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها ومظهرها، وكيف يقارن الحدث القدم وهو به قوام الكل، وهو القيوم على الكل - انتهى. والحاصل أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من العالم وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم، وهو شاهد لذلك كله حفظاً وعلماً وإحاطة وحضوراً، وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيا بالروح، فلا يبقى جزء منه إلا وهو محفوظ بالروح
(19/364)

يحس بسببها وهو سبحانه لا يحجب علمه ولا شيئاً من صفاته حجاب، فقد صحت المعية وهو بحيث لا يحويه المكان ولا يحصره العد، يقبض المخلوق ويبسطه، لا يصعد المخلوق ولا صفته ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته، إنما له من المكان المكانة، ومن العلم العلا، ومن الأسماء والصفات مقتضاها - أشار إلى لك ابن برجان وقال: ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من التحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر له، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به ثم الملائكة أرفع قدراً ومكانة، بل إن الروح من جميع الجملة التي تحمله، به حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإن الله خالقه،
«قال عليه الصلاة والسلام في خطبته الكبرى وهي آخر خطبة خطبها أخرجها الحارث بن أبي أسامة: رقي المنبر وقال:» أيها الناس ادنو وأوسعوا لمن خلقكم «- ثلاث مرات، فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض، التفتوا فلم يروا أحداً، فقال رجل منهم بعد الثالثة: لمن نوسع يا رسول الله أللملائكة؟ فقال:» لا إنهم إذ كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا من خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم «وعلى ذلك فليسوا في مكان
(19/365)

الأيمان هنا والشمائل بل في المكان من ذلك، فالله جل جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء - انتهى.
ولما كان الإنسان نساءً ولا سيما إن تمادى به الزمان، قال عاطفاً على ما تقديره، فيضبط عليهم حركاتهم وسكناتهم من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ويحفظها على طول الزمان كما كان حافظاً لها قبل خلقها ثم أزل الأزل {ثم ينبئهم} أي يخبر أصحابها إخباراً عظيماً {بما عملوا} دقيقة وجليلة {يوم القيامة} الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلى فيه أتم إظهار. ولما أخبر تعالى بهذا الأمر العظيم، علله بما هو دليل على الشهادة فقال مؤكداً لما لهم من الإنكار قولاً أو فعلاً بالاشتراك الذي يلزم منه النقص {إن الله} أي الذي له الكمال كله. ولما كان المقام للإبلاغ في إحاطة العلم، قدم الجار كما مضت الإشارة إليه غير مرة قال: {بكل شيء} مما ذكر وغيره {عليم *} أي بالغ العلم فهو على كل شيء قدير، فهو على كل شيء شهيد، لأن نسبة ذاته الأقدس إلى الأشياء كلها على حد سواء لا فرق أصلاً بين شيء وآخر، قال القشيري: معية الحق سبحانه وإن كانت على العموم بالعلم والرؤية وعلى الخصوص بالفضل والنصرة، فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم إلى أن ينتهي الأمر بهم
(19/366)

إلى التأويل، فللوله والهيمان في خمار هذا عين رغد.
(19/367)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)
ولما كان هذا الدليل أيضاً تتعذر الإحاطة به، قال دالاًّ عليه بأمر جزئي واقع بعلم المحدث عنه حقيقة، فإن عاند بعده سقط عنه الكلام إلا بحد الحسام: {ألم تر} أي تعلم علماً هو كالرؤية، ودل على سفول رتبه المرئي بإبعاده عن أعلى الناس قدراً بحرف الغاية فقال: {إلى الذين} ولما كان العاقل من إذا زجر عن شيء انزجر حتى يتبين له أنه لا ضرر عليه في فعل ما زجر عنه، عبر بالبناء للمفعول فقال: {نهوا} أي من ناه ما لا ينبغي للمنهي مخالفته حتى يعلم أنه مأمون الغائلة {عن النجوى} أي الإسرار لإحلال أنفسهم بذلك في محل التهمة بما لا يرضى من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما قال أبو العلاء المعري:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها من الكدر
ولما كان الناهي هو الله، فكان هذا للنهي أهلاً لأن يبعد منه غاية البعد، عبر بأداة التراخي فقال: {ثم يعودون} أي على سبيل الاستمرار لأنه إذا وقعت مرة بادروا إلى التوبة منها أو فلتة وقعت معفواً عنها {لما نهوا عنه} أي من غير أن يعدوا لما يتوقع من جهة الناهي من
(19/367)

الضرر عدة {ويتناجون} أي يقبل جميعهم على المناجاة إقبالاً واحداً، فيفعل كل منهم ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على سبيل الاستمرار، وقراءة حمزة {وينتجون} بصيغة الافتعال يدل على التعمد والمعاندة {بالإثم} أي بالشيء الذي يكتب عليهم به الإثم بالذنب وبالكذب وبما لا يحل. ولما ذكر المطلق أتبعه المقيد بالشدة فقال: {والعدوان} أي العدو الذي هو نهاية في قصد الشر بالإفراط في مجاوزة الحدود. ولما كان ذلك شراً في نفسه أتبعه الإشارة إلى أن الشيء يتغير وصفه بالنسبة إلى من يفعل معه فيكبر بكبر المعصي فقال: {ومعصيت الرسول} أي الذي جاء إليهم من الملك الأعلى، وهو كامل الرسلية، لكونه مرسلاً إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان، فلا نبي بعده، فهو لذلك يستحق غاية الإكرام.
ولما أنهى تعظيم الذنب إلى غايته آذن بالغضب بأن لفت الكلام إلى الخطاب فقال: {وإذا جاؤوك} أيها الرسول الأعظم الذي يأتيه الوحي ممن أرسله ولم يغب أصلاً عنه لأنه المحيط علماً وقدرة {حيوك} أي واجهوك بما يعدونه تحية من قولهم: السام عليك ونحوه، وعم كل لفظ بقوله: {بما لم يحيك به الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر
(19/368)

لأحد معه فمن تجاوز ما شرعه فقد عرض نفسه لسخطه، ومما دخل فيه قوله بعض الناس لبعض «صباح الخير» ونحوه معرضاً عن السلام. ولما كان المشهور عنهم أنهم يخفون ذلك جهدهم ويعلنون بإملاء الله لهم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يطلع عليه، وإن اطلع عليه لم يقدر على أن ينتقم منهم، عبر عن ذلك بقوله: {ويقولون} أي عند الاستدراج بالإملاء مجددين قولهم مواظبين عليه {في أنفسهم} من غير أن يطلعوا عليه أحداً: {لولا} أي هلا ولم لا {يعذبنا الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء على زعم من باهانا {بما نقول} مجددين مع المواظبة إن كان يكرهه - كما يقول محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولما تضمن هذا علمه سبحانه وتعالى بهذه الجزئية من هؤلاء القوم ثبت بذلك علمه سبحانه بجميع ما في الكون، لأن نسبة الكل إليه على حد سواء، فإذا ثبت علمه بالبعض ثبت علمه بالكل فثبتت قدرته على الكل فكان على كل شيء شهيداً، قال مهدداً لهم مشيراً إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يقول مثل هذا إلا إن كان قاطعاً بأنه لا يحصل له عذاب، أو يحصل له منه ما لا يبالي به ثم يرده بقوته: {حسبهم} أي كفايتهم في الانتقام منهم وفي عذابهم ورشقهم بسهام لهيبها ومنكئ شررها وتصويب صواعقها {جهنم} أي الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والتكره والفظاظة. فإن حصل لهم في الدنيا عذاب كان
(19/369)

زيادة على الكفاية، فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة {يصلونها} أي يقاسون عذابها دائماً إني أعددتها لهم. ولما كان التقديرية فإنهم يصيرون إليها ولا بد، تسبب عنه قوله: {فبئس المصير *} أي مصيرهم، وسبب ذلك أن اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون يوهمونهم أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيظنون أنه بلغهم شيء من إخوانهم الذين خرجوا في السرايا غزاة في سبيل الله من قتل أو هزيمة فيحزنهم ذلك، فشكوا ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنهاهم عن التناجي في هذه الحالة فلم ينتهوا، وروى أحمد والبزار والطبراني بإسناد - قال الهيثمي في المجمع إنه جيد لأن حماداً سمع من عطاء بن السائب في حالة الصحة - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سام عليك. ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت. وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال عند ذلك: «إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا» وعليك «» .
ولما نهى عن النجوى وذم على فعلها وتوعد عليه فكان ذلك
(19/370)

موضع أن يظن أن النهي عام لكل نجوى وإن كانت بالخير، استأنف قوله منادياً بالأداة التي لا يكون ما بعدها له وقع عظيم، معبراً بأول أسنان الإيمان باقتضاء الحال له: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة {إذا تناجيتم} أي قلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سراً {فلا تتناجوا} أي توجدوا هذه الحقيقة ظاهرة كتناجي المنافقين {بالإثم} أي الذنب وكل فعل يكتب بسببه عقوبة.
ولما عم خص فقال: {والعدوان} أي الذي هو العدو الشديد بما يؤذي وإن كان العادي يظن أنه لا يكتب عليه به إثم. ولما كان السياق لإجلال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أنه لا تعرف حقيقة الإثم إلا منه قال تعالى: {ومعصيت الرسول} أي الكامل في الرسلية فإن ذلك يشوش فكره فلا يدعه يبلغ رسالات ربه وهو منشرح الصدر طيب النفس.
ولما علم أن نهيهم إنما هو عن شر يفسد ذات البين هو ما لا يريدون إطلاع النبي صلى الله عليه، صرح بقوله حثاً على إصلاح ذات البين لأن خير الأمور ما عاد بإصلاحها، وشر الأمور ما عاد بإفسادها: {وتناجوا بالبر} أي بالخير الواسع الذي فيه حسن
(19/371)

التربية، ولما كان ذلك قد يعمل طبعاً، حث على القصد الصالح بقوله: {والتقوى} وهي ما يكون في نفسه ظاهراً أنه يكون سترة تقي من عذاب الله بأن يكون مرضياً لله ولرسوله.
ولما كانت التقوى أم المحاسن، أكدها ونبه عليها بقوله: {واتقوا الله} أي اقصدوا قصداً يتبعه العمل أن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية. ولما كانت ذكرى الآخرة هي مجمع المخاوف ولا سيما فضائح الأسرار على رؤوس الأشهاد قال: {الذي إليه} أي خاصة {تحشرون *} أي تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره، وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير لا يخفى عليه خافية ولا تقي منه واقية تنكشف فيه سرادقات العظمة، ويظهر ظهوراً تاماً نفوذ الكلمة، ويتجلى في مجالي العز سطوات القهر، وتنبث لوامع الكبر، فإذا فعلتم ذلك مستحضرين لذلك لم تقدموا على شيء تريدون إخفاءه من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون ذلك أقر لعينه وأطهر لكم.
ولما شدد سبحانه في أمر النجوى وكان لا يفعلها إلا أهل النفاق، فكان ربما ظن ظان أنه يحدث عنها ضرر لأهل الدين، قال ساراً للمخلصين
(19/372)

وغاماً للمنافقين ومبيناً أن ضررها إنما يعود عليهم: {إنما النجوى} أي المعهودة وهي المنهي عنها، وهي ما كره صاحبه أن يطلع عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيل: ما خيله الشيطان من الأحكام المكروهة للإنسان {من الشيطان} أي مبتدئه من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى فإنه الحامل عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالفة لأوليائه.
ولما بين أنها منه، بين الحامل له على تزيينها فقال: {ليحزن} أي الشيطان ليوقع الحزن في قلوب {الذين آمنوا} أي يتوهمهم أنهم بسبب شيء وقع ما يؤذيهم، والحزن: هم غليظ وتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى، وقال في القاموس: أو أحزنه: جعله حزيناً، وحزنه: جعل فيه حزناً.
فعلى هذا قراءة نافع من أحزن أشد في المعنى من قراءة الجماعة.
ولما كان ربما خيل هذا من من في قلبه مرض أن في يد الشيطان شيئاً من الأشياء، سلب ذلك بقوله: {وليس} أي الشيطان وما حمل عليه من التناجي، وأكد النفي بالجار فقال: {بضارّهم} أي
(19/373)

الذين آمنوا {شيئاً} من الضرر وإن قل وإن خفي - بما أفهمه الإدغام {إلا بإذن الله} أي تمكين الملك المحيط بكل شيء علماً وقدرة، روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه» ولما كان التقدير: فقد علم أنه لا يخشى أحد غير الله لأنه لا ينفذ إلا ما أراده، فإياه فليخش المربوبون، عطف عليه قوله: {وعلى الله} أي الملك الذي لا كفوء له، لا على أحد غيره {فليتوكل المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها، ولا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا بجهره، فإنه إذا توكلوا عليه وفوضوا أمورهم إليه، لم يأذن في حزنهم، وإن لم يفعلوا أحزنهم، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة، وأما أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة.
(19/374)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه اختصاصاً عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ظن الكدر وتباعد القلوب، أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو مباعدة الأجسام اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن، معلماً لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة
(19/374)

حسن الأدب بينهم وإن كان من أمور العادة دون أحكام العبادة، فقال مخاطباً لأهل الدرجة الدنيا في الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب: {يا أيها الذين آمنوا} حداهم بهذا الوصف على الامتثال {إذا قيل لكم} أي من أيّ قائل كان فإن الخير يرغب فيه لذاته: {تفسحوا} أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في إيساع المواضع {وفي المجلس} أي الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلساً يجلس فيه، والمراد بالمجلس جنس المكان الذي هم ماكثون به بجلوس أو قيام في صلاة أو غيرها لأنه أهل لأن يجلس فيه. وذلك في كل عصر، ومجلس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولى بذلك، وقراءة عاصم بالجمع موضحة لإرادة الجنس {فافسحوا} أي وسعوا فيه عن سعة صدر {يفسح الله} أي الذي له الأمر كله والعظمة الكاملة {لكم} في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين.
ولما كانت التوسعة يكفي فيها التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو الحاجة فيها إلى القيام للتحول من مكان إلى آخر قال: {وإذا قيل} أيّ من قائل كان - كما مضى - إذا كان يريد الإصلاح
(19/375)

والخير {انشزوا} أي ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة أو الجهاد وغيرهما {فانشزوا} أي فارتفعوا وانهضوا {يرفع الله} الذي له جميع صفات الكمال، عبر بالجلالة وأعاد إظهارها موضع الضمير ترغيباً في الامتثال لما للنفس من الشح بما يخالف المألوف {الذين آمنوا} وإن كانوا غير علماء {منكم} أيها المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر، المبادرون إليها في الدنيا والآخرة بالنصر وحسن الذكر بالتمكن في وصف الإيمان الموجب لعلو الشأن بطاعتهم لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سعة صدورهم بتوسعتهم لإخوانهم.
ولما كان المؤمن قد لا يكون من المشهورين بالعلم قال: {والذين} ولما كان العلم في نفسه كافياً في الإعلاء من غير نظر إلى مؤت معين، بنى للمفعول قوله: {أوتوا العلم} أي وهم مؤمنون {درجات} درجة بامتثال الأمر وأخرى بالإيمان، ودرجة بفضل علمهم وسابقتهم - روى الطبراني وأبو نعيم في كتاب العلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من جاءه أجله وهو يطلب العلم ليحيي
(19/376)

به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة» ، رواه الدارمي وابن السني في رياضة المتعلمين عن الحسن غير منسوب، قال شيخنا: فقيل: هو البصري فيكون مرسلاً، وعن الزبير: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكور الرجال.
وكلما كان الإنسان أعلم كان أذكر، ولعله ترك التقييد ب «من» في هذا وإن كانت مرادة ليفهم أن العلم يعلي صاحبه مطلقاً، فإن كان مؤمناً عاملاً بعلمه كان النهاية، وإن كان عاصياً كان أرفع من مؤمن عاص وعار عن العلم، وإن كان كافراً كانت رفعته دنيوية بالنسبة إلى كافر لا يعلم، ودل على ذلك بختم الآية بقوله مرغباً مرهباً: {والله} أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بما تعملون} أي حال الأمر وغيره {خبير *} أي عالم بظاهره وباطنه، فإن كان العلم مزيناً بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك، وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيهاً على مزيد الاعتناء بالأعمال، لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم، لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع، ولا يخفى
(19/377)

ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس، فكان جديراً بمزيد الترهيب، وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى لما يقول صاحب المجلس، كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «ليليني أولو الأحلام منكم والنهى» ، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى المجلس فقاموا حيال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد عليهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس بقدر القادمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل، فوالله ما عدل على هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم، فأنزل الله هذه الآية، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم» رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن: بلغني أن
(19/378)

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه رضي الله عنهم للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه: توسعوا لنلقى العدو فنصيب الشهادة، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله هذه الآية، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير من مهماته، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لا ضرر ولا ضرار» وقال: «أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول» وقال: «شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه» فقال تعالى معظماً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وناهياً عن إبرامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسؤال والمناجاة، ونافعاً للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام، وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره، وكان ذلك مفهماً أن مناجاتهم له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا حرج فيها، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق، وكان
(19/379)

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبعد الناس من الدنيا تقذراً لها لأجل بغض الله لها، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على الله، ومظهراً له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق في الإيمان، وليخفف عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كانوا قد أكثروا عليه من المناجاة، فلا يناجيه إلا من قد خلص إيمانه فيصدق، فيكون ذلك مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد «نعم الهدية أمام الحاجة» فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء {إذا ناجيتم} أي أردتم أن تناجوا {الرسول} صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام، فلا يكون من المبلغين إلا الفعل بالامتثال لا غير {فقدموا} أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج ان يطهر نفسه ليتأهل للقرب من الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {بين يدي نجواكم} أي
(19/380)

قبل سركم الذي تريدون أن ترتفعوا به {صدقة} تكون لكم برهاناً قاطعاً على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق بالله تعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبكل ما جاء به عن الله تعالى، ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولذلك استأنف قوله: {ذلك} أي الخلق العالي جداً من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق، ولعله أفرده بالخطاب لأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره.
وعاد إلى الأول فقالك {خير لكم} أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة {وأطهر} لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير، ولذلك سميت زكاة {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله بالإيمان.
ولما أمر بذلك، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده لا سيما هذه الأمة قال: {فإن لم تجدوا} أي ما تقدمونه.
ولما كان المعنى الكافي في التخفيف: فليس عليكم شيء، دل عليه بأحسن منه فقال: {فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، وأكده لاستبعاد مثله فإن المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه
(19/381)

أصلاً ورأساً، ولا سيما إن كان يسيراً، ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة بقوله: {غفور رحيم *} أي له صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف، وهذه الآية قيل: إنها نسخت قبل العمل بها، وقال علي رضي الله عنه: ما عمل بها أحد غيري، أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم، ثم ظهرت فشق ذلك على الناس، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة، «وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال: حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» مرهم أن يتصدقوا «. قلت: بكم يا رسول الله؟ قال:» بدينار «، قلت: لا يطيقون. قال:» فنصف دينار «، قلت: لا يطيقون، قال:» فبكم؟ «قلت: بشعيرة: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» إنك لزهيد «، فأنزل الله تعالى {أأشفقتم} الآية. وكان علي رضي الله عنه يقول: بي خفف الله عن هذه الأمة. وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم يجد عند المناجاة شيئاً أو أن لا يكون احتاج إلى
(19/382)

المناجاة.
(19/383)

أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15)
ولما دل ختم الآية على التخفيف، وكان قد يدعي مدعون عدم الوجدان كذباً فيحصل لهم حرج، وكان تعالى شديد العناية بنجاة هذه الأمة، دل على لطفه بهم بنسخه بعد فرضه. فقال موبخاً لمن يشح على المال نادباً إلى الخروج عنه من غير إيجاب: {أأشفقتم} أي خفتم من العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر خوفاً كاد أن يفطر قلوبكم {أن تقدموا} أي بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم {بين يدي نجواكم} أي للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجمع لأنه أكثر توبيخاً من حيث إنه يدل على أن النجوى تتكرر، وذلك يدل على عدم خوفهم من مشقة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك ووجود خوفهم من فعل التصدق فقال: {صدقات} وكان بعضهم ترك وهو واجد فبين سبحانه رحمته لهم بنسخها عنهم لذلك في موضع العقاب لغيرهم عند الترك.
ولما كان من قبلنا إذا كلفوا الأمر الشاق وحملوا على التزامه بمثل رفع الجبل فوقهم، فإذا خالفوا عوقبوا، بين فضل هذه الأمة بأنه خفف عنهم، فقال معبراً بما قد يعشر بأن بعضهم ترك عن قدرة: {فإذ} أي فحين {لم تفعلوا} أي ما أمرتم به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق {وتاب الله} أي الملك الأعلى الذي كان من شأن ما هو عليه من العظمة أن يعاقب من ترك أمره {عليكم} أي رجع
(19/383)

بمن ترك الصدقة عن وجدان، وبمن تصدق وبمن لم يجد إلى مثل حاله قبل ذلك من سعة الإباحة والعفو والتجاوز والمعذرة والرخصة والتخفيف قبل الإيجاب ولم يعاقبكم على الترك ولا على ظهور اشتغال ذلك منكم، قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. وعلى كل منهما فهي لم تتصل بما قبلها نزولاً وإن اتصلت بها تلاوة وحلولاً {فأقيموا} بسبب العفو عنكم شكراً على هذا الكرم والحلم {الصلاة} التي هي طهرة لأرواحكم ووصلة لكم بربكم {وآتوا الزكاة} التي هي نزاهة لأبدانكم وتطهير ونماء لأموالكم وصلة بإخوانكم، ولا تفرطوا في شيء من ذلك فتهملوه، فالصلاة نور تهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية، وتعين على نوائب الدارين، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة.
ولما خص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية، عم فقال حاثاً على زيادة النور والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون المناجاة عن أعظم إقبال وإنفاق فقال: {وأطيعوا الله} أي الذي له الكمال كله فلم يشركه في إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد
(19/384)

{ورسوله} الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمر به فإنه ما أمركم لأجل إكرام رسولكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بالحنيفية السمحة، وجعل المحافظة على ذلك قائمة مقام ما أمركم به، ثم نسخه عنكم من تقديم الصدقة على النجوى.
ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع فيه تفريط، فكان ذلك ربما جرى على انتهاك الحرمات، رهب من جنابه بإحاطة العلم، وعبر بالخبر لأن أول الآية وبخ على أمر باطن ولم يبالغ بتقديم الجار لما فيها من الأمور الظاهرة. فقال عاطفاً على ما تقديره: فالله يحب الذين يطيعون: {والله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {خبير بما تعملون *} أي تجددون عمله، يعلم بواطنه كما يعلم ظواهره.
ولما أخبر بإحاطة علمه ردعاً لمن يغتر بطول حلمه، دل على ذلك باطلاعه على نفاق المنافقين الذي هو أبطن الأشياء، فقال معجباً مرهباً معظماً للمقام بتخصيص الخطاب بأعلى الخلق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تنبيهاً على أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره: {ألم تر} ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال: {إلى الذين تولوا} أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلوا أولياءهم الذين ينزلون بهم أمورهم {قوماً} ابتغوا عندهم العزة اغتراراً بما يظهر لهم منهم من القوة {غضب الله} أي الملك
(19/385)

الأعلى الذي لا ند له {عليهم} أي على المتولين والمتولَّين لأنهم قطعوا ما بينهم وبينه، والأولون هم المنافقون تولوا اليهود، وزاد في الشناعة عليهم بقوله مستأنفاً: {ما هم} أي اليهود المغضوب عليهم {منكم} أيها المؤمنون لتوالوهم خوفاً من السيف ورغبة في السلم {ولا منهم} أي المنافقين، فتكون موالاتهم لهم لمحبة سابقة وقرابة شابكة، ليكون ذلك لهم عذراً، بل هم مذبذبون، فهم مع المؤمنين بأقوالهم، ومع الكفار بقلوبهم، فما تولوهم إلا عشقاً في النفاق لمقاربه ما بينهم فيه، أو يكون المعنى: ما المنافقون المتولون من المسلمين ولا من اليهود المتولين، وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء الحالم على كل رذيلة، فقال ذاكراً لحالهم في هذا الاتحاد: {ويحلفون} أي المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار، ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجرأة على استمرارهم على الأيمان الكاذبة بأن التقدير: مجترئين {على الكذب} في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام، فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان.
ولما كان الكذب قد يطلق في اللغة على ما يخالف الواقع وإن كان عن غير تعمد بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع، قال
(19/386)

نافياً لذلك مبيناً أنهم جرؤوا على اليمين الغموس: {وهم يعلمون *} أي أنهم كاذبون فهم متعمدون، وذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه: «» يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان «، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» علام تشتمني أنت وأصحابك، فحلف بالله ما فعل «فقال له: فعلت. فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه»
، فنزلت.
ولما أخبر عن حالهم، أتبعه الإخبار عن مآلهم، فقال دالاًّ - كما قال القشيري - على أن - من وافق مغضوباً عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو غضبان عليه، فمن تولى مغضوباً عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هواناً وحزناً وحرماناً، معبراً بما دل على أنه أمر قد فرغ منه: {أعد الله} أي الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له، وعبر بما دل على التهكم بهم فقال: {لهم عذاباً} أي أمراً قاطعاً لكل عذوبة {شديداً} يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم متداعية إليه ضعيفة عنه.
(19/387)

ولما أخبر بعذابهم، علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكداً تقبيحاً على من كان يستحسن أفعالهم: {إنهم ساء} أي بلغ الغاية مما يسوء، ودل على أن ذلك كان لهم كالجبلة بقوله: {ما كانوا يعملون *} أي يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم الكافرين وعيبهم للإسلام وأهله، واجترائهم على الأيمان الكاذبة، وأصروا على ذلك حتى زادهم التمرن عليه جرأة على جميع المعاصي.
(19/388)

اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)
ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها، أكد ذلك بقوله: {اتخذوا} أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج الطبع والمحبة للأذى {أيمانهم} الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان {جنة} أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائناً ما كان، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران.
ولما كان علمهم بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على العظائم، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات
(19/388)

ويثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب، سبب عن قبول إيمانهم قوله مظهراً بزيادة التوبيخ لهم: {فصدوا} أي كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سبباً لإيقاعهم الصد {عن سبيل الله} أي شرع الملك الأعلى الذي هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم، فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجاً وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم، ونسج على منوالهم، غروراً بظاهر أمرهم، معرضاً عما توعدهم الله سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم، وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال: {فلهم} أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم {عذاب مهين *} جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام.
ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها، قال مستأنفاً دالاًّ على أن من استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام
(19/389)

التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم: {لن تغني} أي بوجه من الوجوه {عنهم} أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره {أموالهم} وأكد النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال: {ولا أولادهم} أي بالنصرة والمدافعة {من الله} إي إغناء مبتدئاً من الملك الأعلى الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من إغناء ولو قل جدّاً، فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفد ومضى، لا يدفعه شيء تكذيباً لمن قال منهم: لئن كان يوم القيامة لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ولما انتفى الإغناء المبتدئ من الله فانتفى بانتفائه كل إغنائه سواه، أنتج ذلك قوله: {أولئك} أي البعداء من كل خير {أصحاب النار} ولما أفهمت الصحبة الملازمة، أكدها بقوله: {هم} أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم - لكونهم في الهاوية - في جنب عذابهم {فيها} أي خاصة دون شيء يقصر عنها {خالدون *} أي مقيمون باقون دائمون لازمون إلى غير نهاية.
ولما كان إفسادهم لذات البين سراً، وحلفهم على نفي ذلك جهراً مع الإلزام بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه وتعالى بأنه كذب غائظاً موجعاً، وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار العمل يأمر بقبولهم في دار الجزاء، قال نافياً لذلك
(19/390)

معزياً للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق الأمور، لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك عنها، ولا ينفعهم ذلك، ذاكراً ظرف الخلود وإظهار التعذيب: {يوم يبعثهم الله} أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا قبله {جميعاً} لا يترك أحداً منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان عليه قبل موته {فيحلفون} أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون {له} أي الله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، ونحوه من الأكذوبات التي تزيدهم ضرراً، ولا تغني عنهم شيئاً بوجه من الوجوه، جرياً على ما طبعوا عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها {كما يحلفون} في الدنيا {لكم} لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن الله يفضحهم كما فعل لهم ذلك مراراً، وحلفهم ناشئ عن اعتقاد بعدهم من القبول فإنه لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه: قال القشيري: عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية، وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم.
(19/391)

ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة علمه سبحانه، عبر بالحسبان، فقال دالاًّ على أنهم في الغاية من الجهل وقلة العقل: {ويحسبون} أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة {أنهم على شيء} أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت في الدنيا تنجيهم.
ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخباراتهم ولا في أيمانهم ولا في حسبانهم، قال منادياً عليهم مؤكداً لتكذيب حسبانهم: {ألا إنهم} أي خاصة {هم الكاذبون *} أي المحكوم بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يستحيون من الكذب عند الله.
ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع عاقل فيه مرة من الدهر، فضلاً عن ملازمته، أخبر عن الحامل لهم عليه، فقال مستأنفاً: {استحوذ} أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ويستولي {عليهم الشيطان} مع أنه طريد ومحترق، ووجد منه جميع ذلك، ووصل منهم إلى ما يريده، وملكهم ملكاً لم يبق لهم معه اختيار فصاروا
(19/392)

رعيته وأقطاعه، وصار هو محيطاً بهم من كل جهة، غالباً عليهم ظاهراً وباطناً، من قولهم: حذت الإبل أي استوليت عليها، وحاذ الحمار العانة - إذا جمعها وساقها غالباً لها، والحوذ: السوق السريع، ومنه الأحوذي: الخفيف في المشي لحدقه، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له، لم يقولوا: فقر: {فأنساهم} أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم {ذكر الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزاً في فطرهم الأولى، فصاروا لا يذكرونه أصلاً بقلب، ولا لسان.
ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: {أولئك} أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد منزل {حزب الشيطان} أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه، المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب، وهم مطبوعون على بغضه، وتركوا من له الكمال كله، وكر وحبه مركوز في فطرهم، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله:
(19/393)

{ألا} وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهرو التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال: {إن حزب الشيطان} أي الطريد المحترق {هم} أي خاصة {الخاسرون *} أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق.
(19/394)

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)
ولما بين ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار، بين أنه أوقعهم في العداوة، فقال معللاً الخسار والنسيان والتحزب، وأكد تكذيباً لحالفهم على نفي ذلك مظهراً موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك: {إن الذين يحادون} ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان، ويفهم منه الحكم على من جاهر بطريق الأولى {الله} أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حداً لا يتعداه خصمه {ورسوله} الذي عظمته من عظتمه.
ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم، قالتعالى نفياً لهذا الغرور الظاهر: {أولئك} أي الأباعد الاسافل {في الأذلين *} أي
(19/394)

الذين يعرفون أنهم أذل الخلق بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقاً من غير مفضل عليه ليعم كل من يمكن منه ذل، وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس والروم أو أعظم منهم سواء كانوا ملوكاً كفرة كانوا أو فسقة، كما قال الحسن: إن للمعصية في قلوبهم لذلاً، وإن طقطقت بهم اللجم. ولما أنزلهم بالحضيض الأسفل، علل ذلك بما يدل على أنه سبحانه لا شريك له بإتمام كلماته بنصر أوليائه على ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه لا غيب محض لا دلالة عليه إلا بأفعاله فقال: {كتب} أي فعل فعل من أبرم أمراً ففرغ منه وكتبه فأوجب وحتم وقضى وبت {الله} أي الملك الذي لا كفوء له {لأغلبنَّ} أكد لما لهم من ظن الغلب بالكثرة والقوة {أنا ورسلي} أي بقوة الجدال وشدة الجلاد، فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب، وإلى من بعث بالحجة، وعلل هذا القهر بقوله مؤكداً لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه: {إن الله} أي الذي له الأمر كله {قوي} فهو يفيض من باطن قوته
(19/395)

من يظهر به ظاهر قدرته أوليائه، فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله القائم في الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مما يتطرق إلى الإجلال بشدة وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن، وما ظهر من أثر ذلك فهو قدرة، فلا اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله، ولا قيام بالحقيقة لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، فلذلك كان بالحقيقة لا قوي إلا هو.
ولما كان القوي من المخلوقات قد يكون غيره أقوى من غيره ولو في وقت، نفى ذلك بقوله: {عزيز *} أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات، ثابت له هذا الوصف دائماً.
ولما ظهر بهذا كالشمس أن من والاه سبحانه كان فائزاً، ومن عاداه كان خاسراً، كانت نتيجته قطعاً التحذير من موالاة أعداء الله في سياق النفي المفيد للمبالغة في النهي عنه والزجر عن قربانه فقال: {لا تجد} أي بعد هذا البيان {قوماً} أي ناساً لهم قوة على ما يريدون محاولته {يؤمنون} أي يجددون الإيمان ويديمونه {بالله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى {واليوم الآخر} الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل، الذي هو محط الحكمة {يوادون}
(19/396)

أي يحصل منهم ودل لا ظاهراً ولا باطناً - بما أشار إليه الإدغام وأقله الموافقة في المظاهرة {من حاد الله} أي عادى بالمناصبة في الحدود الملك الأعلى لذلك فالمحادة لا تخفى وإن كانت باطنة يستتر بها زيادة النفرة منهم {ورسوله} فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله، بل لا تجدهم إلا يحادونهم، لا أنهم يوادونهم، وزاد ذلك تأكيداً بقوله: {ولو كانوا آباءهم} الذين أوجب الله على الأبناء طاعتهم بالمعروف، وذلك كما فعل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، قتل أباه عبد الله بن الجرح يوم أحد {أو آبناءهم} الذي جبلوا على محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة، وقال: دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري» {أو إخوانهم} الذين هم أعضادهم
(19/397)

كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخرق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف يومئذ على أخيه عتبة بن أبي وقاص غير مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب، فنهاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير {أو عشيرتهم} الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر رضي الله عنه، قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وعن الثوري أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان - انتهى. ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاءه من غير الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصاً في إيمانه.
ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان، أنتج قوله: {أولئك} أي الأعظمون شأناً الأعلون همماً {كتب}
(19/398)

أي وصل وأثبت وصلاً وهو في لحمته كالخرز في الأديم، وكالطراز في الثوب الرقيم، فلا انفكاك له {في قلوبهم الإيمان} فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور الباطن واستقامة الأعمال في الظاهر {وأيدهم} أي قواهم وشددهم وأعانهم وشجعهم وعظمهم وشرفهم {بروح} أي نور شريف جداً يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح للأبدان، فلا يفعلون شيئاً من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة، وزاد هذا التأييد شرفاً بقوله: {منه} أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهراً وباطناً، فقهروا بالدلائل والحجج، وظهروا بالسيف المفني للمهج، وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج، فلا تجد شيئاً أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعاً في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه.
ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة، أخبر بما يؤتيهم في الآخرة فقال: {ويدخلهم جنات} أي بساتين
(19/399)

يستر داخلها من كثرة أشجارها، وأخبر عن ريها بقوله: {تجري} ولما كانت المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر، أثبت الجار فقال: {من تحتها الأنهار} أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار. ولما كان ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال: {خالدين فيها} .
ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال: {رضي الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره {عنهم} ولما كان ذلك لا يكمل سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال: {ورضوا عنه} أي لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون. ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله: {أولئك} أي الذين هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علماً منهم بأنه ليس النفع والضر إلا بيده {حزب الله} أي جند الملك الأعلى الذي أحاط بجميع صفات الكمال وأولياءه، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم. ولما تبين مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير، قال على طريق الإنتاج مما مضى مؤكداً لما لأضدادهم من الأنكاد: {ألا إن حزب الله} أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن
(19/400)

والاهم {هم} أي خاصة لا غيرهم {المفلحون *} أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد، خصهم بذلك لأن له العزة والقوة والعلم والحكمة، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها لأنها من حزبه وسمع لها، ومن سمع له فهو مرضي عنه، وحرم الظهار بسبب شكواها إكراماً لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه تشبيه خارج عن قادة التشبيهات، وفيه امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل الافتراش، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو من حزب الشيطان، فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن سبيل، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها، ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه، فسبحان من أنزله آية دائمة البيان، موجبة للإيمان، قامعة للطغيان، على مدى الدهور وتطاول الأزمان.
(19/401)

سورة الحشر
مقصودها بيان ما دل عليه آخر المجادلة من التنزه عن شوائب النقص بإثبات القدرة الشاملة بدليل شهودي على أنه يغلب هو ورسله، ومن حاده في الأذلين، لأنه قوي عزيز، المستلزمة للعلم التام المستلزم الحكمة البالغة المستلزمة للحشر المظهر لفلاح المفلح وخسار الخاسر على زجه الثبات الكاشف أتم كشف لجميع صفات الكمال، وأدل ما فيها على ذلكط تأمل قصة بني النضير المعلم بأول الحشر المؤذن بالحشر الحقيقي بالقدرة عليه بعد إطباق الولي والعدو على ظن أنه لا يكون، فلذا سميت الحشر وببني النضير لأنه سبحانه وتعالى حشرهم بقدرته من المدينة الشريفة إلى خيبر والشام والحيرة ثم حشرهم وغيرهم من اليهود الحشر الثاني من خيبر إلى الشام الذي هو آية الحشر الأعظم إلى أرض الحشر لقهر هذا النبي الكريم أهل الكتاب المدعين لأنهم أفضل الناس
(19/402)

وأنهم مؤيدون بما لهم من الدين الذي أصله قويم بما لوحت إليه الحديد كما قهر أهل الأوثان الذين هم عالمون بأنهم بدلوا الدين الصحيح فثبتت بظهور دينه على كل دين على حد سواء كما وعد به سبحانه صدقه في كل ما جاء به بعد التوحيد - الإيمان بالبعث الآخر لأنه محط الحكمة وموضع إظهار النقمة والرحمة) بسم الله (الملك الأعظم الذي لا راد لأمره فلا خلف لعباده) الرحمن (الذي عمت نعمةى إيجاده فلا محيص عن معاده) الرحيم (الذي خص أهل وداده بالتوفيق لما يرضيه عنهم فيوجب لهم الفوز بإسعاده.
(19/403)

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)
لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته، ومذل أهل معصيته ومحادته، علله بتنزهه عن النقائص تأييداً للوعد بنصرهم فقال: {سبح} أي أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص {لله} الذي أحاط بجميع صفات الكمال.
ولما كان الكفار من جميع بني آدم قد عبد بعضهم الشمس
(19/403)

وبعضهم القمر وبعضهم غيرهما من الكواكب، وكانت الكواكب مبثوثة في السماوات كلها لا تخص سماء بعينها وكذا الملائكة، جمع دلالة على أن الكل عبيد فقال: {ما في السماوات} أي كلها. ولما كان الكلام في النهي عن موادة الذي يحادون الله، وكان ذلك لمن دون الخلص، أكد بإعادة النافي لاحتياجهم للتأكيد فقال: {وما} ولما كان جميع ما عبدوه ما أشركوا به من الأرضيات من شجر وصنم وبقر وغيرها لا يعد والأرض التي هم عليها، أفرد فقال: {في الأرض} .
ولما شمل هذا جميع العالم، أشار إلى أن عظمته لا تنتهي فقال: {وهو} أي والحال أنه وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يمتنع عليه شيء {الحكيم *} الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلاً، وإلى بيان ما له من العزة والحكمة سبيلاً.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لا خفاء باتصال أيها بما تأخر من آي سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم} إنما يراد به يهود فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم ثم قال في آخر السورة {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} فحصل من هذا كله
(19/404)

تنفير المؤمنين عنهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان وودهم من النفاق لقبيح ما انطووا عليه وشنيع ما ارتكبوه، فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين المسلمين منهم، جرياً على ما تقدم الإيماء إليه سوء مرتكبهم، والتحمت الآي باتحاد المعنى وتناسبه، وتناسج الكلام، وافتتحت السورة بالتنزيه لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم إذ لا يكون إلا على أعظم جريمة وأسوأ مرتكب وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب وقد قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم {أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل} [المائدة: 60] وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [المائدة: 78] فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم واعتدائهم، وقد فصل اعتداءهم أيضاً في مواضع، فلما كان الغضب مشيراً إلى ما ذكر من عظيم الشرك، أتبعه سبحانه وتعالى تنزيه نفسه جل وتعالى فقال: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} وإنما يرد مثله من التنزيه أثر جريمة تقع من العباد وعظيمة يرتكبونها وتأمل ذلك حيث وقع، ثم عاد الكلام إلى الإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم، ثم تناسجت الآي - انتهى.
(19/405)

ولما نزه نفسه الأقدس دل على ذلك التنزه على العزة والحكمة بدليل شهودي من أنه أنفذ ما كتب من أنه يغلب هو ورسله ومن أنه كبت الذين حادوه وخيب ظن الذين نافقوا، فتولوا اليهود من أهل الكتاب ليعتزوا بهم، فأذل اليهود وطردهم من مهبط الوحي وأخزى المنافقين الذين جعلوهم محط اعتمادهم وموضع ولايتهم وودادهم، فقال: {هو} أي وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب {الذي أخرج} على وجه القهر {الذين كفروا} أي ستروا ما في كتبهم من الشواهد التي تشهد لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه النبي الخاتم وما في فطرهم الأولى من أن اتباع الحق أحق، وقبح عليهم كفرهم بقوله موضع {من بني النضير} أو {اليهود} مثلاً: {من أهل الكتاب} أي الذي أنزله الله على رسوله موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وفي التعبير ب {كفروا} إشعار بأنهم الذين أزالوا بالتبديل أو الإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة دالاًّ على نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولما كان الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح، فكان الخروج منه في غاية العسر، دل على مزيد قهرهم به بأن قال: {من ديارهم} ولما كان كان منهم من جلا من المدينة الشريفة إلى خيبر، وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب ولحق سائرهم بأريحا من
(19/406)

أرض الشام أرض المحشر، ولحق بعضهم بالحيرة، لوح إلى فتح خيبر وحشرهم منها حشراً ثانياً بقوله معللاً أو موقتاً: {لأول} أي لأجل أول أو عند أول {الحشر} وفي ذلك إشارة إلى أن كل بلد حشروا إليه سيفتح، ويزلزلون منه زلزلة أخرى، لا تزال مصائبهم بأهل الإسلام قائمة حتى يكون الحشر الأعظم بالقيامة، والحشر: الجمع من مكان والسوق إلى غيره بكره، وسمي أولاً لأنهم أول من أجلي من اليهود من جزيرة العرب، والحشر الثاني لهم من خيبر على زمن عمر رضي الله عنه، وعند ابن إسحاق أن إجلاءهم في مرجع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أحد وفتح قريظة في مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان، قال لهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اخرجوا قالوا: إلى أين، قال: إلى أرض المحشر» ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من شك أن المحشر بأرض الشام فليقرأ هذه الآية. انتهى، وهذا الحشر يدل على المحشر الأعظم وبينه على قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» .
(19/407)

ولما كان قد أخبر أن حشرهم لم يكن بسبب غير محض قدرته، استأنف شرح ذلك بقوله: {ما ظننتم} أي أيها المؤمنون {أن يخرجوا} أي يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم وشكيمتهم وقرب بني قريظة منهم فكانوا بصدد مظاهرتهم، وأهل خيبر أيضاً غير بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم، والمنافقون من أنصارهم وأسرتهم، فخابت ظنونهم في جميع ذلك وفالت أراؤهم وسلط عليهم المؤمنون على قلتهم وضعفهم، وإذا أراد الله نصر عبد استأسد أرنبه وإذا أراد قهر عدو استنوق أسده.
ولما كانت الحصون تمنع إلى إتيان الأمداد قال: {وظنوا أنهم} ودل على قوة ظنهم وثباته بالجملة الاسمية فقال: {مانعتهم حصونهم} أي ثابت لها المنع ولهم الامتناع، قالوا: وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي جعل ضميرهم اسم (إن) وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عز
(19/408)

ومنعة لا مطمع معها في معازّتهم، ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه وباسمه الأعظم فقال: {من الله} أي الملك الأعظم الذي لا عز إلا له وأنتم جنده، لا تقاتلون إلا فيه وبه، بأسكم من بأسه، فقد اجتمع الظنان على شيء واحد. ولما كان إسناد ما للمضاف إلى المضاف إليه شائعاً في لسان العرب وكثيراً جداً لأنه لا يلتبس على من له إلمام بكلامهم، وبليغاً جداً لما له من العظمة، قال: {فآتاهم الله} أي جاءهم الملك الأعظم الذي يحتملون مجيئه بما صور لهم من حقارة أنفسهم التي اضطرتهم إلى الجلاء {من حيث لم يحتسبوا} أي من الجهة التي لم يحملوا أنفسهم على حسبها وهي خذلان المنافقين لهم رعباً كرعبهم واستضعافاً كاستضعاف أنفسهم عن مقاومة جند الله بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة حتى قطعوا بما مناهم وقربه لهم وأغواهم.
ولما كان التقدير: فأوهنهم الله بذلك، عطف عليه قوله: {وقذف} أي أنزل إنزالاً كأنه قذفه بحجارة، فثبت وارتكز {في قلوبهم الرعب}
(19/409)

أي الخوف الذي سكنها فرضّها وملأها وعبر منها إلى جميع قواهم فاجتثها من أصلها، ثم بين حالهم عند ذلك أو فسر قذف الرعب بقوله: {يخربون بيوتهم} أي يبالغون - على قراءة أبي عمرو بالتشديد - في إخرابها، أي إفسادها، فإن الخربة الفساد، وقراءة غيره يفهم الفعل المطلق الذي لا ينافي المقيد {بأيديهم} ضعفاً منهم - بما أشار إليه جمع القلة، ويأساً من قوتهم ليأخذوا ما استحسنوا من آلاتها، فكان الرجل منهم لما تحملوا للرحيل يهدم بيته عن نجاف بابه وما استحسن من خشبه فيضعه على ظهر بعيره فيأخذه وينقب الجدار ويهدم السقف حسداً للمسلمين أن يسكنوها بعدهم لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم أن يخلوا له عن البلد ولهم ما حملت إبلهم.
ولما كان السبب في تخريب الصحابة رضي الله عنهم لبيوتهم ما أحرقوهم به من المكر والغدر كانوا كأنهم أمروهم بذلك، فنابوا عنهم فيه، فقال أيضاً بجمع القلة للدلالة على أن الفعل له سبحانه وحده: {وأيدي المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان استيلاء وغلبة عليهم وقد كان المؤمنون يخربون ما ضيق عليهم المجال منها لأجل القتال، وقدم
(19/410)

تخريبهم لأنه أعجب.
ولما كان في غاية الغرابة أن يفعل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه، سبب عن ذلك قوله: {فاعتبروا} أي احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في عظيم قدرة الله تعالى على أن تعبروا من ظواهر العلم في هذه القضية بما دبر الله في إخراجهم إلى بواطن الحكمة بأن لا تعدوا لكم ناصراً نم الخلق ولا تعتمدوا على غير الله، فإن الاعتبار - كما قال القشيري - أحد قوانين الشرع، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره - انتهى. وقد احتج بالآية مثبتو القياس فإنه مجاوزة من الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به في هذه الآية فهو واجب.
ولما كان الاعتبار عظيم النفع، لا يحصل إلا للكمل، زاده تعظيماً بقوله تعالى: {يا أولي الأبصار *} بالنظر بأبصاركم وبصائركم في غريب هذا الصنع لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إظهار دينه وإعزاز نبيه ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على المنافقين، فإن من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته، ولا تلموا بغدر كما أرادوا أن يغدروا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيطرحوا عليه وهو قاعد بفناء دار من دورهم رحى من السطح ليقتلوه بها - زعموا، ولا تفعلوا شيئاً من قبيح أفعالهم لئلا يحصل لكم مثل
(19/411)

نكالهم كما أحكمه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الحديث، وذلك الغدر منهم بعد أن حرضوا قريشاً على غزوة أحد ودلوهم على بعض العورات، وقال البغوي: إن كعب بن الأشرف أتى قريشاً بعد أحد في أربعين راكباً فحالفهم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزل جبريل عليه السلام عليه يخبره بذلك، وقال: إنه لما قصدهم عليه السلام أرسلوا إليه أن يخرج في ثلاثين ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه، فإن آمنوا به آمن الكل، فأجابهم فأرسلوا أن الجمع كثير فاخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة منا، فأرسلت امرأة منهم إلى أخيها وكان مسلماً أنهم اشتملوا على الخناجر يريدون الفتك برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك، وكل ما ذكر من أسباب قصتهم كما ترى دائر على المكر بل هو عين المكر.
(19/412)

وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)
ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من الكف عن قتلهم، بين أن السبب في ذلك أمره الباهر وعزه القاهر حثاً على ما ختم به الآية السابقة من الاعتبار والتدبر والاستبصار فقال: {ولولا أن كتب الله} أي فرض فرضاً حتماً الملك الذي له
(19/412)

الأمر كله، ودل على أنه كتب إذلالاً وإخزاء بقوله: {عليهم} أي بخصوصهم فيما كتب على بني إسرائيل في الأزل كما كتب على بني قينقاع {الجلاء} أي الخروج من ديارهم والجولان في الأرض، فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد الشام إلى العراق، وأما هؤلاء فحماهم الله بمهاجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك الجلاء وجعله على يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأجلاهم فذهب بعضهم إلى خيبر وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة {لعذبهم في الدنيا} أي بالسيف كما سيفعل بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون الجلاء من قتل المقاتلة وسبي الذرية، فإنه تعالى قد قضى قضاء حتماً أنه يطهر المدينة بلد الوحي منهم.
ولما كان التقدير: ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في الدنيا لا محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم، عطف عليه قوله على طريق التهكم بالتعبير بأداة النفع: {ولهم} أي على كل حال أجلوا أو تركوا {في الآخرة} التي هي دار البقاء {عذاب النار *} وهو العذاب الأكبر.
ولما أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة، علله بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته
(19/413)

في الدنيا ويفعله بهم في الآخرة {بأنهم} ولما كانوا قد ضموا فى هذه القضية إلى ما كانوا عليه من الكفر الظاهر كفراً باطناً بما أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من الأذى مكراً منهم، أدغم في قوله: {شاقوا الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعد ما كانوا في شق الموادعين.
ولما جارى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي الله عنهم عندهم قال: {ورسوله} الذي إجلاله من إجلاله. ولما أخبر بفعله وبسببه، عطف عليه تأكيداً لمضمونه وإفاده لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم من فعلهم فقال: {ومن يشاق الله} أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة أخرى أو لا، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة وإنما كان ما فعلوا مكراً ومساترة، وذلك أخف من المجاهرة، وأظهر في الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى، ولم يعد ذكر الرسول تفخيماً له بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلاً، وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم، فلم يظهر عليها غير الله، فلم يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لم يمكر بهم، وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال،
(19/414)

فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى
{وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال: 30] الآية وهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخفى أمر هجرته وأعمل الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية {فإن الله} أي المحيط بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه {شديد العقاب *} وذلك كما فعل ببني قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما فعل أهل خيبر، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية عند إجلائهم منها، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو للمجاهرين أشد عذاباً كما هو واضح.
ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون
(19/415)

إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على العالمين، مع التأييد بالكتاب والحكمة، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه، ومن شاقه فقد شدد عقابه، أتبعه بيان ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله عنهم بأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئاً ولا منعة لديهم فقال: {ما} وهي شرطية وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال: {قطعتم} أي كل ما قطعتموه، وبين ما في «ما» من الإبهام بقوله معبراً عن النخل، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم القطع ولان: {من لينة} وهي ضرب من النخل، قال ابن إسحاق: هو ما خالف العجوة من النخل، وقال ابن هشام: اللينة من الألوان، وهي ما لم يكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثني أبو عبيدة - انتهى. وقال صاحب القاموس اللون: الدقل من النخل، وهي جماعة واحدتها لونه ولينة، قال المهدوي: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أنها لون من النخل، وقال البغوي: ورواية زاذان عن
(19/416)

ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقطع نخلهم إلا العجوة. وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لون ولينة، وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون: اللينة: النخلة، اسمان بمعنى واحد، وجمعها لين وليان، وقال سفيان الثوري: اللينة ما تمرها لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن نواة فيرى من خارج، قال البغوي: يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف، فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون، دعوا هذه النخلة، فإنما هي لمن غلب عليها، وقال الرازي في اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول حالها بيضاء كصدف مليء درّاً منضداً، ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق فيها الماء ثم حمراء كأنها ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان، ولذلك إذا بلغ الإرطاب نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانها الجزع الظفاري.
ولما كان ما فسر بمؤنث هو اللينة، أعاد الضمير مؤنثاً فقال:
(19/417)

{أو تركتموها} ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال: {قائمة} ولما كان المراد نخيلاً كثيرة لإرادة الجنس قال: {على أصولها} بجمع الكثرة {فبإذن الله} أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه، قال القشيري: وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب التعليل وسكتت الألسنة عن التقاضي ب «لِمَ» وحضور الاعتراض والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان.
ولما فطم عن طلب العلل خطاباً للكمل، طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ما تقديره: فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، فقال واضعاً موضع ضميرهم ظاهراً يدل على ما أوجب خزيهم: {وليخزي الفاسقين *} الذين هم أصلاء في المروق من دائرة الحق بأن يذلهم ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من الله لأنهم على الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ، وروى أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه أنه قال: رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يا رسول الله! علينا إثم فيما قطعنا أو علينا فيما تركنا، فأنزل الله الآية - انتهى وكان ناس من المؤمنين مالوا إلى
(19/418)

الكف عن القطع لما سموه اليهود فساداً وطائفة أشاروا بالاستمرار على القطع لأنه يغيظهم، فصوب سبحانه في الآية من أمر بالكف وحلل من أشاروا بالاستمرار بالقطع من الإثم، فدلت الآية على جواز إفساد أموال أهل الحرب على أي حال كان مثمراً كان أو لا بالتحريق والتغريق والهدم وغيره لإخزائهم بذلك.
(19/419)

وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)
ولما كانت الغنائم التي تقسم بين الجيش إنما هي ما قاتلوا عليه، وأما ما أتى منها بغير قتال فهو فيء يأخذه الإمام فيقسمه خمسة أخماس، ثم يقسم خمساً منها خمسة أقسام، أحدها وهو كان للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون بعده لمصالح المسلمين، والأقسام الأربعة الأخرى من هذا الخمس لمن ذكر في الآية بعدها، والأربعة الأخماس الكائنة من أصل القسمة وهي التي كانت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنها حصلت بكفايته وإرعابه للعدو، تفرق بين المرتزقة من جميع النواحي، فكانت الأموال كلها لله إنعاماً على من يعبده بما شرعه على ألسنه رسله عليهم الصلاة والسلام، كانت أموال الكفار في أيديهم غصباً غصبوه
(19/419)

من أوليائه، فخص سبحانه رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأموال بني النضير يضعها حيث يشاء لأنها فيء فقال: {وما أفاء الله} أي رد الملك الذي له الأمر كله رداً سهلاً بعد أن كان فيما يظهر في غاية العسر والصعوبة {على رسوله} فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفار عليه ظلماً وعدواناً كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها {منهم} أي رداً مبتدئاً من الفاسقين، فبين أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم عن غير وارث وكذا الجزية، وأما الغنيمة فهي ما كان بقتال وإيجاف خيل وركاب.
ولما كان الحرب إنما هو كر وفر في إسراع وخفة ورشاقة بمخاتلة الفرسان ومراوغة الشجعان ومغاورة أهل الضرب والطعان، قال معللاً لكونه فيئاً: {فما أوجفتم} أي أسرعتم، وقال ابن إسحاق: حركتم واتبعتم في السير - انتهى، وذلك الإيجاف للغلبة {عليه} وأعرق في النفي بالجار فقال: {من خيل} وأكد بإعادة النافي لظن من ظن أنه غنيمة لإحاطتهم بهم فقال: {ولا ركاب} أي إبل، غلب ذلك عليها نم بين المركوبات، ولا قطعتم من أجله مسافة، فلم تحصل لكم كبير مشقة في حوز أموالهم لأن قريتهم كانت في حكم المدينة الشريفة ليس بينها
(19/420)

وبين ما يلي منها مسافة بل هي ملاصقة لإحدى قرى الأنصار التي المدينة اسم لها كلها، وهي قرية بني عمرو بن عوف في قباء بينهما وبين القرية التي كان رسول الله نازلاً بها نحو ميلين، فمشى الكل مشياً ولم يركب إلا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقاتلوا بها قتالاً بعد، فلذلك جعلها الله فيئاً ولم يجعلها غنيمة، فهي تقسم قسمة الفيء، لا قسمة الغنيمة، فخمسها لأهل خمس الغنيمة وهم الأصناف الخمسة المذكورون في الآية التي بعدها، وما فضل فهو الأربعة الأخماس له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس.
ولما كان معنى هذا: فما كان التسليط بكم، استدرك بقوله: {ولكن الله} أي الذي له العز كله فلا كفوء له {يسلط رسله} أي له هذه السنة في كل زمن {على من يشاء} بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعباً في قلوب أعدائه، فهو الذي سلط رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هؤلاء بأن ألقى في روعه الشريف أن يذهب إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه خطأ، فلما جلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جانب بيت من بيوتهم، وكانوا موادعين له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقضوا عهدهم خفية مكراً منهم بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا أحدهم أن يرمي عليه من
(19/421)

فوق السطح صخرة لتقتله، فأعلمه الله بهذا فذهب وترك أصحابه هناك حتى لحقوا به، وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة وندبه لقريش إلى حرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعاقدته لهم على أن يكون معهم عليه عليه الصلاة والسلام، وإعلام الله بذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأرسل إليهم بعد ما أصبح أنكم قد خنتم الله ورسوله، فأردتم أن تفعلوا كذا، وأن الأرض لله ورسوله، فاخرجوا منها وقد أجلتكم عشراً، فمكثوا على ذلك أياماً يتجهزون ودس إليهم ابن أبي ومن معه من المنافقين أنهم معهم في الشدة والرخاء لا يسلمونهم، وقال ابن أبي: معي ألفان من قومي وغيرهم نم العرب يدخلون حصنكم فيموتون من عند آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ذلك فأرسل إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فقصدهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المؤمنين يحمل رايته علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصلى العصر بفنائهم بعد أن استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأقام عليهم ست ليال وهم متحصنون، فقطع من نخلهم وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بالك تقطع النخل، وتربصوا نصر ابن أبي ومن معه على
(19/422)

ما قالوا فلم يفوا لهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالإجابة، فقال: لا إلا أن يكون لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من أموالكم، فتوقفوا ثم أجابوا فحملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا الحلقة، وذهبوا على ستمائة بعير، وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن فلحق بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يسلم منهم إلا رجلان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها فجعل الله أموال من لم يسلم منهم فيئاً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة به يضعها حيث يشاء كما روي ذلك في الصحيح عن عمر رضي الله عنه في قصة مخاصمة علي والعباس رضي الله عنهما، وفيه أنه من خصائصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه قال: إن الله قد خص رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، ثم قرأ {ما أفاء الله على رسوله منهم} إلى قوله تعالى: {قدير} فكانت خالصة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال - يعني الذي وقع خصامهما فيه، فكان ينفق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(19/423)

على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ما لله، وفي الصحيح أيضاً عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله - انتهى، وقد قسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أموالهم بعد ما تركه لنفسه بين المهاجرين، لم يعط الأنصار منه شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة شديدة: أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة رضي الله عنهم، وكان لسيف ابن أبي الحقيق عندهم ذكر فنفله سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال الأصبهاني: إن الفيء كان يقسم على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خمسة وعشرين سهماً أربعة أخماسها وهي عشرون سهماً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل بها ما يشاء ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي على ما يقسم عليه خمس الغنيمة - يعني على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذوي القربى ومن بعدهم، هكذا كان عمله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفاياه،
(19/424)

فلما توفي كانت إلى إمام المسلمين وكذا جميع ما ترك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه قال:
«لا نورث، ما تركناه صدقة» . فولي ذلك أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله عنه، فكانا يفعلان فيها ما فعله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الأصبهاني رضي الله عنه أيضاً عن مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] حتى بلغ {عليم حكيم} ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه}
[الأنفال: 41] ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7] حتى بلغ {الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم} [الحشر: 7] ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي نصيبه منه لم يعرف جبينه فيه - انتهى.
وقال ابن عطية: ما أخذ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبني النضير ومن فدك فهو خاص بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذه الأموال التي هي فيء كبقية الفيء يقسم على خمسة أسهم: خمس منها للأصناف المذكورة أولها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأربعة أخماسها له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده، وأجاب الشافعي عن قول عمر رضي الله عنه، «
(19/425)

فكانت هذه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة» بأنه عام أريد به الخاص، ومعناه، فكان ما بقي منها في يد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد إعطاء الخمس لأربابه خاصاً به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يشك أحد في خصوصيته به، ثم إنه مع ذلك ما احتازه دونهم بل كان يفعل ما ذكر في الحديث من الإيثار، قال الشافعي رضي الله عنه: لأنا لا نشك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطى الأصناف المذكورين في الآية منها حقهم وقد عهدنا أن حق هؤلاء الأصناف من مال المشركين الخمس كما هو صريح في سورة الأنفال، واستفيد من قول عمر رضي الله عنه «إنها كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أنه كان له ما كان يشترك فيه المسلمون من الخمس من الغنيمة التي حصلت بما حصل للكفار من الرعب منهم، والذي كان يشترك فيه المسلمون بعد الخمس هو أربعة الأخماس والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام مقام المسلمين فيه إذ هم لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وإنما حصل ذلك بالرعب الذي ألقاه الله لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قلوب المشركين، فكانت الأربعة الأخماس تختص ممن كان السبب في حصول الجميع كما في الغنيمة، فعلى هذا الفيء الغنيمة لا يختلفان في أن الأربعة الأخماس تختص لمن كان السبب
(19/426)

في حصول الجميع وأن خمس المالين يكون للأصناف المذكورة، والذي كان له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفيء من الأربعة الأخماس يكون بعد موته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمقاتلة لأنه حصل بالرعب الحاصل للكفار منهم كأربعة أخماس الغنيمة التي حصلت بقتالهم.
ولما كانت قدرته سبحانه عامة بالتسليط وغيره، أظهر ولم يضمر فقال: {والله} أي الملك الذي له الكمال كله {على كل شيء} أي أي شيء يصح أن تتعلق المشيئة به وهو كل ممكن من التسليط وغيره {قدير *} أي بالغ القدرة إلى أقصى الغايات، والآية تدل على أن إيجاف الخيل والركاب وقصد العدو إلى الأماكن الشاسعة له وقع كبير في النفوس ورعب عظيم.
(19/427)

مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)
ولما نزع سبحانه أموالهم من أيدي الجيش، بين مصرف غيرها مما كان مثلها بأن فتح له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغير قتال فقال مستأنفاً جواباً لمن كأنه قال: هل يعم هذا الحكم كل فيء يكون بعد بني النضير: {ما أفاء الله} أي الذي اختص بالعزة والحكمة والقدرة {على رسوله} ولما كان سبحانه محيط العلم بأنه يسلط على أهل وادي القرى وغيرهم
(19/427)

أعظم من هذا التسليط، قال ليكون علماً من أعلام النبوة: {من أهل القرى} أي قرية بني النضير وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية {فالله} أي الملك الأعلى الذي الأمر كله بيده {وللرسول} لأنه أعظم خلقه، فرتبته تلي رتبته، وهذان يتراءى أنهما قسمان وليس كذلك، هما قسم واحد، ولكنه ذكر سبحانه نفسه المقدس تبركاً، فإن كل أمر لا يبدأ به فهو أجذم، وتعظيماً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إعلاماً بأنه لا هوى له أصلاً في شيء من الدنيا، وإنما رضاه رضا مولاه، خلقه القرآن الذي هو صفة الله فهو مظهره ومجلاه، وسهمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصرف بعده لمصالح المسلمين كالسلاح والثغور والعلماء والقضاة والأئمة.
ولما أبان هذا الكلام لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفضل والعظمة ما لا يدخل تحت الوصف، أتبعه تعظيماً آخر بتعظيم أقاربه لأجله، ولذلك أعاد العامل فقال: {ولذي القربى} أي منه لأن رتبتهم من بعد رتبته وهم بنو هاشم وبنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه سواء فيه غنيهم وفقيرهم، لأن أخذهم لذلك بالقرابة لا بالحاجة كما هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه. ولما ذكر أهل الشرف، أتبعه أهل الضعف جبراً لوهنهم فقال مقدماً أضعفهم: {واليتامى}
(19/428)

أي الذين هم أحق الناس بالعطف لأن مبنى الدين على التخلق بأخلاق الله التي من أجلّها تقوية الضعيف وجبر الكسير {والمساكين} فإنهم في الضعف على أثرهم ودخل فيهم الفقراء فإنه إذا انفرد لفظ الفقير أو المساكين دخل كل منهما في الآخر، وإنما يفرق إذا جمع بينهما، وكذا الفيء والغنيمة إذا أفردا جاز أن يدخل كل في الآخر، وإذا جمعا فالفيء ما حصل بغير قتال وإيجاف خيل وركاب، والغنيمة ما حصل بذلك {وابن السبيل} وهم الغرباء لانقطاعهم عن أوطانهم وعشائرهم، وقسمة الفيء على هذه الأصناف كما مضى أن يقسم خمسة أقسام: خمس منها لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن ذكر معه من المخلوقين وذكر الله فيهم للتبرك، لأن الأصناف المذكورة هي التي يعبر عنها باسمه سبحانه، والأربعة الأخماس خاصة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينفق منها نفقة سنة وما فضل عنه أنفقه في مصالح المسلمين السلاح والكراع ونحوه، وما كان له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته فهو للمصالح بعد وفاته، كما كان يفعل بعد ما يفضل عن حاجته، قال الشافعي رضي الله عنه في الأم: وما أخذ من مشرك
(19/429)

بوجه من الوجوه غير ضيافة من مر بهم من المسلمين فهو على وجهين لا يخرج منهما، كلاهما مبين في كتاب الله تعالى وعلى سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي فعله فأحدهما الغنيمة، قال الله تعالى في سورة الأنفال:
{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] والوجه الثاني الفيء، وهو مقسوم في كتاب الله في سورة الحشر، قال الله تبارك وتعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم} - إلى قوله - {رؤف رحيم} فهذان المالان اللذان خولهما الله من جعلهما له من أهل دينه، وهذه أموال يقوم بها الولاة لا يسعهم تركها. فالغنيمة والفيء تجتمعان في أن فيهما معاً الخمس من جميعهما لمن سماه الله تعالى، ومن سماه الله تعالى في الآيتين معاً سواء مجتمعين غير مفترقين، ثم يفترق الحكم في الأربعة الأخماس بما بين الله عز وجل على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي فعله فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة هي الموجف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير، والفيء وهو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قرى عرينة التي أفاءها الله عليها أن أربعة أخماسها لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(19/430)

خاصة دون المسلمين يضعه رسوله الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث أراه الله عز وجل، ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه من رواية مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه في خصام علي والعباس رضي الله عنهما، قال الشافعي: فأموال بني النضير التي أفاء الله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي ذكر عمر رضي الله عنه فيها ما بقي منها في يد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الخمس وبعد أشياء فرقها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها بين رجال من المهاجرين لم يعط منها أنصارياً إلا رجلين ذكرا فقراً وهذا مبين في موضعه، وفي هذا الحديث دلالة على أن عمر رضي الله عنه إنما حكى أن أبا بكر رضي الله عنه وهو أمضيا ما بقي من هذه الأموال التي كانت بيد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجه ما رأيا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعمل به فيها، وأنهما لم يكن لهما مما لم يوجف عليه المسلمون من الفيء ما كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنهما إنما كانا فيه أسوة للمسلمين، وذلك سيرتهما وسيرة من بعدهما، والأمر الذي لم يختلف فيه أحد من أهل العلم عندنا علمته ولم يزل يحفظ من
(19/431)

قولهم أنه ليس لأحد ما كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صفي الغنيمة ولا من أربعة أخماس ما لم يوجف عليه منها، وقد مضى من كان ينفق عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أزواجه وغيرهن إن كان معهن، فلم أعلم أحداً من أهل العلم قال لورثتهم تلك النفقة التي كانت لهم، ولا خلاف أن تجعل تلك النفقات حيث كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجعل فضول غلات تلك الأموال فيما فيه صلاح الإسلام وأهله، قال الشافعي: والجزية من الفيء وسبيلها سبيل جميع ما أخذه مما أوجف من مال مشرك أن يخمس فيكون لمن سمى الله عز وجل الخمس وأربعة أخماسه على ما سأبينه إن شاء الله تعالى، وكذلك كل ما أخذ من مشرك من مال غير إيجاف، وذلك مثل ما أخذ منه إذا اختلف في بلاد المسلمين ومثل ما أخذ منه إذا مات ولا وارث له، وغير ذلك ما أخذ من ماله، وقد كان في زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيء من غير قرى عرينة، وذلك مثل جزية أهل البحرين وهجر وغير ذلك فكان له أربعة أخماسها يمضيها حيث أراد الله عز وجل وأوفى خمسه من جعله الله له - انتهى.
ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في
(19/432)

الجاهلية من اختصاص الأغنياء به، بين علته المظهرة لعظمته سبحانه وحسن تدبيره ورحمته فقال معلقاً بما علق به الجار: {كي لا يكون} أي الفيء الذي سيره الله سبحانه بقوته وما خص به نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قذف الرعب في قلوب أعدائه ومن حقه أن يعطاه الفقراء {دولة} أي شيئاً يتناوله أهل الغنى والشرف على وجه القهر والغلبة إثرة جاهلية - هذا على قراءة الجماعة، وقرأ أبو جعفر وهشام عن ابن عامر بالتأنيث من {كان} التامة و {دولة} بالرفع على أنها فاعل {بين الأغنياء منكم} يتداولونه بينهم فإنهم كانوا يقولون: من عزيز، ومنه قال الحسن: اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً - يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به، وقيل: الضم اسم للمتداول كالغرفة اسم لما يغترف، والفتح التداول.
ولما كان التقدير: فافعلوا ما أمرتكم من قسمته لمن أمرت به، عطف عليه قوله: {وما} أي وكل شيء {آتاكم} أي أحضر إليكم وأمكنكم منه {الرسول} أي الكامل في الرسلية من هذا وغيره {فخذوه} أي فتقبلوه تقبل من حازه {وما نهاكم عنه} من جميع الأشياء {فانتهوا} لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يقول ولا يفعل إلا ما أمره به الله ربه، فمن قبل ذلك هانت عليه الأمور كما ورد (القرآن صعب مستصعب على من تركه ميسر على من طلبه وتبعه) روي أن الآية
(19/433)

نزلت في ناس من الأنصار قالوا: لنا من هذه القرى سهمنا.
ولما كان الكف عما ألفته النفوس صعباً، ولا سيما ما كان مع كونه تمتعاً بمال على وجه الرئاسة، رهب من المخالفة فيه بقوله: {واتقوا الله} أي اجعلوا لكم بطاعة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقاية من عذاب الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة، وعلل ذلك بقوله، معظماً له بإعادة الجلالة مؤكداً لأن فعل المخالف فعل المنكر: {إن الله} أي الذي له وحده الجلال والإكرام على الإطلاق {شديد العقاب *} أي العذاب الواقع بعد الذنب، ومن زعم أن شيئاً مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأن الأنفال نزلت في بدر وهي قبل هذه بمدة.
(19/434)

لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)
ولما نزع سبحانه أموال الفيء وما كانت عليه في الجاهلية، وبين مصرف الفيء من القرى، وتهدد في المخالفة في ذلك لصعوبته على النفوس، فكان ذلك جديراً بالتقبل بعد أن أفهم أن أموال بني النضير لمن سلطه عليهم وهو رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان من المعلوم من حاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإيثار على نفسه والقناعة بما دون الكفاف، بين المصرف فيها بعد كفايته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن بيان ذلك هو المقصود الأعظم لكونه حاصلاً حاضراً، الموطأ له بأموال أهل القرى، فقال مبدلاً من {لله
(19/434)

وللرسول} وما عطف عليهما لأن من أعطى المهاجرين لهجرتهم وتجردهم من أموالهم وديارهم فإنما أعطاهم لوجه الله ووجه رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يكون بدلاً من {ذي القربى} لئلا يختص بفقيرهم، أو يكون جواباً لمن كأنه قال: قد سمعنا وأطعنا فلمن يكون ما سلط الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أموالهم؟ فقيل له: {للفقراء} أي الذي كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد، ما له دثار غيرها بعد أن كان له من الأموال ما يسعه ويفضل منه ما يصل به غيره، وإنما وصفهم بالفقر لأنهم كانوا عند نزولها كذلك، ثم خصص بالوصف فقال: {المهاجرين} ولما كانت الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غير مفارقة الوطن فقال: {الذين أخرجوا} وبناه للمفعول لأن المنكئ الإخراج، لا كونه من مخرج معين {من ديارهم} ولما كان الإخراج هنا مضمناً معنى المنع، واختبر التعبير به إشارة إلى أن المال السترة للإنسان لأنه ظرف له، قال: {وأموالهم} .
(19/435)

ولما كان غلب الدنيا من النقائص، بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، وأنه لا يكون قادحاً في الإخلاص، وأن أمر بني النضير إنما يسر تحقيقاً لرجائهم فقال: {يبتغون} أي أخرجوا حال كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد. وبين أنه لا يجب عليه شيء لأحد بقوله تعالى: {فضلاً من الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له لأنه المختص بجميع صفات الكمال من الدنيا والدين والآخرة فيغنيهم بفضله عمن سواه {ورضواناً} يوفقهم لما يرضيه عنهم ولا يجعل رغبتهم في العوض منه قادحاً في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته.
ولما وصفهم بتعليق بواطنهم به سبحانه وقطعها بالرضا بالإخراج عمن أو عما سواه، وصفهم ببذل ظواهرهم له فقال: {وينصرون} أي على سبيل التجديد في كل وقت والاستمرار {الله} أي الملك الأعظم المجيد {ورسوله} الذي عظمته من عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان. ولما بان ما له بهم سبحانه من العناية ترقب السامع من مدحهم ما يليق بهذا الإحبار.
فقال مستأنفاً ما هو كالعلة لتخصيصهم: {أولئك} أي العالو الرتبة في الأخلاق الفاضلة {هم}
(19/436)

أي خاصة لا غيرهم {الصادقون} العريقون في هذا الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث نابذوا من عاداهما وهو القريب الصافي نسباً وداراً وأولوا أولياءهما من كانوا وإن بعدت دارهم وشط مزارهم، وهذا يدل على أن مبنى الدين على إقامة البينات بالثبات عن الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر البلاء لأن الله تعالى قد خص المهاجرين مما أذن فيه من أموال بني النضير.
ولما مدح المهاجرين وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال معه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كالميت بين يدي الغاسل، مهما شاء فعل، ومهما أراد منهم صار إليه ووصل، أتبعه مدحهم جبراً لهم وشكراً لصنيعهم فقال عاطفاً على مجموع القصة: {والذين تبوؤ} أي جعلوا بغاية جهدهم {الدار} الكاملة في الدور وهي التي أعدها الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة وجعلها دائرة على جميع البلدان محيطة بها غالبة عليها محل إقامتهم وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم لكونها أهلاً لأن يعود إليها من خرج منها فلا يهجرها أصلاً، فهي محل مناه وليست
(19/437)

موضعاً يهاجر منه لبركتها أو خيرها.
ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم، قال مضمناً «تبوؤا» معنى لازم: {والإيمان} أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه لزوماً هو كلزوم المنزل الذي لا غنى لنازله عنه، ويجوز أن يكون الإيمان وصفاً للدار بإعادة العاطف للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه قيل: تبوؤا المدينة التي هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان وانتشاره وظهوره في سائر البلدان فلشدة ملابستها له سميت به، ويجوز أن يكون المعنى: ومحل الإيمان إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم بها بل محبة في الإيمان علماً منهم بأنه لا يتم بدره، ويكمل شرفه وقدره، وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا بها، ولولا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أي مكان حله، فهو مدح لهم بأنه متصفون بالهجرة بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل.
ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين عليهم مدحاً تاماً، قال مادحاً لهم بذلك دالاً بإثبات الجارّ على أنهم لم يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(19/438)

بالأمرين: {من قبلهم} أي قبل هجرة المهاجرين لأن وصفهم بالهجرة لم يكن إلا بعد إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان إلى التمكن في الدار من قبل أن يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة.
ولما ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل، أخبر عنهم بقوله: {يحبون} أي على سبيل التجديد والاستمرار، وقيل العطف على المهاجرين، وهذه حال فيكون هذا حكماً بالمشاركة {من هاجر} وزادهم محبة فيهم وعطفاً عليهم بقوله: {إليهم} لأن القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه، والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنهم به من المحبة أنهم شاطروا المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم على شدة غيرتهم، فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال.
ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها، عطف على هذا الخبر ما هو من ثمراته فقال: {ولا يجدون} أي أصلاً {في صدورهم} التي هي مساكن قلوبهم فتصدر منها أوامر القلوب فضلاً عن أن تنطق ألسنتهم. ولما كان المراد نفي الطلب منهم لما خص به المهاجري، وكان الحامل على طلب ذلك الحاجة، وكان كل أحد يكره أن ينسب
(19/439)

إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال: {حاجة} موقعاً اسم السبب على المسبب {مما أوتوا} أي المهاجرون من الفيء وغيره من أموال بني النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب فلأن لا يجدوا حسداً ولا غيظاً من باب الأولى، فهذه الآية من أعظم حاث على حسن الإخاء محذر من الحسد والاستياء. ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل فقال: {ويؤثرون} عظم ذلك بقصر الفعل فصار المعنى: يوقعون الأثرة وهي اختيار الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصاً لهم بها لا على أحبائهم مثلاً بل {على أنفسهم} فيبذلون لغيرهم {كائناً} من كان ما في أيديهم، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة من الرذائل لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر، وأكد ذلك بقوله: {ولو كان} أي كوناً هو في غاية المكنة {بهم} أي خاصة لا بالمؤثر {خصاصة} أي فقر وخلل في الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب، من خصائص البناء وهي فرجه.
ولما كان التقدير: فمن كان كذلك فهو من الصادقين: عطف عليه قوله: {ومن} ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت، وكان علاج الرذائل صعباً جداً، لا يطيقه الإنسان
(19/440)

إلا بمعونة من الله شديدة، بنى للمفعول قوله: {يوق شح نفسه} أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس، وقاية تحول بينه وبينها، فلا يكون مانعاً لما عنده، حريصاً على ما عند غيره حسداً، قال ابن عمر رضي الله عنه: الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .
ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيماً، سبب عنه إفهاماً لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله {فأولئك} : أي العالو المنزلة {هم} أي خاصة لا غيرهم {المفلحون *} أي الكاملون في الفوز بكل مراد، قال القشيري: وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر، ومن أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في استيفاء حظه، فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء.
وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم وأموالهم بينهم وبينهم، فلما أفاء الله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أموال بني النضير خطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم إياهم
(19/441)

وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليّ من بني النضير» ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطتيهم وخرجوا من دياركم، فقال السعدان رضي الله عنهما: بل يقسم بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلمنا، وفي رواية أنهم قالوا: اقسم فيها هذه خاصة واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت {ويؤثرون على أنفسهم} - الآية، وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصار» ، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أنا أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت
فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء، وخلان المروءة والوفاء، والكرامة والاصطفاء، ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة والحنفاء.
(19/442)

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)
ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم بما هم أهله، التابعين لهم بإحسان ما يوجب لهم الثناء فقال عاطفاً على المهاجرين فيقتضي التشريك معهم، أو على أصل القصة من عطف الجمل: {والذين جاؤوا} أي من أي طائفة كانوا، ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير، أثبت الجار فقال: {من بعدهم} أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد انقطاع الهجرة بالفتح وبعد إيمان الأنصار الذين أسلموا بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى يوم القيامة، ثم ذكر الخبر أو الحال على نحو ما مضى في الذي قبله فقال تعالى: {يقولون} أي على سبيل التجديد والاستمرار تصديقاً لإيمانهم بدعائهم لمن سنه لهم: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا. ولما كان الإنسان وإن اجتهد موضعاً للنقصان قال ملقناً لنا: {اغفر} أي أوقع الستر على النقائص أعيانها وآثارها {لنا} ولما بدؤوا بأنفسهم، ثنوا بمن كان السبب في إيمانهم فقالوا: {ولإخواننا} أي في الدين فإنه أعظم أخوة، وبينوا العلة بقولهم: {الذين سبقونا بالإيمان} ولما لقنهم سبحانه حسن الخلافة لمن مهد لهم ما هم فيه، أتبعه تلقين ما يعاشرون به أعضادهم الذين هم
(19/443)

معهم على وجه يعم من قبلهم، فقال معلماً بأن الأمر كله بيده حثاً على الالتجاء إليه من أخطار النفس التي هي أعدى الأعداء: {ولا تجعل} وأفهم قوله: {في قلوبنا} أن رذائل النفس قل أن تنفك وأنها إن كانت مع صحة القلب أوشك أن لا تؤثر {غلاًّ} أي ضغناً وحسداً وحقداً وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام {للذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته.
ولما كان هذا دعاء جامعاً للخير، لقنهم ما يجيبهم في لزومه والتخلق به مع ما فيه من التملق للإله والتعريض له بقوة الرجاء فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بتعليم ما لمن نكن نعلم، وأكدوا إعلاماً بأنهم يعتقدون ما يقولونه وإن ظهر من أفعالهم ما يقدح في اعتقادهم ولو في بعض الأوقات فقالوا: {إنك رؤوف} أي راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير {رحيم *} مكرم غاية الإكرام لمن أردته ولو لم يكن له وصلة، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن يكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة، أو لا فنكون من أهل الرحمة، فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة رضي الله عنهم
(19/444)

فليس ممن عنى الله بهذه الآية.
(19/445)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)
ولما دل على أن هذا الثناء للصادقين في الإيمان بإقامة السنة بالهجرة والإيثار والاجتهاد في الدعاء لمن تبين الإيمان فسهل به طريق الأمان، فأخرج ذلك المنافقين وأفهم أنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا رسوخ لهم في الإيمان الحامل على ذلك، دل على نفاقهم الموجب لكذبهم بقوله متمماً للقصة مخاطباً لأعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يطلع على نفاقهم لما لهم فيه من دقة المكر حق الاطلاع غيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معجباً من حالهم في عدم رسوخهم مع ما يرون من المعجزات والآيات البينات ويرون من حال المؤمنين من إسباغ الرحمة عليهم بتسهيل الأمور والنصرة على الجبابرة والإعراض عن الدنيا مع الإقبال على الآخرة والاجتهاد في الدين الذي هو وحده داع إلى الإيمان ومرقق للقلوب ومبين للحقائق غاية البيان: {ألم تر} أي تعلم علماً هو في قوة الجزم به كالمشاهد يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف الغالي بأداة الانتهاء فقال تعالى:
(19/445)

{إلى الذين نافقوا} أي أظهروا غير ما أضمروا، أظهروا الخير وبالغوا في إخفاء عقائدهم بالشر مبالغة من ساجل غيره، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا: والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من فعل الضب في نافقائه وقاصعائه، وصور حالهم بقوله: {يقولون لإخوانهم} أي من الموالاة بالضلالة.
ولما جمعهم في الكفر وإن افترقوا في المساترة والمجاهرة، وصف المجاهرين بنوع مساترة توجب النفرة منهم وتقضي بهلاك من صادقهم فقال: {الذي كفروا} أي غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق، وعينهم بما أبلغ في ذمهم من حيث إنهم ضلوا على علم فقال: {من أهل الكتاب} وهم بنو النضير هؤلاء، وبكتهم بكذبهم فيما أكدوا الموعد به لأنه في حيز ما ينكر من جهة أنهم لا يقدرون على المجاهرة بكفرهم فكيف بالمبارزة بالخلاف لقومهم الأنصار والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم في قولهم: {لئن أخرجتم} أي من مخرج ما من بلدهم الذي في المدينة الشريفة فخرجتم من غير أن تقاتلوا {لنخرجن معكم} فكان ما قضي به على إخوانهم من الإخراج فألاً وكل بمنطقهم.
(19/446)

ولما كان من المعلوم أن للمنافقين أقارب من أكابر المؤمنين، وكان من المعلوم - أنهم يقومون عليهم في منعهم من القيام معهم نصيحة لهم وإحساناً إليهم، وكان تجويز بني النضير موهناً لذلك، قالوا مؤكدين للكون معهم: {ولا نطيع فيكم} أي في خذلانكم، والمعنى أنه لو فرض أنه صار أحد في القرب منكم مثل قرب المظروف من الظرف ما أطعناه في التقصير فيما يسركم {أحداً} أي يسألنا خذلانكم من الرسول والمؤمنين، وأكدوا بقولهم: {أبداً} أي ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم استحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب.
ولما قدموا في معونتهم ما كان فألاً قاضياً عليهم، أتبعوه قولهم: {وإن قوتلتم} أي من أي مقاتل كان فقاتلتم ولم تخرجوا {لننصرنكم} فالآية من الاحتباك: ذكر الإخراج أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والقتال ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، ومعنى الآية أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بني النضير: «اخرجوا من بلدي ولا تساكنوني، قد هممتم بالغدر بن وقد أجلتكم عشراً، فمن رئي بعد لك منكم ضربت عنقه» فأرسل إليهم ابن أبي بما تقدم.
ولما كان قولهم هذا كلاماً يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث
(19/447)

كونه مؤكداً مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه، بين حاله سبحانه بقوله: {والله} أي يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يشهد} بما يعلم من بواطنهم في عالم الغيب. ولما كان بعض من يسمع قولهم هذا ينكر أن لا يطابقه الواقع، وكان إخلافهم فيه متحققاً في علم الله، أطلق عليه ما لا يطلق إلا على ما كشف الواقع عن أنه غير مطابق، فقال تشجيعاً للمؤمنين على قتالهم مؤكداً {إنهم} أي المنافقون {لكاذبون *} وهذا من أعظم دلائل النبوة لأنه إخبار بمغيب بعيدة عن العادة بشهادة ما ظننتم أن يخرجوا فحققه الله عن قريب.
ولما كان الكذب في قولهم هذا كونه إخباراً بما لا يكون، شرحه بقوله مؤكداً بأعظم من تأكيدهم: {لئن أخرجوا} أي بنو النضير من أي مخرج كان {لا يخرجون} أي المنافقون {معهم} أي حمية لهم لأسباب يعلمها الله {ولئن قوتلوا} أي اليهود من أي مقاتل كان فكيف بأشجع الخلق وأعلمهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لا ينصرونهم} أي المنافقون ولقد صدق الله وكذبوا في الأمرين معاً: القتال والإخراج، لا نصروهم ولا خرجوا معهم، فكان ذلك من أعلام النبوة، وعلم به من كان شاكاً فضلاً عن الموقنين، صدق
(19/448)

الكلام على ما لم يكن ولا ليكون لو كان كيف كان يكون بصدق الكلام على ما لم يكن ويكون كيف يكون إذا كان في قوله تعالى: {ولئن نصروهم} أي المنافقون في وقت من الأوقات {ليولن} أي المنافقون ومن ينصرونه، وحقرهم بقوله: {الأدبار} ولما كان من عادة العرب الكر بعد الفر، بين أنهم لا كرة لهم بعد هذه الفرة وإن طال المدى فقال: {ثم لا ينصرون *} أي لا يتجدد لفريقيهم ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات، وقد صدق سبحانه لم يزل المنافقون واليهود في الذل ولا يزالون.
ولما كان ربما قيل: إن تركهم لنصرهم إنما هو لخوف الله أو غير ذلك مما يحسن وقعه، علل بما ينفي ذلك ويظهر أن محط نظرهم المحسوسات كالبهائم فقال مؤكداً له لأجل أن أهل النفاق ينكرون ذلك وكذا من قرب حاله منهم: {لا أنتم} أيها المؤمنون {أشد رهبة} أي من جهة الرهبة وهو تمييز محول عن المبتدأ أي لرهبتكم الكائنة فيهم أشد وأعظم {في صدورهم} أي اليهود ومن ينصرهم مما أفاض إليها من قلوبهم
(19/449)

{من الله} أي من رهبتهم التي يظهرونها لكم منه وإن ذكروه بكل صفة من صفاته فرهبتهم منكم بسبب لإظهارهم أنه يرهبون الله رياء لكم.
ولما كان هذا مما يتعجب منه المؤمن علله بقوله: {ذلك} أي الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف يزينهم له وعدم خوفهم من الخالق على ما له من العظمة وذاته ولكونه غنياً عنهم {بأنهم قوم} أي على ما لهم من القوة {لا يفقهون *} أي لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله هو الذي ينبغي إن يخشى لا غيره، بل هم كالحيوانات لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات، والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة.
ولما أخبر برهبتهم دل عليها بقوله: {لا يقاتلونكم} أي كل من الفريقين اليهود والمنافقين أو أحدهما. ولما كان الشيء قد يطلق ويراد بعضه، حقق الأمر بقوله: {جميعاً} أي قتالاً يقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن {إلا في قرى محصنة} أي ممنعة بحفظ الدروب وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها {أو من وراء جدر} أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم، وقد أخرج بهذا ما حصل من بعضهم
(19/450)

عن ضرورة كاليسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ونحو ذلك، فإنه لم يكن عن اجتماع، أو يكون هذا خاصاً ببني النضير في هذه الكرة.
ولما كان ربما ظن أن هذا عن عجز منهم لازم لهم دفعه بقوه إعلاماً بأنه إنما هو من معجزات هذا الدين: {بأسهم} أي قوتهم ما فيهم من الصفات التي يتأثر عنها العذاب {بينهم شديد} أي إذا أداروا رأياً أو حارب بعضهم بعضاً فجرأ المؤمنين عليهم بأن ما ينظرونه من شدتهم وشجاعتهم إذا حاربوا المشركين لا ينكر عند محاربة المؤمنين كرامة أكرم الله بها المؤمنين تتضمن علماً من أعلام النبوة تقوية لإيمانهم وإعلاء لشأنهم.
ولما كانت علة الشدة الاجتماع، شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله مخاطباً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف
(19/451)